صفحة 1
الكتاب: في رحاب السنّة (ج1)
صاحب الدروس: الشيخ/ الناصر المرموري (رحمه الله)
تحرير وإخراج:
إبراهيم بن علي بولرواح
قاسم بن عيسى احماني الراعي
ياسين بن قاسم سليمان بوعصبانه
صالح بن محمد حمدي
بكير بن محمد فخار
يوسف بن أحمد كفوس
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
طبع: المطبعة العربية، غرداية
الطبعة: الأولى
سنة الطبع: 1424هـ / 2003م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[الكتاب عبارة عن سلسة دروس في شرح " الجامع الصحيح للربيع بن حبيب "، ألقاها الشيخ الناصر المرموري (رحمه الله) في مسجد القرارة - غرداية - الجزائر، سمّاها: " في رحاب السنة "، وهو يشرح في كل ليلة حديثا إلى أربعة أحاديث؛ وأعداد السلسلة لا تزال تصدر] في رحاب السُّنَّة
شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
لفضيلة الشيخ
ناصر بن محمد المرموري
حفظه الله
الجزء الأول
أبواب
النية - الوحي - القرآن
تحرير وتخريج
إبراهيم بن علي بولرواح ... صالح بن محمد حمدي
قاسم بن عيسى احماني الراعي ... بكير بن محمد فخار
ياسين بن قاسم سليمان بوعصبانه ... يوسف بن أحمد كفوس (1/1)
صفحة 2
الطبعة الأولى
1424 هـ /2003 م
جميع الحقوق محفوظة
نشر: جمعية التراث، ص. ب. 19 القرارة
طبع: المطبعة العر بية - غرداية (1/2)
صفحة 3
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
(صفحة بيضاء) (1/4)
صفحة 5
الإهداء
v إلى كلّ مسلم يسعى في سبيل إعلاء كلمة الله، معتصمًا بكتابه وسنّة رسوله، لأجل عزَّة الإسلام، والنصرة على القوم الكافرين.
v إلى فضيلة أستاذنا الشيخ ناصر المرموري، وفاءً لفضله علينا، وتقديرًا لجهوده في خدمة العلم والدين.
(الطلبة المشرفون على التحقيق
/ (1/5)
صفحة 6
(صفحة بيضاء) (1/6)
صفحة 7
ترجمة الشيخ ناصر المرموري
الشيخ ناصر بن محمد المرموري من مواليد القرارة ولاية غرداية في 03 رجب 1345هـ/ 07 يناير 1927م، التحق بالمدرسة الرسمية أواسط سنة 1351هـ/ 1932م، ثم التحق بالمدرسة الفرنسية سنة 1356هـ/ 1937م، وتحصل على الشهادة الابتدائية سنة 1359هـ/ 1940م، كما التحق بمعهد الحياة قبل ذلك بنحو تسعة أشهر.
تلقى دروسه في معهد الحياة على أيدي مشايخ أجلاَّء منهم: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، الشيخ عدون بن بالحاج شريفي ... وغيرهم، حيث استظهر القرآن الكريم سنة 1361هـ/1942م، وقد أكمل دراسته في معهد الحياة سنة 1366هـ/1947م ليعيَّن في نفس السنة مدرِّسا لموادِّ الشريعة واللغة العربيَّة، ولا يزال يواصل مهمَّة تربية الأجيال إلى يومنا هذا.
عيّن من قِبل الشيخ بيوض ورؤساء جمعيات الإصلاح بميزاب مسؤولا مشرفا على البعثة والمدرسة الخاصة العمانية بالزمالك في القاهرة سنة 1382هـ/1962م، واستمرَّ في مهمَّته لمدَّة ثلاث سنوات، ليعود بعدها إلى معهد الحياة.
في جمادى الأولى 1390هـ/ جويلية 1971م عين عضوا في حلقة عزابة القرارة، وكان خليفة للشيخ بيوض في منبر الوعظ والإرشاد، وبعد موت الشيخ بيوض ـ رحمه الله ـ عيّن لمهمة الإفتاء، ولا يزال يواصل عمله بكل إخلاص وتفان. (1/7)
صفحة 8
تقديم الشيخ ناصر المرموري
الحمد لله الذي أكمل لنا دينه الذي فيه عصمتنا، وأتمَّ علينا نعمته التي هي الهداية إلى صراطه المستقيم، ورضيَ لنا الإسلام دينًا ندينُ الله به، واستخلفنا في الأرض كما استخلف الذين من قبلنا من أئمَّة الهدى، ومكّننا دينه الذي ارتضاه لنا، وبدّلنا من بعد خوفنا أمناً نعبده لا نشرك به شيئاً، ونشكره ولا نكفره، ونذكره ولا ننساه، ونرجوه ونخشاه، وهو أحق أن نخشاه، ونبتغي الهدى في اتِّباع كتابه وسنَّة نبيئه الذي أرسله إلينا يتلو علينا آياته، ويعلمنا الكتاب والحكمة، وجعله لنا إماما وأسوة حسنة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أئمَّة الهدى، ونجوم الاهتداء، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فقد رغب إليَّ بعض أهل السابقة والفضل من إخواني أن أشرح مسند الإمام الربيع بن حبيب في دروس في المسجد الجامع في القرارة، ليعُمَّ الخير، وينتشر العلم في الناس، وذلك بعد أن أتمَّ شيخنا بيوض إبراهيم ـ رحمه الله ـ دروس تفسير كتاب الله فيه، في مدَّة تنيف على أربعين سنة، فكان مناسبا أن نقوم بعد وفاته نتسلَّم أمانة التبليغ، بشرح أحاديث رسول الله J .
وحيث إنَّ مسند الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ هو في الرتبة الثانية عندنا بعد كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ، وذلك لقربه من المشكاة النَّبَوِيَّة، واتِّصال حلقاته الثلاثيَّة برسول الله J ، وهو رواية إمام عن إمام عن إمام عن صحابة رسول الله J ، ويحتوي هذا المسند على ما لا يسع الناس جهله من العلوم الشَّرعِيَّة؛ أصولها وفروعها، أخلاقها وآدابها وحقوقها، فلزامًا علينا معشر المؤمنين والمؤمنات معرفة أمور ديننا من كتاب الله وسنَّة رسوله J ، وتلك هي المحجَّة البيضاء التي تركنا (1/8)
صفحة 9
عليها، ليلها كنهارها، لا يضلَّ من لَزِمها وسار عليها، وهو الأمر الذي من تمسَّك به لن يضلَّ أبداً، نسأل الله أن يثبِّتنا على صراطه المستقيم ودينه القويم، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك أولوا الألباب، والحمد لله رَبِّ العالمين.
CCC (1/9)
صفحة 10
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام، و أكرمنا بسنَّة خير الأنام، وحضَّنا على التشبُّث بها والاعتصام، قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7).
والصلاة والسلام على النبيِّ الأميِّ الذي بلَّغ الرِّسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وأمر بالدعوة فقال: «بلّغوا عنِّي و لو آية»، وعلى آله وصحبه الأخيار المجتَبينَ، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ إحياء التراث الإسلاميِّ المغمور، لم يعد مجرَّد عَمَلِيَّة إعادة طبع ونشر، بل أضحى أمانة عظيمة، ومسؤوليَّة كبيرة على عاتق الباحثين وأولي الاختصاص، يجب عليهم أن يولوه العناية الفائقة، بالدراسة والبحث والتحقيق، وفق المناهج العِلمِيَّة الدقيقة؛ ليصيبوا بذلك الهدف المنشود، ويكشفوا الحقيقة بعينها، فيطَّلع الناس على ما أنجزه السلف من نفائس، وما بَلَغوه من نتائج وحقائق عِلمِيَّة، فيواصلوا على أسسها البناء والتطوير، بدل التقويض والهدم، أو الدوران في حلقة مفرغة، وتعقُّب السقطات التَّارِيخِيَّة، واجترار الآراء الخاطئة، و الأحكام التي تَبَيَّنَ فسادُها.
ولأجل هذا الهدف النبيل، وسيراً على هذا المنهج القويم يجيء هذا العمل، وهذه البداية في الاهتمام بما أنجزه سلفنا ومشايخنا وما حقَّقوه من جهود.
الهدف من تحقيق هذا الشرح:
1. نيل شرف خدمة أفضل علم بعد علم كتاب الله تعالى. (1/10)
صفحة 11
2. تيْسِيره للناس ونفعهم بِدُرَرِه، فما بذله الشيخ من عناء وتضحية طيلة عشر سنين، واجب علينا أن نبرزه للناس في كتاب يقرأه الصغير والكبير، ويضطلع بفوائده ونفحاته الخاصُّ والعامُّ.
3. إثراء المكتبة الإِسلاَمِيَّة بهذا النتاج الزاخر، و إطلاع الباحثين على جهود الإِبَاضِيَّة في مجال خدمة السنَّة الشريفة.
4. عربون وفاء وإخلاص من الأبناء نحو الوالد الحاني، عرفانا بتفانيه وتضحياته، ومشواره الطويل في تنشئة الأجيال وتربيتها، وتلقينها العلم القويم والخلق المتين.
كيف تم هذا الشرح؟
لقد كان للدور الرياديِّ الذي لعبه الشيخ بيوض ـ في سبيل إصلاح المجتمع وتوجيهه ـ الأثر الطيِّب، والنفع البليغ، بفعل تلك الدروس المسجديَّة، والحلقات العِلمِيَّة، في تفسير القرآن الكريم، وشرح الحديث الشريف.
وبعد أن أفضَت روحه إلى بارئها، انبرى تلميذه الشيخ ناصر المرموري إلى تولِّي زمام المنبر، وشغْلِ مَهَمَّة الوعظ والإرشاد، فواصل سلسلة الدروس الذهبيَّة، التي منها: شرح أحاديث مسند الربيع بن حبيب، (والتي شرحها الشيخ بيوض من قبل).
وقد استمرَّ الشيخ الناصر في هذا الشرح مُدَّة عشر سنوات، وكانت سلسلة دروس ممتعة، ذات فائدة جمَّة، استنار بها كثير من الناس.
وقد كان الشيخ ينوِّع في أساليب الشرح والخطاب، فنجده يستعمل ثلاث (1/11)
صفحة 12
لغات: العربيَّة الفصيحة، والعربيَّة العامِّيَّة، واللغة المحلِّيَّة (الميزابية)؛ ذلك لأنَّه في مقام يحضره عامَّة الناس؛ الصغير والكبير، والمثقَّف والعامِّي.
وكانت طريقة الشرح تتمُّ كما يلي:
- يقرأ الحديث كاملا من المسند مع إضافات الربيع، ثمَّ يعيد قراءته جملة جملة، فيشرحه بالعربيَّة الفصيحة، ثمَّ يعيد تبيينه وشرحه بتفصيل أكثر باللغة الميزابيَّة. ويُوظِّف في ذلك الأمثال والآراء الفقهيَّة والعقديَّة، والحقائق التاريخيَّة، ويستشهد بالقرآن الكريم والأحاديث الواردة في المصادر الأخرى، مثل الصحاح والمسانيد والسنن والمصنَّفات وغيرها ...
- وقد كان يشرح في كلِّ درس حديثا واحدا على الأقل.
وصف العمل:
وقد ألقيت هذه الدروس بالمسجد الكبير بالقرارة، ما بين شهر نوفمبر 1981، وديسمبر 1991، وتمَّ تسجيلها في المسجِّلة المغناطيسية، ثمَّ حوِّلت إلى الأشرطة السمعيَّة، والتي بلغ مجموعها 128 شريطا، سعة كلِّ شريط 90 دقيقة، وهذه الأشرطة موجودة بمكتبة معهد الحياة، ومكتبة جمعية الرسالة بالقرارة. وَأَمَّا عن حالة الأشرطة فأغلبها واضح، إلاَّ ما يعتري بعض الأشرطة من الغموض أو الخفوت، وأيضا ثمَّة دروس لم يتمَّ تسجيلها كُلِّيَّة.
