صفحة 1
الكتاب: فَتح المُغِيثِ في عُلُومِ الْحَدِيثِ
المؤلف: امحمد بن سليمان بن بكير المطهري المليكي
حققه وعلق عليه: أحمد بن حمو كروم، و عمر بن أحمد بازين
الطبعة: الأولى
الناشر: [د. نا.]
تاريخ النشر: محرم 1419هـ / ماي 1998م
[الصفحات المرقمة بالأحرف آلية غير موافقة للمطبوع؛ وباقي ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) [صفحة -أ-]
كِتَابُ فَتح المُغِيثِ في عُلُومِ الْحَدِيثِ
[الصفحات المرقمة بالأحرف آلية غير موافقة للمطبوع]
[باقي ترقيم صفحات متن الكتاب موافق للمطبوع]
تأليف الشيخ
محمد بن سليمان بن بكير المطهري المليكي
حققه وعلق عليه
أحمد حمو كروم
عمر أحمد بازين
الطبعة الأولى
محرم 1419هـ / ماي 1998م (1/1)
صفحة 2
[صفحة -ب-]
بسم الله الرحمن الرحيم (1/2)
صفحة 3
[صفحة -ج-]
كل الحقوق محفوظة
المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد - غرداية
Tel: (09) 87 34 34
الإيداع القانوني رقم: 465/ 99
ردمك I.S.B.N. 9961 - 908 - 49 - X (1/3)
صفحة 4
[صفحة -د-]
إهداء
[لم يرقن] (1/4)
صفحة 5
[صفحة -هـ-]
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
تقديم
أمَّا بعد:
إنَّ علم مصطلح الحديث من أشرف العلوم الشرعيَّة لتعلُّقه بمعرفة أقوال الرسولَّ صَّلى الله عليه وسلَّم، وأفعاله وتقريراته وكيفيَّة استنباط الأحكام منها وبيان الصحيح وفرز السقيم منها وإرجاع كل ذلك إلى أصول علميَّة مستقرَّة أجاد العلماء في بيانها ووضع أسسها وقواعدها وكلّ ذلك من أجل خدمة القرآن الكريم.
وقد كانت الساحة العلميّة الإباضيّة خالية من كتاب يرجع إليه طلاَّب العلوم الشرعيَّة يجمع بين ثناياه خلاصة ما جاء به العلماء السابقون؛ إلى أن قيَّض الله لها سماحة الشيخ الحاج امحمد مطهري فوضع هذا الكتاب الذي يضمُّ فيه معظم مسائل هذا العلم فعرضها عرضًا فنِّيا يرجع كلَّ مسألة إلى أصلها اللغويِّ أو العلميِّ مبيَّنا في كثير من الأحيان وجهة نظره عند اللزوم غير أنَّه لا يخرج عن نطاق الأصالة وكلُّ ذلك بأسلوب رصين وعبارة سليمة سهلة.
ولقد قرأت هذا الكتاب، فوجدته جامعا غير مخلّ وممتعا غير مملّ، يستغني به طلاب الشريعة الإسلاميّة عن المطوّلات وهو مع ذلك مرجع علميّ هامّ بما تضمّنه من مصادر علميّة هامّة ووثائق ثمينة غير ميسّرة التداول للجميع. (1/5)
صفحة 6
[صفحة -و-]
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب في ميزان حسنات مؤلّفه ويثيبه أحسن الثواب آمين.
الأستاذ: يحيى بكوش
محام متقاعد،
ورئيس المجلس الأعلى للقضاء سابقا - للجمهورية الجزائرية -
غرداية يوم:17 ربيع الثاني 1419هـ/10/ 08/1998م (1/6)
صفحة 7
[صفحة -ز-]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلّى الله على سيّدنا محمد
مقدمة
تجمع هذه الصفحات دروسا متخصِّصة في علوم الحديث أملاها علينا وألقاها المؤلّف ـ رحمه الله ـ في قسم التخصّص في الدراسات العليا للعلوم الإسلاميّة بمعهد عمّي سعيد بغرداية (الجمهوريّة الجزائريّة) مدّة ثلاث سنوات متواليات (1988م ـ 1991م)؛ وقد أخلص الشيخ في إعدادها وشرحها إخلاصا جعلنا نتشوّق لحصصه الأسبوعيّة؛ خاصّة وأنّها فنّ جديد لم يسبق لنا أن درسناه في المراحل السابقة من حياتنا لعلميّة؛ فلمّا أتمّ المؤلّف سبكها في سبع وسبعين درسا وجدناها بحوثا جديرة بالنشر لتعمّ فائدتها جميع الطلبة والمشايخ والباحثين والدارسين في علوم السنّة النبويّة؛ ولماّ أذن شيخنا لأبنائه في طبعها وإخراجها استعانوا بنا لمتابعة مراحل عمليّة الرقن والتصحيح فكان لنا الشرف العظيم في ذلك والحمد لله؛ وعند مطالعة الكتاب ومتابعة تصحيحه تبيّن لنا أنّ المنهجيّة التي اختارها المؤلّف لعرض فصوله ومباحثه منهجية تعليمية، فتدخَّلنا في تغيير هذه المنهجيَّة إلى منهجية دراسية دون المساس بمحتوى هذه البحوث ولا ترتيبها؛ وقسمنا الكتاب بعد المقدِّمة إلى قسمين:
1 - مدخل إلى علوم الحديث.
2 - علم مصطلح الحديث.
وملحقين:
1 - منهجية الاستفادة من الأحاديث النبوية.
2 - القاعدة الشرعية في حفظ الضروريات الخمس.
وخاتمة. (1/7)
صفحة 8
[صفحة -ح-]
ثمَّ اجتهدنا قدر الإمكان في إتمام إحالة النصوص إلى مصادرها الأصليّة؛ لذلك تجدون كثيرا من هذه المصادر والمراجع قد طبعت وحقّقت بعد نهاية تأليف هذا الكتاب.
وفي النهاية وضعنا للكتاب فهارسه الفنيّة حتّى يرقى إلى مصاف البحوث العلميَّة الحديثة.
وبالرغم من أنّ الكتاب يظهر لأول نظرة وكأنَّه تكرار لما يوجد في كتب علوم الحديث إلاّ أنَّه لا يخلو من فوائد عديدة واجتهادات جديدة؛ لأنّ مؤلّفه معاصر ومدرّس ومتمكّن في أسلوبه ومعارفه وواع بأهمّية التأليف والتدريس في مثل هذا الفنّ من علوم الشريعة الإسلاميّة.
ولا نبالغ إذا قلنا إنّ هذا المطبوع هو أوّل مؤلَّف جمع فأوعى هذا الفنّ في الجزائر لمؤلّف جزائريّ وقد سبقته كتب أخرى ولكنها متخصّصة في بعض المباحث مثل: " الحديث المعلول قواعد وضوابط" للدكتور حمزة عبد الله المليباري؛ أو مختصرة مثل: كتاب "الموجز في علوم الحديث" للدكتور نصر سليمان (ط:1997م)؛ ونرجو الله تعالى أن يبارك فيها جميعا لتؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها ـ آمين.
ولا يسعنا في الأخير إلاّ أن نتقدّم بالشكر الجزيل والتقدير الجليل لشيخنا العلامة هو وأبناؤه على هذه الثقة الكريمة، ونرجو أن نكون عند حسن ظنهم أوفياء لكرم شيخنا وفضله السابق علينا. ولا ننسى أن نثني بالثناء الجميل على الصديقين اشريفي مصطفى بن الحاج محمد وباباعمي محمد بن موسى على مساعدتنا بالإتقان والصبر الجميل أثناء عمليَّة التصفيف في أجهزة الإعلام الآليِّ، تقبّل الله منهما وأكرمهما بفضله.
فاللهم تقبَّل منّا جميعا هذا العمل الجديد الذي لا نقصد به إلاّ خدمة الشريعة الإسلاميّة وتطهير السنّة النبويّة من تحريفات الوضّاعين ومعارضات الجاحدين والمغرضين الذين لا يخلو منهم أيّ علم في أيّ زمان (1/8)
صفحة 9
[صفحة -ط-]
ومكان؛ واجعله سبب هداية وحجّة مقنعة لهم إنك نعم المولى ونعم النصير.
والسلام عليكم
بقلم: أحمد بن حمو كروم / عمر بن باحمد بازين
غرداية يوم: الجمعة 13 جمادى الأولى 1419هـ/
04 سبتمبر 1998م (1/9)
صفحة 10
[صفحة -ي-] (1/10)
صفحة 11
[صفحة -ك-]
الشيخ الحاج امحمد بن سليمان مطهري
(1333هـ/1915م - 1419هـ/1998م)
1ـ مولده ونشأته
ولد امحمد بن الحاج سليمان بن بكير بن داود بن بكير بن "الحاج أيوب" من عشيرة بني مطهر (1) نسبا سنة 1915م / 1333هـ في مليكة العليا ولاية غرداية.
أبوه: هو الحاج سليمان بن بكير مطهري، تلميذ القطب اطفيش وخليفته في التدريس عند غيابه عن معهده ببني يزقن وناسخ كتبه (2)، ومؤسّس دار العلم في مليكة العليا ومرشدها في المسجد العتيق وعضو حلقة العزّابة، كان يحترف التجارة في الكتّان بغرداية إلى أن توفّي سنة 1948م؛ وقد خلف جيلا من الطلبة الأعلام ومكتبة غنيّة بالنفائس وأسرة تتكوّن من أربعة أولاد، نشأ بينهم " امحمد" نشأة صالحة راضية فتطبّع على حبّ العلم والأخلاق الفاضلة.
أمُّه: هي السيّدة الفاضلة فخّار الحاج مسعود لالة بنت باحمد بن صالح بن عيسى (3) المعروفة بـ "لالة سعودة"؛ الحازمة العالمة بالقراءة والكتابة والحافظة للقرآن الكريم والمعلّمة في مدرسة زوجها عند غيابه عن التدريس؛ وقد تزوجها سنة 1888م وأنجب معها امحمد وبكير وعمر وداود، وقامت بتربيتهم أحسن قيام إلى أن توفيت وهو عنها راض سنة
__________
(1) ـ وقد سجل في الدفتر الرسمي عام 1329هـ/1911م، من أجل تخليصه من قضية التجنيد العسكري الإجباري.
(2) ـ مثال ذلك: الجزء السادس من كتاب تيسير التفسير. الطبعة الحجرية.
(3) ـ من تلاميذها الحاج أحمد معيز يقول: هي معلمة حازمة درست عندها عند غياب زوجها وهي امرأة ورعة تدرس النساء وتجيب عن أسئلتهن (لقاء مباشر: 06/ 08/94). (1/11)
صفحة 12
[صفحة -ل-]
1920م رحمها الله وأرضاها؛ ثمَّ تزوَّج بعدها امرأتين؛ أنجب مع الثالثة أحمد وعبد الوهاب، ولقوّة إعجابه بشيخه القطب ـ رحمه الله ـ وتخليدا لذكراه سمىّ ابنه امحمد عليه تيمُّنا به وتفاؤلا.
2 ـ تعلّمه
عندما بلغ سنَّ التعلُّم اصطحبه الشيخ إبراهيم بن بنوح متياز ـ أحد أصدقاء والده ـ إلى القرارة ليحفظ القرآن الكريم في مدرسة الشيخ إبراهيم بن بكير حفّار ـ رحمه الله ـ على يد الشيخ إبراهيم متياز ومعلّم القرآن الكريم المرحوم الحاج صالح بن إبراهيم شقبقب، والحاج يوسف بن بعمور؛ وأمَّا الشيخ إبراهيم حفّار فكان يطالع له بعض الكتب أمامه؛ ليقوِّم لسانه في اللغة العربيَّة ويثقِّفه في الشريعة الإسلامية في بني يزقن عندما هاجر إليها؛ وأتمَّ حفظ القرآن الكريم واستظهره في الحادية عشر من عمره بمليكة العليا وانضمَّ إلى حلقة إروان.
في سنة 1926م واصل دراساته العليا في اللغة والشريعة عند والده الحاج سليمان بن بكير مطهري في دار العلم، ومعينه الحاج أحمد بن صالح اسكوتي (ت 1937م) ـ رحمه الله، وكان يقرأ الدرس اليوميَّ للشيخ الحاج يحي بن صالح باعماره في المسجد أمام العموم، ومن بين الكتب التي درسها عنهم:
1. تيسير التفسير.
2. وفاء الضمانة.
3. حاشية الترتيب.
4. المنظومة البيقونيّة في مصطلح الحديث.
5. شرح عقيدة التوحيد.
6. شرح النيل.
7. قصائد ابن النظر (الدعائم). (1/12)
صفحة 13
[صفحة -م-]
8. فنُّ التجويد من مجموع المتون.
9. كتاب شرح ابن عقيل لألفيَّة ابن مالك شرح.
10. واللغة من الأشموني.
11. البلاغة الجوهر المكنون.
وفي سنة 1927م سافر إلى المدرسة الخلدونيّة بتونس فتوسّع في بعض العلوم: عند الشيخ سالم بن يعقوب في الفقه الإباضي، والشيخ محمد مناشو في مصطلح الحديث، والمنطق عند غيره. وقد نال الإجازة العلميّة من طرف الشيخ إبراهيم بن بنوح متياز رحمه الله.
3 ـ أعماله الاجتماعية
لقد شمّر الطالب امحمد عن ساعدي الجدّ والعمل بعد أن رجع من تونس سنة 1930م، وانتدب لخدمة مجتمعه بكلّ تفان وإخلاص ووفاء.
ا ـ التدريس
لم يبخل امحمد بما أوتي من علم بل قام بدوره المنوط به في التعليم مباشرة عندما رجع من تونس إلى أن توفّاه الله تعالى حيث درّس في:
1) ـ سطيف: في سنة 1946م اشتغل بالتجارة في دكان آل بازّين بسطيف، وكلّفته الجماعة بتدريس القرآن الكريم والعقيدة والفقه واللغة لأبناء التجّار في دار الجماعة، وكان يعمل قبل ذلك أجيرا في متجر بالبليدة، وقبلها في مسقط رأسه اشتغل مساعدا لأبيه في تجارته.
2) ـ مليكة العليا: خلف والده في التدريس بـ"دار إروان" حينا من الدهر، وكان عضوا فعّالا في إدارة مدرسة الرشاد القرآنيّة بعد الاستقلال (1/13)
صفحة 14
[صفحة -ن-]
الوطنيّ، كما ساهم بفعاليّة قبل ذلك في تأسيس جمعيّة النصر سنة 1960م للتربيّة والثقافة الإسلاميّة. وفي سنة 1980م فتح حلقة علم في مكتبة المعصومة مكتبة الشيخ الحاج أيّوب بن باحمد بافلح بغرداية (شيخ المسجد العتيق ببنورة)؛ ثمّ حوّلها إلى منزله عندما كثر رواد الحلقة وكان يحضرها بعض مشايخ حلقات العزّابة وحلقات إروان وأعضائها من بنورة والعطف ومليكة العليا وبني يزقن؛ وقد درّس فيها مصطلح الحديث وعلوم القرآن الكريم والتجويد وغيرها.
3) ـ غرداية: عندما فتح معهد عميّ سعيد قسما للتخصّص في الشريعة الإسلاميّة سنة 1988م /1409هـ عين محاضرا لهذا القسم في علوم الحديث ومصطلحه (ومحاضراته هي مادّة هذا الكتاب) وقام بجهود معتبرة في هذا المجال.
ب ـ الفتوى
بفضل الحافظة القويّة التي وهبها الله تعالى له والتحقيق العلميّ الذي انتهجه استطاع شيخنا أن يتبوّأ مكانة محترمة في الفتوى حيث لا ينفكّ عن ذلك في حله وترحاله، شفاهيّا وكتابيّا، أيّام الصحة والمرض؛ فجمع في ذلك رصيدا مهمّا؛ وكان يحضر لذلك ندوة الإربعاء ببريّان إلى جانب الشيخ عبد الرحمان بن عمر بكلّي، والشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، والطالب بودي، وغيرهم ... وترأّس ندوة الأحد بغرداية إلى جانب الشيخ الحاج حمّو عمّي سعيد، والشيخ بلحاج قشّارـ رحمه الله ـ، والشيخ الحاج إبراهيم طلاي، والشيخ الحاج حمّودة بهون عليّ وغيرهم ...
وكان من الساعين إلى إرجاع مجلس عمّي سعيد بغرداية بعد الاستقلال الوطنيّ، وقد حضر جلساته الأولى وشارك في تقرير كثير من فتاويه وقراراته.
جـ ـ التوجيه والإرشاد (1/14)
صفحة 15
[صفحة -س-]
عندما كان شيخنا مشتغلا بالتجارة في سطيف كلّفته الجماعة بمهمّة الوعظ والإرشاد في رمضان وإمامة صلاة التراويح بسبب حفظه المتقن للقرآن الكريم؛ وعندما انضمّ إلى حلقة العزابة بمليكة العليا سنة1952م اضطلع بالمهمّة وقام بها أحسن قيام مع غيره من المرشدين في المسجد، ولم يكفّ عن ذلك ولو بعد أن اعتزل الحلقة سنة 1962م حيث واصل مشواره في مقرّ عشيرة بني مطهر بمليكة العليا وخاصّة في شهر رمضان المبارك تحت إشراف مدرسة الرشاد القرآنيّة بمليكة العليا التي كان عضوا في إدارتها؛ وقد فسّر القرآن الكريم وشرح كتاب الوضع للجناوني وكتاب الذهب الخالص للقطب اطفيش وغيرها.
د ـ القضاء:
في سنة 1946م/ 1366هـ رشّحته الجماعة الإباضيّة فعيّن قاضيا بالمحكمة الشرعيّة ببريّان، ورغم الامتناع الشديد لهذا المنصب منه ومن أبيه ـ رحمه الله ـ (1) أقنعا بأهميّة وجوده في هذا المنصب فباشر مهامّه في يوم 24 أوت 1946م؛ فقضى فيه أربع سنوات في برياّن بمنصب العادل حيث حوّل إلى محكمة غرداية (2) سنة 1950م فشغل المنصب السابق نفسه؛ وفي فجر الاستقلال أصبح رئيسا لمحكمة غرداية إلى أن استقال عنها سنة 1969م.
وقد شارك شيخنا في تحرير القانون المدنيّ الجزائريّ سنة 1962م ممثّلا للمذهب الإباضيّ في اللجنة المكلّفة على المستوى الوطنيّ مع السيد بجّاح محمد بن باحمد وتزبّينت يوسف.
4 ـ تلاميذه
__________
(1) ـ وقال له والده ووصاه: إياك والطمع.
(2) ـ وكان أخوه يشغل المنصب نفسه بمحكمة بني يزقن. (1/15)
صفحة 16
[صفحة -ع-]
من خلال الحلقات العلمية والمعاهد الدينية التي كان شيخنا يدرِّس فيها، خلَّف جيلا من الطلبة، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
الشيخ قشار بلحاج ـ دودو الحاج يونس ـ الحاج سعيد محمد بن باحمد العطفي، هيبة ـ الحاج أحمد بازين ـ دودو بانوح ـ الحاج أيوب بافلح ـ هيبة عمر ـ أبي اسماعيل محمد ـ بامون الحاج سليمان ـ الشيخ صالح بكير ـ كروم الحاج أحمد ـ قزريط موسى ـ بازين عمر ـ لبشك عبد الله ـ بليدي نجيب ـ بابا موسى قاسم ـ قليل محمد ـ قشار عمر ـ برورو إبراهيم ـ الحاج موسى بشير ـ حمودين بكير ـ طباخ عبد الرحمن ـ الحاج سعيد بكير ـ الحاج سعيد إسماعيل ـ بوكرموش حمو ـ ابن عمر عيسى ـ ابن فضة مصطفى ـ وغيرهم ممن تخرَّج من قسم التخصص في الشريعة الإسلامية، بمعهد عمي سعيد.
5 ـ مؤلفاته
أ- الكتب:
اهتمّ شيخنا بالتأليف كثيرا وشجّعه على ذلك والده الحاج سليمان عندما أمره أن يكتب عن الحجّ رسالة قبل أن يذهب إليه ليختبر ذكاءه وحفظه؛ فألّفها وأعطاها له فاستحسنها قائلا: "جيّد ومهمّ وستكون شيخنا ".
ونذكر من مؤلفاته القيّمة:
1. كتاب إلهام الرحمن في علوم القرآن الكريم (مخطوط).
2. فتح المغيث في علوم الحديث (وهو بين يديك).
3. شرح القصيدة البيقونيّة (مخطوط).
4. رسالة المسائل الممتعة الواردة في صلاة الجمعة (مطبوع).
5. فتح ربّ العرش في شرح قصيدة حرف ورش (مخطوط). (1/16)
صفحة 17
[صفحة -ف-]
هـ ـ الردود العلمية والأجوبة
لقد عرف شيخنا بتحرير الرسائل العلميّة القيّمة والردود الفقهيّة والتاريخيّة العاليّة، بالنيابة عن وادي ميزاب أو المشايخ والعامة نذكر منها:
1. دفاع عن الحديث عند الإباضيّة من خلال الردّ العلميّ الذي كتبه إلى الأستاذ إبراهيم ملاّ خاطر عام 1982م بسب تشكيكه في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب (مرقون).
2. أجوبة وفتاوى عن الحج للشيخ عمر بن داود بومعقل (مخطوط).
3. جواب عن نبذة مختصرة لتاريخ مليكة العليا (مخطوط).
4. رسالة حول المجالس الدينية بوادي ميزاب (مخطوط).
5. رسالة حكم تلاوة " نواوير القرآن الكريم" (مخطوط).
6. مختصر شرح نونيّة أبي نصر (مطبوع مع متن النونية، تحقيق عمر بازين).
7. ترجمة عن الشيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل (مخطوط).
8. تراجم المشايخ الذين ذكرهم الشيخ أبو ستّة السدويكشي في حاشيته على ترتيب الجامع الصحيح للربيع بن حبيب.
9. ترجمة مختصرة عن والده العلاّمة الشيخ الحاج سليمان مطهري (مطبوعة في معجم أعلام الإباضية).
10. جواب عن قضيّة الطلاق بعيوب طبيعيّة في الفرج (مخطوط مفقود).
11. أجوبة عن أسئلة في العقيدة للأستاذين: محمد بن موسى باباعمي ومصطفى بن الحاج محمد اشريفي؛ وغير هذا كثير (مخطوط).
و ـ المحاضرات
حاضر شيخنا في عدّة مناسبات دينيّة ووطنيّة في كثير من النوادي نذكر منها: (1/17)
صفحة 18
[صفحة -ص-]
1. محاضرة "الهدي المحمّديّ" التي ألقاها في نادي عمّي سعيد بمناسبة أسبوع المولد النبويِّ الشريف عام ....
2. محاضرة " الختان في الإسلام".
وله رصيد مهمّ من الأشرطة السمعيّة لدروس الوعظ والإرشاد، حفظته له جمعيّة الرشاد القرآنيّة مليكة العليا.
زـ شعره
لقد ترك شيخنا قصائد أنشدها في بعض المناسبات نذكر منها:
1. قصيدة في رثاء القطب (مخطوطة).
2. قصائد في مدح النبيء - صلى الله عليه وسلم -.
3. قصيدة في شكر والده في نهاية هذا الكتاب ... وغيرها.
6 ـ جهاده
قاوم شيخنا الاستعمار بالعمل الميدانيّ في المحكمة والمحضرة والمسجد؛ وتدخّل في كثير من الخصومات التي حاول الاستعمار استغلال أصحابها للتفرقة والتدخّل في شؤون المسلمين بفضل الحكمة والحزم ومقارعة الحجّة بالحجّة، وهو عضو خليّة بالقسمة الخامسة بالولاية السادسة رئيسها القيرع محمد بن باحمد في مليكة العليا؛ وقد عيّن عضوا في مجلس النظام في فجر الاستقلال الوطنيّ وقبل انتخاب المجلس الشعبيّ الأول لبلديّة غرداية عام 1962م.
7 ـ رحلاته
لقد كان شيخنا حركة دؤوبة لا يتطرّق إليه العجز والكسل في بلوغ غاياته النبيلة في الحياة وزيارة إخوانه قبل الممات ونذكر من رحلاته:
1. زيارة البقاع المقدسة عام 1935م، و1980م، والتقى بالإمام الخليليّ والإمام غالب بن علي العمانيَّيْن. (1/18)
صفحة 19
[صفحة -ق-]
2. زيارة إلى إخوانه الإباضيّة بتونس وجربة عام 1986م مع الشيخ أيّوب بافلح ودودو الحاج يونس.
3. زيارات متكرّرة إلى إخوانه الإباضيّة في الجزائر (وارجلان، القرارة، بريان، البليدة، الشلف).
4. رحلة إلى المغرب للتعرّف على أصل نسبه الذي ينحدر من المملكة المغربيّة.
8 ـ عائلته
عندما بلغ سنّ الثامنة عشر من عمره عام 1933م اقترن شيخنا بالسيّدة المرحومة سكوتي عائشة بنت سليمان وتعاون معها في تربيّة سبعة أولاد: محمد، سليمان، إبراهيم، عمر، صالح، وبنتان. وكان منهم مهندسان وطبيب جراح؛ إلى أن توفِّيت سنة 1992م رحمة الله عليها.
9 ـ مميّزاته الشخصيّة
يمتاز شيخنا بالجدّ والنشاط والحزم والصرامة والذكاء والذاكرة القويّة والصبر والإخلاص وحب العلم وأهله وفعل الخير.
تظهر على وجهه نظارة طيّبة، وهو يعصب رأسه بعمامة بيضاء ولا تجده إلاّ بثياب بيضاء، رفيع الصوت ورقيقه فصيح اللسان قصير القامة، تعلو وجهه ابتسامات وسرور مكين تدور به لحية بيضاء، يستعين في مشيه بعكاز الشيخوخة بعد أن تجاوز سن الثمانين من عمره.
10 ـ وفاته
بعد هذا الجهاد الفعّال من أجل إعلاء كلمة الله بالقلم والقدم اختاره الله تعالى إلى جواره الكريم، بعد مرض الضعف العامّ في جسمه مدّة ثلاثة (1/19)
صفحة 20
[صفحة -ر-]
أشهر مساء يوم الأربعاء 09جمادى1419هـ /30 سبتمبر 1998م؛ وقد شيّع جثمانه في موكب جنائزيّ رهيب مساء يوم غد الخميس، وقد حضره جمع غفير من علماء وادي ميزاب وأعيانه وتلاميذه ورثوه بكلمات معبّرة عن مقامه الساميّ في القلوب وأعماله الجليلة القيّمة في الوطن الجزائريّ والعالم الإسلاميّ بصفة عامّة.
وكم كنّا نتمنّى أن تفرح بصدور هذا الكتاب في طبعة أنيقة ونقيم لك احتفالا تكريميّا عاليا يوم صدوره؛ إلاّ أنّ القدر كان أوسع منّا خطوا وأسرع مشيا فسبقنا إلى الاحتفال بك في جنّة الخلد مع الصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا؛ نم قرير العين وتنعّم بعملك الصالح لا تخاف ظلما ولا هضما إلى أن يجمعنا الله تعالى بك في رحمته الواسعة وجنّاته العالية آمين.
11 ـ رثاؤه
وأثناء التصحيح الأخير للكتاب وبعد عشرة أيّام من وفاته فاجأنا تلميذه الشاعر هيبة عمر بن الحاج أحمد بهذه القصيدة الجياّشة بمشاعر الحب والامتنان فآثرنا أن نختم ببعضها هذه الترجمة المختصرة وهي بعنوان «لَنْ تَعُودَ هَذِهِ الشَّمْسُ»:
يكدر صفونا موت الرجال ... وينغص عيشنا بعض الليالي
أبانا سوف نذكر فيك دوما ... عظيما عاش يلتمس المعالي
فقدنا فيك مرجع كل أمر ... جليل حين نحرج بالسؤال
فإن طهر اللسان فمطهريّ ... وإن صدق الكلام فبالكمال
ولن ننسى غروب الشمس لما ... غربتَ وكنت شمسا للمعالي
غروب الشمس يعقبه شروق ... ولست تعود يا شمسا بحال
فنم في جوار ربك نم سعيدا ... قرير العين موفور النوال
الخميس 07 أكتوبر 1998م (1/20)
صفحة 21
كتاب فتح المغيث في علوم الحديث
تأليف الشيخ: امحمد بن سليمان بن بكير المطهري المليكي (ت: 1419هـ) (1/1)
صفحة 22
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 23
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
يقول العبد الفقير إلى رحمة مولاه الغنيِّ، امحَمَّد بن الحاج سليمان بن بكير مطَّهْري المليكي نسبًا:
{رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10]. الحمد لله الهادي من استهداه، الواقي من اتَّقاه، الكافى من تحرَّى رِضاه، حمدا بالغا أمد التمام ومنتهاه، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على نبيئنا مُحَمَّد، والنبيئين والآل والأصحاب، وكلِّ تابع لهم بإحسان إلى يوم المآب، كُلَّمَا رجَا راجٍ مغفرته ورضاه، دائمان بدوام الليل والنهار، إلى يوم الحشر والجزاء. وأسأله تعالى أن يلهمنا الصواب فيما توخَّيناه، ويجعله لي سببا للسعادة الأبديَّة دنيا وأخرى.
أَمَّا بعد:
فإنَّ علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنْفع الفنون النافعة، يحِبُّه ذكور الرجال وفحولهم، ويعنى به محقِّقوا العلماء وكَمَلَتُهم، ولا يكرهه من الناس إِلاَّ أراذلتهم وسَفَلَتهم، وهو من أكثر العلوم تولُّجا في (1/3)
صفحة 24
فنونها لا سيما الفقه الذى هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه، من مصنِّفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلِّين به من العلماء، ولقد كان شأن الحديث في الزمن الأَوَّل عظيما، عظمة جموع طلبته، رفيعا مقادير حُفَّاظه. كيف لا؟ وَهُم جُلَّة الصحابة ونخبة التابعين وأئمَّة الدين ونجوم المهتدين. وكانت حياتهم بعلومه حيَّة، وأَفنان فنونه ببقائهم غَضَّة، ومعانيه بأهله آهلة. فلم يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حَتَّى أفضت به الحال إلى أن صار أهله شرذمة قليلة العدد، ضعيفة المدد، لا تعنى في الأغلب في تحمُّله بأكثر من سماعه غفلا. ولا تعنى في تقييده بأكثر من كتابته عطلا، مطرحين علومه التي بها جلَّ قدره، مباعدين معارفه التى بها فخم أمره.
فحين كاد الباحث عن مشكله لا يلقى له كاشفا، والسائل عن علمه لايلقى به عارفا، مَنَّ الله الكريم تبارك وتعالى على عباده بفتح هاته المدرسة القيِّمة التي انتظرها المخلصون، وقام بتشييد أركانها الجهابذة العاملون، ليحيوا بها ما أماته الدهر، حَتَّى صار شيئا لا يُذكر؛ وجعلوا من جملة ما يُدرَّس فيها هذا العلم الجليل، ليزيح عن مشكلاته الأبيَّة، ويبوح بأسراره الخفيَّة، وتُبيَّن فيها معالمه الزكيَّة، وتقعَّد فيها قواعده السنيَّة، وتوضَّح فيها أصوله وفروعه، وذلك بمعرفة أنواعه؛ كالفرق بين الرواية والدراية.
ولو أُسند هذا العمل إلى من هو أوفى وأكفى، لكان ذلك خيرا (1/4)
صفحة 25
وأبقى. فقمت بحول الله بالمهمَّة حسبما تيسَّر لي من بعض فنونه، التي تلقَّيتها عن والدي المرحوم الشيخ سليمان بن بكير مطهري، وَهُوَ قد تلقَّاها عن شيخه القطب اطفيَّش رَحِمَهُ اللهُ.
وقد أمليتها لطلاَّب التخصُّص في الدراسات العليا للعلوم الإِسلاَمِيَّة بمعهد عمِّي سعيد بغرداية خلال ثلاث سنوات دِرَاسِيَّة، في سبع وسبعين درسا.
قسَّمتها إِلىَ فصول وخاتمة. وقد سلكت في ذَلِكَ المنهج المقرَّر في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإِسلاَمِيَّة بقسنطينة. واعتمدت عَلَى مراجع قديمة وحديثة، متخصِّصة في هَذَا العلم الجليل، لينضج لبُّها، ويتَّضح لفظها، ويسهل عَلَى الطالب فهمها.
ولا أدّعي العلم بِكُلِّها ولا بجلِّها، لأَنَّهُ بحر واسع، متلاطم الأمواج. وسمّيت هاته الدروس ب: فتح المغيث في علوم الحديث.
واللهَ الكريمَ أسألُ أن يهدينى إلى كشف بعض معضلاته، وتبيين بعض مشكلاته، وتفصيل أقسامه، إِنَّهُ جواد كريم، رؤوف رحيم. وهذا أوان الشروع في المقصود، بعون الملك المعبود.
امحَمَّد بن الحاج سليمان مطهري
مليكة العليا يوم الإثنين 6 ذو القعدة 1411هـ / 20 ماي 1991م (1/5)
صفحة 26
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 27
القسم الأول
مدخل إلى علوم الحديث (1/7)
صفحة 28
تعريفات أساسيَّة
- علم الحديث رواية ودراية
- تعريف السنَّة لغة واصطلاحا
- تعريف الوحي لغة واصطلاحا
- تعريف البدعة
- تعريف الخبر وتقسيم طرقه
- تعريف الحديث القدسي
- تعريف الأحكام الخمسة وعلاقتها بالحديث (1/8)
صفحة 29
علم الحديث رواية ودراية
أَوَّل ما يجب معرفته: علم الحديث، أوما يُسَمَّى بعلوم الحديث. فما معنى علوم الحديث؟
من المعلوم أن كلَّ من يريد أن يَتَكَلَّم في فنٍّ من الفنون أن يعرفه باسمه مفردا أو مركَّبا تركيبا إضافيًّا كعلمنا هذا. كما يجب عليه أن يَتَحَدَّث عن طرفيه، وعن الإضافة بينهما، ثم ما هو المراد من هذا التركيب بعد نقله وتسميته بهذه التسمية المدوَّن بها.
فأَوَّلاً: العلوم جمع علم، والعلم في اللغة هو إدراك الشيء على حقيقته، أو إدراكه إدراكا حقيقيًّا، أو هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، الذى لا يقبل التشكيك ويقابله اليقين. وهو نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، وهو مغاير للمعرفة. ويطلق العلم على مجموع مسائل وأصول كُلِّيَّةٍ تجمعها جهة واحدة، كعلم الكلام وعلم النحو وعِلْمِنا هذا. وعلى ما مَرَّ فالعلم في اللغة يرادف الفهم وليس المعرفة.
أَمَّا الحديث في اللغة فيطلق على الجديد من الأشياء وهو ضدُّ القديم. ويطلق على الخبر بِأَيِّ شيء كان، ويأتي على القليل والكثير؛ كما يطلق على كل كلام يُتَحَدَّثُ به وينتقل ويبلغ للإنسان من جهة السمع أو الكتابة أو الوحي، يقظة أو مناما. وجاء في القرآن قوله تعالى: {وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً} [النساء 122] {وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللهِ (1/9)
صفحة 30
حَدِيثًا} [النساء 87] وقوله: {وَ يُعَلِّمُكَ مِن تَاوِيلِ الاَحَادِيثِ} [يوسف 6] وقوله: {فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور 34] وقوله: {وَإِذَ اَسَرَّ النَّبِيءُ اِلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم: 3].
و قال الشاعر:
أنصُّ الحديث إلى أهله فإنَّ الأمانة في نصِّه
أَمَّا في اصطلاح أهل هذا الفن فهو: ما أضيف إلى رسول الله ? من قول أو فعل أو تقرير أو صفة من صفاته الخَلقية والخُلُقية. ويشمل عند الجمهور: ما أضيف إلى النبيء ? وهو المرفوع، وما أضيف إلى الصحابيِّ وهو الموقوف، وما أضيف إلى التابعيِّ وهو المقطوع، وسيأتي تعريف ذلك إن شاء الله.
تعريف نقل الحديث
وَأَمَّا نقل الحديث فَإِنَّهُ يكون رواية ويكون دراية.
فالرواية هو إيصال الحديث إلى مصدره من حيث رواية الرواة وبحث أولئك الرواة المذكورين في السند ضبطا وعدالة واتِّصالا وانقطاعا من غير فهم للنصِّ المرويِّ. ويُعرف بعلم أصول الحديث.
وَفيِ العناية بعلم الحديث رواية فقط حِفْظُ السنَّة وضبطها، والاحتراز عن الخطإ في نقل ما أضيف إلى رسول الله، وبهذا يتِمُّ (1/10)
صفحة 31
حُسن الاقتداء به.
وَأَمَّا الدراية فهو: علم يُعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، والمعاني التي تَدُلُّ عليها مع حال الرواة وشروطهم وما يَتَعلَّقُ بأصناف المرويَّات، واستنباط الأحكام منها.
وفائدة علم الحديث دراية هو معرفة المقبول من المردود. ولا يستغني أحد العِلْمين عن الآخر. بل إِنَّ علم الحديث رواية لا يجدي ما لم يقترن بعلم الحديث دراية.
وقد مَرَّ أنّ الحديث ما أضيف إلى النبيء ? أو غيره من قول أو فعل أو تقرير.
مثال القول قوله ?: «الأعمال بالنيَّات» (1) فيستفاد منه أنَّ العمل الخالي من النيَّة باطل، وقوله ?: «لا ضرر ولا ضرار» (2) ففي كُلٍّ من الحديثين خطاب من الرسول ? للناس معبِّرا فيه عن قصده ومراده من الكلام.
أَمَّا الفعل فهو ما كان يصدر منه من تصرُّفات في دائرة العمل
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (1) باب في النية، رقم 1، مع زيادة في آخره. ورواه الهنديُّ في
الكنز، ج3، رقم 8782. مع زيادة في آخره.
(2) - ... رواه مالك في كِتَاب الأقضية (26) باب القضاء في المرفق، رقم 31. ورواه ابن ماجه في الأحكام (17) باب من بنى في حقِّه ما يَضُرُّ بجاره، رقم 2340. (1/11)
صفحة 32
والسلوك، مرادا به التشريع، كالذي ثبت من تعليمه لأصحابه كيفيَّة أدائهم الصلاة على الوجه الأكمل، من إمامتِه عليهم، وقولِه: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (1).
ومثله أفعال الحجِّ، فهو قد حجَّ على ناقته ليشرف على الناس، وليريهم أعمال الحجِّ، ويقول لهم: «خذوا عَنِّي مناسككم» (2)، إلى غير ذلك.
وَأَمَّا التقرير فهو أن يُقرَّ أمرا عَلِمَه ? من فِعل أصحابه من قول أو فعل، سواء أَكَانَ في حضرته أو بلغه من أحد الصحابة فيقرَّه؛ وَرُبَّمَا أظهر الفرح لذلك مع الاستحسان لأَنَّهُ ? لا يقرُّ منكرًا أبدا، وهو المبعوث لهداية الخلق؛ أو يقرُّ الفعل المختار، فيقرُّ الفاعل والتارك كما روي أَنَّهُ ? قال لأصحابه لَمَّا وجّههم لقتال بني قريظة: «ألا لا يُصَلِّي أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة» (3) فصلَّى بعضهم العصر في الطريق، والبعض الآخر في بني قريظة لتبايُنِ الفهم، فبعضٌ فَهِم من الأمر التعجيل باللحاق فصلَّى في الطريق، والبعض الآخر فهم الأمر وجوبيًّا فأخَّره إلى بني قريظة. فأقرَّ النبيء ? الفعلين؛ ودلَّ على أنّ الأمر اختياريٌّ، وبه
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الأذان (18) باب الأذان للمسافر، رقم 605.
(2) - ... رواه البيهقي، ج5، ص 204.
(3) - ... رواه البخاري في المغازي (28) باب مرجع النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - من الأحزاب ومخرجه إِلىَ بني قريظة ومحاصرته إِيَّاهُم، رقم 3893. (1/12)
صفحة 33
أخذ النّاس الاجتهاد في فهم النصِّ، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الشأن.
وَأَمَّا أوصافه فما رُوي عن علي كرَّم الله وجهه في الحديث الصحيح من أوصاف النبيء ? الخَلقية والخُلقية من قوله: «لم يكن النبيء ? بالطويل ولا بالقصير، شتن الكفَّين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل الْمَسْرُبَة، إذا مشى تكفَّأ تكفِّيًا كَأَنَّهُ ينحدر من صَبَبٍ، لم أر قبله ولا بعده مثله النبيء ?» (1).
وقوله في بعض صفاته الخلقية: «ليس بفظٍّ ولا غليظ، كان ? دائم البِشر، سهلَ الخلق، ليِّن الجانب، ليس بفظٍّ، ولا غليظ، ولا صخَّاب، ولا فحَّاش، ولا عيَّاب ... » الخ. وكقولهم: إِنَّهُ ? لا يقرأ ولا يكتب، كدليل على أنَّ ما يقوله هو وحي من الله ... الخ.
وقد نقل أصحاب السير عنه الصفات وقرَّروها وَاتَّفَقُوا عليها. وقد أطال بعض المحدِّثين في تبيين مبادئ علم الحديث أخذا من قول الشاعر (2):
إن مبادئ كلِّ فنٍّ عشرة الحدّ والموضوع ثُمَّ الثمرة
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كِتَاب المناقب (37) رقم 3716.
(2) - ... نسبها محَمَّد الأثيوبي في الباكورة الجنيَّة إِلىَ محَمَّد بن علي الصبان (ت: 604هـ).
الأثيوبي: الباكورة الجنيَّة، ص 6. (1/13)
صفحة 34
وفضله ونسبه والواضع والاسم والاستمداد، حكم الشارع
مسائل، والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميعَ حاز الشرفا
ولا أرى طائلا في ذلك وقد بيَّنتها في أصل هاته الرسالة. (1/14)
صفحة 35
تعريف السنَّة لغة واصطلاحا
أَمَّا معنى السنَّة لغة: فهي الطريقةُ حسنةً كانت أو سَيِّئَةً. وفي لسان العرب: «السنَّة: السيرة، حسنةً كانت أو قبيحة». قال خالد بن عتبة الهُذلي:
فلا تجزعنْ من سيرة أنت سرتها فَأَوَّلُ راض سنَّة من يسيرها
وسننتُها سَنًّا واستنتها: سرتها، وسننتُ لكم سنَّة فاتَّبعوها (1)
ومنه قوله ?: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سَيِّئَة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (2). وقال نُصَيْبٌ:
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج 06، ص 399، مَادَّة «سنن».
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب الزكاة (20) باب الحثّ عَلَى الصدقة ولو بشقِّ تمرة أو كلمة طَيِّبَة وَأَنَّهَا حجاب من النار. رقم 69 (1017) في حديث طويل، وَأَوَّلُه: عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: «كُنَّا عند رَسُول اللهِ ? في صدر النَّهَار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار ... » إلخ.
ورواه الحاكم في كِتَاب التفسير (82) تفسير سورة إذا السماء انفطرت، رقم 3906 (1044) بنفس المعنى وبألفاظ متقاربة. (1/15)
صفحة 36
كأنِّي سننت الحبَّ أوَّل عاشق من الناس إذ أحببت من بينهم وَحْدِي
وكلُّ من ابتدأ أمرا عمل به قومٌ بعده قيل هو الذي سنَّه. وقد تكرَّر في القرآن الكريم وفي السنَّة ذكر السنَّة وما تصرَّف منها؛ والأصلُ في ذلك الطريقةُ والسيرة والعادة.
وإذا أطلقت في الشرع فَإِنَّمَا يُراد بها ما أمر به النبيء ? أو فعله أو أقرَّه أو نهى عنه أو ندب إليه قولا أو فعلا أو تقريرا، مِمَّا لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أَدِلَّة الشرع: الكتاب وَالسُّنَّة، أي القرآن والحديث، وقد تأتي هاته اللفظة لمعان أخر مثل قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فيِ الاَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران 137)، أي قد مضت عادة الله في مَن قبلكم باستئصال الكفَّار المكذِّبين إذا كذَّبوا رسلهم.
أمَّا في الشرع فتأتي لِمَعَانٍ مختلفة بحسب اختلاف الأغراض التي اتَّجهت إليها في أبحاثهم.
فمثلا عند الأصوليِّين: هي البحث عن استخراج الأَدِلَّة الفرعيَّة من أصولها لاستنباط الأحكام الواردة التي لا نصَّ لها، من قول أو فعل أو تقرير يَدُلُّ على ذلك. وكذلك مِمَّا يَدُلُّ على واجب أو مندوب أو مباح أو حرام أو مكروه. (1/16)
صفحة 37
أمَّا عند الفقهاء: فيقال على ما يُثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، مِمَّا صَحَّ عن النبيء ? والسلف الصالح، وعلى ما واظب عليه النبيء ? كسنَّة العيد، وسنَّة الضحيَّة، وسنن الصوم والصلاة من غير الواجب.
أمَّا عند القصَّاصين والوعَّاظ، فهو ما يسنُّه الأَوَّلُونَ من الموقوفات والمقطوعات والمعضلات القوليَّة والفعليَّة، سواء كان ذلك في الكتاب أو الحديث أو أقوال من العلماء مأثورة. وكذلك يقال لمتَّبعٍ طريق الهدى إِنَّهُ على السنَّة، وعلى عكسه: إِنَّهُ على البدعة.
وقد يُطلقونها على الواقع العمليِّ، كقول مالك: فعل المدينة سنَّة، وقوله: قراءة نافع سنَّة، يريد أنَّ أهل المدينة هم أحفاد الرسول ?، والصحابة لا يعملون من الأعمال إِلاَّ ما أدركوا عنه أوائلهم وهم الصحابة. وإن لم يُؤَيِّد ذلك الفعلَ قولٌ أو عمل مأثور مرفوع أو موقوف أو مقطوع.
أمَّا عند أهل هذا الفنِّ فيريدون بِالسُّنَّةِ على ما ذهب إليه جمهورهم في تعريفها أقوالَ النبيء ? وأفعالَه وتقريراته وصفاته الخلْقيَّة والخُلقيَّة وسيرته ومغازيه وبعض أخباره قبل البعثة، كتحنته في غار حراء وأمانته إلى غير ذلك من أخلاقه الشريفة التي كان يفعلها قبل البعثة، فهي عندهم أشمل، وترادف الحديث. وبذلك التعريف (1/17)
صفحة 38
يستثنى القرآن لأَنَّهُ كتاب الله المنزَّل، ويتميَّز على السنَّة. ولعدم الخلط بينه وبين غيره، إذ فمن الخير أن نفسِّر معنى السنَّة بحسب المجال الذي يذكر فيه هذا اللفظ.
وَالسُّنَّة هي الأصل الثاني من الدين، توضِّح القرآن وتبيِّنه، ولا يسوغ لامرئ نُكرانها ولا الزيادة فيها. ومن أراد التوسّع فعليه بالكتب المؤلَّفة في الشأن.
وقد شاع عند الناس نسبة أهل المذاهب الأربعة إلى السنَّة، فيقال: هم أهل السنَّة، يُريدون الحَنَفِيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة. كما يُقال للثلاثة الأولى الأشاعرة. وكذلك يطلقون على الكتب الستَّة المؤلَّفة في الحديث، وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه كتب السنَّة لاعتماد أهلها على الصحيح من الحديث، والله أعلم. (1/18)
صفحة 39
تعريف الوحي لغة واصطلاحا
قد تَبَيَّنَ مِمَّا مَرَّ أنَّ السنَّة من الوحي أي مِمَّا ألهم الله به أنبياءه من الإشارات التي يفهمونها من الله سبحانه وتعالى أَنَّهَا أوامر قاطعة يجب الإذعان إليها وتبليغها، وهو على قسمين:
1 - قطعي متواتر وهو القرآن.
2 - غير قطعي ولا متواتر وهي السُّنَّة. وأوجب الله العمل بها كما في القرآن، لقوله تعالى في ما يأتي به رسوله - صلى الله عليه وسلم - منها أو من غيرها: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3]، وقال أيضا: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر 7]، وقوله: {مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ} [النساء/80]، وقوله: {قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُون يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران/31]، وقوله عليه الصلاة والسّلام فيما رواه الربيع في الجامع الصحيح: عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبيء ? قال: «من أطاع الله فقد أطاعني ومن عصى أمري فقد عصاني» (1) ولذلك وجب علينا أن نبيِّن ما معنى الوحي لغة واصطلاحا.
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (7) باب في الولاية والإمارة، رقم 47. ورواه مسلم في كِتَاب الإمارة (8) باب وجوب طاعة الأمراء من غير معصية وتحريمها في المعصية، رقم 33. من غير ذكر لفظة «أمري». (1/19)
صفحة 40
1 - الوحي لغة
فالوحي في اللغة هو: الإيحاء، ويطلق على معاني الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفيِّ وكلِّ ما ألقيته إلى غيرك، يُقال: وحيتُ إليه الكلام وأوحيتُ. والمصدر: الوحي. قال تعالى: {وَمَاكَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا} [الشورى 51].
وأوحَى إليه: كَتَب. والوحي: المكتوب والكتاب أَيضًا؛ ويُطلق على الكتابة والخطِّ. قال تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة 5] أي إليها. قال العجاج:
وَحَى لها القرارَ فاستقرَّتِ وشدَّها بالرّاسيات الثُّبَّتِ (1)
وكلُّ ما يَدُلُّ على الشيء مَنَامًا أو يقظة.
2 - الوحي شرعا:
وفي الشرع ما قُلناه أَوَّل هَذَا المبحث، وقد بيَّنه الله في كتابه بقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَاءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} [الشورى 51] فهذا المعنى أخصُّ من المعنى اللغويِّ باعتبار مصدره من الله، ومورده أنبياءه الكرام صلوات الله عليهم وسلامه، وهو على قسمين:
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج15، ص 240، مَادَّة «وحي». (1/20)
صفحة 41
- الأَوَّل: [القرآن] ما أنزل الله به جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ يقظة على نبيئه ? ? - لا مناما - بلفظه ومعناه، وتلاه عليه وعرض به ? ? قيل مَرَّتَيْنِ. ولا يجوز قراءته بغير ما نزل به ولا بمعناه ولا بالإبدال أو القلب، ووجوب تعلُّمه لأَنَّهُ جزء من الصلاة، وثواب قارئه وسامعه وإن لم يفهم معناه إلى غير ذلك مِمَّا ورد في حقِّه.
- الثاني: ما ألهم الله به نبيئه من وحي في المنام، أو كصلصلة الجرس، أو غير ذلك مِمَّا ورد وصفه عن النبيء ?، إذ سأله الحارث بن هشام: كيف يأتيك الوحي يا رَسُول اللهِ ?؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّه عليَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثَّل لي الملك رجلا فيكلِّمني فأعي ما يقول» قالت عائشة: «لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وَإِنَّ جبينه يتفصَّد عرقا» (1). ولم تنحصر هيئات الوحي على هاته فقط.
رُوي في الأخبار أنَّ جميع أصناف الوحي جاءته ? وذلك في غير القرآن، وقد روى عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي يُسمع عند وجهه دويٌّ كدويِّ النحل» (2).
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (2) باب في ابتداء الوحي، رقم 2.
ورواه الترمذي في المناقب (34) باب ما جاء كيف كان ينزل الوحي عَلَى النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، رقم 3713.
(2) - ... رواه الترمذي في كِتَاب التفسير، ومن سورة المؤمنون، رقم 3222. مع زيادة في آخره. (1/21)
صفحة 42
3 - كَيفِيَّة تلقِّي الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قد تَقَدَّمَ أنَّ الخبر الوارد من رسول الله ? على قسمين: متواتر وآحاديٌّ، وذلك:
- إِمَّا أن يكون للخبر طريق واحد، أعني ينقله شخص أو اثنان عن شخص أو شخصين من مبدئه إلى منتهاه.
- وَإِمَّا أن ينقله عدَّة أشخاص عن عدَّة أشخاص آخرين كذلك.
فالأوَّل: يُقال له الخبر الآحادي. والثاني: يُقال له المتواتر.
فَالأَوَّلُ: يُفيد العلم النظريَّ. والثاني: يفيد العلم الضروريَّ، أي: القطعي.
فلذلك كانت الأخبار الواردة عن رسول الله ? لا تخرج عن هاتين القاعدتين. فَالأَوَّلُ أكثر السُّنَّة، والثاني القليل منها، ومتأكِّد في نقل القرآن، فلذا كان الصحابة رضوان الله عليهم في كلتا الحالتين يتحفَّظون أشدَّ التحفُّظ عن نقل شيء عن الرسول ? من الشريعة إِلاَّ بعد التثبُّت الشديد من صحَّة ما ينقلون وعن من ينقلون. لأَنَّ الزيادة أو النقص في الألفاظ الشَّرعِيَّة كفر وكذب على الله ورسوله. فكان الصحابة رضوان الله عليهم يضعون لذلك قوانين لخَّصها ابن الصلاح في أربع نقاط هي:
- أَوَّلها: تقليل الرواية عن رسول الله ? خشية أن تزلَّ أقدام (1/22)
صفحة 43
المكثرين بسبب الخطإ أو النسيان، فيقعون في شبهة الكذب على رسول الله ? وهم لا يشعرون، فضلا عن قصدهم أن يتفرَّغ الناس لحفظ القرآن ولا يشتغلون عنه بشيء؛ لِمَا روى أبو سعيد الخدريُّ أَنَّ رسول الله ? قال: «لا تكتبوا عَنِّي، ومن كتب عَنِّي غير القرآن فليمحه» (1). وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يتشدَّدون في ذلك.
هذا أبو هريرة وهو أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ? قيل له: أكنت تحدِّث في زمن عمر كما تتحدَّث الآن؟ فقال: «لو كنت أحدِّث في زمن عمر مثلما أحدِّثكم لضربني بمخفقته» (2) وهذا من أشدِّ أسباب قلَّة الحديث عن كثير من الصحابة الذين تَقَدَّمَ إسلامهم كأبي بكر وعمر وابن مسعود.
- ثانيها: التثبُّت في الرواية عند أخذها أو أدائها. قال الإمام الذهبيُّ (3) في ترجمة أبي بكر:
«وكان أوَّل من احتاط في قبول الخبر، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أَنَّ الجدَّة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُوَرَّثَ، فقال: ما أجد لكِ في كتاب الله شيئا، وما علمت أَنَّ رسول الله ? ذكر لك
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الزهد (16) باب التثبُّت في الحديث، وحكم كِتَابة الحديث، رقم 72، (3004).
(2) - ... الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج1، ص02.
(3) - ... الذهبي: تذكرة الحفَّاظ، ج1، ص 02. (1/23)
صفحة 44
شَيْئًا. ثُمَّ سأل الناسَ فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ? يعطيها السدس. فقال له: هل معك أحد؟ فشهد مُحَمَّد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رَضِيَ اللهُ عَنهُ» (1).
وقال في ترجمة عمر:
«وهو الذي سنَّ للمحدِّثين التثبُّت في النقل وَرُبَّمَا كان يتوقَّف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري يعني سعيد بن إيَّاس عن أبي نضرة عن أبي سعيد أَنَّ أبا موسى سلَّم على عمر من وراء الباب ثلاث مرَّات فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره فقال: لِم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ? يقول: «إذا سلَّم أحدكم ثلاثا فلم يُجَب فليرجع» فقال: لتأتينِّي على ذلك ببيِّنة أو لأفعلنَّ بك فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال هل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلُّنا سمعه. فأرسلوا معه رجلا منهم حَتَّى أتى عمر فأخبره» (2).
وقال في ترجمة علي:
«كان إماما عالما متحرِّيا في الأخذ، بحيث أَنَّهُ يستحلف من يحدِّثه بالحديث» (3).
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كِتَاب الفرائض (10) باب ما جاء في ميراث الجدَّة، رقم 2183.
ورواه مالك في كِتَاب الفرائض (8) باب ميراث الجدَّة، رقم 4.
(2) - ... الذهبي: تذكرة الحفَّاظ، ج1، ص 06.
(3) - ... الذهبي: تذكرة الحفَّاظ، ج1، ص 10. (1/24)
صفحة 45
- ثالثها: نقد الرواية، وذلك بعرضها على نصوص وقواعد الدين والقرآن، فإن وجد مخالفا لشيء منها ردُّوه وتركوا العمل به.
هذا الخليفة عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ يسمع حديث فاطمة بنت قيس أَنَّ زوجها طلَّقها ثلاثا فلم يجعل رسول الله ? لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر: لا نترك كتاب الله وسنَّة نبيئنا لقول امرأة لا ندري لعلّها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنم بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الطلاق 1] (1). لكن ثبت عن الربيع أَنَّ أبا عمرو بن حفص طلَّق زوجته وهو غائب طلاقا باتًّا، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: أَمَا والله ما لك علينا شيء! فجاءت إلى رسول الله فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لك عليه من نفقة» (2).
وتلكم عائشة فيما أخرجه الشيخان: سمعت عمر وابنه عبد الله أَنَّ رسول الله ? قال: «إِنَّ الميِّت لَيعذَّب ببكاء أهله عليه»، فقالت:
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الطلاق (6) باب المطلَّقة ثلاثا لا نفقة لها، رقم 46. ... ورواه النسائي في كِتَاب الطلاق (70) الرخصة في خروج المبتوتة من بيتها في عدَّتها لسكناها، رقم 3551.
(2) - ... رواه الربيع في مسنده، كِتَاب الطلاق (28) باب الخلع والنفقة، رقم 532، مع زيادة في آخره. ورواه مالك في كِتَاب الطلاق (23)، باب ما جاء في نفقة المطلَّقة، رقم 67. مع زيادة في آخره. (1/25)
صفحة 46
«رحم الله عُمرًا، والله ما حدَّث رسول الله ? أَنَّ الله يعذِّب المؤمنين ببكاء أحد، ولكن قال: إِنَّ الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه»، وقالت: «حسبكم القرآن فإنَّ الله يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}» (1) [فاطر 18]. زاد مسلم: «إنَّكم لتحدِّثوني عن غير كاذبين ولا مكذَّبين وَلَكِنَّ السمع يخطئ» (2). وقد روى الربيع الحديث بلفظ آخر (3).
وقد ناقشَتِ الصحابةَ ولا سيما مناقشتها لأبي هريرة كما هو مبسوط في محلِّه. وفي هذا القدر كفاية.
رابعها: مبادرة الصحابة في العمل بما جاء به - صلى الله عليه وسلم -.
إِنَّ هذا هو الطابع العمليُّ في أخذ الشريعة عن رسول الله ? طيلة حياتهم في عهده ? وبعد موته، تصديقا لقول الله في وصفهم عند قوله: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالذِينَ مَعَهُ, أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح 29].
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الجنائز (32) باب قول النَّبِيء ?: «يعذَّب المَيِّت بِبَعْض بكاء أهله ... » رقم 1226.
ورواه مسلم في الجنائز (9) باب المَيِّت يعذَّب ببكاء أهله عَلَيْهِ، رقم 23 (929).
(2) - ... مسلم: كِتَاب الجنائز، رقم 22 (929).
(3) - ... انظر: مسند الربيع بن حبيب: كِتَاب الجنائز (20) باب في القبور، رقم 483. (1/26)
صفحة 47
وَيَدُلُّ ذلك منهم على تصحيح ما ورد من رسول الله ? لمن يأتي بعدهم أَنَّهُ الحقُّ لا شَكَّ ولا شبهة، لأَنَّ الشكَّ في ذلك كفر، وأمثلة ذلك كثيرة، وإليك مثالا في هذا الباب:
عندما نزل تحريم الخمر والميسر بقول الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَنصَابُ وَالاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة 90] رأينا الاستجابة التَّامَّة الصادقة للامتناع المطلق عن الخمر والميسر وما تبعها، مع أَنَّ العرب كانت لهم علاقة شديدة بالخمر، يتناولونها في بيوتهم وأنديتهم، مجتمعين ومتفرِّقين، بل كثير منهم كانوا يرون فيها وسيلة من وسائل الشجاعة، ويتفاخرون بها. قال الشاعر:
ونشربها وتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وكذلك الميسر توارثوا اللعب به حَتَّى أصبح جزءا من حياتهم الاِجْتِمَاعِيَّة، وكثيرا ما يعلِّلون أنفسهم بتعاطيها بِأَنَّهُ نوع من أنواع البذل والسخاء التي يعتزُّ بها العربيُّ ويفاخر، وناهيك بالأنصاب والأزلام.
فالأولى: كانت معبوداتهم ومعبود آبائهم.
والثانية: كانت تَدُلُّهم وترشدهم إلى ما يفعلون ويذرون، فتركوها وجاهدوا في إبطالها بما يملكون من نفس ومال حينما قرع القرآن أسماعهم بتحريمها حَتَّى قال الصحابه: «انتهينا يا ربَّنا». فهذه الصورة من (1/27)
صفحة 48
الصور الواضحة الملامح والمعالم من نموذج طاعة الصحابة لأوامر الله فعلا وتركا.
فيجب على طالب الحديث الذي هو أصل من أصول الدين الاقتداء بهم وبسيّدهم ? في اتِّباع السنن حَتَّى تكون السيمة المثلى لهم بادية على وجوههم وأبدانهم، ترتسم فيهم ملامح الطاعة والخير، وَحَتَّى يكونوا مثالا لمن خالطهم أو عاشرهم، وهم حزب الله المختار من عباده، حينما وفَّقهم لحفظ سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثُمَّ إِنَّ الصحابة كانوا يسألون رسول الله في كُلِّ شيء عناهم، ويلبُّون جوابه بالمسارعة في العمل، ولا يُخالفون أمره في شيء ما، مهما كان صغيرا أو جليلا، وهذا شأن المتعلِّم، يسأل ويستوضح ما خفي عليه من القرآن والسُّنَّة والآثار.
4 - كيفية تدوين الحديث وكتابته وتاريخ ذلك
كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقَّون العلم عن رسول الله ? في غير القرآن إِمَّا بطريق المشافهة، فهو: يتلو عليهم الحديث وهم يتلقَّونه منه بالحفظ. وإِمَّا بطريق السماع والمشاهدة، أو بطريق النقل الشفويِّ. وَلَمَّا كان يتعذَّر حضور جميعهم في كُلِّ الأوقات، كان الغائب يأخذ عن الشاهد، لذلك كانت مرويَّات الصحابه تختلف قلَّة وكثرة؛ فمنهم المكثر، ومنهم المتوسِّط، ومنهم المقلُّ، ولو في السابقين الأَوَّلِينَ من المهاجرين والأنصار. (1/28)
صفحة 49
ومن الحديث ما بلغ درجة التواتر وإن كان قلَّة. وأصحُّ ما ورد متواترا قوله ?: «من كذب عليَّ متعمِّدا فليتبوَّأ مقعده من النار» (1) فهو متواتر لفظا.
وَأَمَّا التواتر المعنويُّ فكثير، ويشمل ما علم من الدين بالضرورة، كالأحاديث الواردة في أحكام الطهارات، وَكَيفِيَّة الصلاة، وأنواع الزكاة ومقاديرها، وَكَيفِيَّة الصيام، ومناسك الحجِّ والعمرة، والنكاح والطلاق وأحكام ذلك، وأحكام البيوع والمعاملات، لأَنَّ ابتلاء الخلق بها يَعُمُّ أكثرهم، وكذلك أخبار غزواته - صلى الله عليه وسلم - بمشاهدة الكثير منها.
وكلُّ ما حفظ من ذلك كان أوَّل الأمر بطريق المشاهدة والسماع، ثُمَّ رواية ذلك، لأَنَّ النبيء ? والخلفاءَ الراشدين وكثيرا من الصحابة كانوا يمنعون كتابة ما عدا القرآن. ولاختلاف الصحابة في معرفة الكتابة وعدمها، لأَنَّ كثيرا من الأحاديث كانت تصدر منه في مجالس تذكيره الخاصَّة بالرجال، بل وللنساء فيها نصيب، لقد كنَّ يحضرن المسجد لسماع حديثه في الأعياد والمناسبات وَرُبَّمَا طلبن منه أن يجعل لَهُنَّ يوما يعلمهنَّ فيه، فكان يجيبهنَّ لذلك، وكانت هاته الدروس منها العامَّة والخاصَّة، ويحضرها الكثير والقليل تبعا للظروف، وَرُبَّمَا سألته إحداهنَّ
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (56) باب إثم من كذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رقم 738، 739.
ورواه أبو داود في كِتَاب العلم، باب التشديد في الكذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رقم 3651. (1/29)
صفحة 50
فأجابها فبقي الحديث عندها، لأَنَّهُنَّ كنَّ لا يستحين أن يسألن رسول الله ? في أمر دينهنَّ، وَرُبَّمَا قَدَّمَت بعضهنَّ قولهنَّ: «يا رسول الله، إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ»، ثمّ يُتبعن ذلك بالسؤال كقول الصحابيَّة: «إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ وقد برح الخفاء يا رسول الله، إِنَّ المرأة ترى ما يرى الرجل فهل عليها غسل؟ قال: «نعم إذا رأت الماء» (1) حَتَّى امتدحت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار بقولها: «نِعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهنَّ الحياء أن يتفقَّهن في الدين» (2).
وقد روى أبو سعيد الخدريُّ عن النبيء ? قال: «لا تكتبوا عَنِّي شيئا إِلاَّ القرآن، ومن كتب عَنِّي شيئا غير القرآن فليمحه» (3).
وَمِمَّن كره كتابة الحديث من الصحابة عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وغيرهم كثيرون، لذلك تأخَّر تدوين الحديث إلى أواخر القرن الأوَّل وبداية القرن الثاني، كما ثبت ذلك عند أكثر المحدِّثين. وإن كان قد كُتب في عهد النبيء ? شيء من الحديث. قال البيهقيُّ وابن الصلاح وغيرهما:
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده، باب (21) فيما يكون منه غسلُ الجنابة، رقم 136، 137.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب العلم، ورواه مسلم في كِتَاب الحيض (13) باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض، رقم 61 (332).
(3) - ... رواه مسلم في كِتَاب الزهد (16) باب التثبُّت من الحديث، رقم 72 (3004)، بلفظ: «لا تكتبوا عَنِّي، ومن كتب عَنِّي غير القُرْآن فليمحه». ورواه الدارمي في المُقَدِّمَة (42) باب من لم ير كِتَابة الحديث، رقم 450. (1/30)
صفحة 51
«لَعَلَّ النهي عن ذلك كان حين يخاف التباسه بالقرآن، والإذن فيه حين أمن ذلك» (1). وقد حكي اجتماع العلماء في الأعصار المتأخِّرة على تسويغ كتابة الحديث وتحبيبه، وهذا أمر مستفيض شائع ذائع من غير نكير، فلذلك ذكر أهل الفنِّ أَنَّ أوَّل من دوَّن ذلك هو مُحَمَّد بن عمرو بن حزم (2) بأمر من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رَضِيَ اللهُ عَنهُ (3) (في أواخر القرن الأوَّل وبداية القرن الثاني) ولكن ثبت عند الأصحاب أَنَّ جابر بن زيد (4) كتب قبل ذلك ديوانا يقال له ديوان جابر بن زيد وقد بقي مدَّة في خزائن بغداد، وهو الآن مفقود (5).
__________
(1) - ... انظر: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 182. وملا علي القاري: شرح نخبة الفكر، ص 799.
(2) - ... هو عامل عمر بن عبد العزيز عَلَى المدينة المنوَّرة، تُوُفِّيَ سنة 117هـ.
(3) - ... انظر ترجمته في: السيوطي: طبقات الحفاظ، ص53، 101.
(4) - ... أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العُماني، ولد سنة 21هـ، أخذ العلم عن كثير من الصحابة، فحوى ما عندهم إِلاَّ البحر الزاخر عبد الله بن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، يعتبر مُؤَسِّس المذهب الإِبَاضِيِّ وفقيهه في البصرة، ومفتي المسلمين في موسم الحجِّ، قال ابن عَبَّاس: لو أَنَّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كِتَاب الله. تُوُفِّيَ في البصرة سنة 93هـ. صنَّفه السيوطي في الطبقة الثالثة الوسطى من التابعين (طبقات الحفَّاظ، ص35 - 36).
(5) - ... وَفيِ هَذَا الديوان جمع ما أخذه من علم عن جميع الصحابة من حديث وتفسير وفقه وتاريخ ... وغيرها (وقد ذكره من علماء القرن العاشر حاجي خليفة في كِتَابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. ج1، ص781. وقد صنفه ضمن دواوين الشعر، بدون أي تعليق ولا تفصيل. (1/31)
صفحة 52
تعريف البدعة
قد ذكرنا قبلُ معنى السُّنَّة وعلى ما تطلق، فبقي أن نعرِّف نقيضها وهي البدعة.
فالبدعة لغة: إحداث شيء مطلقا، سواء كان خيرا أو شرًّا. ويُقال بدع الشيء بدعا وبَدَعَه وابتدعه: أنشأه وأحدثه، والبديع والبدع: الشيء يكون أَوَّلاً. قال تعالى: {قُلْ مَاكُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف 9] أي ما كنت أوَّل من أرسِل قد أُرسل قبلي رسلٌ.
و“البديع” من أسماء الله الحسنى لإبداعه الأشياء وإحداثه إِيَّاهَا. والبديع: المُحدَث العجيب. والبدعة: ما ابتدع من الدين بعد الإكمال. وفي حديث عمر في قيام رمضان: «نعمت البدعة هَذِهِ» (1).
قال ابن الأثير (2): البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال؛ ولذلك جاء في الحديث: «شرُّ الأمور مُحدَثاتها، وكلُّ مُحدَثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار» (3)، يعني مُحدَثات الأمور الخارجة عن الدين
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب صلاة التراويح (1) باب فضل من قام رَمَضَان، رقم 1906. بلفظ: «نعم البدعة هَذِهِ».
(2) - ... ابن الأثير: النهاية، ج1، ص 106.
(3) - ... رواه مسلم في كِتَاب الجمعة (13) باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم 43. ورواه النسائيُّ في كِتَاب العيدين (22) كيف الخطبة، رقم 1575. (1/32)
صفحة 53
المخلَّة بما فيه من زيادة أو نقص، أو ما خالف الشرع مُطلَقا مِمَّا لم يسُنَّه رسول الله ?، وما لم ينطق به القرآن مِمَّا هو زيادة في الأعمال المحدَّدة فيها فهو بدعة. فإن كانت في أمر مُباح غير مُحدَّد كصلاة النفل مثلا فهي محمودة. وما زيد على ذلك كزيادة أعمال أو أقوال غير واردة فيها، أو منهيٍّ عنها، فهي من الضلال وأعمالِ الشيطان. هذا هو المعنى اللغويُّ والشرعيُّ لها.
أَمَّا في الإطلاق فيقال لمن يُخالف أوامر الله: بدعيٌّ، ولمن يأتمر بأوامره سُنِّيٌّ. (1/33)
صفحة 54
تعريف الخبر وتقسيم طرقه
1 - الخبر لغة:
الخَبَرُ بالتحريك في اللغة واحدُ الأخبارِ، وهو ما أتاك من نبإٍ عن مَن تستخبر، أي أَنَّ الخبر هو النبأ؛ والجمع: أخبار وأخابير. وخبَّر بكذا وأخبره: نبَّأ. واستخبره عن حاله: طلب أن يُخبِره بالخبر. والاِستخبار والتخبير السؤال عن الخبر، وقوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59] أي اسأل عنه خبيرا يُخبِرك. وفي حديث النبيء ? في شأن الحُديْبيَّة أَنَّهُ بعث عينا من خزاعة يتخبَّر له خبر قريش (1)، أي يتعرَّف بأحوالها. والمَخبَر خلاف المنظر، ومعناه كلّه: العلم بالشيء من جهة السمع.
2 - الخبر في الاصطلاح
وفي اصطلاح علماء الفنِّ: الخبر مرادِف للحديث. وقيل: الحديث ما جاء من حديث رسول الله ? مُعنوَنًا بالصحَّة. والخبر ما كان في صِحَّته شكٌّ. وقيل: الخبر ما جاء من غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن ثَمَّة قيل لمن يشتغل بالأخبار والتواريخ وما شاكَلَها الإخباريُّ، ولمن يشتغل بالسُّنَّة النَّبَوِيَّة تصحيحا وتحقيقا: المُحدِّث (2).
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب المغازي (33) باب غزوة الحديبيَّة، رقم 3944.
(2) - ... ابن حجر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص 07. (1/34)
صفحة 55
وعلى كلٍّ فكلُّ حديث خبر، لأَنَّ الخبر أعمُّ من الحديث كما مَرَّ حيث يصدُق على كلِّ ما جاء عن النبيء ? وعن غيره، وسواء حُكِم بصحَّته أم لا. وَأَمَّا الحديث فهو مُختصٌّ بما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - كيفما كانت درجات الحديث، أي الخبر مُطلَقا. وَعَبَّرَ ابن حجر في “ نخبة الفكر ” (1) عنه بالخبر ليكون أشمل.
3 - تعريف الإسناد
وَلاَ بُدَّ عند إيرادِ الحديث من ذِكر سَنَدِه، إذ لا قيمة له بدونه، لِمَا يُخشى عليه من الغلط والكذب وغيرهما.
قال عبد الله بن المبارك (2):
«والإسناد من الدين؛ لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء» (3).
وهو باعتبار وصوله إلينا إِمَّا أن يكون له طُرُق أي أسانيد كثيرة. والإسناد حِكاية طريق وصوله إلينا، وهو الطريق الموصل إلى المتن (4)،
__________
(1) - ... المصدر نفسه.
(2) - ... أبو عبد الرحمن الحنظلي التيمي، روى عن حميد الطويل، وروى عنه السفيانيان وغيرهما. قال ابن معين: ما رأيت من محدِّث لله إِلاَّ سِتَّة، منهم ابن المبارك. وكان ثقة عالما متثبِّتا صحيح الحديث، تُوُفِّيَ سنة 181هـ.
السيوطي: طبقات الحفَّاظ، ص 123.
(3) - ... رواه مسلم في المُقَدِّمَة (5) باب بيان أَنَّ الإسناد من الدين، وَأَنَّ الرواية لا تكون إِلاَّ عن الثقات ... ج1، ص 15.
(4) - ... ابن حجر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص 07 (بتصرُّف).
وذكر الحاكم النيسابوري بعد كلام ابن المبارك ... «قال أبو عبد الله: فلولا الإسناد وطلب هَذِهِ الطائفة له وكثرة مواظبتهم عَلَى حفظه لدَرَسَ منار الإسلام ولتمكَّن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فَإِنَّ الأخبار إذا تعرَّت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترًا». النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 06. (1/35)
صفحة 56
كحدَّثنا مثلا فلان قال: حدَّثنا أو حدَّثني فلان، أو أخبرنا فلان كذلك، متسلسلا إلى منتهاه.
وَإِمَّا أن يكون الراوي فرْدا عن فرد إلى مُنتهاه، أو اِثنان عن اِثنين أو عن فرد إلى منتهاه، وهو طريق المتن المعبَّر عنها بالسَّنَد.
4 - أنواع الخبر وحكمها
ويُقال للحديث الوارِد عن طريقها طريق آحادي أو عِدَّة أسانيد، أي كثرة الراوين من ثلاثة فصاعِدًا، أي من الصحابة فمَن بعدَهم بلا حصر عدد معيَّن إلى منتهاه. وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد مُعَيَّن وبشرط أن تكون العادة قد أحالت تواطؤَهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتِّفَاقًا من غير قصد.
أَمَّا إذا وقع الاِتِّفَاق فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح، إذ قيل إِنَّ سبعين صحابيًّا اتَّفَقُوا في وقْعة الجمل على خبر غير صحيح. وتلك الكثرة منهم مَن عيَّنها في الأربعة، وقيل: في الخمسة، وقيل: في السبعة، وقيل: في العشرة، وقيل: في الاِثنيْ عشر، وقيل: في الأربعين، وقيل: غير ذلك. وتمسَّك كلُّ قائل بدليل جاء فيه ذِكر ذلك (1/36)
صفحة 57
العدد (1)، مع وصف أولئك بالعدالة والضبط. فإذا ورَدَ خبر بما ذُكِر وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه، أي في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه، وأن يكون مُستَنَدَ انتهائه الأمرُ المشاهدُ أو المسموعُ لا ما ثبت بقضيَّة العقل الصرف. فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وكان استنادهم الحسّ، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه كان هذا هو الحديث المتواتِر الذي يفيد العِلم النظري؛ وَقِيلَ: اليقيني؛ وما تخلَّف إفادةُ العِلم عنه كان مشهورا فقط، فكلّ متواتِر مشهورٌ، وليس العكس. وإن ورد الخبر بلا حصر عدد أيضا، ولكن فَقَد شرطا من الشروط المذكورة فلا يُسَمَّى مُتواتِرا.
5 - الآحاد، تعريف الحديث الآحادي والمشهور والمتواتِر وأحكامها
الحديث هو: الخبر الذي جاء عن النبيء ? والصحابة والتابعين، والحديث منه آحادي ومُتواتِر، وسيأتي النوع الثالث من الحديث وهو الحديث القدسيُّ.
فالحديث الذي رواهُ عدْل حافظ ضابط مُتَّصل إلى المحدِّث به غير منقطع، وليس فيه شذوذ ولا عِلَّة، هو الحديث المقبول ويُسمَّى بالصحيح. وما لم يستكمل هاته الشروط يُسَمَّى بالضعيف، وقد يشتدُّ هَذَا التخلُّف فيُقال له المردود أو الموضوع.
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص80. (1/37)
صفحة 58
والحديث ما كان من رسول الله ? لفظًا ومعنًى لم يروه عن الله سبحانه وَتَعَالىَ يُقال له الحديث النبويُّ، ويُقال له الحديث الآحادي؛ والذي رواه عنه جماعة عن جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، يُقال له الحديث المتواتِر، فَالأَوَّلُ يفيد العمل فقط؛ والثاني يفيد العِلم اليقينيَّ إذا توفَّرت شروطه.
واليقين هو الاِعتقاد الجازم المطابق للواقع الذي لا يقبل التشكيك في اعتقاد المعتقِد، لا لكونه في الحقيقة، لأَنَّهُ قد يأتي على الصفة المطلوبة، وهو في الحقيقة غير ذلك، وهو القول النظريُّ. والصحيح أَنَّهُ يفيد العِلم الضروريَّ في الجملة، لأَنَّ الإنسان يضطرُّ إلى تصديقه، لأَنَّ العِلم بالتواتر حاصل لمن ليست له أهلية النظر كالعامِّيِّ، وليس في العامِّيِّ إذ النظر ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يُتوصَّل بها إلى علوم أو ظُنون، وليس في العامِّيِّ أهلية ذلك، لأَنَّ الضروريَّ ما يفيد العِلم بلا استدلال. والنظريَّ يفيده لكن مع الاِستدلال، وَلأَنَّ الضروريَّ يحصل لِكُلِّ سامع، والنظريَّ لا يحصل إِلاَّ لمن فيه أهلية النظر.
والمتواتِر ليس من مباحث عِلم الإسناد، لأَنَّ عِلم الإسناد الذي هو البحث عن سلسلة الرُّواة واحدا واحدًا، من أوَّله إِلىَ مُنتهاه، عدالة وضبطًا، وعِلَّة وشذوذا، يبحث فيه عن صِحَّة الحديث أو ضعفه ليعمل به أو يُترك من حيث صِفات الرِّجال وصيغ الأداء. والمتواتِر لا يُبحث فيه عن رِجاله، بل يجب العمل به من غير بحث. ذلك أَنَّ القائل لك: إِنِّي كنت (1/38)
صفحة 59
في بلد يُقال له الصين، فَإِنَّكَ حينما يُخبرك تعلم حقيقةً أَنَّ هناك بلدا يُسمَّى بالصين وإن لم ترها لشُهرة ذلك، إِلاَّ أَنَّ ابن الصّلاح قال:
«إِنَّ مثال المتواتر على التفسير المتقدِّم يعزُّ وجوده، إِلاَّ أن يُدَّعَى ذلك في حديث: “ من كذب عليَّ متعمِّدا ” (1)» (2) لكثرة مَن رواه وانطباقه على الشروط المذكورة. والصحيح خِلاف ذلك.
وقد قُلنا إِنَّ الحديث أَوَّلاً: إذا رواه عَدْل ضابط حافظ عن مثله كذلك، من أوَّله إلى مُنتهاه مِن غير شذوذ أو عِلَّة هو صحيح، ويُعبَّر عنه بالغريب.
الثاني: أن يروي الراوي حديثا عن اِثنين اِثنين، من أوَّله إلى مُنتهاه ويُسمَّى العزيز لقلَّة وجوده.
والثالث بأن يرويه أكثر من اِثنين فصاعِدًا عن مثلهم، من أوَّله إلى آخره، يرويه ثلاثة عن ثلاثة فأكثر. ويُقال له المشهور والمُستَفيض؛ سُمِّيَ بذلك لوضوحه، وليس شرطا للصّحيح. فقد يَصِحُّ الحديث الآحادي ولا يَصِحُّ العزيز ولا المشهور، وقد يَصِحُّ الكلُّ لكن باعتبارات ستأتي إن شاء الله (3) إِلاَّ المتواتِر الحائز لِكُلِّ صفاته، وكلُّها تُسمَّى أحاديث نبويَّة، لأَنَّ النبيء ? أنشأها من عنده، وهي وَحْي كما مَرَّ ولاَ بُدَّ من العمل بمقتضاها إذا صَحَّ.
__________
(1) - ... تقدَّم تخريجه.
(2) - ... أورده ابن حجر في كِتَابه: شرح نخبة الفكر بعنوان فائدة، ص 10.
(3) - ... انظر ص131 وما بعدها. (1/39)
صفحة 60
تعريف الحديث القدسي
والقسم الثاني من الحديث هو الحديث القدسيُّ. يجدُ الباحث في دواوين الحديث ما يُسمَّى بالحديث القدسيِّ، فالفرق بينه وبين الحديث النبويِّ وبين القرآن الكريم هو:
أَنَّ الأحاديث المنسوبة إلى النبيء ? دون إعطائها أيَّ صِفة مُعيَّنة وليست في الكتاب العزيز هي الأحاديث النَّبَوِيَّة.
1 - تعريف الحديث القدسي شكلا ومضمونا
أَمَّا الأحاديث القدسيَّة، وهي الأحاديث التي يحكيها الرسول ? عن الله عَزَّ وَجَلَّ بأسلوب غير أسلوب القرآن، وأكثرها يحمل نوعًا من الموعِظة التي تدور على تِبيان عَظمة الله وسَعة رحمته ولطفه بعباده ودعوته، على أن يكون عملهم موافقا للعقيدة، وضرب الأمثال إلى غير ذلك، لكن ليست على ما نعهده من أسلوب القرآن العزيز مِمَّا يشعر المرء بعظمة وجلال المنسوبة إليه سبحانه وهو الله، كما في الحديث الذي رواه البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرة أَنَّ رسول الله ? قال: «قال الله تعالى: أعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أُذن سمِعت ولا خطر على (1/40)
صفحة 61
قلب بشر» (1). فهذا الحديث يَدُلُّنا على أَنَّ رسول الله ? يُلقي أحيانا على الصحابة مواعظ يحكيها عن ربّه عَزَّ وَجَلَّ ليست وحْيًا مُنزَّلا بلفظه ومعناه بواسطة الملَك فيسمَّى قرآنًا، ولا قولا صريحًا يسنده إلى نفسه إسنادًا مُباشِرًا فيسمَّى حديثا نبويًّا، وَإِنَّمَا هي أحاديث يحرص النبيء ? على تصديرها بعبارة تَدُلُّ على نِسبتها إلى الله، لكي يشير إلى أَنَّ عمله الأوحد فيها حكايتها عن الله بأسلوب يختلف اِختلافا ظاهرا عن أسلوب القرآن، ولكن فيه مع ذلك نفحة من عالم القدس، ونور من عالِم الغيب، وهيبة من ذي الجلال والإكرام. تلك هي الأحاديث القدسيَّة التي تُسمَّى أيضًا إِلهِيَّة وربَّانيَّة، كالحديث السابق، والحديث الذي رواه أبو ذرٍّ عن النبيء ? فيما يرويه عن ربّه قال: «يا عبادي إِنِّي حرَّمت الظُّلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّما فلا تظَّالموا؛ يا عبادي كُلُّكم ضالٌّ إِلاَّ من هديته، فاستهدوني أهدكم؛ يا عبادي كُلُّكم جائع إِلاَّ من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم؛ يا عبادي كلُّكم عارٍ إِلاَّ من كسوته فاستكسوني
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب بدء الخلق (8) باب ما جاء في صفة الجَنَّة وَأَنَّهَا مخلوقة، رقم 3072. مع زيادة: «فاقرأوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم مِّن قرَّة أعينٍ}» (السجدة 17) في آخره. والترمذي في كِتَاب التفسير، سورة الواقعة، رقم 3346. مع زيادة في آخره. (1/41)
صفحة 62
أكسكم؛ يا عبادي إِنَّكُم تُخطئون في اللَّيْل وَالنَّهَار وأنا أغفِر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفِر لكم؛ يا عبادي إِنَّكُم لن تبلغوا ضرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني؛ يا عبادي لو أَنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رَجُل منكم ما زاد ذلك في مُلكي شيئا. يا عبادي لو أَنَّ أوَّلكم وآخِرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رَجُل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلْكي شيئا؛ يا عبادي لو أَنَّ أوَّلكم وآخِركم وإنسكم وجِنَّكم قامُوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلَّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مِمَّا عندي إِلاَّ كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخِلَ البحر؛ يا عبادي إِنَّمَا هي أعمالكم أحصيها لكم ثُمَّ أوفِّيكم بها، فمن وَجَد خيرا فليحمد الله، ومن وَجَد غير ذلك فلا يلومنَّ إِلاَّ نفسه» (1).
2 - صيغ الحديث القدسي
فالصيغة التي صدَّر بها رسول الله ? هذه الأحاديث القدسيَّة هي كما لاحظنا: «قال رسول الله ? فيما يرويه عن ربِّه»، وهي العبارة التي أقرَّها السَّلف في رِواية هذه الأحاديث. والخَلَف لهم طريقة خاصَّة في التعبير عن هذه الأقوال القدسيَّة الربَّانيَّة، إذ يقولون: «قال الله
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب البرِّ والصلة والآداب (15) باب تحريم الظلم، رقم 2577. والمناوي: الإتحافات السنية، ص28، رقم 48. (1/42)
صفحة 63
تعالى فيما رواه عنه رسول الله ?»، ومُؤَدَّى العبارتين واحد.
وقد اختلف العلماء في لفظ الحديث هل هو من رسول الله ? صاغه مِن معنًى أُوحِيَ إليه من الله عَزَّ وَجَلَّ، أو لفظُه من الله؟ وقد ذهب الكثير إلى القول الأَوَّل، وبه جزَمَ أبو البقاء، إذ قال صراحةً ووضوحًا ما نصُّهُ: «إِنَّ القرآن ما كان لفظُهُ ومعناه من الله بوحي جليٍّ، وَأَمَّا الحديث القدُسيُّ فهو ما كان لفظه من عند الرسول، ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام» (1) أو غير ذلك مِمَّا يشير إليه لفظه، كقوله: «ألقى في روعي ... » الخ. وهذا هو الفارق الأَوَّل الذي يميِّز القرآن من الحديث القدسيِّ.
- ثانيا: تداخل الحديث القدسيِّ والحديث النبويِّ في حديث واحد، مثال ذلك ما أورَدَ البُخاريُّ ومسلم في فضل الصيام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ?: «كلُّ عملِ ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشرِ أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إِلاَّ الصوم فَإِنَّهُ لي وأنا أجزي به؛ يدَعُ شهوته وطعامه مِن أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لِقاء ربِّه. ولَخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (2). فَإِنَّا نجد في هذا النصِّ ما هو صريح من كلام رسول
__________
(1) - ... أبو البقاء الكفري: الكلِّيَّات، ص 288. نقلا عن كِتَاب قواعد التحديث للقاسمي، ص66.
