صفحة 1
الكتاب: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع؛ ولكن الأرقام الصحيحة وضعت بيْن <>] شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي ج1
شرح (1) الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي،
- الجزء الأَوَّل والثاني: الطبعة الأولى، نشر: السلطان فيصل بن تركي، مطبعة الأزهار البارونية، [مصر]، 1326هـ.
- الجزء الثالث: تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، نشر: سليمان وأحمد ابني محَمَّد السالمي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383هـ/1963م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
[ملاحظة: الصفحات الأولى غير مرقونة]
<1/9> وأمّا عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، يكنّى أبا العبّاس، وهو ابن عمّ النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، وأمّه لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزم الهلاليّة، وهو ابن خالة خالد بن الوليد، وكان يسمّى البحر لسعة علمه، ويسمّى حبر الأمّة، ولد والنّبيء صلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته بالشِّعب من مكّة، فأُتي به النّبيء صلّى الله عليه وسلّم فحنّكه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل غير ذلك، ورأى جبريل عند النّبيء صلّى الله عليه وسلّم مرّتين ودعا له النّبيء صلّى الله عليه وسلّم مرّتين، وكان له لمّا توفّي النّبيء صلّى الله عليه وسلّم ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة. وتوفّي سنة ثمانٍ وستّين بالطّائف وهو ابن سبعين سنةً، وقيل: إحدى وسبعين سنة، وقيل: مات سنة سبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين، قال ابن الأثير: وهذا القول غريب.
الباب الأوّل: في النّية
__________
(1) ... الجزء الأَوَّل والثاني طُبعا بمطبعة الأزهار البارونية، بعنوان: حاشية الجامع الصحيح، والجزء الثالث طُبع بعد ذَلِكَ بدمشق بعنوان: شرح الجامع الصحيح، والاسم الذي أثبتناه هو ما اشتهر به. (1/1)
صفحة 2
قوله: «النّية»: وهي القصد، بدأ بها تنبيها للطّالب على مزيد الاهتمام في تحسين القصد، فإنّ الأعمال <01/10> دونه هباء. وذكر في الباب حديثين كلاهما من طريق واحد، وكان المناسب أن يقدّم الحديث الثّاني على الأوّل؛ لأنّه أوفق بالغرض، وأشهر في الصّحة.
قوله: «البصري»: نسبة إلى البصرة، قرية عظيمة بعراق العرب، كان فيها علماء المسلمين مصَّرها أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وهي مثلّثة الباء، إلاّ في النّسبة فيمتنع الضّمّ.
قوله: «حدّثني»: هو أخصّ من قولهم: «حدّثنا»؛ لأنّ فيه إشعارا بأن الشّيخ قصده بالتّحديث، وذلك يدلّ على شدّة الاعتناء به والاهتمام بشأنه.
قوله: «نية المؤمن خير من عمله»: يعني أنّ قصده خير من فعله، وذلك أنّه يعمل الصّالحات والذي يقصده من عمل الخير والنّصح للإسلام وأهله أكثر من فعله الظّاهر، فهو إخبار عن حال المؤمن بأنّه طيّب باطنا وظاهرا، وأن سريرته خير من علانيّته عكس المنافق، هذا هو معنى الحديث في ما يظهر لي ولا حاجة إلى الاحتمالات التي ذكرها المحشّي رحمة الله عليه، إذ ليس الغرض بيان التّفاضل بين النّية والعمل حتّى نبحث عن وجه الأفضلية، ويؤيّد ما ذكرته حديث سهل بن سعد السّاعدي مرفوعا "نيّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيّته، وكلّ يعمل على نيّته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور"، قال السّخاوي: أخرجه الطّبراني، قال: وكذلك هو عنده وعند العسكري من حديث النّواس بن سمعان، قال: وأخرجه الدّيلمي من حديث أبي موسى الأشعريّ.
قوله: «وبهذا السّند»: وهو قوله: «قال: الرّبيع حدّثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس.
وقوله: «في رواية أخرى»: يعني في باب النّية. (1/2)
صفحة 3
وقوله: «عنه عليه السّلام»: يعني النّبيء صلّى الله عليه وسلّم اكتفى بذكر السّلام عن الصّلاة تمسّكا بقوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ}[يس:181]، وهذا شأنه في كثير من المواضع، وحديث الأعمال بالنّيات لم يثبت عن ابن عبّاس إلاّ عند الرّبيع في هذا الطّريق <01/11> وكفى به حجّة، وقد رواه أئمة الحديث من قومنا من طريق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقط، حتّى قال أبو بكر البزّار: لا نعلم روي هذا الكلام إلاّ عن عمر بن الخطّاب عن النّبيء صلّى الله عليه وسلّم بهذا الإسناد، وقال الخطّابي: لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في أنّه لم يصحّ مسندا عن النّبيء صلّى الله عليه وسلّم إلاّ من رواية عمر، لكن قال الحسيني: وقد روي هذا الحديث أيضا من غير طريق عمر بن الخطّاب، فرواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب، ثمّ ذكر من خرّجه ومن رواه عنهم، وأشار إلى بعضهم بالوهم وبعضهم بالغرابة وبعضهم بالتّضعيف، وعلى كلّ حال فالحديث مجمع على صحّته، مستفيض بين الأمّة.
قوله: «الأعمال بالنّيات»: في كثير من روايات قومنا زيادة: «إنّما» وهي أداة حصر ولا بدّ في الحديث من حذف مضاف، واختلف الفقهاء في تقديره، فالذين اشترطوا النّية قدّروه: صحّة الأعمال بالنّيات، أو نحو ذلك، والذين لم يشترطوها قدّروه: كمال الأعمال بالنّيات، أو نحو ذلك، ورجّح الأوّل بأنّ الصّحّة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى ونظير ذلك قولهم: «إنّما الملك بالرّجال»، أي: قوامه ووجوده، «إنّما الرّجال بالمال»، «وإنّما المال بالرّعية»، «وإنّما الرّعية بالعدل»، كلّ ذلك يراد به أنّ قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. (1/3)
صفحة 4
قوله: «ولكلّ امرئ ما نوى»: يقتضي أنّ من نوى شيئا يحصل له، وكلّ ما لم ينوه لم يحصل له، فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل. ومن هنا عظّموا هذا الحديث، فقالوا: إنّه قاعدة من قواعد الإسلام، حتّى قيل فيه: إنّه ثلث العلم، وقيل: ربعه، وقيل: خمسه والله أعلم.
الباب الثاني: في ابتداء الوحي (1/4)
صفحة 5
قوله: «في ابتداء الوحي»: ابتداء كلّ شيء أوّله، ولم يذكر في الباب إلاّ كيفيّة إتيان الوحي لا صفة ابتدائه، وكأنّه رحمه الله تعالى أشار إلى أنّ ابتداء الوحي كان على هذه الكيفيّة المذكورة في الحديث، <01/12> وإنّما قدم هذا الباب لأنّ أوّل الإيحاء هو أوّل الإطّلاع على العلوم الشّرعيّة فلا سبيل إلى معرفتها إلاّ بالوحي، وللوحي في اللّغة ثمانية أوجه، منها: الإرسال كقوله تعالى: {اِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىا نُوحٍ}[النّساء: 163]، والمراد إرسال جبريل إليه، ومنها الإلهام، كقوله تعالى: { وَأَوْحَىا رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}[النحل: 68]، {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىآ أُمِّ مُوسَىآ}[القصص: 07]، والمعنى: ألهمها ذلك: ومنها الأمر، كقوله تعالى: {وَإِذَ اَوْحَيْتُ إِلىَ الْحَوَارِيِّينَ}[المائدة: 111]، أي: أمرتهم، وهو في الحقيقة وحي بواسطة نبيئهم، ومنها البيان، كقوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَىآ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}[طه: 114]، أي: بيانه، ومنها الوسوسة، كقوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمُ, إِلَىا بَعْضٍ}[المائدة: 112]، أي: يوسوس، ومنها الإيماء والإشارة، كقوله تعالى: { فَأَوْحَىآ إِلَيْهِمُ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}[مريم: 11]، أي: أوحى وأشار، ومنها الإقرار، كقوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىا لَهَا}[الزلزلة: 05]، أي: أقرّها بعد زلزالها، وقيل: أوحى إليها أن تقرّ، وقيل: أوحى لها أن تحدّث أخبارها، أي: أمرها بذلك، وفي الحديث تشهد على كلّ عبد أو أمة بكلّ ما عمل على ظهرها وهذا هو الظّاهر، ومنها أن يطلق على القرآن، كقوله تعالى: {قُلِ اِنَّمَآ أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ }[الأنبياء: 45]، والمراد القرآن لأنّه موحى، فهذه ثمانية أوجه وأصل الوحي بمعنى الإلقاء إلى الغير خيراً كان أو شراًّ، وقيل: أصله الكلام الخفي، ثم صار في العرف العام مختصًّا بالحال الذي يلقى إلى الأنبياء من جهة الرّبّ (1/5)
صفحة 6
عزّ وجلّ.
قوله: «عن عائشة أمّ المؤمنين»: زوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وأمّها أمّ رومان رضي الله عنها، تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي بكر وعمرها يومئذ ستّ سنين وقيل: سبع سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين بالمدينة وكنّاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزّبير، وإنّما سمّيت أزواج النّبيء صلّى الله عليه وسلّم أمّهات المؤمنين لقوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ, أُمَّهَاتُهُمْ}[الأحزاب: 06]، أي: في الاحترام وتحريم نكاحهن لا غير ذلك، وإنّما قيل للواحدة منهنّ أمّ المؤمنين للتّغليب، وإلاّ فلا مانع من أن يقال لها أمّ المؤمنات على الرّاجح، وتوفّي عنها رسول صلّى الله عليه <01/13> وسلّم وهي بنت ثماني عشرة سنة، وتوفّيت عائشة رضي الله عنها سنة سبع وخمسين وقيل: سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا، فدفنت وصلّى عليها أبو هريرة ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا لزبير، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وعبد الله بن محمّد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر، فالأوّلان ابنا أختها أسماء، والباقون أبناء أخويها محمّد وعبد الرّحمن، قال أبو سفيان محبوب بن الرّحيل: دخل جابر وأبو بلال على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل فاستغفرت وتابت، قال: ودخل جابر عليها فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحد عنها حتّى سألها عن جماع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كيف كان يفعل وأنّ جبينها ليتصبّب عرقا، وهي تقول سل يا بنيّ ثمّ قالت: له ممّن أنت، قال: من أهل المشرق من عمان، فذكرت له شيئا لم أحفظه، إلاّ أنّي أظنّها قالت: أنّ النّبيء صلّى الله عليه وسلّم ذكره أو نحو هذا. (1/6)
صفحة 7
قوله: «سأل الحارث»: الظّاهر أنّ عائشة رضي الله عنها سمعت هذا السّؤال، وجوّز بعضهم أن يكون الحارث أخبر عائشة بذلك والحارث بن هشام هو المخزوميّ أخو أبي جهل شقيقه أسلم يوم الفتح وكان من فضلاء الصّحابة واستشهد في فتوح الشّام رضي الله عنه.
قوله: «كيف يأتيك الوحي»: سؤال عن الحالة التي يراها رسول صلّى الله عليه وسلّم عند الإيحاء، ولهذا أجاب بصفة ذلك الحال.
قوله: «أحيانا»: جمعٌ حين يطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرّد الوقت.
قوله: «مثل صلصلة الجرس»: الصّلصلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لامٌ ساكنة، في الأصل صوت وقع الحديد بعضه على بعض، ثمّ أطلق على كلّ صوت له طنين، والجرس بفتحتين الجلجل الذي يعلّق في رأس الدّواب وله صوت قويّ متدارك، فلذا كان أشدّ على النّبيء صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «وهو أشدّ عليّ»: يفهم منه أنّ الوحي كلّه شديد، ولكنّ هذه الصّفة أشدّها، وذلك أنّ الفهم من كلام <01/14> مثل الصّلصلة أصعب من الفهم من كلام الرّجل بالتّخاطب المعهود.
قوله: «فيفصم عنّي»: وفي نسخة: «ويفصم» بالواو وهو بفتح أوّله وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يقلع ويتجلّى ما يغشاني، ويروى بضمّ أوّله من الرّباعي، وفي رواية بضمّ أوّله وفتح الصّاد على البناء للمجهول.
قوله: «وقد وعيت ما قال»: وعند البخاري: «وقد وعيت عنه ما قال»، والمراد أنّه فهم القول الذي جاء به الملك، فهو على حدّ قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}[الحاقة: 40].
قوله: «يتمثّل لي الملك»: أي يتصوّر، والملك جبريل، قال المتكلّمون: الملائكة أجسام علويّة لطيفة تتشكّل أيّ شكل أرادوا.
قوله: «رجلا»: منصوب بالمصدريّة، أي: مثل رجل، أو بالتّمييز أو بالحال والتّقدير هيئة رجل وهذا أظهر. (1/7)
صفحة 8
قوله: «فأعي ما يقول»: وقع التّغاير في العبارة عن الحالتين فعبّر عن الحالة الأولى بقوله: «وقد وعيت» بصيغة الماضي وعن الثّانية بصيغة المضارع إشارة إلى أن فهم القول وحفظه في الحالة الأولى أسرع، لكونها على خلاف المعتاد من أحوال الخطاب، فالالتفات إليها أشدّ والاعتناء به أهمّ فيحصل الفهم والحفظ في أسرع حال.
قوله: «قالت عائشة»: هو بالإسناد الذي قبله وإن كان بغير العاطف كما يستعمله المحدّثون.
قوله: «ليتفصّد»: بالفاء وتشديد المهلة، أي: يسيل عرقا، مأخوذ من الفصد، وهو قطع العرق لإسالة الدّم.
وفي قولها: «في اليوم الشّديد البرد»: دلالة على كثرة معانات التّعب والكرب عند نزول الوحي، لما فيه من مخالفة العادة.
قوله: «أي: فينجلي»: بمعنى ينكشف ويذهب عنه، وأصل الفصم؛ القطع ومنه قوله تعالى: { لاَ اَنفِصَامَ لَهَا}[البقرة: 256]، وقيل: الفصم بالفاء القطع بلا إبانة، وبالقاف القطع بإبانة، وعبّر في الحديث بالفصم إشارة إلى أنّ الملَك فارقه ليعود إليه.
<01/15> الباب الثالث في ذكر القرآن
قوله: «القرآن»: وهو الكلام الإلهي المنزّل على سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم المتحدّي بأقصر سورة منه قال تعالى: {فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]، وإنّما ذكر هذا الباب بعد باب الوحي لأنّه كالجزء منه، وذلك أنّ الموحى شيئان: متلوّ وغير متلوّ، والأوّل هو القرآن وهو الرّكن الأعظم من ركني الوحي، وهو المعجزة الباقية على مرّ الأيام واللّيالي ما طمع في معارضته أحد إلاّ افتضح.
ما جاء في تعليم الأولاد القرآن (1/8)
صفحة 9
قوله: «بلغني»: في هذه العبارة إشارة إلى أنّ هذا الخبر انتهى إليه رضي الله عنه من طريق أو طرق يثق بها ويعوّل عليها، لكنّه نسي من أخبره بذلك لكثرتهم أو لكثرة من لقي من الصّحابة فلم يمكنه التّعيين وبلاغه رضي الله عنه في حكم الاتصال وكذا مَراسليه المذكورة آخر الكتاب.
قوله: «علّموا أولادكم القرآن»: أي علّموهم تلاوته ومعانيه وأحكامه وأوامره ومناهيه فإنّا قد تعبّدنا بتلاوته وأحكامه، وفيه الحثّ على تعليم الصّغار، وقد جاء: "العلم في الصّغر كالنّقش في الحجر"، وجاء أيضا: "طلب الحديث في الصّغر كالنّقش في الحجر"، وجاء: "مثل الذي يتعلّم في صغره كالنّقش في الحجر ومثل الذي يتعلّم في كبره كالذي يكتب على الماء"، وجاء: "من تعلّم القرآن في شبيبته اختلط القرآن بلحمه ودمه، ومن تعلّمه في كبره فهو ينسلت منه ولا يتركه فله أجره مرّتين"، وعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: "من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممّن أوتي الحكم صبياًّ موقوف، وبعض رفعه وانشد بعضهم في المعنى:
أراني أنسى ما تعلّمت في الكبر ****ولست بناس ما تعلّمت في الصّغر
وما العلم إلاّ بالتعّلم في الصّبا **** وما الحلم إلا بالتّحلّم في الكبر
<01/16>ولو فلق قلب المعلم في الصّبا ** لألفي فيه العلم كالنّقش في الحجر.
وما العلم بعد الشّيب ألا تعسف****إذا كلّ قلب المرء والسّمع والبصر
وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق **** فمن فاته هذا وهذا فقد دمر
وقال غيره:
إنّ الحداثة لا تقصر بالفتى المرزوق ذهنا * لكن تذكي عقله فيفوق أكبر منه سنا وهذا محمول على الغالب.
قوله: «فإنّه أوّل»: تعليل للأمر بتعليمه.
وقوله: «ينبغي»: أي يستحبّ أو يلزم. (1/9)
صفحة 10
قوله: «من علم الله»: يعني العلم المضاف إلى الله تشريفاً، والمراد أنّ القرآن أحقّ بالتّقديم في التّعليم من سائر العلوم الإلهيّة، وهي العلوم التي جاءت بها الأنبياء فأمّا غيرها فلا يضاف إلى الله تعالى، وإن كان قد أحاط بكلّ شيء علماً كما لا تضاف إليه سائر البيوت فلا يقال لغير المسجد: هذا بيت الله، وكذلك لا يقال: ناقة الله لغير ناقة صالح، وإن كان الجميع ملكه.
قوله: «هو»: عائد إلى القرآن، وهو نائب الفاعل لقوله يتعلّم.
ما جاء في المحافظة على القرآن
قوله: «أبو عبيدة»: معطوف على فاعل حدّثني في الحديث الذي قبله، حذف الفعل العاطف للاستغناء عنهما والتّقدير، وحدّثني أبو عبيدة وكذا القول في نظائرها في جميع الكتاب.
وقوله: «عن أبي سعيد الخدري»: بضمّ المعجمة نسبة إلى بني خدرة، بطن من الخزرج، واسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، وهو من مشاهير الصّحابة وفضلائهم، وكان من المكثرين من الرّواية عنه، وأوّل مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اثني <01/17> عشرة غزوة، وتوفّي سنة أربع وسبعين يوم الجمعة ودفن بالبقيع، وهو ممّن له عقب.
قوله: «مثل»: بفتح الميم والثّاء المثلّثة، بمعنى صفة مأخوذ من التّمثيل وهو التّصوير لأنّ الصّورة تماثل المصوّر.
وقوله: «كمثل»: بفتحتين أيضاً، فهو نظير قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}[البقرة: 17].
وقوله: «المعقّلة»: بضمّ الميم وفتح القاف مشدّدة، مفعول من عقّله بالتّشديد، إذا ربطه بالعقال، وهو حبل يشدّ به ساق البعير إلى عضده يمنعه عن الذّهاب حيث شاء. (1/10)
صفحة 11
وقوله: «إن عاهد عليها»: كذا في ما رأيناه من النّسخ ونقل في التّاج عن اللّسان أنّ المعاهدة والاعتهاد والتّعاهد والتّعهّد واحدٌ، وهو إحداث العهد بما عهدته، قال: والتّعهّد أفصح من التّعاهد، قال: وفي التّهذيب، ولا يقال: تعاهدتّه، قال: وأجازهما الفرّاء، وفي فصيح ثعلب يقال: يتعهّد ضيعته، ولا يقال: يتعاهد، قال ابن درستويه: أي: يجدّد بها عهده ويتفقّد مصلحتها، وقال التّرمذي: هو تفعّل من العهد، أي: يكثر التّردّد عليها، وأصله من العهد، الذي هو المطر بعد المطر، انتهى المراد منه، وإنّما عدّاه في الحديث بـ "على" لتضمّنِه معنى "تردّد" والمعنى إن تردّد عليها ليتفقّد أمرها بقيت عنده، وإن أهملها ذهبت عنه؛ لأنّ العقال قد ينحلّ فتنفلت الإبل، وهذا المعنى هو وجه التّشبيه؛ لأنّ صاحب القرآن إن تعهّده بالتّلاوة والتّحفظ بقي عنده، وإلاّ انفلت عنه بالنّسيان.
قوله: «أمسكها»: أي بقيت في وثاقه وتصرّفه.
قوله: «وان أطلقها»: أي: أهملها بترك التّعهّد والتّفقّد.
ما جاء في من تعلّم القرآن ثمّ نسيه (1/11)
صفحة 12
قوله: «من تعلّم القرآن ثمّ نسيه ... الخ»: في هذا الحديث الوعيد الشّديد على نسيان القرآن بعد تعلّمه، وظاهره حجّة لقول من قال: من حفظ القرآن ونسيه فهو كافر كفر <01/18> نفاق يحشر أعمى، أخذوا ذلك من قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا}[طه: 126]، ولا حجّة لهم في الآية لأنّها خطاب للمعرضين عن ذكر الله تعالى وهم الكفّار، لقوله عزّ من قائل في أوّل الخطاب: {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}[طه: 124]، وقيل: لا يكفر مادام يفرزه من الشّعر، قال القطب: والأولى أن يقال مادام يفرزه من غيره، وقيل: لا يكفر بنسيانه بل بترك العمل به، وقيل: إذا نسيه بالمرض فليس عليه شيء، وظاهر حديث الباب إنّما يتّجه في ناسي تلاوته لذكره النّسيان بعد التّعلّم فيخرج صاحب العذر ويهلك تاركه من غير عذر حتّى نسيه، ويؤيّد حديث أبي سعيد المتقدّم في الحثّ على تعاهد القرآن.
قوله: «حشر»: بالبناء للمفعول أي أخرج من قبره إلى القيامة، وفيه إسناد الحشر إلى الواحد، كما في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَىا} [طه: 125]، فلا معنى لما قاله الرّاغب الأصفهاني في غريب القرآن: إنّه لا يقال الحشر إلاّ في الجماعة، قال الله تعالى: {وَابْعَثْ فيِ الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ}[الشّعراء: 36]، وقال تعالى: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً}[ص: 19]، ثمّ ذكر آيات فيها وصف الجماعة بالحشر وذلك كلّه لا يدلّ على الحصر، بل يوصف به الجمع والمفرد كما في الآية وحديث الباب، وفي رواية عند قومنا: «لقي الله يوم القيامة وهو أجذم». (1/12)
صفحة 13
قوله: «يوم القيامة»: وهو يوم الحساب واليوم الآخر ويوم البعث ويوم الحشر ويوم النّشور، سمّي بذلك لما فيه من الأحوال الجامعة لهذه الصّفات، وسمّي بيوم القيامة لأنّ النّاس يقومون فيه لربّ العالمين فيريهم أعمالهم، أو لأنّ النّاس يقومون فيه من مرقدهم، وسمّي الوقت يوما مع أنّه ليس باليوم المقابل لليلة لأنّ اليوم يطلق على غير ذلك، كقولهم يوم بعاث ويوم الفجّار ويوم بدر ويوم أحد ويوم الجمل ويوم صفين، لحروب مخصوصة معهودة وإنّما سمّي اليوم الآخر لتقدّم الدّنيا عليه في الوجود فالدّنيا هو اليوم الأوّل. (1/13)
صفحة 14
قوله: «الأجذم المقطوع اليد»: وفي نسخة «مقطوع اليد» مأخوذ من الجذم، وهو القطع، ومنه حديث علي: «من نكث بيعته لقي الله وهو أجذم ليست له يد»، وذلك أنّ البيعة تباشر باليد من بين الأعضاء وهو أن يجعل المبايع يده في يد الإمام عند <01/19> العقد، فناسب أن تجعل عقوبة النّكث قطعها جزاءً وِفاقا، وهذه المناسبة لم تظهر في ناسي القرآن فمن هاهنا اختلفوا في معنى حشره أجذم فقال الرّبيع: مقطوع اليد، وقال القتيبي: الأجذم هاهنا الذي ذهبت أعضاؤه كلّها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء، يقال رجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام، وهو الدّاء المعروف، قال الجوهريّ: لا يقال للمجذوم أجذم، وقال ابن الأنباريّ رداًّ على ابن قتيبة: لو كان العقاب لا يقع إلاّ بالجارحة التي باشرت المعصية لما عوقب الزّاني بالجلد والرّجم في الدّنيا وبالنّار في الآخرة، وقال ابن الأنباريّ: معنى الحديث أنّه لقي الله وهو أجذم الحجّة لا لسان له يتكلّم ولا حجّة في يده، وقول علي: «ليست له يد» أي: لا حجّة له، وقيل: معناه لقيه منقطع السّبب، يدلّ عليه قوله: القرآن سبب بيد الله وسبب بأيديكم فمن نسيه فقد قطع سببه. وقال الخطّابي: معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأعرابيّ، وهو أنّ من نسي القرآن لقي الله خالي اليد من الخير صفرها من الثّواب، فكنّى باليد عمّا تحويه، وتشتمل عليه من الخير كذا في النّهاية.
ما جاء فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. (1/14)
صفحة 15
قوله: «عن أنس بن مالك»: ابن النّظر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النّجار، واسمه تيم الله بن ثعلبة بن عمر بن الخزرج بن حارثة خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان يفتخر بذلك وكان يكنّى أبا حمزة، كنّاه النّبيء صلّى الله عليه وسلّم ببقلة كان يجتنيها وأمه أم سليم بنت ملحان وكان عمره لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة مهاجرا عشر سنين، وقيل: تسع سنين، وقيل: ثمان سنين، وروى الزّهري عن أنس قال، قدم النّبيء صلّى الله عليه وسلّم المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، وقيل: خدمه ثماني، وقيل: سبع سنين، ودعا له النّبيء صلّى الله عليه وسلّم بكثرة <01/21> المال والولد، فولد له من صلبه ثمانون ذكراً وابنتان أحدهما حفصة والأخرى أمّ عمرو، مات وله من ولده وولد ولده مائة وعشرين ولدا، واختلفوا في وقت وفاته، فقيل: توفّي سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين وهو الصّحيح، وقيل سنة ستٍّ وتسعين، قيل: كان عمره مائة سنة وثلاث سنين، وقيل: مائة وعشر سنين، وقيل: مائة سنة وسبع سنين، وقيل: بضع وتسعين سنة، وقيل: تسع وتسعين سنة، وهو من المكثرين في الرّواية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، روى عنه خلق كثير منهم جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم والحسن البصري وابن سيرين وحميد الطّويل وثابت البناني وقتادة والزّهري.
قوله: «ما جمع»: الجمع ضمّ الشّيء بتقريب بعضه من بعض يقال جمعته فاجتمع، والمراد به في هذا الحديث جمع القرآن في الحافظة.
قوله: «على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»: أي زمانه الذي كان يراعي فيه الأوامر والنّواهي ويحمل فيه أمّته على مصالحهم.
وقوله: «إلا ستّة نفر»: فيه دليل على أنّ حفظ القرآن على ظهر الغيب لا يلزم، وإنّما هو الفضل والدّرجة العليا. (1/15)
صفحة 16
قوله: «كلهم من الأنصار»: الأوس والخزرج أربعة من الخزرج واثنان من الأوس، روى قتادة عن أنس قال: افتخر الحيّان الأوس والخزرج، فقالت: الأوس منّا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنّا الذي حمته الدّبر عاصم بن ثابت، ومنّا الذي اهتزّ لموته العرش سعد بن معاذ، ومنّا من أجيزت شهادته رجلين خزيمة بن ثابت، فقالت الخزرج: منّا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، كذا وقع في هذه الرّواية والواضح أن يقولوا أبو أيوب مكان أبي زيد فإنّ أبا أيّوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة أحد بني النّجار وهم من الخزرج، وأمّا أبو زيد الجامع للقرآن فهو سعد بن عبيد بن النّعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أميّة بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن <01/21> الأوس فهو من الأوس لا من الخزرج، قالّ الواقديّ: سعد بن عبيد بن النّعمان هو أبو زيد الذي يقال له: سعد القارئ، يكنىّ أبا عمير بابنه عمير بن سعد، وابنه هذا هو الذي كان واليا لعمر على بعض الشّام، قال: وقتل أبو زيد سعد بن عمير يوم القادسيّة مع سعد بن أبي وقاص، وهو ابن أربع وستّين سنة وقيل: إنّ الجامع للقرآن أبو زيد هو ثابت بن زيد الأنصاري، نقل ذلك عن يحي بن معين، قال: أبو عمر: لا أعلم غيره، وعلى هذا القول فيكون ما رواه قتادة عن أنس موافقا لهذا القول؛ لأنّ ثابت بن زيد من الخزرج، لكنّ الأوّل عندي أصحّ ويحتمل أن يكون كلاهما جمع القرآن على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: من الجامعين أيضاً قيس بن السّكن، وقالت طائفة منهم: محمّد بن نمير، وقال: محمّد ابن كعب جمع القرآن في زمن النّبيء صلّى الله عليه وسلّم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصّامت وأبيّ بن كعب وأبو أيّوب وأبو الدّرداء، وكان عبادة يعلّم أهل الصّفّة القرآن، وأمّا عثمان فهو من الأوس، وهو عثمان بن حنيف (1/16)
صفحة 17
الأنصاري الأوسي يكنى أبا عمر وقيل أبا عبد الله شهد أحدا والمشاهد بعدها واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مساحة سواد العراق واستعمله علي على البصرة فبقي عليها إلى أن قدمها طلحة والزّبير مع عائشة في نوبة وقعة الجمل فأخرجوه منها ثمّ قدم علي إليها فكانت وقعة الجمل فلمّا ظفر بهم علي استعمل على البصرة عبد الله بن عبّاس وسكن عثمان بن حنيف بالكوفة وبقي إلى زمان معاوية.
قوله: «السّور المعدودات»: أشار بذلك إلى القلّة على حدّ قوله تعالى: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}[يوسف: 20]، والمعنى أنّها لقلّتها تحصر بالعدّ، كانت العرب تستعمل ذلك لقلّة توغّلهم في الأعداد ولأنّ الكثير عندهم موزون والقليل معدود.
قوله: «السّورة والسّورتين»: لعلّ المراد بذلك ما فوق الفاتحة؛ لأنّ الصّلاة دونها خداج كما سيأتي، وقد أمرنا بقراءة ما تيسّر من القرآن وذلك فوق الفاتحة في الصّلوات المخصوصة والله أعلم.
<01/22> ما جاء في فضل {قل هو الله أحد}.
قوله: «أنّ رجلا سمع رجلا ... الخ»: اسم القارئ قتادة بن النّعمان، قال ابن حجر: رواه ابن وهب عن أبي لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: وأمّا السّامع فلم يسمّ، وقال في موضع: لعلّه أبو سعيد راوي الحديث؛ لأنّه أخوه لأمّه وكانا متجاورين وبذلك جزم ابن عبد البرّ فكأنّه أبهم نفسه وأخاه.
قوله: «أحد»: أي: فرد في ذاته وصفاته لا يتجزّأ.
قوله: «الصّمد»:أي: المصمود إليه في الحوائج بمعنى، أنّه لا يقصد في قضائها إلاّ هو، وقيل الصّمد: هو الذي لا جوف له. (1/17)
صفحة 18
قوله: «لم يلد ولم يولد»: قال ابن عبّاس: لم يلد كما ولدت مريم، ولم يولد كما ولد عيسى وعزير وهو ردّ على النّصارى وعلى من قال عزير بن الله، وقال غيره نفى عنه الولد لأنّ الولد من جنس أبيه والله تعالى لا يجانسه أحد؛ لأنّه واجب الوجود وغيره ممكن الوجود؛ ولأنّ الولد يطلب إمّا لإعانة والده أو لتخلّفه بعده والله تعالى لا يفنى وهو غير محتاج إلى شيء من ذلك.
قوله: «ولم يكن له كفؤا أحد»: أي ليس له مكاف ومماثل، بل هو الواحد الأحد، ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير، وقد تضمّنت السّورة إثبات الوحدانيّة لله تعالى، والرّدّ على اليهود القائلين عزير بن الله وعلى النّصارى القائلين المسيح بن الله والقائلين بالتّثليث منهم وعلى المشركين القائلين في الملائكة أنّهم بنات الله وعلى الجاعلين لله أندادا فلهذه المزايا كانت تعدل ثلث القرآن.
قوله: «ويردّدها»: يعني يردّد قراءتها مرّة بعد مرّة.
قوله: «غدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»: وفي نسخة إلى رسول الله، والأولى أصحّ لأنّ غدا تعدّى بـ "على" كقوله تعالى: أَنُ اغْدُوا عَلَىا حَرْثِكُمْ} [القلم: 22]، والمراد أنّه سار إليه أوّل النّهار.
قوله: «فكان الرّجل يتعلّمها»: هذا بيان لسبب التّرديد، وفي رواية البخاري: "وكان الرّجل يتقالهّا"، بتشديد اللاّم وأصله يتقاللها، أي: يعتقد أنّها قليلة، وفي رواية: "كأنّه يقلّلها"، وفي رواية: "فكأنّه استقلّها"، والمراد استقلال العمل لا التّنقيص، وعلى هذه الرّوايات فالمراد بالرّجل السّامع بخلافه على رواية المصنّف، فإنّ المراد فيها القارئ المردّد ، وعلى رواية البخاري يكون استقلالها سببا لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "والذي نفسي بيده ... الخ"، ويكون سبب التّرديد عنده قيام اللّيل، وقد أخرج الدّارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ: "إنّ لي جارا يقوم باللّيل فما يقرأ إلاّ بقل هو الله أحد". (1/18)
صفحة 19
قوله: «والذي نفسي بيده»: أي: في قدرته وقبضته، ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها.
قوله: «لأنّها لتعدل»: بفتح اللاّمين، الأولى لجواب القسم والثّانية للتّأكيد، ومعنى "تعدل" تساوي ثلث القرآن لما فيها من إخلاص التّوحيد والرّدّ على من خالفه، وكثير من القرآن قد جاء في ذلك، لو جمع لبلغ ثلثه، فكان جميع ما في ذلك الثّلث قد جمع في هذه السّورة، فكان فضلها مثل فضل ثلث القرآن ومعانيها في الاختصار والإيجاز، مثل معاني ثلث القرآن مع البسط. (1/19)
صفحة 20
قوله: «عن أبي هريرة»: الدّوسي صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأكثرهم حديثا عنه، وهو من دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد، وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا لم يختلف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه، فقيل _وهو المختار عند بعض_: اسمه عبد الرّحمن بن صخر، وقيل، عبد الله بن عامر، قال: الهيثم بن عدي: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وفي الإسلام عبد الله، وقال ابن إسحاق: قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس فسمّاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الرّحمن، وقد تركت أكثر الأقوال في اسمه، وإنّما كنّي أبا هريرة لهريرة كانت معه، قال عبد الله ابن رافع: قلت: لأبي هريرة: لما اكتنيت بأبي هريرة: قال أما تفرق منّي؟ قلت: بلى والله إنّي<01/24> لأهابك، قال: كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها باللّيل في شجرة فإذا كان النّهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنّوني أبا هريرة، وقيل رآه النّبيء صلّى الله عليه وسلّم وفي كمِّه هِرَّة، فقال: يا أبا هريرة، وكان من أصحاب الصُّفّة، أسلم عام خيبر وشهدها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمَّ لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، فدعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: أبسط رداءك فبسطته، فحدَّث حديثاً كثيراً فما نسيت شيئا حدَّثني به، وعن الزّهريّ عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة قال: إنّكم تقولون: إنّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والله الموعد كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه منّي، فبسطت ثوبي حتّى قضى حديثه ثمَّ ضممته (1/20)
صفحة 21
إليَّ، فما نسيت شيئا سمعته بعد. قال البخاري: روى عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع، فمن الصّحابة ابن عبّاس وابن عمر وجابر وأنس وواثلة بن الأسقع، واستعمله عمر على البحرين ثمَّ عزله ثمَّ أراده على العمل فامتنع وسكن المدينة وبها كانت وفاته، قال خليفة: توفّي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي: توفّي سنة ثمان وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، قيل مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان أميراً على المدينة لعمِّه معاوية بن أبي سفيان.
قوله: «أقبلت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»: هذا كلام يُشعر بإجابة الدّعوة ويدلُّ على ذلك قوله في أثناء الحديث: "فآثرت الغذاء مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم"، وهذا المعنى يصحِّح ما في بعض النّسخ : "فآثرت القِرى"، بكسر القاف مقصورا وهو الضّيافة.
قوله: «فسمع رجلاً»: السّامع هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والمسموع لم يسمَّ، وكأنّه مجهول عند أبي هريرة <01/25>أيضا.
قوله: «وجبت»: أي: ثبتت له الجنَّة عند الله تعالى بهذا العمل.
قوله: «فأُبشِّره»: أي: أخبره بما قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والتّبشير الإخبار بما يسرُّ في العاقبة عكس الإنذار، أمَّا قوله: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ}[آل عمران: 21]، فهو من المجاز الذي يراد به ضدَّ معناه على سبيل التّهكُّم وكذا القول في نظائرها.
قوله: «الغداء»: هو ما يؤكل وقت الغداء إلى نصف النّهار ويقابله العشاء وهو ما يؤكل بالعشيِّ.
قوله: «فآثرت»: أي: قدَّمت الغداء مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لما في ذلك من فضل الصُّحبة وأخذ العلم وحصول المعاش مع ظنِّه بدرك الرّجل فيبشِّره فيحوز الحالين كما يدلُّ عليه قوله: "ثمَّ ذهبت إلى الرّجل فوجدته قد ذهب".
ما جاء في سبب نزول سورة الفتح (1/21)
صفحة 22
قوله: «إنّ عمر بن الخطّاب»: بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشيّ العدويّ، وكنيته أبو حفص، وأمُّه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقيل: حنتمة بنت هشام بن المغيرة، فعلى هذا فهي أخت أبي جهل، وعلى الأوّل فهي ابنة عمِّه، وفي ذلك الخلاف عندهم هل هي أخت أبي جهل أو ابنة عمِّه ؟وهو أصحُّ. وُلد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وروي عن عمر أنّه قال: ولدت بعد الفجّار الأعظم بأربع سنين، وكان من أشرف قريش، وإليه كانت السّفارة في الجاهليّة، وذلك أنّ قريشاً كانوا إذا وقع بينهم حرب، أو بينهم وبين غيرهم بعثوه <01/26> سفيراً، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم رضوا به فبعثوه منافراً ومفاخراً. قيل: أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، وقيل، بعد تسعة وثلاثين رجلاً وثلاث وعشرين امرأة، فكمل الرّجال به أربعين رجلاً، قال القاسم بن عبد الرّحمن: قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصراً، وكانت إمارته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلّي في البيت حتَّى أسلم عمر، فلمَّا أسلم عمر قاتلهم حتَّى تركونا فصلينا، وقال حذيفة: لمَّا أسلم عمر كان الإسلام كالرّجل المقبل لا يزداد إلاَّ قربا، فلمَّا قتل عمر كان الإسلام كالرّجل المدبر لا يزداد إلاَّ بعدا. شهد رضي الله عنه مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدراً وأحدا والخندق وبيعة الرّضوان وخيبر والفتح وحنينا وغيرها من المشاهد، وسيرته معروفة وفضائله كثيرة، ومات رضي الله عنه شهيدا وهو ابن ثلاث وستّين سنة، طعنه أبو لؤلؤة، قال قتادة: طعن عمر يوم الإربعاء ومات يوم الخميس، والخبر في مقتله مشهور. (1/22)
صفحة 23
قوله: «في بعض أسفاره»: وهو يوم الحديبية حين صدَّه المشركون عن البيت، وعن مجمع بن جارية الأنصاريّ قال، شهدنا الحديبية فلمَّا انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا النّاس يوجفون الأباعر، فقال النّاس بعضهم لبعض ما للنّاس قالوا أوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرجنا مع النّاس نوجف فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع النّاس عليه فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}[الفتح: 01]، فقال رجل يا رسول الله أوَ فتح هو؟ قال: والذي نفس محمّد بيده إنّه لفتح، فقسِّمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلاَّ من شهد الحديبية، فقسَّمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الرّاجل سهما.
قوله: «ثكلتك أمُّك»: بكسر الكاف، أي: فقدتك والثّكل فقد الولد وامرأة ثاكل وثكلا، ورجل ثكل وثكلان كأنّه دعي عليه بالموت، وأراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد <01/27> سوءا ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدّعاء، كقولهم تربت يداك، وقاتلك الله.
قوله: «نزرت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم»: بتخفيف الزّاء ويجوز تشديدها أي: ألححت عليه.
قوله: «فحركت بعيري»: أي: سقته.
قوله: «أمام النّاس»: بفتح الهمزة، أي: قدّامهم.
قوله: «خشيت»: أي: خفت.
قوله: «قرآن»: أي: في ذمّي، وذلك الخوف بسبب مراجعته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في صلح الحديبية، أو بسبب ذلك الإلحاح الذي ألحّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سؤاله.
قوله: «فهرولت»: الهرولة بين المشي والعدو.
قوله: «ممّا طلعت عليه الشّمس»: يعني الدّنيا وما فيها، ولا شكّ أنّ القرآن أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك، وإنّما ذكره مبالغة على قاعدتهم عند المبالغة في الخطاب. (1/23)
صفحة 24
قوله: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا»: فتح البلد عبارة عن الظّفر به عنوة أو صلحا بخراج أو دونه، مأخوذ من فتح باب الدّار فالبلد مادام لم يظفر به فهو مغلق، وقد اختلف العلماء في هذا الفتح، فقيل: صلح الحديبية وهو المناسب لما مرّ، قال موسى بن عقبة: قال: رجل عند منصرفهم من الحديبية ما هذا بفتح لقد صدّونا عن البيت فقال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالرّاح ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا"، وقال الشّعبي: في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}، هو فتح الحديبية لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة غيرها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وبويع بيعة الرّضوان وأطعموا نخل خبير وبلغ الهدي محلّه وظهرت الرّوم على فارس ففرحت المؤمنون بظهور أهل الكتاب علي المجوس، وقال الزّهري: لقد كان فتح الحديبية أعظم الفتوح، وذلك أنّ النّبيء صلّى الله عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة <01/28> فلمّا وقع الصّلح مشى النّاس بعضهم على بعض وعلموا وسمعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلاّ تمكّن منه فما مضت تلك السّنتان إلاّ والمسلمون قد جاءوا إلى مكّة في عشرة آلاف، وقال مجاهد والعوفي: هو فتح خيبر، والأوّل قول الأكثر، وقيلّ المراد فتح مكّة وغيرها من البلدان، وعلى هذا فيكون المراد بفتحنا: قضينا في الأزل أنّ مكّة ستفتح بعد الحديبية، فهو إخبار عن القضاء الأزلي، ومنهم من قال: إنّه بمعنى المضارع مجازا ،وعليه فهو وعد بالفتح وهذا من الضّعف بمكان.
ما جاء في منع الجنب والحائض من قراءة القرآن (1/24)
صفحة 25
قوله: «عن جابر بن زيد، قال: قال: رسول الله صلىّ الله عليه و سلّم »: جابر لم يدرك رسول الله صلىّ الله عليه و سلّم، فالحديث مرسل لسقوط الصّحابي منه وقد قدّمت لك أنّ مراسيل جابر في حكم الاتّصال لتثبّته في النّقل مع كثرة من لقي من الصّحابة.
قوله: «والذين لم يكونوا على طهارة»: الظّاهر أنّ المراد بهؤلاء أهل الأحداث الخفيفة، وقد وقع الخلاف بين العلماء في منعهم من ذلك على أقوال بسطتها في الجزء الثّاني من المعارج، وحكم النّفساء حكم الحائض، وظاهر الحديث يقتضي المنع، ومصداقه من الكتاب العزيز: {لاَّ يَمَسُّهُ, إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}[الواقعة: 79]، والسّرّ في المنع إظهار عظمة القرآن والفرز بينه وبين غيره من سائر الكلام وهذا واضح في الجنب والحائض وأمّا أهل الأحداث الخفيفة فيجب أن يحمل النّهي في حقّهم على الكراهة لحديث علي قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقضي حاجته ثمّ يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللّحم ولا يحجبه _ وربّما قال: لا يحجزه _ من القرآن، ليس الجنابة"، رواه الخمسة، لكن لفظ التّرمذي مختصر: "كان يقرئنا على كلّ حال ما لم يكن جنبا"، وقال: حديث حسن صحيح. وفعله صلّى الله عليه وسلّم هذا لبيان الجواز، وعن ابن <01/29> عمر مرفوعا: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن"، رواه أبو داود والتّرمذي وابن ماجة.
قوله: «لا يطؤون مصحفا بأيديهم»: أصل الوطء إنّما يكون بالرّجل ثمّ استعير لمعان كثيرة وهو في هذا الحديث بمعنى المسّ، والقرينة قوله: بأيديهم، والمصحف بضمّ الميم، ويجوز كسرها، هو مجموع صحائف القرآن وأصله الضّمّ؛ لأنّه مأخوذ من أصحف، أي: جمعت فيه الصّحف، قال الفرّاء: استثقلت العرب الضّمّة في حروف، فكسروا ميمها، وأصلها الضّمّ، من ذلك: مصحف ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد. (1/25)
صفحة 26
قوله: «حتّى يكونوا متوضّئين»: أي: متطهّرين، الطّهور المشروع للعبادة والغاية عائدة إلى جميع الأصناف الثّلاثة، والوضوء من الجنب والحائض لا يتمّ إلاّ بعد الطّهر فكأنّه قال في حقّهما: حتّى يطّهروا ويتوضّؤوا.
ما جاء في النّهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ.
قوله: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»: انظر ما معنى هذا النّهي وهل هو للكراهة أو التّحريم، والظّاهر التّفصيل فيمنع في بعض الأحوال دون بعض؛ لأنّه صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى بعض الملوك من النّصارى شيئا من آيات الكتاب، وإذا أجاز حمل بعضه فكذلك حكم جميعه إذ لا فرق بين آية وآية ثمّ إنّ ظاهر التّعليل.
قوله: «لئلا يذهبوا به»: يقتضي أنّ النّهي إنّما كان للحذر والحزم عن إضاعة القرآن والاستهانة به، فحيث خيف ذلك تعيّن المنع والاجاز.
وقوله: «فينالوه»: أي فيصيبوه بسوء ويحطّوا من قدره.
قوله: «يعني بالقرآن هاهنا المصحف»: على سبيل التّجوّز من إطلاق اسم الحال عن المحلّ.<01/30>
ما جاء في ذهاب القرآن آخر الزّمان
قوله: «إذا ذكرت حديثا»: بضمّ التّاء على أنّ الذّاكر ابن عبّاس رضي الله عنهما والحديث الذي ذكره لم أجده مبيّنا وكأنّه من أشراط السّاعة لقوله صلّى الله عليه وسلّم ذلك، أو أن ينسخ القرآن ثمّ بيّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كيفيّة نسخه بقوله: "يذهب بأهله وتبقى رجال كأنّهم البغاث"، وقد صحّ أيضا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: إنّ من أشراط السّاعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل"، وأخبر أنّه "يقبض العلم بموت العلماء حتّى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤساء جهّالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا"، وقال الشّعبي: لا تقوم السّاعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علما، وعن عبد الله بن عمرو: إنّ من أشراط السّاعة أن يوضع الأخيار وترفع الأشرار وهذا كلّه من انقلاب الحقائق وانعكاس الأمور في آخر الزّمان. (1/26)
صفحة 27
وقوله: «فقال رجل كالأعرابي»: أي: يشبهه في الصّورة والهيئة، وكأنّ ابن عباس لم يعرف الرّجل حين وصفه بذلك.
قوله: «قال الرّبيع البغاث أرذلة الطّير»: وفي نسخة أذلّة الطّير، وقال ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرّخمة بطيء الطّيران، وفي المثل "إنّ البغاث بأرضنا يستنسر" أيّ يصير نسرا ومعناه: أنّ من جاورنا صار بنا عزيزا، وقال الفرّاء: بغاث الطّير شرارها وما لا يصيد منها، وهو قريب من قول الرّبيع رحمه الله تعالى، وضبط بتثليث الموحّدة بعدها مثلّثة في النّقط.<01/31>
ما جاء في القراءات السّبع. (1/27)
صفحة 28
قوله: «هشام بن حكيم»: بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشي الأسدي وخديجة زوج النّبيء صلّى الله عليه وسلّم عمّة أبيه، أسلم يوم الفتح ومات قبل أبيه حكيم، وكان من الأمّارين بالمعروف النّاهين عن المنكر، وكان عمر بن الخطاب يقول إذا بلغه أمر ينكره: أمّا ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك، والحديث عند قومنا من رواية الزّهري عن عروة عن المسور بن مخرمة وعبد الرّحمن بن عبد القارئ أنّهما سمعا عمر بن الخطّاب يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حزام وهو يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإذا هو يقرأ على حروف لم يقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكدت أساوره في الصّلاة فنظرت حتّى سلّم فلبّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السّورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: له كذبت والله إنّ رسول الله لهو أقرأني هذه السّورة التي تقرأها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها فقال: النّبيء صلّى الله عليه وسلّم: "أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعتُ، فقال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "هكذا أنزلت ثمّ قال النّبيء صلّى الله عليه وسلّم: اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، فقال: هكذا أنزلت، ثمّ قال النّبيء صلّى الله عليه وسلّم: إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسّر منه.
قوله: «وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقرأنيها»: هذا من كلام عمر، ففيه الانتقال من الإخبار عنه إلى حكاية قوله.
قوله: «فلبّبته بردائه»: <01/32> بالتّشديد يقال لبّبت الرّجل إذا جمعت ثيابه عند صدره، ونحره في الخصومة ثمّ جررته. (1/28)
صفحة 29
قوله: «سبعة أحرف»: أي: قراءات، وكانت القراءة في عرفهم تسمّى حرفا، وجاء أنّ النّبيء صلّى الله عليه وسلّم قال: "أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتّى أقرأني على سبعة أحرف"، والمراد بها لغات العرب فإنّها بلغت إلى سبع، اختلفت في قليل من الألفاظ واتفّقت في غالبها.
قوله: «كلّها شاف كاف»: يعني أنّ الأحرف السبعة كلّ واحد منها يشفي ويكفي فليس لأحدها مزيّة على الآخر؛ لأنّ الجميع منزّل من عند الله تعالى، والسّرّ في ذكر شاف كاف أنّ القرآن شفاء للنّاس ورحمة فمن قرأ بواحد من تلك الأحرف حصل له الخصلتان: الشّفاء والرّحمة، فمعنى قوله: "كاف" أي: يكفي لتحصيل الرّحمة بتلاوته في الصّلاة وغيرها.
قوله: «فاقرأوا ما تيسّر منه»: أي: على أيّ الأحرف كان فإنّه خطاب لعمر وهشام وغيرهما، وقد اختلفا في القراءة فهذا إباحة لهما ولغيرهما في التّوسع. (1/29)
صفحة 30
قوله: «اختلف النّاس ..الخ»: كثر اختلاف النّاس في معنى الحديث حتّى اختار بعضهم أنّه من المشكل الذي لا يدرى معناه كمتشابه القرآن والحديث والمتعاطون لبيانه، اختلفوا في ذلك على نحو أربعين قولا، ذكر أبو عبيدة منها ثلاثة أقوال أصحّها الأوّل، وهو قوله: على سبع لغات، وبه قال أبو عبيد وثعلب والأزهري وآخرون، واستقرب بعضهم بعده قول من قال: إنّ المراد سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعالى وأعجل وأسرع، وبه قال سفيان بن عيينة وابن وهب وخلائق، ونسب إلى الأكثر، وأمّا القولان الآخران في كلام أبي عبيدة فلا مدخل لهما في معنى الحديث، والعجب ممّن قال <01/33> بهما، كيف نسي اختلاف عمر وهشام وحضورهما مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقوله لكلّ واحد منهما: "اقرأ"، وبعد ذلك قال: إنّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف أمّا، قوله: لا يوجد حرف واحد من القرآن يقرأ على سبعة أوجه فليس بشيء؛ لأنّ اللّغات السّبع قد اتّفقت في أكثر المواضع واختلفت في اليسير ولا يلزم أن يكون الخلاف في كلمة واحدة، بل قد تخالف هذه في كلمة، وهذه في أخرى وهلمّ جراًّ، وقيل: إنّ غاية ما ينتهي إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة أوجه، وقيل: ليس المراد بالسّبعة حقيقة العدد، بل المراد التّيسير والتّسهيل، ولفظ السّبعة أطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما تطلق السّبعون في العشرات والسّبع المائة في المئين، ويردّه حديث جبريل المتقدّم فإنّه أنهى الازدياد إلى سبعة أحرف.
ما جاء في جمع القرآن.
قوله: «قال بلغني»: الحديث مرسل لسقوط الصّحابي منه، وأبو عبيدة أدرك بعض الصّحابة وروى عنهم وإن كان أكثر ما روى عن جابر بن زيد، وفي الحديث البلاغ، وأبو عبيدة في غاية من التّثبت، فالخبر في قوّة المتّصل. (1/30)
صفحة 31
قوله: «قال اجعلوها في سورة كذا وكذا ... الخ»: هذا تصريح بأنّ ترتيب القرآن واقتران آياته بعضها ببعض كان أمرا سماوياًّ، وكذلك جمعه على هذا الحال كما يدلّ عليه قوله، وما توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ والقرآن مجموع متلوٌّ وكذلك يدلّ عليه ما مرّ في حديث السّتّة الجامعين للقرآن في حياة <01/34> النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، قال عكرمة: لو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يؤلّفوه هذا التّأليف ما استطاعوا، وقد كان القرآن كتب كلّه في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لكنّه غير مجموع في موضع واحد، قال الخطّابي: إنّما لم يجمع صلّى الله عليه وسلّم القرآن في المصحف لما كان يترقّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلمّا انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الرّاشدين ذلك وفاء بوعده الصّادق بضمان حفظه على هذه الأمّة فكان ابتداء ذلك على يد الصّديق بمشورة عمر، وقال الحاكم: جمع القرآن ثلاث مرّات: إحداها بحضرة النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، قال زيد بن ثابت: كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نؤلّف القرآن من الرّقاع، الثّانية بحضرة أبي بكر، قال زيد بن ثابت: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطّاب عنده فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنّك شاب عاقل لا نتّهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتتبّع القرآن واجمعه فوالله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن إلى آخر الحديث، وهذا جمع غير الجمع الأوّل (1/31)
صفحة 32
فإنّه كان مجموعا في أذهان الرّجال على هذه الصّفة ثمّ صار بعد ذلك مجموعا في المصاحف أيضا على هذه الصّفة المخصوصة، والجمع الذي ذكره زيد بن ثابت في حضرة النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرّقة وجمعها فيها بإشارة النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، وهذا عين ما رواه أبو عبيدة.<01/35>
ما جاء في إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدّنيا.
قوله: «عن عبد الأعلى بن داود»: الموجود في كتب الرّجال عبد الله بن داود بن عامر الهمداني الشّعبي أبو عبد الرّحمن الخريبي بضمّ المعجمة وفتح الرّاء وإسكان التّحتانية بعدها موحّدة نسبة إلى خريبة محلّة سكنها، وتسمّى البصيرة الصّغرى وهي محلّة بالبصرة، وهو أحد الأعلام، يروي عن هشام بن عروة والأعمش وسلمى بن نبيط وابن جريج، ويروي عنه بشر بن الحارث ومسدّد وبندار وعمرو بن علي ونصر بن علي وزيد أخرم وخلق، وثّقه ابن معين وأبو حاتم وقال ابن سعد: كان ثقة عابدا ناسكا، وقال الكديمي: سمعته يقول: ما كذبت إلاّ مرّة، قال لي أبي: قرأت على المعلّم؟ قلت: نعم، وقال الذّهلي: سألته عن التّوكّل فقال: حسن الظّنّ بالله، قال ابن سعد: مات سنة ثلاث عشر ومائتين عن سبع وثمانين سنة (1/32)
صفحة 33
قوله: «عن عكرمة»: بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الرّاء وفتح الميم بعدها هاء ساكنة، هو في الأصل اسم الحمامة الأنثى، فسمّي به الإنسان ثمّ إنّ الظّاهر أنّ عكرمة هذا هو عكرمة ابن عبد الله البربري مولى عبد الله ابن عبّاس رضي الله عنهما، أصله من البربر من أهل المغرب كان لحصين بن الخير العنبري فوهبه لابن عبّاس حين ولي البصرة لعلي بن أبي طالب، واجتهد ابن عبّاس في تعليمه القرآن والسّنن وسماه بأسماء العرب، حدّث عن عبد الله بن عبّاس وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي وعائشة وأبي قتادة ومعاوية، وروى عنه الشّعبي وإبراهيم النّخعي وأبو الشّعثاء من أقرانه وعمرو بن دينار وقتادة وأيّوب وغيرهم، قال الشّعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، رموه بغير نوع من البدعة، قال العجلي: ثقة بريء ممّا يرميه النّاس به، ووثّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنّسائي ومن القدماء أيّوب السّختياني، لكن في السّير المغربية أنّه خرج إلى أرض المغرب يدعو إلى مذهب <01/36> الصّفرية، ومع ذلك فهو مقبول الرّواية. وتوفي سنة سبع ومائة، وقيل: سنة ستّ ومائة، وقيل: سنة خمس ومائة، وقيل: سنة خمس عشرة ومائة والله أعلم، وعمره ثمانون وقيل أربع وثمانون، مات بالمدينة، وقيل: بالقيروان من أرض المغرب والله أعلم. (1/33)
صفحة 34
قوله: «أنزل الله القرآن كلّه جملة واحدة»: هذا الحديث نصّ في كيفيّة إنزال القرآن من اللّوح إلى سماء الدّنيا ومنها إلى الأرض، ولعلماء الأمّة في ذلك ثلاثة أقوال: الأوّل: وهو الأصحّ الأشهر ما في هذا الحديث، وهو أنّه نزل إلى سماء الدّنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّما في عشرين سنة أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين، على حسب الخلاف في مدّة إقامته صلّى الله عليه وسلّم بمكّة بعد البعثة، القول الثّاني: إنّه نزل إلى السّماء الدّنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، في كلّ ليلة ما يقدّر الله إنزاله في كلّ السّنة ثمّ نزل بعد ذلك منجّما في جميع السّنة، نقله القرطبي عن مقاتل بن حيّان، وحكى الإجماع على أنّه نزل جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا القول الثّالث: إنّه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ثمّ نزل بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبه قال الشّعبي ،والقول الأوّل هو الصّحيح وله حجج صحيحة لا نطيل بذكرها، وسئل ابن عبّاس عن قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ}[البقرة: 185]، قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[القدر: 01]، وقوله: إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}[الدخان: 03]، وقد نزل في سائر الشّهور، قال تعالى: {وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ}[الإسراء: 106]، فقال: أنزل الله من اللّوح المحفوظ جملة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا ثمّ نزل به جبريل عليه السّلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نجوما في عشرين سنة، فذلك قوله تعالى: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}[الواقعة: 75]، وروي عن النّبيء صلّى الله عليه وسلّم قال، أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان، وروي في أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ستّ ليال مضين من رمضان، وأنزل إنجيل عيسى في (1/34)
صفحة 35
ثلاث عشرة مضين من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد صلّى الله عليه وسلّم وعليهم أجمعين في الرّابعة والعشرين لستٍّ بقين بعدها.<01/37> قوله: «إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا»: كابتداء حكم أو تغييره بالنّسخ بعد ثبوته أو إظهار معجزة لنبيئه كإخبار عن الغيب أو عن بعض من مضى من الأمم أو جواب لأهل الكتاب أو لمشركي العرب واقرأ إن شئت: {وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ اِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}[الفرقان: 33]، فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا.
قوله: «فلا يردّ قضاؤه»: لأنّ الكلّ وحي يوحى لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىآ(3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىا}[النّجم: 04]، فالنّازل من القرآن بخلاف قضائه صلّى الله عليه وسلّم ناسخ لتلك القضية، ومن أمثلة ذلك أخذه صلّى الله عليه وسلّم الفدية من أسارى بدر فنزل القرآن بالأثخن في الأرض، ثمّ قال: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[الأنفال: 68]، فهذه الآية تدلّ على سبق إباحة ذلك لهم وأنّ العتاب إنّما نزل على اختيار عرض الفداء على القتل مع إباحة الكلّ والله أعلم.
ما جاء في بيان المدنيّ والمكيّ من السّور.
قوله: «عن يحيى بن كثير»: بن درهم العنبري البصري، كنيته أبو غسّان، قال النّسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال عبّاس: العنبرى كأنّه ثقة، قال ابن أبي عاصم: مات سنة ستّ ومائتين، كذا في الخلاصة.
قوله: «عن شعيب»: يشبه أن يكون هو شعيب بن إسحاق الأمويّ وكان مولى في بني أميّة، وكان بصرياًّ، ثمّ نزل دمشق، وثّقه غير واحد، وقال أحمد ما أصحّ حديثه، قال ابن صيفي: مات سنة تسع وثمانين ومائة، وعمره إحدى وسبعون سنة. (1/35)
صفحة 36
قوله: «عن قتادة»: يشبه أن يكون هو قتادة بن دعامة السّدوسيّ أبو الخطّاب البصريّ الأكمه، <01/38> أحد الأئمة الأعلام، قال ابن المسيّب: ما أتانا عراقيّ أحفظ من قتادة، وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ النّاس، وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد، قال حمّاد بن زيد: توفّي سنة سبع عشرة ومائة، وقد احتجّ به أرباب الصّحاح.
قوله: «البقرة»: يؤخذ منه أنّ تسميتها بذلك غير مكروهة خلافاً لمن قال بذلك، واعتلّ بأنّ فيه نوع تنقيص وأسماء السّور توقيفيّة، وكذا ترتيبها كما مرّ وهي مائتان وستّ أو سبع وثمانون آية.
قوله: «وآل عمران»: وهي مائتا آية أو الآية سمّيت بذلك لقوله تعالى: {وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}[آل عمران: 33]، واختلف في عمران هذا، هل هو أبو موسى عليه السّلام أو أبو مريم؟ والثّاني بعد الأوّل بألف سنة، وقيل: بألف وثمانمائة سنة.
قوله: «والنّساء»: وهي مائة وخمس أو ستّ أو سبع وسبعون آية وإنّما سمّيت بذلك لذكر النّساء فيها كثيراً، قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً}[النّساء: 01]، وقوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ}[النّساء: 03]، إلى غير ذلك من ذكر الأمّهات وما نكح الآباء.
قوله: «والمائدة»: وهي مائة وعشرون أو اثنتان أو وثلاث وعشرون آية، سمّيت بذلك لقوله تعالى حكاية عن الحواريّين: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكُ أَنْ يُّنَزِّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ}[المائدة: 112] الآية نزلت منصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الحديبية، ومنها ما نزل في حجّة الوداع، وهو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة:03]، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ}[المائدة: 02]. (1/36)
صفحة 37
قوله: «والتّوبة»: وهي مائة وثلاثون أو الآية كلّها مدنيّة كما في المتن، وقيل إلاّ الآيتين في آخرها، وذلك قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ}[التّوبة: 122]، إلى آخرها سمّيت بذلك لقوله تعالى فيها: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ}[التّوبة: 117] الآية ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر بذلك وذلك أنّ البسملة أمان، وهي نزلت لرفع الأمان.
قوله: «والرّعد مدنيّة_ ... الخ»: اختلف فيها، فقيل: مدنيّة كما في المتن ويستثنى الآية المذكورة، وقيل: المستثنى آيتان: {وَلَوَ اَنَّ قُرْءَانًا}[الرّعد: 31]، والتي بعدها، ولعلّ الخلاف في جعلها آية وآيتين لفظيّ، وقيل: الرّعد مكّيّة إلاّ: {وَلاَ يَزَالُ الذِينَ كَفَرُوا[الرّعد: 31] الآية {وَيَقُولُ الذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً}[الرّعد: 43] الآية، وقال: له <01/39> المدنيّ منها: قوله تعالى: {هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ}[الرّعد: 12]، إلى قوله: {لَهُ, دَعْوَةُ الْحَقِّ}[الرّعد: 14]، وعدد آياتها ثلاث أو أربع أو خمس أو ستّ وأربعون آية. (1/37)
صفحة 38
قوله: «والنّحل ما فوق الأربعين»: يعنى أنّ ما بعد أربعين آية من أوّلها كلّه مدنيّ، وقيل: إنّها مكّيّة إلاّ قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} ... الخ [النّحل: 126]،فإنّها نزلت بالمدينة في قتل حمزة، وروي هذا أيضاً عن ابن عبّاس، وفي رواية أخرى عنه أنّها مكّيّة غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً}[النّحل: 95]، إلى قوله: {تَعْمَلُونَ}[النّحل: 95]، وقال قتادة: هي مكّيّة إلاّ خمس آيات وهي قوله تعالى: {وَالذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنم بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}[النّحل: 41]، وقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنم بَعْدِ مَا فُتِنُوا}[النّحل:110]، وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ}[النّحل: 126]، إلى آخر السّورة، وزاد مقاتل قوله: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنم بَعْدِ إِيمَانِهِ}[ النّحل: 106] الآية، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتَ ـ امِنَةً مُّطْمَئِنَّةً}[النّحل: 112] الآية، وحكى الأصمّ عن بعضهم أنّها كلّها مدنيّة.
قوله: «والحجّ مدنيّة إلاّ أربع آيات ... الخ»: حكي هذا القول أيضاً عن قتادة نفسه، وروي عن ابن عبّاس أيضا أنّها مدنيّة ولم يستثن شيئا، وبه قال الضّحّاك، وقيل: إنّها مكّيّة إلاّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّعْبُدُ اللهَ}[الحجّ: 11] الآيتين أو إلاّ: {هَذَانِ خَصْمَانِ}[الحجّ: 19] السّتّ آيات فمدنيات، ونسب القول بأنّها مكّيّة لابن عبّاس أيضا ومجاهد، وعدّ النّقّاش ما نزل منها بالمدينة عشر آيات، وقال الجمهور: السّورة مختلطة منها مكّيّ ومنها مدنيّ، وصحّحه بعضهم لاقتضاء الآيات ذلك لأنّ: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ}[الحجّ: 73] مكّيّ و{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ} مدنيّ، قال بعضهم: وهي من أعاجيب السّور نزلت ليلا ونهارا، أو سفرا أوحضرا، مكياًّ ومدنياًّ، سلمياًّ وحربياًّ، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها. (1/38)
صفحة 39
قوله: «والنّور كلّها مدنيّة»: وهي اثنتان أو أربع وستّون آية وإنّما سمّيت بذلك لقوله تعالى: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ}[النّور: 35]، وفيها ذكر أحكام العقاب والسّتر، وكتب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى الكوفة علّموا نساءكم سورة النّور، وقالت عائشة لا تنزلوا النّساء في الغرف ولا تعلّموهنّ الكتابة وعلّموهن سورة النّور والغزل.
<01/40> قوله: «والأحزاب كّلها مدنية»: وهو قول الكلّ، نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وطعنهم في مناكحته وغيرها وهي ثلاث وسبعون آية سمّيت بذلك لقوله تعالى: {يَحْسِبُونَ الاَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا}[الأحزاب: 20]، والأحزاب هم القبائل المتجمعون لحرب النّبيء صلّى الله عليه وسلّم يوم الخندق، قيل: وكانت هذه السّورة تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرّجم: "الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم"، كذا يروى عن أبي بن كعب، وأهل العلم يحملونه على نسخ التّلاوة دون الحكم، وأنّ المنسوخ من هذه السّورة أكثر ممّا في أيدينا منها، وبذلك منها وبذلك تعدل سورة البقرة.
قوله: «والقتال»: وتسمّى سورة محمّد، وسورة الذين كفروا، قيل: إنّها مدنيّة، وقيل: إلاّ قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ}[محمّد: 13] الآية، ونسب إلى ابن عبّاس أيضا وردّ بأن الآية نزلت بعد الهجرة، والمشهور أنّ النّازل بعد الهجرة مدنيّ، ولو نزل في مكّة، وقيل: غير ذلك، وقيل: إنّ السّورة مكّيّة، وردّ بأنّ فيها ذكر القتال والنّفاق والقتال لم يشرع إلاّ بعد الهجرة، والنّفاق لم يكن إلاّ في المدينة.
قوله: «والفتح»: تقدّم سبب نزولها وأنّه عند منصرفه صلّى الله عليه وسلّم من الحديبية فهي مدنيّة وآيها تسع وعشرون.
قوله: «والحجرات»: مدنيّة بالإجماع وهي ثماني عشرة آية. (1/39)
صفحة 40
قوله: «من الحديد عشر سور متواليات»: آخرها سورة التّحريم، فأمّا الحديد فهي مدنيّة في قول ابن عبّاس، والجمهور، وقيل: مكّيّة، وقيل: مدنيّة إلاّ الآيات من أوّلها إلى قوله: {إِن كُنتُم مُّومِنِينَ}[الحديد: 08]، وأمّا المجادلة فمدنية في قول الجميع، إلاّ رواية عن عطاء أنّ العشر الأوّل منها مدنيّ، باقيها مكّيّ، وقال الكلبيّ: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىا ثَلاَثَةٍ اِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}[المجادلة: 08]، نزلت بمكّة، وأمّا الصّفّ فمدنيّة في قول الجمهور، وقال عكرمة والحسن وقتادة: مكّيّة، وجزم به الزّمخشريّ وأمّا التّغابن فمدنيّة في قول الأكثر، وهو قول عكرمة، وقيل: مكّيّة إلاّ قوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ}[التّغابن: 14]، إلى آخر السّورة، فإنّها <01/41> نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، فهذه أربع سور قيل فيها ما قيل، وباقي العشر مدنيّ في قول الجميع.
قوله: «ولم يكن الذين كفروا مدنيّة»: هذا قول الجمهور، وقيل: مكّيّة ونسب إلى ابن عبّاس أيضا.
قوله: «وإذا جاء نصر الله والفتح»: مدنيّة بالإجماع وتسمّى سورة النّصر وسورة التّوديع وهي آخر سورة نزلت جميعا، قاله ابن عبّاس، وإنّما سمّيت سورة التّوديع لما فيها من الدّلالة على توديع الدّنيا.
قوله: «والمعوّذتان مدنيّتان»: على الصّحيح، وهو قول ابن عبّاس، ونسب أيضا القول: بأنّ الفلق مدنيّة إلى قتادة وجماعة، وقيل: مكّيّتان ويؤيّد الأوّل سبب النّزول، فإنّه كان بالمدينة نزلتا حين سحر لبيد اليهودي النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، وعن السّدّي: أنّها نزلت في الأخنس بن شريق، وعن مجاهد: نزلت في جميل بن قلال، وقيل غير ذلك. (1/40)
صفحة 41
قوله: «وسائر القرآن مكّيّ»: على خلاف في بعض الآيات، وكان ينبغي أن يعدّ في المدنيّ سورة الأنفال فإنّها مدنيّة كلّها، نزلت حين اختلف المسلمون في غنائم بدر، فقال الشّبّان: هي لنا لأنّا باشرنا القتال، وقال الشّيوخ: كنّا ردأ لكم تحت الرّايات ولو انكشفتم لَفِئْتُم إلينا، فلا تستأثروا بها، وقيل: مدنيّة، إلاّ قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ}[الأنفال: 30] الآيات السّبع فإنّها مكّيّة وصحّح الأوّل وإن كانت الآيات السّبع المذكورة في شأن الواقعة التي وقعت بمكّة إذ لا يلزم من كون الواقعة في مكّة أن تكون الآيات التي في شنها كذلك، فالآيات المذكورة نزلت بالمدينة تذكيرا له بما وقع في مكّة.
الباب الرابع: في العلم وطلبه وفضله.
قوله: «في العلم وطلبه وفضله»: أمّا الآخران وهما الطّلب والفضل فظاهرأنّ من <01/42> أحاديث الباب وأمّا نفس العلم وحقيقته فتؤخذ من حديث ابن عبّاس الآتي آخر الباب: "أنّه صلّى الله عليه وسلّم خرج ذات يوم إلى المسجد فوجد أصحابه عزين يذكرون فنون العلم فإنّ فيه أنّ العلم ثلاثة: القرآن المنزّل، ومعرفة ما حرّم وأحلّ، ومعرفة توحيد الله تعالى"، وكذا الحديث الذي يلي هذا الحديث فإنّه يدلّ أنّ العلم حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكذا الحديث الذي بعده أيضا، فإنه يدلّ أنّ العلم ما كان في كتاب الله وسنّة رسوله أو ما استنبطه أولوا الأمر منهما.
ما جاء في طلب العلم ولو بالصّين. (1/41)
صفحة 42
قوله: «اطلبوا العلم ولو بالصّين»: ثبوت هذا الحديث من هذا الطّريق يقضي بصحّته وعلوّ سنده، ولم يثبت عند قومنا إلاّ من طريق ضعيف، رواه ابن عبد البرّ وحده من حديث عبيد بن محمّد عن ابن عيينة عن الزّهري عن أنس مرفوعا والبيهقي في الشّعب، والخطيب في الرّحلة وغيرها، وابن عبد البرّ في جامع العلم والدّيلمي كلّهم من حديث أبي عاتكة طريف بن سلمان، وهو من الوجهين ضعيف عندهم وأفرط ابن الجوزيّ حيث ذكره في الموضوعات، وكذا ابن حبّان في قوله: إنّه باطل لا أصل له.
قوله: «ولو بالصّين»: هي جزائر في بحر الهند، ذكرها مبالغة في البعد ولعلّها أقصى بلاد كانت العرب تسمع بها، والغرض من الحديث الحثّ على طلب العلم لا لزوم ذلك، فلا معنى لاضطراب الإفهام في كشف معناه على أنّا لو حملناه على العلم اللاّزم فاتت المبالغة على الحثّ على تحصيل حقيقة العلم، وهو إنّما يطلب لشرفه عند الله تعالى مع قطع النّظر عن لازمه ونفله.
ما جاء في فضل طالب العلم.
<01/43> قوله: «ومن طريقه»: يعني أنس بن مالك، وقد جاء في حديث عند قومنا من طريق صفوان بن عسّال المراديّ أنّه كان يقول: أتيت النّبيء صلّى الله عليه وسلّم وهو في المسجد متّكئا على بُردٍ له أحمر، فقلت: يا رسول الله إنّي جئت أطلب العلم، فقال: مرحباً بطالب العلم، إنّ طالب العلم لتحفّه الملائكة بأجنحتها ثمّ يركب بعضهم بعضا حتّى يبلغوا السّماء الدّنيا من محبّتهم لما يطلب. (1/42)
صفحة 43
قوله: «لتضع أجنحتها ... الخ»: قال الرّبيع الأجنحة بدل من الأيدي في باب الدّعاء، يريد والله أعلم: أنّ معنى الحديث أنّ الملائكة تدعوا له، وقيل: إنّها تبسط له أجنحتها حقيقة، رضاء لما يطلب، وقيل: المراد التّواضع للطاّلب تعظيما لحقّه، وقيل: المراد أنّها تنزل عند مجالس العلم وتترك الطّيران لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "ما من قوم يذكرون الله تعالى إلاّ حفّت بهم الملائكة"، وقيل: معناه المعونة وتيسير السّعي في طلبه، وقيل: المراد تظلّهم بأجنحتها، وقال: بعضهم لا مانع من إرادة الجميع، والله أعلم.
قوله: «وعمل به»: إشارة إلى أنّ العمل ركن من الإيمان فلا ينفع علم بلا عمل، فهو على حدّ قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصّلت: 30]، يعني استقاموا على ما أمروا به من العمل، فاستقم كما أمرت. (1/43)
صفحة 44
قوله: «آمنا»: أي: لا يحزنه الفزع الأكبر فهو من الذين سبقت لهم من الله الحسنى تتلقّاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون، واختلف في الفزع الأكبر ما هو؟ فقيل: هو بيان لنجاتهم وأنّه لا حزن عليهم يومئذ؛ لأنّه إذا لم يحزنهم الفزع الأكبر فلا يحزنهم ما عداه بالضّرورة، وكيف يحزن رجل تتلقّاه الملائكة <01/44> عند خروجه من قبره، تقول له: {هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[الأنبياء: 103]، وتقول له أيضا: {أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصّلت: 30]، وقد وصف الله تعالى حالهم بالنّضارة والانتظار للفرج والرّحمة في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَىا رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة: 22-23]، وأيّ نضارة لوجه خائف حزين، وأيّ انتظار له، أمّا ورد من الأخبار في وصف الموقف بالأهوال العامّة فهي والعياذ بالله لأهل الشّقاء وقد يدخل المؤمن منها مع علمه بالنّجاة فزع طبيعيّ وهيْبة من مشاهدة الخوارق وعظم الأمر لكنّه لا يحزنه لعلمه بالنّجاة.
قوله: «ويرزق الورود على الحوض»: هو حوض النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، يرده المؤمنون قبل دخول الجنّة وفي ما يظهر من الأحاديث أنّه قبل الحساب من شَرِب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، وجاء في حديث أبي هريرة في باب الأمة قوله: "وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضّالّ، فأناديهم ألا هلمّ ألا هلمّ، فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: فسحقا فسحقا"، وفي الحديث ذكر عملين وثوابين، فأمّا الأولان: فالعلم والعمل، وأمّا الأخيران: فالأمن وورود الحوض، وما أنسب الأمن بالعلم، حيث كان الكلّ قلبيا،ًّ وما أنسب الورود بالعمل، حيث كان الكلّ بدنياًّ على أنّه لا سبيل لمعرفة ما في القلب إلاّ باللّسان، فكان الجزاء موافقاً للعمل. (1/44)
صفحة 45
قوله: «قربة»: بضمّ القاف وسكون الرّاء، اسم لما يتقرّب به إلى الله تعالى، وبمعناه القربان، ومنه الحديث في صفة هذه الأمّة في التّوراة قربانهم دماؤهم، أي: يتقّربون إلى الله تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد، وكان قربان الأمم السّابقة ذبح البقر والغنم والإبل.
قوله: «صدقة»: أي: كالصّدقة في الثّواب، وجاء في حديث آخر: "أفضل الصّدقة أن يتعلّم المرء المسلم علماً ثمّ يعلّمه أخاه المسلم"، ووجه التّشبيه أنّ كلّ واحد من التّعليم والتّصدّق إعانة، فالتّصدق إعانة على الدّنيا بدفع المال، والتّعليم إعانة في الدّين بنشر العلم، <01/45> فمن ثمّ كان أفضل من الصّدقة، وإنّما شبّه بها في حديث الرّبيع تقريباً للفهم، فهو نظير قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ}[البقرة: 133].
قوله: «لينزل بأهله»: أي: يحلّهم في محلّ الشّرف فينزل المملوك منزلة الملوك، وكيف لا والعلماء ورثة الأنبياء، وهم هداة الأمّة وقادتهم إلى رضاء ربهم، ويقال، الملوك حكّام على النّاس، والعلماء حكّام على الملوك، وكان صلّى الله عليه وسلّم يقول: "العلماء ورثة الأنبياء إذ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما إنّما ورّثوا العلم فمن أخذه أخذه بحظّ وافرٍ".
قوله: «زين لأهله»: أي: جمال لهم، أمّا في الدّنيا؛ فلأنّه يكسبهم الأخلاق الحميدة والآداب المستحسنة وينزلهم في موضع الشّرف والرّفعة، وأمّا في الآخرة فلأنّ مَن تعلّمه لله وعمل به حشر آمنا ويرزق الورورد على الحوض، فهو ممّن آتاه الله أجره مرّتين.
ما جاء أنّ تعليم الصّغار يطفئ غضب الرّبّ. (1/45)
صفحة 46
قوله: «تعليم الصّغار يطفئ غضب الرّبّ»: المراد بالصّغار الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومعنى إطفائه لغضب الرّبّ أنّه يكون من الحسنات المكفّرة للسّيئات، إذ المراد بغضبه تعالى عقوبته، وهي لا تكون إلاّ عن جناية من العبد وأنّ الله تعالى قد جعل لكلّ شيء سبباً وجعل الحسنات تذهب السّيئات، فإن قيل: إنّ موجب الغضب لا يكون إلاّ من كبائر الذّنوب، والمذهب أنّ كبائر الذّنوب لا تكفّر إلاّ بالتّوبة وأنّ المكفّر بالحسنات هي السّيئات وهي الصّغائر من الذّنوب، فما وجه الحديث؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنّ معنى التّوبة التي نشترط وجودها مكفّرة عدم الإصرار، فإنّ المصرّ هو الذي نقطع بهلاكه والعياذ بالله، <01/46> وغير المصرّ يجوز أن يغفر له ويحتمل أن يدخل تحت قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}[هود: 114]، والفاسق بالتّأويل داخل تحت المصرّ؛ لأنّه مقيم على فسقه، والوجه الثّاني: أنّ التّوبة قد يتوقّف تمامها على أشياء، كما توقّفت توبة القاتل خطأ على الكفّارة، وقد يكون فعل الخير غير اللاّزم سببا لقبولها، كما جاء في الصّدقة أنّها تطفئ غضب الرّبّ، ويحتمل وجها ثالثا وهو أنّ المغضوب عليه والعياذ بالله قد يفعل المعروف من الصّدقة وتعليم الصّغار فيهون ذلك بعض ما كان عليه من العقوبة أو يؤخّر إلى أجل وهو معنى إطفاء الغضب، حيث لم يكن المراد زواله بالكلّيّة والله أعلم.
ما جاء في ذهاب العلماء. (1/46)
صفحة 47
قوله: «تعلّموا العلم ... الخ»: فيه حثّ على المسارعة إلى تحصيله قبل أن يفشو الجهل ويتّخذ النّاس رؤساء جهّالاً فيَضلّوا ويُضّلوا، وفي الحديث بيان لحال النّاس آخر الزّمان أنّ العلم منهم يذهب بذهاب أهله، وقد تقدّم نظيره في رفع القرآن، وجاء عند قومنا من حديث أبي هريرة: "تعلّموا الفرائض وعلّموها فإنّه نصف العلم وهو ينسى وهو أوّل شيء ينتزع من أمّتي"، وجاء عن ابن مسعود يرفعه: "تعلّموا الفرائض وعلّموها النّاس فإنّي امرؤ مقبوض، وأنّ العلم سيقبض ويظهر الفتن حتّى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما".
ما جاء من قوله صلّى الله عليه وسلّم: "من أراد الله به خيرا فقّهه في الدّين.
<01/47> قوله: «من أراد الله به خيرا فقّهه في الدّين»: وفي حديث معاوية الآتي: "من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين"، بصيغة المضارع والمعنى واحد والتّفقيه في الدّين تفهيم الأحكام الشّرعيّة إمّا بتصوّرها وبالحكم عليها حتّى يعلم ما يأتي وما يذر، وإمّا باستنباطها من أدلّتها كلّ ميسّر لما خلق له وإنّما كان التّفقّه في الدّين سببا لحصول الخير عند الله تعالى؛ لأنّ الدّين هو السّبيل إلى رضى الله، وهو باب رحمته، وهذا صراط ربك مستقيما فاتّبعوه. (1/47)
صفحة 48
قوله: «عن معاوية بن أبي سفيان»: واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القريشي الأموي، وأمّ معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يجتمع أبوه وأمّه في عبد شمس، وكنيته أبو عبد الرّحمن، أسلم هو أبوه وأخوه يزيد وأمّه هند في الفتح، وكان هو وأبوه من المؤلّفة قلوبهم ولمّا سيّر أبو بكر رضي الله عنه الجيوش إلى الشّام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلمّا مات يزيد استخلفه على عمله بالشّام وهو دمشق وأقرّه عمر رضي الله عنه ولم يزل والياً على ذلك خلافة عمر فلمّا استخلف عثمان جمع له الشّام جميعه ولم يزل كذلك إلى أن قتل عثمان، فانفرد بالشّام ولم يبايع علياً، وأظهر الطّلب بدم عثمان فكانت، وقعة صفّين بينه وبين علي وهي مشهورة.
قوله: «لا مانع»: بالفتح دون تنوين، مع أنّه شبيه بالمضاف، والقياس تنوينه وبناؤه مذهب لبعض العرب، والمعنى لا رادّ لقضاء الله، فلا مانع لإعطائه ولا معطي لشيء منعه الله، بل الإعطاء والمنع أثر أرادته وقدرته ،هل من خالق غير الله يرزقكم من السّماء والأرض.
قوله: «ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ»: بفتح الجيم في الموضعين وهو الحظ والسعادة والغنى، والمعني لا ينفع صاحب الغنى من الله غناه أو لا ينفع صاحب الحظّ الدنيوي أو السعادة الدنيوية من الله ذلك. (1/48)
صفحة 49
قوله: «يعني المنبر»: بكسر الميم وفتح<01/48> الموحّدة مأخوذ من النبر وهو الارتفاع، وكلّ مرتفع منتبر، وفي البخاري عن أبي حازم قال: أتى رجال إلى سهل بن سعد يسألونه على المنبر، فقال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فلانة امرأة قد سماّها سهل، إنّ مري غلامك النجّار يعمل لي أعوادا أجلس عليهنّ إذا كلّمت النّاس فأمرته يعملها من طرفاء الغابة، ثمّ جاء بها فأرسلت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بها، فأمر بها فوضعت فجلس عليه قيل: وكان ذلك في السّنة الثّامنة من الهجرة أو السّنة التّاسعة، وإنّما ذكر معاوية سماعه على الأعواد ليبيّن للنّاس أنّه في غاية من ضبط ذلك وحفظه.
ما جاء في كتاب العلم
قوله: «رسم المداد»: يعنى أثره قوله يكتب علما يعنى نافعا من العلوم الشّرعيّة، وإنّما قيّدنا بذلك لأنّ غير النّافع من العلوم إمّا حرام وإمّا مكروه أو مباح، فأدنى درجته الإباحة، فمن أين تحصل له هذه الفضيلة والسّلامة رأس ماله، ومرادنا بالنّافع ما نفع القلوب ودلّ على علاّم الغيوب، فلذلك أرسلت الرّسل ولأجله أنزلت الكتب، فدعني من منطق وهندسة وأوفاق ملتبسه وعلوم عاطلة مندرسة. (1/49)
صفحة 50
قوله: «كالدّم في سبيل الله»: وذكر السّخاويّ عن المنجنيقيّ في رواية الكبار عن الصّغار عن الحسن البصري قوله: "مداد العلماء أفضل من دم الشّهداء"، وعن ابن عبد البرّ، في فضل العلم من حديث سمّاك بن حرب عن أبي الدّرداء مرفوعاً: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشّهداء"، وللخطيب في تاريخه من حديث نافع عن ابن عمر رفعه: "وزن حبر العلماء بدم الشّهداء فرجح عليهم"، وفي سند محمّد بن جعفر اتّهم بالوضع ولكن هو عند الدّيلميّ من حديث عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به لفظ: "يوزن حبر العلماء ودم الشّهداء فيرجح ثواب حبر العلماء على ثواب دم الشّهداء"، وفي الحديث حثّ على كتابة العلم وقد كره بعض السّلف كتابته لئلاّ يتّكل النّاس <01/49> على الكتابة وقد ظهرت بالكتابة مصلحة عظيمة في ضبط العلم ونقله إليه، أشار تعالى في قوله عزّ من قائل: {الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق: 04-05].
قوله: «ينال به الأجر»: أي: يكتب له أجره مادام في ثوبه، والظّاهر أنّه يجدّد له أجر كتابته، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ما جاء في صنوف العلم.
قوله: «عزين»: بكسر العين والزّاء، أي: فِرَقًا شتّى، جَمْعُ عزّة وهي الفرقة من النّاس. (1/50)
صفحة 51
قوله: «فأوّل حلقة»: بسكون اللاّم على الرّاجح مع فتح الحاء، والجمع "حَلَقَ" بفتحتين على غير قياس، وقيل: بكسر الحاء في الجمع كبدرة وبدر وقصعة وقصع، والحديث يدلّ على أنّ علم الشّريعة ثلاثة أصناف بعضها من بعض، وأوّلها القرآن العظيم، وقال رسول الله لأهل هذا الصّنف: "بهذا أرسلني ربّي"، يعني أنّ الكتاب المتلوّ هو الذي أرسله به ربّه نظيره في الكتاب العزيز: {وَأُوحِيَ إِليَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنم بَلَغَ}[الأنعام: 19]، ثمّ معرفة الحلال والحرام وهو الفقه في الدّين وإنّما لم يقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل هذا الصّنف شيئا إمّا لتفضيل الآخرين عليه كما هو ظاهر كلام جابر وإمّا لكونه معلوماً عندهم بما تقدّم من قوله: "من يرد الله به خير يفقّهه في الدّين".
قوله: «توحيد الله»: أي: إثبات الوحدانيّة لله تعالى، وإلهكم إله واحد فاعلم أنّه لا إله إلاّ الله.
قوله: «ونفى الأشباه والأمثال»: الأشباه جمع شَبَه، بفتحتين وهو من يشابهك ولو من جهة واحدة، والأمثال جمع مِثْل، بكسرٍ <01/50> فسكون، وهو من يماثلك من كلّ جهة، فهم ينفون عن الله تعالى المشابهة والمماثلة من كلّ جهة فلا يتمّ التّوحيد إلاّ بالطّرفين، إثبات الوحدانيّة ونفي الأشباه والأمثال.
قوله: «فجلس إليهم كثيرا»: إنّما أطال الجلوس معهم استحساناً لما هم فيه من الحال؛ لأنّ الزّمان يقتضي ذلك لأنّ العدوّ مشرك فمنّا قضته نوع من الرّباط، وأيضا ففي ذلك إثبات الحقّ في قلوب السّامعين وتوضيح الهدى للمستمعين، والحال يقتضي ذلك ولكلّ مقام مقال. (1/51)
صفحة 52
قوله: «بهذا أمرني ربي»: إنّما خصّ التّوحيد بذلك مع أنّه مأمور أيضاً بغيره؛ لأنّ التّوحيد معرفة الله عزّ وجلّ ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن، كما قال جابر رحمة الله عليه، وإنّما قال في القرآن: "بهذا أرسلني ربّي"، وقال في التّوحيد: "بهذا أمرني ربّي"؛ لأنّ القرآن بنفسه هو الرّسالة من الله إلى العباد كالكتاب الذي يبعثه الملك عند الرّسول ولله المثل الأعلى، والتّوحيد من جملة المأمور به، وأمرت أن أكون من المسلمين.
قوله: «أكثر فتياهم»: بضمّ الفاء، هي بيان الحكم في المسألة، وإنّما كان أكثر فتياهم حديث النّبيء صلّى الله عليه وسلّم لكثرة أخذهم عنه ومعرفتهم بأحكامه، وفيه إشارة إلى أنّهم في بعض الأحوال يحتاجون إلى القياس ويفتون به، إذ لابدّ للأكثر من أقلّ.
قوله: «في الماء الدّائم»: أي: الرّاكد، وهو الذي لا يجري، نهيها عن البول فيه ثمّ الاغتسال منه أو الوضوء إمّا لكونه ينجس بذلك، كما قال به بعضهم وإمّا لخوف الوسواس، كما جاء في بعض الآثار أنّه يورث الوسواس وإمّا لخوف أن يقذّره على غيره، فإنّ عادة العرب تقصد الماء للورد فإذا بال فيه فقد غشّهم أو قذّره عليهم، وبذلك يفوت المقصود من الماء ويذهب الانتفاع.<01/51>
ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسّنة.
قوله: «ما عملتم بكتاب الله ... الخ»: فيه حثّ على الاعتصام بالكتاب والسّنة واتّباع هداة الأمّة، وإنّ الهدى والرّشد في ذلك، وقدّم الكتاب على السّنة؛ لأنّه هو الذي جاء نصاًّ من عند الله تعالى والسّنة كالتّفسير له، ونظيره ما جاء في حديث معاذ حين أرسله إلى اليمن. (1/52)
صفحة 53
قوله: «فإلى أولي الأمر منكم»: المراد بأولي الأمر منّا علماء الشّرع فهو على حدّ قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىآ أُوْلِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}[النّساء: 83]، والاستنباط استخراج الأحكام من معاني الكتاب والسّنّة، ففي الآية والحديث إشارة إلى أنّ كثيرا من الأحكام تحتاج إلى البحث والتّنقير وأعمال الفكر وإجالة النّظر، وهما أيضا دليل لقول من فسّر "أولي الأمر" بالعلماء في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ}[النّساء: 59]، وقيل المراد: الأمراء، والأوّل أظهر في المعنى، والثّاني أظهر من حيثُ اللّفظ، وبوجوب طاعة العلماء ينتظم الأمر ويلتئم الشّعث وتقوم قناة الإسلام ويتمّ النّظام.
ما جاء في فضل حلقة الذكر.
قوله: «بينما»: هي بين الظّرفيّة، زيدت بعدها "ما" فكفتها عن الإضافة.
قوله: «ثلاثة نفر»: <01/52> لم أقف على أسمائهم.
قوله: «سلما»: يؤخذ منه سنّيّة السّلام على من في المسجد ومجلس الذّكر، وقد قيل: أحقّ بالسّلام من كان في المجلس أو ذكر الله، وقيل: لا يسلّم على من كان في الذّكر لئلاّ يشغله.
قوله: «فرجة»: بضمّ الفاء وفتحها، هي الخلاء بين الشّيئين، والحلقة: كلّ شيء مستدير خالي الوسط، وفيه استحباب التّحليق في مجلس الذّكر والعلم، وفيه أنّ من سبق إلى موضع منها كان أحقّ به.
قوله: «وجلس الآخر»: بفتح الخاء المعجمة، وفيه ردّ على من زعم أنّه مختصّ بالأخير لإطلاقه هنا على الثّاني. (1/53)
صفحة 54
قوله: «فآوى إلى الله ... الخ»: قيل بقصر الأوّل ومدّ الثّاني، وفي القرآن العزيز:{اِذَ اَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ}[الكهف: 10]، بالقصر، {وَءَاوَيْنَاهُمَآ إِلىَا رُبْوَةٍ}[المؤمنون: 50]، بالمدّ وحكي في اللّغة القصر والمدّ في الموضعين، ومعنى آوى إلى الله: لجأ إليه، ومعنى: فآواه الله، أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمّه إلى رحمته ورضوانه.
قوله «فاستحي من الله»: أي: ترك المزاحمة حياء من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.
قوله: «فاستحى الله منه»: أي: رحمه ولم يعاقبه.
قوله: «فأعرض»: أي: ترك حضور المجلس أنفة واستكبارا، فهو على حدّ قوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}[فصّلت:51].
قوله: «فأعرض الله عنه»: أي: سخط عليه وصدّ رحمته عنه جزاءا وفاقا، هذا وجه الحديث ولا حاجة إلى تكلّف التّأويل الذي نقله المحشيّ فإنّ استعمال الإعراض إنّما يكون غالبا في التّكبّر والأنفة، {وَمَنْ يَّعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}[الزّخرف: 36]، {وَمَا تَاتِيهم مِّن ـ اَيةٍ مِّنَ ـ ايَاتِ رَبِّهِمُ, إلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}[الأنعام: 04]، {فَإِنَ اَعْرَضُوا فَقُلَ اَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً}[فصّلت: 13]، في كثير من الآيات وإطلاق الأعراض ونحوه في حقّ الله تعالى على سبيل المقابلة والمشاكلة، فيحمل كلّ لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وفائدة إطلاق ذلك بيان الشّىء بطريق واضح.
الباب الخامس: في طلب العلم لغير الله وعلماء السّوء.
وهم الذين لم يعملوا بعلمهم، ذكر في التّرجمة شيئين، أحدهما يخصّ الطّالب والثّاني يخصّ الواصل، وكلامهما ظاهر من أحاديث الباب.
ما جاء فيمن لم يعمل بما علم. (1/54)
صفحة 55
قوله: «ويل لمن لا يعلم مرة ... الخ»: المراد بمن لا يعلم: الجاهل المستغني بجهله عن سؤال أهل الذّكر، والمراد بمن يعلم ولم يعمل المرتكب للحرام على علم، وإنّما كان له الويل مرّتين لأنّه ضلّ على علم فله ويل بالضّلال وآخر بمخالفة مقتضى العلم، ولم يكن للجاهل إلاّ ويل واحد لأنّه لم يرتكب إلاّ أحد الشّيئين وهو الضّلال، وويل: كلمة عذاب، يقال: ويله ويلك وويلا، وفي النّدبة: ويلاه، وهو بمعنى الهلكة الخيبة، وقيل: بمعنى التّحسّر والتّهلك، وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنّم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه، ومعنى هذا القول أنّ في النّار موضعا يتبوّأ فيه من جعل لهم الويل والأوّل أظهر؛ لأنّ العرب كانت تقوله في جاهليّتها وهم مع ذلك يقولون: {أَ.ذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا اِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}[الصّافّات: 16].
ما جاء في طلب العلم للمباهاة.<01/54>
قوله: «ليباهي به العلماء»: المباهاة المفاخرة، يقال: تباهوا، إذا تفاخروا.
قوله: «أو ليماري به السّفهاء»: المماراة: المجادلة، والسّفهاء الذين لا أحلام لهم ولا دين.
قوله: «وهو خائب من الحسنات»: لاشيء له منها، وذلك أنّ قصد المباهاة أو المماراة بالعلم من كبائر الذّنوب، فهي تحبط العمل على حدّ قوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}[الحجرات: 02]، ففي كلّ واحد من الآية والحديث دليل على أنّ الكبيرة تحبط العمل، وإنّما كان جزاؤه ذهاب حسناته لأنّه اختار عنها في حياته المباهاة أو المجادلة، وهما من لذائذ النّفوس الرّديئة، فكان ذلك حظّه من طلبه وإيّاه قصد، فهو نظير من عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدّنيا.
ما جاء فيمن طلب العلم للعظمة والرّفعة
قوله: «للعظمة»: بفتحتين: الكبرياء. (1/55)
صفحة 56
قوله: «والرّفعة»: بكسرٍ فسكون: العلوّ في المنزلة.
قوله: «الذّلّ»: بضمّ الذّال ضدّ العزّ.
قوله: «الصّغار»: بفتح المهملة: الحقارة، والمعنى أنّ الله تعالى يعاقبه بنقيض قصده، فهو إنّما قصد العظمة فعوقب بالذّلّ، وقصد الرّفعة فعوقب بالصّغار جزاءا وفاقا، {ذَالِكَ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيكُمْ}[البقرة: 182]، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[يونس: 44].
قوله:«حسرة وندامة»: أسفا على ما فرّط في جنب الله وتندّما على ما ضيّع من حقّ العلم وذهاب الحسنات.
قوله: «حتّى يكون العلم لأهله زينا»: بفتح الزّاء، نقيض الشّين، يعني أنّ الله تعالى يفعل به ذلك ليظهر به زين العلم لأهله العاملين به، فحتّى: بمعنى كي، على حدّ قولهم: أسلم حتّى تدخل الجنّة، وفي نسخة حين يكون العلم وعليها، <01/55> فالمعنى: أنّ الله يفعل به ذلك حين يظهر زين العلم لأهله بالأمن وورود الحوض ورضى الرّبّ فيكون أشدّ حسرة وندامة والعياذ بالله.
ما جاء فيمن أفتى بغير علم
قوله: «من أفتى مسألة»: يعني من مسائل الشّرع أو غيره كالطّبّ ونحوه فأمّا الأوّل ففيه ضرر الدّين، وأمّا الثّاني ففيه ضرر الدّنيا والكلّ تقوّل بلا علم.
قوله: «أو فسّر رؤيا»: يعني رؤيا منام، وفي منع تفسيرها بغير علم دليل على منع جميع التّقوّلات في الشّرع وغيره، وعلم الرّؤيا أحوال اعتباريّة تتعّلق بالنّظر في حال الرّائي والمرئيّ، مع اعتبارات أخر يلهمها الله من يشاء وتحصل بممارسة قواعد المعبّرين، وتفسيرها بغير علم القول فيها بغير الاعتبار المخصوص. (1/56)
صفحة 57
قوله: «كان كمن وقع من السّماء ... الخ»: هذا مَثَل لهلاكه بقوله على الله ما لا يعلم، والمعنى أنّه يبعد عن السّلامة كبعد من سقط من السّماء فصادف بئراً لا قعر، لها فهو لا يستقرّ من وقوعه في مكان دائم الأبد، وهذه الصّفة نظير ما ذكر الله تعالى من صفة المشرك في قوله عزّ من قائل: {وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فيِ مَكَانٍ سَحِيقٍ}[الحجّ: 31]، وقد قرن تعالى القول على الله بغير علم بالفواحش في قوله: {قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ}[الأعراف: 33]، إلى قوله: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 33]، وقوله: {اِنَّمَا يَامُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]. (1/57)
صفحة 58
قوله: «ولو أنّه أصاب الحقّ»: في فتواه وتفسيره؛ لأنّ الممنوع القول بغير علم فقائل ذلك مخطئ في تقدّمه وإن صادف الحقّ فإنّ مصادفة الحقّ لا ترفع عنه إثم التّقدّم، والله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}[الإسراء: 36]، وهذا يدلّ على منع التّقدّم في القول والفعل بغير علم، والحديث وسائر الآيات إنّما تدلّ على منع <01/56> القول بغير علم، وهي ساكتة عن الفعل، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فقيل: يهلك في القول والفعل، وقيل: يهلك في القول ويعصي في الفعل، وقيل: يعصي في القول ولا ينبغي له التّقدّم في الفعل، وقيل: لا ينبغي له القول بما لا يعلم، وأمّا الفعل فلا بأس، وقيل: إنّ الممنوع أن يقول: علمت أنّ الله أحلّ لي هذا وهو لم يعلم أنّه حلال، فيعصي بذلك وأمّا إن قال: إنّه حلال لي، ولم يدّعِ العلم فلا بأس إن أصاب وهذا الخلاف كلّه حيث أصاب الحقّ، أمّا إذا لم يصبه فهالك من جانبين؛ القول بما لا يعلم وموافقة الباطل، وأصحّ الأقوال ما دلّ عليه ظاهر الحديث وهو الهلاك في الفتوى، وأمّا الفعل فدون ذلك إذ لا يتعدّى ضرره إلى غيره، بخلاف القول، وأيضاً فإنّما يلزمه الامتناع عن فعل المحرّمات دون المباحات، فإن وافق مباحا فلا معنى لهلاكه.
ما جاء في علماء السوء (1/58)
صفحة 59
قوله: «يخرج فيكم ... الخ»: انظر ما الوجه في ذكر هذا الحديث والذي بعده في هذا الباب، ولعلّه أشار بذكر هؤلاء إلى أنّهم من جملة علماء السّوء وإن اختصّوا بالعبادة، وذكر في البخاري سبب هذا الحديث أنّ أبا سعيد الخدريّ قال: "بينما نحن عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يقسّم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله أعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاتهم مع صلاتهم"، ثمّ ساق الحديث مع زيادة في آخره واختلاف في بعض الألفاظ، وذكر في آخره "أن آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من النّاس، قال أبو سعيد: فاشهد أنّي سمعت هذا الحديث من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ،وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرّجل <01/57> فالتمس، فأتي به حتّى نظرت إليه على نعت النّبيء صلّى الله عليه وسلّم الذي نعته"، وهذه الزّيادة لم يروها جابر بن زيد، وهو قد سمع الحديث من أبي سعيد أيضا، أتراه يأخذ عن أبي سعيد ويسمع منه ذلك ثمّ يتولّى من كان هذا وصفه؟ كلاّ، بل هو أورع من ذلك، وقد أدرك عصر الصّحابة وسمع من كثير منهم، وإنّى لأنزّه البخاري عن الكذب لكنّه يأخذ عن أهل الأهواء كالشّيعة والمرجئة ثقة بهم وإنّ لهم أهواء لا يُؤمنون معها على نقلٍ يخالف ما هم فيه، وكيف يصحّ ذلك، وهذا الحسن بن علي تلقا أباه حين دخل الكوفة، فقال: يا أبتي أقتلت القوم؟ قال: نعم قال لا يرى قاتلهم الجنّة، قال: ليت أنّى أدخلها ولو حبواً، ولمّا فقد على تلك الأصوات باللّيل كأنّها دويّ النّحل، قال: أين أسود النّهار ورهبان الليّل؟ قالوا: له قتلناهم يوم النّهر، وفي السّيَر من كتاب النّهروان حدّثني مسعود بن الحكم الهمداني: أن ابن عبّاس قال للحسن إنّكم (1/59)
صفحة 60
لأحقّ بيت في العرب أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل، قمتم بكتاب الله وبسنّة نبيئه عليه السّلام فجاهدتم بها ثمّ جعلتم حكما على كتاب ربّكم ثمّ خيار المسلمين وفقهائهم، وقد أفنوا المخّ واللّحم وأجهدوا الجلد والعظم من العبادة، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وفي السّير أيضا عن الحصين بن نوفل عن ابن عبّاس قال: أصاب أهل النّهر السّبيل أصاب أبو بلال السّبيل، وفي السّير أيضا من كتاب النّهروان وحدثني مسعود بن عبد الله بن شدّاد أنّه قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة فقالت: يا عبد الله لم قتل عليّ أصحابه؟ فحدّثها بالقصّة كلّها، فقالت: ظلمهم، قالت: هل تسمّي أحدا ممّن قتل؟ قال: نعم حرقوص بن زهير السّعدي، فاسترجعت، وقالت: أشهد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان في منزلي قال: يا عائشة أوّل رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنّة فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماء، وقال ذلك في اليوم الثّاني، فدخل وكذلك في اليوم الثّالث، قالت: ومن؟ قلت: زيد بن حصن الطّائي، فبكت وقالت: والله لو اجتمعت الأمّة على الرّمح الذي طعن به زيد لكان حقاًّ على الله أن يكبّهم جميعاً في النّار، ولمّا التحم القتال في النّهروان من الغداة إلى الأصيل وعلي واقف ومعه أبو العقيصة فسمعه يقول: والله إن كنتم لأصحاب الدّار يوم الدّار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفّين يوم صفّين وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن، فقال: <01/58> له ففيم نحن إذا؟ فضرب فرسه فلحق بهم وقتل فيها، وعن ابن عبّاس قال: حدّثني قنبر مولى علي، قال: تحوّلت أنا وعلي إلى النّهر بعد القتال فانكبّ طويلا يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: ويحك صرعنا هاهنا خيار هذه الأمّة وقرّاءها، فقلت: أي والله، فأبكى وبكى طويلاً ثمّ قال: جذعت أنفي وشفيت نفسي، فأظهر النّدامة على قتله إيّاهم، وقال له رجل: هؤلاء الذين يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، قال: ويحك أولئك أهل التّوراة والإنجيل، وقال له آخر: والله ما (1/60)
صفحة 61
بين الطّريقين طريق إن كان أمر الحكمين هدىً فقد ضللت بنقضك عهدك وبراءتك منهما، وإن كان ضلالةً لقد ضللت بقتلك أهل النّهر إذ نهوك عن الضّلالة، وفي السّير أيضا من كتاب النّهروان عن جابر بن زيد أنّ علياًّ لمّا أظهر النّدامة للنّاس قيل له: قتلت قوماً وأظهرت النّدامة عليهم وطفقت تمدحهم وتزيّن أمرهم لتخلعنّ أو لتقتلنّ، فلمّا أصبح قال: ابتغوا في القتلى رجلاً فوجدوا نافعاً مولى ترملة صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان صالحاً مجتهداً قطع الفحل يده، فقال: هذا هو، فقال له الحسن: هذا نافع مولى ترملة، قال: له أسكت الحرب خدعة، وهذا الرّجل هو التبس به على القوم أمر دينهم وظنّوا أنّه علامة للباطل، فهذه بعض الآثار الموجودة في أهل النّهر رضوان الله عليهم والكلام في استقصائها طويل، وللقوم في ذلك أهوية حملت بعضهم على وضع أحاديث في القضيّة وبعضهم على تأويل الصّحيح على غير وجهه فالله المستعان، قال القطب: وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد يصحّ الحديث ويزيدون فيه وقد يصحّ الحديث ويؤوّلونه فينا وليس فينا، ثمّ ذكر تأوّل علي بن أبى طالب للحديث في أهل النّهر وكذا تأوّل أبي أُمامة حديثا رواه أيضا وتأوّله في من أنكر التّحكيم وهذا تأويل لم يقم عليه دليل، وكيف لا يحمل الحديث في عبّاد قومنا مع ما ترى من اجتهادهم، فإنّ أصحابهم يؤثرون عنهم أشياء من التّلاوة والعبادة نحقر صلاتنا مع صلاتهم وصيامنا مع صيامهم، فلعلّ الحديث فيهم، فيكون لكلٍّ تأويله وهذا إلزام للخصم بنظير قوله، وأمّا الحديث فهو عندنا في علماء السّوء وفي كلّ من خالف عمله كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحديث عبادة بن الصّامت الآتي في باب الإمارة وفيه: "ستكون عليكم أمراء يقرؤون كما <01/59> تقرؤون ويعملون ما تنكرون"، ويمكن أن يحمل على غلاة الخوارج من الأزارقة والصّفريّة القائلين بشرك أهل (1/61)
صفحة 62
الكبائر فإنّهم يجتهدون في التّحرّز والعبادة لئلاّ يقعوا في الشّرك ويؤيّده ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يقول وهوى بيده إلى العراق، يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السّهم من الرّميّة"، وحمْلُه على كلّ من خالف الحقّ في عبادته أظهر، كما يدلّ عليه ظاهر قوله السّلام يخرج فيكم قوم ... الخ، فإنّ لفظ "في" تدلّ على أنّ الخروج بمعنى الوجود بعد العدم، والمعنى: يوجد فيكم قوم هذا وصفهم، واعلم أنّ اسم "الخوارج" كان في الزّمان الأوّل مدحاً لأنّه جمع "خارجة"، وهي الطّائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عزّ وجلّ: {وَلَوَ اَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}[التّوبة: 46]، ثمّ صار ذماًّ لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذّمّ في من اتّصف بذلك آخر الزّمان، ثمّ زاد استقباحه حين استبدّ به الأزارقة والصّفريّة فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبّحت لغيرها، فمن ثَمَّ ترى أصحابنا لا يتسمَّوْنَ بذلك وإنّما يتَسمَّوْن بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الدّيانة وعكس هذا الاسم تسمية أهل السّنّة، فإنّه كان في الزّمن الأوّل قبيحاً لكون المراد بالسّنّة التي سنّها معاوية في سبّ علي وشتمه على المنابر، فصار ذلك سنّة ينشأ عليها الصّغير ويموت عليها الكبير، حتّى غيّرها عمر بن عبد العزيز في خلافته، فأهل ذلك الحال هم أهل السّنّة في ذلك الزّمان ثمّ اندرس هذا السّبب واختفى وظنّوا أنّ السّنّة سنّة النّبيء صلّى الله عليه وسلّم فتمدّحوا بذلك وجمعوا بين المتضادّين في الولاية وهم يعلمون أنّ الحقّ مع فريق منهم وخالفوا سنّتهم الأولى حين صارت الدّولة لبني العبّاس من بني هاشم.
قوله: «تحقرون»: بكسر القاف: أي: تستصغرون. (1/62)
صفحة 63
وقوله: «حناجرهم»: جمع حنجرة بالفتح، وهي الحلقوم وهي مدخل الطّعام والشّراب كنّى بذلك عن عدم القبول، أي: لا يرفع لهم عمل أو عن عدم الانتفاع، فلا تجاوز قراءتهم حناجرهم، أي: لا تعدو اللّسان فلا تصل إلى القلب، وهذا المعنى أنسب بالتّرجمة فإنّه وصف علماء السّوء والعياذ بالله.<01/60>
قوله: «يمرقون»: بضمّ الرّاء، يخرجون من الدّين، يقال: مرق السّهم من الرّميّة إذا خرج من الجانب الآخر، ومنه سمّيت الأزارقة الفرقة المارقة.
قوله: «كما يمرق السّهم»: بفتح السّين وسكون الهاء، شيء يرمى به في الزّمان الأوّل له نصل حادّ وخشبة، وهى المسمّاة بالقِدْح، بكسرٍ فسكون، تجعل فيه لتحمله عند الإرسال والرّميّة: بفتح الرّاء وكسر الميم وتشديد الياء بمعنى المرمى وهي الصّيد، الذي يرمى، يقال: بئس الرّميّة الأرنب، والنّصل حديدة السّهم والقِدْح: خشبة والرّيش هو ريش الطّائر يلزق بالسّهم ليكون أقوى في السّير والفُوق: بضمّ الفاء وسكون الواو، رأس السّهم حيث يجعل في الوتر.
قوله: «تتمارى»: أي: تشكّك، وهذا الأوصاف كلّها بيان لخلوّهم من الدّيانة فإنّ السّهم المارق ينظر صاحبه في نصله فلا يرى شيئاً من الدّم ولا شيئا من علامة الإصابة، ثمّ ينظر في خشبته فلا يرى شيئا من العلامات ثمّ ينظر في الرّيش الذي ألزقه بالسّهم فلا يرى شيئا، ثمّ يشكّك في الفُوق الذي هو رأس السّهم هل أحكم وضعه في الوتر الذي هو حبل القوس؟ فكذلك هؤلاء المارقون ومن الخوارج وغيرهم تنظر في جميع أحوالهم فلا تجد شيئا منها موافقا للكتاب والسّنّة والتّمثيل من المجاز المركّب لفظا ووصفا، وقول الرّبيع رحمه الله تعالى: رأس السّهم الذي يوضع فيه الوتر تفسير للفُوق، ولعلّ لفظة "الفُوق" سقطت من يد النّاسخ إذ الظّاهر ذكرها كغيرها من الألفاظ المفسّرة، والوَتَر: بفتحتين، حبل القوس. (1/63)
صفحة 64
قوله: «ويروى أيضا وتنظر إلى القديدة»: يعني مكان الفُوق، والقَديدة: بفتح القاف ومهملتين بينهما مثنّاة من تحت، وهي رأس السّهم أيضا، سمّيت بذلك لحصول الشّقّ فيها؛ لأنّ القدّ في اللّغة الشّقّ طولاً فهي بمعنى الفُوق أيضاً والاختلاف في الرّواية إنّما هو في نفس العبارة.<01/61>
ما جاء في البيان بالسّحر
قوله: «عن عبد الله بن عمر»: بن الخطّاب القرشيّ العدويّ تقدّم نسبه في ذكر أبيه وهو شقيق حفصة وأمّها زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحيّة، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وقد قيل أنّ إسلامه قبل إسلام أبيه، ولا يصحّ وإنّما كانت هجرته قبل هجرة أبيه فظنّ بعض النّاس أنّ إسلامه قبل إسلام أبيه، وأجمعوا على أنّه لم يشهد بدرا واختلفوا في شهوده أحدا، فقيل: شهدها، وقيل: ردّه صلّى الله عليه وسلّم الله عليه وسلّم مع غيره ممّن لم يبلغ الحلم، وهو أثبت القولين، قال مالك: أقام ابن عمر بعد النّبيء صلّى الله عليه وسلّم ستّين سنةً يفتي النّاس في الموسم، وقال الشّعبي: كان ابن عمر جيّد الحديث ولم يكن جيّد الفقه، وكان ابن عمر شديد الاحتياط والتّوقي لدينه في الفتوى وغيرها، حتّى أفضى به الحال إلى الشّكّ في قتال الفئة الباغية، فلم يشهد مع علي شيئا من حروبه حين أشكلت عليه، ثمّ يقال: أنّه ندم بعد ذلك، فيروى أنّه قال حين حضره الموت: ما أجد في نفسي من الدّنيا إلاّ أنّي لم أقاتل الفئة الباغية، وتوفّي سنة ثلاث وسبعين وعمره أربع وثمانون سنة. (1/64)
صفحة 65
قوله: «قدم رجلان من المشرق ... الخ»: هكذا رواه أهل الثّبت، وفي زهر الآداب لأبي إسحاق القيرواني المعروف بالحصري عن ابن عبّاس رضوان الله عليهما قال: وفد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الزبرقان بن بدر وعمر وابن الأهتم فقال الزبرقان: يا رسول الله أنا سيّد تميم، والمطاع فيهم والمجاب منهم، آخذ لهم بحقّهم وأمنعهم من الظّلم، وهذا يعلم ذلك، يعني عمرا، فقال عمرو: أجل يا رسول الله إنّه مانع لحوزته مطاع في عشيرته، شديد العارضة فيهم، فقال الزبرقان: أما أنّه والله علم أكثر ممّا قال، <01/62> ولكنّه حسدني في شرفي، فقال عمرو: أما إن قال ما قا،ل فوالله ما علمته إلا ضيّق العطن زمن المروة، أحمق الأب لئيم الحال، حديث الغنى فرأى الكراهة في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا اختلف قوله، فقال: يا رسول الله رضيت، فقلت: أحسن ما عملتَ وغضبتَ، فقلت أقبح ما علمتَ وما كذبتَ في الأولى، ولقد صدقت في الثّانية، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ من البيان لسحراً وإنّ من الشّعر لحكمةً"، ويروى "لحكما" والأوّل أصحّ، وبنو الأهتم بيت بلاغة في الجاهليّة والإسلام.
قوله: «إنّ من البيان لسحراً»: أي: أنّ بعض البيان سحر؛ لأنّ صاحبه يوضّح الشّيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب كما تستمال بالسّحر، وقال بعضهم: لمّا كان في البيان من إبداع التّركيب وغرابة التّأليف ما يجذب السّامع ويخرجه إلى حدّ يكاد يشغله عن غيره شُبّه بالسّحر الحقيقيّ، فقيل: هو السّحر الحلال، وقيل: معناه أنّ من البيان ما يكتسب به من الإثم ما يكتسبه السّاحر بسحره، فيكون في معرض الذّمّ والأوّل أظهر، وبه فسّر الرّبيعرحمه الله تعالى، ومن وقف على السّبب المتقدّم في ذكر هذا الحديث عرف أنّ الغرض منه المدح لا الذّمّ، والله أعلم. (1/65)
صفحة 66
قوله: «باب في الأمّة»: أي: في بيان أحوالها والأمّة بالضّمّ اتّباع النّبيء والجمع أمم مثل غُرفة وغُرف، وتطلق الأمّة على عالم دهره والمنفر بعلمه.
الباب السّادس: في الأمّة أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
ما جاء في بيان الأفضل من هذه الأمة.<01/63>
قوله: «خير أمّتي قوم يؤمنون بي ... الخ»: ونظيره الحديث الآتي عن أبى هريرة "وددت أنّي رأيت إخوانى، قالوا يا رسول الله: ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإنّما إخوانى الذين يأتون من بعدي، وأنا فرطهم على الحوض"، ومثله أيضا ما روى أبو أمامة أنّه صلّى الله عليه وسلّم "قال: طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرّات لمن لم يرني وآمن بي"، وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: كنت جالسا عند النّبيء صلّى الله عليه وسلّم قال:" أتدرون أيّ الخلق أفضل إيمانا قلنا؟ الملائكة، قال: وحقّ لهم بل غيرهم قلنا: الأنبياء، قال: وحقّ لهم بل غيرهم، ثمّ قال صلّى الله عليه وسلّم: أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرّجال يؤمنون بي ولم يروني، فهم أفضل الخلق إيماناً"، وجاءت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ خير أمتّه صلّى الله عليه وسلّم القرن الذي بعث فيه ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم، ثمّ يخلف قوم يحبّون السّمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا، ولا منافاة بينها وبين أحاديث الباب لأنّ فيها تفضيل القرون بعضها على بعض ولا شكّ أنّ قرن الصّحابة أفضل ممّا يليه من حيث الجملة، وكذا الذين يلونهم، وأحاديث الباب فيها تفضيل قوم مخصوصين على مطلق الأمّة، قال ابن عبد البرّ: قد يكون في من يأتي بعد الصّحابة أفضل ممّن كان في جملة الصّحابة، وأنّ قوله عليه السّلام خير النّاس قرني، ليس على عمومه بدليل ما يجمع من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه عليه السّلام جماعة من المنافقين وأهل الكبائر، الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود، وذهب الجمهور إلى تفضيل أوّل هذه الأمّة لأنّ فضيلة الصّحبة لا يعدلها عمل (1/66)
صفحة 67
لمشاهدة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتمسّكوا بظواهر الأحاديث التي أشرنا إليها والجواب: ما مرّ من أنّها مفضّلة للقرن الأوّل من حيث الجملة على أنّه صلّى الله عليه وسلّم قد صرّح بتفضيل إيمان من آمن به ولم يره ولمّا نزل قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ,}[المائدة: 54]، قال صلّى الله عليه وسلّم من رهطك يا سلمان، وقال: "لو تعلّق الدّين بالثّريا لنالته رجال من الفرس"، <01/64> أو كما قال، كذا ذكره أصحابنا رحمهم الله تعالى، وأصل الحديث في الصّحيحين وغيرهما، وقد رواه البخاري من طريقين عن أبي هريرة، قال: "كنّا جلوسا عند النّبيء صلّى الله عليه وسلّم فأنزلت عليه سورة الجمعة {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ}[الجمعة: 03]، قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتّى سأل ثلاثاً وفينا سلمان الفارسي وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده على سلمان ثمّ قال: لو كان الإيمان عند الثّريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء"، وفي الرّواية الثّانية: "لناله رجال من هؤلاء"، والشّكّ في الرّواية الأوّلى من سليمان بن بلال المذكور في السّند، قال ابن حجر: وقد أطنب أبو نُعيم في أوّل تاريخ أصبهان في تخريج طرق هذا الحديث، أعني حديث: "لو كان الدّين عند الثّريا" ووقع في بعض طرقه عند أحمد بلفظ: "لو كان العلم عند الثّريا"، وفي بعض طرقه عند أبي نعيم عن أبي هريرة: أنّ ذلك كان عند نزول قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}[محمّد: 38]، ويحتمل أن يكون ذلك صدر عند نزول كلّ من الآيتين وقد أخرج مسلم الحديث مجرّداً عن السّبب من رواية يزيد بن الأصمّ عن أبي هريرة رفعه: "لو كان الدّين عند الثّريا لذهب رجال من أبناء فارس حتّى يتناولوه"، وأخرجه أبو نُعيم من طريق سليمان التيميّ: "حدّثني شيخ من أهل الشام عن أبي هريرة نحوه، وزاد في آخره: برقّة قلوبهم"، (1/67)
صفحة 68
وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن التّيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي بالزّيادة، ومن طريق أخرى من هذا الوجه فزاد فيه: "يتّبعون سنّتي ويكثرون الصّلاة عليّ ثمّ ظهر هذا الوصف في بني رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي وبنو رستم هم أئمة المسلمين في أرض المغرب، ظهرت لهم في أيّام بني العبّاس قوّة ظاهرة ودولة وافرة وصولة باهرة وسيرة زاهرة، وأخبارهم شاهرة، رضوان الله عليهم.
قوله: «ويعملون بأمري»: فيه دليل على أنّ الإيمان لا يجزي دون العمل فهو نظير قوله تعالى: {اِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}[العصر: 03].
قوله: «فأولئك لهم الدّرجات العلى»: يعني في الجنّة، وإنّما كان ذلك جزاءهم لأنّهم آمنوا به عملوا بأمره ولم يروه، وإنّما رأوا سوادا في بياض، فصدّقوا وأذعنوا، فهم بمنزلة من آمن بالغيب مرّتين، <01/65> إحداهما: الإيمان محمّد صلّى الله عليه وسلّم ولم يروه، والثّانية: الإيمان بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأخبار بالغيب وأحوال الآخرة، وقد أثنى الله على الذين يؤمنون بالغيب، فهؤلاء استحقّوا الثّناء من جهتين فكان أجرهم أعظم.
قوله: «إلاّ من تعمّق في الفتنة»: التّعمّق في الفتنة، الغوص فيها، والفتنة الميل عن الحقّ، وأصلها المحنة والابتلاء، والجمع في، وهي مأخوذة من قولك: فتَنْتُ الذّهب والفضّة: إذا أحرقته بالنّار، ليبين الجيّد من الرّديء، وقد وقع في التّحذير عن الوقوع في الفتنة أحاديث يأتي بعضها في أحاديث المسند إن شاء الله تعالى.
ما جاء في عصمة الأمّة (1/68)
صفحة 69
قوله: «ما كان الله ليجمع أمّتي على ضلال»: وهو الانحراف عن الحقّ وهذا من شرف هذه الأمّة وخصوصيّتها من بين سائر الأمم لشرف نبيئها صلّى الله عليه وسلّم، فالضّلال مستحيل على الأمّة كلّها بل لا بدّ من قائمٍ بحقّ وداعٍ إلى هدى {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}[الرّعد: 07]، {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}[التّوبة: 119]، فأمرنا سبحانه وتعالى أن نكون مع الصّادقين، فدلّ ذلك على بقاء الصّادقين إلى آخر الزّمان إذ لا يأمرنا تعالى بالكون مع المعدوم، فإذا أجمعت الأمّة على شيء من الأحكام الشّرعيّة علمنا أنّه حقّ لهذا الحديث، وأمثاله من السّنّة ولقوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا}[النّساء: 115]، فالآية والحديث حجّة على أنّ الإجماع حجّة ولذلك أدلّة أخر بسطناها في طلعة الشّمس.<01/66>
ما جاء في اختلاف الأمّة.
قوله: «إنّكم ستختلفون بعدي»: وفي نسخة: "من بعدي"، وهذا من أعلام النّبوءة فإنّه إخبار بغيب وقع يقينا مشاهداً. (1/69)
صفحة 70
قوله: «فاعرضوه على كتاب الله ... الخ»: إثبات هذا الحديث من هذا الطّريق قاض بصحّته وعلوّ سنده وإن لم يثبت عند قومنا بل رووا معناه من طرق ضعيفة، روى الدّارقطنى في الأفراد والعقيلي في الضّعفاء وأبو جعفر بن البختري في الجزء الثّالث عشر من فوائده من حديث محمّد بن عون الزّياديّ حدّثنا أشعث بن نزار عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة مرفوعاً إذا حدّثتم عنّي بحديث يوافق الحقّ فصدّقوه وخذوا به حدّثت به أو لم أحدّث به، قال العقيلي: ليس للحديث إسناد يصحّ، وأخرج الطّبراني في الكبير من حديث الوضين عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا: "سئلت اليهود عن موسى فأكثروا فيه وزادوا فيه ونقصوا، حتّى كفروا، وسألت النّصارى عن عيسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتّى كفروا، وإنّه ستفشو عنّي أحاديث، فما أتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروا، فما وافق كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله، قال السّخاوي: وقد سئل شيخنا عن هذا الحديث فقال: إنّه جاء من طرق لا تخلو من مقال، قال: وقد جمع طرقه البيهقي في كتاب المدخل. (1/70)
صفحة 71
قوله: «فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي»: وهذا في ما وقع فيه الاختلاف بين الأمَّة بدليل قوله: "إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ بَعْدِي"، فأمَّا المتَّفق عليه أنَّه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلا يحتاج إلى عرض، بل يجب العمل به وإن خالف ظاهر الكتاب؛ لأنَّه إمَّا ناسخ أو مخصِّص، فالأوَّل: كقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لا وصيَّة لوارث"، فَإِنَّهُ ناسخ لقوله تعالى: {اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، وقيل: بل نسخت بآية الميراث، وقيل: بهما معا. والثَّاني: كقوله صلّى الله عليه وسلّم في حقِّ هذه الأمَّة: "لها ما سَعَت وما سُعي لها" أو كما قال، <01/67> فإنَّه مخصِّص لقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النَّجم: 39]، حيث كان عامًّا لغير هذه الأمَّة وإنَّما وجب الأخذ به مع مخالفة ظاهر الكتاب لقوله تعالى: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 07]. (1/71)
صفحة 72
قوله: «وما خالفه فليس عنّي»: وكيف يخالف كتاب الله وبه هداه ربّه، وهذا قانون يعرف به مقبول الأخبار من مردودها، فمن تمسّك بظاهر كتاب الله عند اختلاف الأمّة في حكم أو خبر فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وأخذ بوصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث، وقد تقدّم أنّ الحديث في ما اختلفت فيه الأمّة، وأنّ ما اتفقت عليه لا يحتاج إلى العرض، فالمعروض ما جاءنا عنه من الأخبار المختلف في ثبوتها، وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد حكم بأنّ ما خالف كتاب الله منها فليس عنه، وذلك لأنّه توفّي عليه الصّلاة والسّلام والدّين كامل والنّعمة بالإسلام تامّة وقد علم النّاسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ واستقرّت الشّريعة واستبان الحقّ فما جاءنا بعد ذلك عرضناه على المعلوم المستقرّ في زمانه من كتاب الله وسننه، فإن وافق قبلناه، كما جاء في رواية أخرى: "فاعرضوه على كتاب الله وسنّتي"، ولا منافاة بين الحديثين؛ لأنّ المعروض على سنّته المستقرّة في زمانه معروض على كتاب الله لأنّ الكتاب هو الذي أثبت تلك السّنّة بقوله: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}[الحشر: 07]. (1/72)
صفحة 73
قوله: «ستفترق أمّتي ... الخ»:_هذا من أعلام النّبوءة أيضاً، فإنّه أخبر عن شيء من الغيب فوقع مشاهداً، فإنّ افتراق الأمّة قد كان ما وصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ثلاثٍ وسبعين فرقة، فعشرون منها في المرجئة، وأربع وعشرون في الشّيعة واثنتا عشرة في المعتزلة، وسبع عشرة في المحكّمة، وقيل: تفصيلهم غير ذلك، وحديث تفرّق الأمّة أخرجه أبو داود والتّرمذي، وقال: حسن صحيحٌ، وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، والنّصارى كذلك، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّهم في النّار إلاّ واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي"، وهو عند ابن حبّان <01/68> والحاكم في صحيحيهما بنحوه، وقال الحاكم: أنّه حديث كبير في الأصول، وقد روي عن سعد ابن أبي وقاص وابن عمرو وعوف بن مالك، قال السّخاوي: وعن أنس وجابر وأبي أمامة وابن مسعود وعلي وعمر وابن عوف وعويمر أبي الدّرداء ومعاوية وواثلة.
قوله: «كلّهم إلى النّار»: أي: يصيرون إليها والعياذ بالله، وذلك لخلاف الحقّ الذي أوجب الله عليهم اتّباعه، ومن ترك الواجب القطعيّ هلك لأنّ الله تعالى قد توعّد على خلاف الحقّ، وأوجب على ذلك النّار والعياذ بالله، وهذه الفرق الضّالة قد خالفت الحقّ من أبواب شتّى، وقد يوافق بعضها في شيء ويخالف في غيره، {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَالِكَ خَلَقَهُمْ}[هود: 118-119]. (1/73)
صفحة 74
قوله: «ما خلا واحدة ناجية»: وهي التي ثبتت على كتاب الله وسنّة نبيئه عليه الصّلاة والسّلام وسنّة الخلفاء المهديّين عملاً بوصيّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعن أبي نجيح العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنّها موعظة مودّع، فأوصانا، قال: أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والسّمع والطّاعة، وإن تأمّر عليكم عبد فإنّه من يعش منكم فيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهدبّين عضّوا عليها بالنّواجد وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ بدعة ضلالة"، رواه أبو داود والتّرمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ولا يخفي أنّ السّيرة التي كان عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر اختلفت في آخر خلافة عثمان وأنّ المنكرين عليه إنّما طالبوه بتلك السّيرة فما زال يماطلهم، والأحكام مضيّعة، ثمّ طلبوا منه أن يعدل أو يعتزل فأبى عليهم وكلّهم يد واحدة عليه إلاّ من كان من خاصّته وخدمه فحاصروه طويلا ثمّ قتلوه ولا مُنكر، ثمّ قدّموا علي بن أبي طالب إماماً على السّيرة الغرّاء فخرج معاوية عن طاعته خوفا على ولايته أن تسلب ووازره عمرو على ذلك بعد أن اشترط عليه ما اشترط، ولبّسوا على النّاس أنّهم يطلبون بدم عثمان، ثمّ نكث طلحة والزّبير بيعة علي، فكانت وقعة الجمل ثمّ سار إلى معاوية والمسلمون له موازرون ومناصرون، فكانت وقعة <01/69> صفّين، ثمّ خدعوه بطلب التّحكيم وأعطى على ذلك العهود والمواثيق، وإمامته واضحة نيّرة، فطلبوا منه الثّبات على تلك السّيرة الواضحة والتّمسّك بقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّىا تَفِيءَ اِلَىآ أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات: 09]، فأبى عليهم وخاصموه في المسألة فخصموه، فلم يرجع فتركوه، وقدّموا عبد الله ابن وهب الرّاسبيّ، وكان من أمر الحكمين ما كان من اتّفاقهما على عزله واختلافهما في (1/74)
صفحة 75
معاوية، فلم يرض بحكومتهما، فأين ما أعطى من العهد والميثاق إن كان التّحكيم حقاًّ، وإن كان باطلاً فعلى ما يلام ويقاتل من لم يرض به ؟ فإن قيل: إنّما قاتلهم لأجل الخروج عنه لا لإنكار الحكومة، قلنا: إنّما خرجوا بعد أن خلع الإمامة من عنقه وجعلها إلى الحكمين يحكمان فيها كيف شاءا، مع أنّه لا طاعة لمن لم يطع الله عزّ وجلّ، فعن أنس: "أنّ معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنّون بسنّتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا طاعة لمن لم يطع الله عزّ وجلّ"، الحديث في مسند أحمد وفي جامع التّرمذي وفي مسند أحمد أيضاً عن حذيفة رضي الله عنه، قال: كنّا عند النّبيء صلّى الله عليه وسلّم جلوسا، فقال: إنّي لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتمسّكوا بعهد عمّار وما حدّثكم به ابن مسعود فصدّقوه"، وفي رواية: "فتمسّكوا بعهد أمّ عبد واهتدوا بهدي عمّار"، فنصّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في آخر عمره على من يقتدي به من بعده، وعلى من يهتدي بهديه وعلى من يسمع قوله فالأصحاب رحمهم الله تعالى اقتدوا بأبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمّار وسمعوا قول ابن مسعود، فهم على وصية نبيئهم عليه الصّلاة والسّلام، فهذا دليل على أنّ الصّواب ما عليه الأصحاب، وقد روت القوم أحاديث تقتضي سعادة عثمان ومن بعده من أهل الأحداث المخصوصين، ولإن صحّت تلك الأحاديث فلا يضرّنا ورحمة الله واسعة، والأصحاب رحمهم الله تعالى قد حكموا في ذلك بحكم الله تعالى، ولا تناقض بين سعادتهم، وحكم الله فيهم في هذه الدّنيا، فكم من محدود على الزّنا والخمر، وهو في علم الله تعالى يموت تائبا، ظهرت توبته للنّاس أو انسترت، ويؤيد ذلك ما في البخاري في فضل عائشة عن الحكم، سمعت أبا وائيل قال: لمّا بعث علي عمّاراً والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم (1/75)
صفحة 76
<01/ 70> خطب عمّار فقال: إني لأعلم أنّها زوجته في الدّنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتّبعوه أو إيّاها، وذلك يوم الجمل.
قوله: «وكلّهم يدّعي تلك الواحدة»: أي: كلّ واحدة من تلك الفرق تقول: إنّها المصيبة في ما ذهبت إليه، وإنّها هي المصرّح بنجاتها في نصّ الحديث وهذا شأن كلّ أمّة اختلفت بعد نبيئها، ولولا هذه الدّعاوي مادام الخلاف إلى يوم القيامة لأنّ الباطل البحت لا ثبات له وإنّما يثبته إيّاه وإخراجه في صورة الحقّ وتأييده بالشُّبه في صورة البرهان، فيخفى على كثير من النّاس إلاّ من هدى الله من المؤمنين والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قوله: «لعن الله من أحدث في الإسلام حدثا ... الخ»: الحدث في الإسلام تبديل شيء من أحكامه الثّابتة بالكتاب والسّنّة، فمن بدّل شيئا منها فقد استحقّ اللّعن لأنّه ناقض ما جاء به الرّسول صلوات الله عليه وسلامه، وذلك أنّ الرّسول جاء لتأييد الدّين وتشييد الإسلام، فمن جاء بخلاف ذلك فهو مناقض لما جاء به صلّى الله عليه وسلّم، فلا يحلّ لأحد من المسلمين أن يواليه أو يؤاويه غضبا لله تعالى ونصرة للدّين فمن آواه صار حكمُه حكمَه، واستحقّ اللّعنة مثله، إذ بالمؤاواة يكون شادًّا لعضده ومشاركا له في حدثه.
ما جاء في فضل أهل الوفاء من بعده صلّى الله عليه وسلّم وعقوبة النّاكثين لعهده. (1/76)
صفحة 77
قوله: «خرج إلى المقبرة»: ولعلّها البقيع لأنّها المعهودة عندهم، والمقبرة بضمّ الباء _وفتحها موضع القبور، وفيه مسنونيّة زيارة القبور وبيان ما يقال عند زيارتها من التّحيّة، ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا، وفيه أيضا أنّ التّسليم على الميّت حول قبره ليس كالتّسليم عليه <01/71> من بعيد وذلك لأمر يعلمه الله، {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}[الإسراء: 85]، فعلينا القبول والتّسليم لما جاء به محمّد عليه الصّلاة والتّسليم فإن خصّ أحد من النّاس بالكشف عن بعض ما هنالك فهي المنحة الإلهيّة والتّحفة الرّبانيّة، والله يؤتي فضله من يشاء، وإن حجب عن الكشف وهي حال أكثر الخلق فالواجب الوقوف حيث العلم والإيمان بالغيب، {وَالذِينَ يُومِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}[البقرة: 04].
قوله: «دار قوم مؤمنين»: منصوب على التّخصيص لا على النّداء كما قيل، ولا يجوز جرّه على البدليّة من الضّمير خلافا للمحشّي في الموضعين.
قوله: «بكم لاحقون»: أي نموت كما متّم، فلا أنتم أحقّ بالموت منّا ولا نحن أحقّ بالحياة منكم، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر: 30]، وإنّما ذكر المشيئة تبركاً وعملا بقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ اِنِّي فَاعِلٌ ذَالِكَ غَدًا(23) إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ}[الكهف: 23-24].
قوله: «وددت أني رأيت إخواني»: يعني إخوانه في الدّين وهم الذين وصفهم في الحديث وهذا تشوّق منه إليهم، لعظم منزلتهم وعلوّ درجتهم، كما تقدّم بيان ذلك في أوّل حديث من الباب. (1/77)
صفحة 78
قوله: «بل أنتم أصحابي»: أي: المختصّون بصحبتي دون الأخوّة المشار إليها، وفيه أنّ درجة الأخوّة أعلا من درجة الصّحبة، فإن قيل: الكلّ إخوانه في الدّين فما معنى هذا التّفصيل، فالجواب: أنّ هذا تفصيل خاصّ في هذا الموضع خاصّة، لاحظ فيه معنى التّسمية في اللّغة والشّرع معا، فإنّ الأخوّة فيها أخصّ من الصّحبة، وأمّا الشّرع، فإن جعل الموافقة في الدّين أخوّة اصطلاحاً شرعيًّا، قال تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}[الأحزاب: 05]، وقال في الكفّار: {وَإِخْوَانُهُمْ يُمِدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ}[الأعراف: 202]، ففي هذا الحديث مراعاة لموضوع اللّغة مع العرف الشّرعيّ حيث نفى الأخوّة عن بعض وأثبتها لبعض، وقد يراد بالأخوّة معنى خاصّ كمؤاخاته صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصار وكقوله صلّى الله عليه وسلّم في أبي بكر: "ولكن أخي وصاحبي".
قوله: «وأنا فرطهم على الحوض»: <01/72> الفَرَط بالتّحريك، الذي يتقدّم الواردة فيهيّئ لهم الحبال والدّلاء ويمدر الأحواض ويستقي لهم، ثمّ أطلق في هذا الحديث على المتقدّم، فإنّ حوضه صلّى الله عليه وسلّم لا يحتاج إلى حبال ودلاء، وكذلك الحديث الآخر في الدّعاء للطّفل الميّت: "اللّهم اجعله لنا فَرَطاً"، أي: أجراً يتقدّمنا.
قوله: «أرأيتم»: أي: أخبروني.
قوله: «محجّلة»: التّحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في الرّجلين قلّ أو كثر ولا يجاوز الرّكبتين صاعداً ولا العرقوبين سافلاً، وموضع حُسنه موضع الخلاخل والقيود، وهي الأرساغ.
قوله: «دُهم»: جمع أدهم، وهو الأسود، والدُّهمة: السّواد.
قوله: «بُهم»: بالضّمّ جمع بهيم، وهو الذي لا يخلط لونه شيء يخالفه. (1/78)
صفحة 79
قوله: «غراًّ محجّلين»: الغرّ بضمّ فسكون، جمع أغرّ، والغرّة بياض في جبهة الفرس فوق الدّرهم، استعيرت للنّور الذي يكون في وجه المؤمن يوم القيامة من أثر الوضوء، والتّحجيل تقدّم ذكره واستعير هنا للنّور الذي يكون في أرجل المؤمنين وأيديهم يوم القيامة، وهذه خصوصيّة لهذه الأمّة، فإن سائر الأمم وإن شاركونا في الوضوء لا يشاركونا أيضاً في الغرّة والتّحجيل، وقيل: أنّ الوضوء على هذه الكيفيّة من خصوص هذه الأمّة والمعنى أنّ وضوءهم غير وضوئنا، وقيل: أنّ الوضوء من خصوص هذه الأمّة أيضا، فإنّه لم يكن إلاّ الأنبياء دون أممهم، ورد بما ثبت في قصّة سارة عليها السّلام مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما همّ الملك بالدّنوّ منها قامت تتوضّأ وتصلّي، وفي قصّة جريج الرّاهب أيضا أنّه قام فتوضّأ وصلّى، ثمّ كلّم الغلام، وهل يختصّ وصف الغرّة والتّحجيل بأهل السّعادة من هذه الأمّة دون غيرهم من الأشقياء وإن توضؤوا؟ الظّاهر" نعم؛ لأنّه علامة تستلزم الورود على الحوض؛ ولأنّ وضوء الأشقياء لا أثر له، وكيف يكون الغرّة والتّحجيل لمن اسودّت وجوههم، والنّاس يومئذ صنفان تبيضّ وجوه قوم، وتسودّ وجوه آخرين، ولا يوجد صنف ثالث، فريق في الجنّة وفريق في السّعير، فإن قيل: قد جاء في الحديث أنّه ينادي رجالا منهم يُطردون عن الحوض فبأيّ شيء عرفهم؟ فالجواب: <01/73> أنّ المنادين رجال كان يعرفهم في حياته بألوانهم وصفاتهم، كما يدلّ عليه قوله أنّهم قد بدّلوا بعدك، وقد جاء في رواية عند قومنا ذكرها البخاري في مواضع من صحيحه: "ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال، فأقول: يا ربّ أصيحابي _ وفي نسخة : أصحابي _ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصّالح وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم فلمّا توفّيتني كنتَ أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيء شهيد، فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم". (1/79)
صفحة 80
قوله: «وليذادنّ»: بالبناء للمفعول، أي: يطردنّ ويمنعنّ، يقال: ذاد الرّاعي إبله عن الماء يذودها إذا منعها.
قوله: «البعير الضّالّ»: أي: الذّاهب على أهله، فإنّه كلّما ورد على قوم طردوه ومنعوه من الماء لتشرب إبلهم قبله.
قوله: «فأناديهم»: أي: فأدعوهم، وأقول: "ألا هلمّ ألا هلمّ"، أي: تعالوا، وفي نسخة: "ألا هلموا ألا هلموا"، وهذه وردت على لغة أهل نجد، فإنّهم يصرفونه فيقولون للاثنين: هلمّا، وللجمع هلمّوا، وللمرأة هلمّي، وللنّساء هلممن، والنّسخة الأولى على لغة أهل الحجاز، فإنّهم يقولون: هلمَّ بفتح الميم، يقولون ذلك للمذكّر والمؤنّث والواحد والجمع، قال تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ}[الأنعام: 150]، وقال: {وَالْقَآئِلِينَ ِلإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}[الأحزاب: 118]، وهذه أفصح، وبها نزل القرآن، وهذا النّداء دليل على أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يعرف تلك الرّجال المذادين عن حوضه في حياته بألوانهم وأسمائهم لا بالغرّة والتّحجيل، إذ لا نور للأشقياء وأعمالهم هباء.
قوله: «قد بدّلوا بعد»: أي: بعد موتك فعملوا بخلاف ما أوصيتهم به من الإقتداء بسنّتك وسنّة الخلفاء الرّاشدين، والعضّ عليها بالنّواجد.
قوله: «فسحقاً فسحقاً»: قال المحشّي في بعض النّسخ: "سحقا"، بغير فاء والسّحق بالضّمّ: البعد، يقال: سحقا له، أي: أبعده الله، وقوله تعالى: {فَسُحْقًا ِّلأَصْحَابِ السَّعِيرِ}[الملك: 05]، أي: أبعدهم الله من رحمته وهو من المصادر التي نابت عن فعلها كقولهم جذعا له وكيا، وأصله من سحق الشّيء فهو سحيق، إذا بعد، وفي قوله :صلّى الله عليه وسلّم <01/74> ذلك لهم دليل على أنّه لا يرقّ لهم ولا يشفع لهم، {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}[غافر: 18].
الباب السّابع: في الولاية والإمارة. (1/80)
صفحة 81
قوله: «باب في الولاية والإمارة»: بكسر الأوّل فيهما، وهما بمعنى واحد؛ لأنّ المقصود التّسلط والتّمكن، وقد تكون الإمارة عامّة وخاصّة لقوم دون قوم، وكذا الولاية وتخصّ العامّة بالإمامة والخلافة، ويقال لمتولّيها إمام المسلمين وأمير المؤمنين، والخليفة يعنون خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: لا يقال له أمير المؤمنين حتّى يستولي على جميع نواحيهم، والأوّل أصحّ والثّاني أشهر في الاستعمال، وأوّل من لقّب بخليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر الصّديق رضى الله عنه وأوّل من لقّب بأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، والإمامة فرض بالكتاب والسّنّة والإجماع والاستدلال، فالكتاب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ}[النّساء: 59]، على قوله من تأوّلهم بالأئمة، وقيل المراد العلماء، وقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ}[النّور: 08]، وفاعل ذلك هو الإمام، ومن ذلك قوله في ثلاث آيات: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ}[المائدة: 44]، والمخاطب بذلك ولاّة الأمر، وأمّا السّنّة فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا افتتح بلدا أمّر عليها أميرا مرضياًّ، وكذلك كان يفعل بالمدينة إذا خرج حاجاًّ أو غازياً كانت أمراءه في البلاد مشهورين بتأميره إيّاهم وعقد الولاية لهم، فإذا كان هذا مع وجوده عليه السّلام فمع عدمه أحرى أن يثبت، وقد قال عليه السّلام أطيعوا: "ولاّة أموركم"، وقال لمعاذ: "ولا تعص إماماً عادلاً"، وقال: "السّمع والطّاعة ولوكان حبشياًّ مجذعاً"، وفي رواية: "أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطّاعة، وإن تأمّر عليكم عبد"، وأمّا الإجماع ففِعلُ المهاجرين والأنصار إياّها، وقولهم بثبوتها وإن اختلفوا في من يقوم بها فإنّهم لم يختلفوا أنّها واجبة أو غير واجبة، ولذلك قاتلوا من خرج عن طاعة الإمام، وأمّا الاستدلال فإنّ الأمّة مجتمعة (1/81)
صفحة 82
على أنّ <01/75> لله فروضاً أمر بها وحدوداً أوجبها لا يقيمها من باشرها منهم على نفسه، وأنّه ليس لعامّة النّاس أن يقيموها عليه، فتوقّف أمر إقامتها على قائم بأمور المسلمين، وما توقّف عليه الواجب كان واجباً؛ لأنّ ترك الواجب حرام.
ما جاء في ولاية قريش
قوله: «لا يزال هذا الأمر يعني الولاية في قريش ... الخ»: وفي رواية عند قومنا: "النّاس تبع لقريش"، وفي أخرى: "الأئمة من قريش"، وهذا إخبار عن الواقع بعده صلّى الله عليه وسلّم ليس تخصيصاً لقريش بالخلافة، وعلى هذا أهل الاستقامة ووافقهم النَّظَّام وغيره من النّاس، وخالفت الأشاعرة، فاشترطوا كون الإمام قرشياًّ، وزعموا أنّ الأحاديث تقتضي الخلافة بقريش، وادّعوا على ذلك إجماع الصّحابة، قال القاضي عياض: وقد احتجّ به أبو بكر وعمر رضى الله عنهما على الأنصار يوم السّقيفة فلم ينكره أحد، والجواب: أمّا الأحاديث فبيّنت معناها أحاديث أخر، ففي صحيح البخاري عن أنس عن النبىء صلّى الله عليه وسلّم قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كان رأسه زبيبة"، وفي صحيح مسلم عن أبى ذرّ رضى الله عنه قال: "إنّ خليلى صلّى الله عليه وسلّم أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبداً حبشياًّ مجذع الأطراف"، وفي حديث العرباض بن سارية عن أبى داود والتّرمذي وقال: حسن صحيح، أنّ النّبيء صلّى الله عليه وسلّم قال: "أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطّاعة، وإن تأمّر عليكم عبد"، والأحاديث في هذا كثيرة، وأمّا الإجماع فلم ينعقد على أنّ الخلافة لا تجوز إلاّ في قريش وأنّ من عقد على صحّة إمامة أشخاص منهم لثبوت العقدة الصّحيحة لا لأنّهم قرشيون فقط، وفي صحيح البخاري من حديث عروة بن الزّبير عن عائشة: "أنّ الأنصار اجتمعت إلى سعد بن <01/76> عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول: (1/82)
صفحة 83
والله ما أردت بذلك إلاّ أنّي قد هيّأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثمّ تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغ النّاس، فقال: في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال: حباب بن المنذر لا والله لا نفعل، منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابا فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه النّاس، فهذه مخاطبة المهاجرين والأنصار في الإمام، ولو كانت مختصّة بقريش ما طلبها الأنصار ولو كانت الخصوصيّة ثابتة شرعا لاحتجّ بها أبو بكر، ولمّا لم يحتج بذلك بل ذكر أنّهم أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابا، علمنا أنّ قوله: نحن الأمراء وأنتم الوزاء من باب السّياسة في انقياد النّاس وتألّفهم وطاعتهم لمن يعلمون له سابقة الشّرف أكثر من طاعتهم لمن لا يعترفون له بذلك، وهذا معروف في أطباع البشر لاسيما وقد سبقت فيهم النّبوءة فازدادوا بذلك شرفا على شرفهم، وانقادت النّاس لهم في عصر النّبوءة، فإذا قدّموا إماما من غيرهم وقعت النّفرة في النّفوس، لما طبعت عليه من العتوّ وخيّل إليها أنّها دولة أخرى، فمن هذا المعني كانوا أحقّ بالأمر في ذلك العصر، أمّا انقياد النّاس لهم أيّام دولتهم عند عدلهم وجورهم، فذلك شأن الدّول في كلّ زمان، فلا يدل على تخصيصهم بالخلافة، وقد أنكرت الصّحابة ومَن بعدهم على من انحرف عن الحقّ منهم فحاصروا عثمان يوم الدّار حتّى قتلوه وقاتلوا طلحة والزّبير يوم الجمل ومعاوية يوم صفّين وفارقوا عليا يوم حكم الرّجال في حكم أمضاه الله، ولم يجعل لغيره فيه مدخلا وهو قتال الفئة الباغية حتّى تفيء إلى أمر الله والعدول عن هذا الحكم إلى ما يحكم به الحكمان عدول عن حكم الله إلى حكم الرّجال، ثمّ عقدوا الإمامة على عبد الله بن وهب الرّاسبيّ رحمة الله عليه، (1/83)
صفحة 84
ولم ينكر عليهم أحد عقد الإمامة لغير قرشيّ وإنّما أنكروا خروجهم عن علي حين ظنّوا بقاء إمامته على أن الخارجين عندهم حجّة الله يومئذ في أرضه رهبان اللّيل أُسود النّهار ما أنكروا إلاّ منكرا وما طلبوا إلاّ هدى، ولولا ضيق المقام لبسطت <01/77> الكلام في بيان طريقتهم النّيّرة بما لا يرتاب عاقل في أنّ الهدى معهم، فبهداهم اقتده، ولم يبق عند علي بعد خروجهم عنه إلاّ طلبة البيضاء والصّفراء، فمن ثمّ كانت أموره في نزول ودولته في خمول.
ستحصد هذا الزّرع إما تقصدت * عراقك لا يلوي عليك ضمير
تنازعها سلّ السّيوف فتلتوي * وتخطب والقلوب صخور
قتلت نفير الله والرّبح فيهم * فأصبحت فذاًّ والنّفير نفور
وليس من الحكمة الإلهيّة أن تخصّ الإمامة بطائفة جاروا أو عدلوا، صلحوا أو فسدوا؛ لأنّ ذلك مناف للمعنى الذي لأجله شرعت الإمامة في النّاس. (1/84)
صفحة 85
قوله: «ما دام فيهم رجلان»: وفي رواية عند قومنا: "ما بقي في النّاس اثنان"، وانظر وجه الجمع بينهما، فإنّ قوله: ما دام فيهم، يؤذن بأنّ وجود الأمر فيهم معلّق بوجود رجلين مخصوصين، ولهذا أشار بأصبعيه وكان المشار إليهما رجلان معروفان عند ابن عبّاس راوي الحديث، لكنّه لم يذكرهما في هذا الموضع، ورواية قومنا تدلّ على بقاء الأمر فيهم ما بقي في النّاس اثنان، فيقتضي ذلك تأبيد الأمر فيهم والمشاهَد خلافه والكذب محال، فعلمنا أنّهم رووا الحديث بالمعنى وغلطوا في فهمه، وأقرب منها رواية البخاري: "ما بقي منهم اثنان فإنّها تقرب من رواية الرّبيع وإن لم تصرّح تصريحه، فإن قيل: إنّ تأويل الرّجلين بشخصين معيّنين ينافيه المشاهَد من الحال فإنّ الملك قد بقي في قريش بعد الصّحابة زمانا طويلا، فالجواب: أنّ المراد بالأمر في الحديث الأمر المعهود في زمانه صلّى الله عليه وسلّم، وهى الولاية العادلة والإمارة المستقيمة المخصوصة باسم الخلافة، ولا شكّ أنّ هذا الحال قد زال عن قريش في حياة أكثر الصّحابة، فصارت الخلافة ملكا ولعلّ الرّجلين المشار إليهما العبّاس بن عبد المطلب وعبد الرّحمن بن عوف رضى الله عنهما إذ بموت العبّاس انتقض الشّرّ بالمسلمين وظهرت الأحداث من عثمان، وبموت عبد الرّحمن قامت الفتن من معاوية وعمر وغيره من الطّلبة بدم عثمان، فكان من أمر الفتنة ما كان، ويحتمل <01/78> أنّ المشار إليهما غير هذين الرّجلين ويحتمل أن يجرى الحديث مجرى المثل الذي لا تراد حقيقته، وهذا التّوجيه حسن في رواية المخالفين، ولا يتّجه في رواية الرّبيع للتّصريح فيه بالإشارة، والله أعلم.
قوله: «لمن افتتن بالملك»: إشارة إلى من مال به الملك عن الحقّ وترك السّيرة وفارق الجماعة، وأوّل من افتتن بذلك عثمان بن عفّان، ثمّ الطّالبون بدمه في زعمهم ليستجلبوا طعام النّاس وغوغائهم. (1/85)
صفحة 86
قوله: «عن أبي مسعود الأنصاري»: ابن عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة، ويقال يسيرة بن عسيرة بن عطيّة بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج وهو مشهور بكنيته، ولم يشهد بدرا وإنّما سكن بدرا فنسب إليها، وشهد العقبة الثّانية، وكان أحدث من شهدها سناًّ، وشهد أحد وما بعدها من المشاهد، وقيل: شهد بدرا ولم يصحّ، وسكن الكوفة، وكان من أصحاب علي واستخلفه على الكوفة لمّا صار إلى صفّين، واختلف في وقت وفاته، فقيل: توفّي سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، ومنهم من يقول: مات بعد سنة ستّين.
قوله: «وأنتم ولاّة ما لم تحدثوا ... الخ»: هذا مصرّح بما ذكرنا أوّلا أنّ المراد من ذلك الإخبار عن الذي وقع بعده صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بالحدث في هذا تبديل أحكام الكتاب والسّنّة، فإنّه إحداث أمر لم يكن في كتاب الله تعالى، ولا في سنّة نبيئه صلّى الله عليه وسلّم، وقد جاء في رواية عند قومنا: "عن أنس: الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إذا استرحموا، وقسطوا إذا قسموا، وعدلوا إذا حكموا، وفي رواية عند أصحابنا: "ما حكمت فعدلت، وقسمت فقسطت، وما أقامت فيكم كتاب الله وسنّة نبيئه صلّى الله عليه وسلّم، فإذا لم يفعلوا ذلك فضعوا سيوفكم على عواتقكم وأبيدوا خضراءهم"، وفي رواية عند قومنا: "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فان لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثمّ أبيدوا خضراءهم:، ذكره في الجامع الصّغير عن ثوبان عند أحمد وعن النّعمان بن بشير عند الطّبراني، قال الشّارح: وللحديث تتمّة وهي: "فإن لم تفعلوا فكونوا حرّاثين أشقياء تأكلون <01/79> من كدّ أيديكم.
قوله: «فإذا فعلتم»: أي: أحدثتم. (1/86)
صفحة 87
قوله: «أشرار خلقه»: هم الذين لا خلاق لهم في الدّين والدّنيا، والإشارة إلى ما وقع من التّتار فإنّهم هم الذين أزالوا قريشاً عن ملكهم ولَحُوهُمْ من الأمر، كما يُلحى القضيب، وإن بقيت من بني أميّة بقية ملوكاً على الأندلس بعد ذلك، فالله أعلم بمن لحاهم من أشرار الخلق، وهذه عقوبة الحدث المنصوص عليه في الحديث، فإن قيل: إنّ الحديث قد كان في القرن الأوّل، وهذه العقوبة إنّما ظهرت بعد قرون عديدة، فالجواب: لا يلزم اقتران العقوبة بالذّنب، بل اللاّئق بحلم الله وسعة عفوه الإمهال لعباده لعلّهم يتذكّرون فتنفعهم الذّكرى، وهذا شأن العقوبات السّماوية في جميع المحدثين من مشرك وفاسق، {اَيَحْسِبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ(55) نُسَارِعُ لَهُمْ فيِ الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}[المؤمنون: 55-56]، ولو استقامت قريش استقام لهم النّاس ولو لم يحدثوا ما خرج هذا الأمر من أيديهم.
قوله: «فيلحونكم»: بفتح الياء وسكون اللاّم وضمّ المهملة المخفّفة، أي: يقشّرونكم، يقال لحوْت العصا ولحيْتُها، إذا قشّرتها.
قوله: «لقضيب»: أي: قال ذلك لقضيب كان في يده.
ما جاء في أئمة الجور. (1/87)
صفحة 88
قوله: «أنّ عبادة بن الصّامت»: بضمّ العين وفتح الباء المخفّفة بعدها دال مهملة ثمّ هاء، هذا ضبطه، وأمّا نسبه فهو عُبادة بن الصّامت بن قيس بن أصرم بن فِهر بن ثعلبة بن قوقل، واسمه غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، وكنيته أبو الوليد، وأمّه قرّة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان، شهد العقبة الأولى <01/80> والثّانية، وكان نقيباً على القوافل بني عمرو بن عوف بن الخزرج، وبايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن لا يخاف في الله لومة لائم وآخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدرا وأحداً والخندق والمشاهد كلّها، وتوفّي سنة أربع وثلاثين بالرّملة وقيل بالبيت المقدس، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: توفّي سنة خمس وأربعين في أيّام معاوية، والأوّل أصحّ. (1/88)
صفحة 89
قوله: «فأتى عثمان بن عفّان»: بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ الأمويّ، يجتمع هو ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عبد مناف، يكنّى أبا عبد الله، وقيل: أبا عمرو، وقيل: كان يكنّى أوّلا بابنه عبد الله ثمّ كنّي بابنه عمرو، وأمّه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلم في أوّل الإسلام، دعاه أبو بكر لذلك فأجاب، وكان يقول، إني لرابع أربعة في الإسلام، وكان له قدم في الإسلام، وزوّجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بابنتيه واحدة بعد واحدة، وولّي أمر المسلمين بعد عمر بن الخطاب اثنتي عشرة سنة عدل في السّتّ الأوّل وبدّل في السّتّ الأخر، فعاتبه المسلمون ووعدهم فلم يف وتردّدوا عليه مراراً فما كان منه إلاّ الإقامة على الأحداث التي أنكروها ثمّ أحاطوا به في داره بالمدينة، قيل: شهرين وعشرين يوما، وقيل: سبعين يوماً، وقيل: دون ذلك وأقلّ ما قيل: شهرا، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، قاله نافع، وقال أبو عثمان الهندي: قتل في وسط أيّام التّشريق، وقال ابن إسحاق: قتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما من مقتل عمر بن الخطّاب، وعلى رأس خمس وعشرين من متوفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال الواقدي: قتل يوم الجمعة لثمان ليال خلت من ذي الحجّة يوم التّروية سنة خمس وثلاثين، وقد قيل: إنّه قتل يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجّة.
قوله: «ألا أخبرك ... الخ»: هذا وفاء بما بايع عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنّه بايعه على أن لا يخاف في الله <01/81> لومة لائم. (1/89)
صفحة 90
قوله: «ستكون بعدي أمراء ... الخ»: كثرت الأحاديث بالتّنبيه على هؤلاء الأمراء، وهي عند قومنا أكثر، وفي قوله: "يقرؤون كما تقرؤون ويعملون ما تنكرون، دليل على أنّ هؤلاء هم القوم الذين عناهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبي سعيد المتقدّم أنّهم يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة، وفي ذكر عبادة ذلك لعثمان تعريض له بأنّه منهم. (1/90)
صفحة 91
قوله: «فليس لأولئك عليكم طاعة»: وعند قومنا عن عمر، قال: الرّعية مؤدّية إلى الإمام ما أدّى الإمام إلى الله، فإذا رفع الإمام رفعوا، وفي مسند أحمد عن أنس أنّ معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنّون بسنّتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : "لا طاعة لمن لم يطع الله عزّ وجلّ"، وفي ابن ماجة من حديث ابن مسعود رضى الله عنه: "أنّ النّبيء صلّى الله عليه وسلّم قال: سَيَلي أموركم بعدي رجال يطفئون السّنّة بالبدعة ويؤخّرون الصّلاة عن مواقيتها، فقلت: يا رسول الله وإن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: لا طاعة لمن عصى الله"، وقد تقدّم قريبا قوله صلّى الله عليه وسلّم: "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثمّ أبيدوا خضراءهم"، فقوله ما استقاموا لكم، أي: أطيعوهم مدّة استقامتهم على الأحكام الشّرعيّة. (1/91)
صفحة 92
وقوله: أبيدوا، أي: أُهلكوا وخضراؤهم سوادهم ودهماؤهم، والمعنى: أقتلوا جماهيرهم وفرّقوا جمعهم، وفي هذا دليل على جواز الخروج على أئمّة الجور، وقد فعلته الصّحابة وأجمعوا عليه وإن اختلفت مقاصدهم ودعاويهم فانّ جميع وقائعهم إنّما كانت بادّعاء الجور على من خرجوا عليه صدقت الدّعوى أو كذبت، فأجمعوا أوّلا على قتال عثمان لما أحدث في الإسلام خلاف ما عهدوا من السّنّة عملاً بوصيّته صلّى الله عليه وسلّم في قوله: "عضّوا عليها بالنّواجد:، ثمّ خرج طلحة والزّبير على عليّ لادّعائهم الطّلب بدم عثمان في زعمهم، ثمّ خرج معاوية وعمرو على عليّ أيضا يوم صفّين متسترين بتلك الدّعوى <01/82> أيضاً، وما فيهم من يدّعي شركَ من خرجوا عليه، ولكن تعلّلات لو صحّت ما زادت على كفر النّعمة فعلمنا بذلك صحّة الخروج على أئمة الجور بالإجماع المذكور، وأكّد ذلك صحّة معنى الأحاديث المتقدّمة، فإن قيل: قد جاءت أحاديث تعارض ما ذكرتم، منها حديث ابن مسعود: "سَيَلِيكم أمراء يفسدون، وما يصلح الله بهم أكثر، فمن عمل منهم بطاعة الله فلهم الأجر وعليكم الشّكر، ومن عمل منهم بمعصية الله فعليهم الوزر وعليكم الصّبر"، ومنهما حديث عرفجة: "ستكون بعدي هناة وهناة وهناة، فمن أراد أن يفرّق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسّيف كائناً من كان"، فالجواب: لا معارضة بين الأحاديث، أمّا حديث ابن مسعود فإنّه يدلّ على أنّ أولئك الأمراء يتغلّبون على البلاد ويقهرون العباد، فلا يقدرون عليهم بشيء، فأمرهم عند ذلك بالصّبر لتعذّر الحيلة وسلاّهم بقوله: وما يصلح الله بهم أكثر، وذلك أنّ الجبّار الغشوم خير من فتنة تدوم، وأمّا حديث عرفجة ففيه الأمر بضرب من أراد أن يفرّق أمر المسلمين كائنا من كان، فهو مؤيّد لقوله فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثمّ أبيدوا خضراءهم، ولاشكّ أنّ العامل بخلاف ما أنزل الله، وبخلاف سنّة رسول الله مفرّقٌ لأمر المسلمين دون من (1/92)
صفحة 93
أنكر عليه ذلك.
قوله: «من أطاع أمري فقد أطاعني»: هذا بيان لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[محمّد: 33]، فطاعة الله امتثال أمره، وكذا طاعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ومن عصى أمره فقد عصاه، وإن ادّعى طاعته ومحبّته فلا تكفي الطّاعة باللّسان حتّى يصدّقها العمل.
قوله: «نحو المشرق»: وتلك الإشارة إلى العراق، كما جاء في حديث علي أنّه هوى بيده إلى نحو العراق، وهنالك يطلع قرن الشّيطان، وقد ظهرت فيها فتن كثيرة منها خروج طلحة والزّبير يوم الجمل، وخروج الأزارقة والصّفرية والنّجديّة وغيرهم من الفرق الضّالّة، وقد وقعت الفتنة في غيرها أيضا، لكن فيها أعظم، فمن ثمّ أشار إليها <01/83> رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثا وفي البخاري عن أسامة قال: "أشرف النّبيء صلّى الله عليه وسلّم على أطم من الآطام فقال: هل ترون ما أرى؟ إنّي أرى الفتن تقع خلال بيوتكم مواقع القطر"، فهذا الحديث مصرّح بأنّ الفتن تقع خلال بيوتهم وذلك في المدينة، والمناسب لذكر هذا الحديث في هذا الباب شيئان: أحدهما أنّ قوله من أطاع أمري ومن عصى أمري يشمل الأئمّة وغيرهم، والثّاني الإشارة إلى الفتنة أنّها غالبا تكون من الأمراء.
ما جاء في الإمام العادل. (1/93)
صفحة 94
قوله: «سبعة يظلّهم الله »: الغرض من سياق هذا الحديث ذكر الإمام العادل وأنّ له من الفضل هذه المزيّة العظمى، وظاهره اختصاص المذكورين بالثّواب المذكور، لكن وقع في صحيح مسلم من حديث أبى اليسر مرفوعا: "مَنْ أَنْظرَ معسراً أو وضع له أظلّه الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه:، وروى ابن حبّان من حديث عمر إظلال الغازي، وروى أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف إظلال من أعان مجاهدا أو أرفد غارما أو أعان مكاتبا، وروى البغوي في شرح السّنّة من حديث سلمان وأبو القاسم التّيميّ من حديث أنس إظلال التّاجر الصّدوق، فلا مفهوم للعدد في حديث المسند، لكن ذلك الذي سمعه أنس بن مالك عند الرّبيع وأبو هريرة عند البخاري.
قوله: «في ظلّه»: الإضافة للتّشريف، كما يقال: الكعبة بيت الله، مع أنّ جميع المساجد بيوت الله، فهو ظلّ خاصّ بالمذكورين دون غيرهم، وذلك هو ظلّ العرش، ويدلّ عليه حديث سلمان: "سبعة يظلّهم الله في ظلّ عرشه"، فذكر الحديث، وقيل: المراد بظلّه، كرامته وحمايته، كما يقال فلان في ظلّ الملك، وقيل: المراد ظلّ طوبى، وقيل: ظلّ الجنّة، ورُدّ القولان: بأنّ ظلّهما إنّما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنّة والمذكور <01/84> من إظلال السّبعة يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه، وذلك يوم القيامة كما وقع مصرّحا به في رواية أخرى عند البخاري وغيره، ثمّ أنّ ظلّ طوبى أو الجنّة مشترك لجميع من يدخلها، والسّياق يدلّ على امتياز أصحاب الخصال المذكورة فيرجح أنّ المراد ظلّ العرش.
قوله: «يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه»: وذلك يوم القيامة، يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسّماوات وبرزوا لله الواحد القهّار.
قوله: «إمام عادل»: اسم فاعل من العدل، والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كلّ من ولّي شيئا من أمور المسلمين، فعدل فيه، وأحسن ما فسّر به العادل أنّه الذي يتّبع أمر الله بوضع كلّ شيء في موضعه، من غير إفراط ولا تفريط. (1/94)
صفحة 95
قوله: «وشابّ نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ»: خصّ الشّابّ بذلك لكونه مظنّة غلبة الشّهوة، لما فيه من قوّة الباعث على متابعة الهوى، فإنّ ملازمة العبادة مع ذلك أشدّ وأدلّ على غلبة التّقوى.
قوله: «متعلّق قلبه بالمسجد»: أي مِن حبّه إياه، كما ورد مصرّحا به في رواية عند قومنا عن سلمان، ويدلّ عليه قوله: إذا خرج منه حتّى يعود إليه، وقيل: إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه، ويدلّ عليه ما في بعض الرّوايات عند قومنا، كأنّما قلبه معلّق في المسجد شبّهه بالشّيء المعلّق في المسجد كالقنديل مثلا.
قوله: «تحابّا»: بتشديد الباء وأصله تحاببا، أي: اشتركا في جنس المحبّة.
قوله: «اجتمعا وتفرّقا على ذلك»: أي: لم تغيّرهم عن ذلك الحبّ الأطماع والأغراض، بل لازماه حال اجتماعهما وافتراقهما، فهو كناية عن دوامهما على ذلك، وسيأتي للمصنّف رحمه الله تعالى في باب الحبّ حديث أبي هريرة: "يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: أين المتحابّون لأجلي، اليوم أظلّهم في ظلّي يوم لا ظلّ إلاّ ظلّي.
قوله: «ذكر الله»: بقلبه من التّذكر أو بلسانه من الذّكر، كذا قيل، والظّاهر أنّ المراد اجتماعهما، أو ذكر القلب فقط، أمّا ذكر اللّسان وحده فلا تفيض منه العين ولا يستوجب هذه المزيّة.
قوله: «خالياً»: أي: ليس معه أحد من الخلق؛ لأنّه يكون حينئذ أبعد من الرّياء.
قوله: «ففاضت عيناه بالدّموع»: أي فاضت الدّموع من عينيه وأسند <01/85> الفيض إلى العين مبالغةً كأنّها هي التي فاضت، فهو على حدّ قول القائل: وسَالَتْ بأعناق المطيّ الأباطح، وفيض العين بحسب حال الذّاكر، وبحسب ما يكشف له. (1/95)
صفحة 96
قوله: «من خشية الله»: أي: من خوفه تعالى، وقد مدح الله أهل خشيته في غير موضع من كتابه منها قوله عزّ من قائل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ}[فاطر: 28]، {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ}[النّحل: 50]، {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}[الأعراف: 205]، {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا}[الأنبياء: 90]، {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}[البقرة: 40].
قوله: «دعته امرأة ذات حسن وجمال»: وعند البخاري: "طلبته ذات منصب وجمال"، وزاد ابن المبارك: "إلى نفسها، وجاء فعرضت نفسها عليه"، والظّاهر أنّها دعته إلى الفاحشة.
قوله: «فقال: إني أخاف الله»: أي: فلا أعصيه، وقوله: ربّ العالمين، إشارة إلى أنّه مالكها أيضا فيجب عليها أن تخافه كما خافه هو، فهو على حدّ قول صاحب يس لقومه: {وَمَا لِي لآَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[يس: 22]، والظّاهر أنّه يقول ذلك بلسانه، إمّا ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها، والأوّل أظهر، قيل: ويحتمل أن يقوله بقلبه، وهو خلاف الظّاهر.
قوله: «تصدّق بصدقة»: نكّرها ليشمل كلّ ما يتصدّق به من قليل وكثير، وظاهره أيضاً يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النّوويّ عن العلماء أنّ إظهار المفروضة أولى من إخفائها.
قوله: «فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ... الخ»: مبالغة في شدّة الإخفاء، فهو على حدّ قوله تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُوتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}[البقرة: 271]، قال بعضهم: خُصّ ضرب المثل باليمين والشّمال لقرب ما بينهما ولاشتراكهما في العمل، وفي قوله: ما أنفقت يمينه إشارة إلى أنّ السّنّة الإنفاق باليمين وبها المناولة والتّناول.
ما جاء في ردّ الأحداث والبدع من الأئمّة وغيرهم.<01/86> (1/96)
صفحة 97
قوله: «من عمل عملا ... الخ»: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الدّين، وقال بعضهم: هذا الحديث يصلح أن يسمّى نصف أدلّة الشّرع؛ لأنّ الدّليل يتركّب من مقدّمتين، والمطلوب بالدّليل إمّا إثبات حكم أو نفيه، وهذا الحديث كبرى في إثبات كلّ حكم شرعيّ ونفيه، لأنّ منطوقه مقدّمة كلّيّة في كلّ دليل نافٍ لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: ليس هذا من أمر الشّرع، وكلّ ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدّمة الثّانية ثابتة بهذا الحديث، وإنّما يقع النّزاع في الأولى ومفهومه أنّ من عمل عملاً عليه أمر الشّرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنّيّة: هذا عليه أمر الشّرع، وكلّ ما عليه أمر الشّرع فهو صحيح، فالمقدّمة الثّانية ثابتة بهذا الحديث، والأولى في النّزاع، فلو اتّفق أن يوجد حديث يكون مقدّمة أولى في إثبات كلّ حكم شرعيّ ونفيه لاستقلّ الحديثان بجميع أدلّة الشّرع، لكن هذا الثّاني لا يوجد، فإذا هذا الحديث نصف أدلّة الشّرع، وقال النّووي: هذا الحديث ممّا ينبغي تحفّظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به لذلك، وإنّما ذكره المرتّب في هذا الباب إشارة إلى ردّ الأحداث ممّن كانت، حتّى على الأئمّة والأمراء.
قوله: «ليس عليه أمرنا»: أي: غير موافق لأمر الشّرع، وهذا يشمل جميع البدع المحرّمة، كأخذ المكوس والمكروهة كزخرفة المساجد، وتزويق المصاحف، دون الجائزة الرّاجعة إلى أصل شرعيّ كالاشتغال بعلم العربيّة المتوقّف عليه فهم الكتاب والسّنّة، فإنّ هذا قد يصير واجبا في حقّ بعض النّاس، وكذلك الأحوال المندوبة كاتّخاذ الرّباطات والمراصد للعدوّ، وكذلك ما يرجع إلى عادات النّاس من أمور المطاعم والمشارب والملابس، فإنّه يختلف باختلاف الأحوال والأمكنة، ولكلّ قوم عادتهم ما لم تفض إلى التّشبّه بأحوال المشركين، فإنّا قد نُهينا عن التّشبّه بهم، ومن تشبّه بقوم فهو منهم. (1/97)
صفحة 98
قوله: «فهو ردّ»: بفتح الرّاء، أي: مردود، وهو الذي لا يقضي الشّرع بصحّته فالرّد هنا بمعنى البطلان والفساد، والله أعلم.
الباب الثّامن في الرؤيا.
قوله: «باب في الرّؤيا»: على وزن فُعلى، بضمّ أوّله غير منوّن، يقال: رأى في منامه رؤيا، بلا تنوين لمنع صرفه، بألف التّأنيث، والرّؤيا أمثال يضربها المَلَك الموكّل بالرّؤيا ليستدّل الرّائي بذلك على نظيره ويعبر منه إلى شبهه، ولهذا سمّي تأويلها تعبيراً، وقد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرا وشرعا، ويقظة ومناما، ودلّ عباده على الاعتبار بذلك، فهذا أصل الرّؤيا التي هي جزء من أجزاء النّبوءة، ونوع من أنواع الوحي، ألا ترى أنّ الثّياب في التّأويل تدلّ على الدّين كما أوّل النّبيء صلّى الله عليه وسلّم القميص بالدّين والعلم، والقدر المشترك بينهما أنّ كلاًّ منهما يستر صاحبه ويجمّله بين النّاس.
قوله: «إذا انصرف»: أي: انصرف عن هيئة صلاته إلى الحاضرين بوجهه، وفي حديث ابن عمر عند قومنا كان إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل بوجهه، وفيه دليل على استقبال الإمام الجماعة بعد فراغه من الصّلاة.
قوله: «من صلاة الغداة»: هي صلاة الفجر وإنّما كان يقول ذلك بعدها خاصّة لأنّها تكون بعد يقظة النّاس في منامهم، وقد تشاركها في هذا المعنى الظّهر وقت الصّيف؛ لأنّ قبلها نوم الظّهيرة لكنّ اللّيل سكن وهو مظنّة الرّؤيا، وكثير من النّاس لا يقيلون، فلهذا خصّ صلاة الغداة بذلك.
قوله: «هل رأى أحد منكم اللّيلة رؤيا»: زاد في حديث ابن عمر عند قومنا: "يقصّها علينا"، وإنّما كان يسألهم عن ذلك رجاء أن يوافق رؤيا صالحة، كما يدلّ عليه قوله: "ليس يبقى من بعدي من النّبوءة إلاّ الرّؤيا الصّالحة". (1/98)
صفحة 99
قوله: «من النّبوءة»: وقوله في الحديث الآتي: «جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوءة»، وقوله في الحديث الثّالث: «الرّؤيا من الله»، هذا كلّه يدلّ على أنّ الرّؤيا حقّ وواجب، <01/88> ذلك وصفها أنّها من نوع النّبوءة وأنّها جزء من الوحي، وأنّها من الله، والسّرّ في ذلك أنّ المسلم الصّادق الصّالح يناسب حاله حال الأنبياء، وهو الاطّلاع على بعض الغيب، إمّا يقظة بالكشف أو مناما بالرّؤيا، بخلاف المشرك والفاسق المخلط الذي لا ثبات له على حال، ومعنى كونها جزءا من النّبوءة مجاز، وهو أنّها تجيء على موافقة النّبوءة؛ لأنّ الجميع حقّ لا أنّها جزء من النّبوءة باق؛ لأنّ النّبوءة انقطعت بموته صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: المعنى أنّها جزء من علمها لأنّها وإن انقطعت فعلمها باق، وقيل: المراد أنّها تشابهها في صدق الأخبار عن الغيب، فهو مبالغة في وصفها، وإمّا تخصيص عدد الأجزاء وتفصيلها فممّا لا اطّلاع لنا عليه ولا يعلم حقيقته إلاّ نبيء أو مَلَك وقيل: إنّ مدّة الوحي ثلاث وعشرون سنة، منها ستّة أشهر منام وذلك جزء من ستّة وأربعين، وهو مردود باختلاف الرّوايات الصّحيحة في تعيين هذا العدد، ففي بعضها من خمس وأربعين، وفي بعضها من سبعين من ستّة وسبعين، وروي من ستّة وعشرين، وروي من خمسين، وروي من أربعين، وروي من تسعة وأربعين، وروي من أربع و أربعين، وحصلت من اختلاف الرّوايات عشرة أوجه، أقلّها جزء من ستّة وعشرين، وأكثرها من ستّة وسبعين، وجمع بينها بأنّ ذلك يختلف بحسب مراتب الأشخاص، واختار بعضهم أن يكون هذا من الأحاديث المتشابهة التي نؤمن بها ونكل معناها لقائله صلّى الله عليه وسلّم، ولا نخوض في تعيين هذا الجزء من هذا العدد ولا في حكمه خصوصاً.
قوله: «أدركت ناسا»: فيه أنّه أخذ الحديث عن عدد كثير.
قوله: « الرّؤيا من الله»: الرّؤيا بالضّمّ اسم للصّالحة المحبوبة. (1/99)
صفحة 100
قوله: « والحُلْم: بضمّ الحاء وسكون اللاّم وضمّها اسم للمكروهة، وتخصيص الصّالحة بالرّؤيا، والمكروهة بالحلم تصرّف شرعيّ، وهما في أصل اللّغة اسم لما يراه النّائم في نومه.
وقوله: «من الشّيطان»: أضيف إليه ذلك لأنّه يحضره ويرتضيه، على أنّه لا إيجاد له في شيء من الأشياء، وأضيف في الرّؤيا إلى الله للتّشريف والكلّ خلقه، وجاء الرّؤيا ثلاثة، منها <01/89> تهاويل من الشّيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهتمّ به الرّجل في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوءة.
قوله: «فإذا رأى أحدكم ما يكرهه ... الخ»: إرشاد لما يصرف به كيد الشّيطان وإنّما خصّ بالتّفل تحقيراً واستقذاراً، وإنّما خصّ اليسار لأنّها محلّ الأقذار، وجهتها مقعد الشّيطان، وتخصيص العدد بالثّلاث لأنّه أقلّ الجمع فهو أدنى الكثير.
قوله: «وليتعوذ»: قيل ورد أنّه يقول: "اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عمل الشّيطان وسيّئات الأحلام"، وعن إبراهيم النّخعي قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله، من شرّ رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي، وليست الاستعاذة محدودة بألفاظ مخصوصة، والوارد من ألفاظها إن صحّت فمستحبّ لا غير أو إرشاد إلى المعنى.
قوله: «قال أحدهم»: أي أحد الصّحابة الذين أدركهم جابر وأخذ عنهم هذا الحديث، وإنّما أخبره بذلك ليعلم أنّ للحديث شأناً وأنّهم من التّصديق واليقين في أعلى الذّرى، وفي البخاري من حديث يحيى بن سعيد أنّ قائل ذلك هو أبو سلمة، والمراد أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ المدنيّ، وهو تابعيّ فيمكن أن يكون جابر رضي الله عنه عَنَاه بذلك، ويمكن أنّ أبا سلمة قد اتّفق له ذلك كما اتّفق لغيره أيضاً.
قوله: «أثقل من الجبل»: فيه تشبيه المتوهّم بالمحسوس، ومعناه أنّه يهتمّ بها أكثر من اهتمامه بنقل الجبل. (1/100)
صفحة 101
قوله: «فما كنت أبالي بها»: أي: لم يدخل في بالي اهتمام، وكيف أهتمّ بشيء نعت لي المصطفى علاجه، إنّ كيد الشّيطان كان ضعيفاً.
قوله: «من أفتى مسألة»: تقدّم شرحه في آخر باب من طلب العلم لغير الله.
وقوله: «الحديث»: إشارة إلى تقدّمه هناك، وهذا شأنه في غالب الأحاديث التي يذكرها في المواضع السّابقة ثمّ يحتاج إلى ذكرها في باب متأخّر، فإنّه يذكر أوّلها مشيرا <01/90> إلى تقدّمها بقوله: الحديث كما هنا.
قوله: «أراني اللّيلة»: أي: "في منامي"، لرواية البخاري، و"أراني الليلة عند الكعبة في المنام"، ورؤيا الأنبياء حقّ؛ لأنّ قلوبهم لا تنام، وإنّما تنام أعينهم ولهذا امتثل إبراهيم عليه السّلام الأمر في ذبح ابنه، وكان مناما، لقوله: {إِنِّيَ أَرَىا فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ}[الصّافات: 102]، وقد رأى صلّى الله عليه وسلّم الأنبياء مراراً، وقيل: مرّتين، فعن أبي هريرة يرفعه: "ليلة أسري بي، وضعت قدمي حيث يضع الأنبياء أقدامهم من بيت المقدس، فعرض عليّ عيسى بن مريم الحديث"، وهذا كان ليلة الإسراء وهو يقظة على الصّحيح ورواية الرّبيع كانت في النّوم، وهي عند الكعبة، واستشكل رؤياه صلّى الله عليه وسلّم إياهم في اليقظة، وأجيب بأجوبة أحدها أنّ الأنبياء أفضل من الشّهداء، والشّهداء أحياء عند ربّهم، وكذلك الأنبياء فلا يبعد أن يكشف له عنهم فيراهم عياناً، وثانيها أنّه صلّى الله عليه وسلّم أري حالهم التي كانوا عليها في حياتهم، فمثلوا له كيف كانوا ولهذا جاء في رواية كأنّي أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى يونس، وثالثها يحتمل أنّه أخبر عمّا أوحي إليه صلّى الله عليه وسلّم من أمرهم.
قوله: «رجلا آدم»: بفتح الهمزة والدّال، هو الأسمر، والسّمرة لون معروف.
قوله: «كأحسن ما يرى»: أي: ما يمكن رؤيته من أهل هذه الصّفة.
قوله: «من آدم الرّجال»: يعني: من الرّجال الموصوفين بذلك. (1/101)
صفحة 102
قوله: «له لِمَة»: بكسر اللاّم، الشّعر يجاوز لحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جمة.
قوله: «قد رجلها»: أي: قد سرّحها بالمشط.
وقوله: «وهي تقطر ماء»: إمّا من أثر التّرجيل؛ لأنّ عادة النّاس بلُّ شعر الرّأس عند تسريحه ليسهل ذلك عليهم، ولكونه أبقى للشّعر وأقلّ تألّما، وإمّا أثر الغسل لا من الجنابة؛ لأنّ عيسى عليه السّلام لم يتأهّل زهدا في الدّنيا ورغبة عنها، والأنبياء لا تحتلم؛ لأنّ الحلم من الشّيطان، وقيل: يحتمل أنّ المراد من قوله تقطر ماء الاستنارة، وكنّي بذلك عن مزيد النّظافة والنّضارة.
قوله: «على عواتق رجلين»: في رواية البخاري واضعا يديه على منكبي رجلين،<01/91> وهو يطوف بالبيت، والعاتق هو موضع الرّداء من المنكب وإنّما جمع مع أنّه إنّما يتّكئ من كلّ رجل على عاتق؛ لأنّ الأفصح في المثنّى المضاف إلى المثنى الجمع، قال تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}[التّحريم: 04]، ويجوز الإفراد والتّثنية.
قوله: «فسألت من هذا؟»: لم يبيّن المسؤول من هو، وكأنّه لم يقصد بالسّؤال معيّنا؛ لأنّ الغرض معرفة الشّخص وهي تحصل لكلّ مخبر، ويدلّ على ذلك.
قوله: «فقيل لي المسيح بن مريم»: فإنّه لم يسمّ قائل ذلك، وسمّي عيسى بن المسيح؛ لأنّه يمسح أهل العاهات فيعافيهم الله، وقيل: المسيح معرب وأصله بالشّين المعجمة.
قوله: «ثمّ إذا أنا برجل»: في رواية البخاري: "ثمّ رأيت رجلاً وراءه، ثمّ ساق الحديث وزاد فيه قوله: "كأشبه من رأيت بابن قطن واضعاً يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت إلى آخر الحديث"، وابن قطن قال الزّهريّ: رجل من خزاعة هلك في الجاهليّة، وينظر ما معنى طواف الدّجال بالبيت مع أنّه كافر بالله تعالى، ويمكن أن يفعل ذلك لاستدراج عوامّ المسلمين يريهم أنّه مستقيم، ويمكن أن يفعل ذلك كما كانت الجاهليّة تفعله يعتقدونه ديناً. (1/102)
صفحة 103
قوله: «جعد قطط»: بفتح القاف والطّاء: أي: شديد الجُعُودة، وهو الذي فيه الْتِواء وتقبّض كشعر الزّنجيّ، وقد تُكسر الطّاء الأولى، والأوّل أشهر.
قوله: «أعور العين اليمنى»: إنّما وصفه بذلك ليعرفه النّاس فلا يفتتن به أحد، إلاّ من أضلّه الله على علم، وفي البخاري عن نافع قال: عبد الله ابن عمر ذكر النّبيء صلّى الله عليه وسلّم يوما بين ظُهراني النّاس المسيح الدّجال، فقال: إنّ الله ليس بأعور، ألا إنّ المسيح الدّجال أعور العين اليمنى، كأنّ عينه عنبة طافية، ثمّ ذكر الحديث.
قوله: «كأنها عنبة طافية»: أي: بارزة وهو من طفى الشّيء يطفو بغير همز، إذا علا على غيره، وشبّهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها. (1/103)
صفحة 104
قوله: «المسيح الدّجال»: صاحب الفتنة العظمى، قال ابن فارس: المسيح الذي مسح أحد شقّي وجهه، لا عين له ولا حاجب، وسمّي الدّجال مسيحا؛ لأنّه كذلك، ومنه درهم مسيح، أي: أطلس لا نقش عليه، وقد تقدّم أنّ المسيح اسم لعيسى <01/92> عليه السّلام، وقد جمع الشّاعر بين الاسمين، فقال: إنّ المسيح يقتل المسيح، وقد أشكل على العامّة اتّفاق الاسمين وحاولوا الفرق، فمنهم من قال في الدّجال بالخاء المعجمة، ومنهم من قال بالمهملة، ولكن كَسَروا الميم وشدّدوا السّين وليس ما زعموا بشيء، وكلاهما مسيح بفتح الميم وتخفيف السّين آخره مهملة، فعيسى مسيح بمعنى ماسح، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنّه كان إذا مسح ذا عاهة عوفي، والدّجال مسيح فعيل، بمعنى مفعول ؛لأنّه ممسوح إحدى العينين، وفي هذا الحديث من علامات النّبوءة ما لا يخفى؛ لأنّ فيه وصف كلّ واحد من عيسى والدّجال بصفته التي هو عليها، وفي اقترانهما في هذه الرّؤيا إشارة إلى ما يرويه قومنا، أنّ عيسى عليه السّلام ينزل آخر الزّمان فيقتل الدّجال ويحكم بالشّريعة المحمديّة، ولم يثبت هذا عند أصحابنا، غير أنّهم لا يردّونه، ويقولون أهل الرّوايات أولى بما رووا، ونحن نشهد بصدق ما أخبر به الصّادق الأمين عليه من ربّي أفضل صلاة وتسليم، ونعوذ بالله من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن فتنة المسيح الدّجال.
<1/92> الباب التاسع
في الإيمان والإسلام والشرائع (1/104)
صفحة 105
قوله: «في الإيمان والإسلام والشرائع» جمع شريعة وهي ما شرعه الله من الهدى لعباده، وهي والملّة بمعنى واحد، وكذلك الدين والإسلام، وإن اختلفت في المفهوم فإنّ معناها واحد، {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الاِسْلاَم}[آل عمران:19]،{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ...} الآية [الشورى:13]، واختلفوا في الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد أم شيئان، ومذهب الأصحاب رحمهم الله تعالى أنّهما شيء واحد عرفا اصطلاحيا، فمن استحقّ وصف الإسلام استحقّ الوصف بالإيمان، وكذا العكس، فلا يسمى عندهم صاحب الكبيرة مؤمنا ولا مسلما، لكنه يسمى كافر نعمة وفاسقاً وصاحب قبلة وموحداً، لأن التوحيد عندهم أخصّ من الإيمان والإسلام فيقابله الشرك، ويقابلهما الكفر وهي أسماء ترتّبت عليها أحكام شرعية، فبملاحظة ترتبها يستبشعون اصطلاح قومنا في التفريق بينهما، لأن القوم يدعون خروج أهل الكبائر من النار، ويثبتون لهم الشفاعة بزعمهم أنهم مؤمنون، فلو أنهم<1/93>لم يرتّبوا مثل هذه الأحكام على هذه الأسماء لسهل الخطب، ورجع الخلاف إلى اللّفظ، ونحن نسلّم أنّ الشارع عليه السّلام فرّق بينهما في حديث جبريل عليه السّلام، وفي قوله عزّ من قائل: {قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}[الحجرات:14] ولكنّا نقول إنّه كما فرّق بينهما في مثل هذه المواضع فقد سوّى بينهما في مواضع أخر، قال تعالى: { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ}[ الذاريات:35-36] ولم يكن فيها بالاتفاق إلاّ بيت واحد وهو بيت لوط عليه السّلام وبناته، وقال تعالى: { إِن كُنتُمُ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ}[ يونس: 84 ]قال صلّى الله عليه وسلّم:" بُني الإسلام على خمس"، وسُئل مرة أخرى عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس وقد أطلق صلّى الله عليه وسلّم الإيمان على الأعمال في (1/105)
صفحة 106
حديث شعب الإيمان فاحتجنا حينئذ إلى الجمع بين هذه الأدلّة، ومن المعلوم أنّهما في أصل اللّغة مختلفان لاختلاف محالِّهما، فمحلّ الإيمان القلب، ومحلّ الإسلام سائر الجوارح فنقول: إنّ ما دلّ على الفرق وارد على مقتضى اللّغة في أصل العربيّة، وأنّ ما دلّ على الاتّحاد والترادف فهو عرف جاء به الشرع، فوضعه على هذا المعنى كما وضع اسم الصلاة والزكاة والصوم ونحوها لِعبادات ما كانت العرب تعرفها.
ما جاء في شرائع الإسلام (1/106)
صفحة 107
قوله: « عن طلحة بن عبيد الله» بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيميّ، وكُنيته أبو محمّد، وأُمّه الصعبة بنت عبد الله بن مالك الحزميّة، يُعرَف بطلحة الخير وطلحة الفياض، وهو من السابقين الأوّلين إلىالإسلام، دعاه أبو بكر الصدّيق إلى الإسلام فأسلم، وآخى رسول الله بينه وبين الزّبير قبل الهجرة، ولما هاجر آخى بينه وبين أبي أيّوب الأنصاري، وكان من الشورى، ولم يشهد بدرا،ً وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وأبلى يوم أحد بلاءً عظيما،ووقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم<1/94> بنفسه، واتقى عنه النبل بيده، حتى شلّت إصبعه، وضُرب ضربة على رأسه، وحمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ظهره حتى صعد الصخرة. وكان شديد الإنكار على عثمان، وكان قد بايع عليا،ً ثم نكث وخرج عليه يوم الجمل فقُتل هنالك، وسبب قتله أنّ مروان بن الحكم وهو ابن عمّ عثمان بن عفّان رماه بسهم في ركبته، فجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت رجله، وإذا تركوه جرى فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله تعالى، فمات منه، وقيل: إنّ السهم أصاب ثغرة نحره، وقال مروان: لا أطلب بثأري بعد اليوم، والتفت إلى أبان بن عثمان فقال: قد كفيتك بعض قتلة أبيك. (1/107)
صفحة 108
ودفن إلى جانب الكلا وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وكان عمره ستين سنة، وقيل: اثنتان وستون سنة، وقيل: أربع وستون سنة، وقال علي لما بلغه مسير طلحة والزبير وعائشة: والله ما أنكروا عليّ شيئاً منكراً، ولا استأثرت بمال، ولا ملت بهوى، وأنّهم يطلبون حقاً تركوه ودماً سفكوه، ولقد ولّوه دوني، وإن كنت شريكهم في الإنكار لِما أنكروه، وما تبعة عثمان إلاّ عندهم، بايعوني ونكثوا بيعتي وما استبانوا فيّ حتى يعرفوا جوري من عدلي، وأنّي لراض بحجّة الله عليهم وعلمه فيهم، وأنّي على هذا لداعيهم ومعذر إليهم، فإن قبلوه فالتوبة مقبولة، والحقّ أولى ما انصُرِف إليه، وإن أبوا أعطيتهم حدّ السيف وكفى به شافياً من باطل وناصرًا، كذا ذكره ابن الأثير في أسد الغابة.
قوله: «رجل من أهل نجد» قال ابن بطّال وتبعه عياض وابن العربي والمنذري وابن باطيش وآخرون: هو ضُمام بن ثعلبة، وقال النووي: فيه نظر، وقال القرطبي وتبعه السراج البلقيني: الظاهر أنّه غيره لاختلاف السياقين، قال ابن حجر: وهو كما قال، قلت: وهو الصحيح الذي يشهد له الحال في حديث ضُمام بن ثعلبة الآتي في مراسيل جابر آخر الكتاب. ونجد من بلاد العرب، وهي كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق.
قوله:« ثائر الرأس » أي متفرّق من ترك الرفاهيّة، وفيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة أو لأن الشعر منه نبت.
قوله:« يُسمع »<1/95 >بضمّ الياء على البناء للمفعول أو بالنون المفتوحة للجمع، وكذا في يفقه.
قوله:«دَوِيّ» بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، وهو صوت مرتفع متكرّر لا يفهم، وإنّما كان كذلك لأنّه نادى من بعد. (1/108)
صفحة 109
قوله:« فإذا هو يسأل عن الإسلام» أي عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنّه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنّما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنّه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد، أو لأنّه عَلِم أنّه غير مستطيع إليه سبيلا.
قوله:« خمس صلوات» اثنتان بالليل وهم المغرب والعشاء وثلاث بالنهار وهي الفجر والظهر والعصر.
قوله:« هل غيرها؟ » في رواية البخاري: هل عليّ غيرها؟
قوله: «إلاّ أن تطّوّع» بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين فأدغمت إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما. والاستثناء من غير الجنس لأن التطوّع لا يقال فيه عليك، فكأنه قال لا يجب عليك شيء إلاّ إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد علم أنّ التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر من هذا الجنس أصلا، وقيل: الاستثناء متصل، والمعنى إلاّ أن تشرع في تطوّع فيلزمك إتمامه، والأوّل أظهر. ويستفاد من الحديث أنّه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس، ولعل القائلين بوجوب الوتر ونحوه من السنن يدعون تأخر الأدلّة الموجبة لذلك.
قوله:« هل غيره» يعني صوم رمضان، قال: لا إلاّ أن تطّوّع، وذلك لأنّ الله تعالى نسخ بوجوب صيام شهر رمضان كل صوم.
وقوله في الزكاة: «لا إلاّ أن تطوع» يدل على أنّ زكاة الفطر غير واجبة، لأنها إمّا منسوخة الوجوب أو هي سنّة، والقائلون بوجوبها يستدلّون بأحاديث أُخر، وقد بسطت حجج الجميع في المعارج.
قوله:«لا أزيد على هذا»، في رواية البخاري: والله لا أزيد على هذا الخ وفي رواية إسماعيل<1/96> ابن جعفر: والذي أكرمك، وفيه جواز الحلف في الأمر المهم.
قوله:« أفلح إن صدق»، أي فاز إن صدق فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرّد ما ذكر مع أنّه لم يذكر المنهيات؟ فالجواب أن الرجل قد علم المنهيات كما علم التوحيد، وأنّه لم يسأل عمّا يتركه وإنّما سأل عما يفعل.
ما جاء في الإحسان (1/109)
صفحة 110
قوله:« الإحسان أن تعمل لله كأنّك تراه الخ»، يُقال: أحسنت الشيء إذا أتقنته، أكملت فعله على الوجه الذي ينبغي، والمراد إتقان العبادات، وإكمالها، وإصلاحها على ما يليق بها، ومراعاة حقوق الله فيها، والاستمرار عليها. وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: منهم من يغلب عليه مشاهدة الحق حتّى كأنّه يراه، لا سيما إذا استحضر قوله تعالى:{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ اِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا اِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}[يونس:61] وقوله تعالى:{الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم وَتَقَلُّبَكَ فيِ السَّاجِدِينَ}[الشعراء:218- 219] ومنهم من لا ينتهي إلي هذه الحالة، لكنه يغلب عليه استحضار حقيقة العبودية، وأنه مأمور بإيقاع هذه العبادات، فيوقعها بإخلاص وصدق نيّة وقوّة عزم فاستحلاها وتلذّذ بها، فهذا يصدق عليه أنه محسن، والأول محسن غاية الإحسان، وإنمّا يقع التفاوت بينهما بقدر تفاوت المعرفة والخشية.
وقوله:« كأنك تراه »، أي حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائياً له، فتكون في غاية الخشوع والتذلل، فالحديث في صورة ضرب المثل لا تراد حقيقته، وإنما المراد منه تقريب المعنى في ذهن السامع، وليس الغرض استحضار صورة في النفس، فإن فاعل هذا عابد لصنم والعياذ بالله، وتوضيحه أن العامل لإنسان يراه يبذل المجهود في تحسين العمل وإصلاحه، بخلاف العامل الغائب، فإن<1/99> النفس قد جبلت على التساهل في العمل للغائب إلاّ من عصم الله.
وقوله:« فإن لم تكن تراه فإنه يراك» معناه: أنّه إن استحالت رؤيتك إياه، وعلمت أنّك لا تراه، فاعلم أنّه يراك، فيجب أن تراقبه مراقبة من يعمل لمن يرى { لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }[المائدة:103].
ما جاء في أنّ أفضل العمل إيمانٌ بالله (1/110)
صفحة 111
قوله:« أيُّ العمل أفضل؟ » يعني أيّ أعمال الإسلام أفضل؟ فأجابه بأنّ أفضل ذلك إيمان الله وتصديقٌ به وجهادٌ في سبيله، وهذا يدلّ على أنّ أحوال القلب من العمل، وعطف التصديق على الإيمان عطف تفسير لمزيد الاهتمام، وذكْر الجهاد في هذه الخصال دليل على تفضيله على سائر الأعمال، وكيف لا يفضلها وبه قام الدين وظهر الإسلام وعزّ الإيمان، وهو أعظم خِصلة بعثت بها الأنبياء، وأهمّ حالة اشتاقت إليها الأولياء، حتّى جاء في فضل الشهداء ما جاء، وقد جاءت أحاديث أخر بعضها يفضِّل العلم، وبعضها أنواعاً من العبادة، وتلك أحوال يقتضيها ذلك المقام فالجهاد عند الحاجة إليه أفضل.
قوله:« أريدُ أهون من ذلك»، أي أخفّ منه، وكأنه استصعب الجهاد فطلب فضلا دونه، فقال له رسول الله:« لا تتهم الله في شيء قضى لك به»، أي لا يدخل في ظنك أن الله قضى لك شيئا أي أمرك به لفضله ثم جعل الفضل في ما دونه.
ما جاء في وصف أهل اليمن بالإيمان (1/111)
صفحة 112
<1/100> قوله: «نحو اليمن» ،وهي الجهة المخصوصة سميت بذلك لأنها عن يمين الكعبة، وقد ظهر فيها من أئمّة المسلمين أهل الإستقامة في الدين مَن تصاغر عنده لأهل الفضائل فضائلهم، وقد شهر في البلاد عدلهم وفضلهم، منهم طالب الحق عبد الله بن يحي الكندي وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد ملكوا اليمن والحجاز معا، فأظهروا العدل وطمسوا الجور، وذلك في آخر أيام بني أمية، على رأس مائة وثلاثين ثم ظهر من بعدهم أئمّة سلكوا مسلكهم، منهم: سليمان بن عبد العزيز وأحمد بن سليمان وإبراهيم بن قيس بن سليمان وغيرهم رضوان الله عليهم. (1/112)
صفحة 113
قال أبو سفيان: قال وائل: " أدركت بحضرموت رجالا أن كان الرجل منهم لو ولي على الدنيا كلها لاحتمل ذلك في عقله وحلمه وعلمه وورعه " فإلى هؤلاء وأمثالهم أشار هذا الحديث بالثناء، وقد تقدم في باب الأمة الإشارة إلى أئمتنا بالمغرب، وسيأتي في روايات أبي سفيان عن الربيع حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: " يكثر وارد حوضي من أهل عمان "، والمذهب إنما انتشر في هذه النواحي الثلاث، وفيها كانت قوته، ونحن نعرف الحق فيه بموافقة الكتاب والسنة، ولكن نزداد بهذه الإشارات إيمانا على إيماننا واطمئنانا في قلوبنا، وذلك مثل من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات ثم قال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنت على الحقّ، أمَا يزيده هذا اطمئنانا وسرورا، ولما ساء اعتقاد القوم في أهل الاستقامة مع جزمهم بصحّة الحديث تكلّفوا في تأويله أقاويل: أحدها أنّه أراد مكّة فإنه يقال: إنّ مكّة من تُهامة وتهامة من أرض اليمن، والثاني أنّ المراد مكّة والمدينة فإنّه يُروى في الحديث أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال هذا الكلام وهو بتبوك، ومكّة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكّة والمدينة، والثالث وهو قول أكثرهم، أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانون في الأصل، وردَّ عليهم أبو عمرو بن الصلاح بما حاصله أنّهم لو جمعوا طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره، وتأملوها، لصاروا إلى غير ما ذكروا، ولما تركوا<1/101 >الظاهر ولقضوا بأن المراد اليمن وأهل اليمن، على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: "أتاكم أهل اليمن"، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذن غيرهم،الخ ما ذُكر، والحق ما قدمت لك. (1/113)
صفحة 114
قوله:«وغِلَظ القلوب» أي قساوتها، وهو بكسر المعجمة وفتح اللام و (الفدادين) بالتشديد، هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، والمراد به في الحديث أصحاب الماشية، كما يدل عليه قوله: «عند أصول أذناب الإبل» وهو كناية عن التوحش الفاحش ووجه ذلك أنّ الرعاة تتبع الإبل، فهم في غالب أحوالهم يقابلون أصول أذنابهم، وهي المواضع التي نبت فيها الذنَب.
قوله:«قرنا الشيطان ربيعة ومضر» هما قبيلتان عظيمتان في العرب سمِّيتا باسم أبويهما، وهما أخوان، وهما ولدا نزار بن معد بن عدنان، سمّاها صلّى الله عليه وسلّم قرني الشيطان، لأنهما صارتا جندين للشيطان ومالتا مع الباطل في الفتنة، فأكثرهم قد أُفتتن بالفتنة الطامة العامة والعياذ بالله تعالى، وقلَّ الناجي، وقرنا الشيطان: قيل: جانبا رأسه، وقيل: هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس، وقيل: شيعتاه من الكفار وهذا أظهر في معنى هذه الرواية، وفي بعض نسخ المسند: حيث يطلع قرن الشيطان بين ربيعة ومضر، وفي بعضها حيث يطلع قرنا الشيطان بين ربيعة ومضر، وفي صحيح مسلم حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر، ورواية الأصل أظهر في المراد، وهي مفسِّرة لقرني الشيطان أنهما ربيعة ومضر.
الباب العاشر:
في ذكر الشِّرك والكفر
ذكَر هذا الباب عقب باب الإيمان والإسلام إشارة تناقضهما، فالشرك مناقض للإيمان الذي هو بمعنى التصديق، والكفر مناقض للإسلام وذلك أنّ الكفر في اصطلاحنا <1/102> يتناول الشّرك وسائر الكبائر ونخصّ ما عدا الشرك من الكبائر بكفر النعمة.
ما جاء في إحباط العمل بالشّرك. (1/114)
صفحة 115
قوله: «من أشرك ساعة حبط عمله» أي ذهب ثوابه ولم ينتفع به أبداً {وَقَدِمْنَآ إِلىَا مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا}[الفرقان:23] والساعة في الحديث عبارة عن أقل زمان يمكن فيه ذلك، وأصل الحبط أن تأكل الإبل شيئا يضرها، فتعظم بطونها فتهلك، وفي الحديث "وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه، والحديث مطابق لقوله تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[الزمر: 65] ولقوله تعالى:{ وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فيِ الدُّنيَا وَالاَخِرَةِ}[البقرة:217] حيث أنّ الجميع مصرِّح بالإحباط، وقد أنكر قوم من أهل الضلال ثبوت الإحباط بالمعنى الذي أشرنا إليه، وزعموا أنّ المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله هو أنّ المرتدّ إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط، فإن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحقّ به ثوابا فإذا لم يأتي ذلك العمل الجيد، وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل ضرّا، يقال: إنّه أحبط عمله، أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرّة، وهذا كلّه باطل، أما أولا: فإنه تكلف بلا داع ولا برهان، وأما ثانيا: فإن قوله تعالى:{ فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فيِ الدُّنيَا وَالاَخِرَةِ}[البقرة:217] يدل على أنّ الحبط غير الارتداد، كما أنّ المسبب غير السبب، وكما أنّ العلّة غير المعلول، وكذا قوله تعالى:{لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[الزمر: 65]،وكذا حديث الباب وسائر الأحاديث أيضاً وكذا قوله تعالى:{لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون}[الحجرات:2] فإنها دالّة (1/115)
صفحة 116
على أنّ العمل المحبط شيء غير الرفع والجهر وكذا قوله تعالى:{لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَىا} [البقرة:264]وفي الآيتين أيضا دليل على<1/103 > إحباط العمل بالكبيرة من الذنوب لأن رفع الصوت والجهر به ليس بشرك إجماعا، وكذا المنّ والأذى، وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الآتي:"الرياء يحبط العمل كما يحبط الشرك". (1/116)
صفحة 117
قوله: «فإن تاب جدد له العمل» أي أُعطيَ ثواب عمله وغُفر له ما سلف، فإنه أسلم على ما أسلف من خير {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات}[هود:114] فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}[الفرقان:70]، والحديث موافق لمفهوم قوله تعالى: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}[البقرة:217]، فإنه يدلّ على أنّ الإحباط مشروط بالموت على الكفر، ومفهومه أنّه إن تاب فلا إحباط بل يعطى ثوابه وكذا قول عائشة رضي الله عنها: "أبلغي زيداً أنّه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب". وفي المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: الأخذ بظاهر هذه الأدلّة، وهو أنّ الإحباط مشروط بالموت على الكفر، وثانيها: أنّ عمله قد بَطل ولا ثواب له، وإن رجع، ولا يطالب بإعادة شيء منه إلاّ في الحجِّ، وثالثها: يبطل عمله وثوابه، ويطالب بالإعادة، والذي يظهر لي -والعلم عند الله تعالى- التمسّك بظواهر الأدلّة، وهو أنّه إن تاب جُدّد له العمل، أي أُعطي ثوابه غير أني أقول عليه إعادة الحجّ دون سائر الأعمال لأن الحج يجب بالإسلام مرّة واحدة، وهذا قد أسلم إسلاماً جديداً فيجب عليه في إسلامه هذا أن يحجّ حجاً مستأنفاً، لا لبطلان الحجِّ الأول لكن لتجدّد السبب، فإن الإسلام بُني على خمس منها الحج فلا يكون في إسلامه هذا آتيا بأركان الإسلام حتّى يحجَّ، كما أنه لا يكون آتياً بها حتى يصليَ ويصوم ويزكّيَ فهذا من شرط إسلامه الجديد، ويُعطي بمحض الفضل ثواب عمله الأوّل، وهذا معنى لم أر من نبّه عليه ولله الحمد على لطيف مواهبه فاشدد به يداً. (1/117)
صفحة 118
قوله: «أشرك فيه غيري» وذلك كما إذا عمله رياءاً أو طلب به غرضا من أغراض الدنيا مع زعمه أنّه يعمله لله، فهو يريد به ثواب غيره قال جندب بن زهير: يا رسول الله إنّي لأعمل العمل لله فإذا اطّلع عليه أحد سرّني، فقال: "إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه"، فنزل قوله تعالى: {فَمَن <1/104> كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110].
قوله:«فهو له كلّه» كناية عن ردّه إليه، وأنّه لا يُثاب عليه، بل يُقال له: خذ أجرك ممن عملت له.
قوله: «وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» هذا الكلام ونحوه جرى مجرى عادة الناس في التخاطب، فإنه تعالى غنيٌ على الإطلاق لا يشاركه أحد في هذه الصفة، ولا في شيء من صفاته عزّ وجلّ لكن لما جرت عادة الكرماء من الناس أنّ أغنى الشركاء يعِف لأشدّهم حاجة؛ خاطبهم النبيء صلّى الله عليه وسلّم عن ربه تعالى بهذا الخطاب، وهم يعرفون أنّ الغرض منه المبالغة في إنكار العمل، وفي إطلاق الشّركاء والشرك في الحديث إشارة إلى أنّ الرياء يوصف بالشرك كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال: "اتقوا الشرك الأصغر"، قالوا وما الشرك الأصغر؟، قال:"الرياء".
ما جاء في الأسباب التي يكفر بها الإنسان (1/118)
صفحة 119
قوله:«من زعم الخ» هذا قطعة من حديث ذكره في الجزء الثالث من غير هذا الطريق، حيث قال: أخبرنا بشر عن إسماعيل بن علية عن داود بن هند عن الشعبي عن مسروق قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها فقالت: "ثلاث من تكلم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية: من زعم أنّ محمّدا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية"، قال:وكنت متكئاً فجلست وقلت: يا أم المؤمنين انظري ولا تعجلي، ألم يقل الله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىا}[النجم:13]، {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}[التكوير:23]،فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سألت النبي عليه السلام عن ذلك فقال: "ذلك جبريل عليه السلام،لم أره في صورته التي خُلق عليها إلاّ مرّتين، فرأيته وقد هبط من السماء فسدّ جسمه ما بين السماء إلى الأرض"، ألم تسمع لقول الله تعالى: { لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ <1/105> الْخَبِيرُ }[المائدة:103]. قال مسروق: تفسير هذه الآية دليل على ما روت عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىا}[النجم:11]، {لَقَدْ رَأَىا مِنَ ــ ايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىا}[النجم:18]، ثم ساق الحديث. وإنكار عائشة كذلك وقع في صحيح مسلم أيضا، ومثله عن أبي هريرة وجماعة وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المحدّثين والمتكلّمين، وهو الحق واختار المخالفون غيره؛ فزعموا أنّه صلّى الله عليه وسلّم رأى ربّه ليلة الإسراء، ورَووا عن ابن عباس أنّه رآه بعينه، ومثله رَووا عن أبي ذر وكعب، قالوا: وإثبات هذا لا يأخذونه إلاّ بالسماع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: وعائشة لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولو كان معها فيه حديث لذكَرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات. (1/119)
صفحة 120
والجواب: أمّا ما رووه عن ابن عبّاس ومن بعده فلم يثبت عند أهل الحق، ولا نقبل ما رواه أهل الحشو في صفات الله وإن صحّ ذلك فليس فيه تصريح بما زعموه بل يمكن أن يُحمل كلامهم على معنى المعرفة بالله، فقوله: رآه بعينه أو بعيني رأسه، معناه أنّه علِمه بالاستدلال عليه بالأدلّة الظاهرة المنظورة بالعين، وأراد بالعين البصيرة لا الباصرة، وهي عند الحكماء في الدماغ، فذلك وجه قوله: بعيني رأسه، وهو إن كان بعيداً لابد منه عند صحّة النقل حسن ظنٍّ بقائله. وأمّا قوله:إنّ عائشة لم تنفِ الرؤية بحديث، وإنما اعتمدت على الاستنباط، فجوابه: أن نفيها كان معلوما عندهم ومن ثمّ بالغت في الإنكار بقولها فقد أعظم على الله الفرية، وذلك غاية التكذيب، ثم أن ما رووه عن ابن عباس وغيره لم يرفعوه أيضا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما بالهم قالوا فيه وإثبات هذا لا يأخذونه إلاّ بالسماع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد أثبتوا رؤيته بنفس الظن والاحتمال، ولم يقولوا مثل ذلك في كلام عائشة مع أنّه مطابق للكتاب العزيز، وفيه الحكم على قائل ذلك بالفرية العظيمة، مع أنّ هذا أيضا يحتاج إلى إثباته من السماع ثم أنّ عائشة رضي الله عنها قد صرّحت أنها أوّل من سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن معنى الآية التي قالوا في تفسيرها ما قالوا؛ فهي تنقل في معنى الآية تفسيرا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فما بالهم عدلوا عن ذلك وفسّروها بالمنقول عن فلان وفلان تفسيراً لم يُرفع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا هروب من الواضح إلى المشكل ومن الصريح إلى الاحتمال فاعتبروا يا أولي الأبصار.<1/106>
قوله: «بالحديبية» بالمهملة والتصغير وتخفيف يائها وتثقل، بئر بقرب مكّة على طريق جدَّة دون مرحلة، ثمّ أُطلق على الموضع، ويُقال بعضه في الحلّ وبعضه في الحَرم، وهو أبعد أطراف الحرم على البيت، وقيل: سميت بشجرة جدباء هنالك. (1/120)
صفحة 121
قوله: «في أثر» بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور وفتحهما لغة، وهو ما يعقب الشيء.
قوله: «سماء» أي مطر قال الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... ... رعيناه وإن كانوا غِضابا
وإنما سمي بذلك لأنه ينزل من السماء أي الجهة الفوقية.
قوله: «أقبل على الناس» فيه دليل على أنّ إقبال الإمام على الناس بعد الصلاة من السنة.
قوله: «هل تدرون» لفظ استفهام معناه: التنبيه وهذا من الأحاديث الإلهية فيحتمل أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذها عن الله بواسطة الملَك أو بدونه، وذلك كما يأخذ الملَك عن الله تعالى.
قوله: «من عبادي» الإضافة للعموم لتقسيمهم إلى مؤمن وكافر بخلافها في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[الحجر:42]، فإنها للتشريف.
قوله:«مؤمن وكافر» قيل: المراد بالكافر المشرك وقيل: كافر النعمة لرواية أبي هريرة عند مسلم، قال الله:"ما أنعمت على عبيدي من نعمة إلاّ أصبح فريق منهم بها كافرين"، وله في حديث ابن عبّاس:"أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر"، والأوّل هو الظاهر وعليه كثير من أهل العلم، وكانوا في الجاهلية يظنّون أنّ نزول الغيث بواسطة النوء، إمّا بصنعه على زعمهم، وإمّا بعلامته فأبطل الشرع قولهم وجعله كفراً، فإن اعتقد قائل ذلك أنّ للنوء صنعا في ذلك؛ فكفره كفر شرك، وإن اعتقد أنّ ذلك من قبيل التجربة والعادة، وأن المطر كان بفضل الله ورحمته فليس بشرك اتفاقا، واختلفوا في كراهته، وإلاّ ظهر كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة تردد بين الكفر وغيره <1/107>فيخشى أن يُساء الظن بصاحبها، ولأنها شعار الجاهلية ومن كان على طريقتهم. (1/121)
صفحة 122
قوله: «بنوء كذا» النوْء بفتح النون وسكون الواو بعده همزة، سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كلّ ثلاثة عشر يوما وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإنّ لها أربعة عشر يومًا، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، قال ابن قتيبة: كل النجوم المذكورة لها نوء غير أنّ بعضها أحمد وأغزر، وفي مغازي الواقدي أنّ الذي قال في ذلك الوقت "مطرنا بنوء الشعراء" هو عبد الله بن أبي بن سلول، والغرض من الحديث رد ما كانت العرب تعتقده أنّ المطر يحصل بسقوطه أو طلوعه المسمّى عندهم نوءاً.
وفي قوله: «مؤمن بالكواكب» غاية الإنكار على قائل ذلك فهو على حدّ قوله تعالى:{يُومِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}[البقرة:51].
ما جاء في خبر زيد بن عمرو بن نفيل. (1/122)
صفحة 123
قوله:«إن كان» (بكسر الهمزة وهي المخفّفة من إنّ، واللام في قوله لأول لام التأكيد)، وزيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي بن عم عمر بن الخطاب، فنفيل جدّهما وابنه سعيد بن زيد من أهل الفضل في الإسلام، ويقال أدركت النبوءة من العرب أربعة على الإسلام: زَيد ابن عمرو، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وعامر بن الظرب العدوي، وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر أنّ زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم يذبحونها على غير اسم الله، إنكاراً لذلك وإعظاماً له. (1/123)
صفحة 124
قال موسى: حدّثني سالم بن عبد الله ولا أعلمه إلاّ تحدث به عن ابن<1/108> عمر أنّ زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إنّي لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتّى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفرّ إلاّ من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنيَّ أستطيعه فهل تدلّني على غيره، قال: ما أعلمه إلاّ يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف قال دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبد إلاّ الله، فخرج زيد فلقي عالما من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتّى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفرّ إلاّ من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبدا، وأنّي أستطيع فهل تدلّني على غيره؟، قال: ما أعلم إلاّ أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟، قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبد إلاّ الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم أني أشهد أنّي على دين إبراهيم، وقال الليث: كتب إليّ هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معاشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها. (1/124)
صفحة 125
قوله: «عاب عليّ» (بتشديد الياء)، أي ذكر عيبها عنده ظاناً أنّه من جملة عبادها لأن قومه كانوا يعبدونها، وهو صلّى الله عليه وسلّم كان محفوظاً بعناية الله تعالى مسدداً موفّقا. أخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي قال: قيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: هل عبدت وثناً قط؟، قال: "لا"، قالوا: فهل شربت خمرا قط؟، قال: "لا وما زلت أعرف الذي هُم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان وبذلك نزل القرآن" {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ}[الشورى:52]. (1/125)
صفحة 126
قوله: «من الطائف» هي بلاد ثقيف. وزيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن امرؤ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد <1/109> اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، قال ابن الأثير: هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره، وربما اختلفوا في الأسماء وتقديم بعضها على بعض وزيادة شيء، ونقص شيء، قال الكلبي: وأمه سُعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت من بني معن من طيء، وكنيته أبو أسامة، وهو مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أشهر مواليه وهو حبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أصابه سبي في الجاهلية، لأن أمّه خرجت به تزور قومها بني معن فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر، فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة للنبي صلّى الله عليه وسلّم بمكّة قبل النبوة وهو بن ثمان سنين، وقيل بل رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالبطحاء بمكّة ينادي عليه ليُباع فأتى خديجة فذكره لها فاشتراه من مالها فوهبته له عليه الصلاة والسلام، فأعتقه وتبنّاه، وآخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين حمزة بن عبد المطّلب، وكان من أوّل الناس إسلاماً، وفضائله مشهورة، واستشهد رضي الله عنه بمؤتة من أرض الشام في جمادى من سنة ثمان من الهجرة وقصّته مشهورة.
قوله: «وكانت قريش آذت زيد ابن عمرو» أي نالته بالأذى لما خالفهم في طريقتهم وعاب عبادة الأصنام.
قوله: «من بين أظهرنا» كناية على الإعتزال عنهم فإن الرجل إذا كان بين قوم يصير كأنه بين أظهرهم، لإحاطتهم به معنى، وإن لم يحيطوا به حساً.
قوله: «فمررت به» فيه أنّ خروجه كان للاعتزال عن الأذى وكان ذلك بعد رجوعه من الخروج في طلب الدين. (1/126)
صفحة 127
قوله: «وأعرضت عليه السفرة» (بضمّ السين)، وعاء من جلد يوعى فيه الطعام، وأصل السفرة: الطعام الذي يصنع للمسافر، ثم أطلق على الوعاء مجازاً.
قوله: «يابن أخي» كلمة تستعملها العرب في التخاطب للتلطف.
قوله: «أنتم تذبحون»: بحذف همزة الاستفهام كذا وقع في بعض النسخ، وذكر بعضهم فيه روايتين أُخريين إحداهما إنما تذبحون بلفظ الحصر، أي ليست لكم ذبيحة محلّلة حيث كانت <1/110>ذبائحكم كلها للأصنام، والثانية مِمّا على الاستفهام والاسخبار استفهم عنها كأنه توهم أن ثمَّ ذبائح أخر تذبح لله عز وجل، قيل: وهذه تكتب: مِمّ (باسقاط الالف) لتحقيق الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر، واعترضه المحشي بأن الصواب إثبات الألف لتكون ما موصولة والاستفهام مستفاد من الهمزة.
قوله: «فقلت نعم» يحتمل أنه أجاب بذلك ليعرف ما عنده في الذبح على الأصنام وهذا الاحتمال ظاهر على نسخة الأصل، وهي قوله: "أنتم تذبحون" لأن السؤال عن فعل الجملة خفيَ على سائر النسخ فإنه يجب أن يكون الجواب مطابقا للسؤال فيلزم أن يكون ما في السفرة من جملة المذبوح على الأصنام وحينئذ فيحتاج الكلام إلى توجيه ليطابق ما تقدم من الرواية عن علي، ويمكن أن يقال أن ذابحها غيره وأن أكلها من الأحكام السمعية، وأن حجة السماع لم تبلغه صلى الله عليه وسلم يومئذ فهي في حقه عفو للبراءة الأصلية، ولهذا تجنبها حين سمِع من زيد ما سمع، فإن قيل: ما بال زيد بن عمرو تجنبها وعاب من يطعمها ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوّدها، فالجواب: لم تكن يومئذ رسالة ولا نبوّة وإنما هو محض توفيق وتسديد، وأن زيداً من جملة الموفقين فاهتدى لطول جهاده في الله إلى ما لم يهتد إليه سواه، {وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت69]. (1/127)
صفحة 128
قوله: «ومن يطعمها»: الضمير يعود على الذبائح التي ذبحت على الأصنام وقد أنزل الله تبارك وتعالى تحريمها في قوله: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}[المائدة:3]، {اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ}[الأنعام:145].
وقوله: «ومن يدنو منها»: أي يقرب منها، والضمير يعود إلى الأصنام أو إلى الجميع، ويكون عدم الدنو من الذبيحة مبالغة في التنفير عنها وعدم الدنو من الأصنام كناية عن ترك عبادتها وتعظيمها {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}[البقرة:187].
قوله: «والله ما دنوت من الأصنام شيئا»: أي دنواً والتنكير للتقليل ونيابة شيء عن المصدر من جنس إطلاق العام على الخاص على حد قوله تعالى: {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً}[الإسراء:74]، وليس في هذا دلالة على أنه كان قبل ذلك يدنو من الأصنام، بل قال شارح العدل رحمه الله: يحتمل<1/111> الأمرين، وأقول يصح أن يحمل النفي على التعميم ليطابق ما تقدم من المنقول عن علي ويمكن أن يحمل على الحال الذي كان بعد كلام زيد بن عمرو، وأنه كان قبل ذلك لا يدنو منها توفيقا وعناية من غير أن يعتمد التجنب والنفرة فلما سمع قول زيد بن عمرو انتبه لذلك واعتمد الجفاء والنفرة فيحمل القسم على هذا المعنى ليوافق ظاهر السياق.
قوله: «حتى أكرمني الله بالنبوة»: فيه دليل على أن النبوءة كرامة من الله تعالى وأنها لا تحصل بالكسب، وهذا إجماع من أهل الإسلام، وإن خالف فيه بعض الملحدين قال بعضهم
ولم تكن نبوءة مكتسبة ولو رقى في الخير أعلى عقبه
قوله: «قال وبعث»: أي أرسل فالبعثة هي الإرسال والظاهر أن هذا القائل هو أبو عبيدة أخذا عمن أخذ عنه ذلك من الصحابة، أو من الثقات عن الصحابة. (1/128)
صفحة 129
قوله: «هو ابن أربعين سنة»: وقيل: وأربعين يوما، وقيل: عشرة وقيل: وعشرين، وذلك يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البرّ: يوم الإثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: في أول ربيع، والسر في ذلك أن في هذا السن يكمل العقل وتتناهى القوى فهو غاية الاعتدال، وأن الوحي أمر عظيم خارج عن المعتاد وتحمل الرسالة أمر ثقيل، وسياسة العالم على وفق المصالح الدينية والدنيوية شيء كبير لاسيما مع نفرتهم وشدة عتوهم فلهذا اختار الله هذا الوقت للبعثة.
قوله: «وقرن مع إسرافيل »: أي يحفظه ويسدده، وثبت عند قومنا في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم وُكّل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين يأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم وُكّل به جبريل فجاء بالقرآن.
قوله: «ولم يكن ينزل عليه شيء»: يعني من القرآن، بدليل قوله بعد فنزل عليه القرآن عشر سنين بمكة فلا ينافي ما تقدم<1/112> في حديث عامر الشعبي أنّ إسرافيل يأتيه بالكلمة من الوحي والشيء.
قوله: «عشر سنين بمكة»: لأن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، سقط منها الثلاث التي قرن معه فيها إسرافيل عليه السلام، وهذا يخالف ما ذكره السيوطي في الإتقان في نزول القرآن منجما في عشرين سنة، وثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة، ويمكن الجمع بأن أول ما نزل عليه جبريل نزل ببعض القرآن، وهو:{ اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق:1-5] وأنه انقطع عنه بعد ذلك، وقرن معه إسرافيل حتى مضت الثلاث فلم يعتبروا المدة التي فنز فيها الوحي.
ما جاء في أن رأس الكفر نحو المشرق. (1/129)
صفحة 130
قوله: «رأس الكفر نحو المشرق»: المراد برأس الكفر معظمه وشدته، وقيل في ذلك: إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر، حتى مزّق ملِكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت الفتن من قبل المشرق، وقيل يُحتمل أن يريد فارسا وأن يريد أهل نجد.
وقوله: «نحو المشرق»: (بنصب نحو لأنه ظرف وهو خير المبتدأ)، نحو زيد خلفك.
قوله: «والفخر »: هو ادعاء العظمة والكبر والشرف، ومنه ينشأ الإعجاب بالنفس والخيلاء (بضم المعجمة وفتح التحتية والمد، وقيل: بضم المعجمة وكسرها أيضا) هو <1/113>الكبر والإعجاب بالنفس معا، وإنما كان الفخر والخيلاء في هؤلاء لأنهما أعز شيء عند العرب، فمن ثمّ قال المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب.
قوله: «والجهل في الفدادين»: (بتشديد الدّال، جمع فدّاد) وهو: من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والمراد به في الحديث: رعاة الإبل لقوله:«أهل الوبر»، وإنما كان الجهل في هؤلاء لأن همتهم رعي ماشيتهم، فهم لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان، والفخر والخيلاء في من قبلهم، لأنهم أصحاب الخيل والإبل، وهم أهل التصرف فيها والمختصون بركوبها.
قوله: «أهل الوبر»: بفتحتين عبارة عن البدو، لأنهم المختصون بذلك دون غيرهم، ويعبر عن الحضر بأهل المدر، لأنهم مختصون به بناءً وحرثًا،(وأصل الوبر شعر الإبل، والمدر: الطين). (1/130)
صفحة 131
قوله: «والسكينة»: هي الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع، وإنما خص أهل الغنم بذلك لأنهم غالبا دون أهل الإبل في التوسع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء، كذا قيل، ويحتمل أنها خصوصية في الغنم لأنها بركة وخير، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن، لأنها غالب مواشيهم، وعلى هذا فيحتمل أن يريد بأهل الخيل والإبل ربيعة ومضر، فيكون هذا الحديث مطابقا للحديث المتقدم في باب الإيمان، والله أعلم.
ما جاء في من قال لأخيه يا كافر. (1/131)
صفحة 132
قوله: «من قال لأخيه»: يعني المسلم لقوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين}ِ [الأحزاب:5]، والناس يومئذ صنفان: مسلم وكافر وثالث أظهر الإسلام وأخفى الشرك وهو المنافق، تستّر بالإسلام فهو في حكم المسلمين في الحياة الدنيا، ولله السرائر، فمن قال لأخيه الذي على دينه يا كافر فقد رماه بكبيرة <1/114> تقتضي الخروج عن الاستقامة، إما إلى الشرك، وإما إلى الفسق، وكلاهما لا يصح أن ينسب لمسلم، والكفر كفران: أحدهما كفر شرك، والآخر كفر نعمة، فإن حملنا الحديث على كفر النعمة كان وجهه ظاهرًا، لأن رمي المسلم بالكفر كبيرة وهي كفر نعمة و،"سباب المؤمن فسوق"، ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى: استحق اسم الكفر لقوله يا كافر، وإن حملناه على معنى الشرك كان مشكلا جدا، ولما كان الكفر في اصطلاح القوم خاصا بالشرك أشكل عليهم معنى الحديث، فعده بعضهم من المشكلات من حيث إن ظاهره عندهم غير مراد، وذلك لأن المسلم لا يكفر عندهم بنحو القتل والزنا، وكذا قوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وتأوّله آخرون، فحمله بعضهم على المستحل لذلك، وبعضهم قال معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصيته بتكفيره، وحمله بعضهم على الخوارح المكفرين للمؤمنين، وهم الأزارقة والصفرية، وهذا الوجه نقله القاضي عياض عن مالك بن أنس وضعّفه النووي في شرح مسلم بأن المذهب الصحيح أن الخوارج لا يكفرون، كسائر أهل البدع، وقال بعضهم: معنى الحديث أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها سوء العاقبة، وقال بعضهم: معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً، وهما شركاء في الإيمان، فكأنه كفر نفسه. (1/132)
صفحة 133
هذه أقوالهم في تأويل الحديث وكلها ناشئة من مخالفة الحديث لمذهبهم واصطلاحهم في تخصيص الكفر بالشرك، ولو حملوه على كفر النعمة كما حملناه عليه لهان الخطب واتضح المعنى وانتفى التكلف، وقد احتاجوا إلى إثبات كفر النعمة في مواضع من تفسير الأحاديث، فلو جعلوا هذا الموضع منها ما غاروا وأنجدوا.
قوله: «فقد باء»: أي رجع، والمعنى أن المسلميْن إذا تسابّا بالكفر أو بما يقتضيه فلابد من كفر أحدهما؛ لأنه إما أن يكون الأول صادقا أو كاذبا، فإن كان صادقا فردها إليه كفرٌ، وإن كان كاذبا فصدورها منه كفرٌ، فلا بد من كفر أحدهما، وقد يكفران معا بما إذا تجاوز الرّاد الإنصاف فرد عليه بما لا يحل شرعا أو تسابا بالزنا أو بالشرك.
وقوله: «والبادي أظلم»:<1/115> أي أشد ظلما، هذا إنما يظهر في ما إذا كَفرا معا بذلك، ووجه كونه أظلم لأنه السبب لضلالهما، ويمكن أن يحمل على ما إذا اختفى حال الصادق منهما، فإن اللّوم يرجع على البادي منهما، فهو أظلم حكما شرعيا لأنه كان يمكنه أن لا يسب أخاه، وهذا معنى كلام الربيع رحمه الله تعالى في قوله استحق اسم الكفر دون صاحبه لقوله يا كافر.
ما جاء في إحباط العمل بالرياء.
قوله: «الرياء»: هو العمل لغير الله تعالى، وقد كثر الوعيد عليه في كتاب الله وسنة نبيئه عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:{الذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[الماعون:6-7] . (1/133)
صفحة 134
قوله: «يحبط العمل»: أي يبطل ثوابه، لأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وقد تقدم أن الكبائر محبطة العمل كما يحبطه الشرك، ومصداق ذلك في قوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَىا كَالذِي يُنفِقُ مَالَهُ, رِئَآءَ النَّاسِ}الآية [البقرة:264]، وقوله تعالى: لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}[الحجرات:2]، وإنما خص الرياء بالذكر لخفائه في الإنسان، أو لأن العمل معه يحتاج إلى الإعادة لاختلال شرط صحته، وهو النية، لقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[البينة:5]، والمرائي غير مخلص، ومن عمل عملا أشرك فيه غير الله فهو له كله.
قوله: «كما يحبطه الشرك»: هذا تنظير للمحبِط بالمحبِط، والمعنى أن الرياء محبِط كالشرك الأكبر، فقد شابهه في هذه الصفة كما شابهه في كونه عملا لغير الله، قال عليه السلام: "اتقوا الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء"، سماه شركا أصغر لهذا المعنى، وهو أنه أريد به غير الله تعالى.
الباب الحادي عشر في الحب. (1/134)
صفحة 135
قوله: «في الحُب»: (بضم الحاء)، بمعنى المحبة، وهي ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يُقَرِّبُها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله عز وجل، وأنّ كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره، فهو من الله، وبالله، وإلى الله، لم يكن حبه إلاّ لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة في ما يُقَرِّبه إليه، ولذلك فسِّرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزِمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والحرص على طاعته، هذا وجه محبة العبد لربه، ولا يصح أن تفسر بحب نفس الذات، لأن الذات العلية لا يمكن تصورها، وتعلق المحبة بالذات فرع التصور، وأما محبة الله لعبده فهي إرادة الخير له، وهدايته، وإنعامه عليه، ورحمته، وقيل: محبته ثوابه ورضاؤه وإيصال الخير إليه، فعلى الأول تكون المحبة من صفات الذات لأنها داخلة تحت الإرداة، وتكون على التفسير الثاني صفة فعل، هذا أقصى ما يمكن الخوض فيه من معنى المحبة في هذا الموضع على قدر فهم العباد، ونحن نؤمن بما وراء ذلك، ونعترف له تعالى بالعجز عن إدراك صفاته. وأما البغض: فنقيض المحبة، فبغضه تعالى للعبد إرادته عقابه وشقوته ونحو ذلك، وعلى هذا فهو صفة ذات، وأما على القول الثاني فبغضه عقوبته وإيصال المكروه، وأما حب جبريل والملائكة عليهم السلام فيحتمل وجهين: أحدهما استغفارهم له، ودعاؤهم، والثناء عليه، والوجه الثاني على ظاهره، وهو المعنى المعروف من الخلق، وهو ميل القلب إليه، واشتياقهم إلى لقائه، وبغضهم على ضد ذلك في الوجهين معًا، وأما موضع القبول له في الأرض فهو الحب في قلوب الناس، ورضاؤهم عنه، وثناؤهم عليه.
ما جاء في حب الله لعباده. (1/135)
صفحة 136
<1/117> قوله: «إذا أحب الله عبداً الخ »: نص الحديث عند قومنا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: أني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادى في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله { إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}[مريم:96].وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل، أنى قد أبغضت فلانا، فينادى في أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء في أهل الأرض" وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "إنّ العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك فيقول الله لجبريل: إنّ عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني، فرضائي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، فيقوله الله حملة العرش، ويقوله الذين يلونهم، حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض، قال رسول صلى الله عليه وسلم وهي الآية التي أنزل الله في كتابه { إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}[مريم:96]، وإن العبد ليلتمس سخط الله، فيقول الله: يا جبريل إن فلانا يسخطني ألَا وإن غضبي عليه، فيقول جبريل: غضب الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله من دونهم، حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض"، نعوذ بالله من غضبه. وفي قوله فرضائي عليه وغضبي عليه دليل على أنهما من صفات الفعل، وفي قول جبريل والملائكة: رحمة الله عليه وقولهم غضب الله عليه دليل على أن حب الملائكة الدعاء بالخير، وبغضهم الدعاء بالشر، ولا يبعد أن يكون حبهم وبغضهم مستلزما للأمرين؛ الحال القلبي والدعاء كما كان ذلك في إخوانهم المؤمنين، وفي تقديم جبريل في هذا الحديث دليل على كمال شرفه، وقربه من الله تعالى، وفضله على حملة العرش وغيرهم.
ما جاء في المتحابين في الله. (1/136)
صفحة 137
<1/118> قوله: «أين المتحابون لأجلي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي»: وقوله في حديث معاذ "محبتي وجبت للمتحابين فيَّ" الخ، في هذين الحديثين الإلهيين بيان فضل المحبة في الله تعالي، وهي المعروفة عندنا بالولاية، أخذا من قوله تعالى: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ, أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}[التوبة:71] قال البراء بن عازب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" وقال ابن عباس: "أحب في الله وأبغض في الله وعاد في الله ووال في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك" ثم قرأ { لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ }[الحشر:22] الآية، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أوحى الله إلى نبيء من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك إلي فتعززت بي، فماذا عملت في ما لي عليك، قال: يا رب وما لك علي؟ قال: هل واليت لي وليا أو عاديت لي عدوا؟ وفي حديث واثلة بن الأسقع عند الحكيم الترمذي يقول الله تبارك وتعالى:"وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي. (1/137)
صفحة 138
" وهذه العداوة هي المعروفة عندنا بالبراءة، أخذا من قوله تعالى { قَدْ كَانَتْ لَكُمُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمُ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ}[الممتحنة:4] وقوله تعالى:{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}[التوبه:114] فالولاية والبراءة ثابتتان بنص الكتاب والسنة، وقد أطال أئمة المذهب في تفصيلهما لكثرة الأحداث الواقعة، واختلاف القضايا، وتشعب الدعاوى، وتقلب الأحوال، وفرض المكلف من هذا كله حصول المحبة لأهل طاعة الله تعالى، والبغض لأهل معصيته إجمالا، وتفصيلا في المشاهدين بأعيانهم، ولا يلزمه البحث عما سلف، { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ، وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُون}َ[البقرة:134] فإذا انتهى إليه العلم بطريق الشهرة الصادقة بطاعة شخص بعينه ممن سلف، وجبت عليه محبته بعينه، وإلا فالجملة كافية، وكذا القول في البراءة، ولا يلزم تكرار ذلك، بل يكفي فيه استحضار محبته عند ذكره إن كان مطيعا، واستحضار بغضه <1/119> عند ذكره إن كان عاصيا، وغاية الأمر أن الواجب من الولاية والبراءة شيء مركوز في ذهن كل مؤمن، فهو ملازم للإيمان، يدور معه حيث دار، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فكما أن حب الطاعة للمؤمن ضروري، فكذلك حب المطيع ضروري أيضا، وكذا القول في المعصية والعاصي، وما فوق ذلك من البحث عن الأحوال وأحكامها، والأحداث وأيامها، فلا يلزم أحدا أبدًا، كما أطال فيه الشيخ أبو سعيد رحمة الله عليه.
« (1/138)
صفحة 139
ومعاذ بن جبل» ابن عمرو بن أوس بن عائذ الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي، وقد نسبه بعضهم في بني سلمة، قال الكلبي: هو من بني أدى، قال: ولم يبق من بني أدى أحد، وعدادهم في بني سلمة، وآخر من بقي منهم عبد الرحمان بن معاذ، مات في طاعون عمواس بالشام وقيل: إنه مات قبل أبيه معاذ، فعلى هذا يكون معاذ آخرهم وهو الصحيح، وكان معاذ يكنى أبا عبد الرحمان، وهو أحد السبعين الذي شهدوا العقبة من الأنصار، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود، وكان عمره لما أسلم ثمان عشرة سنة، وأرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلم يزل بها حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي رضي الله عنه في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وقيل سبع عشرة، والأول أصح، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل ثلاث، وقيل أربع وثلاثون.
قوله: «للمتحابين في»: أي لأجلي، وهم الذين لا يطلبون بمحبتهم حظا عاجلا، ولا عرضا قريبا، وإنما يحب بعضهم بعضا لرضاء ربهم، حيث كانوا جميعا على طاعته، وكذا القول في «المتجالسين فيَّ والمتزاورين فيَّ» الخ، فإن في هذه كلها للتعليل.
«والمتجالسين» هم الذين يجلس بعضهم عند بعض للتذكير والتخويف وبيان الحق، وللمودة في الله، فإن الأرواح أجناد مجندة. والتزاور التواصل.
« (1/139)
صفحة 140
والمتدالين» هم الذين يستدل بعضهم على بعض في ما جرت العادة بالإدلال في مثله بين الإخوة في الدين، وفيه أن الإدلال من السنة وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم <1/120> عند أبي الهيثم وأم هانئ، وجاء به الكتاب العزيز في قوله:{أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَاكُلُواْ جَمِيعًا اَوَ اشْتَاتًا}[النور:61]، وعليه سلَفَ السلف الصالح رضوان الله عليه، وفي نسخة: المتأدبين في مكان المتدالين فيَّ، وفي نسخة أخرى بالجمع بينهما، والمتأدبين: هم الذين يفعلون مع بعضهم بعض، ما تقتضيه أوامر الشرع من محاسن الأخلاق، ويتركون سفاسف الأمور، وقد اشتمل الحديث على محاسن الدين والدنيا، وعلى الأحوال الظاهرة والباطنة، ومحاسن الحركات والسكنات، والأحوال البدنية والمالية، كما يلوح ذلك لعين من يبصر الحقائق.
ما جاء في حب العبد لقاء ربه.
قوله: «إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه»: المراد بلقاء الله تعالى، الرجوع إليه، المذكور في قوله تعالى { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[القصص: 70]، وقوله حكاية عن المؤمنين:{قَالُواْ: إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}[البقرة:156]، والرجوع إليه هو النقل من دار الفناء إلى دار البقاء، وباب ذلك الموت. قال ابن المبارك عن عبد الله بن عبيد الله قال: قال رجل: يا رسول الله، مالي لا أحب الموت؟ قال: "هل لك مال؟ فقدمْ مالك بين يديك، فإن المرء مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، وإن خلَّفه أحب أن يتخلّف معه. وروى الأصبهاني في الترغيب عن أنس: "إن حفظت وصيتي فلا يكوننّ شيء أحب إليك من الموت". وروى الديلمي عن السيد الحسين: "الموت ريحانة المؤمن". وفي حديث جابر: "الموت تحفة المؤمن، والدراهم والدنانير ربيع المنافق، وهما زاداه إلى النار". (1/140)
صفحة 141
قوله: «وإذا كره عبدي لقائي كرهت لقاءه»: ولا يكره لقاء الله إلا من ساء عمله، ومن كره لقاء الله كره الموت، لأنه أول اللقاء، ومن كره الموت فقد شابه اليهود وفي حرصهم على الحياة، وذلك بسوء أعمالهم،قال تعالى:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداَم بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ}[الجمعة:7] أي بما فعلوه من التكذيب والإصرار على العناد، قال قتادة: إن سوء العمل يكرِّه الموت شديدا، ووجه ذلك أنه لم يقدم لما بعده، وإنما عمل لدنياه، فهو يحب البقاء فيها، وليس من ذلك ما يجده المؤمن من الوحشة والفزع عند حضور الأجل، فإن هذا أمر طبيعي جبلت عليه النفوس، فهو نظير كراهة الدواء والكي لمن علم أن في ذلك شفاء علته، والله أعلم. ثم رأيت للحديث تفسيرا غير هذا، وهو أن الشيخين زادا في حديث عبادة: "فقالت عائشة: إنا لنكره الموت، قال صلى الله عليه وسلم: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه"، وهذا التفسير أولى مما قبله، لأنه عن صاحب الشرع، وهو أعلم بمعنى كلام ربه تعالى، والله أعلم.
الباب الثالث عشر في القدر والحذر والتطير. (1/141)
صفحة 142
قوله: «في القدرالخ»: (أما الحذر بفتحتين فمصدر حذر بالكسر كفرح فرحا) والاسم الحذر بكسر فسكون كحمل) قال تعالى:{خُذُوا حِذْرَكُمْ}[النساء:71] والمراد أخذ الأهبة والتيقظ لمكائد العدو، وذكره في الترجمة، مع أنه لم يصرح به في شيء من أحاديث الباب، إشارة إلى أنه لا ينافي القدر. "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهدف مائل أسرع المشي، فقيل: يا رسول الله، أتفر من قضاء الله؟ قال أفر من قضاء الله إلى قدره". وأما التطير فهو التشاؤم، يقال: تطيرت من الشيء وبالشيء، والاسم الطيرة كعنبة، وهو ما يتشاءم منه من الفأل الرديء، ولم يصرح بها في شيء من أحاديث الباب، ولعل المرتب أشار إلى ما ثبت عند قومنا في رواية الحديث الذي أرسله أبو عبيدة، وهو قوله:"لا هامة ولا عدوى ولا صفر"، فإنه عند قومنا: "لا هامة ولا طيرة"، ويمكن أنه أشار إلى ثبوت النهي عن ذلك وصحته، وإن لم يخرجه الربيع رضوان الله عليه، أو أنه<1/122>أشار إلى دخول النهي عنها في قوله صلى الله عليه وسلم:"كل شيء بقضاء وقدر"، وقوله:"تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك قال الشاعر:
طيرة الناس لا ترد قضاء * فاعذر الدهر لا تعبه بلوم
أي يوم تخصه بسعود * والمنايا تنزل في كل يوم
ليس يوم إلا وفيه سعود * ونحوس تجري لقوم وقوم (1/142)
صفحة 143
وكانت الفرس أكثر الناس طيرة، وكانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول طائر تلقاه، فإن طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت، فنهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: "أقروا الطير في وكناتها"، وحكى عكرمة عن ابن عباس أنه مرّ به طائر يصيح فقال له رجل جالس عنده: خير قال ابن عباس: لا خير ولا شر، والطيرة من ذرائع الحرمان فيجب اطراحها وصرف النفس عنها، وإن عارضته فليقُل ما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم:"اللهم لا يأتي بالخيرات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام: "كفارة الطيرة التوكل على الله"، ويقال: الخيرة في ترك الطيرة.
ما جاء في أنّ الأشياء بقضاء وقدر.
قوله: «كل شيء بقضاء و قدر» القضاء إيجاد جميع الكائنات إجمالا في اللوح المحفوظ، و في علم الله تعالى، و القدر إيجادها تفصيلا في المواد الخارجية واحدا بعد آخر، { وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ, إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}[الحجر:21]، و قيل: القضاء هو الحكم من الله تعالى، و الأمر أولا، و القدر هو التقدير و التفصيل بالإظهار و الإيجاد، و قيل: القضاء عبارة عن وجود جميع<1/123>المخلوقات في الكتاب المبين و اللوح المحفوظ، مجتمعة مجملة على سبيل الإبداع، و القدر عبارة عن وجودها مفصلة منزلة في الأعيان بعد حصول الشرائط و مؤدى العبارات واحد. (1/143)
صفحة 144
قوله: «حتى العجز و الكيس»: قال القاضي: رويناه برفع العجز، و الكيس عطفا على كل، و بجرهما عطفا على شيء، قال: و يحتمل أن العجز هنا على ظاهره، و هو عدم القدرة، و قيل: هو ترك ما يجب فعله، و التسويف به و تأخيره عن وقته، قال: و يحتمل العجز عن الطاعات، و يحتمل العموم في أمور الدنيا و الآخرة، و الكيس ضد العجز، و هو النشاط و الحذق بالأمور، و معناه أم العاجز قد قدر عجزه، و الكيس قدر كيسه. و لما رجع علي بن أبي طالب من صفين سأله شيخ، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء و قدر؟ قال: و الذي فلق الحبة، و برأ النسمة ما وطئنا موطئا و لا هبطنا واديا، و لا علونا تلعة إلا بقضاء و قدر، فقال الشيخ: احتسب عنائي، و الله ما أرى لي من الأجر شيئا، فقال له علي: بل أيها الشيخ فقد عظم الله أجركم في مسيركم و أنتم سائرون، و في منصرفكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين و لا إليها مضطرين فقال الشيخ: كيف لم نكن مضطرين، و القضاء و القدر ساقنا، و منها كان مسيرنا و انصرافنا، فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاءا لازما، و قدرا حاتما، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، و الوعد و الوعيد، و الأمر و النهي، و لم تكن لائمة لمذنب و لا محمدة لمحسن، و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، و لا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و جند الشيطان و خصماء الرحمن و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب، و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها، إن الله أمر تخييرا و نهى تحذيرا، و كلّف يسيرا، و لم يُعص مغلوبا، و لم يُطع مكرها، و لم يرسل الرسل عبثا، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، فنهض الشيخ مسرورا و هو يقول شعرا:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه إحسانا (1/144)
صفحة 145
<1/124> ... ما جاء في الإيمان بالقدر
قوله: «لن تجد»: أي لن تظفر بمطلوبك من الإيمان أو لن تتمكن من الإيمان حتى تعلم خير القدر و شره، و الوجود على وجوه: منها وجود بالعقل أو -بواسطة العقل- كمعرفة الله تعالى و معرفة النبوءة و من هذا الوجه هذا الحديث، فإنه فسره بالعلم بخير القدر و شره، و الوجه الثاني: أنه يعبر به عن التمكن من الشيء نحو: حيث وجدتموهم، و الوجه الثالث، وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدا، و وجدت طعمه و وجدت صوته و وجدت خشونته، و الوجه الرابع: وجود بقوة الشهوة نحو وجدت الشبع، و الوجه الخامس: وجود بقوة الغضب كوجد الحزن و السخط.
قوله: «و لن تؤمن و تبلغ حقيقة الإيمان»: أي لن تصل إلى حقيقته الواجبة شرعا إلا بذلك، لأن الإيمان بالقدر جزء من الإيمان الكلي، وإذا انتفى جزء الحقيقة انتفت الحقيقة كلها، و عند أحمد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "لكل شيء حقيقة، و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه". (1/145)
صفحة 146
قوله: «حتى تؤمن بالقدر خيره و شره»: أي حتى تصدق أن ذلك كله من الله تعالى، و أنه ليس للعبد فيه إلا الكسب، فبالكسب يثاب عليه و يعاقب، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ}[البقرة286]، و قال رجل لجعفر بن محمد: العباد مجبرون؟ فقال: إن الله تعالى هو أعدل من أن يجبر خلقه على المعاصي، ثم يعاقبهم عليها، قال: فمفوض إليهم؟ قال: هو أعز من أن يكون لأحد في ملكه سلطان، قال: و كيف هو؟ قال: أمر بين أمرين، لا جبر و لا تفويض. و سئل بن عباس عن القدر فقال: "الناس فيه على ثلاث منازل: من جعل للعبد في الأمر مشيئة، فقد ضادّ الله في أمره، و من أضاف إلى الله الأشياء مما <1/125> ينزه الله عنه، فقد افترى على الله عظيما، و رجل قال: إن رحمت فبفضل الله، فذلك الذي يسلم له دينه و دنياه، و لم يظلم الله في خلقه و لم يجهله في حكمه"، و ذكر أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم: يكتب الله علينا الذنب ثم يعذبنا؟ فقال صلى الله عليه و سلم: أنتم خصماء الله. و عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: "سيكون لهذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي، ثم يقولون هي من الله قضاء و قدر، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني بريء منهم"، فإن قيل: أليس يعذب الله على القدر؟ فالجواب: إنما يعذب على المقدور، و الفرق بينهما أن القدر فعل الله، و المقدور هو فعل العبد، و قال تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا }[الأحزاب:38]، و هي مسألة أبي عبيدة مع واصل بن عطاء، و كذا القول في القضاء، فإنه تعالى لا يعذب الناس على القضاء، و إنما يعذبهم على المقضيّ، فالأول فعل الله و هو إمضاؤه الشيء و حكمه به حكما جازما، و الثاني فعل العبد أي كسبه لما قضاه الله في الأزل. (1/146)
صفحة 147
قوله:«كيف لي أن أعلم»: كأنه استبعد الإيمان بالقدر الذي هو من غيب الله تعالى، و ذلك أن الإيمان فرع العلم، إذ لا يتصور الإيمان بالشيء إلا بعد إدراكه جملة أو تفصيلا، فمن ثم قال له رسول الله: "تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك الخ". فإن قيل: مدح الله تعالى الذين يؤمنون بالغيب، و قد أوجب الإيمان به، و هذا ينافي ما ذكرتم؟ فالجواب: أن الواجب من الإيمان بالغيب إنما هو تصديق الرسل في ما أخبروا به عن الله عز و جل من صفاته و أحكامه في الدنيا و الآخرة، و في ما أخبروا به من الوقائع الماضية و المستقبلة،و هذا عين العم بالشيء، حيث أخذوه من لسان الصادق المصدوق، و من ذلك جوابه صلى الله عليه و سلم لعبادة في هذا الحديث، و المنافي للإيمان الجهل بنفس الشيء، فإن عبادة لم يعلم كيف يؤمن بنسبة الخير و الشر من الله، فسأل مسترشدا و لوح في السؤال بالاستبعاد، حتى يبين له في الجواب بما يدفع المستراب، {قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}[التوبة:51]، و عند الترمذي من حديث عبد الله بن عباس من الكلمات التي علّمه إيّاها رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: "و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام و جفت الصحف"، قال الترمذي حسن صحيح وعند غير الترمذي: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، و ما أصابك لم يكن ليخطئك"، قال مسلم بن يسار: الكلام في القدر واديان عريضان، يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، و توكَّلْ توكُّل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله، و قال مطرف: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه، ثم يقول قدِّر لي، و لكن نتقي و نحذر، فإن أصابنا شيء، علِمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. (1/147)
صفحة 148
قوله: «دخلت النار»: لأن الميت على غير ذلك ميّت على غير الإسلام و العياذ بالله تعالى، و ذلك لأنه لم يبلغ حقيقة الإيمان، و من لم يبلغ حقيقة الإيمان فليس بمؤمن.
ما جاء في الهامة والعدوى والصفر
قوله: «لا هامة »: (بتخفيف الميم).
وقوله: «ولا عدوى»: (بفتح العين المهملة) اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء. (1/148)
صفحة 149
وقوله: «ولا صفر»: (بفتح الصاد والفاء). اعلم أن للعرب في جاهليتها أموراً تزعمها لا حقيقة لها، جاء الشرع بنفيها في مواضع: منها الهامة، زعموا أنها طائر يخرج من رأس المقتول، فيصيح اسقوني فإني عطشان، إلى أن يؤخذ بثأره. وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرَك بثأره تصير هامة فتقول: اسقوني، فإذا أُدرك بثأره طارت. وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت، وقيل: روحه تصير هامة فتطير<1/127>ويسمونه الصدى. وقال الربيع: كان أهل الجاهلية يقولون: إذا مات الإنسان خرجت من رأسه هامة، وهي التي تقتله. وقيل: اسم طائر يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة. وهذا الاختلاف يدل أنهم كانوا في ذلك طرائق قدداً، على مذاهب مختلفة في أصل الهامة، مع اتفاقهم على إثباتها، والكل خيال باطل، ووهم فاسد. (1/149)
صفحة 150
وأما «العدوى»: فقال الربيع في معنى نفيها: لا يتحول شيء من المرض إلى غيره فيعدو، أي يتجاوز محله الذي كان فيه، ويقال: أعداه الداء يعديه إعداء إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا، فتتقي مخالطته بإبل أخرى، حذار أن يتعدى ما به من الجرب إليها فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام، لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبيء صلى الله عليه وسلم أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء، ولهذا قال في بعض الأحاديث: "فمن أعدى البعير الأول؟" أي من أين صار فيه الجرب؟ ومنها «الصفر» قال الربيع: كانوا في الجاهلية يحرمون شهر صفر عاما، ويحرمون شهر محرم عاما، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله، وذلك هو النسيء المذكور في قوله تعالى:{إِنَّمَا النَّسِيُّ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}[التوبة:37] وقال ابن هشام: زعموا أنه حية في جوف الإنسان، تعض عند الجوع شراسيفه، وهي أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن، وتلك الحية تسمى صفر، زاد ابن الأثير إنها تعدي، وهو قريب من معنى قول الربيع رحمه الله، وقال آخرون -إذا مات أحد في الجاهلية-: به صفر وهي التي تقتله. فقوله به صفر هو مقول القول، وما بينهما اعتراض، والمراد بقوله: آخرون، طائفة من الجاهلية. فأبطل الإسلام ذلك.
<1/128> ما جاء في نهي أن يرد هائم على مُصِحّ (1/150)
صفحة 151
قوله:«لا يرد هائم على مصحّ»: الهائم: صاحب الإبل التي فيها الهيام، وهو داء يأخذ الإبل من العطش. وقال الضحاك: داء يأخذ الإبل، فإذا أخذها لم ترو، والمصحّ: صاحب الإبل الصحيحة، والمعنى لا يرد صاحب الإبل المريضة بإبله الماء، حال وِرْد صاحب الإبل الصحيحة، لئلاّ تختلط الإبلان، فيضرّ المريض الصحيح، وجاء: "لايورد ذو عاهة على مصحّ"، وجاء في حديث آخر: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وجاء في المجذوم: "إذا نزل واديًا، فانزلوا غيره"، ووجه ذلك أنّه تعالى أجرى العادة في الغالب، أنّه يخلق هذه العلل عند مباشرة أصحابها، وقد لا يخلق، وللّه خرق العوائد، وليس للعباد أن يختبروا ربّهم، وهذا غير المنهيّ عنه في حديث: "لا هامة ولا عدوى"، لأنّ المنهيّ عنه اعتقاد الجاهلية في ذلك، وهو تحوّل المرض من هذا إلى هذا من غير أن يكون في ذلك فعل، نظير ما تقوله أهل الطّبائع في تأثير الطبيعة، وذلك كفر بيّن، والله أعلم.
الباب الثالث عشر في الفتنة.
قوله: «في الفتنة»: (بكسر الفاء وسكون التاء)، وهي في الأصل الاختبار، يُقال: فتنت الذهب بالنار، إذا اختبرته أجيّد أم رديء، ثم استعملت في ما أخرجته المحنة والاختبار والمكروه، ثم أطلقت على كل مكروه من أوائل الكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور، وغير ذلك، قالت امرأة يوم الجمل:
شهدت الحروب وشيبنني * فلم أر يوم كيوم الجمل
أضر على مسلم فتنة ... * وأقتله لشجاع بطل
<1/129>فليت الظعينة في رحلها * وليتك عسكر لم ترتحل
الظعينة: المرأة في الهودج، والمراد بها: عائشة، وعسكر قيل: (1/151)
صفحة 152
اسم الجمل الذي عليه عائشة، وعلى هذا فتُرتَحل في البيت (بضم المثناة الفوقية)، ويمكن أن يراد به الجيش كما هو الظاهر، وعليه فتَرتحِل: (بفتح أوله وكسر الحاء مبنيا للفاعل). وقد بوّب أهل الحديث، كالمرتب رحمه الله للفتنة أبوابا، ويعنون بها الفتنة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله عز من قائل:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}[الأنفال:25]، قال البيضاوي: أي اتقوا ذنبا يعمكم أثره، كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد، وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم، وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا. روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من تشرّف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به. وفي الدر المنثور قال: أخرج أحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن مطرّف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ضيّعتم الخليفة حتى قُتل، ثم جئتم تطالبون بدمه، فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}، ولم نكن نحسب أنّا أهلها، حتى وقعت فينا. (1/152)
صفحة 153
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم ابن حماد في الفتن، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردوديه، عن الزبير قال: لقد قرأنا زمانا، وما نرى أنّا من أهلها، فإذا نحن المعنيّون بها،{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}،قال: البلاء والأمر الذي هو كائن، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}[الأنفال:25] قال: نزَلت في علي وعثمان وطلحة والزبير. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية، قال: أمَا والله لقد علِم أقوام حين نزلت، أنه سيخص بها قوم، وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في الآية <1/130>قال: عَلم –والله- ذوو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية، أنه سيكون فتن، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدّي في الآية، قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصة، فاقتتلوا، فكان المقتوليْن طلحة والزبير وهما من أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدّي، في قوله:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}، قال خُبِّرت أنهم أصحاب الجمل. (1/153)
صفحة 154
هذا كله من الدر المنثور للسيوطي، وسيأتي في المسند من روايات أبي سفيان، قال: حدثني أبو عبد الملك، قال: سمعت حماد بن إسحاق الخوارزمي: "أنه لما نزلت هذه الآية: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}، وعند النبيء صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعلي عثمان، فقال: أبو بكر أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ فقال: تحت التراب، ثم قال عمر: وأين أنا يا رسول الله يومئذ؟، قال: تحت التراب، ثم قام عثمان فقال: أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ فقال: بك تفتح وبك تنشب، فقام علي وقال: أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ فقال: أنت إمامها وزمامها وقائدها، تمشي فيها مشي البعير في قيده".
قوله: «ألا إن الفتنة هاهنا»: قد تقدم في باب الولاية والإمارة من حديث أنس بن مالك، قوله: "ألا وإن الفتنة هاهنا، وأشار بيده ثلاثا نحو المشرق"، وفي باب الإيمان من حديث أبي مسعود الأنصاري، قوله: وإن الفتنة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر، وتقدم قريبا قول السدّي في تفسير قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}، قال أُخبرت أنهم أصحاب الجمل، وتقدم قول الزبير أيضا أنهم المعنيون بذلك، فهذه الأحاديث والآثار يفسر بعضها بعضا، فالإشارة نحو المشرق، إنما هي إلى الجهة التي كانت فيها وقعة الجمل، وهي ناحية البصرة، وإنما اعتنى الشارع بالتنبيه عليها لأنها كانت أول خروج<1/131> ببغي على الإمام العادل.
قوله: «فالناجي من نجا منها»: وهو الذي لم يخرج معهم، ولا صَوّب خروجهم، ولا أحبه ولا رضي به، بل كرهه وبرئ إلى الله منه. (1/154)
صفحة 155
قوله: «والهالك من هلك فيها»: أي دخلها وأحبها، أو رضي بها أو صوّبها، فذلك ونحوه هو المشار إليه في حديث الحوض، بقوله: "وليذادّن رجال عن حوضي الخ"، وفيه التصريح بأن الداخل في الفتنة هالك، على خلاف ما يزعم قومنا أن اختلافهم اجتهاد، وأن المخطئ معذور، بل له عندهم أجر الاجتهاد {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمُ, إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[النمل:65].
قوله: «يوشك»: (بكسر الشين المعجمة)، أي يسرع، ويجوز فتح الشين، وقال الجوهري: هي لغة رديئة.
قوله: «غنما»: خبر يكون، قال ابن حجر: والأشهر غنمٌ بالرفع، فهو اسم يكون، وخبرها خير.
قوله: «شَعف الجبال»: (بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء)، جمع شعَفة، كأَكم جمع أكمة، رؤوس الجبال والمرعى فيها، والماء أيسر من غيرها، لاسيما في بلاد الحجاز.
قوله: «ومواضع المطر»: يعني الأمكنة التي يقع فيها المطر من البادية، ويمكن أن يريد المواضع التي تجمع الماء من المطر، كالغدران، وأكثر ما يوجد هذا في الشعاب، وهي الفجاج التي بين الجبال والأودية، ولا مانع من إرداة الكل، ولا ينافيه، "من بدا جفا"، لأن الفرار بالدين إنما يكون بعد التفقه فيه، ويمكن التعميم، ويكون المعنى أن ذلك الجفاء على ما فيه خير من ارتكاب المخُوف من الوقوع في الفتنة، والخبر دال على فضيلة العزلة، لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أفضل لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية والدنيوية، وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين عليه فعله، وقد بسطت أدلة القولين في صلاة الجماعة من المعارج، واختار النووي تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى، وقال غيره: يختلف ذلك باختلاف الأشخاص، فمنهم من يلزمه أحد الأمرين <1/132>منهم من يترجّح له ذلك، وإن تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، وإن تعارضا اختلفا باختلاف الأوقات، والله أعلم. (1/155)
صفحة 156
الباب الرابع عشر في الطهارة والاستجمار.
قوله: «في الطهارة والاستجمار»: أما الطهارة: فهي النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهر العرض أي بريء من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طهر، والجمع أطهار، واستعملها الشرع في مواضع منها: إزالة الأذى، ومنها إزالة الحدث، وهي الطهارة الصغرى، ومنها الغسل من الجنابة والحيض، وهي الطهارة الكبرى، وأراد بها المرتب رحمة الله عليه الأحوال التي تحصل لمستعمل الأدب في قضاء الحاجة، فإن الآخذ بالآداب المذكورة في الباب، لا يتلوث بالنجاسة الحسية وهي الخبث، ولا المعنوية وهي الإثم.
وأما «الاستجمار»: فهو قلع النجاسة بالجمرات والجمار، وهي الحجارة الصغيرة يقال استجمر الانسان إذا فعل ذلك، وفي بعض النسخ باب في الطهارة بالاستجمار، وعليه فيكون قد ترجم على بعض أحاديث الباب، وسكت عن بعض.
ما جاء في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها لبول أو غائط.
قوله: «عن جابر بن عبد الله»: بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، وقيل في نسبته غير هذا، وهذا أشهر، وأمه نسيبة بنت عقبة بن عدي بن سنان بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم، تجتمع هي وأبوه في حرام، وكنيته <1/133> أبو عبد الله وقيل: أبو عبد الرحمن، والأول أصح. شهد العقبة الثانية مع أبيه، وهو صبي، وقال بعضهم: شهد بدراً، وقيل: لم يشهدها، وكذلك غزوة أحد، وعن أبي الزبير أنه سمع جابرا يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدراً ولا أُحدًا، منعني أبي، فلما قتل يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قط، وقيل: شهد مع النبيء صلى الله عليه وسلم ثمان عشرة غزوة، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب، وعمِيَ في آخر عمره، وتوفي: سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة سبع وسبعين، وصلى عليه أبان بن عثمان، وكان أمير المدينة، وكان عُمْر جابر أربعا وتسعين سنة. (1/156)
صفحة 157
قوله: «لا تسقبلوا القبلة ببول ولا غائط. وقول ابن عمر: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا لحاجته بين لبنتين مستدبر الكعبة مستقبلا بيت المقدس، قال أبو عبيدة: قال جابر: فمن أجل هذا أباح ابن عباس استقبال القبلة في البيوت»: وذلك أنه رضي الله عنه جعل الفعل مخصصا للقول، واعتبر العلة في إباحة ذلك في البيوت، وهو حصول الحائل بين القبلة، وبين الناس، وهو الجدار، وحمل النهي على الصحاري والقفار. وأما قول أبي أيوب:«والله لا أدري كيف أصنع بهذه الكرائس» يعني الكُنف، فليس بمذهب، وإنما هو إخبار عن عدم الدراية في ما يصنع، وقدّر ابن عباس، فقال ما قال جمعا بين الأدلة، ويمكن أن يقال أن أبا أيوب رضي الله عنه لم ير التخصيص بالفعل، لأنه يمكن أن يكون من جملة خصوصياته صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن الفعل لم يبلغه، وعلى الأول -وهو قول ابن عباس- أصحابنا وجمهور مخالفينا، وقال قوم بالتحريم مطلقا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، ورجحه من المالكية ابن العربي، وقال قوم بالجواز مطلقا، ونسب إلى عائشة وعروة وداود، واعتلوا بالرجوع عند التعارض إلى الأصل الذي هو الإباحة، وقال قوم بالنهي عن استقبالها فقط، وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة وأحمد، وهو تمسك بظاهر حديث جابر بن عبد الله، لكن يرده حديث أبي أيوب، فإن فيه التصريح بالنهي عن الاستقبال والاستدبار، فهذه أربعة أقوال ذكرها المحشي، وزاد عليها أربعة أخر، فهي ثمانية كاملة، لكن المذهب الأول. قال: والمستحب ترك الاستقبال والاستدبار ولو مع الساتر. (1/157)
صفحة 158
قوله: «دخلت على حفصة»: هي شقيقته لأبويه وهي زوج <1/134> رسول الله صلى الله وعليه وسلم،وجلوسه صلى الله عليه وسلم في ذلك الموضع لحاجته دليل على جواز قضاء الحاجة في البيوت، حيث لا ضرر، ويستنبط منه جواز اتخاذ الكُنف، إذ المعنى واحد، وإن كانت عادة العرب الخروج إلى الصحاري، فقد أدركَت الصحابة الكنف عند اتساع البلاد، وفي سائر الأمصار، فلم ينكروها، فيؤخذ من ذلك الإجماع على الجواز، وكان ابن عمر رأى صلى الله عليه وسلم من جهة ظهره، وهو مستتر، فمن ثمَّ ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، وكل ذلك من شدة حرص الصحابي على تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ليتبعها، وكانت حفصة رضي الله عنها قبْل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن حذافة الشهمي، وكان ممن شهد بدراً، وتوفي بالمدينة، فلما تأيمت حفصة ذكرها عمر لأبي بكر، وعرضها، فلم يرد عليه أبو بكر كلمة، فغضب عمر من ذلك، فعرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عثمان: ما أريد أن أتزوج اليوم، فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه عثمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة"، ثم خطبها إلى عمر فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي أبو بكر عمر رضي الله عنهما، فقال: لا تجد عليَّ في نفسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكَر حفصة، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو تركها لتزوجتها. وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث عند أكثر العلماء، وقيل: سنة اثنتين، وطلقها تطليقة، ثم ارتجعها، أمره جبريل بذلك، وقال: إنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة، وتوفيت رضي الله عنها في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وقيل: توفيت سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة سبع وأربعين، والله أعلم. (1/158)
صفحة 159
قوله: «بين لبنتين»: (بفتح اللام وكسر الموحدة، وفتح النون)، تثنية لبنة<1/135> وهي ما يصنع من الطين أو غيره للبناء، قبل أن يحرق.
قوله: «الكرائس»: (جمع كرياس بكسر الكاف وسكون الراء وبالياء المثناة التحتية، وهو المرحاض الذي يكون على السطح، وأما الذي يكون على الأرض، فإنه يسمى كنيفا، قال أبو عبيدة: يقال لموضع الغائط المرحاض، والخلاء بالمد، والمذهب، والمرفق.
قوله: «وقد أتينا على هذا الأمر في حديث جابر الخ»: الإشارة إلى ما تقدم من جواب ابن عباس لجابر، بأن ذلك في الصحاري والقفار، دون البيوت.
ما جاء في الاستجمار بالأحجار والنهي عن الروث والعظام.
قوله: «إنما أنا لكم مثل الوالد»: يعني في الشفقة عليهم، ولا ترى أحدًا أشفق على الولد من والده، كما يظهر ذلك حتى في البهائم، وشفقة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة كشفقة الوالد للولد{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىا ءَاثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[الكهف:6] {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[فاطر:8]، {النَّبِيءُ اَوْلَىا بِالْمُومِنِينَ مِنَ اَنفُسِهِمْ}[الأحزاب:6]، وفي ذكر هذا الكلام مقدمة لهذه الأحكام، تمهيدا لقبول الحق، وأنه لا ينافي الحياء، والله لا يستحيي من الحق، وكما أن الوالد يعلم ولده ما دقّ من أمره حتى في قضاء الحاجة، فكذلك النبئ صلى الله عليه وسلم. (1/159)
صفحة 160
وقوله: «أعلمكم أمر دينكم»: إشارة إلى المأمور به في هذا الموضع والمنهي عنه من أمر الدين الذي لابد منه، ولعل هذا كان قبل نسخ وجوب الاستجمار، فإنه بقي بعد ذلك سنة مندوبة، أو أنه أدخل المندوب في جملة الدين، باعتبار أنه مما يُدان لله به، أي يُتقرّب إليه به، وإنّ اختصاص الدين بما لا يسع<1/136> جهله من الشرع اصطلاح حادث، خاص بأئمة المذهب، فلا يُستشكَل به الوارد من الحديث، لأنه كان قبل وجود الاصطلاح، وأيضا فلكل قوم اصطلاحهم، ولا تحمل معاني العربية على الاصطلاحات الجديدة، وهذه النكتة مهمة جدا، زلّت بها أفهام كثير من الأجلاء.
قوله: «وأمر أن يُستنجى بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرِّمة، وهي العظام البالية، وقوله: آتني بالأحجار، وقوله: فاستنجى بالحجرين، وألقى الروثة، وقوله: ومن استجمر فليوتر»: الكلام في هذه الأحاديث من وجوه:
أحدها: الاستطابة بالأحجار مأمور بها قولا وفعلا، أما القول، فقوله: وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار، وقوله: ومن استجمر فليوتر، وأما الفعل فقوله: آتني بالأحجار، وقوله: فاستنجى بالحجرين، فينبغي لكل مطيع أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في ذلك اقتداء به وامتثالا لأمره، وفي معنى الحجارة كل جامد مطهر كالخزف والخشب، دون الحديد والزجاج ونحوه، فإن هذا لا يطهر لملاسته، والغرض التطهير، فلا يكون إلا بمنشف. (1/160)
صفحة 161
الوجه الثاني: الإيتار في ذلك مأمور به لقوله: فليوتر، واختلف في أقل ما يجزي من ذلك، قال جابر بن زيد: "والذي أدركت عليه ابن عباس يقول: الاستنجاء بثلاثة أحجار"، قلت: وفي معناها الحجر الذي له ثلاثة أحرف، كما قيل بذلك، وقيل: يتعين العدد، ويدل عليه آتني بالأحجار، فإنها جمع وأقله ثلاثة، وقيل: يجزي دون ذلك، لأن الغرض التنقية، فإذا حصلَت حصل الامتثال، واستدل بعضهم عليه بقوله عند غير الربيع: فأخذ الحجرين وألقى الروثة، قال: لأنه لو كان مشترطا لطلب ثالثا، ورواية الربيع أظهر في الاستدلال، فإنه قال: فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة، فيفيد الاقتصار عليهما في الاستجمار، بخلاف رواية المستدل، ولعل من عيّن الثلاثة يجعل هذا مختصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو يقول إنّ الأمر بها عند الإمكان، أو إنّ الغرض معه صلى الله عليه وسلم حصل بالحجرين، وهذا لموضع الغائط، لأن اسم الاستجمار مخصوص به عرفا، وأمّا موضع البول فالمشروع فيه الاستبراء، وهو إزالة النجس بما أمكن من المنشفات الجائزة في الاستجمار، ولم يثبت لذلك حدٌّ بعدٍّ، كما ثبت في الاستجمار، والحكمة تقتضي عدم تحديده لحصول المادة من باطن القضيب، بخلافها في الموضع الآخر، فإن المُزال ظاهر على الجسد، ومشروعية الاستبراء من البول جاء بها حديث عذاب القبر، أخرجه الربيع وغيره، والله أعلم. (1/161)
صفحة 162
الوجه <1/137> الثالث: دلّت هذه الأحاديث على ترك الاستجمار بالروث والعظام قولا وفعلا، أما القول ففي حديث أبي هريرة: "ونهي عن الروث والرمة"، وأما الفعل فهو إلقاؤه صلى الله عليه وسلم للرّوثة، في حديث ابن مسعود، واختلفوا في علة النهي، فمذهب أصحابنا -رحمهم الله تعالى- ما سمعه جابر بن زيد من ناس من الصحابة يقولون:" إنما نهى النبيء صلّى الله عليه وسلّم عن الاستنجاء بالعظم والروث، لأن العظم زاد إخوانكم من الجن، والرّوْث زاد دوابّهم"، وحملوا على هذا المعنى قوله صلّى الله عليه وسلّم في الروثة: "إنها رِكس"، فإن النسائي قال: الرّكس طعام الجن، وقال بعض قومنا: العلة في ذلك نجاسة الروث، واحتجوا بقوله: "إنها ركس"، قالوا: والركس النجس، قالوا: وقد دل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم، والجواب: إن الرواية بالكاف أثبت، ورجالها أتقن، ولعل رواية الجيم تحريف في المعنى، ظن الراوي أن المراد بالركس ما فهمه من معنى النجاسة فرواه بالمعنى، وكثير ما وقع من تحريف السنة بسوء الفهم. وقيل: الرِّكس الرجيع، لأنه رد من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقيل: معنى الركس الرّد، قال تعالى:{أُرْكِسُوا فيها}[النساء:91]، أي ردوا، فكأنه قال لابن مسعود هذا رد عليك. ورد: بأنه لو أريد ذلك لكان بفتح الراء، والرواية إنما هي بكسر فسكون، وفيه أنه يمكن أن المكسور بمعنى المفعول كالذبح بمعنى المذبوح، والفتح في المصدر خاصة. والرِّمة بالكسر العظام بالبالية والجمع: رِمَمٌ ورِمام، وليس الوصف بالبالية معتبراً في النهي، فلا يتقيد <1/138>النهي به، بل يتناول كل عظم لعموم العلة، وإنما خص الرمة بالذكر لأن العظم البالي في صورة الخزف، بخلاف الجديد فإن النفس تنفر عنه لتلوثه باللحم، ويمكن أن يراد المبالغة في التحرز عن العظام، ووجه ذلك أن يقال نهي عن الرمة لحقارتها، وعدم الانتفاع بها، فما ظنك بما فوقها. (1/162)
صفحة 163
وابن مسعود: هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة الهذلي، حليف بني زهرة، كان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد بن الحارث بن زهرة. وكنيته: أبو عبد الرحمان، وأمه: أم عبد بنت عبد ود بن سوى بن هذيل أيضا، كان إسلامه أول الإسلام، وكان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله: "لقد رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا"، وهاجر الهجرتين جميعا إلى الحبشة، وإلى المدينة، وصلى القبلتين، وشهد بدرًا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وشهد اليرموك بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو الذي أجهز على أبي جهل، وشهد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنة، وتوفي رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وأوصى إلى الزبير، ودفن بالبقيع، وكان عمره بضعا وستين، وقيل: بل توفي سنة ثلاث وثلاثين، والأول أكثر.
قوله: «من توضأ فليستنثر»: أي يستنشق، وأصل الاستنشاق غسل باطن الأنف، وصفته أن يجذب الماء بخياشيمه، ويجعل إبهامه وسبابته في أنفه، كذا قيل، والاستنثار (استفعال من النثر، بالنون والمثلثة) هو طرد الماء الذي يستنشقه المتوضئ، أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرجه بريح أنفه، سواء كان بإعانة يده أم لا، وحُكي عن مالك كراهية فعله بغير اليد، لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى، كذا نقل المحشي، وفي إطلاق الاستنثار على الاستنشاق تجوُّز بعلاقة الملازمة بينهما. (1/163)
صفحة 164
قوله: «ومن استجمر فليوتر»: أي فليجعله وتراً لا زوجا، والمراد بالاستجمار استعمال الأحجار في الاستطابة، كما تقدم، وقد حمل بعض قومنا الاستجمار على استعمال البخور، للتطيّب، فإنه يقال فيه تجَمَّر واستجمر،<1/139> فيكون الأمر للندب على هذا، والظاهر بل الحقُّ الأول، والحمل على غيره تكلُّف.
ما جاء في النهي عن البول والغائط في الأجحرة.
قوله: «في الأجحرة»: (جمع جحر، بضم الجيم وسكون الحاء المهملة)، وهو كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، وجعل فقهاء اللغة كأبي منصور الثعالبي الجحر للضب خاصة، واستعماله لغيره كالتجوّز، وجمعه في الكثرة جِحَرَة (بكسر ففتح كعنبة)، وفي القلة أجحار كأصحاب وأجحرة كأسلحة، واختلفوا في علة النهي، قال ابن عباس: "إنما نهى عن ذلك عليه السلام لأنها مساكن إخوانكم من الجن"، وعلى هذا فالعلة خوف الضرر بهم، كمنع قضائها في بيوت الإنس، وهذا نظير ما تقدم في النهي عن الاستجمار بالروث والعظم، ويحكى أن سعد بن عبادة كان بالشام، فقام ليلة فبال في جحر، فمات، فبينما غلمان بالمدينة، في بئر سكن، نصف النهار، في حر شديد إذا سمعوا في البئر قائلا يقول:
نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عبادة
ورميناه بسهميـ ... ن فلم نخط فؤآده
فذعر الغلمان، وحفظ ذلك اليوم، فوجد اليوم الذي مات فيه سعد بالشام، وقيل: إنما نهي عن ذلك للإشفاق فإنه قد تكون فيها دابة مؤذية
ما جاء في الاستتار وترك الكلام عند قضاء الحاجة. (1/164)
صفحة 165
<1/140>قوله: «أنه مِن أدَبه لا يكشف إزاره الخ»: وعند غير الربيع رضي الله عنه عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: "كان إذا دخل الخلاء، قال: اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، وعن أبي قتادة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء"، وعن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحو إداوة من ماء، وعنزة فيستنجي بالماء"، فحصل لنا من مجموع هذه الأحاديث جملة آداب:
منها عدم الكشف للإزار حتى يقرب من الأرض، وهذا مبالغة في الاستتار، وهو مندوب، حيث لا عين ولا أثر، واجب حيث يخشى أن يراه أحد، فإن ستر العورة فرض.
ومنها ترك الكلام عند إرادة قضاء الحاجة، لأنه صلّى الله عليه وسلّم لم يرد على الرجل السلام، وإذا ترك السلام، فغيره أولى بالترك، فلا يشمِّت عاطسا، ولا يحمد أن عطس، ولا يحكي أذانا، ولا ينصت لكلام أحد، ولا يشتغل بشيء غير حاجته إلا بمهم، كتنجية نفس أو مال.
ومنها الاستعاذة عند دخول الخلاء من الخبيث المخبث، والسر في ذلك أن مواضع الأقذار مظنة لوجود الشيطان، ويمكن أن الخلاء لقذراته ذكّره بالشيطان، فمن هاهنا وصفه بصفات الخبث، والأول أظهر لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "أن هذه الحشوش محتضرة"، أي للجان والشيطان.
ومنها النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول، وجاءت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقا، وظاهر النهي التحريم، وعليه حمله الظاهرية حتى قيل: إنّ من استنجى بيمينه، فقد كفر نعمة اليمين، وحمله جمهور الفقهاء على الكراهة. (1/165)
صفحة 166
ومنها لا يتمسح من الخلاء بيمينه، وهو متناول للقبل والدبر، وهذا غير المس، وإذا كان الحجر صغيراً، ولم يمكنه مسح القبل إلا بمساعدة اليمين، فقيل: يمسك الحجر باليمين والذكر باليسرى، وتكون الحركة لليسرى واليمين ثابتة لا تتحرك، وقيل: يأخذ الذكر باليمنى والحجر باليسرى، ويحرك اليسرى واليمين ماسكة ثابتة، وفي هذا <1/141> القول وقوع في النهي عن مسه باليمين.
ومنها الاستعانة بالرجال واصطحابهم لحمل ماء الاستنجاء، كما يدل عليه حديث إنس في أول الشرح، ويدل عليه أيضا حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند الربيع رحمه الله، وقد تقدم قريبا، فإنه أمره أن يأتيه بالأحجار، وهذا يخالف ما ذكروه، أن من الآداب عدم الاصطحاب إلا من ضرورة، وقد يؤخذ الاصطحاب أيضا من قول ابن عباس أنه من أدبه لا يكشف إزاره الخ، وقوله وقد مر برسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل الخ، فإن الظاهر أنه أخبر عن شيء شاهده، ويمكن أن يُقال إن هذا مخصوص بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنهم يصحبونه شفقة عليه وخوفا من أعدائه أن يغتالوه، وللإطلاع على أحواله وأفعاله وأقواله، وهذه المزايا لا توجد في غيره من الناس، والجواب: أما الخوف عليه فمعارض بظاهر قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة:67]، ثم أنه إن كانت العلة ما ذكرتم، ينتقض التخصيص لأنه يشاركه في ذلك كل مخوف عليه، كالخليفة ونحوه، وأما الاطلاع على أحواله فهو دليل على الجواز مطلقا، لا على الخصوصية لأن الغرض من ذلك التأسي به، ولو امتنع الاقتداء في هذا الموضع لبيّنه عليه الصلاة والسلام، على أن الصحابة إنما ذكروا للناس ذلك ليبينوا لهم ما يأتون وما يذرون، وبالجملة فالممنوع الاستصحاب معها للتحدّث والمداعبة، فإن ذلك مما يمقت الله عليه، والله أعلم.
ما جاء في السواك عند كل وضوء. (1/166)
صفحة 167
<1/142>قوله: «لولا أن أشق على أمتي»: أي لولا أني أخشى دخول المشقة عليهم لأمرتهم بالسواك، أمراً جازما ليس لهم فيه خيرة {وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلاَ مُومِنَةٍ اِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ, أَمْرًا اَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنَ اَمْرِهِمْ}[الأحزاب:36]، وفي الآية والحديث تعلق لمن يرى أن للنبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بالاجتهاد، ويعضده قوله تعالى:{إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَىا نَفْسِهِ}[آل عمران:93]، وكشف المقام أن الأحكام صنفان: صنف أمضاه الله ولم يجعل فيه لأحد خيرة، وهي الأحكام المنصوصة على لسان الوحي، وصنف فُوِّض إلى النبيء يُراعي فيه المصلحة، فإذا أمر فيه بأمر جازم وجب امتثاله كالسواك، فإنه لو أمر به جزما لوجب لقوله تعالى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[النساء:59]،{وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}[الحشر:7].
قوله: «عند كل صلاة وكل وضوء»: المراد بالصلاة المفروضة وغير المفروضة، والمراد بالوضوء مطلق الوضوء، وكان لصلاة أو لنفس الطهارة فالسواك مستحب عند هذا كله، والسر في ذلك، أنَّا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله عز وجل أن نكون في حالة كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة، وقيل: إن ذلك لأمر يتعلق بالملَك، وهو أنه يضع فاه على في القارئ، ويتأذى بالرائحة الكريهة فسُنّ السواك لأجل ذلك، والله أعلم، وإنما ذكر السواك في هذا الباب، ليجمع خصال الطهارة الباطنة مع الظاهرة، فإن تطهير الفم من الطهارات الباطنة، أو أنه أراد أن يجمع بين الطهارة من الخبث المحسوس والريح المؤذية، والعلم عند الله.
الباب الخامس عشر في آداب الوضوء وفروضه. (1/167)
صفحة 168
قوله: «في آداب الوضوء وفروضه»: أراد بالآداب ما قابل المفروض من السنن، قال الربيع رضي الله عنه: الوَضوء: (بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ منه، والوُضوء بضم الواو والفعل، يعني فعل المتوضيء، والمعنى الأخير هو المناسب للترجمة، لأنها في أحكامه.
<1/143> ما جاء في غسل اليد ثلاثا بعد النوم.
قوله: «إذا استيقط»: أي جاءته اليقظة، فهو بمعنى تيقَّظ.
قوله: «من نومه»: النوم غلبة على العقل، يسقط به الإحساس، وقيل غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفة، وأنه أخو الموت، وقيل: أن النوم مزيل للقوة والعقل، والسِّنة في الرأس، والنعاس في العين، وقيل: السِّنة هي النعاس، وقيل: السِّنة ريح النوم، تبدو في الوجه، ثم تنبعث إلى القلب.
قوله: «فلا يغمس يده»: هذا النهي محمول عند الجمهور على الكراهة، ومقتضى مذهب أحمد أنه للتحريم، في نوم الليل دون النهار، واتفقوا أنه لو غمس لم يضر الماء.
قوله: «في الإناء»: أي الإناء الذي عدّ للوضوء، فخرج بذلك البرك والحياض التي لا تفسد بغسل اليد فيها، على تقدير نجاستها، فلا يتناولها النهي.
قوله: «حتى يغسلها ثلاثا»: ظاهره أن الكراهة لا تزول إلا بغسلها ثلاثا، والسِّر في ذلك أن الشارع إذا غيَّا حكما بغاية، فإنما يخرج من عهدته باستيعابها، فسقط ما قيل ينبغي زوال الكراهة بواحدة لمتيقن الطهر بها، كما لا كراهة إذا تيقن طهرها إبتداء.
قوله: «لأنه لا يدري»: فيه أن علة النهي احتمال هل لاقت يده ما يؤثر في الماء أوْ لا، ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك، ولو كان مستيقظا، ومفهومه أن ما درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة مثلا، فاستيقظ وهي على حالها إن لا كراهة، وإن كان الغسل مستحبا على كل حال. (1/168)
صفحة 169
قوله: «أين باتت يده»: أي ولعلها باتت في محل النجس، قيل: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عرق أحدهم إذا نام، ويحتمل أن تطرق يده على المحل، أو على بثرة أو دم أو حيوان أو قذر أو غير ذلك، وأخذ بمفهوم المبيت أحمد، فخص الغسل بنوم الليل، لأن حقيقة المبيت تكون في الليل، وخالفه غير واحد، فألحقوا نوم النهار بنوم الليل لاتحاد <1/144>العلة، قالوا: وإنما خص المبيت بالذكر للغلبة، وقال بعضهم يمكن أن تكون الكراهة في الغمس لمن نام ليلا أشد منها لمن نام نهاراً.
ما جاء في التسمية على الوضوء.
قوله: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»: اختلف العلماء في معناه، فحمله أبو عبيدة على الترغيب في نيل الثواب الجزيل، وصححه الشيخ عامر في الإيضاح، وجعله نظير قوله عليه السلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" قال لأنهم أجمعوا أن من صلى في بيته فقد أدى الفرض الذي عليه، قال: فكذلك التسمية، يقول بسم الله، قال هكذا في آثارهم رحمهم الله تعالى، وظاهر كلامه أن هذا القول هو المذهب، وعليه فالمراد بنفى الوضوء نفي فضيلته الحاصلة مع التسمية، وأخذ آخرون بظاهر الحديث، فقالوا أن التسمية من فروض الوضوء لأن نفيه متوجه إلى نفي حقيقته، وذلك يقتضي نفي الصحة، إذ لا صلاة إلا بطهور، وتأوله آخرون، فقالوا: المراد بالتسمية النية، رأوا أن التلفظ باسم الله غير واجب عند الوضوء، وقد تكلفوا فيه هذا التأويل، ويرده قوله في الحديث لمن لم يذكر اسم الله عليه، فإن المذكور اسم الله، وهو غير النية.
ما جاء في الوضوء مرة مرة واثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا.
قوله: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به»: وفي نسخة: "لا يقبل الله الصلاة إلا به" وذلك لأنه <1/145> أقل ما يجزي في الوضوء، وصحة الصلاة مشروطة بحصول الوضوء، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "ولا صلاة لمن لا وضوء له". (1/169)
صفحة 170
قوله: «من ضاعف ضاعف الله له»: يعني من زاد على الفرض فضيلة، زاده الله ثوابا فوق ثواب الفرض جزاء بما كنتم تعملون؛ فالمضاعفة في العمل تستوجب المضاعفة في الأجر ، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} [الأنعام: 132].
قوله: «ثلاثا ثلاثا»: أي لكلِّ عضو وظاهره يقتضي التسوية بين المغسول والممسوح، وأنَّ المسنون التثليت في الكلِّ، وهو مذهب أصحابنا المشارقة رضي الله عنهم، وبه قال الشافعي، ونقل عن أنس وعطاء إبراهيم التيمي وغيرهم. وقال أصحابنا المغاربة وكثير من قومنا أنَّ المسح لا يكرَّر بل يُقتصر فيه عن المرَّة الواحدة؛ لأنَّه مبنيٌّ على التخفيف، فلا يساوي الغسل لأنَّ المراد منه المبالغة في الإسباغ، وأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والعرك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء. قالوا: ووضوءه صلّى الله عليه وسلّم ثلاثا ثلاثا مجمل بيَّنَته روايات أخر صحيحة، تدلُّ على أنَّ المسح لم يتكرَّر فيحمل التثليت على الغالب من الأعضاء، وهو المغسول. قال أبو داود في السنن: أحاديث عثمان الصحاح كلِّها تدلُّ على أنَّ مسح الرأس مرَّة واحدة، وكذا قال ابن المنذر أنَّ الثابت عنه صلّى الله عليه وسلّم في المسح مَرَّة واحدة. واعترض بأنَّ أبا داود قد روى أيضا من وجهين صحيحين، أحدهما: عن ابن خزيمة وغيره، في حديث عثمان: تثليت مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة.
قوله: «هذا وضوئي»: أي الذي استعمله ولا أعدل إلى ما دونه لأنه صلّى الله عليه وسلّم لا يختار من الأمور إلاَّ أعلاها، وهل يليق بالكامل إلا الكمال؛ أما الجواز بما دون ذلك؛ فقد بيَّنه بقوله: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلاَّ به... ومن ضاعفَ ضاعفَ الله له»، ولا يدلُّ قوله هذا وضوئي على وجوب التثليت عليه. (1/170)
صفحة 171
قوله: «ووضوء الأنبياء من قبلي»: إنما ذكر ذلك ترغيبا في التثليث، وأنه صلّى الله عليه وسلّم لم ينفرد به من بينهم، بل شاركوه في ذلك <1/146> وهو بهم مقتدي، ويؤخذ منه أن الوضوء ثابت لغير هذه الأمة أيضا، فعلى هذا يكون الذي اختصت به هذه الأمة إنما هو الغرّة والتحجيل، وقد تقدم بيان ذلك.
ما جاء في التخليل بين الأصابع.
قوله: «خللوا بين أصابعكم»: المراد بالتخليل إيصال الماء بين الأصابع بإمرار أصابع اليد الأخرى، أو يكفي نفس وصول الماء، ولو لم يمر أصبعه على الخلاف الوارد في اشتراط إمرار اليد، ووصول الماء إلى ذلك الموضع واجب بلا خلاف، لأنه بعض اليد التي وجب علينا غسلها، فهو نظير الأعقاب في الأرجل، وعليه يحمل الحديث لأن الوعيد لا يتعلق إلا على ترك واجب أو فعل محجور، وحمله على إدخال الأصابع بين الأصابع صرْف له عن ظاهره بغير مقتض، ولا يدل على ذلك أن التخليل بهذه الصفة. نقل صاحب الإيضاح الإجماع على عدم وجوبه، فكيف يحمل حديث الوعيد عليه وفي نقل الإجماع نظر، لثبوت معنى الخلاف له في وجوب إمرار اليد عند الغسل، ولهذا قال صاحب القواعد: أنه من السنن، وقيل: واجب، ونسب المحشي القول بالوجوب إلى مالك.
قوله: «قبل أن تخلل بمسامير من نار»: يعني قبل أن تستحق العقوبة على ذلك، وإنما ذكر المسامير، لأنها المناسبة لتعذيب ما بين الأصابع، والجزاء على وفق العمل.
ما جاء في اشتراط الوضوء لصحة الصلاة. (1/171)
صفحة 172
<1/147>قوله: «لا إيمان لمن لا صلاة له»: يعني والله أعلم، أن تارك الصلاة ليس له حظ من الإيمان، فلا يوصف به، لأنه كفر النعمة، ولا يكون كافراً مؤمنا، فالإيمان المنفي هو المركّب من القول والعمل والنية معا، وإذا اختل بعض المركّب انهدمت قواعده، وذهبت حقيقته، واتصف بضده، وهو هنا الكفر، وليس المراد هنا بالمنفي الإيمان الذي هو التصديق بالقلب فقط، لأنه لو انتفى عنه هذا لاتصف بضده الذي هو الشرك، والمعروف من قواعد الشرع غير ذلك، وعليه انعقد الإجماع، وفي الحديث حجة لأصحابنا في جعلهم الإيمان مركبا من قول وعمل ونية.
قوله: «ولا صلاة لمن لا وضوء له»: يعني أن الوضوء شرط في صحة الصلاة، والمشروط ينعدم بانعدام شرطه، وفي هذا التدريج، وهو نفي الإيمان عمن لا صلاة له، ثم نفي الصلاة عمن لا وضوء له؛ مبالغة شديدة في اشتراط الوضوء لصحة الصلاة، فيجب أن يجعل مفسرا لحديث أبي هريرة عند غير الربيع: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، فلا معنى لِما ادعاه بعض المتأخرين من قومنا من الفرق بين نفي القبول ونفي الصحة، وأنه لا يلزم من نفيه نفيها، والجواب أن المراد بنفي القبول ردها إليه وفسادها عليه، لحديث ابن عباس عند الربيع، وقد جاء نفي القبول في هذا المعنى من قوله صلّى الله عليه وسلّم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، أي من بلغت سن المحيض، فلا تصح صلاتها مكشوفة الرأس، واشتراط الوضوء إنما هو للقادر الواجد للماء، دون من لم يجده، فإنه ينتقل إلى التيمم، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا}[النساء:43]، ودون العاجز عن استعماله، فإنه يتيمم أيضا، لقوله تعالى:{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ}[النساء:29]،{لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا}[البقرة:2]،ولما سيأتي من حديث المجدور وغيره في باب التيمم. (1/172)
صفحة 173
قوله: «ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله»: أي لا يصح الصوم إلا بترك ما حرم الله فعله على الصائم، ففيه دليل على ما قاله أصحابنا رحمهم الله تعالى: أن المعاصي تنقض الصوم.
<1/148> ما جاء في تعهد الأعقاب بالغسل.
قوله: «ويل للعراقيب من النار»: وفي كتب قومنا: "ويل للأعقاب"، وهما بمعنى واحد في هذا الموضع لأن المراد بالكل: مؤخر الأرجل، والمراد ببطون الأقدام: وسطها من أسفل، وإنما خص الموضعين بالوعيد لأن الماء لا يصلهما غالبا إلا عند التفقد، وذلك عند قلة الماء، ومع العجلة، وهو معنى قول الربيع رحمه الله أراد بذلك أن تعرك بالماء، ويبالغ في غسلها، ويكشف معناه معرفة السبب، ففي البخاري عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف النبيء صلّى الله عليه وسلّم عنا في سفرة، فأدرَكنا، وقد أرهقتنا العصر، فجعلنا نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار"، مرتين أو ثلاثا، وفي الحديث تعليم الجاهل، ورفع الصوت بالإنكار، وتكرير المسألة لتفهم.
ما جاء في الاستنشاق.
قوله: «للقيط بن صُبْرة»: (بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة)، كنيته: أبو عاصم، عداده في أهل الحجاز، وهو وافد بني المنتفق إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذكر الحديث في الوضوء رواه عند قومنا: الثوري وقرة بن خالد ويحي بن سليم وابن جريج عن إسماعيل بن كثير، وقال الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه، قال: أتيت <1/149> النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: "اسبغ الوضوء وخلل الأصابع، وإذا استنشقت فبالغ، إلا أن تكون صائما"، والمراد بالمبالغة في الاستنشاق: الاستقصاء في غسل باطن الأنف، وإنما أمر به لغير الصائم، لأن الصائم يحرم عليه إدخال الماء في حلقه، والمبالغة في الاستنشاق يُخشى منها ذلك غالبا، وفي الحديث إشارة إلى أن حكم الداخل إلى الحلق من الأنف في الصوم حكم الداخل من الفم. (1/173)
صفحة 174
قوله: «إذا توضأت»: أي إذا أردت الوضوء على حد قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمُ, إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6] الآية، أي إذا أردتم القيام إليها فافعلوا ذلك، أو المراد بالوضوء غسل اليدين المأمور به قبل إدخالهما في الإناء، ويسمى غسلهما وضوءً، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله تصيبني الجنابة من الليل ماذا أصنع؟ قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "توضأ، واغسل رأس ذكَرك"، أراد غسل يديه ثم ذكَرِه.
قوله: «ثم استنثر»: أي ادفعه بنَفَسِك، وإنما أمر بذلك لأن في دفعه بالنَّفَس تنقية للأنف، فإنه يخرج بقوة، بخلاف غير المدفوع.
ما جاء في المضمضة والاستنشاق.
قوله: «من غَرْفَة واحدة»: يعني غرفها بيده، فاكتفى بها للمضمضة والاستنشاق، وفيه تعليم للناس الاقتصاد في استعمال الماء عند الوضوء، لأن كثرته من الشيطان، كما سيأتي، ومثله الإكثار عند الاغتسال، والزيادة على المشروع مردودة في وجه زائدها، فإنه لو كان مرضيًّا عند الله لأدخله في المأمور، والتقرب إليه تعالى بغير ما أمر لا يزيد إلا بعدا، كطالب وصول إلى البلد من غير طريقها، قال تعالى:{وَتِلْكَ الاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُونَ}[العنكبوت:43].
<1/150> ما جاء في مسح أثر الوضوء. (1/174)
صفحة 175
قوله: «كان متخذا منديلا يمسح به بعد الوضوء الخ»: وجاء عن معاذ رضي الله عنه أنه صلّى الله عليه وسلّم مسح وجهه بطرف ثوبه، وعن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام كانت له منشفة، وأخذ بظاهره بعض المالكية فاستحبه، وقال في تعليله أن المسح يؤدي إلى النظافة، فإن الماء إذا بقي في شعره قطر من اللحية على الثوب، فعلق به الغبار، فينطمس لونه، قال: وكذلك تعلق ماء رجليه بذيول ثوبه، وما أنسب هذا التعليل بأهل الترّف من أهل الدنيا، وما أشد خلافه لطريقة السلف الذين كانت مناديلهم أخامص أرجلهم. قال أبو عبيدة: المعمول به عند أصحابنا أن لا يسمح أعضاءه بعد الوضوء، وهو استحباب من أهل العلم، ومثله قال سعيد بن المسيب والزهري، فكرهوا التنشف، وقالوا: الوضوء نور، وكأنهم علموا النسخ بحديث ابن عباس عند البخاري قال: حدثتنا ميمونة قالت: "صببت للنبيء صلّى الله عليه وسلّم غُسلا"، ثم ساق الحديث إلى قولها، "ثم أتي بمنديل، فلم ينفض بها"، قال أبو عبد الله: يعني لم يمسح بها، وأبو عبد الله هذا هو البخاري، وذكر الحديث في محل آخر أنها قالت: "فناولته خرقته، فقال بيده هكذا، ولم يرِدْها"، قال ابن حجر: قوله: "ولم يُردْها": (بضم أوله وإسكان الدال)، من الإرداة، والأصل يريدها لكن جُزم بلم، قال: ومن قرأها بفتح أوله وتشديد الدال، فقد صحَّف، وأفسد المعنى، قال: وقد رواه أحمد بن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد، وقال في آخره:" فقال هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها"، قال: وسيأتي في رواية أبي حمزة عن الأعمش: "فناولته ثوبا فلم يأخذه" 'انتهى'، ويمكن أنه صلّى الله عليه وسلّم إنما اتخذ المنديل لبيان الجواز فقط، كما ذكره المحشي لكن الحال يقتضي أن ذلك قد اتخذه عادة، ولهذا جاءته به ميمونة رضي الله عنها، فالقول بالنسخ أظهر .
<1/151> ما جاء في مسح الرأس والأذنين. (1/175)
صفحة 176
قوله: «مسح ببعض رأسه في الوضوء»: الباء: للإلصاق، أو للاستعانة، ومسح يتعدى بنفسه وبالباء، والأصل مسح بعض رأسه، وفيه بيان لقوله تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}[المائدة:6]، قال: فإنّ معناه أشكل على الناس، فمنهم من أوجب الاستيعاب، وجعلوا الباء للإلصاق، فأوجبوا مسح الكل، ومنهم من جعلها للتبعيض، وأوجب مسح البعض فقط، ثم اختلفوا في ذلك البعض، فمنهم من لم يُقدِّره بقدر، وهم الشافعية، ومنهم من قدَّره بربع الرأس، وهم الحنفية، والمستحب عندنا مسح الجميع خروجا من الخلاف، ويجزي البعض لهذا الحديث، فإنه صلّى الله عليه وسلّم إنما فعله بيانا للجواز، وأقل ما قيل: أنه يجزي من ذلك مسح ثلاث شعرات بثلاثة أصابع، وقد بسطت القول في ذلك في الجزء الأول من المعارج. (1/176)
صفحة 177
قوله: «الأذنان من الرأس»، وقوله «غرف غرْفة فمسح بها رأسه وأذنيه»: هذا كله يدل على أن حكم الأذنين في الوضوء حكم الرأس، فهما بعضه بهذا المعنى، إلا أنهما يُخصَّان بالمسح أيضا، أما دلالة الحديث الأول فلفظية ،وأما الثاني ففعلية مبيِّنة لمعنى الحديث الأول، إذ لا شك أنهما في أصل الخلقة من الرأس، لكن الشرع قسم الرأس في الأحكام إلى أقسام يظهر ذلك في الوضوء والأروش، فجعل حكم الوجه غير حكم الرأس، فاحتجنا إلى بيان الأذنين، هل هما في الوضوء من الرأس أم لا، فأرشدنا إلى ذلك قولا وفعلا صلوات الله عليه وسلامه، فيمسحان مع <1/152> الرأس بغرفة واحدة، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يستحب تجديد الماء للأذنين، وهذا إن صح عن ابن مسعود، يدل على أن فعله صلّى الله عليه وسلّم لبيان الجواز عند ابن مسعود، والظاهر ما تقدم، وقال الربيع رحمه الله: يستحب مسح باطن الأذنين مع الوجه، وظاهرهما مع الرأس، وهذا منه رحمه الله تعالى تأويل للنص بالقياس، فإنه جعل باطنهما كالوجه، لأنهما يواجهان الجليس، وجعل ظاهرهما من الرأس لأنهما إلى جهته، وما أحسن التمسك بالظاهر، وما أبعده من التكلف حيث أمكن الأخذ به، ولم يقم على التأويل دليل أقوى من الظاهر، وقيل: مسحهما فرض، وقيل: سنة، والله أعلم.
الباب السادس عشر في فضائل الوضوء.
قوله: «في فضائل الوضوء»: جمع فضيلة، وهي ما يترتب عليه من الثواب.
ما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره.
قوله: «ألا أخبركم»: استفهام أراد به استحضار أذهانهم، وجمع هممهم لفهم ما يلقيه عليهم. (1/177)
صفحة 178
قوله: «بما يمحو»: محو الخطايا كناية عن غفرانها والعفو عنها، ويمكن أن يراد محوها من كتاب الحفظة،{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثَبِّتُ وَعِندَهُ, أُمُّ الْكِتَابِ}[الحجر:39]. والدرجات: المنازل في الجنة، وقيل: أعلى المنازل في الجنة، ويُحتمل أن يريد رفع الدرجات في الدنيا والآخرة، أما الأولى: فبالذكر الجميل، وأما الثانية: فبالثواب الجزيل، فيكون ممن أوتي الأجر مرتين، وقد أثنى الله تعالى على ناس يقولون: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فيِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفيِ الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[البقرة:201]، وقال في إبراهيم عليه السلام:{وَءَاتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ, فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين}[النحل:122].<1/153> «وإسباغ الوضوء»: إتمامه
<1/153> «وإسباغ الوضوء»: إتمامه وإكماله واستيعاب أعضائه بالماء.
«والمكاره»: المشاق التي تحصل للإنسان من شدة برد وكسل عند النوم وعجلة عند مهمّ، ونحو ذلك.
و«الخُطَا»: جمع خطوة، والمراد بكثرتها كثرة المشي إليها، إما ببعد المسافة، كما وقع لبني سلمة من الأنصار، أو لكثرة التردد، كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وقد تقدم.
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة»: هو أن يقعد في المسجد محافظاً على طُهره الذي صلى به الأولى، حتى يصلي به الثانية أو الثالثة، أو ما أمكنه من ذلك مشتغلا بذكر الله، أو بما تقربه إليه تعالى من التّعلُّم والتّعليم، أما المشتغل بحديث الدنيا، فخروجه أسلم، فإن حديث الدنيا في المساجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وكما تأكل الدابة الحشيش. (1/178)
صفحة 179
وقوله: «فذلكم الرباط»: الإشارة إلى انتظار الصلاة بعد الصلاة، والرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو في الحرب، وارتباط الخيل وإعدادها فشبّه به ما ذكر من الأفعال الصالحة، والعبادة لأنها حرب للشيطان، وحبس للنفس عن هواها، قيل: ويحتمل أنه أراد تفضيل هذا الرباط على غيره من الرباط في الثّغور، ولذا قال: «فذلكم الرباط»: أي أنه أفضل أنواعه، كما يقال جهاد النفس هو الجهاد، أي أنه أفضله، ويحتمل أن يريد أنه الرباط الممكن المتيسِّر، وقال ابن العربيّ يعني به تفسير قوله تعالى:{اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ}[آل عمران:200]
وهذا بعيد مخالف للظاهر، وحكمة تكراره ثلاثا، قيل: للاهتمام به، وتعظيم شأنه، وقيل: كرَّره على عادته في تكرير الكلام ليفهم عنه، والأول أظهر.
ما جاء في تكفير الوضوء للسيئات (1/179)
صفحة 180
قوله: «إذا توضّأ العبد المسلم»: وهو غير المشرك وفيه إشارة إلى اشتراط الإسلام في<1/154> صحة الوضوء لأن الوضوء طهارة إسلامية فلا تصح مع الشرك وأيضا فالمشركون نجس ومن شرط صحة الوضوء إزالة النجس قبله، ويمكن أن يراد بالمسلم الموفي بأركان الإسلام، وتكون هذه الفضيلة مختصة به دون الفاسق لأن فسقه يحبط عمله، فكيف ينال هذه الفضيلة { اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[النساء:31]، والحاصل أنّ المسلم في الحديث يحتمل معنيين: أحدهما الموفِّي بأركان الإسلام والمعنى فيه واضح، والثاني المُقِرُّ بالإسلام والداخل فيه من غير وفاء بخصاله، وعليه فيشكِل المراد من الحديث لأنّ الكبائر لا تغفر إلاّ بالتّوبة، والجواب أنّ المراد بالتّوبة عدم الإصرار فإذا لم يصِرّ جاز أن يغفر له ذلك بفعل الطاعات من الوضوء وغيره، وفيه أن المُصِرّ داخل تحت المسلم المقر بالإسلام، فالإشكال على حاله، ويمكن أن يقال: الحديث جار مجرى الترغيب وحالة الترغيب تقضي التعميم، وإن أُريدَ الخصوص كما جاء ذلك في غالب آيات الوعد وفي السنة منه كثير، فهذه الفضائل حاصلة لمن فعل الوضوء مع ملاحظة الأحوال المشترطة في حصول الثواب، ومن تلك الأحوال التّحرّز عن محبطات الأعمال.
قوله:«فغسل وجهه»: تفريع على قوله: «توضّأ»، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وقد ذكر هنا في حديث عمرو بن عنبسة قال: قلت: يا رسول الله حدِّثني عن الوضوء، فقال: "ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق إلا خرجت خطاياه من فيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا مسح رأسه خرجت خطاياه من أطراف شعره مع الماء، ثم إذا غسل رجليه إلى الكعبين خرجت خطايا قدميه من أنامله مع الماء، فإذا قام وصلى وحمد الله وأثنى عليه ومجّده انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه". (1/180)
صفحة 181
قوله:«خرج من وجهه»: المراد بخروجها غفرانها، فهو مجاز مركّب واستعارة تمثيلية لأنّها ليست بأجسام فتخرج حقيقة، وقيل: بل حقيقة، إذ المعاني قد تتشكل ورُدَّ بأن الأعمال أعراض، والأعراض لا تتجسم، لأن ذلك يؤدّي إلى قلب الحقائق وهو مُحال.
قوله: «كل خطيئة»: المراد بالخطيئة الصغيرة من الذنوب، لأن ذلك هو المعروف من غالب استعمال الشرع في لفظ الخطيئة، وليوافق<1/155> معنى قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}[هود: 114]، إذ المراد بالسّيآت في الآية الخطايا المذكورة في الحديث وهي الصغائر بدليل قوله تعالى: {اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}.
وقوله: «نظر إليها بعينه»: لفظ حديث عمرو بن عنبسة: «خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته»، وهو أعم من حديث الأصلح؛ لأن خطايا الوجه قد تكون بالنّظر وبالشّم وبالفم، ولعله اقتصر على نظر العين لأنها أكثر فلتات وأسرع وقوعا، فإنّ النّظر سهم غرب بخلاف الشّم والطّعم وألفاظ اللّسان فإنها تكون غالبا مع قصد واعتماد.
قوله: «آخر قطر الماء»: أي: عند تمام العمل، وفيه إشارة إلى أنّ استحقاق الأجر إنّما يكون بعد إتمام العمل لا عند الشّروع فيه لتوقّف الاستحقاق على الصّحة وتوقُّف الصّحة على الإتمام.
قوله: «فإذا غسل يديه»: فيه إشارة إلى مراعاة التّرتيب بين أعضاء الوضوء وخلاف ذلك خلاف للسّنة .
وقوله: «بطشها بهما»: أي: اكتسبها بيديه، وما أحسن هذه المناسبة حكمة بالغة صدرت من معدنها.
قوله: «ثمّ كذلك»: الإشارة إلى باقي الأعضاء، والمعنى كذا القول في مسح الرّأس وغسل الرّجلين كما صرّح بهما في رواية عمرو بن عنبسة، والأذنان من الرّأس فلا يُشكِل عليك السّكوت عنهما.
قوله: «حتّى يخرج»: أي: إلى أن يخرج.
وقوله: «نقيًّا من الذّنوب»: أي: خالصا منهما، فيستحقّ الغرّة والتّحجيل المشار إليهما في الحديث الآتي. (1/181)
صفحة 182
ما جاء في الغرّة والتّحجيل من أثر الوضوء
قوله: « الحديث مذكور في باب الأمة»: وفيه قوله صلّى الله عليه وسلّم: "فإنّهم يأتون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء، وتقدّم شرحه، وعند قومنا عن نعيم المجمر عن أبي هريرة عن<1/156> النّبيء صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إن أمّتي يُدعَون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته فليفعل»،
وفي لفظ لمسلم: رأيت أبا هريرة يتوضّأ فغسل وجهه ويديه حتّى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى السّاقين، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله وعليه وسلم يقول: «إنّ أمّتي يوم القيامة يُدعَون غُرًّا مُحجّلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته فليفعل، وفي لفظ لمسلم: سمعت خليلي صلّى الله عليه وسلّم يقول:« تبلغ الحِلْْيَة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». (1/182)
صفحة 183
وقوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل»، يحتمل أنّه من كلام النّبيء صلّى الله عليه وسلّم ويحتمل أنّه من كلام أبي هريرة، تأوَّل عليه معنى الحديث، كما تأوّله في فعله، حيث غسل يديه حتى كاد يبلغ المنكبين، وهذا الاحتمال هو الظّاهر من حال أبي هريرة، حيث فهِم من معنى الحديث ما لم يَقُل به أحد، فغسل إلى قريب من المنكبين ولم ينقل ذلك عن النّبيء صلّى الله عليه وسلّم، ولا استعمله الصحابة ولا التّابعون ولا قالت به الفقهاء، بل المستحبّ عند الفقهاء غسل جزء من الرّأس مع الوجه وغسل بعض العضُدين مع اليدين وغسل بعض السّاقين مع الرّجلين، وذكر بعض الناس أن حدّ ذلك نصف العضد ونصف الساق، وليس في الحديث تحديد ولا تقييد وربما تُكرَه الغرّة إذا زادت عن موضعها، والمقصود من الحديث الثّناء عليهم بالغُرَّة والتّحجيل، فإن صحّ أنّ قوله:«فمن استطاع منكم ..الخ»، من كلام النبيء صلّى الله عليه وسلّم، فمعناه ما جاء في حديث أنس أوّل الباب في ذكر الخصال التي يمحو الله بها الخطايا ويرفع بها الدّرجات، وذكر منها اسباغ الوضوء على المكاره، فالإسباغ في حديث أنس هو معنى إطالة الغُرّة في حديث أبي هريرة وأما قوله: «تبلغ الحِليَة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء فلا يدلّ على فعل أبي هريرة، بل غاية ما فيه الإخبار عن محلّ الحلية في المؤمن وأنّ محلّها هو محلّ الوضوء لا غير، فهي تبلغ حيث يبلغ الوضوء المأمور به وقد علمنا مبلغه من قوله تعالى { وَأَيْدِيَكُمُ إِلَى الْمَرَافِقِ}[المائدة:6] والله أعلم.
<1/157>ما جاء في غفران ما يستقبل بالوضوء والصلاة (1/183)
صفحة 184
قوله: « على المقاعد»: هي مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها. قوله: « لولا أنه في كتاب الله»: هكذا جاء في نسخ المسند بالنّون ثم هاء الضّمير، وفي رواية البخاري:«لولا آية ما حدّثتكموه»: قال ابن حجر: قوله: «لولا آية»، زاد مسلم: «في كتاب الله»، قال: ولأجل هذه الزّيادة صحَّفَ بعضُ روّاته أيضا فجعلها أنّه بالنّون، وبهاء الشأن قال عروة: الآية { اِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ}[البقرة:159]، وعلى هذا فمراد عثمان أنّ هذه الآية تحرِّض على التّبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب لكن العبرة لعموم اللفظ وإنما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة خشية عليهم من الاغترار، وقال الربيع: يريد بذلك {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]، ومثله قال مالك بعد أن روى الحديث عن هشام بن عروة وعبارته أراه يريد { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، وعلى هذا فمراد عثمان بقوله: « لولا أنّه في كتاب الله ما حدّثتكموه»، أي مخافة أن تشكّوا في روايتي حيث كان الفضل عظيما خارجا عن مبلغ أفهامكم، وقد نُهينا أن نحدِّث النّاس بما لا تبلغه أفهامهم، أو أنه أراد بذكره خوف الاغترار منهم بهذا الفضل العظيم، لكن لماّ كان موجودا في كتاب الله فلا يُخشى ضرر بذكره لهم مفسَّراً لأن الله تعالى أعلم بمصالح عباده. (1/184)
صفحة 185
قوله: « إلاّ غفر الله له ما بينها وبين الصّلاة الأخرى حتىّ يصلّيَها»: أي<1/158> لا يُكتب عليه ذنب في ما بين الصّلاتين، بمعنى أَنّه يحفظ من اقتراف الذّنب أو أنّه يُغفر له ما يَقترف من الصّغائر بفضل الله تعالى كما يغفر له ما اقترف منها، ويعني بقوله: «حتى يصلّيَها»: أي: يصلّي الثّانية، فإذا صلاّها تحوّل الفضل إلى الثّانية، وما يزال هكذا يتقلّب في فضل الله ما لم يخرج من الدّين بفسق أو إشراك فإذا خرج منه حبط عمله وإن تاب جُدِّد له العمل، والله يؤتي فضله من يشاء والله أعلم.
الباب السّابع عشر في ما يجب منه الوضوء
قوله: «ما يجب منه الوضوء»: والمراد به الأسباب التي يترتب على وجودها وجوب الوضوء وهو المسمَّى عند الفقهاء بنواقض الوضوء وهي نوعان: حسِّية كالمذي والقيء، ومعنوية كالغيبة.
ما جاء في الوضوء من المذي
قوله: «الوضوء من المذي وقوله في حديث المِقداد:"إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء ثم يتوضّأ وضوء الصلاة»، كِلا الحديثين في معنى واحد، والثّاني منهما مفسِّر لمعنى الأول، فإنّ الوضوء في الحديث الأوّل مجمل فبَيّنه حديث المقداد كل البيان، و«المذي»: بفتح الميم وسكون الذّال المعجمة وتخفيف الياء ويجوز كسر الذّال وتشديد الياء هو الخارج قبل الانتشار، وبعده رقيق يسيل كاللّعاب، وغالبا يخرج عند الملاعبة والتّقبيل، والحديث يدلّ على أنّه موجِب للوضوء دون الغسل وهو مشهور المذهب، وقيل يجب منه الاغتسال وينتقض به الصّوم وهذا القيل مخالف للدّليل، فإن التّفرقة بين حكم المذي والمني ناطقة بأن للمذي الوضوء فقط، ثمّ صرّح به حديث المقداد (1/185)
صفحة 186
قوله: «والغسل من المنيّ»: الغسل بالضّمّ فِعل الغاسل، وبالفتح<1/159> الماء المغتسَل به كالوُضوء والوَضوء، وقيل: بضم الغين وفتحها المصدر وبضمها فقط اسم الماء، وبالكسر اسم لما يغسل به الرأس كالخطمي والطَّفل، وقيل إن أُضيف إلى المغسول كان بالفتح كغسل الميت، وإن أضيف إلى السّبب كان بالضم كغسل الجنابة وقيل بالفتح المصدر وبالضم الاسم وبالكسر ما يغسل به، و«المنيّ» بفتح الميم وكسر النّون وتشديد الياء هو الماء الدّافق له رائحة كرائحة الطّلع وهو ثخين أبيض وقد يصفر من عِلّة إلاّ أنّ الرّائحة لا تنقطع عنه، وبه توجد اللّذة وتنقطع الشّهوة ويضطرب القضيب، وإنّما سُمّي منيًّا لأنّه يُمنى أي: يُصبّ، قال تعالى: {مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَىا}[القيامة: 39]، ولذا سُمّيت (مِنىً) لأجل ما يصبّ فيها من الدِّماء.
قوله: «عن علي بن أبي طالب»: بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ القرشي الهاشمي ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، واسم أبي طالب عبد مناف وقيل اسمه كنيته واسم هاشم عمرو وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم وكنيته أبو الحسن، وكان علي أصغر من جعفر وعقيل وطالب أسلم وهو صبيّ، وعن مجاهد أنّه ابن عشر سنين وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرِّضوان وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ تبوك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلّفه على أهله وتزوّج فاطمة رضي الله عنها وماتت عنده، وهو أبو الحسنين وله قدم في الإسلام وفضائله كثيرة وليَ الخلافة بعد عثمان وسار فيها بالقسط ونازعه طلحة والزبير فأوقع بهم يوم الجمل ونازعه معاوية وعمرو فكانت وقعة صفّين فلمّا خشيا الغلبة احتالوا عليه برفع المصاحف على رؤوس الرِّماح يزعمون أنّهم يدعون إلى حكم الله الذي أنزله في الكتاب.
مكيدة عمرو حيث رثت حباله ... وكادت بحور القاسطين تغور (1/186)
صفحة 187
أبا حسن ذرها حكومة فاسق ... ... جراحات بدر في حشاه تفور
فانخدع لمكيدتهم وأجابهم لدعوتهم بواسطة قُرناء السّوء فحكّم الرجال في حكم أمضاه الله تعالى في كتابه، ولم يجعل فيه للرجال رأيا وذلك قوله عز من قائل: {فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّىا تَفِيءَ<1/160> اِلَىآ أَمْرِ اللَّه}[الحجرات:9]، فقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله كقطع يد السّارق ومثل حكم المحارب السّاعي في الأرض فساداً ليس لأحد أن يقول فيه برأي ولا يحكّم فيه الرّجال، فأعطى عليّ من المواثيق على تحكيم الرجلين ما أعطى فقام إليه أفاضل قومه وأهل الحرص منهم على الآخرة والرغبة عن الدنيا فعاتبوه فلم يعتبهم وخاصموه فخصموه وفارقوه وقدّموا غيره فكانت وقعة النّهروان، فلم تنشب أموره حتى انحلّت وجموعه حتى تفرقت وقتله عبد الرحمن بن ملجم ببعض من قتل يوم النّهر فمكث عليّ يوم الجمعة ويوم السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من شهر رمضان من سنة أربعين، وكان عبد الرحمن بن ملجم في السّجن فلما مات عليّ ودُفن بعث الحسن بن علي إلى ابن ملجم فأخرجه من السّجن ليقتله فاجتمع النّاس وجاءوا بالنفط والبواري والنّار، وقالوا: نحرقه فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية: دعونا حتى نشفي أنفسنا منه فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحّل عينيه بمسمار محميّ فلم يجزع، وجعل يقول إنك لتكحل عيني عمّك بملمول ممظّ وجعل يقرأ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ}[العلق:1]، حتى أتى على آخر السورة وأن عينيه لتسيلان ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه فجزع فقيل له قطعنا يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدو الله، فلم يجزع فلما صرنا إلى لسانك جزعت! قال ما ذاك من جزع إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فوّاقا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه ثم جعلوه في قوصرة وأحرقوه بالنّار. (1/187)
صفحة 188
قوله: «أمر المقداد بن الأسود»: زاد في بعض النّسخ الكندي وليس الأسود بأبيه ولا كندة قومه، بل الأسود هو الأسود بن عبد يغوث الزّهري وإنما نُسب إليه لأن المقداد حالفه فتنبناه فنسب إليه وأصاب دمًا في بهراء فهرب منهم إلى كندة فحالفهم ثم أصاب فيهم دماً فهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث وقال أحمد بن صالح المصري: هو حضرمي وحالف أبوه كندة فنُسب إليها وحالف هو الأسود بن عبد يغوث فنسب إليه، والصّحيح أنه بهراوي من قضاعة، وأن أباه عمرو، فهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمالة بن مطرود بن عمرو بن سعيد بن زهير بن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبي أهون بن قاس ابن دريم بن القين بن أهون بن بهرا بن عمرو بن لحاف بن قضاعة، كنيته أبو معبد وقيل:<1/161> أبو الأسود وهو قديم الإسلام من السّابقين وهاجر إلى أرض الحبشة ثم عاد إلى مكة فلم يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبقي إلى أن بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبيدة بن الحارث في سريّة فلقوا جمعا من المشركين عليهم عكرمة بن أبي جهل، وكان المقداد وعتبة بن غزوان قد خرجا مع المشركين ليتوصّلا إلى المسلمين، فتوافقت الطائفتان ولم يكن قتال، فانحاز المقداد وعتبة إلى المسلمين، وكان المقداد من أوّل من أظهر الإسلام بمكة وشهد بدراً وله فيها مقام مشهور وشهد أُحدا أيضا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي بالمدينة في خلافة عثمان، ومات بأرض له بالجرف وحمل إلى المدينة وأوصى إلى الزّبير بن العوام وكان عمره سبعين سنة.
قوله: «عن رجل دنا من أهله»: أي قرُب من زوجته وروي عن علي أيضا أنه قال كنت رجلا مذّاءً فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقّق ظهري، فكأن هذا هو السّبب الذي حمله السؤال مع شدّة الحياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/188)
صفحة 189
قوله: «من أجل ابنته عندي»: قال المحشي في بعض الروايات عند قومنا من أجل فاطمة عليها السلام.
قوله: «فلينضح ذَكََره بالماء أخذ بظاهره قوم منهم صاحب القواعد وبعض المالكية والحنابلة فأوجبوا استيعابه بالغسل عملا بالحقيقة وهو ظاهر كلام الإيضاح أيضا، وفيه أن النّضح غير الغسل كما يظهر ذلك في نضح بول الصبي، وكلام القواعد يقتضي الاقتصار عليه هاهنا أيضا، وأوجب الجمهور غسل موضع النّجس فقط نظراً إلى المعنى فإن الموجب لغسله إنّما هو خروج الخارج فلا تجب المجاوزة إلى غير محلِّه، ويؤيده ما في رواية أخرى فقال: «توضّأ واغسله»: فأعاد الضّمير على المذي، ونظير هذا قوله: "من مسّ ذكره فليتوضّأ"، فإنّ النّقض لا يتوقف على مسّ جميعه، <1/162>واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه هل هو معقول المعنى أو للتعبُّد، فعلى الثاني تجب النّية فيه واستدلّ به أيضا على نجاسة المذي وهو ظاهر وعلى قبول خبر الواحد وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع وفيه نظر لأن السّؤال كان بحضرة علي ولو صحّ أن السّؤال كان في غيبته لم يكن دليلا على المدّعى؛ لاحتمال وجود القرائن التي تحفّ الخبر فترقيه عن الظّن إلى القطع ويستفاد منه جواز الاستثابة في الاستغناء، وقد يؤخذ منه جواز معنى دعوى الوكيل بحضرة موكله، وفيه بيان ما كان الصّحابة عليه من حفظ حرمة النبيء صلّى الله عليه وسلّم وتوقيره وفيه استعمال الأدب في ترك المواجهة لما يُستحى منه وحسن المعاشرة مع الأصهار وترك ما يتعلق بجماع المرأة ونحوها، وفيه جمع بين المصلحتين استعمال الحياء وعدم التفريط في معرفة الحكم. (1/189)
صفحة 190
قوله: «ثم يتوضأ وضوء الصلاة»: يعني إذا أراد القيام إليها، فالمذي في هذا المعنى كالبول تجب إزالته ويعاد الوضوء بسببه، وحكى الطحاوي عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه؛ يعني كما يجب الغسل بمجرد خروج المنيّ وأنه تعبّد من الشارع بذلك وردّ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الوضوء من المذيّ والغسل من المنيّ»، وفي رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال سُئل النبيء صلّى الله عليه وسّلم عن المذيّ فقال:«فيه الوضوء وفي المنيّ الغسل»، فعُرف بهذا أن حكم المذيّ حكم البول وغيره من نواقض الوضوء لا أنّه يوجب الوضوء بمجرّده، وفيه مناقشة، فإنّ الرّدّ عليهم عين ما استدلوا به فلا يقطع النّزاع، والجواب الواضح أن يُقال: قد عُلم من قواعد الشّرع أنّه ليس شيء من الأحداث يوجب وضوء الصّلاة لذاته، وإنما يوجبه لغيره من العبادات، يدلّ على ذلك قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة:6]، والمذيّ كغيره من الأحداث وترتيب الوضوء عليه مجمل فسّرته الآية، والله أعلم.
ما جاء أنه لا وضوء من طعام أحل الله أكله
<1/163>قوله: «قال بلال»: بن رباح يكنّى أبا عبد الكريم وقيل أبا عبد الله وقيل أبا عمرو، وأمّه حمامة من مولّدي مكة لبني جمح وقيل من مولّدي السُّراة وهو مولى أبي بكر الصّديق، اشتراه بخمس أواقي وقيل بسبع أواق وقيل بتسع أواق، وأعتقه لله عز وجل وكان مؤذِّناً لرسول الله صلّى الله عليه وسّلم وخازنا، شهد بدراً والمشاهد كلها وكان من السابقين إلى الإسلام وممّن يعذّب في الله عز وجل فيصبر على العذاب، وآخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وتوفي رضي الله عنه بدمشق ودفن بباب الصغير سنة عشرين، وهو ابن بضع وستين سنة، وقيل مات سنة سبع أو ثمان عشرة وقيل مات بحلب ودفن على باب الأربعين. (1/190)
صفحة 191
قوله: «حدّثني أبو بكر الصّديق رضي الله عنه»: واسمه عبد الله بن عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القريشي التّيمي، وأبو بكر كنيته، والصديق لقبه، وكنية أبيه أبو قحافة وأمّه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وهي ابنة عم أبي قحافة وقيل اسمها ليلى، وهو صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسّلم في الغار وفي الهجرة والخليفة بعده، روى عن النبيء صلّى الله عليه وسّلم وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وبلال وغيرهم ويقال له عتيق أيضا، لحسن وجهه وجماله، قاله الليث بن سعد وجماعة معه، وقال الزبير بن بكار وجماعة معه إنّما قيل له عتيق لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به وقيل سمي بذلك لأن رسول الله صلّى الله عليه وسّلم قال له أنت عتيق الله من النار، وكان رضي الله عنه أول الناس إسلاما وأسلم على يديه، خلق وفضائله كثيرة لا تحصى، وولي الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقام فيها مقام نبيء مرسَل، وتوفي رضي الله عنه يوم الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وقيل توفي عشية يوم الاثنين وقيل ليلة الثلاثاء وقيل عشاء يوم الثلاثاء لثماني بقين من جمادى الآخرة، وقيل<1/164> ولد بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، ومات بعد النبيء صلّى الله عليه وسّلم بسنتين وأشهر بالمدينة وهو ابن ثلاث وستين سنة، والله أعلم. (1/191)
صفحة 192
قوله: «لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله»: وقوله في حديث عائشة الآتي: "قدّمنا لرسول الله صلّى الله عليه وسّلم حيسا مُلَتَّتًا بسمنٍ فأكل منه ولم يتوضّ"، وقوله في حديث ابن عباس: "إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوتي بكتف مؤرّبة فأكل ثم صلى ولم يتوضّ". هذه الأحاديث كلها تدلّ على أنه لا وضوء مما مست النار قولا وفعلا أما القول فحديث أبى بكر وأما الفعل فحديث عائشة وابن عباس، وقد وردت أحاديث أُخر عند قومنا توجب الوضوء مما مسّت النار، ففي بعض الرّوايات عنه صلّى الله عليه وسّلم «الوضوء ممّا مسّت النار»، وفي رواية: «توضّأ مما مسّت النار»، وقد اختلف صدر هذه الأمة فأخذ بعضهم بظاهر هذه الروايات الأخيرة فأوجب الوضوء مما مست النار، وذهب جماهير العلماء من السّلف والخلف إلى أنه لا ينقض الوضوء بأكل ما مسّته النار أخذًا بما صحّ عنه صلّى الله عليه وسّلم في ذلك، وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين: أحدهما أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ترْك الوضوء مما مسّت النار وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السّنن بأسانيدهم الصحيحة، والجواب الثاني أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، قال النووي ثم إنّ هذا الخلاف كان في الصدر الأول ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسّته النار.
ما جاء في الوضوء من الغيبة (1/192)
صفحة 193
قوله: «الغِيبَة»: بكسر الغين اسم لما يذكر من مثالب الإنسان في غيبته إن كانت تلك<1/165> المثالب فيه فهي الغيبة وإن لم تكن فيه فهو البهتان، وإن قالها في حضرته فهو الشّتم والكلّ حرام، وبعضها أشدّ من بعض، ولا بأس بغيبة الفاسق وشتمه لقوله صلّى الله عليه وسّلم: "اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس"، قال ضمام قيل لجابر بن زيد: أرأيت الرّجل يكون وقّاعا في الناس فأقع فيه، أله غيبة؟ قال لا، قيل له وما الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظّهر من دماء المسلمين خفيف البطن من أموالهم أخرس اللّسان من أعراضهم، فهذا الذي تحرم غيبته ومن سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه، قال ضمام: قلت: يا أبا الشّعثاء ما تقول في الرّجل يُعرَف بالكذب أله غيبة؟ قال: لا، قلت: والغاشّ لأمة محمد صلّى الله عليه وسّلم، قال: لا غيبة له ولا حرمة، قلت: والصانع بيده يغشّ في عمله أله غيبة؟ قال: لا قلت: ولمَ؟ قال: من أكل الحرام فلا غيبة له ولا حرمة وهو مهتوك الستر ألا لا غيبة لكل مهتوك، ولا حرمة له عند رب العالمين، فكيف عند الخلق؟ قلت: فإنه يكذب أحيانا ويغشّ أحيانا ويتوب أحيانا، فأيّ صنف هذا من الناس، قال: هذا رجل مستخفّ بالله مستهزئ بالأمّة.