والجزء الأوَّل من هذا الشرح، استخرج من أربعة أشرطة، سعة كلٍّ منها 90 دقيقة في المواضيع الآتية: النية، الوحي، القرآن. (1/12)
صفحة 13
خطوات تحقيق الجزء الأول من هذا الشرح:
في إطار فكرة العمل الجماعي الذي يختصر كثيرا من الجهد والزمن، كانت الخطَّة العمليَّة لإنجاز هذا المشروع الضخم.
فبعد اقتراحه على مجموعة من طلبة التخصُّص في الشريعة بمعهد الحياة، وبعد استشارات الأساتذة والمختصِّين، ممَّن لهم سابق التجربة في الميدان، واستشارة الشيخ ناصر المرموري شخصيًّا، كان القبول والاستحسان والتشجيع من الجميع على المضيِّ في هذا العمل الهامِّ، والانطلاق فيه عاجلا غير آجل، لأنَّه يتطلَّب وقتا طويلاً لإتمامه.
فكان هذا الدافع القوي الذي حرَّك الهمم، وجعلها تشمِّر على ساعد الجدِّ.
كانت الخطَّة الأوَّليَّة بتقسيم العمل بحسب الأشرطة (بمعدَّل شريطين أو ثلاثة لكلِّ طالب) والتي كان الهدف منها أن يتمَّ تحرير الشرح كاملا من الشريط إلى القرطاس، ثمَّ تحقيقه وتخريجه. ولكن بعد مرحلة يسيرة من العمل تجلَّت لنا صعوبة نقله كُلِّيَّة من الشريط إلى الورق، فأسندت مَهَمَّة النسخ والتحرير إلى الأخ: فخَّار بكير بن محمَّد بن عيسى، وبعد إتمامه قام بعرضه على الشيخ ليقوم بتصحيحه وتغيير ما يمكن تغييره.
وبعدها قام فريق التحقيق ـ المؤلَّف من الطلبة: إبراهيم بن علي بولرواح، صالح بن محمَّد حمدي، قاسم بن عيسى احماني الراعي، بكير بن محمَّد فخَّار، ياسين بن قاسم سليمان بُوعَصْبَانَه، يوسف بن أحمد كَفُّوسْ ـ قام بتحقيق ما أنجز في ظرف ثلاثة أيَّام مغلقة، في إطار ما اصطلح عليه بـ «أيَّام غار أمجماج»، تلتها مرحلة ضبط النصِّ والمراجعة والتصحيح والفهرسة. (1/13)
صفحة 14
ثمَّ أحيلت المراجعة اللغويَّة والنحويَّة إلى الأستاذ الكريم: عبد الوهَّاب بن محمَّد حميد أوجانه (أستاذ الأدب العربي بمعهد الحياة)، إذ أُخذ بتلك الملاحظات، وتمَّ إدراجها في النص.
وأسندت مهمَّة المراجعة المنهجيَّة والإخراج النهائي إلى الأستاذ الكريم: مصطفى بن محمَّد شريفي (أستاذ مناهج البحث بمعهد الحياة).
الصعوبات:
لا بدَّ لأيِّ عمل أو بحث من صعوبات وعراقيل تحفُّ طريقه، ممَّا يجعل البحث شاقًّا وممتعا، والباحث جادًّا صبورا. وإنَّ أبرز ما ميَّز هذا العمل من صعوبات:
1. وجود بعض الغموض والخفوت أحيانا في الأشرطة نتيجة التسجيل الرديء.
2. صعوبة الترجمة الحرفيَّة من الميزابيَّة أو العربيَّة العامِّيَّة إلى العربيَّة الفصيحة، مع الحفاظ على فكرة و مقصد الشيخ، مع التداخل والتكرار اللذين سبَّبهما طبيعة المستمعين الذين يحتاجون إلى شيء من التبسيط والتوكيد.
شكر ورجاء:
في الأخير نتوجَّه بالحمد والثناء لله تعالى، وبالشكر الجزيل إلى كلِّ من كانت له يد بيضاء في إبراز هذا المنتوج إلى الوجود، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ ناصر المرموري صاحب الشرح، الذي أعطى الثقة التامَّة في تلاميذه لإخراج هذا التراث المغمور إلى الوجود، وكذلك السيِّد الفاضل حميد أوجانه بابه بن إبراهيم بن الحاج أحمد، الذي فتح لنا أبواب مركزه الموسوم بـ «دار الإمام للبحث العلمي (1/14)
صفحة 15
والإنتاج الفكري»، من أجل البحث والتحقيق، وإلى كلِّ من أعاننا ولو بكلمة حسنة، فجازى الله الجميع عنَّا خير الجزاء.
وإنَّ هذا العمل لا يبلغ تمامه ونضجه إلاَّ بالملاحظات والاقتراحات والنقد البنَّاء، وخاصَّة من قبل الباحثين والأساتذة المختصِّين. فنحن ننتظرها بالصدر الرحب، وأجر الجميع إن شاء الله موفور عنده، إنَّه القريب المجيب، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الطلبة المشرفون على التحقيق
القرارة: يوم الاثنين 5 رجب 1424هـ
1 سبتمبر 2003م
HHH (1/15)
صفحة 16
(صفحة 16 بيضاء) (1/16)
صفحة 17
مدخل
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال رسول الله J : « نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثمَّ أدَّاها كما سمعها، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع»، وفي رواية: «رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقهُ منهُ» (1)، دعا الرسول J بالخير العظيم لمن يسمع أحاديثه فيحفظها حفظًا جيِّدًا من غير زيادة أو نقصان؛ لأنَّ كلَّ حرف أو لفظ له اعتباره في كلامه J ، فربَّما يُؤَدِّي تغيير حرف في لفظ مَّا إلى قلب معنى الحديث تمامًا.
فبعد الحفظ المتقن عليه أن يفهمه ويعيَه تمام الفهم، ويملأَ به ضميره وفؤاده، وتنشط بعدها جوارحه انقيادًا وتطبيقًا لما حفظه، ثمَّ يبلِّغه لمن بعده كما سمعه تمامًا، فمن امتثل لهذا الأمر النّبويِّ فقد فاز بدعاء الرسول J له بنضارة الوجه، أي: إشراقته وضياؤه ونوره.
ويمكن أن يُقصد بنضارة الوجه معنيان:
__________
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بلفظ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ». قَالَ أَبُو عِيسَى: «حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ».كتاب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السماع، رقم 2656، 5/ 33. ورواه أبو داود، في سننه، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، رقم 3660، 3/ 322. (1/17)
صفحة 18
- المعنى الأَوَّل: الضياء التامُّ يوم القيامة؛ لأنَّ الوجوه تنقسم يومها إلى لونين: أبيض مشرقٍ نضرٍ زاهٍ، كإشراقة النور في الصباح الجميل؛ وأسود مظلم متعبِّس حزين ـ والعياذ بالله ـ. قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} (القيامة: 22 ـ 25)، فالطائفة الأولى تنتظر الرحمة والإذن من رَبِّها في دخول الجَنَّة، والثانية: تنتظر العذاب والسَّحب إلى النار، فالفرق شاسع بين هذه وتلك.
فنضارة الوجوه دليل واضح على السعادة الأبديَّة يوم القيامة، والعكس ينذر بالشقاوة التَّامَّة الدائمة.
- المعنى الثاني: مفاده أنَّ النَّضارة لا تقتصر على الآخرة فحسب، بل وَحَتَّى في الدنيا، فإنَّ الله يلقي في قلوبهم نورَ الإيمانِ وإشراقتَه على وجوههم، كما هو ملاحظ، فمن يعمل بما في القرآن ويقتدي بأقوال وأفعال الرسول J فإنَّ نورًا وضياءً يبدو جليًّا على وجهه، و هو شيء يجده المؤمنون ويتفرَّسونه في وجوه بعضهم بعضًا.
ودعاء الرسول J عامٌّ غير خاصٍّ، حيث لم يقصره على الآخرة فحسب، إذ لم يقل: "نضّر الله يوم القيامة"، وإنَّما قال: «نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها».
وتجدر الإشارة إلى وجوب الطاعة والانقياد لِمَا يقوله الرسول J في أحاديثه دون تخمين أو إعمال للرأي، بل الواجب أن يقول المؤمن عند سماع أيِّ حديث: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (البقرة: 285) ولو كان صعبًا أو غير مألوفٍ في نفسه، أو أن يقول: ماذا يقول الناس في شأني إن فعلتُ كذا وكذا من توجيهات النبوَّة؟. إلاّ أن يكون شيئًا فوق الاستطاعة فهو معذور في ذلك، ولذلك قال الرسول J : (1/18)
صفحة 19
«إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (1). وَلَكِن لا مجال للرأي أو الاستطاعة في ترك ما نهانا عنه الرسول J ، لقوله: «فاجتنبوه»، وأمَّا الإتيان فقال فيه: «ما استطعتم»، أي: ما قدرتم عليه، وأمَّا ما عجزتم عن القيام به فأنتم معذورون فيه.
ندعو الله أن نكون جميعًا ممَّن يسمع الحديث فيعي معناه ويعمل به ويبلِّغه لمن بعده.
نبدأ على بركة الله في شرح أحاديث الجامع الصحيح للربيع بن حبيب - رضي الله عنه -، حيث روى لنا سلسلة ذهبيَّة ثلاثيَّة، ومعنى هذه السلسلة الثلاثيَّة الذهبيَّة أنَّ الراوي: الربيع بن حبيب روى عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وشيخه روى عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد، وجابر روى عن الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ أمثال عبد الله بن عبَّاس وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدريِّ وأبي هريرة وابن عمر وعائشة، وغيرهم من الصحابة العظام ممَّن عاصرهم.
فالسلسلة الثلاثيَّة الذهبيَّة إذن تتكوَّن من أبي عبيدة وجابر والصحابة - رضي الله عنهم -، وهؤلاء الصحابة يروُون من المنبع الصافي من رسول الله J.
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، كتاب الاعتصام بالكتاب وَالسُّنَّة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، رقم 6858، 6/ 2658. ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، كتاب الحج، باب فرض الحجِّ مرَّة في العمر، رقم 1337، 2/ 975. (1/19)
صفحة 20
وأحيانًا تكون هذه السلسلة الذهبيَّة ثنائيَّة فقط، لأنَّ أبا عبيدة أيضًا قد أدرك جملة ممَّن أدركهم جابر بن زيد من الصحابة الكرام، فروى الحديث عنهم مباشرة دون واسطة شيخه جابر، وبالمقابل فقد أدرك الربيع بن حبيب جابر بن زيد أيضًا، حيث لَمَّا تُوُفِّيَ جابر في سنة 93هـ أو 95هـ كان الربيع شابًّا واعيًا راويًا لِمَا يسمعه عن أشياخه، كما تنصُّ بعض الروايات.
كلُّ الأحاديث التي رواها الربيع بن حبيب صحيحة مُتَّصِلة السند، وَحَتَّى المرسل منها، والمرسل هو الحديث الذي لم تُذكر فيه حلقة الصحابيِّ أو التابعيِّ الذي روى عنه الحديث (1)، لأنَّ أهل الحديث في أوائل القرن الثاني، بل وَحَتَّى إلى أواخره كانوا يعملون بالحديث المرسل ويقولون به، ولكن عند رأس القرن الثالث وما بعده صار الناس غير ما كانوا عليه، فشاعت الزيادة والنقصان وَرُبَّمَا الوضع أيضًا، فقالوا بوجوب التثبُّت في صِحَّة المراسيل.
يحوي هذا الكتاب الذي ألّفه الإمام الربيع بن حبيب على خمسة وألف حديث (1005)، رواها من طرق صحيحة، منها ما هو عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد، ومنها ما هو عن ضمَّام بن السائب (2)؛فَكُلّهَا صحيحة عن مشايخ ثقات عدول.