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب الصيام (30) باب فضل الصيام، رقم 164. والإتحافات السنية، المناوي، ص56، رقم 122. (1/43)
صفحة 64
الله، وما هو من الحديث القدسيِّ. فعبارة «كلُّ عمل ابن آدم ... فَإِنَّهُ لي وأنا أجزي به». وعبارة: «يدَعُ شهوته وطعامه من أجلي» كِلْتاهما حديث قدسيٌّ، وما قبله وما بعده حديث نبويٌّ. فالرسول ? مزَجَ كلامه بكلام الله في حديث واحد، مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ اللفظ منه ?. وهذا هو الفارق الثاني المميِّز للحديث القدسيِّ عن القرآن، لأَنَّ لفظ القرآن لا يجوز مَزْجُهُ بغيره، فهو يتعبَّد به نصًّا ومعنى، لا يجوز مَزْجُهُ بغيره بنصِّ القرآن، قال الله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة 44]. وهذا دليل واضح يعتمد عليه من قال إِنَّ نسبة الحديث القدسيِّ إلى الله هو نسبة مضمونه لا ألفاظه. (1/44)
صفحة 65
تعريف الأحكام الخمسة وعلاقتها بالحديث
تنقسم أَدِلَّة الشرع إلى ما هو واجب العمل به، وما هو واجب تركُه؟ وما هو جائز؟ وما هو مندوب؟ وما هو مكروه؟
اِعلمْ أَنَّ تعريف هاته الأحكام من فنِّ أصول الفقه إِلاَّ أَنَّ علماء الحديث رأوا علاقتها الشديدة بعلوم الحديث لأَنَّهَا ثمَرة علم الحديث فأدرجوها فيه ولا أرى مانعا من ذلك.
1 - الواجب:
ما كان في طلبه تأكيد وجزم ولا يحتمل الترك إن كان غير مؤقَّت ولا التأخير عن وقته إن كان مؤقَّتا، وتاركه يُعتبَر فاسقا وعاصيا، وعلى تاركه المعاقبة عليه دُنيا وأخرى أو في إحداهما فقط، كالحدود.
ويكون واجب الأداء فِعلا وترْكا، يعني أَنَّ الواجب إذا كان فعليًّا يجب أداؤه فأداؤُه فرضٌ، وإن تَرْكِيًّا فترْكه واجب والمخالف ذلك عاصٍ ومعاقَب. وينقسم إلى أقسام:
ويُعبَّر عنه بالأمر، وهو للوجوب عندنا وعند الجمهور، ويُعبَّر عنه بالفرض خِلافا لأبي حنيفة. ومنه ما يكون باعتبار دليله. ومنه ما يكون باعتبار حُصوله من المكلَّف. ومنه ما يكون باعتبار المأمور به.
فَأَمَّا ما يكون باعتبار دليله فَإِنَّ الواجب بهذا الاِعتبار ينقسم إلى:
- (1/45)
صفحة 66
مقطوع به، كوُجوب الصلوات الخمسِ، وصِيام رمضان ونحوها.
- وإلى غير مقطوع به كوُجوب الوتر مثلا مِمَّا اختُلف فيه.
وَإِنَّمَا كان الأَوَّل مقطوعا به لأَنَّ دليل وُجوبه قطعيٌّ من الكتاب والسُّنَّة ونحوها، غير مختلَف فيه. بخلاف الثاني فمُختلَفٌ فيه. فَالأَوَّلُ: مخالِفُهُ عاصٍ فاسق إن كان في تركه غيرَ مستحِلِّ الترك، ومُشرك إن اِستحلَّه؛ والفرق بينهما أَنَّ المستحِلَّ غير المتأوِّل رادٌّ للنصِّ القطعيِّ، والرادُّ للنصِّ القطعيِّ نكرانًا رادٌّ للأمر القطعيِّ فهو مشرك. وَأَمَّا التارك للأمر عجزًا أو إغواءً من الشيطان غير ناكِر فهو فاسق، تجب توبته.
2 - الحرام:
وهو الواجب تركه، ويُعبَّر عنه بالمنهيِّ وبالحرام.
والنهي المجرَّد عن القرينة للتحريم عندنا وعند الجمهور، وبه قالت الشَّافِعِيَّة، وهو الصواب، لأَنَّ الله إذا نهى عن فِعل الشيء فقد حرَّمه تحريما مُطلَقا، كتحريم الشِّرك والزنى وشرب الخمر وإتيان الكبائر المنهيِّ عنها مُطلَقا.
3 - الجائز:
وهو الخالي من طلب الفعل ومن طلب الترك وهو المباح، ككسب المعيشة فوق الكسب الواجب، لأَنَّ عدم كسب القوت الواجب مثلا يُؤَدِّي إلى الموت أو الضعف، وهذان قَدْ نهى عنهما الله بقوله: {وَلاَ (1/46)
صفحة 67
تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمُ, إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195]، وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم} [النساء 29]. وكذلك النوم ونحوه مِمَّا ليس في فعله ثواب ولا في تركه عقاب إِلاَّ إن قارَنَتْه نية حسنة أو نية خبيثة. فللناوي جزاء ذلك.
4 - المندوب:
وقد تَقَدَّمَ أَنَّ المطلوب فعله طلَبا جازِما فهو الواجب، وَأَمَّا أن يكون طلَبا غير جازم فهو المندوب. والمرادُ بالطلب غير الجازم ما لو ترَكه المكلَّف لم يُعاقَب على تركِه، أو ما قيل: ما في فعله ثواب وليس في تركه عقاب. وينقسم إلى سُنَّة ونَفل.
فَأَمَّا السُّنَّة فهي: ما كان مسلوكا من الرسول ? والخلفاء الراشدين كرواتب السنن والمؤكَّدات منها، وقيام رمضان وتعليم العلم وكتابة المصحف ونحو ذلك.
وَأَمَّا النفل فهو ما لم يكن مواظبا عليه من الطاعات. ويُسمَّى تطوُّعا ومُستحَبًّا.
5 - المكروه:
وهو: ما طُلب ترْكه طلبا غير جازم، وهو ما قيل: ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب. ومثَّل بعض أصحابنا لذلك بأكل لحوم السِّباع (1/47)
صفحة 68
لأَنَّهُ ورَد النهي عن أكل كلِّ ذي ناب من السِّباع (1). وأباحه ووصفه بالكراهة إمام من أيمَّة المسلمين (2). فمن اِقتفى الدليل القويَّ فله الثواب ومن تبع الرُّخصة فلا إثم عليه، وله صُوَرٌ فُصِّلت في أصول الفقه (3).
__________
(1) - ... رواه النسائي في كِتَاب الصيد (28) باب تحريم أكل السباع، رق 4336. ورواه أبو داود في كِتَاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، رقم 3802.
(2) - ... يقصد به أَيُّوب بن العَبَّاس النفوسي الذي قتل سبُعا ولبؤة وأشبالهما في تيهرت، وقال لسكَّان الحيِّ ذَلِكَ. أبو زكرياء سير الأَئِمَّة وأخبارهم، ص 73. انظر ترجمته في معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، مج 2، ص 131 (النسخة التجريبية).
(3) - ... راجع د/ وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ج 1، ص83 وما بعدها. د/ بدران أبو العينين بدران: أصول الفقه الإسلامي، ص 273 وما بعدها. (1/48)
صفحة 69
طرق تحمل الحديث وأداؤه
- ذِكْر أوَّل من ألَّف في الحديث وعلومه
- الرِّحلة في طلب الحديث
- كَيفِيَّة تحمُّل الحديث
- أداء الحديث وصيغه
- بَقِيَّة صيغ الأداء (1/49)
صفحة 70
صفحة بيضاء (1/50)
صفحة 71
ذِكْر أوَّل من ألَّف في الحديث وعلومه
ذَكَر أرباب الفنِّ ومنهم ابن حجر العسقلاني في “ نُخبة الفِكر ”
«إِنَّ أوَّل مَن صنَّف في ذلك: القاضي أبو محمّد الرَّامَهُرْمُزي، [واسمه الحسن بن عبد الرحمن بن خلاَّد الرامهرمزي (ت: 360هـ)] في كتابه “ المُحَدِّث الفاصل بين الرواي والواعي ”، وَلَكِنَّهُ لم يستوعب.
ثُمَّ الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، [واسمه مُحَمَّد بن عبد الله الضبِّي الطهماني النيسابوري (ت: 405هـ) في كتابه “ معرفة علوم الحديث ”] لَكِنَّهُ لم يهذِّب ولم يرتِّب. وتلاه أبو نُعيم الأصبهاني [واسمه أحمد بن عبد الله بن أحمد الصوفي الفقيه (ت: 430هـ)، فزاد فيما كتب على ما كتبه الحاكم، وتعقَّبه في بَعض الأمر في كِتَاب سمَّاه “ المستخرج عَلَى كِتَاب الحاكم ” لَكِنَّهُ لم يبلغ الغاية] وأبقى فيه كما يقول العلماء أشياء للمتعقِّب.
ثُمَّ جاء بعدهم الخطيب البغداديُّ [واسمه أحمد بن عليِّ بن ثابت الفقيه المؤرِّخ، صاحب “ تاريخ بغداد ” (ت: 463هـ)]، فصنَّف في قوانين الرواية كتابا سَمَّاهُ “ الكفاية في علم الرواية ”، وفي آدابها كتابا سَمَّاهُ “ الجامع لآداب الشيخ والسامع ” وغير ذلك من علوم الفنِّ إذ قلَّ فنٌّ من فنون الحديث إِلاَّ وقد صنَّف فيه كتابا مُفرَدًا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة (ت: 629هـ): “ كلُّ من أنصفَ عَلِمَ أَنَّ (1/51)
صفحة 72
المحدِّثين بعد الخطيب عيال على كتبه ” (1).
ثُمَّ جاء بعدهم بعض مَن تأخَّر عن الخطيب فأخذ مِن هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض بن موسى [اليحصبي المغربي المالكي مؤلِّف كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، (ت: 524هـ)] كتابًا لطيفا سَمَّاهُ “ الإلماع إِلىَ معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ”.
ثُمَّ عمر بن عبد المجيد المَيَّانِجِي [(ت: 580هـ)] جزءًا سَمَّاهُ “ ما لا يسَعُ المحدِّثَ جهلُه ”.
وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبُسطَتْ ليتوفَّر علمها، واختُصِرتْ ليتيسَّر فَهمُها» (2).
وقد ذُكر أغلبها في تعاليق كتب المتأخِّرين المؤلَّفة في الشأن.
«إلى أن جاء [فحل الفنِّ] الحافظ الفقيه [الإمام المحدِّث] تقيُّ الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشّهْرَزُوري نزيل دمشق [المولود سنة 577هـ، والمتوفَّى صباح يوم الإربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 643هـ، وصُلِّي عَلَيْهِ بعد الظهر، ودُفن بمقابر الصوفيَّة في دمشق]، فجمع لَمَّا وُلِّيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفيَّة (3) كتابه المشهور
__________
(1) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 5.
(2) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 5.
(3) - ... الأشرفيَّة نسبة للملك الأشرف موسى بن محمّد المتوفَّى سنة 635هـ، أحد الملوك الذين كانوا في الشام أَيَّام تزلزل الدولة العَبَّاسيَّة. (1/52)
صفحة 73
[ب“مقدِّمة علوم الحديث لابن الصَّلاح”، أو “علوم الحديث لابن الصَّلاح”] (1). فهذَّب فنونه وأملاه شيئا بعد شيء، [على تلامذته ولم يجمعه] فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب. واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرِّقة فجمع شتات مقاصدها، وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومُستدرك عليه ومُقتصر، ومُعارِض له ومُنتصِر» (2) ومُلَخِّص ومُعلِّق عليه، حَتَّى هذا العصر، فهو قِبلة من ألَّف في هذا الفنِّ.
وَكَذَلِكَ من بين الكتب المؤلَّفة المشهورة إِلىَ الآن: المنظومة المسمَّاة بالبيقونيَّة، لصاحبها عمر بن فتوح البيقوني، (ت: 1080هـ)، وقد اِعتمد عليها في تدريس المبتدئين بالزيتونة وعلى شرحها لمحمَّد بن عبد الباقي الزرقاني (ت: 1122وحاشية الشيخ عطيَّة الأجهوري الشافعي الأزهري (ت: 1190هـ).
هذا ما يُمكن قوله في تاريخ مَن كتب في هذا الفنِّ.
أَمَّا كتب السُّنَّة وهي الكتب الجامعة لأحاديث النبيء ? فقد تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّل مَن دوَّنها أبو بكر بن حزم (ت: 117هـ) بأمر من
__________
(1) - ... وقد طُبع هَذَا الكِتَاب عِدَّة مَرَّات، وأجود طبعة هي من تحقيق الدكتور نور الدين عتر، طبع دار الفكر بدمشق، سنة 1406هـ / 1986م.
(2) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 6. (1/53)
صفحة 74
الخليفة عمر بن عبد العزيز رَضِيَ اللهُ عَنهُ (ت: 101هـ)، ثُمَّ تلاهُ الربيع بن صُبيح (ت: 160هـ)، وذلك في أوائل النصف الأَوَّل من القرن الثاني الهجري، لكن لا يوجد ما كَتَبه في الشأن اليوم، إِلاَّ ما بقي مِن روايات الزهري (ت: 124هـ) في كتب الحديث.
ثُمَّ ألَّف بعدهما إمام دار الهجرة ونجم العلماء الذي يقول فيه الشافعيُّ: «إذا جاء الأثر فمالك النجم» (1)، وقال: «إذا ذُكر العلماء فمالك النجم» (2)، والنجم: الثريَّا، وهو الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحِميَري أبو عبد الله إمام دار الهجرة وأحد الأيمَّة الأربعة عند أهل السُّنَّة، وإليه تُنسب المَالِكِيَّة، وُلد سنة 93هـ، وتوفّي بالمدينة سنة 179هـ كتابَه المسمَّى ب“ الموطَّأ ” فهو أوَّل كتاب عند أهل المذاهب الأربعة مؤلَّف في الحديث.
لكن عندنا معشر الإِبَاضِيَّة أَنَّ أَوَّل كتاب دُوِّن في الحديث هو ديوان جابر بن زيد المفقود. ثُمَّ ألّف في روايات جابر هذا أبو عمرو الربيع بن حبيب (ت: 181هـ) كتابه “ الجامع الصَّحيح ” المسمَّى “ مسنَد الربيع ”، وهو معاصر للإمام مالك إن لم نقل قد سبقه، وهذا الكتاب رواه عن شيخه أبي عبيدة في أغلبه، كما نُسب إليه كتاب آخر في الحديث رواه من شيخ آخر له يسمَّى ضمَّام بن السائب (ت:
__________
(1) - السيوطي: طبقات الحفاظ، ص96.
(2) - ... الذهبي: تذكرة الحفَّاظ، ج1، ص 208. (1/54)
صفحة 75
150هـ)، ومُعاصر لأبي عبيدة، ومِمَّن أخذ عن جابر أيضا كأبي عبيدة (1).
وقد اعتنى بجمع الحديث روايةً ودِراية أكثر المسلمين، فألَّفوا بعد الموطَّأ والجامع كُتبا عديدة في تنقيَّة الحديث مِن وضْع الوضَّاعين من الزنادقة وغيرهم، ونسبوا لهم من أهل المذاهب مَن لا يعرف الوضع إطلاقا كالإباضيّة الذين هم أعدل الناس في الدين، وأبعد الناس عن الوضع، لأَنَّ الوضع هو ما نُسب إلى الرسول ? اِختلاقا وكذبا ما لم يقله أو يفعله أو يقرَّه، ويُسمَّى بالمختلَق المصنوع. وعلى هذا فلا تجوز روايته ولا نسبته إلى رسول الله ?. وقد نشأ ذلك بعد فِتنة أمير المؤمنين عثمان
__________
(1) - ... لَكِنِّي وجدت كتابا في خمسين صفحة من الحجم الكبير مخطوطا ومرويًّا عنه، سُمِّي ب“ آثار الربيع عن ضمَّام ”، وجاء في أَوَّله: «هَذَا الجزء الأَوَّل من آثار الربيع عن ضمَّام عن جابر بن زيد، حدَّثنا أبو صفرة عبد الملك بن صفرة قال: حدَّثنا الهيثم عن الربيع بن حبيب عن ضمَّام بن السائب عن جابر بن زيد الأزدي رَضِيَ اللهُ عَنهُ عن رجل قذف امرأته ولم يتلاعنا، ولم يترافعا، ولم يرُدَّا ذلك، ثُمَّ مات أحدهما، قال: يرثه صاحبه. الرَّبيع عن ضمَّام عن أبي الشَّعثاء قال: الطعام والصوم والعتق في الظِّهار قبل أن يتماسَّا ... » الخ. وعلى هذا المنوال إلى النهاية، ولا أدري هل هو المذكور أم لا، لأَنَّهُ ليس رواية للحديث لَكِنَّهُ جواب عن الأسئلة من أَوَّله إلى آخره. مخطوط في جزأين توجد نسخة منه في مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي ببني يسجن، ولاية غرداية. تحت رقم: 47. وقد مؤخرا بعمان تحت عنوان: «من جوابات الإمام جابر بن زيد» بترتيب سعيد بن خلف الخروصي، مطابع سجل العرب، ط1، 1984م.
آثار الربيع بن حبيب، ورقة 1. (1/55)
صفحة 76
بن عفَّان، ثُمَّ مِن شيعة علي وحِزب معاوية، ثُمَّ الخوارج بعد وَقعة صِفِّين.
وقد نصَّ ابن أبي الحديد (ت: 656هـ) في “ شرح نهج البلاغة ” لقوله:
«إِنَّ أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فَإِنَّهُم وضعوا في مبدإ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم حملهم على وضعِها عداوة خصومهم، ثُمَّ لَمَّا رأت البكريَّة ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث» (1). وقد تناول أكثر مَن كتب في هذا الفنِّ هذا الأثر وطبَّقوه على الشيعة، لأَنَّهُم يجيزون التقيَّة ولو بالكذب».
قال أبو الفرج بن الجوزي (ت: 597هـ): «فضائل علي الصحيحة كثيرة غير أَنَّ الرافضة لا تَقنعُ، فوضعت له ما يضعُ لا ما يرفع» (2).
وَأَمَّا الخوارج فالظاهر أَنَّهُم أبعد الناس عن الوضع كما نصَّ على ذلك المتأخِّرون مِمَّن صنَّف في علوم الحديث؛ منهم الدكتور مُحَمَّد عجَّاج الخطيب في كتابه “ الوجيز في علوم الحديث ”، إذ قال: «لم يثبت أَنَّ الخوارج وضعوا شَيْئًا من الحديث عن رسول الله ?،
__________
(1) - ... د/ محمد عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص409. نقلا عن شرح نهج البلاغة، لا بن أبي الحديد.
(2) - ... د/ محمد عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص 409. (1/56)
صفحة 77
والراجح أَنَّ عدم وضعهم الحديث مردُّه اعتقادهم أَنَّ مرتكب الكبيرة كافر، والكذب من الكبائر، بل إِنَّ الأخبار تؤكِّد أَنَّهُم أصدق مَن نقل الحديث. قال أبو داود: “ ليس في أصحاب الأهواء أصحُّ حديثا من الخوارج ”» (1). وقال في التّعليق على قوله هذا: «وقد فنَّدنا بعض ما نُسب إليهم من وضع الحديث في كتابنا “ السُّنَّة قبل التدوين ” (2). وكما شهد لهم بالصّدق صاحبُ المدخل (3)، والذهبي في الميزان حينما ترجم لعمران بن حطّان (4) وغيرُهم.
فَلَمَّا رأى العلماء ذلك جمعوا ما دُوِّن في الصحف من الأحاديث في عهد الرسول ?، وما كُتب بعد ذلك كالموطَّأ للإمام مالك، والأمِّ والرسالة للشافعي، ومسند أحمد بن حنبل وغيرهما، وجمعوها في مجامع اتَّفَقَ أهل الفنِّ أَنَّهَا أصحُّ الكتب المؤلَّفة في الشأن. وفي مقدِّمتها الجامع الصّحيح للإمام البخاري. قال ابن حجر في مُقَدِّمَة شرحه:
«لَمَّا رأى البخاري هذه التصانيف ورواها، وانتشق رياها، واستجلى
__________
(1) - ... د/ محمد عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص 411.
(2) - ... د/ محمد عجاج الخطيب: السُّنَّة قبل التدوين، ص
الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 3، ص 236.
د/ عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص 409.
(3) - ... د/ شعبان مُحَمَّد إسماعيل: المدخل لدراسة القُرْآن وَالسُّنَّة والعلوم الإِسلاَمِيَّة، ج2، ص 103 - 104.
(4) - ... الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 3، ص 235، رقم 6277. (1/57)
صفحة 78
محيَّاها، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لغثِّه سمين، فحرَّك هِمَّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وذلك لَمَّا سمع من إسحاق بن راهَويه [ت: 238هـ] قوله: لو جمعتم كتابا مختَصرا لصحيح سنَّة رسول الله ?، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع “ الجامع الصحيح ”. وَلَمَّا جمعه عرَضه على أحمد بن حنبل [ت: 241هـ] ويحيى بن مُعَيَّن [ت: 233هـ]، وعلي بن المديني [ت: 203هـ]، وغيرهم من أَئِمَّة الحديث في ذلك العصر، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحَّة، إِلاَّ في أربعة أحاديث» (1).
واسم البخاري هو: أبو عبد الله مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدَزِيه الجُعْفي. وُلد سنة 194هـ وتُوفّي سنة 256هـ.
ثُمَّ تبعه على ذلك تلميذه مسلم، واسمه أبو الحسين مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري. وُلد بنيسابور سنة 204هـ، ورحل إِلىَ الحجاز ومصر والشام والعراق، سمع قتيبة بن سعيد (ت: 240هـ)، والقعنبي (ت: 221هـ)، وأحمد بن حنبل (ت: 240هـ) وغيرهم. وَتُوُفِّيَ بظاهر بنيسابور سنة 261هـ.
ثُمَّ تلاه الجامع الصحيح للإمام الترمذي؛ واسمه أبو عيسى مُحَمَّد بن
__________
(1) - ... ابن حجر: مُقَدِّمَة شرح صحيح البخاري، مج 6، ص 07. (1/58)
صفحة 79
عيسى بن سورة بن موسى السلمي الضّرير البوغي الترمذي. وُلد سنة 209هـ، وتوفّي سنة 279هـ. سمع البخاري الإمامَ، وشاركه في بعض شيوخه.
وبعدها سُنن أبي داود، واسم صاحبها: أبو داود سليمان بن شدَّاد بن عمر بن عامر، وَقِيلَ: ابن الأشعث بن إسحاق بن شدَّاد بن عمر بن عامر، وقيل: الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد. وُلد سنة 202هـ، ومات سنة 275هـ بالبصرة. سمع مسلمة القعنبي، وأبا الوليد الطيالسي، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم.
ثُمَّ النسائي، واسم سُننه “المجتبي”. واسمه أبو عبد الرحمن أحمد بن شُعيب بن علي بن بحر بن سنان بن دينار النسائي. وُلد بنسا سنة 215هـ، وَتُوُفِّيَ سنة 303هـ. وقد سمع إسحاق بن راهويه (ت: 238هـ)، وإسحاق بن حبيب الشهيد وسليمان بن الأشعث وأبا داود السجستاني وغيرهم.
وكذلك ابن ماجه، واسمه أبو عبد الله مُحَمَّد بن زيد القزويني ابن ماجه. وُلد سنة 207هـ، وتوفِّي سنة 275هـ.
وهؤلاء أيمَّة الكتب الصِّحاح، المعبَّر عنها بالكتب الستّة المعتمَدة.
وقد ألَّف الناس كُتبا عديدة في السُّنَّة والأحاديث، بعضها أجمع من هاته الكتب، كالسُّنن الكُبرى للبيهقيِّ، لكن ليست معتبَرة مثل هذه الكتب المذكورة هنا الستَّة والموطَّأ والمُسنَد. (1/59)
صفحة 80
الرِّحلة في طلب الحديث
إِنَّ نقل الحديث يكون عن طريق الرواية.
والرواية أَوَّل الأمر كانت مُشافَهَة في زمن الرسول ? وابتداءِ الإسلام. ثُمَّ تفرَّقت الصحابة في الأمصار، وتفرَّقت لذلك عُلومهم التي أخذوها سماعًا معهم. فكان من الواجب على طالب الحديث إذا سمع حديثا رواه أحد الصحابة ولم يكن في بلده أن يرحل إلى الشيخ البعيد للتثبُّت في ألفاظه، أو استفسار معناه الغامض أو غير ذلك، مع ما في ذلك من فوائد جمع شَتات السُّنَّة، إذ كان من الأحاديث ما رواه الواحد منهم مشافَهَة منفرِدا فيحجُّون له ليجمعوه مع ما عندهم من الأحاديث، وبذلك تكتمل أسانيد الباب الواحد، من أُناس سمعوها جميعا ثُمَّ تفرَّقوا، وكان الواجب جمعها إلى غير ذلك. ويَدلُّنا على ذلك قول أبي الدرداء (ت: 32هـ): «لو أَعْيَتْني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها عليَّ إِلاَّ رجل بِبرك الغماد (1) لَرَحَلتُ إِلَيهِ» (2).
وكذلك جابر بن عبد الله (ت: 78هـ) اِبتاع بعيرا فشدّ عليه رَحله
__________
(1) - ... بِرك الغماد: بالكسر، هو موضع وراء مَكَّة بخمس ليال مِمَّا يلي البحر. ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج1، ص309.
(2) - ... ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج1، ص 400. د/ صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه، ص 54. (1/60)
صفحة 81
وسار شهرا حَتَّى قدِم الشام ليسأل عبد الله بن أُنَيس عن حديث في القصاص (1). وقول سعيد بن المسيِّب (ت: 105هـ): إن كنت لأرحل الأيَّام والليالي في طلب الحديث الواحد (2).
ويقول مكحول أبو عبد الله محمّد بن مسلم الهذلي الحافظ الفقيه (ت: 112هـ): «كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هُذيل فأعتقتني، فما خرجتُ من مصر وبها علِم إِلاَّ حويت عليه فيما أُرَى، ثُمَّ أتيت الحجاز فما خرجت منها، وبها علْم إِلاَّ حويت عليه فيما أُرَى، ثُمَّ أتيت العراق فما خرجت منها وبها علْم إلاّ حويت عليه فيما أُرَى، ثُمَّ أتيت الشام فغربلتها، كلُّ ذلك أسأل عن النفَل فلم أجد أحدًا يُخبرني فيه بشيء حَتَّى أتيت شيخًا يُقال له زيَّاد بن جارية التميمي، فقلتُ له: هل سمعتَ في النفل شيئا؟ قال: نعم، سمعتُ حبيب بن مسلمة الفهري يقول: «شهدت النبيء ? نفَّل الربع في البَدْأَة والثلث في الرجعة» (3)؛ والنفل: هو العطاء من الغنيمة.
وكذلك كان جابر بن زيد (ت: 93هـ) يرحل في طلب الحديث،
__________
(1) - ... البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي، ج 2، ص 225.
(2) - ... البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي، ج 2، ص 226. ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 8. الرامهرمزي: المحدِّث الفاضل، ص 223.
(3) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الجهاد، باب فيمن قال: الخمس قبل النفل، رقم 2750. ورواه ابن ماجه في كِتَاب الجهاد (35) باب النفل، رقم 2853 بمعناه. (1/61)
صفحة 82
وكذلك حَمَلَة العِلم، رحَلوا إلى أبي عبيدة (ت: 145هـ) في البصرة من الأقطار النائية (1).
ويؤيِّد الرِّحلة في طلب العِلم قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً، فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة 122]، وقول الرسول ?: «اُطْلبوا العلم ولو بالصين» (2).
وللرِّحلة في طلب العلم فوائد جَمَّة، منها:
1 - التثبُّت من لفظ الحديث.
2 - التثبُّت من عدالة الرواة.
3 - طلب العلوِّ في السَّنَد إذا رواه التابعيُّ أو مَن بعده مِمَّن هو أقرب إلى رسول الله ?.
ولهذا الغرض سعى الإمام يحيى بن معين (ت: 233هـ) إلى شيوخه مَتى سمع منهم من أبلغه الحديث؛ وكذلك تلميذه البخاري (ت: 256هـ) فيما رُوي عنه أَنَّهُ يشترط اللِّقاء (3).
__________
(1) - ... من خراسان واليمن وليبيا والجزائر ومكة والمدينة وغيرها. انظر كتاب فقه الإمام جابر، ج1، ص44. وكتاب جابر حياة من أجل العلم، د/أحمد درويش.
(2) - ... رواه الربيع في مسنده (4) باب في العلم وفضله، رقم 18. ورواه الهندي في كِتَاب العلم، الباب الأَوَّل في الترغيب فيه، رقم 28697.
(3) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 22. (1/62)
صفحة 83
4 - كذلك نقل الرواية للأداء بلفظها ومعناها وما تشير إليه من العلوم لمن يُطلب منه الحديث.
ومن أمثلة ما تؤثِّره الرحلة في تثبيت نصِّ الحديث حديث النيَّة؛ فعبد الرحمن بن مهدي (198هـ) يقول: «ما ينبغي لمصنِّف أن يصنِّف شيئا من أبواب العِلم إِلاَّ ويبتدئ بهذا الحديث» (1). وبمثل هذا صَرَّحَ البخاريُّ في قوله: «من أراد أن يصنِّف كتابًا فلْيبدأ بحديث “الأعمال بالنيَّات”» (2)، وهو الحديث الذي افتتح به كتابه (3). وكذلك قَبله الربيع بن حبيب (4) وكُتب السُّنَّة. ذَكَروا الحديث في طليعة كُتُبهم يكاد يكون فيها نصًّا واحدا، مِمَّا يَدُلُّ على أخذ كثير منهم الحديث من رُواة شَتَّى.
وَلاَ بُدَّ لطالب الحديث أن يَرحل في طلب الحديث ابتغاء رضوان الله واتِّساع المعرفة في الدين، لا للمُفاخَرة أو حُبِّ الشهرة، وكذلك لا يُؤَدِّيه إِلاَّ بمثل ذلك. وقد قام المحدِّثون والعلماء بجهود متضافرة في النهي عن المتاجرة في طلب علم الله أو أخذ شيء من الدنيا مُقابل ذلك،
__________
(1) - ... البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي، ج 2، ص 300.
(2) - ... المصدر نفسه.
(3) - ... صحيح البخاري، كِتَاب بدء الوحي (1)، باب كيف كان بدء الوحي إِلىَ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رقم 1.
(4) - ... مسند الربيع (1) باب النية رقم 1. (1/63)
صفحة 84
ويقولون: «يا ابن آدم علِّمْ مَجَّانا كما عُلِّمت مَجَّانًا» (1). ويستندون في ذلك إلى أَنَّ التعليم مَجَّانا وَارد في الكتب السماويَّة القديمة، وفي القرآن الكريم، ويرون أَنَّ آخر الكتاب المقدَّس ( DEUT’RONOME) فيه: «إِنَّمَا علَّمتكم بأمر رَبِّي» (2). وَهَذَا عُبادة بن الصامت الصّحابيُّ الجليل علَّم ناسًا من أهل الصُّفَّة الكتابَ والقرآن، فأهدى إليه رجل منهم قوسًا، رمزا للشكر وعِرفان الجميل، فإذا عبادة يستفتي رسول الله ? في أمر هذه الهديَّة فيفتيه الرسول ? بلهجة شديدة «إن كنت تحبُّ أن تُطوَّق طوقًا من نار فاقْبَلْها» (3)، وبما رُويَ عن مُحَمَّد بن الحجَّاج (ت: 267هـ) قال: «كان رجل يسمع من حمَّاد بن سلمة (ت: 167هـ) في المدينة فركب بحر الصين فقدِم، فأهدى إلى حمَّاد، فقال له حمَّاد: اِختَرْ، إن شِئتَ قبلتها ولم أُحَدِّثْك أبدًا، وإن شئت حدَّثتك ولم أقبل الهديَّة. فقال: لا تقبل الهديَّة وحدِّثني، فردَّ الهديَّة وحدَّثه» (4).
والمثال الصادق الحيُّ ما رأيناه من العَزَّابَة وشيوخ العِلم والوعَّاظ، فَإِنَّهُم لا يأخذون شيئا مُقابل عملهم قطُّ. وكُلُّ الخير في اتِّباع مَن سَلَف.
__________
(1) - ... البغدادي: الكفاية، ج 5، ص 240.
(2) - ... يقول د/ صبحي الصالح في كِتَابه علوم الحديث ومصطلحه، ص 64، تعليقا عَلَى هَذِهِ المقولة: «وقد أشار جولد زيهر إِلىَ صِحَّة هَذَا الأمر في الحاشية الثالثة ص 225، في كِتَابه: « Etude sur la tradition islamique».
(3) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الإجارة، باب في كسب المُعَلِّم، رقم 3416.
(4) - ... البغدادي: الكفاية، ج 5، ص 240. (1/64)
صفحة 85
كَيفِيَّة تحمُّل الحديث
1 - تعريفه
اِعلم أَنَّ التحمُّل في اللغة أصله من باب حَمَلَ حمْلاً وتحمُّلاً، معناه: اشتَدَّ اشتِدادًا حمله للشيء، وحَرَصَ على عدم ضياع شيء منه. ومنه قولهم: حَمَّلَه تَحْمِيلاً وَحِمَّالاً فَتَحَمَّلَه تَحَمُّلاً وتِحِمَّالا. وفي حديث عبد الملك بن مروان في شأن هدْم الحجَّاج للكعبة وما ترك منها قوله: «ودِدت أَنِّي تركته وما تحمَّل من الإثم» (1).
وفي اصطلاح أهل الفنِّ: أخذ طالب الحديث حديثا من شيخه بأحدى طرق نقل الحديث.
2 - شروط التحمُّل
ونقلُه وتحمُّلُه على أنواع متعدّدة، وهذا بيانها:
رواية المتحمِّل قبل البلوغ والإسلام:
أَوَّلاً: متى يَصِحُّ التحمُّل؟ وهل يَصِحُّ قبل وُجود الأهليَّة؟ فتُقبل رواية مَن تحمَّل قبل الإسلام، وروى بعده؟. وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده؟. وقد منع ذلك قوم. قال ابن الصلاح:
«فأخطؤوا، لأَنَّ الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة كالحسن بن علي
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج 11، ص 174 - 175. بتصرُّف. (1/65)
صفحة 86
وابن عَبَّاس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأشباههم» (1). ومِمَّن كثرت الرّواية عنه من الصحابة كان سماعه في الصغر كأنس بن مالك وأبي سعيد الخدريِّ.
وكان محمود بن الربيع (ت: 99 هـ) يذكر أَنَّهُ عقل مَجَّة مجَّها رسول الله ? في وجهه من دلو كان معلَّقا في دارهم، وَتُوُفِّيَ - صلى الله عليه وسلم - وكان عمره خمس سنين (2)، كما نصَّ على ذلك البُخاريُّ (3).
لكن يشترط في قبول رواية الراوي العقل والضبط والعدالة والإسلام، ولم يفرِّقوا بين ما تحمَّلوه قبل البلوغ وما بعده، ولم يزالوا قديما وحديثا يعلِّمون الصِّبيان أحاديث رسول الله ? في مجالس التحديث والمدارس، ويعتمدون بروايتهم لذلك.
وَأَمَّا رِواية من تحمَّل قبل الإسلام وروى بعده ما تحمَّله فالصحيح الجواز (4). ومن أمثلة ما تُحُمِّلَ في حالة الكفر حديث جُبير بن مطعم أَنَّهُ سمع النبيء ?: «يقرأ في المغرب بالطُّور» (5). وكان جاء في فِداء أسْرى بدْر قبل أن يسلم. وفي رِواية البخاري زيادة: «وذلك أوَّل ما وقر
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 128.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 130.
(3) - ... رواه البخاري، في كتاب العلم (18)، باب متى يصح سماع الصغير، رقم 77.
(4) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 128.
(5) - ... رواه مسلم في كِتَاب الصلاة (35) باب القراءة في الصبح، رقم 174 (463). (1/66)
صفحة 87
الإيمان في قلبي» (1). ولم يَجْرِ الخلاف هنا المذكور في أوَّل الباب، لأَنَّ الصبيَّ قد لا يضبط غالبا ما تحمَّله في صِباه بِخِلاف الكافر.
وكذلك اختُلِف في قبول من تحمَّل في حالة بِدعته وأدَّى بعد توبته، واختير قبول ذلك لأَنَّهُ أحسن من الكافر، وبشرط أن لا يدعو إلى بِدعته. وكذلك يُعتبَر في الصبيِّ بقاء تمييزه وحِفظه السُّنن فإن اختلَّ ذلك رُفض، وكذلك إن كان غير مميِّز في وقت تحمُّله.
وأنواع طرُق التحمُّل كثيرة، ويجمعها ثمانية:
أَوَّلاً - الإسلام: فلا تُقبلُ رواية الكافر الباقي على كُفره، أو المرتدِّ غير التائب. ولا يعقَل أن تُقبَل روايتهما لأَنَّ في قبولها تنفيذ لقوله على المسلمين. ولا ممَّن يَكيد للإسلام وأهله وإن أظهر حُسْن القوْل، كما يفعل بعض المستشرقين، بل أكثرهم. وبقبول روايتهم واغترارًا بحسن نيتهم اِندسَّت على الإسلام أحاديث كانت وَبالاً وشرًّا على المسلمين. وإنَّ الله قد أمرنا بالاِحتراز من قَبول خبر الفاسق في قوله: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحُجُرات 6].
ثانيا- البلوغ: فلا تُقبل رواية مَن دون سِنِّ التكليف، عمَلا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفع القلم عن ثلاث ... » إلخ (2).
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب المغازي (9) باب شهود الملائكة بدرا. رقم 3798.
(2) - ... رواه النسائي في كِتَاب الطلاق (21) باب من لا يقطع طلاقه من الأزواج، رقم 3432. ورواه ابن ماجه في كِتَاب الطلاق (15) باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، رقم 2041. (1/67)
صفحة 88
وشروط الرواية هي: الضبط، وهو الإدراك الجيِّد، والبلوغ مظنَّة الإدراك الجيِّد، ولذلك نيط به التكليف. ومثله من الإدراك مَن بلغ مجنونا أو معتوهًا أو فيه لوثة، ولذلك يشترطون مع البلوغ العقل والضبط وهو الأصل.
3 - طرق تحمُّل الحديث
وصَوَرُ تحمُّل الحديث ثلاثة:
أوَّلها: السماع من المشافَهَة.
ثانيها: السماع المباشر على طريقة الأوائل من الصحابة فمَن بعدَهم من الرواة.
ثالثها: يأخذ طلاَّب العلم الحديثَ عن طريق القراءة أو الإجازة أو المكاتبة أو المناولة أو الإعلام أو الوَصِيَّة أو الوجادة، وهذه الصُّوَر السبع مع إضافة السماع إليها هي صُوَر التحمُّلِ الثمانية التي تحدِّد مناهج القوم في التعليم.
أَوَّلاً: السماع على هاته الصوَر أرفعها وأقواها، وعرَّف المحدِّثون من خلال تعاريفهم واصطلاحاتهم السماع بأن يسمع المتحمِّل مِن لفظ شيخه سواء أَحَدَّثه الشيخ من كتاب يقرؤه، أو من محفوظاته، وسواء أمْلى عليه أم لم يمْل عليه.
ومن المعروف أَنَّ قول الراوي: «حدَّثنا فلان»، أو «أخبرنا»، أو (1/68)
صفحة 89
«أنبأنا»، أو «ذكر لنا»، أو «قال لنا» تفيد معنى التحديث، فهي عند علماء اللغة تُساوي قول الراوي: «سمعت فلانا قال: سمعت فلانا ... » الخ (1). والكثير من المحدِّثين جَرَوا على طريق علماء اللغة في اصطلاحاتهم حَتَّى لم يفرِّقوا بين العبارات المذكورة، ويستخدم الواحد منهم ما راق له من هاته الألفاظ على السواء. وكثير من المتقدِّمين يقولون في غالب حديثهم الذي يروُونه: «أخْبَرَنا» ولا يكادون يقولون: «حدَّثنا».
وقيل للإمام أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، إِنَّ عبد الرزَّاق ما كان يقول: «حدَّثنا»، كان يقول: «أَخْبَرنا». قال أحمد بن حنبل: «حدَّثنا أو أخبرنا واحد» (2). وَلَعَلَّ إيثار هؤلاء «أخْبَرَنا» على الألفاظ الأخرى التي تُفيد التحديث لغة بسبب شيوعها وكثرة استعمالها.
وقد يكون التعبير ب «أَخْبَرَنا» أوسع وأشمل من التلفُّظ بغيرها. فنُعيم بن حمَّاد يقول: «ما رأيت ابن المبارك (ت: 181هـ) يقول قطُّ: “حدَّثنا”، كَأَنَّهُ يرى أخبرنا أوسع»! (3) من جهة اللفظ.
غير أَنَّ نُقَّاد الحديث يفضِّلون دفع كلِّ لبس وإبهام، فيقولون:
__________
(1) - ... البغدادي: الكفاية، ج 9، ص 412. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج1، ص328.
(2) - ... البغدادي: الكفاية، ج 9، ص 415.
(3) - ... البغدادي: الكفاية، ج 9، ص 414. (1/69)
صفحة 90
ينبغي أن يُبَيِّنَ المتحمِّل السماع كيف كان، فما سُمع مَن لفظ المحدِّث قيل فيه: «حدَّثنا»، وما قُرئ عليه قال الراوي فيه: «قرأت» إن كان سمعه بقراءته، ويقول فيما سمعه بقراءة غيره: «قُرئ وأنا أسمع» (1).
والأكثرون على تقديم لفظ «سمعت» على الألفاظ الباقية، لأَنَّ أكثر الصحابة يستعملونها، وَلأَنَّهُ لا يكاد أحد يقولها في أحاديث الإجازة والمكاتبة ونحوهما، ولا في تدليس «سمعت» ما لم يسمعه مشافهة، فكانت لذلك أرفع من سِواها. ثُمَّ يتلوها قول «حدَّثنا» و «حدَّثني» ثُمَّ «أخبرنا» و «أخبرني»، مع ضرورة التمييز بين حالتيْ الإفراد والجمع. وفي ذلك يقول عبد الله بن وهب (ت: 197هـ) صاحب مالك: «إِنَّمَا هي أربعة: إذا قلتُ: “حدَّثني” فهو ما سمعته من العالِم وحدي، وإذا قلتُ: “حدَّثنا” فهو ما سمعته مع الجماعة، وإذا قلتُ: “أخبرني” فهو ما قرأت على المحدِّث، وإذا قلتُ: “أخبرنا” فهو ما قرأ المحدِّث وأنا أسمع» (2).
والنية هي الفارقة بين جميع هَذِهِ المصطلَحات المذكورة على الحقيقة، وما هو من تشدُّد الرواة، لأَنَّ كلَّ لفظ له دلالته من جهة اللغة.
ثانيهما: القراءة: ولا حاجة إلى تعريف القراءة، فمن الواضح أَنَّ حقيقتها تتلمُذُ المتحمِّل على الشيخ من لفظها، سواء تتلمذ على الشيخ
__________
(1) - ... البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ج 6، ص 50.
(2) - ... البغدادي: الكفاية، ج 9، ص 425. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج1، ص337. (1/70)
صفحة 91
من حفظه من قبله أو من كتاب ينظر فيه (1). وإذا كان التلميذ يعرض بهذا النوع من التحمُّل قراءته على شيخه سُمِّيَت القراءة عَرضًا لدى كثير من المحدِّثين (2)، وهي أعلى طرق التحمُّل فيما يظهر.
وَلاَ بُدَّ من المقروء على الشيخ أن يكون من حفظ التلميذ، أو من كتاب بين يديه، أو سمع غيره يقرأ من ذلك الكتاب على الشيخ. وفي هذه الصورة فَإِنَّهُ يُشترط في الشيخ أن يكون حافظًا للمقروء عليه، أو متمكِّنا من مقابلته على أصله الصحيح إن لزم الرجوع إليه، ولو بأيدي تلامذَتِه الثقات الضابطين أو أحد منهم (3). والقراءة من الكتاب أفضل. القراءة عند المحقِّقين أقلُّ من السماع، فهي في الدرجة الثانية (4).
ثالثها: الإجازة، ولها أنواع، وقد مَرَّ أَنَّ مِن شرطِ المتحمِّل أو المؤدِّي أن يكون مسلما بالغا عاقلا عدْلا ضابطا، وما يُذكر أو ذُكر من شروط التحمُّل هي أيضا من شروط الأداء.
والإجازة: هي أَنَّ المتحمِّل يسمع من لفظ الشيخ، في “القراءة” أو “السماع”، فيعرض على شيخه قراءته أو سماعه، وفي كِلتا الصورتين
__________
(1) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 12.
(2) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 12.
(3) - ... أحمد محمد شاكر: الباعث الحثيث شرع علوم الحديث، ج 1، ص 331.
(4) - ... وَهُوَ رأي جمهور أهل المشرق. انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج1، ص331. (1/71)
صفحة 92
تشمل على الرواية مع الإسناد المُتَّصِل، وهي تُخالف ما تَقَدَّمَ من صِفات التحمُّل، لأَنَّ ما تَقَدَّمَ أن يروي المتحمِّل ما سمعه من الأحاديث عن شيخه.
والإجازة هي إذْنُ الشيخ للتِّلميذ بتعليم مرويَّاته أو بعضها، ولو لم يسمعها منه ولم يقرأها عليه، لذلك يعترض ابن حزم على الإجازة ويراها بدعة غير جائزة (1). ويقول بعضهم متشدِّدًا في إنكارها: مَن قال لغيره أجزت لك أن تروي عَنِّي ما لم تسمع، فَكَأَنَّهُ قال: أجزت لك أن تكذِب عليَّ متعمِّدًا، لأَنَّ الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمعه (2)، وهذه مُغالاة، لأَنَّ بعض المجيزين لا يجيزون للتلميذ أن يروي عنهم ما لم يسمعه حَتَّى يطول اختبارهم له مع طول المعاشرة وطول الأخذ، فهم يحسنون الظنَّ بالتلميذ التقيِّ، وهذا جائز.
وقد فعله أبو عبيدة مسلم (3) مع عبد الرحمن بن رستم الفارسي (4) (ت: 171هـ) رَحِمَهما اللهُ إذ قال له: «أَجَزْت لك أن تروي
__________
(1) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 30.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 152، 153. الباعث الحثيث، ج 1، ص 353.
(3) - ... مسلم بن أبي كريمة (أبو عبيدة): 145هـ/762م. تميمي بالولاء، أخذ العلم عن جابر بن زيد، وجعفر بن السماك، وصحار العبدي، وإليه انتهت رئاسة الإباضية بعد موت جابر. تخرج على يده رجال من مختلف البلاد الإسلامية آنذاك عرفوا «بحملة العلم». الدرجيني: الطبقات، 2/ 288. الشماخي: السير، 23. الزركلي: الأعلام، ج 7، ص 222.
(4) - ... عبد الرحمن بن رستم الفارسي 171هـ: واحد من حملة العلم إلى المغرب، الذين أخذوا العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، مؤسس الدولة الرستمية بالمغرب الأوسط بتيهرت (الجزائر) سنة 160هـ إلى وفاته.
الشماخي: السير، 138. الباروني: الأزهار الرياضية، 2/ 84. إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية، 92 وما بعدها. الزركلي: الأعلام، ج 3، ص 306. (1/72)
صفحة 93
عَنِّي ما سمعت مِنِّي وما لم تسمع» (1)، فكَأَنَّ التلميذ خير حامل لأفكار شيخه مقتديا به، وَلأَنَّ بعض صُوَر الإجازة لا يبلغ هذا الحدَّ من ضعف الرواية. فمن الصُّوَر المقبولة في الإجازة لدى الجمهور دون تردُّد:
- إجازة كتاب معيَّن، أو كُتب معيَّنة، لشخص أو لأشخاص معيَّنين، كأن يقول الشيخ لشخص أو لشخصين معيَّنيْن أو لأشخاص معيَّنين أجَزْتُ لكم أن تروُوا عَنِّي صحيح مسلم مثلا أو مُسنَد الربيع، أو سُنَن أبي داود أو الكتب السِّتَّة، أو ما اشتملت عليه مدوَّنتي، أو جميع مسموعاتي أو جميع مرويَّاتي أو ما أشبه ذلك. فقبول هذه الصورة قائم على ضرب من الاِتِّساع في تفهُّم نفسيَّة التلميذ ونوع الإجازة.
- أَمَّا الإجازة بمجهول لمجهول ففاسدة اِتِّفاقا من أهل الفنِّ. وبمجهول لمعلوم، ك «أجزت لك أن تروي جميع معلوماتي ولو لم تسمعها مِنِّي» ففاسدة أيضا.
إذًا فالإجازة بمعلوم لمعلوم جائزة، وماعدا ذلك ففيه مقال.
وقد ذكر ابن حجر العسقلاني الإجازة المردودة التي لا عمل بها
__________
(1) - ... الشَّمَّاخِي: السير، ص 144. (1/73)
صفحة 94
مُطلقا، فهي كالمعدومة، وهي الإجازة العَامَّة، كأن يقول الشيخ: أجزتُ لجميع المسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلدة الفلانيَّة. وَهُوَ أقرب إلى الصحَّة لقرب الاِنحصار» (1)، وَلأَنَّهَا يمكن أن تكون من قَبيل الإجازة الخاصَّة. وكذلك الإجازة للمجهول، كأن يكون مُبهَما أو مُهمَلا. وكذا الإجازة للمعدوم، كأن يقول: أجزتُ لمن سيولد لفلان. وقد قيل إِنْ عَطَفَه على موجود صحَّ كأن يقول: «أجزتُ لك ولمن سيولد لك» والأقرب الأقرب عدم الصِّحَّة أيضا (2).
وكذلك الإجازة لموجود أو معدوم علِّقت بشرط مشيئة الغير، كأن يقول: «أجزت لك إن شاء فلان»، أو «أجزتُ لمن شاء فلان»، لا أن يقول: «أجزتُ لك إن شئتَ». وهذا على الصحيح في جميع ما ذكر (3). وقد جوَّز الخطيب الرواية بجميع ذلك سوى المجهول مالم يَتَبَيَّن المراد منه، وحكاه عن جماعة من مشايخه (4).
قال ابن الصلاح: «إِنَّ ذلك توسُّع غير مرضيٍّ، لأَنَّ الإجازة الخاصَّة المعيَّنة مختلف في صحَّتها اختلافا قويًّا عند القدماء، وإن كان العمل
__________
(1) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 80.
(2) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 80.
(3) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 80 - 81.
(4) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 81. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص155. (1/74)
صفحة 95
اسْتَقَرَّ على اعتبارها عند المتأخِّرين، فهي دون السماع بالاِتِّفاق. فكيف إذا حصل فيها الاِسترسال المذكور فَإِنَّهَا تزداد ضعفا» (1)، لَكِنَّهَا في الجُمْلَة خير من إيراد الحديث معضلا.
رابعها: المُناولة، والمُراد بالمناولة أن يعطي الشيخ تلميذه كتابا أو حديثا مكتوبا ليقوم بأدائه أو روايته عنه. وهي على صوَر متعدِّدة تتفاوت قوَّةً وضعفًا؛ فأعلى صوَرها وأقواها أن يناول الشيخُ تلميذَه الكتاب أو الحديث المكتوب، ويقول له: قد ملَّكتُك إِيَّاهُ، أو أجَزْتُك بروايته، فخُذه مِنِّي واروه عَنِّي (2). وتُسمَّى هاته الصورة مناولة مع الإجازة. وقد جعلها بعضهم أرفع من السماع، لأَنَّ الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه، وأثبت لِما يدخل من الوهم على السامع والمستمع.
ويقول الإمام النوويُّ وَهُوَ يفصِّل هَذِهِ القَضِيَّة: «والصحيح أَنَّهَا منحطَّة عن السماع والقراءة» (3) على الصحيح.
ويُقارب “المناولة مع الإجازة” أن يقول الشيخ لتلميذه: «خُذ هذا
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص155.
(2) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج 1، ص 357. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص146.
(3) - ... السيوطي: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، ج2، ص47. ابن كثير: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج 1، ص 359. (1/75)
صفحة 96
الكتاب فانسخه وراجعه وصحِّحْه ثُمَّ ردَّه إِليَّ» (1) واروِه عليَّ. وهذه أحسن من التي سبقتها، لأَنَّ المشايخ كثيرا ما يفعلون هذا مع نُجباء تلامذتهم.
ودون هاتين الصورتين أن يأتي التلميذ شيخه بكتاب من سماع غيره، فيأخذه الشيخ منه ويتأمَّله ثُمَّ يقول له: «اِرْوِ هذا عَنِّي» (2)، وهذا غير مقبول، قيل: لأَنَّ بعد شيوع كُتب الحديث وطبعها والتعليق عليها فهو جائز، لأَنَّ الكتاب هو منسوب لمؤلِّفه لا لشيخه.
وإِمَّا أن يأتي التلميذ لشيخه بكتاب يلتمس منه أن يُناوله إِيَّاهُ، فيجيبه الشيخ إلى رغبته دون أن ينظر في الكتاب أو يراجعه أو يقابله، فهذه الإجازة غير مقبولة (3).
خامسها: المكاتبة، هي أن يكتب الشيخ بخطِّه أو يكلِّف غيره بأن يكتب عنه بعض حديثه لشخص حاضر بين يديه يتلقَّى العلم عليه، أو لشخص غائب عنه أرسل الكتابة إليه (4). وقوَّة الثقة بها لا يتطرَّق إليها شكٌّ بالنسبة إلى الحاضر المكتوب له، لأَنَّهُ يرى بنفسه خطَّ الشيخ أو
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص146. ابن كثير: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج 1، ص 357.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص147. السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص46.
(3) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص49.
(4) - ... قارن بتدريب الراوي للسيوطي، ج 2، ص 55. وعلوم الحديث لابن الصلاح، ص173. (1/76)
صفحة 97
خطَّ كاتبه بحضور الشيخ وإقراره. وَأَمَّا بالنسبة إلى الغائب المكتوب له فإنَّ الثقة بالمكاتبة لا تضعف خلافا لِمَا يتبادر إلى الذهن لأَوَّلِ وهلة، لأَنَّ أمانة الرسول كافية في اقتناع المرسَل إليه بأنَّ المكتوب من خطِّ الشيخ أو خطِّ الكاتب عن الشيخ (1). وفي هذه الحالة يُشترط أن يكون الكاتب والرّسول ثِقَتَيْن عَدْلَيْنِ.
وقد شدَّد بعضهم فاشترط في “المكاتبة” أن تكون مقرونة “بالإجازة”، إِلاَّ أَنَّ البخاريَّ يروي في كتاب “الأيمان والنذور” أَنَّهُ كتب إلى مُحَمَّد بن بشار وروى حديثه (2).
وَهَذَا مسلم يقول في “صحيحه” إَنَّهُ كتب إِلىَ جابر بن سمرة مع غلامه نافع أنْ أَخْبِرْني بشيء سمعته عن رسول الله ?، فكتب إليه يقول: «سمعت من رسول الله ? يوم جمعةٍ عشية رُجِمَ الأسلميُّ ... » الخ (3) الحديث.
ولمثل هذا أجازوا الكتابة بلا إجازة إِلاَّ أَنَّ الكتابة مع الإجازة أقوى. بل ذهب بعضهم إلى ترجيح المُكاتَبة المقرونة بالإجازة على السماع نفسه (4).
__________
(1) - ... يقول ابن الصلاح: «والظاهر أَنَّ خطَّ الإِنسَان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه إلباس». ابن الصلاح: علوم الحديث، ص174.
(2) - ... صحيح البخاري: كِتَاب الأيمان والنذور (10) باب عهد الله عَزَّ وَجَلَّ، رقم 6283.
(3) - ... صحيح مسلم، كِتَاب الإمارة (1) باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، رقم 10 (1822).
(4) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج 1، ص 362. (1/77)
صفحة 98
ولا يجوز للمؤدِّي من طريق الكتابة أن يقول: «سمعتُ» أو «حدَّثني» أو «أخبرني» إطلاقا، لِما في هذه الألفاظ من إيهام السامع. إِلاَّ إن صاحَبَتِ الكتابةَ الإجازةُ.
سادسا: الإعلام، يُراد بالإعلام اكتفاء الشيخ بإخبار تلميذه بِأَنَّ هذا الحديث من مرويَّاته أو من سماعه من فلان من غير أن يصرِّح بإجازته له في أدائه (1)؛ والأكثرون على جواز هذه الصورة من صوَر التحمُّل، مادامت الثقة بالشيخ متوفِّرة، لأَنَّ هذه الثقة تمنعه من أن “ يُعلِم ” تلميذه بما ليس من مرويَّاته، وبمجرَّد إعلامه إِيَّاهُ بما صَحَّ سماعه يومئ إلى رضاه عن تحمُّله له وأدائه. إِلاَّ إن منعه الشيخ من أداء ما سمعه منه قائلا له: «هذه سماعاتي أو هذه مرويَّاتي، وَلَكِنِّي أمنعك من روايتها عَنِّي» أو «لا أبيحها لك» أو «لا أُجيزها لك» أو نحو ذلك، لأَنَّ الشاهد الثاني لا تَصِحُّ شهادته عن الشاهد الأَوَّل إِلاَّ إذا أذِن له الشاهد الأَوَّل بذلك» (2) كما هو مُقرَّر في كتب الفقه.
سابعًا: الوَصِيَّة، الوَصِيَّة صورة نادرة من صوَر التحمُّل، يُرادُ بها تصريح الشيخ عند سفره أو على فراش موته أَنَّهُ أوصى لفلان بكتاب مُعيَّن كان يرويه (3). فقد أباح بعض السَّلَف للشخص الموصى له رواية
__________
(1) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص58.
(2) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث، ج 1، ص 364.
(3) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص 60. (1/78)
صفحة 99
ذلك الكتاب عن الموصِي، لأَنَّهُمْ رأوا في هذه الوَصِيَّة شَبَهًا من “الإعلام” وضربا من “المناولة”. فكَأَنَّ الشيخ بوصيَّته هذه قد ناول تلميذه شيئا مُعَيَّنا، وأعلمه بِأَنَّهُ من مرويَّاته، غير أَنَّ ألفاظه لم تكن واضحة في ذلك (1).
وهؤلاء المسوِّغون في الوَصِيَّة يعترفون مع ذلك بِأَنَّهَا من أضعف صوَر التحمُّل، فهي دون المناولة والإعلام.
وابن الصلاح لا يرى وجها للمشابهة بين “الوَصِيَّة” من جانب، وبين “المناولة” و“الإعلام” من جانب آخر، ويقول: «وقد احتَجَّ بعضهم لذلك فشبَّههُ بقسم “الإعلام” وقسم “المناولة”، ولا يَصِحُّ ذلك» (2).
وعلى الموصَى له عند أدائه أن يلتزم عبارة الموصي، فلا يزيد عليها ولا ينقص منها، لأَنَّ الوَصِيَّة بالعلم كالوصيَّة بالمال، يجب أن تكون معروفة المعالم، مُعَيَّنة المِقدار، كما قرِّر في الفقه: «على الموصي البيان، وعلى الموصَى له الاِتِّباع» (3).
ثامنا: الوِجادة، الوِجادة بكسر الواو مصدر مولَّد غير مسموع من العرب. اِصطلح المحدِّثون على إطلاقه على أخذ العِلم من
__________
(1) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث، ج 1، ص 365.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص177.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص178. (1/79)
صفحة 100
صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة (1)، وذلك إذا وجد الشخص حديثا بخطِّ شيخ كان قد لقيه فألِفَ خطَّه وعرفه ووثق به، أو لم يلقه وَلَكِنَّهُ استيقن من أَنَّ هذا المخطوط صحيح النسبة إليه، وكذلك إذا وجد بعض الأحاديث في كتب مشهورة لمؤلِّفين مشهورين، فالشخص الذي تقع يده على شيء من هذا أن يرويه عن الشيخ على سبيل الحكاية، فيورد إسناد الحديث كما وجده، ويقول: «وجدت بخطِّ فلان» أو «بخطٍّ يغلب على ظنِّي أَنَّهُ خطُّ فلان»، أو في الصحيح المشهور من الكتب الصِّحاح. ويسوق الحديث مثلما كان يصنع عبد الله بن أحمد بن حنبل، فَإِنَّهُ كان يقول: «وجدت بخطِّ أبي: حدَّثنا فلان ... » إلخ السَّنَد والمتن (2).
ولا يجوز للراوي بالوِجادة عند أدائه أن يقول: «عن فلان»، أو «حدَّثنا»، أو «أخبرنا فلان»، أو «سمعت منه»، أو «وجدت بخطِّه» وهو شاكٌّ في ذلك، فهذا كلُّه تدليس قبيح، وكذِب صريح، ولا يأتي بما يوهم سماعه (3). وله أن يقول: «قال فلان» فيما روي عنه»، أو «كُتب عنه» أو نحو ذلك، أو «قيل عن فلان فيما روَوْا عنه عن فلان».
والوِجادة حين تفهم على الوجه الصحيح لا يجوز
__________
(1) - ... قارن بالتدريب، ج2، ص61 - 62.
(2) - ... د/ عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص 217.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص179. (1/80)
صفحة 101
الشكُّ في قيمتها بِأَنَّهَا صورة من صوَر التحمُّل. فجميع ما ننقله اليوم من كتب الحديث الصحيحة ضرب من الوِجادة، لأَنَّ حُفَّاظ الحديث عن طرق التلقين والسماع ونحوه أصبحوا نادرين جدًّا في حياتنا الإِسلاَمِيَّة بعد أن انتشرت الطباعة، وأضحى الرجوع إلى أُمَّهَات كتب الحديث سهلا ميسورا، مع ما صاحَب ذلك من إضافات وتعاليق وتخاريج واستدراكات. وقد سبق أن جزم ابن الصلاح: «بِأَنَّ مذهب وجوب العمل بالوِجادة هو الذي لا يتَّجه غيره في الأعصار المتأخِّرة، فإنَّه لو توقَّف العمل فيها على الرواية لانسدَّ باب العمل بالمنقول لتعذُّر شرط الرواية فيها» (1).
وقد استدلَّ للعمل بالوِجادة بالحديث الصحيح الذي روي عن رسول الله ? أَنَّهُ قال لأصحابه: «أيُّ الخَلْق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربِّهم، وذكروا الأنبياء، فقال: كيف لا يؤمنون والوحي ينزِل عليهم، قالوا: فنحن يا رسول الله، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهُركم، قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون بعدكم يجدون صُحُفا يؤمنون بها» (2). فيؤخذُ من هذا
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص181.
(2) - ... رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب المناقب، 37 (301) باب ما جاء فيمن آمن بالنَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، 16691. (1/81)
صفحة 102
مدح من عمل بالكتب المُتَقَدِّمَة بِمُجَرَّدِ الوِجادة، ولكن لاَ بُدَّ من مُراعاة التحقيق في الوِجادة، فإنَّ في الكتب أحاديث لا تَصِحُّ في المعتقَدات أو في العبادات، أو صَحَّت عند قوم ولم تصحَّح عند الآخَرين، أو كان عمل السلَف يخالفها، أعني السلَف الصالح العامل بالشريعة.
ومِن ههنا فالواجب على الآخذ من الكتب أن يكون عالِما باللغة، عارِفا بأحكام الشرع، مطَّلِعا على أُمَّهَات كتب الشريعة.
وإلى هنا انتهى الكلام في صيغ أقسام التحمُّل، وقد دخل فيها الأداء، والله أعلم. (1/82)
صفحة 103
أداء الحديث وصيغه
إِنَّ من البديهيِّ أنَّ التحمُّل يكون لأجل الأداء، لأَنَّ الشروط المطلوبة في التحمُّل كلَّها شروط صحَّة رواية الحديث من أصوله الصحيحة، وعلى القواعد التي لا يمكن مع إهمالها صحَّة الخبر الخالي من الشكِّ والكذب والغفلة أَوَّلاً.
ثانيا: لأَنَّ الرسول ? أمرنا بأداء الحديث في قوله: «بلِّغوا عَنِّي ولو آية ومن كذب عليَّ متعمِّدا فليتبوَّأ مقعده من النار» (1)، ولِما روى المحدِّثون عن زيد بن ثابت وغيره أَنَّ رسول الله ? قال: «نضَّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها كما سمعها. فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع» (2) في روايات.
وعن ابن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رسول الله ? قال: «اللَّهُمَّ ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول الله، مَن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلِّمونها الناسَ» (3).
__________
(1) - ... رواه البخاري: كتاب 64: أحاديث الأنبياء، باب 51: ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم 3274.
(2) - ... رواه الحاكم في مستدركه، كِتَاب العلم، ج1، ص 164، رقم 297 (10). ورواه أبو داود في كِتَاب العلم، باب فضل نشر العلم، رقم 3660.
(3) - ... رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب العلم، باب في فضل العلماء ومجالستهم، رقم 522. (1/83)
صفحة 104
وروى أسامة بن زيد وعليٌّ وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود وغيرهم أَنَّ رسول الله ? قال: «يَحمِلُ هذا العِلم من كُلِّ خَلَفٍ عدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين» (1) إلى غير ذلك من الأحاديث.
وكلُّ صورة من صوَر التحمُّل السابقة تقابلها صورة من صوَر الأداء، ذلك لأَنَّ ما تحمَّله الطالب في يوم ما سيؤدِّيه في وقت ما، بل إِنَّ تحمُّله أمانةَ النقل يوجب عنه أداء ما حمله من حمله، لأَنَّهُ لا فائدة من التحمُّل بغير أداء.
__________
(1) - ... رواه التبريزي في كِتَاب العلم، الفصل الثاني، رقم 248 (51). ورواه الهندي في الكنز، ج10، ص176، رقم 28918. (1/84)
صفحة 105
بَقِيَّة صيغ الأداء
وصيغ الأداء عند أهل هذا الفنِّ سبع: وهي على ثمان مراتب:
1 - صيغ الأداء
- الأولى: «سمعت» و «حدَّثني» و «أخبرني»، وهي صفات ثلاث لمرتبتين: السماع والإخبار. ثُمَّ «قرأت عليه»، وهي المرتبة الثانية. ثُمَّ «قرئ عليَّ وأنا أسمع» وهي الثالثة. ثُمَّ «أنبأني» وهي الرابعة. ثُمَّ «ناولني» وهي الخامسة. ثُمَّ «شافهني» أي بالإجازة وهي السادسة. ثُمَّ «كتب إِليَّ» أي بالإجازة، وهي الوَصِيَّة والوِجادة صفتان وهي السابعة. وهي الصّفات المتَّفق عليها. وزادوا ثامنة وهي رواية الراوي ب «عَنْ» ونحوها من الصيغ المحتملة للسماع والإجازة، ولعدم السماع أيضا، ك“الوِجادة”، وهذه مثل «قال» و «ذكر» و «روى». وأعلاها «سمعتُ» و «حدَّثني» و «قرأت عليه» سماعا وهي أرفعها وأصرحها في الإملاء لِما فيها من التثبُّت والتحفُّظ، ولا تصلح إِلاَّ لمن قرأ على الشيخ عرضا. وقالوا: عنعنة المعاصرة كالسماع، أي محمولة على السماع، بخلاف غير المعاصر فَإِنَّهَا تكون مرسلة أو منقطعة. وعنعنة المدلِّس لا تحمل على السماع وإن عاصر. وشرَط الشيخان في عنعنة المعاصِر ثُبوت اللقاء، أي لقاء الشيخ والراوي ولو مَرَّة ليحصل الأمن، وهو صنيع البخاري، وهو المختار، وَقِيلَ: غير ذلك (1).
__________
(1) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص 76 - 78. بتصرُّف. (1/85)
صفحة 106
2 - شروط المؤدِّي وآدابه
ويُشترطُ في المؤدِّي أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، حافِظا ضابطا لما في صدره إن أملاه، ولمكتوبه إن قرأ (1). وزاد أصحابنا: أن يكون ورِعًا. فهذه آداب المؤدِّي. والأداء أن يكون بالإملاء وبغيره كالتدريس مثلا. وقد وضعوا للكاتب آدابا جَمَّةً أوصلها ابن الصلاح في كتابه إلى خمسة عشر نوعا (2). وقد أطال في ذلك، فلنقتصر على المهمِّ منها.
قد تَقَدَّمَ أَنَّ أهل الصدر الأَوَّل من المحدِّثين اختلفوا في كتابة الحديث. فمنهم مَن كَره كتابة الحديث والعلم، وأمروا بحفظه. ومنهم من أجاز ذلك.
وَمِمَّن روينا عنه كراهة ذلك عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وجماعة من الصحابة والتابعين، لحديث رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله ? أَنَّهُ قال: «لا تكتبوا عَنِّي غير القرآن، ومن كتب عَنِّي شيئا غير القرآن فليمحه» (3).
وَمِمَّن روينا عنه إجازة ذلك أو فعلَه عليٌّ وابنه الحسن وأنس وعبد
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص104.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص105 وما بعدها.
(3) - ... رواه مسلم في كِتَاب الزهد والرقائق (16) باب التثبُّت في الحديث وحكم كِتَابة العلم، رقم 72 (3004). (1/86)
صفحة 107
الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر في جمع آخرين من الصحابة والتابعين، مستدلِّين على جواز ذلك بحديث أبي شاه اليمني في التماسه من رسول الله ? أن يكتب له شَيْئًا سمعه من خطبته ? عام فتح مَكَّة، فقال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اُكتبوا لأبي شاه» (1).
قلنا لَعَلَّ رسول الله ? أذِن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان. ونهى عن الكتابة عنه من وَثق بحفظِه مخافة الاِتِّكال على الكتاب. أو نهى عن كتابة ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم، وأذِن بكتابته حين أمِن من ذلك، إلى غير ذلك.
قال الأوزاعيُّ: «كان هذا العِلم كريما يتلقَّاه الرجال بينهم [مَصونا محفوظا] فَلَمَّا دخل في الكُتُب دخل فيه غير أهله» (2).
ثُمَّ إِنَّهُ زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته. ولولا تدوين الحديث في الكتب لاندرس في الأعصر المتعاقبة، لكن بقي محفوظا بفضل الكتابة.
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الحجِّ (82) باب تحريم مَكَّة وصيدها وخلالها وشجرها ولقطتها إِلاَّ لمنشد عَلَى الدوام، رقم 447 (1355).
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 182 - 183. (1/87)
صفحة 108
3 - شروط كِتَابة الحديث:
وعلى كاتب الحديث وطلبة كتابته صرْف الهِمَّة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصِّلونه بخطِّ الغير من مَرويَّاتهم على الوجه الذي رووه شكلا ونقطا، يؤْمَن معهما الاِلتباس. ولا يتهاون بذلك اتِّكالا على الحافظة وتيقُّظ الذهن، إذ قد يطرأ على ذلك أمور، فتكون العاقبة وخيمة. ويعتني الكاتب بضبط ما يلتبس من أسماء الناس أكثر، فَإِنَّهَا لا تُدرَكُ بالمعنى ولكن بالحفظ والضبط والشكل، وإن لم يشكل الكتاب. وإن لم يُمكنه ذلك في صلب الكتاب فليكتبه في الحاشية ويكره الخطُّ الدقيق والخطُّ المعلَّق.
وروي عن عمر بن الخطاب أَنَّهُ قال: «شرُّ الكتابة المشق (1)، وشرُّ القراءة الهذرمة (2)، وأجود الخطِّ أبينه». ويفصل بين الحديثين بدراة أو نقط أو نحو ذلك؛ وكذلك بين الحديثين وغيره لِئَلاَّ يختلط الحديث بغيره؛ ويقرن بين الصلاة والسلام ولا يكتفي بأحدهما، ولا يرمز لهما ب «صلعم» مثلا كما يفعل الأعاجم والمستشرقون؛ وكذلك لا يكتفي بهما نطقا لا خطًّا.
وروي عن عليِّ بن المديني (ت: 203هـ) وعبَّاس بن عبد العظيم العنبري قالا: «ما تركنا الصلاة على رسول الله في كُلِّ حديث سمعناه،
__________
(1) - ... المشق: سرعة الكِتَابة.
(2) - ... الهذرمة: السرعة في القراءة. (1/88)
صفحة 109
وَرُبَّمَا عجلنا فَنُبَيِّض الكِتَاب في كُلِّ حديث حَتَّى نرجع إِلَيْهِ» (1).
ويراعى في كتابته ما قرَّره أهل الرسم، ولا يخالفه لِئَلاَّ يحتار القارئ في ذلك أو يخطئ، فيقعُ الكذب على رسول الله ?. ويكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه، وكُنيته، ونسبه، وبما له من خلق يؤهِّله لرواية الحديث ليطمئنَّ القارئ بِصِحَّةِ المكتوب.
4 - تدريس الحديث
النوع الثاني من الأداء القراءة والتدريس والتلقين.
1 - رواية الحديث بالحفظ: ينبغي لمن يدرس الحديث أو يرويه أو يعلِّمه أن يحرص على لفظ الحديث النبويِّ، ولا يكتفي بالمعنى، لأَنَّ النبيء ? كان يحرص على تعليم الصحابة لفظ الحديث، كما فعل مع البراء بن عازب (ت: 72هـ) حين لقَّنه الدعاء الذي يدعو به عند أخذ مضجعه، وأمره بإعادته.
قال البراء بن عازب: إِنَّ النبيء ? قال: «يا براء، إذا أويت إلى فراشك طاهرا فتوسَّدْ يمينك، ثُمَّ قل: “اللَّهُمَّ أسلمتُ وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إِلاَّ إليك. أمنت بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيئك الذي أرسلتَ”». قال
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 188 - 189. (1/89)
صفحة 110
فقلت كما علَّمني، غير أَنِّي قلت: “ورسولك”، فقال بيده في صدري: «وبنبيئك» (1). وَعَلَى الأساس راح بَعض الصحابة يصححون ما يسمعونه من الرواة من تغيير اللفظ النبويِّ بالتقديم والتأخير واستبدال كلمة بمرادفها، وأشدُّهم في ذلك عبد الله بن عمر (ت: 73هـ) (2).
2 - يُستحبُّ لمن يدرس الحديث ومن يحضر مجلسه أن يتطهَّر ويتطيَّب، ويسرِّح لِحيته ويجلس متمكِّنا بوقار؛ فإن رفعَ أحد صوته فإن الشيخ ينهاه ويظهر له أَنَّهُ جالس لرواية الحديث. قال مالك لمن رفع صوته: إِنَّكَ في حضرة رسول الله ?، والله يقول: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ} [الحجرات 2]. ويُقبِل على الحاضرين كُلِّهم. ويفتتح مجلسه ويختتم بتحميد الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والتابعين، ودعاء يليق بالحال، بعد قراءة قارئ حَسَن الصوت، مُجيدًا شيئا من القرآن. ولا يسرد الحديث سردا يمنع فَهْم بعضه، لأَنَّ النبيء ? إِنَّمَا كان يحدِّث حديثا لَوْ عَدَّ عَادٌ حروفه لعدَّها، وقال القطب اطفيَّش (ت: 1332هـ/1914م) في بُردته:
__________
(1) - ... أي قال ورسولك بدلاً من نبيئك، معلِّما إِيَّاهُ إعادة الحديث باللفظ الذي سمعه.
(2) - ... وَهَذَا عندما سمع رجلا يردِّد حديث الأركان الخمسة، فقدَّم بَعضها وأخَّر بَعْضًا مخالفا بِذَلِكَ الرواية التي سمعها هو [ابن عمر] بنفسه من رَسُول اللهِ ?، فقال له: «اجعل صيام رَمَضَان آخرهنَّ كما سمعت من في رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. البغدادي: الكفاية. (1/90)
صفحة 111
في وُجوه من يقرأ الحديث ناضرة قولاً صحيحا بدا ليس بمنخرم
ويستحبُّ اغتسالٌ والوضوءُ ولَوْ تَقَدَّمَا قبل أو كان لذي صمم
من أجل درس الحديث أو روايته ومنه لا تنتصب ولو لذي همم (1)
وقد كان مالك يفغل ما تَقَدَّمَ، والبخاري يصلِّي قبل كتابة أيِّ حديث ركعتين لأداء الحديث بصورة التدريس. وللرواية والإملاء آداب قد ذكرت في المطوَّلات.
واعلم أَنَّ الصوَر الثمانية المتقدِّمة في طريقة التحصُّل تصلح لتصوير حالات الأداء، لأَنَّ الأداء هو رواية الحديث للتلميذ والمؤدِّي إلى مَن دونه كان قبل متحمِّلا حديث مَن فوقه، وعلى هذا الاِعتبار كان لاَ بُدَّ أن ينظر إلى الأداء أَنَّهُ امتداد للتحمُّل.
__________
(1) - ... القطب اطفيَّش: البردة، ص. ومطلع هَذِهِ القصيدة هو:
حمداً لمن أخرج الأشيا منَ العدم ... إلى الوجودِ لخير العرب والعجم
كتاب الدر الثمين في معجزات سيد المرسلين، ص62 وما بعدها. ط. حجرية 1393هـ/ 1973م. انظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للبغدادي، ج1، ص409 وما بعدها. (1/91)
صفحة 112
في أداء الحديث بالمعنى
اتَّفَقَ العلماء والمحدِّثون على أَنَّ الراوي إذا لم يكن عالِما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، ولا خبيرا بما يحيل معانيها، ولا بصيرا بمقادير التفاوت بينها لم يَجُز له رواية ما سمعه بالمعنى، بل يجب عليه أن يحكي اللفظ الذي يسمعه من غير تصرُّف فيه. هكذا قال ابن الصلاح والنَّوويُّ وغيرهما (1).
ولا بأس للمحدِّث أن يذكر من يروي عنه باسمه فإن كان صحابيًّا قال: «رَضِيَ اللهُ عَنهُ»، وإن كان هو وأبوه أو من روى عنه كذلك قال: «رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا»؛ وإن كان تابعًا فمن بعده ترحَّم عليه بِأَيِّ لفظ (2). فإن عُرف بكنية أو لقب أو وصف أو حِرفة أو أمٍّ عرِّف بها، كالأعمش والحنَّاط وغندر، أو أمٍّ: كابن عُيينة وإن كَرِه ذلك إذا عُرِّف به، والقصد تعريف الرواة لا العيب أو التنقيص.
__________
(1) - ... النووي: شرح صحيح مسلم (المقدمة)، ج 1، ص 155 وما بعدها.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 213. النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق إِلىَ معرفة سنن خير الخلائق، ص 156. ... القاسمي: قواعد التحديث، ص 229، وما بعدها.
ولمزيد من المعرفة، انظر: كِتَاب علل الترمذي وشرحه، ص 145، وكتاب منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر، ففيهما فوائد قيِّمة، وتوضيحات بالأمثلة لمحترزات شروط الرواية بالمعنى وما يُؤَدِّي إِلَيْهِ الإخلال بها. وَفي هَذَا الأخير تحقيق للمسالة بإيجاز، وإحالة إِلىَ مختلف المصادر من أصول الحديث وأصول الفقه، ودفع ما أثير من شبهة حول القَضِيَّة. (1/92)
صفحة 113
وإذا كان المملي يروي عن جماعة حديثا فعليه أن يذكرهم. ولا بأس إن اقتصر على شيخ معروف موثوق به إن كان أرجحهم. ويذكر السَّنَد بعلوِّه أو نزوله، ولا يروي إِلاَّ عن الثقات. ويختار ما قصر سنَده وعُرف متنه. ويُنبِّه على صِحَّة الحديث أو حسنه أو ضعفه ليعرِّف التلميذَ بذلك. وإذا أملى على تلاميذه فالواجب عليه أن يأمرهم بإعادة ما أملاه عليهم تدقيقا للفظ الحديث، لِئَلاَّ يكون كاذبا.
لكن إذا وجد الحديث بالمعنى، وكان على الصفة التي ذكرناها فلينبِّه على ذلك.
وما ذكرناه قد اتَّفَقَ عليه أرباب الفنِّ، ولكن اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف، فمنعها الكثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول، وَبَعضهم قيَّد المنع بأحاديث النَّبِيء i المرفوعة، لأَنَّ الظَّاهر ورودها بِنَصِّها، وأجازها فيما سِواها (1)، وهو فعل الإمام مالك، وروى عنه ذلك البيهقيُّ في “المدخل”.
ورُوي عن مالك أيضا أَنَّهُ كان يتحفَّظ من الباء والياء والتاء من حديث رسول الله i (2) . وبذلك قال الخليل بن أحمد رحمه الله،
__________
(1) - ... القاضي عياض: الإلماع، ص 174، 178. الإمام محب الدين عبد الشكور: فواتح الرحموت شرح مسلَّم الثبوت، ج 2، ص 167.
(2) - ... الموطَّأ للإمام مالك بن أنس، صحَّحه ورقَّمه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عَلَيْهِ محَمَّد فؤاد عبد الباقي. انظر: المقَدِّمَة، وك، زك. وانظر أَيضًا: د/ صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه، ص 85. (1/93)
صفحة 114
وَاستَدَلَّ بحديث رسول الله الوارد فيه: «رحم الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وأدَّاها كما سمِعها فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع» (1)، لأَنَّهُ إذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه. وذهب البعض إلى جوازها بمرادفها فقط. وذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي من الحَنَفِيَّة وابن عمر من الصحابة، وغير هؤلاء من المتأَخِّرين كابن الصلاح وابن كثير والنووي وأبي زهرة، إلى أَنَّ رواية الحديث بالمعنى جائزة في العصر الأَوَّل ممنوعة الآن بعد تدوين الحديث ونقله من الصحاح، لأَنَّ الأصل في الرواية أن تكون على اللفظ المسموع منه i كما مَرَّ، إِلاَّ إذا نسي اللفظ جازت الرواية بالمعنى على سبيل التخفيف على الوُعَّاظ وأمثالهم، لكن لاَ بُدَّ من زيادة: «أو كما قال» (2).
والمجوِّزون هم القلَّة استدلُّوا بما رووه أَنَّ رسول الله i قال للصحابيِّ القائل له: يا رسول الله إِنِّي أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤدِّيه كما أسمعه منك، يزيد حرفا أو ينقص حرفا، فقال له: «إذا لم تحِلُّوا حراما ولم تُحرِّموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس» (3). ويقول الحسن: لولا هذا ما حدَّثنا (4).
__________
(1) - ... رواه الحاكم في كِتَاب العلم، رقم 216 (9) من حديث محَمَّد بن جبير بن مطعم عن أبيه.
(2) - ... انظر: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 215. النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق، ص 156.
(3) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 99.
وقال السخاوي: «وهو حديث مضطرب لا يَصِحُّ، بل رواه الجوزاني في الموضوعات».
(4) - ... القاسمي: قواعد التحديث، ص 231. (1/94)
صفحة 115
وما رواه البيهقيُّ عن مكحول، قال: دخلتُ أنا والأزهر على واثلة بن الأسفع، فقلنا له: «يا أبا الأسفع، حدِّثنا بحديث سمعته عن رسول
الله i ليس فيه مزيد ولا نقصان»، فقال: هل قرأ أحدكم من القرآن شيئا؟ قلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جِدًّا. إِنَّا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهُركم لا تالونه حِفظا، وأنتم تزعمون أَنَّكُم تزيدون وتنقصون فكيف بالأحاديث سمعناها من رسول الله i عسى أن لا يكون سمعناها منه إِلاَّ مَرَّة واحدة؟ حسبكم إذا حدَّثتكم بالحديث على المعنى (1) في روايات أخرى.
والصحيح المنع، لأَنَّ الحديث صدر من رسول الله i الذي أوتي جوامع الكلِم، فلكلامه بِنَصِّه رونق النبوَّة.
وإلى المنع ذهب ابن الصلاح وغيره (2)؛ ومن المتأخِّرين ابن حجر (3) والسيوطي (4) وغيرهم.
ولا يجوز رواية حديث ملحون، لأَنَّ النبيء i مُنزَّه من اللحن. ومَن
__________
(1) - ... القاسمي: قواعد التحديث، ص 230 - 231.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 213. النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق، ص 156. القاسمي: قواعد التحديث، ص 231.
(3) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 50.
(4) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 98. (1/95)
صفحة 116
رواه ملحونًا فقد كذب على رسول الله i (1) .
وهل يجوز تقطيع الحديث؟ فقد اختلف في الجواز والمنع. فمن جوَّز ذلك نظر إلى البخاري فَإِنَّهُ يقطع الحديث فيروي في كُلِّ باب جزءًا منه لما يحتاجه. ومَن مَنَعه نظر إلى فعل مسلم فَإِنَّهُ لا يفعل ذلك بل يرويه تامًّا (2). وقد صحَّح البيهقيُّ الجواز إذا لم يكن رَوَاه هو أو غيره بتمامه، وكلُّ ما رواه كاف مراده، لكن لاَ بُدَّ من تبيين ذلك للمتحمِّل.
ولأداء الحديث بالإملاء والتدريس شروط أخرى، أهملناها للاِختصار.
__________
(1) - ... النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق، ص 157.
(2) - ... القاسمي: قواعد التحديث، ص 235 - 236.
النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق، ص 157. وقال في شرحه لصحيح مسلم: «الصحيح الذي ذهب إِلَيْهِ الجماهير والمحقِّقون من أصحاب الحديث جواز رواية بَعض الحديث من العارف إذا كان ما تركه غير مُتَعَلِّق بما رواه، بحيث لا يختلُّ البيان، ولا تختلف الدلالة في تركه، سواء جوَّزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قبل تَامًّا أم لا». النووي: شرح صحيح مسلم. (1/96)
صفحة 117
علم تاريخ الرواة ونقدهم
1 - علم تاريخ الرواة
2 - علم الجرح والتعديل (1/97)
صفحة 118
صفحة بيضاء (1/98)
صفحة 119
علم تاريخ الرواة ونقدهم
أولا- علم تاريخ الرواة
1 - تعريفه:
ويُقال له أيضا علم طبقات الرواة. وهو عِلم يعرِّف طالب الحديث بطبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم من الصحابة فمَن بعدَهم، تعديلا، وتجريحا، وجهالة، ونحو ذلك. وفائدته: الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الاِطِّلاع على تلبيس التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة.
2 - تقسيم الطبقات:
أ) طبقة الصحابة:
والطبقة عند أهل هذا الفنِّ: عبارة عن جماعة اِشتركوا في السنِّ ولقاء المشايخ. وقد يكون الشخص الواحد من طبقتين باعتبارين، كأنس بن مالك، فَإِنَّهُ من حيث ثبوت صُحبته للنبيء i يُعدُّ في طبقة العشرة مثلا، لملازمته الرسول i كأحد العشرة؛ ومن حيث صِغر السنِّ يُعدُّ في طبقة مَن بعدَهم. وللمحدِّثين نظريتان:
1 - فمن نظر إلى الصحابة باعتبار الصُّحبة جعل الجميع طبقة واحدة (1/99)
صفحة 120
كما صنع ابن حبَّان.
2 - ومن نظر إليهم باعتبار قَدْر زائد، فالسبق إلى الإسلام وشهود المشاهِدِ الفاضلة جعلهم طبقات؛ وإلى ذلك جنَح محَمَّد بن سعد صاحب كتاب “الطبقات”، وكتابه أجمع ما جمع في ذلك؛ وعلى هذا جرى عمل مَن جاء بعده، فَإِنَّهُم يعرفون الراوي بما له من تلك المزايا، زيادة على تعريف شخصه.
ب) طبقة التابعين:
ثُمَّ بعد طبقة الصحابة تأتي طبقة التابعين ومَن بعدَهم، كما فعل ابن سعد.
1 - من نظر إليهم باعتبار الأخذ من بعض الصحابة فقط، جعل الجميع طبقة واحدة، كما صنع ابن حبَّان أيضا.