قوله: «تفطر الصائم»: أي تهدم صومه وتتركه هباء، وفيه دليل على أن كبائر الذنوب تنقض الصوم.
قوله: «وتنقض الوضوء»: يعني إذا فعلها المتوضّي هدمت وضوءه ولزمه أن يتوضأ لصلاته، وهو أصل القائلين: إنّ المعاصي تنقض الوضوء، ولعلّ المرخّصين يقصرون النّقض على مورده لأن المعنى الذي صار به النقض بالغيبة غير معقول عندهم، فإنه يحتمل أن يكون معنى زائد على العصيان، والجواب معنى العصيان مفهوم واحتمال غيره مخالف لهذا المفهوم.
ما جاء في الوضوء من الريح (1/193)
صفحة 194
قوله: «إذا شكّ أحدكم في صلاته ... الخ »: سبب الحديث ما ذكر البخاري أنّه شكا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرجل الذي يخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشمّ ريحا، والمعنى أنّ الشكّ في نقض الوضوء لا يؤثر في<1/166> صحّته لا سيما إن كان في الصلاة ومثله أيضا الشك في غيرها؛ لأن من تيقّن الطهارة وشكّ في انتقاضها يكون على يقينه منها ولا يرفع الشكّ ما ثبت باليقين، ثم إنّ هذه القاعدة مطّردة في كل شيء لأنّ المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى وهو معنى قولهم"لا يزيل اليقين إلا يقين مثله"، قال النووي هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتى يُتيقّن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها، وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء، وخالف مالك فرُوي عنه النقض بالشكّ مطلقا ورُوي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها، وروي هذا التفصيل عن الحسن البصري، وكلاهما مخالف لظاهر النص، ولعل الحديث لم يبلغهما، أو أنه بلغ الحسن فقصر العفو على مورد النص، وهو وجه الرواية الثانية عن مالك، وقال الخطابي: استدلّ به لمن أوجب الحدّ على من وجد منه ريح الخمر لأنه اعتبر وجدان الريح ورتّب عليه الحكم، واعترض بأنّ الفرق ممكن بأنّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والشبهة هنا قائمة بخلاف الأول فإنه متحقّق.
ما جاء في الوضوء من مسح الفرج (1/194)
صفحة 195
قوله: «إذا مسّت المرأة فرجها فلتتوضّ»: وقوله في حديث ضمام عن ابن عباس: "ليس على من مس عجم الذنب وضوء ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء"، وقوله في حديث ابن عباس: "إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضّ"، وقوله في حديث بشرة بنت صفوان: "إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوض"، فهذه الروايات كلها دالة على نقض الوضوء بمس الفرج من الذكر والأنثى، وكان أبو عبيدة رضي الله عنه يشدّد في ذلك حتى قيل: إنّه كان يتّخذ جوارب <1/167>ليصلي فيها يتّقي بذلك أن يصيب مذاكيره مواضع الوضوء من رجليه، فبلغ ذلك حيّان الأعرج فقال: لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة، وكان أبو نوح يقول: لا ينقض الوضوء إلا مسّ الثقبة التي يخرج منها البول، وقال أبو عبيدة: القضيب كلّه ينقض، قال أبو سفيان: وأمّا الدبر والانثيان وموضع الشعر فلا ينقض مسّهن عندهم، قال بعض قومنا: وقد رُوي الوضوء من مسّ الذكر عن بضعة عشر نفسا من الصحابة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وذهب العلماء إلى أن الأمر بذلك لمراعاة وجود اللذة، ولذلك اعتبر بعض علمائنا المسّ بباطن الكفّ ويدلّ له قوله صلّى الله عليه وسّلم: "أيّما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوءه وأيّما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوءها" ولا يتحقق الإفضاء إلا بالمباشرة، قال الدميري (وهو شافعي): مذهبنا انتقاض الوضوء بمسّ فرج الآدمي بباطن الكفّ، قال: ولا ينتقض بغيره، ثمّ عزاه إلى كثير من الصحابة والتابعين، وقال الأوزاعيّ: ينقض المسّ بالكفّ والساعد، وهو رواية عن أحمد، وعنه رواية أخرى: أنه ينقض ظهر الكفّ وبطنها، وأخرى: أنّ الوضوء مستحبّ، وأخرى: بشرط المسّ بشهوة، وهي رواية عن مالك، وقالت طائفة: لا ينقض مطلقا، وحُكي هذا القول عن جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم وسحنون واختاره ابن المنذر وقيل: ينقض بمسّه ذكره دون غيره. (1/195)
صفحة 196
ما جاء في أنه لا يتوضأ رجل من قبلة أمر أنه ولا من مسها
قوله: «عن عروة بن الزبير»: بن العوّام الأسدي القرشي المدني أحد الفقهاء السّبعة وأحد علماء التابعين، كنيته أبو عبد الله وأمه أسماء بنت أبي بكر، يروي عن أبيه وأمه وخالته عائشة وعلي ومحمد بن سلمة وأبي هريرة، وقيل عروة عن أبيه مرسل، وروى عنه أولاده<1/168> عثمان وعبد الله وهشام ويحيى ومحمد وسليمان بن يسار وابن أبي مليكة وخلائق، قال العجلي: عروة لم يدخل نفسه في شيء من الفتن، وقال الزهري كان يتألف الناس على حديثه، ولد سنة تسع وعشرين، ومات سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين. (1/196)
صفحة 197
قوله: «يقبّلني رسول الله صلّى الله عليه وسّلم ثم يصلّي ولا يتوضأ»: وقولها في الحديث الآتي: "فقدت رسول الله صلّى الله عليه وسّلم ذات ليلة فوجدته يصلّي فطلبته، فوقعت يدي على أخمص رجليه وهما منصوبتان وهو يقول أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك"، قال جابر: وهذا الحديث يدلّ على إزالة الوضوء من مسّ الرجل امرأته واستبدل به غيره على عدم النقض بذلك، ويدلّ عليه الحديث الأول، فإنّ التّقبيبل وإن كان لثماً على الوجه المخصوص فإنّه يستلزم المسّ، والمذهب عدم النقض من مسّ الرجل امرأته في غير الفرج، ولعل جابراً كان يرى ذلك، لكن أراد أن ينبّه على دلالة الحديث فقط، فإن ما ذهبنا إليه هو مذهب ابن عباس وعلي بن أبي طالب وغيرهم، وهو مذهب الحنفية وقلّ ما يخالف جابر شيخه ابن عباس رضي الله عنهما، ووجه الدّلالة التي فهمها جابر من الحديث في قوله صلّى الله عليه وسّلم: "أعوذ بعفوك من عقابك ..الخ"، فإنّ فيه الانتقال من الصلاة إلى الدعاء، والجواب إنّ ذلك لا يدلّ على النقض بل غاية ما فيه إنها سمعته، يقول ذلك في سجوده، فيستفاد منه جواز الدعاء بمثله في السجود، والقول بالنقض: يُروى عن ابن مسعود وابن عمر وزيد بن أسلم والزهري والشافعي وأصحابه، وصرّح ابن عمر بأنّ من قبّل امرأته أو جسّها بيده فعليه الوضوء، قلنا: لا حجّة في قول الصحابي نفسه، بل الحجة في قول الله ورسوله صلّى الله عليه وسّلم، فقول الصحابيّ لا يعارض السنة، وتعلّق المخالِف بقوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ}[المائدة:6]، لا يدلّ على المطلوب فإن الملامسة في الآية كناية عن الجماع لا نفس المسّ باليد.
ما جاء في الوضوء من القيء والقلس (1/197)
صفحة 198
<1/169>قوله: «من قاء أو قاس فليتوضّ»: أي من خرج منه القيء أو القلس فليتوضّ، واستحب أبو عبيدة رحمه الله تعالى أن يتوضّأ من القلس إذا وجد طعمه ولو لم يبلغ حدّ الفم، والقول بظاهر الحديث وهو الوضوء من القيء والقلس مذهبنا ومذهب كثير من الناس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، لكن قيّدوه بقيود لا دليل عليها، وذهب الشّافعي وأصحابه ووافقهم بعض الناس من غيرهم إلى أنه غير ناقض، وأجابوا عن الحديث بأن المراد بالوضوء غسل اليدين، ورُدّ بأن الوضوء من الحقائق الشرعية وهو غسل أعضاء الوضوء، واستعماله لغسل بعضها مجاز شرعي، لا يصار إليه إلا بدليل وعلاقة، قالوا: الدّليل أنه استقاء بيده كما ثبت في بعض الألفاظ، قالوا: والعلاقة ظاهرة، قلنا: العموم في قوله من قاء أو قلس ناطق بوجوب إثبات الوضوء على صاحب هذا الحال ولا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، والله أعلم.
قوله: «فقدت رسول الله صلّى الله عليه وسّلم ذات ليلة»: الظاهر يقضي أنها فقدته في ليلة من لياليها لأنها لا تكترث بليلة غيرها، وفيه جواز القيام إلى الصلاة في ليلة المرأة، إذا كانت نائمة ويستحب استئذانها إن كانت منتبهة، كما استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسّلم عائشة في رواية أخرى.
قوله: «فطلبته»: أي فطلبت مكانه الذي كان يصلي فيه، وهذا من قولها يدل على أن قولها: فوجدته يصلي حكم بمجرد الحسّ والسماع، ومثل هذا كثير في التوسع.
قوله: «فوقعت يدي»: أي صادفت يدي أخمص رجليه، والأخمص ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض.
قوله: «وهو يقول»: أي والحال أنّه يقول ذلك.
قوله: «أعوذ بعفوك»: أي ألتجئ وأعتصم، والعفو تأخير العذاب، والعقاب المؤاخذة بالذنب، والمعنى ألتجئ إلى عفوك فارّاً من عقابك لا ملجأ من الله إلا إليه.{ إِلَىا رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}[القيامة:12] (1/198)
صفحة 199
قوله: «وبرضاك من سخطك»: أي <1/170>وألتجئ برضاك فارّاً من سخطك، وفيه ترقّي من رتبة العفو إلى رتبة الرضا وفيه أن العفو والرضا والعقاب والسخط من صفات الأفعال، وهو مذهب أهل الجبل من أصحابنا وهو الظاهر من كلام المشارقة أيضا، وعند المغاربة أن الرضا والسخط والولاية والبراءة ليست من الأفعال وإنما هي من الصفات، ورتب عليه بعضهم منع قول القائل أعوذ برضاك من سخطك، وهو منع لا يُسمع لأنه مخالف للنص الصريح، ورسول الله صلّى الله عليه وسّلم أعرف بالله من كل أحد، وقال أبو عمار: يجوز أعوذ برضاك من سخطك لا على معنى أن الرضا والسخط أفعال بل على اتساع اللغة لأنهم يقيمون الصفة مقام الموصوف، وقال تعالى: {إِنَ اَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا}[الملك:30]، أي غائراً قال: والمعنى أعوذ بالراضي الساخط، واعترضه المحشي بأن قوله هذا بعيد من مدلول العبارة جداً، قال: وظاهر قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ}[التوبة:118] يدلّ على أنه يصحّ أن يقال ألجأ من الله إلى الله، قال: وهو معنى أعوذ بك منك لأن الاستعاذة والالتجاء واحد.
قوله: «يدلّ على إزالة الوضوء»: هكذا في ما رأيناه من النسخ، وكأن جابراً رضي الله عنه فهم من الحديث أنه صلّى الله عليه وسّلم ترك الصلاة وانتقل إلى الدعاء بمسّ عائشة لأخمص رجليه، ولا دليل فيه على هذا، بل استدلّ به غيره على عدم النقض وقد تقدم القول في ذلك آنفا.
قوله: «قدمنا»: بالتشديد، أي: وضعناه قدّامه.
قوله: «حيسا»: وهو الطعام المتخذ من التمر والسمن والأقط، وقد يُجعل عوض الأقط الدقيق، وفي المصباح الحيس تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن، ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق، وقال الربيع الحيس السويق الملتّت بالسمن، وكأنه يريد الحيس الذي في هذا الحديث خاصة، والراوي أعرف بما روى. (1/199)
صفحة 200
قوله: « مُلَتَّتًا بسمن»: أي: مبلولا به، يقال: لتّ الرجل السويق لتّاً من باب قتل بلّه بشيء من الماء.
قوله: «ولم يتوضّ»: تقدّم شرحه قريبا<1/171> في حديث أبي بكر.
قوله: «السويق»: هو دقيق الشعير أو السلت المقليّ، وفي هدى الساري هو القمح أو الشعير المقلوّ ثم يطحن.
قوله: «عن ضمّام بن السائب»: من أهل العلم والتحقيق والكاشف أمر المعضلات، أخذ عن جابر وغيره، وكان ما أخذ عن جابر أكثر مما أخذ عنه أبو عبيدة، قال أبو سفيان: قال أبو الحرّ لأبي عبيدة: أقم للناس خمسة أيام بعد الموسم فأبى، فقيل له: عليك بضمّام، فقال: أَوَ عِنْده من العلم ما يكتفى به الناس؟ قالوا: وفوق ذلك، فأتاه فأقام للناس وكثر عليه السؤال، وكان جوابه: سألت جابراً، أو سُئل جابر، وسمعت جابراً، وقال جابر، وكان رواية جابر، وله آثار رواها عن جابر ورواها عنه الربيع، ورواها عن الربيع أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، وهي غير رواية الربيع عن أبي عبيدة عن جابر، وقال أبو عبد الله: كان ضمّام بن السّائب رحمه الله من النّدب وأصله من عمان ومولده بالبصرة، وكان ضمام يُكنى أبا عبد الله.
قوله: « عجم الذنب»: العَجْمُ بفتح المهملة وسكون الجيم أصل الذَّنَب من الدابة، والذَّنَب بفتحتين هو الذيل.
قوله: «موضع الاستحداد»: هو موضع الحلق من العانة، والاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة، والمقصود من الحديث أن الوضوء لا ينقض بمسّ المواضع التي حول الفرجين، ومفهومه النقض بمس الفرجين فقط، وقد تقدم ذلك.
ما جاء أن القيء والرعاف ينقضان الوضوء دون الصلاة
قوله: «القيء»: هو الخارج من المعِدة إلى الحلق الفائض عن الفم، فإن لم يفض فهو القلس، والرعاف خروج الدم من الأنف، ويقال: الرعاف الدم نفسه، سمي بذلك لأنه يسبق علم الراعف ويتقدمه، يقال<1/172> فرَسٌ راعف إذا كان سابقا. (1/200)
صفحة 201
قوله: «لا ينقضان الصلاة»: لكونهما ضروريين لا يستطاع دفعهما، فناسب ترتيب العفو عنهما في الصلاة دون الوضوء، فهي رخصة خاصة بهذين الحديثين فلا تجاوزهما إلى غيرهما، وإن شاركهما في المعنى. زاد الشيخ عامر في الإيضاح في رواية هذا الحديث: "الخدش": وهو الجرح في ظاهر الجلد، وسواء دميَ الجلد أو لا. عبارته من طريق ابن عباس أن النبيء عليه السلام قال:"القيء والرّعاف والخدش لا تنقض الصلاة، فإذا انقلب المصلي توضأ وبنى على صلاته".
قوله: «فإذا انفلت»: أي خرج من الصف، ومن موضع صلاته والباء في قوله بهما للسبيبة.
قوله: «توضّأ»: أي أعاد الوضوء لأنه ينتقض بذلك، ولا يتكلم في انصرافه ولا في رجوعه لأنه في حكم المصلي، وإن كان إماما انتظروه حيث وقف حتى يعود إليهم فيتم بهم. (1/201)
صفحة 202
قوله: «وبنى على صلاته»: أي صلى ما بقي منها وجعله متّصلا بالأول، فما صلاه أولا في حكم الأساس لهذا الباقي؛ فلذا سمي الضم إليه بناء، قال الشيخ عامر: وأما غير هذه الوجوه من الابخاس فلا يبنى بها في الصلاة ولا يستخلف، وعند قومنا عن اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسّلم:"من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليَبنيَ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم". رواه ابن ماجة والدار قطني، وقال الحُفّاظ من أصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريج عن أبيه عن النبيء صلّى الله عليه وسلم مرسلا، ففي هذا الحديث زيادة المذي، أما القلس فهو داخل في حكم القيء وإن لم تصرح به رواية الربيع رحمة الله عليه، فإنهما بمعنى واحد كما تقدم ذكرهما معا في نقض الوضوء بهما، وإن وصل ثوبه أو جسده شيء من هذه الوجوه التي يبنى بها في الصلاة فقيل: يتسخلف ويغسل جسده وثوبه إن لم يجد ثوبا غيره ويبني على صلاته، وقيل: لا يبني ولا يستخلف، وإن مسّه»: شيء منها من قبل غيره فلا يبني به ولا يستخلف، وإن شك في حصول ذلك منه فإنه يمضي على صلاته حتى يتمّها ولا ينصرف بنفس الشك لما تقدم في<1/173> حديث الرّيح وإن وجد بعد الفراغ شيئا ورأى أنه حدث في الصلاة فليستأنف صلاته والله أعلم.
قوله: «أوتي بكتف»: رواية البخاري: "أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضّ"، والكتف معروف ووزنه مثل كبد وكبدة.
قوله: «مُؤَرّبَة»: بميم مضمومة وهمزة مفتوحة وراء مشددة مفتوحة وباء موحّدة، قال الربيع: «المؤربة»: الموفرة فهو مأخوذ من أربت الشيء إذا وفرته، ويقال أعطاه مؤرّبا أي تامّا. (1/202)
صفحة 203
قوله: «دخلت على مروان بن الحكم»: ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، وهو ابن عم عثمان بن عفان وأبوه الحكم وهو الطريد، ويكنى أبا عبد الملك، ولد يوم أحد، وقيل يوم الخندق، وقيل ولد بمكة، وقيل بالطائف، ولم ير النبيء صلّى الله عليه وسّلم لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقِل لما نفى النبيء صلّى الله عليه وسّلم أباه الحكم، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان فردّهما عثمان واستكتب عثمان مروان وضمه إليه، ونظر إليه علي يوما فقال: ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك، وكان يقال لمروان: خيط باطل، وضُرب يوم الدار على قفاه فقُطع أحد علباويه، فعاش بعد ذلك أوقص، والأوقص الذي قصرت عنقه، واستعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، واستعمل عليها سعيد بن أبي العاص، وبقي عليها أميراً إلى سنة أربع وخمسين، ثم عزله واستعمل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فلم يزل عليها إلى أن مات معاوية، ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد إلى أحد بايع بعض الناس بالشام مروان بن الحكم بالخلافة، وبايع الضّحاك بن قيس الفهري بالشام أيضا إلى عبد الله بن الزبير، فالتقيا واقتتلا بمرج راهط عند دمشق، فقتل الضحّاك واستقام الأمر بالشام ومصر لمروان، وقال أخوه عبد الرحمن بن الحكم وكان ماجنا حسن الشعر لا يرى رأي مروان.<1/174>
فوالله ما أدري وإني لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف تصنع
لحا الله قوما أمّروا خيط باطل على الناس يعطي ما يشاء ويمنع (1/203)
صفحة 204
وقيل: إنّما قال عبد الرحمن هذا حين استعمل معاوية مروان على المدينة، وتزوج مروان أم خالد بن زيد، وقال يوما لخالد: يابن الرطبة الأست، فقال له خالد: أنت مؤتمن خائن، وشكى خالد ذلك يوما إلى أمه فقالت: لا تعلِمه أنك ذكرته لي، فلما دخل إليها مروان قامت إليه مع جواريها فضمّته حتى مات، وكانت مدّة ولايته تسعة أشهر، وقيل: عشرة أشهر، ومات وهو معدود فيمن قتله النساء، روى عنه علي بن الحسين وعروة بن الزبير. (1/204)
صفحة 205
قوله: «أخبرتني بسرة بنت صفوان»: ابن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب القرشية الأسدية، وقيل في نسبها غير هذا، وهذا أصحّ، فهي ابنة أخي ورقة بن نوفل، وأمّها سالمة بنت أمية بن حارثة بن الأوقص السّلمية، وكانت بسرة عند المغيرة بن أبي العاص فولدت معاوية وعائشة، فكانت عائشة أم عبد الملك ابن مروان بن الحكم، فبسرة أم امرأة مروان روت عنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وروى عنها مروان بن الحكم وسعيد بن المسيّب وغيرهم. قال ابن الأثير: أخبرنا غير واحد بإسنادهم عن محمد بن عيسى حدّثنا إسحاق بن منصور: أخبرنا يحي بن سعيد القطّان عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان أن النبيء صلّى الله عليه وسّلم قال: "من مسّ ذكره فلا يصلّ حتى يتوضأ"، قال ورواه غير واحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة قال ورواه أبو أسامة وغيره عن هشام عن أبيه عن مروان بن الحكم عن بسرة، ورواه أبو الزّناد عن عروة عن بسرة أخرجه الثلاثة. أهـ كلام ابن الاثير. والحديث عند الربيع رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان، فهي أعلى الطّرق وأقواها، تناقله فقيه عن فقيه وسنده متصل فلا يُعَلُّ بشيء إلا بذكر مروان فيه، وهو مع ما كان منه قبلوا روايته، ولعله لأجل ما عرفوا من حاله في نقل الخبر وكانوا<1/175> لا يكذبون بل كان الكذب عندهم مخلا بالمروءة، فهم يتجنّبونه في الجاهلية والاسلام، والنقض بمسّ الذكر تقدّم الكلام فيه آنفا، ولعل ذلك لأجل إثارة الشهوة والظاهر أنه غير معقول المعنى، فهو من جملة التعبد الذي لا نعرف علته والله أعلم.
الباب الثامن عشر في النوم الذي ينقض الوضوء (1/205)
صفحة 206
قوله: «في النوم الذي ينقض الوضوء»: والنّوم غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء؛ ولهذا قيل هو آفة لأن النوم أخو الموت، وقيل: السِّنة هي النعاس، وقيل: النوم مزيل للقوة والعقل، وأما السِّنة ففي الرأس، والنعاسُ في العين، وقيل السِّنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعس الإنسان فينام.
قوله: «سجد رسول الله صلّى الله عليه وسّلم حتى غطّ فنفخ فقام فصلى، فقلت: يا رسول الله قد نمت، فقال صلّى الله عليه وسّلم: إنما الوضوء على من نام مضطجعا».
وقوله: «العينان وكاء الدّبر».
وقوله: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسّلم ينامون جلوسا حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلّون ولا يتوضّؤون، والنبيء صلّى الله عليه وسلّم يشاهدهم على تلك الحالة ولا يأمرهم بإعادة الوضوء». (1/206)
صفحة 207
وقوله: «وقد بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ينام<1/176> قاعدا ثم يصلي ولا يتوضأ»: غطيط النّائم نخيره، والاضطجاع وضع الجنب على الأرض، والوكاء الخيط الذي يشدّ به فم القربة استعاره للعينين بالنسبة إلى الدبر، فإنهما إذا كانتا مستيقظتين كان المرء قادراً على إمساك دبره فقلما ينفلت منه شيء وإن انفلت أحسّه وإن نامت عيناه ذهبت حاسّته وانطلق الدبر، فلا يحسّ الخارج منه وخفقان الرؤوس ميلانها، فمجموع هذه الأحاديث يدلّ على أنّ النّاقض النوم حالة الاضطجاع دون من نام ساجدا أو قاعدا، وألحق بعضهم بالمضطجع المتّكئ على جدار أو نحوه؛ فإنه في معنى المضطجع لاستناده عليه، لكن قوله: «العينان وكاء الدّبر»: يدل على أنّ غلبة النّوم المذهب للحاسّة ناقض مطلقا؛ لأنّ خوف خروج الحدث حاصل عند ذهاب الحاسّة، وبه تعلّق من قال: ينقض النوم مطلقا، والقول الثاني: لا ينقض إلاّ نوم الاضطجاع، وهو ما قدّمنا ذكره، والقول الثالث: إنّ من نام ساجداً أو متّكئا على شيء انتقض وضوءه؛ لأنّه في معنى الاضطجاع، ويردّه الحديث الأوّل من الباب ،فإنه وارد في النوم ساجداً إلاّ أن يفرّق هذا القائل بين النبيء صلّى الله عليه وسّلم وغيره، وحينئذ فيطالب بدليل الخصوصية؛ على أنّ ظاهر الحديث يقتضي التعميم، والقول الرابع: الجمع بين الأحاديث، وذلك أن تحمل الأحاديث الموجبة للنقض على النوم الثقيل، والأحاديث التي لم توجب النقض على النوم الخفيف. (1/207)
صفحة 208
وقسّم في القواعد النوم على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون طويلا ثقيلا في حالة الاضطجاع، فهذا متيقن على أنه ينقض الوضوء، الثاني: أن يكون قصيراً خفيفا غير مزيل للعقل؛ فهذا لا ينقض الوضوء على أي حالة كان عليها المتوضّئ من قيام أو قعود واضطجاع، الثالث: أن يكون خفيفا طويلا بمعنى أنّ النعاس لم يغلب عليه ولكن يطاوله ويعالجه وهذا فيه اختلاف إذا كان مضطجعا، والأصل فيه الانتقاض، والرابع: أن يكون ثقيلا قصيراً، وهذا أيضا مختلف فيه، وهذا التقسيم مستنبط بقوة الفهم وفرط الذكاء من الأدلّة النبوية، وقصره الخلاف على القسمين الأخيرين يشبه أن يكون بالنظر إلى المذهب خاصة، فإنّ الخلاف بين الأمّة لا ينحصر في القسمين خاصة، وقد بسطنا القول فيه ونقلنا أقوال الأمّة في الأوّل من المعارج، والله أعلم.<1/177>
الباب التاسع عشر في المسح على الخفّين (1/208)
صفحة 209
قوله: «في المسح على الخفّين»: وغيرهما، فإنّه ذكر المسح على الجبائر ومسح الرأس والأذنين ومسح الوضوء بالمنديل، وقد تقدّم ذلك كلّه إلاّ المسح على الجبائر في آداب الوضوء وفرضه، فلا نعيد شرحه، وإنّما كرّره المرتّب لمناسبته المسح، فإنّه لما ترجم للمسح على الخفّين ساق معه المواضع الممسوحة حتى إذا رجعه النّاظر وجد بغيته مجتمعة، وفيه إشارة إلى أنّ المسح بالنّظر إلى حكم الشّرع صنفان: مَنفيّ وثابت، فالمَنفيّ منهما عندنا مسح الخفّين، والثّابت ما عداه إلاّ مسح أثر الوضوء فقد تقدّم الكلام فيه أنّه منسوخ، فأمّا مسح الخفّين فذكر في نفيه أحاديث أحدها قوله: عن ابن عباس: قال: "ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسح على خفّه قطّ"، وثانيها قوله: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم مسح على خفه قطّ، وأنّي وددت أن يقطع الرجل رجليه من الكعبين أو يقطع الخفّين من أن يمسح عليهما"، وثالثها قوله: "أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم فسألتهم: هل يمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم على خفّيه؟ قالوا لا، ورابعها: قوله: عن عائشة رضي الله عنها قالت: َلأنْ أحمل السكين على قدميّ أحَبّ إليّ من أن أمسح على الخفّين،<1/178> قال جابر: كيف يمسح الرجل على خفّيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟ والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم، وهذا الكلام من جابر بعد قوله: أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم فسألتهم: هل يمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم على خفّيه؟ قالوا: لا، يدلّ على أنّ جابراً رحمه الله تعالى كان قد اعتنى بالبحث عن هذا الحكم كلّ الاعتناء بعد سماعه الأحاديث التي يرويها مخالفونا، فلم يجد لها مع الصحابة أصلا، وإنّما وجد عندهم إنكار ذلك، وقد روي الإنكار عن أبي هريرة مع كثرة حفظه وروايته لما لم يروه غيره، وأنكر مالك بن أنس جواز المسح على (1/209)
صفحة 210
الخفّين، ولا نزاع عند القوم أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة، فلولا أنّه عرف أن الخبر بذلك ضعيف لما أنكره، وجابر بن زيد عند الكلّ أعلم بالكتاب والسنة ممّن بعده وأعلم من كثير ممّن كان في عصره، وقد أدرك الصحابة وسألهم وطلب ذلك الحكم فلم يجده عند أحد منهم، ثم استدلّ على استبعاده بوجوب الوضوء في آية المائدة، فإنّ المسح على الخفّين غير غسل الرجلين وغير مسحهما أيضا، فليس المسح على الخفّين مسحًا على الرجلين؛ مع أنّا نوجب غسلهما للبيان الوارد عن رسول الله صلّى الله عليه وسّلم في صفة الوضوء، ووافقنا على إنكاره كثير من الناس منهم العترة جميعا في ما قيل، والإمامية من الشيعة والخوارج وأبو بكر بن داود الظاهري، واستدلّوا أيضا بآية المائدة التي استدلّ بها جابر، وبقوله صلّى الله عليه وسّلم لمن علّمه الوضوء، "واغسل رجلك"، ولم يذكر المسح، وقوله بعد غسلهما: "لا يقبل الله الصلاة من دونه"، وقوله: "ويل للأعقاب من النار"، قال أبو سعيد: مسح الخفّين إمّا بدعة أو منسوخ، قلت: لكنّ كلام جابر ونقله عن الصحابة يشعر بأنه لم يكن شيئاً، وقال كثير من الناس: إنّ الأخبار بذلك منسوخة بالمائدة، وفي بعض كتب قومنا أنّ الأمير الحسين ساق قصّة في الشفاء فيها المراجعة الطويلة بين علي وعمر، واستشهد على اثنين وعشرين من الصحابة فشهدوا بأنّ المسح كان قبل المائدة لكن قال بعضهم: لم أر هذه القصة في شيء من كتب الحديث، وقد قال بجواز المسح على الخفين كثير من قومنا، وأجمع الكل على أنّه غير واجب، فتركه أحوط على تقدير القول بجوازه؛ لأنّ الوضوء ثابت من الكتاب، وهو واجب بإجماع الأمة، فالآخذ به آخذ بالكتاب والسنة والإجماع، <1/179> والتارك لبعضه مخالف لظاهر الكتاب، مخالف لأهل الحق من أهل الاستقامة واقع في خطر النزاع، فلا عبرة بقول ابن المنذر أنّ المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن فيه (1/210)
صفحة 211
المخالفون من السنن أفضل من تركه أهـ، وقد عرفت أن السنة لم تثبت في ذلك وأنّ المنكر له الصحابة والتابعون فليجعلهم ابن المنذر حيث شاء.
ما جاء في المسح على الجبائر
قوله: «إحدى زنديه»: الزند بفتح الزاء وسكون النون هو موصل طرفي الذراع في الكف، وهما زندان الكوع والكرسوع، والجبائر جمع جبيرة أو جبارة وهي: العيدان التي يجبر بها العظام: وفي معناها اللفافة والخرقة تكون على الجرح في موضع الوضوء، وقد رخّص رسول الله صلّى الله عليه وسّلم لعليّ أن يمسح على الجبائر؛ فيجب أن يحُمَل ما كان في معناها عليها؛ لأنّ المعنى الذي لأجله جاءت الرخصة مفهوم وهو خوف الضرر بنزع الجبائر واستعمال الوضوء {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]، ويستفاد منه أنّ القادر على بعض الواجب يفعله وليس له ترك الكلّ للعجز عن البعض، كما يصرّح بذلك قوله صلّى الله عليه وسّلم في حديث أبي هريرة: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" .<1/180>
الباب العشرون جامع الوضوء
قوله: «جامع الوضوء »: أي: يجمع أحاديث لا تختصّ بباب دون باب، وذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها: حديث أبيّ بن كعب في شيطان الماء، والثاني: حديث أبي هريرة في عقد الشيطان على قافية أحدكم، والثالث: حديث أنس بن مالك في نبع الماء من تحت أصابع النبي صلّى الله عليه وسّلم فتوضّؤوا، إلى آخرهم.
ما جاء في شيطان الماء (1/211)
صفحة 212
قوله: «أنّ لبدء الوضوء شيطانا»: هكذا وقع في هذه الرواية بزيادة «بدء»، ولم تثبت في غيرها في ما علمت، والزيادة من العدل مقبولة، ومعناها أنّ لأول الوضوء شيطانا، فهي تفيد أنّ الشيطان يقعد للمتوضئ عند أوّل وضوئه، فإذا شرع في الوضوء المسنون ولم يلتفت إلى وسوسته أدبر عنه، وإلاّ لازمه ولبس عليه أمره، وجاء في بعض الروايات "أنّ للوضوء شيطانا يقال له: الولهان فاتّقوا وسواس الماء"، وجاء عن الحسن "أنّ شيطانا يضحك بالناس في الوضوء يقال له: الولهان".
قوله: «يقال له: الولهان»: على وزن غضبان، قال الربيع: وإنّما قيل له: الولهان لأنّه يلهي النفوس، أي: يشغلها عن ذكر الله تعالى ويولعها بكثرة استعمال الماء، ووجه التسمية محتاج إلى النقل، فإنها وقائع لابدّ من ضبطها ولا يطّلع عليها غالبا بالقياس، والظنّ بمثل الربيع أن يكون معه في ذلك نقل، لكنّه اختصر في البيان، ويمكن أن يكون اجتهد في استخراج الوجه بالمعنى المناسب؛ فإن كان نقلا فلا كلام إلاّ التسليم والقبول؛ وإن كان استنباطا احتاج إلى النظر في طريقه، والمادّة لا تساعده لأنّ مادّة ألهى غير مادّة وَلَه، ويمكن أنّه فسّره بلازمه فإنّ من وَلَه وتحيَّر اشتغل عن<1/181> ذكر الله تعالى والتهى بما لا طائل تحته، والله أعلم.
ما جاء في حل عقد الشيطان بالوضوء (1/212)
صفحة 213
قوله: «بعقد ... الخ»: قيل: هو مثل واستعارة من عقد بني آدم، وقيل: بل هو على ظاهره، وإنّ الشيطان يفعل من ذلك نحو ما يفعله السواحر من عقدها ونفثها، والمراد بالشيطان الفاعل لذلك القرين أو غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه، والمراد بالقافية مؤخَّر رأسه، وقافية كلّ شيء مؤخَّره، ومنه قافية القصيدة، وقيل: القافية الرأس، وقيل: وسطه، وظاهر قوله: «أحدكم»: التعميم للمخاطبين، ويمكن أن يخصّ منه من صلّى العشاء في جماعة عند بعضهم، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء، ومن تناوله قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[إبراهيم:42]، وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه فقد ثبت أنّه يحفظ من الشيطان حتىّ يصبح.
قوله: «ثلاث عقدات»: تقدّم الخلاف في معنى عقد الشيطان، وهل هو مجاز أو حقيقة، وعلى القول بأنّه حقيقة فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره، استقرب بعضهم الثاني؛ إذ ليس لكلّ أحد شعر، وجاء في رواية عند قومنا: "على قافية رأس أحدكم حبلا فيه ثلاث عقد كانت الساحرة تأخذ الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}[الفلق:4]، فالشيطان يفعل مثلها على هذا القول وهو أظهر والحمل عليه أولى.
قوله: «يضرب مكان كلّ عقدة»: أي بيده تأكيداً وإحكاما لها، ويقول له عليك ليل ... الخ، وقيل: معنى يضرب يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَىا ءَاذَانِهِمْ}[الكهف:11]، أي: حجب الحسّ أن يلج في آذانهم فينتبهوا. (1/213)
صفحة 214
قوله: «عليك ليل طويل»: وفي<1/182> نسخة ليلا طويلا، وذكر ابن حجر فيه روايتين الرفع والنصب، وقال عياض: رواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء، ومن رفع فعلى الابتداء، أي: باق عليك أو بإضمار فعل، أي: بقي عليك، وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث إنّه يخبر عن طول الليل، ثمّ يأمره بالرقاد بقوله أرقد، قال: وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلاّ الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: «فارقد»: ضائعا، ومقصود الشيطان بذلك تسويفه للقيام والإلباس عليه.
قوله: «انحلّت عقدة»: هو ظاهر على قول من جعلها حقائق، وإمّا على قول القائلين بالمجاز فمعنى انحلالها عندهم عبارة عن ضعف كيده بذكر الله تعالى أولّ مرّة، ثمّ يزداد ضعفا بالوضوء ثمّ بالصلاة حتى يصبح نشيطا طيب النفس، ففي صلاة الليل سرّ في حلّ عقد الشيطان وإضعاف كيده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {اِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً}[المزمّل:6]، واستنبط منه أنّ من فعل ذلك مرّة ثمّ عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعقد، واستثنى بعضهم من ذلك من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فإنّ الشيطان لازال مستوليا عليه، وفصل بعض قومنا بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم والإقلاع وبين المصرّ. (1/214)
صفحة 215
قوله: «وإلاّ أصبح خبيث النفس كسلان»: لتركه ما كان اعتاده من فعل الخير، وقوله: «كسلان»: غير مصروف للوصف وزيادة الألف والنون، ومقتضى قوله: «وإلاّ أصبح»: أنّ من لم يجمع الأمور الثلاثة يدخل تحت من يصبح خبيث النفس كسلان، وإن أتى ببعضها، ويستفاد من قوله: «فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة ... الخ»: أنّ من ذكر الله ولم يتوضّ مثلا كان في ذلك أخفّ ممّن لم يذكر أصلا، وقال ابن عبد البرّ: هذا يختصّ بمن لم يقم إلى صلاته وضيّعها، أمّا من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو إلى النافلة بالليل فغلبته عينه فقد ثبت أنّ الله يكتب له أجر صلاته ونومه عليه صدقة، قال: وشدّد بعض التابعين فأوجب قيام الليل، ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنّه مندوب إليه، وكأنّ المشدّدين أخذوا ذلك من قوله: «وإلاّ أصبح خبيث النفس كسلان»: فإنّ خبث النفس والكسل من صفات مضيّع الواجب؛ ولهذا حمل بعضهم الحديث على المكتوبة، وإن حملناه على صلاة الليل، فالمراد بخبث النفس والكسل حالة خاصة مترتّبة على تضييع المندوب، وكأنّ المراد بتلك الحالة نشاط الأخلاق الردية وقوتها على الأخلاق <1/183> الجميلة، فإنّ الجميلة تضعف مع بقاء عقد الشيطان وتنشطه أضدادها فلا يتيسر له غالبا المسارعة إلى الخيرات وكفى به حرمانا، ولا يشكل عليك هذا فإنّ الخير يتبع بعضه بعضا.
ما جاء في طلب الماء للوضوء (1/215)
صفحة 216
قوله: «حان وقت الصلاة»: أي حضر وقتها، وهي صلاة العصر كما صرّحت به رواية الصحيحين، وفي عزوة تبوك كما جاء في رواية ابن شاهين عن أنس أيضا ولفظه: قال: "كناّ مع رسول الله صلّى الله عليه وسّلم في غزوة تبوك فقال المسلمون: يا رسول الله عطشت دوابّنا وإبلنا، فقال: هل من فضلة ماء، فجاء رجل في شنّ بشيء، فقال: هاتوا صفحة، فصبّ الماء ثمّ وضع راحته في الماء، قال: فرأينا تخلّل عيون بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابّنا وتزوّدنا، فقال: اكتفيتم، فقالوا: نعم اكتفينا يا نبئ الله، فرفع يده فارتفع الماء"، ثمّ ذكر مواضع متعدّدة وقع فيها نبع الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسّلم، وفي الصحيحين عن أنس أيضا قال: "رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسّلم وجاءت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسّلم بوَضوء فوضع يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضّؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضّأ الناس حتى توضّؤوا من عند آخرهم، وفي لفظ البخاري: "كانوا ثمانين رجلا"، وفي لفظ: "فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضّأ القوم، قال فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال كنّا ثلاث مائة،<1/184> رجل، وفي البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: "عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضّأ منها ثمّ أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: مالكم؟ قالوا: يارسول الله ليس عندنا ما نتوضّأ به ولا نشرب إلاّ ما في ركوتك، قال: فوضع النبيء صلى الله عليه وسلّم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضّأنا، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لوكنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة" قال القرطبي: قصّة نبع الماء من بين أصابعه قد تكرّرت منه صلّى الله عليه وسّلم في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها (1/216)
صفحة 217
العلم القطعي المستفاد من التواثر المعنوي، قال: فلم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبيئنا صلّى الله عليه وسّلم، قال: وقد نقل ابن عبد البرّ عن المزني أنّه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسّلم أبلغ في المعجزات من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجّرت منه المياه لأنّ خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من اللحم والدم، وقد وروى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة؛ منهم أنس، وجابر، وابن مسعود، فأمّا حديث أنس فهو عند المصنّف والبخاري ومسلم وابن شاهين كما قدّمنا ذكره، وغرض المرتّب من إيراده هاهنا الحثّ على التماس الماء للوضوء والمبالغة في البحث عن ذلك حسب الطاقة كما عليه الأصحاب رحمهم الله، فإنّ الصحابة لماّ لم يجدوا الماء لم يعدلوا إلى التيمّم من أول مرة، وإنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قد تسبّب لوجود الماء وطلب فضلته ليكون أصلا للبركة التي اختصّه الله بها، فمجموع ذلك الحال مفسّر لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:43]، فبذل المجهود في الطلب واجب، فإنّ عدم دخل تحت من لم يجد الماء وصدق عليه أنّه غير واجد له، ويستثنى من ذلك الماء الذي تحتاج إليه الأنفس لشرابها وطعامها؛ فإنّه قد تعلّق به حقّ النفس فهو في حكم الماء المعدوم؛ لأنّ حقّ النفوس أقدم، والمحافظة على بقائها ألزم، ومن ثمّ جاء التخفيف في العبادات لدفع المشقّة والله أعلم.
الباب الحادي والعشرون في ما يكون منه غسل الجنابة (1/217)
صفحة 218
<1/185>قوله: «في ما يكون منه غسل الجنابة»: يعني في الأسباب التي يترتّب عليها وجوب الغسل من الجنابة، وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء، وزاد قوم منّا وآخرون من مخالفينا اشتراط الدّلك لحديث :"بلّوا الشعر، وأَنْقُوا البشر"، فإنّه مشعر بوجوب الدلك؛ لأنّ الإنقاء لا يحصل بمجرّد الإفاضة، وفيه أنّه قد يحصل ذلك بدون ذلك لأنّ الغرض إيصال الماء إلى الجسد حتّى لا يبقى شيء، فإن قيل: إذالم يجب الدلك لم يبق فرق بين الغسل والمسح أُجِيب بأنّ الغرض من المسح إمرار اليد على الشيء يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ، فلا يجب فيه الاستيعاب، بخلاف الغسل فإنّه يجب فيه الاستيعاب، وأيضا يشترط في الغسل سيلان الماء على الجسد وإن قلّ، ولا كذلك المسح والفرق بهذا المعنى كاف.
ما جاء في الغسل من المني
قوله: «الغسل من المني»: وهو الماء الدافق، والمعنى الغسل واجب بخروجه سواء خرج بجماع أو احتلام أو تشهّي أو بلا تسبّب.
ما جاء في الغسل من التقاء الختانين
قوله: «سألت عائشة»: هذا السؤال من جملة الأسئلة التي أخجلت أمّ المؤمنين رضي الله عنها.
قوله: «ولم يُنزِل»: بضم الياء وكسر الزاء، أي: ولم يخرج الماء الدافق، والجملة في موضع الحال.
وقولها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسّلم يصنع بنا ذلك ... الخ»: إخبار عن أمر مشاهَد، ورواية المباشر مقدَّمة على رواية غيره؛ فلذا ذكرت ما ذكرت. (1/218)
صفحة 219
ثمّ إنّ قولها<1/186>: «ويغتسل ويأمرنا بالغسل ويقول الغسل واجب إذا التقا الختانان»: جامع لثلاث حالات: الفعل وهو اغتساله صلّى الله عليه وسّلم، والقول وهو أمره إياهنّ بذلك، والتصريح بالحكم وهو قوله: «الغسل واجب»، والختانان موضع القطع من الرجل والمرأة، والتقاء الختانين اسم لا يصح إلا بعد غيوب الحشفة، وهذا الحديث مفسّر للحديث الذي يليه، وهو قوله: «إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبها وجب الغسل»: فإنّه كناية عمّا صرّح به في الحديث الأوّل وهو التقاء الختانين، ولفظ الحديث عند أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسّلم "إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل، ورواه أيضا الترمذي وصحّحه، ولفظه: "إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل، فهذه الرواية مصرَّحة بما أجملته رواية المصنف.
قوله: «بين شعبها»: الشعب جمع شعبة، وهو القطعة من الشيء، قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فجذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع، وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسّلم قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل، زاد مسلم وأحمد "وإن لم ينزل". (1/219)
صفحة 220
قوله: «عن أبي بن كعب قال: قال: رسول الله صلّى الله عليه وسّلم الماء من الماء لا يكون الغسل على الرجل حتى ينزل ولو التقى الختانان، قالت عائشة وأم سلمة زوجا النبي صلّى الله عليه وسّلم: كان رسول الله صلّى الله عليه وسّلم يفعل ذلك ويغتسل ويأمر نساءه بالغسل، ويقول: إذا التقى الختانان فالغسل واجب أنزل الرجل أو لم يُنزِل»: وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسّلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسر وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسّلم: إنّي لأقبل ذلك أنا وهذه ثمّ نغتسل، قال جابر: والله أعلم بما يُروى عن أبيّ بن كعب وهو من علماء <1/187>الصحابة وفضلائها. (1/220)
صفحة 221
قلت: روى أحمد وأبو داود عن أبيّ بن كعب قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رخّص بها في أوّل الإسلام، ثمّ أمرنا بالاغتسال بعدها، وفي لفظ: "إنّما كان الماء من الماء رخصة في أوّل الإسلام ثم نهي عنها"، رواه الترمذي وصحّحه، وروى أحمد عن رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أُنزِل فاغتسلت وخرجت فأخبرته، فقال: "لا عليك الماء من الماء" قال رافع: ثمّ أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك بالغسل، فهذا يدلّ على أنّ الرخصة في ذلك منسوخة، وعن زرارة بن أبي جعفر قال: جمع عمر بن الخطّاب أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما تقولون في رجل يأتي بامرأة فيخالطها ولا يُنزِل، فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقي الختانان وجب الغسل، وقال عمر لعلي: ما تقول يا أبا الحسن، فقال: أتُوجبون عليه الرجم والجلد ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟ إذا التقى الختانان وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قاله المهاجرون ودعوا ما قالت الأنصار، وكان أبو موسى الأشعري يقول: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار في ما يوجب الغسل، فقال الأنصار: لا يجب الغسل إلاّ من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقام فاستأذن على عائشة رضي الله عنها فقال: يا أمّاه إنّي أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عمّا كنت سائلا عنه أمّك التي ولدتك، فإنّما أنا أمّك قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختانُ الختانَ وجب الغسل"، وفي رواية "وإن لم يُنزِل". (1/221)
صفحة 222
قال النووي: وقد أُجمِع على<1/188> وجوب الغسل متى غابت الحشفة في الفرج، وإنّما كان الخلاف فيه لبعض الصحابة ومن بعدهم، ثمّ انعقد الإجماع على ذكرنا، وهكذا قال ابن العربي، وصرّح أنّه لم يخالف في ذلك إلاّ داود.
فائدة: يتعلق بالتقاء الختانين عشرة أحكام: نقض الطهارة ووجوب الغسل ووجوب الحدّ ووجوب الكفّارة عند الصيام ونقض الصيام وإباحتها للزوج الأوّل والتحريم على الآباء والأبناء وخروجها من حكم الإيلاء وإفساد الحج والفرقة بها في الحيض في مشهور المذهب، وعليه الفتوى والعمل، «وأمّ سلمة»: بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم واسمها هند، وكان أبوها يعرف بزاد الركب، وكانت قبل النبي صلّى الله عليه وسلّم عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فولدت له سلمة وعمر ودرّة وزينب، وتوفّي فخلف عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعده، وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة، وعن ثابت البِنَاني قال: حدّثني ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أمّ سلمة قالت: لماّ انقضت عدّتها بعث إليها أبو بكر يخطبها عليه فلم تزوّجه، فبعث إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمرَ بن الخطّاب يخطبها عليه، فقالت أخبِر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنّي امرأة غيراء وأنّي امرأة مصبية وليس أحد من أوليائي شاهدا،ً فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: "ارجع إليها فقل لها: أمّا قولك: إنّي امرأة غيراء فسأدعو الله فيذهب غيرتك، وأمّا قولك: إنّي امرأة مصبية فستكفين صبيانك، وأمّا قولك: ليس أحد من أوليائي شاهداً، فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك، فقالت لابنها عمر: قم فزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فزوّجه، وعن عطاء بن يسار عن أمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}[الأحزاب:33]، (1/222)
صفحة 223
قالت: فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين فقال: "هؤلاء أهل بيتي"، قالت: فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البيت؟ قال: "بلى إن شاء الله".
<1/189>ما جاء في غسل المرأة من الاحتلام
قوله: «جاءت امرأة»: يحتمل أنّ هذه المرأة هي أمّ سُلَيْم امرأة أبي طلحة الأنصاري المصرَّح بها في حديث زيد بن ثابت الآتي قريبا عند المصنّف، ويُحتمَل أنّها خولة بنت حكيم كما وقع عند أحمد والنسائي، ويحتمل أنّها سهلة بنت سهل، كما وقع عند الطبراني وبُسْرَة بنت صفوان عند ابن أبي شيبه، والأوّل أظهر.
قوله: «برح الخفاء»: أي: وضح الأمر، والمعنى ذهب السرّ وزال، فلا يمكن إخفاء شيء عن الحقّ وإن اقتضى الحياء إخفاءه، قالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء عن التفقّه في الدين.
قوله: «المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل»: كناية عمّا يراه النائم من أمر الجماع، ويعبّر عنه بالاحتلام كما وقع في الرواية الثانية "إذا هي احتلمت.
قوله: «عليها الغسل إذا أنزلت». (1/223)
صفحة 224
وفي الرواية الثانية: « هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء»: قال جابر: وقد جاء في ذلك عن كثير من الصحابة إزالة الغسل عنها إلاّ الوضوء، وعلى هذا يكون المنيّ منها كالمذيّ من الرجل فلا يوجب غسلا، وبه جزم بعض أصحابنا منهم: الربيع وأبو عبيدة الصغير، وهو عبد الله بن القاسم وأبو جابر في جامعه، وجزم بمقتضى الروايتين وهو وجوب الغسل أكثر متأخِّري الأصحاب في ما يظهر من فتاويهم، ومنهم أبو معاوية وأبو محمد بن بركة: فقول ابن رسلان من الشافعية: أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المنيّ دعوى لم يقم عليها دليل،كيف وقد روى جابر إزالة الغسل عنها عن كثير من الصحابة؟ وبه قال إبراهيم النخعي، فلا سبيل إلى دفع الخلاف مع أنّهم أعلم بالحال، غير أنّا نقول: إنّ الراجح <1/190> الأخذ بصريح الروايتين، والرواية بخلافهما ولوكانت عن كثير من الصحابة لم يكن عليها عمل من غالب الناس، فيشبه أن تكون عندهم منسوخة أو مرجوحة، والعلم عند الله تعالى.
قوله: «إذا رأت الماء»: أي بعد اليقظة فإنّها لو رأته في المنام فلما استيقظت لم تر شيئا لم يجب عليها الغسل؛ لأنّها رؤيا منام، فلو رأى ذلك الرجل لم يلزمه الغسل اتّفاقا، فالمرأة مثله، والله أعلم. (1/224)
صفحة 225
و«أمّ سُلَيْم»: بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حزام بن جندب بن عامر بن غنم ابن عدي بن النجار الأنصارية الخزرجية النجّارية أمّ أنس بن مالك، اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة والغميصاء والرميصاء،كانت تحت مالك بن النظر والد أنس بن مالك في الجاهلة، فغضب عليها وخرج إلى الشام ومات هناك، فخطبها أبو طلحة الأنصاري وهو يومئذ مشرك، فقالت: أما إنّي فيك لراغبة وما مثلك يردّ ولكنّك كافر وأنا امرأة مسلمة فإن تسلم فلك مهري فلا أسألك غيره، فأسلم وتزوّجها وحسن إسلامه، فولدت له غلاما مات صغيراً، ثمّ ولدت له عبد الله بن أبي طلحة وهو والد إسحاق، قال ابن الأثير: فبارك الله في إسحاق وإخوته، وكانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم، وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت وإسماعيل ابن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس أنّ أبا طلحة خطب أمّ سُلَيْم فقالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أنّ إلهك الذي تعبد نبت من الأرض ينجزها حبشي بني فلان؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحي تعبد خشبة، إن أنت أسلمت فإنّي لا أريد منك الصداق غيره، قال حتّى أنظر في أمري، فذهب ثمّ جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله فقالت: يا أنس زوّج أبا طلحة، فتزوّجها، وكانت تغزو مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروت عنه أحاديث، وروى عنها ابنها أنس، وكانت من عقلاء النساء، والله أعلم.
<1/191>الباب الثاني والعشرون
قوله: «في كيفية الغسل من الجنابة»: والمراد بكيفيته صفة فعله.
ما جاء في صفة الغسل (1/225)
صفحة 226
قوله: «بدأ فغسل يديه»: قال المحشي: يعني بعد إراقة البول والاستبراء والاستنجاء، ولعلّه فهم هذا من قول الراوي آخر الحديث، وهذا بعد الاستنجاء، قال المحشي: فإن اغتسل من غير إراقة البول فإنّه إن خرج منه شيء بعد ذلك يعيد الغسل دون الصلاة إن كان قد صلّى، ولابدّ من تقديم النية كما يدلّ عليه قول عائشة: «إذا أراد الغسل» فإنّه مشعر بتقدّم الإرادة وهي نفس النية والقصد، ثمّ يتمضمض ويستنشق لوجوب ذلك عليه في الغسل لأنّا قد أُمِرنا بإنقاء البشر، كما في الحديث الآتي عن ابن عباس رضي الله عنه، والغرض من إنقائها المبالغة في غسلها حتّى لا يفوت منها شيء، ومن المعلوم أنّ داخل الفم والأنف من البشرة لسهولة مباشرتهما للأشياء، فلا يُقال: إنّهما من البواطن، إذ لوكانا كذلك ما أُمِرنا بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء؛ كمالم نُؤمر بإيصال الماء إلى ما وراء الحلقوم، فلمّا افترق الحكم علمنا أنّ ما دون الحلقوم من أحكام البشرة والأنف مثله، ثمّ أنّ قولها رضي الله عنها «ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصلاة»: يدخل تحته المضمضة والاستنشاق أيضا فيدخلان تحت كيفية الغسل الواجب ويبقى سائر أفعال الوضوء فضلا مستحبا إن لم يكن للصلاة، وإّنما كان لنفس الغسل، فاختصاص أعضاء الوضوء بذلك سنّة مستقلّة كما يظهر من هذا الحديث وإن لم يكن وقت صلاة كما يدلّ عليه قولها كما يتوضّأ للصلاة، فإنّه لو كان ذلك مختصًّا بوقت الصلاة لقالت: ثمّ يتوضّأ<1/192> للصلاة، والحال أنّها لم تقل ذلك فعلمنا أنّه وضوء مستقلّ، وقال بعض الشافعيّة: إنّ هذا الوضوء من نفس الغسل فيكتفى به عن إعادة الماء عند غسل باقي الجسد، وإنّما قدّم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها وليحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وهو غير بعيد على قواعد المذهب؛ بل يشير إليه كلام بعض علمائنا رحمهم الله تعالى، وإن كان وقت صلاة فاغتسل كما أُمر من وضوء وغيره فله أن يصلّيَ بذلك الغسل المشتمل على هيئة (1/226)
صفحة 227
الوضوء بلا خلاف نعلمه، وهو معنى الإجماع الذي نقله ابن بطّال أنّ الوضوء لا يجب مع الغسل، وإن اغتسل ولم يتوضّ وضوء الغسل الذي هو كوضوء الصلاة فها هنا ينبغي أن يحمل قول من قال: الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، وبهذا التوجيه يرتفع النزاع في المسألة؛ لأنّ محلّ المنع غير محلّ التجويز والله أعلم.
قوله: «ثمّ يدخل»: إنّما ذكره بلفظ المضارع وما قبله مذكور بلفظ الماضي لإرادة استحضار صورة الحال للسامعين.
قوله: «ويخلّل بها ... الخ»: أي: يُدخِل أصابعه بين شعر رأسه حتىّ يبلغ أصول الشعر، وذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "تحت كلّ شعرة جنابة فبلّوا الشعر وأنقوا البشرة"، وهذا التخليل واجب، قيل إجماعا، وقيل على الأشهر، وقيل غير واجب إلاّ إن كان الشعر ملبّداً بشيء يحول بين الماء وبين أصول الشعر.
قوله: «ثم يصبّ على رأسه»: أي: بعد التخليل يصبّ على رأسه الماء ثلاث مرّات بيده، وهذا الصبّ كاف إن شاء الله تعالى عن التخليل لمن لم يكن له شعر، ولابدّ من التخليل لصاحب الشعر حتى يكون أبلغ في وصول الماء، ولرسول الله صلّى الله عليه وسلّم جَمة.
قوله: «ثلاث مرات»: وفي بعض النسخ «ثلاث غرفات»: جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكفّ، قال تعالى: {إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةَم بِيَدِهِ}[البقرة:249]، وفي استحباب التثليث في الغسل قال النووي: ولا نعلم في ذلك اختلافا إلاّ ما انفرد به الماوردي فإنّه قال: لا يستحبّ التكرار في الغسل، قال ابن حجر: وكذا قال القرطبي قال: وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة فإنّ مقتضاها إنّ كلّ غرفة كانت في جهة من جهات <1/193> الرأس، قلت: وهذا المعنى لا ينافي التثليث؛ فإنّ غاية ما فيه وضع كلّ غرفة في جهة، فهو يتحرّى بذلك التقصّي في إيصال الماء كي لا يفوت شيء من الرأس، ففي رواية القاسم تبيين لمواقع الغرفات دون الاقتصار على ما دون الثلاث. (1/227)
صفحة 228
قوله: «ثمّ يفيض الماء على جسده كلّه»: وذلك بعد الصبّ على الرأس يجعل الماء فائضا على جميع الجسد، وهذا التأكيد يدلّ على أنّه عمّم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدّم، وهو يؤيّد أنّ الوضوء سنّة مستقلّة قبل الغسل.
ما جاء في إنقاء البشر وبلّ الشعر
قوله: «تحت كلّ شعرة جنابة»: رواه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا، وعند المصنّف من حديث ابن عباس وهو أصح طرقه، ومعناه أنّ الجنابة تخرج من جميع أجزاء الجسد حتّى من تحت الشعر، كما صرّح به الحكماء قالوا: ولهذا يتكوّن من النطفة العظم واللحم والعصب والجلد والشعر، وفي الحديث إشارة إلى أنّ هذا المعنى هو الحكمة في مشروعية الغسل من الجنابة، ولهذا رتّب عليه الحكم في قوله: «فبلّوا الشعر وأنقوا البشر»: وبلّوا بضم الباء من بلّه يبُلّه إذا ناله بالماء، وفيه إشارة إلى عدم وجوب العرك إلاّ أن يقال: إنّ العرك مستفاد من قوله: «وأنقوا البشر»: وهو بقطع الهمزة أمر من أنقى الشيء إذا نظّفه، والنقِيُّ النظيف، والبَشَر والبَشَرة بفتحتين فيهما ظاهر جلد الإنسان، ويقال: إنّ كلّ موضع لم يعمّ غسله من جسده يبعث الله إليه يوم القيامة حيّات تلدغه من ذلك الموضع، وعن النبي عليه السلام أنّه قال: "كلّ شعرة لم يعمّ غسلها تشتعل يوم القيامة ناراً".
ما جاء في تعاهد المواضع الكامنة بالغسل (1/228)
صفحة 229
<1/194>قوله: «فنيكتي وعنفقتي وعنقفتي»: هذا الحديث مؤكّد لما قبله، وهو "بلّوا الشعر وأنقوا البشر" قال الربيع: الفنيكة هي المسربة التي في وسط الشارب، والعنفقة هي المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس، والعنقفة هي الشعيرات المنحازة من اللحية تحت الشفة السفلى، وفي المختار الفنيك طرف اللحيين عند العنفقة عن يمين وشمال وهما المغفلة، قال الربيع: قال أبو عبيدة: وعليه مع ذلك غسل رفغيه ومأبضيه ومسربته وسرته وكلّ ما بطن من جسده، قال الربيع: الرفغان ما بين الذكر والفخذين، والمأبضان ما تحت الركبتين، والمسربة هي التي فصلت الصدر إلى السرة، وفي المصباح المسرُبة بضمّ الراء شعر الصدر يأخذ إلى العانة، قال: والفتح لغة حكاها في المجرّد، والرُّفغ بضمّ الراء في لغة العالية والحجاز، والجمع أرفاغ مثل: قفل وأقفال، وتفتح الراء في لغة تميم، والجمع رفوغ وأرفغ مثل: فلس وفلوس وأفلس، قال ابن السكيت: هو أصل الفخذ، وقال ابن فارس: أصل الفخذ وسائر المغابن، وكل موضوع اجتمع فيه الوسخ فهو رفغ، والرفغ ما حول الفرج وقد يطلق على الفرج كذا في المصباح، والمأبضان مثنّى مَأْبِض بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الباء الموحدة وبالضاد المعجمة: وهو باطن الركبة من كل شيئ، وإنّما قال أبو عبيدة رحمه الله تعالى بوجوب غسل هذه المواضع؛ إمّا لشيء سمعه فيهنّ خاصّة، وإمّا قياساً على الفنيكة والعنقفة لاتّحاد المعنى في الكلّ، فهو قياس جليّ، ويسمّى أيضا قياس المعنى لقطعنا باتّحاد المعنى ونفي الفارق بين الأصل والفرع.
<1/195>ما جاء أن المرأة لا تنقض شعرها في الغسل من الجنابة (1/229)
صفحة 230
قوله: «عن أسامة بن زيد»: بن حارثة بن شراحيل، وقد تقدّم تقدّم نسبه عند ذكر أبيه زيد بن حارثة، وأمّه أم أيمن حاضنة النبيء صلّى الله عليه وسلّم، فهو وأيمن أخوان لأمّ، يكنّى أبا محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد: وقيل: أبو خارجة، وهو مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أبويه، وكان يسمّى حبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستعمله النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشكّ في الأمر بعد قتل عثمان فلم يبايع عليّاً ولا شهد معه شيئاً من حروبه، وقال لعليّ لو أدخلت يدك في فم تنّين لأدخلت يدي معها ولكنّك قد سمعت ما قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلاّ الله، وذلك ما حدّث به محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن جدّه أسامة بن زيد قال: أدركته يعني كافراً كان قتل في المسلمين في غزاة لهم، قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلمّا شهرنا عليه السلاح قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله فلم نبرح عنه حتى قتلناهن فلما قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرناه خبره فقال: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله، فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوُّذًا من القتل، فقال: من لك يا أسامة بلا إله إلاّ الله، فوالذي بعثه بالحقّ ما زال يردّدها عليَّ حتّى وددت أنّ ما مضى من إسلامي لم يكن وأنّي أسلمت يومئذ، فقلت: أعطي الله عهداً أن لا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، والفرق بين المسألتين ظاهر، فإنّ المقتول الاّول إنّما يقاتل ليقول: لا إله إلاّ الله، فإذا قالها عصم دمه وماله إلاّ بحقها، وإنّ المقاتل الثاني إنّما يقاتل ليرجع إلى حقّ لا إله إلاّ الله، وهو القيام بواجبات الشرع من طاعة الإمام العادل والقيام بحقوقه وترك التمرّد والبغي عليه، وتوفي آخر أيّام معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل توفّيَ سنة<1/196> أربع وخمسين، وصحّحه بعضهم، وقيل: توفّيَ بعد (1/230)
صفحة 231
قتل عثمان بالجرف وحمل إلى المدينة، روى عنه أبو عثمان النهدي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وغيرهما.
قوله: «تستفتيه لامرأة»: الظاهر أنّ هذه المرأة هي أمّ سلمة نفسها كما وقع ذلك عند الجماعة إلاّ البخاري، ولفظ الحديث عندهم عن أمّ سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله إني امرأة أشدّ ظفر رأسي أفأنقضه بغسل الجنابة، قال: لا، إنّما يكفيك أن تحثّي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين»، ويدلّ على أنهّا إنمّا سألت لنفسها التفاتُه صلّى الله عليه وسلّم إليها بالخطاب في قوله: «واغمزي قرونك ... الخ»، وإنما قال أسامة: تستفتيه لامرأة جاءتها؛ لقولها في السؤال: «امرأة تشدّ شعر رأسها ... الخ» فإنّ أسامة لمّا سمع هذا السؤال من أمّ سلمة نقله على وفق الكيفية التي سمعها، وهي إنّما عرّضت بذلك عن نفسها.
قوله: «أن تحثي»: يقال: حثيت وحثوت لغتان مشهورتان مأخوذ من قولهم حثى الرجل التراب إذا هاله بيده، وبعضهم يقول: إذا قبضه بيده ثمّ رماه، ومنه فأحثوا التراب في وجهه.
وقوله: «ثلاث حفنات»: جمع حفنة، وهي ملء الكفّ من كلّ شيء، وهي الحثية بمعنى، والمراد هاهنا ثلاث غرفات على معنى التشبيه بحثي التراب.
قوله: «تشدّ شعر رأسها»: أي: تظفره وتفتله.
وقوله: «واغمزي قرونك»: أي بيدك حتىّ يبلغ الماء أصول الشعر ولا يلزم العلم بوصوله؛ بل يكفي الظنّ، والغمز باليد الجسّ مع حركة مخصوصة مأخوذة من قولهمك غمزت الكبش بيدي، إذا جسسته لتعرف سمنه، والقرون جمع قرن وهو الخصلة من الشعر، ويقال للرجل: قرنان أي ظفيرتان. (1/231)
صفحة 232
قوله: «ثمّ تفيضين عليك من الماء»: أي: ترسلين على سائر جسدك شيئاً من الماء، واستدلّ به بعضهم على وجوب الترتيب في مواضع الغسل، وعلى أنّ الموالاة غير واجبة لدلالة ثم للتراخي، وفيه أنّ المقصود بيان كيفية الغسل مع قطع النظر عن ترتيب وتوال وما ليس مقصوداً للشارع فلا يصح أن يضاف إليه. سلّمنا أنّ ما ذكرتم قد يستفاد من اللفظ غير أنّا نقول: إذا علم المراد وجب الحمل عليه، ومن هاهنا<1/197> وجب تخصيص العامّ، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز، سلّمنا، فغاية ما فيه أن يستحبّ الترتيب فقط فأنّى لكم بوجوبه.
قوله: «وتطهرين»: أي بذلك من غير نقض لقرونك، وهذا في الغسل من الجنابة، وأمّا الحيض فإنّها تنقض الظفائر عند الغسل منه، وهو مذهبا، وبه قال الحسن وطاوس وأحمد، والحجّة لنا حديث أنس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمي وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبّت على رأسها الماء وعصرت، وقال عبيد ابن عمير: بلغ عائشة أنّ عبد الله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن فقالت: يا عجبا لابن عمر وهو يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رءوسهن أوَما يأمرهنّ أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات، وقال بعض قومنا: لا ينقض إلاّ أن يكون ملبّداً ملتفّاً لا يصل الماء إلى أصوله إلاّ بنقضه، فيجب حينئذ من غير فرق بين جنابة وحيض، وقال النخعي: تنقضه في الجنابة والحيض، وكأنّي به يتمسّك بالمنقول عن ابن عمر وهو الذي أنكرته عليه عائشة، ويمكن أن يتمسّك بالعموم المقتضي لوجوب استقصاء الغسل من بلّ الشعر وإنقاء البشر، والجواب أنّ ذلك مخصًّص بحديث أم سلمة وعائشة وأنس.
ما جاء في اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد (1/232)
صفحة 233
قوله: «من إناء واحد» وقوله: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يغسل من إناء وهو الفرق من الجنابة»: الحديثان عند قومنا حديث واحد، ولفظه عن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم من إناء واحد من قدح يقال له الفرق» رواه أحمد والبخاري ومسلم، <1/198>وفي اقترانهما عند المصنّف إشارة إلى (1/233)
صفحة 234
أنّ الإناء الذي هو الفرق هو الذي اغتسلا منه معا، لكنّه لم يثبت عند المصنّف التصريح بذلك، فرواه على هذا الحال بسندين، ولعلّه ثبت عند الجماعة فرووه مصرّحا في حديث واحد كما ترى، و«الفرْق»: بسكون الراء وروي بفتحتها وجوّز بعضهم الأمرين، قال النووي: الفتح أفصح وأشهر، وحكى الأزهري عن ثعلب وغيره «الفرَق»: بالفتح، والمحدثون يسكّنونه، وكلام العرب بالفتح أهـ. (1/234)
صفحة 235
وَ قد حكى الإسكان أبو زيد وابن درير وغيرهما، وهما لغتان، وحكى ابن الأثير أنّ« الفرَق»: بالفتح ستّة عشر رطلا، وبالإسكان مائة وعشرون رطلا، قال ابن حجر: وهو غريب، وقال الربيع: «الفرق»: مكيال أهل الحجاز؛ وهو ستّة عشر رطلا، وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عيينة هو: ثلاثة أصوع، قال النّووي وكذا قال الجماهير، وقيل: «الفرق»: صاعان، وردّ بأنّه نقل الاتّفاق على أنّ الفرق ثلاثة أصوع، وعلى أنّ الفرق ستّة عشر رطلا، ولعلّه يريد اتّفاق أهل اللّغة، واغتساله صلّى الله عليه وسلّم من الفرق كان في بعض الأحيان أو في غالبها كما يُشعِر به قول عائشة «كان يغسل» فإنّ في هذه العبارة ما يُشعِر باستمرار ذلك، فيُحمل ما سواها على خلاف الغالب، وقد جاء عن سفينة قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يغتسل بالصاع ويتطهّر بالمدّ، وعن أنس قال: "كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضّأ بالمدّ" رواه أحمد والبخاري ومسلم، وفيه دلالة على أنّ الصاع ليس بحدّ للغسل لا يجتزى بما دونه، وأنّ المدّ ليس بحدّ في الوضوء لا يجتزى بما دونه،كما قيل بذلك، بل القدر المجزي من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعا أو أقلّ أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمّى مستعمله مغتسلا، وفي الزيادة إلى مقدار يدخل فاعله في حدّ الإسراف، وهكذا الوضوء فإنّ القدر المجزي منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدّاً أو أقلّ أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حدّ السرف أو النقصان إلى حدّ لا يحصل به الواجب، وجاء <1/199> أنّه صلّى الله عليه وسلّم توضّأ بنحو ثلثي مدٍّ، وجاء أيضاً أنّه توضّأ بنصف مدّ، وجاء أيضاً عن عائشة أنّها قالت: "اغتسلت أنا والنبي صلّى اله عليه وسلّم بصاع ونصف يقول: أبقي لي، وأقول: أبق لي"، فإنّه يقع لكلّ واحد من المغتسلين دون الصاع فيبطل التقدير، والأحاديث تدلّ على كراهة (1/235)
صفحة 236
الإسراف في الماء للغسل والوضوء واستحباب الاقتصار، وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ النهر، واختلفوا في صفة هذه الكراهية، فقيل: كراهية تحريم، وقيل: تنزيه.
ماجاء في نهي الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، والنهي عن الوضوء بفضل المرأة
قوله: «أن يغتسل في الماء الدائم»: وهو الراكد الذي لا يجري، وعند مسلم وابن ماجة من حديث أبي هريرة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا، وقد اختلفوا في حكمة النهي، فظاهركلام الإيضاح بل صريحه خوف التنجيس، وحُمِل النهي على ما دون القُلَّتين، وكلام غيره يدلّ أنّ الحكمة في ذلك خوف تقديره فقط، فإنّه إذا اغتسل فيه صار مستقذرا في الطباع وإن كان طاهرا، وكذا القول في التوضِّي فيه، واستُدِلّ به على أنّ الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلا للتطهير؛ لأنّ النهي هاهنا عن مجرّد الغسل، فدلّ على وقوع المفسدة بمجرّده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا المعنى لأنّ المقصود التنزّه عن التقرّب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء قد يُقذر الماء كما يُقذره الغسل. (1/236)
صفحة 237
قوله: «ونهى عن الوضوء بفضل المرأة وكذلك في الرجل»: وعند أبي داود والنسائي من حديث رجل صحب النبيء صلّى الله عليه وسلّم قال:<1/200> "نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعا"، وقد أخذ بظاهر النهي جماعة منهم سعيد بن المسيّب والحسن البصري فقالوا بالمنع، وهو أيضاً قول أحمد وإسحاق لكن قيّداه بما إذا خلت به، وروي عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع لكن مقيّداً بما إذا كانت المرأة حائضا، والمذهب الجواز، فيحمل النهي على التنزّه، وقد جاء عن ابن عبّاس "أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يغتسل بفضل ميمونة"، وعن ابن عبّاس أيضا عن ميمونة "أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توضّأ بفضل غسلها من الجنابة"، وعن ابن عبّاس أيضا قال: "اغتسل بعض أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم في جفنة وجاء النبيء صلّى الله عليه وسلّم ليتوضّأ منها أو يغتسل فقالت له: يا رسول الله إنّي كنت جنبا فقال: إنّ الماء لا يجنب"، فهذه الأحاديث دالّة على جواز الوضوء من فضل المرأة والإغتسال مثله، فيُحمَل النهي على الكراهة، وفعلُه صلّى الله عليه وسلّم على بيان الجواز، وهذا أولى ممّا قيل في الجمع بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملا، والجواز على ما بقي من الماء، ويمكن أن يُحمَل النهي على فضل الوضوء من الأجنبية والأجنبي دون الزوجين، وحكمة النهي حينئذ خوف إثارة الشهوة الطبيعية، وهذا معنى لم أظفر به عن أحد، وأرجو أن يكون صحيحا إن شاء الله.
ماجاء في نوم الجنب (1/237)
صفحة 238
قوله: «توضّأ واغسل ذكرك»: قال الربيع: قال أبو عبيدة: معنى توضّأ ليس بوضوء الصلاة، وهو غسل اليدين، ولعلّ أباعبيدة رحمه الله تعالى فهم ذلك من قوله عليه الصّلاة والسّلام:<1/201> «واغسل ذكرك» بعد قوله: «توضّأ» فإنّ المقدّم على غسل الذكر غسلُ اليدين لا الغسل المعهود شرعا فإنّه ينتقض بمسّ الذكر، وأيضاً فإماطة الأذى مقدّمة على فعله، فظهر أنّ المراد الوضوء لغة فهو نفس النظافة، واحتجّ بعضهم لذلك بأنّ ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القضية كان يتوضّأ وهو جنب ولا يغسل رجليه، ووافقنا أبو يوسف وتمسّك بما رواه أبو اسحاق عن الأسود عن عائشة "أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يجنب ثم ينام ولا يمسّ ماءً" رواه أبو داود، وذهب جمهور مخالفينا إلى أنّ المراد الوضوء الشرعي وأنّه مستحبّ، وذهب أهل الظاهر وطائفة من غيرهم إلى أنّه واجب، وهذا الوضوء عندهم لا ينقضه إلاّ الجماع خصوصية له خاصّة حتىّ ألغز فيه بعضهم فقال:
إذا سئلت وضوءًا ليس ينقضه ... ... إلاّ الجماع وضوء النوم للجنب
يعني: فقل: وضوء الجنب للنوم، ففي العبارة قلب، ثمّ اختلفوا في حكمة مشروعيته، فقيل: تخفيف الحدث فإنّه يرتفع عن تلك الأعضاء، وقيل: لأنّه إحدى الطهارتين، فإذا لم يفعل الكبرى فلا أقلّ من الصغرى وقيل: لأنّه ينشط على العود أو على الغسل، وقيل: لأنّ الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنّها تقرب من ذلك، وجميع ما قالوه من الحكم يصح أن يحصل بمطلق النظافة، ولا دليل على ارتباطه بالوضوء الشرعي فقط والله أعلم.
الباب الثالث والعشرون جامع النجاسات
من البول والمنيّ والمذيّ ودم الحيضة ودم الاستحاضة وولوغ الكلب وغير ذلك
ما جاء في أبوال الإبل والبهائم (1/238)
صفحة 239
قوله: «للعرنيين»: نسبة إلى عرينة بالعين والراء المهملتين مصغّراً حيّ من قضاعة وحيّ من بجيلة،<1/202> والمراد هنا الثاني، ورواد البخاري في الجهاد عن وهيب عن أيوب أنّ رهطا من عكل، وفي الزكاة من طريق شعبة عن قتادة أنّ ناسا من عرينة، وفي المغازي عن قتادة من عكل وعرينة بالواو العاطفة، وروى أبو عوانة والطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: كان أربعة من عرينة وثلاثة من عكل وهما قبيلتان متغايرتان، فعُكْل بضمّ العين وسكون الكاف قبيلة من عدنان، وعرينة من قطحان، والذي في البخاري في كتاب المغازي عن أنس أنّ ناساً من عُكل وعرينة قدموا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتكلّموا بالإسلام فقالوا: يا نبيّ الله إنّا كنّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتّى إذا كانوا ناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلّى الله عليه وسلّم، واستاقوا الذود، فبلغ النبي صلّى الله عليه وسلّم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسَمَروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتّى ماتوا على حالهم، وروى مسلم عن أنس أنّه قال: إنّما سمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعينهم لأنّهم سملوا أعين الرِّعاء.
وقوله: «من أبوال الإبل والبهائم»: كذا وقع في ما رأيناه من نسخ المسند بزيادة البهائم، ولا توجد هذه الزيادة عند قومنا، والمأمورون بشربه إنّما هو لبن الإبل وأبوالها خاصة،كما تقدّم في بيان السبب، وعليه فالمراد بالبهائم نفس الإبل، وعطفه عليه عطف عام على خاصّ فهما متغايران لفظاً متّحدان معنى، ويمكن أنّ أنساً جزم باتّحاد المعنى ونفي الفارق بين الإبل وغيرهما من بهيمة الأنعام، فذكر ذلك إشارة إلى اتّخاذ المعنى، فتكون الزيادة عند أنس كالتفسير لمعنى الإباحة، والله أعلم. (1/239)
صفحة 240
قوله: «مع الضرورة»: هذا الكلام من أنس يدلّ على أنّ الترخيص في شرب أبوالها إنمّا كان لأجل الضرورة فقط لا لطهارة أبوالها، بل هي نجسة عندنا وعند الشافعية والحنفية ونسبه في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في المحلّي عن جماعة من السلف، وقال قوم بطهارة بول ما يؤكل لحمه لهذا الحديث، وهو قول الأوزاعي والزهري ومالك وأحمد ومحمد وزفر ونسب إلى طائفة <1/203>من السلف، وبعض الشافعية قالوا: أمّا في غيرها ممّا يؤكل لحمه فبالقياس، وأجيب بأنّها حالة ضرورة، وما أبيح للضرورة لا يسمّى حراما، فلا يدلّ على إباحته في غيرها لقوله تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ, إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمُ إِلَيْهِ}[الأنعام:119]، وقد بسطنا القول في المسألة في الجزء الثاني من المعارج.
ما جاء في نجاسة دم الحيض وتطهير الثوب منه
قوله: «عن جابر بن زيد قال»: وقع في سند هذا الحديث سقط وزيادة أدخلها بعض النساخ في تفسير عرينة المذكور في الحديث قبله، وذهب بذلك رونق السند وسقط اسم الراوي، والحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم من أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما.
قوله: «جاءت امرأة...» إلى قولها: «فسألته عن امرأة»: يحتمل أنّ الجائية إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هي أسماء نفسها كما صرّحت به رواية للشافعي وضعّفها النووي، ورد بأنّها صحيحة الإسناد وأنّه لا بُعْدَ في أن يُبْهِم الراوي اسم نفسه، ويحتمل أنّها أمّ قيس بنت محصن كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان.
قوله: «من دم الحيضة»: بفتح الحاء، أي: الحيض.
قوله: «كيف تصنع»: أي: إذا أرادت غسله.
قوله: «ثوب إحداكنّ»: إنمّا عُمِّم إشارة إلى أنّ الحكم لا يختصّ بالسائل، فحكمه صلّى الله عليه وسلّم على الواحد حكمه على الجميع، وفيه إيماء إلى أنّ عموم اللفظ لا يُخَصّ بسببه. (1/240)
صفحة 241
قوله: «فلتعركه»: أي: تدلّكه، قال المحشي: والظاهر أنّ المراد به الغسل بالماء أوّلا حتّى يزول أثر الدم، ثمّ تنضحه بالماء، أي: ترشّه به، وإلى ما قاله رحمه الله تعالى يشير كلام الإيضاح، قال صاحب<1/204> الإيضاح:كذلك كلّ نجس يصعب غسله وهو رطب مثل النطفة والقيء والغائط فإنّه لا يغسل من الثوب حتى ييبس ويقشر؛ لأنّ ذلك أسهل لإزالة عينه، غير أنّ الدم غسله وهو رطب أسهل منه وهو يابس، قال: وهذا في الثياب، وأمّا في الأبدان فلا، وجاء عند قومنا في لفظ الحديث فقال: "تَحُتُّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثمّ تصلّي فيه"، و"تَحُتُّه" بفتح الفوقانيّة وضمّ المهملة وتشديد المثنّاة الفوقانية، أي: تحكمه، و"تَقْرُصُه" بفتح أوّله وإسكان القاف وضمّ الراء والصاد المهملتين، أي: تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلّل بذلك ويخرج ما يشربه الثوب منه، وورد في رواية عندهم ذكر الغسل مكان القرص، روى محمد بن إسحاق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت: "سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال: اغسليه".
قوله: «ثمّ تصلّي»: أي: كما صرّح بذلك في الرواية عند قومنا.
ما جاء في نجاسة المنيّ والمذيّ والودي ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغسل الثوب من ذلك (1/241)
صفحة 242
قوله: «المنيّ والمذيّ والودي ودم الحيضة ودم النفاس نجس»، وقوله: «دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء»، وقوله في حديث عائشة "كنت أغسل ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المنيّ ثمّ يخرج إلى الصلاة والماء يقطر منه، في هذه الأحاديث التصريح بنجاسة هذه الأشياء، وهي ستّة: ثلاثة في الرجال وهي المنيّ والمذيّ والودي، وثلاثة عند النساء وهي دم الحيض ودم النفاس ودم الاستحاضة، وجاء عن عمّار مرفوعاً "إنّما تغسل الثوب من الغائط والبول والمذيّ والمنيّ والدم والقيء" أخرجه البزار وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة، وقد اختلف الناس بعد هذا في نجاسة المنيّ، فذهب أصحابنا والعترة وأبو<1/205> حنيفة ومالك إلى نجاسته، إلاّ أنّ أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابساً، وهو رواية عن أحمد، وقلنا نحن والعترة ومالك: لابدّ من غسله رطبا ويابسا، وقال الليث: هو نجس لا تعاد منه الصلاة، وهذا مخالف للمعهود من أمر النجاسة، وأعجب منه قول الحسن بن صالح: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرا، وتعاد منه إن كان في الجسد وإن قلَّ، وأيّ فرق بين كونه في الثوب أو الجسد، وقال الشافعي وداود وهو أصحّ الروايتين عن أحمد بطهارته، وهذا كما ترى مصادم للنص الذي رواه ابن عباس عند المصنّف رحمه الله تعالى فإنّ فيه التصريح بالنجاسة ثمّ النّهي عن الصلاة بثوب وقع فيه شيء من ذلك حتى يغسل ويزول أثره، وهذه لعمري من أشدّ المبالغة في تنجيسه، وقد رووا أحاديث عن عائشة فيها فرك المنيّ فقط، واستدلّوا بها على طهارته، ولم يثبت شيء منها عند الأصحاب فالله أعلم بصحّتها، وأحاديث الربيع تخالفها وهي أصحّ شيء بعد كتاب الله تعالى، ولسنا نطيل بذكر ما رووه، و«الوديّ»: ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول يخفّف ويثقل، قال الأزهري: قال: الأموي الوديّ والوذيّ والمنيّ (1/242)
صفحة 243
مشدّدات وغيره يخفِّف، وقال أبو عبيدة: المنيّ مشدّد والآخران مخفّفان وهذا أشهر، يقال: وَدِيَ الرجل يدي وأودى بالألف لغة قليلة، إذا خرج وديّه، ومنعه ابن قتيبة الرباعي.
و«دم الحيض»: دم طبيعي يخرج من موضع الولد والجماع، يرفع وجودُه وجوبَ الصلاة، ويوجب الفطر ويمنع الجماع.
و«دم النفاس»: هو الدم الخارج مع الولد.
و«دم الاستحاضة»: دم غالب ليس بطبيعي وإنمّا هو آفة كما أشار إليه صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «لأنّه دم عرق»: فهي عروق تنفجر من نواحي الفرج، فحكمه حكم سائر الدماء فلا يرتفع معه وجوب الصلاة، ولا يجوز الفطُر ولا يحرم الجماع.
قوله: « حتى يغسل»: هذا أيضا تصريح بردّ ما رواه المخالفون أنّ المني يُفرك إن كان يابسا أو يماط بشيء إن كان رطباً، قال ابن حزم: وروينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأنس وسعيد بن المسيّب، قلت: وسيأتي عند المصنّف عن عائشة أمّ المؤمنين أنّها قالت: "كنت أغسل ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المنيّ ثم يخرج إلى الصلاة<1/206> والماء يقطر منه. (1/243)
صفحة 244
قوله: «ويزول أثره»: وفي نسخة «ويزول عنه أثره»: والمراد بالأثر بقيّة النجس لا لون الموضع لثبوت العفو عمّا لا تمكن إزالته من ذلك، ففي حديث خولة بنت يسار قالت: "يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره"، وعن معاذة قالت سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبَها الدمُ فقالت: تغسله فإن لم يذهب أثره فلتغيّره بشيء من صفرة، ومثل ذلك تغييره بما يخالف لونه، والحكمة في ذلك رفع الظنون عنه فإنّه ربّما يساء به الظن فينسب إلى التقصير في غسله، ولوجوب المبالغة في إزالته حسب الإمكان أوجب بعض قومنا استعمال الحاد المعتاد، واستدلّوا بحديث أمّ قيس بنت محصن مرفوعاً بلفظ "حُكِّيه بضلع واغسليه بماء وسدر، قال ابن القطّان: إسناده في غاية الصحة، واعترض بأنّه لا يفيد المطلوب لأنّ الحكّ إنّما هو الفرك بالأصابع والنزاع في غيره، وردّ بأنّ آخر الحديث وهو قوله: "واغسليه بماء وسدر" يدلّ على وجوب استعمال الحاد، وكذلك قوله في حديث عائشة المذكور: "فلتغيره بشيء من صفرة"، وأجيب بأنّ التغيير ليس بإزالة، وردّ بأنّ مجرّد استعمال الصفرة يفيد المطلوب كاستعمال السدر، ولعل التغيير عند هؤلاء لخصوصية، وهي أنّ جنس الصفرة يأكل جنس النجاسة لغلبته عليه كأكل التراب للحديد، فإن صحّ هذا المعنى فالتغيير نوع من المبالغة في التطهير لا لدفع إساءة الظن فقط، وقيل: يكون استعمال الحوادّ مندوبا جمعاً بين الأدلّة، والمذهب وجوب الإزالة والإحتيال في النقاء حسب الإمكان، والعفو عن الأثر الذي تعسر إزالته وهو المعروف عندهم بالزوك، والله أعلم. (1/244)
صفحة 245
قوله: «لأنّه دم عرق»: قضيّته أنّ كلّ دم عرق نجس، وأنّ نجس ناقض للوضوء لقوله: «ينقض الوضوء»: ومعنى كونه ناقضاً للوضوء أي: يجب على المستحاضة أن تعيد وضوءها منه به، ويستدلّ به على أنّها تتوضّأ عند كلّ صلاة ولو جمعت بين الصلاتين، وحُكِيَ القول بوضوئها لكلّ صلاة عن عروة بن الزبير وسفيان الثوري وأحمد والشافعي وأبي ثور، وقال قوم:<1/207> طهارتها مقدّرة بالوقت فلها أن تجمع بين فريضتين وما شاءت من النوافل بوضوء واحد، وهو المناسب لمذهب الأصحاب، وحكي هذا عن العترة وأبي حنيفة ووجهه أن تجعل الصلاتين أو الصلوات في مقام واحد منزلة صلاة واحدة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة بنت أبي حبيش: "ثم صلّي وإن قطر الدم على الحصير"، وهذا العفو الوارد في الصلاة الواحدة يجب أن يكون ثابتا في الصلاتين أو الصلوات في المقام الواحد؛ لأنّ العفو إنّما كان لدفع المشقّة وهي حاصلة في تكرّر الوضوء في المقام الواحد، فيحمل حديث الباب وهو قوله: «ينقض الوضوء» على حدوثه بعد الفراغ من الصلاة أو يقال: إنّه ناقض لا محالة، لكن ثبت العفو للضرورة وأبيح لها الصلاة مع ذلك، فلا تنافي بين الأدلّة، وهذا الوجه أولى من الأوّل، والله أعلم.
ما جاء في تطهير ذيل المرأة
قوله: «أنّي امرأة»: هذه المرأة أمّ ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كما صرّح بها في رواية أبي داود.
قوله: «أطيل ذيلي»: المراد بالذيل ساتر من الثياب عرضه من شبر إلى ذراع تخيطه المرأة على طرف ثوبها من خلفها من أسفل تجرّه وراءها وتستر به قدميها أو خفّيها، كذا سمع المحشي، ثمّ قال: ويحتمل أنّ المراد بالذيل طرف ثوبها الذي لبسته ترخيه وتجرّه وراءها ليسترها، قال: وهو المتبادر، قال: ثمّ رأيت أنّ الذيل ما أسبل من طرف ثوب أو غيره ويفعلن ذلك لستر أقدامهن. (1/245)
صفحة 246
قوله: «في المكان القذر»: أي: الموضع الذي تستقذره النفوس لظهور آثار النجاسة عليه، ولم ترد النجاسة التي تتمكّن من الثوب وإنّما أرادت ما يتعلّق بالذيل من ندوة الأرض أو ما يبس من الأرواث، أمّا النجس المحقّق فإنّهم قد علموا حكمه فهم يتحرّزون عنه كلّ التحرّز ويتجنّبونه كلّ التجنب، فكيف تمرّ عليه بأذيالها،<1/208> لكنّ المرأة لعلمها بأحكام النجاسة سألت عمّا لا يمكنها التحرّز عنه.
قوله: «يطهّره ما بعده»: يعني ما يمرّ عليه الذيل من الطهارة بعد القذر، وذلك لماّ أُمرت المرأة بإطالة الذيل جعل الشارع ما بعده مطهّراً لئلاّ يشقّ عليها التطهير بالماء ولا يمكنها التحرّز عنه مع امتثال الأمر في إطالة الذيل للستر، فناسب أن يخفّف عنها فجعل تطهيره ما بعده من الطاهر حكمة بالغة والدين يسر، وهذا يقتضي خصوصية الذيل بهذا الحكم، فلا يتمّ الاستدلال بالحديث على صحّة تطهير الثوب من النجاسة بغير الماء، أمّا أولا فلِما ذكرنا من معنى الخصوصية، وأمّا ثانيا فلأنّ النجاسة في الذيل لم تتحقّق بل مشكوك فيها وأصل الثوب طاهر، فلا يساويه في المعنى ما تحققت نجاسته، فإن قيل: يؤخذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يطهّره ما بعده» أنّ ما بعده مطهّر لما تنجّس منه لو تحقّقنا النجاسة مثلا، وإلاّ فلا معنى للتطهير، فالجواب إنّ تطهير كل شيء بحسبه، فهذا تطهير خاص بهذا الحال الذي لم تتحقّق فيه النجاسة، فلا يصحّ أن يجعل لغيره الذي لا يساويه في المعنى ولا في الحكمة، ومن المعلوم أنّ التخفيف عند الشكّ في التنجّس لا يصحّ أن يكون عند تيقّن النجاسة لاختلاف المعنيين، والله أعلم.
ما جاء في الصلاة بالثوب الرطب (1/246)
صفحة 247
قوله:«كنت أغسل»: تقدّم شرحه وأنّه دليل على نجاسة المني قوله:«والماء يقطر منه»: أي لقرب العهد بالغسل، وفيه دلالة على جواز الصلاة بالثوب الرطب، إن كان المغسول جميع الثوب فالاستدلال ظاهر وإن كان موضع المني فقط كما يتبادر من الحال، وإن كان اللفظ يدلّ على الأوّل فحكم الكلّ حكم البعض، وإنّما كره بعضهم الصلاة في الثوب الرطب لئلاّ يلتصق الثوب بالجسد فتبدو صورة العورة، وهذا إنّما يتّفق غالبا حيث باشر الرطب الجسد، فإن فصل بينهما إزار زال المحذور، والله أعلم.
ما جاء في تطهير بول الصبي
قوله:«إنّ أمّ قيس بنت محصن»: بن حرثان الأسدية أخت عكاشة بن محصن أسلمت بمكّة قديماً وبايعت النبي صلّى الله عليه وسلّم وهاجرت إلى المدينة، روى عنها من الصحابة وابصة بن معبد، وروى عنها عبيد الله بن عبد الله ورافع مولى حمنة بنت شجاع، وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أمّ قيس بنت محصن أنّها قالت: "دخلت بابن لي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يأكل الطعام فبال عليه، فدعا بماء فرشّه عليه".
قوله:«أتت بابن لها صغير»: أي ليحنِّكه كما في حديث عائشة قالت: "أُِتَي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصبي يحنِّكه فبال عليه فأتبعه الماء" رواه البخاري، ولمسلم "كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنّكهم فأوتي بصبيّ فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله".
قوله:«لم يأكل الطعام»: المراد بالطعام ماعدا اللبن الذي يرضعه والتمر الذي يحنّك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغير ذلك، وقيل: المراد بالطعام ماعدا اللبن فقط، وقيل: معنى «لم يأكل»: أي: لم يستقلّ بجعل الطعام في فيه.
قوله:«في حجره»: بفتح المهملة وقد تكسر، حضنه: وهو ما دون إبطه إلى الكشح، ويستعمل بمعنى الكنف والحماية، يقال: رُبِّيَ في حجره، أي: في كنفه وحمايته. (1/247)
صفحة 248
قوله:«فبال على ثوبه»: يعني ثوب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأغرب ابن شعبان من المالكية فقال: المراد به ثوب الصبي.
قوله:«فنضحه»: وفي رواية صحيحة عند قومنا "فرشّه"، وجمع بين الروايتين بأنّ المراد أنّ الابتداء كان بالرشّ وهو تنفيض الماء، فانتهى إلى النضح وهو صبّ الماء، وقيل: معنى النضح والرشّ واحد، وعلى هذا فلا يحتاج إلى الجمع إذ لا تخالف بين اللفظتين.
قوله:«نضحاً»: مصدر إمّا مؤكّد لفعله وفائدته دفع توهُّم الغسل كما يدلّ عليه قوله: «ولم يغسله» وإمّا مبيِّن لنوعه،<1/210> وعليه فلا بدّ من تقدير وصف يدلّ عليه المقام، وذلك أن تقول نضحاً خفيفاً لما جاء في الرواية الأخرى من التعبير عنه بالرش. (1/248)
صفحة 249
قوله:«ولم يغسله»: هذا تصريح بالفرق بين الغسل والنضح، فيستفاد منه اشتراط العرك في الغسل دون النضح وهو ظاهر في غسل الأنجاس، وأمّا غسل التعبد كغسل الجسد من الجنابة فقيل: لا يشترط فيه العرك، وقيل: يشترط، وقد تقدّم بيانه، ثم اختلف الفقهاء في النضح؛ فقيل: مقصور على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام فلا يتعدّى عندهم محلّ النص، وقيل: النضح يجزي في طهارة جميع الأبوال وما كان في معناها مثل: الماء المتنجّس، واشترطوا مادامت رطبة، وفرّق قوم بين بول الغلام والجارية فقالوا: يُنضح بول الغلام ويغسل بول الجارية، وقيل: الغسل طهارة ما تيقّنَت نجاسته، والنضح طهارة ما كان مشكوكاً في نجاسته، وفي الفرق بين بول الغلام والجارية جاءت أحاديث منها: عن علي بن أبي طالب أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "بول الغلام الرضيع يُنضح وبول الجارية يُغسل"، قال قتادة: وهذا ما لم يطعما؛ فإذا طعما غسلا جميعاً، رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن، وعن أبي السمح خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "يُغسل من بول الجارية ويُرشّ من بول الغلام" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، وفي الباب أيضا عن أمّ كرز الخزاعية وأمّ الفضل لبابة بنت الحارث وإذا ثبتت التفرقة بين بول الغلام والجارية بما ذكرنا فسد قياس سائر الأبوال على بول الغلام؛ لأنّ الجارية أقرب شبها بالغلام.
ما جاء في غسل الإناء من ولوغ الكلب (1/249)
صفحة 250
قوله:«إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم»: ذكر المصنّف رحمه الله تعالى تطهير الإناء من ولوغ الكلب من ثلاث طرق؛ الأولى بلاغا عن أبي هريرة، وفي الثانية إرسال، والطريق <1/211>الثالث متّصل عن جابر عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، والمتّصل منها لم يذكر فيه الإراقة ولا التتريب، وذكر في المرسل الإراقة دون التتريب، وذكرهما معا في الطريق الأول، ومعنى قوله: «ولغ»: أي: شرب بطرف لسانه فحرّكه، قال ثعلب: هو أن يُدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحرّكه، زاد ابن درستويه شرب أو لم يشرب، قال مكّي: فإن كان غير مائع يقال لعقه.
قوله:«في إناء أحدكم»: ظاهره العموم في الآنية فيدخل آنية الخزف والنحاس ونحوها من كل منشّف وغير منشّف إن قلنا: إنّ الغسل تعبّد، ويخرج غير المنشّف من نحو النحاس بالقياس إن قلنا: إنّ التطهير للتنجّس، وهو الذي يقتضيه كلام جابر وضمام رحمهما الله تعالى وعلى هذا فلا فرق بين الإناء وغيره؛ فإنّ العلة النجاسة، فإذا ولغ في شيء نجّسه كان في إناء أو غيره وهو المذهب، وقال العراقي: ذكر الإناء خرج مخرج الأغلب لا للتقييد.
قوله:«فليهرقه»: وعند مسلم والنسائي "فليرقه" وهما بمعنى واحد، لكن قال النسائي: لم يذكر فليرقه غير علي بن مسهر، وقال ابن مندة تفرّد بذكر الإراقة فيه عليّ بن مسهر، ولا يعرف عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بوجه من الوجوه. وقال ابن حجر: ورد الأمر بالإراقة عند مسلم من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة وقد حسّن الدارقطني حديث الإراقة، أخرجه ابن حبّان في صحيحه ورواه مسلم بزيادة "أولاهن بالتراب". (1/250)
صفحة 251
قوله:«وليغسله سبع مرّات»: ظاهر الأمر يقتضي وجوب الغسل سبع مرّات، وقد اختلف الناس في ذلك؛ فقال قوم بظاهر الحديث، وإليه ذهب ابن عبّاس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو بن دينار والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود، وذهب آخرون منهم جابر بن زيد وضمام بن السائب والعترة والحنفية إلى أنّ السبع غير واجبة، بل قال جابر وضمّام: في الثلاث كفاية، وإشارتهم تدلّ أنّ الأمر بالسبع للندب وأنّه لا فرق بين ولوغ الكلب وسائر النجاسات بل العذرة أشدّ نجاسة من سؤر الكلب، ولم يتقيّد بالسبع؛ فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى. (1/251)
صفحة 252
ورد بأنّه لا يلزم <1/212>من كونها أشدّ في الاستقذار أنّ لا يكون الولوغ أشدّ منها في تغليظ الحكم وبأنّه قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار، وفيه أنّ القياس مبيِّن للمراد من النص لا معارض حتى يفسد اعتباره، وأيضاً فقد جاء من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة راوي الحديث أنّه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرّات، ورد بأنّه ثبت عنه أيضا أنّه أفتى بالغسل سبعاً، وهذا رجح من حيث الإسناد ومن حيث النظر، أمّا من حيث الإسناد فلأنّها وردت من رواية حمّاد بن زيد عن أيّوب عن ابن سيرين عنه قالوا: وهذا من أصحّ الأسانيد وسند الأولى دون هذا السند في القوة بكثير، وأمّا من حيث النظر فظاهر، وأيضا قد روى التسبيعَ غيرُ أبي هريرة فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره والجواب أنّ صحّة الفتيا الموافقة لا تمنع وقوع الفتوى المخالفة لاحتمال صدور الكلّ، وأنّه قد أفتى مرّة بالسبع تمسّكا بظاهر الحديث ومرة بالثلاث أخذا بما فهمه من معنى الحديث، فلم يقع تعارض بين الإفتاءين حتى يلتمس الترجيح، بل الغرض من ذكر إفتائه بالثلاث بيان المراد من الحديث، وأنّ السبع ليست بواجبة بل مندوبة فقط، وهذه مناظرة صوّرت بين أبي حنيفة والشافعي في معارضة فتيا أبي هريرة لروايته، قال أبو حنيفة: أقبل فتياه وأجعله دليلا على حفظ نسخ الخبر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنّه لا يكون يفتي بغير ما حفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال الشافعي: أقبل خبره في غسل الإناء ولا أقبل فتياه لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر؛ لأنّا قد تُعُبِّدنا بتصديق الراوي إذا كان عدلا ولم نُتعَبّدَ أن ننسخ السنن المروية بقول من يجوز عليه الغلط وتعمّد <1/213>الكذب، وهي مناظرة صحيحة فلا معنى لتعجّب صاحب الضياء منها، والحمد لله على الهدي، والعلم عند الله تعالى. (1/252)
صفحة 253
قوله:«أولاهنّ وأخراهن بالتراب»: وفي لفظ الترمذي والبزّار "أولاهن أو أخراهن" بزيادة الألف قبل الواو، وكذلك أيضا في رواية صحيحة للشافعي، وعند القاسم بن سلام "أولاهنّ أو إحداهنّ"، وعند أحمد ومسلم "أولاهنّ بالتراب"، ولابن داود "السابعة بالتراب"، وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الجماعة إلاّ الترمذي والبخاري "واعفروا الثامنة بالتراب"، فهذه الروايات عند قومنا مضطربة في بيان المتربة من الغسلات، ورواية الربيع مصرّحة محكمة فيها زيادة بيان وهي قاضية بأنّ المترب غسلتان الأولى والسابعة وفي هذا التغليظ ما يشعر بتخصيص الولوغ بهذه الطهارة دون غيره من الأنجاس وإذا حدّد الشّارع حدّاً لشيء فلا ينبغي الاقتصار دونه وإن فهموا المراد من المعنى لأنه صلّى الله عليه وسلّم قد أوتي شيئاً فوق الفهم، لكن اختلف الناس في التتريب فأوجبه كلُّ من أوجب التسبيع إلا المالكية فإنهم أوجبوا التسبيع دون التتريب، ولم تقل العَتَرة والحنفية بوجوب التتريب ولا التسبيع، وعدم القول بوجوب التتريب لازِمُ مذهب جابر وضمّام رحمهما الله تعالى، قالت المالكية:لم يقع التتريب في رواية مالك، وردّ عليهم القرافي رجل منهم بأنّ الأحاديث فيه قد صحّت؛ فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها؟! والله أعلم.
الباب الرابع والعشرون في أحكام المياه
قوله « في أحكام المياه»: يعني في بيان الطاهر منها والمتنجّس
ما جاء في حكم الماء المطلق (1/253)
صفحة 254
قوله «الماء طهور»: (بفتح الطاء فعول”:، من التطهير وهو ما كان مطهِّراً لغيره، ولا يكون مطهّراً لغيره حتى يكون طاهراً في نفسه، قال المحشّي: ولفظ الحديث في السؤالات، "خَلَق الله<1/214>الماء طهوراً ... إلخ" وفي هذه الزيادة إشارة إلى أنّ حكم الأشياء على أصلها الذي خلقها الله عليه، فلا تنتقل عنه إلاّ بدليل، وسبب الحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي، وحسّنه عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل يا رسول الله: أتتوضأ من بير بضاعة وهي بير يلقي فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "الماء طهور لا ينجّسه شيء". قال أحمد بن حنبل: حديث بير بضاعة صحيح.
قوله: «لا ينجسه»: أي: لا يزيل طاهريّته شيء من الأنجاس، لأنّه طهور يزيل النجس، فكيف ينجسه شيء. (1/254)
صفحة 255
قوله: « إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته»: والمراد بتغيير لونه غلبة لون النجس عليه، وكذا القول في الطّعم والريح؛ لأنّ حصول التغيّر بشيء منها دليل على ظهور النجس على الماء، فلا تقوى طهوريّة الماء، على مقاومة النجس، فيستحيل إلى حكمه، وزيادة هذا الإستثناء عند الربيع رحمه الله تعالى من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما صحيحة كما ترى، ورواها الدارقطني من حديث ثوبان، ولفظه: "الماء طهور لا ينجسه شيء، إلاّ ما غلب على ريحه أو طعمه" وفي إسناده رشدين بن سعد، وهو متروك، وعن أبي أمامة مثله، عند ابن ماجه والطبراني، وفيه أيضاً رشدين، ورواه البهيقي بلفظ: "أنّ الماء طهور إلاّ أن تغيّر ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدُث فيه"، من طريق عطيّة ابن بقيّة عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة، وبالجملة فقد وقع الإجماع على أنّ الماء إذا تغيّر أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن الطهوريّة، فهو إجماع على معنى الحديث يقضي بصحّته، وإنْ ضُعِّف بعض روّاته، كيف وهو قد ثبت عند الربيع بالسند العالي، فالطّعن في بعض روّاته عند قومنا لا يَقْدح في طريقه الصحيح عندنا والله أعلم.
ما جاء في تقدير الكثير بالقلّتين
<1/215>قوله: « قدر قلتين»: أي: مقدارهما، وقد اختلف الناس في تعيين هذا القدر اختلافاً كثيراً، استَقْصينا ذِكْره في الأول من المعارج، وقيل: القلّة قربتان ونصف، وقيل: خمس مائة رطل، قال المحشّي، الذي عليه أكثر أصحابنا: إنّ القلّة هي الجرّة التي يحملها الخادم في العادة الجارية في استخدام العبيد، والله أعلم.
قوله: «لم يحتمل خبثاً»: وفي نسخة نجساً، والمعنى واحد، قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي رواية أخرى "قدّر قُلّتين ماء لا ينجسه شيء". (1/255)
صفحة 256
وأراد بقوله: «وفي رواية أخرى»: أي: عند أبي عبيدة بهذا السند والعلم عند الله تعالى، ويُفهم من الروايتين أنّ ما دون القلّتين مخالف لما فوقهما في هذا الحكم، فيحتمِل الخبَث، ويتنجّس بملاقاة النجس، فيكون هذا المفهوم مخصِّصاً لعموم الحديث الأوّل، فينجُس القليل من الماء بملاقاة النجاسة وإنْ لم يتغيّر شيء من أوصافه، وهو قول جمهور أصحابنا، ونُسب إلى ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل وإسحاق وبعض أهل البيت، وقيل: لا ينجُس الماء بما لاقاه ولو كان قليلا إلاّ إذا تغيّر، وقد ذهب إلى ذلك بن عباس وأبي هريرة وجابر ابن زيد والحسن البصري وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وهاشم بن عبد الله الخراساني، ونُسب إلى سعيد بن المسيّب وعكرمة وابن أبي ليلى والثوري وداود الظاهريّ والنخعي ومالك والغزالي، ومنشأ الخلاف تعارُض العموم والمفهوم، فحديث لا ينجّسه شيء يدلّ بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة بمجرّد ملاقاة النجاسة، وحديث القلّتين يدلّ بمفهومه على خروجه عن الطّهوريّة بملاقاتها، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم، قال به في هذا الموضع، ومَن مَنَع مِنْه مَنَعه هاهنا أيضاً، ويؤيّد الأخذ بالمفهوم في هذا الموضع قوله تعالى: {وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ}[المدثر:5]، وخبر الاستيقاظ، وخبر الولوغ، وحديث: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم"، وقد بسّطنا أدلّة القولين في معارج الآمال فراجِعْه، ثم أنّ نفس التقدير بالقلتين لا تقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنّه يَضعُف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلّتين معنًى، فإنّ ما دونهما أَوْلى بذلك، والحديث يدلّ على قدر القلّتين لا ينجُس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأَوْلَى، ولكنّه مخصّص <1/216>أو مقيّد بحديث: "إلاّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه"، فكل واحد من الحديثين مخصّص للآخر من جهة والله أعلم.
ما جاء في سؤر السباع (1/256)
صفحة 257
قوله: « عن السباع»: جمع سبع (بضمّ الباء وإسكانه لغة)، حكاها الأخفش وغيره، وهو يقع على كل ما له ناب يعدو به فيفترس، كالذئب والفهد والنمر، وأما الثعلب فليس بسَبُع وإن كان له ناب، لأنه لا يعدو به ولا يفترس، وكذلك الضّبُع، قاله الأزهري، وهو موافق لقول مَن استثنى الثعلب والضبع من حكم السباع، وهو قول لبعض أصحابنا.
قوله: « ترد الحياض»: جمع حوض وأصل حياض الواو ولكن قلبت ياءً، للكسرة قبلها، ويُجمع أيضاً على أحواض مثل: ثوب وأثواب وثياب، وهو: موضع يُجمع فيه الماء حول المورِد؛ لتشرب منه الإبل ونحوها، فإذا سار عنها الناس، وَرَدَتها السباع وشربَت منها، فسألوا عن حكمها. (1/257)
صفحة 258
قوله: « لها ما وَلغَت في بطونها»: أي: لها ما شرِبَته وصار في بطونها، ولكم ما غَبَر (بمعجمة ثم موحّدة)، أي: ما بقِي في الحياض، يعني أنّه لابأس به، فاشربوا واستعمِلوا، وهذا الحكم مُطلق في ماء الفَلاة، لأنّ وَرْد السباع غير مُتحقَّق بل مظنون فقط، وحُكم الماء الطهارة فلا ينجُس بالشكّ، وإن تغيَّر بعض أوصافه بالنجس تنجّس، لحديث ابن عباس المتقدّم أول الباب، ويدلّ على ما ذكرْتُ، ما أخرجه الدارقطني وغيره، عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بعض أسفاره فسار ليْلاً فمَرّوا على رجل جالس عند مِقْرَاة له، وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء، فقال عمر: أوْلَغت السباع عليك الليلة في مِقْراتك فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: "يا صاحب المِقْراة لا تُخبره، هذا مُتكلَّف، لها ما حملت في بطونها ولكم ما بَقِي شراب وطهور" <1/217>ففي هذا الحديث إشارة إلى أنّ العفو عنها إنما كان لعدم العلم بنجاستها؛ دفعاً للمشقّة، وبذلك سَقَط استدلال بعضهم بحديث الباب على طهارة سؤر السباع، وقيّده بعضهم بما فوق القلّتين لحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يُسأَل عن الماء يكون بالفَلاَة من الأرض وما يَنُوبه من السباع والدوابّ فقال: "إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث"، قال المحشّي: ويرشد إلى هذا القيد أيضاً لفظ الحياض، ومعناه: أنّها تَجْمَع من الماء فوق القلتين والله أعلم. قلت: الحديث قد تكُلِّم في معناه، وقَدْر القلّتين غير مُنضبط، ولفظ الحِياض غير مُعتبَر في معنى الجواب والله أعلم.
ما جاء في سؤر الهرّة (1/258)
صفحة 259
قوله: «عن كبيشة بن كعب بن مالك»: كذا وقع عند المصنّف بصيغة التصغير، وعند غيره كبشة غير مُصغَّر، قال في أُسد الغابة: كبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية السّلميّة، امرأة أبي قتادة الأنصاري، قال جعفر: لها صحبة ولم يُورد لها شيئاً، وقال غيره تَروي عن أبي قتادة في سؤر الهرّ وأبوها كعب بن مالك بن أبي كعب، واسم أبي كعب عمرو بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي الأنصاري الخزرجي السّلمي، شَهِد العقبة في قول الجميع، واختُلِف في شهوده بدرا والصحيح أنّه لم يشْهدْها، ولم يتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاّ في غزوة بدر وتبوك، أمّا بدر فلم يعاتِب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها أحداً تخَلّف، وأما تَبُوك فتخلَّف عنها لشدّة الحرِّ، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وهم: كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة وهلال بن أميّة، فأنزَل الله عزّ وجلّ فيهم {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىآ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}[التوبة:118]الآيات، فتاب عليهم والقصة مشهورة.
<1/218>قوله: «وكانت تحت أبي قتادة الأنصاري»: اسمه الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الخزرجي السّلمي، فارِس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: اسمه النعمان قاله: الكلبي وابن اسحاق وأمّه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، اختُلِف في شهوده بدراً فقال بعضهم: كان بدرياً وشَهِد أُحداً، وما بعدها من المشاهد كلّها، وتُوفي سنة أربع وخمسين بالمدينة، في قول، وقيل: تُوفي بالكوفة في خلافة عليّ، وصلّى عليه عليّ، فكبّر سبعاً، ورَوَى الشّعبي: أنّ عليّاً كبَّر عليه ستّاً، وقيل: تُوفي سنة أربعين.
قوله: «سكبت»: أي: صبَّت يكون متعدياً ولازما. (1/259)
صفحة 260
ً قوله: «وَضوءاً»: (بفتح الواو)، هو الماء الذي يُتَوضّأ به، والحديث يدلّ على أنّ خدمة النساء لأزواجهنّ كانت في قديم الزمان، وهو معروف من أحوال الصحابة، وهو عندي من حقّ الزوج عليها.
قوله: «فجاءت هِرْة»: (بكسر الهاء وسكون الراء)، وهي الأنثى من السنانير وجمعها هِرَر كسِدْرة وسِدَر، وتصغيرها هريرة، وبها كُنِّي أبو هريرة.
قوله: « تشرب منه»: أي: تريد ذلك، والجملة في موضع حال.
قوله: «فأصغى»: أي أَمال لها الإناء حتى شَرِبتْ، أي: بقِيَ مصْغياً له، حتى فَرِغَت من شُربها.
قوله: «فرآني أنظر إليه»: أي: مُتعجّبة من صنيعه، ولهذا قال لها: «أَتعجبين ممّا رأيتِ»، وفيه دليل على اعتبار الإشارة، وإن خفِيَت كالنّظر، وشواهد الأحوال أفصح من شواهد المقال، وتعجُّبها إنما كان لجهلها بالحكم في القضيّة، فَلِذا ذَكَر لها الحديث.
قوله: «ليست بالنجسة»: وفي رواية قومنا: ليست بنَجَس بلا هاء.
قوله: « إنما هي»: وفي بعض النّسَخ: "إنّها من الطّوّافين" وهي عندي أصحّ. (1/260)
صفحة 261
قوله: «من الطوافين»: جمع طائف، والطّوّافات جمع طائفة، والمراد بالكلّ الخدم من الذكور والإناث، وُصِفوا بذلك لكثرة مُخالطتهم للخدمة، وشُبِّهت الهرّة بهم لكثرة مخالطتها<1/219>لأهل البيت، وفي ذِكْر هذا الوصف إيماء بأنّ سبَب الحكم بطهارتها كثرة مخالطتها، حتى لا يمكن التحرّز منها غالبا، والحديث صريح في طهارة سؤرها، وبه قال بعض أصحابنا، وكان ينبغي أن يتّفقوا عليه لاعترافهم بصحّة روايات الربيع، وبه قال الشافعي أيضاً، وقال البعض: بنجاسة سؤرها لأنّها سَبُع تفترس الفأر، قلنا: قياس مع نص فهو فاسد الاعتبار. وقال أبو حنيفة: بل نجِس كالسّبُع، لكنْ خفّف فيه فكُرِّه سؤره، واستُدِلّ بما ورد عنه صلّى الله عليه وسلّم من أنّ الهرة سبُع، في حديث أخرجه أحمد والدار قطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: "السِّنّور سبُع"، وبما تَقَدّم من قوله صلّى الله عليه وسلّم عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدوابّ، فقال: "إذا كان الماء قلّتين لم ينجّسه شيء"، وأُجيب بأنّ حديث الباب مُصَرِّح بأنّها ليست بنجَس، فيخصّص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع، وأمّا مجرّد الحكم عليها بالسّبُعيّة فلا يستلزم أنّها نجَس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسّبُعيّة، والله أعلم.
قوله: «كنت أتوضأ ... إلخ»: في الحديث دلالتان، أحدهما: اشتراك الرجل والمرأة في الوضوء الواحد إذا كانا زوجين، وأنّه لابأس بذلك، وربّما استُفيد منه جواز الوضوء بفضل المرأة، والدلالة الثانية: وهي التي سيق لها الحديث طهارة سؤر الهرّة، ومعنى قولها قد أصابت منه الهرّة قبْل ذلك، أي: شرِبت منه قبل وضوئهما، وعند الدارقطني عن عائشة عن النبيء صلّى الله عليه وسلّم: "أنه كان يصغي إلى الهرّة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها.
ما جاء في ماء البحر (1/261)
صفحة 262
قوله: «أنّ رجلاً سأل»: وقع في بعض طرُق الحديث عند قومنا عن يحي بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه، عن رجل من بني مدلج اسمه عبد الله، وعلى هذا فيكون<1/220> السائل عبد الله المدلجي، وقال: ابن منيع بلَغَني أنّ اسمه عبد، وقيل: اسمه عبَيْد بالتصغير، وقال أبو موسى الحافظ الأصبهاني: عبد أبو زمعة البلوي الذي سأل النبيء صلّى الله عليه وسلّم عن ماء البحر.
قوله: «على إرماث لنا»: جمع رَمَث (بفتحتين ثم بمثلّثة) خُشُب يُشَدّ بعضها إلى بعض، فيُركَب عليها، وقيل: الرَّمَث فعل بمعنى مفعول، مِن رمَثْت الشيء إذا أصلحته ولمَمْته.
قوله: «إلاّ لشفاهنا»: قيل معناه لمعاشنا فهو يتناول الشرب والطعام والشفاء، جمع شَفَة، عبّر بها هاهنا عما يدخل الجوف من الشراب والطعام، على سبيل المَجَاز ويُحتمل أن يراد ما يُبَل ّبه الشفاه عند الوضوء، فإنّ كثير من الناس ينفرون من وضع ماء البحر في شفاههم لملوحته ومرارته.
قوله: «هو الطهور ماؤه»: (بفتح الطاء) مبالغة في التّطهير وهذا موافق لما تقدّم من حديث ابن عبّاس، في مُطلق الماء أنّه طهور، والمعنى أنّ ماء البحر و غيره سواء في الطهوريّة، فقول ابن عمر: ماء البحر لا يجزي من جنابة ولا يُتوضأ منه لأنّ تحت البحر نارا،ً وتحت النّار بحراً، حتى عَدّ سبعة أبحر، وسبع نيران، قال الجوزقاني: باطل تَفرَّد به محمّد بن المهاجر، وكان يضع الحديث، وزَعَم بعضهم أنّه لا يتوضأ بماء البحر إلاّ عند الضرورة، وغلا بعضهم حتى قال، التيمّم أحبّ إليّ منه، والصواب ما تقدّم، وبه جاءت السنة، فلا اختيار لأحَد بعد حكم الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم {وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلاَ مُومِنَةٍ اِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ, أَمْرًا اَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنَ اَمْرِهِمْ}[الاحزاب:36]. (1/262)
صفحة 263
قوله: « والحِلّ ميتته»: فيه دليل على حِلّ جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه، وفيه خلاف ذكرناه في الجزء الثاني من المعارج، ومن فوائد الحديث: مشروعيّة الزيادة في الجواب على سؤال السائل لقصد الفائدة، وعدم لزوم الاقتصار على مقتضى السؤال، وقد عَقَد البخاري بذلك بابا، ساق فيه حديث ابن عمر فيما يلبَس المُحرِم، قال الخطابي: وفي حديث الباب دليل على أنّ المفتي <1/221>إذا سُئل عن شيء وعَلِم أنّ للسّائل حاجة إلى ذكر ما يتّصل بمسألته، استحبّ تعليمه إياه، ولم يكن ذلك تكلُّفاً لما لا يعنيه؛ لأنّه ذَكَر الطعام وهم سائلوه عن الماء بعلمه أنّهم قد يُعوِزُهم الزّاد في البحر، انتهى. وقول الأصوليين تجب مطابقة الجواب للسؤال معناه: يجب أن يكون الجواب مفيداً لمعنى السؤال، وليس المراد أنّه لا تجوز الزيادة على تلك الفائدة وللحديث فوائد أُخَر، قال الشافعي: هذا الحديث نصف عِلم الطهارة.
ما جاء في البول والإغتسال في الماء الدائم (1/263)
صفحة 264
قوله: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ»، وقوله: «في حديث ابن عباس نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجنب أن يغتسل في الماء الدائم»: كِلا الحديثين قد تقَدَّم تفسيره، والماء الدائم هو الساكن، وجاء في حديث أبي هريرة: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتَسل منه"، وفي رواية: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب، وقد اختُلِف في حكم النهي: فمنه من حمله على الكراهة، وهو مناسب لقول من لا يرى نجاسة الماء إذا قَلَّ وإن لاقته النجاسة حتى يتغيَّر بعض أوصافه، ومنهم من حمله على التحريم، ثم اختلفوا: فمنهم مَن قال: يحرم في قليل الدائم وكثيره، واستدلّوا به على نجاسة الرّاكد بملاقاة النجاسة، وإن زاد على القلّتين ما لم يكُن مستبحراً. ومنهم من حَمَله على ما دون القلّتين لأنه هو الذي ينجُس بملاقاة النجاسة دون ما زاد عليهما، وخَصَّصوا الحديث بحديث القلّتين المتقدّم، وإياه اعتمد صاحب الإيضاح، وفرّق أحمد بن حنبل بين بول الآدمي وما في معناه من العَذِرة المائعة، وغير ذلك، وبين سائر النجاسات، فقال بنجاسة الماء ببول الآدمي وما في معناه، وإن زاد على القلّتين، وأمّا غيره من النجاسات فتُعتبَر فيه القلّتان، قال بعض من انتصر لمذهبه، وكأنّه رأى أنّ الخَبَث<1/222>المذكور في حديث القلّتين عام بالنسبة إلى الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فيُقدَّم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير، ويخرُج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلّتين بخصوصه، فينجُس الماء دون غيره، ويُلحَق بالبول المنصوص عليه ما يُعلَم أنّه في معناه. (1/264)
صفحة 265
فائدتان: أحدهما استدلّ بعضهم بمفهوم هذا الحديث، فأجاز البول في الماء الجاري؛ لأنّ النهي إنّما وقع عن الماء الدائم الذي لا يجري، ولم يجزه آخرون؛ إما لأنهم لم يعتبروا مفهوم الصفة هاهنا، أو أنهم جعلوا الوصف جاريا مجرى الغالب، لا قيداً للحكم. وإما أنّهم رأوا أنّ الحِكمة في ذلك خوفَ الإستقذار ونفرة الطباع، وأنّ هذا المعنى يحصل في الجاري أيضاً؛ لأنه يستقْذره مَن مرّ عليه، ومنهم من فرّق بين صغير الأنهار وكبيرها، فرخص في الكبير دون الصغير، لأن الكبير يستهلك النجاسة حالا، فلا تجاوِز موضعها إذا كانت بولا.
الفائدة الثانية: ذهبت الظاهرية أنّ النهي مخصوص بالبول في الماء، حتى ولو بال في كوز وصبّه في الماء، لم يضرّ عندهم، ولو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء لم يضر عندهم أيضاً، والعلم القطعيّ حاصل ببطلان قولهم؛ لاستواء الأمرين في الحصول في الماء، فإنّ المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء، وليس هذا من محالّ الظنون، بل مقطوع به والله أعلم. (1/265)
صفحة 266
قوله: «أنّ بعض نساء النبيء»: هي ميمونة رضي الله عنها كما صرّح بها عند أحمد وابن ماجه، ومعنى الحديث قد تقدَّم في آخر كيفية الغسل، وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن دويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان اسمها برّة، فسماها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ميمونة، وهي: خالة ابن العباس وخالة خالد بن الوليد، وكانت قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند أبي رهم بن العزى بن عبد ودّ بن مالك بن حلّ بن عامر بن لؤي، وقيل: عند سخبرة بن أبي رهم، وقيل: كانت عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة بن عبد العزى الأسدي، أسد بن خزيمة قاله قتادة. تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زواجها<1/223> سنة سبع، في عُمرة القضاء في ذي القعدة، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعفر بن أبي طالب إليها، فخطبها، فجَعلَت أمرها إلى العباس بن عبد المطّلب فزوَّجها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: بل العباس قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ ميمونة بنت الحارث قد تأيّمت من أبي رهم بن عبد العزى، هل لك أن تتزوّجها فتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واختلَفَت الروايات في حال تزوُّجه صلّى الله عليه وسلّم بها، فرُوي أنّه تزوّجها وهوحلال، ورُوي: أنّه تزوّجها وهو مُحرِم. (1/266)
صفحة 267
ومن اختلاف الروايات نشأ الاختلاف بين الفقهاء في تزوُّج المحرم، والمذهب عندنا: المنع، وجمع بعضهم بين الروايات، فقال: تزوّجَها وهو حلال، وظهر أمر تزوّجها وهو مُحرم، ثم بنى بها وهو حلال بسَرْف، في طريق مكّة، وماتت بسرف أيضا،ً حيث بَنَى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ودُفِنت هناك، فهو من الإتفاقات الغريبة، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وستين، عام الحرّة، وصلّى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصمّ، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد وهم: أولاد أختها، ونَزَل معهم عبيد الله الخولاني، وكان يتيما في حجرها.
قوله: «نهى الجنب»: الحديث بتمامه قد تَقدَّم تفسيره.
ما جاء في الوضوء بالنبيذ
قوله: «في إجازة»: أي: إباحة من أجاز كذا، إذا قال بجوازه. (1/267)
صفحة 268
قوله: «أن يتوضّأ بالنبيذ»: هو تَمْر أو نحوه، يُنبَذ في الماء، ثم يُجعَل في إناء حتى يمتزج بعضها ببعض، ثم يُشرَب وقد يُداخِله <1/224>الإسكار فيحرُم. وحديث التوضّؤ، بنبيذ التمر، أخرجه الأربعة إلا النسائي عن ابن مسعود من طريق أبي فزارة عن أبي زيْد مَوْلى عمر بن حريث عنه أنّ النبيء صلّى الله عليه وسلّم قال له: "ليلة الجنّ عندك طهور، قال: لا"، إلاّ شيء من نبيذ في أَداوة، قال: "تمرة طيبة وماء طهور"، وزاد الترمذي: فتوضأ منه، وقال: أبو زيد رجل مجهول، ورواه أحمد، وزاد أيضاً وتوضأ منه وصلّى، وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وكذا حَكَى ابن عديّ عن البخاري وقال: هو خلاف القرآن، وأبو فزارة وهو: راشد بن كيسان وهو ثقة، ويقال غيره. قال أحمد: هو رجل مجهول، وأخرجه ابن عدي من طريق عبد الله الشقري عن شريك القاضي عن أبي زائدة عن ابن مسعود قال قال لي: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "معَك ماء؟" قلت: لا، إلاّ نبيذ في أداوة، قال: "تمرة طيبة وماء طهور فتوضّأ". وقال شوشة أبو عبد الله الشقري عن شريك، والمحفوظ عن أبي فرازة عن أبي زيد عن ابن مسعود، والحديث بأبي زيد ضعيف، وروى أحمد والطحاوي من طريق سليمان التيمي، حدّثني أبو تميمة عن عمرو البكالي عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني النبي صلّى الله عليه وسلّم، فانطلقنا حتى أتَيْنا مكان كذا وكذا، فخطّ لي خطًّا وقال: "كن بين ظهري هذا، لا تخرُج منها فإنّك إن خرَجتَ هلكْتَ ... " الحديث بِطُولِه. (1/268)
صفحة 269
قال الطحاوي: البكالي من أهل الشام، ولم يَرْوِه عنه إلاّ أبو تميمة، وليس هو بالهجيمي، وإنما هو سليمي بصري، ليس بالمعروف وله طريق أخرى أخرجها الدارقطني من طريق أبي وائل، سمعت ابن مسعود يقول: كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجنّ فأتاهم فقرأ عليهم، فقال لي: "مَعَك ماء يابن مسعود؟" قلت: ما والله يا رسول الله، إلاّ أداوة فيها نبيذ، فقال: "تمرة طيّبة، وماء طهور فتوضئوا به"، وفيه الحسن بن عبد الله العجلي وهو كذّاب، وله طرق أخرى أو هي ممّا ذكر، ومدار الكلّ إمّا على مجهول أو ضعيف أو كذّاب، قال بعض المطّلعين: حديث ابن مسعود هذا ضعيف باجماع المحدثين. (1/269)
صفحة 270
قوله: «والذي رفع عنه الكذب»: لأنّه لو كان صِدْقا ما خفي حضور ابن مسعود تلك الليلة على هذه الجملة من الصحابة، وأسند البيهقي<1/225>إلى ابن مسعود قال: لم أكن مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجنّ، ووَدِدْت أنِّي كنت معه، وكذا أخرجه الطحاوي، وأخرج مسلم من طريق الشعبي، عن علقمة: سألْت ابن مسعود هل شهِد منكم أحَد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجنّ؟ قال: لا، وفي لفظ: لم أكُن مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجنّ، ووَدِدْت أني كنت معه ،ولأبي داود من هذا الوجه: لم يكن معه منّا أحَد، وأخرج البيهقي من طريق عمر بن مرّة: سألْت أبا عبيدة بن عبد الله، أكان عبد الله مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجن؟ قال: لا، قال: وسألْت إبراهيم فقال: ليْت صاحبنا كان ذلك، وأخرج الطحاوي قول أبي عبيدة، وقال: إنّ أبا عبيدة مع تقدّمه للعلم لا يخفي مثل هذا من حال أبيه، وكذلك إبراهيم النخعي، مع شدّة ممارسته لحديث ابن مسعود وتنقيبه عنه، ثم انبرى يجمع بين الأحاديث المقتضية لحضوره، والأحاديث المنْكِرة لذلك، فقال: والذي يظهَر أنّه لم يَحضُر معه حال كلامهم معه، وإنما خَرج معه، فأقعده في المكان المذكور إلى أن رجع إليه، كما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة، قال: فمنها ما أخرجه مسلم من طريق الشعبي، عن علقمة سألت ابن مسعود: هل شهِد منكم أحَد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجن قال: لا، ولكنّا كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة ففَقِدْناه، فالْتَمَسْناه في الأودية والشعاب، فقُلنا استُطِير أو اغتيل قال: فَبِتْنا بِشَرّ ليلة بات بها قوم، فلمّا أصبحْنا، إذا هو جاء من قِبَل حراء، الحديث. (1/270)
صفحة 271
قال البيهقي: هذا يُخالف ما جاء عن ابن مسعود: أتانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إنّي أُمِرت أن أقرأ على إخوانكم من الجنّ، لِيَقُم معي رجل منكم، ولا يَقُم معي رجل في قلبه مثقال حبَّة خرْدل من كِبْر، قال: فقُمْت معه حتى إذا بَرَز، فَخطَّ حوْلي خطاً ثم قال: لا تخْرُج منها؛ فإنّك إن خرجْتَ منها لم تَرَني ولم أَرَك إلى يوم القيامة، الحديث. قال البيهقي: ويمكن الجمع بأنّ المراد بمَن فقِده غير الذي عَلِم بخروجه. قال ابن حجر: ويمكن الجمع أيضاً بتعدد القِصّة، قلْت: تعدُّد القصة مع إنْكار جملة من الصحابة نفس حضوره، وتكذيبهم لخَبَره بعيد جدّا، وكذلك يبْعُد أيضاً جمْع البيهقي باحتمال أنْ يكون الذي فَقِده غيْر الذي علِم بخروجه، فإنهم لو خرجوا معه لكان للّيلة شُهْرة مستَفِيضة، وأخبار متواترة من أَلْسُن الحاضرين، والحال أنّهم لم ينقلوها عن غير الشّارع، وناهيك أنّ ابن مسعود يقول لم يكُن معه منّا أحَد، ولو حضروها على الوجْه الذي سَوَّغه البيهقي لَكَان<1/226> لابن مسعود بينهم مَزِيّة بتلك الخُطّة فيُشار إليه من أجلها بالأصابع، فيَبْعُد أن يَجْهل مكانه والله أعلم بذلك.
الباب الخامس والعشرون فرض التيمّم والعُذر الذي يوجبه
قوله: «فرض التيمّم والعذر الذي يوجبه»: وفي نسخة: أوْجبَه والأولى أنْسَب لأنَّ الأعذار تُجدَّد، وفي الثانية تعبير بالماضي عن المضارع، أو أنّه أراد العذر الذي أوجبه في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنها وقَعَت أعذار مخصوصة شُرِع لأجلها التيمّم، فصارت عُذراً مُوجباً إلى آخر الزمان. (1/271)
صفحة 272
والتيمّم: في اللغة القصد، يُقال: تيَمّمْت فلانا أي: قصدْته، ومنه قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[النساء:43]،أي: فاقصِدوه لمسح الوجه واليَديْن بنيّة استباحة الصلاة ونحوها، ثم صار في عُرف الشّرع اسما لهذا القصد المخصوص مع الفعل المخصوص، وعرّفه بعض قومنا: بأنّه طهارة ترابية ضرورية تشتمل على الوجه واليَديْن تُستعمَل عند فَقْد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله، وقيل: عبادة تُستَباح بها الصلاة وهي: القصْد إلى الصّعيد الطاهر يَمْسح به وجهه ويديه، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع، فَمَن جحَده أو شكّ فيه فهو مُشْرك، وهي: خَصيصة خصّ الله تعالى بها هذه الأمّة، واختُلِف هل هو عزيمة أو رخصة، وفصّل بعضهم فقال: هو لِعَدَم الماء عزيمة، وللعُذر رخصة، ومع كوْنه رُخصة فهو واجب أيضاً، إذ لا قائل بِجَواز ترْكِه ومِن الرُّخَص ما هو واجب، كالقَصْر في السّفر وأكل المَيْتة عند الضّرر لِمَن خاف الهلاك، فيَعُود الخِلاف لَفْظياً.
ما جاء في نزول آية التيمّم
قوله: «في بعض أسفاره»: قيل: كان في غزوة بني المُصطَلَق، وهي: غزوة المُرَيْسِيع وفيها وقَعَت قصّة الإفك لعائشة رضي الله عنها، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عِقْدها أيضاً، فإنْ كان<1/227> ما قيل ثابتا حُمِل على أنّه سَقَط منها في تلك السفرة مرتين؛ لاختلاف القضيّتيْن كما هو بيِّن في سياقها.
قوله: «بالبيداء»: قيل: موْضِع بين المدينة وخيبر، وقيل: إنّها ذو الحلَيْفة بالقرب من المدينة من طريق مكّة، وقيل: هي الشَّرف الذي قُدّام ذي الحُلَيْفة في طريق مكّة.
قوله: «عِقْد لي»: (بكسر المُهملة)، كلّ: ما يُعقَل ويُعَلّق في العُنق ويُسمّى قِلادة (بكسر القاف) أيضاً.
قوله: «على الْتِماسِه»: أي: لأجْل طلبه.
قوله: «ولَيْسوا على ماء»: أي: والحال أنّهم في مكان لا ماء فيه. (1/272)
صفحة 273
قوله: «وليس معهم ماء»: أي: قدْ تَزوَّدوه مِن قبْل، واستُدلّ بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، واعْتُرِض بأنّ المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصْد دخولها ويُحتَمَل أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يَعْلَم بِعَدم الماء مع الرّكْب، وإن كان قد علِم أنّ المكان لا ماء فيه، ويُحتمَل أن يكون قوله: «ليس معهم ماء» أي: للوضوء، وأمَّا ما يحتاجون إليه للشرب فيُحتَمل أن يكون معهم، وفي الحديث اعتِناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين، فقد رُوِي أنّ: ثمن العِقْد المذكور كان اثنى عشر درهماً، ويلْتحِق به الإقامة للَحَاق المنقطع، ودفْن الميّت، ونحو ذلك مِن مصالح الرعيّة، وفيه إشارة إلى ترْك إضاعة المال، فيُستَدَلّ به على جواز التيمُّم لمن خاف اللُّصوص على متاعه إذا طلب الماء، ويؤخَذ منه أيضاً مسألة تيمُّم الشّباك وجاني الشّوع والجراد، إذا كان ذلك كسبه.
قوله: «فأتوا على أبي بكر الصدّيق»: فيه شكوى المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوْج، وكأنهم إنما شَكَوا إلى أبيها؛ لكون النبي صلّى الله عليه وسلّم كان نائماً، وكانوا لا يوقظونه، وفيه نسبة الفعل إلى مَن كان سبباً فيه، لقولهم: صنَعَت وأقامَت، وفيه جواز دخول الرّجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها إذا عَلِم رضاه بذلك، ولم تكُن<1/228> حالة مباشرة، كذا قيل، وعندي أنّ الحكْم خاص بالصحاري دون البيوت، فإنّ للبيت حُرْمة وجَب لأجْلها الإستئذان.
قوله: «فعاتبني أبو بكر»: أي: لامَني وإنما صرَّحْت باسمه؛ لأنّ قضيّة الأُبُوة الحُنُوّ، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر. فلذلك أنزَلْتُه في الخطاب منزِلة الأجنبي.
قوله: «ما شاء الله أن يقول»: يُروَى أنّه قال لها: حبَسْتِ الناس في قلادة، أي: بسببها، ويُروَى أيضاً أنّه قال لها: في كلّ مرّة تكونين عَناءً. (1/273)
صفحة 274
قوله: «يطعُن»: (بضمّ العين)، وكذلك كلّ طعن حِسّي، وأمّا المعنوي فيقال: يَطْعَن (بالفتح)، تقول: يطعَنه بالرمح، ويطْعُن في نسبه هذا هو المشهور، وحُكِي الفتح فيهما، وحُكِي الضّم أيضاً، وفي الحديث تأديب الرجل ابنته، وإن كانت مُزوَّجة كبيرة خارجة عن بيته، ويُلحَق بذلك تأديب من له تأديبه، ولو لم يأذن له الإمام.
قوله: «في خاصرتي»: الخاصرة والخصر بمعنى واحد، وهو: من الإنسان وسطُه المُستَدَقّ فوق الوركين.
قوله: «فمنَعْت نفسي من الحركة»: أي: امتنعْتُ عن الحركة لكون رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على فخذي، وفيه استحباب الصّبر لمن ناله ما يوجب الحركة ويحْصُل به التشويش لنائمٍ، وكذا لمُصلٍّ أو قارئ أو مشتغل بعِلم ْأو ذِكْر.
قوله: «حتى أصبح على غير ماء»: ظاهر الرواية أنّه نام إلى الصبح، وقيل: ليس المراد بيان غاية النّوم إلى الصّباح؛ بل بيان غاية فَقْد الماء إلى الصبح، لأنّه قيَّد قوله، حتى أصبح بقوله على غير ماء، أي: آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، والظاهر الأوّل، وبه استُدِلّ على الرخصة في ترك التهجُّد في السفر إنْ ثبَت أنّ التهجّد كان واجبا عليه، وعلى أنّ طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، كما صُرِّح به في رواية عمر بن الحارث عند البخاري في التفسير، بعد قوله: وحضرْتُ الصّبْح فالْتَمَس الماء، فلم يجدوه وعلى أنّ الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول آية الوضوء، أنتهى. ولهذا استَعْظَم نزولهم على غير ماء، ووقع مِن أبي بكر في حقّ عائشة<1/229> ما وَقَع. قال ابن عبد البّر: معلوم عند جميع أهْل المغازِي أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يُصَلّ منْذ افتُرِضت عليه الصلاة إلاّ بوضوء، ولا يَدْفع ذلك إلاّ جاهل أو معاند. (1/274)
صفحة 275
قوله: «فأنزل الله آية التيمّم»: وهي آية المائدة التي أوّلُها ذِكْر الوضوء وآخِرها {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا}[المائدة:6] الآية. وفي إضافة الآية إلى التيمّم مع أنّها مُصدَّرة بالوضوء إشارة إلى أنّ الذي طَرَأ إليهم من العلم حينئذ: حكم التيمم لا حكم الوضوء، قال ابن عبد البرّ: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدُّم العلم به ليكون فرْضُه مَتْلُوًّا بالتّنزيل، وقال غيره: ويُحتَمل أنْ يكون أوّل آية الوضوء نزل قديما فعَمِلوا بها، ثم نزَل بقِيَّتُها وهو ذِكْر التيمّم، ورد بأنّ رواية عمرو بن الحارث التي أخرجها البخاري في التفسير، تدلّ على أنّ الآية نزَلت جميعها في هذه القصّة، وفي ذِكْر التيمّم بعد الوضوء إشارة إلى أنّ التيمّم بدَلٌ مِن الماء في الطهارتيْن: الصغرى والكبرى، ولمّا نزلَتْ، قال أسيد بن حضير: ما هي بأوّل بَرَكَتِكم يا آل أبي بكر.
قوله: «فبعثنا البعير»: أي أثَرْناه مِن مَناخِه لأجل السير.
قوله: «فوجدنا القِلادة»: (بكسر القاف) هي: العِقد السّاقط، وفي اختلاف التعبير تفنُّن، وكأنهم أَيِسوا منه فلِذا هَمُّوا بالرّحيل قِبَل وجوده، وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: جواز السّفر بالنساء، واتّخاذهنّ الحلي تجمُّلا لأزواجهنّ، ووضع الزّوج رأسه في فخِذِها ولو كان حيث يُرَى.
ماجاء في حكمة التيمّم
قوله: «سُئِل عن التيمّم»: أي: عن حكمته، ولأيّ شيء كان التراب يقوم مقام الماء، ولهذا أجاب بقوله: «جُعِلَت ليَ الأرض مسجداً وترابها طهوراً» أي: كما أنّ الماء طهور، كذلك جعل ليَ الله تعالى <1/230> التراب طهوراً، والله يختَصّ مَن يشاء بما شاء. (1/275)
صفحة 276
قوله: «جعلت لي الأرض مسجداً»: قال الربيع: المسجد: ما استقرت عليه مساجد المصلّي، وهي سبعة أعضاء: القدَمَان والرُّكبتان واليَدان والجبهة، والمعنى: أنّها جُعِلت كلّها موْضع سجود لايختصّ السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أنْ يكون مجازا عن المكان المبنِيّ للصّلاة وهو مِن مجاز التشبيه، لأنه كما جازت الصلاة في جميعها، كانت في ذلك كالمسجد، قال الداودي وابن التين: المراد أنّ الأرض جُعِلت للنبي صلّى الله عليه وسلّم مسجداً وطهوراً، وجُعِلت لغيره مسجداً ولم تُجعل له طهوراً؛ لأنّ عيسى كان يسِيح في الأرض ويصلّي حيث أدركته الصلاة، وقيل إنّ ما أُبيح لهم موضع يتَيَّقنُون طهارته، بخلاف هذه الأمّة فإنّه أُبيح لهم الطّهر والصّلاة إلاّ في ما تَيَقّنوا نجاسته. وقال الخطابي: واستظهر بعضهم أنّ مَن قَبْله إنّما أُبِيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة، كالبِيَع والصّوامِع، وأيَّدَه ابن حجر برواية عمرو بن شعيب، بلفظ: "وكان مَن قَبْلي إنما يُصَلّون في كنائسهم"، قال: هذا نصٌّ في موْضِع النّزاع، فثبتت الخصوصيّة، وأيّده غيره بما أخرجه البزّار من حديث ابن عبّاس، وفيه: "ولم يكُن أحَد مِن الأنبياء يصلّي حتى يَبْلغ محرابه". وفي الحديث من الفوائد: مشروعية تعديد النّعم على قصد الشكر، وبيان فضل الله على الناس، وأنّ الأصل في الأرض الطهارة وأنّ صحّة الصلاة لا تختصّ بالمسجد المبْنيّ لذلك. (1/276)
صفحة 277
قوله: «وترابها طَهور»: (بفتح الطاء)، أي: مطَهِّراً فيدلّ على أنّ التراب يرفَع الحدث كالماء، لاشتراكهما في الطهوريّة، قال جابر رضي الله عنه: وهذه الرواية تمنَع من التيمّم بغير تراب، وكذلك رواية مسلم عن حذيفة مرفوعا: "وجُعلَت تربتها لنا طهوراً"، وكذلك قوله تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}[المائدة:6]، فإنّه أمَرَنا تبارك وتعالى أنْ نقصد الصعيد الطيب دون غيره، فنَمْسَح منه وجوهنا وأيدينا، فالمسْح ببعض الصعيد الطيب وهو ما علِق منه بالكفَّيْن عند الضرب وغير الطيّب، لا يكون مطَهِّراً، هذا هو المذهب، وبه قالت العترة والشافعي وأحمد وداود، فإنْ عُدِم التراب عُدِل عندنا إلى أشبه<1/231> شيء به من أجزاء الأرض، كالرّمْلّة والسّبخة والآجر ونحوه، معذرة إلى الله تعالى، وحَوْطة لدينه، وذهب أبو حنيفة ومالك وعطاء والأوزاعي والثوري إلى أنّ التيمّم يُجزي بالأرض وما عليها، واحتجّوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "جُعِلت ليَ الأرض مسجدا وطَهوراً ،أينما أدركتني الصلاة تمسّحْت وصلّيْت"، وعن أبي أمامة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "جُعِلت ليَ الأرض كلّها لي ولأمتي مسجداً وطَهوراً، فأينما أدركَتْ رجلا مِن أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره"، رواهما أحمد وأصل الأول في الصحيحين، وكلاهما يدلّ على أنّ الأرض التي يُصلَّى عليها هي التي جُعلت طهوراً، والصلاة تكون على التراب وغيره وكذلك الطهور. قلنا: عموم الحديثين مخصِّص بحديث الباب، وبما مَرَّ من حديث حذيفة عند مسلم. قالوا: تعليق الحُكم بالتربة، مفهوم لَقَب، ومفهوم اللقب: ضعيف عند الأصوليين فلا ينتَهِض في تخصيص المنطوق. (1/277)
صفحة 278
قلنا: ساعَدَه السياق، فإنّ الحديث سِيق لإظهار التّشريف، فلو كان التيمّم جائزاً بغير التراب لما اقتُصِر عليه، وأيضاً فالتفريق في اللّفظ بين ما جُعِل مسجداً وبين ما جُعِل طهوراً يدلّ على الافتراق في الحكم والله أعلم.
ما جاء في حكم التيمم
قوله: «لأبي ذر»: الغِفاري (بكسر المعجمة)، وقد اختُلِف في اسمه اختلافاً كثيراً، فقيل جُندب ابن جنادة، وهو أكثر وأصحّ والمشهور في نسبه، جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليد بن ضمرة بن بكري بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، وأمّه رملة بنت الوقيعة، من بني غِفار أيضاً، وكان أبو ذرّ مِن كبار الصحابة وفُضلائهم، قديم الإسلام، يُقال: أَسْلَم بعد أربعة وكان خامساً، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها، حتى قَدِم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة وهو أوّل من حيَّا رسول الله صلّى الله عليه<1/232> وسلّم بتحيّة الإسلام، وأتى المدينة بعدما ذهبت بَدْر وأُحُد و الخندق، وصحِب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى أنْ مات وكان يَعبُد الله تعالى قبْل مَبْعث النبي صلّى الله عليه وسلّم بثلاث سنين، وبايَع النبي على أن لا تأخذه في الله لوْمَة لائم، وعلى أنْ يقول الحقّ وإنْ كان مُرّاً، وعن أبي الأسوَد الدّيلمي عن عبد الله بن عمرو، وقال: سمعْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ما أضَلَّت الخضراء، ولا أقَلَّت الغبْراء، أصدق من أبي ذرّ"، ورُوِي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "أبو ذرّ يمشي على الأرض في زُهْد عيسى بن مريم"، ورَوَى عنه عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم مِن الصحابة، ثم هاجر إلى الشّام بعد وفاة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فلم يزَل بها حتى وُلِّيَ عثمان فاستقدمه لشكوى معاوية منه، فأسْكَنَه الرّبذة حتى مات بها، وعن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن زوجة أبي ذرّ، أنّ أبا ذرّ حضره الموت، وهو بالربذة (1/278)
صفحة 279
فبكَتْ امرأته، وقال؟ ما يُبكيك؟ فقالت: أبكي أنّ لابدّ لي مِن تكفينِك، وليس عندي ثوب يَسَع لك كفَناً، فقال: لا تبكي؛ فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: "لَيَموتُنّ رجل منْكم بفَلاة مِن الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، فكلّ مَن كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبقى غيري، وقَدْ أصبحْت بفَلاة أَمُوت فراقبي الطريق، فإنك سوْف تَرَيْن ما أقول لك، وإنّي والله ما كَذَبْت ولا كُذِّبْت"، قالت: وأنَّى ذلك، وقد انْقَطع الحِجاج، قال: "راقبي الطريق"، فبيْنما هي كذلك إذا هي بقوم تَخِبّ بهم رواحلهم كأنّهم الرُّخُم، فأقْبَل القوم حتى وقَفُوا عليها، فقالوا: مالَك؟ِ فقالت: امرؤٌ مِن المسلمين تُكفِّنونه وتُؤجَرون فيه، قالوا: ومَن هو؟ قالت: أبو ذرّ، قال: فَفَدَوْه بآبائهم وأمهاتهم، ثم وَضَعوا أسْياطَهم في نحورها، يتَبادَرُونه، فقال: أبشروا، فأنْتم النَّفَر الذين قال فيكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: أصبحْت اليوم حيْث ترَوْن، ولو أنّ لي ثوبا من ثيابي يسعني، لم أكَفَّن إلاّ فيه، فأُنشِدكم بالله لا يكفَّنُني رجل كان أميراً، أو عريفاً أو بريداً، فكلّ القوم كان نال من ذلك شيئاً، إلاّ فتىً مِن الأنصار كان معهم، قال: أنا صاحبه، الثوبان في عيْبَتي مِن غزْل، أَفِي واحِدِ ثوْبَيَّ هذين اللذين عليَّ، قال: أنْت صاحبي فكَفِّّنِّي، وتُوُفيِّ رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين بالربذة، وصلّى عليه عبد الله بن مسعود، فإنّه كان مع أولائك النّفر الذين <1/233>شهِدوا موْتَه وحَمَلوا عياله إلى عثمان بن عفّان بالمدينة، فضَمَّ ابنته إلى عياله، وقال: يرحمه الله أباذر. (1/279)
صفحة 280
قوله: «الصعيد الطيّب»: هذا مثل قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]، قال الواحدي: إنّه تعالى أَوْجَب في هذه الآية كوْن الصّعيد طيباً، قال: والأرض الطيّبة: هي التي تُنْبِت، بدليل قوله {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ}[الأعراف:58]، فَوَجب أنْ تكون التي لا تُنْبِت غير طيّبة، فيُستَفاد منه قَصْر التيمّم على التراب فقط.
قوله: «يكفي ولو إلى سنين»: أي: يكْفي كلّ مسلم عدَم الماء ولو إلى سنين كثيرة، وكذلك المريض لمِا سيأتي، وعند أحمد والترمذي، وصحّحه عن أبي ذر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنّ الصعيد الطيّب طَهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وَجَد الماء فلْيُمِسَّه بَشْرته فإنّ ذلك خير".
قوله: «فإذا وجدْت الماء»: أي: بعْد عَدَمِه، وكذلك مَن قَدَر على استعماله بعد عجْزه، وفيه الْتِفات من الغَيْبة إلى الخطاب.
قوله: «فامْسُس به جِلْدك»: وعند أحمد والترمذي فإذا وَجَد الماء فلْيُمِسّه بَشْرته، والمعنى واحد، لأنّ البَشْرة ما ظَهَر مِن الجلد، وفي التَّعبير بالإمساس إشارة إلى أنّ العَرْك في الغُسْل غير مشترط، وفي الحديث دليل على بطلان التيمّم بوجود الماء في الصلاة وغيرها، لكنْ إذا وجده بعد أنّ صلّى فلا إعادة عليه في صلاته، لحديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رَجُلان في سَفَر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمَّمَا صعيداً طيّباً فَصَلَّيَا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكرا ذلك له فقال للّذي لم يُعِد: "أصبت السّنّة وأَجْزَتْك صلاتُك"، وقال للذي توضّأ وأعاد: "لك الأجر مرّتين"، رواه النسائي وأبو داود وهذا لفظه.
ما جاء في تيمّم الجنب إذا تعرّض للجنابة (1/280)
صفحة 281
قوله: «قال لأبي ذر ... إلخ»: سبَب الحديث مذكور عند قومنا في ما رواه أحمد وأبو داود <1/234>والنسائي وابن ماجه والأثرم، وهذا لفظه عن أبي ذرّ قال: اجْتوَيْت المدينة فأمر لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بابل، فكنْت فيها فأتيْت النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: هلك أبو ذرّ قال: "ما حالك؟" قال: كنْت أتعَرَّض للجنابة وليس قُربي ماء فقال: "إنّ الصعيد طَهور لِمَن يجد الماء عشر سنين". وفي الإيضاح من طريق أبي هريرة قال: سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الجُنُب أَيَتيمَّم؟ فقال: "التيمّم طهور المسلم ولو عشر سنين، فإذا وَجد الماء فليُمسِسه بَشرته"، وعن أبي ذر أنّ رجلا من ربيعة قال يا رسول الله: إنّا لا نصيب الماء ومعنا الأهْلون، فقال صلّى الله عليه وسلّم: "التيمّم كافِيك ولو إلى عشْر حِجَج.
قوله: «عشر سنين»: أراد بذلك عليه الصّلاة والسّلام المبالغة؛ لأنّ الغالب عدم فقدان الماء وكثرة وُجدانه لشدّة الحاجة إليه، فعَدم وجدانه إنّما يكون يوما أو بعض يوم، أو ما يقْرب مِن ذلك، فلا يَتقيّد الإكتفاء بالتيمّم بمقدار محدود من الزمان، بل يكفي وإن تَطاول الزمان، وزاد على عشر سنين مثلاً، ولا يكاد يقع. والحديث يدلّ على جواز التيمّم للجُنب، وعلى أنّ الصعيد طهور يجُوز لِمَن تطهَّر به أن يفعل ما يفعله المتطهِّر بالماء من صلاة وقراءة ودخول مسجد ومسّ مصحف وجماع، وغير ذلك والله أعلم.
******************************************************
إلى هنا انتهى التصحح في غار أمجماج الثالث في أوت 2004 بدار الامام.
******************************************************
(ما جاء في صفة التيمّم”: (1/281)
صفحة 282
قوله: « عن عمار بن ياسر”: بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن الوزيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب المذحجي ثم العنسي أبو اليقضان وهو من السابقين الأوّلين إلى الإسلام وهوحليف بني مخزوم وأمّه سميّة وهي أوّل من استشهد في سبيل الله عزّ وجلّ وهو وأبوه وأمّه من السابقين وقال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر أنّ ياسراً والد عمار عربي قحطاني مذحجي من عنس إلاّ أنّ ابنه عمارا مولى لبني مخزوم لأنّ أباه ياسراً تزوّج أمّه لبعض بني مخزوم فولدت له عماراً وكان سبب قدوم ياسر مكّة أنّه قدم هو وغخوان له يقال لهما الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع فرجع الحارث ومالك إلى اليمن واقام ياسر بمكّة فحالف أبا حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وتزوّج أمة له يقال لها سميّة فولدت له عمّارا وأعتقه أبو حذيفة فمن هاهنا صار عمارا مولى لبني مخزوم وأبوه عربي وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين وهو ممن عذب في الله واختلف في هجرته إلى الحبشة وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان مع (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: وعن حذيفة بن اليماني قال قال (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسّكوا بعهد ابن أم عبد وعن علي قال جاء عمار يستأذن على النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال أذنوا له مرحباً بالطيّب المطيب وعن عائشة قالت قال (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: ما خير عمار بين امرين إلاّ اختار أرشدهما وعن أبي هريرة قال قال (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية وقد روي نحو هذا عن أم سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاصى وحذيفة (وشهد”: عمار قتال مسيلمة واستعمله عمر على الكوفة وصحب عليها وشهد معه الجمل وصفين فأبلي فيهما قال أبو عبد الرحمن السلمي شهدنا صفين مع (1/282)
صفحة 283
علي فرأت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلاّ رأيت أصحاب (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: يتبعونه كأنّه علم لهم قال وسمعته يومئذ يقول لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص ياهاشم تفرّ من الجنّة تحت البارقة اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بن شعاب هجر لعلمت أنا على حق وأنّهم على الباطل (وقال أبو البحتري”: قال عمّار بن ياسر يوم صفين أتوني بشربة فأوتي بشربة لبن فقال إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن فشربها ثم قاتل حتى قتل رضوان الله عليه وكان عمره يومئذ أبعا وتسعين وقيل ثلاث وتسعون وقيل إحدى وتسعون (وروى”: عمار بن خزيمة بن ثابت قال شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفاً وشهد صفين ولم يقاتل وقال لا أقاتل حتى يقتل عمار فانظر من يقتله فإني سمعت (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: يقول قتله الفئة الباغية فلما قتل عمّار قال خزيمة ظهرت لي الضلالة ثم تقدّم فقاتل حتى قتل ولمّا قتل عمار قال ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم وقد اختلف في قاتله فقيل قتله أبو العادية المزني وقيل الجهني طعنه فسقط ولمّا وقع أكبّ عليه آخر فاحتزر رأسه فأقبلا يتخصمان كل منهما يقول أنا قتلته فقال عمرو بن العاص والله إن يختصمان إلاّ في النار والله لاوددت أنّي متت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وقيل حمل عليه عقبة بن عامر الجهني وعمرو بن حارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي فقتلوه وكان في ربيع الأوّل أو الآخر من سنة سبع وثلاثين ودفنه علي في ثيابه ولم يغسله وروى أهل الكوفة أنّه صلّى عليه قوله: « اجتنبت”: أي أصابتني الجنابة قوله: « فتمعكت في التراب”: أي تمرغت يقال تمعكت الدبابة إذا تمرغت قوله: « اما يكفيك هكذا”: أي ليس يكفيك هذا الحال المشروع المعلوم حكمه من قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه”: والهمزة للإنكار وكأنّه أنكر عليه عدم اكتفائه بذلك وكأنّ (1/283)
صفحة 284
عماراً رضي الله عنه ظنّ أنّ ذلك مختص بالتيمّم من الحديث الأصغر دون الجنابة لثبوت الفرق بين طهارتيهما بالماء ولم يستحضر معنى قوله تعالى (أولامستم النساء فلم تجدوا ماء”: الآيوة أو أنّه استحضر ذلك لكنه ظنّ انّ بيان الكيفية المذكورة خاص بالوضوء فقط قوله: « فمسح وجهه ويديه إلى الرسغين”: وقوله في الحديث الآتي فضرب ضربة لوجهه وضربة لليدين وفي نسخة فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين كلّ واحدة من الروايتين مبيّنة للأخرى من جهة أما الأولى فقد بيّنت منتهى المسح في اليدين أنّه إلى الرسغين وأجملت كميّة الضرب وأما الثانية فإنّها بيّنت كمية الضرب أنهما ضربتان أحدهما للوجه وأخرى لليدين لكن أجملت منتهى المسح من اليدين فحصل بيان كل واحدة منهما للأخرى فالواجب عندنا في التيمّم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وهو قول الفقهاء من قومنا وقال عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق والأماميّة أنّ الواجب ضربة واحدة واليدين وقال ابن عبد البر أكثر الآثار المرفوعة عم عمار ضربة واحدة قال وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة قال وقد جمع البيهقي طرق حديث عمار فأبلغ قال وقد روى الطبراني في الأوسط والكبير أنّه (صلّى الله عليه وسلّم “: قال لعمّار بن ياسر يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفّين (قلت”: لكن ثبت حديث الضربتين عند الربيع سنده الرفيع فلا معنى للعدول عنه وإن اضطرب نقله عندهم (وقال ابن المسيب”: وابن سيرين الواجب ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للكفّين وضربة للذراعين واحتجّ المنتصرون لهؤلاء بوجو(منها”: حديث ابن عمر مرفوعا بلقظ ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين (وأجيب”: بأنّه لا ينتهض حجة لما في طرقه من مقال (ومنها”: قياس التيمّم على الوضوء واجيب بأنه قياس فاسد الإعتبار لخلافة النصّ المتقدّم (ومنها”: ما ورد في بعض روايات حديث عمار عند أبي داود بلفظ إلى الآباط وأجيب بأنّه منسوخ كما قال الشافعي وأيضاً لو كان ثابتاً (1/284)
صفحة 285
لكان يلزمك أن تقولوا بالمسح إلى الآباط وأنتم إنّما قلتم بمسح الذراعين فقط فلا يتمّ به احتجاجكم قوله: « إلى الرسغين”: تثنية رسغ بكسر فسكون وهو مفصل ما بين الكف والساعد قوله: « تيمّمنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: فيه أنّهم قد باشروا فعل التيمّم معه عليه الصّلاة السلام وأنّهم قد فعلوا كفعله ورواية المباشر مقدّمة على رواية غيره وعمار صاحب القصة في الحديث الأوّل ورواية صاحب القصة مقدّمة أيضاً لأنّه أعلم بالحال والله أعلم.
الباب الخامس والعشرون الزجر عن غسل المريض
قوله: « الزجر”: هو المنع عن الشيء يقال زجره عن الشيء من باب قتل إذا منعه عنه فانزجر أي امتنع وإنّما عبر المرتب رحمة الله تعالى عليه بالزجر إشارة إلى قوله (صلّى الله عليه وسلّم “: قتلوه قتلهم الله فإنّ في هذه العبارة مبالغة في الزجر واحاديث الباب كلّها دالّة على جواز العدول إلى التيمّم بل على وجوبه لخوف الضرر وهو مذهبنا ومذهب العترة ومالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وذهب أحمد ابن حنبل والشافعي في أحد قوليه إلى عدم جواز التيمّم لخوف الضرر قالوا لأنّه واجد للماء وقوله تعالى (وإن كنتم مرضى”: وأحاديث الباب تردّ عليهم مقالتهم والعلم عند الله تعالى.
(ما جاء في تيمّم الجنب لخوف البرد”: (1/285)
صفحة 286
قوله: « خرج عمرو بن العاص”: بن وائل بن هاشم بن سعيد بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب القريشي السهمي يكني أبا عبد الله وقيل أبو محمد وأمّه النابغة بنت حرملة سبية من بني جلان بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عترة وأخوه لأمّه عمرو ابن أثاثة الأدوي وعقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري وسال رجل عمرو بن العاص عن أمّه فقال سلمى بنت حرملة تلقب النابعة من بني عترة أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ فاشتراها الفاكهة بن المغيرة ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان ثمّ صارت إلى العاص بن وائل فولدت له فأنجبت * فإن كان جعل لك شيء فخذه * وأسلم عام خيبر وقيل كان إسلامه في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر وقدم على (النبي صلّى الله عليه وسلّم”: هو وخالد ابن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري ثمّ بعثه (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: أميراً على سرية إلى ذات السلاسل إلى أخوال أبيه العاص بن وائل وكانت أمّه من بلى بن عمروا ابن الحاف بن قضاعة يدعوهم إلى الإسلام ويستنفرهم إلى الجهاد فسار في ذلك الجيش وهم ثلاثمائة فلما دخل بلادهم استمدّ (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: فأمدّه وعن ابن إسحاق قال حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي عن غزوة ذات السلاسل من أرض بلى وعذرة قال بعث (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: عمرو بن العاص يستنفر الأعراب إلى الإسلام وذلك أنّ أم العاص بن وائل إمرأة من بلى فبعثه (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: يستألفهم بذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل وبذلك سميت تلك الغزاة ذات السلاسل فلما كان عليه خاف فبعث إلى (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأوّلين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيدة لا تختلفا فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو وإنما جئت مدداً لي فقال أبو عبيدة لا ولكنّي أنا على (1/286)
صفحة 287
ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه وكان أبو عبيدة رجلا سهلا لينا هينا عليه أمر الدنيا فقال له عمرو بل أنت مدد لي فقال (أ بو عبيدة”: يا عمرو إنّ (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”:قال لي لا تختلفا وإنّك إن عصيتني أطعتك فقال له عمرو فإني أمير عليك قال فدونك فصلّى عمرو بالناس واستعمله (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: على عمان فلم يزل عليها إلى أن توفيّ (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: ثمّ سيره أبو بكر أميرا إلى الشام فشهد فتوحه وولي فلسطين لعمر ابن الخطاب ثم سيره عمر في جيش إلى مصر فافتتحها ولم يزل عليها إلى أن مات عمر فأمره عليها عثان أربع سنين أو نحوها ثم عزله عنها واستعمل عبد الله بن سعد بن ابي سرح فاعتزل عمر وبفلسطين وكان يأتي المدينة أحيانا وكان يطعن على عثمان فلمّا قتل عثمان سار إلى معاوية وعاضده وشهد معه صفين ومقامه فيها مشهور وهو أحد الحكمين والقصة مشهورة ثم سيره معاوية إلى مصر فأخذها من يد محمّد بن أبي بكر وه عامل لعلي عليها إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وقيل سنة ثمان واربعين وقيل سنة احدى وخمسين والأول أصحّ قوله: « ذات السلاسل”: تقدم إنّ ماءً يسمى بالسلاسل وإنّ الغزوة سميت بذلك وقيل موضع وراء وادي القرى وكانت هذه الغزوة في جمادى الولى سنة ثمان من الهجرة قوله: « فخاف من شدّة برد الماء فتيمّم”: وعند أحمد وأبي داود والدار قطني وابن حبان والحاكم وأخرجه البخاري تعليقاً عن عمرو ابن العاص أنّه لما بعث في غزوة ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيمّمت فصلّيت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكروا ذلك فقال ياعمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب فقلت ذكرت قول الله تعالى ولا تقتلوا انفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً فتيمّمت ثم صليت فضحك (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: ولم يقل شيئاً قوله: « أخبره أصحابه”: كان الواجب أن يسأل (1/287)
صفحة 288
عمرو عن قضيّته فما معنى سكوته حتى أخبر (النبي صلّى الله عليه وسلّم”: بذلك أصحابه ولعلّهم سبقوه إلى (النبي صلّى الله عليه وسلّم”: ولعلّهم لم يسبقوه لكنه انتظر الفرصة للسوآل ويمكن أن يكون قد رسخ في قلبه الجواز رسوخاً تاماً من معنى الآية التي استنبط منها الحكم فاكتفى بذلك الرسوخ عن السوآل لأنّ (رسول الله صلّى الله عليه وسلّم”: قد أقرّهم على استنباط المعاني من الكتاب وهذا الوجه أنسب بالقضية كما يعلم من قوله وجدت الله يقول ولا تقتلوا أنفسكم قوله: « لمّا فعلت ما فعلت”: يعني من التيمّم عن الجنابة مع وجود الماء وتقدّم في رواية قومنا أنّه قال له صلّيت بأصحابك وانت جنب قوله: « ومن أين علمته”: أي من أين علمت الجواز وهذه زيادة عند المصنف رحمة الله عليه لم يذكرها قومنا والزيادة من الثقة مقبولة وناهيك أن راويها ابن عباس رضي الله عنهما وفيها تطمين لعمرو حيث أشار إليه بوجود الجواز في كتاب الله وإنّما سأله ليعلم مأخذه وطريق إستنباطه قوله: « وجدت الله يقول”: أي وجدت قول الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ففهمت منه النهي عن المطلق القتل كان بمباشرة أو تسبب قوله: « فضحك النبي صلّى الله عليه وسلّم “: أي من حسن استنباطه واستبشر بما أبداه من المعنى اللطيف فهو تقرير منه على جواز التيمّم عند خوف الهلاك من شدّة البرد ويلحق به غيره كاخوف من سبع أو عدو أو نحو ذلك كما ذكره في الإيضاح بل أوجب عليه ذلك بقوله وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوّفة ولا يعرضها لخطة متلفة وفي الحديث أيضاً جواز التمسك بالعموم ووجود الإجتهاد في زمان (النبي صلّى الله عليه وسلّم”: وصحة اقتداء المتوضّئ بالتيمّم فإن عمرا كان امير الجيش وهو الذي كان يصلّي بهم وقد صرحت رواية قومنا بإمامته بهم في هذه الحالة أيضاً واستدلّ به قوم على أنّ من تيمّمَ لشدّة البرد وصلّى لا تجب عليه الإعادة لأنّ (النبي صلّى الله عليه وسلّم”: لم يأمره بالإعادة ولو (1/288)
صفحة 289
كانت واجبة لأمره بها ولأنّه أتى بما أمر به فقدر عليه فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم لسائر الأعذار والله أعلم قوله: « ولم يرد عليه”: أي لم يجبه بشيء إلاّ ما ابدى من التيمّم والإستبشار وروي عند قومنا ولم يقل شيئا وروي فلم يعنف أي لم يلمه.
(ما جاء في تيمّم الجريح”:
قوله: « أجنب في سفره الخ”: لم أجد إسم هذا الرجل من هو ولا هذا السفر ما هو والحديث أخرجه أبو داود والدار قطني عن جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمّم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلمّا قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصر أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده وروى نحوه ابن ماجة من طريق ابن عباس وروى نحوه أيضاً صاحب الإيضاح لكن استظهر المحشّي أنّه حديث آخر قال وحديث المنصف رحمه الله تعالى تغائر الحديثين لأنّ حديث المصنف لم يذكر فيه الجراحة وإنّما ذكر اليوم البارد فعذر الرجل في رواية المنصف شدة البرد فهي نظير مسئلة عمرو بن العاص وعذره في حديث القوم نفس الجراحة ثم إن في حديث المنصف التصريح بامتناعه عن الغسل وأنّه قد أمر به فاغتسل وليس في رواية القوم شيئ من ذلك ويمكن الجمع بين الروايتين بأنّ كل واحد من الجراحة واليوم البارد قد حصلا للرّجل وإن كان واحد من الرواة اقتصر على أحد السببين فذكر جابر الجراحة وغيره اليوم البارد وهوالذي عبد المصنف وذكر بعضهم إمتناعه وأمره بالغسل وسكت عنه الآخر فيتحصّل من مجموع الروايتين أن الرجل قد شجّ في رأسه وأنّه احتلم في يوم بارد وأنّه سأل الرخصة فلم يجدها عند أصحابه وأنّه امتنع عن الغسل فأمر به فاغتسل قوله: « فأمر به”: بالبناء للمفعول والضمير للغسل كما صرّح به في رواية ابن ماجة ولفظه (1/289)
صفحة 290
فأمر بالإغتسال فاغتسل فكزّ فمات قوله: « قتلوه”: أي تسببوا لقتله حيث لم يرخصوا له في التيمّم بل حملوه على الغسل قوله: « قتلهم الله”: دعاء عليهم بمثل صنيعهم وفي الحديث قاتل الله اليهود أي قتلهم الله وقيل لعنهم الله وقيل عاداهم قال في النهاية وقد تكررت في الحديث ولا تخرج عن أحد هذه المعاني قال وقد ترد بمعنى التعجّب من الشيء كقولهم تربت يداه وقد ترد ولا يراد بها وقوع الأمر ومنه حديث عمر قاتل الله سمرة.
(ما جاء في تيمّم المجدور”: (1/290)
صفحة 291
قوله: « بلغني عن قوم الخ”: هذه القصة غير الأولى لأنّ هذا مجدور والأوّل إما مشجور أو خاف البرد فقط قوله: « مجدور”: أي أصابه ألم الجدري بفتح الجيم وضمّها وأما الدال فمفتوحة فقط وهو قروح تنفط عن الجلد ممتلئة ماءً ثم تنفتح ويقال أوّل من عذب به قوم فرعون قوله: « فقيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم “: أي ذكر له سبب موته أنّه أمر بالغسل وفيه دليل أنّ الماء يضرّ المجدور (وقوله كما ترى”: أي كما تعلم أو كما تدين به من اغتسال الجنب أي عملوا فيه برائك الذي تراه وهو وجوب الغسل فإن كان قائل ذلك كافراً أو منافقاً فلا يحتاج إلى التأويل لأنّه طعن في الدين فكأنّه قال قتله رأيك الذي تراه وإن كان مؤمناً فإنّه عبّر بلفظ الرأي عن الدين أو العلم كما أشرنا إليه أوّلا ويكون المعنى أنّه أمر فيه بمقتضى الدين فمات ويكون قوله صلّى الله عليه وسلّم ثتلوه قتلهم الله وفينسخة قاتلهم الله تبرأ مما نسب إلى الدين من الضيق والمعنى ليس ذلك من ديني وإنّما الدين أن توضع الأحكام في مواصعها وتبذل الرخص لأهلها فالدين في حقّ هذا أن يؤمر بالتيمّم والله يحبّ أن يؤخذ برخصة كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه ولكن موضع ويكره التنطع في المور والغلو في الدين قوله: « فكر عليه الجدري”: أي صال عليه صولة مات منها * مأخوذة من قولهم كرّ الفارس كراً من باب قتل إذ فرّ للجولان ثم عاد للقتال ويقال الجواد يصلح للكرّ والفرّ وأفناه كر الليل والنهار أي عودهما مرّة بعد اخرى وليس هذا هو الكزّ الوارد في رواية المشجوج فإنّ ذلك بالزاء المعجمة مشدّدة مبنيّاً للمفعول أي أصيب بالكزازين وهو داء يتولّد من البرد وقيل هو نفس البرد وفي الصحاح الكزاز بالضمّ داء يأخذ من شدّة البرد وكزّ الرجل فهو مكزوز إذا انقبض من البرد وفي الحديثين تحريم الفتوى بغير علم وأنّ المخطئ في ذلك غير معذور وأنّ المتسبّب للشيء كفاعله في الإثم وإنّ الإفراط في التحرّز في أمور الدين حرام (1/291)
صفحة 292
كالتفريط فيه بل الواجب موافقة الشرع تشديداً وترخيصاً وذلك هو الصراط المستقيم قوله: « ماذا عليهم لو أمروه بالتيمّم”: يعني أي شيء يضرّهم لو أمروه بذلك ولم يشدّدوا عليه وفيه بحث وهو أن (النبي صلّى الله عليه وسلّم”: نهى عن الفتيا بغير علم وإن أصاب الحق ولم يكن عند القوم علم بالترخيص في التيمّم والحديث يوبّخهم على تركهم أمره بذلك (والجواب”: من وجهين الأول يحتمل أنّ للقوم علما وفهما لو رجعوا إلى النظر في الأدلّة التي علموها من الشارع لظهر لهم الترخيص كما ظهر لعمرو بن العاص من قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم”: فالتوبيخ إنّما توجّه إليهم من تقصيرهم في النظر وعدم استعمالهم الفكر في معاني الكتاب مع تأهّلهم لذلك والوجه الثاني أنّ التوبيخ وقع على ترك أمرهم أياه بالتيمّم وكذلك قول القائل له في أوّل الحديث أنّه أمر بالغسل كما ترى وأمره بذلك فعل لا إفتاء إذا يمكنهم أن يقولوا لا نعلم الرخصة ولكن تيمّم مكان قولهم اغتسل (والحاصل”: ان التوبيخ على أمرهم أياه بالغسل دون التيمّم فكأنه قال لو أمروه بالتيمّم كان خيراً لهم من أن يأمروه بالغسل والله أعلم (كتاب الصلاة ووجوبها”: يعني حكمها الذي حتمه الشارع على العباد فلو تركوه كفروا ويدخل في الصلاة جميع أركانها ولوازمها المطلوبة شرعاً فإنّها لا تكون صلاة إلاّ بحصول الحقيقة المجتمعة من تلك الأفعال والأحوال وأصل الكتاب مصدر كتب كاباً وكتابة ثم استعملوه في ما يجمع شيئاً من الأبواب والفصول وهو يدلّ على معنى الجمع والضم ومنه الكتيبة ويطلق على مكتوب القلم حقيقة لانضمام بعض الحروف والكلمات المكتوبة على بعض وعلى المعاني مجازاً وأصل الصلاة في اللغة الدعاء وسميت هذه العبادة بذلك لاشتمالها عليه وقيل مأخوذة من معنى المصلّي وهو اسم للسابق الثاني من خيل الحلبة سميت بذلك لآنها الثانية من أركان الإسلام الخمس فالتوحيد أوّل الأركان وثانيها الصلاة وقيل غير ذلك. (1/292)
صفحة 293
الباب السابع والعشرون في الأذان
قوله: «في الأذان»: وهو في اللغة الإعلام، قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3]، واشتقاقه من الأَذَن (بفتحتين)، وهو الاستماع. وفي الشرع: الإعلان بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. قال القرطبيُّ وغيره: اشتمل الأذان مع قلَّة ألفاظه على مسائل العقيدة؛ لأنّه بدأ بالأكبريّة، وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تعرف الاَّ من جهة الرسول، ثمَّ دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمَّ أعادها توكيداً. ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعار الإسلام. <1/245> واختلف في وقت ابتداء مشروعيّة الأذان، فقيل: نزل مع فرض الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وقيل: شرع عند قدوم المسلمين المدينة، وهو الأصحُّ.
ما جاء في ما يقال عند سماع الأذان، وكون الأذان مثنى مثنى
قوله: «إذا سمعتم النداء»: (بكسر النون ممدوداً) الأذان، قال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمُ, إِلى الصَّلاَةِ} [المائدة: 58]، وقال: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ} [الجمعة: 9]، وظاهر قوله: «إذا سمعتم» اختصاص الإجابة بمن سمع، فلو رأى المؤذِّن على المنارة مثلا في الوقت، وعلم أنّه يؤذِّن لكن لم يسمع أذانه لبُعد أو صمم لا تشرع له المتابعة. (1/293)
صفحة 294
قوله: «مثل ما يقول المؤذِّن»: ادَّعى ابن وضَّاح من قومنا أنَّ لفظ المؤذِّن مدرج في الحديث، وتُعُقِّب بأنَّ الإدراج لا يثبت بمجرّد الدعوى، وقد اتّفقت الروايات في الصحيحين والموطأ على إثباتها، ولم يصب صاحبُ العمدة في حذفها، وإنّما قال: صلّى الله عليه وسلّم: «فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن» بصيغة المضارع، ولم يقل: مثل ما قال بصيغة الماضي، إشارة إلى أنّه يجيبه بعد كلِّ كلمة بمثلها، كما صرّحت به بعض الروايات، وهنا مباحث:
المبحث الأوَّل: مذهبنا ومذهب الجمهور من قومنا أنَّ الأمر في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فقولوا مثل ما يقول» للندب. وقالت الحنفيّة وأهل الظاهر وابن وهب: إنّه للوجوب، وحكاه الطحاويُّ عن قوم من السلف؛ وذلك لأنَّ الأصل في الأمر للوجوب، والجواب: أنَّ قرائن الأحوال دالَّة على أنَّ القصد من هذا الأمر نفس الندب، فإنّه لو كان واجباً لشدَّد فيه مثل ما شدّد في الواجبات، ولكان يرفع إلى رسول الله من سكت عن الإجابة، فلمَّا لم يقع شيء من هذا في عصر الصحابة، ولا عنِّف أحد على الترك، علمنا أنّ المقصود الندب. ثمَّ إنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم سمع مؤذِّناً فلما كبَّر قال: "على الفطرة"، فلما تشهّد قال: "خرج من النار" أخرجه مسلم وغيره؛ فهذا نصٌّ في موضع النزاع، <1/246> فإنَّه صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: مثل ما قال المؤذن، بل قال غير ذلك، والله أعلم.
المبحث الثاني: هل تشرع الإجابة لكلِّ مؤذِّن؟ ظاهر الأمر يفيد الإجابة لكلِّ مؤذِّن دعا إلى الصلاة في وقتها، قال القاضي عياض وفيه خلاف بين السلف، قال: فمن رأى الاقتصار على الإجابة للأوَّل احتجَّ بأنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، ويلزمه على ذلك أن يكتفي بإجابة مؤذِّن في العمر، ومن المعلوم أنَّ ذلك غير مقصود للشارع. (1/294)
صفحة 295
المبحث الثالث: الظاهر من قوله في الحديث: «فقولوا» أنَّ المشروع في الإجابة القول، فلا يكتفي بإمرارها على القلب؛ لأنّه لا يسمَّى قولا.
المبحث الرابع: هل تشترط المساواة بين الإجابة والأذان في نفس القول؟ فظاهر الحديث المساواة في جميع ألفاظ الأذان: الْحَيْعَلَتَيْنِ وغيرهما؛ لقوله: «مثل ما يقول»، وهو أحد القولين في المذهب. وقال جمهور قومنا، وبه جزم الشيخ إسماعيل في القناطر: يقول مثل ما يقول إلاَّ في الحيعلتين، فإنه يقول معهما: "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله"، وخصَّصوا حديث الباب بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند مسلم وأبي داود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا قال المؤذِّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ثمَّ قال: أشهد أنّ محمَّدا رسول الله، قال: أشهد أنّ محمَّدا رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إله إلاَّ الله، قال: لا إله إلاَّ الله، مَنْ قَبِلَهُ دَخَلَ الجنَّة". وأخرج البخاريُّ نحوَه من حديث معاوية، وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا، وتارة كذا. وحكى بعض المتأخِّرين عن بعض أهل الأصول أنَّ الخاصَّ والعامَّ إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلِمَ لا يقال: يستحبُّ للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة. (1/295)
صفحة 296
المبحث الخامس: لا يعمُّ الأمر جميع الأحوال لأدلَّة أخر، فلا تشرع الإجابة للمصلّي، ولا للمجامع، ولا لصاحب الخلاء، أمّا الأخيران فلتنزيه الله تعالى وتعظيم شعائره، وأمّا المصلّي فلتحريم الاشتغال في الصلاة بغير أفعالها. وفي الحديث: "إنَّ في الصلاة لشغلاً". وقد امتنع صلّى الله عليه وسلّم فيها من ردِّ السلام، وهو أهمّ من إجابة المؤذِّن <1/247> وقيل يؤخّر المصلّي الإجابة حتَّى يفرغ، قلنا: قد فات وقتها، فلا معنى لفعلها بعد ذلك. وقال بعض قومنا: يجيب إلاَّ في الحيعلتين، وقال بعضهم بالكراهة فقط، وقال بعضهم: الكراهة تحتاج إلى دليل ولا دليل، والحقّ ما قدَّمت لك، وهو المذهب لا غيره، والله أعلم. (1/296)
صفحة 297
قوله: «والأذان مثنى مثنى»: أي مرّتين مرّتين فهو معدول على اثنين اثنين، ممنوع عن الصرف للوصف والعدل، فمثنى الثاني مؤكِّد، لأنّ الأوَّل يفيد تثنية كلِّ لفظ، وحكموا للتثنية في التكبير بحكم الكلمة الواحدة، ولذلك يقول المؤذن كلَّ تكبيرتين في نفَس واحد، فالتكبير مربَّع، كما صرَّح به حديث عبد الله بن زيد الأنصاريِّ الرائي لهيئة الأذان في نومه، فكان ذلك سببا لمشروعيَّته. وقد وافقنا على تربيع التكبير أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمد وجمهور العلماء، واحتجّوا بحديث عبد الله بن زيد المشار إليه وبعمل أهل مكّة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم. وذهب مالك وأبو يوسف إلى تثنية التكبير فقط، واحتجّوا بما جاء في بعض الطرق من حديث عبد الله بن زيد، فقد جاء في بعضها غير مربّع، وبحديث أبي محذورة في رواية مسلم عنه، وفيه أنّ الأذان مثنى فقط، وبأنّ التثنية عمل أهل المدينة، قالوا: وهم أعرف بالسنَّة، وبحديث أمره صلّى الله عليه وسلّم لبلال بتشفيع الأذان وإيتار الإقامة، والحقُّ أنّ روايات التربيع أرجح لصحّة مخرجها، واشتمالها على الزيادة، وهي مقبولة عندهم، وعملُ أهل المدينة لا يكفي مرجِّحاً، لتخلّف أحوالهم بعد انقراض صدرهم الأوَّل رحمة الله عليهم، وقد تحكَّمت عليهم الجبابرة، وامتثلوا أوامرهم، والتزموا طاعتهم، ولكل دولة هوى، ولكلّ أمّة اختيار. ثمَّ إنّ المراد من كون الأذان مثنى مثنى ما عدا كلمة التوحيد في آخره لحديث عبد الله بن زيد المشار إليه، وكذلك التكبير الذي في آخر الأذان، فإنّه عندنا غير مربَّع بل مثنى في ذلك، لما في ذلك الحديث أيضاً، فإنّه قال فيه بعد الحيعلتين: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاَّ الله". (1/297)
صفحة 298
قوله: «والإقامة مثنى مثنى»: فهي كالأذان، لكن زيدت فيها: "قد قامت الصلاة". وروي أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بلالا فأذَّن مثنى مثنى، وأقام <1/248> كذلك ووافقنا على ذلك أهل الكوفة والحنفيَّة والهادويَّة والثوريُّ وابن المبارك، واستدلّوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذيِّ وأبي داود بلفظ: "كان أذان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شفعا شفعا في الأذان والإقامة. وقال أصحابنا: إنّ أوَّل من أفرد الإقامة معاوية، وكان يطول عليه القعود على المنبر، واقتدى به في ذلك أكثر مخالفينا، منهم الشافعيُّ وأحمد. قال الخطابيُّ: مذهب جمهور العلماء والذي جرى فيه العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أنَّ الإقامة فرادى، وهذا لعمري منه حكم بالغيب، وليت شعري من أين انتهى إليه الخبر بهذا العمل من أقاصي بلاد الإسلام، ثمَّ ماذا صنع مَن خالَفَه من أهل الكوفة والحنفيَّة وغيرهم؟ هل وافقوه في العمل وخالف فعلُهم قولَهم، أم ماذا صنعوا؟ أم عميت عليهم أنباؤهم فبادر إلى الجزم بمقتضى وهمه، وكأنِّي به نشأ بين أتباع معاوية، فظنّ أنّه لا مخالف لهم، ولا بدَّ للأمّة من قائم بحقٍّ، وداع إلى هدى. ولم يزل عمل المسلمين والحمد لله في الشرق والغرب مع كثرة مخالفيهم مستمرًّا على العمل بتثنية الإقامة كالأذان، عملا بحديث الباب عند المصنِّف رحمة الله عليه، والله أعلم.
ما جاء في أذان المنفرد وفضل الأذان
قوله: «لرجل»: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني.
قوله: «تحبُّ الغنم والبادية»: وهو شأن البدو، أمّا الغنم فإنّهم يحبُّونها لانتفاعهم بها، أكلا وشرباً ولباساً، وأمّا البادية فيحبُّونها لأجل الغنم، لأنّ فيها الرعي وطيب الهواء واتساع المرعى، وذلك كلّه مِمَّا يصلح الماشية، وقد يحبّون البادية لموافقة أطباعهم وصحّة أبدانهم. (1/298)
صفحة 299
قوله: «في غنمك وباديتك»: الظرفيَّة في الغنم مجازيَّة، وفي البادية حقيقيَّة، فهو من عموم المجاز، شبَّهَه لملازمته إيَّاها بالكائن <1/249> وسطها.
قوله: «فارفع صوتك»: فيه الحثُّ على الاجتهاد في رفع الصوت بالأذان، ابتغاء وجه الله، ورجاءً لما عنده، ويدلُّ أيضاً على أنَّ الأذان سنّة للمنفرد أيضاً.
قوله: «جنٌّ ولا إنس ولا شيء»: ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات. وهو مِن ذِكْرِ العامِّ بعد الخاصِّ، وبيَّنه حديث أبي هريرة مرفوعاً: "المؤذِّن يغفر له مدّ صوته، ويَشهَد له كلُّ رطب ويابس"، فإنّ الرطب واليابس لا يخرج عن الاتِّصاف بأحدهما شيء من الموجودات. وفي رواية لابن خزيمة: "لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جنٌّ ولا إنس"؛ وبهذا يظهر أنّ التخصيص بالملائكة ـ كما قال القرطبيُّ ـ أو بالحيوان ـ كما قال غيره ـ غير ظاهر وغير ممتنع عقلا ولا شرعاً أن يخلق الله في الجمادات القدرة على السماع والشهادة، ومثله قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44]. وفي صحيح مسلم: "إنّي لأعرف حجراً كان يسلّم عليَّ"، والسرُّ في هذه الشهادة مع أنّها تقع عند عالم الغيب والشهادة أنّ أحكام الآخرة جرت على نحو أحكام الخلق في الدنيا من توجُّه الدعوى والجواب والشهادة. وقيل: المراد بهذه الشهادة إشهار المشهود له بالفضل وعلوِّ الدرجة، وكما أنّ الله يفضح بالشهادة قوماً، كذلك يكرم بالشهادة آخرين. وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان، ومسنونيّة الأذان للمنفرد، وحبُّ الغنم والبادية، لاسيما عند خوف الفتنة، كما تقدّم في باب الفتنة.
ما جاء في قول المؤذِّن في الليلة الباردة والمطيرة (1/299)
صفحة 300
قوله: «كان يأمر المؤذِّن»: أي يأمر من قام للأذان أو من تكفّل به تلك الليلة، فأل للجنس، <1/250> وعلى الاحتمال الأوّل فالأذان إنَّما يكون بحضرته صلّى الله عليه وسلّم، فيناسب ظاهر قول البخاريِّ: إنّ ذلك في السفر، والجمهور أنّه لا يختصُّ بالسفر، بل يكون في الحضر أيضاً، وهو المناسب للاحتمال الثاني. وهل التأذين لحضوره صلّى الله عليه وسلّم مع من شاء الحضور، أو للإعلام بدخول الوقت؟ والظاهر أنّ كلا المعنيين مراد، وأنّ قوله: «ألاَ صلّوا في الرحال» ترخيص لمن شاء أن يترخَّص، وليس ذلك بعزيمة، ويدلُّ عليه أنّ ابن العبَّاس قال لمؤذِّنه في يوم مطير: "إذا قلت: أشهد أنّ محمَّدا رسول الله، فلا تقل: حيَّ على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم، قال: فكأنَّ الناس استنكروا ذلك، فقال أتعجبون من ذا، فقد فعل ذا من هو خير منّي، يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم، إنَّ الجمعة عزمة، وإنِّي كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض"، رواه أحمد والبخاري ومسلم. ولمسلم أنَّ ابن عبَّاس أمر مؤذِّنه في يوم جمعة في يوم مطير بنحوه، فهذا يدلّ على أنّ الإجابة فضل والتأخُّر رخصة، وأنَّ الحكم غير خاصٍّ بالسفر بل يكون في الحضر أيضاً، فإنّ الجمعة لا تقام إلاَّ في الحضر، فيحمل حديثَا عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله في الباب على موافقة الحال، فإنهما صرّحا أنّ ذلك كان في السفر.
قوله: «ليلة باردة»: ظاهره اختصاص الليل بذلك، قال ابن حجر: لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: "في الليلة المطيرة والغداة القرَّة". قال: وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنّهم مطروا يوماً، فرخَّص لهم، قال: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح بالنهار صريحاً، لكنَّ القياس يقتضي إلحاقه. (1/300)
صفحة 301
قوله: «ذات مطر ورعد»: أي صاحبة مطر ورعد، وفي نسخة: «وريح» مكان «رعد»، وفي رواية للبخاري: «في الليلة الباردة أو المطيرة»، وفي أخرى له: "إذا كانت ليلة ذات برد ومطر». وفي صحيح أبي عوانة: «ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح»، وفيه أنَّ كلاًّ من الثلاثة عذر في التأخُّر عن الجماعة، ونقل ابن بطَّال فيه الإجماع، لكنَّ المعروفَ عند الشافعيَّة أنَّ الريح عذر في الليل فقط، قال ابن حجر: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحاً لكنَّ القياس يقتضي إلحاقه، قال: <1/251> وقد نقله ابن الرفعة وجهًا. (1/301)
صفحة 302
قوله: «ألاَ صلُّوا في الرحال»: جمع رحل، وهو المنزل، سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو وبر أو صوف أو شعر أو غير ذلك. وهل النداء بذلك يكون بعد الفراغ من الأذان أو بدلا من الحيعلتين كما دلّ عليه حديث ابن عبّاس المتقدّم قريباً؟ ويدلّ على الاحتمال الأوّل ما جاء في رواية للبخاريِّ: "ثمَّ يقول على أثر الأذان: ألاَ صلّوا في الرحال". وفي رواية لمسلم بلفظ: "في آخر ندائه". قال القرطبيُّ: يحتمل أن يكون المراد في آخره قبل الفراغ منه، جمعاً بينه وبين حديث ابن عبَّاس المتقدّم. وحمل ابن خزيمة حديث ابن عباس على ظاهره، وقال: إنّه يقال ذلك بدلا من الحيعلة نظراً إلى المعنى؛ لأنّ معنى "حيَّ على الصلاة": هلمّوا إليها، وأنّ معنى "الصلاة في الرحال": تأخَّروا عن المجيء، فلا يناسب إيراد اللفظين معاً؛ لأن أحدهما نقيض الآخر. قال ابن حجر: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى "الصلاة في الرحال" رخصة لمن أراد أن يترخّص، ومعنى "هلمّوا إلى الصلاة" ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولم يحمل المشقَّة. قال: ويؤيِّد ذلك حديث جابر عند مسلم: قال: "خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمطرنا، فقال: ليصل من شاء منكم في رحله". وفي الحديث الاهتمام بشأن الأمَّة، ودفع المشقَّة عنهم، وبذل الرخصة في موضعها، والزيادة على الأذان ما ليس من ألفاظه للمصلحة، والله أعلم.
الباب الثامن والعشرون في أوقات الصلاة (1/302)
صفحة 303
قوله: «أوقات»: جمع وقت، وهو مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، وكلُّ شيء قدَّرتَ له حيناً فقد وقّتَّه توقيتاً، وكذلك ما قدَّرت له غاية. ووقَّت الله الصلاة توقيتاً، ووَقَتَهَا يَقِتُها من باب وَعَدَ: حدَّد لها وقتا؛ وفي حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد ومسلم والنسائي وأبي داود أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر <1/251> ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس". وفي رواية لمسلم: "ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأوَّل". وفيه: "ووقت صلاة العصر ما لم تصفرَّ الشمس وسقط قرنها الأوّل، وثور الشفق بالثاء المثلَّثة ثورانه وانتشاره ومعظمه. وأوَّل وقت الظهر الزوال، لما في حديث جابر بن عبد الله أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم جاءه جبريل عليه السلام فقال له: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلِّه، فصلّى العصر حين صار ظلُّ كل شيء مثله، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلِّه، فصلّى المغرب حين وجبت الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلِّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه فصلّى الفجر حين برق الفجر ـ أو قال: سطع الفجر ـ ثمَّ جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصلِّه فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كل شيء مثله، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلِّه فصلّى العصر حين صار ظل كلِّ شيء مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتاً واحداً لم يزل عنه، ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل ـ أو قال: ثلث الليل ـ فصلّى العشاء ثمَّ جاء حين أسفر جدًّا فقال: قم فصلِّه، فصلّى الفجر، ثمَّ قال: ما بين هذين الوقتين وقتٌ". قال البخاريُّ: هو أصحُّ شيء في المواقيت.
ما جاء في وقت صلاة الظهر (1/303)
صفحة 304
قوله: «كنّا نصلّي الظهر»: وعند البخاريِّ: «كنَّا نصلّي العصر...»الخ فرواية البخاريِّ تدلُّ على تعجيل العصر، ورواية المصنِّف تدلّ على تأخير الظهر، ولكلّ واحدة منهما شواهد لاختلاف الأحوال. وعند أحمد عن أنس قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلّي الظهر في أيَّام الشتاء، وما ندري أَمَا ذهب من النهار أكثر أو ما بقي منه؟". وعند النسائي عن أنس بن <1/253> مالك أيضاً قال: "كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كان الحرُّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل"، وللبخاريِّ نحوه.
قوله: «إلى بني عمرو بن عوف»: أي بقُبَاء؛ لأنها كانت منازلهم، قال النوويُّ: قال العلماء: كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وكانوا يصلّون العصر في وسط الوقت؛ لأنّهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم.
قوله: «إذا اشتدّ»: أي قوي، ومفهومه أنَّ الحرّ إذا لم يشتدَّ لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب أولى. (1/304)
صفحة 305
قوله: «فأبردوا»: (بقطع الهمزة وكسر الراء)، أي: أخِّروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، كأظهر إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد: إذا دخل نجدًا، وأتهم إذا دخل تهامة. والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب. وخصّه بعضهم بالجماعة، فأمَّا المنفرد فالتعجيل في حقِّه أفضل، وقيل: خاصٌّ بالبلد الحارِّ، وقيل: إنّ الجماعة إذا كانوا يأتون مسجدهم في كنٍّ، فالأفضل في حقِّهم التعجيل. وقال بعضهم: تعجيل الظهر مطلقاً أفضل، وتأوَّلوا قوله: «أبردوا» بمعنى صلّوا في أوّل الوقت، أخذاً من برد النهار، وهو أوّله، وهو تأويل بعيد، ويردّه قوله: «فإنّ شدة الحرّ من فيح جهنّم»، إذ التعليل بذلك يدلّ على أنّ المطلوب التأخير، وتمسّكوا أيضاً بالأحاديث الدالَّة على فضيلة أوّل الوقت، وبأنّ الصلاة حينئذ أكثر مشقّة فتكون أفضل، والجواب أنّ التعجيل في موضعه أفضل، والإبراد في موضعه أفضل، فيحمل كلّ واحد من الحديثين على وقت يخصّه. وقيل: الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنّه أمر إرشاد. وقيل: إنّ أحاديث التعجيل عامَّة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاصٌّ. وأمّا قولهم: التعجيل أكثر مشقّة فلا يفيد الأفضليَّة؛ لأن الأفضليَّة لم تحصر في الأشقِّ بل قد يكون الأخفُّ أفضل إذا وافق السنَّة.
قوله: «فإنّ شدَّة الحرِّ»: هذا تعليل للأمر بالإبراد، وهل الحكمة فيه رفع المشقَّة لكونها قد تسلب الخشوع؟ أو لكونها الحالة التي ينشر فيها العذاب؟ ويؤيّده حديث: "اقصرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنّه ساعة تسجر فيها جهنّم"؛ <1/254> واستُشكل بأنَّ الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنَّة لطرد العذاب فكيف يتركها؟ وأجيب بأنّ وقت ظهور أثر الغضب لا ينفع فيه الطلب إلاَّ ممن أذن له فيه، يدلّ على ذلك حديث الشفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلُّهم للأمم بذلك سوى نبيئنا صلّى الله عليه وسلّم، لكونه أذن له في ذلك. (1/305)
صفحة 306
قوله: «من فيح جهنّم، قال الربيع: فيحها نَفَسُها»: (بفتحتين) أي: تنفُّسها، وهو غليانها، وهو انتشار ريحها، يقال: مكان أفيح أي: متّسع الأرجاء. وظاهره أنَّ مثار وهيج الحرِّ في الأرض من فيح جهنّم حقيقة، كما صرّح به بعضهم، وقيل: بل هو من مجاز التشبيه، أي: كأنّه نار جهنّم، والأوَّل أولى، ولا مانع من حمله على حقيقته، ويدلّ عليه حديث: "إنّ النار اشتكت إلى ربّها، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف"، وهو في الصحيح، وحديثُ: "إنّ لجهنّم نفسين"، وهو كذلك.
ما جاء في وقت الصلاة (1/306)
صفحة 307
قوله: «والشمس في حجرتها»: المراد بالشمس ضوءها، والحُجْرة (بضمّ المهملة وسكون الجيم): البيت، قال النوويُّ: كانت الحجرة صغيرة العرصة، قصيرة الجدار، بحيث كان طول جدارها أقلَّ من مسافة العرصة، فيفيد الحديث تعجيل صلاة العصر في أوّل وقتها. قال ابن حجر: وهذا الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عروة، واحتجّ به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر، قلت: ويؤيّده حديث أنس عند الجماعة إلاَّ الترمذيَّ قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلّي العصر والشمس مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة". وعن أنس عند مسلم: قال: "صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العصر، فأتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، إنَّا نريد أن ننحر جزورا لنا وإنّا <1/255> نحبّ أن تحضرها قال: نعم، فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثمَّ قطعت، ثمَّ طبخ منها، ثمَّ أكلنا قبل أن تغيب الشمس". وعن رافع بن خديج قال: كنّا نصلي العصر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمَّ ننحر الجزور، فتقسَّم عشر قسم، ثمَّ نطبخ فنأكل لحماً نضيجاً قبل مغيب الشمس". رواه أحمد والبخاريُّ ومسلم. وقال الطحاويُّ: لا دلالة فيه على التعجيل، لاحتمال أنّ الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحجب عنها إلاَّ قرب غروبها، فيدلّ على التأخير لا على التعجيل. وتُعُقِّب بأنّ الاحتمال الذي ذكره إنَّما يتصوّر مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أنَّ حُجر أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم لم تكن متّسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقياً في قعر الحجرة الصغيرة إلاَّ والشمس قائمة مرتفعة.
قوله: «قبل أن تظهر»: أي قبل أن تخرج من حجرتها، مأخوذ من قولهم: ظهر الشيء يظهر ظهوراً إذا برز بعد الخفاء.
ما جاء في وقت الفجر (1/307)
صفحة 308
قوله: «يصلّي الفجر»: أي صلاة الفجر، ففيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو تقول: نصب الفجر على الظرفيَّة، فلا يكون حذف، وعليه فالمعنى: كان يصلّي وقتَ الفجر.
قوله: «متلفِّعات»: (بالعين المهملة بعد الفاء)، أي: متجللات ومتلفِّفات، ويقال: تلفَّعت المرأة بمرطها مثل تلحَّفت به وزنا ومعنى، واللِّفاع (بالكسر): ما تلفع به من مرط وكساء ونحوه. وقيل: التلفُّع لا يكون إلاَّ بتغطية الرأس والتلفُّف يكون بتغطية الرأس وكشفه. والمروط: جمع مِرْطٍ (بكسر أوّله): كساء من خزٍّ أو صوف أو غيره يؤتزر به، وتتلفَّع به المرأة. وعن النضر بن شميل ما يقتضي أنّه خاصٌّ بلبس النساء، وقيل: هو كساء معلَّم من خزٍّ أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يسمّى <1/256> مرطاً إلاَّ إذا كان أخضر، ولا يلبسه إلاَّ النساء، وهو مردود بقولهم: مرط من شعر أسود.
قوله: «ما يعرفن من الغلس»: لفظ الحديث عند قومنا عن عائشة قالت: "كان النساء المؤمنات يشهدن مع النبي صلّى الله عليه وسلّم صلاة الفجر متلفِّعات بمروطهن، ثمَّ ينقلبن إلى بيوتهنّ حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنّ أحد من الغلس"، رواه الجماعة. وللبخاريِّ: "ولا يعرف بعضهنَّ بعضاً". قالوا: ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة أنّه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأنَّ هذا إخبار عن رؤية المتلفِّعة على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس.
قوله: «من الغلس والغبش، قال الربيع: الغبش والغلس واحد وهو الظلمة»: وفي المصباح: الغلس (بفتحتين): ظلام آخر الليل، وغلَّس القوم تغليساً: خرجوا بغلس، وفي المختار: الغبش (بفتحتين): البقيّة من الليل. وقيل: ظلمة آخر الليل. و«مِنْ» في قوله: «من الغلس» تعليليّة؛ لأنّ الغلس علَّة لامتناع معرفتهنّ. (1/308)
صفحة 309
وفي الحديث استحباب المبادرة لصلاة الصبح في أوَّل الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل. ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى؛ لأنَّ الليل مظنَّة الريبة أكثر من النهار، ومحلّ ذلك إذا لم يخش عليهنّ أو بهنّ فتنة. واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فإنّه جعل التلفُّع صفة لشهود الصلاة وتعقّبه عياض بأنها إنَّما أخبرت عن هيئة الانصراف.
ماجاء في شهود العشاء والتشديد على من تخلّف
قوله: «لقد هممت»: اللام جواب القسم. والهم: العزم، وقيل: دونه، وزاد مسلم في أوّله أنّه صلّى الله عليه وسلّم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: «لقد هممت...»، فأفاد سبب ذكر الحديث.
قوله: «بحطب فيحطب»: أي يكسر ليسهل اشتعال النار فيه، وَوَصَفَهُ باسم الحطب قبل أن يتَّصف <1/257> به حيث كان في أمَّهاته قبل أن يكسر مجازاً، حيث سمَّاه باسم ما يؤول إليه.
قوله: «ثمَّ آمر بالصلاة»: أي بالدعاء إليها وإقامتها وفعلها على التمام.
وقوله: «فيؤذَّن بها»: أي يُعلِم بحضورها. والفاء تفريعيَّة، فإنّ ما بعدها تفصيل لقوله: «آمر بالصلاة».
قوله: «ثمَّ آمر رجلا»: فيه جواز الاستخلاف في الإمامة في الجماعة، وجواز تخلّف الإمام لمصلحة يراها.
قوله: «ثمَّ أخالف إلى رجال»: آتيهم من خلفهم. وقال الجوهريُّ خالف إلى فلان أي: أتاه، إذا غاب عنه. أو المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، فأتركه وأسير إليهم، وأخالف ظنَّهم في أنّي مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم. أو معنى «أخالف»: أتخلّف، كما هو في بعض النسخ، والمعنى: أتخلّف عن الصلاة إلى قصد المذكورين. والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان.
قوله: «فأحرِّق»: (بالتشديد): والمراد به التكثير، يقال: حرَّقه إذا بالغ في تحريقه. (1/309)
صفحة 310
قوله: «عليهم بيوتهم»: وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح: "فأحرق بيوتاً على من فيها"؛ فالعقوبة ليست قاصرة على المال، إذ ليس الغرض تنكيلهم بحرق البيوت فقط، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبع لهم.
قوله: «والذي نفسي بيده»: هو قسم. كان النبي صلّى الله عليه وسلّم كثيراً ما يقسم به. والمعنى: إنَّ أمر نفوس العباد بيد الله، أي: بتقديره وتدبيره. وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شكّ فيه تنبيها على عظم شأنه. وفيه الردّ على من كره الحلف بالله مطلقاً.
قوله: «عظماً سميناً»: يعني عظماً عليه لحم سمين. وفي وصف العظم بذلك تجوُّزٌ.
قوله: «أو مرماتين»: تثنية مِرماة (بكسر الميم، وحكي الفتح)، وميمه زائدة. وقيل: المرماة (بالكسر): السهم الصغير الذي يتعلّم به الرمي، وهو أحقر السهام، وأدناها والمعنى لو دعي إلى أن يُعطَى سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة، وردَّه الزمخشريُّ بأنّه غير وجيه. وقال الخليل: المرماة ما بين ضلعي الشاة. وقال أبو عبيدة: هذا حرف لا أدري ما وجهه، إلاَّ أنّه هكذا يفسَّر بما بين ضلعي الشاة، يريد به حقارته. وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبون بها، نصال محدَّدة يرمونها في كوم <1/258> من تراب، فأيُّهم أثبتها في الكوم غلب، ولا يبعد أن يكون هذا مراد الحديث جمعاً بين شهوتي الأكل واللهو. وإنّما وصف العظم بالسمن، والمرماتين بالحسن، ليكون ثَمَّ باعث نفسانيٌّ على تخصيصهما. (1/310)
صفحة 311
وفيه الإشارة إلى ذمّ المتخلّفين عن الصلاة، ووصفهم بالحرص على الشيء الحقير، من مطعوم أو ملعوب به، مع التفريط في ما يُحَصِّل رفيعَ الدرجات، ومنازل الكرامة. وفي الحديث تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة؛ لأنّ المفسدة إذا ارتفعت بالزجر والوعيد كفى ذلك عن العقوبة بالفعل؛ لأنّ الغرض دفع المفسدة وقد حصل. واستدلّ به قوم من المالكيَّة وغيرهم على جواز العقوبة بالمال، واعتُرض بأنّ الخبر ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة، وأيضاً يحتمل أنّ التحريق من باب ما لا يتمّ الجواب إلاَّ به، لأنّ الظاهر أنّه لا يتوصّل إلى عقوبتهم إلاَّ بتحريق بيوتهم عليهم لاختفائهم فيها، كذا قيل؛ ويمكن أن يجاب بأنّ عقوبتهم ممكنة بإخراجهم من بيوتهم، ولكن أراد الإغلاظ بالتحريق عليهم.
ويدلّ أيضاً على جواز أخذ أهل الجرائم على غرّة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم همَّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة في الجماعة، فرأى أن يبغتهم بالوقت الذي يتحقّقون أنه لا يطرقهم فيه.
واستدلَّ به ابن العربي وغيره على مشروعيَّة قتل تارك الصلاة متهاوناً بها. واستدلّ به ابن العربي أيضاً على جواز إعدام محلِّ المعصيّة كما هو مذهب مالك؛ وتُعُقِّب بأنّه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال. (1/311)
صفحة 312
قوله: «لشهد العشاء»: (بكسر العين المهملة والمدِّ): اسم لصلاة العتمة. وكره بعضهم تسميتها بالعتمة لحديث ابن عمر عند أحمد ومسلم والنسائيِّ وابن ماجه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلاتكم ألاَ إنَّها العِشاء، وهم يعتمون بالإبل". وفي رواية لمسلم: "لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنَّها في كتاب الله العشاء، وإنَّها تعتم بحلاب الإبل". لكن في حديث أبي هريرة عند المصنِّف ومالك: "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا". فقيل لمالك: أَمَا تكره أن تقول: العتمة؟ قال: هكذا قال الذي حدَّثني. والعَتَمَةُ (محرَّكة): ثلث الليل الأوّل بعد غيوبة الشفق، أو وقت صلاة العشاء الآخرة.
<1/259> ما جاء في وقت الاصفرار
قوله: «قاعد»: أي للتذكير بأمور الآخرة، وتخويف الناس عن التهاون بالصلاة، وتحذيرهم النفاق.
قوله: «تلك صلاة المنافقين»: الحديث رواه الجماعة إلاَّ البخاريُّ وابن ماجه، ولفظه عندهم: عن أنس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتَّى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله إلاَّ قليلا". وفي رواية أبي داود تكرار لقوله: "تلك صلاة المنافق".
قوله: «يتحدّث»: أي في أمور الدنيا، فإنها مبلغ همّه، وغاية قصده، لعماه عن العواقب.
قوله: «اصفرّت الشمس»: أي تغيَّر لونها، وقلّ ضوءها، بإقبال ظلمة الليل، حتَّى خالط ضوءها الاصفرار.
وفي الحديث إشارة إلى فوات العصر بالاصفرار. وعن ابن مسعود عند أحمد ومسلم وابن ماجه قال: "حبس المشركون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن صلاة العصر حتَّى احمرّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا". (1/312)
صفحة 313
قوله: «بين قرني الشيطان»: قيل: المراد ظاهره، وأنّ الشيطان يحاذي الشمس بقرنيه عند غروبها، وكذلك عند طلوعها؛ لأنّ الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، وخيِّل له ولأعوانه أنهم إنَّما يسجدون له. وقال الخطَّابيُّ: هو تمثيل، ومعناه أنّ تأخيرها لتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها، كمدافعة ذوات القرون لِمَا تدفعه.
قوله: «فينقر أربعاً»: أي أربع نقرات يعدُّها ركعات، والمراد بالنقر سرعة الحركات كنقر الطائر للحبِّ ونحوه.
قوله: «لا يذكر الله فيها إلاَّ قليلا»: هو على حدّ قوله تعالى <1/260> {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَىا يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142]. والمراد بذكر الله في الصلاة الذكر المأمور به من القراءة والتسبيح والتكبير، فالمنافقون لا يقولون ذلك كلّه بل بعضه لسرعة نقرهم. أو المراد: حضور القلب عند الذكر، فقلوبهم مشتغلة في مهمَّاتهم، وألسنتُهم تتحرّك بما ليس في قلوبهم.
وفي الحديث دليل على كراهة تأخير الصلاة إلى وقت الاصفرار، والتصريح بذمّ من أخَّرها بلا عذر إلى ذلك الوقت والحكم على صلاتة بأنّها صلاة المنافقين.
وفي قوله: «فينقر أربعاً» إشارة إلى ذمّ السرعة في الصلاة، بحيث لا يتمّ له الخشوع، والله أعلم.
ما جاء في من نسي صلاة أو نام عنها (1/313)
صفحة 314
قوله: «من نسي صلاة أو نام عنها...» الخ: في رواية مسلم: إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلّها إذا ذكرها فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري} [طه: 14]. وعن أنس بن مالك أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها، لا كفّارة لها إلاَّ ذلك". رواه أحمد والبخاريُّ ومسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري}". رواه الجماعة إلاَّ البخاريُّ والترمذيُّ.
قوله: «فليصلّها إذا ذكرها»: إن كان ناسياً، وإذا انتبه من نومه إن كان نائماً. زاد في الإيضاح: "فذلك وقتها". قال المحشِّي: وقد وجد هذا في بعض النسخ. قال الربيع وذلك في حين تجب عليه فيه الصلاة، احترازاً من الأوقات التي نهينا عن الصلاة فيها، وهي الطلوع والغروب والاستواء، فإنّه إذا ذكرها في شيء من هذه الأوقات أخّرها إلى الوقت الذي بعده. وذكر صاحب الإيضاح في قوله: «فذلك وقتها» قولين: قيل: وقت إعادتها، <1/261> وقيل: وقت فرضها؛ قال: فمن ذهب إلى أنّ ذلك وقت وجوبها جعلها ديناً يقضيها، قال: ومن ذهب إلى أنّه وقت إعادتها جعله وقتاً لها، فإن تركها بعد ما ذكرها أو بعد ما انتبه من نومه مقدار ما يصلِّيها فيه هلك. وقال بعضهم: وقتها مع وقت صلاة ذكرها فيه، أو وقت انتبه فيه من منامه إذا كان ذلك في وقت الصلاة، وإن كان في غير وقت الصلاة فعلى ما ذكرناه حتَّى يخرج وقت الصلاة المستقبلة؛ قال: فعلى هذا إن ذكرها وانتبه في وقت الصلاة الحاضرة صار وقت المنسيَّة وقت الحاضرة، فهما مشتركتان فيه، وعليه أن يصلّي المنسيَّة ثمَّ الحاضرة قياساً على المؤدَّاة المشتركات في الأوقات إذا أراد أن يجمع بينها في حال يجوز له الجمع. (1/314)
صفحة 315
وفي الحديث مشروعيَّة القضاء للناسي والنائم. واختلفوا في المتعمّد، فمنهم من قال: إنَّ القضاء يشرع في حقّه أيضا من باب أولى؛ لأنّه إذا وجب القضاء على النائم والناسي مع رفع الحرج عنهما فالعامد أولى، وأيضاً فوجوب الصلاة قد تعلّق بذمَّته في الوقت قطعاً، ولا يرتفع الوجوب إلاَّ بالأداء وبتضييع الوقت يكون هالكاً، والوجوب دَيْن في ذمّته، وفي الحديث: "فَدَيْنُ الله أحقُّ أن يقضى". ومنهم من قال: إنّ القضاء لم يشرع في حقّ المتعمِّد؛ لأنّه إنَّما وجب عليه الأداء في الوقت، فإن ضيّعه هلك إجماعاً، وفِعْلُه بعد الوقت لا يصحُّ إلاَّ بإذن من الشارع ولم يرد له إذن، وقياسه على المعذور قياس مع الفارق، ففِعْلُه بعد الوقت لا يحطُّ عنه الواجب في الوقت، وقد تمسّكوا أيضاً بدليل الخطاب من ظاهر الحديث؛ لأنّ القضاء مشروط بالنسيان والنوم، وانتفاءُ الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أنَّ من لم ينس لا يصلّي بعد الوقت، والله أعلم.
ما جاء في الصلاة الوسطى
قوله: «أم المؤمنين»: يعني عائشة رضي الله عنها. (1/315)
صفحة 316
قوله: «أبا يونس مولاها»: أي عتيقها. وأبو يونس هذا وثَّقه ابن حبَّان، وكان يروي عن مولاته عائشة رضي الله عنها، وروى عنه <1/262> زيد بن أسلم وأبو طوالة. ويحتمل أن يكون جابر بن زيد رضي الله عنه أخذ الخبر من لسان عائشة رضي الله عنها، أو أنّه أخذه من أبي يونس أو ممن يثق به عنهما، أو أنّه شاهد الأمر، كما يُشعر به سياق الحديث، وعادة جابر رضي الله عنه لا يسوق الخبر هذا المساق إلاَّ عند المشاهدة، ولا يرسل إلاَّ مع العلم بالإرسال، فليس هنالك تدليس. والحديث رواه الجماعة إلاَّ البخاريُّ وابن ماجه عن أبي يونس. وفي الباب عن حفصة أيضاً عند مالك في الموطأ قال عمرو بن رافع: إنّه كان يكتب لها مصحفاً فقالت: له إذا انتهيت إلى {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَىا وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فآذنِّي فآذنتها فقالت اكتب: "وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ". والواو في قولها: "وصلاة العصر" إمَّا زائدة أو عاطفة صفة على صفة، وتغايُرُ اللفظين كافٍ في تغاير المتعاطفين.
وقد اختلف السلف ومَن بعدهم في تعيين الصلاة الوسطى ما هي اختلافاً كثيراً، استقصينا ذكره بأدلّته في الجزء الثالث من المعارج، وهذا الحديث يدلّ على أنّها العصر. وكذا المروي عن عليٍّ أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال يوم الأحزاب: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتَّى غابت الشمس". رواه أحمد والبخاريُّ ومسلم. ولمسلم وأحمد وأبي داود: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر". وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "صلاة الوسطى صلاة العصر". رواه الترمذيُّ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن ابن مسعود أيضاً عند أحمد ومسلم وابن ماجه وعن سمرة بن جندب عند أحمد والترمذيِّ وصحَّحه، وعن عليٍّ أيضاً عند عبد الله بن أحمد في مسند أبيه. (1/316)
صفحة 317
قوله: «فآذنِّي»: أي فأعلمني، وكذا قوله: «فلمَّا بلغها آذنها» أي أعلمها بانتهاء الكتابة إليها.
وقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} أي راقبوها بأدائها في أوقاتها كاملة الأركان والشروط.
قوله: {وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَىا} عطف خاصٍّ على عامٍّ لمزيد الاهتمام. والوسطى: فُعْلَى، معناها التفضيل، فإنَّها مؤنَّثة الأوسط، وهي من الوسط الذي هو الخيار، وليست من الوسط الذي هو <1/263> التوسّط بين شيئين؛ لأنَّ فُعْلَى معناها التفضيل، ولا يبنى للتفضيل إلاَّ ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار يقبلها، بخلاف التوسّط بين الشيئين فإنَّه لا يقبلهما فلا يبني منه أَفْعَلُ للتفضيل.
قوله: «صلاة العصر»: عطف بيان للصلاة الوسطى. وإضافة الصلاة إلى العصر من إضافة الشيء إلى زمانه، كقيام الليل وصيام النهار.
قوله: «قانتين» قيل: معناه مطيعين، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "كلُّ قنوت في القرآن فهو طاعة". رواه أحمد وغيره. وقيل: معناه ساكتين، لحديث زيد بن أرقم: "كنّا نتكلّم في الصلاة حتَّى نَزَلَتْ، فأُمِرْنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام". رواه الشيخان. (1/317)
صفحة 318
قوله: «هكذا سمعتها»: أي على هذه الحالة التي أمليتها لكم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأها، فهي من القراآت الشاذَّة التي لم يتواتر نقلها، ولا تصحّ قراءتها في الصلاة؛ لأنّها لم تبلغ رتبة القرآن في النقل، فلا تعطَى حكم القرآنيَّة في أداء العبادة أو أحكام التلاوة. وهل يحتجّ بها في إثبات الحكم أم لا؟ قيل: يحتجُّ بها؛ لأنّها خبر آحاد، فلا أقلَّ من قبولها إذا صحّ الخبر، فلا يمكن إلغاؤها رأساً. وقيل: لا يحتجّ بها، لأنّ الراوي لم يروها على أنّها خبر فقط، وإنّما رواها على أنّها قرآن، والقرآنيَّة لا تثبت بالآحاد بل بالتواتر فقط؛ وعلى الأوّل الحنفيّة وغيرهم، وعلى الثاني الشافعيَّة، والخلاف مبسوط في الأصول. قلت: ويحتمل أنّ عائشة لم ترد نقل القرآنيَّة، وإنّما أرادت نقل التفسير فقط، وإنّما أمرت بإثباته في مصحفها لئلاَّ تنساه، وليعلمه مَنْ بعدَها، وإن كان هذا الاحتمال يبعده ما كانوا عليه من شدّة التحرّز عن إثبات شيء في المصحف لم يكن قرآنا، فإنّه يقرّبه أنّها أثبتته في مصحفها الخاصِّ بها دون غيره، فإذا رآه الناظر علم أنّه تفسير حيث لم تثبت الزيادة في غيره، والله أعلم.
الباب التاسع والعشرون في فرض الصلاة في الحضر والسفر
قوله: «في فرض الصلاة في الحضر والسفر»: أمّا الحضر (بفتحتين) فهو خلاف البدو. والحاضرة <1/264> ضدُّ البادية وهو المدن والقرى، والريف والبادية ضدُّها، يقال: فلان من أهل الحاضرة وفلان من أهل البادية. والحِضارة (بالكسر): الإقامة في الحضر، كذا عن أبي زيد، وقال الأصمعيُّ: هو بالفتح، وأراد المرتِّب بالحضر ما قابل السفر، وهو نفس الوطن، كان في حاضرة أو بادية، وإنما عبّر بالحضر تغليباً أو مراعاة للأصل الذي نزلت فيه الصلاة، فإنّها نزلت على قوم هم أهل قرى، ثمَّ دخل أهل البادية في حكمهم لعموم الخطاب، ولبناء الإسلام على خمس منها: إقامة الصلاة. (1/318)
صفحة 319
وأمّا السفر بفتحتين فاسم لقطع المسافة المخصوصة، يقال سفر الرجل سفراً، من باب ضرب، فهو سافر، والجمع سَفْر، مثل: راكب ورَكْب، وصاحب وصحب، يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى؛ لأنّ العرب لا يسمُّون مسافة العدوى سفراً، والعَدْوَى (بفتح العين مقصوراً): اسم من العَدْوِ، وهو ضرب من المشي يقارب الهرولة، وهو دون الجري، والعرب لا تسمِّي المسافة التي يمكن قطعها في العادة بهذا النوع من المشي سفراً؛ لأنّ العادة أنّ سرعة السير لا تتأتى إلاَّ إلى المكان القريب، والله أعلم.
ما جاء في أوّل ما فرضت الصلاة (1/319)
صفحة 320
قوله: «فرضت الصلاة ركعتين»: الحديث رواه أيضاً البخاريُّ وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قال: "فرضت الصلاة ركعتين، ثمَّ هاجر ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأوَّل". زاد أحمد من طريق ابن كيسان: "إلاَّ المغرب فإنّها كانت ثلاثاً". وروى ابن خزيمة وابن حبَّان والبيهقيُّ عن عائشة قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلمَّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة واطمأنّ زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنّها وتر النهار". والحديث يدلّ على وجوب القصر <1/265> وأنّه عزيمة لا رخصة، وقد أخذ بظاهره أصحابنا والحنفيَّة والهادويَّة، فالقصر عندنا واجب لا جائز فقط، وهو المرويُّ عن عمر وعليٍّ، ونسبه النوويُّ إلى كثير من أهل العلم. قال الخطَّابيُّ: كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أنّ القصر هو الواجب في السفر، وهو قول عليٍّ وعمر وابن عمر وابن عبّاس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حمّاد بن سليمان: يعيد من يصلّي في السفر أربعاً، وقال مالك: يعيد مادام في الوقت، وخالفنا الشافعيُّ وأحمد، قيل: ومالك أيضاً. واعترض بعضهم استدلالنا بحديث الباب بأنّه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنّها لم تشهد زمان فرض الصلاة، والجواب: أمّا أوّلاً فإنّ هذا مِمَّا لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. وأمّا ثانياً: فعلى تقدير تسليم أنّها لم تدرس القصّة يكون مرسل صحابيٍّ، وهو حجّة؛ لأنّه إمّا أن يكون أخذه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أو عن صحابي آخر أدرك ذلك، وكلاهما حجّة. قالوا: لو كان ثابتاً لنقل متواتراً، قلنا: التواتر في مثل هذا غير لازم. قالوا: يعارضه حديث ابن عبّاس عند مسلم: "فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين"، قلنا: حديث ابن عبّاس مجمل؛ لأنّه لم يتعرّض لبيان السابق من الفرضين، وحديث عائشة مبيَّن فلا تعارض. (1/320)
صفحة 321
قالوا: ذكر ابن الأثير في شرح المسند أنّ قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقال غيره: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً، قلنا: ما ذكره ابن الأثير مأخوذ مِمَّا ذكره غيره أنّ نزول آية الخوف كان في السنة الرابعة، فالتاريخ إنَّما هو لصلاة الخوف دون صلاة السفر، وكذا القول في القولين الآخرين فلا يخالف شيء منهما حديث الباب. قالوا: إنّ قوله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء: 101] يدلّ على أنّ القصر رخصة؛ لأنّ نفي الجناج يدلّ على رفع الإثم، وذلك في موضع الترخيص، قلنا: أمّا أوَّلاً فإنّ الآية نزلت في صلاة الخوف، وتمامها: {إِنْ خِفْتُمُ أَنْ يَّفْتِنَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا...} إلى آخر الآيات. وأمّا ثانياً: فإنّ نفي الحرج لا يستلزم عدم الوجوب، بل يكون لشيء في نفوس المخاطبين، كما جاء مثل ذلك في السعي بين المروتين، والله أعلم. (1/321)
صفحة 322
ويدلّ الحديث أيضاً على أنّ الركعتين في السفر لا يسمّيان قصراً، وهو أحد القولين في المذهب. والقول الثاني أنّهما يسمّيان قصراً، <1/266>، وهو الذي مشى عليه صاحب القواعد، وهو المشهور في زماننا، واستدلّ عليه في الإيضاح بما روي أنّ عمر رضي الله عنه سأله رجل فقال: يا أمير المؤمنين لم كان قصر الصلاة في الأمن والله يقول: {إِنْ خِفْتُم}؟ فقال عمر رضي الله عنه: لقد عجبت مِمَّا عجبت منه فسألت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: "صدقة من الله تصدّق بها عليكم فاقبلوا صدقته". قال في الإيضاح: فالمفهوم من الحديث أنّ القصر في السفر رخصة وتخفيف، والجواب: إنّ كونه رخصة وتخفيفاً لا ينافي تسميته تماماً، فإنّه رخصة وتخفيف بالنظر إلى الأربع المفروضة في الحضر. وروي أنّه عليه السّلام سئل عن صلاة السفر أَقَصْرٌ هي؟ قال: "لا، الركعتان في السفر ليستا قصراً، إنَّما القصر واحدة عند الخوف". وعن عمر رضي الله عنه أنّه قال: صلاة السفر ركعتان تماماً غير قصر على لسان نبيئكم، والخلاف في هذا الموضع راجع إلى التسمية فقط، فهو خلاف لفظيٌّ ليس تحته كبير معنًى، والله أعلم.
ما جاء في أصل صلاة السفر
قوله: «سأل رجل»: هو أميّة بن عبد الله بن خالد، كما صرّح به النسائيُّ، وخالد هذا هو خالد بن أَسِيد (بالفتح وكسر المهملة)، ابن أبي العِيص (بكسر المهملة الأولى) المكِّي. كان أميّة هذا يروي عن ابن عمر، وروى عنه الزهريُّ وعطيَّة بن قيس، وثَّقه العجليُّ. مات سنة أربع أو سبع وثمانين. (1/322)
صفحة 323
قوله: «إنَّا نَجِدُ صَلاَةَ الْخَوْفِ وَصَلاَةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ»: أمّا صلاة الخوف فإنّه وجدها في قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقْصُرُوا...} الآية، وأمّا صلاة الحضر فإنّها محلّ الأوامر المطلقة في نحو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} وقوله {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُومِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103] وأشباه ذلك.
قوله: «ولا نجد صلاة السفر»: أي مذكورة في القرآن باسمها الخاصِّ، وإلاّ فهي داخلة تحت الإجمالات القرآنيَّة، والرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مبيّن لذلك، وقد قال عليه السلام: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"، وقال تعالى: <1/267> {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، ولهذا أجاب ابن عمر بقوله: «فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل».
قوله: «يا هذا»: إنَّما أبهمه في الخطاب مع أنّه يعرف اسمه إنكاراً لسؤاله، وإظهاراً لغباوته.
قوله: «قد بعث»: أي أرسل.
قوله: «ولا نعلم شيئاً»: يعني من الأحكام الشرعيَّة، ولا غيرها من أخبار الأمم وأحوال الآخرة، فإنّهم كانوا أهل جاهليَّة لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان. (1/323)
صفحة 324
قوله: «فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل»: أي لا نفعل غير ذلك، امتثالا لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، وقوله عزّ من قائل: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]. وقد قصر صلّى الله عليه وسلّم بلا خوف، فهو دليل يثبت به الحكم كما يثبت بالقرآن. وعن ابن عمر أيضاً قال: صحبت النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، رواه أحمد والبخاري ومسلم، ولفظ الحديث في صحيح مسلم: "صحبت النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله عزّ وجلّ، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله عزّ وجلّ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله عزّ وجلّ". وظاهر الروايتين أنّ عثمان لم يصلِّ في السفر تماماً. وفي رواية لمسلم عن ابن عمر أنّه قال: "ومع عثمان صدراً من خلافته، ثمَّ أتمّ". وفي رواية: "ثمان سنين، أو ستّ سنين". قال النوويُّ: وهذا هو المشهور أنّ عثمان أتمَّ بعد ستِّ سنين من خلافته. وجمعوا بينهما بأنّ عثمان لم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله في غير منًى، والرواية المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنًى خاصة، وقد صرّح في رواية بأنّ إتمام عثمان كان بمنى. وفي البخاري ومسلم أنّ عبد الرحمن بن زيد قال: صلّى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود، فاسترجع، ثمَّ قال: صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنى ركعتين، وصلّيت مع أبي بكر الصدّيق بمنى ركعتين، <1/268> وصلّيت مع عمر بن الخطّاب بمنى ركعتين فليت حظّي من أربع ركعتان متقبّلتان. (1/324)
صفحة 325
وعن يعلي بن أميّة قال: قلت لعمر بن الخطاب: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمُ, أَنْ يَّفْتِنَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، فقد آمن الناس، قال: عجبت لما عجبت منه، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال: "صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". رواه الجماعة إلاَّ البخاري. وفي قوله: "فاقبلوا صدقته" ما يقتضي وجوب القبول؛ لأنّ الإعراض عنها لا يحلّ، كالإعراض عن ضيافته تعالى في العيدين، فإنّه إنَّما حرّم صومهما لهذا المعنى. وفي استمرار العمل على القصر في السفر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمَّ على عهد الخلفاء الراشدين أعظم دليل على التزامه، ولو لم يكن في تركه معصية لكفى به مصيبة، حيث خالف السنة المستقرّة، والعمل المستمرَّ.
وفي الحديث إشارة إلى أنّه صلّى الله عليه وسلّم هو المبيِّن لأحكام القرآن، وأنّه يجب قبول ما جاء به، فُهِمَ معناه أو لم يفهم، وأنّه يجب التأسّي به في فعله، والله أعلم.
ما جاء في عدد ركعات الصلاة في الحضر والسفر
قوله: «على المقيم»: أي صاحب الإقامة، وهو من اتَّخذ الدار وطناً، إمّا بالفعل والقصد معاً، كالساكن المطمئنِّ إلى البلد الذي لا ينوي النقلة منها، وإمّا بالفعل فقط، كالذي اتَّخذ الدور والأهلين والأموال، فإنّ صاحب هذا الحال موطِّن قطعاً، وإن نوى النقلة فإنّ حاله شاهدة بخلاف قصده، فلو خرج مثلاً لرجع بعد برهة، ولا يمكنه الخروج في غالب الأحوال، فمن كان هذا حاله لزمته الإقامة، وليس له القصر متعلّلا بأنّ وطنه في كذا، والحقّ واضح، والشبهة مضمحلّة. (1/325)
صفحة 326
قوله: «سبع عشرة ركعة»: أربع في الظهر، وأربع في العصر، وثلاث في المغرب، وأربع في العشاء، وركعتان في الفجر. ولم يذكر في هذا الحديث الوتر، ولا شيئاً من السنن، ولعلّه كان قبل لزوم الوتر وبعض السنن، فإنّ القائلين باللزوم لا بدَّ لهم من هذا الاحتمال <1/269> وإلاّ لكان الحديث دافعاً لقولهم.
قوله: «وعلى المسافر»: هو الذي جاوز الفرسخين من وطنه، أو خرج قاصداً مجاوزتهما؛ لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج ذات يوم ومعه أصحابه، حتَّى إذا صار في ذي الحليفة، فصلّى بهم، ثمَّ رجع، فسئل عن ذلك فقال: "أردت أن أعلّمكم صلاة السفر، أو حدّ السفر". والحديث ذكره أصحابنا في كتبهم الفقهيَّة، ولم أجد له ذكراً في شيء من كتب الحديث، لكنَّ الأصحاب اتَّفقوا على معناه ورووه كذلك منقطعاً، وإنَّ منقطعهم أثبت من متَّصل غيرهم، لشدّة احتياطهم، وكثرة تحرّزهم من الكذب على غير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي غير أمور الدين، فكيف بالكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفي أمور الدين أيضاً. ويشهد له حديث أنس، قال: "صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر بالمدينة أربعاً، وصلّيت معه العصر بذي الحليفة ركعتين". رواه أحمد والبخاريُّ ومسلم. وذو الحليفة من المدينة على ستَّة أميال، وهي فرسخان، والله أعلم.
قوله: «إحدى عشر ركعة»: ركعتان للظهر، وركعتان للعصر، وثلاث للمغرب، وركعتان للعشاء، وركعتان للفجر، وهذا إذا لم يصلِّ خلف المقيم، فإن صلّى خلف المقيم صلّى كصلاته؛ لأنّ السنّة قد مضت بذلك؛ فللمسافر الخيار بين ركعتين مع غير المقيم، أو أربع في الرباعيَّات خلف المقيم. (1/326)
صفحة 327
وفي قوله: «وعلى المسافر» إشارة إلى وجوب القصر، بل هو صريح في وجوبه، ثمَّ إنّ ذكره مقابلا لفرض المقيم دليل على الوجوب أيضاً. وعند أحمد والنسائيِّ وابن ماجه عن عمر أنّه قال: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تماماً من غير قصر على لسان محمد صلّى الله عليه وسلّم". وعند النسائيِّ عن ابن عمر قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتانا ونحن ضُلاَّل فعلَّمنا، فكان في ما علَّمنا أنّ الله عزّ وجلّ أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر.
ماجاء في وقت افتراض الصلوات الخمس (1/327)
صفحة 328
<1/270> قوله: «قبل هجرته بسنتين»: أي قبل خروجه إلى المدينة مهاجراً بسنتين، وذلك على رأس إحدى عشرة سنة من بعثته صلّى الله عليه وسلّم في ليلة الإسراء؛ فعن أنس بن مالك قال: "فرضت على النبي صلّى الله عليه وسلّم الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثمَّ نقصت حتَّى جعلت خمساً، ثمَّ نودي: يا محمّد، إنّه لا يبدّل القول لديَّ، وإنّ لك بهذه الخمس خمسين". رواه أحمد والنسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحه. وليلة الإسراء كانت ليلة سبع عشرة، وقيل: سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأوَّل، وقيل: ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان، وقيل: سبع وعشرين خلت من ربيع الآخر، وقيل: من رجب، واختاره بعضهم، وعليه عمل الناس، وقيل: في شوّال، وقيل: في ذي الحجَّة، وذلك قبل الهجرة بسنتين، كما عند الربيع رحمة الله عليه، وقيل: بسنة، وبه جزم ابن حزم، وادَّعى فيه الإجماع، وقيل: بثلاث سنين. قيل: كان الإسراء ليلة الجمعة، وقيل: ليلة السبت، وقال ابن دحية: يكون يوم الاثنين إن شاء الله تعالى، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة. وكانت الصلاة قبل ليلة الإسراء حين نُسخ ما في سورة المزَّمِّل صلاتين فقط: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة بعد غروبها. وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ الله تعالى افترض أوَّلاً القيام المذكور أوَّل سورة المزمّل، فقام صلّى الله عليه وسلّم هو وأصحابه حولاً، حتَّى انتفخت أقدامهم، ثمَّ أنزل الله تعالى التخفيف المذكور آخر السورة بعد اثنى عشر شهراً، فصار قيام الليل تطوُّعاً بعد فرضه. (1/328)
صفحة 329
قوله: «سبعة عشر شهراً»: وفي بعض الروايات: "ستَّة عشر شهراً"، كما في مسلم، وفي بعضها: "ستَّة عشر أو سبعة عشر شهراً" بالشكّ، كما في البخاري. قال ابن حجر: والجمع سهلٌ، بأن يكون مَنْ جَزَمَ بستَّة عشر لفَّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً، وألغى الأيَّام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدَّهما معاً، ومن شكَّ تردَّد في ذلك. قال: وذلك أنّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم <1/271> بسند صحيح عن ابن عبَّاس...الخ.
قوله: «نحو سنتين»: لأنّ فرض الخمس كان قبل الهجرة بسنتين كما تقدّم، فهم يصلُّون إلى بيت المقدس قبل الهجرة نحواً من سنتين، أي: في مقدار سنتين، وإنّما قال: "نحوا من سنتين" ولم يجزم به كجزمه في فرض الخمس، لأنّ تبليغهم ذلك إنَّما كان بعد افتراضها، وكانت المدينة على أيّام من مكّة، فاحترز لذلك، وهذا يدلّ أنّ الإسراء كان بعد العقبة التي بدأ فيها إسلام الأنصار، ولكنَّهما كانا في سنة واحدة، قريبا بعضهما من بعض.
قوله: «صلّى بمكّة»: أي قبل فرض الخمس كما يدلُّ عليه قوله: «إلى أن عرج به»، والمعنى أنّه عليه الصلاة والسلام صلّى قبل أن يعرج به بمكَّة ثمان سنين، يستقبل فيها الكعبة وبعد أن عرج به صلّى الخمس إلى بيت المقدس، حتَّى هاجر بعد المعراج بسنتين، فمدّة الصلاة بمكّة عشر سنين، وهذا يدلّ على أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يؤمر في الثلاث السنين التي قُرن معه فيها إسرافيل عليه السلام بشيء من الصلاة، وهي الثلاث التي كانت أوّل الوحي. (1/329)
صفحة 330
واختلف العلماء في الجهة التي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوجّه إليها للصلاة وهو بمكّة، فقال ابن عبَّاس وغيره: كان يصلّي إلى بيت المقدس، لكنّه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق الآخرون أنّه كان يصلّي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلّي إلى الكعبة، فلمّا تحوّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وضُعِّف هذا القول؛ لأنّه يلزم منه دعوى النسخ مرّتين، والواجب أنّ تكرار النسخ لا يوجب ضعفاً، ولها في الشريعة نظير، وهي متعة النساء، فإنّها أبيحت في صدر الإسلام، ثمَّ حرّمت يوم خيبر، ثمَّ أبيحت في غزوة أوطاس، ثمَّ حرّمت بعد ذلك، فاستقرّ الأمر على التحريم، فكذلك مسألة القبلة، فإنّ النسخ طرأ عليها مرتين، واستقرّ الأمر على استقبال الكعبة، وحديث المصنِّف يدلّ على تكرار النسخ، وهو من طريق ابن عبَّاس، فيجب أن يحمل المنقول عنه على الحال الذي كان بعد الإسراء دون ما قبله من الزمان، ثمَّ إنَّ تكرر نسخها المستفادَ من حديث المصنِّف يخالف التكرار الذي ذكره أرباب القول الثالث، <1/272> فإنّ الحديث يدلّ على أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يستقبل الكعبة إلى أن عرج به، ثمَّ استقبل بيت المقدس إلى أن نسخت بعد الهجرة بسبعة عشر شهراً، فالمستفاد من الحديث قول رابع، وبه أقول لصحّة الحديث، والعلم عند الله.
قوله: «ثمَّ تحوّل إلى قبلته»: أي التي كان عليها قبل المعراج، وهي الكعبة، وهذا التحوّل إنَّما كان بعد الهجرة بسبعة عشر شهراً، كما يدلّ عليه صدر الحديث.
ما جاء في حكم الوتر (1/330)
صفحة 331
قوله: «فاختلف الناس في الوتر أهو فريضة أم لا؟»: هذا الكلام مفرَّع على قوله: «فرضت عليه الصلوات الخمس»، فإن وجوب الوتر يقضي بالزيادة على الخمس؛ لأنّها تكون فريضة مستقلّة، وقد ذهب أكثر أصحابنا وأبو حنيفة إلى وجوبه. وروي عن أبي حنيفة أيضاً أنّه فرضٌ، وقال جابر بن زيد: الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات. وقال جمهور قومنا وبعض أصحابنا ـ منهم المصنف رحمه الله تعالى ـ : إنّه غير واجب بل سنّة. وقال الربيع: عن إبراهيم قال: ما أحبُّ أنِّي تركت الوتر ولي حمر النعم. واستدلّ جابر رضي الله عنه على الوجوب بقوله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: "إنّ الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر". ويدلّ عليه أيضاً رواية أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من لم يوتر فليس منّا". وعن أبي أيّوب عند الخمسة إلاَّ الترمذيَّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الوتر حقٌّ، فمن أحبَّ أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحبّ أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحبّ أن يوتر بواحدة فليفعل". وفي لفظ لأبي داود: "الوتر حقٌّ على كلّ مسلم". واستدلّ المصنف بقوله صلّى الله عليه وسلّم: "خمس صلوات كتبهنّ الله على عباده في اليوم والليلة، فمن جاء بهنّ تامَّة لم يضيِّع من حقّهنّ شيئاً فله عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومن نقص من حقهنّ شيئاً فله عند الله عهد أن يدخله النار". قال المصنِّف: ولم يذكر الوتر، وهو <1/273> عندي غير واجب، والله أعلم. وفيه أنّه لا منافاة بين هذا وبين حديث وجوب الوتر، لاحتمال أن يكون حديث الخمس قبل وجوب الوتر، ثمَّ وجب الوتر بعد ذلك، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الله زادكم صلاة سادسة"، فإنّ الزيادة على الشيء إنَّما تكون بعد ثبوت المزيد عليه. (1/331)
صفحة 332
وأَصْرَحُ من استدلالِ المصنِّف حديث ابن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوتر على بعيره، رواه الجماعة، فإنّ الصلاة على الراحلة حال الاختيار من خصوصيَّات النوافل دون الفرائض، وأجيب بأنَّ ذلك محمول على الحال الذي كان قبل لزوم الوتر.
قوله: «فقلت»: (بضمّ التاء للمتكلّم)، والقائل هو الربيع رحمة الله عليه. وساق الحديث بغير سند على طريق الاحتجاج لصحّته عنده وعند من احتجّ عليه. وقد روى معناه مالك في الموطَّأ وأحمد وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه، وأوّله عندهم: عن ابن محيريز أنّ رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يدعى أبا محمَّد يقول: إنّ الوتر واجب، قال المخدجيُّ: فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، من أتى بهنّ لم يضيِّع منهنّ شيئاً استخفافا بحقهنَّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له". فاحتجاج المصنِّف بالحديث تابع لاحتجاج عبادة به.
قوله: «كتبهنّ الله»: أي افترضهنَّ.
قوله: «لم يضيع من حقهنّ شيئاً»: هذا تفسير لقوله: «تامة»، فإنّ من ضيّع من حقِّهنّ شيئا لم يجئ بهنّ تامَّة بل ناقصة. ومن حقوقهنَّ المحافظة على الأوقات والوظائف وسائر الشروط.
قوله: «فله عند الله عهد»: أي ذمَّة وموثق، فيكون ممَّن اتَّخذ عند الرحمن عهداً، وكلُّ من أوفى بعهد الله فقد اتَّخذ عند الله عهداً، قال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40].
قوله: «أن يدخله الجنَّة»: بيان لمتعلَّق العهد، فإنّ الجنَّة هي التي وعد الله بها من أطاعه، فالوعد هو العهد، والموعود به هو الجنَّة، ولنعم دار المتَّقين.
قوله: «ومن نقص»: بالتخفيف، والتشديدُ لغةٌ <1/274> ضعيفة. (1/332)
صفحة 333
قوله: «من حقّهن شيئاً»: أي كان ذلك شرطاً أم ركنا، فإنَّ من نقص شرطاً فسدت صلاته لأنَّ المشروط متوقّف على وجود شرطه، وكذلك من نقص ركناً، بل هذا أشدّ، فإنَّ للأركان دخلا في الحقيقة.
قوله: «فله عند الله عهد»: أي موثَّق أن يدخله النار، لأنّه من جملة العصاة، وقد قال تعالى {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} [الجن: 23]، وقال تعالى {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق: 29]، {وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء: 122].
وفي الحديث دلالة على القطع بتعذيب الفاسق، ولا ينافيه الرواية الأخرى عند صاحب الوضع رحمه الله تعالى، ونصُّها: "ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه"، فإنّ رواية المصنِّف في من مات غير تائب، ورواية الوضع في من مات تائباً، والمعنى: إن شاء قبل توبته ووفَّقه على التوبة النصوح، وإن شاء لم يوفِّقه عليها، فلا يقبل ما جاء به من لقلقة اللسان، والعياذ بالله.
ما جاء في القصر في السفر وإن طال
قوله: «أقام بمكّة»: أي مكث فيها مكثاً غير مطمئنِّ، ولهذا قال: «وهو لا ينوي الإقامة بها»، يعني الإقامة المطمئنّة الموجبة لحكم الوطن.
قوله: «عام الفتح»: أي فتح مكّة، وكان في رمضان سنة ثمانٍ للهجرة.
قوله: «خمسة عشر يوماً»: وعند أحمد والبخاريِّ وابن ماجه من حديث ابن عبّاس: "تسع عشرة"، وعند أبي داود: "سبع عشرة". وعن عمران بن حصين قال: غزوت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم وشهدت معه الفتح، فأقام بمكّة ثماني عشرة ليلة لا يصلّي إلاَّ ركعتين، يقول يا أهل البلدة صلّوا أربعاً فإنَّا سَفْرٌ"، رواه أبو داود. (1/333)
صفحة 334
قوله: «هذه حجّة لمن لم ير الإقامة <1/275> للمسافر إذا كان ينوي الإقامة أربعة أيام في موضعه، معناه أنّ صلاته صلّى الله عليه وسلّم تلك المدّة في مكّة قصراً حجّة لمن أجاز القصر لمن نوى إقامة أربعة أيّام في موضعه، فيكون حجّة داحضة لقول من أوجب التمام على من نوى إقامة أربعة أيام في موضعه الذي نزل به. والقائل بالتقييد هم المالكيّة والشافعيَّة، فإنَّهم قالوا: من عزم على إقامة أربعة أيام لزمه التمام. وقالت الإماميَّة من الشيعة: من لم يعزم إقامة مدّة معلومة، كمنتظر الفتح، يقصر إلى شهر، ويتمّ بعده. وقال أصحابنا وأبو حنيفة وأصحابه وبعض الناس من غيرهم: إنّه يقصر أبداً؛ لأنّ الأصل السفر، ولقصره صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح وفي تبوك وحنين. وحديث الفتح عند المصنِّف، وأمّا حديث تبوك فرواه أحمد وأبو داود عن جابر، قال: "أقام النبي صلّى الله عليه وسلّم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة". وأمَّا حديث حنين فأخرجه البيهقيُّ عن ابن عبّاس "أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أقام بحنين أربعين يوما يقصر الصلاة". فهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قصر في أسفاره مدّة إقامته، ولا دليل على التمام بعد ذلك لمن أقام فوق ذلك. قال الحسن البصريُّ: مضت السنَّة أن يقصر المسافرون ولو أقاموا عشر سنين، ما لم يتَّخذوها وطناً. وقال ثمامة بن شرحبيل: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، إلاَّ صلاة المغرب ثلاثاً، قلت: أرأيت إن كنّا بذي المجاز، قال: وما ذي المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه، ونمكث عشرين ليلة، أو خمس عشرة ليلة، فقال: يا أيها الرجل، كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين، فرأيتهم يصلّون ركعتين ركعتين". رواه أحمد في مسنده.
ما جاء في ركعات الوتر (1/334)
صفحة 335
قوله: «أوتر بخمس...» الخ: هذا الحديث يدلّ على أنّ المستحبَّ في الوتر خمس ركعات فإن <1/276> لم يستطع فثلاث، وإن لم يستطع فواحدة، فإن لم يستطع فيومي إيماء، أي يشير برأسه إلى الركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع. وهذا التدريج يدلّ على تأكيد الوتر أو وجوبه حيث عومل في الأداء معاملة الفرض، فقوله: "إن لم تستطع" معناه فإن لم تفعل، فهو على حدّ قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكُ} [المائدة: 112]، أي: هل يفعل ذلك إن سألته؛ لأنّ القوم كانو مؤمنين لا يشكُّون في قدرة الله تعالى، ففي الآية والحديث التعبير عن الشيء بلازمه.
وعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو سبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب"، رواه الدارقطنيُّ بإسناده، وقال: كلّهم ثقات. وقد أخذ بظاهره مقسم فقال: إنّ الوتر لا يصلح إلاَّ بخمس أو سبع، وسأله الحكم بن عيينة: عمَّن؟ فقال: عن الثقة عن الثقة عن عائشة وميمونة. واختار أصحابنا الوتر بثلاث مسبوقة بركعتين يسمُّونها سنَّة العشاء، فتلك خمس ركعات. وهل يفصل الركعة الآخرة عمَّا قبلها بتسليمة أم لا؟ اختار بعضهم الفصل، وآخرون عدمه. وحجّة الأوّلين قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، رواه الجماعة. وكان ابن عمر يسلِّم بين الركعتين والركعة في الوتر، حتَّى إنّه كان يأمر ببعض حاجته"، رواه البخاري. وحجّة الآخرين حديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوتر بثلاث لا يفصل بينهنَّ"، رواه أحمد والنسائيُّ، ولفظه: "كان لا يسلّم في ركعتي الوتر". ويُجمع بينهما بأنّه كان يفعل هذا أحياناً وهذا أحياناً. (1/335)
صفحة 336
ويجوز الوتر بواحدة، وقد أوتر جابر بن زيد رحمه الله تعالى بواحدة ليُرِيَ أصحابه جواز ذلك، ثمَّ قال: هذا وتر العاجز. ويدلّ على ذلك حديث ابن عمر وابن عبّاس أنّهما سمعا النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: "الوتر ركعة من آخر الليل"، رواه أحمد ومسلم.
قوله: «الوتر»: هو في اللغة الفرد من كلّ شيء. وفي الاصطلاح: الصلاة المخصوصة، سمِّيت بذلك لأنّ ركعاتها فرد، وهو بفتح الواو عند أهل العالية، وبكسرها عند أهل الحجاز وبني تميم.
قوله: «والرجم»: (بسكون الجيم): هو حدّ الزاني المحصن، مأخوذ من رجمته إذا <1/277> ضربته بالرَّجَم (بفتحتين) وهو الحجارة. وإنّما سمِّي الرجم سنَّة نظراً إلى أصله الذي ثبت منه وهو السنَّة النبويّة، فإنّه لم يكن قرآناً يتلى، وكأنّه لم يثبت عند جابر رحمه الله تعالى ما يروى من آية الرجم ونَسْخِ تلاوتها، أو أنّه ثبت معه لكن لم يعتبر المنسوخ.
قوله: «والاختتان»: هو قطع جلده مخصوصة من طرف الذكر، يقال لها القلفة، تجمع النجاسات إن لم تقطع، فلا يمكن التنظيف إلاَّ بقطعها، ومن هاهنا شبِّه الأقلف ـ وهو غير المختتن ـ بالمشرك، بجامع استحالة التنظيف فيهما معاً. وأوّل من سنّ الاختتان أبونا إبراهيم عليه السلام، فهو من خصاله العشر الآتي ذكرها في آخر الكتاب.
قوله: «والاستنجاء»: هو غسل موضع النجو، وهو الغائط، ويطلق أيضاً على مسحه بحجر أو مدر، وهو الاستجمار، والأوّل مأخوذ من استنجيت الشجر إذا قطعته من أصله؛ لأنّ الغسل يزيل الأثر، والثاني من استنجيت النخلة إذ التقطتُّ رطبها؛ لأنّ المسح لا يقطع النجاسة بل يبقَى أثرُها. (1/336)
صفحة 337
قوله: «سنن واجبات»: إجماعاً في الرجم والاختتان، وأمّا الاستنجاء فهو واجب أيضاً عند أصحابنا والحنفيّة، وخالفنا كثير من قومنا فلم يوجبوه بالماء، وقالوا: تكفي الحجارة، وتمسَّكوا بما كان في صدر الإسلام، وهو منسوخ بنزول قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]. وأمّا الوتر فواجب على الراجح عند جابر وأكثر الأصحاب والحنفيّة، وغير واجب عند المصنِّف وبعض أصحابنا وجمهور قومنا، وقد تقدّم ذلك كلّه.
قوله: «زادكم»: أي فوق الخمس التي كنتم تعهدونها.
قوله: «من حمر النعم»: (بضمّ المهملة وسكون الميم): جمع حمراء، والنَّعَم (بفتحتين) الإبل، والمراد بحمر النعم كرائمها، وهو مَثَلٌ في كلّ نفيس. ويقال: إنّه جمع أحمر، وإنَّ أحمر من أسماء الحسن.
قوله: «وهي الوتر»: فيه إشارة إلى أنّ الوتر كانت مسنونة ثمَّ وجبت بعد ذلك، لأنّه ذكرها بلام العهد، فكأنّه قال: إنَّ الصلاة السادسة هي الوتر المعهود عندكم زادكم الله إيَّاه على الخمس، فيحمل ما ورد من صلاته صلّى الله عليه وسلّم الوتر على الراحلة على الحال الذي كان قبل الوجوب والله أعلم.
<1/278> الباب الثلاثون في صلاة الخوف
قوله: «صلاة الخوف» أي من العدو، وهي المعروفة عندنا بصلاة الموافقة، وهي أن يتوافق الجمعان يطلب كلُّ واحد منهما غرَّة الآخر فتحضر الصلاة؛ فإنَّ الإمام أو نائبه يقسِّم الجيش طائفتين، طائفة منهما تقابل العدو بالسلاح، والأخرى تصلي خلف الإمام؛ ثُمَّ تنصرف التي صلَّت فتقابل العدو، وتأتي الطائفة التي لم تصل فتصلي خلف الإمام على الوصف المذكور في الحديث، وهي الصلاة التي ذكرها سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ...” إلى آخر الآية [سورة النساء: 102]. (1/337)
صفحة 338
ومذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت في زمان النبوءة، وخالف أبو يوسف والمزني فقالا: لا تشرع بعد النبيء صلى الله عليه وسلم، وتبعهما الحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية، وهؤلاء كلهم من قومنا. واستدلوا بمفهوم قوله تعالى {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ..”.
والجواب: لا مفهوم للشرط؛ لأنَّه إنما ورد لبيان الحكم لا شرطا لوجوده، والتقدير بيِّن لهم بفعلك فإنَّه أوضح من القول. وأيضا فالأصل تساوي الأمة في الأحكام المشروعة؛ فلا يقبل التخصيص بقوم دون قوم إلا بدليل. وأيضا فالصحابة أجمعوا على فعلها بعده صلى الله عليه وسلم. وأيضا قد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وخالف أيضا ابن الماجشون والهادوية فمنعوها في الحضر وأجازها الباقون. احتج المخالفون بقوله تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمُ...” الآية [سورة النساء: 101]، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا في سفر، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق، وفاتت عليه العصر وقضاها بعد الغروب. قالوا: لو كانت جائزة في الحضر لفعلها. والجواب: أمَّا الآية فإنَّها في صلاة السفر مع الخوف والأمن؛ أمَّا مع الخوف فمن نص الآية، وأمَّا مع الأمن فمن السنة صدقة تصدق الله بها علينا، وأمَّا فعله صلى الله عليه <1/279> وسلم إياها في السفر خاصة، فموافقة حال لا تقيد ولا تخصص، وأمَّا تركه فعلها يوم الخندق فلأنَّها لم تشرع يومئذ، وإنما شرعت بعد ذلك، ومنذ شرعت لم يخافوا في المدينة لأنَّ الكفار لم يغزوا بعد الخندق.
قوله: «جُملَة» (بضم الجيم وسكون الميم) أي عدد لا يحضرني تفصيلهم لكثرتهم، أو يطول المقام بتفصيلهم. (1/338)
صفحة 339
قوله: «ذاتِ الرِّقاع» (بكسر المهملة) وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان قبل نجد؛ فنزل صلى الله عليه وسلم نخلا، وهو مكان من المدينة على يومين، وهو بواد يقال له: شرخ (بشين معجمة بعدها مهملة ساكنة ثُمَّ خاء معجمة) وبذلك الوادي طوائف من قيس، من بني فزارة وأنمار وأشجع. واختلف في هذه الغزوة متى كانت؟ فجزم أصحاب المغازي أنها كانت قبل خيبر، وقال البخاري: كانت بعد خيبر؛ لأنَّ أبا موسى جاء بعد خيبر، أي وقد حضرها؛ ثُمَّ اختلف أصحاب المغازي في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النظير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بني النظير شهر ربيع، وبعض جمادى، يعني من سنته، وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا، وهي غزوة ذات الرقاع، وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع البخاري. واختلف أيضا في سبب تسميتها بذلك؛ فقيل: لأنَّهم رقَّعوا فيها راياتهم، وقيل: لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع، وقيل: لأنَّ الأرض التي نزلوا بها فيها بُقَع سُود وبُقَع بيض كأنها مرقَّعة برقاع مختلفة، وقيل: لأنَّ خيلهم كان بها سواد وبياض، وقيل: سميت بجبل هناك فيه بقع، وقيل: لوقوع صلاة الخوف فيها؛ فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وقيل: لأنَّهم كانوا يلفُّون على أرجلهم الخرق لما نقبت أقدامهم من شدة المشي، وصححه السهيلي، لأنَّ البخاري رواه عن أبي موسى الأشعري وكان ممن شهد الغزوة. (1/339)
صفحة 340
قوله: «وفي غيرها» يعني: غير ذات <1/280> الرقاع، فقد ذكر أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواطن، وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبيء صلى الله عليه وسلم وآله وسلم في أيام مختلفة، وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة؛ فهي على اختلاف صورها متَّفقة المعنى. وسرد ابن المنذر في صفتها ثُمَّ انية أوجه، وكذا ابن حبان، وزاد تاسعا، وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجها، وقال النووي: يبلغ مجموع أنواعها ستة عشر وجها كلها جائزة، وقال ابن العربي: جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة، وزاد العراقي وجها آخر؛ فصارت سبعة عشر وجها، وقيل: أصولها ست صفات، وأن القائلين بأكثر من ذلك إنما عدُّوا اختلاف الرواة وجوها، ولم يذكر جابر رحمه الله تعالى منها إلا وجهين أخذهما عن جملة من الصحابة، وكلاهما جائز؛ أمَّا الوجه الأوَّل: فهو قوله فقالت طائفة منهم صفَّت طائفة خلف النبيء صلى الله عليه وسلم، وطائفة واجهت العدو... إلخ، وفي هذا الوجه يكون لكلِّ واحدة من الطائفتين ركعتان، وللإمام أيضا ركعتان، وهذه الصفة رواها الجماعة إلا ابن ماجة، ونسب القول بها إلى عليّ وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأبي موسى وسهل بن أبي حثمة وغيرهم. وأمَّا الوجه الثاني: فهو قوله وقالت طائفة أخرى منهم صلى بالطائفة الأوَّلى ركعة؛ فانصرفت فواجهت العدو... إلخ. وعلى هذا الوجه يكون لكل طائفة ركعة واحدة، وللإمام ركعتان. قال الربيع: قال أبو عبيدة على هذا القول الآخر العمل عندنا، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد فصفَّ الناس خلفه <1/281> صفَّين، صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثُمَّ انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أوَّلئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا ركعة. (1/340)
صفحة 341
وروى أبو داود والنسائي عن ثعلبة بن زهدم، قال: كنا مع سعيد بن العاصي بطبرستان؛ فقال أيّكم صلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا؛ فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. وروى النسائي بإسناده عن زيد بن ثابت عن النبيء صلى الله عليه وسلم مثل صلاة حذيفة، كذا قال. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله الصلاة على نبيئكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
فائدة: صلاة الخوف عندنا في الحضر والسفر سواء؛ لأنَّ العلَّة المجوّزة لها وهي الخوف حاصلة في الحالين، والسنة أطلقت ولم تقيِّد، وهي في المغرب أيضا كغيرها من الصلوات، وإن وقع الإجماع على أنها لم تقصر؛ فهو محمول على القصر في حال الأمن، فإنَّ الآمن لا يقصرها وإن سافر؛ وأمَّا حال الخوف والضرورة فهي كغيرها من الصلوات، كما يتنأوَّلها قوله تعالى: {فإنَّ خِفْتُمْ فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَانًا” [سورة البقرة: 239]، والمريض الذي لا يستطيع الصلاة إلا بالإيماء أو على جنبه فإنَّه يصلي كما قدر، المغرب وغيرها على سواء، والخوف مثل ذلك، والمحذور تَمكُّن العدو وهو في المغرب وغيرها سواء، وأخرج البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليّا صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير. اهـ.
الباب الحادي والثلاثون في صلاة الكسوف
قوله: «في الكسوف» هو في اللغة: التغير إلى سواد، ومنه كَسَف وجهه، وكسفت الشمس: اسودت وذهب شعاعها، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وقيل: بالكاف في الابتداء، <1/282> وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف في ذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره. وروي عن عروة أنه قال: لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت. ورد بأن الأحاديث الصحيحة تخالفه. (1/341)
صفحة 342
قوله: «عن ابن عباس...» إلخ، وقع في هذا الحديث سقط في بيان الركوع والقيام الأخير من الركعة الثانية، ولم نجده في شيء من نسخ المسند التي في أيدينا، فبيضنا له كما ترى، ولفظ الحديث عند قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام قيأمَّا طويلا نحوا من سورة البقرة، ثُمَّ ركع ركوعا طويلا، ثُمَّ رفع فقام قيأمَّا طويلا وهو دون القيام الأوَّل، ثُمَّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأوَّل، ثُمَّ سجد، ثُمَّ قام قيأمَّا طويلا وهو دون القيام الأوَّل، ثُمَّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأوَّل، ثُمَّ رفع فقام قيأمَّا طويلا وهو دون القيام الأوَّل، ثُمَّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأوَّل، ثُمَّ سجد، ثُمَّ انصرف وقد تجلت الشمس فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله". رواه أحمد والبخاري ومسلم.
قوله: «خُسِفت الشمس» بالبناء للفاعل، أي انخسفت.
قوله: «على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» أي في زمانه، وذلك في يوم مات ولده إبراهيم عليه السلام.
قوله: «فصلى بنا» فيه أن ابن عباس كان من جملة المصلين مع النبيء صلى الله عليه وسلم.
قوله: «والناس معه» أي وصلَّى الناس معه جماعة.
قوله: «قيأمَّا طويلا» أي فوق ما كانوا يعهدون من قيام الصلاة المتكررة في اليوم والليلة.
قوله: «نحوا من سورة البقرة» أي قدر ذلك، يعني أنه قرأ من القرآن قدر سورة البقرة، واستنبط منه بعضهم أن القراءة فيها سرٌّ إذ لو كانت جهرا لم يحتج إلى التقدير. ويرده حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما: "أنه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته"، وأمَّا تقدير ابن عباس، فيحتمل أن القراءة كانت آيات متفرقة من سور متعددة، فلو أنهم <1/283> استنبطوا من الحديث جواز القراءة بآيات متفرقة لكان أمثل. (1/342)
صفحة 343
قوله: «ركوعا طويلا» أي فوق ما كانوا يعهدون من الركوع. قوله: «ثُمَّ قام» أي قبل أن يسجد.
قوله: «قيأمَّا طويلا» أي فوق المعهود، لكنه دون القيام الأوَّل، وهل القراءة في هذا القيام بفاتحة الكتاب وما تيسر معها؟ أم يكفي ما يتيسر؟ لم أجد فيه نصا، والظاهر أنه لابد من فاتحة الكتاب، لأنَّه قيام في صلاة، فيفعل فيه وظيفة القيام، ويحتمل أن يقال: إنه قيام مستند إلى قيام قبله، فهو جزء قيام لا قيام مستقل، فلا تشترط فيه الفاتحة، وكذا يقال في القيام الثاني من الركعة الثانية. (1/343)
صفحة 344
قوله: «ثُمَّ سجد» أي سجدتين، ولعله أراد أنه سجد بعدما ركع، كما صرح به في الرواية المتقدمة عند الشيخين وأحمد، وعلى ذلك فتكون صلاة الكسوف أربع ركوعات في ركعتين؛ لأنَّه فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأوَّلى إلا أنها أقصر قراءة وأفعالا، ويمكن أن ما رواه المصنف هيئة أخرى، وهي ركعتان في كل ركعة قيامان كما صرح بذلك المحشي، لكن هذه الهيئة لم أجدها عن ابن عباس في شيء من كتب الحديث، ووقع عند مسلم من حديث جابر بلفظ: "ثُمَّ رفع فأطال ثُمَّ سجد" قال النووي: هي رواية شاذة، وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر، وفيه "ثُمَّ ركع فأطال حتى قيل لا يرفع، ثُمَّ رفع فأطال حتى قيل لا يسجد، ثُمَّ سجد فأطال حتى قيل لا يرفع، ثُمَّ رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، ثُمَّ سجد" وصحح الحديث ابن حجر ثُمَّ قال لم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا، قال: وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، قال: فإنَّ أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية. (1/344)
صفحة 345
وذكر المحشي أن رواية الوضع عن ابن عباس أنه قال: "انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم مات ولده إبراهيم، فصلى بالناس، فقام قيأمَّا طويلا فقرأ نحوا من سورة البقرة، فركع ركوعا طويلا ثُمَّ سجد، ثُمَّ قام قيأمَّا طويلا وهو دون القيام الأوَّل، ثُمَّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأوَّل، ثُمَّ سجد سجودا طويلا وهو دون السجود الأوَّل، ثُمَّ انصرف وقد انجلت <1/284> الشمس" فهذه الرواية تدل على أن صلاة الكسوف كغيرها؛ إلا أنها أطول، فهي كالركعتين في صلاة الفجر وهو المختار عند المحشي، وصححه صاحب الإيضاح، وبه قال أبو حنيفة والثوري والنخعي وحكاه النووي عن الكوفيين، وقال الجمهور ومالك والشافعي وأحمد، وهو المختار عندي أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، وهي الصفة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة، ويحتملها لفظ رواية المصنف، بل الظاهر أنه المراد منها كما يدل عليه قوله بعد حديث عائشة، وقد ذكرنا صلاته في حديث ابن عباس فإنَّه روى قطعة من صدر حديث عائشة، ثُمَّ أشار إلى تمامه بما تقدم في حديث ابن عباس، وهذا منه يدل على أن روايتيهما متفقتان لفظا ومعنى، وحديث عائشة عند الشيخين وأحمد يدل على ما قلناه، ولفظ البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: "جهر النبيء صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثُمَّ يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات" وقال الأوزاعي وغيره سمعت الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: "أن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مناديا بالصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات". (1/345)
صفحة 346
وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله قال الزهري، فقلت ما صنع أخوك ذلك عبد الله بن الزبير ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذا صلى بالمدينة؟ قال أجل إنه أخطأ السنة تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهري في الجهر. قوله: «ثُمَّ انصرف» أي من صلاته، يعني فرغ منها وأقبل على الناس يخطبهم.
قوله: «وقد انجلت الشمس» أي انكشفت ما بها من خسوف، ورد إليها ضوءها، يعني أن فراغه من الصلاة وافق انجلاءها.
قوله: «ثُمَّ قال» أي في خطبته بعد الصلاة. وفيه استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف، وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة، لأنَّه لم ينقل. وتعقِّب بأن الأحاديث وردت بذلك، وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة في الكسوف <1/285> مع أن مالكا روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم: بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد لها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقِّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بها، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. (1/346)
صفحة 347
قوله: «إن الشمس والقمر آيتان» أي علامتان على وجود الصانع المختار، ونفوذ إرادته، وكمال قدرته. واستنبط بعضهم من عطف القمر على الشمس أن الصلاة عند خسوفه مشروعة كما شرعت عند كسوفها، وأن الحكم في ذلك واحد. وعن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين، ثُمَّ ركب، وقال: "إنما صليت كما رأيت النبيء صلى الله عليه وسلم يصلي" رواه الشافعي في مسنده. وتعقِّب بأن الشافعي رواه عن شيخه إبراهيم بن محمد وهو ضعيف ولا يحتج بمثله، وقول الحسن: صلى بنا لا يصح، لأنَّ الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها، وقيل: إن هذا من تدليساته، وأن المراد من قوله: صلى بنا، أي صلى بأهل البصرة.
قوله: «لموت بَشَر» إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأنَّ ابنه إبراهيم مات، فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر؛ فأعلم النبيء صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخَّران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما.
قوله: «ولا لحياته» هذا مبالغة في إنكار التأثير الذي زعمته الجاهلية؛ فإنَّ فيه دفعا لتوهُّم من يقول لا يلزم أن نفي كونه سببا للفقد أن لا يكون سببا للإيجاد، فعمَّ الشارع النفي لدفع هذا التوهُّم.
قوله: «فاذكروا الله» فيه الندب إلى الدعاء <1/286> والذكر والاستغفار عند الكسوف؛ لأنَّه مما يدفع الله تعالى به البلاء. وجاء في حديث عن عائشة مرفوعا: "فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا". ومنهم من حمل الذكر والدعاء على الصلاة لكونهما من أجزائها، وفيه نظر؛ لأنَّه قد جمع بين الذكر والدعاء وبين الصلاة في حديث عائشة المذكور. (1/347)
صفحة 348
قوله: «يوم مات ولده إبراهيم عليه السلام» وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، قيل: في ربيع الأوَّل، وقيل: في رمضان، وقيل: مات سنة تسع، وجزم النووي بأن وفاته كانت سنة الحديبية.
قوله: «وأطال القيام» فيه أنه يشرع تطويل القيام في صلاة الكسوف في جميع أحوالها، كما صرحت بذلك الأحاديث الصحيحة. قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأوَّلى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعها.
قوله: «فحمد الله وأثنى عليه» أي بما هو له أهل، والحمد والثناء عليه تعالى من أركان الخطبة.
قوله: «فادعوا الله» أي اطلبوا منه كشف ذلك، واسألوه أن يرحمكم.
قوله: «وكبروه» أي قولوا الله أكبر بألسنتكم واعتقدوا عظمته في قلوبكم.
قوله: «وتضرعوا» أي تذلَّلوا لعظمته، واخضعوا لجلالته.
قوله: «وتصدَّقوا» أي أخرجوا شيئا من أموالكم صدقة على الفقراء تقربا إلى الله تعالى؛ فإنَّ الصدقة تطفئ غضب الرب. قال أبو سفيان رحمه الله تعالى: أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح ورعد، ففزعوا إلى المساجد، فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد، فجلس يذكر الله، والناس في تضرع وضجة، فلما انجلت أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم، فدعا من كان قريبا منهم؛ فقال: ما كنتم تظنون هذا الأمر؟ قالوا: خفنا أن تكون القيامة قامت. قال: وإنما خفتم طي الدنيا والإفضاء للآخرة. قالوا: نعم. قال: خفتم أمرا عظيما فحق عليكم أن تخافوه؛ ثُمَّ قال: أين تذهبون الآن؟ قالوا: إلى منازلنا. قال: <1/287> لقد خفتم أمرا عظيما؛ ففزعتم إلى الدعاء، ولو جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما كنتم فيه شيئا؛ فالآن إذ ردَّ الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل؛ فأمَّا ما كنتم فيه فلو كان الأمر كما خفتموه لم يغن عنكم دعاؤكم من الله شيئا.
قوله: «يا أمَّة محمد» إنما ناداهم بذلك ليكون باعثا لهم على الامتثال، حيث ذكر نسبهم إلى نفسه. (1/348)
صفحة 349
قوله: «لو تعلمون ما أعلم» وفي رواية قومنا "والله لو تعلمون ما أعلم" يعني: من غضب الله تعالى وغفرانه، أو من أهوال يوم الآخرة وعجائب شأنه.
قوله: «لضحكتم قليلا» أي زمانا قليلا، أو مفعول. وقيل: القلة هنا بمعنى العدم.
قوله: «ولبكيتم كثيرا» أي من شدة خوفكم من تلك الأهوال وشفقتكم على أنفسكم.
قوله: «وأمرهم أن يتعوَّذوا من عذاب القبر» أي يلتجئوا إلى الله تعالى، ويسألوه أن ينجيهم من عذاب القبر. قال الربيع: وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر، أي لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على ذلك صريحا، كما سيأتي بعضها في كتاب الجنائز. ولا ينبغي لأحد أن يخالف في ذلك بعد صحة وروده من غير طريق، حتى قيل إنه متواتر، فالعدول عما صح في ذلك إلى محض الرأي عدول عن الجادة النيرة، واعتراض على الشرع بخالص الوهم، ولم ينقل الخلاف في هذا عن أحد مسمى من أئمة المذهب، بل كل من سُمِّي منهم في هذه المسألة ينسب إليه القول بإثباته ويذكر الخلاف في المذهب ولم يسم قائله منهم، وقد مال إليه بعض المتأخرين، والمثبتون أعلم بالكتاب والسنة، وأكمل في أحوال الاستنباط، ولعلهم إنما ذكروا الخلاف كي لا يبرءوا ممن لم يثبته، إذ لم تبلغ الأخبار في ذلك درجة القطع؛ لأنَّها عندهم دون التواتر والله أعلم. (1/349)
صفحة 350
تنبيه: لم يبوِّب المرتِّب رحمه الله تعالى للاستسقاء، كما صنع غيره من أهل الحديث، بل ذكر حديث الاستسقاء الذي رواه المصنف بسنده عن أنس في باب الدعاء من كتاب الأذكار، وكأنه أشار بذلك إلى أنه لم يثبت عنده للاستسقاء صلاة، بل دعاء فقط، وهو قول أبي حنيفة. والقول بمشروعيتها ينسب إلى جمهور العلماء من السلف والخلف <1/288> وهو المذهب عندنا. ويدل على ذلك الأحاديث الكثيرة ذكرها أهل الحديث في كتبهم، فروى أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة قال: خرج النبيء صلى الله عليه وسلم يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثُمَّ خطبنا ودعا الله عز وجل وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثُمَّ قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر على الأيمن" وروى أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن زيد قال: "رأيت النبيء صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي، قال فحوَّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثُمَّ حوَّل رداءه، ثُمَّ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" ورواه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة، وفي الباب أحاديث أخر، يدل بعضها على أن الخطبة قبل الصلاة، وبعضها بعد الصلاة؛ وكأنها وقائع متعددة في أحوال مختلفة؛ فتقديمها وتأخيرها كلاهما جائز، وينبغي مراعاة الأنسب بالمقام والله أعلم.
الباب الثاني والثلاثون في سبحة الضحى وتبردة الصلاة (1/350)
صفحة 351
قوله: «في سبحة الضحى وتبردة الصلاة» أمَّا السبحة: (بضم المهملة) فهي التطوع من الذكر والصلاة، يقال: قضيت سبحتي، أي تطوعي. وسبحة الضحى: الصلاة التي تصلى حين ترتفع الشمس قيد رمح إلى نصف النهار. وأمَّا تبردة الصلاة فالله أعلم بمعناها، وكأنه أراد بها ما يفعل من رواتب الصلاة في اليوم والليلة؛ فإنَّه ذكرها في الباب بعد سبحة الضحى، فهو على هذا مأخوذ من قولهم برد له عليه كذا، أي وجب وثبت، ويقال: له عليه ألف بارد، أي ثابت، ويقال أيضا: سموم بارد، أي ثابت لا يزول. واختلف الناس في مشروعية سبحة الضحى إلى ستَّة مذاهب: الأوَّل: أنها سنَّة، واستدلوا بالأحاديث الواردة في فضلها، منها حديث أم هاني في الباب، وحديث عائشة عند أحمد ومسلم وابن ماجة قالت: "كان النبيء صلى الله عليه وسلم يصلِّي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله"، ومنها صلاته <1/289> صلى الله عليه وسلم في بيت عتبان بن مالك، ومنها حديث أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: بصيام ثلاثة أيام في كلِّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" رواه البخاري ومسلم وأحمد، وفي لفظ لأحمد ومسلم" "وركعتي الضحى كل يوم"، وعن يزيد بن أرقم قال: "خرج النبيء صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى؛ فقال: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى" رواه أحمد ومسلم في أمثالها من الأحاديث. المذهب الثاني: لا تشرع إلا لسبب، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا لسبب؛ فاتفق وقوعه وقت الضحى، وتعددت الأسباب؛ فحديث أم هاني في صلاته يوم الفتح كان لسبب الفتح، وأن سنَّة الفتح أن يصلي عنده ثَمان ركعات، قيل: وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح، وصلاته عند القدوم من مغيبه، كما في حديث عائشة كانت لسبب القدوم؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين. (1/351)
صفحة 352
وصلاته في بيت عتبان بن مالك كانت لسبب، وهو تعليم عتبان بن مالك كانت لسبب، وهو تعليم عتبان إلى أين يصلي في بيته لما سئل النبيء صلى الله عليه وسلم ذلك؛ وأمَّا أحاديث الترغيب فيها والوصية بها، فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، ولهذا خصَّ بذلك أبا هريرة ونحوه، ولم يوص بذلك أكابر الصحابة. المذهب الثالث: لا تستحبُّ أصلا. والمذهب الرابع: يستحبُّ فعلها تارة، وتركها أخرى. والمذهب الخامس: تستحبُّ صلاتها والمحافظة عليها في البيوت. والمذهب السادس: أنها بدعة، روي عن ابن عمر، وإليه ذهب الهادي والقاسم وأبو طالب، ورُدَّ بأن الأحاديث في إثباتها قد بلغت مبلغا لا يقصر البعض منه عن اقتضاء الاستحباب، وقد جمع الحاكم الأحاديث في إثباتها في جزء مفرد عن نحو عشرين نفسا من الصحابة. (1/352)
صفحة 353
قوله: «ما سبَّح» (بالتشديد) أي ما صلى سبحة، ولفظ الحديث عند قومنا: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قطُّ، وأني لأسبحها" رواه البخاري ومسلم وأحمد، وروى أحمد ومسلم وابن ماجة عن عائشة قال: "كان النبيء صلى الله عليه وسلم <1/290> يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله" وروى مسلم أن عائشة سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه، وجمع بين هذه الروايات بأن قولها: كان يصلي الضحى أربعا، لا يدل على المداومة؛ بل على مجرد الوقوع، ولا يستلزم هذا الإثبات أنها رأته يصلي، لجواز أن تكون روت ذلك من طريق غيرها، وقولها: "إلا أن يجيء من مغيبه"، يفيد تقييد ذلك المطلق بوقت المجيء من السفر، وقولها: "ما رأيته يصلي سبحة الضحى" نفي للرؤية، ولا يستلزم أن لا يثبت لها ذلك بالرواية، أو نفي لما عدا الفعل المقيَّد بوقت القدوم من السفر، وهذا التوجيه أنسب برواية المصنِّف، والذي قبله لا يتأتَّى بالنظر إلى رواية المصنِّف، فإنَّها نفت الفعل رأسا لا الرؤية فقط، وغاية الأمر أنها أخبرت عما بلغ إليها علمه، وغيرها من أكابر الصحابة أخبر بما يدلُّ على المداومة وتأكُّد المشروعية، ومن علم حجَّة على من لم يعلم، لاسيما وذلك الوقت الذي تفعل فيه ليس من الأوقات التي تعتاد فيها الخلوة بالنساء، على أن عائشة رضي الله عنها قد علمت استحبابها، ولهذا قالت وإنِّي لأسبّحها، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تركها لا لكونها غير مشروعة، لكن خشية أن تفرض على الناس. (1/353)
صفحة 354
قوله: «وإني لأسبحها» أي لأصلّيها، مأخوذ من قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ “ [سورة الطور: 48-49] فهذا القول من عائشة رضي الله عنها يدل على أنها قد علمت مشروعيتها واستحبابها، ولذا كانت تسبِّحها، وروي أيضا عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلونها، منهم أبو سعيد الخدري، روى ذلك عنه سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل، ومنهم أبو ذر روى ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد الله بن غالب، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه سئل هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلونها؟ فقال: نعم، كان منهم يصلي ركعتين، ومنهم من يصلي أربعا، ومنهم من يَمدُّ إلى نصف النهار. وأخرج سعيد بن منصور أيضا في سننه عن ابن عباس أنه قال: طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها هاهنا: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالاِشْرَاقِ” [سورة ص: 18] وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في <1/291> الإيمان من وجه آخر عن ابن عباس أنه قال: "إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها الأغواص في قوله تعالى: {فيِ بُيُوتٍ اَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, يُسَبِّحُ لَهُ, فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ” [سورة النور: 36].
قوله: «وإن كان» أي وأنه كان، فهي مخففة من الثقيلة.
وقوله: «ليدع» أي يترك هو الخبر، واللام فيه للفرق بين المخففة والنافية، والمراد بالعمل: ما كان من عمل الطاعات. (1/354)
صفحة 355
قوله: «خشية أن يعمل به الناس» أي يستمروا على العمل به والمواظبة عليه، فيترتب على ذلك افتراضه، فتركه صلى الله عليه وسلم شفقة على أمته من عبء التكاليف، ومن ذلك تركه الجماعة في قيام رمضان. وفي الحديث إشارة إلى أن الافتراض قد يترتَّب على الاستمرار في فعل الشيء، وذلك في زمان النبوءة، ولعلَّ السرَّ في ذلك أنَّ الحقَّ جلَّ وعلا ينظر إليهم حال مواظبتهم بنظر الرحمة؛ فيحبُّ ذلك منهم فيكلفهم فعله، والنبيء صلى الله عليه وسلم يخشى أن لا يقوموا بالواجب بعد افتراضه، فيطلب لهم التخفيف والله أعلم.
قوله: «عن أم هانيء بنت أبي طالب» واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب؛ فهي ابنة عمِّ النبيء صلى الله عليه وسلم، وأخت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة بنت أسد، واختلف في اسمها، فقيل: هند، وقيل: فاطمة، وقيل: فاختة، كانت تحت هبيرة بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزوميّ أسلمت عام الفتح؛ فلما أسلمت وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هرب هبيرة إلى نجران، وكانت قد ولدت له عمرا، وبه كان يكنى هبيرة وهانئا ويوسف وجعدة، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبيء صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أمّ هانيء فإنَّها حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل فسبَّح ثمان ركعات، ما رأيته صلى صلاة أخفَّ منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود.
قوله: «صلاة الضحى» هذا تصريح بأن الذي فعله صلى الله عليه وسلم <1/292> هو صلاة الضحى لا صلاة الفتح، كما زعمه من أنكر مشروعيتها. (1/355)
صفحة 356
قوله: «ثمان ركعات» زاد ابن خزيمة من طريق كريب عن أم هانيء: "يسلم من كل ركعتين" وزادها أيضا أبو داود، وفي ذلك ردّ على من قال إن صلاة الضحى موصولة، سواء كانت ثمان ركعات أو أقل أو أكثر. قوله: «ملتحفا في ثوب واحد» فيه دليل على جواز الصلاة في الثوب الواحد، ويمكن أن يقال: لا دليل فيه لأنَّها ذكرت الالتحاف؛ فيمكن أن يكون قد اتَّزر بغيره، واستدل به المحشِّي على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكَّة محرما، ولا دليل فيه أيضا على ذلك؛ لأنَّه لا يلزم من الالتحاف بالثوب الواحد ثبوت الإحرام، والراجح كما سيأتي أنه دخلها يومئذ غير محرم لأنَّها أحلت له ساعة من النهار.
ما جاء في التطوع قبل الفريضة وبعدها، وفي قيام الليل. (1/356)
صفحة 357
قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر ركعتين...» إلخ، والحديث عند قومنا عن ابن عمر قال: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة، كانت ساعة لا أدخل على النبيء صلى الله عليه وسلم فيها، فحدثتني حفصة أنه كان إذا طلع الفجر، وأذَّن المؤذِّن صلى ركعتين" رواه أحمد والبخاري ومسلم. وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة النبيء صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين" رواه الترمذي وصححه. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود معناه، لكن ذكروا فيه قبل الظهر أربعا، قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر أن قبل صلاة الظهر ركعتين، وفي حديث عائشة أربع، وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف <1/293> ما رأى، قال: ويحتمل أن ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع، وهذا الاحتمال بعيد؛ لأنَّ ابن عمر لم ينفرد بذلك، فقد رواه أيضا أبو سعيد كما في رواية المصنف، وروته أيضا عائشة كما أخرجه الترمذي وصححه؛ فالأوَّلى أن يحمل على حالين، فكان تارة يصلي اثنتين، وتارة يصلي أربعا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعا، وبهذا الوجه يجمع أيضا بين هذه الروايات وبين رواية أبي أيوب الآتي ذكرها آخر الباب: "أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا" لأنَّه صلى الله عليه وسلم نزل أوَّل مَقدَمه في بيت أبي أيوب فهو أعرف بحاله هناك، والله أعلم.
قوله: «وبعد صلاة العشاء ركعتين» يعني: غير الوتر، فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان يؤخِّر الوتر حتى يصليه بعد قيام الليل، وقد نهى عن وترين في ليلة. (1/357)
صفحة 358
قوله: «حتى ينصرف الناس» يعني: من مواضع صفوفهم، وفي هذا التأخير معنيان: أحدهما: الإشارة إلى عدم تأكيد التطوع بعد الجمعة؛ فإنَّه لو كان مؤكدا لما أمهلهم حتى ينصرفوا، والمعنى الثاني: يقتضيه ظاهر اللفظ؛ فإنَّه يدلُّ على أنه صلاَّهما في المسجد. وقد اختلف الناس في الأفضل من ذلك، فقيل: الأفضل صلاتها في البيت، وقيل: في المسجد كما يقتضيه ظاهر رواية المصنف، وروى الجماعة عن ابن عمر: أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ولعله كان يفعل هذا مرة وهذا مرة.
قوله: «ويصلي ركعتين» استدلَّ به على أن سنَّة الجمعة ركعتان، وممن فعل ذلك عمران بن حصين، وقد حكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد، وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربع، لحديث أبي هريرة أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربع ركعات" رواه الجماعة إلا البخاري، وعن علي وأبي موسى وعطاء ومجاهد وحميد بن عبد الرحمن والثوري أنه يصلي ستًّا. وقد اختلف في الأربع الركعات هل تكون متصلة لا يسلم إلا في آخرها، أو يفصل بين كل ركعتين بتسليم؟ ذهب إلى الأوَّل أهل الرأي وإسحاق بن راهويه، وهو <1/294> ظاهر حديث أبي هريرة، وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور من قومنا على ما قال العراقي قال المازري وابن العربي أن أمره صلى الله عليه وسلم لمن يصلي بعد الجمعة بأربع، لئلا يخطر على بال جاهل أنه صلى ركعتين لتكملة الجمعة، أو لئلاَّ يتطرَّق أهل البدع إلى صلاتها ظهرا أربعا. (1/358)
صفحة 359
قوله: «حظٌّ» أي نصيبٌ وافر من الليل يصلي فيه ما شاء، وقد أجمل أبو سعيد صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل في هذا الحديث، لكن بيَّنتها رواية عائشة بعد هذا الحديث أنها ثلاث عشرة ركعة وركعتا الفجر، وكذلك حديث ابن عباس الآتي في باب الإمامة في النوافل؛ فإنَّه ذكر أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى اثنتي عشرة ركعة، ثُمَّ أوتر، ثُمَّ اضطجع حتى جاء المؤذِّن فقام فصلى ركعتين خفيفتين؛ وإنما اختار صلى الله عليه وسلم قيام الليل، أمَّا لأنَّه واجب عليه في الجملة؛ فيكون ثواب قيامه ثواب الواجبات. وأمَّا لأنَّ الصلاة في ذلك الوقت أفضل على الإطلاق، كما في حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل.
قوله: «ثلاث عشرة ركعة» يعني بالوتر، وجعلها في الإيضاح كلها وترا، ويرده حديث ابن عباس الآتي في الباب الذي يليه؛ فإنَّه صرح فيه بأنه أوتر بركعة فالاثنتا عشرة قيام الليل، والثالثة عشر وتر.
قوله: «النداء» يعني: الأذان، وفيه إشارة إلى أن وقت سنة الفجر بعد أن يطلع الفجر لا قبله، خلافا للمرخِّصين في صلاتها قبل ذلك.
قوله: «ركعتين» وفي رواية عند قومنا عن عائشة قالت: «لم يكن النبيء صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدّ تعاهدا منه على ركعتي الفجر» رواه أحمد والبخاري ومسلم.
قوله: «خفيفتين» أي لا يطيل قيامهما ولا سجودهما، بل يختصر في ذلك كلِّه، قال ابن عمر: رَمَقت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر: {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ”، و{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ”" رواه الخمسة إلا النسائي. <1/295>
ما جاء في التطوُّع على الراحلة (1/359)
صفحة 360
قوله: «يصلِّي على راحلته في السفر... قال الربيع: وذلك في النوافل» زاد في رواية الإيضاح: وإذا أراد أن يصلي الفريضة نزل. وفي البخاري قال ابن عمر: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبِّح على الراحلة قبل أيِّ وجه توجَّهت، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة؛ وإنما خُصَّت النوافل بذلك لأنَّها ليست بواجبة في نفسها، فلا يجب فيها مراعاة شرائط الفرض، ولهذا جاز أن تصلَّى قعودا مع القدرة على القيام؛ وأمَّا الفرض فلا يجوز فيه ذلك إلا عند الضرورة من خوف أو مرض؛ فأمَّا الخوف فلقوله تعالى: {فإنَّ خِفْتُمْ فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَانًا” [سورة البقرة: 239]، وأمَّا المرض فلقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ” [سورة التغابن: 16]، وصلاته صلى الله عليه وسلم تطوعا على الراحلة كانت في سنة ثلاث من الهجرة في غزوة غطفان، وكانت قبلته نحو المشرق، وكانت هذه الغزوة في ربيع الأوَّل لاثنتي عشرة ليلة مضت، منه على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة.
قوله: «حيث ما توجَّهت به» يعني: توجَّهت إلى القبلة أو إلى غيرها. ففي الحديث شيئان، أحدهما: عدم التزام القيام في النوافل، والثاني: عدم التزام الاستقبال. وذكر في القواعد وغيره من كتب الأصحاب أنه يستقبل القبلة بوجهه عند الإحرام، ثُمَّ لا يضره انحراف الدابة عن القبلة، وهذا إن كان على جهة الاستحباب فالله أعلم به، وإن كان على جهة الإلزام فظاهر الأحاديث يخالفه، فإنَّه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم استقبلها بوجهه، ولو وقع لنُقِل، لأنَّهم لا يتساهلون في نقل الشريعة.
ما جاء في تحية المسجد (1/360)
صفحة 361
<1/296> قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد» الحديث رواه الجماعة عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلِّي ركعتين" ورواه أيضا الأثرم في سننه، ولفظه: "أعطوا المساجد حقها"، قالوا: وما حقها؟ قال: "أن تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا".
قوله: «فليركع ركعتين» هما تحية المسجد، فهي سنَّة عندنا وعند الجمهور من قومنا، وقال النووي: إنه إجماع المسلمين، قال: وحكى القاضي عياض عن داود وأصحابه وجوبها، قال ابن حجر: والذي صرح به ابن حزم عدمه، قال: واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، وقال غيره: من جملة أدلة الجمهور على عدم الوجوب ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد ثُمَّ يخرجون ولا يصلون"، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يسأل عن الإسلام: "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال هل غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع"، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يتخطَّى رقاب الناس: "اجلس فقد آذيت"، ولم يأمره بصلاة.
قوله: «قبل أن يجلس» فيه أنها تفوت بالجلوس، فلو جلس ثُمَّ صلى لم يعد ممتثلا، وليس له ثواب التحية، وإنما له ثواب تنفُّله، فإنَّ وافق المكتوبة أجزته عن التحية، وإن منع منها فقيل يستحبُّ له أن يقول: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" أربع مرات، فيقال: إنها تعدل ركعتين في الفضل.
ما جاء في سنَّة الزوال (1/361)
صفحة 362
قوله: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها» يعني: في بعض الأحوال، لِما تقدَّم من حديث أبي سعيد وغيره أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين، ويحتمل أن الأربع كان يصليهن في بيته، والركعتين في المسجد، وهذه الأربع هي التي تعرف عندنا بسنَّة الزوال. قال أنس: كان <1/297> رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الزوال أربع ركعات حين تزول الشمس، يفصل بين كلِّ ركعتين بالتسليم على الملائكة المقرَّبين والنبيءين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين، وتارة كان يجعل التسليم في آخرها، وكان يطيل فيهن القراءة، فيقرأ سورتين من الطوال، أو من المئين، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ فيهن بسورة ق ونحوها.
قوله: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء» أي لترفع فيها أعمال الصالحين، وتنزل فيها الرحمة أو تفتح لِما شاء الله من إنفاذ الأوامر السماوية، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهنَّ أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يصلِّي الظهر، وما من شيء إلا وهو يسبح في تلك الساعة غير الشياطين، وأغبياء بني آدم، ثُمَّ يقرأ { أوَّلمْ يَرَوِا إِلَىا مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ, عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ” [سورة النحل: 48].
الباب الثالث والثلاثون الإمامة في النوافل (1/362)
صفحة 363
قوله: «الإمامة في النوافل» إنما ترجم له إشارة إلى الردِّ على من منع الجماعة فيها من قومنا، وقد جاءت الأحاديث الصحاح بوقوع ذلك فلا وجه للمنع، وقد أخرج المصنف منها ثلاثة أحاديث: حديث أنس عند جدته مليكة، وحديث ابن عباس عند خالته ميمونة، وحديث عائشة في قيام رمضان، وعن عتبان بن مالك أنه قال: "يا رسول الله إنَّ السيول لتَحُول بيني وبين قومي، فأحبُّ أن تأتيني فتصلي في مكان من بيتي أتخذه مسجدا، فقال: سنفعل؛ فلما دخل، قال: أين تريد؟ فأشرت له إلى ناحية من البيت؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين" رواه الشيخان وأحمد.
ما جاء أن المرأة تصف وحدها خلف الجماعة
<1/298> قوله: «جدتي مليكة» بصيغة التصغير، قيل: إنها أم سليم، وقيل: إنها أم حرام، قال ابن الأثير: ولا يصح ذلك، والاختلاف في أم سليم كثير. قلت: لكن تقدَّم أنَّ أمَّ سليم هي أمُّ أنس لا جدَّته، قال ابن الأثير: ولم تكن لأنس جدَّة من أبيه ولا من أمّه مسلمة حتى يحمل عليها. قلت: لكن كلام أنس في الحديث يدلُّ على أنها جدَّته وأنها كانت مسلمة، ويمكن أن يريد بها امرأة أخرى من الأنصار سماها جدة مجازا لِما كان بينهما من الخلطة والشفقة، حتى كأنها جدته، وهذا معروف عند العرب، لكن الحقيقة أظهر.
قوله: «صنعت» أي عملت.
قوله: «لرسول الله» أي قصدته ودعته إليه.
قوله: «طعاما» لم أجد بيان هذا الطعام ما هو.
قوله: «فأكل» إنما قدَّم الأكل ها هنا لأنَّ مجيئه صلى الله عليه وسلم كان لذلك، لا ليصلي بهم كما في قصة عتبان بن مالك المتقدِّمة، فإنَّه إنما دعاه ليصلِّي له في مكان يتَّخذه مصلَّى، وهذا هو السرُّ في ابتدائه في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة؛ فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله. (1/363)
صفحة 364
قوله: «ثُمَّ قال قوموا أصلِّي بكم» استدلَّ به على ترك الوضوء مما مسَّت النار لأنَّه صلَّى الله عليه وسلم صلَّى بعد الطعام. واعترض بما رواه الدارقطني في غرائب مالك، ولفظه: "صنعت مليكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فأكل منه وأنا معه، ثُمَّ دعا بوضوء فتوضَّأ" الحديث، والصحيح لا يجب الوضوء مما مسَّت النار لِما تقدَّم، وهذا الحديث إن صحَّ فيحتمل أنه إنما توضَّأ لكونه على غير وضوء قبل ذلك، أو المراد الوضوء اللغوي وهو النظافة؛ فالمعنى: أنه غسل يديه وفاه، والله أعلم.
قوله: «قد اسودَّ» أي تغيَّر لونه إلى السواد.
قوله: «من طول ما لبس» أي استعمل، وفيه أن الافتراش يسمى لبسا، وقد استدلَّ به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير. واعترض أن من حلف لا يلبس حريرا، فإنَّه لا يحنث بالافتراش. وأجيب بأن مبنى الأيمان على العرف، ومسألة افتراش الحرير فيها خلاف، ولعل من أجاز ذلك جعل اللبس في هذا الحديث مجازا عن الافتراش لا حقيقة فيه، وهو الظاهر. <1/299>
قوله: «فنضحته» يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير، أو لتنظيفه أو لتطهيره، وهذا الأخير هو الذي يقتضيه كلام الإيضاح، فإنَّ ظاهره أنَّ النضح إنَّما هو لأجل الشكِّ في نجاسته. واعترض بأن المتبادر غيره لأنَّ الأصل الطهارة، واستدلَّ المحشِّي بالحديث على أن الصلاة في الحصير أفضل. (1/364)
صفحة 365
قوله: «فصففت أنا والشيخ وراءه» أي وقفنا وراءه صافين بعضنا مع بعض، والشيخ هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، له ولأبيه أبي ضميرة صحبة، وهو جد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة. واختلف في اسم أبي ضميرة فقيل: روح، وقيل غير ذلك، وسماه شيخا نظرا إلى الحال الذي هو عليه عند الإخبار، ووقع عند غير المصنف مكان الشيخ اليتيم، وذلك بالنظر إلى الحال الذي كان عليه عند الصلاة. قال ابن الأثير: روى ابن أبي ذئب عن حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة عن أبيه عن جدِّه ضميرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بأمِّ ضميرة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك، أجائعة أنت؟ أعارية أنت؟ فقالت: يا رسول الله فُرِّق بيني وبين ولدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يفرَّق بين والدة وولدها" ثُمَّ أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه وابتاعه منه ببكرة، قال ابن أبي ذئب: ثُمَّ أقرأني كتابا عندهم من النبيء صلى الله عليه وسلم "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لبني ضميرة من محمد رسول الله لبني ضميرة وأهل بيته، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقهم، وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبُّوا أقاموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أحبُّوا رجعوا إلى أهلهم لا تعرض لهم إلا بحقٍّ، من لقيهم من المسلمين فليُستَوص بهم خيرا" وكتب أبيّ بن كعب.
قوله: «والعجوز» هي مليكة المذكورة أوَّلا. (1/365)
صفحة 366
قوله: «ثُمَّ انصرف» أي إلى بيته، أو من الصلاة. وفي هذا الحديث من الفوائد: إجابة الدعوة ولو لم تكن عرسا، ولو كان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة، وتنظيف مكان المصلي، <1/300> وقيام الصبي مع الرجل صفًّا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها، واستُدلَّ به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف وحده، ولا حجة في ذلك لأنَّها امرأة مأمورة بالعزلة، والرجل مأمور بالاصطفاف مع الرجال، وفيه الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين خلافا لمن اشترط أربعا، وفيه صحَّة صلاة الصبيِّ المميِّز ووضوءه، وصلاة النافلة في الجماعة، وإنما محلُّ الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردا حيث لا يكون هناك مصلحة كالتعليم، بل يمكن أن يقال هو إذ ذاك أفضل، ولا سيما في حقِّه صلى الله عليه وسلم. واستدلَّ في الإيضاح بهذا الحديث على ثلاثة أشياء: أحدها: الاجتزاء بالنضح على اليد بعد الاستنجاء. والثاني: زوال النجاسة بالنضح في بعض المواطن، كزوالها بالغسل. والثالث: في بيان مقام المأموم خلف الإمام، وأن المرأة تقف خلف الإمام، وأنه لا صفَّ على النساء، ذكر ذلك في أبواب متفرِّقة.
ما جاء في موقف المنفرد مع الإمام، وفي قيام رمضان
قوله: «قال أخبرني» أي قال جابر: أخبرني ابن عباس وقد تقدَّم ذكر ميمونة، وأنها خالة ابن عباس، وخالة خالد بن الوليد أيضا.
قوله: «فاضطجعت» أي نمت مضطجعا، و«عَرْض الوِسَادَة» (بفتح العين المهملة وسكون الراء) خلاف الطول، والوِسادة (بالكسر) المخدَّة، والوسادُ بغير هاء كلُّ ما يُتَوسَّد به من قماش وتراب وغير ذلك.
قوله: «يمسح النوم» أي أثره.
قوله: «فقرأ» فيه جواز القراءة لغير المتوضِّئ. (1/366)
صفحة 367
قوله: «العشر الآيات» وأوَّلهنَّ: قوله تعالى: { إِنَّ فيِ <1/301> خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ” [سورة آل عمران: 190] كما جاء مصرَّحا به في رواية عند قومنا.
قوله: «شَنَّ» (بفتح المعجمة، وتشديد النون) «قال الربيع: هو القِربَة البالية».
قوله: «معلَّق» بصيغة التذكير، لأنَّها بمعنى الوِعاء. قال ابن حجر: ورد أيضا بلفظ المعلَّقة.
قوله: «فأحسن الوضوء» أي جاء به على وِفق ما أمر.
قوله: «وصنعت مثل ما صنع» يعني: مِن مسح النوم، وتلاوة الآيات، والوضوء من الشنِّ على وفق الأمر.
قوله: «إلى جنبه» أي من الجهة اليسرى، ورواية البخاري: "ثُمَّ جئت فقمت عن يساره ـ وربما قال سفيان عن شمالي ـ فحوَّلني فجعلني عن يمينه، ثُمَّ صلى ما شاء الله". (1/367)
صفحة 368
قوله: «يَفتِلُها» (بفتح أوَّله وكسر التاء) من باب ضرب، أي يلويها، والمعنى: أنه حوَّله من يساره إلى يمينه فصار ذلك سنَّة في مقام المنفرد عند الإمام، فلو قام عن يساره حتىَّ صلَّى صلاته، قيل: أعاد صلاته، وكذلك قيل: لو قام خلفه يعيد صلاته لأنَّه ارتكب النهي في الموضعين. واستدلَّ البخاري بالحديث على أنه إذا قال الرجل عن يسار الإمام، وحوَّله الإمام خلفه إلى يمينه تَمَّت صلاته، وفي موضع آخر لم تفسد صلاتهما. قال ابن حجر: وجه الدليل أنه صلى الله عليه وسلم لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه وقف عن يساره أوَّلا. قال: وعن أحمد تبطل، لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يقرُّه على ذلك. قال: والأوَّل قول الجمهور، بل قال سعيد بن المسيب: إن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام، ولم يتابع على ذلك. قلت: والسنة تخالفه، وأنت خبير أن هذا التحويل إنما وقع في صلاة الليل وهي نافلة، فلا يصحُّ أن يقاس عليها الفرض لأنَّ التوسُّع في النافلة مشروع كالصلاة على الراحلة حال الأمن، وكالصلاة قاعدا حال القدرة، وهذا لا يصح في الفرض؛ فإنَّ أراد البخاري ثبوت الحكم في الفرض فمردود لثبوت الفرق، وإن أراد ثبوته في النفل فلم يزد على نص الحديث.
قوله: «اثنتي عشرة ركعة» أي يسلِّم بعد كلِّ ركعتين.
قوله: «ثُمَّ أوتر» يعني: بواحدة، قال المحشِّي: وفيه دليل على ما ذهب إليه أصحابنا مِن أنَّ الوتر واحدة بشرط أن يتقدَّمها شفع، والله أعلم. قلت: هو قول <1/302> لبعض أصحابنا لا لجميعهم، والله أعلم.
قوله: «ثُمَّ اضطجع» أي جعل جنبه على الأرض ليستريح من نصب القيام، حتى يقوم إلى الفرض بنشاط، وفي رواية البخاري: «ثُمَّ اضطجع فنام حتى نفخ». (1/368)
صفحة 369
قوله: «ركعتين خفيفتين» هما سنَّة الفجر، وفي قوله: «ثُمَّ خرج» دليل على أنه صلاَّهما في البيت، وإنما خفِّفتا لكونهما بعد صلاة الليل التي يُسنُّ تطويلها، فاقتضت الحكمة الاستراحة بالاضطجاع، والتخفيف حتىَّ ترجع القوَّة عند أداء الفرض.
قوله: «فصلَّى الصبح» أي صلاة الصبح، وهي صلاة الفجر.
قوله: «كذلك فافعل يا جابر» أي مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من القيام والصلاة إلى آخر ما فعل. (1/369)
صفحة 370
قوله: «وثَنِّ» (بفتح المثلثة وكسر النون المشدَّدة) أمر من ثنَّى إذا فعل اثنين متماثلين، ومنه الأذان مثنى مثنى، والمعنى: إذا كان رمضان فزد فوق الركعتين ركعتين، حتى يحصل من الجميع أربع وعشرون ركعة من غير الوتر، وهذا من ابن عباس رضي الله عنهما أمَّا نقل أو استحسان، والظاهر الثاني؛ لأنَّه لو كان نقلا لصَرَّح به كما صرَّح بما قبله على أنه لم يرد في قيام رمضان حدٌّ محدود، وإنما ورد الترغيب في قيامه جملة، ولم يرد فيه عدد الركعات، ففعل كلُّ قوم ما أمكنهم من ذلك، ولِمالك في الموطَّأ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، وفي الموطأ أيضا عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد: أنها إحدى عشرة، وروى محمد بن نصر عن محمد بن يوسف: أنها إحدى وعشرون ركعة، وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلُّون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر. قال ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أنَّ ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها؛ فحيث تطول القراءة تُقلَّل الركعات، وبالعكس. وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز بالمدينة يقومون ستًّا وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث. وقال <1/303> مالك: الأمر عندنا بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق. قال الترمذي: أكثر ما قيل: إنه يصلِّي إحدى وأربعين ركعة بركعة الوتر. ومن الترغيب الوارد فيه حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة؛ فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدَّم من ذنبه" رواه الجماعة. (1/370)
صفحة 371
قوله: «صلَّى رسول الله عليه وسلم في المسجد...» الخ يعني بذلك: قيام رمضان، وفي قوله: «في المسجد» دليل على أنَّ الأفضل صلاتها في المسجد عند الجماعة، وهو مذهبنا ومذهب الشافعي وجمهور أصحابه وأبي حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم، وهو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى خاف أن يُفرَض فتركه، وفعله عمر رضي الله عنه في خلافته حين أمن الافتراض؛ فعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرِّقون يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلِّي الرجل فيصلِّي بصلاته الرهط؛ فقال عمر: "إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل"؛ ثُمَّ عزم فجمعهم على أبَيِّ بن كعب ثُمَّ خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم؛ فقال عمر: "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون" يعني: آخر الليل. وكان الناس يقومون أوَّله، رواه البخاري. ثُمَّ استمرَّ عمل المسلمين على ذلك، فصار من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فُرادى لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" رواه أحمد والبخاري ومسلم. وقيل التجميع فيها بدعة، والصواب الأوَّل والله أعلم.
قوله: «فصلى بصلاته ناس كثير» أخذ منه بعض قومنا جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، قال: وهذا صحيح، قال: ولكن إن نوى الإمام إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حصلت لهم فضيلة الجماعة، ولا تحصل للإمام على الأصح؛ لأنَّه لم ينوها والأعمال بالنيات؛ وأمَّا المأمومون فقد نَوَوها، وهذا إن أراد به الإطلاق فغير مُسَلَّم، لأنَّ الواقعة في النفل، فلا <1/304> يُحمل عليها الفرض كما تقدَّم في نظيره؛ ثُمَّ أنه يمكن أن يكون لإمام المسجد خصوصية لم تكن لغيره. (1/371)
صفحة 372
قوله: «في الليلة الثالثة والرابعة»، وفي رواية قومنا: "أو الرابعة" وفي البخاري: فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بصلاته؛ فلمَّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح؛ فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثُمَّ قال: "أمَّا بعد، فإنَّه لم يَخْف عليَّ مكانكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها".
قوله: «إلاَّ أنِّي خشيت أن يفرض عليكم» فيه دليل على استحباب الجماعة في هذه الصلاة؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من الخروج إليهم إلا خشية أن يفرض عليهم. وفيه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة، أو مصلحتان، اعتبر أهمها، لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم كان رأى الصلاة في المسجد مصلحة؛ فلما عارضه خوف الافتراض عليهم، تركه لعظم المفسدة التي يخافها من عجزهم وتركهم للفرض. وفيه أن الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئا خلاف ما يتوقَّعه أتباعه، وكان له فيه عذر يذكره لهم تطبيبا لقلوبهم، وإصلاحا لذات البين، لئلا يظنُّوا خلاف هذا، وربَّما ظنُّوا ظنَّ السوء. (1/372)
صفحة 373
قوله: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان على ثلاثة عشر ركعة» وعند البخاري من حديث أبي سلمة عن عائشة: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلِّي أربعا، فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثُمَّ يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ ثُمَّ يصلِّي ثلاثا"، وعنده أيضا عن مسروق قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؟ فقالت: "سبع، وتسع، وإحدى عشرة، <1/305> سوى ركعتي الفجر"، وعن القاسم عنها قالت: "كان النبيء صلى الله عليه وسلم يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانت صلاة النبيء صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة"، وجمعٌ بين هذه الأحاديث بأن ما أجابت به عائشة مسروقا، فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلِّي سبعا، وتارة تسعا، وتارة إحدى عشرة؛ وأمَّا حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله، وهو معنى حديث أبي سلمة عنها؛ لكنَّ ظاهر قولها لجابر عند المصنِّف يخالف ما رواه عنها أبو سلمة؛ فإنَّ رواية المصنِّف تدلُّ على أن أكثر صلاته ثلاث عشرة ركعة كما قال ابن عباس، وأنها غير ركعتي الفجر كما صرَّح به حديث ابن عباس حين بات عند خالته، والله أعلم. وفي الحديث دلالة على أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة.
قوله: «أتنام قبل أو توتر؟» في هذا الاستفهام دليل على كراهة النوم قبل الوتر، كأنَّه تقرَّر عندها منع ذلك، فأجابها بأنه صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك كغيره. (1/373)
صفحة 374
قوله: «إنَّ عينَيَّ ينامان ولا ينام قلبي» يعني: أن قلبه لا يتغيَّر عن حال يقظته. قال الخطابي: وإنما منع قلبه النوم ليعِيَ الوحي الذي يأتيه في منامه. وفي البخاري: "قلنا لعمر: إن ناسا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه" قال عمر: "سمعت عبيد بن عمير يقول رؤيا الأنبياء وحي" ثُمَّ قرأ {إِنِّيَ أَرَىا فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ” [سورة الصافات: 102] ووجه الاستدلال بما تلاه أن الرؤيا لو لم تكن وحيا لَمَا جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده.
الباب الرابع والثلاثون في استقبال الكعبة، وبيت المقدس (1/374)
صفحة 375
قوله: «في استقبال الكعبة وبيت المقدس» وهما بيتان بُنيا لتعظيم الله تعالى، أمر الله بتعظيمهما <1/306> فعظَّمتهما أهل الشرائع، وجعلهما الله تعالى قبلة للمصلِّين، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين إلى القبلتين معا، كلَّما أُمِر بقبلة استقبلها؛ فاستقبل أوَّلا الكعبة ثُمَّ بيت المقدس، ثُمَّ أمر باستقبال الكعبة، ونسخ استقبال بيت المقدس، واستقر الأمر على ذلك، كما يدلُّ عليه حديث الباب، فحرم الإستقبال إلى بيت المقدس في الصلاة، ووجب استقبال الكعبة بإجماع المسلمين إلا في حالة العجز، أو في الخوف عند التحام القتال، أو في صلاة التطوُّع، وقد دلَّ على ذلك الكتاب العزيز والسنَّة المتواترة. وقد ذكر المصنِّف منها حديثين: أحدهما: حديث ابن عباس وقد تقدم شرحه في باب فرض الصلاة. والثاني: حديث ابن عمر في أهل قباء، وروي أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي بمكَّة إلى الكعبة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي؛ فلما عُرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس؛ فصارت ركعتين في الأوقات غير المغرب للمسافر والمقيم، وبعدما هاجر إلى المدينة زِيد في صلاة الحضر، وأُمِر أن يصلِّي نحو بيت المقدس، لئلا تكذِّبه اليهود لأنَّ نعته في التوراة أنَّه صاحب قبلتين، وكانت الكعبة أحبُّ القبلتين إليه، فأمره الله تعالى أن يصلِّيَ إلى الكعبة، قال الله تعالى: {قَدْ نَرَىا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” [سورة البقرة: 144] كذا عن ابن عباس. وروي عنه أيضا: كانت قبلته بمكة بيت المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه. وعن محمد بن شهاب الزهري قال: "لم يبعث الله عز وجل منذ هبط آدم إلى الدنيا نبيئا، إلا جعل قبلة صخرة بيت المقدس، ولقد صلَّى إليها نبيئنا عليه السلام ستَّة عشر شهرا". (1/375)
صفحة 376
قوله: «بقباء» (بالمد والصرف، ويجوز فيه القصر وعدم الصرف، يذكَّر ويؤنَّث) موضع معروف ظاهر المدينة، وأهله بنو عمرو بن عوف من <1/307> الأنصار.
قوله: «في صلاة الفجر» وقع في حديث البراء عند البخاري أنهم كانوا في صلاة العصر، وجمعٌ بين الخبرين بأنَّ خبر البراء في بني حارثة، وهم داخل المدينة، فوصلهم الخبر وقت العصر، والآتي إليهم بذلك عبَّاد بن بشر، أو ابن نهيك، وأن خبر ابن عمر الذي عند المصنف وغيره كان في أهل قباء، وهم بنو عمرو بن عوف وكانوا خارج المدينة فوصلهم الخبر في صلاة الصبح. قال ابن حجر: ولم يُسمَّ الآتي بذلك إليهم، قال: وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر؛ لأنَّ ذلك إنما ورد في حقِّ ابن حارثة في صلاة العصر، فإنَّ كان ما نقلوا محفوظا فيحتمل أن يكون عباد أتى بني حارثة أوَّلا في وقت العصر، ثُمَّ توجَّه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح.
قوله: «الليلة» فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي، والليلة التي تليه مجازا، والتنكير في قوله: «قرآن» لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: { قَدْ نَرَىا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ...” الآيات. (1/376)
صفحة 377
قوله: «وأُمِر» بالبناء لِما لم يُسمَّ فاعله، أي: أمره الله بذلك، وقد وقع الخلاف في أوَّل صلاة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحوَّل فيها إلى الكعبة. ففي الترمذي من حديث البراء بلفظ: "فصلى رجل معه العصر" وساق الحديث، وهو مصرَّح بذلك في رواية البخاري من حديث البراء، وليس عند مسلم تعيين الصلاة من حديث البراء. في حديث عمارة بن أوس "أن التي صلاها النبيء صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة إحدى صلاتي العشاء"، وهكذا في حديث عمارة بن رويبة وحديث تويلة، وفي حديث أبي سعيد ابن المعلَّى: "أنها الظهر"، وجمع بين هذه الروايات بأن من قال إحدى صلاتي العشاء شكَّ هل هي الظهر أو العصر، وأنَّ من جزم اختلفوا، فقال بعضهم: الظهر، وبعضهم: العصر؛ فاحتجنا إلى الترجيح؛ فرجَّحت رواية العصر لثقة رجالها، وإخراج البخاري لها في صحيحه، وأمَّا رواية الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان وهو مختلف فيه؛ فظهر أنها العصر على الأرجح. وأمَّا موضع التحوُّل فقال بعضهم: إن ذلك كان بمسجد المدينة، ويقال: صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثُمَّ أُمِر أن يوجِّه إلى المسجد <1/308> الحرام فاستدار إليه وكان معه المسلمون، وعلى هذا فيكون المعنى برواية البخاري أنها العصر، أي: أنَّ أوَّل صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر، وعلى هذا فليس لأهل قباء خصوصية في الاستدارة، ومشهور الرواية تقتضي اختصاصهم بذلك؛ لكن وقع في حديث أنس عند أحمد ومسلم وأبي داود ما يقتضي تعدُّد الواقعة، فإنَّه ذكر أنَّ رجلا من بني سلمة مرَّ عليهم وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلُّوا ركعة، فنادى ألا إنَّ القبلة قد حوِّلت فمالوا كما هم نحو القبلة وبنو سلمة غير أهل قباء. (1/377)
صفحة 378
قوله: «فاستقبَلوها» (بفتح الموحَّدة للأكثر) أي فتحوَّلوا إلى جهة الكعبة ، وفاعل استقبلوها المخاطبون بذلك وهم أهل قباء، ويحتمل أن يكون فاعل استقبلوها النبيء صلى الله عليه وسلم ومن معه. وفي رواية في البخاري (بكسر الموحَّدة بصيغة الأمر) ويؤيِّد الكسر ما عند البخاري في التفسير بلفظ: "ألا فاستقبِلوها".
قوله: «وكانت وجوههم» هو تفسير من الراوي للتحوُّل المذكور، والضمير في وجوههم فيه الاحتمالان المتقدمان، والظاهر أنهم أهل قباء، بل لا يخطر في القلب سواه. (1/378)
صفحة 379
قوله: «فاستداروا إلى الكعبة» قالت تويلة بنت أسلم: فتحوَّل النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، وصوَّره ابن حجر بأنَّ الإمام تحوَّل من مكانه في مقدَّم المسجد إلى مؤخَّر المسجد، لأنَّ من استقبل الكعبة استدبَر بيت المقدس، وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحوَّل الإمام تحوَّلت الرجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النساء حتَّى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة، فيحتمل أنّ ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام. ويحتمل أن يكون اغتُفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة. وفي الحديث فوائد منها: أنَّ حكم النَّاسخ لا يثبت في حقِّ المكلَّف حتَّى يبلغه، لأنَّ أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة؛ فمن كان على بيِّنة من ربِّه فهو على السلامة ما لم يبلغه ما أحدث الله من الأمر بعد ذلك. ومنها: جواز الاجتهاد في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم، فإنَّ أهل قباء اجتهدوا في أمر القبلة وتحوَّلوا إليها بنفس الاجتهاد، وأُقرُّوا على ذلك. ومنها: جواز تعليم من ليس في الصلاة مَن هو فيها. ومنها: أنَّ العمل بخبر الواحد <1/309> جائز بل واجب، لأنَّهم عملوا به، والنبيء صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم بل أثنى عليهم. روى الطبراني في آخر حديث تويلة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيهم: «أوَّلئك رجال آمنوا بالغيب». (1/379)
صفحة 380
ومنها: ما قيل أن فيه جواز نسخ الثابت من طريق العلم بخبر الواحد، وتقريره أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أهل قباء عملهم بخبر الواحد؛ وأجاب المانعون عن ذلك بأجوبة كثيرة لا طائل تحتها، والجواب الذي لا شبهة معه ولا مرية فيه أنَّ النَّسْخ إنما كان بالقرآن الذي أُنْزِل، وأنَّ الآتي إنَّما بلَّّّّّّغهم حكم ذلك الناسخ؛ فوجب عليهم قَبُوله لأنَّه حجَّة في إخباره، حيث أخبر عن نفس الحقِّ وهو ثقة مأمون، وخبر الواحد حجَّة في ما لا يسع جهله إجماعا، وفي ما يسع جهله على الأرجح؛ وأمر القبلة من أمور الدِّين الذي لا يسع جهله فهو حُجَّة عليهم في ذلك وليس بناسخ؛ ولو كان كلُّ من أخبر عن تغيُّر حُكم يُعدُّ ناسخا لكثرت النَّواسخ في الحكم الواحد لكثرة النَّاقلين، فيكون الناسخ في حقِّ بني فلان خبر فلان الذي أخبرهم بذلك، وفي حقِّ بني فلان غيره، وهكذا على عدد المخبرين، وهذا باطل؛ بل الناسخ واحد، والنَّقَلَة كثير، فلا معنى لجميع ما تمسَّك به القائلون بجواز نسخ القاطع بالآحاد المبسوط في كتب الأصول، وهذا جواب لم أجده لأحد قبلي فالحمد لله على لطيف مواهبه.
الباب الخامس والثلاثون في الإمامة والخلافة في الصلاة
قوله: «في الإمامة والخلافة في الصلاة» احترز بهذا القيد عن الإمامة العظمى فإنَّها قد تقدَّمت في باب الولاية والإمارة؛ والإمامة في هذا الباب إنَّما هي جعل رجل منهم إمأمَّا يأتَمُّون به في صلاتهم وأحقُّ بها من كانت فيه الصفات التي جاء بها الحديث، وهو الثاني من أحاديث الباب. وأمَّا «الخلافة» فالمراد بها جعل الإمام خليفة ينوب عنه في الإمامة، <1/310> ولم يذكر المصنِّف رحمه الله تعالى في الخلافة إلاَّ حديثا واحدا، وهو حديث عائشة في استخلاف أبي بكر أن يصلِّيَ بالناس وكفى به حجة؛ وكأنَّه لم يصحُّ عنده في بابه سواه.
ما جاء في الصلاة خلف كلِّ بارٍّ وفاجر (1/380)
صفحة 381
قوله: «الصلاة جائزة خلف كلِّ بارٍّ وفاجر» البار: هو من أصلح ما بينه وبين ربِّه. والفاجر: بخلافه، وهو من فعل الفجور. والحديث مصرح بجواز الصلاة خلف الفاجر، وله شواهد كثيرة، ومنها ما رواه المصنِّف آخر الباب عن عبادة بن الصامت في الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، قال رجل: "يا رسول الله إن أدركتهم أصلِّي معهم؟ قال: نعم إن شئت"، ومنها عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجهاد واجب عليكم مع كلِّ أمير برًّا كان أو فاجرا، والصلاة واجبة عليكم خلف كلِّ مسلم برًّا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر" رواه أبو داود والدار قطني بمعناه، وقال مكحول: لم يلق أبا هريرة. وعن عبد الكريم البكَّاء قال: "أدركت عشرة من أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم كلُّهم يصلِّي خلف أئمَّة الجور" رواه البخاري في تاريخه؛ فهذا كلُّه مصرِّح بالجواز؛ فيحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "يؤمُّ القوم أقرأهم لكتاب الله" ونحوه على بيان الكمال في الفضل، والمعنى إن أمكن ذلك فليؤمّهم أقرأهم... الخ؛ وإن لم يمكن، وتولَّى الأمر غيرهم من أهل الفجور فالصلاة خلفه جائزة. وقد اختلفت الأمَّة في الصلاة خلف الفاجر، والخلاف في المذهب أيضا موجود، ومرجعه إلى ثلاثة أقوال: فأجازها قوم على الإطلاق، عملا بحديث الباب. وردَّها قوم على الإطلاق لحديث جابر عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤمَّنَّ امرأة رجلا، ولا أعرابيٌّ مهاجرا، ولا يؤمنَّ فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه" رواه ابن ماجة، وفي إسناده عبد الله التميمي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج <1/311> به، وقال وكيع: يضع الحديث. وقد جاء عن علي مرفوعا: "لا يؤمَّنَّكم ذو جرأة في دينه"، وفي هذا النقل ما فيه. والقول الثالث: التفرقة بين الفاسق المتأوَّل وغيره؛ فأجازوها خلف المتأوَّل دون المنتهك ما لم يُدخل فيها ما يفسدها. (1/381)
صفحة 382
قال المحشِّي: والظاهر أن المراد به الورع في دينه، وأمَّا الفاسق بالجارحة فلا أقلَّ أن يكون كفاسق أهل الدعوة، والله أعلم.
قوله: «ما لم يُدخل فيها ما يفسدها» الظاهر أنَّ هذا مُدرَج في الحديث وليس منه، والظاهر أنَّه تفسير من الراوي، فسقط الفاصل بين الحديث وتفسيره من يد النساخ، فالله المستعان، وهذا التفسير لابدَّ منه لأنَّه إذا أَدخل فيها ما يُفسدها فلا صلاة له، ومن لا صلاة له فلا إمامة له، وقد يكون الإفساد بالانتهاك وبالتأويل؛ فأمَّا الأوَّل: فكالذي يعمل في الصلاة العمل الذي يعلم أنَّه مُفسد. وأمَّا الثاني: فكالذي يعتقد أشياء لا تجوز بها الصلاة عند المسلمين كالقنوت والتأمين، ومنهم من يرخِّص في ذلك إذا دخل معه وهو لا يعلم أنه يقنت، قال أبو سفيان: "خرج أبو عبيدة وحاجب من البصرة يريدان مكَّة، فأصبحا بالأبطح فإذا جماعة تصلِّي الصبح فدخلا معها الصلاة، فقنت الإمام في الركعة الثانية؛ فلمَّا انصرفا إلى خِبائهما فَقَد أبو عبيدة حاجبا فسأل عنه؛ فقالوا: خرج، فقال: لعلَّ اللحياني يريد أن يُعيد ـ وكان حاجب كبير اللحية ـ وليس علينا إعادة لأنَّا لم نتعمَّدهم، وهم يريدون أن يقنتوا" قال أبو سفيان: "ولا ينبغي لمن عَلِم أنَّ الإمام يقنت أن يصلِّيَ معه.
ما جاء في من يكون أوَّلى بالإمامة (1/382)
صفحة 383
قوله: «يؤمُّ القوم أقرأهم لكتاب الله» الخ الحديث، رواه أيضا أحمد ومسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، وزاد في آخره: "ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه"، وفي لفظ: "لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا سلطانه" <1/312> ورواه سعيد بن منصور لكن قال فيه: "لا يؤمُّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه إلاَّ بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلاَّ بإذنه"، ومعنى قوله: "يؤمُّ القوم أقرأُهم" أي: يتقدَّمهم في الصلاة أحسنهم قراءة، وإن كان أقلّهم حفظا. وقيل: المراد أكثرهم حفظا للقرآن، واستُدلَّ على ذلك بما رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. عن عمرو بن سلمة أنه قال: انطلقت مع أبي إلى النبيء صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه، فكان في ما أوصاني: "لَيُؤمَّنَّكم أكثركم قرآنا"، فكنت أكثرهم قرآنا فقدَّموني، وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود والنسائي. وفي تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة دليل على أن الأقرأ مقدَّم على الأفقه، وبه قال الأحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وقال مالك والشافعي وأصحابهما: الأفقه مقدَّم على الأقرأ، والخلاف أيضا في المذهب، قال الشافعي: المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرأهم أفقههم؛ فإنَّهم كانوا يُسلِمون كبارا، ويتفقَّهون قبل أن يقرءوا، فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ؛ وتُعقِّب بأنَّ قوله في الحديث، فإنَّ كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة يدلُّ على تقديم الأقرأ مطلقا.
قوله: «فإنَّ كانوا في القراءة سواء» أي: فإنَّ استووا في القدر المعتبر منها، أمَّا في حسنها أو في كثرتها وقلتها على القولين.
قوله: «فأعلمهم بالسنَّة» إنَّما خصَّ السنَّة بالذكر لأنَّها المبيِّنة لأحكام الكتاب، ومنها أُخذ غالب الأحكام لاسيما أحكام الصلاة، وفيه أن مزيَّة العلم على غيرها من المزايا الدينية. (1/383)
صفحة 384
قوله: «فأقدمهم هجرة» أي: فأسبقهم خروجا من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإنَّ السَّابِق في ذلك أفضل من غيره، كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أوَّلئِكَ الْمُقَرَّبُونَ” [سورة الواقعة: 10-11] وشأن الهجرة قد انقطع بالفتح، فلا هجرة بعد الفتح؛ فالخطاب خاص بمن كان في القرن الأوَّل ويمكن أن يحمل على معناه من خرج من دار الكفر إلى دار الإسلام بعد ذلك طلبا لسلامة الدين، وفرارا من الفتنة؛ فإنَّه وإن نُسخت الهجرة فالفرار بالدين واجب إن خيف فساده. ويمكن أيضا أن يُحمل عليه المهاجر في زماننا تبرُّعا، وهو الذي <1/313> يخرج من دار الكفر ودار المخالفين إلى دار أهل الاستقامة لتحصيل العلم، ومجالسة أهل الفضل.
قوله: «فأكبرهم سنًّا» أي: إن استووا في ذلك؛ فليقدَّم من كان أكبر سنًّا في الإسلام، لأنَّ ذلك فضيلة يرجَّح بها على غيره، وفي لفظ: "سلما" بدل "سنًّا".
ما جاء في أمر الإمام بالتخفيف في الصلاة
قوله: «إذا صلَّى أحدكم...» الخ، الحديث رواه أيضا الجماعة إلا ابن ماجة؛ لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص.
قوله: «بالناس» في رواية قومنا: "للناس" أي إمأمَّا لهم، والمعنى متقارب. وسبب الحديث ما ذكره البخاري: أن رجلا قال والله يا رسول الله إني لأتأخَّر عن صلاة الغداة من أجل فلان مِمَّا يطيل بنا؛ فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشدّ غضبا منه يومئذ؛ ثُمَّ قال: "إنَّ منكم منفِّرين، فأيُّكم صلَّى بالناس فليخفِّف؛ فإنَّ فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
قوله: «فليخفف» أي فليتجوَّز في صلاته تجوُّزا يُعدُّ عندهم تخفيفا؛ فإنَّ التخفيف والتطويل من الأمور الإضافيَّة، فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين. (1/384)
صفحة 385
قوله: «فإنَّ فيهم السقيم» تعليل للأمر بالتخفيف. ومقتضاه أنَّه متى لم يكن فيهم من يتَّصف بإحدى الصفات المذكور لم يضرّ التطويل. واعترض بأنَّه يُمكن أن يجيء من يتَّصف بأحدها بعد الدخول في الصلاة، ثُمَّ إنَّ الأحكام إنَّما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة؛ فينبغي للأئمَّة التخفيف مطلقا. ونظيره مشروعية القصر في صلاة المسافر؛ فإنَّ القصر فيها مشروع ولو لم تكن هنالك مشقَّة، عملا بالغالب من أحوال السفر؛ لأنَّه لا يدري ما يطرأ عليه. والمراد بـ«السقيم»: من به مرض. والمراد بـ«الضعيف»: ضعيف الخلقة، وهو الذي لا يقوى طبعه على ما يقوى عليه طبع الأقوياء. والمراد بـ«الكبير»: الشيخ الهرم. والمراد بـ«ذي <1/314> الحاجة» ما يعمُّ حوائج الدين والدنيا كالكسب على العيال، وطلب الرزق، وخوف فوت الرفقة، أو ضياع المال، أو نحو ذلك.
قوله: «فليطل ما شاء» يعني: أنَّ الأمر بالتخفيف مختصٌّ بالأئمَّة فأمَّا المنفرد فلا حرج عليه في الإطالة والتخفيف ما لم يخش فوت الوقت، خلافا لبعض الشافعية أخذا بظاهر الحديث. ورُدَّ بحديث أبي قتادة عند مسلم: "إنَّما التفريط أن تؤخَّر الصلاة حتَّى يدخل وقت الأخرى"، وفي الحديث إشارة إلى جواز صلاة الفرض منفردا؛ فالجماعة فرض كفاية لا فرض عين، كما قيل بذلك.
ما جاء في الاستخلاف في الإمامة
قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...» الخ، إنَّما قال صلى الله عليه وسلم ذلك في مرضه الذي مات فيه. وفي البخاري قالت: لَمَّا مرض النبيء صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، حضرت الصلاة فأُذِّن لها، فقال: "مروا أبا بكر..." الخ، وذكر ابن حجر أنَّ الصلاة التي حضرت هي العشاء. (1/385)
صفحة 386
قوله: «مروا أبا بكر» أي بلِّغوا أبا بكر أنِّي أمرته أن يصلِّيَ بالناس واستُدلَّ به على أنَّ الأمر بالشيء يكون أمرا به، وهي مسألة معروفة وقع فيها النزاع بين أهل الأصول، وتحرير المقام أنَّ النافي إن أراد أنَّه ليس أمرا حقيقة؛ فمسلم ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزم الأمر فمردود، والله أعلم.
قوله: «يصلي بالناس» هذا موضع الاستدلال بالحديث، ولأجله ساقه المرتِّب في هذا الباب، فإنَّ فيه استخلاف أبي بكر على الصلاة بالناس، وفي هذا الاستخلاف إشارة إلى استخلافه في الإمامة العظمى، كما تنبَّه له بعضهم عند تنازعهم في الإمارة؛ فقالوا: "رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟".
قوله: «فقلت: إنَّ أبا بكر...» الخ، إنَّما قالت عائشة ذلك <1/315> لتُصرَف الإمامة عن أبيها لئَلاَّ يتشاءم الناس به، وقد صرَّحت هي بذلك؛ فقالت: "لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلاَّ أنَّه لم يقع في قلبي أن يحبَّ الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا"، قال ابن حجر: وقع في مرسل الحسن عند أبي خيثعة أنَّ أبا بكر أمر عائشة أن تكلِّم النبيء صلى الله عليه وسلم أن يصرف ذلك عنه؛ فأرادت التوصُّل إلى ذلك بكلِّ طريق، فلم يتم.
قوله: «من البكاء» أي لرقَّة قلبه، وشدَّة محبته. وفيه إشارة إلى أنَّ الصلاة لا تَفسُد بالبكاء الضروري؛ لأنَّها علَّلت ذلك بعدم إسماعه الناس لا ببكائه. قوله: «فمُر عمر...» الخ، فيه جواز المراجعة للنبيء صلى الله عليه وسلم ما لم يأت منع في قضيَّة بعينها، وفي معناه مراجعة الأئمَّة الراشدين لأنَّهم خلفاؤه عليه الصلاة والسلام. (1/386)
صفحة 387
قوله: «لأنتنَّ صواحب يوسف» جمع صاحبة، والمراد أنهنَّ مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن. قال ابن حجر: ثُمَّ إنَّ هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد وهو عائشة فقط؛ كما أنَّ صواحب صيغة جمع، والمراد زليخاء فقط، قال: ووجه المشابهة بينهما في ذلك أنَّ زليخاء استدعت النسوة، وأظهرت لهنَّ الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف، ويعذرنها في محبته. وأنَّ عائشة أظهرت أنَّ سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها، لكونه لا يُسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به، كذا قال. والظاهر أنَّه لم يرد بقوله: "إنَّكن لأنتن" واحدة بعينها؛ وإنما أراد جنس النساء، وليس في الكلام تشبيه حتَّى يطلب له الوجه، بل فيه التوبيخ والتعيير. والمعنى: أنَّكن معشرَ النساء لأنتنَّ صواحب يوسف اللواتي عملن في شأنه الحيل والمكر.