نرجو أن نسير على درب شرح هذه الأحاديث واحدًا واحدًا، وأن نحفظها، ونعيَ معناها، فلو أنَّ في كُلِّ درسٍ حديث يُحفظ ويُفهم فسنزداد علمًا وفقهًا، وَحَتَّى الأمِّيّ منَّا يكون باستطاعته حفظها وفهمها، أو على الأقلِّ فهمها فقط إن تعذَّر عليه حفظها، وسنُكتب عند الله من طلاَّب العلم،
__________
(1) - انظر: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، حيث قال: «المرسل هو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه مِمَّن فوقه، إلاّ أنَّ أكثر ما يوصف بالإرسال ـ من حيث الاستعمال ـ ما رواه التابعيُّ عن النبيِّ J ، وَأَمَّا ما رواه تابع التابعيِّ عن النبيِّ J ، فيسمُّونه المعضل، وهو أخفض مرتبة من المرسل»، 1/ 21. النيسابوري، معرفة علوم الحديث، 1/ 25.
(2) – ضمام بن السائب، تابعيٌّ جليل، من أبرز أَيمَّة الإِبَاضِيَّة الأوائل، أصله من أزد عمان، نشأ بالبصرة وتتلمذ على يد جابر بن زيد، وروى عنه، له كتاب في خلق القرآن بعنوان: «الحجَّة على الخلق في معرفة الحقِّ». انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 03/ 492. (1/20)
صفحة 21
وممَّن عمل بقول الله وبقول رسوله الكريم: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد» (1)، أي من حين الولادة إلى شفير القبر، فمن لم يتسنَّ له حفظها فعليه أن يعيَها ويعمل بها، فيكون مِمَّن وعَوا وعملوا بما سمعوا، فيجازى كلٌّ مِنَّا على نيته.
فهؤلاء الذين دوَّنوا لنا هذا المسند رجال عظام، تركوا لنا خيرا عميمًا علينا التمسُّك به، لأنَّه عبارة عن جامع لبعض أحاديث رسول الله J ، وكلام المصطفى في الدرجة الثانية بعد كلام الله تعالى مباشرة، فلا كلام أغلى ولا أحلى ولا أعلى ـ بعد القرآن ـ من كلام خير الأنام سَيِّدنَا محمَّد J ، ولا نقتصر على ما هو في القرآن فحسب بل الواجب علينا أن نعمل بما في أحاديث رسول الله J ، ومن قال بغير هذا فقد ضلَّ عن طريق الصواب والاستقامة والإسلام، وقد قال الرسول J : « أوتيتُ القرآن ومثله معه» (2). و «مثله معه» هي الحكمة التي تنبع من قلبه، فتفيض على لسانه، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44).
__________
(1) - انظر: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي: كشف الظنون، 1/ 51.
(2) - رواه أبو داود في سننه عن المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - بلفظ: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ... »، كتاب السنَّة، باب في لزوم السنَّة، رقم 4604، 4/ 200، ورواه أحمد في مسنده عن المقدام - رضي الله عنه -، مسند الشاميِّين، باب حديث المقدام بن معدي كرب ... رقم 17213، 4/ 130. (1/21)
صفحة 22
فقد أعطى الله تعالى لرسوله الحكمة لِيُبَيِّنَ للناس ما نزِّل إليهم مجملا من الأحكام والفرائض في القرآن الكريم، فلا يجرؤ أحدٌ أن يقول: إنَّ السنَّة كلَّها مقدوح في صحَّتها أو رواتها، فإنَّ هؤلاء المفتونين مخطئون، لأنَّ العلماء قد برعوا وجاهدوا في سبيل تبيين الأسانيد والرواة من تعديل وتجريح، وتمييز بين من هو صادق أو مجهول أو ضعيف أو مدلِّس أو وضَّاع أو كذَّاب، فَكُلُّ حكم بيِّن غير مشتبه في هذا المجال.
ومع ذلك فإنَّ الحديث يكون عليه دائمًا ضياء البلاغة النبويَّة ونورها وإشراقتها. أَمَّا إذا كان موضوعًا فَإِنَّ ظلمة الوضع تطغى عليه لمجرَّد سماعه، لِمَا فيه من فرق بين كلام الرسول J وكلام عامَّة الناس.
وهناك ميزان آخر أدقُّ من هذا، حيث إنَّ ما سمعناه من الأحاديث نعرضها على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فصحيح، وإن خالفه فموضوع؛ لأنَّ الرسول J أبعد من أن يخالف كلام الله المنزَّل عليه، إلاَّ ما كان تبيينًا لِمَا نُسخ من القرآن بآية أخرى، مثل آية الوَصِيَّة للوالدين والأقربين والأولاد، فقد كانت الوَصِيَّة للوالدين والأقربين لَمَّا كان الميراث غير منصوص عليه في حقِّهم، والمهاجر يرث أخاه الأنصاريَّ، والعكس بالعكس أيضًا، ففرض الله تعالى الوَصِيَّة للوالدين والأقربين والأولاد حَتَّى لا تضيع حقوقهم، ولكن لَمَّا نزل قوله تعالى: {وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ, أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنفال: 75)، وبعدما عاد الميراث للأقربين جاء التفصيل في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ ... } (النساء: 11) إلى آخر الآيات.
فلمَّا بيَّن لِكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه قال الرسول J : « إنَّ الله أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وَصِيَّة لوارث» (1)، فبقيت الوَصِيَّة للأقربين غير الورثة، ورُفعت عن الورثة من الوالدين والأقربين.
__________
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه عن أبي أمامة الباهليِّ - رضي الله عنه -، وقال: « ... وَفِي الْبَاب عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَنَسٍ، و هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، كتاب الوصايا عن رسول الله، باب ما جاء لا وَصِيَّة لوارث، رقم 2120، 4/ 433، ورواه أبو داود في سننه عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوَصِيَّة للوارث، رقم 2870، 3/ 114. (1/22)
صفحة 23
وقد حذَّرنا الرسول J من هؤلاء الناس الذين يُفتنون في آخر الزمان إذ يقولون: إنَّ أيَّ حديث لا يخلو من ريب أوشكٍّ، فهذه فتنة كبيرة إن نحن حذفنا من ديننا شطره أو ثلثه، قال J : « لا ألفينَّ أحدكم متَّكئًا على أريكته يأتيه الحديث من كلامي فيقول: حسبنا كلام الله ما وجدنا فيه عملنا به، وما لم نجده فيه تركناه، فإنَّي أوتيت القرآن ومثله معه» (1)، فهَذَا الحديث يحذِّرنا من زمان يكثر فيه الترف والرفاهية والغنى، فيُعرِض فيه الناس عن كلام الله ورسوله J ، وبذلك يعرضون عن الدين جميعًا، ويتجلَّى لنا هذا في قوله J : « متَّكئًا على أريكته»، فمن كان على هذه الصورة من البذخ والإعراض عن ذكر الله تعالى، فسيكون يوم القيامة خاسرًا، ولا يَرِد يوم القيامة من حوض النبيِّ J ، فلا هم عملوا بما في
__________
(1) - رواه الترمذي في سننه عن أبي رافع وغيره، بلفظ: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. كتاب العلم عند رسول الله J ، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي J ، رقم:2663، 5/ 37. ورواه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم 4605، 4/ 200. (1/23)
صفحة 24
الحديث ولا هم عملوا بما في القرآن؛ فلنحذر من مثل هذه المزالق، فقد أوتي الرسول J القرآن ومثله معه من الحكمة النبويَّة والأحاديث، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُو إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 ـ 4).
وما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا رسول الله J فعلمه كلُّه مأخوذ، لأنَّه وحي وإلهام من الله تعالى، وإن اجتهد وأخطأ فإنَّ الله يُصوِّبه ولا يدعه على خطئه، أَمَّا نحن فإن أخطأنا في اجتهادنا فسنبقى على ذلك الخطأ، إلاَّ أن يشاء الله هدايتنا إلى الصواب بعد ذلك.
فبين أيدينا إذن علمٌ غزير من أحاديث الرسول J الموضِّحة المفصِّلة لما في القرآن الكريم، فقد أوتي النبيُّ J جوامع الكلم، فرُبَّ نصف سطرٍ تلقى فيه من النور والهداية ما يملأ الأفق البعيد، ويُضيء للفرد والمجتمع كلَّ نواحي الحياة، ببلاغة عجيبة، وإيجاز معجز.
فهذا الجامع الصحيح الذي بوَّبه أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيديُّ العمانيُّ، رواه عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميميِّ بالبصرة ـ وهي مدينة في العراق أسَّسها عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -، سنة 17هـ ـ عن شيخه أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزديِّ اليحمديِّ، الذي هو من مدينة فرق من أعمال نزوى، قصبة العلم في عمان؛ وقد قال جابر بن زيد - رضي الله عنه -: «أدركت سبعين بدريًّا فحويت ما عندهم إلاَّ البحر» (1) أي إلاَّ الصحابي الجليل عبد الله بن عبَّاس؛ فهذا الاستثناء منقطع، لأنَّ ابن عبّاس لم يكن بدريًّا، إذ لم يشهد غزوة بدر الكبرى، إذ لا يزال
__________
(1) - انظر: العوتبي: الضياء، 3/ 150، 211. الكدمي: الاستقامة، 2/ 60. الكندي: بيان الشرع، 8/ 167. (1/24)
صفحة 25
حينها صغيرًا؛ قال: «إلاّ البحر» لأنَّ البحر لا ساحل له، إلاَّ أنَّه أخذ عنه الشيء الكثير، حَتَّى قال الناس في جابر: «صاحب ابن عبَّاس» (1). وقد قال ابن عبَّاس في جابر: «عجبًا لأهل العراق، يأتوننا وعندهم جابر! لو قصدوه وسألوه لوسعهم علمه ـ أو علمًا، أو لأوسعهم علمًا ـ بما في كتاب الله» (2)؛ فهذه شهادة ابن عبَّاس في جابر بن زيد - رضي الله عنه -، وقد دعا الرسول J لابن عبَّاس بالفقه في الدين فقال: «اللهمَّ فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التأويل» (3)، فكان بذلك ترجمان القرآن. فلنستعدَّ للبدء في الحديث الأوَّل من المسند في الدرس المقبل ـ إن شاء الله ـ حَتَّى يكون فاتحة خير مع تدشين المسجد الجديد في تاريخ واحدٍ (4)، فإلى غدٍ إن شاء الله، والحمد لله رَبِّ العالمين.
__________
(1) - الذهبي: الكاشف، 1/ 287.
(2) - انظر: المزّي: تهذيب الكمال، 4/ 435 - 436. الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، 2/ 205.
(3) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه -، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، رقم 143، 1/ ص66. ورواه أحمد في مسنده عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - بلفظ: «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ J يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ـ أَوْ قَالَ: عَلَى مَنْكِبَيَّ ـ فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ». من مسند بني هاشم، بداية مسند عبد الله بن عبَّاس، رقم 2881، 1/ 314.
(4) - تدشين مسجد الشيخ بابهون بتاريخ: 24 مُحَرَّم 1402هـ / 21 نوفمبر 1981. (1/25)
صفحة 26
بسطة حول حياة الإمام
أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وتلاميذه
قبل أن نبدأ في شرح الحديث الأَوَّل من المسند، لا بأس أن نضيف بسطة حول حياة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وتلاميذه الذين درسوا عنده بالبصرة، هذه المدينة التي اشتهرت بالعلم والعلماء، حيث كان مؤسِّسها عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -، سنة 17هـ، فأصبحت بعد ذلك والكوفة مأوى للعلم والعلماء. وكان أبو عبيدة يدرِّس علومه الشَّرعِيَّة وَالدُّنيَوِيَّة في غارٍ أو سردابٍ تحت الأرض؛ فتخرَّج في مدرسة الغار هذه إمامتان: إمامة في المغرب، وأخرى في المشرق، ملأتا الأرض قسطًا وعدلاً، بعدما مُلئت ظُلمًا وجورًا، والإمامة التي قامت في المغرب هي: الدولة الرستميَّة في سنة 160هـ، وقبلها كانت إمامة أبي الخطاب (1) في سنة 140هـ، ثُمَّ إمامة أبي حاتم الملزوزي (2) في سنة 145هـ (3).