2 - ومن نظر إليهم باعتبار اللقاء (أعني ملازمة الصحابيِّ) قسَّمهم كما فعل ابن سعد.
3 - ومن نظر إليهم باعتبار الأفضليَّة قسَّمهم على حسبها، كما فعل الشافعيُّ، إذ فضَّل سعيد بن المسيّب لمزيَّة اللقاء. وَلِكُلٍّ من الفريقين وجه.
والمهمُّ معرفة مواليدهم ووفياتهم لأَنَّهُ بمعرفتهما يحصل الأمن من دعوى المدَّعي اللقاء والأخذ، وهو في نفس الأمر ليس كذلك، كما روى (1/100)
صفحة 121
عفير بن معدان الكلاعي، قال: قدِمَ علينا عمر بن موسى حمص، فاجتمعنا إليه في المسجد، فجعل يقول حدَّثنا شيخكم الصالح، فَلَمَّا أكثر قلت له: مَن شيخنا الصَّالح هذا؟ سمِّه لنا نعرفه، فقال: خالد بن معدان، قلت له: في أيِّ سنة لقيته؟ قال: لقيته سنة ثمان ومائة، قلت: فأين لقيته؟ قال: لقيته في غزاة أرمينية، فقلت له: اِتَّق الله يا شيخ ولا تكذب، مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أَنَّكَ لقيته بعد موته بأربع سنين، وأزيدك أخرى أَنَّهُ لم يغز أرمينية قطُّ، كان يغزو الروم (1).
قال سفيان الثوريُّ: «لَمَّا استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ» (2).
ومن المهمِّ أيضا معرفة بلدانهم، ومكان استقرارهم ورحلاتهم، وفائدته الأمن من تداخل الأسماء إذا اتَّفَقَا، لكن افترقا في النسبة.
ومن المهمِّ أيضا معرفة أحوالهم تعديلا وتجريحا وجهالة، لأَنَّ الراوي إِمَّا أن نعرف عدالته فنأخذ عنه، أو نعرف فسقه فلا نأخذ عنه، أو لا نعرف عنه شيئا فنجهله. فيجب علينا التوقُّف من الأخذ عليه حَتَّى نعرف حاله.
3 - أَهَمِّيَّته وأقسامه:
ولهذا العلم أَهَمِّيَّة عظمى، بل هو من أهمِّ علوم الحديث شأنا،
__________
(1) - ... صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه، ص70.
(2) - ... البغدادي: الكفاية، ص193. العراقي: فتح المغيث، ج4/ص133. محمد عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص225. (1/101)
صفحة 122
ذلك لأَنَّ علم الحديث يتناول دراسة السنَد والمتن كما تَقَدَّمَ.
ورجال السند هم الأشخاص، رواة الحديث، فهو موضوع عِلم الرجال، الذي يُكوِّن أحد جانبيْ علم الحديث.
وهذا العلم ينقسم إلى قسمين عظيمين: عِلم تاريخ الرواة وهو هذا. وعِلم الجرح والتعديل، والذي سنتكلَّم عنه إن شاء الله بعد فراغنا من علم تاريخ الرواة.
فَلَمَّا كان علم تاريخ الرواة يشمل كلَّ مَن نأخذ عنه من رُواة الحديث عن النبيء i، ولو شيئا قليلا، وهو يمثِّل الرعيل الأَوَّل من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم، فلنبدأ بتعريف الصحابيِّ، لأَنَّ الصحابة هم السلسلة الأولى من الرواة. فمن هو الصحابيُّ؟
4 - معرفة الصحابة:
تَقَدَّمَ الحديث سابقا عن كَيفِيَّة تلقِّي الصحابة الرواية عن رسول الله i، وكيف كانت مبادرتهم للعمل بما جاء فيها. فمن هو الصحابيُّ؟
اختلف العلماء على من يُطلَق عليه اسم الصَّحابيِّ.
تعريفه:
والصحابيُّ عند المحدِّثين: كلُّ مسلم رأى رسول الله i فهو من الصحابة. قال البخاريُّ في صحيحه: «من صحب النبيء i أو رآه من (1/102)
صفحة 123
المسلمين فهو من أصحابه» (1).
وعن أبي مظفَّر السمعاني المرْوَزي: «أَنَّ أصحاب الحديث يطلقون الصحابيَّ على كُلِّ من روى عنه حديثا أو كلمة؛ ويتوسَّعون حَتَّى يعدُّون مَن رآه رؤية فقط من الصحابة. وهذا لِشَرف النبيء i، أَعطَوْا كلَّ مَن رآه حُكم الصُّحْبة» (2).
وَأَمَّا من جهة اللغة والظاهر فَإِنَّهُ يقع على من طالت صُحبته للنبيء i، وكثُرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه، [ولم يُنافق أو يرتدَّ]. قال: «وهذا طريق الأصوليِّين» (3) وأرباب علوم الحديث.
قال ابن الصلاح: «ويُؤَيِّد ما روينا عن سعيد بن المسيّب أَنَّهُ كان لا يَعدُّ من الصحابة إِلاَّ من أقام مع رسول الله i سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين؛ وهذا راجع إلى ما يُحكى عن الأصوليِّين وأهل الحديث، لكن في هذه العبارة ضيق يوجب أن لا يُعدَّ مِن الصحابة جرير بن عبد الله البجلي، والنعمان بن البشير، ومن شاركهما من صغار الصحابة في فَقْدِ ظاهرِ ما اشترطه فيهم مِمَّن لا
__________
(1) - ... البغدادي: الكفاية، ص99.
(2) - ... انظر: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 293. السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص208. السخاوي: فتح المغيث، ج4، ص77.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 293. (1/103)
صفحة 124
نعرف خلافا في عدِّهم من الصحابة؛ قال: وروينا عن شعبة عن موسى السَّبلاني وأثنى عليه خيرا؛ قال: أتيت أنسَ بن مالك فقلت له: هل بقي من أصحاب رسول الله i أحد غيرك؟ قال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، فَأَمَّا مَن صحبه فلا. وإسناد هذا الحديث جيِّد» (1).
وقال ابن حجر العسقلاني في “الإصابة”: «أصحُّ ما وقفت عليه في تعريف الصحابيِّ “أَنَّهُ مَن لقي النبيء i مؤمنا ومات على ذلك فهو الصحابيُّ؛ روى عنه أو لم يروِ، وغزا معه أو لم يغز» (2).
ثُمَّ إِنَّ كون الواحد صحابيًّا، تارةً يُعرَف بالتواتر وتارةً بالاِستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارةً بأن يُروى عن أحد الصحابة أَنَّهُ صحابيٌّ، وتارةً بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثُبوت عدالته بِأَنَّهُ صحابيٌّ، مثل قوله: سمعتُ رسول الله i، أو رأيته، أو قال لي، ونحو ذلك.
5 - هل الصحابة كلّهم عدول؟
فلا نسأل عن عدالة أحدهم لكونهم على الأطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسُّنَّة وإجماع مَن يعتدُّ به في الإجماع من الأيمَّة، وهذا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، ومعهم قطب الأيمَّة الشيخ
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 293 - 294.
(2) - ... ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، ج 1، ص 10. (1/104)
صفحة 125
اطفيَّش (1)، إذ يقول في كِتَابه وفاء الضمانة: «الصحابة كلُّهم في الولاية، لأَنَّهُم تحت الإمام العدل، وهو النبيء i وتحت الصدِّيق والفاروق، فيستصحب حالهم ذلك في زمان الفتنة، ولمدح النبيء i لهم، إِلاَّ مَن حضر الفتنة وزلَّ فيها ولم يتب، ولا يبرأ مِمَّن توقَّف، لأَنَّ التوقُّف هو الواجب عليه، إذ لم يدرك الحقَّ» (2) ... الخ.
والظاهر أَنَّ كلامه رحمه الله في الوَلاية والبراءة، أَمَّا من جهة عدالة الرواية فلا شَكَّ أَنَّ جمْعنا يروون عنهم ويعدِّلونهم. ومن ذلك رواية جابر في مُسنَد الربيع، ومدح الشيخ عمر التندميرتي (3) في
__________
(1) - ... امحَمَّد بن يوسف بن عيسى اطفيَّش الحفصي العدوي الجزائري (1821 - 1914م)، قطب الأَيمَّة، علاَّمة بالتفسير والفقه واللغة، إباضيُّ المذهب، مجتهد، نشأته ووفاته في بلدة يسجن (من وادي ميزاب) له أكثر من ثلاثمائة مُؤَلَّف، منها: تيسير التفسير، تحت الطبع والتحقيق، وجامع الشمل -ط- في الحديث، وشرح كِتَاب النيل وشفاء العليل -ط- ... وغيرها.
الزركلي: الأعلام، ج7، ص156. (بتصرف)
(2) - ... القطب اطفيَّش - رَحِمَهُ اللهُ -: وفاء الضمانة، ج 3، ص 406.
(3) - ... الشيخ عمرو بن عيسى التندميرتي (ت: 1321هـ) عالم وشاعر وكاتب، من مواليد تندميرة بجبل نفوسة بليبيا. تعلَّم في مسقط رأسه، ثُمَّ عَلَى يد الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني، ترك عِدَّة مُؤَلَّفَات، منها “ كِتَاب في علم التجويد ” و“ كِتَاب في الخلافات الواقعة بين المذاهب الإِسلاَمِيَّة والمبادلات المذهبيَّة ” و“ منظومة في علم التجويد ” و“ ديوان في مدح الرَّسُول i ” تحت عنوان: “ القلائد الدريَّة ” ... وغيرها.
جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة (النسخة التجريبيَّة)، ج4، ص490، رقم743. (1/105)
صفحة 126
مُخمَّسته (1)، إذ رضي عن العشرة بأسمائهم، وفيهم طلحة والزبير وعليٌّ وعثمان. والشيخان متعاصران، وشهادتهما كافية في الشأن. وغالب علماء المغرب يعدِّلونهم في رواية الحديث كَمَا سبق عن جابر بن زيد، وخالفهم بعض العمانيِّين.
والنصوص التي أورَدَها ابن الصلاح هي قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران 110]، والمخاطَبون هم الصحابة بالأسبقيَّة. قال: «اتَّفَقَ المفسِّررون أَنَّهَا وارِدة في أصحاب رسول الله i ؛ وقال أيضا: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالذِينَ مَعَهُ, أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح 29]، وقال: {لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ} [التوبة 117]» (2).
ونصوص السنَّة الشاهدة بذلك كثيرة. منها حديث أبي سعيد المتَّفَق على صِحَّته، أَنَّ رسول الله i قال: «لا تسبُّوا أصحابي فَوَالذي نفسي بيده لو أَنَّ أحدَكم أنفق مثل أُحُد ذهبا ما أدرك مُدَّ
__________
(1) - ... ديوان الشيخ عبد الله الباروني وتلميذه الشيخ عمر بن عيسى التندميرتي، ص111.
وقصيدته هَذِهِ، أو المخمَّسة وضعها في الصلاة عَلَى خير البريَّة بكرة وعشيَّة، تحتوي عَلَى 41 مقطوعة، ومطلعها:
الحمد لله رَبِّ الجنِّ والبشر ... حمدا يدوم دوام الشمس والقمر
عدد النبات وعدد الرمل والحجر
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 294 - 295. (1/106)
صفحة 127
أحدهم ولا نصيفه» (1). وما رواه عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله i: « اللهَ اللهَ في أصحابي! لا تتَّخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبَّهم فبحُبِّي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببُغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى اللهَ يوشك أن يأخذه» (2) ... إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الوارِدة.
وقال: وَكَأَنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نَقَلَة الشريعة. قلت: وهذا مذهب أهل الفنِّ.
فتنة الصحابة:
وقالوا: إِنَّ ما شجر بينهم بعد النبيء i، فمنه ما وقع من غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اِجتهاد كيوم صِفِّين. والاِجتهاد وإن أخطأ صاحِبُه فهو معذور.
وقال ابن الصلاح أيضا: «وقد شان ابن عبد البرِّ في كتابه “ الاِستيعاب ” بذكر ما شجَر بين الصحابة مِمَّا تلقَّاه عن كُتب
__________
(1) - ... رواه أبو داود في كِتَاب السنَّة، باب في النهي عن سبِّ أصحاب رَسُول اللهِ i، رقم 4658. ورواه الترمذي في كِتَاب المناقب (59) رقم 3861، من حديث أبي سعيد الخدرين وقال: حديث حسن صحيح.
(2) - ... رواه الترمذيُّ في كِتَاب المناقب (59) رقم 3862، من حديث عبد الله بن المغفل، وقال أبو عيسى: هَذَا حديث غريب لا نعرفه إِلاَّ من هَذَا الوجه. (1/107)
صفحة 128
الإخباريِّين وغيرهم» (1).
وقالت المعتزلة ومَن ذهب مذهبهم: الصحابة عدول إِلاَّ مَن قاتَل عليًّا.
وقال بعضهم: هم عُدول قبل الفتنة، أَمَّا بعدها فهم كغيرهم يُسأل عن حالهم.
تفاضل الصحابة:
ثُمَّ إِنَّ الصحابة متفاوِتون في الفضل، فأفضل الناس بعد الأنبياء على الإطلاق أبو بكر باتِّفاق المسلمين، خلافًا للشيعة الغالين، ثُمَّ بعدَه عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ بعدهما عثمان، ثُمَّ عليٌّ، لاِتِّفاق الصحابة على اِستخلافهم على الترتيب؛ وقد خالف بعضٌ ففضَّلوا عليًّا على عثمان. ثُمَّ بعدهم باقي العشرة، وهم: سعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجرَّاح؛ ثُمَّ بعدهم أهل بدْر، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ ثُمَّ أهل أُحُد، ثُمَّ أهل بَيْعة الرِّضوان بالحديْبيَّة. ومنهم من جعل أهل بيْعة العقَبة قبل أهل بيعة الرِّضوان، وهم مِمَّن لهم مزيَّة فضل على غيرهم. وهم جميعا السابقون الأَوَّلُونَ من المُهاجرين والأنصار.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 292. ابن عبد البر القرطبي: الاستيعاب في أسماء الأصحاب، ج1، ص4. (1/108)
صفحة 129
6 - طبقات الصحابة:
وقد قسَّموا الصحابة إلى اِثنتي عشرة طبقة مُرتَّبة في كتاب “ معرفة علوم الحديث ” للحاكم النيسابوري (1). وقد روى عن النبيء i مِمَّن رآه من المسلمين نحو سِتِّينَ ألْفًا. وأكثر الصحابة رِواية للحديث: أبو هريرة، فقد ذكرَ ابن الجوزيِّ أَنَّ أبا هريرة روى عن النبيء i أربعة وسبعين وثلاثمائة وخمسة آلاف حديث (5374). وعائشة وعدد أحاديثها: عشرة ومائتان وألفا حديث (2210). وأنس بن مالك: سِتًّا وثمانين ومائتين وألفَا حديث (2286). وعبد الله بن عَبَّاس وأحاديثه: سِتُّونَ وسِتُّمائة وألْفَا حديث (2660). وعبد الله بن عمر: ثلاثون وستُّمائة وألْفَا حديث (2630). وجابر بن عبد الله: ألفًا وخمسمائة وأربعون حديثا (1540). وأبو سعيد الخدري: سبعون ومائة وألف حديث (1170). وعبد الله بن مسعود: ثمانية وأربعون وثمان مائة حديث (848). وعبد الله بن عمرو بن العاص سبعمائة حديث (700).
أَمَّا آخر الصحابة موتًا هو أبو الطفيل عامر بن واثلة بن الأسفع، مات سنة مائة، وقيل: واثْنتان، وقيل: وسبعة، وقيل: وعشرة (2). وآخِر من مات منهم بالمدينة أنس بن مالك.
__________
(1) - ... الحاكم النيسابوري: كِتَاب معرفة علوم الحديث، ص 32 وما بعدها.
(2) - ... والأخير من الأقوال هو الصحيح، كما أثبته ابن حجر في التقريب، ج1، ص271، رقم3197، ومثله في التهذيب، ج4، ص171، رقم319. وسبق لِذَلِكَ الذهبي. وانظر: التدريب، ج2، ص228. (1/109)
صفحة 130
وأكثر الصحابة فُتيا سِتَّة: عبد الله بن عَبَّاس، وهو أكثرهم على الإطلاق، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أمُّ المؤمنين» (1). وزاد ابن الصلاح: «زيد بن ثابت» (2).
وأَعْلم الصحابة سِتَّة: عمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالب، وأُبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وعبد الله بن مسعود.
واختلف الناس في أَوَّلهم إسلاما، فقيل: أبو بكر الصدِّيق، روى ذلك ابن عَبَّاس وحسَّان بن ثابت وإبراهيم النخعي وغيرهم، وهو الأشهر. وقيل: عليٌّ، رُوي ذلك عن زيد بن أرقم وأبي الدرداء والمقداد وغيرهم. وقيل: زيد بن حارثة. وكلُّ هؤلاء بعد خديجة رَضِيَ اللهُ عَنهُم؛ يَدُلُّ على ذلك خبر جبريل وذهابها معه i في أَوَّل البعثة، وهو قول ابن عَبَّاس والزهريِّ وقتادة ومحمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب “ المغازي ”، وجماعة. وقال الثعلبيُّ المفسِّر: إِنَّ ذلك إجماع (3).
قال ابن الصلاح: «والأورع أن يُقال: أَوَّل من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصِّبيان أو الأحداث عليٌّ، ومن النِّساء خديجة،
__________
(1) - ... وَهُوَ قَول ابن حزم، انظر: التدريب، ج2، ص218.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 297.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 299 - 300. السيوطي: التدريب، ج2، ص222، وما بعدها. (1/110)
صفحة 131
ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بِلال» (1). وما ذكرتُ عن الصحابة هنا قطرة من بحر. وقد أُلِّفت كُتبٌ كثيرة في تراجم الصحابة وأعمارهم ووفياتهم، وما قاموا به من نُصرة الدين؛ وأكثرها جمعا: “ الإصابة في تمييز الصحابة ” للحافظ ابن حجر العسقلاني، وَالله أعلم.
7 - معرفة التابعين:
وهو الفرع الثاني من سلسلة الرُّواة. فمن هو التابعيُّ؟
تعريفه:
اِختلف أهل الفنِّ في تحديده، فقال الخطيب البغداديُّ: «هو من صحب صحابيًّا، ولا يُكتفى فيه بمجرَّد اللقاء، بل لاَ بُدَّ من الصُّحبة، بخلاف الصحابيِّ مع النبيء i، وذلك لشرف منزلة النبيء i، فالاِجتماع به ولو مَرَّة يُؤَثِّرُ في النور القلبيِّ أضعاف ما يؤثِّره الاِجتماع بالصحابيِّ وغيره من الأخيار» (2).
وقال الحاكم: «يكفي في التابعيِّ لقاؤه بالصحابيِّ، وإن لم يصحبه» (3).
قال النوويُّ وابن الصلاح: «هو الأقرب» (4).
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 300.
(2) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص234.
(3) - ... الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 42. السيوطي: التدريب، ج2، ص234.
(4) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 302. النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق، ص 199. (1/111)
صفحة 132
وقال العراقي: «وعليه عمل أكثر أهل الحديث» (1). فقد ذكر مسلم وابن حبَّان الأعمش في طبقة التابعين. قال ابن حبّان: «أخرجاه في هذه الطبقة لأَنَّ له لقيا وحفظا رأى أنسا، وإن لم يَصِحَّ له سماع المسنَد عنه».
وقال الترمذيُّ: «لم يسمع أحدا من الصحابة، وعَدَّه أَيضًا فيهم الحافظ عبد الغنيِّ، وعَدّ فيهم يحيى بن أبي كثير، لكونه لقي أنسا، وموسى بن أبي عائشة لكونه لقي عمرو بن حريث».
واشترط ابن حبَّان أن يكون رآه في سِنِّ مَن يحفظ عنه؛ فإن كان صغيرا لم يحفظ فلا عِبرة برؤيته، بخلاف الصحابيِّ مع النبيء i، ومثَّلوا على ذلك بخلف بن خليفة، وإن رأى عمرو بن حريث، فهو من أتباع التابعين.
قال الحاكم: «معرفة التابعين يشتمل على علوم كثيرة، فَإِنَّهُم على طبقات في الترتيب حِفظا وعدالة وعِلما؛ ومهما غفل الإنسان عن هذا العلم لم يفرِّق بين الصحابيِّ والتابعيِّ، إذ يكفي في الصحابيِّ الصُّحبة فقط لتعديل الله لهم كما سبق، بخلاف التابعين. ثُمَّ لم يفرِّق بين التابعي وتابع التابعيِّ، وإن مدَح الله الجميع في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اَتَّبَعُوهُمْ» [التوبة 100]. كما مدحهم النبيء i بقوله: «خيرُ القرون قرني، ثُمَّ الذين يلونهم ... » (2).
__________
(1) - ... العراقي: فتح المغيث، ج4، ص145 وما بعدها. السيوطي: التدريب، ج2، ص235.
(2) - ... الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 41. (1/112)
صفحة 133
قال ابن الصلاح: «مُطلق التابعيِّ مخصوص بالتابع بإحسان» (1). وهل أراد [بالإحسان] الإسلام في التابعيِّ، فإن كان فواضح، وإن شرط الكمال فإنَّ السيوطيَّ (2) قال: إِنَّهُ لم ير من اشترطه في حدِّ التابعيِّ، والآية تشير لذلك».
وقال ابن الصلاح: «معرفة الصحابة والتابعين أصل أصيل، يُرجع إليه في معرفة المرسَل والمسنَد» (3).
وقد جعلهم الحاكم خمسة عشر طبقة، ومسلم ثلاث طبقات، وابن سعد أربع طبقات (4). فعدَّ في الطبقة الأولى قومًا لحقوا العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وهم: قيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن عباد، وأبو ساسان حصين بن المنذر، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو رجاء العطاردي، وغيرهم. وعَدَّ فيهم سعيد بن المسيّب غلَطًا، وليس منهم، لأَنَّهُ وُلد لسنتين بقِيَتا من حياة عمر بن الخطَّاب. وصحَّح العلماء أَنَّ مِن الذين ذَكَرهم لم يَسمع أحدٌ منهم من العشرة إِلاَّ قيس بن أبي حازم لم يُشاركه في هذا أحد.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 203. العراقي: فتح المغيث، ج4، ص148.
(2) - ... السيوطي: التدريب، ج2، ص235.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 203.
(4) - ... الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 42. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص302. السيوطي: التدريب، ج2، ص235. (1/113)
صفحة 134
والطبقة الثانية مَن وُلِدوا في حياة الرسول i ولم يروه ولم يسمعوا منه، كأبي أمامة، ومحمَّد بن أبي بكر الصدِّيق، وعبد الله بن أبي طلحة، وغيرهم مِمَّن وُلِدوا في حياة الرسول ولم يروه، وكانوا صِغارًا، كمحمَّد بن أبي بكر، فَإِنَّهُ وُلِد في الشجرة في طريق مَكَّة عند الرجوع من حَجَّة الوداع، وعاش بعدها رسول الله i مائة يوم.
ثُمَّ الطبقة الثالثة وعَدَّ فيهم الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، ومسروق ونحوهم.
والطبقة الرابعة وعَدَّ فيهم الشعبيَّ، وشريح بن الحارث، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة. ومن عَدَّ في الخمسة عشرة طبقة آخرهم مَن لقي أنس بن مالك.
وأفضل التابعين عندنا هو جابر بن زيد الأزدي المولود في خلافة عمر بن الخطاب، والمتوفَّى سنة 93 هجريَّة على الصحيح، لأَنَّهُ فقيه المذهب ومحدِّثه، وثقةٌ عند جميع أصحاب السنن.
وعند أهل الفنِّ سعيد بن المسيّب، وهو من الفقهاء السبعة من المدينة. والفقهاء السبعة مع ابن المسيّب: القاسم بن مُحَمَّد، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعُبيد بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار.
قال الحافظ أبو عبد الله: هؤلاء الفقهاء السبعة عند الأكثر من علماء (1/114)
صفحة 135
الحجاز (1)، وفي تعداد أسمائهم خلاف في هذا العدِّ، مع
الإبدال في بعضهم.
فقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب لقول أهل المدينة ذلك والشافعي، وقيل: أُوَيس القرني، وهو مذهب أهل الكوفة، لحديث يروونه في شأنه عن رسول الله i. وأهل البصرة يقولون: الحسن البصري. وأهل مَكَّة يقولون: عَطاء، لأَنَّهُ
مفتي مَكَّة (2).
وسيِّدات التابعين من النساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وأمُّ الدرداء الصغرى (3). وقد وقع الغلَط للمؤرِّخين وأهل التراجم في عَدِّ بعض الصحابة من التابعين والتابعين من الصحابة، كما قال الحافظ ابن حجر في “ الإصابة ”، وابن سعد في “ الطبقات ” (4)،
والله أعلم.
وقال ابن الصلاح: «طبقة تُعَدُّ في التابعين ولم يَسمع أحد منهم من
__________
(1) - ... الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 43. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص305. السيوطي: التدريب، ج2، ص240.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص305، 306.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص306. السيوطي: التدريب، ج2، ص242.
(4) - ... ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، ج1، ص4. وانظر أَيضًا: ابن الصلاح في علوم الحديث، ص306. والسيوطي في التدريب، ج2، ص242. والحاكم النيسابوري: في معرفة علوم الحديث، ص45. (1/115)
صفحة 136
الصحابة» (1). وطبقة تُعَدُّ من أتباع التابعين، وقد لقوا الصحابة (2) وسمعوا منهم» (3). المرجِع في تصحيح ذلك الكتب الصِّحاح في الشأن،
والله أعلم.
ثُمَّ طبقة المخضرَمين، واحدهم مُخضرَم بفتح الراء، وهو الذي أدرك الجَاهِلِيَّة وزمن النبيء i، لَكِنَّهُ لم يره i ولم يصحبه. والمخضرَم في اللغة شيء متردِّد بين شيئين لا يدرى من أيِّهما هو. وفي الصحاح: طعام مُخضرَم ليس حلوًا ولا مرًّا. وَقِيلَ: معناه القطع، من “خضرَموا آذان الإبل”: قطعوها. وَقِيلَ: ناقص الحسَب، كقولهم رجل مُخضرَم أي ناقص الحَسَب. وقيل: الدَّعِيُّ، والدعيُّ من نُسب إلى قوم وهو ليس منهم. والمعنى أَنَّهُ ناقص الرُّتبة عن الصحابيِّ لعدم رُؤية النبيء مع إمكانه لذلك. وفي الاِصطلاح الأدبيِّ: مَن عاصر الجَاهِلِيَّة والإسلام، وأسلموا ولا صُحبة لهم. وعَدَّهم مسلم في مُقَدِّمَة صحيحه عشرين نفسًا، وهم أكثر من ذلك، وعدَّ فيهم ابن الصلاح: أبا عمرو الشيبانيَّ، وسويد بن غفلة الكنديَّ، وعمرو بن ميمون الأوديَّ، والأحنف بن قيس ... وغيرهم.
__________
(1) - ... منهم إبراهيم بن سويد النخعي، وبُكَيْر بن أبي السَّمِيط (بفتح السين وكسر الميم) وبكير بن عبد الله بن الأشجِّ ... وغيرهم.
(2) - ... منهم أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، فقد لقي عبد الله بن عمر وأنسا، وَكَذَلِكَ هشام بن عروة، وقد أدخل عَلَى عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله ... وغيرهم.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص306. السيوطي: التدريب، ج2، ص242 - 243. (1/116)
صفحة 137
8 - معرفة تابعي التابعين:
قد خلَف هؤلاء التابعين تابعو التابعين، وهم خلَف الأخيار وأعلام الأمصار في دين الله عَزَّ وَجَلَّ، ونقلَةُ سُنَن رسول الله i وحفَظَته، وهم أهل الإتقان، والعلماء بالحلال والحرام، والفقهاء الأجلاَّء الكِرام. وقد بيَّنوا فُروض الله وأحكامه، وأمرَه ونهيَهُ؛ وهم على مراتب.
مراتبهم:
1. الثبْت، الحافظ، الورِع، المُتقِن، المجتهد، الناقد للحديث، العدْل الصادق. فهذا الذي لا يختلف فيه اِثنان. ويُعتمَد على جرحه وتعديله، ويُحتَجُّ بحديثه وكلامه في الرجال.
2. الصَّدوق الورِع الثبْت الذي يَهِم وقد قبله الجهابذة النقَّاد، فهذا يحتجُّ بحديثه.
3. الصَّدوق الورِع المغَفَّل، الغالب عليه الوَهْم والخطأ أو الغلط والسهو. فهذا يُكتبُ حديثه في الترغيب والترهيب والزهد والأدب عند مَن أجاز ذلك. ولا يحتجُّ بحديثه في الحلال والحرام.
4. الذي ألصق نفسه بهم، ودلَّسها بينهم مِمَّن ليس من أَهل الصِّدق والأمانة. وبعد البحث في مرويَّات هؤلاء ظهر للنُّقَّاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم الكذب في كلامه، فهذا يُترك حديثه وتُطرَح روايته، ولا تجوز الرواية عنه مُطلَقًا. (1/117)
صفحة 138
فمن الجهابذة النُّقَّاد الذين جعلهم الله علَما للإسلام، وقدوة في الدين، ونُقَّادًا لنَقَلَة الآثار من الطبقة الأولى في البصرة: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمَّام بن السائب، وأبو مودود حاجب الطائي، وأبو نوح صالح الدهَّان، وعبد الله بن يحيى الكندي ... وغيرهم. ومن تلامذة أبي عبيدة، الذين انتشر المذهب على أيديهم: حَمَلَةُ العِلم، كالربيع بن حبيب، وعمران بن حطَّان الشيباني. ومِن بعدِهم محبوب بن الرحيل، وأبو الخطَّاب المعافري واسمُه عبد الأعلى بن السمح، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وأبو حاتم الملزوزي، وسَلَمة بن سعد ... وغيرهم.
ومن هؤلاء الجهابذة الأعلام مَن ذَكَرهم أهل الفنِّ، كالإمام مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة بالحجاز، وسفيان الثّوري، وشعبة بن الحجَّاج وحمَّاد بن زيد بالعراق، والأوزاعي في الشام، ووكيع بن الجرَّاح، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الرحمن بن المهْدي بالبصرة، وعبد الله بن المبارك بخراسان، ومحمَّد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حنيفة النعمان ببغداد ... وغيرهم. وهؤلاء نقَلَةُ الشريعة المشهورون لمن جاء بعدَهم، وكانوا أَيمَّة في الشأن (1).
__________
(1) - ... ومن أراد التوسُّع، فعليه بكُتُب التراجم، أعني تراجم المحدِّثين، والله أعلم. (المؤلف) (1/118)
صفحة 139
ثانيا- علم الجرح والتعديل
1 - تعريفه لغة واصطلاحا:
فالجرح لغةً: مصدر جَرَحَه يُجَرِّحُه إذا أحدث في بدنه جرحًا، يسيح بسيلان الدم منه. ويُقال أيضا: جرح الحاكم وغيرُه الشاهدَ إذا عثر منه على ما تسقط به عدالته من كذِبٍ وغيره.
أَمَّا الجرح اِصطلاحًا: فهو ظُهور وصْف في الراوي يثلم عدالته، أو يُخِلُّ بحفظه وضبطه، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عليه سقوط روايته، أو ضعفها وردُّها، والتجريح: وصف الراوي بصفات تقتضي تضعيف روايته أو عدم قبولها.
أَمَّا التعديل لُغةً مأخوذ من العدل؛ وهو مِمَّا قام في النفوس أَنَّهُ مستقيم، وهو ضدُّ الجُور. ورجل عدْل، مقبول الشهادة. وتعديل الرجل: تزكيته.
واصطِلاحا: هو مَن لم يَظهر في أمر دينه ومروءته ما يُخلُّ بهما، فيُقبَل لذلك خبره وشهادته إذا توفَّرت فيه بقيَّة الشروط التي ذكرناها في أهليَّة الأداء.
والتعديل: وصفُ الراوي بصفات التزكية، فتظهر عدالته ويُقبل خبره.
فعلى هذا فعِلمُ الجرح والتعديل هو العلم الذي يبحث في أحوال (1/119)
صفحة 140
الرواة من حيث قبول رواياتهم أو ردِّها. وهو من أهمِّ علوم الحديث، وأعظمها شأنا، وأبعدها أثرًا، إذ به يتميَّز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود لِمَا يَتَرَتَّبُ على مراتب كُلٍّ من الجرح والتعديل من أحكام مختلفة.
حكمه:
وقد دَلَّت قواعد الشريعة العَامَّة على وُجوب حِفظها على المسلمين، وبيان أحوال الرواة سبيل قويم لِحِفظ السُّنَّة. قال الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماَم بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات 6]. وقال في شأن الشهادة لحفظ الحقوق: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ، فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى} [البقرة 282].
والمقصود من المرضيِّ من الشهداء: مَن ترضَوْن دينه وأمانته وورَعَه وخُلُقه، وليس نقْل الحديث وروايته بأقلَّ من الشهادة، بهذا لا يُقبل الحديث إِلاَّ مِنَ الثقات العُدول.
وقد شرَّع رسول الله i الجرح والتعديل. فقد روي عنه في الجرح (1/120)
صفحة 141
قوله: «بئس أخو العشيرة» (1)، وفي التعديل: «نِعْم العبد عبد الله خالد بن الوليد؛ سيف من سيوف الله» (2) في أمثالهما.
نشأته وأهمِّيته:
وقد نشأ هذا العِلم مع نشأة الرواية في الإسلام، إذ لاَ بُدَّ منها لمعرفة الأخبار الصحيحة من معرفة رواتها، معرفةً تمكِّن أهل العِلم من الحكم بصدقهم أو كذبهم، حَتَّى يتمكَّنوا من تمييز المقبول من المردود. لذلك سألوا عن الرواة وتَتبَّعوهم في مختلف أحوال حياتهم العِلمِيَّة. وعرفوا جميع أحوالهم، وبحثوا أَشَدَّ البحث، حَتَّى عرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه مِمَّن كان أقلَّ مجالسة. وإلى جانب ما رويناه عن رسول الله i فقد وصلَنا كثير مِمَّن تَكَلَّموا في هذا العِلم منذ عهد الصحابة المتأخِّرين من المشتغلين بعلوم الحديث.
فمن الصحابة: ابن عَبَّاس (ت: 68هـ)، وأنس بن مالك (ت: 93هـ).
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب البر والصلة والآداب (22) باب مداراة من يتَّقى فحشه، رقم (73) من حديث عروة بن الزبير. ورواه أبو داود في كِتَاب الآداب، باب في حسن العشرة، رقم (4792) من حديث عائشة.
(2) - ... رواه الترمذي في كِتَاب المناقب (50) باب مناقب لخالد بن الوليد رَضِيَ اللهُ عَنهُ، رقم (3846) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: هَذَا حديث حسن غريب، ولا نعرف لزيد بن أسلم سماعا من أبي هريرة، وَهُوَ عندي حديث مرسل. ورواه الهندي في الكنز، ج11، ص678، رقم (33277) من حديث أبي هريرة. (1/121)
صفحة 142
ومن التابعين: الشعبيُّ (ت: 104هـ)، وابن سيرين (ت: 110هـ).
وفي آخر عصر التابعين: الأعمش (ت: 148هـ)، وشعبة (ت: 160هـ)، ومالك (ت: 179هـ).
ويلي هؤلاء طبقة، منها: ابن المبارك (ت: 181هـ)، وابن عيينة (ت: 197هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (ت: 233هـ)، وأحمد بن حنبل (ت: 241هـ).
ومن الكتب الجامعة في الجرح والتعديل: “ طبقات ” ابن سعد الزهري البصري (ت: 230هـ)، ويقع في ثمانية مجلَّدات، وتواريخ البخاري الثلاثة فيها تعديل وتجريح. وللرازي أبو محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم (ت: 327هـ) كتاب “ الجرح والتعديل ” في تِسعة مجلَّدات.
وليس أحد من نُقَّاد الحديث ورجاله يحابي في حديث رسول الله i أباه ولا أخاه ولا وَلَده. وقد قصد الجميع خِدمة الشريعة، وحِفظ مصادرها، فصدَقوا القول وأخلصوا النية. فهذا ابن الحجَّاج (ت: 160هـ) يسأل عن حديث حكيم بن جُبيْر، فيقول: «أخاف النار». وكان شديدا على الكذَّابين. لهذا قال الإمام الشافعي: «لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق». وسأل قومٌ عليَّ بن المديني (ت: 234هـ) عن أبيه، فقال: «سَلوا عنه غيري. فأعادوا المسألة، فأطرق ثُمَّ رفع رأسه فقال: هو الدين، إِنَّهُ ضعيف». والأخبار في هذا الموضوع كثيرة.
ومناهج المحدِّثين في الجرح أشدُّ منها في التعديل؛ فهم يقبلون التعديل (1/122)
صفحة 143
من غير ذِكر سَببه على الصحيح المشهور.
وَأَمَّا الجرح فيردُّونه إذا لم يُبَيَّن سبَبُهُ بيانا شافيا.
وإنَّ مذاهب النقَّاد للرجال غامضة دقيقة. ولذلك قال ابن حجر في حقِّهم: «إِنَّهُم يجرِّحون الشخص بما لا يجرَّح به» (1). من ذلك [أنهم] تشدَّدوا في رواية مُرتكب المباحات، كالتنزُّه في الطرقات، والأكل في الأسواق، والتبسُّط في المداعبة والمزاح. أَمَّا اللعب بالشطرنج ونحوه واللهو بآلات الطرب فأمرُها أشدُّ. قال شعبة بن الحجَّاج: «لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق فرأيته يلعب بالشطرنج، فتركته ولم أكتب عنه» [ثم كتبت عن رجل عنه]. وقال أيضا: «أتيت منزل المنهال بن عمرو فسمعت فيه صوت الطنبور فرجعت، فهلاَّ سألت؟ عسى ألاَّ يعلم هو، (وَلَكِنَّهُ الورَع).
وقد أكَّد العلماء ضرورة (2) بيان أحوال الرواة، وَأَنَّهُ ليس في هذا غيبة. قال يحيى بن سعيد القطَّان: «إنَّا لنطعن على أقوام لَعَلَّهُم قد حطُّوا رحالهم في الجَنَّة أكثر من مائتي سنة» (3).
وهكذا نشأ علم الجرح والتعديل مع نشأة الرواية في الإسلام،
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 87.
(2) - ... البغدادي: الكفاية، ص183. صبحي الصالح: مباحث في علوم الحديث، ص133 وما بعدها.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص351. (1/123)
صفحة 144
وأُرسيت أسسُه وقواعدُه منذ عصر الصحابة، ولولا الجرح والتعديل ما عُلِم المقبول من الحديث والمردود منه. (1/124)
صفحة 145
مراتب الخبر والإسناد
وطرق نقلهما
1 - مراتب الخبر.
2 - تقسيم الإسناد.
3 - غريب المتن والحديث.
4 - ناسخ الحديث ومنسوخه.
5 - نقد المحدِّثين للرواة والحديث.
6 - معرفة ردِّ المتن وطرقه. (1/125)
صفحة 146
صفحة بيضاء (1/126)
صفحة 147
مراتب الخبر والإسناد وطرق نقلهما
أولا- مراتب الخبر
1 - تعريفه:
الخبر: وله طرق مُتَعَدِّدَة، وهو عند علماء هذا الفنِّ مرادف للحديث. وقيل: الحديث ما جاء عن النبيء i والخبر ما جاء من غيره.
ومن ثَمَّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: “ الإخباريُّ ”، ولمن يشتغل بالسُّنَّة النَّبَوِيَّة “ المحدِّث ”. وقيل: بينهما عموم وخصوص مُطلَق، فالخبر أعمُّ من الحديث، حيث يصدُق على كُلِّ ما جاء عن النبيء i ومن غيره.
وَأَمَّا الحديث فهو مختصٌّ بما جاء عنه i كيفما كانت درجاته. فَكُلُّ حديث خبرٌ، من غير عكس.
وَهُوَ ينقسم إِلىَ أنواع:
النوع الأَوَّل: المتواتر:
والخبر باعتبار وصوله إلينا، إِمَّا أن تكون له أسانيد كثيرة والإسناد حِكاية طريق المتن وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا (1/127)
صفحة 148
ورَدَت بلا حصْر عدد معيَّن، وبأن تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب. وكان وُقوعه منهم اتِّفَاقًا من غير قصد. فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح.
وَإِمَّا أن يكون له عدد مُعَيَّن فوق اثنين، ومنهم من عيَّنه في الأربعة (1). وَقِيلَ: في الخمسة (2)، وَقِيلَ: في العشرة (3)، وَقِيلَ: في الاِثنيْ عشر (4)، وَقِيلَ: في العشرين (5)، وَقِيلَ: في السبعين (6)، وَقِيلَ: غير ذلك (7). وتمسَّك كلُّ قائل بدليل، ولكن ليس دليل أحد منهم بالقويِّ، ولو أَنَّهُ آية أو حديث جاء فيه ذِكر ذلك العدد فأفاد العِلم، وليس بلازم أن يطَّرد
__________
(1) - ... وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعَالىَ: {لَوْلاَ جَآءُواْ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} [النور 13].
(2) - ... وَهَذَا كما في آيَة الملاعنة، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ اِلآَّ أَنفُسُهُمْ ... وَالْخَامِسَةُ أَنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6 - 9].
(3) - ... لأَنَّ ما دون العشرة آحاد، ولا يُسَمَّى الجمع جمعا إِلاَّ بها أو بما فوقها.
(4) - ... لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة 11].
(5) - ... لِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65].
(6) - ... لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ, سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155].
(7) - ... وهي الأربعون، وَاستَدَلُّوا بِقَولِهِ تَعَالىَ: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُومِنِينَ} [الأنفال: 64]. وَهُوَ عدد الصحابة عند نزول هَذِهِ الآيَة، ومن بينهم: عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وقال بَعضهم: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وامرأتان عَلَى عدد أهل بدر.
والصحيح ما قاله ابن حجر في نخبته: «فلا معنى لتعيين العدد عَلَى الصحيح». ابن حجر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص 07. (1/128)
صفحة 149
في غيره لاِحتمال الاختصاص.
فإذا ورَدَ الخبر كذلك وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من اِبتدائه إلى انتهائه، فَإِنَّهُ يشترط أن تستوي الكثرة أو الإحالة في الاِبتداء والأثناء إلى الاِنتهاء.
والمراد بالاِستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع، ولا أن تزيد، إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب الأولى، وأن يكون مستنَد انتهائه الأمر المشاهَد أو المسموع، لا ما ثبت بقضيَّة العقل الصرف.
2 - شروطه:
فإذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة، وهي:
1. العدد الكثير.
2. إحالة العادة تواطُؤَهم وتوافُقَهم على الكذب.
3. رواية ذلك عن مثلهم من البداية إِلىَ النهاية، وكان مُستَنَدَ انتهائهم الحسُّ.
4. أن يصحب خبرهم إفادة العِلم لسامعه.
فهذا هو التواتر المفيد للعِلم اليقينيِّ، بشروطه. وما تخلَّفت إفادة العلم عنه كان مشهورا فقط. (1/129)
صفحة 150
النوع الثاني: المشهور:
وهو المستفيض على رأي. وهو أوَّل أقسام الآحاد. وهو ما له طُرق محصورة بأكثر من اِثنين عند المحدِّثين؛ سُمِّي بذلك لوضوحه، وهو المستفيض على رأي جماعة من أَيمَّة الفقهاء، سُمِّيَ بذلك لانتشاره؛ مِن فاض الماءُ، يفيض فيْضًا.
ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور بِأَنَّ المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعمَّ من ذلك.
ومنهم من غاير على كَيفِيَّة أخرى: وهي أَنَّ المستفيض ما تلقَّته الأُمَّة دون اعتبار عدد، وليس من مباحث هذا الفنِّ.
ثُمَّ المشهور يُطلَق على ما حُرِّر هنا، وعلى ما اشتُهر على الألسنة، فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدًا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا، وهو المشهور الذي ليس بحديث.
النوع الثالث: العزيز:
وهو الحديث الذي لا يرويه أقلُّ من اِثنين عن اِثنين. وسُمِّي بذلك إِمَّا لقلَّة وُجوده وإِمَّا لكونه عزيزًا، أي قويٌّ بمجيئه من طريق أخرى، وليس شرطا للصحيح، خلافًا لمن زعمه، وهو أبو عليٍّ الجبَّائيٌّ محمَّد بن عبد الوَهَّاب، من أَيمَّة المعتزلة (ت: 303هـ). وإليه يومئ الحاكم أبو عبد الله محَمَّد بن عبد الله النيسابوري (ت: 405هـ) في كِتَابه “ معرفة (1/130)
صفحة 151
علوم الحديث ”، حيث قال: «الصحيح أن يرويه الصحابيُّ الزائل عنه اسم الجهالة، بأن يكون له رَاوِيان، ثُمَّ يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة» (1). وَصَرَّحَ أبو بكر بن العربي (ت: 543هـ) في “ شرح البخاري ” «بِأَنَّ ذلك شرط البخاري محمَّد بن إسماعيل أمير المؤمنين في الحديث (ت: 256هـ). وأجاب عَمَّا أورده عليه من ذلك بجواب فيه نظر، لأَنَّهُ قال: «فإن قيل حديث “الأعمال بالنيات” فرد لم يروه عن عمر إِلاَّ علقمة»، قال: «قلنا: خطب به عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ على المنبر بحضْرة الصحابة. فلولا أَنَّهُم يعرفونه لأنكروه». كذا قال. وتعقَّب عليه بأنَّه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوا من غيره، وَبِأَنَّ هذا لو سلِّم في عمر منع في تفرُّد علقمة. ثُمَّ تفرَّد محمَّد بن إبراهيم به عن علقمة. ثُمَّ تفرَّد به يحيى بن سعيد به عن محمَّد بن إبراهيم الكوفيِّ على ما هو المعروف عند أهل الفنِّ (2).
لكن ورَدَ أَنَّهُ رواه غير المذكورين، منهم: جابر بن زيد، رواه عن ابن عَبَّاس، كما في الجامع الصحيح مسنَد الربيع (3)، وقد ورَدَت لهم
__________
(1) - ... الحاكم النيسابوري: كِتَاب معرفة علوم الحديث، ص 62 (بتصرُّف).
(2) - ... يرى أبو القاسم بن منده أَنَّ حديث النية رواه سبعة عشر آخر من الصحابة. (راجع أسماءهم في التدريب، ص 83). فعمر بن الخطَّاب في نظره لم ينفرد به، ثُمَّ يرى أَنَّهُ رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير محَمَّد، وعن محَمَّد غير يحيى.
السيوطي: تدريب الراوي، ج 1، ص 82.
(3) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب في كِتَاب النيات (1) باب في النية، رقم 01. (1/131)
صفحة 152
متابعات لا يُعتبر بها الضعفاء، وكذا لا تسلم في غير حديث عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
قال ابن رُشيد بالتصغير: «وقد كان يكفي القاضي [أبا بكر بن العربي] في بُطلان ما ادَّعَى أَنَّه شرط البخاري أَوَّل حديث مذكور فيه على أَنَّهُ دليل على شرطه. وادَّعَى ابن حبَّان (ت: 354هـ) نقيض دعواه، فقال: إِنَّ رواية اثنين عن اِثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلا. قلت: إن أراد به رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلا فيمكن أن يسلم» (1).
وَأَمَّا صورة العزيز التي حرَّرناها فموجودة بأن لا يرويه أقلُّ من اِثنين عن أقلَّ من اِثنين، مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس والبخاري من حديث أبي هريرة أَنَّ رسول الله i قال: «لا يؤمن أحدكم حَتَّى أكون له أحبَّ إليه من والده وولده» (2)، فرواه عن أنس قتادة (ت: 117هـ)، وعبد العزيز بن صُهيب البصري (ت: 130هـ)، ورواه عن قتادةَ شعبةُ بن الحجَّاج (ت: 160هـ)، وسعيد بن المسيّب المخزومي (ت: 93هـ)، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن عليَّة (ت: 93هـ)، وعبد الوارث بن سعيد بن ذكوان (ت: 180هـ)، ورواه عن كلٍّ جماعة، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 12.
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب الإيمان (16) باب وجوب محبَّة رَسُول اللهِ i أكثر من الأهل والولد والوالد ... رقم 70، من حديث أنس. (1/132)
صفحة 153
النوع الرابع: الغريب
وهو الحديث الذي ينفرد بروايته شخصٌ واحد في أيِّ موضع وقعَ التفرُّد به من السَّنَد على ما ينقسم إليه الغريب النسبيُّ والغريب المطلَق.
3 - حكمه:
والأقسام الأربعة المذكورة سوى الأَوَّل وهو المتواتر آحاديَّه. ويُقال لِكُلٍّ منها: خبر واحد. وخبر الواحد في اللغة: ما يرويه شخص واحد. وفي اصطلاح أهل الفنِّ: ما لم يجمع شروط التواتر.
وفي أخبار الآحاد: المقبول، وهو ما يجب العمل به عند الجمهور، ويُعبَّر عنه بالصحيح. وفيها المردود، وهو الذي لم يرجَّح صدق المُخبِر به لتوقُّف الاِستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأَوَّل، وهو المتواتر، فكلُّه مقبول لإفادته القطع بصدق مُخبِرِه كما مَرَّ، بخلاف غيره من أخبار الآحاد. لكن إِنَّمَا وجب العمل بالمقبول منها لأَنَّهَا إِمَّا أن يوجد فيها أصل صِفة القبول، وهو ثُبوت صِدق الناقل، أو أصل صفة الردِّ، وهو ثُبوت كذب أو شُبهة عدم أخذه الخبر بِنَصِّه كما سيأتي.
فَالأَوَّلُ: يغلب على الظنِّ ثُبوت صِدق الخبر لثبوت صِدق ناقله، فيُؤخَذ به.
والثاني: يغلب على الظنِّ كذب الخبر لثبوت كذب ناقله فيُطرَح.
والثالث: إن وُجدتْ قرينة تُلحِقه بأحد القسمين اِلتحق وَإِلاَّ (1/133)
صفحة 154
فيُتوقَّف فيه. وإذا تُوُقِّف عن العمل به صار كالمردود، لا لثبوت صِفة الردِّ، بل لكونه لم توجد فيه صِفة توجب القبول، والله أعلم.
وقد يقع في أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب ما يُفيد العِلم النظَريَّ بالقرائن على المُختار.
ثُمَّ الغرابة، إِمَّا أن تكون في أصل السنَد، أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه، أو لا يكون عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة. فلو وقع الإبدال عَمْدًا لا لمصلحة بل للإغراب مثلا، فهو من أقسام الموضوع. ولو وقع غلطًا، فهو المقلوب أو المعلَّل. وسيأتي تعريفهما في محلِّهما.
النوع الخامس: المصحَّف:
وإن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخطِّ؛ فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فهو المصحَّف. وهذا فنٌّ جليل إِنَّمَا ينهض بأعبائه الحُذَّاق الحُفَّاظ، ومنهم الدارقطني (ت: 385هـ). وله فيه تصانيف. وروي عن أحمد بن حنبل أَنَّهُ قال: «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف» (1).
فمثال التصحيف في الإسناد حديث شعبة عن العوَّام بن مزاجم عن أبي عثمان النهدي عن عثمان بن عفَّان قال: قال رسول الله i:
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 279. (1/134)
صفحة 155
«لَتُؤَدُّونَ الحقوق إلى أهلها ... » (1) الحديث، صحَّف فيه يحيى بن معين، فقال: ابن مزاحم بالزاي والحاء، فردَّ عليه، وَإِنَّمَا هو ابن مراجم بالراء المُهملَة والجيم.
ومثال التصحيف في المتن: ما رواه ابن لَهِيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن زيد بن ثابت: «أَنَّ رسول الله i اِحتجم في المسجد»، إِنَّمَا هو بالراء: «اِحتَجَر في المسجد بخصٍّ أو حصير حجرة يُصَلِّي فيها» (2)، فصحَّفه ابن لَهِيعة لكونه أخذه من كتاب بغير سماع. ذكر ذَلِكَ مسلم في كِتَاب التمييز (3). وللتصحيف أمثال سنذكرها إن شاء الله في بابه من المصطلح، والله أعلم.
النوع السادس: المحرَّف:
وإن كان التغيير في الشكل فهو المحرَّف، أي في ضبط حركاته، وأكثر ما يقع في المتون؛ وقد يقع في الأسماء التي في الأسانيد. ومثاله حديث جابر: «رُمي أبي يوم الأحزاب على أكْحَلِهِ فكواه رسول الله i» (4) . صحَّفه بعضهم وقال فيه “ أَبِي ” بالإضافة، وَإِنَّمَا هو
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كِتَاب صفة القيامة، (2) باب ما جاء شأنه الحساب والقصاص، من حديث أبي هريرة، رقم 2420.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصلاة، باب صلاة اللَّيْل، رقم.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 280.
(4) - ... رواه مسلم في كِتَاب السلام (26) باب لِكُلِّ داء دواء، واستحباب التداوي، رقم 74، من حديث جابر. (1/135)
صفحة 156
“ أُبَيُّ بن كعب ”، وأبو جابر قد استشهد قبل ذلك بأُحُد (1).
حكمه:
ولا يجوز تعمُّد تغيير صورة المتن مُطلقا، ولا الاِختصار منه بالنقص، ولا إبدال المرادف باللفظ المرادف له إِلاَّ لعالم بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل المعاني على الصحيح، لأَنَّ الواجب رواية المتن بِنَصِّه، كما أمر رسول
الله i. فإن خفي المعنى اُحتيج إلى شرح الغريب، وذلك بأن كان اللفظ مستَعمَلا بقلَّة، أو بلُغةٍ غير متداولة. والكتب المصنَّفة في شرح الغريب كثيرة، منها ابن قُتيبة في “ غريب الحديث ”، و“ مشكل الحديث ”، و“ مختلف الحديث ”، و“ الفائق ” للزمخشريِّ، وكتاب أبي عبيدة القاسم بن سلاَّم، و“ إصلاح غلط المحدِّثين ” التي يرويها أكثر الناس مُحرَّفة، أو ملحُونة للحافظ الإمام الخطَّابي (ت: 388هـ).
النوع السابع: الغريب النسبي
ومن الطعون الغريب النسبيُّ، وهو النوع السابع، وسيأتي بيان ذلك في المصطلح (2)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 280.
(2) - ... انظر ص271 من هذا الكتاب. (1/136)
صفحة 157
النوع الثامن: المجهول:
أعني الجهالة بالراوي، وسببها أمران:
- أحدهما: أَنَّ الراوي قد تكثر نُعوته من اِسم، أو كُنية، أو لقب، أو صِفة، أو حِرفة، أو نسب، فيُذكر بغير ما اشتُهر به لغرض من الأغراض، فيُظنُّ أَنَّهُ آخَر، فيحصل الجهل بحاله. وصنَّفوا في هذا النوع “ الموضِّح لأوهام الجمع والتفريق ” أجاد فيه الخطيب (ت:)، وسبقه إليه عبد الغنيِّ بن سعيد المصريُّ، وهو الأزديُّ ثُمَّ الصوريُّ. ومن أمثلته محمَّد بن السائب بن بِشر الكلبيُّ؛ نسَبَهُ بعضُهُم إلى جدِّه، فقال: «محمَّد بن بِشر» وسمَّاه بعضهم: «حمَّاد بن السائب»، وكنَّاه بعضهم: «أبا النظر»، وبعضهم: «أبا سعيد»، وبعضهم: «أبا هشام»، فصار يُظنُّ أَنَّهُ جماعة وهو واحد؛ ومن لا يعرف حقيقة الأمر فيه لا يعرف شيئا من ذلك.
- والأمر الثاني: أَنَّ الراوي قد يكون مقِلاًّ من الحديث، فلا يكثر الأخذ عنه. وقد صنَّفوا فيه الوحدان، وهو مَن لم يرو عنه إِلاَّ واحد ولو سُمِّيَ، فممَّن جمعه: مسلم والحسن بن سفيان وغيرهما. أَوْ لا يُسمَّى الراوي اختصارا من الراوي عنه، كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم، أو ابن فلان. ويُستدَلُّ على معرفة اسم المُبهَم بوروده من طريق آخر مسمًّى فيها. وصنَّفوا فيها المبهَمات. (1/137)
صفحة 158
ولا يُقبل حديث المُبهَم ما لم يُسَمَّ، لأَنَّ شرط قبول المُبهَم عدالة راويه؛ ومن أُبهم اسْمُه لا نعرف عيْنه، فكيف عدالته؟! وكذا لا يُقبل خبره ولو أُبهم بلفظ التعديل، كأن يقول الراوي عنه: «أخبرني الثقة»، لأَنَّهُ قد يكون ثقة عنده، مجروحًا عند غيره؛ وهذا الأصحُّ في المسألة. ولهذه النكتة لم يُقبل المرسَل ولو أرسله العدْل، جازِمًا به لهذا الاِحتمال بعيْنه. وَقِيلَ: يُقبل تمسُّكًا بالظاهر، إذ الجرح على خلاف الأصل.
فإن سُمِّيَ الراوي وانفرد راوٍ واحد بالرواية عنه، فهو مجهول العين كالمُبهَم، إِلاَّ أن يوثِّقه غير من ينفرد عنه على الأصحِّ. وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهِّلا لذلك.
النوع التاسع: المستور:
أو أن يروي عنه اثنان فصاعِدًا ولم يوثَّق، فهو مجهول الحال. وقد قَبِل روايته جماعة بغير قيْد، وردَّها الجمهور؛ والتحقيق أَنَّ رواية المستور ونحوه مِمَّا فيه الاِحتمال لا يُطلَق القول بردِّها ولا بقبولها، بل يُقال موقوفة إلى اِستبانة حاله، كما جزَم بذلك إمام الحرمين؛ ونحوه قوْل ابن الصلاح فيمن جُرِّح بجرح غير مفسِّق، والله أعلم.
النوع العاشر:
ثُمَّ البدعة، وهي السبب العاشر من الأخبار والتاسع من أسباب الطعن في الراوي، وهي: إِمَّا أن تكون مكفِّرة، كأن يعتقد الراوي ما يستلزم الكفر، أو مفسِّقة. (1/138)
صفحة 159
- فالأولى: لا يقبل الجمهور صاحبها، وهو الحقُّ؛ وَقِيلَ: يُقبل مُطلَقًا؛ وَقِيلَ: إن كان لا يعتقد حلَّ الكذب لنصرة مقالته قُبل. قال ابن حجر العسقلاني: «التحقيق أَنَّهُ لا يردُّ كل مكفَّر ببدعته، لأَنَّ كلَّ طائفة تدَّعي أَنَّ مخالفها مُبتَدع، وقد تُبالغ فتكفِّر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمَد أَنَّ الذي تُردُّ روايته من أنكر أمرًا متواتِرًا من الشرع، معلوما من الدين بالضرورة» (1).
- والثاني: وهو الفاسق، وهو مَن لا تقتضي بدعته التكفير أصلا. وقد اُختُلف في قبوله وردِّه؛ فقيل يُردُّ مطلَقا، وهو بعيد، وأكثر ما علِّل به أَنَّ في الرواية عنه ترويجًا لأمره، وتنويها بذكره؛ وعلى هذا ينبغي أن لا يُروى عن مُبتَدِع شيءٌ يُشاركه فيه غير مُبتَدع. وقيل: يُقبل مُطلَقا إِلاَّ إن اعتقد حلَّ الكذب كما تَقَدَّمَ؛ وَقِيلَ: يُقبل مِمَّن لم يكن داعية إلى بدعته، لأَنَّ تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه في الأصحِّ. وقال ابن حبَّان: «إِنَّ الاِتِّفَاق وقَع على قبول غير الداعية من غير تفصيل». وَصَرَّحَ الجوزجاني (2) شيخ النسائي: «أَنَّ الراوي لِما يقوِّي به بدعته يُردُّ على المختار» (3)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 53.
(2) - ... هو أبو يعقوب الحافظ، شيخ أبي داود والنسائي، صاحبي السنن، نزيل دمشق، من الحفَّاظ المُصَنِّفين المخرجين الثقات، ت: (259هـ).
(3) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 54. (1/139)
صفحة 160
النوع الحادي عشر: سوء الحفظ
ثُمَّ سوء الحِفظ وهو السبب الحادي عشر من رواة الأخبار، والعاشر من أسباب الطعن، والمراد به مَن لم يُرجَّح جانب إصابته على جانب خطئه، وهو على قسمين:
- إن كان لازمًا للراوي في جميع حالاته فهو الشاذُّ على رأي بعض أَهل الفنِّ، يعني أرادوا بذلك المنفرد بصفة الرواية، لأَنَّ الشاذَّ من رواة ثقة يختلط في بعض أحواله مخالفا لِمَا رواه مَن هو أضبط منه، وانفرد به أو كان سوء الحِفظ طارئا على الراوي، إِمَّا لكِبَرِه، أو لذهاب بصره، أو لاِحتراق كتبه، أو عَدَمها، بأن كان يعتمدها، فرجع إلى حِفظه فساء، فهذا هو المختلط، والحُكم فيه أَنَّ ما حَدَّثَ به قبل الاِختلاط إذا تميَّز قُبِل، وإذا لم يتميَّز توقِّف فيه. وكذا مَن اشتبه الأمر فيه، إِنَّمَا يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه، ومتى توبع السيِّء الحفظِ بمعتبَر، كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه. وكذلك المختلط الذي يتميَّز.
النوع الثاني عشر: الإسناد المرسل
والسبب الحادي عشر من أسباب الطعن، والثاني عشر من رواة الأخبار: الإسناد المرسَل، وهو المحذوف منه راوٍ، سواء كان تابعيًّا أو غيره، وكذا المدلّس. وإذا لم يُعرف المحذوف منه صار حديثهم حَسَنًا لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابِع والمتابَع، لأَنَّ مع كُلِّ (1/140)
صفحة 161
واحد منهم اِحتمال كون روايته صوابا أو غير صواب، على حدٍّ سواء. فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافِقة لأحدهم رجِّح أحد الجانبين من الاِحتمالين المذكورين، ودلَّ ذلك على أَنَّ الحديث محفوظ، فارتقى من درجة التوقُّف إلى درجة القبول أو الردِّ. فهذه المطاعن الأحد عشر هي التي توجب التوقُّف في راوي الخبر، والله أعلم. (1/141)
صفحة 162
ثانيا- تقسيم الإسناد
السنَد هو: الطريق الموصلة إلى المتن.
1 - المرفوع وأنواعه:
والمتن هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام. وهو إِمَّا ينتهي إلى النبيء i، ويقتضي لفظه إِمَّا تصريحا أو حُكما أَنَّ المنقول بذلك الإسناد من قوله i أو من فِعله أو من تقريره مُتَّصِلا به i، ويُسمَّى بالمتَّصل أو المرفوع.
ومثال المرفوع من القول تصريحًا أن يقول الصحابيُّ: سمعت النبيء i يقول كذا، أو حدَّثنا بكذا. أو يقول هو أو غيره: قال رسول الله i كذا، أو عن رسول الله أَنَّهُ قال كذا، أو نحو ذلك.
ومثال المرفوع من الفِعل تصريحا أن يقول الصحابيُّ: رأيت رسول الله i فعل كذا، أو يقول هو أو غيره: كان رسول الله i يفعل كذا.
ومثال المرفوع من التقرير تصريحا أن يقول الصحابيُّ: فعلت بحضْرة النبيء i كذا، أو كُنَّا نفعل على عهد رسول الله i كذا، ولا يذكر إنكاره i لذلك.
ومثال المرفوع من القول حُكما لا تصريحا أن يقول الصحابيُّ الذي (1/142)
صفحة 163
لم يأخذ من الإسرائليَّات [ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا تعلق ببيان لغة، أو شرح غريب] (1) ...
وَإِنَّمَا كان له حُكم المرفوع لأَنَّ إخبار الصحابيِّ بذلك يقتضي
__________
(1) - ... وهذا احتراز من الذين يأخذون من اليهود، كعبد الله بن سلام، وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فَإِنَّهُ كان وقع في يده في وقعة اليرموك كُتُب كثيرة من كتب اليهود والنصارى، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيّبة حَتَّى كان بعض أصحابه يقول له: حدِّثنا عن رسول الله ولا تُحدِّثنا من الكُتب التي بين يديك. وقد دخلتْ هذه الإسرائليَّات في كتب التفسير والسيَر، وتوغَّلت فيها حَتَّى زلزلت مكانة التفسير والسّيَر. وبطَلُ هذه الروايات وهب بن المنبه، والسدِّيُّ الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن، والواقدي، وأمثالهم ... حَتَّى قال علماء الجرح والتعديل: تفسير أبي النظر محمَّد بن السائب الكلبيِّ (ت: 146هـ) كلُّه كذب. وتفسير مقاتل بن سليمان (ت: 150هـ) يقرب من تفسير الكلبيِّ. والتفسير المنسوب إلى سَيِّدنَا ابن عَبَّاس لا يوثق به، لأَنَّهُ مرويٌّ عن طريق الكذَّابين، كالكلبيِّ والسدِّيِّ ومقاتل بن سليمان، وأخذ عنهم المفسِّرون المُتَأَخِّرون كالخازن وتفسير البغوي وأمثالهما. ومن التفاسير التي تروي الأحاديث الموضوعة كتفسير إسماعيل حقِّى أفندي المسمَّى “روح البيان”، وتفسير الواحدي، وتفسير البيضاويِّ وغيرهما من التفاسير الشبيهة بها، والتي كتبها أُناس ضعاف في فنِّ الحديث، والمأخوذ من الإسرائليَّات التي لا مجال فيها للاِجتهاد، ولا له تعلُّق ببيان لغة أو شرح غريب كالأخبار المغيبة من الأمور الماضية، من بدء الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم، وهي الوقائع والفتن وقيام الساعة. (المؤلف).
انظر شرح النخبة نزهة النظر في توضيح الفكر، لابن حجر، ص104.
وكذلك كُتب الترغيب والترهيب، فإنَّ فيها كثيرًا من الموضوعات، كالإخبار عَمَّا يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص. ولهذا نبَّهْنا بالاِحتراز عن القسم الثاني، وهو المأخوذ من الإسرائليَّات. (1/143)
صفحة 164
مُخبرا له وما لا مجال للاِجتهاد فيه يقتضي الوقوف فيه، لأَنَّ الصحابة لا يشرِّعون، وَإِنَّمَا المشرِّع عن الله هو رسول الله i.
وإذا كان كذلك وأخبر الصحابيُّ فله حُكم ما لو قال: قال رسول الله، فهو مرفوع سواء أكان ما سمعه منه أو عنه بواسطة.
ومثال المرفوع من الفعل حُكما أن يفعل الصحابيُّ ما لا مجال للاِجتهاد فيه، فيدلُّ ذلك أَنَّ ذلك عنده عن النبيء i.
ومثال المرفوع من التقرير حُكما أن يقول الصحابيُّ إِنَّهُم كانوا (أي الصحابة) يفعلون ذلك في زمن النبيء i، فَإِنَّهُ يكون له حُكم الرفع من جهة أَنَّ الظاهر أَنَّهُم كانوا يفعلون ذلك باطِّلاعٍ عليه من رسول الله i لتوفُّر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، وَلأَنَّ ذلك الزمان زمان نُزول الوحي، فلا يقع من الصحابة فِعْل شيء يستمرُّون عليه إِلاَّ وهو غير ممنوع الفعل. أو ينتهي الإسناد إلى الصحابيِّ كذلك، مثل ما تَقَدَّمَ في أَنَّ اللفظ يقتضي التصريح بِأَنَّ المقول هو الصحابيُّ أو من فعله أو من تقريره. هذه هي أنواع الحديث باختصار (1).
__________
(1) - ... نشير هنا إلى أنَّ الصحابيَّ مَن لقيَ النبيء i مؤمِنا به، ومات على الإسلام ولو تخلَّلت رِدَّته على الصحيح؛ أعني اِرتدَّ إلى الكفر ثُمَّ رجع إلى الإسلام. (1/144)
صفحة 165
2 - المقبول والمردود:
1 - المقبول من الحديث ينقسم إلى المعمول به وغير معمول به، لأَنَّهُ إن سلم من المعارضة، أي لم يأت خبر يضادُّه فهو المحكم، وأمثلته كثيرة، وإن عورض فلا يخلو إِمَّا أن يكون معارضه مقبولاً مثله، أو يكون مردودًا.
فالثاني: لا أثَر له لأَنَّ القويَّ لا يتأثَّر بالضعيف؛ وإن كانت مثله فلا يخلو إِمَّا أن يمكن الجمع بين مدلوليها بغير تعسُّف أَوْ لاَ، فإن أمكن الجمع فهو مختلف الحديث وسيأتي، أو لا يمكن الجمع بينهما فلا يخلو إِمَّا أن يعرف التاريخ أَوْ لاَ، فإن عرف وثبت المُتَأَخِّر به، أو بأصرح منه فهو الناسخ، والآخر منسوخ، وَإِلاَّ فلا، فصار ما ظاهره التعارض واقِعًا؛ وعلى هذا الترتيب الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، فالترجيح إن تعيَّن ثُمَّ التوقُّف عن العمل بأحد الحديثين.
2 - والثاني المردود، وموجب الردِّ إِمَّا أن يكون لسقط من الإسناد، أو طعن في راوٍ، على اختلاف وجوه الطعن. والسقط إِمَّا أن يكون من مبادئ السنَد من تصرُّف مصنِّف، أو من آخره بعد التابعيِّ أو غير ذلك.
- فَالأَوَّلُ المعلَّق: سواء كان الساقط واحدًا أم أكثر، وبينه وبين المعضل عموم وخصوص سنشرحه في الاِصطلاح.
- والثاني المرسَل: وهو قوْل التابعيِّ: قال رسول الله i، وسيأتي تعريفه في المصطلَح. (1/145)
صفحة 166
- والثالث المعضل: وهو ما سقط فيه اثنان على التوالي، وإن كان السقط باثنين غير متواليين فهو المنقطع. وكذا أَنَّ السقط قد يكون واضِحًا ككون الراوي مثلا لم يُعاصر مَن روى عنه، أو خفيًّا لا يدركه إِلاَّ الأَيمَّة الحُذَّاق، المطَّلِعون على طُرق الحديث وعِلل الأسانيد؛ أو يكون واضحًا ويُدرك بعدم التلاقي، ومن ثَمَّ احتيج إلى التاريخ.
والثاني هو الخفيُّ، وهو المدلَّس، سُمِّي بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَن حدَّثه، وأوهم سماعه لحديث مِمَّن لم يحدِّثه، ويَرِدُ الحديث بصورة اللقاء. وكذا المرسَل الخفيُّ، وهو الذي يصدر من معاصر لَكِنَّهُ لم يلق مَن حدَّثه، ولم يُعرِّفه ك: «حدَّثني الثقة».
والطعن يكون بكذب الراوي، أو تهمته بذلك. وقد مَرَّ أنواع الطعن (1). فإن صدر السنَد من أحد الطعون العشرة سُمِّيَ الحديث موضوعًا، والحُكم عليه بالوضع إِنَّمَا هو بطريق الظنِّ الغالب، لا بالقطع، إذ قد يصدق الكَذوب. وكلُّ هاته الأقسام سيكون شرحها بالتفصيل في المصطلَح.
وكذلك المدرَج، وهو قول الراوي شيئا جعله من الحديث غلَطًا أو نحو ذلك، والله أعلم.
__________
(1) - ... في مبحث الجرح والتعديل. (1/146)
صفحة 167
ثالثا- غريب المتن من الحديث
1 - تعريفه:
الغرابة في الحديث قسمان: غرابة سَنَد، وقد تَقَدَّمَ تعريفها موجَزا، وسيأتي بسطه في المصطلَح (1)؛ وغريب مَتن: وهو ما خفِي معناه من ألفاظ الحديث غير المتداولة، أو كان هناك حديثان متناقضان، أو ما يَشْكُلُ المقصود منه وهو المشكل. وقد ألَّف فيه كثيرون وبيَّنوه؛ وَمِمَّن ألَّف فيه: ابن قُتيبة الدينوري في كِتَابه: “مختلف الحديث ومشكله وغريبه”، والإمام الحافظ الخطَّابيُّ (ت: 388هـ) في كتابه: “إصلاح غلط المحدِّثين”، وبيَّن ذلك بقوله: «وهذه الألفاظ من الحديث يرويها أكثر الرواة والمحدِّثين ملحونة ومحرَّفة، وأصلحناها لهم وأخبرنا بصوابها، وفيها حروف تحتمل وُجوهًا اِخترنا منها أَبْينها وأوضحها» (2).
لأَنَّ الصحيح من أقوال المحدِّثين رواية الحديث بلفظه وإن خالف اللغة المشهورة.
وقد اِعتنى بتفسيرها أهل اللغة، ومن أهمِّها “ لسان العرب ” لابن منظور. والمراد بالألفاظ الغامضة: البعيدة من الفهم لقلَّة استعمالها لا لخطإٍ فيها، لأَنَّ النبيء i أفصح العرب على الإطلاق.
__________
(1) - ... انظر ص272 من هذا الكتاب.
(2) - ... الخطابي: إصلاح غلط المحدِّثين، ص 19، تحقيق د/ حاتم صالح الضامش. (1/147)
صفحة 168
2 - أَهَمِّيَّته:
وهذا فنٌّ مهمٌّ يقْبح جهله بأهل الحديث خَاصَّةً، ثُمَّ بأهل العلم عَامَّة، والخوض فيه ليس بالهيِّن؛ والخائض في هذا الفنِّ من غير معرفة جدير بالتوقِّي والحذر من الكذب على رسول الله i، أو تشريع ما لم يشرِّعه. والواجب على مَن تعرَّض لذلك أن لا يقول فيها بغير عِلم، وليقل: لا أعلم. وروى الميمونيُّ قال: سُئل أحمد بن حنبل عن حرف من غريب الحديث فقال: اِسألوا أصحاب العِلم بالغريب فَإِنِّي أكره أن أتكلَّم في قول رسول الله i بالظنِّ فأخطئ. وروي عن التاريخيِّ محمَّد بن عبد الملك قال: حدَّثني أبو قلابة عبد الملك بن محمَّد قال: قلت للأصمعيِّ يا أبا سعيد ما معنى قول رسول الله i: « الجار أحقُّ بسقبه» (1)؟ فقال: أنا لا أفسِّر حديث رسول الله i، وَلَكِنَّ العرب تزعم أَنَّ السقب اللزِيق (2).
وَاحتَجَّ بهذا الحديث مَن أوجب الشفعة للجار وإن لم يكن شريكًا،
__________
(1) - ... رواه النسائيُّ في كِتَاب البيوع (109) باب ذكر الشفعة وأحكامها، رقم 4716. ورواه أبو داود في كِتَاب البيوع، باب في الشفعة، رقم 3516. ورواه الهنديُّ في الكنز، ج7، ص07، رقم 17700، من حديث أبي رافع.
(2) - ... قال ابن منظور في اللسان: «السقب: القرب، وقد سَقِبَتِ الدَّارُ بالكسر سُقوبا أي قرُبت. ومنه الحديث «الجار أحقُّ بسقبه» بالسِّين. والصَّاد في الأصل: القُرب. ابن منظور: لسان العرب، ج1، ص469، مَادَّة «سقب». (1/148)
صفحة 169
كما ذهب لذلك أبو حنيفة وبعض أصحابنا؛ أي أَنَّ الجار أحقُّ بالشفعة مِمَّن لا جوار له.
ومنه أَنَّ رسول الله i توضَّأ مِمَّا مسَّته النار. قال ابن قُتيبة: المراد بذلك غسل اليدين والفم بعد الفراغ من الأكل، لأَنَّ الناس اعتادوا غسلهما في كُلِّ مصر وكلِّ ناحية، ويقولون إذا غسلوا أيديهم من إلزامهم توضَّأنا، وليس المراد وضوء الصلاة، والدليل على ذلك ما روى الحسن أَنَّهُ قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللَّمَم (1)، فسُمِّي غسل اليدين وضوءًا واقتداءً بِالسُّنَّةِ.
وهناك أحاديث كثيرة مشكِلة، إِمَّا بألفاظها الغامضة التي لا يظهر معناها إِلاَّ بمراجعة اللغة، أو وُرود احاديث تفسِّرها. وقد أشرنا إلى أَنَّ العلماء قد فسَّروا في هذا الغريب النسبيِّ كثيرا؛ فعلى طالب الحديث مراجعتها والقوْل بأصوبها، والله أعلم.
3 - حكمه:
والمختلف من الحديث قسمان:
- أحدهما: يمكن الجمع بينهما بوجه صحيح، فيتعيَّن الجمع، لأَنَّ
__________
(1) - ... رواه الحاكم في المستدرك، في كِتَاب الأطعمة، ج4، ص119، رقم 8082 (11)، من حديث سلمان بنفس المَعْنَى. ورواه الشوكاني في الفوائد، ص155، رقم 460 (5)، وقال: «وروي “ينفي الفقر قبل الطعام وبعده”، وروي: “بركة الطعام الوضوء قبله وبعده”. قال في المختصر: “الكلُّ ضعيف”. وقال الصنعاني: “موضوع”». (1/149)
صفحة 170
إعمال الحديثين خير من طرح أحدهما وأحسن من غيره.
- ثانيهما: لا يمكن الجمع بينهما مطلَقا، فيُصار إلى النسخ. فإذا وجد المُتَقَدِّم والمُتَأَخِّر عملنا بالمُتَأَخِّر، لأَنَّ المُتَأَخِّر ناسخ للمُتَقَدِّم، فيَرجع الطالب إلى الكتب التي أُلِّفت في بيان الناسخ والمنسوخ، ككتاب ابن قُتيَية المسمَّى ب: “علم ناسخ الحديث من منسوخه”. وكذلك كتب أصول الفقه وغيرها. ولا يحكُم بذلك إِلاَّ بعد جمع الأدوات المتكفِّلة بذلك، وَإِنَّمَا يكمل له الأَيمَّة الجامعون للحديث والأصول والفقه الغوَّاصون على فهم المعاني الدقيقة.
وَقِيلَ: أَوَّل من ألَّف في الشأن الشافعيُّ في “الأم” و“الرسالة”. وقال الدكتور أحمد محمَّد شاكر: قد ألَّف فِيهِ كتابًا خاصًّا بهذا الاِسم، وهو على حاشية الجزء السابع من “ الأم ” من الطبعة القديمة. ومثاله قوله i في الحديث: «إذا بلغ الماءُ قَدْر قُلَّتين لا يَحمل خبثًا» (1)، مع قوله i في حديث آخر: «خلق اللهُ الماء طَهورا لا ينجِّسه إِلاَّ ما غيَّرَ طعمَه أو لونه أو ريحه» (2)، فإنَّ الأوَّل ظاهره أَنَّ الماء إذا بلغ قُلَّتين فأكثر لا ينجِّسه شيء. والثاني أَنَّ الماء طَهور لا يغيِّره شيء، فقال بعضُ مفسِّري الحديث: إِنَّ الحديث الأوَّل مُبيِّن لنجاسة الماء المتغيِّر الموجود في الخوابي ونحوها، والثاني ماء الأودية والغُدران الكبيرة والبِرَك، وهذا مذهب الجمع بين الحديثين.
__________
(1) - ... رواه الربيع في كِتَاب الطهارة، (24) في أحكام المياه، رقم 157، من حديث جابر.
(2) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب الطهارات (75)، باب مقدار الماء الذي لا ينجس، رقم 517. (1/150)
صفحة 171
وكذلك حديث: «لا عدوى ولا طِيَرة» (1) مع حديث: «فرَّ من المجذوم فِرارِكَ من الأسد» (2). وقوله i: « لا يرد هائم على مصحٍّ» (3) في أمثالها. فذهب مَن اِعتنى بالجمع بينهما أَنَّ العدوى لا تعدي كلَّ إنسان بل من وُجدت فيه المناعة فلا عدوى له، ومن لم توجد فيه المناعة الكافية تأثَّرت فيه. وكلُّ ذلك بأمرٍ من الله. ومن أمثلة ذلك حديث: «إِنَّ الشيطان نحَّاس، نخَّاس، مَن بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح فلا يلومنَّ إِلاَّ نفسه» (4).
ومن الأحاديث التي خاض الناس في معناها ما اتَّفَقَ عليه الشيخان من حديث الدجَّال أَنَّ النبيء i قال لابن صيَّاد (المزعوم أَنَّهُ الدجَّال): «قد خبَّأت لك خبيئا، فما هو؟» قال: «الدخُّ» (5)، فقد اضطربُوا في
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (12)، باب في القدر في الحذر والتطيُّر، رقم 73. ورواه مسل في كِتَاب السلام (33)، باب: لا عدوى ولا طيرة ... رقم 102، من حديث أبي هريرة.
(2) - ... رواه الهندي في الكنز، ج10، ص56، رقم 38340، من حديث أبي هريرة.
(3) - ... رواه الربيع في مسنده، (12)، باب في القدر في الحذر والتطيُّر، رقم 74، من حديث ابن عَبَّاس.
(4) - ... رواه الترمذي: كتاب الأطعمة (26) ما جاء في كراهية البينونة وفي يده ريح غمر، من حديث أبي هريرة، رقمه 1859 بلفظ: «إنَّ الشيطان حساس لحساس فاحذره على أنفسكم ... » القطب اطفيش: جامع الشمل، ج1/ص104 رقم 269.
(5) - ... رواه مسلم في كِتَاب الفتن (16) باب ذكر ابن الصيَّاد رقم 95 (2930). ورواه الترمذي في كِتَاب الفتن (63) باب ما جاء في ذكر ابن الصيَّاد، رقم 2249، من حديث ابن عمر. (1/151)
صفحة 172
معنى الدخِّ. وابن قُتيبة وتبعه ابن الصلاح (1) رجَّحا أَنَّهُ الدخان، لوجود ما يَدُلُّ على ذلك في رواية أخرى ما نصُّه: «قد خبَّأت لك خبيئا، وخبأ له {يَوْمَ تَاتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}» [الدخان 10] والدخُّ هو الدخان في لغة.
والغريب المعنويُّ لاَ بُدَّ من الترجيح فيه بأحد المرجِّحات الآتية، وَإِلاَّ عُدَّ موضوعًا وكذِبًا، لأَنَّ الرسول i لا يقول حُكما ثُمَّ ينقضه بغير مرجِّح. والذي رجَّح أحد الحديثين بصفات الرواة أي كون أحدهما في سلسلة الرواة أتقن وأحفظ وأضبط من رُواة الحديث الناقض له ونحو ذلك. وقد ذكروا في الترجيح نحو خمسين وجهًا من المرجِّحات، نقتصر على المهمِّ منها، وَهُوَ الترجيح بحال الرّاوي، وذلك بوجوه:
1. كثرة الرواة، لأَنَّ احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقلِّ.
2. علوُّ السنَد وهو قِلَّة الوسائط كما مَرَّ.
3. الفقه، لأَنَّ الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حَتَّى يطَّلع على ما يزول به الإشكال.
4. علمُهُ بالنحو وتوابعه لأَنَّ العالِم بها يتمكَّن من التحفُّظ عن مواقع الزلل.
5.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 274. (1/152)
صفحة 173
علمه باللغة.
6. الحفظ، أي كون الراوي حافِظًا للحديث لا يعتمد على كتابه، لأَنَّ الحافظ الفقيه -كما ذكرنا- يتأكَّد من تحمُّله للحديث.
7. أفضليَّة الرواة إن اتَّفَقُوا في الفقه والنحو والحِفظ والضبط بأن يكون أحدهما أورع أو عُلِمَ منه عدم التساهل أو غير ذلك مِمَّا يصل إليه مَن يعتني بتتبُّع هذا القسم، والله أعلم. (1/153)
صفحة 174
رابعا- ناسخ الحديث ومنسوخه
1 - تعريفه:
النسخ لغة يُطلَق على معنيين: الإزالة والنقل، فهو في الإزالة بمعنى زوال الشيء المنسوخ كُلِّيَّة، واستبداله بغيره، نحو: نسخ الشّيبُ الشبابَ، ونسَخت الشمسُ الظلَّ، ونسخت الريحُ الأثرَ، بمعنى أزالته.
وبمعنى النقل: نقله من مكان إلى مكان آخر، نحو: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى مكان آخر مع بقاء المنسوخ؛ ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ} [الجاثية 29] يريد الله نقلَ الحفَظَة العملَ إلى الصحف، ومنها إلى الجزاء.
أَمَّا النسخ عند الأصوليِّين فهو رفعُ الشارع حُكما شرعيًّا بدليل آخر مثله في الصِّحَّة مُتَراخٍ عنه. مثال النسخ في الحديث قوله i: « كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (1)، وهذا النسخ لفظيٌّ، لأَنَّ الشارع لفَظَ بنسخه. وقد يكون بغير ذلك كما يأتي.
2 - موضوعه:
أَمَّا موضوع علم ناسخ الحديث ومنسوخه فهو العِلم الذي يبحث
__________
(1) - ... رواه الربيع في كِتَاب الجنائز (20) باب في القبور، رقم 481، من حديث ابن عَبَّاس، ورواه الحاكم في كِتَاب الجنائز، رقم 1393 (129)، مع زيادة في آخره، من حديث أنس. (1/154)
صفحة 175
عن الأحاديث المتعارِضَة التي لا يمكن التوفيق بينها، مِنَ الحُكم على بعضها بِأَنَّهُ ناسخ وعلى البعض الآخر بِأَنَّهُ منسوخ. فما كان بيانه بالقول فلا إشكال، فدليله منطوق به، وَأَمَّا الآخر وهو البحث العلميُّ عن المُتَقَدِّم من المتأخِّر، فهو من أهمِّ ما يبحث عنه من يحِبُّ أن يعلمه، لأَنَّ كلَّ من يتصدَّى للبحث في أحكام الشريعة لا يمكن له أن يستنبط أحكام الشريعة من أدلَّتها إن لم يعرف ذلك من غير بحث المُتَقَدِّم من المُتَأَخِّر، وهي أَدِلَّة النسخ. وهذا الفنُّ من تتِمَّات الاِجتهاد، وهو غير علم التخصيص من العموم، والمقيَّد من المطلق، ونحو ذلك، لأَنَّ الأمر في ظواهر الأخبار يسير، وَإِنَّمَا الإشكال في كَيفِيَّة استنباط الأحكام من خفايا النصوص، والتحقيق العلميُّ فيها. ولأهميَّة هذا العلم أولاه الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم اِهتماما كبيرًا؛ فكان الأَيمَّة يستخرجون أحكام مذاهبهم من دقيق السنَّة. وقد بيَّنوا أسباب ذلك. وأهمُّها عِلم النسخ من الكتاب وَالسُّنَّة.
ومن أبيَن الأَدِلَّة ما جاء في رواية جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله i ترك الوضوء مِمَّا مسَّته النار، وقد تَقَدَّمَ تأويل النسخ فيه من دليل البحث اللغويِّ.
ومن أَدِلَّة النسخ يكون المتأخِّر ناسِخًا لمتقدِّم من عِلم التاريخ ما رواه رافع بن خديج وغيره أَنَّ رسول الله i أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (1). وفي الرواية أَنَّ المحتجم كان جعفر بن
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كِتَاب الصوم (60)، باب كراهية الحجامة للصائم، رقم 774، من حديث رافع بن خديج. (1/155)
صفحة 176
أبي طالب، وقد توفِّي في مؤتة قبل الفتح. وما رواه ابن عَبَّاس أَنَّهُ رأى i يحتجم وهو مُحرِم وهو صائم (1)، وابن عَبَّاس أسلم في الفتح، فدلَّ على أَنَّ الاِحتجام لا يُفطِّر، لأَنَّ في بعض طُرُقه أَنَّهُ قال: «ذلك زمن الفتح»، وذلك سنة ثمانٍ، وهو مُتَأَخِّر عن حديث رافع.