قوله: «ما كنت لأصيب منك خيرا» قيل: وإنَّما قالت حفصة ذلك لأنَّ كلامها صادف المرَّة الثالثة من <1/316> المعاودة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يُراجع بعد ثلاث؛ فلمَّا أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهنَّ صواحب يوسف، وجدت حفصة في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلَّها تذكَّرت ما وقع معها أيضا في قصَّة المغافير، وذلك حين أسرَّ النبيء إلى بعض أزواجه حديثا، فلمَّا نبَّأت به أظهره الله عليه، فالبعض المسرُّ إليه حفصة، فأخبرت به عائشة، فنزلت الآية في ذلك.
ما جاء في النافلة خلف الجائر الذي يصلي الفرض (1/387)
صفحة 388
قوله: «إنَّكم ستدركون...» الخ، فيه الإخبار بما سيكون بعده وقد وقع؛ فهو من أعلام النبوءة، والحديث عند أحمد ومسلم والنسائي عن أبي ذر قال: قال لي رسول صلى الله عليه وسلم: "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُميتون الصلاة، أو يؤخِّرون الصلاة عن وقتها؟" قلت: فما تأمرني؟ قال: "صلِّ الصلاة لوقتها، فإنَّ أدركتها معهم فصلِّ فإنَّها لك نافلة"، وفي رواية: "فإنَّ أقيمت الصلاة وأنت في المسجد" وفي أخرى: "فإنَّ أدركتك ـ يعني الصلاة ـ معهم فصلِّ ولا تقل إني قد صلَّيت فلا أصلي".
قوله: «أئمة» يعني ملوكا يتأمَّرون على الناس بالسيف والسوط، والمشار إليهم ملوك بني أمية.
قوله: «عن وقتها» أي عن وقتها المعروف في زمانه، وهو أفضل وقت الجواز، وليس المراد أنَّهم يفوِّتون وقت الجواز؛ فإنَّ المنقول عن الأئمَّة المشار إليهم إنَّما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخِّرها أحد منهم عن جميع وقتها؛ فوجب حمل هذا الخبر ونحوه على ما هو الواقع، وقد شاركت الحنفيَّة هؤلاء الأمراء في تأخيرهم صلاة الفجر عن وقتها المختار، فهم لا يصلُّونها دائما إلا آخر الوقت عند الفوت، يعتقدون ذلك رأيا؛ فخالفوا برأيهم السنَّة، ثُمَّ العجب منهم أنَّ إمامهم أبا حنيفة يرى أنَّ آخر الوقت أفضل في كلِّ صلاة، لأنَّه وقت تعيَّن الوجوب في زعمه، فقلَّدوه في صلاة الفجر دون غيرها من الصلوات. فإنَّ كان ما قاله صوابا عندهم، فقد تركوا <1/317> بعض الصواب، وإن كان خطأ فقد ركبوا بعض الخطأ. وعلى كلٍّ فرأي أبي حنيفة مخالف للسنَّة، والآخذ به مشارك لهؤلاء الأئمة المشار إليهم في الحديث.
قوله: «فإذا أدركتم ذلك» يعني المذكور من كون الأئمة المؤخِّرين للصلاة، أي: إذا أدركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها، فإنَّ أدركتموها معهم فصلوا فإنَّها لكم نافلة. (1/388)
صفحة 389
قوله: «فاجعلوا صلاتكم معهم سُبحَة» (بضمِّ المهملة) أي نافلة. والحديث يدلُّ على مشروعيَّة الصلاة لوقتها، وترك الاقتداء بالأمراء إذا أخَّروها عن أوَّل وقتها، وأنَّ المؤتَمَّ يصلِّيها منفردا، ثُمَّ يصليها مع الإمام؛ فيجمع بين فضيلة أوَّل الوقت والصلاة مع الجماعة. وقد استدلَّ به قوم على منع إمامة الفاجر، ولا دليل فيه، لأنَّه إنما كانت صلاته معهم نافلة لتأخيرهم الصلاة عن وقتها لا لفجورهم، وفيه التصريح بأنَّ صلاته عندهم نافلة، ففرضه هو الأوَّل، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وبعض الناس من غيرهم. وقال الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي إنَّ الفريضة الثانية إن كانت في جماعة، والأوَّلى في غير جماعة. وعن بعض أصحاب الشافعي أنَّ الفرض أكملهما. وعن بعض أصحاب الشافعي أيضا أنَّ الفرض أحدهما على الإبهام. فيحتسب أن ينوي أيهما شاء الله. وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضا كلاهما فريضة. والحديث يردُّ هذه الأقوال كلَّها؛ فالحقُّ ما قدَّمت لك، ولكلِّ طائفة تمسُّك لا نطيل بذكره مخافة التطويل.
ما جاء في منع الاقتداء بمن يرفع يديه في الصلاة (1/389)
صفحة 390
قوله: «كأني بقوم يأتون من بعدي...» الخ، المشار إليهم في هذا الحديث هم قومنا؛ فإنَّهم هم الذين اختصُّوا برفع أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس، حتى نقل غير واحد منهم الإجماع على رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ولم يتركه إلا النادر منهم؛ فقد نُقل عن مالك <1/318> أنه لا يُستحبُّ وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم. ونقل عن الزيدية أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها. وقيل لم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحي بن الحسين وجدُّه القاسم بن إبراهيم. والحقُّ المنع لحديث الباب. وروى مسلم وأبو داود عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مالي أراكم رافعِي أيديكم كأنَّها أذناب خيل شُمُس اسكنوا في الصلاة". وروى الحاكم في المدخل من حديث أنس: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له". وقد روى قومنا أحاديث الرَّفع عن العدد الكثير من الصحابة؛ فإنَّ صحَّ ذلك، ولا أراه يصحُّ فمنسوخ بما ذكرنا، ويمكن أنَّه صلى الله عليه وسلم رفع لعذر مرَّة واحدة؛ كما قيل أنَّه أراد أن يفضح المنافقين الذين علَّقوا الأصنام تحت آباطهم، فإذا رفعوا أيديَهم سقطت أو انكشفت فيفتضحون بذلك، فلا يفعلونه مرَّة أخرى؛ وإن لم يَرفعُوا افتُضِحُوا بالمخالفة، وعلى الحالين فهو زجر لهم. فرواه قومنا سنَّة مسلوكة رغبوا فيها؛ بل أوجبها بعضهم. وقد كُشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيفعلونه بعده فأخبرنا به تحذيرا بقوله: «كأنِّي بقوم يأتون بعدي يرفعون أيديهم في الصَّلاة كأنَّها أذناب خيل شمس»، والأذناب: جمع ذنب، وهو الذَّيل والشُّمُس (بضمَّتين): جمع شموس، كرسول الخيل المستعصي على راكبه.
ما جاء أن الإمام إذا تعوَّد تأخير الصلاة لا يجب انتظاره
قوله: «عن عبادة بن الصامت» الحديث رواه أيضا أبو داود بسند رجاله ثقات عندهم، ورواه أحمد بنحوه. (1/390)
صفحة 391
قوله: «تشغلهم أشياء» يعني من أمور دنياهم كتدبير مملكتهم، والتحدُّث مع جلسائهم، والاشتغال بنسائهم وجواريهم، والاسترسال في شهواتهم.
قوله: «حتى يؤخرها» أي إلى أن يؤخِّرها.
قوله: «عن وقتها» أي عن أوَّل وقتها الذي فيه رضا الله تعالى.
قوله: <1/319> « فصلُّوها لوقتها» أي لا تنتظروهم بها لأنَّ صلاتها في أوَّل الوقت أفضل من صلاتها معهم في آخره من جهتين، أمَّا الأولى: فإنَّ في أوَّل الوقت رضوان الله، وفي آخره عفو الله. وأمَّا الثانية: فلأنَّهم ظَلَمة فَجَرة؛ فغاية ما في الصلاة خلفهم جوازها، حتَّى قيل: إنَّ الصلاة خلف الفاسق كالصلاة منفردا، أي: لا تزيد عليه في الفضل. وفيه دليل على عدم انتظار الإمام إذا تعوَّد تأخير الصلاة عن أوَّل الوقت.
قوله: « قال رجل» يحتمل أن يكون هذا الرجل هو أبا ذر لِما تقدَّم من روايته عند أحمد ومسلم والنسائي. ويحتمل أن يكون غيره لاختلاف اللفظ في الروايتين؛ فإنَّ الخطاب في رواية أبي ذر متوجِّه إليه خاصة، والخطاب هنا مطلق، ويمكن الجمع بأن يقال إنَّ عبادة رواه بالمعنى، ويمكن تعدُّد الواقعة.
قوله: « إن أدركتهم» أي إذا امتدَّ عمري حتَّى أدركتهم أصلِّي معهم. (1/391)
صفحة 392
قوله: « نعم إن شئت» أي صلِّ معهم إن شئت ذلك. وفيه دليل أنَّ صلاتهم كانت في الوقت، فلو شاء الرجل أن يصلِّي معهم جاز، والأمر بالصلاة في أوَّل الوقت للفضل لا للحتم. وقيل المعنى: صلِّ معهم إن شئت واجعلها نافلة، وقد جاء في رواية: "واجعلوا صلاتكم معهم تطوُّعا" وهذا المعنى هو الذي جزم به المحشي، وفي الحديث أنَّ "من صلَّى ثُمَّ أدرك جماعة فإنَّه يصلِّيها معهم نافلة" وكذلك حديث ابن عباس المتقدِّم يدلُّ على ذلك أيضا. وعن محجن بن الأدرع قال: أتيت النبيء صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فحضرت الصلاة فصلى ـ يعني ولم أصلِّ ـ فقال لي: "ألا صلَّيت؟" قلت: يا رسول الله، إني قد صلَّيت في الرَّحْل ثُمَّ أتيتك، قال: "فإذا جئت فصلِّ معهم واجعلها نافلة" رواه أحمد، وسيأتي للمصنف نحوه، والله أعلم.
الباب السادس والثلاثون في صلاة الجماعة والقضاء فيها (1/392)
صفحة 393
قوله: « في صلاة الجماعة والقضاء فيها» يعني في بيان فضل الجماعة والحثِّ عليها، والمراد <1/320> بالقضاء فيها قضاء ما سبقه به الإمام، وهو المعروف عندنا بالرقعة اصطلاحا عرفيا، وذكر في هذا المعنى حديث أنس بن مالك وهو الثالث من أحاديث الباب، وذكر في فضل الجماعة حديثين هما الأوَّل والثاني، وقد تقدَّم له حديث في أوقات الصلاة يدلُّ على تأكيد الجماعة، بل على وجوبها وهو حديث أبي هريرة في قوله: "لقد هممت أن آمر بِحطب فيحطب..." الخ، وهو حديث رواه أيضا الشيخان وأحمد، وكان وضعه في هذا الباب أنسب. وقد استدلَّ به القائلون بوجوب صلاة الجماعة لأنَّها لو كانت سنَّة لم يهدَّد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه. واعتُرض بأنَّ التهديد بالتحريق المذكور يقع في حقِّ تاركي فرض الكفاية لمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية. وأجيب: بأن التحريق الذي يفضي إلى القتل أخصُّ من المقاتلة، وبأنَّ المقاتلة إنَّما يشرع فيها إذا تمالأ الجميع على الترك. وقد اختلف العلماء في الجماعة؛ فمنهم من قال: فرض عين، وقيل: فرض كفاية، وقيل: سنَّة مؤكدة؛ ولكلٍّ تمسُّك لا نطيل بذكره، وأحاديث الباب تدلُّ على أنَّها سنَّة مرَّغب فيها لأنَّ فيها بيان فضيلة الجماعة على الفذِّ، والتفصيل يقتضي حصول الفضل في الكلِّ، لكنَّ أحدهما يفضل صاحبه.
ما جاء في فضل الجماعة (1/393)
صفحة 394
قوله: «صلاة الجماعة» أي الصلاة في الجماعة. والحديث عند قومنا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة" رواه الشيخان وأحمد. والفذُّ: المنفرد، كما فسره في الرواية الثانية بقوله: "تفضل على صلاة أحدكم وحده"، والمراد أنَّه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبعا وعشرين مرَّة. <1/321> وفي الرواية الثانية: "بخمس وعشرين درجة"، وقد جمع بين الروايتين بوجوه منها: أنَّ ذكر القليل لا ينافي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد. ومنها: أنَّه يمكن أنَّه صلَّى الله عليه وسلم أخبر بالخمس في أوَّل الأمر، ثُمَّ زادنا الله من فضله على ذلك فأخبره بالسبع، ولا يلزم من هذا القول بنسخ الفضائل؛ لأنَّ الزيادة على الشيء لا تستلزم نسخه. وتُعقِّب بأنَّه يحتاج إلى التاريخ لأنَّه يتعيَّن عليه تقدُّم الخمس على السبع، لأنَّ الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص. ومنها: الفرق بقرب المسجد وبعده. ومنها: الفرق بحال المصلِّي كأن يكون أعلم أو أخشع. ومنها: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره. ومنها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. ومنها: الفرق بإدراكها كلِّها أو بعضها. ومنها: الفرق بكثرة الجماعة وقِلَّتهم. ومنها: السبع مختصَّة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر، والخمس بما عدا ذلك. ومنها: السبع مختصَّة بالجهرَّية والخمس بالسرِّية، وهو عند ابن حجر أوجه من غيره، قال: والحكمة في هذا العدد الخاص غير محقَّقة المعنى، حتَّى قيل: إنَّ ذلك لا يُدرك بالرأي، ومرجعه إلى علم النبوَّة.
ما جاء في الرقعة في الصلاة (1/394)
صفحة 395
قوله: « إذا ثُوِّب» (بالتشديد مبنيا للمجهول) والمعنى: إذا ثوَّب المؤذِّن للصلاة، أي دعا إليها وحثَّ الناس عليها؛ فإنَّ التثويب: الصلاة بعد الأذان، ويختصُّ بصلاة الفجر، وهو عند قومنا أن يقول المؤذِّن في أذانه: "الصلاة خير من النوم"، وعندنا حثٌّ بعد الأذان، وقد بسطنا القول في بيانه في الثالث من المعارج، والحديث متفَّق على معناه وإن اختلفت بعض ألفاظه وتعدَّدت رواته. ووقع ذكر التثويب أيضا في رواية لمسلم ونصها: "إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم، ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، فصلِّ ما أدركت، واقض ما سبقك"، وفي حديث أبي هريرة عند الجماعة إلا الترمذي: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة <1/322> والوقار، ولا تسرعوا فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا"، وذِكر التثويب وسماع الإقامة ليس قيدا للحكم المأمور به؛ وإنَّما جرى مجرى الأغلب، فإنَّ الأغلب من أحوال الناس لا يسرعون إلاَّ إذا سمعوا التثويب أو الإقامة؛ فيسرعون خوف الفوت؛ فبيَّن الشارع حكم ما فات وما يدركون، ولهذا أُطلق في حديث أبي قتادة عند الشيخين وأحمد، وفيه: "إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا".
قوله: «تَسْعَون» السعي: هنا الإسراع في المشي، وفي حديث أبي هريرة المتقدِّم: "ولا تسرعوا".
قوله: «السكينة والوَقَار» (بفتح الواو) قيل: هما بمعنى واحد، وهو المهابة والرزانة؛ وإنَّما ذُكرا معا على سبيل التأكيد اللفظي. وقيل: السكينة في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة بغضِّ البصر وخفض الصوت.
قوله: «وما أدركتم» أي مع الإمام. ورواية قومنا بالفاء. (1/395)
صفحة 396
قوله: «وما فاتكم فاقضوا» أي فأدُّوه كما أمرتم، وهو معنى الإتمام في رواية أبي قتادة، فإنَّ أكثرهم رواه بلفظ: "فأتموا"، وروي أيضا: "فاقضوا" كما في رواية المصنِّف والمعنى واحد، والأداء يسمَّى قضاء، ومنه قضاء الدين؛ وإنَّما وقع الفرق بينهما في اصطلاح الأصوليين فقط، وهو اصطلاح جديد لا يصحُّ أن يُحمل عليه معنى الحديث، فليس فيه حجَّة لمن قال: إنَّما أدرك هو آخر صلاته، ولا لمن قال: هو أوَّلها، لكن يستفاد من قوله: «وما فاتكم» إنَّ أوَّل الصلاة قد فاته مع الإمام فلم يدرك إلاَّ ما بعد ذلك، فهو يصلِّي ما أدرك، ويقضي ما فاته، والذي أدركه آخر صلاة الإمام، فيلزم أن يكون هو آخر صلاته، لأنَّه به أُمر؛ فهذا هو موضع الاستدلال لا في قوله: "فاقضوا" أو "أتموا" كما وقعت عليه الأفهام، حتَّى لا تجد مستدلاًّ بغيره، وما ذكرته من وجه الاستدلال كالنصِّ على أن ما فاته أوَّل صلاته، وما أدركه آخرها والله أعلم، وبه التوفيق والتسديد.
قوله: «فإنَّ أحدكم...» الخ، فيه بيان الحكمة لِما أمروا به من السكينة والوقار، والمعنى أنَّ أحدكم إذا قصد الصلاة يكون في حكم المصلي، فينبغي له أن يلاحظ الهيئة المطلوبة في الصلاة، ومعنى قوله: «يعمد» أي يقصد. <1/323>
ما جاء في من أدرك من الصبح والعصر ركعة (1/396)
صفحة 397
قوله: «من أدرك...» الخ، الإدراك: الوصول إلى الشيء، وكان ينبغي أن يذكر هذا الحديث في باب الأوقات؛ لأنَّه به أنسب، وقد استدَلَّ به صاحب الإيضاح لمن قال: آخر وقت العصر غيوب قرن من الشمس، ولا معنى لذكره في هذا الباب إلاَّ أن يكون قد استدلَّ به المرتِّب على أنَّ الجماعة لا تَجب، لأنَّ هذا الحال يعرض غالبا على المنفرد، وفيه نظر؛ لأنَّ الحديث محمول على أهل الضرورات بالاتِّفاق، وذلك كالنائم إذا انتبه، والناسي إذا ذكر، والمغمى عليه إذا أفاق، والحائض إذا طهرت، فإنَّه إذا أدرك ركعة في الوقت صلاها ثُمَّ يتمِّم الباقي، قيل: من غير انتظار، وقيل: يمسك حتَّى يخرج وقت المنع، ثُمَّ يتمَّها، وله النظر إلى الشمس في تلك الحالة لأجل الضرورة، وقيل: تفسد صلاته بدخول وقت المنع. وظاهر الحديث يؤيِّد القول الأوَّل وإن كان شاذا في المذهب، مستدلِّين بأحاديث النهي عن الصلاة عند الطلوع والغروب وهي عامة، وهذا الحديث خاص، والخاص مُقدَّم على العام، وقد يغتفر في البناء ما لا يغتفر في الابتداء؛ فالنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهي عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنَّه إذا حصل له عذر في التأخير وأمكنه فعل الركعة، وجب عليه الدخول فيها، لأنَّه قد أدرك الصلاة؛ فالإمساك عن تمامها بعد الدخول فيها محتاج إلى دليل يخصُّه، ولا يكفي عموم النهي؛ ثُمَّ إنَّ النظر إلى الشمس عمل في الصلاة يحتاج في جوازه إلى دليل، ولا يكفي التعليل بالضرورة؛ فإنَّه لا ضرورة هناك إذ له أن يبني ويَمضي. واختلف في ما صلاَّه بعد الوقت فقيل يكون أداء تبعا للركعة التي في الوقت، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث في قوله: "فقد أدرك". وقيل: إنَّ ما أُدرك في الوقت أداء وبعده قضاء. وقيل: يكون كذلك، لكن يلحق بالأداء حكما. <1/324> (1/397)
صفحة 398
قوله: «فقد أدرك الصبح» أي الوقت الذي تؤدَّى فيه الصلاة، وكذا قوله: «فقد أدرك العصر» فالمراد بالصبح والعصر وقتا الصلاة لا نفس الصلاة، وقد حمله الجمهور على أنَّه أدرك الوقت، وفي رواية من حديث أبي هريرة: "من صلَّى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، وصلى ما بقي بعد غروب الشمس لم تفته العصر"، وقال مثل ذلك في الصبح. وفي رواية للبخاري من حديث أبي هريرة أيضا: "فليتمَّ صلاته"، وللنسائي: "فقد أدرك الصلاة كلَّها إلا أنه يقضي ما فاته"، قال النووي: أجمع المسلمون على أنَّ هذا ليس على ظاهره، وأنَّه لا يكون بالركعة مُدركا لكلِّ الصلاة وتكفيه، وتحصل الصلاة بهذه الركعة بل هو متأوَّل، أو فيه إضمار تقديره: فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها والله أعلم.
ما جاء في من صلَّى الفرض ثُمَّ وجد جماعة يصلُّونه
قوله: «مِحجَنًا» (بكسر الميم وسكون المهملة) هو محجن بن الأدرع الأسلمي من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة بن عامر، كان قديم الإسلام، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارموا وأنا مع ابن الأدرع" سكن البصرة، واختطَّ مسجدها، وعمَّر طويلا، روى عنه حنظلة بن علي ورجا بن أبي رجا.
قوله: «وهو في مجلسه» أي: لم يتحوَّل عنه، فاستُدلَّ بذلك على أنَّه لم يُصلِّ معهم، فلهذا سأله.
قوله: «ألست برجل مسلم؟» فيه إنكار شديد على ترك الصلاة معهم، لأنَّ الانْفِراد عن الجماعة حال الصلاة من شعار الكفر، فلذا قال له: "ألست برجل مسلم؟". <1/325> (1/398)
صفحة 399
قوله: «فصلِّ معهم... قال الربيع: قال أبو عبيدة معنى ذلك أن يجعلها سبحة»، وقد تقدَّم نظيره في باب الإمامة في الصلاة خلف الأئمَّة الذين يُؤخِّرونها عن وقتها، وفيه أنَّ من صلَّى منفردا ثُمَّ أدرك الناس يُصلُّون تلك الصلاة بالجماعة أنَّه يصلِّي معهم ويجعلها نافلة، وبعض كرَّه ذلك. فعن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط، والقوم يُصلُّون في المسجد، فقلت: "ما يمنعك أن تصلي مع الناس؟" قال: إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصلُّوا صلاة في يوم مرَّتين" رواه أحمد وأبو داود والنسائي. والبلاط: موضع مفروش بين المسجد والسوق بالمدينة. والجواب: أنَّ معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلُّوا صلاة في يوم مرَّتين" ليس في مثل هذا الموضع، وإنَّما ذلك أن يصلِّي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثُمَّ يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضا؛ وأمَّا من صلّى الثانية نافلة امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بمعيد لها، ولا هو بمنزلة من صلاّها مرَّتين، لأنَّ الثانية غير الأولى، والله أعلم.
الباب السابع والثلاثون في ابتداء الصلاة (1/399)
صفحة 400
قوله: «في ابتداء الصلاة» يعني في أوَّل شيء يبدأ به من فعلها بعد الأذان والإقامة، فذكر شيئين، أحدهما: التكبير، والثاني: السِّواك. ولا يخفى أنَّ السِّواك مقدَّم على الإحرام؛ بل قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: يُستحَبُّ أن يُبتَدأ بالسواك قبل الوضوء، وإنَّما ذكره المرتِّب في هذا الباب لقوله: «لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة وكلِّ وضوء»، فالحديث دالٌّ على أنَّ المطلوب السِّواك عند الوضوء وعند الصلاة، فهما شيئان: ذكر الشيخ إسماعيل أحدهما، وأشار المرتِّب <1/326> إلى الثاني ولم يذكر التوجيه، وهو المعروف عند قومنا بدعاء الافتتاح، وذلك لأنَّه لم يثبت عند المصنِّف ـ رحمة الله عليه ـ شيء من ذلك وقد ثبت عند غيره. فمن عائشة قالت: كان النبيء صلَّى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاةَ قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرك" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدار قطني والحاكم، وللدار قطني مثله من رواية أنس، وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد، وأخرج مسلم في صحيحه: أنَّ عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرك". وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي بكر الصديق أنَّه كان يستفتح بذلك. وكذلك رواه الدار قطني عن عثمان بن عفان وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود. وقال الأسود: كان عمر إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرك" يسمعنا ذلك ويعلمنا، رواه الدار قطني. وضمَّ إليه أصحابنا استحبابا توجيه إبراهيم عليه السلام وهو قوله: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة الأنعام: 79] ومنهم من قال: "حنيفا مسلما"، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب في دعاء طويل رواه الجماعة إلا البخاري.
ما جاء في تكبيرة الإحرام (1/400)
صفحة 401
قوله: «تحريم الصلاة...» الخ، أي الحالة التي يَحرم معها ما يَحلُّ في غيرها من حالة المصلِّي، هي التكبير الذي يكون أوَّل الصلاة لقصد الدخول فيها، ولهذا سُمِّي تكبيرة الإحرام. والحديث رواه أيضا الخمسة إلا النسائي عن علي بن أبي طالب، وزادوا في أوَّله: "مفتاح الصلاة الطهور"، وقال الترمذي: هذا أصحُّ شيء في هذا الباب وأحسن، وأخرجه الحاكم وصححه، ومعنى قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" أي: هو أوَّل شيء يفتتح من أعمال الصلاة.
وفي قوله: «تحريم الصلاة التكبير» دليل على أنَّ افتتاح الصلاة لا يكون إلاَّ بالتكبير دون غيره من الأذكار وهو المذهب، وبه <1/327> قال الجمهور وقال أبو حنيفة: تنعقد الصلاة بكلِّ لفظ قُصد به التعظيم، والحديث يَرُدُّ عليه، وفي الباب أحاديث كثيرة عند غير المصنِّف تدلُّ على تعيُّن لفظ التكبير من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله؛ فهو واجب لا يمكن الدخول في الصلاة إلاَّ به؛ ثُمَّ اختلفوا فقيل: ركن، وقيل: شرط، وعلى الأوَّل: الجمهور، وعلى الثاني: الحنفية. (1/401)
صفحة 402
قوله: «وتحليلها التسليم» يعني أنَّه يَحِلُّ بالتسلم ما كان حراما من الأعمال. وفي مقابلة التسليم للتكبير دليل على أنَّ التسليم واجب كالتكبير فهو ركن مثله، هذا للدخول، وهذا للخروج، وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب التسليم، واحتجوا بحديث الباب. وذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوبه، وروى ذلك الترمذي عن أحمد وإسحاق بن راهويه، وهو قول في المذهب لكن قيَّدوه بحالة الاضطرار. وقال أبو سعيد إذا ثبت في الاضطرار ثبت في الاختيار. ويؤخذ من الحديث أنَّ التسليم مرَّة كما أنَّ التكبير مرَّة؛ فالمشروع تسليمة واحدة عندنا، وبه قال ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة من الصحابة، والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين، ومالك والأوزاعي والإمامية وهو أحد قولي الشافعي وغيرهم، وبه كان العمل عند أهل المدينة في الزمان الأوَّل، وفي ذلك أحاديث منها عن عائشة عند أحمد والنسائي، ومنها عن ابن عمر عند أحمد. وقيل: المشروع تسليمتان، وعليه أكثر قومنا، وعليه كان ضمام بن السائب رحمة الله عليه. وروي عن كثير من الصحابة والتابعين، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ صلاة مَن اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وقال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء الذين يُعتدُّ بهم على أنَّه لا يَجب إلاَّ تسليمة واحدة، فالثانية عندهم استحباب، ولم يثبت ذلك عند أكثر أصحابنا فلم يزيدوا على الواحدة، والله أعلم.
ما جاء في السواك عن كلِّ صلاة (1/402)
صفحة 403
قوله: «لولا أن أشق» الحديث تقدَّم في باب الطهارة، وقد ذكره المرتِّب ها هنا إشارة إلى <1/328> استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة؛ فمحطُّ نظره من الحديث قوله: «عند كلِّ صلاة وعند كلِّ وضوء"؛ فإنَّه ذكر للسواك موضعين، أحدهما: عند الوضوء، والآخر: عند الصلاة، يعني: عند القيام إليها. قال ابن دقيق العيد: الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حال تقرُّب إلى الله، فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة، إظهارا لشرف العبادة، وقد ورد من حديث علي عند البزار مرفوعا يدلُّ على أنَّه لأمر يتعلَّق بالملَك الذي يستمع القرآن من المصلي فلا يزال يدنو منه حتَّى يضع فاه على فيه. وقيل: كان أصحاب النبيء عليه السلام يروحون والسواك على آذانهم، والله أعلم.
الباب الثامن والثلاثون في القراءة في الصلاة (1/403)
صفحة 404
قوله: «في القراءة» يعني قراءة الحمد وغيرها، ولم يذكر التعوُّذ، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [سورة النحل: 98] وقد روى الاستعاذة عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة أبو سعيد الخدري عند أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي، وقال ابن المنذر: جاء عن صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وقال الأسود: رأيتُ عمر حين يفتتح الصلاة يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرك" ثُمَّ يتعوَّذ، رواه الدار قطني. والأحاديث الواردة في التعوُّذ ليس فيها، إلاَّ أنَّه فعل ذلك في الركعة الأوَّلى، وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كلِّ ركعة، واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}، ورُدَّ بأنَّ النهي عن الكلام في الصلاة يدلُّ على المنع منه حال الصلاة، مِن غير فرق بين الاستعاذة وغيرها؛ مِمَّا لم يرد به دليل يخصُّه؛ فالواجب الاقتصار على ما وردت به السنَّة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأوَّلى، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". <1/329>
ما جاء في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، وأنَّ البسملة آية منها (1/404)
صفحة 405
قوله: «من صلَّى صلاة» رواه أيضا أحمد وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ فذكره. وعند الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج". وعند البيهقي عن علي مرفوعا بلفظ: "كلُّ صلاة لم يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خُداج". وعن عبادة بن الصامت أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" رواه الجماعة، وفي لفظ: "لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" رواه الدار قطني، وقال إسناده صحيح. «قال الربيع: الخِداج الناقصة، وهي غير التمام» يعني: أن الخِداج (بكسر المعجمة) بمعنى الناقصة، وهو في الأصل اسم لإلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل. قال السرقسطي: أخدَجَ الرجل صلاتَه أخداجًا إذا نقصها، ومعناه أتى بها غير كاملة. وعن الأصمعي: الخِداج النقصان، وأصل ذلك من خِداج الناقة. والحديث يدلُّ على تعيُّن فاتحة الكتاب في الصلاة، وأنَّه لا يُجزي غيرها، وإليه ذهب أصحابنا ومالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذهبت الحنفية وطائفة قليلة من قومنا إلى أنَّها لا تَجب، بل الواجب آية من القرآن، هكذا قال النووي. وهذا القول خِداج لأنَّه خلاف السنَّة المطهَّرة بلا برهان ولا حجَّة.
قوله: «فاتحة الكتاب» يعني الحمد وإنَّما سُمِّيت بذلك لأنَّها في أوَّل الكتاب، وأوَّل كلِّ شيء فاتحته؛ وإنَّما سُمِّيت أمُّ القرآن لأنَّها أصل القرآن، وقيل: لأنَّها مقدَّمة عليه، فكأنَّها تؤُمُّه. (1/405)
صفحة 406
قوله: «وقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم» إشارة إلى أنَّها منها، وعن قتادة قال: سُئِل <1/330> أنس كيف كانت قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "كانت مدًّا"، ثُمَّ قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يَمدُّ بسم الله، ويمدُّ بالرحمن ويمدُّ بالرحيم، رواه البخاري. وهو يدلُّ على مشروعيَّة قراءة البسملة، وعلى أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلم كان يَمدُّ قراءته في البسملة وغيرها، وعلى أنَّه كان يجهر بها في الصلاة؛ لأنَّ كَوْن قراءته كانت على الصفة التي وصفها أنس، تستلزم سَماع أنس لها منه صلَّى الله عليه وسلَّم، وما سمع مجهور به. وروى ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أمِّ سلمة أنَّها سئلت عن قراءة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: "كان يقطع قراءته آية آية، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ" رواه أحمد وأبو داود. (1/406)
صفحة 407
قوله: «إنَّها آية من كتاب الله» وروى أبو داود والحاكم وصحَّحه على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتَّى ينزل عليه "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ورواه أيضا البزار بإسنادين، رجال أحدِهما رجال الصحيح؛ فهذا يدلُّ على أنَّها آية من كلِّ سورة إلاَّ سورة التوبة، لأنَّها نزلت بالسيف، والبسملة أمان؛ فيجب أن تُعطى حكمَ القرآن في حالة الجهر والإخفاء، والجهر بها في الصلاة مروي عن جماعة من السلف، وروي عن عمر وابن عمر وابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وابن الزبير، وذكر الخطيب الجهر بها عن أبي بكر الصديق وعثمان وأبي بن كعب وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وشداد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية، قال الخطيب: وأمَّا التابعون ومن بعدهم مِمَّن قال بالجهر بها، فهم أكثر من أن يُذكروا، وأوسع من أن يُحصروا. وفي الإيضاح والقواعد: "لم يزل صلى الله عليه وسلم يقرأ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حتَّى مات، ثُمَّ أبو بكر ثُمَّ عمر رحمهما الله حتَّى ماتا"، زاد في القواعد: وقال ابن عمر "إنها آية من كتاب الله اختلسها منهم الشيطان". وروى الشافعي بإسناده عن أنس بن مالك قال: "صلَّى معاوية بالناس بالمدينة صلاة جَهَر فيها بالقراءة، فلم يقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يُكبِّر في الخفض والرفع؛ فلمَّا فرغ ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية نقضت الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت <1/331> ورفعت؟ فكان إذا صلَّى بهم بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وكبَّر"، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط مسلم. (1/407)
صفحة 408
قوله: «سعيد بن جبير» بن هشام الأسدي بالولاء مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة، كوفي، أحد أعلام التابعين، وكان أسود، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وكان مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس لَمَّا خرج على عبد الملك بن مروان؛ فلمَّا قُتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم، هرب فلحق بمكة، وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القسري؛ فأخذه وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع إسماعيل بن واسط البجلي فقال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقيُّ بن كسير. قال: بل كانت أمِّي أعلم باسمي منك. قال: شقيت أمُّك، وشقيت أنت. قال: الغيب يعلمه غيرك. قال: لأبدِّلنَّك بالدنيا نارا تلظَّى. قال: لو علمت أنَّ ذلك بيدك لاتَّخذتك إلها. قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبيء الرحمن، وإمام الهدى. قال: فما قولك في علي أهو في الجنة أو هو في النار؟ قال: لو دخلتها وعرفت ما فيها، عرفت أهلها. فما قولك في الخلفاء قال: لست عليهم بوكيل. قال: فأيُّهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيُّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرَّهم ونجواهم. قال: أحبُّ أن تَصدُقني. قال: إن لم أحبَّك لن أكذبَك. (1/408)
صفحة 409
قال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين، والطين تأكله النار؟ قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب؛ ثُمَّ أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعه بين يديه؛ فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتَّقي به فَزَع يوم القيامة فصالح؛ وإلاَّ ففزعة واحدة تُذهل كلَّ مرضعة عمَّا أرضعت، ولا خير في شيء جُمع للدنيا إلاَّ ما طاب وزُكِّى؛ ثُمَّ دعا الحجاج بالعود والناي، فلمَّا ضُرب بالعود ونفخ في الناي بَكَى سعيد؛ فقال: ما يبكيك هو اللعب؟ قال سعيد: هو الحزن؛ أمَّا النفخ فذكَّرني يوما عظيما، يوم النفخ في الصور؛ وأمَّا العود فشجرة قُطعت في غير حقٍّ؛ وأمَّا الأوتار فمن الشاء تُبعث معها يوم القيامة. قال الحجاج: ويلك يا سعيد. قال: لا ويل لِمن زحزح عن النار وأُدخل الجنَّة. قال الحجاج: اختر يا سعيد أيُّ قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجَّاج فوالله لا تقتلني قتلة إلاَّ قتلك <1/332> الله مثلها في الآخرة. قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمِن الله؛ وأمَّا أنت فلا براءة لك ولا عذر. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلمَّا خرج ضحك، فأُخبر الحجَّاج بذلك فردَّه؛ فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك؛ فأمر بالنطع فبُسِط، وقال: اقتلوه. فقال سعيد: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة الأنعام: 79]، قال: وجهوا به لغير القبلة. قال سعيد: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [سورة البقرة: 115]. فقال: كبُّوه لوجهه. قال سعيد: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ، وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً اُخْرَىا} [سورة طه: 55] قال الحجاج: اذبحوه. (1/409)
صفحة 410
قال سعيد: أمَا إنِّي: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محمَّدا عبده ورسوله خذها منِّي حتَّى تلقاني بها يوم القيامة؛ ثُمَّ دعا سعيد، فقال: اللهم لا تسلِّطه على أحد يقتله بعدي" وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين للهجرة بواسط، ومات الحجَّاج بعده في شهر رمضان من السنة المذكورة، ولم يسلِّطه الله عزَّ وجلَّ بعده على قتل أحد إلى أن مات، ذكر ذلك ابن خلكان في وفيات الأعيان، والله أعلم.
قوله: «يقول الله عزَّ وجلَّ» هذا من الأحاديث الربَّانية التي أُوحيت إليه صلَّى الله عليه وسلَّم لا لقصد التلاوة والتحدِّي، بخلاف وحي القرآن؛ فإنَّه أُنزل لذلك. والحديث رواه أيضا الجماعة إلاَّ البخاري وابن ماجة.
قوله: «قُسِّمت» (بالبناء) لِما لم يسمَّ فاعله لِما جاء في بعض الروايات: "الصلاة مقسومة، والقاسم هو الله عز وجل" وإنَّما لم يذكر نفسه لأنَّه معلوم بالضرورة.
قوله: «الصلاة» قال النووي: قال العلماء المراد بالصلاة الفاتحة، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تصحُّ إلا بها، والمراد بقسمتِها قسمتُها من جهة المعنى، لأنَّ نصفها الأوَّل تحميد لله وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرُّع وافتقار.
قوله: «نصفها لي» أي تحميد وثناء وتمجيد.
قوله: «ونصفها لعبدي» أي ما بعد ذلك.
وقوله «ولعبدي ما سأل» وَعْد بالإجابة نظير قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم} [سورة غافر: 60]، وقوله: {اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا <1/333> دَعَانِي} [سورة البقرة: 186] والمسئول ها هنا الهداية إلى الصراط المستقيم.
قوله: «حمدني» وقوله: «أثنى» وقوله: «مجدني» كلُّها صفات لله عزَّ وجلَّ؛ فالحمد: الثناء بجميل الفعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، والثناء مشتمل على الأمرين، ولهذا جاء جوابا للرحمن الرحيم، لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. (1/410)
صفحة 411
قوله: «هذه بيني وبين عبدي...» الخ، قال القرطبي: إنما قال الله تعالى هذا لأنَّ في ذلك تذلُّل العبد لله وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمَّن تعظيمه وقدرته على ما طُلب منه.
قوله: «فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم...» إلى آخر السورة، هذا كلُّه للعبد، فإنَّه سؤال يعود نفعُه إليه، وهو ثلاث آيات، وقيل: آيتان. واستَدَلَّ بالحديث القائلون بأنَّ البسملة ليست من الفاتحة لأنَّها لم تُذكر في الحديث. وأجيب عنه بأجوبة، أقواها: أنَّ ظاهر النصِّ ليس مرادا لأنَّ الصلاة ليست مقسومة بالإجماع؛ بل قراءتها. والقراءة أيضا ليست مقسومة بالإجماع، بدليل السورة التي مع الفاتحة؛ بل بعض القراءة. فيكون التقدير قسمت بعض قراءة الصلاة، وبعض قراءة الصلاة لا يستلزم الفاتحة؛ فالمقسوم عندنا بعض الفاتحة، ونحن نقول به.
ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إلاَّ بفاتحة الكتاب
قوله: «انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم..» الحديث رواه أيضا أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن، ولفظه عندهم: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفا؟ قال رجل: <1/334> نعم يا رسول الله، قال: إني أقول مالي أنازَع القرآن؟ قال فانتهى الناس عن القراءة في ما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك"، وأخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وابن ماجة وابن حبان. وقوله: فانتهى الناس عن القراءة، مُدرج في الخبر، كما بيَّنه غير واحد. قال النووي: وهذا مِمَّا لا خلاف فيه بينهم.
قوله: «مِن صلاة جَهَر فيها بالقراءة» وعند ابن ماجة قال: سمعت أبا هريرة يقول صلى النبيء صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة نظنُّ أنَّها الصبح؛ فقال: هل قرأ منكم من أحد؟ قال رجل: أنا. قال: "إني أقول مالي أنازع القرآن؟". (1/411)
صفحة 412
قوله: «آنفا» أي الآن كذا في النهاية. وقيل: إنها موضوعة لِما سبق في الزمان القريب، والمراد بها تلك الصلاة التي انصرف منها صلى الله عليه وسلم.
قوله: «قالوا بلى» أي نعم، كما صرِّح بها في رواية قومنا، وقد وقع في كتب الحديث جواب الاستفهام المجرَّد بـ"بَلى"، ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان: أنَّه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنَّة؟" قالوا: بلى. وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟" قال: بلى، قال: "فلا إذن"، وفيه أيضا أنه قال: أنت الذي لقيتني بمكَّة؟ فقال له المجيب: بلى. وأجيب بأن هذا من تغيير الرواة اللاحنين كما نبَّه عليه أبو حيان. وردَّ بأن الرواة من العرب، وهم أعرف الناس بلغتهم، وإن كان قوله اللاحنين مُشعرا بأنَّ المراد غير من كان منهم العرب، إذ ليس ظنُّ ذلك بقادح، وإلاّ ... ذهب الوثوق بالكلِّ فتعطلت الشريعة.
قوله: «في ما جهر به» هذا قطعة من الكلام المدرج في الحديث، وقد سقط أوَّله مع آخر الحديث من يد النساخ، والله المستعان. وصورة الساقط كما صرَّحت به رواية أبي داود والنسائي والترمذي وغيرهم، قال فإنِّي أقول: ما لي أُنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما جَهَر فيه" وعند الترمذي في ما يُجهر فيه.
قوله: «إني أقول» أي أظنُّ ذلك في نفسي حال الصلاة. <1/335>
وقوله: «ما لي أُنازع القرآن» استفهام معناه الإنكار، وهو كلام مستأنف، و"أُنازع" (بالبناء للمفعول) أي أُجاذب؛ كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة. وأصل النزع: الجذب، ومنه نَزَع الميِّت بروحه. (1/412)
صفحة 413
قوله: «قال أبو عبيدة إلاَّ بفاتحة الكتاب فإنَّها تُقرأ مع كلِّ إمام وغيره»؛ ثُمَّ استدلَّ الربيع رحمه الله تعالى على ذلك بحديث عبادة بن الصامت، وفي آخره: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنَّه لا صلاة إلا بها» وهو مذهبنا، وبه قال الشافعي وأصحابه؛ فتجب قراءة الفاتحة في كلِّ صلاة منفردا، أو عند إمام جهرا وسرًّا. وقالت الحنفية: لا يُقرأ خلف الإمام لا في صلاة السر ولا في الجهر. وقال مالك وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم: لا يُقرأ خلف الإمام في الجهريَّة فقط، وتَمسَّك الكلُّ بعمومات لا نطيل بذكرها، وحديث عبادة خاص، والخاص مُقدَّم على العام.
قوله: «عن عبادة بن الصامت..» الحديث رواه أيضا أبو داود والترمذي ولفظه: "عن عبادة قال: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت عليه القراءة؛ فلما انصرف قال: إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا يا رسول الله، أي والله، قال: "لا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن، فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وفي لفظ: "فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلاَّ بأمِّ القرآن" رواه أبو داود والنسائي والدار قطني، وقال: كلُّهم ثقات، يعني رجال إسناده.
قوله: «صلاة الغداة» أي صلاة الصبح، وفيه ردٌّ على من زعم كراهية تسميتها.
قوله: «فثَقُلت عليه القراءة» أي شُقَّ عليه التلفُّظ والجهر بالقراءة. ويُحتمل أن يُراد به أنَّه التَبَسَت عليه القراءة، بدليل ما عند أبي داود من حديث عُبادة في رواية له بلفظ: "فالتبست عليه القراءة".
قوله: «لعلَّكم تقرؤون» هذا إشارة إلى أنَّ سبب الثقل الحاصل له قراءتهم خلفه؛ وإنَّما كان ذلك سببا للثقل، لأنَّهم نازعوه القرآن، أي جاذبوه إيَّاه، فصعب عليه التلاوة. (1/413)
صفحة 414
قوله: «لا تفعلوا» هذا النهي يقتضي المنع، ولم يُنقل أنَّه أمرهم بالإعادة، ولا إعادة عليهم؛ لأنَّهم <1/336> إنَّما فعلوا ذلك قبل النهي، فهم على أمر جائز استصحابا للأصل، وعلى فاعله اليوم الإعادة لأنَّه إنَّما فعله بعد النهي، والله أعلم.
قوله: «فإنَّه لا صلاة إلا بها» تقدَّم معناه في أوَّل الباب. فـ"أمُّ الكتاب" لا يَحملها الإمام، بخلاف سائر القراءة؛ والأصل أنَّه لا يُحمل عنه شيئا، لقوله عليه السلام في حديث أبي هريرة عند الخمسة إلاَّ الترمذي: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به؛ فإذا كبر فكبروا"؛ ثُمَّ خرج من هذا العموم القراءة لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [سورة الأعراف: 204]، ولحديث عبادة عند المصنِّف وغيره، وفيه: "لا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن" وروي في حديث أبي هريرة المتقدِّم آنفا: "وإذا قرأَ فأنصتوا" وقال مسلم هو صحيح، وقال أبو داود: هذه الزيادة ليست بمحفوظة، قال: والوهم عندنا من أبي خالد، قال المنذري: وفي ما قاله نظر؛ فإنَّ أبا خالد هذا هو سليمان بن حيان الأحمر، وهو من الثقات الذين احتجَّ البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحهما. قلت: ذلك لا ينافي وقوع الوهم منه؛ لأنَّ أبا داود لم يدَّع كذبه، وإنَّما ادَّعى وهمه، وهو غير الكذب، بل هو في معنى الغلط. وقيل: إنَّ الإمام يَحمل عن المأموم التعظيمَ في الركوع، والتسبيح في السجود. وقد اختلف الإمام عبد الوهاب ووزيره مزور بن عمران في التحيات هل يحملها الإمام أو لا؟ فقال: الإمام يحملها، وقال الوزير: لا يحملها، وهو الراجح لِما تقدَّم، والله أعلم.
ما جاء في النهي أن يَجهر بعضُنا على بعض في الصلاة
قوله: «عن ابن عباس» الحديث رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري، ورواه مالك في الموطأ عن البياضي، وهو فروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري، ورواه أحمد أيضا، وللنسائي نحوه. (1/414)
صفحة 415
قوله: «ذات يوم» قال في شرح الموطأ وفي رواية حماد بن زيد عن يحي بن سعيد: أنَّ ذلك <1/337> كان في رمضان، والنبيء صلى الله عليه وسلم معتكف في قبَّة على بابها حصير، والناس يصلُّون عُصَبا عُصَبا" أخرجه ابن عبد البر، وفي رواية أبي سعيد عند أبي داود قال: "اعتكف صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يَجهرون بالقراءة، فكشف الستر فقال: ألا إنَّ كلَّكم يناجي ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" أو قال: "في الصلاة".
قوله: «يناجي ربَّه» قيل: مناجاة المصلِّي ربَّه عبارة عن إحضار القلب، والخشوع في الصلاة. وقيل: هي إخلاص القلب، وتفريغ السر بذكره وتحميده وتلاوة كتابه في الصلاة. وقيل: هي ما يقع منه من الأفعال والأقوال المطلوبة في الصلاة، وترك الأفعال والأقوال المنهيِّ عنها، ومناجاة الرب لعبده إقباله عليه بالرحمة والرضوان، وما يفتحه عليه من العلوم والأسرار. وفيه تنبيه على معنى الصلاة، والمقصود بها ليَكثرُ الاحتراز من الأمور المكروهة المدخلة للنقص فيها، والإقبال على أمور الطاعة المتمِّمة لها.
قوله: «فلينظر ما يناجيه به» أي فليتأمَّل في معنى ما يُناجيه به من القول على سبيل التعظيم، ومواطأة القلب اللسان، والإقبال إلى الله، وذلك إنَّما يحصل إذا لم يُنازعه صاحبه بالقراءة، ومن ثَمَّ عقَّبه بقوله: "ولا يَجهر بعضكم على بعض..." الخ.
قوله: «ولا يَجهر بعضكم على بعض بالقرآن» وإذا امتنع الجهر بالقرآن لعلَّة الاشتغال، فالمنع من الجهر بالحديث، وكلام الناس أولى، والنهي يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها. قيل: وعُدِّي بـ: "على" لإرادة معنى الغلبة، أي: لا يغلب ولا يشوِّش بعضكم على بعض جاهرا بالقراءة، والبعض أعمُّ من مصلٍّ أو نائم أو قارئ. (1/415)
صفحة 416
قوله: «فيشغلهم عن صلاتهم» هذا علَّة النهي عن جهر بعضهم على بعض. وعند أبي داود: "فلا يؤذينَّ بعضكم بعضا". قال ابن عبد البر: وقد روي بسند ضعيف عن عليٍّ قال: "نَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالقرآن قبل العشاء وبعدها، يُغلِّط أصحابه وهم يصلُّون". قال السيوطي: "وكثير ما يُسأل عمَّا اشتهر على الألسنة: "ما أنصف القارئ المصلِّي"، ولا أصل له" ولكن هذه أصوله. <1/338>
ما جاء في القراءة في العتمة
قوله: «عن البَرَاء» (هو بالفتح والمدِّ) و«عازب» (بالمهملة والزاء المعجمة) هو ابن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي، يُكنَّى أبا عمرو، وقيل: أبا عمارة، وهو أصح. ردَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بدر لَمَّا استصغره، وأوَّل مشاهِدِه أُحُد، وقيل: الخندق، وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة غزوة، وهو الذي افتتح الريَّ سنة أربع وعشرين صلحا، أو عنوة في قول أبي عمرو الشيباني، وقيل: افتتحها حذيفة سنة اثنتين وعشرين، وقيل: افتتح بعضها أبو موسى، وبعضها قرضة بنت كعب، وشهد غزوة تستر مع أبي موسى، ذكر ذلك ابن الأثير، قال: وشهد البراء مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهراون هو وأخوه عبيد بن عازب، ونزل الكوفة وابتنى بها دارا، ومات أيَّام مصعب بن الزبير.
قوله: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ...» الخ الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم، ولفظه عندهم قال: سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء "والتِّين والزيتُون"، وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه، وفي اقتصاره صلى الله عليه وسلم على هذه السورة عمل بالتخفيف الذي أمر به بقوله في حديث أبي هريرة المتقدِّم في باب الإمامة: "إذا صلَّى أحدكم بالناس فلْيخفِّف".
ما جاء في القراءة في المغرب
قوله: «عن ابن عباس» الحديث رواه أيضا الجماعة إلاَّ ابن ماجة. (1/416)
صفحة 417
قوله: «أم الفضل» <1/339> هي والدة ابن عباس الراوي عنها، وبذلك صرَّح الترمذي، فقال: عن أمِّه أمِّ الفضل، واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدَّم نسبها في باب الغسل من الجنابة، ويقال: إنَّ أمَّ الفضل أوَّل امرأة أسلمت بعد خديجة، وصحَّح ابن حجر: أن أوَّل من أسلم بعد خديجة أخت عمر بن الخطاب زوج سعيد بن زيد، والفضل بن العباس هو أخو عبد الله، وكان أسنَّ منه بمدَّة.
قوله: «لقد ذكَّّرتَنِي» أي: شيئا نسيته... الخ. قال ابن حجر: وصرَّح عقيل في روايته عن ابن شهاب أنهَّا آخر صلوات النبيء صلى الله عليه وسلم، ولفظه: "ثُمَّ ما صلّى لنا بعدها حتَّى قبضه الله"، وذكر عن عائشة: "أن الصلاة التي صلاها النبيء صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مرض موته كانت الظهر"، قال: وأشرنا إلى الجمع بينه وبين حديث أم الفضل، هذا بأنَّ الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد، والتي حكتها أمّ الفضل كانت في بيته، واستشكل ذلك بما أخرجه الترمذي عن أمِّ الفضل بلفظ: "خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ناصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب. وأجيب بأنَّه يمكن حمل قولها خرج إلينا أنَّه خرج من مكانه الذي كان فيه راقدا إلى من في البيت. وفيه إشكال وهو أنَّ المنفرد لا يجهر بالقراءة، والظاهر من كلامها أنَّه سمعته حال كونه إماما. والجواب الذي لا إشكال معه لا يلزم من كونه آخر ما سمعته أمّ الفضل أن يكون آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن جاء في رواية: "ثُمَّ ما صلى لنا بعدها حتَّى قبضه الله"؛ فإنَّها إنما أخبرت عن عدم صلاة صلاها وهي معهم.
قوله: «يُقرأ بها» هو في موضع الحال، أي سمعته في حال قراءته.
قوله: «في المغرب» أي في صلاة المغرب، قيل: وهذا الحديث يردُّ على من قال التطويل في صلاة المغرب منسوخ، والله أعلم. <1/340> (1/417)
صفحة 418
الباب التاسع والثلاثون في الركوع والسجود وما يفعل فيهما
قوله: «في الركوع والسجود» إنَّما أشركهما في ترجمة واحدة، لأنَّ أحاديث الباب متناولة لهما معا، والركوع في اللغة: الانحناء، ثُمَّ استعمل في الشرع في هيئة مخصوصة. والسجود في اللغة: التطامن في الانخفاض، يقال: سجد البعير إذا خفض رأسه عند ركوبه، وسجد الرجل إذا وضع جبهته في الأرض، وهو في الشرع عبارة عن هيئة مخصوصة، ولم يذكر المصنِّف رضوان الله عليه التكبير عند كلِّ خفض ورفع، وهو ثابت عند أصحابنا رحمهم الله تعالى، وجاءت به الأحاديث عند الجماعة من طرق شتَّى؛ فعن ابن مسعود قال: "رأيت النبيء صلى الله عليه وسلم يكبِّر في كلِّ رفع وخفض وقيام وقعود" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وأخرج نحوه البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين، وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة، وأخرج نحوه البخاري من حديثه وجاء من طرق أخرى لا نطيل بذكرها.
ما جاء في ما يقال في الركوع والسجود
قوله: «عن ابن عباس» الحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عقبة بن عامر، وأخرجه أيضا الحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه.
قوله: «فلما نزل» في رواية قومنا لَمَّا نزلت يعني الآية. والتذكير في رواية المصنِّف باعتبار معنى القول.
قوله: «اجعلوها» أي اجعلوا مضمونها ومحصولها في ركوعكم، يعني قولوا: "سبحان ربي العظيم" كما جاء في حديث حذيفة، قال: صليت مع النبيء صلى الله عليه وسلم، فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" رواه الخمسة وصححه الترمذي. قيل ومعنى العظيم: الكامل في <1/341> ذاته وصفاته، ومعنى الجليل: الكامل في صفاته، ومعنى الكبير: الكامل في ذاته. (1/418)
صفحة 419
قوله: «اجعلوها في سجودكم» وجه التخصيص أنَّ الأعلى أبلغ من العظيم؛ فجعل للأبلغ في التواضع وهو السجود الأفضل من الذكر، وصحَّ: "أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد"، وربما يُتوهَّم قرب مسافة، فندب فيه التسبيح، وفي الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى، وأن العبد في انخفاضه غاية الانخفاض يكون أقرب ما يكون إلى الله تعالى، ولم يُبيِّن في الحديث عدد ما يقال من التسبيح؛ لكن ورد عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرَّات، فقد تَمَّ ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرَّات فقد تَمَّ سُجوده وذلك أدناه"، قال أبو داود والحديث مرسل لأنَّ عونا لم يدرك عبد الله، وقال غيره عون هذا ثقة سمع جماعة من الصحابة، وأخرج له مسلم.
وفي قوله: وذلك أدناه في الموضعين، إشارة إلى أنَّه لا يكون المصلِّي عاملا بالسنَّة إذا اقتصر على ما دون الثلاث، وهو المعمول به عند أصحابنا رحمهم الله تعالى. قال الربيع رحمه الله تعالى: "المجزي من ذلك ثلاث مرَّات، وإن زاد فحسن إلا أن يكون إماما فليقتصر على الثلاث، لئلا يطيل عليهم"، وقال الماوردي من قومنا: "إنَّ الكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس، ولو سبَّح مرَّة حصل التسبيح" وروى الترمذي عن ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أنَّه يُستحَبُّ خمس تسبيحات للإمام، وبه قال الثوري، ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم. قال في القواعد: "وليس عند أهل العلم نقض صلاة في الزائد، والناقص في التسبيح والتعظيم"، قال: "ومن سبَّح ثلاثا فهو المعمول به، ومن سبَّح واحدة فلا نقض عليه".
ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع والسجود <1/342> (1/419)
صفحة 420
قوله: «بلغني عن علي بن أبي طالب» الحديث رواه أيضا النسائي متَّصلا بإسنادين كلاهما عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب، ورواه الترمذي ولم يذكر فيه السجود، وقال حديث حسن صحيح.
قوله: «نهاني» زاد في رواية عند النسائي: "لا أقول نهى الناس" وفي أخرى: "ولا أقول نهاكم".
قوله: «لُبْسِ» (بضمِّ اللام) مصدر لبس الثوب بكسر الباء.
قوله: «القَسِّي» (بفتح القاف وكسر السين المشددة) نسبة إلى موضع يُنسب إليه الثياب القَسِّيَّة، وهي ثياب مضلَّعة بالحرير، تعمل بالقسِّ من بلاد مصر مما يلي الغرماء، و«المعصفر» المصبوغ بالعصفر، وهو نبت معروف يسمِّيه أهل عمان الشوران، وفي القاموس الشوران: العصفر. والنهي متناول للتحريم لأنَّ فيه التشبُّه بالنساء؛ لأنَّ المعصفر مِمَّا اختصَّت به. وكما أنَّ النهي عن لبس القَسِّي وخاتم الذهب للتحريم، فكذلك المعصفر. فإن قيل: إنَّ قول علي في رواية النسائي: "لا أقول نهى الناس"، وفي أخرى: "ولا أقول نهاكم" يدلُّ على أن هذا النهي خاص به دون غيره من الناس. فالجواب أنَّ قوله ذلك يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم قد وجَّه الخطاب إليه على الخصوص، مع أنَّ الحكم شامل له ولغيره؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكمه على الجماعة، ومن المعلوم قطعا أنَّ التختُّم بالذهب لا يَحلُّ لجميع الرجال، رجال هذه الأمَّة؛ فكذلك حكم ما قبله في الشمول، فقول علي: "لا أقول نهى الناس، أو لا أقول نهاكم" بيان لِمَا سيق له الخطاب فقط، ولهذا لم يقل: نهاني ولم ينهكم، والله أعلم.
قوله: «وعن خاتم الذهب» وفي نسخة: "تَختُّم الذهب" وقد روى النسائي هذا، وهذا في روايتين. (1/420)
صفحة 421
قوله: «وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود» وذلك لأنَّ لكلِّ واحد من الركوع والسجود ذِكرا يَخصُّه، وإنَّما خصَّ القيام بالقراءة، لأنَّ القرآن عظيم؛ وقد أُمرنا بتعظيمه. والقيام مناسب لذلك دون الركوع والسجود؛ فإنَّ فيهما تذلُّلا وتواضعا للربِّ تعالى، والله أعلم. <1/343>
ما جاء في ما يُقال عند القيام من الركوع
قوله: «إذا قال الإمام» الحديث رواه أيضا الجماعة إلا النسائي.
قوله: «سمع الله لمن حمده» معناه تقبَّل الله منه حمده وأجابه، تقول: اسمع دعائي، أي: أجب.
قوله: «ربَّنا ولك الحمد» كذا ثبت بزيادة الواو في طرق كثيرة كما عند المصنِّف رحمه الله تعالى، وفي بعض الطرق بحذفها، قال النووي: "المختار أن لا ترجيح لأحدهما على الآخر"، وقال ابن دقيق العيد: "كأنَّ إثبات الواو دالٌّ على معنى زائد، لأنَّه يكون التقدير مثلا: ربَّنا استجب ولك الحمد؛ فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر"، وهذا بناء منه على أنَّ الواو عاطفة، وقد قيل: إنها للحال، وقيل: زائدة.
قوله: «فإنَّه» الضمير للشأن، أي في الشأن كذا، والفاء للتعليل والموافقة لقول الملائكة المراد بها موافقة في القول والزمان، وقيل: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، وقيل: في القبول، والأوَّل أظهر، وفيه إشعار بأنَّ الملائكة تقول ما يقول المأمومون، والحكمة في إثبات الموافقة أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلِّها، لأنَّ الملائكة لا غفلة عندهم؛ فمن وافقهم كان متيقِّظا، ثُمَّ ظاهره أنَّ المراد بالملائكة جميعهم، واختاره بعض. وقيل: الحفظة منهم. وقيل: الذين يتعاقبون منهم. واستظهر ابن حجر أنَّ المراد بهم: من يشهد تلك الصلاة من الملائكة مِمَّن في الأرض أو في السماء. (1/421)
صفحة 422
قوله: «غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» قال ابن حجر: ظاهره غفران الذنوب الماضية، قال: وهو محمول عند العلماء على الصغائر. قال المحشي: ويشترط عندنا أن يكون مُجتنبا للكبائر، يعني لقوله تعالى: { إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سورة النساء: 31] فإنَّه تعالى شرط تكفير السيِّئات باجتناب الكبائر، واستدلَّ بالحديث قوم على أنَّ الإمام لا يقول: ربَّنا ولك والحمد، وعلى أنَّ المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، لكون ذلك لم يذكر <1/345> في هذه الرواية، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وتُعقِّب بأنَّه ليس فيه ما يدلُّ على النفي، بل فيه أنَّ قول المأموم: ربَّنا ولك الحمد، يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده، والواقع في التصوير ذلك، وقد جاء أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجمع التسميع والتحميد.
قوله: «سمعت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم...» الخ، الحديث رواه أيضا البخاري عن رفاعة بن رافع قال: "كنَّا نصلِّي وراء النبيء صلى الله عليه وسلم فلمَّا رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده" فقال رجل وراءه: ربَّنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيِّبا مباركا فيه؛ فلمَّا انصرف قال: «من المتكلِّم آنفا؟» قال: أنا، قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيُّهم يكتبها أوَّلا»، قال ابن حجر: وروى الطبراني أنَّ رجلا عطس عند النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: "الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتَّى يرضى ربُّنا، وبعد الرضا، والحمد لله على كلِّ حال"؛ فلمَّا صلى النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "من صاحب الكلمات؟" قال: الرجل أنا يا رسول الله، قال: "لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها أيُّهم يكتبها".
قوله: «آنفا» أي في الزمان القريب. (1/422)
صفحة 423
قوله: «ولك الحمدُ حمدا كثيرا» فسَّر بعضهم الكثرة هنا بكثرة الكائنات وما شاء الله بعدها، وذلك أنَّه تعالى هو الذي أوجد الكائنات، فله الحمد على كلِّ فرد منها.
قوله: «طيِّبا» أي خالصا منَزَّها عن النقصان.
قوله: «مباركا فيه» أي شاملا لجميع النعم. وقال ابن حجر: زاد رفاعة بن يحي: "مباركا عليه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى".
قوله: «رجل» هو رفاعة بن رافع كما صرِّح به في بعض الروايات؛ ثُمَّ اختلفوا، فقيل: هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلاني الزرقي الخزرجي. وقيل: رفاعة بن رافع بن عفرا بن أخي معاذ بن عفرا، ورُجِّح الأوَّل.
قوله: «بِضعا» (بالكسر) وبعض العرب يفتَح، يستعمل من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب: من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث فيقال: <1/345> بِضع رجال، وبِضع نسوة. ويستعمل أيضا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في بِضع مع المذكَّر، وتُحذف مع المؤنَّث كالنَّيِّف. قيل: ولا يُستعمل في ما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بضعة وعشرون رجلا، وبضع وعشرون امرأة، وهكذا قاله أبو زيد، والحديث يؤيِّده، وهو أفصح من نطق بالضاد، ورواية المصنِّف ليس فيها هاء، وقد ثبتت في رواية البخاري؛ واختلاف الروايتين يدلُّ على جواز الأمرين، والله أعلم. ثُمَّ إنَّ في هذا العدد من الملائكة سرًّا خفيًّا، واستظهر بعضهم أنَّ لكلِّ حرف ملكا؛ فإنَّ حروف الكلمات أربع وثلاثون.
قوله: «يبتدرونها» أي يسارعون في كتابتها لعظم قدرها.
قوله: «أوَّلا» أي سابقا على صاحبه، وجاء في بعض الروايات: "أوَّل" (بلا تنوين) وهو إمَّا منصوب على الحال أو الظرف، وروي بالضمِّ على البناء، ولكلٍّ وجه والله أعلم.
ما جاء في سجدة ص
قوله: «بلغني» الحديث رواه الترمذي عن ابن عباس ولم يسمِّ الرائي، ولا ذكر ص، ورواه ابن ماجة أيضا ولم يذكر قوله: "وتقبَّلها منِّي كما تقبَّلتها من عبدك داود عليه السلام". (1/423)
صفحة 424
قوله: «رأيت» يعني في النوم، وهذه الرؤيا حقٌّ، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بِمقتضاها، وفي سؤال الشجرة حكمة باهرة لا يطَّلع على كُنهها إلا الذي خلقها، والأمر عظيم، والقدرة قاهرة، {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم} [سورة الإسراء: 44]، وليس للشجرة وزر ولا لها في الآخرة أجر لارتفاع التكليف؛ فما معنى السؤال؟. والجواب أنَّ على كلِّ مخلوق القيام بحقِّ الربوبيَّة الثابت على العبوديَّة، وهو شيء غير التكليف تنطق به أحوال الكائنات، وهو أفصح من نطق اللسان؛ فالتقصير عن القيام بذلك الحقِّ هو الذي سألت الشجرةُ غفرانَه وسَمَّته ذنبا، والقيام بواجبه هو الذي طلبته وسَمَّته أجرا وشكرا، ويمكن غير ذلك {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة الإسراء: 85].
قوله: «وارزقني بها شكرا» وفي رواية الترمذي وابن ماجة: "اللهم احطُط عنِّي بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا"، قال ابن عباس: "فرأيت النبيء صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة"، وفي الحديث التصريح بمشروعية السجود فيها، وعن مجاهد قال سألت ابن عباس من أين سجدت في ص؟ فقال: { وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوودَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اَقْتَدِهْ} [سورة الأنعام: 84-90]، ففي هذا أنَّه استنبط مشروعيَّة السجود فيها من الآية، وفي الأوَّل أنَّه أخذه عن النبيء صلى الله عليه وسلم، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفاده من الطريقين، والله أعلم.
الباب الأربعون في القعود في الصلاة والتحيَّات (1/424)
صفحة 425
قوله: «في القعود في الصلاة والتحيَّات» وهي التشهُّد الذي يُقال في القعود من الصلاة، والمراد بالقعود في الباب ما يتناول قعود التحيَّات وغيره من قعود التحيات، وغيره من قعود المتطوِّع والمضطر في صلاته بدل القيام فإنَّ الباب جامع للكلِّ.
ما جاء أنَّ صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم
قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواه الترمذي عن عمران بن حصين، وللنسائي نحوه من حديث <1/347> عبد الله بن عمر، قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمر وأنس والسائب، قال: وحديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.
قوله: «صلاة أحدكم» في هذه الإضافة إشارة إلى ما ذكره بعض قومنا أنَّ من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنَّ صلاته قاعدا لا ينقص أجرها عن صلاته قائما، لحديث عبد الله بن عمر قال: بلغني أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة"؛ فأتيته فوجدته يصلِّي جالسا فوضعت يدي على رأسي فقال: ما لك يا عبد الله؟، فأخبرته فقال: "أجل، ولكنِّي لست كأحد منكم" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. (1/425)
صفحة 426
قوله: «نصف صلاته قائما» يعني في الأجر، وهو محمول عند الأكثر على النافلة، وصرَّحت به رواية مالك عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه قال: لَمَّا قدمنا المدينة نالنا وباء من وعكها شديد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس وهم يصلون في سبحتهم قعودا" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم" وحمله الخطابي على مريض مفترض يمكنه القيام بمشقة، فجعل أجر القاعد على النصف ترغيبا له في القيام مع جواز قعوده. قال ابن حجر: وهو حمل متَّجه، قال: فلو تحامل هذا المعذور وتكلَّف القيام، ولو شُقَّ عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلُّف القيام، فلا يمتنع أنَّ يكون أجره على ذلك على تَحمُّل المشقَّة نظير أجره على أصل الصلاة؛ فيصح أنَّ أجر القاعد على النصف من أجر القائم. ومن صلَّى النفل قاعدا مع القدرة على القيام أجزاه، وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير إشكال، وهذا كلام يقتضي أنَّ الحديث محمول على المعنيين معا، وبه قال بعض شرَّاح الحديث. قال: يشهد له ما رواه أحمد من طريق ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس قال: "قدم النبيء صلى الله عليه وسلم المدينة وهي مَحمَّة فحم الناس، فدخل صلى الله عليه وسلم المسجد والناس يصلون من قعود؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم" قال: ورجاله ثقات، قال: وله متابع في النسائي من وجه آخر وهو وارد في المعذور. <1/348>
ما جاء في صلاة النفل قاعدا (1/426)
صفحة 427
قوله: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي جالسا صلاة الليل قط» الحديث رواه أيضا الجماعة، وزادوا حتَّى أسنَّ، وكان يقرأ قاعدا حتَّى إذا أراد أنَّ يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية، ثم ركع، وزادوا أيضا إلا ابن ماجة، ثُمَّ يفعل في الركعة الثانية كذلك، وهذه الزيادة تجمع بين حديثي عائشة وحفصة؛ فإنَّ في حديث حفصة الآتي، التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم إنَّما صلَّى قاعدا قبل وفاته بعام، وذلك حين أسنَّ، وقول عائشة: "حتَّى أسنَّ" أي: دخل في السنِّ، وفي رواية للبخاري: "حتَّى كبر" وبيَّنت حفصة أنَّ ذلك قبل موته بعام، وإنَّما قيَّدت بصلاة الليل لتخرج الفريضة، وبـ: "حتَّى أسنَّ" ليعلم أنَّه إنَّما فعل ذلك إبقاء على نفسه ليستديم الصلاة، وأنَّ كان لا يجلس عمَّا يطيقه من ذلك. وفي الحديث بيان لشدَّة حرصه صلى الله عليه وسلم على أكمل الخصال، مع ما تقدَّم من خصوصيَّته بعدم نقصان أجره قاعدا.
قوله: «عن حفصة» الحديث رواه أيضا أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصحَّحه.
قوله: «في سُبْحَته» (بضمِّ السين المهملة، وسكون الباء الموحدة) أي نافلته.
قوله: «فرأيته يصلي قاعدا» وذلك إبقاء على نفسه ليستديم العمل. والحديث يدلُّ على جواز النافلة قاعدا، وهو مجمع عليه.
قوله: «ويرتِّلها» أي يَقرأُها بتمهُّل وترسُّل ليحصل مع ذلك التدبُّر كما أمره تعالى بقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [سورة المزمل: 4]، ولذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم حرفا حرفا، كما قالت أمُّ سلمة وغيرها. (1/427)
صفحة 428
قوله: «حتَّى تكون أطول من أطول منها» <1/349> يعني: أنَّ السورة التي يقرأها النبيء صلى الله عليه وسلم تصير أطول من سورة أطول منها بسبب ترتيلها، وقيل: المراد أنَّ مدَّة قراءته لها أطول من قراءة سورة أخرى أطول منها، إذا قُرئت غير مرتَّلة، وإلا فلا يُمكن أنَّ تكون السورة نفسها أطول من أطول منها من غير تقيد بالترتيل والإسراع، ومن المعلوم أنَّ المقصود واحد؛ لكن الأوَّل نَظَر إلى نفس التلاوة مع ترتيلها؛ فإنها تقع في بادئ الرأي كأنها سورة طويلة، مع قطع النظر عن زمان التلاوة. والقائل الثاني نَظَر إلى نفس الزمان الذي وقعت فيه التلاوة؛ فإنه إنما طال بالترتيل.
ما جاء في القعود المنهيِّ عنه في الصلاة
قوله: «أنه نهى...» الخ الحديث رواه أيضا أحمد عن أبي هريرة قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب"، ولم يذكر الرابعة وهي "قعود القرد" قال بعض شرَّاح الحديث: أخرجه البيهقي أيضا، وأشار إليه الترمذي وهو من رواية ليث بن أبي سليم، قال: وأخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الأوسط. قال في مجمع الزوائد وإسناد أحمد حسن. و"النهي عن نقرة كنقرة الغراب" أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن شبل. والنهي عن الإقعاء أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة من حديث علي مرفوعا بلفظ: "لا تَقْع بين السجدتين" وفي إسناده الحارث الأعور. (1/428)
صفحة 429
قوله: «إقعاء الكلب... قال الربيع: إقعاء الكلب أنَّ يفرش ذراعيه ولا ينصبهما» وفي المختار أقعى الكلب: جلس على أُسْتِه مفترشا رجليه وناصبا يديه، قال: وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة، وهو أنَّ يضع إليَتَيْه على عقبيه بين السجدتين، هذا تفسير الفقهاء، قال: وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم: أنَّ يلصق الرَّجل إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره. وقال النووي: الإقعاء نوعان، أحدهما: <1/350> أنَّ يُلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسَّره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة. قال: وهذا النوع هو المكروه الذي ورد النهي عنه. والنوع الثاني: أنَّ يجعل إليتيه على العقبين بين السجدتين. قلت: وهذا أيضا داخل تحت النهي؛ فالحاصل أنَّ جميع هيئات الإقعاء داخلة تحت النهي. وقد روى بعض قومنا عن ابن عباس أنه قال في الإقعاء على القدمين بين السجدتين أنَّه السنَّة؛ فقال له طاوس: إنا لنراه جفاء بالرجل؛ فقال ابن عباس: "هي سنَّة نبيئكم" أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود. وقد روي معناه عن ابن عمر أيضا، وهو لم يثبت عندنا، وأجاب عنه الخطابي والماوردي بأنَّ الإقعاء منسوخ، ولعلَّ ابن عباس لم يبلغه النهي، وهذا بعيد لأنَّ ابن عباس هو راوي النهي عن المصنِّف، واحتال بعضهم في الجمع بينهما فَحَمل النهي على بعض هيئات الإقعاء دون بعض، ولو صحَّ ذلك عن ابن عباس لكان هذا الوجه أولى ولو كان بعض الإقعاء عند ابن عباس سنَّة لنقله عنه جابر مع كثرة مخالطته له وأخذه عنه، فالله أعلم بما يرويه قومنا من ذلك.
قوله: «نقر الديك» يقال: نقر الطائر الحبَّ نقرا، من باب قَتَلَ، إذا التقطه بمنقاره، والمراد به ترك الطمأنينة، وتخفيف السجود، وأنَّ لا يَمكث فيه إلاَّ قدر وضع الديك منقاره في ما يريد التقاطه. (1/429)
صفحة 430
قوله: «التفات الثعلب» هو أنَّ يصرف وجهه يمينا وشمالا، والثعلب حيوأنَّ حيوان معروف، وفيه كراهية الالتفات في الصلاة، وقد وردت بالمنع منه أحاديث، وثبت أنَّ الالتفات اختلاس من الشيطان.
قوله: «قعود القِرْد» (بكسر القاف وسكون الراء) حيوانأنَّ معروف، قال الربيع: «قعود القرد أنَّ يقعد على عقبيه وينصب قدميه». قال المحشي: والظاهر أنَّ قعود القرد كالإقعاء، قال: وقد جاء النهي عن هيئات من القعود غير ما ذكر كتربُّع الملوك، وقعود القرفصاء وهو أنَّ أن يقعد الرجل قعدة المحتَبِي ثُمَّ يَحتبي بيده يضعها على ساقيه، وعقب الشيطان، وقعود الحبشة، وهو أنأنَّ يضع الرجل <1/351> إليتيه على عقيبه ويجلس على صدور قدميه؛ ثُمَّ استظهر أنَّ عَقِب الشيطان، وقعود الحبشة، وقعود القرد بمعنى واحد لأنهم فسروا كلَّ واحد منها بما فسَّروا به الآخر والله أعلم.
قوله: «فعليه إعادة الصلاة» لأنَّه فعل في صلاته ما نَهاه عنه الشارع، فهو متقرِّب إلى الله بصلاة على هيئة منهيٍّ عنها، ولا يصحُّ أنأنَّ يكون المنهيُّ عنه قربة، بل يكون إمَّا حراما أو مكروها، وكلاهما خلاف المأمور به والله أعلم.
ما جاء في التحيَّات (1/430)
صفحة 431
قوله: «التحيَّات كلمات..» الخ لفظ الحديث عند قومنا عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا التشهُّد كما يعلِّمنا السورة من القرآن"، كان يقول: "التَّحيَّات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيُّها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أنأنَّ لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمَّدا رسول الله" رواه مسلم وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذَكَر "السَّلام" منكرا. ورواه ابن ماجة كمسلم، لكنَّه قال: "وأشهد أنأنَّ محمدا عبده ورسوله" ورواه الشافعي وأحمد بتنكير "السلام"، وقالا فيه "وأنَّ محمدا" ولم يذكر "أشهد"، والباقي كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك، لكن بتعريف "السلام" ورواه النسائي كمسلم، لكن نكَّر "السلام"، وقال: "وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله"، وعن ابن مسعود قال: "علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهُّد كفِّي بين كفَّيه كما يعلِّمني السورة من القرآن: "التحيَّات لله والصلوات والطيِّبات، السلام عليك أيُّها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباده الصالحين أشهد أنأنَّ لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمَّدا عبده ورسوله" رواه الجماعة، ولأحمد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله قال علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهُّد وأمره أنأنَّ يعلِّمه الناس "التحيات لله" وذكره، قال الترمذي: حديث ابن مسعود أصحُّ حديث <1/352> في التشهُّد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وقال مسلم إنَّما أجمع الناس على تشهُّد ابن مسعود لأنَّ أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا، وغيره قد اختلف أصحابه. وقال الذهلي: إنَّه أصحُّ حديث روي في التشهُّد، ومن مرجِّحاته أنَّه متَّفق عليه دون غيره، وأنَّ رواته لم يختلفوا في حرف منه، بل نقلوه مرفوعا على صفة واحدة. (1/431)
صفحة 432
وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يقول: "عبده ورسوله". وقد روى التشهُّد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة غير ابن عباس وابن مسعود، قال في القواعد: والتشهُّد المأثور عن الصحابة رحمهم الله على ثلاثة أنواع، ثُمَّ ذكرها متوالية، ثُمَّ قال فبأيِّ هذه الألفاظ أخذ الإنسان فلا بأس عليه، إن شاء الله، وذكر بعض قومنا الإجماع على جواز كلِّ تشهُّد من التشهُّدات الصحيحة؛ ثُمَّ قال ولولا هذا الإجماع لكان اللازم الأخذ بالزائد، فالزائد من ألفاظها والله أعلم.
قوله: «كان يعلِّمهنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أصحابه» استدلَّ بهذا على وجوب التحيَّات، وكذلك استدلَّ على وجوبها بقوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث ابن مسعود: "إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله" ثُمَّ ذكره. وروى الدارقطني وقال إسناده صحيح. عن ابن مسعود قال: "كنَّا نقول قبل أن يفرض علينا التشهُّد السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: التحيات لله.." وذكره. (1/432)
صفحة 433
قوله: «ومعنى التحيات الملك لله» هذا قول ابن عمر وأبي عبيدة وأكثر الفقهاء. وقيل معناها: العظمة، ونسب إلى ابن عباس. وقيل: المجد ونسب إلى بشير بن محمد بن محبوب رضي الله عنهم. وقيل: معناها البقاء. وقيل: السلامة من الآفات والنقص. وقيل معناها: السلام، قال الطبري يُحتمل أن يكون لفظ التحيَّة مشتركا بين هذه المعاني. وقال الخطابي والبغوي: المراد بالتحيات أنواع التعظيم، ومعنى الحديث أنَّ التحيَّات وما بعدها مستحقَّة لله تعالى، ولا يصلح حقيقتها لغيره. وأما "المباركات" فقيل أسماء الله الحسنى لأنها بركة لمن ذكرهنَّ أو ذُكرن عليه. وأمَّا "الصلوات" فقيل: هي الصلوات الخمس المفروضة. وقيل: <1/353> مطلق الصلوات. وقيل: العبادات كلها. وقيل: الرحمة. وقيل التحيات: العبادات القوليَّة، والصلوات: العبادات الفعليَّة، والطيبات: العبادات الماليَّة. وأما "الطيِّبات" فقيل: هي ما طاب من الكلام. وقيل: ذِكْر الله وهو أخص. وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم. وأما "السلام" فقيل التحيَّة. وقيل: هو اسم من أسماء الله، ومعناه التعوُّذ بالله والتحصن به. وقيل معناه: السلامة من كلِّ عيب وآفة ونقص وفساد.
ما جاء في إمامة القائد بالقائم
قوله: «عن أنس بن مالك» الحديث رواه أيضا البخاري ومسلم وأحمد من طريق أنس أيضا. (1/433)
صفحة 434
قوله: «رَكِب فرسا» يطلق على الذكر والأنثى. وللبخاري عن أنس: "أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم صُرِع عن فرسه.." الخ، ففي هذه الإضافة دليل على أنَّ الفرس كانت له مُلكا. وفي رواية أبي داود وابن ماجة عن جابر قال: "ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصَرَعه على جذع نخلة، فانفكَّت قدمه، فأتيناه نعوده فوجدناه في مَشرَبة لعائشة يُسبِّح جالسا، قال: فقمنا خلفه فسكت عنَّا؛ ثُمَّ أتيناه مرَّة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا خلفه؛ فأشار إلينا فقعدنا، فلمَّا قضى الصلاة، قال: إذا صلَّى الإمام جالسا فصلُّوا جلوسا، وإذا صلَّى الإمام قائما فصلُّوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس لعظمائها". ولأحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انفكَّت قدمه فقعد في مشربة له درجتها من جذوع، فأتى أصحابه يعودونه فصلى بهم قاعدا وهم قيام؛ فما حضرت الصلاة الأخرى قال لهم: "ائتمُّوا بإمامكم فإذا صلَّى قائما فصلُّوا قياما، وإذا صلَّى قاعدا فصلُّوا قعودا".
قوله: «فصرع» أي سَقَط عنه.
قوله: «فجُحِش» (بالبناء للمفعول) بمعنى خدش، والخدش: قشر الجلد.
قوله: «شقُّه الأيمن» وفي حديث جابر: <1/354> "فانفكَّت قدمه". وفي رواية يزيد عن حميد عن أنس: "ساقه" أو "كتفه"، وجَمع بينها ابن حجر باحتمال وقوع الأمرين؛ ثُمَّ قال سفيان: حفظت من الزهري "شقُّه الأيمن"؛ فلمَّا خرجنا قال ابن جريج: "ساقه الأيمن.." الخ؛ فذكر أنَّ هذه الرواية مفسِّرة لمحلِّ الخدش من الشقِّ الأيمن، لأنَّ الخدش لم يستوعبه. قال: وأفاد ابن حبان أنَّ هذه القصة كانت في ذي الحجَّة سنة خمس من الهجرة. قلت: وذكر في تاريخ الخميس أنها في ربيع الأول، أو في ذي الحجة من هذه السنة، وفيه أيضا: أنَّه أقام في البيت خمسا يصلِّي قاعدا.
قوله: «وهو جالس» أي للعذر الذي به، وهو الخدش أو انفكاك القدم. (1/434)
صفحة 435
قوله: «فصلَّينا وراءه قعودا» وهي الصلاة الثانية التي صرَّح بها جابر في حديثه المتقدِّم، وسَمَّاها المكتوبة فإنه أخبر أنَّهم صلُّوا وراءه وهو قاعد في مرضه ذلك مرَّتين، الأولى: منهما سبحة، وأنهم صلُّوا وراءه قياما. والثانية: فرض، فصلوها قعودا لَمَّا أمرهم بذلك. قال ابن حجر: ولم أقف على تعيينها إلا أنَّ في حديث أنس: "فصلى بنا يومئذ وكأنها نَهارية الظهر أو العصر".
قوله: «إنَّما جُعل الإمام إماما» في رواية قومنا: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به" دون قوله: "إماما"، وقد ثبتت هذه الزيادة أيضا عند بعضهم.
قوله: «ليؤتَمَّ به» أي ليتَّبع في أفعاله وأقواله، إلاَّ ما استثنى من ترك القراءة خلفه. وقد روى الخمسة إلاَّ الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
قوله: «فإذا صلى قائما» تفسير لقوله: "ليؤتَمَّ به". (1/435)
صفحة 436
قوله: «فصلُّوا قعودا» وذلك من تمام الاتِّباع، ولأنَّ قيام الناس على القاعد من فِعل الأعاجم بعظمائها، وهي هيئة يبغضها الله تعالى، فلا يصح أن تُجعل في عماد الدين الذي هو الصلاة. وفي الحديث صحَّة إمامة القاعد، وأنَّ المأمومين يصلُّون وراءه قعودا اتِّباعا له. وفي المسألتين خلاف، قال جابر: وإنَّما يجوز مثل هذا خلف أئمَّة العدل، وأمَّا غيرهم فلا. وحكى ابن حبان عن جابر بن زيد: جواز ذلك على الإطلاق، وهو أقرب إلى معنى <1/355> الحديث، والربيع أعلم بأحوال جابر فإنَّه أدركه وأخذ عنه، وأخذ عن أصحابه الخاصِّين به: ضمام وأبي عبيدة وأبي نوح رحمهم الله. وروى ابن حزم القول بذلك عن جمهور السلف، ورواه عن بعض الصحابة وهم: جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير، قال: ولا مخالف لهم يُعرف في الصحابة. وقيل: إنَّ ذلك خاصٌّ بالنبيء صلى الله عليه وسلم دون غيره؛ فلا يصحُّ لأحد أن يؤمَّ جالسا بعده صلى الله عليه وسلم. قيل: وهو مشهور قول مالك وجماعة أصحابه. واستُدلَّ لذلك بأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يصحُّ التقدُّم بين يديه في الصلاة ولا في غيرها، ولا لعذر ولا لغيره. ورُدَّ بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف وخلف أبي بكر، وأنَّ الأصل عدم التخصيص. وقيل: إنَّ ذلك منسوخ بصلاته صلى الله عليه وسلم في مرض موته بالناس قاعدا، وهم قائمون خلفه ولم يأمرهم بالقعود، وهو قول الشافعي والحميدي وغير واحد. وأنكر أحمد نسخ الأمر بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يُرجى بُرؤه فحينئذ يصلُّون خلفه قعودا. (1/436)
صفحة 437
والثانية: إذا ابتدأ الإمام قائما لزم المأمومين أن يصلُّوا خلفه قياما، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موته صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ تقريره لهم على القيام دالٌّ على أنَّهم لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة لأنَّ أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما، وصلُّوا معه قياما بخلاف الحالة الأولى؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصلاة جالسا، فلمَّا صلُّوا خلفه قياما أنكر عليهم، وقوَّاه بعض شرَّاح الحديث بأنَّ الأصل عدم النسخ، لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم النسخ مرَّتين، لأنَّ الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلِّي قاعدا، وقد نسخ إلى القعود في حقِّ من صلَّى إمامه قاعدا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرَّتين وهو بعيد، والله أعلم.
الباب الحادي والأربعون الجواز بين يدي المصلي <1/356>
قوله: «الجواز بين يدي المصلي» يعني قُدَّامه، والمراد بالجواز: المرور، وهو منهيٌّ عنه لأحاديث الباب، والسرُّ في ذلك لئلاَّ يشوِّش على المصلِّي فيشغله عن مناجاة ربِّه، ولاحترام الصلاة، حتَّى جعل للمصلِّي هذه المنزلة، وهي أنَّه لا يَمرُّ أحد بين يديه، وذلك شأن العظماء عند أهل الدنيا؛ فجعل للمصلِّين لأنَّهم أعظم رتبة وأعلى قدرا عند الربِّ تعالى.
ما جاء في وعيد المارِّ بين يدي المصلي (1/437)
صفحة 438
قوله: «عن ابن عباس» الحديث الخ لم أجده في شيء من كتب الحديث بهذا اللفظ على هذا الحال، وكأنَّ المصنِّف رحمة الله عليه قد تفرَّدتفرَّد به، وهو الحجَّة في ما تفرَّدتفرَّد به وغيره، وله في المعنى شواهد من غير طريق ابن عباس، منها الحديث الآتي بعده، ومنها حديث أبي هريرة عند ابن ماجة بإسناد صحيح، وعند ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم أحدكم ما له في أن يَمرَّ بين يدي أخيه معترضا في الصلاة، كان لأَن يُقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا". وعن كعب الأحبار قال: "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه لكان أن يُخسف به خيرا له من أن يَمرَّ بين يديه". وفي رواية: "أهون عليه" رواه مالك، والكلُّ مبالغة.
قوله: «لو يعلم المارُّ» أي قاصد المرور.
قوله: «بين يدي المصلي» أي أمامه بالقرب منه، وعبَّر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما. واختلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مرَّ بينه وبين سجوده. وقيل: بينه وبين ثلاثة أذرع. وقيل: بينه وبين قدر رمية بِحجر.
قوله: «ماذا عليه» معناه: أيُّ شيء عليه من الإثم بسبب مروره بين يديه، ولعلَّ حكمة إبهامه الدلالة على عِظَم ذلك الإثم، وأنَّه واصِل إلى ما لا يقدَّر قدره، كقوله <1/357> تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [سورة طه: 78].
قوله: «لوَقَف إلى الحشر» وهو يوم القيامة مبالغة في تعظيم الإثم، والمعنى أنَّه لو علم ماذا عليه لاختار الوقوف عن المرور، ولو استمرَّ وقوفه إلى الحشر؛ لأن ذلك أهون عليه من إثم المرور. (1/438)
صفحة 439
قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...» الحديث مرسل عند المصنِّف، وقد رواه الجماعة عن أبي جهيم عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، وإسناده عندهم عن أبي النظر مولى عمرو بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمرَّ بين يديه"، قال أبو النظر: لا أدري قال أربعين يوما أو شهرا أو سنة.
قوله: «ماذا عليه» في رواية للبخاري "من الإثم" تفرَّدتفرَّد بها الكشمهيني. قال ابن حجر: ولم أرها في شيء من الروايات مطلقا، قال: فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنَّها الكشمهيني أصلا. وقد أنكر ابن الصلاح في مشكل الوسيط على من أثبتها.
قوله: «لوقف أربعين» تقدَّم في رواية القوم أنَّه قال: "لكان أن يقف أربعين خيرا له" قيل: وفي تخصيص العدد بالأربعين حكمتان، إحداهما: كون الأربعة أصل جميع الأعداد؛ فلما أريد التكثير ضُربت في عشرة. والثانية: كون كمال أطوار الإنسان بأربعين، كالنطفة والمضغة والعلقة، وكذا بلوغ الأشد، والظاهر أنَّ المراد المبالغة فقط، كما تقدَّم في نظيره من حديث ابن عباس عند المصنِّف وأبي هريرة عند ابن ماجة. قيل: وأُبْهم المعدود تفخيما للأمر وتعظيما. وردَّ بأنَّ ظاهر السياق أنَّه عين المعدود، لكن شكُّ الراوي فيه وقد وقع معيَّنا في مسند البزار بقوله: "لكان أن يقف أربعين خريفا".
قوله: «خيرا له» (بالنصب) خبر لِكان المحذوفة، والتقدير: ولو وقف لكان خيرا له. وفي نسخة "خير" (بالرفع) وهو رواية عند قومنا، وهو هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره "وذلك خير له". (1/439)
صفحة 440
قوله: «قال بعض الناس...» الخ بيان للخلاف الواقع في تعيين المعدود، وأنَّ بعضهم قال: أربعين خريفا أي سنة. وبعضهم قال: أربعين شهرا، وبعضهم قال: أربعين يوما. <1/358> قال الطحاوي المراد أربعون سنة لا يوما ولا شهرا، وقد تقدَّم أنَّ في مسند البزار: "أربعين خريفا"، وكذلك وقع أيضا في بعض نسخ المسند، وحكاية الخلاف من جابر رضي الله عنه تدلُّ على أنَّه كان اختلافا في نفس الراوية، يعني أنَّ بعضا رواه كذا، وبعضا رواه كذا، قال أبو النظر مولى عمر بن عبيد الله لا أدري، قال: أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة، وهذا شاكٌّ في الرواية مع علمه أنه قال واحد من الثلاثة. وكونه أربعين خريفا أقرب لمعنى المبالغة المقصودة من الحديث، كما يدلُّ عليه حديث ابن عباس: "لوقف إلى الحشر"، وحديث أبي هريرة: "كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا".
ما جاء في دفع المارِّ بين يدي المصلِّي
قوله: «عن أبي سعيد الخدري» الحديث رواه أيضا الجماعة إلا الترمذي وابن ماجة، ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال: سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، وأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه؛ فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان".
قوله: «فلا يدع» أي فلا يترك أحدا من الناس يَمرُّ بين يديه.
قوله: «وليدرأه» أي يدفعه ما استطاع دفعه. قال القرطبي: أي بالإشارة ولطيف المنع.
وقوله: «فإن أبى» أي امتنع. (1/440)
صفحة 441
وقوله: «فليقاتله» أي يزيد في دفعه، الثاني أشدُّ من الأوَّل. قال القاضي عياض والقرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزم أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والإشتغال بها. وأطلق جماعة من الشافعية أنَّ له أن يقاتله حقيقة، واستعبد ذلك ابن العربي، وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة. وقد روى الإسماعيلي بلفظ: "فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه"، وهو <1/359> صريح في الدفع باليد وكذلك فعل أبو سعيد بالغلام الذي أراد أن يجتاز بين يديه. قال القاضي عياض: "فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قَوَد عليه باتِّفاق العلماء". قال: وهل تجب ديَّة أم يكون هدرا؟ مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، وحكى القاضي عياض وابن بطال الإجماع على أنَّه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا للعمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشدّ في الصلاة من المرور.
قوله: «فإنما هو شيطان» أي من شياطين الإنس، فهو على حدِّ قوله تعالى: {شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ} [سورة الأنعام: 112] وسبب إطلاقه عليه أنه فَعَل فِعل الشيطان. وقيل معناه: إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطانُ. وقيل المراد بالشيطان: القرين، لحديث ابن عمر عند أحمد ومسلم وابن ماجة، ولفظه: "فإنَّ معه القرين"، والمراد بالقرين الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وهو المعنى بقوله تعالى: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} [سورة ق: 27]، واستنبط بعضهم من قوله: «فإنما هو شيطان» أنَّ المراد بالمقاتلة المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال؛ لأن مقاتلة الشيطان إنَّما هي بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها. والحكمة في المقاتلة دفع الخلل المخُوف وقوعه في صلاة المصلي. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّ المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته. وروى أبو نعيم عن عمر: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلاَّ إلى شيء يستره من الناس". (1/441)
صفحة 442
ما جاء أنَّ صلاة النافلة لا يقطعها النائم بين يدي المصلي
قوله: «عن عائشة» الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي، ولفظه عندهم: عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت" وهذه زيادة لم يروها المصنِّف رضوان الله عليه، وكذا قوله: "من الليل" وقوله: "اعتراض الجنازة" ليست في رواية المصنِّف، وعنده رحمة الله <1/360> عليه ثلاث زيادات ليست في حديثهم، إحداها قوله: "ورجلاي في قبلته". والثانية قوله: "فإذا سجد غمزني، فإذا قام بسطتهما". والثالثة قوله: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" وباقي ألفاظ الحديث متقاربة في المعنى. والحديث يدلُّ على جواز صلاة التطوُّع إلى النائم من غير كراهة، وقد كرهه مجاهد وطاوس ومالك خشية ما يبدو من النائم مِمَّا يُلهي المصلي عن صلاته، واستدلُّوا بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة بلفظ: "لا تصلُّوا خلف النائم والمتحدِّث"، وقد قال أبو داود طرقه كلُّها واهية. وقال النووي: هو ضعيف باتِّفاق الحفاظ.
قوله: «ورجلاي في قبلته» وذلك في صلاة الليل كما تقدَّم وقد يجوز في التطوُّع ما لا يجوز في الفرض.
قوله: «فإذا سجد غمزني»} أي بيده لتكفَّ رجليها عن موضع سجوده، وهذا يدلُّ على أنها كانت بينه وبين سجوده.
قوله: «مصابيح}» جمع مصباح، وهو السراج، تعني: أنَّ سبب ذلك الظلمة الحاصلة في البيوت بعدم المصابيح، وأنه {صلى الله عليه وسلم} دخل في الصلاة وهو لا يرى أنها بين يديه، ولو كان مصباح لاختيار الأكمل.
ما جاء في النهي أنَّ يستقبل حيوانا في صلاته (1/442)
صفحة 443
قوله: «وقد ورد النهي في رواية أخرى}» أي عن {النبيء صلى الله عليه وسلم،} وهذه الرواية مرسلة؛ لأنه رضي الله عنه لم يذكر راويها من الصحابة، ولم أجد لها ذكرا في شيء من كتب الحديث؛ فالظاهر أنَّ المصنِّف قد تفردتفرَّد بها، وإنَّما ساقها بعد حديث عائشة، إشارة إلى التعارض الواقع بينهما؛ فيحتاج إلى الجمع أو الترجيح؛ والجمع ممكن بأن يُحمل حديث عائشة على النفل، وهذا على الفرض؛ أو يحمل الأوَّل على عدم القصد، والثاني على القصد والتعمُّد، وقد يُغتفر مع عدم العمد ما لا يُغتفر عند العمد، والله أعلم. <1/361>
ما جاء في المرور قدَّام بعض الصفِّ
قوله: «عن ابن عباس}» الحديث رواه أيضا الجماعة، ولفظه عندهم: عن ابن عباس قال: "أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ ناهزت الإاحتلام، {ورسول الله صلى الله عليه وسلم} يصلِّي بالناس بِمِنى إلى غير جدار؛ فمررت بين يدي بعض الصفِّ، فنزلتُ وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصفِّ فلم ينكر ذلك عليَّ أحد"، والأتَان (بهمزة مفتوحة وتاء مثناة من فوق): الأنثى من الحمير، ولا يقال: أتانة، والحمار يطلق على الذكر والأنثى كالفرس.
قوله: «ذات يوم}» وذلك في حجَّة الوداع، وهي في السنة العاشرة من الهجرة.
قوله: «على حمار}» أي أنثى، كما صرَّحت به رواية الجماعة بلفظ: "الأتان".
قوله: «بِمنى»} فيه لغتان الصرف والمنع، ولهذا يُكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، وسُمِّيت بها لِما يُمنى بها من الدماء، أي يُراق ويُصبُّ.
قوله: «فمررت}» أي راكبا.
قوله: «بين يدي بعض الصفِّ}» يعني الصف الأوَّل كما في البخاري.
قوله: «فنزلت»} أي عن حماري.
قوله: «فأرسلت»} أي أطلقت، وفي رواية الجماعة بالواو مكان الفاء. (1/443)
صفحة 444
قوله: «يَرتَع»} (بِمثنَّاة تحتيَّة، فَرَاء مهملة، فمثناة فوقية، فعين مهملة) أي يأكل الحشيش ويتوسَّع في المرعى؛ وإنما ذكره باعتبار لفظه، وفي رواية الجماعة "تَرتع (بالمثناة الفوقية) في حديثهم "الأتان" مكان "الحمار"، وفي بعض نسخ المسند "يربع" (بموحدة بعد الراء) ومعناه كالأوَّل، يقال: رَبَعت الإبل إذا رَتَعت في المرعى.
قوله: «فدخلتُ في الصفِّ}» يعني فصليت معهم.
قوله: «فلم ينكر عليَّى أحد}» من {النبيء صلى الله عليه وسلم} وأصحابه، لا في الصلاة ولا بعدها، والغرض منه أنَّ مرور الحمار بين يديه لا يقطع. قال ابن دقيق العيد: استدلَّ ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم يستدلّ بترك إعادتهم الصلاة؛ لأنَّ ترك الإنكار <1/362> أكثر فائدة، واستدلَّ بالحديث على أنَّ الصلاة لا يقطعها شيء، وقالوا: إأنَّه ناسخ للأحاديث المقتضية للقطع لكون هذه القصَّة في حجَّة الوداع، وقد ورد ما يؤيِّده من حديث الفضل ابن عباس عند أحمد والنسائي. وقيل: أإنَّ أحاديث القطع خاصة بالإمام والمنفرد؛ فأمَّا المأموم فلا يضرُّه من يَمرُّ بين يديه لحديث ابن عباس هذا؛ لكن اختلفوا هل سُترَة المأمومين سُترة إمامهم؟ أو سترتُهم الإمام بنفسه؟ {وهو المذهب} عندنا، وعلى هذا فلا يتمُّ استدلالهم بالحديث على عدم القطع، والخلاف موجود في المذهب والله أعلم.
الباب الثاني والأربعون في السهو في الصلاة (1/444)
صفحة 445
قوله: «في السهو في الصلاة}» المراد بيان سببه وحكمه، وهو هنا ضدَّ العمد، فيشمل الخطأ والنسيان، وهو لغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره. وقضيته أنَّ السهو والنسيان متراد فإان، والسهو في الصلاة غير السهو عنها؛ فإنَّ السهو عنها التغافل عن أدائها، وصاحبها منافق، لقوله تعالى: {( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [سورة الماعون: 4-5]،فويل للمصلين الذين لهم عن صلاتهم ساهون) والسهو في الصلاة هو الخطأ في شيء من أركانها، أو نسيانه حال الأداء، وهذا يقع للمؤمنين بل لخواصِّهم، بل للأنبياء كما وقع ذلك لسيِّد الأوَّلين والآخرين عليه صلُّوات الله وسلامه، ومن رحمة الله علينا أنَّ شرَع لنا عند ذلك سجدتين نسجدهما بعد تمام الصلاة. قال المحشي: وأجمع أصحابنا على أنَّهما من تمام الصلاة، واختلفوا هل هما بدل من سهوه أو استغفار منه؟ قال: وينبني على الخلاف في ذلك الخلاف في ما يقال فيهما وفي السلام بعدهما، وفي تكرُّرهما بتكرُّر السهو في الصلاة؛ فمن قال: أإنَّهما بدل من سهوه في الصلاة، قال: يقول فيهما "سبحان ربي الأعلى" ثلاثا في كلِّ مرَّة كما يسبِّح في الصلاة، ويسلِّم منهما كما يسلِّم من الصلاة، ويكرِّرهما بتكرُّر السهو في الصلاة، لقوله عليه السلام: "لكلِّ سهو سجدتان بعد التسليم"، ومن قال: أإنَّهما استغفار من سهوه، قال يقول: "اأستغفرك اللهم مِمَّا كان منِّي" ثلاثا في <1/363> كلِّ سجدة؛ فإذا فرغ منهما قال: "صلى الله على نبيئنا محمد وآله وسلم" ولا يكرِّرها بتكرُّر السهو. قال في الإيضاح: كما كان يستغفر لأفعال كثيرة بمرَّة واحدة. { (1/445)
صفحة 446
قلت}: والمختار عندي أنَّهما جَبر للخلل الواقع، وأنَّهما لا يتكرَّران بتكرُّر السهو؛ فهو قول ثالث، ولا يلزمنا من القول بأنَّهما جبر القول بتكرُّرهما لأنَّ الشيء الواحد قد يكون جبرا لأشياء متعدِّدة بفضل الله ورحمته؛ ثُمَّ أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجديتين" يدلُّ على أنَّ السجود لا يتكرَّر بتكرُّر السهو، لأنَّه لو لم تكن السجدتان كافيتين لذلك مع تكرار السهو لبيَّنه عليه الصلاة والسلام، والحال أنَّه عالم بأنَّ تكرُّر السهو ممكن وواقع والله أعلم.
ما جاء في من التبس عليه أمر صلاته
قوله: «قال بلغني}» الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة.
قوله: «إذا قام»} أي شرع، وقال ابن حجر: ذكر القيام للغالب.
قوله: «جاءه الشيطان}» (أل) فيه يُحتمل أنَّها للجنس، ويحتمل أنَّها للعبهد الذهني وهو إبليس أو الشيطان المسلَّط على المصلِّين من مردته وأعوانه.
قوله: «فلبَّس}» (بفتح الباء مخفَّفا، ويشدَّد) أي خلط عليه وشوَّش خاطره، يقال: لبَست الأمر (بالفتح) إذا خلطت بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى: {( ولَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَوللبسنا عليهم ما يلبسون)} [سورة الأنعام: 9].
ققوله: «حتَّى لا يدري}» أي لا ينفكُّ عنه ولا يفارقه حتَّى يتركه لا يدري كم صلَّى ركعة أو ركعتين أو أكثر.
قوله: «فليسجد}» أي وجوبا عندنا وعن جمهور قومنا، وندبا عند الشافعي.
قوله: «سجدتين}» أي ينويهما عن السهم الواقع، وفيه دلالة على أنَّه لا زيادة عليهما، وأنَّإن سها بأمور متعدِّدة.
قوله: «وهو جالس}» قيل: بعد السلام وهو مشهور المذهب وعليه الحنفية، وقيل: قبله وهو مذهب الشافعي، وقيل: أنَّ إن سها فنقص سجد قبل التسليم، وأنَّإن سها بزيادة سجد بعده وكأنَّه مذهب <1/364> مالك، والأقوال في المذهب أيضا. (1/446)
صفحة 447
قوله: «ذلك إذا كان الرجل خلف إمامه}» هذا تخصيص للحديث، والمخصِّص شيآئان، أحدهما: ظاهر الحال، فإنَّه صلى الله عليه وسلم قد وجَّه الخطاب إليهم، والحال يصلُّون وراءه جماعة، فنشاهد الحال يدلُّ على أنَّ المراد الساهي خلف إمامه. والثاني: أنَّ المصلي خلف إمامه يلزمه الإاقتداء به، فهو يأتَمُّ به قائما وقاعدا، فعدم درايته كم صلَّى لا يضرُّه لأنَّه مقلِّد لإمامه وينجَبِر سهوه بالسجود؛ أمَّا المنفرد أو الإمام فإنَّ جهلهم بعدد ما صلُّوا قادح في فعلهم لأنَّ الفرض عليهم ركعات معدودة، وهم لم يدروا كم صلُّوا، فلم يَخرجوا من عهدة الأمر، ولهذا قال أبو عبيدة رحمة الله عليه: إذا كان وحده فليعد صلاته. وقال في القواعد: يتمُّ صلاته ويعيد. وقيل: يبني على اليقين لأنَّ الله عزَّ جلَّ لا يُعبد بالشكِّ، ومعناه أنَّه يطرح ما شكَّ فيه ويعوِّل على ما تيقَّن، فلو شكَّ في الثالثة زاد اثنتين بناء على الركعتين اللتين تيقَّنهما وهذا في الرباعيات، ومثله في باقي الصلُّوات. وقيل: لا يشتغل بالشكِّ إذا كان عنده أنَّه قد صلَّى، واستدلَّ هذا القائل بحديث ذي اليدين؛ فقال: ألا ترى أنَّ {النبيء صلى الله عليه وسلم} لم يكن متيقِّنا لأنَّه لو انصرف عن يقين لم يصدِّقهم، وهذا القول إنَّما يُتصوَّر عند حصول الظنِّ الراجح، والنزاع عند عدمه حيث لم يدر المصلِّي كم صلَّى والله أعلم.
ما جاء في أنَّ الشيطان يَخطر بين المرء ونفسه
قوله: «عن أبي هريرة}» الحديث رواه أيضا البخاري ومسلم. وروى مسلم عن جابر قال: سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: "أإنَّ الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتَّى يكون مكان الروحاء" قال الراوي: والروحاء من المدينة على ستَّة وثلاثين ميلا.
قوله: «إذا نُودِي للصلاة}» أي بالتأذدين.
قوله: «أدبر الشيطان} » أي هرب عن موضع الأذان. (1/447)
صفحة 448
قوله: «له <1/365> صوت»} وفي رواية الشيخين: "له ضُرَاط" وهذا لِثِقَل الأذان عليه، كما يحدث للحمار إذا أثقله الحمل. قال الطيبي شبَّه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي لا يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره؛ ثُمَّ سماه ضُراطا تقبيحا له. وقيل: وهو الظاهر أنَّه محمول على الحقيقة، لأنَّ الشياطين يأكلون ويشربون كما ورد في الأخبار؛ فلا يمتنع وجود ذلك منهم خوفا من ذكر الله.
قوله: «حتَّى لا يسمع التأذين}» تعليل لإدباره، أي يدبر لئلاَّ يسمعه، ويحتمل الغاية، والتقدير: يُدبِر إلى حيث لا يسمع التأذين.
قوله: «فإذا مضى النداء}» أي تَمَّ الأذان، وفي رواية الشيخين: "فإذا قضي النداء" أي فرغ المؤذن منه.
قوله: «ثُوِّب}» (بضمِّ المثلَّثة، وتشديد الواو المكسورة) وهو الإعلام للغير، والمراد به هنا الإقامة، وهو قول الجمهور، قال ابن حجر: وبه جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابي والبيهقي وغيرهم. قال القرطبي: "ثُوِّب بالصلاة" أي أقيمت، وأصله رجع إلى ما يشبه الأذان، وكلُّ من ردَّ صوتا فهو مثوب، ويدلُّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: "فإذا سمع الإقامة ذهب"، وزعم بعض الكوفيين أنَّ المراد بالتثويب قول المؤذِّن بين الأذان والإقامة: "حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة"، وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف، وزعم أنَّه تفردتفرَّد به. (1/448)
صفحة 449
قوله: «حتَّى يَخطُِر»} (بفتح الياء وكسر الطاء وتُضمُّ) و"حتَّى" تعليلَّية، والمراد «بنفسه» قلبه، والمعنى أنه يَحول ويحجز بين المرء وقلبه بوسوسته، فلا يتمكَّن من الحضور في الصلاة، قال في الأساس: خَطِر الرجل بِرُمْجحةه إذا مشى بين الصفَّين، وهو يخطِر في مشيته يهتزُّ. قال الأبهري: يخطُِر (بضمِّ الطاء وكسرها). قال النووي: معنى (الكسر) يوسوس، مِن خَطِر البعير بذنبه: إذا حرَّكه فضرب به فخِذَه، و(بالضمِّ) يدنو منه. وقال عياض: و(الكسر) هو الوجه، ولا ينافي إسناد الحيلولة إليه إسنادها إليه تعالى في قوله عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِواعلموا أنَّ الله يحول بين المرء وقلبه} [سورة الأنفال: 24] لأنَّ هذا الإسناد حقيقة، والأوَّل مجاز؛ لأنَّه أُطلق عليه باعتبار أنَّ الله تعالى مكَّنه منها حتَّى تَمَّ ابتلاء العبد به، وأيضا الأوَّل <1/366> أضيف إلى الشيطان فإنَّه مقام شرٍّ، ولذا عبَّر عن قلبه بنفسه، والثاني مقام الإطلاق كما يقال: الله خالق كلِّ شيء، وهذا معنى قوله {صلى الله عليه وسلم}: "الخير بيدك، والشرُّ ليس إليك"، مع اعتقاد أنَّ الأمر كلَّه لله، ولكلٌّ من عند الله، يعني: فهو نظير قوله تعالى: {مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [سورة النساء: 79] هذا معنى كلامه.
قوله: «فيقول له...» الخ} تفسير لمعنى الخطور.
قوله: «أاذكر كذا، اذكر كذا}» كناية عن أشياء غير متعلِّقة بالصلاة من ذِكر مال وحساب وبيع وشراء.
قوله: «حتَّى يصلِّي الرجل ولا يدري كم صلى»} يعني حتَّى يوقعه في الشكِّ في صلاته. ورواية الشيخين: "حتَّى يظلَّ لا يدري كم صلى" أي : حتَّى يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلَّى.
ما جاء في التسليم من ركعتين سهوا (1/449)
صفحة 450
قوله: «أأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم...}» الحديث مرسل عند المصنِّف، وقد رواه الجماعة من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة في قصَّة طويلة قال أبو هريرة: "صلَّى بنا {رسول الله صلى الله عليه وسلم} إحدى صلاتي العشاء ـ قال ابن سيرين: قد سَمَّاها أبو هريرة ولكن نسيت أنا، قال: ـ وصلَّى بنا ركعتين، ثُمَّ سلَّم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد اتَّكأ عليها كأنَّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبَّك بين أصابعه، ووضع خدَّه الأيمن على ظهر كفِّه اليسرى، وخرجت سرعان القوم من أبواب المسجد، وقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهاباه أنَّ يكلِّماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين، قال: {يا رسول الله،}
أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس ولم أتقصر" فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟" فقالوا: نعم، فتقدَّم فصلى ما ترك، ثُمَّ كبر وسجد مثل سجوده أو أطول؛ ثُمَّ رفع رأسه وكبَّر، ثُمَّ كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثُمَّ رفع رأسه وكبَّر فربَّما <1/367> سألوه، ثُمَّ سلَّم؛ فيقول: نُبِّئت أنَّ عمران بن حصين قال: ثُمَّ سلَّم اهـ، ولفظه للبخاري، وليس في رواية مسلم: وضع اليد على اليد ولا التشبيك. وقوله: "فربَّما سألوه" أي: سألوا ابن سيرين بقولهم: "ثُمَّ سلَّم" فيجيبهم بقوله: "نبئت..." إلى آخره، والمراد بقوله: "إحدى صلاتي العشاء أإمَّا الظهر أو العصر" وقد جزم سلمة في رواية بالظهر، وفي أخرى بالعصر، وفي رواية أخرى: "صلَّى بنا {رسول الله صلى الله عليه وسلم} الظهر أو العصر" وطرق حديث ذي اليدين كثيرة جدا؛ حتَّى قال ابن عبد البر: ليس في أخبار الآحاد أكثر منه طرقا إلاَّ قليلا، وقال غيره: فهو من قسم المستفيض المسمَّى بالمشهور.
قوله: «سلَّم من اثنتين}» أي بعد ركعتين ساهيا، يظنُّ أنَّها قد تَمَّت. (1/450)
صفحة 451
قوله: «فقيل: {يا رسول الله»} قائل ذلك هو ذو اليدين، قيل اسمه: خرباق السلمي الحجازي. وقال الطيبي: خرباق لقب له، واسمه عمير، ويكنَّى أبا محمَّد. وقال ابن الأثير في جامع الأصول: ذو اليدين رجل من بني سليم، يقال له: الخرباق، صحابي حجازي شهد {النبيء صلى الله عليه وسلم،} وقد سها في صلاته. وقيل له أيضا: ذو الشمالين في ما رواه مالك بن أنس عن الزهري. قال ابن عبد البر: ذو اليدين غير الشمالين، وأنَّ ذا اليدين هو الذي جاء ذكره في سجود السهو، وأنه الخرباق؛ وأما ذو الشمالين فإنَّه عمير بن عبد عمر. وقال ابن إسحاق: هو خزاعي قدم مكَّة أبوه شهد بدرا وقُتل بها. قال: وذو اليدين عاش حتَّى روى عنه المتأخرون من التابعين، وحديث سجود السهو قد شهده أبو هريرة ورواه، ووأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد بدر بأعوام؛ فبهذا تبيّيِن لك أنَّ ذا اليدين غير اليدين غير ذي الشمالين. وكان الزهري مع علمه بالمغازي يقول: أإنَّ ذا اليدين هو ذو الشمالين المقتول ببدر، وأنَّ قصة السهو كانت قبل بدر، ثُمَّ أحكمت الأمور. قال: وذلك وَهْم منه. وقال النووي: قد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابا يوجب ردّ الحديث من روايته خاصَّة، وأهل الحديث تركوه لاضطرابه، وأنه لم يتمّ له أإسنادا ولا متنا، قال: وكلُّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ النبيء صلى <1/368> الله عليه وسلم.
قوله: «أَققَُصصِرَت الصلاة}؟» (بضمِّ القاف وكسر الصاد) على البناء للمفعول، والمعنى: أقَصَرها الله؟ ويجوز فتح القاف والصاد وسكون الراء وفتح التاء، للخطاب، وهو يتعدَّى بنفسه كما ورد به القرآن العزيز، ويجوز فتح القاف وضمُّ الصاد، أي: أصاارت قصيرة؟ قال النووي: وهذا أرجح وأكثر.
قوله: «فقام}» أي بعد التخاطب الكائن بينهم في أمر السهو المتقدَِّم ذكره في حديث الجماعة. (1/451)
صفحة 452
قوله: «فأتم ما بقي}» يعني أنَّه بَنَيى على صلاته ولم ينقضها بالواقع؛ لأنَّه كان سهوا. وذكر في الإيضاح في نواقض الصلاة أنَّ بعضهم استدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الكلام في الصلاة بالسهو والنسيان لا يفسدها. قال المحشِّي: يعني أنَّهم إنَّما تكلَّموا لظنِّهم أنَّ الصلاة قد قصرت، والنبيء صلى الله عليه وسلم إنَّما تكلَّم ظانًّا أنَّها قد تَمَّت. وقيل: أإنَّها تنتقض بذلك وصحَّحه في الإيضاح، قال: وهو قول أصحابنا لأن الكلام في الصلاة منسوخ. وحاصله أنَّ الحديث عندهم محمول على الحال الذي كان قبل نسخ الكلام، كما صرَّح به غير واحد منهم، وهو الذي يقتضيه كلام الزهري. وكون أبي هريرة قد شهد القصَّة لا ينافيه، وأإنَّ كان إسلامه عام خيبر لاحتمال أنَّ يكون نسخ الكلام بعد ذلك والله أعلم.
قوله: «بعد السلام}» هذا هو الحجَّة لمشهور المذهب أنَّ سجود السهو بعد التسليم.
ما جاء في ما إذا حضر العِشَاء والعَشَاء
قوله: «إذا أُقِيمت الصلاة}» معنى الحديث رواه الشيخان وأحمد من حديث أنس وابن عمر وعائشة، وهو عند المصنِّف رحمة الله عليه من حديث ابن عباس، وللبخاري وأبي داود: وكان ابن عمر يُوضع له الطعام وتُقام الصلاة، فلا يأتيها حتَّى يفرغ، وأنَّه يسمع قراءة الإمام.
قوله: «وحضر العَشَاء}» (بالمدِّ) هو طعام العشي. وخصَّه بالذكر لأنَّه هو الذي يكون في <1/369> وقت الصلاة غالبا، والعلَّة تقتضي حمل سائر الطعام على العشاء إذا حضر عند إقامة الصلاة. (1/452)
صفحة 453
قوله: «فابدءؤوا بالعَشَاء»} أي بأكله. قال ابن حجر: حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثُمَّ اختلفوا؛ فمنهم من قيَّده بمن كان محتاجا إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي ما إذا خَشِي فساد المأكول. ومنهم من لم يقيِّده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدلُّ فعل ابن عمر. وأفرط ابن حزم فقال: تبطل الصلاة. {ومنهم} من اختار البدءأ بالصلاة إلاَّ أنَّ إن كان الطعام خفيفا، نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل، قالوا: يبدأ بالصلاة أنَّ إن لم يكن متعلَّق النفس بالأكل، أو كان متعلِّقا به لكن لا يعجِّله عن صلاته؛ فإن كان يعجِّله بدأ بالطعام، واستحب له الإعادة. {وقال النووي: في هذه الأحاديث} كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لِما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلحق به ما في معناه مِمَّا يشتغل القلب، واستدلَّ به القرطبي على أنَّ شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأنَّ ظاهره أنَّه يشتغل بالأكل، وأنَّإن فاتته الصلاة في الجماعة. {ورُدَّ} بأنَّ بعض من ذهب إلى الوجوب جعل حضور الطعام عذرا في ترك الجماعة؛ فلا دليل بفيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقا. {وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع} في الصلاة على فضيلة أوَّل الوقت. وقال ابن الجوزي: ظنَّ قوم أنَّ هذا من باب تقديم حقِّ العبد على حقِّ الله، وليس كذلك؛ وإنَّما هو صيانة لحقِّ الله ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة؛ ثُمَّ أنَّ طعام القوم كان شيئا يسيرا لا يقطع عن إلحاق الجماعة غالبا.
قوله: «لئلا تدعو} » تعليل للحكم المذكور في تقديم العَشَاء. والمعنى إابدؤءوا بالعَشَاء لئلاَّ تعجلو في أداء الصلاة.
{وقوله: «فيقصر منها»} أي ينقص من خشوعها وآآدائبها فيؤديها مستعجلا. وهذا التعليل يقضي بأنَّ الحكم خاصٌّ بمن يخشى ذلك أنَّ إن أخَّر العشاء، كالصائم يحضره الفطور والصلاة معا، وبه جزم أبو إسحاق في خصاله رحمة الله عليه. (1/453)
صفحة 454
ما جاء في تقدير الرُّقاد على الصلاة عند النعاس <1/370>
قوله: «عن عائشة}» الحديث رواه أيضا الجماعة إلا النسائي، ورواه مالك في الموطأ.
قوله: «نَعَسَ»} كمَنَع، أي: غشيه النعاس، وهو أوَّل النوم.
قوله: «في الصلاة»} قال المحشي: لعلَّ المراد بها النفل. وقال المناوي: فرضا أو نفلا.
قوله: «فليرقد»} وجوبا أنَّ إن كان لا يعقل ما يقول، وندبا أنَّ إن عقل؛ لكن يشغله النعاس عن الكلام، ومصداقه في القرآن العزيز قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىا حَتَّىا تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَلا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتَّى تعلموا ما تقولون} [سورة النساء: 43].
قوله: «حتَّى يذهب عنه النوم}» أي إلىلي أنَّ يزول عنه ثُمَّ يقوم يصلي، فإن خاف أنَّ لا ينتبه وكَّل به من يوقظه، كما فعل رسول الله صلى عليه وسلم في الصلاة التي ناموا عنها في رجوعهم من غزوة تبوك؛ فإنه وكَّل بلالا أنَّ يوقظهم، فنام حتَّى انتبهوا بعد الطلوع. فإن أخذ هذا النائم النوم، والحال أنَّه لم يقصِّر صلَّى حين انتبه، وليس هذا هو المراد من كلام الإيضاح في قوله: من نام متعمِّدا في أوَّل وقت الصلاة ولم ينتبه إلاَّ بعد خروج الوقت، فإنه هالك في قول بعضهم، ومنزلته منزلة العامد لأنَّه مضيِّع؛ وإنَّما المراد بهذا المضيِّع الذي نام متعمِّدا عن من غير سبب، كما سَمَّاه مضيعيِّعا.
قوله: «فإنَّ أحدكم}» تعليل للحكم، وجعل ابن أبي جمرة علَّة النهي خشية أنَّ يوافق ساعة إجابة.
وقوله: «يذهب» أي يقصد.
وقوله: «يستغفر» أي يقصد أنَّ يقول: "ربِّي اغفر لي".
{ (1/454)
صفحة 455
وقوله: «فيسبَّ نفسه»} أي فيدعو عليها، وذلك كأن يقول: ربِّ اغعفر لي ( بعين مهملة)، مكان قوله: اغفر لي، والعفرو (بالمهملة): التراب، فالمراد بالسبِّ قلب الدعاء لا الشتم. وقد د استدلَّ المحشِّي بهذا على أنَّ المراد النافلة، لأنَّ الإاستغفار إنَّما يكون في النافلة أو قبل التسليم من الفريضة. {قلت:ت} يمكن أنَّ يراد بالإاستغفار مطلق الذكر على سبيل المجاز؛ فإنَّ مطلق الذكر موجب للغفران، فهو من إطلاق السبب على مسبِّبه، ونظيره قول نوح عليه السلام لقومه: و{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمُ} [سورة نوح: 10]واستغفروا ربكم وكان القوم مشركين؛ فالمراد بالإاستغفار في حقِّهم الدخول في الإسلام الموجب للغفران والله أعلم. <1/371>
الباب الثالث والأربعون في القران في الصلاة (1/455)
صفحة 456
والقِرَان (بكسر القاف) مصدر قَرَن بين الشيئين: إذا جمع بينهما، يقال: قرن بين الحجِّ والعمرة، قرانا: إذا جمع بينهما في إهلال واحد، وكذلك الصلاة، وهو مصدر على غير قياس. والقران في الصلاة بمعنى الجمع، يكون بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. { وقد اتَّفق الناس} على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة، واختلفوا في غيرهما؛ فأجازه الجمهور من الناس، ومنعه أبو حنيفة ونسب إلى الحسن والنخعي. وقال الليث: يختصُّ بمن يَجدُّ في السير، وهو القول المشهور عند مالك. وقيل: يختصُّ بالسائر دون النازل، وهو قول ابن حبيب من المالكية. وقيل: يختصُّ بمن له عذر حكي ذلك عن الأوزاعي. وقيل: يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو مروي عن مالك وأحمد . {والمذهب عندنا}: جواز الجمع مطلقا عند وجود سببه تقديما وتأخيرا، سائرا ونازلا؛ إلاَّ أنَّه يختلف الحال في الأفضل من الجمع والإفراد، قال في الإيضاح: فمن جمع الصلاة ويريد بذلك إحياء السنَّة فله فضله، ومن جمع لعجز وراحة؛ فالإفراد أفضل. قال المحشي: وانظر هل يجوز للمسافر إذا كان مقيما في البلد أنَّ يجمع بين الصلاتين؟ ظاهر إطلاقهم الجمع للمسافر يقتضي الجواز، وظاهر التعليل يقتضي المنع، والسبب الذي يجوز معه الجمع أحد أشياء منها: السفر، والمرض المدنف، واختفاء الوقت بالسحاب، والوقوف بعرفة، والمبيت بجمع بعد الإفاضة والإاستحاضة، واسترسال البطن، وخوف الفوت في النفس أو المال ونحو ذلك والله أعلم.
ما جاء في الجمع الصوري (1/456)
صفحة 457
قوله: «عن ابن عباس»} الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم ولفظه عندهم: عن ابن عباس رضي الله عنه أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم صلَّى بالمدينة سبعا وثثُمَّانيا، الظهر والعصر <1/372> والمغرب والعشاء، وفي لفظ للجماعة إلا البخاري وابن ماجة: "جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر". قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: "أراد أنَّ لا يُحرج أمَّته"، وزاد الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، قلت: يا أبا الشعثاء، أظنُّه أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء، قال: وأنا أظنُّه.
قوله: «صلَّى الظهر والعصر جميعا}» أي في وقت واحد، وكذلك المغرب والعشاء صلاهما جميعا في وقت واحد من غير عذر. وقد اختلف الناس في معنى هذا الجمع، فذهب قوم إلى الأخذ بظاهر الحديث، ؛ فجوَّزوا الجمع في الحضر للحاجة، لكن بشرط أنَّ لا يتَّخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفَّال الكبير. وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن جابر بن زيد أنَّ ابن عباس صلَّى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شُغل؛ واستدلَّ في الإيضاح بهذا الحديث لمن قال من أصحابنا بالإاشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، وكذلك بين المغرب والعشاء، وهو قول أبي الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله تعالى. {وقال آخرون: } أإنَّ الجمع المذكور صوري، يعني: جمعا في الصورة دون الحكم، وذلك أنَّ يكون أخَّر الظهر إلى آخر وقتها، وعجَّل العصر في أوَّل وقتها، وهذا القول استحسنه القرطبي ورجَّحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من قدماء القوم ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيِّد الناس بأنَّ أبا الشعثاء وهو راوي الحديث قد قال به؛ ثُمَّ ذكر رواية الشيخين من طريق ابن عيينة، قال: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. (1/457)
صفحة 458
قوله: «في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر»} وقد جاء عند غير المصنِّف بلفظ: "من غير خوف ولا سفر"، وبلفظ: "من غير خوف ولا مطر". قال ابن حجر: واعلم أنَّه لم يقع مجموعا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور: من غير خوف ولا سفر. {قلت}: لكن وقع عند الربيع بذكر أربعة: وهي الخوف والسفر والسحاب والمطر، وحديثه أصحُّ الأحاديث وأعلاها سندا، وفي ذكر الأربعة إشارة إلى أنَّ <1/373> كلَّ واحد منها عذر يباح معه الجمع والله أعلم.
ما جاء في الجمع للمسافر المقيم ببلد
قوله: «عن معاذ بن جبل}» رواه أيضا النسائي، ولأحمد وأبي داود والترمذي معناه، وكذلك عند ابن حبان والحاكم والدار قطني والبيهقي.
قوله: «عام تَبُوك}» وهي الغزوة العسرة، وتعرف بالفضَّاحة لافتضاح المنافقين فيها، وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وكان حرًّا شديدا وجدبا كثيرا، وتبوك مكان معروف وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق.
قوله: «فكان يجمع...» الخ،} يفيد أنَّه صلَّى الله عليه وسلم قد استمرَّ على الجمع في هذه الغزوة دون غيرها، وذلك إما لبيان الجواز، أو للمشقة الحاصلة فيها ما لم تكن في غيرها؛ ولهذا سميت غزوة العسرة وساعة العسرة.
{وقوله: «فأخَّر الصلاة يوما ثُمَّ خرج...» الخ،} يدلُّ على أنَّه كان يجمع في وقت الأولى، وهو ظاهر في رواية أحمد وأبي داود والترمذي عن معاذ: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تَبوك إذا ارتحل قبل أنَّ تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتَّى يجمعها إلى العصر، يصليها جميعا؛ وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثُمَّ سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتَّى يُصلِّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلاها مع المغرب.
ما جاء في الجمع بمزدلفة <1/374> (1/458)
صفحة 459
قوله: «في حجَّة الوداع}» وتسمَّى حجَّة الإسلام وحجَّة التمام وحجَّة البلاغ. وكره ابن عباس أنَّ يقال: حجَّة الوداع كذا قيل، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة.
قوله: «بالمزدلفة»} مكان بين مكَّة وعرفة داخل الحرم، قريب من عرفة، سُمِّيت مزدلفة لاقترابها إلى عرفة؛ لأنَّ الزُّلفَة: القربة. وقيل: لاجتماع الناس بها من أَزلَفْت الشيء: إذا جمعته. والجمع بين المغرب والعشاء للحاجِّ فيها سنَّة إجماعا. وسيأتي أنَّ إن شاء الله تعالى بيان القول في من ترك الجمع فيها في كتاب الحج، والله أعلم.
الباب الرابع والأربعون
الباب الرابع والأربعون في المساجد، وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قوله: «في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم» المساجد: جمع مسجَِد (بكسر الجيم وفتحها) وهو بيت الصلاة، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بناه بالمدينة في السنَّة الأولى من الهجرة وهو مشهور، وحوله قبره الشريف.
ما جاء في فضل المسجدين
قوله: «صلاة أحدكم» الحديث رواه أيضا البخاري ومسلم والنسائي، لكنَّه عندهم من حديث أبي هريرة، وليس في روايتهم لفظة: "أحدكم"، بل رووه: "صلاة في مسجدي هذا"، و المشار إليه مسجد المدينة لا مسجد قباء. (1/459)
صفحة 460
قوله: «خير من الصلاة...» الخ يعني يتضاعف أجرها على صلاة في غيره بألف ضعف، إلاَّ المسجد الحرام الذي بمكَّة شرَّفها الله تعالى، فإنَّ الصلاة <1/375> فيه أفضل من ألف صلاة في مسجد المدينة كذا قيل. وقال الطيبي قيل: الاستثناء يحتمل أن الصلاة في مسجده لا تفضل الصلاة في المسجد الحرام بألف، بل دونها، ويحتمل أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، ويحتمل المساواة أيضا. ورُدَّ بأنَّ الأحاديث الواردة من غير هذا الطريق مبطلة للاحتمالين الأوَّل والثالث، فقد ورد أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" رواه ابن ماجة. وعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة". قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد إلاَّ المتعسِّف؛ فإن أراد المبالغة في زيادة الأجر فعبَّر عنها مرَّة بالألف، ومرَّة بخمسين ألفا فظاهر؛ وإن أراد الحقيقة كما فهمه الجمهور مِن العلماء فيجمع بينهما بالاحتمالات التي تقدَّم ذكرها في فضل الجماعة، وأظهرها في هذا الموضع احتمال أنَّه أُعطي أوَّلا الفضيلة الأولى وهي الصلاة في مسجده بألف، فأخبر عنها؛ ثم زيد بعد ذلك فضلا عظيما فأخبر عنه، ولا زال صلى الله عليه وسلم يترقَّى في الكمال ويزداد من الله قربى. فائدة: قال النووي: ينبغي أن يتحرَّى الصلاة في ما كان مسجدا في حياته عليه السلام لا في ما زيد بعده؛ فإنَّ المضاعفة تختصُّ بالأوَّل، ووافقه السبكي وغيره. (1/460)
صفحة 461
واعترض بأنَّه سلم في مسجد مكَّة أنَّ المضاعفة لا تختصُّ بما كان موجودا في زمنه صلى الله عليه وسلم، وبأنَّ الإشارة في حديث إنَّما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه عليه السلام، وبأنَّه عليه السلام أخبر بما يكون بعده، وزُوِيت له الأرض فعلم ما يحدث بعده، وبأنَّ الراشدين قد استجازوا الزيادة فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم، وبأنَّ في تاريخ المدينة عن عمر رضي الله عنه أنَّه لَمَّا فرغ من الزيادة قال: "لو انتهى إلى الجبانة". وفي رواية: "إلى ذي الحليفة لكان الكلُّ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وبأنَّه روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو زيد في هذا المسجد ما زيد كان الكلُّ مسجدي". وفي رواية: "لو بُنِي هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي". <1/376>
ما جاء أنَّ الأرض كلَّها مسجد (1/461)
صفحة 462
قوله: «عن ابن عباس» الحديث قد تقدَّم شرحه في باب فرض التيمُّم، وإنَّما ساقه ها هنا لأجل قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا» يعني موضعا يجوز فيه السجود، وسيأتي عن ابن عباس عند المصنِّف عن النبيء صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة في المقبرة، ولا في المنحرة، ولا في معاطن الإبل، ولا في قارعة الطريق"، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلُّها مسجد إلاَّ المقبرة والحمام" رواه أبو داود والترمذي والدارمي. وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصلَّى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" رواه الترمذي وابن ماجه؛ فهذه الأحاديث تُخصِّص عموم قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا» فإنَّ هذه المواضع خارجة عن كونها مسجدا؛ ثم إن المراد بالمسجد في هذا الحديث: الموضع الذي يجوز فيه السجود، لا البيت المعروف؛ والباب إنَّما عقد في المساجد التي هي بيوت الصلاة، فما وجه ذكر الحديث فيه؟ قلت: يحتمل وجهين: أحدهما: أنَّه نظر إلى نفس التسمية. والثاني: أن يكون لاحظ فضل الصلاة لهذه الأمَّة في مطلق الأرض، فإنَّها لهم مسجد؛ فالصلاة فيها بالنظر إلى من قبلهم من الأمم كالصلاة في المسجد والله أعلم.
ما جاء أنَّه لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد (1/462)
صفحة 463
قوله: «لا صلاة لجار المسجد» الحديث رواه أيضا ابن حبان عن عائشة مرفوعا، وله طرق أخرى عن جابر وأبي هريرة وعلي، وقد رواه الدارقطني في سننه عن جابر. ورواه عبد الرزاق <1/377> في المصنَّف من قول علي؛ فهذه طرق صالحة للاستشهاد. وقد ثبت من هذا الطريق العالي عند المصنِّف رحمة الله عليه، فلا يضره الاختلاف الوارد في تضعيف رجاله عند قومنا؛ فلو رآه السخاوي بهذا السند لَمَا قال في المقاصد: أسانيده ضعيفة، وليس له إسناد يثبت، قال: وقد صحَّ من قول علي. ولو رآه الفيروزبادي لَما حكم في مختصره بضعفه. ولو رآه الصاغاني لافتضح من حكمه عليه بالوضع. ومعنى الحديث: لا صلاة كاملة الأجر إلاَّ في المسجد، وهو معنى قول الربيع رحمة الله عليه في تفسير الحديث. (1/463)
صفحة 464
قوله: «إلاَّ في المسجد» يحتمل معنيين، أحدهما: الصلاة في الجماعة؛ وإنَّما ذكر المسجد، لأنَّه محلُّ الجماعة غالبا. والثاني: المراد المسجد نفسه ولو لم يكن فيه جماعة. قال المحشِّي: وهو المتبادر من ظاهر اللفظ، لأنَّ الأصل عدم التأويل، قال: وهو المناسب لما ورد من الفضل في الصلاة في المسجد. ويقال: الصلاة في المسجد بأربع وعشرين صلاة، وفي المصلى باثنتي عشر. قال: وعلى هذا يكون من صلى جماعة في المسجد له سبع وعشرون أو خمس وعشرون من جهة الجماعة، وأربع وعشرون من جهة المسجد. قلت: وروى ابن ماجة من حديث أنس مرفوعا: "صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي بجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة"؛ فهذا يدلُّ على أنَّ المسجد نفسه معتبر في تحصيل الفضل. تنبيه: استظهر المحشِّي أنَّ هذا كلَّه بالنظر إلى الفرض وتوابعه، إلاَّ ركعتي الفجر فإن المستحب ركوعهما في البيت، وكذلك الركوع للإمام يوم الجمعة. قال: وأما النفل المطلق فالأفضل صلاته في البيت لأنَّ من مستحبَّاته الإخفاء عن أعين الناس. قال: ولعلَّه إن أمكن ذلك في المسجد أفضل لما ذكروه أن من تطهَّر في بيته، وذهب إلى المسجد ليصلي فيه الفريضة كمن حجَّ الفريضة، ومن ذهب ليصلِّي نافلة كمن حجَّ نافلة، والله أعلم.
قوله: «فقد جازت صلاته باتِّفاق الأمَّة» يعنى أنَّه من صلى في بيته مع القدرة على الصلاة في المسجد، <1/378> فقد صحَّت صلاته باتِّفاق الأمَّة لكن فاته تضعيف الأجر الحاصل في المسجد، وصحَّة صلاته ظاهر على القول بأنَّ الجماعة سنَّة أو فرض على الكفاية. مشكلٌ على القول بأنَّها فرض عين، ويندفع الإشكال بأن تقول: لا يلزم من كونها فرض عين أن تفسد صلاته منفردا، بل غايته أنَّه ارتكب معصية في ترك الجماعة. (1/464)
صفحة 465
ما جاء في فضل المساجد
قوله: «سبعة يظلُّهم الله في ظلِّه، الحديث قد تقدَّم شرحه في باب الولاية» والإمارة؛ وإنَّما ساقه ها هنا لقوله صلى الله عليه وسلم: "ورجل متعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتَّى يعود إليه"، ففي هذا ما يدلُّ على ثبوت فضل المساجد؛ فإنَّ من تعلَّق قلبه بالمسجد كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه، والمراد بظلِّه: ظلُّ عرشه.
ما جاء في تحيَّة المسجد
قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد» الحديث تقدَّم شرحه في باب سبحة الضحى؛ وإنَّما ساقه ها هنا إشارة إلى أنَّ الركعتين من حقوق المسجد.
قوله: «فليركع» أي فليصلِّ، ففيه إطلاق الجزء على الكل.
قوله: «ركعتين» قيل: لا مفهوم لهذا العدد من باب الكثرة باتِّفاق. واختلف في أقلِّه، والصحيح اعتباره؛ فلا تؤدَّى هذه السنَّة بأقلَّ من ركعتين.
قوله: «قبل أن يجلس» قال ابن حجر: صرَّح جماعة بأنَّه إذا خالف وجلس لا يُشرع له التدارك. قال: وفيه نظر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر: أنَّه دخل المسجد فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: "أركعت ركعتين؟" قال: لا، قال: "قم فاركعهما". قال: ترجم عليه ابن حبان أنَّ تحيَّة المسجد لا تفوت بالجلوس، إلى أن قال: وقال المحبُّ الطبري: ويحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس <1/379> وقت فضيلة، وبعده وقت جواز. ويقال: وقتهما قبله أداء، وبعده قضاء. ويحتمل مشروعيتهما بعد الجلوس إذا لم يطل الفصل. اهـ.
ما جاء في خروج النساء إلى المسجد
قوله: «عن عائشة» الحديث رواه أيضا الشيخان وأحمد، وهو من رواية يحي بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: "لو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رآى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها" قلت لعَمرة: أَوَمنعت بنو إسرائيل نساءها؟ قالت: نعم.
قوله: «لو أدرك» أي لو طال عمره صلى الله عليه وسلم حتَّى رآى هذه الأحداث من النساء. (1/465)
صفحة 466
قوله: «ما أحدث النساء» يعني من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج؛ وإنَّما كان النساء يخرجن في المروط والأكسية، والشملات الغلاظ.
قوله: «لمنعهنَّ المسجد» إنَّما قالت ذلك أخذا مِمَّا فهمته من حال النبيء صلى الله عليه وسلم في معنى الرخصة لهنَّ في الحضور، وأنَّه لم يرخِّص لهنَّ على هذا الحال. وعن أبي هريرة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات" رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُّما امرأة أصابت بخورا فلا يشهدن معنا العشاء الآخرة" رواه مسلم وأبو داود والنسائي؛ فمن هذا المعنى أخذت عائشة المنع؛ فقولها في حكم النصِّ وقد تَمسَّك بعضهم في منع النساء من المساجد مطلقا بقول عائشة هذا، وفيه نظر؛ إذ لا يترتَّب على ذلك تغيُّر الحكم؛ لكن يقال: إن وجدت العلَّة من واحدة منهنَّ أو جماعة منعت، وإن ارتفعت العلَّة فالجواز هو الأصل.
قوله: «كما مُنِعت نساء بني إسرائيل» هذا وإن كان موقوفا فحكمه الرفع، لأنَّه لا يقال بالرأي. وقد روى نحوه عبد الرزاق عن ابن <1/380> مسعود بإسناد صحيح. وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة موقوفا، أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، ولفظه: قالت: "كنَّ نساء بني إسرائيل يتَّخذن أرجلا من خشب يتشرَّفن للرجال في المساجد؛ فحرَّم الله تعالى عليهنَّ المساجد، وسُلِّطت عليهنَّ الحيضة". (1/466)
صفحة 467
قوله: «ذلك من أجل ما يعملن من العطر والريح الطيِّبة...» الخ وإنَّما كان هذا مانعا لأجل ما فيه تحريك داعية الشهوة، ويلحق به ما كان في معناه، كحسن الملبس والحلي الذي يظهر أثره، والزينة الفاخرة، والتثنِّي في الحركات، ولين القول ونحو ذلك؛ وعلى كلِّ حال فصلاتها في بيتها أفضل. وقد روى حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر: "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهنَّ خير لهنَّ"، ومثله حديث أم حميد الساعديَّة: أنَّها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، إني أحبُّ الصلاة معك. فقال: "قد علمت، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة"، وفي الإيضاح نحوه، والنساء في هذا بعكس الرجال، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن إنشاد الضالَّة في المساجد، وعن اتِّخاذها طريقا أو سوقا
قوله: «عن ابن عباس» الحديث رواه قومنا متفرِّق المعاني من طرق متعدِّدة ليس فيها شيء من طريق ابن عباس، وأجمعها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحِلَق يوم الجمعة قبل الصلاة" رواه الخمسة وليس للنسائي فيه إنشاد الضالَّة.
قوله: «طُهِّرت» (بالبناء للمفعول) أي نُزِّهت، وهو إخبار في معنى الأمر على <1/381> حدِّ قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [سورة البقرة: 183]، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [سورة البقرة: 216]. (1/467)
صفحة 468
قوله: «من ثلاثة» أي ثلاثة أشياء؛ وإنَّما وجب تطهيرها من هذه الأشياء لأنَّها بُنِيت للصلاة والذكر والعبادة، وهذه الأشياء كلُّها من أمور الدنيا؛ فلا تحلُّ {فيِ بُيُوتٍ اَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, يُسَبِّحُ لَهُ, فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ} [سورة النور: 36].
قوله: «من أن يُنشَد فيها بالضوال» يقال: نشدت الضالة بمعنى طلبتها، وأنشدتها عرَّفتها، والضالة: تطلق على الذكر والأنثى والجمع، ضوالٌّ، كدابَّة ودواب، وهي مختصَّة بالحيوان، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقيط. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع رجلا ينشد في المسجد ضالَّة، فليقل: لا أدَّاها الله إليك، فإنَّ المساجد لم تُبن لهذا". وعن بريدة أنَّ رجلا نَشَد في المسجد فقال: "مَن دعا إلى الجمل الأحمر؟" فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: "لا وجدت، إنَّما بنيت المساجد لما بنيَّت له" رواهما أحمد ومسلم وابن ماجة، وفي هذا الدعاء مناقضة للناشد بنقيض غرضه عقوبة له، وهو من أبلغ الإنكار عليه. قال ابن عباس ولا بأس بإنشاد الضالَّة في أبواب المساجد، يعني: قدَّام المسجد وذلك لأنَّه مَجمع الناس، وحكم خارج المسجد وإن كان مع الباب مُخالف لحكم داخله. (1/468)
صفحة 469
قوله: «أو يتَّخذ فيها طريق» يعني والله أعلم: أنَّ المساجد تُنَزَّه أن تُجعل فيها الطرق إلى البيوت؛ لأنَّها مبنية للعبادة لا للمرور، وأيضا فإنَّ المارَّ قد يكون جنبا أو حائضا، ولا يَحلُّ دخول المسجد لكلِّ واحد منهما. قالت عائشة رضي الله عنها: "ولَمَّا رآى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، قال: "وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد"؛ ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصنع شيئا رجاء أن ينزل لهم رخصة؛ فخرج إليهم بعد ذلك، فقال: "وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنِّي لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب". واستنبط صاحب الإيضاح من معنى النهي المنع أن يدخل الرجل من أحد أبواب المسجد، ويخرج من الآخر إذا كان مارًّا، قال: ومن أراد ذلك فليركع ما رآى فيه، أو يَدْع الله ثم يخرج، <1/382> وذلك لئلاَّ يكون قصده المرور فقط.
قوله: «أو يكون فيها سوق» أي يباع ويُشتري فيه. وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا ربَّح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيها ضالة فقولوا: لا ردَّ الله عليك". وكان عطاء بن يسار إذا مرَّ عليه من يبيع في المسجد، قال: "عليك بسوق الدنيا، فإنَّ هذا سوق الآخرة". ومن البدع الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام، وبيع الكتب وغيرها في المسجد الحرام. قال بعض قومنا وأشنع منه وضع المحفات والقرب والدبش فيه سيما في أيَّام الموسم، ووقت ازدحام الناس، والله وليُّ أمر دينه، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ به. وجوَّز علماء الحنفيَّة للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع، وهو مخالف لظاهر الحديث، والنهي لم يُخصِّص بائعا دون بائع، والله أعلم.
ما جاء في كراهة البصاق في المسجد (1/469)
صفحة 470
قوله: «رأى بصاقا» الحديث رواه المصنِّف رحمة الله عليه من طريقين، أحدهما: عن أبي سعيد، والآخر: عن عائشة وهو عند البخاري من طريق أنس. والبصاق والبزاق وبالشين أيضا كلُّها بمعنى واحد. وفي رواية البخاري: "نخامة" مكان قوله: "بصاقا". قال الطيبي: النخامة: البزاق التي تَخرج من أقصى الحلق. وقيل: ما يخرج من الخيشوم عند التنحنح.
قوله: «في جدار القبلة» أي جدار المسجد الذي يلي القبلة. قيل: وليس المراد بها المحراب الذي يسمِّيه الناس قبلة؛ لأنَّ المحاريب من المحدثات بعده صلى الله عليه وسلم. قيل: ومن ثَمَّ كره جمع من السلف اتِّخاذها والصلاة فيها. قال القضاعي: وأوَّل من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ عامل للوليد بن عبد الملك على المدينة، لَمَّا أسَّس مسجد النبيء صلى الله عليه وسلم، وهدمه وزاد فيه، ويسمَّى موقف الإمام من المسجد مِحرابا، لأنَّه أشرف مجالس المسجد. ومنه قيل للقصر: محراب لأنَّه أشرف المنازل. وقيل: المحراب مجلس الملك، سُمِّي به لانفراده فيه، وكذلك محراب <1/383> المسجد لانفراد الإمام فيه. وقيل: سُمِّي بذلك لأنَّ المصلي يحارب فيه الشيطان.
قوله: «فحكَّه» زاد في رواية البخاري: "بيده"، وزاد أيضا قبل ذلك: "فشقَّ ذلك عليه حتَّى رؤي في وجهه، فقام فحكَّه بيده". قيل: وفي ذلك إشارة إلى أن سيِّد القوم خادمهم، وفيه تواضع لربِّه جلَّ جلاله، ومحبَّة لبيته.
قوله: «ثم أقبل على الناس» أي بوجهه الكريم، في هيئة المنكر لِمَا رأى. (1/470)
صفحة 471
قوله: «إذا كان أحدكم يصلي» يعني في المسجد أو غيره، بدليل قوله: "فإنّ الله قِبَل وجهه" فالحديث إنَّما هو في النهي عن البزاق في قبلة المصلي مطلقا؛ وأمَّا النهي عنه في المسجد خاصَّة؛ فمن حديث أنس عند الشيخين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها". وعند مسلم وابن حبان من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليَّ أعمال أمَّتي حُسنها وسيِّئها، فوجدتُّ في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن.
قوله: «فلا يبزق» نهي. وقيل: نفي، معناه النهي، وهو للتحريم. قال ابن حجر: ولا يجري فيه الخلاف في أنَّ كراهيَّة البزاق في المسجد، هل للتنزيه أو للتحريم؟ قال: وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا: "من تفل تِجاه القبلة جاء يوم القيامة وتَفله بين عينيه". قال: وفي رواية ابن خزيمة من حديث ابن عمر: "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه". قال المحشِّي ومثل القبلة اليمين، كما في القناطر. قال: وفي بعض طرق الحديث: "فلا يَبصُق أمامه؛ فإنَّما يُناجي الله ما دام في مصلاَّه، ولا عن يمينه فإنَّ عن يمينه مَلَكا".
قوله: « فإنَّ الله قِبَل وجهه» أي مقابلا للجهة التي وجَّه إليها وجهه. وقيل: (بكسر بعده فتح) أي مقابلة. وفي رواية عند البخاري: "وإنَّ ربَّه بينه وبين القبلة". قال الخطابي: معناه أنَّ توجُّهه إلى القبلة يفهم بالقصد منه إلى ربِّه، فصار في التقدير، كان مقصوده بينه وبين قبلته. قال ابن حجر: وهذا التعليل يدلُّ على أنَّ البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أم لا، <1/384> ولا سيما من المصلِّي. (1/471)
صفحة 472
قوله: «الحديث» إشارة إلى حديث أبي سعيد المتقدِّم آنفا؛ وإنَّما اقتصر على الإشارة لاتِّحاد الحديثين، وتلك عادته للاختصار، وإنَّما أعاد السند ليبيِّن أنَّه جاء بهذا السند العالي من طريق عائشة أيضا.
ما جاء في تطهير المسجد من البول
قوله: «كانوا يقولون» يعني الصحابة الذين أدركهم جابر، والحديث رواه الشيخان وأحمد من رواية أنس بن مالك. وقد رواه الجماعة إلاَّ مسلما من حديث أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجة أيضا من حديث واثلة بن الأسقع، وأخرجه أبو موسى المدينى من رواية سليمان بن يسار. والأعرابي المذكور قيل: هو ذو الخويصرة اليماني. وقيل: هو الأقرع بن حابس التميمي، وقيل. هو عيينة بن حصن. والأعرابي (بفتح الهمزة) هو الذي يسكن البادية. قال ابن حجر: زاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره في أوله أنَّه صلى ثم قال: "اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا"، فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: "لقد تَحَجَّرت واسعا"، فلم يلبث أن بال في المسجد، وقد أخرج هذه الزيادة البخاري في الأدب. (1/472)
صفحة 473
قوله: «في المسجد» يعني مسجد النبيء صلى الله عليه وسلم، زاد في رواية أبي هريرة فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: "دعوه وأريقوه على بوله سَجْلا من ماء، أو ذنوبا من ماء؛ فإنَّما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين. والسَّجْل (بفتح المهملة وسكون الجيم) قيل: هو الدلو الواسعة. وقيل: الضخمة. وقيل: هي الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة. والذَّنوب: وزان رسول الدلو العظيمة، قالوا: ولا تسمَّى ذنوبا حتَّى تكون مملوءة. وقال ابن السكيت: هي التي فيها ماء قريب من الملء. وقال الخليل: هي الدلو ملأى. وفي الحديث: من الفوائد أنَّ الاحتراز من النجاسة كان مقرَّرا في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم <1/385> قبل استئذانه؛ ولِمَا تقرَّر عندهم أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستدل به على التمسُّك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص. وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال الموانع، لأمرهم عند فراغه بصبِّ الماء عليه. وفيه أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة. وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عناد، ولا سيما إن كان مِمَّن يحتاج إلى تأليفه. وفيه رأفة النبيء صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه. وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار. وفيه أنَّ الأرض تطهُر بصبِّ الماء عليها، ولا يُشترط حفرها خلافا للحنفية، حيث قالوا: لا تطهر إلاَّ بحفرها، كذا قيل عنهم. وقيل: إنَّهم فصَّلوا بينما إذا كانت رخوة بحيث يتخلَّلها حتَّى يغمرها، وهذه لا تَحتاج عندهم إلى حفر، وعليها يحمل الحديث عندهم؛ وبينما إذا كانت صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب، لأنَّ الماء لا يغمرها أعلاها وأسفلها. (1/473)
صفحة 474
والجواب أنَّ المقصود من تخلُّل الماء بلوغه مبلغ النجس؛ فإذا كانت الأرض صلبة لا يتخلَّلها الماء، فكذلك لا تتخلَّلها النجاسة؛ فالماء على كلِّ حال يبلغ مبلغ النجاسة وزيادة، والله أعلم. واستدلَّ به في الإيضاح لمن قال: إنَّ القليل من الماء لا ينجسه القليل من النجاسة، ولمن فرَّق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء، قالوا: إن ورد الماء على النجس صار طاهرا كما في حديث الباب، وإن ورد النجس على الماء صار نجسا كما في حديث أبي هريرة، عن النبيء صلى الله عليه وسلم: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم". واستدلَّ به أيضا لمن قال إن صُبَّ الماء على الفخَّار يطهِّره إذا سبق النجس إليه والله أعلم.
ما جاء في الاستلقاء في المسجد
قوله: «عن جعفر بن السماك» (بكسر المهملة وتخفيف الميم) هو العيدي. قال البدر في السير: شيخ الصيانة والنزاهة، المشهور في الورع والعلم والنباهة، له الكعب العالي بين الفضلاء، والنصيب الأوفى بين الأتقياء. قال أبو سفيان: كان معلم أبي عبيدة وما حفظه عنه أكثر مِمَّا <1/386> حفظه عن جابر، وقال مرَّة: أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك، وعن صحار، وكان جعفر رضي الله عنه من الوفد الذين وفدوا على عمر بن عبد العزيز، وفيهم الحباب بن كليب وسالم الهلالي في جماعة، فدخلوا عليه فكلَّموه فوافقهم ابنه عبد الملك بن عمر، وتولَّوا أمره بعد موته بإذن أبيه، وتوقَّف عمر في أمر عثمان، ثم وافقهم وطلبوا منه أن يُظهر عذر المسلمين وبراءتهم مِمَّا رموا به من الشَّتْم، وكانوا يشتمون على المنابر. فقال: "إن فعلتُ ذلك عوجِلت، ولكن عليَّ لكم أن أميت كلَّ يوم بدعة، وأحيي كلَّ يوم سنَّة". فقالوا: إنَّ الإمام العدل لا تسعه التَّقِيَّة، فلم يُجِبهم. فقالوا: نخرج عنك على أن لا نتولاَّك، فبلغ الخبر أبا عبيدة فقال: "ليت القوم قبلوا منه". وأقول أيضا: ليت القوم قبلوا منه. (1/474)
صفحة 475
قوله: «عن عباد بن تَميم» بن غزية الأنصاري المازني المدني. قال في التَّقريب: ثقة من الثالثة، وقال في الخلاصة: وثَّقة النسائي، واسم عمِّه عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو أبيه لأمِّه.
قوله: «أنَّه رأى» الحديث رواه الشيخان وأحمد.
قوله: «مستلقيا» أي نائما على ظهره.
قوله: «واضعا إحدى رجليه على الأخرى» وكان نَهى غيره عن ذلك. قال الخطابي فيه: أنَّ النَّهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يُحمل النَّهي حيث يخشى أن تبدو عورته، والجواز حيث يأمن ذلك. قال ابن حجر: الثاني أولى من ادِّعاء النسخ، لأنَّه لا يثبت بالاحتمال. ومِمَّن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنَّه منسوخ. وقيل يمكن أنَّ فعله مقصور عليه؛ فلا يؤخذ من ذلك الجواز لغيره. ونوقش بأنَّه صحَّ أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك، فدلَّ على أنَّه ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم؛ بل هو جائز مطلقا. وأيضا فإنَّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال. واستظهر بعضهم أنَّ فعله كان لبيان الجواز؛ فالحديث يدلُّ على جواز الاستلقاء في المسجد على تلك الهيئة وعلى غيرها، لعدم الفارق إلاَّ إذا أفضى إلى كشف العورة؛ فيمنع حينئذ لِما فيه من كشف العورة، لا لأجل المسجد والله أعلم. قال الخطابي: وفيه جواز الاتِّكاء في المسجد <1/387> والاضطِجاع، وأنواع الاستراحة. وقال الداودي فيه: أنَّ الأجر الوارد للاَّبِث في المسجد، لا يختصُّ بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضا، والله أعلم.
ما جاء في الاعتكاف في المسجد
قوله: « عن عائشة» الحديث رواه أيضا الشيخان وأحمد، ولفظه عندهم: عن عائشة أنَّها كانت تُرَجِّل النبيء صلى الله عليه وسلم وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يُناوِلها رأسه، وكان لا يدخل البيت إلاَّ لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا.
قوله: «يُدني إليَّ رأسه» أي يقرِّبه إليَّ، ويناولني إيَّاه وأنا في الحجرة. (1/475)
صفحة 476
قوله: «فأرجِّله» الترجيل: (بالجيم) المشط والدهن، واستدلَّ به في الإيضاح وغيره على أنَّه يجوز للمعتكف الغسل والدهن والكحل والتنظيف والطيب والحلق والتزيين إلحاقا بالترجيل، وليس في الإيضاح إلاَّ الثلاث الأولى، والجمهور على أنَّه لا يكره فيه إلاَّ ما يكره في المسجد. وقيل: يُكره الصنائع والحِرف حتَّى طلب العلم؛ وهو مروي عن مالك. واستُدِلَّ به أيضا على أنَّ من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحا في صحَّة الاعتكاف، وهو صحيح على رواية قومنا، وليس في رواية المصنِّف هذا التصريح بأنَّها كانت في حجرتها، ولا أنَّها كانت حائضا؛ فلا يؤخذ منه ما ذكروا. (1/476)
صفحة 477
قوله: «لِحاجة الإنسان» فسَّرها الزهري: بالبول والغائط، وقد وقع الإجماع على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل، والشرب، وعيادة المريض، وشهود الجنازة، وصلاة الجمعة، فعن عليّ والنخعي والحسن البصري: إن شهد المُعْتكِف جنازة، أو عاد مريضا، أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون، وابن المنذر في الجمعة. وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إنْ شرط شيئا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد. ويلحق بالبول والغائط في معنى الإجماع على استثنائهما القيء والفصد والحجامة لمن اضطر إلى ذلك، وقد استثنى أبو إسحاق <1/388> رضوان الله عليه خصالا أجاز له الخروج معها، وهي أن يخرج لبول أو غائط أو غسل جنابة، أو وضوء لفريضة، أو عشاء أو سحور أو صلاة الجمعة، إذا كان اعتكافه في غير مسجدها، أو امرأة نفست فإنها تخرج، وإذا طهرت رجعت أو طلقت أو مات عنها زوجها وهي في غير مسجد بيتها؛ فإنها تخرج فتعتمد في بيتها فإذا انقضت عدَّتها رجعت، وإن كانت في مسجد بيتها اعتدَّت هنالك، أو مريض لم يمكنه المقام في المسجد على مرضه فإنَّه يخرج؛ فإذا صحَّ رجع، أو خاف على نفسه أو ماله في معتكفه فإنَّه يخرج، فإذا أمن رجع؛ أو أخرجه الإمام أو الوالي في أداء حقٍّ أو إقامة حدٍّ أو وجب عليه الخروج في الجهاد، فإنَّه يخرج لذلك أو خرج لعيادة مريض، تجوز عيادته من غير أن يقعد معه، أو كان عنده منزول، وهو الذي نزل به أمر الله، فإنَّه يخرج عنده، فإذا مات أو أفاق رجع ـ قال هذه قياسا ـ، أو كان وليًّا لجنازة، فإنَّه يخرج لها فإذا صلَّى رجع، أو كان أوجب على نفسه مسجدا بعينه ثم انهدم فإنَّه يخرج، فإذا بُني رجع، أو جبره أهل البغي على الخروج فإذا خُلِّي رجع؛ فهذه ستُّ عشرة خصلة ذكرها أبو إسحاق رحمة الله عليه. وبعضها مختلف فيه كما أشرنا إليه آنفا، والله أعلم. (1/477)
صفحة 478
خاتمة في فضل المشي إلى المساجد: وقد تقدَّم في فضائل الوضوء حديث أنس بن مالك: إنَّ مِمَّا يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة" وأخرج مسلم عن أبي بن كعب قال: كان رجل ما أعلمُ أحدا من أهل المدينة مِمَّن يصلي إلى القبلة أبعد منزلا منه من المسجد، وكان لا تُخطئه الصلوات مع الرسول عليه السلام، فقيل له: لو اشتريت حمارا لتركبه في الرمضاء والظلماء. فقال: والله ما أحبُّ أنَّ منزلي يلزق المسجد؛ فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فسأله: فقال يا رسول الله، كيما يكتب أثري وخطاي، ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "لك ما احتسبت أجمع". وأخرج مسلم أيضا عن جابر قال خلت البقاع حول المسجد؛ فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: "إنه بلغني أنَّكم أن تنتقلوا إلى قرب المسجد" فقالوا: نعم أردنا ذلك. قال: "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم". وروى غيره عن أبي سعيد الخدري: أنَّ هذه الآية نزلت في حقِّهم: {اِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىا وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثَارَهُمْ} [سورة يس: 12] والله أعلم.
الباب الخامس والأربعون
الباب الخامس والأربعون في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك (1/478)
صفحة 479
قوله: «في الثياب، والصلاة فيها، وما يستحب من ذلك»: الثياب؛ جمع ثوب، ويجمع أيضا على أثواب، وهي: ما يلبس الناس، من قطن، و كتان، و صوف، و حرير، و خز، و قز، ونحو ذلك، و أما الستور ونحوها؛ فليست بثياب، بل أمتعة البيت. ومعنى قوله: «والصلاة فيها»: أي حكم الصلاة فيها، وبيان ما يجوز من ذلك ومالا يجوز، فإن الستر شرط لصحة الصلاة؛ وهو واجب، ما أمكن. و معنى قوله:«وما يستحب من ذلك» أي: بيان ما ينبغي فعله من ذلك فوق الواجب، فإنّ فعل الاستحباب؛ بعد أداء الواجب، وذلك: كالزيادة على الثوب.
ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي.
قوله: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم» قيل أن السائل ثوبان.
قوله:«أو كلكم يجد ثوبين»، في رواية قومنا: «أوَ لِكُلِّكُم ثوبان»، وزاد البخاري في رواية، ثم سأل رجل عمر فقال: إذا وسّع الله فأوسعوا ... الخ، وسائل عمر يحتمل أن يكون ابن مسعود؛ لأنه اختلف هو وأبيّ بن كعب، فقال أبيّ: الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك وفي الثياب قلة، فقام عمر على المنبر فقال: القول ما قال أبيّ، ولم يأل ابن مسعود، أي: لم يُقصّر، أخرجه عبد الرزاق. قال الخطابي: لفظ الحديث استخبار، ومعناه الإخبار عما هم عليه من قلة الثياب، و وقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض، والصلاة لازمة، وليس لكل أحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة! أي: مع مراعاة ستر العورة، وقال الطحاوي: معناه، لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد، لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبا واحدا. قال ابن حجر: وهذه الملازمة في مقام المنع، للفرق بين القادر<1/390> وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه؛ لا عن الكراهة. (1/479)
صفحة 480
قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم» الحديث مرسل عند المصنف، وقد رواه الجماعة عن عمر بن أبي سلمة قال: رأيت النبيء صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد متوحشا به في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه. وفي البخاري، والترمذي: «مشتملا»، بدل «متوحشا»، و في بعض روايات مسلم: «ملتحفا به»، و قد جعلها النووي بمعنى واحد، وسبقه إلى ذلك الزهري، وفرّق الأخفش بين الاشتمال والتوشح.
قوله: «واضعا طرفيه»: يعني طرفي الثوب.
و قوله: «على عاتقيه»: بالتثنية والضمير للنبيء صلى الله عليه وسلم، و العاتق: ما بين العنق والمنكب و وضْع طرفي الثوب على العاتقين هو: الاشتمال والتوشح المصرح به في روايات قومنا، وفائدته أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود، قاله ابن بطال. والحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة إذا توشح به، والله أعلم.
ما جاء في الصلاة في الثوب الضيق
قوله: «عن عبادة بن الصامت»: الحديث لم أجده عند غيره.
قوله: «و عليه جبة»: بضم الجيم وسكون الموحَّدة، لباس معروف كان في الزمان الأول، والصوف: شعر الضأن.
وقوله: «شامية»: نعت للجبة، نسبة إلى الشام ناحية من الأرض فيها البيت المقدس، كانت عند بدء الإسلام في مُلك الروم، وكانت الخميصة من عملهم، واستُدل به على جواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق نجاستها، و وجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم لبسها ولم تغسل؛ وهو قول في المذهب، وأكثر القول كراهية الصلاة فيها إلا بعد الغسل، وهو المروي عن أبي حنيفة. وقال مالك: إنْ فعل يعيد في الوقت، وهو مخالف لأصله في الحكم بطهارة كل حي. (1/480)
صفحة 481
قوله: «ضيقة الكمّين»: تثنية كمّ بضم فسكون، وهو: موضع اليد من القميص والجبة، <1/391>وفيه جواز الصلاة في الثوب الواحد وإن كان ضيقا. وأخرج ابن ماجة، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قميصا قصير اليدين والطول». وأخرج أبو داود والترميذي والنسائي عن أسماء بنت يزيد قالت: «يد كمِّ قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ، وهو ما بين الكف والساعد»، واستدل بالحديثين على أن السنّة في الأكمام أن لا تُجاوز الرسغ. قال بعض قومنا: و أما الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج ولم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة؛ فهي مخالفة للسنة، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء. قال غيره: وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا: العلماء، فيُرى أحدهم وقد جعل لقميصه كمَّين؛ يصلح كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصا لصغير من أولاده، أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفائدة الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق، وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء. قلت: هذا الحال مما اختص به قومنا، أما أصحابنا، فلم يكن فيهم شيء من ذلك والحمد لله .
ما جاء في كراهية لبس ما يشغل المصلي
قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم في صحيحهما.
قوله: «أهدى أبو جهم ... إلخ»: هذا يدل أن الخميصة كانت من عند أبي جهم أهداها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافا لما قيل أنها كانت من عند غيره.
قوله: «فشهد فيها الصلاة»: يعني صلاة العيد، كما تدل عليه بعض الروايات عند قومنا؛ ومعنى: «فشهد فيها الصلاة» أي: صلى فيها. (1/481)
صفحة 482
قوله: «رُدّي»: خطاب لعائشة رضي الله عنها، وفي رواية الصحيحين «اذهبوا بخميصتي هذه»، وفي رواية: «اذهبوا بها إلى أبي جهم»، والكل بصيغة الجمع، و رواية مالك في الموطأ موافقة لرواية المصنف؛ و وجّه شارحه الخطاب لعائشة، ولعل ذلك كان قبل الحجاب. (والخميصة) بفتح المعجمة وكسر الميم: ثوب من صوف أو خز معلمة<1/392> سوداء وقيل: لا تُسمى خميصة؛ إلا أن تكون سوداء مُعلمة (و أبو جهم) ابن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي قيل اسمه عامر وقيل عبيد بن حذيفة وأمه يسيرة بنت عبد الله بن أداة بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب أسلم عام الفتح، وصحب النبيء صلى الله عليه وسلم، وكان معظما في قريش، مقدما فيهم، وكان فيه وفي بنيه شدة و عزامة، قال ابن الأثير. قال الزبير: كان أبو جهم بن حذيفة من مشيخة قريش عالما بالنسب، وكان من المعمرين من قريش، شهد بنيان الكعبة مرتين؛ مرة في الجاهلية حين بنتها قريش، ومرة حين بناها ابن الزبير، (و قيل) توفي أيام معاوية و هو أحد الذين دفنوا عثمان، والثاني حكيم بن حزام، و الثالث جبير بن مطعم، والرابع نيار بن مكرم كذا قيل. و قد اختلفوا في هذه الخميصة، فمنهم من قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث بالأخرى إلى أبي جهم، فلما ألهته في الصلاة بعثها إلى أبي جهم، وطلب التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها لبسات، روى ذلك سعيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب عن أبيه عن جده. (1/482)
صفحة 483
و قال مالك ما أخبرنا به أبو الحرم مكي بن ريان بإسناده عن يحي بن يحي عن مالك عن علقمة بن أبي علقمة أن عائشة زوج النبيء صلى الله عليه وسلم قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول الله خميصة شامية لها عَلم، فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال: «رُدي هذه الخميصة إلى أبي جهم» أخرجه الثلاثة، و هذا المعنى الأخير هو الموافق لرواية المصنف، وفي قوله: «ردي» إشارة إلى أنها كانت من عنده. (1/483)
صفحة 484
قوله: «فإني نظرت»: تعليل للرد، و في ذكره تطييب لخاطر أبي جهم حين يعلم علة الرد، و العَلمُ بفتحتين: ما يكون في الثوب من طراز وغيره، وفيه إشارة إلى كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على لباسهم. قوله: «فكاد أن يفتنني»: بفتح أوّله من الثلاثي أي: يشغلني عن خشوع الصلاة، وفيه أن الفتنة لم تقع؛ فإنّ كاد تقتضي القرب و تمنع الوقوع؛ ولذا قال بعض العلماء: لا يخطف البرق بصر أحد، لقوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة:20] و لذا أوّل قوله في رواية الصحيحين: «فإنها ألهتني عن الصلاة» بأن المعنى: قاربت أن تلهيني، فإطلاق ألهى مبالغة في القرب، لا لتَحقق وقوع الإلهاء، و في الحديث من الفقه قبول الهدايا، و كان صلى الله عليه وسلم يقبلها ويأكلها،<1/393> والهدية مستحبة ما لم يُسلك بها طريق الرشوة، لدفع حق، أو تحقيق باطل، أو أخذ على حق يجب القيام به. وإن الواهب إذا رُدّت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله قبولها إلى كراهة؛ و أن كل ما يُشغل المرء في صلاته، ولم يمنعه من إقامة فرائضها ،و أركانها، لا يفسدها، ولا يوجب عليه إعادتها، ومبادرته صلى الله عليه وسلم إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يحدث فيها. وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم، فلا يلزم منه أن يلبسها في الصلاة، و مِثله، قوله في حُلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها»؛ ويحتمل أن يكون من جنس قوله: «كل، فإني أناجي من لا تناجي». و قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور و الأشياء الظاهرة تأثيرا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، يعني: فضلا عمن دونها. (1/484)
صفحة 485
وقال ابن قتيبة: إنما ردّها صلى الله عليه وسلم لأنه كرهها ولم يكن يبعث إلى غيره ما كرهه لنفسه، و قد قال لعائشة: «لا تتصدقي بما لا تأكلين»، وكان أقوى الخلْق على دفع الوسوسة، لكن لماّ أعلم أبا جهم بما نابه فيها؛ دل على أنه لا يلبسها في الصلاة؛ لأنه أحرى أن يخشى على نفسه الشغل بها عن الخشوع، و يحتمل أنه أعلمه بما نابه لتطيب نفسه، ويذهب عنه ما يجد من رد هديته، قيل: أو ليقتدي به في ترك لبسها من غير تحريم، و استنبط بعضهم منه كراهة النظر إلى كل ما يشغل عن الصلاة: من صبغ، و علم، و نقش، و نحو ذلك، واستنبط منه آخر، صحة المعاطاة، لعدم ذكر الصيغة.
قوله: «شملة»: (كسجدة وزْنًا): كساء صغير يؤتزر به، و الجمع شملات كسجدة وسجدات، و شِمال: ككلبة وكلاب، و في المختار: الشملة كساء يُشتمل به، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن اشتمال الصماء وعن الاحتباء في الثوب الواحد
قوله: «عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله»: الحديث فيه رواية صحابي عن صحابي، و هو مشتمل على أربعة أشياء من المناهي، و قد تفرد به المصنِّف رضوان الله عليه: فأما الأكل بالشمال و النهي عنه فرواه<1/394> الشيخان و أحمد، من حديث ابن عمر، وكذلك الشرب بالشمال، وأما اشتمال الصماء و الاحتباء في ثوب واحد؛ فرواه الشيخان وأحمد في حديث أبي هريرة، وقد رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي سعيد، وأما النهي عن المشي في النعل الواحدة، فقد رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، و رواه البخاري وأبو داود عن القعبني، و مسلم عن يحي، كلهم عن مالك بالسند المذكور، و رواه أحمد في مسنده عن أبي سعيد. (1/485)
صفحة 486
قوله: «نهى»: حقيقة النهي للتحريم، و هو ظاهر في اشتمال الصماء و في الاحتباء بثوب واحد؛ لأنهما يُفضيان إلى كشف العورة، وأما في الأكل بالشمال، والمشي في النعل الواحدة؛ فالظاهر أنه للتكريه، فحُمل النهي على المعنيين من باب عموم المجاز، وقيل: إن النهي عن الأكل بالشمال للتحريم أيضا، وكذلك الشرب بالشمال. قال النووي: وهذا إذا لم يكن عذرٌ، فان كان عذرٌ يمنع الأكل والشرب باليمين: من مرض أو جراحة، أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال.
قوله: «أن يأكل الرجل بشماله»: و كذلك المرأة لأنهما في حكم واحد ما لم تخص بدليل، وإنما ذكر الرجل لكونه القائم عليها، والخطاب يتوجه إلى الأشرف، ثم يتبعه الأدنى، و قد صرح بعلة النهي في حديث ابن عمر أنه عليه السلام قال: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله و يشرب بشماله»؛ و هذا التعليل يشترك فيه الرجال والنساء، و في ذكره إشارة إلى أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشيطان.
قوله: «أو يمشي في نعل»: و ذلك أن يكون في إحدى رجليه نعل دون الأخرى، ومثله المشي في الخف الواحد، قيل: و مثل ذلك إخراج أحد اليدين من أحد الكمّين، و ترك الأخرى داخل الكم، و إرسال الرداء على أحد المنكبين، و إعراء الآخر منه، فكل ذلك مكروه إلا لعذر، واختلفوا في علة النهي عن المشي في النعل الواحدة؛ فقيل: لأنه تشويه و مثلة، و مخالفة للوقار، و قيل: لأنها مشية الشيطان، و قيل: لأنها خارجة عن الاعتدال، و قيل: لما فيها من الشهرة، فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه. (1/486)
صفحة 487
قوله: «أو يشتمل الصماء»: بالصاد المهملة المفتوحة والميم المشددة ممدودا، هيئة من اللباس .قال الربيع: الصماء، أن يرمي بطرفي إزاره على عاتقه الأيمن، و الآخر على عاتقة الأيسر، فتبقى عورته مكشوفة إلى السماء، وهذا يقتضي أن النهي عنها؛ إنما كان لانكشاف العورة؛ فهي حرام في الصلاة، و غيرها؛ لوجوب <1/395>ستر العورة، وفي معناه: ما نقل عن الفقهاء في تفسير الصماء؛ قالوا: هي أن يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه؛ فيصير فرجه باديا. و قال أهل اللغة: هي أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانبا ولا يبقى ما تخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سميت صماء؛ لأنه يسد المنافذ كلها؛ فيصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق. قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة؛ يكون مكروها؛ لئلا تعرض له حاجة؛ فيتعسر عليه إخراج يده؛ فيلحقه الضرر. قلت: لكنه في الصلاة حرام؛ لأنه يمنعه من أدائها على التمام؛ فلا يتمكن من ركوع ولا سجود، وقد جاء في رواية لأحمد، تقييد النهي عنها في الصلاة ونصه: «نُهي عن لبستين أن يحتبى أحدكم في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، و أن يشتمل في إزاره إذا ما صلى، إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه»، فعلى تفسير أهل اللغة يكون قوله: «إذا ما صلى»؛ قيدا للنهي، ولا يصلح للتقييد على تفسير الفقهاء؛ لأن المحذور على تفسيرهم؛ انكشاف العورة، وهو حرام في الصلاة وغيرها. (1/487)
صفحة 488
قوله: «أو يحتبي في ثوب واحد»: الاحتباء أن يقعد على إليتيه، و ينصب ساقيه، ويلف عليه ثوبا، ويقال له: الحبوة، وكانت من شأن العرب وإنما نهي عنه؛ لأنه إذا لم يكن عليه إ لا ثوب واحد، فربما تحرك أو زال الثوب عنه فتبدو عورته، و زاد في رواية أبي هريرة عند الشيخين وأحمد: «ليس على فرجه منه شيء» يعني: أنه نهي عن الاحتباء في الثوب الواحد؛ إذا لم يكن على الفرج منه شيء ، وفيه إيماء إلى أن علة النهي: خوف انكشاف العورة، وهاتان اللبستان منهي عنهما في الصلاة و غيرها، كما يدل عليه المعنى، والله أعلم.
ما جاء في تحريم لبس الحرير
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث أخرجه البخاري و أبو داود عن عبد الله بن عمر بنحو ما ذكر المصنف، و أخرجه النسائي من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: وجد عمر بن الخطاب رضي الله<1/396> عنه حلة من استبرق بالسوق فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أبتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هذه لباس من لا خلاق له» أو «إنما يلبس هذه من لا خلاق له»، فلبث عمر ما شاء الله ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج، فأقبل بها حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قلتَ: «إنما هذه لباس من لا خلاق له» ثم أرسلت إلي هذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعها ولتصب بها حاجتك». (1/488)
صفحة 489
قوله: «حلة سيراء»: الحلة بضم المهملة: إزار و رداء، ولا تكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. و قوله: «سيراء»: بكسر السين المهملة بعدها، و مثناة تحتية مفتوحة، ثم راء مهملة، ثم ألف ممدودة، نوع من البرود فيه خطوط صفراء، أو يخالطه حرير، و قيل: هي برود مضلعة بالقز، قيل: سميت بذلك؛ لشبه خطوطها بالسيور، و قيل هي مختلفة الألوان، وقيل: هي و شيء من حرير، و قيل هي من حرير محض، و هو ظاهر التعليل في قوله: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له» و قد صرح بذلك في رواية النسائي: «فإن فيها حلة من استبرق» بدل قوله: «سيراء»، والإستبرق: هو الحرير الغليظ، و قد رُوي تنوين الحلة و إضافتها، و المحققون على الإضافة. قال القرطبي: كذا قيل عمن يوثق بعلمه؛ فهو على هذا من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة.
قوله: «عند باب المسجد»: زاد أبو داود: «تباع»، و فيه جواز البيع على باب المسجد.
قوله: «يوم الجمعة والوفود»: في رواية النسائي: «فتجمل بها للعيد و الوفود»، و قد ترجم للحديث بقوله: باب الزينة للعيدين، و الجمعة عيد من أعياد المسلمين، فلا منافاة بين الحديثين، لكن رواية المصنف أخص، و فيها زيادة علم، و فيه: أن التجمل للعيدين والجمعة والوفود مشروع. (1/489)
صفحة 490
قوله: «إنما يلبس هذه»: إشارة إلى الحلة السيراء و قوله: «من لا خلاق له في الآخرة» أي: من لا نصيب له فيها، و هذا يدل على أن الحلة كانت من حرير؛ لأن هذا الحكم قد جاء مرتبا<1/397> على لبس الحرير. في رواية الصحيحين وغيرهما عن عمر مرفوعا: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» و اختلف في علة التحريم على قولين مشهورين: أحدهما؛ أنه حرم للفخر والخيلاء، والثاني؛ لأنه ثوب رفاهية وزينة؛ فيليق بلين النساء، دون شهامة الرجال. و خرج بعضهم بعلة ثالثة، و هي: التشبه بالمشركين، و ردّه ابن دقيق العيد إلى الأول؛ لأن الفخر والخيلاء من شيمة المشركين، و قد بالغ قوم؛ فحرموا الحرير حتى على النساء، و لعلهم تمسكوا بظاهر الحديث، و نسب القول بذلك إلى علي و ابن عمر و حذيفة و أبي موسى و ابن الزبير و نقل عن الحسن و ابن سيرين، ولم يثبت ذلك عند أصحابنا، و عموم الحديث مخصص بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى قال: «أُحل الذهب و الحرير للإناث من أمتي و حرم على ذكورها» رواه أحمد والنسائي والترمذي و صححه، و أبو داود و الحاكم و صححه أيضا.
قوله: «جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل»: يعني أهديت إليه، و لعل المهدي لذلك أكيدر دومة، كما يدل عليه رواية أبي نعيم عن ابن عمر قال: أهدى أكيدر دومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فبعث بها إلى عمر، وهذه غير الحلة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم إلى علي فلبسها، قال: فعرفت الغضب في وجهه، فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُرا بين النساء»، وهي أيضا سيراء؛ لكن أهداها له صلى الله عليه وسلم ملك إيلية. (1/490)
صفحة 491
قوله: «ألبستنيها»: أي أعطيتنيها لألبسها، و في رواية ابن عمر عند أبي داود: «كسوتنيها و قد قلتَ في حلة عطارد ما قلت؟»، و هذا يدل أن الحلة التي كانت تباع على باب المسجد، هي لعطارد، والاستفهام لكشف الحال عن الحكم، فإنه يحتمل النسخ و غيره، فسأله عمر تبيينا للحكم، و رفعا للاحتمال، ويمكن أنه خاف أن يكون من الذين لا خلاق لهم؛ فبادر السؤال شفقة على نفسه، كما سأل حذيفة عن نفسه حين لم يخرج في جنازة المنافق، <1/398>فسأله عمر: أأنا منهم؟ قال: لا، و لا أبرئ بعدك أحدا.
قوله: «لتُلبسها»: بضم التاء الفوقانية أي: لتكسوها غيرك ممن يجوز له لبسها، أو من الذين لا خلاق لهم، ويحتمل فتح التاء، على تقدير استفهام إنكاري، والمعنى: أأعطيتكها لتلبسها؟ أي: ما أعطيتكها لذلك، و في رواية النسائي: «بعها ولتصب بها حاجتك» و يجمع بينهما باحتمال أن يكون قد قال: كلا المقولتين على سبيل التخيير، فاختار أن يكسوها أخاه الكافر، وآثر ذلك؛ لأنه أنسب برتبته، وأشد تنزّها، و في رواية البخاري: «إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو لتكسوها»، و في رواية: «لتصيب بها»، و في رواية: «تبيعها وتصيب بها حاجتك»، و في رواية: «لتصيب بها مالا». (1/491)
صفحة 492
قوله: «أخا له بمكة»، قال ابن حجر: زاد في رواية عبد الله بن عمر العمري عند النسائي: «أخا له من أمه»، قال: و تقدم في البيوع من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر؛ فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم، قال: ولم أقف على تسمية هذا الأخ، إلا فيما ذكره ابن بشكوال في المهمات نقلا عن ابن الحذا في رجال الموطأ، فقال: اسمه عثمان بن حكيم، قال الدمياطي: هو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: و هو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه؛ لم يصب. قال ابن حجر: بل له وجه بطريق المجاز، قال: و يحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد؛ فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، و أخا زيد لأمه من النسب، قال: و أما كون عمر كساها أخاه، فلا يَشكُل على ذلك عند من يرى أن الكافر مخاطب بالفروع، و يكون إهداء عمر الحلة لأخيه ليبيعها، أو يكسوها امرأة، ويمكن من يرى أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، أن ينفصل عن هذا الإشكال؛ بالتمسك بدخول النساء في عموم قوله أو يكسوها، أي إما للمرأة، أو للكافر؛ بقرينة قوله: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له» أي: من الرجال، قلتُ: لكن ظاهر قوله: «فكساها الخ» يدل على أنه إنما أعطاه إياها؛ لتكون كسوة له؛ فيدل على جواز إعطاء المشرك ما يستحل و لو كان حراما في الإسلام، وهل يدل على أن المشركين غير مخاطبين بفروع الشريعة؟ فيه تأمل، و إذا نظرت في محل النزاع، علمت عدم دلالته على ذلك، فإن نزاعهم<1/399> يرجع إلى تعذيبهم بترك العمليات، وفعل المحرمات فوق التعذيب على الشرك، والحديث لا يدل على شيء من ذلك، بل غاية ما فيه؛ أنه يجوز أن يُلبس المسلم المشرك، ما لا يجوز للمسلمين لبسه، و يحتمل جواز ذلك معاني، غير رفع الخطاب عن المشركين، والله أعلم.
ما جاء أن إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه وأن البطر حرام (1/492)
صفحة 493
قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث رواه أيضا مالك وأحمد وأبو داود وابن ماجه كلهم عن أبي سعيد، لكن ليس فيه عند أكثرهم قوله: قال ذلك ثلاث مرات، و أخرجه أيضا أبو داود و النسائي و ابن ماجه من حديث أبي هريرة.
قوله: «إزرة المؤمن» بكسر الهمزة وسكون الزاء هيئة الائتزار .
قوله: «إلى أنصاف ساقيه»: و في رواية قومنا: «إلى نصف الساق»، إلا مالكا فإنه رواه: «إلى أنصاف ساقيه» كما عند المصنف، و جُمع أنصاف؛ كراهة توالي تثنيتين كقوله: مثل رؤس الكبشين، والمعنى: أن الكمال في الإزرة الحسنة، في نظر الشرع، أن تكون إلى أنصاف الساقين، وهي: علامة التواضع وهو شعار المؤمن، و فيه الاقتداء بالمصطفى، ففي الترمذي عن سلمة؛ كان عثمان يأتزر إلى أنصاف ساقيه، و قال: كانت إزرة صاحبي، يعني النبيء صلى الله عليه وسلم. وفي النسائي و الترمذي عن أبي عبيد المحاربى أنه صلى الله عليه وسلم قال له: «إرفع إزارك أما لك فيَّ أُسوة؟» قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه.
قوله: «ولا جناح عليه»: أي لا حرج عليه، و الكعبان: هما العظمان الناتئان في أسفل الرجل: نسميهما الجوزتين، و المعنى لا حرج عليه في الإزرة التي بين نصف الساق و بين الجوزتين، أي يجوز له ذلك، و لكن الفضل إلى نصف الساق.
قوله: «ما أسفل من ذلك»: ما موصولة و بعض الصلة محذوف و أسفل خبره، فهو منصوب، و يجوز الرفع أي: ما هو أسفلُ؛ و أسفل:ُ أفعلُ تفضيل؛ و يحتمل<1/400> أنه فعل ماض، و يجوز أن ما نكرة موصوفة بأسفل. و قوله: «من ذلك» إشارة إلى الحد الأسفل وهو الكعبان. (1/493)
صفحة 494
قوله: «ففي النار» قال ذلك ثلاث مرات تأكيدا و إغلاظا على فاعله. قال الخطاببي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار؛ فكنى بالثوب عن بدن لابسه، و معناه أن الذي دون الكعبين من القدم، يعذب في النار عقوبة له؛ و حاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره، أو حلّ فيه، و تكون مِن بيانية، و يحتمل أن تكون سببية، و المراد الشخص نفسه، أو المعنى: ما أسفل من الكعبين الذي يسامت الإزار في النار، أو التقدير لابس ما أسفل الخ؛ أو التقدير أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار؛ أو فيه تقديم وتأخير، أي: ما أسفل من الإزار من الكعبين في النار، و كل هذا استبعاد ممن قاله؛ لوقوع الإزار حقيقة في النار. و أصله ما رواه عبد الرزاق: أن نافعا سئل عن ذلك فقال: و ما ذنب الثياب؟ بل هو من القدمين، و تعقّب بأنه: لا مانع من حمل الحديث على ظاهره؛ فيكون من باب {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98]، و يدل عليه ما في الطبراني عن ابن عمر قال: رآني النبيء صلى الله عليه وسلم أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر، كل شيء لمس الأرض من الثياب في النار»، و عنده أيضا بسند حسن عن ابن مسعود أنه رآى أعرابيا يصلي قد أسبل فقال: السَّبل في الصلاة ليس من الله في حل و لا حرام، و مثل هذا لا يقال من قبل الرأي.
قوله: «و لا ينظر الله» أي: لا يرحمه لكِبْره، وعجبه. (1/494)
صفحة 495
و قوله: «بطرا» بفتح الطاء مصدر، و كسرها حال من فاعل يُجر. و البطر و الخيلاء بمعنى واحد، و في حديث أنس الآتي في الباب: «لا ينظر الله إلى رجل يجر ثوبه خيلاء»، و قد روى مالك في الموطأ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «الذي يجر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة»، قال أبو عمر مفهوم قوله خيلاء أن الجار لغيرها لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص أو غيره من الثياب مذموم على كل حال، و هو كلام حسن، و يشهد له ما جاء في حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقال أبو بكر: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال: «إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء» رواه الجماعة إلا<1/401> أن مسلما و ابن ماجه و الترمذي لم يذكروا قصة أبي بكر رضي الله عنه، و روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «الإسبال في الإزار و القميص و العمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
ما جاء في إرخاء المرأة ثوبها
قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث رواه مالك في الموطأ من طريق صفية بنت أبي عبيد؛ و هي ثقفية ،وكانت زوج ابن عمر. و في النسائي و الترمذي و صححه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء» فقالت أم سلمة: إلى آخر الحديث و فيه اختلاف بعض الألفاظ.
قوله: «لما ذكر الإزار» أي: التحذير من جره.
قوله: «والمرأة يا رسول الله»: و في رواية مالك: «فالمرأة» أي: كيف تصنع و في رواية أيوب المذكورة: «فكيف تصنع النساء بذيولهن». (1/495)
صفحة 496
قوله: «ترخي شبرا»: بكسر المعجمة، هو ما بين طرفي الخنصر و الإبهام بالتفريج المعتاد، و الجمع أشبار مثل: حمل، و أحمال، و الذراع بالكسر: هي من المرفق إلى أطراف الأصابع، فعموم الوعيد في جر الإزار مخصوص بغير النساء؛ و حاصله أن للمرأة حالتين: حالة استحباب و هو إرخاؤها قدر شبر، و حالة جواز و هي بقدر ذراع. قال العراقي: هل ابتداء الذراع من الحد الممنوع منه الرجال؛ و هو ما أسفل من الكعبين؟ أو من الحد المستحب للرجال؛ وهو أنصاف الساقين؟ أو حده من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر: أن المراد الثالثُ، بدليل رواية أبي داود و ابن ماجه و النسائي و اللفظ له؛ عن أم سلمة قالت: سئل صلى الله عليه وسلم كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال:« شبرا» قالت: إذن ينكشف عنها، قال: «فذراعا لا تزيد عليه». قال:<1/402> فظاهره أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعا؛ أي: لأن الجر السحبُ، و إنما يكون على الأرض، قال: و الظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد، و هو شبران؛ لما في ابن ماجه عن ابن عمر قال: رخص صلى الله عليه و سلم لأمهات المؤمنين شبرا؛ ثم استزدنه فزادهن شبرا؛ فدل على أن الذراع المأذون؛ فيه شبران. انتهى. و إنما جاز لها ذلك لأن المرأة كلها عورة إلا وجهها، وكفيها، و هذا التعليل مستفاد من قولها: إذن ينكشف عنها؛ فإن فيه إيماء إلى أن العلة في ذلك الستر، و الله أعلم.
ما جاء في المنع من استعمال التصاوير مطلقا.
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه الجماعة من طرق متعددة، و هو عند المصنف من حديث أبي سعيد ورواه مالك من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها.
قوله: «نُمرُقة» بضم النون و الراء و بكسرهما روايتان بينهما ميم ساكنة و قاف مفتوحة و حكي تثليث النون؛ وسادة صغيرة. قوله: «فيها تصاوير» أي: تماثيل حيوان.
قوله: «الكراهية» بكسر الهاء و تخفيف الياء و في رواية بفتح الهاء و إسقاط الياء. (1/496)
صفحة 497
قوله: «أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت» فيه التوبة من جميع الذنوب إجمالا، و لو لم يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حصلت به مؤاخذته. قال الطيبي: فيه حسن أدب من الصديقة حيث قَدّمت التوبة على اطلاعها على الذنب؛ و من ثَم قالت: ما أذنبت أي: ما اطلعت على الذنب، فما هو؟
قوله: «ما بال هذه النمرقة» أي: ما شأنها فيها تماثيل.
قوله: «إن أصحاب هذه الصور»أي:<1/403> الحيوانية و المراد بأصحابها: الذين يصنعونها يضاهون بها خلق الله.
قوله: «أحيوا ما خلقتم»: بهمزة قطع مفتوحة و ضم الياء و الأمر للتعجيز لأنهم لا يقدرون على نفخ الروح في الصورة التي صوروها؛ فيدوم تعذيبهم. و في الصحيحين عن ابن عباس: «من صور صورة في الدنيا كُلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ»، و المعنى: أنه يعذب حتى ينفخ فيها الروح؛ و ليس بنافخ أبدا؛ فهو معذب دائما لأنه جعل غاية عذابه إلى أن ينفخ فيها الروح؛ و أخبر أنه ليس بنافخ و هذا يقتضي تخليده في النار. ثم إن أمره بالأحياء و قوله في رواية الصحيحين: *«كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح» لا ينافي أن الآخرة ليست دار تكليف؛ لأن المنفي تكليف عمل يترتب عليه ثواب أو عقاب، فأما مثل هذا التكليف فلا يمتنع؛ لأنه نفسه عذاب. (1/497)
صفحة 498
قوله: «لا تدخله الملائكة» قيل: المراد ظاهره فلا تدخله لا الحفظة ولا غيرهم؛ أو المراد ملائكة الوحي: كجبريل و إسرافيل، و تعقب بأنه يلزم منه قصر النفي على زمنه صلى الله عليه وسلم لانقطاع الوحي بعده؛ و بانقطاعه ينقطع نزولهم، و قيل المراد: الذين ينزلون بالرحمة والمستغفرون للمؤمنين، فيعاقب متخذها بحرمان دخولهم بيته واستغفارهم له، أما الحفظة فلا يفارقون المكلف في كل حال إلا عند الجماع والخلاء، كما رواه ابن عدي و ضعّفه. و أجاب الأول بأنه يجوز أن لا يدخلوا بل يكونون على باب البيت مثلا؛ فيطلعهم الله على عمل العبد و يُسمعهم قوله. و في الحديث شيئان: أحدهما يختص بالمصور، و هو تحريم التصوير و الوعيد الشديد عليه، و الثاني يختص بالمستعمل لذي الصورة؛ و هو كون الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير. قال النووي من الشافعية قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، و هو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث؛ سواء صنعه لما يمتهن؛ أو لغيره؛ فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، و فلس، و إناء، و حائط، و غيرها، و أما تصوير صورة الشجر، و جبال الأرض، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان؛ فليس بحرام، قال: هذا حكم نفس التصوير. و أما اتخاذ<1/404> ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط أو ثوب أو عمامة أو نحو ذلك؛ مما لا يعدد ممتهنا فهو حرام، و إن كان في بساط يداس و مخدة و وسادة و نحوها مما يمتهن فليس بحرام. (1/498)
صفحة 499
قال: و لكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ قلت: نعم؛ لأن سبب حديث الباب النمرقة التي اشترتها عائشة؛ و الحديث يدل على منع اتخاذها لكراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، و ذكره وعيد المصورين و عدم دخول الملائكة البيت الذي فيه تصاوير، قال: و لا فرق في ذلك كله بين ما له ظل و ما لا ظل له، قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة و التابعين؛ فمن بعدهم و هو مذهب الثوري و مالك و أبي حنيفة و غيرهم و قال قوم من القدماء: إنما ينهى عما كان له ظل؛ ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، و فيه أن الستر الذي أنكره النبيء صلى الله عليه و سلم في حديث عائشة عند الشيخين وأحمد، لا يشك أحد أنه مذموم و ليس لصوره ظل، وكذلك النمرقة في حديث الباب، و كذلك الأحاديث المطلقة، و قال الزهري: النهي في الصورة على العموم، و كذلك استعمال ما هي فيه و دخول البيت الذي هي فيه: سواء كانت رقما في ثوب، أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب، أو بساط ممتهن، أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة، و هذا مذهب قوي. و قال آخرون: يجوز منها ما كان رقما في ثوب، سواء امتُهَن أم لا، و سواء علِّق في حائط أم لا، و هو مذهب القاسم بن محمد، و لعله يستدل بحديث أبي طلحة الأنصاري الآتي في الباب، و أجمعوا على منع ما كان له ظل و وجوب تغييره. قال القاضي عياض: إلا ما ورد في اللعب بالبنات الصغار للبنات، و الرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لبنته، و ادعى بعضهم أن إباحة اللعب بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث.
ما جاء في من يجر ثوبه خيلاء<1/405>
قوله: «لا ينظر الله» أي: نظر رحمة، و للحديث عند أرباب السنن طرق متعددة. (1/499)
صفحة 500
قوله: «يجر ثوبه» أي: كان إزارا أو غيره؛ كما جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود و النسائي وابن ماجة مرفوعا: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قيل: و مثل ذلك الطيلسان و الرداء و الشمله. قال ابن بطال: و إسبال العمامة؛ المراد به إرسال العذبة زائدا على ما جرت به العادة. قيل: و تطويل أكمام القميص تطويلا زائدا على المعتاد من الإسبال. وقد نقل القاضي عياض عن العلماء: كراهة كل ما زاد عن المعتاد في اللباس؛ في الطول والسعة.
ما جاء من الترخيص في استعمال ذي الصورة إذا كانت رقما في ثوب
قوله: «بلغني»: الحديث رواه مالك عن أبي النظر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، قال: فوجد عنده سهل بن حنيف، فدعا أبو طلحة إنسانا فنزع نمطا من تحته فقال له سهل بن حنيف: لم تنزعه؟ قال: كان فيه تصاوير، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما قد علمت؟ قال سهل: ألم يقل: «إلا ما كان رقما في ثوب»؟ قال: بلى، و لكنه أطيب لنفسي. (1/500)
صفحة 501
قوله: «اشتكى أبو طلحة » أي: مرض، و أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الخزرجي من بني مالك بن النجار. قال ابن الأثير: و هو عقبي بدري، قال: و لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم و المسلمون إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيده بن الجراح، و شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و كان من الرماة المذكورين من الصحابة، وهو من الشجعان المذكورين، و له يوم أحد مقام مشهود، كان يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ويرمي بين يديه،<1/406> ويتطاول بصدره ليقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، و يقول: نحري دون نحرك و نفسي دون نفسك، و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل»، و قتل يوم حنين عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. و عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى هذه الآية: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً}[التوبة:40] قال: أرى ربي يستنفرنى شابا و شيخا؛ جهِّزوني، فقال له بنوه: قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، و مع أبي بكر و مع عمر، فنحن نغزو عنك. فقال: جهزوني، فجهزوه؛ فركب البحر فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فلم يتغير و كان زوج أم سليم، أم أنس بن مالك. و قيل: أنه توفي بالمدينة سنة إحدى و ثلاثين و قيل سنة أربع و ثلاثين و هو ابن سبعين سنة، و صلى عليه عثمان بن عفان. و روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن طلحة سرد الصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة. و قال المدائني: مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين، و هذا يشهد لقول أنس: أنه صام بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعين سنة، و الله أعلم.
قوله: «أناس»: منهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء، راوي الحديث عند مالك. (2/1)
صفحة 502
قوله: «فأمر رجلا» يعني: أن أبا طلحة أمر بذلك، و في رواية مالك: فدعا أبو طلحة إنسانا فنزع نمطا من تحته، و لم أقف على اسم هذا الرجل المأمور.
قوله: «قميصا تحته»: و في رواية مالك نمطا من تحته و النمط: بفتح النون و الميم وطاء مهملة، ضرب من البُسُط له خمل رقيق، و انظر الجمع بين العبارتين: فإن القميص من الثياب الملبوسة و النمط من البسط المفروشة، و الظاهر أن المفروش كان قميصا فأطلق عليه اسم النمط مجازا حين صار مفروشا كالبساط، أو أن بعض الرواة تيقن أنه قميص قد فرش، و لم يتيقن الآخر حقيقة المفروش؛ فعبر عنه باسم الفراش المعهود عندهم. و على كل حال ففي رواية المصنف زيادة بيان.
قوله: «فقيل له»: قائل ذلك هو سهل بن حنيف، فإنه كان عنده.
قوله: «ما قد علمتم» يعني: من قوله أن البيت الذي فيه<1/407> تصاوير لا تدخله الملائكة. و في رواية مالك أما قد علمت على طريق الاستفهام لسهل بن حنيف.
قوله: «فقال رجل منهم» أي: من القوم؛ و هو سهل بن حنيف.
قوله: «رقما»: بفتح الراء و سكون القاف أي: نقشا و وشيا.
قوله: «أطيب لنفسي» أي: للبعد عن الصور.
قوله: «و أحوط من الإثم»: زيادة عند المصنف لم يروها مالك. و الحديث يدل على جواز استعمال ما كان رقما في ثوب، و قد تقدم الخلاف في ذلك. و حاصل ما في اتخاذ الصور أنها: إن كانت ذات أجسام حُرم إجماعا، و إن كانت رقما فأربعة أقوال: الجواز مطلقا لظاهر هذا الحديث. و المنع مطلقا حتى الرقم و التفصيل، فإن كانت صورة ثابتة الهيئة؛ قائمة الشكل، حرم. و إن قطعت الرأس و تفرقت الأجزاء جاز. و الرابع إن كان مما يمتهن جاز، و إن كان معلقا فلا.
ما جاء في الأمر بالتجمل في اللباس (2/2)
صفحة 503
قوله: «ذي أنمار»: و في السيرة الحلبية، في ذكر غزوة ذات الرّقاع و تُسمى: غزوة الأعاجيب، و غزوة محارب: و غزوة بني ثعلبة، و غزوة بني أنمار، و هذه الغزوة كانت بعد غزوة بني النظير، و قد تقدم ذكرها في صلاة الخوف. و سمى الحاكم غزوة ذي أمر بغزوة أنمار، و يقال لها غزوة غطفان ،و هذه الغزوة كانت على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فهما غزوتان مختلفتان في التاريخ؛ متقاربتان في الوقائع، و كأنه اشتبه على بعض الرواة إحدى الغزوتين بالأخرى؛ فحكّموا الواقع في هذه عند ذكر الأخرى، وكذلك العكس، و لا أدري أيهما أراد الراوي لهذا الحديث. و سبب غزوة غطفان أنه أُخبر النبيء صلى الله عليه وسلم بأن جمعا من بني ثعلبة وبني محارب وبني أنمار تجمعوا في ذي أمرّ، بفتح الهمزة و تشديد الراء. و هو موضع من ديار غطفان؛ يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة؛<1/408> فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع مائة و خمسين رجلا، فسمعوا بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا في رؤوس الجبال، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ولم يلق حربا، و كانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة. و أنمار هو ابن نزار بن معد بن عدنان و يقال له أنمار الشاة، و في قوله: ذي أنمار إشكال؛ لأنه إذا كان الوصف للغزوة؛ وجب أن يقال: ذات أنمار؛ لأنها مؤنثة، ثم إن في إضافة ذي أنمار إشكال آخر؛ لأن القوم بنو أنمار لا ذو أنمار، و يندفع الإشكال الأول، بما إذا جعلت الغزوة بمعنى السفر؛ فيكون نعتا له من حيث المعنى، و إذا صح هذا التأويل؛ اندفع أيضا الإشكال الثاني؛ لأن المعنى يكون في سفر ذي أنمار، أي: في السفر الذي هم سببه و الأوضح: عبارة أهل السِّير في قولهم غزوة ذي أمرّ: و هو اسم للموضع المتقدم ذكره. (2/3)
صفحة 504
قوله: «نازل تحت شجرة الخ»: هذا يدل على ما صرّحوا به في أمر هذه الغزوة؛ أنهم تفرقوا تحت الشجر؛ فنزل كل رفقة حيث طاب لهم المنزل.
قوله: «هلم» أي: تعال.
قوله: «إلى الظل »: أي لتستريح فيه من حر الشمس، و إنما دعاه إلى الظل و لم يذكر له عنده من الأكل؛ لكون الظل أهم شيء يطلبه من كان في الشمس، و لأن الإعراض عن ذكر المأكول؛ من مكارم الأخلاق، و شيم النفوس الطاهرة، لا سيما إن كان الشيء حقيرا.
قوله: «فمال» أي: عدل عن قصده الأول.
قوله: «فنزل» أي: عن ظهر دابته، و هذا يدل أنهم كانوا قد نزلوا قبله، و لعله كان قد أمرهم بالتقدم و عيّن لهم المنزل، و في تقدمهم سياسة عظيمة، و هي طوالع الجيوش.
قوله: «غرارة»: بكسر المعجمة بعدها مهملتان بينهما ألف هي شبه العدل، و الجمع غرائر.
قوله: «جِروَ قثّاء» بكسر الجيم، و هو الصغير منها و القثاء بكسر القاف و تضم، و همزته أصلية و هو اسم لما يسميه الناس: الخيار و بعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار، و هو مطابق لقول الفقهاء: و لو<1/409> حلف لا يأخذ الفاكهة؛ حنَث بالقثاء و الخيار.
قوله: «و من أين لكم»: استبعاد لوجوده في ذلك المكان البعيد عن البلدان، و فيه جواز أن يسأل الرجل صاحب المنزل عما قُدم له؛ إذا كان النازل كبير الجاه عظيم المنزلة لأن فيه إدخال السرور على صاحب المنزل؛ بانبساطه معه وانشراحه له.
قوله: «نجهزه» أي: نهيء له جهاز خروجه إلى المرعى.
قوله: «ظهرنا» أي: ركابنا سميت بذلك لأن المقصود منها الركوب، و هو إنما يكون على الظهر، و في المَثل أن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي، أي: المنقطع عن أصحابه يهلك مركوبه و لا يقطع قبلهم أرضا.
قوله: «بردان»: تثنية برد بالضم، ثوب مخطط و خص بعضهم به الوشي، قاله ابن سيده.
قوله: «خلقان» تثنية خلق بفتحتين و هو البالي من الثياب. (2/4)
صفحة 505
قوله: «فنظر إليه» أي: نظر منكر لحاله؛ بدليل قوله ألا له ثوبان غير هذين؟ و المعنى: هل اضطر إلى لبسهما حيث لم يجد غيرهما؟ أم اختار الدّون من اللباس مع القدرة على التجمل؟
واختيار الدون مذموم شرعا لهذا الحديث وغيره، و إن لم يبلغ به إلى استحقاق العقاب، و لهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين؛ من الثياب العالي والمنخفض. و في السنن عن ابن عمر يرفعه: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة». و ذكر أبو إسحاق الأصفهاني عن جابر بن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف و إزار صوف وعمامة صوف فاشمأز عنه محمد و قال: أظن أن أقواما يلبسون الصوف و يقولون: قد لبسه عيسى بن مريم، و قد حدثني من لا أتهم: أن النبيء صلى الله عليه و آله و سلم قد لبس الكتان و الصوف و القطن. و سنة نبيئنا أحق أن تتبع، و مقصود ابن سرين من هذا؛ أن قوما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه و يمنعون أنفسم من غيره، و كذلك يتحرون زيا واحدا من الملابس، فيتحرون رسوما، و أوضاعا، و هيئآت يرون الخروج عنها منكرا، و ليس المنكر إلا التقيد بها و المحافظة عليها، و ترك الخروج عنها، و الحاصل أن الأعمال بالنيات و لكل امريء<1/410> ما نوى.
قوله: «في العيبة»: بفتح العين المهملة، ما ُيجعل فيه الثياب وهي في لغتنا: الخرج.
قوله: «كسوته إياهما» أي: أعطيته ليكتسيهما، و فيه دليل على جواز أن يذكر الرجل ما أعطى إذا سلم القصد، و خلصت النية.
قوله: «فأمره» أي: قل له يلبسهما، و هو أمر بأمر.
قوله: «ماله» أي: أي شيء منعه من لبسهما أولا؟ (2/5)
صفحة 506
قوله: «ضرب الله عنقه»: لفظ يراد به غير ظاهره: فهو من الألفاظ الجارية في ألسنة العرب من غير قصد لمعناها، كقولهم: قاتله الله، و تربت يداه، و أرغم الله أنفه، و نحو ذلك، لكن الرجل خاف أن يكون صلى الله عليه و سلم أراد حقيقة اللفظ، فلهذا قال: في سبيل الله فقال صلى الله عليه و سلم: «نعم في سبيل الله». قال جابر: فقتل الرجل في سبيل الله، و هذا إجابة لدعائه صلى الله عليه و سلم في قوله: «نعم في سبيل الله»، فإنه لما سأله الرجل ذلك، دعا له دعاء مستأنفا بهذه العبارة؛ و حاصله أنه سأل أن يعطى الرجل حقيقة اللفظ الجاري على لسانه صلى الله عليه و سلم بعد أن لم يرد حقيقته، و أن يكون ذلك في سبيل الله، فكان ما سأل. و يحتمل أن الرجل اغتنم الفرصة لماّ سمع ذلك اللفظ؛ فمن حرصه على الشهادة؛ صرف اللفظ عن مجراه المعتاد مع علمه بالمراد، و فيه دليل على تمنِّي الشهادة و الرغبة فيها. (2/6)
صفحة 507
قوله: «أليس هذا خيرا له» يعني: مِن لبس الخَلَقين، قال أبو عبيدة: و هذا ترغيب و تحريض من النبيء صلى الله عليه وسلم في التزيُّن للمسلين باللباس الحسن، و قد ورد في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم: «إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال». و في السنن عن أبي الأحوص الحبشيِّ عن أبيه قال: رآني النبيء صلى الله عليه و سلم و عليَّ أطمار، و في رواية النسائي: و عليَّ ثَوْبُ دُونٍ فقال: «هل من مال» قلت: نعم، قال: «من أي المال»؟<1/411> قلت: من كل ما آتى الله من الإبل و الشاء، قال: «فكثر نعمته و كرامته عليك»، و في رواية النسائي قال: «فإذا آتاك مالا فليرى أثر نعمة الله عليك وكرامته»، و في حديث جابر، أنه عليه السلام رآى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: «ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه»؟ و رأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: «ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه»؟ رواه أحمد. و في السنن: «أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، و لأجل محبته تعالى للجمال؛ أنزل على عباده لباسا يواري سوءاتهم، و ريشا و لباس التقوى ذلك خير. و قسّم بعضهم الجمال إلى ثلاثة: منه ما يحمد، و منه ما يذم، و منه ما لا يتعلق به مدح و لا ذم. فالمحمود منه: ما كان لله و أعان على طاعة الله و تنفيذ أوامره، كما كان صلى الله عليه و سلم يتجمّل للوفود، و هو نظير لباس آلة الحرب للقتال. و المذموم منه: ما كان للدنيا و الرياسة و الفخر و الخيلاء، و أن يكون هو غاية العبد و أقصى مطلبه، فإنّ كثيرا من النفوس ليس لها همّة في سوى ذلك. و أمّا الذي لا يحمد و لا يذمّ فهو: ما خلا من هذين القصدين و تجرّد عن الوصفين، والله أعلم.
الباب السادس والأربعون
الباب السادس والأربعون في صلاة الجمعة وفضل يومها (2/7)
صفحة 508
و إنما ذُكر هذا الباب بعد حديث التجمّل بالثياب، إشارة إلى أن التجمل بها من سنن الجمعة، والجمعة (بضم الجيم والميم) وهي اللّغة الفصحاء، وقد تُسكّن الميم وتُفتح، قيل: سمّيت بذلك لأن خلق آدم جمع فيها، وقيل: لاجتماعه بحوّاء في الأرض في يومها، وقيل: لما جُمع فيه من الخير، وكانت تسمّى في الجاهلية بالعروبة.
ما جاء في اختيار يوم الجمعة على سائر الأيام
قوله: «أبو عبيدة»: الحديث مرسل عند المصنّف رضي الله عنه، وقد رواه الشيخان عن <1/412> أبي هريرة.
قوله: «نحن»: أي: أنا وأمتي «الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة»: المراد الآخرون: زمانا ووجودا في الدنيا، والأوّلون: منزلة وجاها عند الله تعالى، والسابقون: يوم القيامة فإنّهم أول من يُحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضي بينهم، وأول من يدخل الجنة، وفي حديث حذيفة: عند مسلم "نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق": والاعتبار بالوجود المعنوي دون الوجود الحسِّي، على أَنَّ في تقدم المتأخر وجودا من الفضل ما لا يخفى، ولأجل اعتبار التقدم المعنوي أَذِنَ عمر رضي الله عنه لبلال قبل العباس وأبي سفيان وذلك في أيام خلافته، اجتمع جماعة من الصحابة على بابه وأرادوا الاجتماع بجانبه منهم العباس، وأبو سفيان، وبلال، وغيرهم، وأَعلمه الخادم بحضورهم فأذن لبلال أن يدخل فدخل في قلب أبي سفيان بعض الحميّة، فقال للعباس: ألا ترى أنه يُقَدِّم مولى علينا معاشر أكابر العرب؟ فقال له العباس: الذنب لنا فإنا تأخرنا في دخول الإسلام وتقدّم بلال. (2/8)
صفحة 509
قوله :«بَيْدَ»: بمُوحَّدة مفتوحة فَتَحتانية ساكنة، كغَيْر وزنا ومعنى ، وبه جزم الخليل، و الكسائي، ورجحه ابن سيده، وقيل: معنى بيد من أجل، واستبعده عياض. قال ابن حجر: ولا بُعد فيه بل معناه أنا سبقنا بالفضل إذ هُدِينا للجمعة مع تأخُّرنا في الزّمان؛ بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدمهم، وقال الداودي هي بمعنى: على، أو مع ، قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير، فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى مع فنصب على الظرف، قال الطيبي: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى نحن السّابقون للفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النسخ لأن الناسخ هو السّابق في الفضل، وإن كان متأخرا في الوجود؛ وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: نحن الآخرون مع كونه أمرا واضحا.
قوله: «أنهم»: يعني اليهود، و النصارى، وغيرهم من المتديِّنين بأديان الأنبياء السابقين.
قوله: «أوتوا»: أي: أُعطوا، والمراد بالكتاب الجنس الشامل<1/413> للتوراة والإنجيل والقرآن، والضمير في أُوتيناه للقرآن.
قوله: «هذا يومهم»: الإشارة إلى يوم الجمعة، وإنما أضافه إليهم لأنهم اختلفوا فيه، والإضافة تصحّ بأدنى ملابسة. (2/9)
صفحة 510
قوله:«الذي اختلفوا فيه»: أي: في تعيينه للطاعة وقبوله العبادة، وضلّوا عنه. وفي رواية الشيخين:"ثم هذا يومهم الذي فُرض عليهم" يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه فهدانا الله له. قال ابن حجر: والمراد بفرضه فرض تعظيمه. وقال غيره: فرض عليهم استخراجه بأفكارهم وتعيينه باجتهادهم. وقال ابن بطّال ليس المراد يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدلّ _ والله أعلم _ أنه فرض عليهم يوم الجمعة، وُكِل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أيِّ الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة. وقال النووي: يمكن أن يكون أمروا به صريحا، فاختلفوا هل يلزم تعيينه أو يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا. وعن مجاهد في قوله تعالى:{ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل:124]، قال: أرادوا الجمعة فأخطؤوا وأخذوا السبت مكانه .وعن السدي أن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى إن الله تعالى لم يخلق في السبت شيئا فاجعله لنا، فجعل عليهم. قال بعض :وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله :{وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ}[البقرة:58]، وغير ذلك، وكيف وهم القائلون سمعنا وعصينا. (2/10)
صفحة 511
قوله:« فهدانا الله إليه»: أي: لهذا اليوم وقبوله والقيام بحقوقه، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: {فَهَدَى اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ }[البقرة:213]، وهذه الهداية يُحتمل أن تكون بسبب اجتهاد منهم وتوفيق من الله تعالى، وأن تكون ببيان من الله تعالى على لسان نبيئه صلى الله عليه وسلم. قال بعض قومنا: فرض الله على عباده أن يجتمعوا يوما ويُعَظِّموا فيه خالقهم بالطّاعة لكن لم يبيِّن لهم، بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم ويعيِّنُوه باجتهادهم وأوجب على كل قبيل أن يتبع ما أدّى إليه اجتهاده صوابا كان أو خطأ كما في المسائل الخلافية. فقالت اليهود: يوم السبت لأنه يوم فراغ وقطْعُ عمل؛ لأن الله تعالى فرغ من خلق السّموات والأرض؛ فينبغي أن ينقطع الناس <1/414> عن أعمالهم ويتفرَّغوا لعبادة مولاهم. وزعمت النصارى: أن المراد يوم الأحد لأنه يوم بدئ الخلق الموجب للشكر والعبادة، فهدي الله المسلمين ووفقهم للإصابة حتىَ عيَّنوا الجمعة وقالوا: إن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، وكان خلق الإنسان يوم الجمعة، وكانت العبادة فيه لفضله أولى؛ لأنه تعالى في سائر الأيام أوجد ما يعود نفعه إلى الإنسان، وفي الجمعة أوجد نفس الإنسان؛ والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى. وقال بعضهم: يُحتمل أنه تعالى نصَّ لنا عليه وأنه وفَّقَنا للإصابة لما صح عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار:إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك؛ فلنجعل يوما نذكر الله تعالى ونصلي ونشكر فيه فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم بومئذ ركعتين، وذكرهم فسمّوه يوم الجمعة. (2/11)
صفحة 512
وأنزل الله تعالى بعد ذلك{إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة:09].
قوله: «والناس»: أي: أهل الكتابَيْن، كنّى عنهم بذلك لكثرتهم.
قوله: «لنا فيه تبع»: لنا متعلق بتبع، قُدّم لإفادة الحصر، ووجه كونهم تبعا لنا؛ أنّ الأيام الثلاثة متوالية، ولا شك في تقدّم يوم الجمعة، والمعنى: نحن اخترنا يوم الجمعة، واليهود اختاروا ما بعدها، والنصارى بعد يوم اليهود، وفيه إيماء إلى أنّ السّبق المعنوي لنا، فإنهم مع التقدّم في الوجود اختاروا التأخّر عنا، وتركوا لنا التقدّم عليهم. { لِّيَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىا شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[الحديد:29].
قوله: «اليهود غدا والنصارى بعد غد»: تفسير لقوله: تبع. قال القرطبي: غدا هنا منصوب على الظرف، وهو متعلق بمحذوف تقديره اليهود يعظّمون غدا، وكذا قوله: بعد غدٍ، ولابدّ من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة.
ما جاء في فضل يوم الجمعة وساعة الإجابة
<1/415>قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضا مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. (2/12)
صفحة 513
قوله: «إلى الطور»: قيل: هو في اللغة كلّ جبل، إلا أنّه في عُرف الشرع جبل مخصوص، وهو الذي كُلّم فيه موسى، ويسمى طور سيناء، وظاهر خروج أبي هريرة إلى الطور أنه إنما أراد التبرّك. وزاد مالك في آخِر الحديث قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيليا أو بيت المقدس": يشُكّ [أيهما قال]. قال ابن عبد البر: وإن كان أبو بصرة رآه عاما فلم يره أبو هريرة إلا في الواجب من النذور، وأما في التبرك كالمواضع التي يُتَبرّك بشهودها، والمباح: فكزيارة الأخ في الله؛ فليس بداخل في النهي. ويجوز أنّ خروج أبي هريرة إلى الطور لحاجة عنت له. وقال السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى يسافر إليها لذلك الفضل غير هذه الثلاثة، وأما غيرها فلا يسافر إليها لذاته بل لمعنىً فيها؛ من عِلْم أو جهاد أو نحو ذلك، فلم تقع المسافَرة إلى المكان، بل إلى من في ذلك المكان.
قوله: «كعب الأحبار»: ابن ماتع، يكنّى أبا إسحاق وهو من حِمْيَر، أدرك زمن النبيء صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب. روى عن عمر وصهيب وعائشة ومات بحِمْص، سنة اثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان. والأحبار: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها، وأضيف كعب إلى الأحبار لأنه ملجأ العلماء؛ علماء ملّته الأولى، ويضاف إلى الحِبْر لكثرة كتابته به، والإضافة في الموضعين للتخصيص، على حدّ قولهم: زيد الخيل.
قوله: «فجلست»: يعني: للمذاكرة.
وقوله: «فحدثني عن التوراة»: أي: ذكر لي بعض ما فيها.
وقوله: «وحدّثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»: أي: ذكرت له بعض ما سمعت منه. (2/13)
صفحة 514
قوله: «خير يوم»: أي: نهار. قال القرطبي: <1/416> خير وشر يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة فأصلهما أَخْيَر وأَشْرَر، على وزن أفعل، وهي هنا للمفاضلة غير أنها مضافة إلى اليوم الموصوف بقوله: طلَعَت عليه الشمس.
قوله: «يوم الجمعة»: هذا يقتضي أنّ يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة، و الأصح عندهم أنّ يوم عرفة أفضل، وجمع بأنه أفضل أيام السنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع.
قوله: «فيه خلق اللّه آدم»: إلى آخر الخصال المعدودة تعليل للتفضيل، وكان خلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة. وقال القاضي عياض: الظاهر أنّ هذه الفضائل المعدودة ليست بذكر فضيلته، لأنّ الإخراج من الجنة وقيام الساعة لا يُعدّ فضيلة؛ وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام، وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله تعالى ودفع نقمته. ورُدَّ بأن الجميع من الفضائل. وخروج آدم من الجنة سبب لوجود الذريّة، وهذا النسل العظيم ووجود المرسلين والأنبياء والأولياء والصالحين، ولم يخرج منها طردا؛ بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها. وأما قيام الساعة، فسبب لتعجيل جزاء النبيئين والصديقين والأولياء والصالحين، وإظهار كرامتهم وشرفهم.
قوله: «وفيه تاب الله عليه»: أي: وفّقه للتوبة وقبلها منه، وهي أعظم المنّة عليه قال تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىا}[طه:122]. (2/14)
صفحة 515
قوله: «وفيه أُهبط»: (بالبناء للمفعول)، وذكر الإهباط مقدّم في رواية القوم على التوبة، وهو مؤخّر عند المصنّف رضي الله عنه. وفي حديث عند مسلم عن أبي هريرة: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة"، فذَكر فيه خصلتين ليستا في هذا الحديث، هما إدخاله الجنة، وإخراجه منها، فيكون قد أُخرج من الجنة إلى السماء، ثم أُهبط من السماء إلى الأرض. قال ابن كثير: فإنْ كان يوم خلقه يوم إخراجه، وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر. فإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خُلق فيه، وقلنا إنّ كل يوم بألف سنة كما قال ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير. <1/417> فقد لبث هنالك مدة طويلة، انتهى. وإنما عدّ الإهباط من فضائل يوم الجمعة، لكونه سببا لوجود هذا العالم وعمارته على هذا الحال، وهو أيضا منّة على آدم عليه السلام، فإنه تعالى أراد أن يتداركه بعد النزول بالطاعة والعبادة فيرتقي إلى أعلى درجات الجنة، وليعلم قدْر النعمة لأن المنحة تتبيّن عند المحنة.
قوله: «وفيه مات»: بعد أن عمّر ألف سنة كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعا، وقيل: إلا سبعين، وقيل: إلا ستين، وقيل: إلا أربعين، قيل: بمكّة ودفن بغار أبي قبيس، وقيل: عند مسجد الخيف، وقيل: بالهند، وصحّحه ابن كثير، وقيل: بالقدس عند الصّخرة ورجلاه عند مسجد الخليل، وإنما ذِكْر موته عليه السلام من فضائل الجمعة؛ لأنّ الموت تحفة المؤمن، كما ورد عن ابن عمر مرفوعا. قال القاضي: لاشكّ أنّ خلْق آدم فيه يوجب له شرفا، وكذا وفاته فإنه سبب لوصوله إلى الجناب الأقدس، والخلاص عن النكبات.
قوله: «وفيه تقوم الساعة»: وهي النفخة الأولى التي ينقضي بها عُمُر الدنيا، وفي ذلك نعمتان عظيمتان للمؤمنين: تعجيل ثوابهم وتعذيب أعدائهم. (2/15)
صفحة 516
قوله: «مُسِيخَة»: (بضم الميم وكسر السين المهملة ثم مثناة تحتية ثم خاء معجمة مفتوحة) أي: مُسْتمعة مُصِغية، ورُوي بالصاد مكان السين، وهما بمعنىً، قال ابن الأثير: والأصل الصاد.
قوله: «ليلة الجمعة»: وفي رواية قومنا: "يوم الجمعة من حين تُصبِح حتى تطلع الشّمس"، وفيها زيادة بيان فإنّ الإصغاء في روايتهم يكون ما بين الفجر وطلوع الشّمس، وفي رواية المصنّف: أن الإصغاء في الليل كلّه، ويمكن الجمع بأنْ يقال أنها تُصغي في اللّيل كلّه، ويشتدّ خوفها وإصغاؤها من حين تُصبِح إلى أن تطلع الشّمس وفيه أنّ قيامها بين الفجر وطلوع الشّمس كذا قيل، والظاهر أنّه إنما يشتدّ خوفها في ذلك الوقت؛ لأنّه وقت الطّلوع، فتخشى أنْ تطلع من مغربها، فإذا طَلَعَت مِن موضعها المعتاد وهو: المشرق أمنت الدوابّ، وقيامها يوم الجمعة لا ينافي قوله تعالى :{قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} [الأعراف:187]، لأنّ يوم الجمعة متكرّر مع أيّام الدنيا
قوله: «إشفاقا»: أي: خوفا، وفي رواية قومنا: "شَفْقا من الساعة" أي: من قيامها كأنّها عَلِمَت أنهّا تقوم يوم الجمعة، فتخاف من قيامها كلّ جمعة، وإذا كانت الدوابّ خائفات في تلك الساعة، فينبغي للإنسان الكامل أن يكون أشدّ خوفا، إذ <1/418> خوف الدوابّ من تصيير التراب، وخوْف أُولي الألباب من سدّ الباب، وعظيم العقاب. (2/16)
صفحة 517
قوله: «إلا الجن والإنس»: استثناء متّصل لأنّ اسم الدّابة يقع على ما دبّ ودرج، قيل وَجْه عدم إشفاقهم أنهم علموا أن بين يدي السّاعة شروطا ينتظرونها، واستبعد بأنّا نجد منهم من لا يصيخ، ولا علم له بالشروط، وقد كان النّاس قبل أنْ يعلموا بالشروط لا يصيخون. قال ابن عبد البرّ: وفيه أنّ الجنّ والإنس لا يعلمون من أمر الساعة ما يعرفه غيرهم من الدوابّ، وهذا أمر يقْصُر عنه الفهم. وقال الطيبي: وجه إصاخة كلّ دابّة وهي لا تعقل أنّ الله يلهمها ذلك، ولا عجب عند قدرة الله سبحانه. قيل: وحكمة الإخفاء عن الثّقلين أنهم لو كُوشِفوا بذلك؛ اختلفت قاعدة الابتلاء والتكليف، وحقَّ القول عليهم. قيل: إنّه تعالى يُظهِر يوم الجمعة من عظائم الأمور وجلائل الشؤون ما تكاد الأرض تميد بها، فتبقى كلّ دابّة ذاهلة دهِشَة كأنهّا مُصيخَة للرّعب الذي داخَلَها شَفْقا لقيام الساعة.
قوله: «وفيه ساعة»: إنما نكّرَها للتقليل، كما يدلّ عليه تصغيرها في الحديث الآتي، وقوله: «فيه» فأشار إلى تقليلها بيده.
قوله: «لا يصادفها»: أي: يوافقها قصدا أو موافَقَة من غير قصد.
قوله: «وهو قائم يصلّي»: وفي رواية قومنا: "وهو يصلّي" بإسقاط قائم، والمراد بالصّلاة الدعاء، بدليل قوله: «يسأل الله شيئا» فإنّه تفسير لقوله: «يصلّي» أو معناه انتظار الصلاة. بدليل ما رَوَى مالك في آخر الحديث. قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يصادفها عبد مسلم وهو يصلي فيها"؟ فقال عبد الله بن سلاَم: ألم يَقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جلَس مجْلِسا ينتظر الصّلاة فهو في صلاة حتى يصلّي"؟ قال أبو هريرة: فقلت: بَلَى، قال: فهو ذلك.
قوله: «يسأل الله شيئا»: يليق بالمسلم على كمال آداب الدّعاء.
قوله: «إلاّ أعطاه إياه»: ولابن ماجه من حديث أبي أُمامة، ما لم يَسْأل حراما. (2/17)
صفحة 518
قوله: «في كل سنة يوم»: أي: ساعة الإجابة تكون يوم الجمعة في كل عام مرة. قال أبو عمر فيه: إنّ العالم يخطأ، وربما قال على أكثر ظنه: فيخطئه ظنّه، <1/419>وأنّ العالم إذا ردّ عليه طلب التثبّت فيه، وإنما أخذ ذلك من قوله: «فقرأ كعب التوراة... إلخ». فإنه التمس الحقّ من موضعه، ثم رجع إليه بعد أن استبان له، ولم يتوقّف شكًّا في إخبار النبي؛ وإنما توقّف خوف الخطأ في النّقل، على أن أبا هريرة لم يصرّح له أنّ ذلك نصّ؛ وإنما قال: "بل في كلّ جمعة يوم"، فخاف كعب أن يكون ذلك استنباطا من أبي هريرة، تمسّكا بالعموم، فراجع التوراة فرأى النص مطابقا للواقع، وأخبار الله لا تختلف. ويبحث بأنّ الجمعة من خواص هذه الأمة، فكيف وجدها كعب في التوراة؟ والجواب: أنّ في التوراة أخبارا عن المغيّبات فلا يبعد أن يكون فيها ذكر الجمعة، وذكر فضلها على أنّ فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم، ويُحتَمَل أنْ يكون ذُكِرت الجمعة مع نعته.
قوله: «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم »: هذا يدلّ على أنّ كعبا لماّ وجد ذلك في التوراة صدّق أبا هريرة في نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل لأبي هريرة صدقت لأن موافقة ما في التوراة إنما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن لأبي هريرة. زاد مالك وأبو داود والنسائي وأحمد، قال أبو هريرة: "لقيت عبد الله بن سلام فحدّثته في مجلسي مع كعب الأحبار وما حدّثته به في يوم الجمعة، فقلت له: قال كعب ذلك في كل سنة يوم، قال عبد الله بن سلام: كذب كعب فقلت له: ثم قرأ كعب التوراة فقال: بل هي في كل جمعة، فقال عبد الله بن سلام صدق كعب".
قوله: «قال جابر »: يعني ابن زيد رضي الله عنه. (2/18)
صفحة 519
قوله: «هي آخر ساعة يوم الجمعة»: (بتنوين ساعة وفتح يوم على الظرفية)، وهذا القول الذي اختاره جابر رضي الله عنه، أحد أقوال في ساعة الجمعة، وقد كثُر الخلاف في ذلك وتعدّدت فيه الأقوال حتى أنهاها بعضهم إلى ثلاثة وأربعين قولا، ذكرْتُ طرفأ منها في المعارج، والذي ذكره جابر قد رجحه جمع من العلماء، وحكى الترمذي عن أحمد أنه قال أكثر الأحاديث عليه، وقال ابن عبد البر:ّ أنه أثبَتُ شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناسا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثمّ افترقوا فلم يختلفوا <1/420> أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. (2/19)
صفحة 520
قوله: «وكذلك بلغني عن عبد الله بن سلام»: (بتخفيف اللام الإسرائيلي)، يكنّى أبا يوسف، كان من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وكان حليفا لبني عوف بن الخزرج، وهو أحد الأحبار، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، وزاد مالك وأبو داود والترمذي والنسائي في آخر حديث أبي هريرة المذكور "ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أيّة ساعة، قال أبو هريرة فقلت: أخبِرني بها ولا تضن عليّ، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة: فقلت: وكيف يكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي"؟، وتلك ساعة لا يصلّى فيها. فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في الصلاة حتى يصلي"؟، قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذلك"، وروى ابن ماجه: من طريق أبي النظر، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، إنّا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة، فقلت: صدقت أو بعض ساعة: قلت أيّ ساعة هي؟ قال: "هي آخر ساعات النهار"، قلت: إنها ليست ساعة الصلاة، قال: بلى، إنّ العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في الصلاة. فإن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بشرطه، مع أنّ الزمان يختلف باختلاف البلاد والمصلّي، فيتقدّم بعض على بعض، وساعات الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتّفق مع الاختلاف؟ أجيب: باحتمال أنّ ساعة الإجابة متعلّقة بفعل كل مُصلٍّ كما قيل، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت المُمتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي خفيفة والله أعلم.
ما جاء في تقليل ساعة الإجابة (2/20)
صفحة 521
<1/421> قوله: «ذكر النبيء صلى الله عليه وسلم»: الحديث رواه أيضا الجماعة عن أبي هريرة، مع مُغايَرة لبعض الألفاظ، إلا أنّ الترمذي وأبا داودلم يذكرا القيام، ولا يقللها.
قوله: «سويعة»: (بصيغة التصغير للتقليل)، فإنّها قطعة من الزمان صغيرة، وفي رواية الجماعة ساعة غير مصغّر، وقد أبهمها كَلَيْلة القدر والاسم الأعظم، حتى تتوفّر الدّواعي على مراقبة ذلك، وقد ورد أنّ لِرَبّكم في أيام دهركم نفحات أَلاَ فَتَعرَّضوا لها، ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام، فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرِّضا لها؛ بإحضار القلب، وملازمة الذِّكْر والدّعاء، والنّزوع عن وساوس الدنيا، فعساه يُحظى بشيء من تلك النفحات.
قوله: «لا يوافقها»: أي: لا يصادفها وهو أعمّ من أنْ يقصدها أو يتّفق وقوع الدعاء فيها.
قوله: «شيئا»: أي: ما يليق أن يدعُوَ به المسلم، وفي روايتين عند البخاري ومسلم: "يسأل الله خيرا".
قوله: «إلا أعطاه إياه»: ولأحمد من حديث سعد بن عبادة: "ما لم يَسأل إثما أو قطيعة رحم".
قوله: «إلى تقليلها بيده»: وفي رواية الجماعة: "وقال: بيده قلنا: يقلّلها يزهّدها"، ولم يذكر الترمذي وأبو داود يقلّلها، وفي رواية مالك: "وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يقلّلها"، وإنما قلّلها ترغيبا فيها وحضّا عليها؛ ليسارة وقتها، وغزارة فضلها، والله أعلم.
ما جاء في الغسل يوم الجمعة (2/21)
صفحة 522
قوله: «الغسل يوم الجمعة»: الحديث رواه المصنّف من طريقين: من طريق عائشة وأبي سعيد الخدري، وقد رواه مالك ومسلم والبخاري عن أبي سعيد أيضا، وله عند أهل السّنن طرق، ولفظه في الصّحيحين موافق للَفْظ المصنّف، ورواية مالك: "غسل يوم الجمعة واجب <1/422> على كلّ محتلم"، بإضافة غسل إلى اليوم، واستدلّ بعضهم بهذه الإضافة على أن الغسل من حقوق اليوم، لا من حقوق الصلاة، وهو قول جماعة من الناس، ومقتضاه مَسْنونيّة الغسل في يوم الجمعة لكل بالغ، ولو لم يحضر الجمعة، وذهب آخرون إلى أنّه من حقوق الصلاة، لا من حقوق اليوم، ومقتضاه مَسْنونيّة الغسل لِمَن أراد الحضور خاصّة، وهو قول الأكثر. (2/22)
صفحة 523
قوله: «واجب على كل محتلم»: أي بالغ وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، واستدلّ به على دخول النّساء في ذلك، وقوله: واجب يحتمِل معنيين أحدهما: الوجوب الشرعي المُعاقَب تاركه، وبه قال أهل الظّاهر وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر، ونقَلَه ابن المنذر والخطابي عن مالك، وردّ بأنّ ذلك ليس بمعروف في مذهبه. والوجه الثاني: أنّه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، كَمَا يُقال إكرامك عليّ واجب؛ فيفيد تأكيد المسنونيّة دون الفرضية، وهو قول الأكثر، وعليه المذهب، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أنّ صلاة الجمعة بدون الغسل مجزية، لكنْ حَكَى الطبريّ عن قوم: أنهم قالوا: بوجوبه ولم يقولوا: أنّه شرط؛ بل هو واجب مستقلّ تصحّ الصلاة بدونه، وردّ بأنّه يلزم من ذلك تأثيم عثمان حين ترك الغسل يوم الجمعة، في خلافة عمر، والحال أنّه لم يَقُلْ بتأثيمه أَحدٌ من الصحابة، وكان يوما مشهودا. وسُئِل مالك عن غسل يوم الجمعة: أواجب هو؟ قال: هو سُنّة ومعروف، قيل، أنّه في الحديث واجب، قال: ليس كلّ ما جاء في الحديث يكون كذلك. قال ابن عبد البرّ ليس المراد أنّه فرض، بل هو مُؤوَّل، أي: واجب في السنّة أو في المروءة، أو في الأخلاق الجميلة، كقول: العرب وجب حقّك. والحجّة لنا على صرفه عن ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "من توضّأ يوم الجمعة، فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل"، ووجه الدّلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنّه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم جواز الاقتصار على الوضوء. وكذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: "من توضّأ فأحْسَنَ الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأَنْصَت غُفِر له"، أخرجه مسلم، فذكر الوضوء <1/423>وما معه مرتّبا عليه الثواب المُقتضي للصّحّة، يدلّ على أنّ الوضوء كافٍ. (2/23)
صفحة 524
وسُئِل ابن عباس عن الغسل يوم الجمعة: أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنّه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيّقا، فلمّا آذى بعضهم بعضا، قال صلى الله عليه وسلم: "أيّها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا"، قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّع المسجد، أخرجه أبو داود.
ما جاء في كيفية الغسل يوم الجمعة وفضل الرواح إليها
قوله: «عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه المصنف عنهما معًا، وهو عند مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة فقط.
قوله: «من اغتسل»: عموم يدخل فيه كلّ من يصحُّ التقرّب منه من ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد.
قوله: «كغسل الجنابة»: وفي رواية مالك: "غسل الجنابة" ورواية المصنف أَظهَر في المُراد؛ لأن التّشبيه للكيفيّة لا للحكم، وعند عبد الرزّاق من رواية ابن جريج عن سمي: "فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة" وقيل: في رواية مالك إشارة إلى الجماع يوم الجمعة، ليغتسل فيه من الجنابة؛ والحكمة فيه أن تَسكُن نفسه في الرواح إلى الصلاة، ولا تمتدّ عينه إلى شيء يراه. وفيه أيضا حَمْل المرأة على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حَمْلُ قائلي ذلك حديثَ: "من غسَّل واغتسل"، المخرَّج في السنن. قال النووي: وهو ضعيف أو باطل.
قوله: «ثم راح»: أي: ذهب إلى الجمعة وزاد في الموطأ في الساعة الأولى. (2/24)
صفحة 525
قوله: «قرّب»: بالتشديد أي: تصدّق بها متقرّبا إلى الله تعالى. والبَدَنة (بفتحتين) البعير ذكرا كان أو أنثى، والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث، وكذا في بقرة وما بعدها، وقد تُطلَق البدنة على البقرة <1/424>أيضا، لكنّها غير مُراد في الحديث، بل يتعيّن حَمْله على الواحدة من الإبل؛ لِذِكر البقرة في الساعة الثانية، وقيل: المراد أنّ للمُبادِر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب، ممّن شُرِع له القربان، لأنّ القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة، وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوُت المُبادِرَيْن إلى الجمعة. وأنّ نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلا، وهو الُمتَبادَر عند ذوي الأفهام، ويدلّ عليه أن في مُرسَل طاوس عند عبد الرزاق، كفضل صاحب الجَزُور على صاحب البقرة.
قوله: «فكأنما قرّب بقرة»: (بفتحتين) يُطلَق على الذكر والأنثى، والتاء للوحدة.
وقوله: «أقرن»: أي: ذا قرنَيْن، وصفه بذلك لأنّه أكمل خلقة، وأحسن صورة، قيل: ولأنه يُنتَفع بقرنه. (2/25)
صفحة 526
وقوله: «دجاجة»: (بتثليث الدّال والفتح أفصح)، والبيضة (بفتح المُوَحّدة وسكون المثنّاة) للطّائر بمنزلة الولد للدوابّ، وهي أدنى مراتب الرّائحين إلى الجمعة، لأنها تكون للرّائح في الساعة الخامسة. قال الربيع رحمة الله عليه: "لا يريد عدد السّاعات وإنما يريد أوّل الوقت وآخره، يعني أنّه أراد بذكر الساعات بيان مراتب الّرائحين إلى الجمعة وأن الرّائح أول الوقت أفضل ممن جاء بعده". وقال غيره: حَمَلها على ساعات النّهار الزمانية المنقسمة إلى اثنى عشر جزءًا، تبعد إحالة الشرع عليه لاحتياجه إلى حساب ومراجعة آلات تدل عليه، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فالمتهجّر إلى الجمعة كالمُهدي بدنة" الحديث. وقال مالك وأصحابه إلا القليل منهم وإمام الحرمين والقاضي حسين: إنّ الساعات لحظات لطيفة، أولها زوال الشمس وآخرها قعود الإمام على المنبر، لأن الساعة تُطلق على جزء من الزمان غير محدود، تقول جئت ساعة كذا. قالوا: وقوله في الحديث ثم راح يدل على ذلك، لأنّ حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدو من أوّله إلى الزوال، قال تعالى: { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}[سبأ:12]، وقال الجمهور من قومنا: أنّ المراد ساعات <1/425> النّهار من أوّله فاستحَبّوا المسير إليها من طلوع الشمس، وفيه نظر؛ لأنه لو كان المراد الساعات الفلكية، للزم منه أن تكون الصلاة في الخامسة، وهي قبل الزوال بساعة، والجمعة لا تصِحّ إلا بعد الزوال. (2/26)
صفحة 527
قال المازري: تمسَّك مالك بحقيقة الرواح، وتجوز في الساعة، وعَكَس غيره، قلت: ليس في إطلاق الساعة على اليسير من الزمان تجوز؛ لأنها في اللّغة تُطلَق حقيقة على الجزء اليسير، وتحديدها بالحد المخصوص عُرف طارئ، وقال بعض المالكية: لم يعرف أن أحدا من الصحابة كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة من طلوع الشمس، ولا يمكن حَمْل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة، قال: وعلى ذلك عَمِل الناس جيلا بعد جيل، كذا قال والله أعلم بصحة ذلك.
قوله: «فإذا خرج الإمام»: أي: من منزله إلى الجامع، واستنبط بعضهم منه أن الإمام لا يستحَبّ له، المبادرة بل يستحب له التأخّر، إلى وقت الخطبة، قال الباجي: لا دليل فيه على ذلك، ولعله يحمل خروج الإمام على خروجه من جملة الناس إلى المنبر. (2/27)
صفحة 528
قوله: «حضرت»: (بفتح الضاد أفصح من كسرها)، والذِّكر الذي يستمعونه ما في الخطبة من المواعظ وغيرها، وهو الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه في قوله: {فَاسْعَوِا اِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]، ويمكن أنْ يكون المراد بالذكر في الآية الصلاة، والملائكة المستمعون قيل: هم غير الحَفَظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، وفي رواية للشيخين من طريق الزّهري عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا كان يوم الجمعة، وَقَفَت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول"، فذكر الحديث إلى أن قال: "فإذا جلس الإمام طَوَوْا الصّحف، وجاءوا يستمعون الذكر ونحوه"، في رواية ابن عجلان عن سمي، عند النسائي: "فكان ابتداء طيّ الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهوأوّل استماعهم للذكر، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعا: "إذا كان يوم الجمعة بَعَث الله ملائكة بصُحُف من نور وأقلام من نور"، الحديث فبَيّن صفة الصحف، ودل على أنهم غير الحفظة والمراد بطيّ الصحف، طي <1/426>صحف الفضائل المتعلقة بالمبادِر إلى الجمعة دون غيرها؛ مِن سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعا، وفي حديث الزهري عند ابن ماجة: "فمن جاء بعد ذلك فإنما يجيء لحقّ الصلاة". (2/28)
صفحة 529
وفي رواية ابن جريج عن سمي، زيادة في آخره هي: "ثم إذا استمع وأنصت غُفِر له ما بين الجمعتين"، وزيادة ثلاثة أيام في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن خزيمة فيقول: "بعض الملائكة لبعض ما حَبَس فلانا؟ فتقول: اللهم إن كان ضالا فاهده، وإن كان فقيرا فأغنه، وإن كان مريضا فعافه"، وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: الحضّ على الغسل يوم الجمعة، وفضله وفضل السّبق إليها، وأنّ مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأنّ القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع، وأن التقرّب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، وهو متفق عليه في الهدي، وكذلك في الضحايا عند الأكثر، وقال مالك: الأفضل في الضحايا الغنم، وعلّل ذلك بعض أصحابه، بأنه صلى الله عليه وسلم ضحّى بكبشين أملحين، وأكثر ما ضحى به الكباش، وقيل فرَّق مالك بين التقرُّبَيْن باختلاف المقصودين، لأنّ أصل مشروعية الأضحية؛ التذكير بقضية الذبيح، وهو قد فُدِي بالغنم، والمقصود بالهدْي؛ التوسعة على المساكين، فناسب البدن.
ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة
قوله: «أدركت ناسا»: هذا يدلّ على أنه أَخَذ الحديث عن جماعة من الصحابة، وقد رواه مالك عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، أنّ الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير، ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}[الغاشية:1].
قوله: «يوم الجمعة»: <1/427>يعني في صلاتها. (2/29)
صفحة 530
وقوله: «على أثر سورة الجمعة»: يعني في الركعة الثانية وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة دائما، ويقرأ في الثانية {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. ومرة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَىا}[الأعلى:1]، ورَوَى أحمد والنسائي وأبو داود عن سمرة بن جندب، أنّ النبيء صلى الله عليه وسلم: كان يقرأ في الجمعة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَىا}و {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، وعن أبي عنبسة الخولاني عند ابن ماجة أن النبيء صلى الله عليه وسلم: كان يقرأ في الجمعة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَىا}و {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، وفي حديث ابن عباس عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم: كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح {أَلَمِّ(1) تَنزِيلُ}[السجدة:1-2]، و {هَلَ اَتَىا عَلَى الاِنسَانِ}[الإنسان:1]، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. وقد استُدِلّ بأحاديث الباب على أن السنّة أنْ يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، أو في الأولى: بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَىا}،وفي الثانية {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، أو في الأولى بالجمعة، وفي الثانية {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، فهذه ثلاثة أوجه مُستفادة من أحاديث الباب، لكن حديث المصنّف مُشعِر بأنّ أكثر قراءته صلى الله عليه وسلم فيها بسورة الجمعة، {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، ولهذا ذهب مالك، وأجاز في الثانية {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَىا}، وجملة قوله أنه لا يترك الجمعة في الأولى، ويقرأ في الثانية بما شاء، وقال إنّه أدرك الناس يقرؤون في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بسبح. (2/30)
صفحة 531
وقال أبو حنيفة و أصحابه ورواه ابن أبي شيبة في المصنّف عن الحسن البصري أنه: يقرأ الإمام بما شاء وقال ابن عيينة: يُكره أن يتعمّد القراءة في الجمعة، بما جاء عن النبيء صلى الله عليه وسلم لئلا يجعل ذلك من سننها، و هو ليس منها، وحُكي هذا القول عن أبي إسحاق المروزي، وخالفهم جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم: كيف يُكرَه أن تُعتَمد قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا بالتأسّي به، ولا شكّ أن الأفضل اتباعه ولو في غير اللازم والمؤكّد، واختلاف العلماء في هذا المعنى إنما كان في <1/428>طلب الأفضل، وأما الجواز فلا شك أن القراءة بجميع سور القرآن جائزة ومجزية، وقد قرَأ فيها أبو بكر بالبقرة، وقال بعضهم الاختلاف في هذا من الاختلاف المباح الذي ورد ورود التخيير والله أعلم.
الباب السابع والأربعون في فضل الصلاة وخشوعها
قوله: «في فضل الصلاة وخشوعها» والمراد بفضلها الثواب المترتب على فعلها، والخشوع معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة. وقال عمرو بن دينار ليس الخشوع بالركوع ولا بالسجود ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. وقال ابن سيرين: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقيل هو جمع الهِمَّةِ لها والإعراض عمّا سواها. وقيل الخشوع تارةً يكون من فعل القلب وتارةً من فعل البدن كالسُّكونِ. وقيل لا بدّ من اعتبارهما. وقال بعضهم يحتاج إلى أربعِ خصالٍ حتّى يكون خاشعًا: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الهِمَّةِ.
ما جاء أنّ عمود الدِّين الصلاةُ (2/31)
صفحة 532
قوله:« لكلّ شيءٍ عمودٌ» أي قوامٌ يعتمد عليه، وأصل العمود الخشبة التي يقوم عليها البيت عند العرب، فلا يقوم البيت إلاّ بعمود، وكذلك سائر الأشياء المحسوسة والمعقولة لا تقوم بنفسها حتى تعتمد على غيرها، وقَوَامُ المحسوسات ظاهرٌ، وأمّا المعقولات فإمّا أن تكون شرعيّةً فقَوَامُها ما جعله الشَّارع معتبرًا في صِحَّتِها وترتَّب الثواب عليها، وإن كانت عادية فقوامُها ما كان معدودا عند أهل العادة أنّها لا تتم دونه، وهذا العموم معتبر في جميع المخلوقات ؛إذ<1/429> ليس فيها ما هو قائم بنفسه لأن ذلك من صفات القديم تعالى، فهو الذي لا يحتاج إلى غيره وغيره لا محالة محتاج إليه .{ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ اِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}[فاطر/15].
قوله:« وعمود الدين الصلاة» وإنما كانت الصلاة عمود الدين لأن العمود هو الذي يقيم البيت ويرفعه ويهيئه للانتفاع به، والصلاة هي التي تقيم الدين وترفعه، فإنها تهيئ فاعلها لتُحَلِّيه بمعالي القرب واستغراقه في أنوار الشهود وكونها عمودا للدين. رواه الترمذي في جامعه عن معاذ بن جبل في حديث طويل قال أنه حسن صحيح، لكن عبَّر فيه بالأمر عن الدين. ورواه أيضا البيهقي في شعب الإيمان من حديث عمر رضي الله عنه والديلمي في الفردوس من حديث عليّ لكن عبَّر فيه بالإيمان بدل الدين، ومن هنا فهمتِ الصحابة رضي الله عنهم الإشارة إلى استخلاف أبي بكر رضي الله عنه على الإمامة العظمى من استخلافه إياه عليه الصلاة والسلام على الصلاة في مرض موته. قال في الموجز: فلما أن ولاَّه عليه السلام الأمر الذي هو العمود، عرف المسلمون أن ما سوى العمود محمول على العمود، فلذلك أجمعوا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه. (2/32)
صفحة 533
قوله:« وعمود الصلاة الخشوع» هذا يدل على وجوب الخشوع في الصلاة وأنه أعظم أركانها وأنه لا بد منه في أدائها حتى لو خلت منه تهدمت كالبيت الذي لا عمود له، والخشوع الواجب أن يقبل الإنسان على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله، ويكون ساكن الجوارح من أول الصلاة إلى آخرها، ولا بأس عليه بما يخطر على قلبه من الغفلة والوساوس إذا لم يتعرض لجلبه، فإن تنبه له دفعه، وعلى هذا يكون حاله. فإذا امتثل ذلك كان خاشعا مؤديا للواجب ولا طاقة له بما فوق ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وهذا الذي أشرنا إليه لا ينبغي أن يُخْتلف في وجوبه فما حكاه النووي من الإجماع على أن الخشوع غير واجب محمول عندي _ إن صحَّ _ على وجوب حضور القلب دائما حتى لا تطرقه غفلة ولا تخطر عليه وسوسة، ومن المعلوم أن هذا أمر لا يطاق ولا يكلف الله نفسا إلا وُسعها، وهو موضع الإجماع على عدم وجوبه. وقيل: يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم <1/430> ولو في لحظة واحدة، وأن أولى اللحظات بذلك تكبيرة الإحرام، لأن حضور القلب روح الصلاة وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند تكبيرة الإحرام والنقصان منه هلاك؛ فبقدر الزيادة ينبسط الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حي لا حراك به قريب من ميِّت، فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كحي لا حركة به. قلت: وهذا القول يقضي بفساد الصلاة لمن لم يحضر قلبه عند الإحرام دون الغافل في سائرها. وحاصله التشديد في الحضور عند الإحرام بتعين الخشوع عنده في ذلك الموضع دون سائر المواضع ،فهو يوافق في وجوب الخشوع ويزيد في تعيين موضعه فلا تظنن أنه يرخص في التساهل في باقي الصلاة، فإنه لا يرخص في ذلك وإنما يُعذر الغافل من غير تساهل في سائر الصلاة كما نعذره نحن ويزيد على ذلك القول بفساد صلاته إن حصلت الغفلة عند الدخول في الصلاة، وهو ظاهر الصواب ولا محيد عنه فإن الدخول فيها لا يمكن إلا بالقصد ولا قصد لغافل عنها والله أعلم . (2/33)
صفحة 534
قوله:« وخيركم عند الله أتقاكم» هذا نظير قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ,}[الحجرات:13] وذلك لأن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص، فمن أراد شرفا فليلبس من لباسها ولباس التقوى ذلك خير. وقال عليه السلام:" من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله". وقال:" يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله".
ما جاء في الحث على الخشوع
قوله: «عن أبي هريرة» الحديث رواه أيضا البخاري ومسلم. (2/34)
صفحة 535
قوله:« هل ترون قبلتي هاهنا»؟ هو استفهام إنكار لما يلزم منه، أي تظنون أني لا أرى فعلكم لكون قبلتي لهذه الجهة، لأن من استقبل شيئا استدبر ما وراءه. لكن بين صلى الله عليه وسلم أن رؤيته لا تخص بجهة واحدة، وقد اختلف في معنى ذلك، فقيل: المراد بها العلم إما أن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يُلهَم ذلك. //<1/431>وقيل: المراد أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه، مع التفات يسير في النادر من غير قصد، ويوصف من هناك بأنه وراء ظهره. وحمله آخرون على ظاهره لما في رواية عند مسلم " أني والله لأبصر من وراءي كما أبصر من بين يدي" وقالوا: إن الإبصار إدراك حقيقي خاص به صلى الله عليه وسلم خرقت له فيه العادة، ثم اختلفوا فمنهم من قال: يجوز أن يكون ذلك الإدراك برؤية عينه، فكان يرى بها من غير مقابلة، وهذا خلاف ما يقتضيه العقل. وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائما. وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سَم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثِلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. وهذه الأقوال كلها محتاجة إلى نقل صحيح، وليس لهم على ذلك نقلن، فهو محض تكلف على أنه لوثبت ما ذكروه من زيادة العين أو العينين في خلقته صلى الله عليه وسلم، لكان ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة السلام، ولذكروه في جملة خصائصه، كما ذكروا خاتم النبوءة بين كتفيه، وجعلوا ذلك من علامات نبوءته، وإذا ظهر لك ضعف هذه الأقوال، ظهر لك ترجيح قول من قال: إن المراد بالرؤية هاهنا العلم، إما بكشف أو بوحي، ويدل عليه قوله: « فوالله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم » فإن ضد الخفاء الظهور، فكأنه قال: ما يخفى علي ذلك بل يظهر لي بالعلم الإلهي، ولا يشكل عليك. (2/35)
صفحة 536
قوله: «وإني لأراكم من وراء ظهري» فإن الرؤية تطلق عليّ العلم، كما تطلق على الأبصار، ومنه قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}[الفيل/1] أي ألم تعلم ذلك. أما رواية مسلم:" أني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي" ففيه نوع من المشاكلة ، فإنه أطلق الإبصار على العلم لأجل المشاكلة، وهذا النوع موجود في لسان العرب، ومع ظهور الحمل عليه، لا يصح أن يحمل الكلام على خرق العادة، بل على مخالفة العقل، بل على الخلقة البشرية، فلو اعترف أرباب تلك الأقوال بالجهل لمعنى الحديث، ووقفوا عن تأويله وجعلوه من المشكل عليهم، كان أسلم وأقوم والله أعلم.
قوله: «خشوعكم» يعني في جميع الأركان. قيل: ويحتمل أن يريد<1/432> بالخشوع السجود؛ لأن فيه غاية الخشوع، وقد صرح به في السجود في رواية لمسلم.
قوله: «ولا ركوعكم» أفرده بالذكر، وإن كان داخلا في الصلاة اهتماما به، إما لكون التقصير فيه كان أكثر، أو لأنه أعظم الأركان.
قوله: «وأني لأراكم من وراء ظهري» تقدم تفسيره آنفاً.
ما جاء في من له صلاة بالليل ثم نام عنها
قوله: «عن عائشة» الحديث رواه أيضا أبو داود والنسائي.
قوله: «ما من امرئ» بمعنى: إنسان زيدت من للتنصيص حتى يتناول كل فرد من أفراد المصلين.
قوله: «يكون له صلاة في الليل» يعني صارت له عادة أن يصلي كل ليلة عادة مستمرة.
قوله: «فيغلبه عليها نوم» أي: تأخذه غلبة النوم، مع عزمه على القيام.
قوله: «إلا كتب الله له أجر صلاته» قيل: على ظاهره، بدليل.
قوله: «وكان نومه ذلك عليه صدقة» وقيل: يكون له أجر نيته، أو أجر من تمنى أن يصلي تلك الصلاة، أو أجر تأسفه على ما فات منها؛ و الأول أظهر، ولا حاجة إلى التأويل مع إمكان إرادة الظاهر، على أنه أنسب بمحض الفضل، وأقرب من معنى الرحمة التي وسعت كل شيء.
قوله: «صدقة» أي: من الله عليه حين أعطاه إياه مع أجر صلاته.
ما جاء في فضل من يجلس في مصلاه (2/36)
صفحة 537
قوله: «عن أبي هريرة» الحديث رواه أيضا بعض قومنا، وذكره في الجامع من رواية الطيالسي ونصها: "أفضل الرباط الصلاة بعد الصلاة، ولزوم مجالس الذكر، وما من عبد يصلي ثم <1/433> يقعد في مصلاه إلا لم تزل الملائكة تصلي عليه حتى يحدث، أو يقوم.
قوله: «ليصلون على أحدكم» أي: يدعون له بالخير، وقد فُسِّر ذلك بقوله:«وتقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه» قيل: عبَّر بيصلون ليناسب الجزاء العمل، والمراد بالملائكة الحفظة، أو السيارة، أو أعم من ذلك.
قوله: «مادام في مصلاه» مفهومه: أنه إذا انصرف عنه انقطع ذلك، وقد صرح به في رواية الطيالسي، فإن فيها: "ما لم يحدث أو يقوم".
قوله: «الذي صلى فيه» مفهومه: أنه إذا جلس في المسجد في غير موضع صلاته انقطع ذلك عنه، ويدل عليه قوله: في رواية الطيالسي: "حتى يحدث أو يقوم" وهذا الذي ينقطع عنه بالحدث أو القيام، شيء غير فضيلة الجالس في المسجد المنتظِر للصلاة، فإن له فضل المنتظر، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أم تحول إلى غيره، وقيل: يمكن أن يحمل قوله: «في مصلاه» على المكان المعد للصلاة، لا الموضع الخاص بالسجود، فلا يكون بين الحديثين تخالف، ويؤخذ من قوله: «الذي صلى فيه» أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى، يعني دون من انتظر من غير صلاة سابقة، وإن كان له أجر من جهة أخرى. (2/37)
صفحة 538
قوله: «ما لم يحدث» أي ما لم ينتقض طهره، بأي ناقض كان، وهو مراد أبي هريرة في جوابه حين قيل له في حديث آخر عند قومنا: وما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط، وقيل المراد الريح فقط، لتفسير أبي هريرة المذكور، وقيل: المراد أعم من ذلك، أي: ما لم يحدث أي حدث كان؛ لرواية مسلم "ما لم يحدث فيه" ما لم يؤذ فيه، وفي رواية ابن جرير "ما لم يحدث أو يؤذ" فالحدث ما كان ناقضا للطهر فقط من نحو، الريح و الأذى، ما تعدى أذاه إلى غيره: من النميمة والغيبة والشتم وغيرها؛ ويؤخذ منه أن الحدث يبطل ذلك ولو استمر جالسا، وفيه دليل على أن الحدث في المسجد أشد من النخامة، لما ثبت من أن لها كفارة، ولم يذكر لهذا كفارة من عمل صاحبه، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من انقطاع صلاة الملائكة عليه وجود الخطيئة، لأن صلاتهم مرتبة على طاعة مخصوصة، وعبادة معينة، ولا يلزم من ترك ذلك الوقوع في المعصية، على أنَّا نقول: إن الحدث اختيارا في المسجد حرام، وإنما نقدح في نفس <1/434> هذا الإستنباط.
قوله: «تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه» تفسير لقوله: «يصلون على أحدكم_» وهو مطابق لقوله تعالى: {وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْض}[الشورى:5] قيل السر فيه أنهم يطلعون على أفعال بني آدم، وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فيقتصرون على الإستغفار لهم بذلك؛ لان دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ولو فرض أن فيهم من تحفظ من ذلك، فإنه يعوض من المغفرة بما يقابلها من الثواب، وما من أحد من بني آدم إلا وهو محتاج إلى المغفرة كل على قدر حاله والله أعلم .
ما جاء في تعاقب الملائكة واجتماعهم في صلاة الفجر
قوله: «ومن طريقه» يعني أبا هريرة، والحديث رواه أيضا الشيخان، والنسائي، وأحمد. (2/38)
صفحة 539
قوله: «تتعاقب»( بمثناتين فوقيتين، وفي بعض النسخ، «يتعاقب» بتحتية ففوقية) وفي رواية قومنا: يتعاقبون، وحملوه على لغة أكلوني البراغيث، أو أن الواو فاعل، وملائكة بدل؛ أو أن ملائكة مبتدأ، والجملة قبله خبر له، ولا حاجة إلى هذه التقديرات على رواية المصنف، فإنها جرت على اللغة الفصحى. ومعنى التعاقب: أن تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية، ومنه تعقيب الجيوشن أن يجهز الأمير بعثاً إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع أيضا بعد أن يجهز الأولين.
قوله: «فيكم» يعني: معشر المصلين، أو مطلق المؤمنين.
قوله: «ملائكة» قيل: هم الحفظة،ونقل عن الجمهور، وتردد بعضهم، وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم، ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: «كيف تركتم عبادي» كذا قيل، ويؤيد <1/435> قول الجمهور ظاهر قوله تعالى:{ لَهُ, مُعَقِّبَاتٌ مِّنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ, مِنَ اَمْرِ اللَّهِ}[الرعد:11] فهذا يدل على أن المتعاقبين هم الحفظة.
قوله: «فيجتمعون في صلاة الفجر» زاد البخاري في رواية له "وصلاة العصر" وقيل: إن هذه الزيادة معه وهم، لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة في أثناء حديث، قال" وتجتمع ملائكة بالليل وملائكة بالنهار في صلاة الفجر" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] قال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، قال عياض: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة. (2/39)
صفحة 540
قوله: «فتعرج» أي: تصعد إلى السماء.
قوله: «الذين باتوا فيكم» يدل على أن ملائكة الليل لا يزالون يحافظون العباد إلى الصبح، وكذلك ملائكة النهار.
قوله: «فيسألهم ربهم» قيل: سؤالهم تعبد للملائكة كما تعبدوا بكتب الأعمال، وهو أعلم بالجميع، وقيل: سؤاله إياهم ليباهي بهم الملائكة القائلين:{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ }[البقرة:30] وقد اختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين قالوا، فقيل: هو من الاكتفاء بذكر أحد المثلين كقوله تعالى:{ فَذَكِّرِ اِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىا}[الأعلى:9] أي: وإن لم تنفع، والحكمة في الاقتصار على ذلك، أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل،والحكمة في ذكر المبيت دون المقيل، أن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة ،كان النهار أولى بذلك؛ فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار، لكون النهار محل الاشتهار. وقيل: استعمل بات في معنى أقام مجازا، ويكون المعنى يسأل كل واحدة من الطائفتين اللتين أقامتا فينا، يسألهم في الوقت الذي تصعد فيه، ويؤيده رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه ثم يعرج الذين كانوا فيكم؛ وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى قال: قال رسول الله صلى الله <1/436> عليه وسلم: تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل وتبيت أي: تقيم ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم "كيف تركتم عبادي؟ ... " الحديث، وهذه الرواية تزيل الإشكال وترفع أكثر الاحتمال.
قوله: «وهو أعلم بهم» نفي لما يُخشى أن يتوهمه جاهل من سؤال الملائكة، فإنه تعالى لم يسألهم ليزداد علما، بل علمه قد أحاط بكل شيء، وهو بكل شيء عليم. (2/40)
صفحة 541
قوله: «كيف تركتم عبادي» تفسير لقوله: «فيسألهم ربهم» والعباد المسؤول عنهم المذكورون في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[الحجر:42] وإنما وقع السؤال عن آخر الأعمال، لأن الأمور بخواتيمها.
قوله: «تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» سُئلوا عن الترك فأجابوا عن حالتي الترك والإتيان، لأنهم علموا أنه سؤال يستدعي التعطف على بني آدم، فزادوا في موجب ذلك، ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث، "فاغفر لهم يوم الدين" وإنما ذكروا الترك قبل الإتيان، لأنه الذي وقع السؤال عنه، والإتيان زائد على الجواب؛ ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه عنها وقع السؤال والجواب، وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيئها صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم على غيره، وفيه الإخبار بالغيوب، ويترتب عليها زيادة الإيمان، وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا، وسؤال ربنا عنا، وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا، لنزداد فيهم حبا، ونتقرب إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من الفوائد والله أعلم.
ما جاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة وقد تقدم في فضائل الوضوء
<1/437>حديث أنس بن مالك عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال:" ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط قالها ثلاثا".
قوله: «في الصلاة» أي: في ثوابها لا في حكمها، لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة.
قوله: «لا يمنعه أن ينقلب» أي يرجع. (2/41)
صفحة 542
وقوله: «إلى أهله» أي: منزله، سواء كان فيه له أهل أم لا، ويحتمل أنه ذكر الأهل للغالب من أحوال الناس، مع أنه يريد مطلق الانقلاب ولو إلى السوق أو الصحراء مثلا، وهو المفهوم من معنى الخطاب ولحن القول.
وقوله: «إلا الصلاة» أي: ليس له مانع عن الانقلاب غيرها، ومقتضاه أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف انقطع عنه الثواب المذكور، وكذا إذا شارك نية الانتظار أمر آخر؛ قال ابن حجر: وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه؟ قلت: لا، لأن عدم الانقلاب إلى أهله شرط لتحصيل هذه الفضيلة، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، لكن لهذا الناوي ثواب نيته، وله فضيلة من تعلق قلبه بالمسجد إذا خرج عنه حتى يعود إليه، وهو من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله.
ما جاء في ترتب النجاح على الصلاة
قوله: «صلوا تُنجحوا» (بضم الفوقانية) أي: تقضى حوائجكم الدينية والدنيوية، يقال: أنجح الرجل إذا قضيت له الحاجة، والاسم النجاح بالفتح، وفيه أن خير الدنيا والآخرة تابع للصلاة، فهي مفتاح كل خير، ومصداق ذلك في قوله تعالى: {قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ(1) الذِينَ هُمْ فيِ صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المومنون:1،2] وقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45].
قوله: «وزكوا تُفلِحوا» (بضم <1/438> الفوقية وكسر اللام) أي: تفوزوا، والفلاح الفوز، ومنه قول المؤذن: حي على الفلاح، أي: هلموا إلى طريق النجاة والفوز، والمعنى أخرجوا زكاة أموالكم، تنالوا الفوز من الله تعالى، والنجاة من الهلاك.
قوله: «وصوموا تصحوا» أي: تُشفوا من الأمراض، وذلك لأن قلة الطعام مذهبة للأسقام، كما أن كثرة الأكل مجلبة للعلل.
قوله: «وسافروا تغنموا» أي: تحصل لكم الغنيمة من الكفار بسبب السفر في الجهاد، والربح في التجارة بسبب الضرب في الأرض، والفضائل الدينية والدنيوية بسبب السفر إلى الحج، وطلب العلم، وزيارة الإخوان والأرحام. (2/42)
صفحة 543
ما جاء في فضل الصف الأول والتهجير والعتمة والفجر
قوله: «عن أبي هريرة» الحديث رواه أيضا البخاري، ومسلم، وأحمد. قوله: «لو يعلم الناس» أي: لو علموا ذلك، ففيه التعبير بالمضارع عن الماضي، لأن في المضارع إشارة إلى استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بال.
قوله: «ما في الصف الأول» زاد في رواية الشيخين والإيضاح النداء وعبارتها "ما في النداء والصف الأول" والمراد بالنداء: التأذين والإقامة؛ والمراد بالصف الأول: هو الذي غير مسبوق بصف آخر، وقيل: أول صف تام يلي الإمام مطلقا، وقيل: أول صف تام يلي الإمام إلا ما تخلله شيء كأسطوانة، وقيل المراد به: من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف، للاتفاق على أن من جاء أول الوقت، ولم يدخل في الصف الأول، فهو أفضل ممن جاء في آخره وزاحم إليه، والأول هو الصحيح، وفي الحض على الصف الأول: المسارعة إلى خلاص الذمة في أداء الواجب، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين<1/439> وبعض هذه الفوائد مختص بأفراد من المصلين: كالتبليغ فإنه يختص بمن عين لذلك، قال الطيبي: أطلق مفعول يَعلَمُ ولم يبين الفضيلة ما هي، ليفيد ضربا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف. وقال ابن حجر: زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة من الخير والبركة؛ فالإطلاق الذي ذكره الطيبي ،إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد مَيزت رواية أبى الشيخ، الخير والبركة.
قوله: «ثم لم يجدوا» أي: لم يجدوا شيئا من وجوه الأولوية يتقدمون بها، كما لو وصلوا دفعة واحدة واستووا في الفضل، وكانوا كلهم ذوي أحلام، فإنهم حينئذ يستهمون لو علموا ما يفوت المتأخر من الفضل. (2/43)
صفحة 544
قوله: «إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا» أي: لو علموا ما فيه من الفضل، ولم يجدوا إلا التساهم لفعلوه، كيلا يفوتهم الفضل؛ والضمير يعود إلى الصف الأول، وفي رواية الشيخين" ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" والاستهام والتساهم بمعنى واحد، وهو الاقتراع، قيل: سمي بذلك لأنها سهام يكتب عليها الأسماء، فمن وقع له منها سهم فاز بالحظ المقسوم، وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أخرج مخرج المبالغة، واستأنس بحديث لفظه "لتجالدوا عليه بالسيوف" لكن الأول أولى، ويدل عليه رواية مسلم "لكانت قرعة".
قوله: «ما في التهجير» أي: المسارعة إلى الطاعة، وفي النهاية التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، وهي لغة حجازية أراد المبادرة إلى وقت الصلاة اهـ. و قد فسره الأكثرون بالتبكير، وهو المضي إلى الصلاة في وقتها، فمنهم من قال: إلى الجمعة، ومنهم من قال: إلى كل صلاة، وأيد الأول بقوله عليه الصلاة والسلام: "مثل المهجر كالذي يهدي بدنة" وقال الخليل وغيره: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت، لأن التهجير مشتق من الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد ، لأنه أريد به الرفق، وأما من ترك قائلته، وقصد إلى المسجد لينظر الصلاة، فلا يخفى ماله من الفضل.
قوله: «لاستبقوا إليه» أي: لبادروا إليه، فالمراد بالاستباق، الاستباق معنى لا حسًّا، لأنَّ المسابقة على الإقدام حسًّا <1/440> يقتضي السرعة في المشي، وهو الممنوع، لقوله صلى الله عليه وسلم:" فلا تأتوها وأنتم تسعون" قال الطيبي: لما فرغ من الترغيب في الصف الأول، عَقَّبه بالترغيب في إدراك أول الوقت، وبهذا وجب أن يفسر التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثير.
قوله: «ما في العتمة والصبح» أي: ما في صلاتيهما من الفضل. (2/44)
صفحة 545
وقوله: «ولو حبوًا » أي: ولو كان الإتيان حبوًا أي: زحفاً، والحبو: مشي الصبي على أربع أو دبيبه على أسته، وقيل: تقديره ولو كانوا حابين، و إنما خص العتمة والصبح بالذكر، لأنهما وقت النوم والغفلة والكسل عن العبادة، وهما أثقل شيء على المنافقين، لحديث أبي هريرة عند الشيخين وأحمد مرفوعا "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء" فحث عليهما لأنهما مظنة التفويت، وفي الحديث رد على من كره تسمية العشاء بالعتمة والله أعلم.
الباب الثامن والأربعون جامع الصلاة
قوله:« جامع الصلاة»: اسم فاعل من جمع الشيء إذا ضم بعضه إلى بعض، والمراد به هاهنا جمع أحاديث متفرقة في أبواب شتى ووضعها في باب واحد، وهذا دأبه في غالب الكتب يختمها بالباب الجامع لما تفرق منه.
ما جاء في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (2/45)
صفحة 546
قوله:« لا صلاة في المقبرة الخ»: ذكر في الحديث أربعة مواضع، وزاد في حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة ثلاثة مواضع، قال ابن عمر:« نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومواطن الإبل<1/441> وفوق ظهر بيت الله »:فأما المقبرة (بتثليث الباء) موضع القبور،والمنحرة (بنون بعدها مهملتان) موضع النحر. وفي حديث ابن عمر: مكان المنحرة، المجزرة (بجيم فزاء مكسورة وتفتح) والكل بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تنحر فيه الإبل وتذبح البقر والشاء. ومعاطن الإبل جمع معطن، وهو مبرك الإبل حول الماء، وقيل: الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل بالليل أيضا، ويؤيده خبر مسلم: "نهى عن الصلاة في مبارك الإبل". وقارعة الطريق: أي وسطه، والمراد بها الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم. وإنما نهى عن الصلاة فيها لاشتغال القلب بالخلق عن الحق ولذا حمله بعضهم على العمران دون البرّية، وألحق بعض أصحابنا بالطريق الوادي لهذه العلة. وقد اختلف في النهي عن الصلاة في المقبرة، فقيل: هو للتحريم، وعليه المذهب، وبه قال أحمد؛ فلا تنعقد عنده الصلاة؛ لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة، وهو موافق للمذهب، وقد بالغ بعض أصحابنا في التنفير عن ذلك حتى قالوا بفساد الصلاة إلى القبر إذا كان دون سبعة عشر ذراعا ومنهم من قال غير ذلك. والتشديد مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم :لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه جابر بن زيد مرسلا، وأخرجه الشيخان من حديث عائشة بلفظ: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإذا ثبت اللّعن على ذلك ظهر التحريم وهذا في قبور الأنبياء فكيف بمن دونهم .وقيل: أنّ ذلك يكره كراهة تنزيه لا تحريم. (2/46)
صفحة 547
فحملوا النهي على التنزيه وقيل إن كان المكان طاهرًا فلا بأس ،لأن النهي عن الصلاة فيها لنجاسة البقعة ،فإن الغالب من حال المقبرة اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها، فالنهي لنجاسة المكان، وكذلك قالوا في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق. والمزبلة (بفتح الباء وقيل بضمها)، الموضع الذي يكون فيه الزبل وهو السماد ،والمراد به الموضع الذي يلتقي فيه كل شيء من القاذورات وغيرها. وأما الحمام، فهو موضع الاغتسال، قيل: إن الصلاة تكره فيه لأنه محل النجاسة ومأوى الشيطان، وقيل: لأن دخول الناس يشغله<1/442 >وَرُدَّ بأنه غير مطرد، فلا ينظر إليه. وأما ظهر بيت الله، وهو سطح الكعبة ،فنهي عن الصلاة فيه، لأن المصلي لا قبلة له. وقيل: لأن الاستعلاء عليه مكروه لأنه مناف للأدب. وقال الطيبي: اختلف في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو التنزيه. والقائلون بالتحريم، اختلفوا في الصحة بناءً على أن النهي يدل على الفساد، وفيه أربعة مذاهب، يدل مطلقا، لا يدل مطلقا، يدل في العبادات دون معاملات ،يدل إذا كان متعلق النهي نفس الفعل، أو ما يكون لازما، كصوم يوم العيد، والصلاة في الأوقات المكروهة، وبيع الربا، ولا يدل إذا لم يكن كذلك كالصلاة في الدار المغصوبة وقت والوادي وأعطان الإبل والبيع النداء.
ما جاء في النهي عن الصلاة بالآنُك والشبه
قوله نهي: أي نهي تحريم عند بعض وكراهية عند آخرين، والأول أظهر، والآنك (بضم النون) وزان أفلس، الرصاص الخالص، ويقال: الرصاص الأسود؛ وهو معنى تفسير المصنف له بالقصدير. وفي الحديث" من استمع إلى قينة صبّ في أذنيه الآنك"، والشَّبَه (بفتحتين)، من المعادن ما يشبه الذهب في نوعه وهو أرفع الصفر قيل: وإنما نهي عن الصلاة في الآنك والشبه لأنهما من حلية أهل النار وفي معناهما حديد وجميع أنواع النحاس.
ما جاء في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها (2/47)
صفحة 548
قوله: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»:<1/443>، وقوله: «لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها»: حاصل الحديثين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أربعة أوقات؛ اثنان منها النهي فيهما لغيرهما، وهما المذكوران في الحديث الأول، واثنان منها النهي عن الصلاة فيهما لنفس الوقت، حيث لم يكن وقتا لعبادة الله تعالى، وإنما كان وقتا تتخذه الكفار لعبادة الشمس، وهو تعالى غني عن الشركة في جميع الأمور. فنهى عباده عن الصلاة في الوقتين، وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كان يقول:" لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإن الشيطان يطلع قرناه مع طلوع الشمس، ويغربان مع غروبها، وكان يضرب الناس على تلك الصلاة" هكذا رواه موقوفا، ومثله لا يقال رأيا فحكمه الرفع. وقد رفعه ابن عبد الله. أخرج البخاري ومسلم من طرق هشام بن عروة عن أبيه قال حدثني ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحروا..." فذكر الحديث وزاد في رواية عقبة ابن عامر (حين يقوم قائم الظهير وذلك وقت الاستواء في الحر الشديد)قال عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس إلى الغروب حتى تغرب" رواه جماعة للبخاري. فمجموع أوقات النهي المأخوذة من هذه الأحاديث خمسة؛ بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وحين الطلوع حتى يتكامل طلوعها، وترتفع قليلا، وحين قيامها في كبد السماء، وذلك نصف النهار، حتى تزول، وحين غروبها حتى يتكامل الغروب. ثم اختلفوا في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات. (2/48)
صفحة 549
قال المحشي رضي الله عنه: والمختار أن الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها بعينها، وهي عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند توسطها في كبد السماء. في غير يوم الجمعة لا تجوز الصلاة فيها مطلقا، ولو نام عنها أو نسيها <1/444>قال: وأما بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، فالمختار أنه تقضى فيها الفوائت والمنسيات، والتي نام عنها، قال: وكذلك الصلاة التي لها سبب من قبل الله ،كصلاة الميت، والزلزلة والكسوف، بخلاف ركعتي الطواف، فإن سببهما الطواف، وقد صدر باختيار الإنسان، فيمتنعان كسائر النوافل والله أعلم.قوله: « لا صلاة»: أي: لا تصلوا، فالنفي هاهنا بمعنى النهي أو المراد نفي الصحة أي: لا تصح الصلاة في ذلك الوقت، ويلزم من نفي الصحة النهي عن الفعل، فإنه إنما يفعل ليصح فيتاب عليه، وإذا لم تحصل الصحة بنفي الشارع إياها، فلا معنى للفعل على أن مثل هذه الصيغة، إنما تساق للمبالغة في النهي عن الشيء. قوله:« بعد صلاة العصر وقوله بعد صلاة الصبح»: هذا لمن صلى الفريضة فلا يصلي بعدها حتى يكمل الغروب، أو الطلوع أما من لم يحضر الجماعة، فإنه يصلي ولو صلى الناس ما لم يغب قرن منها أو يطلع، فيدخل في وقت النهي المطلق، فينهى حينئذ، ويحرم عليه الدخول في الصلاة لئلا يشابه عبّاد الشمس، ويلزمه أن يؤخر الصلاة، حتى يتم الغروب أو الطلوع. قيل: والحكمة في النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر والصبح، أنَّ ما قارب الشيء أعطي حكمه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وأيضا فعبّاد الشمس ربما تهيؤا لتعظيمها من أول ذينك الوقتين، فيرصدونها مراقبين لها إلى أن تظهر فيخروا لها ساجدين، فلو أبيح التنفل في ذينك الوقتين، فيرصدونها مراقبين لها إلى أن تظهر فيخروا لها ساجدين، فلو أبيح التنفل في ذينك الوقتين لكان فيه أيضا تشبه بهم، أو إيهامه أو التسبب إليه قوله:« لا يتحرى»: نفى معناه النهي، أي: لا يقصد أحدكم الصلاة في ذلك الوقت. (2/49)
صفحة 550
وفي بعض نسخ المسند،« لا يفجر» ومعناه: لا يصلي في ذلك الوقت فإنه فجور. قوله:« عند طلوع الشمس»: وذلك حينما تظهر الحمرة بالمغرب، فإنها شعاع الشمس الظاهر بالمشرق، فأول ما يظهر للناس حمرة في السماء من الجهة الغربية، ثم ينزل إلى الأرض بعد أن يطلع بعضها، ولا تكون تلك الحمرة إلا حين الطلوع، لكنَّا لا نراها حين تطلع لبعد المسافة والتواري بالجبال و الآكام. وقيل: أول وقت المنع أن يطلع بعض الشمس للناظر، وهؤلاء لا يعتدون بالحمرة الكائنة في السماء ، بل بنظر العين إلى نفس الطلوع، وعلى كل حال فحين بدا حاجب الشمس وهو شعاعها، امتنعت الصلاة، لما في رواية
عند البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن عمر" إذا طلع حاجب الشمس، فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب"،<1/445> وحاجب الشمس طرفها أو قرصها الذي يبدو أولا مستعار من حاجب الوجه، وقيل: الشعاع الذي يبدو إذا حان طلوعها ، وهو أظهر؛ لأنه يكون للشمس كالحاجب للعين. وكذا القول في الغروب،فإنه عكس الطلوع، فجميع ما قيل في أول الطلوع قيل بمثله في أول الغروب والله أعلم.
ما جاء في النهي أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين (2/50)
صفحة 551
قوله:« لا يصلي أحدكم وهو زناء»: وقوله:« نهى أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين»: الزنَّاء (بتشديد النون والمد)، الذي يجمع البول في مثانته. قال ابن القوطية: (زنأ البول زنوءًا من باب قعد، احتقن وزنأه صاحبه زنوءًا، أيضا حقنه حتى ضيق عليه، يستعمل لازما ومتعديا. ولا تقبل صلاة زانئ، أي حاقن. وقد يعدى بالألف فيقال: أزنأه، ورجل زنَّاء، وزان. سلام اسم منه). والأخبثان: البول والغائط، قال في الإيضاح: والبول أهون في ذلك من الغائط، لأن البول لم ينتقل من موضعه بعد ذلك، كالريح إذا قصده في صلاته فإنه يستعمل على رده ما لم يخرج. قال: وأما الغائط إذا قصده في صلاته فهو كمن صرها في طرف كسائه والله أعلم. والذي يدل عليه كلام القواعد وغيره، أن النهي يكون مرة للتحريم، فتفسد الصلاة بالمدافعة إذا شغلته حتى لا يفقه ما صلى، وتارة يكون للكراهية، وهو الذي لا يصل إلى هذا الحال. وقيل:لا بأس بمدافعة البول، ما لم يضع رجلاً ويرفع رجلاً بسبب ذلك. ومنهم من يرخص في البول ما لم يخرج، ومنهم من يرخص في الغائط أيضا ما لم يخرج. وقال بعضهم: إذا أتى بصلاته كما أمر
فلا فساد عليه والله أعلم.<1/446> وقيل: يكره إن لم يضق الوقت فإن ضاق الصلاة به ما لم يتضرر فإن تضرر بدأ بتفريغ
نفسه وإن خرج الوقت، وتحرير المقام أنه ينهى عن الدخول في الصلاة وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما، بل عليه أن يفرغ نفسه للصلاة فإن النهي متوجه إليه، وإن حدث عليه ذلك بعد الدخول
في الصلاة فعليه أن يتم صلاته ما لم يخرج أو يتضرر، لأنه قد دخل في واجب لا يخرج عنه إلا بواجب يقطعه، فالاستمرار على الصلاة واجب حتى تتم، وهو لم ينه عن ذلك، وإنما نهي أن يصلي وهو يدافع، أي: لا يدخل فيها وهو على ذلك الحال، ولم يأت في الاستمرار عليها إذا حدثت المدافعة نهيٌّ، وقد يكون الشيء مانعا في الابتداء دون البناء والله أعلم.
ما جاء في النهي أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره (2/51)
صفحة 552
قوله:« لا يصلي أحدكم وهو عاقص شعره خلف قفاه»: عقص الشعر،ليُّه وإدخال أطرافه في أصوله، وهو معنى قول المصنف رحمة الله تعالى، أي: عاقد شعره منكسا، والنهي في هذا للرجال خاصة، وفي حديث ابن عباس عند مسلم "ولانكفت الثياب ولا الشعر" وفي رواية"أمرت أن أسجد ولا أكفت الشعر ولا الثياب". قال النووي: اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمّرٌ، وكمه أو نحوه أو رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء. قال: وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك، فقد أساء وصحت صلاته. قال: واحتج في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإجماع العلماء وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري قال: ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقا لمن صلى كذلك سواء تعمده للصلاة أوكان قبلها، كذلك لا لها بل لمعنى آخر.<1/447>، وقال الداودي: يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة، قال: والمختار الصحيح هو الأول وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم، ويدل عليه فعل ابن عباس المذكور هنا انتهى كلامه. وحديث ابن عباس الذي أشار إليه هو ما رواه مسلم" أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال مالك ورأسي، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف". ولهذا قيل أن الحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، فإذا كف شعره، كان كما إذا كف جارحة السجود. وقال العلقمي: أراد أنه إذا كان شعره منشورا سقط على الأرض عند السجود، فيعطى صاحبه ثواب السجود به، وإذا كان معقوصا صار في معنى من لم يسجد وشُبِّهَ بالمكتوف، وهو مشدود اليدين، لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود، و الله أعلم.
ما جاء في النهي عن القنوت في الصلاة (2/52)
صفحة 553
قوله:« في النهي عن القنوت في الصلاة»: والقنوت يطلق على معان، والمراد به هاهنا الدعاء في الصلاة على الوجه المخصوص، كما يفعله الشافعية من قومنا في الركعة الثانية من صلاة الفجر، قوله:« عن ابن عباس قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط»: وقوله:« عن ابن عمر لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط، وكان يراه بدعة»: الحديث الأول تفرد به المصنف رضوان الله عليه بسنده الصحيح، وله شواهد يأتي ذكرها، والأثر الثاني رواه أيضا مالك عن نافع قال عبد الله بن عمر: "كان لا يقنت في شيء من الصلاة". قال شارحه، بل روي عنه أنه بدعة. وعن أبي مالك الأشجعي قال:" قلت لأبي يا أبت إنك<1/448> قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،ّ هاهنا بالكوفة قريبا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال أي بُنَيَّ محدث". رواه أحمد والترمذي، وصححه. وابن ماجة وفي رواية أكانوا يقنتون في الفجر؟ ورواه النسائي ولفظه قال:" صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصلَّيت خلف عليٍّ فلم يقنت، ثم قال: يَا بُنيََّ بدعة. وفي الباب عن ابن عباس عند الدار قطني والبيهقي أنه قال: "القنوت في صلاة الصبح بدعة"، وعن ابن عمر عند الطبراني قال: "في قيامهم عند فراغ القارئ من السُّورة يعني قيام قنوت، أنها لَبِدعة ما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم". وعن ابن مسعود عند الطبراني في الأوسط، والبيهقي، والحاكم، في كتاب القنوت بلفظ "ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من صلاته" .وعن أم سلمة عند ابن ماجة قالت:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القنوت في الفجر". ورواه الدار قطني. (2/53)
صفحة 554
فهذه الأحاديث دالة على أن القنوت غير مشروع، وبه قال أصحابنا وإليه ذهب أكثر أهل العلم من قومنا كما حكاه الترمذي في كتابه، وحكاه العراقي عن أبي بكر، وعمر، وعليٍّ، وابن عباس، وقال أبو حنيفة: من قنت في الصلاة فقد أتبع نفسه هواها. وقال بعض المتأخرين من قومنا: قد وقع الاتفاق على ترك القنوت في أربع صلوات من غير سبب، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، قال: ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات، وفي صلاة الوتر من غيرها. قال واحتج المثبتون للقنوت في صلاة الصبح بحجج، منها حديث أنس قال:" كان القنوت في المغرب والفجر". رواه البخاري، وحديث البراء بن عازب" أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة المغرب والفجر". رواه أحمد، ومسلم، والترمذي وصححه. قال: ويجاب بأنه لا نزاع في وقوع القنوت منه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما النزاع في استمرار مشروعيته. قال: فإن قالوا لفظ كان يفعل يدل على استمرار المشروعية. قلنا قد حكى النووي عن جمهور المحققين أنها لا تدل على ذلك. سلَّمنا، فغايته مجرد الاستمرار وهو لا ينافي الترك آخراً، كما صرحت بذلك الأدلة على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب؟ فهو جوابنا عن الفجر،<1/449> وأيضا في حديث أبي هريرة عند البخاري، ومسلم، وأحمد،" أنه كان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح" فما هو جوابكم؟ عن مدلول لفظ كان هاهنا فهو جوابنا. قالوا: أخرج الدار قطني، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، وأحمد، والبيهقي، والحاكم، وصححه عن أنس "أن النبيء صلى الله عليه وسلَّم قنت شهرا يدعو على قاتلي أصحابه ببير معونة ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا." وأول الحديث في الصحيحين. قلنا: لو صح هذا لكان قاطعا للنزاع ولكنه من طريق أبي جعفر الرَّازي، قال فيه عبد الله بن أحمد: ليس بالقوي. (2/54)
صفحة 555
وقال عليّ بن المديني: أنه يخلط. وقال أبو ذرعة: يهم كثيرا. وقال عمرو بن عليّ القلاص: صدوق، سيء الحفظ. وقال ابن معين: ثقة، ولكنه يخطأ. وقال الدوري: ثقة، ولكنه يغلط. وأيضا فقد روى الخطيب من طريق قيس بن ربيع عن عاصم بن سليمان" قلنا لأنس أن قومنا يزعمون أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت في الفجر، فقال: كذبوا، إنما قنت شهرا واحدا يدعو على حي من أحياء المشركين. وقَيْس وإن كان ضعيفا، لكنه لم يُتَّهَمْ بكذب. هذا حاصل ما ذكره مع بعض تصرُّف فيه وهو كاف في بيان الحق وأشدُّ ما قتل به الإنسان سيفه، والله أعلم.
ما جاء في تارك الصلاة
قوله:« لا إيمان لمن لا صلاة له»: الحديث. تقدم في آداب الوضوء، وفرضه بهذا السند المذكور، وتمامه، «ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله»: وإنما أشار إليه هاهنا، لقوله:
« (2/55)
صفحة 556
لا إيمان لمن لا صلاة له»: وفيه أن الإيمان متوقف على أداء الصلاة، فمن لم يؤدها فلا إيمان له، ومن خرج عن الإيمان دخل في الكفر، فهو نظير قوله في الحديث الآتي:" ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة" والله أعلم<1/450>. قوله: "ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة"، الحديث. رواه الجماعة، إلا البخاري، والنسائي، من حديث جابر ولفظه "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" ومعناه: أن العبد إذا ترك الصلاة، دخل في الكفر، فالكلام مساق؛ مساق الشرط والعرب. تقول: ما بيني وبينك إلا تمام المدة وانقضاء الوقت، بمعنى: إذا انقضى الوقت المضروب بيننا للآمان، جئتك حاربا، وهذا معروف من لغتهم، وموجود على ألسنتهم، فلا إشكال في الحديث البتَّه. وقد أشكل معناه على كثير من الناس منهم المحشي رحمة الله عليه قال في حاشية الوضع: وسألت عن هذا الحديث جماعة من مشائخ قومنا بمصر، فلم أجد عندهم جوابا شافيا إلا أنه قال لي بعضهم: لعل معنى الحديث على جهة التغليظ والمبالغة، أنه لا واسطة ،ووسيلة توصل العبد إلى الكفر إلا ترك الصلاة. فمن أراد الوصول إليه فليترك الصلاة. وصورة الإشكال أن ظاهر الحديث يقتضي أن التَّرك حاجز بين العبد والكفر. مع أن الحاجز بينهما المحافظة على الصلاة لا تركها، وأجابوا عنه بوجوه: أحدها إن ترك الصلاة، يعبر به عن فعل ضده، لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر. فإذا ارتفع رفع المانع، قاله التوربشتي. وثانيها قول البيضاوي: يحتمل أن يؤوَّل ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما، فمن تركها دخل الحد، وجاء حول الكفر، ودنا منه. وثالثها قول البيضاوي أيضا: يتعلق الظرف بمحذوف، تقديره ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر. (2/56)
صفحة 557
والمعنى يوصله إليه قال الطَّيبي: وأقوى الوجوه الثاني، ثم هو من باب التغليظ أي، المؤمن لا يتركها، ويمكن أن يقال الكلام مصبوب على غير مقتضى الظاهر، لأن الظاهر أن يقال بين الإيمان والكفر ترك الصلاة، أو بين المؤمن والكافر تركها، فوضع موضع المؤمن العبد، وموضع الكافر الكفر، فجعله نفس الكفر مبالغة، هذا كلامهم في الجواب عن ذلك الإشكال. والحديث يدل صريحا على تارك الصلاة كافر. فإن تركها منكرا لوجوبها كفر كُفر شرك إجماعا، وإن تركها مع الإقرار بفرضها فهو كافر كفر نعمة، ولمَّا لم يفرق قومنا بين الكفرين،<1/451> وجعلوا اسم الكفر مرادفا للشرك، أشكل عليهم معنى الحديث، فاختلفوا في تشريك تارك الصلاة مع الإقرار بوجوبها، فمنهم من شرَّكه أخذا بالظاهر في زعمهم ،ومنهم من لم يشرِّكه، وتكلفوا للحديث تأويلا خرجوا به عن الظاهر اللفظ، ومقصود الشرع، ولا حاجة لنا بذكر ما قالوه من ذلك، والحق بيِّن والله أعلم.
ما جاء في من فاته العصر (2/57)
صفحة 558
قوله:« عن أنس بن مالك ... »: الحديث. رواه مالك والبخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر قوله:" من فاته العصر" في رواية ابن عمر عند قومنا، الذي تفوته صلاة العصر، واختُلِف في معنى الفوات في هذا الحديث. فقال ابن وهب: هو في من لم يصلها في وقتها المختار، وقيل: بغروب الشمس. وفي مُوطَّأ ابن وهب، قال مالك تفسيرها: ذهاب الوقت، وهو محتمل للمختار وغيره. وأخرج عبد الرزاق هذا الحديث عن ابن جريج عن نافع وزاد في آخره قلت لنافع: حتى تغيب الشمس؟ قال: نعم وتفسير الرَّاوي إذا كان فقيها أولى من غيره، قيل وورد مرفوعا، أخرجه ابن أبي شيبة عن هشام عن حجاج عن نافع عن ابن عمر مرفوعا،" من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر، فكأنما وتر أهله وماله" وقال الأوزاعي: فواتها أن تدخل الشمس صفرة، أخرجه أبو داود. قال الحافظ: ولعله على مذهبه في خروج وقت العصر، وقال المهلب ومن تبعه: إنما فواتها في الجماعة، لما يفوته من شهود الملائكة الليلية، والنهارية ،ويؤيده رواية ابن منده، "الموتور أهله وماله، من وتر الصلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر". قال المهلَّب: وليس المراد فواتها باصفرار الشمس أو مغيبها، إذ لو كان كذلك لبطل الاختصاص، لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة.و نوقض بعين ما ادَّعاه لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة.<1/452> ويروى عن سالم أن هذا في من فاتته ناسيًا، ومشى عليه الترمذي، فبوَّب على الحديث ما جاء في السَّهو عن وقت العصر، وعليه فالمراد أنه: يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلَّى؛ ما يلحق من ذهب أهله وماله. ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشدٌّ، لاجتماع فقد الثواب، وحصول الإثم. وقال الداودي: إنما هو في العامد. واستظهره النووي وأيَّد بقوله في الرِّواية السابقة من غير عذر. (2/58)
صفحة 559
واختُلف أيضا في تخصيص صلاة العصر، بذلك فقيل: خُصَّت بذلك لزيادة فضلها، وأنها الوسطى، ولأنها تأتي في وقت تعب الناس في مقاسات أعمالهم، وحرصهم على قضاء أشغالهم، وتسويفهم بها، إلى انقضاء وظائفهم، ولاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها. وتعقب بأن الفجر أيضا فيها اجتماع المتعاقبين، فلا يُختص العصر بذلك وقيل: الحق عدم التعليل، لأن الله يخص ما يشاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة، وقيل: يُحتمل أن الحديث خرج جوابا لسائل عمَّن تفوته العصر، وأنه لو سئل عن غيرها، لأجاب بمثل ذلك فيكون حكم سائر الصلوات كذلك. وتعقب بأن الحديث ورد في العصر، ولم تحقَّق العلة في هذا الحكم ،فلا يلحق بها غيرها بالشك، وإنما يلحق غير المنصوص به إذا عرفت العلة، واشتركا فيها. ورُّد بأن هذا لا يدفع الاحتمال وإنما يدفع القياس. قوله: ... « وُتِرَ»: (بضم الواو وكسر الفوقية) ،قال الربيع: أي سُلِبَ وقيل: نَقُصَ وقيل: معناه أُخذ أهله وماله فصار وترا أي: فردا وقيل: يقال وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلا أو أخذت ماله، وقيل: الموتور من أخذ أهله وماله وهو ينظر، وذلك أشد لِغَّمِهِ فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة، لأنه يجتمع عليه غمَّان، غمُّ الإثم، وغمُّ فقد الثواب كما يجتمع على الموتور غمان، غم السلب، وغم الطلب بالثأر، وقال الجوهري: الموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وتر، وتقول أيضا وتره حقه، أي: نقصه وقال الخليل: الوتر، الظلم في الدم، فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز. قوله:« أهله وماله»: قال القرطبي: يروَى بالنصب على أن وَتَرَ بمعنى سلب، وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن وُتر، بمعنى أخذ فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله. قال النووي:<1/453> والنصب هو الصحيح، المشهور على أنه مفعول ثان، ومن رفع فعلى ما لم يسمِّ فاعله، ومعناه انْتُزِعَ منه أهله، وماله. (2/59)
صفحة 560
وقال ابن عبد البر: معناه عند أهل الفقه واللغة: أنه كالذي يصاب بأهله، وماله إصابة، يطلب بها وترا، والوتر: الجناية التي يُطلب ثأرها فيجتمع عليه غمان غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر ولذا قال، ولم يقل مات أهله. وقال الداودي: معناه الذي يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقدهما فيتوجه عليه الندم والأسف، لتفويته الصلاة. وقيل: معناه فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه، كما يلحق من ذهب أهله، وماله، وإنما خص الأهل، والمال بالذكر لأن الاشتغال في وقت العصر، إنما هو بالسعي على الأهل، والشغل بالمال، فذكر أن تفويت هذه الصلاة نازل منزلة فقدهما، فلا معنى لتفويتها بالاشتغال بهما، مع أن تفويتها كفواتهما أصلا، والله أعلم. والحمد لله كثيرا، والصلاة، والسلام على سيد الأولين، والآخرين، محمد النبيء الأمين، وعلى آله، وصحبه، الطاهرين، وعلى الأنبياء، والمرسلين، وعلى الملائكة المقربين، وعلى صالح المؤمنين، غفر الله لنا ولأئمتنا، ومشائخنا، وإخواننا، وتقبل منا صالح أعمالنا، آمين، هذا آخر ما من الله به علينا، من كتابة الجزء الأول من حاشية الجامع الصحيح، مسند الربيع بن حبيب، الجامع للصحيح من أحاديث الحبيب، وكان تمام تسويده، عشية الإثنين، لسبع مضين من ربيع الأول، سنة خمس وعشرين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة الإسلامية، على مهاجرها أفضل صلاة، وتحية، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، وأوله كتاب الصوم، ويليه الجزء الثالث، وبالله التوفيق. (2/60)
صفحة 561
شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي ج2
شرح (1) الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي،
- الجزء الأَوَّل والثاني: الطبعة الأولى، نشر: السلطان فيصل بن تركي، مطبعة الأزهار البارونية، [مصر]، 1326هـ.
- الجزء الثالث: تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، نشر: سليمان وأحمد ابني محَمَّد السالمي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383هـ/1963م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثاني
كتاب الصوم
الباب التاسع و الأربعون
في صيام رمضان في السفر
قوله كتاب الصوم
وهو في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص عن الشيء مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة (وإنما) قدمه على الزكاة لتقدم وجوبه عليها فإنه فرض في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خالتا من شعبان وفي نصف شعبان حولت القبلة و فرضت الزكاة بعد ذلك كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى (وهل) كان قبله صوم ثم نسخ أولا قولان و على الأول فأي صوم وجب قبله في الإسلام فقيل عاشوراء (وهو المذهب) وقال القرطبي ثلاثة من كل شهر و يوم عاشوراء (وهل) نسخ ذلك برمضان أو بأيام معدودة ثم نسخت برمضان فيه خلاف وقال الفارابي أول ما فرض رمضان خير بينه و بين الإطعام ثم نسخ الجميع بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) و أوجب الصيام إلى الليل وأبيح الطعام و الشراب و الجماع إلى أن يصلي العشاء أو ينام فيحرم جميع ذلك وإختان عمر رضي الله عنه زوجته فكذبها أنها نامت فوطئها فنزل قوله تعالى (علم أنكم كنتم تختانون أنفسكم) الآية.
الباب التاسع و الأربعون في صيام رمضان في السفر
(
__________
(1) ... الجزء الأَوَّل والثاني طُبعا بمطبعة الأزهار البارونية، بعنوان: حاشية الجامع الصحيح، والجزء الثالث طُبع بعد ذَلِكَ بدمشق بعنوان: شرح الجامع الصحيح، والاسم الذي أثبتناه هو ما اشتهر به. (3/1)
صفحة 562
قوله في صيام رمضان في السفر) قدمه على ذكر الصيام في الحضر لكونه في الحضر معلوم الوجوب بالضرورة ووجوبه من قوله تعالى (فمن شهد الشهر منكم فليصمه) فامتثل المسلمون ولم يحتج إلى البيان فوق بيان القرآن وأحكام السفر مخالفة في الصوم و الصلاة لأحكام الحضر فمن ثم قدم المرتب ذكر (وإنما) سمي هذا الشهر رمضان لأن و ضعه وافق الرمض وهو شدة الحر وفي قوله صيام رمضان مطابقة لقول ابن عباس في الحديث الآتي عام الفتح في رمضان وكذلك قول الجملة من أصحابه (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الثاني من الباب وذلك يدل على جواز استعمال رمضان من غير لفظ شهر بلا كراهة وإليه ذهب البخاري و جماعة من المحققين (وكان) مجاهد يقول لا تقولوا
رمضان فانه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان هكذا ذكره صاحب القوت قال وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسندا(ورد) بوجهين أحدهما أن البيهقي ضعف الحديث مع أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أن رمضان من أسماء الله تعالى فلا يعمل به(و الثاني) ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مما يدل على الجواز مطلقا كقوله إذا جاء رمضان من أسماء الله تعالى فلا يعمل به (والثاني) ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مما يدل على الجواز مطلقا كقوله إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة الحديث(وقال) السهيلي ما ذكر مضافا إلى الشهر فإن المراد به بعضه وما ذكر بترك لفظ الشهر فالمراد به كله فالقرآن ما نزل في جميع الشهر إنما هو في بعض لياليه و قيام رمضان المطلوب فيه إدامة العمل به في جميع الشهر.
ما جاء في الصوم و الفطر في السفر
( (3/2)
صفحة 563
قوله عن ابن عباس) الحديث رواه البخاري و مسلم و أحمد غير أنهم ذكروه مطولا ذكروا فيه تاريخ وقت الخروج و عدد الجيش الذي خرج فيه إلا مسلما فلم يذكر شيئا منهما و نص الحديث عندهم عن ابن عباس أن (النبي صلى الله عليه و سلم) خرج من المدينة و معه عشرة آلاف و ذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم و يصومون حتى إذا بلغ الكديد و هو ماء بين عسفان و قديد أفطر و أفطروا و إنما يؤخذ من أمر(رسول - صلى الله عليه وسلم - ) بالآخر فالآخر(قوله الكديد) بفتح الكاف و كسر الدال مكان معروف وقع تفسيره في رواية قومنا في نفس الحديث بأنه بين عسفان و قد يد على صيغة التصغير و بين الكديد و مكة مرحلتان و هو ماء عليه نخل كثير (قال القاضي) عياض اختلفت الرواية في الموضع الذي أفطر فيه(النبي صلى الله عليه و سلم) والكل في قضية واحدة و كلها متقاربة و الجميع من عمل عسفان (قوله وكانوا يأخذون) هذا الكلام من كلام ابن عباس وهو أخبار عن الذي عرفه منهم (قوله بالأحدث فالأحدث) وفي رواية قومنا وإنما يؤخذ من أمر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) بالآخر فالآخر والمعنى واحد وذلك لأن الزمان كان زمان تبيين الشرائع وتعريف الأحكام فالمتأخر يكون ناسخا للمتقدم أو مبينا معناه (وفي الحديث) رد على من زعم أن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقول أصحابنا وعليه أكثر أهل العلم إنه لا فرق بينه وبين من استهل عليه رمضان في السفر لحديث الباب وهو مبين لمعنى الآية وقال ابن عمر قواه تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) نسخها قوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية(وفي الحديث) أيضا جواز الإفطار في السفر ولو تقدمه صوم فيه لأن (الرسول - صلى الله عليه وسلم - ) صام حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا (وقيل) كل صوم في السفر يعقبه إفطار في السفر فهو باطل (3/3)
صفحة 564
لأنه يجب عليه التزام أي الحكمين شاء الصوم أو الإفطار فإن اختار الصوم ثم أفطر فسد صومه في سفره والحديث يرد هذا القول والتزام أحد الحكمين لم يقم عليه دليل بل المسافر مخير مطلقا إن شاء صام وإن شاء أفطر وكذا المريض (واستدل) به في الإيضاح لمن قال لا بد على المسافر فيما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي أصبح فيه صائما قال لأن ذلك له في السفر وإنما عليه بدل يومه ثم ذكر الحديث ثم قال فظاهر هذا يدل أنه أفطر بعد أن بيت الصيام وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم (ثم صحح) عفا الله عنه القول بالبدل لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) واعترضه المحشي بأنه (صلى الله عليه و سلم) أدرى بالمراد من الآية (ومعناه) يجب حمل الآية على غير الإفطار في السفر خصوصا مع قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) كيف يكون ذلك إبطالا (ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فعله وفعله الناس معه والله تعالى يقول (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الآية (ثم وجه) المحشي كلام الإيضاح بأن يقول أنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) إنما فعله لسبب وهو التقوي على العدو كما يشعر به الحديث الآتي والله أعلم (قلت) ومع ذلك فلا يدل على زوال الحكم مع زوال السبب ونهيك أن الإفطار والقصر شرعا في السفر لدفع المشقة وعدمها ولو كان ذلك مقصورا على السبب المشار إليه لبيانه ( - صلى الله عليه وسلم - ) وحيث لم يبينه علمنا أن الحكم مستمر على ذلك في كل سفر والمريض كالمسافر في هذا كله والله أعلم.
ما جاء في اختيار الصوم على الإفطار في السفر إلاَّ لحاجة
( (3/4)
صفحة 565
قوله سمعت) جملة الحديث رواه مالك عن بعض أصحاب (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث أبي سعيد وقد سمعه جابر رضي الله عنه من جملة من الصحابة ولعلَّ أحدهم أبو سعيد كما في روايتهم وألفاظ الحديث مختلفة والمعنى متقارب ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال سافرنا مع (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إلى مكة ونحن صياما قال فنزلنا منزلا فقال (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا فكانت عزمة فأفطرنا ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) في السفر (قوله تقوية على عدوكم) أي لأجل أن تتقوا على قتالهم فهو تعليل للحكم وأخذ منهم بعضهم أن الفطر أولى لمن دنا من العدو لأنه ربما وصل إليهم العدو في موضعهم قال وأما إذا كان لقاء العدو متحققا فالإفطار عزيمة لأن الصائم يضعف عن منازلة إلاّ قران ولا سيما عند غيلان مراجل الضرب والطعان قال ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين (قوله فصام هو ولم يفطر) لأنه يجد في نفسه قوة لا يجدونها لاعتدال مزاجهم وقوة يقينه وفيه أن الصوم في السفر أفضل كما في قوله تعالى { أن تصوموا خير لكم } (قوله قال) المناسب قالوا لأن المخبرين جملة ولعله أفرده باعتبار كون الفاعل موصولا تقديره قال من حدثني وهو صادق على الجملة والأفراد وإنما يميّز بينهما بالقرائن والقرينة هاهنا قوله ولقد رأيتنا (قوله: يصبُّ الماء على رأسه) وقع في رواية مالك تعيين الموضع الذي كان فيه الصب وهو العرج بفتح العين وسكون الراء المهملتين وبالجيم وهي قرية جامعة على نحو ثلاث مراحل من المدينة (قوله: من شدة الحرّ أو من العطش) تحتمل أو الشك والتنويع فتحمّل ( - صلى الله عليه وسلم - ) (3/5)
صفحة 566
المشقة في نفسه لطلب الأفضل في حقه وكان لا يبالي بها في عبادة ربّه ألا ترى إلى قيامه حتّى تورمت قدماه (قوله: إنَّ أناساً صاموا حين صمت) وذلك لأنه فهموا أن أمره بالفطر ليس على الوجوب بدليل صيامه هو واختصاصه بمن شق عليه الصوم جدا والذين صاموا لم يكونوا كذلك (قوله: الكديد) بفتح الكاف موضع تقدم ذكره (قوله: بقدح) بفتحتين كسبب وزنا آنية معروفة يشرب فيها قوله (فشرب) أي علانية ليراه الصائمون أنَّه أفطر فلما رأوا ذلك أفطر الناس تأسياً به (وزاد) مسلم والترمذي عن جابر فقيل له بعد ذلك بعض الناس صام قال أولئك العصاة أولئك العصاة مرتين (قال) عياض وصفهم بذلك لأنَّه أمرهم بالفطر لمصلحة التقوي على العدو فلم يفعلوا حتى عزم عليهم بعد (قال النووي) أو يحمل على من تضرر بالصوم قال غيرهما أو عبر به مبالغة في حثهم على الفطر رفقاً بهم .
ما جاء أنَّ الصوم والفطر في السفر مفوضان إلى اختيار المسافر
( (3/6)
صفحة 567
قوله:عن أنس بن مالك) الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد(قوله:سافرنا) ولفظ الرواية عند قومنا كنا نسافر مع (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) وهو يفيد تكرار السفر مراراً (قوله:فلم يعب الصائم من الفطر ولا المفطر من الصائم ) أي فلم يعب رسول الله الصائم من بين المفطرين ولا المفطر من بين الصائمين فالصائم مفعول والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ( الرسول - صلى الله عليه وسلم - )وقوله ولا المفطر معطوف على الصائم ومن في الموضعين لبيان الجنس وفي رواية قومنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم فالفاعل فيها الصائم والمفطر معطوف عليه والمعنى لم يعب بعضهم على بعض فالاستدلال على رواية المصنف من سكوته - صلى الله عليه وسلم - وعلى رواية القوم من سكوت بعضهم عن بعض على عهد ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )بل وفي سفره والحديث يدل على جواز الأمرين وكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر والله أعلم .
الباب الخمسون صوم يوم عاشوراء و يوم عرفة
( (3/7)
صفحة 568
قوله :صوم يوم عاشوراء ويوم عرفة) وثالثة من كل شهر وست من شوال وصيامه ( - صلى الله عليه وسلم - ) في شعبان وغيره فهذه خمسة أشياء كان يجب أن يجعل لكل واحد منها باب بل وكان ينبغي أن يجعل باب في فضل صوم عاشوراء وهو الحديث(الأول) من الباب فيدخل تحت هذا الباب ستة أبواب لكن صنيع المرتب عفا الله عنه في جميع أبواب الكتاب على خلاف هذا الحال لقصده الاختصار فاقتصر في الترجمة على ذكر صوم عاشوراء وعرفة إشارة إلى أن الباب موضوع لصوم التطوع ولو ترجم عليه بصوم التطوع كان أمثل لأنَّه أدلى على المقصود (وعاشوراء) بالمد على المشهور وحكى القصر وزعم ابن دريد أنه إسم إسلامي وأنَّه لا يعرف في الجاهلية (ورد) بأن ابن الأعرابي حكى أنَّه سمع من كلامهم حابوراء وبقول عائشة كانوا يصومونه قال المحشي والأخير لا الدلالة فيه على رده يعني لاحتمال أن يكونوا يصومون اليوم ولا يسمونه بهذا الاسم (واختلف) أهل الشرع في تعيينه فقيل هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية (وقيل) هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف إلى الليلة الماضية وعلى الثاني هو مضاف إلى الليلة الآتية (واحتج) هؤلاء بما في حديث ابن عباس عند مسلم و أبي داود أن (النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) قال: فإذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتَّى توفي (رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) (و الجواب)أنَّه إنَّما قال ( - صلى الله عليه وسلم - )ذلك ليخالف اليهود والنصارى كما يدل عليه صدر الحديث قال ابن عباس قال:لما صام (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنَّه يوم تعظمة اليهود والنصارى فقال فإذا كان عام المقبل ثم ذكره ثم إن ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه إنَّه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطه له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح كما (3/8)
صفحة 569
يشعر به صدر الحديث المتقدم ولا حمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً صوموا يوم عاشوراء و خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله ويوماً بعده و هذا كان في آخر الأمر وقد كان ( - صلى الله عليه وسلم - )يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان ولما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً وصوم عاشوراء من ذلك فإنَّه وافقهم أوَّلاً وقال نحن أحق بموسى منكم ثم أحب مخالفتهم فأمر أن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم وعلى هذا فصوم عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام معه التاسع والحادي عشر (وقال بعضهم)قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصومن التاسع يحتمل أمرين أحدهما أنَّه أراد جعل العاشر إلى التاسع والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم فلما توفي - صلى الله عليه وسلم - قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين(وكان) ابن عباس يوالي بين اليومين خشية أن يفوته (وقيل) أنَّه كان يقول صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود والله أعلم .
ما جاء في فضل صوم عاشوراء
( (3/9)
صفحة 570
قوله عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف - رضي الله عنه - والذي في النسائي من حديث ابن عباس قال ما علمت النبئ - صلى الله عليه وسلم - صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني شهر رمضان ويوم عاشوراء وفي جامع الترمذي عن أبي قتادة أنَّ (النبئ - صلى الله عليه وسلم - ) قال في صيام يوم عاشوراء أني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله وفي الباب عن علي ومحمد بن صيفى وسلمة بن الاكوع وهند بن أسماء وابن عباس والربيع بنت معوذ بن عفراء وعبد الرحمان بن سلمة الخزاعي عن عمه و عبد الله الزبير ذكروا عن النبئ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه حث على صيام يوم عاشوراء قال أبو عيسى لا نعلم في شئ من الروايات أنَّه قال صيام يوم عاشوراء كفارة سنة إلا في حديث أبي قتادة وبحديث أبي قتادة يقول أحمد وإسحاق :(قوله كفارة لستين شهراً)وهي خمس سنين و يجمع بينه وبين حديث أبي قتادة عند الترمذي بما مر في فضل صلاة الجماعة وأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد أعطى أولاً الفضل الأقل وهو كفارة سنة ثم زيد بعد ذلك حتى صار كفارة ستين شهراً و عتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل والله يضاعف لمن يشاء ونظيرة ما ذكر الله تعالى في مدد الملائكة يوم بدر فإنَّه وعدهم بألف من الملائكة ثم زادهم على ذلك فوعدهم بثلاثة آلاف ثم زادهم ألفين فأمدهم بخمسة آلاف والألف والثلاثة داخلة تحت الخمسة ومن صفات الكريم أن يفي بما وعد ويزيد وهذه قاعدة تعرف بها الجمع بين الكثير من الأحاديث المختلفة في تقدير الفضائل وبيان الثواب (ومعنى )قوله كفارة لستين شهراً أي يكفر الذنب الصغير الواقع في الماضي إلى ستين شهراً كما يدل عليه حديث أبي قتادة أن يكفر السنة التي قبلها (وقيل) المراد غفران ما استقبل كأن يتمكن في التحفظ من الكبير والأول أرجح وأظهر لحديث أبي قتادة ولأن التكفير إنما يعبر به عن شئ قد وقع دون ما لم يقع (قوله وعتق عشر رقبات) جمع رقبة والمراد (3/10)
صفحة 571
ثواب ذلك فمن صام عاشوراء حصل له شيئان غفران وثواب أما الغفران فإنَّه يكفر عنه ذنب ستين شهراً وأما الثواب فإنَّه يعطي ثواب من أعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهم أولاد نزار بن معد بن عدنان وإنما خص المؤمنات لكونها أعظم أجراً وأكثر ثواباً وإنما خص ولد إسماعيل لقرب نسبهم من نسبه ( - صلى الله عليه وسلم - ) فإنَّ نزاراً يجمع نسبه( - صلى الله عليه وسلم - )مع أنسابهم وإسماعيل جد الكل فهم أقرب من غيرهم من عرب أو عجم أما العرب فلم يبق إلا اليمن وهم من ولد قحطان بن هود وليس إسماعيل جداً لهم وأما العجم فبعضهم من ولد يعقوب بن إبراهيم والباقي من غير ذلك وفي الحديث إشارة إلى احترام ولد إسماعيل وفيه أيضاً إشارة إلى إسترقاق العرب إذا أشركوا حتى ولد إسماعيل والله اعلم .
ما جاء في صوم عاشوراء في الجاهلية والإسلام
( (3/11)
صفحة 572
قوله عن عائشة )الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد ألا قوله آخر الحديث ولكن في صيامه ثواب عظيم فإنها زيادة تفرد بها المصنف رحمة الله عليه (قوله يوم تصومه قريش في الجاهلية) ولعلهم تلقوا ذلك من الشرع السالف فإنَّه كان عندهم بقية من شراع إبراهيم عليه السلام لكن هدموا ذلك بالشرك وبالتبديل ومن تلك البقية تعظيمهم الكعبة وقيام المناسك والطواف واحترام الحرم والغسل من الجنابة (وقال عكرمة ) أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك ( قوله يصومه في الجاهلية ) أي قبل أن يوحى إليه وذلك قبل الإسلام وقبل المراد قبل أن يهاجر وهو خلاف الظاهر لأنه لا جاهلية بعد الوحي غير أن القائل أخذ ذلك من مفهوم الخطاب حيث قابل ما قبل الهجرة بما بعدها ( قوله وأمر الناس بصيامه ) مفهوم أنه كان قبل ذلك يصومه ولا يأمر أحدا بصيامه وهذا يدل أن الأمر بذلك كان أول قدومه المدينة ولاشك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الأولى وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فوض الأمر في صومه إلى اختيار المتطوع (ونقل عياض) أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكنه انقرض القائلون بذلك ( ونقل ابن عبد البر ) الإجماع أنه ليس الآن بفرض والإجماع على انه مستحب (وكان) ابن عمر يكره قصده بالصوم قيل ثم انعقد الإجماع على استحبابه (قوله بلغني عن معاوية) الحديث قيل رواه البخاري ومسلم و أحمد و قوله في آخر الحديث و لكن في صيامه ثواب عظيم و أجر كريم زيادة تفرد بها المصنف رحمة الله عليه و قد رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان بن عوف إنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حج و هو على المنبر يا أهل المدينة أين علماؤكم الحديث (قوله قدم من مكة) أي إلى المدينة و ذلك في حجة حجها في دولته وكان أول حجة حجها بعد ما تملك (3/12)
صفحة 573
أربع وأربعين وأخر حجة حجها سنة سبع وخمسين قال ابن حجر و يظهر أن المراد في هذا الحديث الحجة الأخيرة وكأنَّه تأخر بمكة أو المدينة بعد الحج إلى يوم عاشوراء (وقوله: أين علماؤكم) سال عن العلماء تنبيها لهم على الحكم أو استعانة بما عندهم على ما عنده أو توبيخا لهم حيث أنَّه رأى أو سمع من خالفه أو أنَّه لم ير لهم اهتماما بصيامه وقد خطب به في ذلك الجمع العظيم ولم ينكر عليه فدل على ثبوت الحكم عند الكل (قوله:يوم عاشوراء) بدل مما قبله أو عطف بيان (وقوله:ولم يكتب الله عليكم صومه) أي لم يفترضه عليكم وهذا الكلام الخ من المرفوع عنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) واحتج به من قال أنَّه لم يفرض قط ولا نسخ برمضان (وتعقَّب) بأنَّ معاوية من مسلمة الفتح فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنَّما سمعه سنة تسع أو عشر وذلك بعد نسخه برمضان فمعنى قوله لم يكتب أي لم يفرض بعد إيجاب رمضان جمعا بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبه وإن كان سمعه قبل إسلامه فيجوز كونه قبل افتراضه ونسخ عاشوراء برمضان في حديث عائشة الذي قبله.
ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر
( (3/13)
صفحة 574
قوله: عن ابن عباس) الحديث رواه الترمذي و ابن ماجه من حديث أبي ذر ولأحمد ومسلم وأبي داود معناه من حديث أبي قتادة (قوله: ثلاثة أيام) قيل هي أيام البيض لحديث أبي ذر عند أحمد والنسائي والترمذي قال: قال (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصمت ثلاث عشرة وأربع عشر وخمس عشرة وهذا الحديث مؤيد لقول الجمهور في تعيين أيام البيض وأن أولها ثلاث عشرة وآخرها خمس عشرة (وقيل) هي الثاني عشر و الثالث عشر والرابع عشر ولا دليل عليه(وتفسير ) الثلاث المذكورة في حديث بأيام البيض منقول عن عمر ابن الخطاب وابن مسعود وأبي ذر وغيرهم من الصحابة وجماعة من التابعين (واستشكل) بقول عائشة في صوم (النبي - صلى الله عليه وسلم - ) لا يبالي من أي الشهر صام (وأجيب) بأنَّه عليه الصلاة والسلام لعلَّه كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقّه أفضل صوم الذي أمر به أمته ووصّاهم به وعيّنه لهم صوم أيام البيض فيحمل مطلق الثلاث على الثلاث المذكورة (واختار) النخعي وآخرون إنها آخر الشهر لتكفر ما قبلها وهذا تعليل لمناسب ألغاه الشارع لأنَّ المفهوم من لحن الخطاب أنَّ صومها شرع لزيادة الأجر لا لتكفير سيئات فقط (واختار) الحسن البصري جماعة أنها من أول الشهر (واختارت عائشة ) وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر ثم الثلاثاء والإربعاء والخميس من الشهر الذي بعده لحديث روته عائشة في ذلك من فعله( - صلى الله عليه وسلم - ) رواه الترمذي وحسنه وقال البيهقي (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ) يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام في حديث عائشة قال فكل من رآه فعل نوعا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت كذا قال وأراد بذلك جمع بين أحاديث الباب (والجواب ما مرَّ في الجواب عن الإشكال الأول وأنَّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) أمر أبا ذر بصوم الثلاثة المخصوصة فهو (3/14)
صفحة 575
السبيل في حقنا دونه لاحتمال فعله التخصيص ونحوه (وروى) عن مالك أنَّه يكره تعيين الثلاث (وقيل) استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر (وقال الروياني) صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب فإن اتفقت أيام البيض كانت أحب (قوله فكأنما صام الدهر كله) ووقع بيان ذلك في حديث أبي ذر عند الترمذي وابن ماجه قال: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها اليوم بعشره (ومعناه) أن الحسنة بعشرة أمثالها فيعدل صيام الثلاثة أيام من كل شهر صيام الشهر كله فيكون كمن صام الدهر ولا يلزم من التشبيه المساواة من كل وجه لأن التشبيه إلحاق ناقص بتام وذلك يصدق فيما إذا اشترك الطرفان ولو في صف واحد ووجه الاشتراك في الحديث أصل الأجر الأصلي دون التضعيف الحاصل من الفعل (واستدل) بهذا الحديث وبقوله في الحديث أبي أيوب الآتي فكأنما صام الدهر كله على جواز صوم الدهر بل على أفضليته مما شبه به (وتعقب) بأن التشبيه للأمر المقدور لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه (وقد اختلف) الناس في صيام الدهر(فعن مالك) أنَّه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )عن صيامها صوم هي أيام منى ويوم الأضحى والفطر فيما بلغنا قال وذلك أحب ما سمعت ألي في ذلك (وعند جمهور) الفقهاء أنَّه يستحب صوم الدهر لا طلاق الأدلة (واختلف هؤلاء هل هو أفضل أو صوم يوم وإفطار يوم (قال) أهل الظاهر وإسحاق وأحمد في رواية بكراهة صوم الدهر وقال به ابن العربي من المالكية (وشد) ابن حزم فقال من صام الدهر أثم لحديث الصحيحين لا صام من صام الأبد مرتين لأنَّه إن كان دعاء فياويح من أصابه دعاء المصطفى وإن كان خيرا فياويح من أخبر عنه أنَّه لم يصم (وأجيب) بأنَّه محمول على من تضرر (3/15)
صفحة 576
به أو فوت به حقا (ويؤيده) إن النهي كان خطابا لعبد الله بن عمرو بن العاص وفي مسلم و البخاري عنه أنهَّ عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل رخصة (النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) فنهاه لعلمه بأنه سيعجز وأقر حمزة بن عمرو ولعلمَّه بقدرته بلا ضرر وبأن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقة ما يجده غيره لأنَّه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقة (وتعقب) بأنَّه مخالف لسياق الحديث ألا تراه نهاه أولا عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود والأولى أنّهَ خبر عن أنَّه لم يمتثل أمر الشرع (وقيل) النهي محمول على حقيقته بأن يصوم العيدين وأيام التشريق وبهذا أجابت عائشة واختاره ابن المنذر وطائفة (وتعقب) بأنه( - صلى الله عليه وسلم - ) قال لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنَّه لا أجر ولا وزر ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنّه عند من أجازه يجيزه في غيرها فمن صام الكل يكون قد فعل مستحباً وحراماً (وأيضا)فإن الأيام المحرمة مستثناة شرعا غير قابلة للصوم فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم تحريمها والله أعلم .
ما جاء في صوم ستة أيام من شوال
( (3/16)
صفحة 577
قوله : عن أبي أيوب)الحديث رواه أيضاً الجماعة البخاري النسائي رواه أحمد من حديث جابر ولابن ماجة والنسائي معناه من حديث ثوبان ( قوله : ثم أتبعه بستة أيام شوال ) ظاهر التعبير بالاتباع يقتضي صومها أول شوال بعد الفطر حالاً وهو الذي عليه العمل وبه قال بعض الناس وظاهر التغيير بثم يقتضي التراخي فيمكن إتيانها في الشهر كله قال المحشي و ظاهره إنّه لا فرق في ذلك بين أن تكون مجتمعة أو متفرقة والذي يدل عليه لحن الخطاب اجتماعها لان تفريقها غير متبادر للأذهان حال الخطاب وإن احتمله اللفظ أهو الحديث يدل على استحباب صومها وهو قولنا وقول الشافعي وابن حنبل (وكرهه )مالك خوفا أن تلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه ووافقه أبو يوسف على ذلك (روى مطرف ) عن مالك أنَّه كان يصومها في خاصة نفسه والقول بالكراهية خطأ لمصادمته النص و التعليل فاسد لأنه بمناسب ألغاه الشارع(قوله: فكأنما صام الدهر كله) تقدم الكلام في نظيره وهو أن الحسنة بعشر أمثالها وقد جاء بيان ذلك مرفوعا في حديث ثوبان شهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بشهريين وهما ستون يوما فذلك تمام سنة فمن لازم ذلك كان كمن صام الدهر كله ولا يشكل على هذا أنَّه يلزم من ذلك مساواة ثواب النقل للفرض لأنَّه صار سنة بالتضعيف وهو مجرد فضلا من الله تعالى والله أعلم .
ما جاء صوم النبيء - صلى الله عليه وسلم - وفضل صوم شعبان
( (3/17)
صفحة 578
قوله: عن عائشة) الحديث رواه أيضا مالك والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي كلهم عن عائشة وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن أمي سلمة (قوله :يصوم حتى نقول لا يفطر)أي يكثر الصوم حتى يقع في الظن أنَّه لا يتركه بل يلازمه دائما (قوله : ويفطر حتى نقول لا يصوم )أي يترك الصوم التطوع حتى يقع في الظن أنَّه لا يصوم إلا الفرض وذلك لا حوالا يشاهدها وأمور يعرفها والله أعلم بها وقد كان أبو خليل رحمة الله عليه يقوم الليل كله وربما قضى ليلته في ركعة وربما قضاها في سجدة وربما صلى بعض الليل ثم يرجع إلى أهله يهرول فتسأله امرأته عن ذلك فيقول إن للنفس إقبالا وإدبارا ( قوله:صيام شهر قط) وذلك لئلا نظن وجوبه وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة أيضا قالت لم يكن (النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) يصوم أكثر من شعبان فإنَّه كان يصومه كله (وجمع) بين روايتين بأن رواية الكل محمولة على المجازي ففيها إطلاق اسم الكل على الأكثر وقد نقل الترمذي عن ابن مبارك أنه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعلَّه قد تعشى واشتغل ببعض أمره (واستعبده) الطيبى قال لأن لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز وتفسيره بالبعض مناف له قال فيحمل على أنَّه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنَّه واجب كله كرمضان (وقيل) المراد بقولها كله أنَّه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورا فلا يخلي شيئا منه من صيام ولا يخص بعضا منه بصيام دون بعض (قوله: وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان) سمي شعبان لذلك لأن وضعه وافق تشبعهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام (المعنى) كان يصوم في شعبان صوم غيره وكان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه في غيره (واختلف) في الحكمة في ذلك فقيل كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو (3/18)
صفحة 579
غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت كان (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخَّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان وفي إسناده ضعف (وقيل) كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أنس قال سئل (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي الصوم أفضل بعد رمضان فقال شعبان لتعظيم رمضان وإسناده ضعيف (وقيل) الحكمة في ذلك أن نساء كنُّ يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم معهن و قيل الحكمة في ذلك غفلة الناس عنهم لما أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث أسامة قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أنْ يرفع عملي وأنا صائم ونحوه عائشة عند أبي يعلى وظاهر قوله أنَّ شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنَّه يستحب صوم رجب لأنَّ الظاهر أنَّ المراد أنَّه يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجباً والله أعلم .
ما جاء في صوم يوم عرفة
( (3/19)
صفحة 580
قوله: اختلف أناس ) الخ أي تنازع طائفة من المؤمنين في عرفة في حضرة أم الفضل في صيام (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فقال قائل هو صائم وقال آخرون ليس بصائم وهذا يشعر بأنَّ صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر وكان من جزم بصيامه استدل بما ألفه من العادة ومن جزم بأنَّه غير صائم استحضر معنى السفر وأنَّه عذر يبيح الفطر في الفرض فالنفل أحق بذلك (والحاصل) أن يصوم يوم عرفة مستحب لغير الواقف بعرفة لحديث أبي قتادة قال :قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ( وأما الواقف) بعرفة فلا يستحب له الصوم لئلا يضعف عن الوقوف ولذلك تركه - صلى الله عليه وسلم - بعرفة كي يتأسى به أهل الموسم (وعن أبي هريرة) قال نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم عرفة بعرفات رواه أحمد وابن ماجة فيكره صومه بعرفات لظاهر هذا الحديث بل أوجب فطره للحاج يحي ابن سعيد الأنصاري من قومنا ولعله أخذ بظاهر النهي (وقال عطاء ) من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم (وقال قتادة ) لا بأس بصومه إذا لم يضعف عن الدعاء ( قوله:وهو واقف على بعيره) أي ناقته القصواء والبعير يطلق على الناقة والجمال كما أن الإنسان يطلق على المرأة والرجل زاد في بعض الروايات عند قومنا وهو يخطب الناس بعرفة ( وفيه) مسنونية الوقوف على البعير للخليفة ونائبه ليأخذ الناس عنه مناسكهم فلو لم يكن على بعير ما رآه إلا القليل منهم (وفيه ) جواز الجلوس على الجلوس على الراحلة وهي واقفة إن كان لمصلحة ومحل النهي عن ذلك حيث لم تكن مصلحة (قوله :فشربه) زاد بعض الرواة عند قومنا والناس ينظرون واستدل به بعضهم على الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة ولا يدل على ذلك مطلقا وإنما يدل عليه حال الضرورة كما بعرفة فإنه لا يمكن فيها الاستتار ثم أن (3/20)
صفحة 581
شربه - صلى الله عليه وسلم - بيان للحكم فلا يحمل غيره عليه في مثل ذلك إلا إذا نزل منزلة التبيين للأحكام و الله أعلم وبالله التوفيق.