__________
(1) - هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري أصله من اليمن، تتلمذ على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، وانتقل مع حملة العلم إلى المغرب، فبويع إماما بطرابلس، فسار في المسلمين سيرة حسنة إلى حين استشهاده في معركة تاورغا بينه وبين خصومه العَبَّاسيِّين سنة 144هـ. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 3/ 505.
(2) - هو أبو حاتم يعقوب بن لبيد التجيبي الملزوزي، بايعه إباضية المغرب إماما للدفاع بطرابلس بعد أبي الخطاب، استشهد في موضع "جنبي" في معركة بينه وبين العَبَّاسيِّين سنة 155هـ. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 4/ 996.
(3) - الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب،1/ 38. (1/26)
صفحة 27
وهي في الحقيقة كلُّها إمامة واحدة، وإنَّما تختلف في الأسماء فحسب، باختلاف الأَيمَّة والمواضع، وأمَّا مبدؤهم فمشترك، وغرضهم واحد، لأنَّهم تخرَّجوا في مدرسة واحدة، وهي: مدرسة أبي عبيدة؛ فاستمرَّت هذه الإمامة قرنًا ونصف قرنٍ من الزمن أو تزيد.
وأمَّا عن إمامة المشرق فهي إمامة أحد تلاميذ أبي عبيدة أيضًا و هو: عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحقِّ (1)، الذي أسَّس إمامته سنة: 129هـ، في أواخر إمارة بني أميَّة، وكان قائدَ جنوده أبو حمزة المختار المعروف بالشاري (2) ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.
فانتقلت الإمامة من اليمن إلى عُمان بقيادة الجلندى بن مسعود المعولي (3)، الذي بايعوه بالإمامة في عُمان وبقيت فيها إلى غاية ما بعد منتصف القرن الرابع عشر (14هـ) إلى سنة 1374هـ.
__________
(1) - عبد الله بن يحيى الكندي، الشهير بطالب الحقِّ، أَوَّل إمام ظهور لإباضيَّة اليمن، قاتله الأمويُّون بقيادة عبد الملك بن محمد السعدي، وقضوا على إمامته بحضرموت سنة 132هـ. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 3/ 586.
(2) - هو المختار بن عوف الأزدي العماني، أبو حمزة، من تلاميذ أبي عبيدة، ومن أعلام الأدباء في عصره، استشهد في معركة بينه وبين الأمويِّين سنة 130هـ. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 4/ 856.
(3) - الجلندى بن مسعود المعولي: أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، و هو من حملة العلم من البصرة إلى عمان. عقدت له أَوَّل إمامة للظهور بعمان سنة 132هـ/749م، وحكم بالعدل مُدَّة سنتين وشهرا، أرسل إليه العَبَّاسيُّون جيشا بقيادة خازم بن خزيمة، فانهزم الجلندى ومات شهيدا في المعركة سنة 134هـ/751م. انظر: معجم أعلام الإباضية ـ قسم المشرق ـ نسخة تجريبيَّة. (1/27)
صفحة 28
فهذه بركة عظمى نالت المشرق والمغرب بفضل الله أَوَّلاً، وبفضل الإمام أبي عبيدة، حَتَّى بلغت الحرمين (مَكَّة والمدينة)، إذ نعِمت بإمامة أبي حمزة الشاري، وعبد الله بن يحيى، وأُقيم فيها العدل والحقُّ بعدما كان يغمرها الظلم والجور من الأَئِمَّة الأمويِّين.
فلم ير العالَم بعد شباب رسول الله J شبابًا أتقى ولا أقوى من طلبة أبي عبيدة - رضي الله عنه -، فكما امتدَّت فتوحات الصحابة - رضي الله عنهم - إلى مشارق الأرض ومغاربها، فكذلك كانت دفعات الغار إلى مشارق الأرض ومغاربها، حَتَّى وصلت بلاد خرسان، لأنَّ من تلاميذ أبي عبيدة طلبة من خراسان، كأبي عيسى الخراساني (1)، وأبي غانم بشر بن غانم الخراساني (2)، وأمثالهم كثير.
الربيع بن حبيب:
كان من تلاميذ أبي عبيدة جامع هذا المسند الصحيح: الربيع بن حبيب الذي رواه عن شيخه أبي عبيدة، وعن ضمَّام بن السائب في آخر المسند، وإن كانت روايته عن هذا الأخير أكثر من روايته عن أبي عبيدة، إلاَّ أنَّها جمعت في كتاب آخر يُسمَّى: جامع أبي صفرة، نسبة إلى جامعها: أبي صفرة عبد الملك بن صفرة أحد علماء عمان (3)، الذي فيه روايات الربيع بن حبيب عن ضُمام بن السائب.
ومن حَمَلة العلم إلى المغرب ممَّن تخرجوا في مدرسة أبي عبيدة بالغار: أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، الذي بايعوه بالإمامة سنة 140هـ، ومنهم عبد الرحمن بن رستم الفارسي (4)، الذي بويع
__________
(1) - أبو عيسى الخراساني (ق: 2هـ) فقيه مفت، وأحد العلماء البارزين، من تلامذة أبي عبيدة. كان يثق به كثيرا. انظر: معجم أعلام الإباضية ـ قسم المشرق ـ، نسخة تجريبيَّة.
(2) - أبو غانم بشر بن غانم الخراساني: من أعلام الإباضية المشارقة في أوائل القرن الثالث الهجري، اشتهر بمدوَّنته التي رواها عن تلاميذ أبي عبيدة. انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة ـ قسم المشرق ـ نسخة تجريبيَّة.
(3) - جامع أبي صفرة من الكتب القديمة المشهورة عند علماء الإِبَاضِيَّة. انظر: فصل في معرفة كتب أهل عمان (مخ) 12و. السالمي: اللمعة المرضية، 73، (نقلا عن مصطفى ابن ادريسو: الآراء العقدية، بحث مرقون). إِلاَّ أَنَّ هَذَا الجامع لا زال يعتبر مفقودا.
(4) - هو عبد الرحمن بن رستم: مؤسس الدولة الرستمية بتيهرت بشمال إفريقيا، كان قاضيا وواليا على القيروان في دولة أبي الخطَّاب المعافري، من مُؤَلَّفَاته: كتاب في التفسير، وكتاب جمعت فيه خطبه، تُوُفِّيَ سنة 171هـ. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 3/ 515. (1/28)
صفحة 29
بالإمامة سنة 160هـ، وإسماعيل بن درَّار الغدامسي (1) الذي سأل شيخه في ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام في وضعيَّة عجيبة؛ حيث إنَّ شيخه كان في وداعهم وهم على أهبة الرحيل، وكانت إحدى رجليه في الأرض والأخرى على الركاب، فلا ندري أنتعجب من الذي سأل كلَّ هذه الأسئلة، أم من الشيخ الذي أجاب عنها في هذه الوضعية العاجلة؟! طبعًا نتعجَّب من هذا الأخير أكثر. ثم قال بعد ذلك أتريد أن تكون قاضيًا يا ابن درار؟ أجابه قائلاً: أرأيت إن ابتليت بذلك! (2).
ومن حملة العلم إلى المغرب أيضًا أبو داود القبلِّي (3)، وعاصم السدراتي (4)؛
__________
(1) - هو أبو المنيب إسماعيل بن درَّار الغدامسي، كان قاضيا في دولة أبي الخطاب، من تلاميذه أبو المنيب محمد بن يانس. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 2/ 109.
(2) - الشَّمَّاخِي: السير، 1/ 127.
(3) - هو أبو داود القبلِّي النفزاوي، نسبة إلى قْبَلِّي ونفزاوة بتونس. بلغ شأوا عظيما في العلم. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 285.
(4) - عاصم السدراتي: قيل: إنَّ أصله من قبيلة سدراته في جبال الأوراس، وقيل: من سدراته قرب وارجلان بالجزائر. اشتغل بالدعوة والتعليم، من تلاميذه الإمام عبد الوَهَّاب الرستمي. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 3/ 499. (1/29)
صفحة 30
وكان قبل كلِّ هؤلاء الحملة إلى المغرب: الإمام محمد بن مغطير النفوسي (1)، الذي حفظ القرآن كلَّه عن طريق قوافل الفاتحين لليبيا وتونس والمغرب، حيث كان يأخذ منهم الآيات من القرآن الكريم، وكذا العلوم الشَّرعِيَّة وَالدُّنيَوِيَّة. وَلَمَّا جاء سلمة بن سعد (2) بعثه كأوَّل بعثة إلى الإمام أبي عبيدة لتلقِّي العلم، وبعد رجوعه مزوَّدًا بالعلوم ذهب أولئك الخمسة من حملة العلم إلى المغرب.
فهذا هو الربيع بن حبيب الذي قال فيه أهل البصرة: اطلبوا لنا شيخًا ورعًا زاهدًا ثبتًا نأخذ عنه العلم، فأرشدوهم إلى الربيع بن حبيب، وقالوا: هذا أفضلهم على الإطلاق لغزارة علمه وورعه الفيَّاض، فكثر عليه الطلب، وقصده الناس من كلِّ حدب وصوب حَتَّى اشتهر أمره، وحينها خاف الربيع على نفسه من مغبَّة الشهرة، فأغلق الباب دونه وصار يأذن للبعض من الناس فحسب (3).
وقد جمع الربيع في هذا المسند ألفًا وخمسة أحاديث (1005) من غير ترتيب، حَتَّى جاء بعده الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتيُّ الوارجلانيُّ ـ رحمه
__________
(1) - هو محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني (حي بعد 160هـ): عالم فاضل فقيه، أَوَّل من رحل إلى المشرق للتعلُّم على يد أبي عبيدة بالبصرة، عمِّر طويلا. وكان مرجعا للفتوى في جبل نفوسة. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 4/ 809.
(2) - هو سلمة بن سعد بن عليٍّ الحضرميُّ، تتلمذ على جابر بن زيد وأبي عبيدة، وهو أَوَّل من جاء من البصرة يدعو للمذهب الإباضيِّ ببلاد المغرب الإسلاميِّ. انظر: جمعية التراث: المعجم، 3/ 391.
(3) - انظر: السعدي: قاموس الشريعة، 8/ 366. السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 4. (1/30)
صفحة 31
الله ـ الذي ولد سنة 500هـ، وَتُوُفِّيَ سنة 570هـ، فرتَّبه على حسب المواضيع الواردة فيه، ابتداءً من النيَّة، كما هو في كتب الحديث، مثل: كتاب البخاري.
فابتداؤه ترتيب الكتاب بالنيَّة معقول جِدًّا، لأنَّ النيَّة هي أصل كُلِّ شيء، وَكُلُّ عملٍ خلا من النيَّة فهو باطل؛ وحَتَّى يفتح خصال الإسلام كلَّها بالنيَّة، ولن ينفع أيُّ عمل دون النيَّة، فالعمل إذا كان صالحًا لكنَّ نيَّته فاسدة، منصبَّة في حبِّ الدنيا وحطامها؛ أو الرياء والسمعة فهو عمل باطل، فرُبَّ طاعةٍ تنقلب معصيةً بسبب النيَّة الفاسدة، فتصبح وبالاً على صاحبها، ولن يكون العمل عملاً صالحًا إلاَّ إذا كانت نيَّته صالحة، أُريد بها وجه الله تعالى وحده، كما هو مُبيَّن في آيات، منها قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا} (الإنسان: 9). وقوله أيضًا: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى} (الليل: 19 ـ 21)، وقوله: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ} (البيِّنة: 5).
فالأصل إذن في كلِّ شيء إخلاص النيَّة لله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ. (1/31)
صفحة 32
الباب الأَوَّل
النيَّة
نيَّة المؤمن
1) قَالَ أَبُو عَمْرٍو الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الأُزْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ J قَالَ: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» (1).