ومن أَدِلَّة النسخ ما يُعرف بالإجماع، كما روي عن النبيء i فيما رواه أبو داود وغيره أَنَّهُ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» (2)، وذلك من حديث معاوية، فإنَّ النبيء i والصحابة والتابعين لم يفعلوا ذلك، ومُحال أن يُخالف الصحابةُ ومَن بعدهم أمر رسول الله i، فَدَلَّ على أَنَّ الحديث منسوخ بالإجماع. وإجماع الأُمَّة دليل قطعيٌّ لِصِحَّةِ المجمَع عليه، لقوله i: « لا تجتمع أُمَّتِي على ضلال»، أو «ما كان الله ليجمع الله أُمَّتِي على ضلالة» (3)، إِلاَّ أَنَّ الإجماع لا ينسخ الدليل، ولا ينسخه دليل آخر، والله.
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصوم (32) باب الحجامة والقيء للصائم، رقم 929. ورواه الترمذي في كِتَاب الصوم (61) باب ما جاء في الرخصة في ذَلِكَ رقم 775، من حديث ابن عَبَّاس.
(2) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الحدود، باب: إذا تتابع في شرب الخمر، رقم 4484، من حديث أبي هريرة. ورواه الترمذي في كِتَاب الحدود (15) باب ما جاء من شرب الخمر ... رقم 1444، من حديث معاوية. وانظر في هَذَا الأخير الاستدلال عَلَى نسخ الحديث.
(3) - ... أورده السيوطي في الدر، ص 180. (1/156)
صفحة 177
(تنبيه): وعلى الوُعَّاظ والمُفْتين والعلماء أن لا يقتربوا لفعل شيء من ذلك إِلاَّ بعد العلم بغريب الحديث، وأنواعه وناسخه ومنسوخه، مع إلمام بأصول الفقه وذلك بعد علمهم للقرآن وعلومه، والله أعلم. (1/157)
صفحة 178
خامسا- نقد المحدِّثين للرواة والحديث
أو نشأة النقد وتطوُّره وارتباطه بالقبول والردِّ.
أقول: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ بعث رسوله محمَّدا i إلى الناس كَافَّة، وأنزل عليه الكتاب تِبيانًا لكلِّ شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل 44]. وقال: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل 64]. فكان i هو المبيِّن عن الله عَزَّ وَجَلَّ أمره، وعن كتابة معاني ما خاطب به الناس وما أراد الله عَزَّ وَجَلَّ به وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسنَّته التي سنَّها، وأحكامه التي حَكَم بها، وآثاره التي بثَّها فلبث i بِمَكَّةَ والمدينة ثلاثا وعشرين سنَةً يُقيم للناس معالم الدين بفرض الفرائض وسنِّ السُّنَن، ويمضي الأحكام، ويُحرِّم الحرام، ويُحلُّ الحلال ويقيم للناس دينهم على منهج الحقِّ، العدْل بالقول والفِعل، فلم يزل على ذلك حَتَّى توفَّاه الله عَزَّ وَجَلَّ بعد أن بثَّ حُجَّة الله عَزَّ وَجَلَّ على خلقه لَمَّا أدّى عنه وبيَّن. وما دَلَّ عليه من مُحكَم كتابه ومتشابهه وخاصِّه وعامِّه، وناسخه ومنسوخه؛ في حين علَّمنا الله سبحانه أَنَّ رسول الله i المكلَّف بهاته المهمَّة {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (1/158)
صفحة 179
[النجم 3 - 4]. وكان جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ ينزل عليه بالقرآن والسنَّة باللفظ في الأَوَّل والبيان في الثانية. وقال الله عَزَّ وَجَلَّ لعباده: {مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ} [النساء 80]، وقال: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر 7]. وأمر سوله i أمَّته بتبليغ ما علَّمهم من الكتاب والحِكمة، وهي السنَّة لتتمَّ سعادة الناس الدُّنْيَوِيَّة وَالأُخرَوِيَّة، باتِّباع دينه الحنيف. وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل الكتب الصِّحاح والإمام أحمد واللفظ له: «نضَّر الله أمرءا سمع مِنَّا حديثا فحفظه حَتَّى يبلِّغه غيرَه» (1)، فإنَّ رُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. كما أمر i بالتبليغ عنه، أمر بثمرة هذا التبليغ وهو التمسُّك بالمبلَّغ عنه وعدم التفريط فيه، فقال i: « عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ. وإيَّاكم ومُحدَثات الأمور، فإنَّ كُلَّ مُحدَثة بِدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (2). وقد بلَغَ مِن حِرص الصحابة رضوان الله عليهم على حديث رسول الله i واهتمامهم به وبحفظه وهم أَوَّل المبلِّغين عنه مَبلَغًا لا يُبلغ شأوُه أبدًا، حيث لم يفُتهم رضوان الله عليهم أن يُبلِّغوا لمن بعدَهم كلَّ حركة
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كتاب العلم (07)، باب تبليغ السماع رقم 2656.
(2) - ... رواه أبو داود في كِتَاب السنَّة، باب في لزوم السنَّة، رقم 4607، من حديث العرباض. (1/159)
صفحة 180
وخلْجَة كانت منه i حَتَّى ليدرك مَن تَتبَّع كُتبَ السُّنَّة أَنَّهُم ما تركوا شيئا صدَر عنه i إِلاَّ رووه ونقلوه. ولمعرفة هذا الحِرص ومَبلَغِه أذكر حديث سيِّدنا عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قال: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أميَّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وَكُنَّا نتناوب النزول على رسول الله i، ينزل يوما وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك» (1).
وكما توفَّر الصحابة رضوان الله عليهم على سماع الحديث وحمْلِه اِحتسبوا في إذاعته ونشره، فتوزَّع الصحابة الكرام في الآفاق هادين مبلِّغين ومعلِّمين ومرشدين. وهذا الحِرص من الصحابة رضوان الله عليهم سرى لمن بعدهم من التابعين، فمَن بعدَهم.
وإنَّ في رحلات التابعين الكثيرة لملاقاة الصحابة وتلقِّي الحديث عنهم، وما تجشَّموا في هذه الرحلات من عناء ومشقَّة ما يعطينا صورة واضحة عن ذلك الحِرص والشأو الذي بلغه. فهذا إمام التابعين سعيد بن المسيّب يقول: إن كنت لأسير ثلاثًا في الحديث الواحد (2). وهذا الشعبيُّ يقول: لو أَنَّ رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمَن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عُمُره رأيت أَنَّ سفره لا يضيع».
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب العلم (27) باب التناوب في العلم، رقم 89، من حديث ابن عَبَّاس.
(2) - ... البغدادي: الرحلة في طلب الحديث، ص 128، تحقيق: د/ نور الدين عتر. (1/160)
صفحة 181
وقد سنَّ الصحابة رضوان الله عليهم لهم ذلك من قبل؛ فقد رحل سيِّدنا جابر بن عبد الله الأنصاري رَضِيَ اللهُ عَنهُ مسيرة شهر في حديث واحد إلى الشام حَتَّى يسمعه عن الراوي الأصل؛ وكذلك ارتحل أبو أَيُّوب الأنصاريُّ إلى عقبة بن عامر في مصر من أجل أن يسمع حديثًا واحدًا منه، فسمعه وارتحل كما جاء في الرِّحلة للبغداديِّ (1).
وكذلك تحفَّظ الصحابة والتابعون من اللحن والزيادة والنقص في الحديث، لأَنَّهُ دين كما ورد عن النبيء i. وروى الإمام مسلم في صحيحه عِدَّة روايات عن تحفُّظهم في الشأن (2). وهؤلاء الأوائل هم الذين سَنُّوا النقد في الحديث. فما هو النقد لُغةً؟
1 - تعريف النقد:
النقد في اللغة: تمييز الدراهم، وإخراج الزَّيف منها، وكذا تمييز غيرها. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كُلِّ هاجرة نَفْيَ الدنانير تَنقادُ الصياريف
وفي اصطلاح المحدِّثين تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والحكم على الرُّواة توثيقًا وتجريحًا.
__________
(1) - ... راجع: البغدادي: الرحلة في طلب الحديث، ستجد العديد مِمَّن ارتحل إِلىَ بلدان أخرى طلبا للحديث، وأخذه من رواته مشافهة.
(2) - ... النووي: شرح صحيح مسلم، مُقَدِّمَة الصحيح، ج1، ص192 وما بعدها. (1/161)
صفحة 182
2 - أَهَمِّيَّته:
ولم يكن النقد عند المحدِّثين لِمُجَرَّدِ إشباع رغبة عِلمِيَّة، بل كان الدافعُ له ذلك الشعور بالمسؤوليَّة تجاه هاته الأمانة التي تحمَّلتها هاته الأُمَّة من الصحابة فمَن بعدَهم لتسلِّمها كلُّ طبقة لمن بعدها، خالصة من كلِّ شائبة، نقيَّة بيضاء، وليلها كنهارها، اِستجابة لأمر رسول
الله i في الحديث السالف ذِكره. ولقوله أيضا: «ليبلِّغ الشاهدُ الغائب» (1) في أمثالها، ولا يتأتَّى لهم حفظ ذلك إِلاَّ بالفحص عن النَّقَلَة، والبحث عن أحوالهم، ليؤخذ بكلام الثقاة، ويُعمل به، ويُطرح كلام غيرهم ويُهمل، أو يُروى ذلك ليعرف الناس العدْل من غيره، ولا يكون ذلك إِلاَّ بالفحص والتدقيق، وهو العلم المعبَّر عنه بالجرح والتعديل.
3 - النقد في عصر الرسول i :
وهذا النقد بدأ البحث في أحاديث رسول الله i في حياته، ولم يكن الأمر في حينه إِلاَّ سؤال رسول الله نفسه i، وهذا الاِستفسار كان على نطاق ضيِّق جدًّا. الصحابة ما كانوا يكذِبون، ولا يكذِّب بعضُهم بعضًا، بل كان غاية البحث في ذلك الوقت هو التدقيق، أو نوع من
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الحج (82) باب تحريم مَكَّة وصيدها ... رقم 446 (1354). ورواه النسائي في الحج (111) باب تحريم القتال فيه، رقم 2876، من حديث أبي شريح. (1/162)
صفحة 183
التوثيق والطمأنينة، ولهم في ذلك إسوة بأب الأنبياء إبراهيم عَلَيهِم السَّلاَمُ، إذ أخبرنا المولى عَزَّ وَجَلَّ عن سؤاله بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَال: َ أَوَلَمْ تُومِن؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة 260]، ومُحال أن يكون إبراهيم عَلَيهِ السَّلاَمُ قد شَكَّ في قُدرة الله سبحانه وتعالى، لأَنَّهُ خليل الله، ومعصوم عن ذلك؛ وهكذا كان تدقيق الصحابة في حياة النبيء i لمزيد من الاِطمئنان القلبيِّ لا غير. ومِن أمثلة ذلك أَنَّ ضمَّام بن ثعلبة جاء إلى رسول الله i فقال: يا محمَّد أتانا رسولك فزعم لنا أَنَّكَ تزعم أَنَّ الله أرسلك؛ قال: صدَق؛ قال: وزعم رسولُكَ أَنَّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؛ قال: صدَق؛ قال: وزعم رسُولُكَ أَنَّ علينا صوم شهر رمضان في سَنَتِنا؛ قال: صدق؛ قال: وزعم رسولُكَ أَنَّ علينا حجَّ البيت مَن اِستطاع إليه سبيلا؛ قال: صدَق؛ قال: والذي بعثَك بِالحَقِّ لا أزيد عَلَيهِنَّ ولا أُنقص مِنهُنَّ؛ فقال رسول الله i: « لئن صدَق ليدخُلَنَّ الجَنَّة» (1).
4 - النقد في عهد الصحابة:
ثُمَّ أخذ النقد في عصر الصحابة رضوان الله عليهم شكلاً آخر، فهُم الأَمَنَةُ على حديث نبيئهم تبليغًا وحِفظًا، وَإِنَّهَا
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الإيمان (3) باب السؤال عن أركان الإسلام، رقم 10 (12)، من حديث أنس. (1/163)
صفحة 184
لَمسؤولية عظيمة قاموا بحملها على أتمِّ وجه، وتبليغها بأقصى الجُهد والتحرِّي والوُثوق؛ فقد نُقل عن أبي بكر الصدِّيق رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ أوَّل من اِحتاط في قبول الأخبار، وأنَّ الجدَّة جاءت تلتمس أن تُورَّث، فقال: ما أجِد لكِ في كتاب الله شيئًا، وما علِمت أَنَّ رسول الله i ذكر لكِ شيئا. ثُمَّ سأل الناسَ، فقام المغيرةُ فقال: حضرت رسول الله يعطيها السُّدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد له محمَّد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر (1). وجاء عن عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ في حديث استئذان أبي موسى الأشعري ثلاثًا، فلم يؤذَن له، فسأله لِمَ فعل ذلك، فروى له بِأَنَّهُ سمع من رسول الله i يقول: «إذا سلَّم أحدكم ثلاثًا فلم يُجَب فليرجِع» (2)، فكلَّفه بإتيان شاهد على ذلك، فجاء إليه بنفر شهدوا له بِأَنَّ رسول الله i قال ذلك الحديث.
قال ابن حبَّان في كتاب “المجروحين”: «إِنَّ أبا بكر وعمر وعليًّا هم أوَّل من فتَّش عن الرواية وبحث عن النقل في الأخبار، ثُمَّ تبعهم الناس» (3).
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كِتَاب الفرائض (11) باب ما جاء في ميراث الجدَّة مع ابنها، رقم 2102، من حديث ابن مسعود.
(2) - ... رواه البيهقيُّ (الكبرى) في كِتَاب النكاح، (73)، باب كيف الاستئذان، رقم 13560، من حديث عمر.
(3) - ... ابن حبَّان: المجروحين، ج1، ص37. (1/164)
صفحة 185
5 - النقد في عهد التابعين:
وروى ابن حبَّان في الكتاب ما نصُّه: «قد سلك جيلُ التابعين في ذلك مسلك الصحابة، وبهم اِقتدوا واستنَّ بسنَّتهم واهتدى بهديهم فيما استنُّوا من التيقُّظ في مرويَّات جماعة كثيرة عدَّهم» (1).
وقال مسلم في صحيحه وفي المقدِّمة: «روي عن التابعيِّ الجليل محمَّد بن سيرين أَنَّهُ قال: لم يكونوا أي أصحاب رسول الله i يسألون عن الإسناد، فَلَمَّا وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم فيُنظر إلى أهل السنَّة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم» (2).
وقد امتاز النقد في عصر التابعين بالبحث عن العدالة بجانب الضبط نتيجةَ الظروفِ التي عاشوها، والأحداث التي كانت، ثُمَّ أخذ البحث في عصر تابعي التابعين نفس المنهج إلى وقت تدوين الحديث، وهذا ما نورده في الشأن، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن حبَّان: المجروحين، ج1، ص38 وما بعدها.
(2) - ... مسلم: مُقَدِّمَة الصحيح، (5)، بيان أَنَّ الإسناد من الدين. (1/165)
صفحة 186
سادسا- معرفة ردِّ المتن وطرقه
قد تَبَيَّنَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ المسلمين من عهد الصحابة والتابعين قد اجتهدوا في تصحيح الأخبار الواردة من النبيء i سنَدًا ومتنًا، وبيَّنَّا اجتهادهم في تصحيح السنَد، لأَنَّهُ العِلَّة التي يدور عليها صِحَّة المتن، لكن مع هذا فقد ابتدع بعض النوابغ في عصرنا مِمَّن اصطنعهم الاِستعمار الغربيُّ النصرانيُّ الحاقد، وادَّخرتهم لنفسها من المسلمين المستشرقين. أَمَّا المستشرقون فكانوا شيوخ المسلمين المبشِّرين، فزعموا أَنَّ كلَّ الأحاديث لا صحَّة لها ولا أصل، وَأَنَّهَا لا يجوز الاِحتجاج بها في الدِّين، وأنَّ العلماء اجتهدوا في الرواة وأغفلوا المتن، فدخل على زعمهم الخطأ من المتون. والبعض من المسلمين الناعقين معهم أوَّلُوا تلك الأحاديث ونفوها بما يبدو لعقلهم وهواهم، زاعمين أَنَّهُم اتَّبَعوا البحث العلميَّ الصحيح، وجهلوا أَنَّ الطعن في الأحاديث الصحيحة، والشكَّ في صحَّة نِسبتها إلى النبيء i إِنَّمَا هو إعلان بالعداء للمسلمين عمْدًا مِمَّن عمد إليه بالعلم الحديث الغربيِّ، أو قصر وجهل مع تقليد غيرهم. ولهذا فَإِنَّنَا نبيِّن لهم ولغيرهم أَنَّ العلماء الذين بحثوا في السنَد قد بحثوا في المتن، وتكلَّموا فيه، وقالوا: يُعرف الوضع في المتن بالقرائن التالية:
- أَوَّلاً: ركاكة اللفظ في المرويِّ بحيث يُدرِك مَن له إلمام باللغة (1/166)
صفحة 187
وأصولها أَنَّ هذا ليس من فصاحة النبيء i، هذا إذا صَرَّحَ الراوي بِأَنَّ ما يرويه لفظ النبيء i؛ فإن لم يصرِّح بذلك فمدار الركاكة على ركَّة المعنى. فحيثما وُجدت دَلَّت على الوضع، وإن لم تنضمَّ إليها ركَّة اللفظ لأَنَّ الدين كلَّه محاسن، والركَّة ترجع إلى الرداءة، كما صَرَّحَ بذلك ابن حجر (1).
- ثانيا: فساد المعنى كالأحاديث التي يكذِّبها الحسُّ، نحو: «الباذنجان شفاء من كُلِّ داء» (2)؛ ونحوه: «من اتَّخَذَ ديكًا أبيضًا لم يقربه شيطان ولا سِحر» (3)، أو ما يَدُلُّ على إباحة المفاسد والسير ورواء الشهوات، نحو: «النظر إلى الوجه الجميل عبادة» (4)، أو ما اشتمل على مجازفات لا تصدر عن العقلاء، كنحو: «المجرَّة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش»، وكنحو: «المؤمن حلو يحِبُّ الحلاوة» (5)، وككلِّ حديث
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 41.
(2) - ... أورده القاري في الأسرار المرفوعة، ص144. والفتني في التذكرة، ص128. والعجلوني في كشف الخفا، ج1، ص328.
(3) - ... رواه ابن الجوزي في الموضوعات، ص3 - 4.
(4) - ... أورده القاري في كِتَاب الأسرار المرفوعة، ص35 و370 و436 (م، أ، ح، ن) ج10، ص102.
(5) - ... رواه الهندي في الكنز، ج1، ص367، رقم 1612. وتمام الحديث هو: «ومن حرَّمها عَلَى نفسه فقد عصى الله ورسوله، لا تحرِّموا نعمة الله وَالطَّيِّبَات عَلَى أنفسكم، وكلوا واشربوا واشكروا، فإن لم تفعلوا لزمتكم عقوبة الله عَزَّ وَجَلَّ»، من حديث عليِّ. (1/167)
صفحة 188
قامت الشواهد الصحيحة على بُطلانه كحديث عوج بن عناق الطويل. وقد ذكر كلَّ ذلك ابن قيم الجوزيَّة في “المنار”.
- ثالثا: ما يُناقض نصَّ الكتاب أو السنَّة المتواترة أو إجماع المسلمين. فممَّا يُخالف القرآن الكريم حديث مقدار الدنيا (وَأَنَّهَا سبعة آلاف سنة)، فهذا لو صَحَّ لكان كلُّ واحد عالما كم يبقى ليوم القيامة، والله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لاَ تَاتِيكُمُ, إِلاَّ بَغْتَةً} [الأعراف 187]، أو ما وقع مناقضا لصريح السنَّة مناقضَةً بيِّنة، كحديث مدْح من اِسمه محمَّدًا وأحمد، وكلّ من تسمَّى بهاته الأسماء لا يدخل النار. وهذا مناقض لِما هو معلوم من الدين بالضرورة أَنَّ النار لا يُجار منها بالأسماء وَإِنَّمَا بالإيمان والعمل الصالح.
- رابعا: كُلُّ حديث ينصُّ على وصاية عليٍّ بالخلافة، لأَنَّهُ مخالف لِما أجمعت عليه الأُمَّة من مبايعتها للصدِّيق، ثُمَّ مَن بعده مبايعة لا وصاية، ولو نصَّ على مَن يخلفه i ما وقع ما وقع في السقيفة.
- خامسًا: كلُّ حديث يدَّعي توافق الصحابة على كِتمان أمر وعدم نقله، كحديث أَنَّهُ i أخذ بيد عليِّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في غدير خم بمحضر الصحابة، ثُمَّ قال: «هذا وصيِّي وأخي (1/168)
صفحة 189
والخليفة من بعدي ... » الخ (1)، واتَّفَقَ الصحابة على كتمانه كما تزعم بعض الفرق وتغييره.
- سادسًا: كلُّ حديث مخالف للحقائق التَّارِيخِيَّة التي جرت في عهد رسول الله i، أو اِقترن بقرائن تثبت بطلانه، مثل حديث وضع الجزية عن أهل خيبر، فكذِبه واضح من عِدَّة وجوه، ومنها أَنَّ فيه شهادة سعد بن معاذ، وقد تُوُفِّيَ سعد قبل ذلك في غزوة الخندق؛ ومعروف أَنَّ الجزية لم تكن قد شُرعت وضعها آنذاك، وَإِنَّمَا نزلت بعد عام تبوك حين وضعها على نصارى نجران ويهود اليمن.
- سابِعًا: موافقة الحديث لمذهب الراوي وهو متعصِّب مغال في تعصُّبه، كأن يروي رافضيٌّ حديثا في فضائل أهل البيت، أو مرجئٌ في الإرجاء.
- ثامنا: أن يكون خبرا عن أمر جسيم تتوافر أسباب نقله، ثُمَّ لا ينقله إِلاَّ واحد، لأَنَّ العادة جرت بتظاهر الأخبار في مثل ذلك.
- تاسعًا: اِشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير، أو الوعيد العظيم على الفعل الحقير، وهذا كثير في حديث القُصَّاص، مثال ذلك: «من قال لا إله إِلاَّ الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان لِكُلِّ لسان سبعون ألف لغة يستغفرون له» (2).
__________
(1) - ... أورده القاري في كِتَاب الأسرار المرفوعة، 433 (م، أ، ح، ن) ج10، ص226.
(2) - ... رواه العلجوني في كشف الخفا، ج2، ص575، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة، ج2، ص185. (1/169)
صفحة 190
- عاشرا: ملكة خاصَّة تكون عند أكثر علماء الحديث نتيجة لدراستهم حديث رسول الله i، وحفظه، ومقارنة طرقه، ولكثرة ممارستهم يعرفون الكلام الصادق من المفترَى. وفي هذا يقول الربيع بن خثيم التابعيُّ الجليل، أحد أصحاب ابن مسعود: «إِنَّ مِن الحديث حديثا له ضوء كضوء النَّهَار نعرفه به، وَإِنَّ من الحديث له ظلمة كظلمة اللَّيْل نعرفه بها» (1).
وكلّ ما ذُكر هُنا من وجوه علامة الوضع في المتن قد ذكره ابن القيِّم الجوزيَّة في “المنار”، والله أعلم.
__________
(1) - ... الصنعاني: توضيح الأفكار لمعاني الأنظار، ج2، ص94. د/ صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه، ص264. (1/170)
صفحة 191
القسم الثاني
علم مصطلح الحديث (1/171)
صفحة 192
تمهيد: علم مصطلح الحديث
هو القسم الثاني، وَهُوَ ما يَتَعلَّقُ بالرواية والتحمُّل وآداب السامع والكاتب، ونبذة عن الصِّحاح من الحديث، والتعريف بأربابها، ونبذة عن الصحابة والتابعين، إلى غير ذلك مفصَّلا. وعليه فقد تَمَّت الأدوات التي يعرف بها الصحيح من السقيم، سنَدًا ومتنا، وبقي لنا تعريف أنواع الحديث. وهو الذي اتَّفَقَ المحدِّثون على تسميَّته بمصطلَح الحديث، وبه يُعرف اسم الصحيح من غيره.
اِعلم علَّمك الله يا أخي وإيَّاي أَنَّ الحديث عند أهله (أعني الأوائل) ينقسم إلى صحيح وحسَن وضعيف. وزاد المُتَأَخِّرون قسما ثالثا سمَّوه: الصَّالح، تَبَعًا لأبي داود (1).
فالصحيح هو الحديث المسنَد الذي يَتَّصِلُ إسناده بنقل العدل الضابط من أوَّله إلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا ولا مُعلَّلاً، وفي هذه الأوصاف احترازٌ عن المرسَل والمنقطع والمعضل والشاذِّ، وما فيه عِلَّة قادحة من العلل التي تَقَدَّمَ وصفها. وهذه أنواع يأتي ذكرها إن شاء الله فهذا هو الذي يحكم عَلَيْهِ بالصحَّة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحَّة بعض الأحاديث لاختلافهم في وُجود
__________
(1) - ... وَهُوَ ما سيأتي الكلام عنه في صفحة 187. (1/172)
صفحة 193
هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اِشتراط بعض هذه الأوصاف. ومتى قالوا: هذا حديث صحيح فمعناه أَنَّهُ اتَّصَلَ سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس مقطوعا في نفس الأمر بصحَّته، إذ قد يَهِمُ الضابط. وقد يُكذَبُ عليه لاعتقاده عدالة الراوي، وهو غير عدل. والحديث الوارِد على هاته الصفة يُسمَّى صحيحا، ولو انفرد بروايته واحد عن واحد من أوَّله إلى منتهاه، وهو نوع من الغريب. وكذلك إذا قالوا: هذا الحديث ضعيف، أو لا يَصِحُّ، فليس ذلك قطعًا بِأَنَّهُ كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صادقا في نفس الأمر، إذ قد يصدق الكذوب، وَإِنَّمَا لم يَصِحَّ إسناده أو صَحَّ إسناده على الشرط المذكور لا غير، وهذه المُقَدِّمَة التي قَدَّمناها يجب مراعاتها فيما يأتي من أنواع الحديث، والله أعلم. (1/173)
صفحة 194
الخبر المقبول
1 - الحديث الصحيح
2 - الحديث الحسن
3 - الحديث الصالح
الخبر المردود
1 - الحديث الضعيف وأنواعه
- المرسَل
- المنقطع
- المقطوع
- المعضَل
- المدلَّس
- المعلَّل
- المضطرب
- المقلوب
- الشَّاذُّ
- المنكر
- المتروك
2 - الخبر الموضوع (1/174)
صفحة 195
الخبر المقبول
مقدمة
الحديث في جميع ألقابه نوعان: مقبول وهو الصحيح، ومردود: وهو الضعيف أو المتروك. هذا هو التقسيم الطبيعيُّ الذي يندرج تحت أنواعه أنواع كثيرة تتفاوت صحَّةً وضعفًا بتفاوت أحوال الرواة المعبَّر عنه بالسنَد. وأحوال النصِّ المرويِّ المعبَّر عنه بالمتن، وهو تقسيم المحدِّثين الأوائل.
لكن اصطلح المُتَأَخِّرون إلى تقسيم ثلاثيٍّ للحديث، آثروه على التقسيم الثنائيِّ السابق، فأصبح الحديث لا يخرج عن أحد هذه الأقسام.
- فَإِمَّا صحيح بنفسه، أو صحيح بمصحِّح آخر وارد عليه، وهو الصحيح بغيره.
- وَإِمَّا حسن بذاته، أو حسن بغيره المحسِّن له الوارد عليه.
- وَإِمَّا ضعيف ضعفًا قويًّا لا يأتي ما ينقله عن ذلك إلى ما فوقه فيُترك. وإِمَّا نوع من الضعيف ينجبر بغيره فلا يُترك العمل به، كما قال أحمد بن حنبل: يُعمل به قبل القياس على الرأي. (1/175)
صفحة 196
الصحيح
وهو الذي ينقله عدل ضابط عن مثله من أوَّله إلى منتهاه، وهو الرسول أو الصحابيُّ أو التابعيُّ، وعير شاذٍّ ولا مُعلَّل، وقد بيَّنَّا فيما سبق أحوال الأسانيد والمتون وما يصحِّحها أو يوهنها.
وبيان ذلك في أربعة أشياء ينبغي ملاحظتها:
1 - فالمسنَد هو ما اتَّصَلَ رواته من أوَّله إلى آخره، ويُقال له: “الموصول” أو “المُتَّصِل”. فالحديث الذي سقط من إسناده راوٍ فهو فاقد الاتِّصَال، فإن كان الساقط صحابيًّا فهو مرسَل، وهو ضعيف وليس بصحيح، إِلاَّ إن وُجد موصولا بطريق آخر.
2 - وكذلك الساقط من إسناده بعد الصحابيِّ رجل، سواء كان في أوَّله أو وسطه أو آخره، وسواء كان الساقط واحدا أو أكثر، أو ذكر في إسناده شخص مبهم، كرجل أو شيخ أو نحو ذلك.
3 - وفي المتن بأن يكون شاذًّا، وهو ما رواه الثقة مخالفا لِما رواه مَن هو أوْثق منه أو أكثر من ثقة.
4 - وكذلك المعلَّل، وهو ما فيه عِلَّة خفيَّة لا تُدرك إِلاَّ بالبحث. وقد مَرَّ تعريف السند والمتن بما فيه الكفاية. (1/176)
صفحة 197
شروطه:
إذنْ، فالصحيح ما اجتمعت فيه خمسة شروط: العدالة، والضبط، والاِتِّصال، وعدم الشذوذ، وعدم العِلَّة. وقد نظمها البيقونيُّ فقال:
أوَّلها الصحيح وهو ما اتَّصَل إسناده ولم يشُذَّ أو يعل
يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله
ولذلك قال أبو الزناد: «أدركت بالمدينة مائةً كلُّهم مأمون ما يؤخذ عنهم من الحديث، ويُقال ليس من أهله، ومثل ذلك ما روي عن مالك أيضا. فهذا هو الصحيح لذاته. وتتفاوت درجاته قوَّةً وضُعفا بحسب قوَّة الشروط وضعفها في الاِعتبار.
والوارد مع توافر الشُّروط يُقبل ويكون حُجَّة وعليه العمل، ويُرجَّح على غيره في الاِستدلال، وهو بعد المتواتر، لأَنَّهُ يفيد العلم والعمل معًا.
أصحُّ الأسانيد:
وقد ذكر أهل الفنِّ بعض الأسانيد اتَّفَقُوا على أَنَّهَا أصحُّ الأسانيد، فرووا عن إسحاق بن راهويه أَنَّهُ قال: «أصحُّ الأسانيد كلِّها: الزُّهريُّ عن سالم عن أبيه». ورووا مِثلَه عن أحمد بن حنبل.
ورووا عن عمرو بن عليٍّ الفلاس أَنَّهُ قال: «أصحُّ الأسانيد محمَّد بن سيرين عن عبيدة عن عليٍّ». (1/177)
صفحة 198
ورووا عن عليِّ بن المديني مِثله، وعن غيرهما. ثُمَّ منهم مَن عيَّن الراوي عن محمَّد وجعله أَيُّوب السختياني، ومنهم مَن جعله ابن عون.
ورووا عن يحيى بن معين أَنَّهُ قال: «أجودها: الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله» ... إلى غير ذلك.
ونحن نقول على ما صحَّحه أصحابنا: «إِنَّ أصحَّها ما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة، ومن بعدِه ما رواه الربيع عن أبي عبيدة مسلم عن جابر وغيره، ثُمَّ ما رواه تلاميذ أبي عبيدة عنه».
وقال أهل الفنِّ تبعًا لابن الصلاح: «على أَنَّهُ لم يكن في الرواة عن مالك أجلَّ من الشافعيِّ، ثُمَّ اتَّفَقُوا في الكتب الصحاح على أَنَّ أصحَّها البخاريُّ ومسلم، ثُمَّ ما كان على شرطهما وقالوا على أَنَّهَا أصحُّ من موطَّأ مالك» (1).
ويُقال عن بعض أهل الفنِّ إِنَّ أصحَّ أسانيد أهل البيت: «جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ إذا كان الراوي عن جعفر ثقة».
وأصحُّ أسانيد الصدِّيق: «إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر».
وأصحُّ أسانيد عمر: «الزُّهريُّ عن سالم عن أبيه عن جدِّه».
وأصحُّ أسانيد أبي هريرة: «الزُّهريُّ عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة».
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص15 - 16، بتصرُّف. (1/178)
صفحة 199
وأصحُّ أسانيد ابن عمر: «مالك عن نافع عن ابن عمر».
وأصحُّ أسانيد عائشة: «عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة»، وَقِيلَ غير هذا (1).
ونقول نحن: «أصحُّ أسانيد ابن عَبَّاس: «أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عَبَّاس». وإذا روى غيرُنا حديثا وصحَّحوه أثبتناه وأوَّلناه تأويلا صالحا إن كان مخالفًا ظاهرُه لنصِّ القرآن بما يوافق القرآن، وبما عليه إجماع أهل المذهب، وذلك لِما روى الرَّبيع بن حبيب عن طريقه عن ابن عَبَّاس أَنَّ النبيء ? قال: « ... مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلى كِتَابِ اللهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي» (2).
وإذا قال المحدِّثون في حديث: إِنَّهُ أصحُّ حديث في هذا الباب، فَإِنَّهُم لا يريدون أَنَّهُ صحيح قطعًا كما مَرَّ، لكن فيه زيادةُ صحَّةٍ عن غيره، والله أعلم.
__________
(1) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 55. السيوطي: تدريب الراوي، ج1، ص 83.
(2) - ... رواه الربيع في مسنده (6) باب في الأُمَّة أُمَّة محَمَّد ? رقم 41، من حديث ابن عَبَّاس. (1/179)
صفحة 200
الصحيح بغيره
الصحيح قسمان: صحيح بنفسه وقد سبق تعريفه، وصحيح بغيره، وهو الحديث الذي لم يتوفَّر على أعلى صفات القبول كما سبق في تعريفه، كأن يكون راويه العدل غير تامٍّ في العدالة، وكأن يكون فيه أحد خوارم المروءة، أو كان غير تامِّ الضَّبط أو نحوهما.
فهذا الحديث دون الحديث السابق الذي توفَّرت فيه شروط السَّنَد. أو يكون في متنه أحد الخوارم، كأن يخالف راويه الثقة مَن هو أوثق منه، أو فيه عِلَّة كالغرابة، أي الاِنفراد مع ضعف. فإن جاء ما يعضده من مثال أو شاهد أو وصل منقطع من راوٍ آخر كان مقوِّيًّا له، فينتقل من درجة الحسن إلى درجة التصحيح، فيكون صحيحًا بغيره، وهو هذا. وقد يختلف فيه المحدِّثون مثلاً مصحِّح وغيره (1)، فيرتقي إن رجحت صحَّته إلى صحيح بغيره، والله أعلم.
__________
(1) - ... كذا في النسخة الخطية للشيخ، ولعل صواب العبارة هو: «وقد يختلف المحدِّثون إلى مصحَّح وغيره ... » (1/180)
صفحة 201
الحديث الحسن
نشأة الحديث الحسن، وأوَّلُ من شهَّره:
يُقال إِنَّ أقدم من عُرف عنه تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف الإمام أبو عيسى الترمذيُّ، وإن كان قد ذكر الحسن في كلام بعض مشايخه ومَن قَبْلَهم، إِلاَّ أَنَّ هذا التقسيم الثلاثيَّ لم يُعرف عن أحد قبله، إذ قد أكثر من ذِكره في جامعه حَتَّى عَدَّ المحدِّثون كتاب “الجامع للسُّنَن” الأصل في معرفة الحسن.
وقد عرَّفه بقوله: «وما ذكرنا في هذا الكتاب من حديث حَسَنٍ فَإِنَّمَا أردنا حُسْن إسناده عندنا.
وكلُّ حديثٍ يُروى لا يكون في إسناده مَن يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسَن» (1).
وعرَّفه ابن حجر بقوله: «وخبرُ الآحاد بنقل عدل تامِّ الضبط مُتَّصِل السنَد غير مُعلَّل ولا شاذٍّ هو الصَّحيح لذاته» (2)، ثُمَّ أضاف قائلا: «فإن خفَّ الضبط فهو الحسن لذاته» (3). وعرَّفه البيقوني بقوله:
__________
(1) - ... الترمذي: الجامع الصحيح، ج5، ص 758.
(2) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 18.
(3) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 24. (1/181)
صفحة 202
والحسن المعروف طرقا وغدت رجاله لا كالصحيح اِشتهرت
وقال ابن الصلاح: «الحسن قسمان:
- أحدهما الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقَّق أهليَّته، غير أَنَّهُ ليس مغفَّلا كثير الخطإ فيما يرويه، ولا هو متَّهَم في الحديث، أي لم يظهر منه تعمُّد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفسِّق. ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حَتَّى اعتضدَ بمتابعة من تابع راويَهُ على مثله، أو بما له من شاهد، وهو وُرود حديث آخر مثله في معناه. ولا يكون شاذًّا أو منكرًا» (1).
أي ما يُعَدُّ من المفرد المنكر، غير أَنَّ رجاله لم يبلغوا في الضَّبط والحِفظ رجال الصَّحيح. ومن أهل الحديث من لا يُفرد نوع الحسن ويجعله مندرِجًا في أنواع الصَّحيح لأَنَّهُ يُحتَجُّ به كالصَّحيح. هذا هو الحسن بذاته.
وباختصار نقول: الحسن ما اتَّصَلَ سنَدُه بعدلٍ خفَّ ضبطه من غير شذوذ ولا عِلَّة، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص31. (1/182)
صفحة 203
الحسن بغيره
وهو الثاني الذي عرَّفه ابن الصلاح بقوله: «أن يكون راويه من المشهورين بالصِّدق والأمانة غير أَنَّهُ لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصِّرُ عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال مَن يعدُّ ما ينفرد به من حديثه مُنكَرًا، ويُعتبر في كُلِّ هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا أو منكرا سلامته من أن يكون مُعلَّلا. وعلى هذا القسم الثاني ينزَّل كلام الخطَّابيِّ» (1).
قال: «والذي ذكرناه يجمع بين كلاميهما. وقال: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعدِّدة، كحديث “الأُذُنان من الرأس” (2) أن يكون حَسَنًا، يعني لرواية ابن حبَّان له في صحيحه من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة مرفوعًا و“شهر” ضعَّفه الجمهور. ورواه أبو داود موقوفًا على أبي أمامة والترمذي، وقال: «هذا حديث [حسن] ليس
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص31 - 32.
(2) - ... رواه الربيع في كِتَاب الطهارة (15)، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم 97، من حديث جابر. والترمذي في كِتَاب الطهارة (29)، باب ما جاء أَنَّ الأذنين من الرأس، رقم 37. وأبو داود: كِتَاب الطهارة، باب صفة وضوء النَّبِيء ?، رقم 134، من حديث أبي أمامة. (1/183)
صفحة 204
إسناده بذاك القائم» (1).
[وقال العراقي]: «وقد روي من حديث جماعة من الصحابة جمعهم ابن الجوزي في “العِلل المتناهية” وضعَّفها كلَّها» (2)؛ [قال ابن الصلاح]: «وَلأَنَّ الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني لا يُؤَثِّرُ كونه تابعًا أو متبوعًا كرواية الكذَّابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعات، كما إذا كان راويه سيِّء الحِفظ، أو روي الحديث مرسَلا، فإنَّ المتابعة تنفع حينئذ. ويرتفع الحديث من حضيض الضعف إلى أوج الحُسنِ أو الصِّحَّةِ» (3)، وبذلك يَتَبَيَّنُ خطأ كثير من العلماء المُتَأَخِّرين في إطلاقهم أنَّ الحديث الضعيف إذا جاء من طرق مُتَعَدِّدَة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصِّحَّة، لأَنَّ ضعف الحديث إذا جاء لفسق
الراوي أو اتِّهامه بالكذب، ثُمَّ جاء من طرق أخرى من هذا النوع
فَإِنَّهُ يزداد ضعفًا إلى ضعف، لأَنَّ السقيم لا يتقوَّى بسقيم مثله،
والله أعلم» (4).
__________
(1) - ... الترمذي، ج1، ص 53.
(2) - ... العراقي: التقييد والإيضاح، ص37. يقول ابن حجر تعقيبا على ذلك: «قلت: وقد راجعت كتاب العلل المتناهية لابن الجوزي، فلم أره تعرَّض لهذا الحديث، بل رأيته في كتاب التحقيق له [ج1/ص92 وما بعدها] قد احتجَّ به وقوَّاه، فينظر في هذا».
ابن حجر: النكث، ج1، ص410.
(3) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث، ج1/ص134. وانظر أيضا ابن الصلاح: علوم الحديث، ص33.
(4) - ... أحمد محمد شاكر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج1/ص134. (1/184)
صفحة 205
الحديث الصَّالح
والصالح دون الحسَن، وهو الذي عَنْوَن له أبو داود في سُننه بقوله: «ما كان في كتابي السنن من حديث فيه وَهَن شديد فقد بيَّنتُهُ، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح؛ وبعضها أصحُّ من بعض» (1).
وفي بعض النسَخ أَنَّهُ قال: «ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه وَهَن شديد ... » الخ. وفي راوية: «وما سكتُّ عنه فهو حسن» (2).
قال ابن الصلاح: «فما وَجَدناه في كتابه مذكورا مُطلقا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نصَّ على صِحَّته أحدٌ مِمَّن يميِّز بين الصحيح والحسن عرَّفناه بِأَنَّهُ من الحسن عند أبي داود». ثُمَّ قال: «والروايات عن أبي داود بكتابه “السنن” كثيرة جِدًّا؛ يوجد في بعضها من الكلام،
__________
(1) - ... أبو داود: رسالة إِلىَ أهل مَكَّة، ص 6. وقارن مع النكت لابن حجر، ج1، ص444؛ والإرشاد للنووي، ص 72. التحقيق أَنَّ مُرَاد أبي داود من قوله: «صالح» المَعْنَى الأعمَّ الذي يشمل الصحيح والحسن والضعيف اليسير الضعف، لكونه يصلح لأَن يُعتبر به ويعمل به عند كثير من العلماء أمثال أبي داود وأحمد والنسائي، وَأَنَّهُ عندهم أقوى من رأي الرجال.
راجع: د. نور الدين عتر: منهج النقد عند المحدِّثين، ص 273. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص37.
(2) - ... انظر: الهامش السابق. (1/185)
صفحة 206
بل وفي الأحاديث ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد الآجُرِيِّ عنه أسئلة في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل كتاب مفيد. ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سُنَنه. فقوله: “وما سَكتُّ عليه فهو حسن”، أي ما سكت عليه في سُننه فقط أو مُطلَقًا؟ والظاهر أَنَّهُ يريد كتاب السّنن فقط» (1).
قال ابن حجر: «لفظ “صالح” في كلامه أعمُّ من أن يكون للاِحتجاج أو للاِعتبار، فما ارتقى إلى الصِّحَّة فهو الحسن؛ وما لم يرتق فهو بالمعنى الثاني، وما قصُر عن ذلك فهو الذي فيه وَهَن شديد» (2).
ويقول ابن الصلاح: «إِنَّ البغويَّ صاحب “المصابيح” قد قسَّم أحاديثه إلى نوعين: الصِّحاح والحِسان؛ مُريدًا بالصّحاح ما وَرَد في أحد الصحيحين أو فيهما، وبالحِسان ما أورده أبو داود والترمذيُّ وأشباههما في تصانيفهم. وهذا اصطلاح لا يعرفه أهل الحديث» (3). والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 36، وما بعدها بتصرُّف.
(2) - ... انظر: ابن حجر: النكت، ج1، ص444، بتصرُّف.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 37. (1/186)
صفحة 207
الخبر المردود
الحديث الضَّعيف وأنواعه
قد تَقَدَّمَ فيما ذكرناه أَنَّ الأحاديث التي تصلح للاِحتجاج والعمل عند الجمهور ألقابها خمسة: الصحيح بنفسه، والصحيح بغيره، والحسن بنفسه، والحسن بغيره، والصالح عند الجمهور - لا عند الكلِّ -، يصلح للعمل والاِحتجاج وعند البعض للعمل فقط. وسنورِد هنا أنواع الأحاديث الضعيفة التي لا تصلح لأيٍّ منهما: وهي عشَرة، إِلاَّ إن وَرَدَ ما يقوِّيها من شاهد أو متابع أو مثال، وألقابها في الاِصطلاح:
1. المرسَل.
2. المنقطع والمقطوع.
3. المعضل.
4. المدلَّس.
5. المعلَّل.
6. المضطرِب.
7. المقلوب.
8. الشاذُّ.
9. المنكَر.
10. المتروك. (1/187)
صفحة 208
وهناك نوع لا يصلح للاِحتجاج ولا للعمل، وهو الموضوع، فبعضٌ ذكره وبعضٌ تركه، لأَنَّهُ في الحقيقة ليس حديثا، لأَنَّ الحديث عند أهل الفنِّ: ما يَتَعلَّقُ بذات النبيء ? من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير أو صِفةِ خُلُق أو خِلْقَة.
والموضوع ليس من ذلك في شيء، لأَنَّ الواضع له اختلقه من عنده ونسبه إلى النبيء ? كذِبا وزورا وبهتانًا، ونحن ندرجه للعِلم فقط. وبيانها على الترتيب في البحوث الآتية، والله أعلم. (1/188)
صفحة 209
المرسَل
قال ابن الصلاح: «صورته التي لا خلاف فيها حديث التابعيِّ الكبير الذي لقيَ جماعة من الصحابة وجالسهم كعبيد الله بن عديِّ بن الخيار، ثُمَّ سعيد بن المسيّب، وجابر بن زيد وأمثالهم إذا قال: “قال رسول الله?”. والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين. وله صوَر اختلف فيها أهي من المرسَل أم لا» (1).
1) تعريفه:
وجاء في تعريفه باختصار: أَنَّهُ ما سقط منه الصحابيُّ مطلَقًا، كقول جابر أو نافع أو سعيد بن المسيّب: «قال رسول الله ?». وما جاء مِمَّا سقط فيه قبل الوصول إلى التابعيِّ فهو المنقطع، وسيأتي بيانه (2).
2) حكمه:
وَأَمَّا حكمه فحكم الحديث الضعيف (3) لجهلنا برواية الحديث عن
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 51.
(2) - ... لزيادة الفائدة والتوسُّع، انظر: نخبة الفكر، ص 36، وشرح شرحها، ص 399، وعلوم الحديث، ص51، وإرشاد طلاَّب الحقائق، ص79، وفتح المغيث (السخاوي)، ج1، ص155، وألفية السيوطي، ص24، وغيرها ...
(3) - ... والدليل عَلَى ضعف المرسل هو أَنَّ المحذوف مجهول الحال، وَلأَنَّهُ يحتمل أن يكون غير صحابيٍّ، وإذا كان كَذَلِكَ فَإِنَّ الرواة حدَّثوا عن الثقات وعن غير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثا وأرسله فيحتمل جِدًّا أن يكون قد أخذه عن غير ثقة. انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب، ص172. (1/189)
صفحة 210
رسول الله ? مشافَهة أو حُكمًا، ذاتًا أو صفة، وهو المشهور عند أكثر المحدِّثين وأهل العِلم.
قال مسلم في صدر صحيحه: «والمرسَل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العِلم بالأخبار ليس بحُجَّة» (1)، وَاحتَجَّ به مالك وأحمد بن حنبل وبعض الأصوليِّين والفقهاء، وقالوا: الموصول أصحُّ منه، وهو الصحيح الذي استَقَرَّ عليه حُفَّاظ الحديث ونُقَّاد الأثر، وتناولوه في تصانيفهم (2).
أَمَّا مراسيل الصحابة فأكثر العلماء يحتجُّون بها ولا يضعِّفونها ويرونها موصولة، لأَنَّ الصحابة لا يروون إِلاَّ من بعضهم، وكلُّهم عدول في الشأن كما مَرَّ، وَلأَنَّ أصاغر الصحابة كابن عبَّاس ونحوه لم يسمعوا
__________
(1) - ... مسلم: مُقَدِّمَة الصحيح بشرح النووي، ج1، ص245.
(2) - ... د. نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث، ص 372. وللحافظ ابن رجب تحقيق جيِّد أورده في كِتَابه: “شرح علل الترمذي” ما نصُّه: «واعلم أَنَّهُ لا تنافي بين كلام الحفَّاظ وكلام الفقهاء في هَذَا الباب، فَإِنَّ الحفَّاظ يريدون صِحَّة الحديث المَعين إذا كان مرسلا وَهُوَ ليس بصحيح عَلَى طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتِّصَال إسناده إِلىَ النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، وَأَمَّا الفقهاء فمرادهم صِحَّة ذَلِكَ المعيَّن الذي دَلَّ عَلَيْهِ الحديث، فإذا عضد ذَلِكَ المرسلَ قرائنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ له أصلا قويَّ الظنِّ بِصِحَّةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فاحتجَّ به مع ما احتفَّ به من القرائن، وَهَذَا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأَئِمَّة كالشافعيِّ وأحمد وغيرهما ... » إلخ.
ابن رجب: شرح علل الترمذي، ص181. (1/190)
صفحة 211
من رسول الله ? إِلاَّ القليل من مرويَّاتهم، وأكثرهم من كبار الصحابة سِنًّا منهم؛ إِلاَّ أَنَّهُ يقع الاِحتفاظ فيما رووه عن أهل الكتاب من أخبار المغيَّبات، كقيام الساعة.
قال ابن حجر: «إن لم نعمل ونصحِّح مرويَّات صغار الصحابة كُنَّا قد أسقطنا أكثر من ثلث الحديث».
وَأَمَّا مرويَّات التابعين من غير ذكر الصحابة فقد مَرَّ بِأَنَّهَا مرسَلَة. وَأَمَّا قول الشافعيِّ: إِنَّ مراسيل سعيد بن المسيّب حسنة عندنا، لأَنَّه صهر أبي هريرة (1)، وقول السالميِّ: «إِنَّ مراسيل جابر بن زيد صحيحة» (2) فَإِنَّهُمَا قالا ذلك بعد تتبُّعهما مراسِيلَهما فوجدوها موصولة عند غيرهما، ولذلك قال أهل الفنِّ: لا يُحتَجُّ بالمراسيل إِلاَّ إن عضدها عاضد مِن تابعٍ ونحوه.
وقال ابن الصلاح: «وإذا قيل في الإسناد: “فلانٌ عن رجل أو عن شيخ عن فلان”، أو نحو ذلك فالذي ذكره الحاكم في “معرفة علوم الحديث” (3) أَنَّهُ لا يُسَمَّى مرسَلاً، بل منقطعًا، وهو في بعض المصنَّفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من أنواع المرسَل». وقال: «ثُمَّ إِنَّا لم نعُدَّ في أنواع المرسَل ونحوه ما يسمَّى في أصول الفقه “مرسل الصحابيِّ ”،
__________
(1) - ... راجع: تدريب الراوي للسيوطي، ج1، ص199، وما بعدها.
(2) - ... السالمي: شرح طلعة الشمس، ج2، ص46 - 47.
(3) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 28. (1/191)
صفحة 212
مثل ما يرويه ابن عَبَّاس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ? ولم يسمعوه منه، لأَنَّ ذلك في حُكم الموصول المسنَد، لأَنَّ روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابيِّ غير قادِحة، لأَنَّ الصحابة كلَّهم عدول» (1)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 53، 56. (1/192)
صفحة 213
المنقطع
1) تعريفه:
أشهر تعاريفه: أَنَّهُ الحديث الذي سقط من إسناده رجل، أو ذكر فيه رجل مبهم، لأَنَّ المبهَم كالمجهول. وسبب ضعفه فقْد الاِتِّصال في السنَد، فهو كالمرسَل من هاته الناحية. مثال من أسقط من إسناده رجلٌ: الحديث الذي رواه عبد الرزَّاق عن [سفيان] الثوريِّ عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْعٍ عن حُذيفة مرفوعًا: «إن وَلَّيْتموها أبا بكر فقويٌّ أمين» (1)، فقد سقط من إسناده شريك بين الثوريِّ وبين أبي إسحاق، لأَنَّ الثوريَّ لم يسمع من أبي إسحاق مباشرة، وَإِنَّمَا سمعه من شريك، وشريك هذا سمعه من أبي إسحاق.
ومثال ما ذُكر فيه رجل مُبهَم حديث: «اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك الثبات في الأمر» (2) الذي رواه أبو العلاء عن عبد الله بن الشِّخِّير عن
__________
(1) - ... وتمام الحديث: « ... لا تأخذه في الله لومة لائم، وإن ولَّيتموها عليًّا فهادٍ مهديٌّ يقيمكم عَلَى طريق مستقيم». أخرجه الحاكم في المعرفة، ص 28 - 29. والطبراني في الأوسط عن عليٍّ.
(2) - ... رواه الترمذي في كِتَاب الدعوات، 23، باب منه، رقم 3468، من حديث أوس، مع زيادة في آخره وَأَوَّله قوله: « ... عن أبي العلاء بن الشِّخِّير عن رجل من بني حنظلة قال: صحبت الشدَّاد بن أوس في سفر، فقال: ألا أعلِّمك ما كان رَسُول اللهِ ? يعلِّمنا أن نقول؟ اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك ... » ثُمَّ ساق الحديث.
والنسائي في كِتَاب السهو (61) بنوع آخر من الدعاء، رقم 1303، من حديث شدَّاد بن أوس أَيضًا، وثبت قوله: «عن رجلين». الحاكم في المعرفة، ص 27. (1/193)
صفحة 214
رجلين عن شدَّاد بن أوس. فمن هما هذان الرجلان؟ إِنَّهُما مُبهَمان، وقد ذُكرا في السنَد. وقد تكون الرواية في أحاديث منفردة عن رجل مُبهَم واحد.
2) حكمه:
ويتَّفق المرسَل والمنقطع في فقْد الاِتِّصال، وهو سبب الضعف، إِلاَّ أَنَّ المرسَل في الصحابيِّ والمنقطع في غير الصحابيِّ، وأكثره في التابعيِّ؛ ولا يُحتَجُّ به، إِلاَّ إن وُجد موصولاً بمتابع أو شاهد أو نحوهما.
وقد قيل: إِنَّ المرسَل: ما حُذف منه التابعيُّ، والمنقطع: ما لم يُذكر فيه، أو أُبهم فيه قبل التابعيِّ رجلٌ أو أكثر، وهو كلُّ ما لا يَتَّصِلُ إسناده مُطلَقًا. وكذا ما روي عن التابعيِّ أو مَن دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله، ولم ينسبه إلىلنبيء ?، والله أعلم. (1/194)
صفحة 215
المقطوع
تعريفه:
وهو غير المنقطع الذي مَرَّ ذكره، ويُقال في جمعه “المقاطيع”، ومنه مقاطيع الربيع (1)، وهو ما جاء عن التابعين موقوفًا عليهم من أقولهم وأفعالهم. وقد وُجد في كلام الشافعيِّ وأبي القاسم الطبرانيِّ وغيرهما (2) الكلام عن المقطوع غير المنقطع.
ومنه قول الصحابيِّ: «كُنَّا نفعل أو نقول كذا»، إن لم يضفه إلى زمان الرسول ? فهو من قبيل الموقوف (3)؛ وإن أضافه إلى زمان رسول الله ? فالذي قطع به أكثر أهل الفنِّ أَنَّهُ من قبيل المرفوع؛ لأَنَّ ذلك ظاهره مُشعِر بِأَنَّ رسول الله ? قد اطَّلع عليه وقرَّره، وتقريره أحد وُجوه السنَن المرفوعة، فَإِنَّهَا أنواع: منها أقواله وأفعاله وتقريره، أي
__________
(1) - ... إشارة إِلىَ مسند الإمام الربيع بن حبيب الذي بدوره يضمُّ عددا من الأحاديث المقطوعة. انظر مثلا: حديث رقم 835، و847 وغيرها.
(2) - ... ذكره الخطيب البغداديُّ في الكفاية، ص21 قولا لبعض أهل العلم، وانظر أَيضًا: ابن الصلاح في كِتَابه: “علوم الحديث” ص 59.
(3) - ... لَكِنَّ العراقيَّ وابن حجر والسيوطيَّ ذهبوا إِلىَ أَنَّهُ مرفوع، واختاره أَيضًا النوويُّ وغيره، وَلأَنَّ الظاهر من قول الصحابيِّ: «كُنَّا نفعل كذا ... » أَنَّهُ يحكي الشرع، وَهُوَ دأبهم أَيضًا. انظر: السخاوي في فتح المغيث، ج1، ص 126؛ والسيوطي في التدريب، ج1، ص194. (1/195)
صفحة 216
سكوته عن الإنكار بعد اطِّلاعه.
ومن هنا قول الصحابيِّ: «كُنَّا لا نرى بأسا بكذا وكذا، ورسول الله فينا»، أو: «كان يُقال كذا وكذا على عهده»، أو: «كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته ?»، فَكُلُّ ذلك وشبهه مرفوع مُسنَد مُخرَّج في كتب المسانيد.
ومنه ما رواه المغيرة بن شعبة قال: «كان أصحاب رسول الله يقرعون بابه بالأظافير» (1). وذكر الحاكم «أَنَّ هذا مِمَّا يتوهَّمه مَن ليس من أهل الصنعة مُسنَدًا، يعني مرفوعا لذكر رسول الله ? فيه، وليس بمسنَد بل هو موقوف» (2). وَلَكِنَّ المشهور خلاف ذلك، قاله ابن الصلاح (3)؛ ولكون الاِختلاف فيه لم أعدُده في أنواع الحديث الضعيف، والله أعلم.
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الأدب المفرد، ج2/ص515. عن أنس، كما أخرجه عن المغيرة الحاكم في معرفة علوم الحديث ص19، وانظر في المسألة شرح الألفية للعراقي، ج1/ص120. والسيوطي في التدريب، ص1/ص185، وما بعدها.
(2) - ... الحاكم النيسابوري، ص 19.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 49. (1/196)
صفحة 217
المعضَل
1) تعريفه:
وهو لقب لنوع خاصٍّ من المنقطع، فَكُلُّ معضَل منقطع، وليس كلُّ منقطع معضَلاً، وهو عبارة عَمَّا سقط من إسناده اِثنان فصاعِدا بشرط التوالي. وهو صورة أشدُّ اِستغلاقا وإيهاما من المنقطع، ومن هنا جاءت تسميته بالمعضَل، وهو في اللغة: الحبس والتضييق. قال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة 232]، ويُعتبَر قِسما من المنقطع لكن بوجه خاصٍّ.
ومنه قول الفقهاء في استدلالهم بالحديث: قال رسول الله ?: كذا، بلا ذِكر السنَد؛ وفقْد الاِتِّصال هو الذي أضعفه كما مَرَّ في المرسَل والمنقطع.
ومن المعضَل ما أرسله تابعيٌّ عن تابعيٍّ. مثال ذلك: ما رواه الشعبيُّ قال: يُقال للرجل يوم القيامة: «عمِلت كذا وكذا، فيقول لا، فيُختم على فيه، وتنطق جوارحه بما عمِل» (1)، لأَنَّ الشعبيَّ إِنَّمَا رواه عن أنس وأنسٌ رواه عن رسول الله ?، فقد أعضل الأعمش الحديث بعده، فأسقط الشعبيَّ وأنسا ورسول الله? من إسناده (2).
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الزهد والرقائق، رقم 16 (2968)، من حديث أنس.
(2) - ... انظر كلام الحاكم النيسابوري في كِتَابه: “المعرفة”، ص 37 - 38 في الشأن. (1/197)
صفحة 218
2) حكمه:
والمُعضل أسوأ حالا من المنقطع، والمنقطع أسوأ من المرسَل. وإذا كان الاِنقطاع في موضع واحد أسوأ حالا فانقطاعه في موضعين أسوأ منه، ولذلك لا تقوم به الحُجَّة.
واختلفوا في الإسناد المعنعن، وهو الذي يُقال فيه: «فلان عن فلان»؛ عَدَّه البعضُ من قبيل المرسَل والمنقطع، والذي عليه العمل أَنَّهُ من قبيل الإسناد المُتَّصِل، والله أعلم. (1/198)
صفحة 219
المدلَّس
1) تعريفه:
التدليس لغة: الظلمة، وهو فعل دلَّس، وليل مدلَّس: مظلم، دلَّس البيع إذا أخفى ما فيه من عيب عن المشتري، ومن هنا أُخِذ التدليس في الإسناد، ففي كلٍّ منهما إخفاء الشيء بالظلمة أو بغيرها، كالسُّكوت مثلا.
2) أنواعه:
وفي اِصطلاح أهل الفنِّ قسمان:
- أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يَرويَ عَمَّن لقيَه ما لم يسمعه منه موهِمًا أَنَّهُ سمعه منه، أو عَمَّن عاصره ما لم يقله موهِمًا أَنَّهُ قد لقيَه وسمعه منه، وقد يكون بينهما واحد، وقد يكون أكثر، ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: «أخبرنا فلان» ولا «حدَّثنا» وما أشبههما، وَإِنَّمَا يقول: «قال فلان» أو: «عن فلان» ونحو ذلك. ولو قال فيما لم يسمعه: «حدَّثني» أو: «سمعت» أو أيَّ صيغة صِرفة لا تجوُّزَ فيها كان كذِبًا.
مثال ذلك ما حكاه ابن الصلاح، قال: رُوِّينا عن عليِّ بن خشرم قال: كُنَّا عند ابن عُيينة، فقال: «قال الزهريُّ»، فقيل له: «حدَّثكم (1/199)
صفحة 220
الزهري؟» فسكت، ثُمَّ قال: «الزهريُّ» فقيل له: «سمعته من الزهريِّ؟»، فقال: «لا، لم أسمعه من الزهريِّ ولا مِمَّن سمعه عن الزهريِّ، حدَّثني عبد الرزَّاق عن معمر عن الزهريِّ» (1).
- والقسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أن يَرويَ عن شيخ حديثا سمعه منه فيسمِّيه أو يكنِّيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يُعرَف به كي لا يعرف. من ذلك أن يقول: «حدَّثنا العلاَّمة الثبت الحافظ أو الضابط».
مثاله ما روى ابن الصلاح (2) عن أبي بكر بن مجاهد الإمام المقرئ أَنَّهُ روى عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستانيِّ، فقال: «حدَّثنا عبد الله عن أبي عبد الله»، وروى عن أبي بكر محمَّد بن الحسن النقَّاش المفسِّر المقرئ، فقال: «حدَّثنا محمَّد بن سند» نسبة إلى جدٍّ له، وهو يريد أبا بكر محمَّد بن حسن النقَّاش المفسِّر، فنسبه إلى جدِّه ولم ينسبه إلى أبيه وهو الاِسم الذي يشتهر به.
3) حكمه:
ويرى ابن الصلاح أَنَّ الخطيب البغداديَّ كان لهجًا بهذا القسم في مصنَّفاته. وقال: «أَمَّا القسم الأوَّل فمكروه جدًّا ذمَّه أكثر العلماء»، وكان شعبة من أشدِّهم ذمًّا له، فرُوِّينا عن الشافعيِّ الإمام عنه أَنَّهُ قال: «التدليس أخو الكذب». ورُوِّينا عنه أَنَّهُ قال: «لأَن أزني أحبُّ إِليَّ من
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 73 - 74. البغدادي: الكفاية، ص 359.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 74. (1/200)
صفحة 221
أن أدلِّس»، وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير.
4) حكم المدلَّس:
ثُمَّ اختلفوا في قبول رواية من عُرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تُقبل روايته بحالٍ، بَيَّن السماعَ أو لم يُبيِّن.
والصحيح التفصيل، وأنَّ ما رواه المدلِّس بلفظ محتَمِل لم يُبيِّن فيه السماع والاِتِّصال، فحُكمه حُكم المرسَل وأنواعه، وما رواه بلفظ مبيِّن للاِتِّصال نحو: «سمعت»، و «حدَّثنا» و «أخبرنا» وأشباههما، فهو مقبول مُحْتجٌّ به.
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتَمَدة من حديث هذا الضرب كثير جِدًّا، كقتادة، والأعمش، والسُّفْيَانَيْنِ، وهُشَيم بن بشير وغيرهم ... وهذا لأَنَّ التدليس ليس كذِبًا وَإِنَّمَا هو ضربٌ من الإبهام بلفظ مُحتمَل.
والحُكم أَنَّهُ لا يُقبل من المدلِّس حَتَّى يُبَيِّنَ، وقد أجراه الشافعي فيمن عرفناه دلَّس مرَّة» (1).
وَأَمَّا تدليس الشيوخ، وهو القسم الثاني، فقال ابن الصلاح: «أمره أخفُّ، وفيه تضييع للمرويِّ عنه، وتوعيرٌ لطريق معرفته على من يطلب
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 74 - 75. (1/201)
صفحة 222
الوقوف على حاله وأهليَّته. ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه، فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غيَّر سمته غير ثقة، أو كونه مُتَأَخِّرَ الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونُه أصغر سِنًّا من الراوي عنه، أو كونه كثيرَ الرواية فلا يحبُّ الإكثارَ من ذِكر شخص واحد على صورة واحدة» (1).
وهناك أنواع أُخَر من التدليس، منها:
1 - تدليس التسوية (2): ويعتبره الحافظ ابن حجر نوعًا من تدليس الإسناد، وصِفته: أن يجيء الراوي إلى حديث قد سمعه من شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلِّس الذي سمع من الثقة الأوَّل، فيُسقِط الضعيفَ الذي في السند بصيغة محتملة، فيصير الحديث ثقة عن ثقة، واعتبره شرَّ أنواع التدليس (3).
2 - تدليس العطف: وقد أثبته الحافظ ابن حجر؛ وصورته: أن يقول المدلِّس: «حدَّثنا فلان وفلان»، ويكون قد سمع من أحدهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأوَّل بالسماع، ويعطف الثانيَ عليه.
3 - تدليس القطع: هكذا سمَّاه ابن حجر، وسمَّاه غيره تدليس السكوت، أو تدليس العطف. وصورته: أن يقول الراوي: «حدَّثنا» أو
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 76.
(2) - ... وَهُوَ ما يُسَمَّى عند القدماء «تجويدا» لأَنَّهُ يذكر من فيه من الأجواد، ويحذف غيره.
(3) - ... ابن حجر: النكت، ج2، ص 616. (1/202)
صفحة 223
«سمعت»، ثُمَّ يسكت، ثُمَّ يقول: «فلان» أو «فلان»، موهِمًا أَنَّهُ سمع منهما وليس كذلك؛ مثاله ما روى ابن عديٍّ عن عمر بن عبيد الطنافسي أَنَّهُ كان يقول: «حدَّثنا» ثُمَّ يسكت، وينوي القطع، ثُمَّ يقول: «هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة»، موهِمًا أَنَّهُ سمع منه مع أَنَّهُ لم يَصِحَّ له سماع منه ... الخ (1).
وعلى كلٍّ فعبارات المدلِّسين تنطوي على خبث شديد، وإبهام وجهالة واضحة، وكلُّ ذلك من أنواع الطعن في الرواية كما تَقَدَّمَ.
ومن المدلِّسين من يعمد إلى لفظ مُبهَم متشابه يلويه لسانه تعظيما لشيخه من خلال تعظيم البلد أو الحيِّ الذي يُنسبُ إليه، كما إذا قال المصريُّ: «حدَّثني فلانٌ بالأندلس» ويريد موضِعًا بالقرافة؛ أو قال: «بزقاق حلب» وأراد موضِعًا بالقاهرة؛ أو قال البغداديُّ: «حدَّثني فلان بما وراء النهر»، وأراد نهر دجلة؛ أو قال: «بالرقَّة» وأراد بُستانا على شاطئ دجلة؛ أو قال الدمشقيُّ: «حدَّثني بالكرك» وأراد كرك نوح، وهو: بالقرب من دمشق، ونحو ذلك مُريدًا بذلك إيهام الأخذ والرحلة في طلب الحديث، وتعمية الراوي غير الموجود أو غير الثقة.
وكلُّ أنواع التدليس ترد على الصحيح، لأَنَّهُ يرد عليها الطعن من جهة الجهالة والإيهام والكذب، فتردُّ لأَنَّ الإسلام محاسن وصِدق، والله أعلم.
__________
(1) - ... راجع هَذِهِ الأقسام بتوسيع في كِتَاب: منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر، ص 381 - 383. (1/203)
صفحة 224
المعلَّل
1) تعريفه:
العِلَّة في اللغة: المرض، من علَّ يعلُّ واعتلَّ، أي: مرض، فهو عليل، والقياس: أن يُقال: معلٌّ ومعلَّل، وَلَكِنَّهُ وقع في عبارة أهل الحديث وبعض أهل اللغة: «هذا حديث معلول».
وفي اصطلاح المحدِّثين: هي سبب غامض يقدح في الحديث مع ظُهور السلامة منه.
2) أهمِّيَّته:
فأهمِّيَّة عِلم عِلل الحديث أَنَّهُ العلم الذي يَبحث عن الأسباب الخفيَّة الغامضة من جهة قدحها في الحديث، كوصل منقطع، ورفع موقوف، أو إدخال حديث في حديث، أو إلزاق سنَد بمتن، أو غير ذلك. ومن هنا تَبَيَّنَ أَهَمِّيَّة هذا العلم ومكانته من علوم الحديث.
قال الحاكم النيسابوريُّ: «هو عِلم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل» (1). وَإِنَّمَا يُعلُّ الحديث من أوجه ليس للجرح
فيها مدخل، فإنَّ حديث المجرَّح ساقط، وعِلَّة الحديث تكثر في أحاديث الثقات، أن يحدِّثوا بحديث له عِلَّة، فيخفى عليهم عِلْمُها، فيصير الحديث معلولا.
__________
(1) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 112. (1/204)
صفحة 225
والحُجَّة فيه، أي: في عِلم عِلَّة الحديث عند أغلب علماء الفنِّ هو: الحفظ والفهم والمعرفة وتفتيش الأسانيد والمتون مع إلهام الله تعالى، ولذلك حرصوا على جمع طرق الحديث، وعلى لِقاء الأَئِمَّة الحُفَّاظ والسماع منهم، والمُذاكرة بين أيديهم، لأَنَّ هذه الوسيلة تصل بالطالب إلى معرفة القويِّ من الضعيف، وتمييز الصحيح من العليل؛ وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لأَن أعرف عِلَّة حديث هو عندي أحبُّ إِليَّ من أن أكتب عشرين حديثا» (1).
وقالوا: مواطن العلَّة ثلاثة:
- الأوَّل العِلَّة في السنَد: وهذا هو الكثير، والعِلَّة القادِحة فيه قد يقتصر على أثرها عليه؛ مثال ذلك حديث يعلى بن عبيد الطنافسي عن سفيان الثوريِّ عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله ?: «البيِّعان بالخيار ... » (2)، فقد غلَط يعلى على سفيان في قوله: عمرو بن دينار، لأَنَّ الأَئِمَّة رووه من عبد الله لا عن عمرو.
وقد تُؤثرُ في المتن أيضا؛ ومثال العلَّة الواقعة فيه وفي المتن أيضا والقادحة فيه وفي المتن جميعا حديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي
__________
(1) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 112.
(2) - ... رواه الربيع في كِتَاب البيوع، (33) باب في بيع الخيار وبيع الشرط، رقم 568، من حديث ابن عَبَّاس. ومسلم في كِتَاب البيوع (11) باب الصدق في البيع والبيان، رقم 47 (1532)، من حديث الحارث عن حكيم بن حزام. (1/205)
صفحة 226
صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيء ? قال: «من جلس مجلسا كثر فيه لغَطه فقال قبل أن يقوم: “سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك أستغفرك لا إله إِلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك” إِلاَّ غُفِر له ما كان في مجلسه» (1)، فروى الحاكم أَنَّ الإمام مسلما جاء إلى البخاريِّ وسأله عنه، فقال: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا، إِلاَّ أَنَّهُ معلول، لأَنَّ الحديث من قول عون بن عبد الله لا من قول الرسول ?، وهذا أولى فَإِنَّهُ لا يُدرك لموسى بن عقبة سماع من سهيل (2).
وقال الدكتور محمَّد شاكر في “شرح اِختصار علوم الحديث لابن كثير”: «إِنَّ الحديث مِمَّا صحَّحه الترمذيُّ وابن حبَّان والحاكم، وقد ورَد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة (3)، وهذا يصحِّحه كما يُصحَّح كلَّ معلول إن ورَد حديث مثله بغير سنَد» (4).
وممَّا يقدح في السنَد والمتن: إعلال السند بالوقف أو الإرسال أو الاِنقطاع، وهذا كثير، فإن صَحَّ في سنَد غيره موصول كالحديث السابق فقد سلم من العلَّة وصحَّ.
__________
(1) - ... أخرجه الحاكم في المعرفة، ص 113. وقال أبو عبد الله: «هَذَا حديث مَن تأمَّله لم يشكَّ أَنَّهُ من شرط الصحيح، وله عِلَّة فاحشة».
(2) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 114. ابن كثير: الباعث الحثيث، ج1، ص205.
(3) - ... وقد ذكر من هَؤُلاَءِ مثلا: أبا برزة الأسلميَّ، ورافع بن خديج، وابن مسعود، وابن عمرو ... وغيرهم.
(4) - ... د. محَمَّد شاكر: الباعث الحثيث، ج1، ص 206. (1/206)
صفحة 227
- الثاني: العلَّة في المتن: ومثال ذلك ما رواه إبراهيم بن طهمان عن هِشام بن حسَّان عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة أَنَّ رسول الله? قال: «إذا استيقظ أحدُكم من منامه فليغسل كفَّيه ثلاث مرَّات قُبيل أن يجعلهما في الإناء، فَإِنَّهُ لا يدري أين باتت يده، ثُمَّ يغترف بيمينه من إنائه ثُمَّ ليصبَّ على شِماله، فليغسل مقعدته» (1)، فإنَّ من قوله: «ثمَّ ليغترف بيمينه ... » الخ من كلام إبراهيم بن طهمان، فَإِنَّهُ يدرج كلامه في الحديث، فلا يميِّزه المستمع، لأَنَّ الرواة قد رووه بغير الزيادة المذكورة كالربيع، فإن اعترف الراوي بالزيادة أَنَّهَا منه فلا يُعدُّ معلَّلا.
- الثالث العِلَّة في المتن والإسناد معًا: فيكون أثرهما شاملا لهما. مثاله ما رواه بَقِيَّة عن يونس عن الزهريِّ عن سالم عن ابن عمر عن رسول الله ? قال: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فقد أدرك»، قال أبو حاتم: هذا خطأ في المتن والإسناد، إِنَّمَا هو الزهريُّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها» (2). وَأَمَّا قوله: «من صلاة الجمعة» فليس من الحديث، فوهم
__________
(1) - ... رواه الربيع في كِتَاب الطهارات (15) باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم 87، من حديث أبي هريرة.
(2) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب الصلاة (91)، باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة، رقم 1122. ورواه البيهقي (الكبرى) في كِتَاب الصلاة (186)، باب إدراك الإمام في الركوع، رقم 2575، من حديث أبي هريرة. (1/207)
صفحة 228
في المتن والسند معًا.
فهذه أمثلة كمقياس تَدُلُّ على أَنَّ الحديث إذا زيد فيه، أو نُقص منه، أو وُهم في متنه، أو سَنَده، أو هما معًا، أو أُعِلَّ بإحدى العِلل العشرة المتقدِّمة في السند أو المتن طُرح، إِلاَّ إن صَحَّ من طريق آخر.
وعلى الطالب أن يستعين بالكتب المؤلَّفة في الشأن التي تورِد الحديث وعِلَّته، وهي متفرِّقة في كتب كثيرة، من أهمِّها: “نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية” للزيلعي، و“التلخيص الحبير”، و“فتح الباري” كلاهما لابن حجر، و“نيل الأوطار” للشوكانيِّ، و“المحلَّى” لابن حزم، و“تهذيب سُنن أبي داود” لابن القيِّم الجوزيَّة، و“الشافي الكافي في تخريج أحاديث الكشَّاف” لابن حجر، و“المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار”، وغيرهما من كتب تخريج الأحاديث، وهي كثيرة في عصرنا، إِلاَّ أَنَّ فيها من عِيب عليه في تخريجه، فللطالب تثبُّت ذلك في الشأن، مع مراجعة ما يقوله أصحابنا في شأنها، والله أعلم. (1/208)
صفحة 229
المضطرب
1) تعريفه:
الحديث المضطرب، اِسم فاعل من “ اِضطربَ ”، مأخوذ لغة من الاِضطراب، بمعنى: الحركة والاِختلال. وفي اللِّسان: «اِضطرب [أمره]: اِختلَّ؛ وحديث مضطرب السنَد، وأمره مضطرب: مُختَلٌّ» (1).
وفي اِصطلاح أهل الفنِّ: هو الحديث الذي يُروى من قِبَل راوٍ واحد أو رواة متعدِّدين على أوجه مختلفة متساوية، لا يمكن الترجيح بينها، فإن رجِّحت إحدى الراويتين أو الروايات بشيء من وجوه الترجيح كحفظ راو أو ضبطه أو كثرة صحبته لمن روى عنه كانت الراجحة والمرجوحة شاذَّة أو منكرة، وَإِلاَّ بأن امتنع الترجيح كان الحديث مضطربا.
2) حكمه:
واضطرابه موجب لضعفه، إِلاَّ في حالة واحدة، وهي: أن يقع الاِختلاف في اِسم راوٍ، أو اِسم أبيه، أو نسبته مثلاً، ويكون الراوي ثِقة، فَإِنَّهُ يُحكم للحديث بالصحَّة، ولا يضرُّ الاِختلاف فيما ذُكر مع تسميته مضطربا، وذلك لورود أحاديث كثيرة في الصحيحين بهذه المثابة، وقد جرى العمل بها. ويُسمَّى الحديث مضطربًا لأَنَّ الاِضطراب مُشعِر
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج2 ص544، مَادَّة «ضرب». (1/209)
صفحة 230
بعدم الضبط في الراوي أو الرواة، وهو شرط في الصحيح والحسن والصالح من الأحاديث.
فمثال الاِضطراب في السند حديث أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قال لرسول الله ?: أراك شِبت، قال: «شيَّبتني هود وأخواتها» (1). فهذا الحديث فيه اِضطراب في السند، لأَنَّهُ روي من طريق أبي إسحاق السبيعي وغيره. وقد قال الدارقطنيُّ: قد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم مَن رواه عنه مُرسلا، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم مَن جعله من مُسنَد أبي بكر، ومنهم من جعله من مُسنَد عائشة، ورواته ثقات، ولا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، ومنهم من زاد فيه بعد قوله: «وأخواتها»: «الواقعة والقارعة والحاقَّة وإذا الشمس كوِّرت وسال سائل» وغيرها (2). ولكون الرواة ثقاتا تعذَّر الحكم على أصحِّها فصار الحديث ضعيفًا.
ومثال الاِضطراب في متن الحديث: حديث أنس في اِستفتاح الصلاة من رواية الوليد بن مسلم: «حدَّثنا الأوازعيُّ عن قتادة أَنَّهُ كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أَنَّهُ حدَّثه، قال: صلَّيت خلف النبيء ? وأبي
__________
(1) - ... رواه الطبراني في الكبير، ج22، ص 123، رقم 318، من حديث أبي جحيفة. ورواه التبريزي في كِتَاب الرقاق (6) باب البكاء والخوف، رقم 3535 (15)، من حديث أبي جحيفة أَيضًا.
(2) - ... اُنظر السيوطي في كِتَاب الدرُّ المنثور (سورة هود)، ج 3، ص 346. (1/210)
صفحة 231
بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون ب“الحمد لله رَبِّ العالمين” لا يذكرون “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” في أوَّل قراءة ولا في آخرها» (1)، ثُمَّ رواه مسلم أيضا من رواية الوليد عن الأوزاعيِّ: «أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أَنَّهُ سمع أنسًا يذكر ذلك».
قال ابن الصلاح: «فعلَّل قوم رواية اللفظ المذكور لا يعني التصريح بنفي قراءة البسملة لِمَا روى الأكثرون، إِنَّمَا قالوا فيه: “فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رَبِّ العالمين” من غير تعرُّض لذكر البسملة، وهو الذي اتَّفَقَ البخاريُّ ومسلم على إخراجه في الصحيح، ورأوا أَنَّ من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له، ففهم من قوله: “فكانوا يستفتحون بالحمد [لله] ” أَنَّهُم كانوا لا يُبَسْمِلون، فرواه على ما فَهِم، وأخطأ، لأَنَّ معناه أَنَّ السورة التي كانوا يفتتحون بها من السوَر هي الفاتحة، وليس فيه تعرُّض لذكر التسمية. وانضمَّ إلى ذلك أمور منها: أَنَّهُ ثبت عن أنس أَنَّهُ سئل عن الاِفتتاح بالتسمية فذكر أَنَّهُ لا يحفظ فيها شيئا عن رسول الله ?» (2)، فأثبتها في الصلاة الشافعيُّ وأصحابنا، لا فرق بينها وبين غيرها من سُوَر القرآن. وقد مثَّلنا في
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصلاة (08)، باب ما يقول بعد التكبير رقم 710. ومسلم في كِتَاب الصلاة (13)، باب حجَّة من قال: لا يجهر بالبسملة، رقم 52 ( ... )، من حديث أنس.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 92. (1/211)
صفحة 232
الاِضطراب في السند وفي المتن بمثالين، وقد يكون الاِضطراب والعلّة في غيرهما.
ثُمَّ إِنَّ الاِضطراب وَالعِلَّة يجتمعان في عشرة أجناس، قد ذكرهما الحاكم مفصَّلة في كتابه: “معرفة علوم الحديث” (1)، وكذلك السيوطيُّ في “تدريب الراوي” (2)، وأحمد مُحَمَّد شاكر في شرحه ل“مختصر علوم الحديث” (3) فلتراجع من هناك، لأَنَّ كلَّ معلول مضطرب كما يقول ابن حجر.
وقد أَدرج في المضطرب الشيخُ الخليليُّ (4) مفتي عُمان حديث الرؤية في تعليقه على كِتَاب “مشارق أنوار العقول”. فلنكتف بما ذُكر، والله أعلم.
__________
(1) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 112 - 118.
(2) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج1، ص 262 وما بعدها.
(3) - ... أحمد محَمَّد شاكر: شرح اختصار علوم الحديث، ج1، 221 وما بعدها.
(4) - ... الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج1، ص 376، التعليق رقم 3، تعليق وتصحيح: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مفتي سلطنة عُمان، وحقَّق نصوصه، وخرَّج أحاديثه الدكتور عبد الرحمن عميرة. (1/212)
صفحة 233
المقلوب
المقلوب لغة: مِن قلَب الشيء، أي: حوَّله عن وجهه. يقولون: كلام مقلوب، وزن اِسم مفعول، أي مصروف عن وجهه (1).
وَفي اصطلاح أهل الفنِّ: المقلوب: حديث دخله القلب في متنه، أو سَنَده. وَإِنَّمَا يقع القلب بإبدال شيء بآخر. ويكون القلب في السنَد كما يكون في المتن:
1) أَمَّا القلب في الإسناد، فقد يكون خطأً من بعض الرواة في اسم راوٍ أو نسبه، كأن يقول: «كعب بن مرَّة» بدل: «مرَّة بن كعب»، لأَنَّ أحدهما اِسم أب الآخر، وقد يكون سهوًا لا عمدًا.
ومع ذلك فهو موجب لضعف الحديث. ولو وقع عمدًا لا سهوًا لكان ذلك ضربا من الوضع والاِختلاق. وهو من أقسام الغريب المسمَّى بالإغراب.
أ- ومن ذلك أن يكون الحديث مشهورا براوٍ في إسناده، فيعمد بعض الوضَّاعين إلى إبدال راوٍ بغيره، لأَنَّ الناس أشدُّ رغبة في حديثه، كأن يكون الحديث معروفًا عن سالم مثلاً فيجعله عن نافع، لأَنَّهُ أعرف منه، أو للإغراب، ليظهر نفسه بِأَنَّهُ أعلم بأقسام الإسناد من غيره، أو يأتي
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج1، ص 685، مَادَّة «قلب». (1/213)
صفحة 234
بإسناد مكان إسناد، كما روي عن حمَّاد بن عمرو النصيبي الكذَّاب عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام» (1)، فقد قلب حمَّاد هذا الحديث فجعله عن الأعمش، وَإِنَّمَا هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة، والثوريِّ، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز الداووديِّ كلُّهم عن سهيل. وهذا الصنيع يطلق على فاعله أَنَّهُ يسرق الحديث إذا قصد إليه.
ب- وقد يقلب بعض المحدِّثين إسناد حديث قصدًا لامتحان بعض العلماء لمعرفة درجة حفظهم، كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام البخاريُّ، فيما رواه الخطيب، فَإِنَّهُم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لآخر، وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كُلِّ رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس، يلقون ذلك على البخاريِّ، وأخذوا الوعد للمجلس فحضر المجلسَ جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خرسان وغيرهم من البغداديِّين، فَلَمَّا اطمَأَنَّ المجلس بأهله اِنتدب إليه رجل من العشرة، فسأل عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاريُّ: «لا
__________
(1) - ... رواه البيهقي (الكبرى) في كِتَاب الجزية (22) باب: لا يأخذون عَلَى المسلمين سروات الطريق ولا المجاس في الأسواق، رقم 18725. ورواه مسلم في كِتَاب السلام (4)، باب النهي عن ابتداء أهل الكِتَاب بالسلام ... رقم 13 (2167)، من حديث أبي هريرة. (1/214)
صفحة 235
أعرفه»؛ فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حَتَّى فرغ من عشرته، والبخاريُّ يجيبه بقوله: «لا أعرفه»، فكان الفهماء مِمَّن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: «فهم الرجل»، ومن كان منه غير ذلك يقضي عليه بالعجز والتقصير وقِلَّة الفهم؛ ثُمَّ انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال: «لا أعرفه»؛ فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحدٍ حَتَّى فرغ من عشرته، والبخاريُّ يقول: «لا أعرفه»؛ ثُمَّ انتدب إليه الثالث، والرابع، إلى تمام العشرة، حَتَّى فرغوا كلُّهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاريُّ لا يزيدهم على: «لا أعرفه». فَلَمَّا علم البخاريُّ أَنَّهُم فرغوا اِلتفت إلى الأوَّل منهم فقال: «أَمَّا حديثك الأَوَّل فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء؛ حَتَّى أتى على تمام العشرة، فردَّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلَّ إسناد إلى متنه، وفعل بالآخَرين مثل ذلك؛ وردَّ متون الأحاديث كلَّها إلى أسانيدِها، وأسانيدَها إلى متونها؛ فأقرَّ له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل (1).
وهذا الفعل محرَّم أن يقصد العالِم به إِلاَّ إن كان يريد الاِختبار، وشرط الجواز كما يقول ابن حجر: «أن لا يستمرَّ عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة».
2 - أَمَّا قلب المتون، فمثاله ما رواه مسلم في السبعة الذين يُظلُّهم
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 101. ابن حجر: النكت، ج2، ص 868. (1/215)
صفحة 236
الله في ظلِّه يوم لا ظِلَّ إِلاَّ ظلُّه، قوله: «ورجل تصدَّق بصدقة أخفاها حَتَّى لا تعلم يمينه ما تنفق شِماله» (1)، فالحديث في الصحيحين هكذا لفظه: «سبعة يظلُّهم الله يوم لا ظِلَّ إِلاَّ ظلُّه: الإمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة رَبِّه، ورجل قلبه مُعلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إِنِّي أخاف الله عَزَّ وَجَلَّ، ورجل تصدَّق بصدقة أخفاها حَتَّى لا تعلم شِماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (2)، وَلَكِنَّ المتن اِنقلب على أحد الرواة فقدَّم اليمين على الشمال. والقلب في المثالين وقع سهوًا.