الباب الحادي و الخمسون ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور
(قوله: ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور) يفطر بضم التحية وكسر الطاء المشددة من فطره بالتشديد إذا أدخل عليه الفطر وهو نقيض الصوم وهذا المفطر يكون مرة جائزا كالأكل والشرب في وقت الإفطار ومرة حراما كالغيبة ومرة اختياريا وهو الإفطار المقصود على عمد كان جائزا أو ممتنعا وطورا ضروريا كمن أصبح جنبا على غير اختيار فإن ظاهر الحديث الآتي يوجب عليه النقض بذلك و قيل يعذر بالنسيان والخلاف في هذا نظير الخلاف فيمن أكل أو شرب ناسيا .
ما جاء أن من أصبح جنبا أصبح مفطراً
( (3/21)
صفحة 582
قوله:عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا الشيخان ومالك في الموطأ وزادوا فيه أنَّ أبا هريرة لما سئل عن ذلك قال لا أعلم بذلك إنما أخبرني مخبر كذا في الموطأ وفي مسلم فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل بن عباس ولم أسمعه من (النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) وفي البخاري فقال كذلك أخبرني الفضل بن عباس وهو أعلم وعلى كل حال فهو ثاب الإسناد شهور الصحة وكون أبي هريرة لم يسمعه من (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) بل من الفضل لا يضره لأنَّ مرسل الصحابي مقبول إجماعا (قوله : من أصبح جنبا أصبح مفطرا ) أي أفسد صومه بذلك فعليه البدل بلا كفارة إن لم يكن متعمدا وعليه الكفارة في التعمد لأنَّه تعرض لفساد صومه فهو في حكم من أفطر متعمدا وقد ثبتت الكفارة على مثل ذلك كما في الحديث الآتي ( قال الترمذي ) وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين وقد رواه المصنف عن أبي عبيدة عن جملة من أصحاب (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )وعن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي من التابعين (ورواه عبد الرزاق ) عن عروة بن الزبير أيضا وحكاه ابن المنذر عن طاوس قال ابن بطال وهو أحد قولي الشافعي (وحكي ابن المنذر )أيضا عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنَّه يتم صومه ثم يقضيه (وروى) عبد الرزاق عن الرزاق عن عطاء مثل قولهما (ونقل )بعض المتأخرين من قومنا عن الحسن بن صالح إيجاب القضاء (ونقل) الطحاوي عنه استحبابه ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع وقال الماوردي هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب (قال) وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يحزئه (وتعقب) بما أخرجه النسائي بإسناد الصحيح عن أبي هريرة أنه أفتى من أصبح جنبا من احتلام أن يفطر وفي رواية أخرى عنه عند النسائي أيضا من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم (ومعنى) قوله فلا صوم له وهذا في التطوع ظاهر وأما (3/22)
صفحة 583
في الفرض فالمراد المبالغة في الإنكار (وقال) جمهور قومنا من أصبح جنبا فصومه صحيح و لا قضاء عليه مطلقا وبالغ ابن دقيق العيد حين قال إنَّه صار ذلك إجماعا أو كالإجماع وقد تقدم القول بضد ما ادعى قبل وجوده بمئين من السنين واحتج هؤلاء بحديث متفق عليه عندهم عن عائشة وأم سلمة أن (النبيء صلى الله عليه وسلم) كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان (والجواب) إن ذلك من خصائصه (صلى الله عليه وسلم) لأن قوله عام وفعله خاص لا يتعداه إلى غيره إلا بوجوب الإتباع وهو دليل خارج عن نفس الفعل فنحن نتبعه (صلى الله عليه وسلم ) في جميع أحواله إلا خصنا فيه بحكم وقوله من أصبح جنبا أصبح مفطرا حكم عام يشملنا وإياه وفعله مخصص لهذا العموم فيبقى من عداه من الناس تحت هذا الحكم القولي ولا يصح أن يقال أنَّ فعله ناسخ لقوله لأنًّ ذلك يمكن أن لو كان الفعل شاهرا ظاهرا كالصلاة والمناسك فأما المستتر كالغسل من الجنابة فلا يصح أن يكون ناسخا لأنَّه (صلى الله عليه وسلم ) قد كلف التبليغ على سواء والفعل المستتر يخالف ذلك فلو كان القول منسوخا لبينه بقول مثله حتى يعلم الحكم فيه ولا يترك الناس على غير بيان في دينهم ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة إجماعا والله اعلم ( قوله :ويدرءون عنه الكفارة ) أي يدفعونها عنه وذلك لأنَّ الكفارة فيها نوع عقوبة تشبه الحد وفي الحديث أدرءوا الحدود بالشبهات فالشبه هاهنا حاصلة من تعارض الأدلة ولهذا اختلف فيه الأمة والله اعلم .
ما جاء في كفارة من أفطر في رمضان
( (3/23)
صفحة 584
قوله:عن أبي هريرة) الحديث رواه أيضا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عون عن أبي هريرة يرفعه وأخرجه مسلم من طريق إسحاق بن عيسى وأبو داود عن القعنبي كلاهما عن مالك وروى الجماعة عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى (النبي - صلى الله عليه وسلم - ) فقال هلكت يا رسول الله قال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال: لا قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال: لا قال:ثم جلس فأتى (النبي - صلى الله عليه وسلم - ) بعرق فيه تمر قال:تصدق بهذا قال:فهل على أفقر منا فما بيَّن لابتيها أحوج إليه منا فضحك النبيء - صلى الله عليه وسلم - حتَّى بدت نواجذه فقال اذهب فأطعمه أهلك (و في رواية) أنَّ رجلا أفطر في رمضان و في رواية مالك جاء أعراب إلى رسول الله و في لفظ ابن ماجة قال: اعتق رقبة قال: لا أجدها قال: صم شهرين متتابعين قال لا أطيق قال: أطعم ستين مسكينا وذكره وهذا الحديث أيضا موجود في القواعد و الإيضاح وهما قضيتان اشتركتا في الإفطار واختلفتا في بيان المفطر فأطلقت رواية المصنف ومالك وعينت الرواية الأخرى أنَّه الوقاع ومن هاهنا نشأ الخلاف بين الناس في كفارة من أفطر بغي الوقاع فقال أصحابنا ومالك وأبو حنيفة وطائفة من غيرهم عليه الكفارة إذا تعمد أكلا أو شربا ونحوهما أخذا بظاهر رواية المصنف والموطأ والقياس يؤيِّد هذا الظاهر لأنَّ الصوم شرعا الامتناع من الطعام والجماع ونحوهما فإذا ثبت في وجه من ذلك شيء ثبت في نظيره والجامع انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا (قال الشافعي) وأحمد ومن وافقهما أنَّ الكفارة خاصة بالجماع لانَّ الذمة برئة فلا يثبت شيء فيها إلا بيقين وحملوا مطلق الإفطار في رواية المصنف ومالك على الإفطار بالوقاع المصرح به في رواية الجماعة (قلنا) هما قضيتان مختلفتان وقصة الجماع واقعة حال لا تقيد مطلقا ولا تخصص عموما على أن (3/24)
صفحة 585
قياس سائر الإفطار على الجماع جلي من باب قياس المعنى الذي لا يمكن دفعه لعاقل كثبوت الحد على قاذف المحصن فإن الآية إنما صرَّحت بالحد في قاذف المحصنات ففهم المسلمون أن المعنى واحد لانتفاء الفارق قطعا فكذلك الحال هاهنا (ثم اختلفوا في أنواع الكفارة) فقال أصحابنا ومالك وجماعة هي على التخيير لظاهر حديث الباب الدال على أن الترتيب في الرواية الثانية عند الجماعة ليس بمراد ولأنَّه اقتصر على الإطعام في حديث عائشة في صحيحين وغيرهما (وقال أبو حنيفة) والشافعي وطائفة لا ينتقل عن العتق إلا عند العجز عنه ولا عن الصوم كذلك فهو عندهم على الترتيب أخذا بظاهر الحديث المواقع (وتعقب ) بأنَّه ليس في قوله هل تستطيع دلالة على الترتيب لا نصا ولا ظاهرا وإنما فيه البداءة بالأول وهو يصح على التخيير والترتيب وقد بينت الرواية الأخرى أنَّ المراد التخيير (قلت) ويحتمل وجه آخر أم أنَّه يلزم الترتيب في الجماع دون سائر المفطرات فإنَّه مخير معها وبهذا يتم الجمع بين الروايتين بلا تكلف و التشديد في الجماع معلوم مستقر في الشرع كإفساد الحج به و الله أعلم (قوله: أفطر رجل) قيل هو سلمان و يقال فيه سلمة بن صخر البياضي (وتعقب) بأن سلمة هو المظاهر في رمضان وإنما أتى أهله ليلا رأى خلخالها في القمر وقال ابن عبد البر أظن هذا وهما لأنَّ المحفوظ أنَّ سلمة أو سلمان إنَّما كان مظاهراً ( وقال غيره) سبب الوهم أنَّ المظاهر كان ظهاره من امرأته في شهر رمضان وجمع ليلا كما صريح حديثه (وأما الآخر) فأعرابي جامع نهارا فتغاير أو اشتركا في قدر الكفارة وفي الإتيان بالتمر وفي الإعطاء وفي قول كل منهما أعلى أفقر منا ولكن لا يلزم من ذلك اتحادهما (قوله بعتق رقبة) أي مؤمنة أخذا من قوله تعالى { فتحرير رقبة مؤمنة } (و قالت) الحنفية بجواز عتق الكافرة أخذا من ظاهر الحديث وآية الكفارة فإن الرقبة فيهما مطلقة و الجمهور يحملون هذا المطلق على المقيد في (3/25)
صفحة 586
كفارة القتل على أن الحكمة الشرعية تأبى عتق الكافرة لأنَّه شرع رقها إهانة للكفر فالحث على تحريرها ينافي هذه الحكمة (قوله:متتابعين) أي بعضهما يتبع بعض بلا فاصل وذلك لأنَّ في الكفارة نوعا من العقوبة وفي الفصل راحة وفي التتابع تشديد فمن ثمة شرط ولا يشكل عليك مشروعية العتق والإطعام في هذا الوضع فإنهما عقوبتان ماليتان وقد يتألم كثير من الناس بإخراج أكثر من تألمه بتوالي الصيام ويمكن أن يقال أنَّ في العتق والإطعام مصلحة يتعدى نفعها إلى الغير فجعل ذلك التعدي مقاوما لذلك التألم (قوله على قدر ما يستطيع من ذلك ) أي على حسب ما يمكن من فعل ذلك فلو أمكنه الكل خُيِّر فيها فأيها شاء فعل وإن أمكن البعض تعين عليه فعله وإن تعذر عليه الكل جعله في وصيته لتعلق وجوبها عليه فلا تنحط عنه إلا بالأداء ويوسع له في التأخير حتى يستطيع فإن لم يستطع قضاه من بعده بوصيته إن وجد له شيء أو تبرع له متبرع وإن تعذر الإنفاذ عنه كان ذلك غاية ما عليه و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (قلنا ) فإن قيل لم لم تعذروه بالعجز وفي حديث الجماعة المتقدم ما يدل صريحا على العذر بالعجز (قلنا) قد عذرناه في التأخير ولا مشقة عليه في الوصية وقصة المجُامع خاصة به لا تتعداه لما جاء في بعض الروايات أنَّ ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )قال اذهب فأطعمه أهلك ولا تجزي أحدا غيرك فهذا يدل على التخصيص والله أعلم .
ما جاء في أنَّ الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء
( (3/26)
صفحة 587
قوله عن ابن عباس) الحديث تقدم شرحه في باب ما يجب منه وقد تفرد به المصنف وللجماعة إلا مسلما والنسائي معناه من حديث أبي هريرة قال :قال(رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وقد تقدم في باب آداب الوضوء وفرضه قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في حديث ابن عباس ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله وهذا يتناول جميع المعاصي فهو يشمل الغيبة وغيرها (قوله :والغيبة تفطر الصائم) أي تجعل الصائم مفطرا فلا صوم له وهو المراد بقوله في حديث أبي هريرة فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه فإنه كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا (وقيل) الصوم ثلاثة صوم العوام وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وصوم الخواص وهو منع الحواس كلها عن شهواتها ولذاتها المحرمة والمكروهات بل عن الانهماك في المباحات وعما ينافي كسر النفس وقمعها الذي هو المقصود من الصيام وصوم خواص الخواص وهو الإمساك عما دون الله وعدم الالتفات إلى غيره والتعلق بما سواه (وعند قومنا) إنَّ هذه الأفعال صغائر تكفر باجتناب الكبائر (ومنهم) من قال إنَّها تنقص ثواب الصوم(وقال) ابن العربي مقتضى هذا الحديث يعني حديث أبي هريرة أن لا يثاب على صيامه ومعناه أنَّ ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه وهذا كله مخالفة لظاهر الأحاديث وليس الغيبة ولا قول الزور من الصغائر بل هما من الكبائر للأحاديث الدالة على ذلك والله أعلم .
ما جاء في القبلة للصائم
( (3/27)
صفحة 588
قوله: سألت عائشة) الحديث رواه أيضا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين وأخرجه البخاري عن عبد الله بن سلمة عن مالك بهذا السند تابعه يحي بن سعيد القطان عند البخاري وسفيان عند مسلم كلاهما عن هشام به وللجماعة إلا النسائي معناه(قوله يقبل) بضم المثناة التحتية وتشديد الموحدة مكسورة أي يلثم نساؤه في حال الصوم والقبلة بالضم اللثم وهذه مسألة من جملة المسائل التي أخجلت عائشة رضي الله عنها (قوله:يصنع بنا ذلك)وفي حديث عروة عند مالك أن كان (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحكت وفي مسلم كان يقبلني وهو صائم وفي رواية المصنف تدل على أنَّه كان يقبلها وغيرها من نسائه عليه الصلاة السلام وجاء أنَّه قبل أم سلمة كما في البخاري أو حفصة كما في مسلم أيضا والظاهر أنّ كل واحدة منهن أخبرت عن فعله معها وللبيهقي عن عائشة أنَّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها (وفيه) جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجري بين الزوجين على الجملة للضرورة وأما في حال غير الضرورة فمنهي عنه (قوله :وهو يضحك) أي مطايبة لها وتلطفا بها وانبساطا معها وذلك من حسن السيرة جميل العِشرة وفي رواية عروة عن مالك ثم ضحكت فالضحك في رواية عروة صادر منها عند الإخبار وفي رواية المصنف صادر منه ( - صلى الله عليه وسلم - ) ويمكن الجمع بأنَّ ذلك كله قد وقع وإنها إنما ضحكت عند عروة دون جابر لكونها منها محرما وهو ابن أختها أسماء ولعل ضحكها كان بسبب تذكر ضحكه ( - صلى الله عليه وسلم - ) معها (وقيل) ضحكت تنبيها على صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها وقد زاد ابن أبي شيبة عن شريك هشام عن أبيه فظنا أنها هي * أو ضحكت تعجبا ممن خالفها في ذلك * أو تعجبت من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحي النساء من ذكر مثله للرجال لكن ألجأتها ضرورة تبليغ العلم إلى ذكر ذلك (والحديث) يدل على جواز التقليل للصائم (3/28)
صفحة 589
وأنَّه لا يفسد به الصوم ونفى بعضهم الخلاف عنه (وأفتى) ابن شبرمة من قومنا بإفطار من قبل ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم (وروى) ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنَّه كان يكره القبلة والمباشرة يعني مس البشرة باليد ونحوها وبه قال قوم وهو المشهور عند المالكية (ونقل) ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها (وقيل) بإباحة القبلة فقط وبالغ بعض الظاهرية فقال إنها مستحبة وفرق آخرون بين الشباب والشيخ دون الشباب تمسكا بحديث أبي هريرة عند أبي داود أنَّ رجلا سأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم فرخص له واتاه آخر فنهاه عنها فإذا الذي رخص له شيخ و إذا الذي نهاه شاب وبه قال ابن عباس (وفرق آخرون) بين من يملك نفسه ومن لا يملك واستدلوا بحديث عائشة عند الجماعة إلا النسائي قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لربه وبه قال سفيان والشافعي (وتعقب) بأنَّه من لقول عائشة فقط ولو تمسكوا بنهيه - صلى الله عليه وسلم - للشباب وأذنه للشيخ لكان أمثل لأنَّه يدل بالإشارة أنَّه لا يجوز التقبيل لمن خشي أن تغلبه الشهوة وظن أنَّه لا يملك نفسه عند التقبيل ومن نزل بهذه المنزلة فليس له أن يقبل لأنَّه يكون بذلك متعرضا لفساد صومه ولكل قائل تعلق واستدلال لا نطيل بذكره مخافة التطويل والله أعلم.
ما جاء في وقت السحور
( (3/29)
صفحة 590
قوله :عن ابن عباس) الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر ولفظه عندهم قال :( قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )أن بلالا ينادي بليل ينادي فكلوا واشربوا حتى ينادي بن أم مكتوم قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت وفيه التصريح بالعلة التي لأجلها أبيح الأكل وهو أن بلالا ينادي بليل (وقوله في رواية المصنف إذا سمعتم بلالا فكلوا) يدل أن أذان بلال كان لأجل السحور فإن ذكر الوصف وهو سماع بلال مقرن بالحكم وهو الأمر بالأكل يؤذن بأنه علة له وهذا يدل على أن تقديم الآذان على الفجر خاص برمضان لأجل أن يتسحر الناس و لهذا قال المصنف يعني في رمضان فلا معارضة بينه و بين النهي عن الأذان قبل الفجر على أنه قيل بضعف خبر النهي وقد وقع الخلاف في جواز تقديم الأذان في النصف الآخر من الليل و قد استوفيت بيان ذلك في الجزء الثالث من المعارج (قوله:وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا) أي فامتنعوا من الأكل لأنَّه لا يؤذن إلا حين يقال له أصبحت أصبحت وذلك بعد طلوع الفجر(والحديث) يدل على تأخير السحور وإنَّه لا يحرم الأكل والشرب حتَّى يطلع الفجر وهو معنى قوله تعالى { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } وهذا هو المذهب (وقيل) طلوع الفجر نفسه هو المحرم للأكل والشرب حتى لو لم يتبين للناظر وفائدة الخلاف في من انكشف له أنه أكل بعد ما أصبح يظنه ليلا فقيل عليه قضاء يومه وقيل لا وهذا مبني على القول بأن التبين هو المحرم و الأول على أن نفس طلوع الفجر هو المحرم لأن الله حدَّه بالتبين وإذا طلع فقد تبين رآه الناظر أو لم يره(وفيه) أن التبين في الآية مضاف إلينا في قوله تعالى { حتى يتبين لكم } والتبين لنا هو ظهوره لنا دون ظهوره في نفسه والأمر بالكف عند أذان ابن مكتوم يدل على ذلك (وقيل) بوجوب الإمساك قبل طلوع الفجر للاحتياط والحديث يرده وقد اختلفت (3/30)
صفحة 591
الرواية في ذلك عن ابن عباس فروي أنه قال لسائل سأله عن الوقت المحرم فيه الأكل على الصائم فقال له كل حتى تشك وروي أنه قال لآخر كل حتى لا تشك(ويجمع) بين الروايتين باختلاف حال السائلين فكأن أحد السائلين كان جاهلا بالوقت فأمره بالإمساك عند الشك والآخر عالم بالوقت فاطلق الأكل حتى لا يشك انه فجر والله أعلم (وبن أم مكتوم) هو عبد الله ابن قيس وقيل عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص عامر بن لؤي القرشي العامري.
ما جاء في تعجيل الإفطار وتأخير السحور
( (3/31)
صفحة 592
قوله عن ابن عباس) الحديث رواه أحمد عن أبي ذر ولفظه عنده أنَّ(النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر(وعن سهل ابن سعد) أنَّ(النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر رواه البخاري ومسلم وأحمد وعن أبي هريرة قال:قال (النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأنَّ اليهود والنصارى يؤخرون رواه أبو داود والنسائي وبن ماجة (قوله بخير) أي في عافية من أمر دينهم أي لا يزالون على السنة ما كانوا على هذا الحال لما تقدم في حديث أبي هريرة من قوله لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر وروى ابن حبان والحاكم من حديث سهل لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم وعند الترمذي عن عائشة أنها سألت عن رجلين من أصحاب (النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) أحدهما يعجل الإفطار و يعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤثر الصلاة فقالت أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة فقيل لها عبد الله بن مسعود قالت هكذا صنع (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )والآخر أبو موسى (قال ابن عبد البر) أحاديث تعجيل الإفطار و تأخير السحور صحاح متواترة (قوله ما عجلوا) ما ظرفية أي مدة فعلهم ذلك امتثالا للأمر ووقوفا عند حد الشرع (والحكمة) في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل وهو أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة ومخالفة لليهود فإنهم يفطرون عند ظهور النجوم وقد كان الشارع يأمر بمخالفتهم في أفعالهم وأقوالهم (واتفق العلماء) على أنَّ محل التعجيل إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل عند بعض وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال سمعت(النبيء - صلى الله عليه وسلم - ) يقول إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم وزاد البخاري في رواية من هاهنا وأشار بإصبعيه قبل المشرق والمراد وجود الظلمة وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور (3/32)
صفحة 593
وهي وأنْ كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة فقد يظنُّ إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس وكذلك أدبار النهار فمن ثم قيد بغروب الشمس (وأما تأخير السحور) فهو أن يكون قبيل الفجر بيسير لحديث ابن عباس المتقدم إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا وذلك بمقتضى التأخير كثيرا وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور وقد روى الجماعة إلا أبا داود عن أنس أنَّ (النبيء - صلى الله عليه وسلم - )قال تسحروا فإنَّ السحور بركة (والمراد) بالبركة الأجر والثواب وكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه وفي السحور مخالفة لأهل الكتاب فإنَّهم لا يتسحرون وأقل ما يحصل به التسحر ما يتناول المؤمن من مأكول أو مشروب ولو جرعة من ماء والله أعلم.
الباب الثاني والخمسون في ليلة القدر
( (3/33)
صفحة 594
قوله في القدر) سميت بذلك لعظم قدرها أي ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها ولوصفها بأنها خير من ألف شهر ولتنزل الملائكة فيها أو لنزول البركة والمغفرة والرحمة فيها أو لما يحصل لمن أحياها بالعبادة من القدر الجسيم (وقيل) القدر هنا التضييق كقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه ومعنى التضييق إخفاؤها عن العمل بتعيينها أو لضيق الأرض فيها عن الملائكة(وقيل) القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال المؤاخي للقضاء أي يقدر فيها أحكام السنة كقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم) ونسبه النووي للعلماء ورواه عبد الرزاق وغيره عن مجاهد وعركمة وقتادة وغيرهم من المفسرين (قيل) والحكمة في التعبير بالقدر بسكون الدال عن القدر بفتحها ليعلم أنَّه لم يرد به نفس القضاء وإنما أريد به تفضيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدار بمقدار (وقيل) بسكون الدال ويجوز فتحها مصدر قدر الله الشيء قدرا وقدرا كالنهر والنهر أي كلاهما بمعنى (قوله عن أنس بن مالك)الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن حميد الطويل عن أنس بن مالك وقال شارحه قال ابن عبد البر هذا الحديث لا خلاف عن مالك في سنده ومتنه وإنما هو لأنس عن عبادة بن الصامت وقال الحافظ خالف ملكا أكثر أصحاب حميد فرووه عنه عن أنس عن عبادة وصوب ابن عبد البر إثبات عبادة وأنَّ الحديث من مسنده فإن صح ذلك فهو مرسل صحابي ورواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد في حديث له طويل (قوله أريت) بضم الهمزة بالباء لما لم يسم فاعله ويحتمل أنها من رآى العلمية أو البصرية أي رآى علاماتها الدالة عليها (قوله هذه الليلة) أي ليلة القدر وفي البخاري خرجت لأخبركم بليلة القدر وفي رواية مالك أريت هذه الليلة في رمضان (قوله حتى تلاحا) أي استمر علمها عندي إلى أن تلاحا رجلان فاشتغلت بالصلح بينهما فأنسيتها (ومعنى) تلاحا أي تماريا كما قال المصنف رحمة الله عليه ومعنى تماريا تنازعا وتخاصما وتشاتما ( (3/34)
صفحة 595
قوله رجلان منكم) وفي البخاري رجلان من المسلمين وليس شيء منها في رواية مالك قيل وكان الرجلان من الأنصار وزعم ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك (قوله فرفعت) أي رفع بيانها أو علم تعبينها من قلبي فنسيته للاشتغال بالمتخاصمين (وقيل) رفعت بركتها تلك السنة (وقيل) التاء في رفعت الملائكة لا لليلة والأول أظهر (وفي الحديث) أنَّه قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزي به من لا سبب له في الدنيا أما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى ومصداقه في قوله تعالى(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وقد قيل المراء والملاحاة شؤم ومن شؤمها حرموا ليلة القدر تلك الليلة ولم يحرموها بقية الشهر كما يدل عليه آخر الحديث (فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) أي فاطلبوها من واحدة من هذه الثلاث ثم اختلفوا في وجه العدد فقيل المراد بالتاسعة تاسعة تبقى فتكون ليلة إحدى وعشرون والسابعة سابعة تبقى فتكون ليلة ثلاث وعشرون والخامسة خامسة تبقى فتكون ليلة خمس وعشرين على الأغلب لأن الشهر ثلاثون (وقيل) المراد بتاسعة تمضي فتكون ليلة تسع وعشرون وسبع وعشرين وخمس وعشرين ورجح الأول لما في أبي داود من حديث عبادة تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى (وعند) أحمد ومسلم عن أبي نضيرة عن أبي سعيد في حديث له قال قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا فقال أجل نحن أحق بذلك منكم قال قلت ما التاسعة والخامسة والسابعة قال إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان عشرون فهي التاسعة فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها سابعة فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها خامسة(والحكمة) في إخفاءها الحث على قيام الشهر كله لأنَّ إخفاءها يستدعي ذلك بخلاف ما لو بقيت معرفتها بعينها وللبخاري فرفعت وعسى أنْ يكون خيرا لكم وأخذ بعض قومنا من الحديث استحباب كتمها لمن رآها لأنّ الله تعالى قدر لنبيئه أنَّه لم يخبر بها والخير كله فيما قدره له ويستحب اتباعه (3/35)
صفحة 596
في ذلك (قال) والحكمة فيه إنَّها كرامة والكرامة ينبغي كتمها ويستأنس له بقول يعقوب (يابني لا تقصص رؤياك على اخوتك) الآية والله أعلم (قوله عن أبي سعيد الخدري) رواه أيضا مالك في الموطأ بنحور رواية المصنف ورواه البخاري ومسلم وأحمد بأبسط منها (قوله العشر الأوسط) هكذا في أكثر النسخ وأكثر الروايات عند قومنا والمراد به العشر الليالي وكان القياس أنْ يوصف بلفظ التأنيث لأن مرجعها مؤنث لكن وصف بالمذكر على إرادة الوقت والتقدير الثلث كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر ووقع في بعض النسخ وفي الرواية الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وسطى ويروى بفتح السين مثل كبري وكبر ويروى بإسكانها جمع واسط كبازل بزل (قوله فاعتكف عاما) أي سنة من السنين يعني أنَّه اعتكف العشر الأوسط كعادته فكان من أمره ما ذكر في الحديث (قوله حتى إذا كان) حتى هذه ابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وهي حرف لا يعمل شيئا إلا أنه وضع دلالة على ابتداء الكلام واستئنافه (قوله إحدى وعشرون) وفي رواية الموطأ ليلة إحدى وعشرين (قوله يخرج فيها من اعتكافه غدوتها) وفي رواية الموطأ يخرج فيها من صبحها من اعتكافه كذا في رواية يحي وابن بكير والشافعي ورواه جماعة يخرج فيها من اعتكافه لم يقولوا من صبحها والأولى موافقة في المعنى لرواية المصنف وقوله فيها أي بعدها وغدوتها بمعنى صُبحها بدل بعض من كل ويصح أنْ تجعل للظرفية الأصلية فيكون المراد بإحدى وعشرين ما يشمل الليلة مع يومها وهذا ظاهر في رواية المصنف والأول أظهر في رواية مالك والحديث يدل أنَّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) كان يخرج من اعتكافه صبحا فهو يبيت في معتكفة وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك من اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج إذا غابت الشمس آخر يوم من اعتكافه ومن اعتكف من آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد وهو مخالف لظاهر الحديث فإنه وارد في اعتكاف العشر الأوسط (3/36)
صفحة 597
ثم أن المطلوب الأعظم من الاعتكاف في رمضان موافقة ليلة القدر فالمناسب المبية في المعتكف مادام في الشهر وليلة الفطر ليست من رمضان (واستشكل) بأن ظاهر هذه الرواية أنه خطب أول اليوم الحادي والعشرون فأولى ليالي اعتكافه الأخيرة ليلة اثنين وعشرون فيخالف قوله في رواية مالك فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرون فإنَّه ظاهر أنَّ الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين ووقوع المطر ليلة إحدى وعشرون وهو الموافق لبقية الطرق (وأجيب) بأنَّ في هذه الرواية تجوز أي من الصبح الذي قبلها ونسبه الصبح إليها مجاز والعرب تجعل ليلة اليوم الآتية بعده ومنه عشية أو ضحاها فأضافه إلى العشي وهو قبلها ويؤيده أنَّ في رواية للشيخين فإذا كان حين يمشي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه وهذا في غاية الإيضاح (وقيل) المعنى حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين (قوله:من اعتكف معي) أي في العشر الأوسط وقوله فليعتكف في العشر الأواخر أي فليلازم الاعتكاف في العشر الأواخر وفي رواية الشيخاين فخطبنا صبحة عشرين وفي أخرى لهما فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال كنت أجاور هذا العشر ثم بدالي أنْ أجاور هذا العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد أنَّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير فأخذه فنحاه في ناحية القبة ثم كلّم الناس فقال إنِّي اعتكفت العشر الأول التعس هذه الليلة ثم اعتكف العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لي إنَّها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه وعند البخاري أنَّ جبريل أتاه في المرتين فقال له إنَّ الذي تطلب أمامك أي قدامك (قوله: وقد رأيت هذه الليلة) أي أبصرت علاماتها أو رأيتها في منامي ورؤيا (3/37)
صفحة 598
الأنبياء حق وفي رواية في الموطأ أريت بهمزة مضمومة في أوله مبنيا للمفعول أي أعلمت هذه الليلة أي أخبرت أنها ليلة كذا (قوله: ثم أنسيتها) بهمزة مضمومة مبينا للمجهول والمعنى ذهب عني علمها وبقي عندي علامة واحدة وهي أني رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين (قوله وقد رأيت أني) في رواية مالك رأيتني بلا ألف قبل النون وهو بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضمير الفاعل والمفعول وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي أسجد الخ (قوله في غدوتها) في رواية مالك من صبحتها والمعنى واحد ومن في رواية مالك بمعنى في (قوله في ماء وطين وذلك علامة جعلت له وفي رواية عند البخاري أنَّ أبا سعيد قال فرجعنا وما نرى في السماء قزعة أي قطعة من السحاب رقيقة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وهو من جريد النخل وأقيمت الصلاة فرأيت (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبينه (قوله :فالتمسوها) أي فاطلبوها (وقوله في العشر الأواخر) أي من رمضان فإنها مظنة وجودها (وقوله في كل وتر) يعني من أوتار العشر الأواخر فهو تخصيص بعد تخصيص وأول أوتار ليلة إحدى وعشرين وآخرها ليلة تسع وعشرين وهذا الالتماس يحتمل في ذلك العام خاصة ويحتمل أنَّه الأغلب من وجودها في كل عام زاد مالك قال أبو سعيد فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناي (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين (وفي أحاديث) الباب دليل عي مشروعيته الاعتكاف وهو متفق عليه قال مالك فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنَّه كالواصل وأراهم تركوه ولم يبلغني عن أحد من السلف أنَّه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمان (ورد) بأنه حكي عن غير واحد من الصحابة أنَّه اعتكف وليس الاعتكاف كالواصل بل هذه السنة (3/38)
صفحة 599
مؤكدة وعبادة مرغب فيها والوصال أمر منهي عنه وناهيك أنَّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) قال من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر والله أعلم.
الباب الثالث والخمسون النهيُ عن صيام العيدَين ويومِ الشَّك
قولُه: «النهيُ عن صيام العيدَين ويومِ الشَّك»؛ وعن الوصال وقتل الضفدع والصفرد والصرد. والمراد بالعيدَين عيدُ الفطر وعيدُ النحر، والمرادُ بيوم الشَّك اليوم الذي <2/35> يُشَكُّ فيه هل هو شعبان أم رمضان، أمَّا النهي عن صومِ العيدَين فالتحريم إجماعًا، وأمَّا صومُ يوم الشكِّ ففيه خلافٌ يأتي. واستظهر المحشي حمله على التحريم قال: ولم يتعرَّض للنهي عن صيام أيَّام التشريق فإنَّه لم يبلغ درجة النهي عن صيام هذه الثلاثة، قلت: لا، ولكنَّه لم يثبت عند المصنِّف رضي الله عنه في ذلك شيءٌ. وقد روى أحمد ومسلم عن كعب بن مالك أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعثه وأوس بن الحدثان أيَّام التشريق فناديا أنَّه لا يدخل الجنَّة إلاَّ مؤمن، وأيَّامُ منى أيامُ أكلٍ وشرب. وروى أحمد والبزار عن سعد بن أبي وقَّاص قال: أمرني النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أن أنادي أيَّام منى إنَّها أيامُ أكلٍ وشراب ولا صوم فيها، يعني أيام التشريق. وفي الباب عن أنس عند الدارقطي وعن عائشة عند البخاري وقد استدلَّ بهذه الأحاديث على تحريم صوم أيَّام التشريق، وفي ذلك خلاف بين الصحابة فمن بعدَهم. وقد روى ابن المنذر وغيرُه عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجوازُ مُطلقًا، وعن عليٍّ وعبد الله بن عمرو بن العاص المنعُ مطلقًا، وهو المذهب، وبه قال الشافعي. وعن ابن عمر وعائشة وعبيدة بن عُمير في آخرين منَعَه إلاَّ للمتمتِّع الذي لا يجد الهدي، وهو قولُ مالك والشافعي في القديم، وقال الأوزاعي وغيرُه بصومِها القارن، ولكلِّ تمسُّكٌ لا نطيلُ بذكره وأحاديث الباب دالَّةٌ على المنع، والله أعلم.
ما جاء في رؤية الهلال (3/39)
صفحة 600
قولُه: «عن أبي سعيد الخُدري»؛ الحديثُ رواه مالك والبخاري ومُسلم من حديث عبد الله ابن عمر. ولفظُه عندهم عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذكر رمضان فقال: ”لا تصوموا حتَّى تَرَوا الهلال، ولا تُفطِروا حتَّى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له“. وفي روايةٍ عند مُسلم وأحمد أنَّه قال: ”إنَّما الشهرُ تسع وعشرون فلا تصوموا حتَّى تَرَوه ولا تُفطِروا حتَّى تَرَوه فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له“. زاد أحمد قال نافع وكان عبد الله إذا مضى من <2/37> شعبان تسع وعشرون يومًا يبعث من ينظر فإن رآه فذاك، وإن لم يحل دون منظره سحابٌ ولا قترٌ أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظرِه سحابٌ أو قترٌ أصبح صائمًا.
قولُه: «لا تصوموا»؛ أي لا تأخذوا في الصوم الواجب حتَّى تَرَوا الهلال أو تكمل عدَّة شعبان. وفي النهي عن ذلك نهيٌ عن صوم يومِ الشَّك، وإياه قصد المرتِّب بإيراد الحديث في الباب، وسيأتي الكلام عليه في الحديث الذي يليه. قال الباجي: مُقتضاه منعُ صوم آخر شعبان. وحمل بعضُهم كلامه على معنى التلقِّي لرمضان، أو الاحتياط؛ قال: وأمَّا النفلُ فيجوز. واستحبَّ ابن عباس وجماعة الفصل بين شعبان ورمضان بفطر يومٍ أو يومين أو أيام، كما استحبُّوا الفصلَ بين صلاة الفريضة والنافلة بكلامٍ أو مشيٍ أو تقدُّمٍ أو تأخُّر من المكان، وصحَّ مرفوعًا: ”إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا“، ولم يأخُذ به أئمَّة الفتوى لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم صام شعبان كلَّه أو أكثره. قالت عائشة: ”ما رأيتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر صيامًا منه في شعبان، كان يصومُه إلاَّ قليلاً، بل كان يصومه كلُّه“. وقد تقدم ذلك.
قولُه: «حتَّى تَرَوا الهلال»؛ أي هلالَ رمضان. (3/40)
صفحة 601
وقولُه: «ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوه»؛ أي لا تُفطِروا من صومِكُم حتَّى تروه ليلة شوَّال، فرؤيةُ الهلال سببٌ لوجوب الصيام والإفطار. ومن البديهي وجوبُ تقدُّم السبب على المسبب؛ فالصومُ والإفطار إنَّما يكونان بعد الرؤية، فإذا رأيناه ليلة رمضان أصبحنا صُوامًا، وكذا القولُ في الفطر. وإن رُئِي الهلالُ في النهار فقيل هو من الليلة المستقبِلَة في أيِّ وقت رُئِي قبل الزوال أم بعده، وقيل إذا رُئِي قبل الزوال خلفَ الشمسِ فهو من الليلة الماضِية، فإن رُئِي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة، لأنَّ القمر لا يُرى والشمسُ باقيةٌ إلاَّ وهو بعيدٌ عنها، لأنَّه حينئذٍ يكون أكثر من قوسِ الرؤية. وليس المرادُ من الحديث تعليقُ الصومِ بالرؤية في حقِّ كلِّ أحدٍ، بل المرادُ بذلك الرؤيةُ في الجملة؛ فإذا رآه بعضُهم وهو من يَثبُت به ذلك وجب، إمَّا واحد وهو على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي آخرين، وعليه المالكية. وفي القواعد يُصام بأمينٍ واحدٍ وبأمينين، وبأمينٍ وامرأتين أمينتين، وبثلاثة نفرٍ من أهل الجملة إذا لم يُستَرابُوا، وبالشهرة <2/38> التي لا تُدفَع. وذكر في الإيضاح: من الرّيبةِ قولُهم إذا قالوا: رأوه وهم بين الناسِ في ليلةٍ شديدة الغَمَام، أو كانوا في موضعٍ مُستَتِرٍ عن مواضع الأهلَّة، أو كانوا في حبسٍ، وكذلك من جرَّ إلى نفسه منفعةً أو دفع عنها مضرَّة لم تَجُز شهادتُه أمينًا كان أو غير أمينٍ. وقالت الحنفية يُصامُ برؤية الواحدِ إذا كان عليه شيءٌ من غيمٍ أو غيرِه كالغبار، وإن كان صحوًا لم يُقبَل إلاَّ مِن جمعٍ كثيرٍ يقع العلم بِخَبَرِهم. (3/41)
صفحة 602
ومشهورُ المذهب عندَنَا معشرَ المشارقة الصومُ برؤية العدل الواحد، ولا يُفطر إلاَّ برؤية عدلين، ووافقنا في الإفطارِ جميع من خالَفَنا في الصيام إلاَّ أبا ثورٍ، وذلك لأنَّ الأوَّل شاهدٌ على نفسِه بتعلُّق الصومِ عليه، والثاني شاهدٌ لها بجواز الإفطار، فكأنَّهم أدخلوا عليه الريبة من هاهنا. والدليلُ على الصوم بواحدٍ حديث ابن عبَّاس في السنن؛ قال: ”جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إنِّي رأيتُ الهلالَ فقال: أتشهَدُ أنَّ لا إله إلا الله؟ أتشهدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذِّن في الناس أنْ يصومُوا غدًا“. وروى أبو داود وابن حبَّان عن ابن عمر قال: ”تراءى الناسُ الهلالَ فأخبرتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنِّي رأيتُه فصامَ وأمر الناس بصيامِه.
قولُه: «فإن غُمِيَ عليكُم»؛ أكثرُ الروايات عند قومِنا فإنَّ غُمَّ بضمِّ الغين وتشديد الميم، وذكر ابن حجر في شرح البخاري رواياتٍ أُخَر بعضُها من طريق الكشمهيني ”أُغمِيَ“، ومن رواية السرخس ”غَبِيَ“ بفتح الغين وتخفيف الموحدة، وأُغمِيَ وغُمَّ وغُمَّى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغمومٌ، والكلٌّ بمعنى، والمراد خفاءُ الهلال بسَترِ الغيمِ إيَّاه، وأمَّا غبي فمأخوذٌ من الغباوة وهي عدمُ الفطنة، وهي استعارةٌ لخفاء الهلال. ونقل ابن العربي أنَّه رُوي ”عَمِيَ“ بالعين المهملة من العمى، وهو بمعناه، لأنَّه ذهاب البصرِ عن المشاهدات، أو ذهابُ البصيرة عن المعقولات. (3/42)
صفحة 603
قولُه: «فَاقدُرُوا»؛ بهمزة وصلٍ وضمِّ الدال، والروايةُ عند قومنا ”فاقدروا له“، وليس عند المصنِّف ”له“، ولعلَّها سقطت من أيدي النُّساخ، أو أنَّه سمعه كذلك. والمعنى قدِّرُوا عدد الشهر فأكمِلُوا شعبان ثلاثين كمَّا صرَّحت به الرواية الأخرى، وهي قولُه: ”فأتِمُّوا ثلاثين“، والحديث يفسِّرُ بعضُه بعضًا، وبهذا التفسير قال جمهور <2/39> السلف والخلف، وخالف أحمد فقال: معناهُ ذرُوه تحت السحاب أي قدِّرُوه موجودًا هناك. وقال جماعة منهم بن سريج ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة إنَّ معناهُ قدِّرُوه بحساب المنازل. قال ابن عبد البر: لا يصحُّ هذا عن مطرف، وأمَّا ابن قتيبة فليس هو مِمَّن يُعرَجُ عليه في مثل هذا. ونقل ابن العربي عن ابن سريج أنَّ قولَه: ”فاقدُرُوا له“ خطابٌ لمن خصَّه الله تعالى بهذا العلم، وقولَه: ”فأكمِلوا العِدَّة“ خطابٌ للعامَّة. فلزمه من ذلك اختلافُ وجوب رمضانَ فيجبُ على قومٍ بحسابِ الشمس والقمر، وعلى آخرين بحسابِ العَدَد، وهذا كلُّه خلافُ الظاهر، والحقُّ ما عليه الجمهورُ، والله أعلم.
قولُه: «وفي روايةٍ أخرى»؛ الظاهر أنَّ هذه الرواية من رواية أبي سعيدٍ الخدري أيضًا، وهي عند أبي داود من حديث ابن عبَّاس، وروى مالكٌ من حديث ابنِ عبَّاس يرفعُه: ”لا تصومُوا حتَّى تَرَوا الهلالَ، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكُم فأكمِلُوا العدَّة ثلاثين“. وهذا يتناولُ شعبان ورمضان، فكلُّ واحدٍ منها يُكمِل عدَّة ثلاثين يومًا إن لم يُرَ الهلال، وهذا مفسِّرٌ ومبيِّنٌ لقوله في الرواية قبله: ”فاقدُرُوا له“ وإنَّما أمر بإتمام ثلاثين لأنَّ غالب الشهور إنَّما تكون كذلك، ولأنَّ الأصل براءةُ النفس من تعلُّق الوجوب، فإذا تعلَّق بها موجبٌ شرعيٌّ كان الأصلُ بقاءَه حتَّى يُؤدَّى على وجهه ويَخرُجَ وقتَه بموجبٍ شرعيٍّ، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن صوم يوم الشكِّ والعيدَين (3/43)
صفحة 604
قولُه: «نهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن صومِ يومِ الشكِّ، وهو آخرُ يومٍ من شعبان، ويوم الفطرِ ويومِ الأضحى»
وقولُه في حديث عمر: «أنَّ هذين يومان نهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن صيامِهِما»؛ كلا الحديثين دالٌ على النهي عن صومِ يومِ العيدين، والأوَّل دالٌّ أيضًا على النهي عن صوم يوم الشكِّ، ولأرباب السنن معنى الحديثين من طُرق <2/40> متعدِّدة، والنهيُ في صوم العيدين محمولٌ على التحريم إجماعًا، سواءٌ صامهُما عن نذرٍ أو تطوُّع أو كفَّارة أو غير ذلك، ولو نذر صومَهُما متعمِّدًا لعينهما لا ينعقد نذرُه ولا يلزمُه قضاؤُه. وقال أبو حنيفة ينعقدُ ويلزمه قضاؤهما؛ قال: فإن صامهُما جزاه وخالف الناس كلَّهم. وأمَّا النهيُ عن صوم يوم الشكِّ ففيه خلافٌ حمله بعضُهم على المنع، ونُسِب القول بذلك إلى الجمهور من الصحابة والتابعين، ومنهم عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود وعمَّار، وهو قولُ أبي عُبيدة والعامَّة من فقهائنا. وعن عمَّار بن ياسر قال: ”من صام اليوم الذي يشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم“. رواه الخمسةُ إلاَّ أحمد، وصحَّحه الترمذي، وهو للبخاري تعليقًا. وقيل لا يجوز صومُه عن فرضِ رمضان، ويجوز عمَّا سوى ذلك، ونُسب هذا القول إلى مالك وأبي حنيفة، وهو الذي يُوجِبُه نظر الشيخ عامر في إيضاحه؛ قال: لأنَّ علَّة النهي عن صومِه من أجل أنَّ صيامَه على الشكِّ يُغيِّر انعقاد نيِّتِه على يومٍ معروفٍ. وسمع مالك أهل العلم ينهون أن يُصام اليوم الذي يُشَكُّ فيه من شعبان إذا نوى به صيام رمضان، ويَروُون أنَّ على من صامه على غير رؤية ثم جاء الثبُّتُ أنَّه من رمضان أنَّ عليه قضاؤُه، ولا يرون بصيامِه تطوُّعًا بأسًا. قال مالك: وهذا الأمر عندنا، والذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدِنا يعني المدينة. وقيل: بجواز صومِه، ونُسب إلى جماعة من الصحابة والتابعين. (3/44)
صفحة 605
وقيل: باستحباب صومِه، وليس هذا القولُ في المذهب. والأقوال الثلاثة قبله كلُّها موجودةٌ في المذهب أيضًا، والنهي يُنافي القولَ بالاستحباب، بل القول بالجواز؛ لأنَّ أدنى درجةِ النهيِ الكراهةُ وهي غيرُ الإباحةِ، والله أعلم.
قولُه: «ومن صامهُمَا»؛ يعني يوم الفطر ويوم النحر.
قولُه: «قارف إثمًا»؛ أي فعل ذنبًا، وهذا صريحٌ في تحريم صومهما. وقولُ أبي حنيفة إنَّه يجزي صومهما عن نذره إن نذر أن يصومهما مخالف لهذا النص مع الإجماع.
قولُه: «صلَّى بالناس»؛ أي في أيام خلافته.
قولُه: «فخطب الناس»؛ أي خُطبة العيد، <2/41> وهو دليل على أنَّ المعروف عندهم تأخُّر الخطبة في العيد عن الصلاة ومعنى قولِه ”ثم انصرف أي عن القِبلة وواجه الناس بوجهه“ كما هو شأن الخطيب.
قولُه: «يومُ فطركم»؛ برفع يومُ، إمَّا أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هما أو بدل من قوله يومان. قيل والفائدة في وصف اليومين الإشارةُ إلى العلَّة في وجوب فطرها، وهو الفصلُ من الصوم وإظهار تمام رمضان بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرَّب بذبحه ليؤكل منه. ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح معنى وعبر عن علَّة التحريم بالأكل من النسك لأنَّه يريد فائدة التنبيه على التعليل والنحر لا يستلزم ذلك. والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرَّب بها قطعًا. قيل: ويُستنبط من وجوب الفطر تعيينُ السلام للفصل من الصلاة، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن الوصال (3/45)
صفحة 606
قولُه: «عن الوِصال»؛ (بكسر الواو)، وهو أن يوصِل الرجل صومَ يومٍ وليلة. والظاهر أنَّ هذا التفسير من ابن عباس الراوي للحديث عند المصنف. وقيل: الوصالُ أن يصل صوم النهار بإمساك الليل مع صوم الذي بعده من غير أن يَطعِم شيئًا. وقيل: الوِصالُ وصلُ صوم يوم بصوم آخر. وقيل: هو التركُ في ليالي الصيام لما يُفطِر بالنهار بالقصد، والمعنى واحد وإن اختلفت العبارات. والنهيُ عن الوصال في حقِّ الأمَّة متَّفق على ثبُوتِه وقد واصل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالوا: إنَّك تفعلُه، فقال: ”إنِّي لستُ كأحدكم، إني أظلُّ يطعمني ربِّي ويسقِني“، وهذا يدلُّ على أنَّه مخصوصٌ بذلك، وفيه أنَّ النهي كان للشفقة عليهم. وفي حديث عائشة عند الشيخين وأحمد قالت: نهاهم <2/42> النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم عن الوصال رحمةً لهم. وفي حديث بشير بن الخصاصية عند أحمد أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الوصال وقال إنَّما يفعل ذلك النصارى وهذا يدلُّ أن حكمة النهي مخالفةُ النصارى، والأوَّل يدلُّ أنَّ الحكمة الشفقة بهم والرحمة لهم، ولا يمتنع الجمع بأن يكون كل واحد مقصودًا. ثم اختلفوا في وجه النهي فحمله الجمهورُ على التحريم لأنَّه الأصلُ في النهي، وحمله آخرون على الكراهة، واستدلُّوا بقول عائشة نهاهم النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم عن الوصال رحمةً لهم. وثبت في البخاري وغيرُه أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: ”لو تأخَّر لزدتُكم“ كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهُوا. (3/46)
صفحة 607
وأجاب الجمهورُ بأنَّ قوله ”رحمة“ لا يمنع التحريم، فإنَّ من رحمته لهم أن حرَّمه عليهم، وأمَّا مواصلتُه صلَّى الله عليه وسلَّم بهم بعد نهيِه لهم فليس بتقريرٍ بل تقريعًا وتنكيلاً، واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم بأنَّهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتَّب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهمُّ منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك. وقيل بجواز الوصال عند عدم المشقَّة. ونُسب إلى عبد الله بن الزبير وأخت أبي سعيدٍ من الصحابة وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله ابن الزبير أنَّه كان يواصل خمسة عشر يومًا، وبه قال بعض التابعين، وهؤلاء حملوا النهي على حالة المشقَّة، ولم يروا جوازَه خاصًّا بالمصطفى عليه صلاة الله وسلامُه، وكأنَّهم فهموا ذلك من حديث ابن عمر عند الشيخين وأحمد وفيه ”إني لست كأحدكم“، وعندهم من حديث أبي هريرة: ”فأكلِفوا من العمل ما تطيقون“، أي تحمَّلوا منه ما قدِرتم. وفيه أن النبيء أعلم بمصالح أمَّته، وهو أدرى بما يستطيعونه من العمل وقد نهاهم عن الوصال جميعًا، وفيهم القويُّ والضعيف ولم يرخِّص لأحدٍ دون أحد، فما يكون مبلغ فهم أخت أبي سعيد وابن الزبير وغيرهما والله أعلم. (3/47)
صفحة 608
قولُه: «ونهى عن قتل الصِّفرِد والصُّرَدِ من الطيور»؛ وفي نسخةٍ عن قتل الضفدع والصَّفرَد، <2/43> وعليها فقولُه: ”من الطيور“ وصفٌ للصفرد خاصَّة، لأنَّ الضفدع من الدواب لا من الطيور. والصِّفردُ بكسر أوَّله وسكونِ ثانيه كعِربد (طائر من خساس الطير، وفي المثَل أجبنُ من صِفرِد). والضِّفدع بكسر الضاد والدال وفتحها غير جيِّد، والصُّرَد (بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائرٌ فوق العصفور ضخمُ الرأس والمنقار نصفه أسود). وروى البهيقي في سننه عن سهل بن سعد الساعدي أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن قتل خمسة: النملة والنحلة والضفدع والصُّرَد والهدهد. وفي مُسند أبي داود الطيالسي وسنن أبي داود والنسائي والحاكم عن عبد الرحمان بن عثمان التيمي عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ طبيبًا سأله عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه صلَّى الله عليه وسلَّم عن قتلِها. قيل: وإنَّما نهى عن قتل الصُّرَد لأنَّ العرب كانت تتشاءم به وبصوتِه. وقيل: إنَّه كان دليل إبراهيم عليه السلام حين خرج من الشام لبناء البيت. وأمَّا الصِّفرِد فلأنَّه كان دليل آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض أربعين سنة. وأمَّا الضفدع فلأنَّ الذي نسمع منها تسبيحٌ وتقديس، وأنَّ إبراهيم عليه السلام لما أُلقي في النَّار استأذنت دوابُّ البرِّ والطير أن تطفئ النَّار عن إبراهيم، فأذِن الله للضفادع فأزكت عليها، فذهب ثلثاها وبقي الثلث، فأبدل الله لها بحرارة النَّار برد الماء. ذكر ذلك في القواعد في حديثٍ يرفعه في النهي عن قتل ستَّة ذكر منها النملُ فإنَّ سليمان عليه السلام خرج يستسقي إذا بنملةٍ رافعة يديها تقول: اللهمَّ إنَّا خلقٌ من خلقك ولا غنى بنا عن فضلك، فاسقِنا مطرًا تنبت لنا به ثمرًا، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتُم. ومنها النحل فإنَّها تضع لكم طيِّبا. ومنها الهدهد فإنَّه أحبَّ أن يُعبد الله حيث لم يكن عُبد. (3/48)
صفحة 609
ومنها الخطَّاف فإنَّ دورانه الذي ترونه جزع على بيت المقدس حين أحرق. قال: وشدَّد أصحابنا في هذه الأجناس، حتَّى جعلوا الديَّة على قاتلها درهمين لِكُلِّ واحد منها، وجعلوا في الضفدع نعجةً بجزَّتها. قال: والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظرٍ منهم رأوه. قلت: بل الظاهرُ أنَّه نظرٌ منهم وسياسة فإنَّ في دفع ذلك إلى الفقراء كفَّارة لارتكاب النهي، وردعًا عن التجاسر عليه والاسترسال فيه، وهو مأخوذٌ من قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: ”أتبِع السيِّئة الحسنَة تمحُها“، وَمَن قوله تعالى: {خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة:103]، والله أعلم. وهذا التشديد من أصحابنا رحمهم الله تعالى يدلُّ على أنَّ النهي محمولٌ عندهم على التحريم، والله أعلم.
<2/44> الباب الرابع والخمسون في فضل رمضان
قولُه: «فضل رمضان»؛ أي ثوابُه الذي يعطى صائمَه، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة من طرقٍ متعدِّدة لم يخرِّج المصنِّف منها إِلاَّ أربعة، وذلك لأنَّه لم يثبُت عنده من هذا الطريق العالي غيرها، والله أعلم.
ما جاء في من صام رمضان إيمانًا واحتسابا
قولُه: «عن أبي هريرة»؛ الحديث رواه أيضًا الشيخان بزيادةٍ في آخره، ولم يذكروا فيه قولَه: ”ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنَّيتم أن يكون سنةً“.
قولُه: «من صام رمضان»؛ يعني أيَّامه، وفيه أنَّه لا يكره أن يقال: رمضان بدون شهر، وكرهه بعض قومنا وقد تقدَّم. (3/49)
صفحة 610
قولُه: «إيمانا»؛ نُصب على أنَّه مفعولٌ له، أي للأيمان، وهو التصديق بما جاء به النبيء صلى الله عليه وسلم، والاعتقاد بفرضية الصوم. وقيل: تصديقًا لثوابه، وقيل: نُصب على الحال أي مصدِّقًا له، أو على المصدريَّة أي صومَ إيمانٍ أو صوم مؤمنٍ، وكذا القول في نصب احتسابًا. والاحتسابُ طلبُ الثواب منه تعالى أو إخلاصُ العمل بحيث يكون الباعث على الصوم الإيمانُ لا الخوفُ من الناس، ولا الاستحياء منهم ولا قصدُ السمعة والرياء. وقيل: معناه اعتدادُه بالصبر المأمورِ به من الصوم وغيره، والصبر عن المنهيِّ عنه من الكذب والغيبة ونحوه طيِّبةً به نفسُه غير كارهة له ولا مستثقلةً لصيامه ولا مستطيلةً لأيَّامه.
قولُه: «غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه»؛ (ما) اسمُ جنس يتناول جميع الذنوب المتقدِّمة، لكنَّه مخصوصٌ عندنا وعند جمهور <2/45> قومنا بقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[النساء:31]، فالذنب في الحديث بمعنى السيِّئات، وهي صغائر الذنوب؛ فرمضان من الحسنات التي تُذهب السيِّئات، كالصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، والوضوء، والحج والعمرة، والله أعلم.
قولُه: «لو علمتم».. الخ؛ هذه زيادةٌ تفرَّد بها المصنِّف رضوان الله عليه، والمراد منها المبالغةُ في فضل رمضان. والمعنى لو كُشف لكم ما يحصُل لكم في رمضان من الخير العظيم لتمنَّيتم أن تطول أيامه حتَّى يكون شهرُه سنةً كاملة، وذلك يستلزم أن يتمنَّوا أن يكون الزمان كلُّه رمضان، وليس في هذا تمنِّي دوام التكليف، ولا طلب المشقَّة على النفس لأنَّه لم تُقصد حقيقته وإنَّما أريد به المبالغة فقط، على أنَّ المتمنَّى جانِب الفضائل لا جانب المشقَّة، والله أعلم.
ما جاء في خلوف فم الصائم (3/50)
صفحة 611
قولُه: «ومن طريقه»؛ يعني من طريق أبي هريرة بالسند المتقدِّم، وإنَّما حذفه اختصاراً. والحديث رواه أيضًا مالك في الموطَّأ، ورواه البخاري عن القعنبي عن مالك، لكنَّه وصله بحديث: ”الصوم جُنَّة“ الآتي آخر الباب لاتحاد إسنادِهما عنده، وقد فعل ذلك غير مرَّة وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
قولُه: «لَخُلُوف»؛ في رواية قومنا: ”والذي نفسي بيده لَخَلُوف فم الصائم“.. الخ. وخُلوف بضمِّ الخاء المعجمة واللام وسكون الواو وبالفاء، وكثير من الشيوخ شيوخ الحديث يرونه بفتح الخاء، قال الخطابي: وهو خطأٌ، وحكى القابسي فيه الضمَّ والفتحَ، وقال: أهل المشرق يقولونه بالوجهين والصوابُ الضمُّ؛ وهو تغيُّر رائحة فم الصائم لخلوِّ المعدة بترك الأكل، وقيل: تغيُّر طعم الفم ورائحته بتأخير الطعام. وإنَّما سمِّي خُلوفًا لأنَّه يخلُف طعم الفم ورائحته المعتادين عند الأكل.
قولُه: «فمِ الصائمِ»؛ بإثبات الميم، وفيه ردٌّ على من <2/46> قال لا تثبت الميم في الفم إلاَّ في ضرورة الشعر. (3/51)
صفحة 612
قولُه: «أطيبُ»؛ أي أفضلُ وأرضى وأحبُّ عند الله من ريح المسك عندكم، فضَّل ما ينكره الناس من الصيام على أطيب ما يستلذِّون من جنسه. قال المازري: هو مجازٌ لأنَّه جرت العادة بتقريب الروائح الطيِّبة منَّا، فاستُعير ذلك لتقريب الصوم من الله، فالمعنى أطيبُ أي أقربُ إلى الله من ريح المسك عندكم، أي يقرُب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم. وقيل: معناه إنَّ الله يثيبُه في الآخرة حتَّى تكون نكهتَه أطيب من ريح المسك، كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكًا. وقيل: معناه إنَّ صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف، وقيل: معناه إنَّ الخلوف أكثر ثوابًا من المسك المندوب في الجُمع والأعياد ومجالس الذكر والخير. وقيل: إنَّ للطاعات يومَ القيامة ريحاً يفوح، فريحُ الصيام فيها بين العبادات كالمسك. وقيل: المعنى أطيبُ عند ملائكة الله، وإنَّهم يستطيبُون الخلوف أكثر من المسك، وإن كان عندنا بضد ذلك. وبالجملة فقد اختُلف في هذا الفضل الخاصِّ هل يكون في الآخرة خاصَّة أم في الدارين معًا، فقيل: هو في الآخرة خاصَّة عند الله لما جاء في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم والنسائي، وفيها ”أطيبُ عند الله يوم القيامة“، ولأبي الشيخ بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أنس مرفوعا: ”يخرج الصائمون من قبورهم يُعرفون بريح أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك“. وقيل: هو عامٌّ في الدُّنيا والآخرة لرواية ابن حبَّان: ”لَخُلُوف فم الصائم حين يخلُف أطيب عند الله من ريح المسك“. وروى الحسن ابن سفيان في مسنده عن جابر مرفوعًا: «أُعطِيت أمَّتي في شهر رمضان خمسًا“، قال: ”وأمَّا الثانية فإنَّهم يُمسُون وخلُوف أفواهِهم أطيب عند الله من ريح المسك“. (3/52)
صفحة 613
فإن قيل:لِمَ كان خلُوفه أطيب ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطر وبذل الروح؟ أُجيبَ بأنَّ الصوم أحدُ أركان الإسلام، فهو أعظمُ من الجهاد أو نظرًا إلى أصلِ كلٍّ منهما فأصل الخلوف طاهر بخلاف الدم، فكان ما أصلُه طاهرٌ أطيب ريحا، وبأنَّ الجهاد فرضُ كفاية <2/47> والصومُ فرضُ عينٍ وهو أفضل من الكفاية، ومن هنا كانت النفقةُ على العيال أفضلُ من النفقة على الجهاد، كما جاء ذلك مرفوعًا في حديث عند أحمد. واستدلَّ بعضُهم بالحديث على كراهة السواك للصائم آخر النهار لئلاَّ يزول خلُوفه. وهذا الاستدلال مستقيمٌ عند من جعل فضل الخلُوف في الدارين، ولا يستقيم عند من خصَّه بالآخرة.
قولُه: «فارَقَ عبدي»؛ أي ترَك ذلك. وفي رواية مالك: ”إنَّما يذرُ شهوتَه وطعامه وشرابه من أجلي“، والمرادُ بالشهوة الجماعُ لعطف الطعام عليه. ولابن خزيمة ”زوجتَه“ مكان شهوته، ويحتمل أن تُجعل الشهوة عامَّة وعُطِف ما بعدها عليها عطفَ خاصٍّ على عام.
قولُه: «من أجلي»؛ أي من أجل امتثال شرعي الذي شرعتُه عليه، وفيه التنبيه على الجهة التي يستحقُّ بها الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاصُّ به حتَّى لو صام لغرضٍ آخر كأخذ أجرةٍ دنيوية، أو لأجل أن تخلُو معدته من أثر التُّخمة لا يحصل له ذلك الفضل. (3/53)
صفحة 614
قولُه: «فالصيامُ لي»؛ الفاءُ سببيَّةٌ، رتِّبت هذه الجملة على الجملة قبلها؛ أي فارَق شهوتَه من أجلي، فبسبب ذلك كان الصومُ لي. وفي بعض الروايات: ”كلُّ عملِ ابن آدم له إِلاَّ الصيام فإنَّه لي وأنا أجزي به“. واستشكل تخصيصُ الصيام بذلك مع أنَّ الأعمال كلَّها له وهو الذي يجزي بها، وأجيبَ بأجوبة منها: إنَّ الصوم لا يقع فيه الرياءُ كما يقع في غيره، ويؤيِّد هذا التأويل قولُه صلى الله عليه وسلم: ”ليس في الصيام رياءٌ“، وذلك لأنَّ الأعمال لا تكون إلاَّ بالحركات، إِلاَّ الصوم فإنَّه هو بالنيَّة التي تخفى عن الناس. والمعنى أنَّ الرياء لا يدخلُه من حيث فعله وإنَّما يدخله من حيث الإخبار عنه، وأمَّا سائر الأعمال فإنَّه يدخلُها من حيث فعلها. ومنها أن معنى قوله: ”الصومُ لي“ أنَّه أحبُّ العبادات إليَّ، وهو المقدَّم عندي. وقد رُوي: ”عليك بالصوم فإنَّه لا مثل له“. ومنها أنَّ المراد تشريفُ الصوم، فهو نظير الإضافة في بيتِ الله وناقة الله، وذلك أنَّ الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الربِّ جلَّ جلالُه، فلمَّا تقرَّب الصائم إليه بما يناسب صفاته أضافهُ إليه. ومنها أنَّه لم يُعبَد به غير الله، فلم تُعظَّم الكفَّارة في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك، وهذا أظهر الوجوه. (3/54)
صفحة 615
قوله: «وأنا أجازي <2/48> به» أي أعرض عنه الجزاء الذي أدَّخرته للصائمين. وفي رواية قومِنا: ”وأنا أجزي به“، وزاد مالكٌ وغيرُه: ”كلُّ حسنةٍ بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعفٍ إِلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به“. والمعنى أنَّ جزاءَ الصيام ليس له غايةٌ ينتهي إليها كسائر الأعمال، بل جزاؤه بغير عدد، ونظيرة قوله تعالى: {اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال لأنَّهم يصبرون أنفسهم عن الشهوات. ومعنى قولِه: ”وأنا أجازي به“ أي أنفرد بعلمِ مقدارِ ثوابهِ وتضعيفِ حسناتِه، وغيره من العبادات قد يطَّلع عليها بعض الناس. وقيل: معناه أنَّ الأعمال قد كشف مقادير ثوابها للناس وأنَّها تُضاعَف من عشرٍ إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إِلاَّ الصومَ فإنَّ الله يُثِيبُ عليه بغير تقدير، والله أعلم.
ما جاء في بيان الصائم المستحقِّ لفضيلة الصوم
قولُه: «لا إيمانَ لمن لا صلاة له»؛ الحديث تقدَّم ذكرُه في آداب الوضوءِ وفرضه. وتمامُه ”ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إِلاَّ بالكفِّ عن محارم الله“؛ والغرض منه في هذا الموضع قولُه: ”ولا صوم إِلاَّ بالكفِّ عن محارم الله“ فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّ المراد بالصائم المستحقِّ للفضيلة المذكورة في الحديث قبلَه من سلم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً، وخصَّه بعض الزهَّاد بصوم خواصِّ الخواصِّ؛ فإنَّه قد قيل إنَّ الصوم أربعة أنواعٍ: صيامُ العوامِّ؛ وهو الصومُ عن المفطِّرات، وصيام خواصِّ العوام؛ وهو الصوم عن المفطِّرات مع اجتناب المحرَّمات قولاً وفعلاً، وصيام الخواص؛ وهو الصومُ عن غير ذكر الله وعبادته، وصيام خواصِّ الخواص؛ وهو الصومُ عن غير الله فلا فِطرَ لهم إلى يوم لقائِه، وهذا مقامٌ عالٍ، لكن لا يصحُّ قصر الفضائل عليه، والله أعلم.
<2/49> ما جاء أن الصوم جُنَّة ونهي الصائم عن الرَّفَث والمشاتمة (3/55)
صفحة 616
قولُه: «ومن طريق أبي هريرة»؛ الحديثُ رواه أيضًا مالك والبخاري ومسلم وأبو داود.
قولُه: «الصومُ جُنَّة»؛ وفي رواية مالك: ”الصيامُ جنَّة“، والجُنَّة بضمِّ الجيم وتشديد النون الوقاية والسترُ. واختلفوا في معناه، فقيل: إنَّه جُنَّة المعاصي لأنَّه يكسِر الشهوة ويُضعِفُها، ولذا قيل إنَّه لجامُ المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين. وقيل: إنَّه جُنَّة من النَّار لأنَّه إمساكٌ عن الشهواتِ، والنارُ محفوفةٌ بها. وقد وقع في بعض الروايات عند الترمذي وغيره: ”جُنَّة من النَّار“، والتفسيران متلازمان لأنَّه إذا كفَّ نفسه عن المعاصي في الدُّنيا كان ذلك سترًا له من النَّار.
قولُه: «فلا يرفُث»؛ بالمثلَّثة وتثليث الفاء، أي لا يفحُشُ ولا يتكلَّم بالكلامِ القبيح، ويُطلق أيضًا على الجماع ومُقدِّماته، وعلى ذكره مع النساء أو مطلَّقا، ويحتمل أنَّ النهي لما هو أَعَمُّ منها.
قولُه: «ولا يَجهَل» أي لا يفعل فعل الجُهَّال كصياحٍ وسَفَه وسخرية ونحو ذلك، ووقع في بعض الروايات زيادة ”ولا يُجادل“، وهذه الثلاث وهي: الرفثُ والجهلُ والجدالُ ممنوعةٌ مطلقًا لكنَّها تتأكَّد بالصومِ، والجهلُ على معنيين: أحدُهما ضدَّ العلم يتعدَّى بغير حرفِ جر ٍّ، والثاني ضدَّ الحلم وهذا يتعدَّى بحرف الجرِّ. قال شاعر:
ألاَ لاَ يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهَلَ فوق جهل الجاهلينا (3/56)
صفحة 617
قولُه: «قاتَلَه أو شاتَمَه»؛ معنى قاتَلَه دافعه ونازعه، ويكون بمعنى شاتَمه ولاعَنَه، وقد جاء القتلُ بمعنى اللَّعن وفي رواية أبي صالح: ”فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَلَه“. واستُشكل ظاهره بأنَّ المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، مع أنَّ الصائم مأمورٌ بأن يكفَّ نفسه عن ذلك، وأجيب بثلاثة أجوبة: أحدُها أنَّ المفاعلة هنا للواحد كسافر، قال في المصباح: ولا تكاد تُستعمل المفاعلةُ من واحد، ولها فعل ثلاثي من <2/50> لفظها إِلاَّ نادرًا، نحو صادَمَه الحمارُ بمعنى صدَمَه، أو زاحمه بمعنى زحَمَه، وشاتمه بمعنى شتَمَه. قال: ويدلُّ على هذا الحديث الصحيح: ”وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه“ قال: فيجوزُ شتُم وشُوتِم، ولكن الأولى شُتِم بغير واو لأنَّه من الباب الغالب. وثانيها: أنَّ المعنى فإن أراد أن يشاتِمَه أو يقاتله فليقل ذلك. وثالثها: أنَّ المعنى إن وُجدت منهما جميعًا فليذكر الصوم ولا يستدِم ذلك. (3/57)
صفحة 618
قولُه: «فليقل إنِّي صائم»؛ وفي رواية مالك: ”فليقل إنِّي صائم إنِّي صائمٌ“ كرَّره مرَّتين تأكيدًا. وقوله ذلك يجوز أن يُحمل على الكلام اللساني وهو الظاهر، فيقول ذلك بلسانه، ويدلُّ عليه قول عيسى عليه السلام لأمِّه: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم:26]، ويجوز حملُه على الكلام النفساني، والمعنى لا يجيبه بلسانه بل بقلبِه، ويجعل حالَه حال من يقول كذلك، ومثله قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}[الإنسان:9]، وهم لم يقولوا ذلك بلسانهم بل كان حالهم حالُ من يقوله. وقد رجَّح هذا الإحتمال بعض الناس ورجح آخرون الأوَّل، واستحسن آخرون الجمعَ بينهما وقالوا إنَّ ذكرها في حديث مالك مرَّتين إشارةٌ إلى ذلك، فيقولها بقلبه ليكفَّ نفسَه وبلسانه ليكفَّ خصمَه. وقيل: إن كان في رمضان فبلسانِه وألاَّ ففي نفسِه. وادَّعى بعضُهم أن الخلاف في النفل أمَّا الفرض فبلسانه قطعًا. قيل: والحكمةُ في قوله ذلك تأكيد المنع من المشاتمة، فكأنه يقول لخصمه: إنِّي صائم تحذيرًا وتهديدًا بالوعيد المتوجه على من انتهك حرمة الصائم وتذرَّع إلى تنقيص أجره بإيقاعه في المشاتمة، أو يذكِّر نفسه تشديد المنع المعلَّل بالصوم، ويكون من إطلاق القول على الكلام النفسي، قيل: وظاهرُ كون الصوم جُنَّة أنَّه يقي صاحبه من أن يؤذى، والله أعلم.
كتاب الزكاة والصدقة (3/58)
صفحة 619
أمَّا الزكاةُ فهي في اللغة النماءُ؛ يقال: زكى الزرعُ إذا نمى، وتردُ أيضًا بمعنى التطهير، وهي في الشرع اسمٌ لما يُخرج من مالٍ عن مال أو بَدَن على وجه مخصوص لطائفة مخصوصة بالنية وهي مأخوذةٌ من زكى الزرع إذا نمى، فإنَّ أخراجها يستجلب بركة المال وللنفس فضيلة الكرم، <2/51> أو من الزكاة بمعنى الطهارة فإنَّها تطهِّر المال من الخبث والنفس من البُخل. وأمَّا الصدقةُ فالمرادُ بها هنا صدقةُ التطوُّع خاصَّة، فعطفها على الزكاة عطفُ مغايرةٍ وهي في الأصل تُطلَق على المفروضة والتطوع. وقيل: تُطلق الزكاةُ أيضًا على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقةِ والحقِّ والعفو عنه. والزكاة هي الركن الثالث من الأركان التي بُني الإسلام عليها، وكان نزولُ فرضها في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر، وقيل: في الرابعة، وقيل: قبل الهجرة، وبيِّنت بعدها، والله أعلم.
الباب الخامس والخمسون في النصاب (3/59)
صفحة 620
قولُه: «في النِّصاب»؛ بكسر النون، هو القَدْرُ المعتبر لوجوب الزكاة. قال الأزهري وابن فارس: نِصاب كلِّ شيءٍ أصلُه، والجمع نُصُبٌ وأنصِبَةٌ مثل حِمَارٍ وحُمُرٍ وأحْمِرَةٍ، ومنه نصابُ الزكاة، وقد ذكر في هذا الباب أربعة أحاديث بعضُها في نصاب الفضَّة والذهب والإبل والغنم والثمار، وهو الحديث الثاني، وبعضُها في نصاب الرِّكاز وهو الحديث الرابع، وأمَّا الحديث الأوَّل والثالث فلا تعلُّق لهما بالباب، لأنَّ الأوَّل في مقدار ما يُخرَج من الثمار، والثالث في مقدار ما يُخرَج عن الأبدان في زكاة الفطر، فكان ينبغي للمرتِّب عفا الله عنه أن يجعل لِكُلِّ واحدٍ من الحديثين بابًا منفردًا، على أن الحديث الأوَّل يوجب الزكاة في الثمار، والثالث يوجبُها في الأبدان، فلهما من هذا الوجه أيضًا بابان آخران. ويُعتَذَر له عن ذكر الحديث الأوَّل بأنَّه إِنَّمَا ساقه ليبيِّن أنَّ عمومه مخصَّصٌ بالحديث الذي يليه، فهو كالتمهيد لذكرِ النصاب من الثمار، وأيضًا فإنَّ بعض الناس وهم الحنفيَّة وعبد الله بن عبد العزيز وابن محبوب من الإباضية لم يشترطوا في وجوب الزكاة من الثمار النصاب، بل أخذوا بعموم الحديث، فيكون المرتِّب رحمه الله تعالى قد لاحظ في ذكرِه تعلُّقَهم به، وعليه فتنقسم أحاديث الباب إلى قسمين: أحدُهما في بيان ما يُشتَرط <2/52> فيه النصاب إجماعًا في بعض المواطن، وعند الجمهور في بعضها، وهو الحديث الثاني والرابع، والقسم الثاني ما لا يُشتَرط فيه النصابُ إمَّا إجماعًا كفطرة الأبدان المذكورة في الحديث الثالث، أو عند بعض الناس كما في الثمار المذكورة في الحديث الأوَّل. وقد يقال: إنَّ لفطرة الأبدان نصابًا وهو الغنى المخصوص، فإنَّها لا تجب على مُعدَمٍ إجماعًا، واختلافهم في قَدْرِ الغنى الموجِب لذلك لا يضرُّ، فإنَّ النصاب ثابتٌ على كلِّ قولٍ قيل به في المسألة، والجواب إنَّ الغنى سببٌ للوجوب لا نصاب له. (3/60)
صفحة 621
وفيه أنَّ للغنى وجهين أحدُهما سببٌ للوجوب وهو نفس المِلك، والثاني نصابُه وهو الحدَّ الذي يجب معه الإخراج، وكلاهما سببٌ للوجوب. ولعلَّ المرتِّب رحمه الله تعالى لاحظ هذا المعني فساق الحديث ها هنا، وإنَّ نظره لطويلٌ. ويمكن أنَّه أراد أن يذكر في الباب الأسباب الموجبة للزكاة، واقتصر على النصاب في الترجمة فيكون ذلك من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه، والله أعلم.
ما جاء في زكاة الثمار
قولُه: «عن ابن عباس»؛ الحديثُ رواه أيضًا الجماعة من طرق متعدِّدة بألفاظ متقاربة في المعنى، ولم يقع لهم من حديث ابن عبَّاس كما وقع للمصنِّف، وإنَّما ذكروه في حديث ابن عمر، وعند بعضهم عن جابر، وذكره مالك مرسلاً من حديث سليمان بن يسار ويسر بن سعيد ولم يذكر ابن عمر.
قولُه: «فيما سقت السماءُ والعيونُ»؛ المرادُ بالسماء المطرُ مجازًا من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحال، ومنه قولُ الشاعر: "إذا نزل السماءُ بأرض قومٍ". ”والعيونُ“: جمعُ عينٍ وهي الأنهارُ الجاريةُ على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها الآلة ولا الحمل، وبمعناه ما شرب بعروقه من الأرض ولم يحتج إلى سقي سماءٍ ولا الآلة، ويسمَّى بعلاً بموحدة <2/53> مفتوحة وعين مهملة ساكنة، وقد صرَّحت به رواية مالك، وهو الذي عبَّر عنه في حديث ابن عمر عند الجماعة إِلاَّ مسلمًا بقوله: ”أو كان عَثرِيًّا“ بفتح العين المهملة وبالمثلثة الخفيفة وكسر لراء وشدِّ التحيَّة، فالعُشُر واجبٌ في هذه الأصناف بعد بلوغ النصاب. (3/61)
صفحة 622
قولُه: «بالدوالي والغَرْبِ»؛ الدوالي جمعُ داليةٍ وهو الدلوُ الصغيرة، والغَرْبُ بفتح المعجمة وسكون المهملة الدلوُ العظيمةُ يستَقى بها على السانية. وفي المصباح "الداليةُ: دلوٌ ونحوها وخشبٌ يصنع كهيئة الصليب ويشدُّ برأس الدلو ثمَّ يؤخذُ حبلٌ يربط طرفه بذلك وطرفه بجدعٍ قائمٍ على رأس البئر ويسقى بها، فهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة، والجمع الدوالي، وشذَّ الفارابي وتبعه الجوهري ففسَّرها بالمنجنون". والمراد في الحديث ما يُستخرج من الآبار والأنهار بآلة، وإنَّما وجب فيه نصفُ العشر لثقل المؤنة، فناسب أن يخفِّف عنه في قدر الواجب. ووقع في حديث ابن عمر: ”وفي ما سُقي بالنضح نصفُ العشر“، وفي حديث جابر: ”بالسانية“ مكان النضح، والسانيةُ البعيرُ الذي يُسقى به الماء من البئر، ويقال له الناضحُ، وذِكرُه في الحديث مثلٌ يقاس عليه ما كان في معناه من البقر والحمير ونحوها. وعمومُ الحديث ظاهرٌ في عدم شرط النصاب في إيجاب زكاة كلِّ ما يُسقى بمُؤنة وبغير مُؤنة، لكن خصَّه الجمهور بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التعبير بين ما يجب فيه العشر أو نصفُه، بخلاف حديث: ”ليس فيما دون خمسةِ أوسُقٍ صدقة“ فإنَّه مُساق لبيان جنس المخرَج منه وقدرِه فأخذ به الجمهورُ عملاً بالدليلين، وأخذ أبو حنيفة بعمومِه. ورُدَّ بأنَّ الخاص يقضي على العام، وأنَّ ”فيما سقت“ عامٌّ يشمل النصاب ودونَه، ”وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة“ خاصًّا بقدر النصاب، ومقتضى مذهب أبي حنيفة وجوبُ الزكاة في جميع ما أنبتت الأرض من الثمار والخضروات. وعند الجمهور لا تجب إِلاَّ في أجناس مخصوصةٍ من التمر والزبيب وأنواع الحبوب، وضابطُه أنَّها لا تجب إِلاَّ فيما يُكال مِمَّا يدَّخر للاقتيات في حال الاختيار، وتمسَّكوا بما رُوي مرفوعًا: ”لا زكاة في الخضروات“ رواه الدار قطني عن معاذ مرفوعًا. (3/62)
صفحة 623
وقال الترمذي لا يصحُّ فيه شيءٌ إِلاَّ مرسلُ موسى بن <2/54> طلحة عن النبيء صلى الله عليه وسلم وهو دالٌّ على أنَّ الزكاة إِنَّمَا هي فيما يكال مِمَّا يدَّخر للاقتيات في حال الاختياركما قال الجمهور، والله أعلم.
ما جاء في مقادير النصاب من كلِّ صنفٍ من أصناف الزكاة
قولُه: «ومن طريقه»؛ يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم، والحديثُ رواه أيضًا أرباب السنن من طرق متعدِّدة عن كثيرٍ من الصحابة، ولم يقع عندهم من طريق ابن عبَّاس كما وقع عند المصنِّف، ولم يذكروا فيه نصابَ الذهب والغنم ولا تفسير الأوقية.
قولُه: «عنه عليه السلام»؛ أي عن النبيء صلى الله عليه وسلم. (3/63)
صفحة 624
قولُه: «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ صدقة»؛ أي زكاةٌ واجبةٌ، وأواقٍ كجوارٍ مخفَّفا، وأصلهُ التشديد جمعُ أُوقِيَّة بضمِّ الهمزة وبالتشديد، وهي عند العرب أربعون درهمًا، وكذلك وقعت مفسَّرة في هذا الحديث على طريق التعليم بحيث يعلم السامع أنَّه ليس من كلام المصطفى، وهذا هو النصابُ في الفضة الخالصة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب، فلا زكاة فيما دون خمس أواقٍ وهي مائتا درهم. وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال أنَّ الدرهم لم يكن معلوم القدر حتَّى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كلَّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ورُدَّ بأنَّه يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال نصاب الزكاة على أمرٍ مجهول، وهو مشكلٌ. قال عياض: والصوابُ أنَّ معنى ما نُقل من ذلك أنَّه لم يكن شيءٌ منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرةُ مثاقيل وزن عشرة دراهم، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق رأيُهم على أن تنقش بِالعَرَبِيَّةِ ويسيروا بها وزنًا واحدًا. وقال ابن زرقون: إِنَّمَا أوجب صلى الله عليه وسلم الزكاة في أواقٍ معلومةٍ ولم يوجبها في دراهم معلومة، فلا يضرُّ أن تكون الدراهمُ <2/55> مختلفةً إذ لا اعتبار بالأوقيَّة المعلومة، وهو يشير إلى اعتبار الوزن دون العدد، وقال غيرهما لم يتغيَّر المثقالُ في جاهليَّةٍ ولا إسلام، وأمَّا الدراهمُ فأجمعوا على أنَّ كلَّ سبعة مثاقيل عشرةَ دراهم، ولم يخالف أحدٌ في أنَّ نصاب الزكاة مائتَا درهمٍ يبلغ مائة وأربعين مثقالاً من الفضة الخالصة إِلاَّ ابن حبيب من المالكية فإنَّه انفرد بقوله: إن أهل كلِّ بلدٍ يتعاملون بدراهمهم، وإلاَّ ما ذُكر عن بعض المتأخِّرين من أصحابنا قالوا: إنَّ الدرهم ثلثا مثقال، وعلى هذه فيكون مبلغ النصاب مائة وثلاثة وثلاثين مثقالاً وثلث مثقالٍ، وخرق بعض قومنا الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن. (3/64)
صفحة 625
قولُه: «عشرين مثقالاً»؛ أي من الذهب الخالص، وهذه زيادةٌ تفرَّد بها المصنِّف كما تفرَّد بالحديث من هذه الطريق. قال مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أنَّ الزكاة تجب في عشرين دينارًا عينًا كما تجب في مائتي درهم. قلت: والدينار كالمثقال وزنًا. ولم يثبت عند قومنا مرفوعا عن النبيء صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب شيءٌ إِلاَّ ما روى الحسن بن عمارة عن علي أنَّه صلَّى الله عليه وسلم قال: ”هاتوا زكاةَ الذهب، من كلِّ عشرين دينارًا نصف دينار“، قالوا: وابن عمارة متروك الحديث لسوءِ حفظه وكثرة خطأه، ورواه الحفاظ موقوفًا على علي لكن عليه جمهور العلماء، ولم يختلف فيه أصحابُنا, وقالت طائفة لا زكاة في الذهب حتَّى يبلغ صرفها مائتي درهم، فإذا بلغها زُكِّيت كانت أكثر من عشرين دينارًا أو أقلَّ، إِلاَّ أن تبلغ أربعين دينارًا ففيها دينارٌ، ولا يراعى حينئذ الصرفُ. وقال الحسن البصري وأكثر أصحاب داود ورواية عن الثوري: ”لا زكاة في الذهب حتَّى يبلغ أربعين دينارًا ففيها ربع عشره وما زاد فبحسابه“. وهذان القولان لغيرنا والحقُّ ما قدَّمتُ لك وهو الذي في حديث المصنِّف أنَّها تجب من عشرين مثقالاً، وليس فيما دون ذلك شيءٌ، وفي العشرين نصفُ دينارٍ، وما زاد على العشرين فليس فيه شيءٌ، حتَّى يبلغ الزائد أربعة مثاقيل ففيه عُشرُ مثقالٍ، كما وجب في أربعين درهمًا زادت على المائتين درهم واحد وهكذا في كلِّ زائدٍ إلى ما لا نهاية له. وجعل أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق في العين أوقاصًا كالماشية <2/56> وهو قول في المذهب أيضًا, ونظيره عندهم الحبوب, فإنَّها تجب في كلّ زائد بعد استقرار النصاب, والجمهور على الأوَّل, والله أعلم. (3/65)
صفحة 626
قولُه: «ذَود»؛ بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة, إسم يقع على الثلاثة من الإبل إلى العشرة لا واحد له من لفظه إِنَّمَا يُقال للواحد بعير. قال النووي: الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذَود، ورُوي بتنوين خمسٍ ويكون بدلاً منه، وسُمِّي ذلك العدد من الإبل ذَود لإنَّ مالكه ذاد الفقرَ عن نفسه، فهو مأخوذٌ من ذاد الشيءَ يذودُه إذا دفعه، ومن هاهنا كانت الخمسُ نصابًا للزكاة في الإبل فلا زكاة فيها دونَها. (3/66)
صفحة 627
قولُه: «أربعين شاة»؛ أي من المعز والضان، والأربعون منها نصابٌ لوجوب الزكاة، وليس فيما دونها شيءٌ، ولم يذكر المصنِّف رضي الله عنه كتابَ الصدقة الذي ذكره أصحاب السنن عن أنس أنَّ أبا بكر كتب لهم: ”أنَّ هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطيها، ومن سأل فوق ذلك فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم في كلِّ خمس ذَودٍ شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنةُ مخاضٍ إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنةُ مخاضٍ فابن لبونٍ ذكر، فإذا بلغت ستَّا وثلاثين ففيها ابنة لبونٍ إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حِقَّة طروقة الفحل إلى ستِّين، فإذا بلغت واحدة وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستًّا وسبعين ففيها بنتا لبونٍ إلى تسعين، فإذا بلغت واحدة وتسعين ففيها حُقَّتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كلِّ أربعين بنتُ لبونٍ، وفي كلِّ خمسين حِقَّة، فإذا تباين أسنانُ الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقةُ الجدعة وليست عنده جدعةٌ وعنده حِقَّة فإنَّها تُقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقةُ الحِقَّة وليست عنده إِلاَّ جذعة فإنَّها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقةُ الحِقَّة وليست عنده وعنده ابنة لبونٍ فإنَّها تُقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبونٍ وليست <2/57> عنده إِلاَّ حقَّه فإنَّها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقةُ ابنة لبونٍ وليست عنده ابنة لبونٍ وعنده ابنةُ مخاضٍ فإنَّها تقبل منه ويجعل معها شاتين أن استيسرتا له أو عشرين درهما. (3/67)
صفحة 628
ومن بلغت عنده صدقةُ ابنة مخاضٍ وليس عنده إِلاَّ ابن لبونٍ ذكر فإنَّه يقبل منه وليس معه شيءٌ. ومن لم يكن معه إِلاَّ أربعٌ من الإبل فليس فيها شيءٌ، إِلاَّ أن يشاء ربُّها. وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدةٌ ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ. ولا يؤخذ في الصدقة هرِمَةٌ ولا ذات عوار ولا تيسٌ إِلاَّ أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين مفترِق ولا يفرَّق بين مجتمعٍ خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسويَّة، وإذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعين شاةً شاةً واحدة فليس فيها شيءٌ إِلاَّ أن يشاء ربُّها. وفي الرقَّة ربع العشر، فإذا لم يكن المال إلاَّ تسعين ومائة فليس فيها شيء إِلاَّ أن يشاء ربها“، رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري وقطَّعه في عشرة مواضع، ورواه الدارقطني كذلك، وله فيه في رواية: ”في صدقة الإبل فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كلِّ أربعين بنتُ لبونٍ، وفي كلِّ خمسين حِقَّة“، قال الدار قطني: هذا إسنادٌ صحيحٌ. وأخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي والحاكم. قال ابن حزم: هذا كتابٌ في نهاية الصِّحَّة عمل به الصدِّيق بحضرة العلماء ولم يخالِفهُ أحدٌ، وصحَّحه أيضًا ابن حبان وغيره، وهذا الكتاب هو مستندُ غالب أبواب الزكاة، وإليه المرجع في كثيرٍ من تفاصيلها، وهو الأصل في بيان زكاة المواشي والرقَّة، والله أعلم. (3/68)
صفحة 629
قولُه: «خمسةُ أوسُقٍ»؛ جمع وَسقٍ بفتح فسكون، وحكى بعضُهم كسر الواو وجمعه حينئذ على أوساقٍ مثل حِملٍ وأحمالٍ، وقد جاءت الروايةُ بهذا وهذا، وروى أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: ”الوَسق: ستُّون صاعًا“، وقال الأزهري: الوسق ستُّون صاعًا بصاع النبيء صلى الله عليه وسلم، والصاعُ خمسةُ أرطالٍ وثلث، والوَسقُ على هذا الحساب مائةٌ وستون <2/58> منَّا والوسق ثلاثة أقفزة. وأصل الوسق الجمع وفي التنزيل: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} [الانشقاق:17]، ويطلق أيضًا على حمل البعير من التمر، يقال: عنده وسق من تمر، وهذا الحديث مخصِّص عند الجمهور لحديث: ”فيما سقت السماءُ“ كما تقدَّم، والله أعلم.
ما جاء في زكاة الفطر
قولُه: «عن عائشة»؛ الحديث تفرَّد به المصنِّف من هذا الطريق، وللجماعة معناه من طُرق متعدِّدة، ويجتمع للشيخين معناه من حديثَي ابن عمر وأبي سعيد. (3/69)
صفحة 630
قولُه: «سنَّ» أي جعل ذلك سُنَّة متَّبعة وطريقة مسلوكة، وفي حديث ابن عمر عند الجماعة ”فرض“ بدل قوله ”سنَّ“، ولاختلاف الروايتين ثبت الخلافُ بين الفقهاء في حكمها؛ فذهب المشارقةُ من أصحابنا والجمهور من قومنا إلى وجوبها، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، وكذا ابن عبد البرّ مضعِّفا قول من قال بالسنيَّة، يعني فلا يقدح في حكاية الإجماع على أنَّه يمكنهم الجمع بأنَّ يقولوا إنَّها سنَّة واجبة؛ فهي سنَّةٌ باعتبار أنَّها طريقة مسلوكةٌ، وفرضٌ باعتبار الإلزام والتكليف. وقال المغاربة من أصحابنا وبعض قومنا: إنَّها سنَّةٌ الأخذُ بها فضيلةٌ وتركها ليس بخطيئة، وتمسَّكوا بظاهر حديث عائشة عند المصنِّف. وقال إبراهيم بن عُليَّة وأبو بكر بن كيسان الأصم وهما من قومنا أنَّها كانت فرضًا فنُسخ بزكاة الأموال، وهو قولٌ في المذهب أيضًا، ودليلهم على ذلك ما رواه النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: ”أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلمَّا نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله“. وتُعقِّب بأنَّ في إسناده راويا مجهولاً، وعلى تقدير الصِّحَّة فلا دليل على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأوَّل لأنَّ نزول فرض لا يوجب سقوط فرضٍ آخر.
قولُه: «زكاة الفطر»؛ وتُسمى صدقة الفطر، وزكاة الفطرة، وفطرة الأبدان، ومعنى زكاة <2/59> الفطر أي الفطر من رمضان فإنَّها تجب بسببه. وفي حديث ابن عمر: ”زكاةُ الفطر من رمضان“، ومعنى زكاة الفطر أو فطرة الأبدان أنَّها زكاة النفوس مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة. (3/70)
صفحة 631
قولُه: على الحرِّ والعبد».. الخ؛ الغرضُ من ذكر هؤلاء التنصيصُ على ثبوتها عليهم، وأنَّها مخالفةٌ لسائر العبادات البدنيَّة والمالية، أمَّا البدنية فإنَّها لا تجب على الصبيان ولا المجانين، وأمَّا المالية فإنَّها لا تجب على العبد، وزكاة الفطر تجب على الكلِّ أمَّا الحرُّ فإنَّها تجب عليه استقلالاً بوجود ما يمكنه دفعه بعد أداء اللازم من مُؤنة العيال، وأمَّا العبدُ فإنَّ المخاطب بزكاته سيِّدُه، وأمَّا الصغير فوليُّه، فإن كان للصغير مالٌ دفعها من ماله، وإلاَّ فمِن مال الولي الذي يجب عليه مُؤنتُه، وفي الزوجة خلافٌ؛ قيل: على زوجها أن يُخرج عنها ذلك، وقيل إِنَّمَا يلزَمُها بنفسها، وقيل: إن كانت غنيَّة أخرجت عن نفسها، وإن كانت فقيرة أخرج عنها زوجها. وقال داود الظاهري: تجب على العبد نفسه، وأنَّه يجب على السيِّد أن يمكِّنه من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكِّنه من الصلاة، وهذا منه تمسُّك بظاهر الحديث، وخالفه أصحابه والناس، لحديث أبي هريرة: ”ليس على المسلم في عبده صدقة إِلاَّ صدقة الفطر“، ومقتضاه أنَّها على السيِّد بسبب العبد، فالعبد لا تجب عليه لأنَّه فقير.
قولُه: «صاعًا من تمر»؛ انتصب صاعًا على التمييز، أو أنَّه مفعولٌ ثاني، وذكر التمر وما بعده أنَّه أصناف القوت في ذلك الزمان، وقد حدثت أنواعٌ من المأكولات لاتِّساع الحال كالأرز ونحوه، فينبغي للإنسان أن يُخرجها من غالب قوتِ أهله كما ذكر ذلك الكتاب العزيز في خصال الكفَّارة فإنه قال: {مِنَ اَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُو} [المائدة:89]، فنبَّهنا هذا القيدُ على اعتبار هذا المعنى في زكاة الفطر أيضًا، لأنَّ المقصود من الكلِّ دفع خصاصة الفقراء، والمقصود من جانب الدفع في الكفَّارة محو الوقع من الحنث، وفي الفطرة طهرة الصيام، فالمعاني متقاربة.
« (3/71)
صفحة 632
والأَقِطُ»؛ بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تُسكَّن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها، مثل تخفيف كَبْد، وهو شيءٌ يُتَّخذ من اللبن المخيض يُطبخ ثمَّ يترك حتَّى يمصُل، وقد اختلف في إجزائه؛ فقيل: يجزي، وهو الراجح لحديث الباب، ولحديث أبي سعيد عند الشيخين، وهما حديثان <2/60> صحيحان ولا مُعارض لهما، وعليه المذهب، وبه قال مالك وأحمد، وقيل: لا يجزي لأنَّه غير مُقتاتٍ، وبه قال أبو حنيفة، إِلاَّ أنَّه أجاز إخراجه بدلاً عن القيمة على قاعدته، وقيل: يجزي مع عدم وجدان غيره، وهو رواية عن أحمد وقيل يجزي عن أهل البادية دون أهل الحاضرة. واللائق بسهولة الحنيفية أن يخرِج كلُّ واحدٍ مِمَّا يجد من الأصناف، فإن وجد الكلَّ فقيل: مخيَّرٌ، وقيل: يتعين عليه من غالب قوته في ذلك الفصل، وقيل: في رمضان، وقيل: غير ذلك، والله أعلم.
ما جاء في زكاة الركاز
قولُه: «عن أبي سعيد الخدري»؛ الحديثُ رواه الجماعة من حديث أبي هريرة.
قولُه: «جَرْحُ العَجْمَاءِ»؛ لفظُه عند الجماعة: ”العجماءُ جُرحُهَا جُبَار“، والجَرحُ بفتح الجيم مصدرٌ وبضمِّها الإسم، قال بعضهم وهو هنا بالفتح لا غير. والعَجْمَاء بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمدِّ تأنيثُ أعجم، وهو البهيمةُ، ويقال أيضًا لمن لا يُفصِح، والمرادُ هنا الأوَّل، وإنَّما سمِّيت البهيمة عجماءَ لأنَّها لا تتكلَّم، والمرادُ بجرحها ما يحصُل بالواقع منها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصةً بذلك، بل كلُّ الإتلافات ملحقةٌ بها. قال عياض: وإنَّما عبَّر بالجرح لأنَّه الأغلب، أو مثال نبَّه به على ما عداه.
وقوله: «جُبَارٌ»؛ بضمِّ الجيم وتخفيف الموحَّدة، هو الهدرُ الذي لا شيء فيه، والمراد الدابَّة المرسلة في رعيها أو المنفلتةُ من صاحبها، وإن ضيع في حفظها لزمه الضمانُ، ومن حفِظَها بما يوثَق به مثلُها، فإذا فعل ذلك ثمَّ انفلتت فلا ضمان عليه فيما اتلفت، والله أعلم. (3/72)
صفحة 633
قولُه: «والبئرُ جُبَارٌ»؛ البئرُ بكسر الموحَّدة ثمَّ ياءٌ ساكنة مهموزة، ويجوز تسهيلُها، وهي مؤنَّثة وقد تذكر على معنى القليب والطوي. قال أبو عبيدة: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يُعلم لها مالكٌ تكون في البادية، ويقع فيها إنسانٌ أو دابةٌ فلا شيء في ذلك على أحدٍ. وقيل: يُتأوَّل بوجهين: بأن يحفر الرجل بئرًا بأرضٍ فلاة فيسقطُ فيها إنسانٌ فيهلك، وبأن يستأجر الرجلُ من يحفر له البئر في ملكِه فينهار عليه، فإنَّه لا يُلزم بشيءٍ من ذلك.
قولُه: «المعدِنُ»؛ كمجلِس، الجوهرُ المستخرج من مكان خلَقَه الله تعالى فيه، سُمِّي بذلك من قولهم عَدَنَ بالمكان يعدِنُ إذا أقام به، وبمعنى كونِه جُبَارًا أي هدرًا، وذلك بأن يستأجر رجلاً ليعمل في معدِن مثلا فيهلِكَ فهو هدرٌ لاشيء على من استأجره، وفي معناه من استأجرَ جدارًا ليُقيمه فانهدم عليه، أو فَلْجًا يخدمِه كذلك أو نخلةً يطلعها فسقط منها أو عملاً من الأعمال فإنَّه هدرٌ كالمعدِنِ لاتِّحاد المعنى. ثم إنَّ المعدِنِ يكونُ من الذهب والفضَّة ومن اللؤلؤ واليواقيت ومن الحديد وأنواع النحاس، فإن كان من الذهب أو الفضَّة ففيه الزكاةُ ربع العشر، مثل زكاتهما، وهل يشترط فيه النصابُ والحول أم لا؟ فيه خلافٌ، والأصلُ في زكاته قبل الإجماع قوله تعالى: {أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ} [البقرة:267]، والمعادن من جملة ذلك. وذكر الحاكم في صحيحه أنَّه صلى الله عليه وسلم: ”أخذ من المعادن القبليَّة الصدقة“ وأيضًا فهو داخلٌ في حكم النقدَين وزكاتُهما ثابتة بالكتاب والسنَّة والإجماع. (3/73)
صفحة 634
قولُه: «وفي الركاز الخمُسُ»؛ الركاز بكسر أوَّله مخفَّفا على وزن كتاب، هو مصدر بمعنى المفعول، أي المركُوز في الأرض، وهو المدفون فيها، والمراد به ما كان من دفن الجاهليَّة، ولهذا وجب فيه الخمُسُ كالغنيمة، لأنَّه من أشياء المشركين، وهذا فيما إذا وجده في مباحٍ من الأرض ووجد عليه علامة المشركين كالصليب ونحوِه، فإن وجده في مُلكِ الغير من دارٍ أو أرضٍ فقيل هو للواجد، وقيل لمالك الأرض أو الدار، ولا يأخذه عندنا إِلاَّ من يأخذ الغنيمة، فلا يأخذه ذمِّي ولا عبدٌ ولا إمرأةٌ ولا صبيٌّ، ولا يجب فيه الخمس عندنا إِلاَّ إذا كان خمسة دوانق فصاعدًا، لأنَّ ما دونَهَا لا يُخمَّسُ، ولعلَّ هذا هو الوجه في ذكر هذا الحديث في بابَ النصاب، وكفى به حاذقًا حيث أشار إلى شيءٍ لم يُذكر في الحديث. وإنْ لم يُوجد عليه علامة المشركين أو وَجد عليه علامة المسلمين فإنَّه لُقَطَةٌ وفيه أحكامُها، وقد بسطنا القول في أحكام المعدن والركاز في السابع من المعارج. (3/74)
صفحة 635
فائدة: ذكر العلقميُّ عن شيخه أنَّه وقع في زمن العزِّ بن عبد السلام أنَّ رجلا <2/62> رآى النبيء صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: إذهب إلى موضع كذا فاحفره فإن فيه ركازًا فخذ ذلك ولا خُمُسَ عليك فيه، فلمَّا أصبح ذهب إلى الموضع فحفره فوجد الركاز، فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنَّه لا خُمس عليه لصحَّة الرؤيا، وأفتى الشيخ ابن عبد السلام بأنَّ عليه الخمسُ، قال: وأكثر ما ينزَّلُ منامه منزلة حديث روي باسناد صحيح، وقد عارضه ما هو أصحُّ منه وهو الحديثُ المخرَّج في الصحيحين: ”في الركاز الخمسُ“، قلتُ والحقُّ عند ابن عبد السلام، إِلاَّ في قوله بتعارُض المنام والحديث فإنَّه لا تعارض هُنا لأنَّ الأحكام لا تُبنى على المنام، وقد تقرَّرت الشريعة واستقرَّت بانقضاء أجله عليه السلام، فلا ناسخ بعدَه ولا مُخصِّص لانقطاع الوحي، واستقرار الشرع، والعجب من المحشِّي كيف استظهر القولَ برفع الخمُسِ اعتبارًا بالمنام، وجعل ذلك كالتخصيص في زمانه صلى الله عليه وسلم والفرق واضح؛ أرأيت لو رآى رجلٌ أنَّ النبيء قال له إنَّ في الموضع الفلاني دنُّ خمرٍ وهو لك خاصَّة مباحٌ، أيحلُّ لهذا أن يشربه؟ كلاَّ وربِّي وحاش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبيح ما حرَّم الله. وفي المنام عجائبٌ، وقد يظنُّ الرائي أنَّه رآى النبيء وليس هو ذلك، لكنَّ جهله به أوقعه في الوهم، والله أعلم.
الباب السادس والخمسون ما لا يؤخذ في الزكاة
قولُه: «ما لا يؤخذ في الزكاة»؛ يعني الأشياء التي لا يصحُّ للساعي أخذُها عن الفريضة لرداءتها أو شرفها أو لضررٍ بالمالك أو بالبهيمة.
ما جاء فيما يُمنع أخذُه من الماشية (3/75)
صفحة 636
قولُه: «بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»؛ الحديثُ رواه أيضًا مالكٌ في الموطَّأ <2/63> موقوفًا على عمر بن الخطاب، وفيه زيادةٌ ونقص عمَّا ذكر المصنِّف رضوان الله عليه، وأخرجه الشافعي وابن حزم ورواه ابن أبي شيبه مرفوعًا، ونصُّ الحديث عند مالك عن سفيان بن عبد الله أنَّ عمر بن الخطاب بعثَه مُصدِقًا فكان يعدُّ على الناس بالسخل، فقالوا: أتعدُّ علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئًا؟ فلمَّا قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك، فقال: نعم تعُدُّ عليم بالسخلة يحملُها الراعي ولا تأخُذها، ولا تأخذُ الأكولة، ولا الربا، ولا الماخِضُ، ولا فحلُ الغنم، وتأخذ الجذعة والثنيَّة وذلك عدلٌ بين غثاء الغنم وخيارِه. وقال ابن أبي شيبة حدثَّنا أبو أسامة عن النهاس بن فهم عن الحسن بن مسلم قال: ”بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله على الصدقة“ الحديث.
قولُه: «للسُّعاة»؛ جمعُ ساعٍ وهو العاملُ على الصدقة، يقال سعى الرجل على الصدقة يسعى سعيًا إذا عمِل في أخذِها من أربابها.
قولُه: «من أرباب الماشية»؛ أي من أصحابها، والماشيةُ المالُ من الإبلِ والغنم، قاله ابن السكِّيت وجماعةٌ، وبعضهم يجعل البقر من الماشية. (3/76)
صفحة 637
قولُه: «سَخْلَةً» بفتح فسكون، كتَمْرَة. قال الربيع السَّخْلَةُ التي تتبَعُ أمَّها وهي تُرضع عليها. وفي المصباح: تُطلق على الذكر والأنثى من أولادِ الضأن والمعزِ ساعة تولدُ والجمعُ سِخَالٌ، وتُجمع أيضًا على سَخْلٍ مثل تَمَرةٍ وتَمْرٍ. قال الأزهري: وتقولُ العرب لأولاد الغنم ساعةَ تضعُها أمهاتها من الضأن والمعز ذكرًا كان أو أنثى سَخْلَة، ثمَّ هي بَهمَة للذكر والأنثى أيضًا، فإذا بلغت أربعة أشهر وفَصَلَت عن أمِّها فما كان من أولاد المعز فالذكر جَفْرٌ والأنثى جَفْرَة، فإذا رعى وقوي فهو عَتُودٌ، وهو في ذلك كلِّه جَدْيٌ والأنثى عنَاقٌ، ما لم يأت عليه حولٌ فالأنثى عَنزٌ والذكر تَيسٌ، ثمَّ يجدع في السنة الثانية فالذكر جَدعٌ والأنثى جَدعَة ثمَّ يُثنِّي في السنة الثالثة فالذكر ثنِيٌّ والأنثى ثنيَّة، ثمَّ يكون رَباعيا في الرابعة وسداسيًّا في الخامسة، وصالعًا في السادسة، وليس بعد الصلوع سنٌّ. ولا يؤخذ في زكاة الغنم إلاَّ المسنَّة الثنيَّة من الضأن فما فوقها، والرباعية من المعز فما فوقها، <2/64> وإن أعطى الجدعَة من الضأن فالثنيَّة من المعز فلا بأس وهو أقلُّ ما يجزي من الضحايا، وإن كانت الغنمُ كلُّها سِخَالاً هل تؤخذ منها سَخلَةُ قيل لا تؤخذ، وعليه أن يحضر ما يجزي في الصدقة لحديث الباب، وقيل تؤخذُ منه سَخْلَةٌ لأنَّ زكاة المال منه، ولا يكلَّف أن يخرج من غير ما يملك، وهو أقوى في القياس ويدلُّ عليه قولُ أبي بكر رضي الله عنه: والله لو منعوني عَنَاقًا بفتح العين وهي الصغيرةُ من أنثى المعز، فإنَّه لو لم تكن واجبةٌ في بعض المواضع ما كان لتخصيصها بالذكر معنى. (3/77)
صفحة 638
وحديث الباب يحتملُ التخصيص وهو محمولٌ على ما إذا كان المالُ مختلطًا بالسِّخَال وغيرها، وكذا القولُ فيما إذا كانت الماشيةُ كلُّها هرِمَةً أو ذات هُزال أو عوار فإنَّه لا يكلَّف أن يخرج من غيرها على المختار عندي، ويكلَّف على القول الثاني، والله أعلم.
قولُه: «ولا رُبَّا»؛ بضمِّ الراء وتشديد الباء الموحَّدة. قال الربيع: الرُّبَّا التي تربِّي ولدها. وقيل: هي التي تربى في البيت للبنِها. وقيل: هي الشاةُ التي وضعت حديثا، قيل: يطلق عليها هذا الإسمُ إلى خمس عشرة يومًا من ولادتها، وقيل: إلى شهرين، وقيل: تختصُّ بالمعز، وقيل: بل تكون من المعز والضأن جميعًا وربَّما جاء في الإبل أيضًا، وإنَّما نهي عن أخذها لأنَّها من كرائم الأموال. وقيل: بل لهزالها لقرب عهدها من الولادة، وقيل: لئلاَّ يفرَق بينها وبين ولدها.
قولُه: «ولا أَكُولَة»؛ بفتح الهمزة وضمِّ الكاف، قال الربيع: الأكُولَة شاةُ اللحم، وهي السمينةُ، وقيل: هي الشاة التي تُعزل للأكل وتُسمَّن. وقيل: هي العاقرُ من الشياه، والشاةُ تعزل للأكل. وأمَّا الأُكُولَةُ بضمِّ الهمزة والكاف فهي قبيحةُ المأكول.
قولُه: «ولا فحلاً»؛ وهو ما أُعِدَّ للضراب ويسمَّى في الغنم تيسًا، وقيل التيسُ مخصوصٌ بالمعز دون الضأن، وإنَّما نهى عن أخذه لأنَّه لا منفعة فيه لدرٍّ ولا نسلٍ وإنَّما يؤخذ في الزكاة ما فَيه منفعةٌ للنسل. وقيل: لأنَّ المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم.
قولُه: «ولا شَارِفةً»؛ ويقال لها شارفًا، وهي المسنَّة من النوق، وبمعناها الهرمة.
وقولُه: «ولا ذات هِزال»؛ بكسر الهاء ضدَّ السِّمَن، يقال: هُزِلت الدابَّة على ما لم يسمَّ فاعله هُزالاً وهَزَلَها صاحبُها من باب ضربَ فهي مهزُولةٌ. (3/78)
صفحة 639
قولُه: «ولا <2/65> ذاتُ عَوَارٍ»؛ بفتح المهملة وضمِّها لغة أي ذات العيب، وقيل: بالضم العُور، واختلف في ضبطه، فالأكثر على أنَّه ما ثبت به الردُّ في البيع، وقيل ما يمنع الإجزاء في الضحية ويدخُل في المعيب المريض، والله أعلم.
قولُه: «حزَرَاتِ»؛ بمهلة فزاي معجمة فراء مهملة، جمع حزرة مثل سجْدَة وسجدات، وهي خيار المال، وقد يسكن ثانيه في الجمع على توهُّم الصِّفة، وتطلق الحزْرة على الذكر والأنثى، ويروى حرْزَة بتقديم الراء على الزاي، قيل: سمِّيت بذلك لأنَّ صاحبها يحرِزها أي يصونها عن الابتذال.
قولُه: «ولا الحافلَ»؛ بحاء مهملةٍ فألفٍ بعدها فاءٌ مكسورة، هي ذات الضرع العظيم، وهو كنايةٌ عن كثرة لبنِها، يقال: ضرعٌ حافلٌ أي ممتلئٌ لبنًا، وأصل الحفْلِ الاجتماعُ، يقال: حفَلَ اللبنَ وغيره حُفُولاً إذا اجتمع، وسمِّي الضرعُ أو الشاة حافلاً لاجتماع اللبن فيه.
ما جاء في النهي أن يخرج الرديء عن الصدقة والحثُّ على إخراج الخمُس (3/79)
صفحة 640
قولُه: «نهى النبيء صلى الله عليه وسلم»؛ الحديثُ مرسلٌ عند المصنِّف، وله قوَّةُ الاتصال لكثرة شواهده، منها قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ، وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ، وَلَسْتُمْ بِئَاخِذِيهِ إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ، وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267]. أخرج ابن جرير عن عبيدة السلماني قال: سألت علي بن أبي طالب عن قول الله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}.. الآية، فقال: <2/66> نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيِّد ناحيةً فإذا صاحب الصدقة أعطاه من الرديء، فقال الله: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ، وَلَسْتُمْ بِئَاخِذِيهِ إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} يقول ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتَّى يهضم له. وعن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال: ”نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة“، قال الزهري: تمرَين من تمر المدينة، رواه أبو داود. وعن أبي أمامة بن سهل في الآية التي قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} قال: هو الجعرورُ ولونُ حبيق، فنهى رسول الله صلَّى الله عليه أن يؤخذ في الصدقة الرذالة. (3/80)
صفحة 641
وذكر مالك في الموطأ عن زيَّاد بن سعد عن ابن شهاب أنَّه قال: لا يؤخذ في صدقة النخل الجعرورُ ولا مصران الفارة ولا عذق ابن حبيق، قال: وهو يُعدُّ على صاحب المال ولا يؤخذ منه في الصدقة، قال مالك: وإنَّما مثل ذلك الغنم تعدُّ على صاحبها سِخَالها والسِّخلُ لا يؤخذ منه في الصدقة، وقد يكون في الأموال ثمار لا تؤخذ منه الصدقة، وذلك البردي وما أشبهه لا تؤخذ من أدناه كما لا تؤخذ من خياره، وإنَّما تؤخذ الصدقةُ من أوساط المال. والجعرُورُ: بضمِّ الجيم وإسكان المهملة زنِة عُصفُور، نوعٌ رديءٌ من التمر إذا جُفِّف صار حشفًا، ومصران الفارة: ضربٌ من رديء التمر سمِّي بذلك لأنَّه إِنَّمَا على النوى قشرة رقيقة. وعذق ابن حبيق: بفتح العين جنسٌ من النخل والعذق بكسرها القنو وحبيق: بمهملة فموحدة مصغَّر اسمٍ للدَّقل من التمر سمِّي به لرداءته. والبُردي: بضمِّ الموحدة وإسكان الراء ودال مهملتين وياء، من أجوَد التمور.
قوله: «أن يعمَد»؛ أي يقصد، يقال: عمدت للشيء عمدًا من باب ضرب، وعمدت إليه قصدتُ وتعمَّدتُه أي قصدت إليه، وقال الصاغاني: أي فعلت ذلك عمدًا على عينٍ، وعمدَ عينٍ أي بجدٍّ ويقين، وهي دقيقة منه عليها تفيد الاحتراز من نحو من يرى شبحًا فيظنَّه صيدًا فيرميه فإنَّه لا يسمَّى عمد عين لأنَّه إِنَّمَا تعمَّد صيدًا على ظنِّه.
قولُه: «شرِّ ماله»؛ أي أسوأه وأخبثه، فالتفضيل على بابه، وإنَّما جاء بصيغة أفعَل لكونها الأصل فيه وفي غيره في باب <2/67> التفضيل، وكثر حذفُ الهمزة في هذا الموضع فقالوا: هذا شرٌّ من ذاك، والأصل أشرٌّ، واستعمال الأصل لغةٌ لبني عامر، وقريء في الشاذِّ: {مَّنِ الْكَذَّابُ الاَشِرُ} [القمر:26] على هذه اللغة.
قولُه: «وخيركم»؛ أي أكرمُكم فلفظ ”خير“ للتفضيل، وفي لغة بني عامر إثباتُ الألف فيقولون هذا أخيَرُ من ذاك، كما يقولون: أشرُّ منه، وسائر العرب تُسقط الألف منهما. (3/81)
صفحة 642
قولُه: «من يُخرِج من مالِه أحسَنَهُ»؛ أي أطيبَه وأجوده، وإنَّما كان هذا خيرًا عند الله لأنَّه فعل الواجب وزاد عليه، فهو محسنٌ بأداء الواجب محسنٌ بالزيادة. وروى أحمد عن أُبيِّ بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصدِقا فمررتُ برجل ولم أجد عليه في ماله إِلاَّ ابنت مخاضٍ فأخبرته أنَّها صدقتُه، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وما كنت لأقرض الله ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة سمينةٌ فخذها، فقلت: ما أنا آخذٌ ما لم أومر به، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريبٌ، فخرج معي وخرج بالناقة حتَّى قدِمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”ذاك الذي عليك وإن تطوَّعت بخيرٍ قبلناه منك وآجرك الله فيه“، قال: فخُذها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضِها، ودعى له بالبركة. وجاء رجلٌ إلى الشيخ يبيب بن زلغين المغربي يطلب منه جملاً فأتاه بجملٍ فقال الرجل: رزقك الله الجنَّة، فقال الشيخ: دعهُ ما هذا جمل الجنَّة، ثمَّ عمد إلى جمل من خيار إبله فأتاه به، وهذا من الشيخ رحمه الله تعالى تطوُّعٌ لا صدقة فريضة، والحديث يعمُّ الفرض والنفل، وإن كان مسوقًا في الفرض فإنَّ النفل داخلٌ تحت عمومه، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} [الأنعام: 132]، والله أعلم.
الباب السابع والخمسون ما عفي عن زكاته
قوله: «ما عفِّي عن زكاته»: أي ما لا زكاة فيه، يقال: عفا عن الحقّ إذا أسقطه مأخوذ من <2/68> عفته الريح إذا محته، وعفا الله عنك إذا محا ذنوبك، وإنَّما آثر التعبير بهذا إشارة إلى حديث علي عند أحمد وأبي داود والترمذي، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة“ الحديث . (3/82)
صفحة 643
قوله: «ليس في الجارَّة»: بجيم ثمَّ راء مهملة مشدَّدة. قال الربيع: الجارة الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت. قال الشيخ عامر: سمِّيت جارة بمعنى مجرورة، كما يقال: سر كاتم أي مكتوم وقوله تعالى {مِن مَّآءٍ دَافِقٍ}[الطارق:6]: أي مدفوق، وإنَّما عفي عن زكاتها لأنها لم تتَّخذ للاقتناء والنماء وإنَّما اتخذت للعمل، وفي معناها: الإبل النواضح وبقر الحرث. وقد جاء في حديث علي عند الدارقطني: ”ولا في العوامل صدقة“: وهي جمع عاملة، وهذا الاسم يصدق على الإبل والبقر إذا اتخذت للعمل، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا منهم أبو عبيدة وبعض قومنا فلم يوجبوا الزكاة في العوامل من الإبل والبقر وأوجبها آخرون منَّا، وبه قال مكحول وقتادة ومالك ابن أنس قال ابن جعفر وغيره: وهذا هو المأخوذ به عند أصحابنا، وكأني بهم إِنَّمَا أخذوا به في جانب الدافع دون الساعي لأنَّ في الدفع منها ضربا من الاحتياط، ومذهبهم رحمهم الله تعالى مبني على الاحتياط ،أمَّا الساعي فلم أجد لهم نصا أنَّه يأخذها من العوامل، وكان اللائق أن ينصوا على المنع لظاهر الحديث، ومن قال بوجوب الزكاة فيها تمسَّك بالعموم الوارد في زكاة الأنعام، وحديث الباب خاص، والخاص قاض على العام، فيجب المصير إليه.
قوله: «ولا في الكُسعة»: بضمِّ الكاف وسكون المهملة هي الحمير. «والنخَّة»: بفتح النون وتشديد المعجمة؛ الرقيق أي العبيد، وبه جزم المصنِّف رضي الله عنه. وقيل البقر العوامل، قال ثعلب: وهو الصواب، لأنَّه من النخِّ، وهو السوق الشديد، وقال الكسائي هو بالضمِّ وهي البقر العوامل «والجبهة»: بفتح الجيم وسكون الموحدة الخيل: سمِّيت بذلك لأنَّها خيار البهائم، كما يقال وجه السلعة لخيارها، ووجه القوم وجبهتهم لسيدهم، وقال بعضهم: هي خيار الخيل، وقيل: الجبهة الخيل والبغال والعبيد وتعقب: بأنَّ فيه بعدا وتكلُّفا. (3/83)
صفحة 644
<2/69> قولُه: «ما لم تكن للتجارة»: وذلك أن يشتريها للربح في قيمتها لا للقنوة والانتفاع بذواتها، فإنَّه إذا أخذها للتجارة وجبت فيها زكاة التجارة، وهي ربع العشر كالذهب والفضة لأنَّهما أصلها، ووجوب الزكاة في التجارة مأخوذ من قوله تعالى: {أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}[البقرة: 267]، وقد أجمع الناس عليها، وخالف داود بن علي وهو محجوج بالآية والإجماع، ثمَّ أن الأدلَّة المصرحة بوجوب الزكاة في النقدين دالَّة على وجوبها في التجارة بطريق الاستلزام لوجوب إعطاء الفرع حكم الأصل والله أعلم.
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا الجماعة، ولفظه عندهم: ”ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه“، ولأبي دَاود: ”ليس في الخيل والرقيق زكاة إِلاَّ زكاة الفطر“، ولأحمد: ”ومسلم ليس في العبد صدقة إِلاَّ صدقة الفطر“.
قوله: «في عبده ولا فرسه»: العبد هو المملوك من الجنس الإنساني، والفرس الخيل، يعني أنَّه لا يلزم المسلم أن يزكي عن هذين الجنسين لأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد عفا عن زكاتهما، وخالف أبو حنيفة فقال بوجوب الزكاة في الخيل إذا كانت ذكرانا وإناثا نظرًا إلى النسل، فإن انفردت ففيه عنه روايتان، ثمَّ إن عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كلِّ فرس دينارا أو تقوَّم ويخرج ربع العشر، ورُدَّ عليه بحديث الباب، وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة، وهو تكلف بعيد عن معنى الحديث، ولو صحَّ لجاز أن يقال بمثله في العبد وهو باطل إجماعا، واستدل بالحديث من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة في العبد والفرس مطلقا ولو كانا للتجارة، والجواب: أنَّ زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله غير واحد من العلماء فيخصَّصُ به عموم هذا الحديث، والله أعلم.
<2/70> الباب الثامن والخمسون الوعيد في منع الزكاة (3/84)
صفحة 645
قوله: «منع الزكاة»: منعُها عدم تسليمها إلى أهلها، والوعيد التخويف بالشرِّ، والوعد ضده فإنَّه يختصُّ بالخير، وكلاهما خبر، وأخبار الله تعالى لا يجوز خلفُها لاستحالة الكذب عليه فهو تعالى لا يبدَّل القول لديه، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته هذا في حقّ الله تعالى، وأمَّا في حقّ البشر فإن العرب كانت تعدُّ خُلف الوعد كذبًا، وخلف الوعيد كرمًا قال الشاعر:
وإنِّي وإن أوعدته أو وعدته لمخلفُ إيعادي ومُنجزُ موعدي (3/85)
صفحة 646
وقد قاس بعض الفرق في هذا الباب وعيد الرب تعالى بوعيد البشر، فأجازوا عليه الخلف في وعيده وغفلوا عن قوله عزَّ من قائل: {لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:9]، والوعيد في أحاديث الباب متوجه على منع الزكاة، وهل تأخيرها مع إمكان دفعها داخل في الوعيد كمنعها؟ فيه خلاف منشؤه هل يدلُّ الأمر المطلق على الفور أم لا؟ والصحيح عندي أنَّ مؤخرها بلا عذر عاص لأنَّه يفضي إلى ذهابها والتهاون بشأنها، وهو قول لبعضهم، فالعصيان للتمادي وخشية التضييع لا للقول بالفورية في الأمر المطلق، ثمَّ إن قرنها في غالب آي الكتاب بالصلاة يدلُّ على تأكيد المسارعة في أدائها، وكذلك قول صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث ابن عبَّاس الآتي في الباب: ”لا صلاة لمانع الزكاة “، وقيل: من فرَّط فيها مع التمكن حتَّى يدخُل حول في حول فهو هالك. وقيل: لا يهلك ما لم يمت مضيعًا لها، وهو اختيار الشيخ أبي سعيد رضي الله عنه، وبه جزَمَ في مواضع من استقامته، وتبعه عليه اتباعه من بعده، فهم يرجِّحون هذا القول على غيره، وغرض الشيخ من ذلك التوسعة كي لا يتبرأ من متمسِّك برأي لأنَّ مقصوده البحث في أسباب البراءة، فلو سئل عن العمل لحث على الإخراج عند الإمكان، والقول <2/71> بعصيان مؤخرها عن وقت الإمكان هو اختيار أبي محمَّد بن بركة، وهو أقوى في النظر، ولا يبرأ من آخذ برأي من آراء المسلمين إِلاَّ إذا حكم الإمام بخلافه، فإنَّه يلزم الانقياد لحكم الإمام إجماعا، والله أعلم.
ما جاء في قتل مانع الزكاة (3/86)
صفحة 647
قوله: «عن ابن عباس»: الحديث تفرَّد به المصنِّف، وللبخاري ومسلم معناه من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة وهو للنسائي أيضًا، ولمسلم والنسائي من حديث جابر بن عبد الله. وحديث المصنِّف أصرح في المراد، وفي الجامع الصغير عن أنس عند الطبراني في الصغير وفي نسخة في الأوسط: ”مانع الزكاة يوم القيامة في النَّار“. قال المناوي وفي حلية الأبرار للنووي: ”إن الله تعالى ينزل في كلِّ سنة اثنتين وسبعين لعنة، لعنة على اليهود ولعنة على النصارى وسبعين لعنة على مانع الزكاة “.
قوله: «مانع الزكاة يقتل»: قال أبو عبيدة ذلك إذا منعها من كان يستحقُّ أخذها، وأمَّا غيره فلا يقتل من منعه إياها، لأنَّه ليس بأهل لأخذها، ولا تلزم الناس طاعته، وكيف يلزمهم دفع زكواتهم إليه على أنَّه تعالى قد أوجبها لأصناف مخصوصة، وليس الجبار من تلك الأصناف ولا هو بالمأمون على وضعها فيهم، وصاحب المال مخاطب بها ويلزمه دفعها إلى الأمام العادل إن وجد، وإلاَّ فعليه وضعها في محلها من الأصناف الثمانية حتَّى يكون من أدائها على يقين، فلو منعها من الأصناف هلك بلا خلاف، لكن ليس لأحد قتله على ذلك، لأنَّ الأصناف كثيرة وأفرادهم عديدة، وليس بعضهم أولى بها من بعض، فلا تتعين المطالبة لواحد منهم بعينه، ولما كان الإمام العادل قائما في مطالبتها مقام الأصناف الثمانية لأنَّه المخاطب بأخذها وبقسمتها ووضعها في أهلها كان له قتل مانعها . وأيضا فإنَّ قتله حدٌّ من حدود الله تعالى، وأمر الحدود إلى الإمام العادل، ولا <2/72> يجوز للجائر إقامته في هذا الموضع حتَّى على رأي من أجاز للجائر أقامة الحدود، لأنَّ الحدَّ هاهنا فيه نوع شبهة لكثرة أصناف الزكاة، فلا يتحقَّق المنع بخلافه في السرقة ونحوها، والحدود تدرأ بالشبهات، والله أعلم. (3/87)
صفحة 648
قوله: «بلغنا أنَّ أبا بكر»: الحديث رواه أيضًا الجماعة مطوَّلا عن أبي هريرة، إلاَّ ابن ماجة، لكن في رواية بعضهم ”عَناقًا“ مكان ”عِقالاً“، ولفظه عندهم عن أبي هريرة: لما توفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله، فمن قالها فقد عصم منِّي ماله ونفسه إِلاَّ بحقِّه وحسابه على الله تعالى“، فقال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقاتلهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إِلاَّ أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنَّه الحقّ. وفي لفظ مسلم والترمذي وأبي داود: لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه. والعَنَاقُ: بفتح العين بعدها نون، الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة. والعِقال: بكسر العين، الحبل الذي يشدُّ به ساق البعير إلى عضده، وقد اختلفوا في المراد به؛ فذهب كثير من المحقِّقِينَ إِلىَ أن المراد به المبالغة في الحقارة، لأنَّ الكلام خُرِّج مخرج التهديد والتضييق، فيقتضي التقليل والتحقير. وقيل: المراد بالعِقال زكاة عام، قالوا: وهو معروف في اللغة، وهذا قول الكسائي والنظر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، وحملهم على ذلك أنَّ العقال الذي هو الحبل لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز حمل الحديث عليه. و تعُقِّب بأنَّ المراد المبالغة كما تقدَّم، والحقيقة غير مرادة في الحديث. (3/88)
صفحة 649
وقيل: المراد العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأنَّ على صاحبها تسليمها برباطها ، قال الخطابي: أهل الردة كانوا صنفين، صنف ارتدُّوا عن الدّين <2/73> ونابذوا الملَّة وعدلوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة، وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوءة، وأصحاب الأسود العنسي ومن استجاب له من أهل اليمن، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوءة نبيئنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم مدعية النبوءة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتَّى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء، وانقضت جموعهم وهلك أكثرهم. والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدّين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدّين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهليَّة، فلم يكن يسجد لله في الأرض إِلاَّ في ثلاثة مساجد مسجد مكَّة، مسجد المدينة، ومسجد عبد القيس. قال: والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة، فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام. قال: وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي، وإنَّما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأرخ مبدأ قتال البغي من زمن علي بن أبي طالب إذ كانوا منفردين في زمانه لم يُخلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بها ولم يمنعها، إِلاَّ أنَّ رؤساءهم صدُّوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنَّهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إِلىَ أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك، وفرَّقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عَرَض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر فراجع أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”أمرت أن أقاتل الناس“ الحديث. (3/89)
صفحة 650
وكان هذا من عمر تعلُّقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر: إن الزكاة حقُّ المال، يريد أنَّ القضية قد تضمنت عصمة دمٍ ومال متعلِّقة بأطراف شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثمَّ قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أنَّ قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة، ولذلك ردَّ المختَلَفَ فيه إِلىَ المتفَقِ عليه، وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس، وَدَلَّ ذلك على أنَّ العموم يُخَصُّ بالقياس، وإن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته، فلمَّا استقر عند عمر صحَّة رأي أبي بكر وبان له صوابه <2/74> تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله فعرفت أنَّه الحقّ، يشير إِلىَ انشراح صدره بالحجَّة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة، انتهى المراد منه، وهو كلام حسن إِلاَّ قوله في منكري وجوب الزكاة إنَّهم في الحقيقة أهلُ بغي، فإن الحقَّ أنَّ منكر وجوبها مشركٌ كافرٌ وأهل الردَّة إِنَّمَا أنكروا وجوب أدائها إِلىَ غير النبيء لا نفس الوجوب في الوجوب في الجملة، فهم بذلك بغاة متأوِّلون، ومنهم من أنكر نفس الوجوب وهم بذلك مشركون، والله أعلم.
ما جاء أنَّ مانع الزكاة لا تقبل صلاته (3/90)
صفحة 651
قولُه: «لا صلاة لمانع الزكاة»: أي من منع الزكاة لا يقبَل الله له صلاة لأنَّه غير متّقٍ، ولا يقبل الله العبادة إِلاَّ من المتَّقين: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، وأيضا فإنَّ الزكاة ركن من أركان الإسلام كالصلاة، فإنَّ الإسلام بني على خمس، منها الصلاة والزكاة، وإذا انهدم بعض أركان الإسلام انهدم جميعه ولا يُنتفَع بالبعض دون البعض، كالبيت إذا انهدمت بعض قواعده التي بني عليها فإنَّه لا ينتفع به لزوال منفعته بتهدم أركانه، فلو تاب هذا المانع وأدى الزكاة على وجهها لم يلزمه بدل الصلاة، كالبيت إذا أُصلِح المنهدم منه فإنَّه يستقيم كما هو ولا يحتاج القائم من أركانه إلى البناء.د
قوله: «قالها ثلاثا»: أي كرَّر القول بذلك ثلاث مرَّات تغليظا في الإنكار وتشديدا على المتهاون.
قوله: «والمتعدِّي فيها كمانعها»: قال الربيع: المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها، وكذلك من يدفعها تقية عن نفسه أو ماله، فإن الزكاة لا يدفع بها مغرم، وكذلك من يدفعها ليأخذ عنها عوضًا دنيويا، لأنَّ الزكاة لا يجلب بها مغنم، وكذلك من أخرجها من أردأ ماله وأخبثه، فإنَّه لا يجزي عنه ذلك، وإنَّما كان هذا متعديا لأنَّه قد <2/75> تجاوز ما حدَّ له من أمر الزكاة فلم يؤدها على وجهها، ومعنى التعدي مجاوزة الحدِّ، وإنَّما كان المتعدي فيها كمانعها، لأنَّ كلَّ واحد منهما ظالم في حقها، فالمانع ظالم من حيث المنع، والمتعدي ظالم من حيث الأداء، لأنَّ الأداء إذا كان على خلاف المطلوب شرعًا فليس بأداء، ولا يقبل الله عبادة على خلاف ما شَرَع يوم القيامة، والله أعلم.
ما جاء في تعذيب مانع الزكاة (3/91)
صفحة 652
قوله: «وعنه عليه السلام»: هذا معطوفٌ على الحديث الذي قبله، فهو من مسند ابن عبَّاس عند المصنِّف، ورواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ”من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثمَّ يأخذ بلهزمتَيه يعني شدقيه ثمَّ يقول: أنا مالُك أنا كنزُك، ثمَّ تلا: {وَلاَ يَحْسِبَنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ}“ الآية، [آل عمران:180]، وفي هذه الرواية بيان للعذاب المبهم في رواية المصنِّف وينقطع ذلك بالفراغ من الحساب كما في رواية المصنِّف، لكن ينقلب إِلىَ شرٍّ منه والعياذ بالله تعالى.
قوله: «من كثر مالُه»: المراد بالكثرة هاهنا بلوغه حدَّ النصاب الذي تجبُ معه الزكاة، فمن ملك النصاب فقد كثر ماله، المرادُ بالمال الذهب والفضة كما دلَّت عليه رواية البخاري في قوله: ”أنا مالُك أنا كنزُك“. قال ابن حجر: ووقع في رواية زيد بن أسلم: ”ما من صاحب ذهب وفضة لا يؤدِّي منها حقَّها إِلاَّ إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنَّم فيكوى بها جبهته وجنبه وظهره“ قال: ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال وقوع الأمرين معًا، فرواية ابن دينار توافق الآية التي ذكرها وهي: {سَيُطَوَّقُونَ}. ورواية زيد بن أسلم توافق قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَىا عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} الآية، [التوبة:135] . وأمَّا عذاب مانعها من الماشية فقد جاء عند الشيخين من حديث أبي ذرٍّ أنَّ <2/76> النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”ما من رجلٍ يكون له إبلٌ أو بقر أو غنم لا يؤدِّي حقَّها إِلاَّ أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلَّما جازت أخراها رُدَّت عليه أولاها حتَّى يقضي بين الناس“.
قولُه: «ولم يُزكِّه»: أي لم يُخرج زكاته. (3/92)
صفحة 653
وقوله: «جاءه»: أي يجيئه مالُه يوم القيامة في صورة شجاع أقرع، وفي رواية البخاري: ”مثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، والمعنى أنَّ الله تعالى يُصيِّر ماله شجاعًا أقرع يعذِّبه جزاء لمنعه حقَّ الله منه، ولا بدع في خلق الله فإنَّه عزَّ وجلَّ يخلق الأشياء من غير شيءٍ، ويخلق بعضها من بعض وإن اختلفت أجناسها، وقد خلق تعالى آدام عليه السلام من طين لازب وخلق الجان من مارج من نار فليس خلق الحيَّة من الذهب بأشدَّ من ذلك، ونعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير. والشُّجاع: بضمِّ الشين ويكسر، هو الثعبان، وهو الحيَّة العظيمة، ويقع على الذكر والأنثى، والجمع ثعابين، وفي المختار الثعبان ضرب من الحيات طوال، وقيل: الشجاع الحيَّة الذكر،وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويُواثب الفارس، والأقرع: الذي يقرع رأسه أي يتمعط لكثرة سمه، قيل: وسمِّي أقرع لأنَّ شعر رأسه يتمعط لجمع السم فيه، وتُعقِّب: بأنَّ الحيَّة لا شعر في رأسها، فلعله يذهب جلد رأسه، وقيل: سمِّي أقرع لأنَّه يقرئ السم ويجمعه في رأسه حتَّى تتمعط فروة رأسه، وقيل: الأقرع من الحيات الذي أبيضَّ رأسه من السم، والأقرع من الناس الذي لا شعر برأسه.
قوله: «زَبيبتان»: تثنية زبيبة، بفتح الزاي وموحدتين، وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: تكلم حتَّى شدقاه، أي خرج الزبد منهما، وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل: حلقتان يكتنفان فاه، وقيل: هما في حلقه بمنزلة زلمتي العن، وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان يخرجان من فيه.
قوله: «موكل بعذابه»: أي مفوَّض إليه عذابه بالتسلُّط عليه والتمكن منه، فهو في عذابه بمنزلة الوكيل في المال. (3/93)
صفحة 654
قولُه: «حتَّى يقضيَ الله»: <2/77> أي حتَّى يتمُّ القضاء بين الناس، فهو غاية لتوكيله بعذابه، ثمَّ يؤخذ للنار والعياذ بالله، وهل يعذِّب بالشجاع بعد فراغه من حسابه أم قبله، ثمَّ يحاسب بعد أن يقضي الله بين خلقه ؟لم أجد فيه نصًا، وكلا الوجهين محتملٌ.
قولُه: «رغوَة السُّم»: الرغوة بفتح الراء وضمِّها، وحكي الكسر، الزَّبد يعلو الشيء عند غليانه، «والسمُّ»: بالفتح في الأكثر والضم لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وهو القاتل من المطعومات.
قوله: «بمنزلة الزبيبتين في التماحِهما»: يعني أنَّ إطلاق الزبيبتين على الرغوة مجاز استعاري لأنهما يلوحان للناظر عند التماحهما كأنهما زبيبتان، وذلك من قوَّة سمه.
قوله: «ولم يُرد بهما العينين»: أي لم يرد بالزبيبتين في الحديث العينين، وإن كانتا تشبهانهما في شكل خلقتهما وهيئة حدتهما، وكذلك لم يرد النكتتين السوداوين فوق عينيه، لأنَّ سياق الحديث لتهويل الأمر وتعظيمه، والمعنى الأوَّل أنسب بذلك، وذو النكتتين وإن كان سيء الحال لكنَّه يخفى وصفه على كثير من الناس، وأيضا فالأوَّل أسوأ حالا، والله أعلم.
الباب التاسع والخمسون في الصدقة
قوله: «في الصدقة »: أي في فضلها والمراد بالصدقة التطوع.
ما جاء أنَّ الصدقة تطفئ النَّار
قوله: «عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم »: الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي عن عدي ابن حاتم، لكن ليس عندهم قوله: ”فإن الصدقة تطفئ النَّار“، وفي رواية عند الشيخين وأحمد: ”اتقوا النَّار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيِّبة“. (3/94)
صفحة 655
قولُه: «اتقوا النَّار»: إلخ، أي اجعلوا بينكم وبينها <2/78> وقاية من الصدقات وأعمال البرّ، ولو كان الاتقاء المذكور بشقِّ تمرة فإنَّه قد يسدَّ الرمق، سيما للطفل فلا يحتَقِرُ المتصدُّقُ ذلك. والشِّقُّ: بكسر الشين المعجمة جانب الشيء أو نصفه، والمراد الحثُّ على الصدقة كثيرها وقليلها، ونظيره قوله تعالى: {فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} [الزلزلة:7]، فإنَّ في شق التمرة مثاقيل من الذرِّ، وقال مالك: بلغني أنَّ مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنبٌ فقالت: لإنسان خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجًّب فقالت عائشة: أتَعْجَبُ، كم ترى في هذه الحبَّة من مثقال ذرة!؟.
قولُه: «فإن َّالصدقة تطفئ النَّار»: أي تُخمدها وتغيِّر لهبها، ومنه أطفأت الفتنة أسكنتها عن الاستعار، وهو في الحديث كناية عن سلامة المتصدق من النَّار، وبمعناه ما ورد أنَّ الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وأنَّ ”الصدقة تطفئ غضب الربِّ وتدفع ميِّتة السوء“، والله أعلم.
ما جاء أنَّ اليد العلياء خير من اليد السفلى (3/95)
صفحة 656
قوله: «بلغني»: الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة: ”اليد العلياء خير من اليد السفلى“، فاليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة. وعن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أنَّ حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأعطاني، ثمَّ سألته فأعطاني، ثمَّ سألته فأعطاني، ثمَّ قال: ”يا حكيم إنَّ هذا المال خَضِرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى“، فقال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحقِّ لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتَّى أفارق الدُّنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه ثمَّ أن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال: إنِّي أشهدكم معشر المسلمين على حكيم أنِّي أعرض عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من <2/79> الناس بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حتَّى توفي.
قوله: «اليد العليا»: المراد باليد هنا جارحة الأخذ والإعطاء، كما يدلُّ عليه تفسيرها في الحديث، وعليه جمهور الأمَّة. وقال ابن نباتة: اليد هنا هي النِّعمة، وكأن المعنى أنَّ العطية الجزيلة خير من العطية القليلة، قال: وهذا حثٌّ على المكارم بأوجز لفظ، وهذا مخالف للنص في تفسير اليد فلا يقبل. (3/96)
صفحة 657
قوله: «والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة»: المراد بالمنفقة المعطية، والمراد بالسائلة الطالبة، وهما كنايتان عن المعطي والسائل، وتفسير العليا والسفلى بهذا المعنى من نفس الحديث، وقد تضافرت عليه الروايات وهو قول الجمهور. وقيل: اليد السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أم بغير سؤال. وردَّ: بأنَّ الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدَّق عليه، فإنَّ يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين. وفيه نظر، لأنَّ البحث إِنَّمَا هو في أيدي الآدميين، وأمَّا يد الله فباعتبار كونه مالك كلِّ شيء نُسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال. وعن الحسن البصري: اليدُ العليا المعطية والسفلى المانعة، ولم يوافق عليه.وقال قوم من المتصوفة إنَّ اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقا، عكس ما جاء به النص وخلاف ما اتفقت عليه الأمَّة. قال ابن قتيبة : وما أرى هؤلاء إِلاَّ قوما استطابوا السؤال، فهم يحتجون بالدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقا فأعتق، والمولى من أسفل هو السيد الذي أعتقه.
فائدة: يد الآدمي أربع، يد المعطي وقد تضافرت الأخبار بأنَّها عليا، ثانيها: يد السائل وقد تضافرت بأنَّها سفلى سواء أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالبا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منها، ثالثها: يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تُمدَّ إليه يد المعطي مثلا، فهذه توصف بكونها عليا علوًا معنويا، رابعها: يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها فذهب جمعٌ إِلىَ أنَّها سفلى وهذا بالنظر إِلىَ الأمر المحسوس وأمَّا المعنوي فلا يطَّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يحمل الكلام من أطلق كونها عليا، والله أعلم.
<2/80> ما جاء أنَّ الصدقة تقي مصارع السوء (3/97)
صفحة 658
قولُه: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم، وأخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”قال إنَّ صدقة السر لتطفئ غضب الرب وتدفع ميِّتة السوء“.
قوله: «تقي»: أي تحفظ صاحبها من ذلك، يقال: وقاه الله السوء، يقيه وقاية بالكسر، إذا حفظه منه، و«المَصَارِعَ»: جمع مصرَع، وهو الموضع الذي يقع فيه السوء . و«المِيتَة»: بكسر الميم الحالة التي يموت عليها الإنسان. و«السَّوء»: بفتح السين كلُّ ما يغم الإنسان من الأمور ويعبر به عن كلِّ ما يقبح، ولذلك قوبل بالحسنى، في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الذِينَ أَسَآءُوا السُّوأَىآ} [الروم:10]، كما قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىا} [يونس:26]، والمراد بميتة السوء سوء الخاتمة .وقيل: أراد ما لا تحمد عاقبته من الحالات الرديئة كالحرق والغرق، والله أعلم.
ما جاء أنَّ النفقة على الأهل صدقة
قولُه: «عن أبي مسعود الأنصاري»: الحديث رواه أيضًا البخاري والترمذي.
قولُه: «نفقة الرجل»: النفقة وزن رقبة، اسم من أنفق الدراهم إذا أنفذَها، والمرادُ بها هنا ما ينفذه الرجل على خاصته من لازم ومستَحبٍّ، والمراد بأهله كلّ من يعولهم ويتأهل بهم من زوجة وخادم وولد، ومعنى كونها صدقة، أي يؤجر عليها كما يؤجر على الصدقة، بشرط الاحتساب، وهو أن يريد بها وجه الله ويطلب بها الثواب من عنده.
<2/81> ما جاء في الحثِّ على إعطاء السائل
قولُه: «عن أنس بن مالك»: الحديث ذكره في الجامع الصغير من رواية أحمد في مسنده والبخاري في تاريخه والنسائي ومالك كلُّهم عن حواء بنت الساكن، وروى الترمذي وأبو داود معناه. (3/98)
صفحة 659
قوله: «رُدُّوا السائل»: أي أعطوه شيئًا يرد به ولو كان قليلا، ولا تردوه ردَّ حرمان، و«الظِّلْفُ»: بكسر الظاء المعجمة وسكون اللام وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس والحمير، فيقال لما في رجل البعير خفٌّ ولما في رجل البقر والغنم ظِلفٌ، ولما في رجل الفرس والحمار حافرٌ، و«المحرَّقُ»: بضمِّ الميم هو الذي أحرقته النار، وذكره لمزيد المبالغة في الحقارة. قال أبو عمر: في ذكر القليل تنبيه على فضل الكثير لمن فهم معنى الخطاب، وقد أحسن القائل:
وافعل الخير ما استعطت وإن كا ن قليلاُ فلن تطيق لكلِّه
ومتى تفعل الكثير من الخـ ير إذا كنت تاركا لأقلِّه
والله أعلم.
ما جاء في فضل من أطعم مسلمًا أو سقاه
قوله: «بلغني»: الحديث عند أبي داود والترمذي من رواية أبي سعيد بزيادة فيه، ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”أيُّما مسلم كسا مسلمًا ثوبا على عُريٍ كساهُ الله من خَضِر الجنَّة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنَّة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإٍ سقاه الله من الرحيق المختوم“.
قوله: «تمرة»: هي واحدة التمر، وهو من ثمار النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة لأنَّه يُترك على <2/82> النخل بعد إرطابه حتَّى يجف أو يقارب، ثمَّ يقطع ويترك في الشمس حتَّى ييبس ، قال أبو حاتم: وربَّما جُذَّت النخلة وهي باسرة بعد ما أحلت ليخفَّف عنها أو لخوف السرقة فتترك حتَّى تكون تمراً.
قوله: «من ثمار الجنَّة»: هو ما تخرجه أشجارها من أنواع الأطعمة، وفيه إشارة إِلىَ أنَّ ثمارها أفضل أطعمتها. (3/99)
صفحة 660
قولُه: «من الرحيق المختوم»: أي من خمر الجنَّة أو شرابها، والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غشَّ فيه، والمختوم: هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه، ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته، وقيل: الذي يختم بالمسك مكان الطين والشمع ونحوه، وقيل: المراد أنَّ آخر ما يجدون منه في الطعم رائحة المسك، من قولهم: ختمت الكتاب أي انتهيتُ إِلىَ آخره، وفيه إيماءٌ إِلىَ قوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25]، والله أعلم.
ما جاء في وصف المسكين
قولُه: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا الشيخان وأحمد.
قولُه: «ليس المسكين»: مِفعيلٌ من السكون، فكأنَّه من قِلَّة المال سكنت حركاته.
قوله: «الطوَّاف»: بفتح الطاء وتشديد الواو فعَّال، من قولهم طاف بالشيء يطوف طوفًا وطوافًا إذا استدار، والمراد بالطواف هنا من يدور على بيوت الناس يسألهم أن يطعموه.
قوله: «ترده اللقمة واللقمتان»: أي يقنع باليسير فيرجع عن أهل البيت.
قوله: «لا يجد غناء يغنيه»: إلخ ، إِنَّمَا قصر المسكين على الموصوف بهذه الصفات لأنَّ الصبر معها أشدُّ، وأيضا فإنَّ للطوَّاف حركة في طوافه لسؤال الناس، ولا <2/83> حركة لهذا الصابر القانع بما عنده، والغَناء بالفتح والمدِّ الكفاءة من الشيء. (3/100)
صفحة 661
قوله: «فيعطى»، وقوله: «فيسأل»: هما بالنصب في جواب النفي، وفي الحديث استحباب الحياء في كلِّ الأحوال، وحسن الإرشاد في وضع الصدقة، وأن يتحرَّى وضعها فيمن صفته التعفُّف دون الإلحاح، وفيه دلالة لمن يقول إنَّ الفقير أسوأ حالا من المسكين، وإنَّ المسكين الذي له شيء لكنَّه لا يكفيه، فالفقير الذي لا شيء له، ويؤيده قوله تعالى: {اَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف:79]، فسمَّاهم مساكين مع أنَّ لهم سفينة يعملون فيها، وقيل: المسكين أسوأ حالا من الفقير، وقيل هما سواء، وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل، ولكلِّ واحد تمسُّك واحتجاج. ذكرت جميع ذلك في السابع من المعارج، والله أعلم.
ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله
قوله: «بلغني عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي.
قوله: «زوجين»: زاد في رواية الشيخين: ”من شيء من الأشياء في سبيل الله“، أي في مرضاته من أي باب من أبواب الخير. وقيل مخصوص بالجهاد، وعليه النسائي فإنَّه ذكر الحديث في كتاب الجهاد، وعلى الأوَّل صنيع المرتب رحمه الله تعالى، حيث ذكر الحديث في فضل الصدقة. ومعنى الزوجين: الشفعُ من جنسٍ مثل خفَّين أو نعلين وما كان من زوجين فهو مثلهما، فالمراد من الزوجين الاثنان من جنس واحد، وهذا التفسير ذكره النسائي في رواية له عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ”ما من عبد مسلم ينفق من كلِّ ماله زوجين في سبيل الله إِلاَّ استقبلته حجَبَةُ الجنَّة، كلُّهم يدعوه إِلىَ ما عنده“، قلت: وكيف ذلك؟ قال: ”إن كانت إبلا فبعيرين، وإن كانت بقرا فبقرتين“. (3/101)
صفحة 662
قوله: «نودي في <2/84> الجنَّة»: في رواية الشيخين: ”دعي من أبواب الجنَّة“، أي دعته الخزنة من جميع أبوابها، ومعنى رواية المصنِّف: أي ينادى في الجنَّة بقوله: يا عبد الله هذا خير، يعني أنَّه يشهَّر بذلك إعلاما بفعله الحسن، ورفعا لدرجته، ثمَّ يدعى إِلىَ الجنَّة من الباب الذي هو من أهله.
وقوله: «هذا خير»: أي فعلٌ، والمراد به ثواب ما أنفق من الزوجين، وقيل معناه هذا خير من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم، وبه تظهر الفائدة.
قوله: «فمن كان من أهل الصلاة»: أي مِمَّن يكثر النفل، وقيل المراد مِمَّن يحسن الصلاة.
قوله: «دعي من باب الصلاة»: وهو أفضل الأبواب، فيقال له: يا عبد الله أدخل الجنَّة من هذا الباب“.
قوله: «ومن كان من أهل الصدقة»: أي مِمَّن يكثرها لوجه الله.
وقوله: «من باب الصدقة»: أي من الباب الذي يسمَّى بذلك، ويختصُّ به المعروفون بالتصدق.
وقوله: «ومن كان من أهل الصوم»: أي مِمَّن يكثر صوم النفل أو مِمَّن يحسن الصوم.
وقوله: «دعي من باب الريَّان»: بفتح الراء وتشديد التحتانية، فعلان من الريِّ اسمُ باب من أبواب الجنَّة، يختصُّ بالدخول منه الصائمون، وهو مِمَّا وقعت المناسبة فيه بين اللفظ ومعناه، لأنَّه مشتقٌّ من الريِّ وهو مناسب لحال الصائم، واكتفى بذكر الريِّ عن الشِّبع لأنَّه يدلُّ عليه من حيث أنَّه يستلزمه أو لكونه أشقُّ على الصائم من الجوع، وفي رواية لأحمد: ”لِكُلِّ أهل عملٍ باب يُدعون منه بذلك العمل“، وفي رواية الشيخين: ”وللجنة أبواب“ أي ثمانية كما في الأحاديث الصحيحة، وكلّ باب منها يسمَّى بباب عبادة من أمهات الطّاعة يدخل منها من غلب عليه تلك العبادة، ومن استكثر منها كلّها بوصف الزيادة دعي من جميع الأبواب الواردة تكريما لأرباب الرفادة. (3/102)
صفحة 663
قوله: «ما على من يدعى»: إلخ، ”ما“ نافية، و”من“ في قوله «من ضرورة» زائدة وهي اسم ما أي ليس ضرورة واحتياج على من يدعى من جميع الأبواب لحصول المقصود، وهو دخول <2/85> الجنَّة، وهذا تمهيد للسؤال في قوله: «فهل يدعي أحدٌ من هذه الأبواب كلّها»، فأجابه بقوله: «نعم»، أي يكون جماعة يدعون من جميع الأبواب تعظيما وتكريما لهم لكثرة صلاتهم وصدقتهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير.
قوله: «أن تكون منهم»: وإنَّما رجا له ذلك لأنَّه كان جامعا لهذه الخيرات كلّها، والله أعلم.
ما جاء في فضل صدقة السر
قوله: «سبعة يظلهم الله»: الحديث تقدَّم شرحه في باب الولاية والإمارة، والغرض من ذكره هنا قوله: «ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، وفي الرواية المتقدِّمة: ”ما أنفقته يمينه“، وهو مبالغة في الإخفاء، فمن أخفى صدقته ابتغاء وجه الله تعالى استحقَّ هذه الفضيلة، وهو أنَّه تعالى يُظله في ظله يوم لا ظل إِلاَّ ظله. وروى أحمد عن مرثد ابن عبد الله قال: حدثني بعض أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ”إنَّ ظل المؤمن يوم القيامة صدقتُه“، وهذا إن أراد به صدقة السر فهو مطابق لحديث المصنِّف، وعليه فالمعنى أنَّ صدقته في الدُّنيا سبب لظله في القيامة، وإن أراد مطلق الصدقة فالظل في حديث الباب ظلٌّ خاص، وهو في حديث مرثد ظل صدقته التي أسداها إِلىَ الناس بأن تتجسد صدقته فتظله، أو يجعل ثوابها ظلها، والله أعلم.
ما جاء في الصدقة من المال الحلال
قوله: «ومن طريقه»: يعني أنس ابن مالك بالسند المتقدِّم. (3/103)
صفحة 664
قوله: «المال الحلال»: هو <2/86> الذي أخذه بحقه من إرث أو هبة أو ضرب في الأرض أو غنيمة في جهاد، وقد راعى في أخذه ووضعِه أوامرَ الله تعالى والتزم شروطه وأدى حقوقه، فذلك المال هو الذي يروح بصاحبه إِلىَ الجنَّة، أي يكون سببا لدخوله فيها بأداء الحقوق والتطوع بالصدقات والإحسان إِلىَ الأقارب والأجانب، وإنَّما ذكر الحديث في هذا الباب إشارة إِلىَ أن فضل الصدقة المذكور في الأحاديث المتقدمة إِنَّمَا يحصل لمن تصدَّق من المال الحلال، كما صرحت به رواية أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما. قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”من تصدق بعدل تمرة من كسبٍ طيِّبٍ ولا يقبل الله إِلاَّ الطيِّب فإنَّ الله يتقبلها بيمينه ثمَّ يُربيها كما يربِّي أحدكم فلُوَّه حتَّى تكون مثل الجبل“، والحديث يدلُّ على مدح الغنى إذا كان من حلال وأُخرِجت منه الحقوق، وفي حديث أبي ذر عند مسلم أن ناسا من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قالوا للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم... الحديث، فأقرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قولهم ذلك. والدثور بمثلَّثة: الأموال الكثيرة، والأجور: الدرجات الزائدة في الثواب بسبب زيادتهم بالتصدق.
قوله: «رائحٌ»: فاعلٌ من راح بمعنى صار، وفسره الربيع بقوله: يروح أي يصير، إشارة إِلىَ أن اسم الفاعل هنا للاستقبال، وفيه الردُّ على من رواه بالباء الموحدة في حديث أبي طلحة الآتي، وقوله في حديث أبي طلحة هو الحديث الذي سيأتي ذكره في أوَّل الباب الآتي، وقوله الذي قدمنا ذكره يدلُّ على أنَّه كان مُقَدَّمًا في وضع الربيع، وإنَّما أخرَّه المرتب ولم يغيِّر عبارة المصنِّف بل أبقاها على ما هي ليُفهم منها أنَّه كان مُقَدَّمًا، والله أعلم.
الباب الستون في أفضل ما يُتصدَّق به، والبركة في الطعام (3/104)
صفحة 665
<2/87> قوله: «في أفضل ما يُتصدَّق به، والبركة في الطعام»: ذكر في المعنى الأوَّل حديثين أحدهما حديث أنس في تصدُّق أبي طلحةَ بأحب أمواله إليه، وهو بَيرحَاء، والثاني حديث أبي هريرة في المنيحة الصفي، وذكر في المعنى الثاني حديثا واحداً وهو حديث أنس في أقراص من شعير أشبعت سبعين رجلاً ببركة صلَّى الله عليه وسلَّم.
ما جاء فيمن تصدَّق بأحب ماله، وأنَّ أفضل الصدقة في الأقارب
قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا الشيخان ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم.
قوله: «كان أبو طلحة»: هو زيد بن سهل الأنصاري، وكان زوج أم أنس أم سليم، وقد تقدَّم ذكره في الجزء الأوَّل.
قوله: «بَيْرَحَاء»: بفتح الموحدة وسكون الياء وفتح الراء والحاء المهملة، وقال ابن الأثير: هي اسم مال وموضع بالمدينة، قال: وهذه اللغة كثيراً ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون ”بير حاء“ بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمِّها والمد فيها، وبفتحها والقصر. قال ابن حجر: وفي رواية حمَّاد ”بَرِيحا“ بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، قال: وفي سنن أبي داود ”باريحا“ مثله لكن بزيادة ألف، وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور، وكذا جزم الصاغاني وقال: إنَّه فيعُلى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنَّها بئر من آبار المدينة فقد صحَّف، وقال غيره البراح المكان الذي لا سترة فيه من شجر أو غيره، كأنَّها زالت، قال: وبيرحا فيعلى منه، وهي بستان لأبي طلحة الأنصاري بالمدينة. وقيل: حاء اسم رجل أضيف إليه البئر، وقيل: الإضافة بمثل حرف الهجاء. وعلى هذا فحركات الإعراب في الراء، وأنكره بعضهم.
قوله: «مستقبلة المسجد»: أي مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، واستقبالها <2/88> إيَّاه من كمال شرفها، هو من أعظم دواعي الرغبة فيها. (3/105)
صفحة 666
قوله: «يدخلها ويشرب من مائها»: هاتان الخصلتان من كمالها أيضًا، أمَّا أوَّلاً: فلأنها مِمَّا يُرغب فيها، إذ لو لم تكن كذلك ما رغِب فيها المصطفى عليه صلاة الله وسلامه، وأمَّا ثانيا: فإنَّ المسلمين يلتمسون البركة من آثاره صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: «وهو طيِّب»: أي حلوٌ حلال لا شبهة فيه .
قوله: «{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ}» [البقرة:92]: أي لن تكونوا أبراراً حتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون، قاله الحسن وقيلّ: البرُّ التقوى، وقيل الطّاعة، وقيل الخير، وقيل الجنةَّ، وهذا القول يروى عن ابن مسعود وابن عبَّاس ومجاهد
قوله: «برها وذخرها»: أي خيرها ونتيجتها المدَّخرة وفائدتها المنتظرة، يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيويَّة الفانية بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية عند الله.
قوله: «فضعها»: أي فاصرفها حيث شئتَ من وجوه البرِّ. وفي رواية الشيخين: ”حيث أراك الله“.
قوله: «بخٍ بخٍ»: بفتح الباء وسكون المعجمة وكسرها مع التنوين وبدونه، وبضمها منوناً وبتشديدها مضمومًا ومنوَّنا. وقيل: إن وُصلت خفضت ونوِّنت، وكررها للمبالغة، وهي كلمة يقولها المتعجِّب من الشيء، وتقال عند المدح والرضا بالشيء.
قوله: «مال رائح»: بالياء المهموزة من الرواح بمعنى الصيرورة، وقد وقع تفسيره في الحديث عند المصنِّف بقوله: «يروح بصاحبه إِلىَ الجنَّة»، وهي زيادة تفرَّد بها، ويحتمل أنَّها من الراوي فاندرجت في الحديث بسقوط الفاصل، وقيل: معناه رائح عليها أجره، وقيل: معناه أنَّ مسافته قريبة، وذلك أنفس الأموال، وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدوبه، واكتفى بالرواح عن الغدو، وفي بعض الروايات عند قومنا: ”ذلك مالٌ رابح“ بالموحدة أي ذو ربح ، كَلاَبِنٍ وتامِرٍ كان ذا لبن وتمر“، وقيل: فاعل فيه بمعنى مفعول أي مربوح، وادَّعى الإسماعيلى أنَّ من رواها بالتحتانية فقد صحَّف، وأشار المصنِّف إِلىَ <2/89> عكسه فيما تقدَّم. (3/106)
صفحة 667
قوله: «وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين»: يعني أقارب أبي طلحة، وفيهم الفقراء والمساكين، وإنَّما رآى ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ فيه الجمع بين الصدقة والصلة، وفي حديث سلمان بن عامر عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة“، وروى الشيخان: عن ميمونة بنت الحارث أنَّها أعتقت وليدة في زمان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فذكرت ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ”لو أعطيتها أخوالكِ كان أعظم لأجرك“.
قوله: «أفعل يا رسول الله»: بصيغة المضارع، أي امتثل ما أشرت به إِلىَ.
قوله: «في أقاربه وبني عمِّه»: عمومٌ يحتمل التخصيص، وقد وقع في رواية لمسلم وغيره أنَّه قسمه بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب، والله أعلم.
ما جاء في المنيحة
وقوله: «عن أبي هريرة الحديث»: روى الشيخان معناه، ولفظه عندهما: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”نِعم الصدقة اللِّقحة الصفيُّ منحة والشاة الصفيُّ منحة تغدو بإناء وتروح بالآخر“. واللِّقحة: بكسر اللام، ويجوز فتحها؛ الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالنتاج.
قوله: «نِعم الصدقة المنيحةُ»: فعيلةٌ بمعنى مفعولة، وهو اسم لما يمنح من شاة أو ناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثمَّ يردها إذا انقطع، وتسمى أيضًا المنحةُ بالكسر، وهذا الاسم في الأصل كان مختصا بها ثمَّ كثر استعماله حتَّى أطلق على كلّ عطاء، والصفيُّ: على وزن غني غزيرة اللبن من الشاة أو ناقة، جمعها صفايا، قال سيبويه لا تجمع بالألف والتاء لأنَّ الهاء لم تدخل <2/90> في حدَّ الإفراد، ويقال أيضًا للنخلة الكثيرة الحمل صفيٌّ، وإنَّما مدح التصدق بالمنيحة الصفيِّ لما فيها من حصول المنفعة التامَّة لما يراد منها. (3/107)
صفحة 668
وقوله: «تروح بإناء وتغدو بآخر»: أي يُحلب من لبنها ملء إناء وقت الرواح وملءَ إناء آخر وقت الغدو، والجملة صفةٌ مادحة للمنحة، أو استئناف جواب عمَّن سأل عن سبب كونها ممدوحة، ولعلَّ بعض أسخياء العرب كانوا يذمون هذه العطية لأنَّها مخالفة لطبع الكرام على طريق السجية، فمدحها ردًّا عليهم بأنَّ ما لا يدرك كلُّه لا يترك كله، وأنَّ القليل له أجرٌ جزيل وثناء جميل، أو أنَّه ذكره إشارة إِلىَ أن أفضل الصدقة ما كان أكثر منفعة، وأنَّ أفضل ذلك أدومه، والله أعلم.
ما جاء في البركة في الطعام
قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم.
قوله: «أبو طلحة»: هو الأنصاري زوج أم سليم أم أنس.
قوله: «لأم سُليم»: بضمِّ السين المهملة هي أمُّ أنس، وقد تقدَّم ذكرها، وذكر زوجها أبي طلحة وابنها أنس فهو ربيب أبي طلحة.
قوله: «قد سمعت صوت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم».. إلخ: ظاهر كلام المواهب أنَّ هذه القصَّة كانت في غزوة الخندق.
قوله: «ضعيفا»: أي واهيا، والضعف خلاف القوَّة والصحَّة.
قوله: «هل عندك من شيء»: أي من المأكول ولو قليلا.
قوله: «أقراصا»: جمع قُرص مثل قُفل وأقفال، وهو قطع صغار من الخبز، يقال: قرصتا العجين بالتثقيل إذا قطعته قرصا قرصا، و«الخِمار»: بكسر الخاء <2/91> المعجمة ثوب تغطِّي به المرأة رأسها، والجمع خُمر مثل كِتاب وكُتب.
قوله: «فلفت الخبز»: أي جعلته في بعض الخمار وجمعت جوانبه عليه.
قوله: «ودسَّته»: أي أخبته وأخفته. (3/108)
صفحة 669
قوله: «وردتني ببعضه»: أي ببعض الخمار، يعني أنَّها لفَّت الخبز في بعض الخمار، وجعلت باقية على أنس كالرداء، وفي رواية عند قومنا: ولا تثني ببعضه، بالثاء المثلثة أي عمَّمَتني ببعضه، وقيل: معناه لفَّفتني به، مأخوذ من اللوث وهو لفَّ الشيء بالشيء، وإدارته عليه، وفيه دلالةٌ على قلَّة الخبز حيث دُسَّ تحت يد أنس وهو صبي، وكذلك يدلُّ على قلته التعبيرُ عنه بالأقراص، وجعله في بعض الخمار مع اشتمال أنس بسائره، وفي إخفائه إشارةٌ إِلىَ ما كانت عليه مكارم أخلاقهم، فإنَّهم كانوا يتحرَّجون من الاستبداد بالشيء الذي تقع عليه عين الغير، ويلتزمون مواساته منه أو إيثاره به إذا رأته عينه، والحال أنَّ في الخبز قِلَّة لا يسع المواساة، وقد أوثر به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلا فضل فوقه حتَّى يوثر به.
قولُه: «في المسجد»: قيل المراد بالمسجد الموضع الذي أعدَّه النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق.
قوله: «أرسلك»: بهمزة مقدَّرة، وقيل بهمزة ممدودة للاستفهام، أي أبعثك إِلىَ أبو طلحة، فقلت: نعم أي بعثني إليك أبو طلحة، وهو لا ينافي إرسال أمِّه لأنَّ مؤداهما واحد ومآلهما متحد، ولعلَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عدل عن ذكرها احتشاما أو لأنَّ أبا طلحة هو الباعث الأوَّل. (3/109)
صفحة 670
قوله: «أبطعام»: أي أرسلك بطعامٍ ومزيد البحث للاطلاع على الحقيقة، لأنَّ الرَّسول صبيٌّ قد لا يحسن التبليغ، وفيه الحثُّ على التثبيت في الأمور والاستفسار عمَّا أَبهم، ويدلُّ على إجابة الداعي ولو كان على لسان صبيٍّ وفي دخول الباء عليه إشارة إِلىَ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قد علم أنَّ الطعام أرسل به أنس وأنَّه حاضر معه لكنَّه أراد بقيامه والجماعة معه أن يظهر لأهل البيت البركة، فلهذا قال <2/92> لمن معه ”قوموا“، وقال ابن حجر: ظاهره أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم فهم أنَّ أبا طلحة استدعاه إِلىَ منزله فلذا قال لمن حوله: ”قوموا“، وَأَوَّلُ الكلام يقتضي أنَّ أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس، فيُجمع بأنَّهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس، استحى، وظهر له أن يدعو النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم ليقوم معه وحده إِلىَ المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك على رأي من أرسله عهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم خشية أن لا يكفيهم ذلك الشيء وقد عرفوا إيثار النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وأن لا يأكل وحده، ورُدَّ بأن هذا الكلام كلُّه غير مستقيم على المنهج القويم، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمَا عرف بنور الوحي أنَّ أبا طلحة أرسل أنسًا بطعامٍ وأخبره به، كيف يفهم أنَّ أبا طلحة استدعاه إلى منزله. (3/110)
صفحة 671
ثمَّ قوله: ”وأوَّل الكلام يقتضي“ إلخ، ليس في محلِّه لأنَّه صريح في ذلك المرام، ثم لا دلالة للاستحياء والاستدعاء المنسوبين لأنس لأنَّه ليس له تصرُّف في ذلك، ولا على رأي من أرسله لأنَّه لو كان بأمر أبي طلحة لما حصل له فزع واضطرابٌ لمَّا أتى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم إليه، فالصواب أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أراد إظهار المعجزة، وهو إشباع جمعٍ كثير بخبزٍ قليل مع أنسٍ وأمِّه، ليحصل لهم بركة عظيمة بحسن نيَّتهم وإخلاص طويتهم وآداب خدمتهم.
قوله: «فانطلقنا»: في رواية الشيخين قال أنس: ”فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته“، وفيها بيان لتقدم أنس بين أيديهم كهيئة الخادم والمضيِّف ولإيصال الخبر، ويدلُّ على هذا قوله: ”فأخبرته“. وقول أبي طلحة: ”يا أمَّ سليم“ إلخ، وقوله: ”بالناس“، أي معهم.
قوله: «وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم»: أي غير ما أرسلناه إليه، ومعه جمعٌ من الناس فكيف نقدِّم لهم شيئًا قليلاً. زاد في رواية الشيخين: ”فقالت: الله ورسوله أعلم فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم“، فأقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم <2/93> وأبو طلحة معه، وفي قولها: ”الله ورسوله أعلمُ“ منقبة عظيمة ودلالة على عظم دِينِها ورجحان عقلها وقوَّة يقينها، تعني أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم علم قدر الطعام وهو أعلم بالمصلحة، ولو لم يعلم المصلحة لما فعلها.
قوله: «ما عندكِ»: يعني أي شيء عندك، وفي رواية الشيخين: ”هلمي يا أم سليم ما عندك“، أي عجلي في إحضاره.
قوله: «ففُتِّتَ»: بصيغة المجهول، أي جُعل فتيتا، أي قطعا صغاراً، وعصرت عليه أم سليم عكة، و«العُكَّة»: بضمِّ فتشديد قربة صغيرة، وقيل وعاءٌ من جلد مستدير ويختصُّ بالسمن والعسل وهو بالسمن أخصُّ.
قوله: «فأَدمته»: بفتح الهمزة أي جعلت ما خرج من العكة وهو السمن إدامًا لذلك الفتيت. (3/111)
صفحة 672
قوله: «على الطعام ما قال»: وفي رواية الشيخين: ثمَّ ”قال رسول صلَّى الله عليه وسلَّم فيه ما شاء الله أن يقول“ أي من الدعاء أو الأسماء، وفي رواية ”ثمَّ قال باسم الله اللهمَّ أعظم فيهما البركة“، يعني الخبز والإدام، وفي رواية: ”فقال هل من سمن فقال أبو طلحة قد كان في العكة شيء فجاء بها فجعلا يعصرانها حتَّى يخرج ثمَّ مسح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القرص فانتفخ وقال: بسمِ اللهِ فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتَّى رأيت القرص في الجفنة يتسع“، وفي رواية: ”فجئت بها ففتح رباطها ثمَّ قال: بسمِ اللهِ اللهمَّ أعظم فيها البركة“.
قوله: «ائذن لعشرة»: الظاهر أنَّ المأمور بذلك أنس ويحتمل أنَّه أبو طلحة أو غيره، وإنَّما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم فإنَّ القصعة التي فيها الطعام لا يتحلَّق عليها أكثر من عشرة، إِلاَّ بضرر يلحقهم لبعدها عنهم. وقيل: إِنَّمَا فرَّقهم لأنَّ الجمع الكثير إذا نظروا إِلىَ طعام قليل يزداد حرصهم إِلىَ الأكل ويظنون أنَّ ذلك الطعام لا يشبعهم، والحرصُ يمحق البركة. قيل: ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام خاف منهم أن يؤثِر بعضهم بعضا أو يستحيوا من الأكل الكثير لقلَّة الطعام وكثرة الناس. وقيل: فرَّقهم لضيق المنزل.
قوله: «ثمَّ أَذِن»: بكسر المعجمة على صيغة الماضي، أي أطلق، <2/94> وأباح الدخول لعشرة“والفاعل النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم بواسطة رسوله، وفي رواية الشيخين: ”ثمَّ قال إئذن لعشرة ثمَّ لعشرة، فأكل القوم كلُّهم وشبعوا“. (3/112)
صفحة 673
قوله: «وكانوا سبعين رجلا»: وفي رواية عند الشيخين: ”والقوم سبعون أو ثمانون رجلا“، وفي رواية لمسلم أنَّه قال: ”إئذن لعشرة فدخلوا فقال: كلوا وسَمُّوا الله، فأكلوا حتَّى فعل ذلك بثمانين رجلا ثمَّ أكل النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وأهل البيت وترك سؤراً“. وفي رواية للبخاري: ”قال أدخل علي عشرة حتَّى عدَّ أربعين ثمَّ أكل النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فجعلت أنظر هل نقص منها شيء“. وفي رواية لمسلم: ”ثمَّ أخذ ما بقي فجمعه ثمَّ دعا فيه بالبركة فعاد كما كان فقال: دونكم هذا“، وجمع بين الروايات بأنَّ الناس الذين جاءوا مع النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا أربعين ثمَّ لحقهم ثلاثون ثمَّ عشرة، ثمَّ زادوا قليلا فأخبر كلُّ راو عمَّا شاهد أو سمع، واللاحقون إمَّا أن يكونوا مع الناس الذين جلسوا مع النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم عند دعاء أنس له فتخلَّفوا لبعض شأنهم ثمَّ لحقوا، وإمَّا أن يكونوا غير حاضرين لكن استدعاهم صلَّى الله عليه وسلَّم لذلك فحضروا، والله أعلم.
الباب الحادي والستون من تكره له الصدقة والمسألة (3/113)
صفحة 674
قوله: «من تكره له الصدقة والمسألة»: أي سؤال الناس، وقد ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها فيمن تكره له الصدقة، أي الزكاة، والآخران في كراهية السؤال. والمراد بالكراهة في الموضعين التحريم على حدَّ قوله تعالى بعد ذكر جملة من الكبائر <2/95> {كُلُّ ذَالِكَ كَانَ سَيِّئَةً عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء:38]، وفي الصحيح: ”إن الله عزَّ وجلَّ وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال“، وكان السلف يستعملون الكراهة في معناها الذي استعمل فيه كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله، ثمَّ حمل من حمل منهم كلام السلف على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك، وأقبح منه غلطا من حمل لفظ الكراهة أو لفظًا لا ينبغي في كلام الله تعالى ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعًا وقدرا، والمستحيل عقلا كقوله تعالى: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَّتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم:92]”، وقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس:69]، وقوله: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ} [الشعراء:210، 211]، وقوله على لسان نبيئه: ”كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له“، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام“، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في لباس الحرير: ”لا ينبغي هذا“، فالواجب التنبُّه لهذه النكتة، فإنَّها مزَلَّة الأقدام وقد انجر بنا الكلام بالاستطراد في ذكرها لعظم خطرها، والله أعلم.
ما جاء في من لا تحلُّ له الصدقة (3/114)
صفحة 675
قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود والدار قطني عن عبد الله بن عمر، ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة، إِلاَّ قوله: ”ولا لمتأثل مالا“، فإنَّها زيادة تفرَّد بها المصنِّف رضوان الله عليه.
قوله: «لا تحلُّ الصدقة»: أي الزكاة المفروضة فإنَّها حرامٌ على الغني لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} الآية [التوبة:60]، وقد اختلف العلماء في حدَّ الغنى الذي لا تحلُّ معه الصدقة، واختار في القواعد ما ذهب إليه بعض أصحابنا، من لم يكن له مال يكفيه <2/96> هو وعياله لنفقتهم وكسوتهم ومؤنتهم إلى الحول فهو فقير، ويأخذ الصدقة، ثمَّ اختلفوا، فمنهم من اعتبر في ذلك قيمة الأصل ما لو باعه ما خلا بيتا يسكنه وخادما يخدمه، ومنهم من قال لا يُنظر في ذلك إلى القيمة وإنَّما ينظر إلى الغلَّة، ولا بدَّ من صرف ما لا يحتاج إليه،وقال بعضهم إذا كان من أهل القرار وله بيت يسكنه وخادم يخدمه وجنان يأكل منه الثمار أيَّام الغلة وله دابة يركبها وله قوت سنة وليس عليه دين فلا يأخذ الزكاة، وإن كان من أهل البادية وكان له بيت يسكنه وحمولة يحمل عليها ثقله ودابة يركبها وخادم يخدمه وغنم يحلبها وعنده قوت سنة ولم يكن عليه دين فإذا اجتمعت عنده هذه المعاني فلا يأخذ الزكاة، ومنهم من حرر المقام فقسم الغنى ثلاثة أقسام: غنى يوجب الزكاة؛ وهو ملك نصاب حول تامٍّ، وغنى يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية؛ وهو ملك ما يبلغ فيه نصابٌ من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية, وغنى يحرم السؤال دون الصدقة؛ وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته. (3/115)
صفحة 676
قوله: «ولا لذي مِرَّة سوي» المرَّة بكسر الميم وتشديد الراء القوَّة، «والسويُّ»: صحيح البدن تامّ الخلقة. وقال الربيع: ذو المرة السوي القوي المحترف، أي القادر على الاحتراف، وهو السعي في كسب المعيشة، وقيل: في معناه لا تحلُّ الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة، وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله، وقيل: المعنى ولا لذي عقل وشدَّة وهو كناية عن القادر على الكسب. وقيل: في الحديث نفي كمال الحلِّ لا نفس الحلِّ، والمعنى أنَّ تركها أولى وهو خلاف الظاهر. وقيل: المعنى لا تحلُّ له بالسؤال، وهو مع بعده أقرب مِمَّا قبله، وقيل: لا تحلُّ له إذا كان متأثلا بها مالاً أي جامعًا له، وأمَّا إذا احتاج إليها في طلب علم أو معيشة فلا بأس، وقيل: يأخذها ليقضي ما عليه من دين أو تباعة أو كفَّارة. وقيل: يأخذها أيضًا ليتزوج بها أو يتسرى إذا احتاج إلى ذلك، وليس له مال يستغنى به، ولا يأخذها ليبني بها مسجدًا، ولا لأكفان موتى، ولا لإصلاح الطرق، ولا ليطعم بها الأضياف، ولا ليحج بها نافلة، ولا ليزوج بها أولاده، ولا ليصل بها قرابته، والأصل في هذا أنَّ <2/97> الله إِنَّمَا أباح الزكاة لمن احتاج إليها أمَّا لمعيشة لا بدَّ له منها وأمَّا لقضاء دين يجب عليه قضاؤه. (3/116)
صفحة 677
قوله: «ولا لمتأثل مالا»: قال الربيع المتأثل الجامع للمال، وفي المختار التأثُّل اتخاذ أصل مال، قال وفي الحديث في وصيِّ اليتيم أنَّه يأكل من ماله غير متأثل مالاً، والمعنى: أنَّ الصدقة لا تحلُّ لمن يتَّخذ الأصول ويجمع الأموال لأنَّ الله تعالى قد شرعها لأصناف مخصوصين لا تحلُّ لغيرهم، ولو حلَّت لمن يجمع الأموال ويتأصَّلها لأفضى ذلك إلى استبداد الأغنياء بها، وقد اختلف الناس في قدر ما يجوز للفقير أخذه منها؛ فمنهم من بالغ في التضييق حتَّى أوجب الاقتصار على قوت يومه وليلته، ومنهم من بالغ في التوسيع فأجاز أن يأخذ إلى حد الغنى وهو نصاب الزكاة، وقالوا: له أن يأخذ لنفسه ولكل واحد من عياله نصاب الزكاة، ومنهم من قال: له أن يأخذ مقدار ما يشتري ضيعة فيستغني طول عمره أو يهيئ بضاعة ليتَّجر فيها ويستغني لأنَّ هذا هو الغنى، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ”خير الصدقة ما أبقت غنى“، وقال عمر رضي الله عنه: إذا أعطيتم فأغنوا، وقال قوم: من افتقر فله أنَّ يأخذ مقدار ما يعود به إلى مثل حالته، ولو كان عشرة آلاف درهم إِلاَّ إذا خرج عن حدَّ الاعتدال، والأقرب إلى الاعتدال أن يأخذ ما يكفيه سنة، وفيما وراءها نظر، وفيما دونها تضييق، ويقال للورِع استفتِ قلبك وإن أفتوك، وأقوال التوسيع لا ينافيها الحديث على تفسير الربيع ”المتأثل“ بالجامع، لحصول الفرق بين المستغني بالمال وبين الجامع له، فإنَّ الجمع شيء فوق الغنى، وينافيها على تفسير التأثل بالتأصل كما في المختار فيحتاج المجتهد في ترجيح الأقوال إلى التماس المرجح من خارج، والله أعلم.
ما جاء في التنفير عن المسألة (3/117)
صفحة 678
قولُه: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم وفي أُسْد الغابة قال: <2/98> أبو سعيد قتل أبي يوم أُحد شهيدا وتركنا بغير مال فأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أسأله شيئًا فحين رآني قال: ”من استغنى أغناه الله ومن يستعفف أعفَّه الله“، قلت: ما يريد غيري فرجعت. وروى النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدلُّ على أنَّ أبا سعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيءٍ من معانيه، وخوطب أيضًا حكيم بن حزام ببعض ذلك.
قوله: «ناس من الأنصار»: أي جماعة منهم، قال ابن حجر لم تعين أسماؤهم.
قوله: «حتَّى نفِدَ»: بكسر الفاء والدال المهملة أي فني وفرغ.
قوله: «ما يكون عندي من خير»: أي مال، ومن بيان لمَا، و«ما» خبريَّة متضمنة للشرط أي كلّ شيء من المال موجود عندي أعطيكم فلن أدخره عنكم، ومعنى «أدَّخِرُه»: أخبؤه وأحبسه وأمنعكم إيَّاه منفردا به عنكم، وفيه إشعار بما كان عليه من السخاء، وفيه إعطاء السائل مرتين، وفيه اعتذار إلى السائل عند العدم، وفيه الحضُّ على التعفف وجواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتَّى يأتيه رزقه بغير مسألة، وفيه أنَّ سؤال السلطان ليس بعارٍ، وفيه جواز الردِّ بعد الثلاث.
قوله: «ومن يستعفف»: أي يطلب لنفسه العفَّة عن السؤال أو يطلب العفَّة من الله تعالى.
قوله: «يَعفِفه الله»: وفي بعض النسخ يُعفَّه بالإدغام، وهي موافقة لرواية الشيخين، والمعنى يجعله الله عفيفا من الإعفاء، وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي، يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى.
قوله: «ومن يستغن»: أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتَّى يحسبه الجاهل غنيا من التعفف.
وقوله: «يغنه الله»: أي يجعله غنيا، يعني غني القلب، وفي الحديث: ”ليس الغني عن كثرة العرض إنَّما الغنى غنى النفس“. (3/118)
صفحة 679
قوله: «ومن تصبَّر»: وفي رواية الشيخين: ”يتصبَّر“ أي يطلب التوفيق على الصبر من الله تعالى أو يحمل نفسه على الصبر ويتكلف مشاقه وهو تعميمٌ بعد تخصيص، لأنَّ الصبر يشتمل على الصبر على الطّاعة وعن المعصية وعلى البلايا، والصبر عن السؤال وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس بأنَّ يتجرَّع مرارة <2/99> ذلك، ولا يشكوا حاله لغير ربه.
وقوله: «يصبِّره الله»: بالتشديد، أي يسهل عليه الصبر.
قوله: «وما أعطي أحد عطاء هو خير له وأسمع من الصبر»: يعني أنَّ الصبر نعمة لا يفوقها شيء مِمَّا يعطي العبد، لأنَّ مقام الصبر أعلى المقامات، لأنَّه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قُدِّم على الصلاة في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45]، ومعنى كونه أوسع أنَّه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد، فإن قيل: الرضا أفضل منه كما صرحوا به، أجيب: بأنَّ الرضاء غاية الصبر التي لا يعتد به إِلاَّ معها، فليس أجنبيا عنه كما يرشد إليه قوله تعالى:{اِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44]، إذ المراد به في حقه، ونحوه ما يكون معه رضًا وإلاَّ فهو مقام ناقصٌ جدًّا وفي هذا المعنى قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور:48]، { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ } [النحل:128]، والله أعلم. (3/119)
صفحة 680
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث، روى البخاري ومسلم وأحمد معناه، ولفظه عندهم: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ”لئن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدَّق منه ويستغني به عن الناس خيرٌ له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه“. وأخرج البخاري عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لأنَّ يأخذ أحدكم حبله فيأتي حزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفي الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه“.
قوله: «والذي نفسي بيده»: إِنَّمَا أقسم صلَّى الله عليه وسلَّم ليتأكد هذا المعنى في نفس السامع، وفيه ثبوت الحلف على الشيء المقطوع بصدقه.
قوله: «ليأخذ أحدكم»: قال المُحشِّى هكذا فيما رأيناه من النسخ بلام داخلة على المضارع، ولعلَّه ”لأنْ يأخذ“ بلام داخلة على أن المصدريَّة، كما في البخاري، فتُسبك مع ما بعدها بمصدر يكون مبتدأ خبره قوله: ”خير من أن يأتي“ إلخ، والجملة الاسميَّة جواب القسم. قال ويحتمل أن يكون قد حذفت منه أن الناصبة للمضارع على حدِّ: {وَمِنَ ايَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الروم:24]، وقولهم: تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه، والله أعلم.
وقوله: «حبلا فيحتطب على ظهره»: الحبلُ معروف، والاحتطاب جمع الحطب، وقوله: «على ظهره» <2/100> متعلِّق بمحذوف، أي فيحمله على ظهره، أو متعلِّق بيحتطب، والمعنى فيجمع الحطب في الحبل على ظهره، وفيه جواز الاحتطاب لكلِّ أحد وإن عظم منصبه، وأنَّه خير من سؤال الناس وإن شقَّ على النفس.
قوله: «خير له»: عبَّر بصيغة التفصيل بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شرٌّ إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب. (3/120)
صفحة 681
قوله: «أتاه الله من فضله»: أي أعطاه مالا، والمراد الغنى أي الاحتطاب خير من سؤال الغني إن أعطاه الغني أو منعه، لأنَّ في كلا الجانبين شراً؛ فإن أعطاه كان الشرُّ في التذلُّل والأخذ، وإن منعه كان الشرُّ في تذلُّل السؤال وغمِّ المنع وذلِّه، وفي الحديث الحثُّ على التعفف والتنزه عن سؤال الناس، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكاب المشقة في ذلك ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذلِّ السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كلَّ سائل. (3/121)
صفحة 682
خاتمة في من تحلُّ له المسألة: أخرج مسلم عن قبيصة ابن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أسأله فيها فقال: ”أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها“، ثمَّ قال: ”يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحلُّ إِلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة حتَّى يصيبها ثمَّ يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتَّى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتَّى يقول ثلاثة من ذي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتَّى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سُحتٌ يأكلُّها صاحبها سحتًا“، وأخرج أحمد وأبو داود عن أنس عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ”المسألة لا تحلُّ إِلاَّ لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غُرم مُفظِع، أو لذي دم موجع“، و«الحمالة»: ما يتحملها الإنسان من الغرامة في إصلاح ذات البين ودفع البلاء عن المسلمين، و«الجائحة»: الآفة والحادثة المستأصلة، وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال، و«القوَام»: ما تقوم به بنيتهُ بدفع الضرورة عنه، و«السِّدادُ»: بالكسر، وهو ما يسدُّ به الفقر و«الفاقة»: الحاجة الشديدة، يشتهر بها بين قومه، و«الحِجى»:<2/101> بكسر الحاء وفتح الجيم، العقل الكامل، و«السُّحت»: بضمتين وبسكون ثانيه، هو الحرام الذي لا يحلُّ كسبه، و«الفقر المُدقع»: بضمِّ الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف، هو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء، وهي الأرض التي لا نبات بها، و«الغُرم»: بضمِّ الغين المعجمة وسكون الراء، هو ما يلزم أداؤها تكلفُّا لا في مقابلة عوض، و«المُفظِع»: بضمِّ الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة، الشديد الشنيع الذي جاوز الحد. (3/122)
صفحة 683
و«ذو الدم الموجع»: هو الذي يتحمَّل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، وإن لم يدفعها قُتل قريبه أو حميمُه الذي يتوجَّع لقتله وإراقة دمه، والله أعلم.
الباب الثاني والستون جامع الصدقة والطعام
قوله: «جامع الصدقة»: أي جامع لأحاديث تتعلَّق بها أحكام الصدقة والطعام.
ما جاء في مساهمة الجار
قوله: «بلغني»...: الحديث، روى البخاري ومسلم معناه من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”يا نساء المسلمات لا تحقرَنَّ جارةٌ لجارتها، ولو فِرسِن شاة“، والفِرسِنُ: بكسر الفاء والسين لحمٌ بين ظلفي الشاة، أريد بذكره المبالغة في تحقيره.
قوله: «يا نساء المؤمنات»: قيل في إعرابه ثلاثة أوجه: الأوَّل: نصبَ النساء وجرَّ المؤمنات على الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته، ويقدَّر عند البصرين موصوف أي نساء الطوائف المؤمنات والثاني: ضمَّ النساء على النداء ورفع المؤمنات اتِّباعا له على لفظه، والثالث: نصب المؤمنات مراعاة للمحل.
وقوله: «لا تحقِرَنَّ»: بفتح حرف <2/102> المضارعة وكسر القاف وبالنون الثقيلة، أي لا تستحقر إهداء شيءٍ والتصدُّق به.
قوله: «لجارتها»: متعلِّق بمحذوف تقديره الإهداء أو التصدُّق، والمعنى لا تستحقر ما تهديه لجارتها، وإن كانت هي فقيرة والجارة غنية أو من الأكابر. (3/123)
صفحة 684
قوله: «ولو كُراع شاة محرَّق»: أي ولو كان المتصدَّق به حقيرًا بالغا في الحقارة هذا المبلغ، والكُراع بضمِّ الكاف من الغنم والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس، وهو مستدقُّ الساعد، و«المُحرَق»: بضمِّ الميم وفتح الراء مخفَّفا، نعتٌ مقطوع إلى الرفع، لأنَّ الكراع منصوبٌ خبرًا لِكَان المقدَّرة بعد لو، ووقع رواية الموطأ: ”مُحرَقا“ بالنصب نعتا لكراع تابعا له في إعرابه، والكراع مؤنث فكان حقَّ النعت أن يؤنث إِلاَّ أنَّه وقع هكذا في رواية المسند والموطأ وغيرهما، وحكى ابن الأعرابي أنَّ بعض العرب يذكِّره، فلعل الرواية على تلك اللغة، والمعنى لا تمتنع أحداكن من الهدية أو الصدقة لجارتها احتقارًا للموجود عندها، وقيل: يجوز أن يكون الخطاب لمن أهدي إليهنَّ، فالمعنى لا تحتقرن أحداكن هدية جارتها بل تقبلها وإن كانت قليلة، وفيه حثٌّ على الهدية واستجلاب القلوب بالعيطة، والله أعلم.
ما جاء أنَّ طعام الإثنين كافي الثلاثة
قولُه: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا الشيخان ومالك والترمذي والنسائي.
قوله: «طعام الإثنين»: أي الطعام المعدُّ لشِبع شخصين.
قوله: «كافي الثلاثة»: أي يكفيهم لتقوِيتِهم به على وجه القناعة.
قولُه: «وطعام الثلاثة»: أي المهيأ لشِبعهم. (3/124)
صفحة 685
قوله: «كافي الأربعة»: أي يكفيهم لسدِّ الجوع ودفع الضرورة، وفي مسلم عن عائشة مرفوعا: ”طعام الواحد يكفي الإثنين، وطعام <2/103> الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية“، وفي ابن ماجه من حديث عمر: ”طعام الواحد يكفي الإثنين وطعام الإثنين يكفي الثلاثة والأربعة وأنَّ طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة“، قال المهلَّب: المراد بهذه الأحاديث الحضُّ على المكارم والتقنع بالكفاية، ومعنى كلامه ليس المراد الحصر في مقدار الكفاية وإنَّما المراد المواساة، وأنَّه ينبغي للإثنين إدخال ثالث في طعامهما وأربع أيضًا بحسب من يحضر، وعند الطبراني ما يرشد إلى العلَّة في ذلك وأوَّله: ”كلُوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الإثنين“ الحديث، فيؤخذ منه أنَّ الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع وأنَّ الجمع كلَّما كثر زادت البركة، وقيل: معناه أن يضع من بركته فيه ما وضع لنبيئه فيزيد حتَّى يكفيهم، قيل: وهذا إذا صحَّت نيتهم وانطلقت ألسنتهم به، فإن قالوا لا يكفينا قيل لهم البلاء مؤكل بالمنطق، واستشكل: بأنَّه أريد الإخبار عن الواقع فطعام الإثنين لا يكفي إِلاَّ إثنين وإن كان له معنى آخر فما هو؟، والجواب: من وجهين: أحدهما أنَّه خبر بمعنى الأمر أي أطعموا طعام الإثنين الثلاثة، والثاني أنَّه للتنبيه على أن ذلك يقوِّت الثلاثة لئلاَّ نجزع، وقيل أنَّ شرط الكفاية الاجتماع على الأكل، وأنَّ معنى الحديث طعام الإثنين إذا كانوا مفترقين كافي الثلاثة إذا أكلوا مجتمعين، وفي الحديث استحباب الاجتماع على الطعام، وأن لا يأكل المرؤ وحده، وفيه أيضًا إشارة إلى أنَّ المواساة إذا حصلت حصل معها البركة، وأنَّه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء بمعنى حصول قيام البنية لا حقيقة الشبع، والله أعلم.
ما جاء في التصديق بأول الثمرة (3/125)
صفحة 686
قوله: «ومن طريقه»: يعنى أبا هريرة بالسند المتقدِّم، والحديث رواه أيضًا مالك ومسلم وطولا وهو عند المصنِّف مختصر.
قوله: «كان الناس»: يعني أهل المدينة ، و«الثَّمَرَة»: بفتح المثلثة والميم <2/104> معروفة، وأولها هو السابق في النضاج.
وقوله: «جاؤوا به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»: وذلك إمَّا هدية وجلالةً ومحبَّة وتعظيما، وإمَّا تبرُّكا بدعائه لهم بالبركة، وهو الذي يدلُّ عليه سياق الحديث، وقيل: يفعلون ذلك رغبة في دعائه ورجاء تمام ثمرتهم بذلك، وأعلاما يبدو صلاحها مِمَّا يتعلَّق بذلك حقوق الشرع.
قوله: «فإذا أخذه»: قال شارح الموطأ: زاد في بعض طرق الحديث: ”وضعه على وجهه“.
قوله: «دعى للمدينة بالبركة»: أي بالنمو والزيادة، وذكر مالك صفة الدعاء، أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”اللهمَّ بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهمَّ إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيئك وإنِّي عبدك ونبيك وأنَّه دعاك لمكة وإنِّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه“ اهـ. وهذه هي الزيادة التي في رواية مالك، ومعنى قوله: و”مثله معه“ أي في أمر الرزق والسعة، قال شارح الموطأ: وقد أجاب الله دعاءه، ولا يعارض ذلك ما جاء أنَّه أصابهم في المدينة جهد وشدَّة ،إذ لا منافاة بين ثبوت البركة ووجود الشدَّة في بعض الأحيان، والمراد البركة في تحصيل القوت وأنَّ المد بها يشبع ثلاثة فتكون الشدَّة في تحصيل المد والبركة في تضعيف القوت به.
قوله: «أصغر ولد يراه»: وفي رواية مالك: ”أصغر وليد“ فعيل بمعنى مفعول، أي بمعنى مولود.. (3/126)
صفحة 687
قوله: «فيعطيه تلك الثمرة»: أي التي جاؤوا بها، قيل يحتمل أن يريد بذلك عظم الأجر وإدخال المسرَّة على من لا ذنب له لصغره، فإن سروره به أعظم من سرور الكبير. قال عياض: تخصيصه أصغر وليد حضره لأنَّه ليس فيه ما يقسم على الولدان، ومن كبر ملحق بأخلاق الرجال وتلويحًا إلى التفاؤل بنماء الثمار وزيادتها كما قيل في قلب الرداء. وفي الحديث من الآداب وجميل الأخلاق إعطاء الصغير وإتحافه بالطرفة لأنَّه أولى من الكبير لقلَّة صبره ولفرحه في ذلك، وفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إسوة حسنة، والله أعلم.
ما جاء في إجابة الدعاء للوليمة
قوله: «بلغني عن ابن عمر»: الحديث رواه أيضًا مالك والبخاري ومسلم.
قوله: «يُروى»: بفتح الياء وكسر الواو مبنيا للفاعل، وهو ضمير يعود إلى ابن عمر. (3/127)
صفحة 688
قوله: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها»: أي فليات مكانها. و«الوليمة»: طعام العرس يكون بعد البناء وتخصيصها بطعام العرس هو المنقول عن الخليل وثعلب وغيرهما، وجزم به الجوهري وابن الأثير، وقيل الوليمة طعام العرس والأملاك وهو الذي يحضر بعد العقد، وقيل: الوليمة كلّ طعام صنع للعرس وغيره وقيل: الوليمة كلّ طعام يتَّخذ لسرور حادث من عرس وأملاك وغيرهما، لكن استعمالها مطلَّقة في العرس أشهر وتحتاج في غيره إلى القيد، فيقال وليمة ختان أو غيره، قلت: وهذا يدلُّ على لأنَّها مجاز في غير العرس، والأمر بإجابة الداعي إلى وليمة العرس للوجوب عند الأكثر، بل نقل النووي الإتقان على الوجوب، وفيه نظر لثبوت الخلاف في المسألة فإنَّ بعضهم قال باستحباب الإجابة، ثمَّ اختلف القائلون بالوجوب، فمنهم من قال إنَّه فرضُ عين، ومنهم من قال إنَّه فرض كفاية، وقيل: إن عمَّت الدعوة كانت الإجابة فرض كفاية، وإن خصَّ كلّ واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين على من دعي، وأمَّا وليمة غير العرس فالأكثر أنَّ الإجابة لا تجب لما روى مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ”إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب“، ودعي عثمان بن العاص إلى ختان فلم يجب، وقال: لم نكن ندعى له على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، رواه أحمد. وقيل: تجب الإجابة له أيضًا لظاهر الحديث، ولما في مسلم عن أيوب عن نافع ابن عمر مرفوعا: ”إذا دعا أحدكم أخوه فليجب عرسا كان أو غيره “، وفيه أيضًا من طريق <2/106> الزبيدي عن نافع عن ابن عمر رفعه: ”من دعي إلى عرس أو غيره فليجب “، وكره مالك لأهل الفضل الإجابة لِكُلِّ طعام دعي إليه. (3/128)
صفحة 689
وشرط وجوبها: أن يكون الداعي مكلَّفا حرًّا رشيدا غير ظالم ولا صاحب ريبة ولا فاسق أو مبتدع أو شرير ولا متكلف فإنَّه لا تجب إجابة هؤلاء، بل يستحب تركها فإن أجاب من يؤمر بإجابته فليتأدب بآداب المجلس وليجلس حيث أنزل، ولا يتصدَّر في المجلس ولا يضيق على الحاضرين بالمزاحة ولا يُقابل بيت الناس أو النساء ويغضُّ بصره ولا يكثر الالتفات إلى مجيء الطعام فإنَّه دليل الشره، وإن رآى في الدار منكرًا فليغيره، وإن لم يقدر فليخرج، والله أعلم.
ما جاء في طعام الوليمة
قوله: «عن أبي هريرة الحديث»: رواه مالك موقوفًا عن أبي هريرة وكذلك رواه أيضًا البخاري ومسلم، كلاهما عن مالك موقوفا قال ابن عبد البر جُلَّ رواة مالك لم يصرحوا برفعه قال: ورواه روح بن القاسم عنه مصرحا برفعه وكذا أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريق إسماعيل بن سلمة بن قعنب عن مالك مصرحا برفعه إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: «شرُّ الطعام طعام الوليمة»: يعني أنَّ طعام الوليمة من شرّ الأطعمة، وليس المراد أنَّه شرّ الطعام على الإطلاق، فإن من الطعام ما يكون شرًّا منه وإنَّما سمَّاه شرًّا لقوله: ”يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء“ يعنى أنَّ الغالب فيها ذلك، فكأنَّه قال طعام الوليمة التي من شأنها هذا، فاللفظ وإن أطلقه فالمراد به التقييد بما ذكر عقبه، وكيف يريد به الإطلاق وقد أمر بالوليمة وأوجب إجابة الداعي، وقيل: إن التعريف في الوليمة للعهد الخارجي وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم. (3/129)
صفحة 690
وقوله: «يدعى» إلخ، إستئناف بياني بين كونَّها شرّ الطعام. وقال <2/107> النووي: بين الحديث وجه كونه شرُّ الطعام لأنَّه يدعى له الغني عن أكله ويترك المحتاج لأكله والأولى العكس، وليس فيه ما يدلُّ على حرمة الأكل إذ لم يقل أحدٌ بحرمة الصلاة في الصف الأخير، والقصد من الحديث الحثُّ على دعوة الفقير، وأن لا يقتصر على الأغنياء، وقد كره العلماء تخصيص الأغنياء بالدعوة فإن فعل فقال ابن مسعود: ”إذا خُصَّ الأغنياء أمرنا أن لا نجيب“، وقال ابن حبيب من المالكيَّة: ”من فارق السنَّة في وليمته فلا دعوة له“، وقال أبو هريرة: أنتم العاصون في الدعوة، ودعي ابن عمر في وليمة الأغنياء والفقراء فجاءت قريش ومعها المساكين فقال لهم: هاهنا فاجلسوا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم فسنطعمكم مِمَّا يأكلون، والله أعلم، زاد مالك: ”ومن لم يات الدعوة فقد عصى الله ورسوله“، وفيه دليل على وجوب الإجابة لأنَّ العصيان لا يطلق إلاَّ على ترك الواجب، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن منع الماء ليمنع به الكلا
قوله: «ومن طريقه»: يعني أبا هريرة بالسند المتقدم، والحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم، ولفظه عندهما: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلاء“، وفي رواية لهما أيضًا: ”لا يباع فضل الماء ليباع به الكلا “، وروى أبو داود عن بهيسة عن أبيها قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: الماء، قال: يا نبيء الله ما الشيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: الملح، قال: يا نبيء الله ما الشيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: أن لا تفعل الخير لك“. (3/130)
صفحة 691
قوله: «لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع به الكلا»: المراد بفضل الماء مافضل عن حاجة الإنسان، و«الكلا» بفتحتين مقصورًا: العشب رطبه ويابسه“، والمعنى كما قال المصنف رضي الله عنه: رجل <2/108> له بئر فيمنع ماءها ليمنع ما حوله من الرعي، وقال الخطابي: تأويله إنَّ رجلا إذا حفر بئرا في موات فيملكها بالإحياء فإذا قوم ينزلون في ذلك المكان للموات، ويرعون نباتها وليس هناك ماء إِلاَّ تلك البئر فلا يجوز له أن يمنع ذلك القوم من شرب ذلك الماء، لأنَّه لو منعهم منه لا يمكنهم رعي ذلك، فكان منعه عنهم عنادًا، وإذا لا يجوز، ومن هاهنا وقع النهي عن بيع الفاضل من الماء فإنَّه يصير بذلك كالبائع للكلا، لأنَّ الوارد حول ما أُعد للرعي إذا منعه الورود إِلاَّ بعوض اضطر إلى شرائه، فيصير كمن اشترى الكلا لأجل الماء، وقيل: معناه لا يبيع فضل الماء ليكون القصد في بيعه وعدم بذله لجميع الكلاء الحاصل، ثمَّ قيل هذا النهي للتحريم، وقيل للتنزيه وهو الأظهر عند بعض، ثمَّ إنَّ النهي عن بيع الماء إنَّما هو لمن أراد أن يشرب أو يسقي دابته، فأمَّا إن أراد أن يسقيه الزرع أو النخل جاز لصاحب الماء أن لا يعطيه إِلاَّ بعوض، والله أعلم.
ما جاء في فضل العطية والقرض (3/131)
صفحة 692
قوله: «عن طريق ابن عباس»: يعني بالسند المتقدِّم، والحديث رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”رأيت ليلة أسري بي على باب الجنَّة مكتوبًا، الصدقة بعشر أمثالها والقرضُ بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضلُ من الصدقة؟ قال: لأنَّ السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إِلاَّ من حاجةٍ“، وفي هذه الزيادة بيانٌ لوجه أفضلية القرض على العطية، وذلك لأنَّ الردَّ واجب الأداء فلا يختاره أحدٌ إِلاَّ لحاجة إليه، وفي ابن ماجه أيضًا عن ابن مسعود أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضا مرتين إِلاَّ كان كصدَقَتها مرَّة“ ولا يخفي ما بين الحديثين من التعارض، فيحتاج إلى الجمع، ولعلَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يكون في حقِّ بعض الناس القرضُ أفضل من الصدقة، كقرض القادر على الردِّ بلا تكلف، وقد تكون العطية أفضل <2/109> في حقّ من لا يستطيع الردَّ، وقيل تفضيل القرض منسوخٌ بمعنى أنَّه كان كذلك، ثمَّ فضُلت عليه الصدقة.
قوله: «العطية بعشر أمثالها»: وذلك لأنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فجزاء الحسنة حسنةٌ والتسعُ محضُ فضل من الله تعالى لهذه الأمَّة، والله يضاعف لمن يشاء. (3/132)
صفحة 693
قوله: «والقرض بثمانية عشر»: فهو يزيد على العطية بثمان، قال البلقيني: الحديث دالٌّ على أنَّ درهم القرض بدرهمي صدقة لكنَّ الصدقة لم يعدُّ لها شيء، والقرض عادله منه درهم فسقط مقابله، وبقي ثمانية عشر، إنتهى. والحديث دال على فضيلة القرض وفي ذلك أحاديث، وعمومات الأدلَّة القرآنية والحديثية القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسدِّ فاقته شاملةٌ له ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته، ولا في جواز سؤاله عند الحاجة، ولا نَقص على طالبه، ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وهو جائز في جميع المتملكات التي يجوز بيعها وتحصرها الصِّفة، ويقدَّر على الوفاء بها، إِلاَّ الجواري فإنَّه لا يجوز، لأنَّه يودي إلى إعادة الفروج، وذلك لأنَّ من اقترض شيئًا فله أن يرد عين ذلك الشيء إن بقي على الصِّفة التي أخذه بها، وله أن يرد المثل، فإذا اقترض جارية فله وطؤها، ثمَّ له أن يردَّها بحكم القرض، فلو جاز ذلك لأدى إلى ردهن بعد وطئهن وهو عين إعارة الفروج، قيل: إلاَّ أن يكون القرض لامرأة أو لذي محرم أو كانت في سن من لا توطأ، وبعض جوَّز ذلك بشرط أن يردَّ المثل فقط، واستظهره المُحشِّى، والله اعلم.
ما جاء في المرافقة بين الجيران
قوله: «ومن طريق أبي هريرة»: يعني بالسند المتقدِّم، والحديث رواه أيضًا البخاري، إِلاَّ قوله: فإن ”ذلك حقٌّ واجب عليه“، ولفظ البخاري عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلَّى الله <2/110> عليه وسلَّم قال: ”لا يمنع جارًا جاره أن يغرز خشبة في جداره“، ثمَّ يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكتافكم.
قوله: «لا يمنع»: بالجزم على أنَّ ”لا“ ناهية، وهو الظهر، ويجوز الرفع على أنَّه خبر بمعنى النهي، ويؤيد الوجه الأوَّل رواية أحمد: ”لا يمنعن“ بزيادة نون التوكيد. (3/133)
صفحة 694
قوله: «أن يغرز خشبة في جداره»: وذلك كوتد أو جدع أو نحو ذلك مِمَّا يحتاج إليه الجار، والواقع في رواية المصنِّف إفراد الخشبة، وكذلك في بعض نسخ البخاري وفي بعضها بصيغة الجمع، قال ابن عبد البرّ روى اللفظان في الموطأ، والمعنى واحد، لأنَّ المراد بالواحد الجنس. قال ابن حجر: وهذا الذي يتعين بالجمع بين الروايتين، وإلاَّ فالمعنى يختلف باعتبار أنَّ أمر الخشبة الواحدة أخفُّ في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير. (3/134)
صفحة 695
قوله: «فإنَّ ذلك حقٌّ واجب عليه»: أي ولا يحلُّ له منع الواجب، وهذا يدلُّ على أنَّ الجدار إذا كان لواحد، وله جار فأراد أن يضع جدعه عليه لزم صاحب الجدار أن يأذن له، وقال أحمد واسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية: يجوز له أن يضع جذعه في الجدار، سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر، وبه قال الشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان أشهرهما: اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر، وهو قول الحنفيَّة، وحملوا النهي في الحديث على التنزيه جمعا بينه وبين الأحاديث الدالَّة على تحريم مال المسلم إِلاَّ برضاه، والمذهب: وجوب الإذن إذا لم يحصل على المالك ضرر، ولا يجبر عليه لما جاء في بعض ألفاظ الحديث: ”إذا استأذن أحدكم جاره أنَّ يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه“، فقد شرط في هذه الرواية الاستئذان، فلا يحلّ التصرُّف في ملك الغير إلاَّ بإذنه، وإن وجب على المالك أن يأذن حيث لا ضرر لأنَّ كثيرا من الحقوق الواجبة للجار وغيره خوطب الإنسان بأدائها، ولا يحلّ للجار أو غيره أخذها إِلاَّ عن إذن المخاطب بها، ويدلُّ على ذلك قول أبي هريرة في الحديث عند البخاري: ”مالي أراكم عنها معرضين“، ولو جاز وضع الخشبة عند الإذن وعند عدمه ما كان لذكر الإعراض معنى، أما الوجوب فيدل عليه ظاهر الحديث، وروي أنَّ عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل <2/111> عصره. ومن الناس من حمل الضمير في جداره على صاحب الخشبة، أي لا يمنعه أن يضع جدعه على جدار نفسه، ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلا، ولا يخفى بعده، ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك، ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجدع إلى ثقب الجدار أوَّلاً لأنَّ رأس الجذع يسد المنفتح من الجدار، والله اعلم.
الباب الثالث والستون في أدب الطعام والشراب (3/135)
صفحة 696
قوله: «في أدب الطعام والشراب»: يعني فيما يؤمر به من ذلك وما ينهى عنه وما يجوز فعله وما يحرم، فالأدب متناول لجميع ذلك، وإن خُصَّ عرفا بما دون اللازم، فمراد المرتب المعنى الأوَّل لذكره في الباب ما يجب اجتنابه كالشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع ونحو ذلك، والله أعلم.
ما جاء أنَّ المسلم يأكل في مِعًى واحد والكافر في سبعة أمعاء
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضا مالك والبخاري، وذكر البخاري في رواية له أخرى: ”أن رجلا كان يأكل أكلاً كثيرًا فأسلم، وكان يأكل قليلا فذكر ذلك للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إن المؤمن يأكل في معًى واحدٍ والكافر يأكل في سبعة أمعاء“، كذا رواه البخاري عن أبي هريرة. قال بعض شراح الحديث، وكذا أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر وأحمد ومسلم عن جابر وأحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة ومسلم وابن ماجه عن أبي موسى وروى مسلم عن أبي موسى وابن عمر المسند منه فقط وهو قوله: ”إن المؤمن يأكل“ الحديث، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو الضيف <2/112> الذي أمر له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بحلاب الشاء الآتي ذكرها في الرواية الآتية، ويحتمل أن يكون غيره. (3/136)
صفحة 697
قوله: «يأكل المسلم في معًى واحدٍ والكافر في سبعة أمعاء»: المعاء المصران، وهو بكسر الميم منونا، ويكتب بالياء وقصره أشهر من المدِّ وجمعه أمعاء، مثل عنب وأعناب، وجمع الممدود أمعية، مثل حمار وأحمرة والمراد بالمسلم الجنس، وكذلك الكافر والمسلم والكافر سواء في أصل الخلقة، فالأمعاء الموجودة في أحدهما موجودة في الآخر، وعليه فلا بدَّ للحديث من تأويل لأنَّ الظاهر غير مراد قطعا، ومن هاهنا اضطربت الأفهام في بيان معناه، فقيل أراد به أن المؤمن يقل حرصه وشرهه على الطعام ويبارك له في مأكله ومشربه فيشبع من قليل، والكافر يكون كثير الحرص شديد الشره لا مطمح لبصره إِلاَّ إلى المطاعم والمشارب كالأنعام، فمثل ما بينهما من التفاوت في الشره بما بين من يأكل في معًى واحد وبين من يأكل في سبعة أمعاء، وهذا باعتبار الأعم الأغلب، وإلى هذا أشار المرتِّب رحمه الله تعالى بذكر حديث طعام الإثنين كافي الثلاثة بعد هذا الحديث، فإنَّه ساقه بعده ليكون بيانا للمعنى فإنَّ طعام الإثنين إِنَّمَا يكفي الثلاثة مع زوال الحرص وذهاب الشره . وقيل: إنَّ المؤمن يسمِّى الله تعالى عند طعامه فلا يشركه فيه الشيطان، والكافر لا يسمِّيه فيشارك الشيطان، وقيل: المؤمن يقتصد في أكله فيشبعه امتلاء بعض أمعائه، والكافر لشره وحرصه لا يكفيه إِلاَّ ملءُ كلِّ الأمعاء. وقيل: يحتمل أن يراد بالسبعة الأمعاء الصفات السبع: الحرص، والشره، وطول الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والحسد، والسِّمن. (3/137)
صفحة 698
وقيل: يحتمل أن يراد بالمؤمن تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر على سد خلَّته، وقيل: أن بعض المؤمنين يأكل في معى واحد، وأن أكثر الكفَّار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن كلَّ واحد من السبعة مثل معًى المؤمن، وقيل: إنَّ المؤمن يبارك له في طعامه ببركة التسمية حتَّى تقع النسبة بينه وبين الكافر، كنسبة من يأكل في سبعة أمعاء، ويتحقَّق ذلك المعنى بما إذا قدرنا ذلك في شخص واحد، أو في أسخاص متماثلين من حيث الوصف، <2/113> فتجد حال ذلك الواحد في الأكل وهو كافرٌ خلاف حاله وهو مؤمن، وكذلك في الأشخاص المتماثلين، ويؤيده ما في نفس هذا الحديث على رواية البخاري فإنَّه وارد في شخص واحد اختلف أكله باختلاف حاليه كافرا ومؤمنا، وكذا يؤيده أيضًا الحديث الآتي في ضيف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: معناه يأكل الكافر في سبعة أمثال أكل المؤمن، أي تكون شهوته أمثال شهوة المؤمن، فتكون الأمعاء كناية عن الشهوات، أو المراد أنَّ المؤمن لا يأكل إِلاَّ من جهة واحدة، وهي مجرَّد الحلال، والكافر يأكل من جهات مختلفة مشوبة وهي سبع: الغارة، والغصب، والسرقة، والبيع الفاسد، والربا، والخيانة، والحلال. وقيل: هذه عبارة عن كثرة الأكل وقلَّته، أي خُلُق المؤمن قِلَّةُ الأكل، وخلُق الكافر كثرته فالمراد بالسبعة التكثير. وقيل: هذا مثل ضربه صلَّى الله عليه وسلَّم لزهد المؤمن وحرص الكافر عليها، فَهَذَا يأكل بلغة وقوتا فيشبعه القليل، وذاك شهوة وحرصًا فلا يكفيه الكثير، وبعض هذه الأقوال داخل في بعض، وأكثرها خارج عن معنى الحديث، والصحيح المختار ما أيَّده ظاهر الحديث كما أشرنا إليه فيما تقدَّم، والله أعلم. (3/138)
صفحة 699
قولُه: «طعام الإثنين كافي الثلاثة»: الحديث تقدِّم شرحه في جامع الصدقة والطعام، والمقصود من ذكره هاهنا الإشارة إلى أنَّ من أدب الطعام الإجتماع وتوسيع الخلق، وترك الحرص، ومجانبة الشحِّ، وفيه إشارة إلى ترجيح القول الأوَّل من الأقوال الموجودة في بيان معنى الحديث الذي قبله، وقدم تقدَّم بيان ذلك والله أعلم.
قوله: «عنه أيضا»: يعني أبا هريرة، والحديث رواه أيضًا مسلم وأحمد والترميذي.
قوله: «أضاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضيفا»: أي أنزله وأقرأه، وفي رواية مسلم: ”ضافه ضيف“ أي نزل به ضيف، قال ثعلب: ضفتَه إذا نزلتَ به، وأنتَ ضيف عنده، وأضفته بالألف إذا أنزلته عندك ضيفا. والضيف معروف ويطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره، لأنَّه مصدر في الأصل من ضافه ضيفا من باب باع إذا نزل عنده. والضيف المذكور في <2/114> الحديث اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري كان يكثر الأكل في حال كفره، فلمَّا أسلم قلَّل الأكل فمدحه النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: «حِلابُها»: بكسر المهملة: أي لبنها.
قوله: «فلم يكملها»: أي فلم يقدر أن يشرب لبن الشاة الثانية على التمام، وفي رواية مسلم: ”فلم يستتمَّها“، والمعنى واحد.
قوله: «إن المؤمن» إلخ: تقدَّم شرحه في الحديث الذي قبله، وفي رواية مسلم: «إن المؤمن يشرب في معًى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء»، والله أعلم.
ما جاء في الشرب من سؤر الحائض (3/139)
صفحة 700
قوله: «قالت عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه أيضًا الجماعة إِلاَّ البخاري والترميذي، لكن بزيادة في آخره، ولفظه عندهم: ”عن عائشة قالت: كنت أشرب وأنا حائض ثمَّ أناوله النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، فيضع فاه في موضع في فيشرب، وأتعرَّقُ العَرْقَ وأنا حائض، ثمَّ أناوله النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فيضع فاه على موضع في». والمعنى أتعرَّق العَرْق: أي آخذ اللحم من العَرْق بأسناني، والعرق بفتح العين وسكون الراء: عظم أخذ منه معظم اللحم وبقيت عليه بقيَّة.
قوله: «بالقَدَح»: بفتحتين: آنية معروفة جمعه أقداح، كسَبَب وأسباب.
قوله: «فيجعل فاهُ على موضع في فيشرب»: أي يجعل صلَّى الله عليه وسلَّم فمه على موضع فمها من القدح، وهذا من غاية مخالفته لليهود بغضًا، ومن نهاية موافقته لها حبا، وفيه <2/115> إشارة إلى كمال تواضعه وطيب نفسه صلَّى الله عليه وسلَّم، الحديث يدلُّ على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها وعلى أن أعضاءها من الفم واليد وغيرهما ليست بنجسة، وكذلك يدلُّ على أنَّ ريقها طاهر، وكذلك سؤرها من طعام وشراب. وقال بعضهم: ولا أعلم فيه خلاف، وقال غيره وما نسب إلى أبي يوسف من أنَّ بدنها نجس غير صحيح. قال المحشِّي ومثل الحائض النفساء قال: وأمَّا ما تفعله نساء أهل زمننا من حُكمهن بنجاسة سؤر النفساء ولو نظَّفن أيديهن بالغسل غاية النظافة، ودفنُهنَّ نوى التمرة الذي أكلته النفساء في الأيَّام السبع الأوائل فمن الغلو في الدّين المنهي عنه، قلت: ولعلَّ هذا كان في نساء بلدة خاصَّة، فإنَّه لا يوجد والحمد لله في بلادنا، والله أعلم.
ما جاء في الذباب يقع في الشراب
قوله: «سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»: الحديث رواه البخاري وابن ماجه من حديث أبي هريرة، إِلاَّ قوله: ”وإنَّه يقدم الداء ويؤخر الدواء“، فإنَّ لابن ماجه معناه من حديث أبي سعيد. (3/140)
صفحة 701
قوله: «إذا وقع الذباب»: الذبابُ معروف: واحده ذبابة، وهو أصناف كثيرة متولدة من العفونة، ولم يخلق لها أجفان لصغر أحداقها، ومن شأن الأجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار، فجعل الله لها يدين تصقل بهما مرآة حدقتهما، فلهذا ترى الذباب يمسح عينيه بيديه، وللحيوانات ذبابٌ وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن فيصير ذبابا وزنابير، وذباب الناس متولِّد من الزبل، ويكثر إذا هاجت ريح الجنوب، ويخلق في تلك الساعة، وإذا هاجت ريح الشمال خفَّ وتلاشى، وهو من ذوات الخراطيم كالبعوض.
قوله: «في إناء أحدكم»: أي في وعاء شرابه، أو إدامه، وفي رواية للبخاري وابن ماجه في شراب أحدكم ورواية المصنِّف <2/116> أَعَمُّ لدخول الإدام فيها، وهي رواية للبخاري أيضًا، والمراد بالشراب جميع ما يشرب ماء كان أوغيره.
قوله: «فامقُلُوه»: بالقاف بعد الميم: أي أغمسوه، وقد وقع مصرَّحا به في رواية البخاري وابن ماجه فإن فيها: ”فليغمسه“، ويقال: مَقَلَه في الماء إذا غمسه، والأمر بذلك للإرشاد، وقيل للندب، زاد في روايتهما: ”ثمَّ لينزِعه“ بكسر الزاي، وفي رواية: ”ثمَّ ليطرحه“.
قوله: «فإنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخرة شفاء» الخ: الجناحُ يذكر ويؤنَّث، وقيل: التأنيث باعتبار اليد، وجزم بعضهم بأنَّه لا يؤنث، وحقيقته للطائر، ويقال لغيره على سبيل المجاز، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء:24]، والجملة تعليل لقوله: ”فامقلوه“. (3/141)
صفحة 702
قوله: «وإنَّه يقدم الداء ويؤخر الدواء»: وعند ابن ماجه من حديث أبي سعيد مرفوعا: ”في أحد جناحي الذباب سمٌّ وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقُلُوه فيه فإنَّه يقدِّم السم ويؤخر الشفاء“، ووقع في رواية أبي داود وصحَّحه ابن حبان: ”وإنَّه يتَّقي بجناحه الذي فيه الداء“، ولم يقع في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء أنَّه تأمَّله فوجده يتَّقي بجناحه الأيسر فعرف أنَّ الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة، وفي حديث أبي سعيد أنَّه يقدم السمَّ ويؤخر الشفاء، ويستفاد منه تفسير الداء الواقع في حديث الباب، وأنَّ المراد به السم وذكر بعض حذاق الأطبَّاء أنَّ في الذباب قوَّة سُمِّية يدلُّ عليها الورم والحكة العارضة عند لسعته، وهي له بمنزلة السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه تلقَّاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقابل تلك السمِّية بما أودعه الله في الجناح الآخر من الشفاء بإذن الله تعالى، والله أعلم. (3/142)
صفحة 703
قوله: «وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد»: وهذا يدلُّ أنَّ الذباب وما ليس فيه دمٌ لا ينجس ما وقع فيه، وفي بعض النسخ إسقاط قوله: «عن جابر بن زيد»، وعليها فالمستنبط لهذا الحكم أبو عبيدة، بخلافه على نسختنا، فإنَّ فيها أنَّ المستنبِط جابر ووجه الإستنباط <2/117> أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأمر بغمسِ ما ينجس الماء إذا مات فيه لأنَّ ذلك إفساد، وتُعقِّب: بأنَّه لا يلزم من غمس الذباب موته فقد يغمسه برفق فلا يموت والحيُّ لا يَنجَسُ ما وقع فيه. والجواب: أنَّ الأمر بغمسه يتناول صورًا منها أن يغمسه محترزًا عن موته، كما هو المدَّعى هنا، وأن لا يتحرز بل يغمسه سواء مات أو لم يمت، ويتناول ما لو كان الشراب حارًّا فإن الغالب أنَّ في هذه الصورة يموت بخلاف البارد، فلمَّا لم يقع التقييد حُمل على العموم. واستشكل بعضهم إلحاق غير الذباب به في الحكم المذكور بأنَّه ورد النص في الذباب، ففي تعديته إلى كلِّ ما لا نفس له سائلة نظرًا لجواز أن تكون العلَّة في الذباب قاصرة، وهي عموم البلوى به، وهذه مستنبطة، أو التعليل بأنَّ في أحد جناحيه داءٌ وفي الآخر شفاء، وهذه منصوصة، قال: وهذان المعنيان لا يوجدان في غيره، فيبعد كون العلَّة مجرَّد كونه لا دم له سائل، بل الذي يظهر أنَّه جزء علَّة لا علَّة كاملة، والجواب: أنَّ طهارة ميتته مستفادة من الإشارة لا من صريح اللفظ، ولم نجد لميتته معنى يخالف بها ميِّتة سائر الحيوانات إلاَّ خلوَّه من الدم السائل، فأعطينا هذا الحكم لِكُلِّ ما شاركه في المعنى، وهو علَّة مستقلَّة بهذا الحكم، وهو طهارة ميتة وليست بجزء علَّة، وإنَّما يكون جزء علَّة للأمر بالغمس في الإناء وهو شيء غير ما نحن فيه. (3/143)
صفحة 704
وقد رجح جماعة من متأخري قومنا واستقواه ابن حجر أنَّ ما يعمُّ وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجِسُ الماء، وما لا يعمُّ كالعقرب ينجس، وهذا منهم بناءٌ على أنَّ العلَّة عموم البلوى، ونحن لا نسلِّم ذلك، بل نقول أنَّ العلَّة خلُوُّه من الدم السائل، والله أعلم.
ما جاء في الشرب من الماء الذي شربت منه الهرة
قوله: «في ماء مسته الهرة»: أي أصابته بفمها، لتشرب منه، والحديث تقدَّم شرحه في أحكام المياه، ورواه جابر هناك بلاغا عن كبيشة بنت كعب، وصبِّها الماء لأبي قتادة إلى آخر القصَّة، <2/118> والغرض من ذكره هنا جواز الشرب من الماء الذي تمسه الهرة لأنَّه ليس بنجس، وإذا لم يكن نجسا فلا يحرم الشرب منه، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن التنفس في الإناء
قوله: «بلغني أنَّ أبا سعيد» إلخ: الحديث رواه عن أبي سعيد أيضًا أحمد والترميذي وصحَّحه لكنَّه عندهما في النهي عن النفخ في الشراب، وهو عند المصنِّف عن التنفس في الشراب، والمعنى متقارب، وقد روى الخمسة إِلاَّ النسائي وصححه الترميذي عن ابن عبَّاس: ”أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم نهى أن يتنفس في الإناء وينفخ فيه“، وفي الباب عن أبي قتادة عند الشيخين وأحمد والحكمة في النهي عن ذلك لأنَّه ربَّما يخرج من المتنفس ريق فيعلق بالماء فيستقدره من يشرب بعده، وربَّما حصل للشراب تغيِّر من النفس، إمَّا لكون المتنفس كان متغيِّر الفم بمأكول مثلاً أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأنَّ النفس يخرج ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلّها أشدُّ من التنفس.
قوله: «في الشراب»: يتناول كلَّ مشروب من ماء وغيره، ومثله النفخ في الطعام كما سيأتي عن أبي عبيدة، وكذلك لا يتجشأ فيه ولا يتعطس فإنَّ عناه شيء فليُنَحِّ وجهه جانبا. (3/144)
صفحة 705
قولُه: «فقيل له»: في رواية أحمد والترمذي: ”فقال رجل“، ولم أقف على اسم هذا الرجل. وفي روايتهما تقديم السؤال عن القذاة، وتأخير السؤال عن عدم الري من نفس واحدٍ، وهو عند المصنِّف على عكس ذلك.
قوله: «لا أروى عن نفس واحدٍ»: أي لا أكتفي من الماء إلاَّ إذا تنفست في خلال ذلك.
وقوله: «فأبِنِ القِدح»: أي نحِّه، من قولهم: أبَنْتُ الشيء عن الشيء إذا فصلتُه عنه وجعلتُه في ناحية منه، وظاهر هذا يقتضي جواز الشرب في النَّفَس الواحد لمن قدر على ذلك، وهو قول عمر <2/119> بن عبد العزيز وابن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس، وكره ذلك جماعة منهم ابن عبَّاس في رواية عكرمة وطاوس وقال: ”هو شرب الشيطان“.
قوله: «فقال الرجل»: هذا الرجل هو السائل الأوَّل كما صرَّحت به رواية أحمد والترمذي، ”فأَلْ“ فيه للعهد الذكري، على حدَّ قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُنثَىا} [آل عمران:36].
قوله: «فإنِّي أرى القذى»: وفي رواية أحمد والترمذي: ”القذاة“، وهي واحدة القذى: وهو بالقصر ما يسقط في الشراب والعين، وزاد بعضهم مِمَّا يكره ويستقذر، ومعناه إنِّي أبصر في الشراب ما أستقذره فهل أنفخه ليزول عنه؟.
قوله: «قال فأهرِقْهُ»: أي صبه، من أهرق لغة في أراق، وإنَّما قالوا: أنا أهريقه، ولا يقولون: أنا أريقه لاستثقال الهمزتين، قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء، ثمَّ التزمت فصارت كأنَّها من نفس الحرف أدخلت الألف بعد على الهاء وتركت الهاء عوضا من حذفهم حركة العين لأنَّ أصل أهرق أريق، وفيه لغة ثالثة: أهراق وأهريق إهرياق فهو مهريق، وفي هذا الجواب إرشادٌ إلى ما يفعله بالقذى إذا رآه فكأنَّ، قال: لا تزله بالنفخ ولكن بالصب. (3/145)
صفحة 706
قوله: «وكذلك في الطعام لاينفخ فيه»: للعلَّة المتقدِّمة، وهي خوف أن يخرج عند النفخ بزاق أو ريح كريهة فيستقذره الغير، وهذا من أبي عبيدة رحمه الله قياسٌ للطعام على الشراب لاتحاد العلَّة، وهو عند غيره مستنبط من حديث ابن عبَّاس عند الخمسة إِلاَّ النسائي أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه“، لأنَّ الإناء يشمل إناء الطعام والشراب.
قوله: «وإن كان حارًّا فليبرده»: أي بغير النفخ، وذلك أن يتركه حتَّى يبرد، أو يلهبه بالمروحة، وأمر بتبريده للبركة، فإنَّه لا بركة في حارٍّ مفرط الحرارة، وليس المرادُ من التبريد زوالُ حرارته بِالكُلِّيَّةِ، فقد قالوا ما أنضجته الشمس يؤكل باردًا وما أنضجته النَّار يؤكل حارًّا، أي يوجد فيه الحرارة، لأنَّه أهنى للأكل وأنفع للجسد، والله أعلم.
ما جاء أنَّ الجالس على يمين الشارب أحقُّ بالشرب بعده
<2/120> قوله: «بلغني الحديث»: رواه مالك والبخاري ومسلم وأحمد كلُّهم من حديث سهل بن سعد الأنصاري الساعدي.
قوله: «أُتِي»: بضمِّ الهمزة وكسر الفوقية: أي جيء إليه بذلك.
قوله: «بشراب»: أي لبن، وفي رواية عند قومنا: «أُتي بقدح من لبن».
قوله: «فشرب منه»: يعني النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّما لم يشربه كلَّه لقصد المواساة أو الإيثار.
قوله: «غلام صغير»: وهو أصغر القوم كما في رواية البخاري وغيره، وهو عبد الله بن عبَّاس، وقيل الفضل بن عبَّاس.
قوله: «وعن يساره شيوخ من أصحابه»: وفي رواية قومنا: ”وعن يسار الأشياخ“، وليس فيها قوله: ”من أصحابه“، وقد ذكر بعضهم خالد بن الوليد، وبعضهم أبا بكر. (3/146)
صفحة 707
قوله: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء»: الإشارة إلى الشيوخ الذين هم على اليسار، وظاهره أنَّه لو أذن لأعطاه مع أنَّ الغلام أحقُّ بذلك، فيستفاد منه شيئان أحدهما: جواز الإيثار بمثل ذلك، لأنَّه من باب التقدم في الشرف واكتساب الرفعة والجاه، وثانيهما: أنَّ مناولة حقِّ الأيمن له، فلا يصحُّ صرف ذلك عنه إِلاَّ بإذنه.
قوله: «لا أوثر بنفسي منك أحدًا»: وفي رواية قومنا قال: ”والله يا رسول الله لا أثرت بنصيبي منك أحدًا“ فالنفس في رواية المصنِّف بمعنى النصيب المصرح به في رواية قومنا، وقد تطلق النفس عند العرب على نحو ذلك، ومنه إطلاقهم النفس على قدر دِبغةٍ، قيل أو دِبغتين، والدِّبغة بكسر الدال وفتحها، ما يدبغ به الأديم من قرط وغيره، يقال: هب لي نفسًا من دباغ. قال الشاعر:
أنجعل النفس التي تدير ... ... في جلد شاة ثمَّ لا تسير
ومعنى قوله: «لا أوثر»: أي لا أفضل غيري بنصيبي منك، والمراد بنصيبه منه ما يناله من البركة بشرب سؤرهِ، أو بالشرب بعده حالاً حيث لم يفصل بينهما فاصل. (3/147)
صفحة 708
قوله: «فتَلَّهُ»: بفتح الشاة الفوقية وتشديد اللام: أي وضعَه، وقال الخطابي: وضعه بعنف وأصلُه من الرمي على التل، وهو <2/121> المكان العالي المرتفع، ثمَّ استعمل في كلِّ شيء يرمي به، وفي كلِّ إلقاء، وقيل: هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين، وآخره لام: وهو العنف ومنه: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103]، أي صرعه، وجعل جبينه إلى الأرض. والتفسير الأوَّل أليق بحديث الباب، وفي الحديث إنَّ سنَّة الشرب العامَّة تقديم الأيمن في كلّ موطن، وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أنَّ ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته، وفيه أنَّ من سبق إلى مجلس علم أو جلس رفعة لا ينحَّى منه بمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس، لكن إن آثره السابق جاز، وإنَّ من استحق شيئًا لم يدفع عنه إِلاَّ بإذنه كبيرًا أو صغيرا إذا كان مِمَّن يجوز إذنه، وفيه أنَّ الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم، للإجماع على أنَّ المطالبة بذلك لا تجب، قاله ابن عبد البرّ. وقال غيره: محلُّ ذلك إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه، فإن كان فالتصرف في ذلك له، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن عب الماء
قوله: «بلغني»: الحديث ذكر معناه في الجامع الصغير من حديث أنس عند البهيقي في شعب الإيمان، ورمز له بأنَّه حديث أنس، ولفظهّ: ”مصُّوا الماء مصًّا ولا تعبُّوه عبًّا“، قال شارحه: زاد في رواية فإن الكباد من اللعب.
قوله: «لا تعبُّوا الماء عبًّا»: العبُّ: شرب الماء من غير مصٍّ، يقال: عبَّ الرجل الماء عبًّا من باب قتل شربه من غير تنفس.
قوله: «البُهْر»: بضمِّ الباء وسكون الهاء: تتابع النفس. (3/148)
صفحة 709
وقوله: «مُصُّوه مصًّا»: أمرٌ من مصَّه مصًّا من باب قتل، ومن باب تعب لغة، ومنهم من يقتصر عليها وأمتصه بمعناه كذا في المصباح، وفي الحديث النهي عن عب الماء، <2/122> للإشفاق على الأمَّة من الداء المعروف بضيق النفس، والأمر بمصِّه للإرشاد إلى المصلحة الدينيَّة في التأدُّب بآداب الشرع والدنيوية في دفع البلاء عن النفس، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: ”إنَّه أروى وأمرى وأبرى“، رواه مسلم. والحكمة في مصِّ الماء تردُّدَه على المعدة الملتهبة دفعات فتُسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت عنه الثانية، وأيضا فإنَّه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلةً واحدة، فإنَّه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنَّه يخاف منه أن يطفيء الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدي إلى فساد المعدة والكبد، أو إلى أمراض رديَّة خصوصا في سكان البلاد الحارة في الأزمنة الحارة، فإنَّ الشرب فيها وهلة واحدة مخوفٌ عليهم جدًّا، وهذا هو السرُّ في النهي عن العبِّ، والله أعلم.
ما جاء في أكل الحيس
قوله: «قدمنا لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حيسًا»: الحديث تقدَّم ذكره في ما يجب منه الوضوء وتمامه: ”حيسًا ملتتًا بسمنٍ فأكل منه ولم يتوضأ“، والغرض من ذكره هنا الإشارة إلى جواز أكل الحيس المبلول بالسمن. قال الربيع: الحيس: السويق الملتَّت بالسمن، وقال غيره: الحيس تمرٌ يُنزع نواه ويدقُّ مع إقطٍ ويعجنان بالسمن، ثمَّ يُدلك باليد حتَّى يبقى كالثريد، وربما جُعل معه سويق، وهو مصدر في الأصل، يقال: حاس الرجل حيسًا من باب باعَ إذا اتَّخذ ذلك، ويستفاد من الحديث جواز أكل الطَّيِّبَات من الرزق لأنَّ الحيس كان من أطيب الموجود عند العرب، والله أعلم.
ما جاء في أكل السويق (3/149)
صفحة 710
<2/123> قوله: «قال ابن النعمان»: هو سويد بن النعمان بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جشم بن حارثة بن حارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي، شهد أحُدًا وما بعدها من المشاهد كلّها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يعدُّ في أهل المدينة، والحديث أخرجه أيضًا عنه البخاري في موضعين من صحيحه.
قوله: «خرجنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»: يعني عام خبير، كما صرَّحت به رواية البخاري.
قوله: «بالصَّهْباء»: بفتح المهملة والمد.
قوله: «وهي من أدنى خبير»: وفي رواية البخاري إسقاط ”من“، وهي نسخة في المسند أيضًا، و”من“ للتبعيض لأنَّ الصهباء طرف خبير، وفي رواية للبخاري على روحة من خبير، والجمع بين الروايتين أن يقال: إنَّها من حريم خبير، وتعدُّ من أطرافها وإن كانت منها على روحة، وقال أبو عبيدة البكري على بريد.
قوله: «فدعا بالأزواد»: فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر، وإن كان بعضهم أكثر أكلاً وفيه حمل الأوزاد في الأسفار، وأن ذلك لا يقدح في التَّوَكُّل، واستنبط منه أنَّ الإمام يأمر المحتكرين بإخراج الطعام عند قلَّته ليبيعوه من أهل الحاجة، وأن الإمام ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من لا زاد معه.
قوله: «بالسَّوِيق»: بفتح المهملة وكسر الواو: وهو من الحبوب ما جوِّد تحميسه وطحنه ثمَّ غسل دفعة بماء حارٍّ وأخرى ببارد ليزول ما اكتسبه في القلي من اليبس والحرارة. وسويق الفواكه: ما جُفِّف وسُحق بعد قليه، كذا في تذكرة الأنطاكي، والمراد في الحديث سويق الحبوب دون الفواكه، وأكثر ما تستعمله العرب من البرّ والشعير.
قوله: «فثُرِّي»: بضمِّ المثلثة وكسر المهملة مشددة بعدها ياء تحتانية: أي بُلَّ بقليل ماء، وفي نسخة ”فثُرِدَ“ بدال مهملة من ثَرَدَت الخبز ثردًا، من باب قَتَل، وهو أنَّ تفتَّه ثمَّ تبلَّه بمرق. (3/150)
صفحة 711
قولُه: «ثمَّ قام إلى المغرب»: أي ليصليها، وكان على وضوءٍ فلم يجدده، لكن مضمض فاه فقط وإنَّما مضمضه والحال أنَّه لا دسم فيه لئلاَّ <2/124> تحتبس بقاياه بين الأسنان، أو نواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة.
قولُه: «ولم يتوضأ»: أي من أكلِ السويق. قال الخطابي: فيه دليل أنَّ الوضوء مِمَّا مست النَّار منسوخ لأنَّه مُتَقَدِّم، وفتح خبير كانت سنة سبع. واستدلَّ به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد، وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام، والله أعلم.
ما جاء في صيد البحر
قوله: «بلغني عن جابر بن عبد الله»: الحديث رواه أيضًا مالك والبخاري ومسلم وأحمد والأربعة بطرق مختلفة وألفاظ متعدِّدة. (3/151)
صفحة 712
قوله: «بعثَ»: أي وجَّه جيشا.. إلخ، والبعثُ: الجيش، وكان هذا البعث يسمَّى جيش الخَبَط بفتحتين، وهو ورق السمر لأنَّهم أكلوا من شدَّة الجوع، وسمَّاه البخاري غزوة سيف البحر، لأنَّ الغزوة كانت نحو الساحل، وكان فيهم عمر بن الخطاب يتلقَّون عيرًا لقريش كما في رواية مسلم، وفي رواية عنده أيضًا: إلى الأرض جهينة، ولا منافاة بينهما، فالجهة أرض جهينة، والقصد تلقِّي عير قريش، وهو الإبل المحملة للطعام أو غيره. وكانت هذه السرية في شهر رجب، سنة ثمان من الهجرة، وذلك بعد ما نكثت قريش العهد وقبل الفتح، فإنَّه كان في رمضان من السنة المذكورة. وتُعقِّب بأنَّ كونه في رجب وهم غير محفوظ، إذ لم يحفظ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم غزا في الشهر الحرام، ولا أغار فيه، ولا بعث فيه سريَّة، وأجيبَ: بأنَّه مبنيٌّ على القول أن تحريم القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ، وهو قول الظاهرية وعطاء ومعظم الأمَّة على نسخة، وقال ابن حجر: مقتضى ما في الصحيح أن يكون البعثُ في سنة ستٍّ أو قبل هدنة الحديبيَّة قال: ويحتمل أن تلقيهم للعير ليس لحربهم، بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طُرق الخبر أنَّهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنَّهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، قلت: هذا خلاف الظاهر من <2/125> سياق الحديث، وكونهم لم يقاتلوا لا يدلُّ على ذلك لأنهم لم يلقوا كيدا، ولو لقوا لقاتلوا. (3/152)
صفحة 713
قولُه: بعثا: أي جيشًا، زاد في رواية مالك: ”قبل الساحل“، وزاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر في الصحيحين: ”يرصد عيرًا لقريش“، ولمسلم عن عبيدة الله بن مقسم عن جابر: ”بعثَنا إلى أرض جهينة“، وذكر ابن سعد أن بعثهم إلى حيٍّ من جهينة بالقبَلِيَّة بفتح والموحدة وكسر اللام وشد التحيَّة مِمَّا يلي ساحل البحر، بينه وبين المدينة خمس ليال، وأنّهم انصرفوا فلم يلقوا كيدًا أي حربا، قال بعضهم: ولا منافاة لاحتمال أنَّ البعث للمتصدين رصد عير قريش، وقصد محاربة حيٍّ من جهينة.
قوله: «وأمَّر»: بشد الميم: أي جعل أميرًا عليهم.
قوله: «أبا عبيدة بن الجراح»: قيل اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح وقيل عبد الله عامر والأوَّل أصحُّ، وهو عامر بن عبد الله بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النظر القريشي الفهري أحد العشرة، شهد بدرًا وأحُدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ولما دخل عمر بن الخطاب الشام ورآى عيش أبي عبيدة، وما هو من شدَّة العيش قال له: كلُّنا غيرته الدُّنيا غيرك يا أبا عبيدة، وتوفي رضي الله عنه في طاعون عمواس سنة ثماني عشر وصلَّى عليه معاذ بن جبل.
قوله: «في ثلاثمائة»: هذا هو المشهور في الروايات في الكتب الستة، وبه أهل السير كابن سعد وبيِّنٌ أنَّهم من المهاجرين والأنصار، وللنسائي أيضًا: ”بضع عشرة وثلاثمائة“، فأن صحَّت فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على ثلاثمائة استسهالاً لأمر الكسر لقلَّته.
قوله: «وأنا فيهم»: زاد في رواية مسلم: ”وفيهم عمر بن الخطاب“، وزاد البخاري ومسلم عن هشام ابن عروة عن وهب: ”نحمل زادنا على رقابنا“. (3/153)
صفحة 714
قوله: «ففَنِي الزادُ»: بفتح الفاء وكسر النون: أي فرغ، وجوَّز بعضهم أن يكون معنى فني أشرف على الفناء، وذكروا أنَّ المراد بالزاد الذي في الزاد الذي كان للعموم وهو جراب التمر الذي زوَّدهم النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: «فأمَّر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمعه»: أي جمع الموجود منه، وهذا نظير فعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم في الصهباء <2/126> من أدنى خبير المتقدِّم ذكره في السويق، وإنَّما أمر بجمع الأزواد لتحصل البركة بالاجتماع ولتحصل المواساة بين من عنده بقيَّة من زاد، وبين منلا بقيَّة له، وظاهر هذا السياق يقتضي أنَّه كان لهم أزواد بطريق العموم، وأزواد بطريق الخصوص، فلمَّا فني الذي بطريق العموم اقتضى رأيَ أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المواساة بينهم.
قولُه: «مِزْوَدَي تمر»: بكسر الميم واسكان الزاي وفتح الواو والدال تثنية مزودٍ بالكسر، ما يُجعل فيه الزاد، والمعنى أنَّه كان المتحصل من المجموع قدر مزودي تمر، وفي رواية للبخاري: ”مزود تمر“ بالأفراد والتثنية أثبت وهي الواردة في رواية المصنِّف، ومالك وغيرهما، وهو رواية للبخاري أيضًا.
قوله: «يقوِّتنا»: وفي رواية مالك: ”يقوِّتنَاه“ بزيادة الهاء، وهي ضمير يعود إلى المتحصِّل من الأزواد، ويَقُوَّت بفتح أوَّله والتخفيف من الثلاثي وبضمِّه والتشديد من التقويت.
قوله: «قليلا قليلا»: بالنصب على الحال، وقيل على المفعولية، وليس بشيءٍ لأنَّه بيان لحالة التقويت لا صفة للمقتات.
قوله: «حتَّى فني»: أي حتَّى نفِد المتحصل من الأزواد. (3/154)
صفحة 715
وقوله: «فلم يصبنا إِلاَّ تمرة تمرة»: يعني من آخر ما بقي من المتحصل، وجوَّز بعضهم أن يكون معنى فني أشرف على الفناء، وفي رواية: ”فقلت: أزوادنا حتَّى ما كان يصيب الرجل منَّا إلا تمرة“، وفي رواية عمر وبن دينار عن جابر في الصحيحين وغيرهما: ”فأقمنا على الساحل حتَّى فنى زادنا فأصابنا جوع شديد حتَّى أكلنا الخبَط“ (بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة أي ورق السَلَم بفتحتين: شجر عظيم له شوك كالعوسج والطلح، قيل وهو الذي أكلوا ورقه).
قوله: «قال ولقد وجدنا فقدها حين فنِيت»: قائل ذلك هو جابر بن عبد الله، وهو جواب لسؤال لم يذكر في رواية المصنِّف، وهو مذكور في رواية مالك عن وهب بن كيسان مولى قريش قال: ”وقلت وما تغني تمرة“ فقال: ”لقد وجدنا فقدها حيث فنيت“ومعنى قوله: ”لقد وجدنا فقدها“ أي أدركنا لفقدها في الوجدان أثرًا، لأنَّها خير من العدم تحلِّي الفم وتردُّ بعض ألم الجوع. ولمسلم عن أبي الزبير أنَّه أيضًا سأل عن ذلك فقال له: ”لقد وجدنا <2/127> فقدها، فقلت: ما كنتم تصنعون بها؟ قال نمصُّها كما يمصُّ الصبي الثدي، ثمَّ نشرب عليها من الماء فيكفينا يومنا إلى الليل“.
قوله: «ثمَّ انتهينا إلى البحر»: أي وصلنا إليه وهو البحر الذي بساحل جهينة. (3/155)
صفحة 716
قوله: «فإذا بحوتٍ»: وفي رواية مالك عن وهب بن كيسان: ”فإذا حوتٌ“، ولمسلم عن أبي الزبير عن جابر: ”فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابَّة تُدعى العنبر“، وفي رواية عمرو بن دينار: ”ألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر“، وفي رواية عنه أيضًا: ”فألقى لنا البحر حوتًا ميتا يقال له العنبر“، والحوت: اسم جنسٍ لجميع السمك، وقيل مخصوص بما عظم منه، والعنبر دابة بحرية كبيرة يتَّخذ من جلدها الترس، ويقال أنَّ العنبر المشموم رجيع هذه الدابة، وقيل المشموم يخرج من الشجر، وإنَّما يوجد في أجواف السمك الذي تبتلعه، وقال الأزهري: العنبر سمكةٌ تكون بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعًا يقال لها: بالة وليست بعَرَبِيَّةٍ،
وقوله: «مثل الظَرِبِ»: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الراء المهملة بعدها موحدة، وحكى بعضهم أنَّه بالمعجمة الساقطة، والأوَّل أصوب. قال الربيع: الظرِبُ الجبل وقال مالك الظرب: الجُبَيل بضمِّ الجيم إشارة إلى صغره، وفي رواية عنه الجبلُ الصغير، وقيل هو بسكون الراء إذا كان منبسطًا ليس بالعالي.
قوله: «ثمان عشرة ليلة»: وفي رواية عمرو بن دينار: ”فأكلنا منه نصف شهر“، وفي رواية أبي الزبير فأقمنا عليه شهرًا، قال ابن حجر: ويجمع بأنَّ من قال ثماني عشرة ضبط مالم يضبطه غيره، ومن قال نصف شهر ألقى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال شهرًا جبر الكسر أو ضمَّ بقيَّة المدَّة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. قال ووقع في رواية الحاكم: ”إثنى عشر يوما“، وهي شاذة. قال: وأشد منها شذوذا ورواية الخولاني: ”فأقمنا عليها ثلاثا“، زاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر: ”وادَّهنا من ودكِه حتَّى ثابت إلينا أجسامنا“، وثابت: بمثلثة وموحَّدة: أي رجعت، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه حصل لهم هزالٌ من الجوع السابق. (3/156)
صفحة 717
وقوله: «ثمَّ أمَّر» إلخ: إِنَّمَا فعل ذلك رضي الله عنه ليختبر عِظَمها حتَّى يخبروا من وراءهم عن كبرها، فيكون الخبر عن صحَّة وضبط، فيحصل الاعتبار للسامع كما حصل <2/128> للمشاهد.
وقوله: «بضِلعَين»: تثنية ضلع بكسر الضاد، وأمَّا اللام فتفتح في لغة الحجاز وتُسكن في لغة تميم: وهي أنثى وجمعها أضلُع وأضلاعٌ: وهي عظام الجنبين.
وقوله: «براحلته»: بزيادة هاء الضمير العائد إلى الأمر وهو أبو عبيدة، وفي رواية مالك: ”براحلة“ على الإبهام، وفي رواية المصنِّف زيادة بيان.
وقوله: «فرُحِلَت»: بتخفيف الحاء وتشديدها وبالبناء للمفعول: أي جعل عليها الرحل.
وقوله: «ثمَّ مرَّ»: أي أبو عبيدة، لأنَّ الراحلة كانت له كما تقدَّم.
وقوله: «فلم يصبها»: أي فلم ينلهما برأسه لارتفاعهما، وفي رواية مالك: ”فلم تصبهما“ بالمثناة الفوقية، والضمير للراحلة، وفي رواية للبخاري: ”فعمد إلى أطول رجل معه فمرَّ تحته“، وعند ابن اسحاق عن عبادة بن الصامت: ”ثمَّ أمر بأجسم بعيرٍ معنا فحمل عليه أجسم رجل منَّا فخرج من تحتها وما مسَّت رأسه“، ولعلَّ ذلك كلَّه قد كان من أبي عبيدة رضي الله عنه، فيكون مرَّة جرَّب الناقة برحلها ومرة مَرَّ هو عليها، ومرة عمد إلى أجسم بعيرٍ فحمل عليه أجسم رجل من القوم، وجزم في المقدِّمة بأن الرجل قيس بن سعد بن عبادة، وقال في الفتح: لم أقف على اسمه وأظنُّه قيسا فإنَّه مشهور بالطول، وقصته مع معاوية معروفة لمَّا أرسل إليه ملك الروم أطول رجلٍ منهم ونزع له قيس سراويله، فكانت طول قامة الرومي بحيث كان طرفُها على أنفه وطرفها على الأرض، وعوتب قيسٌ في نزع سراويله، فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا أغاب قيسٌ وهذه ... ... سراويل عادي نمته ثمود (3/157)
صفحة 718
وللبخاري عن أبي الزبير عن جابر: ”فلمَّا قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: كلوا رزقا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بعضوٍ منه فأكله“، والله أعلم.
<2/129> ما جاء في الأحوال المنهي عنها عند الأكل
قوله: «نهى رسول الله» الحديث: لم أجده في شيء من كتب الحديث، ولعلَّه مِمَّا تفرد به المصنِّف رضي الله عنه وذكر نحوه الشيخ إسماعيل في قواعده.
قوله: «في الأكل»: أي عند الأكل، أو في حالة الأكل.
قوله: «عن ثلاثة أوجه»: أي أحوال مأخوذة من قولهم فلان أحسن القوم وجهًا، أي حالا. (3/158)
صفحة 719
وقوله: «عن التقشير»: وما بعده بدل من ثلاثة أوجه، بدلُ كلٍّ من كلٍّ، وفائدته التفسير، والتقشير مصدر قشَّره بالتشديد مبالغة في قشر بالتخفيف من باب ضَرَب وقَتَل، يقال: قشَّرت العود قشرًا إذا أزلت قشره، ومنه الطعام إذا أخذ أعلاه، والقشَّار بالتشديد الذي يأكل من كلِّ ناحية، ويقشر وجه الطعام. وروى مالك وغيره عن وهب بن كيسان أنَّه قال: ”أُتي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بطعام ومعه ربيبُه عمر بن أبي سلمة، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”سمِّ الله وكلّ مِمَّا يليك“ وذلك حين رآى يده تطيش في الصحفة، كما في رواية الوليد بن كثير، وذلك لأنَّ الأكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة لنفور النفس، لا سيما في الأمراق، وفيه إظهارُ الحرص والنهم وسوء الأدب وأشباهها، وفي التقشير زيادةٌ على ذلك، لأنَّه يأخذ وجه الطعام الذي فيه الإدام، والنهي للكراهة عند جمهور قومنا، والظاهر التحريم كما أشار إليه بعضهم، لأنَّه أذى وسوء صحبة والكلُّ حرام، ويستثني من ذلك ما إذا كان الطعام غير لونٍ أو كان تمرًا أو رطبًا أو نحوه من الفواكه، فإنَّه يجوز الأكل مِمَّا يلي الآخر، وقد تتبع رسول الله صلَّى <2/130> الله عليه وسلَّم الدباء من المرقة كما في حديث أنس عند البخاري. (3/159)
صفحة 720
وروى ابن ماجة وغيره عن عائشة: ”كان صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أُتي بطعام أكل مِمَّا يليه، وإذا أُتِي بالتمر جالت يده فيه“، وروى الترمذي وابن ماجه عن عكراش بن ذؤيب قال: ”أخذ بيدي صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيت أم سلمة فقال: هل من طعام؟ فأُتينا بجفنة كثيرة الثريد والودك فأكلنا منها فخبطت يدي في نواحيها، وأكل صلَّى الله عليه وسلَّم من بين يديه وقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ثمَّ قال: يا عكراش كُل من موضعٍ واحد، فإنَّه طعام واحد، ثمَّ أُتينا بطبق فيه ألوانُ التمر والرُّطب فجعلت آكل من بين يدي وجالت يده صلَّى الله عليه وسلَّم في الطبق فقال: يا عكراش كٌل من حيث شئت فإنَّه غير لونٍ واحد“ وفي إسناده ضَعفٌ، لكن له شواهد تقويه. وأمَّا «الترميل»: فهو مصدرُ رمَّل بالتشديد مبالغة في رَمَل بالتخفيف، يقال رمَّل في مشيه إذا هرول وأسرع. و«المُرَمِّل»: بضمِّ الميم الأولى وتشديد الثانية مع كسرها اسم فاعل من الترميل، وهو في الأكل المتابع للَّقم بعجَلَة كما في القواعد. وقيل: هو الذي يرفع لفيه ما لا يسع، كما عند المصنف، والأول أنسب بالاشتقاق، فإنَّه شبَّه تتابع اللُّقم بعجلة بتتابع نقل الرجلين في الهرولة، ولعلَّ القول الثاني مأخوذٌ من أرمَل الرجل إذا افتقر وضاق حاله، فإنَّ الفم يضيق بما لا يسع، وأما «التنقيب»: فمصدرُ نقَّب بالتشديد مبالغة في نَقَب بالتخفيف، يقال نقَب الحائطَ ونحوه نقبًا من باب قتَل إذا خرَقَه، ومنه تنقيب الطعام أي خرقُه، والنقاب بالتشديد مبالغة في الناقب: وهو الذي يحفُر في الطعام خبَّة ويُرجع إليه الإدام فيختصُّ به دون أصحابه وهو سوء عشرةٍ وضعف أدب، والله أعلم.
ما جاء في الشرب قائما (3/160)
صفحة 721
قوله: «عن ابن عبَّاس الحديث»: رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد، وروى أيضًا أحمد ومسلم والترمذي <2/131> عن قتادة عن أنس أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”زجر عن الشرب قائمًا، قال قتادة فقلنا: فالأكل قال: ذلك شرٌّ وأخبث“.
قوله: «نهى عن الشرب قائما»: وذلك لأنَّه يحرك أخلاطا، وقال النخعي إِنَّمَا نهى عن ذلك لداء البطن، وقال غيره: للشرب قائما آفاتٌ عديدة، منها: إنَّه لا يحصل به الريُّ التام ولا يستقر في المعدة حتَّى يقسِّمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة، فيُخشى منه أن تبرد حرارته ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكلُّ هذا يضرُّ بالشارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضرّه، وبهذا يجمع بين النهي والفعل، فشربُه صلَّى الله عليه وسلَّم من زمزم قائمًا ناذرًا، وقد فعله لبيان الجواز، فالنهي محمول عندنا وعند الجمهور على كراهة التنزيه، وفعله صلَّى الله عليه وسلَّم لبيان الجواز لا يدخل تحت الكراهة، لأنَّ البيان عليه واجبٌ أو مندوب، ولا يكون فعل الواجب أو المندوب مكروها، واستظهر بعضهم أنَّ النهي للتحريم لا سيما وقد أَكَّدَ ذلك قوله في حديث أبي هريرة عند مسلم: ”لا يشربنَّ أحدكم قائمًا فإن نسي فليستقيء“ أي يتقيأه، لأنَّ التقيُّء يذهب بتلك الأخلاط المتولدة من الشرب قائما، قالوا فَهَذَا يدلُّ على التشديد في المنع والمبالغة في التحريم، وظاهر كلام هذا البعض أن النهي للتحريم، لكنَّه منسوخ لما ذكر بعد من الكلام الدال على ذلك، وقد قال بذلك قوم، وتعقِّب: بأنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأيضا فالجمع ممكن فلا حجَّة إلى تكلُّف القول بالنسخ، وتكلف بعض المالكيَّة في النهي تأويلاً بعيدًا فقالوا: لعلَّ النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماء فبادر يشربه قائما قبلهم استبدادًا به، وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا. (3/161)
صفحة 722
قال المازري: وأيضا فإنَّ الحديث تضمن المنع من الأكل قائمًا ولا خلاف في جواز الأكل قائما، قال: والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدلُّ على الجواز، وأحاديث النهي تُحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل. قال ويُحمل الأمر بالقيء على أنَّ الشرب قائما يحرك خلطا يكون القيء دواءه، ويؤيده قول النخعي: إِنَّمَا نهى عن ذلك لداء البطن، وحاصله أنَّ النهي <2/132> عنده طبي لا شرعي، وفيه أنَّه نهيٌ جاء من الشارع، وهو أعلم بالمضار والمنافع، على أنَّ الإضرار بالنفس حرام شرعًا، والله أعلم. (3/162)
صفحة 723
قوله: «ويروى أنَّه شرب من زمزم قائما»: الراوي لذلك هو ابن عبَّاس نفسُه ،كما صرحت به رواية الشيخين وأحمد، وفي الصحيحين عن ابن عبَّاس: ”أتيت النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم بدلو من زمزم فشرب وهو قائم“ وفي البخاري وأحمد: ”أنَّ عليا شرب في رحبة الكوفةوهو قائمٌ، ثم قال إنَّ ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإنَّ رسول الله صنع مثل ما صنعت“، وفي الموطأ عن مالك: ”أنَّه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان ابن عفَّان كانوا يشربون قياما“، وفي الشرح: وقال جبير بن مطعم رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما. وروى مالك عن ابن شهاب أنَّ عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأسًا، وروى أيضًا مالك عن جعفر القارئ أنَّه قال: رأيت عبد الله بن عمر يشرب قائما، وروى مالك عن عبد الله بن الزبير عن ابنه أنَّه كان يشرب قائمًا، قال ابن عباس: المرجع فيه إلى الكتاب الله تعالى، وهو قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة:60]، فَهَذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال، إِلاَّ في موضع خصَّه النهي عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا الكلام من ابن عبَّاس رضي الله عنه أشارة إلى تساقط الحديثين: حديثي النهي والفعل بالتعارض، إن لم يكن الجمع بحمل النهي على موضع مخصوص فتبقى الإباحة المذكورة في قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} فإنَّه تعالى قد أباح ذلك على الإطلاق مالم يبلغ حدَّ الإسراف، فالإباحة متحقِّقة والنهي معارض بالفعل، ونسب بعضهم القول بالجواز إلى الجمهور وإلى الخلفاء الأربعة تمسُّكا بشربه من زمزم قائما، قالوا وكأنهم رأوه مُتَأَخِّرًا عن النهي فأنه في حجَّة الوداع، فهو ناسخ وحقَّق ذلك خلفائه بخلاف النهي، قالوا: ويبعد خفاؤه عليهم مع شدَّة ملازمتهم له وتشددهم في الدّين، وهذا وإن لم يصلح دليلا للنسخ يصلُح لترجيح أحد الحديثين، ولابن حجر:
إذا رمت تشرب فاقعد تفُزْ ... ... بسنَّة صفوة أهلِ الحجاز (3/163)
صفحة 724
<2/133>وقد صحَّحوا شُربَه قائما ... ولكنَّه لبيانِ الجواز
ما جاء في النهي عن الشرب من في السقاء
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا الجماعة إِلاَّ مسلم، ولفظه عندهم عن ابن عبَّاس قال: ”نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الشرب من فِي السقاء“ ورواه أيضًا البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة، واختلفوا في هذا النهي، فحمله الأكثر على التنزيه وهو عند ابن عبَّاس لإشفاق، وجزم بالتحريم لثبوت النهي، وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أنَّ أحاديث النهي ناسخةٌ للإباحة لأنَّهم كانوا يفعلون ذلك حتَّى وقع دخول الحيَّة في بطن الذي شرب مِن فيي السقاء، فنسخ الجواز. ونقل غيره عن مالك أنَّه أجاز الشرب من أفواه القرب، وقال: لم يبلغني فيه نهي، قال ابن حجر لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدلُّ على الجواز إِلاَّ من فعله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحاديث النهي كلّها من قوله فهي أرجح، قال: وإذا نظرنا إلى علَّة النهي عن ذلك فإنَّ جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنَّه مأمونٌ منه صلَّى الله عليه وسلَّم. (3/164)
صفحة 725
قوله: «وروي أنَّه خنَّث سقاءً فشرب منه»: خَنَّث بالخاء المعجمة والنون المشددة بعدها مثلثة، أي عطف فمَه نحوه فشرب منه: مأخوذ من الخنث، وهو من الأصل الانطواء والتكسُّر الانثناء، والسقاء الإناء المتخَّذ من الأدم صغيرًا كان أو كبيرًا، وقيل هو الصغير فقط <2/134> وعليه عُرفُنا، والقربة أَعَمُّ منه فإنَّها قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، روى ابن ماجة والترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت: ”دخل علي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فشرب من في قربةٍ معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعتُه“ وروى أحمد وابن شاهين والترمذي في الشمائل عن أم سليم قالت: ”دخل علي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفي البيت قربة معلًّقة فشرب منها وهو قائم فقطعتُ فاها فإنَّه لعندي“ قال ابن عباس وإنَّما نهى عن ذلك إشفاقا أن تكون فيه دابة، أي فتلدغُه أو تدخل بطنه فتضرُّه أو تطبق في حلقِه فتُشرِقه. وزاد أحمد بعد حديث أبي هريرة قال أيوب: ”فأنبئت أنَّ رجلا شرب من في السقاء فخرجت حيَّة“، وعند ابن أبي شيبة: ”شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه حيتان فنهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك“، قال ابن حجر: وهذا يقتضي أنَّه لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء الذي يدخل فيه ثمَّ ربطه ربطًا محكما ثمَّ شرب منه لم يتناوله النهي، قال: وقد أخرج الحاكم من الحديث عائشة بسند قوي بلفظ نهى أن يُشرب من في السقاء لأنَّ ذلك يُنتِنه، قال وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب فيتنفس داخل السقاء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أمَّا من صب من الفم إلى داخل فمه من غير مماسة فلا، ومن جملة ما عُلِّل به النهي أنَّ الذي يشرب من فم السقاء قد يبلغه الماء فينصب منه أكثر من حاجته، فلا يأمن أن يشرَق به أو يَبِل ثيابه. (3/165)
صفحة 726
قال ابن العربي: واحدةٌ من هذه العلل تكفي في ثبوت الكراهة، ومجموعها تقوِّي الكراهة جدًّا، قال ابن أبي جمرة: الذي يقتضيه الفقه أن لا يبعد أن يكون النهي بمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم، والعادة في مثله ترجيح ما يقتضي التحريم، قال العراقي: لو فرَّق بين ما يكون لعذرٍ كأن تكون القبة معلَّقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناءً ولم يتمكن من التناول بكفِّه فلا كراهة حينئذ، وعلى هذا تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذرٍ فتُحمل عليه أحاديث النهي. قال ابن حجر: ويؤيده أنَّ أحاديث الجواز كلَّها فيها أن القربة كانت معلَّقة، والشراب من القربة المعلقة أخصُّ من الشرب من مطلق القربة. قال: ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقًا بل على تلك الصورة وحدها، وحملُها على حال الضرورة جمعًا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ، والله أعلم.
<2/135> ما جاء أن السنة في الشراب الأيمن فالأيمن
قوله: «عن أنس»: الحديث رواه أيضًا الجماعة إِلاَّ النسائي، وفي بعض الألفاظ عن أنس قال: ”فحلبت لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شاةً داجن وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأُعطي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال: عمر إعطِ أبا بكر يا رسول الله فأعطى الأعرابي الذي بيمينه ثمَّ قال: الأيمن فالأيمن“ وفي رواية: ”الأيمنون الأيمنون ألا فيمِّنوا“.
قوله: «أُتِي»: بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه مبينا للمفعول، ولم يسمَّ هذا الآتي، إِلاَّ أن القصَّة كانت في دار أنس.
قوله: «شِيب»: بكسر المعجمة بعدها تحتانية على البناء للمهجول: من الشوبِ وهو الخلطِ، وأنَّما كانوا يمزجون اللبن بالماء لأنَّ اللبن عند الحلب يكون حارًّا، وتلك البلاد في الغالب حارَّة فكانوا يكسرون حرَّ اللبن بالماء البارد. (3/166)
صفحة 727
قوله: «وعلى يمينه أعرابي»: وفي رواية قومنا ”عن“ مكانَ ”على“، والمرادُ بالكلٍّ الحصول عن اليمين وهذا الأعرابي لم يسمِّ، ومن زعم أنَّه خالد بن الوليد فقد غلط غلطا فاحشا، سري عليه من اشتباه هذا الحديث بحديث الغلام الصغير المتقدِّم، وهو غلط من جهتين: إحداهما أنَّ الأعرابي هنا كان عن يمينه صلَّى الله عليه وسلَّم، وخالد كان عن يساره في حديث الغلام، والثانية أنَّه لا يقال لخالد أعرابي، إذ هو من أجلة قريش. قال ابن حجر: ووقع عند الطبراني من حديث عبد الله بن أبي حبيبة قال: ”أتانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مسجد قباء، فجئتُ فجلستُ عن يمينه وجلس أبو بكر عن يساره، ثمَّ دعى بشراب فشرب، وناولني عن يمينه“ قال وأخرجه أحمد لكن لم يسمِّ الصحابي قال ولا يمكن تفسير المبهم في حديث أنس به أيضًا، لأنَّ هذه القصَّة كانت بقُباء، وتلك في دار أنس، وأيضا فهو أنصاري ولا يقال له أعرابي كما استبعد ذلك في حقِّ خالد بن الوليد.
<2/136> قولُه: «وأعطى الأعرابي»: أي بعد أن شرب ولم يستأذنه في إعطاء أبي بكر كما استأذن الغلام في إعطاء الأشياخ في الحديث المتقدِّم مخافة إيحاشه، وتألفا لقلبه لقرب عهده بالجاهلية وعدم تمكنه من معرفة خلُق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّما استأذن الغلام وهو ابن عبَّاس رضي الله عنهما إدلالاً عليه وتطيبا لنفسه بالاسئذان لا سيما والأشياخ أقاربُه، ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وفي بعض الروايات: ”عمُّك وابن عمِّك“، وفعلَ ذلك استئناسًا لقلوب الأشياخ وإعلاما بودِّهم وإيثارًا لكرامتهم. (3/167)
صفحة 728
قولُه: «الأيمن فالأيمن»: يجوز فيه الرفع والنصب، أمَّا الرفع فعلى أنَّه مبتدأ محذوف الخبر أي الأيمن مقدَّم، أو أحق، أو على أنَّه نائبُ الفاعل أي يقدَّم الأيمن، وأما النصب فعلى تقدير قدَّموا أو أعطوا، واستنبط بعضهم من تكرير الأيمن أنَّ السنَّة إعطاء من على اليمين ثمَّ الذي يليه، وهلمَّ جرَّا، وهي عادة مشهورة عند العرب معدودة في مكارم الأخلاق، ومن ذلك قول عمر بن كلثوم في الجاهليَّة:
وكأنَّ الكأس مجراها اليمينا
فأقرَّها الشارع عليه الصلاة والسلام لأنَّه بُعث ليتمَّ مكارم الأخلاق، وفعله هذه السنَّة مستحب عند الجمهور، وقال ابن حزم: يجب، ولا فرق بين شراب اللبن وغيره، ونقل عن مالك: أنَّه خصه بالماء، قال ابن عبد البرّ: لا يصحُّ عن مالك، وقال عياض: يشبه أن يكون مراده أنَّ السنة ثبُتت في الماء خاصَّة وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس. قال ابن العربي: كان اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل أنَّه لا يملك بخلاف سائر المشروبات. قلت: حديث الباب نصٌّ في اللبن المشاب بالماء، فلا يتمُّ لهم ما ذكروا من الفرق بين الماء وغيره، وكذلك لا يتمُّ توجيه عياض بأنَّ السنَّة ثبتت نصًّا في الماء خاصَّة لأنَّ حديث الباب نصٌّّ في اللبن، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة (3/168)
صفحة 729
<2/137> قوله: «عن أم سلمة»: هي زوج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والحديث عند المصنِّف من رواية أبي سعيد عنها، فهو رواية صحابي عن صحابية، وقد رواه مالك عن نافع زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أمِّ سلمة ولم يذكر الذهب، ولمسلم من طريق عثمان بن مرَّة عن عبد الله بن عبد الرحمن عن خالته أم سلمة مرفوعًا: ”من شرب من إناء ذهب أو فضَّة“، وله أيضًا من رواية على بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع: ”أنَّ الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة“، لكن تفرَّد ابن مسهر بقوله: ”يأكل“.
قولُه: «آنية»: على وزن أفعلة، جمع إناء: وهو الوعاء.
وقوله: «يُجَرجِر»: بضمِّ التحيَّة وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا، تردد صوت البعير في حنجرته إذا هاج وصوت صب الماء في الحلق إذا جرعه جرعا متداركا،
وقوله: «في جوفه»: أي بطنه.
وقوله: «نار جهنم»: مفعول يُجرجر على أنَّ الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع، فالفاعل ضمير الشارب، وسمَّاه مجرجرًا للنار تسمية للشيء باسم ما يؤل إليه مجازًا للمبالغة على حدَّ قوله تعالى: {اِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء:10]، وقيل: يجوز في النَّار الرفع على الفاعلية، والمعنى أن النَّار هي التي تصوت في البطن والأوَّل أشهر، والحديث دال على حرمة الشرب في الذهب والفضة، ومثله الأكل كما صرحت به رواية مسلم، ويقاس عليه الطهارة فيه والتجمر بمجمرة منهما، والبول في إناء منهما، ويحرم التزين بإنائهما واتخاذه في البيوت والبول فيه أيضًا لأنَّ المقصود من تحريم الشرب والأكل تحريم مطلقٍ والتأني بهما لأنَّ ذلك لنا في الآخرى وللكفرة في الدنيا، ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، وإنما فرق بينهما لما في التحلي لما يقصد في المرأة من الزينة للزوج، والله أعلم.
<2/138> ما جاء في الضبِّ (3/169)
صفحة 730
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم وأحمد، وفيه رواية صحابي عن صحابي، قال ابن حجر وهذا الخبر مِمَّا اختلف فيه على الزهري، هل هو من مسند ابن عبَّاس أو من مسند خالد.
قوله: «قال خالد» الخ: لفظه في البخاري عن عبد الله بن عبَّاس عن خالد بن الوليد بن المغير بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان، وقيل أبو الوليد القرشي المخزومي أمُّه لبابة الصغرى وقيل الكبرى والأوَّل أصحُّ، وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت ميمونة ابنة الحارث زوج النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: «وأخت لبابة الكبرى زوج العبَّاس بن عبد المطلب عمُّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ابن خالة أولاد العبَّاس بن عبد المطلب الذين من لبابة وكان أحد أشرف قريش في الجاهليَّة، وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهليَّة، أمَّا القبة: فكانوا يضربونها يجمعونها فيها ما يجهزون به الجيش، وأمَّا الأعنة: فإنَّه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب، وقد اختلف في وقت اسلامه وهجرته، فقيل هاجر بعد الحديبيَّة وقبل خيبر، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة وستٍّ، وخبير بعدها في المحرم سنة سبعٍ، وقيل: بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من بني قريظة، وليس بشيء وقيل بل كان إسلامه سنة ثمان، وقال بعضهم كان على خيل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الحديبيَّة، وكانت الحديبيَّة سنة ستٍّ، وهذا القول مردودٌ فإنَّ في الصحيح أنَّ خالد بن الوليد كان على خيل المشركين يوم الحديبيَّة، ولم يحفظ له مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم <2/139> مشهد قبل الفتح ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعنة الخيل، فيكون في مقدمتها لمحاربة العرب، وشهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتح مكَّة فأبى فيها وبعثه سول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أميرا على بعوث عديدة واستعمله أبو بكر رضي الله عنه (3/170)
صفحة 731
على قتال المرتدين والفرس والروم في كلّ ذلك مواقف محمودة وآثار مشكورة، ولما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهائها وما في بدني موضع شبر إِلاَّ وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت عين الجبناء وما من عمل أرجى من لا إله إِلاَّ الله منترس بها. وتوفي بحمص من الشام وقيل بل توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب وأوصى إلى عمر رضي الله عنه والله أعلم.
قوله: «فأتى بضبٍّ محنُوذٍ»: بمهملة ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشويٍّ بالحجارة المحماة، قال ابن حجر وقع في رواية معمر بضبٍّ مشوي، والمحنوذ أحض، والحنيد بمعناه زاد يونس في روايته قدمت به أم حفيدة بمهملة وفاء مصغرا، قال ومضى في رواية سعيد بن جبير أنَّ أم حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن عبَّاس أهدت للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم سمنا وأقطا وأضبا، والضبُّ: دويبه تشبه الجرذون لكنَّه أكبر من الجرذون ويكنى أبا حسل بمهملتين مكسورة ثمَّ ساكنة، ويقال للأنثى ضبَّة وبه سمِّيت القبيلة وذكر ابن خالوية أنَّ الضب يعيش سبعمائة سنة، وأنَّه لا يشرب الماء ويبول في كلّ أربعين يوما قطرة ولا يسقط له سنُّ، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة، وحكى غيره أنَّ أكل لحمه يذهب العطش، ومن المثال لا أفعل كذا حتَّى يردَ الضبُّ يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء، لأنَّ الضب لا يرد بل يكتفي بالنسيم ويرد الهواء ولا يخرج من حجره في الشتاء.
قوله: «فأهوى إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده»: أي مدها إليه ليأخذه، يقال أهوى إلى الشيء بيده إذا مدها ليأخذه إذا كان عن قرب فإن كان كان عن بعد قيل هوى إليه بغير ألف. (3/171)
صفحة 732
وقوله: «فقال بعض النسوة التي في البيت أخبرن»: <2/140> بنون النسوة أي أعلِمنَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: بما يريد أن يأكل منه، وفي البخاري أخبروا بواو الجمع، وإنَّما قالت النسوة ذلك بعد أن أهوى إليه صلَّى الله عليه وسلَّم بيده لظنِّهن أنه سيسأل عنه قبل أن يأكل كما كانت عادته وقد جاء في رواية أنَّه كان صلَّى الله عليه وسلَّم قلَّ ما يقدِّم يده لطعام حتَّى يسمي له.
قوله: «فقيل هو ضبٌّ يا رسول الله»: جاء في بعض الروايات أن قائل ذلك ميمونة وهو زوج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكانت القصَّة في بيتها قال ابن حجر، وعند الطبراني في الأوسط من وجه آخر صحيح فقالت: ميمونة أخبروا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما هو وهذا يدلُّ على أنَّ بعض النسوة القائلة أخبرن رسول الله إلخ هي ميمونة أيضًا فكأنها قالت لهنَّ ذلك، وكأنَّها رضي الله عنها أرادت غيرها يخبره فلمَّا لم يخبره أحدٌ بادرت هي فأخبرت.
قوله: «فرفع يده»: قال ابن حجر زاد يونس: ”عن الضب“، قال ويؤخذ منه أنَّه أكل من غير الضب مِمَّا كان قدم له.
قوله: «ليس هو بأرض قومي»: يعني قريشا فيختص النفي بمكة وما حولها، فلا يشكل وجود الضِّباب كثيرا بأرض الحجاز.
قوله: «فتجدُني أعافه»: بمثناة فوقية في جميع نسخ المسند التي بأيدينا، ومعناه فتلقاني يا مخاطب أعافه وفي رواية قومنا: ”فأجدُني“ بالهمزة أي فأجد نفسي تعافه.
وقوله: «أعافه»: بعين مهملة وفاء خفيفة أي: أكره أكله، يقال عاف الرجل الطعام والشراب يعافه من باب تعب عيافة بالكسر، إذا كرهه.
قوله: «فاجتررته»: بجيم وراءين هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض الشراح بزاي قبل الراء، وقد غلط. (3/172)
صفحة 733
قوله: «ورسول الله ينظر»: أي ينظر إليه حال أكله فلا يتكر عليه، والحديث يدلُّ على جواز أكل الضب وحكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفيَّة كراهته، وتمسكوا بأحاديث وردت في النهي عن أكله، وأجيب: بأنَّها كانت قبل أن يعلم أنَّ الممسوخ لا نسل له وهو، صلَّى الله عليه وسلَّم <2/141> إِنَّمَا نهى عنها مخافة أن يكون من الأمم الممسوخة، وقد أخرج أبو داوود من حديث عبد الرحمن بن حسنة: ”نزلنا أرضا كثيرة الضباب“.. الحديث، وفيه أنَّهم طبخوا منها فقال النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إن أمَّة من بني إسرائيل مُسخت دوابًّا في الأرض فأخشى أن تكون هذه، فأكفؤها“، والله أعلم.
قوله: ”بلغني عن ابن عمر الحديث“: رواه أيضًا الشيخان وأحمد.
قوله: «جاء رجل» إلخ: قال ابن حجر يحتمل أن يكون هذا الرجل خزيمة بن جزء، فقد أخرج ابن ماجه من حديثه: ”قلت يا رسول الله ما تقول؟ فقال: لا آكله ولا أحرمه، قال: قلت فإنِّي آكل مالم تحرم“ وسنده ضعيف.
قوله: «لست بآكله ولا محرمه»: أي لا آكله لأنَّه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه، ولا أحرمه لمن شاء أكله، لأنَّ الله لم ينزل عليَّ تحريمه، ووقع في حديث يزيد بن الأصم: ”أخبرت ابن عبَّاس بقصة الضبِّ فأكثر القوم حوله حتَّى قال بعضهم: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا آكله ولا أنهي عنه ولا أحرِّمه، فقال ابن عبَّاس: بئسما قلتم ما بعث نبيء الله إِلاَّ محرما أو محلِّلا“، أخرجه مسلم. قال ابن العربي: ظن ابن عبَّاس أنَّ الذي أخبر بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لا آكله أراد لا أحله فأنكر عليه، لأنَّ خروجه من قسم الحلال والحرام محالٌ. (3/173)
صفحة 734
قوله: «وحديث أبي طلحة قد تقدَّم»: أي في باب أفضل ما يُتصدَّق به والبركة في الطعام، والمراد بحديث أبي طلحة حديث أنس بن مالك: ”قال أبو طلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضعيفًا أعرف فيه الجوع، هل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير» إلخ، وقد تقدَّم شرحه، والغرض من الإشارة إليه أنَّ الحديث قد جاء في ذكر الطعام، وفيه من آدابه أنَّهم قد دخلوا عشرة عشرة بعد الإذن، والله أعلم.
ما جاء أنَّ أكل كلِّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام (3/174)
صفحة 735
<2/142> قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مسلم، ولفظه: ”كلُّ ذي ناب من السباع فأكله حرام“، ولم يذكر ذا مخلب من الطير، ولأحمد والترمذي عن جابر قال: ”حرَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم -يعني يوم خبير- لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكلَّ ذي ناب من السباع“، وروى الجماعة إِلاَّ البخاري وأبا داود عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: ”كلُّ ذي ناب من السباع فأكله حرام“، وهذا الحديث رواه مالك عن أبي ثعلبة وعن أبي هريرة. قال مالك في الموطأ: وهو الأمر عندنا، يعني القول بتحريم ذلك هو المعتمد عندهم بالمدينة، والمشهور من مذهبه عند أصحابه القول بالكراهة فقط، وهو المنقول عن أبي عبيدة عندنا، قيل: وكان أبو عبيدة ومالك في عصر واحد هذا في البصرة وذلك في المدينة، ولعلهم يحملون التحريم في الحديث على المنع الصادق بالكراهة، وما قيل أنَّهما يطعنان في حديث أبي هريرة فلا يثبت وهو بعيد جدًّا، لأنَّ أبا عبيدة رواه عن جابر بن زيد عن أبي هريرة، وهذا الطريق لا يتأتى فيه الطعن بوجه من الوجوه. وقد روى مالك التحريمَ من وجهين كما مَرَّ، فيبعد أن ينكره. ومذهب الجمهور القول بالتحريم وقيل بالإباحة والأقوال الثلاثة كلُّها في المذهب وأصحها التحريم لحديث الباب؛ قال الترمذي وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، ويليه في الصِّحَّة القول بالكراهة، وكأنَّه مأخوذ به أيضًا عند إخواننا من أهل المغرب؛ قال البدر الشمَّاخي رحمه الله تعالى: إن أيوب بن العبَّاس الفارس المشهور في أيَّام الإمام عبد الوهَّاب رضي الله عنه جاز على أسد ولبوءة وأشبال فقطع أرجلها فجاز على حي فقال من يبتغ اللحم المكروه فعليه بالوادي، فذهبوا مبادرين فمن يأكل المكروه أخذ. وأما القول بالحلِّ ففي غاية من الضعف. (3/175)
صفحة 736
واحتجُّوا على ذلك بعموم قوله:« تعالى: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ} الآية [الأنعام:145]، والجواب أنَّها مكيَّة وحديث التحريم بعد الهجرة، وأيضا فقد قيل إن آية الأنعام خاصَّة ببهيمة الأنعام لأنَّه تقدَّم قبلها حكاية عن الجاهليَّة أنَّهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا}: أي من المذكورات إِلاَّ الميتة <2/143> منها والدم المفسوح وما أُهِلَّ به لغير الله، ولا يدركون لحم الخنزير، ذُكر معها لأنَّه قرنت به علَّة تحريمه وهو كونه رجسا. وحكى القرطبي عن قوم أنَّ آية الأنعام المذكورة نزلت في حجَّة الوداع فتكون ناسخة. ورُدَّ بأنَّها مكيَّة كما صرَّح به كثير من العلماء، ويؤيده ما تقدَّم قبلها من الآيات في الردِّ على مشركي العرب في تحريمهم ما حرَّموه من الأنعام وتخصيصهم بعض ذلك لآلهتهم إلى غير ذلك مِمَّا سيق للرد عليهم، وذلك كلُّه قبل الهجرة إلى المدينة.
قوله: «كلُّ ذي ناب من السباع»: أصل الناب السنُّ الذي خلف الرباعية، جمعه أنياب. قال ابن سيناء: لا يجتمع في حيوان واحد نابٌ وقرن معًا. واختلف القائلون بالتحريم في المراد بما له ناب؛ فقيل إنه ما يتقوَّى به ويصول على غيره يصطاد ويعدو بطبعه غالبا كالأسد والفهد، وأمَّا ما لا يعدو كالضبع والثعلب فلا، وإلى هذه ذهب قوم منَّا ومن غيرنا، وقد ورد في حِلِّ الضبع أحاديث لا بأس بها، وأمَّا الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجه ولكن سنده ضعيف.
وقوله: «وذوي مِخْلَبٍ» بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة: هو للطير كالظفر لغيره، لكنَّه أشدُّ منه وأغلظ وأحدُّ، وهو له كالناب للسبع يصطاد به ويعدو، ولهذا يسمَّى سباع الطير وذلك كالصقر والعقاب ونحوهما، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن لحوم الحمر الإنسية (3/176)
صفحة 737
قوله: «بلغني عن علي بن أبي طالب»: الحديث رواه أيضًا البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمَّد بن علي عن أبيها عن علي ثمَّ ذكره.
قوله:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم» إلخ: اختلف العلماء في توجيه النهي <2/144> عن ذلك، فمنهم من حمله على التحريم ومنهم من حمله على الكراهة، والتحريم أقوى لأدلة أُخَر ولأنَّه الأصل في النهي عند الإطلاق. (3/177)
صفحة 738
قوله: «عن متعة النساء»: وذلك أنَّها كانت حلالا في الجاهليَّة وفي صدر الإسلام، وهي أن يتزوَّج الرجل المرأة بكذا وكذا على شرط أيَّام معلومة فإذا تَمَّ الأجل أعطاها أجرها الذي فرض لها، فإن أحب أن تزيده في الأيَّام قال لها أزيدك في الأجرة وتزيدينني في الأيَّام فإن شاءت المرأة فعلت ذلك، ولابد فيه من ولي وشاهدين كغيره من النكاح، إِلاَّ أنَّهما لا يتوارثان، وكذلك لا عدَّة ولا نفقة ولا سكنى ولا كسوة ولا أكثر. (3/178)
صفحة 739
وأكثر القول أنَّه منسوخ، قيل نسخته آية الميراث، وقيل نسخه هذا الحديث، وقيل إنَّها باقية لم تنسخ وهو قول الأقل من الناس، وبه قال من أئمَّة المذهب الربيع وأبو صفرة عبد الملك بن صفرة ومحمَّد بن محبوب رضي الله عنهم، ويوجد عن أبي صفرة: لو وجدت من يمتنعني لاستمعت، وعن ابن عباس رضي الله عنها أنَّه قال: لو أطاعني عمر على نكاح المتعة لم يُجلد على الزنا إلاَّ شقيٌّ، وفي وفيات الأعيان قال: وحدث محمَّد بن منصور قال: كنَّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحي بن أكثم لي ولأبي العيناء: أُبكِّر غدا إليه فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلاَّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا جعلُ حتَّى تنهى عمَّا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأبو بكر رضي الله عنه، فأومأ أبو العيناء إلى محمَّد بن منصور قال رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن، فأمسكنا فجاء يحي بن أكثم فجلس وجلسنا فقال المأمون ليحي: مالي أراك متغيِّرًا، فقال: هو غَمٌّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا! قال نعم، المتعة زنًا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله عزَّ وجلَّ وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال الله تعالى: {قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ}[المومنون:1] إلى قوله:{وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىآ أَزْوَاجِهِمُو أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىا وَرَآءَ ذَالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المومنون:5،6]، يا أمير المومنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال فقد (3/179)
صفحة 740
صار متجاوزًا هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين وروى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفيَّة عن أبيهما عن <2/145> علي ابن أبي طالب قال: ”أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أن أناديَ بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها“، فالتفت إلينا المأمون فقال: المحفوظ من هذا الحديث الزهري فقلنا نعم يا أمير المؤمنين. رواه جماعة منهم مالك، فقال: استغفر الله، نادُوا بتحريم المتعة، فنادَوا بها. كذا ذكره في الوفيات وهي مناظرة حسنةٌ، ولهذا نقلتها كما وجدتها، وكان المأمون يميل إلى التشجيع وإنَّما يدعونه بأمير المؤمنين جريا على قاعدتهم في إثبات الإمارة بالقهر والغلبة. (3/180)
صفحة 741
وقوله: «وعن أكل لحوم الحمر الإنسية»: بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الإنس ويقال فيه أَنَسِية بفتحتين: وهي التي تأنَس الناس ولا تستوحش منهم، ويقال لها الأهليَّة أيضًا كما في حديث العرباض بن سارية وعند أحمد والترمذي عن جابر قال: ”حرم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم -يعني يوم خبير- لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكلِّ ذي ناب من السباع وكلِّ ذي مخلب من الطير“، وهذا نصٌّ في التحريم، وقال مالك: إن أحسن ما سمُع في الخيل والبغال والحمير إنَّها لا تؤكل لأنَّ الله تبارك وتعالى قال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8]، وقال تبارك وتعالى في الأنعام: {لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَاكُلُونَ} [غافر:79]، وقال تبارك وتعالى: {وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ فيِ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىا مَا رَزَقَهُمْ مِّنم بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ، فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]. قال مالك: فذكر الله تعالى الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل. (3/181)
صفحة 742
وفي البخاري قال عمر ويعني ابن دينار قلت لجابر بن زيد: يزعمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم نهى عن الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم ابن عمر والغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عبَّاس فقرأ: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا}، وفي رواية ابن مردويه وصحَّحه الحاكم من طريق محمَّد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عبَّاس قال: ”كان أهل الجاهليَّة يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذُّرًا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحلَّ حلاله وحرَّم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال وما حرم فيه فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذا {قُل لآَّ أَجِدُ} إلخآخرها“، <2/146> وتُعقِّب بأنَّ الاستدلال بهذا للحل إِنَّمَا يتمُّ فيما لم يأت فيه نصٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلَّم وقد تواردت الأخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدَّم على عموم التحليل وعلى القياس. وفي المغازي من البخاري عن ابن عبَّاس أنَّه توقف في النهي عن الحُمُر، هل كان لمعنى خاص أو للتأييد؟، ففيه عن الشعبي عنه أنَّه قال: لا أدري أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من أجل أنَّه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرَّمها يوم خبير البتَّة، وفي المغازي من البخاري أيضًا من حديث ابن أبي أوفى إِنَّمَا نهى عنها لأنَّها لم تخمس، وقال بعضهم نهى عنها لأنَّها كانت تأكل العذرة. وجاء في حديث أنس: ”فإنَّها رجس“، وجاء في حديث سلمة الأمر بغسل الإناء من لحومها. قال القرطبي: وهذا حكم المتجنس فاستفاد منه تحريم أكلها، قال: وهو دال على تحريم لعينها لا لمعنى خرج، قلت: بل يحتمل ما قيل أنَّ الوصف خارجي وهو كونها تأكل العذرة، فإنَّ حكم الجلاَّلة حكم نجس الذَّات حتَّى تنتقل إلى حال الطهارة بطول الحبس وأكل الطيِّب، والله أعلم.
ما جاء في الانتفاع بجلد الميتة (3/182)
صفحة 743
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحهما وسائر الجماعة، إِلاَّ ابن ماجه قال فيه عن ميمونة جعله من مسندها وليس فيه عندهم.
قوله: «وأيَّما إهابٍ دُبغ فقد طهُر»: لكن روى هذه الزيادة عن ابن عبَّاس أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي، وقال فيه حسن صحيح، ورواها أيضًا غير من ذكرنا وجعلوها حديثا مستقلا.
قوله: «بشاة ميِّتة» بتشديد الياء وتخفف.
قوله: «كانت قد أُعطِينها» بالبناء للمفعول، وفي رواية مالك: ”كان أعطاها مولاة لميمونة“، والمعطي حينئذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، <2/147> وزاد في رواية يونس: ”من الصدقة“، ولا يشكل عليه أنَّ العبيد ليسوا أهلا للصدقة أي الزكاة، لأنَّ الموالاة اسم للعتيقة لا المملوكة.
قوله: «لمولاة لميمونة»: زاد مالك زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم وهذه المولاة لم تسمَّ، وقال ابن حجر لم أعرف اسمها.
قوله: «هلاَّ انتفعتُم بجلدها»: وفي رواية مالك: ”أفلا انتفعتم بجلدها“، وفي رواية: ”بإهابها“، وهو الجلد دبغ أو لم يدبغ، ولمسلم من طريق ابن عيينة: ”هلاَّ أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به“.
قوله: «قيل يا رسول الله»: وفي رواية مالك: ”فقالوا يا رسول الله إنَّها ميِّتة“، وفي البخاري قالوا قال ابن حجر لم أقف على تعيين القائل.
قوله: «إِنَّمَا حُرِّم أكلها» بفتح الحاء وضم الراء وبضم الحاء وكسر الراء الثقيلة روايتان، وفيه تخصيص الكتاب بالسنَّة، لأنَّ قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:2] شامل لجميع أجزائها في كلِّ حال، فخصَّه بالأكل. (3/183)
صفحة 744
قوله: «وأيَّما إهابٍ دبغ فقد طهر»: وقوله في حديث عائشة: ”أمَر صلى الله عليه وسلَّم أن يُنتَفع بجلد الميتة إذا دُبغ“، كلا الحديثين لجواز الانتفاع بالدباغ، فلا يصحُّ الانتفاع به قبل ذلك خلافا للزهري في تجويزه الانتفاع به مطلقا دبغ أو لم يدبغ، وظاهر العموم جوازُ الانتفاع بجلد مطلق الميتة إذا دبغ أيَّ ميتَةٍ كانت، واستثنى قوم عليه الأكثر من أصحابنا جلدَ الكلب والخنزير وما تولَّد منهما لنجاسة عينهما عندهم، وأخذ بعض بعموم الحديث فلم يستثنوا شيئًا. وقصر قومٌ الجواز على المأكول لحمه لوروده الحديث في الشاة، وقوَّاه بعضٌ بأنَّ الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذكي لم يطهر بالذكاة، فكذلك الدباغ، وأجيب بأنَّ التمسُّك بعموم اللفظ أولى من اعتبار خصوص السبب وبأنَّ الإذن بالانتفاع عام، ومنع قوم الانتفاع من الميتة بشيء دبغ الجلد أو لم يدبغ لحديث عبد الله بن غُلَيْم بضمِّ الغين ولام مصغرة قال: ”أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصب“ رواه أحمد والأربعة وحسنَّه الترمذي وصحَّحه ابن حبان وأعلَّه بعضهم بالاضطراب. والجواب بعد تسليم صحته أنَّه يحمل على الانتفاع به قبل الدبغ فإنَّ <2/148> لفظ إهاب منطبق عليه، وبعد الدباغ يسمَّى أديماً وجلدًا أو سختيانا، والله أعلم.
قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه أيضًا مالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
قوله: «أمر رسول صلى الله عليه وسلَّم أن يُنتفع بجلد الميتة إذا دُبغ»: وفي رواية مالك: ”أن يستمتع بجلود الميتة إذا دُبغت“، والمعنى واحد، والأمر للإباحة، وفيه التقييد لجواز الانتفاع بالدباغ كما مَرَّ، والله أعلم.
قوله: «شرُّ الطعام»: الحديث تقدَّم شرحه في باب جامع الصدقة والطعام، وروايته هنالك: ”ويترك الفقراء“ مكان قوله: ”ويترك المساكين“، وهما روايتان أيضًا عند قومنا، والله أعلم.
كتاب الحج (3/184)
صفحة 745
قولُه: «الحج»: هو في اللغة القصدُ، وقال الخليل كثرة القصد إلى معظَّم، وفي الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة، وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، قيل إن الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم، وقيل بالفتح الاسم، وبالكسر المصدر، وقيل بالعكس وهو الظاهر. ووجوب الحج معلومٌ من الدين بالضرورة، وهو أحد أركان الإسلام التي بني عليها، وأجمعوا أنَّه لا يتكرَّر إِلاَّ لعارض كالنذر، وتجديد الإسلام بعد الردة لمن حجَّ في الإسلام الأوَّل، واختلف هل هو على الفور أو على التراخي وهو خلاف مشهورٌ، ثم اختلف في وقت ابتداء فرضه فقيل فرض قبل الهجرة وهو شاذ، وقيل بعد الهجرة، ثمَّ اختُلف في سنة فرضه فالجمهور من قومنا على أنَّها سنة ستٍّ، وقيل سنة خمس، وقيل سنة تسع، وقيل <2/149> سنة عشر، وحجَّ بالناس سنة ثمان، وهي عام الفتح عتاب بن أسيد، وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة وكانت حجته صلى الله عليه وسلَّم سنة عشر، قال المحشِّي: والمنصوص عليه عندنا أنَّه فُرض عام تسع، وحجَّ صلى الله عليه وسلَّم عام عشر، قال وهو دليل من قال أنَّه على التراخي، وقال غيره ليس يتحقَّق في تأخيره عليه الصلاة والسلام تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنَّه كان يعلم أنَّه يعيش حتَّى يحجُّ ويعلِّم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ، وقيل الأظهر أنَّه عليه الصلاة والسلام أخَّره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكَّة، وأمَّا تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء، وأمَّا تأخيره عن سنة تسع فلكراهة الاختلاط بالمشركين الذين يطوفون بالبيت عراة، والله أعلم.
الباب الأوَّل في فرض الحج (3/185)
صفحة 746
قوله:«في فرض الحج»: أي في الأدلَّة الدالَّة على فرضه من السنَّة أمَّا الكتاب فقد نطق بوجوبه في غير موضع من ذلك قوله تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97]، وقوله: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ} [البقرة:196]، والإجماع على فرضه لمن استطاع معلوم بالضرورة.
ما جاء فيمن أدركته فريضة الحج وهو شيخ هرم
قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه أيضًا الجماعة، إلاَّ قوله: «قال ”أرأيت لو كان على أبيك دين إلخ..“» فإنَّهم لم يذكروه في هذا الحديث، وإنَّما ذكره البخاري عن ابن عبَّاس في امرأة من جهينة سألت النبي عن حجٍّ نذرت به أمَّها فماتت قبل أن تحج، ولأحمد والنسائي معناه من حديث عبد الله بن الزبير في رجل من خثعم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عن أبيه وقد أدركه الإسلام وهو شيخ كبير ثمَّ ذكر معنى حديث الباب؛ ولاختلاف الرواية <2/150> في ذلك اختلف العلماء هل المسؤول عنه رجل أو امرأة، والصحيح أنَّهما قضيتان روى كلتيهما المصنِّف رضي الله عنه، وأنَّ الخثعمية سألت عن أبيها، وفي حديث أنس الآتي سؤال رجل عن أمه. (3/186)
صفحة 747
قوله: «كان الفضل بن العباس»: هو ابن عبد المطلب شقيق عبد الله بن عبَّاس، يكنَّى أبا عبد الله، وقيل أبا محمَّد وهو أكبر ولد العبَّاس وبه كان العبَّاس يكنَّى وكذلك أم الفضل لبابة بنت الحارث، غزا مع النبيء صلى الله عليه وسلَّم الفتح وحنينا، وثبت معه حين انهزم الناس وشهد معه حجَّة الوداع، وكان رديفه يومئذ وكان من أجمل الناس، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلَّم وعن ابن عبَّاس عن أخيه الفضل بن عبَّاس قال: ”أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من جمع إلى منى فلم نزل نلبِّي حتَّى رمى الجمرة“ وشهد الفضل غسل النبي صلى الله عليه وسلَّم وكان يصبُّ الماء على علي بن أبي طالب، وقتل يوم مرج الصفرة، وقيل يوم أجنادين، وكلاهما سنة ثلاث عشرة في قول، وقيل بل مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بالشام، وقيل بل استشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، ولم يترك ولدا إِلاَّ أم كلثوم تزوجَّها الحسن بن علي ثمَّ فارقها، فتزوجها أبو موسى الأشعري.
قوله: «رديف رسول الله»: أي على عجز دابته، وذلك في حجَّة الوداع كما تقدَّم.
قوله:«من خَثْعَم»: بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة أبو قبيلة كبيرة من اليمن، سُمُّوا به ويجوز منعه وصرفه
قوله: «تستفتيه»: أي تطلب منه بيان الحكم في قضيتها المذكورة في الحديث.
قوله: «فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه»: وكان كلُّ واحد منهما وضيئا جميلا.
قوله: «يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر»: وذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام أخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، ووقع في رواية الطبري في حديث علي: ”وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشقِّ صرف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وجه الفضل إلى الشق <2/151> الآخر، فإذا جاءت إلى الشقِّ الآخر صرف وجهه عنه“ وقال في آخره: ”رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان“. (3/187)
صفحة 748
قوله: «فريضة الله على العباد في الحج»: هذا هو موضع الاستدلال بالحديث في الباب فإنَّه صلى الله عليه وسلَّم أقرها على قولها هذا، وفيه أنَّ فرضه معلوم عنهم مستقرٌ في أذهان صغارهم وكبارهم ورجالهم ونسائهم.
قوله: «أدركت أبي شيخًا كبيرًا»: وذلك بأن أسلم شيخا وله مال أو حصل له المال في هذا الحال أو نزل فرض الحج وهو شيخ هرم، وفيه دليلٌ على وجوب الحج على الزَّمِن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه، وقيل: إذا لم يسبق الوجوب حالة الشيخوخة بأن لم يملك ما يوصله إِلاَّ بعدها فلا يلزمه الحج لاشتراط الاستطاعة في الحج وليس للزمن استطاعة.
قوله: «أفأحج عنه؟»: أي أيجزيه إن حججتُ عنه؟
قوله: «أرأيتِ»: بكسر التاء أي أخبريني. و«دَينٌ»: بفتح الدال هو حقُّ العباد.
وقوله: «فقضيتِهِ»: بكسر التاء أي دفعتِه إلى صاحبه. (3/188)
صفحة 749
وقوله: «فذاك ذاك»: أي فالحجُّ مثل الدَّين، وفي رواية عند الشيخين عن ابن عبَّاس: ”في الذي سأل النبيء صلى الله عليه وسلَّم عن نذر أخته بالحجِّ وماتت قبل أن تحجَّ فقال له النبيء صلى الله عليه وسلَّم لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض دين الله فهو أحقُّ بالقضاء“، وفي الحديث قياس دين الله تعالى على دين العباد، وقد استدل به الأصوليون على ثبوت القياس من السنة وهو واضح وفيه أيضًا دليل على أنَّه يجزي حجُّ الغير عن المكلَّف إذا كان به آفة لا يرجى برؤها، مثل الهرم فإنَّه لا يرجى زواله، أمَّا إذا كان علَّة يرجى برؤها مثل المرض والجنون فلا يصحُّ أن يحجُّ عنه في حياته، وقيل: لا بدَّ في صحَّة التحجيج عنه من وجود أمرين: عدم ثباته على الراحلة والخشية من الضرر عليه من شدِّه، فمَن لا يضرُّه الشدُّ كالذي يقدر على المحفة لا يجزيه حجُّ الغير عنه لما سيأتي في حديث أنس من ”قول الرجل في أمِّه: لا تستطيع أن أُركِبَها على البعير وإن ربطتُها خفتُ عليها أن تموت“، <2/152> وكأنَّ الربيع رضي الله عنه قد استنبط من هذا الحديث جوابه لإمام المسلمين بالمغرب عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن رضي الله عنهما حين أراد الحجَّ فمنعه علماء نفوسة خوفًا عليه من بني العبَّاس، واستفتى في أمره الإمامين في الدِّين الربيع بن حبيب البصري ومحمَّد ابن عباد المصري، فكان من جواب الربيع جواز إعطاء الأجرة لمن يحجُّ عنه، حيث كان مشغولا بأمر المسلمين والإسلام مع خوفه على نفسه من ملوك الشرق وكان من جوابه ابن عباد سقوط فرض الحج بِالكُلِّيَّةِ عمَّن كان بهذه الصِّفة والخلاف في هذه المسألة فرع الخلاف في مسألة من وجد المال بعد الهرم، فأخذ الإمام بقول الربيع رضي الله عن الجميع، واتَّفق: القائلون بإجزاء الحجِّ عن فريضة الغير بأنَّه لا يجزي إِلاَّ عن موت أو عدم قدرة من عجز، ونحوه بخلاف النفل فإنَّه قيل بجواز النيابة عن الغير فيه (3/189)
صفحة 750
مطلقا للتوسيع في النفل، وقيل: الحجُّ عن فرض الغير لا يجزي أحدًا وأنَّ هذا الحكم يختصُّ بصاحبة هذه القصَّة، ورُدَّ بأنَّ الاختصاص خلاف الأصل، وقيل: تختصُّ النيابة بالولد لأنَّ الواقعة وقعت في ذلك، والجواب: أنَّها واقعة حال لا تخصِّص الحكم، ثمَّ إنَّه وقع في رواية الشيخين عن ابن عبَّاس نظير هذه القضية في رجل سأل عن أخته إلخ، ثمَّ إنَّه عليه الصلاة والسلام نبَّه عن العلَّة بقوله: ”أرأيتِ لو كان على أبيكِ دينٌ“ إلخ، فجعله كالدَّين والدَّين يصحُّ أن يقضيَه غير الولد بالاتفاق، والله أعلم.
ما جاء في وجوب الحج على التراخي
قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم. (3/190)
صفحة 751
قوله: «لم يحج إِلاَّ بعد عشر حِجَج»: بكسر المهملة: أي سنين، يعني أنَّه صلى الله عليه وسلَّم لم يحج بعد الهجرة إِلاَّ بعد عشر سنين منها وهي حجَّة الوداع، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، قال ابن سعد: لم يحج غيرها منذ <2/153> تنبأ إلى أن توفاه الله. وفي البخاري عن زيد بن أرقم أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلَّم غزا تسع عشرة غزوة وأنَّه حجَّ بعدما هاجر حجَّة واحدة وهي حجَّة الوداع ولم يحج بعدها. قال ابن إسحاق وأخرى بمكة، وقيل: حجَّ بمكة حجتين وقال ابن حزم حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم واعتمر قبل النبوءة وبعدها وقبل الهجرة وبعدها حججا وعمرا لا يعلمها إِلاَّ الله، وكذا قال ابن أبي الفرج، وقال السهيلي: لا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إِلاَّ حجَّة الوداع وإن حج مع الناس إذ كان بمكة فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج، فقد ذكر أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا ينقلون الحج عن حساب الشهور الشمسية ويؤخرونه في كلّ سنة أحد عشر يوما وقد كان النبي صلى الله عليه وسلَّم أراد أن يحجَّ مَقفلَه من تبوك، وذلك إثر فتح مكَّة بيسير، ثمَّ ذكر أن بقايا المشركين يحجون ويطوفون بالبيت عراة فأخرَّ الحج حتَّى نبذ إلى كلِّ ذي عهد عهده، وذلك في السنة التاسعة، ثمَّ حجَّ في العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك، والله أعلم. (3/191)
صفحة 752
قوله: «ولا أنكر على من تخلَّف» الخ: هذا منه رضي الله عنه استدلالا على أنَّ وجوب الحج على التراخي، واستدلاله بوجهين: أحدهما فعله صلى الله عليه وسلَّم في تأخير الحجِّ إلى السنة العاشرة، والثاني تقريره وهو عدم إنكاره على المؤخِّرين، والقول بالتراخي هو مذهب الجمهور منَّا وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمَّد والشافعي، وقال قوم إنَّه على الفور، وبه قال بعض أصحابنا وأبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الاستدلال المتقدِّم بأنَّه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج ومن جملة الأقوال أنَّه فرض في سنة عشر فلا تأخير ولو سلم أنَّه فرض قبل العاشرة، فتراخيه صلى الله عليه وسلَّم إِنَّمَا كان لكراهة الاختلاط في الحجِّ بأهل الشرك لأنَّهم كانوا يحجُّون ويطوفون بالبيت عراة، فلمَّا طهر الله بيت الحرام منهم حجَّ صلى الله عليه وآله وسلَّم، فتراخيه لعذر، ومحلُّ النزاعِ التراخي مع عدم العذر، وحجة القائلين بالفور حديث ابن عبَّاس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ”تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإنَّ أحدكم لا يدري ما يعرض له“ رواه أحمد، وعن سعيد بن <2/154> جبير عن ابن عبَّاس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: ”من أراد الحجَّ فليتعجَّل فإنَّه قد يمرض المريض وتضلُّ الراحلة وتعرض الحاجة“ رواه ابن ماجه، وعن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كلَّ من كان له جدَّة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. رواه سعيد في سننه، والله أعلم.
ما جاء أنَّ الحج لا يجب في العمرة إِلاَّ مرَّة
قوله: «عن أنس بن مالك الحديث»: لأحمد والنسائي معناه من حديث ابن عبَّاس، ولهما أيضًا ولمسلم من حديث أبي هريرة. (3/192)
صفحة 753
قوله:«صلَّى الظهر ذات يومٍ فجلس»: الظاهر أنَّ هذا كان بعد افتراض الحجِّ لسؤال الأقرع عن وجوبه كلَّ عام، وفي حديث أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقال: ”يا أيها الناس قد فرض عليكم الحجَّ فحجُّوا، فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله فسكت“ الخ، ونحوه في حديث ابن عبَّاس، ويجمع بينه وبين حديث الباب بأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم خطب الناس بعد صلاة الظهر بفرض الحجِّ ثمَّ جلس، فقال: سلوني عمَّا شئتم إلخ. قال المحشِّي: هذا الحديث هو سبب نزول قوله تعالى: {يآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنَ اَشْيَآءَ اِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة:101]، على ما ذكره بعضهم.
قوله: «فقال الأقرع بن حابس»: بن عقال بن محمَّد بن سفيان بن مجاشع بن درام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم قدم على النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم مع عطارد ابن حاجب بن زرارة والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم من أشراف تميم بعد فتح مكَّة، وقد كان الأقرع بن حابس التميمي أو عيينة بن حصن الفزاري شهدا مع رسول <2/155> الله صلى الله عليه وسلَّم فتح مكَّة وحنينا وحضرَا الطائف وكانا من المؤلفة قلوبهم، والظاهر أنَّ الأقرع كان يومئذ كافرا لأنَّ إسلامَه كان في قدومه مع وفد تميم بعد الفتح، وشهد الأقرعُ مع خالد بن الوليد حربَ أهل العراق، وشهد معه فتح الأنبار، وهو كان على مقدِّمة خالد بن الوليد واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خرسان فأطيب بالجوزجان هو والجيش.
قوله: «الحجُّ علينا واجبٌ في كلَّ عام»: قيل إِنَّمَا سأل عن ذلك لأنَّ الحج في تعارفهم هو القصد بعد القصد، فكانت الصيغة موهمة للتكرار، وقيل بل الأظهر أنَّه قاس الحج على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال، ولم يدر أنَّ تكراره كلّ عام بالنسبة إلى جميع المكلَّفين من جملة المحال. (3/193)
صفحة 754
قوله: «لو قلتُ نعم لوجبت»: أي فريضة الحجَّ، واستدلَّ به القائلون أنَّ الإيجاب كان مفوَّضا إليه صلى الله عليه وسلَّم كما استدُّلوا بقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَآئِيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَىا نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} [آل عمران:93]، وفي المسألة خلاف مبسوطٌ في الأصول، ورُدَّ بأنَّ قوله: «لو قلتُ نعم» أَعَمُّ من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحيٍ نازلٍ أو برأيٍ يراه إن جوَّزنا له الاجتهاد، مع أنَّ القول من تلقاء نفسه مجرَّدًا عن وحيٍ جليٍّ أو خفيٍّ مردودٌ لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىا إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىا} [النجم:3،4]، وأمَّا تحريم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فقد قيل لنذر نذره، كان به عرق النساء فنذر إن شُفي أن يُحرِّم على نفسه أحبَّ الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه فحرَّمه، وقيل: أشارت عليه الأطبَّاء باجتنابه ففعل ذلك بإذن من الله، فهو كتحريم الله ابتداءًا.
قوله: «ولو وجبت لم تفعلوا»: أي لم تُؤدُّوها لعجزكم عن ذلك، فإنَّ الاستطاعة لا تحصل لجميع الناس في كلِّ عام، وفي حديث ابن عبَّاس: ”ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها“.
قوله: «ولولم تفعلوا لكفرتم»: وذلك لتركهم الفرض حينئذ، وترك الفرض كفرُ نعمةٍ، وقد قال تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ <2/156> مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97].
ومعنى قوله: «ومن كفر»: أي بترك الحجِّ بعد وجوبه عليه بالاستطاعة، ففي الآية والحديث دليلٌ على أنَّ تارك الفرض يسمَّى كافرا. (3/194)
صفحة 755
قوله: «إذا نهيتُكم عن شيءٍ فانتهوا»: أي فاتركوه كلَّه، فإنَّ فاعل بعض المنهي عنه مرتكبٌ لنهي الشرع، ومن هنا قيل إن التوبة عن بعض المعاصي لا تصحُّ لأنَّه لا يصحُّ أن يكون مصرًّا تائبا في حال واحد.
قوله: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»: وذلك لأنَّ الاستطاعة شرطٌ في تعلُّق الوجوب، وتوجه الأمر، قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وإذا استطاع بعض المأمور به دون بعض فعل ما استطاع وسقط عنه ما لم يستطع، ولا يجوز ترك الكل لأنَّ ما لا يدرك كله لا يترك كلُّه، بل يفعل المقدور عليه لهذا الحديث، قال الطيبي: هذا من أجلِّ قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم، قال: ويندرج فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإنَّه إذا عجز عن بعض أركانها وشروطها يأتى بالباقي منها، والله أعلم.
ما جاء في حجِّ الرجل عن أمِّه
قوله:«أتى رجلٌ»: قيل اسمه حُصين بن عوف الخثعمي، والظاهر أنَّ هذه القصَّة غير قصَّة الخثعمية، لأنَّ الخثعمية إِنَّمَا سألت عن الحجِّ عن أبيها، والرجلُ إنَّما سأل عن أمِّه، فهما قصَّتان، واستظهر ابن حجر أنَّ السائل رجلٌ وكانت ابنته معه فسألت أيضًا، والمسؤل عنه أبو الرجل وأمه جميعا، وهذا منه ذهاب إلى اتحاد القصتين، قال ووقع فيها السؤال من الرجل عن أبيه واستظهر غيره أنَّ هذه القصَّة غير قصة الخثعمية، قال: ومن جمع بينهما فقد أبعد وتكلف، قال: واسم الرجل السائل عن أبيه لقيطُ بن عامر، وهو أبو رَزِين بفتح الراء وكسر الزاء العقيلي بالتصغير. (3/195)
صفحة 756
<2/157> قوله: «قال نعم»: أي حجَّ عنها، قيل ويؤخذ منه أنَّه إذا تبرع أحدٌ بالحج عن غيره لزمه الحجُّ عن ذلك الغير وإن كان لا يجب عليه الحجُّ، ووجهه أنَّ الرجل لم يُبَيِّن أنَّ أمه مستطيعة للزاد والراحلة، ولم يستفسر صلى الله عليه وسلَّم عن ذلك، وهذا إن أُريد به اللزوم بعد الدخول في الحج بالإحرام فمسلم، وهذا ظاهر الصواب، لكنَّ سياق الحديث لا يساعده، وإن أُريد به لزوم قبل ذلك فمردود بأنَّه ليس في الحديث إِلاَّ الإجزاء لا الوجوب فإنَّ الوجوب لم يتعرَّض له، وبأنَّه يجوز أن الرجل قد عرف وجوب الحجِّ على أمه لأنَّ شرط الاستطاعة معلومٌ عندهم، والله أعلم.
الباب الثاني في المواقيت في الإحرام
قوله:«في المواقيت في الإحرام»: وفي حرم مكَّة والمدينة، وفي بعض النسخ: باب المواقيت، ولم يذكر الإحرام، والمواقيت: جمع ميقات وهو الموضع المحدود للشروع في الإحرام، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقتٌ مختصٌّ به اتسع فيه فأُطلق على المكان أيضًا.
ما جاء في بيان المواقيت
قولُه: «وقَّتَ»: بتشديد القاف، أي جعل ذلك الموضع ميقات الإحرام، أي بيَّن حدَّ الإحرام وعيَّن موضعه.
قوله: «أن يُهِلُّوا»: أي يرفعوا أصواتهم بالتلبية للإحرام.
قوله: «من ذي الحُلَيْفَة» بمهملة مضمومة تصغيرُ حَلَفَة، وزان قصَبَة وهي نبتٌ في الماء جمعُها حلفاء، وذو الحليفة على فرسخين من المدينة وعشر مراحل من مكة، وهو ماءٌ من مياه بني جشم وقد اشتهر الآن ببئر علي، ولم يعرف مسمِّي هذا الاسم، وما قيل أنَّ عليا قاتَل الجنَّ في بئر <2/158> فيها كذب لا أصل له، وبها مسجدٌ يعرف بمسجد الشجرة خرِّب. (3/196)
صفحة 757
قوله: «ولأهل الشام الجُحْفَة»: بضمِّ الجيم وسكون الحاء موضع بين مكَّة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الحليفة على خمسين فرسخا من مكَّة على ما ذكروا، وكان اسمه مهيعة فاجحف السيل بأهلها، فسُمِّيَت حُجْفَة؛ يقال: أجحف إذا ذهب به، وسيل جحاف إذا جرف الأرض وذهب بها، قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون بيثرب فوقع بينهم وبين بني عَبِيل (بفتح المهملة وكسر الموحدة) وهم إخوة عاد حربٌ، فأخرجهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيلٌ فاجتحفهم أي استأصلهم، فسُميت الجُحْفَة، واختصت الجُحفة بالحمَّى فلا ينزلها أحدٌ إلاَّ حُمَّ، وهي قرية قديمة، وهي الآن خراب، ولذا يُحرمون الآن من رَابِغْ قبلها بمرحلة، لوجود الماء بها للاغتسال. والجحفة ميقات لأهل الشام إن لم يمروا بالمدينة، فإن مروا بها لزمهم الإحرام من ذي الحليفة، قيل إجماع، وحكى بعضهم الترخيص عن أبي ثور، والمالكيَّة قالوا: له التأخير إلى الجحفة، وعن الحنيفة يجوز لمدني أيضًا تأخيره إلى الجحفة، والمشهور عندنا أنَّه إذا مَرَّ بميقات لا يجاوزه إلاَّ مُحرِما، والخلاف أيضًا موجودٌ في كتب المذهب.
قوله: «ولأهل نجدٍ قَرْنًا»: ويسمَّى أيضًا قرنُ المنازل، وهو بسكون الراء وتحريكُها خطأٌ: جبلٌ مدوَّر أملس كأنَّه بيضة مشرف على عرفات، و«نجد»: اسم لِكُلِّ مكانٍ مرتفع، وسمِّي به عشرة مواضع والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق. (3/197)
صفحة 758
قوله: «ولأهل اليمن يلملم»: بياء قبل اللام الأولى، ويقال: ألملم بإبدال الياء همزة، ويقال أيضًا يرمرم بإبدال اللامين راء، وقيل: يقال أيضًا رمرم بلا ياء، وفي أكثر نسخ المسند لملم بلامين بعد كلِّ واحدة منها ميم، ولم أجده في الشيء من كُتب اللغة، وهي لغةٌ مشهورة في لغتنا، وبذلك ذكرها ابن النظر في قصيدة الحجِّ من دعائمه، وهو أحفظُ أهل زمانه بلغة العرب، وقد ذكرها أهلُ اللغة في باب الميم من فصل اللام، وكأنهم أشاروا بذلك إلى زيادة الياء وهو جبل بين جبال تهامة على ليلتين من مكَّة. (3/198)
صفحة 759
قوله: «ولأهل العراق ذات عرق»: بكسر العين موضعٌ فيه عرقٌ، وهو الجبل <2/159> الصغير على مرحلتين من مكَّة، وكون ذات عرق ميقاتًا لأهل ثبت بهذا الحديث عند المصنِّف، وبحديث جابر عند مسلم وأحمد وابن ماجه وبحديث عائشة عند أبي داود والنسائي، وقيل كون ذات عرق ميقاتا ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه، وفي البخاري عن ابن عمر لما فتح المصران البصرة والكوفة في زمن عمر رضي الله عنه، أي أسَّسَتَا حينئذ إذ هما إسلاميتان أتو عمر فقالوا: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حدَّ لأهل نجدٍ قرنًا وإذا أردنا أنَّ نأتي قرنا يشقُّ علينا: ”قال فانظروا حدودها من طريقكم“ فحدَّ لهم ذات عرق، وجمع بينهما بأنَّ عمر رضي الله عنه لم يبلغه الخبر فاجتهد فيه فأصاب ووافق السنة، فهو من عاداته في موافقاته ولا ينافي ذلك أنَّ العراق لم يفتح إِلاَّ بعد وفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه علم أنَّه سيفتح فوقَّت لأهله ذلك كما وقَّت لأهل الشام الجُحفة قبل فتحها، وكان أبو سفيان رضي الله عنه يقول: لو أنَّ وفدا قدموا من العراق حتَّى انتهوا إلى ذات عرق فلم يدروا من أين الإحرام، فقال لهم الأعرابي يبول على عقبيه لا ينبغي لأحد أن يجاوز هذا الحد إلى مكَّة إلاَّ وهو محرم لزمهم ذلك وقد قامت عليه الحجَّة، وهذا منه رضي الله عنه بناء على أنَّ ذات عرق من جملة المواقيت المنصوص عليها، ويجوز تقديم الإحرام قبل الميقات. (3/199)
صفحة 760
قال أبو صفرة رحمه الله تعالى كنَّا نُحرِم من جدَّة في الصيف فلمَّا جاء الشتاء شقَّ ذلك بنا فصرنا نُحرم من ذات عرق، وذلك أنَّه كان رحمة الله عليه من أهل العراق، وكلامه هذا يدلُّ على أنَّ جدَّة كانت أبعد من مكَّة من ذات عرق، فهم يحرمون منها قبل الميقات، فمن فهم من كلامه أنَّ جدة ميقاتٌ مستقلٌّ فليس بسديد، ثمَّ إن أهل خراسان ونحوهم كأهل العراق ميقاتُ الكلِّ ذات عرق؛ لأنَّهم يمرُّون عليها والمواقيت إِنَّمَا وقتت لأهل تلك الجهة ولمن مَرَّ عليها من غيرهم، كما في حديث ابن عبَّاس عند الشيخين قال: ”فهنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله“، وكذلك حتىَّ أهل مكَّة يهلون منها وفي الترمذي وحسَّنه أنَّه صلى الله عليه وسلَّم وقت لأهل المشرق العقيق، وهذا لا ينافي حديث الباب، فإنَّ عرقا جبلٌ مشرفٌ على العقيق فمن أحرَم من العقيق فقد تقدَّم إحرامه على الميقات بقليل، والإحرام منه أحوط، ونظيره الحجفة ورابغ فإنَّه مقدَّم عليها كما مَرَّ، والاحتياط في الإحرام من السابق. وقريةُ <2/160> ذات عرق خُرِّبت، ومن ثمَّ قيل يجب على العراقيِّ أن يتحرَّاها ويطلب آثارها القديمة ليُحرِم منها، ومعنى وجوب ذلك أي لا يجاوزها غير محرِم، وإلاَّ فيصح له أن يقدم إحرامه عليها احتياطا. ورآى سعيد بن جبير رجلا قصد ذات عرق ليُحرم منها فأخذ بيده حتَّى خرج به من البيوت فقطع به الوادي حتَّى وافى به المقابر فقال: هذه ذاتُ عرقٍ الأولى لا تلك، والله أعلم.
ما جاء في حرم المدينة (3/200)
صفحة 761
قوله: «طلع له أُحُدٌ»: أي ظهر له، وذلك عند رجوعه من غزوة خيبر. وقد أخرج البخاري الحديث مطولا. «وأُحُد»: بضمتين: جبل مشهور بالمدينة على أقلّ من فرسخ سمِّي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، وكان به الوقعة المشهورة في أوائل شوَّال سنة ثلاث من الهجرة، قيل فيه قبر هارون أخي موسى عليهما السلام، وهو مذكر فينصرف، وقيل يجوز التأنيث على معنى البقعة، فيمتنع صرفه، وليس بالقوي. (3/201)
صفحة 762
قوله: «هذا جبلٌ يحبُّنا ونُحبِّه»: اختلف العلماء في معنى هذا الكلام على أقوال أحدها: أنَّه على حذف المضاف؛ والتقدير يحبُّنا أهله، والمراد بهم الأنصار لأنَّهم جيرانه، ثانيها: أنَّه قال ذلك للمسرَّة بلسان الحال عند قدومه من السفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحِبُّ لمن يحِبُّ، ثالثها: إن الحبَّ من الجانبين على حقيقته والكلام على ظاهره لكونِ أحُد من جبال الجنَّة لحديث أبي عباس بن جبر مرفوعا: ”جبل أحد يُحبِّنا ونحبُّه وهو من جبال الجنَّة“، أخرجه أحمد ولا مانع في جانب الجبال من إمكان الحبِّ كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه صلى الله عليه وسلَّم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: ”اسكُن أحُد“، ورابعها: أنَّه كان صلَّى الله عليه وسلَّم يحِبُّ الفال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسَنَ من اسم مشتقٍّ من الأُحَدِية حركاتُ حروفه <2/161> الرفعُ، وذلك يُشعر بارتفاع دين الأحد وعلُوِّه فتعلَّق الحبُّ من النبيء صلى الله عليه وسلَّم به لفظا، ومعنى مختص من بين الجبال بذلك، والله أعلم. والمختار عندي إبقاء الكلام على ظاهر كما رجَّحه جماعة، وليس وضع الحبِّ فيه محالا، فقد سخَّر سبحانه تعالى الجبال أن يسبِّحن مع داود بالعشي والإشراق، ووضع الخشية في بعض الحجارة حتَّى هبط منها الماء، وقد حنَّ الجذع لفراقه صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى سمع الناس حنينه، وسلَّم عليه الحجر والشجر، فلا ينكر وضع حبِّ الأنبياء في الجمادات وذلك إشارة إلى مزيد حبِّه تعالى إيَّاه، حتَّى وضع حبه في الحجر مع فرط يبسه وقوَّة صلابته، وأمَّا حبُّه صلى الله عليه وسلَّم للجبل فلا بُعد فيه؛ إذ حبُّ البقاع معهودٌ عند الناس، والله أعلم. (3/202)
صفحة 763
قوله: «إن إبراهيم حرَّم مكَّة»: أي بتحريمك إيَّاها على لسانه، فإنَّ إبراهيم عليه السلام إِنَّمَا حرمها بأمر الله لا باجتهاده، لما جاء في بعض الروايات: ”هذا بلدٌ حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض“، والمعنى أنَّ الله قضى يوم خلق السموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة، أو المعني أنَّ إبراهيم أوَّل من أظهر تحريمها بين الناس، وكان قبل ذلك عند الله حرامًا، وَأَوَّل من أظهره بعد الطوفان.
قوله: «وإنَّا أُحرِّم ما بين لابتيها»: يعني المدينة، واللابتان: بتخفيف الموحدة، تثنية لابة: وهي الحرَّة: وهي أرضٌ ذات حجارة سودٍ، وقد اكتنف المدينة حرارٌ أربع، والمراد في الحديث الشرقية والغربية، وأمَّا القبيلة والجنوبية فمتصلتان بها، وقد ردَّها حسان إلى حرَّة واحدة في قوله:
لنا حرَّةٌ مأطورةٌ بجبالها بنى العزُّ فيها بيته فتأثلا (3/203)
صفحة 764
ومعنى مأطورة، أي معطوفة بجبالها لاستدارة الجبال بها، والجبال هي الحجارة السود، وتحريمه صلى الله عليه وسلَّم ما بين لابتيها إِنَّمَا كان في حقِّ الصيد وأمَّا الشجر فبريد في بريد في دورها كلّها، وقد روى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال: ”حمى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كلّ ناحية من المدينة بريدًا بريدًا ولا يخبط شجره ولا يعضد إِلاَّ ما يساق به الجمل“، <2/162> ووقع في رواية الشيخين كما حرَّم إبراهيم مكَّة والتشبيه في الحرمة فقط لا الجزاء؛ لأنَّه لم يكن في شريعة إبراهيم جزاء الصيد وإنَّما هو شيء ابتلى الله به هذه الأمَّة، كما قال عزَّ من قائل: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ}[المائدة:94]، ولم يكن قبل ذلك، والصحابة فهموا المراد في تحريم صيد المدينة، فتقلوه بالوجوب دون جزاء، والأصل براءة الذمَّة فلا يجب فيها شيءٌ إِلاَّ بيقين، هذا قول أكثر العلماء، وقالت فرقة من قومنا ومال إليه أبو محمَّد من أصحابنا في صيدها الجزاء، لأنَّه حَرَمُ نبيءٍ كما أنَّ مكَّة حرم نبيء، وهذا القياس غير كافٍ في إثبات المطلوب، لأنَّ أمر الجزاء شيء غير التحريم، وقالت الحنفيَّة ليس للمدينة حرمٌ كمكَّة فلا يحرم عندهم صيدها، ولا قطع شجرها، قالوا: لأنَّ حل الاصطياد عرف بنصوص القاطعة، فلا يحرم إِلاَّ ببراهن ساطعة، قالوا: ومرويهم محتملٌ، وهو لا يصلح حجَّة، والجواب أنَّ حلَّ الصيد بالعمومات محتمل للتخصيص، وأن حديث الباب كاف، لذلك أن العموم يخصص بالآحاد، ولا شكَّ في صحَّة الخبر وتأويل التحريم بالإحترام بعيدٌ جدًّا، والله أعلم.