وَبِهَذَا السَّنَدِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ - عليه السلام - قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
الشرح:
1 - «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»:
يقول بعض العلماء: إنَّ هذا الحديث يساوي ثُلث الدين، وقال بعض: ربعه، والبعض الآخر قال خمسه (2)، لأنَّ كُلَّ شيء متعلق بالنيَّة.
يقول الرسول J : إنَّ نيَّة المؤمن خير وأحسن إلى الله من عمله؛ وبيان ذلك أنَّ المسلم إذا نوى عمل خيرٍ مَّا من صلاة أو صيام أو زكاة أو حجٍّ مثلاً،
__________
(1) (*) - هذا الحديث مِمَّا انفرد الْمُصَنِّف، ولكن له شواهد على صحَّة معناه، انظر مثلا: الترمذي: السنن، عن أبي كبشة، كتاب الزهد، بنفس المعنى، رقم: 2325.
(2) - انظر: ابن حجر: فتح الباري، 1/ 11. (1/32)
صفحة 33
ولكنَّه حالَ بينه وبين ذلك العمل حائل، أي مانع من أداء هذا العمل الخيِّر، كأن يسجِّل اسمه في قائمة الراغبين في الحجِّ، ولكن لا تحالفه القرعة للذهاب، فمثل هذا الذي نوى الحجَّ ولم يُكتب له الذهاب، هل من المعقول أن يُحرم أجرَ النيَّة إذ لم يتمكَّن من الذهاب؟ لا؛ بل إنَّ الله تعالى يُكافئه على نيَّته حسناتٍ كثيرة وأجرًا عظيمًا، لا يعلم مقدارها إلاَّ الله، فلن يحرمه الله من الأجر أبدًا، وقد قال الرسول J في شأن الصلاة في المسجد: «إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فاقضوا، فإنَّ أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى صلاة» (1)، أي لا تأتوا الصلاة وأنتم تجرُون، وأتوها في أدب ووقار نحو أنفسكم ونحو المصلِّين؛ لأنَّ مثل هذا الفعل يشتِّت فكر المصلِّين، إذ يتساءلون في فزع عن سبب السعي والجري؛ فلنأتها في رزانة واعتدال في المشي، فما أدركتم من صلاتكم فصلُّوا، وما فاتكم منها فاقضوه بالاستدراك من قيام أو قعود بعد تسليم الإمام. ثم عقَّب J بعد ذلك بقوله: إِنَّ المصلِّي ما دام يقصد الصلاة فهو في صلاة، وإن أدرك الإمام وقد سلَّم من صلاته فهو شريك مع المصلِّين في أجر صلاة الجماعة، فما عليه إلاَّ أن يصلِّي صلاة فرد، ولكنَّ أجره يكون أجر جماعة بفضل النيَّة.
إنَّ كلَّ الأعمال الصالحة أصلها النيَّة الخالصة، فلنُخلِصِ النوايا لله تعالى وحده،
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، رقم 866، 1/ 308. ورواه بن حبَّان في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: « ... وما فاتكم فأتمُّوا فإنَّ أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة»، باب ذكر البيان بأن قوله J : وما فاتكم فاقضوا ... رقم 2148، 5/ 522. (1/33)
صفحة 34
ولا نجعلها من أجل متاع الدنيا وحطامها أو من أجل الرياء والسمعة والشهرة، فإذا بلَّغ الله تعالى المؤمن للنية والعمل الصالح فسيقبله منه، ويجازيه بالثواب الكبير، وإذا لم يكتب له البلوغ إلى ذلك العمل فسيُجازى على نيَّته الحسنة؛ هذه نيَّة بدون عمل، فكيف بعمل دون نيَّة؟! مثل أن يذهب المرء إلى الحج لا للعبادة ولكن للسياحة والتفرُّج فقط، أو أن يغطس في الماء فيغسل جميع أطرافه، ولكن بدون نيَّة الوضوء، فهل يؤجر مثل هذا على ذلك الحجِّ أو الوضوء؟ كلاَّ؛ لأنَّه لم ينو بذلك العمل الحجَّ أو الوضوء أو التقرب إلى الله. وعليه فالعمل بدون نيَّة باطل لا أجر عليه.
وإذا قارنَّا بين نيَّة بدون عمل، وعمل بدون نيَّة، وجدنا أنَّ النيَّة بدون عمل تُجزي صاحبها وكأنَّه عمل، وأمَّا العمل بدون نيَّة فلا أجر عليه، فلذلك كانت النيَّة خيرًا من العمل، وأمَّا إن كانت النيَّة مع العمل فلا إشكال فيه، وأجر صاحبه كامل موفور عظيم.
2) «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1):
بهذه الصيغة ورد، وقد جاء أيضا في نسخة أخرى بصيغة: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2). هذا الاختلاف الدقيق يُبَيِّنُ لنا شدَّة تثبُّت الرواة في لفظ الحديث، حيث وُجدت " إنَّما " في نسخة ولم توجد في نسخة أخرى، فأُشير إليها، ولم يُعقل أن يقولوا: نذكرها في كلتيهما لأنَّ المعنى لا يَتَغَيَّر،
__________
(1) - رواه بهذا اللفظ بن حبَّان في صحيحه عن عمر - رضي الله عنه -، باب الإخلاص وأعمال السرِّ، رقم: 388، 2/ 113.
(2) - رواه بهذا اللفظ البخاريُّ في صحيحه عن عمر - رضي الله عنه -، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، رقم 1، 1/ 3. (1/34)
صفحة 35
إلاَّ أنَّ الربيع كان ثبتًا في نقله، إذ روى الحديث كما هو عن طريق أبي عبيدة، عن جابر، عن ابن عبَّاس، بدون لفظ " إنَّما "؛ لأنَّ هذا اللفظ موجود في الحديث الذي رُوي عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -؛ فالمعنى لا يَتَغَيَّرُ بتغيُّر الرواية بل يتقوَّى أكثر بذلك، فلم يرخِّص الربيع لنفسه أن يضيف لفظ " إنَّما " في روايته عن ابن عبَّاس، لأنَّه تبديل غير جائز، غير أنَّه عليه أن يُبَيِّنَ الروايات المختلفة فحسب.
«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»: أي إنَّ الأعمال تَتَعَلَّقُ بِنيَّاتها، فلا بدَّ من تقدير لهذا التعلُّق، صحَّة أو كمالا، أي إنَّما صِحَّة الأعمال أو كمالها أو فسادها متعلِّق بنياتها؛ فَكُلُّ الأعمال التي لها مقصد دينيٌّ أخرويٌّ إنَّما تَتَعَلَّقُ صحَّتها بصحَّة نياتها، هذا هو المعنى الصحيح المتبادر إلى الذهن. وهناك من قال: إنَّ كمالها هو التقدير الصحيح، لكن ما هو عندنا في المذهب أنَّ الأعمال لا تُقبل بتاتًا بدون نيات، غير أنَّ مفهوم النيَّة ليس كما هو معمول به عندنا من تحفيظ لمتن النيَّة، فما هي إلاَّ توكيد لما في القلب، لأنَّ النيَّة الحَقِيقِيَّة هي: القصد القلبي لأيِّ عمل يتقرَّب به المسلم إلى الله، من صلاة أو صيام أو صدقة أو حجٍّ، فالحاجُّ ـ مثلاً ـ لا يجب عليه ما حفظ من النيَّة للحجِّ، بأن يقول: «اللَّهُمَّ إنَّ نيتي واعتقادي أنَّني أطوف بالكعبة سبعة أشواطٍ للحجِّ أو العمرة أو النافلة»، فقصده وإرادته الحجَّ تغنيه عن كلِّ ذلك، إلاَّ أنَّه لا يُجهر فيه بالنيَّة إلاَّ عند التلبية الأولى، بأن يقول: «لبَّيك اللَّهُمَّ حجًّا»، أو «لبَّيك اللَّهُمَّ عمرة»، أو «لبَّيك اللَّهُمَّ حجًّا وعمرة»، وهي العبادة الوحيدة التي يُجهر فيها بالنيَّة.
وقد جُعلت تلك الألفاظ لإعلام المصلِّي بما ينوي من الصلاة أو سائر العبادات، أو لجمع الهمَّة لمن لا ينحصر ذهنه في أيِّ عبادة إلاَّ باستحضار النيَّة وتوكيدها باللسان. (1/35)
صفحة 36
فكما أنَّ الأعمال تكون صحَّتها بالنيات، فكذلك يكون فسادها بالنيات، فإذا كانت النيَّة فاسدة إذ لا ينوي بعمله وجه الله تعالى، بل يقصد به الرياء والسمعة والفخر وما إلى ذلك من أمور الدنيا الفانية، فنيَّتُه وعمله باطلان تمامًا، وقد قال الله تعالى في هذا الشأن: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (الشورى: 20) فمعنى قوله تعالى: {يُرِيدُ} أي ينوي؛ فالله تعالى ورسوله الكريم يأمراننا بإخلاص النيَّة لله تعالى وحده، من غير إشراك للشيطان، كأن يحلِّق الناس في مجلس القرآن للتلاوة أو الذكر، ولكن كلٌّ يُجزى على حسب نيته، فمنهم من ينوي بذلك ختم القرآن ومشاركة المسلمين في الأجر، ومنهم من يقصد بجلوسه في ذلك المجلس تلك الصدقة من الخبز أو التمر، وما إلى ذلك من الصدقات، فمثل هذا لا يكون نصيبه من هذا المجلس إلاَّ ما أخذه من تلك الصدقات.
وكان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ يعقدون رحلات من أجل حضور ختم القرآن، سواء في القرية المجاورة أو البعيدة بالكيلومترات، راجين الأجر العظيم إزاء ذلك، فإن أتى الإنسان على هذه النيَّة فقد نال أجر ختم القرآن، والدعوة مستجابة عند الله.
فهذا الذي جاء من أجل شهود ختم القرآن فأجره صحيح موفور ثابت عند الله تعالى، وسيجده أمامه يوم القيامة، ويُسَرُّ به، وإن نال قسطًا من الصدقة فليس ممنوعًا؛ لأنَّه لم ينوِ من مجيئه إلاَّ تلك الصدقة، وأمَّا الذي نوى من قدومه تلك القطعة من الخبز فليس له عند الله سوى تلك القطعة من الخبز، ومن هنا تأتي زيادة البخاريِّ بقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى (1/36)
صفحة 37
الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (1)، وأفضل الأعمال إلى الله بعد الإسلام الهجرة، فمن كان قد هاجر مع النبيِّ J ليقوِّي شوكة الإسلام والمسلمين فهجرته عند الله بالمقام الأعلى، ومن هاجر من أجل حطام الدنيا، حيث سمع أحد مثلاً أنَّ الأنصار يقسِّمون أموالهم مع إخوانهم المهاجرين، فيهاجر علَّه يحظى بنصيب منها، أو أن يهاجر من أجل نكاح امرأة سمع أنَّها هاجرت فيهاجر معها لينكحها بالمدينة، كما هو شأن الصحابيِّ الذي هاجر من أجل هجرة من يودُّ الزواج بها، فهجرة هذا مثلاً إلى ما هاجر إليه، سواءً تحصَّل عليه أم لم يتحصَّل، فلا أجر له في الآخرة على ذلك، على أنَّ هناك أحوالاً كثيرة يكون فيها صاحب النيَّة السَّيِّئَة آثما، ويحبط عمله، ويكون في الآخرة من الخاسرين، مثل: الرياء أو السمعة أو حبِّ الشهرة، لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ, أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} (هود: 15).
فمن هنا نخلص إلى أنَّ أصل الأعمال النيَّة الخالصة، فمن خلصت نيَّته فله أجرها وأجر العمل بها إن وُفِّق إليها أضعافًا مضاعفة، وإن لم يتسنَّ له العمل، كإدراكه الإمام يسلِّم في صلاة الجنازة مثلاً، فله أجر النيَّة وأجر الصلاة أيضًا، وإن لم يصلّها؛ فهذا معنى «نية المؤمن خير من عمله»، وليس معناها: أن ينوي الشخص ولا يعمل، خير له من أن يعمل، فهذا خطأ، وإنَّما نيَّة المؤمن إذا كان يقصد العمل فهو خير من أن يقوم بالعمل بدون نيَّة.