ومع ذلك فالحديث المقلوب موصوف بالضعف، حَتَّى يُصحَّح، وذلك لقلَّة الحفظ وسوء الفهم والوهم، لأَنَّ تقديم المؤخَّر، وتأخير
المقدَّم، ناشئ عن ذلك. وأمثلة قلب المتن والسند كثيرة في الحديث، والله أعلم.
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب الزكاة (30) باب فضل إخفاء الصدقة، رقم 91، من حديث أبي هريرة.
قال ابن حجر ردًّا عَلَى ذَلِكَ: «إذن فمن وهم في الحديث وحصل منه هَذَا القلب؟ قال القاضي عياض: “يشبه أن يكون الوهم مِمَّن دون مسلم” وجوَّز الحافظ أن يكون من شيخ مسلم، وَهُوَ: زهير، أو شيخ شيخه، وَهُوَ: يحيى القطَّان». ولاستيفاء الأقوال والبحث انظر: ابن حجر: فتح الباري، ج2، ص 146.
(2) - ... رواه الربيع في مسنده (7) باب في الولاية والإمارة، رقم 48، من حديث أنس بن مالك. (1/216)
صفحة 237
الشَّاذُّ
الشذوذ لغة: اِسم فاعل، مِن شَذَّ شذوذًا، بمعنى: اِنفرد عن غيره. وَأَمَّا في الاِصطلاح فقد عُرف بتعاريف عديدة:
1 - ما قال الشافعيُّ: «ليس الشاذُّ من الحديث أن يَرويَ الثقة ما لا يروي غيره. إِنَّمَا الشاذُّ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس» (1) ويعني بالناس الثقات.
2 - ذهب الحاكم النيسابوريُّ «أَنَّ الشاذَّ ما تفرَّد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» (2).
3 - قال ابن الصلاح: «إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لِمَا رواه مَن هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبطُ، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا؛ وإن لم يكن فيه مخالفة لِمَا رواه غيره، وَإِنَّمَا هو أمر رواه هو ولم يروِه غيره، فيُنظر في هذا الراوي المنفرد، فَإِن كان عدلا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الاِنفراد فيه ووُصف بالغرابة وإن لم يكن مِمَّن يوثق بحفظه وإتقانه لِذَلِكَ الذي انفرد به كان انفراده خارمًا له، مُزحزِحًا له من حيِّز الصحيح.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 76.
(2) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 119. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص76. (1/217)
صفحة 238
ومع ذلك فهو دائر بين مراتب مختلفة بحسب الحال فيه؛ فإن كان المنفرد غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول قُبل تفرُّده واستحسنَّا حديثه ذلك، ولم نحطَّه إلى قبيل الحديث الضعيف؛ وإن كان بعيدًا من ذلك رددنا تفرُّده، وكان من قبيل الشاذِّ المنكر.
ولذلك فالشاذُّ قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لِما يوجبه التفرُّد والشذوذ من النكارة والضعف، فهو المردود» (1) اهـ.
وزاد غيره: «ولا يكون ما رواه الفرد مخالفًا لِمَا رواه مَن هو أحفظ منه، ولا مخالفا لنصٍّ قطعيٍّ، ولا قادِحًا في عصمة نبوَّة، أو في صفات الله؛ فإن كان فيه ذلك رُدَّ، وإن كان راويه عدْلاً، لأَنَّ الاِعتقاديَّات من القطعيَّات، إلى غير ذلك من التعريفات، وكلُّها فيما يظهر مِمَّا تَقَدَّمَ تدور على أَنَّ الشاذَّ الذي يُعتبر مردودا غير مقبول لِمَا انتابه من الضعف والخلل الذي طرأ على الشرائط التي يكون بها الحديث صحيحًا أو حسنًا أو صالحًا كما تَقَدَّمَ، هذا هو الشذوذ في المتن.
وَأَمَّا الشذوذ في السند، فما رواه الفرد بسنده مخالفا لِمَا رواه مَن هو أوثق منه بسند آخر. مثاله: ما روى الترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عَبَّاس أَنَّ
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 79. (1/218)
صفحة 239
رجلا تُوُفِّيَ على عهد رسول الله ? ولم يَدَع وارِثًا إِلاَّ مولى أعتقه، فقال: عليه الصلاة والسلام: «هل له أحد؟ قالوا: لا، إِلاَّ غلام أعتقه، فجعل ? ميراثه له» (1). وتابع ابن عيينة ابنَ جريج وغيرُه في وصل هذا الحديث إلى ابن عَبَّاس وخالفهم حمَّاد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة، فهكذا تكون رواية حمَّاد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجَّح أبو حاتم رواية مَن هم أكثر عددًا.
ومن الشذوذ في المتن ما رواه أبو داود والترمذيُّ من حديث عبد الواحد بن زيَّاد عن الأعمش عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا صَلَّى
أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» (2)، قال البيهقيُّ: «خالف عبد الواحد العدد الكبير في هذا، فَإِنَّ الناس رووه من فعل النبيء ? لا من قوله.
وانفرد عبد الواحد «أَنَّ النبيء ? كان يقصر في السفر ويتمُّ ويفطر
__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ في كِتَاب الفرائض (14) باب في ميراث المولى الأسفل، رقم 2106. ورواه ابن ماجه في كِتَاب الفرائض (11)، باب من لا وارث له، رقم 2741، من حديث ابن عَبَّاس.
(2) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الصلاة، باب الاضطجاع بعدهان رقم 1261. ورواه الترمذيُّ في كِتَاب الصلاة (311)، باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، رقم 420، من حديث أبي هريرة. (1/219)
صفحة 240
ويصوم» (1)، فهذا الحديث شاذٌّ سَنَدًا ومتنا، أَمَّا السند فمخالف لِمَا رواه الثقات: أَنَّ النبيء ? كان يقصر دائما في السفر، وهو مخالف لِمَا اتَّفَقَ عليه الثقات.
وَأَمَّا في المتن، فقال الثقات: اِتَّفقوا أَنَّ هذا من فعلها لا من فعله، ومن بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ.
وقد يكون الشاذُّ متنا وسَنَدا، وإن رواه الثقة، كحديث عائشة الذي أخرجه الدارقطنيُّ (2).
وقد ذكروا في الأفراد حديث: «إِنَّمَا الأعمال بالنيات» (3) الخ ... وقالوا: إِنَّهُ فرد، لم يروه عن النبيء ? إِلاَّ عمر بن الخطَّاب، ثُمَّ انفرد به عن عمر علقمةُ بن وقَّاص، ثُمَّ عن علقمة مُحَمَّد بن إبراهيم، ثُمَّ عنه يحيى بن سعيد، ثُمَّ اشتهر عنه بعد ذلك (4). وقد رَدَّ على ذلك السيوطيُّ في “تدريب الراوي” بما نصُّه: «إِنَّ حديث النية لم ينفرد به عمر، بل
__________
(1) - ... أخرجه الشوكاني في كتابه نيل الأوطار، صلاة المسافر، باب قصر النبيء صلى الله عليه وسلم في السفر، ج3/ص202، رقم 4. والهيثمي في المجمع، باب صلاة المسافر، ج2/ص157 من حديث عائشة.
(2) - ... رواه الدارقطنيُّ في كِتَاب الصوم، باب القبلة للصائم، رقم 44، من حديث عائشة، وقال: «وهذا إسناد صحيح».
(3) - ... رواه الربيع في كِتَاب النيات (1)، باب في النية، رقم 1، من حديث ابن عَبَّاس.
(4) - ... وقد أشار القسطلاني في إرشاده إِلىَ تعدُّد طرقه، ثُمَّ قال: «وقد اتُّفق عَلَى أَنَّهُ لا يَصِحُّ مسندا إلاَّ من رواية عمر». القسطلاني: إرشاد الساري، ج1، ص 75 - 76. (1/220)
صفحة 241
رواه عن النبيء ? أبو سعيد الخدريُّ، كما ذكره الدارقطنيُّ وغيره، بل ذكر أبو القاسم بن منده أَنَّهُ رواه سبعة عشر من الصحابة، منهم عليُّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عَبَّاس ... الخ. ورواية الربيع في المسند عن هذا الأخير. وزاد أبو الدرداء وسهل بن سعد والنوَّاس بن سمعان وغيرهم، وذكر ابن منده أَنَّهُ رواه عن عمر غير علقمة وعن علقمة غير مُحَمَّد، وعن مُحَمَّد غير يحيىلخ ... (1) وعليه فلا حُجَّة فيما ادَّعاه خليل إبراهيم ملا خاطر في طعنه وغيرُه من التفرُّد، والله أعلم (2).
__________
(1) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج1، ص197.
(2) - ... يشير إلى الردِّ الذي كتبه الشيخ المؤلف على الأستاذ إبراهيم ملا خاطر، عندما سفه الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، في الملتقى السادس عشر للفكر الإسلامي بتلمسان عام 1982م (الجزائر)، وهو مرقون.
وهناك ردٌّ آخر لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، تحت عنوان: بيان وردُّ شبهة. مطبوع في نهاية كتاب حاشية الترتيب، شرح الجامع الصحيح لأبي عبد الله عمرو بن أبي ستة، ج5/ص343. تحقيق الشيخ إبراهيم طلاي. فليراجع. (1/221)
صفحة 242
المنكر
1) تعريفه:
المنكر لغةً اِسم مفعول، من أنكره إنكارًا: إذا جَحَده أو لم يعرفه. وفي الاِصطلاح: الحديث الذي تفرَّد به راوٍ فَحُشَ غلطه، أو كثرت عفلته، أو ظهر فسقه، أو نحو ذلك. ويشترط فيه كذلك مخالفة غيره من الحفَّاظ، وهو كالشاذِّ في المخالفة.
2) حكمه:
فإن كان على الوصف الأوَّل فمنكر مردود، وَأَمَّا إن لم يكن عدلاً ضابطًا أو وهم في السند فقط، أو تفرَّد به متنًا أو سَنَدًا، ووجد له مرجِّح من المتابعات، قُبل شرعًا، وإن أطلق عليه اسم المنكر لغة، لأَنَّهُ محفوظ عن مَن هو أكثر أو أعدل.
مثال منكر السنَد: ما رواه مالك عن الزهريِّ عن عليِّ بن الحسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ? قال: «لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ» (1)، فقد خالف فيه مالكٌ غيرَه من الثقات
__________
(1) - ... رواه الربيع في كِتَاب الأَيمان والنذور (46) باب في المواريث، رقم 671. ورواه مالك في كِتَاب الفرائض (13) باب: ميراث أهل الملل، رقم 10، من حديث أسامة بن زيد. (1/222)
صفحة 243
في قوله: «عُمر بن عثمان» بِضَمِّ العين (1)، وكلُّ من رواه عن الزهريِّ غير مالك، رواه عن عَمْرو بفتح العين وإسكان الميم بن عثمان؛ لَكِنَّ الحديث مقبول، لأَنَّ النكارة جاءت في السنَد فقط، ومن عالِم حافظ ضابط عدل، والمتن محفوظ صحيح وهو الحُجَّة.
وَأَمَّا المنكر المردود: فمثاله ما رواه النسائيُّ وابن ماجه من رواية أبي زُكير يحيى بن محمَّد بن قيس عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا مرفوعًا: «كُلوا البلح بالتمر، فَإِنَّ الشيطان إذا رأى ذَلِكَ غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حَتَّى أكل الجديد بالخَلِقِ» (2). قال النسائيُّ: هذا الحديث منكر تفرَّد به زُكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أَنَّهُ لم يبلغ مبلغ مَن يُحتمل تفرُّده، بل قد أطلق عليه الأَئِمَّة القول بالتضعيف؛ فقال ابن معين: «ضعيف»، وقال ابن حبَّان: «لا يُحتجُّ به»، وقال العقيليُّ: «لا يُتابع على حديثه»، وأورد له ابن عديٍّ أربعة أحاديث مناكير. والحديث نصَّ عليه أصحاب الموضوعات بالوضع.
وقال ابن حجر في “النخبة”: «فَإِن خولف الراوي العدل بأرجح منه
__________
(1) - ... قال السيوطي في تنوير الحوالك: «قال ابن عبد البرِّ: “وأهل الحديث يأبون أن يكون في هَذَا الإسناد إِلاَّ عمرو بالواو”». وهي رواية الأيمة الستة. السيوطي: تنوير الحوالك، شرح موطأ الإمام مالك، ج2/ص59. ط دار الندوة الجديدة، بيروت، لبنان.
(2) - ... أورده ابن الجوزي في الموضوعات، ج3، ص 26. ورواه الهنديُّ في الكنز، ج10، ص27، رقم 28198، من حديث عائشة. (1/223)
صفحة 244
يُقال له: المحفوظ، ومقابله يُقال له: الشاذُّ. وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يُقال له: المعروف، ومقابله يُقال له: المنكر؛ وقد يقال: أَنْكَرُوا ما رواه فلان: كذا، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا، ولا يريدون بذلك رَدَّه بل تضعيفه فقط إن كان ثقة» (1). ولذلك قال ابن حجر: «وزيادة راويها [أي في الصحيح والحسن] مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق منه» (2). وقد مَرَّ في الشاذِّ أَنَّ معرفة المنكر تؤخذ أربابه ومرويَّاته من كتب الجرح والتعديل، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 28 - 29 بتصرُّف.
(2) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 26. (1/224)
صفحة 245
المتروك
ويُقال له المطروح أيضا. والترك والطرح في اللغة: بمعنى واحد، وهو: الإبطال والإسقاط.
وفي اصطلاح أهل هذا الفنِّ: هو الحديث الذي يرويه متَّهَم بالكذب في الحديث النبويِّ، أو كذَّاب في كلامه أو من ظهر فسقه بالقول أو بالفعل، أو مَن كثُر فحشه وغلطه، أو كثرت غفلته أو جهالته أو بدعنه كما مَرَّ في تعريف المتَّهَم، وهو ما حدَّث به على خلاف المعروف عن النبيء ?، كحديث صدقة بن موسى الدقيقي عن فرقد السبخي عن مرَّة الطَّيِّب عن أبي بكر، وقد وصفه الحاكم النيسابوريُّ في “معرفة علوم الحديث” بِأَنَّهُ أَوْهَى الأسانيد.
وكحديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفيِّ عن الحارث الأعور عن عليٍّ في حفظ القرآن، ونصُّه هو: «حدَّثنا عبد بن حُميد، حدَّثنا حسين بن عليٍّ الجعفيُّ، قال: سمعت حمزة الزيَّات عن أبي المختار الطائيِّ عن أخي الحارث الأعور عن الحارث، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلتُ على عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوَقَد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أَمَا إِنِّي قد سمعت رسول الله ? يقول: «ألا إِنَّهَا ستكون فتنة»، قلتُ: (1/225)
صفحة 246
ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبَّار قصمه الله، ومن اِبتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم؛ هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه؛ هو الذي لم تنته الجنُّ إذ سمعته حَتَّى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن 1]، من قال به صدق، ومَن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم»، خُذها إليك يا أعور.
قال أبو عيسى الترمذيُّ: «هذا حديث لا نعرفه إِلاَّ من هذا الوجه وإسناده مجهول؛ وفي حديث الحارث مقال» (1).اهـ.
قال شارحه ما نصُّه: «وإسناده مجهول لجهالة أبي المختار الطائيِّ وابن أخي الحارث الأعور. وفي حديث الحارث مقال، قال الحافظ في ترجمته: «كذَّبه الشعبيُّ في “رأيه” ورُمِيَ بالرفض؛ وفي حديثه ضعف» (2). وقال عنه الشوكانيُّ في “الفوائد المجموعة”: «قال الصغاني: موضوع، وَقِيلَ: إِنَّ إسناده ضعيف ومتنه حسن» (3).
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كِتَاب فضائل القُرْآن (14) باب ما جاء في فضل القُرْآن، رقم 3070، من حديث الحارث.
(2) - ... ابن حجر: تقريب التهذيب، ص 98، رقم 1075.
(3) - ... الشوكاني: الفوائد المجموعة، ص 256. (1/226)
صفحة 247
وقال الذهبيُّ في “ميزان الاِعتدال”: «هو الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور من كبار علماء التابعين على ضعف فيه، يُكنَّى أبا زهير، يروي عن عليٍّ وابن مسعود. وروى المغيرة عن الشعبيِّ: حدَّثني الحارث الأعور، وكان كذَّابا، وفي عبارة أخرى قال: لم يكن الحارث يصدق عن عليٍّ في الحديث. وقال ابن المدينيِّ: كذَّاب، ووصفه بالضُّعف والكذب. وقال الدارقطنيُّ: ضعيف. وقال ابن عديٍّ: عَامَّة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبَّان: كان الحارث غاليا في التشيُّع واهيًا في الحديث» الخ ... إلى أن قال: «والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه من الأبواب، مات سنة 65 هجريَّة» (1)، ووجدت الناس يروون هذا الحديث مرفوعًا مع أَنِّي لم أجده مرفوعًا إِلاَّ عند الترمذيِّ، وقد وصفه بالضعيف والغرابة كما مَرَّ والجهالة.
والصواب أن لا يُروى مرفوعا لأَنَّهُ كذب على رسول الله ? وإن كان متنه حسنًا، بل يروى بطريق معلول، أو بصيغة تمريض، أو بلفظ قد قيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحوه، والله أعلم.
__________
(1) - ... الذهبي: ميزان الاعتدال، ج1، ص 435، رقم 1627. المباركفوري: تحفة الأحوذي، ج4، ص52. (1/227)
صفحة 248
الموضوع
وهو عند بعض أهل الحديث ليس بحديث، وقد أهملوا ذِكره إِلاَّ أَنَّ الأكثر منهم ذكروه في أنواع المصطلح، فحذونا حذوهم، وقد ذكره البيقونيُّ في المنظومة البيقونيَّة، وكذلك ابن الصلاح في المُقَدِّمَة وغيرُهما، فلذلك يجب ذكره ووصفه.
ففي اللغة: إِنَّهُ اِسم مفعول، وضع يضع وهو لِمَعَانٍ عِدَّة؛ منها: الإسقاط، كوَضَعَ الصوم عنه، أي أَسقطه عنه، ووَضَع الشيء عن الكاهل أي أسقَطَه؛ وبمعنى الترك، كقولهم: إبلٌ موضوعة، أي متروكة في المرعى؛ ويأتي بمعنى الاِفتراء والاِختلاق كوَضَعَ فلانٌ القصَّةَ أي اِفترها.
وفي اصطلاح أهل الفنِّ هو: الكلام المختَلَق المصنوع من الكذَّابين، وهو شرُّ الضعيف، بل هو ليس بحديث أصلاً. وتحرم روايته مع العلم به في أيِّ معنى كان إِلاَّ مبيَّنا وضعه؛ بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة المتقدِّمة التي يحتمل صحَّتها وصدقها في الباطن بإيراد مصحِّح لها حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب عند بعض، ومع ذلك فقد ينسبها بعض الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افتراءً عليه.
وأكثر ما يكون هذا الاِختلاق من تلقاء أنفس الوضَّاعين، وبألفاظٍ من صياغتهم وإسنادٍ من نسجهم. وقد يلجأ بعضُ المفترين إذا لم يُتح لهم خيال خصب يُقْدِرهم على الوضع إلى اصطناع إسناد مكذوب ينتهون (1/228)
صفحة 249
به إلى النبيء ? واضعين في متنه حِكمة بالغة رائعة، كما مَرَّ في حديث الحارث الأعور، وقد تكون فيه كلمة جامعة أو مَثَل موجزٌ، مثل حديث أبي هريرة أَنَّ النبيء ? قال: «من جلس مجلسا» الخ ... المتقدِّم في الحديث المعلول، فإنَّ البخاريَّ وصفه بالملاحة، لَكِنَّهُ ليس عن رسول الله?. وقال ابن الصلاح: «قد وُضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها» (1).
لكن ليست كلُّها من هذا القبيل، وقد يلجئ الحالُ الواضعَ للحديث تأييدا لمذهبه، فلا يجد لذلك حديثا، فيضع حديثا يناسب ما ذهب إليه.
والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضررًا قوم من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث اِحتسابا فيما زعموا، فتقبَّل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، ورُكونا إليهم.
وقد روى أبو بكر السمعانيُّ أَنَّ بعض الكراميَّة يذهبون إلى جواز وضع الأحاديث في باب الترغيب والترهيب، مثل ما وقع لأبي عصمة وهو نوح بن أبي مريم أَنَّهُ قيل له: «من أين لك عن
عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟»، فقال: «إِنِّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي الواقديِّ، فوضعت هذه الأحاديث حسبة» (2).
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 99.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 100. (1/229)
صفحة 250
وقد نُسب الوضع أيضا إلى بعض الشيعة. وقد يقع الوضع غلطًا من الراوي ظنًّا منه أَنَّ ذلك من الحديث، فيدرجه فيه، وقد كثُر ذلك في المُدْرَجات، كحديث ثابت بن موسى الزاهد (1)، وروى عنه الأَيمَّة: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النَّهَار» (2)، فَإِنَّ ثابتا لم يقصد وضعه، وَإِنَّمَا دخل على شريك بن عبد الله وهو بمجلس إملائه عند قوله: حدَّثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ?، ثُمَّ سكت، فنظر إِلى شريك وهو داخل ممازحًا له، وقال: «مَن كثُرت صَلاته بالليل» ... الخ، فظنَّ
__________
(1) - ... وهو المعروف بثابت البناني (ت: 127هـ)، شيخ صالح يروي عن جابر وغيره. انظر ترجمته في: تهذيب سير أعلام النبلاء، أحمد فائز الحمصي، ج1/ 187. طبقات الحفاظ للسيوطي، ص56.
(2) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب إقامة الصلاة (174) باب ما جاء في قيام اللَّيْل، رقم 1333، من حديث جابر. (1/230)
صفحة 251
ثابت أَنَّهُ من قول رسول الله القائل: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نائم ثلاث عُقد يضرب على كُلِّ عقدة منها: عليك ليل طويل، فارقد، فإن استيقظ وذكر الله اِنحلَّت عُقدة، فإذا توضَّأ اِنحلَّت عُقدة، فَإِذَا صَلَّى اِنحلَّت عُقَدُه كلُّها، فأصبح نشيطًا طَيِّب النفس، وَإِلاَّ أصبح خبيث النفس كسلان» (1)، ثُمَّ سكت ودخل ثابت، فَلَمَّا رءاه قال: «من كثُرت صَلاته» ... الخ، فظنَّ ثابت أَنَّ هذا من نفس الحديث فأدرجه فيه، وهي غفلة وغلط، ولا ذنب على ثابت، ولا هو من الوُضَّاع، وَإِنَّمَا طرأ عليه الوهم فقط (2).
ومثل ذلك من المُدرَجات كثيرة تُعرَف بكثرة البحث، ومطالعة الأصول الصحاح.
وقد يضع الواضع حديثا تزلُّفا وإرضاءً لحاكم، كما وقع لغيَّاث بن إبراهيم النخعيِّ لَمَّا دخل على المهديِّ فوجده يلعب بالحَمام، فساق فيه حديث: «لا سبق إِلاَّ في نسل، أو خفٍّ، أو حافرٍ» (3)، وزاد: «أو جناح»، فعرف المهديُّ أَنَّهُ كذَّاب في زيادة: «أو جناح»، وأمر بذبح الحَمام. وقال المهديُّ لَمَّا خرج غيَّاث: أشهد بالله إِنَّ قفاك لقفا كذَّاب.
وكذلك وقع الوضع في الأمثلة المعروفة التي نُسبت إلى رسول الله ? وهي ليست له، ومثل: «المعدة بيت الداء، والحِميَة رأس كُلِّ دواء» (4)،
__________
(1) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب إقامة الصلاة وَالسُّنَّة فيها (174) باب ما جاء في قيام اللَّيْل، رقم 1329، من حديث أبي هريرة، مع تغيير في اللفظ.
(2) - ... وَهُوَ ما ذهب إِلَيْهِ الحافظ ابن حجر، وقال: «إِنَّهُ من المدرج»، وَهُوَ أولى لأَنَّ معنى الإدراج فيه أظهر. وَهُوَ أَيضًا رأي كثير من العلماء، بينما القظاعي في مسند الشهاب (1/ 252/رقم408) مال في الحديث إِلىَ ثبوته.
(3) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب الجهاد (44) باب: السبق والرهان، رقم 2878، من حديث أبي هريرة.
(4) - ... أورده السيوطي في الدرِّ، ج 3، ص 88. والسخاوي في المقاصد، ص 455، رقم 1035، وقال: «وعند ابن أبي الدنيا في الصمت، من جهة وهب بن منبِّه، قال: أجمعت الأطباء عَلَى أَنَّ رأس الطبِّ الحمية، وأجمعت الحكماء عَلَى أَنَّ رأس الحكمة الصمت». (1/231)
صفحة 252
لا أصل له في كلام رسول الله ?، بل هو من قول الحارث بن كلدة طبيب العرب. ومثله: «حبُّ الدنيا رأس كُلِّ خطيئة» (1)، فَإِنَّهُ من كلام الحسن البصريِّ، وَقِيلَ: من كلام مالك بن دينار، أو من كلام سَيِّدنا عيسى بن مريم، وظُنَّ كلُّ ذلك أَنَّهُ من كلام رسول الله ?. أضف إلى ما قلنا كثيرا من الإسرائيليَّات الواردة في كتب التفسير أو في كلام الوُعَّاظ تثبيتًا أو إدراجًا.
وأسباب الوضع كثيرة؛ قد وضع نُقَّاد الفنِّ وحُماته في ذلك المطوَّلات وعرَّفوها تعريفا دقيقا، ليميز الخبيث من الطَّيِّب بقوانين عِلمِيَّة صحيحة، فلتُراجَع (2).
وقد أقرَّ بعض الوُضَّاع بالوضع كما مَرَّ في عصمة نوح، وبيَّن بعض معرفة كَيفِيَّة ردِّ متن الحديث وطرقه؛ منه:
1 - أن يكون الحديث مخالفا للعقل أو الحسِّ أو للمشاهَد، أو لنصٍّ قطعيٍّ غير قابل للتأويل، مثال ذلك ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «إِنَّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلَّت عند المقام ركعتين» (3)، وكما أسند محمَّد بن شجاع البلخيُّ عن حسَّان
__________
(1) - ... أورده السخاوي في المقاصد، ص 218، رقم 384.
(2) - ... راجع في هَذَا: د. نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث، ص 203، ود. محَمَّد عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث، ص 252، وغيرهما ...
(3) - ... رواه الهنديُّ في الكنز، ج 5، ص 55، رقم 12025، وقال: رواه الديلميُّ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدِّه. (1/232)
صفحة 253
بن هلال عن حمَّاد بن سلمة عن أبي المهزوم عن أبي هريرة مرفوعا: «إِنَّ الله خلق الفَرَس فأجراها، فخلق نفسه منها» (1)، والمتَّهَم به محمَّد بن شجاع كان زائغا عن دينه.
2 - ومنه ما روي اِنتصارًا لِهوى نفسيٍّ أو مذهبيٍّ أو شخصيٍّ، وهو كثير؛ مثاله ما روي أَنَّهُ قيل لمأمون بن أحمد الهرويِّ: ألا ترى إلى الشافعيِّ ومن تبعه بخرسان؟ فقال: حدَّثنا أحمد بن عبد الله حدَّثنا عبد الله بن معدان الأزديِّ عن أنس مرفوعًا: «يكون في أُمَّتِي رجل يُقال له محمَّد بن إدريس هو أضرُّ على أُمَّتِي من إبليس، ويكون في أُمَّتِي رجل يُقال له أبو حنيفة هو سِراج أُمَّتِي» (2).
3 - ما قيل في حقِّ مالك ومدحه.
4 - ما قيل في وصف الفِرق الإِسلاَمِيَّة من أحاديث مدحًا وذمًّا، فإنَّ أكثرها أُخذت من كتب المقالات ونحوها. وقد أطنب أصحاب الفنِّ في هذا النوع. ولكن يكفي في معرفة الوضع والوضّاعين مراجعة كتب تراجم المحدِّثين ك“طبقات ابن سعد”، و“التعديل والتجريح” و“ميزان الاِعتدال” أو “لسانه”، و“ضعفاء المحدِّثين” لابن حبَّان
__________
(1) - ... أورده البيهقيُّ في كِتَاب الأسماء والصفات، ص 373، وابن عديِّ في الكامل، ج6، ص 291ن ترجمة 155/ 1776.
(2) - ... رواه ابن حبَّان في كِتَاب المجروحين، ج 3، ص 46، وقال: «فمن حدَّث بِهَذِهِ الأحاديث أو بِبَعْضها يجب أن لا يُذكر في جملة أهل العلم». (1/233)
صفحة 254
وغيرهم، ك“تهذيب التهذيب” لابن حجر، وغيرها.
ومنها يعلم الطالب منزلة المحدِّث والحديث معًا، مع زيادة ما يقوله الأصحاب في الشأن، وذلك لِئَلاَّ يُنسب إلى الرسول ? ما لم يقله، فيكون كاذِبًا عليه، ويكفي الكاذبَ تبوُّؤُ مقعده من النار، والله أعلم. (1/234)
صفحة 255
ما يرتقي به الحديث الضعيف أو الواهي إلى درجة الصِّحَّة أو الحسن أو الصلاح
قال ابن الصلاح: «ليس كلُّ ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت؛ فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راوِيه، مع كونه من أهل الصدق والديانة؛ فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أَنَّهُ مِمَّا قد حفظه ولم يختلَّ فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذَلِكَ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه قليل يزول بنحو روايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوَّة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متَّهَما بالكذب» (1)، أو كون الحديث شاذًّا (2).
وقال الحافظ ابن حجر: «ومتى توبع السيِّء الحفظ بمعتبر (3) كأن
__________
(1) - ... مثل المتَّهم بالكذب، من كان شديد الضعف، وضابطه هو أن يكون من مراتب الجرح التي لا يعتبر بها. راجع في ذَلِكَ: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 125؛ والسخاوي: فتح الغيث، ج، ص؛ والعراقي: النكت، ص 134.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 34.
(3) - ... المعتبر: إحدى مراتب الجرح والتعديل، وهي تعني الشخص الذي قيل فيه إنه «صدوق» (1/235)
صفحة 256
يكون فوقه أو مثله لا دونه صَحَّ، وكذا المختلط الذي لم يتميَّز، والمستور، والإسناد المرسَل، والمدلَّس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حَسنًا لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابِع والمتابَع، لأَنَّ مع كُلِّ واحد منهم احتمال كون روايته صوابا أو غير صواب على حدٍّ سواء، فإذا جاءت من المعتبَرِين روايةٌ موافقة لأحدهم رجِّح أحدُ الجانبين من الاِحتمالين المذكورين، ودلَّ ذلك على أَنَّ الحديث محفوظ، فارتقى من درجة التوقُّف أو الردِّ إلى درجة القبول» (1).
وذلك أَنَّ الضعيف لا يتقوَّى بالضعيف مثله، على قول الجمهور. ومعرفة المتابعات والشواهد التي تُعتبر هي التي نبيِّنها فيما يلي.
ومثال الحديث الضعيف الذي لا يخلو طريق من طرقه من عِلَّة قادحة تمنع ارتقاءه إلى درجة الحسن لغيره، إِلاَّ أَنَّهُ يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكرا، أو لا أصل له حديث: «من حفظ على أُمَّتِي أربعين حديثا بُعث يوم القيامة فقيها» (2)، قال الحافظ السخاويُّ: «رواه أبو نعيم
__________
(1) - ... ابن حجر: شرح النخبة، ص103.
(2) - ... رواه التبريزيُّ في كِتَاب العلم، ج1، ص 117، رقم 258 (61). ورواه أبو نعيم في الحلية، ج4، ص 189، من حديث ابن مسعود بنفس المَعْنَى ومع اختلاف في اللفظ وقال فيه: «غريب من حديث أبي بكر عن عاصم لم نكتبه إِلاَّ بهذا الإسناد»، وَإِنَّمَا سبب ضعفه راجع إِلىَ وجود عبد الملك بن هارون بن عنترة في سنده، وقد اتَّهمه أكثر من واحد بالكذب إِلاَّ أَنَّ القاري في كِتَاب: “مرقاة المفاتيح” رفعه إِلىَ درجة الحسن لتعدُّد طرقه. (1/236)
صفحة 257
في الحِلية بنحوه عن ابن عَبَّاس وابن مسعود؛ وفي الباب عن أنس وعليٍّ ومعاذ وأبي هريرة وآخَرين، أخرجها ابن الجوزيِّ في “العلل المتناهية” (1). وقال النوويُّ: “طرقه كلُّها ضعيفة وليس بثابت”؛ وكذلك قال شيخنا ابن حجر: “جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من عِلَّة قادحة”» (2). وقال العلاَّمة طاهر الجزائري في كتابه “توجيه النظر” بعد ذِكره لهذا الحديث: «اتَّفَقُوا على ضعفه مع كثرة طرقه؛ قال بعض الحُفَّاظ: إِنَّ هذا النوع من الأحاديث الواردة في الترغيب والترهيب قد تكثر فيه الطرق، وإن كانت قاصرة عن درجة الاِعتبار حَتَّى ترتقي عن رتبة المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل، يعتبرونها من المستحسنات فيعملون بها، وليس مرادهم الحكم بقبولها» (3)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الجوزي: العلل المتناهية، ج1/ص119 وما بعدها.
(2) - ... ابن حجر: النكت، ج1/ص410.
(3) - ... السخاوي: المقاصد الحسنة، ص 480. (1/237)
صفحة 258
معرفة الاِعتبار والمتابعات والشواهد
اِعلم أَنَّهُ من الألفاظ المتداوَلة عند علماء الحديث: الاِعتبار والمتابعات والشواهد، وهي أمور يتعرَّفون بها حال الحديث صِحَّة وحُسنا وصلاحًا وضعفًا، إذا كان راوي الحديث قد تفرَّد به، أو شاركه بروايته غيرُه، وهل هو معروف أو غير معروف.
- فالاِعتبار: أن يُعمد إلى حديث لبعض الرواة يظنُّ أَنَّهُ فرد فيتَّبع طرقه في مظانها من الجوامع والمسانيد والأجزاء، وهذا التتبُّع يسمِّيه علماء الحديث بالسبر (1).
__________
(1) - ... ويكون ذلك كما ذكره ابن الصلاح وغيره بالنظر في الجوامع والمسانيد والمعاجم والمشْيَخَات والفوائد والأجزاء؛ فالجوامع ومفردها جامع: هي الكتب التي جُمعت فيها الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه، كالأمَّهات الستِّ، أو على ترتيب الحروف الهجائيَّة، كصنيع ابن الأثير في كتابه “جامع الأصول”. والمسانيد: جمع مسند، وهي: الكتب التي جمع مسند كُلِّ صحابيٍّ على حِدة، صحيحًا كان أو ضعيفًا. ويُرادُ بالمعاجم: جمع معجم: الكتبُ التي ذُكرت فيها الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتَّبين على حروف الهجاء؛ والمشهور منها المعاجم الثلاثة للطبرانيِّ: الكبير والأوسط والصغير. أَمَّا المَشْيخات: بفتح الميم وسكون الشين وكسرِها فهي الكتب التي تحتوي على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلِّف وأخذ عنهم، أو أجازوه ولم يلقهم. والأجزاء: هي ما دوِّن فيها أحاديث رجل واحد من الصحابة أو مَن بعدهم، أو مادَّة واحدة من أحاديث جماعة. (المؤلف) (1/238)
صفحة 259
ولمعرفة ما إذا كان هذا الحديث لفرد قد رواه راوٍ آخر بلفظه أو معناه أو لا، فإذا وُجد باللفظ أو المعنى كان للحديث أصل يرجع إليه، وَإِلاَّ كان فردًا مُطلَقا، أو غريبا كما تَقَدَّمَ. وما يجده الناقد قد يكون متابعا إذا كانت هناك متابعة، وقد يكون شاهِدًا.
فالمتابع: هو الحديث الذي يرويه بلفظ الحديث الأَوَّل راوٍ يصلح حديثه عَمَّن روى عنه الراوي الأَوَّل، فيُقال: هذا حديث له متابع رواية فلان، أو تابعه يعني الراوي فلان.
أَمَّا الشاهد: فهو حديث يروى بمعنى الحديث الأَوَّل، وذلك بأن يروى متن الحديث الأوَّل من رواية صحابيٍّ آخَر، فيُقال: له شاهد من رواية فلان. وإطلاق “المتابع” على ما يكون باللفظ، و“الشاهد” على ما يكون بالمعنى هو غالب الاِستعمال، وَإِلاَّ فقد يُطلق المتابع على الشاهد وبالعكس، والأمر سهل، كما قال الحافظ العسقلانيُّ (1)، لأَنَّ كلاًّ منهما يفيد التقوية، سواء بالحفظ أو بالمعنى. ثُمَّ إذا كانت المتابعة للراوي نفسه بأن كانت الرواية عن شيخ الراوي الأَوَّل فهي المتابعة التَّامَّة، وإذا كانت لشيخ الراوي فمن فوقه كانت متابعة قاصرة، وتكون قاصرة بأن فارقه ولو في الصحابيِّ. وَكُلَّمَا قربت المتابعة من التَّامَّة كانت أتمَّ من التي بعدها، عِلما بِأَنَّ المتابعة تَامَّةً أو قاصرةً تفيد التقوية للحديث الفرد المتابَع.
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 30. (1/239)
صفحة 260
مثال المتابع: ما رواه الشافعيُّ عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أَنَّ رسول الله ? قال: «الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حَتَّى تروا الهلال، ولا تفطروا حَتَّى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين» (1).
وقد ظنَّ قومٌ أَنَّ الحديث غريب تفرَّد به الشافعيُّ عن مالك، وَلَكِنَّ له متابِعًا أخرجه البخاريُّ (2) عن عبد الله بن مسلمة القعنبيِّ عن مالك، وهي متابعة تَامَّة لأَنَّهَا كانت للراوي نفسه وهو الشافعيُّ، حيث تابعه القعنبيُّ واجتمع في شيخه القريب: مالك بن أنس، الذي شاركه في الرواية عنه؛ كما أَنَّ للحديث متابعًا آخر في صحيح ابن خُزيمة (3)، من رواية عاصم بن محمَّد عن أبيه عن محمَّد بن زيد عن جدِّه عبد الله بن عمر: «فأكملوا ثلاثين»، وهي متابعة قاصرة، لأنها لم تكن للراوي نفسه، وَإِنَّمَا كانت لمن هو فوق شيخ الراوي؛ وتابعه الربيع بأن فارقه في الصحابيِّ إذ رواه عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدريِّ قال رسول الله في رمضان: «لا تصوموا حَتَّى تروا الهلال، ولا تفطروا حَتَّى تروه،
__________
(1) - ... رواه مالك في كِتَاب الصيام (1) باب ما جاء في رؤية الهلال للصوم، رقم 2، من حديث ابن عمر.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصوم (11) باب قول النَّبِيء ?: «إذا رأيتم الهلال فصوموا»، رقم 1908، من حديث ابن عمر (مختصرا)، ورواه أَيضًا مسلم في كِتَاب الصيام (2) باب وجوب صوم رَمَضَان لرؤية الهلال، رقم 9 ( ... )، من حديث ابن عمر.
(3) - ... رواه ابن خزيمة في صحيحه، في كِتَاب الصيام (27) باب ذكر الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الأمر بالتقدير للشهر إذا غمَّ ... رقم 1909، من حديث ابن عمر. (1/240)
صفحة 261
فإن غُمِي عليكم فاقدروا له». وفي رواية أخرى: «فأتمُّوا ثلاثين يومًا» (1).
ومثال الشاهد، وهو في الحديث نفسه، فقد رواه النسائيُّ (2) من رواية محمَّد بن حنين عن ابن عَبَّاس عن النبيء ?، وكانت الرواية بلفظ الحديث الأوَّل سواء. كما أَنَّ له شاهِدًا بالمعنى فيما رواه البخاريُّ من رواية محمَّد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: «فإن غمِي عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين» (3)، فتَبَيَّنَ من رواية الربيع فمن بعدها أَنَّهَا شواهد وليست متابعة لمخالفتها في الصحابيِّ.
فإن لم يُرْوَ ذلك الحديث أصْلاً من وجه من الوجوه، لكن روي حديث آخر بمعناه، فذلك الشاهد من غير متابعة.
مثاله: حديث الاِنتفاع بإهاب الميتة، فقد روي عن ابن عَبَّاس أَنَّ النبيء ? قال: «لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» (4)، فقد تابع عطاءُ
__________
(1) - ... رواه الربيع في كِتَاب الصوم (53) باب النهي عن صيام العيدين ويوم الشك رقم 323، من حديث أبي سعيد الخدريِّ.
(2) - ... رواه النسائيُّ في كِتَاب الصيام (12) باب ذكر الاختلاف عَلَى عمرو بن دينار في حديث ابن عَبَّاس فيه. رقم 2124، من حديث ابن عَبَّاس، وَأَوَّلُ الحديث عنده: «عجبت مِمَّن يَتَقَدَّمُ الشهر، وقد قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: “إذا رأيتم الهلال ... ”».
(3) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصوم (11) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتهم الهلال فصوموا، رقم 1810.
(4) - ... رواه البيهقيُّ (الكبرى) في كِتَاب الطهارة (13) طهارة جلد الميتة بالدبغ، رقم 47، من حديث ابن عَبَّاس. (1/241)
صفحة 262
أسامةَ بن زيد عن ابن عَبَّاس عنه ? قال: «ألا نزعتم جِلدها فدبغتموه فاستمتعتم به» (1). وكذلك عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عَبَّاس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما إهاب دُبغ فقد طهُر» (2).
هذا، ولاَ بُدَّ من التنبيه على أَنَّ نُقَّاد الحديث لم يتشدَّدوا في أمر الراوي عند المتابع أو الشواهد، فلم يحصروا ذلك بالثقة بل قبلوا في كُلٍّ منها من لا يُحتجُّ بحديثه وحده، وَإِنَّمَا كان هذا التساهل لكون المتابع أو الشاهد ليس هو موضع الاِعتماد في الحديث، وَإِنَّمَا الاِعتماد على ما قبله، فإن لم يرو ذلك الحديث بمعناه حديث آخر فقد تحقَّق فيه التفرُّد المطلق حينئذ مع العِلَّة الموجودة فيه، فيُردُّ قطعًا، ولا يُحتجُّ به. وإن اشتَدَّ ضعف الراوي لم يُقبل له متابع أو شاهد، وذلك كحديث: «أحبب حبيبك هونًا مَّا، عسى أن يكون بغيضك هونا مَّا»، فقد رواه الترمذيُّ من طريق حمَّاد بن سلمة عن أَيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبيء ?، وقال: «هَذَا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إِلاَّ من هذا الوجه» (3). قال السيوطيُّ: «أي من وجه يثبت،
__________
(1) - ... رواه الدارقطنيُّ في كِتَاب الطهارة، باب الدباغ، رقم 3، مع زيادة في آخره من حديث ابن عَبَّاس.
(2) - ... رواه الترمذيُّ في كِتَاب اللباس (7) ما جاء في جلود الميتة إذا دُبغت، رقم 1728، من حديث ابن عَبَّاس، ورواه ابن ماجه في كِتَاب اللباس (25)، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، رقم 3609، من حديث ابن عَبَّاس.
(3) - ... وتمام الحديث هو: «عسى أن يكون حبيبك يوما ما». رواه الترمذيُّ في كِتَاب البر والصلة (60) باب ما جاء في الاقتصاد في الحبِّ والبغض، رقم 1997، من حديث أبي هريرة. (1/242)
صفحة 263
وَإِلاَّ فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات» (1)، والله أعلم.
__________
(1) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج1/ص243. (1/243)
صفحة 264
المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف
ويأتي في هذا الباب الموقوف والمقطوع والمُدرَج والمصحَّف وغيرها؛ ولنبدأ في هذا الباب بالقول: إِنِّي لم أسرد من أقسام الضعيف إلى الآن تبعًا للمنهج إِلاَّ ما أخذ اِسْما خاصًّا به، وَأَمَّا ما كان منها حالة من حالات الضعف من غير أن يخصَّ بلقب مُعَيَّن فقد اكتُفيَ بالإشارة إليه.
وقبل أن أنتقل إلى قسم المشترك بين الصحيح والحسن والصالح والضعيف. أثير قضيَّتين هامَّتين:
- إحداهما تَتَّصِلُ بالموقوف والمقطوع والمدرَج.
- والثانية تَتَّصِلُ بحكم رواية الأحاديث الضعيفة والعمل بها.
قلتُ قبلُ: إِنَّهُ يُقصد بالموقوف ما روي عن الصحابيِّ من قول أو فعل أو تقرير موقوفًا عليه لم يصل إلى رسول الله ?، كأن يقول الراوي: «قال عمر بن الخطَّاب كذا»، أو «فعل كذا»، أو «أقرَّ هذا الفعل»، أو «فعل هذا أمام أبي بكر الصدِّيق فأقرَّه»، أو «لم ينكره»، أو نحو ذلك ... فالقول أو الفعل أو التقرير الذي يفترض أن يكون صادرًا عن النبيء ? لم يقصد به الوقوف عند الصحابيِّ، وَإِنَّمَا الموقوف هو الذي لم يصل إليه - صلى الله عليه وسلم -.
وَأَمَّا المقطوع في الاِصطلاح فهو ما قصر على التابعين أو إلى من (1/244)
صفحة 265
دونهم من العلماء، قولا كان أو فعلا أو تقريرا، كسعيد بن المسيب، ومالك مثلا. وحُكم كُلٍّ من الموقوف والمقطوع الضعف وعدم الاِحتجاج به، أو الصحّة نظرًا للمورد.
وذهب بعضُ أصحابنا وأبو حنيفة بعدم الاِحتجاج بالمقطوع، ويقولون: ما جاء عن الرسول ? فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيَّرنا منه، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال، كما ذهب القاسميُّ إلى ضعف الموقوف أيضًا (1)، وذلك لقداسة الموصول إلى رسول الله ?، له قداسة ليست لغيره، لأَنَّهُ المشرِّع والمعصوم. وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم معصومون عن الكذب عليه ?، ولهذا السبب نصحِّح ما صَحَّ عنهم عن رسول الله أو نحسِّنه أو نجعله صالحا للاِحتجاج والعمل، لأَنَّنَا حينئذ قد صحَّحنا رواية الصحابيِّ لحديث الرسول، لا الحديث نفسه، فلم نَكْذِبْ عليه صلوات الله وسلامه عليه، لا ساهين ولا متعمِّدين، ولم نقل عليه ما لم يقله.
وإذا وصفنا الموقوف بِالصِّحَّةِ أو الحسن لا نعني وجوب العمل بذلك، وَإِنَّمَا نبيح العمل بما ثبت منه، لأَنَّهُ لا مجال للرأي أو الاِجتهاد لِمَا مَرَّ، لأَنَّ الصحابة معصومون عن الكذب عليه ?، ولذلك نعتبر قول ابن
__________
(1) - ... فقد ذهب القاسميُّ في قواعده بعد تضعيفه للموقوف واعتباره ليس بحجَّة عَلَى الأصحِّ وَلَكِنَّ المعتمد في حكم الموقوف أَنَّهُ يجري عَلَيْهِ التقسيم، فيكون صحيحا، أو حسنا أَو ضعيفا، كما نصَّ عَلَيْهِ جلُّ المحدِّثين. القاسمي: قواعد التحديث، ص 134. (1/245)
صفحة 266
مسعود: «من أتى كاهِنا أو عرَّافًا فقد كفر بما أُنزل على مُحَمَّد» (1)، وقوله لمن خرج من المسجد والمؤذِّن يؤذِّن: «أَمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم» (2)، وكلاهما حديث موقوف، ومع ذلك نتحفَّظ في الأحاديث الموقوفة على كعب الأحبار ووهب بن منبِّه إن قلنا إِنَّهُما من الصحابة لعدم صِحَّة القول بذلك، وَلأَنَّ حُذَّاق المحدِّثين قد وَهَّنوا أحاديثهما. وكذلك من اشتهر من تابع بروايات الإسرائيليَّات والأقاصيص، ولاسيما فيما يَتَعلَّقُ بقيام الساعة لمخالفة ذلك لِنَصِّ القرآن. وكذلك كثير من أشراطها من أحوال آخر الزمان، إذ قد ثبت عدم صِحَّتها بتتبُّع ذلك من أهل الفنِّ. وَأَمَّا قول الصحابيِّ: «كُنَّا نفعل كذا في عهد الرسول ?»، أو ينمي ذلك أو يبلِّغه إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فهو عند أهل الفنِّ من قبيل المرفوع لِمَا تَقَدَّمَ.
وعند المحدِّثين أَنَّ المقطوع يوصفُ بِالصِّحَّةِ أو الحسن أو الضعف تبعًا لإسناده ومتنه؛ وتصحيحه وتحسينه لا يعني أَنَّهُ مأخوذ من الصحابة قطعًا بِمُجَرَّدِ رواية التابعيِّ له. وأبو حنيفة
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده، ج4، ص 371، رقم 971، من حديث جابر بن زيد. ورواه أبو داود في كِتَاب الطب، باب في الكاهن، رقم 3904. ورواه أبو نعيم في الحلية، ج5، ص 104، من حديث أبي هريرة.
(2) - ... رواه الترمذيُّ في كِتَاب الصلاة (150) باب ما جاء في كراهيَّة الخروج من المسجد بعد الأذان، رقم 204، ورواه أبو داود في كِتَاب الصلاة، باب الخروج من المسجد بعد الأذان، رقم 536، من حديث أبي الشعثاء جابر بن زيد. (1/246)
صفحة 267
يُرجِّح عنه القياس، ولا يَحتجُّ بما روى عن أكابر التابعين كسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومسروق والشعبي وأمثالهم مِمَّن أُتيح لهم معاصرة الصحابة، أو الذي يروى بطرق موصولة ومصحَّحة.
وَأَمَّا المدرَج فقد مَرَّ تعريفه، وهو قول راوي الحديث شيئا في الحديث ليس من متنه، ولكن قاله لغرضٍ، فظُنَّ أَنَّهُ من الحديث سهوًا أو غلطًا. وسواء أكان الراوي صحابيًّا أو تابعيًّا في أَوَّل المتن أو وسطه أو آخره ظنًّا منه انّ شيخه رواه عن رسول الله ?، وهو وَهْمٌ؛ أو قاله الراوي بيانا لمذهبه في الشأن؛ مثاله الحديث الذي رواه الربيع بن حبيب عن النبيء ?: «الصلاة جائزة خلف كلِّ بارٍّ وفاجر ما لم يُدخل في صلاته ما يُفسدها» (1)، فقوله: «ما لم يُدخل في صلاته ما يُفسدها» مُدرَج من جابر وليس من الحديث.
قال السالميُّ: «هو قيْد لاَ بُدَّ منه، يَدُلُّ على ذلك روايته لحديث آخر بنفس السند (2) صَرَّحَ فيه بالسماع من جابر أَنَّ النبيء ? قال: «الصلاة جائزة خلْف كلِّ بارٍّ وفاجر، وصلُّوا على كُلِّ بارٍّ وفاجر» (3)، فظهر من
__________
(1) - ... رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الصلاة (35) باب في الإمامة والخلافة في الصلاة، رقم 208، من حديث ابن عَبَّاس.
(2) - ... «بنفس السند» يعني السند الثلاثيَّ الذهبيَّ الذي يمتاز به مسند الربيع بن حبيب رَحِمَهُ اللهُ، وَهُوَ: «أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عَبَّاس عن النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -» مثلا.
(3) - ... رواه الربيع بن حبيب في مسنده (3) باب الحُجَّة عَلَى من لا يرى الصلاة عَلَى موتى أهل القبلة ... رقم 776، من حديث ابن عَبَّاس. (1/247)
صفحة 268
ذلك أَنَّ قوله: «ما لم يُدخل في صلاته ... » إلخ مُدرَج من جابر لبيان مذهبه في الشأن، فظنَّ الربيع أَنَّهَا من قول الرسول ? (1)؛ أو مثاله في أَوَّل المتن الحديث الذي رواه الخطيب عن أبي هريرة قال رسول الله ?: «أسبغوا الوضوء، ويْل للأعقاب من النار» (2)، فعبارة «أسبغوا الوضوء» في أَوَّل الحديث ليست من قول الرسول، لَكِنَّ أبا هريرة أدرج العبارة السابقة، فوهم الراوي أَنَّهَا من الحديث.
ومثال الإدراج في الوسط ما رواه النسائيُّ من حديث فضالة مرفوعًا: «أنا زعيم والزعيم الحميل لمن آمن وأسلم وجاهد في سبيل الله بيت من رَبض الجَنَّة» (3)، فعبارة: «الزعيم الحميل» ليست من الحديث، لكن أدخلها ابن وهب أحد رواة الحديث تفسيرًا للَفظ “زعيم”، فظنَّ الراوي أَنَّهَا من الحديث. وأرباب الصحاح والجوامع والمسانيد ومستخرجاتها ينبِّهون غالبا على كُلِّ زيادة في أحاديث الرسول مهما كانت هيِّنة لينجوَ من الكذب على رسول الله ?، وَلأَنَّ
__________
(1) - ... الشيخ السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج1، ص 311 (بتصرف).
(2) - ... أورده الساعاتي في كِتَابه: “منحة المعبود” ص 179. وأورده البخاري في كِتَاب الوضوء (163)، باب الأعقاب، رقم 165 (مطوَّلا). ورواه مسلم في كِتَاب الطهارة (09) باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، رقم 26 (241). ورواه النسائي أَيضًا في كِتَاب الطهارة (89) باب إيجاب غسل الرجلين، رقم 111، من حديث ابن عمر.
(3) - ... رواه النسائيُّ في كِتَاب الجهاد (19) باب ما لمن أسلم وجاهد، رقم: 3133، من حديث عمرو بن مالك الجنبيِّ أَنَّهُ سمع فضالة بن عُبَيد يقول: سمعتُ رَسُول اللهِ ? يقول: « ... » ثُمَّ ساق الحديث، مع زيادة في آخره. (1/248)
صفحة 269
ذلك حرام وللكذب كما مَرَّ، وذلك باتِّفاق المحدِّثين والأصوليِّين وغيرهم لِمَا يتضمَّن من التلبيس والتدليس، والله أعلم. (1/249)
صفحة 270
حُكم رواية الحديث الضعيف والعمل به
يتناقل الناس هذه العبارة «يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال»، وبها يسوِّغون جميع ما يتساهلون في روايته من أحاديث لم تَصِحَّ عندهم، ويُدخِلون في الدين كثيرا من التعاليم التي لا تستند إلى أصل ثابت معروف، وأنَّ هاته العبارة ليست على مرِّ العصور إِلاَّ صدًى لعبارة أخرى مُماثلة لها منسوبة إلى ثلاثة من كِبار أَئِمَّة الحديث، هم أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مبارك، فقد روي عنهم أَنَّهُم قالوا: «إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا»، على أَنَّ الفهم لهذه العبارة مِمَّن أتى بعدهم لم يكن صحيحًا، فإنَّ في عصرهم ليس هناك في الألقاب حَسَن ولا صالح، إِنَّمَا الصحيح والضعيف فقط؛ والظاهر أَنَّهُم يأخذون بالحسن والصالح اللذيْن ظهرا في الاِصطلاح بعدهم. والمسمَّى في وقتهم بالضعيف وَأَنَّهُم إذا أرادوا أن يحتجُّوا في الحلال والحرام يتشدَّدون، فلا يحتجُّون إِلاَّ بأعلى درجات الحديث، وهو المُتَّفَق في عصرهم على تسميته بالصحيح؛ وإذا رووا في الفضائل ونحوها مِمَّا لا يَمُسُّ الحِلَّ والحِرمة لم يجدوا ضرورة في الاِقتصار على الصحيح؛ بل ويحتجُّون بالحسن والصالح اللذينِ ظهرا بعدهم، لا بالضعيف كما فُهِم.
لذلك لا نسلِّم بجواز رواية الضعيف المعروف الآن في فضائل الأعمال (1/250)
صفحة 271
ولو توفَّرت له جميع الشروط التي لاحظها المتساهلون في هذا المجال وتمسَّكوا بها، وهي:
1 - ألاَّ يكون المرويُّ شديد الضعف.
2 - أن يندرج تحت أصل كلِّيٍّ ثبت بالكتاب أو السنَّة الصحيحة.
3 - أن لا يعارضه دليل أقوى منه.
ولا نسلِّم بجواز رواية الضعيف رغم هذه الشروط، لأَنَّ لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحِسان والصالحة، وهي كثيرة جدًّا والحمد لله، كما أَنَّنَا لا نبيح نِسبة حديث ضعيف جدًّا أو موضوع في الترغيب والترهيب رغم الشروط المذكورة إلى رسول الله ?، فنكون في ذلك من الكذَّابين كما مَرَّ قبلُ، بل نقول: «جاء في الأثر»، أو «قيل عن رسول الله ?»، أو نحو ذلك من صِيَغ التمريض؛ وهذا هو القول الفصل عندنا في الشأن، والله أعلم. (1/251)
صفحة 272
المصحَّف والمحرَّف
قال ابن حجر: «ينقسم قسمين: ف [يُسَمَّى] ما كان فيه تغيير حرف أو حرفين بتغيُّر النقط مع بقاء الصورة تصحيفًا، وما كان فيه ذلك الشكل تحريفًا» (1).
والمصحِّف في اللغة: «الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف»، واللفظ كما جاء في لسان العرب (2).
وفي الاِصطلاح: «ما كان الخطأ فيه بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخطِّ، فإن كان بالنسبة إلى النقط فهو المصحَّف، ويأتي بإسناد الرواة في المتن، وقد مَرَّ تعريف ذلك في تعريف الغريب (3).
وقد روي عن أحمد بن حنبل أَنَّهُ قال: «ومن يَعرى من الخطأ والتصحيف؟!». ويكثر وُرود ذلك فيمن يأخذ عِلمه من الصحف. فإن كان الخطأ في النقط فالمصحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فهو المحرَّف، وقد مَرَّ ذلك في تعريف أنواع الغريب.
ومعرفة هذا النوع مُهِمٌّ، وأكثر ما يقع في المتون وفي أسماء الرواة التي
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 49، بتصرُّف.
(2) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج9، ص 187، مَادَّة «صحف».
(3) - ... انظر صحيفة 136 من هَذَا الكِتَاب. (1/252)
صفحة 273
في الأسانيد، ولا يجوز تعمُّد تغيير صورة المتن مُطلَقا، ولا الاِختصار منه بالنقص أو الإبدال، أعني إبدال اللفظ بالمرادف له إِلاَّ لعالم بمدلولات الألفاظ، وبما يُحيل المعاني، على الصحيح في المسألتين، وقد تَقَدَّمَ ذلك.
فمثال التصحيف في الإسناد: حديث شعبة عن العوام بن مراجم عن أبي عثمان النهدي عن عثمان بن عفَّان قال: قال رسول الله ?: «لَتُؤُدُّنَّ الحقوق إلى أهلها ... » الحديث (1)، وصَحَّف فيه يحيى بن معين فقال: «ابن مزاحم» بالزاي والحاء، فرُدَّ عليه: وَإِنَّمَا مراجم بالراء المُهمَلَة والجيم.
ومنه ما روى أحمد بن حنبل قال: «حدَّثنا مُحَمَّد بن جعفر قال: حدَّثنا شعبة عن مالك بن عُرْفُطَةَ عن عبد خير عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رسول الله ? نهى عن الدُّبَّاء والمزَفَّت» (2)؛ قال أحمد (3): صحَّف شعبةُ فيه، إِنَّمَا هو خالد بن علقمة، وقد رواه زايدة بن قدامة وغيره على ما قاله أحمد.
ومثال التصحيف في المتن ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب البِرِّ (15) باب تحريم الظلم، رقم 60 (2582). والترمذي في كِتَاب صِفة القيامة (2) باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، رقم 2420، من حديث أبي هريرة.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب الأشرِبة (5265) باب الأشربة، رقم، من حديث أبي هريرة.
(3) - ... أحمد بن حنبل: كِتَاب العلل، ج1، ص182. (1/253)
صفحة 274
إليه بإسناده عن زيد بن ثابت أَنَّ رسول الله ? «اِحتجم في المسجد»، وَإِنَّمَا هو بالراء: «اِحتَجَرَ في المسجد بخُصٍّ أو حصير حجرةً يُصَلِّي فيها» (1)، فصحَّفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتاب بغير سماع، ذكر ذلك مسلم في كتاب التمييز له.
وروى الدارقطنيُّ في حديث أبي سفيان عن جابر قال: «رُمِيَ أبِي يوم الأحزاب على أكحَلِهِ فكواه رسول الله ?» أنَّ غُندرًا قال فيه: «أبي»، وَإِنَّمَا هو «أُبَيٌّ» وهو ابن كعب (2)؛ وأبو جابر كان قد استشهد قبل ذلك بأُحُد.
وفي حديث أنس: «ثُمَّ يُخرَجُ من النار مَن قال: لا إله إِلاَّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزِن ذرَّة» (3)، قال فيه شعبة: «ذُرَةٌ» بالضمِّ والتخفيف، ونُسب فيه إلى التصحيف.
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصلاة (52) باب صلاة اللَّيْل، رقم 698. ومسلم في كِتَاب صلاة المسافرين (30) باب فضيلة العمل الدائم من قيام اللَّيْل وغيره، رقم 215 (872)، من حديث عائشة.
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب السلام (26) باب لِكُلِّ داء دواء واستحباب التداوي، رقم 74 ( ... ). وابن ماجه في كِتَاب الطبِّ (24) باب من اكتوى، رقم 3493، من حديث جابر بن عبد الله.
(3) - ... رواه البخاري في كِتَاب الإيمان (44) باب زيادة الإيمان ونقصانه، رقم 32. ومسلم في كِتَاب الإيمان (84) باب أدنى أهل الجَنَّة منزلة فيها، رقم 325، من حديث أنس. وقد ذكر مسلم تصحيف شعبة. (1/254)
صفحة 275
وفي حديث أبي ذرٍّ: «تُعينُ الصانِعَ»، قال فيه هشام بن عروة: بالضَّاد المعجَمة وهو تصحيف، والصواب هو ما رواه الزهريُّ: «الصانع» بالصاد المهمَلَة ضدُّ الأخرق، كما رواه البخاري (1).
قا ل ابن الصلاح: «وبلَغنا عن أبي زُرعَةَ الرازيِّ أَنَّ يحيى بن سلاَّم هو المفسِّر، حدَّث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف 145]. قال: “مصر”، واستعظم أبو زُرَعَة هذا واستقبحه، وذكر أَنَّهُ في تفسير سعيد عن قتادة: “مصيرهم”» (2).
وجاء في تفسير الطبريِّ: «وقال آخرون: معنى ذلك سأوريكم دار قوم فرعون، وهي مصر» (3).
وقال ابن الصلاح: «وبلَغنا عن الدارقطنيِّ أَنَّ مُحَمَّد بن المثنَّى أبا موسى العنزيَّ حدَّث بحديث النبيء ?: “ لا يأتني أحدُكم يوم القيامة ببقرة لها خُوَارٌ ” فقال فيه: “ أو شاة تَنْعِرُ ” بالنون، وَإِنَّمَا هو “ تَيْعِرُ ”
__________
(1) - ... الحديث أَوَّله: «قلت: يا رَسُول اللهِ، أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بِاللهِ تَعَالىَ، وجهاد في سبيله ... » إلخ. رواه البخاري في كِتَاب أَوَّل العتق (02) باب أيُّ الرقاب أفضل، رقم 2382، من حديث أبي ذرٍّ.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 281.
(3) - ... القرطبي: الجامع لأحكام القُرْآن، ج7، ص 282. (1/255)
صفحة 276
بالياء المثنَّاة من تحت» (1). قال: «وَأَنَّهُ قال لهم يومًا: “ نحن قوم لنا شرف، نحن من عَنْزَة قد صَلَّى النبيء ? إلينا ”؛ يريد ما روي “ أَنَّ النبيء ? صَلَّى إِلىَ عَنَزَةٍ ” (2) تَوَهَّم أَنَّهُ صَلَّى إلى قبيلتهم، إِنَّمَا العَنَزَةُ ههنا حَرْبَةٌ نُصبت بين يديه، فصلَّى إليها، وصحَّفها إلى عَنْزَةٍ بإسكان النون».
وروي أَنَّ أبا بكر الصوليَّ أمْلى في الجامع حديث أبي أَيُّوب: «من صام رمضان وأتبعه سِتًّا من شوال ... » كما أخرجه مسلم وغيره (3)، فقال فيه: «شيئا» بالشين والياء.
وفي حديث يُروى عن معاوية بن أبي سفيان قال: «لعن رسول الله ? الذين يشقِّقون الخطب تشقيق الشِّعر»، كما أخرجه الطبرانيُّ في “الكبير” (4)، فذكر الدارقطنيُّ عن وكيع أَنَّهُ قاله مَرَّة بالحاء المهمَلَة وأبو
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الأحكام (24) باب هدايا العمَّال، رقم 6753، من حديث أبي حميد الساعدي.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب الصلاة (16) باب الصلاة في الثوب الأحمر، رقم 369، من حديث أبي جحيفة عن أبيه.
(3) - ... رواه مسلم في كِتَاب الصوم (39) باب استحباب صوم سِتَّة أَيَّام من شوال، رقم 240 (1164). والترمذي في كِتَاب الصوم (53) باب ما جاء في صيام سِتَّة أَيَّام من شوال، رقم 759. وأبو داود في كِتَاب الصوم، باب في صوم سِتَّة أَيَّام من شوال، رقم 2433، من حديث أبي أَيُّوب الأنصاريِّ.
(4) - ... رواه الطبراني في الكبير، ج19، ص 261، رقم 848، من حديث معاوية. (1/256)
صفحة 277
نعيم شاهد فردَّه عليه بالخاء المعجَمَة المضمومة (1).
وقال: «قلت فقد انقسم التصحيف إلى قسمبن: أحدهما: في المتن والثاني: في الإسناد. وينقسم قسمة أخرى إلى قسمين: أحدهما: تصحيف البصر كما سبق عن أبن لهيعة، وذلك هو الأكثر؛ والثاني: تصحيف السمع نحو حديث (لعاصم الأحول) رواه بعضهم فقال: “عن واصل الأحدب”، فذكر الدراقطنيُّ أَنَّهُ من تصحيف السمع لا مِن تصحيف البصر.
وينقسم قسمة ثالثة إلى: تصحيف اللفظ وهو الأكثر، وإلى تصحيف يَتَعلَّقُ بالمعنى دون اللفظ، كمثل ما سبق عن مُحَمَّد بن المثنَّى في الصلاة إلى عَنَزَة».
وقسَّمه ابن حجر (2) قسمة رابعة إلى قسمين: «أحدهما: ما غُيِّر فيه النقط فهو المصحَّف، والآخَر: ما غيِّر فيه الشكل مع بقاء الحروف فهو المحرَّف» كما مَرَّ. «وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر الجلَّة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه» (3).
والأخبار متظافرة على التصحيف، وقع في القرآن مثلما وقع في الحديث. وكان أكثر المصحِّفين من المتعالين بين العَامَّة الذين لم يكن لهم
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 283.
(2) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 35.
(3) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 281 وما بعدها. (1/257)
صفحة 278
شيوخ من القرَّاء والحُفَّاظ يوقفونهم على أخطائهم.
قال أبو بكر المعيطي: «عثرت بمؤدِّب وهو يملي على غلام بين يديه “ فَرِيقٌ فِي الْحَبَّةِ وَفَرِيقٌ فِي الشَّعِير ”، فقلت: يا هذا ما قال الله من هذا شيئا، إِنَّمَا هو: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى 7]، فقال: أَنتَ تقرأ على حرف أبي عاصم ابن العلاء الكسائي، وأنا أقرأ على حرف أبي حمزة بن عاصم المدنيِّ، فقلت: معرفتك بالقراءة أعجب إِليَّ، وانصرفت. وحَكى أرباب الفنِّ من التصحيف في القرآن أكثر مِمَّا حكي من التصحيف في الحديث.
والتصحيف في جميع صوره المتَعَلِّقَة بالمتن غالبا ما يغيِّر المعنى ويشوِّه الحقائق، ولا سيَما إذا كان المصحِّف قليل المعرفة، سيِّء الحفظ. ولقد يشكل على كثيرين أن يُسْلك المصحَّف في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف رغم الضعف الظاهر الذي يكاد يطبعه في جميع صوره، فأقلُّ ما يفترضه الباحث فيه أَنَّهُ يجب أن يكون خالصًا للضعف إن لم يحكم بِأَنَّهُ موضوع، ونسأل الله التوفيق والعصمة، والله أعلم. (1/258)
صفحة 279
المرفوع
المشهور في تعريف المرفوع: هو ما أُضيف إلى رسول الله ? خَاصَّةً، ولا يقع مطلقه على غير ذلك، ويكون قولا وفعلا وتقريرا، سواء أضافه صحابيٌّ أو تابعيٌّ أم من بعدهما.
وَقِيلَ: إِنَّ المرفوع هو المُتَّصِل إسناده إلى رسول الله ? فقط، فعلى هذا لا يكون المرفوع إِلاَّ متَّصِلاً، فلو وقع فيه أيُّ اِنقطاع من صحابيٍّ فهو المرسَل. وقد خصَّه قومٌ بِأَنَّ ما كان فيه عدم الاِتِّصال بألقاب أخرى، فما سقط منه الصحابيُّ فمرسَل، أو سقط منه راويان أو أكثر فمعضل، أو سقط من إسناده في أيِّ موضع رَجلٌ أو أُبهم فهو منقطع، كما مَرَّ تعريف ذلك (1). ففي هذه الحالات يوصف بالضعف، ومن هنا أمكن دخول المرفوع في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف.
وإن اتَّصَلَ إسناده ولم ينقطع صَحَّ لأَن يوصف بالصحيح والحسن تبعًا لدرجة رجاله في الضبط والعدالة وغيرهما، وقد يوصف بالضعف مع عدم الاِنقطاع إن لم يكن في رجاله شروط الصِّحَّة، ولا له شاهد أو متابع؛ إذًا فليس كلُّ مرفوع صحيحًا، والعكس. وقد خصَّ المرفوع بالمسنَد وهو القسم الآتي.
__________
(1) - ... انظر صحيفة 142 من هَذَا الكِتَاب. (1/259)
صفحة 280
المسنَد
والمسنَد في الرأي المعتَمَد من أهل الفنِّ: ما اتَّصَلَ إسناده من راويه إلى منتهاه مرفوعًا إلى النبيء ?، وهو اختيار ابن الصلاح (1)، إِلاَّ أَنَّ الخطيب يشترط في الرفع اشتراطًا أغلبيًّا، فيقول: «وَصْفهم الحديث بِأَنَّهُ “مسنَد” يريدون أَنَّ إسناده مُتَّصِل بين راويه وبين من أُسنِد عنه، إِلاَّ أَنَّ أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبيء ? خَاصَّةً، واتِّصَال الإسناد فيه أن يكون كلُّ واحد من رواته سمعه ممَّن فوقه حَتَّى ينتهي ذَلِكَ إلى آخره، وإن لم يُبَيِّن فيه السماع بل يختصر بالعنعنة» (2).
وفي المسنَد في الأرجح لا يُرادِف المرفوع وإن كان لاَ بُدَّ فيه من شرط الرفع، لأَنَّ المرفوع يمكن فيه الاِنقطاع كما مَرَّ، فلا يُنظر فيه إِلاَّ إلى متنه فقط، ويُحكم عليه بذلك كما مَرَّ.
والحاكم (3) لا يستعمل المسنَد إِلاَّ في المرفوع المتَّصل؛ ومن شرائطه ألاَّ يكون موقوفا ولا مُرسَلاً ولا معضَلاً، ولا في راويته مدلِّس، ولا يكون في إسناده: «أُخبرت عن فلان»، ولا «حُدِّثت عن فلان»، ولا «بلغني عن فلان»، ولا «رفعه فلان»، ولا «أظنُّه مرفوعًا» وغير ذلك مِمَّا يفسده. إذًا، فهو عنده مرادف للصحيح فقط، وأكثر أهل الفنِّ على خلافه، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 42 بتصرُّف.
(2) - ... البغدادي: الكفاية، ص 58 بتصرُّف.
(3) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 17. (1/260)
صفحة 281
المتَّصل
المُتَّصِل أو الموصول: هو ما اتَّصَلَ سنده، سواء أكان مرفوعًا إلى النبيء ? أو موقوفا على الصحابيِّ، أو مَن دونه. ولا حاجة إلى الاستشهاد على المُتَّصِل في حالة الرفع، لأَنَّ أمثلة المرفوع تصلح له، فلا مُسَوِّغ للتكرار. وكذلك المتَّصل في حالة الوقف تصلح له جميع أمثلة الموقوف. وقد ضرب له ابن الصلاح مثلاً، فقال: «مثال المُتَّصِل المرفوع من الموطَّإ: “ مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ? ”، ومثال المتَّصل الموقوف: “مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر قوله ”» (1).
وقال العراقيُّ: «وَأَمَّا أقوال التابعين إذا اتَّصَلَت الأسانيد إليهم فلا يسمُّونها متَّصِلة». وقال: «إِنَّمَا يمتنع اسم المُتَّصِل في المقطوع أي كلام التابعيِّ في حالة الإطلاق، وَأَمَّا مع التقييد فجائز وواقع في كلامهم، كقولهم: هذا مُتَّصِل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهريِّ أو إلى مالك ونحو ذلك» (2). ولا يجوز تسميتها مع الإطلاق دون ذِكر التابعيِّ الذي انتهى إليه الإسناد، لأَنَّ ما ينتهي إلى التابعيِّ يُسمَّى مقطوعًا، فهو في اللغة ضدُّ الموصول، فلهذا لا يمكن أن يُعدَّ في الصحيح إِلاَّ بمعرفة رواته أو متابعًا له قد يصحِّحه، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 44.
(2) - ... العراقي: التقييد والإيضاح، ص 50. السخاوي: شرح الألفية، ج1، ص 123. (1/261)
صفحة 282
المعنعن
الحديث المعنعن: هو كما يظهر من لفظه ما يقال في سَنَده: «فلان عن فلان» من غير تصريح بالتحديث والسماع؛ وعَدَّه بعض الناس من قَبيل المُرسَل والمنقطع حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَاله.
والصحيح، والذي عليه العمل أَنَّهُ من قَبيل الإسناد المُتَّصِل إلى من أُسند إليه؛ وإلى هذا ذهب الجمهور من أَئِمَّة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترِطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه إذا توفَّرت فيه ثلاثة شروط: عدالة الراوي، وثُبوت لقاء الراوي لمن روى عنه أو مُعاصَرته، والبراءة من التدليس.
والمعنعَن كثير في الصحيحين؛ وفي صحيح مسلم أكثر، لأَنَّهُ لم يشترط ملاقاة الراوي، ومن عنعن عنه، بل أنكر ذلك في خُطبة صحيحه (1)، وشرط اللِّقاء هو مذهب علي بن المدينيِّ والبخاريِّ وغيرهما من أَئِمَّة الحديث، ولم يُتابع مسلِمًا على رأيه أحدٌ، بل انتقدوه وأخذوه عليه.
__________
(1) - ... مسلم: صحيح مسلم، (المُقَدِّمَة) (6) باب صِحَّة الاحتجاج بالحديث المعنعن، ج1، ص242 (مع شرح النووي). (1/262)
صفحة 283
قال ابن الصلاح: «فيما قاله مسلم نظر» (1). وكذلك انتقده شارح صحيحه الإمام النوويُّ، وقال: «والذي صار إليه مسلم ضعيف، وبعضهم قال: إِنَّهُ لا يُحتجُّ به» (2). وآثرت طائفة منهم الاِحتجاج به رغم ذلك إذ رأَوا ذلك أكثر ما يكون في مرسَل الصحابيِّ، وَلأَنَّ ما وَرَد في الصحيحين ورَد في المتابعات التي لا يُشترط فيها ما يُشترَط في الأصول.
ولابن حجر العسقلانيِّ القول الفصل، إذ قال: «إِنَّ فيه ثلاثة أقوال:
- الأوَّل: إِنَّهَا بمنزلة “ أخبَرنا ” أو “ حدَّثنا ”.
- الثاني: إِنَّهَا ليست بتلك المنزلة إذا صدرت من مدلِّس.
- الثالث: إِنَّهَا بمنزلة “ أخبَرَنا ” المستَعمَلة في الإجازة، فلا تخرج عن
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 66. قال الرزقاني: «أي: لأَنَّهُم كثيرا ما يرسلون عَمَّن عاصروه ولم يلقوه فاشترط لقيهما لتحمل العنعنة عَلَى السماع». الزرقاني: شرح البيقونيَّة، ص42. والذي يقوِّي مذهب مسلم أَنَّ المسألة في الثقة غير المدلِّس، ومثله إذا قال: «عن فلان» يُحمل عَلَى السماع، وَإِلاَّ كان مدلِّسا، والمسألة في غير المدلَّس، فلا بُدَّ أن تحمل عنعنة الثقة غير المدلِّس عَلَى السماع طالما كان ذَلِكَ ممكنا، ولو لم يثبت السماع نَصًّا صريحا». انظر: السخاوي: فتح المغيث، ج1، ص192. وابن الصلاح: علوم الحديث، ص66. تعليق رقم1. ولمزيد من التوسيع راجع كِتَاب شرح علل الترمذي، ص211، تحقيق: السامرائي. وراجع أَيضًا تعليق الدكتور نور الدين عتر عَلَى هَذَا الكِتَاب، ج1، ص359 - 383. وتفصيلها أَيضًا في كِتَاب فتح الملهم شرح صحيح مسلم لشبير أحمد العثماني، ج1، ص109 - 112، 420 - 423.
(2) - ... النووي: شرح صحيح مسلم (المُقَدِّمَة)، ج1، ص242. (1/263)
صفحة 284
الاِتِّصال» (1) إذ قال ابن الصلاح ما نصُّه: «قد كثر في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال “عن” في الإجازة، فإذا قال أحدهم: “ قرأت على فلان عن فلان ” أو نحو ذلك، فظنَّ أَنَّهُ رواه عنه بالإجازة، ولا يُخرجه ذلك من قَبيل الاِتِّصال على ما لا يخفى» (2)، ولذلك عُدَّ فيما هو من الأحاديث المشتَرَكة، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن حجر: النكت، ج2، ص585 وما بعدها.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 62. (1/264)
صفحة 285
المؤنَّن
والحديث المؤنَّن هو الذي يُقال في سنَده: «حدَّثنا فلان أَنَّ فلانًا قال كذا وكذا»، فاختُلف في ذلك، هل هو بمنزلة “عن” في الحمل على الاِتِّصال إذا ثبت التلاقي بينهما حَتَّى يَتَبَيَّنَ فيه الاِنقطاع؟. مثاله: «مالك عن الزهري أَنَّ سعيد بن المسيب قال: كذا»؛ فرُوِّينا عن مالك أَنَّهُ كان يرى “ عن فلان ” و “ أنَّ فلانا ” سواء. وعن أحمد بن حنبل أَنَّهُمَا ليسا سواءً.
وحكى ابن عبد البرِّ عن جمهور أهل العِلم أَنَّ «“عن” و“ أَنَّ ” سواءٌ، وَأَنَّهُ لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وَإِنَّمَا هو باللِّقاء والمجالسة، والسماع والمشاهَدة، يعني مع السلامة من التدليس. فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض بِأَيِّ لفظ ورَدَ محمولاً على الاِتِّصال حَتَّى يَتَبَيَّنَ [عِلَّة] الاِنقطاع فيه» (1).
وحكى ابن عبد البرِّ عن أبي بكر البَِردِيجي (ت: 303هـ): «أَنَّ حرف “ أنَّ ” محمول على الاِنقطاع حَتَّى يَتَبَيَّنَ السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى» (2)، وقال: «عندي لا معنى لهذا، لإجماعهم على أَنَّ
__________
(1) - ... ابن عبد البرِّ: التمهيد، ج1، ص26 بتصرُّف.
(2) - ... ابن عبد البرِّ: التمهيد، ج1، ص26 بتصرُّف. (1/265)
صفحة 286
الإسناد المتَّصل بالصحابيِّ سواء قال فيه: “ قال رسول الله ” أو “ أَنَّ رسول الله ? قال ”، أو “عن رسول الله أَنَّهُ قال”، أو “ سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ” سواء» (1).
وذكر عن البرديجي أبي بكر الحافظ في مسنَده الفحل، فَإِنَّهُ ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابي الحَنَفِيَّة عن عَمَّار قال: «أتيتُ النبيء ? وهو يُصَلِّي، فسلَّمت عليه فردَّ عليَّ السلام» وجعله مسنَدا موصولاً، وذكر رواية قيس بن سعد بذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحَنَفِيَّة «أَنَّ عَمَّارًا مَرَّ بالنبيء ? [وهو يُصَلِّي]»، فجعله مُرسَلا من حيث كونه قال: «إِنَّ عَمَّارا فعل» ولم يقل: «عن عَمَّار» (2).
لكن استدرك الحافظ العراقيُّ عن ابن الصلاح تفسيره لصنيع
يعقوب بن شيبة، فقال: «لم يجعله مُرسَلاً من حيث لفظ “ أَنَّ ”، وَإِنَّمَا جعله مرسلا من حيث إِنَّهُ أي مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة لم يُسنِد حكاية القِصَّة إلى عَمَّار، وَإِلاَّ فلو قال: أَنَّ عَمَّارًا قال مررت بالنبيء ? لَمَا جعله مُرسَلا، فَلَمَّا أتى به بلفظ “ أَنَّ عَمَّارا مَرَّ ” كان مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة هو الحاكي لقصَّة لم يُدركها، لأَنَّهُ لم يدرك مرور عَمَّار بالنبيء ?، فكان نقله لذلك مرسَلا» (3)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن عبد البرِّ: التمهيد، ج1، ص26 بتصرُّف.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 62 - 63 بتصرُّف.
(3) - ... السخاوي: شرح الألفية، ج1، ص196. والسيوطي: تدريب الراوي، ج1، ص217. (1/266)
صفحة 287
المعلَّق
والحديث المعلَّق كَأَنَّهُ مأخوذ من تعليق الجِدار، وتعليق الطلاق ونحوه، لِما يشترك الجميع فيه من قطع الاِتِّصال.
وفي اصطلاح المحدِّثين: ما حُذف من مبدإ سنَدِه واحدٌ فأكثر على التوالي. ويعزَى الحديث إلى مَن فوق المحذوف من رواته، وهو في البخاري كثير جدًّا. وَأَمَّا في صحيح مسلم فغاية ما فيه اِثنا عشر حديثا معلَّقًا.
ومثاله في البخاري: «قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدَّثنا عوف عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة كذا وكذا» ونحوه: «وقال: سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا».
وقد رَدَّ ابن حزم الظاهريُّ المعلَّق وإن كان في صحيح البخاريِّ، وقال: «هو من الضعيف»، لأَنَّ صورته صورة المنقطِع، وردَّ عليه بعض أهل الفنِّ لاِعتقادهم أنَّ ما في الصحيحين كُلَّه صحيح، لاِشتراط الشيخين أن لا يُخرجا في صحيحيهما إِلاَّ ما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
__________
(1) - ... وقد ساق ابن الصلاح هَذَا الحديث، وبيَّن ما زعمه ابن حزم من أَنَّ هَذَا الحديث وقع فيه نوع من الانقطاع فيما بين البخاريِّ وهاشم، وردَّ عَلَيْهِ زعمه هَذَا، وجعله من جملة الأحاديث الصحيحة المعروفة الاتِّصَال، وَلأَنَّهُ قد ذكره أَيضًا في موضع آخر من كِتَابه مسندا مُتَّصِلا. انظر: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 67 - 68. تعليق الدكتور نور الدين عتر عَلَيْهِ في نفس الصفحة الأخيرة. (1/267)
صفحة 288
وقال الدكتور صُبحي الصالح: «أهمُّ ما يعنينا في الثلاثيَّات التي صورها أَنَّ الحكم عليها بالضعف الخالص ليس من الدقَّة في شيء، فهي أي المعلَّقات قابلة لأن توصفَ بِالصِّحَّةِ والحسن والضعف، تبعا لحال رواتها» (1).
مثال المعلَّق من البخاريِّ: قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: «حدَّثنا عوف عن مُحَمَّد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكَّلني رسول الله ? بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثوا من الطعام فأخذته وقلتُ: لأرفعنَّك إلى رسول الله ?، قال: “إِنِّي مُحتاج وعليَّ عيال ولي حاجة شديدة”، قال: فخلَّيت عنه فأصبحت، فقال النبيء ?: “ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ ” قال: قلتُ يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخلَّيتُ سبيله، قال: “ أَمَا إِنَّهُ قد كذبك، وسيعود ” فعرفت أَنَّهُ سيعود لقول رَسُول اللهِ ?: “إِنَّهُ سيعود” فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت:
__________
(1) - ... د. صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه، ص225. (1/268)
صفحة 289
لأرفعنَّك إلى رسول الله ?، قال: دعني فَإِنِّي محتاج وعليَّ عيال لا أعود، فرحمته فخلَّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ?: “يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ ” قلتُ: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته، فخلَّيتُ سبيله. قال: “ أَمَا إِنَّهُ كذبك وسيعود ”، فرصَدتُه الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مَرَّات إِنَّكَ تزعم لا تعود ثُمَّ تعود، قال: دعني أعلِّمك كلمات ينفعك الله بها، فقلتُ ما هو؟ قال: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيِّ: {اللهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... } [البقرة 255]، فَإِنَّكَ لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنَّك شيطان حَتَّى تصبح»، إِلىَ أن قال: «وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبيء ?: “ أَمَا إِنَّهُ قد صَدَقَك وهو كذوب، تعلَمُ مَن تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ” قال: لا، قال: “ ذاك شيطان ” (1).
والمعلَّق في كتاب البخاري على نوعين: أحدهما ما يكون في موضع آخر من كتابه موصولاً، فهو يتصرَّف في إسناده باختصار، والآخَر ما لا يكون إِلاَّ معلَّقًا فهو يورِدُ بصيغة الجزم، ويُستفاد منه الصحَّة إلى من علَّق عنه. قال النوويُّ: فما كان منه بصيغة الجزم، كقال، وفعَل، وأمرَ، وروى، وذَكَرَ “ معروفًا ” فهو حكم بصحَّته من المضاف إليه. وعلى كلٍّ فعلى المدقِّق إذا رام الاِستدلال به أن ينظر في رجاله وسَنَده وتخريجه في المستَخرجات ليرى صلاحيَّته للحجَّة وعدمها» (2). والمحقِّقون من أهل الفنِّ يدرجون المعلَّقات في المنقطع، والله أعلم.
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الوكالة (10) باب: إذا وكَّل رجلا فترك الوكيل شَيْئًا فأجازه الموكِّل فهو جائز ... رقم2187، من حديث أبي هريرة.
(2) - ... د. صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه، ص 225 بتصرُّف. انظر أَيضًا النووي في الإرشاد، ص 88 - 89. (1/269)
صفحة 290
الفرد
الحديث الفرد في الاِصطلاح: هو الذي تفرَّد بروايته شخص واحد عن آخَر من أوَّله إلى منتهاه، وهو الفرد المطلَق الذي لم يقيَّد بقيد ما. وإذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لِمَا رواه من هو أولى منه بالحفظ والضبط، كان ما انفرد بِهِ شاذًّا مردودًا كما مَرَّ في الشاذِّ (1)، وإن لم يكن فيه مخالفا لِمَا رواه غيره وَإِنَّمَا هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فيُنظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلا حافِظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الاِنفراد فيه؛ كحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنَّ النبيء ? «نهى عن بيع الولاء وهِبته» (2)، فَإِنَّهُ انفرد به عبد الله بن دينار. وقال مسلم فيه: «إِنَّ الناس كلَّهم عيال على عبد الله بن دينار فيه» (3).