ما جاء في حرم مكة
قوله: «مكَّة حرامٌ»: أي محرَّمة محترَمَة، لا يجوز لأحدٍ انتهاك حُرمتها إلى يوم القيامة. (3/204)
صفحة 765
وقوله: «حرَّمَها الله»: تأكيدٌ لهذا التحريم، وإيماء إلى عدم النسخ، ولا ينافيه قوله: ”إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة“، لأنَّ إبراهيم عليه السلام مبلغ لأوامر ربه، ومُظهر لأحكامه، فالحكم بالتحريم على الحقيقة وهو لله تعالى أظهره على لسان إبراهيم؛ فهو يُضاف مرَّة إلى فاعله الحقيقي ومرَّة إلى مبلغه. (3/205)
صفحة 766
قولُه: «لا تحلُّ لُقْطَتُها»: هذا وما بعده تفصيلٌ للمحرَّم من مكَّة، والمعنى أنَّ لُقطَتَها لا تحلُّ لآخذها، إِلاَّ إذا أخذها ليعرِّفها لأهلها فيعطيهم إياها، واستثناء المعرِّف جاء عند الشيخين في حديث <2/163> ابن عبَّاس وهو عند المصنِّف أيضًا من بلاغ أبي عبيدة في آخر خطبته صلى الله عليه وسلَّم عام الفتح، ومن هنا قيل ليس في لقطة الحرام، إِلاَّ التعريف فلا يتملكها أحدٌ ولا يتصدق بها، وإنَّما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنَّها إن كانت لمكي فظاهر، وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفُقٌ غالبا من واردٍ إليها، فإذا عرفها في كلِّ عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، وقال قوم: هي كغيرها من البلاد، وإنَّما تختصُّ مكَّة بالمبالغة في التعريف، واحتجُّوا لذلك بظاهر الاستثناء من النفي؛ وهو قوله في حديث ابن عبَّاس عند الشيخين: ”إِلاَّ من عرَّفها“، قالوا بقي الحلُّ واستثنى المنشد، فدلَّ على أنَّ الحلَّ ثابت لمنشد، لأنَّ الاستثناء من النفي إثبات، والظاهر الأوَّل لأنَّه المتبادر من معنى الحديث، وأيضا فلو أراد نفس المبالغة في التعريف لبيَّنه، ولم يسند التحريم لنفس اللُّقطة، وبإسناده إليها يظهر أنَّ أخذها حرام، وأنَّها لا تحلُّ إِلاَّ لصاحبها تعظيمًا لحرم الله تعالى، فمن شقَّ عليه تعريفها فليُعرض عنها ولا يتعرَّض لها بشيء. قال أبو إسحاق قال قيس بن سليمان: اللُّقطة في الحرام يُستحبُّ تركها إِلاَّ أن يُعرف مالكها، وذلك لحال أنَّ الملتقط لا يقدر أن يعمُّ الخلق في ذلك الموقف لتعريفها، ولعلَّه يعود إليها صاحبها من ساعته فلا يجدها، والله أعلم. (3/206)
صفحة 767
الكتاب: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع؛ ولكن الأرقام الصحيحة وضعت بيْن <>] قوله: «ولا يعضد شجرها»: وفي حديث ابن عبَّاس عند الشيخين لا يعضد شوكه يعني الحرم، والعضد القطع والمعنى أنَّ قطع شجرها حرام ولو كان شوكا، وهذه هي الفائدة في إطلاق الشوك على الشجر في حديث ابن عبَّاس، ولذلك قيل بتحريم قَطْع الشوك ولو حصل التأذي به، وقيل بجواز قطع المؤذي منه، ورُدَّ بأنَّه مخالفٌ لإطلاق النصِّ وقيل: يشبه أن يكون المحظور منه الشوك الذي يرعاه الإبل دون الصلب الذي لا ترعاه، فإنَّه يكون بمنزلة الحطب، وقال القرطبي: خصَّ الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأمَّا ما نبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور على الجواز، قلت: وقد حكى المحشِّي الإجماع على جواز قطع ما أنبته الناس، ثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأوَّل فمذهب أصحابنا وعليه الشافعي ثبوت <2/164> الجزاء فيه فعن ابن عبَّاس أنَّه قال في الدوحة وهي الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الجزلة وهي الشجرة الوسطى شاة، وفي القضيب درهم، وقيل: في الدوحة جزور، وفي العود درهم، وفي القضيب الصغير نصف درهم، وفي الورقة طعام مسكين، وقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وسبب الخلاف عدمُ النص في الجزاء فمن أوجبه قاس الشجر على الصيد بجامع التحريم والحرمة، ومن لم يوجبه تعلَّل بعدم النص وبراءة الذمَّة في الأصل. (3/207)
صفحة 768
قوله: « ولا يُنَفَّر صيدها»: بضمِّ أوَّله وتشديد الفاء المفتوحة؛ قيل هو كناية عن الاصطياد، وقيل على ظاهره وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفَّره عصى، سواء تلف أوَّلاً، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلاَّ فلا، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى، وقد جاء الكتاب العزيز بثبوت الجزاء في قتل الصيد، قال تعالى:{وَمَن قَتَلَهُ, مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمْ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياَم بَالِغَ الكَعْبَةِ} [المائدة:95]، وألحق الجمهور بالعمد الخطأ فقالوا يلزمه الجزاء بالخطأ كالعمد، وقيل إنَّ الجزاء في الخطأ ثبت بالسنة، وقال سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئًا، وهو رواية عن الحسن والقول به شاذ، والآية إِنَّمَا ذكرت العمد موافقة حال؛ لأنَّها نزلت في العمد وأيضا ذكر العمد ليترتب عليه قوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} [المائدة:95]، فليس ذكره قيدًا، وقاس أبو محمَّد وجوب الجزاء في قتل الصيد خطأ على وجوب الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ، حيث كان الكلُّ خطأ في مُحرَّم اتلافه، ولما لم يكن الخطأ في قتل المؤمن دَافعا للدية والكفارة فكذلك لا يدفع جزاء الصيد، والله أعلم. (3/208)
صفحة 769
قوله: «ولا يُخْتَلا خلاها»: أي لا يُجَزُّ حشيشُها، والخلا بالمعجة والقصر: لا رطب من النبات الواحد خلاه مثل حصى وحصاة، وقيل: الخلا ما كان غضًّا من الكلا، وأمَّا الحشيش فهو اليابس ويقال اختليت الخلا اختلاءً، إذا قطعته ويقال أيضًا: خليته خليًا من باب رمى مثله، والفاعل مختل وخال. واستدل بالنهي عن قطعه على تحريم رعيه لكونه أشدَّ من الاحتشاش، وقال الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس خلاف <2/165> الاحتشاش فإنه المنهي عنه فلا يتعدَّى ذلك إلى غيره، وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه، وقيل لا بأس فيما أخرج من حطب الحرم اليابس الميِّت، وفيما يسقط من الشجر من الورق والثمر، ومنهم من رخًّص فيما يأكل الناس من شجر الحرام، ومنهم من رخًّص في السنا المكِّي أن يؤخذ للدواء بشرط أن لا يقلمه ولا يقطع له أصلاً، وتُعقِّب هذا كلُّه بأنَّ في استثناء الإذخر إشارةٌ إلى تحريم ما ذكر؛ إذ لو كان في غير الإذخر رخصة لاستثناه عليه الصلاة والسلام، والحال أنَّه لم يستثن إِلاَّ الإذخر، فبقي ما عداه على التحريم، والله أعلم. (3/209)
صفحة 770
قوله: «فقال عمُّه العباس»: أي عمُّ النبيء صلى الله عليه وسلَّم، وهو العبَّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، إلى آخر نسبه، وأمه نتيلة بنت خباب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد بن خزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وهي أوَّل عربية كست البيتَ الحريرَ والديباج وأصناف الكسوة، وسببه أنَّ العبَّاس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت، فوجدته ففعلت. وكنيته أبو الفضل، وكان صنو عبد الله والد النبيء صلى الله عليه وسلَّم، وكان أسنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بسنتين، وقيل بثلاثة سنين، وكان رئيسا في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهليَّة، أمَّا السقاية فمعروفة، وأمَّا عمارة المسجد الحرام فإنَّه كان لا يدع أحدًا يسبُّ في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجرًا، لا يستطيعون لذلك امتناعا لأنَّ ملأ قريش كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانا عليه، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بيعة العقبة لما بايعه الأنصار ليشدُدَ له العقد، وكان حينئذ مشركا، وكان مِمَّن خرج مع المشركين يوم بدر، وأُسر يومئذ فيمن أُسر وفدى نفسه وإبني أخيه عقيل ابن أبي طالب ونوفل بن حارث، وأسلم عقيب ذلك، ثمَّ هاجر وشهد مع النبيء صلى الله عليه وسلَّم فتح مكَّة، وانقطعت الهجرة وشهد حنينا، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حين انهزم الناس، وقحط الناس <2/166> في خلافة عمر فاستسقى به عمر فسقاهم الله فأخصبت الأرض، وتوفي بالمدينة يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل بل من رمضان سنة إثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان بسنتين، وصلَّى عليه عثمان، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، رضي الله عنه وأرضاه. (3/210)
صفحة 771
قوله: «إِلاَّ الإِذْخِر»: بكسر الهمزة والخاء: نبات معروف زكيُّ الريح، وإذا جفَّ أبيضَّ، وقال الربيع: نبتٌ يُصنع منه الحصر، وتسقف منه البيوت وزاد غيره: له أصل مندف وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وأهل مكَّة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدُّون به الخلل بين اللبنات في القبور، ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود.
قوله: «فقال إِلاَّ الإِذْخِر»: هذا جواب منه صلى الله عليه وسلَّم لعمِّه العبَّاس إسعافًا له بما طلب استثناءه لحاجة الناس إليه، واختلفوا هل كان قوله صلى الله عليه وسلَّم: ”إِلاَّ الإذخر“ بإشتهاد أو وحي، وقيل كأنَّ الله تعالى فوَّظ له الحكم في هذه المسألة مطلقا، وقيل أوحى إليه قبل ذلك أنَّه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجِب سؤاله، واستدل به على جواز النسخ قبل الفعل وليس بواضح، وعلى جواز الفصل بين المستثني والمستثنى منه، وأجيب: بأنَّ هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلَّم أراد أن يقول إِلاَّ الإذخر، فشغله العبَّاس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه، قلت: وينافيه ما سيأتي آخر خطبته صلى الله عليه وسلَّم يوم الفتح، فإنَّه ذكر فيها أنَّه صلى الله عليه وسلَّم سكت بعد كلام العبَّاس قليلا، والله أعلم.
الباب الثالث الإهلال للحج والتلبية (3/211)
صفحة 772
قولُه: «الإهلال للحج والتلبية»: الإهلال رفع الصوت، وأهلَّ المحرم إذا رفع <2/167> صوته بالتلبية وأهل المولود إهلالاً إذا خرج صارخا، والكلُّ مأخوذ من رفع الصوت عند رؤية الهلال؛ يقال: أهلُّوا الهلال إذا رفعوا أصواتهم برؤيته، ثمَّ استُعمل في رفع الصوت، والمراد منه هاهنا رفع الصوت بالتلبية أو التكبير أو الذكر، لأنَّه رحمه الله تعالى ذكر في باب الأحاديث الدالَّة على الأنواع الثلاثة. وأمَّا التلبية فهي قولُ المحرم: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك إلى آخر الحديث، وهي ركنٌ لا يمكن الدخول في الإحرام إِلاَّ بها؛ كتكبيرة الإحرام في الصلاة، وهو قولنا ووافقنا على ذلك الثوري وأبو حنيفة وابن حبيب من المالكيَّة، وبعض الشافعيَّة وأهل الظاهر، وهو قول ابن عمر وعطاء وطاوس وعكرمة، إِلاَّ أنَّ أبا حنيفة قال يجزي مكانها ما في معناها من تسبيحٍ وتهليلٍ وسائر الأذكار كما قال ذلك في تكبيرة الإحرام. وذهب مالك والشافعي وأحمد وآخرون إِلاَّ أنَّها سنَّة ليست بركن ولا شرط، فيصحُّ الحج بدونها عندهم، وقيل أوجب مالك الدم ولم يوجبه الشافعي، وقال بعض أصحابه هي واجبة تجبر بالدم ويصحُّ الحج بدونها، وهؤلاء يرون أن الذي لا يتمُّ النسك بدونه نية الدخول في النسك لخبر: ”إِنَّمَا الأعمال بالنيات“، والجواب: أنَّ التلبية من الأعمال المتوقِّفة على النية فلا تكفي النية عن العمل ولا يدلُّ الحديث على ذلك، وإنَّما غاية ما فيه توقف العمل على النية لا إقامة النية مقام العمل، والله أعلم.
ما جاء في تلبية النبيء صلَّى الله عليه وسلم
قوله: «إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم»: الحديث رواه مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر، فذكره وفي رواية الشيخين من حديث ابن عمر، قال: ”سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يهلُّ ملبِّيا يقول: لبَّيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك“، لا يزيد على هؤلاء الكلمات. (3/212)
صفحة 773
قوله: «لبيك اللهمَّ لبيك»: أي <2/167> ألبيتُ يا ربِّ بخدمتك إلبابا بعد إلباب من ألِب بالمكان أقام به، أي أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، وقيل: أي أجبتُ دعاءك إجابةً بعد إجابةٍ، والمراد بالتثنية التكثير، كقوله تعالى:{ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك:4] أي كرَّة بعد كرة، وحذف الزوائد للتخفيف، وحذف النون للإضافة، ثمَّ أنَّه لا خلاف أنَّ التلبية جوابُ الدعاء وإنَّما الخلاف في الداعي من هو، فقيل هو الله تعالى، وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقيل هو الخليل عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر عند بعض، واستصوب غيره أنَّ خطاب الجواب لله تعالى، فإنَّه الداعي إمَّا حقيقة وإمَّا حكما، ثمَّ على القول بأنَّ المنادي إبراهيم عليه الصلاة والسلام قيل وقف على مقامه أو بالحجون أو على جبل أبي قبيس، ولا مانع من وقوع الجميع، وقيل: لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له أذِّن في الناس بالحجِّ، قال: ربِّي وما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعلي البلاغ، قال: فنادى إبراهيم ياأيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت، فسمعه مَن بَينَ السماء والأرض، أفلا ترون الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبُّون، وفي رواية عن ابن عبَّاس أنَّهم أجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وَأَوَّل من أجابه أهلُ اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إِلاَّ من كان أجاب إبراهيم يومئذ.
قولُه: «لبيك لا شريك لك لبيك»: قيل التلبيةُ الأولى المؤكَّدة بالثانية لإثبات الألوهية، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندية والمثلية في وجوب الذَّات والصفات الثبوتية، ولهذا كررت أربعا. (3/213)
صفحة 774
قوله: «إن الحمد والنعمة لك والملك»: بكسر همزة إن في المختار رواية ودراية، وقد روي بالفتح والمعنى: ألبي لأنَّك مستحقٌّ للحمد، هذا وجه الفتح، وقال ثعلب الكسر أجود لأنَّ معنى الفتح لبيك بهذا السبب، ومعنى الكسر مطلق. والملك: بالنصب عطف على الحمد، ولذا يُستحب الوقوف عند قوله: والملك، ويبتدأ بعده، وجوَّز بعضهم الرفع على أنَّه مبتدأ محذوف الخبر؛ والتقدير والملك، كذلك قيل: وإنَّما قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك لأنَّ الحمد متعلِّق النِّعمة، ولهذا يقال الحمد لله على نعمه فجمع بينهما كأنَّه قال لا حمد إِلاَّ لك، لأنَّه لا نعمة <2/169> إِلاَّ لك، وأمَّا الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقيق أنَّ النِّعمة كلّها لله، لأنَّه صاحب الملك.
قوله: «لا شريك»: لك أي في استحقاق الحمد وإيصال النِّعمة، قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:54]، وفي تقديم الحمد على النِّعمة إيماء إلى عموم معنى الحمد وإشارة إلى أنَّه بذاته يستحقُّ الحمد، سواء أأنعم أو لم ينعم، فله تعالى الحمد على كلِّ حال.
قوله: «قال نافع»: هو مولى ابن عمر يكنَّى أبا عبد الله المدني، هو أحد الأعلام في زمانه، قال البخاري: أصحُّ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، قال العجلي: وابن خراش والنسائي هو ثقة توفي سنة عشرين ومائة. (3/214)
صفحة 775
قوله: «يزيد فيها» إلخ: استحب العلماء الاقتصار على تلبية الرَّسول صلى الله عليه وسلَّم واختلفوا في جواز الزيادة عليها وكراهتها، وبالكراهة قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم علَّمهم التلبية ثمَّ فعلها هو ولم يقل لبوا بما شئتم مِمَّا هو من جنس هذا، بل علمهم ذلك كما علمهم التكبير في الصلاة، فلا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مِمَّا علَّمه وسمع سعد بن أبي وقاص رجلا يقول: لبيك ذا المعارج فقال: أنَّه لذو المعارج، وهكذا كنَّا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأجازه آخرون بلا كراهة لفعل عمر وابنه، ولأحاديث جاءت من طريق ابن مسعود وأبي هريرة وابن عبَّاس، فإن قيل: كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع أنَّه كان شديد التحري لاتباع السنة وقد تقدمت روايته أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم لا يزيد على هذه الكلمات أي المذكورة أوَّلاً؟ وأجيب: بأنَّه رآى أنَّ الزيادة على النص ليست نسخا وأنَّ الشيء وحده كذلك هو مع غيره فزيادة لا تمنع من إتيانه بتلبية النبيء صلى الله عليه وسلَّم، أو فهم عدم القصر على أولئك الكلمات، وأنَّ الثواب يتضاعف بكثرة العمل واقتصار المصطفى بيانٌ لأقل ما يكفي على أنَّه ليس فيه خلط السنَّة بغيرها بل لما أتى بما سمعه ضمَّ إليه ذكرا آخر في معناه، وباب الإذكار لا تحجير فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبيء صلى الله عليه وسلَّم فإن الذكر خير موضوع والاستكثارُ منه حسن على أنَّ أكثر هذا الذي زاده كان صلَّى الله عليه وسلم يقوله في دعائه وفي مسلم عن <2/170> ابن عمر كان يهلُّ بإهلال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من هؤلاء الكلمات ويقول لبيك اللهمَّ لبيك وسعديك إلى آخر ما زاده هنا، قال الحافظ وأخرج ابن أبي شيبة عن المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع وزاد لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك ذا النعماء والفضل الحسن. (3/215)
صفحة 776
قوله: «لبيك وسعديك»: في رواية الموطَّأ تكريرُ لبيك ثلاثا، وبذلك يكون عدم المزيد أربعًا كما في الأصل، وسعديك إفرادها وتثنيتها كلبيك، ومعناه ساعَدتَ على طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعادًا بعد إسعادٍ، أو ساعدتَ دينك كذلك، وهو من المصادر المنصوبة بفعلٍ لا يظهر في الاستعمال. قال الجرمي:لم يسمع سعديك مفردا.
قوله: «والخير بيديك»: أي كلّ الخير بقدرتك وكرمك، وهذا من حسن التخاطب، كقوله: إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}[الشعراء:80]، وإلاَّ فالأشياء كلُّها بيد الله خيرها وشرها ونفعها وضرها.
قوله: «لبيك والرغبة والعمل»: وفي رواية الموطَّأ: ”والرغبى إليك“، ومعناها الطلب والمسألة إلى من بيده الأمر على حدَّ قوله:{وَإِلَىا رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:8].
وقوله: «والعمد وإليك»: أي يقصد به وينتهي به إليك ويحتمل أن يقدر والعمل لك، وعلى كل وجه فالرغبة والعمل مبتدآن حُذِف خبرهما عند المصنِّف، وذُكر خبر الأوَّل دون الثاني في رواية الموطأ، والله أعلم.
تنبيه: رفع الصوت بالتلبية استحبَّه الجمهور وأوجبه أهل الظاهر، هذا في الرجل وأمَّا المرأة فيجمع على أنَّها تُسمِع نفسها، لأنَّها مأمورةٌ بخفض الصوت، والله أعلم.
ما جاء فيما يقوله من أقبل من حجٍّ أو غزوٍ أو عمرة (3/216)
صفحة 777
قوله: «من حجٍّ أو غزوٍ أو عمرة»: أي إذا فرغ منها، وأقبل نحو وطنه، وكان يقول بهذه الأذكار <2/171> المخصوصة في المواضع المخصوصة، وظاهر الحديث اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة، وحمله الجمهور على أنَّه واقعة حالٍ لأنَّ سفره صلى الله عليه وسلَّم منحصرٌ في الثلاث، فقالوا: يشرع قولُ ذلك في كلّ سفر طاعة كصلةِ رحم وطلبِ علم لما يشمل الجميع من اسم طاعة، وقيل: يتعدَّى أيضًا إلى السفر المباح لأنَّ المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وتُعُقِّب بأنَّ الذي يخصه بسفر الطّاعة لا يمنع من سافر في مباح من الإكثار من ذكر الله، وإنَّما النزاع في خصوص هذا الذكر في الوقت المخصوص، فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص، فتختصُّ به كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة، و«الشَرَف»: بفتح المعجمة والراء بعدها فاء المكان العالي من الأرض، ووجه التكبير عند ذلك هو ندب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات، وكان صلى الله عليه وسلَّم يراعي ذلك في الزمان والمكان، وقيل: مناسبته أنَّ الاستعلاء محبوب للنفس، وفيه ظهور وغلبة، فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كلِّ شيء، ويكرر ذلك ويستمطر منه المزيد.
قوله: «لا إله إِلاَّ الله»: أي لا معبود بحقٍّ سواه، وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن.
قوله: «وحده»: حالٌ مؤكدة لمعنى الجملة قبله، ومعنى وحده أي منفردا.
وقوله: «لا شريك»: أي ليس له شريك في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله ولا في ملكه، بل الشريك مستحيلٌ عقلا ونقلا، وإلهكم إله واحد.
وقوله: «له الملك»: بضمِّ الميم: السلطان والقدرة وأصناف المخلوقات.
قوله: «وله الحمد»: أي الثناء الجميل المقرون بالتعظيم والتبجيل، وفي تقديم الجار والمجرور على الملك وعلى الحمد إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك. (3/217)
صفحة 778
قوله: «آيبُون»: بالرفع خبر مبتدأ محذوف: أي نحن آيبون، وهو جمع آئب بوزن راجع، ومعناه راجعون إلى الله، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع من السفر، فإنَّه تحصيل للحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبسهم بالعبادة <2/172> المخصوصة والاتصاف بالصفات المذكورة.
وقوله: «تائبون»: أي راجعون عمَّا هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا، وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة وإن بذل المتكلفُ جهده، وفيه تعليم للأمة كيف يقولون.
قوله: «ساجدون»: أي خاضعون منقادون.
قوله:«عابدون»: أي موجهون العبادة لربنا تعالى.
وقوله: «لربنا»: متعلِّق بعابدون أو بحامدون، قدِّم عليه للاهتمام ولمراعاة الفاصلة، وفي رواية الموطأ تقديم عابدون على ساجدون.
وقوله: «حامدون»: أي دائمون على الثناء لربنا تعالى بالجميل لاستحقاقه ذلك، فله الحمد كثيرا دائما مستمرا كما يحبُّ ربنا ويرضى.
قوله: «صدق الله وعده»: أي فيما وعد به من إظهار دينه ، كقوله:{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً} [الفتح:20]، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ}الآية[النور:55]، وهذا في سفر الغزو، وأمَّا الحج والعمرة فالوعد في قوله تعالى:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ} [الفتح:27].
قوله: «ونصَرَ عبده»: يعني نفسه صلى الله عليه وسلَّم، { مَن كَانَ يَظُنُّ أن لَّنْ يَّنصُرَهُ اللهُ فيِ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ اِلىَ السَّمَآءِ} الآية [الحج:15]، {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة:40]. (3/218)
صفحة 779
قوله: «وهزم الأحزاب وحده»: أي من غير فعل أحد من الآدميين، ولا سبب من جهتهم وهذا معنى الحقيقة فإنَّ العبد وفعله خلق لربه والكل منه وإليه ولو شاء أن يبيد الكفَّار بلا قتال فعل، وفيه التفويض إلى الله تعالى، والمشهور أن الأحزاب هنا كُفار قريش ومن وافقهم الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزل فيهم سورة الأحزاب، وقيل: المراد أحزاب الكفَّار في جميع الأيَّام والمواطن، وتعُقِّب بأنَّ غزواته صلَّى الله عليه وسلَّم التي خرج فيها بنفسه محصورة، والمطابق منها لذلك غزوة الخندق لظاهر قوله تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُومِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب:25]، وأصل الحزب القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إمَّا جنسية أي كلّ من تحزب من الكفَّار وإمَّا عهدية، والمراد من تقدَّم وَهُوَ الأقرب. قال القرطبي: ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، أي اللهمَّ إهزم الأحزاب، والأوَّل أظهر، وفي الحديث جواز <2/173> السجع في الدعاء والكلام بلا تكلف وإنَّما ينهي عن المتكلف لأنَّه يشغل عن الإخلاص ويقدح في النية، والله أعلم.
ما جاء في الإهلال يوم التروية من مكة
قوله: «عن جابر»: يعني ابن زيد أبا الشعثاء رضي الله عنه، وهو المراد في مثل هذا الإطلاق.
قوله: «جاء رجل»: هو عبيد بن جريح المدني مولى تيم.
قوله: «يا أبا عبد الرحمن»: هي كنية عبد الله بن عمر.
قوله: «لم أر أحدا يصنعها من أصحابك»: قال المحشِّي يحتمل أنَّ المراد لا يصنعها غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها. (3/219)
صفحة 780
قوله: «رأيتك لا تمس من الأركان إِلاَّ اليماني»: أي لا تستلم شيئًا من أركان البيت إِلاَّ اليماني، فأجابه ابن عمر بأنَّه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يمسُّ إِلاَّ اليماني، ولا ينافيه حديث سالم بن عبد الله عن أبيه قال: لم أر النبيء صلى الله عليه وسلَّم يستلم من البيت إِلاَّ الركنين اليمانيين، لأنَّ المراد بالأركان في حديث الباب ما عدا الحجر فإنَّ استلامه وتقبيله معلومٌ عندهم لا يتركه أحدٌ، وإنَّما السؤال عن غيره، والمراد باليمانيين في حديث سالم ركن الحجر والذي يليه من جهة اليمن، قيل وإنَّما اقتصر عليه الصلاة والسلام على استلام اليمانيين لأنهما باقيان على قواعد إبراهيم عليه السلام، بخلاف الشاميين فإنَّهما تغيَّرَا ببناء قريش حين لم تفي نفقتهم بذلك فحطموا منها الحطيم، وفي البخاري قال محمَّد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنَّه قال: ”ومن يتَّقي شيئًا من البيت“، وكان معاوية يستلم الأركان فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّه لا يُستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيءٌ من البيت مهجورًا. وحدَّث الربيع رحمه الله بذلك عن <2/174> معاوية فاستحسنه أبو عبيدة وكان ابن الزبير يستلمُهُنَّ كلهن. (3/220)
صفحة 781
قوله: «ورأيتك تلبس النعال السِّبتِية»: بكسر السين وإسكان الباء الموحدة، هي التي لا شعر فيها، قالوا وهي مشتقة من السَّبت بفتح السين وهو الحلقُ والإزالة، وقيل سمِّيت بذلك لأنَّها أنسبتت بالدباغ أي لانت، يقال رطبةٌ مُنسَبِتَةٌ أي ليِّنَةٌ، قيل: السبتُ كلّ جلدٍ مدبوغ، وقال أبو زيد السبتُ جلود البقرة مدبوغة كانت أو غير ومدبوغة، وقيل: هي نوع من الدباغ يقلع الشعر، قيل: والأصحُّ أن يكون اشتقاقها وأضافتها إلى الجلد المدبوغ لأنَّ السين مكسورة في نسبتها، ولو كانت من السبت الذي هو الحلق كما قالوا لكانت النسبة سبتية بفتح السين، ولم يروها أحد في هذا الحديث في ما علمتُ إِلاَّ بالكسر، قيل: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تُعمل بالطائف وغيره، وإنَّما كان يلبسها أهل الرفاهية ولهذا استغرب الرجل لبس ابن عمر إياها، فأجابه بأنَّه رآى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يلبسها. (3/221)
صفحة 782
قوله: «ورأيتك تصبغ بالصفرة»: قيل المراد صبغ الشعر، وهو الأظهر، وقيل صبغ الثوب وهو الأشبه عند المازني، وفي مسند أبي داود أنَّ ابن عمر كان يصفِّر لحيته ويحتجُّ بأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلَّم يصفِّر لحيته بالورس والزعفران، وقيل: إنَّ الخضاب بالأصفر محبوبٌ لأنَّه سبحانه أشار إلى مدحه بقوله: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة:69]، ونُقل عن ابن عبَّاس أنَّ من طلب حاجة بنعل أصفر قضيت، لأنَّ حاجة بني إسرائيل قُضيت بجلد أصفر، وصبغُه صلى الله عليه وسلَّم نادرٌ جدًّا، ولهذا استغربه الرجل من ابن عمر، ولو كان الصبغ من عادته لما تركه أكثر أصحابه، ولما تفرد باستعماله ابن عمر، وقد روي من طرق صحيحة عن أنس بن مالك نفي الخضاب وهو أعلم بأحوال النبيء صلى الله عليه وسلَّم لأنَّه كان يلازمه للخدمة، قال النووي: والمختار أنَّه صلى الله عليه وسلَّم خضب في وقت لما دلَّ عليه حديث ابن عمر في الصحيحين، ولا يمكن تركه ولا تأويله، وتَرَكَه في معظم الأوقات فأخبر كلٌّ بما رآى، وهو صادقٌ، والله أعلم. (3/222)
صفحة 783
وقال غيره: اختلف أهل العلم سلفا وخلفا، هل الخضاب أحبُّ أم تركه أولى؟ فذهب جمع إلى <2/175> الأوَّل مستدلين بحديث أبي هريرة رفعه: ”أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم“، أخرجه الشيخان والنسائي وغيرهم وبحديث أبي أمامة قال: ”خرج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على مشيخة من الأنصار بيضٌ لحاهم، فقال يا معشر الأنصار حمِّروا أو صفِّروا خالفوا أهل الكتاب“، أخرجه أحمد بسند حسن، ولهذا خضب الحسن والحسين وجمعٌ كثير من كبراء الصحابة، ومال كثير من العلماء إلى أن ترك الخضاب أولى لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: ”من شاب شيبةً فهي له نورٌ ألا أن ينتفها أو يخضِّبها“، هكذا رواه الطبري، لكن قال العسقلاني أخرجه الترمذي وحسَّنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور، وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث كعب بن مرَّة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: ”من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة“، وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أيضًا، وقال صحيح. وأخرج الطبراني من حديث ابن مسعود: ”أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلَّم كان يكره تغيير الشيب“، ولهذا لم يخضب علي وسلمة بن الأكوع وأبيُّ بن كعب وجمع جمُّ من كبار الصحابة، وجمع الطبري بين الأخبار الدالَّة على الخضب والأخبار الدالَّة على خلافه بأنَّ الأمر لمن يكون شيبُه مستبشعًا فيستُحبُّ له الخضاب، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، وهو جمع حسن. (3/223)
صفحة 784
ثم اختلف القائلون باستحباب الخضاب؛ هل يجوز بالسواد؟ فذهب أكثرهم إلى كراهته، وعند النووي أنَّها كراهةُ تحريم، ومنهم من رخص فيه في الجهاد ولم يرخِّص في غيره، واستحبوا الخضاب بالحمرة أو الصفرة لحديث جابر قال: أُتى بأبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يوم فتح مكَّة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: ”غيروا هذا واجتنبوا السواد“ وزاد الطبري وابن عبَّاس عاصم من وجه آخر عن جابر: ”فذهبوا به وحمروه“، والثُّغامَة: بضمِّ المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهره وتمره. (3/224)
صفحة 785
قوله: «ورأيتك إذا كنتَ بمكة أهلَّ الناسُ إذا رأوا الهلال إِلاَّ يوم التروية»: <2/176> المراد بالهلال هلال ذي الحجَّة، والمراد بيوم التروية اليوم الثامن منه سمِّي بذلك لأنَّ الماء كان قليلاً بمنى فكانوا يرتوون فيه من الماء وهذا السؤال يدلُّ على أنَّ ابن عمر قد تفرَّد بالإهلال يوم التروية وأن الناس كانوا يهلُّون إذا رأوا الهلال، قال مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكَّة ما شأن الناس يأتون شعتا وأنتم مُدهِنون فأهلُّوا إذا رأيتم الهلال، وروى مالك عن هشام بن عروة عن عبد الله ابن الزبير: أقام بمكة تسع سنين يهلُّ بالحجِّ لهلال ذي الحجَّة وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك. ولا خلاف في جواز الأمرين: الإهلالُ برؤية الهلال، وتأخيره إلى يوم التروية، وإنَّما الخلاف في الأفضل من ذلك، وبكلِّ واحد من القولين قال جماعة من السلف، وروي مالك أنَّ ابن عمر كان يهلُّ لهلال ذي الحجَّة، وروى عبد الرزاق عن نافع أهلَّ ابن عمر مرَّة بالحج حين رآى الهلال ومرَّة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرة أخرى حين راح إلى منى، وروي أيضًا عن مجاهد قلتُ لابن عمر: أهللتَ فينا إهلالاً مختلفا، قال: أمَّا أوَّل عام فأخذت مأخذ أهل بلدي ثمَّ نظرت فإذا أنا أدخل على أهلي حراما وأخرج حرامًا وليس كذلك كنَّا نفعل، قلتّ: فبأي شيء تأخذ؟ قال: نحرم يوم التروية.
قوله: «حتَّى تنبعث به راحلته»: أي تقوم به من مبركها، والمعنى أنَّه إِنَّمَا أهلَّ يوم التروية لكونه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يهلُّ حتَّى تنبعث به راحلته، قال المازني: أجابه (3/225)
صفحة 786
ابن عمر بضرب من القياس، حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل النبيء صلى الله عليه وسلَّم على المسألة بعينها، واستدلَّ بما في معناه ووَجهُ قياسه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إِنَّمَا أحرَم عند الشروع في الحجِّ والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في <2/177> الحج وتوجهه إليه وسئل عطاء عن المجاور يلي بالحجِّ فقال: كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلَّى الظهر واستوى على راحلته، وقال عبد الملك عن عطاء عن جابر رضي الله عنه: قدمنا مع النبيء صلى الله عليه وسلَّم فأحللنا حتَّى يوم التروية وجعلنا مكَّة بظهرٍ لبَّينا بالحجِّ، وقال أبو الزبير عن جابر: أهللنا من البطحاء، ذكر ذلك كله البخاري.
تنبيه»: يُحرم من كان بمكة بالحج من جوفها، إمَّا من الأبطح أو من تحت الميزاب، أو من مسجد الجن، فمن حيث أحرم أجزاه إذا كان في جوفها، وإن شاء أحرم من باب داره الذي نزله هذا في الحج، وأمَّا العمرة فلا بدَّ للمكي أن يخرج للإحرام بها إلى الحلِّ، فإن شاء خرج إلى التنعيم وأحرم ثمَّ دخل الحرم وطاف وسعى وأحلَّ وعلى ذلك عمل الناس في زمننا، وإن شاء خرج إلى الجعرانة فأحرم، ولا بدَّ أن يجمع في العمرة بين الحلِّ والحرام كما يجمع بينهما في الحج فإن المحرم بالحجِّ في مكة يخرج إلى الموقف بعرفات، وبذلك يجتمع له الحلِّ والحرام، والله أعلم.
ما جاء في التلبية والتكبير من منى إلى عرفة
قوله: «محمَّد بن أبي بكر»: ابن عوف الثقفي الحجازي، وثَّقه النسائي، قال ابن حجر وليس لمحمَّد المذكور في الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث الواحد، وقد وافق أنسًا على روايته عبد الله بن عمر، أخرجه مسلم.
قوله: «كيف تصنعون في مثل هذا اليوم»: أي من الذكر، ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمَّد بن أبي بكر قلت لأنس غداة عرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟.
قوله: «يهلُّ»: أي يلبِّي. (3/226)
صفحة 787
قوله: «فلا يُنكر عليه»: <2/178> بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول، وفي رواية موسى بن عقبة: ”لا يعيب أحدنا على صاحبه“، والحديث يدلُّ على جواز الأمرين لتقرير صلى الله عليه وسلَّم أياها على ذلك، وفي حديث ابن عمر من طريق عبد الله بن أبي سلمة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: ”غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من منى إلى عرفات منَّا الملبي ومنَّا المكبر“ وفي رواية له قال يعني عبد الله بن أبي سلمة: ”فقلت له يعني لعبيدة الله عجبا لكم كيف لم تسألوه ماذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يصنع“ وأراد عبد الله بن أبي سلمة بذلك الوقوف على الأفضل، والله أعلم.
الباب الرابع في غسل المحرم
قوله: «في غسل المحرم»: في حياته وبعد موته، ولم يذكر رضي الله عنه الغسل للإهلال وهو مأمور به للمحدِث وغير المحدِث، أمَّا المحدث فلأن أسماء بنت عميس ولدت محمَّد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقال: ”مرها فلتغتسل ثمَّ لتهلل“، ذكره في باب ما تفعل الحائض في الحج، ورواه مالك في الموطأ، وفيه صحَّة إحرام النفساء ومثلها الحائض وأولى منهما الجنب، لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث وزادتا عليه لسيلان الدم، وقد يؤخذ منه الاغتسال للإحرام مطلقا لأنَّ النفساء إذا أُمرت به مع أنَّها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرها أولى، وأمَّا غير المحدث فقد روى مالك عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكَّة ولوقوفه عشية عرفة وعند البخاري من رواية أيوب عن نافع حتَّى إذا جاء أي ابن عمر ذا طوى بات به حتَّى يصبح فإذا صلَّى الغداة اغتسل، ويحدث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فعل ذلك، والله أعلم.
ما جاء في غسل المُحرِم بعد موته (3/227)
صفحة 788
قوله: «في غسل المحرم بعد الموت»: ويؤخذ منه جواز ذلك في حياته لمحافظة الشارع عليه <2/179> الصلاة والسلام على أحكامه حيًّا وميتًا لأنَّه يُبعث ملبيا.
قوله: «يُغسَل»: بضمِّ أوَّله مبينا للمفعول.
وقوله: «المحرِم»: أي إذا مات.
وقوله: «بماء وسدرٍ»: وهو المدقوق من ورق السدر، وذلك هو المأمور به في غسل الموتى، من كان محرما أو غير محرم، أمَّا غير المحرم فظاهر، وأمَّا المحرم فلأن السدر ليس بطيب وهذا الأثر رواه الجماعة مرفوعا في الحديث الآتي، ويجوز أيضًا للمحرم الحيِّ الاغتسال بالماء والسدر، ورخص الربيع رحمه الله في ريحان العربي، وقال إنَّه ليس من أمر الطيب، وبه قال ابن عبَّاس، وأمَّا الطيب فحرامٌ على المحرم إجماعا، واختلفوا في جوازه له عند الإحرام قبل الاغتسال؛ والمذهب أنَّه مكروه، وذكر عن ابن عبَّاس أنَّه كره للرجل أن يمس الطيب قبل أن يحرم بيومين.
قوله: «ومن طريقه»: أي ابن عبَّاس. (3/228)
صفحة 789
وقوله: «عنه»: يعني النبيء صلى الله عليه وسلَّم، والحديث رواه أيضًا الجماعة، ولفظه عندهم عن ابن عبَّاس قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذُكر للنبيء صلى الله عليه وسلَّم فقال: اغسلوه بماء وسدرٍ وكفِّنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمِّروا رأسه فإنَّ الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبِّيا“، وقال في الفتح لم أقف في شيء من الطرق على تسمية المحرم المذكور، قال وهمَّ بعض المتأخِّرين فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله، وعزاه إلى ابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي، قال: وسبب الوهم أنَّ ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبد الله بن عمر، ثمَّ ذكر فيهم واقد ابن عبد الله بن عمر، فقال: وقع عن بعيره وهو محرم فهلك فظن هذا المتأخر أنَّ لواقد بن عبد الله وأنَّه صاحب القصَّة التي وقعت في زمن النبيء صلى الله عليه وسلَّم وليس كما ظنَّ؛ فإن واقد المذكور لا صحبة له فإن أمَّه صفية بنت أبي عبيدة، وإنَّما تزوجها أبوه في خلافة عمر، وفي الصحابة واقد بن عبد الله آخر، ولكنَّه مات في خلافة عمر كما ذكر ابن سعد.
قوله: «غُسل»: أي بماء وسدر كما تقدَّم، وهو فعل ماض مبني للمجهول، والجملة إنشائية <2/> معنى لأنَّها في معنى الأمر.
قوله: «ولم يكفَّن إِلاَّ في ثوبيه الذين أحرَم فيهما»: قال الطبري: وإنَّما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمةً له كما في الشهيد، حيث قال: ”زمِّلوهم بدمائهم“، ويؤخذ منه أنَّ الوتر في الكفَن ليس شرطًا في الصِّحَّة وإنَّ الكفن من رأس المال لأمره صلى الله عليه وسلَّم بتكفينه في ثوبيه، ولم يستفسر هل عليه دينٌ مستغرق أم لا. ويدل أيضًا على استحباب تكفين المحرم في ثياب الإحرام، وإنَّ إحرامه باق وأنَّه لا يكفَّن في المخيط، وأنَّ التكفين بالثياب الملبوسة جائزٌ. (3/229)
صفحة 790
قوله: «ولا يُمسُّ بطيبٍ»: بالبناء للمفعول، أي لا يمسُّه أحدٌ بذلك لحرمة الطيب على المحرم في حياته، فأمرنا بالمحافظة على ذلك بعد مماته، كما أمرنا بتغسيل الميِّت الغسل الذي كان مأمورا به في حياته.
وقوله: «ولا يخمَّر رأسُه»: أي لا يغطى كما كان في حياته، لا يغطيه لحال الإحرام وذلك لأنَّ إحرام الرجل في رأسه، قال البيهقي: فيه دليلٌ على أنَّ غير المحرِم ينحطُّ كما يخمَّر رأسُه وإنَّ النهي وقع لأجل الإحرام خلافًا لمن قال من المالكيَّة وغيرهم، أنَّ الإحرام ينقطع بالموت فيصنع بالميت ما يصنع بالحيِّ والخلافِ في المذهب أيضًا. قالوا إن قصَّة هذا الرجل واقعةُ عين لا عموم لها، وأجيب بأنَّ الحديث ظاهرٌ في أنَّ العلَّة هي كونه في النُّسك وهي عامَّةٌ في كلٍّ، والأصل أنَّ كلَّ ما ثبت لواحدٍ في زمن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم ثبت لغيره حتَّى يثبت التخصيص، واستدلَّ بعضهم بهذا الحديث على أنَّ إحرام الرجل في رأسه وهو مُجمَع عليه وأمَّا الوجهُ ففيه خلافٌ سبُبه هل الوجهُ من الرأس أوَّلاً، وصحَّح في الإيضاح أنَّه من الرأس، وذكر أنَّ له أن يغطِّي أنفه من النتن إذا مَرَّ به ويغطي لحيته، وذلك لحال الضرورة، وفي الحديث أنَّ من شرع في عمل طاعةٍ ثمَّ حال بينه وبين إتمامِه الموتِ رُجئ له أن يكتُبه الله في الآخرة من أهل ذلك العمل، قيل: ويدلُّ على ترك النيابة في الحجِّ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يأمر أحدًا أن يكمل عن هذا المحرم أفعال الحج، والله أعلم.
<2/181> ما جاء في غسل المحرم رأسه (3/230)
صفحة 791
قوله: «وعن ابن عبَّاس أيضًا»: يعني بالسند المتقدِّم، والحديث رواه الجماعة إِلاَّ الترمذي عن عبد الله بن حنين أنَّ ابن عبَّاس والمسور بن مخرمة اختلفًا بالأبواب فقال ابن عبَّاس: يغسل المُحرِم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: ”فأرسلني ابن عبَّاس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين“ إلى آخر الحديث، وهو عند المصنِّف ثابتٌ من طريق ابن عبَّاس كما ترى.
قوله: «والمِسَْور بن مَخْرَمة»: المسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو، ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء وفتح الراء، وهو المسور بن مخرمة بن نوفل ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، وكنيته أبو عبد الرحمن، له صحبه وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، وقيل اسمها الشفاء، وُلد بمكة بعد الهجرة بسنتين وكان فقيها من أهل العلم والدين، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن في أمر الشورى، وكان هواه فيها مع علي، وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان ثمَّ سار إلى مكَّة فلم يزل بها حتَّى توفى معاوية وكره بيعة يزيد، وأقام مع الزبير بمكة حتَّى قدم الحصين بن نمير إلى مكَّة في جيش من الشام لقتال ابن الزبير بعد وقعة الحرَّة، فقُتل المسور؛ أصابه حجر منجنيق وهو يصلِّي في الحجر، فقتله مستهل ربيع الأوَّل من سنة أربع وستين، وصلَّى عليه ابن الزبير وكان عمره اثنتين وستين سنة.
قوله: «بالأَبْوَاء»: بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد: جبلٌ قرب مكَّة، وعنده بلدة تنسب إليه، قيل سمِّي بذلك لوبائه وهو على القلب وإلاَّ لقيل الأوباء، وقيل لأنَّ السيول تتبؤُه أي تحلُّه. (3/231)
صفحة 792
قوله: «فقلتُ يغسل المحرم رأسه وقال هو لا يغسله»: قال ابن المنذر أجمعوا على أنَّ للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك، وروى <2/182> مالك في الموطأ عن نافع أنَّ ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو مُحرِم من الاحتلام، وروي عن مالك: ”أنَّه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء“ والحديث يدلُّ على جواز ذلك، قال ابن عبد البرّ: الظاهر أنَّ ابن عبَّاس كان عنده في ذلك نصٌّ من النبيء صلى الله عليه وسلَّم أخذه عن أبي أيوب أو عن غيره ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب يسألك كيف كان يغسل رأسه أوَّلاً على حساب ما وقع فيه اختلاف المسور وابن عبَّاس.
قوله: «عبد الله بن حنين»: مولى ابن عبَّاس مدني يروي عن أبي أيوب وعن مولاه ابن عبَّاس وروى عنه ابنه إبراهيم وخالد بن معدان وابن المنكدر، وثقَّه ابن حبان، مات في أوَّل خلافة يزيد بن عبد الملك.
قوله: «بين القرنين»: أي قرني البئر، وهما عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر.
قوله: «فطَأْطَأَهُ»: أي خفَّضه عن محاذاة رأسه.
قوله: «حتَّى بَدَالي رأسُه»: أي انكشف وظهر، وإنَّما فعل ذلك ليُريه كيف يصنع إذا غسله.
قوله: «الإنسان»: قال ابن حجر: لم أقف على اسمه.
قوله: «هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه»: زاد في رواية للبخاري: ”فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عبَّاس لا أماريك أبدًا أي لا أجادلك“، والحديث يدلُّ على جواز الاغتسال للمحرم وتغطية الرأس باليد حال الغسل، وفي الحديث فوائدُ ليس هذا موضع ذكرها، والله أعلم.
الباب الخامس ما يتَّقِي المُحرِمُ وما لا يتَّقِي (3/232)
صفحة 793
قوله:«ما يتَّقي المحرم وما لا يتَّقِي»: من اللباس وغيره، والمحرمُ اسمُ فاعل من إحرام بمعنى دخل في <2/183> الحرمة، أي أدخل نفسه وصيَّرها متلبسةً بالسبب المقتضي للحرمة، لأنَّه دخل في عبادة الحج أو العمرة أو هما معًا فحرم عليه الأنواع السبعة: لبس المخيط، والطيب، ودهن الرأس، واللحية، وإزالة الشعر، والظفر، والجماع ومقدماته، والصيد، والله أعلم.
ما جاء فيما يتَّقي المُحرِمُ من اللباس
قولُه: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه الجماعة من حديث ابن عمر.
قولُه: «لا يلبس»: بالرفع على الخبر الذي في معنى النهي، وروي بالجزم على النهي، قال عياض: أجمع المسلمون على أنَّ ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المُحرِم، وقال غيره: وقد أجمعوا على أنَّ هذا مختصٌّ بالرجل فلا يلحق به المرأة، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ للمرأة لبسَ جميع ذلك وإنَّما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسَّه الزعفران أو الورس. وعن ابن عمر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلَّم قال: ”لا تنتقبُ المرأة المُحرِمة ولا تلبس القفازين“، رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصحَّحه؛ والانتقاب: لبسُ غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منها، والقُفَّازين: بضمِّ القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زايٌ: ما تلبس المرأةُ في يديها فيغطِّي أصابعها وكفَّيها عند معاناة الشيء كغزلٍ ونحوه، وهو لليد كالخُفِّ للرجل، وفي رواية عند أحمد وأبي داوود عن ابن عمر قال: ”سمعت النبيء ينهى النساء في الإحرام عن القُفَّازين والنقاب وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب“، وزاد أبو داود: ”ولتلبس بعد ذلك ما أحبَّت من ألوان الثياب“. (3/233)
صفحة 794
قوله: «ولا العمامة»: سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرأس. و«السراويلات»: جمعُ سروال فارسيٌّ معرَّب، وفيه لغةٌ بالنون مكان اللام، <2/184> وأخرى بالشين المعجمة أيضًا، و«البرانسُ»: جمع بُرنُس بضمِّ النون: قُلنسوة طويلة أو كلُّ ثوبٍ رأسه منه، دراعة كان أو جبة. و«الخِفَافُ»: بكسر الخاء جمع خُفٍّ، قالوا: فنبَّه بالقميص على كلّ ما في معناه، وهو المخيط المعمول على قدر البدن، وبالسراويل على المخيط المعمول على قدر عضوٍ منه كالتُّبَّان والقُفَّاز وغيرهما، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يغطِّي الرأس مخيطا أو غيره، وبالخفاف على كلّ ما يستر الرجل من مداس وجوارب وغيرهما. قال الخطابي: ذَكَر العمامة والبرنس معًا ليدل على أنَّه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر، ومنه المكتل يحمله على رأسه. قال ابن حجر: إن أراد لبسه كالقبح صحَّ ما قال: وإلاَّ فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل له لا يضرُّ في مذهبه كالانغماس في الماء فإنَّه لا يسمَّى لابسا، وكذا ستر الرأس باليد، وذكر في الإيضاح أنَّ الفقهاء قاسوا ما لم يذكر في هذا الحديث على ما ذكر مِمَّا هو في معناه، وذلك أنَّه ذكر القميص فكذلك جميع الأطواق وذكر العمائم، فكذلك تغطية الرأس والوجه بغير العمائم، إِلاَّ أن يكون فوقه ظلٌ لا يمسه فلا بأس، وذكر السراويلات فكذلك لا يربط المُحرِم ولا يشدُّ على رأسه، ولا على جسده ولا يحترم ولا يزر عليه ثوبًا ولا يعتقد على نفسه عقدة ولا يتقلَّد سيفًا ولا قوسًا وإن كان خائفا فيمسكه ولا يتقلده، وكذلك لا يتقلد بالتعاويذ والحروز. (3/234)
صفحة 795
قوله: «فإن لم يجد نعلين فليلبس خُفَّين»: هذا تبيينٌ لقوله:«ولا الإخفاف»، والكلام ملتئمٌ متناسب لا يحتاج إلى تقدير شيء، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لما نهى عن الأخفاف احتاج إلى بيان الحالة التي يجوز فيها لبسها، وهي الحالة التي عدم فيها النعلين فإنَّه حينئذ يجوز أن يلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين؛ وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، وهما في عرفنا الجوزتان، ومفهوم الحديث أنَّ واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفيَّة وبعض الشافعيَّة، قال ابن العربي: إن صارا كالنعلين جاز وإلاَّ فمتى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لم يجز إِلاَّ للفاقد، وظاهر الحديث: أنَّه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد نعلين، وقال الحنفيَّة تجب كما إذا احتاج لحلق رأسه يحلق <2/185> ويفتدي. وتُعُقِّب بأنَّها لو وجبت لبيَّنها النبيء صلى الله عليه وسلَّم لأنَّه وقَّت الحاجة، وأيضا لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة لأنَّها تجب إذا لبسها بلا قطع، فإن لبسهما مع وجود نعلين افتدى عندنا وعند مالك والليث، وقال أبو يوسف: لا فدية، وعن الشافعي القولان. وظاهره أيضًا أنَّ قطعهما شرطٌ في جواز لبسهما خلافا للمشهور عن أبي أحمد، في إجازة لبسهما بلا قطع لإطلاق حديث ابن عبَّاس، وجابر في الصحيحين بلفظ ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين، وفي رواية عن عمرو بن دينار أنَّ أبا الشعثاء أخبره عن ابن عبَّاس أنَّه سمع النبيء صلى الله عليه وسلَّم وهو يخطب ويقول: ”من لم يجد إزاراً ووجد سراويل فليلبسها، ومن لم يجد نعلين ووجد خُفَّين فليلبسهما“، وتُعُقِّب بأنَّ أحمد يوافق على حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول به هنا، فإن حمله عليه جيِّد لأنَّ التقييد ورد بصيغة الأمر، وذلك زيادة على الصور المطلَّقة فلو عمل بالمطلق ألغي الأمر. (3/235)
صفحة 796
قوله: «مسَّها الزعفران ولا الوَرِس»: بفتح الواو وسكون الراء وسين مهملة: نبتُ أصفر طيب الريح بصبغ به، وقيل: ليس الورس بطيب ولكنَّه نبَّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه في ملائمة الشمِّ فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المُحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به الطيب، وهذا الحكم شامل للنساء أيضًا، وقال العراقي: نبَّه بالزعفران والورس على ما هو أطيب رائحة منهما كالمسك والعنبر ونحوهما، وإذا حُرِّم في الثوب ففي البدن أولى، وفي معناه تحريم أكله في الطعام لأنَّ الناس يقصدون تطيب طعامهم كما يقصدون تطيب لباسهم، وقيل لا يحرُم لأنَّ الوارد اللبس والتطيب والأكل لا يعدُّ تطيبًا، والخلاف فيما يقصد للتطيُّب به. أمَّا الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البرّ كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام لأنَّه لا يقصد للتطيب. والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب أنَّه يدعو إلى الجماع ولأنَّه منافٍ للحجِّ، فإنَّ الحاج أشعث أغبر والقصد أن يبعد عن الترفُّه وزينة الدُّنيا وملاذها، ويجتمع همه لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموتَ <2/186> ولبس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيامة حفاة عراة، وليتفاءل بتجرُّده عن ذنوبه، والله أعلم.
ما جاء في بيان الدواب التي يجوز للمحرم قتلها (3/236)
صفحة 797
قوله: «عن عائشة زوج النبيء صلى الله عليه وسلَّم»: الحديثُ عند الجماعة إِلاَّ الترمذي من رواية ابن عمر، وحديث عائشة عند الشيخين وأحمد لفظه قالت: ”أمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بقتل خمس فواسق في الحلِّ والحرم“ الحديث؛ قال عياض: سُمُّوا فواسق لخروجهم عن السلامة منهم إلى الإضرار والأذى، فخرجت بالأذى عن جنسها من الحيوان، وقيل لخروجها عن الانتفاع بها، وقيل لتحريم أكلها كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ, لَفِسْقٌ} [الأنعام:121]، عند ذكر المحرمات، وقالت عائشة: ”من يأكل الغراب وقد سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فاسقًا؟“، وقال الفراء: سمِّيت الفارة بذلك لخروجها عن جحرها واغتيالها أموال الناس بالفساد، وأصل الفسق الخروج وقال ابن العربي أمر بالقتل وعلَّل بالفسق فيتعدى الحكم إلى كلّ ما يجانسه من سباع الطير وكذا في الحدأة ويزيد الغراب بحل سفرة المسافر ونقب جرابه وبالحية على كلّ ما يلسع والعقرب كذلك، والحية تلسع وتفترس، والعقرب تلدغ ولا تفترس، وبالفارة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤدية وبالكلب العقور على كلِّ مفترس. قال ومعنى «فسقُهن»: خروجهن عن حدَّ الكفِّ إلى الأذية. (3/237)
صفحة 798
قوله:«خمسٌّ من الدواب»: ليس لهذا العدد مفهومٌ فلا ينحصر الحكم في الخمس لثبوت الزيادة عليها في أحاديث أخر، فقد جاء الأمر بقتل الحيَّة في حديث ابن مسعود عند مسلم، وعنده أيضًا في حديث ابن عمر، وزاد أبو داوود من حديث أبي سعيد: ”السبع العادي“، وزاد ابن خزيمة وابن المنذر من حديث أبي هريرة: ”الذئب والنمر“ فصارت تسعا، ولقد صدق من قال: ذكر الخمس لينبه بها على خمسة أنواع من الفسق إلخ، فهي أصول لأجناس المضار وما ذكر من الحيَّة والسبع والذئب والنمر تفصيلٌ لبعض أجناسها. قال في القواعد: ولم ير هؤلاء قتل الصغار من السباع لأنَّها لا تعدو، ولا قتل ما لا يعدو من كبارها مثل الضبع والثعلب والهر، وقال قوم: كلُّ مُحرَّم الأكل فهو في معنى الخمس، ويجوز قتل صغار الحيات والعقارب، قيل ويقتل صغار الغربان، والمذهب يقتضي أن لا تقتل إِلاَّ الكبار المؤذية، ثم اختلفوا فقيل يقتلهن إذا خافهن، وقال آخرون لم يرد ذكر الخوف يعني أن الأمر بقتلها ورد مطلقا والتقييد بالخوف محتاج إلى دليل. قال المحشِّي: ولعلَّ الخلاف في غير الحيَّة والعقرب وأمَّا هما فيقتلان مطلقا.
قوله: «جُناحٌ»: بضمِّ الجيم أي إثم. (3/238)
صفحة 799
وقوله: «الغراب»: بضمِّ الغين معروف، وإنَّما أبيح قتله لأنَّه يختلس وينقر ظهر البعير وينزع عينيه، زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم: ”الأبقع“، وهو الذي في ظهره أو في بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث، ورجح الأكثر الإطلاق لأنَّ رواياته أصح وفي الأثر ولا يرمي الغراب إِلاَّ أن يريدَ خرق وعائه أو يجرحَ ظهر راحلته فإنَّه يرميه وإن قتله فلا شيء عليه، وعن علي ومجاهد: ”لا يقتل الغراب ولكن يرميه“، وعند أبي داوود والترمذي وقال حسن وابن ماجه عن أبي سعيد مرفوعا: ”ويرمي الغراب ولا يقتله“، وقال الخطابي: يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحبَّ، وإن قتل الغراب من غير علَّة فقيل عليه الفداء، وقيل لا شيء عليه، وهو الموافق لظاهر الحديث، ومال إليه صاحب الإيضاح.
قوله: «والحَدَأة»: بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزة وجمعها حدأٌ بكسر الحاء والقصر والهمز كعنب وعنَبَة وهي أخسُّ الطير.
قوله: «والفأرة»: بهمزة ساكنة ويجوز تسهيلها، ولم يختلف <2/188> العلماء في جواز قتلها للمحرم إلاَّ ما حكي عن إبراهيم النخعي أنَّه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر، وقال هذا خلاف السنَّة وخلاف قول جميع أهل العلم، وحكى عنه غيره: لا يجوز للمحرم قتل الفأرة، قال الخطابي: هذا مخالفٌ للنص خارجٌ عن أقاويل العلماء.
قوله: «والعقرب»: واحدة العقارب، لها ثمانية أرجلٍ وعيناها في ظهرها، تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدا، وربَّما ماتت بلسعتها الأفعى، وتقتل الفيل والبعير بلسعتها، ولا تضرب النائم ولا الميت حتَّى يتحرَّك شيءٌ من بدنه فتضر به، وتأوي إلى الخنافس وتسالمها. (3/239)
صفحة 800
قوله: «والكلب العقُور»: فعولٌ بمعنى فاعل: فهو مبالغةٌ في عاقر بمعنى جارح، قال مالك: هو كلّ ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب، وهو قول الجمهور. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والحسن بن صالح: المرادُ بالكلب المعروف خاصَّة، وألحقوا به الذئب، ودليل الجمهور في حديث أبي سعيد والسبع العادي فكلُّ ما كان هذا نعتا له من أسدٍ ونمر ونحوهما ثبت له هذا الحكم، ودعاؤه صلى الله عليه وسلَّم على عُتيبة بن أبي لهب قال: ”اللهمَّ سلِّط عليه كلبا من كلابك“، فعدَا عليه الأسد فقتله. قال الباجي: لا خلاف أنَّه لا يجوز قتل سباع الطير غير ما في الحديث ابتداءً، ومن قتلها فعليه الفدية، فإن ابتدأت بالضرر فلا جزاء على قاتلها. قلت: وفي جواز قتل ما ذكر للمُحرم دليل على جواز قتاله من بغى عليه وتعدى وفي تهيُّء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه للمدافعة وهم محرمون بالعمرة عام الحديبيَّة دليل على ذلك، وفي جواز قتلها في المحرم دليل على جواز قتل من وجب عليه قتل القصاص أو رجم بزنا أو محاربة أو غير ذلك في الحرم، وأنَّه إقامة سائر الحدود فيه سواء جرى موجب القتل والحدِّ في الحرم أو خارجه، ثمَّ لجأ صاحبه إلى الحرم، وبه قالت طائفة من أهل العلم، وقال قوم: ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجه ثمَّ لجأ إليه إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم بل يضيَّق عليه ولا يكلِّم ولا يجالس ولا يبالغ حتَّى يضطر إلى الخروج منه، فيقام عليه خارجه وما كان دون النفس يقام عليه، وروي عن ابن عبَّاس وعطاء <2/189> والشعبي والحكم نحوه لكنَّهُم لم يفرِّقوا بين النفس وما دونها، والله أعلم.
ما جاء في دخول مكَّة بغير إحرام وفي قتل الجاني فيها (3/240)
صفحة 801
قوله:« عام الفتح»: أي فتح مكَّة وذلك في رمضان، سنة ثمان من الهجرة. والمِغْفَرُ (بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، ثمَّ راء)، ما يجعل من فضل دِرع الحديد على الرأس، مثل القلنسوة، وقيل: ما غطَّى الرأس من السلاح، كالبيضة، وشبهها من حديد كان أو غيره، ولمسلم، وأحمد، وأصحاب السنن، "عن جابر،دخل صلى الله عليه وسلَّم يوم فتح مكَّة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" ورواه ابن عبد البرّ من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن جابر، وقال: أنَّه غريب عن مالك، قالوا ولا معارضة بينه، وبين حديث أنس،لإمكان أن المِغْفَرَ فوق العمامة، وهي تحته وقاية لرأسه من صدا الحديد، أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر، إشارة للسُّؤْدَدِ وثبات دينه وأنَّه لا يغيِّر، وقيل: يحتمل أن يكون أوَّل دخوله كان على رأسه المغفرة، ثمَّ أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كلٌّ من أنس، وجابر ما رآه. وعلى كلّ حال، فقد صحَّ دخوله صلى الله عليه وسلَّم مغطيا رأسه، وهو مخالف لحالة الإحرام، وقد صرحوا بأنه لم يكن يومئذ محرما، وأيضا فلم يروِ أحدٌ أنَّه تحلل يومئذ من إحرامه، وذلك دليل على جواز دخول مكَّة بغير إحرام، لمن لم يرد حجا، ولا عمرة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك. قال أبو سعيد: جاءت السنة فيما قيل: أنَّ من دخل مكَّة يريد حجا، أو عمرة، فعليه الإحرام، والوداع قال: ولا أعلم في ذلك اختلافا. قال: واختلف فيما سوى ذلك، ثمَّ ذكر الخلاف مفصلا، ونقل غيره عن علي ابن أبي طالب:" لا يدخل أحد مكة إِلاَّ محرما" وقال ابن عبَّاس:" لا يدخل أحد مكَّة بغير إحرام إلاَّ العلافين، والحطابين، وأصحاب منافعها"، وعن ابن عبَّاس أيضًا قال:" لولا أن يُشَقَّ عليَّ السَّعي بين الصفا والمروة،<2/190> ما دخلت من حلّ إلى حرم إِلاَّ بإحرام" وهذا منه يدلُّ على أن قوله الأوَّل على جهة الاستحباب، وكان عطاء يرخص للحطابين من أهل مكَّة أن يدخلوها بغير إحرام. (3/241)
صفحة 802
وقيل: إن كان منزله دون الميقات، دخل مكَّة بغير إحرام. وقيل: إن كان قد أحرم في سنته، فلا إحرام عليه، ولو تكرَّر دخوله في تلك السنة، وعليه في السنة القابلة الإحرام إن دخل. ومنهم من يرخص لمن لم يرد حجًّا، ولا عمرة أن يدخلها بغير إحرام، ولو جاء من وراء المواقيت، وهذا هو الموافق للحديث. ولعلَّ المشدِّدين يرون فعله صلى الله عليه وسلَّم خاصا به، لأنَّها قد أُحلَّت له ساعة من النهار، ولا تحلُّ لأحد بعده، وكان الربيع رحمه الله، من المشدِّدين، حتَّى قال: على من دخلها بغير إحرام، دم يهريقه، إِلاَّ الحطَّابين، والبقَّالين، وعليهم أن يطوفوا قبل أن يخرجوا من مكَّة، وأنت خبير بأنَّ العمرة لا يجب تكرارها إجماعًا، فلو قلنا بوجوب الإحرام على كلّ من دخل مكَّة، لوجب القول بوجوب تكرارها مرارا عديدة، ولم يقل بذلك أحد، وإنَّما اختلفوا في وجوبها مرَّة واحدة فقط، وبهذا يظهر لك أن الأمر بالإحرام لمن لم يُرِد أحد النُّسكَيْن، إِنَّمَا هو على غير الوجوب، فلا معنى لإلزامه الدَّم، والله أعلم.
قوله: «جاءه رجل»: قيل: هو أبو برزة، وقيل: سعيد بن حريث. (3/242)
صفحة 803
قوله: «ابن خَطل»: (بفتح الخاء المعجمة، والطاء المهملة، ولام)، اسمه عبد العزَّى، فلمَّا أسلم، سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلَّم: عبد الله. ومن قال اسمه هلال، فقد التبس عليه بأخ له يسمَّى بذلك، وهو أحد من أهدر صلى الله عليه وسلَّم دمه يوم الفتح، وقال لا أؤمِّنهم في حلّ،ٍ ولا حرم، وذلك لأنَّه أسلم، فبعثه صلى الله عليه وسلَّم مصدٍّقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى مسلم، يخدمه فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيسا، ويصنع له طعامًا، ونام فاستيقظ، ولم يصنع له شيئًا فقتله، ثمَّ ارتد،َّ ولحق بمكة، واتخذ قينتين، تغنِّيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلَّم. ولمَّا كان يوم الفتح، خرج إلى الخندقة، ليقاتل على فرس، وبيده قناة، فلمَّا رأى خيل الله، والقتال، دخله رعبٌ حتَّى ما يستمسك من الرَّعدة فرجع حتَّى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، فطرح سلاحه،<2/191> ودخل تحت أستارها، فأخذ رجل من بني كعب سلاحه وفرسه فاستوى عليه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلَّم بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: اقتلوه. (3/243)
صفحة 804
قوله:« اقتلوه»: زاد الوليد بن مسلم عن مالك، "فقتل" أخرجه ابن عائذ ،وصححه ابن حبَّان، وأخرجه عمرو بن سبَّة في كتاب مكَّة ،عن السَّائب بن يزيد قال:" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل، فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: لا يقتل قرشيٌّ بعد هذا صبرا"واختُلِف في قاتله، فقيل: سعيد بن حريث، وقيل: عمَّار بن ياسر، وقيل: سعيد بن أبي وقاص، وقيل: سعيد بن زيد، وقيل: أبو برزة الأسلمي، وهو الأصح، وتحمل بقيَّة الروايات المخالفة على أنَّهم ابتدروا قتله، فكان المباشر منهم أبا برزة، وجزم ابن هشام، في تهذيب السيرة بأنَّ سعيد بن حريث، وأبا برزة، اشتركا في قتله. والحديث يدلُّ على جواز قتل الجاني في الحرم، وأنَّ البيت لا يعيذه، قيل: لبعض العلماء، فلو تعلّق بالكعبة، أُخرِج منها، وأقيم عليه الحد، قال: نعم، والحديث يشهد له. وقيل: يقام عليه ما دون القتل، فإنَّه يُخرَج من الحرم، ثمَّ يُقْتَل، وقيل: يضيَّق عليه المقام في الحرم، فلا يُبَايَعُ ولا يشارى، ولا يجالس، حتَّى يضطرَّ إلى الخروج ،فإذا خرج أُخِذ فقتل، والخلاف عند أهل المذهب وغيرهم، وهؤلاء تأولوا الحديث بأنَّه كان في الساعة التي أبيح له القتل بها. وأجيب: بأنَّه إِنَّمَا أُبِيحَت له ساعةٌ من الدخول، حتَّى استولى عليها، وقُتِلَ ابن خطل بعد ذلك. وتُعُقِّبَ بأنَّ السَّاعة ما بين أوَّل النهار ودخول وقت العصر، كما في مسند أحمد، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا لقوله: فلمَّا نزع المغفر، وذلك عند استقراره بمكة. قوله:« قال جابر»: هو ابن زيد رضي الله عنه. (3/244)
صفحة 805
قوله:« وقد بلغني»: بلاغهُ رضوان الله عليه، صحيح كما تقدَّم. قوله:« يومئذ»: أي يوم فتح مكَّة، «وقوله غير محرم»: أي لا بحَجَّة ولا بعُمرة وفي الموطأ قال مالك: "ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يومئذ مُحرما والله أعلم" وروى مسلم من حديث جابر: "دخل صلى الله عليه وسلَّم يوم فتحِ مكَّة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" <2/192>وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاووس قال: "لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلَّم مكَّة إلاّ مُحرما إِلاَّ يوم فتح مكة والله أعلم".
الباب السادس في الكعبة والمسجد والصفا والمروة
قوله: «في الكعبة والمسجد والصفا والمروة»: أمَّا الكعبة فإنَّه ذكر فيها أحاديث منها في الصلاة فيها، ومنها في بنائها ومنها في الطواف بها، ومنه خبر احتراقها لستِّ ليال خَلَون من ربيع الأوَّل سنة أربع وستين، وأن ذلك هو سبب خوض الناس في القدر، ومنه نشأ اختلافهم فيه، «وأما المسجد» فالمراد به ما أحاط بالكعبة، وقد ذكره في حديث جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول حين خرج من المسجد ... إلخ «وأما الصفا والمروة» فقد ذكرهما للسعي بينهما في حديث جابر وعروة بن الزبير.
ما جاء في الصلاة في البيت
قوله:« بلغني عن ابن عمر الحديث»: رواه أيضًا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحي كلاهما عن مالك، بالسند المتقدم، وتابع مالكا جماعة عن نافع في الصحيحين وغيرهما، وَأَوَّل الحديث عندهم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: دخل الكعبة هو وأسامة وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجببي فأغلقها عليه، ومكث فيها، قال عبد الله: فسألت بلالا حين خرج: ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟ فقال: ... إلخ . (3/245)
صفحة 806
قوله:« يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم»: وذلك عام الفتح كما سيأتي، قيل: وفيه استحباب دخول الكعبة في العمر مرَّة كما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم<2/193> ولا يدخلها وهو محرم لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم إِنَّمَا دخلها وهو حلال، قيل: وإن دخلها مرارا فلا بأس، وقيل: ليس في دخولها فضل، لحديث عائشة عند الخمسة إِلاَّ النسائي، وصححه الترمذي قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من عندي وهو قرير العين طيب النفس ثمَّ رجع إليَّ وهو حزين فقلت له: فقال: إنِّي دخلت الكعبة وودِدتُ أنِّي لم أكن فعلت، إنِّي أخاف أن أكون أتعبت أمَّتي من بعدي" وذلك أنَّه لو كان فيه فضل ما ندم على فعله، وقد غلا بعض قومنا حتَّى عُدّ دخولها من المناسك وليس شيء. قال ابن المنذر وقد روينا عن ابن عبَّاس: "أنّ دخول البيت ليس من نُسككم.
قوله:_« كيف صنع وما فعل؟»: أي: كيف صنع في دخوله منذ احتجب عنَّا؟، وأي شيء فعل هناك؟ فهو سؤال عن شيئين أجَابَه عن الأول بقوله: جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وأجابه عن الثاني بقوله: ثمَّ صلَّى وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع. (3/246)
صفحة 807
قوله:_« جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه»: وفي نسخة جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه بإفراد عمود فيهما، وهما روايتان عند قومنا، واستُشكل الإفراد في الموضعين مع قوله: وكان البيت ... إلخ، لأنَّه يشعر بأنَّ ما عن يمينه أو يساره اثنان، وجُمع بأنَّه حيث ثنَّى، أشار إلى ما كان عليه البيت في زمنه صلى الله عليه وسلَّم وحيث أفرَدَ أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إليه قوله: وكان البيت يومئذ لأنه يشعر بأنَّه تغيِّر عن هيئته الأولى وقيل: لفظ عمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بيَّنَته رواية التثنية، وقيل: يجوز أن هناك ثلاثة أعمدة مصطفّة وصلَّى إلى جانب الأوسط، فمن قال جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره لم يعتبر الذي صلَّى إلى جنبه، ومن قال عمودين اعتبره، وفيه بُعد، وقيل: فيه باحتمالات أُخر لا نطيل بذكرها، وفيه جواز الصلاة بين السواري لكن روى الحاكم بإسناد صحيح عن أنس: نهى النبي صلى الله عليه وسلَّم عن الصلاة بين السواري، وروى ابن ماجه عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: "كنَّا نُنهى أنَّ نَصُفَّ بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ونُطرد عنها طردا، فدلّ فعله صلى الله عليه وسلَّم على أن النهي للكراهة. <2/194>
قوله: «والبيت يومئذ على ستَّة أعمدة»: وذلك قبل أن ينهدم ويبنى زمن ابن الزبير، وأمَّا الآن ففي البخاري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنَّه: "كان إذا دخل الكعبة مشَى قِبَل الوجه حتَّى يدخل ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتَّى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع، فيصلي يتوخى المكان الذي أخبره بلال أنَّه صلى الله عليه وسلَّم صلَّى فيه.
« (3/247)
صفحة 808
وقوله ثمَّ صلى»: أي: ركعتين كما سيأتي في بلاغ أبي عبيدة، ورواه الشيخان عن مجاهد عن ابن عمر وأحمد وغيره عن عثمان بن طلحة والبزار، عن أبي هريرة والطبراني عن عبد الرحمن بن صفوان وشيبه بن عثمان، وفيه جواز الصلاة في الكعبة وهو ظاهر في النفل لأنَّه الواقع من النبي صلى الله عليه وسلَّم، ويمنع الفرض للأمر باستقبالها خصَّ منه النفل بالسنة، فلا يقاس عليه الفرض لأنَّه قد ثبت من التوسع في النفل ما لم يثبت في الفرض كالصلاة على الراحلة في الاختيار وصلاته قاعدا من غير ضرورة، وقيّد قوم النفل بغير الرواتب وما يطلب فيه الجماعة، وأجاز جمهور قومنا فيها الفرض والنفل، أمَّا النفل فبالسنة وأمَّا الفرض فبالقياس عليه، قال الربيع: قال أبو عبيدة: "من صلَّى داخلها أو على ظهرها فلا قبلة له" وعن ابن عبَّاس: لا تصحُّ الصلاة داخلها مطلقا، وعلَّله بلزوم استدبار بعضها، وقد أمر باستقبالها فيُحمَل على استقبال جميعها. وقال أبو سفيان: رآى أبو الشعثاء رجلا من الحجبة يصلِّي فوق الكعبة فقال: من المصلي؟ لا قبلة له. وكان ابن عبَّاس في ناحية المسجد فسمع قوله أو أخبر به، فقال: إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه، ولعلَّ ابن عبَّاس ومن بعده رأوا أن فعله صلى الله عليه وسلَّم خاص به فلا يتعداه إلى غيره، أو أنَّهم حملوا الصلاة على الدعاء، ويُؤيّده ما رواه عمرو بن شبة بسند صحيح عن حماد ابن أبي حمزة، قلت لابن عبَّاس: كيف أصلي بالكعبة؟ قال كما تصلي على الجنازة تسبّح وتكبّر ولا تركع ولا تسجد، ثمَّ عند أركان البيت سبّح وكبّر وتضرّع واستغفر ولا تركع ولا تسجد، ويردّه <2/195>ما سيأتي أنَّه صلى الله عليه وسلَّم صلَّى فيها ركعتين والله أعلم.
ما جاء في بناء الكعبة (3/248)
صفحة 809
وقد اختلف في أوَّل من بناها فحكى الطبري أن الله وَضَعها أوَّلاً لا ببناء أحد، واللارزقي عن علي بن الحسين: أن الملائكة بنتها قبل آدم، ولعبد الرزاق عن عطاء: أوَّل من بنا البيت آدم، وعن وهب بن منبه: أوَّل من بناها شيت بن آدم، وقيل: أوَّل من بناها إبراهيم، وتعقّب بأنَّه وردت آثار تدلُّ على تقدَّم بنائه قبل إبراهيم عليه السلام وأنَّه رُفع يوم الطوفان وأن الأنبياء كانوا يحجّون بعد ذلك، ولا يعملون مكانه حتَّى بوّأه الله لإبراهيم، فبناه على أساس آدم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعه، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعهم، وأدخل الحِجر في البيت ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه، يُلقى فيه ما يُهدى للبيت. وروى ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما عن علي "أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبَث ثمَّ انهدم فبنته العمالقة ثم انهدم ثم فبنته جُرهُم، ثمَّ بناه قصي ابن كلاب ثمَّ قريش، فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا، وفي رواية عشرين، ولعلَّ راويها جبر الكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعا أدخلوها في الحجر لضيق النفقة بهم، ثمَّ لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد بن معاوية تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم فأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر تلك الأذرع وجعل لها بابا آخر فلمَّا قتل ابن الزبير شاوَرَ الحجَّاج عبد الملك بن مروان في نقض بناء ابن الزبير فكتب إليه: أمَّا ما زاده في طولها فأقِرّه وأمَّا ما زاده في الحجر، فرُدّه إلى بنائه وسُدّ الباب الذي فتحه، ففعل. (3/249)
صفحة 810
كما في مسلم عن عطاء وذكر الفاكهي أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجَّاج وبقي بناء الحجَّاج إلى الآن، ونقل ابن عبد البرّ وغيره أن الرشيد أوأباه المهدي أو جده المنصور أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك، وقال: أخشى أن تصير ملعبة للملوك، فترك، وهذا المعنى بعينه هو الذي خافه عبد الله بن العباس، حين أشار إلى ابن الزبير لما أراد هدمها وتجديد بنائها بأنَّ يرمي ما وَهَى منها ولا يتعرَّض لها بزيادة ولا نقص، وقال لا آمن من يجيء بعدك فيغير الذي صنعت. قوله بلغني عن عائشة الحديث: رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سالم ابن عبد الله، أن عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، أخبر عبد الله ابن عمر عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: «ألم تُرِي قومك» الحديث رواه الشيخان من طرق كلّها عن مالك بهذا السند، وله طرق أخر في الصحيحين وغيرهما.
قوله: «ألم تري»: (بحذف النون) أي: ألم تعرفي أن قومك ألخ، وفيه تحدث الرجل مع أهله في الأمور العامَّة، قال بعضهم: وفيه عَلم من أعلام النبوَّة فإنَّه صلى الله عليه وسلَّم أعلم عائشة بذلك، وكان الذي تولىَّ نقضها وبناءها ابن أختها عبد الله بن الزبير ولم ينقل عنه أنَّه قال بذلك لغيرها من الرجال والنساء،
قوله: «قومك»: أي قريشا. (3/250)
صفحة 811
قوله: «حين بنوا البيت»: أي: الكعبة، وذلك قبل المبعث بخمس سنين، وفي حديث أبي الطفيل عند عبد الرزاق والطبراني والحاكم قال: "كانت الكعبة في الجاهليَّة مبنية بالوَضمِ ليس فيها مَدَر وكانت قدرَ ما تفتحُها العناقُ وكانت ثيابها توضع عليها تُسدَل سدلاً، وكانت ذات ركنين هكذا: (( ) فأقبلت سفينة من الروم حتَّى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا، فقدِموا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكلَّما أرادوا هدمه بدت لهم حيَّة فاتِحَة فَاهَا، فبعث الله طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألقاها نحوًا من جياد فهَدَمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفَعُوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبي صلى الله عليه وسلَّم يحمل الحجارة من جياد وعليه نمرة فضاقت عليه فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها، <2/197>فنودي يا محمد خمّر عورتك فلم ير عريانا بعد ذلك، وكان بين المبعث خمس سنين. وعند ابن راهويه عن علي فلمَّا أرادوا رفع الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا يحكم بيننا أوَّل من يخرج من هذه السكة فكان النبي صلى الله عليه وسلَّم أوَّل من خرج فحكم أن يجعلوه في ثوب ثمَّ يرفعوه، من كلّ قبيلة رجل، وللطيالسي قالوا: نحكِّم أوَّل من يدخل من باب بني شيبة، فكان النبي أوَّل من دخل منه، فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كلّ فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثمَّ أخذه فوضعه بيده صلى الله عليه وسلَّم.
قوله:« اقتصروا عن قواعد إبراهيم» جمع قاعدة وهي الأساس وفي الصحيحين عن عائشة: "فسألت النبي صلى الله عليه وسلَّم عن الجدار من البيت هو، قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت عليهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا، قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا. (3/251)
صفحة 812
قوله: «لولا حِدْثَانُ»: (بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح المثلثة فألف فنون) بمعنى الحدوث، أي قرب عهدهم بالكفر، وجواب لولا محذوف تقديره: لفعلت، كما صرحت به رواية مالك، وفي رواية للشيخين: "لولا أنّ قومك حديث عهد بجاهليةٍ لأمرتُ بالبيت فهُدم فأدخلت فيه ما أُخرجَ منه و أَلزَقتُه بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم" وزاد مالك في الموطأ فقال عبد الله بن عمر: "لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ترك استلام الركنين الذين يليان الحجر إِلاَّ أن البيت لم يتمَّم على قواعد إبراهيم" وفي الحديث: ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشدّ، واستئلاف الناس إلى الإيمان واجتناب ولي الأمر ما يتسارع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب كمساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، والله أعلم.<2/198>.
ما جاء في دخول صلى الله عليه وسلَّم الكعبة عام الفتح (3/252)
صفحة 813
قوله: «دخل الكعبة عام الفتح»: أي: فتح مكَّة وذلك في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلَّم أقبل يوم الفتح من أعلى مكَّة وهو مُردِف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتَّى أناخ في المسجد، وفي رواية عند البيت، وقال لعثمان آتِنَا بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينّيه أو لأُخرِجنّ هذا السّيف من صلبي فلمَّا رأت ذلك أعطته فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ففتح الباب وروى الفاكهي من طريق ضعيعة عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنَّه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ صلى الله عليه وسلَّم المفتاح ففتحها بيده ودخل هو وأسامة بن زيد وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه ومكث فيها زمانا طويلا، وفي رواية أيوب عن نافع "فمكث فيها ساعة". وروى الأزرقي عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم أنَّه صلى الله عليه وسلَّم: إِنَّمَا دخل الكعبة مرَّة واحدة عام الفتح ثمَّ حجّ ولم يدخلها. وقال النووي: لا خلاف أنَّه صلى الله عليه وسلَّم دخل الكعبة يوم الفتح لا في حجَّة الوداع، وتعقّب بما رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن خزيمة والحاكم عن عائشة أنَّه صلى الله عليه وسلَّم: "خرج من عندها وهو قرير العين ثمَّ رجع وهو كئيب فقال: دخلت الكعبة وأخاف أن أكون شققت على أمَّتي" فإن ظاهره أن ذلك في حجَّة الوداع لأنَّ عائشة لم تكن معه في الفتح ولا في عمرته وبه جزم البيهقي، فيكون قد دخلها صلى الله عليه وسلَّم مرتين. وأجيب بأنَّه يحتمل أنَّه قال لها ذلك بالمدينة بعد رجوعه من الفتح فليس ذلك.<2/199> وتعقّب بأنَّه احتمال بعيد والظاهر يخالفه والله أعلم. قوله: «فصلى ركعتين» تقدَّم شرحه في الصلاة في البيت.
ما جاء أنَّه لا يطوف بالبيت عريان (3/253)
صفحة 814
قوله: «سئل علي ابن أبي طالب» لم يسمَّ هذا السائل، قوله: «بعثك» أي أرسلك وقوله: «في حجَّة عام تسع»، أي من الهجرة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجّهم، ونزلت بعد بعثه آيات سورة براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصدّ عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك، وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة، فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك، وفي قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخْفون بغير ما يظهرون فقيل: لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم: لو بعثت فيها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدِّي عنِّي إلا رجل من أهل بيتي، وذلك لأنَّ العرب لا تقبل نقض العهد إِلاَّ مِمَّن عقده معهم أو من رجل يكون من أهل بيته، فعاملهم صلى الله عليه وسلَّم بعادتهم في ذلك، فدعا بعلي بن أبي طالب؛ وقال: أخرج بهذه القصَّة من صدر براءة وأذن في الناس بالحج يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنَّه لا يدخل الجنَّة كافر، ولا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عهد فهو إلى مدته. (3/254)
صفحة 815
فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم العضباء حتَّى أدرك أبا بكر الصديق في الطريق، فلمَّا رآه أبو بكر قال: أميرا أم مأمورا، قال: بل مأمور، فمضيا حتَّى <2/200> قدما مكَّة فلما كان قبل يوم التروية بيوم، قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم حتَّى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس البراءة التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم حتَّى ختمها، وأقام أبو بكر بالناس الحج، والعرب في تلك السنة على منازلهم من أمور الحج التي كانوا عليها في زمن الجاهليَّة، حتَّى إذا كانوا يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذّن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأجّل الناس أربعة أشهر من يوم أذّن فيه، ليرجع كلّ قوم إلى مأمنِهم وبلادهم ثمَّ لا عهد لمشرك ولا ذمَّة إِلاَّ أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عهد إلى مدَّة فهو إلى مدته، فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان. وكانت البراءة تسمَّى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المبعثِرة لما كشف عن سرائر الناس ثمَّ رجع أبو بكر وعلي قافلين إلى المدينة. (3/255)
صفحة 816
قوله: «أن لا يطوف بالبيت عريان»: وذلك أن قريشا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد مِمَّن يقدم عليهم من غيرهم أوَّل ما يطوف إِلاَّ في ثياب أحدهم فإن لم يجد طاف عريانا فإن خالف فطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثمَّ لم ينتفع بها. فعلوا ذلك زعمًا منهم أنَّهم لا يعبدون ربّهم في ثياب أذنبوا فيها، وللإيماء إلى كمال التجريد عن الذنوب أو تفاؤلا بالتعرّي من العيوب فجاء الإسلام بإبطال ذلك. وفي الحديث دليل على وجوب ستر العورة في حال الطواف فلا يصحُّ الطواف عريانا عندنا وعند جمهور قومنا، فسترها شرط لصحته، وقالت الحنفيَّة: ليس شرطا؛ فمن طاف عريانا عندهم أعاد مادام بمكة فإن خرج لزمه دم، ومن المعلوم أن كشف العورة حرام في غير الطواف وهذا في الطواف أشدّ فكيف تصحُّ طاعة في معصية.
قوله: «ولا تدخل الجنَّة إِلاَّ نفس مؤمنة»: أي: متّصفة بالإيمان الذي هو نقيض الكفر إذ الناس كلّهم إمَّا مؤمن وإمَّا كافر:{ اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 03] والكافر يشمل: كافر النِّعمة وهو الفاسق صاحب الكبيرة، والكافر بالله تعالى هو المشرك، فهذان الصنفان وهما المشرك وكافر النِّعمة؛ ليسا بمؤمنين لشمول اسم الكفر لهما، والكفر ضدَّ الإيمان ولا يكون مؤمنا كافرا لاستحالة اجتماع الضدّين، فمن خرج عن الإيمان دخل في الكفر لا محالة ومن دخل في الكفر فقد خرج عن الإيمان قطعا، فلا يدخل الجنَّة مشرك ولا كافر نعمة لأنهما ليسا بمؤمنين ويتوب الله على من تاب. (3/256)
صفحة 817
قوله: «ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرام بعد عامهم هذا»: <2/201> هو معنى قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28]وهو عام تسع وذكر سبحانه وتعالى علَّة منعهم في قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} فلنجاستهم مُنعوا أن يقربوا المسجد الحرام بعد هذا العام، وكان المشركون يحجّونه وكان المسلمون لا يتعرَّضون لمن قصد البيت وفاء بالعقد المذكور في قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِالعُقُودِ} إلى قوله {وَلآ ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} [المائدة:01، 02] أي يبتغون ذلك في زعمهم الفاسد أنَّهم على هدى فنسخ ذلك بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، فمن يومئذ منع المشركون من المسجد الحرام وقاس أصحابنا عليه سائر المساجد، وعلى الوثني كلّ مشرك. فالمذهب عندنا أنَّه لا يدخل المسجد المشرك مطلقا وكذلك مواضع الصلاة ومجالس الذكر ينهى عن ذلك وإن لم ينته ضرب ولا ينهى عن قراءة القرآن ودراسة الكتب، وقيل: ينهى، وقيل: إن منعهم من سائر المساجد مأخوذ من قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَّعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىآ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] وهو استدلال الأكثر من أصحابنا، وفسَّر أبو حنيفة وأصحابه قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} بأنَّ لا يحجوا ولا يعتمروا، وقال الزمخشري: لا يمنعون من دخول الحرم عندهم. (3/257)
صفحة 818
قوله: «ومن كان له عند النبي صلى الله عليه وسلَّم عهد فإلى عهده»: أي من كان له عهد إلى مدَّة معلومة فعهدُه ثابت إلى انقضاء مدته ما لم ينقضه بنفسه وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: {إِلاَّ الذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمُ,} [التوبة: 07] قيل: وهم بنو ضمرة وبنو كنانة وبنو مدلج عاهدهم صلى الله عليه وسلَّم في المسجد الحرام، وقيل: في جهة قريبة منه عام الفتح، وقال السُدّي <2/202>وابن عبّاد وابن إسحاق بنو جذيمة وقال ابن إسحاق: قبائل بكر دخلوا وقت الحديبيَّة في المدَّة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبين قريش فلم يكن نقض إلاّ من قريش وبني الديل، فأمر الله بإتمام العهد لمن لم ينقضه، قال القطب: وهو الصحيح، وقال مجاهد: هم خزاعة ورد إسلامها عام الفتح، وأغرب منه قول أبي زيد: إنَّهم قريش، قال: نزلت الآية فلم يستقيموا بل نقضوا فنزل تأجيلهم أربعة الأشهر، ورد بأنَّهم وقت الأذان قد أسلموا وكذلك خزاعة، قوله: «ومن لم يكن له عهد» أي من سائر الكفَّار وهم الذين لم يأخذوا عهدا أصلا أو أخذوا فنقضوا. (3/258)
صفحة 819
قوله: «فإلى أربعة أشهر»: أي: فأجلهم إلى هذا الوقت يسيحون في الأرض كيف شاؤا آمنين، وهو معنى قوله عزَّ من قائل: {فَسِيحُوا فِي الاَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وابتداء هذه الأربعة يوم الحج الأكبر من تلك السنة وانقضاؤها تمام عشر من ربيع الآخر، وقال ابن عباس والزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم، وأن الآية نزلت في شوال، وقيل: من الحادي عشر من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الأوَّل لأنَّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثمَّ صار في السنة بعدها في ذي الحجَّة واستمرّ فيها إلى يوم القيامة، والأربعة أجل لمن لم يكن له عهد، قيل: ومن كان له عهد دونها فإنَّه رفع إليها وكذلك من له عهد إلى أربعة فإن الكل داخل تحت هذا التأجيل وينقضي تأمينهم بانقضاء الأربعة، ومن كان له عهد فوقها فإلى تمام عهده فأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم، قيل: وقد بقي لضمرة من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر وإنَّما أجلوا هذه المدَّة ليتفكّروا فيها ويختاروا فإنَّه ليس بعدها إِلاَّ الإسلام أو القتل وذلك إعلام لهم وخروج عن توهم الغدر، وبانسلاخها أبيح قتل المشركين حيث ما وجدوا وهي الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الاَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:05] وإنَّما سمِّيت حرما لثبوت حرمة التأجيل فيها، وقيل: للتغليب لأنَّ ذا الحجَّة والمحرم من الأشهر الحرم، فأطلق الاسم على الأربعة تغليبا للبعض وبذلك نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم<2/203> التي هي ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم ورجب فإن القتال كان حراما في هذه الأشهر فنسخ بقوله: {فَإِذَا انسَلَخَ الاَشْهُرُ الْحُرُمُ} أي أربعة الأجل {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية} فقد أبيح لنا قتلهم بعد الأربعة مطلقا حيث وجدوا ومتى وجدوا إلا في أمانٍ أو صلحٍ أو جوارٍ والله أعلم. (3/259)
صفحة 820
ما جاء في الرمل في الطواف والوقوف على الصفا والمروة والسعي في بطن الوادي بينهما والنحر
فهي أربعة، جمعها حديث الباب ولهذا قطعه في الموطّأ في أربعة أبواب.
قوله:« رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم»: أي: في حجَّة الوداع كما رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وغيرهم فإنَّهم رووا الحديث عن جابر بن عبد الله في صفة حجَّة الوداع، وهذا يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلَّم رمل في الطَّواف، حيث لم يكن هنالك مشرك، وفي البخاري عن أبن عبَّاس رضي الله عنهما، قال:" قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه، وقال المشركون: أنَّه يقدم عليكم وفد وهنهم حمَّى يثرب فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلّها إِلاَّ الإبقاء عليهم، وفي البخاري أيضًا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال مالنا وللرمل إِنَّمَا كنَّا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله قال شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلَّم فلا نحب أن نتركه فهذان الخبران يدلان على أن الرمل إِنَّمَا كان في عمرة القضاء وهي التي كانت بعد الحديبيَّة بعام فإنَّهم دخلوها للعمرة بالصلح الواقع في الحديبيَّة وفي مكَّة يومئذ المشركون فأظهروا لهم القوَّة والجلد، وقد اختلف في مشروعية الرّمل في الطّواف مع الاتفاق على وقوعه منه صلى الله عليه وسلَّم فقال ابن عبَّاس رضي الله عنه: ليس هو بسنّة، من شاء رمل،ومن شاء لم يرمل، وذكر له قوم يزعمون أنَّه سنة، فقال: صدقوا وكذبوا، أي: صدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم فعله هو وأصحابه، وكذبوا إذا جعلوه سنّة لا يجوز تركها، وهذا من ابن عبَّاس يدلُّ على أنَّه إِنَّمَا فعله لإظهار الجلد، والقوة للمشركين، كما تقدَّم عنه آنفا، وقد زالت العلَّة، فزال بزوالها الحكم، وبهذا أخذ أكثر أصحابنا رضي الله عنهم، وكان أكثر فقههم مأخوذ (3/260)
صفحة 821
عن البحر ابن عبَّاس، ومنهم من قال ببقائه، وأنَّه سنّة لكن هذا القول متروك عندهم، والعمل على القول الأوَّل. وذهب جمهور قومنا إلى أنَّه سنّة باقية، لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم رمل في حجَّة الوداع، كما في حديث جابر، وقد أمن النّاس وأسلمت البلاد، ثم اختلفوا فقال أصحاب الشافعي: لا يستحبّ الرّمل إِلاَّ في طواف واحد، في حجّ أو عمرةّ، أمَّا إذا طاف في غير حج أو عمرة، فلا رمل، ولا يشرع عندهم أيضًا في كلّ طوافات الحج، بل إِنَّمَا يشرع في واحد منها، وهو طواف يعقبه سعي. وقيل: لا يشرع إِلاَّ في طواف القدوم، سواء أراد السّعي بعده أم لا، ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها إِلاَّ طواف واحد، وهذه كلّها أقوال الغي،ر والمذهب قد تقدَّم، والله أعلم.
وقوله: «رَمَلَ»: (بفتحتين وفي بعض النّسخ يرمل بصيغة المضارع)، والّرمل( بفتح الراء والميم)، وهو الأسرع وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشية.
قوله:« إلى الحجر الأسود حتَّى انتهى إليه»: هكذا في جميع النّسخ التي بأيدينا، ورواية الموطّأ "من الحجر الأسود حتَّى انتهى إليه"أي: رأيته ابتدأ الرّمل من الحجر حتَّى انتهى إليه في آخر شوطه، ومعنى رواية المسند، أن جابر رآه يرمل في شوطه الأوَّل حتَّى انتهى إلى الحجر الأسود الثاني، ثم في الشّوط الثاني حتى انتهى إليه أيضًا وكذلك الثالث، فتكون رؤيته إيَّاه يرمل بعد أن دخل في الطّواف، وعلى رواية الموطّأ، تكون الرّؤية من حين الابتداء في الطّواف. (3/261)
صفحة 822
قوله:« في الثلاثة أطواف»: وهي الأشواط الأوَّل وظاهره، استيعاب الرّمل في جميع الطّوفة، وفي الصّحيحين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه،<2/205> فقال المشركون: أنَّه يقدم عليكم وقد، وهنتم حمّى يثرب فأمرهم النّبي صلى الله عليه وسلَّم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأنّ يمشوا ما بين الرّكنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلّها، إِلاَّ الإبقاء عليهم"، وهذا صريح في عدم الاستيعاب، فيعارض حديث جابر وأجيب بأنَّه مُتَأَخِّر لكونه في حجَّة الوداع في سنة عشر، فهو ناسخ لحديث ابن عبَّاس في عمرة القضية سنة سبع وكان في المسلمين ضعف في البدن فرملوا إظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك فيما عدا ما بين الرّكنين اليمانيين، لأنَّ المشركون كانوا جلوسا في الحجر، فلا يرونهم بينهما، فلمَّا حج صلى الله عليه وسلَّم سنة عشر، رمل من الحجر إلى الحجر، فكان هذا ناسخا للأوَّل، والله أعلم.
قوله:« فإذا وقف على الصفا»: فيه مسنونيّة الوقوف على الصّفا للدّعاء، وفي مسلم عن جابر أيضًا" فرقى عليه" أي: الصّفا، حتَّى رأى البيت، فاستقبل القبلة. قوله:« كبَّر ثلاثا»: أي: قال الله اكبر ثلاث مرَّات.
قوله:« لا إله إِلاَّ الله»: أي:لا معبود بحقٍّ سواه.
وقوله:« وحده»: (نصب على الحال)، أي: منفردًا.
وقوله:« لا شريك له»: أي: لا أحد يشاركه في شيء من الأشياء، فالشّريك مستحيل عقلا وسمعا.
وقوله:« له الملك»:( بضمِّ الميم)، أصناف المخلوقات.
وقوله:« وله الحمد»: أي: الثّناء الجميل في الأوَّلى والآخرة.
وقوله:« يحي ويميت»: أي: يحي من أراد حياته من أصناف المخلوقات، ويميت من أراد موته من أصنافهم أيضًا، فهو تعالى فعّال لما يريد. (3/262)
صفحة 823
قوله:« وهو على كلّ شيء قدير»: تذييل على ما قبله، وتكميل لفائدته، وفيه بيان أن القدرة واسعة قاهرة غير منحصرة على الأحياء والإماتة. زاد في رواية مسلم "لا إله إلاَّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثمَّ عاد بين ذلك قال :مثل هذا ثلاث مرَّات" وكان جابر بن زيد رضي الله عنه، إذا رقي الصّفا يرفع صوته بالذّكر، كأنَّه أعرابي جافي.
قوله:« ويصنع المروة مثل ذلك»: أي: مثل الّذي فعله على الصّفا من الوقوف والذكر.
وقوله:« ثلاثا ثلاثا»: أي: يقول ما ذكر ثلاثا على الصّفا،<2/206> وثلاثا على المروة، في كلّ شوط، وفيه مشروعية الرّقي على الصّفا، والمروة، وهو سنّة عند الجمهور، ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه صحَّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة، قيل: ولا حدَّ في الذّكر، والدّعاء عند أحد من العلماء، وإنما هو بحسب ما يقدر عليه المرء ويحضره.
قوله:« مشى»: أي: المشي المعتاد.
قوله:« انصبت قدماه»: أي: انحدرت، فهو مجاز من قولهم صبّ الماء وانصب إذا انحدر، ومنه إذا مشى كأنَّه ينحطّ في صبب، أي: موضع منحدر.
وقوله:« في بطن الوادي»: هو ما بين العلمين الأخضرين.
وقوله:« سعى»: أي: مشى بقوَّة، وهو الإسراع في المشي. وفي رواية مسلم وغيره رمل. (3/263)
صفحة 824
وقوله:« حتَّى إذا خرج منه_»: هكذا في جميع النّسخ التي بأيدينا، ولعلَّه سقط منها جواب الشّرط، وهو قوله مشى، أو حذف للدّلالة عليه بما قبله، والمعنى أنَّه إذا خرج من بطن الوادي، مشى مشيه المعتاد ،ورواية الموطأ "حتَّى إذا انصبّت قدماه في بطن الوادي، سعى حتَّى يخرج منه"، والسّعي في هذا الموضع سنّة يلزم تاركها عمدا الدّم، وليس على المرأة رمل، ولكن تسرع المشي، ولا يلزم النّاسي شيء، وقال الأبدلاني من أصحابنا المغاربة، رحمة الله عليهم: ومن لم يهرول في سعيه حتَّى قصر فعليه دم، ويعيد السّعي، فإن لم يقصر أعاد ولا شيء عليه، وإن ترك الهرولة في أكثر السّاعات، فعليه دم أن أحلّ، وإلاَّ أعاد ما عليه، وإن ترك الأقلّ أعاد قبل الإحلال، ولا شيء عليه بعده، ومن نسي الرّمل حتَّى جاوز موضعه، رجع إليه ما لم يجاوز الموضع بثلاث خطوات، أو خطوتين ،والرّمل والهرولة والإسراع في المشي ألفاظ لمعان متقاربة، وأجمعوا أن السّعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، لكن اختلفوا هل يحسب الرّجوع من المروة إلى الصّفا شوطا أم لا؟ فذهب أصحابنا، وجمهور قومنا إلى أنَّه يعدُّ شوطاً، وقيل: لا يعدو بذلك، قال أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي، وأبو حفص بن الوكيل، وأبو بكر الصيرفي: والعمل في زماننا على القول الأوَّل، والله أعلم. (3/264)
صفحة 825
قوله:« ونحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره»: وهو علي بن أبي طالب، وكان الهدي مائة بدنة،<2/207> كما في الصّحيحين عن علي، والمعنى أن بعض هديه صلّى الله عليه وسلَّم، وهو الأكثر نحوه بيده الشريفة، نحر بعضه علي، وفي أبي داود عن علي" لَّما نحر صلّى الله عليه وسلَّم بدنه، نحو ثلاثين بيده، وأمرني، فنحرت سائرها"، وفي مسلم، وغيره، عن جابر" ثمَّ انصرف صلّى الله عليه وسلَّم إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستّين بيده، ثمَّ أعطى علياّ فنحر ما غبر"، وهذا أصح. وجُمع بينهما بأنَّه صلّى الله عليه وسلَّم، نحر ثلاثين ثمَّ أمر عليّا أن ينحر، فنحر سبعًا وثلاثين ثمَّ نحر صلّى الله عليه وسلَّم ثلاثا وثلاثين، قال عياض: والظّاهر أنَّه صلّى الله عليه وسلَّم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثا وستين، كما جاء في رواية التّرمذي وأعطى عليّا البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة وذكر بعضهم أن حكمة نحره ثلاثا وستين بدنه بيده، أنَّه قصد بها سنّي عمره ثلاث وستّون على كلّ سنة بدنه، والله أعلم.
ما جاء في طواف المريض راكبا
قوله:« بلغني عن عروة بن الزبير»: الحديث. رواه مالك عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل ،عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلَّمّ، ورواه البخاري، عن إسماعيل، والقعنبي ،والقنيسي، ومسلم ،عن يحيى الأربعة، عن مالك، بالسّند المتقدِّم، فبلاغه رضي الله عنه عن عروة صحيح ،على أن العروة عند المصنِّف، إِنَّمَا أخذ الحديث عن أم سلمة نفسها، وهو عند مالك ،إِنَّمَا أخذه عن ابنتها عنها.
قوله:« شكوت»: أي: ذكرت لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، ما اشتكي من المرض، وذلك في طواف الوداع ،في حجَّة الوداع، وفي بعض الرّوايات، "أن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت،<2/208> فقال لها: إذا أُقيمت صلاة الصّبح، فطوفي على بعيرك". (3/265)
صفحة 826
قوله:« أني أشتكي»: أي: أتوجّع، والمعنى أني مريضة.
قوله:« وراء الناس»: وذلك لأنّ سنّة النّساء التباعد عن الرّجال في الطواف، ولأنّه يخُاف من قربها تأذّي النّاس بدابّتها، وقطع صفوفهم.
قوله:« وأنت راكبة»: أي: على بعيرك، وفيه جواز طواف الرّاكب لعذر، ويلحق به المحمول بعذر، أمّا بلا عذر، فقيل: بمنعه، وقيل: بكراهيته، لقوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيق}[الحج:29] قالوا: من طاف راكبا لم يطف به، إنّما طاف به غيره قالوا: وركوبه صلّى الله عليه وسلم إنّما كان لعذر، ففي أبي داود، "عن ابن عبّاس قدم النّبئ صلّى الله عليه وسلّم مكّة وهو يشتكي، فطاف على راحلته"، وفي حديث جابر عند مسلم" طاف راكبا ليراه النّاس وليسألوه"، ويُحتمل أنّه فعل ذلك للأمرين، وكذا ركوب أم سلمة لعذر، ومنهم من قال: أن هذا من خصائصه صلّى الله عليه وسلَّم، فلا يلحق به غيره، وفيه نظر، لقوله صلّى الله عليه وسلَّم خذوا عنِّي مناسككم.
قوله:« يصلّي»: أي: صلاة الصّبح كان يصلِّي بالنّاس إلى جانب البيت، وفيه جواز الطّواف، حال صلاة الجماعة، إذا لم يؤذ بعضهم بعضا.
قوله:« وهو يقرأ والطور»: وفي رواية الموطّأ وهو يقرأ بالطّور أي بسورة الطّور، وهو علم على هذه السّورة، ولهذا حذف الواو، وفي رواية مالك.
«والطّور»: المقسم به هو الجبل الّذي كلّم الله عليه موسى وهو بمدين.
«والكتاب»: الّذي يكتب فيه الأعمال، وقيل: هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم، وقيل: اللّوح المحفوظ، وقيل القرآن.
«والرّق»: الصّحيفة، وقيل: الجلد الذي يكتب فيه، والله أعلم.
ما جاء في البدء بالصّفا (3/266)
صفحة 827
قوله:« سمعت رسول الله ... إلخ»: هذه قطعة من حديث طويل: روى مالك في الموطّأ أيضًا بعضه، كالمصنّف،<2/209> واستوفى ذكره مسلم، وغيره في قصَّة حجَّة الوداع، عن جابر بن عبد الله ،وفيها أنَّه قال :" فطاف سبعا، فرمل ثلاثا ومشى، أربعا ،ثمَّ تقدَّم إلى مقام إبراهيم، فقرأ {وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}[البقرة:125] فصلّى ركعتين، وجعل المقام بينه وبين البيت، وفي رواية أنّه قرأ في الرّكعتين، قل هو الله أحد ،وقل يا أيها الكافرون، ثمّ رجع إلى الرّكن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ}[البقرة:158]ابدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصّفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة ... الخ.
قوله:« وهو يريد الطواف»: أي: التردّد بين الصّفا والمروة لأداء النّسك، وهو المعروف بالسّعي عندنا.
قوله:« بما بدأ الله به»: يعني في قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ}، وفيه أن التّرتيب الذّكري له اعتبار في الأمر الشّرعي إمَّا وجوبا، أو استحبابا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية، فمن لم يبدأ بالصّفا طرح ذلك الشّوط، واستأنف العمل من الصّفا كما صنع النّبي صلى الله عليه وسلَّم. واختلف العز بن عبد السّلام، وتلميذه القرّافي، وكلاهما من قومنا في تفضيل الصّفا على المروة، فقال الشيخ: بتفضيل المروة، وقال التّلميذ بتفضيل الصفا، واعتُرضا بأنَّه لا ثمرة لهذا التّفَضيل، مع أنّ العبادة المتعلِّقة بهما لا تتم بأحدهما دون الآخر. والله أعلم.
ما جاء أصل السعي بين الصّفا والمروة (3/267)
صفحة 828
قوله:« بلغني عن عروة بن الزبير»: الحديث. رواه مالك، عن هشام، بن عروة، عن أبيه، وأخرجه البخاري في التّفسير عن عبد الله بن يوسف، وأبو داود، هنا عن القعنبي والنّسائي، من طريق ابن قاسم، وأبو داود أيضًا، من طريق ابن وهب، وكلّهم عن مالك، بهذا السّند المتقدِّم، أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، وأبي معاوية، بنحوه، وله طريق في الصّحيحين وغيرهما.
قوله:« قلت لعائشة»: أي: أم المؤمنين، وهي خالته أخت أمه.<2/210>
قوله:« وأنا يومئذ حديث السن»: أي: صغير، وهو كناية عن الشّباب فالسّن العمر، وفيه تقديم عذره في السّؤال، وأنّ التباسه عليه نشأ من الحداثة.
قوله:« أرأيت قول الله تعالى»: أي: أخبريني عن مفهوم قوله تبارك وتعالى.
وقوله:{ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ }، هما جبلا السّعي، اللّذان يسعى من أحدهما إلى الآخر، والصّفا في الأصل، جمع صفاة ،وهي الصّخرة والحجر الملس، والمروة في الأصل حجر أبيض برّاق.
وقوله {مِن شَعَآئِرِ اللهِ} أي: من المعالم الّتي ندب الله إليها، وأمر بالقيّام عليها وقيل الشّعائر أعمال الحج، وكلّ ما جُعل علما لطاعة الله.
وقوله:{ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ} أي: فمن قصده لأحد النّسكين الحجّ، والعمرة.
قوله:{ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} أي: فلا إثم عليه.
وقوله {أَنْ يَّطَّوَّفَ}(بتشديد الطّاء، أصله يتطوّف أبدلت التّاء طاءً لقرب مخرجه أو، أدغمت التّاء في الطّاء) والمعنى يسعى بينهما.
قوله:« فما رأى على أحد بأسا أن لا يطوف بهما»: أي: فما اعتقد على أحد إثًما بترك ذلك، أو ما أظنّ على أحد بأسا بتركه، إذ مفهوم الآية أن السّعي ليس بواجب، لأنَّها دلَّت على رفع الجنُاح، وهو الإثم عن فاعله، وذلك يدلُّ على إباحته، ولو كان واجبا لما قيل فيه ذلك،لأنّ رفع الإثم علامة الإباحة، ويزاد المستحبّ بإثبات الأجر، والوجوب بعقاب التارك. (3/268)
صفحة 829
وقوله:« قالت عائشة»: أي: في الرّد عليه لما اعتقد، أو ظنّه من مفهوم الآية.
وقوله:« كلا»: أي: ارتدع ،وازدجر عن ذلك، وفي رواية الزّهري" بئس ما قلت بابن أختي".
وقوله:« لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»: أي: لو كان الأمر كما فهمت، لكان اللّفظ فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما، أي لا جناح في ترك الطّواف بهما فكانت تدلُّ على رفع الإثم عن التّارك، وذلك حقيقة المبُاح، أمَّا ولفظها بدون لا، فهي ساكتة عن الوجوب، وعدمه مصرّحة بعدم الإثم عن الفاعل، وحكمته مطابقة جواب السّائلين،<2/211> لأنَّهم وهموا من فعلهم ذلك في الجاهليَّة أن لا يستمر ذلك في الإسلام، فجاء الجواب مطابقا لسؤالهم. وأما الوجوب فمستفاد من أدلَّة أخر، كفعله صلّى الله عليه وسلَّم له،ومواضبته عليه في كلّ النّسكّ مع قوله:" خذوا عنِّي مناسككم". قال المازري من قومنا: هذا من فقه عائشة، ومعرفتها بأحكام الألفاظ، لأنَّ الآية إِنَّمَا اقتضى ظاهر رفع الحرج عن الطّائف بينهما، وليس نصا في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك محتمل، فلو كان نصّا لقال: أن لا يطوف، وقد يكون الفعل واجبا، ويعتقد إنسان أنَّه قد يمنع من إيقاعه على صفة خاصَّة، فيقال له: لا حرج عليك إن فعلت، فالجواب صحيح، فلا يقتضي نفي وجوب الفعل عليه، ثمَّ بينت له أن التّعبير بنفي الجناح لوروده على سبب، فقالت: وإنَّما نزلت هذه الآية في الأنصاري... إلخ. (3/269)
صفحة 830
وقد اختلف النّاس في حكم السّعي بعد الإجماع على أنَّه مشروع، فقال: جمهور أصحابنا، وأهل الكوفة، والحسن، وقتادة، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، هو سنّة واجبة، فمن تركه عصى، ويجبر بالدّم، قال في الإيضاح: وكذلك من ختم سعيه بالصّفا وانصرف عن ستَّة أشواط، وأحلّ فعليه دم، وقال بعض أصحابنا: أنَّه فريضة :وهو مرويّ عن عائشة، وبه قال الشّافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، فمن لم يسع عند هؤلاء حتّى وطئ النّساء فلا حجّ له في عامه، ذلك وعليه الحجّ من قابل، وهو معنى تعبير بعض قومنا عنه بالرّكن. وقال قوم: إنَّه تطوّع، تمسّكا بالمعنى الذي فهمه عروة من الآية، وروى ذلك عن أنس ابن مالك، وعبد الله بن الزّبير، وابن سيرين، ولعلّهم يحتجون بقوله تعالى {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}[البقرة:184] والجواب، أن هذا راجع إلى أصل الحجّ والعمرة، لا إلى خصوص السّعي لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسّعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، والله أعلم.
قوله:« إِنَّمَا نزلت هذه الآية»: تعني قوله تعالى إن الصفا والمروة.
وقوله:« في الأنصار»: هم الأوس والخزرج.
وقوله:« يهلون»: أي: يحرمون للحج أو العمرة قبل إسلامهم، وَمَنَاةَ( بفتح الميم والنون الخفيفة، فألف، ثمَّ تاء مخفوض بالفتحة للعلمية، والتّأنيث)، وهو حجر بقديد، كانوا في الجاهليَّة يعبدونه،<2/212> وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن يحيى، لهذيل فكانوا يعبدونها، وسمِّيت مناة: لأنَّ النّسائك كانت تمنى، أي تراق عندها.
وقوله:« خلف قديد»: وفي رواية الموطّأ "حذو قديد" (بفتح المهملة، وسكون المعجمة )،أي مقابلها، ولعلّها كانت مقابلها من الجهة البعدى، بعدها يصدق عليها أنَّها خلف، باعتبار وحذو باعتبار، وقُدَيد (بضمِّ القاف وفتح المهملة بعدها تحتية، ثمَّ مهملة)، قرية جامعة بين مكَّة، والمدينة، كثيرة المياه، قاله أبو عبيد البكري. (3/270)
صفحة 831
وقوله:« يتحرجون»: (بالمهملة والجيم) أي: يتحرّزون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، أي: يتركون ذلك خشية الحرج، وهو الإثم، مثل قولهم: يتحنّث، ويتأثم، أي: ينفي الحنث والإثم عن نفسه، والمعنى: أنَّهم كانوا في الجاهليَّة لا يطوفون بينهما، فيقتصرون على الطّواف بمناة، وفي رواية سفيان عن الزهري، عند مسلم "وإنَّما كان من أهلٍ بمناة الطّاغية، التي بالمشلّل لا يطوفون بين الصّفا، والمروة"، وله من رواية يونس عن الزهري" أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان، يهلون بمناة، وكان ذلك سنّة في آبائهم، من إحرام بمناة لم يطف بين الصّفا والمروة".
وقوله: «فلما جاء الإسلام ... إلخ»: صريح أن المذكور، سبب لنزول الآية الكريمة، وروى الطّبري، وابن أبي حاتم، عن ابن عبَّاس، قال: "قالت الأنصار أن السّعي بين الصّفا والمروة، من أمر الجاهليَّة، فأنزل الله الآية، وروى الفاكهي، وإسماعيل القاضي، عن الشّعبي، قال: كان صنم بالصّفا يُدعى أساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة ،وكان أهل الجاهليَّة يسعون بينهما، فلمَّا جاء الإسلام، رُميَ بهما وقال: إِنَّمَا كان يصنعه أهل الجاهليَّة من أجل أوثانهم، فأمسَكوا عن السّعي بينهما فأنزل الله الآية، وذكر الواحدي عن ابن عبَّاس نحوه، وزاد فيه" يزعم أهل الكتاب، انهما زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين، فوُضعا على الصّفا والمروة، ليعتبر بهم،ا فلمَّا طالت المدَّة عبدا". وفي الحديث أنَّه لا بأس بمباحثة الصّغير الكبير، واستنباطه بحضوره من القرآن، وتعبيره بلفظ: أرأيت؟ وبلفظ ما أرى! لأنَّ عائشة لم تنكر شيئًا من ذلك، والله أعلم.<2/213>
ما جاء في استلام الركن اليماني (3/271)
صفحة 832
قوله:« جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ... إلخ»: الحديث. قد تقدّم في باب الإهلال، وتقدّم شرحه هنالك، وذكر من جملة الأربع، قوله: رأيتك لا تمس من الأركان إِلاَّ اليماني، وأجابه بقوله:" فإنِّي لم أر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يمسّ إِلاَّ اليماني" والمراد بالمسّ: الاستلام، ولهذه الخصلة أشار إليه المرتّب هاهنا والحصر في قوله: إِلاَّ اليماني، إضافي لا حقيقي، فإنَّه إِنَّمَا نفي المسّ عن الرّكنين الشّاميين دون ركن الحجر، إذ لا بدَّ من استلامه. وعند الشّيخين عن ابن عمر، قال:" ما تركنا استلام هذين الركنين اليماني، والحجر في شدَّة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يستلمهما"، وفي البخاري "سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، فقال رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يستلمه، ويقبله، قلت: أرأيت إن زُحِمْتُ؟ أرأيت إن غُلِبْتُ؟ قال أجعل، أَرَأيْتَ باليمن؟. رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يستلمه، ويقبّله"، فظاهره أن ابن عمر لم ير الزّحام عذرًا في ترك الاستلام، والمذهب عندنا أنَّه يستلم الحجر بيده، ويقبله بفمه إن أمكنه ذلك، وإلّا أشار إليه بيده من بعيد، وروى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّه قال:" قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، لعبد الرّحمن بن عوف، كيف صنعت يا أبا محمَّد في استلام الرّكن؟ قال عبد الرحمن: استلمت،وتركت فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: أصبت"، فهذا يدلُّ على أنَّه لا ينبغي المزاحمة. وقد روى الفاكهي من طرق عن ابن عبَّاس كراهتها، وقال: لا تُؤذِي ولا تُؤذَي. (3/272)
صفحة 833
وروى الشاّفعي وأحمد، وغيرهما عن عبد الرّحمن بن حارث ،قال:" قال صلّى الله عليه وسلَّم لعمر، يا أبا حفص: إنَّك رجل قوي فلا تزاحم على الرّكن فإنَّك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه،<2/214> و إلاّ فكبّر وامض، وهو مرسل، جيِّد الإسناد، واستلام الحجر استلام لركنه، لأنَّه بعضه، وأمَّا الرّكن فإنَّه لإنما يسن استلامه دون تقبيله، والله أعلم.
ما جاء في احتراق البيت الحرام
قوله:_« لما احترق بيت الله الحرام ... إلخ»: كان المناسب ذكر القصَّة في باب القدر، لأنَّها كانت سبب الخوض فيه، وإنَّما ذِكرها في هذا الباب لأنَّها من جملة الأحوال المتعلقّة بالكعبة، وقد تقدَّم أوَّل الباب ذكر بنائها، وإنّ ابن الزبير جدّده في الإسلام على الصِّفة التي في حديث عائشة المتقدِّم، وكان هذا الاحتراق يوم السّبت لست ليالٍ خلون من ربيع الأوَّل، سنة أربعٍ وستّين، في أيَّام ابن الزّبير، وذلك أن الكعبة كانت على ما بنتها قريش، إلى السّنة المذكورة فحاصرها الحُصين بن نمير السّكوني، وهو أمير استخلفه أمير يزيد بن معاوية، الّذي ولاّه على الجيش الذي قاتل أهل المدينة، فكانت وقعة الحرَّة، ثمَّ سار إلى مكَّة فمات في الطريق، فاستخلف الحصُين، وأتوا مكَّة فحاصروا ابن الزبير، وقاتلوه، ورموه بالمنجنيق، واحترقت من شرارة، من نيرانهم، أستار الكعبة، وسقفها، وقرنا الكبش، الذي فُدِي به إسماعيل، وكانا في السقف، وقيل: أنَّهم كانوا يرمون البيت بالمنجنيق، ويرتجزون بقولهم:
خطارة مثل الفنيق المزبد ****** ترمي بها عيدان هذا المسجد
وقال آخر منهم:
كيف ترى صنيع أم فروة ****** تأخذهم من الصفا والمرو (3/273)
صفحة 834
وأم فروة: اسم منجنيق، فمالت حيطان الكعبة، مِمَّا رُميت به من حجارة المنجنيق، وأنَّها مع ذلك احترقت، وكان السّبب فيه أنَّهم كانوا يوقدون حولها، فأقبلت شرارة هبّت بها الرّيح فأحرقت باب الكعبة، فاحترق خشب البيت،<2/215> وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن زيد، قال: حدّثني عروة بن أذينة قال: قدمت مكَّة مع أبي يوم احترقت الكعبة، وقد خلصت إليها النَّارُ، ورأيت الرّكن قد أسودّ وانصدعت منه ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزبي،ر قالوا: احترقت بسبب هذا، أخذ قبسا في رأس رمح له فطارت الريح به فضربت أستار الكعبة، ما بين الرّكن اليماني والحجر الأسود، وقال: بعضهم كان السّبب في ذلك أنّ امرأة كانت تبخّر البيت، فطارت شرارة من النَّار، فاحترق البيت، وكان أول ما تكلّم النّاس في القدر يومئذ، فقال: قومٌ هو من قدر الله، وهو الحقّ الذي لا يصحُّ غيره، وقال: قوم ليس من قدر الله، وهو باطل، قالوا: فهدم عبد الله بن الزّبير الكعبة حتَّى سواها بالأرض، وكان النّاس يطوفون بها من وراء الأساس، ويصلّون إلى موضعها، وأَوَّل من طاف بهم، جابر بن زيد رضي الله عنه، وذلك أنَّه دخل المسجد الحرام والنّاس وقوف، والبيت مهدوم، فقال: إِنَّمَا أمِرت أن أعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها، فلمَّا رآه النّاس طاف، طافوا، وهذه من مناقب أبي الشعثاء، ومن فضائله التي لا يدرك شاؤها، والله يدَّخر معنى مواهبه لمن شاء من عباده، وأنَّه ذو الفضل العظيم، وجعل ابن الزّبير الحجر الأسود عنده، في ثابوت، في خرقة من حرير، وجعل ما كان من حليّ البيت، وما وجد فيه من ثياب، وطيب عند الحجبة في خزانة البيت، ثمَّ أعاد بناؤها على الوصف الذي تقدَّم في حديث عائشة في بناء الكعبة.
قوله:« قال بعض الناس: قدر الله هذا»: أي كان بقدرته وإرادته، وهؤلاء هم أهل الحق. (3/274)
صفحة 835
وقوله:« وقال: آخرون لم يقدر الله أن يحترق بيته»: وهؤلاء هم القدرية، قال: أبو القاسم البرادي رحمه الله تعالى: وَأَوَّل من تكلّم في القدر في أيَّام الصّحابة غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، ويونس الأسواري، وبعدهم أبو حذيفة ،واصل بن عطاء، انتصب لمذهب القدرية، وهو قد تلمذ للحسن البصري، ومكث في مجالسته عشرين سنة، وهو المقرر لقواعد القول، بقدرة العبد، وخلقة الفعل، وقال أن الباري عادل حكيم، لا يجوز أن يضاف إليه شين، ولا ظلم، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يامرهم به، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئًا، ثمَّ يجازيهم عليه، والعبد هو الفاعل للخير، والشّر، والطَّاعة، والمعصية، والله سبحانه يجازيه بفعله، وقال: ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر، معاد للكافرين، فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه، وقال: جميع الأمَّة قويّها، وضعيفها، وصغيرها، وكبيرها، القدر خيره، وشرّه من الله سبحانه، وهو الخالق للخير، والشرّ والقاضي، والمريد، والمقدر، والمكوّن له في أوقاته، التّي تكون فيها، وهو مع هذا كلّه ،فعل العبد، والعبد فاعله، وهو له مريد مختار، قاصد إليه، متحرّك أو ساكن به، غير مجبور عليه ،ولا مضطرّ إليه، إِلاَّ ما كان من جهم بن صفوان، وأصحابه، فقد نقض الإجماع، وقال: القدر خيره وشرّه، من الله سبحانه، لا على ما قاله الأوّلون بل على جهة الجبر ،والإكراه، والاضطرار للعباد، إلى أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك ،ولا قصد، ولا اختيار، ولا إرادة، قالوا: وماذا إلى العبد من الأفعال؟ وهو متصرّف في قبضة الأمر، ومصرّف بمقتضى العلم، والإرادة، والمشيئة، قالوا: وقد وجدنا الله سبحانه وتعالى يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء وقال: {مَنْ يُضْلِل اللُه فَلاَ هَادِيَ لَهُ}[الأعراف:186] فمن شاء الله خلق له الخير، ومن شاء خلق له الشرّ، فهذه مقالتهم الباطلة،فقد تقدم في باب القضاء و (3/275)
صفحة 836
القدر من صريح السنّة ما يرد هذه الآراء الفاسدة ،والاهوية الباطلة، وبالجملة فقد كان الاحتراق فتنة، هلك بسببها الخائضون في القدر، جرّ بهم الكلام، من احتراق البيت إلى أفعال العباد، ومنها إلى صفات الرّب سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا والله اعلم.
ما جاء في خطبته صلى الله عليه وسلَّم يوم الفتح على باب الكعبة
قوله:« دخل الكعبة»: تقدَّم شرحه، وكذلك قوله: فصلّى فيها ركعتين.
قوله:« وقد أفضى بالناس»: أي: بلغ بهم المكان، الواسع الذي كان حول الكعبة، وهو إمَّا مبني للفاعل، والضّمير للنّبئ صلّى الله عليه وسلَّم، لأنَّه الآمر بذلك، فإسناد الإفضاء إليه مجاز عقلي، على حدِّ هزم الأمير الجند، وإمَّا مبني للمفعول والفاعل، لم يسمَّ لأنَّ المأمور بجمعهم مثلا لم يذكر، والغرض من الإفضاء بهم أسماعهم هذه الخطبة الجامعة، النافعة.
قوله:« بِعِضَادَتَي الباب»:( بكسر المهملة تثنية عضادة بكسرها أيضًا)، وهي جانب العتبة من الباب.
قوله:« الحمد لله»: هذا شروع في الخطبة ،وإنَّما صدرها بقوله: الّذي صدق وعده ... إلخ، تحدُّثا بنعمة الله تعالىَ، وتذكيرا لقريش بالوعد الّذي كان يذكّره لهم في أوَّل النبوَّة، وقد تقدَّم شرح ما بعده في باب الإهلال.
قوله:« ماذا تقولون وماذا تظنون»: أي: ما يقول بعضكم لبعض في أمري؟ وأيّ شيء تظنون أنِّي صانع بكم؟.
قوله:« أخ كريم»: أي :معروف بالكرم، ومن شأن المعروف بذلك أن يعفو ويفصح، فلا يقال في مثله إلاّ خير، ولا يظنّ به إلاّ خير، وإنَّما سمّوه أخا، لأنه من عشيرتهم والعرب تقول لمن كان من القبيلة، أخو بني فلان، ومنه قولهم للعربي يا أخا العرب، ومنه قوله تعالى {إِذ قَالَ لَهُمُ, أَخُوهُمْ هُودٌ}[الشعراء:124] إذ قال لهم أخوهم صالح، وإنَّما جمعوا بين وصفي الأخوّة والكرم، ليُتم لهم حنوّه، ويرقّ لهم فلا يعاقبهم بما صدر منهم، في جانبه الرفيع. (3/276)
صفحة 837
قوله:« قدرت فأسجح»:( بقطع الهمزة بعدها مهملة، ثمَّ جيم، ثمَّ حاء مهملة)، أي: قدرت فسهّل القول، وأحسن العفو، والمثل السّائر ملكت فاسجح، وإنَّما غيره فقالوا: قدرت فرارا من الملك، إذ القدرة قد تكون لمن لا يذعن له الملك، وقد قالت عائشة لعلي يوم الجمل حين ظهر: ملكت فاسجح .
قوله:_« أخي يوسف»: إِنَّمَا سمَّاه أخا لأنَّه نبئ مثله، وأيضا فهو من ولد إبراهيم عليهم جميعا الصّلاة والسلام.<2/218>
قوله:« لا تثريب»: أي: لا تعيير، ولا توبيخ، والتّثريب: التعيير، والاستقصاء في اللّوم، ويقال: ثرب عليه تثريبا، إذا قبّح عليه فعله. (3/277)
صفحة 838
وقوله:« يغفر الله لكم»: دعاء بالمغفرة، وهي ستر ما كان من الذّنوب، فإن كان القوم قد أسلموا يومئذ فالأمر واضح ،وإن كان فيهم المسلم والمشرك، كما يدلُّ عليه ظاهر الحال ،انصرف الدّعاء لمن كان مسلمًا وإن كانوا جميعا مشركين، احتيج إلى بيان وجه الدّعاء مع قوله تعالى { مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى}[التوبة:113] الآية.وحينئذ فنقول أنّ هذا الدّعاء كان قبل نزول هذه الآية، لأنَّ غالب آيات التّوبة إِنَّمَا نزلت في السّنة التّاسعة بعد رجوعه صلّى الله عليه وسلَّم من تبوك، والدّعاء إِنَّمَا كان يوم فتح،وفهو في السّنة الثامنة، فهو منسوخ بالآية، وأجاز بعض قومنا الاستغفار للمشرك الحي، زاعما أنَّ الاستغفار له طلب لتوفيقه للإيمان، والجواب أن طلب التّوفيق، غير طلب الغفران، فهما شيئان قد يجوز في أحدهما، ما لا يجوز في الآخر، وفي الخميس نقلا من الاكتفاء، لما نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، واطمأن النّاس خرج إلى البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الرّكن بالمحجن في يده، فلمَّا قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه مفتاح الكعبة، وفتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثمَّ طرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال:لا اله إلاّ الله صدق الله وعده، ونصر عبده،وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة، أو دم، أو مال، يدّعى، فهو تحت قدمي هاتي،ن إلاّ سدانة البيت، وسقاية الحاج. يا معشر قريش: إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهليَّة، وتعاظمها بالآباء، الناس لآدم، وآدم خلق من تراب، ثمَّ تلا هذه الآية فقال {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى}ا[الحجرات:14] الآية. (3/278)
صفحة 839
ثمَّ قال: يا معشر قريش، أو يا أهل مكَّة، ماذا ترون أنِّي فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوةً، فلذلك تسمَّى أهل مكَّة الطّلقاء، أي: الّذين أطلقوا، فلم يسترقوا، ولم يوسروا، الطّليق هو <2/219> الأسير إذا أطلق.
قوله: «ألا وإنَّ كلَّ ربا في الجاهليَّة ودم ومال أو مأثرة فهي تحت قدميَّ هاتين» أي: هدورة لا يطالب بها، أما هدر الربا فلتحريمه في الإسلام، وأمَّا الدم والمال فلأن المطالبة بشيء منهما تهيج الفتن، وتشمل الحروب بين القبائل، لا سيما وقد كثر في الجاهلية النهب والقتل على سبيل الاستحلال والانتهاك، فلو أذن لهم في مطالبتها، ما خمدت نار الحروب ولما ذهبت حزازات القلوب، وأما المأثرة: فلأنهم كانوا ربما عدوا القبائح مآثراً و المأثرة، بفتح الثاء وضمها المكرمة، لأنها تُؤثَر أي: تذكر، ويؤثرها قرن عن قرن يتحدثون بها، ولفظ هذه القطعة في حديث جابر عند مسلم وغيره في خطبة خطبها عليه السلام يوم عرفة "ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فانه موضوع كله. (3/279)
صفحة 840
قوله:« إلاسدانة البيت وسقاية الحاج » بكسر المهملة فيهما، والسدانة: خدمة البيت وولاية مفتاحه، يقال: سدنت الكعبة سدنا، من باب قتل خدمتها، فالواحد سادن والجمع سدنة، مثل كافر وكفرة، والسقاية في الأصل موضع يتخد لسقي الناس، وسقاية الحاج قيل: زمزم وقيل: كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أُدمٍ بفناء الكعبة للحاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس، قال ابن إسحاق: لما ولى قُصَيّ بن كلاب أمر الكعبة، كان إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة، قال: فلما كبر قصيّ ورق عظمه، وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كُلَّ مذهب، وكذلك عبد العزى وعبد، قال قصي لعبد الدار: أمَا والله يابني لألحقنك بالقوم وإن كان قد شرفوا عليك، قال: فأعطاه دار الندوة التي لا تَقضِي قريش أمرا من الأمور إلا فيها، فأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، قال: وكانت <2/220> الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد،ثمَّ إنَّ بني عبد مناف بن قصي أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش، قال: ثم تصالحوا على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، اهـ مختصرا. (3/280)
صفحة 841
ثم أبطل الإسلام جميع ذلك إلاّ سدانة البيت وهي: الحجابة ، التي كانت في بني عبد الدار، وإلاّ سقاية الحاج وكانت في بني عبد مناف، فأقرهما الإسلام كما هما، ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من خطبته جلس في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله أجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة ، فدعي له فقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء" وقيل: إن العباس هو الذي سأل ذلك من النبيء صلى الله عليه وسلم فمنعه ودفع المفتاح لعثمان بن طلحة أحد بني عبد الدار، وقبض العباس السقاية، وكانت في يده حتى توفي، فوليها بعده عبد الله بن عباس، فكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب، وكان محمد بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس: مالك ولها نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام، وقد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبيد الله، وعامر بن ربيعة، وأزهر بن عوف ، ومحزمة بن نوفل، أن العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب، وجدك أبو طالب في ابله في باديته بعرفة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها العباس يوم الفتح دون بني عبد المطلب، فعرف ذلك من حضر، وكانت بيد عبد الله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه وجده، ويأتيه الزبيب من ماله بالطائف، وينبذه حتى توفى فكانت في يد ولده.
قوله: «نَخوة الجاهلية» بفتح النون الكبر والعظمة يقال انتَخَى فلانٌ علينا أي: افتخر وتعاظم.
قوله: «وتكبرها بالآباء» أي: وتعاظمها بسبب شرف الآباء .
<2/221>وكان ذلك شأن الجاهلية وأعظم مفاخرها.
قوله: «كلكم لآدم» أي: كلكم أبناء لآدم، وآدم خلق من تراب، فقيما التفاخر والتعاظم والأصل واحد والمرجع إلى تراب. (3/281)
صفحة 842
قوله: «ليس إلا مؤمن تقي أو فاجر شقي» أي: لم يبق من الأصناف المعتبرة بين الناس إلا هذان الصنفان: أحدهما غاية في الشرف، وإن لم يعرف له نسب ولا حسب وهو المؤمن التقي، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ,} [الحجرات:13]والثاني: غاية في الخِسَّةِ وإن كان في غاية من شرف قومه، وهو الفاجر الشقي، قال تعالى: {اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:3] ولم يقل إما شريفا وإما وضيعًا.
قوله: «إلا في قتيل العصا والسوط» ... الخ، فيه إثبات نوع من القتل، وهو شبه العمد، وهو: أن يضربه بما لا يقتل في العادة، كالعصا والسوط الدقيقين في الظهر ونحوه، وكذلك إن ضربه بريشة أو رماه ببعرة ولم يقصد قتله، ثم مات من ذلك، فهذا النوع هو الذي ذكره في الحديث وهو خطأ شبه العمد، وإنما أشبه العمد لأنه :تعمد ضربه أو رميه بغير القاتل وهو خطأ، لأنه لم يقصد قتله فصار عمداً خطأ، وزعم بعض قومنا أن القتل لا يكون إلا عمداً محضا أو خطأً محضاً، قالوا: فأمّا شبه العمد فلا يعرف، وهو قول مالك والحديث يرده، واستدل به أبو حنيفة على أن القتل بالمثقل شبه عمدٍ لا يوجب القصاص، ورد بأن الحديث في السوط والعصا الخفيفة، والقتل الحاصل بهما يكون قتلاً بطريق شبه العمد، فأما المثقل الكبير فملحق بالمحدد الذي هو معد للقتل.
قوله: «والخطأ شبه العمد» معطوفٌ على قتِيل العصا والسوط عطفُ عامٍّ على خاص تنبيهاً على أن شبه العَمد غير منحصر في قتيل العصا والسوط، وفي إعراب شبه العمد وجوه: أحدها، أن يكون صفة الخطأ وهو معرفة، وجاز لان قوله شبه العمد وقع بين الضدين ، وثانيها: أن يراد بالخطأ الجنس فهو منزلة النكرة ،وثالثها: أن يكون شبه العمد بدلا من الخطأ، أو عطف بيان.
وقوله: «الديّة» مبتدأ، خبره قوله في قتيل العصا ... الخ.
وقوله: «مائة من الإبل» عطف بيان للدية، أو بدل منها. (3/282)
صفحة 843
وقوله: «مغلَّظَةٌ» حال من الديَّة على رأي من أجاز مجيء الحال من <2/222> المبتدأ، وعامله متعلق الخبر المحذوف تقديره الديّة كائنة في قتيل العصا حال كونها مغلّظة، والدية تنقسم إلى مغلّظة ومخففة، فالمغلّظة منها: أربعون خلفة ،وثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة، وتكون في العمد بدلا من القَوَدِ، وفي شبه العمد على القاتل استقلالاً، وبه جزم صاحب القواعد رحمة الله تعالى، وقيل: وفي شبه العمد الديّة مخفّفة، والمخفّفة نوعان: أحدهما، ديّة شبه العمد عند القائلين بذلك، وهي على أربعة أجزاء: خمسة وعشرون بنات مخاض، وخمسة وعشرون بنات لبون، وخمسة وعشرون حقّة، وخمسة وعشرون جذعة، والنوع الثاني: دية الخطأ المَحضِ وهي على خمسة أجزاء، عشرون بنات مخاضٍ، وعشرون بنات لبونٍ، وعشرون حقّة، وعشرون جذعة، وتؤدّى في ثلاث سنين، وتطلب من العاقلة، إلا ديّة العمد وشبهه، فإنها تؤدّى في سنة واحدة، وهي على الجاني دون عاقلته، وقيل: تؤدّى أيضاً في ثلاث سنين، وهذا إذا لم يصطلحوا على تعيين وقتٍ لأدائها، فإن اصطلحوا على وقتٍ كانوا على ما اصطلحوا، وشبه العمد كالعمد والله أعلم.
قوله: «خَلِفة» (بفتح المعجمة وكسر اللام): الحامل من الإبل وجمعها مخاض من غير لفظها، كما تجمع المرأة على النساء من غير لفظها، وهي اسم فاعل، يقال: خَلِفَت خلفاً من باب تعب إذا حملت، فهي خلفة مثل تعبة، وربما جمعت على لفظها، فقيل: خلفات وتحذف الهاء أيضا، فيقال: خلف. (3/283)
صفحة 844
قوله: «مكة حرام» ... الخ تقدم شرحه في حديث أنس آخر باب المواقيت، وزاد هنا قوله: "حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، قال فغمزها النبيء صلى الله عليه وسلم بيده" يعني أنه أشار إلى تقليلها بيده يقال: غمزه غمزاً من باب ضرب إذا أشار إليه بعين أو حاجب، وغمزته بيدي من قولهم: غمزت الكبش بيدي إذا جَسَستُهُ لتعرف سمنه، والساعة المشار إليها ما بين أول النهار ودخول وقت العصر، كما في مسند أحمد، وذلك يوم الفتح، والحديث يدل على <2/223> تحريم دخول مكة بحرب وإن قصد العدل، لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر حرمتها على من بعده، وإن حربها خصوصية له، وإنما يجوز دخولها على قصد إظهار الحق دون الحرب لمن وجد القوة على ذلك، فيأمر وينهي ويظهر الحق وينشر الأحكام، فإن قوتل على ذلك قاتل، قال الله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىا يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَالِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة:191] والآية محكمة عند ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد، فلا يجوز عندهم قتال أحد عند المسجد إلا بعد أن يقاتل، واستثنى القطب: المشرك، فإنه إن دخل الحرم أو المسجد الحرام وأمر بالخروج فأبي قوتل، ولو لم يقاتل، والنهي عند جمهور قومنا، وقتادة منسوخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] وقيل: منسوخ بقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىا لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193] ونسب لقتادة والله أعلم، وحديث الباب يؤيد القول الأول وهو: أن الآية محكمة، لأنه كان يوم الفتح والأمر بالقتال كان قبل ذلك والله أعلم.
قوله: «وكان شيخا مجربا»: (بضم الميم وكسر الراء المشددة) فاعل من جربت الشيء تجريبا، إذا اختبرته مرة بعد أخرى والله أعلم.
الباب السابع في عرفة والمزدلفة ومنى (3/284)
صفحة 845
قوله: «في عرفة والمزدلفة ومنى» يعني: في ذكر ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المناسك في المواضع الثلاثة، وعرفة وعرفات موضع وقوف الحجيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، وبعضهم يقول عرفة هي الجبل، وعرفات جمع عرفة تقديرا، لأنه يقال: وقفت بعرفة كما يقال بعرفات؛ وأما المزدلفة: فاسم لموضع مبيت الحجيج ليلة النحر، سميت بذلك لقربها من عرفة، والزلفة: القربة، وقيل: مأخوذة من قولهم أزلفت الشيء إذا <2/224> جمعته، ومن هنا سميت أيضا جمعا لجمعها الناس ليلة النحر؛ وأما منى: فاسم موضعٍ بالحرم، وهو موضع النحر للحجيج، وفيه إقامتهم يوم النحر وأيام التشريق، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمي منى لما يمنى به من الدماء أي: يراق والله أعلم، وروى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف، والإشارة إلى منحره صلى الله عليه و سلم بمنى وموقفه في عرفة والمزدلفة، وقد كان منحره قريبا من مسجد الخيف، ووقوفه بعرفة قرب الصخرات السود عند جبل الرحمة، ووقوفه بالمزدلفة عند المشعر الحرام، قيل: وهو البناء الموجود بها الآن، وفي حديث جابر عند مسلم وغيره في حجة الوداع قال: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى عليه وسلم حتى أتى عرفه، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى ركن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في (3/285)
صفحة 846
بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهنّ ضرباً غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وأنتم تسئلون عنّي، فما أنتم قائلون، قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس، اللهم اشهد اللهم أشهد ثلاث مرات، ثم أذّن بلال ثم أقام، فصلّى الظهر ثم أقام فصلّى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت <2/225> الصّفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة ودفع حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القَصوَاء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله وحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جِدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسر ، فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف ، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنةً بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غير وأشركه في هديه" ... الخ، وإنما ذكرت منه هذه القطعة بطولها لِماَ فيها من فوائد المتعلقة بالمواضع الثلاثة (3/286)
صفحة 847
والله أعلم.
ما جاء في الوقوف بعرفة
قوله: «اختلف ناس» ... الخ تقدم شرحه في آخر كتاب الصوم، وإنما أورده هاهنا لما فيه من بيان صفة وقوفه صلى الله عليه وسلم بعرفة، وأنه كان واقفاً على بعيره وهي ناقته القصواء، (بالمدِّ مع فتح القاف) والبعير يقع على الذكر والأنثى، كالإنسان يقال: حلبت بعيري، والجمل يختص بالذَكرِ والناقة تختصّ بالأنثى، وإنما وقف صلى الله عليه وسلم على بعيره ليراه الناس، فيأخذوا عنه مناسكهم، وليبلغ كلامه حيث لم يبلغ لو كان راجلاً، قيل: ولهذا طاف أيضا راكباً، وهي الحكمة في وضع المنبر للخطيب، وجعل مالك الوقوف على الدابة من <2/226> السنّة فقال: يقف راكبا، إلا أن يكون به أو بدابته علة فالله أعذر بالعذر، وفي الحديث: أن الوقوف على ظهور الدواب لمنافع وأغراض لراكبها جائز، ما لم يكن ذلك مجحفا بالدابة، أو لغير غرض صحيح، وأن النهي في ذلك في الأغلب والأكثر، ولم يتخذ ذلك عادة للتحدث عليها، كما كانت تفعله الجاهلية، وأما من كان راكبا عليها فأخذه الحديث مع جماعة، ولم يطل ذلك كثيراً حتى يضربها فلا يدخل في النهي، ومن فعل ذلك قاصدا لِغرض صحيح، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ كلامه، أو لخوف على الدابة إن تركها، أو على نفسه فيركبها ليحرزها ويحرز نفسه بذلك فلا حرج والله أعلم.
ما جاء في الدفع من عرفة وصلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة
قوله: «بلغني عن أسامة بن زيد» الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود في سنته، وله عندهم طرق عن أسامة.
قوله: «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة» وذلك بعدما غربت الشمس وذهبت الصُّفرة قليلا، كما في حديث جابر بن عبد الله عنده مسلم وغيره، وهو أول وقت المغرب. (3/287)
صفحة 848
قوله: «بالشعب»: (بكسر المعجمة) هو: في اللغة الطريق، وقيل الطريق في الجبل، وهو في عرفنا طريق الماء من السّيل اليسير، ولعله المراد من الحديث، وفي بعض روايات البخاري أنه الشّعبُ الأيسر، الذي دون المزدلفة، وفي بعض أنه قرب المزدلفة، وكان ابن عمر يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، أي: في كونه يقضي الحاجة ويتوضأ ولا يصلي، وكان ملوك بني أمية يصلون المغرب في هذا الشعب، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقال: عكرمة اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالاً واتخذتموه مصلى.
قوله: «ولم يسبغ الوضوء» قيل معناه: أنه <2/227> توضّأ وضوءاً خفيفا كما وقع في بعض روايات البخاري، ومعناه فيما قال ابن حجر أي: توضأ مرةً مرةً وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وقيل معناه: ثم توضأ ولم يسبغ أي: استنجى وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي، لأنه من الوضاءة وهي النظافة، ومعنى: الإسباغ الإكمال أي: لم يكمل وضوءه، وقيل أن معناه لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء بل اقتصر على بعضها.
قوله: «فقلت له الصلاة» بالنصب على إضمار الفعل، أي: تذكر الصلاة أوصل، ويجوز الرفع على تقدير حضرت الصلاة مثلا، وكأن أسامة ظن أنه صلى الله عليه وسلم نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها وقد كاد أن يخرج أو خرج، فأعلمه النبيء صلى الله عليه وسلم أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها للجمع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السنة قبل ذلك.
قوله: «الصلاة أمامك» بالرفع على الابتداء، وأمامك بفتح الهمزة، وبالنصب على الظرفية، بمعنى: قدامك، وهو خبر المبتدأ، والمعنى: الصلاة ستصلى بين يديك، وأطلق الصلاة على مكانها أي: المصلى بين يديك؛ وفي الحديث تذكير التابع لما تركه متبوعه ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه صوابه والله أعلم.
قوله: «وأسبغ الوضوء_» أي أتمه على الصفة التي تعودها في تمام الوضوء، وهي أنه كان يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً. (3/288)
صفحة 849
قوله: «ثم أقيمت الصلاة» يعني صلاة المغرب، والحال أنهم أرادوا الجمع بين الصلاتين، وهي السنة للدافع من عرفة فتعين الجمع في عرفة والمزدلفة من جملة المناسك، وجواز الجمع من موجبات السفر، فقد اجتمع في الفعلين نسك، وهو تعين الجمع وترخص للسفر، وهو جواز الجمع، وذلك أنه لو لم يجز ما تعين.
قوله: «ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله» هذا فعل وقع بين الصلاتين، والمقصود الجمع، وكان ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم فلم ينكره، فيدل على أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين، ولا ينقض ذلك الجمع، وفي الإيضاح: لا يبطل القِرانُ غير الكلام في جميع عمل الجوارح، قال: ورخص بعضهم في الكلام اليسير الذي لا يستغني عنه، قال ابن حجر: وكأنهم صنعوا ذلك رفقا بالدواب، <2/228> أو للأمن من تشوشهم بها، وقال الكوفيون: يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة؛ وقال الشافعي في الجديد وقواه الثوري وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث الباب، حيث لم يذكر أذاناً، والجواب أنه قد ذكره غيره، فدل على أنه كان أذان لم يذكره أسامة، إما لكونه معلوما عندهم، أو للغفلة عنه، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، وكأنه كان يرى أنه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد.
قوله: «ثم أقيمت العشاء» أي: بلا أذان، فالجمع بين الصلاتين إنما يكون بأذان واحد وإقامتين، كما فعله صلى الله عليه وسلم في عرفة والمزدلفة، صرحت بذلك رواية جابر بن عبد الله عند مسلم وغيره، وهو مذهبنا وعليه أكثر قومنا. (3/289)
صفحة 850
قوله: «ولم يفصل بينهما بشيء» يعنى من التطوع، وفي بعض النسخ: "ولم يصل بينهما بشيء" وفي رواية قومنا: "ولم يصل بينهما شيئا" والمعنى واحد، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بن الصلاتين بالمزدلفة، قال: لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، قال: ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، وكذا نقل الشيخ إسماعيل الإجماع في ذلك، وذكر خلاف أبي عبيدة الذي ذكره المصنف رضى الله عنه، وهو قول متروك لشذوذه عند الفقهاء، ولخلافه ظاهر الحديث، على أن أبا عبيدة رضي الله عنه لم يتفرد به، ففي البخاري أن: عبد الله بن مسعود صلى بينهما ركعتين ثم دعا بعشاء فتعشى، ثم أمر رجلا فأذن وأقام؛ ومذهب الشافعية أن الترتيب والولاء شرطان في جمع التقديم، دون جمع التأخير.
قوله: «يستحب بعد المغرب» ... الخ، تقدم الكلام عليه قريبا، قال المحشّي: يُتعجب من أبي عبيدة رحمه الله، كيف يروي الحديث ثم يقول بخلافه، ولم يستدل لذلك بحديث ولا بأثر، قال: ولعله رحمه الله استدل بالأثر المروي عن ابن مسعود الذي رواه البخاري، قلت: وقد تقدم أن أبا عبيدة لم يتفرد بذلك، بل قال به أيضا الشافعية في جمع التأخير، وأن معتمدهم الأثر عن ابن مسعود، وقد تقدم ذكره، والجمهور على خلافه والله أعلم.
ما جاء في خطبته صلى الله عليه وسلم بعرفة
<2/229>وقد تقدم ذكرها في شرح أول الباب من حديث جابر بن عبد الله عند مسلم وغيره، وهي قبل الصلاة كما تقدّم ذكرهاو في البخاري قال: حدّثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو قال: سمعت جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات تابعه ابن عبينة عن عمرو. (3/290)
صفحة 851
قوله: «لما أذن الله تعالى» أي: أمر نبيئه صلى الله عليه وسلم بذلك ليعلم الناس مناسكهم، وليكون الحج خاتمة عمله من المناسك، وفي قوله إذن، إشعار بأنه إنما أخر صلى الله عليه وسلم الحج إلى هذا الوقت بأمر من الله تعالى، حيث لم يأذن له في الخروج إلى الحج بعد الهجرة إلا في هذا العام، وقد تقدم ما قيل في حكمة ذلك.
قوله: «حجة الوداع»: (بفتح الواو) اسم مصدر لودعه توديعاً هو: أن تشيعه عند سفره وإنما سميت هذه الحجة بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَّعَ فيها الناس بعد خطبته بمنى، فقالوا: هذه حجة الوداع.
قوله: «وهي حجة التمام» تفسير لما قبله، وإنما فسرها بذلك، لأنها آخر عهده صلى الله عليه وسلم بالبيت، وآخر عهده بالمناسك، وآخر عهده باجتماع الناس بمن،ى ولأنها كانت على تمام عمره الشريف صلوات الله عليه وسلامه.
قوله: «فوقف»: بعرفة ... الخ، هذا صريح أن هذه الخطبة إنما كانت بعرفة حال وقوفه صلى الله عليه وسلم بها، وقد روى الشيخان قطعة من أولها من حديث أبي بكرة قال: خطبنا صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: إن الزمان قد استدار ... الخ فذكر خطبةً طويلةً، ولعله قد تكرر ذكره صلى الله عليه وسلم لهذه القطعة فدكرها مرة بعرفة، وهو الثابت عند أبي عبيدة رضي الله عنه، وذكرها مرةً <2/230> في خطبته يوم النحر، وهو الثابت عند الشيخين.
قوله: «إن الزمان قد استدار» الزمان: اسم لقليل الوقت و كثيره، والمراد هنا :السَّنَةُ ومعنى استدار أي: دار ورجع على حاله الأول الذي خلقه الله عليه قبل أن تغيره الجاهلية بنسيئها. (3/291)
صفحة 852
وقوله: «كهيئة يوم» بالإضافة، كذا في نسخ المسند التي بأيدينا، وهو نسخة أيضا في رواية قومنا، وفي نسخة أخرى: "كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" والهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته، والكاف: صفة مصدر محذوف أي: استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله السماوات والأرض وما فيها من النيرين اللذين بهما تعرف الأيام والليالي والسنة والأشهر، والمعنى: أن الزمان عاد إلى أصل الحساب، والوضع الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض، وهو أن يكون كل عام: اثني عشر شهراً، وكل شهر: ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوما، وكانت العرب في جاهليتهم غيَّرُوا ذلك، فجعلوا عاماً اثني عشر شهرا،ً وعاماً ثلاثة عشر، فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده، ويجعلون الشهر الذي نسئوه ملغى، فتصير تلك السنة ثلاثة عشر، وتبتدل أشهرها، فيحلون الأشهر الحُرُام ويحرمون غيرها كما قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيُّ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} ... الآية[التوبة:37] فابطل الله تعالى ذلك وقرره على مداره الأصلي، فالسنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، هي السّنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه، وقال النبيء صلى الله عليه وسلم: "فلا شهر يُنسأ ولا عدة تحصى، ألا وإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة" ومعنى قوله: "فلا شهر ينسأ" أي: يؤخر عن وقته المقدّر في أول الزمان، ومعنى قوله: "فلا عدة تحصى" أي: تعد في الأشهر غير المعدة التي وضعها عليها ربنا تعالى، وقال البيضاوي: كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر، حتى رفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرد العدد، وقال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، وكذلك في باقي الشهور <2/231> فوافقت حجة أبي بكر قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبيء صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، وخطب (3/292)
صفحة 853
اليوم العاشر بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء، قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما جعل الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا تتبدل في مستأنف الأيام والله أعلم.
ما جاء في وقت الدفع من عرفة والمزدلفة
قوله: «لما تم حجه» أي: وقوفه بعرفة، وقد جاء الحج عرفة، أي ركنه الأعظم: الوقوف بعرفة، ومنة التوبة الندم.
قوله: «خطب الناس بعرفة» ... الخ، ذكر هذه الخطبة في المِشكَاةِ من رواية محمد بن قيس بن محزمة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن أهل الجاهلية" ... الخ، ثم قال رواه البيهقي ، وقال: خطبنا وساقه وقال: شارحه أي في شعب الإيمان، ذكره الجزري، يعني أن البيهقي رواه في شعب الإيمان، وقول ابن حجر رواه مسلم الله أعلم بصحته، وقد طالعته من بابه فلم أجده، وروى الجماعة إلا مسلما عن عمر قال: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، فيقولون أشرق ثبير، فخالفهم النبيء صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس" وفي رواية أحمد وابن ماجة "أشرق ثبير كَيمَا نُغِير" فقوله: "أشرق" أي: أدخل في الشروق وهو: طلوع الشمس، وثبير (بفتح المثلثة وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها راء مهملة): جبل معروف بمكة، وهو أعظم جبالها وقوله: "كيما نغير" أي: ندفع، مأخوذ من قولهم أغار الفرس إذا أسرع.
قوله: «إن أهل الشرك والأوثان» وهم: أهل الجاهلية من العرب، والمراد بهم ما عدا قريشا، فإن قريشا كانوا لا يقفون بعرفة مع الناس، وإنما يقفون بالمزدلفة، خصوصية جعلوها لأنفسهم يمتازون بها عن سائر العرب في زعمهم، وفيهم نزل قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسُ} [البقرة:199].
وقوله: <2/232> «يدفعون»أي: يرجعون
وقوله: «إذا صارت الشمس» ... الخ، تشبيه لحالتها قبل الغروب بيسير. (3/293)
صفحة 854
قوله: «في وجوههم» أي: في وجوه الرجال، وذلك أن الشمس قبل الغروب تكون في رءوس الرجال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وذلك بان ينحدر شيء من عمامة الرجل على وجهه، وإنما لم يقل على رءوسهم لان: الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوءها على ما يقابلها، ولم يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها، وكذا وقت الطلوع، وقد شبه ما يقع على رءوس الجبال من الضوء بطرفي النهار حينما دنت الشمس من الأفق بالعمامة المنحدرة على الوجه، لأنه يلمع في جانب رأس الجبل لمعان بياض العمامة، والإضافة في عمائم لمزيد التوضيح، أو للاحتراز عن نساء الأعراب، فإن على رءوسهن ما يشبه العمائم.
وقوله: «و إنّا» أي: معشر المسلمين.
وقوله: «لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم» أي: يدخل في وقت الإفطار، فيحل له الأكل والشرب، سواء أفطر أولم يفطر، وتأخير الدفع الى هذا الوقت واجب عندنا وعند أكثر قومنا، فمن دفع قبل الغروب قيل: يفسد حجه وقيل: عليه دم فقط، وإن رجع فأدرك الوقوف قبل الغروب فلا شيء عليه، وان لم يدركه: فهو كمن لم يرجع والله أعلم.
قوله: «قبل طلوع الشمس» أي: عند الأسفار، فَيُكرَه المُكثُ بها إلى طلوع الشمس اتفاقا، قال جابر بن زيد رحمه الله: الدفعة من جمع حين ينظر الناس والدواب مواضع قوائمهم.
قوله: «هدينا» (بفتح الهاء وسكون الدال) أي: سيرتنا وطريقتنا،
وقوله: «مخالف لهدي أهل الشرك و الأوثان» أي:لسيرتهم وطريقتهم، والأوثان والأصنام وأهلها عبادها، وأهل الشرك أصحابه الملتبسون به والله أعلم.
ما جاء في السير في الدفع (3/294)
صفحة 855
<2/233>قوله: «سئل أسامة بن زيد» بالبناء للمفعول، وهذا السائل لم يسمّ، وفي الموطأ عن هشام ابن عروة عن أبيه أنّه قال: "سئل أسامة بن زيد وأنا جالس معه" ولمسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام عن أبيه "سئل أسامة وأنا شاهد" أو قال: "سألت أسامة بن زيد" وإنما سألوه عن ذلك ليقتدوا بفعله صلى الله عليه وسلم، وإنما خص أسامة بالسؤال عن ذلك لأنه رديف رسول الله صلى الله وعليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة؛ والحديث: رواه مالك في الموطأ والشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم.
قوله: «حين دفع» زاد في رواية عند قومنا "من عرفة" ومعنى دفع أي: انصرف من عرفة قيل: وإنما يستعمل الدفع في الإفاضة، لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضاً، وقيل معنى دفع أي: دفع نفسه عن عرفة ونحاها.
قوله: «العنق» (بفتح المهملة والنون بعدها قاف) سَيرٌ بين الإبطاء والإسراع، وقيل: سير سهل في سرعة وقيل: هو الخطو الفسيح وقيل: سير يتحرك به عنق الدابة، وانتصب على المصدرية انتصاب القهقرى، أو على الوصفية أي: يسير العنق.
وقوله: «فرجة» (بضم الفاء وفتحها وسكون الراء) كذا في نسخ المسند التي بأيدينا، وهو رواية عند قومنا، وفي أكثر الرواية عندهم فَجْوة (بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة) وهما بمعنى واحد كما ذكره ابن عبد البر وغيره، والمراد المكان المتسع. (3/295)
صفحة 856
وقوله: «نص» (بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة) أي: أسرع قال أو أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى تستخرج به أقصى ما عندها، أصله غاية الشيء؛ قال: ابن عبد البر: ليس في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة قال: وهو مما يلزم أئمة الحاج فمن دونهم فعله، لأجل الاستعجال <2/234> للصلاة، لان المغرب لا تصلى إلاَّ مع العشاء بالمزدلفة، أي: فيجمع بين المصلحتين: الوقار والسكينة عند الزحمة، وبين الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة؛ قال ابن خزيمة: فيه دليل على أن حديث ابن عباس عن أسامة قال: فما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى جمعا محمول على حال الزحام دون غيره، وفي الحديث أيضا، أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحوال صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك.
قوله: «والنص فوق العنق» أي: أرفع منه في السرعة، وظاهر هذا التفسير أنه عن غير أسامة، لكنه مدرج في الحديث، وكذا أدرجه يحي القطان عند البخاري، وسفيان عند النسائي، وعبد الرحيم بن سليمان و وكيع عند ابن خزيمة، وعند مالك: أن التفسير من هشام بن عروة، وكذا بين حميد ابن عبد الرحمن عند مسلم، وأنس بن عياض عند أبي عوانة ، كلاهما عن هشام أن: التفسير من كلامه، وعند إسحاق بن راهويه أن: التفسير من وكيع ، وعند ابن خزيمة أنه من سفيان، وهما إنما أخذاه عن هشام، فرجع التفسير إليه عند قومنا، وهو عند المصنف محتمل أن يكون من كلام جابر، أو من كلام أبي عبيده، والأول أظهر والله أعلم.
حديث أبي أيوب الأنصاري في الصلاة بالمزدلفة
وقد تقدم شرحه في باب القِرَان في الصلاة، وكذا تقدم شرح الصلاة بالمزدلفة، في حديث أسامة المتقدم آنفا. (3/296)
صفحة 857
قوله: «بلغني عن أبي أيوب الأنصاري» الحديث: رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم، وسندُ مالك فيه: عن يحي بن سعيد عن عدي بن ثابت الأنصاري، أن عبد الله بن يزيد الخطمي أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره أنه صلى مع <2/235> رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا.
ما جاء في وادي السرر بمنى
قوله: «بلغني عن ابن عمر» الحديث: رواه أيضا مالك عن محمد بن عمر، وبن حلحلة الدئلي عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال: عدل إلي عبد الله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة، فقال: ما أنزلك تحت هذه السرحة ؟ فقلت: أردت ظلها فقال: هل غير ذلك؟ فقلت: لا، ما أنزلني إلا ذلك، فقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كنت بين الأخشبين من منى" ... الحديث؛ وأخرجه النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك بالسند المتقدم.
قوله: «بين الأخشبين» قال الربيع رحمه الله تعالى الأخشبان: جبلان مشرفان على منى وقال ابن وهب: أراد بهما الجبلين الذين تحت العقبة بمنى فوق المسجد، والأَخاشب الجبال، ويقال: إنها اسم لجبال مكة و منى خاصة.
قوله: «ونفخ» (بخاء معجمة) أي: أشار.
وقوله: «وادي السُّرَر» وفي رواية مالك يقال له: السرر باسقاط لفظ الوادي، (وهو بضم السين وكسرها مع فتح الراء) جمع سرة وهو: ما تقطعه القابلة من سرة الصبي.
قوله: «فيه سرحة» (بفتح السين والحاء المهملتين، بينهما راء ساكنة) قال الربيع: هي الشجرة العظيمة؛ وقال غيره شجرة طويلة لها شعب؛ وفي رواية مالكك به شجرة، والمعنى واحد، وإن كانت رواية المصنف أخص، وهي على المعنى أنص. (3/297)
صفحة 858
قوله: «سر تحتها سبعون نبيا» قال جابر بن زيد رضي الله عنه يعني: قطعت فيه سررهم حين ولدوا، وذلك أنهم ولدوا تحتها فقطعت سررهم، وقال بعض <2/236> قومنا: قطعت سررهم مجازٌ، لعلاقة المجاورة، لأن السرة: الموضع الذي يقطع منه، وقال مالك: بُشروا تحتها بما يسرهم، قال ابن حبيب: فهو من السرور أي: تنبئوا تحتها واحد بعد واحد فسروا بذلك؛ وفي الحديث: التبرك بمواضيع النبيئين والله أعلم.
ما جاء في المبيت بمنى ليالي التشريق
وهو واجب عندنا، فلا يجوز للحاج المبيت في غيرها قبل النفر، فإن فعل: فعليه دم لكل ليلة باتها، ووجوبُه مأخوذ من فعله وقوله عليه الصلاة والسلام، و روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة، ويستثني من ذلك: رعاة الإبل كما في حديث البابن وأصحاب السقاية كما في حديث ابن عباس وابن عمر عند الشيخين وأحمد أن العباس: استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته: فأذن له؛ وذهب بعضهم إلى اختصاص ذلك بالعباس، وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: فريقه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك، ثم قيل: يختص الحكم بسقاية العباس، حتى لو عمل سقاية لغيره، لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عمَّمَه والعلّةُ في ذلك: إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء؟ أو يلحق به ما في معناه من الأكل؟ وغيره محل إحتمال، والجمهور على اختصاص ذلك.
قوله: «قال رَخَّصَ» الحديث: مرسل عند المصنف رضي الله عنه؛ و رواه الخمسة و مالك عن عاصم بن عدي، و صحّحه التّرمذي.
قوله: «لرُعاة» (بضم الراء) جمع راعٍ كقضاةٍ جمع قاضٍ، وفي رواية قومنا: لرعاء (بكسر الراء والمد) جمع راعٍ أيضا.
وقوله: «في البيتوتة» مصدر بَاتَ، زاد في رواية قومنا "عن منى" أي: خارجا عنها.
قوله: «فيرمون يوم النحر» أي: جمرة العقبة حين يرمي الناس <2/237>. (3/298)
صفحة 859
وقوله: «ثم يرمون بالغداة» أي: باليوم الذي بعد النحر، وذلك بعد أن تزول الشمس حين يرمي الناس الجمار، و إنما أطلق عليها الغداة: مجازا، من إطلاق اسم الشيء على مجاوره، لقرب ما بين الغداة والزوال، وفي رواية مالك "ثم يرمون الغد" فلا تجوز فيها، وذلك أن أصحاب الإبل يبيتون في ابلهم، ثم يصبحون مع الناس.
قوله: «ومن بعد الغد» معطوف على قوله: "بالغداة".
وقوله: «يرمون يومين» تفسير لما قبله، والمعنى: أنهم يرمون بالغداة وهي: أول أيام التشريق، ويرمون في اليوم الذي بعده وهو: ثاني أيام التشريق، فهم يرمون في يومين. (3/299)
صفحة 860
وقوله: «ثم يرمون يوم النفر» (بفتح النون و إسكان الفاء) وهو الانصراف من منى، وذلك: اليوم الثالث من أيام التشريق، وفيه يكون النفر الثاني؛ قال المحشي: يعني إن تأخروا إليه، قال: و أما إن تعجلوا: فلا إثم عليهم كغيرهم، وعند جماعة من العلماء، أن رخصة الرعاة إنما هي: جمع بين رمي يومين في يوم واحد، قال مالك: تفسير الحديث أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر، رموا من الغد، و ذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك، لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى، كان القضاء بعد ذلك، قال: فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد، رموا مع الناس يوم النفر الآخر و نفروا، هذا تفسير الحديث عنده؛ لكن لفظ الحديث عنده "يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين" و الجمهور على اختصاص الرّخصة في المبيت بأهل السّقاية و الرّعاء ، وألحق الشافعية بذلك، من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعاهده، وقال المالكية: يجب الدم في المذكورات، سوى: الرعاء وأهل السقايةـ، فمن ترك المبيت بمنى من غيرهما: وجب عليه دم عن كل ليلة، وهو المذهب؛ وقال الشافعي: عن كل ليلة طعام مسكين، وعنه أيضا: التصدّق بدرهم، والمشهور عن أحمد وعن الحنفية: لاشيء والله أعلم.
الباب الثامن في الهدي والجزاء والفدية (3/300)
صفحة 861
<2/238>قوله: «الهدي والجزاء والفدية» أما الهدي فهو: ما يهدى إلى الحرم من النعم، يثقل ويخفف، الواحدة هدية بالتثقيل والتخفيف أيضا، وقيل: الهدي بالتثقيل جمع المخفف، وأهديت للرجل كذا بالألف: بعثت به إليه إكراماً، فهو هدية بالتثقيل لا غير، وأهديت الهدي إلى الحرم: سُقْتُهُ، و أما الجزاء فهو: ما يلزم المحرم عقوبة على جنايته في إحرامه، أو جنايته في الصيد ونحوه، مأخوذ من قوله تعالى: {فَجَزَآءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ... الآية [المائدة:95] و أما «الفدية» فهو: القدر الذي يبدله الإنسان يَقِي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة أو نحوها، مأخوذ من قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ اَوْ صَدَقَةٍ اَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] والله أعلم.
ما جاء أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام
قوله: «عن أبي سعيد الخدري» ... الحديث، رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم، كلهم من حديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية. (3/301)
صفحة 862
قوله: «كتب زياد بن أبي سفيان» أي: صخر بن حرب، والد معاوية بن أبي سفيان، وكأن أبا سعيد حدث جابرا بذلك في زمان بني أمية حين شهر زياد بهذه النسبة عند العامة بعد استلحاق معاوية إيّاه بأبيه مكراً وخديعة، فاتّقاهم الناس فقالوا: زياد بن أبي سفيان، خوفًا من سطوة الأمراء والتقية بذلك واسعة، ولماَّ انقرضت دولة بني أمية، ما كان يقال له إلى زياد بن أبيه وزياد بن سمية، وقبل استلحاق معاوية له، كان يقال له زياد بن عبيد، وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي، تحت عبيد المذكور، فولدت له زيادا على فراشه، وكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية، شهد جماعة من اتباع معاوية على إقرار أبي سفيان بأنّ زياداً ولده، فاستلحقه معاوية، وسبب <2/339> ذلك فيما ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن علياً كان ولَّى زيادا فارس، حين أخرج منها سهل بن حنيف، فضرب زياد ببعضهم بعضًا، حتى غلب عليها، ومازال يتنقل في كورها حتى صلح أمر فارس، ثم ولاّهُ على اصطخر، وكان معاوية يتهدده ، ثم أخذ بسر بن ارطاه عبيد الله وسلمان ولديه، وكتب إليه يقسم: ليقتلنهما إن لم يرجع ويدخل في طاعة معاوية، ويرده على عمله، فقدم زياد على معاوية، وكان المغيرة بن شعبة قال لزياد قبل قدومه على معاوية: أرم الغرض الأقصى ودَعْ عنك الفضول، فإنّ هذا الأمر لا يمد إليه أحد يداً إلا الحسن بن علي وقد بايع لمعاوية، فخذها لنفسك قبل التوطين، قال زياد: فأشر علي قال: أرى أن تنقل أصلك الى أصله، وتصل حبلك بحبله، وتعير الناس منك أذنا صماء، فقال زياد: يابن شعبة أغرس عودا في غير منبته، ولا مدرة فتحييه، ولا عرق فيسقيه، ثم أن زيادًا عزم على قبول الدعوى، وأخذ برأي ابن شعبة، فأرسلت إليه جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها فأتاها، فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه، وقالت: أنت أخي أَخبَرني بذلك أبو مريم، ثم أخرجه معاوية إلى المسجد، وجمع الناس، فقام أبو مريم السّلولي فقال: (3/302)
صفحة 863
أَشهدُ أنّ أبا سفيان قدم علينا بالطائف، وأنا خمار في الجاهلية فقال: ابغني بغياً، فأتيته وقلت: لم أجد إلا جارية الحارث بن كلدة: سمية، فقال: ائتني بها على ذفرها وقذرها ؛ فقال له زياد: مهلا يا أبا مريم، إنما بُعثتَ شاهدا ولم تُبعث شاتما فقال أبو مريم: لو كنتم أغنيتموني لكان أحب إلي، وإنما شهدت بما عاينت ورأيت، واللهِ لقد أخذ بكم درعها، و أغلقت الباب عليهما، وقعدت دهشان، فلم ألبث أن خرج علي يمسح جبينه فقلت: مه يا أبا سفيان، فقال: ما أصبتُ مثلها يا أبا مريم لولا استرخاء من ثديها، وذفر من فيها، فقام زياد فقال: يا أيها الناس هذا الشاهد قد ذكر ما سمعتم، ولست أدري حق ذلك من باطله، وإنما كان عبيد نبيا مبرورا، وليا مشكورا، والشهود أعلم بما قالوا؛ فقام يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي، وكان صفية مولاة سمية فقال: يا معاوية، قضى رسول الله صلى الله وعليه وسلم أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقضيت أنت أن الولد للعاهر، وأن الحجر للفراش، مخالفة لكتاب الله تعالى، وانصرافاً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشهادة أبي مريم على زناء أبى سفيان، فقال معاوية: والله يا يونس لتنتهين أو لأ طيرن بك طيرة بطيئا وقوعها، فقال يونس:[2/240] هل إلاّ إلى الله ثم أقع؟ قال: نعم واستغفر الله، فقال عبد الرحمن بن أم الحكم في ذلك، ويقال أنه ليزيد بن مقرع الحميري:
ألا بلغ معاوية بن حرب ... ... مغلغلة عن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد أن رحمك من زياد ... ... كرحم الفيل من ولد الأتان. (3/303)
صفحة 864
قوله: «من أهدى هديا يحرم على الحاج حتى ينحر هديه» أخذا من قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّىا يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] ومن قوله صلى الله عليه وسلم لحفصة في حديث أبي سعيد الآتي: "أني لبدت، رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى انحر" وذلك أنه رضى الله عنه قاس التولية في أمر الهدي، على المباشرة له، أو أنه اعتمد على سنة حفظها ولم يبلغه ناسخها؛ روى الطحاوي وغيره، عن عبد الملك بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: كنتُ جالسا عند النبيء صلى الله عليه وسلم فقدّ قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه فقال: "إني أمرت ببدني التي بعثت بها إن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أن كن لأ خرج من قميصي من رأسي" وإسناده ضعيف، فلا حجّة فيه؛ وقد وافق ابن عباس على ذلك ابن عمر، وقيس بن سعد بن عبادة وعمر وعلي والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون، وبه أفتى الربيع؛ قال أبو سفيان: خرجت أم عمرو إلى مكة، فلما كانت على مرحلة من البصرة، أمرت مولى لها يقال له مسلم السقط، وكان فاضلا: يا مسلم اشتر لي بدنة، قال: فاشترى لها بدنة، فقالت له: أشعرها، قال: ففعل، قال فقالت: ما صنعنا، إنا نخاف أن يدخل علينا شيء من ذلك، قال: فأقامت مكانها فوجهت مسلما الى الربيع تسأله، قال فقال لها: قد وجب عليك الإحرام، فامسكي عما يمسك عنه المحرم حتى تنحري بدنتك؛ وقيد الشيخ الكدمي ذلك: بمن ساق الهدي للحج أو العمرة، قال: وإن ساقه نفلاً لغير معنى الحج والعمرة، فلا أعلم <2/241> وجوب الإحرام عليه؛ وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون:لا يصير بذلك محرما، وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار؛ وقال الزهري: أول من كشف الغِماء عن الناس، وبّين لهم السنّة في ذلك: عائشة، فذكر الحديث عن عمرة عنها، وقال: لما بلغ الناس قولها أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس. (3/304)
صفحة 865
قوله: «فاكتبي إلي بأمرك» زاد في رواية مالك "أومري صاحب الهدي" أي: الذي معه الهدي بما يصنع، وكأنه كتب إليها لما بلغه إنكارها عليه؛ روى سعيد ابن منصور عن عائشة وقيل لها: إن زياداً إذا بعث بالهدي أمسك عمّا يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: أَوَ لَهُ كعبة يطوف بها؟.
قوله: «قال» أي: أبو سعيد الخدري.
وقولها:_«وليس كما قال ابن عباس» أي: ليس السنّة في ذلك كما أفتى ابن عباس، وإنما السنة فيه: ما أخبركم به عن مشاهدة وخبرة.
وقولها: «أنا فتلت» ... الخ، إخبار بما عاينت من فعله صلى الله عليه وسلم ؛ وفتل الشيء بالفاء: ليَّه.
«والقليد» بفتح أوله؛ ما يقلّد به الهدي ليعلم أنه هدي، فيكف الناس عنه؛ وفي رواية قومنا: «أنا فتلت قلائد هدي رسول الله عليه وسلم بيديَّ» بصيغة الجمع، وهو جمع قلادة بالكسر، والمعنى واحد.
وقولها: «بيدي» (بفتح الدال وشد الياء) وفي رواية بالأفراد على إرادة الجنس، وفيه دفع توهم المجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها. (3/305)
صفحة 866
وقولها: «مع أبي» (بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة) تريد أباها: أبا بكر الصديق، فأفادت أن وقت البعث كان: سنة تسعٍ عام حج أبو بكر بالناس، قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، قال: ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبيء صلى الله عليه وسلم، لأنه حجّ في العام الذي يليه حجّة الوداع، لئلاّ يظنَّ ظانٌ أن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس، وأكملت بذلك بقولها فلم يحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أحله الله له حتى ينحر هديه، بالبناء للمفعول أي: ينحره من أمر <2/242> بنحره؛ وفي رواية لمسلم "فاصبح فينا حلالا يأتي ما يأتي الحلال من أهله" وفي الحديث: تناوَل الكبير الشيء بنفسه وإن كان له من يكفيه، إذا كان مما يهتم به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة، وفيه اعتراض بعض العلماء على بعض، ورد الاجتهاد بالنص، وإن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم التأسّي به، حتى تثبت الخصوصية والله أعلم.
ما جاء أنّ من ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة
قوله: «عن أبي سعيد الخدري» الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي ، عن حفصة أم المؤمنين قالت: قلت للنبيء صلى الله عليه وسلم، ما شأن الناس؟..الخ.
قوله: «قالت حفصة» هي: بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وهذا السؤال إنما كان منها رضى الله عنهما في حجة الوداع، وفي حديث جابر بن عبد الله عند مسلم وغيره في قصة حجة الوداع، أنّ النبيء صلى الله عليه وسلم نادى وهو على المروة والناس تحته فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدى، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة". (3/306)
صفحة 867
قوله: «ما بال الناس» أي: ما شأنهم؟ وأي شيء حملهم على مخالفتك في الفعل حيث أحلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك التي أدخلتها على الحج بوادي العقيق؟ وهذا السؤال منها، بحث عن العلة الحاملة على المخالفة، إذ كانت تعلم أنهم لا يفعلون ذلك إلا عن أمره، ولهذا أجابها عن علة ذلك بقوله: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» وذلك لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّىا يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] فحكم من لبد رأسه عند الإحرام أو قلد <2/243> الهدي: أن لا يحلّ حتى ينحر هديه.
أما «الهدي» فظاهر من معنى الآية، وقد بينته السنّة.
وأما «التلبيد»: فلأن فيه التهيء لطول المكث في الإحرام ، فمن أحل قبل أن يفرغ من التسكين، فقد أشبه الراجع عن قصده.
«والتلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصُب به رأسه ويلبد به شعره» يقال: لبد شعر رأسه أي: جعل فيه شيئا، نحو الصمغ، ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام، ويقع فيه القمل. «والغاسول»: الأشنان، ويقال: له غسول، كصبور وتنور. «والصمغ» واحد صموغ الأشجار، وأنواعه كثيرة، والصمغ العربي: صمغ الطلح، والقطعة منه: صمغة "والتقليد": أن يجعل في عنق البعير أو غيره حبل، فيعلق فيه نعلان، أو نعل واحدة، ليعلم أنه هدي، فهو له قلادة (بكسر القاف)، و رأي الربيع رحمه الله تعالى: أن الغنم لا تقلد و الله أعلم، وظاهر هذا الحديث يقتضي أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان محرما بالعمرة، كحديث سعد بن وقاص الآتي في الباب الذي بعده في التمتع، مع أنه سيأتي عن عائشة رضى الله عنها أنه عليه السلام أفرد الحج، وسيأتي إن شاء الله كيفية الجمع بين هذه الأحاديث والله أعلم.
ما جاء في ركوب الهدي
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضا الشيخان وأحمد، ولهم عن أنس نحوه. (3/307)
صفحة 868
قوله: «رأى رجلا» قال ابن حجر: لم أقف على اسمه بعد طول البحث، وقد نقل كلامه هذا من جاء بعده من الحفاظ، ولم يزيدوا عليه شيئا.
قوله: «يسوق بدنة» (بفتح أوله وثانيه) أي: ناقة، وتطلق البدنة أيضا على: البقرة؛ وزاد الأزهري: إطلاقها على البعير الذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشأة، وقيل: البدنة هي الإبل خاصة، سميت بذلك لعظم بدنها، قالوا: وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنّة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "تجزي البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" قالوا: ففرق الحديث <2/244> بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تطلق على البقرة: لَمَا ساغ عطفها لأن المعطوف غير المعطوف عليه؛ وفي رواية لمسلم: "يسوق بدنة مقلدة" وفي رواية: "فلقد رأيته راكبها يساير النبيء صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها". (3/308)
صفحة 869
قوله: «إنها بدنة» أراد إنها بدنة مهداة إلى البيت الحرام، لأن كونها من الإبل معلوم، والظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبيء صلى الله عليه وسلم كونها هديا، فقال: "إنها بدنة" قال بعضهم: والحق أنه لم يخف ذلك على النبيء صلى الله عليه و آله وسلم، لكونها كانت مقلدة، ولهذا قال لما زاد في مراجعته: "ويلك"؛ وحديث الباب: يدل على جواز ركوب الهدي من غير فرق، بينما كان منه واجبا، أو تطوعا لتركه صلى الله علية وسلم الإستفصال، وبه قال قوم منّا، ومن غيرنا، وقيل: يكره ركوبه لغير حاجة، ونسب إلى أكثر الفقهاء، وقيد بعضهم الجواز بالاضطرار، وقيل: يركب عند الضرورة ركوبا غير فادح، وقيل: يركب للضرورة، فإذا استراح نزل، وقيل: لا يجوز ركوب الهدي مطلقا، وقيل: يجوز مع الحاجة، ويضمن ما نقص منها بالركوب؛ وقال بعض أهل الظاهر: يجب الركوب تمسكا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، ورد بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبيء صلى الله علية وسلم :كانوا كثيرا، ولم يأمر أحد منهم بذلك، واختلف من أجاز الركوب، هل يجوز أن يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور من قومنا، وكذلك أجازوا أن يحمل عليها غيره على التفصيل المتقدم، و نقل عياض الإجماع على أنه: لا يؤجرها، واختلفوا أيضا في اللبن إذا أحتلب منه شيء، فقال قوم: يتصدق به، فإن شربه تصدق بثمنه، وقيل: لا يشرب منه فإن شرب لم يغرم.
قوله: «ويلك»: كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها؛ كقولهم: لا أم لك، وقيل: إنها كلمة تقال لمن وقع في هلكة، قال الهروي: يقال ويل لمن وقع في هلكة يستحقها، و ويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها؛ وقال القرطبي: قالها له تأديبا لأجل مراجعته له، قال: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها، فزجره عن ذلك. (3/309)
صفحة 870
<2/245>قوله: «في الثانية أو الثالثة» شك من الراوي، أي قال له: ويلك في المراجعة الثانية أو في الثالثة، وفي الحديث: تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه، وإن الكبير إذا رأى مصلحة الصغير: لا يأنف من إرشاده إليها؛ واستنبط منه البخاري: جواز انتفاع الواقف بوقفه، قال ابن حجر وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، وأما الخاص فالوقف على النفس، لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم، قلت: وهو الصحيح عندي والله أعلم.
ما جاء أن البدنة عن سبعة
قوله: «عن جابر بن عبد الله»: الحديث رواه أيضا الشيخان وأحمد في رواية عندهم عن جابر قال: "أمرنا رسول الله صلى الله علية وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" والسبعة: بيان لغاية الأجزاء، وشرط لصحة، فقد يصح فيما دون ذلك، وكذلك يصح في غير الأفراد أيضا، لأنه صلى الله علية وسلم: أشرك عليا في هديه، كما في حديث جابر عند مسلم وغيره؛ والاشتراك في جميع الهدي جائز، إلا في هدي جزاء الصيد، لأن الواجب عليه الجزاء مثل ما قتل من النعم، وقال أبو حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين، وزاد زفر: أن تكون أسبابهم واحدة، واشترط قوم أن يكونوا مفترضين؛ وعن داود وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقا، والحديث يرده.
قوله: «نحرنا» ... الخ، فيه دليل على جواز النّحر للإبل والبقر معا، أما الإبل فهو السنّة فيها، وأما البقر: فقالوا يجوز فيها النحر والذبح، والحديث يدل على الأول.
وقوله: «عام الحديبية» هو عام ست من الهجرة. (3/310)
صفحة 871
قوله: «البدنة عن سبعة» أي: مجتزين بها عن سبعة، ولا تجزي عنهم <2/246> إلا إذا كانت بمنزلة سبع شياه فصاعدا، كما يفهم من تسميتها، لأنها إنما سميت بذلك: لعظم بدنها، ولهذا قال في الأثر أن ابنة مخاض وابن مخاض، وابنة لبون وابن لبون، وحقة عن واحد، ودون ابن مخاض لا يجزي، قال: والجذعة عن خمسة، والثنية فما فوقها عن سبعة ،قال: والجذعة من البقر عن ثلاثة، والثنية عن خمسة، والمسنة فما فوقها عن سبعة.
قوله: «والبقرة عن سبعة»: عطف خاص على عام عند من جعل البدنة عامة للنوعين من الإبل والبقر، وهو عطف مغاير عند من جعلها خاصة بالإبل، وقد تقدم الخلاف في ذلك في ركوب الهدي والله أعلم.
ما جاء في نحر البقر عن النساء
قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه أيضا الشيخان وأحمد، وله خرجن، تعني: نساء النبيء صلى الله عليه وسلم جميعا، فإنهن حججن معه في حجة الوداع، وكن تسعا.
قوله: «لخمس ليال بقين من ذي القعدة» أي: في سنة عشر من الهجرة، وذو القعدة (بفتح القاف وكسرها)، وسمي بذلك: لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال، وإنما عبرت بالليالي لأن خروجه صلى الله عليه سلم من المدينة كان بين الظهر والعصر، فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن تلك الليلة، ثم اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه، غير غسل الجماع. (3/311)
صفحة 872
قوله: «ولا نرى» (بضم النون وفتح الراء) أي: لا نظن إلا أنه الحج حين خروجهم من المدينة، أو لم يقع في نفوسهم إلا ذلك، لأنهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجن وقد اختَلَف الناس فيما أحرمت به عائشة أولا، فقيل: إنها عمرة مفردة لما ثبت عنها في الصحيح أنها قالت: "فكنت ممن أهل بعمرة" وقيل: إنها أحرمت بالحج أول،ا وكانت مفردة، لِما ثبت عنها في الصحيح "خرجنا مع <2/247> رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا أنه الحج" وثبت عنها في حديث آخر "لبّينا مع الرسول صلى الله عليه سلم بالحج"، وقيل إنها كانت: قارنة، وإليه ذهب الجمهور من قومنا، لقوله صلى الله عليه سلم: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك".
قوله: «فلما دنونا» أي: قربنا من مكة، و ذلك حين كانوا بسرف، كما جاء عنها في رواية أخرى.
وقوله: «أمر رسول الله صلى الله عليه سلم » ... الخ، تقدم من رواية جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه سلم أمر بذلك بعد طوافه بين الصفا والمروة، وأنه قال ذلك وهو على المروة، وجمع بينهما باحتمال تكريره الأمر بذلك مرتين في الموضعين، وأن العزيمة كانت آخرا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والله أعلم.
وقوله: «أن يَحِل» (بفتح أوله وكسر ثانيه) أي: يصير حلالا بأن يتمتع. وبظاهر هذا الحديث ونحوه: تمسك أبو حنيفة وأحمد في قولهم: "من أحرم لعمرة وأهدى، فلا يحل حتى ينحر هديه" أي: أن المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقال مالك والشافعي: يحل من عمرته لمجرد فراغ أعمالها، وإن ساق الهدي؛ واحتجوا بالقياس على حل الحاج من حجِّه وإن لم ينحر، وقال أصحابنا في معنى قوله تعالى: {حَتَّىا يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] أي: حيث يحل ذبحه وأكله والانتفاع به، قالوا: فمن كان حاجا: فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرا: فمحله يوم يبلغ هديه.
قوله: «فدخل» (بضم الدال وكسر الخاء) مبنيا للمفعول، ولم يسم الداخل. (3/312)
صفحة 873
قوله: «بلحم بقر» استدل به على الأكل من دم القران، وهذا: إنما يصح على قول من زعم أن عائشة كانت قارنة.
وقوله: «نحر رسول صلى الله عليه سلم عن أزواجه» وفي رواية عند البخاري "ذبح مكان نحر" واختلاف الروايتين يدل على جواز الأمرين في البقر، واستحب لها الذبح لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ, أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَة}ً [البقرة:67] واستدل البخاري باستفهام عائشة عن ذلك، على جواز ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن، لأنه لو كان <2/248> الذبح بعلمها، لم تحتَجْ إلى الاستفهام، وتعقب بأنه: يحتمل تقدم علمها بذلك، وإنها أذنت بذلك، لكنها استغربت إدخال اللحم عليهن. وقال النووي: هذا محمول على أنه إستأذنهن لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلاَّ بإذنه، وقال غيره كأن البخاري علم بأن الأصل عدم الاستئذان والله أعلم.
ما جاء في فدية من حلق رأسه عن أذى وهو محرم
قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه جماعة منهم: مالك والشيخان وأحمد، عن كعب بن عجرة نفسه، وهو عند المصنف رضي الله عنه من طريق ابن عباس كما ترى. (3/313)
صفحة 874
قوله: «خرج كعب ابن عُجْرة» )بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء) ابن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مري بن أراشه بن عامر بن عبيلة بن قميل بن فران بن بلي البلوي حليف الأنصار، قيل: هو حليف بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، وقيل: هو حليف لبني عوف ابن الخزرج، وقيل: هو حليف بني سالم من الأنصار، وقال الواقدي: ليس بحليفٍ للأنصار، ولكنه من أنفسهم قال: ابن سعد طلبت أسمه في نسب الأنصار فلم أجده، يكنى: أبا محمد، وكان ممن تأخر إسلامه، ثم أسلم وشهد المشاهد كلَّها، روى عنه ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وطارق بن شهاب وأبو وائل وزيد بن وهب وابن أبي ليلى وأولاده إسحاق وعبد الملك ومحمد والربيع أولاد كعب وغيرهم، وفيه نزلت: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ اَوْ صَدَقَةٍ اَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] وسكن الكوفة، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وقيل اثنتين، وقيل ثلاث وخمسين، وعمره سبع وسبعون، وقيل خمس وسبعون سنة. (3/314)
صفحة 875
قوله: «يريد الحج»: هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا، والمعروف عند أهل السنن من قومنا: أن القصة واقعة عام <2/249> الحديبية، كما صرحت به رواية: للشيخين وأبي داود وأحمد وغيرهم عن كعب بن عجرة قال: "أتى علَيَّ رسول صلى الله عليه سلم زمن الحديبية فقال: كأن هوام رأسك تؤذيك" ... الخ، فقول ابن عباس عند المصنف يريد الحج، أما على ظاهره فيجب التماس الجمع، ولا وجه له سوى القول بتكرار القصة مرتين: مرة بالحديبية، ومرة بحجة الوداع، لأنه صلى الله عليه سلم لم يخرج من المدينة يريد الحج إلا في حجة الوداع، ولا يبعد تكرار القصة وإن كانت في شخص واحد، لاحتمال أنه نسي الحكم الأول، أو ظن أنَّ ذلك خاص بالمحصر أو بالعمرة دون الحج، وأما أن يكون كلام ابن عباس مؤوَّلا، وذلك أن تقول: أطلق الحج على العمرة لاشتراكهما في قصد البيت والطواف والسعي حالة الإحرام، أو تقول: أراد بالحج نفس القصد إلى البيت، وهو المعنى اللغوي؛ وهذا التأويل بعيد جدا، والأظهر تكرُّر الواقعة والله أعلم.
قوله: «فأذاه القمل في رأسه» وفي البخاري: عن كعب بن عجرة قال: "وقف علَيَّ رسول الله صلى الله عليه سلم بالحديبية ورأسي يتهافت قملا" وفي رواية "والقمل يتناثر على وجهي" ولأحمد "وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي" فقال: "قال صلى الله عليه سلم لقد أصابك بلاءٌ". (3/315)
صفحة 876
قوله: «فأمره رسول الله صلى الله عليه سلم أن يحلق» ... الخ، قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في إلحاق الإزالة بالحلق، سواء كان بموسى أو مقص أو نورة أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك فقال: تلحق جميع الإزالات إلا النتف ... الخ، وأنت تعلم أن المحرَّم إزالة التفث لا خصوص الحلق؛ ومن هاهنا ألحق أصحابنا رحمهم الله تعالى بحلق الرأس كل شيء احتاج المحرم إلى إزالته لدفع الضرر، فإن حكمه في ذلك: حكم الحلق، يفعله ويفتدي؛ وقال جابر بن زيد رحمه الله: من أصابه في رأسه أذى فعممه أو حلقه، أو مرض في جسده فداواه فكفارة ذلك: أحد الخصال التي ذكرها الله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ اَوْ صَدَقَةٍ اَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] وقيل: إن حلق محرم، أو قصر لمحرم مثله أو غير محرِم فعلى كل واحد منهما: دم على الخطأِ والعمد، وإن كان المقصَّر له نائما فعليه دم أيضا؛ وقال آخرون <2/250> لاشيء على النائم، وإن عمل المحرم شيئا مما يحتاج إليه ،أو مشى تحت محمل فأدماه، أو قطع شيئا من شعر رأسه فلا شيء عليه عند المرخصين، وكذلك إن وقع من بعيره فانجرح فلا شيء عليه، وإن جزَّ الشعر لدواء الجرح، فعليه: الفدية قياسا على الحلق للأذى، واستدل به بعض قومنا: على ترتب الفدية أيضا على قتل القمل، وتعقب بذكر الحلق، فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه. (3/316)
صفحة 877
قوله: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مُدَّين لكل مسكين أو انسك بشاة» وفي رواية مالك: "أو أطعم ستة مساكين مُدَّين مُدَّين لكل إنسان" بالتكرير، لإفادة عموم التثنية، وإنما لم يتكرر في رواية المصنف، لأن الأصل عدم التكرار والمعنى مستقيم بدونه، فإنه جعل لكل مسكين مدين لا لمجموعهم؛ والمد: (بالضم) كيل وهو: رطل وثلث عند أهل الحجاز، فهو ربع صاع لأن الصاع خمسة أرطال وثلث، وعليه معنى الحديث، وهو عند أهل العراق رطلان، فالصاع عندهم ثمانية أرطال، وقد ذكرت اختلافهم مبسوطا في: السابع من المعارج ؛ قال جابر بن زيد رحمه الله تعالى في بيان الفدية: فالصيام صيام ثلاثة أيام إلى ستة أيام، والصدقة إطعام ستة مساكين إلى عشرة، والنسك شاة، قال: والذبح والإطعام بمكة، والصيام حيث كان أجزاه، وكأنه رحمه الله، رأى أن التحديد في الحديث: بيان لأقل ما يجزي من ذلك، وقال غيره: أعلى النسك بدنة، وأوسطه بقرة، وأقله شاة، قال: أما الصوم فإنه يصوم حيث شاء من البلاد، وأما النسك والإطعام، فقيل: يجب أن يكون بمكة، وقيل: في أي موضع شاء، لأن ذكر ذلك مبهم في الآية، وقيل: إن الصيام عشرة أيام، قياسا على صيام التمتع، والإطعام لعشرة مساكين، لقوله تعالى في جزاء الصيد: {أَو عَدْلُ ذَالِكَ صِيَامًا} [المائدة:95] وهو قياس مع النص فلا يقبل، والحق ما صرح به حديث الباب، ولعل من خالفه لم يبلغه الخبر فعدل إلى القياس والله اعلم. (3/317)
صفحة 878
قوله: «أي ذلك فعلت أجزأك» وفي رواية الموطأ: "أجزأ عنك" وإنما صرح بذلك بعد التعبير بأو المفيدة للتخيير، زيادة في البيان؛ أخرج غير واحد عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن "أو"، "أو" فصاحبه مخير، فإذا كان، فمن لم يجد، فهو: الأول فالأول، ومثله في <2/251> القول بالتخيير مع أو؛ عن عمرو بن دينار وابن جريج وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة ومجاهد والضحاك، قال ابن جريج: إلا في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ,} [المائدة:33] فليس بمخيّرٍ فيها والله أعلم.
الباب التاسع في التمتع والإفراد والقران والرخصة (3/318)
صفحة 879
قوله: «في التمتع والإفراد والقران والرخصة» في تقديم نسكٍ على نسكٍ، كالحلق قبل الذبح، وكالنحر قبل الرمي خطأ؛ وقد ترجم في الباب عن أربعة أشياء. أما «التمتع» فهو: الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة، والإهلال بالحج قي تلك السنة؛ سمِّي بذلك: لأن فاعله يتمتع أي: يتلذذ بين العمرة والحج بما شاء من النساء وغيرها مما أبيح له، ويطلق التمتع في عرف السلف على: القران. (3/319)
صفحة 880
قال ابن عبد البر: ومن التمتع أيضا القران، ومن التمتع أيضا فسخ الحج إلى العمرة، وأما «الإفراد» فهو: الإهلال بالحج وحده، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، ولا خلاف في جوازه، وأما «القران» فهو: الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهو أيضا متفق على جوازه، أوالإهلال بالعمرة، ثمَّ يُدخل عليها الحجّ، أو عكسه، وهذا مختلف فيه؛ وقد اختلف في حجه صلى الله عليه سلم ، هل كان قرانا؟ أو تمتعا؟ أو إفرادا؟ وقد اختلفت الأحاديث في ذلك، فروي: أنه حج قرانا من جهة جماعة من الصحابة منهم ابن عمر عند الشيخين، وعائشة عندهما أيضا، وعند أبي داود ومالك في الموطأ، وجابر عند الترمذي، وابن عباس عند أبي داود، وعلي عند الشيخين والنسائى وغيرهم؛ وأما حجه تمتعا: فروي عن عائشة وابن عمر عند الشيخين، وعلي وعثمان عند مسلم وأحمد، وابن عباس عند أحمد والترمذي، وسعد بن أبي وقاص كما سيأتي في حديث الباب؛ وأما حجه إفرادا: فروي عن عائشة كما في حديث الباب، وعنها عند البخاري أيضا، وعن ابن عمر عند أحمد <2/252> ومسلم، وابن عباس عند مسلم، وجابر عند ابن ماجة وعنه أيضا عند مسلم، وقد اختلفت الأنظار، و اضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات فقال: إن كلا أضاف إلى النبيِّ ما أمر به اتساعا، وقيل: إن كل من روى عنه الإفراد حَمَلَ الحال على ما أهل به في أول الأمر، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر، وقيل: إن التمتع عند الصحابة يتناول القران، فتحمل عليه رواية من روى أنه حج تمتعا؛ وكل من روى الإفراد قد روى أنه حج صلى الله عليه سلم تمتعا وقرانا، فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها وأتى بالعمرة، ومن أهل العلم من صار إلى التعارض، فرجَّح نوعاً، وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه، وهي جوابات طويلة أكثرها متعسف، وأَوَّلَ كل منهم (3/320)
صفحة 881
لِماَ اختاره مرجحات، أقواها وأولاها: مرجحات القران، لأن أحاديثه مشتملة على زيادة، والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح، وأيضا فكل من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك، لأنهم جميعا رُوي عنهم أنه صلى الله عليه وسلم حج قرانا، وأيضا فروايات القران لا تَحتَمِلُ التأويل بخلاف روايات الإفراد والتمتع فإنها تحتمله، ثم اختلفوا هل القرآن أفضل من التمتع والإفراد؟ فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أنَّ القران أفضل، وذهب جمع آخر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل، وهو المذهب، وعليه العمل عند أصحابنا اختياراً للأفضل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به من لم يَسُقِ الهدي من أصحابه، وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى: أن الإفراد أفضل، وقال بعض العلماء: إن الأنواع الثلاثة في الفضل سواء، وقال أبو يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء وهما أفضل من الإفراد، وقيل من ساق الهدي فالقران أفضل له، ليوافق فعل النبيِّ صلى الله عليه سلم، ومن لم يسق الهدي فالتمتُّع أفضل له، ليوافق ما تمناه رسول الله صلى الله عليه سلم، وأمر به أصحابه، ولكل فريق حجج لا نطيل بذكرها، خوف التطويل الخارج عما نحن بصدده من الاقتصار والله أعلم.
||||||||||||||||||||||||||||| من ص 253 إلى ص 300 لم أجده مرقونا ||||||||||||||||||||||||||||||||||
ما جاء في تكفل الله للمجاهدين في سبيله
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ، والبخاري، ومسلم. (3/321)
صفحة 882
قوله: «تكفل الله»: ولمسلم من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة: «تضمن الله»، وللبخاري: «انتدب الله»، وكلّها بمعنى واحد، ومحصّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى :{ اِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىا مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}[التوبة:111]، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى، وعبر صلَّى الله عليه وسلَّم عن تفضله تعالى بالثواب بلفظ الضمان ونحوه، مما جرت به عادة المخاطبين، فيما تطمئن به نفوسهم.
قوله: «ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله» الخ :وصف للمجاهد الذي تكفل الله له بذلك الوعد؛ فإنه هو الذي لا يخرجه من بيته غرض دنيوي ولا سمعة ولا رياء، وإنما يخرجه طلب الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله؛ طمعا في ثواب الله، وابتغاء مرضاة الله.
قوله: «وتصديق كلماته» أي: كلام الله تعالى في الإخبار بما للمجاهدين من عظيم الثواب. وقيل: المراد بالكلمات؛ كلمة الشهادتين، والمعنى لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.
قوله: «بأن يدخله الجنة»: متعلق بقوله تكفل، والمعنى تكفّل<2/301> الله له أن استشهد في غزاته بإدخاله الجنة بلا حساب، فتكون الشهادة مكفرة لذنوبه، أو المراد يدخله الجنة ساعة موته، كما ورد أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة. وقال تعالى: {اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169].
قوله: «أو يرده»: بالنصب عطفا على يدخله.
وقوله: « إلى مسكنه»: أي منزله الذي خرج منه. (3/322)
صفحة 883
وقوله: «مع ما نال من أجر أو غنيمة» أي: من أجر خالص لا غنيمة معه، أو غنيمة مع أجر دون أجر من لم يغنم شيئا، وقيل: معناه أن المجاهد إما أن يستشهد أولا، والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما، والقضية مانعة خلولا جمع، وقيل: إن أو بمعنى الواو، وقد وقع في بعض الروايات عند قومنا بالواو ولكن فيها مقال، واستشكل؛ لأنه يقتضي وقوع الضمان بمجموع الأمرين لكل من رجع، وقد لا يتفق ذلك، فإن كثيرا من الغزاة يرجع بلا غنيمة، ويؤيد التأويل الأول ما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تمّ لهم أجرهم"، وذكر بعضهم في ذلك حكمة لطيفة قالوا: إن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات، دنيويّتان وأخروية .فالدنيويتان: السلامة والغنيمة، والأخروية: دخول الجنة، فإذا رجع سالما غانما فقد حصل له ثلثا ما أعد الله وبقي له الثلث، وإن رجع بلا غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابا في مقابلة ما فاته، فكان معنى الحديث: أن يقال للمجاهد: إذا فاتك شيء من أجر الدنيا عوضتك عنه ثوابا، وأما الثواب المختص بالجهاد فحاصل للفريقين معا، وغاية ما فيه أن غير النعمتين الدنيويتين الجنة، وإنما هي بفضل الله، واستشكل نقص ثواب المجاهد بأخذ الغنيمة؛ لمخالفته لما دلّ عليه أكثر الأحاديث، واشتهر من تمدح النبيء صلى الله عليه وسلم بِحلِّ الغنيمة وجعلها من فضائل أمته، فلو نقصت الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضا فإن ذلك يستلزم أن أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلا؛ مع أن أهل بدر أفضل باتفاق. (3/323)
صفحة 884
والجواب عن الأول أنه إنما وقع التمدح بحل الغنيمة لهذه الأمة؛ حيث كان في مقابلة تحريمها على من كان قبلنا من الأمم؛<2/302> فتحليلها نعمة من نعم الدنيا، وفيها قوة للإسلام وتقوية لضعفاء المسلمين، والجواب عن الثاني: لا نسلم أنه يلزم من ذلك تفضيل غير البدري على البدري؛ لأن التقابل بين كمال الأجر ونقصه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلا: عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، وإنما امتاز أهل بدر بذلك؛ لأنها أول غزوة شهدها النبيء صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار، وكانت مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله، والله أعلم.
ما جاء أن الشهادة تكفر كل خطيئة إلا الدّين
قوله: «حدثني عبد الله بن عمر»: الحديث رواه مالك في الموطأ من حديث أبي قتادة.
قوله: «جاء رجل»: لم يذكر اسمه، وفي رواية الليث عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل الخ.
وقوله: «في سبيل الله»: يعني الجهاد.
وقوله: «صابر محتسبا مقبلا غير مدبر»: أحوال من التاء في قوله قتلت أي حال كوني على هذه الأوصاف، والمحتسب: هو من أخلص عمله لله طمعا في ثواب الله، والمقبل: هو من أعطى العدو وجهه. وقوله: «غير مدبر»: تأكيد له إذ قد يقبل مرة ويدبر أخرى؛ فيصدق عليه أنه مقبل فارتفع هذا الاحتمال بقوله: «غير مدبر».
وقوله: «أيكفّر الله عنّي خطاياي»: جمع خطيئة وهي ما يفعله الإنسان مخالفا للواسع، كان عن عمد أو خطاء والمعنى: أيغفرها الله لي إن قُتلت على هذا الحال؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله: «نعم». وفيه أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب والنية في العمل، وأن أعمال البر المقبولة لا تكفِّر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه، فأمّا التبعات فلا بد فيها من الخلاص.
قوله: «ناداه» أي: دعاه. (3/324)
صفحة 885
وقوله: «فنودي له» أي: دعي له لماّ دعاه فحضر فقال صلى الله عليه وسلم: «كيف<2/303> قلت» يعني: في سؤالك المتقدم فأعاد السؤال فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم إلا الدّين» والدّين بفتح الدال: هو ما يلزم العبد من أموال الناس فإنه لا يكفره إلا عفو صاحبه أو استيفاؤه ،قيل: وهذا في دين تُرك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يود، أو أدانه في غير حق، أو أسرف ومات ولم يقضه. وفيه تنبيه على تعظيم حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا تكفر حقوق الآدميين، وإنما تكفر حقوق الله تعالى .وقيل: يمكن أن يقال هذا محمول على الدّين الذي هو خطيئة؛ وهو ما استدانه صاحبه على وجه لا يجوز له فعله؛ بأن أخذه بحيلة أو غصب فثبت في ذمته أو أدان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثني ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدّين المأذون فيه مسكوتا عنه في هذا الاستثناء؛ فلا يلزم المؤاخذة به لما يلطف الله بعبده من استيهابه له وتعويض صاحبه من فضل الله. فإن قيل: ما تقول فيمن مات وهو عاجز عن الوفاء ولو وجد وفّى؟ قلت: إن كان الذي لزم ذمته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله: كغصب أو إتلاف محجور، فلا تبرأ الذمة من ذلك إلا بوصوله إلى أهله أو بإبرائه منه، ولا تسقطه التوبة، و إنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخروية فيما يختص بحق الله تعالى ،وإن كان ذلك المال لزمه بطريق سائغ وهو عازم على الوفاء، ولم يقدر؛ فهذا ليس بصاحب ذنب حتى يتوب ويرجى له الخير في العقبى ما دام على هذا الحال. (3/325)
صفحة 886
قوله: «كذلك قال لي جبريل»: هذا يدل أن قول جبريل عليه السلام ذلك إنما كان بعد أن أفتى صلى الله عليه سلم الرجل ومضى، فأتاه جبريل بهذا الاستثناء، وكأن الأمر كان عاما قبل ذلك ولهذا لم يستثن صلى الله عليه وسلم شيئا؛ ثم نزل الوحي بالاستثناء. وقال ابن عبد البر: فيه دليل على أن من الوحي ما يتلى وما لا يتلى وما هو قرآن وما ليس بقرآن، وقد قيل في قوله تعالى : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىا فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ ـ ايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب:34] إن القرآن الآيات، والحكمة السنة، وكلٌّ من الله فإنه لا ينطق عن الهوى، والله أعلم.
<2/304> ما جاء أن شهيد المعركة لا يغسل
قوله: «المقتول في المعركة لا يغسل»: المعركة موضع القتال، والمراد قتال الكفارة من مشرك وباغ على الإمام طالب لإخماد الكلمة وذهاب الدولة فقتيل الفريقين شهيد دنيا وأخرى، بخلاف قتيل اللصوص ونحوه ،فإنه شهيد في الآخرة، وأحكامه في الدنيا أحكام سائر الموتى وإن حمل الشهيد من المعركة وفيه رمق حياة ومات من بعد؛ فإنه يغسل لأنه مات في غير المعركة، وفي أثر أصحابنا النفوسيين: أن المجروح إذا مات في يومه ذلك لا يغسل ولا يتيمّم له. قال في الإيضاح: وأظن أنّهم ألحقوا النفساء بالمجروح؛ لأنها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النبيء عليه السلام. وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب غُسّل وكفّن وصلّي عليه، وكان شهيدا يرحمه الله. وإنما غُسّل رضي الله عنه لكون قتيل اللصوص عندنا، ولكونه مات في غير موضع القتل عند مالك، وبه استدل على أن شهيد المعركة لا يغسّل جمعا بين الدليلين، واستثنى في الإيضاح الجانب قال: إنه يغسل وإن كان شهيدا، واستدل على ذلك بتغسيل الملائكة حنظلة بن عامر الأنصاري رضي الله عنه وهو من شهداء أحد. (3/326)
صفحة 887
قوله: «فإن دمه يعود مسكا يوم القيامة» أي: يصير كالمسك في طيب رائحته، وأما لونه فلون الدم، وهذا تعليلا لرفع الغسل عنهم، والحكمة في ذلك بقاء أثر الدم عليهم يوم القيامة ليكون شاهدا لهم ببذل أنفسهم في رضاء ربهم، وشاهدا على خصمهم بظلمهم، وهذا التعليل يقتضي أن هذه الصفة خاصة بشهيد المعركة، وما تقدم في حديث أبي هريرة يقتضي أنها تكون لكل من خرج في سبيل الله، فإن جعلنا العلة عامة لزم ترك الغسل لكل شهيد جرح في سبيل الله تعالى ،ومات بجرحه ذلك، ووجب إلغاء<2/305> المفهوم من قوله: «المقتول في المعركة»، وإن قلنا أن الصفة المذكورة خاصة بشهيد المعركة، عارضه حديث أبي هريرة المقتضي ،للتعميم ولا بد من الجمع بين الحديثين على حالة لا يسقط معها المفهوم من التقييد بالمعركة، فنقول: أن العلة من رفع الغسل مركبة من شيئين: أحدهما موت الشهيد في المعركة؛ وهو أمر مشاهد، والثاني كون دمه يعود مسكا يوم القيامة، وهو أمر معلوم من الوحي، فعود دمه مسكا؛ جزء العلة لا نفس العلة، ويمكن أن يقال أن العلة؛ كونه قتيل المعركة فقط. وإن قوله: «فإن دمه يعود مسكا» بيان لحكمة ذلك، وقد تكون الحكمة عامة لأشياء متعددة لكل واحد منها علة مستقلة، والله أعلم.
قوله: «في الشهداء» أي: شهداء أحد، وكذلك حكم كل شهيد قتل في المعركة، لأنّ المعني واحد، وإليه أشار ابن عباس بقوله في الشهداء، فأتى بلام الجنس المقتضية للتعميم عند من لم يسبق له فيهم علم، وهي للعهد الذهني عند من عَلم ذلك، على أنه لو لم ير التعميم لبيّن الشهداء المخصوصين بذلك، وهذا فرض وتقدير، وأما المسألة فلا خلاف فيها بين الأمة،أنّ من كان مثل شهداء أحد لا يُغسّل. (3/327)
صفحة 888
قوله: «زمِّلوهم في ثيابهم» أي: لفّوهم فيها من غير غسل، فكَفَن الشهيد ثوبُه الذي استشهد فيه، ولا يزاد عليه شيء إلا إذا كان ثوبه لا يكفي لكفنه؛ فإنه يزاد عليه حتى يوارى جسده. ولماّ قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه يوم أحد، كان عليه نمرة، إن غطّي بها رأسه انكشفت رجلاه، وإن غطّيت رجلاه انكشفت رأسه فأمر صلىالله عليه وسلم أن يغطى رأسه ويجعل على رجليه الأذخر. ومفهوم قوله: «بثيابهم»: يخرج غير الثياب من اللباس، فلا يُزمّل في درعه بل ينزع عنه جميع الحديد، وكذلك ينزع عنه ما ليس بثوب من اللباس؛ فينزع منه الخاتم والنعلان والخفّ والقرن والبرنوس ما لم يبن عليه العمامة، وتزميلهم بثيابهم كرامة لهم؛ كدفنهم بدمائهم، والحكمة في ذلك واحدة والعلم عند الله تعالى.
<2/306> ما جاء في تمني الغزو في سبيل الله وجواز التخلف لأجل الأصحاب
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم. (3/328)
صفحة 889
وقوله: «لولا أن أشق على أمتي»: المراد بالأمة هنا؛ أصحابه الذين كانوا معه، بدليل قوله: «ولكن لا أجد الخ» ويمكن أن يكون المراد مطلق الأمة؛ لأنه إذا لم يتخلف هو عليه الصلاة والسلام عن سرية تخرج في سبيل الله؛ كان حقا على غيره أن لا يتخلف، ويتعين الخروج على كل خليفة بعده، فرأى أن التّخلف أرفق بأمته، ويمكن أنّه خاف أن يفرض عليهم ذلك، وهم لا يجدون ما يحملهم فتركه خشية الوجوب، كما ترك الجماعة في قيام رمضان، وكما ترك الأمر بالسواك عند كل صلاة وكل وضوء. وقيل: المراد بالمشقة ما ذكره في حديث الباب، وذلك أنّ نفوسهم لا تطيب بالتّخلف، ولا يقدرون على التّأهّب لعجزهم عن آلة السفر، من مركوب وغيره، وتعذر وجوده عند النبيء صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث فضيلة الغزو، وتمني الخير. قيل: وفيه أن الجهاد من فروض الكفاية لا من العين، وتعقّب بأنّه قد يصير عينا، وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشّفقة على المسلمين والرأفة بهم، وإنّه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، فإنّه إذا تعارضت المصالح يُؤْثر أهمّها، وفيه جواز التخلف عن الغزو لأجل الرفق بالأصحاب، ومثله سائر أنواع الطاعة كطول القيام بالليل، وكثرة الصوم بالنهار، إذا كان ممن يقتدي به، ولا تطيب نفس أصحابه إلا في اتباعه، وفيهم من يشقّ عليه الإتباع، فإن ترك بعض ذلك للرفق بهم جاز له، لحديث الباب، والله أعلم.
<2/307> الباب السادس عشر في الخيل
قوله: «في الخيل» أي: في المسابقة بها والحمل عليها في سبيل الله، وأجر من ربطها جهادا في سبيل الله، ووِزر من ربطها نواء على أهل الإسلام. والخيل: جماعة الأفراس لا واحد له، من لفظه، كالقوم، والرهط والنفر، وقيل: مفرده خائل، قاله أبو عبيده، وهي مؤنثة، والجمع خيول، وقيل في تصغيرها خييل، وسمّيت الخيل خيلا لاختيالها في المشية، فهو على هذا الاسم للجمع عند سيبويه، وجمع عند أبي الحسن، والله أعلم. (3/329)
صفحة 890
ما جاء في المسابقة بالخيل
قوله: «قال بلغني عن رسول الله صلىالله عليه وسلم»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيره، عن نافع عن عبد الله بن عمر، وحينئذ فمعنى قوله آخر الحديث أنّ عبد الله ابن عمر ممن سبق بها، نظير قول الرجل عن نفسه: إنّ العبد فعل كذا.
قوله: «سابق بين الخيل» أي: أمر بالمسابقة بها وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة بالمدينة.
وقوله: «ضمّرت»: بضم الضاد وكسر الميم المشددة مبنيا للمفعول، فيجوز فيه أضمرت أيضا، وهو الواقع في رواية الموطأ، والمضمر من الخيل هي التي علفت حتى سمنت وقويت، ثم قلّل علفها بقدر القوت، وأدخلت بيتا، وغشيت بالجلال حتّى حميت وعرقت؛ فإذا جفّ عرقها خفّ لحمها وقويت على الجري، «والحفياء» بفتح المهملة وسكون الفاء فتَحْتية ومدّ، مكان خارج المدينة، ويجوز القصر، وحكى الحازمي تقديم التحتية على الفاء، وحُكي ضمّ أوّله، وخطّأه عيّاض وغيره. «وأمدّها» بفتح الهمزة والميم، غايتها، «وثنية الوداع» بالمثلثة وفتح الواو سمّيت<2/308> بذلك، لأنّ الخارج من المدينة يمشي معه المودّعون إليها. قال سفيان: بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة وقال موسى بن عقبة: بينهما ستة أميال أو سبعة، رواهما البخاري. قال ابن حجر: وهو اختلاف قريب. وسفيان هو الثوري.
وقوله: «لم تضمّر»: بضم التاء وفتح الضاد المعجمة والميم الثقيلة، قال بعض الشرّاح: وفي رواية بسكون الضاد وخفّة الميم.
وقوله: «من الثنية»: بالمثلثة أي ،ثنية الوداع فأل فيها للعهد الذكري وبني زريق بضم الزاء ثم راء مفتوحة وسكون التحتية، فقاف هو زريق بن عامر؛ وهم قبيلة من الأنصار، وإضافة مسجد إليهم إضافة تمييز لا ملك، وبين الثنية ومسجد بني زريق ميل في قول سفيان الثوري. وقال موسى بن عقبة: ميل أو نحوه. (3/330)
صفحة 891
قوله: «ممن سبق بها» أي: بالخيل أو بهذه المسابقة، ولمسلم من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: فسبقت الناس، فطفّف بي الفرس مسجد بني زريق، أي جاوز به المسجد الذي هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحد. وفي رواية مالك وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها. وعند الإسماعيلي قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى؛ فوثب بي الفرس جدارا ."وفي الحديث" مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب مجّانا، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب. وفيه جواز تضمير الخيل، وهو مستحب للخيل المعدة للغزو، وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة، وفيه نسبة الأمر إلى الآمر به؛ لأن قوله: «سابق» أي: أمر، وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين وعليه الجمهور، خلافا للنّخعي في منعه؛ لقوله تعالى :{وأنّ المساجد لله} [الجن:18]، وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبا لها في غير الحاجة، كالإجاعة والإجراء، وفيه تنزيل الخلق منازلهم؛ لأنه صلىالله عليه وسلم غاير بين منزلة المضمّر وغير المضمّر، ولو خلطها لتعّب ما لم تضمّر، والله أعلم.
>2/309< ما جاء في الفرس يحمل عليها الرجل ثم يجدها تباع
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث روى معناه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم، وهو عندهم من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله. (3/331)
صفحة 892
قوله: «حمل»: بفتح الحاء المهملة والميم أي جعله حمولة لرجل مجاهد ليس له حمولة، أي تصدّق به عليه ووهبه له ليقاتل عليه، وفي رواية سالم عن أبيه أنّ عمر تصدّق بفرس في سبيل الله، وظاهره أنّه حمله عليه حمل تمليك ليغزو عليه؛ ولذا ساغ له بيعه. وقيل: إنّ عمر وقّفه، وإنّما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال، عَجَز لأجله عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذلك وانتهى إلى عدم الانتفاع به، وهي دعوى لم يقم عليها. دليل وسياق الحديث يخالفه، واسم هذا الفرس: الورد، أهداه تميم الداري للنبيء صلىالله عليه وسلم، فأعطاه عمر فحمل عليه، أخرجه ابن سعد عن سهل بن سعد. والرجل المحمول قال ابن حجر:لم أقف على اسمه. «والعتيق»: الكريم السابق، والجمع عتاق والعتيق أيضا الفائق من كل شيء. «وسبيل الله»: الجهاد. والمراد بالسوق سوق المدينة.
وقوله: «فسأل عنه» أي: سأل عن حكم شرائه له بعد أن أخرجه لله تعالى ،وفيه دلالة على أن الفرس كان هبة، إذ لو كان وقفا لم يرد أن يشتريه ولا ساغ بيعه لمن كان في يده.
وقوله: «لا تبتعه»: بالجزم أي لا تشتره.
وقوله: «ولا تعد»: بالجزم أيضا أي، ولا ترجع في صدقتك. وفيه دلالة أيضا على أنه كان تمليكا، إذ لو كان وقفا لقال: في وقفك أو حبسك، وسمّي الشراء عوْدا في الصدقة، لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأطلق على القدر الذي يسامح به، أنّه رجوع. (3/332)
صفحة 893
وقوله: «فإن العائد في صدقته» الخ: تعليل للحكم في النهي عن العود. والمعنى: أن الرجوع في الصدقة يقبّح جدّا؛ كما يقبّح أن يتقيّأ، ثم يرجع يأكل قيئه، فشبّه الراجع في<2/310> صدقته بأخسّ الحيوان في أخسّ أحواله، تصويرا للتهجين وتنفيرا منه، وبه استدل على حرمة ذلك؛ لأنّ القيء حرام. وذهب الجمهور من قومنا: إلى أنه مكروه فقط، قالوا لأن فعل الكلب لا يوصف بالتحريم لعدم تكليفه، فالتشبيه عندهم للتمثيل، خاصة لأن القيء مما يستقذر، قلنا: الغرض من التشبيه المبالغة في خسة الراجع، وأنه مثل الكلب في أخس أحواله، وذلك مَثَل السوء لا يضرب إلا لمن كان من أعداء الله ، {كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثَ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف:176] فالتحريم مستفاد من هذه الحالة، ويلحق بالصدقة ما شابهها من كفارة ونذر وغيرهما من القربات، ويلحق بالشراء: الهبة و نحوها مما يتملكه باختياره، وأمّا إذا أورثه فلا كراهة. وقال الطبري: يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ووالد وهب لولده، والهبة التي لم تقبض والتي ردّها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار واستثناء كل ذلك، قال: وما عدا ذلك كالغني يهب للفقير، ونحو من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء، وقال وما رجوع فيه مطلقا: الصدقة يراد بها ثواب الآخرة.
ما جاء أن الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري في غير موضع من صحيحه، وذكروا الأصناف الثلاثة الذي هي له أجر، والذي هي له ستر، والذي هي عليه وزر، إلا البخاري في كتاب الجهاد خاصة، فإنّه رواه كالمصنِّف بحذف بيان من هي له ستر، قال شارحه: إنما حذفه اختصارا، قال: وهو كما ثبت في آخر كتاب الشرب، رجل ربطها تغنّيا وتعفّفا ،ثم لم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك ستر، قال: وسيأتي في علامات النبوءة.
قوله: «الخيل لرجل أجر» أي: ثواب في الآخرة. (3/333)
صفحة 894
وقوله: «ولرجل ستر»: بكسر المهملة وسكون<2/311> المثناة الفوقية، أي ساتر لفقره ولحاله.
وقوله: «وعلى رجل وزر» أي: إثم، ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتنيها إمّا لركوب، أو تجارة، وكلّ منها إما أن يقترن به فعل الطاعة؛ وهو الأول. أو معصية وهو الأخير. أو لا ولا، وهو الثاني. وقد فهم بعض الشراح من الحديث الحصر في الثلاثة فقال: اتخاذ الخيل لا يخرج عن أن يكون مطلوبا أو مباحا أو ممنوعا، فدخل في المطلوب: الواجب والمندوب، وفي الممنوع: المكروه والحرام، بحسب اختلاف المقاصد، واعترض بأنّ المباح لم يذكر في الحديث، لأنّ القسم الثاني الذي يتخيّل فيه ذلك قيّد بقوله: «ولم ينس حق الله فيها»، فيلحق بالمندوب والسر فيه أنه صلى الله عليه وسلم غالبا إنما يعتني بذكر ما فيه حضّ أو منع، أمّا المباح الصرف فيسكت عنه، لماّ عُلم أن سكوته عنه عفو. ويمكن أن يقال القسم الثاني: هو في الأصل مباح، إلا أنه ربما ارتقى إلى الندب، بخلاف القسم الأول، فإنّه من ابتدائه مطلوب .
وقوله: «ربطها في سبيل الله» أي: أعدّها للجهاد.
وقوله: «فأطال لها» أي: الحبل الذي ربطها فيه حتى تسرح للرعي. «والمرج»: بفتح الميم وإسكان الراء وبجيم، موضع كلاء، وأكثر ما يطلق في الموضع المطمئنّ. «والروضة»: موضع الكلاء أيضا، وأكثر ما تطلق على الموضع المرتفع.
وقوله: «فما أصابت» أي: أكلت وشربت ومشت.
وقوله: «في طيلها»: بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية فلام، حبلها الذي تربط به ويطول لها لترعى، ويقال له طول بالواو المفتوحة أيضا، ولم تأت به رواية هنا كما زعم بعضهم، وإنّما ورد في حديث أبي هريرة موقوفا عند البخاري: "أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات".
قوله: «فاستنت»: بمهملة ساكنة وفوقية مفتوحة وتشديد النون، أي جرت بنشاط. (3/334)
صفحة 895
وقوله: «شرفا أو شرفين»: بفتح المعجمة والراء فيهما شوطا أو شوطين سمي به لأن العادي يشرف على ما يتوجه إليه، والشرف على ما يتوجه إليه، والشرف العالي من الأرض.
وقوله: «آثارها»: بالمد والمثلثة<2/312> مواضع الحوافر منها.
وقوله: «وأرواثها» بالمثلثة، جمع روث.
وقوله: «بنهر»: بفتح الهاء وسكونها، الماء الجاري من عيون الأرض.
وقوله: «ولم يرد أن تشرب» أي: من ذلك النهر، والجملة حالية، والمعنى أنه يؤجر على ذلك ولو لم يقصده. وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة؛ إذا قصد أجرها في الجملة، وأن يقصد تلك الأشياء بعينها، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ}[البقرة:286] وقيل: إنّما أجر لأن ذلك وقت لا ينتفع بشربها فيه، فيغتم صاحبها؛ فيؤجر. وقيل: إنّ المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه؛ فيغتم صاحبها فيؤجر، وكلّ ذلك عدول عن القصد. والقسم الثاني: لم يذكره المصنِّف، وهو رجل ربطها تغنّيا وتعفّفا، ولم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك ستر.
قوله: «فخرا»: بالنصب؛ للتعليل أي لأجل الفخر وهو التعاظم.
وقوله: «ورياء» أي: مظهرا للطَّاعَة، وهو في الباطن على خلاف ذلك.
قوله: «ونواء»: بكسر النون والمد أي؛ مناوأة وعداوة . قال الخليل: ناوأت الرجل، ناهضته بالعداوة. وحكى عيّاض: فتح النون والقصر، وحكاه الإسماعيلي عن رواية أبي أويس، فإن ثبت؛ فمعناه بعدا. والظاهر أنَّ الواو فيه وفيما قبله بمعنى أو؛ لأن هذه الأشياء قد تنفرد في الأشخاص، وكلّ واحد منها مذموم على حدته. وفي الحديث؛ بيان فضل الخيل، وإنّها إنّما تكون في نواصيها الخير، والبركة، إذا اتخذت في طاعة، أو مباح، وإلا فهي مذمومة، والله أعلم.
وقول الربيع: أي «مرحت تجري» معناه انطلقت بنشاط، وقيل: في معنى المرح؛ أن ترفع يديها وتطرحهما معًا. وقيل: معناه أن تلحّ في عدوها مقبلة ومدبرة. (3/335)
صفحة 896
قوله: «ولم ينس حقّ الله» أي: ولم يترك حقّ الله، وهذا يدلُّ أنَّ الصنف الساقط من الأصناف الثلاثة إنما سقط من أيدي النسّاخ، أمَّا<2/313> المصنِّف فقد رواه؛ بدليل هذا التفسير، إذ لا معنى لتفسير شيء لم يذكر في الحديث. والحاصل: أن الربيع رحمه الله فسّر النسيان بالترك، ولم يفسر نفس الحقّ الثابت في رقابها، ولا في ظهورها، والحق الثابت في رقابها: الإحسان إليها، والقيام بعلفها، والشفقة عليها في ركوبها، وخصَّ رقابها بالذكر لأنَّها تستعار كثيرا في الحقوق اللازمة، كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}[النساء:92]، وأما الحق الثابت في ظهورها: فهو إطراق فحلها، والحمل عليها في سبيل الله، وأن لا يحمّلها مالا تطيقه ونحو ذلك، هذا قول من لا يوجب الزكاة في الخيل؛ وهو قولنا، وقول جمهور قومنا. وقيل: المراد بالحقِّ الزكاة، وهو قول حمّاد، وأبي حنيفة، وخالفه صاحباه، قال أبو عمر: لا أعلم أحدا سبقه إلى ذلك، ولا حجَّة له في الحديث لطروق الاحتمال، والله أعلم.
الباب السابع عشر جامع الغزو في سبيل الله
قوله: «جامع الغزو في سبيل الله» :أي جامع لأحكام الجهاد، والغزو في الأصل مصدر غزا يغزو من باب عدا والاسم الغزاة.
ما جاء في قتال الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله (3/336)
صفحة 897
قوله: «عن ابن عباس»: الحديث عند قومنا من رواية أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك، وفي بعضها زيادة على بعض، ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول: "لا إله إِلاَّ الله" كما في حديث الباب، وفي حديثه من وجه آخر: "حتَّى يشهدوا أن لا إله إِلاَّ الله وأن محمَّدًا رسول الله"، وفي حديث ابن عمر زيادة: "وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"، وفي حديث أنس: "فإذا صلّوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا"، وجمع بينها بأنَّ الأوَّل: قاله في حالة قتاله لأهل الأوثان؛ الذين لا يقرون بالتوحيد، وأما الثاني: فقاله في حالة قتال أهل الكتاب؛ الذين<2/314> يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوءته عموما أو خصوصا، وأما الثالث: ففيه الإشارة إلى أنّ من دخل في الإسلام، وشهد بالتوحيد، وبالنبوءة، ولم يعمل بالطاعات؛ أنّ حكمهم أن يقاتَلوا حتَّى يذعنوا إلى ذلك، وقيل: اقتصر في حديث الباب على قول "لا إله إِلاَّ الله"، ولم يذكر الرسالة وهي مراد؛ لأنَّ قول لا إله إِلاَّ الله صار علَمًا على الجمل الثلاث؛ لأنَّ الإنسان لا يخرج من الشرك إلى الإيمان؛ حتَّى يأتي بالجمل الثلاث؛ ونظيره قولهم: قرأت الحمد تريد السورة كلّها.
قوله: «أمرت» أي: أمرني الله، لأنَّه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله، وقياسه في الصحابي، إذا قال أمرت، فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتمل أنّه يريد أمرني صحابي آخر، لأنَّهم من حيث أنَّهم مجتهدون، لا يحتجّون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعي: احتمل. والحاصل: أنَّ من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه إن الآمر له هو ذلك الرئيس.
قوله: «أن أقاتل» أي: أقاتل وحذف الجار، مع أنّ كثير. (3/337)
صفحة 898
قوله: «حتَّى يقولوا» إلخ: جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر؛ فمقتضاه أنّ من قال ذلك عصم دمه وماله ولو جحد باقي الأحكام، والجواب: أنّ قوله: في الحديث إلا بحقّها يدخل فيه جميع ذلك، فمن جحد شيئا من الأحكام، قوتل بحقّ لا إله إِلاَّ الله، وقد استدلّ بذلك أبو بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة. (3/338)
صفحة 899
قوله: «عصموا» أي: منعوا، وأصل العصمة من العصام، وهو الخيط الذي يشدُّ به فم القربة ليمنع سيلان الماء، وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، ويؤخذ منه ترك تشريك أهل البدع المقرّين بالتوحيد، الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن، وفيه تحريم أموال من أقرّ بالتوحيد إِلاَّ عن طيِبة نفس، وإليه أشار المصنِّف بقوله: وفي رواية أخرى إلخ. فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كلّ من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدّي الجزية والمعاهد، فالجواب من أوجه: أحدها؛ دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية، والمعاهدة مُتَأَخِّرًا عن هذه الأحاديث بدليل<2/315> أنَّه مُتَأَخِّر عن قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:05]. ثانيها أن يكون من العام الذي خصّ منه البعض؛ فإنّ المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا اختلف البعض بدليل،لم يقدح في العموم. ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص؛ فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس المشركين من غير أهل الكتاب"، ويدلُّ عليه رواية النسائي بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين". رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها؛ التعبير عن إعلاء كلمة الله بإذعان المخالفين، فيحمل في بعضٍ بالقتل، وفي بعضٍ بالجزية، وفي بعضٍ بالمعاهدة. خامسها: أنّ المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها. سادسها: أن يقال الغرض من ضرب الجزية؛ اضطرارهم إلى الإسلام؛ وسبب السبب سبب؛ فكأنَّه قال: حتَّى يسلموا أو يلتزموا ما يؤدّيهم إلى الإسلام، والله أعلم. (3/339)
صفحة 900
قوله: «وفي رواية أخرى»: هي عند البخاري وأحمد من رواية أبي بكر قال: خطبنا النبيء صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فقال: "أتدرون أيّ يوم هذا" قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتَّى ظننا أنَّه سيسميه بغير اسمه قال: "أليس يوم النحر" قلنا: بلى، قال: "أيّ شهر هذا" قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتَّى ظننا أنَّه سيسمّيه بغير اسمه فقال: "أليس ذا الحجَّة" قلنا: بلى، قال: "أي بلد هذا" قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتَّى ظننا أنَّه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: "أليست البلدة" قلنا: بلى، قال: "فإنّ دماؤكم وأموالكم؛ عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربّكم ألا هل بلغت؟" قالوا: نعم. قال: "اللهمَّ اشهد، فليبلِّغ الشاهد الغائب، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
قوله: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام»: هكذا ساقه البخاري في الحج، وذكره في كتاب الجهاد بزيادة:"وأعراضكم" وكذا ذكر هذه الزيادة في الحج، من حديث ابن عبَّاس ومن حديث ابن عمر، وهو على حذف مضاف أي؛ سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وسلب أعراضكم. والعِرض: بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان سلفه أو نفسه، فإن قيل: ظاهر الحديث تحريم دماء مَن أقرَّ بالتوحيد وتحريم أموالهم، وأنَّه لا تحلُّ دماؤهم إلاّ<2/316>، إلاَّ حيث تحلُّ أموالهم، وقتال البغاة جائز إجماعا. فما الوجه في ذلك؟ فالجواب: إنَّ قتال البغاة جائز؛ لقوله تعالى:{ فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّىا تَفِيءَ اِلَىآ أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:09]، فظاهر الحديث غير مراد لهذه الآية، فإنَّه سبحانه وتعالى قد أحلَّ دماء البغاة حتَّى يفيئوا إلى أمر الله في هذه الآية، وبقيت أموالهم على التحريم لظاهر الحديث؛ وإنَّما تحرّم الدماء والأموال معًا في حقِّ من أسلم ولم يبغ على المسلمين، والله أعلم.
ما جاء أنَّ مَن حمل علينا السلاح فليس منَّا (3/340)
صفحة 901
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث ذكره البخاري من رواية ابن عمر وأبي موسى الأشعري.
قوله: «من حمل علينا السلاح فليس منا»: قال الربيع؛ قال أبو عبيدة يريد من حمله إلى أرض العدوِّ، وهو الذي يبيع السلاح على الكفَّار المحاربين للمسلمين، وإنَّما جعل حاملا على المسلمين لأنَّه إذا حمله إلى أرض العدوِّ استعانوا به على المسلمين، فلمَّا كان هو السبب في ذلك؛ صحَّ جعله حاملا للسلاح على المسلمين، وهذا تفسير من أبي عبيدة رضي الله عنه لما تقرَّر معه من أنَّه المراد بالحديث، وكأنَّه قد اطّلع على سببه ففسرَّه به، وإذا كان هذا التشديد فيمن أعان العدوَّ ببيع السلاح، فما ظنُّك بمن حمله بنفسه مقاتلا للمسلمين! فهو أشدُّ بعدا عن طريقة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ومعنى الحديث عند قومنا: فيمن حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقٍّ؛ لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم، قالوا: وكأنَّه كنّى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يريد بالحمل ما يضادّ الوضع، ويكون كناية عن القتال، ويحتمل أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتل به لقرينة قوله: «علينا»، ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به؛ وعلى كلِّ حال؛ ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد<2/317> فيه. قال ابن حجر: جاء الحديث بلفظِ "من شهَّر علينا السلاح" أخرجه البزّار، من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف، قال: وفي سند كلٍّ منهما لين، لكنَّها يعضد بعضها بعضا. قال وعند أحمد: "من رمانا بالنبل فليس منَّا". وهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ: "الليل" بدل النبل، قال: وعند البزّار من حديث بريدة مثله. (3/341)
صفحة 902
قلت: وهذا كلُّه لا يردُّ تأويل أبي عبيدة؛ فإنَّه إنَّما فسَّر حديث الباب بما علم من سببه، وذلك لا ينافي تحريم سلِّ السلاح وإشهاره على المسلمين، وكذلك لا ينافي رميهم بالنبل، بل يؤكِّد ذلك ويقوِّيه، وفيه زيادة حكم وهو تحريم حمل السلاح إلى بلاد العدوِّ. وقوله: «فليس منا» أي: ليس على طريقتنا أو ليس متبعا لطريقتنا؛ لأنَّ مِن حقِّ المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يعين عليه عدوَّه أو يخوِّفه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله، ونظيره: "من غشَّنا فليس منَّا وليس منَّا مّن ضرب الخدود وشقَّ الجيوب"، وهذه كلُّها عبارات عن البراءة من فاعل ذلك، وضدّه في الولاية؛ قوله تعالى:{ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ, مِنْهُمُ,}[المائدة:51]. والوعيد المذكور في الحديث، لا يتناول مَن قاتل البغاة من أهل الحقِّ؛ لأنَّهم مأمورون بقتالهم، وأيضا فليس البغاة منَّا حتَّى يُحمل الوعيد في الحديث عليهم وعلى من كان مثلهم، والله أعلم.
ما جاء في الغدوة والروحة في سبيل الله
قوله:«عن أبي أيوب الأنصاري»: الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي، وللبخاري مثله من حديث أبي هريرة.
قوله:«غدوة في سبيل الله» أي: الجهاد والغدوة؛ بالفتح المرة الواحدة من الغدو، وهو الخروج في أيِّ وقت كان من أوَّل النهار إلى انتصافه، والروحة؛ المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها. (3/342)
صفحة 903
قوله:«خير مما طلعت<2/318> عليه الشمس»:زاد في رواية قومنا: "وغربت"، وفي حديث أنس عند الشيخين وأحمد: "خير من الدُّنيا وما فيها"، والمعنى واحد لأنَّ الدُّنيا اسم لما تحت السماء وفوق الأرض من العوالم، وذلك هو الذي تطلع عليه الشمس، ومعنى تفضيل الغدوة أو الروحة على الدُّنيا وما فيها يحتمل وجهين ذكرهما ابن دقيق العيد، أحدهما: أن يكون من باب تنزيل الغائب منزلة المحسوس، تحقيقا له في النفس لكون الدُّنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع؛ ولذلك وقعت المفاضلة بها. وإلاَّ فمن العلوم أن جميع ما في الدُّنيا لا يساوي ذرة مِمَّا في الجنَّة. والثاني: أنّ المراد أنّ هذا القدر من الثواب؛ خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلّها لأنفقها في طاعة الله تعالى. ويؤيد هذا الثاني: ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد؛ من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم عبد الله بن رواحة؛ فتأخر ليشهد الصلاة مع النبيء صلى الله عليه وسلم فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم"، والحاصل؛ أنّ المراد تحقير أمر الدُّنيا وتعظيم أمر الجهاد، وإنّ من حصل له من الجنَّة قدر سوط يصير كأنَّه حصل له جميع ما في الدُّنيا؛ فكيف لمن حصّل منها أعلى الدرجات. والنكتة في ذلك؛ أنّ سبب التأخير عن الجهاد؛ الميل إلى سبب من أسباب الدُّنيا؛ فاقتضى الحال تحقيرها في عيونهم، والله أعلم.
ما جاء أن من قتل قتيلا كان له سلبه (3/343)
صفحة 904
قوله:«بلغني عن أبي قتادة»: الحديث رواه أيضًا الشيخان وأحمد ورواه مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمَّد مولى ابن قتادة، وهو عند الشيخين من طريق مالك وغيره، واسم أبي قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خنّاس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الأنصاري الخزرجي السلمي؛ فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل:<2/319> اسمه النعمان، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة. اختلف في شهوده بدراً فقال بعضهم: كان بدريّا، و لم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريّين، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلّها، وتوفي سنة أربع وخمسين في المدينة في قول. وقيل: توفي بالكوفة في خلافة علي، وصلَّى عليه علي فكبّر سبعا. وروى الشعبي أن عليا كبر عليه ستًّا، قال وكان بدريّا، وقال الحسن بن عثمان توفي سنة أربعين. قوله:«عام حنين»: بمهملة ونون، وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاثة أميال، وكان الخروج إليه سنة ثمان عقب فتح مكَّة.
وقوله: «جولة» بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط وتقدم وتأخر وعبر بذلك احترازاً عن لفظ هزيمة، ولم تكن هذه الجولة في الجيش كلّه، بل ثبت النبيء صلى الله عليه وسلم وطائفة معه أكثر ما قيل فيهم مائة، وقد نقل الإجماع على أنَّه لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم الانهزام، ولم يُرو قط أنَّه انهزم في موطن، بل الأحاديث الصحيحة جاءت بإقدامه وثباته في جميع المواطن؛ لاسيما يوم حنين، فإنّه جعل يُركض بغلته نحو الكفَّار ويقول:
"أنا النبي لا كَذِب ... ... أنا ابن عبد المطلب"
ثمَّ نزل عن البغلة، واستنصر، ثمَّ قبض قبضة من تراب ثمَّ استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إِلاَّ ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولّوا منهزمين، ثمَّ تراجع إليه من ولّى من المسلمين. (3/344)
صفحة 905
قوله:«فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين» أي: ظهر عليه وأشرف على قتله وصرْعه وجلس عليه ليقتله، قال ابن حجر: لم أقف على اسمهما. وقال ابن الأثير: الذي قتله أبو قتادة؛ هو مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر بن حذيفة الفزاري، قال ومن وَلَده عبد الله وعبد الرحمان ابنا مسعدة ولي عبد الله الصائفة لمعاوية وولي عبد الرحمان الصائفة لعبد الملك بن مروان.
قوله:«فاستدرت له»: من الاستدارة. قال بعض<2/320> الشرّاح: ويروى: "فاستدبرت" من الاستدبار.
قوله:«على حبل عاتقه»: بفتح المهملة وسكون الموحدة، عِرق أو عصب عند موضع الرداء من العاتق بين العنق والمنكب.
وقوله: «حتَّى قطعت الدرع»: بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية، لباس الحرب. والمعنى أنَّه ضربه بالسيف على حبل عاتقه فقطع درعه، وخلصت الضربة إلى حبل عاتقه فقطعته و قطعت يده. وقد جاء في رواية الليث عند البخاري: أنَّه قطع يده وذلك هو الذي برّده عن معانقة أبي قتادة بعد ما وجد ريح الموت.
قوله:«فوجدت منها ريح الموت» أي: شدَّة كشدته، ويحتمل أن المعنى قاربت الموت وفيه إشعار بأنَّ هذا المشرك كان شديد القوَّة جدًّا.
وقوله: «فأرسلني» أي: أطلقني.
قوله:«ثمَّ مضيت»: وفي رواية الليث عند البخاري "ثمَّ قتلته وانهزم المسلمون فانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب". وفي رواية مالك "ثمَّ أدركه الموت فأرسلني ثمَّ لقيت عمر بن الخطاب فقلت ما بال الناس فقال أمر الله ثمَّ إن الناس رجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا له عليه بيِّنة فله سلبه". (3/345)
صفحة 906
قوله:«عليه بينة» أي: أنَّه هو الذي قتله، والمراد بالبينة ما يحصل به البيان وتزول به التهمة؛ أي شيء كان من البيانات المقالية والشواهد الحالية، ولا ينحصر ذلك في الشاهدين. ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البيِّنة هنا شاهد واحد يكتفى به، واتفق الجمهور على أنَّه لا يقبل قول مدّعيه بلا بيِّنة تشهد له أنَّه قتله لمفهوم حديث الباب. وقال الأوزاعيّ: يقبل بلا بيِّنة تشهد له؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أعطاه لأبي قتادة بلا بيِّنة. وتعقب بأنَّ في مغازي الواقدي أنّ أوس بن خولي شهد له، قلت وعلى تقدير أنّ ذلك لم يصحّ، فقد أقرّ لأبي قتادة بسلب الرجل الذي في يديه السلب وهو كاف في البيان.
قوله:«فله سلبه»: بفتح المهملة واللام وموحدة ما يوجد مع المحارب من ملموس وغيره عند الجمهور، وقيل: لا تدخل في السلب الدابة، وقيل يختصُّ بأداة الحرب ثمَّ اختلف الناس في بقاء هذا الحكم مستمراً. فقال الجمهور<2/321> من الناس: إنّ القاتل يستحقُّ السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أم لا، أخذا بظاهر حديث الباب وهو عندي الصواب، إذ لم يثبت ما ينسخه وآية الخُمس نزلت قبل ذلك بنحو ستّ سنين، وهي عامَّة في الغنائم، والحديث خاصّ بالسبب؛ فلا يمكن إلغاء الخاصّ مع ثبوته. وقال قوم: لا يستحقه القاتل إِلاَّ إن شرط له الإمام ذلك، وقيل الخيار في ذلك إِلى الإمام، فإن شاء أعطاه القاتل وإن شاء خُمسه. وقيل: إذا كثرت الأسلاب خُمست. وقال: قوم يُخمس مطلقا، واحتجّوا بقوله تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}[الأنفال:41] قلت: نزلت يوم بدر، وحديث الباب يوم حنين، وأيضا فَهي عامَّة، وحديث الباب خاص، والله أعلم.
قوله:«ثمَّ قال الثالثة» أي: المرة الثالثة أي؛ قال تلك المقالة المرة الثالثة.
وقوله: «فقمت» أي أستشرف من يشهد لي، فنكره صلى الله عليه وسلم وسأله عن حاله فأخبره. (3/346)
صفحة 907
قوله:«فقال رجل من القوم»: ذكر الواقدي: أنَّ اسمه أسود بن خزاعي يعني حليف بنى سلمة وهو من الأنصار. وتعقب بأنَّ في الرواية الصحيحة أنّ الذي أخذ السلب قرشي.
قوله:«فأرْضه منه»: بهمزة قطع وكسر الهاء أي أعطه عنه ما يرضيه.
قوله:«فقال أبو بكر الصديق» إلخ: قال بعض أهل العلم: لو لم يكن من فضيلة الصديق إِلاَّ هذا فإنَّه لثاقبٌ علمه وشدَّة صرامته وقوَّة إنصافه وصحة توفيقه وصدق تحقيقه؛ بادر إلى القول الحقّ فزجر وأفتى وأمضى، وأخبر في الشريعة عند النبيء صلى الله عليه وسلم بحضرته وبين يديه بما صدّقه فيه وأجراه على قوله، وهذا من خصائصه الكبرى إلى مالا يحصى من فضائله الأخرى. ووقع في حديث أنس عند أحمد أنّ الذي قال ذلك عمر، والراجح أن قائل ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصَّة؛ فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، ويحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضًا قال ذلك تقوي<2/322> لقول أبي بكر.
قوله:«لا والله»: وفي رواية قومنا: "لا هالله"، وفيها الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه ولم يسمع إِلاَّ مع الله فلا يقال لا ها الرحمن؛ كما سمع لا والرّحمان.
وقوله:« لا يعمد»: بالتحتية وبكسر الميم أي؛ لا يقصد النبيء صلى الله عليه وسلم.
وقوله : «إلى أسد» بفتحتين أي رجل كأنَّه أسد في الشجاعة.
وقوله:« من أسود الله» أي: من الأسود المضافين إلى الحقّ تعالى لبذل أنفسهم في رضاه والإضافة للتشريف.
وقوله:« يقاتل عن الله ورسوله» أي: يذبّ عن دين الله، إعلاء لكلمة الله ناصراً لأولياء الله، أو المعنى يقاتل لنصر دين الله وشريعة رسوله لتكون كلمة الله هي العلياء، أو المعنى أنّ قتاله صدر عن رضى الله ورسوله، أي بسببهما كقوله تعالى:{ وَمَا فَعَلْتُهُ, عَنَ اَمْرِي}[الكهف:82].
وقوله:« فيعطيك سلبه» أي: سلب قتيله الذي قتله بغير طيب نفسه، وأضاف السلب إليه باعتبار أنَّه مِلكه.
وقوله:« فأعطه بهمزة قطع، أمر للذي اعترف بأنَّ السلب عنده. (3/347)
صفحة 908
قوله:«فبعت الدرع»: بكسر الدال وراء وعين مهملتين، لبوس الحرب. ذكر الواقدي: أنّ الذي اشتراه منه؛ حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق فضَّة.
وقوله:« وابتعت منه» :أي اشتريت من قيمته مخرفا ،وفي رواية قومنا: "فاشتريت به مخرفا"؛ وعليها فمِن في رواية المصنِّف بمعنى بدل، أي وابتعت بدله مخرفا. والمخرف: بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء؛ البستان سمَّى به لأنه يخترف منه الثمر أي يجتنى، وقيل: المخرف السكة من النخيل يكون صفين يخترف من أيهما شاء، وقيل هي الجنينة الصغيرة، وقيل نخلات يسيرة، وأما المِخرف بكسر الميم فهو: اسم الآلة التي يخترف بها.
وقوله:« في بني سلمة» بكسر اللام: بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة.
وقوله:« تأثلته» بفوقية فألف فمثلثة أي اقتنيته وتأصلته، وأثلة كلّ شيء أصله، وقال الربيع:
تأثلته اكتسبته وهو تفسير بالمعنى اللازم، والله أعلم.
<2/323>ما جاء في وقت الإغارة
قوله: «سمعت عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم بطرق ،متعدِّدة وسند مالك فيه عن حُميد الطويل عن أنس بن مالك.
قوله: «إلى خيبر»: بوزن جعفر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام. قال أبو عبيدة البكري: سمِّيت باسم رجل من العماليق نزلها. قال ابن إسحاق: خرج إليها النبيء صلى الله عليه وسلم في بقيَّة المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر.
قوله:«فأتاها ليلا» أي: قرب منها، وذكر ابن إسحاق أنَّه نزل بواد يقال له: الرجيع بينهم وبين غطفان لئلاَّ يمدّوهم، وكانوا حلفاءهم، قال: فبلغني أنّ غطفان تجهّزوا فقصدوا خيبراً فسمعوا حسًّا خلفهم، فظنّوا أنّ المسلمين خلفوهم في ذراريهم؛ فرجعوا وأقاموا وخذلوا أهل خيبر. (3/348)
صفحة 909
قوله:«وكان إذا أتى قوما ليلا» إلخ: فيه دليل أن هذا الحال كان قد اتخذه عليه الصلاة والسلام عادة؛ فيستفاد منه استحباب الإغارة وقت الصباح، وهي عادة العرب في جاهليتهم وإسلامهم، وقد أقرّها الشارع فصارت سُنة مشروعة وطريقة مسلوكة، وفيه البركة للغازي من هذه الأمَّة.
قوله:«لم يغر» بضمِّ الياء وكسر الغين المعجمة، من أغار وفي لفظ عند قومنا: "لا يغيِر عليهم" ولبعض الرواة عندهم: "لم يقربهم" بفتح الياء وسكون القاف وفتح الراء وسكون الموحدة وصحّح الأوَّل.
قوله:«حتَّى يصبح»: بضمِّ الياء أي حتَّى يدخل في الصباح ويطلع عليه الفجر، وفي رواية عند البخاري: "كان إذا غزا قوما لم يغر بنا حتَّى يصبح وينظر فإذا سمع أذانا كفّ عنهم وإلاَّ أغار" قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا، فلمَّا أصبح ولم يسمع أذانا ركب فخرجت<2/324> يهود إلخ.
قوله:«فأصبح»: أي من تلك الليلة وأغار عليهم.
وقوله:« فخرجت يهود»: وزاد أحمد إلى زرعهم، وذكر الواقدي أنَّهم سمعوا بقصده صلى الله عليه وسلم إليهم؛ كانوا يخرجون كلّ يوم متسلّحين مستعدّين؛ فلا يرون أحداً، حتَّى إذا كانت الليلة التي قدم فيها المسلمون، ناموا فلم تتحرك لهم دابّة ولم يصِح لهم ديك.
وقوله:« بمساحيهم»: بمهملتين مخففا جمع مسحاة، بكسر الميم؛ آلة من حديد، قال ابن حجر: من آلات الحرب. وقال المحشي: المتعارف الآن أنَّها من آلات الحفر، قلت: تصلح للجميع ولا غنى للحرّاثين عنها، «والمكاتل»: بفوقية جمع مكتل، بكسر الميم، القفة الكبيرة يحوّل فيها التراب وغيره.
قوله:«فلمَّا رأوه»: أي رأوا النبيء صلى الله عليه وسلّم مقبلا بأصحابه.
وقولهم:« محمَّد والله والخميس» أي: هذا محمَّد والخميس الجيش، سمِّي بذلك لأنَّه خمسة أقسام ميمنة وميسرة ومقدمة وقلب وجناحان، وضبطه عيّاض وغيره بالرفع عطفا على محمَّد والنصب مفعولا معه. وفي بعض الروايات فلجؤوا إلى الحصن وتحصّنوا بِه. (3/349)
صفحة 910
قوله:«الله أكبر»: كبّر صلى الله عليه وسلم حين أنجز الله له وعده، زاد في رواية للبخاري "ثلاثا"، وفي أخرى "فرفع يديه وقال الله أكبر".
وقوله:« خربت خيبر» أي: صارت خرابا قال ذلك، قيل تفاؤلا بخرابها لماّ رآه في أيديهم من آلات الخراب من المساحى والمكاتل، وقيل: أخذه من اسمها وصحّح بعضهم أن الله أعلمه بخرابها. وقال السهيلي: يؤخذ منه التفاؤل لأنَّه صلى الله عليه وسلم؛ لماّ رأى آلة الهدم، مع أنَّ لفظ المسحاة من سحوت إذا قُشّرت أُخذ منه أنّ مدينتهم ستخرب.
وقوله:« بساحة قوم» أي: بفنائهم وقريتهم وحصونهم، وأصل الساحة الفضاء بين المنازل.
قوله:«فساء صباح المنذرين»: أي بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب، وفيه جواز التمثّل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس قاله غير واحد من الشراح. وقال بعضهم: لا أعلم خلافا في جوازه في النثر في غير المجون والخلاعة وهزل الفسّاق وشرَبة الخمر. قال: وألّف في جواز ذلك قديما أبو عبيد القاسم <2/325>ابن سلام كتابا؛ جمع فيه ما وقع للصحابة والتابعين من ذلك بالأسانيد المتّصلة إليهم، وفيه أيضًا استحباب التكبير عند الحرب، وتثليثه، وقد قال تعال: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً}،[الأنفال:] والله أعلم.
ما جاء أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وإنّها لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم (3/350)
صفحة 911
قوله:«عن عبادة بن الصامت»: الحديث رواه أيضًا أحمد في المسند والنسائي وابن ماجه، لكن في بعض ألفاظه مخالفة لرواية المصنِّف، قال المنذري. وروي أيضًا من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية. قوله:«صلَّى بنا»: لم أجد تعيين هذه الصلاة، والقضية إِنَّمَا كانت في غزوة حنين، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه في قصَّة هوزان أن النبيء صلى الله عليه وسلم: دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثمَّ قال: "يا أيُّها الناس إنَّه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذه إِلاَّ الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط" رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ولم يذكر أبو داود الخيط والمخيط، ورواه مالك مرسلا.
وقوله:« مَرَّ بنا بعير من المغنم» أي: من الغنيمة، وفي رواية قومنا: صلَّى بهم في غزوتهم إلى بعير من المقسم فلمَّا سلّم قام إلى البعير من المقسم فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: "إن هذا من غنائمكم وإنَّه ليس لي فيها إِلاَّ نصيبي معكم إِلاَّ الخمس والخمس مردود عليكم".
قوله:«فلمَّا انصرف» أي: سلّم من صلاته، والقرادة بضمِّ القاف واحدة القردان؛ كغربان، والذكر قراد كغراب وهو ما يتعلَّق بالبعير ونحوه، وهو للبهائم كالقمّل للإنسان، وإنَّما مثّل بها لحقارتها، وإنها لا تزن شيئًا في نفوس القوم، فالتمثيل بها مبالغة، فائدتها التنفير عن التناول من الغنائم قبل القسمة، والتبيين للناس أنَّه<2/326> صلّى الله عليه وسلم كغيره من الناس لا يحلّ له من المغنم إِلاَّ ما يحلّ لغيره إِلاَّ الخمس، فإنَّه يقسّمه باجتهاده.
قوله:«إِلاَّ الخمس»: إِنَّمَا استثناه لأنَّه خارج عن حكم الأربعة الأخماس التي تكون شركة بين الجيش؛ فإنَّه لمن ذكر الله تعالى في كتابه بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41]. (3/351)
صفحة 912
وقوله:« فهو مردود فيكم» أي: غالب الخمس مردود فيكم فإنَّه صلى الله عليه وسلّم يقسّمه على حسب ما فصله الله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41]. وروى الطبراني في الأوسط وابن مردوية في التفسير من حديث ابن عبَّاس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سربة قسّم خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثمَّ قرأ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ}، فجعل سهم الله وسهم رسوله واحداً، وسهم ذوى القربى هو والذي قبله في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وفي الحديث دليل على أنَّه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير الخمس شيء إِلاَّ نصيبه مع الجيش. وأخرج أبو داود عن الشعبي وابن سيرين وقتادة أنَّهم قالوا: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفيّ. وأخرج أحمد، والترمذي وقال: حسن غريب. عن ابن عبَّاس أن النبيء صلى الله عليه وسلم تنفّل سيفه ذي الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وأخرج أبو داود عن عائشة قالت: كانت صفية من الصفي وبهذا ونحوه أحتج من قال بثبوت الصفي في المغنم وهي لا تقاوم حديث الباب لقوة طرقه، على أنَّه قد قيل: إنّ الغنائم كانت يوم بدر له خاصَّة، فنسخ بالتخميس، فأخْذه لذي الفقار كان قبل النسخ. وأمّا صفيّة بنت حييّ بن أخطب فهي من غنائم خبير، ولم يقسّم النبيء صلى الله عليه وسلّم للغانمين منها إِلاَّ البعض، فكان حكمها حكم ذلك البعض الذي لم يقسّم. (3/352)
صفحة 913
ومعناه أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أعطى من خيبر ناسا قدموا بعد فتحها؛ فكان ذلك في حكم المستثنى من قاعدة الغنائم، على أنَّه قد روي أنَّها وقعت في سهم<2/327> دحية بن خليفة الكلبي فاشتراها منه صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس، والله أعلم.
قوله:«وغزوة ذات السلاسل مذكورة في باب التيمم»: في باب الزجر عن غسل المريض، والإشارة إلى حديث ابن عبَّاس في خروج عمرو بن العاص أميراً في غزوة ذات السلاسل، وقد تقدَّم شرحها هنالك.
وقوله:« وغزوة ذي أنمار مذكورة في باب الثياب»: والصلاة فيها وذلك في آخر كتاب الصلاة، أمام باب صلاة الجمعة، والإشارة إلى حديث جابر بن عبد الله في غزوة ذي أنمار.
وقوله:« وغزوة أبي عبيدة بن الجراح مذكورة في باب الطعام» أي: في باب أدب الطعام والشراب، والإشارة إلى حديث جابر بن عبد الله في غزوة سيف البحر، وإنَّما ذكرها في ذلك الباب للاستدلال بها على أكل ما ألقاه البحر من صيده وإن كان ميتًا، وقد تقدَّم تفسير ذلك كله، والله أعلم.
ما جاء في الغلول
قوله:«عن أبي هريرة »: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والشيخان وأحمد. (3/353)
صفحة 914
قوله:«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر»: هكذا رواه جابر بن زيد هاهنا ومالك في الموطأ عن ثور بن زيد الدئلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة، وكذلك رواه البخاري أيضًا في المغازي من طريق مالك بنحوه، وهذا يدلُّ أن أبا هريرة شهد فتح خيبر كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة، قال: أسلم أبو هريرة عام خيبر وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ لزمه، وقيل: إنّ أبا هريرة لم يخرج مع النبيء صلى الله عليه وسلم إلى ،خيبر وإنَّما قدم بعد خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فُتحت. وقد روى<2/328> أحمد وابن خزيمة وابن حباّن والحاكم عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة والنبيء صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفط الحديث، وفيه فزودنا شيئًا حتَّى أتينا خيبر وقد افتتحها النبيء صلى الله عليه وسلم، فكلّم المسلمين فأشركونا في سهامهم. والأوَّل أصحّ؛ لحديث الباب، والأحاديث المخالفة له لا تقاومه في الصِّحَّة. (3/354)
صفحة 915
قوله:«ولم نغنم ذهبا ولا فضَّة إِلاَّ الأموال والمتاع»: وفي رواية الموطأ "إلا الأموال الثياب والمتاع" بحرف العطف ورواية البخاري: "افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضَّة إِنَّمَا غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط"، وفي الحديث أن بعض العرب وهي دوس، لا تسمِّي العين مالا وإنَّما الأموال عندهم الثياب والمتاع والعروض، وعند غيرهم المال الصامت من الذهب والورق. وقال ابن حجر: مقتضاه أن الثياب والمتاع لا يسمَّى مالا. وقد نقل ثعلب عن أبي الأعرابي عن المفضل الضبي قال: المال عند العرب الصامت و الناطق، فالصامت الذهب والفضة والجوهر، والناطق البعير والبقر والشاء، فإذا قلت عن حضري كثر ماله فالمراد؛ الصامت، وإذا قلت عن بدويّ كثر ماله؛ فالمراد الناطق، والذي يظهر أنّ المال ما له قيمة، لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء؛ كما حكاه المفضل. وقد أطلق أبو قتادة على البستان مالا، كما مَرَّ من قوله: فابتعت منها مخرفا في بني سلمة، وإنَّه لأوَّل مال تأثّلته في الإسلام. فتحمل الأموال على المواشي والحوائط والأمتعة التي ذكرها في الحديث، ولا يراد بها النقود؛ لأنَّه نفاها أوَّلاً. (3/355)
صفحة 916
قوله:«من بني الضبيب»: بضمِّ المعجمة وفتح الموحدة وإسكان التحتية، هكذا وقع ها هنا، وعند مسلم أيضًا وفي رواية محمَّد بن إسحاق رفاعة بن زيد الجدامي، ثمَّ الضبَني بضمِّ المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون، وقيل بفتح المعجمة وكسر الموحدة نسبة إلى بطن من جذام. وقال ابن الأثير: رفاعة بن زيد بن وهب الجدامي ثمَّ الضبيبي من بني الضبيب قال هكذا يقوله بعض أهل الحديث و أمّا أهل النسب فيقولون الضبيبي من بني ضبيبة بن جذام قدم على النبيء صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبيَّة قبل خيبر في جماعة من قومه فأسلموا،<2/329> وعقد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قومه، وأهدي لرسول الله غلاما أسودا اسمه مدعم، المقتول بخيبر كذا ذكر ابن الأثير، ولعلَّ مراده المقتول في غزوة خيبر نظرا إلى أن وادي القرى من توابعها؛ لأنَّه لم يستقل بغزوة من المدينة.
وقوله:« يقال له مدعم»: بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين؛ وهو العبد الأسود الذي أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل لم يعتقه.
قوله:«فوَجه»: بفتح الواو أي قصد، وقيل بضمها مبنيا للمفعول، والمعنى أن الله وجهه.
قوله:«وادي القرى»: بضمِّ القاف وفتح الراء مقصور، موضع بقرب المدينة فيه اليهود.
وقوله:« حتَّى إذا كنَّا بها»: أي بوادي القرى.
قوله:«بينما مدعم بحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم»: وفي رواية الموطأ "يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وزاد البيهقي "وقد استقبلتنا يهود بالرمي ولم نكن على تعبية".
وقوله:« سهم غرب»: بفتح المعجمة وسكون المهملة وبفتحها أيضًا ويجوز مع كلّ واحد أن يكون صفة لسهم ومضافا إليه، أي لا يدري من رمى به. «والشملة»: بفتح الشين المعجمة وسكون الميم ،كساء يشتمل به ويلتفّ فيه، وقيل إِنَّمَا تسمَّى شملة إذا كان لها هدب. (3/356)
صفحة 917
وقوله:« لم تصبها المقاسم»: أي لم يؤخذ منها أقسام المسلمين.
وقوله:« لتشتعل» بزنة تفتعل مبنيا للفاعل وقيل بالبناء للمجهول، واشتعالها عليه نارا، يحتمل أن يكون حقيقته بأن تصير الشملة نفسها ناراً؛ فيعذب بها وهو المتبادر، ويحتمل أنَّ المراد أنَّها سبب لعذاب النَّار، وكذا يقال في الشراك الآتي.
قوله:«جاء رجل» قال ابن حجر لم أقف على اسمه، والشراك بكسر الشين المعجمة وخفة الراء سير النعل على ظهر القدم.<2/330>
وقوله:«أو شراكين»: شكّ من الراوي وهو أبو هريرة.
وقوله:« شراك أو شراكان من النار»: بصيغة الشكّ من الراوي أيضًا، ومعناه يكون ذلك ناراً يعذب بها أو أنَّه سبب لعذابه بالنار كما تقدَّم في الشملة. وفي الحديث تهويل شأن الغلول وإن قلّ، وأنَّه ليس كلّ مقتول في الجهاد شهيداً؛ بل الشهيد المقتول الذي لم يصر على معصية وفيه، التسمك بحكم الظاهر حتى ينكشف غيره، وفيه حجَّة على المخالفين في قولهم: إنّ صاحب الكبيرة لا يُقطع بتعذيبه، وفيه قبول الإمام الهدية من رعيته، والله أعلم.
كتاب الجنائز
بفتح الجيم جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان قال ابن قتيبة وجماعة الكسر أفصح، وقيل بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، قالوا: لا يقال نعش إِلاَّ إذا كان عليه الميِّت، وأورد المرتّب رحمه الله هذا الكتاب عقب كتاب الجهاد. إمّا نظرا منه إلى اتحادهما في الحكم بحيث يكون حكم الكلّ عنده فرض كفاية، أو لمناسبة معنوية، وهي أنّ الجهاد يفضي إلى ذهاب النفوس ومفارقة الحياة فيحتاج بعد الكلام فيه إلى بيان حكم ما يصدر عنه في المقتولين كما بُيّن في آخر أبوابه أحكام الغنائم الحاصلة من أموال المشركين بسبب الجهاد، ولعلَّ هذا الوجه أظهر في المناسبة ويمكن ملاحظة المعنيين، والله أعلم.
الباب الثامن عشر الكفن والغسل (3/357)
صفحة 918
قوله:«الكفن والغسل»: الكفن ثوب الميِّت الذي يدفن فيه، والغسل تطهيره بعد موته، وكان الواجب تقديم الغسل على الكفن في الذكر والوضع، كما أنَّه مقدَّم في الفعل من جهة الشرع.
<2/331>ما جاء في استحباب البياض للبس الأحياء وتكفين الأموات،
وأنَّه لا يجوز في الكفن للميّت إلاَّ ما يجوز أن يلبسه في حياته
قوله:«عن ابن عباس»: الحديث في لباس البياض للأحياء والأموات، رواه أيضًا عن ابن عبَّاس الشافعي وأحمد وأصحاب السنن إِلاَّ النسائي بلفظ: "ألبسوا من ثيابكم البياض فإنَّها من خير ثيابكم البياض وكفّنوا فيها موتاكم". وأخرجه ابن حبّان و الحاكم و البيهقي بمعناه وفي لفظ للحاكم: "خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم و كفّنوا فيها موتاكم" و في الباب أيضًا عن سمرة بن جندب عند أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه وصحّحه الترمذي وقال ابن حجر إسناده صحيح، وصحّح حديث ابن عباس ابن القطّان و الترمذي و ابن حبّان.
قوله:«عليكم» حثّ و إغراء، و المعنى ألزموها في الحالتين.
وقوله:« بهذه»: إشارة إلى أصناف البياض من الثياب الموجودة في ذلك الزمان ،من الصوف أو القطن أو الكتّان، وذكر في الإيضاح أن ثياب الكتان الطاهرة الجديدة أولى، واستدلّ بحديث الباب قاله المحشّي وكأنّه -رحمه الله- صحّ عنده أنّ الإشارة إلى ثياب كتّان طاهرة جديدة أو لأنّ الأصل في الثياب أن تكون من الكتّان أو لأن الأصل في الأشياء الطهارة، و كونها جديدة، و لفظ الحديث إنما يدلّ على البياض فقط والله أعلم. قلت: وجه استدلال صاحب الإيضاح ما فهمه من الحثّ على البياض، وإنّ الكتّان من أعلى أصنافه، وتحسين الكفن مطلوب شرعًا، وما أحسن استدلال الشيخ إسماعيل في قواعده؛ بالحديث على عموم الجنس على أنّ الإشارة ليست لحاضر يُرى، وإنَّما هي لشيء يُعهد في الأذهان. (3/358)
صفحة 919
وقوله:« فإنَّها خير ثيابكم»: تعليل للأمر بلبسها<2/332> والتكفين فيها، وفي حديث أبي الدرداء عند ابن ماجه: "أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض" وقد فسر وجه هذا التفضيل في حديث سمرة بن جندب بقوله: "فإنَّها أطهر وأطيب ثيابكم"،أمّا كونها أطيب فظاهر، وأمَّا كونها أطهر فلأنّ أدنى شيء يقع على البياض يظهر فيغسل إذا كان من جنس النجاسة فيكون نقيا، كما ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم في دعائه: "ونقّني من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس"، والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب. أمَّا في اللباس فما ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه لبس غير البياض، وأنه ألبس جماعة من الصحابة ثيابا غير بيض، وأنّه أقرّ جماعة منهم على غير لبس البياض، وأمَّا في الكفن فلِما ثبت عند أبي داود من حديث جابر مرفوعا: "إذا توفي أحدكم فوجد شيئًا فليُكفّن في ثوبٍ حِبَرَةٍ" والحبرة؛ كعنبة؛ بُرد يمانيّ يكون من كتّان أو قطن، سمِّيت حبرة لأنَّها محبرة أي مزيّنة، والتحبير: التزيين والتحسين والتخطيط. (3/359)
صفحة 920
قوله:«ولا تكفّنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب»: أي إذا كانوا من جنس الرجال دون النساء فإنّ ذلك في النساء جائز ما لم يُفض إلى الإسراف فإن الإسراف حرام في المحيا وفي الممات، ويدلُّ على جواز ذلك للنساء؛ التعليل في قوله لأنهما محرمان على رجال أمَّتي، ومحلّلان لنسائها، والقول بجوازه هو الموجود عن موسى، فإنَّه أجازه للنساء والصبيان، وكرّهه محمَّد بن محبوب رضي الله عنهم، والحديث يدلُّ على وجوب مراعاة الأحكام الشرعيَّة في حقّ الحي والميت، فأوجب الله على الأحياء أن يراعوا ذلك في أنفسهم وفي أمواتهم حفظا لأوامر الشرع الشريف حتَّى يلقوا الله تعالى على الحال الذي يحبّه منهم ويرضاه، فإذا ضيّع الحي حقّ الميِّت فكفنه في محرّم عليه في حياته كان إثم ذلك على المضيّع ولا شيء على الميِّت، ما لم يوص به، أو يخبر قبل موته فيرضى، ونظير هذا تكفين المحُرم في ثوبيه، ولا يقرب طيبا ولا يغطّى رأسه، ومثله منع الطيب للمحدّة بعد موتها، ومن مراعاة الأحوال تزميل الشهداء في ثيابهم من غير غسل وقد تقدم، ذلك والله أعلم.
<2/333>ما جاء أنّ المقتول في المعركة لا يغسّل
قوله:«ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم، والحديث تقدَّم شرحه في باب فضل الشهادة والله أعلم.
ما جاء أنّ الكفن من رأس المال (3/360)
صفحة 921
قوله:«قال ابن عبَّاس الكفن من رأس المال»: فهو مقدَّم على الوصايا وعلى أسهام الوارثين، فلا يرثون إِلاَّ ما فضل منه، ولا تنفّذ الوصايا إِلاَّ من الثلث الباقي بعده، فهو من رأس المال كالدّيْن لأنَّه حقّ للميّت، كما أنّ الديون حقوق لسائر الناس، وهل يقدّم على الدّين أم لا؟ خلافٌ تظهر فائدته فيمن مات ولم يترك إِلاَّ عشرة دراهم، وعليه دين مثلها ولم يوجد له كفن إِلاَّ بقدرها؛ فإنَّه قيل: يُشترى له بها كفن، وهو أحقّ من الدّين لأنَّه بمنزلة كسوته في الحياة. وقيل: يقضى بها الدّين ويدفن عاريا إن لم يوجد له كفن، لأنَّ الله لا يسئله عن دفنه كذلك، وإنَّما يسأله عن ديْنه. والقول بأنَّ الكفن من رأس المال نسبه ابن المنذر إلى جميع أهل العلم، قال: إِلاَّ رواية شاذّة عن خلاس بن عمرو قال: الكفن من الثلث، وعن طاوس قال: من الثلث إن كان قليلاً. وحكى غيره عن الزهري وطاوس: أنَّه من الثلث إن كان معسراً. واستدل ابن عبَّاس أنَّه من رأس المال بقوله صلى الله عليه وسلم: "كفّنوه في ثوبيه"، قال فأضافهما إليه أي؛ وأصل الإضافة أن تكون للملك. وأيضا: فإنَّه صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك ولم يستأذن الورثة ولا سأل عن دينه، فهذا من أمره يدلُّ أنّ الكفن مقدَّم على الوارث والدّين. واستدلّ غيره على ذلك بحديث خبّاب بن الأرثّ عند الجماعة إِلاَّ ابن ماجه، أنّ مصعب بن عمير قتل يوم<2/334> أحد ولم يترك إِلاَّ نمرة فكنّا إذا غطينا رجليه بدا رأسه، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطّي بها رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الأذخر، وهذا أظهر في الاستدلال؛ لقول الراوي فيه: ولم يترك إِلاَّ نمرة، فإنَّه صرَّح بأنَّ تلك النّمرة هي جميع التركة، ولم يستأذن في تكفينه بها الوارث فلو كان من الثلث لكان ثلث النمرة للوارث. (3/361)
صفحة 922
قوله:«في ميِّت مات بحضرته»: هذا الميِّت هو الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعرفة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: "أغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه ولا تحنّطوه ولا تخمّروا رأسه فإنّ الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا"، وقد تقدَّم شرحه في غسل المحرم من كتاب الحج، والله أعلم.
ما جاء في صفة الكفن للمرأة
قوله:«ومن طريق ابن عباس» إلخ، هذا الحديث من هذا الوجه على هذا الوصف، مِمَّا تفرد به المصنِّف رضي الله عنه. (3/362)
صفحة 923
قوله: «ابنته أم كلثوم» بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد، قيل: هي أسن من رقية ومن فاطمة، وصحح ابن الأثير أنَّها أصغر من رقية؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زوَّج رقية من عثمان، فلمَّا توفيت زوجه أم كلثوم، وما كان ليزوج الصغرى ويترك الكبرى والله أعلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج رقية وأم كلثوم من عتبة، وعتيبة ابني أبي لهب فلمَّا أنزل الله عزَّ وجلَّ {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}[المسد:01] قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رءوسكما، حرام إن لم تطلقا إبنتي محمَّد، وقالت أم جميل أمهما حمالة الحطب بنت حرب بن أمية لإبنيها: أن رقية وأم كلثوم قد<2/235> صبتها، فطلقاهما، ففعلا فطلقاهما قبل الدخول بها، فزوج النبي صلى الله عليه وسلم رقية من عثمان، فلمَّا توفيت زوجه أم كلثوم، وكان نكاحه اياها في ربيع الأوَّل من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ولم تلد منه ولدا،وتوفيت سنة تسع، وصلَّى عليها رسول الله عليه وسلم، وهي التي غسلتها أم عطية، وحكت قول رسول الله عليه وسلم: "إغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك"، وهو الحديث الآتي من طريق محمَّد بن سيرين، ونزل في قبرها علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وقيل: أن أبا طلحة الأنصاري استأذن رسول الله عليه وسلم، أن ينزل معهم، فأذن له، وقال: "لو أن لنا ثالثة لزوجنا عثمان بها".قوله: "خمسة أثواب"، هي الحقو، ثمَّ الدرع، ثمَّ الخمار، ثمَّ الملحفة، ثمَّ اللفافة، كما جاء بذلك الحديث عند أحمد وأبى داود عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عند وفاتها، وكان أوَّل ما أعطانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، الحقو، ثمَّ الدرع، ثمَّ الخمار، ثمَّ الملحفة، ثمَّ أُدرِجَت بعد ذلك في الثوب الآخر. (3/363)
صفحة 924
وروى الخوارزمي بن طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية أنَّها قالت: فكفَّنَاها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمر الحيَّ. قال ابن حجر: وهذه الزيادة صحيحة الإسناد. والحديث يدلُّ أنّ المرأة تُكفن في خمسة أثواب، وذلك مستحب عندنا، ويجزي دون ذلك، والله أعلم.
ما جاء في صفة تكفين الرجل
قوله:« عن عائشة» الحديث رواه أيضًا الجماعة، وهو عندهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلَّى الله عليه وسلم قوله:«كُفِّن»: بالبناء للمجهول أي:كفنه وليُّ <2/336> أمره من أقاربه صلَّى الله عليه وسلم.
وقوله:« في ثلاث أثواب»: قال الترمذي: وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض. أصحُّ ما ورد في كفنه. وقال ابن عبد البرّ: هذا أثبت حديث في كفنه صلَّى الله عليه وسلم.
وقوله:« بيض» يدلُّ على استحباب التكفين في الأبيض. قال النووي: وهو مجمع عليه، واستحبَّ الحنفيَّة أن يكون في إحداها ثوب حبرة، لما في أبي داود عن جابر: أنَّه صلَّى الله عليه وسلم كُفِّنَ في ثوبين وبرد حبرة، وإسناده حسن لكن روى مسلم والترمذي، عن عائشة: أنَّهم نزعوها عنه، قال عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة: لُفَّ صلَّى الله عليه وسلم في حبرة جُفِّفَ فيه ونُزِع عنه.
قوله:« سَحُولية»: (بفتح المهلمة الأولى، وضم الثانية، وقيل بضمهما) قال النووي: وفتح أوَِّله أشهر وهو رواية الأكثرين، و هي منسوبة إلى سحول قرية باليمن ،وقيل: النسبة إلى القرية بالضّمِّ، وأما بالفتح فنسبة إلى القصار، فإنَّه يسحل الثياب أي: ينقيها. قال ابن الأعرابي وغيره: هي ثياب بيض نقية لا تكون إِلا من القطن. وقال ابن قتيبة: ثياب بيض ولم يخصصها بالقطن. (3/364)
صفحة 925
وقوله:« ليس فيها قميص ولا عمامة» (بكسر المهملة) أي ليس مع الثلاثة الأثواب غيرها، لا قميص، ولا عمامة، وهو قول الجمهور. وقيل: معناه ليس في الثلاثة قميص، ولا عمامة، معدودان من جملة الثلاثة؛ بل زائدان عليها. وقيل: معناها: ليس فيها قميص جديد غُسل فيه أو كُفِن فيه أو ملفوف الأطراف، والأوَّل أظهر وأصح، وفي القولين الآخرين تكلُّف. واتفقوا على استحباب ثلاثة الأثواب في كفن الرجل، فلو شح بعض الورثة في الثاني أو الثالث، لا يلتفت إليه؛ لأنَّه من حقّ الرجل في ماله، واختلفوا في القميص والعمامة، فقيل: باستحبابهما أيضًا، وقيل: بجوازهما فقط، وقيل: بكراهتهما، وكان الربيع –رحمه الله– لا يرى للرجل عمامة، ولا للمرأة خمارا، وأوجب غيره الخمار، واستدل القائلون بالاستحباب بما روى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه قال: الميِّت يقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث، فإن لم يكن له<2/337> إلاَّ ثوب واحد كفن فيه، وأيضا فإنَّه صلى الله عليه وسلم كسى عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته قميصه، وقول الربيع رضي الله عنه، من موضع يسمَّى سحولا، أي نسبت إليه تلك الثياب، وفي المصباح: سحول مثل رسول بلدة باليمن، يجلب منها الثياب، وينسب إليها على لفظها، فيقال أثواب سحولية، قال: وبعضهم يقول سحولية بالضم، نسبة إلى الجمع، وهو غلط لأن النسبة إلى الجمع إذا لم يكن علما، وكان له واحد من لفظه، ترد إلى الواحد بالاتفاق والله أعلم.
ما جاء في صفة غسل الميت (3/365)
صفحة 926
وقوله: «بلغنا عن محمَّد بن سيرين»، بكسر المهملتين، بينهما تحتية ساكنة، مولى الأنصار يكنى أبا بكر، وهو بصري معاصر لأبي الشعثاء جابر بن زيد –رضي الله عنه– وكان من كبار التابعين، روى عن مولاه أنس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعائشة، وأم عطية، وطائفة من كبار التابعين، قال أحمد: لم يسمع من ابن عبَّاس، وقال خالد الحذاء: كلّ شيء يقول فيه يثبت عن ابن عبَّاس، إنما سمعه من عكرمة أيَّام المختار، قال حماد بن زيد: مات سنة عشر ومائة، وأم عطية الأنصارية اسمها: نسيبة بنت الحارث وقيل: نسيبة بنت كعب، قال بضمهم: وفيه نظر، وكانت من كبار نساء الصحابة، وكانت تغسل الموتى، وتغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنها محمَّد ابن سيرين، وأخته حفصة، وعبد الملك بن عمير، وعلي بن الأقمر، وحديث الباب أخرجه الجماعة عن أم عطية. (3/366)
صفحة 927
قوله: «ابنته»: هي أم كلثوم، كما تقدَّم في صفة الكفن للمرأة، وقيل زينب، كما وقع عند مسلم، وهو المشهور عندهم، وكانت وفاة زينب في أوَّل سنة ثمان، وتوفيت أم كلثوم في سنة تسع، ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعا، وقد جزم ابن عبد البرّ بأنَّ أم عطية كانت غاسلة الميتات، وقوله: «اغسلنها»: أمر لأم عطية ومن معها من النسوة من جملة <2/338> من كان معها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وليلى ابنة قانف (بقاف ونون) الثقفية ودلّت بعض الروايات على حضور أم سليم أيضًا واستدلّ به على وجوب غسل الميِّت لأنَّ حقيقة الأمر الوجوب، لكن قوله: «ثلاثًا» ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فالاستدلال به على تجويز إرادة المعنَيين المختلفين بلفظ واحد لأنَّ لفظ ثلاثا لا يستقلّ بنفسه فلابدّ من دخوله تحت الأمر فيراد به الوجوب بالنسبة لأصل الغسل، والندبية بالنسبة إلى الايتار، وذهب الحسن والكوفيون وأهل الظاهر والمُزني إلى وجوب الثلاث، قالوا: وإن خرج منه شيء بعدها غسل موضعه فقط ولا يزاد على الثلاث، وهو خلاف ظاهر الحديث، قوله: «أو خمسا»، وفي رواية حفصة عن أم عطية أغسِلنَها وترا وليكن ثلاثا أو خمسا، و«أو» للترتيب لا للتخيير، وحاصله أن الايتار مطلوب والثلاثة مستحبة فإن حصل الانقاء لم يشرع ما زاد وإلاّ زيد وتر حتَّى يحصل الانقاء الواجب مرَّة واحدة تَمَّ جميع البدن، وفي الانتقال من الثلاث إلى الخمس إشارة إلى الإيتار. قوله: «أو أكثر من ذلك» بكسر الكاف لأنَّه خطاب للمؤنث وفي رواية أيوب عن حفصة عن أم عطية عند البخاري ثلاثا أو خمسا أو سبعا وهو تفسير للأكثر في رواية المصنِّف، وبه قال أحمد وكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحد قال بمجاوزة السبع. (3/367)
صفحة 928
وقوله: «إن رأيتن ذلك» تفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي، وقال ابن المنذر: إنّما فوّض إليهن بالشرط المذكور وهو الايتار وقال بعضهم: يحتمل أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أنَّ معناه إن رأيتن فعل ذلك وإلاَّ فالانقاء يكفي، وفي هذه اللفظة من الفقه ردّ عدد الغسلات إلى الغاسل على حسب ما يرى بعد الثلاث من بلوغ الوتر فيها، قوله: «بماء وسدر» متعلِّق بقوله: «اغسلنها» وظاهره أن السدر يخلطه في كلّ مرَّة من مرَّات الغسل. (3/368)
صفحة 929
وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسده ثمَّ يصب عليه الماء القراح فهذه غسلة، وقال قوم:<2/339> يطرح ورقات السدر في الماء لئلاَّ يمازج الماء فيتغير عن وصف المطلق، وأنكر ذلك أحمد، فقال: يغسل في كلّ مرَّة بالماء والسدر، والمستحب عندنا أولاهن بماء قراح، والثانية بماء وسدر، والثالثة بماء وكافور، ما لم يكن مُحرِمًا فإنَّه حينئذ يغسل بماء وسدر فقط ولا يمس طِيبًا، وانظر في استحباب تخصيص الثانية بالسدر مع أن الحديث مطلق والتقييد يحتاج إلى دليل، وأنّهم فهموا أنَّ الغرض منه وقوع ذلك ولو مرة واحدة وأنه لا يلزم تكراره في جميع الغسلات لأن الغرض المقصود الانقاء وهو يحصل بالمرة المسبوقة بالماء القراح، وقال بعض الشراح هذا الحديث أصل في التطهير بالماء المضاف إذا لم يسلب الماء الإطلاق، وقوله: «واجعلن في الآخرة» (بكسر الخاء): أي في الغسلة الأخيرة، وقوله: «شيئًا من كافور» هو طِيب معروف يكون من شجر بجبال الهند والصين يُظلّ خلقا كثيرا، وتألفه النمور، وخشبه أبيض هش، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع ولونه أحمر وإنَّما يبيض بالتصعيد، وظاهره جعل الكافور في الماء وهو المذهب، وبه قال جمهور قومنا، وقال النخعي والكوفيون: إِنَّمَا يجعل في الحنوط بعد انتهاء الغسل والتجفيف؛ وهو مخالف لظاهر الحديث "وحكمة" الكافور تطبيب رائحة الموضع للحاضرين والملائكة وغيرهم، "وفيه" تجفيف وتبريد وقوَّة نفوذ وخاصية في تنظيف بدن الميِّت وطرد الهوام عنه ورد ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الروائح الطيبة في ذلك وهذا سر جعله في الغسلة الأخيرة؛ إذ لو كان في الأولى مثلا لأذهبه الماء وهل يقوم المسك مثلا مقامه إن نظر إلى مجرَّد التطبيب؟ نعم، وإلاَّ فلا، وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مقامه إذا ماثله ولو بخاصية واحدة، قوله: «فآذنَنِي» (بمدِّ الهمزة وكسر المعجمة وفتح النون الأولى (3/369)
صفحة 930
مشددة وكسر الثانية) أي أعلمني، وقولها: «آذناه» أي أعلمناه، وقولها «حقوة» (بفتح الحاء المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة) وهو إزاره صلى الله عليه وسلم، وقوله: «أشعرنها» (بهمزة قطع): أي اجعلنه شعارها، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، وهو معنى قول الربيع رحمه الله: <2/340> تقِينها إيَّاه أي اجعلنه لها وقاء دون غيره، وإنما أمر بذلك تبركا "وحكمة" تأخير الإزار معه حتَّى فرغن من الغسل ليكون قريب العهد من جسده الكريم بلا فاصل بين انتقاله من جسده إلى جسدها، وهو أصل في التبرك بآثار الصَّالحين. وقول الربيع: ألحقوا الإزار تفسير بالملازم، لأنَّ ألحقوا في الأصل معقد الإزار؛ فأطلق على الإزار مجازا وقوله: «أي تقينها» بفوقية مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة بعدها نون النسوة وهو فعل مضارع من: وقاه يقيه مجزوم بلام الأمر المحذوفة، لأنَّه تفسير للأمر بالشعار، والمعنى أجعله لها وقاء، مثل كتاب كلّ ما وقيت به شيئًا والله أعلم.
ما جاء في المبادرة إلى تجهيز الميِّت (3/370)
صفحة 931
قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس» الحديث رواه أبو داود عن الحصين بن وحوح أن طلحة ابن البراء مرض فأتاه النبي صلَّى الله عليه وسلم يعوده، فقال: إنِّي لا أرى طلحة إِلاَّ قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجّلوا فإنَّه لا ينبغي لجيفة مسلم أنَّ تحبس بين ظهراني أهله، وفي الباب عن علي أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال: "ثلاث يا علي لا يؤخّرن الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا" أخرجه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل، وقوله: لا ينبغي أي لا يحسن ولا يليق ولا يصحُّ، والجيفة: الجسد بعد أنَّ تفارقه الروح، وفي إضافتها إلى المسلم إشارة إلى أن المشرك لا يستحقُّ هذا الحكم فليس لجيفته حقّ إلاَّ أنَّها تدفن لئلاَّ تؤذي الحيَّ برائحتها أو بالنظر إليها، وقوله: «بين ظهراني أهله» (بفتح النون قال ابن فارس ولا تكسر وقال جماعة<2/341> الألف والنون زائدتان للتأكيد)، وقولهم: بين ظهريهم وبين أظهرهم وبين ظهرانيهم كلَّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أنَّ إقامته بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وكأن المعنى أن ظهرا منهم قُدّامه وظهرا وراءه، فكأنَّه مكنوف من جانبيه هذا أصله، ثمَّ كثر حتَّى استعمل في الإقامة بين القوم وإن كان غير مكنوف بينهم، والحديث يدلُّ على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة والله أعلم.
ما جاء في حكم غسل الموتى (3/371)
صفحة 932
وقوله: وقال صلَّى الله عليه وسلم: اغسلوا موتاكم الحديث رواه المصنِّف تعليقا ـ كما ترى ـ ، واستدلَّ به على وجوب غسل الميِّت ويحتمل اتصاله برواية ابن عبَّاس فيكون هو المستدل على ذلك وهو المتبادر قبل التَّأَمُّل وعلى كلّ حال فهو على هذا الحال مِمَّا تفرد به المصنِّف رضوان الله عليه، وقد أخرج ابن ماجه معناه من طريق ضعيف عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول صلَّى الله عليه وسلم: ليغسل موتاكم المأمونون أي من تأمنونهم على إخفاء ما لا يليق إظهاره للناس إن رأوه من الميِّت، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بغسل الميِّت قولاً وفعلاً منها حديث: غسل الذي وقَصَتْهُ ناقتُه، وحديث الأمر بغسل ابنته صلى الله عليه وسلم، وأمَّا الفعل فكان شائعا ذائعا فيهم، وقد حكى غير واحد الإجماع على أن غسل الميِّت فرض كفاية، وخالف في ذلك بعض المالكيَّة، ورجّح القرطبي أنَّه سنة، وقال الحسن وسعيد بن المسيّب يغسل لأن كلّ ميِّت يجنب أي يمكن أنَّ تصدر منه الجنابة قبل ذلك فيغسل احتياطا، وتعقّب بوجوب غسل من لم يبلغ الحلم فلو كان مشروعية الغسل لأجل الاحتياط من الجنابة ما كان لغسل هؤلاء معنى والله أعلم، قوله: «على من حضره» يعني <2/342> من حضر موته من أقاربه أو غيرهم وكذلك إن وجدوه ميِّتًا في الصحراء فإن اجتمع عنده ناس فيهم الأقارب وغيرهم كان أقاربه به أولى وأهل الأمانة منهم أولى من غيرهم، وإن استعانوا بالغير وجب عليه أن يُعينهم فإن لم تحضر الأقارب وجب جهازه على الحاضرين من غيرهم، فإن كان في القرية أمير كان أولى بجهازه، وإن لم يكن أمير فجماعة المسلمين، وإن غابوا فعلى من حضر، والإمام العدل وواليُه أحق بذلك من غيرهم والله أعلم.
ما جاء في تفريق شعر المرأة عند غسلها (3/372)
صفحة 933
قوله: عن ابن عبَّاس الحديث تفرّد به المصنِّف رضوان الله عليه ولم أجده عند غيره، قوله «فأمر بتفريق شعر رأسها» أي: من غير تضفير وبه أخذ أصحابنا، وقال الأوزاعي والحنفيَّة يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقا وهو قريب مِمَّا قاله أصحابنا إن لم يكن بعينه، وقال بعض قومنا: يضفر شعرها ثلاثة قرون ناصيتها وقرناها، واستدلُّوا على ذلك بما يوجد في بعض الروايات عن أم عطية في غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها" رواه الشيخان وأحمد، قال القرطبي: وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي صلَّى الله عليه وسلم فيكون مرفوعا أو هو شيء رأَتْه ففعلته استحبابا، كلا الأمرين محتمل لكن الأصل أنَّ لا يفعل في الميِّت شيء من جنس القرب إلاَّ بإذن الشرع، ولم يرد ذلك مرفوعا كذا قال، وقال النووي: الظاهر عدم اطلاع النبي صلَّى الله عليه وسلم وتقريره له والله أعلم.
تنبيهان: الأوَّل: إذا مات الرجل وعليه جمة فلا يسجح شعره ولا يفرق ولكن يسرح كما هو فإن خرج من رأسه شعر فليرده إلى رأسه، وكذلك أيضًا شعر المرأة، الثاني: لا يقلّم<2/343> للميت ظفر ولا يجزُّ له شعر ولا يسرح ولا يدهن، وقيل: إن كانت أظفاره طويلة وشاربه طويلا أخذ منه، وأصحابنا يكرهون ذلك لأنَّ الإنسان ممنوع من البسط في جسد غيره إِلاَّ بدليل يجب التسليم له، ورأت عائشة امرأة يكدّون رأسها بمشط فقالت: علام تنصّون ميّتكم؟ قال أبو عبيد: هو من نصوت إذا مددت الناصية، والمعنى أن الميِّت لا يحتاج إلى تسريح وذلك بمنزلة الأخذ من الناصية والله أعلم.
الباب التاسع عشر صلاة الجنائز (3/373)
صفحة 934
قوله في: «صلاة الجنائز»، وهي حقّ للمسلم الميِّت على الحي الحاضر من المسلمين شفاعة خاصَّة ورحمة عامَّة ينتفع بها الحي بنيل الثواب والميت بنيل المغفرة إن كان من أهل المغفرة، وهي عبادة لا ركوع فيها ولا سجود مخالفة لسائر الصلوات أركانها التكبير والمقصود منها الدعاء للميت نسأل الله منها الحظ الوافر.
ما جاء أنَّ الأولى بالصلاة على الميِّت أفضل القوم ورعا (3/374)
صفحة 935
قوله: عن ابن عبَّاس الحديث في هذا الباب مِمَّا تفرد به المصنِّف رضوان الله عليه، أمَّا في صلاة الجماعة فقد روى معناه هو وغيره من المحدثين، قوله: «أولى بالصلاة على الميِّت أفضل القوم ورعًا» أي أحقّ بالتقدم في صلاة الجنازة أورع الحاضرين، وإن لم يكن من أقارب الميِّت، فإن كان الإمام حاضرا أو واليه أو أمير الجيش فهم أولى من غيرهم لاجتماع الفضل والإمارة، وإن لم يكونوا فالقريب الأفضل أولى من غيرهم لاجتماع الفضل والقرابة، وإن لم يوجد الأفضل إِلاَّ في الأجانب كان أولى من القريب المفضول وهو معنى قول<2/344> من قال من أصحابنا وغيرهم: إن أفضل القوم أولى بالتقدم في ذلك، وهو الموافق لظاهر الحديث، وقال قوم منَّا ومن مخالفينا: إن الأقرب أحقّ بالتقدم وعليه أكثر الأصحاب، ثمَّ ذهبوا في ترتيب القرابة مراتبها وجعلوا الأولى في ذلك الأقرب ثمَّ الأقرب فإن تقدَّم الأبعد فلا يتقدَّم إِلاَّ عن إذن الأقرب، حتَّى أن بعضهم قال باستئذان القريبة من النساء إذا لم يكن له قريب من الرجال، وحتَّى قال آخرون باستئذان الأب الذمّي إذا حضر جنازة ولده المسلم وأنت خبير أنَّه لا حقّ للنساء ولا للذمّي في الإمامة فكيف يستأذن فيها من لا حق له فيها، فإن احتجوا بقوله تعالى: {وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ, أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال:75] قلنا ذلك في غير ما قضى به الدليل أنَّ غيرهم أولى به، فالآية عامَّة وحديث الباب خاص، وأيضا فالآية محتملة والحديث نصّ في المعنى على أنَّ القائلين بتقديم القرابة لا يقولون بإطلاق ذلك في كلّ موضع فقد يكون القريب عبدا أو أخاً ذميًّا أو ابن عم ذميا فهؤلاء ونحوهم أقارب صرّحوا بأنَّ غيرهم من المسلمين أولى بذلك، فلم يأخذوا بعموم الآية في كلّ موضع بل ذهبوا إلى تخصيصها فأخرجوا منها أشياء فسقط تعلّقهم بعمومها لأنَّ القرابة لم تغن شيئًا والله أعلم. (3/375)
صفحة 936
ما جاء في التكبير على الجنائز والصلاة على الغائب
قوله: «عن أبي هريرة» الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم وله طرق كثيرة.
قوله: «نعَى للناس» أي أخبرهم بموته في اليوم الذي مات فيه في رجب سنة تسع، وقيل: كان موته قبل الفتح وفيه جواز الإعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة والنعي المنهي عنه هو الذي يكون معه صياح خلافا لمن تأوله من قومنا على الإعلام بالموت للاجتماع لجنازته، وفي حديث من صلَّى على جنازة كان له من الأجر كذا. وقوله صلى الله عليه <2/345> وسلم: "لا يموت أحد من المسلمين فيصلّي عليه من الناس يبلغون مائة فيشفَعون له إِلاَّ شفعوا فيه" دليل على الإباحة وشهود الجنائز خير والدعاء إلى الخير خير إجماعا، وقال بعضهم: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاة فهذا سنة، الثانية: دعوة الجَفَلَى للمفاخرة فهذا يكره، الثالثة: الإعلام بالناحية ونحوها فهذا يحرم.
قوله: «النجاشي» (بفتح النون على المشهور وقيل بكسرها وخفة الجيم وأخطأ من شدّدها وبتشديد آخره وحكى بعضهم التخفيف) وهو لقب لِكُلٍّ من ملك الحبشة واسمه أصحمة بن بحر ملك الحبشة، أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم ولم يهاجر إليه وكان ردا للمسلمين نافعا، وأصحمة بوزن أربعة وحاؤه مهملة وقيل معجمة، وقيل بموحدة بدل الميم، وقيل أصحمة بلا ألف ،وقيل كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل بميم أوَّله بدل الألف، فتحصل من هذا الخلاف في اسمه ستَّة ألفاظ.
قوله: «في اليوم الذي مات فيه»: وذلك في رجب سنة تسع، وقيل كان قبل الفتح. (3/376)
صفحة 937
قوله: «إلى المصلى»: وهو مكان ببطحان أو مكان ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين وفي الصحيحين عن جابر قال صلى الله عليه وسلم: "قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلمّ فصلوا عليه" وللبخاري: "فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة" ولمسلم: "مات عبد الله صالح أصحمة وفي الإصابة عن أبي هريرة: "أصبحنا ذات يوم عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فأتاه جبريل فقال" إن أخاك أصحمة النجاشي قد توفي فصلّوا عليه فوثب صلى الله عليه وسلم ووثبنا معه حتى جاء المصلى " والظاهر أن خروجه {صلى الله عليه وسلم} إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه وإشاعة لموته على الإسلام لأنَّ بعض الناس لم يعلم أنَّه أسلم وفي ذلك تأليف لقلوب الملوك الذين أسلموا في حياته، ولم يأت في حديث صحيح أنَّه صلَّى على ميِّت غائب غيره، وأمَّا حديث صلاته على معاوية ابن معاوية الليثي فجاء من طرق لا تخلو من مقال.
قوله: «فصفهم» وفي رواية الموطأ "فصف بهم" وهي محتاجة إلى التأويل بخلاف رواية المصنِّف، فإنها ظاهرة في المعنى ولم يذكر<2/346> "صفهم" وفي النسائي عن جابر "كنت في الصف الثاني يوم صلَّى النبي صلَّى الله عليه وسلم على النجاشي" وفيه أن للصفوف على الجنائز تأثيرا ولو قلّ الجمع الظاهر أنَّه خرج معه صلى الله عليه وسلم عدد كثير، والمصلى فضاء لا يضيق بهم لو صفّوا فيه صفا واحدا ومع صفهم، وكان مالك بن عميرة الصحابي يصفّ من يحضر صلاة الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلّوا أو كثروا. (3/377)
صفحة 938
قوله: «وكبر أربع تكبيرات» فيه أنَّ تكبير صلاة الجنازة أربع وهو المقصود من الحديث وعليه وقع الإجماع في زمن الصحابة وقيل كانوا يكبرون ستا وأربعا وخمسا فلمَّا ولي عمر جمع أصحابه وقال: إن اجتمعتم أجتمع من بعدكم وإن اختلفتم أختلف من بعدكم، فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات، واعترضوا الاستدلال بالحديث بأنَّه صلاة على غائب لا على جنازة، وأجيب بأنَّ ذلك يفهم بطريق الأولى، وروى ابن أبي داود عن أبي هريرة أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم: "صلَّى على جنازة فكبرا أربعا" وقال: لم أر في شيء من الأحاديث الصحيحة أنَّه كبر على جنازة أربعا إلاَّ في هذا، قال وإنما ثبت أنَّه كبر على النجاشي أربعا وعلى قبرٍ أربعًا وأمَّا على الجنازة هكذا، فلا إلاَّ هذا الحديث، وفي الحديث الصلاة على الميِّت الغائب عن البلد وبه قال أصحابنا والشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقد صلَّى موسى بن أبي جابر بإزكي على الربيع لماّ بلغه موته وكان غائبا، وقال الحنفيَّة والمالكية لا تشرع الصلاة على الغائب، ونسبه ابن عبد البرّ لأكثر العلماء، وأنهم قالوا ذلك خصوصيَّة له صلى الله عليه وسلم. قلت: دعوى الخصوصيَّة محتاجة إلى الدليل ولا يكفي ما ذكروه من الاحتمالات فإنَّها محتاجة إلى النقل، وقال ابن العربي من المالكيَّة قولهم: إِنَّمَا ذلك لمحمَّد قلنا وما عمل به محمَّد تعمل به أمته، قالوا: طويت الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربنا عليه لقادر ونبيئنا لأَهلٌ لذلك ولكن لا تقولوا إِلاَّ ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم ولا تحدّثوا إِلاَّ بالثابتات ودَعُوا الضعافَ فإنَّها سبيل إلى تلافي ما ليس له تلاف، وقد بسطت القول في هذه المسألة وغيرها في المعارج والله أعلم.
<2/347> ما جاء في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل البقيع (3/378)
صفحة 939
وقوله: «عن عائشة رضي الله عنها» الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والنسائي، قوله: «ذات يوم» وفي رواية مالك ذات ليلة وهي أصرح من رواية المصنِّف فإنَّه يدلُّ على أنَّه قام من نوم كان قد وضع فيه ثياب اليقظة، وفي إطلاق اليوم على الليلة مجاز إرسالي لعلاقة المجاورة، وكان استغفاره صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع في محرم من السنة الحادية عشر مرجعه من حجته، قال أبو مويهة اشتكى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأيام وفي رواية عنه فما لبث بعد ذلك الاستغفار إِلاَّ سبعا أو ثمانيا حتَّى قبض، وكان مأمورا بالاستغفار عليهم.
قوله: «فأمرت جاريتي بريرة تتبعه» أي: لتستفيد علما أو غيرة منها مخافة أن يأتي بعض حجر نسائه، وقد روي ذلك وبريرة (بموحدة مفتوحة ورائين بلا نقط بينهما تحتية ساكنة ثمَّ هاء) صحابية مشهورة وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها وكانت مولاة لبعض بني هلال، وقيل: كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش ،وقيل كانت مولاة أناس من الأنصار فباعوها من عائشة فأعتقتها وعاشت إلى زمن يزيد بن معاوية، وفيه جواز استخدام المولى لمن أعتقه إذا كان ذلك عن رضى وأنَّه لا ينقص من أجره شيئًا.
وقوله: «البقيع»: (بالموحدة اتفاقا) وهو مقبرة من مات من أهل المدينة في الإسلام.
وقوله: «فوقف»: زاد في الموطأ في أدناه أي أقربه إلى المدينة.
وقوله: «فوقفت بقربه»: يعني بريرة.
وقوله: «ما شاء الله أن يقف»: ليس فيه تعيين لمدة الوقوف وهو يشعر بأنَّه كان طويلا. وقوله: «فانصرف» أي: من موقفه راجعا إلى المدينة.
وقوله: «فسبقته» أي: بريرة.
وقوله: «فأخبرتني»: أي بما فعل<2/348> في خروجه.
وقوله: «فسألته»: أي عن قيامه بالليل ولأي شيء كان.
وقوله: «بعثت» أي: أرسلت.
وقوله: «إلى أهل البقيع» هم أموات المسلمين المدفونين في تلك البقعة. (3/379)
صفحة 940
وقوله: «لأصلِّى عليهم» قيل يحتمل أن الصلاة هنا الدعاء والاستغفار، ويحتمل أن تكون كالصلاة على الموتى خصوصيَّة له لأنَّ صلاته على من صلَّى عليه رحمة فكأنَّه أمر أن يستغفر لهم، قيل وأمَّا بعثه ومسيره إليهم فلا يدرى لمثل هذا علَّة ويحتمل أنَّه أراد ليكرمهم بالصلاة منه عليهم لأنَّه ربَّما دفن منهم من لم يصل عليه كالمسكينة، ومثلها من دفن ليلا ولم يشعر به ليكون مساويًا بينهم في صلاته عليهم ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتم عدله، وقيل إنَّه خرج لذلك كالمودع للأحياء والأموات، وأخرج ابن عبد البرّ عن أبي مويهة مرفوعا أنِّي قد أمرت أن استغفر لأهل البقيع فاستغفر لهم ثمَّ انصرف فأقبل علي فقال: "يا أبا مويهة إنَّ الله قد خيّرني في مفاتيح خزائن الدُّنيا والخلد فيها، ثمَّ الجنَّة ولقاء ربِّي، فاخترت لقاء ربي فأصبح من تلك الليلة فبدأه وجعُهُ الذي مات منه صلى الله عليه وسلم"، وفي الحديث جواز الصلاة على القبور وهي مسألة وقع فيها النزاع بين العلماء وقد بسطت القول فيها في المعارج، وادعى ابن عبد البرّ الإجماع على أنَّه لا يصلِّى على قبر مرتين ولا يصلى على قبر من صلّي عليه إلاَّ إذا كان قريب العهد، قال وأكثر ما قيل: ستَّة أشهر والله أعلم.
الباب العشرون في القبور
قوله: «في القبور» جمع قبر وهو الموضع الذي يدفن فيه الميِّت من بني آدم وقد أمتنّ به سبحانه وتعالى عليهم في قوله: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] أي جعله مِمَّن يقبر ولم يجعله مِمَّن يلقى إلى الكلاب، فالقبر مِمَّا أكرم به بنو آدم، والمراد ذكر أحكام القبور الخاصَّة بها كالزيارة والنهي عن <2/349> التجصيص وأحولها الخاصَّة بها كتعذيب الكافر فيها، والعرض على الميِّت مقعده من الجنَّة أو النَّار ونحو ذلك.
ما جاء في زيارة القبور (3/380)
صفحة 941
قوله: «عن ابن عباس» الحديث ذكره في الجامع الصغير وقال رواه الحاكم عن أنس وزاد فيه قوله: "فإنَّها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة" وللترمذي معناه من حديث بريدة.
قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» كان النهي أوَّل الأمر لقرب عهدهم من الجاهليَّة فربما كانوا يتكلّمون بكلام الجاهليَّة الباطل فنهاهم عن ذلك، فلمَّا استقرت قواعد الإسلام وتمهدت الأحكام أبيح لهم الزيارة واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله: "ولا تقولوا هجرا" قال النووي: وهذا من الأحاديث التي جمعت الناسخ والمنسوخ.
قوله: «إلاَّ فزُورُوهَا» الأمر للإباحة بعد الحظر وقد حكى جماعة اتِّفاق أهل العلم على أنّ زيارة القبور للرجال جائزة، وروى غيرهم عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي أنَّهم كرهوا ذلك مطلقا حتَّى قال الشعبي لولا نهي النبي صلَّى الله عليه وسلم لزرت قبر ابنتي وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، وذهب ابن حزم إلى أنَّ زيارة القبور واجبة ولو مرَّة واحدة في العمر لورود الأمر به، وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرَّد الإباحة فقط، والسياق يدلُّ على أنَّ الغرض الإباحة فقط وهو الحقّ. (3/381)
صفحة 942
قوله: «ولا تقولوا هجرا» (بضمِّ الهاء): أي قبيحا وفحشا، يقال: أهجر في منطقه يهجر إهجارًا إذا فحش، وكذا إذا أكثر الكلام في مالا ينبغي، وقال المصنِّف أي: لا تدعوا بالويل والعويل وبما يسخط الرب، فكأنَّه رحمه الله فسّر الهجر بنوع خاص من الكلام لعلمه بالحال المنهي عنه في ذلك المقام وهو الذي كانت <2/350> تفعله الجاهليَّة عند قبور موتاهم. والحكمة في زيارة القبور ما ذكره في حديث أنس من قوله: "فإنّها ترقّ القلب وتدمع العين وتذكّر الآخرة" قال بعضهم: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أنَّ يكثر من ذكر هادم اللذّات ومفرق الجماعات ومؤتّم البنين والبنات ويواضب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أنَّ يستعينَ بها على دوائه فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت ولأنَّ قلبه فذاك وإلاَّ شاهد المحتضرين والأموات وزار القبور فليس الخبر كالمعاينة والله أعلم.
ما جاء في النهي عن تجصيص القبور
قوله: «ومن طريق ابن عباس» أي بالسند المتقدِّم، والحديث روى معناه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه من حديث جابر بن عبد الله.
قوله: «نهى عن تقصيص القبور»: أي عن تجصيصها (فالتقصيص بالقاف وصادين مهملتين) هو التجصيص، والقصة (بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة) هي الجص وهو الآجر وفيه تحريم تجصيص القبور، وأمَّا التطيين فحكى الترمذي فيه الترخيص عن الحسن البصري والشافعي، وقيل: يكره التطيين أيضًا وذلك كلّه فرار عن الشهرة فإنّ خير القبور ما درس والله أعلم.
ما جاء في تعذيب الميِّت ببكاء أهله
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها» الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم.
قوله: «سمعت» (بتاء التأنيث) والفاعل ضمير عائشة وهي إنما سمعت ذلك من ابن عبَّاس رضي الله عنه. (3/382)
صفحة 943
قوله: «يقول» أي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الميِّت ليعذب<2/351> ببكاء الأحياء، جمع حي مقابل للميت ، وفي رواية الموطأ ببكاء الحي على الإفراد، قال شارحه الظاهر: إنَّه مقابل الميِّت، ويحتمل القبيلة واللام بدل من الضمير أي حيّه، أي قبيلته، فيوافق رواية ابن أبي مليكة بكاء أهله، وفي رواية لمسلم "من يُبكى عليه يعذّب" ولفظها أَعَمُّ، وفيه أنَّه ليس خاصا بالكافر.
قوله: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن» دعاء له بطلب الغفران وهو من الآداب الحسنة، قدّمته تمهيدا ودفعًا لمن يتوحّش من نسبته إلى النسيان والخطأ، وفيه أن الخطأ في الأخبار لا يقدح في الولاية، وأبو عبد الرحمن كنيته عبد الله بن عمر.
وقولها: «أمَّا أنَّه لم يكذب» أي لم يتعمَّد الكذب وذلك أنَّ الكذب الإخبار بما يخالف الواقع كان عمدًا أو خطأً كما يدلُّ عليه حديث: "من كذب عليّ معتمدا".
قوله: «نسي» أي ذهب عنه حفظ ذلك على وجهه. (3/383)
صفحة 944
قوله: «وأخطأ» أي غلط في الإخبار بعد النسيان حيث ظنّ أنَّ الأمر كما أخبر وهو على خلاف ذلك، ثمَّ ذكرت نفس الواقع من قوله صلى الله عليه وسلم: في اليهودية التي ماتت وأهلها يبكون عليها ومرّ عليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقال فيها ما قال، وليس في رواية الموطأ قولها ولعلَّه إنما سمع بل الذي فيها الجزم بقوله: إنما مَرَّ برسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلخ، وفي رواية المصنِّف إشعار بأنَّ عائشة لم تقطع بأنَّ الشبهة في إخبار ابن عمر هذا السبب لكونها ظنت ذلك لقولها، ولعلَّه إنما سمع إلخ وتعذيب اليهودية إنما كان لكفرها لا لبكاء أهلها عليها، ولم يتفرد ابن عمر برواية ذلك بل رواه أبوه صهيب بن سنان كما في الصحيحين من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عمر أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميِّت ليعذّب ببكاء أهله عليه" فقال ابن عبَّاس: لما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه واصاحباه، فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي وقد قال صلى الله <2/352> عليه وسلم: أن الميِّت يعذِّب ببعض بكاء أهله عليه، قال ابن عبَّاس: فلمَّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أنَّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه لكن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله، فقالت: حسبكم القرآن {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] قال ابن عبَّاس: والله هو أضحك وأبكى، قال ابن مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئًا، وفي الصحيحين أيضًا وعن أبي موسى لما أصيب عمر جعل صهيب يبكي ويقول: يا أخاه فقال عمر: أما علمت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أن الميِّت ليعذب ببكاء الحي" وفيه دلالة أن صهيبا سمعه من المصطفى أيضًا، وكأنَّه نسيَه حتَّى ذكّره به عمر، قال القرطبي: ليس سكوت ابن عمر لشكّ طرَأَ له بعدما صرَّح بلفظ الحديث، ولكن احتمل عنده قبوله للتأويل (3/384)
صفحة 945
ولم يتعيّن له محل يحمل عليه حينئذ أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم تتعيّن الحاجة إليها حينئذ، وقال غيره: يحتمل أن ابن عمر فهم من استشهاد ابن عبَّاس بالآية قبول روايته لأنَّها يمكن أن يتمسّك بها في أن الله له أن يعذِّب بلا ذنب ويكون بكاء الحي علامة على ذلك، قلت: وإن جاز له سبحانه وتعالى أن يعذب بلا بذنب وأخبر بذلك عباده ووعدهم وتوعّدهم، ولا يبدِّل القول لديه فلا يصحُّ أنَّ تُحمل عليه أخبار الشرع فلا يمكن أن يكون محتملا عند من استقر عنده علم الشريعة، وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه وليس فيما روت عائشة ما يدفع روايتهما فالخبران معًا صحيحان ولا منافاة بينهما، فالميت إنما يعذِّب إذا أوصى بذلك في حياته، وكان ذلك مشهورا في العرب موجودا في أشعاركم كقول طرفة:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وقول لبيد:
إلى الحول ثمَّ اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملا فقد اعتذر (3/385)
صفحة 946
وعلى هذا حمل الجمهور حديث عمر وابنه، وقال النووي: إنَّه الصحيح، وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين، واعترض بأن التعذيب بسبب<2/ 353> الوصيَّة بمجرد صدورها والحديث دالٌّ على أنَّه إنما يقع عند امتثالها، أجيب: بأنَّه لا حصر في السياق فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا، ومنهم من حمله على من كانت عادته النوح والبكاء فمشى أهله على عادته، ومنهم من حمله على من أهمل نهي أهله عن ذلك، قال بعضهم: إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف من شأن أهله فعله ولم يعلمهم بحرمته ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك فبفعل نفسه لا بفعل غيره، وقيل: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما رواه أحمد عن أبي موسى مرفوعا: "الميِّت يعذِّب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه وأناصراه واكاسباه جبذ الميِّت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها" ورواه الترمذي وابن ماجه بنحوه، وفي البخاري عن النعمان بن بشير قال: أغمي على ابن ماجه فجعلت أخته تقول واجبلاه وكذا واكذا فقال حين أفاق ما قلت شيئًا إِلاَّ قيل لي أنت كذلك، وقيل معنى التعذيب: تألّم الميِّت بما يقع من أهله من الناحية وغيرها وقيل يتحمل الجمع بتنزيل هذه التوجيهات على اختلاف الأشخاص، فمن كانت طريقته النوح فمشى أهله عليها أو أوصاهم بذلك وهو بالغ عذّب بصنعه، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذّب بما ندب به، ومن علم من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها راضيا بذلك التحق بالأول وإن كان غير راض عذّب بالنوح لأنَّه أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كلّه فاحتاط فنهاهم ثمَّ خالفوه فعذابه تألّمه بما يراه من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربه.
إلى هنا انتهى التصحيح في غار أمجماج أوت 2004 القرارة
***ما جاء أن الميِّت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
{ (3/386)
صفحة 947
قوله عن أبي سعيد الخدري} الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي كلّهم من حديث ابن عمر وهو عند المصنِّف من حديث أبي سعيد فكأنَّه مِمَّا تفرد به من هذا الطريق {قوله عرض عليه مقعده بالغداة والعشي} أي فيهما ويحتمل أنَّ المراد غداة واحدة وعشية واحدة ويحتمل كلّ غداة وكلّ عشي والعرض لا يكون إِلاَّ على حي يعلم ما يعرض عليه ويفهم ما يخاطب به فهو محمول على أنَّه يحي منه جزء ليدرك ذلك ولا يمتنع أنَّ تعاد الحياة إلى جزء من الميِّت أو أجزاء وتصح مخاطبته والعرض عليه وقال القرطبي يجوز أن هذا العرض على الروح فقط ويجوز أن يكون عليه من جزء من البدن قال والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلاَّ فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء ثمَّ هو مخصوص بغير الشهداء ويحتمل أن يقال فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنَّة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن {قوله أن كان من أهل الجنَّة فمن أهل الجنَّة وأن كان من أهل النَّار فمن النار} اتحد فيه***** والجزاء لفظا فلابد من تقدير يكشف معناه فقيل التقدير من مقاعد أهل الجنَّة يعرض عليه وقيل المراد أنَّه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد وذلك أنَّ الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظا دلّ على الفخامة والمعنى إن كان من أهل الجنَّة فسيبشر بما لا يدرك كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره وإنَّ كان من أهل النَّار فعلى عكس ذلك لأنَّ هذه المنزلة طليعة تباشير السعادة الكبرى ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى وفي ذلك تنعيم لمن هو من أهل الجنَّة وتعذيب لمن هو من أهل النَّار بمعاينة ما أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعد ونظيره في الكتاب العزيز قوله تعالى {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} {قوله فيقال هذا مقعدك حتَّى يبعثك الله يوم القيامة} أي يقول له الملك ذلك تبشيرا إن كان من أهل الخير وتعذيب إن كان من أهل الخير وتعذيبا إن كان من أهل الشر فإن (3/387)
صفحة 948
ذكر الغاية مشعر بذلك وفي الحديث إثبات عذاب القبر وأنّ الروح لا تفنى بفناء الجسد لأنَّ العرض لا يقع إِلاَّ على حي قال ابن عبد البر {واستدل} به على أن الأرواح على أفنية القبور قال وهو الصحيح قال لأنَّ الأحاديث بذلك أصح من غيرها قال والمعني عندي أنَّها تكون على أفنية القبور لا أنَّها تفارقها بل هي كما قال مالك بلغنى أنَّ الأرواح تسرح حيث شاءت والله أعلم.
ما جاء في ما يقال عند زيارة القبور
{ (3/388)
صفحة 949
قوله عن أبي هريرة} الحديث تقدَّم ذكره في باب الأمَّة مطولا وقد اختصره هنا لبيان ما يقال عند المقابر ورواه أيضًا عن أبي هريرة أحمد ومسلم والنسائي وتمامه قوله وأنا إن شاء الله بكم لاحقون ولا حمد من حديث عائشة مثله وزاد اللهمَّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وروى احمد ومسلم وابن ماجه عن بريرة قال كان (رسول الله صلَّى الله عليه وسلم) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وأنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية {قوله دار قوم مؤمنين} قيل نصب دار على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل وهو الصحيح منصوب على الاختصاص وقيل يجوز جره على البدل من الضمير في عليكم وهو من الضعف بمكان وفي الحديث أنَّ اسم الدار يقع على المقابر وهو يطلق في اللغة على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول {قوله وأنا إن شاء الله بكم لاحقون} التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قوله تعالى {ولا تقولن لشيء أني فاعل ذلك غدا إلاَّ أن يشاء الله} وقيل المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة وقيل غير ذلك {وفي الحديث} دليل على استحباب التسليم على أهل القبور وفي الأحاديث الأخر استحباب الدعاء لهم العافية {وفيه} أيضًا أن السلام على الأحياء والأموات سواء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت عليه الجاهليَّة من التفرقة بينهما فإنهم قالوا في السلام على الحي بتقديم السلام وفي السلام على الميِّت بتقديم عليكم والله أعلم.
ما جاء في تقسيم الميِّت إلى مستريح ومستراح منه (3/389)
صفحة 950
والحديث رواه مالك في الموطأ عن محمَّد بن عمر وبن حلحلة الديلي عن معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة بن ربعي أنَّه كان يحدث أنَّ (رسول الله صلَّى الله عليه وسلم) مَرَّ عليه بجنازة فقال مستريح ومستراح منه الحديث وأخرجه البخاري عن إسماعيل ومسلم عن قتيبة ابن سعيد كلاهما عن مالك بالسند المتقدِّم {قوله مرَّت جنازة} في إسناد المرور إلى الجنازة تجوز لأنَّها يمر بها لا تمر والمراد أنَّ الحاملين لها مروا {برسول الله صلَّى الله عليه وسلم} وهي على عواتقهم وسوغ التجوّز أن المرور كان بسببها {قوله مستريح أو مستراح منه} يعني أن الميِّت المحمول لا يخلو من أحد هذين النوعين أمَّا يستريح من نصب الدُّنيا أو يستريح غيره من أذاه يقال أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء ثمَّ أطلق على كل راحة تحصل للإنسان ولما كان الأمر خفيا سألوه عن معنى ذلك فبينه لهم عليه الصلاة والسلام كلّ راحة تحصل للإنسان ولما كان الأمر خفيا سألوه عن معنى ذلك فبينه لهم عليه الصلاة والسلام كلّ البيان {ونصب الدنيا} بفتحتين تبعها ومشقتها {وأذاها} أَعَمُّ من نصبها فقيه عطف عام على خاص قال مسروق ما غبطت شيئًا لشيء كمومن في لحده امن من عذاب الله واستريح من الدُّنيا {وقوله والعبد الفاجر} هو الكافر العاصي كان مشركا أو منافقا فإن البلاد تستريح منه وكذلك الناس والدواب والشجر {أما} استراحة البلاد فما كان يفعله فيها من المعاصي فيحصل الجذب فيهلك الحرث والنسل أو لغصبها ومنعها من حقها {وأما} استراحة الدواب فلاستعماله لها فوق طاقتها وتقصيره في علفها وسقيها {وأما} استراحة الشجر فقلعه إياها غصبا أو لغصب ثمرها قال الطيبي أمَّا استراحة البلاد والأشجار فإن الله تعالى بفقده يرسل السماء مدرارا ويحيي به الأرض والشجر والدواب بعد ما حبس بشؤم ذنوبه المطار لكن اسناد الراحة إليها مجاز إذ الراحة إنَّما هي لمالكها والله أعلم. (3/390)
صفحة 951
ما جاء في عذاب القبر بترك الإستبراء من البول وبالمشي بين الناس بالنميمة
{قوله قال بلغنا} الحديث رواه البخاري والنسائي عن ابن عبَّاس وهو عند النسائي أيضًا من حديث ابن عمر وزادوا في آخره حديث الجريدة التي شقها {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} نصفين ولم يذكر ذلك المصنِّف وكأنَّه لم يصحُّ معه ذلك {قوله مَرَّ برجلين يعذبان في القبر} لفظ الحديث في النسائي عن ابن عبَّاس قال مَرَّ {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} بحائط من حيطان مكَّة والمدينة سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال {رسول لله صلَّى الله عليه وسلم} يعذبان وما يعذبان في كبير ثمَّ قال بلى كان أحدهما لا يستبرئ من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثمَّ دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كلّ قبر منهما كسرة فقيل له {يا رسول الله} لم فعلت هذا قال لعلَّه أن يخفِّف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أنَّ ييبسا {قوله بكبيرة} في رواية البخاري والنسائي وما يعذبان في كبير بلا هاء أي بسبب كبير أو لأجل كبير من الذنوب ومعناه أنَّه لا يعذبان في كبيرة في ظنهما وهي كبيرة عند الله تعالى أو لا يعذبان في كبيرة في اعتقادكم لاحتقار ذلك الحال عند العامَّة أو لا يعذبان في ما يثقل عليهما الاحتراز عنه وقيل كبير بمعنى أقرب أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثل وإن كان كبيرا في الجملة وقيل المعنى ليس بكبير في الصورة لأنَّ تعاطي ذلك يدلُّ على الدناءة والحقارة وقيل ليس بكبير في الفعل وهو كبير في الذنب وقيل ليس بكبير بمجرده وإنما صار كبيرا بالمواظبة وهذا القول يقتضي أنَّ ترك الإستبراء والمشي بالنميمة من الصغائر وليس كذلك بل هما من الكبائر {أما البول} فإنَّه نجس فيلزم التنزه عنه ويجب التطهُّر منه للصلاة فمن لم يستبرئ فقد تعرض لفساد وضوئه وصلاته إذ لا صلاة إِلاَّ بطهور {وأما المشي} بالنميمة فإنَّه كبيرة بلا خلاف بين الناس {قوله لا يستبرئ من البول} أي لا يتنزه وقد روى (3/391)
صفحة 952
أصحاب السنن الأربعة استنزهوا من البول فإن عامَّة عذاب القبر عنه والأصل استرأ ذكره من بقيَّة بوله بالنتر والتحريك حتَّى يعلم أنَّه لم يبق فيه شيء وقال الزمخشري استبرأت طلبت آخر لقطع الشبهة {قوله بالنميمة} هي في الأصل نقل كلام الناس والمراد به هنا ما كان لقصد الأضرار فأمَّا ما كان يقتضي فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب وقيل النميمة نقل كلام الغير بقصد الأضرار وهي من أقبح القبائح والحديث يدلُّ على ثبوت عذاب القبر وهو الصحيح ولهذا قال أبو عبيدة بعد ذكر الحديث وكان جابر مِمَّن يثبت عذاب القبر والأحاديث في ذلك كثيرة متوافرة ومتواترة معنى وأنّ اختلفت ألفاظها فإن موادها واحد ولا سبيل إلى العدول من مقتضاها إلى محض القول بالرأي وليت شعري أي مدخل للرأي فيما غاب عنَّا علمه ولم تصل إليه عقولنا بل الواجب في هذا ونحوه التسليم لإخبار الشارع فيه وقبول ما جاء فيه من لسانه فمن بلغه التواتر في ذلك وجب عليه القطع بوقوعه على حسب الإخبار ومن لم يبلغه التواتر فلا أقلّ من التصديق بالإخبار لأنَّها جاءت من طرق صحيحة والمنكرون لعذاب القبر لا يدفعونها وإنَّما يتأولونها بأوهامهم الفاسدة رأوا أن الميِّت إذ كان بين أيديهم لا يحسُّ بشيء فقضوا باستحالة عذابه على تلك الحالة وغفلوا عن اتساع القدرة وأنَّه تعالى يفعل ما يشاء وأنّ عقولنا لا تصل إلى شيء من ذلك {وما أوتيتم من العلم إِلاَّ قليلا} والله أعلم.
ما جاء في سماع عذاب القبر
{ (3/392)
صفحة 953
قوله عن أبي أيوب النصاري} الحديث أوصله النسائي أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يحي عن شعبة قال أخبرني عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن البراء بن عازب عن أبي أيوب قال خرج {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها وفي رواية عند الطبراني خرجت مع {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء فانطلق لحاجته حتَّى فوضأته فقال أتسمع ما أسمع قلت الله ورسوله أعلم قال أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم وهذه الرواية مفسرة لما في رواية المصنِّف وغيرها {وقولها حين غربت الشمس} مصداق لما تقدَّم أن الميِّت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي {وقوله هذه أصوات اليهود الخ} يدلُّ على أن التعذيب كان واقعا على الروح والجسد معًا فإن المعهود صدور الصوت من الجسد الحي دون الميِّت وقد جاء ما يدلُّ أنَّ روح الميِّت ترجع اليه في قبره حتَّى يسأله الملكان ولم يثبت أنَّها تخرج منه بعد ذلك بل ورد أن الملكين يقولان للمؤمن من نومة العروس وعرض مقعده عليه بالغداة والعشي مؤيد لذلك وكأنَّه تبقى معه حاسيته دون الحياة الكاملة وسماع أصوات الأموات المعذبين في قبورهم ممكن {للنبي صلَّى الله عليه وسلم} وغيره ويدلُّ على ذلك قوله {صلى الله عليه وسلم} لأبي أيوب أتسمع ما أسمع وأخرج النسائي عن أنس أن {النبي صلى الله عليه وسلم} سمع صوتا من قبر فقال متى مات هذا قالوا مات في الجاهليَّة فسر بذلك وقال لولا أن لا تدافنوا لدعوات الله أنَّ يسمعكم عذاب القبر وقد سمعه بعض الخواص بل وبعض العوام على ما ذكر وقد أنكره العلامة الصبحي وقال لعلَّ ذلك أصوات الجن بناء على إنكار عذاب القبر ولا سبيل إلى إنكاره والعلم عند الله تعالى.
ما جاء أنَّ الحي آخر الزمان يغبط الميِّت في قبره (3/393)
صفحة 954
قوله عن {أبي هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك والشيخان وأحمد {قوله لا تقوم الساعة} أي القيامة أو لا تحشر الدُّنيا حتَّى يبلغ الحال من الشدَّة مبلغا عظيما وعليه فالمراد بالساعة النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل في الصور وهي مقدِّمة القيامة فإذا وقعت مات بها كلّ حي ولم يبق إِلاَّ النفخة الثانية التي يحيي بها كلّ ميِّت فلهذا صحَّ إسناد القيام إليها {قوله حتَّى يمر الرجل بقبر الرجل} ومثله المرأة وإنما ذكر الرجل جريا على الغالب وإلا فغيره كذلك لكن لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة خصهم بالذكر (كما قيل)
{كتب القتل والقتال علينا . وعلى الغانيات جر الذيول}
{وقوله فيقول يا ليتني مكانه} أي في قبره وإنَّما يتمنى ذلك لما يصيبه من البلاء والشدَّة حتَّى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده وعن ابن مسعود قال سيأتي عليم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه وعليه قول الشاعر
{وهذا العيش مالا خير فيه . ألا موت يباع فأشتريه} (3/394)
صفحة 955
قال العراقي ولا يلزم كونه في كلّ بلد ولا كلّ زمن ولا في جمع الناس بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان وفي تعليق تمنيه بالمرور أشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحالة حينئذ إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار شيء فإذا شاهد الموتى ورآى القبور نشز بطبعه ونفر بسجيته من تمنيته فلقوة الشدَّة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت لأن هذا الحديث إخبار عمَّا يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي وقيل أن تمني الموت لخوف الفتنة جائز لقوله {صلى الله عليه وسلم} وإذا أردت بالناس فتنة فأقبضني إليك غير مفتون وقول عمر اللهمَّ قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعبتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط {قلت} وفي الدليلين نظر لأنَّه {صلى الله عليه وسلم} إنما سأل ربه أن يقبضه إليه غير مفتون لا أن يقبضه فقط فهو سؤال للسلامة من الفتنة لا لنفس الموت وكذلك دعاء عمر وفي النسائي عن أنس أن (النبي صلَّى الله عليه وسلم) قال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدُّنيا ولكن ليفل اللهمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي والله أعلم.
كتاب الأذكار
جمع ذكر أي ذكر الله تعالى والمراد به ما يشمل لدعاء والتسبيح والثناء فلهذا جعل الكتاب في ثلاثة أبواب
الباب الحادي والعشرين في الدعاء
{ (3/395)
صفحة 956
قوله الدعاء} وهو الطلب من الله تعالى والابتهال إليه في تحصيل ما طلب وهو من أشرف الطّاعات أمر الله به عباده فضلا وكرما وتفضل بالإجابة فقال {ادعوني استجب لكم} وروى أحمد بإسناد لا بأس به عن أبي هريرة مرفوعا من لم يدع الله غضب عليه ولأبي يعلى عن أنس عن {النبي صلَّى الله عليه وسلم} فيما يروي عنه ربه في حديث وأمَّا التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وقيل المراد بالدعاء في الآية العبادة لقوله {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله {إن يدعون من دونه إِلاَّ إناثا} {واعترض}بأن هذا ترك للظاهر وقال بعضهم الأولى حمل الدعاء على ظاهره قال وأمَّا قوله عن عبادتي فوجهه أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء وتخلف الإجابة إنما هو لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال الخالص وصون اللسان والفرج {واستشكل} حديث من أشغله ذكرى عن مسئلتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فإنَّه يقتضي فضل ترك الدعاء حينئذ والآية تقتضي الوعيد الشديد على تركه {وأجيب} بأن العقل إذا استغرق في الثناء كان أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنَّة والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من الجنَّة أمَّا إذا لم يحصل الاستغراق فالدعاء أولى لاشتماله على معرفة لربوبية وذل العبودية.
ما جاء في تعليم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أصحابه الدعاء
{ (3/396)
صفحة 957
قوله عن ابن عبَّاس} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ ومسلم {قوله كما يعلمهم السورة من القرآن} تشبيه في تحفيظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه وقال مسلم بعد ما ذكر هذا الدعاء بلغني أن طاوسا قال لابنه أدعوت بها في صلاتك قال لا قال أعد صلاتك لأنَّ طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة وقال غيره وهذا البلاغ أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح قال وهو يدلُّ على أنَّه يرى وجوبه وبه قال أهل الظاهر وفي مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ من أربع من عذاب جهنَّم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شرّ المسيح الدجال قال ابن حجر فهذا يعين أنَّ هذه الاستعادة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقا على غيره من الأدعية وما ورد أنَّ المصلي يتخير من الدعاء ما يشاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام {قوله اللهمَّ أنِّي أعوذ بك من عذاب القبر} العذاب اسم للعقوبة والمصدر التعذيب فهو مضاف إلى الفاعل المجازي والإضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه على تقدير في أي من عذاب في القبر وفيه ردِّ على من أنكره وقدم في رواية مالك الإستعاذة من عذاب جهنَّم ولعلَّه إنما قدم فيها لأنَّه أشدّ من عذاب القبر والواقع في رواية المصنِّف أنسب فإن القبر مقدَّم على جهنَّم في الوجود الحسِّيّ {قوله وأعوذ بك من عذاب جهنم} أي عقوبتنا والإضافة مجازية أو من إضافة المظروف إلى ظرفه {قوله وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال} الفتنة الإمتحان والاختبار والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين المكسورة وحاء مهملة وصحف من أعجمها يطلق على الدجال وعلى عيسى عليه السلام لكن إذا أريد الأوَّل قيد بالدجال كما في الحديث وسمِّي الدجال بذلك لأنَّه خلق ممسوحا لا عين فيه ولا حاجب أو لأنَّه يمسح الأرض إذا خرج {قوله وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات} المراد بفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدَّة حياته من الافتتان بالدنيا (3/397)
صفحة 958
والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت والمراد بفتنة الممات الاختبار عند الاحتضار (وقيل) هي فتنة القبر وقيل يحتمل الأمرين وقال ابن دقيق العيد يجوز أنَّها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه وفتنة المحيا ما قبل ذلك ويجوز أنَّها فتنة القبر وقد صحَّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة الدجال ولا يتكرَّر مع قوله عذاب القبر لأنَّ العذاب مرتب على الفتنة والسبب غير المُسَبَّب وقيل فتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر وفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة وهو من العام بعد الخاص لأنَّ عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
<2/364>ما جاء في دعائه صلَّى الله عليه وسلَّم من جوف الليل
قوله:« عن ابن عباس»: الحديث. رواه أيضًا مالك في الموطّأ، عن أبي الزّبير الملكي، عن طاوس اليماني، عن ابن عبَّاس، وأخرجه مسلم في الصّلاة، عن قتيبة بن سعيد، والتّرمذي
في الدّعوات من طريق معن، كلاهما عن مالك، بالسّند المتقدِّم، وله طرق في الصّحيحين وغيرهما .
قوله:« إلى الصلاة»: يعني: صلاة التهجّد، وهي قيام الليل.
وقوله:« في جوف الليل»: أي: في وسطه، وأصل الجوف الخلاء، وهو مصدر من باب
تعب فهو أجوف، والاسم الجوف،( بسكون الواو، والجمع أجواف)، ثمَّ استعمل في ما يقبل الشّغل و الفراغ، فقيل جوف الدّار لباطنها، وداخلها، وجوف اللّيل لوسطه.
قوله:« قال اللهمَّ لك الحمد ... إلخ»:( جواب الشّرط، والجملة الشّرطيَّة خبر كان) وظاهره أنَّه كان يقول ذلك، أوَّل ما يقوم إلى الصّلاة و ورد أنَّه يقول ذلك، بعدما يكّب،ر وقيل: كان يقول ذلك، بعد تكبيرة الإحرام، وفي مسلم أنَّه قال: لما أراد أن
يخرج إلى صلاة الصّبح، ولا مانع من وقوع ذلك كلّه، والظّاهر من رواية المصنِّف، القول الأوَّل.