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن عمر - رضي الله عنه - بهذا اللفظ، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، رقم 1، 1/ 3. (1/37)
صفحة 38
وقال بعض آخرون: إنَّ المعنى المقصود من هذا الحديث أنَّ المرء مهما وصل إلى أعلى درجات عمل الخير، فإنَّه يتمنَّى لو عمل أكثر من ذلك، مثل أن يقوم بأداء النوافل، من صلاة أو صوم أو زكاة أو حجٍّ، ثُمَّ يتمنَّى أن لو سمح له الوقت أو المال لصلَّى ولتصدَّق بأكثر من ذلك، فهو يغبط الذين سبقوه في الأجر والثواب، ولذلك قالوا: إنَّ نية المنافق شرٌّ من عمله، ومنه فمهما يبلغ المنافق من أعمال الشرِّ تمنَّى لو عمل أكثر من ذلك لو سمحت له الظروف، فبهذا تكون نيَّته شرًّا من عمله.
فهذا المعنى صحيح أيضًا، والمعاني لا تتزاحم، والله أعلم، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/38)
صفحة 39
الباب الثاني الوحي
بدء الوحي
2) قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ J كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. قَالَ الرَّبِيعُ: «فَيَفْصِمُ عَنْهُ» أَيْ فَيَنْجَلِي (1).
الشرح:
بعد أن انتهى باب النيَّة جاء باب ابتداء الوحي، أو كَيفِيَّة نزول الوحي على الرسول J ، وهو موضوع صعبٌ استيعابه كلِّيَّة، ولكن نحاول تبسيطه قدر المستطاع.
كان السؤال من الحارث بن هشام للنبيِّ J نُقل إلينا عن طريق السلسلة الذهبيَّة: عن أبي عبيدة عن شيخه جابر عن عائشة أمِّ المؤمنين، وعائشة روت
__________
(1) (*) - رواه البخاري بنفس اللفظ تقريبا، عن عائشة، في كتاب بدء الوحي، رقم 2. مسلم: كتاب الفضائل، رقم: 2333. (1/39)
صفحة 40
السؤال كما وقع تمامًا، إمَّا أنَّها حضرت السؤال في حجرتها، أو أنَّ الحارث قصَّ لعائشة ما سأل به النبيَّ J ، فكلا الأمرين ممكن.
من هو الحارث بن هشام؟
هو الحارث بن هشام المخزوميُّ القرشيُّ، صحابيٌّ أسلم يوم الفتح وجاهد حَتَّى استشهد في معارك الشام، وهو أخو أبي جهل، لأنَّ أبا جهل يُسَمَّى: عمرو بن هشام، إلاَّ أنَّ هذا الأخير مات على الشرك وَالْجَاهِلِيَّة، وأمَّا أخوه الحارث بن هشام فقد هداه الله تعالى إلى سواء السبيل، حَتَّى استشهد في إحدى معارك الشام، مثلما هدى الله تعالى أيضًا عكرمة بن أبي جهل، وقد استشهد في إحدى معارك اليرموك.
كما نعلم أنَّ الوحي يأتي للرسول J في أغلب الأحيان بواسطة جبريل - عليه السلام -، كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء: 193 ـ 194) فالقرآن كلُّه نزل بواسطة جبريل، إلاَّ أنَّ الكيفية التي يأتي بها إلى النبيِّ J مجهولة، وحقيقة إنَّ الإنسان ليبقى حائرًا في كَيفِيَّة اتِّصَال مخلوق نورانيٍّ سماويٍّ بمخلوق طينيٍّ أرضيٍّ، فلولا تيسير الله السبل للاتِّصال بين المخلوقَين لَمَا تيسَّر وأمكن.
فبعدما سأل الحارث الرسول J عن الْكَيفِيَّة التي ينزل بها الوحي قال: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ»: صوت الناقوس، وهو حديد له صلصلة شديدة، أو كمن جرَّ سلاسل على منحدر جبل صلب، أو نحو ذلك، وما إن ينجلي عنه هذا الصوت إلاَّ وقد وعى وفهم ما أوحي إليه، حروف وآيات بيِّنات مفهومة لا غموض فيها ولا إشكال، وقدرة الله صالحة لِكُلِّ شيء، وما علينا إلاَّ أن (1/40)
صفحة 41
نصدِّق ونومن به أنَّه الحقُّ من ربِّنا، وما ينطق عن الهوى؛ فيمكن أن يكون هذا الصوتُ صوتَ ملَك على هيئته الملَكيَّة، وقد قال الرسول J : « وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ»، ويفهم من قوله J أنَّ تلقِّي الوحي كلَّه صعب، إلاَّ أنَّ هذه أشدُّها عليه، ويصاحب هذه الشدَّة عرق شديد، وعزلة عن الناس في المخاطبة والمحاورة، إلاَّ أنَّه يشعر بما يقع من حوله.
ويدلُّ على ذلك قصَّة عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في منقلبه من صلح الحديبيَّة إلى المدينة في السنة السادسة من الهجرة، حيث كان عمر بن الخطَّاب مغتاظًا من الصلح الذي وقَّعوه، إذ خيِّل له أنَّ المسلمين قد رضوا بالدنيَّة، إلاَّ أنَّ حكم الرسول J كان صوابا؛ لأنَّه وحي من الله تعالى، إذ لو كان الأمر بيد عمر بن الخطَّاب لما كان هنالك صلح بل تكون هنالك حرب.
وفي بعض الطريق دنا عمر بن الخطَّاب من الرسول J ، فسلَّم عليه، وردَّ عليه السلام، ثم سأله عن شيء ولم يجبه، ثُمَّ كلَّمه ثانية فلم يجبه، ثمَّ كلَّمه ثالثة فلم يجبه أيضًا، فاحتار سَيِّدنَا عمر من شأنه أيَّما حيرة، فتقدَّم الركب وسار وحيدًا حائرًا وهو يقول: «ثكلتك أمُّك يا عمر، سألت رسول الله J ثلاثا، وفي كلِّ ذلك لا يجيبك، فخشيت أن ينزل فيَّ قرآن»، أي غضب عليه الرسول J من معارضته إِيَّاهُ في صلح الحديبيَّة.
فبينما هو غارق في حيرته، إذ بصارخ يصرخ: يا عمر، يا عمر أقبل! قال: فهرولت، ووجدت وجه رسول الله مشرقًا متهللاً، كأنَّه القمر في ليلة التمام، فقال الرسول J : « يا عمر لقد أنزل عليَّ آنفا سورة هي خير لي من حمر النعم»، فقرأ عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن (1/41)
صفحة 42
ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} (الفتح: 1 ـ 3) (1).
ستُّ بشارات أو سبع بُشِّر بها النبيُّ J في هذه الآيات الكريمة، وأهمُّها أن يغفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فهذه بشارة عظيمة حقًّا.
لماذا دعا النبيُّ J عمر بن الخطَّاب خاصَّة من دون الناس؟ لأنَّه J قد أعرض عنه من قبل، فخشي أن يحتار عمر وهو ما وقع فعلا، ولذلك ناداه مباشرة بعد نهاية النزول، حَتَّى يزيل عن قلبه أيَّ شكٍّ أوخوف، وسبب إعراضه عنه عند سؤاله أنَّه كان يتلقَّى الوحي في ذلك الحين من جبريل - عليه السلام -، فهو في شأن آخر، غير أنَّه يشعر بما يقع حوله، وقد شعر أيضا بسؤال عمر بن الخطَّاب إيَّاه.
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه، بلفظ: « ... عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ J كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ J ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ J ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لاَ يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، وَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ J فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}». كتاب المغازي، باب غزوة الحديبيَّة، رقم 3943، 4/ 1531. ورواه الترمذيُّ في سننه وقال: « ... هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلاً». كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة الفتح، رقم 3262، 5/ 385. (1/42)
صفحة 43
قالت عائشة رضي الله عنها: «وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا»: أي وإن كان في فصل أو يوم شديد البرد فإنَّ جبينه يتصبَّب عرقا من غمرة الوحي.
وأمَّا الحالة الأخرى، فإنَّه يأتيه الملك في صورة رجل فيحاوره، وهو يعلم أنَّه جبريل - عليه السلام -، أو ملك آخر، فيخاطبه كالبشر، وبلغة عَرَبِيَّة فصيحة، فيعي الرسول J ما يقوله الملك.
وفي الحالة الأخرى يكون الصحابة - رضي الله عنهم - مع النبيِّ J فيأتي إليه هذا الملك في هيئة بشر، فيكلِّم الرسول J ، ويفهم الصحابة كلام الرجل ويعونه، إلاَّ أنهم لا يعرفون المتكلِّم من يكون، فيتأمَّلونه فيجدونه من غير سكَّان المدينة، رغم أنَّ لباسه نظيف، وشعره أسود قاتم، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر؛ لأنَّ المرء عادة ما يكون مغبَّرًا مشعَّثًا عند قدومه من سفر، بسبب الطريق الرمليَّة، وبسبب السفر على الدوابِّ ـ على غير ما نحن عليه الآن ـ ويحتار الصحابة في أمره، فمن جهة ليس من أهل المدينة، ومن جهة أخرى شديد بياض الثياب وبياض الوجه، وقد كانوا يشبِّهونه بالصحابيِّ الجليل دحية بن خليفة الكلبيِّ، فيظنُّونه هذا الصحابيَّ الذي هو من مشارف الشام، وأهله نظاف من بني كلب؛ إحدى أكبر القبائل العَرَبِيَّة. ففي كُلِّ هذه الحالات كان الرسول J يتلقَّى الوحي عن جبريل - عليه السلام -.
وقد ذكر الشيخ السالميُّ (1) ـ رحمه الله ـ ثلاث حالات أخرى (2).
- الحالة الأولى: يتكلَّم إليه ملك ولكنَّه في منام وليس في يقظة؛ لأنَّ
__________
(1) - هو الشيخ نور الدين عبد الله بن حُمَيْد بن سلُوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالميُّ، من أعلام الإِبَاضِيَّة المشارقة، ولد سنة 1284هـ ببلدة الحوقين، من أعمال الرستاق بسلطنة عمان ـ اليوم ـ، يرجع إليه الفضل في إحياء الإمامة بعمان. له مُؤَلَّفَات كثيرة، منها: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب طلعة الشمس على الألفيَّة في علم أصول الفقه، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان في التاريخ، شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع) في الحديث، مشارق أنوار العقول في علم الكلام. تُوُفِّيَ سنة 1332هـ. انظر: معجم أعلام الإباضية ـ قسم المشرق ـ نسخة تجريبيَّة.
(2) - السالمي: شرح طلعة الشمس على الألفية، 02/ 03. (1/43)
صفحة 44
الأنبياء تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم، ورؤى الأنبياء حقٌّ لا شكَّ فيها، إذ يرون حقائق عظمة الله في المنام مثلما يرونها في اليقظة، وليس لهم أضغاث أحلام، والشياطين لا توسوسهم، وكلُّ ما يأتيهم من الأحكام في المنام هو وحي من الله، فلذلك طبَّق سيِّدنا إبراهيم - عليه السلام - رؤيا ذبح ابنه إسماعيل في الواقع، فهذا أقوى دليل في أنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، إذ قال إبراهيم - عليه السلام - لابنه: {يَا بُنَيِّ إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} (الصافَّات: 102) فسيِّدنا إبراهيم لم يكن شاكًّا في هذا المنام، ولا متردِّدًا فيه بأنَّه وحي من الله يراه في ثلاث ليال متتالية، وبالمقابل فإنَّ سيِّدنا إسماعيل قد هيَّأَه الله تعالى لتلقِّي النبوَّة، إذ لم يكن آنذاك نبيًّا، ولكنَّ فؤاده خلق على أن يكون نبيًّا، إذ لم ينكر على أبيه أمر الذبح ولم يقل له: هي أضغاثُ أحلام، بل قال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافَّات: 102)، فنفَّذ سَيِّدنَا إبراهيم أمر الله تعالى، حَتَّى قال له: {يَّآ إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (الصافَّات: 104 ـ 105).