وكذلك حديث مالك عن الزهريِّ عن أنس «أَنَّ النبيء ? دخل مَكَّة وعلى رأسه المغفر» (4) أخرجه البخاري في الحجِّ، باب دخول الحرَم
__________
(1) - ... انظر صحيفة 218 من هَذَا الكِتَاب.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب العتق (10) باب بيع الولاء وهِبته، رقم 2535، من حديث ابن عمر.
(3) - ... القسطلاني: شرح صحيح البخاري، ج4، ص378.
(4) - ... رواه البخاري في كِتَاب جزاء الصيد (18) باب دخول الحرَم ومكَّة بغير إحرام، رقم 1846. والترمذي في كِتَاب الجهاد (18) باب ما جاء في المغفر، رقم 1693، من حديث أنس. (1/270)
صفحة 291
ومكَّة بغير إحرام، وقال الترمذيُّ: «هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرف أحدًا رواه غير مالك عن الزهريِّ» (1)، وأمثالها من الأحاديث الغريبة المخرَجَة في الصحيحين. وقد قال مسلم: «للزهريِّ نحو تسعين حرفا يرويه عن النبيء ? لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد». وإن لم يكن المنفرد مِمَّن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده [به خارما له] مُزحزِحًا له عن حيِّز الصحيح.
ثُمَّ هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط الحافظ المقبول تفرُّدُه استحسنَّا حديثه لذلك، ولم نحطَّه إلى قَبيل الحديث الضعيف. وإن كان بعيدًا من ذلك رددنا ما انفرد به واعتبرناه شاذًّا كما مَرَّ (2).
وقد تأتي بعض الأفراد مخرجَة في غير الكتاب من الكتب الصحاح غيره فهي إذًا خارجة عن الاِنفراد بذلك. وهذا الذي مَرَّ هو الفرد المطلَق الذي لم يُقيَّد بقيد ما، فهو مخالف للشاذِّ الذي يشترط فيه التفرُّد والمخالفة. وَأَمَّا الفرد المطلَق فلا يلاحظ فيه إِلاَّ مطلق التفرُّد، وبذلك جاء تعريفهم بِأَنَّهُ: «الحديث الذي تفرَّد به راوٍ واحدٌ وإن تعدَّدت طرقه إليه» (3)، ويُحكم له بالصِّحَّة أو الحسن أو الضعف تبَعًا لحال رواته كما مَرَّ.
__________
(1) - ... الترمذي: الجامع الصحيح، ج4، ص202.
(2) - ... لمزيد من التوسُّع راجع: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 78 وما بعدها. السيوطي: التدريب، ج1، ص234.
(3) - ... السيوطي: الألفية، ص 39. وانظر أَيضًا التعليق حول البيت. (1/271)
صفحة 292
وَأَمَّا الثاني: وهو الفرد النسبيُّ (1) وهو الذي ينفرد بروايته أهل بلد أو أهل إقليم عن الصحابيِّ، ويُسمُّونه التفرُّد الإقليميُّ، كحديث ابن بُرَيْدَةَ: ما كنت لأجلس للقضاء بعد حديث سمعته عن أبي بُرِيدَةَ يقول: سمعت ? يقول: «القُضاة ثلاثة؛ فاثنان في النار، وواحد في الجَنَّة، فَأَمَّا الاِثنان فقاض قضى بغير الحقِّ وهو يعلم فهو في النار، وقاض قضى بغير الحقِّ وهو لا يعلم فهو في النار، وَأَمَّا الواحد الذي هو في الجَنَّة فقاض قضى بِالحَقِّ فهو في الجَنَّة» (2). قال الحاكم: هذا حديث تفرَّد به الخراسانيُّون، فإنَّ رواته عن آخرهم مَراوِزة (3).
[الثالث]: ومنه تفرُّد شخص من أهل بلد عن أهل بلد آخر، كحديث خالد بن نزار الأيلي، قال: أخبرني نافع بن عمر الجمحي عن بشر بن عاصم عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيء ? أَنَّهُ قال: «أبغض الرجال إلى الله البليغ الذي يتخلَّل بلسانه تخلُّل الباقرة بلسانها» (4). قال الحاكم هذا الحديث من أفراد المصريِّين عن المكِّيِّين،
__________
(1) - ... أو الغريب كما يُسَمَّى في الاصطلاح.
(2) - ... رواه الترمذي في كِتَاب الأحكام (1) باب ما جاء عن رَسُول اللهِ (ص) في القاضي، رقم 1322. ورواه أبو داود في كِتَاب الأقضية (3) باب في القاضي يخطئ، رقم 3573. وابن ماجه في كِتَاب الأحكام (3) باب الحاكم يجتهد فيصيب الحقَّ، رقم 2315، من حديث ابن بريدة عن أبيه.
(3) - ... النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ص 99. والمَرَاوِزَة: أبناء مرو.
(4) - ... أخرجه الحاكم في كِتَاب معرفة علوم الحديث، ص 102. السيوطي في جمع الجوامع، ص153. (1/272)
صفحة 293
فإنَّ خالد بن نزار عداده في المصريِّين ونافع بن عمر مكِّيٌّ (1).
فَكُلُّ هذه الأنواع نلاحظ فيها تفرُّدَ شخصٍ واحدٍ بها، وكان التفرُّد مقيَّدًا في كُلِّ نوع منها بموضع من السنَد وقع فيه لم يكن في أصل السنَد، بل في أثنائه، والله أعلم.
وهناك نوع من التفرُّد ومن الغريب النسبيِّ، وهو مقيَّد بالنسبة إلى شيء معيَّن: إِمَّا لغموض معناه في المتن، أو لأَنَّهُ ورَدَ فيه حديثان متناقضان، أو ما يشكل المقصود منه، وقد تَقَدَّمَ بيان ذلك في المعنعن (2)، والله أعلم.
__________
(1) - ... الحاكم: معرفة علوم الحديث، ص102.
(2) - ... انظر صحيفة 261 من هَذَا الكِتَاب. (1/273)
صفحة 294
العزيز
والعزيز عند أهل الفنِّ: هو الحديث يرويه اِثنان عن اثنين أو ثلاثة عنهم إلى الشيخ.
ومعناه لغة: الشيء القويُّ، إن قلنا إِنَّهُ عَزَّ يَعَزُّ: إذا قوي. سُمِّي الحديث بذلك لقوَّته بمجيئه من طريق أخرى. وهو لغة: الشيء القليل الوجود إن قلنا: إِنَّهُ من عَزَّ يَعِزُّ إذا قلَّ وُجوده؛ سُمِّي الحديث بذلك لقلَّة وُجوده.
واصطِلاحًا: ما رواه اِثنان أو ثلاثة فقط كما تَقَدَّمَ، ولو في طبقة واحدة من طبقاته. ومفهوم هذا الضابط أَنَّ ما رواه الثلاثة لا يُسمَّى مشهورًا بل عزيزا، وعليه البيقونيُّ (1).
والراجح المعوَّل عليه عندهم ما رواه الحافظ ابن حجر في “ النخبة ”: «أَنَّ العزيز: ما رواه اِثنان فقط، والمشهور: ما رواه ثلاثة فأكثر، والغريب: ما رواه واحد» (2)؛ مثاله ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك أَنَّ
__________
(1) - ... إذ يقول في منظومته:
عزيز مرويُّ اثنين أو ثلاثة ... ..........................
وانظر شرحه في الباكورة الجنيَّة للأثيوبي، ص 44 وما بعدها. وتيسير مصطلح الحديث للأستاذ حمادو، ج1، ص78.
(2) - ... ابن حجر: نخبة الفكر، ص44 وما بعدها. (1/274)
صفحة 295
رسول الله ? قال: «لا يؤمن أحدكم حَتَّى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (1)، رواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صُهَيب بالتصغير ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن عُليَّة وعبد الوارث، ورواه عن كلٍّ منهما جماعة (2).
وعليه فالعزيز: ما رواه عن الشيخ اِثنان؛ وإن روته ثلاثةٌ سُمِّي مشهورًا، وإن روته جماعة في ابتدائه وانتهائه على السواء سُمِّي مُستَفيضًا، وفيه ضرب من التواتر المعنويِّ لانتشاره بين الناس بعد أن لوحظ في روايته التعدُّد فاستفاض، وكُتبت له الشهرة بتناقله على ألسنة الجماعة، وكلُّها من الأحاديث لا من التواتر، لأَنَّ المتواتر من أبحاثه أن ترويه جماعة عن جماعة يستحيل منها التواطؤ على الكذب مع بَقِيَّة شروطه. وقد مَرَّ تعريف كلٍّ من العزيز والمستفيض والمشهور والمتواتر. وكلُّ هاته الأقسام غير المتواترة يكون فيها الصحيح والحسن والضعيف والله أعلم.
وَمِمَّا يجدر ذكره هُنا أَنَّ كثيرًا من الأحاديث شهرت واستفاضت ولا وُجود لها في الصحاح ولا في الحسان، وفيها الذي لا أصل له أبدًا،
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الإيمان (8) باب حبِّ الرَّسُول (ص) من الإيمان، رقم 15. ورواه مسلم في كِتَاب الإيمان (16) باب وجوب محبَّة رَسُول الله (ص) ... رقم 70 ( ... ) من حديث أنس.
(2) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 10 وما بعدها. وقد نقلها أَيضًا السيوطي في التدريب، ج1، ص191. د. صبحي الصالح: مباحث في علوم الحديث، ص 235. (1/275)
صفحة 296
كحديث: «يومُ صومِكم يوم نحركم» (1). وأمثال ذلك. إذًا فالعبرة في تصحيح الحديث أو تضعيفه تفتيش سَنَده ومتنه والحُكم عليه بعدُ بِما يَتَبَيَّنُ فيه، والله أعلم.
__________
(1) - ... أورده العلجوني في كِتَابه: كشف الخفاء ج2، ص 211. والزركشي في اللآلئ المنثورة، ص15 - 18، وقال فيه: «هذا حديث الكذَّابين». (1/276)
صفحة 297
العالي والنازل
أَوَّلاً: العالي:
العالي لغةً: الشيء المرنفع على غيره. واصطلاحًا: هو الذي قلَّت رجال إسناده، أي عدد رجاله بالنسبة إلى غيره.
وأقسام العلوِّ خمسة:
الأَوَّل: العلوُّ المطلق: وهو القرب من رسول الله ? بعدد قليل بالنسبة إلى سَنَد آخر يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعدد كثير، أو بالنسبة لمطلق الأسانيد.
الثاني: القرب من الإمام: كأَئِمَّة الحديث بصفة عالية كالحِفظ والضبط، كمالك والشافعيِّ وأبي عُبيدة وضمَّام.
الثالث: القُرب من رواية الشيخين وأصحاب الصحاح: وفي هذا القسم تقع الموافقات والإبدال والمساواة والمصافحة.
فالموافقة هي: الوصول إلى شيخ أحد المُصَنِّفين من غير طريقه؛ مثاله أن يروي البخاريُّ عن قتيبة عن مالك حديثًا فيرويه هو بإسناد آخر عن قتيبة بعدد أقلَّ مِمَّا لو رويته عن البخاري عنه أعني عن مالك.
والإبدال: هو الوصول إلى شيخ شيخه من غير طريقه أيضًا؛ ومثاله أن (1/277)
صفحة 298
يقع لك الإسناد السابق بعينه من طريق آخر إلى القعنبي عن مالك، فيكون القعنبيُّ بدلاً من قتيبة.
والمساواة: هي اِستواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المُصَنِّفين؛ ومثاله أن يروي النسائيُّ مثلا حديثًا يقع بينه وبين النبيء ? فيه أحد عشر نفسا، فيقع لنا ذَلِكَ الحديث بعينه بإسناد آخر إِلىَ النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - بيننا وبين النبيء - صلى الله عليه وسلم - أحد عشر شخصًا، مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاصَّ. وقال ابن الصلاح: «أَمَّا المساواة فهي في أعصارنا أنْ يقلَّ العددُ في إسنادك لا إلى شيخ مسلمٍ وأمثاله، ولا إلى شيخه، بل إلى مَن هو أبعدُ من ذلك، كالصحابيِّ أو مَن قاربه، وَرُبَّمَا كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بحيث يقع بينك وبين الصحابيِّ مثلاً من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين ذلك الصحابيِّ، فتكون مساويا لمسلم مثلا في قُرب الإسناد وعدد رجاله» (1).
والمصافحة: هو الاِستواء مع تلميذ ذلك المُصَنِّف، وسُمِّي بالمصافحة لأَنَّ العادة في الغالب مصافحة بين من تلاقَيا، وقد بيَّنَّا قبلُ أَنَّ العلوَّ مطلوب فيه قُرب الراوي إلى الرسول أو الصحابيِّ مع قِلَّة الوسائط.
الرابع: العلوُّ بتقدُّم وفاة الراوي عن شيخ على وفاة راوٍ آخر عن ذلك الشيخ، سواء كان سماعه مع تأخُّر الوفاة في آن واحد أو قبله.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 259. (1/278)
صفحة 299
الخامس: العلوُّ بتقدُّم السماع من الشيخ، فمن تَقَدَّمَ سماعه من شيخ أعلا مِمَّن سمع من ذلك الشيخ نفسه بعده.
ثانيا: النازل:
وَأَمَّا النازل لغة: الشيء السافل الذي تحت غيره. واصطلاحًا هو: الحديث الذي كثُر رجال إسناده بالنسبة إلى غيره. وأقسامه خمسة:
- الأَوَّل: النزول المطلق: وهو البُعد من رسول الله ? بعدد كثير من الأشخاص بالنسبة إلى سنَد آخر يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعدد قليل.
- الثاني: البُعد من إمام من أَئِمَّة الحديث ذي صفة عالية كالحِفظ والضبط، مثل مالك والشافعيِّ وأبي عبيدة وضمَّام.
- الثالث: البُعد بالنسبة لرواية الربيع والشيخين وأصحاب السنن.
- الرابع: النزول بتأخُّر وفاة الراوي عن شيخ عن وفاة راوٍ آخر عن ذلك الشيخ.
- الخامس: النزول بتأخُّر السماع من الشيخ، فمن تأخَّر سماعه من الشيخ أَنزَلُ مِمَّن سمع من ذلك الشيخ نفسه قبله.
وقد سبق أن قلنا إِنَّ قِلَّة الوسائط مرغَّب فيه لقرب البحث عن رجال السند من النازل لكثرة الوسائط، مِمَّا ينشأ عن ذلك من عدم الضبط وقلَّة الصدق، لكن رُبَّ نازل أصحُّ من عال بحسب قوانين التحديث، والله أعلم. (1/279)
صفحة 300
المسلسل
المسلسل لغة: الشيء المُتَّصِل بعضه ببعض، مأخوذ من التسلسل، وهو اتِّصال الشَّيْء بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديد لتسلسل حلقاتها.
واصطلاحًا قِسمان: مسلسل في وصف الرواة، ومسلسل في وصف التحمُّل والأداء.
فالقسم الأَوَّل هو: الحديث الذي اتَّفَقَت رواته في وصف من الأوصاف قَولِيًّا كَانَ فقط أو فِعلِيًّا أو هما معًا.
والقسم الثاني هو: الحديث الذي اتَّفَقَت رواته في وصف الأداء وكيفيَّته ولفظه، وعرَّفه البيقونيُّ بقوله:
مسلسل قل ما على وصف أتى مثل أَمَا والله أنبأني الفتى
كذاك قد حدَّثني قائما وبعد أن حدَّثني تبسَّمًا
وعرَّفه ابن حجر العسقلانيُّ في “ النخبة ” وشرحها بقوله: «وإن اتَّفَقَ الرواة في إسناد من الأسانيد في صيغ الأداء، كسمعت فلانا قال: سمعت فلانا، أو حدَّثني فلان، قال: حدَّثنا فلان وغير ذلك من الصيغ أو غيرها من الحالات القَولِيَّة، كسمعت فلانًا يقول: أشهد بالله لقد حدَّثني فلان» (1) الخ ...
__________
(1) - ... ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 76. (1/280)
صفحة 301
ومثاله من القسم الأَوَّل إذا كان قوليا فقط، مثل مسلسل معاذ بقوله ? لمعاذ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يا معاذ إِنِّي أحبُّك». وقوله ?: «وأنا أحبُّك»، فقال: قُل في دبر كُلِّ صلاة «اللَّهُمَّ أعنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك» فَإِنَّهُ مسلسل بقوله كُلٌّ من رواته لمن يرويه عنه «وأنا أحبُّك» (1) الخ ...
ومثاله من القسم الأَوَّل إذا كان فِعلِيًّا فقط حديث أبي هريرة قال: شبَّك أبو القاسم ? يديَّ وقال: «خلق الله الأرض يوم السبت ... » (2) الحديث، فَإِنَّهُ مسلسل بتشبيك كلٍّ من رواته يده بيد من رواه عنه.
ومثاله من القسم الأَوَّل إذا كان قَولِيًّا وفِعلِيًّا معًا: حديث أنس: «لا يجد العبد حلاوة الإيمان حَتَّى يؤمن بالقدر خيره وشرِّه، حلوه ومرِّه»،
__________
(1) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الصلاة، باب في الاستغفار، 1522، من حديث معاذ بن جبل، ورواه الهنديُّ في الكنز، ج2، ص685، رقم 5073، من حديث أبي هريرة، وقال: «رواه ابن شاهين، وَهُوَ حسن». وأخرجه أبو نعيم في الحلية، ج1، ص241 مسلسلا. والحاكم في مستدركه، كِتَاب الصلاة، رقم 1010 (337) وقال: «هَذَا حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين».
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب صفات المنافقين وأحكامهم (1) باب ابتداء الخلق وخلق آدم عَلَيهِ السَّلاَمُ، رقم 27 (2789). ورواه التبريزي في كِتَاب صفة القيامة، الفصل الثالث، رقم 5734 (37) من حديث أبي هريرة. وأخرجه الحاكم في كِتَاب معرفة علوم الحديث، ص32. والعراقي في فتح المغيث، ج4، ص12. (1/281)
صفحة 302
قال أنس: وقبض رسول الله ? على لحيته وقال: «آمنت بالقدر» (1) ... الخ، فَإِنَّهُ مسلسل بقبض كلٍّ من روائه على لحيته وبقولهم: «آمنت بالقدر خيره وشرِّه، حلوه ومرِّه».
ومثال القسم الثاني، أعني المسلسل في كَيفِيَّة الأداء، فالمسلسل في كَيفِيَّة الأداء كقول كلٍّ من رواته: سمعت أو حدَّثنا أو أخبرنا أو نبَّأنا إلى غير ذلك. والمسلسل فيما يَتَعلَّقُ بزمن الرواية، كحديث ابن عَبَّاس قال: شهدت مع رسول الله ? يوم عيد الفطر أو أضحى، فَلَمَّا فرغ من الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أَيُّهَا الناس قد أصبتم خيرا، فمن أحبَّ أن ينصرف فلينصرف، ومن أحبَّ أن يقيم حَتَّى يسمع الخطية فليُقِم» (2)، فقد تسلسل بروايته كلٍّ من الرواة في يوم عيد قائلا: حدَّثني فلان في يوم عيد. قال الحافظ السيوطي: «غريب بهذا السياق وفي إسناده مقال».
__________
(1) - ... رواه البيهقيُّ (الكبرى) في كِتَاب الشهادات (50) باب ما تردُّ به شهادة أَهل الأهواء، رقم 20878، من حديث عليٍّ بلفظ: «طُعم» بدل: «حلاوة». وانظر أَيضًا: كِتَاب معرفة علوم الحديث، ص32. وفتح المغيث، ج4، ص38 للسخاوي.
(2) - ... راجع الكتب المصنَّفة في الحديث المسلسل، أمثال كِتَاب المسلسلات الكبرى للسيوطي، وهي خمسة وثمانون حديثا. والحافظ السخاوي الذي جمع فيه مائة حديث، وَكِتَاب العلاَّمة المحدِّث محَمَّد عبد الباقي الأيُّوبي “المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة” (مطبوع)، فيه 212 حديثا، وَهُوَ أوسع ما وقفنا عَلَيْهِ في هَذَا الفنِّ. وانظر أَيضًا: معرفة علوم الحديث ص32. وعلوم الحديث، ص276. وفتح المغيث للعراقي، ج4، ص38. والسيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص187 وما بعدها. (1/282)
صفحة 303
أو بمكانها كالمسلسل بإجابة الدعاء عند الملتزم. قال ابن عَبَّاس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله ? يقول: «الملتزم موضع يُستجاب فيه الدعاء وما دعا اللهَ فيه عبدٌ دعوة إِلاَّ استجاب له» (1). قال ابن عَبَّاس فوالله ما دعوت الله عَزَّ وَجَلَّ فيه قطُّ منذ سمعت هذا الحديث إِلاَّ استجاب لي، فقد تسلسل الحديث بقول كلٍّ من رواته وأنا ما دعوت الله فيه بشيء منذ سمعته إِلاَّ استجاب لي، فقد تسلسل الحديث بقول كلٍّ من رواته: «وأنا ما دعوت اللهَ فيه بشيء إِلاَّ استجاب لي».
أو بتاريخها كَكون الراوي آخِر مَن يروي عن شيخه.
ومن المسلسلات التي حَكم النقَّاد ببطلانها متنا وتسلسلاً الحديث المسلسل بالقَسم، وهو أَنَّ النبيء ? قال: «بالله العظيم لقد حدَّثني جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ، وقال بالله العظيم لقد حدَّثني ميكائيل عَلَيهِ السَّلاَمُ إلى أن انتهى إلى رَبِّ العِزَّة تبارك وتعالى» (2) ... الحديث. قال السخاويُّ: «هذا الحديث باطل متنًا وسنَدًا» (3).
وقد يتسلسل الحديث من أَوَّله إلى آخره، وقد ينقطع بعض التسلسل من أَوَّله أو آخره، ولهذا قال الحافظ العراقيُّ: «قلَّما تسلم المسلسلات من
__________
(1) - ... انظر التعليق السابق.
(2) - ... انظر التعليق السابق.
(3) - ... السخاوي: فتح المغيث، ج4، ص38 - 41. (1/283)
صفحة 304
ضعف، يعني: في وصف التسلسل لا في أصل المتن» (1)، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (2): «مِن أصحِّ مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصفِّ»، وهو أَنَّ الصحابة سألوا رَسُول اللهِ ? عن أحبِّ الأعمال إِلىَ الله عَزَّ وَجَلَّ ليعملوها وَهُوَ ما رواه عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ?، فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أيَّ الأعمال أقرب إلى الله لفعلناه، فأنزل الله سبحانه: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف 1]، قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله، قال أبو سلمة: فقرأها علينا عبد الله بن سلام، قال: فقرأها علينا أبو سلمة» ... الخ، هكذا فتسلسل الحديث بقراءة كلٍّ من رواته: «لو نعلم» ... الخ.
ومن المسلسلات حديث قراءة: {لَوَ اَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ ... } الخ سورة الحشر، فَإِنَّهُ مسلسل برواية كُلِّ واحد بقوله: «قرأت على فلان هذه الآيات فقال لي: ضع يدكَ على رأسك، فَإِنِّي قرأت على فلان فقال: ضع يدك على رأسك إلى رسول الله ?.
والمسلسلات القَولِيَّة والفِعلِيَّة والمقترنة بالحوادث والزمان كثيرة، فيها الصحيح والضعيف والموضوع كما سبق، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 276. السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص189.
(2) - ... السيوطي: التدريب، ج2، ص189. (1/284)
صفحة 305
وقد اشترطوا في صِحَّة المسلسلات عدم التدليس. ومن المسلسلات مسلسل الشيوخ، كأن يأتي ابن حجر العسقلاني لشرح البخاري فيأتي بسلسلة شيوخه الذين روى عنهم واحدًا تِلو الآخر، أفرادًا أو جماعاتٍ، من شيخه الأدنى إلى البخاريِّ، ذاكِرًا كَيفِيَّة الأخذ حَتَّى يصل إلى البخاريِّ. وتُسمَّى هاته سلسلة الاتِّصَال. وهناك أنواع من المسلسلات، ونكتفي بما ذكرنا، والله أعلم. (1/285)
صفحة 306
رواية الأقران
رواية الأقران نوعان: مُدَبَّج، وهو ما اقتصر عليه البيقونيُّ (1)، وغير مُدبَّج. فغير المدبَّج: أن يشارك الراوي مَن روى عنه في أمر واحد فأكثر من الأمور المتعلِّقة بالرواية، كالسنِّ فَإِنَّهُ كاف في غير المدبَّج وحده لا في المدبَّج، فيكفي في غير المدبَّج رواية أحد الفريقين عن الآخر؛ فالمدبَّج أخصُّ من رواية الأقران، إذ كلُّ مدبَّج رواية الأقران، ولا عكس؛ فمثال غير المدبَّج كرواية زائدة بن قدامة عن زهير بن معاوية فَإِنَّهُ لا يعلم زهير رواية عنه. ومثال المدبَّج كرواية كلٍّ من عائشة وأبي هريرة عن الآخر كما سيأتي.
والمدبَّج لغة: ما زيِّن من الثياب بالديباج أي الحرير.
واصطلاحا: الحديث الذي روى كلٌّ من القرينين المتساويين في السنِّ غالبا، وفي الأخذ عن الشيوخ عن الآخر سواء كانا من الصحابة، كرواية كلٍّ من عائشة وأبي هريرة عن الآخر، أو من التابعين كرواية كلٍّ من الزهريِّ وعمر بن عبد العزيز عن الآخر أو من غيرهما، كرواية كلٍّ من مالك والليث عن الآخر.
__________
(1) - ... في قصيدته فيقول:
وما روى كل قرين عن أخه ... مدبَّج فاعرفه حقا وانتخه
واجع شرح هذا البيت في كل من: الباكورة الجنية للأثيوبي، ص95. وتيسير مصطلح الحديث لنذير حمادو، ج2/ص24. (1/286)
صفحة 307
وَأَمَّا غير المدبَّج وهو أن يروي أحد القرينين عن الآخر ولا يروي الآخر عنه فيما نعلم، مثاله رواية زائدة بن قدامة عن زهير بن معاوية فَإِنَّهُ لا يعلم لزهير رواية عنه، ورواية سليمان التيمي عن مسعر وهما قرينان، ولا نعلم لمسعر رواية عن التيمي، ولذلك أمثال كثيرة، والله أعلم. (1/287)
صفحة 308
المتَّفِق والمؤتلِف والمختلِف أو المفترِق
أَوَّلاً: المُتَّفِق:
المتَّفق لغة: هو الشيء الذي اتَّفَقَ في أمر من الأمور.
والمفترق لغة: مِن اِفترق مع غيره في أمر، ويُقال: قوم متَّفق مفترق، أي متَّفِق دينهم مفترق آراؤهم.
واصطلاحًا: هو الحديث الذي اتَّفَقَت في سَنَده أسماء الرواة لفظًا وخطًّا، وافترقت مسمَّياتهم وأشخاصهم، والمراد أَنَّهُم مُتَّفِقون باعتبار الأسماء، مفترقون باعتبار المسمَّيات، أو قلَّ ما فيه الاِتِّفَاق في صورة الخطِّ مع الاِفتراق باللفظ، وهذا ما يُسَمَّى في أصول الفقه المشترك. وينقسم إلى أقسام ثمانية مذكورة في المطوَّلات.
- الأَوَّل: المفترق مِمَّن اتَّفَقَت أسماؤهم وأسماء آبائهم، مثاله: الخليل بن أَحمَد سِتَّة:
1) النحويُّ البصريُّ الأزديُّ، صاحب “العروض” و“كتاب العين” وغيرهما، حدَّث عن عاصم الأحول وغيره، قال أبو العَبَّاس المبرِّد: فتَّش المفتِّشون فما وجدوا بعد نبيئنا محَمَّد ? مَن اِسمه أحمد قبل أبي الخليل بن أحمد، وهو أشهر من نار على عَلم. وترجم له القطب اطفيَّش رحمهما الله في كتابه “تلقين التالي لآيات المتعالي” في التجويد ترجمة (1/288)
صفحة 309
مستفيضة (1).
2) أبو بشر المزني: بصريٌّ أيضًا، حدَّث عن المستنير بن أخضر عن معاوية بن قرَّة، روى عنه العَبَّاس العنبري وجماعة.
3) أصبهانيٌّ، روى عن روح بن عبادة وغيره، لكن قال العراقيُّ في النكت: «لم أر في الأصبهانيِّين من يُسَمَّى بالخليل بن أحمد فيجعل مكان هذا الخليل بن أحمد البصري» (2).
4) أبو سعيد السجزي القاضي الفقيه الحنفيُّ المشهور بخراسان، حدَّث عن ابن خزيمة وابن صاعد والبغويِّ وغيرهم من الحُفَّاظ.
5) أبو سعيد البستي القاضي المهلَّبي، فاضل، روى عن الخليل السجزيِّ المذكور، وحدَّث عن أحمد بن المظفَّر البكريِّ عن أبي خثيمة بتاريخه وعن غيرهما، حدَّث عنه البيهقيُّ الحافظ.
6) أبو سعيد البستي أيضًا الشافعيُّ، لكن في “النكت” يقول العراقيُّ: «أخشى أن يكون هذان واحدًا» (3)، وهم في ذلك ابن الصلاح قال: «فاضل متصرِّف في علوم، دخل الأندلس، وحدَّث، وُلد سنة 360.
روى عن أبي حامد الأسفرائيني وغيره. حدَّث عنه أبو العَبَّاس
__________
(1) - ... القطب اطفيَّش: تلقين التالي لآيات المتعالي، ورقة 418 (مخطوط).
(2) - ... العراقي: النكت، ص 357. وانظر أَيضًا: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 359.
(3) - ... العراقي: النكت، ص 358. (1/289)
صفحة 310
العذريُّ وغيره» (1).
- الثاني: المتَّفقون في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم: كأحمد بن جعفر بن حمدان أربعةٌ، كلُّهم في عصر واحد:
1) القطيعي (2) البغداديُّ أبو بكر الراوي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل.
2) السقطي البصري أبو بكر، يروي أيضًا عن عبد الله بن أحمد وَلَكِنَّهُ عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي.
3) دَينوري روى عن عبد الله بن محَمَّد بن سنان عن محَمَّد بن كثير صاحب سفيان الثوريِّ.
4) طَرَسُوسي روى عن عبد الله بن جابر الطرسوسي تاريخ محَمَّد بن عيسى الطباع.
- الثالث: ما اتَّفَقَ من ذلك في الكنية والنسبة معًا: مثاله أبو عمران الكوفي اِثنان:
أحدهما التابعي عبد الملك بن حبيب.
والثاني موسى بن سهل البصري، سكن بغداد، روى عن هشام بن عَمَّار وغيره، روى عنه دَعلَج بن أحمد وغيره إلى آخر ما ذكره ابن
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 359.
(2) - ... نسبة لقطيعة كشريعة، محالٌّ ببغداد. (1/290)
صفحة 311
الصلاح (1) وغيره.
ومثاله: حمَّاد لا ندري أهو ابن زيد أو ابن سلمة.
وكذلك عبد الله إذا أطلق لا يُدرَى من هو. قال سلمة بن سفيان: إذا أطلق عن عبد الله بِمَكَّةَ في السند فهو ابن الزبير، وإذا قيل في المدينة فهو ابن عمرو، إذا قيل في الكوفة فابن مسعود، وبالبصرة فابن عَبَّاس أو بخراسان فابن المبارك، أو بالشام فابن عمرو بن العاص. وفائدة ذلك الاِحتراز عن أن يُظنَّ الشخصان شخصًا واحدًا، وعن أن يظنَّ الثقة ضعيفا والضعيف ثِقة (2)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 360.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 362 وما بعدها. (1/291)
صفحة 312
المؤتلِف والمختلف في الأسماء والكُنى وما يلتحق بذلك
أَوَّلاً: المؤتلف والمختلف:
وهو ما يأتلف أي تتَّفق في الخطِّ صورته، وتختلف في اللفظ صيغته. والمختلف لغة: الذي اختلف عن غيره في بعض الأشياء أو كُلِّها. والمؤتلف: هو الشيء الذي ائتَلَف وَاتَّفَقَ في بعض الأمور واختلف في غيرها.
واصطلاحًا: الحديث الذي ائتلفت وَاتَّفَقَت أسماء رواته خطًّا وكتابة، واختلفت لفظًا وقراءة، لاختلاف حروفها أو حركاتها. وهذا الاِختلاف الواقع في هذا النوع غير الاِختلاف الواقع بين الأحاديث، لأَنَّ ذلك بمعنى المعارضة في الحكم، كما في حديث: «لا عدوى ولا طيرة» (1) مع حديث «فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» (2) الذي مَرَّ في غريب الحديث.
مثال المختلف والمؤتلف كثير ومنتشر، لا ضابط في أكثره يُفزع إليه، وَإِنَّمَا يُضبط بالحفظ تفصيلاً. وقد صُنِّفت فيه كتب مفيدة. وفي هذا العصر قد اعتنى بها طالب عبد الرحمن في كتاب “السُّنَّة عبر العصور”، وهو الفصل والأخير في ضبط أسماء بعض رواة الحديث، وباختصار
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه.
(2) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. (1/292)
صفحة 313
سنمثِّل لبعضها في قسمين:
القسم الأَوَّل: سلاَّم، وسلام جميع ما يَرِد عليك، فهو بتشديد اللام إِلاَّ خمسة، وهم: سلام والِد عبد الله بن سلام الصحابيِّ الإسرائيليِّ، وسلام والد محمَّد بن سلام البيكندي شيخ البخاري، وسلام بن ماكولا، وسلام بن أبي الحقيق الوارد في السير، وهو يهوديٌّ، وسلام بن محمَّد بن ناهض المقدسي، روى عنه أبو طالب الحافظ والطبرانيُّ.
2) عَمارة وعِمارة، ليس لنا عِمارة بكسر العين إِلاَّ أُبي بن عِمارة من الصحابة ومَن عداه عُمارة. وقد اعترض على هذا في “النكت” (1)، فَإِنَّ فيه اِسم جماعة من الرواة بفتح العين وتشديد الميم.
3) كرِيز وكُريز، فقد حكى أبو علي القساني في كتاب “ تقييد المهمَل” عن محَمَّد بن وضَّاح أن كَرِيزًا بفتح الكاف في خُزاعة، وكُريزًا بِضَمِّها في عبد شمس بن عبد مناف. قال ابن الصلاح: «وكُريز بِضَمِّها موجود أيضا في غيرهما» (2).
4) حزام بالزاي في قريش وحرام بالراء المهملَة في الأنصار.
5) أبو عبيدة كلُّه بالضمِّ. قال الدارقطنيُّ: (لا نعلم أحدًا يُكنَّى أبا عَبيدة بالفتح» (3).
__________
(1) - ... العراقي: النكت، ص 334. ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 345.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 346.
(3) - ... انظر: ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 344. العراقي: النكت، ص333. السيوطي: تدريب الراوي، ج2، ص297. النووي: إرشاد طلاَّب الحقائق، ص219. ابن حجر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ص 82. وعلي القاري: شرح شرح نخبة الفكر، ص699 وغيرها. (1/293)
صفحة 314
6) السفْر بإسكان الفاء والسفَر بفتحها، وجدت الكُنى من ذلك بالفتح والباقي بالإسكان.
7) عِسل بكسر العين المهمَلَة وإسكان المهمَلَة، وعَسَلٌ بفتحها كلاهما من قبيل.
8) غَنام بالغين المعجمة والنون المشدَّدة وعَثَّام بالمهملَة والثاء المثلَّثة المشدَّدة، وكلُّهم من خُزاعة، ولا نعرف من عبد شمس غير عثام بن علي العامري الكوفي والدُ علي بن عثام الزاهد.
9) قُمَير وقَمِير، الجميع بِضَمِّ القاف إِلاَّ امرأة مسروق بن الأجدع قَمِير بنت عمر بفتح القاف وكسر الميم.
10) مِسوَر ومُسوَّر بِضَمِّ الميم وتشديد الواو وفتحها فهو مِسْور بن يزيد المالكي الكاهلي، له صحبة، ومُسَوَّر بن عبد الملك اليربوعي، روى عنه معن بن عيسى، ذكره البخاري ومن سواهما فيما نعلم بكسر الميم وإسكان السين.
11) الحمَّال والجمَّال، لا يعرف في رواة الحديث إِلاَّ هارون بن عبد الله الحمَّال والِد موسى بن هارون الحمَّال والحافظ، ومَن عداه فالجمَّال. هذا هو القسم الأَوَّل، وعِدَّة من ذُكر منهم أحد عشر. (1/294)
صفحة 315
وَأَمَّا القسم الثاني فهو ما ضُبط في الصحيحين أو فيهما مع الموطَّأ وضبطها يغني عن ذِكرها. ومَن أراد الاِستقصاء فعليه بالمطوَّلات (1). وفائدة ذلك الاِحتراز من أن يُظنَّ الشخصان شخصًا واحدًا، كما سبق نظيره في الباب السابق، أو أن يُظنَّ الثقة ضعيفًا والعكس، والله أعلم.
__________
(1) - ... انظر التعليق السابق. (1/295)
صفحة 316
المستخرَجات
المستخرَجات أُورِدُها في خمسة مقاصد:
الأَوَّل: ما هو التخريج لغة واصطلاحًا؟
الثاني: مُستَخرجات الكتب الصحاح وما فائدتها؟
الثالث: تخريجات غيرها من الكتب وما الداعي لذلك؟
الرابع: اِختلاف المخرِّجين في الحكم على الحديث صِحَّةً وضعفًا، وما سبب ذلك؟
الخامس: نماذج من تخاريج إمامين كبيرين في هذا العِلم، وهما: الحافظ الزيلعي، والحافظ العسقلاني.
المقصد الأَوَّل: في تعريف التخريج لغة واصطلاحًا
1) التخر يج لغةً:
فالتخريج لغة: اِجتماع أمرين متضادَّين في شيء واحد. ففي القاموس: «عام فيه تخريج أي خِصْبٌ وجَدْبٌ، وأرض مُخَرَّجَة (كَمُنَقَّشَة) نَبْتُها في مكان دون مكان، وخَرَّجَ اللوحَ تخريجًا كتب بعضًا (1/296)
صفحة 317
وترك بعضًا، والخَرَجُ: لونان من بياض وسواد» (1)، ويُطلَق أيضًا على عِدَّة معان؛ أشهرها:
- الاِستنباط، قال في القاموس: «والاِستخراج والاِختراع: الاِستنباط» (2).
- والتدريب، قال في القاموس: «خرَّجه في الأدب مثلا، فتخرَّج فهو خِرِّيج (كَعِنِّين) اِسم مفعول»، أي مخرَّج (3).
وكذلك التوجيه، تقول خرَّج المسألة: وَجَّهَهَا، أي بيَّن لها وجهًا.
«والمَخْرَجُ: موضع الخروج؛ وفي القرآن: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء 80]. ويُقال: خرج مَخْرَجًا حسنًا، وهذا مَخْرَجُهُ» (4)، أي وجهها، ومنه قول المحدِّثين: «هذا حديث عُرِف مَخْرَجُه»، أي موضع خروجه، وهو معرفة رواته سَنَدًا ومتنًا (5).
ومنه الإبراز والإظهار: ومنه قوله تعالى: {كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ} [الفتح 29]. وقول المحدِّثين: «أخرج الحديثَ البخاريُّ»، أي أبرزه للناس وأظهره ببيان مَخْرَجِه، أي: ذَكر إسناده، فهذا أصل اشتقاق المحدِّثين
__________
(1) - ... الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج1، ص251، مَادَّة: «خرج».
(2) - ... الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج1، ص252، مَادَّة: «خرج».
(3) - ... الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج1، ص251، مَادَّة: «خرج».
(4) - ... ابن منظور: لسان العرب، ج2، ص249.
(5) - ... د. محمود الطحَّان: أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ص 8. (1/297)
صفحة 318
لكلمة التخريج (1).
2) التخر يج اصطلاحا:
وَأَمَّا اصطلاحًا فقد عرَّفه محمود الطحَّان بقوله: «هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأَصلِيَّة التي أخرجته بسنده، ثُمَّ بيان مرتبته عند الحاجة» (2). وقال أيضا: «بيان رتبة الحديث من الصحَّة والضعف وغيرهما» (3) ببيان الإسناد عدالة وجرحا، ثُمَّ بيان المتن من موافقة لمتون أخرى رُويت وصُحِّحت أو أُلغيت أو كانت بين الصحَّة والنكارة، كما يعرف من تتبّع ذلك للعالم الذي دعته الحاجة؛ ومن أهمِّها موافقة الحديث لِنَصِّ القرآن أو مخالفته، لأَنَّ الرسول يُبَيِّنُ ما خفي من القرآن.
المقصد الثاني: التخريج عَلَى طريق الدلالة:
وقد يُطلق التخريج على الدلالة، «أي الدلالة على مصادر الحديث الأَصلِيَّة وعزوهُ إليها، وذلك بذِكر من رواه من المؤلِّفين» (4).
والنقد والتنقاد في اللغة: «تمييز الدراهم وإخراج الزيْف منها، وكذا تمييز غيرها». وَأَمَّا النقد عند المحدِّثين «فَإِنَّهُ تمييز الأحاديث الصحيحة من
__________
(1) - ... د. محمود الطحَّان: أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ص 8.
(2) - ... نفسه، ص 10.
(3) - ... نفسه، ص 12.
(4) - ... نفسه، ص 9. (1/298)
صفحة 319
الضعيفة والحُكم على الرواة ثوثيقًا وتجْريحًا». فمتى نشأ هذا العلم؟.
من المعلوم أَنَّ القرن الثالث الهجريَّ هو عصر تدوين الحديث، وهو عصر السُّنَّة الذهبيُّ أيضًا، حيث بلغ تدوين السُّنَّة فيه ذروته اتِّساعًا ودِقَّةَ منهجٍ، فقد ظهرت فيه وقبله الجوامع والمصنَّفات الصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم في تلك الفترة، من أوائل القرن الثاني إلى سنة 303هـ تاريخ وفاة النسائيِّ، ثُمَّ جاء من بعده من أصحاب المعاجم وغيرها بَعد مُسند الربيع وموطَّأ مالك والكتب الصحاح الستَّة، كصحيح ابن خُزيمة (ت: 311هـ)، وصحيح ابن حبَّان (ت: 352هـ)، وصحيح أبي عوانة (ت: 316هـ)، وصحيح ابن السكن (ت: 353هـ)، وصحيح الإسماعيلي (ت: 371هـ)، وصحيح المستدرك للحاكم النيسابوري (ت: 405هـ)، والسنن الكبرى للبيهقيِّ (ت: 458هـ)، ثُمَّ كُتب السُّنَّة التي جمعها مؤلِّفوها من طريق تلقِّيها من شيوخهم بأسانيد إلى النبيء ?، كمصنَّف عبد الرزَّاق وغيرها، وإن كان أكثرها مأخوذًا من الصحاح إِلاَّ أَنَّهُ بإسنادهم وآخرها محلَّى ابن حزم (ت: 456هـ).
ونشأ هذا العلم بعد زمن انقطاع الرواية واستقرار تدوين السُّنَّة وبلوغه أميز مراحله وأنضجها، فصاروا يخرِّجون أحاديث تلك الصحاح بأسانيد غير الطرق التي رواها بها أولئك الحُفَّاظ المبرَّزون، وعزْوِ الحديث إلى مصدره أو مصادره. (1/299)
صفحة 320
المقصد الثالث: التخريج من الكتب الأخرى والداعي لِذَلِكَ:
ثُمَّ لَمَّا كثرت المؤلَّفات في العلوم الشَّرعِيَّة، ونشطت حركة التصنيف فيها من تفسير وأصول وفقه وعلوم قرآن وعقائد وغيرها، حيث اسْتَدَلَّ أولئك المؤلِّفون في مُصَنَّفَاتهم بحديث رسول الله ? باعتبار أَنَّ السُّنَّة هي المصدر الثاني في التشريع بعد القرآن، غير أَنَّ هؤلاء أورَدوا من الحديث دون عزْوِه إلى مصدره من كتب السُّنَّة السابقة، وإن عزاهُ بعضهم فَإِنَّهُ لا يذكر درجته من حيث الصِّحَّة أو الضعف أو نحوهما، والبعض منهم وإن كانوا قِلَّة اِستشهدوا بنصوص على أَنَّهَا أحاديث رسول الله وليست منه، كأن تكون قاعدة فِقهِيَّة، أو قول فقيه سابق، لا عِلم له بطرق التصحيح والتوهين، ولا اطِّلاع له على أصول السُّنَّة تعديلا وتجريحًا، ووصلاً وانقِطاعًا ونحو ذلك مِمَّا دعا جهابذةَ العلماء الحُفَّاظ إلى تخريج تلك الأحاديث وبيان مراتبها من حيث القبول والردِّ، تنقيةً للسنَّة من الدخيل، وبيانًا لحال تلك الروايات، حَتَّى تطمئنَّ نفوس المحقِّقين للدليل الذي اسْتَدَلَّ به، وبالتالي لمعرفة صِحَّة ما بُني عليه أو ضعفه، وحُكم المستَنبط منه، فاحتار طلبة الشريعة في زمننا هَذَا فضلا عن غيرهم من الوقوف على مصادر الحديث عند قراءتهم له من المُصَنَّفَات الصحيحة، فاجتهد الحُفَّاظ في ذلك، وكُتبت في الشأن كتب كثيرة، وفاقت العشرات بل المئات، وبذلك قدَّم علماء الحديث خِدمة كبيرة لتلك الكتب التي خرَّجوا أحاديثها، وبالتالي قَدَّموا خِدمة جليلة مشكورة لِلسُّنَّةِ (1/300)
صفحة 321
النَّبَوِيَّة المطهَّرة، وسدُّوا بعملهم هذا ثغرة كبيرة في صرح المُصَنَّفَات الحديثيَّة.
قال الحافظ في خطبة تخريجه الكبير للإحياء ما نصُّه: «عادة المُتَقَدِّمين السكوت عَمَّا أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم وعدم بيان من خرَّجه وبيان الصحيح من الضعيف، ولا سيما الفقهاء منهم إِلاَّ نادِرًا، وإن كانوا من أَيمَّة الحديث فضلاً عن غيرهم؛ فالمخرِّج عندما يَذكر الحديثَ وطرُقَه ويَتَكَلَّمُ على كلِّ طريق من حيث إسناده ومتنه مع بيان لِعِللهما، ذاكِرًا أقوال النقَّاد في كلِّ ما يَتَعلَّقُ به من حيث الصناعة الحديثيَّة، مورِدًا ردود العلماء بعضهم على بعض ومناقشتهم فيما بينهم في أمر هذا الحديث، منبِّهًا عن صِحَّة كلِّ قول وضعفه على أساس من تلك القواعد النقديَّة المَنهَجِيَّة التي وضعها علماء الحديث يكون قد قام بمَهمَّة التصحيح والتحسين والتضعيف لهذا الحديث المخرَّج بعد الدراسة المعمَّقة لكلِّ ما يَتَعلَّقُ به».
المقصد الرابع: اِختلاف المخرِّجين في الحُكم على الأحاديث قبولاً وردًّا:
فنجد مخرِّجا يحكم على حديث من الأحاديث بالصِحَّة مثلاً، فيأتي مخرِّجٌ آخر فيكشف لنا في كتابه عن عِلَّة فيه غابت عَمَّن حكم عليه بالصِّحَّة، ويأتي كشف العِلَّة هذه غالِبًا من جمع طرُق الحديث ودِراستها دراسة معمَّقة أكثر من دراسة الأَوَّل، إِمَّا لفقْد بعض المراجع، أو لقصور؛ (1/301)
صفحة 322
وفي غير الغالب لاِختلاف المحدِّثين في عدالة الراوي وضبطه، أو في اختلافهم في المرويِّ، أو تباين أنظارهم في الكشف عن العِلَّة واختلافهم في آثارها في القدح بصِحَّة الحديث وعدمه، أو اختلافهم في الحكم على الصِّحَّة لتفاوت اطِّلاعهم على طرقه وتباين أحكامهم عليها، واختلافهم في الحكم على رواية المجهول، وما به ترتفع الجهالة، أو اختلافهم في قبول رِواية أهل الأهواء والبِدع، أو رفضها، أو اختلافهم في أسباب الجرح والتعديل. وهاته الاِختلافات السبعة مشروحة في المطوَّلات، ككتاب “ أسباب اختلاف المحدِّثين ” للدكتور خلدون الأحدب، أو كتاب “ أصول التخريج ودِراسة الأسانيد ” للدكتور محمود الطحَّان وغيرهما (1).
وعلى كلٍّ فإنَّ هذا يفيد في النهاية أَنَّ كتب التخريج هي أوثق ما يرجع إليه لمعرفة مصادر الحديث وبيان رتبته من القبول أو الردِّ، وهذا كلُّه كان بعد عصر الرواية كما سبق.
المقصد الخامس: في ذِكر كتابين من كتب التخريج هما أغزر مَادَّة وأكثر فائدة:
واحد في المذهب الحنَفيِّ، والثاني في المذهب الشافعيِّ، والأَوَّل هو
__________
(1) - ... انظر في هَذَا الدكتور خلدون الأحدب: أسباب اختلاف المحدِّثين، ج2، ص515 وما بعدها. والدكتور محمود الطحَّان: أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ص181 وما بعدها. والدكتور نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث، ص 241 وما بعدها. والدكتور محَمَّد مصطفى الأعظم: منهج النقد عند المحدِّثين ص49 وما بعدها. (1/302)
صفحة 323
كتاب “ نصب الراية لأحاديث الهداية ” للإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي (ت: 762هـ) الذي أخرج فيه أحاديث كتاب “ الهداية ” للإمام عليِّ بن أبي بكر المرغيناني (ت: 593هـ).
وكتاب “ نصب الراية ” من أهمِّ كتب التخريج فيما أعلم إن لم يكن أهمَّها وأعظمها؛ فمصنِّفه مشهود له بالرُّسوخ في علم الحديث والتبحُّر فيه، وتخريجه نافع جدًّا، استمدَّ منه مَن جاء بعده من شُرَّاح الهداية، بل منه استمدَّ كثيراً الحافظ ابن حجر العسقلاني في تخاريجه (1)، وهو شاهد على تبحُّره في تخريج الأحاديث، وفي تراجم الرجال، وسَعَة نظره في فروع الحديث، وسُمُوِّه إلى الكمال (2)، فهو لا يفتأ في تأييد القول الحقِّ في المسألة ولو خالفت مذهبه. قال ابن حجر فيه: «قد اعتمد [الزيلعيُّ] في كلِّ باب أن يذكر أَدِلَّة المخالفين ثُمَّ هو في كُلِّ ذلك كثير الإنصاف يحكي ما وجده من غير اعتراض ولا تعقُّب غالبا، إِلاَّ أَنَّهُ لا يخالف مذهبه» (3).
وطريقة تخريجه أَنَّهُ يذكر نصَّ الحديث الذي أورَدَه صاحب «الهداية»، ثُمَّ يذكر مَن أخرجه من أصحاب كتب الحديث وغيرها،
__________
(1) - ... وقد اعترف الحافظ ابن حجر بِذَلِكَ وأشار إِلىَ استفادته من هَذَا الكِتَاب [نصب الراية] في مُقَدِّمَة كِتَابه: “ الدراية في تخريج أحاديث الهداية ”، ص10. والكتاني: الرسالة المستطرفة، ص141.
(2) - ... الكتاني: الرسالة المستطرفة، ص141.
(3) - ... الزيلعي: مُقَدِّمَة نصب الراية، ص06. (1/303)
صفحة 324
مستقصيا طُرُقه ومواضعه، ثُمَّ يذكر الأحاديث التي تدعِّم وتشهد لمعنى الحديث الذي ذكره صاحب «الهداية»، ويذكر من أخرجه أيضًا، ويرمز لهذه الأحاديث ب «أحاديث الباب»، ثُمَّ إن كانت المسألة خِلافيَّة يذكر الأحاديث التي استشهد بها العلماء والأيمَّة المخالفون لِمَا ذهب إليه الأحناف، ويرمز لهذه الأحاديث ب «أحاديث الخصوم»، ويذكر من أخرجها أيضًا؛ يفعل كلَّ ذلك بمقتضى النزاهة وكمال الإنصاف من غير أن يميل به عن الحقِّ تعصُّب مذهبيٌّ أو سِواه» (1).
وهذا نموذج من تخريجه:
وتخريج أحاديث الكتاب مرتَّبة حسب ترتيب الكتب الفِقهِيَّة، فيبدأ بأحاديث كتاب الطهارة، ويستمرُّ إلى آخر أبواب الفقه، ولهذا يُعتبر الكتاب موسوعة ضخمة لتخريج أحاديث الأحكام، سواء التي اسْتَدَلَّ بها الحَنَفِيَّة أو غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى.
وإليك نموذجًا من التخريج، وهو تخريج يَتَعلَّقُ بِكَيفِيَّة تطهبر المنيِّ من الثوب؛ قال: «الحديث الثالث: روي عن النبيء ? أَنَّهُ قال لعائشة في المنيِّ: “فاغسليه إن كان رطبًا، وافركيه إن كان يابسًا”، قلت: غريب. وروى الدارقطنيُّ في سُننه من حديث عبد الله بن الزبير: حدَّثنا بشر بن بكر ثنا الأوزاعيُّ عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: “كنت
__________
(1) - ... د. محمود الطحَّان: أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ص18. (1/304)
صفحة 325
أفرك المنيَّ من ثوب رَسُول اللهِ ? إذا كان يابِسًا، وأغسله إذا كان رطبًا” (1) اِنتهى. ورواه البزَّار في مسنده، وقال: لا يُعلم أسنده عن عائشة ِلاَّ عبد الله بن الزبير هَذَا، ورواه غيره عن عمرة مرسَلاً اِنتهى. قال ابن الجوزيِّ في “التحقيق” والحَنَفِيَّة يحتجُّون على نجاسة المنيِّ بحديث رَوَوه عن النبيء ? أَنَّهُ قال لعائشة: “اِغسليه إن كان رطبًا، وافركيه إن كان يابِسًا” قال: «وهذا حديث لا يُعرف وَإِنَّمَا رُوي نحوه من كلام عائشة، ثُمَّ ذكر حديث الدارقطنيِّ المذكور، والله أعلم».
ومن الناس من حمل فرْك الثوب على غير الثوب الذي يصلَّى فيه، وهذا ينتقض بما وقع في صحيح مسلم: «كنت أفركه من ثوب رسول الله ?، فيصلِّي فيه» (2). وعند أبي داود: «ثُمَّ يُصَلِّي فيه» (3)، والفاء ترفع احتمال غسله بعد الفرك، وحمله بعض المَالِكِيَّة عَلَى الفرك بالماء. وهذا ينتقض بما في مسلم أيضًا: «لقد رأيتني وأنا لأحكُّه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يابِسًا بظفري» (4).
__________
(1) - ... رواه الدارقطني في كِتَاب الطهارة، باب ما ورد في طهارة المنيِّ وحكمه رطبا ويابسا، رقم03، من حديث عائشة.
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب الطهارة (32) باب حكم المنيِّ، رقم 105 (288) من حديث عائشة.
(3) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الطهارة، باب المنيِّ يصيب الثوب، رقم 372، من حديث عائشة.
(4) - ... رواه مسلم في كِتَاب الطهارة (32) باب حكم المنيِّ، رقم 109 (290) من حديث عائشة. (1/305)
صفحة 326
أحاديث الباب
وروى البخاريُّ ومسلم من حديث عائشة «أَنَّهَا كانت تغسل المنيَّ من ثوب رسول الله ?، فيخرج فيصلِّي فيه وأنا أنظر إلى بقع الماء في ثوبه» (1) انتهى. قال البيهقيُّ: وهذا لا منافاة بينه وبين قولها «كنت أفرك من ثوبه ثُمَّ يُصَلِّي فيه» كما لا منافاة بين غسله [قدميه ومسحه عَلَى الخفَّين] انتهى. قال ابن الجوزي: ليس في هذا الحديث حُجَّة، لأَنَّ غسله كان للاِستقذار لا للنجاسة ... الخ ما جاء فيه، ثُمَّ قال:
أَمَّا الآثار: فروى ابن أبي شيبة في “مصنَّفه”: حدَّثنا حسين بن علي بن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزَّة قال: سُئل عمر بن الخطَّاب فقال: إِنِّي احتلمت على طنفسة فقال: «إن كان رطْبًا فاغسله، وإن كان يابسًا فاحككه، وإن خفِي عليك فارششه بالماء» (2) انتهى. ثُمَّ قال:
أَمَّا أحاديث الخصوم: فروى أحمد في “مسنَده”: حدَّثنا معاذ أنبأنا عِكرمة بن عَمَّار عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة،
__________
(1) - ... رواه البخاري، في كِتَاب الوضوء (65) باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره، رقم220 - 230. ورواه مسلم في كِتَاب الطهارة (32) باب حكم المنيِّ، رقم 108 (289)، من حديث عائشة.
(2) - ... رواه ابن أبي شيبة في كِتَاب الطهارات (104) باب من قال: يجزيك أن تفركه من ثوبك، رقم 12، من حديث عمر. (1/306)
صفحة 327
قالت: «كان رسول الله ? يسلت المنيَّ من ثوبه بعِرقِ الإذخر، ثُمَّ يُصَلِّي فيه، ويحتُّه يابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فيه» (1) انتهى.
حديث آخر: وأخرج الدارقطنيُّ في “سُننه”، والطبرانيُّ في “معجمه” عن إسحاق بن يوسف بن الأزرق عن شريك القاضي عن محَمَّد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عَبَّاس قال: سُئل رسول الله ? عن المنيِّ يصيب الثوب قال: «إِنَّمَا هو بمنزلة المخاط أو البزاق، وقال: إِنَّمَا يكفيك أن تمسحه بخرْقة أو بالإذخر» (2) انتهى.
وقد أطال في إيراد الأحاديث والآثار، ثُمَّ صحَّح مذهبه كما مَرَّ، وقال: بغسله بعد فركه، وهو الأحوط، فانظر النصَّ الكامل في “نصب الراية” (3)، والله أعلم.
أَمَّا الثاني الذي في مذهب الشافعيِّ فهو:
كتاب “المغني عن حمْل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار”: هذا الكتاب خرَّج فيه مؤلِّفه الحافظ زين الدين عبد الرحيم
__________
(1) - ... رواه أحمد في مسنده، ج10، ص87، رقم 26118، من حديث عائشة.
(2) - ... رواه الدارقطني في كِتَاب الطهارة (32) باب ما ورد في طهارة المنيِّ وحكمه رطبا ويابسا، رقم01. ورواه الطبرانيُّ في الكبير، ج11، ص120، رقم 11321، من حديث ابن عَبَّاس.
(3) - ... الزيلعي: نصب الراية، ج1، ص209 - 210. (1/307)
صفحة 328
بن الحسين العراقي (ت: 806هـ) وهو مِمَّن يُشار إليه بالبنان في علوم الحديث.
وقد طُبع هذا التخريج بذيل كتاب “إحياء علوم الدين” للغزالي (550هـ) الطوسي (ت: 505هـ)، وهو تخريج نفيس جدًّا يَدُلُّ على رُسوخ قدم العراقيِّ في علوم الحديث، وطول باعه فيه.
وطريقته في التخريج أَنَّهُ إن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اِكتفى بعزْوِه إليه، لأَنَّهُ يَعتبر أَنَّ كلَّ أحاديث الصحيحين صحيحة، ولا نَظَر فيهما، وإذا لم يكن في الصحيحين أو أحدهما ذَكر مَن أخرجه مِن بَقِيَّة أصحاب الكتب الستَّة، وإذا كان في أحد الكتب الستَّة لم يعزُه إلى غيرها لأَنَّهَا تُعتبر صِحاحًا إِلاَّ لغرض مفيد، كأن يكون مَن أخرجه مِمَّن التزم الصِّحَّة في كتابه أو كان لفظه أقرب إلى لفظه الذي في “الإحياء”. وإذا لم يكن الحديث في أحد الكتب الستَّة ذَكَر مواضعه في غيرها من كتب الحديث المشهورة الكثيرة. وإذا تكرَّر الحديث في “الإحياء”، فإن تكرَّر في باب واحد ذَكر تخريجه أَوَّل مَرَّة غالِبًا، وقد يُكرِّر تخريجه لغرض أو لذهول عن كونه تَقَدَّمَ تخريجه. وإن كان التكرار في باب آخر خرَّجه في جميع المواضع ونبَّه على أَنَّهُ تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا ذهل عن التنبيه.
وطريقته في التخريج أَنَّه يَذْكر طرف الحديث الذي في “الإحياء” وصحابيَّهُ ومخرِّجه، ثُمَّ يُبَيِّنُ صِحَّته أو حُسنه أو ضعفه، وإذا لم بكن (1/308)
صفحة 329
للحديث أصل في كتب السُّنَّة بيَّن ذلك بقوله: «لا أصل له»، وأحيانًا يقول: «لا أعرفه»، أي لا يعرفه حديثًا في كتب السُّنَّة، في حُدود اطِّلاعه، وهذا منه دِقَّة في التعبير. وقد ذكر ذلك في مُقَدِّمَة كتابه.
وهذا التخريج ضروريٌّ ومهمٌّ جِدًّا، لأَنَّ كتاب “إحياء علوم الدين” يشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة والواهية بل والموضوعة، فتَوَلىَّ هذا التخريج بيانها وميَّز صحيحها من سقيمها بشكل مختصر، وبعبارة سهلة واضحة، فجزى الله الحافظ العراقيَّ وَبَقِيَّة علماء المسلمين الذين خدموا السُّنَّة النَّبَوِيَّة بتصانيفهم القيِّمة النافعة أفضل الجزاء.
وإليك نموذجًا من هذا التخريج:
قال العراقيُّ: حديث «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة: عالِم لم ينفعه الله بعلمه» (1) أخرجه الطبرانيُّ في “الصغير”، والبيهقيُّ في “شعب الإيمان” من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف. وحديث: «طلب العِلم فريضة على كلِّ مسلم» (2) أخرجه ابن ماجة من حديث أنس وضعَّفه أحمد والبيهقيُّ
__________
(1) - ... رواه الطبرانيُّ في الصغير، ج، ص. ورواه البيهقيُّ في الشعب (8) باب في نشر العلم، وأن لا يمنعه أهله، وإذا حضر العالم، رقم 1778، من حديث أبي هريرة. والعراقيُّ في “الإحياء” في أحاديث الخطبة، ج1، ص8.
(2) - ... رواه ابن ماجه في المُقَدِّمَة (17) باب فضل العلماء والحثِّ عَلَى طلب العلم، رقم 224. ورواه البيهقيُّ في الشعب (17) باب في طلب العلم، رقم 1664، من حديث أنس. والعراقيُّ في “الإحياء” في أحاديث الخطبة، ج1، ص8. (1/309)
صفحة 330
وغيرهما. وحديث: «نعوذ بالله من عِلم لا ينفع» (1) أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد حسن. وحديث: «خلق الله الماء طهورًا، لا يُنجِّسه شيء إِلاَّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف، وقد رواه بدون إسناد أبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ من حديث أبي سعيد، وصحَّحه أبو داود وغيره ... » الخ، وهكذا ...
وعليه فالنموذج الأَوَّل نوع من التخريج مع الاِحتجاج، والثاني نوع من التخريج بذِكر المخرِّج وصِفة الحديث من ضعف وغيره، والله أعلم.
وفي الموضوع كلام كثير تركته لأجل الاِختصار، ولوجوده كثيرًا في المطوَّلات.
__________
(1) - ... وتمام الحديث هو: «ومن دعاء لا يُسمع ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع». رواه ابن ماجه في المُقَدِّمَة (23) باب الانتفاع بالعلم والعمل به، رقم 250، من حديث أبي هريرة.
(2) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب الطهارة (33) باب الرخصة بفضل وضوء المرأة، بنحوه. وأبو داود في كِتَاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بُضاعة، رقم 66. والنسائيُّ في كِتَاب الطهارة (2) كِتَاب المياه، رقم 324. والترمذيُّ في كِتَاب الطهارة (49) باب ما جاء أَنَّ الماء لا ينجِّسه شَيْء، رقم 66، من حديث أبي سعيد. (1/310)
صفحة 331
ألقاب المحدِّثين وأسماؤهم وبيان درجاتهم
الألقاب العِلمِيَّة لأهل الحديث:
فقد صنَّف العلماءُ رواة الحديث كلَّهم بحسب كثْرة مرويَّاتهم وعنايتهم بالحديث وفنونه إلى درجات عِلْمِيَّة، خصُّوا كلَّ واحدة منها بلقب يميِّزها، وهي
أولاً: المسنِد:
وهو من يروي الحديث يإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إِلاَّ مجرَّد الرواية.
ثانيا: المحدِّث:
وهو كما عرَّفه ابن سَيِّد الناس: من اشتغل بالحديث روايةً ودِرايةً وجمعَ رواةٍ، واطَّلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميَّز في ذلك حَتَّى عُرف فيه خطُّه، واشتهر فيه ضبطه، أي صار يُقصَد للإفادة في الحديث ورُواته حَتَّى اشتهر بذلك، وعُرف خطُّه لكثرة ما يكتب من الأجوبة على أسئلة الناس. وَقِيلَ: المحدِّث: من تحمَّل الحديث رواية، واعتنى به دِراية. (1/311)
صفحة 332
ثالثا: الحافظ:
وهو أرفع من المحدِّث، ويؤخذ من كلامهم أَنَّهُ مَن توسَّع في الحديث وفنونه، بحيث يكون ما يعرف من الأحاديث وعِللها أكثر مِمَّا لا يعرفه. وقيل: الحافظ مَن روى ما يصل إليه، ووعى ما يحتاج إليه. وقد تفاوتت عبارة العلماء في تعريف الحافظ، حَتَّى بلغوا أحيانًا ما عدَّه بعض الباحثين تغاليا في الحفَّاظ، كقول الزهريِّ: «لا يولد الحافظ إِلاَّ كلَّ أربعين سنة»، وقولهم في الإمام أحمد بن حنبل: «كان يحفظ ألف ألف حديث»، وهذا صدر عنهم باعتبار المرتبة العليا في الحفظ. وحكوا عن الإمام البخاريِّ حِفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. كما أَنَّهُم صرَّحوا بتفاوت العرف وأثر اختلاف الزمان في ذلك، إِلاَّ أَنَّنَا نرى أَنَّهُم وضعوا للأيمَّة الكِبار من الحُفَّاظ ألقابًا تُشعر بتفوُّقهم، هي التالية:
رابعًا: الحُجَّة:
وهو فيما يبدو لنا يُطلق على الحافظ من حيث الإتقان، فإذا كان الحافظ عظيم الإتقان والتدقيق فيما يحفظ من الأسانيد والمتون لُقِّب بالحُجَّة. وعرَّفه بعضٌ بِأَنَّهُ من يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع معرفة أسانيدها ومتونها. ويدخل في الأحاديث التي يذكرون عددها في حِفظ العلماء بعشرات الألوف أو مئات الألوف فيما يظهر دخول تعدُّد الأسانيد للحديث الواحد واختلاف الروايات، فإنَّ تغيير الحديث بكلمة في السند أو المتن يُعتبر بها حديثا جديدًا. وكم اجتهد المحدِّثون ورحلوا من (1/312)
صفحة 333
أجل كلمة في حديث، كما تشير لذلك كتب الرحلات.
خامسًا: الحاكم:
وهو من أحاط بجميع الأحاديث، حَتَّى لا يفوته منها إِلاَّ اليسير.
سادِسًا: أمير المؤمنين في الحديث:
وهو أرفع المراتب وأعلاها، وهو من فاق حِفظًا وإتقانا وإحاطة في علم الأحاديث وعِللها كلَّ من سبقه من المراتب، بحيث يكون لإتقانه مرجعا للحكَّام والحُفَّاظ وغيرهم.
ومن أمراء المؤمنين في الحديث عند أهل الفنِّ: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجَّاج، وحمَّاد بن سلمة، وعبد الله بن مبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم.
ومن المتأخِّرين: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وغيرهم مِمَّن لُقِّبوا بذلك، جزاهم الله عَنَّا خيرًا.
وهذه المراتب العِلْمِيَّة إِنَّمَا يلحظ فيها الحِفظ لا اقتناء الكتب، حَتَّى إِنَّ مَن كانت عنده هذه الكتب ولا يحفظ ما فيها لا يُعتبر عندهم ولو محدِّثًا، وَلَكِنَّ بعض الناس في هذا العصر هانَ عندهم العِلم، ولم يفقهوا منه إِلاَّ تقليب الأوراق من طريق الفهارس، واستخَفُّوا بحفظ القرآن والحديث وعلوم الدين، واشتغلوا بالعلوم التي لا تنفع، إِلاَّ مَن أحاطه اللهُ بالتوفيق، ولا يعرف الفضلَ إِلاَّ ذو الفضل. (1/313)
صفحة 334
الألقاب التي عرفها بهم أهل الفنِّ:
وهي التي لقَّبها بهم الناس حَتَّى عُرفوا بها، وفيها كثرةٌ، من لا يعرفها يوشك أن يظنَّها أَسامي، وأن يجعل من ذُكر باسمه في موضع وبلقبه في موضع شخصين كما اتَّفَقَ لكثرة من ألَّف. ومِمَّن صنَّفها أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي الحافظ، ثُمَّ أبو الفضل ابن الفلكي الحافظ.
وهي تنقسم إلى: ما يجوز التعريف به، وهو ما لا يكرهه الملقَّب؛ وإلى ما لا يجوز، وهو ما يكرهه الملقَّب.
وهذا أنموذج منها مختار:
رُوِّينا عن عبد الغنيِّ بن سعيد الحافظ أَنَّهُ قال: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان: معاوية بن عبد الكريم الضال، إِنَّمَا ضلَّ في طريق مَكَّة، وعبد الله بن محَمَّد الضعبف، وَإِنَّمَا كان ضعيفا في جِسمه لا في حديثه.
قال ابن الصلاح: «قلت: وثالث وهو عارم أبو النعمان بن الفضل السدوسي، وكان عبدًا صالحًا، بعيدا من العرامة (1). والضعيف هو: الطَّرَسُوسي أبو محَمَّد سمع أبا معاوية الضرير وغيره، كتب عنه أبو حاتم الرازي، وزعم أبو حاتم بن حبَّان أَنَّهُ قيل له: الضعيف لإتقانه وضبطه.
غُنْدَر: لقب محَمَّد بن جعفر البصري أبي بكر، وسببه ما رُوِّينا أَنَّ ابن جريج قدِم البصرة فحدَّثهم بحديث عن الحسن البصري فأنكروه عليه
__________
(1) - ... العرامة الشراسة والشدَّة، والعارم: الشرِّير المفسد. (1/314)
صفحة 335
وشغبوا، وأكثرَ محَمَّد بن جعفر من الشغب عليه، فقال له: اُسكُت يا غندر! وأهل الحِجاز يُسمُّون المشغب غندرًا، ثُمَّ كان بعده غنادرة، كلٌّ منهم يلقَّب بغندر، منهم: محَمَّد بن جعفر الرازي أبو الحسين غندر، روى عن أبي حاتم الرازي وغيره. ومنهم: محَمَّد بن جعفر أبو بكر البغدادي غندر الحافظ الجوَّال، حدَّث عنه أبو نعيم الحافظ وغيره. ومنهم: محَمَّد بن جعفر بن دران البغدادي أبو الطَّيِّب روى عن أبي خليفة الجمحيِّ وغيره. وآخرون لُقِّبوا بذلك مِمَّن ليس بمحمَّد بن جعفر.
غُنجار: لقب عيسى بن موسى التيميِّ أبي أحمد البخاريِّ مُتَقَدِّم، حدَّث عن مالك والثوريِّ وغيرهما، لُقِّب بغنجار لحُمرة وجنتَيه، وغنجار آخَر مُتَأَخِّر، وهو: عبد الله محَمَّد بن أحمد البخاري الحافظ، صاحب “تاريخ بخارى”، (ت: 412هـ).
صاعقة: هو أبو يحيى محَمَّد بن عبد الرحيم الحافظ، روى عنه البخاريُّ وغيره. قال أبو عليٍّ الحافظ: «إِنَّمَا لُقِّب صاعقة لحفظه وشِدَّة مذاكرته ومطالبته».
شباب: لقب خليفة بن خيَّاط العُصْفُريِّ صاحب “التاريخ”، سمع غندرًا وغيره.
زُنيج: لقب أبي غسَّان محَمَّد بن عمرو الأصبهاني الرازي، روى عنه مسلم وغيره.
رُسْتَهْ: لقب عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني. (1/315)
صفحة 336
سُنيد: لقب الحسين بن داود المصيصيِّ صاحب “التفسير”، روى عنهما أبو زرعة وأبو حاتم الحافظان وغيرهما.
بُندار: لقب محَمَّد بن بشَّار البصريِّ، روى عنه البخاريُّ ومسلم والناس؛ قال ابن الفلكي: إِنَّمَا لُقِّب بهذا لأَنَّهُ كان بُندار الحديث (1).
قيصر: لقب أبي النضر هاشم بن القاسم المعروف، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره.
الأخفش: لقب جماعة، منهم: أحمد بن عمران البصريُّ النحويُّ، مُتَقَدِّم، روى عن زيد بن الحُبَاب وغيره، وله “غريب الموطَّأ”. وفي النحويِّين أخافش ثلاثة مشهورون، أكبرهم: أبو الخطَّاب عبد الحميد بن عبد المجيد، وهو الذي ذكره سيبويه في كتابه. والثاني: سعيد بن مَسعَدة أبو الحسن الذي يروي عنه كتاب سيبويه وهو صاحبه. والثالث: أبو الحسن عليُّ بن سليمان صاحب أبوي العَبَّاس النحويَّينِ: أحمد بن يحيى الملقَّب بثعلب، ومحمَّد بن يزيد الملقَّب بالمبرِّد.
المربَّع: بفتح الباء المشدَّدة، هو محَمَّد بن إبراهيم الحافظ البغداديُّ.
جَزِرَة: لقب صالح بن محَمَّد البغدادي الحافظ، لُقِّب بذلك من أجل أَنَّهُ سمع من بعضِ الشيوخ ما روي عن عبد الله بن بُسْر أَنَّهُ كان يرقى
__________
(1) - ... أي مُكثِرًا منه، وفي القاموس: «البنادرة: تُجَّار يلزمون لمعادن، أو الذين يخزنون البضائع للغلاء، جمع بُندار». (1/316)
صفحة 337
بِخَرَزَة فصحَّفها وقال: جَزَرَة بالجيم، فذهبت عليه، وكان ظريفًا له نوادر تُحكى.
عُبيدُ العِجل: لقب أبي عبد الله الحسين بن محَمَّد بن حاتم البغداديِّ الحافظ.
كِيلَجَة: هو محَمَّد بن صالح البغداديِّ.
ما غَمَّهْ: بلفظ النفي لفعل الغمِّ، هو لقب علاَّن بن عبد الصمد، وهو عليُّ بن الحسن بن عبد الصمد البغداديُّ الحافظ. ويجمع فيه بين اللقبين، فيُقال: علاَّن ما غمَّه وهؤلاء البغداديُّون الخمسة. روينا أَنَّ يحيى بن معين هو الذي لقَّبهم وهم كِبار أصحابه وحُفَّاظ الحديث.
سجَّادة المشهور (1): هو الحسن بن حمَّاد، سمع وكيعًا وغيره.
مُشْكُدَانه: ومعناه بالفارسيَّة حبَّة المسك، أو وِعاء المسك، لقب عبد الله بن عمر بن محَمَّد بن أبان.
مُطَيَّن: بفتح الياء، لقب أبي جعفر الحضرميِّ، خاطبه هو والسابق له أبو نعيم الفضل بن دُكين، فلُقِّبا بهما.
عبدان: لقب لجماعة، أكبرهم: عبد الله بن عثمان المرْوَزي، صاحب ابن المبارك، وروايته: رُوِّينا عن محَمَّد بن طاهر المقدسيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا قيل له
__________
(1) - ... يوجد هناك سجَّادة آخر اسمه: الحسين بن أحمد، روى عنه ابن عديٍّ الجرجانيُّ الحافظ وغيره. قاله ابن الصلاح. انظر: تعليق الدكتور نور الدين عتر عَلَى ابن الصلاح، ص343. (1/317)
صفحة 338
عبدان لأَنَّ كُنيته أبو عبد الرحمن، واسمه عبد الله، فاجتمع في كُنيته واسمه العبدان.
قال ابن الصلاح: «وهذا لا يَصِحُّ، بل ذلك من تغيير العَامَّة للأسامي، وكسرهم لها في زمان صغر السنِّ المسمَّى أو نحو ذلك كما قالوا في عليٍّ: “علاَّن”، وفي أحمد بن يوسف السُّلميِّ وغيره: “حمدان”، وفي وهب بن بَقِيَّة الواسطيِّ: “وهبان”» (1)، والله أعلم.
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 344. (1/318)
صفحة 339
معرفة أسباب وُرود الحديث
من الأنواع المُهِمَّة: معرفة أسباب وُرود الحديث، لأَنَّهُ بذلك يَتَبَيَّنُ معنى الحديث كما في أسباب نزول القرآن.
قال ابن دقيق العيد: «بيان السبب طريق قويٌّ في فهم معاني الكتاب والسُّنَّة»، وقال ابن تيميَّة: «معرفة السبب تعين على فهم الحديث والآية، فإنَّ العلم بالسبب يورث العلم بالمسبَّب».
وطريق معرفة سبب الحديث إِنَّمَا هو الرواية فقط، ولا مجال للرأي فيه كما نصَّ عليه الأَئِمَّة. قال البلقينيُّ: «والسبب قد يُنقل في الحديث، كحديث سؤال جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ عن الإيمان والإسلام والإحسان (1)، وحديث القلَّتين (2)، وحديث “هو الطهور ماؤه” (3)»، ثُمَّ ذكر أحاديث أُخر، ثُمَّ قال: «قد لا ينقل فيه أو يُنقل في بعض طرُقه، وهو الذي ينبغي الاِعتناء به، فبذكر السبب يتبين الفقه في المسألة».
وقد جاء السيوطيُّ في ألفيَّة الحديث بمثال هو حديث: «إِنَّمَا الأعمال
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه.
(2) - ... إشارة إِلىَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان الماء قدر قلَّتين لم يحتمل خَبَثا». وقد تَقَدَّمَ تخريجه أَيضًا.
(3) - ... رواه الربيع في كِتَاب الطهارة (24) باب في أحكام المياه، رقم 161. ورواه الترمذيُّ في كِتَاب الطهارة (52) باب ما جاء في ماء البحر أَنَّهُ طهور، رقم 69، من حديث أبي هريرة. (1/319)
صفحة 340
بالنيَّات، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها فهِجرته إلى ما هاجر إليه» (1). وذُكر أَنَّ السبب فيه مهاجر أمِّ قيس، قال ابن حجر في الفتح: «وقصَّة مهاجر أمِّ قيس رواها سعيد بن منصور، قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: من هاجر يبتغي شيئا فإِنَّمَا له ذلك، هاجر رجل ليتزوَّج امرأة يُقال لها أمُّ قيس فكان يقال له مهاجر أمِّ قيس، ورواه الطبرانيُّ من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: “كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أمُّ قيس فأبت أن تَتَزَوَّجه حَتَّى يهاجر، فهاجر فتزوَّجها، فكنَّا نسمِّيه مهاجر أمِّ قيس”. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أَنَّ حديث الأعمال سيق بسبب ذلك. ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك» (2).
وأنكر ابن رجب الحنبليُّ في “جامع العلوم والحكم” أن تكون هذه القِصَّة سَببًا للحديث وإن اشتهر هذا. وذكره كثير من المتأخِّرين في كُتبهم، ثُمَّ قال: «ولم نرَ لذلك أصلاً يَصِحُّ» (3).
__________
(1) - ... السيوطي: الألفية، ص 183. والحديث تَقَدَّمَ تخريجه.
(2) - ... ابن حجر: فتح الباري، ج1، ص 14.
(3) - ... ابن رجب: جامع العلوم والحكم، ج1، ص74 - 75. وراجع أَيضًا: أحمد محَمَّد شاكر: شرح ألفية السيوطي، ص 182. (1/320)
صفحة 341
وَأَوَّلُ من ألَّف في أسباب وُرود الحديث أبو حامد بن كرناه الجوباري، قال الذهبيُّ: «لم يُسبق إلى ذلك»، ثُمَّ ألَّف بعده أبو حفص عمر بن محَمَّد بن رجاء العكبري، وهو من تلامذة عبد الله بن أحمد بن حنبل، وَتُوُفِّيَ العكبريُّ سنة 339هـ. وقد ألَّف السيوطيُّ فيه كتابا لم يُكمله، وألَّف فيه إبراهيم بن محَمَّد الشهير بابن حمزة الحسينيُّ (ت: 1120هـ) كتابا سمَّاه “البيان والتعريف في أسباب وُرود الحديث الشريف”، وقد طُبع في حلب سنة 1329هـ في مجلَّد كبير. وهذا نظم السيوطي في ألفيَّة الحديث في الشأن قال:
أسباب الحديث
أَوَّلُ مَنْ قَدْ أَلَّفَ الجَوْبارِي فالعَكْبري في سببِ الأثار
وهُوَ كَما في سَبَبِ القُرْآن مُبيِّنٌ للفِقهِ والمَعاني
مِثْلُ حديثِ إِنَّمَا الأعمالُ سَبَبُهُ فيما رَوَوْا وقالوا:
مُهاجرٌ لأمِّ قيسٍ كَيْ نَكَح مِنْ ثَمَّ ذِكْرُ امرأةٍ فيهِ صَلَح
والله أعلم. (1/321)
صفحة 342
المستَدرَكات
تَقَدَّمَ في المستخرَجات ما يفعله المستخرِج إذا أراد تخريج حديث من تتبُّعه لسند الحديث ومتنه، فنكتفي بإعادة ذِكر ذلك هنا، لأَنَّ فعل المستخرِج هو بيان صِحَّة الحديث وعدمها.
وَأَمَّا المستدرِك فيميِّز الحديث الصحيح الذي لَم يذكره صاحب الكتاب من كتب السُّنَّة الصحاح؛ وكان رواة ذلك الحديث تجتمع فيهم شروط رواة كتاب من الكتب الصحاح، فيستدركه زيادة على الصحيح.
ومن المعلوم أَنَّ الحديث يشتمل على سند ومتن، وعليه فالمستدرِك يبحث:
أوَّلاً: في رجال سند الحديث: وهم رواته عدالة وجرحًا، فإذا ثبت لديه أَنَّ رجاله عدول مثل الرجال التي اعتمد عليها صاحب الكتاب المستدرَك عليه، أو من رجاله لَكِنَّ الذي تركه صاحب الكتاب الأَوَّل هو الحديث المستدرك. والمعلَّل في المسنَد هو الحديث الذي لا يعرف إِلاَّ من راوٍ واحد، ثُمَّ ظهرت فيه عِلَّة كالاِضطراب أو الاِنقطاع الباطن، أو وقف المرفوع، أو غيرها مِمَّا تَقَدَّمَ في الأحاديث الضعيفة.
ومن أمثلة ذلك: حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «من جلس مجلسًا كثر فيه لغطه» ... الخ (1/322)
صفحة 343
المُتَقَدِّم (1).
هذا فإنَّ الحديث ظاهره الصِّحَّة، حَتَّى اغترَّ به غير واحد من الحُفَّاظ، وصحَّحوه، لَكِن فيه عِلَّة خفيَّة قادِحة، والصواب فيه ما رواه وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل عن عون بن عبد الله من قوله كما رواه البخاري الذي صَرَّحَ بِأَنَّهُ لا يعرف في الدنيا في هذا الباب بسند ابن جريج بهذا إِلاَّ هذا الحديث، قال: ولا نذكر لموسى سماعا من سهيل، فجاءت القرائن لترجِّح من خالف موسى بن عقبة وأنَّ الحديث من قول عبد الله بن المبارك، ولا يَتَّصِلُ بالرسول ?، وقد تَقَدَّمَ ذِكر ذلك في المعلَّل والموضوع.
وعليه فالواجب الأَوَّل على المستدرِك معرفة الأسانيد جرحًا وتعديلا واتِّصالا وانقطاعا وغرابة ونحو ذلك، لأَنَّ معرفة السند من الدين، كَمَا قال عبد الله بن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، ومعرفة ذلك تُدرك من كتب تراجم الرجال. وأشهر المؤَلَّفَات في هذا الشأن؛ ففي الصحابة: كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة” للحافظ ابن حجر العسقلانيِّ، وكتاب “الطبقات الكبرى” لابن سعد، و“تذكِرة الحُفَّاظ” للذَّهبي، وكلُّها مطبوعة وغيرها؛ وكذلك كتاب “الجرح والتعديل” لأبي حاتم الرازي، وكذلك يمكن الاِستعانة بكتب الموضوعات لتعرف الموضوع من الصحيح.
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. (1/323)
صفحة 344
ثانيا المتن: فقد تَقَدَّمَ بعض نماذجه. والمتن هو ما انتهى إليه السند من الكلام، وهو موضوعه والمقصود من أبحاث المصطلح، ليعرف ما تُقبل نسبته إلى قائله وما لا تُقبل. وقد سبق ذلك في الأبواب السابقة، وقد تعرَّض المحدِّثون لدراسة المتن من جوانبه العديدة اِستكمالاً لبحثهم في القبول والردِّ (1).
وأشهر المستدرَكات:
- أَوَّلاً: مستدرك الحاكم، وقد استدرك فيه ما فات البخاري ومسلمًا الموجود على شرطهما، وشروطهما كما قال الحازمي ما حاصله: «شرط البخاري أن يُخرج من الأحاديث ما اتَّصَلَ إسناده بالثقات المتقِنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة، وَأَنَّهُ قد يُخرجُ أحيانًا من الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه، فلم يلتزموه إِلاَّ ملازمة يسيرة». وَلاَ بُدَّ أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنه سماعه منه.
__________
(1) - ... واستيفاءً لِمَا يحتاج إليه الباحث لدى استقراء هذه الأنواع من علوم الحديث وجدنا أَنَّهُ يمكن تقسيمها إلى ما يأتي:
أَوَّلاً: علوم المتن من حيث قائله، وهي أربع: 1) الحديث القدسيُّ. 2) المرفوع من الأحاديث النَّبَوِيَّة. 3) المقطوع. 4) الموقوف.
ثانيا: علوم شارحة للمتن: نبحث منها: 1) غريب الحديث. 2) أسباب وُرود الحديث. 3) ناسخ الحديث ومنسوخه. 4) مختلف الحديث ومشكله. 5) محكم الحديث.
ثالثا: 1) علوم تنشأ من مقابلة المتن المرويِّ بالنصِّ القرآنيِّ القطعيِّ. 2) مقابلة المرويِّ بالروايات والأحاديث الأخرى ليَتَبَيَّنَ منها المحفوظ من المنكر. (1/324)
صفحة 345
وهذا في الأصول لا في الشواهد والمتابعات.
وَأَمَّا شرط مسلم أن يُخرِّجَ حديثَ من سلم من غوائل الجرح إذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه، كحمَّاد بن سلمة في ثابت البناني، ولم يشترط مسلم المشافهة بل اكتفى بِمُجَرَّدِ المعاصرة.
وليس كلُّ رجال الصحيحين يُحكم لهم بالصِّحَّة لرواية مسلم والبخاري عنه في صحيحهما بِأَنَّهُ من شرط الصحيح، ومن قال ذلك فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقِّف على النظر في كَيفِيَّة الرواية عنهم، وعلى أيِّ وجه اعتمدا، قال ذلك ابن الصلاح (1) وغيره، ولذلك عِيب على الحاكم في تصحيح الأحاديث في المستدرك، فبالغ بعضُهم فزعم أَنَّهُ لم يرو فيه حديثًا على شرط الشيخين، وهذا كما قال الذهبيُّ (2) إسراف وغلوٌّ، وبعضهم اعتمد تصحيحه مُطلَقًا وهو تساهل، والحقُّ ما قاله الحافظ ابن حجر، ونصُّه: «إِنَّمَا وقع للحاكم تساهل لأَنَّهُ سوَّد الكتاب لينقِّحه فأعجلَته المنيَّة، وقد وجدت قريبا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستَّة من المستدرك، إلى هُنا اِنتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ منه إِلاَّ بطريق الإجازة، والتساهل في القدْر الممليِّ قليل
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 28.