قوله:« لك الحمد»: أي: الوصف بالجميل( وأل فيه للاستغراق). (3/398)
صفحة 959
قوله:« أنت نور السَّموات، والأرض»: أي: منوّرهما، وبك يهتدي من فيهما، وقيل: معناها أنت المنّزه من كلّ عيب، يقال فلان منوّر أي: مبرّأ من كلّ عيب، ويقال: هو مدح، تقول: فلان نور البلد، أي: مزينه.
وقوله:« قيوم السموات والأرض»: وفي رواية الموطّأ،" أنت قيّام"، وفي رواية للصّحيحين "قيّم" والكلّ بمعنى واحد، والمعنى أنَّ السّموات ،والأرض قامتا به، وكذلك ما فيها، فهو سبحانه وتعالى، يسمك السّماء أن تقع على الأرض، إِلاَّ بإذنه وقيل: القيّوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، وقال قتادة: القيّام، القائم بنفسه، بتدبير خلقه المقيم لغيره.
قوله:« ولك الحمد»: أي: الوصف بالجميل،<2/365> كرّره لتكرّر النّعم الموجبة لذلك، وليناط به كلّ مرَّة صفة أخرى.
وقوله:« ومن فيهن»: عبّر بمن، تغليبًا للعقلاء، على غيرهم، فهو ربّ كلّ شيء ومليكه وكافله، ومغذّيه، ومصلحه العواد عليه بنعمه.
قوله:« أنت الحق»: أي: المتحقّق الوجود الثابت بلا شك،َّ قال القرطبي: هذا الوصف له سبحانه وتعالى، بالحقيقة خاص به، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده بنفسه،فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، بخلاف غيره، وقيل: يحتمل أنت الحقّ بالنّسبة إلى من يدّعي أنَّه آله، أو بمعنى من سّماك إلهاً، فقد قال: الحقّ.
قوله:« وقولك الحق»: أي: مدلول قولك، ثابت لاشك فيه.
قوله:« ووعدك الحق»: أي: لا يدخله خلف، ولا شكّ في وقوعه، وهو من ذكر الخاص بعد العام، لأن الوعد بعد القول، وهو ما وعد الله بِهِ عباده في الآخرة.
قوله:_« ولقاؤك حق»: المراد باللقاء، البعث بعد الموت، وهو عبارة عن مآل الخلق في الآخرة، بالنّسبة إلى الجزاء على الأعمال، وقيل: المراد الموت، قال النووي: وهو باطل، هنا قال ابن حجر: وهذا وما بعده، داخل تحت الوعد، لكنّ الوعد مصدر، وما بعده هو الموعود به ،ويحتمل أنَّه من الخاص بعد العام.
قوله:« والجنَّة حق»: أي: دار الثواب ثابتة موجودة لاشكَّ فيها. (3/399)
صفحة 960
وقوله:__« والنار حق»: أي: دار العقوبة ثابتة موجودة لاشكّ فيها وفيه إشارة إلى وجودها الآن.
قوله:« والساعة حق»: أي: يوم القيامة ثابت لاشكّ فيه، وأصل السّاعة قطعة من الزّمان، وإطلاق اسم الحقّ على ما ذكر من الأمور، معناه أنَّه لاَ بُدَّ من كونها، وإنّها مِمَّا يجب أن يصدّق بها، وتكرار لفظ حقّ، مبالغة في التّأكيد وعُرف الحقّ في الثّلاثة الأُوَّل، قيل: للحصر لأنَّ الله هو الحقّ الثابت، وما سواه في معرض الزّوال قال لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل. وكذا قوله، وكذا وعده، مختّص بالإنجاز، دون وعد غيره، والتّنكير في البواقي، للتّعظيم وقيل: التّعريف للدّلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة، إذ هو مقتضى الأداة ، <2/366> وكذا قوله، ووعده، لأنَّ وعده كلامه، وتركت في البواقي، لأنَّها أمور محدثة والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاء ما يدوم منه، علم من خبر الصّادق، لا من جهة استحالة فنائه، وهذا قول من يرى قِدم الكلام الإلهي، والحقّ الّذي لا شبهة معه، أنَّه لا قديم إِلاَّ الله الواحد الأحد.
قوله:« لك أسلمت»: أي انقدت وخضعت لأمرك ونهيك .
قوله:« وبك آمنت» :أي صدقت .
وقوله:« وعليك توكلت»: أي فوضت أموري تاركا للنظر في الأسباب العادية.
قوله:« وإليك أنبت» أي رجعت إليك مقبلا بقلبي عليك.
قوله:« وبك خاصمت»: أي: بما أعطيتني من البرهان، وممَّا لقَّنْتَنِي من الحاجة، خاصمت من خاصمني من الكفَّار، أو بتأييدك ،ونصرك قاتلت.
قوله:_« وإليك حاكمت»: أي: إلى حكمك حاكمت، كلّ من جحد الحقّ، وما أرسلتني به لا إلى من كانت الجاهليَّة تتحاكم إليه، من كاهن، ونحوه. وقدّم جميع صلات هذه الأفعال عليها أشعارا بالتّخصيص، وإفادة للحصر، وكذا قوله: ولك الحمد.
قوله:« فاغفر لي قدمت»: أي: قبل هذا الوقت .
وقوله:« وأخّرت»: أي: بعد هذا الوقت .
وقوله:« وأسررت»: أي: أخفيت. (3/400)
صفحة 961
وقوله:« وأعلنت»: أي: أظهرت، والمراد بالأسرار، ما حدّثت به النّفس، وبالإظهار ما تحرّك به اللّسان، زاد في رواية للبخاري" وما أنت أعلم به منِّي"، وهو من العامّ بعد الخاص، وقال ذلك مع أنَّه مغفور له، إمَّا تواضعا، وهضما لنفسه، وإجلالا، وتعظيما لربّه، أو تعليما لأمّته ليُقتدى به، وقيل: المراد مجموع ذلك، إذ لو كان للتّعليم فقط، لكفى
فيه أمرهم بأن يقولوا.
قوله:« أنت إلهي»: أي: معبودي، لا أعبد سواك.
وقوله:« لا اله إلاَّ أنت»: أي: لا معبود يحقّ إِلاَّ أنت، وزاد في روايةٍ للبخاري، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله، قال بعضهم: هذا الحديث من جوامع الكلِم،لأنَّ لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجواهر، وقوامها منه، والنّور إلى أنَّ الأعراض أيضًا منه، والملك إلى أنَّه حاكم عليها إيجادًا، وعدمًا، يفعل ما يشاء، كلّ ذلك من نعمه على عباده، فلذا قرن كلاًّ منها بالحمد، وخصّص الحمد به،<2/367> ثمَّ قوله أنت الحقّ، إشارة إلى المبدأ، والقول، ونحوِه إلى المعاش، والسّاعة ونحوها، إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النّبوءة، إلى الجزاء ثوابا، وعقابا، ووجوب الإيمان به ،والإسلام ،والتّوكل، والإنابة، والتضرّع إلى الله، والخضوع، وقال غيره: وفيه زيادة معرفته صلّى الله عليه وسلّم بعظمة ربّه، وعظيم قدرته، ومواظبته على الذّكر، والدّعاء، والثّناء على رّبه، والاعتراف لله بحقوقه، والإقرار بصدق وعده، ووعيده، والله أعلم.
ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم حين يرى الهلال (3/401)
صفحة 962
قوله:« عن عبادة بن الصامت»: الحديث رواه أيضًا أحمد الطّبراني، قوله: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ... الخ،هذه الصيغة تشعر بتكرار هذا الدّعاء منه صلَّى الله عليه وسلّم، عند رؤية الهلال، وقد رُويت عنه صلَّى الله عليه وسلّم عند رؤيته، أدعية أخرى، فهو إمَّا أنَّه يقولها مع هذا الدّعاء، أو أنَّه كان في غالب أحواله يقول بهذا الدعاء،و في بعض الأحوال، يقول بغيره، ومن ذلك حديث طلحة بن عبيد الله عن التّرمذي، وقال: حديث حسن، غريب" أن النبيء صلَّى الله عليه وسلّم كان إذا رآى الهلال، قال: اللّهمَّ أَهِلّه علينا بالأمن، والإيمان، والسّلامة، والإسلام، ربِّي وربّك الله"، وعن قتادة "بلغه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، كان إذا رأى الهلال، قال: هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك ثلاث مرَّات، ثمَّ يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا" رواه أبو داود.
قوله:« الهلال»: وهو يكون من اللّيلة الأولى، والثّانية والثّالثة ثم هو قمر.
قوله:_ «الله أكبر الله أكبر مرّتين»: لعلَّ السر في ذلك أنَّه صلَّى الله عليه وسلّم، استحضر ذهاب الشّهر الأوَّل وإقبال الثّاني، وأنّ كلّ واحد منهما آية من آيات الله العظام، فكبّر مرّتين على ظهور الآيتين، وفيه مسنونية الذّكر عند ظهور الآيات، وإنّما آثر صلَّى الله عليه وسلم تقديم التّكبير على سائر الأذكار، لما فيه من الرّد على عبّاد القمر،<2/368> فإنّ في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى الكبير المتعالي، هو الّذي أطلعه بعد غروبه، وأظهره بعد خفائه، {لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمُ, إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[فصلت:37] (3/402)
صفحة 963
قوله:« الحمد لله »:كذا وقع في بعض النّسخ بإفراد الحمد، وهو موافق لما في رواية أحمد، والطّبراني، و وقع في غالب النّسخ تكرار الحمد مرّتين، وكأنه صلَّى الله عليه وسلّم حمدا لله على خروج الشّهر الأوَّل، و دخول الثّاني، وقد وقع في حديث قتادة، عند أبي داود" الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا" .
قوله:« لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله»: أي: ليس لأحد من الخلق احتيال، ولا قوَّة في جلب نفع، ولا دفع ضرّ، إلاَّ بالله العلي العظيم، وفيه ردٌّ لزعم أهل الجاهليَّة، ومن حذا حذوهم، بإضافة الأفعال إلى الكواكب، ومنها الشّمس، والقمر، فقالوا الشّمس سلطان الفلك، والقمر وزيره، وسائر الكواكب السيّارة فعّالة في التأثير في العالم السّفلي، وقد غلوا في ذلك حتَّى أنَّ منهم من عبد الكواكب لهذه الشّبهة .
قوله:« اللهمَّ إني أسألك خير هذا الشهر»: وفي رواية قومنا من خير هذا الشّهر، والمراد الشّهر الذي رأى هلاله، ولما نفى صلَّى الله عليه وسلم عن سائر الخلق، الحول والقوّة، طلب الخير من فاعله، ومعطيه، فالتجأ إلى ربّه تعالى، فسأله خير الشّهر، لأنَّه خالق الأشياء كلّها، وهو المدبّر لجميع العالم، وبعد أن سأله الخير، استعاذ من ضدّه، إذ في كلّ شهر، بل وفي كلّ يوم، وساعة، تجري مقادير الرّب بما قضاه في الأزل.
قوله:« وأعوذ بك من سوء القدر»: أي :ألتجئ إليك، واعتصم بجلالك من سوء ما قدّرته على عبادك، وسوء القدر يتناول جميع المكروهات، معاشا، ومعادا، ودينا، ودنيا، وروى الطّبراني عن نافع بن خديج، "اللّهمَّ إني أسألك من خير هذا الشّهر، وخير القدر، وأعوذ بك من شرّه ثلاث مرَّات" وروى ابن أبي شيبة، عن علي موقوفا، "اللّهمَّ ارزقنا خيره ونصره، وبركته، وفتحه، ونوره، ونعوذ بك من شرّه، وشرّ ما بعده". (3/403)
صفحة 964
قوله:« ومن شرّ يوم المحشر»: هو يوم القيّامة، سمِّي بذلك لأن الله تعالى يحشر فيه الخلائق، أي يجمعهم<2/369> وشرّ ذلك اليوم أعظم الشّر، وهو صلَّى الله عليه وسلّم قد علم نجاته منه، بغفران الله له، فسؤاله تعبّد، وتواضع لجلال ربّه، وتعليم للأمّة، وفي الحديث التّنبيه على أن الدّعاء مستحبّ عند ظهور الآيات وتقلّب الحالات، والله أعلم.
ما جاء في دعائه صلَّى الله عليه وسلم في مرض موته
قوله:« عن عائشة»: الحديث. رواه أيضًا مالك في الموطّأ، والبخاري، ومسلم، وله أيضًا طرق في الصّحيحين وغيرهما.
قوله:« مستند إلى صدري»: أي: معتمد عليه، وفي رواية عند البخاري "وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلمَّا أفاق شخّص بصره نحو سقف البيت، ثمَّ قال اللّهمَّ في الرّفيق الأعلى فقلت إذن، لا يختارنا".
قوله:« وأصغيت إليه»: أي :أمّلت سمعي إليه، لأسمع ما يقول.
قوله:« الله اغفرلي وارحمني»: أي: استر ذنوبي، وارحم ضعفي، وفيه ندب الدّعاء بهما،ولا سيما عند الموت، وإذا دعا بذلك المصطفى، فأين غيره منه الدّعاء؟ مخّ العبادة لما فيه
من الإخلاص، والخضوع، والضّراعة، والرّجاء، وذلك صريح الإيمان. (3/404)
صفحة 965
قوله:_« وألحقني»:( بهمزة قطع ) والرّفيق الأعلى، هم الذين أنعم الله عليهم من النّبيين، والصدّيقين، والشّهداء، والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا، ومعنى كونهم رفيقا: تعاونهم على الطّاعة، وارتفاق بعضهم ببعض، وأفرده إشارة إلى أنَّ أهل الجنَّة يدخلون على قلب رجل واحد، وفي حديث أبي موسى عند النّسائي، وصحّحه ابن حبّان فقال:" اللهمَّ الرّفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل ،وميكائيل، وإسرافيل"، وظاهره، أنَّ الرّفيق: المكان الّذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وقال ابن عبد البرّ، هو أعلى الجنَّة ،وقال الجوهري: هو الجنَّة، ويؤيّده ما عند ابن إسحاق، الرّفيق الأعلى الجنَّة،<2/370> وقيل: الرّفيق الأعلى الله عزَّ وجلّ، لأنَّه من أسمائه، وفي مسلم ،وأبي داود، مرفوعا" أنَّ الله رفيقٌ ، يحِبُّ الرّفق" وهي صفة ذات، كالحليم، أو صفة فعل، وغلّط الأزهري هذا القول، ولا وجه لتغليطه، لأنَّ تأويله على ما يليق بالله سائغ ،وفي البخاري من رواية ذكران عن عائشة" فجعل يقول في الرفيق الأعلى: حتَّى قبُض، ومالت يده" ولأحمد من رواية المطّلب عن عائشة" فقال مع الرّفيق الأعلى، مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيين إلى قوله رفيقًا"، وهذا نصّ في تفسير الرّفيق الأعلى، وهو عين القول الأوَّل، وعليه أكثر النّاس ،قال السّهيلي: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة، تضمُّنها التّوحيد ،والذّكر بالقلب حتَّى يُستفاد منه الرّخصة. (3/405)
صفحة 966
لغيره أنَّه لا يشترط أنَّ يكون الذّكر باللّسان لأنَّ بعض النّاس قد يمنعه من النّطق مانع، فلا يضرّه إذا كان قلبه عامرًا بالذّكر قال: وفي بعض كتب الواقدي ،أوَّل ما تكلّم به صلَّى الله عليه وسلّم، وهو مسترضع عند حليمة، الله أكبر، وآخر ما تكلّم به ما في حديث عائشة" فكانت آخر ما تكلّم به صلَّى الله عليه وسلّم، قوله اللّهمَّ الرّفيق الأعلى" وروى الحاكم عن أنس" آخر ما تكلّم به جلال ربِّي الرّفيع قد بلّغت، ثمَّ قُضي" وجمع بأنَّ هذا آخر الإطلاق، بعد ما كرَّر اللهمَّ الرّفيق الأعلى، قبل جلال، أي: أختار جلال ربِّي الرّفيع ،قد بلغت ما أوحي إليّ.
قوله:« قال: وبلغنا عن عائشة_»: قائل هذا جابر بن زيد رضي الله عنه، وكذلك رواه مالك أيضًا بلاغا، وأخرجه البخاري، ومسلم، من طريق إبراهيم بن سعد ،عن أبيه، عن عروة، عن عائشة .
وقوله:« ما من نبئ»: أراد ما يشمل الرَّسول .
وقوله:« حتَّى يُخَيَّرُ»:( يضم أوَّله مبنيًّا للمفعول) أي: يخير بين الدُّنيا والآخرة، وهذه المقالة منه صلَّى الله عليه وسلّم، كان يقولها، وهو صحيح كما في بعض روايات البخاري، قالت "كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم وهو صحيح، يقول: أنَّه لم يقبض نبئ قط، حتَّى يرى مقعده من الجنَّة، ثم يحيى، أو يخير، فلمَّا اشتكى، وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلمَّا أفاق شخّص بصره نحو سقف البيت،<2/371> ثمَّ قال: اللّهمَّ في الرّفيق الأعلى فقلت إذن لا يختارنا، فعرفت أنَّه حديثه الذي كان يحدّثنا "وهو صحيح".
قوله_« فسمعته»: أي: في مرض موته كما تقدَّم. (3/406)
صفحة 967
قوله:« فعرفت أنَّه ذهب إلى الأعلى»: وليس رواية مالك قوله إلى الأعلى، والمعنى أنَّ عائشة علمت من دعائه ذلك أنَّه ذاهب إلى الرّفيق الأعلى وأنَّه قد خيّر فلم يختر البقاء في الدُّنيا، وفهم عائشة هذا نظير فهم أبيها رضي الله عنه، من قوله صلَّى الله عليه وسلم:" أن عبدا خّيره الله بين الدُّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، أنَّ المراد بالعبد النبيء صلَّى الله عليه وسلّم حتَّى بكى.
ما جاء في رقية جبريل عليه السلام للنبي صلَّى الله عليه وسلم
قوله:« عن عبادة بن الصامت»: الحديث. رواه أيضًا ابن ماجه مع بعض مخالفة في بعض الألفاظ، ولمسلم معناه من حديث عائشة قوله: رقاه من باب رمى، يقال: رقاه رقيًا، إذا
عوّذه بالله، والاسم الرّقيا على وزن فعلى، والمرّة رقية، والجمع رقى، مثل مدية ومدة .
قوله:_« وهو يوعك»:(مضارع وعك من باب وعد، وهو مبني للمفعول)، من وعكته
الحمّى فهو موعوك ،والوعك مغث الحمّى، وقيل ألم الحمّى وقيل نفس الحمّى، وقيل:
نضّها، وقيل: إرعادها، وعن الأصمعي: الوعك الحر، قال ابن حجر: فإن كان محفوظا فلعلّ الحمّى سمِّيت وعكًا لحراراتها، قلت: هو موجود في لسان العامَّة من العرب.
قوله:_« بسمِ اللهِ أرقيك»: أي أعوذك باسم الله تعالى.
قوله:« من كلّ داء يؤذيك»: وفي رواية المصنِّف .
قوله:« ومن كلّ حاسد إذا حسد_»: الحاسد هو من تمنّى زوال نعمة الغير،<2/372> وفي رواية ابن ماجه، من حسد حاسد، ومن كلّ عين الله يشفيك .
قوله:« ومن كلّ عين_»: هي سهام تخرج من نفس الحاسد، أو العائن نحو المحسود، والمعيون. قوله:_« واسم الله يشفيك»: أي: ببركة اسم الله، تشفى من مرضك، وتبرى من وعكك ،أو أنَّ لفظ اسم مقحم، أي الله يبريك، وفي الحديث جواز الرّقية من الوعك، والحسد، والعين بل ومن كلّ داء، وقد جاء التّصريح بذلك في أحاديث متعدِّدة، والله أعلم.
****************
إلى هنا وصلنا في تصحيح الشرح في غار أمجماج أوت 2004م (3/407)
صفحة 968
ما جاء في دعائه صلَّى الله عليه وسلم في الإستسقاء
قوله:« عن أنس بن مالك»: الحديث. رواه أيضًا مالك في الموطّأ، والبخاري، ومسلم وغيرهما.
قوله:« جاء رجل»: قال ابن حجر: لم أقف على اسمه في حديث أنس، قال: وروى أحم عن كعب بن مرَّة، ما يمكن أن يفسّر هذا المبهم بأنه كعب المذكور، وللبيهقي مرسلا ما يمكن أن يفسّر بأنه خارجة بن حصن الفزاري لكن رواه ابن ماجه عن شرّ حبيل بن السمط أنَّه قال لكعب بن مرَّة حدثنا عن {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} فقال جاء رجل إلى {النبي صلَّى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله أستسق الله فرفع يديه فقال اللهمَّ أسقنا ففي هذا أنَّه غير كعب وفي رواية اسحق بن أبي طلحة عن أنس أنَّه أعرابي وفي رواية يحي ابن سعيد عن أنس أتى رجل أعرابي من أهل البادية ولا يعارض ذلك قول ثابت عن أنس فقام الناس فصاحوا الإحتمال أنَّهم سألوا بعد أن سأل الرجل أو نسب إليهِم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه {صلَّى الله عليه وسلم} ولأحمد عن ثابت عن أنس إذ قال بعض أهل المسجد وهو يرجع الاحتمال الأوَّل وزعم بعضهم أنَّه أبو سفيان بن حرب وهم لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه وينفي زعمه قوله يا رسول الله أي لأنه لا يقولها قبل إسلامه {قوله هلكت المواشي} أي لعدم ما تعيش به من الأقوات لحبس المطر وفي رواية عند قومنا الأموال والمراد بها هنا المواشي الصامت وفي لفظ الكراع بضمِّ الكاف الخيل وغيرها وفي غيرها وفي رواية هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس وهو من العام بعد الخاص {قوله وانقطعت السبل} أي انقطع المار فيها لأن الإبل ضعفت بقِلَّة القوت عن السفر أو لأنها لا تجد في طريقها من الكلاء ما يقيم أودها وقيل المراد نفاد ما عند الناس من الطعام أو قتله فلا يجدون ما يحلونه إلى الأسواق وفي رواية قتادة عن أنس قحط المطر بفتح القاف والطاء وحكي بضمِّ فكسر وفي رواية ثابت واحمر الشجر كناية عن يبس ورقها (3/408)
صفحة 969
لعدم شربها الماء أو لانتشاره فيصير الشجر أعوادا بلا ورق ولأحمد في رواية قتادة وأمحلت الأرض وهذه الألفاظ قيل يحتمل أنَّ الرجل قالها كلّها ويحتمل أنَّ بعض الرواة روى شيئًا مِمَّا قاله بالمعنى فإنَّها متقاربة وقيل بعضها غلظ من بعض الرواة لأن الثابت منها شيء واحد {قوله فادع الله يأتينا برحمة} أي مطر وأطلق عليه اسم الرحمة لأنَّه أثرها وفي رواية فادع الله يغثنا وفي رواية أنَّ يسقينا وفي أخرى فاستسق ربك {قوله فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وفي رواية عند قومنا فرفع (صلَّى الله عليه وسلم) يديه ثمَّ قال اللهمَّ أغثنا ثلاث مرَّات {قوله فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة} فيه إشارة إلى أنَّ هذا الدعاء كان في يوم الجمعة وقد وقع التصريح بذلك في بعض روايات البخاري وفي رواية قال أنس ولا والله ما نرى في السماء سحابا ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلمَّا توسطت السماء انتشرت ثمَّ أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتا وفي رواية فخرجنا نخوض الماء حتَّى أتينا منازلنا وفي مسلم فأمطرنا حتَّى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله {قوله فجاء رجل} ظاهره أنَّه غير الأوَّل لأن النكرة إذا تكررت دلَّت على التعدُّد وقد قال شريك في آخر هذا الحديث سألت أنسا أهو الرجل قال لا أدري ومقتضاه أنَّه لم يجزم بالتغاير والظاهر أنَّ القاعدة أغلبية لأن أنسا من أهل اللسان وفي رواية إسحاق وقتادة عن أنس فقام ذلك الرجل أو غيره وهذا يقتضي أنَّه كان يشكُّ فيه وفي رواية يحي بن سعيد عن أنس فجاء الرجل فقال يا رسول الله ومثله لأبي عوانه عن حفص عن أنس بلفظ فمازلنا نمطر حتَّى جاء ذلك الرجل الأعرابي في الجمعة الأخرى وأصله في مسلم وهذا يقتضي الجزم بأنه واحد فلعل أنسا كان يتردد تارة ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه {قوله انهدمت البيوت} أي من كثرة المطر {وقوله وهلكت المواشي} أي لانقطاع المرعى بكثر (3/409)
صفحة 970
الماء أو لعدم ما يمكنه من المطر {وقوله وانقطعت السبل} أي انقطع المار فيها لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء فهو سبب غير الأوَّل وفي رواية حميد عن أنس عند خزيمة واحتسبت الركبان {قوله اللهم} أي يا الله {وقوله على رءوس الجبال}الخ أي الذي انزل المطر على رءوس الجبال إلخ ورءوس الجبال أعاليها وفي رواية مالك ظهور الجبال {والآكام} بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد جمع آكمة بفتحات قيل هو التراب المجتمع وقيل أكبر من الكدية وقيل هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل وقيل هي الهضبة الضخمة وقيل الجبل الصغير وقيل ما ارتفع من الأرض وقال الثعالبي الأكمة أعلى من الرابية {وبطون الأودية}ما يتحصل فيه الماء لينتفع به قالوا ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إِلاَّ أودية جمع واد {وتعقب} بأنَّه ورد أندية جمع ناد {ومنابت الشجر} جمع منبت بكسر الموحدة أي ما حولها مِمَّا يصلح أن ينبت فيه لأنَّ نفس المنبت لا يقع عليه المطر والمراد موضع نباتها قبل أنَّ تنبت وفي رواية للبخاري فرفع (صلَّى الله عليه وسلم) يديه ثمَّ قال اللهمَّ حوالينا ولا علينا اللهمَّ على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر {قوله فانجابت} بجيم وموحدة أي خرجت السحابة عن المدينة كما يخرج الثوب عن لابسه وقال الربيع رحمه الله مثل نقرة جيب القميص ومعناه انقطعت من حذاء المدينة كمثل نقرة جيب القميص وهو الموضع الذي يقطع لادخال الرأس وقال ابن القاسم قال مالك معناه تدورت عن المدينة كما يدور جيب القميص وقال ابن وهب يعني تقطعت عنها كما يقطع الثوب الخلق وفي رواية فما هو إلاَّ أنَّ تكلم {صلَّى الله عليه وسلم} تمزق السحاب حتَّى ما نرى منه شيئًا أي في المدينة {واستشكل} بأنَّ بقاء المطر في ما سوى المدينة يقتضي أنَّه لم يرتفع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوب السائل لقوله تهدمت البيوت وهلكت الماشية وانقطعت السبل {وأجيب} بأنه استمر في ما حولها من آكام وظراب وبطون الأودية لا (3/410)
صفحة 971
في الطرق المسلوكة ولا البيوت ووقوع المطر في بقعة كثير ولو كانت تجاورها وإذا جاز ذلك جاز أنَّ يوجد للمواشي أماكن تكنها وترعي فيها بحيث لا يضرها ذلك المطر {وفي الحديث} الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا الاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وابقاء النفع ومنه استنبط أنَّ من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل رفع العارض وابقاء النِّعمة {وفيه} أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التَّوَكُّل {وفيه} قيام الواحد بأمر الجماعة وإنما لم يباشر ذلك أكابر الصحابة لسلوكهم الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال ومنه قول أنس يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأله {وفيه} علم من أعلام النبؤة في إجابة دعائه عقبة أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة {وقول الربيع} الآكام الكدى الصغار يفتضي أن بين الآكام والكدى عموما وخصوصا مطلقا فكلُّ أكمة كدية ولا عكس وقد ذكر الخلاف في بيان ذلك وفي المصباح الاكمة تلك وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربَّما غلظ وربَّما لم يغلظ والجمع أكم وأكمات مقل قصبة وقصب وقصبات وجمع الأكم اكام مثل جبل وجبال وجمع الاكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الاكم آكام مثل عنق وأعناق {والكدى} جمع كدية. الأرض الصلبة مثل مدية ومدى والله أعلم.
ما جاء في دعائه صلَّى الله عليه وسلم في سجوده
{ (3/411)
صفحة 972
قوله عن عائشة} الحديث رواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن يحي بن سعيد عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أنَّ عائشة أم المؤمنين قالت كنت نائمة إلى جنب {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} ففقدته من الليل فلمسته بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء كما أثنيت على نفسك وليس عند المصنِّف قوله وبك منك إلخ وإنما الثابت عنده ما تقدَّم في باب ما يجب منه الوضوء وهو قوله أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وقد شرحه هناك (وقوله الحديث) إشارة إلى تقدمه في الباب المذكور والله أعلم.
الباب الثاني والعشرون أدب الدعاء وفضيلته
{قوله أدب الدعاء وفضيلته} المراد بأدب الدعاء ما ينبغي للإنسان أن يلازمه كالمواظبة بياذا الجلال والإكرام والجزم في الدعاء وقوَّة الرجاء للإجابة واختيار الثلث الآخر من الليل وعدم التعجل للإجابة واختيار الثلث الآخر من الليل وعدم التعجل للإجابة والمراد بفضله ما يحصل للداعي من الإجابة.
ما جاء في الحث على الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام
{ (3/412)
صفحة 973
قوله عن عائشة رضي الله عنها} الحديث أيضًا رواه الترمذي عن انس وأحمد والنسائي والحاكم عن ربيعة بن عامر {قوله ألظوا} بهمزة قطع ولام مكسورة وظاء مشالة مشددة أمر من ألظ قال بعض الشراح وفي رواية بجاء مهملة أي ألزموا قولكم ذلك في دعائكم قال الزمخشري ألظ وألب وألح أخوات في معنى اللزوم والدوام {قوله يا ذا الجلال والإكرام} أي صاحب العظمة والعطاء الجزيل المستمر على كلّ أحد من خلقك وهو اسم من أسماء الله الحسنى وقد ذهب بعضهم إلى أنَّه هو اسم الله الأعظم وإلى هذا أشار الربيع رحمة الله تعالى بقوله فإنَّه قل ما يدعو به الرجل ألا استجيب له {وقوله تحفظوا به عند الدعاء} تفسير لقوله فإنَّه قل ذهب بعضهم إلى أنَّه هو اسم الله الأعظم وإلى هذا أشار الربيع رحمة الله تعالى بقوله فإنَّه قل ما يدعو به الرجل إلاَّ استجيب له {وقوله تحفظوا به عند الدعاء} تفسير لقوله {صلَّى الله عليه وسلم} ألظوا وهو تفسير للشيء يلازمه فان التحفظ بالشيء من لوازم ملازمته والدوام عليه والله أعلم.
ما جاء أنَّه صلَّى الله عليه وسلم قد اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة (3/413)
صفحة 974
وهو من آداب دعائه {صلَّى الله عليه وسلم} {قوله بلغني} الحديث رواه مالك في الموطأ البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة فبلاغه رضي الله عنه صحيح {قوله لِكُلِّ نبيء دعوة} زاد في البخاري مستجابة يدعو بها وزاد في بعض الروايات بعده عند غيره فتعجل كلّ نبيء دعوته وزاد أيضًا بعده في بعض الروايات فاستجيب له {واستشكل} ظاهر الحديث بما وقع لكثير من النبياء من الدعوات المجابة لا سيما {نبيئنا صلَّى الله عليه وسلم} وظاهره أن لِكُلِّ نبيء دعوة مجابة فقط {أجيب} بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة وقيل معنى قوله لِكُلِّ نبي دعوة أي أفضل دعواتهم ولهم دعوات أخرى وقيل لِكُلِّ نبيء منهم دعوة عامَّة مستجابة في أمَّته إمَّا بإهلاكهم وإمَّا بنجاتهم وإما الدعوات الخاصَّة فمنها ما يستجاب ومنها مالا يستجاب وقيل لِكُلِّ نبيء منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه لقول نوح (لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) وقول زكرياء {فهب لي من لدنك وليا يرثني} وقول سليمان {وهب لي ملكا لا ينبغي لا حدَّ من بعدي} {وقوله اختبيء} بسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة فهمزة أي أدخر دعوتي المقطوع بإجابتها شفاعة لأمتي في الآخرة في أهم أوقات حاجاتهم ففيه كمال شفقته على أمَّته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم جزاء الله عنَّا أفضل ما جزى نبيئا عن أمَّته {قال بعضهم} وفي الحديث بيان فضيلة نبيئنا على سائر الأنبياء حيث أثر أمَّته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ولم يجعلها أيضًا دعاء عليهم كما وقع لغيره مِمَّن تقدَّم {وقول بعض} الشراح المراد أن كلّ نبيء دعا على أمَّته بالإهلاك إلاَّ أنا فلم ادع فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر عن أذاهم متعقب بأنَّه {صلَّى الله عليه وسلم} دعا على أحياء من العرب وعلى أناس من قريش بأسمائهم فدعا على رعا وذكران ومضر والأولى أن يقال جعل الله لِكُلِّ (3/414)
صفحة 975
نبيء دعوة تستجاب في حقّ أمَّته فنالها كلّ منهم في الدُّنيا وأما نبيئنا فإنَّه لما دعى على بعض أمَّته نزل عليه {ليس لك من الأمر شيء أن يتوب عليهم} فأبقى تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة {قوله شفاعة لأمتي} هي سؤال فعل الخير ودفع الضرر عنا لغير على سبيل التبرع والمراد بها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف بتعجيل دخول الجن وهي المراد بالمقام المحمود المذكور في قوله تعالى {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وسمِّي بذلك لأنَّه {صلَّى الله عليه وسلم} يحمده فيه الأولون والآخرون والله أعلم.
ما جاء في الحث على الدعاء في الرخاء والتضرع لله والتواضع له
{ (3/415)
صفحة 976
قوله قال بلغني} الحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث ولعلَّه مِمَّا تفرد به المصنِّف رحمة الله عليه {قوله تضرعوا} أي تذللوا واخضعوا {وقوله فادعوه} أي أطلبوا منه دفع الضُّر وجلب النفع والرخاء سعة الرزق وصحة البدن والشدَّة عكسة {وقوله من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة} أي من واطب على دعائي حال الصِّحَّة والسعة أجبت دعاءه إذا دعاني حال الشدَّة وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن {صلَّى الله عليه وسلم} من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه أن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعي في بطن الحوت قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله عزَّ وجلَّ أمَّا تعرفون ذلك قالوا ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قال نعم يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال بلى فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدَّة أنَّ يونس عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى فلمَّا وقع في بطن الحون قال الله تعالى {فلولا أنَّه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} وأن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلمَّا أدركه الغرق قال آمنت فقال الله تعالى {آلان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} وقال سلمان الفارسي إذا كان الرجل دعاء في السَّرَّاء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس بدعاء في السَّرَّاء به ضراء فدعا الله قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له وقال رجل لأبي الدرداء أوصني فقال اذكر الله في السَّرَّاء يذكرك الله عزَّ وجلَّ في الضَّرَّاء وعنه أنَّه قال ادع الله في يوم سرائك لعلَّه أنَّ يستجيب لك في يوم ضرائك {قوله من سألني أعطيته} أي من طلب منِّي شيئًا أعطيته (3/416)
صفحة 977
إياه وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص فإن الله تعالى وعد بإجابة الداعي إذا دعاه كان قد تقدَّم له دعاء في الرخاء أو لم يكن لكن الإجابة لمن تقدَّم له دعاء في الرخاء أشدّ رجاء والملائكة عليهم السلام تشفع له بخلاف من لم يسبق له دعاء في الرخاء (وأيضا) فإن الداعي على الإطلاق قد يستجاب له في حاجته وقد يؤخر له فيعطي في الآخرة ثواب دعائه وجاء عنه {صلَّى الله عليه وسلم} ما من مسلم يدعو بالدعاء لا أستجيب له فإما أن يعجل له في الدُّنيا وأما أن يدَّخر له في الآخرة وأما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وقال الحسن البصري أنَّ الله تعالى يجيب كلّ الدعاء فإما أنَّ تظهر الإجابة في الدُّنيا وأمَّا أن يكفر عنه وأمَّا أنَّ يدَّخر له أجر في الآخرة وقال جابر بن عبد الله عن {النبيء صلَّى الله عليه وسلم} قال يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتَّى يوقف بين يديه فيقول عبدي أني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أنَّ أستجيب لك فهل كنت تدعوني فيقول نعم يا رب فقال أمَّا أنَّك لم تدعني ألا أستجيب لك ألست دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أنَّ أفرج عنك ففرجت عنك فيقول نعم يا رب فيقول أنِّي عجلتها لك في الدُّنيا ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا قال نعم يا رب فيقول أنِّي ادخرت لك بها في الجنَّة كذا وكذا ودعوتني في حاجة أقضيتها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها فيقول نعم يا رب فيقول فإني عجلتها لك في الدُّنيا ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم ترها قضيت فيقول نعم يا رب فيقول أنى ادخرت لك في الجنَّة كذا وكذا قال {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إِلاَّ بين له أمَّا أن يكون عجل له في الدُّنيا وأمَّا أن يكون ادخر له في الآخرة قال فيقول المؤمن في ذلك المقام ياليته لم يكن عجل لي شيء من دعائي {قوله ومن تواضع لي رفعته} أي من تواضع لعظمتي رفعت (3/417)
صفحة 978
قدره في الدُّنيا والآخرة {قوله ومن تضرع إليَّ رحمته} أي من تذلل لعزتي وجلالي أوصلت إليه أثر رحمتي {وقوله ومن استغفرني} أي طلبني غفران ذنوبه {وقوله غفرت له} أي غفرت له ذنوبه أي سترتها عن الناس فلا يفضح بها الدُّنيا ولا في الآخرة ولا يعاقب على شيء منها وهذا وعد منه تبارك وتعالى بقبول توبة التائب فهو على حدَّ قوله تعالى {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمَّ اهتدي} وقوله تعالى {غافر الذنب وقابل التوب} وفي هذا الحديث من جوامع الكلم وقواعد الدّين ما يبهر فكرة الناظر والعلم عند الله تعالى.
ما جاء في الحث على الدعاء في الثلث الآخر من الليل (3/418)
صفحة 979
قوله بلغني {عن أبى هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري في مواضع من صحيحه وأوله عندهم عن أبي هريرة أن { رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} قال ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدُّنيا حين يبقى ثلث الآخر فيقول من يدعوني فاستجب له الحديث ولم تثبت هذه القطعة عند المصنِّف فلهذا يذكرها وهي من الأحاديث المتشابهة المحتاجة إلى التأويل ومعناه ينزل أمره أو رحمته في ذلك الوقت وحكى ابن فورك أن بعض المشائخ ضبطه بضمِّ أوَّله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال ابن حجير ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة عن أبي سعد أنَّ الله يمهل حتَّى يمضي شطر الليل ثمَّ يأمر مناديا يقول من داع فيستجاب له الحديث وحديث عثمان بن أبي العاصي عند أحمد ينادي هل من داع يستجاب له الحديث قال القرطبي وبهذا يندفع الأشكال{قوله يقول ربنا تبارك وتعالى}أي على لسان ذلك الملك الذي يبعثه مناديا في ذلك الوقت{قوله حين يبقى ثلث الليل الآخر} بكسر الخاء يعني الأخير وهو مرفوع صفة لثلث وخصَّ ذلك الوقت لأنَّه وقت التهجد وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله وافرة وذلك مظنَّة القبول والإجابة {قوله من يدعني} بحذف واو العلَّة في رواية المصنِّف وذلك يقتضي أن من شرطيَّة وهي مثبتة في رواية مالك وذلك يقتضي أن من للإستفهام {قوله فأستجيب له} أي أجيب له دعاه فليست السين للطلب {قوله ومن يسألني فأعطيته} أي أعطه ما سأل {قوله ومن يستغفرني فأغفر له} باثبات الواو قبل من في رواية المصنِّف وليس في رواية مالك واو والمعنى من يطلب منِّي غفران ذنبه فأغفر له والفرق بين الثلاثة أن المطلوب أمَّا رفع المضار أو جلب المسارّ وذلك أمَّا دنيوي أو ديني فالإستغفار إشارة إلى الأوَّل والدعاء إشارة إلى الثاني والسؤال إشارة إلى الثالث وقيل يحتمل أنَّ الدعاء مالا طلب فيه والسؤال الطلب (3/419)
صفحة 980
ويحتمل أنَّ المقصود واحد وأنّ اختلف اللفظ وفي الحديث تفضيل آخر الليل على أوَّله وأنَّه أفضل للدعاء والإستغفار ويشهد له قوله تعالى {والمستغفرون بالاسحار} وأن الدعاء ذلك الوقت مجاب ولا يعترض بتخلفه عن بعض الداعين لأنَّ سببه وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالإحتزار في المطعم والمشرب والملبس واستعجال الداعي أو يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو تحصل الإجابة فيتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله تعالى والله أعلم.
ما جاء في النهي عن استعجال الإجابة في الدعاء
{ (3/420)
صفحة 981
قوله عن أبي هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم {قوله يستجاب} من الإستجابة بمعنى الإجابة (قال الشاعر) فلم يستجبه عن ذاك مجيب {قوله لأحدكم} أي واحد منكم لأن الاسم المضاف مفيد للعموم على الأصح {قوله ما لم يعجل} بفتح التحتية والجيم بينهما عين ساكنة أي يستعجل {وقوله فيقول دعوت فلم يستجب لي} تفسير للاستعجال قال بعضهم يحتمل أن يريد بقوله يستجاب الأخبار عن وجوب وقوع الإجابة أي تحقق وقوعها أو الأخبار عن جواز وقوعها فإن أريد الوجوب فهو بأحد ثلاثة أشياء تعجيل ما سأله أو يكفر عنه به أو يدَّخر له فإذا قال دعوت إلخ بطل وجوب أحد هذه الثلاثة وعري الدعاء عن جميعها وأن يريد الجواز فيكون الإجابة بفعل ما دعى به ومنعه فوله دعوت فلم يستجب لي لأنَّه من ضعف اليقين والسخط وفي مسلم والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا لا يزال يستجاب للعب ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وما لم يستعجل قيل وما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء ويستسحر بمهملات استفعال من حسر إذا أعيا وتعب وتكرار دعوت للاستمرار أي دعوت مرارا كثيرة وقال غيره من له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه لأنَّ الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة وتأخير الإجابة أمَّا لأنَّهم لم يأت وقتها وأمَّا لأنَّه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدُّنيا ليعطي عوضه في الآخرة وأمَّا أن يؤخر القبول ليلح ويبالغ في ذلك فإن الله يحِبُّ الملحين في الدعاء مع ما في ذلك من الإنقياد والاستسلام وإظهار الافتقار ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له ومن يكثر الدعاء يوشك أنَّ يستجاب له والله أعلم.
ما جاء في النهي أن يقول اللهمَّ اغفر لي إن شئت اللهمَّ ارحمني إن شئت
{ (3/421)
صفحة 982
قوله عن أبي هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود وهو في الصحيحن أيضًا عن أنس {قوله لا يقولن أحدكم} اختلف في هذا النهي فحمله بعضهم على التحريم وبعضهم على الكراهة كراهة التنزيه وهو عند الفريقين من آداب الدعاء قوله اللهمَّ اغفرلي إن شئت اللهمَّ ارحمني إن شئت} زاد في رواية للبخاري اللهمَّ ارزقني إن شئت وذكر الثلاثة تمثيل لباقي الأشياء فإن مقصود النهي إنما هو عن التعليق بالمشيئة لأنَّ التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلمه بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلاَّ برضاه والله تعالى منزه عن ذلك فلا فائدة للتعليق وقيل لأنَّ فيه صورة الاستغناء عن المطلوب منه وأشار بعضهم إلى أن الممنوع من ذلك أن يقولها كالمستثني لا إذا قالها على سبيل التبرك فإنَّه لا يمنع وظاهر الحديث يخالفه {قوله ليعزم على المسئلة} أي يجتهد ويلح ولا يقول إن شئت {وقوله لا مكره له} بكسر الراء فاعل من أكرهه على الشيء إذا حمله على خلاف ما يجب والمعنى أنَّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا مكره له على فعل شيء من أفعاله ولا على تركه فهو شاء أجاب دعاء السائل وإن شاء لم يجب فلا يحتاج إلى التعليق بالمشيئة والله أعلم.
الباب الثالث والعشرون في التسبيح والصلاة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم
{ (3/422)
صفحة 983
قوله في التسبيح والصلاة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} أمَّا التسبيح فهو قول سبحان الله ومعنى التسبيح التنزيه لجنات الحقّ عن كلّ مالا يليق بجلاله ويدخل فيه قول لا الله إلاَّ الله وقول الحمد لله فإنَّه ذكرهما في الباب ولم ينص عليهما في الترجمة اكتفاء بذكر التسبيح أو هو من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه وهو محمود بخلاف الترجمة عن الشيء والنقص عنه وأمَّا الصلاة على {النبيء صلَّى الله عليه وسلم} فهي الدعاء له المخصوص بقوله تعالى {صلوا عليه وسلموا تسليما} والله أعلم.
ما جاء في فضل الصلاة على النبيء صلَّى الله عليه وسلم
{قوله عن جابر بن زيد} الحديث مرسل عند المصنِّف لسقوط الصحابي وهو من مراسيل جابر بن زيد المحكوم بصحتها فلا يضره ما سقط في سنده ولم أجده في شيء من كتب الحديث ولعلَّه مِمَّا تفر دَلِيل به المصنِّف رضي الله عنه {قوله ما من أحد يصلِّي على في يوم مائة مرَّة ألاَّ كتب من الذاكرين} وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله وتعظيم { الرَّسول صلَّى الله عليه وسلم} والاشتغال بأداء حقه عن أداء مقاصد نفسه فمن واضب عليها كلّ يوم مائة مرَّة كتب من الذاكرين وهن غير الغافلين أو من الذاكرين الله كثير الممدوحين في كتاب الله عزَّ وجلَّ والمراد بكتابه أنَّه يكتب في صحف أعماله والمراد بالمائة حقيقة العدد أو المبالغة في التكثير وقد جاءت أحاديث في فضل الصلاة عليه {صلَّى الله عليه وسلم} منها حديث أبي هريرة عند مسلم قال: قال {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} من صلَّى علي واحدة صلَّى الله عشرا أي رحمه وضاعف أجره كقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وعن أنس عند النسائي قال: قال {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} من صلَّى علي صلاة واحدة صلَّى الله عليه عشر صلوات وحطت عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات والله أعلم.
ما جاء في صفة الصلاة على النبيء صلَّى الله عليه وسلم
{ (3/423)
صفحة 984
قوله عن أبي مسعود} هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري صحابي جليل مات قبل الأربعين وقيل بعدها وقد تقدمت ترجمته في الجزء الأوَّل والحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم والنسائي مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ {قوله في مجلس سعد بن عبادة} بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة وقيل حارثة بن حزام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف ابن الخزرج الأنصاري الساعدي يكنى أبا ثابت وقيل أبا قيس والأوَّل أصح وكان نقيب بني ساعدة عند جمعهم وشهد بدار عند بعضهم وكان سيدا جوادا وهو صاحب رأيه الأنصار في المشاهدة كلّها وكان وجيها في الأنصار ذا رياسة وسيادة يتعرف قومه له بها وكان يحمل إلى {النبيء صلَّى الله عليه وسلم} كلّ يوم جفنة ثريدا ولحما تدور معه حيث دار يقال لم يكن في الأوس ولا في الخزرج أربعة مطعمون يتوالون في بيت واحد إلاَّ قيس بن سعد ابن عبادة بن دليم وله ولأهله في الجود أخبار حسنة ولما توفي {النبيء صلَّى الله عليه وسلم} طمع في الخلافة فجلس في سقيفة بني ساعدة ليبايع لنفسه فجاء إليه أبو بكر وعمر فبايع الناس أبا بكر وعدلوا عن سعد فلم يبايع سعد فلم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر وسار إلى الشام فأقام به بجوران إلى أن مات سنة خمس عشرة وقيل سنة أربع عشرة وقيل مات سنة إحدى عشرة ولم يختلفوا أنَّه وجد ميِّتًا على مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعر بموته بالمدينة حتَّى سمعوا قائلا يقول من بئر ولا يرون أحد
{نحن قتلنا سيد الخز . رج سعد بن عباده}
{فرميناه بسهمي. ـن فلم نخط فؤاده} (3/424)
صفحة 985
فلمَّا سمع الغلمان ذلك ذعروا فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد بالشام قيل أنَّ البئر التي سمع منها الصوت بئر وقيل بئر سكن {قوله بشير بن سعد} أمَّا بشير فهو بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية وسعد بسكون العين هو ابن ثعلبة ابن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج يكنى أبا النعمان بابنه النعمان بن بشير شهد العقبة الثانية وبدرا وأحدا والمشاهد بعدها يقال أنَّه أوَّل من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة من الأنصار وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتى عشرة {قوله فكيف نصلي عليك} يعني بقوله تعالى (يا أيُّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) {قوله فكيف نصلي عليك} أي علمنا كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك {قوله فسكت} يحتمل أن يكون سكوته حياء أو تواضعا إذ في ذلك الرفعة له فأحب أن لو قالوا هم ذلك ويحتمل أنَّه ينتظر ما أمره الله به من الكلام الذي ذكره لأنَّه أكثر مِمَّا في القرآن {قوله حتَّى نسينا أنَّه سأله} أي من طول السكوت نسينا السؤال وفي رواية مالك حتَّى تمنينا أنَّه لم يسأله أي مخافة أن يكون كرهه وشق عليه {قوله قولوا} الأمر بالصلاة عليه للوجوب اتِّفاقًا فقيل في العمر مرَّة واحدة وقيل في كلّ تشهد يعقبه سلام وقيل كلّ ما ذكر وأمَّا الصلاة عليه بنفس هذه الصيغة فلا أعلم أن أحدا قال بوجوبها ولكنها فضل لمن قالها ويدلُّ على عدم وجوبها سكوته عليه الصلاة والسلام عن تعليمهم إياها حتَّى سأله بشير بن سعد ولو كانت واجبة لبينها من حين نزل قوله تعالى {صلوا عليه وسلموا تسليما} لأنَّه وقت الحاجة إلى البيان {قوله اللهمَّ صلى على نبيئنا محمد} أي عظمه في الدُّنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمَّته وأيد فضيلته بالمقام المحمود {قوله وعلى آل محمد} أي اتباعه قال مالك (3/425)
صفحة 986
بن أنس لقوله تعالى {ادخلوا آل فرعون} ورجحه النووي وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم وعليه يحمل كلام من أطلق ويؤيده قوله تعالى {أن أولياؤه ألاَّ المتقون} وقوله {صلَّى الله عليه وسلم} أنَّ أوليائي منك المتَّقون وفي بعض الأحاديث آل محمَّد كلّ تقي واستظهر المحشي هذا القول وهو الحقّ في مقام الدعاء بخلافه في تحريم الصدقة وقيل آل هم الذين لا تحلُّ لهم الصدقة وهم أقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني عبد المطلب بن عبد مناف وقيل أزواجه وذريته وقيل أهل بيته وقيل الأزواج ومن تحرم عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصَّة وقيل هم جميع قريش والأوَّل هو الحقّ والله أعلم {قوله كما صليت على إبراهيم} قال ابن حجر اشتهر السؤال عن موضع التشبيه مع أن المقرر أنَّ المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لأنَّ {محمدا صلَّى الله عليه وسلم} وحده أفضل من إبراهيم وآل إبراهيم ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمَّد وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كلّ صلاة حصلت لغيره {وأجيب} عن ذلك بأجوبة {الأول} أنَّه قال ذلك قبل أن يعلم أنَّه أفضل {الثاني} أنَّه قال ذلك تواضعا وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك فضيلة الاتباع {الثالث} أنَّ التشبيه إنما هو لأصل الصلاة لا للقدر فهو كقوله تعالى {أنا أوحينا عليك كما أوحينا إلى نوح} وقوله (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) وهو كقولك أحسن إلى فلان كما أحسنت إلى فلان وتريد بذلك أصل الإحسان لا قدره ومنه قوله تعالى (وأحسن كما أحسن الله إليك) ورجح هذا الجواب القرطبي (الرابع) أن الكاف للتعليل كما في قوله تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم) وفي قوله (واذكروه كما هداكم (الخامس) أنَّ المراد أن يجعله خليلا كما جعل إبراهيم خليلا وأن يجعل له لسان صدق كما جعل لإبراهيم ذلك (السادس) أنَّ قوله اللهمَّ صل على محمَّد مقطوع عن التشبيه فيكون بالتشبيه (3/426)
صفحة 987
متعلقا بقوله وصل على آل محمَّد (وتعقب) بأنَّ غير الأنبياء لا يمكن أن يساوي الأنبياء فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله (السابع) أن التشبيه إنما هو للمجموع بالمجموع فإن في الأنبياء من آل إبراهيم كثيرة فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمَّد أمكن بقاء التفاضل (قلت) وهذا الجواب لا يأتي على رواية المصنِّف فإن فيها ذكر إبراهيم دون آله (قوله وبارك) أي أظهر بركتك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما أظهرتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم والمراد بالبركة الزيادة من الخير والكرامة وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية وقيل المراد ثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض (وآل إبراهيم) قيل هم ذريته من إسماعيل وإسحاق ثمَّ المراد المسلمون منهم ثمَّ المتَّقون فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم ثمَّ أنَّ ثبت أن لإبراهيم نسلا من غير سارة وهاجر فهم داخلون في آله لا محالة {قوله في العالمين} المراد بالعالمين أصناف الخلق وقيل ما حواه بطن الفلك وقيل كلّ محدث وقيل ما فيه روح وقيل العقلاء منهم وقيل الإنس والجن فقط {قوله انك حميد مجيد} أمَّا الحميد فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها وقيل هو بمعنى الحامد أي يحمد إفعال عباده وأمَّا المجيد فهو من المجد وهو صفة من كمل في الشرف وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدلُّ على صفة الإكرام ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيئه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه وذلك مِمَّا يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى أنَّها كالتعليل للمطلوب وهو كالتذييل له والمعنى أنَّك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك إلخ {قوله والسلام كما قد (3/427)
صفحة 988
علمتم} روي بفتح العين وكسر اللام المخففة وبضم العين وشد اللام أي علمتموه والأوَّل من العلم والثاني من التعليم قيل الأوَّل أصح وقيل كلاهما صحيح والمراد به ما علموه من السلام في التشهد ولهذا قال الربيع رحمه الله قال أبو عبيدة السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته كما علمناه أي في التشهد قال ابن حجر وتفسير السلام بذلك هو الظاهر وحكى ابن عبد البر فيه احتمالا وهو أنَّ المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة وقال الأوَّل أظهر وكذا ذكره عياض وغيره ورد بعضهم الاحتمال المذكور بأنَّ سلام التحلل لا يتقيد به اتفاقا كذا قيل وقيل وفي نقل الاتِّفاق نظر فقد جزم جماعة من المالكيَّة بأنه يستحب للمصلي أن يقول سلام التحلل السلام عليك أيُّها النبيء ورحمة الله وبركاته السلام عليك ذكره عياض وقبله ابن زيد وغيره والله أعلم.
ما جاء في التهليل
{ (3/428)
صفحة 989
قوله عن أبي هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم {قوله لا اله إلاَّ الله} قيل التقدير لا الله لنا أو في الوجود غيره {وتعقب} بأن نفي الحقيقة مطلَّقة أَعَمُّ من نفيها مقيدة لانتفائها مع كلّ قيد فإذا نفيت مقيدة دلَّت على سلب الماهية مع التقييد المخصوص فلا يلزم نفيها مع قيد آخر {واعترض} بأن هذا كلام من لا يعرف لسان العرب فإن الله في موضع المبتدأ على قول سيبوه وعند غيره اسم لا وعلى التقديرين فلابد من خبر للمبتدأ أو للأفان الاستغناء عن الأضمار فاسد وأما قوله إذا يضمر كان نفيا للالهيه مطلَّقة فليس بشيء لأنَّ الماهية فيها نفي الوجود ولا تتصور الماهيه عندنا إلاَّ مع الوجود فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود وقوله إلاَّ الله في موضع رفع بدل من لا الله لا خبر لأنَّ لا تعمل في المعارف ولو قلنا الخبر للمبتدأ أو فلا يصحُّ لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر لكن أجاز الشلوبين أنَّ خبر المبتدأ يكون معرفة ويسوغ من لا الله إلاَّ الله فوحده حال مأولة بمنفردا لأنَّ الحال لا تكون معرفة ولا شريك له حال ثاني موكدة لمعنى {قوله له الملك} بضمِّ الميم التصرُّف {قوله وله الحمد} أي الثناء على الجميل {قوله وهو على كلّ شيء قدير} جملة حالية أيضًا ومن منع تعدد الحال جعل {لا شريك له} حالا من ضمير وحده المأوة بمفردا وكذا له الملك حال من الضمير المجرور في لهو ما بعد ذلك معطوفات {قوله في يوم} أي من الأيَّام وهو يفيد أنَّ ما قالها مائة مرَّة في يوم واحد ولم يزد على ذلك حصل له الثواب المذكور فمن ضاعف ضوعف له {قوله كانت} أي هذه الكلمة {وقوله عدل} بفتح العين أي مثل ثواب اعتاق عشرة رقاب (وعشر) بسكون الشين {قوله عدل}بفتح العين أي مثل ثواب اعتاق عشرة رقاب (وعشر) بسكون الشين {قوله ومحيت عنه مائة سيئة} أي من صغائر ذنوبه {وقوله حرزا} بكسر الحاء وسكون الراء وبالزاي أي حصنا من الشيطان فقد حصل له من (3/429)
صفحة 990
الثواب هذا الذكر أشياء منها ثواب المعتق لعشر رقاب ومنها ثواب المحصل لمائة حسنة ومنها تكفير مائة سيِّئة ومنها أنَّه يحفظ من الشيطان يومه ذلك حتَّى يمسي {وقوله إِلاَّ من عمل أكثر من ذلك} في رواية مالك إلاَّ أحد عمل أكثر من ذلك وهو على الروايتين استثناء منقطع أي لكن أحد عمل أكثر مِمَّا عمل فإنَّه يزيد عليه أو مُتَّصِل بتأويل قال ابن عبد البر به تنبيه على أن المائة غاية في الذكر وأنَّه قل من يزيد عليه وقال إلاَّ أحد لئلاَّ يظن أنَّ الزيادة على ذلك ممنوعة كتكرار العمل في الوضوء ويحتمل أن يريد لا يأتي أحد من سائر أبواب البر بأفضل مِمَّا جاء به إلاَّ أحد عمل من هذا الباب أكثر من عمله ونحوه قول القاضي عياض ذكر المائة دليل على أنَّها غاية للثواب المذكور وقوله ألاَّ أحد يحتمل أن يريد الزيادة على هذا العدد فيكون لقائه من الفضل بحسابه لئلاَّ يظن أنَّه من الحدود التي نهي عن تعديها وأنَّه لا فضل في الزيادة عليها كما في ركعات السنن المحدودة كأعداد الطهارة ويحتمل أن تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغسيره أي إلاَّ أن يزيد أحد عملا آخر من الأعمال الصالحة وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أنَّ الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متواليا أو مفرقا في مجلس أو مجالس في أوَّل النهار أو في آخره لكن الأفضل أن يأتي به متواليا في أوَّل النهار ليكون له حرزا في جميع نهاره وكذا في أوَّل الليل ليكون له حرزا في جميع ليله.
ما جاء في فضل التسبيح بعد الصلاة
{ (3/430)
صفحة 991
قوله عن أبي هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم مع اختلاف يسير {قوله على أثر صلاته} وفي رواية مالك من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرَّة إلخ وفي بعض الروايات من قال حين يمسي وحين يصبح وذكر النووي أن الأفضل ذلك متواليا في أوَّل النهار وفي أوَّل الليل وهذا يتجه على رواية مالك ولا يتجه على رواية المصنِّف لأنَّه قال على أثر صلاته والمراد بها صلاة الفريضة {قوله سبحان الله} أي تنزيه يليق به من كلّ نقص فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر ويطلق ويراد به صلاة النافلة وسبحان اسم منصوب على أنَّه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله سبحانا كسبحت الله تسبيحا ولا يستعمل غالبا إلاَّ مضافا وهو مضافا وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز كونه مضافا إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الأوَّل وجاء غير مضاف في الشعر كقوله (سبحانه ثمَّ سبحانا أنزهه) {قوله والحمد لله}أي الثناء الجميل لله وفي رواية مالك وبحمده أي متلبسا بحمده {قوله مائة مرة} أي متوالية أو متفرِّقة {قوله حطت خطاياه} وفي رواية مالك حطت عنه خصاياه والمراد بالخطايا ما يكون بينه وبين ربه من التضييع لحق الله عليه والمعنى أنَّه يكون في ذلك كفَّارة له كقوله تعالى أنَّ الحسنات يذهبن السيِّئات {قوله وأن كانت مثل زبد البحر} كناية عن المبالغة في الكثرة نحو ما طلعت عليه الشمس قال القاضي عياض وقد يشعر هذا بفضل التسبيح على التهليل لأنَّ عدد زبد البحر أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل فيعارض قوله فيه ولم يأت أحد بأفضل مِمَّا جاء به فيجمع بينهما بأنَّ التهليل أفضل بما يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا جميعها لأنَّه جاء من أعتق الله بِكُلِّ عضو منها عضوا منه من النَّار فحصل بهذا العتق تكفير الخطايا عموما بعد حصر ما عدد منها خصوصا مع زيادة مائة درجة وما (3/431)
صفحة 992
زاده عتق الرقاب الزائدة على الواحدة ويؤيده الحديث الآخر أفضل الذكر التهليل وأنَّه أفضل ما قاله هو والنبيؤون من قبله وهو كلمة التوحيد والإخلاص وقيل أنَّه اسم الله الأعظم وجميع ذلك داخل في ضمن لا غله إلاَّ الله في الحديث السابق والتهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له فمنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا الله إلاَّ الله توحيد ومفهومه تنويه فيكون أفضل من التسبيح لأنَّ التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه قال ابن بطال والفضائل الواردة في التسبيح والتحميد ونحو ذلك إنما هي لأهل الشرف في الدّين والكمال كالطهارة من الحرام وغير ذلك فلا يظن ظان أن من أدمن الذكر وأصر على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أن يلتحق بالمطهرين الأقدسين ويبلغ منازل الكاملين كلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح {قوله سمعت أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} صلَّى ذات يوم بأصحابه فلمَّا انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال من المتكلِّم آنفا وهو يقول ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه الحديث} تقدَّم ذكره في باب الركوع والسجود من كتاب الصلاة وتمامه قال رجل منهم أنا يا رسول الله لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أوَّلاً وقد تقدَّم شرحه هنالك والحديث مرسل عند المصنِّف وقد أخرجه مالك والبخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث رفاعة بن رافع والله أعلم.
{ (3/432)
صفحة 993
قوله كان إذا أقبل من حج أو غزو يكبر على كلّ شرف ثلاث تكبيرات} مذكور باب الإهلال للحج والتلبية من كتاب الحج وقد تقدَّم شرحه هنالك وتمامه ثمَّ يقول لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير آئبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده انتهى {والحمد} لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الكاملين في كلّ شرف وعلى كلّ من بهداهم اقتدى وبفضلهم اعترف وكان تمام تبييضه ضحوة الخميس لأربع ليال مضين من ذي الحجَّة من شهور سنة 1325 ويليه إنَّ شاء الله تعالى. (3/433)
صفحة 994
شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي ج3
شرح (1) الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي،
- الجزء الأَوَّل والثاني: الطبعة الأولى، نشر: السلطان فيصل بن تركي، مطبعة الأزهار البارونية، [مصر]، 1326هـ.
- الجزء الثالث: تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، نشر: سليمان وأحمد ابني محَمَّد السالمي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383هـ/1963م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثالث
من شرح الجامع الصحيح
مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي
لمؤلِّفه
الشيخ العلامة الجليل نور الدِّين أبي محمَّد عبد الله بن حُميد السالمي
المتوفّى سنة 1332 هجريَّة تغمَّده الله برحمته
صحَّحه وعلَّق عليه:
عز الدين التنوخي
مطابع النهضة - مسقط
<3/1> بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
وصلّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم
كتابُ النِّكاح
__________
(1) ... الجزء الأَوَّل والثاني طُبعا بمطبعة الأزهار البارونية، بعنوان: حاشية الجامع الصحيح، والجزء الثالث طُبع بعد ذَلِكَ بدمشق بعنوان: شرح الجامع الصحيح، والاسم الذي أثبتناه هو ما اشتهر به. (4/1)
صفحة 995
النكاح لغة: الضمُّ والتداخل، وقال المُطَرزيُّ والأزهريُّ: هو الوطء حقيقةً، وهو مجاز في العقد، لأنَّ العقد فيه ضمٌّ، والنكاح هو الضمُّ حقيقةً، أو لأنَّه سببُه، فجازت الاستعارة لذلك؛ وقال بعضهم: أصله لزوم شيءٍ لشيء مستعليا عليه، ويكون في المحسوس والمعاني ؛ وقال الفرَّاء: العرب تقول: نُكْحُ المرأةِ (بضمِّ النون) بُضْعُها، وهو كناية عن الفرْج، فإذا قالوا نكحها، أرادوا أصاب نُكْحها أي فرجها؛ قال ابن جنِّيّ: سألت أبا عليٍّ الفارسي عن قولهم: نكحها؟ فقال: فرَّقت العرب فرْقا لطيفا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً أو بنتَ فلان أو أختَه أرادوا تزوَّجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إِلاَّ المجامعة، إذ بذكر المرأة أو الزوجة يُستغنى عن العقد، وهذا يرجع إلى أنَّه مشترك، ويتعيَّن المقصود بالقرائن.
وفي حقيقته عند الفقهاء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، واحتُجَّ له بكثرة وروده في الكتاب والسنَّة في العقد، حتَّى قيل:لم يرد في القرآن إِلاَّ للعقد، ولا يَرِدُ عليه مثل <3/2> قوله تعالى: { حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، لأنَّ شرط الوطء في التحليل إِنَّمَا ثبت بالسنة، وإلاَّ فلا بدَّ من العقد، لأنَّ معنى «تنكح» تتزوَّج، أي يعقد عليها، ومفهومه أنَّ ذلك كاف بمجرَّده؛ لكن بيَّنت السنَّة أنَّه لابدَّ مع العقد من ذوق العُسيلة.
قال ابن فارس: لم يَرِد النكاح في القرآن إِلاَّ للتزويج، إِلاَّ في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: 6] فإنَّ المراد به الحُلُم.
والثاني: أنَّه حقيقة في الوطء مجاز في العقد.
والثالث: أنَّه حقيقة فيهما بالاشتراك، ويتعيَّن المقصود بالقرينة كما مَرَّ عن أبي عليٍّ الفارسيِّ. (4/2)
صفحة 996
وفوائده كثيرة منها: أنَّه سبب لوجود النوع الإنساني. ومنها قضاء الوطر بنيل اللذَّة وَالتَّمَتُّع بالنعمة، وهذه هي الفائدة التي في الجنَّة، إذ لا تناسل فيها. ومنها غضُّ البصر وكفُّ النفس عن الحرام، إلى غير ذلك، والله أعلم.
<3/3> بابٌ في الأولياء
قوله: «باب في الأولياء»: جمع وليٍّ، فعيل بمعنى فاعل، من وَلِيَهُ إذا قام به، ومنه: {اللَّهُ وَلِيُّ الذِينَ ءَامَنُواْ} [البقرة: 257]. قال ابن فارس: وكلُّ من ولي أمر أحد فهو وليُّه. ويكون الوليُّ بمعنى مفعول في حقِّ المطيع، فيقال: المؤمن وليُّ الله، والمراد هنا المعنى الأوَّل، ثمَّ المراد به من بيده عقدة النكاح من الرجال، وليس أحاديث الباب مقصورة على الوليِّ، بل فيها الأحاديث الدالَّة على اشتراط رضى المرأة، والدالَّة على تزويج الكفء، والدالَّة على النهي عن الشِّغار، وعلى ثبوت الصداق؛ وإنَّما اقتصر في الترجمة على الأولياء لأنَّ للوليِّ في هذه الأمور كلِّها دَخلاً، فهو المخاطب باعتبار رضى المرأة وباختيار الكفء، وباشتراط الصَّداق لمحرَّمته فلا يُزوِّجها مجَّانا، والله أعلم.
ماجاء أنَّه لا نكاح إِلاَّ بوليٍّ وصداق وبيِّنة (4/3)
صفحة 997
<3/4> قوله: «لا طلاق إِلاَّ بعد نكاح»: أي لا يثبت الطلاق إِلاَّ بعد عقد التزويج، قال ابنُ عبَّاس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، وذُكر ذلك أيضًا عن جماعة من التابعين منهم جابر بن زيد رضي الله عنه، وقال شُرَيك: النكاحُ عقدٌ والطلاق حَلٌّ، ولا يكون الحَلُّ إِلاَّ بعد العقد، وقال الدَّميري من الشافعية: أجمعوا على أنَّه إذا خاطب أجنبيةً بطلاق، لا يترتب عليه حكم ولو تزوَّجها. واختلفوا فيما إذا عُلِّق الطلاق بنكاحها، فالذي ذهب إليه الشافعيُّ وجماعة من السَّلَف أن الطلاق لا يقع، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا طلاق فيما لا يملك...الخ. وروى الدارقطنيُّ أن رجلا أتى النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، إنَّ أمِّي عرضت عليَّ قرابة أتزوَّجها فقلت: هي طالق إن تزوَّجتها، فقال: لا بأسَ فتزوَّجْها. وقال مالك: إنْ عمَّمَ بأن قال:كلُّ امرأة أتزوَّجها فهي طالق لم يقعْ، فإن خصَّ محصوراتٍ، أو امرأةً معيَّنةً وقع، وقال أبو حنيفة: يقع، عمَّمَ أو خصَّص، وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
قلت: والخلاف أيضاً سائغ في المذهب، وظاهر الحديث يُرجِّح القولَ الأوَّلَ، وهو أنَّه «لا طلاق إِلاَّ بعد نكاح»، سواء أأطلق ذلك أو علَّقه بنكاحها، عمَّمَ أو خصَّصَ، فجميع ذلك إِنَّمَا هو طلاق قبل نكاح، وهو غير ثابت.
قوله: «ولا ظهار إِلاَّ بعد نكاح»: أي لا يلزمه حكمُ الظهار في امرأة لم ينكحها، فلو قال لأجنبية: أنت عليَّ كظهر أمِّي، لم تلزمه كفارةُ الظِّهار <3/5> ولو تزوجها بعد ذلك، وإنَّما يكون في حكم من حرَّم الحلال، وذلك لأنَّ الظهار إِنَّمَا يكون في الزوجات خاصَّةً، لقوله تعالى: {الذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم} [المجادلة: 2]. (4/4)
صفحة 998
قوله: «ولا عتاق إِلاَّ بعد مُلك»: أي لا يثبت عتق الرَّجل في عبد لم يملكه، فلو قال لعبدِ غيرِه: أنت حرٌّ لوجه الله، لا ينعتق بذلك، وقيل: يلزمه أن يشتريَه فيعتقه، وظاهر الحديث يردُّه، وتعليق العتاق بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح لا فرق بينهما في ذلك، فالخلافُ واقعٌ هنالك خارجٌ ههنا.
قوله: «ولا نكاح إِلاَّ بوليٍّ وصداق وبيِّنة»: أيْ شهودٍ من المسلمين يشهدون التزويجَ، فالثلاثةُ شروطٌ لصحَّة التزويج لا يتم إِلاَّ بها في البكر، ويُزاد في البالغ شرطٌ رابعٌ وهو رضاها بالتزويج، فلو لَمْ ترْضَ لَمْ يصحَّ التزويجُ للأحاديث الآتية قريبا إن شاء الله، فلو تزوَّجت امرأة بلا وليٍّ فُرِّق بينهما، فإن دخل بها استحقَّا على ذلك الأدب على نظر القائم، وكذلك لو تزوَّجت على أن لا صداق لها عليه، فإنَّ التزويج باطل، لأنَّه وقع على خلاف السنَّة، حيث شرطوا فيه عدم الصداق الذي أوجب الشرع اشتراط وجوده، فأمَّا لو تزوَّجها ولم يسمِّ لها صداقاً فإنَّ التزويج يصحُّ ويثبت لها صداق مثلها من النساء، وقيل: إنَّها ترجع إلى عُقرها، وهو عُشُر دِيتها، قيل: هو الذي يحكم به الحاكم، وكذلك لو تزوَّجها بغير بيِّنة فإنَّه يفرَّق بينهما، والتزويج باطل .
والقول بفساد التزويج بغير وليٍّ منقول عن عمر وعليٍّ وابن عبَّاس وابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وابن المسيِّب وابن شبرمة <3/6> بن أبي ليلى وجمهور أهل العلم؛ قال ابن المنذر: إنَّه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وحكي عن أبي حنيفة أنَّه لا يعتبر الوليُّ مطلقًا لحديث: «الثيب أحقُّ بنفسها من وليها» وسيأتي. (4/5)
صفحة 999
وأجيب بأنَّ المراد اعتبار الرضى منها جمعا بين الأخبار، وعن أبي يوسف ومحمَّد: للوليِّ الخيار في غير الكفء، وتلزمه الإجازة في الكفء، وعن مالك: يُعتبر الوليُّ في الرفيعة دون الوضيعة؛ وأجيب عن ذلك بأنَّ الأدلَّة لم تفصِّل، وعن الظاهريَّة أنَّه يعتبر في البكر فقط، وأجيب عنه بمثل ما أجيب به عن الذي قبله، والله أعلم.
ما جاء في اعتبار رِضَى المرأة في صحَّة تزويجها
<3/7> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا الجماعة إِلاَّ البخاري.
قوله: «الأَيِّم»: وفي رواية: الثيِّبُ، وهما بمعنى واحد في قول علماء الحجاز وكافَّة الفقهاء. والمراد بالثيِّب: المتوفَّى عنها أو المطلَّقة، واستعمال الأيِّم في الثيّب مجاز مشهور، وهو في أصل اللغة يطلق على كلِّ امرأة لا زوج لها صغيرة أو كبيرة بكرا أو ثيِّبا، لكنَّ الحقيقة غير مرادة هاهنا، لأنَّ الحديث فرَّق في الحكم بين الثيِّب والبكر، وذلك يقتضي قصر الأيِّم على الثيِّب؛ وقال الكوفيُّون وزفر والشعبيُّ و الزهريُّ: الأيِّم هنا على معناه اللغوي ثيِّبًا أو بكرا بالغا، فعقدها على نفسها عندهم جائز، قالوا: وليس الوليُّ من أركان صحَّة العقد بل من تمامه.
وتُعُقِّب بأنَّه لو كان المراد ذلك لم يكن لعضل الأيِّم من البكر معنى، وأيضا ففي حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إِلاَّ بوليٍّ» ما يدلُّ على فساد النكاح بدون إذنه، فهو وليُّ العقد دونها. (4/6)
صفحة 1000
قوله: «أحقُّ بنفسها من وليِّها»: لفظة «أحقُّ» للمشاركة، أي إِنَّ لها في نفسها في النكاح حقًّا ولِوليِّها حقًّا، وحقُّها آكَدُ من حقِّه، وقال عياض: يحتمل من حيث اللفظ أنَّ المراد أحقُّ في كُلِّ شيء، من عقد وغيره، فيحتمل أنَّها أحقُّ بالرضى أن لا تزوَّج حتَّى تنطق بالإذن بخلاف البكر، لكن لَمَّا صحَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «لانكاح إِلاَّ بوليٍّ» مع غيره من الأحاديث الدالَّة على اشتراط الوليِّ، تعيَّن الاحتمال الثاني، أنَّ المراد أحقُّ بالرضى دون العقد، وأنَّ حقَّ الوليِّ بالعقد. وَدَلَّ أَفْعَل التفضيل المقتضي للمشاركة أنَّ لوليها حَقًّا، لَكِنَّ حقَّها آكد، وحقُّها أن لا يتمَّ ذلك إِلاَّ برضاها.
<3/8> قوله: «والبكر تستأذن في نفسها»: المراد بالبكر البكر البالغ، ومعنى قوله: «تستأذن» أي يطلب إذنها في نفسها، يستأذنها الوليُّ أو غيره تطييبا لخاطرها ومراعاة لحبِّها، فهو للندب دون اللزوم، وقال الكوفيُّون والأوزاعيُّ: يلزم ذلك في كُلِّ بكر، ومفهوم الحديث أنَّ وليَّ البكر أحقُّ بها من نفسها، لأنَّ الشيء إذا قُيِّد بأخصِّ أوصافه دَلَّ على أَنَّ ما عداه بخلافه، ويتَّضح الفرق بأنَّ البكر أمرها لوليِّها في تعيين الصداق وتحديد الشروط واختيار الكفء، وإنَّما يؤمر في حقِّها بالاستئذان فقط، وأمَّا الأيِّم فإنَّها تلي ذلك كُلَّه بنفسها، وعلى الوليِّ عقد التزويج.
قوله: «وَإذنها صُماتها» بالضمِّ، أي سكوتها، وقال القرطبيُّ: هذا منه صَلَّى الله عليه وسلَّم مراعاةً لتمام صونها، وإبقاءً لاستحيائها، لأنَّها لو تَكَلَّمَت صريحا لَظُنَّ أنَّها راغبة في الرجال، وذلك لا يليق بالبكر، واستحبَّ العلماء أن تَعلَم أنَّ صماتها إذنٌ. (4/7)
صفحة 1001
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها» الحديث أخرجه الجماعة إِلاَّ مسلما عن خنساء بنت خدام صاحبة القِصَّة، وخنساء بخاء معجمة ثمَّ نون ثُمَّ مهملة، على وزن حمراء، وأبوها خِدَام بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المهملة، وقال بعضهم: بالذال المعجمة، وفي أسد الغابة: خنساء بنت خذام بن خالد الأنصاريَّة، من بني عمرو بن عوف، وقيل: خنساء بنت حزام بن وديعة، ورد ذكرها في حديث أبي هريرة، روى عنها عبد الرحمن ومجمَّع ابنا يزيد بن جارية <3/9> عن خنساء أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّب فكرهت ذلك، فجاءت إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فردَّ نكاحها، قال: وقد اختلفت الرواية في حالها عند تزويجها هذا، أخبرني أبو الحرم مكِّي بن زبان بإسناده عن يحيى بن يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن قاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومجمَّع ابني يزيد بن جارية عن خنساء أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّب فكرهت ذلك فأتت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فردَّ نكاحه، أي نكاح أبيها لها، ولذلك ذكَّر الضمير. ورواه الثوريُّ عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن يزيد بن وديعة عن خنساء بنت خذام أنَّها كانت يومئذ بكرا، قال: وحديث مالك أصحُّ.
قلت: وهو الموافق لرواية الْمُصَنِّف، قال: وروى محمَّد بن إسحاق عن حَجَّاج بن السائب عن أبيه عن جدَّته خنساء بنت خذام بن خالد قال: وكانت قد تأيَّمت من رجل فزوَّجها أبوها من رجل من بني عمرو بن عوف، وَإِنَّهَا خطبت إلى أبي لبابة بن عبد المنذر، فارتفع شأنهما إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها أن يُلحقها بهواها، فتزوَّجت أبا لبابة. (4/8)
صفحة 1002
قوله: «وهي ثيِّب»: أي تأيَّمت من أُنَيس بن قتادة الأنصاريِّ حين قتل عنها يوم أُحد، كما رواه عبد الرزاق عن معمر بن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن محمَّد مرسلا، وأخرجه الواقديُّ عن الخنساء نفسها، وأُنَيس بالتصغير، وسمَّاه بعضهم أنسا وأنكره ابن عبد البَرِّ، وقيل: اسمه أسير، وأنَّه مات ببدر.
قوله: «فكرهت ذلك»: أي ذلك التزويج، أو ذلك الرجلَ الذي <3/10> زوَّجه إِيَّاهَا أبوها، وعند الواقديِّ أنَّه رجل من مُزَينة، وعند أبي إسحاق أنَّه من بني عمرو بن عوف.
قوله: «فردَّ نكاحها»: أي أبطله وجعله كأن لم يكن شيئًا، قال أبو عمر: وهذا الحديث مجمع على صحَّته والقول بِهِ، لأنَّ من قال: لا نكاح إِلاَّ بوليًّ قال: لا يزوِّج الثيِّبَ وليُّها، أبًا أو غيره إِلاَّ بإذنها ورضاها، ومن قال: ليس للوليِّ مع الثيِّب أمرٌ أجازه بلا وليٍّ، فالأولى العمل بهذا الحديث، قال: ولا خلاف في أنَّ الثيِّب لا يجوز لأبيها ولا غيره جبرها على النكاح، إِلاَّ الحسن البصري فقال: نكاح الأب جائز بكرا كانت أو ثيِّبًا، كرهت أم لا؛ قال إسماعيل القاضي: لا أعلم أحدا قال بقوله في الثيِّب، قلت: وصريحُ الحديث يردُّه، والله أعلم.
ما جاء في النَّهي عن ردِّ الكُفْء إذا خَطَبَ:
قوله: «إذا خطب إليكم كفْءٌ»: الحديث مرسلٌ عند المصنِّف، وَهُوَ مِمَّا تفرَّد بِهِ فيما يظهر، والكفء: بضمِّ أوَّله وسكون الفاء بعدها همزة، وَهُوَ الْمِثْلُ والنظير. (4/9)
صفحة 1003
<3/11> قوله: «فلا تردُّوه»: أي لا تردُّوه عن مطلبه، فإنَّه يُخشى مِن ردِّه الفسادُ العظيم، وهو بوار البنات الذي استعاذ منه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. وعن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إِلاَّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلُقه فأنكحوه» ثلاث مرَّات، رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن عمر ابن الخطَّاب وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في التوراة مكتوبٌ: «من بلغت ابنته اثنتي عشرة سنة ولم يزوِّجها فأصابت إثما فإثم ذلك عليه»، رواه البيهقي في شعب الإيمان، قال المحشِّي: وقيل: إنَّه أصاب الناس مولودا في أرض القيروان في بعض جباناتها، ومعه صرَّة فيها مئة دينار، ومعه رقعة فيها مكتوبٌ: هذا ابن غنيٍّ وابن غنيَّة، من كان في الدُّنيا فلا يأمن بليَّة، من خُطب إليه ابنته بُكرة فليُزوِّجها عشيَّة. والله أعلم.
ما جاء في صفة الأكفاء: (4/10)
صفحة 1004
قوله: «الأحرار من أهل التوحيد...»إلخ الحديث أيضًا مرسل عند الْمُصَنِّف، ولم أجده عند غيره، فكأنَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ، والتقييد بالأحرار يُخرِج العبيد، فإنَّهم ليسوا أكفاء للأحرار، والتقييد بأهل التوحيد يُخرِج أهل الشرك، فإنَّهم ليسوا أكفاء للمسلمين. ويدخل في أهل التوحيد كلُّ من أجاب دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم وآمن بِهِ واتَّبَعَه، وإنْ ضلَّ بالتأويل فجميع أهل المذاهب الإسلاميَّة بعضهم أكفاء لبعض إِلاَّ أربعة، وهم: المولى: وهو الذي أُعتِق مِن مُلْكٍ. والحجَّام: وهو الذي يعمل الحجامة ويكتسب <3/12> منها. والنسَّاج: وهو الذي ينسج الثياب. والبقَّال: وهو الذي يبيع البقلَ. وإنَّما استُثنيَ أرباب هذه الحِرَف لرداءتها في نفوس العرب، وتحاشيهم من فِعلها، وإن أخنى عليهم الزمان بكلاكله، وإذا نفروا من فِعلها نفروا أيضًا من مصاهرة صاحبها، ومن هاهنا قالوا: لا يجوز تزويج العربيَّة بالمولى ولا الحجَّام ولا النَّساج ولا البقَّال ولا العبد، إِلاَّ أن تكون مثله؛ قالوا: وذلك مردود ولو جاز الزوج بها، إذا كان هو الذي يعمل بيده في الحال، أو كانت حرفته في الزمان الأوَّل ولو تركها بعد ذلك. قالوا: وأمَّا إذا كان يعمله والده ولا يعمله هو وجاز بها فلا يُنقض النكاح. وقال من قال ينقض ذلك: وَكَأَنَّ القائل الأوَّل اعتبر نفس الوصف بالحجَّام وما بعده، فإنَّه لا يصدق على من كان أبوه يفعله؛ وإنَّما يصدق على من باشره بنفسه، وأمَّا القائل الثاني فكأنَّه لاحظ المعنى الذي لأجله انتفت الكفاءة، وهو خِسَّة الخاطب ونقصان شرفه بذلك.
وقد اعتبر قوم الكفاءة في الدِّين فقط، ونقل ذلك عن عمر وابن مسعود ومحمَّد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. (4/11)
صفحة 1005
ومن السنة حديث أبي حاتم عند الترمذي مرفوعا: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلُقه...» الحديث. وروى البخاري والنسائي وأبو داود عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان مِمَّن شهد بدرا مع النبيء صلى الله عليه وسلم تبنَّى سالما، وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار. وروى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمِّه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال. وروى الدارقطني أيضًا عن <3/13> عمر قال: لأمنعنَّ تزوُّج ذوات الأحساب إِلاَّ من الأكفاء، وهذا يدلُّ على أنَّه رضي الله عنه كان يعتبر الكفاءة في النسب بخلاف ما تقدَّم عنه. وقد اعتبرها في النسب جمهور العلماء، وحديث الباب يدلُّ على ذلك، وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضا، والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كفئًا لقريش،كما ليس أحد من غير العرب كفئًا للعرب؛ وقال الثوري: إذا نكح المولى العربيَّة يفسخ النكاح، وبهِ قال أحمد في رواية، وتوسَّط الشافعيُّ فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حراما فأَرُدَّ بِهِ النكاح، وإنَّما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صحَّ، ويكون حقًّا لهم تركوه، فلو رضوا إِلاَّ واحدا فله فسخه؛ قال: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث.
قلت: بل ثبت ذلك عند المصنِّف، وإن لم يسمعه الشافعي، والله أعلم.
ماجاء في النَّهي عن الشِّغار
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه الجماعة من حديث ابن عمر من طريق نافع، وهو أيضًا عند مسلم من حديث جابر، وعنده وعند أحمد من حديث أبي هريرة أيضا.
<3/14> قوله: «نهى عن الشِّغار»: هو بمعجمتين، الأولى منهما مكسورة والثانية مفتوحة فَأَلِفٌ فَراءٌ، مصدر شَاغَرَ يُشاغِر شِغارًا ومشاغرةً. وفي رواية أَيُّوب عن نافع عن ابن عمر أَنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لا شِغار في الإسلام». (4/12)
صفحة 1006
قوله: «وهو أن يُزوِّج الرجلُ بنته لرجل على أن يُزوِّج الآخرُ ابنته، وليس بينهما صداق وكذلك الأختُ بالأخت»: هذا تفسير للشغار، والظاهر أنَّه مرفوع، لأنَّه وقع كذلك في حديث أبي سعيد عند المصنِّف، ونحوه أيضًا في حديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم، ومثله في حديث نافع عن ابن عمر. وقال الشافعي: لا أدري التفسير عن النبيء صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن مالك. وقال الخطيب: تفسير الشِّغار ليس من كلام النبيء صلى الله عليه وسلم وإنَّما هو من قول مالك. قال القرطبي: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان مرفوعا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضًا لأنَّه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقال الباجي: قوله: «نهى عن الشغار» مرفوع اتِّفَاقًا، وباقيه من تفسير نافع، والظاهر أنَّه من جملة الحديث حتَّى يتبيَّن أنَّه من قول الراوي. اهـ.
قلت: قد تبيَّن أنَّه ليس من قول مالك، ولا من قول نافع ولا ابن عمر لوجوده في حديث أبي سعيد وأبي هريرة، فالظاهر رفعه حتَّى يصحَّ أنَّه من قول الراوي. وهو مأخوذ من قولهم: شغر البلدُ عن السلطان إذا خلا عنه، لخلوِّه عن الصداق، وسمِّي بذلك لخلوِّه عن بعض الشرائط. وقال ثعلب: من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجليه ليبول، كأنَّ كُلاًّ من الوليَّين يقول للآخر: لا ترفع رجل ابنتي حتَّى أرفع رجل ابنتك، وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيحٌ للشغار وتغليظ على فاعله. قال عياض عن بعض العلماء: كان الشغار من نكاح الجاهليَّة، يقول: شاغرني وليَّتي بوليَّتك، أي عاوضني جماعا بجماع. ولا خلاف <3/15> في أنَّ حكم غير البنت من الإماء والأخوات وغيرهم حكم البنت.
قال: ولاخلاف في النهي عنه ابتداءً، فإن وقع أمضاه الكوفيُّون والليث والزهريُّ وعطاء إذا صحَّ بصداق المِثْلِ، وأبطله الجمهور، وبهِ قال مالك والشافعيُّ. (4/13)
صفحة 1007
واختلفوا في علَّة البطلان، فقيل: التعليق والتوقيف، فكأنَّه يقول: لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتَّى ينعقد لي نكاح ابنتك. وقال الخطَّابي: كان ابن أبي هريرة يشبِّهه برجل تَزَوَّجَ امرأة ويستثني عضوا منها، وهذا مِمَّا لا خلاف في فساده. قال الحافظ ابن حجر: وتقرير ذلك أن يزوِّج وليَّته ويستثني بُضْعها حيث يجعله صداقا للأخرى. وقيل: العلَّة كون البضع صار ملكا للأخرى. والله أعلم.
ما جاء في أقلِّ الصداق وأنَّه يصحُّ ولوْ على خاتم من حديد
<3/16> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الجماعة من حديث سهل بن سعد الساعديِّ.
قوله: «جاءت امرأة»: قال ابن حجر: لم أقف على اسمها، وقول ابن القطاع في الأحكام وأنَّها خولة بنت حكيم أو أمُّ شريك أو ميمونة نقله من اسم الواهبة في قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُّومِنَةً اِنْ وَّهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيءِ} [الأحزاب: 50]. وقال في المقدِّمة: ولا يثبت شيء من ذلك.
قوله: «وهبت لك نفسي»: وفي رواية: وهبت نفسي لك، وكلاهما بلام <3/17> التمليك، استعمِلت هنا في تمليك المنافع، أي وهبت أمر نفسي لك، أو نحو ذلك، وإلاَّ فالحقيقة غير مُرادة، لأنَّ رقبة الحرِّ لا تملك، فكأنَّها قالت: أتزوَّجك بالصداق.
قوله: «فسكت طويلا»: نعت للمصدر، أي سكوتا طويلا. وفي رواية للشيخين: فنظر إليها صلى الله عليه وسلم فصعَّد النظر فيها وصوَّبه ثمَّ طأطأ رأسه.
قوله: «فقال له رجلٌ»: قال ابن حجر:لم أقف على اسمه، ووقع في رواية للطبراني: فقام رجل أحسبه من الأنصار. (4/14)
صفحة 1008
قوله: «زوِّجنيها»: لم يقل: هبها لي، لأنَّ ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [الأحزاب: 50]، فلا بدَّ من صداقٍ: قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]. قال أبو عبيد: أي عن طيب نفس بالفريضة التي فرضها الله. وقال تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُومِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمُ، إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 5]. <3/18> وقال في الإماء: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 25]: يعني مهورهن، وإن اقتضى القياس أنَّ كُلِّ ما يجوز البدل بِهِ والعرض يجوز هبته، لَكِنَّ الله حرَّم بضع النساء إِلاَّ بالمهر، وأنَّ الموهوبة لا تحلُّ لغيره صلى الله عليه وسلم.
قوله: «إن لم تكن لك بها حاجة»: أي بتزوُّجها وقبول هبتها، وفيه حسن أدب.
قوله: «من شيء»: بزيادة من في المبتدإ، والخبرُ متعلَّق الظرف، وهو قوله: «عندك»، وجملة «تُصْدِقها إِيَّاهُ» في موضع رفعٍ صفةٌ لشيءٍ، فيجوز جزمه على جواب الاستفهام. و«تُصْدِقُ» يتعدَّى لمفعولين ثانيهما «إِيَّاهَا». وفي رواية: «تصدقها إيَّاه»، وهي أنسب بالمعنى.
قوله: «إلاَّ إزاري هذا»: زاد في رواية عند قومنا: فلها نصفه، قال: وماله رداء.
قوله: «إن أعطيتها إزارك جلست بلا إزار»: فيه دليل أنَّ من أصدق شيئًا خرج من ملكه، فمن أصدق جارية حرمت عليه. وفيه أنَّ شرط المبيع القدرة على تسليمه، فحيث كان هذا الإزار لا يمكنه دفعه لانكشاف عورته لم يصحَّ له أن يصدقه امرأته، فكذلك ما لا يقدر على تسليمه لا يصحُّ بيعه.
<3/19> قوله: «فالتمس»: أي فأطلب. (4/15)
صفحة 1009
قوله: «ولو خاتما من حديد»: قيل: المراد المبالغة لا التحديد، لأنَّ الرجل نفى قبل ذلك وجود شيء، ولو أقلَّ من خاتم حديد، وقيل: لعلَّه إِنَّمَا طلب منه ما يقدِّمه لا أنَّ جميع المهر خاتم حديد. ومنهم من أخذ بإشارته فأجاز التزويج على نحو ذلك، ومنهم منع التزويج بأقلَّ من ربع دينار، وهو أقلُّ ما يقطع بِهِ يد السارق. قيل: وفيه جواز التختُّم بالحديد، واختلف فيه السلف، فأجازه قوم إذ لم يثبت النهي عنه، ومنعه قوم وقالوا: كان هذا قبل النهي وقبل قوله: «إنَّه حلية أهل النار».
قوله: «هل عندك شيء من القرآن؟»: أي هل تحفظ شيئًا من سور القرآن ؟.
قوله: «لسور سَمَّاهَا»: في فوائد تمَّام أنَّها سبع من المفصَّل، ولأبي داود والنسائي من حديث أبي هريرة: سورة البقرة، أو التي تليها بأو. وللدارقطني عن ابن مسعود: البقرة وسور من المفصل. ولأبي الشيخ وغيره عن ابن عبَّاس: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. وفي فوائد أبي عمرو بن حيوية عن ابن عبَّاس قال: معي أربع سور أو خمس سور. وفي أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قم فعلِّمها عشرين آية وهي امرأتك. وجمع بينها بأن كلاًّ من الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر.
قوله: «زوَّجتها لك»: وفي رواية عند قومنا: «قد أنكحتُكَها»، وفي أخرى: «زوَّجناكها»، وفي أخرى: «ملَّكتُكَها»، وفي رواية الأكثرين: «زوَّجتها». (4/16)
صفحة 1010
<3/20> قوله: «بما معك من القرآن»: الباء للعوض، كبعتك ثوبي بدينار، ولم يردْ أنَّه أنكحها بحفظه القرآن، أي إنَّ الباء سببيَّة أي إكراما للقرآن، لأنَّها تكون حينئذ بمعنى الموهوبة، وذلك لا يجوز إِلاَّ له صلى الله عليه وسلم. قال عياض: ويمكن أَنَّهُ أنكحها له بما معه من القرآن إذ رضيه لها، ويبقى ذلك المهر مسكوتا عنه، إمَّا لأنَّه أصدق عنه كما كفَّر عن الواطئ في رمضان، وَوَدى المقتول بخيْبَر، إذ لم يحلف أهله رفقا بأمته؛ أو أبقى الصداق في ذمَّته، وأنكحه تفويضا حتَّى يجد صداقا، أو يتكسَّبه بما معه من القرآن، وليحرِّض على تعلُّم القرآن وفضل أهله وشفاعتهم بِهِ. وفي حديث ابن مسعود عند الدار قطني: «وقد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلِّمها، وإذا رزقك الله عوَّضتها، فتزوَّجها الرجل على ذلك»، وهذا قد يُقَوِّي ذلك الاحتمال.
واستدلَّ قوم بالحديث على جواز جعل المنافع صداقا، واستدلَّ بِهِ آخرون على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبه قال الجمهور، ويدلُّ له أيضًا حديث الصحيح: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» وكرهه آخرون، والله أعلم.
باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز
ماجاء في النَّهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
<3/21> قوله: «عن أبي سعيد الخدريِّ»: الحديث لأرباب السنن معناه من طرق أُخر، وهو عند أحمد ومسلم من حديث عقبة بن عامر. (4/17)
صفحة 1011
قوله: «لا يخطبنَّ» بنون التأكيد. وفي رواية مالك عن أبي هريرة: «لايخطب أحدكم»، بلا نون، ورواية المصنِّف تقتضي جعل «لا» ناهية، وليس فيها الاحتمال الموجود في رواية أبي هريرة أن تكون نافية، لأنَّ التأكيد إِنَّمَا يكون عند الناهية لا عند النافية. وحكى النوويُّ أنَّ النهي فيه للتحريم بالإجماع. وقال الخطابي: إنَّ النهي هنا للتأديب، وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء. قال ابن حجر: ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور؛ بل هو عندهم للتحريم، ولا يبطل العقد. ثمَّ اختلف القائلون بالتحريم، فقيل: محلُّ التحريم إذا صرَّحت المخطوبة بالإجابة، أو وليُّها الذي أذنت له، فلو وقع التصريح بالردِّ فلا تحريم.
وتُعُقِّب بأنَّه ليس في الأحاديث ما يدلُّ على اعتبار الإجابة، وقيل: لا تمنع الخطبة إِلاَّ بعد التراضي على الصداق، ولا دليل على ذلك. وقال داود الظاهري: إذا تزوَّجها الثاني فسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وقيل: يفسخ قبله لا بعده. (4/18)
صفحة 1012
<3/22> قوله: «على خطبة أخيه»: بكسر الخاء هي خطبة النكاح، وتُضمُّ في غيره. والمراد بأخيه أخوَّة الإسلام العامَّة، فيشمل الموافق والمخالف، فلا تجوز الخطبة على خطبة أحد منهم، لأنَّ ذلك من حقوقهم العامَّة كالسلام وتشميت العاطس وتغسيل الميِّت والصلاة عليه ونحو ذلك. وقيل: إن كان الخاطب فاسقا جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، وهو متَّجه عند بعضهم إذا كانت المخطوبة عفيفة، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كَلاَ خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، ولعلَّ من أطلق جواز الخطبة علىخطبة الفاسق يجعل الأخوَّة في الحديث أخوَّة خاصَّة بالوليِّ في الدِّين، والظاهر غيره. واستُدِّل بِهِ على تحريم خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى إلحاقا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته: أن ترغب امرأة أخرى في رجل فتدعوه إلى تزويجها فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى فتدعوه وترغِّبه في نفسها وتزهِّده في التي قبلها، ومحلُّ هذا إذا عزم المخطوب على أن لا يتزوَّج إِلاَّ واحدة؛ فأمَّا إذا جمع بينهما فلا تحريم. (4/19)
صفحة 1013
قوله: «ولا يساوم على سوم أخيه»: المراد بأخيه المسلم، كان موافقا أو مخالفا، فالنهي عن السوم على سومه من الحقوق العامَّة في الإسلام، والحكمة فيه وفي النهي عن الخطبة على خطبته ائتلافُ القلوب والاجتماع على التوادد، فإن الإنسان إذا خطب على خطبة أخيه أو ساوم على سومه ربَّما يحصل لصاحبه من ذلك نفرةٌ، فيضمر الحقد، فيورث التدابر والتقاطع المنهيَّ عنهما في عموم الإسلام، فلا معنى لقول من أجاز السوم على سوم غير الوليِّ حملاً للأخوَّة في الحديث على الأخوَّة الخاصَّة في الدِّين، وهي الأخوَّة التي بمعنى الولاية، فإنَّه لو قصر على ذلك لظهرت مفسدة التقاطع والتدابر. ويُستثنى من ذلك البيعُ بالنداء فإنَّه معرض فيمن يزيد، وكذلك يستثنى المشرك، فإنَّ السوم على سومه جائز، لأنَّه ليس بأخ في الإسلام، ولا أُلْفَة بينه وبين المسلمين، فلا تُخشى معه المفسدة المحذورة بين المسلمين بعضهم مع بعض، والله أعلم.
<3/23> ما جاء في النهي أن يُجمع بين المرأة وعمَّتها أو المرأة وخالتها
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم، وللجماعة معناه أيضًا، قال ابن عبد البَرِّ: أكثر طرقه متواترة عن أبي هريرة، وزعم قوم أنَّه تفرَّد بِهِ، وليس كذلك. (4/20)
صفحة 1014
قوله: «لا يجمع بين المرأة وعمَّتها، ولا بين المرأة وخالتها»: لا بالتزويج ولا بالتسرِّي، وحيث حرم الجمع فلو نكحهما معًا بطل نكاحهما، إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان بأولى من الأخرى، فإن نكحهما مرتِّبا بطل نكاح الثانية، لأنَّ الجمع حصل بها، وقد بيَّن ذلك في رواية أبي داود والترمذي، وقال: حسن <3/24> صحيح من وجه آخر عن أبي هريرة، وفيه: «لا تنكح المرأة على عمَّتها، ولا العمة على ابنة أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على ابنة أختها، ولا تنكح الصُّغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى»، والكبرى: العمَّة والخالة، والصغرى: بنت الأخ وبنت الأخت، وهو من عطف التفسير على جهة التأكيد والبيان، ولذا لم يجئ بينهما بالعاطف. وقيل: إن دخل بالثانية حرمتا معا، ولفظ العمَّة والخالة يصدق على عمَّتها وخالتها وعلى عمَّة أبيها وخالة أبيها، وهكذا وإن علوْنَ. والتحريم شامل للجمع بينها وبين عمَّتها القريبة أو البعيدة. وقال النووي: العمَّة حقيقةً إِنَّمَا هي أخت الأب، وتطلق - أي مجازا - على أخت الجدِّ أو أب الجدِّ وإن علا، والخالة أخت الأمِّ وتطلق على أخت أمِّ الأمِّ أو أمِّ الجدة، سواء كانت الجدَّة لأمٍّ أو لأب. قالوا: والعلَّة في تحريم الجمع بينهما خوف القطيعة بين الأرحام، وقاس بعض السلف عليه جملة القرابة، فمنع الجمع بين ابنتي العمِّ وبنتي العمَّة والخالة. وأخرج الخلاَّل من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن أبي بكر وعمر وعثمان أنَّهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن. وأجاز الجمهور الجمع بين بنات العمِّ وبنات الخال، وقصروا النصَّ على مورده. وحكى البخاريُّ عن الحسن بن الحسن <3/25> بن عليٍّ أنَّه جمع بين ابنتي عمٍّ قال: وكرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمُ} [النساء: 24]. (4/21)
صفحة 1015
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح، قال: وكان يلزم من يقول بدخول القياس في مثل هذا أن يحرِّمه.
واختلفوا في الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها، فقيل بتحريمه لأنَّها عمتها من هذا الوجه، وأيضا فهي معها بمنزلة الرجل مع ربيبته التي دخل بأمِّها. وقيل بكراهة ذلك دون تحريم. وقيل بجوازه. وروى الدارقطني عن ابن عبَّاس أنَّه جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها بعد طلقتين وخلع. وروى الدارقطني أيضًا عن رجل من أهل مصر كانت له صحبة، يقال له جبَلة أنَّه جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها. قال البخاري: وجمع عبد الله بن جعفر بين ابنة عليٍّ وامرأة عليٍّ. قال غيره: وبنت عليٍّ هي زينب، وامرأته هي ليلى بنت مسعود النهشلية. وفي رواية أنَّ ابنة عليٍّ هي أمُّ كلثوم بنت فاطمة، قال : ولا تعارض بين الروايتين في زينب وأمِّ كلثوم، لأنَّه تزوجهما عبد الله بن جعفر واحدة بعد أخرى مع بقاء ليلى في عصمته، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن المتعة وعن أكل لحوم الحمر الإنسيَّة
<3/26> قوله: «بلغني عن عليِّ بن أبي طالب»: الحديث رواه أيضًا البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمَّد بن عليٍّ عن أبيهما عن عليٍّ، ثمَّ ذكره.
قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم...»الخ اختلف العلماء في توجيه النهي عن ذلك، فمنهم من حمله على التحريم، ومنهم من حمله على الكراهة، والتحريم أقوى لأدلَّة أخرى، ولأنَّه الأصل في النهي عند الإطلاق. (4/22)
صفحة 1016
قوله: «عن متعة النساء»: وذلك أنَّها كانت حلالا في الجاهليَّة وفي صدر الإسلام، وهي أن يتزوَّج الرجل بكذا وكذا على شرط أيَّام معلومة فإذا تَمَّ الأجل أعطاها أجرها الذي فرض لها، فإن أحبَّ أن تزيده في الأيَّام قال لها: أزيدك في الأجرة وتزيدينني في الأيَّام، فإن شاءت المرأة فعلت ذلك، وَلاَ بُدَّ فيه من وليٍّ وشاهدين كغيره من النكاح، إِلاَّ أنَّهما لا يتوارثان، وكذلك لا عِدَّة ولا نفقة ولا سكنى ولا كسوة. وأكثر القول أنَّه منسوخ، قيل: نسخته آية الميراث، وقيل: نسخه هذا الحديث، وقيل: إنَّها باقية لم تنسخ، وهو قول الأقلِّ من الناس، وبه قال من أئمَّة المذهب الربيع وأبو صُفرة عبد الملك بن صفرة ومحمَّد بن محبوب رضي الله عنهم، ويوجد عن أبي صفرة: لو وجدت من يمتِّعني لاستمتعت. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال: لو أطاعني عمر في نكاح المتعة لم يُجلَد على الزنا إِلاَّ شقيٌّ. (4/23)
صفحة 1017
وفي وفيات الأعيان قال: وحدَّث محمَّد بن منصور قال: كُنَّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكِّرَا غدًا إليه، فإن رأيتما للقول وجها فقولا وَإِلاَّ فاسكتا إلى أن أدخل، فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد <3/27> أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنهما، ومن أنت ياعمر حتَّى تنهى عَمَّا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ؟ فأومأ أبو العيناء إلى محمَّد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطَّاب ما يقول نكلِّمه نحن؟ فأمسكنا فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيِّرًا؟ فقال: هو غمٌّ ياأمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا ؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا ؟ قال: من كتاب الله عزَّ وجلَّ وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: {قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ الذِينَ هُمْ فيِ صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىآ أَزْوَاجِهِمُ، أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىا وَرَآءَ ذَالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 1-7] ياأمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتُلحِقُ الولدَ ولها شرائطها ؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوزُ هذين من العادين، وهذا الزهريُّ روى عن عبد الله والحسن ابني محمَّد بن الحنفيَّة عن أبيهما عن عليِّ بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها، فالتفت إلينا المأمون (4/24)
صفحة 1018
فقال: المحفوظ من هذا حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك، فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادَوْا بها. كذا ذكره في الوفيات، وهي مناظرة حسنة، ولهذا نقلتها كما وجدتها، وكان المأمون يميل إلى التشيُّع، وإنَّما يدعونه بأمير المؤمنين جرياً على قاعدتهم في إثبات الإمارة بالقهر والغلبة.
<3/28> قوله: «وعن أكل لحوم الحمُر الإنسيَّة»: أي الأهلية، من الإنس، بكسر الهمزة وسكون النون، وَصَرَّحَ الجوهري أنَّ الأَنَس بفتحتين ضدُّ الوحشة، ولم يقع في روايات الحديث بضمٍّ ثمَّ سكون، وهو في اللغة ثابت. ويؤخذ من وصف الحمر بالإنسية جواز أكل الحمر الوحشية. وأخرج البخاري في الذبائح من طريق مالك بلفظ: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهليَّة». وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة، وعن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهليَّة، قال: قد كان يقول ذلك الحَكَم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكنْ أبى ذلك البحر ابن عبَّاس وقرأ: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا...} [الأنعام: 145] رواه البخاري. وفي نيل الأوطار(8/95): هذا الاستدلال إِنَّمَا يتمُّ في الأشياء التي لم يرد نصٌّ بتحريمها، وأمَّا الحمر الإنسيَّة فقد تواترت النصوص على <3/29> ذلك، والتنصيص على التحريم مقدَّم على عموم التحليل وعلى القياس، وأيضا الآية مَكِّيَّة، والحديث يوم خيبر مدنيٌّ. (4/25)
صفحة 1019
واختلفوا في علَّة التحريم فقيل: إِنَّهَا مخافة قِلَّة الظهر، أو لأنَّها كانت تأكل العذرة أو لأَنَّهَا لم تُخمَّس. قال الحافظ: وقد وردت علل أخر، ولا مانع أن يعلَّل الحكم بأكثر من علَّة، أمَّا التعليل بخشية قِلَّة الظهر فأجيب عنه بالمعارضة بالخيل، فلو كانت العلَّة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلَّتها عندهم وعزَّتها وشدَّة حاجتهم إليها. ويحتمل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص لهم في مجاعتهم، وبيَّن علَّة تحريمها المطلق بكونها تأكل العذرات.
وقال ابن عبد البَرِّ: روَى عن النبيء صلى الله عليه وسلم تحريمَ الحمر الأهليَّة عليٌّ وعبد الله بن عمر وجابر والبراء وعبد الله بن أبي أوفى وأنس وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح وحسان.
ماجاء أنَّ الْمُحْرِم لا يَنكِح ولا يُنكِح
الحديث رواه أيضا الجماعة إلاَّ البخاريُّ، وليس للترمذي فيه «ولا يخطب». وروى مالك عن نافع عن نُبَيْه بن وهب أخي بني عبد الدار أنَّ عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحاج، وهما محرمان: قد أردت أن أنكح طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير وأردت أن تحضر، فأنكر ذلك عليه أبان فقال: سمعت عثمان بن عفَّان يقول: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ ينكح المحُرم ولا يُنكِح ولا يَخطُبْ».
<3/30> قوله: «لا يَنكِحْ»: بفتح أوَّله وكسر الكاف وسكون الحاء المهملة على أنَّ «لا» ناهية، أي لا يعقدْ لنفسه، والمرادُ بالمحرم من أحرم بحجٍّ أو عمرة.
وقوله: «لا يُنكِحْ» بضمِّ أوَّله وكسر الكاف وسكون الحاء على النهي، كما ذكر الخطَّابي أنَّه الرواية الصحيحة، ومعناه: لا يزوِّج امرأة بولاية ولا بوكالة في مدَّة الإحرام، قال العسكري: ومَنْ فَتَحَ الكاف من الثاني فقد صحَّف. (4/26)
صفحة 1020
قوله: «ولايَخطُبْ»: أي لا يخطب المرأة، وهو طلب زواجها، وقيل: لا يكون خطيباً في النكاح بين يدي العَقد، والظاهر الأَوَّل، وقيل: يحتمل أن يريد بِهِ السفارة في النكاح، ويحتمل أن يريد الخطْبة حالة النكاح، يعني أنَّ اللفظ قابلٌ للكلِّ.
قلت: وهو بجميع احتمالاته ممنوعٌ. وحمَل الشافعيَّة النهي في الخطبة على التنزيه، وهو خلاف سياق الحديث، فإنَّ النهي في العقد على التحريم عند الجمهور، والشافعيَّة توافق في ذلك، فلوْ عقد بطل عقده ولزمه الجزاء. وقال الكوفيُّون وأبو حنيفة: يصحُّ نكاح المحرم وإنكاُحه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه ليس نهيًا عن نكاح المحرم، بل هو إخبار عن حاله، وأنَّه لاشتغاله بنُسكه لا يتَّسع زمانه لعقد النكاح، ولا يتفرَّغ له، وبأنَّ المراد بالنكاح هنا الوطْءُ لا العقد، فقوله: «لا ينكِحْ» أي لا يطأ.
وتُعُقِّب بِأَنَّ الرواية الصحيحة الجزمُ على النهي لا على حكاية الحال، وحملُه عليها لا يكون إخباراً عن أمر شرعيٍّ، بل عن قَضِيَّة يشترك في معرفتها الخاصُّ والعامُّ، وحمل كلام الشارع على الشرعيَّات التي لا تُعلم إِلاَّ من جهته أولى، وأيضا فإنَّ أبانَ راوي الحديث فهم أنَّ المراد النهي، وأنكر على عمر بن عبيد الله وأقام عليه الحجَّة بالحديث. وحملُ النكاحِ على الوطْء لا فائدة فيه إذ هو أمر مقرَّر يعلمه كلُّ أحد. وأيضا فهو خلاف فهم راويه ولو صحَّ في الجملة الأولى لم يصحَّ في الثانية، فَإِنَّ <3/31> قوله «لا ينكِحْ» نهيٌ عن التزويج بلا شكٍّ، وإذا مُنِع من العقد لغيره فأولى لنفسه، والله أعلم. (4/27)
صفحة 1021
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا الجماعة، وللبخاريِّ: «تزوَّج النبيء صَلَّى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال وماتت بسَرِف». وروى أحمد والترمذي عن أبي رافع أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ ميمونة حلالا وبنى بها حلالا، وكنتُ الرسولَ بينهما. وروى أحمد والترمذي ومسلم وابن ماجه عن يزيد بن الأصمِّ عن ميمونة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَها حلالا وبنى بها حلالا، وماتت بسرف، فدفناَّها في الظلَّة التي بنى بها فيها. ولفظ مسلم وابن ماجه: «تزوجها <3/32> وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاس»، فنشأ من اختلاف الرواية اختلاف الناس في صحَّة تزويج المحرم، ورجحت رواية أبي رافع وميمونة، أمَّا أبو رافع فلأنَّه كان السفيرَ بينهما، وهو أعلم بالقصَّة من ابن عبَّاس، وأمَّا ميمونة فإنَّها صاحبة القصَّة وهي أعلم بالحال. وقال بعضهم: تَزَوَّجَها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثمَّ بنى بها وهو حلال بسَرِف وبطريق مَكَّة.
قوله: «بِخالته»: أي خالة ابن عبَّاس، فإنَّها رضي الله عنها كانت أخت لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة الكبرى أمُّ أولاد العبَّاس وقد تقدَّم نسبها. وقال في أسد الغابة: تَزَوَّجَها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زوجها سنة سبع في عمرة القضاء في ذي القعدة، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إليها فخطبها فجعلت أمرها إلى العبَّاس بن عبد المطلب، فزوَّجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل العبَّاس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ ميمونة بنت الحارث تأيَّمت من أبي رهم بن عبد العزَّى، هل لك أن تزوِّجها؟ فتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (4/28)
صفحة 1022
قوله: «وهو محرم»: يعني أنَّه صلى الله عليه وسلم حال تزوُّجه بميمونة كان محرما بالعمرة عمرة القضاء، في عام سبع. وروى أبو داود أنَّ سعيد بن المسيّب قال: وَهِمَ ابن عبَّاس في قوله: تَزَوَّجَ ميمونة وهو محرم، وتُعُقِّب بأنَّه قد صحَّ من رواية عائشة وأبي هريرة نحوُه. وقيل: معناه أنَّه تَزَوَّجَها في أرض الحرم وهو حلال، فأطلق ابن عبَّاس على من في الحرم أنَّه محرم، وهو بعيد جدًّا. والأوْلى أن يقال: إنَّ غاية حديث ابن عبَّاس حكاية فِعْلٍ، وهي لا تعارض صريح القول في النهي عن أن ينكح المحرم أوْ يُنكِح، أو يقال: إنَّ فعلَه صلى الله عليه وسلم مخصَّص له من عموم ذلك القول، والله أعلم.
<3/33> ما جاء في وليمة العُرْسِ
قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا الجماعة من حديث أنس. قال ابن عبد البَرِّ: رواه روح عن عُبادة عن مالك عن حميد عن أنس عن عبد الرحمن أنَّه جاء، قال: فجعله من مسند عبد الرحمن. (4/29)
صفحة 1023
قوله: «جاء عبد الرحمن بن عوف»: بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرَّة القرشيُّ الزهريُّ، يكنَّى أبا محمد، كان اسمه في الجاهليَّة عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وأمُّه الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم <3/34> قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وكان من المهاجرين الأَوَّلِينَ، هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرا وأحداً والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل إلى كلب وعمَّمه بيده وسدلها بين كتفيه، وقال له: إن فتح الله عليك فتزوَّج بنت ملكهم، أو قال: شريفهم، وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم، فتزَّوج ابنته تماضر بنت الأصبغ، فولدت له أبا سلمة بن عبد الرحمن، وكان رضي الله عنه أحد العشرة، وأحد الشورى الذين اختارهم عمر للأمر بعده، وأخرج منها نفسه واختار للمسلمين، وروى عنه ابن عبَّاس وابن عمر وجابر وأنس وجبير بن مطعم، وبنوه إبراهيم وحميد وأبو سلمة ومصعب أولاد عبد الرحمن والمسور بن مخرمة، وهو ابن أخت عبد الرحمن وعبد الله بن عامر بن ربيعة ومالك بن أوس بن الحدثان وغيرهم.
وَتُوُفِّيَ سنة إحدى وثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وسبعين سنة، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله. (4/30)
صفحة 1024
قوله: «وبهِ أثر صُفرة»: أي وبثوبه أو جلده أثر صفرة تَعَلَّقَت بِهِ من العروس، هذا أوْلى ما فسِّر بِهِ، وفي حديث: «وبه رَدْعٌ من زعفران»: أي أثره، قيل: والنهي من تزعفر الرجل خاصٌّ بما قصد بهِ التشبُّه بالنساء، وقيل: يرخص فيه للعروس. وذكر أبو عبيد أنَّهم كانوا يرخِّصون فيه للشابِّ أيَّام عرسه، وقيل: لعلَّه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عَلَيْهِ لأنَّه يسير، وقيل: كان من ينكح أوَّل الإسلام يلبس ثوبا مصبوغا بصفرة علامة للسرور، وهذا غير معروف.
قوله: «ما بِكَ؟»: أيْ أيُّ شيء نزل بك؟ وفي رواية: «فقال: ما هذا؟». وفي رواية: «فقال: مَهيمْ»، أي: ما هذا ؟. قال عياض: فيه افتقاد الكبير أصحابه وسؤاله عمَّا يختلف عليه من حالهم، وليس هو من كثرة السؤال المنهيِّ عنه. <3/35> وقال الطيبي: يحتمل أنَّه إنكار لأنَّه كان نهى عن التضمُّخ بالطيب، فأجابه بأنَّه لم يتضمَّخ به وإنَّما تعلَّق به من العروس.
قوله: «امرأة من الأنصار»: قال ابن حجر: ولم تسمَّ، إِلاَّ أنَّ الزبير بن بكار جزم بأنَّها ابنة أبي الْحَيْسَر، بفتح المهملتين بينهما تحتِيَّة ساكنة آخره راء، واسمه: أنس بن رافع الأنصاري، وَأَنَّهَا ولدت له القاسم وأبا عثمان عبد الله.
قوله: «كم سقت إليها؟»: أيْ مهرا، وفي رواية: «كم أصدقتها»، وفيه أنَّه لاَ بُدَّ في النكاح من المهر.
قوله: «نواة من ذهب»: وفي رواية: «زنة نواة من ذهب»، وفي أخرى: «تزوَّجت امرأة على وزن نواة من ذهب». ورجَّح الداودي الرواية الأولى وهي التي عند الْمُصَنِّف، واستنكر رواية من روى «وزن نواة»، وتعقَّبه ابن حجر بأنَّ الذين جزموا بذلك أئمَّة حُفَّاظ. واختُلف في المراد بنواة من ذهب، فقيل: المراد واحدة نوى التمر، وأنَّ القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورُدَّ بأنَّ نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارا لما يوزن بِهِ؟. (4/31)
صفحة 1025
وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عمَّا قيمته خمسة دراهم من الوَرِق، ونقله عياض عن أكثر العلماء، وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة وربع، وقال بعض الْمَالِكِيَّة: النواة عند أهل المدينة ربع دينار، وقال الشافعي: النواة ربع النشِّ، والنشُّ نصف أوقية، والأوقية أربعون درهما فتكون خمسة دراهم. وقال أبو عبيد: إنَّ عبد الرحمن دفع خمسة دراهم وهي تسمَّى نواة كما تسمَّى الأربعون أوقية. والحديث يدلُّ على أنَّه يجوز أن يكون المهر شيئًا حقيرا كوزن نواة من ذهب ونحوها. قال عياض: الإجماع على أنَّ مثل <3/36> الشيء الذي لا يُتموَّل ولا له قيمة لا يكون صداقا ولا يحلُّ به النكاح. وخرق ابن حزم الإجماع فقال: يجوز بِكُلِّ شيء ولو كان حبَّة من شعير، ورُدَّ بقوله صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتما من حديد»، لأنَّه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شكَّ أنَّ الخاتم من الحديد له قيمة. (4/32)
صفحة 1026
قوله: «أوْلِمْ ولَوْ بشاة»: الأمر بالوليمة للندب، وقيل: للوجوب، لحديث: «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله»، ورُدَّ بأنَّه لا حجَّة فيه لأَنَّ العصيان في ترك الإجابة لا في ترك الوليمة، ولا يرد في أنَّ الدعوة لا تجب والإجابة واجبة، كالسلام لا يجب الابتداء بِهِ وردُّه واجب، و«لوْ» في قوله: «ولو بشاة» تقليليَّة، والمعنى أنَّ الشاة لأهل السَّعة أقلُّ ما يكون، وليس المراد التحديد حتَّى لا يجزئ أقلُّ منها لمن لم يجدها، بل على طريق الحضِّ والإرشاد، ولا خلاف أنَّه لا حدَّ لها، وهي بقدر حال الرجل. وفائدتها شهرة الدخول لما يتعلَّق بِهِ من الحقوق، وللفرق بين النكاح والسِّفاح. وظاهر الحديث أَنَّهَا بعد الدخول، وأجازها مالك قبله، واستحبَّها ابن حبيب من أصحاب مالك عند العَقد وعند البناء، واستحبَّها بعض الْمَالِكِيَّة قبل البناء ليكون الدخول بها، وهي استحبابات مخالفة للسنَّة. واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين، فقيل بجوازه وقيل بكراهيته، وأجاز الحسنُ في اليوم الأوَّل والثاني ولم تجب في الثالث، وروي عن ابن المسيِّب مثله، وأوْلَمَ ابنُ سيرين ثمانية أَيَّام، وقيل: إنَّ اليوم الثاني فضل والثالث سُمعة، ومن أجازه قالوا: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوليمة لما فيها من إشهار النكاح مع ما يقترن بها من مكارم الأخلاق. وقال بعضهم: استُحِبَّ الإطعام في الوليمة وكثرة الشهود ليشتهر النكاح وتثبت معرفته، والمباهاة حرام عند الجميع، والله أعلم.
<3/37> ما جاء في تزْويج الصَّبيَّة
قوله: «كانت عائشة»: هي أمُّ المؤمنين بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنها، وأمُّها أمُّ رُومان، وقد تقدَّم ذكرها في الجزء الأوَّل، وكان جبريل قد عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم صورتها في سَرِقة حرير في المنام لَمَّا توفيت خديجة، وكنَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير. (4/33)
صفحة 1027
قوله: «تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم»: أي زوَّجه بها أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وقيل: تَزَوَّجَها بعد خديجة بثلاث سنين، وَتُوُفِّيَت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل: بخمس سنين، والقولان الأوَّلان أقرب إلى الصواب. وعن عائشة قالت: لَمَّا تُوُفِّيَت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون، وذلك بِمَكَّةَ: <3/38> أيْ رسول الله ألا تَزوَّجُ؟ قال: ومن؟ قلتُ: إن شئتَ بكرا وإن شئتَ ثيِّبًا، قال: فمن البكرُ؟ قلتُ: ابنة أحبِّ خلق الله إليكَ عائشةُ ابنة أبي بكر، قال: ومن الثيِّب؟ قلتُ: سودةُ بنت زمعة بن قيس آمنَتْ بك واتَّبَعتْك على ما أنت عليه، قال: فاذهبي فاذكريهما عليَّ، فجاءت فدخلت بيت أبي بكر فوجدت أمَّ رومان أمَّ عائشة، فقالت: أيْ أمَّ رومان، ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذلك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: وهل تصلح له؟ إِنَّمَا هي ابنة أخيه، وددتُ، انتظري أبا بكر فإنَّه آتٍ، فجاء أبو بكر فقالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له؟ إِنَّمَا هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ارجعي وقولي له: أنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي، فأتت أبا بكر، فقال: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فأنكحه. (4/34)
صفحة 1028
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن الثَّيِّبُ؟ قالت: سودةُ بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك، قال: اذهبي فاذكريها عليَّ، قالت: فخرجتُ فدخلتُ على سودة فقلت: ياسودة ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك عليه، قالت: وددتُ، أدخلي على أبي فاذكري ذلك له، قالت: وهو شيخ كبير قد تخلَّف عن الحجِّ، فدخلتُ عليه فقلتُ: إِنَّ محمَّد بن عبد الله أرسلني أخطب عليه سودة، قال: كفءٌ كريم، فماذا تقول صاحبتُك؟ قالت: تحبُّ ذلك، قال: ادعيها، فدعتها فقال: إنَّ محمَّد بن عبد الله أرسل يخطبك وهو كفؤٌ كريم، أفتحبِّين أن أزوِّجك؟ قالت: نعم، قال: فادعيه لي، فدعته فجاء فزوَّجها. وجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجِّ فجعل يحثو التراب على رأسه، وقال بعد أن أسلم: إنِّي لسفيه يوم أحثو التراب على رأسي أنْ تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم سوْدة.
<3/39> قوله: «وهي بنت ستِّ سنين»: وفي رواية عن عائشة: «بنْت سبع سنين»، والأولى أكثر، وجُمع بينهما بِأَن كان لها ستٌّ وكسرٌ، ففي رواية اقتصرت على الستِّ، وفي أخرى عدَّت السنة التي دخلت فيها.
قوله: «وابتنى بها»: أي دخل بها، يقال: بنى على أهله وابتنى عليها إذا دخل عليها، فالباء في قوله: «وابتنى بها» بمعنى على، وهي للتعدية، ويُضمَّن «ابتنى» معنى دخل، قال الجوهريُّ: والعامَّة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وتُعُقِّبَ بأنَّه قد قاله هو أيضًا بالباء في عُرسٍ، فإن كان خطأً فقد شاركهم فيه، وإن كان صوابا فقد تعجَّل في التخطئة، وكان الأصل فيه أنَّ الداخل بأهله كان يَضرِبُ عليها قُبَّةً ليلة دخوله بها، فقيل لِكُلِّ داخل بأهله: بَانٍ. (4/35)
صفحة 1029
قوله: «وهي بنتُ تسع سنينَ»: وقيل: بنت عشر سنين، والأوَّل أكثر وأصحُّ. وكان ذَلِكَ في المدينة على رأس تسعة أشهر، وقيل: ثمانية عشر شهراً من الهجرة في شوال، وقيل: البناء بها في الثامن والعشرين من ذي الحجَّة، وقيل: زفافها وقع في السنة الثانية، والأوَّل أصحُّ. وعن عائشة أنَّها قالت: تزوَّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم في شوَّال وبنى بي في شوَّال فأيُّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده منِّي؟ وكان البناء بها يوم الاربعاء ضحًى في منزل أبي بكر بالسِّنخ.
وأخرج الشيخان عن عائشة أنَّها قالت: تزوَّجَني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت <3/40> ستِّ سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزَّق شعري، فأتتني أُمِّي أمُّ رومان، وإنِّي لفي أرجوحة مع صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها ما أدري ما تريد منِّي، فأخذت بيدي حتَّى أوقفتني على باب الدار وأنا أُنْهِجُ حتَّى سكن بعض نفسي، ثمَّ أخذت شيئًا من ماء فمسحت وجهي ورأسي، ثمَّ أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة، فأسلمتني إليهنَّ فأصلحن من شأني، فلم يَرُعْني إِلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضُحىً فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين. (4/36)
صفحة 1030
قوله: «وما تزوَّج من نسائه بكرا إِلاَّ هي»: وكان جملة ما تزوَّج صلى الله عليه وسلم من المشهورات المتَّفق عليهنَّ إحدى عشرة امرأة: ستٌّ من قريش، وأربع عربيَّات، وواحدة غير عَرَبِيَّة من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران، وهي صفيَّة بنت حييّ رضي الله عنها، مات منهنَّ اثنتان في حياته صلى الله عليه وسلم: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية، وكانت أخت ميمونة ابنة الحارث لأمِّها. وقد ذكر أنَّه صلى الله عليه وسلم تزوَّج نسوة غير الإحدى عشرة المتقدِّم ذكرهنَّ، وإن جملة من تَزَوَّجَ من غيرهنَّ اثنتا عشرة امرأة، يضيق المقام عن ذكْرهنَّ على التفصيل.
<3/41> قوله: «وهي بنت ثماني عشرة سنة»: يعني أنَّ عمرَها حين مات النبيء صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سنة، فتكون جملة إقامتها معه تسع سنين.
قوله: «وعاشت بعده ثمانيَ وأربعين سنة»: فيكون عمرها رضي الله عنها ستًّا وَسِتِّينَ سنة.
قوله: «في زمان معاوية»: أي في زمان سَطوته ودولته.
قوله: «وذلك في رمضان»: في ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.
قوله: «سنة ثمان وخمسين»: وقيل: سنة سبع وخمسين من الهجرة. (4/37)
صفحة 1031
قوله: «وصلى عليها أبو هريرة بالبقيع»: وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيَّام معاوية، وكانت قد أوصت أن تدفن بالبقيع ليلاً، فدُفنت ونزل في قبرها خمسةٌ: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر. والحديث يدلُّ على صحَّة تزويج الصَّبية، وأنَّ أمرها ما دامت صبيَّة إلى أبيها ليس لها من نفسها اختيار، وبذلك قال بعض العلماء، فأجازوا الدخول بالصبيَّة إذا زوَّجها أبوها، وألْحق آخرون غيرَ الأب من الأولياء بالأب عند عدمه. ومنهم من قال: إنَّ تزويجَها موقوفٌ إلى بلوغها، فإن أتمَّته تمَّ وإن نقضته انتقض. ومنهم من لم يرَ تزويج الصَّبيَّة شيئًا، ونسب القول بذلك إلى جابر بن زيد من أئمَّتنا، وبه قال من قومنا ابن شُبرمة وأبو بكر الأصم. وَكَأَنَّ هؤلاء رأوا أنَّ فعله صلى الله عليه وسلم في التزويج بعائشة خاصٌّ به، وأنَّه ليس لغيره من ذلك مثلُ الذي لهُ. والخصوصيَّة محتاجة إلى دليل، على أنَّه قد وقع بين الصحابة من غيره صلى الله عليه وسلم ولم ينكره أحدٌ، فتزوَّج عمر بن الخطاب أمَّ كلثوم بنت عليٍّ وهي صبيَّة، وَتَزَوَّجَ قدامة بن مظعون بنتَ الزبير يوم ولدت، وقد بسطتُ القول في المسألة في كتاب مفرد سميته «إيضاح البيان في نكاح الصبيان»، والله أعلم.
<3/42> بابٌ في الرَّضاعِ
ما جاء أنَّ الرَّضاعَ مثلُ النسب
الرضاع: بفتح الرَّاء وكسرها: اسمٌ لمصِّ الثدي وشرب لبنه، وهذا هو الغالب الموافق للُّغة. وهو في عُرف الفقهاء: اسمٌ لحصول لبن المرأة أو ما حصل منه في جوف طفل لم يبلغ الفصال. والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] وحديث: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة».
<3/43> قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث روى الجماعة معناه. (4/38)
صفحة 1032
قوله: «إنَّ أفلح»: بالفاء والحاء المهملة، هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: مولى أمِّ سلمة، وترجم له ابن الأثير في أسد الغابة ترجمةً مستقلَّةً، والذي يفهم من صنيعه أنَّ أفلح أخا أبي القعيس غيرُ أفلح مولى النبيء صلى الله عليه وسلم، وغيرُ مولى أمِّ سلمة.
قوله: «أخا أبي القعيس»: بضمِّ القاف وبعين وسين مهملتين مُصغَّرًا، واسمه: وائل بن أفلح الأشعري كما عند الدار قطني، وقيل: اسمه الجَعْد و«أخا» بالنصب بدل من أفلح، وهذا هو الصواب المشهور، وقيل: أفلح أبو القعيس، ووهم بعضهم هذا القول.
قوله: «وهو عمِّي من الرضاعة»: وفي رواية مَعْمَر عن الزهري عند مسلم: وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة.
قوله: «استأذن عليَّ»: أيْ طلب الإذنَ للدخول عليَّ.
قوله: «وذلك بعد أن نزل الحجاب»: أيْ وكان استئذانه ذلك بعد أن نزل حكم الحجاب أوْ آيتُهُ.
<3/44> قوله: «فأبيتُ»: أيْ امتنعتُ.
وقوله: «أن آذن له»: بالمدِّ، أيْ أن أبيح له ذلك للتردُّد في أنَّه مَحْرَمٌ، وغلَّبت التحريم على الإباحة وتوقَّفت للشكِّ في الحكم احتياطاً. زاد في رواية عن عروة عند البخاري فقال: «أتحتجبين منِّي وأنا عمُّكِ؟» فقلتُ: وكيف ذلك ؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي.
قوله: «فأخبرْتُه»: أيْ بما صنعت من منع أفلح ومراجعته القول في ذلك .
وقوله: «آذِني له»: أيْ أبيحي له الدخول، زاد في رواية قلت: إِنَّمَا أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: «ترِبَت يداكِ أوْ يمينك»!. وفي رواية: «صدق أفلح، آذني له»، ولمسلم: «لا تحتجبي منه فإنَّه يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من النسب».
وقوله: «فإنَّ الرضاعة مثل النسب»: أيْ حكمُها في التحريم حكم النسب، فالعمُّ من الرضاعة مثلُ العمِّ من النسب، واستُشكِل عمله صلى الله عليه وسلم بمجرَّد دعوى أفلح دون بيِّنة، وأجيب باحتمال اطِّلاعه على ذلك . (4/39)
صفحة 1033
قلت: وظاهر كلام عائشة أنَّها قد اطَّلعت على ذلك أيضًا، لكن جهلت الحكمَ فيه، وأنَّ تواطُؤ قول أفلح وعائشة في ذلك حجَّة، فيندفع الإشكال. والحديثُ يدلُّ أنَّ لبن الفحل يُحرِّمُ، فتثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن كما ثبتت في جانب المرضعة، وأنَّ زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرَّضيع، وأخاه بمنزلة العمِّ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أثبت عمومةَ الرضاع وألحقها بالنسب، لأنَّ سببَ اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما معًا، هذا مذهبنا ومذهبُ جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار. وقال بعض قومنا منهم ربيعة وداود وأتباعه: الرضاعة من قِبَل الرجل لا تُحرم شيئًا، لقوله <3/45> تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23]؛ قالوا: ولم يذكر البنات كما ذكرها في تحريم النسب، ولا ذكرَ من يكون من جهة الأبِ كالعمَّة كما ذكرها في النسب.
ورُدَّ بأنَّ ذكر الشيء لا يدلُّ على سقوط الحكم عمَّا سواه. وهذا الحديث نصٌّ في الحرمة، قالوا: اللبن لا ينفصل عن الرجل وإنَّما ينفصل عن المرأة، فكيف ينشرُ الحرمة إلى الرجل؟ وأجيب بأنَّه قياسٌ في مقابلة النصِّ، فلا يُلتفت إليه لاسيما وقد قالت عائشة هذا القياس: «إِنَّمَا أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل»، فقال: «إِنَّهُ عمُّك فَلْيَلِجْ عليك»، والله أعلم.
ما جاء أنَّه يحرم من الرّضاع مايحرم من النسب
<3/46> قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث أخرجه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
قوله: «كنت قاعدة...» إلخ: أيْ كان ذلك في حجرتها كما تدلُّ عليه رواية مالك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها.
قوله: «صوتَ إنسان»: وفي رواية مالك: «صوتَ رجل»، قال ابن حجر:لم أعرف اسمه.
قوله: «في بيت حفصة»: هي أمُّ المؤمنين بنت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. (4/40)
صفحة 1034
قوله: «أُراه»: بضمِّ الهمزة، أيْ أظنُّه، وهذا هو الفرق بين أُرى بمعنى أظنُّ والتي بمعنى أعلم، فإنَّ الأولى مضمومة الهمزة والأخرى مفتوحتها.
قوله: «لو كان عمِّي فلانا حيًّا...»الخ: قال ابن حجر: لم أقف على اسم عمِّ عائشة أيضًا، قال: ووهم من فَسَّرَه بأفلح أخي أبي القُعَيْس والد عائشة من <3/47> الرضاعة، وأمَّا أفلح فهو أخوه، وَهُوَ عمُّها من الرضاعة، وقد عاش حتَّى جاء يستأذن على عائشة فامتنعتْ فأمرَها صلى الله عليه وسلم أنْ تأذن له قال: والمذكور هنا عمُّها أخو أبيها أبي بكر من الرضاعة، أرضعتهما امرأة واحدة، وقيل: هما واحد وغلَّطه النوويُّ بأنَّ عمَّها في حديث أبي القعَيس كان حيًّا والآخر كان ميِّتًا، كما يدلُّ له قولها: «لو كان حيًّا»، وإنَّما ذكرت ذلك في العمِّ الثاني لأنَّها جوَّزت تبدُّل الحكم فسألت مرَّة أخرى. قال ابن حجر: ويحتمل أنَّها ظنَّت أنَّه مات لبعد عهدها بِهِ ثمَّ قدم بعد ذلك فاستأذن.
قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»: وفي رواية الموطأ: «إِنَّ الرضاعة تُحرِّم ما تُحرِّم الولادة»، والكلُّ تعليل لجواز الدخول، والمعنى أنَّه كما يجوز أن يدخل عليها عمُّها من النسب فكذلك يجوز أن يدخل عليها عمُّها من الرضاعة.
والحديث يدلُّ أنَّ قليل الرضاع يُحرِّم، إذ لم يُسأل صلى الله عليه وسلم عن عدَّة الرضعات بل جعله عامًّا بلا تفصيل. ويدلُّ أيضًا على أنَّه يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب وذلك بالنظر إِلىَ أقارب المُرضع لأنَّهم أقارب للرَّضيع، وأمَّا أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المُرضِع، والمحرَّمات من الرضاع سبعٌ: الأمُّ والأختُ بنصِّ القرآن، والبنت والعمَّة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت لأنَّ هؤلاء الخمس يحرُمْن من النسب. (4/41)
صفحة 1035
واختلف الناس هل يحرم بالرّضاع ما يحرم الصِّهار؟ ومذهبنا ومذهب الأئمَّة الأربعة أنَّه يحرُم نظير المصاهرة بالرضاع، فيحرم عليه أمُّ امرأته من <3/48> الرضاعة، وامرأة أبيه من الرضاعة، ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وعمَّتها وبنتها وبين خالتها من الرضاعة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وسائر العلماء، وحديث عائشة في عمِّها أفلح يدلُّ على ذلك، وقد وقع التصريح المطلوب في رواية لأبي داود بلفظ: قالت عائشة: دخل عليَّ أفلح فاستترت منه، فقال: أتستترين منِّي وأنا عمُّكِ؟ قلت: ومن أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت: إِنَّمَا أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدَّثْتُه، فقال: إنَّه عمُّك فليَلجْ عليك. وخالف في هذا بعضُ قومنا، ولا حاجة بنا لذكر ما قالوه من ذلك، والله أعلم.
ماجاء في الغِيْلة
<3/49> قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه أيضًا الجماعة إِلاَّ البخاري .
قوله: «أخبرتني جدامة»: بضمِّ الجيم وفتح الدال المهملة على الصحيح، وقيل: بالمعجمة، قال الدارقطني: من قالها بالمعجمة فقد صحَّف.
قوله: «بنت وهب الأسديَّة»: من أسد بني خذيمة، واسم أمِّها جُندب، وقيل: جندل، أسلمت بِمَكَّةَ وبايعت النبيء صلى الله عليه وسلم، وهاجرت مع قومها إِلىَ المدينة، وكانت تحت أُنيْس بن قتادة بن ربيعة من بني عمرو بن عوف، روت عنها عائشة حديث الباب. قال ابن عبد البَرِّ: كلُّ الرواة رووا هكذا إِلاَّ أبا عامر في العقيدة، فإنَّه جعله عن عائشة عن النبيء صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر جُدامة.
قوله: «لقد هممتُ»: أيْ قصدتُ. (4/42)
صفحة 1036
و«الغِيلةُ»: بكسر الغين المعجمة وبالهاء اسمٌ من الغَيْل بفتحها، والغِيال بكسرها، والغَيْلةُ بالفتح والهاء: المرَّة الواحدة، وقيل: لا تفتح الغين إِلاَّ مع حذف الهاء، وذكر بعضهم الوجهين في غيلة الرضاع، قال: وأمَّا غيلة القتل فبالكسر لا غير. وفي رواية لمسلم: «عن الغيال» وَهُوَ صحيح أيضًا .
قال الربيع: الغيلة حَمْلُ المرأة وهي تُرضع، وقال مالك: الغيلة أن يمَسَّ الرجل امرأته وهي ترضع، قال ابن عبد البرِّ: تفسير مالك هو قول أكثر أهل <3/50> اللغة وغيرهم. وقال الأخفش: هي إرضاع المرأة ولدها وهي حاملٌ لأنَّها إذا حملت فسد اللبن فيفسد جسم الصبيِّ ويضعف حتَّى ربَّما كان ذلك في عقله. وفي حديث مرفوعاً: «إنَّ الغيلة لتدرك الفارس فتُعثرُه عن فَرَسه» أو قال: «عن سرجه»، أيْ يضعفُ فيسقط عنه. وقال الشاعر:
فوارس لم يُغالوا في رضاع ... ... ... فتنبو في أكفِّهم السُّيوفُ
وقال العلماء: سبب همِّه صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الغيلة أنَّه يخافُ منه ضرر الولد الرضيع، لأنَّ الأطبَّاء يقولون: إنَّ ذلك اللبن داءٌ، والعرب تكرهه وتتَّقيه.
والروم: بضمِّ الراء، نسبة إِلىَ روم بن عيصو بن إسحاق. (4/43)
صفحة 1037
وفارس: لقب قبيلة ليس بأب ولا أمٍّ، وإنَّما هم أخلاط من تغلب اصطلحوا على هذا الاسم. والمعنى أنَّه صلى الله عليه وسلم همَّ أن ينهى عن الغِيلة حتَّى ذكر صنيع الروم <3/51> وفارس إِيَّاهَا فلم تضرَّ أولادهم شيئًا فترك النهي عن ذلك، يعني لو كان الجماع حال الرضاعِ أو الإرضاع حال الحمل مضرًّا لضرَّ أولاد الروم وفارس لأنَّهم يصنعون ذلك مع كثرة الأطبَّاء فيهم، فلو كان مضرًّا لمنعوهم منه. قال عياض: ففيه جوازُه إذ لَمْ ينه عنه لأنَّه رآه لا يضرُّهُ، والجمهور وإن أضرَّ بالقليل لأنَّ الماء يُكثِرُ اللبن وقد يغيِّره، والأطبَّاء يقولون في ذلك اللبن: إنَّه داء والعرب تتَّقيه، ولأنَّه قد يكون عنه حملٌ ولا يعرف فيرجع إلى إرضاع الحامل المتَّفق على مضرَّته. قال الباجي: لعلَّ الغيلة إِنَّمَا تضرُّ في النادر فلذا لم ينْهَ عنها رفقاً بالناس للمشقَّة على من له زوجة واحدة. قال عياض: وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في الأحكام. واختلف الأصوليون فيه. وقال غيره: وجه الاجتهاد أنَّه لَمَّا علم برأيٍ أو استفاضةٍ أنَّه لا يضرُّ فارس والرومَ قاس العرب عليهم للاشتراك في الحقيقة. (4/44)
صفحة 1038
وقول الربيع: «الغيلة حَمْلُ المرأة وهي تُرضع»: هو معنى قول الأخفش: إنَّ الغيلة إرضاع المرأة ولدها وهي حامل، وقال ابن السكيت: هي أن ترضع المرأة وهي حامل، وهي عبارات متقاربة المعنى؛ لكن في عبارة الربيع إشارة إِلىَ المسيس الذي يتسبَّب عنه الحملُ، فكأنَّه رحمه الله تعالى أشار إِلىَ أنَّ نفس الجماع غيرُ مخوف لذاته، وإنَّما المخوف ما يتسبَّب عنه وَهُوَ الحملُ حال الإرضاع، وَهُوَ متَّفَقٌ على ضرره بالمولود، وذلك أنَّ المرأةَ المرضعَ إذا باشرها الرجلُ حرَّك منها دَمَ الطَّمَث وأهاجه للخروج فلا يبقى اللبنُ على اعتداله وطيب ريحه، وربَّما حملت الموطوءةُ فيكون من أضرِّ الأمور على الرضيع، لأنَّ جهة الدم تنصرف في تغذية الجنين، فيصير لبنها وديًّا، فيضعف الرضيع، فهذا وجه الإرشاد لهم إِلىَ تركه ولم يُحرِّمه عليهم ولا نهى عنه لأنَّه لا يقع دائمًا لِكُلِّ مولود.
<3/52> بابٌ في السَّبايا والعَزْلة
قوله: «باب في السبايا والعزلة»: أي في أحكام ذلك، و«السبايا» جمع سبيَّة، مثل عطايا وعطيَّة، وهي الجارية التي يأخذها المسلمون بالحرب من أعدائهم المشركين إذا قدروا عليهم.
قوله: «والعزلة»: اسم من قولهم: عزَل المجامعُ إذا قارب الإنزالَ فنزع وأمنى خارج الفرج، وذلك أنَّ المجامع إن أمنى في الفرْج الذي ابتدأ الجماع فيه قيل: أمَاهَ أيْ ألقى ماءه فيه. وإن لم يُنزلْ، فإن كان لإعياء وفتور قيل: أكسل وأقحطَ وفهَّر تفهيرًا، وإن نزع وأمنى خارج الفرج قيل: عزلَ، وإن أولج في فرج آخر وأمنى فيه قيل: فهر فهرًا من نفع، ونُهِيَ عن ذلك، وإن أمنى قبل أن يجامع فهو الزُّمَّلِقُ بضمِّ الزاي وفتح الميم مشدَّدةً وكسر اللام.
ما جاء في استبراء الإماء (4/45)
صفحة 1039
<3/53> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا الدارقطني، وَهُوَ عند أحمد وأبي داود والحاكم وصحَّحه، من حديث أبي سعيد، وزادوا فيه أنَّه قال ذلك في سبي أوْطاس، وأخرجه أيضًا ابنُ أبي شيبة من حديث عليٍّ، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ الحامل حتَّى تضع، ولا حائل حتَّى تُستَبْرَأ بحيضة.
قوله: «نهى»: أي نهي تحريم لما جاء في ذلك من التشديد.
وقوله: «عن وطء السبايا من الإماء»: وكذلك غير السبايا، فإنَّ الملك يكون بالسبي وبالهبة وبالشراء وبالإرث، فغير المسْبية من الإماء في حكم المسْبية لا يجوز وطؤها حتَّى تُستبرَأ، فإن كانت حاملا فحتَّى تضع حملها، أو حائلا فحتَّى تحيض وتطهر من حيضها. ووُرود الحديث في السبايا لا يُخصِّص عمومه، إذ لا عبرةَ بخصوص السَّبب مع عموم اللفظ. وجعلوا مقدِّمات الوطء في حكم الوطء فمنعوا أن يستمتع منها بلمس أو تقبيل أو نظر إِلىَ عورةٍ أو تجريد من ثياب أو نحو ذلك إِلاَّ بعد الاستبراء، وجعلوها قبل الاستبراء بمنزلة الأجنبية.
<3/54> قوله: «لاتطأوا»: تفسير لقوله : «نهى عن وطء السبايا من الإماء». فالوطء كناية عن الجماع، والحوامل جمع حاملة، وهي التي في بطنها ولد، ويقال لها: حامل بغير هاءٍ لأنَّها مختصَّة بها، فإن قالوا حاملة بالهاء قيل: أرادوا المطابقة بينها وبين حملت، وقيل: أرادوا مجاز الحمل، إمَّا لأنَّها كانت كذلك أوْ ستكون، فإذا أريد الوصفُ الحقيقيُّ قيل حامل بغير هاءٍ. (4/46)
صفحة 1040
قوله: «والحوائل»: جمع حائلة، وحذفوا الهاء منها لكونها صفةً مختصَّةً فقالوا: حائل كحامل. قال الربيع: الحائلُ التي يأتيها الحيضُ حالا بعد حال. وفي المصباح: حالت المرأة والنخلة والناقة، وكلُّ أنثى حِيالا - بالكسر - لم تحمِلْ فهي حائل، وهذا يدلُّ أنَّ الحائل اسم وُضع للتي لم تحمل من الإناث، كانت مِمَّن يأتيها الحيضُ أو لم تكن، فهو أَعَمُّ من كلام الربيع رحمة الله عليه، وكأنه رحمه الله فسَّرها بذلك مراعاةً للمقام ومحافظةً على المعنى، فإنَّ ما فَسَّرَه بِهِ هو المرادُ منه معنى الحديث دون ما عداه، فهو إمَّا حقيقةٌ وُضِعت لذلك، أوْ مجاز دلَّت عليه القرائن. (4/47)
صفحة 1041
والحديث يدلُّ على وجوب الاستبراء للإماء، فيحرم على الرجل أن يطأ أمتَه الحادثة في ملكه بِسبْيٍ أو غيره، إن كانت حاملا فحتَّى تضع حملها، وإن كانت حائلا فحتَّى تحيضَ، قيل: حيضتين، وقيل: تُجزئ واحدةٌ، وَهُوَ الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وبه قال بعض أصحابنا والحنفيَّة والشافعيَّة والثوريُّ والنخعيُّ ومالك. ويدخلُ في قوله: «الحوائل» البكر والثيِّب، فيجب استبراء البكر أيضًا، ويؤيده القياس على العدَّة، فإنَّها تجبُ مع العلم ببراءة الرحم. وذهب جماعة من أهل العلم إِلىَ أنَّ الاستبراء إِنَّمَا يجب في حقِّ من لا تعلم براءة رحمها، وأمَّا من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقِّها. وقد روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنَّه قال: «إذا كانت الأمَة عذراء لم يستبرئها إن شاء»، وَهُوَ في صحيح <3/55> البخاري عنه. وقال بعض أهل أصحابنا: إن اشتراها من طفل لا يطأ مثلها أو من امرأة أو من ذي محرم منها بالرضاعة فلا استبراء عليه، ويقع عليها متى شاء، وزاد بعضهم: إن اشتراها من إمام المسلمين أو من الأمين فلا استبراء عليه، لأنَّ الإمام أو الأمين لا يبيعانها حتَّى يستبرئاها. وقال بعض قومنا: كُلُّ أمَة أُمن منها الحملُ فلا يلزم فيها الاستبراء وَكُلُّ من غلب على الظنِّ أنَّها حامل أو شُكَّ في حملها أو تُرُدِّدَ فيه فالاستبراء لازم فيها، وَكُلُّ من غلب على الظنِّ براءةُ رحمها لكنَّه يجوز حصوله ففيه وجهان: ثبوت الاستبراء وسقوطه. وقال أكثرُ أصحابنا وبعضُ قومنا: إنَّ الاستبراء تعبديٌّ وأنَّه يجب في حقِّ الصغيرة، وكذا في حقِّ البكر والآيسة، وجعلوا استبراء التي لم تحضْ بالأيَّام، كما أنَّ عدَّتها بالأيَّام، فمنهم من قال: تستبرئ بخمسة وأربعين يوما، ومنهم من قال: بأربعين يوما، والقولان ناشئان عن القول بأنَّ استبراء الحائل بحيضتين. (4/48)
صفحة 1042
ومنهم من قال: تستبرئ بعشرين يوما، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الاستبراء بحيضةٍ، وَهُوَ الصحيح عندي لظاهر الأحاديث، وإن قلَّ الأخذ بِهِ، ثمَّ إن ظاهر الأحاديث يدلُّ على أنَّ الاستبراء معقول المعنى، وَهُوَ استكشافُ براءة الرحم من حصول الحمل وأنَّه لذلك شُرع، فإذا عُلمت براءةُ الرحم بوجه من الوجوه كالعذراء فلا يجب الاستبراءُ.
<3/56> ما جاء في العَزْلة
قوله: «عن أبي سعيد الخُدريِّ»: الحديث رواه أيضًا مالكٌ في الموطأ والبخاري ومسلم وأحمد، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.
قوله: «في غزوة بني المصطلق»: بضمِّ الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المشالة وكسر اللام فقاف، لقب جذيمة بن سعد الخزاعي، سمِّي بذلك لحسن صوته، وكان أوَّل من غنَّى من خزاعة، وَتُسَمَّى أيضًا غزوة الْمُرَيْسيع بضمِّ الميم وفتح الراء وسكون التحتية وكسر المهملة وإسكان التحتيَّة الثانية وعين مهملة، <3/57> ماء لبني خزاعة، واختلف في وقتها، فقيل: إنَّها سنة ستٍّ، وقيل: سنة خمسٍ، وقيل: سنة أربعٍ. وسببها أنَّه صلى الله عليه وسلم بلغه أنَّ بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، فخرج إليهم حتَّى لقيهم على ماءٍ لهم يقال له: المرَيْسيع، قريب إِلىَ الساحل، فتزاحف الناس فاقتتلوا فهزمهم الله وقتل منهم ونفَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأبناءهم وأموالهم، كذا ذكر ابن إسحاق.
قوله: «فأصبنا سبايا»: أي فأخذنا منهم نساء، وفي رواية عند قومنا: «فأصبنا سبايا من سبي العرب». وفي رواية لمسلم: «فسبينا كرائم العرب»، وفيه دليل على ثبوت السبي في العرب أيضًا، وكذلك الحديث الذي قبله، فإنَّه يدلُّ على ذلك أيضًا، لأنَّه في سبي أوطاس، كما صرَّحت بِهِ روايةُ أبي سعيد عند قومنا.
قوله: «فاشتهينا النساء»: أي جماعَهنَّ. (4/49)
صفحة 1043
قوله: «واشتدَّت علينا العُزْبَةُ»: أي قويت علينا العُزْبَةُ، بضمِّ المهملة وإسكان الزاي، وهي فقد الأزواج والنكاح، وهذا يشبه عطف العلَّة على المعلول. وفي رواية: «وطالت علينا العزبة»، وقد ذكر ابن سعد وغيره أنَّ غيبتهم في هذه الغزوة كانت ثمانية وعشرين يوما.
قوله: «فأردنا أن نعزل»: أي نجامع السبايا ونعزل المنيَّ عن فروجهنَّ فنصبَّه خارج الفرج لئلاَّ يكون من ذلك الولد فتكون أمُّه أمةً.
<3/58> قوله: «فقلنا: نعزل وفينا رسول الله؟...»الخ: أي كيف نعزل وعندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نسأله عن حكم ذلك، فإن كان جائزا فعلناه وإلاَّ تركناه، وذلك أنَّه وقع في نفوسهم أنَّ العَزْلَ من الوأْدِ الخفيِّ، أو أنَّه كالفرار من القدَرِ، وفي رواية: «وكنَّا نعزل ثمَّ سألنا»، وجمع بينهما بِأَنَّ منهم من سأل قبل العزل ومنهم من سأل بعده، أو أنَّ معنى «نعزل» عزمنا عليه، فيرجع معناها إِلىَ الأولى.
قوله: «ما عليكم ألاَّ تفعلوا»: أيْ ليس عليكم بأس أن لا تفعلوا، والمعنى: ليس عدم الفعل واجبا عليكم أو أن «لا» الزائدة، أي لا بأس عليكم في فعله. وحكى ابن عبد البَرِّ عن الحسن البصري أنَّ معناه النهي، أي لا تفعلوا العزل.
قوله: «فما من نَسَمَةٍ»: بفتحات، أي نفس.
قوله: «كائنة»: أيْ قدِّر كونها في علم الله إِلىَ يوم القيامة. (4/50)
صفحة 1044
قوله: «إلاَّ وهي كائنة»: أيْ موجودة في الخارج، سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في العزل فإنَّه إن قدِّر خلقها سبقكم الماء فلا ينفعكم الحرصُ، وقد خلق الله آدمَ من غير ذكر ولا أُنثى، وخلق حوَّاءَ من ضلع منه، وعيسى من غير ذكر. وعند أحمد والبزار وصححه ابن حبَّان عن أنس أنَّ رجلا سأل عن العزل فقال صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّ الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدًا، أو يخرج الله منها ولدًا لَيخلقن الله نفسا هو خالقها». وفي <3/59> مسلم عن جابر أنَّ رجلا أتى النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ لي جارية هي خادمنا وسانِيَتُنا، وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: أعزل عنها إن شئت فإنَّه سيأتيها ما قدِّر لها، فلبث الرجلُ ثمَّ أتاه فقال: إنَّ الجارية قد حَبلت، فقال: قد أخبرتك أنَّه سيأتيها ما قُدِّر لها. وفي رواية له: فقال: أنا عبد الله ورسوله. قال أبو عمر في حديث الباب: إنَّهم انطلقوا على وَطْءِ ما وقع في سهامهم من النساء، وإنَّما يكون ذلك بعد الاستبراء بشرط أن تكون الأمةُ كتابيةً، فإن كان سبيُ بني المصطلق كتابيات لأنَّ من العرب من تهوَّد وتنصَّر فذاك، وإن كنَّ وثنيَّاتٍ لم يحلَّ وطؤهن بالملك إِلاَّ بعد الإسلام عند الجمهور، لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ} [البقرة: 221]. وقد روى عبد الرزَّاق عن الحسن قال: كنَّا نغزو مع الصحابة فإذا أراد أحدهم أن يصيب الجارية من الفيء أمرها فغسلت ثيابها فاغتسلت، ثمَّ علَّمها الإسلام، ثمَّ أمرها بالصلاة واستبرأها بحيضة، ثمَّ أصابها. وقيل: إنَّه كان يجوز أوَّل الإسلام وَطْءُ الأمَة المشركة ثمَّ نُسخ، ولا يصحُّ، لاحتياجه إِلىَ دليل. (4/51)
صفحة 1045
ويحتمل أنَّ السؤال وقع عن وطْءِ من أسلم منهنَّ، وأنَّ الحديث متأَوَّل عن ظاهره، وأنَّه لو بقي على ظاهره في القدوم على الوطْءِ قبل الإسلام لبقي أيضًا على <3/60> ظاهره في القدوم عليه قبل الاستبراء، وَهُوَ ممنوعٌ اتِّفاقًا، فلا بدَّ من تأويل الأمرين، وحديثُ الحسن يرفع الإشكال عنهما معا، والله أعلم.
ما جاء في كسر الشهوة بالصوم
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث مِمَّا تفرد بِهِ المصنِّفُ رحمة الله عليه، ومعناه عند الشيخين من حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء».
قوله: «من شدَّة المَيْعَة»: بفتح الميم وإسكان التحتانية بعدها عين مهملة مفتوحة: أوَّل الشباب، وقيل: ميْعَة كلِّ شيء معظمه، والمراد بِهِ هنا شدَّة الرغبة <3/61> في الجماع، لأنَّها من لوازم أوَّل الشباب، أي من خاف العَنَتَ من قوَّة الشهوة بسبب توفُّرِ دواعيها في عنفوان الشباب فليكسر ذلك بالصوم، فإنَّه يضعف تلك القوَّة، ويكسر تلك الشهوة.
قوله: «فَلْيَصُمْ»: أمر إرشاد له إِلىَ ما يصلحه في دينه ودنياه، وظاهر كلام بعضهم أنَّ الأمر للوجوب وَهُوَ ظاهرٌ فيما إذا خاف الوقوع في المعصية ولم يمكنه دفع ذلك إِلاَّ بالصوم، فإنَّه حينئذ يتعيَّن عليه الامتناعُ عن المعصية بالصوم.
قوله: «فإنَّ الصوم له وِجاء»: بكسر الواو والمدِّ، أيْ كسرٌ لشهوته. قال الربيع رحمه الله: يعني خصاء، أي الوجاء هو الخصاء بعينه، مثل ما رُوي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنَّه ضحَّى بكبشين أملحَيْن مَوْجوءَيْن. (4/52)
صفحة 1046
وتُعُقِّبَ بأنَّ الوجاء رضُّ الأنثيين، والخصاء: سلُّهما، والجواب أنَّه تفسيرٌ بالمقصود من الوجاء والخصاء، فإنَّ المقصود منهما واحد. وفي المختار: الوِجاء بالكسر والمدِّ: رضُّ عروق البيضتين حتَّى تنفضخ، فيكون شبيها بالخصاء. وقال غيره: الموجوء منزوع الأنثيين، كما ذكره الجوهري، وقيل: هو المشقوق عِرق الأنثيين، والخصيتان بحالهما. وهذا قريب من تفسير الربيع. وإطلاقُ الوجاء على الصوم من مجاز المشابهة، والمعنى: أنَّ الصوم يقطع الشهوة ويدفع شرَّ المنيِّ كالوجاء. قال الطيبي: وكأنَّ الظاهر أن يقول: فعليه بالجوع وقِلَّة ما يزيد في الشهوة وطغيان الماء <3/62> من الطعام، فعدل إِلىَ الصوم إذ ما جاء لمعنى عبادة هي برأسها مطلوبة، وليؤذن بأنَّ المطلوب من نفس الصوم الجوع وكسر الشهوة، وكم من صائم يمتلئ معًى!. وقال غيره: يحتمل أن يكون الصوم فيه هذا السرُّ والنفع لهذا المرض ولو أكل وشرب كثيرا إذا كانت له نية صحيحة، ولأنَّ الجوع في بعض الأوقات والشِّبعُ في بعضها ليس كالشبع المستمرِّ كالشبع في تقوية الجماع.
واستنبط من الحديث أشياء منها: جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، قال بعضهم: وينبغي أن يحمل على دواءٍ يسكن الشهوة دون ما يقطعها، لأنَّه ربَّما لا يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقِّه، وقد قيل: لا يقطعها بالكافور ونحوه، لاتِّفاقهم على منع الجبِّ والخصاء، فيلحق بِهِ ما في معناه من التداوي.
ومنها أنَّ حظوظ النفوس والشهوات لا تتقدَّم على أحكام الشرع بل هي دائرة معها.
ومنها أنَّ قصد المنفعة بالعبادة لا يقدح فيها بخلاف الرِّياء، فإنَّه أمر بالصوم الذي هو قربة، وَهُوَ بهذا القصد صحيح مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه لتحصيل غضِّ البصر وكفِّ الفرج عن الوقوع في المحرَّم.
وتُعُقِّب بأنَّه إن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى فهو كذلك وليس محلَّ النزاع، وإن أراد تشريك العبادة لأمر مباح فليس في الحديث ما يساعده. (4/53)
صفحة 1047
ومنها أنَّ بعضا استدلَّ بِهِ على تحريم الاستمناء، لأنَّه أرشد عند العجز عن التزويج إِلىَ الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحا لكان الإرشاد إليه أسهل.
<3/63> قوله: «مثل ما رُوي أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم ضحَّى...» إلخ: الراوي لذلك أبو رافع عند أحمد، والحاكم وعائشة عند أحمد وابن ماجه والبيهقي والحاكم.
قوله: «أملحين»: هما اللذان بياض صوفهما يخالطه سواد، يقال: كبشٌ أملح وتيسٌ أملح: إذا كان شعرُه خليسا. وقيل: الأملحُ ما كان لونُه كلَوْن الملح بسواد ممازج أو ما خالط بياضه حمرةٌ أو سوادٌ تعلوهُ حمرة، أو بياضه أكثرُ من سواده، أو خلال بياضه طبقات سُودٌ، أو نقيُّ البياض، أقوال، والله أعلم.
كتاب الطلاق والخلع والنفقة (4/54)
صفحة 1048
أمَّا الطلاق فهو لغةً: رفع القيد الحسيِّ، وَهُوَ حلُّ الوثاق، يقال: أطلق الفرس والأسيرَ. وشرعًا: رفع القيد الثابت بالنكاح، فخرج بِهِ العتقُ لأنَّه قيدٌ ثابتٌ شرعًا لكن لم يثبت بالنكاح، وفي مشروعية النكاح مصالح للعباد دينيَّةً ودنيويَّةً، وفي الطلاق إكمالٌ لها إذْ قد لا يوافقه النكاحُ فيطلب الخلاص منه عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة لعدم إقامة حدود الله، فشرَعَهُ رحمةً منه سبحانه. وفي جعله عددًا مخصوصا حكمة لطيفةٌ لأنَّ النفس كذوبةٌ ربَّما تُظهِرُ عدم الحاجة إِلىَ المرأة والحاجة إِلىَ تركها، فإذا وقع حصل النَّدمُ وضاق الصدرُ وعِيلَ الصبرُ، فشرعه تعالى ثلاثا ليُجرِّب نفسَهُ في المرَّة الأولى، فإذا كان الواقعُ صدقها استمرَّ حتَّى تنقضي العدَّةُ، وإلاَّ أمكنه التدارك بالرجعة، <3/64> ثمَّ إذا عادت النفسُ لمثل الأولى وغلبته حتَّى عاد إِلىَ طلاقها نظر أيضًا في ما يحدثُ له، فما يوقع الثالثة إلاَّ وقد جرَّب وقعه في حال نفسه، ثمَّ حرَّمها عليه بعد انتهاء العِدَد قبل أن تنكح آخرَ ليثاب بما فيه غيظُه وَهُوَ الزوجُ الثاني على ما عليه من جِبِلَّة الفحولية، بحكمته ولطفه تعالى لعباده. (4/55)
صفحة 1049
وأمَّا «الخُلْعُ» بضمِّ المعجمة وسكون اللام فهو مأخوذٌ من الخَلع بفتح الخاء، وَهُوَ النَّزْعُ سمِّي بِهِ لأنَّ كلاًّ من الزوجين لباسٌ للآخر في المعنى، قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]، فكأنَّه بمفارقة الآخر نزع لباسه. وضُمَّ مصدرُه تفرقةً بين الحسيِّ والمعنويِّ. وذكر أبو بكر ابن دريد أنَّ أوَّل خلع كان في الدُّنيا أنَّ عامر ابن الظَّرِب - بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وموحدة - زوَّج ابنته لابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلمَّا دخلت عليه نفرت منه فشكى إِلىَ أبيها فقال لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتُها منك بما أعطيتها، قال: فزعم العلماء أنَّ هذا كان أوَّل خُلع في العرب.
<3/65> وأمَّا النفقة وِزَانُ رَقَبة: اسم من قولهم: أنفقت الدراهم إذ أنفدتها، فكأنَّ المنفقَ قد أنفد دراهمه في مؤنة عياله، والله أعلم.
ما جاء أنَّ الطلاق في الحيض حرام
قوله: «أنَّ ابن عمر»: هكذا في نُسَخ المسند، ومثله في الموطَّأ عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر إلخ، وظاهر العبارتين الإرسال، لأنَّ جابرًا ونافعا لم يدركا وقت الواقعة، وعند بعض رواة الموطَّأ: مالك عن نافع عن ابن عمر أنَّه طلَّق...إلخ، فالإرسال غيرُ مراد، وقد رُوي الحديث من طرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
قوله: «طلَّق امرأته»: وهي آمِنَةُ، بمدِّ الهمزة وكسر الميم، بنتُ غِفار <3/66> بكسر المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء، وقيل: بنتُ عمَّار بفتح العين المهملة والميم المشدَّدة، وقيل: اسمها النّوار، وجمع بين القولين باحتمال أن يكون اسمها آمنة ولقبها النّوار، وهي صحابية. (4/56)
صفحة 1050
قوله: «وهي حائض»: جملة حالية، زاد الليث عن نافع عن ابن عمر «تطليقةً واحدةً»، أخرجه مسلم، وقال: جوَّد الليث في قوله: «تطليقة واحدة»، قال عياض: يعني أنَّه حفظ وأتقن ما لم يتقنه غيرُه مِمَّن لم يفسِّر كم الطلاق؟، وممَّن غلط ووهم وقال: طلَّقَها ثلاثًا.
قوله: «فسأله عمَّا فعل»: أي فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل ولده في هذا الطلاق، قيل: يُحتمل أنَّ سؤال عمر لأنَّ النازلةَ لم تكن وقعت فسأل ليعلم الحكم، ويحتمل أنَّه علم من قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وقوله تعالى:{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، ويحتمل أن يكون سمع النهيَ قبل ذلك فسأله عن حكم الواقع فيه.
<3/67> قوله: «مُرْهُ»: أصله: اُأْمرْه بهمزتين، الأولى للوصل مضمومةً تَبَعًا للعين، مثل: افعل، والثانية فاء الكلمة ساكنة تبدل تخفيفا من جنس حركة سابقتها فيُقالُ: أُومرْ، فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزة الوصل وسكِّنت الهمزة الأَصلِيَّة كما في قوله تعالى: {وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} [طه: 132]، لكن استعملتها العرب بلا همز فقالوا: مُرْ لكثرة الدَّور، لأَنَّهُم حذفوا أوَّلاً الهمزة الثانية تخفيفا ثمَّ حذفوا همزة الوصل استغناء عنه لتحرُّك ما بعدها، أي مُرْ ابنك عبد الله أن يراجعها.
قوله: «أن يُراجعَها»: أي بمراجعتها، وفي رواية: «مُرْه فلْيُراجعْها»، والأمرُ بالمراجعة قيل للندب وقيل للوجوب، لأنَّ حقيقة الأمر الوجوب، واستدلَّ القائلون بالندب بقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] وغيرها من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك بالرجعة أو الفراق بتركها. (4/57)
صفحة 1051
وتُعُقِّب بأنَّ عموم الآية مخصَّص بمن لم يُطلِّق في الحيض فإنَّه مخيَّر بين الترك والرجعة، وأنَّ الحديث فيمن طلَّق في الحيض فتتعيَّن عليه المراجعةُ، وفي الأمر بالمراجعة دليل على وقوع الطلاق في الحيض، وإلاَّ لم يكن للأمر بالمراجعة فائدة: إذ المراجعة لا تستعمل غالبا إِلاَّ بعد طلاق يعتدُّ بِهِ، فهو حجَّة على من لا يعتدُّ بخلافهم <3/68> وهم: هشام بن الحكم وابن عليَّة وداود في قولهم: لا يقع الطلاق على الحائض. وفي بعض طرق الحديث: «فحسبت من طلاقها» والذي حَسَب حينئذ النبيء صلى الله عليه وسلم، لأنَّه شووِرَ في المسألة وأفتى فيها، فبعيدٌ أن يعتدَّ بها ابن عمر طلقةً من غير أمره صلى الله عليه وسلم. ومن جهة القياس: إن إلزام الطلاق تغليظ ومنعه تخفيف، لأنَّه لا يلزم الصبيَّ ولا المجنون ولا النائم، ويلزم السكران لأنَّه عاصٍ، فإذا لزم من أوقعه على الوجه المأمور بِهِ كان إلزامه لمن أوقعه على الوجه الممنوع أحرى. وقال أبو عمر: جمهور العلماء أنَّ الطلاق في الحيض واقعٌ وإن كرَّهه جميعهم، ولا يخالف في ذلك إِلاَّ أهل البدع والجهل الذين يرون الطلاق لغير السنَّة لا يقع.
قوله: «ويمسكها»: أي يديم إمساكها، وإلاَّ فالرجعة إمساك.
قوله: «حتَّى تطهر»: أي من حيضتها التي طلَّقها فيها.
قوله: «ثمَّ تحيض»: أي حيضةً أخرى.
قوله: «ثُمَّ تطهر»: أي من حيضتها الثانية.
قوله: «إن شاء أمسك وإن شاء طلَّق»: أي إن شاء أمسكها بعد الطهر الثاني، وإن شاء طلَّقها فذلك الوقت الذي أذن الله فيه بطلاق النساء لمن شاء، وَهُوَ أن يكون في طهر لم يجامعها فيه. (4/58)
صفحة 1052
قوله: «قبل أن يمسَّ»: أي قبل أن يَمَسَّها، أي يجامعها، يعني أنَّه إن شاء طلاقها طلَّقها في ذلك الطهر قبل الجماع، فيكره الطلاق بعد الجماع، إذ لا يدري أحملت فتعتدُّ بالوضع، أو لا فتعتدُّ بالأقراء، وقد يظهر الحملُ فيندم على الفراق. وقد ذهب بعضُ الناس إلى جبره على الرَّجعة كالمطلِّق في الحيض، وليس بشيء.
فإن قيل: لِمَ أمره أن يؤخِّر الطلاق إِلىَ الطهر الثاني؟ أجيب بأنَّ حيض الطلاق والطهر التالي له بمنزلة قرء واحد، فلوْ طلَّق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس ذلك بطلاق السنَّة.
<3/69> وقيل: إنَّه عاقبه بتأخير الطلاق تغليظا عليه جزاءً بما فعله من الحرام، وَهُوَ الطلاق في الحيض.
واعتُرض بِأَنَّ ابن عمرلم يعلم بالتحريم ولم يتحقَّقه، وحاشاه من ذلك فلا وجه لعقوبته، وقيل إِنَّمَا أمره بالتأخير لئلاَّ تصير الرجعةُ لِمُجَرَّدِ غرض الطلاق لوْ طلَّق في أوَّل الطهر الأوَّل بخلاف الطهر الثاني، وكما يُنهى عن النكاح لمجرَّد الطلاق يُنهى عن الرَّجعة له.
واعترض بأنَّه يلزم أن لا يطلِّق أحدٌ قبل الدخول لأنَّه يصيرُ كمن نكح للطلاق لا للنكاح.
وقيل: ليطول مقامه معها، والظنُّ بابن عمر أنَّه لا يمنعها حقَّها في الوطء، فلعلَّه إذا وطئ تطيب نفسُه ويمسكها فيكون ذلك حرصًا على رفع الطلاق وحضًّا على بقاء الزَّوجِيَّة. (4/59)
صفحة 1053
قوله: «فتلك العدَّةُ التي أمر الله عزَّ وجلَّ أن يطلَّق لها النساءُ»: وذلك في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]. ومعنى قوله: «أمر الله» أي أذن. وفي رواية لمسلم قال ابن عمر: وقرأ النبيء صلى الله عليه وسلم: «يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» أي في استقبال عدَّتهنَّ، وهذه القراءةُ على التفسير لا على التلاوة. وزاد في رواية سالم في الصحيح: «وكان عبد الله طلَّقها تطليقة واحدة فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله كما أمره صلى الله عليه وسلم».
<3/70> ما جاء أنَّه لا طلاقَ إِلاَّ بعد نكاح (4/60)
صفحة 1054
قوله: «لاطلاق إِلاَّ بعد نكاح»: الحديث تقدَّم ذكرُه مطوَّلا في أوَّل «باب الأولياء»، من كتاب النكاح، وأخرج الحاكم في المستدرك وصحَّحه عن جابر مرفوعًا: «لا طلاق إِلاَّ بعد نكاح، ولا عتق إِلاَّ بعد مِلْكٍ». قال الحاكم: وأنا متعجِّب من الشيخين كيف أهملاه؟ وقد صحَّ على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عبَّاس ومعاذ بن جبل وجابر. وروى ابن ماجه عن المسْوَر بن مخْرمة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل مِلْكٍ». وفي الباب عن أبي بكر الصدِّيق وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وعمران بن حصين وغيرهم ذكر ذلك البيهقيُّ في الخلافيات، وقد وقع الإجماع أنَّه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبيَّة. وأمَّا التعليق نحو أن يقول: إن تزوَّجتُ فلانة فهي طالق، فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إِلىَ أنَّه لا يقعُ. وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنَّه يصحُّ التعليقُ مطلقا، وَهُوَ قولٌ في المذهب. وقال قوم بالتفصيل، وَهُوَ أنَّه إن جاء بحاصر، وَهُوَ أن يقول: كلُّ امرأة أتزوَّجها من بني فلان أو بلد كذا فهي طالقٌ صحَّ الطلاقُ ووقع، وإن عمَّمَ لَمْ يقع شيءٌ، وهذا التفصيل لا وجه له إِلاَّ مجرَّد الاستحسان. والحقُّ أنَّه لا يصحُّ الطلاقُ قبل النكاح مطلقًا لحديث الباب، وكذلك العتقُ قبل المُلْكِ والنذرُ بغير الملك، والله أعلم .
<3/71> ما جاء في نهي المرأة أنْ تسألَ طلاقَ أُخْتِها
قوله: «أبو عبيدة...»الخ: الحديث مرسلٌ عند المصنِّف، وقد رواه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسأل المرأة...»إلخ وزاد فيه: «ولتنكح» بعد قوله: «لتستفرغ صحفتها». ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به. ورواه أيضًا من وجه آخر عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «لا يحلُّ لامرأة أن تسأل...» والباقي مثله. (4/61)
صفحة 1055
قوله: «لا تسأل امرأةٌ...» الخ: ظاهر النهي للتحريم، وقد جاء في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يحلُّ لامرأة تسألُ طلاقَ أختها...»الخ. وقال ابن حبيب من الْمَالِكِيَّة: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فُعل ذلك لم ينفسخ النكاح، وتُعُقِّب بِأَنَّ نفي الحلِّ صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنَّما فيه التغليظُ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولْتَرْضَ بما قسم الله لها، ثمَّ إنَّ النهي محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك سببٌ يُجوِّز ذلك، كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمرَّ في عصمة الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصُل لها مع الزوج أو للزوج منها. (4/62)
صفحة 1056
<3/72> قوله: «طلاق أختها» المرادُ بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب أو الرضاع أو الدين، ويلحقُ بذلك عند بعض قومنا الكافرة في الحكم وإنْ لم تكن أختًا في الدين، إِمَّا لأنَّ المراد الغالب، أو لأنَّها أختها في الجنس الآدميِّ. وقيل: المرادُ بالأخت الضرَّةُ. والمعنى: لا ينبغي أن تسأل المرأةُ زوجها أن يطلِّق ضرَّتها لتنفرد بِهِ، وعلى هذا فالمرادُ هنا بالأخت الأختُ في الدِّين. وقد خصَّ بعضهم هذا الحكم بالمسلمة دون الكافرة، فيجوز لها أن تسأل طلاق الكافرة عند هذا القائل. وقال المحشِّي: يُحتمل أن يكون المراد بالمرأة التي نهيت عن سؤال طلاق أختها هي التي خطبت عَلَى الضرَّةَ، قال: وَهُوَ الظاهر كما جرت بِهِ العادة، قال: ويحتمل أن يكون المراد هي التي صارت ضرَّة بالفعل وتطلب ذلك من زوجها، ويحتمل أن يكون المراد كلاًّ منهما، قال: وَهُوَ الأحسنُ، قال: والظاهر أنَّه سمَّى الضرَّةَ أختا للجنسيَّة والإسلام وللتحنُّن والاستعطاف، كما سمَّى الله وليَّ الدم أخًا في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ اَخِيهِ شَيْءٌ...}الآية [البقرة: 178]. قال البيضاوي: وذكره بلفظ الأخوَّة الثابتة بينهما من الجنسيَّة والإسلام ليرقَّ له ويعطف عليه. (4/63)
صفحة 1057
قوله: «لتستفرغ صَحْفَتها»: الصَّحْفة إناءٌ كالقصعة، والجمع: صحاف، مثل: كلبة وكلاب، وقال الزمخشريُّ: الصَّحفةُ قطعةٌ مستطيلةٌ، والصحيفة قطعة من جلد أو قرطاس كتب فِيهِ، وإذا نسب إليها قيل: رجل صَحَفيٌّ بفتحتين، ومعناه: يأخذ العلم منها دون المشايخ، وقال الكسائي: أعظم القِصع الجَفنة ثمَّ القصعة تليها تشبعُ العشرة، ثمَّ الصحفة تشبع الخمسة، ثمَّ المأكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثمَّ الصحيفة تشبع الرجلَ، والمراد بالصحفة في الحديث ما يحصل من الزوج من المنافع. والمرادُ باستفراغها الانفرادُ بذلك، وهذا مَثَلٌ لأنَّها تريدُ الاستئثار عليها <3/73> بحظِّها، فيكون ذلك كمن قلبَ إناء غيره في إنائه. وقال الطيبيُّ: هذه استعارة مستملحةٌ تمثيليَّة، شبَّه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها ومتاعها بما يوضعُ في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبَّه الافتراق المسبَّب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك الأطعمة، ثمَّ أدخل المشبَّه في جنس المشبَّه بِهِ، واستعمل في المشبَّه ما كان مستعملا في المشبَّه بِهِ. وقال النوويُّ: معنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبيَّة أن تسأل رجلا طلاق زوجةٍ وأن يتزوَّجها هي، فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلَّقة. (4/64)
صفحة 1058
قوله: «فَإِنَّمَا لها ما قدِّر لها»: أي لا يأتيها من رزقها وحظِّها إِلاَّ ما كان مقدَّرًا لها، وإن احتالت على طلاق أختها. وقال ابن العربي: في هذا الحديث من أصول السلوك في مجاري القدر، وذلك لا يناقض العمل في الطَّاعات ولا يمنع التحرُّف بالاكتساب والنظر لقوت غدٍ، وأن لا يتحقَّق أنَّه يبلغه. وقال ابنُ عبد البَرِّ: هذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم لِمَا دَلَّ عليه من أنَّ الزوج لو كان أجابها وطلَّق من تظنُّ أنَّها تزاحمها فإنَّه لا يحصل لها من ذلك إِلاَّ ما كتب الله له سواءٌ أجابها أو لم يُجبها، وَهُوَ قول الله تعالى: {قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، والله أعلم.
<3/74> ما جاء في طلاق البتَّة وأنَّه لا نفقةَ للمبتوتة
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ ومسلم وأبو داود من حديث فاطمة بنت قيس، وهي امرأة أبي عمرو بن حفص، وهي صاحبة القصَّة المذكورة في الحديث.
قوله: «أبو عمرو بن حفص»: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي الصحابي، سكن المدينة، قال النسائيُّ: اسمه أحمد، وقال الأكثر: عبد الحميد، قال عياض: وَهُوَ الأشهرُ، وقيل: اسمه كنيته. وأمُّه برَّة بنت خزاعي الثقفيَّة، خرج مع عليٍّ إِلىَ اليمن في العهد النبويِّ فمات هناك، ويقال: بل رجع إِلىَ أن شهد فتوح الشام. وفي النسائي عن ناشرة بن سُمَيٍّ: سمعت عمرَ يقول: إنِّي أعتذر لكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنَّا غلاما استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم. (4/65)
صفحة 1059
قوله: «زوْجته»: وهي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشيَّة الفهريَّة، أخت الضحَّاك بن قيس، وكانت أسنَّ منه يقال بعشر سنين، كانت من المهاجرات الأُوَل، ذات جمال وعقل، وفي بيتها اجتمع أهل الشورى لَمَّا قُتل عمر، قدمت على أخيها في الكوفة وَهُوَ أميرها، فروى عنها الشعبيُّ قصَّة الجسَّاسة بطولها، فانفردت بها مطوَّلة وتابعها جابر وغيره.
قوله: «وَهُوَ غائب»: زاد في بعض روايات الموطَّأ: «بالشام». وفي <3/76> مسلم من طريق ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنَّ أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع عليِّ بن أبي طالب إِلىَ اليمن، فأرسل إِلىَ فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها.
قوله: «طلاقا باتًّا»: أي قاطعا لعصمتها حتَّى لم تبق لها بِهِ علاقة. وفي مسلم من طريق الشعبيِّ عنها قالت: طلَّقني بعلي ثلاثا، وظاهر الروايتين أنَّ الطلاق كان بلفظ الثلاث، وقد تَقَدَّمَت روايةُ مسلم من طريق ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنَّه أرسل إليها بتطليقةٍ كانت قد بقيت من طلاقها، والروايةُ المفسِّرةُ قاضية على غيرها. وإنَّما سمَّى آخرة الثلاث البتَّة لأنَّها طلقةٌ بتَّت العصمة حتَّى لم تبقِ منها شيئًا، وَلَمَّا كانت هذه الطلقة الثالثة عَبَّرَ عنها في بعض الروايات بالثلاث كما تَقَدَّمَ. (4/66)
صفحة 1060
قوله: «فأرسل إليها وكيله بشعيرٍ»: ووكيله عياش بن أبي ربيعة وَهُوَ ابن عمِّه. وفي مسلم: «وأمر ابني عمِّه الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة أن يدفعا لها تمرًا وشعيرًا». وفي مسلم أيضًا من طريق أبي بكر بن الجهم: «سمعت فاطمة بنت قيس تقول: أرسل إليَّ زوجي أبو عمرو عياشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل معه بخمسة آصُعٍ من تمرٍ، وخمسة آصع من شعير، فقلت: أمالي نفقة إِلاَّ هذا ولا أعتدُّ في منزلكم؟ قال: لا»، وصريح هذا أنَّ وكيله بالنصب مفعول فاعله يعود على الزوج وَهُوَ في رواية المصنِّف يحتمل الرفع والنصب وعلى الرفع، فيجمع بينهما بِأَنَّ أبا عمرو أرسل <3/77> وكيله بذلك، وأنَّ الوكيل أرسل بِهِ أيضًا إِلىَ فاطمة، وأنَّها ذكرت له ذلك بعد أن التقيا. قال القرطبيُّ: وفيه العملُ بالوكالة وشهرتها عندهم، وكان إرسال هذا الشعير متعة، فحسبتها هي النفقة الواجبة عليه، فسخطته ورأت أنَّها تستحقُّ أكثر من ذلك فأخبرها الوكيل بالحكم فلم تقبل ذلك منه حتَّى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله: «فسخِطَتْه»: بكسر المعجمة، أي لم ترضَ بِهِ ورأت أنَّها تستحِقُّ أكثر من ذلك.
قوله: «ما لَكِ علينا شيءٌ»: أي من النفقة، وإنَّما دفعنا لكِ هذا الشعيرَ متعةً لا نفقةً، وكان الوكيلُ قد علم الحكم في المسألة فمن ثمَّ أَكَّدَ الخبرَ باليمين.
قوله: «فذكرت ذلك له»: يعني أنَّها أخبرته بالواقع. (4/67)
صفحة 1061
قوله: «ليس لك عليه من نفقةٍ»: أي لأنَّها بائن، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس للبائن الحائل نفقة على مطلِّقها، ويؤيِّده مفهوم قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، فإنَّ مفهومه: لو لم يكنَّ حاملات فلا نفقة لهنَّ لانتفاء شرطها، وَهُوَ نصُّ الحديث، بل قال ابن عبَّاس: لا نفقةَ لها ولا سكنى، لأنَّه صلى الله عليه وسلم نقل فاطمة بنت قيس إِلىَ منزل ابن أمِّ مكتوم، وبه قال أحمدُ، وقال مالك والشافعيُّ: لها السُّكنى لقوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1]. وقال قوم: لها السكنى والنفقة لأنَّها محبوسةٌ بسببه، ولقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6]، فتجب النفقة قياسا على السكنى، ونسب القول بذلك إِلىَ عمر بن الخطَّاب رضي <3/78> الله عنه، وبه قال أبو حنيفة، قال عمر رضي الله عنه: لا نترك كتاب الله وسنَّة نبيِّنا لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة قال تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]. أخرجه مسلم، وقال الدارقطني: قوله: «سنيَّة نبيِّنا» غير محفوظ، لم يذكرها جماعة من الثقات. (4/68)
صفحة 1062
قوله: «أمُّ شريك»: القرشيَّة العامريَّة، من بني عامر بن لؤي، اسمها غَزيَّة، وقيل غُزَيِّلة بنت دُودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، وقيل في نسبها غيرُ ذلك، قيل: إنَّها التي وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم، وقيل: إِنَّ التي وهبت نفسها غيرُها، وذكرها بعضُهم في أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم، ولا يصحُّ من ذلك شيءٌ لكثرة الاضطراب فيه، وكانت عند أبي العكر بن سُمَيِّ بن الحارث الأزدي فولدت له شُريكا، وقيل: إنَّها كانت عند الطفيل بن الحارث فولدت له شُريكا، قال أبو عمرو: والأوَّل أصحُّ. وقيل: أمُّ شريك الأنصاريَّة تَزَوَّجَها النبيء صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها لأنَّه كره غيرة الأنصار.
قوله: «يغشاها أصحابي»: أي يلمُّون بها ويتردَّدون عليها ويزورونها لصلاحها، وكانت كثيرة المعروف والنفقة في سبيل الله والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. وفيه جواز التردُّد إِلىَ الأجنبيَّة مع العفَّة وسلامة الصدور والتزام الآداب الشرعيَّة. واستدلَّ بِهِ بعضهم على جواز نظر الفجأة، قالوا إذ لا يؤمن ذلك من تكرُّرهم إليها، وعلى منع المرأة من التعرُّض لموضع يشقُّ عليها فيه التحرُّجُ مِمَّن ينظر إليها، لأنَّ فاطمة لو أقامت في بيت أمِّ شريك لشقَّ عليها التحفُّظُ لكثرة تردُّدهم إليها وطول إقامتهم وحديثهم عندها.
<3/79> قوله: «ابن أمِّ مكتوم»: هو عبد الله بن قيس بن زائدة القرشيُّ العامريُّ، أسلم قديما، واسم أمِّه عاتكة بنت عبد الله المخزوميَّة، وكان اسمه عَمرًا، وقيل: الحصَيْن، فسمَّاه النبيء صلى الله عليه وسلم عبد الله، ولا يمتنع أنَّه كان له اسمان، شهد القادسيَّةَ في زمن عمر فاستشهد بها، وقيل: رجع إِلىَ المدينة فمات بها. (4/69)
صفحة 1063
قوله: «فَإِنَّهُ رجل أعمى تضعين ثيابك»: أي فلا يراكِ لعماه، وفي مسلم عن أبي سلمة عنها عنه صَلَّى الله عليه وسلَّم: «فإنَّك إذا وضعتِ خمارك لم يركِ». وأخِذ منه جواز نظر المرأة من الرجل ما لا يجوز أن ينظر منها كرأسها وموضع الخصر منها، وعُورض بما رواه أبو داود والترمذيُّ وحسَّنه عن نبهان عن أمِّ سلمة أنَّه صَلَّى الله عليه وسلم قال لها ولميمونة وقد دخل عليهما ابن أمِّ مكتوم: «احتجبا منه» فقالتا: إنَّه أعمى، فقال صلى الله عليه وسلم: «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟»، وأجيب بِأَنَّهُ تغليظ على أزواجه في الحجاب لِحُرمتهِنَّ، فكما غلَّظ الحجاب على الرجال فِيهِنَّ غلَّظ عليهنَّ أن ينظرن إِلىَ الرجال، ولا خلاف أنَّ على المرأة أن تغضَّ بصرها كما أنَّ على الرجل غضَّه كما نصَّه الله. وإنَّما أمرها بالاعتداد في بيت ابن أمِّ مكتوم دون غيره لأنَّه لا يرى ما ينكشف منها، ألا ترى قوله: «تضعين ثيابكِ وإذا وضعت خمارك لم يركِ»، فلا يخشى منه لعماه ما يُخشى من غيره من النظر، وقيل: يحتمل أنَّه أباح لها الاعتدادَ عند ابن أمِّ مكتوم لضرورتها إِلىَ ذلك ولا ضرورة بأزواجه صلى الله عليه وسلم في النظر إِليه، مع أنَّ قوله تعالى: {يَانِسَآءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ} [الأحزاب: 32] يدلُّ على صحَّة ما تقدَّم.
<3/80> قوله: «فإذا حللتِ» أي طبتِ للأزواج بانفساخ العِدَّة.
قوله: «فآذِنيني»: بمدِّ الهمزة، أي أعلميني، قيل: فيه جواز التعريض للبائنة في عدَّتها، واستُبعِد بِأَنَّهُ ليس في قوله غيرُ أمرها بالإيذان دون تسمية زوج، وأيضًا فالتعريضُ إِنَّمَا هو من الزوج أو نائبه، أمَّا المجهولُ فلا تعريض فيه ولا مواعدة، ولو أنَّ الوليَّ أو أجنبيًّا قال لها: إذا حللتِ زوَّجتُكِ، أو لا تَتَزَوَّجي أحدا حتَّى تشاوريني لم يكن تعريضا ولا مواعدة في العدَّة. (4/70)
صفحة 1064
قوله: «فَلَمَّا حلَّت»: أي خرجت من عدَّتها وطابت للأزواج.
قوله: «ذكرت له»: أي للنبيء صلى الله عليه وسلم.
قوله: «إنَّ معاوية بن أبي سفيان»: صخر بن حرب الأموي، وقيل: غيره، وغلَّطه النوويُّ.
قوله: «وأبا جَهْمٍ» بفتح الجيم مكبَّر على المعروف ولا ينكر فيه التصغير، فيُقال: أبو جُهيْم، قيل: وَهُوَ صاحبُ الخَمِيصَة المتقدِّم ذكرُها في كتاب الصلاة، قيل: اسمه حُذيفة القرشيُّ العدويُّ.
قوله: «ابن هشام»: كذا عند المصنِّف، وكذا رواه يحيى الأندلسيُّ أحد رواة الموطأ، وغلَّطه بعض الشرَّاح قال: ولا يُعرَف في الصحابة أحدٌ يقال له أبو جُهيم بن هشام، قال: ولم يوافق يحيى على ذلك أحدٌ من رجال الموطأ ولا غيره.
قلت: بل وافقه الربيع بسنده الرفيع، فدلَّ على ثبوت ما أنكره المعترضُ. وقيل: اسم أبي جهم عامرُ بن حذيفة بن غانم العدويُّ، وقيل: اسمه عبَيد بن حذيفة. (4/71)
صفحة 1065
قوله: «فلا يضعُ عصاهُ عن عاتقه»: بمثنَّاة فوقيَّة فقاف، هو ما بين <3/81> المنكب والعنق، وَهُوَ كناية عن كثرة ضربه للنساء، ورجَّحه النوويُّ والقرطبيُّ لقوله في رواية لمسلم: «أمَّا أبو جَهم فرجلٌ ضرَّابٌ للنساء»، وفي أخرى له: «وأبو جهم فيه شِدَّةٌ للنساء» أو «يضرب النساء» أو نحو هذا. وفيه جواز ضربهنَّ لإخباره عنه بهذه الصِّفة ولم ينهه، فلعلَّه كان يؤدِّبهنَّ فيما أمر الله بِهِ، وضربهنَّ اليسير للأدب جائز، لأنَّه إِنَّمَا ذمَّه بكثرته، وتركه أفضلُ لأنَّه خُلُقُ النبيء صَلَّى الله عليه وسلم، ولا خلاف في ضربهنَّ كما أمر الله بِهِ للنشوز ومنع الاستمتاع، ولا خلاف أنَّ الإفراط ومجاوزة الحدِّ في أدبهنَّ ممنوعٌ، فالمداومةُ عليه مكروهة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حديث آخر إذْ هو ليس من مكارم الأخلاق، وفيه جواز المبالغة في استعمال المجاز، وَأَنَّهَا ليست كذبا، ولا توجبُ الحنثَ في الأيمان للعلم بِأَنَّهُ كان يضع العصا عن عاتقه في حالة نومه وأكله وغيرهما، ولكنَّه لَمَّا كثر حمله للعصا أطلق عليه هذا اللفظ مجازا. (4/72)
صفحة 1066
وقيل: كان الشافعيُّ جالسا بين يدي مالك بن أنس، فجاء رجل فقال لمالك: إنِّي رجل أبيع القماري، وإنِّي بعتُ في يومي هذا قُمريًّا، فردَّه عليَّ المشتري، وقال: قُمريُّك لا يصيحُ، فحلفتُ له بالطلاق إِنَّهُ لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: طلَّقت زوجتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعيُّ يومئذ ابن أربع عشرة سنة فقال لذلك الرجل: أيُّما أكثرُ؟ صياحُ قمريِّك أم سكوتُه؟ فقال: لا بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك، فقال: من أين لك هذا ؟ فقال: لأنَّك حدَّثتني عن الزهريِّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أمِّ سلمة أنَّ فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله إنَّ أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: أمَّا معاوية فصعلوك لا مال له، وأمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أبا جهم كان يأكل وينام ويستريحُ، <3/82> وقد قال صلَّى الله عليه وسلم: لا يضع عصاه على المجاز، والعربُ تجعل أغلب الفعلين كمداومته، وَلَمَّا كان صياحُ قمريِّ هذا أكثر من سكوته جعلته كصياحه دائما، فتعجَّب مالك من احتجاجه فقال له: اِفْتِ! فقد آن لك أن تُفتي، فأفتى من تلك السنِّ. وقيل: إنَّ القِصَّةَ وقعت في بلبل لا في قمريٍّ، وإنَّ الرجلَ حلف بطلاق الثلاث، ومن هاهنا قال له مالك: لا سبيل لك عليها.
قوله: «فصُعْلوكٌ» بضمِّ المهملة أي فقيرٌ.
قوله: «لا مالَ لَه» تفسير للصعلوك، وفيه مراعاة المال لاسيما في الزوج، لأنَّه بِهِ يقوم بحقوق المرأة. وفيه أيضًا جواز ذكر عيوب الرجل لضرورة الاستشارة. (4/73)
صفحة 1067
قوله: «انكحي أسامة بن زيد»: بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدَّم ذكرُه في الجزء الأوَّل، قال عياض: فيه إشارة المستشار بغير ما استشير فيه، قيل: وجواز الخطبة على الخطبة إن لم تكن ساكنة إِلىَ الخاطب الأوَّل. وفيه نكاح من ليس بكفْءٍ، لأنَّ أسامة مولى، وهي قرشيَّة، ورُدَّ قوله بغير ما استشير فيه برواية مسلم من وجه آخر: «فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة فقال: أمَّا معاوية فرجلٌ تَرِب لا مالَ له، وَأَمَّا أبو جهم فرجل ضرَّابٌ للنساء، ولكن أسامة».
قوله: «فكرهته»: أي لأنَّه مولى، ولمسلم: «فقالت بيدها هكذا: أسامة أسامة».
<3/83> قوله: «اِنكحي أسامة بن زيد»: كرَّر الأمرَ عليها لِمَا يعلم من صلاحيَّته لها، ولِمَا يرجوه من الألفة بينهما، ولمسلم: «فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: طاعة الله وطاعة رسوله خيرٌ لك».
قولها: «فجل الله فيه خيرًا»: وفي رواية مالك: «فجعل الله في ذلك خيرًا»، فالضميرُ في رواية المصنِّف عائدٌ إِلىَ نكاح أسامة لا إِلىَ أسامة.
قوله: «فاغتَبَطتُّ بِهِ»: بغين معجمة وفتح الفوقيَّة والموحَّدة، أي: حصل لي منه ما قرَّت عيني بِهِ وما يغبط فيه ويُتَمنى، لقبولي نصيحة سَيِّد أهل الفضل، وانقيادي لإشارته، فكانت عاقبتُه حميدةً. وفي رواية لمسلم: «فتزوَّجتُه فشرفني الله بابن زيد وكرَّمني الله بابن زيد». والله أعلم.
<3/84> ما جاء في الطلاق قبل الدخول (4/74)
صفحة 1068
وَهُوَ جائزٌ لحديث الباب، ولقوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ, إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236]، وقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُومِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]، وقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمُ,..} [البقرة: 237].
قوله: «تَزَوَّجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة يقال لها عمرة...»الخ قيل: هي عمرة بنت يزيد بن الجَوْن، بفتح الجيم، الكلابيَّة ثمَّ الوحيدة، وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابيَّة، قال أبو عمرو: وهذا أصحُّ، وقيل: تَزَوَّجَها رسول <3/85> الله صلى الله عليه وسلم فبلغه أنَّ بها برصًا فطلَّقها ولم يدخل بها. وفي أسد الغابة: أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس عن بن إسحاق قال: تَزَوَّجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني كلاب ثمَّ من بني الوحيد، وكانت قبله عند الفضل بن العبَّاس بن عبد المطَّلب، طلَّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعاذت منه حين دخلت عليه فقال: لقد عذت بمعاذ فطلَّقها، وأمر أسامة بن زيد فمتَّعها ثلاثة أثواب، رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وقال أبو عبيدة: إِنَّمَا قال ذلك لأسماء بنت النعمان ابن الجَوْن. وقال قتادة: إِنَّمَا قال ذلك في امرأة من بني سُليم. وقال ابن قتيبة: في عمرة هذه إنَّ أباها وصفها للنبيء صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: وأزيدك أنَّها لم تمرض قطُّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لهذه عند الله من خيرٍ ثمَّ طلَّقها، وهذا هو الصحيح الموافق لرواية المصنِّف، لكن قيل فيها: إنَّها بنت القرطا. (4/75)
صفحة 1069
قوله: «ولم يَبْنِ بها»: أيْ لم يدخل بها.
وقوله: «لم تمرَضْ»: بفتح الراء، أي لم يصبها مرضٌ قطُّ، قال ذلك ليرغب النبيء صلى الله عليه وسلم في نكاحها، ولم يعلم أنَّه مُسَبِّب الرغبة عنها.
وقوله: «ما لهذه المرأة من خيرٍ»: أي ليس لها منزلة عند الله تعالى، لأنَّها لوْ كانت لها منزلة لابتلاها الله كما ابتُلي الأنبياء والصالحون الأمثل فالأمثل، وأيضا فالمرض إمَّا كفَّارة لخطيئة أو زيادة في الدرجة، فمن خلا من الحالين فلا خير له عند الله عزَّ وجلَّ، وسُنَّة الله تعالى في عباده الصَّالحين المؤمنين أن يبتليهم، وفي الكافرين أن يجعل لهم طَيِّبَاتهم في حياتهم الدُّنيا جزاءً لما فعلوا من المعروف حتَّى يلقوه ولا حسنة لهم، والله أعلم.
<3/86> قوله: «فطلَّقها»: أيْ فأوقع عليها الطلاق، وفيه دليلٌ على جواز الطلاق قبل الدخول، وأنَّه صلى الله عليه وسلم كغيره من الناس لا يعلم الغيب، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} [الأعراف: 188] وأنَّه بشرٌ تبدو له البدوات، وإنَّ ذلك ليس بِمُخِلٍّ لمنصبه العالي، والله أعلم.
ما جاء في أوَّل خُلعٍ في الإسلام
<3/87> قوله: «نشزت»: أي استعصت على بعلها وأبغضته، وبابُه: دخل وجلس، ونشز بعلها عليها: ضربها وجفاها، ومنه قوله تعالى: {وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنم بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء: 128]. (4/76)
صفحة 1070
قوله: «أمُّ جُمَيْلة»: بضمِّ الجيم على صيغة التصغير، هكذا وقع في نُسَخ المسند التي وقعت بأيدينا بلفظ الكنية، والموجود في حديث ابن عبَّاس عند ابن ماجه أنَّ اسمها جميلة، وكذلك في حديث الربيع، بنت معوَّذ عند النسائي، ولعلَّ كنيتها وافقت اسمها، وقد قيل: إنَّ العرب إذا عظَّمت رجلا كنَّته باسمه، فيقولون لمن اسمه محمَّد: يا أبا محمَّد، فيُحتمل أنَّه كنَّاها باسمها لذلك، وَأَنَّ كنيتها وافقت اسمها كما تقدَّم. وقيل: اسمها زينب، وجمع بينهما باحتمال أن يكون لها اسمان وأحدهما لقب. <3/88> وقيل: اسمها مريم. قال البيهقي: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدَّد من ثابت.
قوله: «بنت عبد الله بن أبيٍّ»: رأس المنافقين، ووقع عند ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس أنَّها جميلة بنت سلول، وفي حديث الربيع بنت معوَّذ، عند النسائي أنَّها جميلة بنت عبد الله بن أُبيٍّ، وفي رواية للبخاري أنَّها بنت أبيٍّ، فقيل: إنَّها أخت عبد الله كما صرَّح بِهِ ابن الأثير وتَبِعه النوويُّ وجَزَمَا بأنَّ قول من قال إنَّها أخت عبد الله وَهِمَ، وجمع بعضهم باتِّحاد اسم المرأة وعمَّتها وأنَّ ثابتا خالع الاثنين واحدةً بعد الأخرى. قال ابن حجر: ولا يخفى بُعده، ولا سيما <3/89> مع اتِّحاد المخرج، وقد كثرت نسبة الشخص إِلىَ جدِّه إذا كان مشهورا، والأصلُ عدم التعدُّد حتَّى يثبت صريحا.
وقال أبو عمر: روى البصريُّون هكذا، يعني: جميلة بنت أبيٍّ، وروى أهل المدينة فقالوا: حبيبة بنت سهل الأنصاري. (4/77)
صفحة 1071
قوله: «ابن الشَّمَّاس»: بفتح الشين المعجمة والميم المشدَّدة فألِفٌ فمهملة، وزيادة الألف واللام لِلَمْحِ الصِّفة التي قد نقل عنها إِلىَ العَلميَّة، وَهُوَ شَمَّاس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك، وَهُوَ الأغرُّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. وأمُّ ثابت امرأة من طيء، ويكنَّى ثابت أبا محمَّد بابنه محمَّد، وقيل: أبو عبد الرحمن. وكان ثابت خطيب الأنصار وخطيب النبيء صلى الله عليه وسلم، كما كان حسَّان شاعرَه وشهد أحُدا وما بعدها، وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر شهيدًا. (4/78)
صفحة 1072
قال أنس بن مالك: لَمَّا انكشف الناس يوم اليمامة قلت لثابت بن قيس بن شمَّاس: ألا ترى يا عمُّ؟ ووجدته يتحنَّط، فقال: ما هكذا كنَّا نقاتل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، بئس ما عوَّدتم أقرانكم، وبئس ما عوَّدتم أنفسكم، اللهمَّ إنِّي أبرأ إليك مِمَّا جاء بِهِ هؤلاء - يعني الكفَّار - وأبرأ إليك مِمَّا يصنع هؤلاء يعني المسلمين، ثمَّ قاتل حتَّى قُتل بعد أن ثبت هو وسالم مولى أبي حذيفة، فقاتلا حتَّى قُتلا. وكان عَلَى ثابت درعٌ له نفيسةٌ فمرَّ بِهِ رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه، فقال له: إنِّي أوصيك بوصيَّة فإيَّاك أن تقول هذا حلم فتضيِّعه، إنِّي لَمَّا قتلت أمس مَرَّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرسٌ يستَنُّ في طِوَله وقد كُفئ على الدرع بُرْمة، وفوق البُرمة رحْل، فأت خالدًا فمرْه فليبعث فليأخذها، فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله <3/90> صلى الله عليه وسلم - يعني أبا بكر - فقل له: إنِّي عليَّ من الدَّين كذا وكذا، وفلان من رقيق عتيقي وفلان، فاستيقظ الرجل فأتى خالدا فأخبره، فبعث إِلىَ الدرع فأُتي بِهِ على ما وصف، وحدَّث أبا بكر رضي الله عنه برؤياه فأجاز وصيَّتَه، ولا نعلم أحدا أجيزت وصيَّتُه بعد موته سواه. وروى عنه أنس بن مالك وأولاده محمَّد ويحيى وعبد الله أولاد ثابت قتلوا يوم الحرَّة.
قوله: «فأتت أباها مَرَّتَيْنِ:» هذا يصحِّح ما في رواية المصنِّف أنَّها بنت عبد الله لا أخته، لأنَّ أُبيًّا أبا عبد الله مات في الجاهليَّة.
قوله: «تشكو زوجَها»: أيْ تذكر له سوءَ فعله فيها.
وقوله: «لا يُشَكِّيها»: بضمِّ أوَّله وتشديد الكاف أي لا يسمع دعواها ولا يزيل ما تشكوه من بعلها. (4/79)
صفحة 1073
قوله: «ذكرت أنَّها كارهة له»: وعند البخاري والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عبَّاس: «قالت: يارسول الله إنِّي ما أعتب عليه في خلق ولا دين، وَلَكِنِّي أكره الكفر في الإسلام»، زاد ابن ماجه: «لا أطيقُه بغضًا».
قوله: «مالك ولأهلك؟»: أي ما شأنك معها؟ وأي شيء صنعتَ بها حتَّى تشكوك؟.
قوله: «والذي بعثك»: أي أرسلك.
وقوله: «غيرك»: أي لا أحد أحبَّ إليه إليَّ منها إِلاَّ أنت، وإنَّما استثناؤه لوجوب حبِّه صلى الله عليه وسلم على أمَّته، فلا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتَّى يكون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحبَّ إليه من كلِّ أحد على وجه الأرض.
<3/91> وقوله: «جهدي»: بضمِّ الجيم وفتحها أي طاقتي.
وقوله: «فكرهت أن تكذب»: يستفاد منه أنَّها كانت تخفي إحسان زوجها عند أبيها، وتظهر له خلاف الواقع في شكايتها، فكرهت أن تفعل ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقولها: «تخوَّفت أن يدخلني النار»: أي خشيت أن أدخل النَّار بسببه حيث إنِّي لم أستطع القيام بحقوقه الواجبة عليَّ، لما طبع في النفس من البغض له.
قوله: «أتردِّين عليه ما أخذت منه؟»: يعني من الصداق.
وقوله لثابت: «أترضى أن تردَّ عليك ما أخذتْ؟» دليلٌ على أنَّ أمره صلى الله عليه وسلم لثابت أن يقبل منها الحديقةَ. وعند غير المصنِّف إِنَّمَا هو إرشادٌ لا وجوب.
قوله: «ويُخلِّي سبيلَكِ»: أي يتركك وشأنك. واستدلَّ بِهِ القائلون أنَّ الخلع فسخ للنكاح، وأنَّه ليس بطلاق. وقيل: إنَّه طلاق بائن، وَلِكُلِّ واحد من الفريقين حُججٌ لا نطيل بذكرها.
قوله: «حائطه»: أي بستانه، وجمعه حوائط، ووقع عند غير المصنِّف بلفظ الحديقة، والمعنى واحد.
وقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «هذا أوَّل خلع في الإسلام» يفيدُ أنَّ الخلع كان معروفا عند العرب مستعملا قبل الإسلام، وقد تقدَّم قولُ ابن دريد في أوَّل خلع كان عند العرب على أوَّل كتاب الطلاق، وفي الحديث فوائد: (4/80)
صفحة 1074
- منها أنَّ الحديث يدلُّ على مشروعيَّة الخلع، وقد أجمع العلماءُ على ذلك إِلاَّ بكر بن عبد الله المزني التابعي، فإنَّه قال: لا يحلُّ للزوج أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا، لقوله تعالى: {فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، وعورض بقوله <3/92> تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اَفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، فادَّعى نسخها بآية النساء، ورُدَّ بقوله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4]، وبقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يَّصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا...} الآية [النساء: 128]، وبأحاديث الباب. وقد انعقد الإجماع بعده على اعتبار الخلع، وأنَّ آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الأخيرتين.
- ومنها أنَّ طلب المرأة الخلع جائز، إذا كان ثَمَّ سببٌ يقتضيه، فيحمل أحاديث النهي عن ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «المختلعات هُنَّ المنافقات» على أنَّ ذلك حيث لا سبب يقتضيه.
- ومنها جوازُ أخذ الرجل العِوضَ من المرأة إذا كرهت البقاء معه. وقال أبو قلابة ومحمَّد بن سيرين: إنَّه لا يجوز له أخذُ الفدية منها إِلاَّ <3/93> أن يرى على بطنها رجلا، واستدلاَّ بقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمُ, أَن تَاخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا اِلآَّ أَنْ يَّخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} [البقرة: 229]، مع قوله تعالى: {إِلآَّ أَنْ يَّاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19].
وتُعقِّب بأنَّ آية البقرة فسَّرت المراد بالفاحشة، وأحاديث الباب الصحيحة من أعظم الأدلَّة على ذلك. (4/81)
صفحة 1075
- ومنها أنَّ مجرَّد وجود الشقاق من قبل المرأة كافٍ في جواز الخلع. واختار ابن المنذر أنَّه لا يجوز حتَّى يقع الشقاق منهما جميعا، وتمسَّك بظاهر الآية، وبذلك قال طاوس والشعبيُّ، وأجيب عن ذلك بأنَّ المراد أنَّها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها، فنسبت المخالفةُ إليهما لذلك، ويؤيِّد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له. وفيه أنَّ ثابتا أخبر الرَّسول صلى الله عليه وسلم ابتداءً أنَّه ليس على وجه الأرض أحبُّ إليه منها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما صَرَّحَت بِهِ رواية المصنِّف، فلا يستقيم هذا التأييد. وقال الربيعُ رحمه الله: لا يحلُّ مهر المختلعة حتَّى يعلم الزوج أنَّها له كارهة، ولجماعه مبغضة، فهناك يحلُّ له مالها.
- ومنها جواز أخذ جميع ما أعطاها، وهذا مُتَّفَق عليه إذا كان باقيا بعينه، كحائط امرأة ثابت بن قيس، واختلفوا بعد ذلك في شيئين:
- الأوَّل: إن أذهبت شيئا من صداقها هل له أن يُغرمها إِيَّاهُ؟ فقيل: ليس له أن يأخذ منها ما ذهب وإنَّما يأخذ ما بقي بعينه، وقيل: له أن يأخذ ما ذهب وما بقي، وفي المسألة قولٌ ثالث لا ينبغي أن يُذكر لضعفه، وَهُوَ: أن لا يأخذ منها مِمَّا قد صار <3/94> إليها شيئا، وإنَّما يجوز له قبول ما عليه لها فقط، والحديث يردُّه فإنَّ الحائط قد صار لامرأة ثابت، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «أتردِّين عليه ما أخذت منه ويخلِّي سبيلك؟». (4/82)
صفحة 1076
- والثاني: جوازُ الزيادة على ما أعطاها، فقيل: ليس له أن يزداد على ذلك، وعلى هذا أكثر الفتوى من علماء المذهب. وأخرج عبد الرزَّاق أنَّه قال: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها، وعن طاووس وعطاء والزهري مثله، وَهُوَ قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق. وقال ميمون بن مهران: من أخذ أكثر مِمَّا أعطى لم يسرِّح بإحسان. وقيل: تجوز الزيادة، ونسب إِلىَ الجمهور، وقال مالك: لم أرَ أحدا مِمَّن يُقتدى بِهِ يمنع ذلك، لكنَّه ليس من مكارم الأخلاق، والله أعلم.
ما جاء في خيار الأمَة إذا عتقت
<3/95> قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري في مواضع صحيحة بألفاظ متقاربة المعنى، وَهُوَ عند غيرهما أيضًا من طرق مُتَعَدِّدَة.
<3/96> قوله: «في بَرِيرَة»: بفتح الموحَّدة وكسر الراء وإسكان التحتيَّة فراء ثانية فهاء تأنيث، بزنة فَعيلة من البرير، وَهُوَ ثمر الأراك، قيل: اسم أبيها صفوان وإنَّ له صحبة، وقيل: كانت نبطية، وقيل: قبطية، وقيل: حبشية، وهي مولاة عائشة، وكانت تخدمها قبل أن تشتريها، قيل: وكانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل: لآل عُتبة بن أبي لهب، قال بعضهم: وَهُوَ خطأ، فإنَّ مولى عتبة سأل عائشة عن حكم هذه المسألة فذكرت له قصَّة بريرة، وقيل: لبني هلال، وقيل: لآل أبي أحمد بن جحش.
وتُعُقّب بأنَّ الذي هو مولاهم إِنَّمَا هو زوجها لا هي، وعاشت بريرةُ إِلىَ زمن يزيد بن معاوية. (4/83)
صفحة 1077
قوله: «ثلاث سُنن»: جمع سنَّة، والمراد بها الأحكام الشرعيَّة، والمعنى أنَّه عُلم بسببها ثلاثة أحكام من الشريعة. قال عياض: المعنى إنَّها شرعت في قصَّتها وما يظهر فيها مِمَّا سوى ذلك كان قد عُلم في غير قصَّتها. وقال ابن عبد البرِّ: قد أكثر الناس في تشقيق المعاني من حديث بريرة وتخريجها وتحريرها، فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة فيه كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب، وأكثر ذلك تكلُّفٌ واستنباط محتملٌ، لا ينبئ عن دليل، والذي قصدته عائشة هو معظم الأمر في قصَّتها. وذكر ابن العربي أنَّ ابن خزيمة استخرج منه ما ينيف على مائتين وخمسين فائدة، وجمع غيرُه فوائدَ هذا الحديث فزادت على ثلاث مائة لخَّصها في فتح الباري. ووقع لأبي داود من وجه آخر عن عائشة أربع سنن، وزاد: «وأمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرائر».
قوله: «الأولى»: أي السنَّة الأولى من السُّنن الثلاث.
وقوله: «عَتَقَت» بفتحات، أي صارت عتيقة، يقال: عَتَقَ العبدُ عتقا من باب ضرب، وعَتاقا وعَتاقة بفتح الأوائل، والعِتقُ بالكسر اسمٌ منه، فهو عاتقٌ، ويتعدَّى بالهمزة فيُقال: أعتقه فهو معتق على قياس الباب، ولا يتعدَّى بنفسه فلا يقال: عتقه، ولهذا قال في <3/97> البارع: لا يقال عُتق العبد وَهُوَ ثلاثيٌّ مبنيٌّ للمفعول ولا أَعتق هو بالألف مبنيا للفاعل، بل الثلاثيُّ لازم والرباعيُّ متعدٍّ، ولا يجوز عبد معتوق، لأنَّ مجيء مفعولٍ من أَفْعَلْتُ شاذٌّ أو مسموع لا يقاس عليه. ووقع في رواية الموطأ بالألف، فقال: «إنَّها أعتقت» بضمِّ الهمزة وكسر الفوقية. والذي أعتقها عائشة. (4/84)
صفحة 1078
قوله: «فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن تقيم مع زوجها أو تفارقه»: وفي رواية الدار قطني من طريق أبان بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: «اذهبي فقد عتق معك بضعك»، وزاد ابن سعد عن الشعبيِّ مرسلا: «فاختاري»، قالوا وإنَّما خيِّرتْ لأنَّها صارت أملك بنفسها، هذا عند من قال: إنَّ الخيار لها إذا عتقت مطلقا، وقيل: لا خيار لها إِلاَّ إذا كانت تحت عبد فقط، لتضرُّرها بالمقام تحته من جهة أنَّ لسيده منعه عنها، ولأنَّه لا ولاية له عن ولده وغير ذلك. وهذا بخلاف ما إذا أعتقت تحت حرٍّ فلا خيار لها، لأنَّ الكمال الحادث لها حاصلٌ له، فأشبه ما إذا أسلمت كتابيَّةٌ تحت مسلم. وليس في هذا الحديث تصريحٌ بأنَّ زوج بريرة عبدٌ أو حرٌّ حين أعتقت. وفي البخاري عن ابن عبَّاس: <3/98> «كان زوج بريرة عبدًا يقال له مغيث كأنِّي أنظر إليه يطوف خلفها ويبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم لعبَّاس: يا عبَّاس، ألا تعجب من حبِّ مغيث لبريرة ومن بغض بريرة مغيثا، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: لو راجعته، قالت يا رسول الله تأمرني؟ قال: إِنَّمَا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه». وفي الصحيحين والسنن الأربعة عن الأسود عن عائشة أنَّه كان حُرًّا، وبه تمسَّك من قال: يثبت الخيارُ للأمة إذا عتقت مطلقا، كانت تحت حرٍّ أو عبدٍ، وَهُوَ قول أصحابنا وأبي حنيفة، وذلك لأنَّها صارت بنفسها.
وتُعُقب بأنَّ حديث الأسود اختلف فيه على راويه، هل هو من قول الأسود أو رواه عن عائشة؟ أو هو قول غيره؟. قال أحمد: إِنَّمَا يصحُّ أنَّه كان حُرًّا عن الأسود وحده. وصحَّ عن ابن عبَّاس وغيره أنَّه كان عبدا. (4/85)
صفحة 1079
قال النوويُّ: ويؤيِّد ذلك قول عائشة: كان عبدا، ولو كان حُرًّا لم يُخيِّرها، فأخبرت - وهي صاحبة القِصَّة - بأنَّه كان عبدا، ثمَّ علَّلت بقولها: «ولو كان حُرًّا لم يُخيِّرها»، قال: وهذا لا يكاد لأحد يقوله إِلاَّ تدقيقا، وفي الحديث: «إنَّ بيع الأمَة المتزوِّجة ليس بطلاق»، إذ لو طلقت بِمُجَرَّدِ البيع لم يكن للتخيير فائدة، وإليه ذهب الجمهور. وقيل: البيع طلاق لظاهر قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ اِلاَّ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، <3/99> ونُسب إِلىَ بعض الصحابة والتابعين.
وأجيب بأنَّ الآية نزلت في المسبيَّات فهنَّ المراد بملك اليمين على ما ثبت في الصحيح من سبب نزولها، وليس البيع كالسبي، وأيضا فإنَّ النكاح عقدٌ على منفعة فلا يُبطله بيع الرقبة.
قوله: «والثانية»: أي والسُّنة الثانية.
وقوله: «جاءت إليَّ»: بتشديد الياء، أيْ إِلىَ عائشة نفسها.
وقوله: «أهلي»: أيْ مواليَّ. (4/86)
صفحة 1080
وقولها: «كاتبوني»: أي همُّوا بكتابتي، أو أرادوا فعل ذلك على حدِّ قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمُ, إِلَى الصَّلاَةِ} [المائدة: 6]، {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ} [النحل: 98]، ونحو ذلك، وكذا القول أيضًا في قول عائشة لها: «أَعُدُّ لهم ما كاتبوك بِهِ»، أي ما أرادوا أن يكاتبوك عليه. قال المحشِّي: وهذا هو الظاهر، إذ لم يثبت أنَّهم كاتبوها بالفعل، وحمله بعض قومنا على ظاهره فأجازوا بيع المكاتب قبل أن يقضي ما عليه، قالوا: لأنَّه رقُّ مملوكٌ، وَكُلُّ مملوك يجوز بيعُه وهبته والوصيَّةُ بِهِ، وَهُوَ القديم من مذهب الشافعي، وبه قال أحمدُ وابن المنذر، قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبيء صلى الله عليه وسلم وهي مكاتَبَة ولم ينكر ذلك، ففيه أبين بيان أنَّ بيعه جائز، قال: ولا أعلم خبرا يعارضه ولا أعلم دليلا على عجزها، وقال أصحابنا ومالك والشافعي في الجديد وأصحاب الرأي وغيرُهم: إنَّه لا يجوز بيعُه لأنَّه خرج عن ملكه، بدليل تحريم الوطء والاستخدام. وتأوَّل الشافعيُّ حديث بريرة على أنَّها كانت قد عجزت، وكان بيعُها فسخا لكتابتها، وسوَّغ المحشِّي فسخ الكتابة بتعجيل النقد ليستريح المكاتَب من نجوم الكتابة وذلِّ السؤال، وكلا التأويلين محتاج إِلىَ دليل.
قوله: «فأعينيني بشيء»: على أداء ما طلبوه منِّي. وفيه جواز السؤال في مثل هذا الحال.
وقوله: «أَعُدُّ لهم ما كاتبوك به»: أي أنقدهم ما طلبوه منك على الكتابة، وقيل: إنَّ جملة ذلك تسع أواق في كُلِّ عام أوقية، وقيل: خمس أواقٍ <3/100> نُجِّمت عليها في خمس سنين، والمشهور رواية التسع، وجزم الإسماعيليُّ بِأَنَّ رواية الخمس غلط.
قوله: «فيكون ولاؤك لي»: أيْ نصرك وإعانتك واتِّصال حبلك بحبلي. وأصل الولاء في اللغة النصرة لكنَّه خُصَّ في الشرع بولاء العتق. (4/87)
صفحة 1081
قوله: «فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم»: هذا يدلُّ أنَّ الخبر أفضي إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير عائشة، ويدلُّ على ذلك بعض روايات البخاري أنَّ بريرة عرضت ذلك على أهلها، فأبوا إِلاَّ أن يكون الولاء لهم، قالت عائشة: فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته فقال: «خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق».
قوله: «الولاء لمن أعتق»: وفي رواية: «إِنَّمَا الولاء لمن أعتق»، وفيه إثبات الولاء للمُعتق ونفيه عمَّا عداه، كما تقتضيه إِنَّمَا الحصريَّة، وهذه هي السُّنة الثانية، والسنن الثلاث. واستند بذلك على أنَّه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجلٌ أو وقع بينه وبين رجل محالفة ولا للمتلفِّظ.
قوله: «والثالثة»: أي والسنَّة الثالثة.
قوله: «دخل عليها»: أي في حجرتها رضي الله عنها.
قوله: «والبُرمة»: بضمِّ الموحَّدة وإسكان الراء، هي القِدْر من الحجر، وقيل: القِدْر مطلقا، وجمعُها: بُرَمٌ، مثل: غرفة غُرَف، وبِرام، بكسر الموحدة.
قوله: «تفور»: بالفاء، أي تغلي، يقال: فارت القدر إذا غلت.
قوله: «بلحم»: متعلِّق بِهِ، أي مصطحبا غليانها باللحم وملتبسا بِهِ.
وقوله: «فقُرِّبت»: بضمِّ القاف وكسر الراء الثقيلة، أي قُدِّم.
وقوله: «والإدام»: بكسر أوَّله، ما يؤتدم بِهِ مائعا كان أو جامدا، وجمعه: أُدُمٌ، مثل: كتاب كتُب، ويُسكَّن للتخفيف فيُعامل معاملة المفرد ويجمع على آدام، مثل: قفل وأقفال. زاد في رواية الموطأ: «وأدُم البيت»، والإضافة للتخصيص.
<3/101> وقوله: «ألم أرَ» الهمزة للتقرير.
وقوله: «تُصُدِّقَ»: بضمِّ التاء والصاد وكسر الدال المشدَّدة، أي دفع إليها على سبيل الصدقة، وأنت لا تأكل الصدقة لحرمتها عليك. (4/88)
صفحة 1082
وقوله: «هو عليها صدقة وَهُوَ منها لنا هديَّة»: وذلك لأنَّ الصدقة يسوغ للفقير التصرُّف فيها بالإهداء والبيع وغير ذلك، كتصرُّف الملاَّك في أملاكهم، وأفاد أنَّ التحريم إِنَّمَا هو على الصِّفة لا على العين، فإذا تغيَّرت صفة الصدقة تغيَّر حكمها، فيجوز للغنيِّ ولو هاشميًّا أكلها وشراؤها، والفرق بين الصدقة والهديَّة أنَّ الهدية ما يدفع على سبيل الإكرام والإجلال، ومنه بعثُ الهدايا إِلىَ الملوك، ولا كذلك الصدقة. قال عياض: وفيه أنَّ سؤال الرجل عمَّا يرى في بيته ليس بمذموم ولا مناف لمكارم الأخلاق، وقوله في حديث أمِّ زرع: «ولا يسأل عمَّا عهِد» ليس من هذا، وإنَّما ذلك أن يقول فيما عهد: أين هو وماذا صنع بِهِ؟ وَأَمَّا شيء يجده فيقول: ما هذا ؟ فليس منه، مع أنَّ سؤاله صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كان ليبيِّن لهم حكم ما جهلوا، لأنَّه علم أنَّهم لم يقدِّموا له إدام البيت دون سَيِّد الآدام إِلاَّ لأمر اعتقدوه، فكان كذلك، فبيَّن لهم حكمه.
<3/102> باب الحِداد والعِدَّة
ما جاء في نهي المرأة أن تحدَّ فوق ثلاثة أيَّام إلاَّ على زوجها
<3/103> الحِداد: بكسر المهملة الأولى وتخفيف الثانية: امتناع المرأة المتوفَّى عنها زوجها من الزينة كلِّها: من لباس وطيب وغيرهما، من كلِّ ما كان من دواعي الجماع، وقال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمِّي البوَّاب حدَّادًا لمنعه الداخل، وسمِّيت العقوبة حدًّا، لأنَّها تردع عن المعصية، وقيل: معنى الإحداد منع المعتدَّة نفسها الزينة، وبدنها الطيب، ومنع الخطَّاب خطبتها والطمع فيها، كما منع الحدُّ المعصية، وقال الفرَّاءُ: سمِّي الحديد حديدا للامتناع بِهِ، أو لامتناعه على محاوله.
وأمَّا العدَّة فإنَّها تضاف إِلىَ المرأة، ويُراد بها أيَّام أقرائها، مأخوذٌ من العدِّ والحساب، ويُراد بها مدَّةَ تربُّصها المدَّة الواجبة عليها، والجمع عِدَدٌ مثل سِدْرَة وسِدَرٌ. (4/89)
صفحة 1083
<3/104> قوله: «عن أبي سعيد الخدْري قال: قالت حفصةُ»: يعني أمَّ المؤمنين رضي الله عنها، ففيه رواية صحابيٍّ عن صحابيَّة، والحديث رواه مالك عن نافع عن صفيَّة بنت أبي عبيد عن عائشة وحفصة زوجي النبيء صلَّى الله عليه وسلم، هكذا عند بعض الرواة، ورواه آخرون عن عائشة أو حفصة على الشكِّ، ورواه يحيى بن سعيد عن نافع عن صفيَّة عن حفصة وحدها، ورواه عبيد الله عن نافع عن صفيَّة عن بعض أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم، أخرج ذلك كلَّه مسلم.
وقوله: «لا يحلُّ»: نفيٌ بمعنى النهي على سبيل التأكيد.
وقوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر» قيل: التقييد بذلك خرج مخرج الغالب، كما يقال: هذا طريق المسلمين، مع أنَّه يسلكه غيرهم، فالكتابيَّة كذلك عند الجمهور من قومنا، وقيل: لا إحداد على الكتابيَّة، وَهُوَ الظاهر من فتوى الأصحاب، وبه قال أبو حنيفة والكوفيُّون ومالك في رواية عنه وأشهب وأبو ثور تمسُّكا بظاهر الحديث، فالوصف بالإيمان مُخرِج لغير المؤمنات عندهم.
وأجيب بأنَّه للغالب، أو لأنَّ المؤمنة هي التي تنتفع بالخطاب وتنقاد للحكم، فَهَذَا الوصفُ لتأكيد التحريم وتغليظه، وعلَّل بعض أصحابنا ذلك بأنَّ الذي فيها من الشرك الذي تتركه من فرائض الله أعظم، وكأنَّه يشير إِلىَ أنَّ الخطاب بالفروع غير متوجِّه إليها لاشتغالها بالشرك عن الإيمان. وقيل: لا يكره للصبية والأمَة المسلمة ما يكره للمرأة المسلمة في اللبس والزينة. قال أبو معاوية: يؤمر أهلُ الصبيَّة أن يجنِّبوها ذلك من غير أن يكون ذلك واجبا عليها، بمعنى أنَّها لم تبلغ حدَّ التكليف، فالخطاب بذلك متوجِّه إِلىَ الأولياء، كما خوطبوا في أمرها بالصلاة والصيام إن عقلت ذلك وأطاقته.
<3/105> قوله: «أن تُحِدَّ»: بضمِّ أوَّله وكسر الحاء من الرباعي، ولم يعرف الأصمعي سواه، وحكى غيرُه فتحَ أوَّله وضمَّ ثانيه من الثلاثي، يقال: حدَّت المرأة وأحدَّت بمعنىً. (4/90)
صفحة 1084
وقوله: «فوق ثلاث ليال»: يدلُّ أنَّ لها أن تحدَّ على القريب ثلاثا فأقلَّ، فإن مات في بقيَّة يوم أو بقيَّة ليلة ألغت تلك البقيَّة وعدَّت ثلاثا من الليلة المستقبلة.
قوله: «إلاَّ على زوجٍ»: إيجابٌ للنفي، والجارُّ والمجرور متعلقٌ بِتُحِدَّ، فالاستثناء مفرَّغ، ويدخل تحته كلُّ زوجة مدخولا بها أو لا، وكذلك تدخل الصغيرة والأمة عند جمهور قومنا، ويخرجان عند أكثر أصحابنا وأبي حنيفة بقوله في أوَّل الحديث: «لا يحلُّ لامرأة» فإنَّ الصبيَّة ليست بامرأة، وظاهر إطلاقه على الحرَّة المالكة لأمرها فتخرج الأَمَة.
وقوله: «أربعة أشهر وعشرا»: أي عشر ليال بأيَّامها عند الجمهور، فلا تحدَّ حتَّى تدخل الليلة الحادية عشرة، وقيل: أنَّث العدد لإرادة المدَّة. وقال الأوزاعي وغيرُه: إنَّها عشر ليال فتحلُّ في اليوم العاشر تمسُّكا بالمفهوم من العدد وَهُوَ تمسُّك ضعيفٌ. والحكمة في جعل عدَّة الوفاة أزيد من عدَّة المطلَّقة لأنَّه لَمَّا عدم الزوج استظهر له بأتمِّ وجوه البراءة وهي أربعة الأشهر والعشر، لأنَّه الأمر الذي يتبيَّن فيه الحمل، فبعد الرابع ينفخ فيه الروح، وزيدت العشر حتَّى تتبيَّن حركته، ولذا جعلت عدَّتها بالزمان الذي يشترك في معرفته الجميع، ولم توكل إِلىَ أمانة النساء فتجعل بالأقراء كالمطلَّقات، كلُّ ذلك حوطة للميِّت لعدم المحامي عنه. (4/91)
صفحة 1085
<3/106> واختلف في الحامل تزيد عليها مدَّة الحمل، هل عليها الإحداد في الزيادة حتَّى تضع؟ وَهُوَ الظاهر من مذهب الأصحاب، وبه أفتى بعضُهم، أوَّلا لا يلزمها الإحداد في الزيادة لظاهر الحديث، ولا إحداد على مطلَّقة عند أصحابنا، وَهُوَ قول الأكثر من قومنا، رجعيَّةً كانت أو بائنة أو مثلَّثة، واستحبَّه أحمد والشافعيُّ للرجعيَّة، وأوجبه أبو حنيفة والكوفيُّون على المثلَّثة وشكَّ الحسن وحده، فقال: لا إحداد على متوَفًّى عنها ولا على مطلَّقة. قال القاضي عياض: ولولا الاتِّفاق على وجوب الإحداد لكان ظاهر الحديث الإباحة لإنَّه استثناء من عموم المنع، وأجيب بأنَّ حديث التي شكت عينها الآتي دلَّ على الوجوب، وإلاَّ لم يمتنع التداوي المباح، وبأنَّ السياق أيضًا يدلُّ على الوجوب، فإن كلَّ ممنوع منه إذا دلَّ دليل على جوازه كان ذلك الدليل بعينه دالاًّ على الوجوب، ويرشِّح ذلك هنا زيادة مسلم في بعض طرق الحديث بعد قوله: «إلاَّ على زوج فإنَّها تحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرا»، فإنَّه أمرٌ بلفظ الخبر إذ ليس المراد معنى الخبر، فإنَّ المرأة قد لا تحدُّ فهو على حدِّ قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] والمراد بِهِ الأمر اتِّفاقا.
قوله: «بلغني»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم عن حُميد بن نافع عن زينب بنت أمِّ سلمة، وقال مالك: بنت أبي سلمة، وهي ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: دخلت على أمِّ حبيبة حين توفِّي أبوها أبو سفيان فدعت أمُّ حبيبة بطيب فيه صُفرة خلوق، وذكرت الحديث. (4/92)
صفحة 1086
<3/107> قوله: «عن أمِّ حبيبة»: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس القرشيَّة الأمويَّة، زوج النبيء صلى الله عليه وسلم، إحدى أمَّهات المؤمنين رضي الله عنها، كنِّيت بابنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش، وكانت من السابقين إِلىَ الإسلام، وهاجرت إِلىَ الحبشة إِلىَ زوجها عبيد الله، فولدت هنالك حبيبة، فتنصَّر عبيدُ الله ومات بالحبشة نصرانيًّا، وبقيت أمُّ حبيبة مسلمة بأرض الحبشة فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم يخطبها إِلىَ النجاشي، قالت أمُّ حبيبة: ما شعرت إِلاَّ برسول النجاشيِّ جارية يقال لها: أبرهة كانت تقوم على بناته ودَهنه، فاستأذنت عليَّ فأذنت لها فقالت: إنَّ الملك يقول لك: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليَّ أن أزوِّجكِهِ، فقلتُ: بشَّرَكِ الله بخير، قالت: ويقول لك الملكُ: وكِّلي من يُزوِّجك، فأرسلت إِلىَ خالد بن سعيد بن العاص بن أميَّة، فوكَّلته، وأعطيت أبرهة سوارين من فضَّة كانت عليَّ وخواتيم فضَّة كانت في أصابعي سرورا بما بشَّرتني بِهِ، فلمَّا كان العشيُّ أمر النجاشيُّ جعفر بن أبي طالب ومَن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشيُّ فحمد الله وقال: أمَّا بعد، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليَّ أن أزوِّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبتُ إِلىَ ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها أربعمائة دينار، ثمَّ سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلَّم خالد بن سعيد فحمد الله وأثنى عليه وقال: أمَّا بعد، فقد أجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلىَ ما دعا إليه وزوَّجتُه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، وبارك الله لرسوله! ودفع النجاشيُّ الدنانير إِلىَ خالد فقبضها، ثمَّ أرادوا أن يتفرَّقوا فقال: اجلسْ فإنَّ من سنَّة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعامٌ على التزويج، ودعا بطعام فأكلوا ثمَّ تفرقوا. (4/93)
صفحة 1087
وقيل: إنَّ الذي وكَّلته أمُّ حبيبة ليعقد النكاح عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة من أجل أنَّ أمها صفيَّة بنت أبي العاص عمَّة عثمان، ولَمَّا بلغ الخبر إِلىَ أبي سفيان أنَّ رسول الله نكح أمَّ حبيبة ابنته <3/108> قال: ذلك الفحل لا يُقدع أنفه، وتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ستٍّ، وتوفِّيت سنة أربع وأربعين. قال ابن إسحاق: تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زينب بنت خزيمة الهلاليَّة. لا اختلاف بين أهل السير وغيرهم في أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم تزوَّج أمَّ حبيبة وهي بالحبشة، إِلاَّ ما رواه مسلم بن الحجَّاج في صحيحه: «إنَّ أبا سفيان لما أسلم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوَّجها فأجاب إِلىَ ذلك»، وَهُوَ وهن من بعض رواته.
قوله: «لما توفي أبوها»: أي في سنة اثنتين وثلاثين، عند الجمهور، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، ووقع عند البخاري في الجنائز، ورواية ابن عيينة: «لَمَّا جاء نعي أبي سفيان من الشام»، قال ابن حجر: وفيه نظر لأنَّه مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل الأخبار، قال: ولم أرَ في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إِلاَّ في رواية ابن عيينة هذه، وأظنُّها وهما. ولابن أبي شيبة والدارمي في طريق شعبة عن نافع: «جاء نعي لأخي أمِّ حبيبة أو حميم لها، فدعت بصفرة فلطَّخت بِهِ ذراعها»، ورواه أحمد بلفظ: «إنَّ حميما لها مات» بلا تردُّد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظنُّ أنَّ القصَّة تعدَّدت لزينب مع أمِّ حبيبة لَمَّا جاءها نعي أخيها من الشام سنة ثمان عشرة أو تسع عشرة، ثمَّ عند وفاة أبيها أبي سفيان بالمدينة، لا مانع من ذلك.
<3/109> قوله: «دَعت بطيب»: أي طلبت ذلك. «وخلوق»: بوزن صبور نوع من الطيب يُصنع من زعفران وغيره، قال بعض الفقهاء: وَهُوَ مائع فيه صفرة. والْخِلاَقُ: مثل كتاب بمعنى الخلوق. (4/94)
صفحة 1088
قوله: «جارية»: بالنصب مفعول دهنت، قال ابن حجر: لم أعرف اسمها.
قوله: «ثمَّ مسحت عارضيها»: قال الربيع: هما ما بين مقدمي أذنيها إِلىَ خدَّيها من اللِّحِي الأسفل، وقال ابن دريد: العارضان صفحتا العنق وما بعد الأسنان، وقيل: عارضة الوجه ما يبدو منه، ومبسما الفم والثنايا، والمراد هنا الأوَّل، وقيل: العوارض ما بعد الأسنان، أطلقت على الخدَّين هنا مجازًا لأنَّها عليهما، فهو من مجاز المجاورة، أو تسمية الشيء بما كان من سببه.
وقولها: «والله ما لي بالطيب من حاجة»: أي ليس لي غرض في الطيب، ولكن مسحت عارضي لِمَا سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت، والمعنى أنَّها فعلت ذلك لئلاَّ يُتوهم أنَّ تركها الطيب كان إحدادا على أبيها، ولأنَّها أرادت أن تظهر حكم ذلك.
ما جاء في وجوب الإحداد على الزَّوْج أربعةَ أشهر وعشرا
<3/110> قوله: «بلغني عن أمِّ سلمة»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ والبخاري ومسلم عن حُميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعتُ أمَّ سلمة زوج النبيء صلى الله عليه وسلم تقول: جاءت امرأة إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم...» فذكرت الحديث. وراه أيضًا أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ. وأمُّ سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدَّم <3/111> ذكرُها في الجزء الأوَّل.
قوله: «جاءت امرأة»: هي عاتكة بنت نعيم بن عبد الله بن النحَّام. وقال يحيى بن سعيد: لا أدري أَبِنْتُ النحَّام أو أُمَّها بنت سعد. ورواه الإسماعيليُّ من طرق كثيرة فيها التصريح بِأَنَّ البنت عاتكة، فعلى هذا فأمُّها لم تُسَمَّ.
قوله: «تُوُفِّيَ عنها زوجها»: قيل: هو المغيرة المخزوميُّ. (4/95)
صفحة 1089
قوله: «وقد اشتكت عينَها»: بالنصب على أنَّ المشتكية ابنتها وبالرفع على الفاعليَّة، واقتصر النوويِّ عليه، ونَسَبت الشكاية إِلىَ نفس العين مجازا، وزعم الحريريُّ أنَّ الصواب النصب وأنَّ الرَّفعَ لحنٌ، ورُدَّ بأنَّه يُؤَيِّدُ الرفع أنَّ في رواية لمسلم: «اشتكت عيناها» بالتثنية، إِلاَّ أن يُجيب بأنَّه على لغة من يُعرب المثنَّى في الأحوال الثلاث بحركات مُقَدَّرَة، ورجِّح النَّصب برواية مالك في الموطأ: «اشتكت عينيها، أفتكحلهما؟» وفي روايةٍ عنه بالإفراد.
قوله: «أفتكحُلها»: بضمِّ الحاء، وَهُوَ مِمَّا جاء مضموما وإن كانت عينه حرف حلق. (4/96)
صفحة 1090
قوله: «لا، ثلاثا»: وفي رواية قومنا: «لا، مَرَّتَيْنِ أو ثلاثا»، أي لا تكحلها، قال ذلك ثلاثا، كما في رواية المصنِّف بلا شكٍّ، أو مَرَّتَيْنِ كما في روايتهم، كُلُّ ذلك يقول: لا، تأكيدًا للمنع، وَهُوَ يدلُّ على وجوب الإحداد على الزوج، إذ لو لم يجب ذلك ما منعها من الكحل، وبه تمسَّك من قال بمنع الكحل مطلقا. وقيل: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه. قال أبو عبيدة: إذا شكت عينها فلتكحل بصبر وأنزرُوت، قال: وإذا خافت على عينها ولم يصلحها إِلاَّ الإثمد فتكتحل بِهِ لغير زينة. وقيل: يجوز الاكتحال إن خافت على عينها بما لا طيب فيه بالليل وتمسحه بالنهار. <3/112> وأجابوا عن قصَّة المرأة باحتمال أنَّه كان يحصل لها البرءُ بغير الكحل كالتضميد بالصَّبر، ومنهم من تأوَّل النهي على كحل مخصوص، وَهُوَ ما يقتضي التزيُّن بهِ لأنَّ محض التداوي قد يحصلُ بما لا زينة فيه فلم ينحصر فيما فيه زينة. وقالت طائفةٌ يجوز ذلك ولو كان فيه طيبٌ، وحملوا النهي على التنزيه، وَهُوَ مخالف للتأكيد في الحديث. وعن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسَار أنَّها إذا خشيت على بصرها من رمد أو شكوى أصابها أنَّها تكتحل وتتداوى بدواء أو كحل وإن كان فيه طيب، ذكر ذلك في الموطَّأ، قال مالك: وإذا كانت الضرورة فإنَّ دين الله يسرٌ.
تنبيه: قال أبو عبيدة: في المتوَفَّى عنها لا بأس إذا رأت طُهرَها من حيضها أن تدخن بقُسط وأظفار إذا احتاجت إِلىَ ذلك في عِلَّة ولا تريد بذلك الزينةَ، <3/113> قال: وإن لم يكن لها إِلاَّ ثوبٌ مصبوغٌ فلا بأس بلبسه بلا زينة، قال أبو معاوية: تغسله وتلبسه، قال أبو عبيدة: وإن شكَت رأسها فلا بأس أن تصُبَّ على رأسها دهنا. (4/97)
صفحة 1091
قوله: «إِنَّمَا هي أربعة أشهر وعشرًا»: بالنصب، على حكاية لفظ القرآن، وفي رواية: «أربع» بالرفع على الأصل، والمراد تقليل المدَّة وتهوين الصبر عَمَّا منعت منه وهو الاكتحال في العدَّة، ولهذا ذكر ما كانت عليه أحوالهنَّ في الجَاهِلِيَّة.
قوله: «وكانت إحداكنَّ في الجاهليَّة ترمي بالبعرة عند رأس الحول»: وفي رواية: «على رأس الحول - يعني أنَّها تعتدُّ حولا كاملا - في شرِّ أحلاسها على أقبح حال، ثمَّ تخرج فترمي بالبعرة بعد تمام الحول»: إشارة إِلىَ احتقار ما مَرَّ عليها في ذلك الإحداد، وفي جنب زوجها الْمَيِّت. والبَعرة: بفتح الموحَّدة والعين وتسكن، واحدةُ البعر، والجمع: أبعار، وَهُوَ رجيع ذي الخفِّ والظلف. وفي ذكر الجاهليَّة إشارة إِلىَ أنَّ الإسلام صار بخلافه، لَكِنَّ التقدير بقوله: «عند رأس الحول» اسْتَمَرَّ في الإسلام مدةً لقوله تعالى: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلىَ الْحَوْلِ} [البقرة: 240] ثمَّ نُسخ بقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، والناسخ <3/114> مقدَّمٌ تلاوةً مُتَأَخِّرٌ نزولاً، ولم يوجد كذلك في سورة واحدة إِلاَّ في هذه، وأمَّا من سورتين فموجودٌ، قاله عياض، وقال غيرُه: مثله {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ} [البقرة: 142]، مع قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ} [البقرة: 144]. والحديث يدلُّ على النسخ. واختلف كيف كان قبل النسخ، فقيل: كانت النفقة والسكنة من مال الميِّت فنسخت النفقة بآية المواريث، والحول بأربعة وعشر. وَقِيلَ: كانت مخيَّرة في المقام، ولها النفقة والخروج، ولا شيء لها. (4/98)
صفحة 1092
وقال مجاهد: كانت تعتدُّ عند أهل زوجها سنة واجبة، فأنزل الله: {مَتَاعًا اِلىَ الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 240]، والعدَّة عليها باقية، فجعل لها تمام الحول وصيَّة إن شاءت سكنت وإن شاءت خرجت.
قوله: «قال الربيع: كان المرأة في الجاهليَّة...»الخ: تفسيرٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وكانت إحداكنَّ في الجاهليَّة ترمي بالبعرة عند رأس الحول». وفي الصحيحين وغيرهما: قال حُميد بن نافع: قلت لزينب - يعني بنت أمِّ سلمة - وما ترمي بالبعرة عند رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا تُوُفِّيَ عنها زوجها دخلت حِفْشًا ولبست شرَّ ثيابها، فذكرت التفسير الذي ذكره الربيع رحمه الله، فظهر من ذلك أنَّ التفسير مأخوذٌ عن زينب بنت أمِّ سلمة، وساقه شعبة عن حُميد بن نافع مرفوعا، ولفظه في <3/115> الصحيحين: عن زينب عن أمِّها أنَّ امرأة تُوُفِّيَ زوجها فخافوا على عينها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال: لا، قد كانت إحداكنَّ تكون في شرِّ أحلاسها أو شرِّ بيتها فإذا كان حول فمرَّ كلبٌ رمت ببعرة فخرجت، أفلا أربعة أشهر وعشرا؟ وحكم عليه بعضهم بالإدراج.
قوله: «حِفْشا»: بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وشين معجمة: بيت رديء. وفي رواية النسائي: «عمدت إِلىَ شرِّ بيتٍ لها فجلست فيه».
قوله: «شرَّ ثيابها»: أي أردأها، وهذه تفسيرٌ للرواية الأخرى في الصحيحين: «شرّ أحلاسها» بمهملتين جمع حِلس بكسر فسكون، ثوبٌ أو كساء رقيق يجعل على ظهر الدَّابَّة تحت البردعة.
وقوله: «حتَّى تمرَّ عليها سَنة»: أي من موت زوجها.
وقوله: «ثمَّ تؤتى بحمار...»الخ: أي يأتيها بذلك بعض خواصِّها لتقتض بِهِ، وإنَّما يفعلون ذلك في معتقدهم إحلالاً من العدَّة. (4/99)
صفحة 1093
قوله: «فتقتضَّ بِهِ»: بفاء ثمَّ مثنَّاة من فوق ثمَّ قاف ثمَّ مثنَّاة فوقية ثمَّ ضاد معجمة، وقيل: بفاء بدل القاف، قيل: معناها تمسح به جلدها، وقيل: فرجها، وأصل القَضِّ الكسر، أي تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما فعلت بالدابَّة، وقيل: تفتضُّ، بالفاء، تمسح بيدها عليه أو على ظهره، وقيل: معناه تمسح به تفتضُّ أي تغتسل بالماء العذب، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب للإنقاء حتَّى يصير كالفضَّة. <3/116> وقال الأخفش: معناه تتنظَّف وتنتقي مأخوذٌ من الفضة تشبيها بنقائها وبياضها. وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيِّين عن الافتضاض فقالوا: كانت المعتدَّة لا تغتسل ولا تمسُّ طيبا ولا تقلِّم أظفارا ولا تزيل شعرا، ثمَّ تخرج بعد الحول في شرِّ منظر ثمَّ تفتضُّ، أي تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح بِهِ قُبلها، وتنبذه فلا يعيش.
قوله: «فقلَّ ما تفتضُّ بِهِ إِلاَّ مات»: لخبث رائحتها وسوء حالتها من اجتماع الوسخ والخبث.
وقوله: «فترمي بها»: أي أمامها، فيكون ذلك إحلالا لها، كذا في رواية، وروي أنَّها ترمي بها من وراء ظهرها، واختلف في مرادهم بذلك، فقيل: إشارة إِلىَ أنَّ ما فعلته من التربُّص والصبر على البلاء الذي كانت فيه هيِّنٌ بالنسبة إِلىَ فقد زوجها وما يستَحقُّه من المراعاة كما تهون البعرة على الرامي بها، وَقِيلَ: إشارة إِلىَ أنَّها رمت العدَّة رمي البعرة. (4/100)
صفحة 1094
وقوله: «ثمَّ تُرَاجِعُ»: بضمِّ الفوقية فراءٌ فألفٌ فجيمٌ مكسورة فمهملة، أي تعود إِلىَ ما شاءت من طيب أو غيره، فإنَّها قد حلَّت عندهم. وقول الربيع: والحفش طرف الخُصِّ بضمِّ المعجمة ومهملة، وَهُوَ البيت من القصب والجمع: أخصاص، مثل: قفل وأقفال. وقال مالك: الحفش البيت الرديء، وقيل: الصغير جدًّا، وقيل: الحفش الخصُّ، وقيل: البيت الحقير، وقيل: البيت الذليل القصير السمك، وقيل: الذليل الشَّعِث البناء، وقيل: الحفش شبه القفَّة من الخوص تجمع المرأة فيه غزلها وأسبابها، والله أعلم.
<3/117> ماجاء أنَّ المُتوَفَّى عنها تقيم في بيتها حتَّى تحلَّ
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه الخمسة عن الفريعة بنت مالك صاحبة القِصَّة، وهي أخت أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخُدري الصحابي الشهير، وأمُّها حبيبة بنت عبد الله بن أُبيٍّ. <3/118> والفُرَيْعة: بضمِّ الفاء وفتح الراء وسكون التحتيَّة وفتح العين المهملة، كما عند الأكثر، وسمَّاها بعض الرواة عند النسائيِّ: الفارعة، وبعضهم عند الطحاوي: الفرعة.
قوله: «في بني خُدرة»: بضمِّ المعجمة وسكون المهملة، حيٌّ من الأنصار، منهم أبو سعيد الخدريُّ.
وقوله: «أَبَقُوا»: بفتح الهمزة والباء الموحَّدة، أيْ هربوا.
وقوله: «بطرف القدوم»: أي ناحيته، فالطرف بفتح الطاء والراء المهملتين الناحية. والقدوم: قال ابن الأثير: بالتخفيف والتشديد موضع على ستَّة أميال من المدينة. والحُجرة: بضمِّ الحاء وإسكان الجيم: حائط البيت.
قوله: «دعاها فدعيت له»: وفي رواية مالك عن الفريعة: قالت ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرني فنوديت له، على الشكِّ منها، ولعلَّ أبا سعيد كان حاضرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قد دعاها أوَّلاً فدُعيت له، وهي لم تسمع دعاءه وإنَّما سمعت نفسَ النداء فشكَّت هل كان ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه أو عن أمره. (4/101)
صفحة 1095
قوله: «امكُثي»: بضمِّ الكاف أي أقيمي والْبَثِي.
قوله: «الكتاب»: أي المكتوب من حكم العدَّة.
قوله: «أجله»: أي وقته المحدود شرعًا.
قوله: «فاعتدَّت فيه»: أي فأقامت في ذلك البيت حتَّى انقضت عدَّتها. قالت الفريعة: وأرسل إليَّ عثمان فأخبرته فأخذ بِهِ. واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ المتوفَّى عنها تعتدُّ في المنزل الذي بلغها نعيُ زوجها وهي ساكنة فيه، ولا تخرج منه إِلىَ غيره، وقد ذهب إِلىَ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإليه <3/119> ذهب أصحابنا ومالك وأبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابهم والأوزاعيُّ وإسحاق وأبو عبيد، حتَّى قال بعض أصحابنا: لا يجوز لها أن تصلِّي في غير منزلها إِلاَّ من ضرورة. قال ابن عبد البرِّ: وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر ولم يطعن فيه أحد منهم. (4/102)
صفحة 1096
وقيل: يجوز لها الخروج من موضع عدَّتها لقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 234]، ولم يخصَّ مكانا دون مكان، والبيان لا يؤخَّر عن الحاجة. وحكى بعض قومنا: هذا القول عن عليِّ بن أبي طالب وابن عبَّاس وعائشة وجابر. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنَّه رخَّص للمتوفَّى عنها أن تأتي أهلها بياضَ يومها. وأخرج عبد الرزَّاق عن ابن عمر أنَّه كان له ابنة تعتدُّ من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار فتتحدَّث إليهم، فإذا بالليل أمرها أن ترجع إِلىَ بيتها. وأخرج أيضًا عن ابن مسعود في نساء نُعي إليهنَّ أزواجهنَّ وتَشكَّين الوحشةَ، فقال ابن مسعود: يجتمعن بالنهار، ثمَّ ترجع كلُّ امرأة إِلىَ بيتها بالليل. وأخرج سعيد بن منصور عن عليٍّ أنَّه جوَّز للمسافرة الانتقال. وروى الحجَّاج بن منهال أنَّ امرأة سألت أمَّ سلمة أنَّ أباها مريض وَأَنَّهَا في عدَّة وفاة، فأذنت لها في وسط النهار. وأخرج الشافعيُّ وعبد الرزَّاق عن مجاهد مرسلاً أنَّ رجالا استشهدوا بأُحد فقال نساؤهم: يا رسول الله، إنَّا نستوحش في بيوتنا، أفنبيت عند إحدانا؟ فأذن لهنَّ أن يتحدَّثن عند إحداهنَّ، فإذا كان وقت النوم تأوي كُلُّ واحدة إِلىَ بيتها، وزعم بعض قومنا أنَّ الخلاف في خروجها نهارا وَادَّعَى الإجماع على مبيتها في منزلها. قال بعض الشُّرَّاح: وحديث فُريعة لم يأت من خالفه بما ينتهض لمعارضته، فالتمسُّك بِهِ متعيِّنٌ. قال: ولا حجَّة للاحتجاج في أقوال أفراد الصحابة. قال: ومرسل مجاهد لا يصلح للاحتجاج بِهِ على فرض انفراده عند من لم يقبل المراسيل مطلقا، قال: وَأَمَّا إذا عارضه مرفوع أصحُّ منه كما في مسألة النزاع فلا يحلُّ التمسُّك بِهِ بإجماع من يُعتدُّ بِهِ من أهل العلم.
<3/120> ما جاء في عدَّة الحامل المتوفَّى عنها (4/103)
صفحة 1097
قوله: «عن ابن عبَّاس قال: اختلفتُ أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن»: ابن عوف الزهري المدنيُّ، أحد الأعلام، قيل: ليس له اسم سوى كنيته، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وَهُوَ تابعيٌّ، يروي عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أَيُّوب وخَلْقٍ.
<3/121> وروى عنه ابنه عُروة والأعرج والشعبيُّ والزهريُّ وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة فقيها كثير الحديث. ونقل الحاكم أبو عبد الله أنَّه أحد الفقهاء السبعة، من أكثر أهل الأخبار. مات سنة أربع وتسعين، وَقِيلَ: سنة أربع ومائة، وقد روى عنه غير واحد مسألة الخلاف الواقعة بينه وبين ابن عبَّاس في حديث الباب. (4/104)
صفحة 1098
أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كنت أنا وابن عبَّاس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، قال ابن عبَّاس: تعتدُّ آخر الأجلين، وقلت أنا: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، قال ابن عبَّاس: ذلك في الطلاق، وقال أبو سلمة: أرأيت لو أنَّ امرأة أخَّرت حملها سنةً فما عدَّتها؟ قال ابن عبَّاس: آخر الأجلين، قال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عبَّاس غلامه إِلىَ أمِّ سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنَّة؟ فذكرت أنَّ سبيعة الأسلميَّة وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة، فخُطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الربيع: قال أبو عبيدة: وهذه رخصة من النبيء صلى الله عليه وسلم للأسلميَّة، وأمَّا العمل فعلى ما قال ابن عبَّاس، وَهُوَ المأخوذ بِهِ عندنا، وَهُوَ قول الله عزَّ وجلَّ في كتابه، وَهُوَ المنقول عن عليِّ بن أبي طالب، واختلف النقل في ذلك عن ابن مسعود، وقال بِهِ محمَّد بن عبد الرحمن وابن أبي يعلى، ونقل عن سحنون أيضًا. قال ابن عبد البرِّ: لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال عليٌّ وابن عبَّاس لأَنَّهُما عدَّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعا في الحامل المتوفَّى عنها زوجها، <3/122> فلا تخرج من عدَّتها إِلاَّ بيقين، واليقين آخر الأجلين. (4/105)
صفحة 1099
قال المحشِّي: ولأنَّ القاعدة أنَّ الدليلين إذا كان كلُّ واحد منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه، فإنَّه يخصُّ عموم كلِّ واحد منهما بخصوص الآخر عملاً بالدليلين معًا، قال: وهاهنا كذلك فإنَّ قوله: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] ظاهرها العموم في كُلِّ حاملٍ فيخصُّ بقوله: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَّتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] وهذه الآية ظاهرها العموم في كُلِّ متوفَّى عنها زوجها، حاملا كانت أو غير حامل، فيخصُّ عمومها بقوله: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فلا بدَّ من وضع الحمل، وإن زادت على أربعة أشهر وعشرا فقد عمل بالدليلين معًا، بخلافه على المذهب الآخر فإنَّه عُمل فيه بعموم آية الطلاق فقط.
واحتُجَّ لمذهب أبي سلمة بحديث الباب، فإنَّ دعوى الخصوصيَّة محتاجة إِلىَ دليل، وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن مسعود أنَّه بلغه أنَّ عليًّا يقول: تعتدُّ آخِرَ الأجلين، فقال: من شاء لاعنتُه، إنَّ الآية التي في سورة النساء القُصرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا. وأخرج عبد بن حُميد عنه أنَّها نسخت ما في البقرة. وأخرج ابن مردويه عنه أنَّها نسخت سورة النساء الصغرى كلَّ عدَّة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدريِّ قال: نزلت سورة النساء بعد التي في البقرة بسبع سنين.
قوله: «فبعثنا كريبًا مولى ابن عبَّاس»: وَهُوَ كُريب ابن أبي مسلم المدني أبو رُشدين، يروي عن مولاه ابن عبَّاس وعائشة وأمِّ هانئ وروى عنه <3/123> أبو سلمة وبكير بن الأشجِّ وموسى بن عقبة، وَهُوَ تابعيٌّ وثَّقه النسائيُّ. قال الواقديُّ: مات سنة ثمان وتسعين. (4/106)
صفحة 1100
قوله: «إِلىَ أمِّ سلمة»: هند بنت أبي أميَّة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية مالك: «فدخل أبو سلمة بن عبد الرحمن على أمِّ سلمة زوج النبيء صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك»، وهذا يدلُّ أنَّ أبا سلمة قد سار إليها بنفسه، إمَّا مع كُريب أو منفردا، وذلك حين عارض ابن عبَّاس فأفتى بالحلِّ، فكأنَّه تعجَّل معرفة وجه الحقِّ في ذلك فلم يمهل حتَّى يرجع كُريب، أو أنَّه أراد أن يستوثق في معرفة ذلك بالسماع دون النقل، أو أنَّه بلغه في ذلك شيءٌ فخشي أن تنساه أمُّ سلمة وجاء ليذكِّرها بِهِ إن نسيت.
قوله: «سُبيعة»: بضمِّ السين المهملة وفتح الموحَّدة وإسكان التحتيَّة فعين مهملة فهاء تأنيث: ابنة الحارث الأسلميَّة. كانت امرأة سعد بن خولة، فتُوُفِّيَ عنها بِمَكَّةَ في حجَّة الوداع، وقيل غير ذلك، وهي حامل فوضعت بعد وفاة زوجها بليال.
قوله: «الأسلميَّة»: نسبة إِلىَ أسلم قبيلة من العرب، وفي بعض الروايات: أنَّ امرأة من أسلم يقال لها: سُبيعة.
قوله: «بعد وفاة زوجها»: سعد بن خولة من بني عامر بن لؤي، وَقِيلَ: من حلفائهم، وكان مِمَّن شهد بدرًا، وقد تُوُفِّيَ في حجَّة الوداع على الراجح، وسيأتي إن شاء الله ذكره في باب الوَصِيَّة.
قوله: «بِلَيالٍ»: أبهم المدَّة، كما في كثيرٍ من الروايات وفي بعضها: «بعشرين ليلة»، وفي بعضها: «بثلاثة وعشرين يوما، أو خمسة وعشرين يومًا»، وفي بعضها: «بخمسة عشر يوما»، نصف شهر، وفي بعضها: «بأربعين ليلة»، وفي بعضها: «فلم أمكث إِلاَّ شهرين». <3/124> قال ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات متعذِّرٌ لاتِّحاد القصَّة، ولعلَّ هذا هو السرُّ في إبهام من أبهم المدَّة، إذْ محلُّ الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشرًا، وَهُوَ هنا كذلك. (4/107)
صفحة 1101
قوله: «فذكرَتْ»: بتاء التأنيث، والضمير لسبيعة. وروى الجماعة إِلاَّ أبا داود وابن ماجه عن أمِّ سلمة أنَّ امرأة من أسلم يُقال لها سُبيعة كانت تحت زوجها فتُوُفِّيَ عنها وهي حُبلى، فخطبها أبو السنابل ابن بعْكَك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتَّى تعتدِّي آخر الأجلين، فمكثت قريبا من عشر ليالٍ ثمَّ نُفِست، ثمَّ جاءت النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: انكحي.
قوله: «فقال: قد حَلَّت»: بتاء التأنيث على سبيل الحكاية للواقع، والمعنى أنَّها قد طابت للأزواج وخرجت من العدَّة.
وقول أبي عبيدة رحمه الله: «هذه رخصةٌ من النبيء صلى الله عليه وسلم للأسلميَّة»: يدلُّ عليه <3/125> ما في رواية الأسود عن أبي السنابل أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال لها: «فانكحي مَن شئتِ ولو رغم أنف أبي السنابل»، وذلك أنَّه لَمَّا ولدت سُبيعة بعد زوجها خطبها رَجلان: أحدهما شابٌّ والآخر كهلٌ، وَهُوَ أبو السنابل، فمالت إِلىَ الشابِّ، فقال أبو السنابل: لم تحلِّي بعدُ، وكان أهلها غُيَّبًا، ورجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد حللتِ فانكحي من شئتِ»، فهذا يدلُّ أنَّ الترخيص كان لها لأجل إرغام أبي السنابل. ولا يشكل عليك خطبتهما إِيَّاهَا قبل تمام أبعد الأجلين لأَنَّهُما قد تأوَّلا معنى قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وقد تقدَّم القول بعموم الحكم وأنَّه غير مخصوص بسبيعة عند بعض الناس، أو أنَّ القصَّة كانت قبل النهي عن الخطبة في العدَّة. (4/108)
صفحة 1102
قوله: «وَهُوَ قول الله عزَّ وجلَّ في كتابه»: يشير بذلك إِلىَ قوله تعالى: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَّتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، وقوله عزَّ من قائل: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فإنَّه لاَ بُدَّ من الجمع بين الآيتين، فإن تَقَدَّمَت الولادة قبل تمام الأربعة الأشهر والعشر وجب الأخذُ بآية البقرة، وإن تأخَّرت وجب الأخذ بآية الطلاق، ولا يصحُّ إلغاء أحد الدليلين مع إمكان الجمع بينهما، هذا وجه ما أشار إليه أبو عبيدة رحمه الله تعالى. والقائلون أنَّها تحلُّ بالوضع اعتمدوا على حديث الباب، وجعلوه مبيِّنا للحكم.
<3/126> بابٌ في الحيض
وإنَّما ذكر الحيض هنا لتعلُّق بعض أحكام العدد بِهِ، فإن المطلَّقة الحائل إِنَّمَا تحلُّ بثلاثة قروءٍ، وكذلك المختلعة، ولا تحلُّ الحائلُ من الإماء إِلاَّ بعد الاستبراء بالحيض، وذكرُه في هذا الموضع عادة الْمُؤَلِّفين من أصحابنا المشارقة، وقد ذكره أكثر الْمُؤَلِّفين من أصحابنا المغاربة وجمهور قومنا في كتاب الطهارة، لأنَّه سبب يوجب الغسل كالمنيِّ، فرأوا وضعه هنالك أنسب، والذي عليه المشارقة - وَهُوَ صنيع المرتِّب - أولى، لأنَّ كثيرا من أحكام النكاح والعدد متعلِّقٌ بِهِ، وليس له في باب الطهارة مناسبة إِلاَّ إيجاب الغُسل وتجنُّب المُصحف والمسجد والصلاة.
والحيض: في اللغة مصدر حاض إذا سال، وفي الشرع: دمٌ ينفُضه رحم امرأةٍ سليمة من الداء والصغر، وحكمه أنَّه يمنع الصومَ والصلاةَ والجماعَ وتلاوة القرآن ومسَّ المصحف ودخولَ المسجد، ويجب عليها قضاءُ الصوم دون الصلاة. (4/109)
صفحة 1103
وأصل الباب قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، وقولُه عليه الصلاة <3/127> والسلام: «هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم»، رواه الشيخان. وبما فيه من العموم ردَّ البخاري على من قال: أوَّل ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. قال ابن الرفعة من قومنا: قيل: إن أمَّنا حواء لَمَّا كسرت شجرة الحنطة وأدمتها قال الله تعالى: «لأدمينَّك كما أدميتها»، وابتلاها بالحيض هي وجميع بناتها إِلىَ الساعة، والله أعلم.
ما جاء في أقلِّ الحيض وأكثره
قوله: «أقلُّ الحيض ثلاثة أيَّام وأكثره عشرة أَيَّام»: الحديث ذكره في الجامع الصغير من حديث أبي أمامة عند الطبراني في الكبير، ولفظه: «أقلُّ الحيض ثلاثةٌ، وأكثره عشرةٌ»، وحكم عليه بالضعف، وذلك لشيء في رجاله عندهم، وثبوته عند المصنِّف بهذا السَّند العالي يقضي بصحَّته فلا يضرُّه ضعف بعض رجاله عندهم، ويؤيِّد صحَّتَه أخذُ بعض المجتهدين بِهِ، وَهُوَ قولُ أكثر أصحابنا وأبي حنيفة والثوريِّ من قومنا. قال أبو بكر الرازيُّ: فإن صحَّ هذا الحديث <3/128> فلا معدل عنه لأحدٍ. وقد روي عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاصي الثقفي أنَّهما قالا: الحيض ثلاثة أَيَّام، وأربعة أَيَّام، إِلىَ عشرة أَيَّام، وما زاد فهو استحاضة. قال الشيخ عامر: فما دون الثلاثة الأيَّام ليس بحيض عندهم ولا حكم له في ترك الصلاة والصوم ولا في العدَّة، وكذلك ما بعد العشرة الأيَّام لا حكم له عندهم.
قال المحشِّي: وَمَعنَى ذلك والله اعلم أنَّها تعيد الصلاة والصوم إذا انقطع عنها الدم قبل ثلاثة أيَّام، لأنَّه قد كشف الغيب أنَّ ذلك ليس بحيض، وَإِنَّمَا هو فيضُ الأرحام، قال: وأمَّا ابتداءً فيجبُ عليها تركُ الصلاة والصوم إذا ظهرت لها علامة الحيض، ومن أين تعلم أنَّه لا يدوم بها ثلاثة أيَّام أو أكثر حتَّى تصلِّي. (4/110)
صفحة 1104
وفي المسألة أقوال أُخَر: منها أنَّ أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، ونسب إلى جماعة من أصحابنا، منهم أبو معاوية وجماعة من أهل خراسان، وبه قال الشافعيُّ، ونسب إِلىَ عليِّ بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. واختلف هؤلاء في أقلِّه، فقال الشافعيُّ وبعض أصحابنا: إنَّ أقلَّه يومٌ وليلة، وقال آخرون: يومان، وقيل: ساعة، وقيل: دفعة. ومنها: أنَّ أكثره سبعة عشر يوما، ونسب هذا القول إِلىَ أبي عبيدة رضي الله عنه. قال: وذكروا عن نساء الماجشون أنهنَّ يحضن سبعة عشر يومًا، وهي العادة فِيهِنَّ. (4/111)
صفحة 1105
ومنها أنَّه لا تقدير لذلك في القِلَّة والكثرة، فإن وُجد ساعةً فهو حيض، وإن وُجد أَيَّامًا فهو كذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: «إذا أقبلت الحيضة فَدَعِي لها الصلاة»، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أدبرت الحيضة وجب الغُسلُ»، وقد بسطتُّ الأقوالَ مع حججها في الثاني من المعارج، وظاهر هذه الأقوال مخالفة <3/129> لحديث الباب، فلَعَلَّ من قال بها لم يبلغهم الحديث من طريق يثبت عندهم، أو أنَّه بلغهم فحملوه على الأخبار على أغلب أحوال النساء في ذلك، فإنَّ أغلب أحوالهنَّ على هذا الحال فلا تنقطع الحيضة في غالبهنَّ دون ثلاثة أيَّام ولا تزيد على عشر، وهذا الاحتمال هو المناسب لقول أبي عبيدة - وَهُوَ راوي - الحديث: إنَّ أكثره سبعة عشر يومًا، لأنَّه استَدَلَّ على ذلك بما ذكروه من العادة في نساء الماجشون، ولم يذكر الحديث أنَّ ما دون الثلاث ليس بحيض ولا ما فوق العشر ليس بحيض، وإنَّما أخذوا ذلك من مفهوم العدد، والتعويل عليه ضعيفٌ جدًّا، فالحديث صحيحٌ، والاستدلال بِهِ على نفي أحكام الحيض عمَّا دون الثلاث وفوق العشر وَاهٍ جدًّا، فالحقُّ إثبات حكم الحيض للدم الجامع لأوصافه، زادت الأيَّام أو قلت، فإن امتدَّ بها الدم وزالت عنه أوصاف الحيض اغتسلت وصلَّتْ لأنَّها مستحاضة، وهذه عندهم هي المميِّزة، ومعناها أنَّها تميِّز بين الدَّمَيْن: دم الحيض ودم الاستحاضة، فإن التبس الأمر عليها باختلاط الدمين ولم تميِّز هذا من هذا رجعت إِلىَ عادتها في أيَّام صحَّتها فتترك الصلاة تلك المدَّة ثمَّ تغتسل وتصلِّي، وبهذا الوجه يُجمعُ بين أحاديث الباب، والله أعلم.
ما جاء أنَّ الرجل أحقُّ بامرأته ما لَمْ تغتسل من الحيضة الثالثة
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث لم أجده في شيء من كتب قومنا، ولعلَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف رضي الله عنه. (4/112)
صفحة 1106
<3/130> قوله: «الرجل أحقُّ بامرأته»: أي التي طلَّقها، وأضافها إليه لأنَّها في عصمته بعدُ، ومعناه أنَّه حقيق بها في تلك المدَّة، فأفعل التفضيل على غير بابه إذ ليس لغيره فيها حقٌّ، بل له أن يراجعها وإن كرهت ذلك، ثمَّ المراد بالمطلَّقة المطلَّقة الرجعيَّة دون البائن والمبتوتة، فإنَّ البائن أملك بنفسها، والمبتوتة لا تحلُّ له حتَّى تنكح زوجا غيره، والمختلعة مثل البائن، فليس له مراجعتها وإن أذنت، إِلاَّ بتزويج جديد، وقيل: له أن يُراجعها بإذنها، وَهُوَ ضعيف جدًّا، وإن كثُر القول بِهِ. (4/113)
صفحة 1107
قوله: «ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة»: منذ طلَّقها، ثمَّ اختلفوا في معنى قوله: «تغتسل»، فقيل: معناه: ما لم تفرغ من غسلها، ونسبه المحشِّي إِلىَ الجمهور، وَقِيلَ: إذا شرعت في الاغتسال فغسلت رأسها فقد فاتت الزوج. وروي أنَّ أبا موسى الأشعريَّ سأله سائلٌ، - قال الراوي: وأحسب أنَّه رجل طلَّق زوجته ثمَّ أراد ردَّها وهي تغسل رأسها أو فرجها، ولَعَلَّهَا قد وضعت الغسل في رأسها - فأفتاه بردِّها، ثمَّ رفع ذلك إِلىَ عمر بن الخطاب رحمه الله فأنكر عليه. قال أبو زكرياء رحمه الله: وإن ضيَّعت الاغتسال حتَّى خرج وقت الصلاة حلَّت للأزواج وفاتت الزوج الأوَّل مراجعتها، قال: وكذلك لو أنَّ امرأة رأت الطهر من حيضها فلا يجامعها زوجها حتَّى تغتسل، فإن ضيَّعت الغسل حتَّى فات وقت الصلاة جاز لزوجها جماعها، وجاز له أن يطلِّقها إذا فاتها وقت الصلاة. وروى مالك في الموطَّأ عن نافع وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار أنَّ الأحوص هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة، وقد كان طلَّقها، فكتب معاوية بن أبي سفيان إِلىَ زيد بن ثابت يسأله عن ذلك، فكتب إليه زيد: إنَّها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة <3/131> فقد برئت منه وبرئ منها، ولا ترثه ولا يرثها. وروي أيضًا عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: إذا طلَّق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها. (4/114)
صفحة 1108
وذكر أنَّه بلغه عن القاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله وأبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وابن شهاب أنَّهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلَّقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها ولا ميراث بينهما ولا رَجعة له عليها، وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنَّ المراد بالأقراء في عدَّة المطلَّقة الأطهار لا الحيضات، وحديث الباب يخالفه، فإنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة»، فهو نصٌّ في موضع النزاع، فيجب أن يُحمل عليه معنى قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، على أنَّ المراد ثلاث حِيَض، وإطلاق القرء على الحيض معروف عند أهل اللغة، قال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت ذات حيض، وَقِيلَ: مشترك بين الحيض والطهر، وأنكر صاحب الكشَّاف إطلاقه على الطهر. (4/115)
صفحة 1109
<3/132> وقال بعض المحقِّقِينَ: إِنَّ لفظ القُرء لم يستعمل في كلام الشارع إِلاَّ للحيض ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل يتعيَّن، فإنَّه قد قال للمستحاضة: «دعي الصلاة أيَّام أقرائك»، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله، وبلغةِ قومه نزل القرآن، فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذ لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتَّة، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض عُلم أنَّها لغته، فيتعَيَّن حملُه عليها في كلامه، ويدلُّ على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَّكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فيِ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] وهذا هو الحيض والحمل عند عامَّة الْمُفَسِّرِينَ، والمخلوق في الرحم إِنَّمَا هو الحيض الوجوديُّ، قال: وبهذا قال السلف والخلف ولم يقل أحدٌ: إنَّه الطهر، وأيضا فقد قال سبحانه: {وَاللآَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمُ, إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللآَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] فجعل كُلَّ شهرٍ بإزاء حيضة، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض، والله أعلم.
ما جاء في صفة الطهر من الحيض
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث لم أجده في شيء من كتب قومنا، <3/133> وَلَعلَّهُ مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف، وروى مالك في الموطَّأ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه مولاة عائشة أمِّ المؤمنين أنَّها قالت: كان النساء يبعثن إِلىَ عائشة أمِّ المؤمنين بالدرجة فيها الكُرسُفُ فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة فتقول لَهُنَّ: لا تعجلن حتَّى ترين القَصَّة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة. (4/116)
صفحة 1110
قوله: «لا تطهر المرأة من حيضها»: أي لا يكون لها حكم الطهر من الحيض حتَّى ترى القصَّة البيضاء، فأمَّا الصفرة والكدرة ونحوها فلا يحصل بهما الطهر بل هما أثر الدم، وحكمهما حكمه ما دامت في عدَّتها، فأمَّا إذا انقضت الأيَّام المعتادة عندها ونظرت الصفرة أو الكدرة بعد الطهر، فقيل: إنَّه لا عبرة بها لحديث أمِّ عطية عند البخاريِّ وأبي داود قالت: كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد <3/134> الطهر شيئًا، ولم يذكر البخاري: «بعد الطهر». وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المرأة التي ترى ما يُريبها بعد الطهر: «إِنَّمَا هو عرق»، وقال: «عروق»، فهذان الحديثان يدلاَّن على عدم اعتبار الصفرة والكدرة بعد الطهر، وحديث الباب يدلُّ على اعتبارهما قبل الطهر، فهما قبل الطهر حيض وبعده استحاضة جمعًا بين الأَدِلَّة. وقد ذكر الشيخ عامر اختلاف الفقاء في الصفرة والكدرة، فقيل: هما حيض في أيَّام الحيض لا في غيرها، وقيل: لا حكم للصفرة والكدرة وإنَّما الحكم لِمَا سبقهما وتقدَّمهما، إن سبقهما حيض فحكمهما حكم الحيض، وإن سبقهما طهر فحكمهما حكم الطهر، وقيل: هما حيض في أيَّام الحيض وفي غيرها، رأت ذلك مع الدم أو لم تره، وقيل: ليستا حيضا لا في أيَّام الحيض ولا في غيرها، ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه، بل قيل: لا يكون حيضا حتَّى يكون الدم العبيط هو الأكثر الغالب على الصفرة والكدرة والحمرة. قال أبو الحواري ومحمَّد بن الحسن: الذي نأخذ بِهِ أنَّ الصفرة في أيَّام حيضها ليست بحيض إِلاَّ أن يَتَقَدَّمها دم. وقال أبو سعيد: قول من قال إنَّ الصفرة والكدرة متى ما كانتا في أيَّام الحيض فهي حيض هو عندي يشبه الشاذَّ. (4/117)
صفحة 1111
وقال أبو محمَّد: أمَّا من ذهب من أصحابنا إِلىَ أنَّ الصفرة والكدرة في أيَّام الحيض إذا لم يكن الدم متَّصلا بهما فهو حيض، فقوله فيه نظر، واستدلَّ على ذلك بحديث أمِّ عطية، وتابعه الشيخ عامر فصحَّح أن تكون <3/135> الصفرة والكدرة حكمهما حكم ما سبق لهما، قال: وكذلك التَّرِيَّة والعلقة والتيبُّس، قال محشِّيه: والتَّريَّة هي غسالة الدم عقب طهرها، وَهُوَ بتشديد التاء وكسر الراء وتشديد المثنَّاة التحتيَّة، وقيل: التَّريَّة الماء المتغيِّر دون الصفرة، وقيل: الدفعة من الدم. قال الشيخ عامر: وأصل هذا الاختلاف مخالفة ظاهر حديث أمِّ عطيَّة لحديث عائشة، قلت: وقد تقدَّم وجه الجمع بينهما، والله أعلم. (4/118)
صفحة 1112
قوله: «ترى القَصَّة البيضاء»: أي إِلىَ أن ترى الطهر المشابه في بياضه للقصَّة البيضاء، وَهُوَ ماءٌ أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض. قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهنَّ يرينه عند الطهر. والقَصَّةُ: بفتح القاف وشدِّ الصاد المهملة: القطعة من الجصِّ، لغة حجازيَّة، يقال: قصَّصَ داره أي جصَّصها بالجير، وقيل: القصَّة من الورق، وقال المصنِّف: القصَّة الجصُّ، شبَّه الطهر ببياض الجصِّ، يعني أنَّه أطلق على الطهر هذا الاسم مجازا استعاريًّا وَهُوَ مجاز التشبيه، ومن النساء من لا تجد هذا الماء فتكون عادتها الجفاف وَهُوَ علامة طهرها، وذلك أن تُدخل القطنة فتخرجها جافَّة لا صفرة فيها ولا كدرة، فهذه تكون بهذا طاهرًا، فإن رأت الماء الأبيض في بعض الأحيان كانت بِهِ أيضًا طاهرا لأنَّه القاعدة في الطهر، وعليه الاعتماد. واختارت النساء القطن في اختبار الطهر لبياضه، <3/136> ولأنَّه ينشِّف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر في غيره. وقد يُستفاد من الحديث أنَّ حكم الأشياء على أصلها حتَّى يُتيقَّن انتقالها إِلىَ غيره، فإنَّه لم يعتبر في الطهر غير الخالص النقيِّ، فهي ما دامت لم تنق حكمها حكم الحائض، ولا عبرة بما يريبها، والله أعلم.
ما جاء في تحريم وطء الحائض
قوله: «عن جابر بن زيد»: الحديث أرسله جابر في هذا الباب، وقد أوصله رحمه الله تعالى في باب السبايا والعزلة، فرواه عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن وطء السبايا من الإماء، قال: «لا تطأوا الحوامل حتَّى يضعن، ولا الحوائل حتَّى يحضن»، وقد تقدَّم ذكر من خرَّجه من قومنا. (4/119)
صفحة 1113
قوله: «لا توطأ حامل حتَّى تضع»: أي لا تجامع حتَّى تضع حملها، وذلك إذا كان فيها حمل من غيره، مثل أمَة اشتراها وهي حامل، أو امرأة سبيت <3/137> كذلك، فإنَّ مالكها لا يطؤها حتَّى تضع ما في بطنها، ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى: معنى الحديث في الإماء، أي لا يطؤهنَّ أحد من ساداتهنَّ حتَّى يُستبرأن، قال: وأمَّا الزوج فحلال له الوطء لامرأته الحامل والحائل، إِلاَّ الحائض فإنَّها لا توطأ حتَّى تطهر. والمراد بالحائل المرأة التي يأتيها الحيض حالا بعد حال فإنَّ لزوجها أو سَيِّدها أن يُجامعها حال طهرها. (4/120)
صفحة 1114
وقوله: «حتَّى تحيض»: هذا هو الغرض من ذكر الحديث في الباب، فإنَّ غرض المرتِّب منه بيان ما يتعلَّق بالحيض، ومن جملة ذلك منع وَطء الأمَة المسبيَّة أو المشتراة حتَّى تحيض إن كانت حائلا، وإنَّما ترجمنا عنه بتحريم الوطء في الحيض نظرًا إِلىَ ما ذكره المصنِّف في تفسير الحديث، وذلك قوله: «إلاَّ الحائض فإنَّها لا توطأ حتَّى تطهر»، فإن وطئت قبل أن تطهر فإنَّ جابر بن زيد قال: «لا أحلِّلها ولا أحرِّمها وأحبُّ إليَّ أن يفارقها». وكذلك قال أيضًا أبو عبيدة تبعا لشيخه، ومعناه أنَّه يقف عن القول بفسادها عليه، وعن القول بإباحتها له، وذلك لأنَّ الأمر عظيم، وقد جاء تحريمُ الوطء في الحيض بنصِّ الكتاب العزيز والسنَّة النبويَّة وإجماع الأُمَّة، ولم يأت دليلٌ على التفرقة بينهما إذا فعل ما حرِّم عليه من ذلك، وكان من رأيهما رحمهما الله تعالى أنَّ الوقوف أسلم، وَهُوَ مذهب الربيع ومحبوب، وأخذ به موسى بن عليٍّ وغيره من فقهاء المسلمين، ونسبه محمَّد بن جعفر إِلىَ أكثر الفقهاء من أصحابنا. قال أبو عبيدة: لا أحلِّلها ولا أحرِّمها عليه، فإنَّه مُتعدٍّ لحدود الله، وأحبُّ إليَّ فراقها، ثمَّ لا يعود إليها أبدا، وإن نكحت زوجا غيره ثمَّ طلَّقها أو مات عنها لما أصاب منها. وذهب جمهور قومنا وأبو نوح من أصحابنا إِلىَ أنَّه لا تحرم عليه امرأته، وَهُوَ عاصٍ. وقال بعض أصحابنا: إن وطئ في الحيض تاب واستغفر، وإن عاد تاب، وإن عاد تاب، وإن عاد في الرابعة حرمت عليه، لأنَّ هذا معاند، فأحرى أن تحرم عليه، وكان ضمَّام يُرخِّص في المَرَّة الواحدة، أي لا يُفسدها عليه، <3/138> إِلاَّ إذا اعتاد ذلك. وكان أبو عبد الله يرى الفراق، أي في أوَّل مَرَّة. قال أبو الحواري: نحن نقول: يفرَّق بينهما. قال محمَّد بن الحسن: حرمت عليه، ونحن نأخذ بهذا. قال بعضهم: وَهُوَ قول سليمان بن عثمان. (4/121)
صفحة 1115
والمراد بالتحريم تحريم الأبد، قال في القواعد: وَهُوَ مذهب العمانيِّين.
قلت: وإنَّما ذهبوا إِلىَ ذلك نظرا منهم إلى سدِّ الباب في دفع المفاسد، فإنَّ الناس لم يرتدعوا بالزواجر القُرآنِيَّة وكان المال أحبَّ شيءٍ إليهم، فكان التخويف بذهاب المرأة أَشَدَّ عليهم من التخويف بالنار، وحيث كان للقول بفسادها عليه وجه وجيه، وَهُوَ أنَّ النهي يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه تمسَّكوا بهذا الوجه، وأظهروا للناس سياسة للعالم، ودفعا للمظالم، مع علمهم بما كان عليه أئمَّتهم من جابر ومسلم والربيع ومحبوب وغيرهم، ومع معرفتهم بوجوه الأصل واستنباط الأحكام من أدلَّتها، فلم يقولوا ذلك عن هوى ولا عن جهل بالأحكام، ولله درُّهم ما أقوى نظرهم، وأذكى فهمهم، جزاهم الله عن الإسلام خير جزاء.
ما جاء في طهارة بدن الحائض
<3/139> وقد استُدلَّ على طهارة بدن الحائض بثلاثة أحاديث: حديث نوم عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث ترجيلها لرأسه وهي في ذلك كُلِّه حائض، والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم لها: «ليست حيضتك بيدك»، وقد تقدَّم في آداب الطعام والشراب قول عائشة أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كان يضع فاه على موضع فيها من القدح الذي شربت منه وهي حائض، وهذا يدلُّ على طهارة سؤرها، وأحاديث الباب تدلُّ على طهارة بدنها فلا بأس بمخالطتها ولا بمواكلتها. قال الترمذي: وَهُوَ قول عامَّة أهل العلم لم يروا بمواكلة الحائض بأسا، قال شارحه: وهذا مِمَّا أجمع الناس عليه، وهكذا نقل الإجماعَ محمَّد بن جرير الطبري. وأمَّا قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فيِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فالمراد: اعتزلوا وَطْأهن. (4/122)
صفحة 1116
<3/140> قوله: «عن عائشة رضي الله عنها...» إلخ: الحديث رواه مالك في الموطَّأ معناه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنَّ عائشة زوج النبيء صلى الله عليه وسلم كانت مضطجعةً وأنَّها وثبت وثبةً شديدةً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ لعلك نُفستِ، يعني الحيضة، قالت: نعم، قال شُدِّي على نفسك إزارك ثمَّ عودي إِلىَ مضجعك. قال ابن عبد البرِّ: لم يختلف رُواة الموطأ في إرسال هذا الحديث، ولا أعلم أنَّه روي بهذا اللفظ من حديث عائشة البتَّة، ويتَّصل معناه من حديث أمِّ سلمة وَهُوَ في الصحيح وغيره، يعني ما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أمِّ سلمة: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعةٌ في خميلة إذ حضتُ فانسللتُ فأخذتُ ثياب حيضتي، قال: أنُفستِ؟ قلت: نعم، فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة.
وفيه جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحدٍ، واستحباب اتِّخَاذ المرأة ثيابا للحيض غير ثيابها المعتادة.
قوله: «كنت أنام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم»: فيه جواز نوم الشريف مع أهله.
قوله: «وهذا يدلُّ على أنَّ بدن الحائض ليس بنجس»: ووجه الدلالة أنَّه لو كان بدنها نجسا ما نام معها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب واحدٍ.
قوله: «وكذلك بدن الجنب على هذا الحال»: يعني أنَّ حكم بدنه الطهارة كحكم بدنها لاتِّحاد المعنى، وقد وقع هذا القياس أيضًا في عروة بن الزبير، وَهُوَ قياس جليٌّ، لأنَّ الاستقذار بالحائض أكثر من الجُنب. ولأنَّ الجنب يطهر بالصاع من الماء ولا تطهر الحائض بالبحر.
قال المحشِّي: ثمَّ ظهر أنَّه لا حاجة إِلىَ القياس، بل الدليل على ذلك حُذيفة حين امتنع من مصافحة النبيء صلى الله عليه وسلم لأجل جنابة أصابته، فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: «المؤمن لا ينجس حيًّا ولا مَيِّتًا». (4/123)
صفحة 1117
<3/141> قوله: «ليست حيضتك في يدك»: كنايةٌ عن طهارة اليد، ومبالغة في إنكار الاستقذار، ففيه أوضح دليل على طهارة بدنها، فإنَّ النجاسة لا تتجاوز موضعها، وسبب الحديث أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال لها: ناوليني الخُمرة، فقالت: أنا حائض، فقال لها: ليست حيضتك في يدك. والخُمْرة: بضمِّ المعجمة وتكسر، سجَّادةٌ صغيرة تُعمل من سعف النخل وتزمَّل بالخيوط، وفيه جواز اتِّخَاذ السجادات للصلاة.
قوله: «ومن طريقها»: أي في طريق عائشة، وقد رواه بسنده الرفيع في آخر باب المساجد، ولفظه هنالك: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يُدني إليَّ رأسه فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إِلاَّ لحاجة الإنسان». وترجيل الرأس تسريحه بالمشط، والحديث يدلُّ على طهارة بدن الحائض ورطوباتها، وأنَّ المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدِّماته، والله أعلم.
ما جاء في وجوب الغسل بإدبار الحيضة
قوله: «إذا أدبرت الحيضة»: أي ولَّت وانقطعت، يقال: أدبر الرجل إذا ولَّى، وأدبر النهار إذا انصرم. والمراد بإدبارها إزالتها بعد وجودها، لِمَا تقدَّم في حديث ابن عبَّاس أنَّ المرأة لا تطهر حتَّى ترى القصَّة البيضاء. والحيضة بفتح <3/142> الحاء اسم للمرَّة من الحيض، ويجوز الكسر على إرادة الحالة، لَكِنَّ الفتح هنا أظهر.
قوله: «فقد وجب الغسل»: أي لزمها الغسل، فانقطاع الحيضة سبب لوجوب الغُسل، كما أنَّ خروج المنيِّ سبب لذلك أيضا، ولها التراخي في ذلك ما لم يحضر وقت صلاة مكتوبة، فإذا حضر تعَيَّن الوجوب وحرم عليها التفريط إجماعا، فإن فرَّطت حتَّى فات الوقت صارت هالكة إجماعا، لأنَّ صحَّة الصلاة متعلِّقة بوجود الغسل، وإذا لم يكن غسل فلا صلاة لها، والله أعلم.
ما جاء في غسل دم الحيضة من الثوب (4/124)
صفحة 1118
قوله: «يأمرني بغسل دم الحيضة من الثوب»: تعني إذا أصابه ذلك وأرادت الصلاة به. والأمر للوجوب فإنَّ الصلاة لا تصحُّ في الثوب النجس، وقد تقدَّم في جامع النجاسات صفة غسل الثوب من ذلك، وحكم الأثر الباقي بعد الغسل، والله أعلم.
<3/143> باب المستحاضة
المستحاضة هي التي لا يرقأ دم حيضتها، قاله ابن سيده. وقال الجوهريُّ: استُحيضت المرأة أي اسْتَمَرَّ بها الدم بعد أَيَّامها فهي مستحاضة، وقال الأزهري والهَرَوي وغيرهما: الحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرخيه قعر رحمها بعد بلوغها. والاستحاضة جريانه في غير أوانه، يسيل من عرقٍ في أدنى الرحم دون قعره، يقال: استحاضت المرأة بالبناء للمفعول فهي مستحاضةٌ، وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد التي لحقتها للمبالغة، كما يقال: قرَّ في المكان، ثمَّ يزاد للمبالغة فيقال: اسْتَقَرَّ، وأعشب ثمَّ يزاد للمبالغة فيقال: اعشوشب.
قوله: «دم الاستحاضة نجس لأنَّه دم عرق ينقض الوضوء»: الحديث تقدَّم شرحه في جامع النجاسات، والعرق الذي تخرج منه الاستحاضة عرق على فم الرحم يُسمى العاذل بعِينٍ مهملة وذالٍ معجمة. والحديث يدلُّ أنَّ دم العروق نجس وأنَّ كلَّ نجس ينقض الوضوء، والله أعلم.
<3/144> ما جاء أنَّ المستحاضة تغتسل وتَسْتَثْفِر
قوله: «للأنصاريَّة»: قيل اسمها: شَكَل، بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين ثمَّ اللام، وَقِيلَ: أسماء بنت يزيد بن السَّكن بالمهملة والنون، الأنصاريَّة التي يقال لها خطيبة النسَّاء.
قوله: «أثُجُّ ثَجًّا»: بالمثلثة ثمَّ الجيم: أي أثجُّ الدم ثجًّا، أي أصبُّه صبًّا، يقال ثجَجْته ثجًّا من باب قَتَل إذا صببته وأسلته، «وأفضل الحج العجُّ والثجُّ»، فالعجُّ رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ إسالة دماء الهدي. (4/125)
صفحة 1119
<3/145> قوله: «اغتسلي»: أي بعد انقطاع الحيض، كما في حديث فاطمة بنت أبي حُبيش، أو اغتسلي إذا أردت القيام إِلىَ الصلاة غير الاغتسال الذي كان لانقطاع الحيضة، وَهُوَ الظاهر في الحديث، لأنَّها وصفت له الحال التي عليها بعد انقطاع الحيضة، ونَعَتَ لها كيف تصنع. والغسل الأوَّل واجب بلا خلاف، وإنَّما الخلاف في غسلها إذا أرادت الصلاة، فقيل: تغتسل لِكُلِّ صلاة، وقيل: لِكُلِّ صلاتين وتجمع بينهما، إِلاَّ صلاة الفجر فإنَّها تُفردها بالغسل، وقيل: لا يجب عليها الغُسل إِلاَّ عند الحكم لها بالخروج من الحيض، لأنَّ الاستحاضة كسلس البول لا تمنع من الصلاة، لكن يستحب لها أن تغتسل لِكُلِّ صلاة إذا أمكنها ذلك، فإن لم تفعل أجزأها الوضوء، كما سيأتي آخر الباب إن شاء الله.
قوله: «احتشي»: أمر من احتشى، إذا وضع شيئًا في قُبُله.
قوله: «استَثْفِري»: أي اتَّخذي الثَّفَر بمثلثة وفاء مفتوحتين، وَهُوَ جعل خرقة في فرجها تغرزها في نطاقها من أمام ووراء، وفسَّره المصنِّف بقوله: احتشي بالقطن، وَهُوَ تفسير باللازم، فإنَّ الاحتشاء بالقطن غير الاستثفار لا عينه، لكن لا بدَّ منه للمستثفرة، لأنَّ الثفر بنفسه لا يمنع سيلان الدم، وإنَّما يمنعه الاحتشاء بالقطن، وَكَأَنَّ الاحتشاء عندهنَّ ملازم للاستثفار فلا يكون احتشاء بدون استثفار.
قوله: «وصلِّي»: أي ما وجب عليك من الصلوات، والمعنى أنَّه لاَ بأس عليها بما وراء ذلك وإن قطر على الحصير، كما جاء في بعض الروايات، والله أعلم. (4/126)
صفحة 1120
<3/146> قوله: «وإذا أدبرت الحيضة وجب الغسل»: تقدَّم شرحه في باب الحيض، وإنَّما أعاد ذكره لأنَّه كذلك ذكره الربيع رضي الله عنه، فأورده المرتِّبُ كما وجده، وكره أن يقتطعه مع علمه أنَّه لا مناسبة له بالباب، وله في مثلها نظائر تقدَّم بعضها ويأتي بعض، ويحتمل أنَّه راعى وجوب الاغتسال مع انقطاع الحيضة وإن امتدَّ بها الدم، فيكون الحكم شاملاً للمستحاضات أيضًا، والله أعلم.
ما جاء في غُسل المستحاضة بعد ذهاب قدر الحيضة
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه أيضًا البخاري <3/147> والنسائي وأبو داود، ولفظه عندهم: عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنِّي امرأة أُستَحَاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلِّي». وفي رواية للجماعة إِلاَّ ابن ماجه: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم». زاد الترمذي في رواية: «وقال: توضئي لِكُلِّ صلاة حتَّى يجيء ذلك الوقت». وفي رواية للبخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلي وصلِّي».
قال جابر بن زيد رضي الله عنه، إِنَّمَا عائشة ذكرت مسألة فاطمة بنت أبي حُبيش ولم تذكر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أوجب عليها الوضوء عند كُلِّ صلاة. وقد رواه مسلم في الصحيح بدون قوله: «وتوضئي لِكُلِّ صلاة»، وقال: في آخره حرفٌ، تركنا ذكره، قال البيهقي: هو قوله: «وتوضئي»، وتركها لأنَّها زيادة غير محفوظة.
« (4/127)
صفحة 1121
وفاطمة بنت أبي حُبيش»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح الموحَّدة وسكون التحتيَّة ومعجمة، واسمه قيس بن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى القرشيُّ الأسديُّ، وهي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستحاضة، وهي غير فاطمة بنت قيس القرشيَّة الفهريَّة التي طلِّقت ثلاثا، خلافا لظنِّ بعضهم أنَّها هي.
قولها: «لا أطهر»: أي لا ينقطع عنِّي الدم، وكانت قد ظنَّت أنَّ طهارة الحائض لا تحصل إِلاَّ بانقطاع الدم، فكنَّت بعدم الطهر عن استرسال الدم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، فظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: أفأدع الصلاة؟ أي أتركها كما تتركها الحائض.
<3/148> قوله: «إذا ذهب قدْرُها»: أي قدر الحيضة، وَهُوَ بالدال المهملة، والمراد بقَدْرها مقدارها الذي تقدَّم من عادتها في أَيَّامها الماضية، وقيل يُحتمل أنَّ المراد بقدرها على ما تراه المرأة باجتهادها، وفي الأوَّل اعتبار الأَيَّام، وفي الثاني اعتبار الدماء، ورجَّحه في القواعد، قال: لأَنَّ العادة تختلف والتمييز لا يختلف، ولأنَّ النظر إِلىَ اللون اجتهادٌ والنظر إِلىَ العادة تقليدٌ، والاجتهاد أوْلى من التقليد. واستدلَّ بِهِ في الإيضاح لمن قال: إنَّ المستحاضة تترك الصلاة عشرة أيَّام وتغتسل وتصلِّي عشرة أيَّام، قال رحمه الله: والمتجاوزة لأكثر أَيَّام الحيض قد ذهب أكثر حيضتها ضرورة. (4/128)
صفحة 1122
قوله: «فاغسلي الدم عنك وصلِّي»: استدلَّ بِهِ في الإيضاح لمن قال في المستحاضة إِنَّمَا يلزمها غسل واحدٌ، قال: ولم يأمرها بالغسل وإنَّما أمرها بغسل الدم فقط. والحديث تضمَّن نهي الحائض عن الصلاة، وَهُوَ للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة بالإجماع. قال بعض قومنا: وكان بعض السلف يرى للحائض الغسل ويأمرها أن تتوضَّأ وقت الصلاة وتذكر الله مستقبلة القبلة، قال عُقبة بن عامر: قال مكحول: كان ذلك في هدي نساء المسلمين. وقال معمر: بلغني أنَّ الحائض كانت تؤمر بذلك عند كُلِّ صلاة. واستحسن ذلك عطاء. قال ابن عبد البرِّ: وهذا أمر متروك. قال أبو قلابة: سألنا عنه فلم نجد له أصلا، وجماعة الفقهاء يكرهونه، والله أعلم.
وقولها: «كنت أرجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض»: تقدَّم شرحه في الاعتكاف، في باب المساجد، وإنَّما ذكره هنا لأنَّه أورد الرواية كما أورده الربيع رحمة الله عليه.
<3/149> ما جاء في استظهار المستحاضة وَهُوَ المعروف بالانتظار
قوله: «بلغني أنَّ امرأة تسمَّى أسماء الحارثيَّة»: أخت حارثة، وهي أسماء بنت مرشد، قال ابن الأثير: حديثها في الاستحاضة: روى حرام بن عثمان عن عبد الرحمن ومحمَّد ابنَيْ جابر عن أبيهما قال: جاءت أسماء بنت مُرشد إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إنِّي حدثت لي حيضة لم أكن أحيضها، قال: وما هي؟ قالت: أمكث ثلاثا أو أربعا بعد أن أطهر، ثمَّ تراجعني فتحرز عليَّ الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثا ثمَّ تطهَّري وصلِّي»، أخرجه الثلاثة، وقال أبو عمر: لا يَصِحُّ حديثها لأنَّه انفرد بِهِ حرام بن عثمان، وَهُوَ ضعيف عند جميعهم. قال الشافعيُّ: الحديث عن حرام بن عثمان بن حرام، وحديث حرام غير حديث المصنِّف، وحديثها عن المصنِّف صحيح، وإن كان بلاغا لِقُوَّة تثبُّت جابر في النقل، فبلاغته أقوى من مسند غيره. (4/129)
صفحة 1123
<3/150> قوله: «اقعدي أَيَّامك»: أي اتركي الصلاة في أَيَّامك التي كنت تحيضين فيها، وبه تمسَّك من قال بذلك، وَهُوَ عند القائلين بالتمييز بين الدماء محمول على التي اختلط عليها أمرها فلم تميِّز دما من دمٍ، فإنَّها ترجع إِلىَ أَيَّامها التي كانت قد اعتادتها فتترك الصلاة فيها، ثمَّ تغتسل وتصلِّي. ومنهم من قال: تنتظر انقطاع الدم بعد ذلك إِلىَ ثلاثٍ لهذا الحديث، وَقِيلَ: إِلىَ يومين، وَقِيلَ: إِلىَ يوم وليلة.
قوله: «فاستظهري»: بظاءٍ مُشالة وراء مهملة، أي استعيني.
قوله: «بثلاثة أَيَّام»: أي بعد أَيَّامك التي كنت تحيضين فيها.
وقوله: «ثمَّ اغتسلي وصلِّي»: يدلُّ أنَّ أيَّام الاستظهار لا غسل فيها ولا صلاة، فحكمها حكم أيَّام الحيض تبعاً لها، رخصةً من الله لتستعين بها على أمرها. والحديث يدلُّ على ثبوت الاستظهار، وَهُوَ المعروف عند أصحابنا بالانتظار، ومعناه أنَّها تنتظر انقطاع الدم من حال إِلىَ حال، وهي مسألة خلاف بين الأصحاب، فمنهم من قال: إِنَّهَا تنتظر انقطاع الدم فتترك الصلاة والصوم في مدَّة الانتظار، ومنهم من قال: لا تنتظر بل متى تَمَّ وقتها اغتسلت وكانت مستحاضة، ثمَّ اختلف القائلون بالانتظار، فأكثر أصحابنا لا يُثبتون الانتظار لغير الدم، وممَّن أثبته في غيره الربيع رحمة الله عليه، فإنَّه قال في امرأة حاضت ثمَّ استكملت قُرأها فنظرت فرأت شيئًا اشتبه عليها تقول: مرَّة طهراً ومرةً صفرةً، وليست بالصفرة البيِّنة: «إِنَّهَا لا تصلِّي»، ولعلَّه أخذ ذلك من حديث ابن عبَّاس المتقدِّم في باب الحيض: «إنَّ المرأة لا تطهر من حيضتها حتَّى ترى القَصَّة البيضاء»، والكلام في المسألة مبسوط في الثاني من المعارج، والله أعلم.
<3/151> ما جاء أنَّ المستحاضة تتوضَّأ لِكُلِّ صلاة (4/130)
صفحة 1124
قوله: «بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المستحاضة تتوضَّأ لِكُلِّ صلاة»: معنى الحديث عند أبي داود وابن ماجه والترمذي من حديث عديِّ بن ثابت عن أبيه عن جدِّه عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيَّام أقرائها ثمَّ تغتسل وتتوضَّأ عند كُلِّ صلاة وتصوم وتصلِّي»، والحديث ضعيف، وقد أشار جابر بن زيد رضي الله عنه، إِلىَ تضعيفه بقوله: إِنَّمَا عائشة ذكرت مسألة فاطمة بنت أبي حبيش ولم تذكر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أوجب عليها الوضوء عند كُلِّ صلاة. وقال الترمذي: سألت محمَّدًا - يعني البخاريَّ - عن هذا الحديث فقلت: عديُّ بن ثابت عن أبيه عن جدِّه، جدُّ عديِّ بن ثابت ما اسمه؟ فلم يعرف محمَّد اسمه، وذكرت لمحمَّد قول يحيى بن معين: إِنَّ اسمه دينار، فلم يعبأ بِهِ. وقال الدمياطي في عديٍّ المذكور: هو عدي <3/152> بن أبان بن ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري، ووهم من قال: اسم جدِّه دينار، وعديُّ هذا من الثقات المخرَّج لهم في الصحيح، ووثَّقه أحمد بن حنبل، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود في سننه: حديث عديِّ بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيُّوب وأبي العلاء كلُّها لا يصحُّ منها شيء. والحديث إن صحَّ يدلُّ أنَّها تتوضَّأ لِكُلِّ صلاة، فليس لها أن تصلِّي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤدَّاة أو مقضيَّة لظاهر قوله: «وتتوضَّأ عند كُلِّ صلاة»، وبه قال جمهور قومنا. ومقضي كلام جابر رحمه الله تعالى أنَّ لها أن تصلِّي بذلك الوضوء ما شاءت من فرض ونفل ما دامت في مقامها ذلك، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش الْمُتَقَدِّم، فإنَّ عائشة رضي الله عنها روت الحديث ولم تذكر أنَّه صلى الله عليه وسلم أمرها بالوضوء عند كُلِّ صلاة. وعند الحنفيَّة أنَّ الوضوء يتعلَّق بوقت الصلاة، فلها أن تصلِّي بِهِ الفريضة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، والله أعلم.
كتاب البيوع (4/131)
صفحة 1125
البيوع جمع بيع، وجُمع لاختلاف أنواعه كبيع العين، وبيع الدَّين، وبيع المنفعة، والصحيح والفاسد، وغير ذلك. وَهُوَ في اللغة: المبادلة، ويطلق على الشراء، قال الفرزدق:
«إن الشباب لرابح من باعه»
يعني: من اشتراه، ويطلق الشراء أيضًا على البيع، ومنه: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنِم بَخْسٍ} [يوسف: 20]. وعرَّف ابن بركة البيع بأنَّه إخراج الشيء من الملك على بدل له قيمة يتعوَّض عليه، وقال غيرُه: البيع نقل ملك إِلىَ الغير بثمن، والشراء قبوله. قيل: وسمِّي البيعُ بيعًا لأنَّ البائع يمدُّ باعه إِلىَ المشتري حالة العقد غالبا، كما يسمَّى صفقةً، لأنَّ أحد المتبايعين يصفقُ يده على يد صاحبه. وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه، لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبا، وصاحبه قد لا يبذله، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إِلىَ بلوغ الغرض من غير حرج. <3/154> وقال ابن العربي: البيع والنكاح عقدان يتعلَّق بهما قوام العالَم، لأنَّ الله تعالى خلق الإنسان محتاجا إِلىَ الغذاء مفتقرا إِلىَ النساء، وخلق له ما في الأرض جميعا ولم يتركه سدًى يتصرَّف باختياره كيف يشاء، فيجب على كُلِّ مكلَّف أن يتعلَّم ما يحتاج إليه، لأنَّه يجِبُ على كُلِّ أحد أن لا يفعل شيئًا حتَّى يعلم حُكم الله فيه. وقول بعضهم: يكفي ربع العبادات، ليس بشيءٍ، إذ لا يخلو مكلَّف غالبا من بيع وشراء.
باب ما يُنهَى عنه من البيوع
وإنَّما ذكر المنهيَّات لأنَّها محصورة منضبطة، وبانضباطها يمتاز الجائز من البيوع من غير الجائز، فما عدا المنهيِّ عنه مباحٌ جائز.
ما جاء في النهي عن تلقِّي السوالع (4/132)
صفحة 1126
الحديث أخرج أرباب السنن معناه من طرق مُتَعَدِّدَة، وَهُوَ عند المصنِّف ثابت من طريقين: من طريق ابن عبَّاس، وَهُوَ حديث الباب، ومن طريق <3/155> أبي هريرة، وَهُوَ قوله بعد النهي عن النَّجش: «ولا تتلقَّوا الركبان للبيع»، قال: معنى الحديثين واحد، إذ المراد بالسوالع الركبان وَهُوَ جمع سالعة، وهي الطائفة ذات السلعة، وهي المتاع أو ما يُتَّجر بِهِ، وَمَعنَى الحديث: لا تتلقَّوا أجلاب السوالع فتشتروا منهم قبل أن يبلغوا الأسواق، والأجلاب جمع جلب بفتح اللام، وَهُوَ في الأصل مصدر أطلق على اسم المفعول، والمراد المجلوب، يقال: جلب الشيء إذا جاء بِهِ من بلد إِلىَ بلد للتجارة. وقد حمل صاحب الإيضاح رحمه الله تعالى النهي على من تلقَّاهم للتجارة، قال: وَأَمَّا غير التجارة مثل ما ينتفعون بِهِ من الكسوة وما يستخدمون فلا بأس بجميع ذلك إِلاَّ ما يطلبون فيه الربح.
واختلفوا في هذا النهي، فقيل: إنَّه للتحريم وَهُوَ المذهب، وقيل: مكروه فقط. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنَّه أجاز التلقِّي، وتُعقِّب بأن الذي في كتب الحنفيَّة أنَّه يكره التلقِّي في حالتين: أن يضرَّ بأهل البلد وأن يلبس السعر على الواردين. ثمَّ اختلف القائلون بالتحريم في هذا النهي، هل يقتضي الفساد أم لا؟ فقيل: يقتضي <3/156> الفساد، وقيل: لا، وَهُوَ الظاهر، وجزم في الإيضاح بإثم الفاعل وثبوت البيع عند أصحابنا. وَقِيلَ: البائع بالخيار إن شاء نقض البيع بعد علم السعر وإن شاء أمضاه، ومال إليه ابن بركة، قال: ويُعجبني أن يكون كلُّ غرَرٍ يَذهَبُ بِهِ مالٌ هذا طريقه، لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر وقال: «خديعة المسلم مُحَرَّمة». (4/133)
صفحة 1127
ثمَّ اختلفوا في علَّة النهي عن التلقِّي فقيل: نُهي عن ذلك لئلاَّ ينفرد المتلقِّي برخص السلعة دون أهل البلد فيضرَّ بهم، وقيل: لئلاَّ يُغبن الجالب، وقيل: هما معا، ثمَّ اختلفوا في قدر المسافة التي يقع النهي عن التلقِّي فيها، فقيل: لا يحدُّ في ذلك بحدٍّ لأنَّ ظاهر النهي يتناول المسافة القصيرة والطويلة، وقيل: مسافة ذلك ميل، وَقِيلَ: فرسخان، وَقِيلَ: يومان، وَقِيلَ: مسافة القصر، وَهُوَ قول الثوريِّ وعليه أصحابنا، لأنَّ السفر في طلب الحلال مباح، لَكِنَّ القصر محدود عندهم بالفرسخين، فيستلزم قولهم جواز ذلك فيما وراء الفرسخين، ثمَّ اختلفوا في ابتداء مسافته، فقيل الخروج من السوق وإن كان في البلد، وَقِيلَ: الخروج من البلد. قال ابن حجر: ويفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقِّي، فلو تلقَّى الركبان أحدٌ للسلام والفرجة، أو خرج لحاجة له فوجدهم فبايعهم هل يتناوله النهي؟ فيه احتمالٌ، فمن نظر إِلىَ المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك. وذكر في الإيضاح أنَّ من لقي المسافرين في الطريق ولم يخرج إليهم أو وردوا عليه في بعض المنازل في طريق المنزل فلا بأس أن يشتري منهم للتجارة وغيرها، ولو فيما دون سِتَّة أميال، قال: وفي نفسي من هذا شيء إذا علم حاجة أهل البلد إِلىَ ذلك.
<3/157> ما جاء في النهي عن بيع الملامسة والمنابذة وحَبَل الحَبَلَة والملاقيح والمضامين
قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم، وصُرِّح بِهِ في نسخة القطب. والحديث على هذا الحال مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف، وَهُوَ عند أصحاب السنن قطعٌ مروية من طرق مُتَعَدِّدَة. (4/134)
صفحة 1128
قوله: «نهى عن بيع الملامسة»: قال الربيع: الملامسة أن يلمس الرجل طرف الثوب ولا ينشره ولا يعلم ما فيه فيلزمه البيع. وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين وأحمد أنَّ الملامسة لمسُ الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو <3/158> بالنهار ولا يقلِّبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ. قال في الفتح: ولأبي عوانة عن يونس: أن يتابع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، أو يتنابذ القوم السلع كذلك، فَهَذَا من أبواب القمار. وللنسائيِّ من حديث أبي هريرة: الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر أحدهما إِلىَ ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسًا. وروى أحمد عن معمر أنَّه فسَّر الملامسة: أن يلمس بيده ولا ينشره ولا يقلِّبه، إذا مسَّه وجب البيع. ولمسلم عن أبي هريرة: الملامسة أن يلمس كُلُّ واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمُّل.
وقد اختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور:
إحداها: أن يأتي بثوب مطويٍّ، أو في ظلمة، فيلمسه المستلم، فيقول له صاحبُ الثوب: بعتُكه بكذا، بشرط أن يقوم لَمْسُكَ مقامُ نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا موافق للتفسير الذي في الأحاديث.
ثانيها: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا بغير صيغة زائدة.
ثالثها: أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس، قيل: والبيع على التأويلات كُلِّهَا باطل. (4/135)
صفحة 1129
3 قوله: «والمنابذة»: قال الربيع: المنابذة أن يرمي الرجل ثوبه للآخر ويرمي له الآخر ثوبه، ولم ينظر كُلُّ واحد منهما إِلىَ ثوب صاحبه. وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين وأحمد: أنَّ المنابذة أن ينبذ الرجل إِلىَ رجل بثوبه وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ. وفي رواية لابن ماجه من طريق سُفيان عن الزهري: المنابذة أن يقول: اِلقِ إليَّ ما معك وأُلْقِي إليك ما معي. وللنسائي من حديث أبي هريرة: المنابذة أن يقول: أنبذُ ما معي وتنبذ ما معك، فيشتري كُلُّ واحد منهما من الآخر ولا يدري كم مع الآخر. ولمسلم عن أبي هريرة: المنابذة أن ينبذ كلُّ واحد منهما ثوبه إِلىَ الآخر، ولم ينظر واحد منهما <3/159> إِلىَ ثوب صاحبه. وروى أحمد عن معمر أنَّه فسَّر المنابذة بِأَن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع. وقد اختلف العلماء في المنابذة على ثلاثة أقوال:
أحدها : أن يجعلا نفس النبذ بيعا كما تقدَّم في الملامسة، وَهُوَ الموافق للتفسير المذكور في الأحاديث.
وثانيها : أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة.
وثالثها : أن يجعلا النبذ قاطعا للخيار.
وَالعِلَّة في النهي عن الملامسة والمنابذة الغرر والجهالة.
4 قوله: «وعن بيع حَبَل الْحَبَلة»: بفتح الحاء والموحَّدة فيهما، إِلاَّ أنَّ الأوَّل مصدر حبلت المرأة، والثاني اسم جمع حابل، كظالم وظَلَمَة، وكاتب وكتَبَة، وقال الأخفش: هُوَ جمع حابلة. وقال ابن الأنباري: التاء في الحَبَلة للمبالغة، كقولهم شجرة. وقال أبو عبيد: والْحَبَلُ مختصٌّ بالآدميات، ولا يُقالُ في غيرهم من الحيوان، إِلاَّ حمل إِلاَّ ما في الحديث. ورواه بعضهم بسكون الباء في الأوَّل، وَهُوَ غلطٌ، قاله عياض. (4/136)
صفحة 1130
واختلفوا في معناه فقال الربيع: هو حَبَل في بطن الناقة، أي بيعه حملَ ولدها الذي في بطنها، وذلك بيع ولد الولد، وصورته أن يقول: إذا نُتجت هذه الناقة ثمَّ نتجت التي في بطنها فقد ِبعْتُكَ ولدها، فنهى عنه، لأنَّه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، فهو غررٌ، وبه فسَّره أحمد وإسحاق وجماعة من اللغويِّين. وفي مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهليَّة يتبايعون لحم الجزور إِلىَ حَبَل الحَبَلَة، وحَبَل الحَبَلَة أن تنتج الناقة ثمَّ تحمل التي نُتجت، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه فَسَّرَه مالك والشافعيُّ وغيرهما.
<3/160> وذكر بعض الشرَّاح في ذلك أربعة أقوالٍ محصَّلها: هل المراد البيع إِلىَ أجلٍ أو بيع الجنين؟
وعلى الأوَّل: هل المراد بالأجل ولادة الأمِّ أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأوَّل أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال. وقال المبرِّد: هو عندي بيع حبل الكرمة، والحبلة الكرمة لأنَّها تحبل بالعنب، كما جاء في حديث آخره: «نهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحُه»، ويكون هذا أصلاً في منع البيع بثمن إِلىَ أجل مجهولٍ. قال السهيلي: وَهُوَ غريب لم يسبقه إليه أحدٌ في تأويل الحديث. (4/137)
صفحة 1131
قوله: «وعن الملاقيح»: جمع ملقوح، قال الربيع: الملاقيح ما في ظهور الفحول. وقال مالك، بيع ما في ظهور الجمال، والمعنى واحد، إذ الجمال جمع جمل وَهُوَ ذكر الإبل، لأنَّه الذي يلقِّح الناقة، ولذا سمِّيت النخلة التي يلقَّح بها الثمار فحلاً، وَهُوَ أخصُّ من بيع عَسْب الفحل وَضِرابه الذي جاء النهي عنه في حديث ابن عمر وجابر وأنس وغيرهم، ولأنَّ عسب الفحل ماؤه المندفق عن الجماع مطلقًا، صدر عنه لقاحٌ أم لا. والملاقيح: ماؤه الذي يتولَّد منه الولد خاصَّة. <3/161> وصورته: أن يجعلا الثمن على الضراب الملقِّح، فلو لم تلقَّح من الضراب الأوَّل طرقها ثانيةً وثالثةً، هذا بخصوصه منهيٌّ عنه في حديث الباب مع أنَّه داخلٌ أيضًا في النهي عن ثمن عسب الفحل وضرابه، وذلك حرامٌ لأنَّه غير متقوَّم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه. وأجاز بعض قومنا إجارة الفحل للضراب مدَّة معلومةً، وأحاديث الباب ترد عليهم لأنَّها صادقة على الإجارة، ولا يصحُّ القياس على تلقيح النخل، لأنَّه قياس معارضٌ للنصِّ، فهو فاسد الاعتبار، ولأنَّ ماء الفحل صاحبه عاجزٌ عن تسليمه بخلاف التلقيح، وأمَّا عارية ذلك فلا خلاف في جوازها.
قوله: «والمضامين»: قال الربيع: المضامين ما في بطون الإناث، وهي جمع مضمون، يقال ضمن الشيء بمعنى تضمَّنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا، وسمِّي ما في بطون الإناث مضمونًا، لأنَّ البطن قد ضمن ما فيه، وإنَّما نهى عن بيعه لأنَّه غائبٌ مجهولٌ غير مقدورٍ على تسليمه، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن بيع الثمار حتَّى تَزْهُوَ
<3/162> قوله: « عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطَّأ والبخاري ومسلم. (4/138)
صفحة 1132
قوله: «نهى»: أي نهي تحريم، معلَّل بقوله آخر الحديث: «أرأيتم لو منع الله الثمرة فيما يأخذ أحدكم مال أخيه؟». ونحوه حديث أبي سعيد الآتي في النهي عن بيع الثمار حتَّى يبدوَ صلاحُها، إذ معنى الحديثين واحد، وإن كان ظاهر حديث أنس في ثمرة النخل خَاصَّةً، وظاهر حديث أبي سعيد في مطلق الثمار.
وقوله: «حتَّى تزْهُوَ»: بالواو، وفي رواية: «تُزهيَ» بالياء مع ضمِّ أوَّله، وأنكرها بعضهم وصوَّب رواية الواو، وصوَّب الخطَّابيُّ الياء ونفى «تَزهُوَ» بالواو، وقال ابن الأثير: والصواب الروايتان على اللغتين، يقالُ: زها يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأَزْهَى يُزهِي إذا احمرَّ واصفرَّ، قال الخليلُ: أزهى النخل بدا صلاحُه.
قوله: «فقيل له: يا رسول الله: وما تزهو؟»: أي وما صفة زهْوِها؟ فأجاب بقوله: «تحمرُّ»: بشدِّ الراء وهذا صريحٌ في الرفع. ونحوه رواية مالك عن حُميد <3/163> الطويل عن أنس. ورواه بعضهم عن حُميد موقوفًا على أنس، والصوابُ رفعُه.
وقوله: «أرأيتم»: أي أخبروني، وفي رواية مالك: «أرأيتَ» بإفراد الخطاب.
قوله: «لو منع الله الثمرة»: أي أتلفها، أو سلَّط عليها ما يُفسدها فلم تصل حدَّ الإدراك ولا وقت الانتفاع. (4/139)
صفحة 1133
وقوله: «فيمَ»: بحذف ألف ما الاستفهامية، لدخول حرف الجرِّ مثل قولهم: على مَه، وحتَّى مَه، وَلَمَّا كانت الاستفهاميَّة متضمِّنة للهمزة ولها صدر الكلام احتيج إِلىَ تقدير أي. والاستفهام للإنكار، فالمعنى: لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه باطلاً، لأنَّه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفعه شيءٌ. وفيه إجراء الحكم على الغالب لأنَّ تطرُّق التلف إِلىَ ما بدا صلاحُه ممكنٌ، وعدم تطرُّقه إِلىَ ما لم يبْدُ صلاحُه ممكنٌ، فأنيط الحكم بالغالب في الحالين. وصرَّح المصنِّف ومالك برفع هذا، وتابع مالكا الداراوردي عن حُميد. وقال الدارقطني: خالف مالكا جماعةٌ، منهم ابن المبارك وهيثم ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون، فقالوا فيه: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة...الخ، قال ابن حجر: وليس فيه ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعا لأنَّ ما عند الذي رفعه زيادة علم على ما عند الذي وقفه. وليس في رواية من وقفه ما ينفي روايةَ من رفعه. وقد روى مسلم في طريق أبي الزبير عن جابر ما يُقَوِّي رواية الرفع في حديث أنس، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو بعت <3/164> من أخيك ثمرا فأصابته عاهة فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حقٍّ؟». واستثنى بِهِ على وضع الحوائج في الثمر ليشتري بعد بُدُوِّ صلاحه ثمَّ تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد وأبوعبيدة: يضع الجميع، وقال الشافعيُّ والليث والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيءٍ، وَهُوَ ظاهر المذهب، وقالوا: إِنَّمَا ورد وضع الجائحة فيها إذا بيعت الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها بغير شرط القطع، وهذا يدلُّ أنَّها إذا بيعت بعد بُدُوِّ صلاحها أنَّها تكون في ضمان المشتري. (4/140)
صفحة 1134
واختلف السلف هل يكفي بُدُوُّ الصلاح في جنس الثمار حتَّى لو بدا الصلاحُ في بستان من البلد مثلاً جاز بيعُ جميع البساتين، أو لاَ بُدَّ من بدُوِّ الصلاح في كُلِّ بستان على حدة، أو لاَ بُدَّ من بدو الصلاح في كُلِّ جنس على حدة، وفي كُلِّ شجرة على حدة، أقوالٌ أربعةٌ، وظاهر المذهب القول الثالث، وعليه العمل، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن المساومة
ما جاء في النهي عن المساومة ليس في المزايدة، هي البيع بالنداء، لحديث أنس عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وحسَّنه أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم باع قدحًا وحِلسًا فيمن يزيد.
<3/165> قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث روى الشيخان وأحمد معناه من حديث أبي هريرة وابن عمر.
قوله: «لا يساوم أحدكم على سوم أخيه»: صورة ذلك أن يأخذ شيئًا ليشتريه فيقول للمشتري ردَّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استردَّه لأشتريه منك بأكثر، وإنَّما يمنع من ذلك بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إِلىَ الآخر، فإن كان تصريحًا فقيل: لا خلاف في تحريمه، وإن كان ظاهراً ففيه وجهان. وقال ابن حزم: لفظ الحديث لا يدلُّ على اشتراط الركون. وتُعقِّب بأنَّه لاَ بُدَّ من أمر مبيِّن لموضع التحريم في السوم، لأنَّ السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتِّفَاقًا، فتعيَّن أنَّ السوم الْمُحَرَّم ما وقع فيه قدرٌ زائد عن ذلك.
واشترط بعض الشَّافِعِيَّة في التحريم أن لا يكون المشتري مغبونا غبنا فاحشًا وإلاَّ جاز البيع على البيع، والسوم على السوم لحديث: «الدين النصيحة»، وأجيب بأنَّ النصيحة لا تنحصر في البيع على البيع والسوم على السوم، لأنَّه يمكن أن يعرِّفه قيمتها كذا، فيجمع بذلك بين المصلحتين. (4/141)
صفحة 1135
والمراد بالأخ في الحديث الأخ في الدِّين وَهُوَ المسلم، أمَّا المشرك فقيل: يجوز السوم على سومه لمفهوم الحديث، وقيل: لا يجوز، وَأَنَّ ذكر الأخ لا مفهوم له، لأنَّه خرج مخرج الغائب، فلا يفيد التقييد عند هؤلاء، ونُسب إِلىَ جمهور قومنا. قال الأبيُّ من قومنا: النكاح إذا كان الأوَّل فاسقا تجوز الخطبة على خطبته. قال ابن عرفة: وكذا عندي في السوم إذا كان كسب الأوَّل حراما جاز السوم على سومه.
ثمَّ اختلفوا في صحَّة البيع الواقع على هذا النهي، فذهب الجمهور إِلىَ صحَّته مع الإثم، وذهبت المالكيَّة والحنابلة إِلىَ فساده، والخلاف يرجع إِلىَ ما تقرَّر في الأصول: هل النهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه أم لا؟ والله أعلم.
<3/166> قوله: «وعن أبي سعيد الخدري»: أيضًا يعني السند الْمُتَقَدِّم، وكان الواجب ذكر هذا الحديث بعد حديث أنس في النهي عن بيع الثمار حتَّى تزهو، وإنَّما أخَّره ليذكره على الوجه الذي ذكره الربيع رحمة الله عليه، فَإِنَّهُ رواه كذلك، فذكر السند أوَّلاً إِلىَ أبي سعيد، ثمَّ عطف عليه حديثيه الآخرين، فهي ثلاثة أحاديث بعضها يتبع بعضا، كلُّها من رواية أبي سعيد، فرأى المرتِّب أنَّ إبقاء الأحاديث على حالها الأوَّل في راوية المصنِّف أولى من ضمِّ كُلِّ واحد مع مناسبه حكماً. والحديث رواه الجماعة إِلاَّ الترمذيُّ من حديث ابن عمر.
قوله: «نهى عن بيع الثمار»: أي نهي تحريم، والثمار: جمع ثمرة، وهي أَعَمُّ من ثمرة النخل، فيدخل جميع الأشجار. (4/142)
صفحة 1136
قوله: «حتَّى يبدو صلاحها»: أي حتَّى يظهر ذلك، وفسَّر بعضهم صلاحها بحمرتها وصفرتها. وفي رواية لمسلم: «ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته». وفي رواية عند الجماعة إِلاَّ البخاري وابن ماجه: «نهى عن بيع النخل حتَّى تزهو، وعن بيع السنبل حتَّى يبيضَّ ويأمن العاهة». وعن الخمسة إِلاَّ النسائي: «عن أنس أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتَّى يسودَّ وعن بيع الحبِّ حتَّى يشتدَّ».
قوله: «والنهي واقع على البائع والمشتري»: أمَّا البائع فلئلاَّ يأكل مال أخيه بالباطل، وأمَّا المشتري فلئلاَّ يضيِّع ماله ويساعد البائع على الباطل. وظاهر العبارة أنَّ هذا الكلام من أبي سعيد تأويلٌ لمعنى الحديث. ورواية ابن عمر عند الجماعة إِلاَّ الترمذي تدلُّ على رفعه. والحديث يدلُّ على منع بيع الثمار قبل بدوِّ <3/167> صلاحها، وحمله بعضهم على بيعها بشرط الإبقاء، أو إحالة كونها غير منتفع بها، قال: ويجوز البيع قبل الصلاح بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفعا بِهِ، كالحصرم إجماعا، فإن كان على التبقية مُنِع إجماعا، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن النَّجْشِ
إنَّ ما جاء في النهي عن النجش قد ذكر فيه حديثان: أحدهما حديث أبي سعيد، والثاني حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا الحديث.
قوله: «عن أبي سعيد الخدريِّ»: معطوف على ما قبله، وهي ثلاثة أحاديث من طريق واحد بسند واحد، والحديث رواه مالك في الموطَّأ والشيخان وأحمد، وَكُلُّهم من حديث ابن عمر.
قوله: «نهى عن النَّجش»: بفتح النون وسكون الجيم وفتحها وبالشين المعجمة، وَهُوَ في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليُصاد، يقال: نجشتُ <3/168> الصيد أنْجُشُه بالضم نجشًا.
وفي الشرع: الزيادة في ثمن السلعة مِمَّن لا يريد شراءها ليقع غيرُه فيها، سمِّي بذلك لأنَّ الناجش يثير الرغبة في السلعة فحصلت المناسبة. (4/143)
صفحة 1137
قال الربيع: الناجش الذي يزيد في السلعة وَهُوَ لا يشتريها، أي لا يريد شراءها. وقال مالك: النجش أن تعطيه بسلعته أكثر من ثمنها، وليس في نفسك اشتراؤها، فيقتدي بك غيرك، والأوَّل تفسير الجمهور، وَهُوَ أَعَمُّ من تفسير مالك. وقال ابن قتيبة: النجش: الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد: ناجش، لأنَّه يَخْتِل الصيد ويحتال له. وقال الشافعيُّ: النجش أن يحضر السلعة تباع فيغلي بها الشيء وَهُوَ لا يريد شراءها ليقتدي بِهِ السُّوام فيعطون بها أكثر مِمَّا كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختصُّ بالإثم الناجش، وقد يَخْتَصُّ بِهِ البائع كمن يخبر بأنَّه اشترى سلعةً بأكثر مِمَّا اشتراها بِهِ ليغرَّ غيره بذلك، ويقع ذلك بمواطأة البائع والمشتري، فيشتركان في الإثم. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنَّ الناجش عاصٍ بفعله. واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، وفي أثر أصحابنا: البيع ثابت والناجش عاصٍ، وَهُوَ قول الحَنَفِيَّة، وَهُوَ الصحيح عند الْمَالِكِيَّة، وأحبَّ بعض أصحابنا أن يكون للمشتري الخيار، وَهُوَ المشهور عند المالكيَّة قياسا على الْمُصَرَّاة، وقال في الإيضاح: إن كان صاحب الشيء هو الناجش فالمشتري بالخيار، وإن كان غيرَه فلا يكون عليه حجَّة، وعليه التوبة من ذلك والانتصال. ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك، وَهُوَ قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وَهُوَ المشهور عند الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع وصنعته أو فعله، والله أعلم .
<3/169> ما جاء في النهي أن يبيع حاضرٌ لِبَادٍ وأن يصرُّوا الإبلَ والغنمَ
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث بتمامه على هذا الحال لم أجده لغيره، وكأنَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ، وَهُوَ في كتب الحديث مفرَّقٌ قطعا. (4/144)
صفحة 1138
قوله: «لا تناجشوا»: بفتح المثنَّاة الفوقية فَنونٌ فألفٌ فجيمٌ مفتوحةٌ فشينٌ معجمةٌ: أي لا تزايدوا في السلع من غير قصدٍ للشراء، فإنَّ ذلك مِمَّا يورث الضغائن، ويثير الحقد، ويثمر التباغض والتقاطع، فلهذه المفسدة العظيمة نهى الشارع <3/170> عنه، لأنَّه صلى الله عليه وسلم بُعث رحمةً للعالمين، والافتراق عذاب، فنهى عن أسبابه. وقد مرَّ الكلام على النجش في بابه.
قوله: «ولا تتلقَّوا الركبان»: وهم الجماعة من أصحاب الإبل في السفر، والتقييد بذلك، فخرج مخرج الغالب، لأنَّ العادة فيمن يجلب الطعام أن يكونوا عددا ركبانا، ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددا مشاةً أو واحدا راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم.
وقوله: «للبيع»: يتناول البيع لهم والبيع منهم، وقد تقدَّم الكلام في حكم ذلك في أوَّل الباب.