- الحالة الثانية: جاء بها نصٌّ الحديث أيضا، إذ يلقيه جبريل - عليه السلام - في فؤاده مباشرة، دون أيِّ صلصلة جرس، وقد قال الرسول J : « إنَّ روح القدس نفث (1/44)
صفحة 45
في روعي أنَّ نفسًا لن تموت حَتَّى تستكمل رزقها» (1). روح القدس: جبريل - عليه السلام -. ونَفَثَ: كلَّمه كلامًا خفيًّا، في روعه: في قلبه.
فهذا الحديث من هذا القبيل، أي أنَّ أيَّ نفس لن تموت حَتَّى تستكمل رزقها وافيًا، فما من مخلوق خلقه الله تعالى إلاَّ وكتب معه أجله ورزقه حيث ينتهيان معًا، حَتَّى نستيقن بأنَّ الرزق مضمون من الله، ولا نلهث وراء المال من طرقه الشَّرعِيَّة وغير الشَّرعِيَّة، من غشٍّ وخيانة وسرقة وخديعة وربًا وما إلى ذلك، فلنسر إلى هذا الرزق من طرقه الشَّرعِيَّة ما دام أنَّه مهيَّأ لنا.
- الحالة الثالثة: لم تذكر هذه الحالة في هذا الحديث، ولكنَّها ذكرت في موضع آخر، بأن يتلقَّى الرسول J الوحي من ربِّه تعالى مباشرة دون واسطة جبريل، مثلما وقع ليلة الإسراء والمعراج، حين عرج به J إلى فوق سبع سماوات، وبقي جبريل في المكان المكتوب له، والذي لا يجوز له أن يرقى أكثر منه، فقد أذن الله تعالى للرسول J أن يواصل العروج إلى ما فوق سبع سماوات، فيقترب من العرش، ولكنَّ جبريل بقي في المكان الذي أنزله الله فيه، فقال J : « يا جبريل ما هذا بالمقام الذي يفارق فيه الخليلُ خليله، قال: بلى، ولكن وما منَّا إلاَّ له مقام معلوم» (2)، هنا استفسر النبيُّ J عن تخلُّف جبريل
__________
(1) - رواه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله، بلفظ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ». كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة، رقم2144، 2/ 725.
(2) - لم نعثر على الحديث في مظانِّه، وفي تفسير الجلالين: «قال جبريل للنبيِّ J : وما منَّا معشر الملائكة أحد إلاَّ له مقام معلوم في السماوات، يعبد الله فيه لا يتجاوزه». 1/ 597. (1/45)
صفحة 46
عنه بعد أن رافقه من مَكَّة إلى هذا المكان، فقال له جبريل: نحن معشر الملائكة لكلٍّ منَّا مكانه المعلوم، فلا يتجاوزه إلى ما بعده. فاقترب الرسول J نحو العرش، فأوحى الله هنالك إلى عبده ما أوحى، بدون واسطة جبريل - عليه السلام -، وَمِمَّا شُرع فيه: الصلوات الخمس من الله تعالى إلى سَيِّدنَا محمَّد J مباشرة، وإنَّما من وراء حجاب طبعًا، وكانت فيه مراجعة النبيِّ J ربَّه حَتَّى يخفف عن أمَّته عدد الصلوات، بإشارة من سيِّدنا موسى - عليه السلام -، الذي كانت روحه في السماء السادسة، حيث قال له: اسأل ربَّك التخفيف، فقد جئتُ بني إسرائيل بأقلَّ من هذا فما استطاعوا، ثمَّ يرجع إليه فيقول له تعالى: قد خفَّفت عنك عشرا فصارت أربعين، وهكذا بين ذهاب ومجيء، حَتَّى قال له تعالى قد تركت لك عشرًا إلاَّ أنَّ سيدنا موسى - عليه السلام - قال له: اطلب من ربِّك التخفيف، فقال له تعالى: هنَّ خمس والأجر خمسون (1)، تفضُّلا من الله تعالى، حَتَّى يقرِّبنا إلى رحمته وجنَّته، والله ذو الفضل العظيم.
فلا يجوز لأحد بعد هذا الفضل الجميل أن يترك الصلاة ولا يصلّيها أو أن يترك إحداها فيصير في غضب الله وسخطه، إلاَّ أنّ سيدنا موسى - عليه السلام - طلب من سيدنا محمد J بعد ذلك أن يطلب من ربه التخفيف، ولكنَّ سيدنا محمد J أبى أن يرجع إليه استحياءً وإجلالاً لفضل الله الذي قال له: هن خمس والأجر
__________
(1) - تراجع تفاصيل فرض الصلاة في حديث طويل رواه البخاريُّ في صحيحه، عن أبي ذرٍّ الغفاريِّ - رضي الله عنه -، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم 342، 3/ 1217. ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله إلى السماوات وفرض الصلوات، رقم 163، 1/ 148. (1/46)
صفحة 47
خمسون، وكل شيء قد كتبه الله تعالى في الأزل، حيث ألقى في قلب نبيّه J أن يكتفي بهذا التخفيف، ولو كتب الله غير هذا لألهمه إليه.
فهذه هي الحالات الثلاث لنزول الوحي، بالإضافة إلى الحالتين الأوليين، فتصير خمسَ حالات في المجموع مع التي ذكرها الشيخ السالمي في غير هذا الحديث الوارد، حيث صَحَّ بها الأثر، وجاءت في الحديث الشريف، وإنَّما الرسول J بيّن للحارث هاتين الحالتين فحسب ليفهم منها الحالات الأخرى.
فهناك شدَّة إذن في تلقِّي الوحي، إذ قال الله تعالى لنبيِّه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} (المزَّمِّل: 5). وأمَّا رؤية النبيِّ J للملك الذي يوحي إليه فقد رآه مرَّتين على الصورة الملكيَّة التي خلقه الله عليها، حيث لو طار في السماء لغطَّى الأفق كلَّه، من مشرقه إلى مغربه، وقيل: إنَّ له ستُّمائة جناح، وقيل: ألف جناح (1)، خلقه الله تعالى على هذه القُوَّة مثلما عَبَّرَ عنه الله تعالى في قوله: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} (النجم: 5 ـ 6)، وهو وصف لجبريل - عليه السلام -، أو مثل ما هو في سورة التكوير، إذ قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير: 19 ـ 21)، يقصد بالرسول جبريل - عليه السلام -، لأنَّه رسول الله إلى أنبيائه بالوحي الكريم، ذو القُوَّة
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا، كتاب تفسير القرآن، باب وقال مجاهد: ذو مرَّة، رقم4574، 4/ 1840. ورواه الترمذيُّ في سننه عن عائشة بلفظ: « ... وَلكنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلاَّ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ».كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة والنجم، رقم 3278، 5/ 394. (1/47)
صفحة 48
العظيمة، فيكفي أنَّه اقتلع قرى سدوم من أصولها بطرف جناحه، حيث تحوي أكثر من خمس قرى بسكَّانها الخمسمائة ألف، حتَّى تفجَّر ماؤها من تحتها إلى ما شاء الله من المسافات، حَتَّى قيل: إنَّ أهل السماء سمعوا صياح الديكة ونهيق الحمير، ثُمَّ قلَبَهم رأسًا على عقب (1).
ورأى الرسول J جبريل - عليه السلام - في صورته التي خلقه الله عليها مرَّتين؛ مرَّة عندما أوحى إليه في غار حراء فسدَّ ما بين الخافقين، ورفارف الأنوار تلوح منه، وهو يقول له: السلام عليك يا رسول الله: أنا جبريل، وأنت رسول رَبِّ العالمين، قال تعالى: {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالافُقِ الْمُبِينِ} (التكوير: 23). والمرَّة الثانية التي رآه فيها كانت عندما ارتقى فوق سبع سماوات، حيث انبسط جبريل - عليه السلام - في مكانه الذي أنزله الله فيه على الهيئة التي خلقه عليها، قال تعالى: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} (النجم: 13 ـ 17) أي إِنَّ الرسول J كان يرى الحقيقة لا الخيال.
هذه هي الطرق التي جاء بها الوحي، ولا شَكَّ في هذا الأمر؛ لأَنَّهُ قد وردت في القرآن وَالسُّنَّة العطرة، وصدق الله العظيم ورسوله الكريم، والحمد لله رَبِّ العالمين.
__________
(1) - انظر: الطبري: جامع البيان، بلفظ: « ... فَلَمَّا كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبريل جناحه فرفعها حَتَّى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجِّيل ... »، 12/ 90. القرطبي: الجامع، 7/ 247. و17/ 86. (1/48)
صفحة 49
البَابُ الثالث: الْقُرْآن
تعليم الأولاد القرآن
3) قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: حدَّثني أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ J أنّه قَالَ: «عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ هُو» (1).
الشرح:
الحديث الثالث من أحاديث المسند، يَتَعلَّقُ بالقرآن الكريم في باب القرآن.
وفيه أمرنا النبيِّ J أن نعلِّم أولادنا القرآن؛ لأنَّه أوَّل ما ينبغي أن يُتعلَّم من علم الله، ولأنَّه أغلى وأعلى وأحلى كلام في الوجود، إنَّه كلام الخالق سبحانه وتعالى، فما من كلام إلاَّ أدنَى مَنزلةً من كلام الله تعالى، ولأنَّه به يُتقرَّب إليه سبحانه، ابتداءً من تلاوته، فقد أعطانا الله تعالى عن كُلِّ حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، قال الرسول J : « لا أقول {أَلَمِّ} حرف، وإنَّما الألف حرف، واللاَّم حرف، والميم حرف» (2)، فإن قبلت من المسلم حسنة واحدة فسيسعد في
__________
(1) (*) - الحديث مِمَّا انفرد به الربيع.
(2) - رواه الترمذيُّ في سننه عن عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بلفظ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ: {أَلَمِّ} حَرْفٌ، وَلكن أَلِفٌ حَرْفٌ، ولاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ».كتاب فضائل القرآن عن رسول الله، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر، رقم2910، 5/ 175. ورواه الدارميُّ في سننه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، رقم3308، 2/ 521. (1/49)
صفحة 50
الآخرة، وإذا ضاعفها أضعافا كثيرة فقد حاز أجرا عظيما.
فهذا أمر منه J بتعليم الأولاد القرآن، والأمر يقتضي الوجوب، فواجب علينا إذن أن نأخذهم إلى حيث يتعلَّمون القرآن، فإن عدلنا عن ذلك وأخذناهم إلى حيث يتعلَّمون أمور دنياهم دون آخرتهم، فقد أخطأنا خطأ كبيرًا، بل وخالفنا أمر الرسول J. لماذا؟
لأنَّنا ربَّما نعدل عن تعليم القرآن بذريعة عدم ضمان المستقبل أو الأجرة أو الوظيف، وأمَّا علوم الدنيا ففيها كلُّ ما يبتغى، ومن يفعل هذا فهو مِمَّن حاول أمرًا بمعصية الله، فبذلك يكون أبعد مِمَّا رجاه، وأقرب مِمَّا اتَّقاه، فبمخالفته أمر الرسول J يبتعد عَمَّا يرجوه من أمور الدنيا، ولا يصل بذلك إلى غرضه المنشود، وكذلك يقترب شيئا فشيئا إلى ما اتَّقاه من الفقر والذلَّة والحاجة وإلى غير ذلك من المصائب.