(2) - ... وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ الذهبيُّ في كِتَابه: “تلخيص المستدرك” وَهُوَ مطبوع بذيل المستدرك للحاكم النيسابوري، طبعة الهند، انظر تعليق د. نور الدين عتر عَلَى مُقَدِّمَة ابن الصلاح، ص22. (1/325)
صفحة 346
جدًّا بالنسبة إلى ما بعده» (1).
وقد اختصر الحافظ الذهبيُّ مستدرك الحاكم وتعقَّبه في حُكمه على الأحاديث فوافقه وخالفه، والكتاب المطبوع من مستدرك الحاكم (2) فيه أغلاط، والمتتبِّع لِمَا قاله ابن حجر صحيح، وَإِنَّ الصحيح فيه كثير جدًّا، والضعيف قليل بالنسبة له. وَأَمَّا الموضوع فهو نادر. وقد جمع الذهبيُّ جزءًا جمع فيه الأحاديث التي في المستدرك وهي موضوعة، فبلغت نحو مائة حديث، وهو عدد ضئيل في كتاب ضخم كبير في عصره.
والمستدركات عَلَى الصحيحين كثيرة، وأشهرها عند المُتَقَدِّمين ثلاثة: أَوَّلها: مستدرك الحاكم. ثانيها: مستدرك أبي ذرٍّ الهروي (ت: 434هـ). ثالثها: كتاب الاِلتزامات لأبي الحسن الدارقطني (ت: 335هـ). وفي القرن التاسع الهجريِّ ظهر مستدركان سُمِّيَا بالزوائد.
والزوائد هي المُصَنَّفَات التي تجمع الأحاديث الزائدة في بعض كتب الحديث على أحاديث كتب أخرى، دون الأحاديث المشتركة بين المجموعتين.
وقد أكثر العلماء من تصنيف الزوائد، وأذكر منها هذين الكتابين الجليلين:
__________
(1) - ... السيوطي: تدريب الراوي، ج1، ص106 - 107. والكتاني: الرسالة المستطرفة، ص25.
(2) - ... والحاكم هو أبو عبد الله محَمَّد بن عبد الله النيسابوري (ت: 405هـ)، وهو صاحب “كتاب معرفة علوم الحديث” و“المستدرك عَلَى الصحيحين". (1/326)
صفحة 347
1) “مجمع الزوائد ومنبع الفوائد”: للحافظ نور الدين عليِّ بن أَبِي بكر الهيثميِّ (ت: 807هـ)، جمع فيه ما زاد على الكتب الستَّة من ستَّة مراجع هَامَّة، وهي: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزَّار، والمعاجم الثلاثة للطبرانيِّ.
وعُنِيَ ببيان حال الأحاديث صِحَّة وضعفًا واتِّصالا وانقطاعًا، وأفاد غاية الفائدة، غير أَنَّ طبعته تحتاج إلى تحقيق وضبط أكثر مِمَّا هي عليه بكثير (1)، وقد رأيته في أربع مجلَّدات لثمانية أجزاء، لِكُلِّ مُجَلَّد جزءان، وفي عشر مُجَلَّدات لِكُلِّ مُجَلَّد جزء. وقد أشاد بذكره الدكتور أحمد محَمَّد شاكر في شرحَيه لألفيَّة السيوطي في الحديث (2)، و“الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث” (3) للحافظ ابن كثير. وكذلك الدكتور نور الدين عتر في كتابه: “منهج النقد في علوم الحديث” (4).
2) “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ”: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام العَلَم (ت: 852هـ)، جمع فيه الزوائد
__________
(1) - ... وقد قام الأستاذ عبد الله محَمَّد الدرويش بتحقيق الكِتَاب وتخريج أحاديثه في عشر مُجَلَّدات، طبع بدار الفكر، بيروت، لبنان، ط1994م، وَسَمَّاهُ: “بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ومنبع الفوائد”، وهي طبعة أنيقة فنِّيَّة ومرقَّمة أحاديثها، وَلَكِن تنقصها الفهارس الفنِّيَّة.
(2) -
(3) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث، تحقيق أحمد محمد شاكر، ج1، ص111.
(4) - ... د. نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث، ص206 - 207. (1/327)
صفحة 348
على الكتب الستَّة من ثمانية مسانيد، «وهي لأبي داود الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر، ومسدَّد، وأحمد بن مُنيع، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد بن أبي حميد، والحارث بن أبي أسامة. وأضاف زيادات من مسند أبي يعلى ومسند إسحاق بن راهويه ليست في مجمع الزوائد» (1).
وقد طُبع بتحقيق متقَن للمحدِّث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي أطال اللهُ عمره في خِدمة العلم لَكِنَّهُ اعتمد على نسخة مجرَّدة من الأسانيد، وسيعيده المحقِّق على نسقه كما ذكر الدكتور عتر (2). ولا يخفى ما فيها من الأَهَمِّيَّة والفائدة.
أرجو من الله أن يسهِّل طريقها إلى هاته الدار، آمين. وقد أوردت ما قيل في المستخرَجات والمستدرَكات وأسماء مشهوراتها، والمحقِّق يرجع إلى ما صحَّح الحُفَّاظ المحدِّثون في الشأن، والله أعلم.
__________
(1) - ... كما أفصح بهذا ابن حجر في تقديم الكِتَاب، ص04.
(2) - ... د. نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث، ص207. (1/328)
صفحة 349
بَقِيَّة أنواع الكتب المشهورة في الحديث وألقابها
قد نوَّع المصنِّفون المحدَثون في التصانيف، وتفنَّنوا فيها، مِمَّا يجعل تصانيفهم بتنوُّعها هذا ملبِّية للمطالب التي يتطَّلع إليها العلماء والباحثون في المراجع. وسأذكر في هذا المختصر أهمَّ أنواعها فأقول:
أَوَّلاً: الكتب المصنَّفة على الأبواب:
ووقع في كتب المُتَقَدِّمين إطلاق “الأصناف” عليها.
وطريقة هذا التصنيف: أن تُجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد إلى بعضها بعضًا، تحت عنوان عامٍّ يجمعها، مثل: «كتاب الصلاة»، «كتاب الزكاة»، «كتاب البيوع» ... إلخ، ثُمَّ توزَّع الأحاديث على أبواب، يضمُّ كلُّ باب حديثًا أو أحاديث في مسألة جُزئِيَّة، ويوضع لهذا الباب عنوان يَدُلُّ على الموضوع، مثل: «باب مفتاح الصلاة الطهور»، وَيُسَمِّي المحدِّثون العنوان “ ترجمة ”.
وفائدة هذا النوع من الكتب: سهولة الرجوع إليه، حيث إِنَّهُ أَوَّل ما يتبادر لطالب العِلم والباحث عن الحديث أن يرجع إليه.
وذلك لأَنَّهُ إن كان يريد الاِطِّلاع على أحاديث في مسألة معيَّنة فإنَّ موضوع هذه الأحاديث يحتِّم عليه الرجوع للأبواب.
وإن كان يريد البحث عن حديث رآه ليخرِّجه من مصادر السُّنَّة، (1/329)
صفحة 350
فموضوع الحديث يحدِّد له الباب الذي يبحث فيه عن الحديث المطلوب.
لَكِنَّ الإفادة والمنفعة من هذه الكتب المبوَّبة تحتاج إلى ذوق علميٍّ، يهدي الطالب إلى تحديد موضوع الحديث، وإلى خبرة بأسلوب الأَئمَّة في ترجمة أبواب كتبهم، فَإِنَّهُم رُبَّمَا يخرِّجون الحديث في غير الباب المتوقَّع، يقصدون من ذلك بيان دلالة الحديث على مسألة أخرى.
وهذا كثير في صحيح الإمام البخاريِّ، حَتَّى عُدَّ من خصائص كتابه، واشتهر قولهم: «فقه البخاري في تراجمه».
وللتصنبف على الأبواب طرق مُتَعَدِّدَة، نذكر منها ما يلي:
أ) الجوامع:
الجامع في اصطلاح المحدِّثين هو كتاب الحديث المرتَّب على الأبواب الذي يوجد فيه أحاديث في جميع موضوعات الدين وأبوابه، وعددها ثمانية أبواب رئيسيَّة، وهي العقائد، الأحكام، السير، الآداب، التفسير، الفتن، أشراط الساعة، المناقب.
وكتب الجوامع كثيرة أشهرها ثلاثة:
1 - “الجامع الصحيح” للإمام البخاريِّ.
2 - “الجامع الصحيح” للإمام مسلم.
3 - “الجامع الصحيح” للإمام الترمذيِّ. وقد تَقَدَّمَ ذِكرها ومؤلِّفيها (1/330)
صفحة 351
ووفياتهم (1).
وهناك جوامع متأخِّرة، وهي مرتَّبة على حروف المعجَم؛ جمعت أحاديث مُهِمَّة ومختلفة، أشهرها “الجامع الصغير” للإمام السيوطي.
ب) السنن:
وكتب السنن هي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة، مرتَّبة على أبواب الفقه (2)، وأشهرها:
1) سُنن أبي داود. 2) سُنن النسائي. 3) سنن ابن ماجة، ومعها جامع الترمذي. ويُطلق على هذه السنن: «السنن الأربعة».
وإذا قالوا: «الثلاثة» فمرادهم هذه ما عدا ابن ماجة.
وإذا قالوا: الخمسة، فمرادهم السنن الأربعة ومسند أحمد.
وإذا قالوا: الستَّة، فمرادهم الصحيحان والسنن الأربعة.
ويرمزون لها في كتب التخريج وكتب الرجال بهذه الرموز:
(خ): للبخاري، (م): لمسلم، (د): لأبي داود، (ت): للترمذي، (ن): للنسائي، (هـ) لابن ماجة، (ع) للستَّة. وقد تَقَدَّمَ ذِكر مؤلِّفيها إِلاَّ أحمد بن حنبل.
__________
(1) - ... انظر صحيفة 60 من هَذَا الكِتَاب.
(2) - ... الكتاني: الرسالة المستطرفة، ص 17. (1/331)
صفحة 352
ج) المُصَنَّفَات:
وهي كتب مرتَّبة على الأبواب لَكِنَّهَا تشتمل على الحديث الموقوف والحديث المقطوع، بالإضافة إلى الحديث المرفوع.
ومن أشهر المُصَنَّفَات: مصنَّف عبد الرزَّاق بن هشام الصنعاني (ت: 211هـ)، ومصنَّف أبي بكر بن أبي شيبة (ت: 235هـ).
د) المستدركات:
وقد مَرَّ ذِكرها، وأشهرها “المستدرك” للحاكم النيسابوري.
هـ) المستخرجات:
وقد مَرَّ ذِكر أشهرها فلا حاجة للإعادة.
ثانيا: الكتب المرتَّبة على أسماء الصحابة:
وهي نوعان:
أ) المسانيد:
جمع مسند، وهي كتب تَجمع الأحاديث التي يرويها كلُّ صحابيٍّ في موضع خاصٍّ، يحمل اِسم راويها الصحابيِّ، بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإِسلاَمِيَّة، أو شرافة النسب، أو غير ذلك.
والمسانيد كثيرة جدًّا، أشهرها وأعلاها: مسند الإمام أحمد بن حنبل، (1/332)
صفحة 353
صاحب المذهب الحنبليِّ (ت: 241 هـ)، ويشتمل على ثلاثين ألف حديث، في أربعة وعشرين مجلَّدًا على قول الأقدمين. وفي هذا المسند أحاديث صحيحة كثيرة لم تُخرَّج في الكتب الستَّة (1). وقد قال الإمام أحمد عن مسنده: «هذا كتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مائة ألف حديث وخمسين ألفًا بالرقم 000 750، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله i فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وَإِلاَّ فليس بحُجَّة» (2)، ويقول لابنه عبد الله راوي المسند: «اِحتفظ بهذا المسند فَإِنَّهُ سيكون للناس إمامًا» (3).
وقد عقَّب الحافظ الذهبيُّ على قول الإمام بقوله: «هذا القول منه على غالب الأمر وَإِلاَّ فلنا أحاديث قَوِيَّة في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند» (4). وقد فصل ابن تيمية في هذه القَضِيَّة فصلاً حكيمًا،
__________
(1) - ... ابن كثير: الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث، ص13.
قد طُبع هَذَا المسند عِدَّة مَرَّات، وأحسن طبعة هي طبعة دار المعارف بمصر، سنة 1971، من قِبل الشيخ أحمد محَمَّد شاكر، فقد طبعه طبعة عِلْمِيَّة محقَّقة، مبيِّنا فيها درجة كُلِّ حديث من الصِّحَّة وغيرها، مع شَيْء من الشرح، كما جعل في آخر كُلِّ جزء فهرسا مفصَّلا، وأثبت في نهاية كُلِّ جزء أَيضًا عدد الأحاديث الموجودة فيه، مع بيان الصحيح والحسن وعدد الضعيف، إِلاَّ أَنَّ المنيَّة عاجلته عَلَى سِتَّة عشر مُجَلَّدا من ضمن ثلاثين مُجَلَّدا كما نصَّ عَلَى ذَلِكَ في مُقَدِّمَة الكِتَاب، وَفي كِتَاب الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ج1، ص110.
(2) - ... الإمام أحمد بن حنبل: المسند (المقَدِّمَة) ج1، ص21.
(3) - ... نفسه (المقَدِّمَة) ج1، ص21.
(4) - ... نفسه، ج1، ص31. (1/333)
صفحة 354
إذ نفى في كتاب “علم الحديث” (1) وجود الموضوع في المسند، إن كان المراد بالموضوع ما في سنده كذَّاب، أَمَّا إذا كان المراد ما لم يقله
النبيء i لغلط راويه وسوء حفظه ففي المسند والسنن من ذلك كثير»، والله أعلم.
ب) كتب الأطراف:
والأطراف جمع طرف، وطرف الحديث: الجزء الأَوَّل منه، أو العبارة الدَّالَّة عليه، مثل حديث: «الأعمال بالنيَّات»، وحديث: «الخازن الأمين»، وحديث: «سؤال جبريل».
وكتب الأطراف: يقتصر مُؤَلِّفوها على ذِكر طرف الحديث الدالِّ عليه، ثُمَّ ذِكر أسانيده في المراجع التي ترويه بإسنادها. وبعضهم يذكر الإسناد كاملاً، وبعضهم بقتصر على جزء من الإسناد لَكِنَّهَا لا تذكر متن الحديث كاملاً، كما أَنَّهَا لا تلتزم أن يكون الطرف المذكور من نصِّ الحديث حرفيًّا.
ولهذه الطريقة من الفوائد سوى ما ذكرناه:
1) تسهيل معرفة أسانيد الحديث لاجتماعها في موضع واحد.
2) معرفة من أخرج الحديث من أصحاب المصادر الأصول، والباب الذي أخرجوه فيه، فهي نوع من الفهارس، مُتَعَدِّد الفوائد.
__________
(1) - ... ابن تيمية: علوم الحديث، ص 162. (1/334)
صفحة 355
ومن أشهر كتب الأطراف هذان الكتابان:
1) “تحفة الإشراف بمعرفة الأطراف”: للحافظ الإمام أبي الحجَّاج يوسف بن عبد الرحمن المزِّي (ت: 742هـ) جَمع فيه أطراف الكتب الستَّة، وبعض ملحقاتها، وهذه الملحقات هي: 1 - مُقَدِّمَة صحيح مسلم. 2 - المراسيل لأبي داود السجستاني. 3 - العِلل الصغير للترمذي.
4 - الشمائل للترمذي. 5 - عمل اليوم والليلة للنسائي.
ورمز لكلٍّ من هذه الكتب، وكلُّ كتاب من الكتب الستَّة برمز خاصٍّ، أوضحه في مقَدِّمَة كتابه، تقارب الرموز، مع رموز زيادة الملحَقات.
والكتاب يُرتَّب تراجم أسماء الصحابة بحسب ترتيب ألف باء ... الخ، لذلك وقع في أَوَّله: مسند أبيض بن حَمَّال، يُطبَعُ الكتاب الآن في الهند، وليت القائمين على إخراجه علَّقوا عليه بالعزو إلى أرقام صفحات كتاب الحديث في المراجع إذًا لسهل الاِنتفاع بالكتاب جدًّا، وأصبح فهرسًا فريدًا للمصادر، وليتمَّ تحقيق الكتاب على الشكل الأكمل، والكتاب في حدِّ ذاته عزيز الوجود (1).
__________
(1) - ... وقد استجاب لهذا الطلب عبد الصمد شرف الدين بإشراف زهير الشاويش لتحقيق هَذَا الكِتَاب القيِّم، وطبعه بالدار القيِّمة بالهند مَرَّتَيْنِ، والطبعة الثانية منه صدرت سنة سنة 1983م، من طرف المكتب الإسلامي. أشرف عَلَيْهِ أبو مهاجر محَمَّد السعيد بيوني زغلول تحت عنوان: «تقريب تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف»، في أربعة مُجَلَّدات. وكما أعدَّ كلٌّ من أبي عبد الله السعيد المندوه، وأبي الفداء سامي التوني مفتاحا لهذا الكِتَاب وفهرسا له أعدَّه محَمَّد عبد القادر عطا، في مجلَّدين والمجموع يكون في سِتِّ مُجَلَّدات، مطبوع بمؤسَّسة الكتب الثَّقَافِيَّة، بيروت، لبنان، ط1، 1994م. (1/335)
صفحة 356
2) “ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث”: تصنيف الشيخ النابلسي (ت: 1143هـ)، جَمَع فيه أطراف الكتب الستَّة والموطَّأ، رتَّبه على مسانيد الصحابة، كترتيب تُحفة الأشراف، وأدرج تحت كُلِّ صحابيٍّ أطراف الحديث التي رُويت له في الكتب السبعة، أو في بعضها، فيذكر الحديث ثُمَّ يذكر من أخرجه فيه، فقسَّم الكتاب بحسب ذلك إلى سبعة أبواب. والكتاب مطبوع في أربعة أجزاء، وبعناية جمعيَّة النشر والتأليف الأزهريَّة بالقاهرة. وقد ضمَّ الكتاب (12302) طرفًا. والكتاب قيِّمٌ لا غنى للمشتغل في الحديث عنه، إِلاَّ أَنَّنَا نلاحظ على إخراجه ما لاحظناه على تحفة الأشراف، والله أعلم.
ثالثا: المعاجم:
والمعجَم في اصطلاح المحدِّثين: كتاب تُذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ. والغالب عليها اتِّباع الترتيب على حروف الهجاء؛ فيذكر المؤلِّف بدءًا بالأحاديث التي يرويها عن شيخه: أبان، ثُمَّ إبراهيم، وهكذا ...
وأشهر مُصَنَّفَات هذا النوع: المعاجم الثلاث، للمحدِّث الحافظ الكبير أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت: 360هـ)، وهي: (1/336)
صفحة 357
1 - “المعجم الكبير”: وهو على مسانيد الصحابة، مرتَّبة على حروف المعجم. والمعجم الكبير هذا مرجع حافل، وهو أكبر المعاجم، حَتَّى صار لشهرته إذا أُطلق قولهم: «المعجم» أو: «أخرجه الطبرانيُّ» كان المراد هو “المعجم الكبير”.
2 - “المعجم الأوسط”، و“المعجم الصغير”، وكلاهما مرتَّب على أسماء شيوخه.
رابعا: الكتب المرتَّبة على حروف المعجم:
وهي بحسب أَوَّل كلمة من الحديث، تبدأ بالهمزة ثُمَّ الباء وهكذا ... وهي كثيرة، وقد أشرنا إلى أشهرها، وهي “الجامع الصغير” للسيوطي، وقد ذكرتها في الجوامع من هذا؛ وهذه الطريقة سهلة جدًّا للمراجعة، لكن لاَ بُدَّ لها من معرفة الكلمة الأولى من الحديث بلفظها المعروف بها معرفة أكيدة، وَإِلاَّ ذهب الجهد في البحث عن الحديث هنا دون جدوى. وهذه المُصَنَّفَات لها طريقتان:
1) كتب مجامع: تجمع أحاديث كتب حديثيَّة متعدِّدة، مِمَّا نذكره في النوع التالي.
2) كتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة: وهي الأحاديث التي تتداولها ألسِنة العَامَّة، وهي نوع من الأحاديث المشهورة. والمشهور في عُرفهم ينقسم بحسب موقع شهرته إِلىَ: (1/337)
صفحة 358
أ) ما اشتهر في الأوساط التي يُذاع فيها وينشر، سواء كان حديثًا أو غيره، نُسب للحديث وهو المشهور عند العَامَّة، مثل حديث: «السَّفَر قطعة من العذاب» (1)، وحديث: «من غشَّنا فليس مِنَّا» (2)، وحديث: «أدَّبني رَبِّي فأحسن تأديبي» (3)؛ فالحديث الأخير لا نشكُّ في ذلك لَكِنَّ إسناده ضعيف. وَأَمَّا الحديثان الأَوَّلان فقد أوْردهما البخاريُّ ومسلم، فهما من الصحاح. ويُطلق المشهور على ما اشتهر على ألسِنة الناس، ولو روي بإسناد واحد أو لم يكن له إسناد أصلاً. وهذه أمثلة لبعض هذه الأقسام:
1) المشهور عند أهل الحديث خَاصَّةً: مثل حديث أنس أَنَّ رسول
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب العمرة (19) باب السفر قطعة من العذاب، رقم1804. ومسلم في كِتَاب الإمارة (55) باب السفر قطعة من العذاب ... رقم 179 (1927)، من حديث أبي هريرة.
وقال السخاوي في تخريجه: «مُتَّفَق عَلَيْهِ من حديث مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به مرفوعا. وسئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه: لِمَ كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب عَلَى الفور: لأَنَّ فيه فراق الأحباب. السخاوي: المقاصد الحسنة، رقم 562.
(2) - ... رواه مسلم في كِتَاب الإيمان (43) باب قول النَّبِيء (ص) من غشَّنا فليس مِنَّا، رقم 164 (101). وَأَوَّلُ الحديث عنده: «من حمل السلاح ... ». ورواه الربيع في مسنده (1) باب الحُجَّة عَلَى من قال إِنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين، ج3، ص291، رقم 753 مع زيادة. والسخاوي في المقاصد الحسنة، رقم 1157، من حديث أبي هريرة.
(3) - ... أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، رقم 249. ر: الشوكاني في الفوائد المجموعة، رقم 327. والسخاوي في المقاصد الحسنة، رقم 45، من حديث عليٍّ. (1/338)
صفحة 359
الله i « قَنَتَ شهرًا بعد الركوع يدعو على رعل وذَكْوان» (1)، أخرجه الشيخان من رواية سليمان التيميِّ عن أبي مِجْلَز عن أنس. وقد رواه عن أنس غير أبي مِجْلَز وهو مشهور عند أهل الحديث، وقد يستَغْرِبه غيرهم، لأَنَّ الغالب على رواية التيميِّ عن أنس كونها بلا واسطة.
2) المشهور عند المحدِّثين والعلماء والعوام: مثل حديث: «المسلم أخو المسلم» (2)، رواه البخاري في المظالم ومسلم في البِرِّ والصلة.
3) المشهور عند الفقهاء: مثل حديث: «لا ضرر ولا ضِرار» (3)، و «المسلمون على شروطهم» (4). فالأَوَّل روي عن النبيء i من أوجه
__________
(1) - ... رواه البخاري في كِتَاب الوتر (7) باب القنوت قبل الركوع وبعده، رقم 1003. ورواه مسلم في كِتَاب المساجد ومواضع الصلاة (54) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، رقم 299، من حديث أنس بن مالك.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب المظالم (3) باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، رقم 2442، من حديث ابن عمر. ومسلم في كِتَاب البِرِّ والصلة (10) باب تحريم ظلم المسلم وخذله ... رقم 32 (2564). وَأَوَّلُ الحديث عنده هو: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ... » من حديث أبي هريرة.
(3) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب الأحكام (17) باب من بنى في حقِّه ما يَضُرُّ بجاره، رقم 2340، من حديث عُبادة بن الصامت. ورواه الحاكم في كِتَاب البيوع، رقم 2345 (16). والنوويُّ في الأربعين، رقم 32، من حديث أبي سعيد الخدريِّ.
(4) - ... رواه الترمذيُّ في كِتَاب الأحكام (17) باب ... رقم 1352. وَأَوَّلُ الحديث هو: «الصلح جائز بين المسلمين ... ». والحاكم في كِتَاب البيوع، رقم 2309 (180)، من حديث أبي هريرة. (1/339)
صفحة 360
كثيرة، وله طُرُق يرتقي بها إلى الحسن أو الصِّحَّة، وحسَّنه النوويُّ في الأربعين؛ لكن أخرجه ابن ماجه عن عبادة منقطعًا، وعن ابن عَبَّاس كذلك، وإن أخرجه الحاكم عن أبي سعيد الخدريِّ وصحَّحه على شرط مسلم. والحديث الثاني أخرجه الترمذيُّ في الأحكام، وحسَّنه؛ والحاكم قد انتقد على الترمذيِّ في تحسين هذا الحديث أو تصحيحه، وكلاهما عند أهل الحديث ضعيف.
4) المشهور عند المحدِّثين والعلماء والعوامِّ: هو حديث: «المسلم أخو المسلم» (1) المارِّ ذِكره.
5) المشهور عند الأصوليِّين: مثل حديث: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حَكَم فاجتهد ثُمَّ أخطأ فله أجر» (2)، أخرجه البخاريُّ ومسلم.
6) المشهور عند علماء العَرَبِيَّة: مثل حديث: «نعم العبد صُهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» (3)، وليس له إسناد كما ذكر ذلك صاحب “المقاصد” و“كشف الخفاء”. وحديث: «أنا أفصح من نَطَق بالضاد بيد
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب الاعتصام بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة (21) باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم 7352. ورواه مسلم في كِتَاب الأقضية (6) باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم 15 (1716)، من حديث عمرو بن العاص.
(3) - ... رواه الشوكاني في الفوائد، رقم 409. والسخاوي في المقاصد، رقم 1259، من حديث عمر. (1/340)
صفحة 361
أَنِّي من قريش» (1)، فمعناه صحيح وحقٌّ، لَكِن ليس لهذا اللفظ إسناد إلى النبيء i، كما ذكر ذلك صاحب “المقاصد الحسنة” و“كشف الخفاء”. وحديث: «الحرب خدعة» (2)، وهي صحيحة. ومثل: «المؤمن مرآة أخيه» (3)، أخرجه أبو داود بلفظ: «المؤمن مرآة أخيه»، وحسَّنه العراقيُّ. ومثل: «كما تَدِينُ تُدان» (4) ضعيف أخرجه أبو داود في الأدب، وضعَّفه. ومثل: «المجالس بالأمانات» (5)، ضعَّفه العلماء، وقد أخرجه البيهقيُّ في الزهد وغيره. ومثل: «مَن لم يَخَفِ اللهَ خَفْ منه» (6) ليس بحديث، وإن كان معناه صحيحًا، وغير ذلك كثير من الأحاديث التي تدور على ألسِنة الناس. ولا ريب أَنَّ هذه الأحاديث لها تأثير في سلوك الأُمَّة، لذلك عُنِيَ
__________
(1) - ... رواه الشوكاني في الفوائد، رقم 1020. والسخاوي في المقاصد، رقم 185. وقال: «معناه صحيح، وَلَكِن لا أصل له، كما قاله ابن كثير».
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب الجهاد (154) باب الحرب خدعة، رقم 2866. ورواه مسلم في كِتَاب الجهاد والسير (05) باب جواز الخداع في الحرب، رقم 1739، من حديث جابر.
(3) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الأدب، باب في النصيحة والحياطة، رقم 4918، من حديث أبي هريرة، والعراقيُّ في الإحياء، ج2، ص181.
(4) - ... رواه البخاري في كِتَاب التفسير (1) باب ما جاء في فاتحة الكِتَاب (). والسخاوي في المقاصد، رقم: 834، من حديث ابن عمر.
(5) - ... رواه البيهقيُّ في كِتَاب الشهادات (80) باب من عضه غيره بحد أو نفي نسب ردَّت شهادته ... رقم 21162. ورواه أبو داود في كِتَاب الأدب، باب في نقل الحديث رقم 4869. والسخاوي في المقاصد الحسنة، رقم 1000، مِن حديث جابر.
(6) - ... أخرجه السخاوي في المقاصد، رقم: 1176، وقال: «معناه صحيح، فَإِنَّ عدم الخوف من الله يوقع صاحبه في كُلِّ محذور ومكروه». (1/341)
صفحة 362
العلماء ببيان حالها، وألَّفوا في ذلك تصانيف كثيرة، من أهمِّها:
1) “المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على ألسِنة الناس”: للإمام السخاويِّ (ت: 902هـ).
2) “كشف الخفاء ومزيل الاِلتباس عَمَّا اشتهر من الأحاديث على ألسِنة الناس”: للعَلاَّمة إسماعيل بن محَمَّد العجلوني (ت: 1162هـ).
وَيَتَبَيَّنُ مِمَّا مَرَّ أَنَّ مِن أقسام المشهور ما ليس بحديث، وما هو ضعيف، وما هو حسن أو صحيح؛ وشُهرتها بين الناس لا تزيد ولا تنقص من قيمتها المحدَّدة عند علماء الحديث. وليس للفقهاء ولا للأصوليِّين تعويل على شهرة الحديث، بل لا يستنبطون حُكما من الأحكام إِلاَّ بعد نقدهم لِمَا روى فيه من آثار تصحيحًا وغيره، فلننتبه لِمَا يقوله بعض من لا عِلم له بالفنِّ، والله أعلم.
خامسا: كتب الأجزاء:
والجزء في اصطلاحهم تأليف الأحاديث المرويَّة عن رجل واحد سواء كان ذلك الرجل في طبقة الصحابة أو مَن بعدهم، كجزء حديث أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وجزء حديث مالك وقِس عليهما.
وهذا القسم هو النوع الأَوَّل من الأجزاء، ويُسمَّى بالرسائل. والقسم الثاني منه ما يختارون من المطالب الثمانية، من الاِعتقاد إلى السيرة المذكورة في صِفة الجامع مطلبا جُزئِيًّا، ويصنِّفون فيه مبسوطًا، كما (1/342)
صفحة 363
صنَّف أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا في «النيَّة» وآخَر في «ذمِّ الدنيا»؛ بسط في كُلِّ واحد منهما ما وَرَد من الأحاديث فيه؛ وذلك لإفادة الطالب، وتوسيع دائرة معرفته بذلك الجزء، وعلى هذا القياس صُنِّفت كتبٌ كثيرة في جُزئِيَّات تلك المطالب، كتخصيص الطالب في ذلك الجزء من الحديث المختار تضييقًا للشُّقَّة عليه، والله أعلم.
سادسا: الأربعينيَّات:
ومعنى ذلك أن يختار المُصَنِّف أربعين حديثا من أحاديث
الرسول i، سواء كانت تلك الأحاديث صحيحة أو حسنة أو موضوعة، وسواء كانت في مطلب من مطالب الحديث أو عِدَّة مواضيع، وذلك تسهيلاً للواعظ في اختيار الموضوع، ولا سيَما في الترغيب والترهيب مِمَّا لا يحتمل الطالب الغوص في استخراجها من الجوامع.
ورغَّب المصنِّفين في الشأن حديث وارِد عن الرسول i برواية عليٍّ وعبد الله بن مسعود ومعاذ وأبي الدرداء وابن عمر وابن عَبَّاس وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدريِّ وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي أمامة وجابر بن سمرة وبريدة وسلمان الفارسيِّ رضي الله عنهم عن رسول
الله i: « من حفظ على أُمَّتِي أربعين حديثًا من دينها بَعثَه الله تعالى يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء» (1)، وفي رواية: «بعثه الله فقيها
__________
(1) - ... أورده القطب في كِتَابه: “وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فنِّ الحديث”، ج1، ص33، الفصل الثاني: في الحديث أَيضًا. وانظر أَيضًا: السخاوي في المقاصد، رقم 480. والشوكاني في الفوائد، رقم 290. وأبو نعيم في الحلية، ج4، ص189، وغيرها. (1/343)
صفحة 364
عالِما»، وفي رواية أبي الدرداء: «وكنت له يوم القيامة شافعًا شهيدًا»، وفي رواية ابن مسعود: «قيل له: اُدخل الجَنَّة من أيِّ باب شئت»، وفي رواية ابن عمر: «كُتب في زمرة العلماء، وحُشر في زمرة الشهداء».
وقال القطب رحمه الله: «لَعَلَّ المراد بتخالف الرويات تخالف المراتب، إِلاَّ شفيعًا وشهيدًا، وَأَنَّهُ يدخل الجَنَّة من أيِّ باب شاء، فيأتيان في الجميع» (1).
وقد اتَّفَقَ الحُفَّاظ على أَنَّ الحديث برواياته وكثرة طرقه ضعيف، إذ لا يخلو طريق منها أن يكون فيها مجهول أو معروف بالضعيف. ولَمَّا أخرجه ابن عبد البرِّ من حديث مالك قال: «هذا غير محفوظ ولا معروف عنه، ومن رواه عنه فقد أخطأ عليه».
وقال في كتاب العِلم مِن كتابه: إسناده ضعيف. وقال ابن السكن في بعض رواة بعض طرقه: إنَّهُ منكر الحديث. وقال الدارقطنيُّ: كلُّ طرُقِه ضِعاف. وقال البيهقيُّ: أسانيده كثيرة وكلُّها ضعيفة. وقال ابن عساكر: كلُّها فيها مقال. وقال السِّلَفِيُّ: إِنَّهُ روي من طرقٍ يتقوَّى بها، قال: وقد رَكنوا إليها وعرفوا صِحَّتها وعوَّلوا عليها، لأَنَّهُ مُعترض. وأجاب المنذري عن ذلك بِأَنَّهُ سَلَك مسلك مَن رأى الأحاديث الضعيفة إذا انضمَّ بعضها
__________
(1) - ... القطب اطفيَّش: وفاء الضمانة، ج1، ص33. (1/344)
صفحة 365
إلى بعض حدثت لها قُوَّة. لَكِنَّ ابن الجوزيَّ ذكره في الموضوعات، وهو تساهل منه.
وقال القطب: إِنَّهُ ضعيف لا موضوع؛ ولئن سلَّمنا عدم وضعه لنقولنَّ: إِنَّهُ شديد الضعف، وما اشتَدَّ ضعفه لا يُعمل به ولو في الترغيب والترهيب والفضائل، كما قاله السبكيُّ وغيره. وكما لا يُعمل بالموضوع، فكيف عمل به أَئِمَّةٌ أخرجوا الأربعينيَّات اعتمادًا عليه؟ ويُجاب بِأَنَّهُ لا نسلِّم أَنَّهُ شديد الضعف، لأَنَّ الضعيف الشديد الضعف هو الذي لا يخلو طريق من طرقه من كذَّاب أو متَّهم بالكذب، وليس هذا الحديث كذلك.
وَاتَّفَقَ بعض الحُفَّاظ على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لأَنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عليها تحليل أو تحريم أو تضييع حقِّ الغير.
وفي حديث ضعيف روي عن طريق أبي عُبيدة رحمه الله أَنَّهُ i قال: «من بَلَغه عَنِّي ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته، وإن كنت قلته حصل له أجر العمل وأجر رواية الحديث» (1).
«واعترض بعضٌ بِأَنَّ الفضائل تتلقَّى من الشرع، فإثباتها بالحديث الضعيف اِختراع عبادة وشرعٌ في الدين بما لم يأذن به الله» (2). ويقوِّيه
__________
(1) - ... مجهول: مسائل أبي عبيدة، ص16 (مخطوط).
(2) - ... القطب اطفيَّش: وفاء الضمانة، ج1، ص34 - 35، بتصرُّف. (1/345)
صفحة 366
الأحاديث الوارِدة في إحياء الحديث، مثل قوله i: « نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي ... » (1) الحديث، وقوله: «ليبلِّغ الشاهد منكم الغائب» (2)، وقوله: «بلِّغوا عَنِّي ولو آية» (3) أي: فكيف بحديث، وذلك أَنَّ القرآن والحمد لله أكثر شهرة وحِفظًا في زمانه i كما بعده، فبالغ بالآية. وَمِمَّن جَمعها وشرحها الإمام النوويُّ وغيره في جزء منه سُمِّي بالأحاديث الأربعين النوويَّة.
والقطب نفسه أورَد في “وفاء الضمانة” في كُلِّ باب أربعين حديثا. لكن تجرَّأ على وضع أحاديث أربعينات بعضُ من لا يتورَّع، فوضع أحاديث اخترعها من فكره (4)، وإن كانت في الحقيقة في غاية البلاغة والدقَّة، شأنهَا في ذلك شأن كثير من الألفاظ المزعومة من كلام الحكماء، أو الأمثال، أو من آثار الصحابة، ينسبها الواضع إلى النبيء i، ويدعِّمه بسند يخترعه من نسج خياله وإنشائه، ولذلك قال الحافظ ابن رجب الحنبليُّ في شرح عِلل الترمذي ما نصُّه: «المشتغلون بالتعبُّد، الذين يُترك حديثهم على قسمين:
- منهم من شغَلته العبادة عن الحِفظ فكثر الوهم في حديثه، فرفع
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه.
(2) - ... تَقَدَّمَ تخريجه.
(3) - ... تَقَدَّمَ تخريجه.
(4) - ... أي الذي لا يتورع، وليس القطب اطفيش كما يتوهمه القارئ من خلال النص. (1/346)
صفحة 367
الموقوف، ووصل المرسَل، ونحو ذلك.
- ومنهم من كان يتعمَّد الوضع ويتعبَّد بذلك!!» (1).
وهذا الصنف من الواضعين أشدُّ الأصناف خطرًا، وأعظمهم ضررًا، حيث يقع حديثهم من العَامَّة موضع القبول والتسليم.
ومن تلك الأحاديث: “الأربعون الودعانيَّة” التي شرحها الشيخ عبد العزيز بن موسى بن يوسف الأفضلي المصعبي اليسجني (حيٌّ سنة 964هـ) (2)، والتي مبدؤها: «الحديث الأَوَّل عن أنس بن مالك قال: خطَبنا رسول الله i على ناقته الجدعاء، فقال: “يا أَيُّهَا الناس كَأَنَّ الموت فيها على غيرنا كُتب ... » (3) الخ، وعندي نسخة من الأربعين غير مشروحة، ومُرتَّبة على ترتيب الشارح، وفي أَوَّلها: قال الفقيه أبو نصر محَمَّد بن علي بن ودعان. أظنُّ أَنَّ الشارح لم يطَّلع على ما قيل في ابن ودعان وفي
__________
(1) - ... ابن رجب: شرح علل الترمذي، ج1، ص96.
(2) - ... الشيخ عبد العزيز بن موسى بن يوسف المصعبي، حيٌّ في النصف الثاني من القرن (10هـ/16م) من علماء بني يسجن بميزاب، من عشيرة آل افضل، له شرح الأحاديث الأربعين، المسمَّاة ب“الأحاديث الودعانيَّة” مطبوع طبعة حجريَّة في مُجَلَّد واحد.
جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، النسخة التجريبيَّة، ج4، ص487، رقم624.
(3) - ... رواه أبو نعيم في الحلية، ج3، ص202. والهنديُّ في الكنز، ج15، ص931، رقم 43596، من حديث أنس.
وقال أبو نعيم: «هَذَا حديث غريب، من حديث العترة الطَّيِّبَة، لم نسمعه إِلاَّ من القاضي الحافظ». (1/347)
صفحة 368
أربعينيَّته، ووجدها مشروحة شرحًا بسيطًا من قِبل السِّلفيِّ (ت: 576هـ)، فزادها من القصص وغيرها، أعني طعَّمها بذلك لتتمَّ فائدتها، وعكف الناس عليها في كُلِّ دعاء بعد ختم القُرْآن، يقولون: «روي عن رسول الله i أَنَّهُ قال ... » فيورِدون الحديث المصنوع، وتقول العَامَّة في آخره: «صدق رسول الله i» فيردِّدون (1)، ففتَّشت عليه فوجدت ترجمته في “ميزان الاِعتدال”، يقول الذهبيُّ في ترجمة ابن ودعان ما نصُّه مع التعليق: «محَمَّد بن علي بن وَدْعَان القاضي، أبو نصر الموصلي، صاحب تلك الأربعين الوَدْعَانيَّة الموضوعة.
سئل المزِّيُّ عن الأربعين الودعانية فأجاب بما ملخَّصه: “لا يَصِحُّ منها على هذا النسق بهذه الأسانيد شيء، وَإِنَّمَا يَصِحُّ منها ألفاظ يسيرة بأسانيد معروفة يحتاج تتبُّعها إلى فراغ، وهي مع ذلك مسروقة، سرقها ابن ودعان من زيد بن رفاعة، وَقِيلَ: زيد بن عبد الله بن مسعود بن رفاعة الهاشمي، وهو الذي وضع “رسالة أحوال الضعفاء” فيما يُقال، وكان جاهِلاً بالحديث، وسرقها منه ابن ودعان، فركَّب لها أسانيد ... »، إلى أن قال: «والحاصل أَنَّهَا فضيحة مفتعَلَة وكذبة مؤتفكة». وقال الذهبيُّ:
__________
(1) - ... وكنت أظنُّ أَنَّهَا أحاديث صحيحة مرويَّة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى جاء إلى مليكة الشيخ علي يحيى معمَّر رحمه الله فقال واعظًا في المسجد ما نصُّه: «إِنَّ العَزَّابَة يقولون بعد الدعاء: “اتَّقوا الله فَإِنَّكم ستموتون ... ”»، ولم يقل في آخرها: « ... الحديث»، ففطنت أَنَّ الحديث غير صحيح. (1/348)
صفحة 369
«ذمَّه (أي الودعانيَّ) أبو طاهر السِّلَفيُّ، وأدركه، وسمع منه، وقال: متَّهَم بالكذب. قلت: تُوُفِّيَ سنة أربع وتسعين وأربعمائة في المحرَّم بالموصل عُقَيْبَ رُجوعه من بغداد عن اثنتين وتسعين سنة.
روى عن عمِّه أبي الفتح أحمد بن عبد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان» (1). قال السِّلَفيُّ: «تَبَيَّنَ لي حين تصفَّحت الأربعين أَنَّ له تخليطا عظيما يَدُلُّ على كذبه وتركيبه الأسانيد ... » (2) الخ.
وقال السيوطي في ذيل “اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ”: «إِنَّ الأربعين الودعانية لا يَصِحُّ منها حديث مرفوع على هذا النسق في هذه الأسانيد، وَإِنَّمَا يَصِحُّ منها ألفاظ يسيرة، وإن كان كلٌّ منها حسَنًا وعِظة، فليس كلُّ ما هو حقٌّ حديثًا، بل عكسه، وهي مسروقة سرقها ابن ودعان من واضعها زيد بن رفاعة، ويُقال: إِنَّهُ هو الذي وضع “رسائل إخوان الصفا ”، وكان من أجهل خلق الله في الحديث، وأقلَّهم حياء، وأجرأهم على الكذب».
وقال محَمَّد بن عليٍّ الشوكانيُّ في “الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ”: «ومن النسخ الموضوعة، فمنها الأربعون الودعانيَّة، ويُقال بها في ديار اليمن “ البسيلقية ”، صَرَّحَ بذلك جماعة من الحُفَّاظ، وقد ذكر
__________
(1) - ... كما روى أَيضًا عن محَمَّد بن عليِّ بن بهشل، والحسين بن محَمَّد الصيرفيِّ. الذهبي: ميزان الاعتدال، ج3، ص658.
(2) - ... الذهبي: ميزان الاعتدال، ج3، ص657، رقم 7983. (1/349)
صفحة 370
هذا الذهبيُّ في مؤَلَّفَاته وكرَّره» (1).
وقال أبو عبد الله محَمَّد بن درويش الحوت البيروتي في “أسباب الوضع وعلاماته”: «قد صنِّفت كتب الحديث وجميع ما احتوت عليه موضوع، منها موضوعات القضاعي، ومنها الأربعون الودعانيَّة للقاضي الشهير بابن ودعان الموصليِّ (ت: 424هـ). قال الصاغانيُّ: «أَوَّل هذه الودعانيَّة: “كأنَّ الموت فيها على غيرنا كُتِبَ”، وآخرها: “ما من بيت إِلاَّ وملك يقف على بابه كلَّ يوم خمس مَرَّات”». وحكى ما قال
السيوطي في الذيل: «إِنَّ الأربعين الودعانيَّة لا يَصِحُّ فيها حديث مرفوع ... » (2) الخ.
وقال أَيضًا ما نصُّه: «قال الشيخ محيي الدين النوويُّ في شرح مسلم (3): «تحرم رواية الحديث الموضوع على من عَرف كونه موضوعًا أو غلب على ظنِّه وضعه، فمن روى حديثا علم أو ظنَّ وضْعَه ولم يُبَيِّن حال روايته وضْعَه، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله i، حيث قال في حديث سمرة بن جندب: «من حدَّث عَنِّي حديثًا يُرى أَنَّهُ كذبٌ فهو أحد الكاذبين»، ويُرى بِضَمِّ الياء بمعنى يُظنُّ، وكفى بهذه الجملة وعيدًا شديدًا في حقِّ من روى حديثا وهو يظنُّ
__________
(1) - ... الذهبي: المغني في الضعفاء، ج2/ص618.
(2) - ... البيروتي: الأحاديث المشكلة في الرتبة، ص 303.
(3) - ... النووي: شرح صحيح مسلم (المُقَدِّمَة) ج1، ص180 وما بعدها. (1/350)
صفحة 371
أَنَّهُ كذب، فضلاً أن يتحقَّق ذلك ولا يُبَيِّنُه» (1).
وقد جاء متواتِرًا عن النبيء i : « من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار» (2)، وعليه فالواجب على من يريد أن يروي حديثًا لم يثبت عنده صحَّته من الرسول i، فليقُل: «جاء في الأثر»، أو: «الخبر»، أو: «قيل إِنَّهُ حديث» أو نحو ذلك.
والأربعينيَّات كثيرة جدًّا، منها المعروف، ومنها غير المعروف، وليس للأربعينيَّات ضابط يضبطها، فهي تارة تذكر الحديث وسَنَده، وَرُبَّمَا شرحت بعض ألفاظه، أو استطردت ما يناسب ذلك من المواعظ والحكايات، وتارة تذكر الحديث بلا سَنَد ولا شرح إلى غير ذلك، والله أعلم.
معرفة الثقات والضعفاء من رُوَاة الحديث
قال ابن الصلاح: «هذا من أجلِّ نوع وأفخمه، فَإِنَّهُ المِرقاة إلى معرفة صِحَّة الحديث وسقمه، ولأهل المعرفة بالحديث فيه تصانيف كثيرة:
منها ما أُفرد في الضعفاء: ككِتاب “الضعفاء للبخاري” و“الضُّعفاء للنسائي” و“الضعفاء للعقيلي”، وغيرها من المؤَلَّفَات في الضعفاء الكثيرة
__________
(1) - ... البيروتي: الأحاديث المشكلة في الرتبة، ص 09.
(2) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. (1/351)
صفحة 372
جِدًّا. وأهمُّها المُصَنَّفَات الثلاثة الآتية:
- أَوَّلاً: “ميزان الاِعتدال في نقد الرجال” للذهبيِّ، الإمام الحافظ، تفرَّد فيه بفوائد وتعقُّبات على من سبقه.
- ثانيا: “المغني في الضعفاء” له، ويمتاز بالاِختصار الشديد مع تفرُّده بفوائد ليست في غيره (1).
- ثالثًا: “لسان الميزان” للحافظ ابن حجر العسقلانيِّ، كَمَّل فيه فوائد “ميزان الاِعتدال” وتعقَّبه أَيضًا، وكُلُّها مطبوعة.
ومنها في الثقات فحسب، ككتاب “الثقات” لأبي حاتم بن حبَّان، جمع فيه مَن هو “ ثِقة ” عنده في اصطلاحه ومذهبه في تعديل المجهولين (2).
ومنها ما جُمَع فيه بين الثقات والضعفاء: ك“تاريخ البخاري” و“تاريخ ابن أبي خيثمة”، وما أغزر فوائده، وكتاب “الجرح والتعديل” لأبي حاتم الرازي، وَهُوَ أهمُّ ما يجب أن يُعنَى به طالب الحديث من هذه المصادر: الكتب الخَاصَّة برجال الكتب الستَّة المعوَّل عليها، وهذه أربعة متفرِّعة عن بعضها:
- أَوَّلاً: “الكمال في أسماء الرجال”: للحافظ عبد الغنيِّ المقدسيِّ (ت: 600هـ).
__________
(1) - ... وقد قام بتحقيقه د. نور الدين عتر، وأضاف إِلَيْهِ فوائد كثيرة، وتعليقات مُهِمَّة في الشأن، وَهُوَ مطبوع في مجلدين.
(2) - ... وهناك من وصفه بِأَنَّهُ يتساهل في التعديل رغم اجتهاده في ذَلِكَ. (1/352)
صفحة 373
- ثانيا: “تهذيب الكمال”: للحافظ يوسف بن عبد الرحمن المزِّي (ت: 742هـ)؛ هذَّب فيه الكمال، واستدرك عليه فوائد كثيرة، حَتَّى أصبح كِتَابا جليلا لا مثيل له.
- ثالثا: “ تهذيب التهذيب ”: للحافظ ابن حجر، لخَّص فيه “تهذيب الكمال”، وزاد عليه فوائد.
- رابِعًا: “ تقريب التهذيب” (1): للحافظ ابن حجر، لخَّص فيه “ تهذيب التهذيب ” تلخيصًا شديدًا (2).
قال ابن الصلاح: «روِّينا عن صالح بن محَمَّد الحافظ جَزَِرَة، قال: “ أَوَّل مَن تَكَلَّمَ في الرجال: شعبة بن الحجَّاج، ثُمَّ تبعه يحيى بن سعيد القطَّان، ثُمَّ بعده أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وهؤلاء.
قلت: يعني أَنَّهُ أَوَّل من تصدَّى لذلك وعُنِيَ به، وَإِلاَّ فالكلام فيهم جرحًا وتعديلاً متقدِّم ثابت عن رسول الله i، ثُمَّ عن كثير من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم.
وجوِّز ذلك صَوْنًا للشريعة، ونفْيًا للخطإ والكذب عنها.
__________
(1) - ... وقد طُبع هَذَا الكِتَاب مؤخَّرا مع كِتَاب تهذيب التهذيب مرقَّما بأرقام مطابقة لأرقام التهذيب تسهيلا عَلَى البحث والباحث فيهما، وبهامشه أَيضًا كِتَاب الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في تهذيب الكمال بدار الفكر في 12 مُجَلَّدا، (ضبطه وراجعه): صدقي جميل العطار، ط1995م.
(2) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 387 - 388. (1/353)
صفحة 374
وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة.
قال: وروِّيت عن أبي بكر بن خلاد قال: قلت ليحيى بن سعيد: أَمَا تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ فقال: لأن يكونوا خُصَمائي أحبُّ إليَّ من أن يكون خَصيمي رسول الله i ؛ يقول لي: “ لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكذِبَ عن حديثي؟ ”.
ورُوِّينا أو بلَغنا أَنَّ أبا تراب النخشبي الزاهد سمع من أحمد بن حنبل شيئًا من ذلك، فقال له: يا شيخ لا تغتب العلماء، فقال له: وَيْحك! هذا نصيحة ليس هذا غيبة (1).
ثُمَّ على الآخذ في ذلك أن يتَّقي الله تبارك وتعالى، ويتثبِّت ويتوقَّى التساهل، كيْلا يجرِّح سليمًا، ويَسِمَ بريئًا بِسِمَةِ سَوْءٍ، يبقى عليه الدهرَ عارُها. وأحسب أبا محَمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم وقد قيل: إِنَّهُ كان يُعدُّ من الأبدال مِن مثل ما ذكرناه خاف، فيما رَوَيناه أو بلَغنا أَنَّ يوسف بن الحسين الرازي وهو الصوفيُّ دخل عليه وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل، فقال له: كم من هؤلاء القوم قد حَطُّوا رواحلهم في الجَنَّة منذ مائة سَنة ومائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم؟ فبكى عبد الرحمن.
__________
(1) - ... ولمزيد من التوسيع والتوضيح أكثر في مشروعيَّة الجرح والتعديل ومناقشة من اعترض عَلَى المحدِّثين راجع: كِتَاب الجرح والتعديل للرازي. وَكِتَاب الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، ص 235 - 236. شرح علل الترمذيِّ لابن رجب، ص43 وما بعدها. تحقيق د. نور الدين عتر. (1/354)
صفحة 375
وبلَغنا أَنَّهُ حُدِّث وهو يقرأ كتابه على الناس عن يحيى بن معين، أَنَّهُ قال: «إِنَّا لنطعن على أقوام لَعَلَّهُم قد حَطُّوا رِحالهم في الجَنَّة منذ أكثر من مائتي سنة». فبكى عبد الرحمن وارتعدت يداه حَتَّى سقط الكتاب.
وقد أخطأ في الجرح غير واحد على غير واحد، فجرَّحوهم بما لا صِحَّة له (1). وقد مضى الكلام في أحكام الجرح والتعديل، والله أعلم.
خلاصة المطاف في تلخيص أحكام الأحاديث
في نهاية المطاف نستخلص أحكام الأحاديث العَامَّة إلى: مقبول، ومردود، ومشترك بينهما حول البحث وراء عِلل الاِختبار، واحتمالات النقد فيها بشكل جازم قاطع لشمول منهج المحدِّثين لنقد كُلِّ أوجه الاِحتمال في جوانب الحديث كَافَّة، سَنَدًا ومتنًا، شُمولا دقيقًا يشكِّل نَظَرِيَّة وفلسفة نقديَّة كاملة، كما بيَّنته سابقا.
فالأساس الأَوَّل هو: أداء الراوي للحديث كما سمعه، وهذا يقتضي:
- أَوَّلاً دراسة الراوي: وقد حقَّق المحدِّثون ذلك بدراسات مستفيضة متنوِّعة دقيقة، ووضعوا فيها شروط الراوي لثقة (العدالة والضبط)، ثُمَّ وضعوا العلوم التي تكشف أمور الرواة، فبحثوا في أسمائهم وفي تواريخهم وأماكنهم، وبما يَتَّصِلُ بهذه الأصول من المسائل في ثلاثين نوعًا من أنواع
__________
(1) - ... ابن الصلاح: علوم الحديث، ص 388 وما بعدها. (1/355)
صفحة 376
علوم الحديث، لها فروعها ومسائلها، وتصانيفها الكثيرة التي تناولت جزئيَّاتها بالنسبة لِكُلِّ راوٍ جُزئِيَّة جُزئِيَّة.
ثُمَّ إِنَّ للحديث جوانب أخرى سِوى شخص الراوي، قد تَدُلُّ على الضعف أو السلامة في النقل، وهي: إِمَّا أن تكون في أخذ الراوي، أو أدائه للحديث، أو في سلسلة السند، أو في عيْن المتن، أو مشترِكة بين السند والمتن؛ وقد اِستوفى المحدِّثون بحث ذلك كُلِّه، وتتبَّعوا كلَّ احتمال للقوَّة أو الضعف فيها حسبما قَدَّمناه مفصَّلاً في كُلِّ باب من الأبواب السابقة، واستخلصنا في كلٍّ نتيجة واضحة.
ومِن هنا فقد جاءت أحكام المحدِّثين سليمة واضِحة، نيِّرة المحَجَّة، قد أقام أهل الحديث بُنيانها على الدراسة التَّامَّة لِكُلِّ وجه من أوجه احتمال القُوَّة أو الضعف، ووضعوا كلَّ حال منها في موضعه الملائم، ومن ثَمَّ نجد أحكامهم في القبول والردِّ تنقسم بدقَّة متدرِّجة، تبدأ من قِمَّة الصِحَّة فيما أسَّسوه من أصحِّ الأسانيد، وما يحُفُّه من قرائن أخرى، ثُمَّ باقي مراتب الصحيح، فالحسن لذاته، فالحسن لغيره، إلى الضعيف اليسير الذي قد يُعمل به لشروط تقوِّي احتمال سلامته، ثُمَّ الضعيف الشديد، وهو الناشئ عن فحش الغلط والغفلة، أو كوْن الراوي متَّهَمًا بمفسِّق، وهذا متروك لا يلتفت إِلَيْهِ، ثُمَّ ما هو شرٌّ من ذَلِكَ كُلِّه وَهُوَ الكذب المختلَق لا تجوز رِوايته إِلاَّ على سبيل التحذير منه والتنبيه على كذبه، فهذا سُلَّم دقيق للقبول والردِّ. أخذت كُلُّ درجة منه شروطها وحكمها الملائم تمامًا كما هو واضح جليٌّ. (1/356)
صفحة 377
وبِناء على ذلك يمكن أن نلخِّص الحكم على أنواع الأحاديث عَامَّة بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسيَّة، كجدول تمرين يعين الطالب على الحِفظ.
القسم الأَوَّل: المقبول: وهو الذي استوفى شروط القبول بِأَيِّ رتبة من مراتب القبول، وتندرج تحته هذه الأنواع من الحديث: المتواتِر، الصحيح لذاته، الحسن لذاته، الصحيح لغيره، الحسن لغيره.
القسم الثاني: المردود: وهو ما اختلَّ فيه شرط أو أكثر من شروط القبول، وتندرِج تحته هذه الأنواع، نسردها تَبَعًا لفقد كلِّ شرط منها:
1) ما ضعف لاختلال العدالة: الموضوع، المتروك، المطروح.
2) ما ضعف لاختلال الضبط: الضعيف، المنكَر، المضطرب، المصحَّف، المقلوب، المدرَج.
3) ما ضعف لفقد الاِتِّصال: المنقطع المرسَل، المعضَل، المعلَّق، المدلس، المرسَل الخفيُّ، وهذا القسم يُردُّ للجهل بحال المحذوف، فيحتمل أن يكون ضعيفًا.
4) ما ضعف لفقد شرط عدم الشذوذ: وهو الشاذُّ، المنكر بالأولى، لأَنَّهُ دليل على اختلال الضبط.
5) ما ضعف لفقد شرط عدم العِلَّة: وهو المعلَّل بأحد أوْجه الإعلال، فهذا مردود لأَنَّ العِلَّة فيه إِمَّا من وهم الراوي أو تَبَيَّنَ الاِنقطاع في سنَد ظاهرُه الاِتِّصال. (1/357)
صفحة 378
القسم الثالث المشترك بين المقبول والمردود: وذلك لأَنَّهُ لا يشتمل دائما على صِفات القبول، بل تجتمع فيه أحيانًا وتختلُّ أحيانًا أخرى. وتندرج تحت هذا القسم هذه الأنواع: الحديث القدسيُّ، المرفوع، الموقوف، المقطوع، المُتَّصِل، المسنَد، المعنعن، المؤنَّن، المسلسل، العالي والنازل، المزيد في مُتَّصِل الأسانيد. الغريب، الفرد، العزيز، المشهور، زيادة الثقة.
ثُمَّ إِنَّ المحدِّثين لم يكتفوا بِمُجَرَّدِ اختيار السنَد والمتن، بل قاموا بموازنة ضخمة بين الأحاديث سَنَدًا ومتنا، واستخرجوا منها أنواعًا كثيرة من علوم الحديث، هي مشروحة ومفصَّلة فيما تَقَدَّمَ، وفي المطوَّلات. ونجد أَنَّهُم في هذه المقارنة لم يكتفوا بعرض الحديث على أشباهه من الروايات، بل عرضوه أيضًا على كُلِّ الدلائل العَقلِيَّة والشَّرعِيَّة، ولاسيَما القرآن، كما في المعلَّل والموضوع والمدرج، وهذا كلُّه يثبت كيف أَنَّ بحثهم النقديَّ قد جاء شاملاً لجوانب الحديث، وَلِكُلِّ الدلائل الخَارِجِيَّة التي ترشد إلى معرفة قُوَّة الحديث أو ضعفه، مِمَّا يجعل كلَّ مطَّلع متفهِّم يقطع بسلامة أحكامهم على الأحاديث، وَبِأَنَّ منهجهم هو السبيل الوحيد المتكامل للوصول إلى تمييز المقبول من المردود من المرويَّات.
وليس كلُّ ما ذُكر في هذا هو السبيل الذي يكفي لدراسة علوم الحديث، بل عرضوا كلَّ ذلك على نصوص القرآن، فأبطلوا كلَّ ما خالفها. وكذلك أجمع أكثر المسلمين على أَنَّ أيَّ أمر من الأمور إن (1/358)
صفحة 379
عارضه حديث أبطلوه، لأَنَّ الأصل الوحيد الذي لا يُردُّ هو القرآن.
وهذه قطرة من بحر، شبيه زيادة بيان وإيضاح، وسأزيد لتكميل هَذَا العمل بعض الأصول التي يَرجع إليها مريد استخراج الأحكام الشَّرعِيَّة من الحديث، لتتمَّ مَنهَجِيَّة الاِستفادة من الأحاديث النَّبَوِيَّة بالطرق من سَنَد ومصطلح، ثُمَّ منطوق الحديث ومفهومه، وما تومئ إليه إشاراته، والله أعلم.
ذِكر أَوَّل من دوَّن السُّنَّة وجمعها
قد تَقَدَّمَ الكلام في ذِكر أَوَّل من ألَّف في علوم الحديث أو مصطلحه، وبيَّنَّا في ذلك أَنَّ أَوَّل من ألَّف في علوم الحديث أو مصطلح الحديث، وبقي علينا أن نتكلَّم فيمن دوَّن السُّنَّة المحمَّديَّة، (أي: نذكر بعض من سَبق في تدوين الحديث المعبَّر عنه بالسُّنَّة، أي: جمع الأحاديث التي رويت عن رسول الله i)، فأقول:
قد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدِّمة كتاب “فتح الباري” أَنَّ الصحابة لم يكونوا قد دوَّنوا في الجوامع والمسانيد سنَّة رسول الله i، ولا رتَّبوها في الكتب، وذلك لأمرين:
- أوَّلهما: أَنَّ النبيء i قد نهاهم عن كتابتها كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم، لِما روى أبو سعيد (1/359)
صفحة 380
الخدريُّ أَنَّ رسول الله i قال: «لا تكتبوا عَنِّي شيئا، ومن كتب عَنِّي غير القرآن فليمحه» (1)، كما تَقَدَّمَ.
وكما أَنَّ الحافظ ابن حجر ذَكر في مقَدِّمَة “فتح الباري” أَنَّ أَوَّل من جَمَع السُّنَّة الربيع بن صُبيح، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما، إلى أن قام كِبار الطبقة الثالثة فدوَّنوا الأحكام، كمالك في موطَّئه (2)، والربيع في الجامع الصحيح (أي: مُسنَد الربيع)، وقبلهما جابر بن زيد في ديوانه، كما ذكر ذلك المؤرِّخون وصاحب “كشف الظنون” (3)، إلى أن جاء البخاري فصنَّف الجامع الصحيح، ثُمَّ تبعه الناس.
- ثانيهما: أَنَّ الصحابة وهم العرب الخلَّص كانوا أحفظ الناس لِسلَيان أذهانهم، وَلأَنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثُمَّ توالت التآليف مع ترتيب كُلِّ مؤلِّف كتابه على سلسلة رواة منه إلى رسول
الله i، وانتهى كلُّ ذلك في القرن الخامس الهجري كما تَقَدَّمَ كلُّ ذلك؛ وكان الغرض من ذلك حِفظ السُّنَّة وتنقيتها من الدخيل والموضوع، لأَنَّهَا الأصل الثاني في الأحكام بعد القرآن.
وكلُّ العلماء المتتبِّعين لعلوم الحديث، وتخريج الصحيح من غيره، كان غرضهم الأَوَّل والأخير خِدمة الشريعة الإِسلاَمِيَّة الغرَّاء، وعلى ذلك
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. ابن حجر: هدي الساري شرح صحيح البخاري (المُقَدِّمَة) ص8 بتصرُّف.
(2) - ... ابن حجر: هدي الساري شرح صحيح البخاري (المُقَدِّمَة) ص8 بتصرُّف.
(3) - ... راجع ص 32 من هذا الكتاب. (1/360)
صفحة 381
فإنَّ كلَّ ما تتبَّعناه في عملنا هَذَا هو تدريب الطالب على اتِّباع السُّنَّة، وتنقية الشريعة من الدخيل أَوَّلاً، ثُمَّ العمل على اتِّباع السُّنَّة عِلما وعملاً وفُتيا، وتصحيح ذلك من العلوم المتمِّمة لها من أصول وفقه وغيرهما مِمَّا اجتهد فيهما المحقِّقون. وليعلم الطالب قبل كُلِّ شيء أَنَّ الأوامر الشَّرعِيَّة تنقسم قسمين لا ثالث لهما:
أَوَّلاً: المنطوق وما يومئ إليه.
ثانيا: المفهوم، وهما الدليلان الموصلان لفهم النصوص الشَّرعِيَّة وحِفظها، لقول رسول الله i: « إِنِّي تركت فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله وسنَّتي» (1).
فموضوع علم الحديث هو: دراسة المصطلح الذي منه يَعرف الطالب قيمة الحديث المرويِّ من الصِحَّة وغيرها، فيعتمد على أحكام الصحيح وما يشبهه من الحسن ونحوه، ويترك الضعيف بأنواعه إِلاَّ لضرورة قصوى، وهذه السنوات الأربع كفيلة بدراسة ذلك من سَنَد، ومصطلح، ومفهوم الحديث ومنطوقه، وما يومئ إليه البحث الصحيح، والله أعلم (2).
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (4) باب في العلم وطلبه وفضله، رقم 30 بلفظ: «خلفت فيكم ... ». ورواه الترمذيُّ في كِتَاب المناقب (32) باب مناقب أهل بيت النَّبِيء (ص)، رقم 3786، الشطر الأَوَّل منه فقط، ولفظه عنده هو: «يا أَيُّهَا الناس إِنِّي قد تركت فيكم ... » من حديث جابر.
(2) - ... ومعهدنا هذا جعل في مقَدِّمَة الموادِّ الأساسيَّة القرآن والسُّنَّة، ثُمَّ آثار أَئِمَّة المذهب المستمدَّة منهما، ومن الإجماع والقياس. (1/361)
صفحة 382
الملحق الأَوَّل:
مَنهَجِيَّة الاِستفادة من الأحاديث النَّبَوِيَّة
يجود متن الحديث النبويِّ بالعلم الغزير المتعدِّد التخصُّصات من أنواع أربع:
1) منطوق ألفاظه الفصحى، وقد تكاثرت الفوائد بتكاثر الكلمات.
2) مفهوم تلك الألفاظ الكريمة، وَإِنَّمَا تتعدَّد المعاني بتعدُّد العبارات.
3) ملابسات الحديث، وهي كثيرة، منها: الزمان، والمكان، والأشخاص، والحركات، والسكنات، والعادات، وأسباب وُرود الحديث.
4) إيحاءاته التي تستدعي تفسيرات لأمثلة متوقَّعة؛ وقد تستدعي تلكم الإيحاءات والتفسيرات حشر جملة أحاديث لها ارتباط متين بالموضوع، لتكون جوابًا عن تلكم الأسئلة الواقعة أو المتوقَّعة.
ويجود سَنَد الحديث هو الآخر بالفوائد من ناحيتين اثنتين:
1) تراجم رواة الحديث، وما فيها من ضبط أسمائهم، وذِكر آدابهم، والتعرُّض لأحداثهم وطبائعهم من جرح وتعديل.
2) علم الحديث وما يَتَّصِلُ به من مصطلحات، ونسْخ، ومشكل الحديث، وغير ذلك ...
ومن نباهة المدرِّس أن يعطي لِكُلِّ مجلس ما يناسبه، لأَنَّ طرق الحديث (1/362)
صفحة 383
ستَّة: 1) سَنَد الحديث. 2) مصطلحه. 3) ملابساته. 4) منطوقه. 5) مفهومه. 6) إيحاءاته. وقد مَرَّ شرح تلك الطرق شرحًا وافيًا أثناء دراستنا لهذا الفنِّ، وَقَدَّمنا لِكُلٍّ منها مثالاً أو أمثلةً للتوضيح؛ وبتلكم الطرق الستَّة استخرج العلماء من الأحاديث النَّبَوِيَّة فنونًا عِلمِيَّة رائعة.
وسأقدِّم للطالب قبل الشروع في تطبيق هاته المَنهَجِيَّة بحثا مختصرًا في المنطوق والمفهوم، لأَنَّ الأحكام الشَّرعِيَّة تؤخذ كلُّها من منطوق القرآن والسُّنَّة وتوابعهما، ومن مفهومهما، والله أعلم.
المنطوق:
ومع أَدِلَّة الحديث النبويِّ، كتطبيقٍ على ذلك، فنبتدئ بالمنطوق، وقد قسَّم العلماء المنطوق إلى قسمين:
1 - منطوق صريح: وهو ما دَلَّ لفظه على الحكم بطريق المطابقة أو التضمُّن، لأَنَّ الصريح والكنابة قسمان: الحقيقة والمجاز، من حيث استعمال اللفظ في معناه الحقيقيِّ الصريح أو المجاز، وبين الحقيقة والمجاز عموم وخصوص وجهي، لأَنَّ بعض الحقيقة صريح وبعضها كناية، وبعض الصريح حقيقة وبعضه مجاز، وبعض المجاز صريح وبعضه كناية، وبعض الكناية مجاز وبعضها حقيقة، كما بُيِّن ذلك في أصول الفقه (1).
__________
(1) - ... راجع في الموضوع: السالمي: شرح طلعة الشمس عَلَى الألفيَّة، ج1، ص 193 وما بعدها. د. وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي، ج1، ص292 وما بعدها. بدران أبو العينين: أصول الفقه الإسلامي، ص 394 وما بعدها وغيرها. (1/363)
صفحة 384
أَمَّا الصريح: فهو ما ظهر المراد منه ظهورًا بيِّنًا، أي انكشف انكشافًا من حيث الاِستعمال له، سواء كان ذلك اللفظ المستَعمل حقيقة أو مجازًا، بطريق المطابقة أو التضمُّن، إذ أَنَّ اللفظ قد وُضع لذلك كما في قوله تعالى: {أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة 275]، حيث دَلَّ النصُّ بمنطوقه الصريح على جواز البيع وعلى طريق المطابقة على تحريم الربا. ومثله قوله i: « من أقال مسلِمًا بيعته أقال الله عثرته» (1)، فَإِنَّهُ دَلَّ بمنطوقه على شَرعِيَّة الإقالة، وعلى طريق التضمين على ثُبوت الأجر، لأَنَّ إقالة العثرة لم يكن له دليل من مدلول النصِّ الأصليِّ؛ فمجموع النصَّين الصريح وهو إقالة البيع والتضمين على ثُبوت الأجر.
2) منطوق غير صريح: فهو دلالة اللفظ على الحُكم بطريق الاِلتزام، إذ أَنَّ اللفظ مستلزم لذلك المعنى، وذلك مثل قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ, رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة 233]، فَدَلَّ لفظ «له» على طريق الاِلتزام أَنَّ النسب يكون للأب لا للأمِّ. ومن مستلزمات ذلك ثُبوت نفقة المرضعة عليه لا للأمِّ، فإنَّ لفظ الأمِّ لم يوضع لإفادة هذين الحكمين، وَلَكِنَّ كلاًّ منهما لازم للحُكم المنصوص عليه، وذلك أَنَّ صريح الآية يَنُصُّ على وُجوب النفقة للزوجات المطلَّقات وكِسوتهنَّ، إذا كنَّ
__________
(1) - ... أخرجه الزيلعيُّ في نصب الراية، ج4، ص 30 بهذا اللفظ تماما. ورواه أبو داود في كِتَاب البيوع، باب في فضل الإقالة، رقم 3460. ورواه ابن ماجه في كِتَاب البيوع (26) باب الإقالة، رقم 2199 من حديث أبي هريرة. (1/364)
صفحة 385
يُرضِعن أولادهنَّ الذين أنجبنهم من الزوج المطلِّق، فالنَّسَب محكوم به للأب، وعليه النفقة لأجل ذلك.
وَأَمَّا أنواع المنطوق غير الصريح على الحكم، فإنَّ الاِستقراء قد دَلَّ على أَنَّ المنطوق غير الصريح له في الدلالة على الحكم أنواع ثلاثة:
1) دلالة الاِقتضاء. 2) دلالة الإيماء 3) دلالة الإشارة.
1 - دلالة الاِقتضاء: تعني دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلِّم، يتوقَّف عليه صِدق الكلام أو صِحَّته العَقلِيَّة، أو الشَّرعِيَّة. وقد مثَّل العلماء لَهُ بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا اَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنَ اَيَّامٍ اُخَرَ} [البقرة 184] حيث قدَّروا له مضمرًا هو: «فأفطر»، فعِدَّة من أيَّام أخر، لأَنَّ القضاء بأيَّام أخر لا يجب إِلاَّ إذا أفطر المريض أو المسافر، فإن لم يفطرَا فلا قضاء عليهما.
2 - دلالة الإيماء: وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلِّم لا يتوقَّف عليه صِدق الكلام ولا صِحَّته عقلاً أو شرعًا، في حين أَنَّ الحكم المقترن له لو لم يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مُستساغ، إذ لا ملاءمة بينه وبين ما اقترن به. مثاله من كلام رسول الله i قوله: «مَن أحيا أرضًا مواتًا أو مَيِّتة فهي له، وليس لعَرَق ظالم حقٌّ» (1)،
__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ في كِتَاب الأحكام (38) باب ما ذُكر في إحياء أرض الموات، رقم 1378. ورواه أبو داود في كِتَاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات، رقم 3073، من حديث سعيد بن زيد. (1/365)
صفحة 386
ففي هذا النصِّ نجد أَنَّ رسول الله i رتَّب ملكيَّة الأرض الموات على إحيائها بحرث، فهي له. فهذه دلالة إيماء وتنبيه على أَنَّ الإحياء للأرض الميتة، هو عِلَّة الملك، لَكِنَّهُ نبَّه على ذلك بِأَنَّ الإحياء الظلمي ليس من الإحياء المشروع بقوله: «وليس لعَرَق ظالم حقٌّ» على طريقة الإيماء.
3 - دلالة الإشارة: وهي اللفظ الدالُّ على لازم غير مقصودٍ للمتكلِّم، لا يتوقَّف عليه صِدق الكلام ولا صِحَّته، وَلَكِن ما يقتضيه أسلوب العمل فيه، فهو أي: النصُّ لم يشر إليه ولا أومأ إليه. ومن أمثلته قوله i في شأن مصدِّق زكاة الفطر: «اُغنوهم عن المسألة في هذا اليوم» (1)، فثبت بالعبارة، شَرعِيَّة زكاة الفطر، وثبت بالإشارة أَنَّ الزكاة لا تُعطى إِلاَّ لذوي الحاجات، وأنَّ إخراجها ينبغي أن يكون قبل الخروج إلى المصلَّى لصلاة العيد.
المفهوم:
المفهوم: مقابل المنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم. والمفهوم ما فُهم من اللفظ في غير محلِّ النطق، وهو قِسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
__________
(1) - ... أخرجه الزيلعيُّ في نصب الراية، ج2، ص432 بهذا اللفظ تماما. والبيهقي (الكبرى) في كِتَاب الزكاة (119) باب وقت إخراج زكاة الفطر، رقم 7739. والحاكم في كِتَاب معرفة علوم الحديث، ص 131، بلفظ: «اغنوهم عن طواف هَذَا اليوم»، من حديث ابن عمر. (1/366)
صفحة 387
أَوَّلاً: مفهوم الموافقة: وهو ما يكون مدلول اللفظ في محلِّ السكوت موافِقًا لمدلوله في محلِّ النطق، وهو نوعان: مفهوم بالأولى ومفهوم بالمساواة. ومن أمثلة النوع الأَوَّل وهو المفهوم بالأولى قوله i: « إِنَّ أبرَّ البَرِّ صِلة الولد أهل وُدِّ أبيه» (1)، فإذا كانت الصلة والإحسان والإكرام لأصحاب الأب الذي كان يحِبُّهم من أبرِّ البرِّ وأطيبه، فالإحسان والإكرام والطاعة والمحبَّة بالأب نفسه هي من باب أحرى وأولى، وهذا هو المفهوم بالأَوَّليَّة. ومن أمثلته في وُجوب الطاعة والحبِّ أيضًا، وذمِّ العصيان، قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [الإسراء 23] فإذا كان التأفُّف من خطاب الوالد منهيٌّ عنه فمن باب أولى إيجاب الإحسان والطاعة لهما.
ومن أمثلة النوع الثاني وهو المفهوم بالمساواة قوله i: « بينما رجل مِمَّن كان قبلكم خرج في بُردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله عَزَّ وَجَلَّ الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» (2)، فالحديث ذكر رجلا يختال في بُردين أخضرين، فلو اختال في بُردين أخضرين أو أبيضين، أو اختال في عَباءة مبتَذَلة فالحُكم سواء، لأَنَّ الحِرمة تَتَعَلَّقُ بالكِبْر لا
__________
(1) - ... رواه مسلم في كِتَاب البرِّ والصلة (4) باب فضل صلة أصدقاء الأب والأمِّ ونحوهما، رقم 11 (2552). والترمذي في كِتَاب البرِّ والصلة (5) باب ما جاء في إكرام صديق الوالد، رقم 1903، من حديث ابن عمر.
(2) - ... رواه المنذري في كِتَاب الترغيب والترهيب باب الترغيب في التواضع، ج3، ص568، رقم 32. وأبو نُعيم في الحلية، ج8، ص389، مع اختلاف في اللفظ، من حديث أبي هريرة. (1/367)
صفحة 388
بنوع اللِّباس. وقد ورد عنه i: « إِيَّاكُم والكِبر، فإنَّ الكبرَ يكون في الرجل وَإِنَّمَا عليه العباءة» (1)، هذا هو المفهوم بالموافقة، وهو أحد لحنيْ الخطاب.
ثانيًا: مفهوم المخالفة: وهو دلالة اللفظ على ثُبوت حُكم للمسكوت عنه مخالِفًا لِمَا دَلَّ عليه المنطوق، لاِنتهاء قيد من القيود المعتبرَة في الحكم.
وأنواع المخالفة عدَّها السالميُّ (2) سبعة أنواع: مفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم الحَصر، ومفهوم الشرط، ومفهوم اللَّقب، ومفهوم الوصف، ومفهوم الاِستثناء (3).
وعدَّها غيره عشَرة: مفهوم الصفة، مفهوم الشرط، مفهوم العلَّة، مفهوم اللقب، مفهوم الاِستثناء، مفهوم العدد، مفهوم ظرف الزمان، مفهوم ظرف المكان، مفهوم الحَصر، مفهوم الغاية (4). ونظمها ابن الغازي في بيت، وهو:
__________
(1) - ... رواه المنذري في كِتَاب الترغيب، باب الترغيب في التواضع، ج3، ص561، رقم 11. وابن حجر في الفتح، ج10، ص491، من حديث.
(2) - ... السالمي: (1286 - 1332هـ/ ... -1914م) عبد الله بن حُميِّد بن سلوم السالمي بن محَمَّد: مُؤَرِّخ، فقيه، من أعيان الإِبَاضِيَّة. انتهت إِلَيْهِ رئاسة العلم في عصره، مولده ووفاته في عُمان، وكان ضريرا. من تصانيفه: “شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب” ط و“شرح طلعة الشمس عَلَى الألفيَّة” له ط و“مشارق أنوار العقول” ط وغيرها. الزركلي: الأعلام، ج4، ص84 بتصرُّف.
(3) - ... السالمي: كِتَاب شرح طلعة الشمس عَلَى الألفيَّة، ج1، ص263.
(4) - ... د. وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي، ج1، ص362. (1/368)
صفحة 389
صف واشترط وعلل ولقب ثنيا وعدّ ظرفين وحصر غييا
وهذه الأمثلة لتلكم المفاهيم العشرة مأخوذة من الأحاديث النَّبَوِيَّة الشريفة، مع العلم بِأَنَّ هذه المفاهيم اختلف فيها الأصوليُّون، فمنهم من تشدَّد في الأخذ بها، ومنهم من توسَّط، وهذا ترتيبها:
1) مفهوم الصفة: هو دلالة النصِّ على ثُبوت خلاف الحكم المقيَّد بوصف بمن انتفى منه ذلك الوصف، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: حُجّة، ليست بحُجَّة، وحُجَّة في حال كما «في سائمة الغنم زكاة» (1)، وليس بحُجَّة، كَمَا لو قيل: «في الغنم البيضاء زكاة». ومن أمثلته حديث رسول الله i قوله: «من أربعين إلى عشرين ومائة شاة ... » الخ مع وصفه i ب «السائمة»، وهي: غير المعلوفة، كما ذهب إليه جمهور الأَئِمَّة، وذهب الإمام مالك إلى أَنَّ السائمة: المعلوفة، وَأَمَّا غيره فعندهم السائمة هي: الراعية، وهي وصف لها؛ فالزكاة في الغنم الراعية لا المعلوفة. وذهب بعض أصحابنا إلى ما ذهب إليه مالك، وهو ضعيف لأدلَّة في الشأن.
ومن أمثلة مفهوم الصفة أيضًا قوله i في ولاية النكاح: «والثيِّب تعرب عن نفسها، والبِكْرُ تُستأمر، وإذنها صُمتها» (2)، فلا يجبرون الأنثى
__________
(1) - ... أورده ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق، ج4، ص115.
(2) - ... رواه ابن ماجه في كِتَاب النكاح (11) باب استئمار البكر والثيِّب، رقم 1872. ورواه الطبرانيُّ في الكبير، ج17، ص108، رقم 264، مع اختلاف في اللفظ، من حديث عديٍّ. (1/369)
صفحة 390
على الزواج، سواء كانت بِكْرًا أو ثيِّبًا، لقوله i: « شاوروا النساء في أبضاعهنَّ، وألحقوهنَّ بأهوائهنَّ» (1)، ولذلك قال الحافظ المناويُّ: «يحتاج الوليُّ إلى صريح إذنها إذا كانت ثيِّبًا، فإذا لم تصرِّح فزوَّجها الوليُّ فزواجها باطل مطلَقًا عند الشافعيِّ، وجعله أبو حنيفة موقوفًا على الإجازة.
2) مفهوم الشرط: وهو دلالة النصِّ على ثبوت نقيض الحكم بشرط عند انعدام ذلك الشرط، وهذا المفهوم منهم من أخذ به، ومنهم من نفاه. ومن أمثلته قوله i: « فإذا أدَّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك» (2)، فإذا أدَّى المسلم زكاته بأن دفعها لمستحقِّها فقد قضى ما عليه من الحقِّ الواجب، ولا يُطالب بإخراج شيء من ماله على سبيل الإلزام، وَإِنَّمَا يتصدَّق على سبيل الندب بما سمحت به نفسه؛ ومفهومه أَنَّ الذي لم يؤدِّ زكاته على الوجه الشرعيِّ لم يقض ما عليه، وهو مطالب بإخراج ما بذِمَّته إن عاجلا أو آجِلاً، ولا يكفيه ما يُخرجه على سبيل التطوُّع والتبرُّع.
ومن أمثلته أيضًا قوله i للصحابيِّ ضمَّام بن ثعلبة: «أفلَحَ إن
__________
(1) - ... لم نقف على تخريجه بهذا اللفظ.
(2) - ... رواه البيهقيُّ في كِتَاب الزكاة (3) باب الدَّلِيل عَلَى أَنَّ من أدَّى فرض الله في الزكاة فليس عَلَيْهِ أكثر منه ... رقم 7240. ورواه الحاكم في كِتَاب الزكاة، رقم 1440 (14) مع زيادة في آخره، من حديث أَبِي هريرة. (1/370)
صفحة 391
صدَق» (1) عندما قال: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص»، عندما عرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرائع الإسلام.
فمفهوم الشرط أَنَّهُ لا يفلح ولا ينجو من العذاب إن كذَب ولم يصدُق القول، ولم يبرَّ بيمينه.
3) مفهوم العِلَّة: من أمثلته قوله i: « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (2)، فمفهوم المخالفة أَنَّ الذي لا يُقاتل لهذا المبدإ الشريف فإنَّ قتاله غير مرضيٍّ، ولا يدخل تحت عبارة «في سبيل الله». وقد جاء هذا الحديث جوابًا للسائل القائل الذي سأل وقال: «يا رسول الله، الرجل يُقاتل للمغنم، والرجل يُقاتل ليُذكر، والرجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟».
ومِن أمثلته قوله i: « من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تَقَدَّمَ من ذنبه» (3)، فعبارة «إيمانا واحتسابًا» وردت على أَنَّهَا مفعول
__________
(1) - ... رواه الربيع في مسنده (9) باب في الإيمان والإسلام والشرائع رقم 55. والنسائيُّ في كِتَاب الصلاة (4) باب: كم فرضت في اليوم والليلة، رقم 457، من حديث طلحة بن عبيد الله.
(2) - ... رواه البخاري في كِتَاب العلم (45) باب من سأل وَهُوَ قائم عالما جالسا، رقم 123. ومسلم في كِتَاب الإمارة (42) باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ... رقم 150، من حديث أبي موسى.
(3) - ... رواه الربيع في كِتَاب الصوم (54) باب في فضل رَمَضَان، رقم 327.
وفي كِتَاب الإيمان (28) باب صوم رَمَضَان احتسابا من الإيمان، رقم 38، من حديث أبي هريرة. (1/371)
صفحة 392
لأجله، كما قال الإمام المناويُّ وأصحابنا، ومفهومه أَنَّ الذي صام نفاقًا أو إهمالاً واستغناءً عن مرضاة الله وثوابه فلا غفران لذنبه.
4) مفهوم اللقب: وهو دلالة منطوق اسم الجنس أو اسم العلَم على نفي حكمه المذكور، وأخذ أصحابنا (1) وابن حنبل به لأنّهم يقولون بربا الفضل إن وافق حُكم الحديث، وهو قوله: «الذّهب بالذهب والفضّة بالفضّة والتمر بالتمر والشعير بالشعير والبُرّ بالبرّ والملح بالملح مثلا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي سواء، فإن اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (2).
5) مفهوم الاِستثناء: ومن أمثلته قوله i: « كلّ أمّتي معافى إِلاَّ المجاهِرين» (3) أي الذين يتحدّثون بذنوبهم التي ارتكبوها في خفاء، ثُمَّ يُجاهرون بها الناس، فالله يعفو ويُسامح الذين ارتكبوا ذُنوبًا في استحياء واستِتار، لكنّ المجاهِرين الذين يتحدّثون بذنوبهم استهزاء واستخفافًا بحقّ الله فهو محلّ مقت وغضب من الله. فالمنطوق إذن حُصول العفوِ للمستتِر
__________
(1) - ... ولم يأخذ به البعض من أصحابنا، كما بيِّن ذلك في المطوَّلات (القطب اطفيش: شرح النيل، ج8/ص39).
(2) - ... رواه الربيع في كتاب البيوع (34) باب الربا والانفساخ والغشّ، الشطر الأول منه رقم 474، من حديث ابن عباس، كما روى الشطر الثاني منه أيضا في كتاب البيوع (33) باب الخيار وبيع الشرط، رقم 571، من حديث ابن عباس.