قوله: «ولا يَبِعْ حاضر لِبَادٍ»: الحاضر صاحب الحضارة، وهي العمران من الأرض، والبادي صاحب البادية. وإنَّما نهى عن ذلك لأنَّ الحضريَّ يتحكَّم على الناس بمال غيره ويتربَّص بِهِ، والبادي يبيع بما يرزق الله. والمقصود الإرفاق بأهل الحضر، وقد قال عليه السلام: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، رواه الجماعة إِلاَّ البخاري من حديث جابر بن عبد الله في معنى حديث الباب. وقال ابن سيرين: لقيت أنس بن مالك فقلت: لا يبيع حاضر لبادٍ، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم، قال محمَّد: وصدق إنَّها كلمة جامعة، أي لا يبيع <3/171> له شيئًا ولا يبتاع له شيئا، وظاهر النهي الإطلاق. وَقِيلَ: إِنَّمَا يحرم إذا كان بأجر، وأمَّا إذا كان بغير أجر فلا، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة». (4/145)
صفحة 1139
وتعقَّبه المحشِّي بأنَّه عامٌّ وحديث الباب خاصٌّ، والخاصُّ يقضي على العامِّ، واستظهر المحشِّي جواز أن يُعان حضريٌّ على بدويٍّ، قال: وانظر الغريب من أهل القرار إذا قدم بسلعة على بلد هل هو مثل البدويِّ فتحرم إعانته، أو مثل الحضريِّ نظراً إِلىَ كونه من أهل القرار فلا تحرم إعانته؟ قال: وَهُوَ المتبادر من قول صاحب الإيضاح، وَهُوَ مذهب مالك وَالحَنَفِيَّة.
قال: واختلفوا هل تجوز الإشارة إِلىَ البدويِّ بالبيع أو عدمه؟ فمن جعل الإشارة بمنزلة البيع منعها، ومن تمسَّك بظاهر لفظ البيع أجازها، قال: والظاهر المنع، لأنَّ المقصود من النهي الرفق بأهل الحضر، والله أعلم. (4/146)
صفحة 1140
قوله: «ولا تُصَرُّوا»: بضمِّ أوَّله وفتح الصاد المهملة وضمِّ الراء المشدَّدة على وزن تُزكُّوا، من صرَّيت اللبن في الضرع إذا جمعته، وظنَّ بعضهم أنَّه من صررتُ فقيَّده بفتح أوَّله وضمِّ ثانيه، قال في الفتح: والأوَّل أصحُّ، قال: لأنَّه لو كان مِن صررت لقيل: مصرورة أو مصرَّرة، لا مصرَّاة، على أنَّه قد سُمع الأمران في كلام العرب، ثمَّ قال: وضبطه بعضهم بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه بغير واو على البناء للمجهول، والمشهور الأَوَّل. وفسَّر المصنِّف ذلك بقوله: أي لا تحولوا بين <3/172> الشاة وولدها وتتركوا اللبن في ضرعها حتَّى يعظم، فيظنَّ المشتري كذلك هي. وقال الشافعيُّ: التصرية هي ربط أخلاف الشاة والناقة وترك حلبها حتَّى يجتمع لبنها فيكثر، فيظنَّ المشتري أنَّ ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لِمَا يرى من كثرة لبنها. وأصل التصرية حبس الماء، يقال منه: صرَّيت الماء إذا حبسته. قال أبو عبيدة: وأكثر أهل اللغة التصرية حبس اللبن في الضرع حتَّى يجتمع، وإنَّما اقتصر على ذكر الإبل والغنم دون البقر لأنَّ غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم، والحكم واحد خلافا لداود. وظاهر النهي تحريم التصرية، سواءٌ قُصد التدليس أم لا، وبه جزم بعضٌ. واختلفوا في علَّة ذلك، فقيل: نهى عنه لئلاَّ يؤذي الحيوان، وَقِيلَ: لئلاَّ يُغرَّ المشتري بالتدليس عليه، وَهُوَ ظاهر كلام المصنِّف رضي الله عنه، وعليه الأكثر. ووقع عند النسائي: «لا تُصرُّوا الإبل والغنم للبيع». (4/147)
صفحة 1141
وأجيب عن التعليل بالإذاء بأنَّه ضررٌ يسير لا يستمرُّ فيُغتفر لتحصيل المنفعة. وزاد الشيخان وأحمد في حديث الباب: «فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّها وصاعا من تمر». واستُدلَّ بهذه الزيادة على صحَّة بيع المصرَّاة مع ثبوت الخيار للمشتري وردِّ الصاع من التمر في مقابلة ما أخذ من لبنها لِمَا في البخاري وأبي داود: «من اشترى غنمًا مصرَّاة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر». وقد أخذ بظاهر الحديث الجمهور، وأفتى بِهِ ابن مسعود وأبو هريرة. وخالف في ذلك آخرون، فقالت الحَنَفِيَّة: لا يُرد بعيب التصرية ولا يجب ردُّ الصاع من التمر، وتكلَّفوا <3/173> الطعن في الحديث، وخالفهم زُفر فقال بقول الجمهور إِلاَّ أنَّه قال: مخيَّرٌ بين صاع من تمر أو نصف صاع من بُرٍّ، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية، إِلاَّ أَنَّهُمَا قالا: لا يَتَعَيَّنُ صاع التمر بل قيمته. وفي رواية عن مالك وبعض الشافعيَّة كذلك، ولكن قالوا: يَتَعَيَّنُ قوت البلد قياسا على زكاة الفطر، وقال قوم: الواجب ردُّ اللبن إن كان باقيا، وإن كان تالفا فمثله، وإن لم يوجد المثلُ فالقيمة، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن الاحتكار وعن سلف جرَّ منفعةً وعن بيع ما ليس عندك
قوله: «بلغني»: الحديث ثبتت معانيه عند أرباب السنن من طرق، نشير إِلىَ ذكر بعضها في موضع الاستدلال على أحكام الباب.
قوله: «نهى عن الاحتكار»: بكسر الهمزة، وَهُوَ أن يشتري الرجل <3/174> الطعام للتجارة في وقت رخصه فيرفعه إِلىَ وقت غلائه في البلدة التي اشتراه فيها، والنهي واقع على المقيمين دون المسافرين، لأنَّ ذلك من المسافر تجارة ونفع، يرفعه من بلدة إِلىَ بلدة، وكذلك لا حُكْرة فيمن ادَّخر غلَّةَ مالِه ولو انتظر بِهِ الغلاء، وكذلك من احتكر غير الطعام فإنَّه لا بأس عليه فيما قيل. (4/148)
صفحة 1142
وظاهر الأحاديث تحريم الاحتكار من غير فرق بين قوت الآدميِّ والدوابِّ وبين غيره، والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقيَّة الروايات المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق، وذلك لأنَّ نفي الحكم عن غير الطعام إِنَّمَا هو لمفهوم اللقب، وَهُوَ غير معمول بِهِ عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد. ثمَّ اختلفوا في الطعام الذي يجري فيه الاحتكار، فقيل: هو الحبوب الستَّة التي تخرج منها الزكاة دون غيرها من الأدهان والقَطانيِّ وغيرهما، وقيل : هو البُرُّ والشعير خَاصَّةً، وَقِيلَ: إذا أخذ الناس حاجتهم من الطعام فما بقي بعد حاجتهم لا بأس على من اشتراه ينتظر بِهِ الغلاء، وإنَّه لا يكون بذلك محتكرًا، وَهُوَ الأشبه عند صاحب الإيضاح، وإليه مال المحشِّي، وقال بعض قومنا: أمَّا إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبةً في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فينبغي أن لا يُكره، بل يُستحبُّ. وقيل: لا خلاف أنَّ ما يدَّخره الإنسان من قوتٍ وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس بِهِ، لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم كان يعطي كُلَّ واحدة من زوجاته مائة وسق <3/175> من خيبر. والنهي عن الاحتكار للتحريم، قال في الإيضاح: وَهُوَ أشدُّ هذه المناهي لقوله عليه السلام: «المحتكر ينتظر اللعنة». (4/149)
صفحة 1143
قلت: وقد ورد في ذمِّ الاحتكار أحاديث، منها عند أحمد ومسلم وأبي داود عن سعيد بن المسيَّب عن معمر بن عبد الله العدويِّ أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحتكر إِلاَّ خاطئ»، ومنها حديث معْقِل بن يسار عند أحمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغليهُ عليهم كان حَقًّا على الله أن يُقعده بعظمٍ من النَّار يوم القيامة». ومنها حديث أبي هريرة عند أحمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من احتكر حُكْرة يريد أن يُغلي بها على المسلمين فهو خاطئ». ومنها حديث عمر عند ابن ماجه قال: سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس». (4/150)
صفحة 1144
قوله: «وعن سلَفٍ جرَّ منفعةً»: أي منفعة دُنيَوِيَّة، كأكل وخدمة وقضاء حاجة وعطيَّة ونحو ذلك. والمراد بالسلف هنا القرض، فإنَّ السلف اسم يطلق على معانٍ منها القرض، والذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر <3/176> والشكر، وَهُوَ عملٌ من أعمال البرِّ، ولا يجوز أخذ النفع العاجل على شيء من أعمال الآخرة، قال بعض الشرَّاح: أخرج البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ: «كُلُّ قرض جرَّ منفعةً فهو وجه من وجوه الربا»، قال: ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبيِّ بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عبَّاس موقوفا عليهم، قال: ورواه الحارث بن أبي أسامة من حديث عليٍّ بلفظ: أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جرَّ منفعةً. وفي رواية: «كلُّ قرض جرَّ منفعةً فهو ربا»، قال: وفي إسناده سوَّار بن مصعب، وَهُوَ متروك. ثمَّ إن ظاهر قوله: «جرَّ منفعة» أنَّ النهي واقعٌ على ما جرَّه القرض من النفع، فلو جرى بينهما قبل القرض انتفاعٌ جاز إذا لم يكن لأجل القرض، ثمَّ إِنَّ الزيادة عند القضاء من غير شرط ولا قصد إليه ولا عادة بين الناس في ذلك جائزة من غير فرق بين الزيادة في الصِّفة والمقدار القليل والكثير، وهو قول الجمهور، وعن الْمَالِكِيَّة إن كانت الزيادة بالعدد لم يجز، وإن كانت بالوصف جازت، ويردُّ عليهم حديث جابر قال: أتيت النبيء صلى الله عليه وسلم: «وكان لي عليه دَينٌ فقضاني وزادني»، رواه الشيخان وأحمد، وذلك أنَّ الظاهر أنَّ الزيادة كانت في العدد ، وقد ثبت في رواية للبخاري أنَّ الزيادة كانت قيراطا.
قوله: «وعن بيع ما ليس عندك»: سببه ما روى الخمسة عن حكيم بن حزام قال قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثمَّ أبتاعه من السوق، فقال: «لا تبعْ ما ليس عندك»، قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: (4/151)
صفحة 1145
أحدهما أن يقول: أبيعك عبدًا أوْ دارًا مُعَيَّنةً وهي غائبة، فيشبه بيع الغرَرِ لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها.
ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلِّمها لك صاحبها. قال ابن حجر: وقصَّة حكيم موافقة للثاني، والله أعلم.
<3/177> ما جاء في النهي عن بيع وسلف
قوله: «نهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف»: وتفسير ذلك أن يستسلف من رجل على أن يشتري منه، أي يقترض منه دراهم على شرط الشراء منه، والظاهر أنَّ هذا التفسير كان من جابر رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون من أبي عبيدة أو من الربيع. وفسَّره في الإيضاح بأنَّ يقول الرجل لصاحبه: أبيع لك السلعة بكذا وكذا درهما على أن تسلفني كذا وكذا، وعلَّل ذلك بأنَّه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقلَّ من ثمنها لأجل القرض، قال: وكذلك إن قال له: أسلفك كذا وكذا على أن تشتري منِّي هذه السلعة، فَكُلُّه سواءٌ لا يجوز، لأنَّه لا يؤمن في هذا الوجه أن يكون باعه السلعة بأكثر من ثمنها لأجل القرض. وقال أحمد: هو أن يقرضه قرضًا ثمَّ يبايعه عليه بيعًا يزداد عليه، وَهُوَ فاسدٌ، لأنَّه إِنَّمَا يقرضه على أن يحابيه في الثمن. (4/152)
صفحة 1146
قلت: وهذا كلُّه إِنَّمَا يكون على تفسير الاستلاف في الحديث بالاقتراض كما هو ظاهر تفسير الراوي. ويحتمل أنَّ المراد بالاستلاف ظاهره، وذلك أن يسلفه دينارا في قفيز حنطة إِلىَ شهر فلمَّا حلَّ الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علي إِلىَ شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعا وسلفا، أو يقول: أبيعك عبدي هذا بألف على أن تسلفني مائة في كذا وكذا، ويسلم إليه في شيء فيقول: إن لم <3/178> يتهيَّأ المسلم فيه فهو بيع لك، وقيل: صورة البيع والسلف أن يريد الشخص أن يشتري السلعة بأكثر من ثمنها لأجل النَّسأ، وعنده أنَّ ذلك لا يجوز فيحتال فيستقرضه الثمن من البائع ليعجِّله إليه حيلة. والتفسير الأوَّل راجع إِلىَ القرض الذي جرَّ منفعة، وقد تقدَّم الكلام عليه، والله أعلم .
ما جاء في النهي عن كراء الأرض (4/153)
صفحة 1147
قوله: «نهى عن كراء الأرض»: قيل: النهي للتحريم، وَقِيلَ: للتنزيه، وَقِيلَ: محمول على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها مُعَيَّنَة. وأخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خديج قال: «كنَّا أكثر الأنصار حقلاً فكنَّا نكري الأرض على أنَّ لنا هذه ولهم هذه، فربَّما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأمَّا الورِقُ فلمَّا ينهنا»، وفي لفظ للبخاري: «كنَّا أكثر أهل الأرض مزروعا، كنَّا نكري الأرض بالناحية منها تُسمى لسيِّد الأرض <3/179> فَرُبَّمَا يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربَّما تصاب الأرض ويسدُّ ذلك فنهينا، فأمَّا الذهب والورِق فلم يكن يومئذ». وفي لفظ: أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إِلىَ رافع فسأله، فقال: نهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمت أنَّا كنَّا نكري مزارعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الأربعاء وبشيء من التبن، والأربعاء جمع ربيع، وَهُوَ النهر الصغير، وحاصله أنَّه ينكر على رافع إطلاقه في النهي عن كراء الأراضي. وقد اختلف الناس في كراء الأرض فقال طاوس وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، لا بجزء من الثمر والطعام، ولا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك ، وهؤلاء تمسكوا بظاهر النهي. وقال الأكثر: يجوز كراء الأرض بِكُلِّ ما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات من الذهب وَالفِضَّة والعروض والطعام سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره، لا بجزء من الخارج أو الخارج منها، وقيل: يجوز أيضًا بجزءٍ من الثمر أو الزرع، وقيل: يجوز بغير الطعام والثمر لا بهما، لئلاَّ يصير من بيع الطعام بالطعام. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على جواز كراء الأرض بالذهب وَالفِضَّة. ونقل غيرُه اتِّفاق فقهاء الأمصار عليه، والله أعلم.
<3/180> ما جاء في النَّهْيِ عن الْمُزابَنَة والْمُحَاقَلَة (4/154)
صفحة 1148
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطَّأ والبخاري ومسلم، وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد الله وابن عمر وأبي هريرة ورافع بن خديج.
قوله: «عن الْمُزَابَنَة»: بضمِّ الميم وفتح الزاي والموحَّدة، قال أبو سعيد الخدري: فالمزابنة بيع التمر بالتمر على رؤوس النخل، وقال ابن عمر: المزابنة بيع التمر بالتمر كيلاً وبيع العنب بالزبيب كيلاً، قال ابن عبد البرِّ: هذا التفسير إمَّا مرفوع أو من قول الصحابي الراوي فيسلم له لأَنَّهُ أعلم بِهِ، قيل: وإنما سمِّي بذلك لأنَّ المغبون يريد فسخ البيع والغابن لا يريد فسخه فيتزابنان عليه أي <3/181> يتدافعان، وأصل المزابنة مفاعلة من الزَّبْن وَهُوَ الدفع الشديد، ومنه الزَّبانية ملائكة النَّار، لأَنَّهُم يزبنون الكفرة أي يدفعونهم، ويقال للحرب: زبون لأَنَّهَا تدفع أبناءها للموت، وناقة زبون إذا كانت تدفع حالبها عن الحلْبِ.
قوله: « والمحاقلة»: بضمِّ الميم فحاءٌ مهملةٌ فألفٌ فقاف، مفاعلة، من الحقل، وَهُوَ الحرث. وقال بعض اللغويين: اسم للزرع في الأرض وللأرض التي يزرع فيها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: ما تصنعون بمحاقلكم؟ أي بمزارعكم؟ قال أبو سعيد الخدري: والمحاقلة كراء الأرض، زاد في رواية مالك بالحنطة، وتفسيرها بذلك يجيء على أنَّ الحقل الأرض التي تزرع كخَبَرِ: «ما تصنعون بمحاقلكم؟» أي بمزارعكم، ومنه المثل: «لا تنبت البقلة إِلاَّ الحقلة»، وهذا التفسير إما مرفوع أو من قول أبي سعيد فيسلم له لأَنَّهُ أعلم بِهِ ، وبه فسَّرها صاحب الإيضاح في كتاب الإجارات، وقال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبُرِّ مأخوذ من الحقل، وقال الليث: المحقل الزرع إذا تشعَّب من قبل أن تغلظ سوقه، والمنهيُّ عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وَقِيلَ: بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، وَقِيلَ: بيع ما في رؤوس النخل بالتمر، والله أعلم. (4/155)
صفحة 1149
<3/182> ما جاء في النَّهْي عن إضاعةِ المالِ
قوله: « نهى عن قيل وقال»: قال أبو عبيدة: هو المزاح والخنا، وَقِيلَ: المعنى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نهى عن فضول ما يَتَحَدَّثُ بِهِ المتجالسون من قولهم: قيل كذا وقال: كذا. وبناؤهما على كونهما فعلين ماضيين متضمِّنين للضمير، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء في كونهما خلوين من الضمير وإدخال حرف التعريف عليهما في قولهم: القيل والقال. وقيل: القال الابتداء، والقيل الجواب، وهذا إِنَّمَا يصحُّ إذا كانت الرواية «قيل وقال» على أَنَّهُمَا فعلان فيكون النهي عن القول بما لا يَصِحُّ ولا تعلم حقيقته، وَهُوَ كحديثه الآخر: بئس مطية الرجل زعموا، فَأَمَّا من حكى ما يصحُّ ويعرف حقيقته وأسنده إِلىَ ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه ولا ذنب. وقال أبو عبيد: فيه نحوٌ وعربيَّة، وذلك لأَنَّهُ جعل القال مصدرا، كَأَنَّهُ قال: نهى عن قيل وقول، يقال: قلت قولا وقيلا وقالا، وهذا التأويل على أَنَّهُمَا اسمان، وَقِيلَ: أراد النهي عن كثرة الكلام مبتدئا ومجيبا، وقيل: أراد بِهِ حكاية أقوال الناس والبحث عَمَّا لا يجدي عليه خيرًا، ولا يعنيه أمره. (4/156)
صفحة 1150
قوله: «وعن تضييع المال»: فَسَّرَه أبو عبيدة رضي الله عنه بقوله: هو <3/183> أن لا يقف الرجل على نفسه في البيع والشراء، ولا يحوط ماله من الضيعة. وَمَعنى قوله:« يقف على نفسه»، أي لا يخدم نفسه في ذلك، بل يهمله ويتركه إِلىَ من لا يصلحه. وَمَعنى قوله: «يَحوط ماله» أي يكلؤه ويرعاه ويحفظه من الضياع، وفسَّره غيره بالإنفاق في غير طاعة الله والإسراف والتبذير، وَقِيلَ: تضييعه وضعه في غير أهله، وَقِيلَ: إنفاقه في الحرام، وَقِيلَ: إهماله حتَّى إِنَّهُ لا يحوطه ولا يحفظه، وجميع الأقوال أنواع للضياع، وهي داخلة تحت النهي، ولا ينحصر النهي في بعض أنواع الضياع دون بعض، فيشبه أن تكون الأقوال تمثيلا للضياع لا تقييدا للنهي بذلك، ويدخل تحت النهي بيع الرجل مالَه بالبخس بما لا يتغابن فيه الناس، فإن فعل فقيل: لا يجوز في ماله ولا في مال غيره، وَقِيلَ: جائز على نفسه وعلى موكِّله إذا لم يحابِ، وَقِيلَ: جائز وإن حابى ويَضمنُ ما غبن لصاحبه، وَأَمَّا ما يتغابن فيه الناس فَإِنَّهُ جائز، سواءً كان الشيء له أو لموكِّل، واستظهر المحشِّي أَنَّهُ إذا كان لغيره وحابى يضمن النقص ولو قدر ما يتغابن فيه الناس، والله أعلم.
باب بيع الخِيار وبيع الشرط
أَمَّا الخِيار بكسر المعجمة فاسم من الاختيار، وَهُوَ طلب خير الأمرين من إمضائه البيع أو ردِّه، ويطلق في البيوع على أنواع:
منها خيار الشرط، وَهُوَ أن يشترط أحد المتعاقدين الخيار ثلاثة أَيَّام أو أقلَّ أو أكثر.
ومنها خيار الرؤية، وَهُوَ أن يشتري ما لم يره ويردُّه بخياره.
ومنها خيار التعيين، وَهُوَ أن يشتري أحد الثوبين بعشرة على أن يعيِّن أيًّا شاء.
ومنها خيار العيب، وَهُوَ أن يختار ردَّ المبيع إِلىَ بائعه بالعيب.
ومنه خيار المجلس عند من أثبته تمسُّكًا بحديث الباب، وَهُوَ أن يكون لِكُلِّ واحدٍ من المتبايعين الخيارُ ما لم يفترقا من مكانهما. (4/157)
صفحة 1151
<3/184> وَأَمَّا الشرط فهو تعليق شيء بشيء بحيث إذا وُجد الأوَّل وُجد الثاني، وقيل: الشرط ما يتوقَّف عليه وجود الشيء ويكون خارجا عن ماهيته ولا يكون مؤثرا في وجوده، وقيل: الشرط ما يتوقَّف ثبوت الحكم عليه، وَهُوَ في أصل اللغة عبارة عن العلامة، ومنه أشراط الساعة، والله أعلم.
ما جاء في الخيار في البيع
قوله: « عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الشيخان وأحمد من حديث حكيم بن حزام، ولهم معناه أيضًا من حديث ابن عمر.
<3/185> قوله: « البيِّعان»: بتشديد التحتانية، يعني البائع والمشتري، البيِّعُ هو البائع أطلق على المشتري على سبيل التغليب، أو لأنَّ كُلَّ واحد من اللفظين يطلق على الآخر كما سلف. (4/158)
صفحة 1152
قوله: « بالخيار»: بكسر الخاء المعجمة، أي كلُّ واحد محكوم له بالخيار ما لم يفترقا. قال الربيع قال أبو عبيدة: «الافتراق بالصفقة» أي يبيع هذا ويشتري هذا، وذلك أنَّ المتبايعَيْن يجعل كلُّ واحد منهما يده في يد الآخر عند العقد، فإذا تَمَّت الصفقة افترقا: أي افترقت أيديهما، فما دامت أيديهما لم تفترق بعضها من بعض فهما بالخيار، فإذا افترقا وجب البيع. وقد قالت الْمَالِكِيَّة إِلاَّ ابن حبيب وَالحَنَفِيَّة كلُّهم وابراهيم النخعي: إذا وجبت الصفقة فلا خيار. وحُكي هذا القول عن الثوري والليث والإماميَّة وزيد بن علي والقاسمية والعنبري، ولهم على التأويل حجج، منها قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 283] فَإِنَّهُ لو كان المراد التفرُّق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرُّق لم يصادف محلاًّ. ومنها قوله تعالى: {تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ} [النساء: 29] فَإِنَّهَا تدلُّ على أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الرضى يتمُّ البيع. ومنها قوله <3/186> تعالى: {أَوْفُواْ بِالعُقُودِ} [المائدة: 1]، والراجع عن موجب العقد قبل التفرُّق لم يفِ بِهِ. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «المسلمون على شروطهم» والخيار بعد العقد يفسد الشرط. ومنها حديث التخالف عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إِلىَ اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيا في رفع العقد.
وقال آخرون: إنَّ المراد التفرُّق بالأبدان، فما داما في المجلس فلهما الخيار حتَّى يفترقا، ثمَّ اختلف هؤلاء، فمنهم من قال إِنَّهُ محمول على الاستحباب تحسينا لمعاملة المسلم مع المسلم، ومقتضى هذا القول أَنَّهُ لا يحكم بذلك عليهما، وَإِنَّمَا يحرَّضان عليه في باب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم. (4/159)
صفحة 1153
ومنهم من قال بوجوب الخيار ما داما في المجلس، فأثبتوا بذلك خيار المجلس، وعليه الأكثر من قومنا فيما يظهر من كلامهم. قال أبو عبيدة رضي الله عنه: أرأيت إن لم يفترقا يومين أو ثلاثة أَيَّام أو أكثر فلا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن شرطين في بيع
<3/187> قوله: «نهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع»: وهذا النهي للتحريم لحديث عبد الله بن عمر عند الخمسة إِلاَّ ابن ماجه أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: « لا يحلُّ سلف وبيع ولا شرطان في بيع». وتفسير ذلك عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أن يبيع الرجل الغلام بثمن معلوم على أن يبيع له الآخر غلاما بثمن معلوم أو بثمن يَتَّفِقان عليه، وهذا تمثيل للمعنى ببعض صوره، وَإِلاَّ فالغلام وغيره من الأموال سواءٌ، ومعنى قوله: «بثمن معلوم» أي عند الكلِّ. (4/160)
صفحة 1154
قوله: «أو بثمن يَتَّفِقان عليه»: أي من غير أن يعلم بِهِ غيرهما، وَإِنَّمَا اتَّفَقَا عليه فيما بينهما، وَإِنَّمَا كان هذا شرطين في بيع، لأنَّ البائع شرط في بيعه شيئين: أحدهما أن يبيعه المشتري غلامه، والثاني أن يبيعه إِيَّاهُ بثمن معلوم أو بثمن يَتَّفِقان عليه، فالبيع الأوَّل مشروط بهذين الشرطين. وفسَّره غيرُه بأن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقدًا أو بألفين نسيئةً، فهذا بيع واحدٌ تضمَّن شرطين يختلف المقصود فيه باختلافهما، ولا فرق بين شرطين وشروط، وهذا التفسير مرويٌّ عن زيد بن عليٍّ وأبي حنيفة. وَقِيلَ: معناه أن يقول: بعتك ثوبي بكذا وعليَّ قصارته وخياطته، فهذا فاسد عند أكثر العلماء، وقال أحمد: إِنَّهُ صحيح، وقد أخذ بظاهر الحديث بعضُ أهل العلم فقال: إنْ شرط في البيع شرطاً واحدًا صحَّ، وإن شرط شرطين وأكثر لم يصحَّ، فيصحُّ مثلاً أنْ يقول: بعتُك ثوبي وعليَّ أن أخيطه، ولا يصحُّ أن يقول: عليَّ أن أقصره وأخيطه، وقيل: لا فرق بين الشرط والشرطين، وَاتَّفَقُوا على فساد ما فيه شرطان فأكثر، والله أعلم.
<3/188> ما جاء فيما يصحُّ من الشرط في البيع وما لا يصحُّ (4/161)
صفحة 1155
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث أخرجه أرباب السنن مطوَّلاً عن جابر بن عبد الله، ولم يذكروا قوله : «في مَكَّة» وَإِنَّمَا ذكر بعضهم عنه أَنَّهُ كان في غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال جابر: فأبطأ بي جملي وأعيا، فأتى عليَّ النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: جابر! فقلت؛ نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ بي جملي وأعيا، <3/189> فتخلَّف فنزل يحْجُنه بمحْجَنه، ثمَّ قال: اركبْ، فركبتُ فرأيته أكفُّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ قال: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فاشتراه مِنِّي بأوقية، وفي رواية قال: ولحقني النبيء صلى الله عليه وسلم فدعاني وضربه فسار سيرًا لم يسرْ مثلَه، فقال: بعْنِيه، فقلت: لا، ثمَّ قال: بعْنِيه، فبعته واستثنيتُ حملانه إِلىَ أهلي، وفي رواية: وشرطتُ ظهره إِلىَ المدينة. فَهَذَا يدلُّ أنَّ البيع كان في الطريق، وَأَنَّهُ كان في غزاة غزاها مع النبيء صلى الله عليه وسلم، قال ابن حجر: ويُقال إنَّ الغزوة التي كان فيها هي غزوة ذات الرقاع، قلت: وهي إِنَّمَا كانت في السنة الرابعة من الهجرة، وحينئذٍ يشكل قول ابن عبَّاس عند الْمُصَنِّف: واشترط جابر ظهره من مكَّة إِلىَ المدينة، ويمكن أن يُقال: ثبت عند ابن عبَّاس أنَّ الغزوة التي وقع فيها ذلك هي غزوة الفتح مثلا، وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لحق جابرًا قد أبطأ بِهِ جملُه قبل أن يخرج من مكَّة فاشتراه منه هنالك، واشترط جابر ظهره إِلىَ المدينة، جمعًا بين الأحاديث.
قوله: «اشترى»: قيل: اشتراه بأوقية ، وَقِيلَ: بخمس أواق، وَقِيلَ: بأوقيتين ودرهم أو درهمين، وَقِيلَ: بأربعة دنانير، وَقِيلَ: بثمان مائة درهم، وَقِيلَ: بعشرين دينارًا، وفي كُلِّ واحدة من هذه الأقوال جاءت رواية، وَلاَ بُدَّ من الغلط في بعضها، وقد جمع بينها بما لا يخلو من تكلُّف. (4/162)
صفحة 1156
قوله: «ظهره»: أي الانتفاع بظهره، وفي رواية عن جابر عند الشيخين وأحمد: «فبعتُه واستثنيت حُملانَه إِلىَ أهلي». والحملان بضمِّ الحاء المهملة: أي الحمل عليه.
قوله: «من مَكَّة»: تقدَّم الكلام عليه اتِّفَاقًا.
5 قوله: «فأجاز النبيء صلى الله عليه وسلم البيع والشرط»: قال ابن عبَّاس: وَإِنَّمَا أجاز النبيء صلى الله عليه وسلم ذلك لأنَّ الشرط لم يكن في عقدة البيع، ومعناه أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم منح جابرًا ظهر الجمل بعد أن تَمَّ البيع، وَكَأَنَّهُ رضي الله عنه، يرى أنَّ الشرط مفسد <3/190> للبيع إذا وقع في العقد، ولهذا تأوَّل الحديث على هذا التأويل، وقد تبعه على ذلك بعض الناس، واستدلُّوا على أنَّ ركوبه إباحة من النبيء صلى الله عليه وسلم فقط بروايات لا نطيل بذكرها، وهي مع ذلك لا تنافي الاشتراط، وظاهر الحديث يقتضي ثبوت الشرط عند البيع، وَهُوَ يدلُّ على جواز البيع مع استثناء الركوب، وبه قال الجمهور، وجوَّزه مالك إذا كانت مسافة السفر قريبةً وحدَّها بثلاثة أَيَّام. (4/163)
صفحة 1157
وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك سواءً قلَّت المسافة أو كثرت، واحتجُّوا بحديث النهي عن بيع وشرط وحديث النهي عن الثُّنيا، وأجابوا عن حديث الباب بِأَنَّهُ قِصَّة عينٍ تدخلها الاحتمالات، ورُدَّ بأنَّ حديث النهي عن بيع وشرط مع ما فيه من المقال هو أَعَمُّ من حديث الباب مطلقًا فيُبنى العامُّ على الخاصِّ، وَأَمَّا حديث النهي عن الثُّنيا فإنَّ النهي عن ذلك مقيَّدٌ بجهالة المستثني، ففي حديث جابر عند النسائي والترمذي وصحَّحه أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثُّنيا إِلاَّ أن تُعلم، والثُّنيا بضمِّ المثلثة وسكون النون المراد بها الاستثناء في البيع، نحو أن يبيع الرجل شيئًا ويستثني بعضه، فإن كان الذي استثناه معلوما، نحو أن يستثني واحدة من الأشجار أو منزلا من المنازل أو موضعا معلوما من الأرض، صحَّ بالاتِّفاق، وإن كان مجهولاً، نحو أن يستثني شيئًا غير معلومٍ لم يصحَّ البيع، وقد قيل: إِنَّهُ يجوز أن يستثنى مجهول العين إذا ضرب لاختياره مُدَّةً معلومةً لأَنَّهُ بذلك صار كالمعلوم، وقيل: لا يَصِحُّ لما في الجهالة حال البيع من الغرر، وَهُوَ الظاهر لدخول هذه الصورة تحت عموم الحديث، وإخراجها محتاجٌ إِلىَ دليل، وَمجرَّد كون مدَّة الاختيار معلومةً وإن صار بِهِ على بصيرة في التعيين بعد ذلك لا يكفي دليلاً للإخراج، لأَنَّهُ لم يصر بِهِ على بصيرة حال العقد وَهُوَ المعتبر، والحكمة في النهي عن استثناء المجهول ما يتضمَّنه من الغرر مع الجهالة.
<3/191> قوله: «وكان تميم الداري»: نسبةً إِلىَ الدار بن هاني جدِّه الأعلى، وَهُوَ تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن خزيمة، وقيل: سواد بن خزيمة بن ذراع بن عديِّ بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم بن عديٍّ بن عمرو بن سبأ، قال ابن الأثير: كذا نسبه ابن مندة وأبو نعيم، يكنى أبا رقيَّة بابنته رقيَّة لم يولد له غيرُها. (4/164)
صفحة 1158
قال أبو عمرو: كان يسكن المدينة ثمَّ انتقل إِلىَ الشام بعد قتل عثمان، وكان نصرانيًّا فأسلم سنة تسعٍ من الهجرة، وكان كثير التهجُّد، قام ليلةً حتَّى أصبح بآية من القرآن فيركع ويسجد ويبكي وهي: {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ...} الآية [الجاثية: 21].
قوله: « واشترط سكناها»: قيل: مطلقا بمعنى أَنَّهُ لم يقيِّد السكنى بمُدَّة معلومة، وقيل: بل كانت المدَّة سنة.
قال ابن عبَّاس: فأبطل النبيء صلى الله عليه وسلم البيع والشرط لأنَّ الشرط كان في عقدة البيع، وقيل، يحتمل أن يكون إِنَّمَا أبطل ذلك لجهل مدَّة السكنى، وهذا الكلام يحتمل أن يكون من كلام ابن عبَّاس أيضًا، لأَنَّهُ كره بعد كلامه من غير فاصل، وَهُوَ الظاهر من حاله، وعليه فيكون ابن عبَّاس قد تردَّد في علَّة النقض: أهي الشرط في عقدة البيع أم الجهالة في مدَّة الثُّنيا؟ ويحتمل أن يكون من الراوي بعده ، وَهُوَ الذي يقتضيه كلام المحشِّي رحمة الله عليه.
وقيل: علَّة النقض منعُ المشتري من التصرُّف في ملكه، وتعقَّبه المحشِّي بِأَنَّهُ لم يمنعه من التصرُّف مطلقًا، وَإِنَّمَا منعه من الانتفاع بالسكنى سنةً فقط، فهو كمنع <3/192> الانتفاع بالركوب إِلىَ المدينة في حديث جابر، بل رُبَّمَا يقال: إنَّ هذه المدَّة أضبطُ في مدَّة الركوب لاختلافها باختلاف الطرق وبالاسراع والبطء. (4/165)
صفحة 1159
قلت: لعلَّ أرباب هذه العلَّة يمنعون ثبوت الشرط في البيع مطلقًا، لأَنَّهُ يمنع المشتري من مطلق التَّصَرُّف، وذلك مناف لحكمة البيع لأَنَّهُ إِنَّمَا شُرع لأجل المنفعة، والحاصل أَنَّهُم اختلفوا في العلَّة التي لأجلها أبطل النبيء صلى الله عليه وسلم البيع والشرط في دار تميم، فذهب كلُّ فريق منهم إِلىَ وجهٍ من الوجوه المتقدِّمة مع اعترافهم بوقوع الإبطال للبيع والشرط، فلا ينبغي لأحد أن يخالفه فيما شابهه من القضايا. وقد حكى الشيخ أبو نبهان رضي الله عنه فيمن باع دارًا واشترط على المشتري يسكنها ما دام حيًّا ثلاثة أقوالٍ: أحدها أَنَّهُ من البيوع المعلولة بالشرط، لأنَّ حياته مجهولة فإن أتماه صحَّ لهما، وإن نقضاه أو أحدهما انتقض. وثانيها: يثبت البيع ويبطل الشرط. وثالثها: إبطالهما جميعا، لأَنَّهُ من الحرام في أصله فيمنع من جواز فعله.
قلت: لَكِنَّ الحديث صريح في إبطاله، فلا معنى للقول بخلافه، والله أعلم.
ما جاء أنَّ اختلاف الجنسين شرطٌ في جواز البيع كيف شئنا (4/166)
صفحة 1160
<3/193> قوله: «إن اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»: وروى الدارقطني عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «ما وُزن مِثْلٌ بمثْلٍ إذا كان نوعا واحداً، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس بِهِ». وحديث الباب يدلُّ أنَّ علَّة الربا اتِّحاد الجنس، إِلاَّ أَنَّهُم اختلفوا في هذا الاتِّحاد على أقوال كثيرة، قال أبو اسحاق رحمه الله تعالى: ولعلَّ أصحابنا مختلفون في علل الربا كاختلاف قومنا، قال: وقد ذكر ابن بركة علل قومنا في الربا، ثمَّ قال: وعلى نحو هذا تختلف علماؤنا في البيوع. قال بعض قومنا: وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربويٍّ لا يشاركه في العلَّة متفاضلا أو مؤجَّلاً، كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفِضَّة بالشعير وغيره من المكيل، وَأَمَّا إذا كان الربويُّ يشارك مقابِله في العلَّة، فإن كان بيع الذهب بالفضَّة أو العكس فَإِنَّهُ يشترط التقابض إجماعًا، وإن كان في غير ذلك من الأجناس كبيع البُرِّ بالشعير أو بالتمر أو العكس فظاهر الحديث المنع، وإليه ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة وأصحابه وابن عليَّة: لا يشترط التقابض. وهل البرُّ والشعير جنسٌ واحد ؟ وَهُوَ المذهب، وقال مالك والليث والأوزاعيُّ ومعظم علماء المدينة، وَهُوَ المحكيُّ عن عمر وسعد وغيرهما من السلف، أم جنسان؟ وعليه الجمهور من قومنا، وتمسَّكوا بعطف أحدهما على الآخر كما في أحاديث الربا وأنَّ العطف يقتضي المغايرة، وتمسَّك الأَوَّلُونَ بقوله صلى الله عليه وسلم: «الطعام بالطعام مِثْلا بمثْلٍ» كما في حديث معمر بن عبد الله عند أحمد ومسلم. (4/167)
صفحة 1161
<3/194> قوله: «كيف شئتم»: هذا الإطلاق مقيَّد بما في حديث ابن عبَّاس وعُبادة وغيرهما من الأحاديث الآتية في باب الربا، فانَّ فيها اشتراط التقابض، فلا بدَّ في بيع بعض الربويَّات ببعضٍ من التقابض، ولاسيما في الصرف، وَهُوَ بيع الدراهم بالذهب وعكسه، فَإِنَّهُ مُتَّفَق على اشتراطه، وظاهر هذا الإطلاق والتفويض إِلىَ المشيئة أَنَّهُ يجوز بيع الذهب بالفضَّة والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربويَّة إذا بيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات غير صفة القبض، ويدخل في ذلك بيع الجُزاف وغيره.
قوله: «إِلاَّ ما نهيتكم عنه»: استثناء من التفويض إِلىَ المشيئة، والمستثنى ما تقدَّم من المناهي، كبيع الملامسة والمنابذة وحَبَلِ الحَبَلة والملاقيح والمضامين إِلىَ آخر المناهي وما سيأتي من أنواع الربا، فالإباحة إِنَّمَا تتوجه لغير المنهيِّ عنه، وللمناهي أحكامها، والله أعلم.
قوله: «وعنه أيضًا عليه السلام»: هذا الكلام من ابن عبَّاس أيضًا، وقد ساقه مساق الاحتجاج على جواز البيع كيف شئنا، وَأَنَّهُ لا يشترط اختلاف الجنسين إِلاَّ في النسئية، فَأَمَّا يداً بيدٍ فلا بأس، وإن كان أحد الشيئين أكثر من الآخر، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم ابتاع بعيرا ببعيرين، وأجاز بيع عبدٍ بعبدين، وذلك يدلُّ على جواز بيع الفضل في الأجناس المتَّحدة، فَإِنَّهُ وإن كان البعيرُ المشترى مَثَلاً يقاوم البعيرين في ثمنه، لَكِنَّ الفضل في الكثرة من نفس الجنس هي التي يمنعها قومنا ويسمُّونها بربى الفضل، وسيأتي للحديث مزيد شرح إن شاء الله تعالى في الباب الآتي، والله أعلم.
<3/195> ما جاء فيمن باع نخلاً قد أُبِّرَتْ
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلُّهم من حديث عبد الله بن عمر.
<3/196> قوله: «من باع نخلاً»: اسم جنس، يذكَّر ويؤنَّث، والجمع نخيل. (4/168)
صفحة 1162
قوله: «قد أُبِّرَتْ»: بضمِّ الهمزة وشدِّ الموحَّدة وتخفيفها، قيل: وَهُوَ المشهور، والتأبير التلقيح، وَهُوَ أن يشقَّ من طلع الإناث ويؤخذ من طلع الذكر فيجعل فيه، ليكون ذلك بإذن الله أجود مِمَّا لم يؤبَّر، وَهُوَ خاص بالنخل، وألحق بِهِ ما انعقد من ثمر غيرها. قيل: ولا يشترط في التأبير أن يؤبِّره أحد، بل لو تأبَّر بنفسه لم يختلف الحكم. وفيه جواز تذكير النخل، قال عياض: ولا خلاف فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: لا عليكم أن لا تفعلوا، فتركوا التذكير فنقصت الثمار، فقال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم، وما حدثتكم بِهِ عن الله فهو حقٌّ». (4/169)
صفحة 1163
قوله: «فثمرتها للبائع...» الخ: أي من باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبَّرة فإنَّ الثمرة لا تدخل في البيع، بل تستمرُّ على ملك البائع ما لم يشترطها المشتري، وَهُوَ قول الربيع وعبد الله بن عبد العزيز، وبه قال الجمهور من قومنا، قال بعض الشرَّاح: ويُترَك الثمر في النخل إِلىَ الجذاذ، ولكليهما السقي ما لم يضرَّ بالآخر. وقال أبو عباد من أصحابنا وابن أبي ليلى: هي للمشتري مطلقًا، وَهُوَ رواية عن <3/197> الربيع أيضًا، وعلَّل ذلك بأنَّ ثمرة النخل من النخل. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده، قال أبو حنيفة: وللمشتري مطالبته بقلعها عن النخل في الحال، فلا يلزمه الصبر إِلىَ الجذاذ. وإن شَرَط إبقاءه إليه فسد البيع لأَنَّهُ شرط لا يقتضيه العقد، قال: وتعليق الحكم بالإبار إِمَّا للتنبيه على ما لم يؤبَّر أو لغير ذلك، فلم يقصد بِهِ نفي الحكم عَمَّا سوى المذكور، ورُدَّ بِأَنَّهُ محتاجٌ إِلىَ الدليل، وأيضا فإنَّ التنبيه إِنَّمَا يكون بالأدنى على الأعلى وبالمشكل على الواضح. وقال آخرون: إنَّ الثمرة ما لم تطب فهي للمشتري، وقيل: هي له ولو طابت، لأنَّ ثمرة الشجرة من الشجرة، فهي عندهم بمنزلة الجنين في بطن أمِّه ما لم تقطع، وَهُوَ قياس فاسدُ الاعتبار لِورود النصِّ بخلافه، والمعمول بِهِ عند الأصحاب أنَّ الثمرة للمشتري ما لم تطب أخْذًا بمفهوم حديث النهي عن بيع الثمار حتَّى يبدو صلاحها، فإنَّ النهي في ذلك وقع على البائع والمشتري. (4/170)
صفحة 1164
قلت: لكنَّ حديث الباب يدلُّ على أنَّ حكم الثمرة مع بيع أصلها مخالف لحكم بيعها مستقلَّة، على أنَّ إبقاءها في ملك البائع لا يكون بيعًا، فالواجب الأخذ بمعنى الحديثين، وأن يجعل كلُّ واحد في موضعه، ولا معنى لإلغاء واحد منهما مع إمكان الجمع، فما عليه الربيع وابن عبد العزيز والجمهور من قومنا هو الصحيح عندي لحديث الباب، وقد اعترف الكلُّ بصحته، ومفهومه أنَّ الثمرة قبل التأبير للمشتري تبعًا للأصل، وَهُوَ قول الجمهور فقد جعل الشارع الثمر ما دام مستكنًّا في الطلع كالولد في بطن الحامل إذا بيعت كان الحمل تابعًا لها، فإذا ظهر تميَّز حكمه.
واختلفوا فيما إذا باع نخلات بعضها مؤبَّرٌ وبعضها غير مؤبَّر، فقيل: المؤبَّر منها للبائع، وغير المؤبَّر للمشتري وَهُوَ الصواب، وبه قال أحمد، وجعل الْمَالِكِيَّة الحكم للأغلب، واستظهره المحشِّي، وقالت الشَّافِعِيَّة: الجميع للبائع، قالوا: فإن باع نخلتين فكذلك بشرط اتِّحاد الصفقة، قالوا: فإن انفرد فلكلٍّ حكمه، واستظهر المحشِّي جواز التحرِّي لواحد من الأقوال فيحكم بِهِ.
ثمَّ اختلفوا هل الحكم مختصٌّ بإناث النخل دون ذكوره؟ فمنهم من قال <3/198> بالاختصاص، قالوا: وَأَمَّا ذكوره فللبائع نظرًا إِلىَ المعنى، ومنهم من أخذ بظاهر التأبير فلم يفرِّق بين أنثى وذكر.
ثمَّ اختلفوا فيما لو باع نخلةً وبقيت ثمرتها له، ثمَّ خرج طلعٌ آخر من تلك النخلة، فقال ابن أبي هريرة: هو للمشتري، لأَنَّهُ ليس للبائع إِلاَّ ما وجد دون ما لم يوجد، وقيل: هو للبائع لكونه من ثمرة المؤبَّرة دون غيرها، ونسب إِلىَ الجمهور. (4/171)
صفحة 1165
قوله: «إِلاَّ أن يشترطها المبتاعُ»: أي المشتري، ومفهومه أَنَّهَا إذا اشترطها المشتري كانت له. وفي رواية قومنا: «إِلاَّ أن يشترط» بحذف الضمير، واستدلَّ بها على صحَّة اشتراط بعض الثمرة كما يصحُّ اشتراط جميعها، لأنَّ حذف المفعول يقتضي الإطلاق، فَكَأَنَّهُ قال: إِلاَّ أن يشترط المبتاع شيئًا من ذلك. وقال ابن القاسم من الْمَالِكِيَّة: لا يجوز شرط بعضها. واستدلَّ بالحديث على جواز الشرط في البيع، وَهُوَ ظاهر. واستدلَّ بِهِ بعضٌ على جواز بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها، لأنَّ صحَّة اشتراطها يقتضي جواز بيعها، ورُدَّ بأنَّ الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل، وفي حديث النهي مستقلَّة، وربَّ شيءٍ يصحُّ تبعًا ولا يصحُّ استقلالاً، والله أعلم.
ما جاء أنَّ من شَرَطَ شرطًا فاسدًا لَغَا وصَحَّ العَقْدُ
قوله: «كانت في بريرة ثلاث سنن»: الحديث قد تقدَّم في آخر الطلاق والخلع، وَتَقَدَّمَ شرحه هنالك، والغرض من ذكره هنا قولها: إِنَّهَا جاءت إليَّ فقالت: إنَّ أهلي كاتبوني فأعينيني بشيءٍ، فقلت لها: أعدُّ لهم ما كاتبوك عليه، <3/199> فيكون ولاؤك لي، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الولاء لمن أعتق». وروى البخاري ومسلم معناه عن عائشة قالت: دخلت عليَّ بريرة وهي مكاتبة فقالت: اشتريني فأعتقيني، قلت: نعم، قالت: لا يبيعوني حتَّى يشترطوا ولائي، قلت: لا حاجة لي فيك، فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بلغه فقال: ما شأن بريرة؟ فذكرت عائشة ما قالت فقال: «اشتريها فأعتقيها، ويشترطوا ما شاءوا»، قالت: فاشتريتها فأعتقتها، واشترط أهلها ولاءها، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط». (4/172)
صفحة 1166
وفي لفظ آخر للبخاري أيضًا: «خذيها واشترطي لهم الولاء، فَإِنَّمَا الولاء لمن أعتق». وروى البخاري والنسائي وأبو داود عن ابن عمر: أنَّ عائشة أرادت أن تشتري جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعُكِها على أنَّ ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يمنعك ذلك فإنَّ الولاء لمن أعتق». ورواه مسلم، لكن قال فيه: عن عائشة فجعله من مسندها، وله معناه. وفي ذلك دليلٌ على أنَّ من شَرَطَ في البيع شرطًا يخالف كتاب الله أو سنة نبيئه أَنَّ الشرط باطل ويثبت العقد. (4/173)
صفحة 1167
واستُشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وسلم بشرطٍ فاسد في البيع، واختلف علماء الحديث في ذلك: فمنهم من أنكر ذلك، وأشار الشافعيُّ إلى تضعيف الرواية التي فيها الإذن بذلك لانفراد هشام بن عروة دون أصحاب أبيه، وأثبتها آخرون، قالوا: هشام ثقة حافظ، والحديث مُتَّفَق على صحَّته فلا وجه لردِّه، ثمَّ اختلفوا في <3/200> توجيه ذلك، فقيل: إنَّ اللام في قوله: «واشترطي لهم» بمعنى عَلَى كقوله تعالى: {وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]. وقال آخرون: الأمر في قوله: «واشترطي» للإباحة، أي اشترطي لهم أَوْ لاَ، فإنَّ ذلك لا ينفعهم، ويقوِّي هذا قوله: «ويشترطوا ما شاؤوا» وقيل: إنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قد كان أعلم الناس أنَّ اشتراط الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا مِمَّا تقدَّم لهم العلم ببطلانه أَطلَق الأمر مُريدًا بِهِ التهديد كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} [فصلت: 40]: فَكَأَنَّهُ قال: اشترطي لهم الولاء فسيعلمون أنَّ ذلك لا ينفعهم، ويؤيِّد هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «ما بال رجال يشترطون شروطا...» إلخ، فوبَّخهم بهذا القول، مشيرا إِلىَ أَنَّهُ قد تقدَّم منه بيان إبطاله، إذ لو لم يتقدَّم منه ذلك لبدأ ببيان الحكم لا بالتوبيخ لعدم المقتضي له، إذ لهم أن يتمسَّكوا بالبراءة الأَصلِيَّة.
وقيل: أذن في ذلك لقصد أن يعطِّل عليهم شروطهم الفاسدة فيرتدعوا عن ذلك ويرتدع بِهِ غيرهم، وكان ذلك من باب التأديب، وقيل: هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القصَّة أنَّ سببه المبالغة في الزجر عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وتُعُقِّب بأنَّ التخصيص لا يثبت إِلاَّ بالدليل، وقيل فيه غير ذلك، والله أعلم.
باب الرِّبا والانفساخ والغشِّ
« (4/174)
صفحة 1168
الرِّبَى»: مقصور، وحكي مدُّه وَهُو شاذٌّ، وَهُوَ مِنْ رَبَا يربو، فيكتب بالألف، ولكن وقع في خطِّ المصحف بالواو. وأصل الربا الزيادة، وَأَمَّا في نفس الشيء كقوله تعالى: {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5]، وَأَمَّا في مقابله كدرهم بدرهمين فقيل: هو حقيقة فيهما، وَقِيلَ: حقيقة في الأوَّل مجاز في الثاني، وقيل: في الثاني حقيقة <3/201> شَرعِيَّة. وقد يطلق الرِّبا على كلِّ بيع مُحَرَّم، ومنه قولهم في بيع الخضروات قبل إدراكها: إِنَّهُ رِبًا، وكذلك قولهم في بيع الجزر في الأرض: إِنَّهُ من الربا وأشباه ذلك، وهذا الإطلاق إِمَّا حقيقة عرفيَّة أو مجاز عرفيٌّ، حيث شبَّهوا المحرَّم في مثل هذه الأمور بالمحرَّم من الربويَّات.
وَأَمَّا «الانفساخ»: فهو صفة توجب عدم الاعتداد بالعقد بسبب الإخلال ببعض شروطه، مثل: الجهل في الثمن أو المثمَّن أو الأجل وما أشبه ذلك، ويدخل فيه بيع الغرر.
وأما «الغِشُّ»: بكسر فسكون: اسم مِنْ غشَّه غِشًّا، من باب قتل، إذا لم ينصحه وزيَّن له غير المصلحة، وَهُوَ عند البيع إظهار حسن السلعة وإخفاء قبحها، ومنه تغيير الصورة عن حالها، كتعطيش الحيوان وسقيه عند البيع، وغسل الثوب بالصابون ليُرى جديدا وَهُوَ قديمٌ، ورشُّ المنسول بالماء أو تبييتها في الندى لتُرى غليظة ثقيلةً، وأشباه ذلك. قال في الإيضاح: وبالجملة إنَّ الغشَّ هو ما يظهره بائع السلعة من أحسن ما فيها ويكتم قبيحها ولا يظهره في وقت البيع، وربَّما يظهر بعد ذلك، فهذا شؤم وغشٌّ لا يجوز، والله أعلم.
ما جاء في الأصناف التي يجري فيها الربا
<3/202> وذكر في الباب عدَّة أحاديث عن ابن عبَّاس وأبي سعيد وعمر بن الخطاب وعُبادة بن الصامت. (4/175)
صفحة 1169
قوله: «الذهب بالذهب»: أي بيع الذهب بالذهب، وَهُوَ مبتدأ خبره قوله: «يدٌ بيدٍ»، ويدخل في الذهب جميع أنواعه من مضروب ومنقوش، وجيِّد ورديء، وصحيح ومكسَّر، وحُلَيٍّ وتبرٍ، وخالص ومغشوشٍ. وقد نقل النوويُّ وغيره الإجماع على ذلك.
قوله: «وَالفِضَّة بالفضَّة»: أي وبيع الفِضَّة بالفضَّة يدٌ بيدٍ كالذهب بالذهب، والمراد بالفضَّة جميع أنواعها مضروبةً أوغير مضروبةٍ.
قوله: « والبُرُّ بالبُرِّ»: بضمِّ الباء فيهما ثمَّ راء مهملة: من أسماء الحنطة.
<3/203> قوله: «والشعير»: بفتح أوَّله، معروف، حكي جواز كسره. واستدلَّ بعطف الشعير على البُرِّ من قال: إِنَّهُمَا جنسان، وقد تقدَّم ذلك.
قوله: «والملح»: بكسر فسكون، معروفٌ، يذكَّر ويؤنَّث، قال الصاغاني: والتأنيث أكثر، فاقتصر الزمخشريُّ عليه.
وقوله: «يدٌ بيدٍ»: أي حاضر بحاضرٍ، وَهُوَ بالرفع خبر للمبتدأ في أوَّل الحديث، وَهُوَ في حديث عبادة الآتي منصوب على الحال لوجود العامل هنالك، ويقال: بعتُه يدًا بيدٍ، أي حاضرًا بحاضرٍ، والتقدير: في حال كونه مادًّا يدَه بالعرض وفي حال كوني مادًّا يدي بالعوض، فَكَأَنَّهُ قال: بعتُه في حال كون اليدين ممدودتين بالمعوَّضين، واستدلَّ بِهِ على أَنَّهُ يشترط القبض في الصرف عند الإيجاب بالكلام، ولا يجوز التراخي ولو كان في المجلس، وَهُوَ الظاهر من الحديث، وعليه الفتوى وبه قال مالك. وقال أبوحنيفة والشافعيُّ والجمهور من قومنا: إنَّ المعتبر التقابض في المجلس وإن تراخى عن الإيجاب. وأخرج عبد الرزَّاق وأحمد وابن ماجه عن ابن عمر أَنَّهُ سأل النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: اشترِ الذهب بالفضَّة فإذا أخذت واحدًا منهما فلا تفارقْ صاحبك وبينكما لبْسٌ، فيمكن أن يقال: إنَّ هذه الرواية تدلُّ على اعتبار المجلس، والله أعلم.
ما جاء في وجوب التماثل في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيدٍ والكلام في بيان ذلك (4/176)
صفحة 1170
<3/204> قوله: «لا تبيعوا»: النهي للتحريم لثبوت الوعيد على الربا.
قوله: « إِلاَّ مِثْلاً بمثْلٍ»: بكسر الميم وإسكان المثلَّثة في الموضعين ونصب الأوَّل على أَنَّهُ مصدر، أي إِلاَّ بيعًا موزونا بموزون، وظاهره يمنع الزيادة في بيع الجنس بجنسه وإن كان يدا بيد. وكذلك قوله في حديث عبادة: «إِلاَّ مثلا بمثل، ويدًا بيد، سواءً بسواء، عيناً بعين»، وكذلك قوله للعامل المشتري للتمر الجنيب الصاع بالصاعين والصاع بثلاثة: «لا تفعل بِعِ الجمعَ بالدراهم، وابْتع بالدراهم جنيبا»، فَهَذَا كلُّه يَدُلُّ على منع المفاضلة في الجنس الواحد، وقد صرَّح بذلك حديث أبي هريرة عند مسلم: «فمن زاد أو استزاد فقد أربا، إِلاَّ ما اختلفت ألوانه»، وقد أخذ بذلك جمهور قومنا. (4/177)
صفحة 1171
وذهب أصحابنا إِلىَ أنَّ الربا إِنَّمَا يختصُّ بالنسيئة، وَأَنَّهُ لا بأس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيدٍ، وَهُوَ قول ابن عبَّاس وابن عمر وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير وسعيد بن المسيِّب وعروة بن الزبير، وحجَّتهم على ذلك حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: «إِنَّمَا الربا في النسيئة»، زاد مسلم في رواية عن ابن عبَّاس: «لا ربا فيما كان يدًا بيد». وأخرج الشيخان والنسائيُّ عن أبي المنهال قال: سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورِق ديناً. وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: سألت ابن عبَّاس عن الصرف فقال: «إِلاَّ يدا بيدٍ» قلت: نعم، قال: فلا بأس، فأخبرت أبا سعيد فقال: أوَ قال ذلك ؟ إِنَّا سنكتب إليه فلا يُفتيكموه. وله من وجه آخر عن أبي نضرة: سألت ابن عمر وابن عبَّاس عن الصرف فلم يريا بأسًا، <3/205> وَإِنِّي لقاعدٌ عند أبي سعيد فسألته عن الصرف فقال: ما زاد فهو رباً، فأنكرت ذلك لقولهما، فذكر الحديث. (4/178)
صفحة 1172
وأخرج ابن ماجه عن عمر بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار، فقلت: إِنِّي سمعت ابن عبَّاس يقول غير ذلك، قال: أما إِنِّي لقيت ابن عبَّاس فقلت: أخبرني عن هذا الذي تقول في الصرف، أشيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيءٌ وجدته في كتاب الله ؟ فقال: ما وجدته في كتاب الله ولا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أخبرني أسامة بن زيد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الربا في النسيئة»، قال في الفتح: وَاتَّفَقَ العلماء على صحَّة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: إنَّ حديث أسامة منسوخ، لَكِنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وَقِيلَ: المعنى في قوله: لا ربا إِلاَّ الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعَّد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إِلاَّ زيد، مع أَنَّهُ فيها علماء غيره، وأنَّ القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضا ففي تحليل ربا الفضل من حديث أسامة إِنَّمَا هو بالمفهوم، فيقدَّم عليه حديث أبي سعيد، لأنَّ دلالته بالمنطوق، فيحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، هذا كلامه. وللقائلين بجواز التفاضل نحو ذلك في ترجيح قولهم، فمنهم من ادَّعى نسخ وجوب المماثلة والمساواة كما ادَّعى مخالفهم نسخ حديث أسامة، وَلَكِنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، ومنهم من ذهب إِلىَ الترجيح كالشيخ عامر في إيضاحه. وقد أخرج مسلم عن ابن عبَّاس أَنَّهُ «لا ربا فيما كان يدًا بيدٍ»، قال في الإيضاح: وروى عن ابن عبَّاس وأبي بكر الصدِّيق وأسامة بن زيد رضي الله عنهم عن النبيء صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «لا ربا إِلاَّ في النسيئة». (4/179)
صفحة 1173
قلت: ويؤيِّده قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}: إِلىَ <3/206> قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ} [البقرة: 279-280] فَإِنَّهُ يدلُّ أنَّ الربا الذي جاءت الآية بتحريمه إِنَّمَا هو في النسيئة، إذ لولا ذلك لَمَا كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وكذلك النَّظِرة إِلىَ الميسرة، فعلمنا من كتاب الله مصداق ما روى أسامة، وسيأتي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ابتاع بعيرًا ببعيرين وأجاز بيع عبد بعبدين، قال ابن عبَّاس: لأنَّ هذا يدا بيدٍ، قال في الإيضاح: وروي أنَّ أسامة بن زيد وزيد بن أرقم كانا يأتيان وادي القرى، فعاب عليهما ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى أسامة بن زيد إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: «يدا بيد؟» فقال: نعم، ولم يَرَ بِهِ عليه السلام بأسًا. (4/180)
صفحة 1174
قوله: «ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير»: أي لا تبيعوا بعض هذه الأجناس ببعض إِلاَّ يداً بيدٍ، فقوله: «على التأخير» في موضع الحال، والمراد بِهِ النسيئة. وفي رواية عند الشيخين وأحمد: «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» بالنون والجيم والزاي، وَهُوَ الحاضر أي لا تبيعوا مؤجَّلا بحالٍّ، ويحتمل أن يُراد بالغائب ما هو أَعَمُّ من المؤجَّل كالغائب عن المجلس مطلقًا، مؤجَّلا كان أو حالاًّ، واستدِلَّ بِهِ على منع التقاصص بين الذهب وَالفِضَّة، وذلك أن يكون لرجل على آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فَإِنَّهُ قيل: لا يجوز أن يقاصَّ أحدهما الآخر بما له عليه لأَنَّهُ يدخل في معنى بيع الذهب بالورِق دَينًا، لأَنَّهُ إذا لم يجز غائبٌ بناجز فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، وقيل: يجوز التقاصُّ، لأنَّ أرباب السنن أخرجوا عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «لا بأس به إذا كان بسعر يومه ولم تفترقا وبينكما شيء». والله أعلم.
<3/207> ما جاء في الصرف (4/181)
صفحة 1175
الحديث رواه البخاري من طريق مالك، والترمذي من طريق الليث عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله وهو عند عمر بن الخطاب: أرنا ذهبك ثُمَّ إِنَّنَا إذ جاء خادمنا نعطيك ورِقَك، فقال عمر بن الخطاب: كلاَّ والله لتعطينَّه ورقه ولا تردَّنَّ إِلَيْهِ ذهبه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الوَرِق بالذهب ربًا إِلاَّ هاء وهاء...» <3/208> الخ، وهذا لفظ الترمذي، وقال البخاري عن ابن شهاب عن مالك بن أوس أخبره أَنَّهُ التمس صَرفًا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا حتَّى اصطرف مِنِّي، فأخذ الذهب يقلِّبها في يده، ثمَّ قال: حتَّى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتَّى تأخذ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الذهب بالذهب رباً إِلاَّ هاء وهاء...» إلخ.
قوله: «اِلتمَسَ»: أي طلب، وقد تقدَّم أنَّ الملتمس لذلك هو مالك بن أوس، ولعلَّه إِنَّمَا نسب الالتماس إِلىَ طلحة نظرًا إِلىَ أنَّ طلحة دعاه إِلىَ ذلك بعد قوله: من يصطرف الدراهم؟ فإنَّ طلحة دعاه لذلك، فكان كلُّ واحد منهما ملتمسا الصرف من صاحبه، ونسبته إِلىَ طلحة أظهر، لأنَّ مالكًا إِنَّمَا طلب ذلك في الجملة، وطلحة قَصَده للالتماس.
قوله: «من رجل»: هو مالك بن أوس بن الْحَدَثَان.
وقوله: «صرفا»: بفتح الصاد المهملة: هو بيع الدراهم بالذهب أو عكسه، وسمِّي بذلك لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل فيها، وهذا قول من يمنع التفاضل في ذلك، وقيل: من الصريف وَهُوَ تصويتها في الميزان.
قوله: «الذهب»: اسم للنوع الخاصِّ من النقدين، وَهُوَ أشرفهما، يذكَّر ويؤنَّث، وكان قدر الذهب الذي أراد مالك المصارفة بِهِ مائة دينار، كما في رواية البخاري. (4/182)
صفحة 1176
قوله: «حَتَّى يجيء خازني»: بالخاء والزاي المعجمتين ثمَّ نون: أمينه على خزانته، وفي رواية الليث عند الترمذيِّ: «خادمي». قال ابن حجر: ولم أقف على تسمية الخادم الذي أشار إليه طلحة.
قوله: «من الغابة»: بالغين المعجمة وبعد الألف موحَّدة: موضع قريب من المدينة من عواليها، وبها أموال لأهلها، وَهُوَ المذكور في حديث المنبر، أَنَّهُ عُمل من طَرْفَاء الغابة، وفي حديث السباق، وفي حديث تركة الزبير، وغير ذلك، وأصل الغابة الأجمة ذات الشجر المتكاثف لأَنَّهَا تُغيِّب ما فيها وجمعها غابات.
<3/209> قوله: « الذهب بالورِق»: هكذا ذكر في رواية الشيخين وأحمد والترمذي، وعليها شرح ابن حجر. قال ابن عبد البرِّ: لم يختلف على مالك فيه، وحمله عنه الحفَّاظ حتَّى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن مالك، وتابعه معمَّر والليث وغيرهما. وكذلك رواه الحفَّاظ عن أبي عيينة، وشذَّ أبو نعيم عنه، وقال: «الذهب بالذهب». وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزهري، ويجوز في قوله: «الذهب بالورِق» الرفع، أي بيع الذهب بالورق، فحذف المضاف للعلم بِهِ، أو المعنى: الذهب يباع بالذهب، والذهب يطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها.
و«الوَرِق»: الفِضَّة، وَهُوَ بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل بكسر الواو: المضروبة، وبفتحها: المال، والمراد هنا جميع أنواع الفِضَّة مضروبة وغير مضروبة. (4/183)
صفحة 1177
قوله: «إِلاَّ هاءَ وهاءَ»: بالمد فيها وفتح الهمزة، وَقِيلَ: بالكسر، وَقِيلَ: بالسكون، وحكي القصر بغير همز، وخطَّأها الخطابيُّ، ورَدَّ عليه النوويُّ وقال: هي صحيحة لكن قليلة، والمعنى: خذْ وهاتِ، وحكي «هاكِ» بزيادة كاف مكسورةً، ويقال: «هاءِ» بكسر الهمزة بمعنى: هات، وبفتحها بمعنى: خذ، بغير تنوين. وقال ابن الأثير: هاء وهاء هو أن يقول كلُّ واحد من البيِّعين: هاء، فيعطيه ما في يده كالحديث الآخر. «إلا يدًا بيدٍ»، يعني مقابضة في المجلس، وَقِيلَ: معناه خذ وأعط. وقال ابن مالك: هاء اسم فعل يعني: خذْ، وإن وقعت بعد إِلاَّ فيجب تقدير قولٍ قبله يكون بِهِ محكيًّا، فَكَأَنَّهُ قيل: ولا الذهب بالذهب إِلاَّ مقولاً عنده من المتبايعين «هاء وهاء». وقال الخليل: كلمة تستعمل عند المناولة، والمقصود من «هاء وهاء» أن يقول كلُّ واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس. وقال ابن مالك: حقُّها أن لا تقع بعد إِلاَّ، كما لا يقع بعدها خُذْ، قال: فالتقدير لا تبيعوا الذهب بالورِق إِلاَّ مقولا بين المتعاقدين: هاء وهاء. (4/184)
صفحة 1178
<3/210> قوله: «والتمر بالتمر ربًا إِلاَّ هاء وهاء»: سواء كان كلاهما يابسا أو أحدهما رطبا، وقد تقدَّم النهي عن ذلك في النهي عن المزابنة، وَهُوَ بيع التمرة على رؤوس النخل بالتمرة، وسيأتي الرخصة في بيع العرايا. قال ابن عبد البرِّ: في هذا الحديث أنَّ الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كان له وكلاء وأعوان يكفونة. وفيه المماكسة في البيع والمراوضة وتقليب السلعة، وفائدته الأمن من الغبن، وَأَنَّ من العلم ما يخفى على الرجل الكبير القدر حتَّى يذكِّره غيره، وَأَنَّ الإمام إذا سمع أو رأى شيئًا لا يجوز ينهى عنه ويرشد إِلىَ الحقِّ، وَأَنَّ من أفتى بحكم حَسُن أن يذكر دليله، وفيه أنَّ الإمام يتفقَّد أحوال رعيَّته ويهتمُّ بمصالحهم، وفيه اليمين لتأكيد الخبر، وفيه الحجَّة بخبر الواحد، وَأَنَّ الحجَّة على من خالف في حكم من أحكام كتاب الله أو حديث رسوله، وفيه أنَّ النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالوَرِق، وإذا لم يجزْ فيهما مع تفاضلهما فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب وَهُوَ جنس واحدٌ، وكذا الورق بالورق.
قال ابن حجر: يعني إذا لم تكن رواية ابن إسحاق ومن تابعه محفوظة فيؤخذ الحكم من دليل الخطاب، وقد نقل ابن عبد البرِّ وغيره الإجماع على هذا الحكم أي التسوية في البيع بين الذهب والذهب، وبين الذهب بالورِق، فيستغنى حينئذ بِذَلِكَ عن القياس، والله أعلم.
ما جاء في الإنكار على من عمل بالربا جهلاً بالحكم أو تجاهلاً بِهِ (4/185)
صفحة 1179
<3/211> قوله: «عن عبادة بن الصامت»: الحديث رواه أيضًا مسلم والنسائي من طرق متعدِّدة بألفاظ مختلفة مؤدَّاها واحدٌ. قال مسلم في سنده عن أَيُّوب عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث قال قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدِّثْ أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، <3/212> فكان فيما غنمنا آنية من فِضَّة، فأمر معاوية أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إِنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، وذكر الحديث، ثمَّ قال: فردَّ الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يَتَحَدَّثُون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنَّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟ فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصَّة ثمَّ قال: لنحدِّثنَّ بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلةً سوداء.
قوله: «في غزوة»: لم أقف على اسمها، وَكَأَنَّهَا من غزوات معاوية في أَيَّام إمارته على الشام في آخر أَيَّام عثمان، لأنَّ الحال يشهد بذلك، إذ لم يكن قبله تقيَّة لمعاوية، وقد مات عبادة في سنة أربع وثلاثين على الصحيح، فلم يدرك دولة معاوية، وَقِيلَ: إِنَّهُ مات في سنة خمس وأربعين أَيَّام معاوية، فإن صحَّ هذا القول فتكون هذه الغزوة من غزوات معاوية في أَيَّام دولته، وهي بالشام لما في رواية ذكرها ابن الأثير من طريق قتادة عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت أَنَّهُ قام في الشام خطيبا.
قوله: «وعلينا معاوية»: يعني أَنَّهُ أمير عليهم. (4/186)
صفحة 1180
قوله: «فأصبنا ذهبا وَفِضَّةً»: فسَّر ذلك رواية مسلم: «فكان فيما غنمنا آنية من فِضَّة» ولم يذكر الذهب، ولعلَّ الفِضَّة كانت آنية وكان الذهب حَلْيًا، وبهذا الاحتمال يُجمع بين الروايتين.
قوله: «رجلاً»: لم أقف على اسمه.
قوله: «في أعطياتهم»: أي بأعطياتهم، والمراد بها ما يجعله الإمام أو <3/213> السلطان للرعايا من النصيب المقدَّر في بيت المال يأخذونه على كُلِّ سنة أو شهر، كلٌّ على قدر منزلته، وَأَوَّل من جعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قوله: «فسارع الناس فيها»: أي في شرائها، ورواية مسلم: «فتسارع الناس في ذَلِكَ»، وَإِنَّمَا تسارعوا إِلىَ ذَلِكَ لأَنَّهُم يأخذونه في الحال، والنفس مجبولة عَلَى حبِّ العاجل.
قوله: «فنهاهم»: أي وذكر لهم الحديث كما في رواية مسلم.
قوله: «فأتى الرجل»: هو المأمور ببيع الذهب وَالفِضَّة.
قوله: «فشكا إِلَيْهِ»: أي ما كان من عبادة، فَإِنَّ الناس قبلوا من عبادة، وردُّوا ما أخذوا، كما في رواية مسلم.
قوله: «ما بال رجال...»إلخ: أي ما شأنهم، وأيُّ شَيْء حملهم عَلَى ذَلِكَ. وفي رواية مسلم: «ألاَ ما بال رجال يَتَحَدَّثُون عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أحاديث قد كُنَّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه».
قوله: «لم نسمعها منه»: قال بعض الحَنَفِيَّة في حاشيته عَلَى النسائي: هَذَا استدلال بالنفي عَلَى ردِّ الحديث الصحيح بعد ثبوته، مع اتِّفَاق العقلاء عَلَى بطلان الاستدلال بالنفي، وظهور بطلانه بأدنى نظر، بل بديهة، قال: فَهَذَا جرأة عظيمة، ثُمَّ استغفر له. (4/187)
صفحة 1181
قوله: «والله لأحدِّثنَّ...» إلخ: إِنَّمَا حمله عَلَى ذَلِكَ ما رواه النسائيُّ من طريق قتادة عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعانيِّ عن عبادة بن الصامت، وكان بدريًّا، وكان بايع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا يخاف في الله لومة لائم، فظاهره أَنَّ الحامل له عَلَى الإنكار هَذِهِ البيعةُ. قال محشِّي النسائي: وَإِلاَّ لَمَا قام خوفا من معاوية.
قوله: «ولو كره معاوية»: وفي رواية مسلم: «وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء». قال النوويُّ: يقال: رغِم بكسر الغين وفتحها، ومعناه ذَلَّ وصار كاللاصق بالرغام، وهو التراب. وفي هَذَا <3/214> الاهتمامُ بتبليغ السنن ونشر العلم وإن كرهه من كرهه لمعنى، وفيه القول بِالْحَقِّ وإن كان المقول له كبيرا.
وقوله: «إِلاَّ مثلا بمثل، يدا بيد، سواء بسواء، عينا بعين»: لم يذكر في رواية مسلم قوله: «مثلا بمثل، يدا بيد»، بل اقتصر عَلَى الأخيرين. وذكر في رواية النسائيِّ قوله: «إِلاَّ سواء بسواء، مثلا بمثل». قيل: وَإِنَّمَا أعاد ذكر هَذِهِ الألفاظ للتأكيد، وَقِيلَ: معنى «مثلا بمثل» المماثلة في الصفة، كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز، ولو استويا في الكَمِّيَّة. وَمَعْنَى «سواء بسواء»: المساواة في الكَمِّيَّة. وَمَعْنَى «عينا بعين»: حاضرا تراه العين بحاضر تراه العين، وهو معنى قوله: «يدا بيد». زاد مسلم والنسائيُّ في روايةٍ قولَه: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، وهو يَدُلُّ عَلَى تحريم ربا الفضل يدا بيد عند اتِّحاد الجنس. (4/188)
صفحة 1182
قال القطب متَّعنا الله بحياته: ولولا حديث عبادة لقيَّدنا قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» بالنسيئة لحديث: «إِنَّمَا الربا في النسيئة، كما قيل لمحل الدَّلِيل قام عند أصحابنا، عَلَى أَنَّ حديث عبادة الذي تَقَدَّمَ منسوخ بابتياعه صلَّى الله عليه وسلَّم بعيرا ببعيرين، وإجازته بيع عبد بعبدين، ولو كان احتجاج عبادة به عَلَى معاوية ظاهرا في عدم نسخه. قال: وقد روي عن ابن عبَّاس أَنَّهُ استَدَلَّ بحديث: «إِنَّمَا الربا في النسيئة» عَلَى أَنَّهُ لا ربا في النقد، وأكثر الأُمَّة عَلَى أَنَّ في الفضل يدا بيد ربا، كما في الفضل بالنسيئة، بل قال الإمام الماهر أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: إِنَّ الأُمَّة اجتمعت عَلَيْهِ، إِلاَّ ابن عبَّاس، فَإِنَّهُ حصر الربا في النسيئة، وذكر عنه أَنَّهُ رجع عن هَذَا الحصر إِلىَ إثبات الربا في الفضل يدا بيد لا في النسيئة أَيَّام مرض موته بالطائف، وقال: أردنا أن نسدَّ عنكم أبواب الربا فأبيتم إِلاَّ فتحها. قال: وتعجَّب بعض المُتَأَخِّرين مِمَّا ذكره أبو يعقوب، قال: والتحقيق أَنَّ مثلا بمثل بالتأخير ربا، إِلاَّ القرض فَإِنَّهُ غير ربا، إِلىَ أن قال: فباب القرض صورة ربًا أباحها الله لنا بفضله، واستثناها من الربا المُحَرَّم. ذكره الربيع ثوبا بثوب نسيئة، وحرَّمه أبو عبد الله رضي الله عنهم. <3/215> وكلام أبي يعقوب يميل إِلىَ تحريم المفاضلة يدا بيد، وَكَذَلِكَ كلام القطب وإن كان ميله أخفى، وقدَّمت الكلام في حكم ذَلِكَ. والإجماع الذي ادَّعاه أبو يعقوب غير مسلَّم، بل الخلاف في المسألة باقٍ مستمرٌّ من الصحابة ومن بعدهم، ورجوع ابن عبَّاس لم يَصِحَّ، بل ذكر بعض قومنا رجوعه حين أخبره أبو سعيد عن حديثه الْمُتَقَدِّم، وَبَعض لم يذكر رجوعه، وذكر رجوع ابن عمر. (4/189)
صفحة 1183
واحتجاج عبادة بالحديث عَلَى معاوية لا ينافي النسخ لو صَحَّ أَنَّهُ إِنَّمَا احتَجَّ به عَلَى منع بيعهم الفاسد، وهو بيع الذهب بالفضَّة في أعطياتهم، وهو مجمع عَلَى تحريمه، لأَنَّهُ بيع بعضها بِبَعْض عَلَى التأخير، وهو بيع غائب منها بناجز، وَالله أعلم.
ما جاء في بيع الحيوان بعضه ببعض متفاضلاً
وإنَّما ذكر المرتِّبُ هذا الحديثَ بعد حديث عبادة إشارة إِلىَ نسخ وجوب التماثل، كما قال بِهِ بعضهم، وذكر النوويُّ الإجماع على جواز بيع عبد بعبدين إذا كان نقدًا، وَهُوَ عندهم مخالف لحكم الربويَّات، فلا يرونه معارضا للأحاديث الموجبة للتماثل والتساوي في الأجناس الربويَّة، ونحن نرى أنَّه معارض فنرجِّح الأخذ بِهِ لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم فعله وأجاز فعله.
«ابتاع بعيرًا ببعيرين»: قال القطب: أي اشتراه بهما يدًا بيدٍ.
<3/216> قوله: «وأجاز بيع عبد بعبدين»: قال القطب: اشترى له رجل عبدين بعبد فأجاز بيعه، قال: وأباح أيضًا بيع عبد بأربعة يدًا بيدٍ. وروى الخمسة وصحَّحه الترمذيُّ عن جابر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم اشترى عبدًا بعبدين، وروى مسلم معناه، ولفظه: «عن جابر قال جاء عبدٌ فبايع النبيء صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولم يشعر أنَّه عبد، فجاء سَيِّدُه يريدُه، فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: بعنيه، فاشتراه بعبدين أسودين، ثمَّ لم يبايع أحدًا بعدُ حتَّى يسأله أعبدٌ هو؟»: . وروى أحمد ومسلم وابن ماجه عن أنس أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم اشترى صفيَّة بسبعة أرؤس من دحيةَ الكلبيِّ. (4/190)
صفحة 1184
قوله: «إِلاَّ أنَّ هذا يدًا بيدٍ»: هذا من كلام ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وذكره ليبيِّن أنَّ التفاضل في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيدٍ جائز. وروى الخمسة وصحَّحه الترمذيُّ عن الحسن عن سمرة قال: نهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. وروى عبد الله بن أحمد مثله من رواية جابر بن سمرة، وهذا يُؤَيِّدُ ما قاله ابن عبَّاس في تقييد ذلك ، وَهُوَ يدلُّ على أنَّ الحيوان كغيره من الأجناس، فما جاز فيه جاز في غيره وما امتنع امتنع، فلا يجوز عندنا بيع شيء من <3/217> ذلك بجنس نسيئةً، ويجوز يدًا بيدٍ، وبذلك قال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيِّين. وأجاز الجمهور من قومنا بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً متفاضلاً مطلقا، وشرط مالك أنْ يختلف الجنس، وَهُوَ أقربُ مِمَّا قبله. وحديث سمرة يردُّ عليهم، وتكلَّفوا الجواب عنهم مرَّة بالطعن فيه وأخرى بتكلُّف التأويل، ولا داعي إِلىَ ذلك كُلِّه، والله أعلم.
ما جاء في بيع التمر بالتمر
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه أيضًا البخاري ومسلم والنسائيُّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو سعيد <3/218> الخدري قال: كنَّا نُرزق تمر الجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبيع الصاعين بالصاع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا صاعيْ تمر بصاعٍ، ولا صاعيْ حنطة بصاعٍ، ولا درهما بدرهمين.
قوله: «استعمل»: أي جعل عاملا عليها. (4/191)
صفحة 1185
قوله: «رجلاً»: قيل اسمه سواد بن غزِيَّة بمعجمتين فزاي فياء مشدَّدة كعطيَّة، الأنصاريُّ من بني عديِّ بن النجار، وقيل: هو حليف لهم من بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، قال ابن الأثير: وَهُوَ كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر فأتاه بتمر جنيب قد اشترى منه صاعا بصاعين من الجمع. وفي النسائي عن أبي سعيد قال: أتى بلال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْنِيٍّ، فقال ما هذا؟ فقال اشتريته صاعاً بصاعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوه! عين الربا، لا تقْرُبه»، وقوله: «أوه»: كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجُّع، وهي ساكنة الواو مكسورة الهاء، وربَّما قلبوا الواو ألفًا فقالوا: «آه»، وربَّما شدَّدوا الواو وكسروها وسكَّنوا الهاء فقالوا: «أوِّهْ».
قوله: «جَنيب»: بجيمٍ مفتوحة فنون مكسورة وياء مسكنة وآخره موحَّدة، قيل: هو الطيِّب من التمر، وقيل: هو الصلب، وَقِيلَ: ما أخرج منه حشفهُ ورديئه، وَقِيلَ: ما لا يختلط بغيره، وَقِيلَ: هو تمر جيِّد.
قوله: «والصاع بثلاثة»: في رواية البخاري ومسلم: «والصاعين بثلاثة» بالتثنية، والمعنى أنَّهم يأخذون القليل من الجنيب في الكثير من غيره، حتَّى إِنَّهُم يزيدون النصف والثلثين.
<3/219> قوله: «لا تفعل»: أي لما في ذلك من التفاضل، فإن كان الواقع من العامل بيعًا نسيئةً، فظاهر عند الكلِّ لأنَّه المحرَّم إجماعًا، وإن كان يدًا بيدٍ كما هو الظاهر من سياق الحديث فهو حجَّة لمن يمنع المفاضلة في الجنس الواحد، ولو كان بيعًا يدًا بيدٍ، ويكون الكلام فيه على نحو ما تقدَّم في حديثيْ أبي سعيد وعبادة.
قوله: «بِعِ الجَمْع»: بفتح الجيم وسكون الميم، قيل: هو التمر المختلط من أنواع متفرِّقة وليس مرغوبا فيه، وما يخلط إِلاَّ لرداءته، وقيل: هو كلُّ لون من النخيل لا يعرف اسمه. (4/192)
صفحة 1186
قوله: «وابتع بالدراهم جَنِيباً»: أي اشترِ الجَنيبَ بالدراهم، فكأنَّ العامل قال: إن أهل التمر لا يُعطون من الجَيِّد في مقابلة الرديء بقدره ولا يرضون بِهِ فكيف نفعل إذا بعنا الجَيِّد، هل نزيد لهم من الرديء ؟ فبيَّن له صلى الله عليه وسلم أنَّ من أراد تحصيل الجيد ينبغي له أن يبيع رديئه بنقد ثمَّ يشتري بِهِ الجَيِّد، وليس فيه أنَّه يبيع الرديء من صاحب الجَيِّد، لكن بإطلاقه يشمل ما إذا باع، فَكَأَنَّهُ لهذا الإطلاق استَدَلَّ بِهِ بعضهم على جواز حيلة الربا المعروف ببيع الذرائع وبيع العَيْنة. قالوا أمره صلى الله عليه وسلم أن يشتري بثمن الجمع جنيبا، ويمكن أن يكون بائع الجنيب منه هو الذي اشترى منه الجمع، فيكون قد عادت إليه الدراهم التي هي عين ماله لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم لم يأمره أن يشتري الجنيب من غير من باع منه الجمع وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم.
وتعقِّب بأنَّه مطلق، والمطلق لا يشمل، فإذا عُمِلَ بِهِ في صورة سقط الاحتجاج بِهِ في غيرها، فلا يصحُّ الاستدلال بِهِ على جواز الشراء مِمَّن باع منه تلك السلعة بعينها، والله أعلم.
<3/220> ما جاء من الرخصة في بيع العرايا
وقد ذَكَر في ذَلِكَ حديثين: أحدهما حديث أبي سعيد، والثاني حديث زيد بن ثابت، رواه جابر بلاغا، وَهُوَ عند مالك في الموطأ والبخاري ومسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت. وروى أحمد والبخاري والترمذي عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة وعن بيع الثمر بالثمر، إِلاَّ أصحاب العرايا فإنَّه قد أذن لهم، رواه أحمد. زاد الترمذي: <3/221> «وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كُلِّ ثمر بخرصه». (4/193)
صفحة 1187
قوله: «رخَّص»: بالتشديد من الترخيص، وفي رواية: «أرْخصَ» بالهمزة من الإرخاص، وكلاهما بمعنى واحد وَهُوَ بذل الرخصة في استباحة ما كان ممنوعا، فبيع العرايا مستثنى من النهي عن بيع المزابنة المتقدِّم في باب المناهي، وفي بيع التمر بالتمر متفاضلاً المذكور قبل هذا الحديث.
والعرايا: جمع عَرِيَّة، بفتح المهملة وشد التحتية، قال الربيع: العرايا نخلٌ يعطي الرجل ثمرها للآخر ثمَّ يقول له بعد ذلك: لا طريق لك عليَّ، فرخَّص له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها بخرصها تمرا. وقال غيره: وهي في الأصل عطيَّة ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوَّع بذلك على من لا ثمر له كما يتطوَّع صاحب الشاء أو الإبل بالمنيحة، وهي عطية اللبن دون الرقبة، ويقال: عريت النخل بفتح العين وكسر الراء يُعْرى: إذا أفردت عن حكم أخواتها <3/222> بأن أعطاها المالك فقيرًا. وقال مالك: العرية أن يُعري الرجلُ الرجلَ النخلة، أي يهبها أو يهب له ثمرها ثمَّ يتأذَّى بدخوله عليه، ويرخِّص الموهوب له للواهب أن يشتري رُطبًا منه بتمر يابس. وقال الشافعي: إنَّ العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة بخرصه من التمر بشرط التقابض في الحال، واشترط مالك أن يكون التمر مؤجَّلاً، فهي عنده مستثناة من بيع النسيئة أيضًا، والمذهب يسوِّغُه، والحديث يدلُّ عليه الإطلاق، والتقييد يحتاج إِلىَ دليل. وقال ابن اسحاق في حديثه عن ابن عمر: أن يعري الرجل الرجلَ، أي يهب له في ماله النخلة والنخلتين، فيشقُّ عليه أن يقوم عليها فيبيعها بمثل خرصها. وأخرج أحمد عن سفيان بن حسين: أنَّ العرايا نخلٌ كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرخَّص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: العريَّة أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رُطبا بخرصها تمرًا. (4/194)
صفحة 1188
قوله: « بخرصها»: بفتح الخاء المعجمة، وقيل بكسرها، وجزم بِهِ ابن العربي وأنكر الفتحَ، وجوزهما النوويُّ وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه بقدر ما فيه إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو اسم الفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص، وأصل الخرص: التخمين والحدس.
قوله: «قال جابر»: يعني ابن زيد.
قوله: «وبلغنا ذلك»: يعني حديث الترخيص في بيع العرايا، أي بلغه في ذلك عن زيد بن ثابت الصحابي المشهور، مثل حديث أبي سعيد المتقدِّم. وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت أنَّ رسول صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العريَّة أن يبيعها بخرصها. والحديث ذكره في الموطأ، وأخرجه عنه <3/223> البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت.
قوله: «فرخَّص له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها بخرصها تمرًا»: هذا من كلامه رضي الله عنه، يدلُّ أنَّ الرخصة في ذلك ثابتة مستمرَّة، ويخصَّص عموم الحديث بما في رواية أبي هريرة عند الشيخين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، ذلك قدر النصاب في الزكاة؛ فالرخصة إِنَّمَا وقعت فيما دون ذلك لأجل الحاجة أو الضرورة، وما فوق قدر النصاب لا يكون غالبا إِلاَّ للتجارة، وممَّن قال بقصر الرخصة فيما دون خمسة أوسق الشافعيَّة والحنابلة وأهل الظاهر، وَهُوَ قولٌ عن مالك، قالوا: لأنَّ الأصل التحريم وبيع العرايا رُخصة، فيؤخذ بما يتحقَّق فيه الجواز ويلقى ما وقع فيه الشكُّ، وقصر أبو حنيفة العريَّة على الهبة، وهي أن يعري الرجل الرجلَ تمر نخلة من نخلة، ولا يسلِّم ذلك، ثمَّ يبدو له أن يرتجع تلك الهبة، فرُخِّص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا، وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر. (4/195)
صفحة 1189
وتُعُقِّب بالتصريح باستثناء العرايا في الأحاديث، قال ابن المنذر: الذي رخَّص في العريَّة هو الذي نهى عن بيع التمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك الإذن في التسليم مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبعْ ما ليس عندك». والله أعلم.
<3/224> ما جاء في استقراض الحيوان والقضاء بالأفضل من جنسه
قوله: «عن أبي رافع»: الحديث رواه الجماعة إِلاَّ البخاري، وَهُوَ عند المصنِّف من حديث ابن عبَّاس عن أبي رافع، ففيه من لطائف الإسناد رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وقد تقدَّم له مثل ذلك.
واسم أبي رافع قيل: أسلم، وَقِيلَ: إبراهيم، وَقِيلَ: صالح، وَقِيلَ: ثابت، وَقِيلَ: هرمز، وَقِيلَ: سنان، وَقِيلَ: يسار، وَقِيلَ: عبد الرحمن، وَقِيلَ: يزيد، وَقِيلَ: فرمان، أقوال عشرة، قال ابن عبد البرِّ: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم القبطي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أُحدًا وما بعدها، وقيل: كان مولى العبَّاس فوهبه للنبيء صلى الله عليه وسلم فأعتقه، وروى عنه أحاديث، ومات في أوَّل خلافة عليٍّ على الصحيح، وَقِيلَ: في خلافة عثمان.
قوله: «استسلف»: أي اقترض، وَقِيلَ: السين تكون فيه للطلب، وقد تكون للتحقيق، وهي هنا كذلك، لأنَّه إخبار عن ماضٍ. (4/196)
صفحة 1190
<3/225> قوله: « بَكْر»: بفتح الموحَّدة وسكون الكاف: وَهُوَ الفتيُّ من الإبل كالغلام من الذكور، والقلوص: الفتيَّة من النوق كالجارية من الإناث، وفيه جواز أخذ الدّين للضرورة، فإن قيل: كيف عمَرَ ذمَّته بالدَّيْن وقد كان يكرهه؟ وقال في حديث: «وَإِيَّاكُم والدَّين فإنَّه شين»، في آخر: «فَإِنَّهُ همٌّ بالليل ومذلَّة بالنهار»، وكان كثيرا ما يتعوَّذ منه، حتَّى قيل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: لأنَّ الرجل إذا غَرِمَ حدَّث فكذب. أجيب بأنَّه إِنَّمَا تداين لضرورة، ولا خلاف في جوازه لها؛ فإن قيل: لا ضرورة لأنَّ الله خيَّره أن تكون بطحاء مكَّة له ذهبًا، أجيب بأنَّه لَمَّا خيَّره اختار الإقلال من الدُّنيا والقناعة، وما عدل عنه زهدًا فيه لا يرجع إليه، فالضرورة لازمة، وأيضا فالدَّين إِنَّمَا هو مذموم لتلك اللوازم المذكورة وَهُوَ معصوم منها.
قوله: «إبل الصدقة»: أي الزكاة.
واستُشكل بأنَّ الصدقة لا تحلُّ له صلى الله عليه وسلم فكيف يقضي منها؟
وأجيب باحتمالات:
أحدها: أنَّ هذا قبل تحريمها عليه كما قيل.
وثانيها: يحتمل أنَّ الصدقة قد بلغت محلَّها للفقراء ونحوهم، ثمَّ صارت له صلى الله عليه وسلم بشراء أو غيره. (4/197)
صفحة 1191
وثالثها: يحتمل أن يكون استقراضه صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كان لواحد من أهل الصدقة، فكان من الغارمين، فيكون فضل الشيء صدقة عليه، فلا يقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجود مِمَّا يستَحقُّه الغريم؟. وعن أبي هريرة أنَّ رجلا أتى النبيء صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له، فهمَّ به بعض أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً، ثمَّ قال: اعطوه سِنًّا مثل سِنِّه، قالوا: يارسول الله، لا نجد إِلاَّ أمثل <3/226> من سِنِّه، قال: اشتروه فأعطوه إيَّاه فإنَّ خيركم أحسنكم قضاءً، فيحتمل أنَّ ذلك كلَّه قَضِيَّة واحدة، فحفظ أبو رافع أنَّ أصله من إبل الصدقة، وحفظ أبو هريرة الشراء، وحديث أبي هريرة في الصحيحين واللفظ لمسلم.
قوله: «أن أقضي الرجل»: لم يسمِّ ذلك الرجل، وفي مسند أحمد أنَّه أعرابي، وفي أوسط الطبرانيِّ عن العرباض ما يفهم أنَّه هو، لكن في النسائي والحاكم ما يقتضي أنَّه غيره، فكأنَّ القصَّة وقعت لأعرابي ووقع نحوها للعرباض.
قوله: «بَكرة»: بتاء التأنيث، أي بَكْرا مثل بَكْرِهِ الذي تسلف منه.
قوله: «رباعيًّا»: بتخفيف الياء وفتح الراء، والأنثى الرباعيَّة، وَهُوَ ما دخل في السنة السابعة. قال الهروي، إذا ألقى البعير رباعيَّته في السنة السابعة فهو رباعيٌّ، ورباعيَّات الأسنان: الأربعة التي تلي الثنايا من جانبها. (4/198)
صفحة 1192
قوله: «فإنَّ خير الناس أحسنهم قضاءً»: قيل: أراد أنَّ الله يوفِّق لهذا خيار الناس، وقيل: هو الكرم الخفيُّ اللاحق بصدقة السرِّ، فإنَّ المعطَى له لا يشعر بأنَّه صدقة سرٍّ في علانية، ويورث ذلك صحبة وودادًا. وفي الحديث جواز قرض الحيوان، ونسب القول إِلىَ الجمهور، ومنع من جوازه الكوفيُّون، قالوا: لأنَّه نوع من البيع مخصوص، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان كما سلف، والحديث يرد عليهم، ودعوى النسخ لا تقبل بالاحتمال، فقرض الحيوان جائز كالدراهم والدنانير إِلاَّ الولائد، فإنَّ قرضها لا يجوز لأنَّه يؤدِّي إِلىَ عارية الفروج، وأجازه <3/227> بعض المالكيَّة بشرط أن يردَّ غير ما استقرضه، وأجازه بعض أصحاب الشافعيِّ وبعض المالكيَّة فيمن يحرِّم وطؤه على المستقرض، وقد حكى إمام الحرمين عن السلف والغزاليُّ عن الصحابة النهيَ عن قرض الولائد. وفيه جواز ردِّ ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطيَّة ذلك في العقد، وبه قال الجمهور، وعن الْمَالِكِيَّة: إن كانت الزيادة في العقد حرم اتِّفَاقًا، ولا يلزم من جواز الزيادة في القضاء جواز الهدية ونحوها قبل القضاء، لأنَّها بمنزلة الرشوة فلا تَحِلُّ.
واستدلَّ به في الإيضاح على شيئين: أحدهما جواز أن يجعل الحيوان ثمنا للأشياء، كما إذا باعه داره بكذا وكذا ثورًا في سنِّ كذا على وصف مخصوص وسنٍّ معلوم، ووجه الاستدلال عنده ثبوت الحيوان في الذمَّة، فكما أنَّه ثبت في القرض لحديث الباب كذلك يثبت في الدَّين والسلف، والله أعلم.
ما جاء في تحريم الغشِّ (4/199)
صفحة 1193
<3/228> قوله: «ألا ومن غشَّنا فليس منَّا»: يعني ليس بوليٍّ لنا، وقيل: معناه ليس مِمَّن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتى، كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعلَه: لست منِّي، وهكذا في نظائره، مثل قوله: «من حمل علينا السلاح فليس منَّا». وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول: بئس مثل القول، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. وفيه تحريم الغشِّ، وَهُوَ مجمع عليه. وقد روى الجماعة إِلاَّ البخاري والنسائي عن أبي هريرة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل يبيع طعامًا، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: «من غشَّنا فليس مِنَّا».
قوله: «ومن لم يرحم صغيرنا»: يعني الصغير من المسلمين، والرحمة الشفقة عليه والإحسان إليه وملاعبته.
قوله: «ولم يوقِّر كبيرنا»: يعني الكبير من المسلمين، وَهُوَ ذو الشيبة في الإسلام. وتوقيره: تعظيمه وتجليله بحسب ما يليق بقدره، كلٌّ على منزلته في الإسلام، فذو الشيبة العالم أفضل من غيره، وبعده ذو الشيبة الزاهد، وبعده مستور الحال، فإن تساووا في الفضل فالأصغر سنًّا يعظِّم الأكبر منه، ولا تعظيم في الإسلام لمن تعدَّى حدود الله وخالف أحكامه ولو بلغ في الشيب الهرم، لأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «كبيرنا» يدلُّ على أنَّ المراد الكبير الذي على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفاء بدين الله تعالى، أمَّا الفاسق فقد أوجب الشرع علينا البراءة منه ومباعدته حتَّى يرجع إِلىَ أمر الله تعالى، والله أعلم.
<3/229> ما جاء في اختلاف الجنسين
قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس بالسند الْمُتَقَدِّم.
قوله: «الحديث»: إشارة إِلىَ تقدُّمه في بيع الشرط ونصُّه هنالك: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إِلاَّ ما نهيتكم عنه»، وقد تقدَّم شرحه هنالك. (4/200)
صفحة 1194
قوله: «عن عبادة بن الصامت»: إثبات للحديث من طريق عبادة أيضًا، كما ثبت من طريق ابن عبَّاس. وقد أخرج معناه الدار قطني عن أنس وعبادة: «فإذا اختلف النوعان فلا بأس بِهِ». ولمسلم معناه في قوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف <3/230> فبيعوا كيف شئتم»، لكن زاد فيه قوله: «إذا كان يدًا بيدٍ». وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى إِلاَّ ما اختلفت ألوانه».
والحديث يدلُّ على اعتبار الجنس في معنى الربا، سواء كان من الأجناس المنصوص عليها في الأحاديث أو من غيرها، وقد اختلف الناس في ذلك، فقصرت الظاهريَّة حكم الربا على الأجناس المذكورة في الأحاديث، وزعموا أنَّه لا يلحق بها غيرها في ذلك، وذهب من عداهم من العلماء إِلىَ أنَّه يلحق بها ما يشاركها في العلَّة.
واختلفوا في العلَّة ما هي؟ فقيل: الاِتِّفَاق في الجنس والطعم فيما عدا النقدين، وأمَّا هما فلا يلحق بهما غيرهما من الموزونات، واستدلَّ على اعتبار الطعم بقوله صلى الله عليه وسلم: «الطعام بالطعام»، وقيل: العلَّة الجنس والتقدير والاقتيات، وقيل: اتِّفاق الجنس ووجوب الزكاة، وقيل: العلَّة في جميعها اتِّفاق الجنس والتقدير بالكيل والوزن، وقيل: العلَّة في ذلك المالية بشرط اتِّفاق الجنس وحصول الأجل والزيادة، ونسبه صاحب النيل إِلىَ أكثرنا، فلا يتحقَّق الربا عندهم إِلاَّ باجتماع ذلك كُلِّه، والله أعلم.
ما جاء في التسعير
<3/231> وأخرج الخمسة إِلاَّ النسائيُّ وصحَّحه الترمذيُّ عن أنس قال: غَلاَ السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: «إنَّ الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر وإنِّي لأرجو أن ألقى الله عزَّ وجلَّ ولا يظلمني أحد بمظلمة ظلمتُها إيَّاه في دم ولا مال». (4/201)
صفحة 1195
قوله: «عام سَنَةٍ»: بفتح المهملة والنون، قال ابن عبَّاس: إِنَّمَا سمِّي عامَ سَنَةٍ لشدَّة غلائها، وأصل السَّنة الزمان المعروف، ثمَّ أطلق على الجدب، يقال: أخذتهم السَّنَة إذا أجدبوا وأقحطوا، وهي من الأسماء الغالبة، نحو الدَّابَّة في الفرس، والمال في الإبل، وقد خصُّوها بقلب لامها تاءً في «أسْنَتوا» إذا أجدبوا.
قوله: «أن يُسعِّر»: بضمِّ أوَّله، من التسعير، وَهُوَ أن يأمر السلطان أو نوابه أو كلُّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمور المسلمين أمرًا أَهْلَ السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إِلاَّ بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.
قوله: «القابض الباسط»: صفتان لله عزَّ وجلَّ، ومعنى القابض أي يقبض الرزق عمَّن شاء أن يحبسه عنه اختبارًا، أيصبر أم يجزع؟ ومعنى الباسط <3/232> أن يوسِّع الرزق لمن يشاء امتحانا، أيشكر أم يكفر؟ بحسب ما اقتضته الحكمة.
قوله: «هو المسعِّر»: أي مقدِّر التسعير، واستدلَّ بِهِ على أنَّ المسعِّر من أسماء الله تعالى وأنَّها لا تنحصر في التسعة والتسعين المعروفة. (4/202)
صفحة 1196
قوله: «ولكن اسألوا الله»: أي اطلبوا منه رخص الأسعار. وعند أحمد وأبي داود عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، سعِّر، فقال بل ادعو الله، ثُمَّ جاء آخر فقال: يا رسول الله سعِّر، فقال: «بل الله يخفض ويرفع». وقد استدلَّ بالحديث وما في معناه على تحريم التسعير، وأنَّه مظلمة، ووجهه أنَّ الناس مسلَّطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره بمصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مُنافٍ لقوله تعالى: {إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ} [النساء: 29]، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وروي عن مالك أنَّه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب تردُّ عليه، وظاهر الأحاديث لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور. وفي وجه للشافعيَّة جواز التسعير في حالة الغلاء، وَهُوَ مردودٌ. وجوَّز بعض الناس التسعير فيما عدا قوت الآدميِّ والبهيمة، وَقِيلَ: لأهل المنازل أن يردُّوا أسعار منازلهم إِلىَ سعر السوق القائم المعروف حولهم، والتخصيص يحتاج إِلىَ دليل، والمناسب الملغى لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلَّة، والله أعلم.
ما جاء في إفلاس الغريم
<3/233> جاء في إفلاس الغريم حديث أبي هريرة، وكأنَّه رحمه الله تعالى أشار بذكره في الباب إِلىَ ما استَدَلَّ به بعضهم على فسخ البيع بالإفلاس، قالوا: وكذلك إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطلٍ أو هرب قياساً على الإفلاس بجامع تعذُّر الوصول إليه حالاً، وذكر ابن حجر أنَّ الأصحَّ من قول العلماء أن لا ينفسخ.
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه. (4/203)
صفحة 1197
قوله: «أيُّما» مُرَكَّبة من أيُّ، وهي اسم ينوب مناب صيغة الشرط، و ما المبهمة المزيدة.
قوله: «رجلٍ»: بالجرِّ لإضافة أَيُّ إليه، وبالرفع بدلٌ من أيُّ، وليس المبدل منه على نية الطرح، وما زائدة. وذِكْرُ الرجل غالبيٌّ، والمراد إنسان.
قوله: «أفلس»: أي ذهب ما عنده، يقال: أفلس الرجل كأنَّه صار إِلىَ حال ليس له فلوس، ويقال: معناه صار ذلك فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، فهو مفلس، والجمع مفاليس. وحقيقته الانتقال عن حالة اليسر إِلىَ حالة العسر، وقيل: المفلس لغة من لا عين له ولا عرض، وشرعًا: من قصَّر ما بيده عمَّا عليه من الديون.
قوله: «فأدرك»: أي وجد.
<3/234> قوله: «الرجل» أي الذي باعه أو أقرضه.
قوله: «مَالَهُ بعينه»: أي وجده باقيا على حاله لم يتغيَّر، وهذا يدلُّ على أنَّه إن باعه المشتري فأدرك ثمنه فلا يأخذه، بل يكون فيه هُوَ والغرماء سواء، ثمَّ إنَّ ظاهره يدلُّ على أنَّ لصاحب المتاع أن يأخذه بغير حكم، قيل: وَهُوَ الأصحُّ، وَقِيلَ: يتوقَّف على حكم الحاكم كما توقَّف ثبوت التفليس على ذلك. (4/204)
صفحة 1198
قوله: «فهو أحقُّ به من غيره»: أي لا يشاركه فيه الغرماء، وبهذا قال الجمهور من العلماء، وَهُوَ قول أبي عبد الله محمَّد بن محبوب رضي الله عنه. وقالت الحنفيَّة وبعض أصحابنا منهم أبو محمَّد: هو كالغرماء لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ} [البقرة: 280]، قالوا: فاستحقَّ النَّظِرة إليها بالآية، وليس له الطلب قبلها، قالوا: وَلأَنَّ العقد يوجب ملك الثمن للبائع في ذمَّة المشتري وَهُوَ الدَّين، وذلك وصف في الذمَّة، ولا يتصوَّر قبضه، وحملوا حديث الباب على المغصوب والعواري والإجارة والرهن وما أشبهها، فإنَّ ذلك ماله بعينه فهو أحقُّ بِهِ، قالوا: وليس المبيع مالاً لبائع ولا متاعا له، وإنَّما هو مال المشتري إذ هو قد خرج عن ملكه وعن ضمانه بالبيع والقبض، وقال أبو معاوية عزَّان بن الصقر وتبعه على ذلك أكثر من جاء بعده من فقهاء الأصحاب: إن كان إفلاسه من بعد ما اشترى فالبائع والغرماء سواءٌ في المتاع، وإن اشتراه وَهُوَ مفلس ولم يعلم البائع بإفلاسه فإن أدرك متاعه أخذه، وإن لم يدرك متاعه لم يدخل مع الغرماء، وإن اشتراه بعد إفلاسه ثمَّ مات فهو بمنزلة المغتصب، فإن وجد المتاع بعينه أخذه، وإن لم يوجد المتاع فثمن المتاع في ماله، وله الوفاء دون الغرماء، وَهُوَ في غاية من التحقيق لولا ظاهر الحديث، لأنَّ البيع ينعقد قبل الإفلاس لا بعده، فيكون البيع بعد الإفلاس <3/235> باطلا، فيثبت له عين ماله، بخلافه قبل ذلك، لَكِنَّ الأخذ بظاهر الحديث أولى، على أنَّه قد وقع النصُّ في حديث الباب أنَّه في صورة البيع، فأخرج ابن خزيمة وابن حبَّان عن طريق سفيان الثوريِّ عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ابتاع الرجل سلعةً ثمَّ أفلس وهي عنده بعينها (4/205)
صفحة 1199
فهو أحقُّ بها من الغرماء». ولمسلم من رواية ابن أبي حسين عن أبي بكر بن محمَّد بسنده في الرجل الذي يُعْدِم إذا وجد عنده المتاع ولم يعرفه أنَّه لصاحبه الذي باعه، فَتَبَيَّنَ أنَّ الحديث واردٌ في صورة البيع فلا وجه لتخصيصه بما قاله الحنفيَّة وابن بركة وغيرهم، ولا خلاف أنَّ صاحب الوديعة وما أشبهها أحقُّ بها، سواء وجدها عند المفلس أو غيره، وقد شرط الإفلاس في الحديث. (4/206)
صفحة 1200
قال البيهقيُّ: وهذه الرواية الصحيحة الصريحة في البيع والسلعة تمنع من حمل الحكم فيها على الودائع والعواري والمغصوب مع تعليقه إيَّاه في جميع الروايات بالإفلاس. قال غيره: وأيضا فصاحب الشرع جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه، والمودِع أحقُّ بماله، سواء كان في صفته أو تغيَّر عنها، فلم يجز حمل الحديث عليه، ووجب حمله على البائع لأنَّه إنَّما يرجع بعينه إذا كان على صفته لم يتغيَّر، فإذا تغيَّر فلا رجوع له، وأيضا لا مدخل للقياس إِلاَّ إذا عدمت السنَّة، فإن وُجدت فهي حجَّة على من خالفها. وقال ابن عبد البرّ بعد مرسل مالك في معنى حديث الباب: هذا الحديث صحيح ثابت في رواية الحجازيِّين والبصريِّين، وأجمع <3/236> على القول بجملته فقهاء المدينة والحجاز والبصرة والشام وإن اختلفوا في بعض فروعه. ودفعه الكوفيُّون وأبو حنيفة وأصحابه، وَهُوَ ما يعدُّ عليهم في السنن التي ردُّوها بغير سنَّة صاروا إليها، وأدخلوا النظر حيث لا مدخل له مع صحيح الأثر، وحجَّتهم أنَّ السلعة مالُ المشتري وثمنها في ذمَّته، فغرماؤه أحقُّ بها كسائر ماله، وهذا ما لا يخفى على أحد لولا أنَّ صاحب الشريعة جعل لصاحب السلعة إذا وجدها بعينها أخذها، {وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلاَ مُومِنَةٍ اِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ, أَمْرًا اَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنَ اَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ...}الآية [النساء: 65]. (4/207)
صفحة 1201
قال: ولو جاز مثل ردِّ هذه السنَّة المشهورة عند علماء المدينة وغيرهم بإمكان الوهم والغلط فيها لجاز ذلك في سائر السنن حتَّى لا تبقى سنَّة إِلاَّ قليل مِمَّا أُجمِع عليه، وهذه السنَّة أصل برأسها ولا سبيل أن تردَّ إلى غيرها لأَنَّ الأصول لا تنقاس، وإنما تنقاس الفروع ردًّا على أصولها، قال: ولا أعلم للكوفيِّين سلفًا إِلاَّ مارواه قتادة عن خلاس بن عمرو عن عليٍّ قال: هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها، قال: وأحاديث خلاس عن عليٍّ ضعيفة ليس في شيءٍ منها إذا انفرد حجَّة، قال: وروي مثله عن إبراهيم النخعي، وليس في قوله حجَّة على الجمهور إذ الواجب عليه الرجوع للسنَّة، فكيف يقلِّد ويتبع! وَهُوَ كلام نفيسٌ جدًّا.
ما جاء في الشفعة والرهن والقراض
<3/237> وفي الشفعة والرهن والقراض ذُكر حديث ابن عبَّاس، ولعلَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف رضي الله عنه. وَإِنَّمَا ذكره في هذا الباب لأنَّ الشفعة تفسخ حكم البيع وتنقله من المشتري إِلىَ المستشفِع، والرهن إن لم يُقبض لا يثبت فيه حقُّ المرتهن، والقراض إن لم يكن بعينٍ فهو فاسد، فالثلاث كلُّها داخلة في أبواب الانفساخ الذي ترجم عنه أوَّل الباب. (4/208)
صفحة 1202
والشُّفْعَةُ بضمِّ المعجمة وسكون الفاء، وحكي ضمُّها، وقال بعضهم: لا يجوز غير السكون، وهي في اللغة الضمُّ، مِنْ شفعت الشيءَ ضمَمْتُه، فهي ضمُّ نصيب إِلىَ نصيبٍ، ومنه شفع الأذان، وقيل: من الشفع ضدّ الوتر لأنَّه ضمَّ نصيب شريكه إِلىَ نصيبه، وهذا قريب مِمَّا قبله، وَقِيلَ: من الزيادة لأنَّه يزيد ما يأخذه منه إِلىَ ماله، وقيل في قوله تعالى: {مَنْ يَّشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} [النساء: 85]: من يزد عملا صالحًا إِلىَ عمله، وقيل: من الشفاعة لأنَّه يتشفَّع بنصيبه إِلىَ نصيب صاحبه، وَقِيلَ: لأنَّهم كانوا في الجاهليَّة إذا باع الشريك حصَّته أتى المجاور شافعًا إِلىَ المشتري ليُولِيَه ما اشتراه، وهي في الشرع استحقاق شريكٍ أخْذَ مبيع شريكه بثمن. (4/209)
صفحة 1203
قوله: «لا شفاعة إِلاَّ لشريك»: نصّ على نفي الشفعة بغير الشركة وهي الخلطة، ولو في سبب من أسباب المبيع، كطريق وجدار وقياس وغير ذلك. قال أبو سعيد: في قول أصحابنا: لا تشفع الأموال إِلاَّ بثلاثة وجوه: المشاع والقياس بين النخل الحقائق والطريق والسواقي، وهذه الأشياء أنواع للشركة، وأراد بالمشاع قياس الأرض التي تكون بين النخلتين الثابتتين، فإنَّ الأرض إذا كانت لا تسع بينهما فسلة فإنَّها تقسم بينهما بالقياس فهي شركة في الأرض المقايسة بينهما، والحقائق من النخل: الثوابت التي لها القياس، والشركة في الطريق أن يشتركا في المدخل <3/238> أو المخرج، والشركة في السواقي أن يتَّحد المسقي، وقد أثبتُوا الشفعة أيضًا في الماء المبيع إذا كانت البادة يتساقونها، يتقدَّم هذا حينًا ويتأخر حينًا ولو كثر أهلها، فكلُّهم شفعاء لأنَّهم فيها شركاء، فأيُّهم سبق بها كان بها أحقَّ، وإن كان الماء فيها مربوطًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يتأخَّر فإنَّ الشفعة للذي يسدُّ عنه البائع، لأنَّ الضرر على المسدود عنه، وهذه شركة في ترداد الماء، فجميع أسباب الشفعة عندنا منحصرة في الشركة. وقد أثبت بعض مخالفينا - وسوَّغه الشيخ أبو سعيد، بل وحسَّنه - الشفعةَ بالجوار لحديث الشريد بن سويد عند أحمد والنسائي وابن ماجه قال قلت: يا رسول الله أرضٌ ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إِلاَّ الجوار، فقال: «الجار أحقُّ بسقَبه ما كان».
وقوله: «بسَقَبِه»: بفتح السين المهملة والقاف وبعدها باء موحَّدة، ويقال بالصاد المهملة بدل السين المهملة: القرب والمجاورة.
وأجيب عنه بجوابين:
أحدهما: ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد بِهِ الشفعة، ويحتمل أن يكون أحقَّ بالبر والمعونة، وَهُوَ احتمال بعيد. (4/210)
صفحة 1204
والجواب الثاني: حمل هذا المطلق على المقيَّد في حديث جابر عند الخمسة إِلاَّ <3/239> النسائي، وفيه: إذا كان طريقهما واحدًا» لا يقال: إِنَّ نفي الشركة فيها يدلُّ على عدم اتِّحاد الطريق فلا يصحُّ تقييده بحديث جابر، إنَّا نقول: إِنَّمَا نفى الشركة عن الأرض فقط لا عن طريقها.
قوله: «ولا رهن إِلاَّ بقبض»: الرهن بفتح الراء وسكون الهاء في اللغة مطلق الحبس. وفي الشرع: حبس الشيء بِحَقٍّ يمكن أخذه منه كالدين، ويطلق على المرهون تسمية للمفعول باسم المصدر. والحديث يدلُّ على اشتراط القبض في الرهن، لأنَّه نفى حقيقة الرهن إِلاَّ بالقبض، وَهُوَ قول الجمهور، حتَّى قالوا: إذا خرج الرهن من يد المرتهن إِلىَ يد الراهن بطل، لأنَّه فارق ما جُعِل له، وأجازه مالك بالإيجاب والقبول بدون القبض، والحديث يَرُدُّه، وكذلك ظاهر قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]. وَيجوز قبضُ وكيل المرتهن وقبض المسلَّط. وقال الحكم ابن عيينة: لا يَصِحُّ قبض الوكيل، وذلك أن يوكّل على القبض، وأمَّا أن يوكّل على المداينة والارتهان فجائز قبضه إجماعا. واختلف القائلون بشرط القبض فقيل: إن وقع بلا قبض بطل، وَهُوَ الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقيل: يجبر الراهن على تقبيض المرتهن. (4/211)
صفحة 1205
<3/240> قوله: «ولا قراضَ إِلاَّ بعين»: القِراض بكسر أوَّله هو المضاربة، فأهل الحجاز يسمُّونه القراض، وأهل العراق يسمُّونه المضاربة، ولا يقولون قراضاً البتَّة، وأخذوا ذلك من قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاَرْضِ} [النساء: 101]، وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ} [المزمل: 20]. وكان في الجاهليَّة فأُقِرَّ في الإسلام، وعمل بِهِ النبيء صلى الله عليه وسلم لخديجة قبل البعثة، ونقلته الكافَّة عن الكافَّة كما نُقلت الدية، ولا خلاف في جوازه لكن يشترط أن يكون بعين، والمراد بالعين ما ضُرب من الدنانير أو الدراهم، وقيل: العين النقد، والحديث ينفي صحَّة القراض إِلاَّ في العين، فمن دفع في القراض سلعةً فقد خالف أمر الشرع، والسلعة على ذمَّة صاحبها، والمقارض أمينٌ فيها، وما تحصَّل منها فهو لصاحبها وللمقارض فيها أجر عنائه، والله أعلم.
<3/241> كتاب الأحكام
الأحكام جمع حكم، والمراد بِهِ القضاء بين الخصوم، لا الحكم المعروف عند أهل الأصول المعبِّر عنه بأثر خطاب الله تعالى المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء والتخيير والوضع، فإنَّ الحكم بهذا المعنى شامل لأنواع التكاليف وأسبابها، وليس ذلك مرادًا هنا، بل المراد: فصل الخصومة بحسب الظاهر على وفق ما أمر بِهِ الشرعُ. ومادة الحكم من الإحكام، وَهُوَ الإتقان للشيء ومنعه من العيب، ويشتقُّ منه الحاكم لمن وُلي الحكم، وَهُوَ شامل للخليفة والقاضي، والله أعلم.
ما جاء أنَّ حُكم الحاكِم لا يُحلِّلُ حرامًا
<3/242> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الجماعة عن أمِّ سلمة، وقد احتجَّ بِهِ من لم يرَ للحاكم أن يحكم بعلمه. (4/212)
صفحة 1206
قوله: «إِنَّمَا أنا بشرٌ مثلكم»: البشر يطلق على الجماعة والواحد، وبمعنى أنَّه منهم، والمراد أنَّه صلى الله عليه وسلم مشاركٌ للبشر في أصل الخلقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصَّ بها في ذاته وصفاته. والحصر هنا مجاز لأنَّه صلى الله عليه وسلم يختصُّ بالعلم الباطن الذي يُطْلِعه الله عليه من عجائب الملك والملكوت وأحوال الآخرة، ويسمَّى قصر قلب، لأنَّه أتى به ردًّا على من زعم أنَّ من كان رسولاً فإنَّه يعلم كُلَّ غيبٍ حتَّى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم. والحكمة في ذلك أنَّه كان يمكن إطلاعه بالوحي على كُلِّ حكومة أنَّه لَمَّا كان مشرِّعاً كان يحكم بما شُرع للمكلَّفين، ويعتمده الحاكم بعده. <3/243> فقوله: «إِنَّمَا أنا بشرٌ مثلكم»: أي في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلَّفين، فأُمِرَ أن يحكم بمثل ما أُمِروا أن يحكموا بِهِ، ليتمَّ الاقتداء، وتطيب نفوس العباد بالانقياد إِلىَ الأحكام الظاهرة من غير نظر إِلىَ الباطن، والحاصل أنَّ هنا شيئين: أحدهما طريق الحكم، وَهُوَ الذي كلِّف المجتهد بالتبصُّر فيه، وبه يتعلَّقُ الخطأ والصواب، والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطَّلع عليه إِلاَّ الله ومن شاء من رسله، وهذا لم يقع التكليف بِهِ.
قوله: «تختصمون إليَّ»: أي تنتهون إليَّ في الفصل بينكم فيما اختصمتم فيه من أمور دنياكم.
قوله: «فأحكم بينكم»: أي فأفصل الخصوم بعضهم من بعض بما أمرني الله تعالى بِهِ في الفصل في حكم الظاهر. (4/213)
صفحة 1207
قوله: «أَلْحَنُ بحجَّته»: قال الربيع: ألْحنُ: أقطع وأبلغ وأحقُّ، أي في ظاهر الأمر، وقال غيره: ألحنَ بحجَّته أي أفطن بها، ويجوز أن يكون معناه أفصح تعبيرًا عنها وأظهر احتجاجاً، حتَّى يخيَّل للسامع أنَّه محقٌّ، وَهُوَ في الحقيقة مبطلٌ. وقال في النهاية: اللحن الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحنَ فلانٌ في كلامه إذا مال عن صحيح المنطق. وأراد أنَّ بعضهم يكون أعرف بالحجَّة وأفطن لها من غيره، ويقال: لحنتُ لفلان، إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على <3/244> غيره، لأنَّك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم.
قوله: «من حقِّ أخيه»: وفي رواية أخرى «من حقِّ مسلم»، والمُراد واحد، وفي نسخة: «من حقِّ فلان»، وفلان كناية عن الأناسي، وفي المختار: فلان كناية عن اسم سمِّي بِهِ المحدَّث عنه خاصٌّ غالب. (4/214)
صفحة 1208
قوله: «فلا يأخذ منه شيئا»: نهى فيه أن يأخذ المحكوم له شيئًا من حقِّ صاحبه بنفس الحكم، فالحكم تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو فُرقة أو نحو ذلك إن كان في الباطن كما هو في الظاهر نفذ على ما حكم بِهِ، وإن كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة وغيرها لم يكن الحكم موجبًا للتمليك ولا الإزالة ولا النكاح ولا الطلاق ولا غيرها، وَهُوَ قولنا وقول الجمهور من قومنا وأبي يوسف من الحَنَفِيَّة. وفصَّل آخرون من قومنا فقالوا: إن كان الحكم في مال وكان الأمر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر لم يكن ذلك موجبًا لحِلِّه للمحكوم له، وإن كان في نكاح أو طلاق فإنَّه ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وَهُوَ المال، واحتجُّوا بما عداه بقصَّة المتلاعنين، فإنَّه صلى الله عليه وسلم فرَّق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل قد كذب فيما رماها به، قالوا: فيؤخذ من هذا أنَّ كُلَّ قضاء ليس فيه تمليك مَالٍ أنَّه على الظاهر ولو كان الباطن بخلافه، وأنَّ حُكمَ الحاكم يُحدِث في ذلك التحريمَ والتحليلَ بخلاف الأموال.
<3/245> وتُعُقِّب بِأَنَّ الفرقة في اللعان إِنَّمَا وقعت عقوبة للعلم بأنَّ أحدهما كاذب، وَهُوَ أصل برأسه فلا يقاس عليه. (4/215)
صفحة 1209
قوله: «فإنَّما أقطع له قطعة من نار»: أي الذي قضيتُ له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستَحقُّه، فهو عليه حرام يؤول بِهِ إِلىَ النَّار، وَهُوَ يُفهم منه شدَّة التعذيب على ما يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه، كقوله تعالى: {اِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]. والحديث يدلُّ على إثم من خاصم في باطل حتَّى يستحقَّ بِهِ في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه، وأنَّ من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتَّى يصير حقًّا في الظاهر، فيحكم له بِهِ أنَّه لا يحلُّ له تناوُلُه في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. والحديث نصٌّ في مال الغير، ويتفرَّع عليه الحكم في مسائل الخلاف، كما لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له، هل يحلُّ له أخذ ما حكم له بِهِ أوْ لا ؟ كمن مات ابن ابنه وترك أخا شقيقا فرفعه لقاضٍ يرى رأي أبي بكر الصدِّيق، فحكم له بجميع الإرث دون الأخ الشقيق، وكان الجدُّ المذكور يرى رأي من يجعل للأخ ميراثا عند الجدِّ، نقل ابن المنذر عن الأكثر أنَّه يجب على الجدِّ أن يشارك الأخ الشقيق عملا بما يعتقده، وقيل غير ذلك.
واستُدِلَّ بالحديث على من ادَّعى مالاً ولم يكن له بيِّنة، فحلف المدَّعَى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنَّه لا يبرأ في الباطن، وأنَّ المدَّعي لو قام ببيِّنة بعد ذلك سمعت وبطل الحكم، وهي مسألة نزاع بين الأصحاب، وقد استخرج ابن حجر من الحديث فوائد كثيرة غالبها خارجٌ عن معنى الحديث، فلا يدلُّ عليها بعبارة ولا إشارة، والله أعلم. (4/216)
صفحة 1210
<3/246> وقول الربيع: «أقطع وأبلغ وأحق» صفات متلازمة متقاربة المعنى، فالأقطع لحجَّته: هو الذي يقوى على إخراج الكلام القاطع للخصومة، والأبلغ: هو الذي يبلِّغ بعبارة لسانه كُنه ما في قلبه، وقيل: هو الذي يوصل المعنى إِلىَ الغير بأحسن لفظٍ، والأحقُّ: هو الذي يكون في ظاهر الأمر أولى بالشيء من غيره، والمُراد: الأثبت في الدعوى في حكم الظاهر.
ما جاء في التشديد في أمر القضاء
قوله: «عن جابر بن زيد»: الحديث مرسل عند المصنِّف، وقد روى معناه أحمد وابن ماجه والبيهقيُّ في شُعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حاكم يحكم بين الناس إِلاَّ جاء يوم القيامة وملَكٌ آخذٌ بقفاه، ثمَّ يرفع رأسه إِلىَ السماء، فإن قال ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفًا». وروى الدارمي والبيهقيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أميرِ <3/247> عشرةٍ إِلاَّ يؤتى بِهِ يوم القيامة مغلولا حتَّى يفكَّ عنه العدل أو يوقعه الجور». ولأحمد معناه من حديث أبي أمامة.
قوله: «يأتي القاضي»: أي كلُّ قاض، عادلا كان أو جائراً، بدليل قوله آخر الحديث: «إِمَّا أن يفكَّ عنه عدله أو يهوي بِهِ جورُه إِلىَ النار».
قوله: «مغلول اليدين»: أي ممنوعتان من التَّصَرُّف، ويجعل الغُلُّ فيهما، وَهُوَ بضمِّ الغين: الحديدة التي تجمع يد الأسير إِلىَ عنقه، ويقال: إنَّها جامعة أيضًا، وهذا الحال عكس ما كان عليه في الدنيا، فإنَّ يديه كانتا مبسوطتين في إرادة نفسه وإنفاذ حكمه.
قوله: «إِمَّا أن يفكَّ عنه عدله»: أي إن كان عادلا خلَّصه عدله من الهلكة وفكَّ عنه الغلَّ.
قوله: «أو يهوي بِهِ جوره إِلىَ النار»: أي إن كان جائرًا سقط بِهِ جوره في النَّار، فكان ذلك آخر أمره، والمعنى: لم يزل مغلولا حتَّى يحلَّه العدل أو يهلكه الظلم، فيرى بعد الغلِّ ما الغلُّ في جنبه السلامة. (4/217)
صفحة 1211
<3/248> ما جاء أنَّ من حَكَم بين اثنين فَقَدْ ذبح نفسه بغير سِكِّين
والحديث عند المصنِّف من سماع أبي عبيدة عن ناس من الصحابة، وَهُوَ يدلُّ على صحَّة ما قيل: إنَّ أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر. ولأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه معناه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جُعل قاضيا بين الناس فقد ذُبح بغير سكين».
قوله: «من حكم بين اثنين»: أي من قضى بينهما، وذكر الاثنين مبالغة في التعليل، إذ لا يتصوَّر القضاء في أقلَّ منهما، بل لا بدَّ من مُدَّعٍ ومدَّعًى عليه.
وقوله: «فكأنَّما ذبح نفسه بغير سكِّين»: تمثيل لشدَّة حاله الذي وقع فيه، لأنَّه يكون بين عذاب الدُّنيا إن رشد، وبين عذاب الآخرة إن فسد، قيل: وَإِنَّمَا عدل عن الذبح بالسكِّين، ليُعلم أنَّ المراد ما يخاف من هلاك دينه دون بدنه، وقيل: لأنَّ الذبح بالسكِّين فيه إراحة للمذبوح، وبغير السكِّين كالخنق وغيره يكون الألم فيه أكثر، فذكر ليكون أبلغ في التحذير. (4/218)
صفحة 1212
<3/249> ومن الناس من فتن بحبِّ القضاء فأخرجه عمَّا يتبادر إليه الفهم من سياقه، فقال: إِنَّمَا قال ذلك إشارة إِلىَ الرفق بِهِ ولو ذبح بالسكِّين لكان أشقَّ عليه، ولا يخفى فساده. ومنهم من قال: إنَّ القاضي لَمَّا استسلم لحكم الله، واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم، لم تأخذه في الله لومة لائم حتَّى قاده ذلك إِلىَ مُرِّ الحقّ جعله ذبيحًا للحقِّ، وبلغ بِهِ حال الشهداء الذين لهم الجَنَّة يقاتلون في سبيل الله. وقد ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا ومعاذا ومعقل بن يسار، فنعم الذابح ونعم المذبوح. وفي كتاب الله الدليل على الترغيب فيه بقوله: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيئُونَ الذِينَ أَسْلَمُواْ...} [المائدة: 44] إِلىَ آخر الآيات. ورُدَّ بأنَّ حديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا في ترغيبهم، وهذا هو الذي فهمه السلف والخلف، ومن جعله من الترغيب فقد أبعد. وقد استروح كثير من القضاة إِلىَ ما ذكره هذا المتأوِّل، وقد ورد الترغيب في القضاء ما يُغني عن مثل ذلك التكلُّف، والله أعلم.
ما جاء في لزوم الفقير وأنَّ المدَّعي ما ليس له والمنكر ما عليه كافران (4/219)
صفحة 1213
<3/250> قوله: «لزوم الفقير حرام»: المراد بالفقير من لا يقدر على الوفاء، والمراد بلزومه الإلحاح عليه في الطلب، ومرافعته إِلىَ الحاكم، والتضييق عليه في ذلك، فإنَّ ذلك كُلَّه أذى له ولا يحلُّ أذاه وَهُوَ معدم، وقد أمرنا الله تعالى بإنظار المُعسر في قوله عزَّ من قائل: {وَإِن كَان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ} [البقرة: 280]، ومنهم من حمل الآية على المعسر برأس المال في الربا، لذكر ذلك في الآية قبلها، وحديث الباب يُؤَيِّدُ الأوَّل، وهذه فيمن صحَّ إفلاسه، فأمَّا من ادَّعى العُدم فقيل لا يحبس حتَّى يصحَّ كذبه، وقيل: يحبس حتَّى يصحَّ عُدمه، وَقِيلَ: إن كان الدّين من عوض كقرض وشراء سلعة ونحو ذلك حُبسَ حتَّى يصحَّ عدمه، وإن كان من غير عوض لم يحبس حتَّى يصحَّ غناه، ونسب إِلىَ أكثر أصحابنا، وذلك أنَّ الحكم فيما كان عن عوض بقاء ذلك الشيء أو عوضه، والحكم فيما كان من ضمان أو نحوه عدم الشيء حتَّى يصحَّ الوجود، والأقوال الثلاثة في المذهب. وذكر عن شريح أنَّ رجلا خاصم رجلا إليه فقضى عليه وأمر بحبسه ليقضي ما عليه من <3/251> أمانة أتلفها، فقال رجل كان عند شريح: إنَّه معسر، والله تعالى يقول في كتابه: {وَإِن كَان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ} فقال شريح: إِنَّمَا ذلك في الربا وإنَّ الله تعالى قال: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمُ, أَن تُوَدُّوا الاَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، ولا يأمرنا الله بشيء ثمَّ يعذِّبنا عليه، أي حكمتُ بما أمرني بِهِ فكيف يعذبني عليه؟.
قوله: «والمدَّعي ما ليس له»: هو الذي يطلب أموال الناس بالدعوى الباطلة يزعم أنَّها له.
قوله: «والمنكر لِمَا عليه»: هو الرجل يكون عليه الحقُّ لآخر فيجحده ويقول: ليس لك عليَّ شيء. (4/220)
صفحة 1214
وقوله: «كافران»: تثنية كافر خبر عن المدَّعي والمنكر، والمُراد أنَّهما كافرَا نعمةِ الإسلام، حيث كان الواجب في شرع الإسلام إعطاء كُلِّ ذي حقٍّ حقَّه فمن لم يمتثل أوامر الشرع فقد كفر نعمته. وفي حديث أبي ذرٍّ عند الشيخين وأحمد أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من رجل ادَّعى بغير أبيه وَهُوَ يعلمه إِلاَّ كفر، ومن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا، وليتبوَّأ مقعده من النَّار»، وفي الحديث إثبات كفر النِّعمة وقد أنكره قومنا، وسيأتي الردُّ عليهم في أوَّل الجزء الرابع، والله أعلم.
ما جاء أنَّ البيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر
<3/252> قوله: «عن ابن عبَّاس» الحديث رواه الشيخان وأحمد بلفظ: أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدَّعَى عليه. وفي لفظ عند مسلم وأحمد: «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجال وأموالَهم وَلَكِنَّ اليمين على المدَّعى عليه». وفي شرح النوويِّ على مسلم قال: وجاء في رواية البيهقي باسناد حسن وصحيح زيادة عن ابن عبَّاس موقوفاً: «لَكِنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المنكر».
قوله: «البيِّنة»: أي الحجَّة، فَيْعِلَة، من البينونة أو البيان.
قوله: «على من ادَّعى»: أي طلب الحقَّ بدعواه أنَّه له. واختلفوا في بيان المدَّعي والمدَّعى عليه، فقيل: المدَّعي من تُخالِف دعواه الظاهرَ، والمدَّعَى عليه بخلافه. وَقِيلَ: المدَّعي من إذا سكت تُرك، والمدَّعَى عليه من لا يخلى إذا سكت. وبمعناه ما قيل: إنَّ المدَّعي من لا يجبر على الخصومة، والمدَّعى عليه من يجبر عليها. وأُورِدَ على الأوَّل بِأَنَّ المودَعَ إذا ادَّعى الردَّ أو التلف، فإنَّ دعواه تخالف الظاهر ومع ذلك فالقول قوله. (4/221)
صفحة 1215
قوله: «واليمين على من أنكر»: أي أنكر الدعوى، فإنَّه يحلف بعد حكم الحاكم عليه بذلك، فلو حلف قبل الحكم لم يُجزه، وكذلك إذا حلَّفه الحاكم قبل طلب المدَّعي فإنَّه لا يجزيه ذلك من لا يكون قاطعا لدعوى الخصم، فلو طلب أن يحلفه ثانية كان له ذلك. قال النوويُّ: هذا الحديث قاعدة شريفة كُلِّيَّة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يقبل قول الإنسان فيما يدَّعيه بِمُجَرَّدِ دعواه بل <3/253> يحتاج إِلىَ بيِّنة أو تصديق المدَّعي عليه، فإن طلب يمين المدَّعى عليه فله ذلك. قال: وقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بِمُجَرَّدِ دعواه أنَّه لو أعطى بِمُجَرَّدِها لادَّعى قومٌ دماء قوم وأموالهم واستبيح ذلك، ولا يتمكن المدَّعى عليه من صون ماله ودمه. وقال جماعة من أهل العلم: الحكمة في ذلك أنَّ جانب المدَّعِي ضعيف لأنَّه يقول بخلاف الظاهر، فكلِّف الحجَّة القَوِيَّة، وهي البيِّنة، لأنَّها لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضعف المدَّعي، وأمَّا جانب المدَّعى عليه فهو قويٌّ لأنَّ الأصل فراغ ذمَّته، فاكتفى فيه باليمين، وهي حجَّة ضعيفة، لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع عنها الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة، ولا مانع من اجتماع حكمتين أو أكثر في معنى واحد، على أنَّ الحكمة التي أشار إليها الحديث متعلِّقة بالمصالح العامَّة المُتَرَتِّبَة على نفس القضاء، والحكمة التي استنبطها العلماء إِنَّمَا هي مجرَّد مناسبة، لأنَّها تُبَيِّنُ الوجه الذي لأجله اختصَّ المدَّعي بالبيِّنة والمنكر باليمين. واستُدِلَّ بالحديث لمذهب الجمهور في وجوب البيِّنة على كُلِّ من ادَّعى واليمين على كُلِّ من أنكر، فحملوا الحديث على عمومه في حقِّ كُلِّ أحد، سواءٌ كان بين المدَّعي والمدَّعَى عليه اختلاط أم لا. (4/222)
صفحة 1216
وقال مالك وأصحابه والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة: إنَّ اليمين لا تتوجَّه إِلاَّ على من بينه وبينه خلطة لئلاَّ يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطوا الخُلطة لدفع هذه المفسدة.
واختلفوا في تفسير الخلطة، فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، وقيل: تكفي الشبهة، وقيل: هي أن يليق بِهِ الدعوى بمثلها على مثله، وقريب من هذا المعنى ما قيل: إنَّ قرائن الحال إذا شهدت تكذِّب المدَّعي لم يُلتفت إِلىَ دعواه، ورُدَّ بأنَّ الحديث عامٌّ، ولم يرد ما يخصِّصه من كتاب ولا سنَّة ولا إجماع، والله أعلم.
<3/254> ما جاء أنَّ بين كلِّ حالفين يمين
قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم. (4/223)
صفحة 1217
قوله: «بين كلِّ حالفين يمين»: المراد بالحالفين الخصمان اللذان عدما البيِّنة في الشيء الذي يدَّعيانه وليس لأحدهما فيه يدٌ، فإنَّ اليمين تتوجَّه عليهما معا، فإن حلفا جميعا قسم بينهما نصفين، وإن نكل أحدهما عن اليمين فهو للذي حلف، وإن تنازعا في التقدُّم أقرع بينهما. وروى البخاريُّ عن أبي هريرة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم عرض على قوم فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيُّهم يحلف. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنَّ رجلين اختصما في دَابَّة وليس لهما بيِّنة فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «اِسْتَهِمَا على اليمين». وصوَّر بعض قومنا المسألة أنَّ رجلين إذا تداعيا متاعا في يد ثالث ولم يكن لهما بيِّنة أو لِكُلِّ واحد منهما بيِّنة وقال الثالث: لا أعلم بذلك، يعني أنَّه لكما أو لغيركما، قال: فحكمها أن يقرع بين المتداعيين، <3/255> فَأَيُّهم خرجت له القرعة يحلف معها ويقضى له بذلك المتاع. قال: وبهذا قال عليُّ بن أبي طالب، قال: وعند الشافعيِّ يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين، وقال غيره: ويقول عليٌّ قال أحمد والشافعي في أحد أقواله وفي قول الآخر وبه قال أبو حنيفة أيضًا: إنَّه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كلٍّ منهما، وفي قول آخر يُترك في يد الثالث.
قلت: وإنَّما ذكرت كلامه على هذا الحال تسويغاً للأقوال، فإنَّ المقامَ مقامُ نظرٍ واجتهاد، والموجود في المذهب ما قدَّمت لك في معنى الحديث، والله أعلم.
ما جاء فيمن يأتي بشهادته قبل أن يُسأل عنها
قوله: «ومن طريق عائشة»: أي بالسند المتقدِّم، والحديث روى معناه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن زيد بن خالد الجُهني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها». وفي لفظ لأحمد: «الذين يبدأون بشهادتهم من غير أن يُسألوا عنها». (4/224)
صفحة 1218
قوله: «بخير الشهداء»: جمع شهيد، كظرفاء جمع ظريف، ويجمع أيضًا على شهود. والمُراد بخير الشهداء أكملهم في رتبة الشهادة وأكثرهم ثوابا عند الله.
<3/256> قوله: «قبل أن يُسأل عنها»: وفي رواية عن زيد بن خالد: «قبل أن يُسألها»، وفي رواية: «قبل أن يُسْتَشْهَدَ»، وقد أخذ بظاهره بعض قومنا فأجازوا للشاهد أن يشهد قبل أن يُستشْهَد، وتأوَّله أصحابنا والجمهور من قومنا، ثمَّ اختلفوا في وجه التأويل فقيل: محمولٌ على شهادة الحِسْبة في غير حقوق الآدميِّين، كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامَّة والحدود ونحو ذلك، قالوا: فمظهر شهادته في نحو هذا خير الشهداء، لأنَّه لو لم يظهرها لضاع حكم من أحكام الدّين، وقاعدة من قواعد الشرع، حتَّى قيل: إنَّ من علم شيئًا من هذا النوع وجب عليه رفعه إِلىَ القاضي وإعلامه بِهِ. قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] . (4/225)
صفحة 1219
وَقِيلَ: محمول على من عنده شهادة لإنسانٍ بحقٍّ ولا يعلم ذلك الإنسان أنَّه شاهد، فيأتي إليه فيُخبره بأنَّه شاهد له لأنَّها أمانة له عنده، ويقرب منه ما قيل: إنَّ ذلك في الأمانة والوديعة ليتيم لا يعلم مكانها غيره، فيخبر بما يعلم من ذلك. وكذا القول في المجنون وَالمَيِّت. قال بعض أصحابنا: ولكن ينبغي له أن يقول للقاضي: عندي لفلان الطفل الصغير، أو فلان المجنون، أو فلان الميِّت شهادة، فإن سألتني عنها شهدتُ بها، فإن أمره القاضي شهد بما عنده، ولا يبتدئ بالشهادة قبل الأمر. وَقِيلَ: محمولٌ على المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها، كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال، أي يعطي سريعًا عقيب السؤال من غير توقُّف، قالوا: وليس في هذا الحديث مناقضة <3/257> للحديث الآخر من قوله صلى الله عليه وسلم: «يشهدون ولا يُستشهَدون»، ولأنَّه محمول على من عنده شهادة لإنسان وَهُوَ عالم بها فيشهد قبل أن يطلب منه. وقيل: المراد شاهد الزُّور، وَهُوَ الذي يشهد بما لا أصل له، وقيل: المراد الذي انتصب شاهدًا وليس هو من أهل الشهادة، والله أعلم.
ما جاء في منع الشهادة على غير الحقِّ (4/226)
صفحة 1220
قوله: « بلغني»: الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهم من <3/258> طرق كثيرة، وقد روي هذا الحديث عن النعمان بن بشير صاحب القصَّة وعدد كثير من التابعين منهم عروة بن الزبير وأبو الضحى والفضل بن المهلَّب وعبد الله بن عتبة بن مسعود وعامر الشعبيُّ، وقد رواه مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعن محمَّد بن النعمان بن بشير أنَّهما حدَّثاه عن النعمان بن بشير أنَّه قال: إنَّ أباه بشيرًا أتى بِهِ إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكلُّ ولدك نحلته مثل هذا ؟»، قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارْتَجِعْهُ». هكذا رواه أكثر أصحاب الزهريِّ. وأخرجه النسائيُّ من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب أنَّ محمَّد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدَّثاه عن بشير بن سعد جعله من مسند بشير فشذَّ بذلك، والمحفوظ أنَّه عنهما عن النعمان.
قوله: «يسمَّى بشيرًا»: هو ابن سعد بن ثعلبة ابن الجُلاَس، بضمِّ الجيم وخفة اللام آخره مهملة، الخزرجي البدري، وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، وقيل: عاش إِلىَ خلافة عمر، ويقال: إنَّه أوَّل من بايع أبا بكر من الأنصار، وتقدَّم ذكره في كتاب الأذكار.
قوله: «بابنه النعمان»: هو النعمان بن بشير الخزرجي، سكن الشام، ثمَّ ولي إمارة الكوفة، ثمَّ قتل بحمص سنة خمس وَسِتِّينَ وله أربع وَسِتُّونَ سنة، وَهُوَ صحابيٌّ وأبواه صحابيان. وأمُّه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة، وهي التي سألت زوجها بشيرًا أن يهب ابنها النعمان هبة دون إخوته، ففعل فقالت له: أَشهِدْ على هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلّ بنيك... الحديث.
قوله: «نَحَلْتُ»: بفتح النون والمهملة وإسكان اللام: أي أعطيت.
<3/259> قوله: «ابني هذا»: إشارة إِلىَ النعمان. (4/227)
صفحة 1221
قوله: «غلاما»: لم يذكر اسمه.
قوله: «أكلّ ولدك»: بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ. ولمسلم: أكلَّهم وهبت له مثل هذا؟ وقال مسلم لما رواه من طريق الزهري، أمَّا يونس ومعمر فقالا: أكلّ بنيك، وأمَّا الليث وابن عيينة فقالا: ألا كلَّ ولدك، ولا منافاة بينهما، لأنَّ لفظ ولد يشمل الذكور والإناث، وأمَّا لفظ بنين فإن كانوا ذكورا فظاهر، وإن كانوا إناثا وذكورا فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد لبشير ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبَيَّة بموحَّدة تصغير أُبَيٍّ.
قوله: «لا تشهدنا إِلاَّ على الحقِّ»: وفي رواية الشيخين: «قال: لا تشهدني على جور»، وفي أخرى: «لا أشهد على جور». ولمسلم «فقال: فلا تشهدني إذن، فإنِّي لا أشهد على جور». والْمَعنَى واحد وإن اختفلت الألفاظ بتصرُّف الرواة في تأدية المعنى بالعبارات المختلفة لقصد الإيضاح في مراعاة الأحوال. وتمسَّك بِهِ من أوجب التسوية في عطيَّة الأولاد، وَهُوَ قول أكثر أصحابنا وطاوس وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والبخاريّ وبعض الْمَالِكِيَّة.
ثمَّ اختلف هؤلاء فمنهم من قال: إِنَّها باطلة إن وقعت، وَقِيلَ: تصحُّ ويأثم صاحبها إن لم يرجع فيها، وَهُوَ ظاهر المذهب وعليه أحمد. وقيل: يجوز التفاضل لسبب كما إذا احتاج الولد لزمانته أو دَيْنه أو نحو ذلك دون الباقين، وقيل: تجب التسوية إذا قصد بالتفضيل الإضرار.
ثمَّ اختلفوا في صفة التسوية، فقيل: العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث لأنَّه <3/260> حظُّه لو أبقاه الواهب حتَّى مات، وقيل: لا فرق بين الذكر والأنثى، وإنَّ هذا بخلاف الإرث، لأنَّ الوارث راضٍ بما فرض الله له بخلاف هذا، وَبِأَنَّ الذكر والأنثى إِنَّمَا يختلفان في الميراث بالعصوبة، أمَّا بالرحم المحدودة فهما فيه سواء كالإخوة والأخوات من الأمِّ، والهبة للأولاد أمر بها صلةً للرحم، والقول الأوَّل أقوى في النظر. (4/228)
صفحة 1222
وقال جمهور قومنا: التسوية مستحبَّة، فإن فضَّل بعضهم صحَّ وكُرِه، وندبت المبادرة إِلىَ التسوية والرجوع، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة لا ينبغي لنا الاشتغال بذكرها، وأقوى ما احتجُّوا به عمل أبي بكر وعمر بعده صلى الله عليه وسلم، فأبو بكر نحَلَ عائشة دون سائر ولده، وعمر نَحَلَ ابنَه عاصمًا دون سائر أولاده، وقد أجاب عروة عن قصَّة عائشة بأنَّ إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثله عن قصَّة عمر.
ورخَّص في الإيضاح في أشياء نقلها عن الأثر، قال: وما أعطاه الوالد لواحد من أولاده مثل أداة العمل أو معونة عبد يعمل له أو مثل ذلك من المعروف الذي يكون بين الناس فليس عليه من ذلك شيءٌ، قال: وكذلك إذا كثر العيالُ على واحد من أولاده فأدركته فيهم الرأفة، وجعل يعطي لعيال ابنه شيئًا فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم.
<3/261> ما جاء في جواز الصلح للحاكم
قوله: «بلغني»: الحديث لم أجده عند غيره، فكأنَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ. (4/229)
صفحة 1223
قوله: «الصلح خير الأحكام»: أو قال: «سَيِّد الأحكام»: شكَّ الراوي واللفظتان بمعنى واحد. والصلح لغةً: قطع المنازعة، وشرعًا: عقد يحصل بِهِ ذلك. وأحكامه أحكام البيع صِحَّةً وفسادًا، فينقضه ما ينقض البيع من الجهالة والعيب، وهل هو رخصة أو أصل بنفسه؟. فقيل: رخصة مستثناة من المحظورات، وَقِيلَ: هو أصلٌ بنفسه مندوب إليه، فمن قال بِالأَوَّلِ قال: الحديث مجمل، ومن قال بالثاني قال: إنَّه عامٌّ، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا تردَّدت في نوع من الصلح، فإن جعلته مجملا لم يصحَّ الاستدلال بالخبر على جوازه، وعلى الثاني يجوز إِلاَّ أن يقوم دليل على تخصيصه، وَهُوَ المذهب، وسياق الحديث يشهد له، ولا إجمال فيه، بل هو واضح الدلالة، فالصلح أصل بنفسه، وَهُوَ نوع من الأحكام، لكنَّه أفضل منها لما فيه من <3/262> الألفة بين الناس والمقاربة بين الأقارب. وعن عمر رضي الله عنه قال: رُدُّوا الخصومة ليصطلحوا فإنَّ الحكم يورث بينهم الضغائن، فمن هاهنا كان الصلح سَيِّد الأحكام.
وذكر الشيخ أبو زكرياء من فوائده عشر خصال: موافقة كتاب الله، وموافقة السنَّة، وتحبُّه الملائكة، ويُصلح ويرضي الفريقين، وفيه نجاة الحاكم من الجور، والعالم من الميل في الفتيا، والشاهدين من الزور، والمزكِّين من إثم التزكية، مع ما فيه من الفضل الكثير للصلحاء بِكُلِّ كلمة حسنة.
قوله: «وَهُوَ جائز بين الناس»: أي الصلح جائز بين الناس، أي لا إثم فيه، بل فيه الفضل الكثير إن وافق موضعَه.
قوله: «إِلاَّ صلحًا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالاً»: فَالأَوَّلُ كالذي يصالح على خمر أو نحوه، أو من له دراهم فصالح على أكثر منها، وذلك كما إذا كان لرجل على آخر دين وطالبه فيه فصالحه على أنْ يؤخِّر عنه ويزيده على دراهمه، فهذا صلح أحلَّ حراماً، وَهُوَ باطل لأنَّه ربًا، وكذلك من منع المباح من الأرض، فصولح على شيء يدفع إليه، فإنَّ ذلك عليه حرام. (4/230)
صفحة 1224
وأمَّا الصلح الذي حرَّم حلالاً فكالذي يصالح امرأته على أن لا يطأ ضرَّتها أو أمَته، وكالصلح الذي يمنع من التصرُّف في المصالح.
قال أبو زكرياء: الصلح الجائز على وجهين:
<3/263> أحدهما: رجل وقع على مال رجل ظلما وعدوانا، فإنَّ الصلحاء يقولون في ذلك للمظلوم: ائذنْ لنا ندفع عنك ظلم هذا الظالم بما وجدنا دفعه من مالك، وهذا النوع جائز بالنظر إِلىَ الصلحاء والمظلوم دون الظالم، فإنَّه إِنَّمَا يأكل سحتًا، وليس هو في الحقيقة من الصلح وإنَّما هو من التقيَّة.
قال: والوجه الثاني: رجلان تخاصما في شيء فلمْ يُدْرَ المحقُّ منهما من المبطل، فللصلحاء أن يصلحوا بينهما بجهد رأيهم.
قوله: «وَهُوَ أحرز للحاكم»: أي أحصن وأمنع، والمُراد بالحاكم القاضي، والحديث يدلُّ أنَّ للحاكم أن يصلح بين الخصوم ويأمرهم بالصلح ويدعوهم إليه، ولو لم يطلبوا ذلك، ولكن لا يجبرهم عليه، وَقِيلَ: ليس له أن يأمرهم ويدعوهم إليه، وحمله أبو سعيد على معنى الجبر.
وَقِيلَ: إنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا على القضاء، فاختصم إليه رجلان في دينار، فأطلق من كُمِّ قميصه دينارًا فدفعه إليهما، فبلغ ذلك عمر، فكتب إليه أن اعتزل قضاءنا، وحملوه على تقوية القضاة على إنفاذ الحقِّ بين الناس.
وذكر محمَّد بن سيرين أنَّ شريحا ارتفع إليه رجل استودع امرأة مائة درهم وديعةً، فوقع حريقٌ قريب منها، فحوَّلتها إِلىَ رجل فضاعت، فسأل شريح الرجل عن المرأة: هل يتَّهمها في شيء؟ فقال: لا، فقال: فإن شئتَ رضيتَ منها بخمسين درهماً، فقال ابن سيرين: فما رأيته أمر بصلح غير ذلك اليوم، والله أعلم.
<3/264> ما جاء في إسناد القضاء الموافق للحقِّ إِلىَ كتاب الله وفي تكلُّم الخصوم بين يدي الحاكم
<3/265> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. (4/231)
صفحة 1225
قوله: «اختصم رجلان»: لم يذكر اسمهما، وفي رواية أنَّ رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إِلاَّ قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر، وَهُوَ أفقه منه: فاقض بيننا بكتاب الله وائذنْ لي في الحديث.
قوله: «فقال الآخر»: بفتح الخاء، الخصم الثاني.
قوله: «أجل»: بفتح الهمزة والجيم وخفة اللام: أي نعم، وَإِنَّمَا سألاه ذلك وهما يعلمان أنَّه لا يحكم إِلاَّ بحكم الله ليحكم بينهما بالحكم الصِّرف، لا بالتصالح والترغيب فيما هو الأرفق بهما، أو أمرهما بالصلح إذ للحاكم أن يفعل ذلك.
قوله: «إنَّ ابني»: لم يذكر اسمه.
قوله: «عَسِيفاً»: بفتح العين وكسر السين المهملتين وإسكان التحتيَّة وبالفاء، أي أجيرًا، سمِّي بذلك لأنَّه يعسف الطرق، أي يسلكها متردِّدا في الاشتغال، والجمع عُسَفَاء بِزِنَة أُجَرَاء.
قوله: «بامرأته»: لم يذكر اسمها وهي امرأة من أسلم.
قوله: «فأُخْبِرتُ»: بالبناء للمفعول، ولم يذكر من أخبره بذلك.
قوله: «فافتديته منه»: أي جعلت الشاء والجارية فداءً لولدي من الرجم، فـ«مِن» للبدل نحو: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ} [التوبة: 38].
قوله: «أهل العلم»: قال ابن حجر: لم أقف على أسمائهم ولا على عددهم، وفيه أنَّ الصحابة كانوا يُفتون في زمنه صلى الله عليه وسلم وفي بلده. وذكر ابن سعد من حديث سهل بن أبي حَثْمَة أنَّ الذين كانوا يُفتون على عهد النبيء صلى الله عليه وسلم: عمر وعثمان وعليٌّ وأبيُّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت. وعن ابن عمر: كان أبو بكر وعمر يفتيان في زمنه صلى الله عليه وسلم. وعن حراش الأسلمي: كان عبد الرحمن بن عوف مِمَّن يفتي في زمنه صلى الله عليه وسلم.
<3/266> قوله: «وتغريب عام»: يأتي شرحه في باب الرجم والحدود.
وقوله: «والذي نفسي بيده»: أي في قبضته وقدرته. (4/232)
صفحة 1226
قوله: «لأقضيَّن بينكم بكتاب الله»: وقيل المراد بكتاب الله ما حكم الله وكتبه على عباده، وقيل: المراد القرآن، وَهُوَ المتبادر، ثمَّ اختلف في معناه، فقيل: يحتمل أنَّ المراد ما تضمَّنه قوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15]. فبيَّن النبيء صلى الله عليه وسلم أنَّ السبيل جَلدُ البكر ونفيه، ورجم الثَّيِّب، وقيل: المراد الآية المنسوخ لفظها الثابت حكمها، وهي قول عمر: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتَّة» فإنَّا قد قرأناها، وقد أجمعوا على أنَّ من القرآن ما نُسخَ حكمه وثبت خطُّه، وعكسه في القياس مثله.
وتُعُقِّب بأنَّه ليس في المنسوخ ذكر التغريب، فالمختار المعنى الأوَّل، وَهُوَ أنَّ المراد بالكتاب حكم الله وقضاؤه، كقوله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]: أي حكمه فيكم وقضاؤه عليكم، وما قضى بِهِ صلى الله عليه وسلم هو حكم الله، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىآ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىا} [النجم: 3-4]، و{مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، فلمَّا أمر باتِّباعه وطاعته جاز أن يقال لِكُلِّ حكم حكم بِهِ حكم الله وقضاؤه، إذ ليس في القرآن أنَّ من زنى وافتدى يُردُّ فداؤه، ولا أنَّ عليه نفي سنة مع الجلد، ولا أنَّ على الثَّيِّب الرجم، وقد أقسم أن يقضي بينهم بكتاب الله، فهو صادق.
قوله: «فَرَدٌّ عليك»: أي مردود عليك، فهو من إطلاق المصدر على المفعول، نحو نسْجُ اليمن، أي منسوجه، ولذا كان بلفظ واحد للجمع والواحد.
قوله: «وجَلَد ابنه»: أي أمر من يجلده فجلده، وهذا لم يسمَّ، غير أنَّه في الأثر شابٌّ من الأنصار. (4/233)
صفحة 1227
قوله: «وغرَّبه عامًا»: أي أخرجه من وطنه إِلىَ خيبرَ سنةً كاملةً عقوبةً ونكالاً، وهذا يقتضي أنَّ ابنه كان بكرًا وأنَّه اعترف بالزنا، فإنَّ <3/267> إقرار الأب عليه لا يُقبل، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه كما في رواية أخرى: «إنَّ ابني هذا»، وسكوته على ما نسبه إليه. وفي النسائي عن عمرو بن شعيب عن الزهري: «كان ابني أجيرًا لامرأة هذا، وابني لم يحصن»، فصرَّح بأنَّه بكر. وفيه تغريب البكر الزاني، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب الرجم والحدود.
قوله: «أُنَيْسًا»: بضمِّ الهمزة مصغَّرا: قيل هو أنيس بن الضحَّاك الأسلمي، وقيل: أنيس بن أبي مرثد وَهُوَ خطأ لأنَّه غَنَويٌّ وهذا أسلميٌّ، كذا في الإصابة، ووهم ابن التين في قوله: إنَّه أنس بن مالك، ولكنَّه صُغِّر. وإنَّما خصَّ الأسلميَّ لأنَّ المرأة كانت أسلميَّة، وكانت السياسة أنَّه لا يؤمَّر في القبيلة إِلاَّ رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم.
قوله: «أن يأتي امرأة الآخر»: بفتح الخاء، أي يذهب إليها فيخبرها أنَّ الرجل قذفها بابنه، فإن اعترفت وإلاَّ كان لها عليه حدَّ القذف، فتطالبه أو تعفو عنه.
قوله: «فإن اعترفت»: أي أقَرَّت.
وقوله: «فرجمها»: أي أُنَيْس، لأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم حَكَّمه في ذلك لقول الراوي: «فإن اعترفت رجمها». وفي رواية الليث عن الزهريِّ: «فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِمت»، وَهُوَ ظاهر في أنَّ أُنيسًا إِنَّمَا كان رسولا ليسمع إقرارها فقط، وأنَّ تنفيذ الحكم إِنَّمَا كان منه صلى الله عليه وسلم. (4/234)
صفحة 1228
ويُشكل كونه اكتفى بشاهد واحد، وأجيب بأنَّ رواية مالك الموافقة لرواية المصنِّف أولى لما تقرر من ضبطه، وخصوصًا في حديث الزهريِّ، فإنَّه أعرف الناس بِهِ، والظاهر أنَّ أنيسًا كان حاكمًا في القَضِيَّة، ولئن سُلِّم أنَّه رسول فليس في الحديث نصٌّ على انفراده في الشهادة فيحتمل أنَّ غيره شهد عليها، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنَّ أنيسًا بُعِثَ حاكما فاستوفى شروط الحكم، ثمَّ استأذنه صلى الله عليه وسلم في رجمها فأذن له.
<3/268> وفيه حجَّة في جواز إنفاذ الحاكم رجلا واحدًا في الأعذار، وفي أن يتَّخذ واحدًا يثق بِهِ يكشف عن حال الشهود في السرِّ، كما يجوز له قبول الواحد فيما طريقه الخبر لا الشهادة، وبه يحتجُّ من يثبت حدَّ الزنا بالإقرار مرَّة، ومن يقتصر في حدِّ المحصن على الرجم، وَهُوَ قول الجمهور، وذهبت جماعة من قومنا إِلىَ إيجاب الجلد مع الرجم على المحصن والحديث يردُّه.
وفيه أنَّ الأولى بالقضاء الخليفة العالم بوجوه القضاء، وأَنَّ المدَّعي أولى بالقول، والطالب أحقُّ بالتقدُّم بالكلام وإن بدأ المطلوب وَرَدَّ الباطلَ من الأجرة، وأنَّه لا يدخل بقبضه في ملكه ولا يصحِّحه القبض وعليه ردُّه، وأنَّه لا يحلُّ له بذلك، والله أعلم.
ما جاء في الحكم في مَطْلِ الغَنِيِّ
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة بزيادة في آخره. (4/235)
صفحة 1229
<3/269> قوله: «مطل الغنيِّ ظلم»: أصل المطل المدُّ، يقال: مطلت الحديدة مطلا إذا مددتها لتطول، وقال الأزهري: المطل المدافعة. والمُراد هنا تأخير ما استحقَّ أداؤه بغير عذر. والغنيُّ مختلف في تعريفه، وَلَكِنَّ المراد بِهِ هنا من قدر على الأداء فأخَّره ولو كان فقيرًا، وَهُوَ من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى أنَّه يحرم على الغنيِّ القادر أن يَمطُل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز، وَقِيلَ: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى يجب وفاء الدَّين ولو كان مستحقُّه غنيًّا، ولا يكون غناه سببا لتأخير حقِّه، وإذا كان كذلك في حقِّ الغنيِّ فهو في حقِّ الفقير أولى. وفيه الزجر عن المطل، ولفظ المطل يُشعر بتقديم الطلب منه أنَّ الغنيَّ لو أخَّر الدفع مع عدم طلب صاحب الحقِّ له لم يكن ظالما، وَهُوَ المشهور، وقضية كونه ظلما أنَّه كبيرة، لأنَّ منع الحقِّ بعد طلبه، وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب، والغصب كبيرة، والله أعلم.ما جاء في الحكم في أَخْذِ الإنسانِ حَقَّهُ من مالِ خَصْمِه بغَيْر عِلْمِهِ
<3/270> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث روى معناه الجماعة إِلاَّ الترمذي، عن عائشة أنَّ هندًا قالت: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني وولدي إِلاَّ ما أخذتُ منه وَهُوَ لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف.
و«هند»: بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيَّة، امرأة أبي سفيان بن حرب، وهي أمُّ معاوية، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان وأقرَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحها وكان بينهما في الإسلام ليلة واحدة، وكانت امرأة لها نفس وأنفة ورأيٌ وعقلٌ، وشهدت أحدًا كافرةً، وهي القائلة يومئذِ:
نحن بنات طارقْ ... ... نمشي على النمارقْ.
إنْ تُقبلوا نُعانقْ ... ... أوْ تدبروا نفارقْ
... ... ... فراقَ غيرِ وامِقْ. (4/236)
صفحة 1230
فلمَّا قتل حمزة مثَّلت بِهِ وشقَّت بطنه واستخرجت كبده فَلاَكَتْهَا فلمْ تطقْ إساغتها، وَقِيلَ: إنَّ الذي مثَّل بحمزة غيرُها، ثمَّ إنَّ هندًا أسلمت وحسُن إسلامها وَتُوُفِّيَت هند في خلافة عمر بن الخطاب في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق.
قوله: «وقد شكت إليه»: وذلك في عام الفتح بعد أن أسلمت.
قوله: «النفقة والكسوة»: فيه بيان لما أجملته رواية الجماعة من قولها: «وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إِلاَّ ما أخذتُ منه وَهُوَ لا يعلم».
<3/271> قوله: «أن تأخذ من ماله بغير إذن»: متعلِّق بقوله: «أَذِنَ لهندٍ»: أي أباح لها ذلك، والمعنى أنَّه صلى الله عليه وسلم أباح لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه ما يكفيها وولدها بالمعروف كما صَرَّحَت بِهِ رواية الجماعة، والمُراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنَّه الكفاية، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيَّدة معنى، كأنَّه قال: إن صحَّ مَا ذكرت. والحديث يدلُّ على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وَهُوَ مجمع عليه، وعلى وجوب نفقة الولد على الأب، وَأَنَّهُ يجوز لمن وجبت له النفقة شرعًا على شخص أن يأخذ منه ما يكفيه إذا لم يقع منه الامتثال وأصرَّ على التمرُّد. وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين مع غيبة الآخر. وجواز استماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول إِنَّ صوتها عورة، ويقول: جاز هنا للضرورة. وفيه أَنَّ القول قول الزوجة في قبض النفقة لأنَّه لو كان القول قول الزوج إنَّه منصف لكلِّفت هي البيِّنة على إثبات عدم الكفاية. وفيه أَنَّ النفقة مُقَدَّرَة بالكفاية لا بالإمداد. وفيه أَنَّ للمرأة مدخلا في القيام على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم. (4/237)
صفحة 1231
وقد أفتى الربيع رضي الله عنه أَنَّ المرأة إذا احتاجت تبيع من أصل مال ولدها وتأكل منه وتكتسي، يتيما كان أو بالغًا، فقد أجازت تصرُّفها في ماله كالأب. واستدلَّ بِهِ على جواز القضاء على الغائب، وَهُوَ قول موسى بن عليٍّ، وصحَّح عدم الجواز وأنَّ الاستدلال بالحديث لا يصحُّ لأنَّ القَضِيَّة كانت بِمَكَّةَ وكان أبو سفيان حاضرًا بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد أو مستترًا لا يُقْدَر عليه أو متعذِّرًا، وليس هذا الشرط موجودًا في أبي سفيان.
قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس، لأنَّ بيته لا يجمع جميع ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المنافع. وفيه أيضًا جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان على وجه الاستفتاء أو الاشتكاء أو نحو ذلك، وَهُوَ أحد المواضع التي تباح بها الغيبة، والله أعلم.
<3/272> ما جاء من الحكم في جرح العجماءات والبئر والمعدن وخُمُس الركاز
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث تقدَّم شرحه في باب النصاب من كتاب الزكاة، وَهُوَ عند الجماعة من حديث أبي هريرة، وإنَّما ساقه المصنِّف هاهنا لبيان الحكم في جرح العجماء والمعدن والبئر وخمس الركاز، ونصُّ الحديث المتقدِّم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جرح العجماء جُبار والمعدن جبَّار وفي الركاز الخمس».
<3/273> والجُرحُ: بضم الجيم الاسم وبفتحها المصدر، والعجماء: البهيمة، والمُراد بجرحها ما يحصل بالواقع منها من الأثر في غيرها إذا لم يضيِّع في حفظها، والعجماء الدَّابَّة.
والجُبار: بضمِّ الجيم وتخفيف الموحَّدة: الهدر الذي لا شيء فيه، وَمَعنَى قوله: «البئر جبار»: أنَّ البئر تكون في البادية ويقع فيها إنسان أو دَابَّة فلا شيء في ذلك على أحد. (4/238)
صفحة 1232
و«الْمَعْدِن»: كمجلس، الجوهر المستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وذلك بأن يستأجر رجلا ليعمل في معدن مثلاً فهلك فهو هدر لا شيء على من استأجره، وفي معناه من استأجر جدارًا ليقيمه فانهدم عليه، أو فلجًا يخدمه أو نخلة يطلعها فسقط فإنَّه هدر كالمعدن لاتِّحاد المعنى.
والرِّكاز: بكسر أوَّله مخففا على وزن كتاب: ما كان من دفين الجَاهِلِيَّة، ولهذا وجب فيه الخمس كالغنيمة، لأنَّه من أشياء المشركين، وقد تقدَّم شرح الحديث في كتاب الزكاة فراجعه، والله أعلم.
<3/274> ما جاء في الحكم الحيازة
قوله: «من حاز أرضاً»: أي ضمَّها إليه مدَّعيًا أنَّها له خَاصَّةً.
قوله: «وعَمَرَها»: بالتخفيف: أي قام بعمارتها وإصلاح ما فسد منها، وإنَّما جمع بين الحوز والعمارة لأنَّ ذلك أقوى في الحجَّة وأبعد من الشبهة.
قوله: «والخصم حاضر»: المراد بالخصم من انتصب للنِّزاع عند الحاكم بعد المدَّة المذكورة، فإطلاق اسم الخصم عليه قبل الانتصاب مجاز، فهو من إطلاق اسم الفاعل على المستقبل.
قوله: «لا يغيِّر ولا ينكر»: أي لا يغيِّر حيازته ولا ينكر دعواه، وفيه أنَّ ترك الإنكار مِمَّن له الانكار حجَّة عليه، وخرج بالحاضر الغائب، فإنَّه لا حيازة عليه لاحتمال أنَّ الدعوى لم تبلغه، ولأنَّه لم يشاهد العمارة، وكذلك لا حيازة على طفل ولا مجنون لأنَّه لا إنكار لهما، وكذلك لا تثبت الحيازة بين الشركاء لأنَّهم في منزلة المالك الواحد، وكذلك الولد تحت والده، وكذلك الزوجان لما بينهما من الاختلاط. ثمَّ اختلفوا في الحيازة هل هي فيما جُهِلَ أصله فقط أو في الكلِّ؟ وعلى هذا فلو عرف أنَّ هذا المال كان لفلان ثمَّ وُجد في يد غيره <3/275> يدَّعيه ويعمره والخصم حاضر لا يغيِّر ولا ينكر حتَّى مضت مدَّة الحيازة فإنَّه تسقط حجَّته بذلك. (4/239)
صفحة 1233
والحديث يدلُّ أنَّ مدَّة الحيازة عشر سنين، وَهُوَ قول أهل الحجاز، قال المحشِّي: وعليه العمل بالجزيرة في بلادنا. وقال أهل المدينة: الحيازة خمس عشرة سنة، وقال أبو عبيدة راوي الحديث: عشرون سنةً، قال أبو زكرياء المغربي رحمه الله: وَهُوَ المأخوذ بِهِ عندنا، قال المحشِّي: والعجب لأبي عبيدة رحمه الله كيف عدل عن الحديث الذي رواه، مع أنَّه لم يذكر له معارضًا، فالمناسب العمل بما ورد بِهِ الحديث.
قلت: لعلَّ أبا عبيدة رضي الله عنه قال ذلك قبل أن يسمع الحديث، ويمكن أنَّه رأى أنَّ الحيازة تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، وأنَّ ذِكْرَ العشر في الحديث ليس بحدٍّ محدود تلزم مراعاته، وأنَّه إِنَّمَا ذكر مثلاً لبيان المدَّة الطويلة، كما ذُكر في حديث أبي هريرة أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذرٍّ: «التيمُّم يكفيك إن لم تجد الماء عشر سنين»، ومن المعلوم أنَّه يكفيه ولو لم يجد الماء عشرين سنةً، ومنهم من قال: الحيازة خمس وعشرون سنة، ومنهم من قال: ثلاثون سنة، ومنهم من قال: خمس وثلاثون سنة، وقال بعضهم: أربعون سنة، وقال بعضهم: خمسون سنةً، ولا مستند لهذه الأقوال إِلاَّ النظر في مراعاة الأحوال، والأخذ بظاهر الحديث أولى من تحمُّل التأويل، بل الذي يقتضيه ظاهر الحال أنَّ حيازة الملك وعمارته مع دعوى الملك في حضرة الخصم حجَّة عليه إن سكت عليه ولم يكره، حيث لا مانع من الإنكار؛ وأنَّ العشر السنين المعتبرة في الحديث إِنَّمَا هي في الحيازة والعمارة المجرَّدين من دعوى الملك، فإنَّه إذا حازها وعمرها تلك المدَّة ولم يسمع منه دعوى ولا إقرار ثمَّ نوزع فيه فهو بِهِ أولى لظاهر الحديث، والله أعلم.
<3/276> ما جاء من الحكم في العُمْرَى (4/240)
صفحة 1234
قوله: «عن جابر بن عبد الله»: الحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم في صحيحه ولفظه عندهما: عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما رجل أعمِرَ عُمْرَى له ولِعقبه فَإِنَّهَا للذي يُعطاها لا ترجع إِلىَ الذي أعطاها أبدًا».
قوله: «أيُّما» مركبة من «أيُّ»: اسم ينوبُ منابَ حرف الشرط، و«ما» الزائدة للتعميم.
قوله: «رجلٍ»: بالجرِّ لإضافة «أيّ» إليه، وبالرفع بدل من «أي» و«ما» زائدة، وذِكْرُ الرجلِ غالبيٌّ، والمُراد كلُّ إنسان يصحُّ تصرُّفه.
<3/277> قوله: «عُمِّرَ»: بضمِّ أوَّله وتشديد الميم، مبنيٌّ للمفعول، وفي رواية مالك: «أُعْمِرَ»: أي أعطي مالا مدَّة عمره، يقال: أعمرته دارًا أو أرضًا أو بلادًا: إذا أعطيته إِيَّاهَا، وقلت: هي لك عُمري أو عُمُرك، إذا متَّ رجعتْ إليَّ.
و«العُمْرَى»: بضمِّ العين وسكون الميم اسم من ذلك.
قوله: «له ولِعَقِبِه»: أي أعطى إِيَّاهَا هو وولده، والعَقِبُ: بكسر القاف، ويجوز إسكانها مع فتح العين وكسرها: أولاد الإنسان ما تناسلوا. (4/241)
صفحة 1235
قوله: «فهي للذي يُعطاها»: بضمِّ أوَّله، مبنيٌّ للمفعول: أي تكون لذلك المعطَى وعقبه أبدًا لا ترجع إِلىَ الذي أعطى، قال أبو سلمة: لأنَّه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. وفي رواية الليث عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر مرفوعًا: «من أعْمَر رجلاً عُمْرى له ولعقبه فقد قطع قولُه حقَّه، وهي لمن أعمرها ولعقبه». أخرجه مسلم، وله من طريق معمر عن الزهري: إِنَّمَا العمرَى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولِعَقِبِك، فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشتَ فإنَّها ترجع إِلىَ صاحبها، قال معمر: وكان الزهري يفتي بِهِ، ولمسلم أيضًا من طريق أبي الزبير <3/278> عن جابر قال: جعل الأنصار يُعمِّرون المهاجرين، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنَّه من أعمر عُمْرَى فهي للذي أُعْمِِرَها حيًّا وميِّتا ولعقبه».
والحديث يدلُّ على صحَّة العُمْرَى، وإليه ذهب الجمهور إِلاَّ ما حكي عن داود وطائفة. ثمَّ اختلف القائلون بصحَّتها قيل: تتوجَّه إِلىَ الرقبة كسائر الهبات، ونسب إِلىَ الجمهور، وَقِيلَ: إِلىَ المنفعة فقط ففي رجوعها إِلىَ المعطي معقبة أم لا؟ خلاف، فقيل: ترجع إليه مطلقًا كانت معقبة أو غير معقبة، ونسب إِلىَ مالك بن أنس، والحديث يردُّه. (4/242)
صفحة 1236
وقيل: لا ترجع إليه مطلقًا، وَهُوَ قول ابن عبَّاس وجابر بن زيد وأبي عبيدة رضي الله عنهم، وقال ابن عبد العزيز: لا تكون لورثته إِلاَّ أن يقول له: هي لك ولعقبك، وإذا لم يقلْ ذلك فهي راجعة إِلىَ الأوَّل بموت المعطي، وذكر أنَّ ذلك قول غير أبي عبيدة من الفقهاء وَإِنَّهَا عارية، واستدلَّ على ذلك بأنَّ لصاحب الشيء أن يقول: إِنَّمَا أعطيتها للرجل حياته ولم أجعلها لعقبه من بعده، فكيف يكون لهم ما لم أجعل لهم إليه سبيلاً بعطاء، وإنَّما أعطيته على جهة العارية، والدليل على قولي إِنَّهَا عارية استثنائي أنَّها لك حياتك ولم أجعلها له بعد مماته، وهذا القول أسعد بظاهر الحديث، وَهُوَ قول ابن شهاب وأبي حنيفة والشافعي في الجديد.
قيل لابن عبد العزيز: يرد عليك قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمر شيئًا فهو له حياته وبعد مماته»، فقال: يا عاجز، لو اتَّفق الناس على هذا الحديث لم يجاوزه أحد من الفقهاء بالقياس فيه ولا الرغبة عنه، لأنَّ ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي لأحد أن يخالف فيه، وقال ابن عبد البرِّ انتصارًا لمذهب مالك: ومن أحسن ما احتجوا بِهِ أنَّ ملك المعطِي للمعمَّر ثابت بإجماع قبل أن يحدث العُمرى فلمَّا أحدثها اختلف <3/279> العلماء، فقال بعضهم: قد أزال لفظُهُ ذلك مِلكَه عن رقبة ما أعمره، وقال بعضهم: لم يُزِلْ ملكَه عن رقبةِ ماله بهذا اللفظ، فالواجب بحقِّ النظر أن لا يزول ملكُه إِلاَّ بيقين، وَهُوَ الإجماع، لأنَّ الاختلاف لا يثبت بِهِ يقين، وقد ثبت: «الأعمال بالنيات»، وهذا الرجل لم يَنْوِ بلفظه ذلك إخراجَ شيئه عن ملكه، وقد اشترط فيه شرطًا فهو على شرطه لحديث: «المسلمون على شروطهم».
الباب السادس والثلاثون في الرجم والحدود (4/243)
صفحة 1237
قوله: «باب في الرجم والحدود»: فيه عطف عامٍّ على خاصٍّ، لأنَّ الرجم بعض الحدود، وَهُوَ في اللغة: الرمي بالرَّجَم بفتحتين، وهي الحجارة، يقال: رجمته رجْمًا من باب قتل، إذا ضربته بالرَّجَم، وَهُوَ في الشرع اسم لحدِّ الزاني، وصِفَتُه: أن تُحْفَر حفرةٌ ويدفن فيها الزاني المحصن، قولٌ إِلىَ حقويه، وقولٌ: إِلىَ منكبيه، وتكتَّف يداه ويرميه الإمام إن كان مُقِرًّا، وإن كان مشهودًا عليه رماه شاهد بعد شاهد، ويقول من يرميه من الشهود: «أشهد بالله إنَّك زانٍ»، ولا يَرْمِي النساء ولا العبيد ولا الصبيان.
وَأَمَّا الحدود فهي جمع حدٍّ، وَهُوَ في اللغة المنع، ومنه سمِّي البوَّاب حدَّادًا لأنَّه يمنع من الدخول. وهي في الشرع اسم لعقوبات مخصوصة مترتِّبة على أسباب معلومة، سمِّيت بذلك لأنَّها تمنع العاصي غالبًا من العود إِلىَ تلك المعصية التي حُدَّ عليها. وتطلق الحدود أيضًا على مطلق الأحكام التي حدَّها الله لعباده ومنعهم من مجاوزتها، وذلك معنى قوله تعالى: {وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229].
<3/280> ما جاء في الإحصان
قوله: «بلغني»: الحديث تفرَّد بِذكره المصنِّف رضي الله عنه.
قوله: «أَحْصَنَ»: أي صار محصنًا، وأصل الإحصان المنع، ثمَّ أطلق على التزوُّج، يقال: أحصن الرجل بالألف: تزوَّجَ، واسم الفاعل محصِن بالكسر على القياس، قاله ابن القطَّاع، ومحصَن بالفتح على غير قياس، قال في النهاية: وَهُوَ أحد الثلاثة التي جئن نوادر، يقال: أحصن فهو محصنٌ وأسهبَ فهو مُسهَبٌ وألفج فهو مُلفَجٌ، ثمَّ أطلق الإحصان على الحال الذي يكون شرطًا لرجم الزاني، وَهُوَ حال مركب من أشياء سمَّوها شروط الإحصان وهي في الحقيقة أجزاؤه، وإنَّما سمَّوها شروطاً لملاحظة معناه اللغوي، وَهُوَ التزوُّج، وقد جمعها الناظم في قوله: <3/281>
شروط الحصانة ستٌّ أتتْ ... ... إذا كنت عن ذاك مستفهما (4/244)
صفحة 1238
بلوغٌ وعقلٌ وحريةٌ ... ... ورابعُها كونه مسلما
وعقدٌ صحيحٌ ووطءٌ مباحٌ ... ... متى اختلَّ شرْطٌ فلنْ يُرجما
فهذه ستَّة أشياء، الإجماع منها على ثلاث، والخلاف في الإسلام والوطء والحرية هل تشترط في الإحصان أم لا؟ وسيأتي ذكر ذلك.
قوله: «من ملك أو ملِّكَ له»: أي من تزوَّج أو تُزُوِّج له عن إذنه ورضي بذلك فقد أحصنَ، يقال: ملكتُ المرأة أملِكُها من باب ضَربَ إذا تزوَّجتُها، وقد يُقال: ملكتُ بامرأة، عَلَى لغة من قال: تزوَّجت بامرأةٍ، ويتعدَّى بالتضعيف والهمزة إِلىَ مفعول آخر، فيقال: ملَّكتُه امرأةً، وعليه قوله عليه السلام: «ملَّكتُكَها بما معك من القرآن»: أي زوَّجتُكَها، والحديث يدلُّ أنَّ نفس العقد الصحيح يكون إحصاناً إذا كملت شروطه، ولو لم يدخل بها، أو بظاهره. قال ابن عبَّاس وجابر بن زيد رضي الله عنهما: وعليه الرجم إذا زنى، وقيل: لا رجم عليه ولكن يجلد الحدَّ، وَهُوَ قول أبي بكر الصدِّيق والربيع بن حبيب رضي الله عنهما. وعلى هذا القول فلا بدَّ من الدخول، فإن لم يدخل فليس بمحصن. والخلاف أيضًا في المرأة تكون محصنة بذلك أم لا؟ على نحو الخلاف في الرجل. وَادَّعَى ابن المنذر الإجماع أنَّه لا يكون بِمُجَرَّدِ العقد محصنًا، وَهُوَ مردود بما ذكره غيره من الخلاف. قال ابن المنذر: واختلفوا فيما إذا دخل بها وَادَّعَى أنَّه لم يُصبْها، ومقتضى المذهب أنَّه لا يصدَّق في ذلك إذا حصلت الخلوة، والقول: يدرأ الرجم عنه يصحُّ ما لم يثبت المسيس بالاقرار أو البيِّنة، سائغٌ، لحديث: «اِدرأوا الحدود بالشبهات». والله أعلم.
<3/282> فائدة: (4/245)
صفحة 1239
اختلف في الإحصان فقيل: لا يحصن الحرَّ المسلمَ إِلاَّ الحرَّةُ المسلمةُ، فلا تحصنُه الكتابيَّة ولا الأمَةُ، وَقِيلَ: تُحصنُه الحرَّةُ الكتابيةُ ولا تُحصنه الأمَةُ، وَقِيلَ: يحصنُه جميع ذلك، وأمَّا الذمِّية فيُحصنها المسلم الحرُّ والزوج الحرُّ من أهل دينها، وَقِيلَ: يُحصنُها العبد المسلم أيضًا. وأمَّا العبيد فقد اختلف في إحصانهم، فقيل: لا تحصن العبدَ إِلاَّ الحُرَّةُ المسلمةُ، وقيل: تحصنُه الكتابيَّة أيضًا، وقيل: تُحصنه الأمةُ أيضًا. وكذلك الأمَة لا يحصنها إِلاَّ الحرُّ المسلم، وقيل: يُحصنها العبد أيضًا.
وأجمعوا أنَّ الحرَّ المسلم يحصن الحرَّةَ المسلمة والحرةَ الكتابيَّة والأمةَ، وكذلك أجمعوا أنَّ الحرَّة المسلمة تحصن الحرَّ المسلمَ والعبدَ المسلمَ، والخلاف فيما سوى ذلك. وأجمعوا أنَّه إذا تَزَوَّجَ الرجل زوجةً واحدةً، أو تزوَّجت المرأة زوجًا واحدًا مِمَّا يكون فيه محصنًا، ثمَّ وقع الفراق بطلاق أو موت أو سائر أنواع الفراق أنَّه محصن أبدًا، وتلحقه أحكام الإحصان. وأجمعوا أنَّه لا رجم على العبد ولا على الأمَة، وأنَّه إِنَّمَا عليها نصف جلد الحرِّ، وأجمعوا أنَّ الرجم على المحصن والمحصنة من المسلمين من أهل الكتاب ومن لزمه أحكام الإسلام للعهد. وأجمعوا أنَّه لا حدَّ على العبد والأمَة ولو زنيا حتَّى يحصنا، كذا ذُكر في الأثر. (4/246)
صفحة 1240
وقال غيرُه: هذا إجماعُ أصحابنا في هذه المسألة، قال: واختلفوا في العبد والأمَة إذا أحْصِنا ثمَّ عُتِقا ثمَّ زنيا بعد عتقهما من غير أن يُحصنا في حرِّيتهما، فقال من قال: عليهما الحدُّ مائة جلدة حتَّى يُحصنا بعد عتقهما، وقال من قال: عليهما الرجم إذا زنيا في الحرِّيَّة، وإمَّا إذا زنيا في العُبُودِيَّة ثمَّ عتقا قبل إقامة الحدِّ، فالله أعلم يلزمهما حدُّ الحرِّيَّة أو حدُّ العُبُودِيَّة، قال: وما معنا إِلاَّ أنَّه يلزمهما جلد الحُرِّيَّة، لأنَّ الحرِّيَّة لا تزيده إِلاَّ إثباتا في الأحكام، وَقِيلَ: لا يلزمها إِلاَّ حدَّ العُبُودِيَّة، والله أعلم.
<3/283> ما جاء أنَّ الرجم سُنَّةٌ واجبةٌ (4/247)
صفحة 1241
قوله: «الرجم والاختتان والاستنجاء والوتر سنن واجبةٌ...»إلخ: تَقَدَّمَ شرحه في فرض الصلاة، وكون الرجم سنَّةً واجبةً يدلُّ عليه حديث ابن عبَّاس الْمُتَقَدِّم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أُنَيْسًا الأسلميَّ أن يأتي امرأةَ الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها، وقد رواه الجماعة من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني، وروى أحمد عن جابر بن سمرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعز بن مالك، وسيأتي في حديث ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باليهوديَّين فرُجِما، قال ابن عمر: «فرأيت الرجل يجافي على المرأة يقيها <3/284> الحجارة»، وَهُوَ سنَّة مجمع عليها. وحُكي عن الخوارج والنظَّام وأصحابه من المعتزلة إنكاره ولا مستند لهم، إِلاَّ أنَّه لم يُذكَر في القرآن، وهذا باطلٌ، فَإِنَّهُ قد ثبت بِالسُّنَّةِ المتواترة المجمع عليها، وأيضاً هو ثابتٌ بنصِّ القرآن، لحديث عمر عند الجماعة قال: «إِنَّهُ كان مِمَّا أنزل على رسول الله آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده»، ونَسْخُ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم. كما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبَّاس. وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء: أنَّ فيما أنزل الله من القرآن: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة بما قضيا من اللذَّة». وأخرجه ابن حبَّان في صحيحه من حديث أُبيِّ بن كعب بلفظ: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها آية الرجم: “الشيخ والشيخة...”» الحديث. والله أعلم.
<3/285> ما جاء في اللعان (4/248)
صفحة 1242
قوله: «سأل سعد بن عبادة»: بضمِّ العين، سَيِّد الخزرج، تقدَّم ذكره. وهذا السؤال إِنَّمَا كان قبل نزول آية اللعان، وَهُوَ من مقدِّمات أسباب نزولها، والحديث مرسل لأنَّ جابرًا لم يدرك زمان السؤال، وكان شيخَه في ذلك ابن عبَّاس، فقد أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: لَمَّا نزلت: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ... (4/249)
صفحة 1243
}الآية [النور: 6] قال سعد بن عبادة، وَهُوَ سَيِّد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر <3/286> الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سَيِّدكم ؟»: فقالوا: يا رسول الله، لا تلمه فإنَّه رجل غيورٌ، والله ما تَزَوَّجَ امرأة قطُّ إِلاَّ بكرًا، وما طلَّق امرأة قطُّ فاجترأ رجلٌ منَّا أن يتزوَّجها من شدَّة غيرته، فقال سعد: يا رسول الله إنِّي لأعلم أنَّها حقُّ وأنَّها من الله، وَلَكِنِّي تعجَّبتُ أَنِّي لو وجدتُ لَكاعًا قد تفخَّذها رجل لم يكن لي أن أهيِّجه ولا أحرِّكه حتَّى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتَّى يقضي حاجته، قال فما لبثوا إِلاَّ يسيرًا حتَّى جاء هلال بن أميَّة، وَهُوَ أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم، فجاء من أرضه عِشاءً، فدخل على امرأته فوجد عندها رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنيه، فلم يهجم حتَّى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنِّي جئت أهلي عِشاءً فوجدتُ عندها رجلاً، فرأيتُ بعيني وسمعتُ بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بِهِ واشتدَّ بِهِ، فاجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أميَّة وأبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إنِّي لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا، فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أرى ما اشتدَّ عليك مِمَّا جئتُ بِهِ، واللهُ يعلمُ أنِّي لصادقٌ، وذكر في الحديث ما يدلُّ أنَّ هذه القصَّة هي سبب نزول آية اللعان، وسيأتي في حديث عاصم بن عديٍّ أنَّ سبب نزولها قصَّة عُويمر العجلاني وامرأته، <3/287> وقد اختلف أهل العلم في الراجح من ذلك، ومنهم من جمع بين القصَّتين بأن يكون هلال سأل أوَّلاً ثمَّ سأل عُويمر فنزلت في شأنهما معًا. (4/250)
صفحة 1244
وَقِيلَ: يحتمل أنَّ عاصمًا سأل قبل النزول ثمَّ جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عوَيمر في المَرَّة الثانية التي قال فيها: إنَّ الذي سألتك عنه قد ابتليت بِهِ.
قوله: «أرأيتَ»: أي أخبرني.
قوله: «مع امرأتي رجلاً»: كناية عن الفاحشة، إذ المراد معيَّة خَاصَّة.
قوله: «أمهله»: أي أؤخِّره، «ولا أهيِّجه ولا أحرِّكه حتَّى آتي بأربعة»، أي إِلىَ أن أجيء بأربعة شهود، وهذا من سعد استبعادٌ للأمر واستعظام للمقام، فإنَّ الإمهال صعبٌ على النفس جدًّا، فقد يقضي الرجل حاجته قبل وصول الشهود.
وقوله: «نعم»: أي أمهله حتَّى تأتي بأربعة، وهذا قبل نزول آية اللعان. وإحضار الشهود لبراءته من حدَّ القذف، والحديث يدلُّ على جواز إحضار الشهود لذلك، والمصرَّح به في الاستقامة المنع من تعمُّد النظر إليهما لتحمُّل الشهادة، فلعلَّ هذا كان خاصًّا بالزوج قبل نزول آية اللعان ثمَّ نسخ بنزولها، حيث كان الفَرَجُ حاصلا بغير الإشهاد، ويحتمل إبقاء الحكم لضرورة الإشهاد، وقد جاء الترخيص في النظر إِلىَ الفروج لأجل الضرورة، والله أعلم بحقيقة الأمر.
<3/288> قوله: «يقال له عاصم بن عدي»: بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جُعل بن عمرو بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن بليّ البلويُّ، حليف بني عبيد بن زيد، من بني عمرو بن عوف، من الأوس من الأنصار، يكنَّى أبا عبد الله، وَقِيلَ: أبو عمرو، وَهُوَ أخو معن بن عدي، وكان عاصم سَيِّد بني العجلان، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لم يشهد بدرًا بنفسه لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّه من الروحاء واستخلفه على العالية <3/289> من المدينة وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وَتُوُفِّيَ سنة خمس وأربعين، وقد عاش مائة سنة وخمس عشرة سنةً، وَقِيلَ: عاش مائة سنة وعشرين سنةً. (4/251)
صفحة 1245
قوله: «أرأيت رجلاً»: أي أخبرني عن حكم رجل هذا شأنه، وإنَّما سأل عاصم عن ذلك لَمَّا طلب منه عويمر أي يسأل له عن ذلك. أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إِلىَ عاصم بن عديٍّ فقال: سَلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتَ رجلاً وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ فقال: إنَّك لن تأتيني بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل، فقال: والله لآتينَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنَّه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه، فدعا بهما، فلاعن بينهما.
قوله: «أيقتله فتقتلونه؟»: أي قصاصًا، وإنَّما قال ذلك لتقدُّم علمه بحكم القصاص لعموم قوله: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، لَكِنْ طَرَقه الاحتمال أن يُخصَّ من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه غالبًا من الغيرة التي رُكِّزت في طبع البشر، ولهذا قال: «أم كيف يفعل؟».
وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلاً وتحقَّق وجود الفاحشة منهما فقتله، هل يُقتل بِهِ أم لا؟ فمنع قوم الإقدام، وقال: يقتصُّ منه إِلاَّ أن يأتي بِبَيِّنَة الزنا أو يعترف المقتول بذلك إذا أدركت حياته، أو اعترف بذلك ورثته، بشرط أن يكون محصنًا، وقيل: بل يُقتَل، لأنَّه ليس له أن يقيم الحدَّ بغير إذن الإمام، وقال بعض السلف: لا يقتل أصلاً، ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه. وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنَّه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكيَّة، لكن زاد: أن يكون المقتول قد أحصن. وقيل: <3/290> يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل، وأمَّا بعده فيُقادُ بِهِ إن كان بِكْرًا. (4/252)
صفحة 1246
قوله: «فكره النبيء صلى الله عليه وسلم المسألة حتَّى عابها»: أي كرهها كراهةً شديدة، قال عياض: يحتمل أنَّه كره قذف الرجل امرأته بلا بيِّنة لاعتقاد الحدِّ، لأنَّ ذلك كان قبل نزول حكم اللعان، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أميَّة: «البينة أو الحدُّ في ظهرك». ويحتمل أنَّه كره السؤال لقبح النازلة وهتك ستر المسلم، أو لِمَا كان منهياً عنه من كثرة السؤال، وقد نهى عن كثرته سدًّا لباب سؤال أهل التشغيب، أو لِمَا في كثرته من التضييق في الأحكام التي لو سكتوا عنها لم تلزمهم ونزلت لاجتهادهم فيها، كما قال: «اُتركوني ما تركتكم، فإنَّما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم أنبياءهم»، ولقوله: «أعظم الناس جُرمًا من سأل عمَّا لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته». قال المازري: أمَّا إذا كانت المسائل مضطرًّا إليها فلا بأس بالسؤال عنها، وقد كان يُسأل عن الأحكام فلا يكره، وعاصم إِنَّمَا سأل لغيره من غير حاجةٍ، وإن كان السؤال على وجه التعنيت فَهَذَا الذي يُكرَه.
قوله: «بالرجل»: يعني عاصمًا.
قوله: «ثمَّ أتاه»: يعني أتى النبيء صلى الله عليه وسلم .
قوله: «عُوَيمر»: بضمِّ العين وفتح الواو، تصغير عامر، هو عويمر <3/291> بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان العجلاني، وفي روايةٍ: عويمر بن أشقر، وفي أخرى: عُويمر بن أبيض، قال ابن حجر: فلعلَّ أباه كان يلقَّب أشقر وأبيض، وفي الصحابة عويمر بن أشقر آخَرُ مازنيٌّ، روى له ابن ماجه حديثًا في الأضاحي.
قوله: «قد أنزلت»: يعني آية اللعان، وإنَّما قال له ذلك وَهُوَ لم يُصَرِّح بأنَّه قد رأى ما رأى لظهور القرائن وشدَّة الإلحاح في المسألة، فكان ذلك منه تعريضًا يقرب من التصريح. (4/253)
صفحة 1247
قوله: «وفي صاحبتك»: أي زوجتك، وهي خولة بنت قيس، وقيل: بنت عاصم بن عديٍّ المذكور في الحديث، وقيل: بنت أخيه. وأخرج ابن مردويه مرسلاً أنَّ عاصمًا لَمَّا نزلت: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6] قال: يا رسول الله، أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلى بِهِ في بنت أخيه، وفي سنده ضعف. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: لَمَّا سمع عاصم عن ذلك ابتلي بِهِ في أهل بيته، فأتاه ابن عمِّه تحته بنت عمِّه رماها بابن عمِّه، والمرأة والزوج والخليل ثلاثتهم بنو عمِّ عاصم.
قوله: «فاذهب فأت بها»: استُدلَّ بِهِ على أنَّ اللعان يكون عند الحاكم وبأمره، فلو تراضيا برجلٍ يلاعن بينهما فلاعن لم يصحَّ، لأنَّ في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختصَّ بِهِ الحاكم.
قوله: «فتلاعنا»: زاد في رواية: «بعد العصر»، وفي أخرى: «فتلاعنا في المسجد»، وفي حديث ابن عمر عند مسلم: «فتلاهنَّ - أي الآيات - عليه ووعظه وذكَّره <3/292> وأخبره أنَّ عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحقِّ ما كذبتُ عليها، ثمَّ دعاها ووعظها وذكَّرها وأخبرها أنَّ عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: كلا والذي بعثك بالحقِّ إنَّه لكاذب، فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمَّ ثنَّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنَّه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثمَّ فرَّق بينهما. (4/254)
صفحة 1248
واختلف في الوقت الذي وقع فيه اللعان، فجزم الطبريُّ وأبو حاتم وابن حبَّان أنَّه كان في شهر شعبان سنة تسع، وقيل: كان في السنة التي تُوُفِّيَ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا وقع في البخاري عن سهل بن سعد أنَّه شهد قصَّة المتلاعنين وَهُوَ ابن خمس عشرة سنة، وقد ثبت أنَّه قال: تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة. وقيل: كانت القصَّة في سنة عشر، ووفاته صلى الله عليه وسلم في سنة إحدى عشرة. (4/255)
صفحة 1249
قوله: «ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما»: أي فراقا أبديًّا لا يجتمعان أبدًا فتُحرم عليه بِمُجَرَّدِ اللعان تحريمًا مؤبَّدًا ظاهرًا وباطنًا، سواءٌ صدقت أو صدق، وَهُوَ معنى قول أبي عبيدة رضي الله عنه: «لا تحلُّ له أبدًا وإن نكحت زوجًا غيره فمات عنها أو طلَّقها». قال سهل بن سعد: فمضت السنَّة بعدُ في المتلاعنين أن يفرَّق بينهما ثمَّ لا يجتمعان أبدًا، رواه أبو داود. وفي رواية عن سهل بن سعد: ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: لا يجتمعان أبدًا. وعن ابن عبَّاس أنَّ <3/293> النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «المتلاعنان إذا تفرَّقا لا يجتمعان أبدًا». وعن عليٍّ قال: مضت السنَّة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدًا. وعن عليٍّ وابن مسعود قالا: مضت السنَّة أن لا يجتمع المتلاعنان، رواهنَّ الدار قطني. وبمقتضاها قال أصحابنا وجمهور قومنا، وذكر عن أبي حنيفة وصاحبه محمَّد أنَّ اللعان لا يقتضي التحريم المؤبَّد، لأنَّه طلاقُ زوجةٍ مدخولٍ بها بغير عوض لم يُنوَ بِهِ التثليث، فيكون كالرجعيِّ. وفي رواية عن أبي حنيفة أنَّها إِنَّمَا تحلُّ له إذا أكذب نفسه لا إذا لم يكذب نفسَه، فإنَّه في هذه الصورة يوافق الجمهور. والحقُّ أنَّ اللعان ليس بطلاق، وإنَّما هو فُرقة أبديَّة حكمًا شرعيًّا كما تقضيه الأدلَّة الصحيحة الصريحة، فلا يصحُّ العدول عنها. وقد وقع الخلاف هل اللعان فسخ أو طلاق؟ فذهب الجمهور إِلىَ أنَّه فسخٌ، وذهب أبو حنيفة ورواية عن محمَّد إِلىَ أنَّه طلاق.
<3/294> ماجاء في رجم المشركين
قوله: «عن ابن عمر»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاريُّ ومسلم وغيرهما.
قوله: «إنَّ اليهود»: منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن الأسعد، وسعيد بن عمر، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحتيق، وشاس بن قيس، ويوسف بن عازوراء.
قوله: «جاءوا»: من خيبر وذلك في ذي القعدة سنة أربع من الهجرة. (4/256)
صفحة 1250
قوله: «أنَّ رجلا منهم وامرأة»: أمَّا الرجل فلم يذكر اسمه، وأمَّا المرأة فقيل اسمها بُسرة، بِضَمِّ الموحَّدة وسكون المهملة، وَقِيلَ: اسمها سوارة، وفي رواية: أنَّ الرجل والمرأة كانا من أشراف أهل خيبر.
قوله: «زنيا»: أي بعد الإحصان، كما ورد ذلك من طريق عند الطبراني، وأخرج ذكر ذلك أبو داود من حديث أبي هريرة، والحاكم من حديث ابن عبَّاس. وكان السبب في مجيئهم طلب التخفيف عنهما، فَإِنَّهُمَا كانا شريفين أرادوا لهما التخفيف عن الرجم.
<3/295> قوله: «ما تجدون في التوراة»: أي أيُّ شيء تجدونه في التوراة من حكم ذلك ؟.
قوله: «في شأن الرجم»: أي في حكمه، وهذا السؤال ليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنَّما هو لإلزامهم ما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام، إقامةً للحجَّة عليهم وإظهارًا لما كتموه وبدَّلوه من حكم التوراة، فأرادوا تعطيل نصِّها، ففضحهم الله، وذلك إمَّا بوحيٍ من الله تعالى إليه أنَّه موجود في التوراة لم يغيَّر، وإمَّا بإخبار من أسلم منهم كعبد الله بن سلام.
قوله: «نَفْضَحُهمَا»: بفتح النون والضاد المعجمة بينهما فاء ساكنة، من الفضيحة، وهي كشف المساوئ وتبيينها للناس. وفي رواية: «فقالوا نُسَخِّمُ وجوههما ونحمِّمُهما ونخزيهما». وفي رواية: «نسوِّد وجوههما ونحمِّمُهما ونخالف بين وجوههما ويُطاف بهما».
قوله: «ويُجلدان»: بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول: أي نجد أن نفضحهما ويجلدان، فهو معمول على الحكاية لنجد المُقَدَّر أنَّ ذلك في التوراة وهم كاذبون، ويحتمل أن يكون ذلك مِمَّا فسَّروا بِهِ التوراة ويكون مقطوعًا عن الجواب، ويكون المعنى: إِنَّ الحكم عندنا أن نفضحهما ويُجلدان، ويكون خبر مبتدإ محذوف، وبُني أحد الفعلين للفاعل والآخر للمفعول إشارة إِلىَ أنَّ الفضيحة موكلة إليهم وإلى اجتهادهم. (4/257)
صفحة 1251
<3/297> قوله: «عبد الله بن سلام»: الإسرائيلي الحَبْر، من ذرِّيَّة يوسف بن يعقوب، حليف الخزرج.
قوله: «فأْتوا بالتوراة فاتلوها»: أي فاقرأوها، وَهُوَ خطاب من عبد الله بن سلام لليهود. وفي رواية للشيخين: فقال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فَأُتِيَ بها. وفي رواية أَيُّوب: قال - أي النبيء صلى الله عليه وسلم - : «فأْتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين». ويحتمل الجمع بوقوع ذلك كُلِّه.
قوله: «فأَتَوا بها»: بفتح الهمزة والفوقية، أي جاءوا بها.
قوله: «ونشروها»: أي فتحوها وبسطوها. زاد في رواية: «فقالوا لرجل مِمَّن يرضون: يا أعور اِقرأْ».
قوله: «فوضع أحدهم»: هو ذلك القارئ، وَهُوَ عبد الله بن صوريا اليهودي، وإنَّما وضع يده عليها لئلاَّ تظهر لمن كان يعرف قراءة التوراة مِمَّن أسلم منهم.
قوله: «فإذا آية الرجم تتلألأ»: أي تلوح، ووقع بيانها عند أبي داود من حديث أبي هريرة ولفظه: «المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البيِّنة رُجما، وإن كانت المرأة حُبلى تُرُبِّصَ بها حتَّى تضع ما في بطنها». وعند أبي داود أيضًا من حديث جابر: «إِنَّا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رُجِما».
قوله: «فقالوا صدق...» إلخ: زاد في رواية أَيُّوب: «ولكنَّا نكاتمه بيننا». وفي رواية البزار: قال - يعني النبيء صلى الله عليه وسلم - : «فما منعكم أن ترجموهما»؟ قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. زاد في حديث البراء: «نجد الرجم ولكنَّه كثر في أشرافنا، فكنَّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدَّ، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم». ولأبي داود عن جابر: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاؤوا بأربعةٍ فشهدوا أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرْودِ في المكحلة. (4/258)
صفحة 1252
<3/298> قوله: «فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما»: زاد في رواية الشيخين: «عند البلاط»، وَهُوَ مكان بين السوق والمسجد النبوي.
قوله: «يُجافي»: بضمِّ التحتية فجيمٌ فألف ففاء، أي ينحني عليها ليقيها الحجارة بنفسه لحبِّه إِيَّاهَا، وفي رواية: «يَحْنِي»: بفتح الياء وإسكان المهملة وكسر النون، وفي أخرى: «يَجْنَأُ»: بالجيم والهمزة: أي يميل، وقد جمع بعضهم في جملة الأقوال الحاصلة في هذه اللفظة، فأنهاها إِلىَ عشرة وجوه ترجع إِلىَ معنى واحد. (4/259)
صفحة 1253
والحديث يدلُّ على ثبوت الرجم على أهل الكتاب، وقد اختلف في ذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم، فاشترط قومٌ في الإحصان الإسلامَ، فلا يكون الرجم على مشركٍ عندهم، وَهُوَ قول المالكيَّة ومعظم الحنفيَّة وربيعة شيخ مالك وبعض أصحابنا، واعتمده أبو إسحاق في خصاله، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّه صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا رجمها بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيءٍ، وإنَّما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإنَّ في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، قالوا: وكان ذلك أوَّل دخول النبيء صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان مأمورًا باتِّباع حكم التوراة والعمل بها حتَّى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، قالوا: ثمَّ نسخ <3/299> ذلك بقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ...} إلى قوله: {...أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15]، ثمَّ نسخ ذلك أيضًا بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن. وقال الجمهور بمقتضى ظاهر الحديث. (4/260)
صفحة 1254
وفي الأثر: وأجمعوا أنَّ الرجم على المحصن والمحصنة من المسلمين، ومن أهل الكتاب ومن لزمه أحكام الإسلام من أهل العهد، ولعلَّه أراد بالإجماع إجماعًا خاصًّا من أهل المذهب في الزمان الأوَّل، فإنَّهم يتساهلون في التعبير بلفظ الإجماع فيطلقونه على اتِّفاق الأصحاب في بعض المواضع مع تسويغ الخلاف وضعًا عرفيًّا، وهذا القول أسعد بظاهر الحديث وكونه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا ينافي ثبوت المشروعيَّة، فإنَّ هذا حكم شرعه الله تعالى لأهل الكتاب وقرَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طريق لنا إِلىَ ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إِلاَّ بمثل هذه الطريق، ولم يتعقَّب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولا سيما وَهُوَ مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل الله ومنهيٌّ عن اتِّباع أهوائهم كما صرَّح بذلك القرآن العزيز، وقد أتوه صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرِّفهم شرعهم، فحكم بينهم بشرعه ونبههم إِلىَ أنَّ ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه، ولا يجوز أن يقال: إِنَّهُ حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأنَّ الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنَّما أراد بقوله: «فأنا أحكم بينكم بالتوراة»،كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة إلزامهم الحجَّة. (4/261)
صفحة 1255
وأمَّا الاحتجاج بقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ...}، فغاية ما فيه أنَّ الله شرع هذا الحكم بالنسبة إِلىَ نساء المسلمين، وَهُوَ مخرَّج على الغالب كما في الخطابات الخاصَّة بالمؤمنين والمسلمين مع أنَّ كثيرًا منها يستوي فيه الكافر والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أنَّ الآية تدلُّ بمفهومها على أنَّ نساء الكفَّار خارجات عن ذلك <3/300> الحكم، فَهَذَا المفهوم قد عارضه منطوق حديث الباب فإنَّه مصرِّحٌ بأنَّه صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية مع اليهودي. ومن غرائب التعصبات ما رُوي عن مالك أنَّه قال: إِنَّمَا رجم النبيء صلى الله عليه وسلم اليهوديين لأنَّ اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمَّة فتحاكموا إليه.
وتُعُقِّب بأنَّه صلى الله عليه وسلم إذا أقام الحدَّ على من لا ذمَّة له فلأنْ يقيمه على من له ذمَّة بالأولى، وأيضا فإنَّ مجيء اليهود كسائلين له صلى الله عليه وسلم يوجب لهم أمانًا كما لو دخلوا للتجارة فإنَّهم في أمان إِلىَ أن يُردُّوا إِلىَ مأمنهم، والله أعلم. وللحديث فوائد يطول بذكرها المقام.
ما جاء في الانتِفاء من وَلَدِ الْمُلاَعَنَةِ
<3/301> الحديث رواه الجماعة من حديث عبد الله بن عمر.
قوله: «إنَّ رجلاً»: قيل هو عويمر العجلاني صاحب القصَّة المتقدِّمة في حديث عاصم. وفي حديث ابن عبَّاس عند أحمد وأبي داود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين هلال بن أميَّة وامرأته وفرَّق بينهما، وقضى أن لا يُدْعى ولدُها لأبٍ، ولا تُرمى ولا يُرمَى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحدُّ، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر وما يدعى لأب. وهذا يدلُّ أنَّ الرجل هلال بن أميَّة، ويحتمل أنَّ كلَّ واحد من الرجلين قد انتفى من الولد. (4/262)
صفحة 1256
قوله: «امرأته»: هي خولة بنت قيس العجلانية إن كان الرجل عويمرًا، وغيرها إن كان هلالاً، وامرأة هلال لم تسمَّ، وفي أُسْد الغابة: خولة بنت عاصم امرأة هلال بن أميَّة التي لاعنها ففرَّق النبيء صلى الله عليه وسلم بينهما، أخرجها ابن منده وأبو نعيم، وَتَقَدَّمَ أنَّ خولة بنت عاصم بن عديٍّ امرأة عويمر في بعض القول، وقد اشتبه على الناس أمر القضيَّتين لاتِّفاقهما في غالب الصور.
قوله: «في زمان النبيء صلى الله عليه وسلم»: قيل: كان ذلك في شهر شعبان سنة تسع، وَقِيلَ: كان في السنة التي تُوُفِّيَ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَقِيلَ: كان سنة عشرة، ووفاته صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة.
قوله: «فانتفى من الولد»: أي أنكر الولد الذي في بطنها وزعم أنَّه ليس منه، وفي رواية: «وانْتَفَلَ»: بألف فنون ساكنة ففوقية ففاء فلام، أي <3/302> تبرَّأ. قيل: والفاء في قوله: «فانتفى»: سَبَبِيَّة، أي الملاعنة كانت سببًا لانتفاء الرجل من ولد المرأة وإلحاقه بها.
وتُعُقِّب بأنَّه إن أراد أنَّها سبب ثبوت الانتفاء فجيِّد، وإن أراد أنَّها سبب وجود الانتفاء فليس كذلك، فإنَّه إن لم يتعرَّض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتف.
قوله: «ففرَّق»: بالتشديد، أي حكم بالفرقة بينهما، إنفاذًا لما أوجب الله من المباعدة بينهما بنفس اللعان. وبظاهره تمسَّك الحنفيَّة في قولهم: إنَّ مجرَّد اللعان لا يحصل بِهِ التفريق، وإنَّه لاَ بُدَّ من حكم حاكم، وأجاب الجمهور بأنَّ المراد الإفتاء والإخبار عن حكم الشرع بدليل قوله في رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر في الصحيحين: «لا سبيل لك عليها، قال: مالي، قال: لا مال لك إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فذاك أبعد لك». (4/263)
صفحة 1257
قوله: «وألحق الولد»: بالمرأة، أي صيَّره لها وحدها ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأمَّا أمُّه فترث منه ما فرض الله لها، والباقي لعصبتها، وَهُوَ قول أبي عبيدة رضي الله عنه. وَقِيلَ: معنى إلحاقه بأمِّه أنَّه صيَّرها له أبًا وأمًّا، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه، وَهُوَ قول ابن مسعود وواثلة وطائفة، وقيل: معناه أنَّ عصبة أمِّهِ تصير عصبة له، وَهُوَ قول عليٍّ وابن عمر، وقيل: ترثه أمُّه وإخوته منها بالفرض والردِّ. والحديث يدلُّ أنَّ <3/303> ولد الملاعنة إذا انتفى منه الزوج يلحق بأمِّه، وقيل: ينتفي الولد بِمُجَرَّدِ اللعان وإن لم يتعرَّض الرجل لذكره في اللعان، وفيه نظر، لأنَّه لو استلحقه لحقه، وقيل: إن كانت غير مدخول بها فظهر بها حمل فجحده الزوج فإنَّه ينفى عنه الولد بعد اللعان، وَهُوَ قول أبي إسحاق في خصاله، وقال الشافعيُّ: إن نَفَى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرَّض له فله أن يُعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إِلىَ الحاكم فأخَّر بغير عذر حتَّى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة. وظاهر الحديث أولى بالعمل، وسيأتي قريبًا قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». ويجمع بينه وبين حديث الباب بأنَّ محلَّ ذلك فيما إذا لم يلاعن أمَّه أو لاعنها فلم ينتف من الولد، فإنَّه في الحالتين معًا يكون للفراش ويلحق بأبيه.
ما جاء أنَّ الولد للفراش وللعاهرالحجر
<3/304> قال ابن عبد البرِّ: حديث الولد للفراش من أصحِّ ما يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم، جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة. (4/264)
صفحة 1258
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهما. وعُتْبَة: بضمِّ المهملة وإسكان الفوقية، هو أخو سعد بن أبي وقَّاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهب، وقيل: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب. وعتبة بن أبي وقاص قيل مات على شركه، يقال: إِنَّهُ هو الذي كسر رباعية النبيء صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ. <3/305> وروي أنَّه صلى الله عليه وسلم دعا يومئذ أن لا يحول عليه الحول حتَّى يموت كافرًا، فما حال عليه الحول حتَّى مات كافرًا إِلىَ النار.
قوله: «عَهِدَ»: بفتح العين وكسر الهاء: أي أوصى.
وقوله: «إِلىَ أخيه سعد»: هو أوَّل من رمى بسهم في سبيل الله. روى ابن إسحاق عنه: ما حرصت على قتل رجل قطُّ حرصي على قتل أخي عتبة بما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كفاني منه قوله صلى الله عليه وسلم: «اشتدَّ غضب الله على من أدمى وجه رسوله»، وتقدم ذكره في التَّمَتُّع من كتاب الحجِّ. و«الوليدة»: بفتح الواو وكسر اللام: هي الجارية. و«زَمْعَة»: بفتح الزاي وسكون الميم وقد تفتح، هو زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي. و«سَوْدَة»: أمُّ المؤمنين رضي الله عنها. و«وليدة زمعة»: لم يذكر اسمها لكن قيل: إِنَّها يمانية، وابنها المتنازع فيه صحابيٌّ صغير واسمه عبد الرحمن بن زمعة. (4/265)
صفحة 1259
قوله: «فاقبضه»: بهمزة وصل وكسر الموحَّدة: أي فضمَّه إليك، وأصل هذه القصَّة أنَّه كانت لهم في الجاهليَّة إماء يزنين، وكانت ساداتهن تأتينهنَّ في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهنَّ بولد فَرُبَّمَا يدَّعيه السَّيِّد، وربَّما يدَّعيه الزاني، فإن مات السَّيِّد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره فادَّعاه ورثته لحق بِهِ، إِلاَّ أنَّه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إِلاَّ أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان أنكره السَّيِّد لم يلحق بِهِ. وكان لزمعة بن قيس أمَة على ما وصف، وعليها ضريبة، وَهُوَ يلمُّ بها، وظهر بها حمل كان يَظُنُّ أنَّه من عتبة أخي سعد، فعهد عتبة إِلىَ أخيه سعد قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمَة زمعة، فلمَّا كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي قد كان عهد إليَّ فِيهِ. وفي رواية معمر عن الزهري: فلمَّا كان يوم الفتح رأى سعد الغلام وعرفه بالشبه فاحتضنه وقال: «ابن أخي وربِّ الكعبة»: إِلىَ آخر القِصَّة.
قوله: «عامُ الفتح»: برفع عام الفتح، اسم كان. وفي رواية بنصبه بتقدير في عام الفتح، وكان في السنة الثامنة من الهجرة.
<3/306> قوله: «عهد إليَّ»: أي أوصى إليَّ فيه، فاحتجَّ باستلحاق عُتبة على عادة الجَاهِلِيَّة.
قوله: «عبد»: بلا إضافة، هو عبد بن زمعة بن قيس أخو سودة أمِّ المؤمنين، أسلم يوم الفتح، قال ابن عبد البرّ: كان من سادات الصحابة.
قوله: «ابن وليدة أبي»: أي جاريته.
قوله: «ولد على فراشه»: أي من أمَته المذكورة، كأنَّه سمع أنَّ الشرع أثبت حكم الفراش فاحتجَّ بِهِ، وقد كانت عادة الجاهليَّة إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء للزنا، فمن اعترفت الأمُّ أنَّه له لحقَ بِهِ ولم يقع إلحاق من وليدة زمعة في الجاهليَّة، إمَّا لعدم الدعوى، وإمَّا لأنَّ الأمَة لم تعترف لعتبة، وَقِيلَ: كانت موالي الولائد يخرجونهنَّ للزنى ويضربون عليهنَّ الضرائب، وكانت وليدة زمعة كذلك. (4/266)
صفحة 1260
قال ابن حجر: والذي يظهر من سياق القصَّة أنَّها كانت أمَة مستفرشة لزمعة فزنى بها عتبة، وكانت عادة الجاهليَّة في مثل ذلك أنَّ السيد إذا استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإن ادعاه غيرُه ردَّ ذلك إِلىَ السَّيِّد أو القافة.
قوله: «فتساوَقاه»: أي تدافعاه، أي ساقاه إِلىَ النبيء صلى الله عليه وسلم بعد تخاصمهما فيه. وفي رواية: «فتساوقا» بلا هاء، أي ساق كلُّ واحد منهما صاحبه فيما ادَّعاه إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: «فتَكَلَّمَ سعدٌ بحجَّته»: وهي قوله: «ابن أخي وقد كان عهد إليَّ فيه».
قوله: «وتَكَلَّمَ عبد بن زمعة بحجَّته»: وهي قوله: «أخي ابن وليدة أبي، وقد كان ولد على فراشه». وفيه تقديم المدَّعي بالتكلُّم بين يدي الحاكم.
قوله: «هو لك يا عبد»: بضمِّ الدال على الأصل، ويروى بفتحها، وعلى الوجهين فنون «ابْنَ» مفتوح. وَمَعنَى قوله: «هو لك»: أي هو أخوك كما ادَّعيت. <3/307> قيل: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بعلمه، لأنَّ زمعة كان صهره، ففراشه كان معروفًا عنده صلى الله عليه وسلم، وإن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وفي القضاء بالعلم خلاف في حقِّ غيره صلى الله عليه وسلم، والظاهر أنَّه صلى الله عليه وسلم قضى باعتراف سعد أنَّه فراش زمعة لأنَّه لم ينكر ذلك. (4/267)
صفحة 1261
قوله: «الولد للفراش»: أي للحالة التي يمكن فيها الافتراش، وَهُوَ تأتِّي الوطء، فالحرَّة فراشٌ بالعقد عليها مع إمكان الوطء، والحمل لا ينتفي عن زوجها، سواء أشبهه أم لا، وتجري بينهما الأحكام من إرث وغيره إِلاَّ بلعانٍ. والأمَة فراش إن أقرَّ سَيِّدُها بوطئها أو ثبت بِبَيِّنَةٍ، والفرق بين الحرَّة والأمَة في ذلك أنَّ الحرَّة لَمَّا كانت لا تُراد إِلاَّ للوطء جعل العقد عليها بمنزلة الوطء، والأمَة تشترى لوجوه كثيرة فلا تكون فراشًا حتَّى يثبت الوطء. وقبل: المراد بالفراش الزوجة، لأنَّ الفراش يجعل لها غالبًا، ومنه {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} [الواقعة: 34]. وقيل: المراد بِهِ الزوج لأنَّه صاحب الفراش، والأوَّل أظهر وأسلم من التكلُّف.
قوله: «وللعاهر الحجَر»: قال الربيع: العاهر الزاني، اسم فاعل من عهر الرجل المرأة، إذا أتاها للفجور، وعهرت المرأة وتعهَّرت إذ زنت، والعُهر: الزنا، وَقِيلَ: يختصُّ بفعل ذلك في الليل. قال الربيع: وَمَعنَى «له الحَجَر»: الرجم بالحجارة، وتُعُقِّب بأنَّه ليس كُلُّ زانٍ يُرجم بل المحصن، وأيضا فلا يلزم مِن رَجْمِه نفي الولد، والحديث إِنَّمَا هو في نفيه عنه. وقال الباجي: يريد الرجم واللفظ خرج على العموم، وَلَمَّا قصد عيب الزنا أخبر بأشدِّ أحكامه، وقيل: هو كناية <3/308> عن الخيبة، وَالْمَعنَى لاحقَّ له في الولد، والعرب تكنِّي عن الحرمان بقولهم: له الحَجَر وَبَقِيَّة التراب، يريدون الخيبة. (4/268)
صفحة 1262
وظاهر الحديث أنَّ فراش الأمَة كفراش الحرَّة، لأنَّه يدخل تحت عموم الفراش، وحديث الباب نصٌّ في ذلك، لأنَّ النزاع بين عبد زمعة وسعد بن أبي وقَّاص في ابن وليده زمعة، وقد ذهب الجمهور إِلىَ أنَّه لا يعتبر في ثبوت فراش الأمَة الدعوى من الأب للولد، وقيل: الأمَة لا يثبت فراشها إِلاَّ إذا ادَّعى السَّيِّد الولد، وإنَّ الإقرار بالوطء لا يكفي، فإن لم يدَّعه ولدًا له كان ملكًا، ونسب هذا القول إِلىَ أبي حنيفة والثوريِّ، وردَّ بِأَنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم ألحقَ ولد زمعة بِهِ، ولم يستفصل هل ادَّعاه زمعة أم لا؟ بل جعل العلَّة في الإلحاق أنَّه صاحب الفراش.
قوله: «لزوجته سَوْدة بنت زمعة»: ابن قيس أخت عبد المذكور، وهي بفتح السين المهملة، وأمُّها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو، من بني عديِّ بن النجار، تَزَوَّجَها صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ سعد وفاة خديجة قبل عائشة، وَقِيلَ: بعدها، وكانت قبله تحت ابن عمِّها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان مسلمًا وَتُوُفِّيَ عنها فتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة وأسنَّت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تصب منه ولدًا، وَتُوُفِّيَت في آخر خلافة عمر رضي الله عنهما.
قوله: «احتجبي منه»: أي من المولود المتنازع فيه، واسمه عبد الرحمن، والمُراد: امنعيه من الدخول عليك.
<3/309> قوله: «لِمَا رأى»: أي لِمَا أبصر، بكسر اللام وتخفيف الميم، أي لأجل ما رأى من مشابهته لعتبة بن أبي وقَّاص. (4/269)
صفحة 1263
قوله: «إشباهه»: بكسر الهمزة: مصدر أشبهه، والهاء فاعله وعتبة معموله، واستدلَّ بِهِ البخاري على التنزُّه من الشبهات. وقال عياض وغيره: قيل: هو على وجه الندب، لاسيما في حقّ أزواجه صلى الله عليه وسلم وتغليظ أمر الحجاب عليهنَّ وزيادتهنَّ فيه على غيرهنَّ، قال القرطبي: فهو كقوله لأمِّ سلمة وميمونة وقد دخل عليهنَّ ابن أمِّ مكتوم: «احتجبا منه»، فقالتا: إنَّه أعمى، فقال: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟»، وقال لفاطمة بنت قيس: انتقلي إِلىَ بيت ابن أمِّ مكتوم فتضعين ثيابك عنده فإنَّه لا يراك، فأباح لها ما منعه لأزواجه.
قوله: «حتى لقي الله»: أي حتَّى مات، ولم أجد تاريخًا لوفاته، والظاهر أنَّه مات قبل سودة، قيل: وله عقب، وهم بالمدينة، والله أعلم.
ما جاء في جلد البِكرِ ورجمِ المحصَنِ إذا زنيَا
الحديث تقدَّم ذكره في باب الأحكام، وقد تقدَّم شرحه أيضًا، والغرض <3/310> من ذكره هنا إثبات الحدّ للزاني وبيان حدّ البكر والمحصن، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم جلد البكر مائة جلدة وغرَّبَهُ عامًا وأمر أُنَيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها، والحديث يدلُّ على ثبوت الرجم للمحصن وقد تقدَّم ذكره، وعلى ثبوت الجلد والتغريب للبكر، فأمَّا الجلد فمجمع عليه لا خلاف بين أحد من الناس فيه، وأمَّا التغريب فقد اختلف الناس فيه، فقال جمهور قومنا: إِنَّهُ من جملة الحدِّ، وقال أصحابنا وأبو حنيفة وحماد والقاسميَّة: إنَّ التغريب غير واجب. (4/270)
صفحة 1264
ثمَّ اختلفوا في معنى فعله صلى الله عليه وسلم لذلك، فمنهم من قال إنَّه من باب السياسة ومراعاة المصالح وليس هو من الحدِّ في شيء، ومنهم من قال: إنَّه كان في صدر الإسلام ثمَّ نسخ بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. وممَّن قال بالنسخ من قومنا الحازمي والمنذري، وصحَّح القطب متَّعنا الله بحياته في تفسيره بقاء التغريب لوروده في صحيح الربيع رحمه الله، قال: وإنَّ أبا بكر وعمر جلدا وغرَّبا. غيرُه: عدم ذكر التغريب في آية الجلد لا يدلُّ على مطلق العدم، وقد ذكر التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة بِاتِّفَاقِ أهل العلم بالحديث من طريق جماعة من الصحابة بعضها ذكره المصنِّف في الباب وبعضها لم يذكره، وليس بين ذكر التغريب في الأحاديث وبين عدم ذكره في الآية منافاة. (4/271)
صفحة 1265
وقال ابن المنذر: أقسم النبيء صلى الله عليه وسلم في قصَّة العسيف أنَّه يقضي بكتاب الله تعالى، ثمَّ قال: إنَّ عليه جلد مائة وتغريب عام، وَهُوَ المبيِّن في كتاب الله تعالى، وخطب عمر بذلك على رؤوس المنابر وعمل بِهِ الخلفاء الراشدون، ولم ينكره أحد فكان إجماعًا. وأقول: إن صحَّ ما ادَّعاه من عمل الخلفاء الراشدين فلا سبيل إِلىَ دفعه، لَكِنَّ أئمتنا رضي الله عنهم تركوا ذلك مع شدَّة تحرُّزهم في الديانة وتحرِّيهم للصواب والتماسهم للهدى وقبولهم الحقَّ مِمَّن جاء بِهِ قريبًا كان أم بعيدًا، فلو لم يثبت عندهم أنَّه ليس من جملة الحدِّ المؤبَّد ما تركوه، ولو صحَّ عندهم ما ادَّعاه ابن المنذر لكانوا أولى الناس بالأخذ بِهِ، ولم يبق بعد اختلاف الأمَّة وضرب بعضها رقاب بعض <3/311> خلفاء راشدون ولا أئمَّة هادون مهتدون، إِلاَّ من كان على سيرتهم الغرَّاء وطريقتهم الزهراء. أقول هذا وأنا أعلم أنَّ المسألة مسألة اجتهاد والموضع مقام نزاع، وَلَكِنَّ عَمل الأئمَّة الهادين المهتدين كافٍ في ترجيح قول على مقابله، وإنَّ ظاهر الحديث يرجِّح إثبات التغريب، إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان حتَّى يُعلَم زوالُه.
قال القطب متَّعنا الله بحياته: ولا جلد ولا رجمَ ولا تغريب على طفل أو مجنون، قال: ولا رجم على عبد أو أمَة بل عليهما جلد خمسين، أحصنا أو لم يحصنا نصف جلد الحرِّ غير المحصن، وَقِيلَ: أربعين إن لم يحصنا وخمسين إن أحصنا، قال: وعلى بقاء تغريب البكر سنةً بعد جلده مائةً يغرَّب العبد والأمَة بعد الجلد المذكور نصف سنة، نصف تغريب الحرِّ. وقيل: لا يغرَّب العبد وإنَّما يغرَّب الحرُّ لأنَّه مالٌ، قال: وتغريب المرأة كالرجل في القول بتغريبه. (4/272)
صفحة 1266
وقال مالك والأوزاعيُّ: لا تغريب على النساء لأنَّهنَّ عوراتٌ، وفي تغريبهنَّ تضييع لهنَّ وتعريضٌ للفتنة، قال: ويردُّ عليه حديث عبادة: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة». وأنَّ أبا بكر وعمر جلدا وغرَّبا، قلت: إن صحَّ أن أبا بكر وعمر جلدا وغرَّبا وجب قبول ذلك، وظاهر حديث عبادة لا يمكن الأخذ بِهِ، فإنَّ ظاهره يقتضي تخصيص الجلد والتغريب في زنا البكر، ولا قائل بتخصيصه بذلك بل الأمر المجمع عليه من الأمَّة أنَّ حكم البكر واحد، زنا ببكر أم بثيِّب، والله أعلم.
قال القطب: والمشرك كالمسلم في جميع أحكام الرجم والجلد والتغريب. وقال أبو حنيفة: لا رجم على مشرك، ويردُّه رجمه صلى الله عليه وسلم يهوديًّا ويهوديةً، والله أعلم.
<3/312> ما جاء في قطعِ يدِ السارقِ
قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه أيضًا الشيخان والنسائي وابن ماجه، ولفظه عندهم: عن عائشة عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطعُ يدُ السارق إِلاَّ بربع دينار فصاعدًا». وفي رواية الشيخين: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا». ورواية الموطأ عن عائشة قالت: «ما طال عليَّ وما نسيتُ، القطع في ربع دينار فصاعدًا».
<3/313> قوله: «القطع»: أي قطع يد السارق، والمُراد يمينه.
قوله: «في ربع دينار»: أي بسبب أخذه سرقةً من حرز، والرُّبُعُ: بضم الباء ويسكَّن. والدينار: صرف من الذهب وزنه مثقال، وَهُوَ في المعاملة يزيد في صرف الدراهم وينقص، وأمَّا في الديات والأروش والجزية فإنَّه يحسب اثني عشر درهمًا، ودينار الزكاة عشرة دراهم، وبسبب ذلك وقع الخلاف في ربع الدينار في نصاب القطع، فقال جمهور قومنا: إِنَّهُ ثلاثة دراهم لأنَّ الدينار في ذلك الزمان عن صرف اثني عشر درهمًا فربعه ثلاثة دراهم، وقد فرض عمر الدية على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار. (4/273)
صفحة 1267
وَقِيلَ: إنَّ ربع الدينار أربعة دراهم، وبه أخذ أصحابنا وعليه جرت فتاويهم، فنصاب القطع عندهم أربعة دراهم، وَكَأَنَّهُم يستندون في ذلك إِلىَ حديث أبي سعيد الآتي في الباب: إنَّ قيمة المجن الذي قطع النبيء صلى الله عليه وسلم فيه أربعة دراهم، وقد نقل ابن المنذر وغيره ذلك عن أبي سعيد وأبي هريرة ونقله عيَّاض عن بعض الصحابة.
وقوله: «فصاعدًا»: منصوب على الحال، أي فزائدًا، ويستعمل بالفاء وبثُمَّ لا بالواو. وفي رواية لمسلم: «لا تقطع يد السارق إِلاَّ في ربع دينار فما فوقه».
<3/314> قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف رضوان الله عليه، ولم أجده لغيره من هذا الطريق ولا بهذا التقدير، وعند الجماعة من حديث ابن عمر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قطع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم.
قوله: «قطع»: أي أمر من يقطعها، لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه، وقد روي أنَّ بلالا هو الذي باشر قطع يد المخزوميَّة، فيحتمل أن يكون هو الذي كان موكَّلاً بذلك، ويحتمل غيره.
قوله: «يد سارقٍ»: لم أجد اسمه.
قوله: «في مِجَنٍّ»: بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، وَهُوَ الترس، سمِّي بذلك لأَنَّهُ يستر صاحبه عن الضرب، فهو مأخوذٌ من جَنَّ بمعنى ستر، ويقال: له جُنَّة، بضمِّ الجيم. والدَّرَقَةُ بفتحتين.
قوله: «قيمته»: وفي بعض الروايات: «ثمنه»، والمعنى واحد، وقيمة الشيء ما تنتهي إليه الرغبة فيه، وأصلها: قِوْمَة، فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، والثمن ما يقابل بِهِ المبيع عند البيع. (4/274)
صفحة 1268
قوله: «أربعة دراهم»: وفي حديث ابن عمر عند الجماعة: «ثلاثة دراهم»، <3/315> وعند البيهقيِّ والطحاويِّ من حديث ابن عبَّاس قال: كان ثمن المجنِّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقوَّم عشرة دراهم، وعند النسائي نحوه. وأخرج عنه أبو داود أنَّ ثمنه كان دينارًا أو عشرة دراهم. وأخرج البيهقي عن محمَّد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: كان ثمن المجنِّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم. وبذلك احتجت الحنفيَّة وسائر فقهاء العراق في جعلهم النصاب في القطع عشرة دراهم، وزعموا أنَّه لا قطع فيما دون ذلك، قالوا: والأخذ بهذه الروايات أحفظ، وإن كان غيرها أصحَّ، لأنَّها أورثت شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وأجيب بأنَّ في إسنادها محمَّد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتجُّ بمثله إذا جاء الحديث معنعنًا، فلا يصلح لمعارضة أحاديث الباب. وقد تعسَّف الطحاويُّ فزعم أنَّ حديث عائشة مضطرب، ثمَّ بَيَّنَ الإضراب بما يفيد بطلان قوله. ولو سلَّمنا صلاحية روايات تقدير ثمن المجنِّ بعشرة دراهم لم يكن ذلك مفيدًا للمطلوب، أعني عدم ثبوت القطع فيما دون ذلك لِمَا في الباب من إثبات القطع في ربع الدينار، وَهُوَ دون عشرة دراهم اتِّفاقًا، فيتعيَّن الرجوع إِلىَ هذه الرواية وطرح الروايات المتعارضة في ثمن المجنِّ، ولِمَا ثبت عند أصحابنا من حديث أبي سعيد عند المصنِّف أنَّ قيمة المجنِّ الذي قطع فيه النبيء صلى الله عليه وسلم أربعة دراهم، جعلوها مبيِّنة لربع الدينار المذكور في حديث عائشة، ولم يقطعوا فيما دونها. (4/275)
صفحة 1269
وللأمَّة في نصاب القطع مذاهب أوصلها بعضهم إِلىَ عشرين قولاً، أقلُّها أنَّه يقطع في القليل والكثير، حكي ذلك عن الحسن البصريِّ وداود والخوارج، وأكثرها لا يجب القطع إِلاَّ في أربعة دنانير أو أربعين درهمًا، حكي ذلك عن النخعي وَهُوَ قول لا دليل عليه، وأمَّا الذي قبله فإنَّ أربابه تمسَّكوا بإطلاق قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .
<3/316> والجواب أنَّ إطلاق الآية مقيَّدٌ بالأحاديث المذكورة في الباب، قالوا: حديث أبي هريرة عند الشيخين وأحمد: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل وتقطع يده». قلنا: المراد المبالغة في التنفير عن السرقة بجعل ما لا يقطع فيه بمنزلة ما يقطع كما في حديث: «مَن بنى لله مسجدًا ولو كمَفْحَصِ قَطَاةٍ..»، وحديث : «تصدقي ولو بظلف محرَّق»، مع أنَّ مفحص القطاة لا يكون مسجدًا، والظلف المحرَّق لا ينتفع بِهِ، والله أعلم.
<3/317> ماجاء في جَلْدِ الأَمَة إذا زَنَت
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث عند الشيخين وأحمد من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني، غير أنَّهم ذكروا الجلد ثلاثًا، ثمَّ قال ابن شهاب: لا أدري بعد المَرَّة الثالثة أو الرابعة، يعني أنَّه شكَّ هل قال الراوي: «ثمَّ بيعوها» بعد المرة الثالثة أو الرابعة؟ وذكر أحمد وأبو داود في الرابعة الجلد والبيع، فهو على نحو ما ذكر المصنِّف.
قوله: «سُئل»: بالبناء للمفعول، أي سأله سائلٌ عن حكم ذلك. وفي بعض الروايات: أتى رجل النبيء صلى الله عليه وسلم قال: جاريتي زنت فتبيَّن زناها، قال: فاجلدها. قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل.
<3/318> قوله: «ولم تحصن»: أي لم تتزوَّج. وقد اختلف الناس في إحصان الأمَة، فقال الأكثر: إحصانها التزويج، وَقِيلَ: العتق، والأوَّل قول ابن عبَّاس، وَهُوَ الصحيح. (4/276)
صفحة 1270
قوله: «إذا زنت فاجلدوها»: أي الجلد اللائق بها، وذكر الزنا في الجواب غير مقيَّد بالإحصان للتنبيه على أنَّ الإحصان لا أثر له في الجلد، بل موجب الجلد في الأمَة مطلق الزنا، والإحصان علامة توجب نصف حدِّ الحرائر لا مطلق الجلد، فالجلد في الحديث مبهم يصدق على التعزير وعلى نصف الحدِّ، فحمله على المعنى الأوَّل هو المطابق لمفهوم قوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنَ اَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، لأنَّ مفهوم الآية اشتراط الإحصان في إقامة الحدِّ على الإماء، والحديث يوجب الجلد بنفس الزنا، والجمع بينهما واجب، فتعيَّن تفسير الجلد في الحديث بجلد التعزير، واشتراط الإحصان في إقامة الحدِّ على الإماء مذهبنا، وَهُوَ قول ابن عبَّاس وطاوس وعطاء وابن جريج. وذهب الجمهور من قومنا إِلىَ خلاف ذلك، فلم يشترطوا الإحصان بل أوجبوا الحد بنفس الزنا، وتمسَّكوا بحديث الباب، ولا تمسُّك لهم بذلك، لأنَّ الجلد مبهم والآية مفسِّرة لمعناه فلا يمكن العدول عن الواضح إِلىَ المبهم. ولا رجم على المملوك وإن أحصن، وَهُوَ قولنا وقول أكثر قومنا، لأنَّ الرجم لا ينتصف، والآية أوجبت عليهم نصف ما على المحصنات من العذاب. وخالف الزهري وأبو ثور وتمسَّكوا بعموم الأدلَّة أدلَّة الرجم.
قلنا: العموم مخصَّص بآية التنصيف. (4/277)
صفحة 1271
قوله: «فاجلدوها ثمَّ بيعوها»: هذا صريح أنَّها تجلد في الرابعة أيضًا ثمَّ تُباعُ، وبذلك يردُّ على النوويِّ حيث قال: إنَّها في الثالثة تباع من غير جلد. والأمر بالبيع مستحبٌّ عند الجمهور، وَقِيلَ: إنَّه منسوخٌ ولا نعلم له ناسخًا، وقال أهل الظاهر بوجوب البيع تمسُّكًا بظاهر الأمر، ولأنَّ ترك مخالطة الفسقة واجبة، وبيع الكثير بالحقير جائز. قال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضِّ <3/319> على مباعدة من تكرَّر منه الزنا لئلاَّ يظنَّ بالسيِّد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إِلىَ تكثير أولاد الزنا، قال: وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له في الأمَّة، فلا يشتغل بِهِ.
قوله: «ولو بِضَفِيِر»: بفتح الضاد المعجمة غير المشالة ثمَّ فاء، بمعنى الحبل، وَهُوَ فعيل بمعنى مفعول، وأصل الضفر نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض، ومنه ضفار شعر الرأس للمرأة والرجل، وَقِيلَ: لا يكون مضفورًا إِلاَّ إن كان من ثلاث. وذكر البيع بالضفير مبالغة في حقارة الثمن.
واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنا مع أنَّ كلَّ مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، وأجيب بِأَنَّ السبب الذي باعه لأجله ليس محقَّقَ الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنَّه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاقٌّ، ويجوز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
وفي الحديث فوائد:
منها: أنَّ الزنا يرد بِهِ الرقيق، للأمر بالحطِّ من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا.
ومنها: أنَّ من زنا فأقيم عليه الحدُّ ثمَّ عاد أعيد عليه، بخلاف من زنا مرارًا قبل الحدِّ فإنَّه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرَّة واحدة.
ومنها: العفَّة عن مخالطة الفسَّاق ومعاشرتهم.
ومنها: جواز عطف الأمر المقتضي للندب على الأمر المقتضي للوجوب، لأنَّ الأمر بالجلد واجب والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور، خلافًا لأبي ثور وأهل الظاهر. (4/278)
صفحة 1272
ومنها: أنَّ السيد يَتَوَلىَّ تعزير عبده بنفسه، قيل: وكذلك فإنَّه يقيمه عليه بنفسه، وإلى ذلك ذهب جماعة من السلف، وبه قال الشافعيُّ، وَهُوَ قولٌ في المذهب، ومشهور المذهب أنَّ الحدود إِلىَ الإماَم، وبه قالت الحنفيَّة. وروى الطحاويُّ عن مسلم بن يسار أنَّه قال: كان رجل من الصحابة يقول: الزكاة والحدود والفيء والجمعة إِلىَ السلطان، قال الطحاوي: لانعلم له مخالفًا من الصحابة، وتعقَّبه ابن حزم بأنَّه خالفه اثنا عشر صحابيًّا.
<3/320> الباب السابع والثلاثون
في الضالَّة
على وزن دابَّة، والجمع ضوالٌّ كدوابَّ، والأصل في الضلال الغَيْبَة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالَّة، بالهاء ذكرًا أو أنثى، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولُقَطَة، وضلَّ البعير: غاب وخفي عن موضعه، وأضللتُه بالألف: فقدته، قاله الزهري.
ما جاء أنَّه لا يأوي الضالَّة إِلاَّ ضالٌّ وأنَّ ضالَّة المؤمن حرق النَّار
<3/321> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن خالد الجهني، وزادوا في آخره: «ما لم يعرفها»، ولم تثبت هذه الزيادة عند المصنِّف، فالضلال على رواية زيد مشروط بعدم التعريف، وَهُوَ مطلق على رواية المصنِّف، وَهُوَ الفرق بين الضالَّة واللقطة في الحكم. قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أنَّ فَقْدها حيث ضلَّت أقرب إِلىَ وجدان مالكها من تطلُّبه لها في رحال الناس. وذكر مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنَّ عمر بن الخطَّاب قال وَهُوَ مسند ظهرَه إِلىَ الكعبة: من أخذ ضالَّةً فهو ضالٌّ. والمُراد بالضالَّة ضالَّة الإبل، أو ما كان في معناها من كلّ بهيمة تمتنع بقوَّتها من السَّبُع كالبقر، أمَّا ضالَّة الغنم فإنَّها تُؤوي لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عبَّاس عند المصنِّف وزيد بن خالد عند الشيخين وأحمد: «خذها فإنَّما هي لك أو لأخيك أو للذئب». (4/279)
صفحة 1273
قوله: «إلاَّ ضالُّ»: أي غائب عن طريق الصواب، فيلزمه الإثم والضمان شرعًا، وقيل: معنى ضال: ضامن إن هلكت عنده، عَبَّرَ بِهِ عن الضمان للمشاكلة، والأوَّل أظهر، ويؤيِّده سياق الأحاديث، وإنَّما كان ضالاًّ لأنَّه إذا <3/322> التقطها فلم يعرِّفها فقد أضرَّ بصاحبها، وصار سببًا في تضليله عنها، فكان مخطئًا ضالاًّ عن الحقِّ.
قوله: «وقال»: أي النبيء صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ معطوف على ما قبله، فهو من رواية ابن عبَّاس عند المصنِّف، وَهُوَ عند قومنا من حديث الجارود بن المعلَّى وعبد الله بن الشحير وعصمة بن مالك.
قوله: «ضالَّة المؤمن»: في رواية قومنا: «لقطة المسلم».
قوله: «حرق النار»: بالتحريك وقد تسكن، أي لهبها، والمعنى: ضالَّة المسلم إذا أخذها الإنسان أدَّته إِلىَ النَّار، لأنَّ التعرُّض لها معصية. وسببه الحديث عن الجارود، قال: أتينا النبيء صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عجاف فقلنا: إنَّا نمرُّ بموضع قد سمَّاه فنجد إبلاً فنركبها، قال: ضالَّة المسلم، فذكره، والله أعلم.
ما جاء في ضالَّةِ الغنم والإبِلِ
<3/323> قوله: «من طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم، وذَكَره في نسخته. والحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث زيد بن خالد الجهني.
قوله: «سُئِلَ»: بالبناء للمفعول، ولم يُبَيِّن السائل ولا وقفت على اسمه، وكلام ابن حجر يدلُّ أنَّه سويد الجهني، ولعلَّه سويد بن صخر الجهني، أسلم قديمًا وشهد الحُديبيَّة وبايع بيعة الرضوان، وَهُوَ أحد الأربعة الذين حملوا ألويةً لجهينة يوم الفتح.
قوله: «عن ضالَّة الغنم»: في حديث زيد بن خالد: «وسأله عن الشاة، فقال: خذها...»إلخ.
قوله: «خُذْها»: أمرُ إباحةٍ أو إرشاد، وفيه الردُّ على من قال: إنَّ الشاة لا تلتقط. (4/280)
صفحة 1274
قوله: «فهي لك أو لأخيك أو للذئب»: علَّة لجواز الأخذ، كأنَّه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال، معرَّضة للهلاك، متردِّدة بين أن تأخذها أنت أو أخوك أو الذئب، والمُراد بأخيك ما هو أَعَمُّ من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمُراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع. وفيه حثٌّ على أخذها لأنَّه إذا علم أنَّها إذا لم تؤخذ بقيت للذئب كان ذلك أدعى له إِلىَ أخذها، وتمسَّك بِهِ مالك في <3/324> أنَّه يملكها بالأخذ، ولا تلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتجَّ على ذلك بأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم سوَّى بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط.
وأجيب بأنَّ اللام ليست للتمليك، لأنَّ الذئب لا يملك، وقد أجمعوا على أنَّه إذا جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط كان له أخذها، فدلَّ على أنَّها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في اللقطة: «شأنك بها أو خذها»، وبين قوله: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، بل الأوَّل أشبه بالتمليك، لأنَّه لم يشرك معه ذئبًا ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في اللقطة: يُغرمها إذا تصرَّف فيها ثمَّ جاء صاحبها.
وقال الجمهور: يجب تعريفها، فإذا انقضت مدَّة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها. وقال الشافعي: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وَأَمَّا في القرية فيجب في الأصحِّ.
قوله: «ثمَّ قيل له»: قائل هذا هو السائل الأوَّل، كما يدلُّ عليه حديث زيد بن خالد عند الشيخين وأحمد. (4/281)
صفحة 1275
قوله: «فاحمرَّ وجهه»: أي ظهر أثر الغضب في وجهه، فعطفُ <3/325> الغضبِ عليه عطفُ تفسير. وغضبه صلى الله عليه وسلم دليل على منع التعرض لها. والجمهور على الأخذ بظاهر الحديث في أنَّها لا يجوز التقاطها، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملَّكها لا ليحفظها، وظاهر الحديث يردُّه. وذكر مالك في الموطأ أنَّه سمع ابن شهاب يقول: كانت ضوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطَّاب إبلاً مؤبَّلة تتناتج لا يمسكها أحد، حتَّى إذا كان زمان عثمان بن عفَّان أمر بتعريفها ثمَّ تباع، فإذا جاء صاحبها أعطِيَ ثمنها. وقال الربيع رحمه الله: من قبض ضالَّةً فهو لها ضامن إِلاَّ أن تموت أو يأكلها سبع من غير ضياع.
قوله: «حِذَاؤُهَا»: بكسر المهملة بعدها دال معجمة مع المد: أي خُفُّها، وأصل الحذاء النعل وما وطئ عليه البعير من خفِّه والفرس من حافره. (4/282)
صفحة 1276
وقوله: «سِقَاؤُها»: بكسر المهملة مع المدِّ، السقاء وعاء يكون للماء واللبن. والجملة تعليل لمنع التعرُّض لها، فكنَّى بالحذاء عن قوَّة الامتناع عن صغار السباع، وبالسقاء عن الصبر على العطش، وقيل: المراد بسقائها عنقها، وَقِيلَ: جوفها، ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى: «يعني أنَّها تصبر عن الماء من أجل أنَّ كروشها تمسكه زمانًا»، وعلى القولين ففي إطلاق السقاء مجاز التشبيه، وقيل: أشار بذلك إِلىَ <3/326> استغنائها عن الحفط لها بما رُكِّب في طباعها من الجلادة على العطش، وتناوُل المأكول بغير تعب لطول عنقها، أي فلا تحتاج إِلىَ ملتقط، وهذا هو الفرق بين ضالَّة الإبل والغنم، فإنَّ ضالَّة الغنم ليس لها من القوَّة على الامتناع والمعاش مثل ما لضالَّة الإبل، ويلحق بها ما كان مثلها من ضوالِّ البقر. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن منذر بن جرير قال: كنت مع أبي جرير بالبوازيج في السواد فراحت البقر فرأى بقرة أنكرها، فقال: ما هذه البقرة؟ قالوا: بقرة لحقت بالبقر، فأمر بها فطردت حتَّى توارت، ثمَّ قال: سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤوي الضالَّة إِلاَّ ضالٌّ». وقاس موسى رحمه الله ضالَّة العبيد بضالَّة الإبل، فأمر الرجل الذي أخذ العبد الضالَّ غلطًا يَظُنُّه لصاحبٍ أن يردَّه إِلىَ الموضع الذي أخذه منه بحضرة شاهديْ عدلٍ، وكانا بشير ومُنازل قد حضرا الإفتاء فلم ينقل عنهما إنكار، والله أعلم.
<3/327> بابُ اللُّقَطة (4/283)
صفحة 1277
والمُراد بها الشيء الذي يلتقط من غير الحيوانات، وهي بضمِّ اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدِّثين، وقال عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشريُّ: هي بفتح القاف، والعامَّة تسكِّنها، وجَزَم الخليل بالسكون، قال: وأمَّا بالفتح فهو اللاقط. وقال الأزهريُّ: ما قاله هو القياس، لَكِنَّ الذي سُمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، وفيها لغة ثالثة: لُقاطة بضمِّ اللام، ورابعةٌ: لَقطة، بفتح اللام أيضًا.
<3/328> ما جاء في تعريف اللقطة سَنَةً وأنَّ الحكم فيها بالعلامة
قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم، وذَكَرَهُ في نسخةٍ. والحديثُ قطعة من حديث الضالَّة المتقدِّم ذكره، وَهُوَ عند قومنا من رواية زيد بن خالد الجهني، وله طرق في الصحيحين وغيرهما.
قوله: «أعرابيٌّ»: بفتح الهمزة، هو فيما يظهر: سويد بن صخر الجهني.
قوله: «عن لقطة التقطها»: أي من ذهب أو ورق، كما يدلُّ عليه حديث زيد بن خالد عند الشيخين وأحمد، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق... الحديث.
قوله: «عرِّفها»: بتشديد الراء المكسورة، أي اذكرها للناس، قال العلماء: ومحلُّ ذلك المحافل، كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، يقول: من ضاعت له نفقة، ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئًا من الصفات. (4/284)
صفحة 1278
قوله: «سَنَةً»: أي عامًا، ويكون التعريف فيها على حسب المعتاد، <3/329> لأنَّ الاستيعاب غير مراد قطعًا، إذ لا يمكن عادةً، فلا يلزم التعريف بالليل ولا استيعاب الأَيَّام، بل على المعتاد من ذلك فيعرَّف على الابتداء كلَّ يوم مَرَّتَيْنِ في طرفي النهار، ثمَّ في كُلِّ يوم مرَّة ثمَّ في كُلِّ أسبوع مَرَّةً، ثمَّ في كُلِّ شهر مَرَّةً ولا يشترط أن يعرِّفها بنفسه، بل يجوز له توكيل غيره ويُعرِّفها في مكان وجودها وفي غيره، كذا قال العلماء. وظاهره وجوب التعريف، لأنَّ الأمر يقتضي الوجوب، ولا سيما وقد سمَّى صلى الله عليه وسلم من لم يعرِّفها ضالاًّ. في وجوب المبادرة إِلىَ التعريف خلافٌ، مبناه: هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ وظاهره أيضًا أنَّه لا يجب التعريف بعد السَّنَةِ، وبه قال الجمهور، وَادَّعَى بعض قومنا الإجماع على ذلك، وسيأتي في حديث زيد بن ثابت أنَّه صلى الله عليه وسلم أمره أن يعرِّفها سنتين.
قال أبو محمَّد ابن بركة: يحتمل أنَّ الأعرابي التقط شيئًا يسيرا، ويحتمل أنَّه كان فقيرًا فأمره بالانتفاع بها، قال: وأمَّا أمره لزيد بن ثابت بتعريفها سنتين فيحتمل أن يكون لعظم خطرها، رجاءَ أنْ تصير إِلىَ صاحبها. وقال أبو المؤثر: اللقطة مختلفة منها: تعرَّف سنة، ومنها تعرَّف أقلَّ، ومنها تعرف أكثر على قدرها ودناءتها، وَقِيلَ: تعريف السنتين محمول على قدر مزيد التورُّع عن التصرُّف في اللقطة، والمبالغة في التعفُّف عنها، وحديث الباب محمول على ما لا بدَّ منه.
<3/330> قوله: «بوَصْفِ عِفاصها ووِكائها»: بكسر أوَّلهما مع المدِّ، قال الربيع: العِفاص الوعاء، والوكاء الخيط الذي يشدُّ بِهِ. وقال الأزهريُّ قال أبو عبيد: العفاص الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، ولهذا يسمَّى الجلد الذي يلبسه رأس القارورة العفاص، لأنَّه كالوعاء لها، قال: وليس هذا بالصمام الذي يدخل في فم القارورة فيكون سدادًا لها. (4/285)
صفحة 1279
والغرض من وصف عفاصها ووكائها الدلالة على أنَّه كان عارفًا بها، ولا يَعْرِفها بذلك غالبًا إِلاَّ مالكها، ويلتحق بها معرفة الجنس والصفة والقدر، وَهُوَ الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والذرع فيما يذرع.
قوله: «فهي له»: حكمًا بظاهر الحال. وفيه مشروعيَّة الحكم بالأمارة.
قوله: «وإلاَّ فانتفع بها»: أي إن عرَّفتَها سَنَةً ولم يأت مدَّعيها بوصفها الخاصِّ فاجعلها في منافعك.
قال أبو محمَّد: يحتمل أنَّه التقط شيئًا يسيرًا، ويحتمل أنَّه كان فقيرًا، فأمره بالانتفاع بها لفقره، وإنَّما قال ذلك لاعتقاده أنَّها لا تحلُّ لملتقطها الغنيِّ. والحديث مطلق، والأصحاب أمروا الغنيَّ بالتصدُّق بها تعفُّفًا وتورُّعًا لا وجوبًا محتومًا. قال أبو جابر: يعرِّفها سنةً ويسأل عن صاحبها، فإن لم يقدر عليه باعها، واجتهد وتصدَّق <3/331> بثمنها على الفقراء، فإن جاء صاحبها خُيِّر بينها وبين الأجر، فإن طلبها فعليه له غرمها. وذكر أبو محمَّد اتِّفاق أصحابنا على ذلك، قال: ووافقهم عليه الحسن البصريُّ، قال: ولم أعلم أنَّ أحدًا من أهل الخلاف أوجب الضمان عليه إذا بالغ في طلب ربِّها ثمَّ تصدق بها بعد سنة أو سنتين على ما جاء من الخلاف بينهم في ذلك، والله أعلم.
ما جاء في تعريف اللُّقطةِ سنَتَيْن
قوله: «من طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم. والحديث عند البخاري وغيره من حديث أُبيِّ بن كعب، قال: وجدت صرَّةً فيها مائة دينار... إلخ. وَهُوَ يدلُّ على أنَّ الملتقط أُبيّ بن كعب، والحديث عندهم من روايته، والملتقط في رواية ابن عبَّاس عند المصنِّف زيد بن ثابت، ولا بدَّ من الجمع بين الروايتين، <3/332> والأشبه أنَّ القصَّة قد تكرَّرت فوقعت مرةً لزيد وأخرى لأبيٍّ، وَهُوَ أولى من الحكم على بعض الرواة بالسهو من القول بترجيح رواية المباشر على غيره، لأنَّه لا يُصار إِلىَ أحد الحالين إِلاَّ عند تعذُّر الجمع. (4/286)
صفحة 1280
قوله: «وزيد بن ثابت»: بن الضحَّاك بن زيد بن لوذان بن عمر بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجَّار، كنيته أبو سعيد، وَقِيلَ: أبو عبد الرحمن، وَقِيلَ: أبو خارجة، وكان عمره لَمَّا قدم النبيء صلى الله عليه وسلم المدينة إحدى عشرة سنة وشهد أحدًا، وَقِيلَ: لم يشهدها وإنَّما شهد الخندق أوَّل مشاهده، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي وغيره، وكانت تَرِدُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبٌ بالسريانيَّة فأمر زيدًا فتعلَّمها، وَتُوُفِّيَ سنة خمس وأربعين وقيل: اثنتين، وَقِيلَ: ثلاث وأربعين، وقيل: خمس وخمسون، وصلَّى عليه مروان بن الحكم.
والصرَّة: وزنُ غَرْفةٍ دراهمَ أو دنانير، تجمع في ثوب أو نحوه فيشدُّ عليها بخيط أو نحوه.
قوله: «فمن جاءك بالعلامة»: هو أَعَمُّ من قوله في الحديث الأوَّل: «بوصفِ عفاصها ووكائها»، لأنَّ العلامة تصدق على هذا وغيره.
قوله: «عرِّفها سنةً أخرى»: اختلف في وجهه مع الاقتصار في الحديث الأوَّل على تعريف السنة، وقد تقدَّم وجه الجمع بينهما وأنَّه قيل: إِن تعريف السنة واجب وما فوقها ورع واحتياطٌ، وَقِيلَ: إن ذلك يختلف باختلاف قِلَّة المال وكثرته، وَقِيلَ: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عرف أنَّ تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر ثانيا بإعادة التعريف، كما قال للمسيء صلاته: «اِرجع فصلِّ فإنَّك لم تُصلِّ».
<3/333> واستبعد ذلك من فقهاء الصحابة وفضلائهم، قال المنذريُّ: لم يقل أحد من أئمَّة الفتوى إنَّ اللقطة تعرَّف ثلاثة أعوام إِلاَّ شريحٌ عن عمر، وقد حكاه الماورديُّ عن شواذَّ من الفقهاء. (4/287)
صفحة 1281
قوله: «هو مال الله يؤتيه من يشاء»: إشارة إِلىَ جواز انتفاعه بها، فهو نظير قوله للأعرابي: «انتفع بها». قال أبو محمَّد: قال بعض مخالفينا: إنَّه قال: «هي لك، وهي مال الله يؤتيه من يشاء»، قال: ولم تصحَّ عندنا هذه الزيادة، وأحاديث الباب تدلُّ على جواز الانتفاع باللقطة لملتقطها بعد التعريف، فالقول بتعريفها على الفقراء استحبابٌ لا إيجاب، وَتَدُلُّ على جواز التقاطها لمن قصد الحفظ. وكره جابر بن زيد أخذ اللقطة، ولعلَّه إِنَّمَا كره ذلك لما رأى من شدَّة ميل الناس إِلىَ الأطماع العاجلة فقلَّ من يقصد بأخذها الحفظ لربِّها.
قوله: «وفي مكَّة لا تحلُّ لقطتها إِلاَّ لمنشدٍ»: تقدَّم في كتاب الحجِّ في آخر خطبته صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة عام الفتح. وروى أحمد ومسلم عن عبد الرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الحاجِّ، واحتجَّ بها من قال: لا تُملَك لقطة الحرم بحالٍ بل تعرَّف أبدًا، وقد ذهب الجمهور إِلىَ أنَّ لقطة مكَّة لا تلتقط للتملُّك بل للتعريف خاصَّة، قيل: وإنَّما اختصَّت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إِلىَ أربابها، لأنَّها إن كانت للمكِّيِّ فظاهر؛ وإن كان للآفاقيِّ فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرَّفها في كلِّ عام سهل التوصُّل إِلىَ معرفة صاحبها. وقال أكثر المالكيَّة وبعض الشافعيَّة: هي كغيرها من البلاد، وإنَّما تختصُّ مكَّة بالمبالغة في التعريف، لأنَّ الحاجَّ يرجع إِلىَ بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إِلىَ المبالغة في التعريف، والله أعلم.
<3/334> كتابُ الذبائح
وفي أكثر النسخ «باب الذبائح» جمع ذبيحة مثل: كرائم وكريمة، وهي ما يذبح من الحيوان، وأصل الذبح الشقُّ، ثمَّ نقله الشرع إِلىَ الذكاة المخصوصة: وهي قطع الحلقوم والمري والودجين، وتَذْكُر اسمَ الله عليها وتَتْرُكها حتَّى تبرد. (4/288)
صفحة 1282
وذكر الشيخ عامر من شروط الذكاة: التسمية والنية واستقبال القبلة، قال: فأمَّا التسمية فلقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118]، وأمَّا النية فإنَّ الذكاة عبادة تصلح فيها النية، ومثل ذلك من طعن جملاً برمح في موضع النحر، فإنَّه إن ذكر اسم الله وعنى النحر فإنَّه يؤكل، وإن لم يعن النحر فلا يؤكل، وأمَّا استقبال القبلة فإنَّه مستحبٌّ، وإن تعمَّدَ وذبح لغير القبلة فإنَّه ليس في ذلك تحريم ما لم يعتقد في ذلك مخالفة المسلمين، فإذا اعتقد مخالفتهم لم تؤكل، قال: وكذلك من ذبح بشماله فإنَّه قد خالف ما جاءت بِهِ الشريعة، فإن لم يرد بذلك مخالفة السنَّة لم تكن <3/335> بذلك خبيثة، وهذا من قوله رحمه الله يدلُّ أنَّه أراد بشروطها ما يتناول اللازم والمستحبَّ، ولهذا ذكر آداب الذبح عقب المذكور من الشروط فقال: والمأمور أن تُضطجَع الذبيحة إِلىَ القبلة على شقِّها الأيسر ويذبح باليمين... إلخ.
ما جاء في ميتة السمك والجراد
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث عند أحمد وابن ماجه والدارقطني، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، وَهُوَ للدارقطني أيضًا من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه بإسناد.
قال أحمد وابن المديني: عبد الرحمن بن زيد ضعيف وأخوه عبد الله ثقة.
قوله: «ميتتان»: تثنية ميتة، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شَرعِيَّة، قال في المصباح: المراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حَتْفَ أنفه أو قُتل على هيئة <3/336> غير مشروعة، أمَّا في الفاعل أو في المفعول فما ذبح للصنم، أو في حال الإحرام، أو لم يقطع منه الحلقوم ميتة، وكذا [ذَبْحُ] ما لا يؤكل لا يفيد الحلَّ، قالوا: ويستثنى من ذلك للحلِّ ما فيه نصٌّ. (4/289)
صفحة 1283
قوله: «الجراد»: جنس يقع على الذكر والأنثى ويميَّز واحدُه بالتاء، وسمِّي جرادًا لأنَّه يجرِّد ما ينزل عليه، أو لأَنَّهُ أجرد، أي أملس، وَهُوَ من صيد البرِّ، وإن كان أصله بحريًّا عند الأكثر، وَقِيلَ: إنَّه بحريٌّ، واستدلُّوا بأحاديث لا تخلو من ضعف. ونقل النوويُّ الإجماع على حلِّ أكل الجراد، وفصل ابن العربي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس، قال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنَّه ضررٌ محضٌ، وهذا إن ثبت أنَّ أكله يضرُّ دون غيره من جراد البلاد تعيَّن استثناؤه.
وذهب الجمهور إِلىَ حلِّ أكل الجراد ولو مات بغير سبب، وعند المالكيَّة اشتراط التذكية، وهي هنا أن يكون موته بسبب آدميٍّ، أمَّا بأنْ يُقطع رأسه أو بعضه أو يسلق أو يلقى في النَّار حيًّا، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحلَّ عندهم، ولا دليل على هذا التفصيل. وكره بعض أصحابنا إلقاءه في النَّار حيًّا من <3/337> باب الرحمة لخلق الله لا من باب التحريم.
قوله: «والسمك»: هو حوت البحر، وقد تقدَّم في باب المياه قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه و الحلُّ ميتته»، وَتَقَدَّمَ أيضًا في آداب الطعام والشراب حديث جابر بن عبد الله في الحوت الذي ألقاه لهم البحر، وذلك كلُّه يدلُّ على حلِّ ميِّتة السمك، وكذلك قوله تعالى: {اُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ,} [المائدة: 96]. قال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمَى به، وقال ابن عبَّاس: طعامه ميتته إِلاَّ ما قذفت منها، قال ابن عبَّاس: كُلْ مِنْ صيدِ البحر، صيدِ يهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ. وكره عطاء وسعيد بن جبير صيدَ المجوسيِّ.
قوله: «الكَبِد»: بفتح الكاف وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح الكاف وكسرها كما نظائرها، وهي لحمةٌ سوداء تشبه الدم، وهي من جملة الأمعاء، محلُّها الجانب الأيمن. (4/290)
صفحة 1284
و«الطِّحال»: بكسر الطاء من الأمعاء معروف، ومحلُّه الجانب الأيسر، ويقال: هو لِكُلِّ ذي كرش إِلاَّ الفرس فلا طحال له، وصحَّ استثناء الكبد والطحال من جملة الدماء لأَنَّهُما كالدم المنعقد، فقد يتوهَّم من لا علم له بحكمها أَنَّهُمَا كالدم حكمًا، كما أَنَّهُمَا مثله لونًا، فنبَّه الشارع صلى الله عليه وسلم على الفرق وأجاز أكلهما لأَنَّهُما لحمتان، والله أعلم.
<3/338> ما جاء في الذبح بغير الحديد
قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث روى معناه أحمد والبخاري من حديث كعب بن مالك، ورواه مالك في الموطأ عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ، كذا وقع على الشكِّ.
قوله: «كانت جارية»: لم يذكر اسمها، ووقع في رواية: «أمَة» وفي أخرى: «امرأة»، وذلك يدلُّ أنَّها كانت أمَةً لكعب بن مالك، ولا ينافيه تسميتها في بعض الروايات امرأة، لأنَّ اسم المرأة أَعَمُّ، وفي التخصيص زيادة بيان.
قوله: «ترعى غنمًا»: أي لكعب، زاد في رواية لقومنا: «بسَلْعٍ»، بفتح المهملة وسكون اللام وعين مهملة: جبل بالمدينة، وفي هذه الزيادة بيان لموضع الرعي.
<3/339> قوله: «فذبحتها بحجر»: أي قبل أن تموت، وفي رواية مالك: فأدركتها فذكَّتها بحجر، وفي رواية للبخاري: فكسرت حجرًا وذبحتها به.
قوله: «فسئل»: بالبناء للفاعل، والسائل كعبٌ، أو بالبناء للمفعول على أنَّ السائل مجهول، كما في رواية للبخاري: «فقال كعب لأهله: لا تأكلوا حتَّى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، أو حتَّى أرسل إليه من يسأله، فأتاه أو بعث إليه...».
قوله: «لا بأس بها فكلوها»: وفي نسخة: «فكلها»: بالإفراد، وهي تؤيِّد تعيين السائل وأنَّه كعب بن مالك. والأمر للإباحة. (4/291)
صفحة 1285
وفي الحديث فوائد، منها: جواز ذبيحة المرأة وإن كانت أمَةً، طاهرة كانت أم لا، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبحث عن حال الجارية بل أطلق الإباحة. ولم ير جابر رحمه الله تعالى بأسًا بذبيحة المرأة ولا بذبيحة الغلام إذا عقل الصلاة، ومثله عن إبراهيم النخعي، لكن قال: إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية، ونقل ابن عبد الحكم عن مالك كراهة ذبيحة المرأة.
ومنها: جواز الذبح بغير الحديد، وكان الربيع رحمه الله ينهى عن الذبح بالحجر وَالفِضَّة والخشب، فكأنَّه رحمه الله تَعَالىَ قصر الإجازة على موضع الضرورة، وقال أبو عبد الله: إِنَّمَا يذبح بالحجارة المرْود وهي البيضاء والحمراء، ولا يذبح بما سواه من الحجارة.
ومنها: ثبوت الاحتساب في مال الغائب، وجواز أكل ما ذُبح على ذلك، وإليه ذهب الجمهور، وخالفه في ذلك طاووس وعكرمة وإسحاق وأهل الظاهر فلم يروا أكل ما ذبح بغير إذن مالكه، والله أعلم.
<3/340> ما جاء في الوجوه المنهيِّ عنها عند الذبح
قوله: «سمعت ناسا من الصحابة»: الحديث لم أجده عند غيره، وكأنَّه مِمَّا تفرَّد به، وقد سمعه جابر من عدد من الصحابة، وَهُوَ الموثوق بسماعه.
قوله: «عن أربعة أوجه...»إلخ ذكر في الإيضاح تحريم الذبيحة بالوخز والنخع، دون الخزل والترداد، والنهي واقع على الأربعة بصيغة واحدة، وظاهره التحريم، وحمْله على الكراهة متعذِّر، فينبغي النظر في بيان الفرق، وَلَعلَّهُم فرقوا بالنظر إِلىَ المعنى، فإنَّ النخع والوخز أشدُّ تأثيرًا من الخزل والترداد، والفاعل عندهم أنَّ كلَّ شيء يفعله الذابح مِمَّا يعين على قتل الذبيحة يكون مُحَرِّمًا لها. (4/292)
صفحة 1286
قوله: «الخَزْل»: بمعجمتين، فَسَّرَه الربيع بأنَّه إدخال الحديدة تحت الجلد واللحم ويذبح قبالته، وَهُوَ تفسير بالمراد من الحديث، وأصل الخزل في <3/341> اللغة القطع، يقال: اختزلته أي اقتطعته، والوخز: بمعجمتين أيضًا هو الطعن برأس الحديدة في رقبة الشاة كما ذكره الربيع، وَهُوَ تفسير بالمراد أيضًا، وأصل الوخز الطعن غير النافذ. والنَّخْع: بنون فمعجمة فمهملة: هو كسر الرقبة،كذا قال الربيع، وذكر غيره أنَّه المجاوزة بالسكين منتهى الذبح إِلىَ النخاع، وَهُوَ خيط أبيض داخل عظم الرقبة يمتدُّ إِلىَ الصلب يكون في جوف الفقار.
والتَّرداد: الذبح بالحديدة الكليلة التي تتردَّد في اللحم. يقال: تردَّدت عليه إذا رجعت إليه مَرَّةً بعد أخرى. وعند مسلم من حديث شدَّاد بن أوس يرفعه: «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته».
<3/342> ما جاء في ادِّخار لحومِ الأضاحي والانتفاعِ بِجُلودها
<3/343> قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود.
قوله: «دَفَّ»: بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء: أي جاء.
قوله: «من أهل المدينة»: في رواية قومنا: «من أهل البادية»، وفي أخرى: «دَفَّ أهل أبيات من أهل البادية»، ويجمع بينها أنَّ البادية كانت حول المدينة بالقرب منها، فصحَّ أن يطلق على أهلها أنَّهم من أهل المدينة.
قوله: «حضْرة»: بفتح الحاء وضمِّها وكسرها والضاد ساكن فيها كُلِّهَا، وحكي فتحها وَهُوَ ضعيف، وإنَّما تفتح إذا حذفت الهاء، والمُراد بها الوقت، أي جاءوا وقت الأضحى.
قوله: «كلوا»: أي من لحوم ضحاياكم.
قوله: «تصدَّقوا»: أي على القادمين وغيرهم. (4/293)
صفحة 1287
قوله: «بما بقي بعد ثلاثة أيَّام»: وفي رواية مالك: «ادَّخروا لثلاث وتصدَّقوا بما بقي». وقال القرطبي: اختلف في أوَّل الثلاث التي كان الادِّخار فيها جائزا، فقيل: أوَّلها النحر، وَقِيلَ: أوَّلها يوم يضحِّي، فلو ضحَّى آخر أيَّام النحر جاز له أن يمسك ثلاثا بعدها.
قوله: «بعد ذلك»: أي في العام المقبل.
<3/344> قوله: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم»: أي ذكر معه الحال الذي كان عليه الناس في الانتفاع بضحاياهم، وأنّهم كانوا قبل النهي يَتَّخِذُون من شحومها الوَدك الكثير ومن جلودها الأسقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذلك؟»: أي ما ذاك الذي منعهم من الانتفاع بها؟ فذكروا له النهي الواقع في العام الماضي، وأخبرهم إِنَّمَا كان ذلك لأجل الدافَّة القادمين عليهم فيتصدَّقون عليهم بالباقي، فكان المنع من الادِّخار لأجل هذه العِلَّة.
قوله: «ويجعلون»: بمثنَّاة تحتيَّة فجيم ساكنة فعين مهملة: أي يصنعون. وجمُّ الودك أي كثيرة، يقال ماء جمٌّ أي كثير. و«الوَدَكُ» بفتحتين: دسم اللحم والشحم، وَهُوَ ما يتحلَّل من ذلك. «والأسقية» جمع سقاء، وهي إناء يتَّخذ من جلد الغنم.
قوله: «وما ذلك؟»: وفي نسخة: «وما ذاك؟»، وَهُوَ بحث عن المانع الذي منعهم من الانتفاع والادِّخار، فكأنَّه صلى الله عليه وسلم نسي النهي، أو ظنَّ أنَّهم كانوا يعرفون وجهه، وأنَّه إِنَّمَا نهى لعلَّة لا للدوام. (4/294)
صفحة 1288
قوله: «فكلوا وتصدَّقوا وادَّخروا»: أطلق لهم الأمر بالادِّخار بعد ما كان ممنوعًا إِلاَّ إِلىَ ثلاث. وقد اختلف الناس في هذه الإباحة، فمنهم من قال <3/345> إنَّها مستمرَّة على حال وجعلوه من نسخ السنَّة بِالسُّنَّةِ، ونسب القول بذلك إِلىَ الجمهور، وَادَّعَى ابن عبد البرّ رفع الخلاف في ذلك. ونقل الربيع عن أبي الشعثاء أنَّه لم ير بأسًا ببيع جلود الأضاحي. وقال الربيع عن أبي الرحيل قال: ذبحنا يومًا بِمَكَّةَ أضحيةً نسكًا فاشتركنا فيه، قال لي أبو الشعثاء بِعْ جلدَه. وقال الشافعيُّ: إذا دفت الدافَّة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، فإذا لم تدفَّ دافَّة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزوُّد والادِّخار والصدقة، قال: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخ. قال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نصٌّ على أنَّ المنع كان لعلَّة، فلمَّا ارتفعت ارتفع موجبه، فتعيَّن الأخذ بِهِ، ويعود الحكم بعود العِلَّة، فلو قدم على أهل بلد ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة ليسدُّوا بها فاقتهم إِلاَّ الأضاحي لتعيَّن عليهم ألاَّ يدَّخروا فوق ثلاث. قال ابن حجر: والتقييد بالثلاث واقعة حال، فلو لم تُسدَّ الخلَّة إِلاَّ بتفرقة الجميع للزم على هذا التقرير عدم الإمساك.
قلت: وما أشبه هذا الخلاف بالخلاف الواقع في سهم المؤلَّفة من الزكاة، وهل هو منسوخ أم باق معلَّق على احتياج الإمام إِلىَ تأليفهم؟ والظاهر من سياق الحديث بقاء الحكم عند وجود مقتضيه، والله أعلم.
وقول الربيع: الدافَّة القادمون، تفسير لِـ«دَفَّ ناسٌ» في أوَّل الحديث، قال أهل اللغة: الدافَّة بتشديد الفاء: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودافَّة الأعراب: من يريد منهم المصر، والمُراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة، والله أعلم.
<3/346> ما جاء أنَّه صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أملحَيْن (4/295)
صفحة 1289
قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم في باب السبايا والعزلة، والغرض منه هنا قول الربيع رضي الله عنه في تفسير الوجاء بالخصاء، قال: مثل ما روي أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أملحين موجوءين، والأملحان: الأبلقان. والحديث في ذلك أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجه أحمد أيضًا من حديث أبي رافع وعائشة، وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وعائشة: «كان إذا أراد أن يضحِّي اشترى <3/347> كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين»، وهذا يدلُّ على اختيار الخصيَّين لسمنهما، وجواز خصي الأنعام لطلب المصلحة، وأنَّه ليس ذلك من تغيير خلق الله.
والموجوء: منزوع الأنثيين. والبلق: سوادٌ وبياض. والمُلحة من الألوان: بياضٌ يخالطه سوادٌ، يقال: كبشٌ أملح وتيسٌ أملح إذا كان شعره خليسًا، مختلطَ البياض بالسواد. وقيل: الأملح نقيُّ البياض، وقيل: ليس بخالص البياض بل فيه غبرة. وفي الحديث إشارة إِلىَ أنَّ الذكر أفضل من الأنثى، فإنَّ لحمه أطيب. والكبش: الحَمَل إذا أثنى أو إذا خرجت رباعيته.
<3/348> ما جاء في العقيقة
العَقِيقَة: بفتح العين المهملة، وأصلها الشاة التي تُذبح في اليوم السابع من ولادة المولود، وفيه يسمَّى، قيل: وأصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، سمِّيت بذلك لأنَّه يحلق عنه ذلك الشعر عند ذبحها، قال أبو عبيدة: فهو من تسمية الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه، وقيل: العقيقة الذبيحة نفسها، سمِّيت بذلك لأنَّ مذبحها يُعَقُّ، أي يشقُّ ويقطع. وذكر العقيقة بعد الضحايا يدلُّ أنَّها مندوب إِليها. قال في الإيضاح: وحكم لحمها حكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة لأنَّها نسك، قال: وكذلك يجزي فيها ما يجزي في الضحايا من الأزواج الثمانية، والله أعلم.
وقال غيره: تتعيَّن الشاة في العقيقة للنصِّ عليها في الأحاديث. (4/296)
صفحة 1290
قوله: «سُئل النبيء صلى الله عليه وسلم»: الحديث رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أنَّه قال، فذكره. وأخرجه أحمد وأبو داود <3/349> والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، ولم أقف على اسم السائل.
قوله: «لا أحبُّ العقوق»: أي العصيان وترك الإحسان، زاد في رواية قومنا: «وكأنَّه إِنَّمَا كره الاسم»، وقد تقرَّر في علم الأدب الاحتراز من لفظ يشترك فيه معنيان أحدهما مكروه فيجاء بِهِ مطلقًا.
قوله: «ثمَّ قال»: زاد في رواية عمرو بن شعيب: «فقالوا يا رسول الله، إِنَّمَا نسألك عن أحدنا يولد له، قال: من أحبَّ منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة».
قوله: «وأَحَبَّ أن ينْسُكَ»: بضمِّ السين من باب نصر: أي يتطوَّع بقربة لله تعالى عن ولده فليفعل، وفي جعل ذلك موكولاً إِلىَ محبَّتهم مع تسميته نسكًا إشارة إِلىَ الاستحباب، وفيه الردُّ على من زعم أنَّها بدعة، وعلى من زعم نفي مشروعيَّتها وأنَّها نسخت بالضحيَّة، كما ادَّعى محمَّد بن الحسن من الحَنَفِيَّة.
<3/350> قال الشافعيُّ: أفرط في العقيقة رجلان، رجل قال: هي بدعة، والآخر قال: هي واجبة. واستحب بعضهم تسميتها نسيكة أو ذبيحة، وكرهوا تسميتها عقيقة لهذا الحديث.
قوله: «فعلى الذكر شاتان وعلى الأنثى شاة»: كما تقدَّم في حديث عمرو بن شعيب، وكذلك جاء عن عائشة ترفعه عند أحمد والترمذي وصحَّحه، وكذلك أيضًا عندهما في حديث أمِّ كرز الكعبيَّة كلُّهم ذكروا: «على الذكر شاتين، وعلى الأنثى شاة»، ونسب القول بذلك إِلىَ الجمهور. (4/297)
صفحة 1291
والحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أنَّ المقصود استبقاء النفس فأشبهت الفدية. وقال مالك: إنَّها شاة عن الذكر والأنثى لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا، وَقِيلَ: إن في اقتصاره صلى الله عليه وسلم على ذلك دليلا على أنَّ الشاتين مستحبَّة فقط وليست بمتعيِّنة، والشاة جائزة غير مستحبة، وَقِيلَ: إنَّه لم يتيسَّر في ذلك الحال إِلاَّ شاة، والله أعلم.
<3/351> كتاب الأشربة من الخمْر والنَّبيذ
الأشربة جمع شراب، كطعام وأطعمة: اسم لما يُشرَب، وليس مصدرًا لأنَّ المصدر هو الشرب مثلث الأوَّل. وأمَّا الخمر فهو الشراب المسكر المتَّخَذ من عصير العنب. وقيل: هي اسم لِكُلِّ مسكر خمَّر العقل أي غطَّاه، وعليه فالنبيذ نوع منها، وَهُوَ فعيل بمعنى مفعول مِنْ نَبَذْتُه إذا ألقيته، سمِّي بذلك لأنَّه يُنبَذُ، أي يترك حتَّى يشتدَّ.
ما جاء في إراقة الخمر وتحريم الانتفاع بِهِ
<3/352> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم في البيع من صحيحه وأحمد والنسائي.
قوله: «أهدى رجل»: هو كيسان الثقفي، كما رواه أحمد من حديثه. وفي رواية: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديقٌ من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه.
قوله: «راويتي خمر»: تثنية راوية، وهي المزادة، وفي رواية مالك بالافراد، وأصل الراوية البعير يحمل الماء، والهاء فيه للمبالغة، ثمَّ أطلقت الرواية على كُلِّ دَابَّة يحمل عليها الماء ثمَّ على المزادة.
قوله: «أَمَا علمت»: بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وفي رواية: «هل علمت»؟.
قوله: «أنَّ الله حرمها»: أي بآية: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...}، إلى: {...فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]. (4/298)
صفحة 1292
قوله: «فسارَّ»: بالتثقيل: أي ناجي إنسانا، وفي رواية: «فأقبلَ الرجلُ على غلامه فقال: اِذهب فبعها»، وهي تدلُّ أنَّ المأمور بذلك غلام الرجل.
<3/353> قوله: «سارَرْتَه»: أي بأيِّ شيء كلمتَه خفيةً.
قوله: «أن يبيعها»: أي ينتفع بثمنها.
قوله: «إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها»: وذلك في قوله تعالى: {رِجْسٌ مِّن عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]، والرجس لا يصحُّ بيعه، ولأنَّ بيعها يؤدِّي إِلىَ شربها.
قوله: «ففتح المزادتين»: بفتح الميم والزاء: وهما الراويتان، والواحدة مزادة، وهي القِربة، سمِّيت بذلك لأنَّها يتزوَّد فيها الماء.
والحديث يدلُّ على وجوب إراقة الخمر وتحريم الانتفاع بها، ولو كانت فيها منفعة بوجه من الوجوه ما أمر صلى الله عليه وسلم بإراقتها، والله أعلم.
<3/354> ما جاء في لعن الخمر وعُمَّالِها
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر وزاد في آخره: «وآكلَ ثمنها».
قوله: «لعن الله الخمر»: أي أبعدها من ساحة الرحمة، لكونها ليست من الحلال. والمُراد لعن الله شارب الخمر، ويكون قوله: «وشاربها...» الخ بيانا لذلك. وقيل: معنى لعنت الخمر حرِّمت، وعليه فيكون المعنى: حرَّم الله الخمر ولعن بائعها. ويحتمل أن يجعل «لعن» مشتركًا بين التحريم والإبعاد، فيكون من استعمال المشترك في معنييه، ويجعل مجازًا في التحريم، فيكون من استعمال الكلمة في حقيقتها ومجازها عند من أجاز ذلك، ويكون من عموم المجاز عند من منعه.
قوله: «وعاصرها»: هو مستخرجها من العنب ونحوه، يقال: عصرتُ العنبَ ونحوَه عصْرًا، من باب ضرب، إذا استخرجتَ ماءه، واعتصرتُ كذلك، واسم ذلك الماء: العصير، فعيل بمعنى مفعول.
قوله: «وحاملها»: هو الذي ينقلها من موضع إِلىَ موضع.
قوله: «والمحمولة إليه»: الذي تنقل لأجله. (4/299)
صفحة 1293
والحديث يدلُّ على تحريم التعاون على الإثم وتحريم الوسيلة إليه، وأنَّه تعالى إذا حرَّم شيئًا حرَّم التوسُّل إليه بِكُلِّ وجه، والله أعلم.
<3/355> ما جاء فيمن يستعمل الخمر ويُسمِّيها بغير اسمها
قوله: «عن عبادة بن الصامت»: الحديث روى معناه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشعري.
قوله: «ليستحلَّنَّ»: أي والله ليستحلَّنَّ، أي يشربونها يعتقدون حِلَّها بسبب اختلاف اسمها عندهم، وفي هذا الإخبار شائبة الإنكار، وَهُوَ إخبار عن غيبٍ، فهو من أعلام النبوَّة.
قوله: «آخرُ أُمَّتِي»: المراد البعض منهم، كما في حديث أبي مالك أنَّه قال: «ليشربنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمر».
قوله: «بأسماء يسمُّونها»: أي يعتقدون حلَّها بسبب الأسماء الحادثة التي وضعوها لها، وقيل: يستترون في شربها بأسماء الأنبذة، وَقِيلَ: يتَوَصَّلُون إِلىَ شربها بأسماء الأنبذة المباحة كماء العسل وماء الذُّرَة ونحو ذلك، ويزعمون أنَّه غير محرَّم لأنَّه ليس من العنب والتمر، وهم فيه كاذبون، لأنَّ كُلَّ مسكر حرام، فالمدار على حرمة المسكر. فلا يضرُّ شربُ القهوة المأخوذ من ثمر شجر معروف حيث لا سكر فيها مع الإكثار منها، وإن كانت القهوة من أسماء الخمر، لأنَّ الاعتبار بالمسمَّى كما في نفس الحديث. وأمَّا التشبُّه بشرب الخمر فهو منهيٌّ عنه إذا تحقَّق ولو شرب الماء واللبن وغيرهما.
والحديث يدلُّ على تحريم الاحتيال في تناول المُحَرَّم، قال ابن العربي: هو أصل في أنَّ الأحكام إِنَّمَا تتعلَّق بمعاني الأسماء لا بألفاظها، والله أعلم.
<3/356> ما جاء أنَّ من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إن لم يَتُبْ
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه الجماعة إِلاَّ الترمذي من حديث ابن عمر.
قوله: «ثمَّ لم يتب منها»: أي من شربها، فهو على حذف مضاف. (4/300)
صفحة 1294
قوله: «حُرِمها في الآخرة»: بضمِّ المهملة وكسر الراء الخفيفة وتشديدها، والأوَّل من الحرمان، أي منع من شربها في الآخرة، قال الخطابيُّ والبغويُّ: معنى الحديث لا يدخل الجنَّة، لأنَّ الخمر شراب أهل الجنَّة، فإذا حُرم شربها دَلَّ على أنَّه لا يدخل الجنَّة.
قال ابن عبد البرِّ: هذا وعيدٌ شديدٌ يدلُّ على حرمان دخول الجنَّة، لأنَّ الله <3/357> تعالى أخبر أنَّ في الجنَّة أنهارًا من خمر لذَّة للشاربين، وأنّهم لا يصدَّعون عنها ولا ينزفون، فلو دخلها وقد علم أنَّ فيها خمرًا أو أنَّه حُرمَها عقوبةً له لزم وقوع الهمِّ والحزن، والجَنَّة لا همَّ فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنَّة ولا أنَّه حُرمها عقوبةً له لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعض من تَقَدَّمَ: إنَّه لا يدخل الجنَّة أصلاً، وَهُوَ كلام حسن ناقضٌ لمعتقد القوم أنَّ أهل الكبائر يدخلون الجنَّة، وقد تكلَّف ابن عبد البرِّ بعد كلامه المتقدِّم تكلُّفًا في تأويل الحديث لا يحسن ذكره، والتوفيق بيد الله تعالى.
<3/358> ما جاء في كسر آنية الخمر
قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أحمد في الموطأ والبخاري ومسلم، وله عند أرباب السنن طرقٌ متعدِّدة بألفاظ مختلفة.
<3/359> قوله: «كنت أسقي»: أي قبل تحريم الخمر.
قوله: «أبا دُجانة»: بضمِّ الدال وتخفيف الجيم بعد الألف نون: اسمه سماك بن خرشة، بمعجمتين بينهما راء مفتوحة، وَقِيلَ: سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ودٍّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريُّ الساعديُّ، شهد بدرًا وأحُدًا وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد يوم اليمامة بعد ما أبلى فيها بلاءً عظيمًا، وقيل: بل عاش حتَّى شهد صفِّين مع عليٍّ، والأوَّل أصحُّ وأكثر، والله أعلم.
قوله: «أبا طلحة»: هو زيد بن سهل الأنصاري، زوج أمِّ أنس تقدَّم ذكره في الجزء الأوَّل. (4/301)
صفحة 1295
قوله: «وأُبَيَّ بن كعب»: سَيِّد القُرَّاء وكبير الأنصار وأعلمهم، وقد تقدَّم ذكره أيضًا. وفي رواية عند قومنا: «أبا عبيدة» مكان «أبا دُجانة»، وفي أخرى: «سهيل بن بيضاء ومعاذ بن جبل وأبا أَيُّوب»، وفي أخرى: أنَّ القوم كانوا أحد عشر رجلاً، وبها يجمع بين اختلاف الروايات، فقد يذكر أنس مرَّة هذا ومرةً هذا.
قوله: «من فَضيخ»: بالفاء ثمَّ معجمتين، وزن عظيم، اسم للبُسر إذا شُدخَ ونُبذ، وأضافه إِلىَ التمر لأنَّ الفضيخ يطلق على خليط البسر والتمر، ويطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده.
قوله: «آت»: بمدِّ الهمزة وبالمثنَّاة الفوقيَّة: اسم فاعل من أتى يأتي إذا جاء. وهذا الآتي لم يذكر اسمه.
قوله: «يا أنس...»: الخ إِنَّمَا خصَّه بالخطاب لكونه ربيبه ولأنَّه ساقي القوم. والجرار: بكسر الجيم، جمع جرَّة: وهي الآنية التي فيها الشراب المذكور.
<3/360> و«المِهْراس» بكسر الميم وإسكان الهاء فراء فألف فسين مهملة: حجر مستطيل ينقل ويدقُّ فيه ويُتوضَّأ، وقد استعير للخشبة التي يُدق فيها الحبُّ، فقيل لها: مهراس، على التشبيه بالمهراس على الحجر أو الصُّفر الذي يهرس فيه الحبوب وغيرها.
والحديث يدلُّ على جواز كسر آنية الخمر، فإنَّ الجرار وإن كانت ملكًا لأبي طلحة مثلا فإنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، ولو لم يكن كسرها جائزًا لدخل تحت الإضاعة. وفيه حجَّة قَوِيَّة في قبول خبر الواحد، وأنَّه حجَّة في تبليغ الأحكام الشرعيَّة، فإنَّهم قبلوه في نسخ الشيء الذي كان مباحًا حتَّى قدموا من أجله على تحريم الشراب وصبِّ الخمر وكسر أوانيها، وقد تقدَّم نظير ذلك في تحويل القبلة، والله أعلم.
ما جاء أنَّ كُلَّ مسكر حرامٌ
<3/361> الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم.
قوله: «سُئل»: بالبناء للمفعول، والسائل أبو موسى الأشعري كما في روايةٍ عند الشيخين وأحمد. (4/302)
صفحة 1296
قوله: «عن شراب البِتْعِ»: بكسر الموحدة وتفتح، وسكون الفوقية وقد تفتح، وعين مهملة: وَهُوَ شراب العسل وكان أهل اليمن يشربونه.
قوله: «كلُّ شراب أسكر فهو حرام»: هذه قاعدة كُلِّيَّة شاملة لما يتَّخذ من عصير العنب ومن غيره، ولهذا قال أبو موسى عند ذلك: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه. قال أبو عمر: إذا خرج الخبر بتحريم المسكر على شراب العسل فكلُّ مسكر مثله في الحكم. ولذا قال عمر: كلّ مسكر خمرٌ، فيتناول المشروب وغيره، وتدخل الحشيشة الظاهرة في أواخر المائة السادسة أو السابعة. قال في تاريخ الخميس: واختلف هل هذه مسكرة فيجب فيها الحدُّ أو مفسدة للعقل فيجب التعزير؟ قال: والذي أجمع عليه الأطبَّاء أنَّها مسكرة، قال: وبه جزم الفقهاء، قال: وقد تضافرت الأدلَّة على حرمتها، ففي <3/362> صحيح مسلم: «كلُّ مسكر حرام»، وقد قال الله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157]، وأيُّ خبيث أعظم مِمَّا يفسد العقول التي اتَّفَقَت الملل والشرائع على إيجاب حفظها، ولا ريب أنَّ متناول الحشيشة يظهر بِهِ التغيُّر في انتظام الفعل والقول المستمدِّ كماله من نور العقل. قال: وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أمِّ سلمة قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ مسكر ومفتِّرٍ»، قال العلماء: المفتِّر كلُّ ما يورث الفتور والخدر في الأطراف. قال: وهذا الحديث أدلُّ دليلٍ على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدِّرات. قال: وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد. قال: وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرَّةً دِينِيَّة وبدنيَّة. (4/303)
صفحة 1297
قال بعضهم: كلُّ ما في الخمر من المذمومات موجودٌ في الحشيشة وزيادة، فإنَّ أكثر ضرر الخمر في الدّين لا في البدن، وضررُها فيهما، فمن ذلك: فساد العقل وعدم المروءة وكشف العورة وترك الصلاة والوقوع في المحرمات ونتن الفم وسقوط شعر الأجفان وحَفر الأسنان وتسويدها وضيق النفَس وتصفير اللون وتثقيب الكبد، قال: ولقد أحسن القائل فيما قال:
قل لمن يأكل الحشيشة جهلاً ... ... ياخسيسًا قد عشت شرَّ معيشة
دية العقل بَدرة فلماذا ... ... يا سفيهًا قد بعتَها بحشيشة
<3/363> قوله: «والبِتْعُ المقرَّص»: وزن معظَّم، اسم لهذا الشراب المخصوص، ولعلَّه إِنَّمَا سمِّي بذلك لأنَّه يترك حتَّى يحمضَّ، ويمكن في ضبطه أن يكون بوزن اسم فاعل، وسمِّي بذلك لما فيه من الحموضة، يقال: نبيذ قارصٌ، إذا كان يُحذي اللسان من قوَّته، والله أعلم.
ما جاء في شرب الخليطين
وأصل الخلط تداخل أجزاء الأشياء بعضها ببعض.
<3/364> قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث رواه أيضًا أحمد ومسلم والترمذي.
قوله: «نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعًا وكذلك كلُّ خليطين»: وفي رواية أحمد ومسلم والترمذي: «نهى عن التمر والزبيب أين يخلط بينهما، وعن التمر والبُسر أي يخلط بينهما، يعني في الانتباذ»، وفي لفظ: «نهانا أن نخلط بُسرًا بتمر وزبيبًا بتمر وزبيبًا ببُسرٍ، وقال: من شربه منكم فليشربه زبيبًا فردًا أو تمرًا فردًا أو بسرًا فردًا»، رواه مسلم والنسائي. وروى أبو داود من طريق قتادة عن جابر بن زيد وعكرمة أنَّهما كانا يكرهان البُسرَ وحدَه، ويأخذان ذلك عن ابن عبَّاس. وقال ابن عبَّاس: نخشى أن يكون المزاء الذي نهيت عنه عبد القيس، قال الراوي: فقلتُ لقتادة: ما المزاء؟ قال: النبيذ في الحنْتَمِ والمُزَفَّت. (4/304)
صفحة 1298
واختلفوا في سبب النهي عن الخليطين فقال قومٌ: سبب ذلك أنَّ الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتدَّ فيظنَّ الشارب أنَّه لم يبلغ حدَّ الإسكار وقد بلغه، وقال آخرون ونسب إِلىَ الجمهور وَهُوَ مقتضى قول أبي عبيدة: إنَّ النهي للتنزيه، وإنَّما يحرم إذا كان مسكرًا ولا تخفى علامته، وقال بعض الْمَالِكِيَّة: هو للتحريم واختُلف في خلط البسر إذا لم يشتدَّ مع نبيذ التمر الذي لم يشتدَّ عند الشراب هل يمتنع أو يختصُّ النهي عن الخلط بالانتباذ ؟ فقال الجمهور: لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك، وَهُوَ لازم مذهب أبي عبيدة، وَقِيلَ: إن المنهي عنه خلط النبيذ بالنبيذ لا إذا نبذا معًا.
قوله: «ذلك إذا اختمرا أو فسدا»: يعني أنَّ النهي عن شرب الخليطين إِنَّمَا هو محمولٌ على ما إذا اختمرا وفسدا، أي إذا صارا خمرًا مسكرًا. وعطف الفساد على الاختمار عطف بيان، والله أعلم.
<3/365> ما جاء في الأوعية المنهيِّ عن الانتباذ فيها
قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث رواه أيضًا أحمد ومسلم، ولم <3/366> يذكر المزفَّت، وَهُوَ عندهما والبخاري من حديث ابن عبَّاس وعائشة.
قوله: «نهى أن يُنبذ...» الخ: وذلك لسرعة الفساد في هذه الأوعية. ثمَّ اختلف الناس في بقاء هذا النهي، فقال جماعة ببقائه، منهم ابن عمر وابن عبَّاس وبه قال أصحابنا ومالك وأحمد وإسحاق. وقال آخرون: إنَّ النهي إِنَّمَا كان أوَّلاً ثمَّ نُسخَ، قالوا والمعنى في النهي أنَّ العهد بإباحة الخمر كان قريبًا، فلمَّا اشتهر التحريم أبيح لهم في كُلِّ وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكرًا، فهو نظير النهي عن زيارة القبور في أوَّل الأمر ثمَّ أذن في زيارتها. (4/305)
صفحة 1299
و«الدُّبَّاء»: بضمِّ الدال المهملة وتشديد الباء: وَهُوَ القرع، وَهُوَ من الآنية التي يُسرِع فيها الشراب إِلىَ الشدَّة. و«المُزفَّت»: اسم مفعول، وَهُوَ الإناء المطلي بالزفت، هو نوع من القار. و«النقير»: فعيل بمعنى مفعول، من نقر ينقر، وكانوا يأخذون أصل النخلة فينقرونه في جوفه ويجعلونه إناء ينبذون فيه، لأنَّ له تأثيرًا في شدَّة الشراب. و«الْحَنْتَم»: بفتح الحاء المهملة، جِرارٌ خُضْرٌ مدهونة كانت تحمل الخمر فيها إِلىَ المدينة، ثمَّ اتُّسع فيها فقيل للخزف كُلِّه حنتم، واحدها حنتمة، وهي أيضًا مِمَّا تُسرِع فيها الشدَّة.
<3/367> وقول الربيع رحمه الله تعالى في النقير: إنَّه حجر يدلُّ أنَّ النقير عندهم آنية من حجر أيضًا، فإن ثبت هذا، وإلاَّ فالنهي متوجِّه إليه أيضًا من حيث المعنى لأنَّه من الآنية الغليظة، وَهُوَ أشدُّ من الخشب والحنتم، لَكِنَّ تفسير النقير بما تقدَّم جاء مرفوعًا من حديث أبي سعيد عند أحمد، قال: إن وفد عبد القيس قالوا: يا رسول الله ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ قال: لا تشربوا في النقير، فقالوا: جعلنا الله فداك، أوَ تدري ما النقير؟ قال: الجذع يُنقَر في وسطه... إِلىَ آخر الحديث، والله أعلم.
قوله: «الذي يروى عن عبد الله بن مسعود»: الحديث تقدَّم شرحه، والله أعلم.
<3/368> المحرَّمات من الأفعال والأقوال
ما جاء في ثمن الكلب ومهر البغيِّ وحلوان الكاهن
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الجماعة من حديث أبي مسعود وعقبة بن عمرو البدري.
<3/369> قوله: «نهى عن ثمن الكلب»: أي قيمته التي تدفع في شرائه. والنهي للتحريم. وظاهره عدم الفرق بين المعلَّم وغيره، سواءٌ كان مِمَّا يجوز اقتناؤه أو مِمَّا لا يجوز، ونسب القول بهذا الظاهر إِلىَ الجمهور. (4/306)
صفحة 1300
واختلفوا في علَّة النهي، فقيل: نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعلَّم وغيره، وقيل: العلَّة النهي عن اتِّخَاذه والأمر بقتله. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه، وَهُوَ مخالف للحديث. وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، ويدلُّ عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إِلاَّ كلبَ صيدٍ. وقد اختلفوا أيضًا: هل تجب القيمة على متلفه؟ فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب، ومن قال بجوازه قال بالوجوب، ومن فصَّل في البيع فصَّل في لزوم القيمة، وعن مالك أنَّه لا يجوز بيعه وتجب القيمة، وروي عنه أنَّه قال: بيعه مكروه فقط.
قوله: «ومهر البَغِيِّ»: هو ما تأخذه الزانية على الزنا، وَهُوَ مجمع على تحريمه. والبَغِيُّ: بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانيَّة: الزانية، وأصل البغْيِ الطلب، غير أنَّه أكثر ما يستعمل في الفساد، والتقييد بالبغي يخرج المكروهة على الزنا، فإنَّه يلزم مكْرِهَهَا صداقها، ولها أخذه إذ ليست ببغيٍّ.
<3/370> قوله: «وحلوان الكاهن»: هو ما يأخذه على التكهُّن، وَهُوَ بالضمِّ، مصدر حَلَوْتُه حُلوانًا إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة، شبِّه بالشيء الحلو من حيث إِنَّهُ يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقَّة، يقال: حلوتُه إذا أطعمته الحلو. (4/307)
صفحة 1301
والكاهن هو الذي يدَّعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، وفسَّره الربيع بأنَّه هو الذي ينظر في الكتف، وَهُوَ كتف الذبيحة، يزعم أنَّه يستدلُّ بذلك النظر على ما سيكون من نزول المطر ونحوه. والفرق بينه وبين العرَّاف أنَّ الكاهن يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدَّعي معرفة الأسرار، والعرَّاف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما. وأخذ الأجرة على النوعين حرام، وكذلك طلب معرفة ما عند الكاهن، والعِرَافة حرام وهي التكهُّن، وفي معناها التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك مِمَّا يتعاطاه العارفون من الاطِّلاَع على الغيب، والله أعلم.
<3/371> ما جاء في عسب الفحل
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود من حديث ابن عمر، وله طرق متعدِّدة عن غير واحد من الصحابة.
قوله: «نهى عن عَسْبِ الفحل»: العَسْب بفتح العين المهملة وإسكان السين المهملة أيضًا وفي آخره موحَّدة، ويقال له العسيب أيضًا. والفحل: الذكر من <3/372> كلِّ حيوان فرسًا كان أو جملاً أو تيسًا أو غير ذلك، واختلف في عسبه، فقيل: هو ماؤه، وقيل: أجرة الجماع، وقال الربيع: العسب ضِرابُ الفحل، قيل: وَهُوَ أشهر التفاسير فيه، والمُراد بالضراب النزَوان، ولا يتعلَّق بِهِ النهي فتعيَّن تقدير مضاف يقع عليه النهي، وَهُوَ الأجرة، ولهذا قال الربيع: ذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من الأجرة، والصحيح أنَّ النهي للتحريم، وقد تقدَّم الكلام في ذلك في النهي عن بيع الملاقيح، والله أعلم.
ما جاء في زِنَا العينين والجوارح
قوله: «العينان تزنيان»: وزناهما النظر إِلىَ ما حرَّم الله تعالى من العورات.
قوله: «واليدان تزنيان»: وزناهما اللمس: لمس ما حرم الله تعالى من الأبدان. (4/308)
صفحة 1302
قوله: «والرجلان تزنيان»: وزناهما المشي إِلىَ الفاحشة. وفي إطلاق الزنا على هذه الأحوال مجاز مرسل من إطلاق اسم المُسبَّب على سببه، لأنَّ النظر واللمس والمشي أسباب الزنا.
قوله: «ويصدِّق ذلك ويكذِّبه الفرْجُ»: يعني أنَّ الزنا بالفرج حمل عليه <3/373> مقدِّماته بالصدق والكذب، فإن وقع الزنا بالفرج حمل عليه مقدِّماته من النظر وما بعده، وكان الجميع زنًا وفاحشةً، وإن حفظ فرجه وصان نفسه صارت المقدِّمات كذبًا ودخلت اللَّممَ المعفوَّة باجتناب الكبائر.
واستشكل نسبة التصديق والتكذيب إِلىَ الفرج لأَنَّهُما من صفات الأخبار وهنا بخلافه. وأجيب بِأَنَّ إطلاقهما هنا على سبيل التشبيه فهو مجاز، ويحتمل أن يريد أنَّ الإيقاع يستلزم الحكم بها عادة، فيكون كنايةً، والله أعلم.
ما جاء في تحريم الزمر والنياحة
قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند الْمُتَقَدِّم، وذكره في نسخة القطب. والحديث ذكره في الجامع الصغير من رواية أنس عن البزار والضياء، قال شارحه: بإسناد صحيح.
قوله: «صوتان ملعونان»: أي ملعون صاحبهما ومطرود عن الرحمة. و«المِزْمار»: بكسر الميم: آلة الزمر.
<3/374> قوله: «عند نعمة»: بالعين المهملة: والمُراد الزمر بالمزمار عند حادث سرور، ومنهم من ضبط بالغين المعجمة: وهي جرس الكلام وحسن الصوت في القراءة ونحوها.
وفسَّر الربيع صوت المزمار بالمغنِّية، فهو من مجاز التشبيه. والْمُرِنَّة بضمِّ الميم، اسم فاعل من أَرَنَّ إذا صوَّت، وله رنَّة: أي صيحةٌ.
وفسَّر الربيع رحمه الله المرِنَّة بالنائحة، وَهُوَ تفسير بالمراد، وإلاَّ فالنائحة أعمُّ من المرنَّة، والمرنَّة هي الصالقة، بالصاد المهملة والقاف: أي التي ترفع صوتها بالبكاء وترِنُّ منها الأرض. (4/309)
صفحة 1303
قوله: «عند مصيبة»: من موت أو ذهاب مال، أي صيحة مشتملة على سخط وجزع، ولا مفهوم للعنديَّة بل هما محرَّمان مطلقًا، إِلاَّ أنَّهما في الموضعين أشدُّ وأقبح. وفهم القشيريُّ من قومنا تقييد التحريم بالموضعين فقط، وقال: مفهومه الحلُّ في غيرهما، وَهُوَ باطل.
قوله: «وزيد فيها»: أي في هذه الرواية، يعني أنَّ بعض الرواة زادوا في الرواية المتقدِّمة قوله: «لعنت النائحة والجالسة إليها والمستمعة»، والمُراد بالجالسة إليها هي التي تجلس حولها تعظيمًا لها وإكرامًا لجلالة قدرها عندها ولاستحسان فعلها. والمُراد بالمستمعة التي تستمع نياحتها تلذُّذًا واستحسانًا، وبينها وبين الجالسة إليها عموم وخصوص من وجه، لأنَّها قد تستمع من بعيد، والجالسة إليها قد تجلس لغير الاستماع، والله أعلم.
<3/375> ما جاء في تحريم أحوال تفعلها النساء في أنفسهِنَّ
قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم، وذكره في نسخة القطب، والحديث على هذا الحال مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف، وَهُوَ عند المحدِّثين قطع متفرِّقة من طرق متعدِّدة تجتمع معانيه عند الشيخين وأحمد من حديث ابن مسعود وابن عمر <3/376> وأسماء بنت أبي بكر، قالت أسماء أتت النبيء صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله، إنَّ لي ابنة عريسًا فإنَّه أصابها حصبة فتمزَّق شعرها أفأصله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». واللعن دَلِيل التحريم بل يدلُّ أنَّ الفعل كبيرة.
قوله: «النامصة»: بنون وصاد مهملة: ناتفة الشعر من الوجه، وقال الربيع: التي تأخذ من شعر حاجبيها ليكون رقيقًا معتدلاً. (4/310)
صفحة 1304
قوله: «والمتنمِّصة»: بالتاء الفوقية ثمَّ نون ثمَّ صاد مهملة: هي التي تستدعي نتف الشعر من وجهها، فالنامصة تفعل ذلك بنفسها في نفسها، والمتنمصة تطلب فعله من غيرها، والكلُّ حرامٌ. واستثنى بعضهم ما إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب، قال: فلا تحرم إزالتها بل تستحبُّ، وَقِيلَ: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها لدخوله تحت النمص على تفسير الجمهور، ويخرج عنه على تفسير الربيع رحمه الله.
قوله: «والواصلة»: هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى لتكثر بِهِ شعر المرأة.
وقال الربيع: هي التي تصل شعر رأسها ليُقال إنَّه طويلٌ.
<3/377> قوله: «والمستوصلة»: هي التي تستدعي أن يُفعلَ بها ذلك، ويقال لها موصولة.
واختلف الناس في حكم الوصل، فقال الأكثرون: إنَّه ممنوع بِكُلِّ شيء سواء وصلته بشعر أوصوف أو خِرقٍ لظاهر الحديث. وقال الليث بن سعد: النهي يختصُّ بالوصل بالشعر ولا بأس بوصله بصوف أو خِرق أو غيرهما، وَهُوَ محجوج بإطلاق الأحاديث، قال القاضي عياض: فأمَّا ربط خيوط الحرير الملوَّنة ونحوها مِمَّا لا يشبه الشعر فليس بمنهيٍّ عنه لأنَّه ليس بوصل ولا هو في معنى مقصود بوصل، وإنَّما هو للتجمُّل والتحسين، وتُعُقِّب بأنَّ التخصيص لا يكون إِلاَّ بدليل فما هو ؟.
قوله: «والواشمة»: فاعلة الوشم، وَهُوَ أن يغرز بالإبرة في ظهر الكفِّ أو المعصم أو الشفة حتَّى يسيل الدم ثمَّ يحشى ذلك الموضع بالكحل أو النور وَهُوَ دخان الشحم، فيخضرُّ ذلك الموضع، وَهُوَ مِمَّا تستحسنه الفسَّاق.
وقال الربيع: الواشمة التي تجعل الوشم في وجهها أو في ذراعها، وَهُوَ قريبٌ مِمَّا قبله، وقد يكون الوشم بدارات ونقوش، وقد يكثر ويقلُّ، وَهُوَ بجميع أنواعه حرام لظاهر الحديث، وعليها التوبة من ذلك وإزالة الوشم إن لم تخف ضررًا، فإن خافته فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ، وَهُوَ يقبل توبة التائبين. (4/311)
صفحة 1305
قوله: «والمتفلِّجات للحسن»: هُنَّ اللاتي يفلجن بين أسنانهنَّ للجمال، جمع متفلِّجة بالفاء والجيم من الفَلَج، بفتح الفاء واللام: وهي الفرجة التي بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السنِّ إظهارًا للصغر وحسن الأسنان، لأنَّ هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغائر، فإذا عجزت المرأة كبرت سنُّها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر، وتوهم كونها صغيرة. ويقال له الفلج. وَهُوَ حرامٌ على الفاعلة والمفعول بها، والله أعلم.
<3/389> ما جاء في تحريم النظر إِلىَ العورة وتحريم كشفها للناس
قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم، وذكره في نسخة القطب. والحديث لم أجده عند غيره فكأنَّه ما تفرَّد بِهِ، وله شواهد كثيرة.
قوله: «ملعون»: أي مطرود عن القرب ومبعد عن الرحمة.
قوله: «من نظر إِلىَ فرج أخيه»: أو قال: «إِلىَ عورة أخيه»: شكٌّ من الراوي، وبينهما عموم وخصوص، لأنَّ الفرج بعض العورة. والمُراد بأخيه أخوه الآدمي، فإنَّ النظر إِلىَ العورات حرام من جميع المكلَّفِين إِلاَّ الزوجة والسريَّة. وعورة الرجل من السرَّة إِلىَ الركبة، واختلفوا في السرَّة والركبة هل هما من العورة أم لا؟
وقال بشير: النظر المحرَّم ما كان من حدِّ منابت الشعر إِلىَ مستغلظ الفخذين، والنساء كلُّها على الرجل عورة إِلاَّ الوجه والكفَّين، وعورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل.
قوله: «من أبدى عورته للناس»: أي أظهرها لهم. وفي التقييد بالناس إشارة إِلىَ أنَّ حكم الخلوة بخلاف ذلك، فإنَّ مُظهرها في الخلوة لا يستحقُّ اللعن، وإن كان منافيًا للحياء من الله عزَّ وجلَّ. (4/312)
صفحة 1306
<3/379> والحديث يدلُّ أنَّ النظر إِلىَ العورة كبيرة، وكذلك كشفها، لأنَّ اللعن من علامات الكبيرة، وبذلك صرَّح بعض العلماء. وزعم بعض قومنا وَهُوَ المعتمد عند الشافعيِّ أنَّها صغيرة يوجب الفسق إن تكرَّر، وَهُوَ في حضرة الناس خارم للمروءة، فيُسقط العدالة، والحديث يَرُدُّ عليهم، واستدلَّ بِهِ في الإيضاح على انتقاض وضوء من نظر على العمد إِلىَ فرج البالغين من بني آدم، والله أعلم.
ما جاء في اتِّخَاذ النساء القُصَّة
قوله: «بلغني عن معاوية»: الحديث رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج... إلخ. <3/380> ورواه البخاري ومسلم من طريق مالك بالسند الْمُتَقَدِّم.
قوله: «وَهُوَ على المنبر»: يعني منبر النبيء صلى الله عليه وسلم، وذلك بالمدينة.
قوله: «عام حجٍّ»: أي حجَّته الأخيرة في أيَّام دولته، وذلك سنة سبع وخمسين، قال ابن جرير: أَوَّل حجَّة حجَّها بعد تملُّكه سنة أربع وأربعين، وآخر حجَّة حجَّها سنة سبع وخمسين.
قوله: «فتناول قُصَّة»: أي أخذ قُصَّة، وهي بضمِّ القاف وشدِّ الصاد المهملة: خصلة من شعر تزيدها المرأة في شعرها لتوهم كثرته.
قوله: «في يد حَرَسِيٍّ»: بفتح الحاء المهملة والراء وكسر السين المهملات وتحتيَّة: نسبة إِلىَ الحَرَس، وهم خدم الأمير الذين يحرسونه.
<3/381> قوله: «أي علماؤكم»: أي أين ذهبوا عن الإنكار لمثل هذه ؟ وأيُّ شيء أسكتهم عن الصدع بالحقِّ، أَجَهْلٌ أم تجاهل؟ (4/313)
صفحة 1307
قوله: «إِنَّمَا هلكت»: ولمسلم: «إِنَّمَا عُذِّب بنو إسرائيل...»إلخ. وفيه أنَّ القوَّام بالأمر يعذَّبون بعصيان من كان تحت أمرهم إذا ضيَّعوا الإنكار. ومصداقه قوله تعالى: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]. وقال أبو عمر: فيه الاعتبار والحكم بالقياس لخوفه على هذه الأمَّة الهلاك كبني إسرائيل، فإنَّ من فعل مثله استحقَّه أو يعفو الله. وفيه وجوب اجتناب عملٍ هلك بِهِ قومٌ، والله أعلم.
باب الطاعون
الطاعون بوزن فاعول، من الطعن، عدلوا بِهِ عن أصله ووضعوه دالاًّ على الموت العامِّ، كالوباء، قال صلى الله عليه وسلم: «الطاعون وَخْزُ أعدائكم من الجنِّ، وَهُوَ لكم شهادة». صححه الحاكم وغيره.
وفي وقوعه في أعدل الفصول، وأصحِّ البلاد هواء، وأطيبها ماء دلالةٌ على أنَّه إِنَّمَا يكون من طعن الجنِّ، لأنَّه لو كان بسبب فساد الهواء وانصباب الدم إِلىَ عضو <3/382> فيحدث ذلك كما زعم الأطبَّاء لَدام ذلك، لأنَّ الهواء يفسد تارة ويصحُّ أخرى، والطاعون يذهب أحياناً ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، وربَّما جاء سنةً على سنة، وربَّما أبطأ سنين، ولو كان من فساد الهواء لعمَّ الناس والحيوان، وربَّما يصيب الكثير من الناس ولا يصيب من هو بجانبهم مِمَّن هو في مثل مزاجهم، وربَّما يصيب من بعض أهل بيت واحدٍ ويسلم منه باقيهم. قال الحافظ ابن حجر: وما يذكر أنَّه من وخز إخوانكم الجنِّ لم أجدْه في شيء من طرق الحديث المسندة ولا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة بعد التتبُّع الطويل البالغ، قال: وعزاه في آكام المرجان لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، قال: ولا وجود له في واحد منها. (4/314)
صفحة 1308
فإن قيل: إذا كان الطعن من الجنِّ فكيف يقع في رمضان والشياطين تصفَّد فيه وتسلسل ؟ أجيب: باحتمال أنَّهم يطعنون قبل دخول رمضان ولا يظهر التأثير إِلاَّ بعد دخوله، قلت: ويحتمل أن يكون التصفيد والغلُّ لمردتهم والطعن يصدر من عامَّتهم، والله أعلم.
<3/383> ما جاء في الطاعون
قوله: «قال سعد بن أبي وقَّاص»: الحديث رواه مالك في الموطأ عن محمَّد بن المنكدر وعن سالم أبي النظر عن النظر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه أنَّه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة:... وذكر الحديث. ورواه البخاري في ذكر بني إسرائيل ومسلم في الطبِّ، كلاهما من طريق مالك بالسند الْمُتَقَدِّم.
قوله: «رجز»: بالزاي على المعروف، أي عذاب، ووقع لبعض الرواة: «رجس» بالسين المهملة بدل الزاي، والمحفوظ الأوَّل، قيل: ويطلق الرجس على العقوبة، ومنه قوله تعالى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 100].
قوله: «على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم»: بالشكِّ من الراوي. والتنصيص على بني إسرائيل أخصُّ، وكأنَّه أشار بذلك إِلىَ ما جاء في قصَّة بلعام. (4/315)
صفحة 1309
<3/384> أخرج الطبريُّ من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن يسار أنَّ رجلاً كان يقال له بلعام كان مجاب الدعوة، وأنَّ موسى أقبل في بني إسرائيل <3/385> يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتَّى أُؤَامر ربِّي، فتمنَّع، فأَتَوْهُ بهدية، فقبلها، وسألوه ثانيًا فقال: حتَّى أؤامر ربِّي، فلم يرجع إليه بشيءٍ، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو بِهِ على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك فقال: سأدلُّكم على ما فيه هلاكهم، أَرْسِلوا النساء في عسكرهم ومُروهنَّ لا يمتنعن من أحدٍ، فعسى أنْ يزنوا فيهلكوا، فكان مِمَّن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط وأخبرها بمكانه، فمكَّنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يوم، وجاء رجل من بني هارون ومعه الرمح فطعنها، وأيَّده الله فانتظمهما جميعًا.
وذكر ابن إسحاق في المبتدأ: أنَّ بني إسرائيل لَمَّا كثر عصيانهم أوحى الله إِلىَ داود، فخيَّرهم ما بين ثلاث: إمَّا أن أبتليهم بالقحط، أو العدوِّ شهرين، أو الطاعون ثلاثة أَيَّام، فأخبرهم فقالوا: اخترْ لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفًا، وَقِيلَ: مائة ألف، فتضرَّع داود إِلىَ رَبِّهِ فرفعه. (4/316)
صفحة 1310
وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله: «أو من كان قبلكم». فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كلُّ رجل منهم كبشًا، ثمَّ يخضب كفَّه في دمه ثمَّ يضرب به على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إنَّ الله يبعث عليكم عذابًا وإنَّا ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ...}الآية [الأعراف: 134]، فدعا فكشفه عنهم.
وأخرج عبد الرزَّاق في تفسيره وابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: {الذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمُ, أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243]، قال: فرُّوا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا ثمَّ أحياهم ليكملوا بقيَّة آجالهم. فأقدم من وقفنا عليه في المنقول من وقع الطاعون بِهِ من بني إسرائيل في قصَّة بلعام، ومن غيرهم في قِصَّة فرعون، وتكرَّر بعد ذلك لغيرهم.
<3/386> قوله: «فلا تدخلوها عليه»: أي لا تدخلوا تلك الأرض وَهُوَ فيها، لأنَّه تهوُّرٌ وإقدام على خطر، ولأنَّ الامتناع أسكن للنفس وأطيب للعيش، ولئلاَّ يقعوا في اللوم المنهيِّ عنه، فنهوا عن ذلك تأديباً لئلاَّ يلوموا أنفسهم فيما لا لوم فيه، لأنَّ الباقي والناهض لا يتجاوز أحد منهم أجله.
قوله: «فلا تخرجوا فرارًا منه»: أي لأنَّه فرارٌ من القدر، ولئلاَّ تضيع المرضى بعدم من يتفقَّدهم، والموتى بعدم من يجهِّزهم، فالنهي الأوَّل تأديبٌ وتعليمٌ، والثاني تفويض وتسليم. وقيل: هو تعبُّدي، لأنَّ الفرار من المهالك مأمور بِهِ، وقد نهي عن هذا فهو لسرٍّ فيه ولا يعلم معناه، والله أعلم.
<3/387> <3/388> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره. (4/317)
صفحة 1311
قوله: «خرج إِلىَ الشام»: وذلك في سنة ثماني عشرةَ، وَقِيلَ: سنة سبعَ عشرة، وإنَّما خرج ليتفقَّد أحوال الرعيَّة، وكان طاعون عَمَواس، بفتح العين المهملة والميم فألف فسينٌ مهملة، وسمِّي بِهِ لأنَّه عمَّ وأساء، ووقع بالشام في مُحَرَّم وصفر، ثمَّ ارتفع فكتبوا إِلىَ عمر فخرج حتَّى إذا كان بسَرْغٍ لقيه أمراء الأجناد فأخبروه أنَّ الوباء وقع في أرض الشام كأشدِّ ما كان، فشاور أصحابه على نحو ما ذكر ابن عبَّاس.
و «سَرْغ»: بفتح السين المهملة وسكون الراء على المشهور وغين معجمة: قرية بوادي تبوك، يجوز فيها الصرف وعدمه، وقيل: هي مدينة افتتحها أبو عبيدة، وهي واليرموك والجابية مُتَّصِلات، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلةً.
قوله: «أمراء الأجناد»: بالفتح: جمع جند، وكان عمر قسم الشام أجنادًا: الأردن جند، وحمص جند، ودمشق جند، وفلسطين جند، وقنَّسرين جند، وجعل على كُلِّ جند أميرًا، فأمراء الأجناد: أبو عبيدة عامر بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، وكانوا قد تلقَّوا عمر بن الخطاب عند قدومه وأخبروه أنَّ الوباء قد وقع بالشام.
و«الوباء»: مهموز وقصره أفصح من مده: هو الطاعون. والمُراد بالمهاجرين الأَوَّلِينَ هم الذين صلَّوا إِلىَ القبلتين. وقدَّمهم لتقدمهم.
قوله: «بقيَّة الناس»: أي الصحابة. وعطف ما بعده عليه عطف تفسير.
قوله: «تُقدمهم»: بضمِّ الفوقية وسكون القاف وكسر الدال: أي تجعلهم قادمين على هذا الوباء.
قوله: «من مَشْيَخة»: بفتح الميم: جمع شيخ، وَهُوَ من طعن في السنِّ. (4/318)
صفحة 1312
قوله: «مهاجرة الفتح»: بضمِّ الميم وكسر الجيم، قيل: هم الذين أسلموا <3/389> قبل الفتح وهاجروا عامه - أي عام الفتح - إذ لا هجرة بعده، وَقِيلَ: هم مُسلمة الفتح الذين هاجروا بعده، واستظهره عياض، قال: لأنَّهم الذين يطلق عليهم مشيخة قريش، وأطلق على من تحوَّل إِلىَ المدينة بعد الفتح لأنَّه مهاجر صورةً - وإن انقطع حكم الهجرة بالفتح - احترازًا عن غيرهم مِمَّن أقام بِمَكَّةَ ولم يهاجر.
قوله: «إِنِّي مُصبحٌ»: بضمِّ الميم وسكون الصاد وكسر الموحَّدة الخفيفة، وبفتح الصاد المهملة وكسر الموحَّدة الثقيلة: أي مسافر في الصباح.
قوله: «على ظهر»: أي راكب على راحلة، وأطلق الظهر على الراحلة لأنَّه موضع الركوب منها، فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم البعض على الكلِّ، وإنَّما أخذ برأي المشيخة لأنَّه أحوط للمسلمين، ولأنَّهم أهل السنِّ والتجربة، وقد وافقهم عليه كثير من الناس. ومستند الطائفتين في اختلافهم مبنيٌّ على أصلين شرعيَّين: الأول التَّوَكُّل والتسليم لقضاء الله وقدره، والثاني الحذر وترك إلقاء اليد إِلىَ التهلكة.
قوله: «لو غيرك قالها»: لكان أولى منك بتلك المقالة لأنَّها لا تليق بمثلك، أو هي للتمنِّي ولا تحتاج إِلىَ جواب، وَالْمَعنَى: إِنَّ غيرك مِمَّن لا فهم له إذا قال ذلك يُعذر. (4/319)
صفحة 1313
قوله: «نعم نفِرُّ من قَدَرِ الله إِلىَ قَدَرِ الله»: أي نفرُّ من البلاء الذي قدَّره الله وأنزله على أهل تلك الناحية إِلىَ السلامة التي قدَّرها الله لأهل الناحية الأخرى. وأطلق على الرجوع اسم الفرار لشبهه بِهِ في الصورة، وإن كان ليس فرارًا شرعيًّا ولا معنويًّا. وفيه مشورة من يوثق بفهمه وعقله عند نزول المعضل، وأن مسائل الاجتهاد لا يجوز لأحد القائلين فيها أن يعيب من خالفه، ولا أن يطعن عليه، وأنَّ الإمام إذا نزلت بِهِ نازلة ليس لها ذكر في الكتاب ولا في السنَّة كان عليه أن يجمع ذوي الرأي ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل فعليه الميل إِلىَ الأصلح والأخذ بما يراه. وفيه أنَّ الاختلاف لا يوجب حكمًا وإنَّما يوجبه الإجماع.
قوله: «وكان متغيِّبًا في بعض حاجته»: يعني أنَّه لم يحضر المشورة.
قوله: «إنَّ عندي من هذا علمًا»: فيه إشارة إِلىَ أنَّ العلمَ محصور عندهم فيما <3/390> جاء بِهِ محمَّد صلى الله عليه وسلم دون ما يستند إِلىَ محض الرأي. قال ابن دقيق العيد: الذي يترجَّح عندي في النهي عن الفرار والنهي عن القدوم أنَّ الإقدام عليه تعرُّضٌ للبلاء، ولعلَّه لا يُصبر عليه، وربَّما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكُّل، فمنع ذلك لاغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقُّق، وأمَّا الفرار فقد يكون داخلا في باب التوغُّل في الأسباب، متصوَّرًا بصورة من يحاول النجاة مِمَّا قُدر عليه، فيقع التكلُّف في القدوم كما يقع التكلُّف في الفرار فأمر بترك التكلُّف فيهما.
قوله: «فحمد الله عمرُ وأثنى عليه»: أي لموافقته اجتهاده واجتهاد معظم الصحابة للحديث النبويِّ.
قوله: «ثُمَّ انصرف»: أي رجع إِلىَ المدينة. والحديث دَلِيل قويٌّ على وجوب العمل بخبر الواحد بأنَّه كان بمحضر جمع عظيم من الصحابة، فلم يقولوا لعبد الرحمن: أنت واحد، وإنَّما يجب قبول خبر الكافَّة، والله أعلم.
<3/391> باب عدَّة الشهداء (4/320)
صفحة 1314
الحديث قد تقدَّم في عدَّة الشهداء من كتاب الجهاد، وقد تقدَّم شرحه هناك، والمُراد من ذكره هنا ذكر المطعون أنَّه من جملة الشهداء، وذلك يُؤَيِّدُ أنَّ الطعن من وخز أعدائنا من الجنِّ، وقد تقدَّم الكلام في ذلك، والله أعلم.
قوله: «الشهداء خمسة»: وفسَّرها الرَّسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن لم يكن الشهداء من أمَّتي إِلاَّ من قتل بالسيف فهم إذن قليلٌ».
<3/392> في الحُمَّى والوَعك
«الحمَّى»: بضمِّ الحاء وتشديد الميم والقصر: حرارة غزيرة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسُّط الروح والدم في العروق إِلىَ جميع البدن، وهي قسمان:
- عرضية: وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القبض الشديد ونحوها.
- ومرضية: وهي ثلاثة أنواع وتكون عن مادَّة، ثمَّ منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمَّى يومٍ، لأنَّها تقلع غالبًا في يوم، ونهايتها إِلىَ ثلاثة أيَّام، وإن كان تعلُّقها بالأعضاء الأَصلِيَّة فهي حمَّى دِقٍّ وهي أخطرها، وإن كان تعلُّقها <3/393> بالأخلاط سمِّيت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة، وتحت هذا الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب.
وأمَّا «الوعك»: فقيل هو الحمَّى، فعطفه على الحمَّى عطف تفسير، وقيل: هو ألم الحمَّى، وقيل: مغثها، وقد تقدَّم ذكر ذلك كُلِّه، والله أعلم.
ما جاء في إطفاء الحُمَّى بالماء
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من حديث ابن عمر، وَهُوَ عند الشيخين أيضًا من حديث رافع بن خديج وعائشة أمِّ المؤمنين، وله طرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما. (4/321)
صفحة 1315
قوله: «الحمَّى من فيح جهنَّم»: بفتح الفاء وسكون التحتيَّة وحاء مهملة، <3/394> أي سطوع حرِّها وفورانه، أرسلت إِلىَ الدُّنيا نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين، لأنَّها كفَّارة لذنوبهم، فاللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من نار جهنَّم قدَّر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك كما أنَّ أنواع الفرح واللذَّة من نعيم الجنَّة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة. وَقِيلَ: هو من باب التشبيه: شبَّه اشتعال حرارة الطبيعة في كونها مذيبة للبدن ومعذِّبة له بنار جهنَّم، ففيه تنبيه للنفوس على شدَّة حرِّ النَّار والأوَّل أولى. قال الطيبي: «مِنْ» ليست ببيانية حتَّى تكون تشبيهًا كقوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، فهي إمَّا ابتدائيَّة، أي الحمَّى نشأت وحصلت من فيح جهنَّم، أو تبعيضيَّة، أي بعض منها، قال: ويدلُّ على هذا التأويل ما في الصحيح: «اشتكت النارُ إِلىَ رَبِّها فقالت يَا رَبِّ أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف»، فكما أنَّ حرارة الصيف أثر من فيحها كذلك الحمى.
قوله: «فأطفئوها بالماء»: بقطع الهمزة وكسر الفاء بعدها همزة مضمومة. أمر بإطفاء حرارتها بالماء البارد شربًا وغسلاً على ما يليق بالزمان والمزاج والمكان، وذلك أنَّ الماء البارد رطب ينساغ لسهولته فيصل بلطافته إِلىَ أماكن العلَّة من غير حاجة إِلىَ معاونة الطبيعة، وهذا إِنَّمَا هو في بعض الحمَّيات دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، وكذلك المكان، لأنَّ بعض البلاد حارَّة وبعضها باردة. (4/322)
صفحة 1316
والحاصل أنَّ الحمَّى أنواع: منها ما يصلح له الإبراد بالماء ومنها ما لا يصلح، والذي <3/395> يصلح إبراده بالماء يختلف أيضًا، فمنه ما يصلح أن يرشَّ بين بدن المحموم وجيبه، كما في حديث أسماء الآتي، أو يقطر على صدره من السقاء فلا يجاوز ذلك، ومنها ما يحتاج إِلىَ صبِّ الماء على رأسه وسائر بدنه، أو إِلىَ انغماسه في النهر الجاري مرَّة فأكثر، وذلك باختلاف نوع المرض والمزاج والزمان والمكان، فلا يساوى بين الشتاء والصيف، ولا بين الشام والحجاز. قال المازريُّ: لا شكَّ أنَّ علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إِلىَ التفصيل، حتَّى إِنَّ المريض يكون الشيء دواؤه في ساعة ثمَّ يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له، كغضب يحمي مزاجه مثلاً فيتغيَّر علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة لم يلزم وجود الشفاء بِهِ له أو لغيره في سائر الأحوال. وأجمع الأطبَّاء على أنَّ الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المقدَّم والتأثير المألوف وقوَّة الطباع.
قوله: «عن جابر بن زيد عن ابن الزبير»: وفي نسخةٍ: من طريق ابن الزبير، وفي أخرى: أبو عبيدة من طريق ابن الزبير بإسقاط جابر، والمُراد بابن الزبير عُروة بن الزبير.
<3/396> ورواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أنَّ أسماء بنت أبي بكر... ثمَّ ذكره، وفاطمة بنت المنذر أنَّ أسماء بنت أبي بكر... ثمَّ ذكره، وفاطمة بنت المنذر زوجة هشام هي بنت عمَّة المنذر بن الزبير، وأسماء جدَّتهما.
قوله: «أُتِيَت»: بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول.
قوله: «حُمَّت»: بضمِّ الحاء وفتح الميم المشدَّدة.
قوله: «جَيْبِها»: بفتح الجيم وسكون التحتية وكسر الموحَّدة، أي بين طوقها وجسدها. (4/323)
صفحة 1317
قوله: «أن نَبْرُدها»: بفتح النون وسكون الموحَّدة وضمِّ الراء، وفي رواية بضمِّ النون وفتح الموحَّدة وكسر الراء المشدَّدة، وفي فعل أسماء صفة التبريد المطلق في الأحاديث، وَهُوَ أولى ما نفسِّر بِهِ، لأنَّ الصحابي أعلم بالمراد ومن غيره، وادَّعى ابن الأنباري أنَّ المراد التصدُّق بالماء، وأنَّ الجزاء من جنس العمل، وَهُوَ تأويل بعيد، والله أعلم.
ما جاء في حُمَّى المدينة
<3/397> <3/398> قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم.