(3) - ... رواه البخاري في كتاب الأدب (60) باب ستر المؤمن على نفسه، رقم 5721، مع زبادة في آخر من حديث أبي هريرة. (1/372)
صفحة 393
بالمعصيّة حياء من الله، ولا يعفو عن المجاهر. ومفهوم المخالفة هو حُصول المقت للذي يجهر بذنبه ويُعلنه للنّاس اِستخفافًا، وهو مفهوم الاِستثناء. ومن أمثلته أيضًا قوله i: « كلُّكم يدخل الجَنَّة إِلاَّ من شرد على الله شراد البعير على أهله» (1)، فالذي كان مع الجماعة المسلمة واتّقى الله ما استطاع وانتهى عن المنهيات، فهو إن شاء الله من أهل الجنّة، ومفهومه أَنَّ الذي خالف الجماعة المسلمة وفارَقها وخرج عن طاعة ربّه فلا إيمان ولا عملاً صالحًا، ولا هو مع الجماعة المسلمة الطائعة فهو من أصحاب الشمال، وما أدراك ما أصحاب الشمال في سَموم وحميم، وظلٍّ من يحموم لا بادر ولا كريم، والله أعلم.
6) مفهوم العدد: وهو دلالة النصّ المقيّد يعدّد مخصوص، وانتفاء الحكم عند عدم تحقّق العدد، وقد أخذ به بعض الأَئِمَّة ولم يأخذ به آخرون. ومن أمثلته قوله i: « لا يُجلد فوق عشرة أسواط إِلاَّ في حدٍّ من حدود الله» (2)، ومفهومه أَنَّ مجاوزة هذا العدد في التأديب لا يجوز بل يُمنع، إِلاَّ إذا نصّ على عدد معيّن شُرع من قرآن أو سُنّة، مثل الحدّ في القذف ثمانون، والجلد في الزنا مائة، ومثله أيضًا ما روي عن السيّد عبد
__________
(1) - ... أروده ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق، ج5، ص120. والسيوطي في الدر، ج6، ص359.
(2) - ... رواه الترمذي في كتاب الحدود (30) باب ما جاء في التعزير، رقم 1463، ورواه أبو داود في كتاب الديات، باب في التعزير، رقم 4491، من حديث أبي بريدة. (1/373)
صفحة 394
الله بن عمر في الإيلاء، قوله: «أيّما رجل آلى من امرأته فَإِنَّهُ إذا مضت الأربعة الأشهر، وقف حَتَّى يطلّق أو يفي، ولا يقع طلاق عليه إذا مضت الأربعة الأشهر حَتَّى يوقف»، فمفهومه أن الإيلاء لا يقع إِلاَّ بعد أربعة أشهر، وليس قبل ذلك. والطلاق لا يقع إِلاَّ بعد ما يوقف الزوج أمام القاضي أو الجماعة المسلمة، فإمّا أن يرجع إلى زوجته ويحسن العشرة فِعلاً، وإِمَّا أن بطلّقها، وذلك لقوله تعالى: {لِلذِينَ يُولُونَ مِنْ نِّسَائِهمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 226]. والإيلاء قَسَمٌ على الاِمتناع عن وطإ الزوجة، وهي في حالة الصِحَّة قصد الإضرار بها، وجعلها لا هي متزوّجة ولا هي مطلَّقة.
7 - 8) مفهوم الظرف المكاني والزماني، ومن أمثلتهما قوله i: « الحجُّ عرفة، من جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد أدرك الحجّ» (1)، فالحديث يشتمل على مكان، وهو أرض عرفة، وعلى زمان وهو ليلة عيد الأضحى. والحجّ يُشترط فيه أن يقف الحاجّ بأرض عرفة ليلة العاشر من شهر ذي الحِجّة ولو جزءًا قليلاً. ومفهومه أَنَّ الذي وقف خارج أرض عرفة لا يصحّ منه الحَجّ، والذي وقف في أرض عرفة ولكنّه خرج من تلك الأرض قبل غروب الشمس من ليلة اليوم العاشر، أو لم يقف حَتَّى طلع
__________
(1) - ... رواه الحميدي في كتاب الحج، ص399، رقم 899، من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي. (1/374)
صفحة 395
فجر يوم العيد فلا حجّ له، وعليه أن يعيد حَجّه من عام قابل، ونحو ذلك مِمَّا شرط فيه وجود الظرف.
9) مفهوم الحَصْر: وهو انتفاء المحصور عن غير ما حصر فيه، وثُبوت نقيضه. ومن أمثلته قوله i: « إِنَّمَا البيع عن تراض» (1)، وسبب وُرود هذا الحديث أَنَّ يهوديا قدِم بتمر وشعير وقد أصاب الناسَ جُوع فسألوا رسول الله أن يسعِّر بهم فأبى، وذكره. فمنطوق الحديث أَنَّهُ إذا وقع التراضي بين البائع والمشتري صحّ البيع وثبت، ومفهومه أَنَّ البيع إذا وقع عن إكراه وبدون رِضى فسُد البيع ولا يصحّ، وبقي المبيع على ملك البائع. ومن امثلته قوله i: « لا حِمى إِلاَّ لله ولرسوله» (2)، أي ليس لأحد منع المرعى في أرض مباحة إِلاَّ ما يحمى بخيل المسلمين ورِكابهم المرصدة للجهاد والحمل؛ فمنطوقه يُشعر بجواز حِمى الأرض المباحة لله ولرسوله، ومفهومه أَنَّ حِمى الأرض للخواصّ كما كانت تفعله الجاهليّة لا يجوز. وهناك من رَدّ هذا المفهوم لأَنَّ أدوات الحصر قد وضعت في اللغة للإثبات والنفي معًا.
__________
(1) - ... أورده ابن كثير في تفسيره، ج2، ص185، مع زيادة: «والخيار بعد الصفقة، ولا يحلُّ لمسلم أن يغشَّ مسلما» وبدون لفظة: «إنما» من حديث ميمون بن مهران، مرسلا.
(2) - ... رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب الأرض يحميها الإمام أو الرجل، رقم 3083، ورواه البيهقي في كتاب النكاح (34) باب الحمى له خاصَّة في أحد القولين، رقم 13371، من حديث الصعب بن جثامة. (1/375)
صفحة 396
10) مفهوم الغاية: وهو دلالة النصّ الذي قيّد بغاية على انتفاء ما جاء به من حُكم بعد هذه الغاية، وثُبوت النقيض عند ذلك، والكثرون قالوا به وارتضوه، وثَمّة من نفاه. ومن أمثلته قوله i للسيِّدة عائشة رضي الله عنها عندما حاضت وهي مُحرِمة بالحَجّ: «اِفعلي ما يفعل الحاجُّ غير أنَّكِ لا تطوفي بالبيت حَتَّى تطهُري» (1)، فالطُّهر شرط في الطوافّ، وصِحّته تنعقد بالطهارتين الكبرى والصغرى بالماء أو بالتيمّم لعذر، فمفهومه أَنَّ المرأة إذا طافت وهي حائض لا يصحّ منها إِلاَّ لضرورة قصوى، وهو ارتحال القافلة عنها، أو المركب الحامل بالنسبة اليوم لمن يُسافر على الطائرة أو الباخرة، وقد يجوّز العلماء لهذه الضرورة أن تغتسل المرأة قبل انقطاع الدم أو بعده قبل ظُهور القصّة البيضاء ونحوها، وتضع على فرجها قماشًا أو نحوه من مانع يمنع الدم وتطوف بالبيت لئلاّ يبطل حَجّها بترك الطواف، وهو رُكن من أركان الحجّ، وحتّى لا تذهب رِفقتها وتبقى ضائعة. والضرورة تبيح المحظورات. ومن أمثلته أيضًا قوله i: « لا تصوموا حَتَّى تروا الهلال، ولا تفطروا حَتَّى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدِروا له» أو «اتِمّوا ثلاثين» (2)، فصِحَّة الصوم تثبت برؤية الهلال،
__________
(1) - ... رواه الربيع في كتاب الحجِّ (11) باب ما تفعل الحائض في الحجِّ، رقم 440، رواه البخاري في كتاب الحجِّ (81) باب تقضي الحائض المناسك كلها إلاَّ الطواف ... رقم 1650، من حديث عائشة.
(2) - ... تقدَّم تخريجه. (1/376)
صفحة 397
وإفطار يوم العيد يصحّ برؤية الهلال، فمفهومه أَنَّ الصيام بدون الرؤية أو على شكّ لا يصحّ، وكذا الإفطار، والله أعلم.
وهذا آخر ما أردت بيانه من دلالة الحكم من منطوق ومفهوم، وَلاَ بُدَّ لحامل السُّنَّة أن يعلم أين يَضع تلك الأدلّة، ويقيس ما وَرَد على ما لم يرِد. (1/377)
صفحة 398
الملحق الثاني
في القاعدة الشَّرعِيَّة في حِفظ الضروريّات الخمس
وتعرف أيضًا بمقاصد الشريعة أو مقاصد الإسلام الخمسة، وهي مرتَّبة كما يلي: 1) حِفظ الدين. 2) حِفظ النفس. 3) حِفظ العقل. 4) حِفظ النسل والعِرض. 5) حِفظ المال. ومسائلها في الشرع معلومة، والقصد منها حِفظ نظام العالَم، وضبط تصرّف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك، وذلك إنّما يكون بتحصيل المصالح، واجتناب المفاسد على حسب ما يتحقّق به معنى المصلحة والمفسَدة؛ فحقيق عليّ أن أبيّن أمثالاً ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرْعًا، والمفاسد المحظورة شرعًا، لتحصل للعالم بعلم مقاصد الشريعة ملَكة يعرف بها مقصود الشارع من الألفاظ والمفاهيم، فينحو نحوه عند عُروض المصالح والمفاسد لأحوال الأمّة جلبًا ودَرْءًا. ووجه حاجة هذا العلم إلى ذلك أَنَّ المصالح كثيرة متفاوتة الآثار قوّة وضعفًا، في صلاح أحوال الأمّة أو الجماعة، وأَنَّهَا أيضًا متفاوتة بحسب العوارض العارضة والحافّة بها، من معضدات لآثارها، أو مبطلات لتلك الآثار، كُلاًّ أو بعضًا، إنّما يُعتبر منها ما تتحقّق أَنَّهُ مقصود للشريعة، لأَنَّ المصالح كثيرة منبثّة. وقد جاءت الشريعة بمقاصد تنفي كثيرًا من الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح وتثبت عوضًا (1/378)
صفحة 399
عنها مصالح أرجح منها؛ نعم إِنَّ مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنّه ليس يلزم أن يكون مقصودًا منه كلّ مصلحة. فمن حقّ العالم بالتشريع أن يُخبر أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها، وأن يسبل الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وأحوالها إثباتًا ورفًعًا واعتدادًا ورَفْضًا، لتكون له دستورًا يُقتدى وإمامًا يُحتذى، إذ ليس مطمع عند عروض كلّ النوازل النازلة والنوائب العارضة بأن يظفر لها بأصل مماثل في الشريعة المنصوصة، ليقيس عليه، بله نصّ مقنع يفيء إليه، فإذا عنت للأمّة حاجة وهرع الناس إليه يطلبون قوله الفصل فيما يقدّمون عليه، وجدوه ذكيّ القلب، صارم القول غير كسلان، ولا متبلّد. وتنقسم المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمّة إلى ثلاثة أقسام: 1) ضروريّة.
2) وحاجيّة. 3) تحسينيّة.
وتنقسم باعتبار تعلّقها بعموم الأمّة أو جماعتها أو فرادها إلى (1) كُلِّيَّة و (2) جزئيَّة.
وتنقسم باعتبار تحقّق الاِحتياج إليها في قوام أمر الأمّة أو الأفراد إلى قطعيّة أو ظنيّة أو وهميّة.
فأمّأ التقسيم الأَوَّل إلى ضروريّة وحاجيّة وتحسينيّة فهذه ثلاثة أصناف، فمصالح الضروريّة هي التي تكون بمجموعها وآحادها في ضرورة، لأَنَّ تحصيلها لا يستقيم النظام بإخلالها بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمّة إلى فساد وتلاش، ولست أعني باختلال نظام الأمّة هلاكها (1/379)
صفحة 400
واضمحلالها، لأَنَّ هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنيّة الهمجيّة، ولكنّي أعني به ان تصير احوال الأمّة شبيهة بأحوال الأنعام بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها، وقد يفضي بعض ذلك الاِختلال إلى الاِضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلّط العدوّ عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها، كما أوشكت حالة العرب في الجاهليّة على ذلك. وقال زهير:
تدراكتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقّوا بينهم عِطر منشم
وقد مثّل الغزالي في "المستصفى" وابن الحاجب والقرافي والشاطبي بهذا القسم الضروري بحِفظ الدين والنفوس والعقول والأموال والأنساب، وزاد القرافي -نقْلاً عن قائل- حِفظ الأعراض. ونُسب في كتب الشافعيّة إلى الطوفي (1).
قال الغزالي: وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل أن لا تشتمل عليه مِلّة ولا شريعة، أريد بها إصلاح الخلق، وقد عُلم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد وأصل معيَّن، بل بأدلّة خارجة عن الحصر. وقال الشاطبي: وعلم هذه الضروريّات صار مقطوعًا به ولم يثبت ذلك بدليل واحد معيّن، بل علمت ملاءمتها للشّريعة بمجموع أدلّة لا تنحصر في باب واحد، فكما لا يتعيّن في التواتر المعنويّ أن يكون للعلم خيرًا واحدًا من الأخبار دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعيّن هنا لاستواء
__________
(1) - ... نسبة إلى طوفى قرية من أعمال صرصر بناحيّة بغداد. (1/380)
صفحة 401
جميع الأدلّة في إفادة الظنّ على انفرادها، فنحن إذا نظرنا في حفظ النفس؛ مثلاً نجد النهي عن قتلها وجعل قتلها سببًا للقصاص ومتوعِّدًا عليه، ومقرونًا بالشِّرك، ووُجوب سدّ الرمق على الخائف على نفسه ولو بأكل الميتة، فعلمنا تحريم القتل علم اليقين. وإذا انتظم الأصل الكلّيّ صار جاريًا مجرى دليل علميّ فاندرجت تحته جميع الجزئيّات التي ينحقّق فيها ذلك العموم اهـ.
وقد تنبّه بعض علماء الأصول إلى أَنَّ هذه الضرّوريّات مُشار إليها بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النبِيءُ إِذَا جَاءَكَ الْمُومِنَاتُ يَبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ
يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ} [الممتحنة 12]، إذ لا خصوصيّة للنّساء المؤمنات، فقد كان رسول الله i يأخذ البيعة على الرجال بمثل ما نزل في المؤمنات كما في صحيح البخاري (1).
قال الشاطبي: «وحفظ هذه الضروريّات بأمرين: أحدهما ما يقيم أصل وُجودها.
والثاني: ما يدفع الاِختلال الذي يعرض لها» (2). وأقول إِنَّ حِفظ هذه
__________
(1) - ... البخاري: كتاب الإيمان (9) باب علامة الإيمان حب الأنصار، رقم 18. وكتاب التفسير (369) باب إذا جاء المومنات يبايعنك، رقم 4612.
(2) - ... الشاطبي: الموافقات، ج2، ص7، بتصرف. (1/381)
صفحة 402
الكلّيّات معناه حِفظها بالنِّسبة لآحاد الأمّة، وبالنّسبة لعموم الأمّة بالأولى.
أولا- حفظ الدين: فحِفظ الدين معناه حِفظ دين كلّ أحد من المسلمين أن يُدخل عليه ما يفسد اعتقاده، وعمله اللاحق بالدين بالنسبة لعموم الأمّة أي دفع كلّ ما شأنه أن ينقض أصول الدين القطعيّة. ويدخل في ذلك حِماية البيضة والذبّ عن الحوزة الإسلاميّة بإبقاء وسائل الدين من الأمّة حاضرها وآتيها.
ثانيا- حفظ النفس: ومعنى حِفظ النفوس: حٍفظ الأرواح من التلف أفرادًا وعمومًا، لأَنَّ العالَم مركَّب من أفراد الإنسان، وفي كلّ نفس خصائصها التي بها بعض قِوام العالَم، وليس المراد حِفظها بالقصاص وكما مثّل بها الفقهاء، بل نجد القصاص هو أضعف أنواع حِفظ النفوس، لأَنَّهُ تدارك بعد الفوات، بل الحفظ أهمّه حفظها عن التلف قبل وُقوعه، مثل مقامة الأمراض الساريّة. وقد منع عمر بن الخطّاب الجيش من دُخول الشام لأجل طاعون عمواس، والمراد النفوس المحترمة في نظر الشريعة، وهي المعبّر عنها بالمعصومة الدم، ألا ترى أَنَّهُ يُعاقب الزاني المحصن بالرجم مع أَنَّ حفظ النسب دون مرتبة النفس، ويلحق بحِفظ النفوس من الإتلاف حِفظ بعض أطراف الجسد من الإتلاف، وهي الأطراف التي ينزل إتلافها منزلة إتلاف النفس في انعدام المنفعة بتلك النفس، مثل الأطراف التي جُعلت في إتلافها خطأ الديّة الكاملة.
ثالثا- حفظ العقل: ومعنى حِفظ العقل حِفظ عقول الناس من أن (1/382)
صفحة 403
يدخل عليها خلل، لأَنَّ دخول الخلل على العقل يؤدّي إلى فساد عظيم، من عدم انضباط التصرّف، فدخول الخلل غبلا عقل الفرد مفضٍ إلى فساد جزئيٍّ، ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمّة أعظم، ولذلك يجب منع الشخص من السكر، ومنع الأمّة من تفشّي السكر بين أفرادها، وكذلك تفشّي المفسدات مثل الحشيشة والأفيون والكوكايين والهروين، وشرب الدخّان المعبَّر غنه بالحشيش، لأَنَّهُ منتن وضارّ جدًّا، ومن الخبائث ونحوها مِمَّا كثر تناوله في القرن الرابع عشر الهجري.
رابعا- حفظ المال: وَأَمَّا حِفظ المال فهو حِفظ أموال الأمّة من التلف، ومن الخروج إلى أيدي الغير من الأمّة بدون عِوَض، وحِفظ أجزاء المال المعتبرة من التلف بدون عِوَض، وهو الإسراف. وليس من الضروريّ إلغاء بعض الأعواض من الاِعتبار كإلغاء دغع العِوض على التأجيل، وهو رِبا لجاهليّة، وإلغاء التعويض على الضمان، وعلى بدل الجاه، و لا حِفظ المال من الخروج عن يد مالكه إلى يد أخرى بدون عِوَض أو بأيد أخرى من الأمّة بدون رضى، لأَنَّ هذين من الحاجي لا من الضروري، ثُمَّ إِنَّ حفظ الأموال الفرديّة يؤول إلى حِفظ مال الأمّة، وبه يحصل حصول الكلّ بحُصول أجزائه؛ والإسراف محرّم ضرورة.
خامسا- حفظ الأنساب: وَأَمَّا حفظ الأنساب ويُعبَّر عنه بحفظ النسل، فقد أطلقه العلماء ولم يبيّنوا المقصود منه، ونحن نفصل القول فيه، وذلك أَنَّهُ أُريد به حِفظ الأنساب أي النسل من التعطيل؛ فظاهر عدّه من (1/383)
صفحة 404
الضروري لأَنَّ النسل هو خلفة أفراد النوع، فلو تعطّل يؤول تعطيله إلى اضمحلال النوع وانتقاصه، كما قال لوط لقومه: {وَتَقْطَعُونَ السبِيلَ} [العنكبوت: 28] على أحد التفسيرين، فهذا المعنى لا شبهة في عدِّه من الكلّيّات، لأَنَّهُ يعادل حِفظ النفوس، فيجب أن تحافظ ذكور الأمّة من الاِختصاء مثلا، ومن ترك مباشرة النساء باطّراد العزوبة، ونحو ذلك؛ أن تُحفظ إناث الأمّة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الوِلادة، ومن تفشّي إفساد الحمل في وقت العلوق، وترك الإرضاع من الثدي، فَإِنَّهُ يُكثر الموت في الأطفال بعسر الإرضاع الصناعي على كثير من النساء وتعذّره في البوادي.
وَأَمَّا إن أُريد يحِفظ النسب أي حِفظ انتساب النسل إلى أصله وهو الذي لأجله شرعت قواعد الأنكحة، وحرِّم الزنا وفُرض له الحدّ، فقد يُقال إِنَّ عَدَّه من الضروريّات غير واضح، إذ ليس بالأمّة من ضرورة إلى معرفة أَنَّ زيدًا هو ابن عمرو، وإنّما ضرورتها في وُجود أفراد النوع وانتظام أمرهم، ولكن في هذه مَضرّة عظيمة، وهي انّ الشكّ في انتساب النسل إلى أصله يزيل من الأصل الميل الجِبِلّي الباعث عن الذبّ عنه، والقيام عليه بما فيه بقاؤه وصلاحه وكمال جسده، وعنايته بالتربية والإنفاق على الأولاد إلى أن يبلغوا مبلغ الاِستغناء عن العناية، وهي مَضرّة لا تبلغ الضرورة، لأَنَّ في قيام الأمّهات بالأطفال كفاية ما لتحصيل المقصود من النسل، وهو يزيل من الفرع الإحساس بالمبرّة والصلة، (1/384)
صفحة 405
والمعاونة والحِفظ عند العجز، فيكون حِفظ النسب بهذا المعنى بالنظر إلى تفكيك جوانبه من قبيل الحاجي، ولكنّه لَمَّا كانت لفوات حِفظه من مجموع هذه الجوانب عواقب كثيرة سيّئة، يضطرب لها أمر نظام الأمّة، وتنخرم بها دعَامَّة العائلة اعتبر علماؤنا حِفظ النسب في الضروري لِما وَرَد في الشريعة من التغليظ في حدّ الزنا، وما وَرَد من بعض العلماء من التغليظ في نكاح السرّ والنكاح بدون وليّ وبدون إشهاد، كما بيّن ذلك في كتب الفقه، وهي من نظام العائلة الراجع إلى حِفظ حقوق الأولاد.
وَأَمَّا عَدّ حِفظ العِرض في الضروري فليس بصحيح، والصواب أَنَّهُ من قبيل الحاجي، وأنّ الذي حمل بعض العلماء مثل تاج الدين السبكي في "جمع الجوامع" على عَدّه في الضروري هو ما رأوه من وُرود حدِّ القذف في الشريعة، وليس بلازم ملازَمة بين الضروري، وبين ما في تفويته حدّ، ولذلك لم يَعُدَّه الغزالي وابن الحاجب ضروريًّا. وهذا الصنف الضروريّ قليل التعرّض إليه في الشريعة، لأَنَّ اليشر قد أخذوا حيطتهم لأنفسهم منذ القِدم، فأصبح مركوزًا في الطبائع، ولم تخلّ جماعة من البشر ذات التمدّن من أخذ الحيطة له، وإنّما تتفاضل الشرائع بكيفيّة وسائله.
وحفظ الأعراض، أي: حِفظ أعراض الناس من الاِعتداء عليها هو من الحاجي، ليكُفّ الناس عن الأذى بأسهل وسائله وهو الكلام. ومن الحاجي ما يدخل في الكلّيّات الخمسة المتقدّمة في الضروري، كسدّ بعض ذرائع الفساد، وكإقامة القضاة والشرطة والوُلاّة وغيرها للمحافظة على (1/385)
صفحة 406
تنفيذ الشريعة لاحتياج الناس لذلك إِلاَّ أَنَّهَا ليست من الضروري، ولَكِنَّهَا من الحاجي، مثل اشتراط الوليّ والشهود، وبعض أحكام البيوع، ومثل الآجال في تحريم الربا، وغيرها مِمَّا يدخل في أصل حِفظ المال. وعِناية الشريعة بالحاجي تقرب من عنايتها بالضروريِّ؛ والمصالح التحسينيّة هي: ما كان بها كمالُ حال الأمّة في نظامها حَتَّى تعيش آمنة مطمئنّة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقيّة الأمم، حَتَّى تكون الأمّ’ الإسلاميّة مرغوبًا في الاِندماج فيها، فإنّ للحسان في مجال العادات مدخلاً في ذلك، وسواء كانت عَامَّة كسِتر العورة، ولاسيَما من المرأة أو خاصّة ببعض الأمم كخصال الفطرة وإعفاء اللحية وتنظيم الجماعات للمحافظة على الآثار الصالحة في الأمّة وغيرها والتي ترقّيها إلى المجتمع النظيف.
قال الغزالي: وهي التي تقع موقع التحسين والتيسير، وتُراعي أحسن المناهج والعادات في المعاملات، كسدّ ذرائع الفساد، ومراعاة المصالح المرسَلة. ومعنى كونها مرسَلة أَنَّ الشريعة أرسلتها فلم تنط بها حكمًا معيَّنًا، ولا يلقى لها في التشريع نظير لها معيّن، له حكم شرعيّ فتُقاس هي عليه، فهي كالفرس المرسل غير المقيّد. ولا ينبغي التردّد في صِحَّة الاِستناد إليها، وقد اعتبرها أصحابنا والمالكيّة، لأنّنا إذا كنّا نقول بحجّيّة القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حُكم في الشرع بجزئي ثابت حكمه في الشريعة للتّماثل بينهما في العِلّة المستنبطة، وهي مصلحة جزئيّة ظنّيّة غالِبًا، لقِلَّة صُوَر العِلّة المنصوصة، ولأن نقول بقياس مصلحة كلّيّة (1/386)
صفحة 407
حادثة في الأمّة لا يعرف لها حكم على كلّيّة ثَبَتَ اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلّة الشريعة الذي هو قطعي أو ظنّي قريب من القطعي أولى بنا وأجدر بالقياس، وأدخل في الاِحتجاج الشرعي. وقد أجمع الصحابة على اعتبارها من ذلك ما روى البخاري: أَنَّ زيد بن ثابت قال أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ عنده قال أبو بكر أَنَّ عمر أتاني فقال: إِنَّ القتل قد استحر يوم اليمامة بقرّاء القرآن وأنا أخشى أن يستحر القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله i ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حَتَّى شرح الله صدري لذلك، قال: وإنّك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله i، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال أبو بكر: هو والله خير.
فيقول عمر هو والله خير، ثُمَّ انشرح صدر أبي بكر. واتّفاقهما على قول: «هو والله خير» وهما أفضل الأمّة بعد رسول الله i وموافقة زيد بن ثابت، نعلم منه أَنَّهُ مصلحة مرسلة ليس في الشريعة ما يشهد لاعتبارها. وقد أجمع الصحابة على اعتبار ذلك، وكذلك تأكيدهم لفعلها ثانيّة في عهد الخليفة عثمان، واتّباع الأمّة على ذلك مع أَنَّهَا «لا تجتمع على ضلال» دليل قاطع على اعتبار الاِستحسان والمصالح المرسلة، وكذلك إجماعهم على حدّ شارب الخمر ثمانين جِلدة، لقول الإمام علي (1/387)
صفحة 408
كرّم الله وجهه ذلك قياسًا، وتبع المسلمون الصحابة على ذلك. وكذلك أنشأ عمر الدواوين في العطاء، وترك عمر قسمة المغانم من أرض السواد سواد العراق على الغزاة لتكون عُدَّة لِنوائب المسلمين إذا قلّت الفُتوح، وكتابة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حديث رسول الله i وقوله: نحدّث للنّاس أقضيّة بقدر ما أحدثوا من الفجور، إلى غير ذلك كثير.
وكذلك قد فهم العلماء قديمًا وحديثًا أَنَّ دين الله يُسر الوارِد ذلك في القرآن والحديث، فقاسوا عليها ويسّروا للنّاس أمر الشريعة، فكانت أحسن شريعة، ورخّصوا للنّاس فيما يسوغ الترخيص فيه، ولو لم يرِد فيه نصّ قاطع؛ والمفاسد والمصالح تكون عَامَّة وتكون خاصّة.
فالمصلحة العَامَّة لجميع الأمّة قليلة المثال مثل حماية البِيضة، وحفظ الجماعة، وتكثير سوادها، وحفظ الدين بتعليمه والأمر به وحِفظه من الزوال، وحماية الحرمين الشريفة بمكّة والمدينة من أن يقعا في أيدي المشركين، وحِفظ القرآن من اللّحن والفساد والضياع والتغيّر بانقطاع حَفَظَته وتلف مصاحفه، ونحو ذلك مِمَّا يتناول صلاحه أو فساده جميع الأمّة وكلّ فرد منها.
وَأَمَّا المصلحة أو المفسِدة الجزئيّة أي اللواتي تعودان إلى الأفراد أو الجماعات، ولا تشمل جميع الأمّة من المحسنات واجتناب المضرّات، وهي قليلة، وهي الضروريّات المتقدّمة والحاجيّات والتحسينيّات وما يشبهها، وهي متنوّعة، وهي قطعيّة وظنّيّة، وقد مرّ بيانها، ومنه ما دلّ العقل على (1/388)
صفحة 409
أَنَّ في تحصيله صلاحًا عظيمًا، وفي درْءِه دفع الضرر، وهي كلّيّة وجزئيّة، وهذا جماع القول في المنطوق والمفهوم من الألفاظ والمعاني ومقاصد الشريعة الإسلاميّة باختصار، والله أعلم.
خاتمة ودعاء
ختم الله لي ولجميع المسلمين بالحسنى وزيادة؛ اِعلم أنّي وجدت في كتاب "جماع الشمل في حديث خير الرسل" بعد ذِكر أنواع المصطلح كلامًا نفيسًا للقطب اطفيّش رحمه الله تعالى، ونفعني بعلومه آمين شكر المؤلّف المذكور شيخه وشقيقه الحاج إبراهيم بن يزسف أداءً لبعض واجب التعليم عليه، ونصّه: «وبعض ما ذكرته منها أفادنيه شيخنا الحاج إبراهيم بن يوسف ذكره الله بالصالحات ونجاح الحاجات، وقلت فيه إذ سافر هذه الأبيات: إمامٌ له بربع يسجن مربع ... الخ الأبيات»، وذيّل كلامه بهذا الحديث منول الرسول i: « من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، رواه أحمد والترمذي والضياء عن أبي سعيد، فذكّرني قوله -رحمه الله تعالى- فيما ورَد من شُكر المنعِم ولاسيَما إذا كان الوالِد العالم الصالح أداء لبعض الواجب المقدّس، وذِكرًا للنّعم، فقلت هذه الأبيات تأسّيًّا بشيخه القطب، ونصّها:
أقول بحمد الله تمّت دراستي لعِلمِ الحديثِ ثان عِلم تأصّلا
بمعهد عمّنا سعيد تفجّرت ينابيعه إذ صار للدّين معقلا (1/389)
صفحة 410
بفضل إلاهي ثُمَّ تعليم والدي سليمن مَن للعِلم كان مؤهَّلا
فأرجو من الرحمن غفران ذنبه ويعطيه في جنّة الخلد موئلا
وصلِّ وسلِّم إلاهي على النّبيء وألٍ له والصحب كلاّ ومَن تلا
والحمد لله أَوَّلاً وآخِرًا، وصلّى الله على محَمَّد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا إلى يوم الدين.
يوم الاثنين 06 ذو القعدة من عام 1411هـ، يوافقه يوم 20 ماي 1991م. كاتبه الحاج امحمد بن الحاج سليمان بن بكير المطهري نسبا المليكي مسكنا. (1/390)
صفحة 411
الفهارس العامة
فهرس الآيات القرآنية 395
فهرس الأحاديث 400
فهرس الأعلام 407
فهرس القبائل والفرق 426
فهرس المصطلحات الحديثة 427
قائمة المصادر والمراجع 430
محتويات الكتاب 437 (1/391)
صفحة 412
فهرس الآيات القرآ نية
سورة البقرة
184 ... فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ... 366
195 ... ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ... 46
226 ... للذين يولون من انفسهم تربص أربعة أشهر ... 375
232 ... وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ... 198
233 ... وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ... 365
255 ... الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم ... 270
260 ... وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى ... 163
275 ... أحل الله البيع وحرم الربا ... 365
282 ... واستشهدوا شهيدين من رجالكم ... 120
سورة آل عمران
31 ... قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله ... 19
110 ... كنتم خير أمّة أخرجت للناس ... 106
137 ... قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض ... 16
سورة النساء
04 ... ومن أصدق من الله حديثا ... 10
29 ... ولا تقتلوا أنفسكم ... 47
80 ... من يطع الرسول فقد أطاع الله ... 19 - 159
122 ... ومن أصدق من الله قيلا ... 09
سورة المائدة
11 ... وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ... 130 (1/392)
صفحة 413
90 ... ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس ... 27
سورة الأعراف
145 ... سأريكم دار الفاسقين ... 254
155 ... واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ... 130
167 ... يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ... 168
سورة الأنفال
64 ... ياأيها النبيء حسبك الله ومن اتبعك من المومنين ... 130
65 ... إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ... 130
سورة التوبة
100 ... والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم ... 112
117 ... لقد تاب الله على النبيء والمهاجرين والأنصار ... 106
122 ... وما كان المومنون لنفروا كافة ... ... 62
سورة يوسف
06 ... ويعلمك من تأويل الأحاديث ... 10
سورة النحل
44 ... وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ... 158
64 ... وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ... 158
سورة الإسراء
23 ... إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ... 368
80 ... رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ... 298 (1/393)
صفحة 414
سورة الكهف
10 ... ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ... 03
سورة النور
06 09 ... والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاّ أنفسهم ... 130
13 ... لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ... 130
سورة الفرقان
59 ... فاسأل به خبيرا ... 39
سورة العنكبوت
28 ... وتقطعون السبيل ... 382
سورة الأحزاب
03 ... وإذ أسرَّ النبيء إلى بعض أزراجه حديثا ... 10
سورة فاطر
18 ... ولا تزر وازرة وزر أخرى ... 26
سورة الشورى
07 ... فريق في الجنة وفريق في السعير ... 259
51 ... وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيا ... 20
سورة الدخان
01 ... يوم تاتي السماء بدخان مبين ... 152 (1/394)
صفحة 415
سورة الجاثية
29 ... إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ... 154
سورة الأحقاف
09 ... قل ما كنت بدعا من الرسل ... 32
سورة الفتح
29 ... محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار ... 26 - 106
29 ... كزرع أخرج شطأه ... 298
سورة الحجرات
02 ... يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم ... 90
06 ... إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا ... 67 - 120
سورة الطور
34 ... فلياتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ... 10
سورة النجم
03 ... وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ... 19 - 158
سورة الواقعة
41 42 ... ما أصحاب الشمال في سموم وحميم ... 372
سورة الممتحنة
12 ... يا أيها النبيء إذا جاءك المومنات يبايعنك ... 382 (1/395)
صفحة 416
سورة الحشر
07 ... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... 19 - 159
21 ... لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ... 285
سورة الصف
01 ... سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ... 285
سورة الطلاق
01 ... لاتخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلاّ أن ياتين بفاحشة مبينة ... 25
سورة التحريم
03 ... وإذ اسرّ النبيء إلى بعض أزواجه حديثا ... 12
سورة الحاقة
44 ... ولو تقوّل علينا بعض الاقاويل لأخذنا منه باليمين ... 44
سورة الجن
01 ... إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ... 227
سورة الزلزلة
05 ... بأنّ ربك أوحى لها ... 20 (1/396)
صفحة 417
فهرس الأحاديث النبويّة
أبغض الرجال إلى الله البليغ 273
أتيت النبيء ? وهو يصلي فسلمت عليه 256
أدبني ربي فأحسن تأديبي 339
الأذنان من الرأس 148
أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار 249
أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه 310
أطلبوا العلم ولو بالصين 62
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت 40
الأعمال بالنيات 11 - 63
أغنوهم عن المسألة هذا اليوم 367
أفطر الحاجم والمحجوم 155
أفلح إن صدق 371
ألا إنها ستكون فتنة قلت: ما المخرج منها يا رسول الله ? قال كتاب الله 266
ألا لا يصلي أحدكم العصر إلاّ في بني قريضة 12
ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فاستمتعتم به 243
أما إنه قد صدقك وهو كذوب 270
أما هذا فقد عصى أبا القاسم 246
أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث 24
أن الجدة جاءت تلتمس أن تورث فقال 163
أن النبيء ? دخل مكة وعلى رأسه المغفر 271
أن النبيء ? صلى إلى عنزة 257
أن النبيء ? قال لابن الصياد ... قد خبأت لك خبيبا 152
أن النبيء ? كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم 220
أن رجلا توفي على عهد رسول الله ? ولم يدع وارثا إلاّ مولى أعتقه 219 (1/397)
صفحة 418
أن رسول الله ? احتجم في المسجد 135، 255
أن رسول الله ? قنت شهرا 339
أن رسول الله ? نهى عن الدباء والمزفت 254
أن زوج [فاطمة بنت قيس] طلقها ثلاثا 26
أنا أفصح من نطق بالضاد 338
أنا زعيم لمن آمن وأسلم وجاهد 249
أنَّه بعث ? عينا من خزاعة يتخبر له 34
أنَّه رأى ? يحتجم وهو محرم وهو صائم 157
أنَّه سمع النبيء ? يقرأ في المغرب بالطور 66
أنَّها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ? 307
أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ 81
أيما إهاب دبغ فقد طهر 243
أيها الناس قد أصبتم خيرا فمن أحب أن ينصرف فلينصرف 281
أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب 348
إذا استيقظ أحدكم من منامه 208
إذا بلغ الماء قدر قلتين لا يحمل خبثا 150
إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران 338
إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع 25 164
إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه 220
إذا لقيتم المشركين في الطريق 215
إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه 368
إن الشيطان نحاس نخاس 151
إن الله خلق الفرس فأجراها 234
إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه 25
إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا 233
إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه 307
إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها 66 (1/398)
صفحة 419
إن كنت تريد أن تطوق طوقا من نار فاقبلها 64
إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين 194
إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين 27
إنما الأعمال بالنيات 221
إنما البيع عن تراض 376
إنما هو بمنزلة المنحاط أو البزاق 308
إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا 362
إياكم والكبر فإن الكبر يكون في الرجل. 369
احتجر في المسجد بخص أو حصير حجرة يصلي فيها 253
اغسليه إن كان رطبا وافركيه إن كان يابسا 306
افعلي ما يفعل الحاج 377
اكتبوا لأبي شاة 87
بئس أخو العشيرة 121
بلغوا عني ولو آية، ومن كذب علي متعمدا 83 - 347
البيعان بالخيار 206
بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين 368
ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله 253
الجار أحق بسقبه 148
حب الدنيا رأس كل خطيئة 233
الحج عرفة 375
الحرب خدعة 339
خذوا عني مناسككم 12
خلق الله الأرض يوم السبت 282
خلق الله الماء طهورا لاينجسه إلاّ ما غير طعمه أو لونه 150 311
خير القروني قرني ثم الذين يلونهم 114
الذهب بالذهب والفضة بالفضة 373
رحم الله عبدا سمع مقالتي فوعاها 94
رفع القلم عن ثلاث 67 (1/399)
صفحة 420
رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله 135 255
سئل رسول الله ? عن المني يصيب الثوب فقال 305
سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظلُّه 217
السفر قطعة من العذاب 339
شاوروا النساء في أبضاعهن 371
شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة 32
شهدت النبيء ? نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة 61
الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال 241
شيبتني هود وأخواتها 211
الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر 248
صلوا كما رأيتموني أصلّي 12
صليت خلف النبيء ? وأبي بكر وعمر 211
طلب العلم فريضة على كل مسلم 310
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهدين الراشدين 159
فإذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك 371
فر من المجذوم فرارك من الأسد 151 293
في سائمة الغنم زكاة 370
القضاة ثلاث فاثنان في النار وواحد في الجنة 273
كان أصحاب رسول الله ? يقرعون 197
كان رسول الله ? إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي 21
كان رسول الله ? يسلت المني من ثوبه 308
كل أمتي معافلى إلاّ المجاهرين 373
كل عمل ابن آدم .... فإنه لي وأنا أجزي به 43
كلكم يدخل الجنة إلاّ من شرد 374
كما تدين تدان 339
كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ? 305 306
كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد 160 (1/400)
صفحة 421
كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها 154
لئن صدق ليدخلن الجنة 163
لئن صدق ليدخلن الجنة 164
لا تجتمع أمتي على ضلال 156
لا تسبوا أصحابي فوا الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا 106
لا تصوموا حتى تروا الهلال 241، 377
لا تكتبوا عني شيئا إلاّ القرآن 23، 30، 86
لا تكتبوا عني شيئا ومن كتب 361
لا حمى إلاّ لله ولرسوله 376
لا سبق إلاّ في نسل أو خف أو حافر 232
لا ضرر ولا ضرار 11، 340
لا عدوى ولا طيرة 151، 293
لا يأتني أحدكم يوم القيامة ببقرة لها خوار 254
لا يؤمن أحدكم حتى أكون له أحب إليه من 132، 276
لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره 282
لا يجلد فوق عشرة أسواط إلاّ في حد 374
لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم 223
لا يرد هائم على مصح 151
لتؤدن الحقوق إلى أهلها 135 254
لعن رسول الله ? الذين يشققون الخطب 255
لقد رأيتني وأنا لأحكه من ثوب رسول الله ? 306
لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه 21
لم يكن النبيء ? بالطويل ولا بالقصير 13
الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي 107
اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك 90
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك 282
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر 194
اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يارسول الله من خلفاؤك 83 (1/401)
صفحة 422
لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به 242
ليبلغ الشاهد الغائب 162، 347
ليس لك عليه من نفقة 25
المؤمن مرآة أخيه 342
ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني 180
ما كان الله ليجمع أمتي على ضلالة 156
المجالس بالأمانات 342
المسلم أخو المسلم 340
المسلمون على شروطهم 340
المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء 232
الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء 282
من أتى كاهنا أو عرافا فقد كفر 247
من أحيا أرضا مواتا فهي له 366
من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها 208
من أطاع الله فقد أطاعني 20
من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته 365
من جلس مجلسا كثر فيه لغطه 223
من حفظ على أمتي أربعين حديثا 244
من حفظ على أمتي أربعين حديثا من دينها 339
من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها 15
من شرب الخمر فاجلدوه 166
من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له 372
من صام رمضان وأتبعه 257
من غشنا فليس منا 339
من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا 372
من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار 231
من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار 29، 39، 352
من لم يخف الله خف منه 342 (1/402)
صفحة 423
نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه 159
نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها 83، 347
نعم إذا رأت الماء 30
نعم العبد صهيب 338
نعم العبد عبد الله خالد بن الوليد 121
نعم النساء نساء الأنصار 30
نعمت البدعة هذه 32
نعوذ بالله من علم لا ينفع 311
نهى ? عن أكل كل ذي ناب من السباع 48
نهى ? عن بيع الولاء وهبته 269
هذا وصيّي وأخي والخليفة من بعدي 169
هو الطهور ماؤه 320
والثيب تعرب عن نفسها 370
ورجل تصدق بصدقة أخفاها 217
الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر 149
وكلني رسول الله ? بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت 267
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا 41
يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله 84
يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد 231
يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا، فيقول: لا 198
يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس 234
يوم صومكم يوم نحركم 277 (1/403)
صفحة 424
فهرس الأعلام
أبو أمامة 114، 184، 311، 344
أبو أيوب الأنصاري 160
أبو إسحاق 124، 184
أبو إسحاق السبيعي 69
أبو الأسفع 95
أبو البقاء 43
أبو الدرداء 61، 110، 111، 345
أبو الزناد 178
أبو العباس العذرى 69
أبو العلاء 75
أبو الفضل بن الفلكي 312
أبو القاسم بن منده 222، 282
أبو المختار الطائي 221
أبو النعمان بن الفضل السدوسي 315
أبو بكر البرديجي 267
أبو بكر الرازي 94
أبو بكر الصديق 24، 105، 108، 110، 121، 164
أبو بكر الصولي 264
أبو بكر العربي 131، 132
أبو بكر المعيطي 233
أبو بكر بن أبي الدنيا 344
أبو بكر بن حزم 54
أبو بكر بن خلاد 355
أبو بكر بن شيبة 334
أبو بكر بن مجاهد المقري 201
أبو بكر بن نقطة 52 (1/404)
صفحة 425
أبو بكر محمد بن الحسن 202
أبو تراب النخشي 137
أبو جابر 137
أبو حامد الإسفيرايني 286، 290
أبو حامد الغزالي 25، 63، 110، 130، 244، 320، 334، 343، 347، 369، 370، 387، 388، 390
أبو حامد بن كرناه الجوباري 322
أبو حعفر الحضرمي 318
أبو حنيفة النعمان 118، 148
أبو خيثمة 318
أبو داود 18، 59، 160، 201، 327
أبو ذر الغفاري 41
أبو ذر الهروي 327
أبو زرعة الرازي 320
أبو زهرة 334
أبو سعيد البستي 290
أبو سعيد الخدري 23، 24، 30، 67، 87، 108، 111، 230
أبو سفيان 252
أبو سلمة بن عبد الرحمن 114
أبو طالب الحافظ 250
أبو عبيد الآجري 350
أبو عبيدة عامر بن الجراح 108
أبو عثمان النهدي 113
أبو علي القساني 316
أبو عمرو بن حفص 25
أبو عوانة 300
أبو مجلز 340
أبو مردود حاجب الطائي 118
أبو موسى الأشعري 24، 30، 86، 164
أبو نضرة 24، 317 (1/405)
صفحة 426
أبو نعيم الأصبهاني 52
أبو نعيم الفضل بن دكين 314، 318
أبو نوح صالح الدهان 118
أبو هريرة 26، 44، 109، 133، 230، 340، 341، 380
أبو يعلى الموصلي 100، 220، 133
أبوبكر بن العربي 132، 133
أبي بن عمارة 294
أبي بن كعب 110، 136
أبيض بن جمال 260
أحمد بن المظفر السمعاني 103، 290
أحمد بن جعفر الدينوري 299
أحمد بن جعفر السقطي أبو بكر 315
أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي البغدادي أبو بكر 288
أحمد بن حمد الخليلي 213
أحمد بن حنبل 58، 59، 70، 114، 119، 123، 135، 148، 314، 317، 334، 373
أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي أبو بكر 220
أحمد بن عبد الله أبو الفتح 350
أحمد بن عمران البصري 317
أحمد بن منيع 317
أحمد بن يحي 317
أحمد بن يوسف السلمي 319
أحمد محمد شاكر 150، 213
أسامة بن زيد 84
أم الدرداء الصغرى 115
أنس بن مالك 19، 67، 104، 109، 110، 115، 122، 134، 140، 149، 220، 225،
260، 261، 270، 275، 276، 280، 281، 283، 287، 300، 330،
333، 340، 350، 370، 375، 380، 382 (1/406)
صفحة 427
أويس القرني 115
أيوب السختياني 320
إبراهيم النخعي 110
إبراهيم بن طهمان 208
إبراهيم بن محمد الحسيني 322
إبراهيم بن يوسف اطفيش 390
إسحاق بن راهويه 58، 60
إسحاق بن عبد الله 240
إسحاق بن يوسف 245
إسماعيل بن أبي خالد 179
إسماعيل بن علية 133
ابن أبي أسامة 190
ابن أبي الحديد 56
ابن أبي خيثمة 56
ابن أبي شيبة 307
ابن أبي عمر 360
ابن الأثير 33، 280
ابن الجوزي أبو الفرج 56، 109، 306، 346
ابن السكن 300، 345
ابن الصلاح عثمان 22، 30، 39، 54، 56، 78، 81، 83، 87، 93، 95، 96، 105، 108، 109
112، 113، 114، 115، 117، 118، 152، 170، 171، 180، 181، 182
184، 186، 200، 210، 215، 300، 310، 316، 317، 319، 320، 321
330، 340، 344، 345، 346، 349، 350، 361، 362، 370، 372، 373
375، 376، 380
ابن الغازي 369
ابن القيم الجوزية 168، 209
ابن بريدة 168
ابن تيمية 320 (1/407)
صفحة 428
ابن جريج 323
ابن حبان 13، 101، 112، 133، 140، 164، 300
ابن حجر 31، 35، 52، 58، 95، 106، 111، 117، 123، 139، 314
ابن حزم الظاهري 31، 268
ابن خزيمة 290، 300
ابن دقيق العيد 290
ابن رجب الحنبلي 320
ابن رشد 132
ابن سعد 113، 116، 123، 234، 324
ابن سيد الناس 312
ابن سيرين 94، 121، 164، 243
ابن صاعد 121
ابن صياد 151
ابن عبد البر 107، 266
ابن عدي 264
ابن عساكر 345
ابن عون 179
ابن قتيبة 92، 219
ابن قتيبة عبد الله 136، 146، 148، 149، 150
ابن كثير 94
ابن لهيعة 136
ابن ماجة 10، 60، 75، 111، 311
ابن مسعود عبد الله 23، 31، 85، 87، 110، 222
ابن منظور 147
الأحنف بن قيس 116
الأزهر 95
الأسود بن يزيد 114
الأصمعي أبو سعيد 198 (1/408)
صفحة 429
الأعمش 92، 112، 122، 179، 215
الأوزاعي 87
الأوزاعي (الإمام) 120، 211، 212، 305
الاسماعيلي 300
البخاري 18، 40، 42، 57، 59، 63، 66، 75، 85، 96، 103، 123، 132، 133
البراء بن عازب 89
البزار 320
البغوي 187
البقليني 320
البيقوني عمر بن فتوح 54، 176
البيهقي 30، 60، 93، 95، 96، 300
الترمذي 18، 58، 112
الثعلبي (المفسر) 110
الجوزجاني أبو يعقوب 140
الحارث الأعور الهمذاني 226
الحارث بن كلدة 250
الحارث بن هشام 21
الحاكم النيسابوري 51، 109، 112، 113، 132، 300
الحجاج بن يوسف 66
الحسن البصري 115
الحسن بن حماد 318
الحسن بن سفيان 138
الحسن بن علي 66، 95، 149
الحسين بن داود 317
الحسين بن محمد البغدادي 318
الخطابي 136، 147
الخطيب البغدادي 15، 51، 52، 112 (1/409)
صفحة 430
الخليل بن أحمد أبو بشر المزني 316
الخليل بن أحمد البستي 330
الخليل بن أحمد السجزي أبو سعيد 245
الخليل بن أحمد الفراهيدي 93، 289
الخليل بن أحمدالأصبهاني البصري 290
الخياط 92
الدارقطني 135، 222، 305، 306، 327
الذهبي 23، 58، 100، 130، 133، 220، 225، 320، 324
الرازي أبو بكر 94
الرازي عبد الرحمن بن أبي حاتم 123، 224
الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن 51
الربيع بن حبيب 19، 25، 55، 64، 106، 118، 132، 169، 361
الربيع بن خيثم 169
الربيع بن صبيح 55، 361
الزبير بن العوام 106، 108
الزرقاني محمد بن عبد الباقي 58
الزمخشري 136
الزهري 110
السخاوي 341
السمعاني أبو المظفر 103
السيوطي 96، 113
السِّلفي 345، 349
الشاطبي 381
الشافعي محمد بن إدريس 58، 100، 115، 118، 123، 278
الشعبي 122، 160
الشيباني أبو عمرو 118
الشيخ النابلسي 350
الطبراني أبو القاسم 307، 310 (1/410)
صفحة 431
الطوسي 309
الطوفي 381
الطيالسي أبو داود 59
العباس العنبري 290
العراقي عبد الرحمن بن الحسين عبد الغني بن سعيد (الحافظ) 112، 138، 308، 309
العطاردي أبو الرجاء 114
العقيلي 224
العوام بن مزاحم 134، 135، 254
القاسم بن سلام أبو عبيدة 137
القاسم بن محمد 114
القرافي 381
القعنبي عبد الله بن مسلمة 59
الكسائي أبو عاصم بن العلاء 234
المبرد أبو العباس محمّد بن يزيد 289
المزي 349
المستنير بن أخضر 290
المغيرة بن شعبة 87، 115
المقداد بن عمرو 110
المنذري 345
المهدي 54
الميموني 148
النابلسي 337
النسائي 18، 60، 140
النعمان بن بشير 69، 104
النهدي أبو عثمان 114، 115
النواس بن سمعان 222
النووي 92، 112
الواقدي 90 (1/411)
صفحة 432
الوليد بن مسلم 120
امحمد بن يوسف اطفيش (القطب) 90، 105، 289، 344، 346، 390
بريدة 273
بشر بن بكر 305
بشر بن عاصم 302
بلال بن رباح 111
ثابت البناني 120، 125
ثابت بن موسى الزاهد 231
ثعلب أحمد بن يحي 94
جابر الجعفي 108
جابر بن زيد 31، 56، 62، 106، 115، 132، 220، 361
جابر بن سمرة 77، 344
جابر بن عبد الله 60، 110، 135، 155، 160
جبريل 111
جبير بن مطعم 66
جرير بن عبد الحميد 103
جرير بن عبد الله 104
جعفر بن برقان 307
حاجي خليفة 361
حبيب بن مسلمة 62
حذيفة 194
حسان بن ثابت 110
حسان بن هلال 233
حسين بن علي الجعفي 307
حصين بن المنذر أبو ساسان 113
حفصة بنت سيرين 115
حماد بن زيد 119، 220
حماد بن سلمة 66، 234، 314، 325 (1/412)
صفحة 433
حماد بن عمرو النصيبي 215
حمزة الزيات 120
خارجة بن زيد 114
خالد بن أبي عزة 307
خالد بن الوليد 121
خالد بن عتبة الهذلي 121
خالد بن علقمة 254
خالد بن معدان 102
خالد بن نزار الأبلي 274
خديجة بنت خويلد 111
خلدون الأحدب 299
خلف بن خليفة 113
خليفة بن خياط العصفري 316
خليل إبراهيم ملا خاطر 222
دعلج بن أحمد 286، 291
رافع بن خديج 155
زائدة بن قدامة 169
زهير بن معاوية 288
زياد بن جارية 62
زيد بن أرقم 110
زيد بن الحباب 317
زيد بن ثابت 30، 83، 86، 110، 136
زيد بن حارثة 110، 111
زيد بن رفاعة 109، 110
زيد بن يثيع 194
سالم بن عبد الله مولى حذيفة 79، 85، 112
سعد بن أبي وقاص 108، 222
سعد بن معاذ 169 (1/413)
صفحة 434
سعيد بن أبي عروبة 361
سعيد بن إياس الجريري 25
سعيد بن المسيب 61، 103، 106، 113، 115، 133، 160
سعيد بن زيد 108
سعيد بن مسعدة 317
سعيد بن منصور 320
سفيان الثوري 102، 118، 314
سفيان بن عيينة 92، 118، 123
سلام بن أبي الحقيق 294
سلام بن ماكولا 294
سلام بن محمد المقدسي 294
سلمان الفارسي 230
سلمة بن سعد 118
سلمة بن سفيان 292
سليمان التيمي 340
سليمان بن أحمد الطبراني 339
سليمان بن يسار 114
سمرة بن جندب 351
سهل بن سعد 222
سهيل بن أبي صالح 206، 323
سهيل بن عون 206
سويد بن غفلة الكندي 116
سيبويه 330، 335، 340
شداد بن أوس 195
شريح بن الحارث 114
شريك بن عبد الله 231
شعبة بن الحجاج 104، 119، 123، 124، 134، 135، 314
شقيق بن سلمة أبو وائل 114 (1/414)
صفحة 435
شهر بن حوشب 184
صالح بن محمد البغدادي 354
صبحي الصالح 369
صدقة بن موسى الدقيقي 226
ضمام بن السائب 54، 118، 278
ضمام بن ثعلبة 163، 371
طالب عبد الرحمن 293
طاهر الجزائري 238
طلحة بن عبيد الله 106، 109
عائشة أم المؤمنين 21، 25، 29، 110، 305، 306
عاصم السدراتي 118
عاصم بن محمد 117
عامر بن واثلة أبو طفيل 110
عبادة بن الصامت 64
عباس بن عبد العظيم 88
عبد الأعلى بن السمح المعافري أبو الخطاب 118
عبد الحميد بن عبد المجيد 317
عبد الرحمن بن رستم 72، 118
عبد الرحمن بن زيد 120، 122
عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني 316
عبد الرحمن بن عوف 108
عبد الرحمن بن مهدي 64، 118، 124، 206
عبد الرحمن بن وعلة 243
عبد الرزاق 70، 201، 333
عبد العزيز الداوودي 130
عبد العزيز بن صهيب 133
عبد العزيز بن موسى الأفضلي 348
عبد الغني المقدسي 199 (1/415)
صفحة 436
عبد الله ابن الزبير 68، 110، 305، 306
عبد الله ابن عباس 67، 83، 109، 110، 111، 122، 132، 170، 172، 175، 175، 180، 181
182، 195، 196، 210، 240، 241، 245، 295، 300، 330، 335، 346، 348
عبد الله بن أبي طلحة 114
عبد الله بن أحمد الدورقي 291
عبد الله بن أحمد بن حنبل 70، 80، 291، 322
عبد الله بن أنيس 61
عبد الله بن الشخير 194
عبد الله بن المبارك 35، 70، 118، 123
عبد الله بن بسر 317
عبد الله بن جابر الطرسوسي 291
عبد الله بن حميد السالمي 369
عبد الله بن دينار 360، 365
عبد الله بن سلام 285
عبد الله بن عبد الله بن عتبة 116
عبد الله بن عبيد بن عمر 307
عبد الله بن عثمان المروزي 305
عبد الله بن عمر 26، 83، 87، 95، 109، 110، 210، 215، 302، 310، 345، 350
عبد الله بن عمر بن محمد 318
عبد الله بن عمرو 87، 89، 111، 123
عبد الله بن محمد بن سنان 291
عبد الله بن معدان الأزدي 289
عبد الله بن مغفل 107
عبد الله بن وهب (صاحب مالك) 70
عبد الله بن يحي الكندي 118
عبد الله بن يوسف الزيلعي 304
عبد المجيد الميانجي 53
عبد الملك بن حبيب أبو عمران الكوفي 291 (1/416)
صفحة 437
عبد الملك بن محمد أبو قلابة 148
عبد الملك بن مروان 66
عبد الواحد بن زياد 220
عبد الوارث بن سعيد 133
عبد بن أبي حميد 130
عبد شمس بن عبد مناف 294
عبيد الله بن عمر 180
عبيد بن عبد الله بن عتبة 114
عثام بن علي العامري الكوفي 295
عثمان بن الهيثم أبو عمرو 189
عثمان بن عفان 56، 106، 109، 135
عروة بن الزبير 114
عطاء بن أبي رباح 116، 308
عطية الأجهوري 54
عفير بن معدان 101
عقبة بن عامر 160
عكرمة 112، 115
عكرمة بن عمار 133
علان بن عبد الصمد 318
علقمة بن قيس 114، 132، 221
علقمة بن وقاص 199، 210
علي بن أبي بكر المرغيناني 304
علي بن أبي بكر الهيثمي 39، 45، 70، 115
علي بن أبي طالب 13، 25،57،84،88،107،110،111،112،169، 200، 315
علي بن الحسين 223
علي بن الحسين بن عبد الصمد 318
علي بن المديني 58،88،124
علي بن خشرم 200 (1/417)
صفحة 438
علي بن سليمان أبو الحسن 57
علي بن عثام العامري الكوفي 114
عمار بن ياسر 56
عمر التندمرتي 105
عمر بن الخطاب 21، 23، 24، 25، 26، 30، 32، 34، 54، 86، 88، 99
111، 115، 132، 159، 265، 360، 370، 388، 389، 390
عمر بن عبد العزيز 31، 54
عمر بن عبيد الطنافسي 54
عمر بن عثمان 223
عمر بن محمد العكبري 88
عمر بن موسى 101
عمران بن حطان 58، 118
عمرة بنت عبد الرحمن 115، 305
عمرو بن حريث 113
عمرو بن دينار 206، 219
عمرو بن شمر 87
عمرو بن علي الفلاس 87
عمرو بن ميمون الأودي 116
عوسجة 219
عون بن عبد الله 324
عياض القاضي 53
عيسى بن مريم 210
عيسى بن موسى التيمي 240
غفير بن معدان الكلاعي 102
غندر بن محمد بن جعفر أبو بكر 315
غياث بن إبراهيم النخعي 332
فاطمة بنت قيس 25
فرقد السبخي 226 (1/418)
صفحة 439
قتادة 110، 133، 202
قتيبة بن سعيد 59
قيس بن أبي حازم 113، 179
قيس بن عباد 114
كريز 290، 294
كعب الأحبار 230، 334
مأمون بن أحمد الهروي 234
مالك بن أنس 54، 58، 93، 119، 122
مالك بن دينار 120، 133، 250
مالك بن عرفطة 254
محبوب بن الرحيل 118
محمد بن صالح البغدادي 318
محمد بن عبد الملك 148
محمد بن علي الشوكاني 350
محمد بن عمرو بن حزم 31
محمد بن مسلم الهذلي 61
محمد بن يزيد 317
محمد شاكر 207
محمود الطحان 300
محمود بن الربيع 66
محمّد بن عبد الرحمن 308، 355
محمّد بن أبي بكر الصديق 114
محمّد بن إبراهيم 31، 317
محمّد بن إسحاق 111
محمّد بن الحجاج 64
محمّد بن الحنفية 111
محمّد بن السائب 138
محمّد بن بشار 76 (1/419)
صفحة 440
محمّد بن بشار البصري 317
محمّد بن حعفر أبو بكر 316
محمّد بن حعفر بن داران 316
محمّد بن حنين 110
محمّد بن درويش البيروني 351
محمّد بن زياد 242
محمّد بن زيد أبو عبد الله (ابن ماجه) 59
محمّد بن سلام 60
محمّد بن شجاع 233، 234
محمّد بن طاهر المقدسي 318
محمّد بن عبد البر 108
محمّد بن عبد الوهاب الجبائي أبو علي 131
محمّد بن علي بن ودعان الموصلي 340، 349
محمّد بن عمرو الأصبهاني 316
محمّد بن عيسى الطباع 291
محمّد بن كثير 291
محمّد بن مسلمة 24، 164
محمّد بن وضاح 44
محمّد عجاج الخطيب 56
مرة بن كعب 283
مسدد 285
مسروق 248
مسلم 19، 26، 41، 43، 59، 76، 98، 112، 117، 136، 138، 159، 164
مسلم بن أبي كريمة أبو عبيدة 19، 56، 62، 73، 118، 220، 346
مسور بن عبد الملك اليربوعي 295
مسور بن يزيد المالكي الكاهلي 295
معاوية بن أبي سفيان 56، 156
معاوية بن عبد الكريم 55 (1/420)
صفحة 441
معاوية بن قرة 290
مكحول محمّد بن مسلم 62، 95
منهال بن عمر 124
مهاجر أم قيس 120
موسى السبلاني 104
موسى بن أبي عائشة 112
موسى بن سهل أبو عمران المصري 291
موسى بن عقبة 136، 206، 254، 323، 324
موسى بن هارون 215
نافع 159
نافع بن عمر الجمحي 270
نافع مولى جابر 76
نعيم بن حماد 70
نوح بن أبي مريم أبو عصمة 230
نور الدين عتر 329
هارون بن عبد الله الحمال 295
هاشم بن القاسم أبو النضر 290
هشام بن حسان 255
هشام بن عروة 256
هشام بن عمار 291
واثلة بن الأسفع 95
وكيع بن الجراح 119
وهب بن بقية الواسطي 319
وهب بن منبه 247
وهيب بن خالد الباهلي 324
يحي بن أبي كثير 112
يحي بن سعيد القطان 120، 123، 131، 305
يحي بن سلام 87 (1/421)
صفحة 442
يحي بن معين 58، 63، 120، 136، 318
يوسف بن الحسين الرازي 355
يوسف بن عبد الرحمن المزي 336، 350،354
يوسف بن لبيب الملزوزي أبو حاتم 118
يونس 208 (1/422)
صفحة 443
فهرس القبائل والفرق
أهل السنة 18، 54
الأشاعرة 18
الأعاجم 88
الاباضية 54، 55
الحنابلة 18
الحنفية 18
الخوارج 56، 57
الرافضة 56
الشافعية 18
العمانيون 106
المالكية 18، 54
المستشرقون 66، 88
المعتزلة 108
اليهود 169
بنو أمية بن زيد 160
بنو هذيل 61
خزاعة 69
شيعة علي 56، 108
علماء المغرب 106 (1/423)
صفحة 444
فهرس المصطلحات الحديثية
آداب المحدث 86
آداب طالب الحديث 86
أتباع التابعين 117
ألقاب المحدثين 312
الأثر 09
الأداء (آداء الحديث وصيغه) 85
الأسماء والكنى 312
الأفراد 271
الأقران 287
الإجازة 71
الإسناد 38، 142
الإعلام 78
البدعة 138
التابع 111
التابعون 111
التاريخ 103
التخريج 297
الثقات 352
الجرح 119
الحافظ 313
الحاكم 314
الحجة 313
الحديث 09
الحديث القدسي 40
الحسن لذاته 184 (1/424)
صفحة 445
الحسن لغيره 184
الخبر 34، 127
الرواية 99
السماع 68
السنة 15
السند 35، 142
الشاذ 218
الشواهد 240
الصالح 186
الصحابة 102
الصحيح لذاته 177
الصحيح لغيره 181
الضعفاء 352
الضعيف 188
العالي 278
العرض 12
العزيز 130
الغريب 133
الغريب النسبي 148
الفرد 271
القراءة 70
المؤتلف والمختلف 293
المشهور 130
المصحف 134
المضطرب 210
المعرفوع 260
المعضل 198
المعلق 268 (1/425)
صفحة 446
المعلل 205
المعنعن 263
المقطوع 196
المقلوب 214
المكاتبة 76
المناولة 75
المنسوبون إلى غير آبائهم 315
المنكر 223
الموضوع 229
النازل 280
النسب التي على خلاف ظاهرها 330
الوجادة 79
الوحي 20
تحمل الحديث 65
حسن غريب 184
رواية الأقران 287
صحيح غريب 182
طبقات الرواة 99
طبقات الصحابة 99
علم الحديث 09
علم الحديث دراية 10
علم الحديث رواية 10
غريب الحديث 147
كتابة الحديث 88
كيفية سماع الحديث 65
ناسخ الحديث ومنسوخه 154
الوصية 78 (1/426)
صفحة 447
قائمة المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2.؟؟؟ كتاب الكفاية في علم الرواية؛ تحقيق محمد عبد الحليم وعبد الرحمن حسين؛ مط. السوادة، ط1، د. ت.
3.؟؟؟ مختصر تاريخ دمشق؛ تحقيق روحية النحاس، دار الفكر، بيروت، ط1: 1984.
4.؟؟؟؟ مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث؛ تحقيق مصطفى ديب البغا؛ دار الهدى، الجزائر، 1411/ 1991.
5. أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني: السنن؛ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد؛ دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.
6. أبو زكرياء يحي بن أبي يحي الورجلاني: سير الأيمة وأخبارهم؛ تحقيق اسماعيل العربي؟؟؟
7. أحمد بن الحسين البيهقي: السنن الكبرى؛
8. أحمد بن الحسين البيهقي: شعب الإيمان؛ تحقيق محمد زغلول؛ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1990.
9. أحمد بن تيمية: علم الحديث؛ تحقيق موسى محمد علي؛ دار الفكر، بيروت، ط3: 1993.
10. أحمد بن حنبل: أحمد بن حنبل: المسند؛ تحقيق صدقي العطار؛ دار الفكر، بيروت، ط2: 1414/ 1994.
11. (1/427)
صفحة 448
أحمد بن حنبل: الجامع في العلل ومعرفة الرجال؛ تحقيق محمد حسام بيضون؛ مؤسسة بيضون الثقافية، بيروت، ط1: 1990.
12. أحمد بن شعيب النسائي: السنن، مع شرح السيوطي وحاشية الإمام السندي؛ تحقيق مكتب التراث الإسلامي، دار المعرفة، بيروت، ط1: 1411/ 1991.
13. أحمد بن علي الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع؛ تحقيق محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، 1403/ 1983.
14. أحمد بن علي الخطيب البغدادي: الرحلة في طلب الحديث؛ تحقيق نور الدين عتر؛ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1975.
15. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة؛ دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.
16. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: النكت على كتاب ابن الصلاح؛ تحقيق ربيع بن هادي عمير؛ دار الراية، الرياض، ط4: 1417/ 1997.
17. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب؛ دار الفكر، بيروت، ط1: 1984.
18. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ تحقيق محب الدين الخطيب؛ دار المعرفة، د. م. ت.
19. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر؛ تحقيق نور الدين عتر؛ مطبعة الصباح، بيروت-دمشق، ط2: 1414/ 1993.
20. أحمد محمد شاكر: ألفية السيوطي في الحديث؛ مكتبة ابن تيمية؛ القاهرة، ط2: 1988.
21. إسماعيل ابن كثير الدمشقي: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث؛ شرح أحمد محمد شاكر؛ تعليق ناصر الدين الألباني؛ تحقيق على بن حسين الجلبي؛ مكتبة المعارف، الرياض، ط1: 1417/ 1996.
22. (1/428)
صفحة 449
إسماعيل ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن الكريم؛ دار الثقافة، الجزائر، 1990.
23. امحمد بن يوسف اطفيش: تلقين التالي لآيات المتعالي (في فن التجويد)؛ مخطوط، مكتبة القطب، بني يسجن، غرداية، الجزائر.
24. امحمد بن يوسف اطفيش: جامع الشمل في حديث خير الرسل؛ تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا؛ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1987.
25. امحمد بن يوسف اطفيش: وفاء الضمانة بأداء الأمانة في الحديث؛ مطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث، سلطنة عمان، ط2: 1982.
26. بدران أبو العينين بدران: أصول الفقه الإسلامي؛؟؟؟
27. حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون؛ دار الفكر، بيروت، ط2: د. ت.
28. الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي؛ تحقيق محمد عجاج الخطيب؛ دار الفكر، بيروت، 1404/ 1984.
29. خير الدين الزركلي: كتاب الأعلام؛؟؟؟
30. الربيع بن حبيب الفراهيدي: الجامع الصحيح؛ ترتيب أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني؛ تحقيق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيش؛ مط. العمومية، دمشق، ط2: 1388/ 1968.
31. سعيد بن خلف الخروصي: من جوابات الإمام جابر؛ مطابع سجل العرب، ط1: 1401/ 1984.
32. شعبان محمد إسماعيل: المدخل لدراسة القرآن والسنة والعلوم الإسلامية؟؟؟
33. (1/429)
صفحة 450
صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه؛ دار العلم للملايين، بيروت، ط16: 1986.
34. عبد الرحمن السيوطي: الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير؛ دار الفكر، بيروت، د. ت.
35. عبد الرحمن السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور؛ مط. الأنوار المحمدية، د. ت.
36. عبد الرحمن السيوطي: اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة؛ دار المعرفة، بيروت، د. ت.
37. عبد الرحمن السيوطي: تدريب الراوي شرح تقريب النووي؛ تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف؛ دار التراث، ببروت، 1972.
38. عبد الرحمن السيوطي: طبقات الحفاظ؛ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1403/ 1983.
39. عبد الرحيم بن الحسين العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح؛ دار الحديث، بيروت، ط2: 1405/ 1984.
40. عبد الرؤوف بن علي المتاوي: الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية؛ تحقيق محمد عفيف الزعبي؛ د. م. ت.
41. عبد الله بن الزبير الحميدي: المسند؛ تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي؛ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1988.
42. عبد الله بن حميد السالمي: شرح الجامع الصحيح؛ ج1 و2 مطبعة الأزهار البارونية، مصر، ط1: 1326. أما ج3 تصحيح وتعليق عز الدين التنوخي؛ المطبعة العمومية، دمشق، 1963.
43. عبد الله بن حميد السالمي: شرح طلعة الشمس على الألفية؛ مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت.
44. (1/430)
صفحة 451
عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري: علوم الحديث؛ تحقيق نور الدين عتر؛ دار الفكر، دمشق-بيروت، 1406/ 1986.
45. علي بن سلطان القاري: شرح شرح نخبة الفكر لابن حجر؛ تحقيق محمد نزار تميم وأخوه هيثم؛ دار الأرقم، توزيع دار القلم، بيروت، ط1: د. ت.
46. القاضي عياض بن موسى اليحصبي: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع؛ تحقيق أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، ط1: 1970.
47. مالك بن أنس: الموطأ؛ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار الكتاب اللبناني والمصري، بيروت-القاهرة، د. ت.
48. المبارك محمد بن محمد الجزري، ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر؛ تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي؛ المكتبة الإسلامية، د. م. ت.
49. محب الدين عبد الشكور: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت؟؟؟
50. محمد بن أحمد الذهبي: المغني في الضعفاء؛ تحقيق نور الدين عتر؛ دار الفكر، بيروت، 1969.
51. محمد بن أحمد الذهبي: تذكرة الحفاظ؛ تصحيح عبد الرحمن بن يحي المعلمي؛ دار الفكر العربي، د. ت.
52. محمد بن أحمد الذهبي: تلخيص المستدرك مطبوع بذيل المستدرك؛ تحقيق يوسف المرعشلي؛ دار المعرفة، بيروت، د. ت.
53. محمد بن أحمد الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي؛ دار الفكر، بيروت، د. ت.
54. (1/431)
صفحة 452
محمد بن إسماعيل البخاري: الجامع الصحيح؛ تحقيق مصطفى ديب البغا؛ دار الهدى، عين امليلة، 1992.
55. محمد بن عبد الرحمن السخاوي: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي؛ تحقيق محمد حسين علي؛ دار الإمام الطبري، ط2: 1412/ 1992.
56. محمد بن عبد الستار النيسابوري الحاكم: المستدرك على الصحيحين؛ تحقيق يوسف المرعشلي؛ دار المعرفة، بيروت، د. ت.
57. محمد بن عبد الستار النيسابوري الحاكم: معرفة علوم الحديث؛ تحقيق معظم حسين، دار الكتب العلمية، المدينة المنورة، ط2: 1397/ 1977.
58. محمد بن عبد الله الزركشي: اللآلي المنثورة في الأحاديث المشهورة؛ تحقيق محمد بن لطفي الصباغ؛ المكتب الإسلامي، بيروت-دمشق-عمان، ط1: 1417/ 1996.
59. محمد بن علي الشوكاني: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة؛ المكتب الإسلامي، بيروت، ط2: 1392/ 1972.
60. محمد بن عمرو أبي ستة: حاشية الترتيب؛ تحقيق إبراهيم محمد طلاي؛ دار البعث، الجزائر، ط2: 1994.
61. محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي: الجامع الصحيح؛ تحقيق أحمد محمد شاكر.
62. محمد بن مكرم بن منظور: لسان العرب؛ دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2: 1413/ 1993.
63. محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه: السنن؛ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار الكتاب المصري واللبناني، بيروت-القاهرة، د. ت.
64. (1/432)
صفحة 453
محمد جمال الدين القاسمي: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث؛ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1979.
65. محمد عجاج الخطيب: أصول الحديث علومه ومصطلحه؛ دار الفكر، بيروت، 1409/ 1989.
66. محمد عجاج الخطيب: المختصر الوجيز في علوم الحديث؛ مؤسسة الرسالة، بيروت، ط5: 1411/ 1991.
67. محمد عجاج الخطيب: الوجيز في علوم الحديث ونصوصه؛ المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، ط:1409/ 1989.
68. مسلم بن حجاج النيسابوري: الجامع الصحيح؛ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، د. ت.
69. نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث؛ دار الفكر، بيروت، ط3: 1997.
70. وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي؛ دار الفكر، بيروت، ط1: 1986.
71. ياقوت الحموي: معجم البلدان؛ دار صادر، بيروت، 1984.
72. يحي بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد؛ المطبعة العربية، ط2: 1988.
73. يوسف بن عبد البر القرطبي: الاستيعاب في أسماء الأصحاب؛ دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت.
74. يوسف بن عبد البر القرطبي: التمهيد لما في الموطأ من الآثار والأسانيد؛ تحقيق مصطفى العلوي ومحمد البكري؛ الرباط، ط1: 1383.
75. يوسف بن عبد البر القرطبي: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار؛ ط. مصطفى البابي الحلبي، بيروت، ط3: 1961. (1/433)
صفحة 454
محتويات الكتاب
تقديم: الأستاذ يحي بكوش هـ
مقدمة التحقيق ز
الشيخ الحاج محمد بن سليمان مطهري 1
1. مولده ونشأته ك
2. تعلمه ل
3. أعماله الاجتماعية:
- التدريس س
- الفتوى ع
- التوجيه والإرشاد ف
- القضاء د
4. تلاميذه ص
5. مؤلفاته:
- الكتب ق
- الردود العلمية ر
- المحاضرات ش
- شعره ش
6. جهاده ت
7. رحلاته ت
8. عائلته ث
9. ميزاته الشخصية ث
10. وفاته خ
11. رثاؤه ذ (1/434)
صفحة 455
كتاب فتح المغيث في علوم الحديث
القسم الأول
مدخل إلى علوم الحديث
مقدمة المؤلف 3
القسم الأول: مدخل في علوم الحديث 9
علم الحديث رواية ودراية 9
- الحديث لغة 9
- الحديث اصطلاحا 10
تعريف نقل الحديث:
- الرواية 10
- الدراية 11
- فائدته 11
تعريف السنة:
- السنة لغة 15
- السنة اصطلاحا 16
- السنة عند الأصوليين 16
- السنة عند الفقهاء 17
- السنة عند القصاص والوعاظ 17
- السنة عند المحدِّثين 17
تعريف الوحي:
- الوحي لغة 20
- الوحي شرعا 20
أقسامه:
1 - قطعي متواتر 21
2 - غير قطعي ولا متواتر 21
كيفية تلقي الرواية عن رسول الله ? 22
- (1/435)
صفحة 456
التقليل من الرواية 22
- التثبت في الرواية عند أخذها أو أدائها 23
- نقد الرواية 25
- مبادرة الصحابة في العمل بما جاء به ? 26
كيفية تدوين الحديث وكتابته وتاريخ ذلك 28
تعريف البدعة:
- البدعة لغة 32
- البدعة شرعا 32
تعريف الخبر وتقسيم طرقه:
- الخبر لغة 34
- الخبر اصطلاحا 34
- تعريف الإسناد 35
- أنواع الخبر وحكمها 36
- تعريف الحديث الآحادي والمشهور والمتواتر وأحكامها 37
تعريف الحديث القدسي:
- تعريف الحديث القدسي شكلا ومضمونا 40
- صيغ الحديث القدسي 42
تعريف الأحكام الخمسة وعلاقتها بالحديث:
- الواجب 45
- الحرام 46
- الجائز 46
- المندوب 47
- المكروه 47
طرق تحمل الحديث وأداؤه:
- ذكر أول من ألف في الحديث وعلومه 51
- الرحلة في طلب الحديث 60
كيفية تحمل الحديث:
- تعريفه لغة 65
- (1/436)
صفحة 457
تعريفه اصطلاحا 65
- شروطه 65
- حكم رواية المتحمل قبل البلوغ والإسلام 65
1. الإسلام 67
2. البلوغ 67
طرق تحمل الحديث 68
1. السماع 68
2. القراءة 70
3. الإجازة 71
4. المناولة 75
5. المكاتبة 76
6. الإعلام 78
7. الوصية 78
8. الوجادة 79
أداء الحديث وصيغه 83
بقية صيع الأداء:
1. صيغ الأداء 85
2. شروط المؤدي 86
3. شروط كتابة الحديث 88
4. تدريس الحديث 89
5. أداء الحديث بالمعنى 92
علم تاريخ الرواة ونقدهم
علم تاريخ الرواة ونقدهم
1. علم تاريخ الرواة
تعريفه 99
تقسيم الطبقات:
أ- طبقة الصحابة 99
ب- طبقة التابعين 100 (1/437)
صفحة 458
ج- أهميته وأقسامه 101
د- معرفة الصحابة: تعريف الصحابي 102
هـ- هل الصحابة كلهم عدول 104
فتنة الصحابة 107
تفاضل الصحابة 108
و- طبقات الصحابة 109
آخر الصحابة موتا 109
أكثر الصحابة فتيا 110
أعلم الصحابة 110
ز- معرفة التابعين 111
تعريفه 111
طبقات التابعين 113
سيادات التابعين 115
طبقة المخضرمين 116
ح- معرفة تابعي التابعين 117
مراتبهم 117
2. علم الجرح والتعديل
الجرح لغة 119
الجرح اصطلاحا 119
التعديل لغة 119
التعديل اصطلاحا 119
حكمه 120
نشأته وأهميته 121
مراتب الإسناد والخبر وطرق نقلها
1) مراتب الخبر:
-تعريفه 127
أ- المتواتر 127
شروطه 129 (1/438)
صفحة 459
ب- المشهور 130
ج- العزيز 130
د- الغريب 133
-حكمه 136
هـ- المصحف 134
و- المحرف 135
- حكمه 136
ز- الغريب النسبي 136
ح- المجهول 137
ط- المستور 138
ي- البدعة 138
ك- سوء الحفظ 140
ل- الإسناد المرسل 140
2) تقسيم الإسناد 142
تعريف الإسناد 142
أنواعه 142
1. المرفوع 142
2. المقبول والمردود 145
3) غريب المتن من الحديث:
1. تعريف الغريب 147
- غريب السند 147
- غريب المتن 147
2. أهميته 148
3. حكمه 149
أ- ما يمكن الجمع بينهما
ب- ما لا يمكن الجمع بينهما
د- الغريب المعنوي
4) ناسخ الحديث ومنسوخه:
- (1/439)
صفحة 460
تعريفه 154
- موضوعه 154
5) نقد المحدثين للوراة والحديث (نشأته وتطوره) 158
- النقد لغة 161
- النقد اصطلاحا 161
1. أهميته 162
2. النقد في عصر الرسول ? 162
3. النقد في عهد الصحابة 163
4. النقد في عهد التابعين 165
6) معرفة رد المتن وطرقه
1. ركاكة اللفظ 166
2. فساد المعنى 167
3. ما يناقض نص الكتاب أو السنة 168
4. كل حديث ينص على وصاية علي بالخلافة 168
5. كل حديث يدَّعي توافق الصحابة 168
6. كل حديث مخالف للحقائق 169
7. موافقة الحديث لمذهب الراوي 169
8. أن يكون خبرا عن أمر جسيم 169
9. اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم 269
10. مكلة الخاصة 170
القسم الثاني
علم مصطلح الحديث
تمهيد 187
1) الخبر المقبول 176
أ- الصحيح 177
شروطه 178
أصح الأسانيد 178 (1/440)
صفحة 461
ب- الصحيح بغيره 181
ج- الحديث الحسن 182
- نشأة الحديث الحسن وأول من شهره 182
د- الحسن بغيره 184
هـ- الحديث الصالح 186
2) الخبر المردود 188
أ- الحديث الضعيف وأنواعه 188
ب- المرسل:
تعريفه 190
حكمه 190
ج- المنقطع:
تعريفه 194
د- المقطوع:
تعريفه 196
هـ- المعضل:
تعريفه 200
أنواعه 199
و- المدلس:
تعريفه 200
أنواعه:
تدليس الإسناد 200
تدليس الشيوخ 201
حكمه 201
حكم المدلَّس 202
أنواع أخرى من التدليس:
تدليس التسوية 203
تدليس العطف 203
تدليس القطع 203 (1/441)
صفحة 462
ز- المعلَّل:
تعريفه 205
أهميته 205
مواطن العلة 206
العلة في السند 206
العلة في المتن 208
العلة في المتن والإسناد معا 208
ح- المضطرب:
تعريفه 210
حكمه 210
ط- المقلوب
تعريفه 214
القلب في الإسناد 214
القلب في المتن 216
ي- الشاذ:
تعريفه 218
الشذوذ في السند 219
الشذوذ في المتن 220
ك- المنكر:
تعريفه 223
حكمه 223
منكر السند 223
المنكر المردود 224
ل- المتروك:
تعريفه 226
م- الموضوع:
تعريفه 229
ما يرتقي به الحديث الضعيف أو الواهي ... 236 (1/442)
صفحة 463
معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد 239
معنى الاعتبار 239
معنى المتابع 240
معنى الشاهد 240
المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف 245
حكم رواية الحديث الضعيف والعمل به 251
المصحف والمحرف 253
المرفوع 260
المسند 261
المتصل 262
المعنعن 263
المؤنن 266
المعلق 268
الفرد 271
الفرد المطلق 272
الفرد النسبي 273
العزيز 275
العالي والنازل:
1) العالي 276
- العلو المطلق 278
- القرب من الإمام 278
- القرب من روابة الشيخين 278
- العلو بتقدم وفاة الراوي 279
- العلو بتقدم السماع من الشيخ 280
2) النازل 280
- النزول المطلق 280
- البعد عن الإمام 280
- البعد بالنسبة لرواية الربيع والشيخين 280 (1/443)
صفحة 464
- النزول بتأخر وفاة الراوي 280
- النزول بتأخر السماع 280
المسلسل 281
رواية الأقران 287
المدبج 287
المتفق والمؤتلف والمختلف أو المفترق:
المتفق لغة 289
المتفق اصطلاحا 289
أ- المفترق ممن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم 289
ب- المتفقون في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم 291
ج- ما اتفق من ذلك في الكنية والنسبة معا 291
المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى وما يلتحق بذلك:
المؤتلف والمختلف 293
المستخرجات:
المقصد الأول: في تعريف التخريج لغة واصطلاحا:
- التخريج لغة 297
- التخريج اصطلاحا 299
المقصد الثاني: التخريج على طريق الدلالة 299
المقصد الثالث: التخريج من الكتب الأخرى والداعي لذلك 301
المقصد الرابع: اختلاف المخرِّجين في الحكم على الأحاديث قبولا وردا 302
أ- نصب الراية: نموذج من تخريجه 305
ب- المغني على حمل الأسفار في حمل الأسفار: نموذج من تخريجه 309
ألقاب المحدثين وأسماؤهم وبيان درجاتهم
الألقاب العلمية لأهل الحديث 312
1. المسند 312
2. المحدث 312
3. الحافظ 313
4. الحجة 313
5. (1/444)
صفحة 465
الحاكم 314
6. أمير المؤمنين في الحديث 314
الألقاب التي عرفها بهم أهل الفتن 315
معرفة أسباب ورود الحديث 320
المستدركات 323
بقية أنواع الكتب المشهورة في الحديث وألقابها 330
1. الكتب المصنفة على الأبواب 330
أ- الجوامع 331
ب- السنن 332
ج- المصنفات 333
د- المستدركات 333
هـ- المستخرجات 333
2 - الكتب المرتبة على أسماء الصحابة 333
أ- المسانيد 333
ب- كتب الأطراف 335
3 - المعاجم 337
4 - الكتب المرتبة على حروف المعجم 338
أ- كتب مجامع 338
ب- كتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة 338
- المشهورة عند أهل الحديث خاصة 339
- المشهورة عند المحدثين والعلماء والعوام 340
- المشهورة عند الفقهاء 340
5 - كتب الأجزاء 343
6 - الأربعينات 344
معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث 352
خلاصة المطاف في تلخيص أحكام الأحاديث 356
دراسة الراوي 356
القبول 358 (1/445)
صفحة 466
المردود 358
المشترك بين المقبول والمردود 359
ذكر أول من دوَّن السنة وجمعها 360
الملاحق
الملحق الأول: منهجية الاستفادة من الأحاديث النبوية
1 - المنطوق 364
منطوق صريح 364
منطوق غير صريح 365
دلالة الاقتضاء 366
دلالة الإيماء 366
دلالة الإشارة 367
2 - المفهوم 367
- مفهوم الموافقة 368
- مفهوم المخالفة 369
- مفهوم الصفة 370
- مفهوم الشرط 371
- مفهوم العلة 372
- مفهوم اللقب 373
- مفهوم الاستثناء 373
- مفهوم العدد 374
- مفهوم الظرف المكاني والزماني 375
- مفهوم الحصر 376
- مفهوم الغاية 377
الملحق الثاني: في القاعدة الشرعية في حفظ الضروريات الخمس
تمهيد 379
1. حفظ الدين 383
2. حفظ النفس 383
3. (1/446)
صفحة 467
حفظ العقل 383
4. حفظ المال 384
5. حفظ الأنساب 384
خاتمة ودعاء:
الفهارس
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث
فهرس المصطلحات الحديثية
فهرس الأعلام
فهرس القبائل والفرق
قائمة المصادر والمراجع
محتويات الكتاب (1/447)