قوله: «لَمَّا قَدِمَ»: أي مُهاجراً إِلىَ المدينة، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأوَّل في أحد الأقوال، وكانت المدينة أوْبأَ أرضِ الله. قال هشام: وكان وباؤها معروفًا في الجاهليَّة وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل: اِنهقْ، فينهق كما ينهق الحمار. قال عياض: قدومه صلى الله عليه وسلم على الوباء مع صحَّة نهيه عنه، لأنَّ النهي إِنَّمَا هو في الموت الذريع والطاعون، والذي بالمدينة إِنَّمَا كان وخمًا يمرض بِهِ كثير من الغرباء، وإن قدومه المدينة كان قبل النهي لأنَّ النهي كان بالمدينة.
قوله: «وُعِكَ»: بضمِّ الواو وكسر العين، أي حُمَّ.
قوله: «فدخلت عليهما»: أي للعيادة، وذلك بعدما استأذنت النبيء صلى الله عليه وسلم في عيادتهما، وكان ذلك قبل أن يضرب عليهنَّ الحجاب.
<3/399> قوله: «كيف تَجِدك؟»: بفتح الفوقيَّة وكسر الجيم: أي كيف تجد نفسك، أو كيف تجد جسمك؟.
قوله: «مُصَبَّحٌ»: بضمِّ الميم وفتح الصاد المهملة والموحَّدة الثقيلة، أي مصابٌ بالموت صباحا، أو يسقى الصَّبوح وَهُوَ شرب الغَداة، وقيل: المراد يقال له: صَبَّحك الله بالخير.
وقوله: «أدنى»: أي أقرب. (4/324)
صفحة 1318
قوله: «من شِرَاك»: بكسر المعجمة وخفَّة الراء: سير النعل الذي على ظهر القدم، والمَعنَى: إنَّ الموت أقرب إليه من شراك نعله لرجله. وذكر عمر بن شعبة في أخبار المدينة أنَّ هذا الرَّجَز لحنظلة بن سيار، وقاله يوم ذي قار وتمثَّل بِهِ الصدِّيق.
قوله: «أقلعت»: بفتح الهمزة واللام، وفي رواية بضمِّ الهمزة وكسر اللام، أي كفَّت وزالت عنه الحمَّى.
قوله: «يرفه عقيرته»: بفتح المهملة وكسر القاف وسكون التحتيَّة: فعيلة بمعنى مفعولة، قال الربيع: العقيرة : الصوت، وقال غيره: أي يرفع صوته ببكاء أو غناء، قال الأصمعيُّ: أصله أنَّ رجلاً انعقرت رجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح، فصار كلُّ من رفع صوته يقال: رفع عقيرته وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها.
قوله: «أَلاَ»: بخفة اللام: أداة الاستفتاح.
قوله: «ليت شعري»: أي شعوري، والمعنى: ليتني أعلم هل يقع لي ما أطلب من المبيت بِمَكَّةَ... إلى آخره.
قوله: «بوادٍ»: أي بوادي مَكَّة.
قوله: «إذْخِر»: بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء <3/400> المعجمتين: حشيش مكَّة ذو الرائحة الطَّيِّبَة.
و «جليل»: بجيم مفتوحة ولام مكسورة: نبت ضعيف يحشى بِهِ خَصاص البيوت وغيرها. وَقِيلَ: إنَّه الثمام، قال أبو عمر: إِذْخِرٌ وجليلٌ: نبتان من الكلإ طَيِّبا الرائحة يكونان بِمَكَّةَ وأوديتها لا يكادان يوجدان في غيرها.
قوله: «أَرِدَنْ»: أراد بنون التوكيد الخفيفة.
و «مجَنَّة»: بفتح الجيم والنون المشددة وبكسر الجيم: موضع على أميال من مكَّة كان بِهِ سوق في الجاهليَّة، وقال الربيع: مجنَّة سوق بأسفل مكَّة على بريد منها، والبريد اثنا عشر ميلاً.
قوله: «يَبْدُوَنْ»: بنون التوكيد الخفيفة: يظهرن. (4/325)
صفحة 1319
قوله: «شامة»: بمعجمة وميم مخفَّفًا، و «طفيل»: بفتح الطاء المهملة وكسر الفاء ، قال الربيع: شامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنَّة، وكذا قال غيره أيضًا وزاد على بريد من مَكَّة، وقال الأكثر: جبلان بقرب مكَّة على نحو ثلاثين ميلاً منها، وقال الخطابي: كنت أحسبهما جبلين حتَّى مررتُ بهما ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء، وقوَّاه السهيلي، وجمع باحتمال أنَّ العينين بقرب الجبلين. والبيتان قيل لبكر بن غالب الجُرهمي أنشدهما لَمَّا نفتهم خزاعة من مكَّة فتمثَّل بهما بلال.
قوله: «اللَّهُمَّ حبِّبْ إلينا المدينة»: قال بعضهم: فاستجاب الله دعاءه، فكانت أحبَّ إليه من مكَّة، وكان يحرِّك دابَّته إذا رأى المدينة من حبِّها.
<3/401> قوله: «وصحِّحْها»: أي من الوباء.
قوله: «وبارِكْ»: أي أنْمِ وزِدْ. و «الصاع»: كيل يسع أربعة أمداد، والمُدُّ: بالضمِّ كيل وَهُوَ رطل وثلث، وعند أهل الحجاز ربع صاع لأنَّ الصاع عندهم خمسة أرطال وثلث.
قوله: «وانقُل»: بضمِّ القاف أي حوِّل حماها إِلىَ الجحفة: والجحفة بفتح الجيم وسكون المهملة وفتح الفاء: قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلاً من مَكَّة، وكانت تسمَّى مَهيعة، وكانت يومئذ مسكن اليهود، ولذا توجَّه دعاؤه عليهم. وفيه جواز الدعاء على الكفَّار بالأمراض والهلاك وللمسلمين بِالصِّحَّةِ. وفيه معجزة عجيبة فإنَّها من يومئذ وبيئة لا يشرب أحد من مائها إِلاَّ حُمَّ و لا يَمُرُّ بها طائر إِلاَّ حمَّ وسقط، والله أعلم. (4/326)
صفحة 1320
قوله: «بايع أعرابيٌّ»: الحديث قد تقدَّم في باب البيعة من كتاب الجهاد وَتَقَدَّمَ شرحه هنالك، والغرض من ذكره هنا بيان وباء المدينة وأنَّ وباءها فضل لأهلها، ونصُّ الحديث: «بايع أعرابيٌّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب الأعرابيَّ وعكٌ بالمدينة، فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي، فأبى له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ جاءه ثانية وثالثةً فأبى له، فخرج الأعرابيُّ فقال: إِنَّمَا المدينة كالكير تنفي خبثها وتمسك طيبها.
<3/402> ما جاء في الرقية عن الوعك
قوله: «رقاه جبريل وَهُوَ يوعك»: الحديث قد تقدَّم في كتاب الأذكار في باب الدعاء، ونصُّه: «الربيع عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ جبريل عليه السلام رقاه وَهُوَ يوعك فقال: بسمِ اللهِ أرقيك من كُلِّ داء يؤذيك، ومن كُلِّ حاسد إذا حسد، ومن كُلِّ عين واسم الله يشفيك»، وَتَقَدَّمَ شرحه هناك.
قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره.
قوله: «إذا اشتكى»: أي مرض، والشكاية: المرض.
قوله: «بالمعوِّذتين»: بضمِّ الميم وكسر الواو: وهما الفلق والناس، وفي نسخة وهي رواية عند قومنا «بالمعوِّذَات»: بصيغة الجمع، وفسَّروها بالإخلاص والفلق والناس، وأطلق على الإخلاص معوِّذة تغليبًا ولما اشتملت عليه من صفة الله تعالى.
قوله: «وينفُث»: بكسر الفاء وضمِّها بعدها مثلَّثة، أي يُخرِجُ الريحَ من فمه في يده مع شيء من ريقه. (4/327)
صفحة 1321
وقال الربيع: من غير بصاق، وَهُوَ معنى قول بعضهم: نفخٌ يشبه البصاق بلا ريق. وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجمع يديه ويقرأ فيهما وينفث ثمَّ يمسح بهما على موضع الألم، قال معمر: قلتُ للزهريِّ: كيف ينفث؟ قال: ينفث على يده ثمَّ يمسح بها وجهه، <3/404> رواه البخاري. قال عياض: وفائدة النفث التبرُّك بتلك الرطوبة والهواء الذي مَسَّه الذِّكر كما يتبرَّك بغُسالة ما يكتب من الذكر، وفيه تفاؤلٌ بزوال الألم ونقصانه كانفصال ذلك النفث. وخصَّ المعوِّذات لما فيها من الاستعاذة من كلّ مكروه جملةً وتفصيلاً.
قوله: «فلمَّا اشتَدَّ عليه الوجع»: وَهُوَ مرضه الذي مات فيه.
قوله: «وأَمسَحُ بيده»: أي تمسح على جسده بيده الشريفة رجاءَ بركتها. وفي رواية مالك: وأمسح عليه بيمينه، وفيها بيان اليد أنَّها اليمين.
وفي الحديث إثبات الرقي والردُّ على منكره من أهل الإسلام، وفيه الرقيّ بالقرآن، وفي معناه صار الذكر وإباحة النفث فيه والمسح باليد عند الرقية، وفي معناه: مسحها على كُلِّ ما يرجى بركته وشفاؤه وخيره كالمسح على رأس اليتيم والتبرُّك بآثار الصَّالحين قياسًا على فعل عائشة، والتبرُّك باليمين دون الشمال وتفضيلها عليها.
قوله: «بلغني عن رجل من الصحابة»: الحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم والترمذي وقال: هذا حديث صحيح. والرجل هو عثمان بن أبي العاصي الثقفي، استعمله النبيء صلى الله عليه وسلم على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة.
قوله: «فاشتكى إليه»: من شدَّة الوجع، وفي رواية مالك قال عثمان: وبي وجع قد كاد يهلكني، ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن عثمان أنَّه شكى إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم.
<3/405> قوله: «اِمْسَحْ بيمينك»: أي على موضع الألم. (4/328)
صفحة 1322
قوله: «سبع مَرَّات»: إِنَّمَا أمره بذلك لأنَّ تكراره يكون أنجح وأبلغ كتكرار الدواء الطبيعي لاستقصاء إخراج الْمَادَّة، وفي السبع خاصِّية لا توجد في غيرها، وقد خصَّ صلى الله عليه وسلم السبع في غير موضع، والتأثير مشروط بقوَّة اليقين وصدق النية. وللطبراني والحاكم أنَّه يقول ذلك في كلِّ مسحة من السبع.
قوله: «أعوذ»: أي أعتصم وألتجئ.
قوله: «بعزَّة الله وقدرته»: أي بالعزيز القادر.
قوله: «من شرِّ ما أجد»: أي من شرِّ ما أحس بِهِ من الوجع، زاد في رواية مسلم: «وأحاذر».
قوله: «فلم أزل آمر بها»: أي هذه الاستعاذة. وذلك لأنَّها من الأدوية الإلهيَّة والطبِّ النبوي، لِمَا فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بقدرته وعزَّته، وفي أحاديث الباب دَلِيل على جواز الاسترقاء بالقرآن والذكر. قال ابن التين: الرقى بالمعوِّذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطبُّ الروحانيُّ إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله، فلمَّا عزَّ هذا النوع فزع الناس إِلىَ الطبِّ الجسمانيِّ، وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزّم وغيره، فمن يدَّعي تسخير الجنِّ له فأتى بأمور مشبِّهة مركبة من حقّ وباطل، ويجمع إِلىَ ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بمردتهم، ويقال: إن الحيَّة لعداوتها للإنسان تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحيَّة بأسماء الشياطين أجابت وخرجت، فلذلك كره من الرّقي ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصَّة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من شوب الشرك وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله وعلماء الأمَّة.
قال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام:
<3/406> أحدها : ما كان يرقى بِهِ في الجاهليَّة مِمَّا لايعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلاَّ يكون فيه شرك، أو يؤدِّي إِلىَ الشرك.
الثاني : ما كان بكلام الله وبأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحبُّ. (4/329)
صفحة 1323
الثالث: ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظَّم من المخلوقات كالعرش، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمَّن الالتجاء إِلىَ الله والتبرُّك بأسمائه ليكون تركه أولى، لا أن يتضمَّن تعظيم المرقيّ بِهِ فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله، والله أعلم.
ما جاء في أجر المريض
قوله: «من طريق عائشة»: أي بالسند المتقدِّم. والحديث رواه مالك <3/407> في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي.
قوله: «مُصيبة»: بضمِّ الميم: فاعل مِنْ أصابه إذا لم يخطئه الرمي بالسهم، ثمَّ استعملت في كُلِّ نازلة، وقال الراغب: أصاب يستعمل في الخير والشرِّ. قال تعالى: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ...} الآية [التوبة: 50]، وقيل: الإصابة بالخير مأخوذة من الصواب، أو المطر الذي لا ينزل إِلاَّ بقدر الحاجة من غير ضرر، وفي الشرِّ مأخوذة من إصابة السهم، وقيل: المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقًا، وفي العرف ما نزل بِهِ من مكروه خاصَّة، وَهُوَ المراد هاهنا.
قوله: «إِلاَّ كفَّر الله بها خطاياه»: أي تكون تلك المصيبة سببًا لمحو الخطايا لكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية، ولكونه سببًا لمغفرة ذنبه.
قوله: «حتَّى الشوكة»: زاد في رواية عند قومنا: «يُشاكُها»، والشوكة المَرَّة من مصدر شاكه، بدليل جعلها غاية للمعاني، ولقوله في الرواية الأخرى: «يشاكها»، ولو أراد الواحدة من النبات لقال: «يشاك بها» وجوَّزوا في الشوكة الحركات الثلاث، فالجرُّ بمعنى الغاية: أي ينتهي إِلىَ الشوكة، والنصب بتقدير عامل أي حتَّى وجْدَانِهِ الشوكةَ، والرفع عطفًا على مصيبة، والله أعلم.
<3/408> قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري في الطبِّ.
قوله: «خيرًا»: أي عظيمًا، فالتنكير للتعظيم، أو جميع الخيرات، فالتنكير للتعميم. (4/330)
صفحة 1324
قوله: «يُصِبْ منه»: بضمِّ التحتية وكسر الصاد عند أكثر المحدِّثين، وَهُوَ الأشهر في الرواية، والفاعل ضمير لله، وقرأه بعضهم بفتح الصاد، قال الطيبي: وَهُوَ الأليق بالآداب لقوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80].
قلت: الأليق كما نطق بِهِ المصطفى، وللخطاب مقامات، والأحوال تختلف. وَمَعنَى الحديث أنَّ وقوع المصائب على المؤمن من علامات إرادة الخير له، فمن أراد الله بِهِ خيرًا ينل منه بالمصائب ليثيبه عليها، وذلك لأنَّ الابتلاء طبٌّ إلهيٌّ يداوى بِهِ الإنسان من أمراض الذنوب المهلكة، والله أعلم.
<3/409> الرقية من لدغة العقرب
قوله: «إنَّ رجلا من أسلم»: لم يذكر اسمه، والحديث رواه مسلم وأبو داود، ولابن ماجه معناه.
قوله: «أَمَا»: بفتح الهمزة وتخفيف الميم: استفتاحية كـ«أَلاَ».
قوله: «أمسيت»: أي دخلت في المساء.
قوله: «أعوذ»: أي أعتصم وألتجئ.
قوله: «وكلمات الله»: القرآن.
قوله: «التامَّات العامَّات»: وصف للكلمات.
ولم يذكر في رواية قومنا «العامَّات»: فهي زيادة عند المصنِّف. وَمَعنَى وصفها بالتمام أي لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام الناس، وقد سمَّاها تامَّة لأنَّه لا يجوز أن يكون في كلامه تعالى عيبٌ أو نقصٌ كما يكون في كلام الآدميِّين.
وَمَعنَى وصفها بالعامَّات: أنَّها النافعات الكافيات الشافيات من كُلِّ ما يُتعوَّذ منه، فهي تامَّةٌ في نفسها عامَّة في نفعها.
<3/410> قوله: «من شرِّ ما خلق»: أي من شرِّ خلقه، وشرُّهم ما يفعله المكلَّفون من المعاصي والآثام ومُضارَّة بعضهم من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلَّفين من الأكل والنهش واللدغ والعضِّ كالسباع والحشرات. (4/331)
صفحة 1325
قوله: «لم يضرَّك شيء إن شاء الله»: وذلك لبركة هذه الاستعاذة وعميم نفعها. قال العلقمي: هذا قول الصادق الذي علمنا صدقه دَلِيلاً وتجربة، فإنِّي منذ سمعت هذا الخبر عملتُ بِهِ فلم يضرَّني شيء إِلىَ أن تركته فلدغتني عقربٌ بالمهدية ليلاً، فتفكَّرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوَّذ بتلك الكلمات.
وتمسَّك القائلون بقدم القرآن بمعاني هذا الحديث قالوا: لو كان القرآن مُحْدَثًا ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوُّذ بِهِ مع نهيه عن التعوُّذ بالمخلوقين، والله تعالى يقول: {وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الاِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6].
والجواب: هذا من خصوصيَّات القرآن وأنَّه ليس كغيره من المخلوقات، وناهيك أنَّ الكعبة مخلوقة بإجماع الأمَّة، ومع ذلك فقد أمر الله تعالى بتعظيمها والطواف بها، وافترض ذلك على عباده مع تحريمه تعظيم الأحجار، والطوافُ بها على جهة التعبُّد شرك إجماعًا، وفي الكعبة إجماعًا، فظهر الفرق، وعلمنا أنَّ الخصوصيات من مواهب الله يهبها لمن يشاء من خلقه، وأنَّ الحكم لله على عباده بما شاء وكيف يشاء، لا معقِّب لحكمه، والله أعلم.
<3/411> ما جاء في عيادة المريض
قوله: «رغب»: أي حثَّ الناس على ذلك حين ذكر لهم الثواب المُتَرَتِّب عليه في قوله: «لو علمتم ما فيهما من الأجر ما تخلفتم عنهما...» الخ، والترغيب يكون في فعل الواجب والمندوب فلا يدلُّ كلامه على عدم الوجوب.
<3/412> قوله: «في زيارة القرابة»: أي في الوصول إليهم بالأقدام، والقرابة اسم لمن قرب إليك من الأرحام، وقد أجمع الناس على وجوب حقِّ القرابة، وإن اختلفوا في كَيفِيَّة ذلك، وإن منعه الخوف عن زيارتهم فليواصلْهم ولو بالسلام في الكتاب ولا يقطعهم وإن قطعوه. (4/332)
صفحة 1326
قوله: «وعيادة المرضى»: هي زيارتهم والنظر في أحوالهم، وَكَأَنَّهَا سمِّيت بذلك لأنَّ زائرهم يتردَّد إليهم مرَّة بعد أخرى. وإطلاق الحديث أنَّ العيادة تقيَّد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها طرفي النهار مرادًا بها تخفيف الجلسة، وقِلَّة السؤال، وإظهار الرقَّة، والدعاء له بالعافية، وغض البصر عن عورات الموضع، وتمامها أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف حاله.
قوله: «لو علمتم ما فيهما»: أي زيارة القرابة وعيادة المرضى، وذكر هذا الإجمال لتشويق النفوس إِلىَ التفصيل الآتي في قوله: «والله يكتب بِكُلِّ خطوة من ذلك عشر حسنات».
قوله: «يكتب»: أي يثبت ذلك في كتاب الحسنات أو في صحف الملائكة. والخَطوة: بفتح المعجمة: الواحدة من الخطوات وهي نقل القدم في المشي، والخُطوة: بالضمِّ: ما بين الرجلين، وجمعه خُطى وخُطوات مثل غرفة وغُرُفات، وإنَّما كتب له عن كُلِّ خطوة عشرُ حسنات لأنَّ لِكُلِّ خطوة حسنة، والله تعالى يقول: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، {وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمنْ يَّشَآءُ} [البقرة: 260]، {وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَّشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212].
والحديث يدلُّ على مشروعيَّة زيارة القرابة وعيادة المرضى، بل يدلُّ على أنَّ في ذلك فضلاً عظيمًا. واستثنى بعضهم الأَرْمَد وصاحب الضرس والدماميل، وذكر في ذلك حديثًا مرفوعًا أنَّ الثلاثة لا يُعادون، والله أعلم.
<3/413> كتابُ الأَيْمانِ وَالنُّذُورِ
ما جاء في النهي عن الحلف بغير الله
«الأَيْمان»: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه، وقيل: لأنَّ اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء فسمِّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وعرِّفت شرعًا بِأَنَّهَا: توكيدُ الشيء بذكر اسم الله وصفته. (4/333)
صفحة 1327
<3/14> والنذور: جمع نذر وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرِّف شرعًا بأنَّه: إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر.
قوله: «عن ابن عبَّاس»: وقوله في الحديث الثاني: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديثان في معنى واحد، وفي الحديث الثاني ذكر السبب. وروى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم سمع عمر وَهُوَ يحلف بأبيه فقال: إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، وفي لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان منكم حالفًا فلا يحلف إِلاَّ بالله، فكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: لا تحلفوا بآبائكم»، رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن قُتيلة بنت صَيفي أنَّ يهوديًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّكم تنذرون وَإِنَّكم تشركون وتقولون: «ما شاء الله وشئت»، وتقولون: «والكعبة»، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: «ورب الكعبة»، ويقول أحدهم: «ما شاء الله ثمَّ شئت»، رواه أحمد والنسائي، ولا تنافي بين هذه الأسباب لاحتمال أن يكون السبب الأصلي قول اليهودي ذلك، وأصل إنكار اليهوديِّ حلف قريش بغير الله، وأنَّ عمر لم يسمع النهي فحلف كعادتهم فأنكر عليه صلى الله عليه وسلم.
قوله: «من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليصمُت»: بضمِّ الميم، أي يسكت، والمعنى: من شاء منكم أن يحلف فليحلف بالله تعالى، ومن لم يشأ أن يحلف <3/415> بالله فليسكت ولا يحلف بغير الله. قال العلماء: والسرُّ في النهي أنَّ الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إِنَّمَا هي لله وحده، فلا يحلف إِلاَّ بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتَّفق الفقهاء.
واختلف في وجه النهي، فقيل: حرام، وقيل: مكروه، وحكى ابن عبد البرِّ الإجماع على عدم الجواز، وقيل إِن اعتقد في المحلوف ما يعتقد في الله تعالى من العظمة كان بذلك الاعتقاد كافرًا مشركًا. (4/334)
صفحة 1328
وأمَّا ما ورد في القرآن من القَسَم بغير الله تعالى ففيه جوابان:
أحدهما: أنَّ فيه حذفًا، والتقدير: وربِّ الشمس، ونحوه.
والثاني: أنَّ ذلك يختصُّ بالله، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم بِهِ، وليس لغيره، وذلك هو الوجه الذي اعتمده ابن النظر في قوله:
فبالله حقًّا يُقسم اللهُ ربُّنا ... ... وبالخَلق مِمَّا شاء من خَلْقِه قَسَمْ
كَوَالتِّينِ بلْ والليل والطورِ مثله ... ... وليس لِخلقٍ واسعًا غيره قَسَمْ
وأمَّا ما وقع مِمَّا يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لأعرابيٍّ: «أفلح وأبيه إن صدق»، فقد أجيب عنه بأجوبة:
الأوَّل: الطعن في صحَّة هذه اللفظة، كما قال ابن عبد البرِّ إِنَّهَا غير محفوظة، وزعم أنَّ أصل الرواية: «أفلح والله» فصحفها.
<3/416> والثاني: أنَّ ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم دون قصد القسم، والنهي إِنَّمَا ورد في حقِّ من قصد حقيقة الحلف.
والثالث: أنَّه كان يقع في كلامهم على وجهين: للتعظيم والتأكيد، والنهي إِنَّمَا وقع عن الأَوَّل.
والرابع: أنَّ ذلك كان جائزًا ثمَّ نُسخ، فيحمل ذلك على الحال الذي كان قبل النسخ، وعليه أكثر الشرَّاح.
وتعقِّب بأنَّ دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقُّق التاريخ، وأحاديث الباب تدلُّ على أنَّ الحلف بغير الله لا ينعقد، لأنَّ النهي يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه، وإليه ذهب الجمهور، وقال بعض الحنابلة: إنَّ الحلف بِنبيِّنا صلى الله عليه وسلم ينعقد وتجب الكفَّارة، والله أعلم.
قوله: «في رَكْبٍ»: كصحب، جمع راكب. وكان ذلك في غزاة غزاها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: «نهاكم أن تحلفوا بآبائكم»: في بعض الروايات: قال عمر: فحدَّثت قومًا حديثًا فقلت: «لا وأبي» فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنَّ أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خيرٌ من آبائكم، والتعبير بالهلاك يقتضي تحريم الفعل، والله أعلم. (4/335)
صفحة 1329
<3/417> ما جاء فيمَن حلف على شيء فرأى غيرَه خيرًا منه
قوله: «ومن طريق أبي هريرة»: يعني بالسند المتقدِّم، وصرِّح بِهِ في نسخة القطب. ورواه أحمد ومسلم والترمذي وصحَّحه، وله عند علماء الحديث طرق كثيرة.
قوله: «من حلف يمينًا»: أي على شيء لا يفعله أو لا يتركه.
قوله: «فرأى خيرًا منها»: أي وقع في رأيه أنَّ الحنث خير من مراعاة اليمين وأعظم أجرًا، ويختلف ذلك باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل واجب أو ترك حرام فيمينه طاعة والمحافظة عليها واجبة والحنث معصية، وعكسُه بالعكس. وإن حلف على فعل نفل فيمينه طاعة والحنث مكروه. وإن حلف على ترك مندوب فبعكس الذي قبله. وإن حلف على فعل مباح فإن كان يتجاذبه رجحان الفعل والترك كما لو حلف: لا يأكل طيِّبًا ولا يلبس ناعمًا، ففيه خلاف، والصواب أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، وإن كان مستويَ الطرفين <3/418> فالأصحُّ أنَّ المحافظة على اليمين أولى لقوله في حديث عبد الرحمن بن سمرة عند الشيخين وأحمد يرفعه: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرَها خيرًا منها فأت الذي هو خيرٌ».
قوله: «فليكَفِّر عن يمينه ويفعل ما حلف عليه»: هكذا ورد في هذه الرواية الصحيحة بتقديم الكفَّارة على الحنث، وقد صحَّح نحوَها غيرُ واحد من الحفَّاظ، وهي تدلُّ على جواز التكفير قبل الحنث، وَهُوَ قول الجمهور من أهل العلم وحكي عن أربعة عشر صحابيًّا.
وقال آخرون: لا تجزي الكفَّارة قبل الحنث، واحتجوا بأنَّها بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوّع، فلا يقوم التطوُّع مقام المفروض، وَهُوَ قياس مخالف لظاهر الحديث، على أنَّه إِنَّمَا يجزي تقديمها بشرط إرادة الحنث، وإلاَّ فلا تجزي كما في تقديم الزكاة. (4/336)
صفحة 1330
وقال عياض: اتَّفقوا على أنَّ الكفَّارة لا تجب إِلاَّ بالحنث، وأنَّه يجوز تأخرها بعد الحنث، واستحبَّ قوم تأخيرَها بعد الحنث، واحتجُّوا للقول الأوَّل بِأَنَّ عقد اليمين لَمَّا كان يحلُّه الاستثناء وَهُوَ كلام فلأَنْ تحله الكفَّارة وهي فعل ماليٌّ أو بدنيٌّ أوْلى، وَهُوَ قياس يُؤَكِّدُ ظاهر الحديث، والله أعلم.
ما جاء فيمن حلف على مال امرئ مسلم ليقطعه
<3/419> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث أخرج أربابُ السنن معناه من طرق مُتَعَدِّدَة، وثبت عند المصنِّف من طريقين: أحدهما في طريق ابن عبَّاس، وَهُوَ حديث الباب.
والثاني في طريق أنس بن مالك، وَهُوَ الحديث الآتي آخر الباب.
وذكر أحمد والنسائي وغيرهما عن عديِّ بن بجيرة قال: كان بين يدي امرئ القيس ورجل في حضرموت خصومة فارتفعا إِلىَ النبيء صلى الله عليه وسلم فقال للحضرميِّ: بيِّنَتُك وإلاَّ فيمينُه، قال يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حقَّ أخيه لقي الله وَهُوَ عليه غضبان» فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وَهُوَ يعلم أنَّها حقٌّ ؟ قال: الجنَّة، فقال: أشهدك أنِّي قد تركتها، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} [آل عمران: 77] إِلىَ آخر الآية.
قوله: «ليقطعه»: أي يقطع المال عن صاحبه أو يضمَّه إليه بيمينه الفاجرة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إِلىَ امرئ مسلم، ويكون المعنى ليقطع دعواه عن المال باليمين الفاجرة.
قوله: «لقي الله وَهُوَ عليه غضبان»: المراد بلقاء الله لقاء ما وعد الله بِهِ العباد وَهُوَ البعث بعد الموت، وما وراء ذلك في الأحوال. والمُراد بالغضب إيصال الشرِّ إليه. وفي الحديث القطع بتعذيب أهل الكبائر من الذنوب، والله أعلم.
-----------------------------------بداية العمل في غار أمجماج (4/337)
صفحة 1331
--------------------------------
<3/420> ما جاء أنَّ النذر بمعصية الله لا يصحُّ
قوله: «ومن طريق عائشة»: أي بالسند المتقدِّم، وذكره في نسخة القطب، والحديث رواه الجماعة إِلاَّ مسلمًا.
قوله: «أن يطيع الله»: الطّاعة أَعَمُّ من أن تكون واجبة أو غير <3/421> واجبة، فيتصوَّر النذر في الواجب بِأَن يؤقِّته، كمن ينذر أن يصلِّي الصلاة في أوَّل وقتها، فيجب عليه ذلك بقدر ما وقَّتَه، وأمَّا المستحبُّ في جميع العبادات المالية والبدنيَّة فينقلب بالنذر واجبًا، ويتقيَّد بما يتقيَّد بِهِ الناذر.
وقوله: «فليطعه»: أي فليفعل الطّاعة وفاء بنذره.
وقوله: «ومن نذر أن يعصيه فلا يعْصه»: أي في نذر أن يفعل شيئًا حرَّمه الله تعالى فلا يحلُّ له أن يفعله؛ لأَنَّ نذره لا يبيح له ما حرَّم الله، ولا نذر في معصية الله تعالى، لأنَّ المشروع من النَّذر ما كان لوجه الله تعالى دون سواه.
واختلفوا في وجوب الكفَّارة عليه، ونقل الترمذي الخلاف عن الصحابة، مع اتِّفَاقهم على تحريم النذر بالمعصية، واحتجَّ من أوجب الكفَّارة بحديث عائشة عند الخمسة: “لا نذر في معصيته وكفارته كفَّارة يمين”. ونحوه عن ابن عبَّاس عن أبي داود.
وأجيب بأنَّ في الحديثين مقالاً، وحديث الباب يدلُّ على عدم انعقاد النذر في المعصية، وعلى وجوب الوفاء بِهِ في الطاعة.
وبقي المباح فقيل: يصحُّ النذر فيه، ويجب الوفاء بالعقود، وَقِيلَ: لا ينعقد النذر في المباح، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلَّم قال: “لا نذر إِلاَّ فيما ابتُغِيَ بِهِ وجهُ الله تعالى”، رواه أحمد وأبو داود. والله أعلم.
ما جاء في قضاء النذر عن الميِّت
<3/422> قوله: «ومن طريق ابن عبَّاس»: أي بالسند المتقدِّم، وقد وقع التصريح بِهِ في نسخة القطب، ورواه أبو داود والنسائي، وأصله في الصحيحين.
قوله: «استفتى»: أي طلب بيان الحكم في ذلك. (4/338)
صفحة 1332
قوله: «إنَّ أُمِّي»: هي عمرة بنت سعد بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وقيل: عمرة بنت سعد بن قيس، وقيل: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمر بن عدي بن عمرو، توفيت سنة خمس من الهجرة.
قوله: «وعليها نذر»: اختُلف في تعيينه، فقيل: كان صومًا لِما رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس قال: "جاء رجل فقال: يا رسول الله إنَّ أُمِّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم"، الحديث.
وأجيبَ بأنَّه لم يكن فيه أنَّ الرجل سعد، وقال ابن عبد البرِّ: «كان نذرها عِتقًا»، واستدلَّ بما أخرجه من طريق القاسم بن محمَّد أنَّ سعد بن عبادة قال: "يا رسول الله، إنَّ أُمِّي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم". وقيل: كان نذرها صدقةً؛ لِما رواه في الموطأ وغيره "أنَّ سعدًا خرج مع النبيء صلى الله عليه وسلَّم الله عليه وسلم فقيل لأمِّه: أوصي. قالت: المال مال سعد، وتُوفيت قبل أن يقدِم. فقال: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدَّق عنها؟ قال: نعم". وينافيه ما سيأتي عند المصنِّف في الوصيَّة أنَّها ماتت بغتةً، <3/423> وأيضا فليس فيه ولا الذي قبله ذكرُ النذر، واستظهر عياض أنَّ نذرها كان في مال أو مُبهمًا، وظاهر حديث الباب أنَّه كان مُعيَّنًا عند سعد.
قوله: «إقضِه عنها»: أخذ بظاهره ابن حزم وأتباعه من الظاهرية، فقالوا: يلزم الوارثَ قضاءُ النذر عن موروثه.
وقال جمهور قومنا: إن كان النذر ماليًّا قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص بِهِ، إِلاَّ إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكيَّة والحنفيَّة أن يوصي بذلك مطلقًا، وعند أصحابنا أنَّ كلَّ واجب لم يتعيَّن على صاحبه لا يجب على الورثة إِلاَّ بالوصية.
واختلفوا إذا أوصى به، هل يخرج في جملة المال أو في الثلث؟ وهذا في غير حقوق العباد، فأمَّا هي فالثابت منها يقضى من رأس المال قولاً واحدًا. (4/339)
صفحة 1333
وفي الحديث استفتاء الأعلم، وبرُّ الوالدين بعد الموت، والتوصُّل إِلىَ براءة ما في ذمَّتهما. والله أعلم.
ما جاء في التشديد في اليمين الفاجرة
<3/424> قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، من حديث أبي أُمامة الحارثي الأنصاري.
قوله: «من اقتطعَ»: افتعل من القطع.
قوله: «حقَّ مسلم» أي مُوَحِّد، وذكره للغالب، وإلاَّ فمثله الذميُّ والمعاهِد.
وقوله: «بيمينه»: أي بحلفه الكاذب.
قوله: «حرَّم الله عليه الجنَّة»: أي منعه من دخولها إن لم يتبْ.
قوله: «وأوجب له النَّار»: أي حكم له باستحقاق النَّار ودخولها إن لم يتبْ، ففيه حجَّة على القطع بتعذيب أهل الكبائر، وأنَّ الجنَّة عليهم حرام إن لم يتوبوا، وتوبة الظالم أن يؤدِّي المظلمة إلى صاحبها إن كان حيًّا، وإلى وَرَثته إن كان ميتًا، فإن تعذَّرت معرفةُ أربابه أنفذه في الفقراء وندم واستغفر، وَهُوَ قول الموسِّعين من أصحابنا، وعليه جمهور المشارقة، وبه قال عمروس بن فتح من المغاربة رحمه الله تعالى، وكان عالمًا فاضلاً مجاهدًا، وقُتل شهيدًا. أخذ العلم عن مشايخ أهل الدعوة، وعن محمَّد بن محبوب حين لقيه بالحجاز في خروجهما إِلىَ الحجِّ.
<3/425> ومنهم من يشدِّدُ في المظلمة إذا جُهل ربُّها، ويقولون: قفلٌ ضاع مفتاحُه، كما قال ابن عبَّاس فيمن قتل مؤمنًا عمدًا، قال عمروس وَهُوَ من شأن المسلمين أن لا يؤيِّسوا أحدًا من رحمة الله تعالى.
قوله: «رجل»: لم أقف على اسمه، وفي رواية مالك: "قالوا" بصيغة الجمع.
قوله: «قضيبًا»: فعيل بمعنى مفعول، أي غصنًا مقضوبًا أي مقطوعًا. (4/340)
صفحة 1334
وقوله: «من أراك»: (بفتح الهمزة)، شجر يُستاك بقضبانه، الواحدة أراكة، ويقال: هي شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان، ولها ثمر في عناقيد يسمَّى البرير (بموحدة) وِزان أمير، يملأ العنقود الكفَّ. وفي رواية مالك تكرار قوله: «وإن كان قضيبًا من أراك» ثلاث مرَّات، وَهُوَ مبالغة في القِلَّة، وأنَّ استحقاق النَّار والعياذ بالله يكون بمجرَّد اليمين في اقتطاع الحقِّ، وإن كان شيئًا يسيرًا لا قيمة له. والله أعلم.
في الدِّياتِ والعَقْلِ
<3/426> قوله: «في الديات والعقل»: وهما بمعنى واحد، وَهُوَ المال الذي وجب بدل النفس، سمِّي دية تسمية بالمصدر، والجمع ديات كهبة وهبات، قال الأصمعي: وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر، لأنَّ الإبل كانت تُعقل بفِناء وليِّ القتيل، ثمَّ كثر الاستعمال حتَّى أطلق العقل على الدية إبلاً كانت أو نقدًا، وعقلت عنه غرمت عنه ما لزمه من دية وجناية، وهذا هو الفرق بين عقلته وعقلت عنه، ومن الفرق بينهما أيضًا عقلت له دم فلان إذا تركت القوَدَ للدية.
وعن الأصمعي: كلَّمتُ القاضي أبا يوسف بحضرة الرشيد في ذلك فلم يفرِّق بين عقلته وعقلت عنه حتَّى فهمته. ودافع الدية عاقل؛ لأنَّه يعقل الإبل بفناء ولي المقتول. والجمع عاقلة، وجمع العاقلة عواقل. والله أعلم.
ما جاء في قدر الدية الكاملة
قوله: «الدية مائة من الإبل»: الاقتصار على هذا النوع من أنواع الدية يدلُّ على أنَّه الأصل في الوجوب، كما ذهب إليه بعض العلماء، قالوا: وبقية الأصناف كانت مصالحةً لا تقديرًا شرعيًا، وقال قوم: بل هي من الإبل للنَّص <3/427> ومن النقدين تقويمًا إذ هما قيمُ المتلفات وما سواهما صلح، وقال آخرون: إنَّ الدية من الإبل مائة، ومن البقر مائتان، ومن الغنم ألفان، ومن الذهب ألف مثقال. (4/341)
صفحة 1335
واختلفوا في الفضَّة، فقيل: عشرة آلاف درهم، وقيل: اثنا عشر ألف درهم، وهي من الحلل مائتا حُلَّة، والحلَّة إزارٌ ورداءٌ وقميصٌ وسراويل. وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك حتَّى استُخلف عمر، فقام خطيبًا فقال: ألا إنَّ الإبل قد غَلَت، قال ففرضها عمرُ على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة بألفي شاة، وعلى أهل الحلل بمائتي حُلَّة يمانية إزارٌ ورداءٌ، وعلى أهل الذهب بألف دينار، وعلى أهل الوَرِق عشرة آلاف درهم، وقيل اثنا عشر ألفًا، ولا يشكُل عليك الاختلاف في تقدير ذلك من الذهب والفضَّة، فإنَّ قدَر الدرهم والدينار كان مختلفًا، فرُبَّ دينارٍ يكون عن درهم وخمس دينار، ورُبَّ درهم يكون عن درهم ودانق، فعشرة آلاف درهم في الجنس الأعلى تقوم مقام اثني عشر ألفًا من الجنس الذي دونه، وكذا القول في الدنانير. والله أعلم.
ما جاء في دية المرأة
<3/428> قوله: «ومن طريقه أيضًا»: أي من طريق ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم، وصرّح بِهِ في نسخة. (4/342)
صفحة 1336
قوله: «دية المرأة نصف دية الرجل»: ونحوه عن معاذ بن جبل عند قومنا يرفعه، وبه أخذ أصحابنا، فجعلوا دية المرأة نصف دية الرجل في النفس وما دونها، وَهُوَ قول عمر وعلي وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة واللَّيث والثوري والشافعيَّة والحنفيَّة، وقيل: دية المرأة مثل دية الرجل حتَّى يبلغ الثلث من ديته ثمَّ ترجع إِلىَ النصف، وَهُوَ قول أهل المدينة، وبه قال مالك وأصحابه، وقيل: أرشُها يساوي أرش الرجل حتَّى يبلغ أرشها خَمسًا من الإبل ثمَّ ينصَّف، وقيل: أرش جُرحها مثل أرش جراحة الرجل إِلاَّ الموضحة فإنَّها على النصف، وقيل: يستويان فيما دون خمس عشرة من الإبل، وقيل: يستويان إِلىَ النصف ثمَّ ينصَّف، وقيل ديتها مثل دية الرجل، وهذه كلُّها أقوال الغير، ولا دَلِيل عليها، فالحقُّ الأخذ بظاهر الحديث. والله أعلم.
<3/429> ما جاء في تخفيف دية الخطإ وتغليظ دية العمد
قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس، وَهُوَ بالسند المتقدِّم، وصرَّح بِهِ في نسخة القطب.
قوله: «دية الخطإ»: أي الدية التي يسببها الخطأ، كالذي يقصد قتل كافر فيقع في مسلم، وكالذي يقصد طيرًا فيصيب إنسانًا أو نحو ذلك، فإن هذا الخطأ يوجب الدية على عاقلة الجاني والكفارة، والكفارة على الجاني تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وليس عليه من الدية إِلاَّ جمعها، وقيل: يكون كرجل من العاقلة ويلزمه مثل ما يلزم واحدًا منهم، والأوَّل أكثر. (4/343)
صفحة 1337
قوله: «في ثلاثة أعوام»: أي تؤدَّى في ثلاثة أعوام في كلّ سنة ثلث الدية، وقيل: يؤدِّي النصف في عامين والثلث في عام واحد، وَهُوَ مخالف للحديث، والحكمة في تنجيمها أثلاثًا التخفيف على العاقلة، حيث كانت الجناية على الخطإ من أحدهم، فناسب التخفيف في الأداء، وكذلك نفس الدية تخفَّف دون دية العمد فتجعل خمسة أجزاء: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقَّة وعشرون جذعة، هذا قول أصحابنا، وبه قال الزهري وعكرمة والليث والثوري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار ومالك والحنفيَّة والشافعيَّة، وَهُوَ قول ابن مسعود.
<3/430> وَقِيلَ: تكون أرباعًا: رُبعًا جذاعًا، ورُبعًا حِقاقًا، وربعًا بنات لبون، وربعًا بنات مخاض، وَهُوَ قول الحسن البصري والشعبي وغيرهما. وَقِيلَ: تكون ثلاثين جَذعة وثلاثين حِقَّة وعشرين ابن لبون وعشرين بنت مخاض، ونسب القول بذلك إِلىَ عثمان بن عفَّان وزيد بن ثابت.
وبالجملة فقد اتَّفقوا أنَّها مائة من الإبل، وإنَّما اختلفوا في تفاصيل أجزائها.
قوله: «ودية العمد»: أي الدية المنسوبة إِلىَ العَمد، وهي التي يكون بسببها العمد، وذلك أن يتعمَّد قتل مسلم بغير حقٍّ، فإنَّ عليه في ذلك القَوَد، فإن رضي الوليُّ بالدية وجبت مغلَّظة في عام واحدٍ، إِلاَّ أن يرضى الوليُّ بالتنجيم أو يرضى بما دون المغلَّظة، فإنَّ ذلك العفو المذكور في قوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]. والمغلَّظة تكون أثلاثًا: ثلاثون حقَّةً وثلاثون جذعةً وأربعون خَلفة في بطون أُمَّهَاتها أولادها، وجميعها على الجاني لا يلزم العاقلة منها شيء. (4/344)
صفحة 1338
وتخيير الوليِّ بين الثلاثة الأمور: القصاص وأخذ الدية والعفو من خصوصيَّات هذه الأمَّة، لأنَّ أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتَّة، وحرم العفو وأخذ الدية، وكتب على أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية، وخيِّرت هذه الأمَّة بين الثلاثة توسعةً عليهم وتيسيرًا. والله أعلم.
<3/430> ما جاء أنَّ المسلمين تتكافأ دماؤهم
قوله: «ومن طريقه أيضًا»: يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم وذكره <3/431> في نسخة القطب، لكن سقط منها ابن عبَّاس فصار مرسلاً، والصواب اتِّصَاله كما في نسختنا.
قوله: «المسلمون»: أي الموحِّدون.
قوله: «تتكافأ دماؤهم»: أي تستوي في حكم القصاص فيُقتل دنِيُّهم بشريفهم وشريفهم بدنِيِّهم، وكذا القصاص، فيُقتل في سائر الجوارح، إِلاَّ أنَّه لا يقتل الحرُّ بالعبد، ويقتل العبد بالحرِّ، والكافر بالمسلم، والمرأة بالرجل، وعلى أوليائها نصف الدية لأولياء المقتول، ويُقتل الرجل بالمرأة، ويؤدِّي أولياؤها لأوليائه نصف ديته قبل أن يُقتل، وَقِيلَ: بعد أن يقتل، وقيل: لا ردَّ في الموضعين، والردُّ مذهبنا؛ لأنَّ ديتها نصف ديته كما تقدَّم، وعلى قاتل العبد قيمته لسيِّده، وإن قَتَلَ العبدُ الحرَّ دُفع برُمَّته إِلىَ أولياء المقتول إِلاَّ إن شاءوا قيمته فإنَّ لهم الخيار في ذلك.
والحديث ردٌّ على العرب في تطاول بعضهم على بعض، قال سعيد بن جبير: إنَّ حيَّين من العرب اقتتلوا في الجاهليَّة قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتَّى قتل العبد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتَّى أسلموا، فكان أحد الحيَّيْن يتطاول على الآخر في العدَّة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتَّى يكون العبد منَّا بالحرِّ منهم وبالمرأة منَّا بالرجل منهم، فنزل فيهم: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فيِ الْقَتْلَى، الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىا بِالاُنثَىا} [البقرة: 178]. (4/345)
صفحة 1339
<3/433> قوله: «وأموالهم بينهم حرام»: أي أموال بعضهم حرام على بعض إِلاَّ بالتراضي، وقد تقدَّم شرح ذلك.
قوله: «وهم يدٌ على من سواهم»: أي على غيرهم.
قال الربيع في معناه: هم أقوى وأفضل من غيرهم، أي قوَّتهم مع اجتماعهم أعظم من قوَّة غيرهم، وفضلهم أعظم من فضل غيرهم، وهذا منه رضي الله عنه حملٌ للحديث على معنى الخبر، وذلك أن تقول: إنَّه صَلَّى الله عليه وسلَّم أخبر عن قوَّة المسلمين وفضلهم على سائر الأمم، ولك أن تجعله في معنى الأمر فتقول: إنَّه صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين أنْ يكونوا يدًا واحدة على من سواهم، فيستلزم النهي عن التفرُّق والتشتُّت، كما صرَّح بِهِ قوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، والظاهر أنَّ هذا الوجه أظهر.
قوله: «يسعى بذمَّتهم أدناهم»: قال الربيع: أي إذا أعطَى أدنى رجل من المسلمين العهدَ لزمهم، وَقِيلَ: معناه أنَّ أمانهم واحد، فإذا أمَّن الكافَّةَ واحدٌ منهم حرم على غيره التعرُّض له، والمعنيان متقاربان. والذمَّة: العهد؛ لأنَّه يُذَمُّ متعاطيها على إضاعتها. وَمَعنَى يسعى بها أي يتولاَّها، ويذهب بها ويجيء، والمعنى أنَّ ذمَّة المسلمين سواءٌ صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمن واحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمَّته لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحرُّ والعبدُ، لأنَّ المسلمين كنفس واحدة، وَقِيلَ: لا أمان للعبد إِلاَّ إن قاتل، وقيل: إذا أذن له سَيِّده في القتال صحَّ أمانه وإلاَّ فلا. (4/346)
صفحة 1340
وأمَّا الصبيُّ والمجنون فلا أمان لهما بلا خلاف، وقيل بالفرق بين الصبيِّ المميِّز وغيره، والمراهق وغيره، فجعلوا محلَّ الإجماع في غير المميِّز، لأنَّ مدار هذا الأمر على العقد والإسلام، وليس للكافر على المؤمنين ذمَّة. وقال الأوزاعي: إن غزا <3/434> الذمِّيُّ مع المسلمين فأمَّن أحدًا، فإن شاء الإمام أمضاه وإلاَّ فلْيردَّه إِلىَ مأمنه، وَقِيلَ: يستثنى من الرجال الأسير في أرض الحرب فإنَّه لا ينفذ أمانه؛ لأنَّه مقهور في يد العدوِّ.
وقيل: أمر الأمان مطلقًا إِلىَ الإمام، فإن أجازه جاز، وإن ردَّه رُدَّ، وتأوَّلوا ما ورد مِمَّا يخالف ذلك على قضاياها خاصَّة، وَهُوَ معنى قول جابر: إِلاَّ بِاتِّفَاقِ الإمام أو جماعة أهل الفضل في الإسلام.
قوله: «ويردُّ عليهم أقصاهم»: قال الربيع: من ردَّ العهد من المسلمين كان ردًّا، ومعناه أنَّه كما ثبت تأمين الواحد على جميع المسلمين، كذلك يثبت ردُّه للأمان على جميعهم، فيكون سِلْمُهم واحدًا وحربهم واحدًا، وقال جابر بن زيد رضي الله عنه: إِلاَّ باتِّفاق الإمام أو جماعة أهل الفضل في الإسلام، وفي نسخة القطب: وجماعة بلا ألف، والمعنى أنَّ الردَّ لا يكون على الجميع إِلاَّ أن يَتَّفِقَ الإمام وأهل الفضل من جماعة المسلمين على ردِّه، فإن اتَّفقوا ثبت ذلك على خاصَّة المسلمين وعامَّتهم وكان أمانهم واحدًا وحربهم واحدًا، وإن لم يَتَّفِقُوا فليس لِلعَامَّةِ ردُّ أمانهم وذمَّتهم، وهذا وجه قويٌّ؛ لأنَّ أمر الردِّ شديد والإمام وجماعة المسلمين أدرى بقوَّة المسلمين وضعفهم، فهم ينظرون لهم المصالح ويطلبون لهم الخير، وأمان العامَّة ثابت إن لم يتقدَّم عليهم الإمام بالمنع، فإن تقدَّم عليهم كان الواجب امتثال أمره، وليس لأحدٍ خلافه، فمن أمَّن بعد الحجر فلا أمان له. (4/347)
صفحة 1341
قوله: «ولا يُقتل ذو عهد في عهده»: المراد بذي العهد من أعطاه المسلمون عهدًا وذمَّةً، فإنَّه لا يُقتل في ذلك الحال حتَّى تنقضي مدَّة عهده أو ينقض ذلك بنفسه، فمن قتله في عهده لا يُرَحْ رائحة الجنَّة. والتقييد بقوله: «في <3/435> عهده» يخرج من كان له عهد فانقضى وقته أو نكثه بنفسه فإنَّه يقتل في غير عهده.
قوله: «ولا يُقتل مسلمٌ بكافر»: أي إذا قتل المسلم الكافرَ فلا يقتل بِهِ، وإن كان ذمِّيًا، لكن عليه ديته، وللإمام في عقوبته النظر.
واستثنى مالك الذي قال فإنَّه يقتل بِهِ، وقالت الحنفيَّة: يقتل المسلم بالذمِّيِّ إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن، وعن الشعبي والنخعي: يقتل باليهوديِّ دون المجوسيِّ، والصحيح المنع مطلقًا، وَهُوَ ظاهر الحديث وعليه الأصحاب، لأنَّ العبرة بعموم اللفظ حتَّى يقوم دَلِيل على التخصيص، ولأنَّ الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إِنَّمَا هو لشرف الإسلام أو نقص الكفر أو لهما جميعًا، فإنَّ الإسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوانة.
قوله: «ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر»: يأتي شرحه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
<3/436> ما جاء في دية الجنين
قوله: «سمعت عن أبي هريرة»: الحديث منقطع عند المصنِّف؛ لأنَّ أبا عبيدة وإن أدرك أبا هريرة لكن قوله: «سمعت عنه» يدلُّ على أنَّه لم يسمعه منه، وَهُوَ مع انقطاعه صحيحٌ بلا خلاف، وقد رواه مالك في الموطَّأ عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، ورواه البخاري ومسلم في طريق مالك وغيره، ومعناه ثابت عند أرباب السنن.
قوله: «امرأتين»: هما زوجتا حمل بن مالك بن النابغة وكانتا ضرَّتين، <3/437> اسم الرامية: أمُّ عفيف بنت مشروح، واسم المرميَّة مُلَيكة. (4/348)
صفحة 1342
قوله: «من هذيل»: (بضمِّ الهاء، وفتح الذال المعجمة) نسبةً إِلىَ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ولا يخالفه رواية الليث عن ابن شهاب: “امرأتين من بني لحيان”؛ لأنَّه بطن من هذيل.
قوله: «رمت إحداهما الأخرى»: قيل: بحجر فأصاب بطنها، وَقِيلَ: بعمود فسطاط، وَقِيلَ: بمسطح، وَهُوَ خشبة أو عود يرقَّق به الخبز.
قوله: «جَنينًا»: (بفتح الجيم بعده نونان بينهما ياء ساكنة تحتيَّة) بوزن عظيم، وَهُوَ حمل المرأة ما دام في بطنها، سمِّي بذلك لاستتاره، فإن خرج حَيًّا فهو ولد، أو مَيِّتًا فهو سقط، وقد يطلق عليه الجنين. وَقِيلَ: الجنين ما ألقته المرأة مِمَّا يعرف أنَّه ولد، سواء كان ذكراً أم أنثى ما لم يستهلَّ صارخًا.
قوله: «فقضى فيه»: أي بعد أن اختصموا فيه. زاد في حديث المغيرة عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي: “فقضى فيها على عصبة القاتل بالدية في الجنين غُرَّة فقال عصبتها: أَنْدِي ما لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صَاحَ ولا استهلَّ، مثل ذلك يُطَلُّ، فقال: سَجْعٌ مثل سَجْعِ الأعراب!.
قوله: «بِغُرَّة»: بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الراء وأصلها البياض في <3/437> وجه الفرس، قال الجوهري كأنَّه عبَّر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا اعتق رقبة.
قوله: «عبدٌ أو أمَة»: تفسير للغرة فاختلف الرواة في تنوين الغرة فقرأه العامَّة بالإضافة وغيرُهم بالتنوين. وحكى القاضي عياض الاختلاف وقال: التنوين أَوْجَهُ؛ لأنَّه بيان للغرة ماهي، وتوجيه الإضافة أنَّ الشيء قد يضاف إِلىَ نفسه لكنَّه نادر. (4/349)
صفحة 1343
وأوْ في قوله: «أو أمَة» للتنويع وَهُوَ الظاهر، وَقِيلَ: المرفوع من الحديث قوله: “بِغرَّة”، وأمَّا قوله: «عبد أو أمَة» فشكٌّ من الراوي في المراد بهما، وَهُوَ ضعيف، إذ لا أصل له إِلاَّ محض الوهم، والمُراد من الغرَّة العبد والأمَة، وإن كانا أسودين، وإن كان الأصل في الغرَّة البياض في الوجه لكن توسَّعوا في إطلاقها على الجسد كُلِّه، كما قالوا: “أعتق رقبة”. وقال بعض قومنا: المراد الأبيض لا الأسود، إذ لولا أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد بالغرَّة معنى زائدًا على شخص العبد والأمة لما ذكرها.
وتُعُقِّب بأنَّه خلاف ما اتَّفق عليه الفقهاء في إجزاء الغُرَّة السوداء قال، أهل اللغة: الغرَّة عند العرب أنفسُ الشيء، وأطلقت هنا على الإنسان؛ لأنَّ الله تعالى خلقَه في أحسن تقويم، فَهو أنفس المخلوقات. والله أعلم.
<3/439> في المواريث
جمع ميراث بمعنى الإرث، وَهُوَ لغةً: الأصل والبقية، ومنه الحديث: “اثبتوا على مشاعركم، فإنَّكم على إرث أبيكم إبراهيم”، أي أصله وبقيَّة من دينه. وكذلك قوله عليه السلام في الدعاء: “واجعله الوارثَ منَّا”: أي الباقي معنا إِلىَ الممات، وَهُوَ في الشرع حقٌّ قابلٌ للتجزيء، يثبت للمستحقِّ بعد موت من له ذلك لقرابةٍ بينهما أو سبب، وله أسباب وموانع، وبعض الوارثين أقرب من بعض، وقد تكفَّل القرآن العظيم بقسمة ذلك في أهل السهام، وبيَّن صلى الله عليه وسلم ميراث من سواهم، وغالب أحاديث الباب في ذكر موانع الإرث كالقتل والشرك وأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يرثه أقاربه؛ فهي في حكم المخصَّص.
ما جاء في التوريث بالولاء
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر، وزادوا فيه: “لا يباع ولا يوهب”، وستأتي هذه الزيادة عند المصنِّف من حديث عائشة آخرَ باب العتق.
<3/440> قوله: «الولاء»: بفتح الواو: وَهُوَ الاتِّصال الكائن بين الْمُعتِق والمعتَق. (4/350)
صفحة 1344
قوله: «لحمة كلحمة النسب»: وفي رواية قومنا: “كلحمة الثوب”، ولحمة الثوب: ما ينسج عُرضًا، واللحمة في النسب: القرابة، واختلف في ضمِّ اللحمة وفتحها، فقيل: هي في النسب بالضمِّ، وفي الثوب بالضمِّ والفتح معًا، وَقِيلَ: في الثوب بالفتح وحده، وَقِيلَ: النَّسب والثوب بالفتح، فأمَّا بالضمِّ فَهو ما يصاد بِهِ الصيد، وَقِيلَ: بالضمِّ في لحمة النسب أكثر، ويفتح، والفتح في لحمة الثوب أكثر ويضمُّ. (4/351)
صفحة 1345
وَمَعنَى الحديث أنَّ المخالطة في الولاء تجري مجرى النسب كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتَّى يصيرا كالشيء الواحد لما بينهما من المداخلة الشديدة، واستدلَّ المرتِّبُ كغيره بالحديث على ثبوت الميراث بالولاء كما يثبت بالنسب. وروى الدار قطني عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس “أنَّ مولىً لحمزة تُوُفِّيَ وترك ابنته وابنة حمزة، فأعطى النبيء صلى الله عليه وسلم ابنته النصف وابنة حمزة النصف”. فإن صحَّ هذا عن جابر كان تفسيرًا لحديث الباب، فإنَّه جعل ابنة مولاه بمنزلة أخته فردَّ عليها ما بقي من سهم ابنته، فكأنَّ حمزة كان أبًا للكلِّ، أمَّا ابنته فبالنسب، وأمَّا ابنة معتقه فبالولاء، لكن لم يثبت ذلك عند أصحابنا، فمن ثمَّ عدل جمهورهم عن هذا الحكم وجعلوا الميراث لذوي السهام، فما فضل فلأوَّل عصبة للميِّت، فإن عدمت العصبة كان ردًّا على ذوي السهام، فإن لم يكن له ذو سهام ولا عصبة جعلوه في أرحامه، فإن لم يكن له رحم من قرابته جعلوه في أهل جنسه لحديث عائشة عند الخمسة إِلاَّ النسائي: “إنَّ مولىً للنبيء صلى الله عليه وسلم خرَّ من عذق نخلة فمات، فأتى بِهِ النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: هل من نسيب أو رحم؟ قالوا: لا، قال: اعطوا ميراثه بعضَ أهل قريته”. وروى أحمد وأبو داود عن بُريدة قال: تُوُفِّيَ رجلٌ من الأزد فلم يَدَعْ وارثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ادفعوه إِلىَ أكبر خزاعة”. وقد ضعَّف القولَ بتوريث الجنس الإمامُ أبو إسحاق رضوان الله عليه واتَّبَعَه بعض من جاء بعده. (4/352)
صفحة 1346
وذهب القليل من أصحابنا ومنهم أبو نوح صالح الدهان إِلىَ ثبوت الميراث بالولاء كما ثبت بِهِ العقد، وعليه جمهور قومنا، وَهُوَ الذي يقتضيه صنيع المرتِّب، ثمَّ اختلف هؤلاء في كَيفِيَّة التوريث، فحكى الشيخ إسماعيل عن مشايخ الجبل، (يعني جبل نفوسة) أنَّ المولى يورث ماله بالسبق، يعني من سبق إليه من الموالي فهو أحقُّ بِهِ، وروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عبَّاس أنَّ مولى العتاق لا يرثُ إِلاَّ بعد ذوي أرحام الميِّت، وذهب غيرهم إِلىَ أنّه يقدَّم على ذوي أرحام الميِّت ويأخذ الباقي بعد ذوي السهام، ويسقط مع العصبات، وَقِيلَ: ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ترث النساء من الولاء إِلاَّ ولاءَ من أَعْتَقْنَ، وَهُوَ المرويُّ عن عليٍّ وعمر وزيد بن ثابت، وقيل: يرثن أيضًا من أعتقه من أعتقنه، والمسألة مسألة خلاف، وللاجتهاد فيها مجال واسع. والكلام في بسطها يطول، والمقام يضيق عن ذلك والعلم عند الله تعالى.
<3/442> ما جاء أن لا وصيَّة لوارث وأنَّ القاتل لا يرث المقتولَ عمدًا كان القتل أو خطأ
قوله: «لا وَصِيَّة لوارث»: يأتي شرحه في أوَّل باب الوصيَّة، وإنَّما ذكره هنا إشارةً إِلىَ أنَّ الوارث لا يجمع بين الإرث والوصيَّة، لأنَّ الميراث يمنعها.
قوله: «ومن طريقه»: أي ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم.
قوله: «لا يرث القاتل المقتول عمدًا كان القتل أو خطأً»: نصٌّ في <3/434> جعل القتل مانعًا للإرث، أمَّا العمد فظاهر، لأنَّ القاتل قد استعجل الميراث، فعاقبه الشارع في الدُّنيا بنقيض قصده، وأنَّ مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. (4/353)
صفحة 1347
وأمَّا الخطأ فلسدِّ الذريعة، فربَّ متعمِّدٍ في صورة مخطئٍ، وَلأَنَّ الخطأ في القتل يوجب الدية عَلَى العاقلة، وَالكَفَّارَة عَلَى القاتل، فلا يناسب أن يوجب له الإرث؛ لأنَّه سبب المغرم لا المغنم، فكلُّ قتل لا يحلُّ له يوجب الدية أو القود ويمنع الميراث والوصيَّة، سواء قتله وليُّه بنفسه أو اشترك فيه مع غيره، أو كان بأمره لمن يوجب عليه الديةَ والقَوَدَ، كأولاده وعبيده وجميع من كان تحت أمره أو ضيَّع تنجيته فوجبت عليه الدية بِأَن أشرف على الهلاك وكان مِمَّن تجب عليه تنجيتُه.
وأمَّا القتل الحلال كقتل قاتل وليِّه أو بُغِيَ عليه، أو من طعن في دين المسلمين، أو المرتدِّ أو نحو ذلك، فإنَّه لا يمنع الإرث ولا الوصيَّة؛ لأنَّه لا يوجب العقوبة ولا المغرم، وللقوم في المسألة مذاهب لا نطيل بذكرها. وأخرج البيهقي عن جابر بن زيد أنَّه قال: “أيُّما رجل قتل رجلاً أو امرأةً عمدًا أو خطأً فلا ميراث له منهما، وأيُّما امرأة قتلت رجلاً أو امرأةً عمدًا أو خطأً فلا ميراث لها منهما”، وقال: قضى بذلك عمر بن الخطاب وعليٌّ وشُريح وغيرهم من قضاة المسلمين. والله أعلم.
<3/444> ما جاء أنَّ الأنبياء لا يورثون وأنَّ ما تركوه صدقة
<3/445> قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: «حين تُوُفِّيَ»: وذلك يوم الاثنين نصف النهار لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة من الهجرة في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة، هذا يوم وفاته، وليس المراد بالحين في الحديث اليوم الذي قبض فيه صَلَّى الله عليه وسلم وإنَّما المراد زمان وفاته.
قوله: «نساؤه»: أي أزواجه اللاتي مات عنهنَّ.
قوله: «يبعثن»: أي يرسلن، وإنَّما أردن أن يبعثنه إِلىَ أبي بكر لكونه الخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده تَركتُه.
قوله: «ميراثهنَّ»: وَهُوَ الثُّمُن عملاً بعموم آية المواريث. (4/354)
صفحة 1348
قوله: «من رسول الله صلى الله عليه وسلم»: أي من تَركَتِهِ التي تركها بخيبر وفدك والنظير.
قوله: «فقلتُ لهنَّ»: بضمِّ التاء، والقائلة عائشة.
قوله: «أليس قد قال»: تقريرًا لما كانت قد علمته من اطِّلاَعهنَّ على الحكم فيفيدُ أنَّ جميعهنَّ قد علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، لكن ذهلن عنها ولم يستحضرن معناها، واستحضرت عائشة فنبَّهتْهنَّ على ذلك.
قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نُورَثُ»: (بضمِّ النون وفتح الراء <3/446> مخفَّفة)، وعند النسائي عن الزهري مرفوعًا: “إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث”. وفي رواية مالك وغيره: “فقالت لهنَّ عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نورث ما تركناه فهو صدقة”.
والحكمة في أنَّهم عليهم الصلاة والسلام لا يورثون أنَّهم لو ورَّثوا لَظُنَّ أنَّ لهم رغبةً في الدُّنيا لوارثهم فيهلك الظانُّ، أو لئلاَّ يتمنَّى ورثتهم موتهم فيهلكون، أو لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم كالأب لأمَّته فيكون ميراثه للجميع، وَهُوَ معنى الصدقة العامَّة، ثمَّ إنَّ هذا الحكم شامل لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما يقتضيه نصُّ الحديث. وقال ابن عليَّة: إن ذلك لنبيِّنا خاصَّة، وقالت الإماميَّة: جميع الأنبياء يورثون، وتعلَّقوا في ذلك بأنواع من التخليط لا شبهة فيها مع ورود هذا النصِّ، أمَّا قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] وقوله عن زكرياء: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ -الِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 6] فالمراد بذلك وراثة العلم والنبوَّة. والله أعلم. (4/355)
صفحة 1349
قوله: «كان في بريرة ثلاث سُنن»: الحديث قد تقدَّم ذكره في آخر كتاب الطلاق وأراد مِنْ ذكره هاهنا السُّنَّة الثانية، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق». وأشار بذلك إِلىَ ثبوت الميراث بالولاء، إذ لا معنى لذكره في باب الميراث إِلاَّ لذلك، وقد تقدَّم الكلام فيه في أوَّل الباب. والله أعلم.
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود.
قوله: «لا تقسم»: (بفوقيَّة أوَّله وبتحتيَّة) روايتان، وفي رواية: بتاء <3/447> بعد القاف وأخرى بحذفها، وهي برفع الميم على الخبر، ويؤيِّده ما في نسخة القطب: «ما تقسم» فإنَّها صريحة في النفي، وقيل بسكون الميم على النهي، والأوَّل أشهر.
قوله: «ورثتي»: سمَّاهم ورثة باعتبار أنَّهم كذلك بِالقُوَّةِ، لكن منعهم من الميراث الدليل الشرعيُّ وَهُوَ قوله: «لا نورَثُ، ما تركناه فهو صدقة». قيل: أو المراد: لا يُقْسَمُ مالُ تركتِهِ بجهة الإرث، فأتى بلفظ «ورثة» ليكون الحكم معلَّلاً لما بِهِ الاشتقاق وَهُوَ الإرث، فالمنهيُّ قسمه بالإرث عنه.
قوله: «دينارًا ولا درهمًا»: فيه تنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنَّ الدينار أقلُّ شيء من صرف الذهب، والدرهم أقلُّ شيء من صرف الفِضَّة.
قوله: «نفقة نسائي»: المراد بنسائه من عاش منهنَّ بعده، والمُراد بنفقتهنَّ ما يعمُّ جميع اللوازم، من طعام وكساء وغير ذلك، وإنَّما كان لهنَّ النفقة بعد موته صلى الله عليه وسلم لأنَّهنَّ محبوسات عن الزواج بسببه، أو لعظم حقوقهنَّ بفضلهنَّ، وقدم هجرتهنَّ وكونهنَّ أمَّهات المؤمنين، ولأنَّهنَّ في معنى المعتدَّات، لأنَّهنَّ لا يجوز لهنَّ أن ينكحن أبدًا، فجرت لهنَّ النفقة، وتُركت حُجرهنَّ لهنَّ يسكنَّها. (4/356)
صفحة 1350
قوله: «ومؤنة عاملي»: قيل هو الخليفة بعده، وَقِيلَ: المراد العامل على النخل، وَهُوَ القائم بصلاح النخيل التي كانت له صلى الله عليه وسلم، فإنَّها لاَ بُدَّ لها من قائم بعده بمصالحها، وَقِيلَ: العامل على الصدقة، وَقِيلَ: العامل فيها كلُّ أجير، وَقِيلَ: المراد كل عامل يعمل للمسلمين من خليفة أو غيره مِمَّن قام بأمر من أمور المسلمين، <3/448> فإنَّ الجميع عامل له صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: ما وجه تخصيص النساء بالنفقة والعامل بالمؤنة هل بينهما فرق؟ أجيب بأنَّ المؤنة في اللغة القيام بالكفاية والإنفاق بدل القوت، وهذا يقتضي أنَّ النفقة دون المؤنة. والسرُّ في التخصيص المذكور الإشارة إِلىَ أنَّ أزواجه صلى الله عليه وسلم لَمَّا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لاَ بُدَّ لهنَّ من القوت، واقتصر على ما يدلُّ عليه، والعامل لَمَّا كان في صورة الأجير فيحتاج إِلىَ ما يكفيه، عَبَّرَ بما يدلُّ عليه.
قوله: «فهو صدقة»: أي يتصدَّق بِهِ على ذوي الحاجة من المسلمين، وكانت هذه الصدقة في يد أبي بكر، ثمَّ إنَّ عمر في خلافته دفع صدقته صلى الله عليه وسلم بالمدينة إِلىَ عليٍّ وعبَّاس، وأمَّا خيبر وفدَك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي لغزوه ونوائبه وأمرهما إِلىَ من ولي الأمر فهما على ذلك، ثمَّ إنَّ عليًّا غلب عبَّاسًا على تلك الصدقة فاختصَّ بولايتها دونه، ثمَّ صارت بعده بيد الحسن بن عليِّ، ثمَّ بيد الحسين، ثمَّ بيد عليِّ بن الحسين، وحسن بن حسن كانا يتداولانها، ثمَّ بيد زيد بن الحسين، ثمَّ بيد عبد الله ثمَّ حسن، ثمَّ قبضها منهم بنو العبَّاس. والله أعلم.
<3/449> ما جاء أنَّ الكافر لا يرث المسلم ولا المسلم الكافر
قوله: «بلغني عن أسامة بن زيد»: الحديث رواه الجماعة إِلاَّ النسائي. (4/357)
صفحة 1351
قوله: «لا يرث الكافرُ المسلمَ ولا المسلمُ الكافرَ»: قال الربيع: يعني بالكافر هاهنا المشرك، وإنَّما فَسَّرَه بذلك ليخرج كافر النعمة، فإنَّ كفر النِّعمة لا يقطع الميراث، بل أحكامه في التوارث والنكاح والذباح حكم أهل الوفاء من المسلمين.
والحكمة في تحريم ذلك بين المسلمين والمشركين قطع العلائق بينهم بِالكُلِّيَّةِ، حتَّى كأنَّ الشرك صيَّرهم جنسًا غير جنس الآدميِّين، حيث صاروا من حزب إبليس وإخوان الشياطين.
قال جابر بن زيد: لَمَّا مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب ولم يرث جعفر ولا عليٌّ لأَنَّهُما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، وذكر ابن ماجه عن أسامة <3/450> بن زيد أنَّه قال: يا رسول الله أتنزل غدًا بِمَكَّةَ؟ قال: هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث جعفر ولا عليٌّ شيئًا إذ كانا مسلمين، وكان عقيل يومئذ وطالب كافرين، فكان عمر من أجل ذلك يقول: لا يرث المؤمن الكافر، والصحيح أنَّ ذلك ورد عن النبيء صلى الله عليه وسلم كما في حديث الباب، وَهُوَ يدلُّ على منع التوارث بينهما مطلقًا، وقد أخذ بعمومه جمهور قومنا، وقال أصحابنا: إن أسلم المشرك قبل أن يقسم المال فإنَّه يعطى منه نصيبه بالإرث، إِلاَّ الزوجين فإنَّه لا شيء لهما في ذلك، ولم يفرِّق أحمد بين الزوجين وغيرهما، فقال: إذا أسلم المشرك قبل القسمة ورث ترغيبًا في الإسلام؛ ونسب القول بذلك إِلىَ عمر وعثمان من الصحابة وجابر بن زيد وعكرمة والحسن. واستثناء الزوجين ظاهر؛ لأنَّ وِرْثَهُمَا بسبب الزوجيَّة، وذلك ينقطع بموت أحدهما بخلاف القرابة فإنَّها سبب أصليٌّ ليس بعارض.
وتُعقِّبَ القول بتوريثه إن أسلم قبل القسمة بأنَّ عموم الحديث يتناوله، فمن قيَّد عدم التوارث بالقسمة احتاج إِلىَ دَلِيل، ولأنَّ الميراث يستحقُّ بالموت فإذا انتقل عن مُلْك الميِّت بموته يستَحقُّه الذي انتقل إليه ولو لم يقسم. (4/358)
صفحة 1352
وأمَّا المسلم فإنَّه لا يرث وليَّهُ الكافرَ عند الجمهور لعموم الحديث، وذهب معاذ بن جبل رحمه الله ومعاوية من الصحابة وسعيد بن المسيب ومسروق والأوزاعي من التابعين إِلىَ أنَّه يرثه إن كان ذمِّيًّا، واحتجُّوا بقوله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه”، وفي بعض الروايات: “الإسلام يزيد ولا ينقص”. وشبَّهوه <3/451> أيضًا بالنكاح، حيث إِنَّ لنا أن نتزوَّج نساءهم ولا يحلُّ لهم المسلمات. وتُعقِّبَ بأنَّه قياسٌ في معارضة النصِّ، وأمَّا الحديث فليس نصًّا في المراد بل هو محمول على أنَّه يفضل غيرَه من الأديان، ولا تعلُّق له بالإرث.
واختلفوا أيضًا في مال المرتدِّ إذا قتل هل هو لبيت مال المسلمين؟ وَهُوَ قول أهل الحجاز، أو لقرابته المسلمين؟ وَهُوَ قول أهل العراق، وقوَّاه الشيخ إسماعيل بِأَنَّ لهم فيه سببين: القرابة والإسلام. والله أعلم.
بابٌ في العتْقِ
قوله: «العِتْقُ»: (بكسر العين): إزالة الملك، يقال: عتق يعتق عتقًا (بكسر أوَّله وتفتح) وعتاقًا وعتاقةً، قال الأزهري: مشتقٌّ من قولهم عتق الفرس: إذا سبق، وعتِقَ الفرخ إذا طار، لأنَّ الرقيق يتخلَّص بالعتق ويذهب حيث شاء.
ما جاء في الذي يجزي في العتق الواجب (4/359)
صفحة 1353
<3/452> قوله: «عن جابر بن زيد قال: جاء رجل»: وفي نسخة القطب: أتى رجل وَهُوَ معاوية بن الحكم، والحديث مرسل عند المصنِّف، ورواه مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمرو بن الحكم أنَّه قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسول الله إن لي جارية”، فذكر الحديث وجعل صاحب القصَّة عمرو بن الحكم، قال ابن عبد البرِّ: كذا قال مالك وَهُوَ وهْمٌ عند جميع علماء الحديث وليس في الصحابة عمرو بن الحكم، وإنَّما هو معاوية بن الحكم، كما قال كلُّ من روى هذا الحديث عن هلال أو غيره، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وحديثه هذا معروف، وأمَّا عمرو بن الحكم فتابعيٌّ أنصاريٌّ مدنيٌّ معروف، يعني فلا يصحُّ أنَّه صاحب القَضِيَّة، وقال معن بن عيسى لمالك: الناس يقولون إنَّك تخطئ في أَسامي الرجال تقول: عمرو بن الحكم وإنَّما هو معاوية، فقال مالك: هذا حفظنا.
قوله: «إنَّ جارية لي»: وفي نسخة القطب: «كانت جارية لي»، أي مملوكة له، ولم يذكر اسمها.
قوله: «ترعى غنمًا»: زاد في نسخة القطب: «غنمًا لي»: وهي صريح أنَّ الجارية والغنم كليهما له، وكان الرعي في ناحية أُحُد كما ذكره في رواية.
قوله: «فأسفتُ»: أي غضبت عليها، أو المعنى حزنت على فقدان الشاة وتلهَّفتُ لذلك، والضمير على التفسير الأوَّل يعود إِلىَ الجارية.
قوله: «وضجرتُ»: أي اغتمَمْتُ، يقال: ضجر من الشيء ضجرًا فهو ضَجِرٌ من باب تعب إذا اغتمَّ منه وقلِق مع كلام منه.
قوله: «حَتَّى لطمتُ وجهها»: أي بلغ بي الأسف إِلىَ لطم وجهها، وانقطع بعد ذلك وندم.
قوله: «وعليَّ رقبة»: أي لزمني عتق رقبة بسبب من الأسباب الموجبة لذلك، ولم أجد ذكر السبب الذي أوجب عليه ذلك.
قوله: «أفأعتقها؟»: بهمزة الاستفهام، والسؤال عن حكم عتقها هل يجزيه لأداء واجبه أم لا؟ وكأنَّه رغب في عتاقها حين صدر منه في جنابها ما لا يليق بمثله. (4/360)
صفحة 1354
<3/453> قوله: «إن هي جاءت فأتِ بها...» إلخ: فيه اختبار إيمانها، ومباشرة ذلك من النبيء صلى الله عليه وسلم تدلُّ على أنَّ مثل هذا ليس من التجسُّس.
قوله: «من ربُّك؟...» إلخ: في رواية قومنا “أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال لها: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله”. وهي رواية مشكلة متشابهة احتاجت إِلىَ التأويل، وضلَّ بها قومٌ من المشبِّهة فتمسَّكوا بها في إثبات المكان للواحد الديَّان ولا أراها إِلاَّ تحريفا من الرواة، وحيث كان جابر بن زيد رحمه الله في غاية من الضبط والإتقان بإجماع الكلِّ، روى الحديث كما هو، فجاء واضحًا مفسّرًا.
والحديث يدلُّ على اشتراط الإيمان في العتق الواجب، فلا تجزي الرقبة المشركة لقوله تعالى في كفَّارة القتل: {وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ اِلَىآ أَهْلِهِ} [النساء: 92]. وأجاز بعض أصحابنا عتقَ المشركة في الظهار؛ لأنَّ الله تعالى أطلق الرقبة فيه ولم يقيِّدها بصفة الإيمان، ومن أوجب المؤمنة في العتق الواجب مطلقًا حمل مطلق الرقبة في الظهار على مقيَّدها في القتل، وحديث الباب يُؤَيِّده؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر السائل عن سبب الوجوب. والله أعلم.
<3/454> ما جاء أنَّه لا عتقَ إِلاَّ بعد ملك (4/361)
صفحة 1355
قوله: «لا طلاق إِلاَّ بعد نكاح»: الحديث قد تقدَّم في أوَّل كتاب النكاح، وَتَقَدَّمَ شرحه هنالك، والغرض من ذكره هنا قوله: «ولا عتق إِلاَّ بعد ملك»، والمعنى أنَّ من أعتق عبدَ غيره لا يمضي فيه عتقُه؛ لأنَّه ممنوع من التصرُّف في ملك الغير، ولأنَّ العتق حالٌ يوجب إزالة الملك عن الرقيق، ويقضي بإخراجه إِلىَ الحرِّيَّة، فلا يصحُّ إيقاعه إِلاَّ فيما يملك، فلو علَّق العتقَ بملكه وقال له: إذا ملكتك فأنت حرٌّ، فيخرج هاهنا الخلاف الجاري في تعليق طلاق الأجنبيَّة بنكاحها، وقد تقدَّم ذلك. والذي جزم بِهِ ابن النضر عدمُ الوقوع في العتاق، وذلك في قوله:
وإذا قال لعبدٍ إنَّني يومَ أبتاعك حرٌّ فانطلقْ
فاشتراه لم يكن حرًّا، ولا جائزٌ عتقكَ ما لم تُستَرَقّ
وَهُوَ الموافق لظاهر الحديث، فلا معنى للعدول عنه. والله أعلم.
<3/455> ما جاء فيمن أعتق شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ
قوله: «ومن طريقه»: أي ابن عبَّاس بالسند المتقدِّم، وروى الجماعة معناه من طرق مُتَعَدِّدَة، وللجماعة إِلاَّ النسائي عن أبي هريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: مَن أعتق شِقْصًا له من مملوكه فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال قوّم المملوك قيمةَ عدلٍ، ثمَّ استسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه، <3/456> قال أبو داود: رواه روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة، لم يذكر السعاية. قال غيره: ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عديٍّ عن سعيد بن أبي عروبة، ولم يذكرا فيه السعاية، ورواه يزيد بن زريع عن سعيد فذكر فيه السعاية.
وقال البخاريُّ: رواه سعيد عن قتادة فلم يذكر فيه السعاية، قال ابن عبد البرِّ: الذين لم يذكروا السعاية أثبت مِمَّن ذكرها. وقال البيهقي: قد اجتمع هاهنا شعبة مع فضلِ حفْظِه وعِلْمِه بما سمع من قتادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهُمام مع صحَّة كتابه وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف من سعيد في إدراج السعاية في الحديث. (4/362)
صفحة 1356
قوله: «شِقْصًا»: (بكسر الشين وسكون القاف) هو القليل من كُلِّ شيء، وَقِيلَ: هو النصيب قليلاً كان أو كثيرًا.
قوله: «فهو حرٌّ بجميعه»: لأنَّ العتق لا يتجزَّأُ، ولأنَّ العتق لله، وما لله من شريك.
قوله: «فإن كان له فيه شريكٌ دفع إليه قيمة نصيبه»: يعني إذا كان العبد بين شريكين فأكثر، فأعتق أحدهم نصيبه منه انعتق كلُّه، وضمن المعتق نصيب الشركاء: يقوّم العبد قيمة العدل كما ذكر ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحكمة في التقويم أن تكملَ حُرِّيَّة العبد لتتمَّ شهادته وحدوده.
وَقِيلَ: إنَّها لاستكمال إنقاذ المعتِق من النَّار، والحديث بإطلاقه يدلُّ على انعتاق العبد من غير استسعاء، وَهُوَ المعتمد في المذهب. وقيل: على المعتق أن يردَّ على كُلِّ واحدٍ قيمةَ حصَّته من العبد ويستسعي هو العبدَ بذلك، وإن أحبَّ الشركاء أن يستسعوا العبدَ فذلك لهم، وَهُوَ مخالف للأحاديث الواردة في ذلك. وَقِيلَ: إن كان المعتق معسرًا سعى العبدُ لبقيَّة الشركاء في قيمة حصَّتهم فأعطاهم، أو خدمهم بأجرة <3/457> ذلك حتَّى يوفيهم، وَلَعلَّهُم يتمسَّكون بالزيادة التي وقعت في حديث أبي هريرة المتقدِّم في ذكر الاستسعاء، وهي وإن أنكرها بعض الحفَّاظ وادَّعى إدراجها في الحديث فقد أثبتها آخرون، والتمسُّك بها صالح، لئلاَّ يضيع حقُّ المسلم، وحديث الباب لا ينافيها لأنَّه مطلق يحتمل القيد، ولا منافاة بين المطلق وتقييده. والله أعلم.
ما جاء أنَّ الوَلاَءَ كالنَّسَبِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ
قوله: «عن عائشة»: الحديث تَقَدَّمَت الإشارة إِلىَ ذكر من أخرجه من قومنا في أوَّل باب المواريث، وَهُوَ عندهم قطعة من حديث: “الولاء كلحمة النسب”.
قوله: «في الولاء»: أي حكم بهذا الحكم فيه. (4/363)
صفحة 1357
قوله: «لا يباع ولا يوهب»: أي لا يتحوَّل ببيع ولا هبة لأنَّه <3/458> كالنسب، وقد أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تحويل النسب، وكانوا في الجاهليَّة ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك.
قوله: «وَهُوَ كالنسب»: أي كما أنَّ النسب لا يباع ولا يوهب فكذلك الولاء، ووجه التشبيه أنَّ السَّيِّد أخرجه بالحرِّية إِلىَ النسب حكمًا، كما أنَّ الأب أخرج الولدَ بالنطفة إِلىَ الوجود حسًّا؛ لأنَّ العبد كان كالمعدوم في حقِّ الأحكام، لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سَيِّده بالحرِّية إِلىَ وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شابه حكم النسب أنيط بالمعتق، فلذلك جاء : “إِنَّمَا الولاء لمن أعتق”، وألحقَ برتبة النسب. والله أعلم.
الوصيَّة
وهي تطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد أو نحوه، فتكون بمعنى المصدر وَهُوَ الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وَهُوَ الاسم، وهي في الشرع عهدٌ خاصٌّ مضاف إِلىَ ما بعد الموت، سمِّيت وَصِيَّةً لأنَّ الميِّت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، وتطلق شرعًا أيضًا على ما يقع بِهِ الزجر عن المنهيَّات والحثُّ على المأمورات.
ما جاء أنَّه لا وَصِيَّة لوارث
والحديث في ذلك رواه المصنِّف والدارقطني عن ابن عبَّاس، وَهُوَ للدارقطني أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه ورواه الخمسة إِلاَّ النسائي من حديث أبي أمامة، ورواه أيضًا الخمسة إِلاَّ أبا داود من حديث عمرو بن خارجة، وصحَّحه الترمذي. (4/364)
صفحة 1358
قوله: «لا وصيَّة لوارث»: أي من كان وارثا فلا تصحُّ له الوصيَّة، لأنَّ الله تعالى قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فحقُّ الوارث نصيبه من الميراث، فلا يصحُّ أن يزاد عليه؛ لأنَّ ذلك حيفٌ على الوارث الآخر، وإنَّ الله تعالى قد جعل له في التركة حقًّا إمَّا الثمن أو السدس أو الربع أو الثلث أو النصف أو نحو ذلك، فلا يصحُّ تنقيصه من ذلك وإعطاء غيره من نصيبه، والحديث ناسخ لقوله تعالى: {اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180].
قال الشافعيُّ: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش لا يختلفون في أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: “لا وصية لوارث”، ويؤثرونه عمَّن حفظوه عنه مِمَّن لقوه من أهل العلم وكان نقل عن كَافَّة فهو أقوى من نقل <3/460> واحد. وقال جمهور العلماء: كانت هذه الوصيَّة في أوَّل الإسلام واجبة لوالدي الميِّت وأقربائه على ما يراه من المساواة والتفضيل، ثمَّ نسخ ذلك بآية الفرائض، وَقِيلَ: كانت للوالدين والأقربين دون الأولاد، فإنَّهم كانوا يرثون ما بقي بعد الوَصِيَّة، وقال ابن شريح: كانوا مُكَلَّفين بالوصيَّة للوالدين والأقربين في مقدام القَضِيَّة التي علم الله قبل أن ينزلها، وَهُوَ باطل، لأنَّ فيه القول بالتكليف بالمحال، وَاشتَدَّ الإنكار عليه. (4/365)
صفحة 1359
وَقِيلَ: الآية مخصوصة؛ لأنَّ الأقربين أَعَمُّ من أن يكونوا ورَّاثًا، وكانت الوصيَّة واجبة لجميعهم، فخصَّ منها الوارث بآية الفرائض وبحديث الباب، وبقي كلُّ من لا يرث من الأقربين على حاله، قلت: إن استقام هذا في الأقربين فلا يستقيم في الوالدين، فلا بدَّ من القول بالنسخ، وإن اختلفوا في تعيين الناسخ، فقيل: آية الفرائض، وَقِيلَ: حديث الباب، وَقِيلَ: دلالة الإجماع على ذلك، ثمَّ اختلفوا: هل الوصيَّة للوارث باطلة من أصلها أم موقوفة على إذن الشريك في الإرث، فمنهم من قال ببطلان أصلها وإنَّ الإذن لا يُؤَثِّرُ في جوازها فتمسَّكوا بظاهر الحديث، ومنهم من قال: إنْ أَذِنَ الشريك صحَّت. واحتجُّوا على ذلك بحديث ابن عبَّاس عند الدارقطني يرفعه: “لا تجوز وصيَّة لوارث إِلاَّ أن يشاء الورثة”. قالوا: ولأنَّ المنع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الورثة فإذا أجازوه لم يمتنع، واختلفوا في وقت الإجازة، فقيل: إن أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع متى شاؤوا، وإن أجازوه بعده نفذ. وقال الزهري وربيعة: ليس لهم الرجوع، وَقِيلَ: إن أجازوا في مرض الموت جاز عليهم، وَقِيلَ: إن خشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش فله الرجوع، والله أعلم. وقد تقدَّم شرح بقيَّة الحديث في باب المواريث.
<3/461> ما جاء في الحثِّ على الوصيَّة
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث عند الجماعة من رواية ابن عمر. (4/366)
صفحة 1360
قوله: «لا يحلُّ»: كذا وقع عند المصنِّف، ونحوُه عند الطحاوي وابن عبد البرّ من طريق ابن عون في حديث ابن عمر. وفي رواية أخرى: “لا ينبغي لمسلم”، وأكثر الرواية عندهم: “ما حقُّ امرئ مسلم يبيت ليلتين...”الخ. والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج على المبادرة إِلىَ الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك. ووصيَّة الكافر جائزة في الجملة. وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وبُحِثَ بأنَّها شرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجيب بِأَنَّ الوصيَّة كالإعتاق وَهُوَ يصحُّ من الذمِّيِّ والحربيِّ.
<3/462> قوله: «له شيء»: صفة لامرئ.
قوله: «يوصي بِهِ»: صفة لشيء، وفي رواية من حديث ابن عمر: “له شيء يريد أن يوصي فيه”.
قوله: «يبيت ليلتين»: مبالغة في القِلَّة، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إِلاَّ ووصيَّته مكتوبة، فيه إشارة إِلىَ اغتفار الزمن اليسير. وفي رواية مسلم والنسائي ومن حديث ابن عمر: “ثلاث ليالٍ”. قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت زمنًا، وتأويله: قد سامحناه في الليلتين أو الثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
قوله: «مكتوبة عند رأسه»: قال القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثُّق، وإلاَّ فالوصيَّة المشهود بها متَّفَقٌ عليها، ولو لم تكن مكتوبةً، وَهُوَ صحيحٌ من القول.
ومنهم من استَدَلَّ بالحديث على جواز الاعتماد على الكتابة والخطِّ ولو لم يقترن ذلك بالشهادة. وَقِيلَ: ذلك مختصٌّ بالوصيَّة لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام، وأجيب بأنَّ الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهوديَّة، قالوا: وَمَعنَى قوله: “وصيته مكتوبة عنده” أي بشرطها. (4/367)
صفحة 1361
واستدلَّ بالحديث القائلون بوجوب الوصيَّة؛ لأنَّ ظاهره يحرِّم تركها لمن كان له شيء يوصي بِهِ، فهو على حدِّ قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ, إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، ثمَّ اختلفوا فقال أكثرهم: تجب الوصيَّة في الجملة، وقال جابر بن زيد وطاوس وقتادة والحسن وآخرون: تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصَّة، وعليه العمل عندنا؛ فإن أوصى لغير قرابته قال طاوس: لم تنفذ ويردُّ الثلث كلُّه إِلىَ قرابته. وقال جابر بن زيد والحسن: يردُّ إليهم ثلث الثلثِ، وقال <3/463> قتادة: ثلث الثلث وذلك لأنَّه ترك الواجب عليه وأوصى بغيره، ومن فرَّ عن الحقِّ ردَّ إليه و“كلُّ شيء ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ”. وقال أبو ثور: وجوب الوصيَّة في الآية والحديث يختصُّ بمن عَلَيْهِ حقٌّ شرعيٌّ يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص بِهِ كالوديعة والدَّين ونحوهما.
وفي الحديث الحضُّ على الوصيَّة، وفيه الندب إِلىَ التأهُّبِ للموت، والاحتراز قبل الفوت؛ لأنَّ الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت؛ لأنَّه ما من سنٍّ يفرض إِلاَّ وقد مات فيه جمع جمٌّ، وَكُلُّ واحد بعينه جائز أن يموت في الحال فينبغي أن يكون متأهِّبًا لذلك، فيكتب وصيَّته ويجمع فيها ما يجعل له الأجر ويحطَّ عنه الوزر من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. والله أعلم.
ما جاء في الصدقة عمَّن مات بغتةً ولم يوصِ (4/368)
صفحة 1362
قوله: «جاء رجلٌ»: هو سعد بن عبادة سَيِّد الخزرج، وقد تقدَّم في كتاب الأيمان والنذور من طريق ابن عبَّاس قول سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أُمِّي ماتت وعليها نذر ولم تقضه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقضه عنها”. ولا تنافي بين القصَّتين، لاحتمال أن يكون سُئل عن النذر وعن الصدقة عنها. وكذلك لا ينافيه ما ذكر مالك في الموطَّأ من طريق القاسم بن محمَّد “أنَّ سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أُمِّي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم”، لاحتمال أن يكون سأل عن الكلِّ، وأنَّه أعتق وتصدَّق ووفَّى بالنذر، وأكثر الأحاديث في قصَّة سعد إِنَّمَا هي في الصدقة.
قوله: «إن أُمِّي»: هي عمرة بنت سعد، وَقِيلَ: بنت مسعود وقد تقدَّم ذكرها في النذور.
قوله: «افتُلِتَتْ»: (بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة بعد الفاء الساكنة وكسر اللام) أي أخذت فلتةً، أي بغتةً.
<3/465> قوله: «نفسُها»: بالضمِّ على الأشهر، وبالفتح أيضًا، وَهُوَ موت الفجأة، والمُراد بالنفس الروح، وكان موتها في سنة خمس من الهجرة وسعد غازٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دومة الجندل.
قوله: «وأُراها»: (بضمِّ الهمزة) أي أظنها لو تَكَلَّمَت لتصدَّقت، أي لو أمكنها الإيصاء بالصدقة لفعلت، ولكن حيلَ بينها وبينه.
قوله: «أفأتصدَّق عنها»: أي هل لها أجر في ذلك إن فعلته عنها؟ فقال: نعم تصدَّق عنها، وفي رواية عند قومنا “قال: يا رسول الله دلَّني على صدقة، قال: اِسقِ الماء، قال: فما زالت جرار سعد بالمدينة”، والحديث يدلُّ أنَّ صدقة الحيِّ عن الميِّت تنفعه إذا كان من أهل ذلك. والله أعلم.
ما جاء في العُمرَى (4/369)
صفحة 1363
<3/466> «ما جاء في العُمرَى»: ذكر فيه حديث ابن عبد الله في قوله صلى الله عليه وسلم: “أيُّما رجل عمر عمرى له ولعقبه فإنَّها للذي يعطاها أبدًا»، وقد تقدَّم ذكره في كتاب الأحكام، وذكرنا شرحه هنالك. والغرض من ذكره في الوصيَّة قوله صلى الله عليه وسلم: “له ولعقبه”، فإنَّ هذا اللفظ يستلزم الإيصاء بذلك الشيء، لأنَّ عقبه قد لا ينقطع في حياة المعطي، فيكون تعميره للعقب في معنى الوصيَّة، وقد يموت المعطَى قبل المعطي فينتقل العمرى له ملكًا بمعنى الوصيَّة، وقد تقدَّم الكلام في ذلك. والله أعلم.
ما جاء في منع الوصيَّة بأكثر من الثلث
<3/468> قوله: «عن سعد بن أبي وقَّاص»: هو سعد بن مالك الزهريُّ القرشيُّ، تقدَّم ذكره في التَّمَتُّع من كتاب الحجِّ.
قوله: «عام حجَّة الوَداع»: بفتح الواو على الأشهر، وهي سنة عشرة من الهجرة، وفي رواية ابن عيينة في فتح مَكَّة، وَاتَّفَقَ الحفَّاظ على أنَّه وهم منه.
قوله: «يعودني»: (بدال مهملة): أي يزوني. والوجع اسم لِكُلِّ مرض.
قوله: «اشتدَّ بي»: أي قوي عليَّ.
وقوله: «ما ترى»: أي تبصر في الحال، وَهُوَ كناية عن غاية الشيء.
قوله: «ذو مال»: أي كثير. (4/370)
صفحة 1364
قوله: «ولا يرثني إِلاَّ بُنيَّة لي»: بالتصغير، وفي رواية: “ابنة لي” غير مصغَّر، ومعناه: لا يرثني من الولد أو من خواصِّ الورثة أو من النساء إِلاَّ بنتٌ واحدةٌ، لأنَّه قد كان لسعد عَصبات؛ لأنَّه من زُهرة وكانوا كثيرًا، وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض إِلاَّ واحدة، وقيل: خصَّها بالذكر على تقدير: لا يرثني مِمَّن أخشى عليه الضياع إِلاَّ هي، أو ظنَّ أنَّها ترث جميع المال، أو استكثر لها النصف. وهذه البنت قيل: اسمها عائشة، وهي أصغر بناته، وذكروا أنَّ أكبر بناته أمُّ الحكم الكبرى، وأمُّها: بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخر أُمَّهَاتهنَّ متأخِّرات الإسلام بعد الوفاة النبويَّة، وَلَعَلَّ الكلَّ أسلمن بعد قول سعد ذلك، واستظهر ابن حجر أن تكون البنت المذكورة في الحديث هي أمُّ الحكم لتقدُّم تزوُّج سعد بأمِّها، ووهم من قال: إِنَّهَا عائشة، قال: لأنَّها أصغر أولاده.
قوله: «أفأتصدَّقُ»: الاستفهام للاستخبار، والمُراد بالتصدُّق الوصيَّة لأنَّ المقصود منهما واحد.
قوله: «فبالشطر»: أي النصف.
قوله: «والثلث كثير»: (بمثلثة): أي بالنظر إِلىَ حقوق الورثة، فإنَّهم إن <3/469> اشتركوا في الثلثين كان كثيرهم قليلاً، قال ابن عبَّاس: لوْ غضَّ الناس الربع كان أحبَّ إليَّ، وفي رواية: “أحبَّ إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم”؛ لأنَّه قال: “الثلث والثلث كثير”. وقال ابن عبد البرِّ: هذا الحديث أصل العلماء في قصر الوصيَّة على الثلث لا أصل لهم غيره.
قوله: «إِنَّكَ»: (بكسر الهمزة) على الاستئناف، وبفتحها على تقدير حرف الجرِّ، أي: لأنَّك.
قوله: «أن تَذَرَ»: (بفتح الهمزة والذال المعجمة): أي تترك، وروي بكسر الهمزة على الشرطيَّة، والأوَّل على المَصدَرِيَّة، قال النوويُّ: وهما صحيحان. قال القرطبي: لا معنى للشرط هنا لأنَّه يصير لا جواب له ويبقى خبر لا رافع له. (4/371)
صفحة 1365
<3/470> وتعُقِّب بأنَّه لا مانع من تقديره، قال ابن مالك: جزاء الشرط قوله: “خير”، وحذف الفاء جائز، كقراءة طاوس: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىا قُلِ اِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، أي فهو خير.
قوله: «ورثتك»: هم ابنته المذكورة وأولاد أخيه: هاشم بن عتبة بن أبي وقَّاص وإخوته، ويمكن أنَّه صلى الله عليه وسلم قد اطَّلَعَ على من سيولد لسعد بعد ذلك، فقد قيل: إنَّه مات عن عشرة بنين أو أكثر أو اثنتي عشرة بنتًا، وقد عدَّ أنس من بنيه: عمر وإبراهيم وإسحاق وعبد الله وعبد الرحمن وعمران وصالحًا وعثمان.
قوله: «عالة»: أي فقراء.
قوله: «يتكفَّفون الناس»: أي يسألونهم بأكفِّهم، يقال: تكفَّف الناسَ واستكفَّ: إذا بسط كفَّه للسؤال وسأل ما يكفُّ عنه الجوع، أو سأل كفافًا من طعام، أو المعنى: يطلبون الصدقة من أكفِّ الناس.
قوله: «وجه الله»: أي رضاه.
قوله: «أُجِرْتَ»: (بضمِّ الهمزة) مبنيٌّ للمفعول، وَهُوَ مع ما قبله علَّة للنهي، كأنَّه قيل: لا تفعل لأنَّك إن متَّ تركتَ ورثتَكَ أغنياء، وإن عشت تصدَّقت وأنفقتَ، فالأجر حاصل في الحالين، ونبَّه بالنفقة على غيرها من وجوه البرِّ والإحسان. (4/372)
صفحة 1366
قوله: «حتَّى ما تجعل في امرأتك»: أي حتَّى الذي تجعل في فم امرأتك من الطعام، وفي رواية في الصحيح: «حتَّى اللقمة التي ترفعها إِلىَ في امرأتك»: ووجه تعلُّق هذا بالوصيَّة أنَّ سؤال سعد يُشعِر بأنَّه رغب في كثرة الأجر، فلمَّا منعه من الزيادة على الثلث سلاَّه بِأَنَّ جميع ما يفعله في ماله من صدقة ناجزة ومن نفقة ولو واجبة يؤجر بها إذا قصد بها وجه الله. ولعلَّه خصَّ المرأة بالذكر لاستمرار نفقتها دون غيرها، أو يستفادُ منه أنَّ الواجب يزداد بالنية، لأنَّ الإنفاق على الزوجة واجب وفيه الأجر، فإذا نوى بِهِ ابتغاء وجه الله ازداد أجره، ولفظ “حتى” هنا تقتضي المبالغة في تحصيل الأجر بالنسبة إِلىَ المعنى، كما في قولهم: “جاء الحاجُّ حتَّى المشاة”.
<3/471> قوله: «أَأُخلَّف»: (بهمزة الاستفهام ثمَّ همزة مضمومة وفتح اللام المشدَّدة) مبنيٌّ للمفعول.
قوله: «بعد أصحابي»: أي المنصرفين معك، والمعنى: أيحتبسني المرض هاهنا عن الانصراف معكم؟! وكانوا يكرهون الإقامة بِمَكَّةَ لكونهم هاجروا منها وتركوها لله.
قوله: «إنَّك لن تخلَّف فتعمل عملا صالحًا...»الخ: جواب لسعد بخلاف ما سأل عنه، لأنَّه إِنَّمَا سأل عن تخلُّفه بِمَكَّةَ عن أصحابه فأجابه بما يقتضي تخلُّفه عنهم في الحياة، لكن هذا الجواب متضمِّن مراد سعد وزيادة، لأنَّه دَلَّ على بقائه زمنًا بعد أصحابه، ففيه الخروج عن مقتضى الظاهر إِلىَ ما يقتضيه الحال، وَهُوَ نوع من البديع، يسمَّى أسلوب الحكيم. وفيه عَلَم من أعلام النبوَّة، لأنَّه صلى الله عليه وسلم أشار إِلىَ شيء فوقع كما أومأ إليه. (4/373)
صفحة 1367
قوله: «ولعلَّك أن تخلَّف حتَّى ينتفع بك أقوام ويضرَّ بك آخرون»: قال الربيع: معنى ذلك أنَّه لَمَّا أمِّر سعدٌ على العراق قاتل قومًا على الردَّة فصبَرَهم واستتاب آخرين كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذَّاب فتابوا وانتفعوا بِهِ. وروى الطحاوي من طريق بُكير بن عبد الله بن الأشجِّ عن أبيه أنَّه سأل عامر بن سعد عن معنى هذا الحديث، فقال: لَمَّا أمِّر سعدٌ على العراق أتى بقومٍ ارتدُّوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وامتنع بعضهم، فقتلهم فانتفع بِهِ من تاب وحصل الضرر للآخرين، وَقِيلَ: المراد: ينتفع بك المسلمون بالفتوح والغنائم، ويضرُّ بك المشركون بالقتل والسلب، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم وإخباره بالغيب، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق فحصل نفع المسلمين بِهِ وضرُّ الكُفَّار، ومات سنة خمس وخمسين، وَقِيلَ: سنة ثمان وخمسين من الهجرة، وَهُوَ المشهور، فيكون عاش بعد حجَّة الوداع خمسًا وأربعين سنةً.
<3/472> وزعم ابن التين أنَّ النفع وقع على يديه من الفتوح كالقادسيَّة، وغيرها وأنَّ الضرَّ ما وقع من تأمير ابنه عمر على الجيش الذين قتلوا الحسين ومن معه، ورُدَّ بأنَّه تكلُّف بلا ضرورةٍ تحْمِل على ذلك.
قوله: «اللهمَّ أمْضِ»: (بهمزة القطع) من الإمضاء، وَهُوَ الإنفاذ، أي أتمم لأصحابي هجرتهم.
قوله: «ولا تردَّهم على أعقابهم»: أي لا تردَّهم على وراء كترك هجرتهم وكرجوعهم عن استقامتهم.
قوله: «البائس»: (بموحَّدة وهمزة وسين مهملة) الذي عليه أثر البؤس، أي شدَّة الفقر والحاجة.
و«سعد بن خَوْلَة»: (بفتح المهملة وإسكان الواو ولام وتاء تأنيث): قيل: قرشيٌّ عامريٌّ، وَقِيلَ: من حلفائهم، وَقِيلَ: من مواليهم، وَقِيلَ: هو فارسيٌّ من اليمن، حالف بني عامر.
قوله: «يرثي»: (بفتح التحتيَّة وسكون الراء وكسر المثلَّثة): أي يتوجَّع ويتحزَّن. (4/374)
صفحة 1368
قوله: «أن مات بِمَكَّةَ»: أي لأجل موته بِمَكَّةَ، ثمَّ اختلفوا في وقته، فقيل: مات في حجَّة الوداع، وَهُوَ الموجود في الصحيحين، وَقِيلَ: مات في مدَّة الهدنة مع قريش سنة سبع، وَقِيلَ: إنَّه لم يهاجر، فسبب بؤسه عدم هجرته، وذكر في نسخة من المسند زيادة في تفسير الربيع للحديث، قال: وَمَعنَى قوله: «في سعد بن خولة» أنَّه لما هاجر الناس من مكَّة إِلىَ المدينة أبى أن يهاجر ومات بِمَكَّةَ وترك فرض الله <3/473> في الهجرة، ومن ترك الفرض فهو فاسق ضالٌّ، وهذا كلام مَن جزم بالقول الأخير، والله أعلم بحقيقة الأمر.
قوله: «على الردَّة»: هي الرجوع عن الإسلام بعد الدخول فيه.
قوله: «فصبَرَهم»: من باب ضرب، أي أوثقهم ثمَّ قتلهم بعد الإيثاق، وهي أشدُّ حالات القتل، لأنَّه لا يملك دفاعًا فهو يتجرَّع شدَّة الهوان وألم الموت والأسف على الحياة.
قوله: «سجعوا سجع مسيلمة الكذَّاب»: هو كذَّاب اليمامة رجل من بني حنيفة ادَّعى النبوَّة وافترى على الله كذبًا، ولفَّق كلمات مسجَّعة زعمها وحيًا وسمَّاها قرآنًا يحاكي بها المنزَّل على محمَّد صلى الله عليه وسلم، فأورثته خزي الدارين وأصبح أضحوكة يسخر منها كلُّ عاقل، يقال: سجعت الحمامة سجعًا من باب نفع: هدرت <3/474> وصوَّتت، والسجع في الكلام مشبَّه لتقارب فواصله، وسجع الرجل كلامه كما يقال: نظمه: إذا جعل كلامه فواصل كقوافي الشعر ولم يكن موزونًا. (4/375)
صفحة 1369
وفي الحديث استحباب زيارة المريض للإمام فمن دونه، ويتأكَّد باشتداد المرض وطلب طول العمر له، وجواز إخبار المريض بشدَّة مرضه وقوَّة ألمه إذا لم يقترن بذلك شيء مِمَّا يُمنع أو يُكره من التبرُّم وعدم الرضا بل لطلب دعاء أو دواء، وربَّما استحبَّ ذلك وأنَّ ذلك لا ينافي الاِتِّصَاف بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك أثناء المرض كان الإخبار بعد البرء أجوَزَ، والحثّ على صلة الرحم والإحسان إِلىَ الأقارب، وأنَّ صلتهم أفضل والإنفاق في وجوه الخير، وأنَّ المباح إذا قصد بِهِ وجه الله صار طاعة، وقد نبَّه على ذلك بأقلَّ الحظوظ الدنيويَّة العادية وَهُوَ وضع اللقمة في فم الزوجة، إذ لا يكون ذلك غالبًا إِلاَّ عند الملاعبة والممازحة، ومع ذلك فيؤجر فاعلُه إذا قصد به قصدًا صحيحًا فكيف بما فوق ذلك؟.
قيل: وفيه جواز الوصيَّة بأكثر من الثلث لمن لا وارث له، لأنَّ مفهوم قوله: “أن تذر ورثتك أغنياء” أنَّ من لا وارث له لا يبالي بالوصيَّة بما زاد لأنَّه لا يترك من يخشى عليه الفقر.
وفيه الاستفسار عن المجمل إذا احتمل وجوهًا، لأنَّ سعدًا لَمَّا منع من الوصيَّة بجميع ماله احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز فاستفسر عنه.
وفيه النظر في مصالح الورثة، وأنَّ خطاب الشارع للواحد يعمُّ من كان بصفته من المكلَّفين لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب إِنَّمَا وقع له بصيغة الإفراد. والله أعلم.
<3/475> الضِّيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم (4/376)
صفحة 1370
أمَّا “الضِّيافة”: فهي إنزال الضَّيف وإكرامه، وأمَّا “الجوار” (بضمِّ الجيم) فهي الملاصقة في السكن، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الجار الذي يجاور بيتك، هذا في أصل اللغة ثمَّ توسَّعوا فيه فأطلقوه على كُلِّ من كان حولك مِمَّن تناله منفعتك وتنالك منفعته في قضاء الحاجة العاجلة، كاقتباس النَّار وتناوُل الملح وأشباه ذلك، فمن ترى بالقرب منكَ على هذا الوصف فَهو لك جارٌ ولزمتك حقوقه، وأمَّا “ملك اليمين”: فهم العبيد، وأمَّا “اليتيم”: فهو الذي مات عنه أبوه صغيرًا.
قوله: «سمعت عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»: الحديث مرسل عند المصنِّف، وَهُوَ <3/476> عند الشيخين وأحمد من حديث أبي شريح الخزاعي، وقد جاء معناه من حديث أبي هريرة عند البخاري.
قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر»: أي من كان مُتَّصِفًا بصفات الإيمان فليكرم ضيفه، فإنَّ إكرام الضيف خصلة من خصال الإيمان، وتضييعها بعد وجوبها تضييع له. وخصَّ الإيمان بالله واليوم الآخر إشارة إِلىَ المبدإ والمعاد، وَالْمَعنَى: من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنَّه سيُجازيه بعمله فليكرم ضيفه، والضيف يطلق على الواحد والجمع، وَهُوَ المسافر في طاعة ينزل على المقيم.
قوله: «جائزته»: أي صلته وعطيَّته المتطوَّع بها، وَهُوَ منصوب على البدل، بدل الاشتمال من “ضيفه”، والمعنى: يكرم جائزته يومًا وليلة، أي يحسن صلته فيهما، وإلاَّ ظهر نصبه بفعل مقدَّر، والمعنى: يكرم ضيفه ويحسن جائزته؛ ويجوز الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفًا وجوبًا تقديره: جائزته مشروعة يومًا وليلةً. وروي: “يومٌ وليلة” بالرفع فهو على هذا خبر المبتدأ وَهُوَ “جائزته”، وإن نصبنا “جائزته” كان “يوم” خبرًا لمبتدأ محذوف جوابًا لسؤال مقدَّر كأنَّهم قالوا: ما جائزته؟ قال: يوم وليلة. (4/377)
صفحة 1371
<3/477> قوله: «والضيافة ثلاثة أَيَّام»: أي غايتها إِلىَ ثلاثة أيَّام لا حقَّ له بعدها، فإن ثوى يومًا وليلةً كان جديرًا بتحسين القِرَى وبذل المجهود في إكرامه بلا تكلُّفٍ، وإن زاد على اليوم والليلة كان مستوفيًا لحقِّه ولا حقَّ له بعد الثلاث. وَقِيلَ: يحتمل أنَّ المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه، فَهَذَا لا يزاد على الثلاث، وتارة لا يقيم فَهَذَا يعطى ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلةً، وَقِيلَ: اليوم والليلة غير الثلاث، والمعنى: حقُّ الضيافة ثلاث وجائزة يوم وليلة، أي يدفع إليه زاد يوم وليلة، ورُدَّ بأنَّه يلزم أن تكون الضيافة أربعًا، وَهُوَ خلاف المنصوص.
قوله: «وما كان بعد ذلك فهو صدقة»: أي لا حقَّ للضيف فيما بعد الثلاث، فما دفع إليه بعد ذلك فهو محض تفضُّلٍ. واستُدلَّ بجعل ذلك صدقة على أنَّ الذي قبلها واجب وَهُوَ ظاهر، والغرض من تسميته صدقة التنفير لأنَّ الكثير من الناس خصوصًا الأغنياء يأنفون من أكل الصدقة.
قوله: «أن يثْوِي»: (بسكون المثلَّثة وكسر الواو) مضارع ثَوَى، إذا أقام.
قوله: «يُحرجه»: (بحاءٍ مهملة ثمَّ جيم) من الحرج وَهُوَ الضيق، والمعنى: لا يجوز للضيف أن يقيم عند صاحب المنزل حتَّى يدخل عليه الضيق ويحمله على ما لا يليق، ومفهومه أنَّ الإقامة جائزة عند ارتفاع المحذور، وذلك أن يرغب صاحب المنزل في إقامته أو يطلب منه ذلك. وكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه فوق ثلاثة أيَّام، ويأمر أن ينفق عليه من ماله. ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحوُّل عنه بعد الثلاث، لأنَّه قضى ما عليه. (4/378)
صفحة 1372
والحديث يدلُّ على وجوب الضيافة في الجملة؛ لأنَّه جعل ذلك من الإيمان، ويفيد أنَّ فعل خلافه ليس من الإيمان، وإنَّما هو فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولأنَّه جعل ما وارء الثلاث صدقةً، فإنَّه يدلُّ أنَّ ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعًا، وَهُوَ مذهب الأصحاب وبعض قومنا. وقال جمهور قومنا: ليس ذلك بواجب وإنَّما هو من مكارم الأخلاق، وقال بعضهم: إنَّ الوجوب كان في أوَّل الإسلام حين كانت المواساة واجبةً فلمَّا اتَّسع الإسلام <3/478> نسخ ذلك. وقال الخطابيُّ: إِنَّمَا كان يلزم ذلك في زمنه صلَّى الله عليه وسلَّم حيث لم يكن بيت مال، وأمَّا اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حقَّ لهم في أموال المسلمين، ولا دَلِيل على النسخ ولا على التخصيص بزمان دون زمان.
ثمَّ اختلف القائلون بالوجوب، فقال الليث بن سعد: تجب يومًا وليلةً، وَقِيلَ: الواجب من ذلك ما يسدُّ الرمق، وَقِيلَ: الوجوب على أهل الوبر، وهم أهل البادية دون أهل المدن؛ لأنَّ المسافر يُدرك حاجته فيها بالشراء دون البادية، واستدلُّوا على ذلك بما يروى أنَّ الضيافة على أهل الوبر، وقد قيل: إنَّه حديث موضوع لا أصل له. والله أعلم.
ماجاء في الحثِّ على صلة الجار
قوله: «بلغني»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ عن زيد بن أسلم عن عمرو بن سعد بن معاذ عن جدَّته، وهي حواء بنت يزيد بن السكن، وقد تقدَّم ذكر <3/479> الحديث في جامع الصدقة من كتاب الزكاة، والغرض من ذكره هنا الحثُّ على صلة الجار ولو بالشيء اليسير، فإنَّه قد لا يوجد عند جاره من ذلك شيء، وقد يستعظم هذا ما يستحقره الآخر، وعلى تقدير أنَّه لا حقير عند الكلِّ فإنَّه يعدُّ صلة، ويكون سببًا لدفع الوحشة، وجلب الألفة، ودوام الصحبة، واستنزال البركة بامتثال أمر الشارع. ومثَّلَ لقلَّة ذلك بالكراع المحرق، فإنَّه قلَّما ينتفع بِهِ، ولله درُّ القائل: (4/379)
صفحة 1373
وذو الجود محمود فمَهْما يَجُدْ بِهِ ... على قِلَّة الموجود فهو جزيل
قوله: «تحقرنَّ»: (بكسر الراء ونون التوكيد): أي لا يمنعها حقارته أن تهديه لجارتها، فالمنهيُّ عن ترك التهادي لأجل حقارة الشيء. والكُراع (بضمِّ الكاف) ما دون العقب من المواشي والدوابِّ والإنس.
قوله: «محرَّق»: بلا ألف على لغة ربيعة، فإنَّهم يقفون على السكون في المنصوب وغيره، وفي رواية الموطأ إثبات الألف على اللغة الفصحى، وفي نسخة القطب محرقة، وهي أفصح لأنَّ الكراع مؤنث، وحكى ابن الأعرابي أنَّ بعض العرب يذكِّره، وقد تقدَّم شرح بقيَّة الحديث. والله أعلم.
ماجاء في كفِّ الأذى عن الجار
<3/480> قوله: «عن جابر»: يعني ابن زيد، فالحديث مرسل، أو جابر بن عبد الله فيكون متَّصلاً، والأوَّل أرجح لكثرة روايته عنه دون الثاني فإن روايته عنه قليلة، والحديث قطعة من الحديث الذي تقدَّم أوَّل الباب، وقد رواه مالك في الموطأ، والبخاري في الأدب، ومسلم في صحيحه من حديث أبي شريح الكعبي الخزاعي، لكن لفظه: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره”، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة، وفي رواية عندهما: “فلا يؤذ جاره”.
قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر»: أي من كان من أهل هذه الصِّفة فليمتثل الأوامر المذكورة، فإنَّها من خصال الإيمان.
قوله: «فليقلْ خيرًا»: أي قولا يثاب بِهِ في الآخرة كالدعوة إِلىَ الله تعالى، وإرشاد الضال، ودلالة الحيران، وتعليم الجاهل، والأمر بالمعروف، وإصلاح ذات البين، وكالتسبيح والتحميد وأنواع الأذكار. (4/380)
صفحة 1374
قوله: «أو ليصمُتْ»: (بضمِّ الميم) أي يسكت، فإن من سكت نجا، وقيل بكسر الميم، والمحفوظ الأوَّل، ومعناه أنَّ المصدِّق بالثواب والعقاب المترتِّبين على الكلام في الدار الآخرة ليس له الخلوُّ من أحد الحالين؛ إمَّا أن يتكلَّم بما يحصل له منفعة فيغنم، أو أن يسكت عن شيء يجلب له ضرًا فيسلم، وللتنويع والتقسيم فيسنُّ له الصمت حتَّى عن المباح لأدائه إِلىَ محرَّم أو مكروه، وبفرض خلوه عن ذلك فهو ضياع للوقت فيما لا يعني، و“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. وأفاد الحديث أنَّ قول الخير أفضل من الصمت لتقدُّمه عليه، وإنَّما أمر بِهِ عند عدم قول الخير، وقد <3/481> أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر.
وحاصله أنَّ آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك والخسران، فالأصل ملازمة الصمت حتَّى تتحقَّق السلامة من الآفات، والحصول على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة، وبأزمَّة التقوى مزمومة، وهذا من جوامع الكلم، لأنَّ الكلام كُلَّه خيرًا أو شرًّا آئلٌ إِلىَ أحدهما، فدخل في الخير كُلُّ مطلوب من فرضٍ ونفلٍ فأُذِنَ فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إِلَيْهِ، وما عدا ذلك مِمَّا هو شرٌّ أو يؤول إليه فأمر بالصمت عنه.
قوله: «ولا يؤذ جاره أبدًا»: أي لا يصدر منه أذى لجاره ما دام في جواره، لا بلسانه ولا بسائر جوارحه، ولا بدهائه وبوائقه، ولا يدخل الجنَّة من لم يأمن جاره بوائقه، فالإيذاء شامل لجميع أنواع الأضرار، حسِّيًا كان أو معنويًّا، وليس من الأذى كفُّه عمَّا يرتكبه بالتي هي أحسن على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك موعظة الكافر بعرض الإسلام عليه، وإظهار محاسنه، والترغيب فيه برفق، أو موعظة الفاسق بما يليق بحاله برفق، فإن أفاد وإلاَّ هجره قاصدًا تأديبه مع إعلامه بالسبب. (4/381)
صفحة 1375
وهنا تنبيهٌ: وَهُوَ أنَّه إذا أمر بإكرام الجار مع الحائل بين الإنسان وبينه، فينبغي أن يرعى حقَّ الحافِظَيْنِ اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل فلا يؤذيهما بأنواع المخالفات في مرور الساعات، فقد ورد أنَّهما يُسَرَّان بالحسنات ويحزنان بالسيِّئات، فينبغي إكرامهما، ورعاية جانبهما، بالإكثار من عمل الطاعات، والمواظبة على تجنُّب المعاصي، فهما أولى بالإكرام من كثير من الجيران. والله أعلم.
<3/482> ماجاء في الرفق بالمملوك والإحسان إِلىَ الجار
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث على هذا الحال لم أجده عند غيره، ولعلَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ، وللبيهقي من حديث عائشة: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتَّى ظننت أنَّه يورِّثه، وما زال يوصيني بالمملوك حتَّى ظننت أنَّه يضرب له أجلا أو وقتًا إذا بلغه عتقَ”.
<3/483> قوله: «أوصاني»: أي عهد إليَّ بالرفق بالمملوك عهدًا مؤكَّدًا بالغ فيه أكثر من المبالغة في غيره.
قوله: «حتَّى ظننتُ...»إلخ: بيان لشدَّة التأكيد في الإيصاء؛ فإنَّه عليه الصلاة والسلام وقع في ظنِّه من كثرة التأكيد في ذلك أنَّ الإيصاء في ذلك مقدِّمة منع الاسترقاق أبدًا، ولا ينافيه ما في حديث عائشة من قوله: “حتَّى ظننت أنَّه يضرب له أجلا أو وقتًا إذا بلغه عتق”، لأنَّ المعنى في رواية المصنِّف أنَّه لا يستخدم أبدًا بعد بلوغ الأجل المضروب.
والرفق بالمملوك أن لا يكلِّفه فوق طاقته، ولا ينظر إليه بعين التجبُّر، ويعفو عن زلَّته، ويقيل عثرته. وذكر مالك في الموطَّأ أنَّه بلغه أنَّ عمر بن الخطَّاب كان يذهب إِلىَ العوالي كُلَّ يوم سبت فإذا وَجد عبدًا في عمل لا يطيقه وضع عنه منه.
قوله: «وأوصاني بالجار»: أي بالإحسان إليه.
قوله: «حتَّى ظننت...»إلخ: بيان لشدَّة التأكيد في الوصيَّة. (4/382)
صفحة 1376
قوله: «لا يخفى عليه شيء»: أي لا يستر عليه شيء من المعروف. وفي نسخة القطب: “حتَّى ظننت أنَّه لا يبقى بعده شيء”. قال المحشِّي: ولعلَّ المعنى: لا يبقي بعد موته شيئًا موروثًا بأن يدفع لهم جميع ما عنده في حال حياته، أو يوصي له به أو نحو ذلك.
قلت: ولا ينافيه ما في حديث عائشة: “حتَّى ظننت أنَّه يورِّثه”، أي يأمرني بتوريثه، لأنَّ التوريث بعض الأشياء التي ظنَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّها لا تُخفى على الجار. على أنَّهم اختلفوا في هذا التوريث، فقيل: يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب، وَقِيلَ: المراد أن ينزَّل منزلة من يرث في البرِّ والصلة، والأظهر الأوَّل، فإنَّ الثاني استمرَّ، والخبر مشعر بِأَنَّ التوريث له لم يقع.
<3/484> والحديث يدلُّ على الرفق بالمملوك والإحسان إِلىَ الجار، وهما من مكارم الأخلاق، وقد كانوا في الجاهليَّة يبالغون في رعاية الجار وحفظ حقِّه. وحكى ابن عبد البرِّ عن أبي حازم بن دينار قال: كان أهل الجاهليَّة أبرَّ منكم بالجار، هذا قائلهم قال:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القِدرُ
ما ضرَّ جاري إذ أجاوره ... أن لا يكون لِبابِه سترُ
طرفي أغضُّ لجارتي برزت ... حتَّى يواري جارتي الخدرُ
وقال آخر:
وأغضُّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتَّى يواريَ جارتي مأواها
واسم “الجار” يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدوَّ، والغريب والبلديَّ، والنافع والضارَّ، والقريب والأجنبي والأقرب دارًا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فالأعلى من اجتمعت فيه الصفات الأُوَل كُلُّها، ثُمَّ أكثرها، وهلمَّ جرَّا إِلىَ الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى، فيعطَى كُلٌّ حقَّه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فتترجَّح أو تساوي. وذُبِحَتْ لابن عمر شاةٌ، فأمر أن يهدى منها لجاره اليهودي، كما رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسَّنه. (4/383)
صفحة 1377
وجاء مرفوعًا: “الجيران ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ وَهُوَ المشرك، له حقُّ الجوار. وجارٌ له <3/485> حقَّان، وَهُوَ المسلم، له حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام. وجارٌ له ثلاثة حقوق، وَهُوَ المسلم له رحمٌ: حقُّ الجوارِ والإسلامِ والرحمِ”. والأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وقد يكون فرضَ عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مندوبًا، وأجمع الجميع أنَّه من من مكارم الأخلاق. والله أعلم.
قوله: «عن أبي مسعود»: هو عقبة بن عمرو الأنصاريُّ البدريُّ، تقدَّم ذكره في الجزء الأوَّل. والحديث أخرجه مسلم، وفيه بعض مخالفة عمَّا عند المصنِّف.
قوله: «بينما أنا ضاربٌ»: في رواية مسلم: “كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعتُ صوتًا من خلفي: يا أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب، فلمَّا دنا منِّي إذا هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإذا هو يقول: يا أبا مسعود! فألقيت السوط من يدي”، وفي رواية: “فسقط السوط من يدي لهيبته، فقال: اعلم يا أبا مسعود أنَّ الله أقدر منك على هذا الغلام، قال: فقلت: حرٌّ لوجه الله، قال: أمَا لو لم تفعل لَلَفَحَتْكَ النار”.
قوله: «اِعلَم»: (بهمزة وصل وفتح اللام). وفي قوله: “يا أبا مسعود...”إلخ المبادرة إِلىَ النهي بارتفاع الصوت قبل أن يجلس إِلىَ مجلس التخاطب، وكذلك المبادرة بالنهي مِن خَلْفِه قبل أن يستقبله.
<3/486> قوله: «لا أعقل من الغضب»: أي لا أميِّز صوت النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم من غيره لاستيلاء ظلمة الغضب على نور البصيرة.
قوله: «سقط السوط من يدي»: أي لهيبته صلَّى الله عليه وسلَّم وجلالة قدره.
قوله: «إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»: أي أقدر عليك بالعقوبة من قدرتك على ضربه، ولكنَّه يحلم إذا عُصيَ، وأنت لا تصبر على الحلم والعفو عنه إذا غضبت.
قوله: «بعثك»: أي أرسلك ملتبسًا بالحقِّ. (4/384)
صفحة 1378
قوله: «بما ضربت...»إلخ: جواب القسم، والمعنى: لا أضرب عبدًا أبدًا بعد هذه المَرَّة، وذلك لسرعة امتثاله وطلبه رِضَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وَتَقَدَّمَ في رواية مسلم أنَّ أبا مسعود قال: “هو حرٌّ لوجه الله”، ويجمع بينهما بأنَّه حرَّر المضروب، وحلف لا يضرب مملوكًا. أمَّا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث مسلم: “أمَا لو لم تفعل للفَحتْك النار” فمعناه أنَّه لو لم يرجع عن ضربه الفاحش ولم يتب منه لعُذِّب بالنار، وهذا يدلُّ أنَّ الضرب الذي صدر من أبي مسعود كان قد خرج عن حدِّ الجواز، لكن تداركه بالرجوع والندم وتحرير العبد، فصار ذلك كفَّارة له. والله أعلم.
<3/485> ما جاء أنَّ العبد إذا نصح لسيِّده وأحسن عبادةَ ربِّه
فلَهُ أجرُه مرَّتين
قوله: «من طريق ابن عمر»: يعني أنَّ الخبر أخذه من هذه الجهة، وَهُوَ أنَّ ابن عمر أدَّاه إليه، وقد رواه أيضًا مالك في الموطَّأ والبخاري ومسلم، وَكُلُّهم من طريق ابن عمر.
قوله: «إنَّ العبد»: أي الرقيق.
قوله: «إذا نصح لسيِّده»: أي قام بما يصلحه على وجه الخلوص، وامتثل أمره، وتجنَّب نهيَه. والنصيحة: كلمة جامعة معناها: إرادة صلاح حال المنصوح له، وتخليصه من الخلل وتصفيته من الغشِّ.
وفيه إطلاق السَّيِّد على غير الله ونحوه، والحديث الآخر: “قوموا إِلىَ سَيِّدكم” وحديث: “سيِّدكم عمرو بن الجموح”، وفي أبي داود والنسائي النهي عن إطلاق السَّيِّد على المخلوقين، وجمع بينهما بحمل النهي على غير المالك، والإذن على المالك، وقد كان بعض العلماء يكره أن يخاطبه أحدٌ أو يكتب لفظ “سَيِّد”، ويَتَأَكَّد إذا كان المخاطب غير تقيٍّ، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم : “لا تقولوا للمنافق سَيِّد”، رواه أبو داود وغيره.
قوله: «وأحسن عبادة رَبِّهِ»: وذلك بأنْ يقيمها على شروطها وواجباتها وما يمكنه من مندوباتها، من غير أن يفوِّت حقّ سيِّده. (4/385)
صفحة 1379
<3/488> قوله: «فَله أجره مرَّتين»: وذلك لقيامه بالحقَّيْن وانكساره بالرقِّ، قيل: وليس الأجران متساويين، لأنَّ طاعة الله أوجب من طاعة المخلوق. ورُدَّ بأنَّ طاعة المخلوق هنا من طاعة الله. وقال ابن عبد البرِّ: معنى الحديث عندي: أنَّ العبد لَمَّا اجتمع عليه واجبان: طاعة ربِّه في العبادة، وطاعة سَيِّده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر المطيع بطاعته؛ لأنَّه ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمر الله بطاعته. قال: ومن هنا أقول: إنَّ من اجتمع عليه فرضان فأدَّاهما، أفضل مِمَّن ليس عليه إِلاَّ فرض واحدٌ فأدَّاه، كمن وجبت عليه صلاة وزكاة فقام بهما، فهو أفضل مِمَّن وجبت عليه صلاة فقط؛ وبمقتضاه أنَّ من اجتمعت عليه فروضٌ فلم يؤدِّ منها شيئًا كان عصيانه أكبر من عصيان من لم يجب عليه إِلاَّ بعضها.
وقال ابن حجر: والذي يظهر أنَّ مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفتين لِمَا يدخل عليه من مشقَّة الرِّقِّ، وإلاَّ فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختصَّ العبد بذلك.
وقال ابن التين: المراد أنَّ كُلَّ عمل يعمله يضاعف له، وَقِيلَ: سبب التضعيف أنَّه ازداد لسيِّده نصحًا، وفي عبادة الله إحسانًا، فكان له أجر الواجبين وأجر الزيادة عليهما. فإن قيل: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات، وأجيب بأنَّه لا محذور أن يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيِّد جهات أخر يستحقُّ بها أضعاف أجر العبد، والمُراد ترجيح العبد المؤدِّي للحقَّين على العبد المؤدِّي لأحدهما.
قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًّا بالعمل الذي يتَّحد فيه طاعة الله وطاعة السيِّد فيعمل عملاً واحدًا ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأمَّا العمل المختلف الجهة فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، وقد وردت أحاديث كثيرة فيمن يؤتى أجره مرَّتين، جمع منها الحافظ السيوطي سبعًا وثلاثين في قوله: (4/386)
صفحة 1380
<3/389> وجمع أتى فيما رويناه أنَّهم ... يثنَّى لهم أجر حووه محقَّقا
فأزواج خير الخلق أوَّلهم ومن ... على زوجها أو للقريب تصدَّقا
وقار بجهدٍ واجتهاد أصاب والـ ... وضوء اثنتين والكتابيُّ صدَّقا
وعبدٌ أتى حقَّ الإله وسيِّدٌ ... وعابر يسري مع غنيٍّ له تقى
ومن أمَةٍ يشري فأدَّب محسنًا ... وينكحها من بعده حين أعتقا
ومن سنَّ خيرًا أو أعاد صلاته ... كذاك جبانٌ إذ يجاهد ذا شقا
كذاك شهيد في البحار ومن أتى ... له القتل من أهل الكتاب فألحقا
وطالبُ علمٍ مدرك ثمَّ مسبغٌ ... وضوءً لدى البرد الشديد محقِّقا
ومستمعٌ في خطبة قد دنا ومن ... بتأخير صف أوَّل مسلمًا وقا
وحافظ عصر مع إمام موذِّن ... ومن كان في وقت الفساد موفَّقا
وعامل خيرٍ مخفيا ثمَّ إن بدا ... يرى فرحًا مستبشرًا بالذي ارتقى
ومغتسلٌ في جمعة عن جنابةٍ ... ومن فيه حقًّا قد غدا متصدِّقا
وماشٍ يصلِّي جمعةً ثمَّ من أتى ... بذا اليوم خيرًا ما فضعِّفه مطلقا
ومن حتفه قد جاءه من سلاحه ... ونازع نعلٍ إن لخيرٍ تسبقا
ومن كان ذا مال غنيًّا بماله ... قد اجتاحه حربُ النصارى فأحرقا
وماشٍ لدى تشييع ميتٍ وغاسلٌ ... يدًا بعد أكلٍ والمجاهد حقَّقا
ومتَّبعٌ ميتًا حياءً منَ اَهْلِه ... ومستمع القرآن فيما روى التقى
وفي مصحف يقرأ وقاريه مُعربًا ... بتفهيم معناه الشريف محقّقا
وذيَّله بعضُهم بثلاث
إمام مطيعٌ يالها من سعادة ... وحجَّة حاجٍّ من عُمان فألحقا
ومن أمَة يشري ومشترط لها ... فلا هبةَ ولا بيعَ لا مهر مطلقا
وهي حرَّة إن متُّ. صلَّى إلَهُنا ... على المصطفى المبعوث بالحقِّ والتُّقَى
<3/390> ماجاء في النَّهْيِ عن استخدام العبيد بعد العَتَمَة
قوله: «سمعت أناسًا من الصحابة»: الحديث لم أجده عند غيره، فكأنَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ. (4/387)
صفحة 1381
قوله: «نهى عن استعمال العبيد بعد صلاة العتمة»: وذلك لأجل الرفق بهم، فله أن يستخدمه من صلاة الصبح إِلىَ صلاة العشاء فيما يطيق من العمل، ولا يستعمله بعد ذلك لهذا النهي، وَقِيلَ: إن لم يستقض خدمته بالنهار فله أن يستخدمه بالليل.
وكان غسَّان ابن عبد الله الإمام الثاني من أئمَّة بني خروص رضي الله عنه يقول: “عَدَلْنَا إِلاَّ في عبيد الباطنة، فإنَّا لم نقدر على أن نعدل فيهم”، أو كما قال رضي الله عنه، وذلك أنَّ مدار الباطنة على الزواجر وهي السَّواني، وكان أكثر زجرهم في الثلث الآخر من الليل، وكان من رأيه رحمه الله منع الاستخدام بعد العتمة مطلقًا، وإلاَّ فأهل الباطنة يريحون عبيدهم بالنهار مقدار ما يستعملونهم بالليل. وقيل: إن أعطاه شيئًا يرضيه بِهِ فلا بأس ولو استقضى خدمته بالنهار.
وقال أبو عبد الله: إن كرهوا لم يُستَخدَموا بعد العتمة، وإن طابت أنفسهم بذلك فلا بأس. وروى نحوه أبو صفرة عن أبي وائل عن محبوب بن الرحيل رضي الله عنهم، وقيل لأبي عبد الله: ما يجوز من خدمة العبد بالليل؟ قال: بقدر <3/491> ما يستريح في النهار، قيل: فالدوابُّ هل في العمل عليها وقت؟ قال: لا نعلم ذلك.
وقال أبو عبد الله أيضًا: ليس للعبد أن يعمل لنفسه في الليل ولا لغير مولاه إِلاَّ بإذنه، وذلك لأنَّه إن عمل بالليل ضعف عن العمل بالنهار، وقد نهي السيِّدُ عن استخدامه بعد العتمة لأجل الرفق بِهِ، فإذا حصل له الرفق بالاستراحة بالنهار فقد حصل مقصود الشارع، هذا وجه المرخِّصين، وأمَّا المشدِّدون فإنَّهم يجعلون النهي على ظاهره، إذ ليس الوقت وقت عمل بل وقت استراحة وعبادة، ومن أجاز ذلك مع طيبة نفسه فقد رأى أنَّ ذلك حقٌّ للعبد فله فيه الرضى. والله أعلم.
ما جاء في فضل من آوى يتيمًا (4/388)
صفحة 1382
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث لم أجده عند غيره، وكأنَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ، وأخرج ابن سعد وأحمد عن عمر بن مالك القشيري: “سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: من ضمَّ يتيمًا من أبوين مسلمين إِلىَ طعامه وشرابه حتَّى يغنيه الله فقد <3/492> وجبت له الجنَّة”.
قوله: «من آوى يتيمًا»: أي ضمَّه إليه وحافظ عليه.
قوله: «وقام بِهِ»: أي كفله وسعى في مصالحه، كان من ماله أو من مال اليتيم، كان اليتيم قريبًا أو أجنبيًّا، ففي جميع ذلك له عند الله أجرٌ على حسب تفاوت المراتب.
قوله: «احتسابًا لله»: أي رجاء ما عند الله من عظيم الأجر وجزيل الثواب، والمعنى أنَّه قام بِهِ لوجه الله لا لغرض دنيويٍّ، ففيه الحثُّ على الإخلاص وأنَّ الثواب معلَّق بوجوده.
قوله: «وقع أجره على الله»: أي ثبت أجره عند الله ثبوتًا لا يختلف، لحكمه سبحانه وتعالى له بذلك، وَهُوَ تعالى لا يخلف الميعاد. وأبْهم الأجرَ تعظيمًا له، فكأنَّما أعدَّ له من ذلك شيء عظيم يفوت الحصر، وقد جاء مفسَّرًا بالجنَّة في رواية عمر وابن مالك القشيري. وجاء من حديث عائشة وابن عمر عند مسلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنَّة كهاتين”، وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام.
قوله: «والله لا يُضِيعُ»: (بضمِّ المثنَّاة وكسر الضاد المعجمة) مِن أضاعه إذا أبطله، ويجوز التشديد، والمعنى واحدٌ. وذكر هذه الجملة إشارة إِلىَ أنَّ العمل الصالح لا يضيع عند الله تعالى وأنَّ القيام باليتيم من جملة الأعمال الصالحة {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ اَمَلاً} [الكهف: 46]. والله أعلم.
<3/493> ماجاء في المرافقة بين الجيران (4/389)
صفحة 1383
وذكر فيه حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فإنَّ ذلك حقٌّ واجبٌ عليه”، وقد تقدَّم شرحه آخر باب جامع الصدقة من الجزء الثاني. والله أعلم.
<3/494> الباب الخمسون
الوعيد في الأموال
أي في أخذها من غير حقِّها و“الوعيد” مصدر أوعد، ولا يستعمل إِلاَّ في الشرِّ، ويقال في الخير وعد، فالمصدر فارق بين الحالين، وقد تقدَّم بيان ذلك.
ما جاء أنَّ القليل من أموال الناس يورث النَّار
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث تفرَّد بِهِ المصنِّف، وقد جاء معناه في عدَّة أحاديث، ومصداقه في قوله تعالى: {اِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىا ظُلْمًا اِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]. وعن أبي برزة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يبعث يوم القيامة قومٌ من قبورهم تأجَّج أفواههم نارًا، فقيل: يارسول الله، من هم؟ قال: ألم تر أنَّ الله يقول: {اِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىا ظُلْمًا اِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}”. (4/390)
صفحة 1384
<3/495> قوله: «القليل من أموال الناس يورث النار»: أي يجعلها ميراثا لمن أخذه من غير حلِّه، زاد شارح العقيدة قيل: وما القليل يا رسول الله؟ فوضع إصبعه في الأرض فالتصق بِهِ شيء من التراب فقال: “هذا القليل”. وقد تقدَّم في جامع الغزو أنَّ رجلاً جاء بشراك أو شراكين قد غلَّهما من الغنيمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: “شراك وشراكان من نار”. وفي باب الإيمان عن أنس يرفعه: “من اقتطع حقَّ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النار، قال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإن كان قضيبًا من أراكٍ”. وسيأتي في حديث عبادة قوله صلى الله عليه وسلم: “ردُّوا الخيط والمخيط”. وعن أبي حميد الساعدي يرفعه: “لا يحلُّ لامرئ أنَّ يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه”، رواه البيهقيُّ وابن حبَّان والحاكم في صحيحهما. وروى الدار قطني عن أنس يرفعه: “لا يحلُّ مال امرئ مسلم إِلاَّ بطيب نفسه”، فهذه الأحاديث مفسِّرة للقليل من أموال الناس. ومن المعلوم أنَّ الموجب للنار والعياذ بالله أخذ مال الغير بغير حقٍّ، وإذَنْ فلا فرق بين قليل ذلك وكثيره.
وأحاديث الباب قاطعة بتعذيب الظالم إذا مات على ظلمه، فهو حجَّة على المرجئة مع اعترافهم بصحَّتها. والله أعلم.
<3/496> ما جاء أنَّ رَدَّ المظالم شرط لِصِحَّةِ التوبة (4/391)
صفحة 1385
قوله: «سمعت ناسًا من الصحابة»: هذا من كلامه رضي الله عنه يدلُّ أنَّه أخذ الخبر عن جمع لم يسمِّ أحدًا منهم، وَهُوَ مِمَّا تفرَّد بِهِ رضي الله عنه، وَهُوَ الحجَّة في ذلك. وأخرج الطيالسيُّ والبزار من حديث أنس: “الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه، فأمَّا الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وأمَّا الظلم الذي يغفره الله تعالى فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربِّهم، وأمَّا الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتَّى يدين لبعضهم من بعض”.
وَمَعنَى قوله في الشرك: “لا يغفره الله” أي إذا مات مشركًا فإنَّه لا يغفر له، وإن اجتهد في العبادة ولجَّ في التوبة، وَهُوَ مع ذلك على خلاف دين الإسلام كما يشاهد من عبَّاد أهل الكتاب وزهَّاد المجوس، فهؤلاء ونحوهم لا يغفر الله لهم حتَّى يدخلوا في الإسلام، وما عداه فمغفور بالتوبة في غير المظالم، وأمَّا هي فتغفر بالتوبة والتخلُّص إِلىَ أهلها. (4/392)
صفحة 1386
<3/497> قوله: «بين العبد وربِّه»: وَهُوَ التضييع في حقوق الله من الصلاة والصيام أشباهها من العبادات، وَكَذَلِكَ فعل المحرَّمات من أكل الميتة ولحم الخنزير والخمر وأشباهها من جميع ما لا يتعلَّق بِهِ حقُّ المخلوق، فذلك الذنب الذي يكون بين العبد وبين رَبِّهِ، فهو تعالى يغفره لمن أقلع عنه وندم على فعله وأناب إِلىَ رَبِّهِ واستغفر من ذنبه. أمَّا المصرُّون فقد بارزوا الله بالمعاصي وحاربوه بالمخالفة، فحكم الله عزَّ وجلَّ عليهم بالخلود في النَّار بقوله: {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} [الجن: 23]، وقوله: {وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، في أشباهها من الآيات وكثير من الأحاديث تقدَّم بعضها ويأتي بعض فلا يدخل الجنَّة من مات مُصرًّا حكمًا إلهيًّا ووعدًا سماويًّا: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق: 29].
قوله: «بين العبد وصاحبه»: أي صاحبه من المخلوقين، وهي المظالم التي تكون منهم بعضهم لبعض فهذا ذنب لا يغفر إِلاَّ بالتخلُّص إلى أهله، فإن وُجدوا وَإِلاَّ فإلى الوارث، فإن عدموا أو تعذَّرت معرفتهم فإلى الفقراء، وَقِيلَ: قفلٌ ضاع مفتاحه.
قوله: «إذا تاب منه»: فيه اشتراط التوبة للغفران، وذلك في كبائر الذنوب، أمَّا الصغائر فإنَّها مغفورة باجتناب الكبائر، وَالْمَعنى أنَّه إذا ترك الكبائر خوفًا من الله تعالى وامتثالاً لأوامره فإنَّ الله لا يؤاخذه بصغائر الذنوب وذلك لقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مَّدْخَلاً كَرِيمًا} [النساء: 31] وَهُوَ الجنَّة. (4/393)
صفحة 1387
<3/498> قوله: «كمن لا ذنب له»: أي مثل الذي لم يذنب قطُّ، والمعنى أنَّه يخرج من ذنوبه وتستر له، فلا يسأل عنها، كأنَّه لم يعملها قطُّ.
قوله: «حتَّى يردَّ المظالم إِلىَ أهلها»: فيه اشتراط ردِّ المظالم لِصِحَّةِ التوبة، فلا تقبل توبة ظالم إِلاَّ بردِّ المظالم، هذا قولنا وعليه المعتزلة، خلافاً لمن زعم أنَّ ردِّ المظالم ليس بشرط في صحَّة التوبة، قالوا: هو واجبٌ آخَر لا مدخل له في صحَّة التوبة، والحديث يَرُدُّ عليهم. سلَّمنا أنَّه واجب آخَر، لكنَّا لا نسلم أنَّه لا مدخل له في صحَّة التوبة، فإنَّ التوبة الصحيحة منافية للإصرار، وترك رَدِّ المظالم مع القدرة على رَدِّها ترك للواجب، وتارك الواجب عمدًا عاصٍ يكون عاصيًا تائبًا، وأيضا فالغسل من الجنابة واجبٌ في نفسه وشرط في صحَّة الصلاة، فكذلك ردُّ المظالم واجبٌ في نفسه وشرط في صحَّة التوبة، فلا منافاة بين الشرطين والوجوب. والله أعلم.
ما جاء في النهي عن المشي على الزرع
<3/499> قوله: «بلغني»: الحديث لم أجده لغيره، فكأنَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ. (4/394)
صفحة 1388
قوله: «نهى عن المشي في الزرع...»الخ: زاد أبو خزر في رواية الحديث: “إذا غابت الثريَّا لا يدخل الزرع إِلاَّ ثلاثة” وذكر الحديث، والمُراد بغيبتها تواريها عن الناظرين من أوَّل الليل وطلوعها في آخره قبل الفجر أو معه، فلا ينافيه حديث أبي هريرة عند الطبراني في الصغير: “إذا طلعت الثريَّا أمن الزرع من العاهة” إذ المراد بطلوعها ظهورها ساطعةً للناظرين عند طلوع الفجر، فحينئذ يبدو صلاح الزرع ويأمن العاهة غالبًا. والنهي عن المشي فيه حينئذٍ لخوف فساده وتضييع ثمره، فقلَّما ينحني عودٌ في هذا الحال إِلاَّ وينكسر، هذا وجه القيد إن ثبت، وإن كان النهي مطلقًا فهو لمنع التصرُّف في ملك الغير، على أنَّ الضرر مخوف من المرور فيه مطلقًا، ويستثنى من ذلك الثلاثة المذكورون في الحديث، لأنَّ صلاح الزرع متوقِّف عليهم، فالساقي هو الذي يجعل الماء في الزرع، والناقي، قال الربيع: هو الذي يُخرج منه الكلأ الضارَّ، فهو اسم فاعل من نقيت الشيء، وروي: “المدينة كالكير تنقي خبثها”، أي تستخرجه، ويروى بالتشديد فهو من التنقية وهي إفراز <3/500> الجَيِّد من الرديء. والكلأ: العشب رطبًا كان أو يابسًا. والواقي: الحافظ، وَهُوَ الذي يحفظ الزرع من الدوابِّ والطيور وغيرها، ومعناه ما قيل: وقاه أي صانه، فإنَّ الصيانة والحفظ بمعنى.
فائدة: (4/395)
صفحة 1389
كان أبو خزر رحمه الله تعالى بمصر عند أبي تميم أوَّل ملوك الفاطميِّين الذين ملكوا المغرب بعد الأئمَّة الرُّسْتُمِيِّينَ وملكوا مصر مع المغرب، فأخذ أبو تميم الشيخ أبا خزر عنده حين انتقل إِلىَ مصر خوفًا على المغرب منه، ورفع قدره، فحسده الوزراء وسعوا بِهِ، فبينما أبو تميم مارٌّ في الطريق ومعه أبو خزر والوزراء، فاعترض له زرع فشقَّه أبو تميم، ومال عنه الشيخ، فقيل له: إنَّه عدل عن اتِّباعك، فسأله عن ذلك، فذكر له الحديث: “إذا غابت الثريَّا لا يدخل الزرع إِلاَّ ثلاثة: ساقيه أو واقيه أو ناقيه”، قال: ولست بواحدٍ منهم وأنت واقيه، فتعجَّب من حسن بداهته وقال لأصحابه: ألم أقُل لكم لا تقدرون عليه؟. والله أعلم.
<3/501> ما جاء في النهي أن يحلب أحدٌ ماشية غيره بغير إذنه
قوله: «من طريق ابن عمر»: أي من جهته، والمعنى أنَّه أخذه عنه، والحديث رواه مالك أيضًا في الموطَّأ والبخاري ومسلم وابن ماجه.
قوله: «لا يحلبنَّ»: أي لا يستخرجنَّ حليبها من ضروعها، والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم، ولكنَّه في الغنم أكثر. والمشرُبة (بضمِّ الراء وقد تفتح): الغرفة. والخزانة (بالكسر): المخزن، وَهُوَ المكان الذي يخزن فيه الشيء، وتطلق الخزانة على الوعاء الذي يخزن فيه ما يُراد حفظه.
قوله: «فيُنقل طعامه»: أي يحوِّله عن الموضع الذي خزنه فيه، والمعنى: كما يكره أحدكم أن يدخل بيته وتفتح خزانته ويُحوَّل طعامه فكذلك يكره هؤلاء أن تحلب ماشيتهم، فإنَّ ضروعها خزائن أطعمتهم، وفيه تشبيه ما قد يخفى بما هو أوضح منه تقريبًا للأفهام.
قوله: «أطعمتهم»: أي ألبانهم، وفيه إطلاق الطعام على اللبن، فيحنث <3/502> من حلف لا يتناول طعامًا إِلاَّ أن يكون له نية في إخراج اللبن، أو يكون عُرفهم تخصيص الطعام بغير اللبن، فإنَّ العرف معتبر في باب الأيمان. (4/396)
صفحة 1390
قوله: «ولا يحلُّ أن تحلب ماشية أحد من غير إذنه»: عاد ذكر الحكم بعد ذكر علَّته تأكيدًا وتقريرًا، واستخرجوا منه فوائد:
منها ذكر الحكم بعلَّته.
ومنها ضرب الأمثال في الكلام، واستعمال القياس في الأحكام، وأنَّ القياس لا يشترط في صحَّته مساواة الفرع للأصل بِكُلِّ اعتبار، بل ربَّما كانت للأصل مزيَّة لا يَضُرُّ سقوطها في الفرع إذا تشاركا في أصل الصفة، لأنَّ الضرع لا يساوي الخزانة في الحرز، ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور في الحكم بالخزانة المقفلة في تحريم كلٍّ منهما بغير إذن صاحبه.
ومنها إباحة خزن الطعام إِلىَ وقت الحاجة.
ومنها أنَّ الشاة إذا كان لها لبن كان له قسط من الثمن.
ومنها أنَّ من حلب من ضرع ناقة أو غيرها مصرورة محروزة من غير ضرورة ولا تأويل ما يبلغ قيمة ما يجب فيه القطع أنَّ عليه القطع إن لم يأذن له صاحبها تعيينًا أو إجمالاً، لأنَّ الحديث قد أفصح بأنَّ ما في ضروع الأنعام جزء من الطعام، وحكى القرطبيُّ عن بعضهم وجوب القطع ولو لم يكن الغنم في حرز اكتفاء بحرز الضرع للَّبن وَهُوَ الذي يقتضيه ظاهر الحديث.
وقد جاء حديث عند قومنا يبيح ما منعه حديث الباب، وأجيب عنه بأنَّ حديث النهي أصحُّ، فهو أولى أن يعمل بِهِ، وبأنَّه معارض للقواعد القطعيَّة في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه.
ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع، منها: حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم.
ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره أو بالمضطرِّ دون غيره، وقيل: الإذن كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وحديث النهي أشار بِهِ إِلىَ ما سيكون بعده من التشاحح وترك المواساة، ومنهم من حمل النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المارِّ، وهذا غير المرضيِّ، وما قبله أقرب منه. والله أعلم.
<3/503> ما جاء في منع القليل من أموال الناس وإن كان مشاعًا (4/397)
صفحة 1391
وذكر في حديث عبادة وَهُوَ قطعة من حديث أخرجه النسائي، وقد تَقَدَّمَت قطعة منه في جامع الغزو.
قوله: «رُدُّوا الخيط والمِخْيَط»: (بكسر الميم وإسكان المعجمة وفتح الياء): الإبرة، وفي نسخة القطب: «رُدُّوا الخِياط والْمِخْيَطَ» والخِياط (بكسر المعجمة وتحتيَّة بزنة لحاف): أي الخيط، بدليل عطف المِخْيط عليه، وإن أطلق الخياط على الإبرة كما في قوله تعالى: {فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] فلا يصحُّ تفسيره بها في الحديث، وهذا خرج على التقليل ليكون ما فوقه أولى بالدخول في معناه. وروى عبد الرزَّاق أنَّ عقيل بن أبي طالب دخل في امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين وسيفه ملطَّخٌ دمًا فقال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك فدفعها إليها، فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئًا فليردَّه حتَّى الخيط والمخيط، فرجع عقيل فأخذها فألقاها في الغنائم.
قوله: «وإيَّاكم والغُلولُ»: أي احذروه، وهي الخيانة في المغنم، سمِّي بذلك لأنَّ صاحبه يغلُّه في متاعه، أي يخفيه فيه، وَهُوَ من الكبائر إجماعًا.
<3/504> قوله: «فإنَّه عارٌ»: أي شيء يلزم منه شَيْنٌ أو سبَّة، والمعنى: أنَّ صاحب الغلول يفتضح يوم القيامة حين يأتي بما غلَّ يحمله على عنقه، إن كان بعيرًا جاء بِهِ وله رُغاء، أو بقرة جاء بها ولها خوار، أو شاة فإنَّه يأتي بها ولها ثُغاء، {وَمَنْ يَّغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وهذا - قيل - الجزاء الأكبر {ثُمَّ تُوَفَّىا كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]. والله أعلم.
ما جاء في كسب الحجَّام
<3/505> وذكره في باب الوعيد في الأموال إشارة إِلىَ الخلاف الموجود في كسبه، وقد جاء النهي عنه في حديث أبي هريرة عند أحمد، وسمَّاه خبيثا في حديث رافع بن خديج عند أحمد ومسلم والترمذي وأبي داود وصحَّحه، وبذلك استدلَّ من قال بتحريم كسب الحجَّام لأنَّ النهي حقيقة في التحريم، والخبيث حرام. (4/398)
صفحة 1392
وذهب الجمهور إِلىَ أنَّه حلال، واحتجُّوا بحديث الباب وحملوا النهي على التنزيه لأنَّ في كسب الحجَّام دناءة، والله يحِبُّ معالي الأمور، ولأنَّ الحجامة من الأشياء التي تجب على المسلم للإعانة له عند الاحتياج إليها.
قال ابن عبَّاس: “احتجم النبيء صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجَّامَ أجره، ولو كان سُحتًا لم يعطِه”، رواه أحمد والبخاري ومسلم، ولفظه: “حجم النبيء صلى الله عليه وسلم عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه النبيء صلى الله عليه وسلم أجرَه وكلَّم سيِّدَه فخفَّف عنه من ضريبته، ولو كان سُحتًا لم يُعطِه النبيء صلى الله عليه وسلم”.
قوله: «أَنَّ أبا طيبة»: (بفتح الطاء المهملة وسكون التحتيَّة بعدهما موحَّدة) واسمه: نافع، وَقِيلَ: دينار، وَقِيلَ: ميسرة، وَهُوَ مولى لبني حارثة من الأنصار، ثمَّ مولى محيصة بن مسعود، وَقِيلَ: إنَّه عبد لبني بياضة، قيل: عاش مائة وثلاثا وأربعين سنة، قال ابن عبَّاس “لقيت أبا طيبة لسبع عشرة مضت من رمضان، فسألته: من أين جئت؟ قال: حجمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني الأجرَ”.
قوله: «بصاع من تمر»: ومثلها رواية مالك وأبي داود. وعند الشيخين وأحمد من حديث أنس: “وأعطاه صاعين من طعام”، وفي لفظ: “فأعطاه أجره صاعًا أو <3/506> صاعين”، رواه أحمد والبخاري. وفي رواية لمسلم: “فأمر له بصاع أو مُدٍّ أو مدَّين” على الشك، وليس الشكُّ كاليقين.
قوله: «وأمر أهله»: أي ساداته، وفي رواية أنس: “وكلَّم مواليه أن يخفِّفوا عنه من ضريبته”، وبه استدلَّ على أنَّه كان لجماعة لكن يَرُدُّه ما في حديث ابن عبَّاس عند مسلم: “وكلَّم سَيِّده فخفَّف عنه”. (4/399)
صفحة 1393
قوله: «أن يخفِّفوا عنه من خراجه»: يعني أنَّه صلى الله عليه وسلم كلَّم سادات أبي طيبة أن يخفِّفوا عنه من الخراج الذي جعلوه عليه ففعلوا. وفي حديث جابر بن عبد الله تعيين القدر الذي خفِّف عنه، قال جابر: “دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طيبة فحجمه، فسأله عن ضريبته، فقال: ثلاثة آصاع، قال: فوضع عنه صاعًا”، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة من رواية أبي الفضل بن الحسن الطبري بسنده...الخ، ثمَّ قال: ذكرت الثلاثة يعني ابن منده وأبا نُعيم وابن عبد البرِّ.
وفي الحديث إباحة الحجامة ويلحق بها ما يُتداوى بِهِ من إخراج الدم وغيره. وفيه الأجرة على المعالجة بالطبِّ، والشفاعة إِلىَ أصحاب الحقوق أن يخفِّفوا منها، وجواز مخارجة السَّيِّد لعبده كَأَن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كُلَّ يوم كذا، وما زاد فهو لك، وفيه استعمال العبد بغير إذن سيِّده الخاصِّ إذا كان إذنه العامُّ قد تضمَّن تمكينه من العمل. والله أعلم.
باب جامع الآداب
جمع أدب وَهُوَ استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وَعَبَّرَ بعضهم عنه بأنَّه الأخذ بمكارم الأخلاق، وَقِيلَ: الوقوف مع المستحسنات، وَقِيلَ: تعظيم مَنْ فوقَك والرفق بمَن دونَك، ويقال: إنَّه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إِلىَ الطعام، سمِّي بذلك لأنَّه يدعى إليه.
<3/507> ما جاء في النهي عن التباغض والتحاسد والتدابر
قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم. (4/400)
صفحة 1394
قوله: «لا تباغضوا»: أي لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنَّ البغض لا يكتسب ابتداء، وَقِيلَ: المراد النهي عن الأهواء المضلَّة المقتضية التباغض، وَقِيلَ: بل المراد الأعمُّ من ذلك وتعاطي الأهواء ضرب منه، وحقيقة التباغض أن يقع بين <3/508> اثنين وقد يطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله، فإنَّه واجبٌ فيه، ويثاب فاعله، لتعظيم حقِّ الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة؛ لأنَّا لم نكلَّف الغيب ولم نتعبَّد إِلاَّ بظاهر الأمر.
قوله: «ولا تحاسدوا»: أي لا يتمنَّى بعضكم زوال نعمة بعض، والحسد تمنِّي الشخص زوال النِّعمة عن مستحقٍّ لها، وَهُوَ أَعَمُّ من أن يسعى في ذلك أم لا، فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يسع في ذلك ولاَ أظهره ولا تسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة التي نُهي المسلم عنها في حقِّ المسلم، نُظر فإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يُعذر؛ لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانيَّة، فيكفيه في مجاهدتها أنَّه لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها.
قوله: «ولا تدابروا»: أي لا تتعاطوا الإدبار بإعراض بعضكم عن بعض، وسمِّي الإعراض مدابرة لأنَّ من أبغض أعرض، ومن أعرض فقد ولَّى دبره، والمحبُّ بالعكس، وَقِيلَ: معناه لا يستأثر أحدكم على أحد، وسمِّي المستأثر مُدبِرًا لأنَّه ولَّى دبرَه حين يستأثر بشيء دون الآخر، وَقِيلَ: معنى التدابر المعاداة، تقول: دابرته، أي عاديته، وَقِيلَ: معناه لا تخاذلوا ولكن تعاونوا.
قوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا»: أي اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مِمَّا سبق ذكره وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتًا ونفيًا، وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدَّم، كأنَّه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانًا، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيرون أعداء. (4/401)
صفحة 1395
قوله: «عبادَ الله»: أي يا عبادَ الله، بحذف النداء، وفيه إشارة إِلىَ أنَّكم عبيد الله، فحقُّكم أن تتواخوا بذلك، وقال القرطبيُّ: “المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبَّة والمواساة والمعاونة والنصيحة”.
قوله: «ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه...» إلخ: يأتي شرحه في الحديث الذي يليه. وفي الحديث تحريم بغض المسلم والإعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب <3/509> شرعيٍّ، والحسد له على ما أنعم الله بِهِ عليه، والحثُّ على أن يعامله معاملة الأخ للنسب، وأن لا ينقِّب عن معائبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب وقد يشترك الحيُّ مع الميِّت في كثير من ذلك. والله أعلم.
ما جاء في النهي عن هجران المسلم فوق ثلاث
وذكر فيه حديث أبي سعيد عن أبي أَيُّوب، ففيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وَهُوَ من لطائف الإسناد، رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم كلُّهم من حديث أبي أَيُّوب الأنصاري.
<3/510> قوله: «لا يحلُّ لمسلم»: أي لا يجوز له، فمن فعله آثم، لأنَّ نفي الحلِّ يثبت التحريم، ومرتكب الحرام آثم. قال ابن عبد البرّ: أجمعوا أنَّه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إِلاَّ إن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرَّة، فإن كان كذلك جاز، وربَّ هجر جميل خير من مخاطبة مؤذية. واستشكل بما صدر من بعض الصحابة في حقِّ بعض من الهجر فوق ثلاث مع علمهم بالنهي، فهجرت فاطمة أبا بكر حين منعها الميراث من أبيها، وذكر لها الخبر: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث”. ونذرت عائشة أن لا تكلِّم ابن الزبير، ثمَّ دخل عليها بعد مدَّة برجلين من الصحابة فكلَّمته بعد الجهد الجهيد، وأعتقت لذلك أربعين رقبة، وكانت إذا تذكَّرت نذرها بعد ذلك تبكي حتَّى تبلَّ دموعها خمارها. (4/402)
صفحة 1396
وأجيب بأنَّ هنا مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب المهاجرة جملة، فيبذل السلام والكلام والمودَّة بِكُلِّ طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إِنَّمَا وقع لمن يترك المقام الأدنى، وأمَّا الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه الملام، بخلاف الأقارب، فإنَّه يدخل في قطيعة الرحم، وفيه مناقشة، لأنَّ ابن الزبير كان ابن أخت عائشة فله فيها رحم قريبة، ولهذا قال ابن الزبير: لا يحلُّ أن تنذري قطيعتي. وقد كانت عائشة قد علمت بذلك لَكِنَّهَا تعارض عندها هذا والنذر الذي التزمته، فلمَّا وقع من اعتذار ابن الزبير واستشفاعه ما وقع رجح عندها ترك الإعراض عنه واحتاجت إِلىَ التكفير عن نذرها بالعتق الذي تقدَّم ذكره، ثمَّ بعد ذلك يعرض عندها شكٌّ في أنَّ التكفير المذكور لا يكفيها فتظهر الأسف على ذلك، إمَّا ندمًا على ما صدر منها من أصل النذر المذكور، وإمَّا خوفًا من عاقبة ترك الوفاء بِهِ.
قوله: «أخاه»: يعني المسلم، وإفادة ذلك قصر الحكم على المسلمين وإباحته في غيرهم، وقد يباح في حقِّ المنافق والمجاهر بالفسق إذا اقتضت الأحكام ذلك، بل وقد يجب في مواضع الإصرار والعناد إن رجي قطع الفساد.
قوله: «فوق ثلاث ليال»: وفي رواية أخرى: “فوق ثلاثة أيَّام” فأفادنا ذلك <3/511> أنَّ الاعتبار بمضيِّ ثلاثة أيَّام بلياليها ملفَّقة، إذا ابتدأت مثلا من الظهر يوم السبت كان آخرها ظهر يوم الثلاثاء، ويحتمل أن يكون أوَّل العدَّة من ابتداء اليوم أو الليلة، والأوَّل أحوط.
وظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وَهُوَ من الرفق، لأنَّ الآدميَّ في طبعه الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، والغالب أنَّه يزيد أو يقلُّ في الثلاث. وذكر الخطابيُّ أنَّ هجران الوالد لولده والزوج لزوجته لا يتقيَّد بالثلاث واستدلَّ بأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرًا. (4/403)
صفحة 1397
وقال الثوري: وردت الأحاديث بهجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنَّة وأنَّه يجوز هجرانهم دائمًا، والنهي عن الهجران فوق ثلاث إِنَّمَا هو لمن هجر لحظِّ نفسه ومعايش الدُّنيا، وأمَّا أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائم. قال غيره: ومازالت الصحابة والتابعون من بعدهم يهجرون من خالف السنَّة، أو من دخل عليه من كلامه مفسدة.
قوله: «يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا»: تفسير للهجران، أي لا يحلُّ لهم هذه الحال وَهُوَ أن يلتقيا فلا يتكالمان، بل يأخذ هذا جانبًا وهذا جانبًا. وبمعناه ما قال بعضهم: إِنَّ الهجرة ترك شخص مكالمة الآخر، وهي في الأصل الترك فعلاً كان أو قولاً.
قوله: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»: أي خير الرجلين من سبق صاحبه بالسلام عليه، وإنَّما كان خيرهما لأنَّه صار سببًا لزوال الوحشة ورفع القطيعة، وكان مسارعًا إِلىَ امتثال أمر رَبِّهِ عزَّ وجلَّ. واستدلَّ بِهِ أنَّ الهجرة تزول بِمُجَرَّدِ السلام وردِّه، وَقِيلَ: لا يبرأ من الهجرة إِلاَّ بعوده إِلىَ الحال التي كان عليها أَوَّلاً.
<3/512> ما جاء في النهي عن سوء الظنِّ وعن التجسُّس والتنافس
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم.
<3/513> قوله: «إيَّاكم والظنَّ»: أي اجتنبوا سوء الظنِّ بالمسلم فلا تتَّهموا أحدًا بالفاحشة ما لم تظهر عليه، والظنُّ: تهمة تقع في القلب بلا دَلِيل، وَهُوَ حرامٌ إن اعتقده كذلك، أمَّا الخواطر وحديث النفس فعفوٌ بل الشكُّ عفوٌ أيضًا فالمنهيُّ عنه الظنُّ، وَهُوَ عبارة عمَّا تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، ومنه: “إذا ظننت فلا تحقِّق”.
قوله: «فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث»: أي حديث النفس، وإنَّما كان الظنُّ أكذبه لأنَّه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان. (4/404)
صفحة 1398
واستشكل تسميته كذبًا بأنَّ الكذب من صفات الأقوال، وأجيب بأنَّ المراد عدم مطابقته الواقع، سواء كان قولاً أم لا، ويحتمل أنَّ المراد ما ينشأ عن الظنِّ، فوصف الظنِّ بِهِ مجاز.
قوله: «ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا»: (بالجيم في الأولى والحاء في الثانية) قال الربيع: ولا تجسَّسوا: أي لا يتبعْ بعضكم عورة بعض، ولا تحسَّسوا: أي لا يمشِ أحدكم بالنمائم، وقال غيره: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء استماع حديث القوم، وَقِيلَ: بالجيم البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرِّ، وبالحاء البحث عمَّا يدرك بحاسَّة العين أو الأذن، وَقِيلَ: بالحاء تتبُّع الشخص لنفسه وبالجيم لغيره، وَقِيلَ: التجسس (بالجيم) تطلُّب أخبار الناس في الجملة، وذلك لا يجوز إِلاَّ للإمام الذي رتَّب مصالحهم وألقي عليه زمام حفظهم، فأمَّا عِرْض الناس فلا يجوز لهم ذلك إِلاَّ لغرض مصاهرة أو جوار أو مرافقة في سفر أو معاملة أو ما أشبه ذلك من أسباب الامتزاج، وأمَّا بالحاء فطلب الخبر الغائب للشخص، وذلك لا يجوز للإمام ولا لسواه. وَقِيلَ: هما لفظتان معناهما واحد، وَهُوَ البحث والتطلُّب لمعايب الناس ومساوئهم، إذا غابت واستترت لم يحلُّ أن يسأل عنها ولا يكشف خبرها، وأصل هذه اللفظة في اللغة من قولك: حسَّ الشيء إذا أدركه بحسِّه، وجسَّه من المجسَّة والمحسَّة. وقال ابن الأنباري: ذكر الثاني للتوكيد كقولهم: “بُعدًا وسحقًا”. وقال الخطابيُّ: أصل التي بالحاء من الحاسَّة أحد الحواسِّ الخمس، <3/514> وبالجيم من الجسِّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي أحد الحواسِّ، فيكون التي بالحاء أَعَمَّ، وإنَّما عطف الجملتين على قوله: “إِيَّاكُم والظنَّ” لأنَّ الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقَّق، فيتجسَّس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك. (4/405)
صفحة 1399
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ...} الآية [الحجرات: 12]، فَدَلَّ سياقها على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظنِّ، فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقَّق قيل له: {وَلاَ تَجَسَّسُوا}، فإن قال: تحقَّقته من غير تجسيس قيل له: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}.
قوله: «ولا تنافَسوا»: (بفاء ثمَّ مهملة)، كذا ضبطه المحشِّي وعليه أكثر الروايات، وفي بعض النسخ بالشين المعجمة بعد الفاء، وفي بعضها بالمعجمة بعد القاف، وهما متقاربتان في المعنى، ويناسبهما تفسير الربيع في قوله: “أي لا ينتقم بعضكم من بعض بما جعل فيه من السوء”، وفي نسخة القطب: “بما جاء فيه من السوء”، أي لا يشبث أحدكم عيوب صاحبه ليشفي غيظه، فالانتقام التشفِّي للنفس، والنفش: نشر ما كان ملتثمًا، ويطلق على كثرة الكلام والدعاوى، وعلى نسخة القاف فالنقش استقصاؤك الكشف عن الشيء، والمعنى: لا يستقص أحدكم كشف عيوب صاحبه ليشفي غيظه منه، وإن رويناه بالفاء والسين المهملة كما ضبطه المحشي كان النهي عن المنافسة، وهي الرغبة بالشيء، أي لا تتنافسوا حرصًا على الدنيا، إِنَّمَا التنافس في الخير، قال الله تعالى: {وَفِي ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] . وكلام الربيع لا يناسب هذا المعنى، إِلاَّ أن يقال: فَسَّرَ المنافسة بما تستلزمه من دواعي الشرِّ، فإنَّهم إن تنافسوا أفضى ذلك إِلىَ انتقام بعضهم من بعض، ووقع في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك عند البخاري: “ولا تناجشوا” بدل قوله: “ولا تنافسوا”، وكذا وقع في بعض طرق الحديث من وجه آخر. (4/406)
صفحة 1400
قال عياض: النَّجْشُ المنهي عنه في البيع أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وليس المراد هنا، وإنَّما المراد النهي عن ذمِّ بعضهم بعضًا، وقيل: النجش التنفير، يقال نجش الصيد: نفره، والنجش أيضا الإطراء، فمعنى “لا تناجشوا”: لا ينافر بعضُكم بعضًا، أي لا يعامله من القول بما يُنفره، كما ينفر الصيد، بل يسكِّنه ويؤنسه، ويرجع إِلىَ معنى “لا تقاطعوا ولا تدابروا”.
قوله: «ولا تحاسدوا...»الخ: تقدَّم شرحه في حديث أنس أوَّل الباب، قال القرطبي وغيره: هذه أمور غير مكتسبة، فلا يصحُّ التكليف بها فيصرف النهي إِلىَ أسبابها، أي لا تفعلوا ما يوجب ذلك. والله أعلم.
<3/516> ما جاء أنَّ الحسد والظنَّ والبغي من كبائر الذنوب
قوله: «عن ابن مسعود»: الحديث لم أجده عند غيره ولعلَّه مِمَّا تفرَّد بِهِ.
قوله: «إيَّاكم والحسد»: أي احذروه، فـ“إِيَّاكُم” كلمة تحذير، وقد تقدَّم الكلام في الحسد والظنِّ، وأنَّ الظنَّ أكذب الحديث، وَهُوَ ظنُّ السوء بالمسلم.
وأمَّا البغي فمجاوزة العدل إِلىَ الجور والحقِّ إِلىَ الباطل، كالاستطالة على الناس والتعدِّي على الحقوق، وكالإفراط ومجاوزة على المدار الذي هو حدُّ الشيء فهو بغي. (4/407)
صفحة 1401
قوله: «لاحظَّ في الإسلام...»الخ: أي لا نصيبَ في الإسلام لمن فعل هذه الخصال كُلَّهَا، ولا لمن كان فيه واحدة منها، فالحسد إذا فعل مقتضاه أخرجه <3/517> عن الإسلام إِلىَ كفر النعمة، وكذلك الظنُّ إذا حقَّقه وكذلك البغي إذا فعله، فكلُّ واحدة منها كبيرة على الانفراد، إذ لو لم تكن كبيرةً لَمَا أخرجت صاحبها من الإسلام، واجتماع الثلاث أشدُّ، ولهذا المعنى كرَّر في الحديث قوله: «لا حظَّ» ليفيد تحريم ذلك مجتمعًا ومتفرِّقًا، إذ لو سكت على قوله: “لمن فعل ذلك” لكان يُتوهَّم أنَّ من كان فيه واحدة فقط لا يخرج عن الإسلام، فنفى هذا التوهُّم بقوله: “ولا حظَّ في الإسلام لمن فيه إحدى هذه الخصال”، ونفي الإسلام عنه يقتضي دخوله في الكفر، فَهو دَلِيل لقول أصحابنا أنَّ صاحب الكبيرة كافر كفر نعمة. والله أعلم.
ما جاء أنَّ سوء الظنِّ جائز فيمن عُرِفَ بالسُّوء
وذُكر فيه أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قوله: «من علمنا فيه خيرًا»: أي من شاهدنا منه أعمال الخير أو بلغنا عنه ذلك بشيء من طرق العلم قلنا فيه خيرًا: أي أثنينا عليه بما علمنا منه، أي أحسنَّا الظنَّ بِهِ فيما خفي علينا من حاله، لأنَّ أفعاله الظاهرة دَلِيل على أحواله الباطنة، فلا تَتَخَلَّفُ السيرة والسريرة، لأنَّ حسن السيرة ثمرة حسن السريرة، فمن كان ذا سريرة حسنة صدرت منه سيرة حسنة، ومن خبثت سريرته ساءت سيرته، وإن سترها زمانًا فإنَّها تظهر أحيانًا:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تُعلَم
أي من ظهر لنا منه فعل الشرِّ بالمشاهدة أو بالسماع، وَهُوَ الصحيح.
<3/518> قوله: «ومن علمنا فيه»: ذممناه: أي شرًّا وذكرناه بما فيه من الشرِّ، لأَنَّهُم شهداء على الناس.
قوله: «قلنا فيه شَرًّا»: أي ساء ظنُّنا فيه حين علمنا منه الشرَّ لأنَّ العادة محكَّمة، ومَن أكثرَ من شيء عُرف بِهِ. (4/408)
صفحة 1402
إذا عَرف الكذَّابُ بالكذب لم يكن ... يصدَّق في شيء وإن كان صادقًا
فلمَّا عرف منه سوء حاله أثَّر في النفس سوء الظنِّ به في سائر أحواله، ويقال: إنَّ قرائن الأحوال تغلِّب أحدَ الجانبين، فإن ظهرت قرينة سوء وخبث ونكث العهد وما أشبه ذلك حصل معه سوء الظنِّ، وإن ظهرت قرينة صدق وصلاح ووفاء لم يظنَّ بِهِ ذلك وقوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] يشير إِلىَ هذا المعنى، وَهُوَ وجه الجمع بين هذا الأثر وبين ما تقدَّم من التحذير من سوء الظنِّ، وجاءت أحاديث في الاحتراس بسوء الظنِّ من الناس فتحمل على من ظهرت منه قرائن السوء، وَقِيلَ: إذا كان سوء الظنِّ على طلب السلامة من الناس لم يأثم صاحبه. والله أعلم.
<3/519> ما جاء أنَّ من حسد فلا يَبْغِ
قوله: «سمعتُ عن رسول الله»: الحديث مرسل، ومعناه عند ابن عديٍّ في الكامل من حديث أبي هريرة، وأخرج عبد الرزَّاق عن معمر عن إسماعيل بن أميَّة رفعه: “ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والظنُّ والحسد، قيل: فما المخرج يارسول الله؟ قال: إذا تطيَّرت فلا ترجع، وإن ظننت فلا تحقِّق، وإذا حسدت فلا تبْغِ”. وعن الحسن البصري قال: “ما من آدميٍّ إِلاَّ وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إِلىَ البغي والظلم لم يتبعه منه شيء”.
قوله: «من حسد فلا يبغِ»: أي من وقع الحسد في نفسه اضطرارًا طبيعيًّا فلا يعمل بمقتضاه، فإنَّ العمل بمقتضاه بغي، وما دون ذلك عفو، لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانيَّة، فيكفيه في مجاهدتها أنَّه لا يعمل بها ولا يعزم على العمل، ويستثنى من ذلك إذا كانت النِّعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى، فله أن يتمنَّى زوال النِّعمة عنه إذ بزوالها تزول المعصية، وله أن يدعو الله عليه بزوالها، وليس هذا من الحسد المذموم، وإنَّما هو نوع من الجهاد. (4/409)
صفحة 1403
قوله: «ومن تطيَّر فلا يرجع»: أي من تشاءم بما رأى من الطير ونحوه فلا يرجع عن قصده بل يمضي حيث أراد ويتوكَّل على الله تعالى ويخالف ما كانت عليه <3/520> الجاهليَّة من العمل بالطيرة، كانوا إذا خرجوا إِلىَ سفر نَفَّروا أوَّل طائر يلقونه، فإن طار يمنةً ساروا وتيمَّنوا، وإن طار يسرةً رجعوا وتشاءموا، فنهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال الشاعر:
طيرة الناس لا تردُّ قضاءً ... فاعذر الدهرَ لا تَعِبْه بلوْم
أيَّ يوم تخصُّه بسعود ... ... والمنايا تنزل في كُلِّ يوم
ليس يومٌ إِلاَّ وفيه سعودٌ ... ونحوسٌ تجري لقوم وقوم
قوله: «من ظنَّ فلا يحقِّقْ»: أي إذا ظننتم بأحدٍ سوءً فلا تحقِّقوا ذلك بالتجسُّس وتتبُّع موارده، {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
قوله: «وهو فرق ما بين المسلم والمنافق»: فإنَّ المسلم يمتثل هذه الأوامر فلا يبغي ولا يرجع بالتطيُّر ولا يتَّبع العورات ليتحقَّق الظنَّ الواقع في نفسه، والمنافق على عكس ذلك، فهو يبغي إذا حسد ويرجع إن تطيَّر، ويحقِّق إن ظنَّ. وجعل هذه الأشياء من علامات النفاق دَلِيل على أنَّها كبائر. والله أعلم.
<3/521> باب نَسَمَة المؤمن ومَثَله
ذكر فيه أحاديث في الأدب، كان ذكرها في الباب السابق أنسب، وكأنَّه أراد بذكرها هنا بيان صفة المؤمن من غيره، وأنَّ المؤمن هو الذي يتَّصف بمقتضاها دون غيره فيدخل معناها تحت قوله: “ومَثَله” (بفتحتين) أي صفته، وأمَّا “النَّسَمَة” (بفتحتين) فالروح، وَمَعنَى الترجمة أنَّ الباب موضوع لذكر روح المؤمن ومصيرها في الآخرة ولبيان صفته في الدنيا. (4/410)
صفحة 1404
قوله: «بلغني عن كعب بن مالك»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ على ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب الأنصاريِّ أنَّه أخبره أنِّ أباه كعب بن مالك كان يحدِّث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره، ورواه الشافعيُّ عن مالك وأحمد عن الشافعيِّ عن مالك بالسند المتقدِّم، قال ابن عبد البرِّ: وهذا حديث صحيح عزيز عظيم.
<3/522> و“كعب بن مالك” تقدَّم ذكره في الجزء الأوَّل، وَهُوَ أحد الثلاثة الذين خلِّفوا، مات في خلافة علي.
قوله: «إِنَّمَا نسمة المؤمن»: (بفتح النون والسين) أي: روحه، والمؤمن يتناول الشهيد وغيره، واختلف في المراد بِهِ هنا فقيل: المراد المعنى العامُّ فيدخل فيه الشهيد وغيره، وَقِيلَ: خاصٌّ بالشهداء، لأنَّ القرآن والسنَّة يخصَّان الشهيد بهذا الوصف، وَقِيلَ: روح المؤمن تكون على شكل طير في الجنَّة، وأمَّا أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر تَرِدُ أنهار الجنَّة وتأكل من ثمارها، وتأوي إِلىَ قناديل من ذهب في ظلِّ العرش، كما رواه أحمد عن ابن عبَّاس مرفوعًا.
واختار ابن عبد البرِّ حمله على الشهداء ليزول توهُّم معارضة هذا الحديث للحديث المتقدِّم في باب القبور في عرض المقعد، لأنَّه إذا كان يسرح في الجنَّة فهو يراها في جميع أحيانه.
قوله: «طائر»: في رواية مالك: “طير”، والمعنى واحد، أي في هيئة طير، وأطلق عليها اسمه لاشتراكهما في الطيران والهيئة، والله يخلق ما يشاء.
قوله: «يعلَّق في شجر الجنَّة»: أي ليأكل من ثمارها، و“يعلَّق” (بالتحتية) صفة طائر: وأمَّا اللام فروى بالفتح والضمِّ، قيل: والفتح أكثر، والمعنى واحد، وَهُوَ الأكل والرعي، وَقِيلَ: معنى روايته بالفتح: تأوي، والضمِّ: ترعى، تقول العرب ذقت <3/523> اليوم عَلوقًا، وَقِيلَ: بالفتح معناه: يتشبث بها ويرى مقعده منها، والضمُّ معناه: يصيب منها العلقة من الطعام.
قوله: «حتَّى يرجعه»: أي يردَّه إِلىَ جسده الذي خرج منه بالموت في الدنيا. (4/411)
صفحة 1405
قوله: «يوم يبعثه»: أي يحييه للجزاء، وذلك يوم القيامة، والغرض تأييد هذه الحالة المذكورة في الحديث، وأنَّها لا تنقطع إِلىَ يوم القيامة، ثمَّ يصير مع جسده في النعيم المقيم والملك الدائم، فروحه قبل البعث في نعيم الجنَّة، وبعد البعث يصير جميعه إِلىَ ما أعد الله له من الثواب الجزيل والملك الجليل، نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه الصِّفة، إنَّه قريب مجيبٌ.
ما جاء في مَثَل المؤمن
<3/524> قوله: «بلغني عن ابن عمر»: الحديث عند البخاري من رواية مجاهد ونافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر. قال ابن حجر: قال البزَّار في مسنده: لم يَرْوِ هذا الحديث عن النبيء صلى الله عليه وسلم بهذا السياق إِلاَّ ابن عمر وحده، وَلَمَّا ذكره الترمذيُّ قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وأشار بذلك إِلىَ حديث مختصر لأبي هريرة. وأورده عبد بن حميد في تفسيره لفظه: “مَثَل المؤمن مثل النخلة”، وعند الترمذيِّ أيضًا والنسائي وابن حبَّان من حديث أنس أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قرأ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24]، قال: هي النخلة”، تفرَّد برفعه حمَّاد بن سلمة، قال: وفي رواية مجاهد عن ابن عمر أنَّه كان عاشر عشرة، فاستفدنا من مجموع ما ذكرناه أنَّ منهم أبا بكر وعمر وابن عمر وأبا هريرة وأنس بن مالك أن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس.
قوله: «إنَّ من الشجر»: زاد في رواية مجاهد عند البخاري في “باب الفهم في العلم” قال: “صحبت ابن عمر إِلىَ المدينة فقال: كنَّا عند النبيء صلى الله عليه وسلم، <3/525> فأتِيَ بِجُمار فقال: إن من الشجر...”. (4/412)
صفحة 1406
قوله: «ولا يسقط ورقها»: المراد بورقها سعَفُها، وَهُوَ الخوص، فإنَّه لا يسقط بخلاف ورق الأشجار، ولم يدخل هذا الوصف في وجه التمثيل حتَّى نبحث عن الجامع بينهما، وأدخله ابن حجر فالتمس الجمع من رواية الحارث بن أسامة في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر، وفيه: “هي النخلة لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة”.
قوله: «مَثَل المؤمن»: أي مثل المصدِّق القائم بما عليه من واجبات الشرع، فهو فائدة ذكر الوصفين معًا، واقتصر في البخاري على المسلم.
و“مِثْل” بكسر الميم وإسكان المثلَّثة وبفتحهما معًا وجهان، بل روايتان، ومعناهما واحد. قال الجوهري: “ومِثْلُه ومَثَله كلمة تسوية، كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه بمعنى واحد”، قال: “والمثل بالتحريك ما يضرب من الأمثال”.
قوله: «فوقع الناس»: أي ذهبت أفكارهم في أشجار البراري، وهي الصحاري، وفي رواية البخاري: “في شجر البوادي”، والمعنى واحد، وذلك أنَّه جعل كلٌّ منهم يُفَسِّرُها بنوع من الأنواع، وذهلوا عن النخلة.
قوله: «فوقع في نفسي»: وفي نسخة القطب: “في قلبي”، والمعنى واحد، وبيَّن وجه ذلك في رواية من طريق مجاهد: فظننتُ أنَّها النخلة من أجل الجمَّار الذي أتى بِهِ.
قال ابن حجر: وفيه إشارة إِلىَ أنَّ الْمُلْغَزَ له ينبغي أن يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأنَّ الْمُلْغِزَ ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية بجيث لا يجعل للملْغَزِ له بابًا يدخل منه، بل كلَّما قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه.
قوله: «فاستحييتُ»: أي منعني الحياء من إبداء ذلك لكوني أصغر القوم سنًّا، وفي رواية: “ورأيت أبا بكر وعمر لا يَتَكَلَّمان فكرهت أن أتكلَّم، <3/526> فلمَّا قمنا قلت لعمر: يا أبتاه”، وفي رواية: “فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال: لئن تكون قلتها أحبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا”. (4/413)
صفحة 1407
قوله: «هي النخلة المباركة...»إلخ: في ذكر أوصافها إشارة إِلىَ وجه التشبيه، ونظيره ما وقع عند البخاري في الأطعمة من طريق الأعمش، قال حدَّثني مجاهد عن ابن عمر قال: “بينما نحن عند النبيء صلى الله عليه وسلم إذ أتيَ بجمَّار فقال: إنَّ من الشجر لما بركته كبركة المسلم، وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها مستمرَّة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إِلىَ حين تيبس تؤكل أنواعها، ثمَّ بعد ذلك يُنتفع بجميع أجزائها حتَّى النوى في علف الدوابِّ والليف في الحبال وغير ذلك مِمَّا لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامَّة في جميع الأحوال، ونفعه مستمرٌّ له ولغيره حتَّى بعد موته”.
وقال القرطبي: فوقع التشبيه بينهما من جهة أنَّ أصل دين المسلم ثابت وأنَّ ما يصدر عنه من العلوم والخير قوتٌ للأرواح مستطاب، وأنّه لا يزال مستورًا بدينه فإنَّه يُنتفع بِكُلِّ ما صدر عنه حيًّا وميِّتًا. وذكر غيره في وجه التشبيه أوصافًا كلُّها ضعيفة لخلافها ظاهر الأحاديث، ولأنَّ تلك الأوصاف مشتركة في الآدميِّين لا تختصُّ بالمسلم.
قوله: «تؤتي أكلها»: أي مأكولها، والمُراد: ما يؤكل من ثمارها، وذلك بعض بركتها، وإنَّما خصَّ المأكول بالذكر لأنَّه المقصود الأعظم منها، فالاقتصار على ذكره لا ينافي ما تقدَّم من الوجوه في ذكر بركتها.
<3/527> قوله: «كلّ حين»: قال المصنِّف: يعني في كلّ ستَّة أشهر، لأنَّ المراد من حين ظهور الثمرة إِلىَ حين إدراكها، وَهُوَ قول سعيد بن جبير وقتادة والحسن ونسب إِلىَ علي بن أبي طالب، وَهُوَ رواية عن ابن عبَّاس، وفي رواية عنه أيضًا أنَّ الحين سنة، وبه قال مجاهد وعكرمة، لأنَّ النخلة تثمر في كلّ سنة ثمرة، قال الربيع بن أنس: كلّ حين أي كلّ غُدوة وعشية، لأنَّ ثمر النخل يؤكل أبدًا ليلا ونهارًا صيفًا وشتاءً إمَّا تمرًا رُطبًا أو بُسرًا، كذا عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره وبركة يمنه لا تنقطع أبدًا. (4/414)
صفحة 1408
وفي الحديث فوائد منها: امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانٍ لهم إن لم يفهموه ومنها التحريض على الفهم في العلم.
ومنها استحباب الحياء مالم يؤدِّ إِلىَ تفويت مصلحة.
ومنها ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام وتصوير المعاني لترسخ في الذهن ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة.
وفيه إشارة إِلىَ تشبيه الشيء بالشيء ولا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله.
ومنها أنَّ العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأنَّ العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء . والله أعلم.
<3/528> ما جاء في فضل التقوى
قوله: «سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»: الحديث مرسل ولم أجده عند غيره فكأنَّه مِمَّا تفرد بِهِ وله في معناه شواهد كثيرة.
قوله: «من اتَّقى الله»: أي أطاعه في أمره و نهيه بقدر الاستطاعة.
قوله: «كفاه الله مُؤْنَة الناس»: أي دفع عنه ما يتعِبُه من معاناة الناس، وحفظَه من شرِّهم ورزقه الهيبة في قلوبهم، وعند الحكيم الترمذي في نوادره عن واثلة بن الأسقع يرفعه: "من اتَّقى الله أهاب الله منه كلّ شيء، ومن لم يتق الله أهابه الله من كلّ شيء"، وذلك أنَّ من كان ذا حظٍّ من التقوى امتلأ قلبه بنور اليقين، فانفتح عليه من المهابة مايهابه بِهِ كلّ من رآه.
قوله: «ومن اتَّقى الناس ولم يتق الله»: أي أطاعهم في معصية الله أو حاذرهم حيث أمره الله بالتصلُّب وإظهار الشدَّة وداهنهم حيث لا تحلُّ المداهنة، وإن الله تعالى يعاقبه في الدُّنيا بنقيض قصده، فيسلِّط عليه الناس ويخذله عن المدافعة فيأتيه الشر من حيث يتَّقي ،ويصدق فيه قول القائل:
كلّ من ترجو بِهِ دفع البلى ... ... سوف يأتيك البلى من قِبَلِهْ
<3/529> وقد قال الله سبحانه وتعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِي} [البقرة: 150 ] أي: لا تخافوهم فتتركوا ما أمرتكم بِهِ من جهادهم واخشون فلا تضيِّعوا ما أمرتكم بِهِ. (4/415)
صفحة 1409
والحديث يدلُّ على فضل التقوى وأنَّها رأس كلّ خير وأصل كل فضل، لأنَّ المتَّقي يكون في رعاية الله وحفظه حيث التزم ما أمر بِهِ، وفي البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”إن الله تعالى قال: من عادَى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مِمَّا افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع بِهِ ،وبصره الذي يُبصر بِهِ، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ،ولئن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه”.
وَمَعنَى قوله: «كنت سمعه الذي يسمع بِهِ...»إلخ: أي يكون في عناية الله في جميع حركاته وسكناته،فلا تصدر منه حركة ولا حالة من الأحوال إِلاَّ وهي ملحوظة بعناية الله محفوفة برعايته، فالله الله ما أعلى هذه المنزلة وما أعظم قدرها عند الله تعالى. والله أعلم.
<3/530 >ما جاء في ذمِّ الكِبْر ومدح التواضع
قوله: «من عظَّم نفسَه للناس»: أي من أظهر لهم عظمة نفسه وادَّعى التكبر والتعاظم عاقبه الله تعالى في الدُّنيا بعكس ذلك، بِأَن وضعه وأذله وله في الآخرة ما أعد له من العذاب.
قوله: «وضعه الله»: أي حطَّ من رتبته وخفَّضه عن منزلته، ولا يشكل عليك أنَّ بعض أهل التعاظم يموتون على منزلتهم، فإن القاعدة أغلبية ويحتمل أن يكون المراد انحطاط منزلتهم عند الله وعند الملائكة وعند المؤمنين وكفى بِهِ انحطاطًا، فلا عبرة بنظر الغوغاء ولا بتعظيم الجهال، {وَمَن يُّهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ, مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}[الحج : 18] .
قوله: «من تواضع لله»: أي لأجل عظمة الله.
قوله: «رفعه الله»: أي في الدُّنيا والآخرة فتغرس له المحبة في قلوب المؤمنين والهيبة في قلوب الفاسقين، ويكون في الآخرة جار الأنبياء والصدِّيقين، جرت بذلك حكمة العزيز الحكيم بأنَّه يرفع من تواضع ويخفض من تعاظم .والله أعلم. (4/416)
صفحة 1410
<3/531> ما جاء في حفظ النفس من شرِّ اللسان والفرج
قوله: «بلغني عن ابن مسعود»: الحديث روى معناه البخاري والترمذي من حديث سهل بن سعد والعسكري وابن عبد البرّ وغيرهما عن جابر والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة والبيهقي وابن عبد البرّ والديلمي عن أنس، وجاء أيضًا عن أبي موسى كلّهم بمعناه، ورواه في الموطأ من مراسيل عطاء بن يسار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”من وقاه الله شرّ اثنين ولج الجنَّة: ما بين لحييه ومابين رجليه، مابين لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه ومابين رجليه” ذكره ثلاث مرَّات باتفاق الرواة للتأكيد، وليس في رواية المصنِّف هذا التكرار.
قوله: «مابين لحييه»: (بفتح اللام وسكون المهملة) مثنى لحي، واللحيان :هما العظمان في جانب الفم، وما بينهما هو اللسان.
قوله: «مابين رجليه»: كناية عن فرجه؛ كنَّى عنه استهجانًا واستحياءً، وهذا هو معنى تفسير الربيع رحمه الله تعالى، وقال الداودي المراد ما بين لحييه الفم بتمامه، فتناول الأقوال كلّها والأكل والشرب وسائر ما يتأتى بالفم؛ أي من المنطق<3/532> والفعل، كتقبيل وعض وشمٍّ قال: من يُحفظ من ذلك أمن الشر كله لأنَّه لم يبق إِلاَّ السمع والبصر.
وتُعقِّب بأنَّه بقي البطش باليدين، وإنَّما محل الحديث على أنَّ النطق باللسان أصل في حصول كلّ مطلوب فإن لم ينطق بِهِ إِلاَّ في خير سلم، وقال ابن بطال: دلّ الحديث على أنَّ أعظم البلايا على المرء في الدُّنيا لسانه وفرجه؛ فمن وُقيَ شرهما وقي أعظم الشر. قال غيره والحديث معدود من جوامع الكلم.
ما جاء في التحفظ عن اللَّقْلَق والقَبقب والذَّبذب
قوله: «بلغني عن ابن عبَّاس»: الحديث ذكر معناه في الجامع الصغير من حديث أنس في شعب الإيمان قال: من وُقي شرّ لقْلَقِه <3/533> وقَبْقَبِه وذَبْذَبه فقد وجبت له الجنَّة.
قوله: «احذروا من ثلاث»: أي تحفظوا من شرها واحترزوا من معاصيها. (4/417)
صفحة 1411
قوله: «وأنا زعيمٌ»: أي كفيل ضامن لكم بالجنَّة أي بدخولها، وذلك لأنَّ أكثر الكبائر تصدر من هذه الثلاث فإذا تحفظ الإنسان منها كانت سيئاته مغفورة باجتناب الكبائر. ويحتمل أن يكون المراد من الحديث تعظيم شأن الثلاث أكثر من غيرها، وحقيقة ذلك أنَّ الموفَّق على التحفظ منها يوفق على التحفظ مِمَّا سواها لأنَّها أشدّ وأخطر، واللقلق اللسان واللقلقة الصياح والجلبة وكأنها حكاية الأصوات الكثيرة، والقبقب البطن مأخوذة من القبقبة وهي صوت يسمع من البطن فكأنها حكاية ذلك الصوت، والذبذب الذكر سمِّي بذلك لتذبذبه أي تحرُّكه. والله أعلم.
<3/534> ما جاء فيمن مات له ثلاثة من الولد أو اثنان
قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»: الحديث مرسل ورواه مالك عن أبي النضر السلميِّ، وهو مجهول في الصحابة والتابعين لا يعرف إِلاَّ بهذا الخبر، وتكلَّموا في تعيينه بما لا دَلِيل له، وذكره ابن الأثير في الصحابة ولم يذكر اسمه.
قوله: «لا يموت لأحد»: زاد في نسخة القطب: “من المسلمين”، وهي رواية مالك، وَلاَ بُدَّ من التقييد بذلك، فإنَّ الكافر لا ينال من هذا حظًّا.
هذا الثواب؟ ويدلُّ على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة الأشجعي، قال: “قلت يارسول الله، مات لي ولدان، قال: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنَّة”. أخرجه أحمد والطبراني.
قوله: «ثلاثة من الولد»: وَهُوَ يصدق على الذكر والأنثى، زاد مالك <3/535> فيحتسبهم أي يصير راضيا بقضاء الله راجيًا فضله، فمن لم يحتسب لم يدخل في الوعد بل من تسخط ولم يرضَ بقدر الله فهو عاص آثم.
قوله: «فتمسَّه النار»: وَهُوَ محطُّ النفي في قوله: “لا يموت لأحد...”إلخ، ومعناه: من مات له ذلك لا تَمَسُّه النار، وفي رواية مالك: “إِلاَّ كانوا له جُنَّةً من النار”، والجُنَّةُ (بضمِّ الجيم وشدَّة النون): الوقاية، والمعنى أنَّه ينجو من النَّار بسببهم. (4/418)
صفحة 1412
قوله: «قالت امرأةٌ»: هي أمُّ سليم الأنصاريَّة والدة أنس بن مالك، وكذا سألته أمُّ مبشر الأنصاريَّة عن ذلك، وكذا أمُّ أيمن والكلُّ عند الطبراني. وللترمذي عن ابن عبَّاس أنَّ عائشة سألت عن ذلك، قيل: وكذلك أمُّ هاني فيمكن أنَّ السؤال صدر من الكلِّ في المجلس فذكر كلُّ واحد من الرواة ما سمع.
قوله: «واثنان يارسول الله»: استَدَلَّ بِهِ عياض أنَّ مفهوم العدد ليس بحجَّة؛ لأنَّ الصحابيَّة من أهل اللسان لم تعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عمَّا عدا الثلاثة، لَكِنَّهَا جوَّزت ذلك فسألت.
وتُعُقِّبَ بأنَّ الظاهر أنَّها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أنَّ دلالته ليست نصًّا بل محتملة ولذا سألت.
قوله: «قال: واثنان»: أي حكمهما كذلك، والظاهر أنَّه قال ذلك بوحيٍ أوحي إليه في الحال، ويحتمل أنَّه كان عالمًا بذلك لكنَّه أشفق عليهم أن يَتَكَلَّمُوا؛ لأنَّ موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، ثُمَّ لَمَّا سئل عن ذلك لم يجد بدًّا من الجواب، والحديث ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، ويتناول الأربعة فما فوقها من باب أولى؛ ولذا لم تسأل عمَّا زاد على الثلاثة؛ لأنَّه من المعلوم عندهم أنَّ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم. ولابن حبان: “فقالت المرأة: ليتني قلت: وواحدٌ؟”. ولابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد وأبي هريرة: “ثمَّ لم تسأله عن الواحد”. ولأحمد بن محمَّد بن لبيد عن جابر مرفوعًا: “من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنَّة، قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، قال محمود لجابر: أراكم لو قلتم: وواحدٌ، لقال: وواحد، قال: وأنا أظنُّ ذلك”.
<3/536> فائدة:
قيل لبعض الأذكياء: من كان له ثلاث من البنات فأحسن إليهنَّ كنَّ له حجابًا من النَّار، فما القول في صاحب الكبيرة إذا مات عليها وله ثلاث قد أحسن إليهنَّ؟ قال: البنات حجاب من النَّار والكبيرة تخرق ذلك الحجاب. والله أعلم. (4/419)
صفحة 1413
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم.
قوله: «ثلاثة من البنين»: في رواية قومنا: “من الولد”، وَهُوَ شامل للذكر والأنثى، بخلاف البنين، فإنَّه يخصُّ الذكور بالأصالة، وتدخل فيه الإناث بالتغليب. وفي حديث أنس: “ثلاثة من صلبه”، واستظهر بعضهم دخول أولاد أولاده من صلبه، وَأَنَّ التقييد بصلبه يخرج أولاد البنات.
ولم يقع في شيء من طرق الحديث بشدة الحبِّ ولا عدمه، والقياس يقتضي ذلك لِمَا يوجد من كراهة بعض الناس لولده وتبرُّمه به، ولا سيما من كان ضيِّق الحال، لكن لَمَّا كان الولد مظنَّة المحبَّة والشفقة نيطَ بِهِ الحكم وإن تخلَّف في بعض الأفراد.
قوله: «فتمسَّه النار»: بالنصب جوابًا للنفي.
قوله: «إلاَّ تحلَّة القسم»: التحلَّة (بفتح الفوقية وكسر الحاء وشدِّ اللام): ما ينحلُّ بِهِ القسم، وَهُوَ اليمين في الأصل، قال القرطبي: اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو يمين، وَقِيلَ: غير يمين. وقال غيره: الاستثناء بمعنى الواو، أي لا تَمَسُّه النَّار <3/537> كثيرًا ولا قليلا ولا تحلَّة القسم. وقد جوَّز الفرَّاء والأخفش مجيء “إلاَّ” بمعنى الواو، وجعلا منه: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ...} [النمل: 10-11]. وذهب جمهور قومنا إِلىَ أنَّ المراد بالقسم في الحديث قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمُ, إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] والمعنى عندهم أنَّه يدخل النَّار مقدار ما ينحلُّ القسم المذكور في الآية، وَهُوَ دخول قليل، قلنا: ليس في الآية قسم بل إخبار، قالوا: القسم مُقَدَّر في الآية، والمعنى: والله إن منكم إِلاَّ واردها، قلنا: لا حاجة إِلىَ التقدير، قالوا: معطوفة على القسم في الآية قبلها، وَهُوَ قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: 68] قلنا: الظاهر الاستئناف. والله أعلم.
ما جاء في الغضب (4/420)
صفحة 1414
<3/538> قوله: «ومن طريقه»: يعني أبا هريرة بالسند المتقدِّم، وذكره في نسخة القطب، والحديث رواه مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم.
قوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة»: (بضمِّ الصاد المهملة وفتح الراء) وَهُوَ الذي يكثر صرع الناس ولا يصرعونه، والهاء للمبالغة في الصِّفة، وَكُلُّ ما جاء بهذا الوزن فهو بالضمِّ والفتح، كهُمَزَة ولُمَزَة وحُفظَة وضُحَكة وخُدعة. والصرْعة (بسكون الراء) بالعكس وَهُوَ من يصرعه غيرُه كثيرًا، وَكُلُّ ماجاء بهذا الوزن بالضمِّ والسكون كهمْزة ولمْزة وما بعدهما. قال ابن التين: ضبطنا “الصُّرعة” بفتح الراء، وقرأه بعضهم بسكونها، وليس بشيء، لأنَّه عكس المطلوب، قال: وضبط أيضًا في بعض الكتب بفتح الصاد وليس بشيء. قال الباجي: ولم يُرِد نفيَ الشدَّة فإنَّه يعلم بالضرورة شدَّته، وإنَّما أراد أنَّه ليس بالنهاية في الشدَّة، وأشدُّ منه الذي يملك نفسه عند الغضب، أو أراد أنَّها شدَّة ليس لها كبير منفعة وإنَّما الشدَّة التي ينتفع بها شدَّة الذي يملك نفسه عند الغضب، كقولهم: لا كريم إِلاَّ يوسف، لم يرد بِهِ نفي الكرم عن غيره، وإنَّما أريد إثبات مزيَّة له في الكرم.
قوله: «الذي يملك نفسه عند الغضب»: أي لا يفعل موجبات الغضب. وإنَّما حصر الشدَّة فيه لأنَّه إذا ملك نفسه عن الغضب كان هو الشديد الكامل؛ لأنَّه قهر أكبر أعدائه؛ لأنَّ أذى ما عدا النفس دونها، لأَنَّهَا موجبة لعقوبة الله، وأقلها <3/539> أشدُّ من عقوبات الدُّنيا. وجاء في خبرٍ: “أعدى عدوٍّ لك نفسك التي بين جنبيك”.
والحديث من الألفاظ التي نُقلت عن موضوعها اللغوي بضرب من المجاز والتوسُّع، وَهُوَ من فصيح الكلام وبليغه؛ لأنَّه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدَّة من الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته وعدم عمله بمقتضى الغضب كان من الصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه. والله أعلم. (4/421)
صفحة 1415
في الترويع والكلاب وإفشاء السرِّ والشيطان
أي في أحكام ذلك. و“الترويع” مصدر روَّعه إذا أفزعه. وإفشاء السرِّ: إظهاره ونشره، والسِّرُّ: ما يكتم من الأشياء. والشيطان: اسم لِكُلِّ متمرِّد من الجنِّ، ويطلق على المتمرِّد من الإنس لكن بالإضافة، فيقال: شياطين الإنس. وفي اشتقاقه قولان: أحدهما مِن “شطن” إذا بعد عن الحقِّ أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليَّة ووزنه فيْعال، والقول الثاني: إِنَّ الياء أصليَّة والنون زائدة عكس الأوَّل، وَهُوَ مِن “شاط يشيط” إذا بطل أو احترق فوزنه فعلان، وما أدقَّ نظر المرتِّب حيث جعل الشيطان والكلاب في باب واحد.
ما جاء في النهي عن الترويع
<3/540> قوله: «بلغني»: الحديث لم أجده عند غيره، وله في معناه شواهد.
قوله: «من روَّع مسلمًا»: أي أفزعه وخوَّفه وفي التقييد بالمسلم إشارة إِلىَ جواز ترويع من لم يتَّصف بالإسلام، أمَّا المحارب فظاهرٌ، وأمَّا الذمِّيُّ فالذمَّة تحميه، وأمَّا الفاسق فإن فعل موجب الترويع كقتل النفس بغير حقٍّ أو زنا بعد إحصان أو فساد في الأرض أو نحو ذلك فالواجب إنفاذ حكم الله فيه وليس هو بالمسلم الذي لا يحلُّ ترويعه.
قوله: «روَّعه الله يوم القيامة»: أي أفزعه وخوَّفه في ذَلِكَ اليوم العظيم، وهو كناية عن شِدَّة ما يرى من الأهوال، وما يعاين من السلاسل والأغلال. (4/422)
صفحة 1416
قوله: «ومن أفشى سرَّ أخيه»: أي أظهره للناس، والمُراد بأخيه أخوه في الدِّين وَهُوَ المسلم، وذلك أن يُسِرَّ إليه سِرًّا يكره إظهاره، فيظهره للناس فإنَّه لا يحلُّ له ذلك لأنَّ السرَّ أمانة عنده، فإن أفشاه كان خائنًا لأمانته، ولأنَّه قد يكون <3/541> لصاحبه في كتمان الأمر حصول منفعة أو دفع مفسدة، فتفوت المصلحة بإظهاره ويحصل له الضرر، والتقييد بسرِّ أخيه يخرج سرَّ الجبابرة والمنافقين، إذ من أسرارهم ما يكون وبالاً على المسلمين ونكالا على المُتَّقِينَ، فمن اطَّلَعَ على شيء من ذلك وجب عليه إعلام المسلمين وتحذير من يخشى عيه الضرَّ.
قوله: «أفشى الله سرَّه»: أي كشف الله فضائحه التي كان يكتمها في حياته عقوبةً لما كان أفشى من سرِّ أخيه، والجزاء من جنس العمل جزاءً وفاقًا.
والحديث يدلُّ أَنَّ الترويع وإفشاء السرِّ كبيرتان لِمَا فيه من الوعيد الشديد لفاعل ذلك. والله أعلم.
ما جاء في أمر الكلاب
<3/542> قوله: «عن عائشة»: الحديث عند مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من حديث سفيان بن أبي زهير، وَهُوَ رجل من “أزد شنؤة” من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: «من اقتنى»: (بالقاف) افتعال من القنية بالكسر، وهي الاتِّخاذ.
قوله: «لا لزرع ولا لضرع»: أي لم يقتنه لواحد منهما.
و“الضَّرْعُ”: (بفتحٍ فسكونٍ) كناية على المواشي، قيل: والمُراد بكلب الزرع الذي يحفظه عن الوحش بالليل والنهار لا الذي يحفظه من السارق. وكلب الماشية الذي يسرح معها لا الذي يحفظها من السارق، ومنهم من أجاز اتِّخاذها للحفظ من السارق إلحاقًا لما في معنى المنصوص عليه بِهِ.
وَاتَّفَقُوا على أنَّ المأذون باتِّخاذه هو مالم يتَّفق على قتله وَهُوَ الكلب العقور. (4/423)
صفحة 1417
قوله: «قيراط»: هو قدر لا يعلمه إِلاَّ الله تعالى. قال جابر: “وَهُوَ في المثل مثل جبل أحد”، يعني أنَّ القيراط في التقدير مثل جبل أحد، وذلك تمثيل <3/543> لعظمه لئلاَّ يتوهَّم مقارنة بسبب تسميته قيراطًا، وتفسيره بذلك جاء مرفوعًا في حديث أبي هريرة: “من شهد الجنازة حتَّى يصلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتَّى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: لقد أكثر أبو هريرة، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فصدَّقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: لقد ضيَّعْنا في قراريط كثيرة”. لكن اختلف في القيراطين هنا هل هما كقيراطي صلاة الجنازة واتباعها أو دونهما؟ لأنَّ الجنازة من باب الفضل وهذا من باب العقوبة، وباب الفضل أوسع من غيره، لأنَّ عادة الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها كرمًا منه، وكلام جابر يدلُّ على تساويهما.
قوله: «وفي رواية: قيراطان»: أخرج هذه الرواية مالك في الموطَّأ والبخاري ومسلم من طريق نافع عن عبد الله بن عمر، ولا تنافي بين الروايتين، لأنَّ الحكم للزائد يكون راوِيهِ حَفِظَ ما لم يحفظ الآخر، وأنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر أوَّلاً بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأوَّل ثمَّ أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك فسمعه الراوي الثاني، أو ينزل على حالين: فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتِّخاذه، والقيراط باعتبار قلَّته، أو القيراطان لمن اتَّخَذَه بالمدينة الشريفة خاصَّةً، والقيراط لما عداها، أو يلحق بالمدينة سائر المدن والقرى، ويختصُّ القيراط بأهل البوادي، وَهُوَ ملفت إِلىَ معنى كثرة التأذِّي وقلَّته.
وَقِيلَ: سبب النقص امتناع الملائكة دخول بيته، أو ما يلحق المارَّ من الأذى أو لأنَّ بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فَرُبَّمَا ينجس الطاهر منها. (4/424)
صفحة 1418
واختلفوا في هذا النقصان، هل يكون في عمله الماضي قبل الاقتناء، أم خاصٌّ بعمله حال الاقتناء؟ وكذلك اختلفوا في محلِّ النقصان، فقيل: من عمل النهار قيراط، ومن عمل الليل قيراط، وَقِيلَ: من الفرض قيراط ومن النفل آخر. وكذلك اختلفوا في تعدُّد القراريط بتعدُّد الكلاب. والله أعلم.
<3/544> قوله: «لأنَّه يروِّع المسلمين»: أي سبب النهي عن اقتنائه ترويعه المسلمين والترويع حرام، وَهُوَ السبب في نقصان القيراطين من الأجر عند الحسن، وقد تقدَّم ما قيل في سبب النقصان. ويروى أنَّ المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب الحديث فقال: إِنَّمَا ذلك لأنَّه ينبح الضيف ويروِّع السائل.
وفي الحديث الحثُّ على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها، أو النقص منها لتجتنب، وبيان لطف الله بخلقه في إباحة ما لهم فيه نفع، وتبليغ نبيِّهم صلى الله عليه وسلم لهم أمور معاشهم ومعادهم، وترجيح المصلحة الراحجة على المفسدة لاستثناء ما ينتفع بِهِ مِمَّا حرم اتِّخاذه. والله أعلم.
<3/545> ما جاء في أمر الشيطان
قوله: «سمعت جابر بن عبد الله يقول»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكِّي عن جابر بن عبد الله، ورواه مسلم عن يحيى بن مالك بِهِ، وتابعه الليث وزهير وسفيان وَكُلُّهم عند مسلم عن أبي الزبير وبنحوه، وَهُوَ في البخاري ومسلم من طرق عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بنحوه.
<3/546> قوله: «أَغْلِقوا الباب»: (بفتح الهمزة وسكون المعجمة)، وَإِنَّمَا أمر بذلك حراسةً للنفس والمال من أهل الفساد، ولا سيما الشيطان.
قوله: «وأَوْكُوا السقاء»: (بفتح الهمزة وسكون الواو وضمِّ الكاف بلا همز). و“السِّقَاء” (بكسر السين): القربة، والمعنى: شدُّوا رأسها بالوكاء، وَهُوَ الخيط، وإنَّما أمر بذلك لمنع الشيطان واحترازًا من الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة كما روي. (4/425)
صفحة 1419
قوله: «وغطُّوا الإناء»: أي اجعلوا عليه الغطاء، لئلاَّ يلغ فيه الشيطان والهوام من ذوات الأقذار. وفي رواية مالك: “واكفوا الإناء أو خمِّروا الإناء”، فيحتمل أنَّه شكٌّ من الراوي، ويحتمل أنَّه لفظ النبيء صلى الله عليه وسلم، أي اكفوه إن كان فارغًا، أو خمِّروه إن كان فيه شيء.
قوله: «وأطفئوا المصباح»: (بهمزة قطع وسكون المهملة وكسر الفاء ثمَّ همزة مضمومة). و“المصباح” (بكسر الميم): السراج، أي أَذهِبُوا ضوءه.
قوله: «فإنَّ الشيطان...»إلخ: تعليل لما تقدَّم على سبيل اللفِّ والنشر المرتَّب، والمعنى: أَنَّكُم إذا أغلقتم الأبواب وأوكيتم الأسقية وأطفأتم السرج مع ذكر الله تعالى في الجميع لا تستطيع الشياطين أن يتسوَّروا عليكم.
قوله: «لا يفتح غلقًا»: (بفتح الغين واللام): هو ما يسدُّ بِهِ الباب، أي لم يمكَّن من ذلك، فهو ممنوع من فتحه.
قوله: «ولا يَحُلُّ»: بفتح الياء وضم الحاء.
<3/547> قوله: «وِكاء»: هو الخيط الذي يربط به فم السقاء.
قوله: «ولا يكشف إناء» (بكسر الهمزة): أي لايزيل غطاءه. و“الفُوَيْسقة” (بالتصغير) للتحقير، وهي الفأرة. (4/426)
صفحة 1420
قوله: «تُضرِم»: (بضمِّ التاء وسكون المعجمة وكسر الراء): أي توقد، والضرَمة بالتحريك: النار، والضرام: لهب النار. وفي أبي داود عن ابن عبَّاس: “جاءت فأرة فأخذت تجرُّ الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يديه صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فاحترق فيها موضع درهم، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا نمتم فأطفئوا سُرُجكم فإنَّ الشيطان يدلُّ مثل هذه على هذا فتحرقكم”. قال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلَّة في إطفاء السراج الحذر من جرِّ الفويسقة الفتيلة فمقتضاه أنَّ السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة عادةً لا يمنع، كما لو كان على منارة من نحاس أملس لا يمكِّن الفأرة من الصعود إليه، أو يكون مكانه بعيدًا لا يمكنها أنْ تثب فيه إِلىَ السراج، قال: وأمَّا ورود الأمر بإطفاء النَّار مطلقًا فقد يتطرَّقُ منه مفسدة أخرى غير جرِّ الفتيلة، كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت، وكسقوط المنارة فينتشر الشرار إِلىَ شيء من المتاع فيحرقه فيحتاج إِلىَ الاستيثاق من ذلك، فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإحراق فإنَّه يزول الحكم بزوال عِلَّته.
قال وهذه الأوامر تتنوَّع بحسب مقاصدها، فمنها ما يحتمل الندب والإرشاد معًا، كإغلاق الأبواب من أجل التعليل، فإنَّ الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، لأنَّ الاحتراز من مخالطة الشياطين مندوب إليه، وإن كان تحته مصالح دُنيَوِيَّة كالحراسة، وكذلك إيكاء السقاء وتخمير الإناء. (4/427)
صفحة 1421
<3/548> وقال غيره: ومنها ما يحمل على الوجوب، كأن كانت الفويسقة في محلٍّ يكثر فسادها ولا يمكن التحرُّز منها، وهنالك مال اليتيم ونحوه، فإنَّه يجب على الوليِّ حفظه منها أو من غيرها. وقال ابن العربي: ظنَّ قومٌ أنَّ الأمر بغلق الأبواب عامٌّ في الأوقات كُلِّهَا، وليس كذلك، إِنَّمَا هو مقيَّد بالليل، وكان اختصاص الليل بذلك لأنَّ النهار غالبًا محلُّ اليقظة بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إِلىَ الشيطان، فإنَّه هو الذي يسوق الفأرة إِلىَ حرق الدار. والله أعلم.
آداب المؤمن في نفسه والسُّنن
الآداب التي سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنسان: خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، وهي خصال إبراهيم عليه السلام، وهي داخلة تحت أدب المؤمن في نفسه، فعطفها عليه عطف خاصٍّ على عامٍّ، والمُراد بأدبه في نفسه ما يختصُّ بِهِ الإنسان في عمله وبدنه من مداراة الناس، والمداومة على أعمال الخير، والاقتداء بِالسُّنَّةِ في فعل ما أمر بفعله في خاصَّة نفسه. والله أعلم.
ما جاء في مداراة الرجال
<3/549> قوله: «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»: الحديث مرسل، وقد تقدَّم أنَّ مرسله وبلاغه صحيح، وَأنَّهُمَا في حكم المُتَّصِل. وللبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة يرفعه: “رأس العقل المداراة، وأهل المعروف في الدُّنيا أهل المعروف في الآخرة”. وأحاديث حسن الخلق صحيحة مشهورة، وهي والمداراة بمعنى.
قوله: «أمرني»: أي أمْر إرشاد وندب وحثٍّ على مكارم الأخلاق، وقد يكون واجبًا في بعض الأحيان.
قوله: «بمداراة الرجال»: أي ملاينتهم وحسن صحبتهم واحتمال أذاهم لئلاَّ ينفروا عنه. وما أحسن قول الشاعر:
ومن لم يغمِّض عينَه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمتْ وهو عاتبُ (4/428)
صفحة 1422
وقيل: “من صحَّتْ مودَّتُه احتملت جفوته”، وقيل: “المداراة العفو عمَّن أذاه ولا يجازيه على صنيعه ولا سيما مع المقدرة على المجازاة”، وقيل: “المداراة بذل المال لأجل الدّين أو العِرْض، عكس المداهنة، فإنَّها بذل الدّين لأجل الدُّنيا فهي حرام”. ولا ينافيه ما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم: “كان لا يداري ولا يماري”، لأنَّ هذا محمول على ترك إنكار المنكر والصَّدع بالحقِّ، وَهُوَ في معنى المداهنة، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم <3/550> كان لا يداهن في أمر الله تعالى، بل كان ممتثلاً لأوامر رَبِّهِ تعالى، وقد قال عزَّ من قائل: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، وقال {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]. فإن قيل: هل لحديث الباب شاهد من القرآن، إذ ما من حديث صحيح إِلاَّ وله من القرآن شاهد؟ أجيب بأنَّ شاهده قوله تعالى: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} [المزَّمِّل: 10]، {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا} [طه: 44]. فالهجر الجميل هو المداراة، والأمر بالقول الليِّن لفرعون من المداراة، وإنَّما أمروا بها في هذا الموضع ليتوصَّلوا بها إِلىَ تبليغ أمر الله تعالى ولهذا قال عزَّ من قائل: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]. والله أعلم.
<3/551> ما جاء أنَّ أحبَّ الأعمال إِلىَ الله أدومها
الحديث روى معناه البخاري ومسلم، ففي البخاري عن مسروق: “سألتُ عائشة: أيُّ الأعمال أحبّ إِلىَ النبيء صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم”. وفي مسلم عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبُّ الأعمال إِلىَ الله أدومها وإن قلَّ”. قيل: وَهُوَ بهذا اللفظ معدود من إفراد مسلم.
قوله: «أحبّ الأعمال»: أي أعمال الخير من الذكر والصلاة والصوم، وهي المعروفة بالأوراد، وذلك اسم لما اتَّخَذَه الإنسان بعد الفرائض. (4/429)
صفحة 1423
قوله: «الذي يداوم عليه صاحبه»: أي يواظب عَلَى فعله؛ وذلك لأنَّ النفس تألف بِهِ وتداوم عليه بسبب الإقبال عليه. وَقِيلَ: بدوام القليل تستمرُّ الطّاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله عزَّ وجلَّ، بخلاف الكثير الشاقِّ حتَّى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة. وقال ابن الجوزي: إِنَّمَا أحبُّ الدائم لمعنيين: أحدهما أنَّ التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرِّض للذمِّ، وورود الوعيد فيمن حفظ آيةً ثمَّ نسيها، وإن كان قبل الحفظ لا يتعيَّن عليه. ثانيهما: أنَّ مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس مَن لازَمَ الباب في كلِّ يوم وقتٍ ما كَمَنْ لاَزَمَ يومًا كاملاً ثمَّ انقطع. والله أعلم.
<3/552> ما جاء في أدب الانتعال
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود، لكن ذكروا في حديثين كلاهما عن أبي هريرة.
قوله: «لا يمشينَّ»: بنون التوكيد الثقيلة، وفي نسخة القطب: «لا يمشي»، وهي رواية القعنبي عن مالك.
قوله: «في نعلٍ واحدة»: قال العلماء: ومِثْله المشي في خفِّ واحد ومداس واحد، فإن ذلك كُلَّه مكروه إِلاَّ لعذر، وسبب النهي أنَّ ذلك تشويه، ومثله مخالف للوقار. وَقِيلَ: لأنَّها مشية الشيطان، وَقِيلَ: لأنَّها خارجة عن الاعتدال، <3/553> وقيل: لمشقَّة المشي وخوف العثار، وقيل: لما فيهما من الشهرة فترمقه الأبصار، قيل: وَكُلُّ أمر كذلك فهو مكروه.
قوله: «ليَنْتَعِلْهُمَا جميعًا»: الضمير للنعلين بخلاف على رواية مالك فإنَّ فيها للرجلين وعبارته: «ولْينعلهما جميعًا أو ليخلعهما».
قوله: «وإذا انتعل أحدكم»: هذا أوَّل الحديث الثاني عند مالك والبخاري وأبي داود، وَهُوَ عند المصنِّف قطعة من الحديث الأوَّل. (4/430)
صفحة 1424
قوله: «فلْيبدأ باليمين... »الخ: قال الباجي: التيامن مشروع في ابتداء الأعمال، والتياسر مشروع في تركها. وقال العلقمي: في الحديث استحباب البدأة باليمين في كُلِّ مكان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك، كلبس النعل والخفِّ والمداس والسراويل والكُمِّ وحلق الرأس وترجيله وقصِّ الشارب ونتف الإبط والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار والوضوء والغسل والتيمُّم ودخول المسجد والخروج من الخلاء ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع في الحسنات وتناول الأشياء الحسنة. وتستحبُّ البدأة في اليسار في ضدِّ ما ذكر من ذلك من خلع النعل والمداس والسراويل والكمِّ والخروج من المسجد ودخول الخلاء والاستنجاء وتناول الأحجار والاستجمار ومسِّ الذكر والامتخاط والاستنثار وتعاطي المستقذرات وأشباهها، قال: وَكُلُّ هذه الأمور مجمع عليها.
وقال الحليمي: لما كان اللبس كرامةً للبدن، لأنَّه وقاية من الآفات، واليمين أكرم من اليسرى بدأ بها في اللبس وأخِّرت في الخلع ليكون الإكرام لها أدوم وحظُّها منه أكثر. وقال ابن عبد البرّ: فمن بدأ بالانتقال باليسرى أساء بمخالفة السنَّة ولكن لا يحرم عليه لبس نعله، وقال غيره: ينبغي أن ينزع النعل من اليسرى ثمَّ يبدأ باليمين، ونقل عياض وغيره على أنَّ الأمر فيه للاستحباب. والله أعلم.
<3/554> ما جاء في إحفاء الشارب وإعفاء اللحى
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث روى معناه مسلم والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر، ورواه ابن عديٍّ من حديث أبي هريرة والطحاوي عن أنس. (4/431)
صفحة 1425
قوله: «بإحفاء الشارب»: قال الربيع: يريد القطع لما طال منه، وَهُوَ مصدر أحفى شاربَه: إذا استأصل قطع شعره، لأنَّ أصل الإحفاء الاستقصاء، وتفسير الربيع له بقطع ما طال منه تفسير بالمراد المأخوذ من القرائن، ويقرب منه قول مالك والشافعيِّ، بل قال مالك: من أخذها يوجع بالضرب، وقال النووي: المختار أنَّه يقصُّ حتَّى يبدو طرف الشفة، وأخذت الحنفيَّة بظاهر اللفظ فقالوا بندبيَّة <3/555> إزالة الشوارب كلِّها. ونظر بعض التابعين إِلىَ رجل أحفى شاربه، أي استقصَّه، فقال: ذكَّرتني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والخلاف في المذهب.
قوله: «وإِعفاء اللِّحَى»: (بكسر الهمزة) مصدر أعفى الشعر: إذا وفَّره، ومنه قوله تعالى: {حَتَّىا عَفَوْا} [الأعراف: 95] أي توفَّروا وكثُرُوا، والمعنى: أبقوا اللحى على حالها ولا تقطعوها كما تفعل الفرس. وعند الطحاوي من حديث أنس: “أحفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبَّهوا باليهود”. وفي خبر ابن حبَّان بدل “اليهود” “المجوس”. قال العراقي: والمشهور أنَّه فعل المجوس.
قوله: «يريد القطع لما طال منها»: أي من الشارب واللحى، فَالأَوَّلُ مأمور بِقطع ما طال منه، والثاني منهيٌّ عن قطع ما طال منه، وَهُوَ المعبَّر عنه بالإعفاء ففي كلام المصنِّف رضي الله عنه إجمال هذا بيانه. والله أعلم.
<3/556> ما جاء في سنن الفطرة (4/432)
صفحة 1426
قوله: «بلغني عن أبي هريرة»: الحديث ذكر معناه مالك في الموطَّأ مختصرًا على خمس من الخصال المذكورة في حديث الباب. وروى أحمد ومسلم والنسائي والترمذي عن زكرياء بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عشر من الفطرة: قصُّ الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقصُّ الأظفار وغسل البراجم ونتفُ الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء يعني الاستنجاء”. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إِلاَّ أن تكون المضمضة. وأخرجه أبو داود من <3/557> حديث عمَّار. ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عبَّاس موقوفًا في تفسير قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىآ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 124]، قال خمسٌ في الرأس وخمسٌ في الجسد فذكره. ومن هنا سمِّيت هذه العشر بسنن إبراهيم. وذكر مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: “كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أوَّل الناس ضَيَّف الضيفَ، وأوَّل الناس اختتن، وأوَّل الناس قصَّ شاربه، وأوَّل الناس رأى الشيبَ، فقال: يَا رَبِّ ما هذا؟ فقال الله تعالى: وقار يا إبراهيم، فقال: ربِّي زدني وقارًا”. ووصله ابن عديٍّ والبيهقيُّ وأخرجاه عن أبي هريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم.
قوله: «في الإنسان»: أي في جسده لا يخرج عنه منها واحدة، ومن هنا سُميت “سُنَن الفِطْرة” (بكسر الفاء) وهي الخلقة. وَقِيلَ: سمِّيت بذلك لأنَّها سنَّة قديمة اختارها الأنبياء واتَّفقت عليها الشرائع فَكَأَنَّها أمر جبليٌّ فطروا عليه. (4/433)
صفحة 1427
قوله: «فرق الشعر»: أي تمييز بعضه عن بعض، قيل: وَهُوَ واجب إذا زاد على قدر القبضة، حتَّى قال في الإيضاح: إن حازت ثلاث شعرات من ناحية إِلىَ ناحية أعاد صلاته، قال وذلك إذا كان الشعر مقدار أربعة أصابع إِلىَ ما فوق ذلك، قال: وَهُوَ عندي أقلُّ ما يمكن أن يفرق. وَهُوَ تشديد شديد وإن سلَّمنا وجوب الفرق فلا دَلِيل على النقض. وفي حديث الرجل الأعرابيِّ الذي جاء يسأل عن شرائع الإسلام وَهُوَ ثائر الرأس دَلِيل على أنَّ الفرق غير واجب وأنَّه لا يفضي إِلىَ نقض الصلاة، إذ لو كان واجبًا أو ناقضا لأخبره بِهِ النبيء صلى الله عليه وسلم لا سيما والرجل قد جاء يسأل عن شرائع الإسلام، وقد تقدَّم الكلام على قصِّ الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق.
وأمَّا نتف الإِبْطين (بكسر الهمزة وسكون الموحَّدة) فمستحبٌّ في أصل الأمر، <3/558> فإن زاد على المعتاد أقبح جدًّا، وفي بقائه حينئذٍ تشديد، ويبدأ فيه باليمين، قيل ويجزي عنه الحلق لاسيما من يؤلمه النتف. قال ابن دقيق العيد: من نظر إِلىَ اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إِلىَ المعنى أزاله بِكُلِّ مزيل، لكن يتعين أنَّ النتف مقصود من جهة المعنى؛ لأنَّه محلُّ الرائحة الكريهة الناشئة من الوسخ المجسم للعرق فيه، فيتلبَّد ويهيج، فشرع النتف الذي يضعفه، فتخفّ الرائحة بِهِ بخلاف الحلق، فإنَّه يُقَوِّي الشعر ويُهيجه فتكثر الرائحة بذلك. وقد جاء عن جماعة من الصحابة ذِكْرُ بياض إبطيه صلى الله عليه وسلم، واختلف في المراد بذلك، فقيل: لم يكن تحتهما شعر فكانا كَلَون جسده، ثمَّ اختلفوا فقيل: لم يكن تحتهما شعر البتَّة، وَقِيلَ: بل كان ولكن لدوام تعاهده له لا يبقى فيه شعر. (4/434)
صفحة 1428
وأمَّا تقليم الأظفار وَهُوَ تفعيل من القلْم، وَهُوَ القطع، وَهُوَ إزالة ما طال منها عن اللحم بمقصٍّ أو بسكين لا غيرهما من الآلة، يكره بالأسنان، والمعنى في مشروعيَّته أنَّ الوسخ يجمع تحته فيستقذر، وقد ينتهي إِلىَ حدٍّ يمنع من وصول الماء إِلىَ ما يجب غسله في الطهارة.
وأمَّا الاستحداد: فهو حلق العانة بالحديد، كالموسى ونحوه، وفي معناه الإزالة <3/559> بالنّورة. ويُستحبُّ النتفُ للنساء، واستشكل بِأَنَّ فيه ضررًا على الزوج باسترخاء المحلِّ بِاتِّفَاقِ الأطبَّاء، وفصل ابن العربي بين الشابَّة والكهلة، فقال: إن كانت شابَّةً فالنتفُ أولى في حقِّها، وأنَّه يزيِّن مكان النتف، وإن كانت كهلة فالأولى الحلق؛ لأنَّ النتف يُرخي المحلَّ، قلت: والتنوير في حقِّها مطلقًا أولى.
قال أبو عبيدة رحمه الله: لا أعلم في قصِّ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة حدًّا محدودًا إِلاَّ إذا طال فأزِحْ ذلك عن نفسك.
وأمَّا الاختتان: فهو قطع القلفة التي تغطِّي الحشفة من الرَّجل، وقطع بعض الجلدة التي بأعلى الفرج من المرأة كالنواة أو كعرف الديك، وَيُسَمَّى ختان الرجل إعذارًا، وختان المرأة خَفْضًا بمعجمتين. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: “الختان عند الرجل سُنَّة وللنساء مكرمة”، وينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة، فإنَّه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج.
وأمَّا الاستنجاء: فهو إزالة النَّجو بالأحجار وبالماء، ولا بدَّ من الجمع بينهما، فالأحجار لتخفيف العين عين الخبث عن الموضع، والماء للإنقاء، وقد تقدَّم الكلام في ذلك في الجزء الأوَّل. والله أعلم.
في الآداب (4/435)
صفحة 1429
جمع أدب وَهُوَ استعمال ما يُحمد قولاً وفعلاً، وَقِيلَ في تعريفه غير ذلك، وقد تقدَّم في جامع الآداب، وكان ينبغي للمرتِّب أن يترجم عن الجامع المتقدِّم بكتاب الأدب، ويترجم عن هذا الباب بجامع الآداب جريًا على عادته في سائر التراجم؛ فيكون ما بين الكتاب والجامع أبواب داخلة تحت الكتاب؛ وجميع ذلك أنواع الأدب. والله أعلم.
<3/560> ما جاء في مناجاة اثنين دون واحد
المناجاة المسارَّة، يقال: تناجى القوم وانتجوا: إذا سارَّ بعضُهم بعضًا.
قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم عن نافع عن ابن عمر، وَهُوَ لمالك أيضًا من طريق عبد الله بن دينار، قال: “كنت أنا وعبد الله بن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق، يعني سوق المدينة، فجاء رجل يريد أن يناجيَه، وليس مع عبد الله أحد غيري وغير الرجل <3/561> الذي يريد أن يناجيَه، فدعا عبد الله بن عمر رجلاً آخر حتَّى كنَّا أربعةً فقال لي وللرجل الذي دعاه استأخرا شيئًا فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد”.
قوله: «لا يتناجى»: بألف لفظًا مقصورة غير ثابتة في الكتابة وهي ساقطة في الدرج لالتقاء الساكنين بلفظ الخبر، ومعناه النهي.
قوله: «عن واحدٍ»: وفي رواية ابن عمر: “دون واحدٍ”. وإنَّما عبَّر بعن في رواية المصنِّف لتضمُّن “يتناجى” معنى الإخفاء، أي لا يخفيا كلامهما عنه، فإن كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع، حكاه النوويُّ، وتعقِّب بوجود الخلاف فيما إذا انفرد جماعة بالتناجي دون جماعة.
وعلَّة النهي أنَّ التناجي يوقع الرعب في قلب المنفرد، فقد يتوهَّم أنَّ نجواهما هي لسوء رأيهما فيه واحتقاره عن أن يدخلاه في نجواهم، وإنَّما يَتَّفِقان على غائلة تحصل له منهما، وفي ذلك مخالفة لما توجبُه الصحبة من الألفة والأنس وعدم التنافر، ولذا قيل:
إذا أنت سارَرْتَ في مجلسٍ ... فإنَّك في أهله تُتَّهم (4/436)
صفحة 1430
وفي معنى المناجاة التَّكَلُّم بلغة لا يفهمها الثالث، زاد في رواية لمسلم: “إِلاَّ بإذنه فإن ذلك يحزنه”. وأرشد هذا التعليل إِلىَ أنَّ المناجي إذا كان مِمَّن إذا خصَّ أحدًا <3/562> بمناجاته أحزنَ الباقين امتنع ذلك، واستنبط أشهب من الحديث: أنَّه لا يتناجى ثلاثة دون واحدٍ ولا عشرة؛ لأنَّه نهي أن يُترك واحدٌ.
وخصَّص بعضٌ النهي بصدر الإسلام، حين كان المنافقون يتناجون دون المؤمنين، ورُدَّ بأنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأنَّه لو كان كذلك لم يكن للتقييد بالعدد معنى. وخصَّه عياض بالسفر لأنَّه مظنَّة الخوف، ورُدَّ بأنَّه تحكُّمٌ وتخصيص لا دَلِيل عليه، والخبر عامُّ اللفظ والمعنى، والعلَّة الحزن، وَهُوَ موجودٌ في الحضر والسفر فوجب أن يَعُمَّهما. والله أعلم.
ما جاء في تغيير الأحوال آخر الزمان
«ومن طريق أبي هريرة»: أي بالسند المتقدِّم وذكره في نسخة القطب، وقد تقدَّم ذكر الحديث في آخر باب القبور من كتاب الجنائز، وَتَقَدَّمَ شرحه هنالك، والغرض من ذكره هنا التنبيه على شدَّة الحال آخر الزمان، حتَّى إنَّ الرجل يتمنَّى الموت من شدَّة ما يلقى من المكروه. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال النبيء صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتَّى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقاربَ الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج”، وَهُوَ القتل، وَمَعنَى تقارب الزمان أي تقل البركة فتكون السنة كالشهر. والله أعلم.
<3/563> ما جاء أنَّ كلَّ ابن آدم تأكله الأرض إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَب
قوله: «ومن طريقه»: يعني أبا هريرة بالسند المتقدِّم، وذَكَره في نسخة القطب، والحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ ومسلم وأبو داود والنسائي. (4/437)
صفحة 1431
قوله: «كلُّ ابن آدم تأكله الأرضُ»: قال ابن عبد البرِّ: هذا عموم يراد بِهِ الخصوص، لِمَا روي في أجساد الأنبياء والشهداء أنَّ الأرض لا تأكلهم، وحسبُك ما جاء في شهداء أحد، إذ خرجوا بعد ستٍّ وأربعين سنةً ليِّنةً أجسادُهم (يعني أطرافهم)، فكأنَّه قال: من تأكله الأرض فلا تأكل منه عَجَبَ الذَّنَب، قال: وإذا أجاز أن لا تأكله جاز أن لا تأكل الشهداء، قال: وإنَّما في هذا التسليم لمن يجب له التسليم صلى الله عليه وسلم، وزاد غيرُه: الصدِّيقين، والعلماء العاملين، والمؤذِّن المحتسب، وحامل القرآن العامل بِهِ، والمرابط، والميِّت بالطاعون صابرًا محتسبًا، والمكثر من ذكر الله، والمحبِّين لله، فتلك عشرة كاملة.
قوله: «إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَب»: (بفتح العين وسكون الجيم وبالموحَّدة)، ويقال بالميم وهي نسخة في المسند، والذَّنَب (بفتح الذال والنون): الذيل من البهيمة. وعجب الذَّنَب: العُصعص، أسفل الهابط من الصلب، وَهُوَ مكان رأس الذَّنَب <3/564> من ذوات الأربع، ويقال: إنَّه مثل حبَّة الخردل، وَهُوَ قاعدة البدن كقاعدة الجدار. (4/438)
صفحة 1432
واختلفوا في هذا الاستثناء، فمنهم من حمله على الانقطاع وجعلوا الكلام مستأنفًا والمعنى: لكن عجب الذنب منه خلق ومنه يُركَّب. ومنهم من قال: إنَّ “إِلاَّ” بمعنى الواو، وَهُوَ قول المزني، أي: وعجب الذنب أيضًا يبلى، وقد أثبت هذا المعنى الفرَّاء والأخفش فقالوا: ترد “إلاَّ” بمعنى الواو. ومنهم من قال: الاستثناء مُتَّصِل، وَهُوَ قول الجمهور من قومنا، وقالوا: لا يبلى عجب الذنب ولا يأكله التراب، وعليه أحمد بن الحسين الطرابلسي، وَهُوَ من الإِبَاضِيَّة، لكنَّه خالفهم في مسائل أخرجوه بها من وَلايتهم، ورَدَّ عليه السؤالات رحمه الله قال: “لأنَّا مجتمعون على أنَّه خلقهم وأبدأهم لا من شيء، والإعادة مثلها، وقال عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ, وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] وقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] وقال: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]”، قال: “وَهُوَ قول ابن عبَّاس وأهل العدل والصواب رحمة الله عليهم”. (4/439)
صفحة 1433
ومقتضى كلامه أنَّ مذهب الأصحاب على ذلك، والحديث صحيح، وتأويله بما مَرَّ مخالف لظاهر السياق ومخالف للمقصود منه، وتركيب الجسد من عجب الذنب لا ينافي مماثلة الإعادة للمبدأ، على أنَّ المبدأ كان كذلك أيضًا؛ لأنَّه منه خلق ومنه مركَّبٌ، فخلق العَجَب سابقٌ على سائر الجسد إعادةً ومبدأً، والقدرة واسعة، والحكمة بالغةٌ، والآيات ردٌّ على منكري البعث، فذكر لهم المبدأ ليستدلُّوا بِهِ على اتِّساع القدرة، ولا شكَّ أنَّ مبدأ الأشياء قبل وجودها أغرب من إعادتها بعد فنائها، <3/565> فلا تلزم المماثلة من كُلِّ وجه، غير أنَّ القطع بإعادة هذه الأجسام بعينها ما تفرَّق منها وما لم يتفرَّق فتعود إِلىَ حالها الأوَّل لما أراد الله بها من الثواب والعقاب، فإذا صحَّ معنا أنَّ الشارع أخبر بصفة الإعادة بشيءٍ من الأحوال وجب علينا قبول ذلك من غير أن نعارضه بعمومات تحتمل التخصيص، وإجمالات تحتمل التفصيل، فالاستثناء مُتَّصِل كما يقتضيه ظاهر الحديث. ولله في هذا سرٌّ لا نعلمه؛ لأنَّ من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إِلىَ شيء يبني عليه، فهو نظير خلق آدم من طين لازب، وخلق ذرِّيته من سُلالة من ماء مهين، وخلق الأشياء بعضها من بعض اقتضت حكمته تعالى ذلك، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، وَقِيلَ: الحكمة فيه أنَّ عجب الذنب قاعدة بدء الإنسان وأسُّه الذي يبنى عليه، فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أدومَ لبقائه.
قوله: «منه خلق ومنه يُركَّب»: يعني أنَّ عجب الذنب أوَّل شيء خلق في الإنسان، فكان هو مبدأ خلقه في النشأة الأولى، وكذلك النشأة الآخرة فإنَّ الجسد منه يركَّبُ بعد تفرُّق أجزائه، فهو نظير البذر للزرع. ولله في هذا كله سرٌّ لا يُدرك كنهُه، والعلم عند الله.
ما جاء أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل (4/440)
صفحة 1434
<3/566> قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وابن حبَّان كلُّهم عن أبي سعيد، قال ابن عبد البرِّ: هذا أصحُّ حديث في هذا الباب.
قوله: «إنَّ الملائكة»: قيل: هو عامٌّ في كُلِّ ملك، وَقِيلَ: المراد ملائكة الوحي، وَقِيلَ: ملائكة البركة، أمَّا الحفظة فإنَّهم لا يفارقون الإنسان إِلاَّ عند جماعه وخلائه، وَقِيلَ: يمكن أن لا يدخلوا البيت بل يقفوا خارجه فيطلعهم الله تعالى على عمل العبد في داخله فيكتبونه.
قوله: «لا تدخل بيتًا»: أي مكانًا يستقرُّ إليه الشخصُ سواءً كان بيتًا أو خيمةً أو غيرهما. و“التماثيل”: التصاوير، جمع تمثال، وَهُوَ الصورة وهي ما يصنع على مَثَل الحيوان.
قوله: «أو صُوَر»: شكٌّ من الراوي، والظاهر أنَّ الشكَّ من أبي سعيد لأنَّه موجودٌ في جميع روايات الناقلين عنه، فيكون أبو سعيد قد شكَّ في أيِّ اللفظتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل جعل “أو” للتنويع، وتفسير التماثيل بالأصنام والصور بالحيوان.
<3/567> وسبب امتناع الملائكة كونها معصية فاحشة فيها مضاهاة لخلق الله، وبعضها في صورة ما يُعبد من دون الله. واستشكل كون الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه التصاوير مع قوله سبحانه وتعالى عند ذكر سليمان عليه السلام: {يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} [سبأ: 13]، وقد قال مجاهد: كانت صورًا من نحاس، أخرجه الطبري. وقال قتادة: كانت من خشب ومن زجاج، أخرجه عبد الرزَّاق.
وأجيب بأنَّ ذلك جائزٌ في تلك الشريعة، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبَّدوا كعبادتهم، وقد قال أبو العالية: لم يكن ذلك في شريعتهم حرامًا، ثمَّ جاء شرعنا بالنهي عنه. ويحتمل أن يقال: إنَّ التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملاً لم يتعيَّن الحمل على المعنى المشكل. والله أعلم. (4/441)
صفحة 1435
ما جاء في التحفُّظ من الكلام
<3/568> قوله: «بلغني عن رسول الله»: الحديث رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبَّان والحاكم عن بلال بن الحارث المزني، صحابيٌّ مات سنة ستِّين، وله ثمانون سنة.
قوله: «إنَّ الرجل»: وفي رواية أبي هريرة عند البخاري وأحمد: “إنَّ العبد”، وَهُوَ أَعَمُّ من الرجل لصدقه على الذكر والأنثى والحرِّ والعبد. وإنَّما خصَّ الرجل بالذكر لكونه القائم على من تحته، وغالب خطابات الشرع إِنَّمَا تتوجَّه إِلىَ الرجال، ويدخل غيرهم في الخطاب على سبيل التَبَعِيَّة.
قوله: «بالكلمة»: أي الواحدة، واللام للجنس.
قوله: «من رضوان الله»: أي حال كونها من رضوان الله، أي كلمة فيها رضى الله تعالى مثل كلمة يدفع بها مظلمة، ومثل أمر بمعروف ونهي عن منكر لإرشاد إِلىَ هدًى وانقاذ من ضلال.
قوله: «ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت»: أي ما كان يحسب أنَّها بلغت تلك المنزلة لقلَّتها في نفسه، وفي رواية أبي هريرة: “لا يلقي لها بالاً”: أي لا يتأمَّلها بخاطره، ولا يتفكَّر في عاقبتها ويظنُّ أنَّها لا تُؤَثِّرُ شيئًا فهو على نحو قوله تعالى: {وَتَحْسِبُونَهُ, هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].
قوله: «فيكتب الله له بها رضوانه إِلىَ يوم يلقاه»: أي يوم القيامة، والمعنى أنَّ تلك الكلمة التي لم يلق لها بالاً يثبت الله له بسببها رضوانَه إِلىَ يوم القيامة، يلقاه فيجده راضيًا عنه بسببها. والغاية عبارة عن كونه لا يسخط عليه أبدًا. (4/442)
صفحة 1436
قوله: «مِن سَخَطِ الله»: مصدر بمعنى اسم فاعل، أي من الكلام <3/569> المسخط، أي المغضب لله الموجب عقابه، وَهُوَ لا يَظُنُّ أنَّها بلغت ما بلغت، فيكتب الله بها سخطه إِلىَ يوم يلقاه، وفي نسخة القطب: “إِلىَ يوم القيامة”، وهي رواية قومنا. قال ابن عيينة: هي الكلمة عند السلطان، فالأولى ليردَّه بها عن الظلم، والثانية ليجرَّه بها إِلىَ ظلم. قال أبو عمر: لا أعلم خلافًا في تفسيره بذلك وإن كان لا يَتَعَيَّنُ قصره عليه، فقد روى الحاكم: كان رجل يدخل على الأمراء فيُضحكهم، فقال له علقمة: ويحك لِمَ تدخل على هؤلاء فتضحكهم؟ سمعت بلال بن الحارث فذكره، قال مالك: قال بلال بن الحارث: لقد منعني هذا الحديث من كلام كثير. والله أعلم.
ما جاء في عقوق الوالدين
وذكر فيه حديثين كلاهما مرسل، وفي الأوَّل صيغة البلاغ لم أجدها عند غيره، فَكَأَنَّهُما من جملة ما تفرَّد بِهِ، ومعناهما في القرآن العظيم والسنَّة النبويَّة معروف مشهور.
قوله: «بلغني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم»: في نسخة القطب: «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، <3/570> ولأحمد ومسلم والترمذي والحاكم ومعناه من حديث أبي هريرة.
قوله: «من أدرك والديه»: فيه تغليب الذكر على الأنثى، وفي رواية مسلم: “من أدرك والديه عند الكِبر أحدهما أو كلاهما ثمَّ لم يدخل الجنَّة”. وَهُوَ جواب لسؤال من سأله عن قوله: “رغم أنفه ثلاثًا، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه... ”إلخ. وذكر الكِبر لأنَّه أحوج الأوقات إِلىَ حقوقهما.
قوله: «ولم يدخل بهما الجنَّة»: أي ولم يحصل له بسببهما دخول الجنَّة، وذلك أَنَّ بِرَّهما بالخدمة والنفقة وغير ذلك سبب لدخول الجنَّة، فمن قصَّر في ذلك فاته دخول الجنَّة. (4/443)
صفحة 1437
وَقِيلَ: معناه لم يدخل الجنَّة بسبب عقوقهما والتقصير في حقوقهما، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “رغم أنفه” ثلاثًا. قال الطيبي: ذلَّ وخاب وخسر من أدرك تلك الفرصة التي هي موجبة للفلاح والفوز بالجنَّة ثمَّ لم ينتهزها، وانتهازها هو ما اشتمل عليه قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا...} إِلىَ قوله: {... وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، فإنَّه دَلَّ على الاجتناب عن جميع الأقوال الْمُحَرَّمَة، والإتيان بجميع كرائم الأقوال والأفعال، من التواضع والخدمة والإنفاق عليهما ثمَّ الدعاء لهما في العاقبة.
قوله: «فلا أدركهما»: أي فكأنَّه لم يدركهما، وَهُوَ عبارة عن نفي <3/571> الانتفاع بهما، ومعناه: إن لم ينتفع بإدراكهما فإدراكهما وعدمه سواءٌ، فلا عبرة بالإدراك الحسيِّ، وإنَّما العبرة بالإدراك المعنويِّ، وهما ما يترتَّب عليه النفع في المعاش والمعاد.
قوله: «من هاجر أحد والديه»: أي من أمسك عن كلام أمِّه أو أبيه لقصد الهجران، أو فَعَلَ مع واحد منهما ما يوجب القطيعة، فإنَّه يكون بذلك من أهل النَّار إن لم يتُبْ.
قوله: «ساعةً من نهار»: عبارة عن قِلَّة الزمان، وَأَنَّ القليل من هجرهما كبيرة، فلا يسامح فيه ما يسامح في هجر الأخ في الدّين، فإنَّه قد تقدَّم أنَّه يسامح في ذلك إِلىَ ثلاث ليالٍ، ولا كذلك هجر الوالدين لعظم حقِّهما عليه، فكثير ذلك وقليله حرامٌ وكبيرةٌ، وقد نهى تعالى أن يقال لهما: “أفٍّ”، إذ هو كناية عن الإيذاء بأيِّ نوع كان حتَّى بأقلِّ أنواعه، ومن ثمَّ ورد أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: “لو علم الله شيئًا أدنى من أفٍّ لنهى عنه”. (4/444)
صفحة 1438
والحديثان يدلاَّن على تساوي الوالدين في الحقوق، وبه قال مالك وبعض الشافعيَّة، والمذهب عندنا وعند جمهور قومنا - حتَّى حكى الحارث المحاسبي الإجماع - عَلَى تفضيل الأمِّ في البرِّ، وفي حكاية الإجماع نظر، وحجَّتنا على ذلك ذكر حديث أبي هريرة عند الشيخين: “قال رجل يا رسول الله: من أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ من؟ قال: أبوك”. والله أعلم.
<3/572> ما جاء في ذي الوجهين
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم، ويسند مالك فيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة... الخ.
قوله: «شرُّ الناس»: وفي رواية مالك: “من شرِّ الناس”، والمراد كلُّ الناس، فهو مبالغة في الذم، وَقِيلَ: المراد بالناس الطائفتان اللتان يسعى بينهما ذو الوجهين.
قوله: «ذو الوجهين»: أي صاحب الجهتين يعني المدح والذمَّ. وإطلاق الوجه على هذا المعنى مجاز، وَهُوَ في الحديث مفسَّرٌ بقوله: “يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ”. وفي رواية مالك: “الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ... ” الخ فَهي أصرح في التفسير، ورواية المصنِّف أظهر في التعليل؛ وذلك أنَّه يظهر عند كُلِّ واحدة من الطائفتين أنَّه منهم ومخالفٌ للآخرين مبغضٌ لهم. وفي رواية: “الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء”.
<3/573> قال القرطبي: “إِنَّمَا كان من شرِّ الناس لأنَّ حاله حال المنافقين، إذ هو يتملَّق بالباطل وبالكذب، مدخلٌ للفساد بين الناس”. وقال النووي: “لأنَّه يأتي كُلَّ طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنَّه منها ومخالف لضدِّها، فصنيعه نفاق محضٌ وكذبٌ وخداعٌ وتحيُّلٌ على الاطِّلاَع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمةٌ”. (4/445)
صفحة 1439
قال القاضي عياض وغيره: فأمَّا من قصد بذلك الإصلاح المرغَّب فيه فيأتي أكمل كلام فيه صلاح واعتذارٌ لِكُلِّ واحدٍ عن الآخر وينقل له الجميل فمحمودٌ مرغَّبٌ فيه. قال القرطبي: “ذو الوجهين في الإصلاح محمودٌ وإن كان كاذبًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: “ليس الكذب الذي يصلح بين الناس يقول خيرًا ويتمنَّى خيرًا”. والله أعلم.
ما جاء في فضل الصدقة حتَّى على البهائم
<3/574> قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود.
قوله: «بينمَا»: بميمٍ، وفي رواية بدونها.
قوله: «رجل»: لم يذكر اسمه.
قوله: «يمشي في الطريق»: وفي رواية مالك: “بطريق”. وفي أخرى: ”بفلاة”. وفي أخرى: “بطريق مكَّة” فَتَبَيَّنَ من مجموعها أنَّ الطريق بفلاة، وأنَّها كانت طريق مكَّة.
قوله: «فاشتدَّ عليه العطش»: وفي نسخة القطب: «إذا اشتَدَّ»، وهي رواية مالك، وَمَعنَى اشتداد العطش بلوغه بِهِ حدَّ النهاية.
قوله: «يلهَث»: (بفتح الهاء ومثلثة): أي يرتفع نفَسه بين أضلاعه، وَقِيلَ: معناه يخرج لسانه من العطش، و“الثَّرى” (بفتح المثلَّثة والقصر): ترابٌ نديٌّ.
قوله: «مثل الذي بلغني»: وفي رواية: “بلغ منِّي”، وفي أخرى: “بلغ بي”. وفي إعراب “مثل” وجهان: الرفع على أنَّه فاعل بلغ، والنصب على أنَّه صفة لمصدر محذوف، أي مبلغًا مثل الذي بلغني، والرفع أظهر.
قوله: «ثمَّ أمسكه بفيه»: أي أمسك الخفَّ بفيه، وإنَّما احتاج إِلىَ ذلك لأنَّه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وَهُوَ مشعرٌ بأنَّ الصعود كان عسيرًا.
<3/575> قوله: «فسقى الكلبَ»: زاد في رواية عن أبي صالح: “حتى أرواه”: أي جعله ريَّان.
قوله: «فشكر الله له ذلك»: أي أثنى عليه بسبب ذلك، أو قبل عمله ذلك، أو جازاه بفعله، وَقِيلَ: معنى شكر الله ذلك: أي أظهر ما جازاه الله بِهِ عنده ملائكته.
قوله: «وغفر له»: أي ستر عليه سائر ذنوبه، فحصل له بسبب ذلك الغفران والثواب. (4/446)
صفحة 1440
قوله: «فقالوا»: أي يعني الصحابة، وسمِّي من القائلين سُراقة بن مالك بن جُعشم.
قوله: «في البهائم»: أي في سقي البهائم أو في الإحسان إِلىَ البهائم.
قوله: «في كُلِّ كبد رطبة»: وفي نسخة القطب: «في كلِّ ذي كبد رطب»، وهي بفتح الكاف وكسر الموحَّدة، فوصفها بالرطوبة لأنَّها حيَّة، فالحياة رطبةٌ.
قال الداودي: المعنى في كُلِّ كبد حيٍّ، وَهُوَ عامٌّ في جميع الحيوان. قال غيره: حَتَّى الكافر يدلُّ عليه قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىا حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]، لأنَّ الأسير إِنَّمَا يكون في الأغلب كافرًا. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأمَّا الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب، قال: وقوله: “في كُلِّ كبد” مخصوص ببعض البهائم مِمَّا لا ضرر فيه، لأَنَّ المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضررُه، وكذا قال النووي: إنَّ عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وَهُوَ ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق بِهِ إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان.
قلتُ: إخراج الكلب من عموم الحديث لا يناسب السياق، فإنَّه وإن كانت القصَّة في بني إسرائيل فقوله: “في كُلِّ كبدٍ رطبة” خطاب متوجِّه إِلىَ الصحابة حين <3/576> سألوه عن حكم ذلك وما سألوه إِلاَّ بعد استبعاد ما استبعد القائلون بالتخصيص.
سلَّمنا أنَّ الكلب مأمورٌ بقتله، فلا نسلِّم منع الإحسان إليه قبل ذلك، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نحسن القِتلةَ، ولله درُّ ابن التين حيث تنبَّه لهذا المعنى فقال: لا يمنع إجراؤه عَلَى عمومه. (4/447)
صفحة 1441
وفي الحديث جواز حفر الآبار في الصحراء لانتفاع العطشان وغيره بها، وإن تضرَّرَ بها في النادر، لأنَّ المنفعة متحقِّقة والتضرُّرُ نادرٌ، فلوْ تحقَّقت الضرورة لم يجز وضمِن الحافر بخلافه على المعنى الأوَّل، فإنَّه لا ضمان عليه فيما أتلفت البئر لأنها جُبار، وفيه الحثُّ على الإحسان، وأنَّ سقي الماء من أعظم القربات، قيل: وفيه جواز السفر منفردًا بغير زاد، ومحلُّ ذلك في شرعنا ما لم يخفْ على نفسه الهلاك. والله أعلم.
<3/577> ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العنق
قوله: «بلغني»: الحديث رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم أنَّ أبا بشير الأنصاريَّ أخبره أنَّه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وذكر الحديث، وأخرجه البخاري في الجهاد عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في اللباس عن يحيى وأبو داود عن القعني، كلُّهم عن مالك بِهِ.
<3/578> قوله: «عن أبي بشير»: (بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة) الأنصاري الساعديّ، وقيل: الحارثي، فمن قال: إنَّه مازنيٌّ ففيه نظر، قال ابن الأثير: لا يوقف له على اسم صحيح، وقد قيل: اسمه قيس بن عبيد بن الحرَيِّر بن عمرو بن الجعد من بني مازن بن النجَّار، ولا يصحُّ والحرَيِّر بمهملات مصغَّر. قال ابن الأثير: شهد بيعة الرضوان، روى عنه أولاده وعباد بن تميم ومحمَّد بن فضالة وعمَّار بن غزيَّة. وقال غيره: عاش بعد الستِّين، وشهد الحرَّة، وجرح بها، ومات من ذلك، ويقال: جاوز المائة.
قوله: «في بعض أسفاره»: قال ابن حجر: لم أقف على تعيينه.
قوله: «رسولا»: هو مولاه زيد، كما في رواية عن مالك، قال ابن عبد البرّ: وَهُوَ زيد بن حارثة فيما يظهر لي. (4/448)
صفحة 1442
قوله: «والناس في مبيتهم»: وفي رواية مالك: قال عبد الله بن أبي بكر: حسبت أنَّه قال: “والناس في مقيلهم”. قال ابن حجر: كأنَّه شكَّ في هذه الجملة ولم أرها من طريقه إِلاَّ هكذا. وعبد الله بن أبي بكر شيخ مالك في هذا الحديث. وليس في رواية المصنِّف شكٌّ أنَّ الناس كانوا في مبيتهم فاليقين أحقُّ أن يؤخذ بِهِ.
قوله: «لا يبْقَيَنَّ»: بتحتيَّة. وفي رواية: [تقرَّ] بفوقيَّة فقاف فراء مهملة مشدَّدة. وفي أخرى: مثلها لكن بتحتيَّة في أوَّلها، والمعنى واحد، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أمر الرَّسول بإزالة القلائد من أعناق الجمال حتَّى لا يبقى منها واحدة.
واختلفوا في هذا النهي، فقيل: لكراهة التنزيه ونسب إِلىَ الجمهور، وقيل للتحريم، وَقِيلَ: يمنع منه بلا حاجة ويجوز للحاجة. وعن مالك تخصيص كراهة القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يُقصد دفع العين، هذا كلُّه في تعليق التمائم وغيرها، فَأَمَّا ما فيه ذكر الله فلا يُنهى عنه؛ لأنَّه إِنَّمَا يجعل للبركة به والتعوُّذ بأسمائه وذكره، وَقِيلَ: النهي عن ذلك لئلاَّ تختنق الدَّابَّة بها عند شدَّة الركض، وَقِيلَ: لأنَّ الدوابَّ تتأذَّى بِهِ ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربَّما تعلَّقت بشجرة فاختنقت أو تعوَّقت عن السير، وَقِيلَ: المراد النهي عن الجرس وكانوا يُعلِّقون الأجراس فيها، وقد روى أبو داود <3/579> والنسائي عن أمِّ حبيبة والنسائي أيضًا عن أمِّ سلمة مرفوعًا: “لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس”. قيل: ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك.
قوله: «في رقبة بعير»: هو شامل للناقة والجمل، وإنَّما خصَّ بالذكر لأنَّها كانت دوابَّهم، وإلاَّ فغيرها في الحكم مثلها.
والقلادة (بكسر القاف): ما يجعل في العنق من كُلِّ شيء. (4/449)
صفحة 1443
قوله: «من وبر»: بموحَّدة في جميع النسخ التي بأيدينا، وجزم بِهِ الداودي، وقال: هو ما ينزع عن الجمال يشبه الصوف. وقال غيره: هو بالمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحة في جميع الروايات. قال ابن الجوزي: ربَّما صحَّف مَن لا علم له بالحديث فقال: “وبر” بموحَّدة.
قوله: «ولا غيره»: عطف عامٍّ على خاصٍّ، فيفيد النهي عن جميع القلائد، كانت من وبر أو وتر، وكان فيها جرس أو لم يكن، وبها يتبيَّن المراد وينتفي الشكُّ من رواية غيره.
قوله: «وذلك من العين... »الخ: أي كانوا يصنعون ذلك اتِّقاء من العين على دوابِّهم فنهوا عنه، والظاهر أنَّ هذا الكلام من أبي عبيدة رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون من أبي بشير، لَكِنَّ كلام مالك يُؤَيِّدُ الأوَّل، قال مالك: “أرى ذلك من العين”، قال شارحه: فأُمروا بقطعه إعلامًا بأنَّ الأوتار لا تردُّ من أمر الله شيئًا، قال: ويؤيِّده حديث عقبة بن عامر رَفَعَه: “من علَّق تميمة فلا أتمَّ الله له” رواه أبو داود، والتميمة: ما علِّق من القلائد خشية العين ونحو ذلك. والله أعلم.
<3/580> ما جاء في سفر المرأة وحدها
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وغيرهم.
قوله: «لا يحلُّ لامرأة»: أخرج الرجل<، لأنَّه لا يشاركها في الحرمة وإن كره له الوحدة للإشفاق عليه من المهالك في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه يرفعه عن أحمد وأبي داود والترمذي: “الراكب شيطان”، ويستثنى البريد لضرورة التعجيل. (4/450)
صفحة 1444
قوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر»: أي يوم القيامة، وقيل بذلك لأنَّ الإيمان هو الذي يستمرُّ للمتَّصف بِهِ خطاب الشرع، فينتفع بِهِ وينقاد له، أو أنَّ الوصف ذكر لتأكيد التحريم، لأنَّه تعريض بأنَّها إذا سافرت بلا محرم خالفت شرط الإيمان بالله واليوم الآخر المقتضي للوقوف عند ما نهيت عنه، أو خرج مخرج الغالب، ولم يقصد بِهِ إخراج الكافرة كتابيَّة أو حربيَّة كما قال بِهِ بعض العلماء تمسُّكًا بالمفهوم، ولفظ المرأة عامٌّ في جميع النساء، واستثنى بعضهم الكبيرة التي لا تشتهَى فتسافر في كُلِّ الأسفار بلا زوج وبلا محرم. وَهُوَ تخصيص للعموم بالنظر إِلىَ المعنى، واستبعد بأنَّ <3/581> الخلوة بها حرام، وما لا يطلع عليه من جسدها غالبًا عورة، فالمظنَّة موجودة فيها والعموم صالح لها فينبغي أن لا تخرج منه.
وقال النووي: المرأة مظنَّة الطمع فيها ومظنَّة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: “لكل ساقطة لاقطة”. ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقِلَّة دينه ومروءته وحيائه ونحو ذلك.
قوله: «مسيرة يوم وليلة»: المسير مصدر ميميٌّ بمعنى السير، كمعيشة بمعنى العيش، وليست التاء فيه للمرَّة، ولا اليوم والليلة للتحديد، ففي حديث أبي سعيد عند الشيخين وغيرهما: “أن تسافر فوق ثلاثة أيَّام فصاعدًا”. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين وأبي داود: “لا تسافر المرأة ثلاثًا إِلاَّ ومعها ذو محرم”. وفي رواية الليث لحديث أبي هريرة: “تسافر مسيرة ليلة”. وفي رواية أحمد: “يومًا”. وفي أبي داود: “بريدًا”، بدل: “يوم”. وفي رواية: “يومين”. وفي أخرى إطلاق السفر من غير تقييد.
قال العلماء: هذا الاختلاف بسبب اختلاف السائلين، فسئل مرَّة عن سفرها ليلة قال: لا. وأخرى عن سفرها يومًا؟ فقال: لا، وهكذا في جميعها، وليس فيه تحديد. قال الأبيّ: والمُراد أنَّها إذا كانت جوابًا للسائلين فلا مفهوم لأحدها. (4/451)
صفحة 1445
وبالجملة فالفقه جمعُ أحاديث الباب فحقُّ الناظر أن يستحضر جميعها وينظر أخصَّها فيستنبط الحكم بِهِ وأخصّها باعتبار ترتُّب الحكم عليه يومٌ، لأنَّه إذا امتنع فيه امتنع فيما فوقه، ثمَّ <3/582> أخصّ من يوم وصف السفر المذكور في غالبها، فيمنع أقلُّ ما يصدق عليه اسم السفر، ثمَّ أخصّ من اسم السفر الخلوة بها، فلا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع واحد، وإن قل الزمن لعدم الأمن لاسيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إِلاَّ فيما جبلت عليه النفوس من النفرة عن المحارم.
قوله: «إِلاَّ مع ذي محرم منها»: والمَحرَم (بفتح الميم) حرام التزويج منها بنسب أو صهر أو رضاع. زاد الشيخان من حديث أبي سعيد: “أو زوج”، وفي معناه السَّيِّد والأمَة، ولو لم يرد ذكر الزوج لقيس على المحرم قياسًا جليًّا، وكره مالك كراهة تنزيه سفرها مع ابن زوجها، ثمَّ اختلف أصحابه في وجه ذلك، فقيل: لفساد الزمان وحداثة الحرمة، ولأنَّ الداعي إِلىَ النفرة عن امرأة الأب ليس كالداعي إِلىَ النفرة عن سائر المحارم، والمرأة فتنة إِلاَّ فيما جبلت عليه النفوس من النفرة عن محارم النسب، وَقِيلَ: لعداوة المرأة لربيبتها وعدم شفقته عليها.
واستُدلَّ بالحديث لأبي حنيفة وأحمد ومن وافقهما على أنَّ المحرم أو الزوج شرط في استطاعة المرأة للحجِّ، فإنَّه حُرِّم عليها السفر إِلاَّ مع أحدهما، والحجُّ من جملة الأسفار، فيكون حرامًا عليها فلا يجب. وقال أصحابنا ومالك والشافعي في <3/583> المشهور عنهما وطائفة: لا يشترط المحرم لأنَّ الوجوب متوجِّه إليها بنفس الخطاب وعليها أن تتَّقي في سفرها ما نهيت عنه. (4/452)
صفحة 1446
وذكر أبو عبيدة عن جابر أنَّه قال: إذا كانت المرأة صَرورَةً (والصرورة التي لم تحجَّ) فالحجُّ عليها واجب، وإن كانت أصابت ذا محرم فلتحجَّ معه، فإن لم نصب ذا محرم فلتحجَّ مع ثقات من المسلمين، وعليهم أن يمنعوها مِمَّا يمنعون منه أنفسهم، وإن كانت قد مِمَّن قد حجَّ فلا تحج إِلاَّ مع ذي محرم، ومحلُّ الخلاف في حجِّ الفرض، فأمَّا التطوُّع فلا تحجُّ مع غير ذي محرم أو زوج، وقاسوا فريضة الحجِّ على فريضة الهجرة قبل نسخها، فإنَّ الكافرة إذا أسلمت بدار الحرب تجب عليها الهجرة منها وإنْ بلا محرم إجماعًا والجامع بينهما نفس الوجوب. والله أعلم.
ما جاء في إخراج الشوك من الطريق
قوله: «عن جابر»: هو جابر بن زيد رحمه الله تعالى، وسيأتي معناه في المقاطيع من طريق معاذ بن جبل رضي الله عنه. وللبخاري في الأدب عن <3/584> معقل بن يسار يرفعه: “من أماط أذًى عن طريق المسلمين كتب له حسنة، ومن تقبِّلت منه حسنة دخل الجنَّة”. ولأحمد ومسلم عن أبي هريرة يرفعه: “مرَّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمين ولا يؤذيهم فأدخل الجنَّة”.
قوله: «من عارضه»: أي صادفه، والشوك معروف، وسمِّي بذلك لأنَّه يشيك الإنسان، أي يصيب جلده، وفي معناه كلُّ ما يؤذي المارَّ، وإذا حصل هذا الثواب لمزيل ما عارضه في الطريق كان حصوله لمن خرج قاصدًا لإزالة الأذى من باب أولى، وكذلك من تعنَّى في ذلك.
قوله: «فأخرجه»: أي أخرجه من الطريق، وَلاَ بُدَّ من وضعه مباح لا يضرُّ بأحدٍ.
قوله: «شكر الله له»: أي أثنى عليه بذلك وأثابه عليه.
قوله: «وغفر له ذنبه»: أي ستره، فلا عتاب ولا عقاب، فحصل له بإخراج الشوك شيئان: ثواب الله له وغفرانه لذنوبه.
وفيه فضل إزالة الأذى من الطريق، سواء كان الأذى بشوك أو ما في معناه كحجر يتعثَّر بِهِ أو قذر أو جيفة أو غير ذلك، وإماطة الأذى عن الطريق من شُعب الإيمان. (4/453)
صفحة 1447
وفيه التنبيه على فضل كُلِّ من نفع المسلمين وأزال عنهم ضررًا. والله أعلم.
<3/585> ما جاء أنَّ السفر قطعة من العذاب
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم كلاهما من طريق مالك عن أبي هريرة، ورواه الدارقطني والحاكم بإسناد جيِّد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وفي الباب عن ابن عبَّاس وابن عمر وأبي سعيد وجابر عند ابن عديٍّ بأسانيد ضعيفة.
قوله: «قطعة من العذاب»: القطعة (بكسر القاف وسكون المهملة): الجزء من الشيء. والعذاب: الألم الناشئ عن المشقَّة الحاصلة في الركوب والمشي من ترك المألوف ومن الحرِّ والبرد والخوف وخشونة العيش والفراق للأحباب، وقد فسَّر الشارع عليه السلام هذه القطعة بقوله: “يمنع أحدكم طعامه... ”الخ فإنَّ ذلك كلَّه تفسير لقوله: “قطعة من العذاب”، والمُراد بمنع ذلك منع استكماله، فإنَّ هَذِهِ الأشياء إِنَّمَا يستكملها الإنسان حال الفراغ ووقت الراحة، فإذا اشتغل البال وتألَّم الجسد اقتصر هذا ما لاَ بُدَّ منه، فإنَّ الرغبة تقلُّ عند حصول الموانع، والنوم يذهب بالخوف وشدَّة الهمِّ والهمم. وربَّما رغب في الطعام والشراب فيتعذَّران عليه وربَّما مات أحدهم من شدَّة العطش.
<3/586> قوله: «فإذا قضى أحدكم نهمته»: (بفتح النون وسكون الهاء)، وضبط أيضًا بكسر النون: أي حاجته بِأَن بلغ مطلبه.
قوله: «من وجه»: أي من جهة من الجهات التي بعدت عن وطنه. وفي رواية مالك: “أي عن وجهه” أي من قصده، ولابن عديٍّ في حديث ابن عبَّاس: “فإذا قضى أحدكم وطره من سفره”.
قوله: «فلْيُعَجِّل»: (بضمِّ التحتيَّة وكسر الجيم المشدَّدة)، وفي رواية: “فليعجل الرجوع إِلىَ أهله”. وفي أخرى: “فليعجِّل الكرَّة إِلىَ أهله”. وفي حديث عائشة: “فليعجِّل الرحلة إِلىَ أهله” فإنَّه أعظم لأجره. (4/454)
صفحة 1448
قال ابن عبد البرِّ: زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك: “وليتَّخذ لأهله هديَّة وإن لم يجد إِلاَّ حجرًا فليقلَّه في مخلاته”، والحجارة يومئذ يُضرب بها القداح: يعني حجر الزناد، قال: “وهي زيادة منكرة لا تَصِحُّ”.
وفي الحديث كراهية التغرب عن الأهل بلا حاجة، وندب استعجال الرجوع لاسيما من يخشى عليهم الضَّيعة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدّين والدينا وتحصيل الجماعات وَالقُوَّة على العبادات. ولا يعارضه حديث ابن عمر مرفوعًا: “سافروا تصحُّوا”، ولا ما تقدَّم في بلاغ أبي عبيدة: “سافروا تغنموا”؛ لأنَّه لا يلزم من الصِّحَّة في السفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقَّة فصار كالدواء المرِّ المعقِّب للصحَّة، وإن كان في تناوله كراهة، وكذلك لا ينافيه ترتُّبُ المغنم عليه فالأمر بِهِ للفوائد الحاصلة منه معلوم، ولهذا قال في هذا الحديث: “فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجِّل إِلىَ أهله”، ففهمنا من مجموع الأحاديث الأمر بِهِ لحصول الفائدة، والنهي عنه في غير ذلك. والله أعلم.
<3/587> ما جاء أنَّ الشؤم في الدار والمرأة والفرس
قوله: «بلغني عن ابن عمر»: وفي نسخة القطب إسقاط البلاغ. وابن عمر شيخ جابر في كثير من الأحاديث فيحتمل السماع والبلاغ. والحديث رواه مالك في الموطَّأ عن ابن شهاب عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر. وأخرجه البخاري في النكاح عن إسماعيل. ومسلم عن القعنبي ويحيى، والثلاثة عن مالك بالسند المتقدِّم.
قوله: «الشؤم» (بضمِّ المعجمة وسكون الهمزة وقد تسهل فتصير واوًا) وَهُوَ ضدّ اليُمن، يقال: تشاءمت بكذا وتيمَّنت بكذا. (4/455)
صفحة 1449
<3/588> قوله: «في الدار والمرأة والفرس»: أي كائن فيها، وقد يكون في غيرها فالحصر فيها بالنسبة إِلىَ العادة لا بالنسبة إِلىَ الخلقة، وخصَّها بالذكر لطول ملازمتها. وقال الخطَّابي: اليمن والشؤم علامتان لما يصيب الإنسان من الخير والشرِّ، ولا يكون شيء من ذلك إِلاَّ بقضاء الله، وهذه الأشياء الثلاثة ظروف جعلت مواقع الأقضية ليس لها بأنفسها وطبائعها فعل ولا تأثير في شيء، إِلاَّ أنَّها لَمَّا كانت أعمَّ الأشياء التي يقتنيها الإنسان وكان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها وزوجة يُعاشرها وفرس مرتبطة، ولا يخلو عن عارض مكروه في زمانه، أضيف اليُمن والشؤم إليها إضافة مكان. وهما صادران عن مشيئة الله تعالى عزَّ وجلَّ.
واختلفوا في معنى الحديث، فقيل: هو على ظاهره ولا يمتنع أن يجري الله العادة بذلك في هؤلاء كما أجرى العادة بأنَّ من شرب السمَّ مات، ومن قطع رأسه مات. وسئل عنه مالك فقال: كم من دار سكنها ناسٌ فهلكوا. وقيل معنى الحديث: إنَّ هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهيته أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبة ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إِلىَ الأمر بفراقها ليزول التعذيب. (4/456)
صفحة 1450
<3/589> وَقِيلَ: شؤم الدار ضيقها وسوء جارها وبُعدها من المسجد لا يسمع فيها الأذان، وشؤم المرأة أن لا تلد، وسوء خلقها، أو غلاء مهرها، أو عدم قنعها، أو بسط لسانها. وشؤم الفرس: أن لا يغزو عليها، أو حرونها. وروى الدمياطي بإسناد ضعيف: “إذا كان الفرس حرونًا فهو مشؤوم، وإذا حنَّت المرأة إِلىَ بعلها الأوَّل فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان فهي مشؤومة”. وللطبراني من حديث أسماء: إِنَّ من شقاء المرء في الدُّنيا سوءَ الدار والمرأة والدابَّة، وفيه سوء الدار ضيق ساحتها وخبث جيرانها، وسوء الدَّابَّة منع ظهرها وسوء طبعها، وسوء المرأة عُقم رحمها وسوء خلقها. وفي ذلك أحاديث أخر لا نطيل بذكرها جعلوها مفسِّرة لمعنى الشؤم في الحديث
وأحقُّ ما فسِّر بِهِ الحديث الحديث، فتنتفي مخالفة هذا الحديث لقوله صلى الله عليه وسلم: “الخيل في نواصيها الخير إِلىَ يوم القيامة”. وإن قلنا بظاهر الحديث فلا معارضة أيضًا، لاحتمال أنَّ الشؤم في غير التي ربطت للجهاد والتي أعدَّت له وهي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال: الشرُّ والخير يمكن اجتماعها في ذات واحدة، فإنَّه فسَّر الخير بالأجر، ولا يمنع ذلك من أن يكون الفرس مِمَّا يتشاءم بِهِ، أو المراد جنس الخير، أي بصدد أن يكون فيها الخير فلا ينافي حصول غيره عارضا. والله أعلم.
ما جاء في ردِّ السلام على اليهود
<3/590> قوله: «قال ابن عمر»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري وليس فيه عندهم: “والسام هو الموت”، ولأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه معناه من حديث أنس.
قوله: «من اليهود»: جمع يهوديٍّ، كروم وروميٍّ. وفي حديث أنس: “من أهل الكتاب”، وَهُوَ أَعَمُّ لشموله اليهود والنصارى.
قوله: «فإنَّما يقول لكم: السام عليكم»: هذه عادة أعداء الله وذلك من شدَّة بغضهم للإسلام وأهله، فيداهنون المسلمين بإظهار ما يوهم التحيَّة وهو في ذلك يضمرون البليَّة. (4/457)
صفحة 1451
قوله: «والسام هو الموت»: الظاهر أنَّ هذا تفسير من النبيء صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون من ابن عمر لسقوطه من رواية عبد الله بن دينار، وجاء مفسَّرًا في حديث: “لكل داء دواء إِلاَّ السام قيل: وما السام يا رسول الله؟ قال: الموت”.
قوله: «ولكن قولوا: وعليكم»: بالواو، وفي أكثر روايات مالك بلا <3/591> واو، وجاءت الأحاديث في مسلم بحذفها وإثباتها، وَهُوَ أكثر، قال القرطبي: “ورواية الحذف أحسن معنى والإثبات أصحُّ وأشهر”. قال النووي: “الصواب جواز الحذف والإثبات وَهُوَ أجود، ولا مفسدة فيه لأنَّ السام الموت وعلينا وعليهم ولا ضرر فيه”. قال القرطبي: “غير أنَّه يجاب فيهم ولا يجابون فينا كما قال صلى الله عليه وسلم”. وقال قتادة: “مراده بالسام السآمة”، أي تسأمون دينكم مصدر سئمت سآمة وسآمًا مثل: رضاعة ورضاعًا وتفسيره بالموت في الحديث يردُّه.
قال النووي: اتَّفق العلماء على الردِّ لأهل الكتاب إذا سلَّموا لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل “عليكم” فقط أو “وعليكم”، بإثبات الواو وحذفها. وقال عياض: أوجب ابن عبَّاس والشعبي وقتادة ردَّ سلامهم لعموم الآية والحديث. وروى أشهب وابن وهب عن مالك: “لا يردُّ عليهم”، والآية والحديث مخصوصان بسلام المسلم، وبيَّن هذا الحديث أنَّه لا يُردُّ عليهم بلفظ السلام المشروع، بل تقول: عليك، وهذا قول الأكثر. واختار بعض قومنا أن يقول في الردِّ عليهم: “السِّلام”، (بكسر السين) أي الحجارة. وأجاز بعضهم الردَّ عليهم بلفظ: السلام، لقوله تعالى: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ} [مريم: 47]، وقوله تعالى: {وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89]، وردَّ القولان بِأَنَّ السلام تَحِيَّة الإسلام، وأنَّ السلام في الآيتين بمعنى المتاركة والمباعدة لا بمعنى التحيَّة. والله أعلم.
<3/592> ما جاء في صلة الرحم (4/458)
صفحة 1452
الحديث روى معناه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ولمسلم أيضًا معناه عنه من وجه آخر ولأبي داود عن عائشة.
قوله: «من وصل رحمه فقد وصلني»: أ ي من فعل مع رحِمه ما أمرته بفعله من المواصلة والصلة، فقد امتثل أمري وأدَّى ما أوجبتُ عليه واستحق الثناء والثواب.
قوله: «ومن قطع رحمه فقد قطعني»: أي من لم يمتثل ما أمرته به من إيصال البرّ والمعروف إِلىَ رحمِه فقد خالف أمري وتعرّض لقطيعتي، وفي التعبير<3/593> بقوله: “وصلني” و“قطعني” إشارة إِلىَ أنَّ صلة الرحم موجبة لصلة الرّحمن، وقطيعته موجبة لقطيعته، وعند الشيخين من حديث أنس يرفعه: “من أحبَّ أن يبسط له في رزقه ينسأ له في أثره فليصل رحمَه”.
قال القرطبي: الرحم التي توصل عامَّة وَخَاصَّةً، فالعامَّة رحم الدّين وتجب مواصلتها بالتودُّد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبَّة، وأمَّا الرحم الخاصَّة فالنفقة على القريب وتفقُّد أحواله والتغافل عن زلاَّته، وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك، وقال غيره: تكون صلة الرحم بالمال والتعاون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء.
والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشرِّ بحسب الطاقة، وهذا إِنَّمَا يستمرُّ إذا كان الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفَّارًا وفجَّارًا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ثمَّ إعلامهم إذا أصرُّوا أنَّ ذلك بسبب تخلُّفهم عن الحقِّ. والله أعلم.
ما جاء أنَّ دخول الجنَّة برحمة الله (4/459)
صفحة 1453
<3/594> قوله: «لن يدخل الجنَّة أحدٌ بعمله»: أي بسبب عمله المجرَّد عن رحمة الله تعالى، لكن يدخلها بالعمل المقرون بالرحمة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “ولا أنا إِلاَّ أن يتغمدَّني الله برحمته”. وبهذا المعنى يحصل الجمع بين الحديث وبين الآيات الدالَّة على دخولها بالأعمال، كما في قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72] وقوله: {جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] في أمثالها من الآيات، وذلك أنَّ التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطّاعة التي تحصل بها النجاة. وهنالك أوجه أخر في الجمع بينهما، منها: أنَّ منافع العبد لسيِّده، فعمله مستحقٌّ لمولاه فمهما أنعم الله عليه من الجزاء فهو من فضله.
ومنها: أنَّه جاء في بعض الأحاديث ما يُفَسِّرُ دخول الجنَّة برحمة الله وانقسام الدرجات بالأعمال.
<3/595> ومنها أنَّ أعمال الطّاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد، والإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال.
ومنها: أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد بِهِ العامل دخول الجنَّة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القبول إِلىَ الله تعالى، وإنَّما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فَمَعنَى قوله: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: [الزخرف: 72]، أي: تعملونه من العمل المقبول.
قوله: «قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ »: سألوا عن هذا لما يعلمون أنَّ أجره في الطّاعة أعظم، وعمله في العبادة أقوم، ولاحتمال أن يكون قد خُصَّ من بينهم بهذا المعنى كما خصَّ بالقرب من الربّ عزَّ وعلا. (4/460)
صفحة 1454
قوله: «إِلاَّ أن يتغمدني الله برحمته»: قال الربيع: يعني: يكسوني برحمته ويغمدني بها كما يغمد السيف في جفنه، وقال أبو عبيد: المراد بالتغمد الستر وما أظنه إِلاَّ مأخوذ من غمد السيف، لأنَّك إن غمدت السيف فقد ألبسته الغمد وسترته بِهِ، وفي الحديث: “إنّ العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب الفوز ونيل الدرجات”، لأنَّه إِنَّمَا عمل بتوفيق الله، وإنَّما ترك المعصية بعصمة الله، فكلٌّ بفضل الله ورحمته، والله أعلم.
<3/596> ما جاء في وجوب الخوف والرجاء
قوله: «بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»: الحديث لم أجده عند غيره وكأنَّه مِمَّا تفرد بِهِ.
قوله: «من قال أنا من أهل الجنَّة فهو من أهل النار»: أي من حكم لنفسه بالفوز وقطع لها بدخول الجنَّة فهو من أهل النار، لأنَّه حكم بالغيب وادَّعى ما ليس له وذلك كبيرة توجب دخول النَّار والعياذ بالله، ولأنَّه أمِنَ من مكر الله والآمن من مكر الله هالك لقوله تعالى: {فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، واستظهر المحشِّي أنَّه مشرك لمصادمته النصَّ وخروجه من الخوف والرجاء بِالكُلِّيَّة، وهذا لا يظهر في المتأوِّل، وإنَّما يظهر فيمن صادم النصوص مواجهة بغير تأويل فلا يصحُّ لأحد أن يقطع لنفسه بالفوز، وكذلك لا يصحُّ له أن يقطع بها لغيره. (4/461)
صفحة 1455
وفي البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أمِّ علاء وهي امرأة من نسائهم: <3/597> “بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: طاولنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، فاشتكى، فمرَّضناه حتَّى تُوُفِّيَ، ثمَّ جعلناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، قال: وما يدريك؟ قلت: لا أدري والله، قال: أمَّا هو فقد جاءه اليقين، إنِّي لأرجو له الخير من الله، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل الله بي ولا بكم، فقالت أمُّ العلاء: فوالله لا أزكِّي أحدًا بعده”.
وذكر ابن الأثير من رواية ليث بن أبي سليم عن زيد عن جعفر العبدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ويلٌ للمتألِّين من أمَّتي الذين يقولون: فلانٌ في الجنَّة وفلان في النار”، وقال: أخرجه أبو موسى. وفي الحديث وجوب الخوف والرجاء لأنَّ القطع بأحد الطرفين من غير وحي كفر. والله أعلم.
<3/598> باب إثم من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإنَّما عَبَّرَ بذكر الإثم للتنفير عنه، ولأنَّ الحديث الذي في الباب إِنَّمَا هو في بيان عقوبة الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم.
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه أيضًا الطبراني في كبيره من هذا الطريق وغيره، وَهُوَ عند الشيخين وغيرهما من حديث أبي هريرة، وله طرق كثيرة صحيحة بلغت حدَّ التواتر. (4/462)
صفحة 1456
<3/599> قال البلقيني: جاء الوعيد في أحاديث كثيرة بأنَّ “من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار”، وقال العلماء: إنَّها بلغت حدَّ التواتر. قال البزار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًّا. وقال ابن الصلاح: إنَّه حديث بلغ حدَّ التواتر، رواه الجمُّ الكثير من الصحابة، قيل: إنَّهم يبلغون ثمانون نفسًا. وجمع ابن حجر طرقه في جزء ضخم قيل رواته فوق سبعين صحابيًّا، وذكر أنَّ من جملة من رواه العشرة إِلاَّ عبد الرحمن بن عوف، وبلغ بهم الطبراني وابن منده سبعة وثمانين، منهم العشرة.
قوله: «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار»: أي جزاؤه النار، وَمَعنَى “يتبوَّأ”: يتَّخذ مكانًا، يقال: تبوَّأ الرجل المكان إذا اتَّخَذَه سكنًا. وَهُوَ أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد، لأنَّ الغرض الإخبار عن منزله في النار، وليس المراد حقيقة الأمر، لكن لما كان الكاذب يتعمَّد الكذب عن قصد واختيار نزل منزلة من قصد إِلىَ اتِّخَاذ بيت في النَّار، وقيل: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من كذب فليأمر نفسه بالتبوُّء.
وقال الطيبي: فيه إشارة إِلىَ معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنَّه قصد في الكذب التعمُّد فليقصده في جزائه التبوُّء، فإن قيل: الكذب معصية إِلاَّ ما استثني للإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعِّد عليها بالنار فما الذي امتاز بِهِ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره؟. (4/463)
صفحة 1457
<3/600> أجيب بأنَّه لا يلزم من استواء الوعيد في حقِّ من كذب عليه وكذب على غيره أن يكون مقرُّهما واحدًا، لأنَّ النَّار دركات، والمعاصي تتفاوت، والعقوبة على قدر الجناية، ولا يظلم ربُّك أحدًا. وفي البخاري ومسلم من حديث المغيرة: “إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد”، فقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم الفرق بين الكذبين، ومن هاهنا اختلف قومنا في تشريك الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قبول توبته، وعندنا أنَّه لا يشرك بل يكفر كفر نعمة، وأنَّ توبته بشرطها مقبولة، ولا يلزم من التشديد في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحة الكذب على غيره، بل يستدلُّ على تحريم الكذب على غيره بأدلَّة أخر من الكتاب والسنَّة.
والحديث يدلُّ على القطع بعذيب أهل الكبائر وتخليدهم في النار، وَهُوَ حجَّة على من خالفنا في ذلك. والله أعلم.
قوله: «وليس بمخترع ذلك ويفعله»: المخترع (بضمِّ الميم وسكون المعجمة وكسر الراء): فاعل من الاختراع، وَهُوَ إنشاء الشيء وابتداؤه، والمعنى ليس المراد من قوله: “فليتبوَّأ” الأمر بإنشاء منزل له في النار، وإنَّما المراد أنَّ جزاءه مكان في النار، وهذا هو المعنى الذي قَدَّمت ذكره وإن اختلفت العبارة.
قوله: «ذلك جزاؤه»: وفي بعض النسخ: “وَإِنَّمَا أراد جزاؤه...” إِلىَ آخره، بإسقاط الإشارة، وعلى نسختنا فيكون قوله: “مكانًا يَتَّخِذُه” تفسيرًا للجزاء، فينبغي الوقف على “جزاء”. والله أعلم.
<3/602> قوله: «عن يحيى بن كثير»: تقدَّم ذكره في الجزء الأوَّل. (4/464)
صفحة 1458
قوله: «عن عطاء بن السائب»: الثقفي الكوفي، كنيته أبو محمَّد، قال في الخلاصة: أحد الأئمَّة يروي عن أنس وابن أبي أوفى وعمرو بن حُرَيث عن ذرٍّ المرهبي وخلقٍ، ويروي عنه شعبة والسفيانان والحمادان ويحيى القطان، <3/603> قال ابن مهدي: كان يختم كُلَّ ليلة واختلط عقله، فسمع منه شعبة في الاختلاط حديثين، وجرير بن عبد الحميد وعبد الواحد بن زيد وأبو عُوانة وهُشيم وخالد بن عبد الله، قال ابن سعد: مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة. قال في التهذيب: وثَّقه أحمد والنسائي والعجلي، قال ابن عديٍّ: واختلاطه في آخر عمره.
قوله: «مع عبد الله بن الحارث»: الأشبه أنَّه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب بن هاشم القرشيُّ الهاشميُّ، له ولأبيه صحبة، وَقِيلَ: إن له إدراكًا ولأبيه صحبة، كنيته أبو اسحاق، وَقِيلَ: أبو محمَّد، وأمُّه هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أميَّة، ولد قبل وفاة النبيء صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأُتي بِهِ النبيء صلى الله عليه وسلم فحنَّكه، وروى عنه ابناه إسحاق وعبد الله وسليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن والسبيعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وسكن البصرة، ومات بعُمان سنة أربع وثمانين، لأنَّه كان مع ابن الأشعث لَمَّا خلع الحجَّاج وقاتله، فلمَّا انهزم ابن الأشعث هرب عبد الله إِلىَ عُمان فمات بها.
قوله: «أتدرون لِمَ قال»: أي أتعرفون السبب الحامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الوعيد الشديد لمن كذب عليه متعمِّدًا، أو أراد بهذا السؤال استحضارهم وإلقاء مسامعهم لما سيلقيه عليهم من بيان سبب ذلك.
<3/604> قوله: «من قبل عبد الله بن أبي جذعة»: فيه التصريح باسم الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه ولم أجده مصرَّحًا بِهِ عند غيره. (4/465)
صفحة 1459
قوله: «أتى ثقيفًا»: (بفتح المثلَّثة وكسر القاف): قبيلة من العرب معروفة، والطائف بلدهم. وهذا خلاف ما للطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمر أنَّ رجلاً لبس حلَّة مثل حلَّة النبيء صلى الله عليه وسلم، ثمَّ أتى أهل بيتٍ من المدينة فقال: إنَّه عليه السلام أمرني أيَّ أهل بيت في المدينة شئت استطلعت، فأعدُّوا له بيتًا وأرسلوا إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: انطلقا إليه، فإن وجدتماه حيًّا فاقتلاه ثمَّ حرِّقاه بالنار، وإن وجدتماه قد كفيتُماه ولا أراكما إِلاَّ كُفيتُماه فأحرقاه، فوجداه وقد خرج من الليل يبول فلدغته حيَّة أفعى، فحرقاه بالنار، ثمَّ رجعا إليه صلى الله عليه وسلم فأخبراه الخبر فقال عليه السلام: “من كذب علي متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار”.
ولابن عديٍّ في الكامل عن بُريدة قال: “كان حيٌّ من بني ليث على ميلين من المدينة، وكان رجل قد خطب منهم في الجاهليَّة فلم يزوِّجوه، فأتاهم وعليه حلَّة وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذا وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم، ثمَّ انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان خطبَها، فأرسل القوم إِلىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذب عدوُّ الله! ثمَّ أرسل رجلاً فقال: إن وجدته حيًّا فاضرب عنقه وإن وجدته مَيِّتًا فأحرقه بالنار فوجده قد لدغته أفعى فمات فحرقه بالنار، فذلك قوله عليه السلام: من كذب عليَّ متعمِّدا فليتبوَّأ مقعده من النار”. (4/466)
صفحة 1460
وللطبراني عن عبد الله بن محمَّد بن الحنفيَّة قال: “انطلقت مع أبي إِلىَ صهر لنا من أسلم من أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرحْنا بها يا بلال يعني الصلاة، قلت: سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب، وأقبل يحدِّثهم أنَّه عليه السلام بعث رجلا إِلىَ حيٍّ من أحياء العرب، فلمَّا أتاهم قال: أمرني عليه السلام أن أحكم في نسائكم بما شئت فقالوا: سمعًا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثوا رجلاً إليه عليه السلام فقال: إنَّ فلانًا جاءنا فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم <3/605> أمرني أن أحكم في نسائكم، فإن كان عن أمرك فسمعًا وطاعة، وإن كان عن غير ذلك فأحببنا أن نعلمك، فغضب عليه السلام، وبعث رجلا من الأنصار فقال: اذهب فاقتله وأحرقه بالنار، فانتهى إليه وقد مات وقبر فأمر بِهِ فنُبش ثمَّ أحرقه بالنار، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار، فقال: أتراني كذبت على رسول الله بعد هذا؟”.
قوله: «هذه حلَّة رسول الله»: هذه أوَّل كذباته فإنَّ الحلَّة لم تكن حلَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن تشبهها، كما تقدَّم في حديث ابن عمر. وعند الطبراني: “إِنَّمَا اتَّخذ الحلَّة لتكون إمارة على صدقه في وهمه فلبَّس على الناس بزعمه”.
قوله: «أمرني أن أتبوَّأ»: هذه كذبة ثانية. والتبوُّء: الاتِّخاذ، ومعناه أن أتَّخذ أيَّ بيوتكم شئت، فأجعله مكانا أؤوب إليه أي أرجع إليه إن خرجت.
قوله: «فانتظر سواد الليل»: أي ظلمتَه، وإنَّما ارتقب ظلمةَ الليل لأنَّه وقت المبيت، ولأنَّ الوقت يضيق عن بعث الرَّسول وعن اتِّساع النظر وطول المشورة، لَكِنَّ القوم أهل فطنة وحزم في أمورهم واحتياط فلم يصادق العدوُّ غرضه. (4/467)
صفحة 1461
قوله: «وأتبوَّأ أيَّ نسائكم شئت»: أي أتَّخذها مرجعا أرجع إليها، وهذا هو غرضه الأقصى، ومرامه الأبعد، كما دلَّت عليه رواية بريدة عند ابن عديٍّ.
قوله: «رسولاً»: لم أقف على اسمه.
قوله: «يا فلان ويا فلان»: هما أبو بكر وعمر، كما في حديث عبد الله بن عمرو الْمُتَقَدِّم.
<3/606> قوله: «لا أُراكما»: (بضمِّ الهمزة) أي لا أظنُّكما.
قوله: «إِلاَّ وقد كفيتماه»: أي كفيتم شأنه، وإنَّما قال ذلك صلى الله عليه وسلم لكون الرجل قد ارتكب أمرًا عظيمًا وتهجَّم على الشريعة المحَمَّدِيَّة وهي محفوظة، وكان الحال يقتضي تعجيل العقوبة لمن تهجَّم عليها، ويأبى الله إِلاَّ أن يتمَّ نوره. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم علم ذلك من الوحي فأظهر لهم طرفًا من علمه، ولم يخبرهم بموته صراحًا لحكمة يراها، فإنَّ مسيرهم إليه وهم يطمعون في إدراكه أعجل من مسيرهم وقد يئسوا منه، فأراد صلى الله عليه وسلم منهم أن يحرقوه ولو بعد موته فلعلَّه لهذا المعنى لم يظهر لهم جميع ما علم.
قوله: «ليقضي حاجته»: أي يبول، كما في رواية ابن عمرو.
قوله: «فلدغته حيَّة»: أي أفعى.
قوله: «فأحرقه الرسولان»: نكالاً، أي ليعتبر بِهِ غيره فلا يتجاسر على مثل فعله القبيح. وفي هذه القصَّة من التشديد على الكذَّابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى وفي تمسُّك ثقيف بما عهدوا من حال رسول الله من تحريم الزنا مع إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دَلِيل قويٌّ في التمسُّك باستصحاب الأصل. والله أعلم.
باب في حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم
<3/607> وفي نسخة: «هيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وفي أخرى إسقاط لفظ “باب”. والمُراد بحليته هيئته وصفته، قال ابن حجر: الأحاديث التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة في قسم المرفوع بالاتِّفاق مع أنَّها ليست قولاً له صلى الله عليه وسلم ولا فعلاً ولا تقريرًا. (4/468)
صفحة 1462
<3/611> قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم.
قوله: «ليس بالطويل البائن»: (بموحَّدة): اسم فاعل من “بان”: إذا ظهر على غيره أو فارق من سواه، والمُراد أنَّه غير مفرط في الطول.
قوله: «ولا بالقصير المتطامن»: بالطاء المهملة، قال الربيع: هو أقصر ما يكون، مأخوذ من قولهم: اطمأنَّت الأرض وتطامنت: انخفضت، وليس في رواية قومنا ذكر المتطامن، وإنَّما فيها الاقتصار على القصير. وفي رواية البراء بن عازب عند مسلم: “ولا بالقصير البائن”، والمُراد الإفراط في القصر، وإذا انتفى الإفراط في الحالتين ثبت التوسُّط، وفي البخاري عن سعيد بن هلال عن ربيعة عن أنس: “كان رَبعةً من القوم”. زاد البيهقي: “لَكِنَّهُ إِلىَ الطول أقرب”. وهذه صفته الذاتيَّة، فلا يراد أنَّه كان إذا ماشى الطويل زاد عليه لأنَّه معجزة حتَّى لا يتطاول عليه أحد صورةً كما لا يتطاول عَلَيْهِ معنى. روى ابن أبي حنيفة عن عائشة: لم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إِلاَّ طَالَهُ صلى الله عليه وسلم، وربَّما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نُسبَا إِلىَ الطول ونسب صلى الله عليه وسلم إِلىَ الربعة. ولعبد الله بن أحمد عن عليٍّ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالذاهب طولاً وفوق الربعة، فإذا جاء مع القوم عَمَرَهُمْ (بفتح المعجمة والميم)، أي زاد عليهم في الطول، وهل ذلك بإحداث الله له طولاً حقيقة حينئذ ولا مانع منه، أو أنَّ ذلك يُرى في أعين الناظرين وجسده باقٍ على أصل خلقته على نحو قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمُ, إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44]، احتمالان، أظهرهما الثاني.
<3/612> قوله: «ليس بالأَمْهَق»: (بفتح الهمزة والهاء بينهما ميم ساكنة آخرها قاف): أي شديد البياض كلون الجصِّ. (4/469)
صفحة 1463
قوله: «ولا بالآدم»: بالمدِّ، أي ولا شديد السمرة، وإنَّما يخالط بياضه الحمرة، وفي الصحيحين عن ربيعة عن أنس: “أزهر اللون”، أي أبيض مشرب بحمرة، كما في مسلم عن أنس من وجه آخر، وللترمذي والحاكم وغيرهما عن عليٍّ: “كان أبيض مشربًا بياضه حمرة”، والإشراب خلط لونٍ بلون، كأنَّ أحد اللونين سقى الآخر، يقال: بياض مشرب بحمرة بالتخفيف، فإذا شدِّد كان للتكثير والمبالغة، وَهُوَ أحسن الألوان.
قوله: «وليس بالجَعْد القَطَط»: الجعد: (بفتح الجيم وسكون العين ودال مهملة): منقبض الشعر وَهُوَ الذي يتجعَّد ويتكسر، أي يلتوي كشعر الحبشة والزنج.
قوله: «القَطَط»: (بفتح القاف والطاء المهملة الأولى على الأشهر، ويجوز كسرها): شديد الالتواء فهو تأكيد لجعد.
قوله: «ولا بالسَّبِطِ»: (بفتح السين المهملة وكسر الموحَّدة): هو الشعر المنبسط المسترسل، والمُراد أنَّ شعره ليس بنهاية في الجعودة ولا في السبوطة، بل كان وسطًا بينهما، وخير الأمور أوساطها. وقد زاد في رواية للبخاري عن ربيعة <3/613> عن أنس: “رَجْل الشعر” (بكسر الجيم وتسكن) أي تَسَرَّح. وقال الزمخشري: “الغالب على العرب جعودة الشعر، وعلى العجم سبوطته، وقد أحسن الله تعالى برسوله الشمائل وجمع فيه ما تفرَّق في الظرائف من الفضائل”.
قوله: «بعثه»: أي أرسله.
قوله: «على رأس أربعين سنة»: أي آخرها، قيل: وهذا إِنَّمَا يتمُّ على القول بِأَنَّهُ بعث في الشهر الذي قد ولد فيه، والمشهور عند الجمهور أنَّه ولد في شهر ربيع الأوَّل وأنَّه بعث في شهر رمضان، فعلى هذا يكون له أربعون سنة ونصف أو تسع وثلاثون ونصف، فمن قال أربعين ألغى الكسر أو جبر، لكن قال المسعودي وابن عبد البرّ أنَّه بعث في شهر ربيع الأوَّل، فعلى هذا يكون له حين بعث أربعون سنة سواء، وقيل بعث وله أربعون سنة وعشرة أيَّام، وقيل وعشرون يومًا، وقيل: ولد في رمضان، وَهُوَ شاذٌّ. (4/470)
صفحة 1464
قوله: «فأقام بِمَكَّةَ عشرًا»: أي عشر سنين كما صَرَّحَت بِهِ رواية قومنا، والمُراد بهذه الإقامة إقامته صلى الله عليه وسلم بعد تتابع الوحي، وقد تقدَّم في مرسل أبي عبيدة أنَّه صلى الله عليه وسلم بعث وَهُوَ ابن أربعين سنة، وقرن معه إسرافيل ثلاث سنين، ولم يكن ينزل عليه شيء، ثمَّ عزل عنه إسرافيل وقرن معه جبرائيل عليه السلام، فنزل عليه القرآن عشرَ سنين بِمَكَّةَ وعشر سنين بالمدينة، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابن ثلاث وَسِتِّينَ سنة. وللبخاري عن ابن عبَّاس: “لبث بِمَكَّةَ ثلاث عشرة سنة وبعث لأربعين، ومات وَهُوَ ابن ثلاث وَسِتِّينَ”، وجمع بِأَنَّ من قال ثلاث عشرة عدَّ من أوَّل ما جاءه الملك بالنبوَّة، ومن قال عشرًا عدَّ ما بعد فترة الوحي ونزول: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدَّثِّر: 1].
قوله: «وبالمدينة عشرًا»: أي عشر سنين، وذلك بِاتِّفَاقِ الرواة.
قوله: «وتوفَّاه الله وَهُوَ ابن ستِّين سنة»: وفي رواية قومنا: “على رأس ستِّين سنة” أي آخرها، وصريحه أنَّه عاش ستِّين فقط، وقد تقدَّم في مرسل أبي <3/614> عبيدة عند المصنِّف وحديث ابن عبَّاس عند البخاري أنَّه مات وَهُوَ ابن ثلاث وَسِتِّينَ سنة، وفي مسلم عن أنس أنَّه عاش ثلاثًا وَسِتِّينَ سنة، ومثله في حديث عائشة في الصحيحين، وبه قال الجمهور، وقال الإسماعيليُّ: لاَ بُدَّ أن يكون الصحيح أحدهما، وجمع غيرهم بإلغاء الكسر. (4/471)
صفحة 1465
قوله: «وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء»: يعني أنَّ شيبه صلى الله عليه وسلم لم يبلغ هذا القدر بل كان أقلَّ من ذلك. روى ابن سعد عن ثابت عن أنس: “ما كان في رأسه صلى الله عليه وسلم ولحيته إِلاَّ سبع عشرة أو ثماني عشرة”. وفي البخاري عن عبد الله بن بسر: “كان في عنفقته شعرات بيض”. وفي مسلم عن أنس: “كان في لحيته شعرات بيض”. ولعبد الله بن حميد عن ثابت عن أنس: “ما عددتُ في رأسه ولحيته إِلاَّ أربع عشرة شعرة”، وجمع بأنَّ أخباره اختلف باختلاف الأزمان. والله أعلم.
قوله: «كانت عائشة رضي الله عنها تَزَوَّجَها رسول الله صلى الله عليه وسلم»: إِلىَ آخره، تقدَّم شرحه في كتاب النكاح، وذكره هنا لأنَّه من شمائله صلى الله عليه وسلم لأنَّه فعل من أفعاله، وفيه الإشارة إِلىَ حسن خلقه، ولين جانبه، وشدَّة تواضعه، حيث وطَّن نفسه لتزوُّج من هي بنت ستِّ سنين، ثمَّ دخل بها وهي بنت تسع، خلاف ما عليه أهل التكبُّر والتعاظم من الأنفة عن مثل هذا الحال، على أنَّ من كان ذا خلق عنيف تنفر عنه طباع الكبار فضلا من الصغار، فألفَتُها بِهِ واطمئنانتها معه تنبي عن حسن عشرته وجميل سيرته في باطن أمره، كما هو كذلك في ظاهر أمره وباطنه صلوات الله عليه وسلامه.
قوله: «وحديثها ثمانية وَسِتُّونَ حديثًا»: أي أحاديث عائشة في هذا المسند بلغت هذا العدد، وأحاديثها في غير المسند كثيرة جدًّا، ولم يتسع الحال لتتبُّع أحاديث الرواة حتَّى نعلم صحَّة العدد من فساده، بل ألقينا أمر ذلك إِلىَ المرتِّب، فهو أدرى بذلك.
<3/615> و«حيَّان بن عمارة»: أحد تلامذة ابن عبَّاس، وَهُوَ أحد شيوخ أبي عبيدة، ويشبه أن يكون والد عمارة بن حيَّان اليتيم الذي نشأ في حجر جابر بن زيد، وكان صاحبه في أسفاره وكان فاضلاً خيِّرًا. (4/472)
صفحة 1466
قوله: «أعلم الناس بالطلاق»: أي أعلم الناس الموجودين في زمان ابن عبَّاس بأحكام الطلاق، وكونه أعلمهم بهذا الفنِّ لا ينافي كونه أعلم منهم بسائر الفنون كما يدلُّ عليه قول أنس أنَّه أعلم أهل الأرض، وقد جاء عن ابن عبَّاس أنَّه قال: “عجبًا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا ومعهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه”. وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: “جابر بن زيد أعلم الناس”، فقوله: “أعلم الناس بالطلاق” كقوله صلى الله عليه وسلم: “أفرضكم زيد وأقضاكم عليٌّ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ”، فإنَّ لهؤلاء علمًا واسعًا في غير ما اختصُّوا بِهِ، ولهم الخصوصيَّة على غيرهم في ذلك الشيء بعينه. (4/473)
صفحة 1467
و«الحصين بن مالك»: ابن الخشخاش بن أبي الحرِّ العنبري التميمي والد أبي الحرِّ علي بن الحصين العنبري المكِّي صاحب أبي حمزة المختار بن عوف رحمه الله، وكان الحصين من عرب البصرة، وكان أبوه مالك وعمَّاه عبيد وقيس، وجدُّه الخشخاش صحابيَّين. وفد الخشخاش هو وابنه مالك على النبيء صلى الله عليه وسلم. روى معاذ ابن المثنى بن معاذ عن أبيه عن الحسن بن الحسين عن جدِّه مضر بن حسَّان عن حصين بن أبي الحرِّ عن أبيه ومالك وعمَّيه قيس وعبيد أَنَّهُما أتيا النبيء صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه رجلاً من بني فهم، فكتب إليه النبيء صلى الله عليه وسلم: “هذا كتاب من محمَّد رسول الله لمالك وعبيد وقيس بني الخشخاش إنَّكم آمنون مسلمون على دمائكم وأموالكم لا تؤاخذون بجريرة غيركم ولا يجني عليكم إِلاَّ أيديكم”. أخرجه ابن منده وأبو نعيم، وقال أبو نعيم: “رواه بعض المُتَأَخِّرين”، يعني ابن منده من <3/616> حديث معاذ بن المثنَّى عن أبيه وصحَّف فيه، فقال الحسن بن الحسين عن نصر: “وإنَّما هو الحرُّ بن الحصين، وصحَّف أيضًا عن رجل من بني عمِّهم فقال من بني فهم”، وقد ذكره في مالك بن الخشخاش وقال عمُّهم على الصواب، وكان الحصين تابعيًّا، روى عن جدِّه وسمرة وابن عبَّاس، وروى عنه عبد الملك بن عمير ويونس بن عبيد، وثَّقه أبو حاتم.
قوله: «على ظهر الأرض»: وفي نسخة القطب: “وجه الأرض”، وكلاهما بمعنى واحد، وَهُوَ كناية عن الأحياء من الآدميِّين.
قوله: «أو مات خير أهل الأرض»: شكَّ الحصين أيَّهما قال أنس، فالمقالة الأولى تدلُّ على أنَّه أعلم أهل الأرض في زمانه والمقالة الثانية تدلُّ على أنَّه أفضلهم وناهيك برجل شهد له أنس بإحدى الشهادتين. (4/474)
صفحة 1468
قوله: «وكان أنس عند ذلك مريضا»: أي عند وفاة جابر فقال هذه المقالة في مرضه الداعي إِلىَ الصَّدع بِالْحَقِّ، فإنَّ الإنسان مهما كان يداري في صحَّته فإنَّه لا يداري في مرضه لأنَّه الداعي إِلىَ التخلُّص من علائق الدُّنيا وآفاتها، فقوله ذلك في هذه الحال يُؤَكِّدُ صدقه وينفي المداراة.
قوله: «في جمعة واحدة»: أي في أسبوع واحد ليس بينهما إِلاَّ يُوَيْمَات، وكان موت أنس بقَصره بالطف ودفن هنالك على فرسخين من البصرة، وصلَّى عليه قطن بن مدرك الكلابي، فموت أنس بعد جابر يُصدِّق ما قيل: إنَّ أبا عبيدة كان تابعيًّا وأنَّه قد أدرك من أدركه جابر غير أنَّه وَجد ما يكفيه عند جابر وجَعفر وصحار فلازمهم، وكان أكثر أخذه عنهم، فأمَّا جابر وجعفر فكانا تابعيَّين وأمَّا صحار ففي مسند أحمد أنَّه صحابيٌّ، وذكر له فيه مسندًا، وأحاديث هذا الكتاب غالبها عن جابر بن زيد، وأمَّا رواياته عن بقيَّة شيوخه فهي في غير هذا الكتاب.
قوله: «في سنة ثلاث وتسعين»: هذا هو الصحيح، وبه جزَم أحمد في وفاة جابر، وقال ابن سعد: سنة ثلاث ومائة، وفي السيَر المغربيَّة سنة ستٍّ <3/617> وتسعين، وكان رحمه الله تعالى قد ولد لسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه. وقد تقدَّم الخلاف في وفاة أنس. (4/475)
صفحة 1469
قوله: «من هجرة التأريخ»: فيه إضافة السبب إِلىَ مسبَّبه فإنَّ الهجرة سبب للتأريخ الإسلامي، وَأَوَّل من كتب التاريخ الإسلامي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنَّ رجلا أتاه يومًا فقال له أرِّخوا، قال عمر: وما أرِّخوا، قال: شيء تفعله الأعاجم تكتب أمرًا في شهر كذا وكذا، قال عمر: حسن والله فأرَّخوا، و قد كانت العرب قبل ذلك لا تؤرِّخ إِلىَ أصلٍ معلوم، وإنَّما يؤرِّخون بالقحط، والعامل يكون عليهم، فشاور عمر رضي الله عنه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاريخ ومن متى يؤرِّخون؟ فقال بعضهم: اكتبوه من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: من هجرتِه، وقال بعضهم: بل اكتبوه من المحرَّم فإنَّه منصرف الناس من حجِّهم وَهُوَ شهر حرام، فاتَّفقوا على المحرَّم فقدَّموه في التاريخ من قبل الهجرة بشهرين واثنتي عشرة ليلة، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر في ربيع الأوَّل وقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. والله أعلم.
قوله: «يسمُّونه البحر»: أي لاتِّساع علمه، فالبحر لا يُدرك قعره ولا يستطاع تقدير ماِئهِ، وكذلك علم ابن عبَّاس.
والفنون: جمع فنٍّ، وَهُوَ النوع من الشيء وفنونُ العلم أنواعُه. (4/476)
صفحة 1470
<3/618> قوله: «سلوني...»إلخ: هذا تحدُّثٌ بالنعمة {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، قال الربيع: وأخبرنا محمَّد بن علي الكوفي عن أبي بكر الهذلي عن سعيد بن جبير قال: لَمَّا رأى ابن الأزرق أنَّه لا يُسأل ابن عبَّاس عن شيء إِلاَّ أجاب فيه قال: ما أجرأك يا ابن عبَّاس! قال: وما ذاك يا ابن الأزرق؟ قال أراك لا تُسأل عن شيء إِلاَّ أجبتَ فيه، قال: ويلك هو علم عندي، أخبرني عمَّن كتم علمًا عنده، ورجلٍ تَكَلَّمَ بما لا يعلم. قال: فكلَّما تقول بِهِ تعلمه؟ قال: نعم، إنَّا أهل بيت أوتينا الحكمة، وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عبَّاس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيم احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب وتأويل، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعرٍ ولا عَرَبِيَّة ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا فريضة منه، ولا أثقبَ رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ولا يذكر فيه إِلاَّ الفقه ويومًا التأويل ويومًا المغازي ويومًا الشعر ويومًا أيَّام العرب ولا رأيت عالما قطُّ جلس إليه إِلاَّ خضع له، وما رأيت سائلاً قطُّ سأله إِلاَّ وجد عنده علمًا. وقال ليث بن أبي سليم قلت لطاووس: لزمتَ هذا الغلام، يعني ابن عبَّاس، وتركتَ الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنِّي رأيت سبعين رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تدارؤوا في أمر صاروا إِلىَ قول ابن عبَّاس. (4/477)
صفحة 1471
قوله: «مات بالطائف»: وهي بلاد ثقيف، وذلك أنَّه لَمَّا وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وبين عبد الملك بن مروان ارتحل عبد الله بن العبَّاس ومحمَّد بن الحنفيَّة بأولادهما ونسائهما حتَّى نزلوا مكَّة، فبعث عبد الله بن الزبير إليهما يبايعان فأبيا وقالا: أنت وشأنك لا نعرض لك ولا لغيركَ، فأبى وألَحَّ عليهما إلحاحًا <3/619> شديدًا فقال لهما فيما يقال: لتبايعنَّ أو لأحرقنَّكما بالنار، فبعثا أبا الطفيل إِلىَ أنصارهم بالكوفة وقالا: إنَّا لا نأمن هذا الرجل، فانتدب أربعة آلاف فدخلوا مكَّة، فكبَّروا تكبيرة سمعها أهل مكَّة وابن الزبير، فانطلق هاربًا حتَّى دخل دار الندوة، ويقال: تعلَّق بأستار الكعبة وقال: أنا عائذ بالبيت، ثمَّ مالوا إِلىَ ابن عبَّاس وابن الحنفيَّة وأصحابهما وهم في دور قريب من المسجد قد جمع الحطب فأحاط بهم حتَّى بلغ رؤوس الجُدر لو أنَّ نارًا تقع فيه ما رُئي منه أحد، فأخَّروه عن الأبواب وقالوا لابن عبَّاس: ذرنا نريح الناس منه، فقال: لا، هذا بلدٌ حرامٌ حرَّمه الله ما أحلَّه الله عزَّ وجلَّ لأحد إِلاَّ للنبيء صلى الله عليه وسلم ساعةً، فامنعونا وأجيرونا، فتحملوا، وإن مناديًا ينادي في الخيل: ما غنمت سريَّة بعد نبيِّها ما غنمت هذه السريَّة، إنَّ السرايا تغنم الذهب وَالفِضَّة وإنَّما غنمتم دماءنا، فخرجوا بهم حتَّى أنزلوهم منىً فأقاموا ما شاء الله، ثمَّ خرجوا بهم إِلىَ الطائف، فمرض عبد الله بن عبَّاس فما لبث إِلاَّ أيامًا حتَّى تُوُفِّيَ رضي الله عنه، فصلَّى عليه محمَّد بن الحنفيَّة، فأقبل طائر أبيض فدخل في أكفانه، فما خرج منها حتَّى دفن معه، فلمَّا سوِّي عليه التراب قال ابن الْحَنَفِيَّة: مات والله اليوم خير هذه الأمَّة.
قوله: «سنة ثمان وَسِتِّينَ»: وَقِيلَ: سنة سبعين، وَقِيلَ: سنة ثلاث وسبعين، وهذا القول غريب. (4/478)
صفحة 1472
قوله: «وَهُوَ ابن اثنتين وسبعين سنة»: وَقِيلَ: ابن إحدى وسبعين سنة، وَقِيلَ: ابن سبعين سنة، وَقِيلَ: كان له لَمَّا تُوُفِّيَ النبيء صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة، وَقِيلَ: خمس عشرة سنة، وكان قد عمي في آخر عمره فقال في ذلك:
إنْ يأخذ الله من عينيّ نورَهما ... ففي لساني وقلبي منهما نورُ
قلبي ذكيٌّ وعقلي غير ذي دخَل ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ
قوله: «وكان يصفِّر لحيته»: أي يجعل عليها أثر الصفرة من الطيب، وقد تقدَّم الكلام في تخضيب الشيب وما قيل في ذلك في حديث ابن عمر في الإهلال بالحجِّ من مكَّة.
<3/620> قوله: «فخلَّف ولدًا»: هو عليُّ بن عبد الله بن العبَّاس الهاشميُّ، أبو الملوك العباسيِّين، يكنىَّ أبا محمَّد، قال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، أجمل من على وجه الأرض، ولد سنة أربعين، قال ابن أبي جميلة: كان يسجد كُلَّ يومٍ ألف سجدة، قال ابن المديني: مات سنة سبع عشرة ومائة.
قوله: «إن عدَّة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث»: وَهُوَ حصر للصحيح منها دون الضعيف والموضوع، ومن هاهنا حاول أهل الصحاح ومن يتحرَّى الحسن أن تكون كتبهم على أربعة آلاف حديث، كالبخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، فإنَّ كلَّ واحد منهما قد احتوى على أربعة آلاف مع إسقاط التكرار، ومع ذلك فقد قيل فيها ما قيل من الضعاف وغيرها.
وقد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أَخَلاَّ فيها شرطها، ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد ألَّف الدارقطني في ذلك، ولأبي مسعود الدمشقي أيضًا عليهما استدراك، ولأبي عليٍّ الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك. قال ابن حجر: وعدَّة ما اجتمع لنا من ذلك مِمَّا في كتاب البخاري، وإن شاركه مسلم في بعضه، مائة وعشرة أحاديث، منها ما وافقه مسلم على تخريجها، وَهُوَ اثنان وثلاثون حديثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه، وَهُوَ ثمانية وسبعون حديثاً، ثمَّ أخذ في الجواب عنها جملةً وتفصيلاً. (4/479)
صفحة 1473
أمَّا الضعاف والموضوعات فقد بلغت المئتين من الألوف، قال أحمد: صحَّ من الحديث سبعمائة ألف وكسر، وقال غيره: الكسر خمسون ألفًا، وقال أحمد أيضًا: قد جمعت في المسند أحاديث انتخبتها من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلفتم فيه فارجعوا إليه وما لم تجدوا فيه فليس بحجَّة.
وقال محمَّد بن إسماعيل البخاري: وصنَّفت كتابي الصحيح في ستَّ عشرة سنة، خرَّجته من ستِّمائة ألف <3/621> حديث وجعلته حجَّة فيما بيني وبين الله تعالى. ورُدَّ القولان بأنَّ جميع الأحاديث الموجودة في الكتب لا تبلغ خمسين ألفًا، وجميع مسند أحمد أربعون ألف حديث، منها عشرة آلاف مكرَّرة، فكيف يقول: صحَّ من الحديث سبعمائة ألف وخمسون ألفًا ومسنده لا يبلغ خمسين ألفًا، ثمَّ يقول: ما لم يوجد فيه فليس بحجَّة، فأين سبعمائة ألف؟!.
وأجيب بأنَّ المراد بهذا العدد الطرق لا المتون.
قوله: «منها تسعمائة في الأصول»: أي أصول الشريعة، والمُراد بالأصول جميع ما يتعلَّق بأحكام الشريعة من العقائد وغيرها من الأديان والأحكام، وَقِيلَ: بسط أدلَّة الشريعة في أربعة آلاف حديث، واختصارها في خمسمائة حديث.
قوله: «في الآداب والأخبار»: أمَّا الأوَّل فهو الحثُّ على مكارم الأخلاق ومحامد الصفات، وأمَّا الثاني فيتناول الأخبار عن الأمم الماضية وأنبيائها، وعمَّا فوق السماء وتحت الأرض وأشباه ذلك، ويتناول الأحوال المستقبلة في أمور الدُّنيا والآخرة. (4/480)
صفحة 1474
قوله: «فتسعمائة رجل وامرأة»: أمَّا الرجال فيشبه أن يكون قد أتى على جميعهم أو أغلبهم ومن شاء الاطِّلاَع فعليه بأسد الغابة. وأمَّا النساء فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم منهنَّ عدد كثير وذكر بعضهن في هذا الكتاب، فلا معنى للاقتصار على عائشة إِلاَّ أن يريد ذلك المكثرين عنه صلى الله عليه وسلم في الرواية، ومع ذلك فلا يتمُّ الحصر إذ ليس التسع المائة من الرجال كانوا مكثرين، بل في النساء من كان أكثر روايةً من بعضهم، والله أعلم.
<3/622> تمَّ الجزء الثاني من كتاب الترتيب، يتلوه إن شاء الله الجزء الثالث منه إن شاء الله بمنِّه وكرمِه.
هذا آخر ما تسنَّى لنا كتابته على الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب في الصحيح من أحاديث الحبيب، وبذلك يتمُّ الجزء الثالث من الشرح ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع في شرح توابع المسند، وهي أحاديث احتجَّ بها الربيع على من خالفه وألحقها المرتِّبُ بالكتاب وجعلها في جزء مفرد. والحمد لله حقَّ حمده والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه.
تنبيه
سقط من النسخ العُمانية حديثان ظفرنا بهما في نسخة وصلت إلينا من جناب إمام المذهب وقطب الأئمَّة شيخنا محمَّد بن يوسف اطفيش متَّعنا الله بِهِ بحياته محلُّهما الجزء الأوَّل أحدهما في ذكر القرآن والثاني في باب العلم وطلبه وفضله أحببنا أن نكتب شرحهما هاهنا تتميمًا للفائدة.
<3/623> ما جاء في ترتيل القرآن
قوله: «إذا قرأت القرآن»: أي إذا أخذت في قراءته. (4/481)
صفحة 1475
قوله: «فرتِّله ترتيلاً»: أي اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من سماعها وفهمها، وترتيل القراءة: الترسُّل فيها والتبيين بغير مجاوزة للحدِّ، وقيل: الترتيل رعاية مخارج الحروف وحفظ الوقوف، وقيل هو خفض الصوت والتحزين بالقراءة، وفي حديث حفصة عند المصنِّف وغيره أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ السورة فيرتِّلها حتَّى تكون أطول من أطول منها. وقال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: كان يمدُّ مدًّا، والأمر بالترتيل للاستحباب عند أكثر العلماء، وفائدته تدبُّر القارئ وتفهُّم معانيه.
<3/624> وفصَّل مالك فقال: من الناس من إذا هذَّ كان أخفَّ عليه، وإذا رتَّل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن، قال: والناس في هذا على قدر درجاتهم، وما يخفُّ عليهم وكلٌّ واسع. وقد روي عن جماعة من السلف أنَّهم كانوا يختمون القرآن في ركعة وهذا لا يتأتَّى إِلاَّ بالهذِّ.
قوله: «ولا تغنُّوا بِهِ»: أي لا تمدُّوا الصوت بالقراءة مدًّا يشبه الغناء، وَهُوَ الإفراط في الترسُّل فيشمل الترجيع والتضريب، والترجيع عبارة عن ترديد الصوت في الحلق كقراءة أصحاب الألحان، والتضريب: عبارة عن مدِّ الصوت وتحسينه.
والحاصل أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بالترتيل ونهى عن التغنِّي، وعلَّل بقوله: “إِنَّ الله يحبُّ أن تسمع الملائكة لذكره”، وهذا يفيد أنَّ الملائكة تستمع للترتيل دون التغنِّي، فإنَّهم ينفرون عنه، وذلك يقتضي المنع، فإنَّ حضورهم مطلوب، وعلى المنع أكثر العلماء، وخالف أبو حنيفة والشافعي واحتجُّوا بحديث فيه: “زيِّنوا القرآن <3/625> بأصواتكم”، وآخر فيه: “من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا”. (4/482)
صفحة 1476
والجواب أنَّ تزيين الصوت لا ينحصر في التغنِّي بل يكون في الترتيل أيضًا، وأمَّا قوله: “من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا”، فمعناه أنَّ من لم يستغن به عن غيره من كتب اليهود والنصارى وأضرابهم يقال: تغنَّيت وتغانيت واستغنيت، وقيل: أراد من لم يجهر بالقراءة فليس منَّا، وقد جاء مفسَّرًا في حديث آخر: “ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر بِه”. قيل: إنَّ قوله: “يجهر بِهِ” تفسير لقوله: “يتغنَّى بِهِ”. قال ابن الأعرابيِّ: كانت العرب تتغنَّى بالركبان إذا ركبت، وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلمَّا نزل القرآن أحبَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أن تكون هجِّيراهم بالقرآن مكان التغنِّي بالركبان، ومعناه: اجعلوا مكانَ غنائكم تلاوة القرآن، وَأَوَّل من قرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، فورثه عنه عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال: قراءة العمري، وأخذ عنه ذلك سعيد بن العلاف، وسمع سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز يؤمُّ الناس فضرَّب في قراءته، فأرسل إليه سعيد: أصلحك الله، إنَّ الأئمَّة لا تقرأ هكذا! فترك عمر التضريب بعد ذلك. وقرأ رجلٌ في المسجد النبويِّ فضرَّب، فأنكر ذلك القاسم بن محمَّد وقال: يقول الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]
<3/626> وقال مالك: إِنَّمَا هو غناء يتغنَّون بِهِ ليأخذوا عليه الدراهم. (4/483)
صفحة 1477
وقال ابن قتيبة: كان الناس يقرؤون بلغاتهم، ثمَّ خلف من بعدهم قومٌ من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلُّم. فهفوا في كثير من الحروف وزلُّوا وأخلُّوا، قال: ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوامِّ بالصلاح وقرَّبه من القلوب بالدين، فلم أرَ فيما تتبَّعتُ من وجوه قراءته أكثر تخليطًا ولا أشدَّ اضطرابًا منه، لأنَّه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثمَّ يوصل أصلاً ويخالف إِلىَ غيره بغير علمٍ، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إِلاَّ على طلب الحيلة الضعيفة، هذا إِلىَ نبذه في قراءة مذاهب العرب وأهل الحجاز بإفراطه في المدِّ والهمز والإشباع وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وجملة المتعلِّمين على المذهب الصعب وتعسيره على الأمَّة ما يسَّره الله تعالى، وتضييقه ما فسَّحه. قال: ومن العجب أنَّه يرى الناس بهذه المذاهب ويكره الصلاة بها، ففي أيِّ موضع يستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها، وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته يحرِّفه أو أتمَّ بإمام بقراءته أن يعيد، قال: ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين، قال: وقد شغف بقراءته عوامُّ الناس وسوقتهم، وليس ذلك إِلاَّ لما يرونه من مشقَّتها وصعوبتها وطول اختلاف المتعلِّم إِلىَ المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أمِّ الكتاب عشرًا وفي مائة آية شهرًا، وفي السبع الطُّوَل حَولاً، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين دائر الوريدين راشح الجبين توهَّموا أنَّ ذلك لفضله في القراءة وحذقه بها، وليست هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خيار السلف ولا التابعين ولا القرَّاء العالمين، بل كانت سهلة. هذا كلامه وَهُوَ من الحسن في نهايته، ومن الإنصاف في غايته، ومن تأمَّل هدْيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كلِّ لسان على قراءتهم تَبَيَّنَ له أنَّ التنطُّع والتشدُّق ليس من سنَّته. والله أعلم. (4/484)
صفحة 1478
<3/627> ما جاء فيمن سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مسلم والترمذي وعلَّقه البخاريُّ.
قوله: «منْ سلك طريقًا»: أي من دخل طريقًا وتلبَّس بها ليتوصَّل بذلك إِلىَ تحصيل علم، والمُراد بالطريق الحسيِّ كالطريق الموصلة للمسجد الذي فيه العلم، أو لبلدةٍ أخرى فيها العلم، وفي حكمها الطريق المَعنَوِيَّة، كالجلوس للتدريس أو التأليف، وكالاشتغال بالصنعة الموصلة إِلىَ ذلك، وفضل الله أعمُّ.
<3/628> قوله: «يلتمس»: وفي نسخة القطب: «يطلب»، وهما بمعنى واحدٍ.
قوله: «فيه»: أي في سلوكه أو في الطريق، وعلى الوجهين ففي للسببيَّة، أي يطلب بسبب السلوك أو الوصول من تلك الطريق علمًا، وفي رواية: “يطلب بِهِ”، وهي أظهر في السببيَّة.
قوله: «علمًا»: أي نافعًا، ونكَّره ليندرج فيه القليل والكثير، وكذا القول في تنكير الطريق، فإنَّه إِنَّمَا نكَّره ليتناول أنواع الطرق الموصلة إِلىَ تحصيل العلوم الدينيَّة. (4/485)
صفحة 1479
قوله: «سهَّل الله له طريقًا إِلىَ الجنَّة»: وفي رواية: “سهَّل الله له به” أي بسببه، وذلك أن يوفِّقه الله تعالى للأعمال الصالحة الموصلة إِلىَ الجنَّة جزاءً وفاقًا، <3/629> فطلب العلم سبب التوفيق إِلىَ الطاعة، والطَّاعة سبب لدخول الجنَّة، ولا يخفى أنَّ هذا خاصٌّ بمن طلبه لوجه الله تعالى، فهي بشارةٌ عظيمةٌ لمن اتَّصف بالطلب، وفيه أنَّ الطّاعات بعضُها سبب لبعض وأنَّ الخير يتبع بعضه بعضًا. وفيه الحثُّ على طلب العلم وَأَنَّهُ سبب لِكُلِّ خيرٍ، وفي الحديث: “من أحبَّ أن ينظر إِلىَ عتقاء الله من النَّار فلينظر إِلىَ المتعلِّمين”. نسأل الله الكريم أن يجعلنا من زمرتهم، وأنْ يمدَّنا بواسع فضله العميم، إنَّه الغفور الرحيم، الغنيُّ الكريم. ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على سيِّدنا محمَّد النبيِّ وآله وصحبه، وعلى التابعين لهم بإحسان إِلىَ يوم الدين، والحمد لله ربِّ العالمين.
[انتهينا بحمد الله وحسن عونه من مراجعة ما رقن من الجزء الثالث من شرح السالمي للجامع الصحيح، مع أذان المغرب من ليلة الثلاثاء 10 شوال 1422هـ/25 ديسمبر 2001م عَلَى يد: مصطفى بن محَمَّد شريفي في إطار أَيَّام غار أمجماج للفرات ومعجم مصطلحات الإِبَاضِيَّة، بمعهد الحياة بالقرارة، بمساعدة الطلبة، منهم: كفوس يوسف بن.... ثُمَّ ابن عمر مصطفى بن مسعود. والحمد لله أَوَّلاً وأخيرا]. (4/486)