ماذا يقصد الرسول J من قوله: «عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ»؟
1) تحفيظ القرآن: خَاصَّةً في الصغر، لأنَّ التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، حيث يمتزج هذا القرآن بعقل الصغير ولحمه وأعصابه، ولا ينساه أبدا، وإن نسيه فبالمراجعة الطفيفة يسترجعه، بخلاف الطاعن في السن، فإنَّه مهما حفظ من الآيات فلن تنقش في عقله، لتراكُمِ الهموم والمشاكل لديه، فيصعب عليه حفظ الجزء من القرآن فضلا عن الكلِّ، إلاَّ ما ندر، قال تعالى: {بَلْ هُوءَايَاتُم بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} (العنكبوت: 49)، أي آيات ثابتة في قلوب الذين أوتوا (1/50)
صفحة 51
العلم. فالصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتلقَّون القرآن من النبيِّ J فيحفظونه حفظا جَيِّدًا، مثلما سيأتينا في أحاديث في هذا الموضوع، منها: «مثل صاحب القرآن كصاحب الإبل المعقَّلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (1)، مثَّل لنا الرسول J صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد على تفقُّدها ضمن سلامتها، وإن سافر أو تخلَّى عن تفقُّدها، فَقِدَهَا ولم يبق منها شيءٌ، كذلك الشأن بصاحب القرآن، إذ عليه أن يدرسه بتكرار حَتَّى لا ينساه.
وكذلك قال الرسول J في حديث آخر: «من تعلَّم القرآن فنسيه حُشر يوم القيامة أجذم» (2)، أي: مقطوع اليد؛ إذن فأول ما يقصد من تعليم القرآن التحفيظ.
2) تعليم المعنى: لأنَّه لا يكفي حفظ القرآن وحده دون فهم معانيه، حَتَّى يستنبط منه الأحكام والمواعظ، ومعرفة الحلال والحرام والآداب والأخلاق، فضلا عن المتشابه والمحكم والعامِّ والخاصِّ، فهذه درجة أخرى تخصُّ العلماء، فلا بدَّ إذن لاستخراج فوائد القرآن من دراسة المعنى وفهمه.
ولفهم معاني القرآن لاَ بُدَّ من دراسة اللغة العَرَبِيَّة وقواعدها اللغويَّة والنحويَّة التي نزل بها القرآن، ودراسة علوم التفسير والأصول التي بها يتعمَّق المرء ويغوص في خباياه، لأنَّ الذي يقرأ القرآن دون فهم معانيه حظُّه يسير من الأجر، إلاَّ فضل قراءته وبركاته وحسناته، إلاَّ أنَّه يُحرم من فوائد الكنوز والأسرار والعلوم والأحكام الموجودة في القرآن الكريم.
__________
(1) - رواه الربيع: في الجامع الصحيح، رقم: 05، ص24.
(2) - رواه الربيع: في الجامع الصحيح، رقم: 06، ص26. (1/51)
صفحة 52
فكذلك من معاني قوله J : « عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ» تعليم المعنى.
3) تعليم الأداء: أي تعليمه كَيفِيَّة قراءة القرآن، بإعطاء كُلِّ حرف حقَّه كما نطقه العرب في القديم، وذلك بإخراج كُلِّ حرف من مخرجه الأصليِّ، والمعروف عند العلماء بعلم التجويد، والتجويد ليس تلحين القرآن، وإنَّما هو مراعاة قواعده بإخراج كُلِّ حرف من مخرجه، فهناك قواعد مهمَّة في التجويد، فمن الحروف ما يجب فيها الإظهار، ومنها ما فيها الإخفاء، وحروف فيها الغنَّة، وأخرى فيها القلقلة، فهذا فرض واجب على كُلِّ مسلم أن يراعي هذه القواعد لمن تيسَّرت له السبل، ومن لم يستطع فلا إثم عليه، قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286) فهناك بعض الناس لا ينطقون الحروف على حقيقتها؛ لأنَّه منتهى علمهم وقدرتهم، فالله تعالى يجازيهم على حسب نيَّتهم إن أخلصوا النوايا، ولكنَّه واجب على من تيسَّر له الأمر، فمثلا: إذا قرأ أحدنا سورة الإخلاص فيقول: {قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ}، فلا بدَّ من الوقوف على حرف الدال وقلقلته؛ لأنَّه بعدم قلقلته يختفي هذا الحرف، وواجب على القارئ أن يظهره، وحقَّ على السامع أن يسمعه. وَكَذَلِكَ لا يسرع في القراءة فيخفي بعض الحروف ولا يظهرها.
ومثال آخر أيضا: قوله تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فلا بدَّ من إظهار الباء وتشديد اللام والراء ومدِّ الميم أيضا، فقد أمرنا الله تبارك وتعالى بحسن القراءة فقال: {وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً} (المزَّمِّل: 4)، والترتيل هو إعطاء كُلِّ حرف حقَّه من الظهور.
فهذا العلم المهمُّ يجب علينا أن نعلِّمه الصغار منذ السنوات الابتدائيَّة إذ نلقِّنهم القرآن والتجويد معًا، فقد رأينا بعض الصبيان في الدول الإِسلاَمِيَّة ينطقون القرآن (1/52)
صفحة 53
منذ البداية على حروفه الكاملة، بإتقان نطق الضاد الذي هو من أصعب الحروف، وتختصُّ به اللغة العَرَبِيَّة دون غيرها، ويتقنون أيضا القلقلة والغنَّة والتشديد والإدغام والمدود، وإلى غيرها من القواعد، فإنَّهم يأتون بها على أكمل وجه، وهم ذوو خمس أو ستِّ سنوات، ربَّما يتعجَّب أحدنا من هذه البراعة، ولكنَّهم في حقيقة الأمر نشأوا على ذلك، فمعلِّموهم أو آباؤهم الذين علَّموهم القرآن، لقَّنوهم إِيَّاهُ من أَوَّل وهلة بقواعد التجويد، فنشأُوا على تلك الْكَيفِيَّة، ولو حاولت تغليطهم فلن تفلح أبدًا، فنرجو من المُعَلِّمين أن يدرِّسوا القرآن بقواعد التجويد، ويعتنوا بها، فإن كانوا ملمِّين بها فليطبِّقوها؛ وإن كانوا غير ملمِّين بها فليدرسوها في حصص خَاصَّةٍ قليلة، لأنَّه ليس بعلم كبير ولا عسير، بل هو علم مختصر جدًّا، ربما يُستوعب في شهر أو شهرين ـ ولو كان هذا المُعَلِّم كبير السنِّ ـ حتَّى نُصحِّح للناشئة قراءتهم.
هذا كلُّه داخل في قوله J : « علِّموا»، فيشمل هذا اللفظ تحفيظه وتجويده ومعرفة معناه، وإن كان هذا الأخير ليس من السهل الإلمام به، وإنَّما على الأقلِّ عموم المعنى، فقد قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: «التفسير على أربعة أوجه: وجه لا يسع الناس جهله، ووجه تعرفه العرب من كلامها، ووجه يعرفه العلماء فقط، والوجه الرابع لا يعلمه إلاَّ الله» (1).
فالوجه الأَوَّل الذي لا يسع الناس جهله هو: علم التوحيد وعلم الفرائض، أي الصلاة والصيام والزكاة والحجُّ، وعلم تقسيم المواريث، ـ وهذا الأخير فرض كفاية ـ، وعلم الحرام (هو اتِّقاء ما حرَّمه الله من المطاعم والمكاسب والأفعال وما إلى ذلك) فهذه الأصناف يجب على الناس أن يعلموها ولا يجهلوها.
وأمَّا الوجه الثاني: فهو ما تعرفه العرب من كلامها، وهو البشير والنذير، والقصَّة والمثل والموعظة، والوعد والوعيد، فهذه الأصناف تُعرف بمعرفة اللغة العَرَبِيَّة، لأنَّه ليس فيها ناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيَّد
__________
(1) - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 01/ 7. (1/53)
صفحة 54
وما إلى ذلك، وهو ما بيَّنه الله تبارك وتعالى في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (القمر: 17)، أي ما كان للقصَّة والعبرة فهو ميسَّر يفهمه كلُّ من يحسن اللغة العَرَبِيَّة.
والوجه الثالث: هو الذي يعرفه العلماء فقط، وهو ما كان في القرآن من الأحكام، فليس كلُّ شخص يعلم هذه الأحكام، وإنَّما يعرفها العلماء فقط، لأنَّ فيها خاصٌّ وعامٌّ، ومطلق ومقيَّد، وناسخ ومنسوخ، وظاهر ومؤوَّل، ومحكم ومتشابه، ومجمل ومبيَّن، فهذه الأحكام لا يعرفها إلاَّ من حوى علوم التفسير وأصول الفقه، فعليه إذن أن يحفظ القرآن كلَّه، لأنَّ القرآن يفسِّر بعضه بعضا، وعليه أيضا أن يحفظ قسطا وافرا من الأحاديث، لأنَّ فيها بيان ما في القرآن، وعليه أن يحفظ أيضًا قواعد أصول التفسير وأصول الفقه، وأصول اللغة، حَتَّى يحسن بذلك استنباط الأحكام، فلا يفتي بغير علم أو يضلِّل الناس.
والوجه الرابع لا يعلمه إلاَّ الله: وهو ما يقول فيه العلماء: الله أعلم بمراده؛ مثل الحروف المقطَّعة من أوائل السور: {أَلَمِّ}، {أَلَمِّرَ}، {أَلَمِّصَ} ... فلا يعلم أحد على وجه التحقيق معناها إلاَّ الله تعالى، غير أنَّ العلماء يقرِّبون المعنى فقط بقولهم مثلا: إنَّ هذه الحروف تبيِّن لِلْكُفَّارِ مدى إعجاز القرآن الكريم، حيث إنَّه لم ينزل إلاَّ باللغة التي يَتَكَلَّمُون بها، ففيها الألف وفيها اللام والميم وإلى غير ذلك، إلاَّ أَنَّكُم عجزتم عن الإتيان ولو بحرف مثله؛ لأنَّه من الله تعالى، وهو المعجزة الكبرى التي تخلد ما بقيت الدنيا. وقال قوم: إنَّ هذه الحروف جعلت للتنبيه من (1/54)
صفحة 55
الله تعالى مثل قولنا: " ألاَ "، فإذا تنبَّهوا لهذه الحروف العجيبة ألقى إليهم ما بعدها من المعاني والأحكام، فَكُلُّ ما يقولون في هذه الحروف من المعاني والتآويل يختمونها بقولهم: الله أعلم بمراده؛ لأنَّنا لا نستطيع أن نعرف المعنى على وجه التحقيق والقطع، بل الله أعلم بأسراره، هذا وأمثاله من المتشابه من الأمور التي يُردُّ فيها العلم إلى الله تعالى، لقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} (آل عمران: 7). هذا هو التفسير الذي بيَّنه ترجمان القرآن في أربعة أوجه كما أسلفنا.
كذلك يدخل في تعليم القرآن العلوم التي تنبثق منه، وهي كثيرة: من الفقه والميراث والعبادات والمعاملات والسياسة والحروب والسلم والإمامة، ما يَتَعلَّقُ منها بالأفراد، وما يَتَعلَّقُ منها بالمجتمعات، ثُمَّ العلوم الكونيَّة أيضا، العلويَّة منها والسفليَّة، والبرِّيَّة والبحريَّة، وعلوم الإنسان، وكلِّ ما فيه إشارة في القرآن إلى تعلُّمه، لقوله تعالى: {وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمُ, أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 20 ـ 21) وقوله: {قُلُ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (يونس: 101)، وأمثالها من الآيات كثيرة، فالله تعالى يوجِّه أنظارنا إلى أن نتدبَّر آيات البرِّ والبحر، والسحب والأمطار والرياح وأنفسنا، ويحرِّضنا على أخذ العبرة والتوحيد من هذه الأشياء.
وللمفسِّرين جولات عظيمة في هذه العلوم، فكلٌّ منهم سلك سبيلا؛ فمنهم من نهج طريق المعقول، ومنهم من سلك طريق المنقول، وآخر اعتنى ببلاغة القرآن، وآخر اعتنى بأحكام القرآن، وآخر اعتنى بالكون، وآخر اعتنى بعلوم المجتمع الإنسانيِّ. والقرآن بحر زاخر لا ساحل له، فكلٌّ يغرف منه على حسب علمه وقدرته. (1/55)
صفحة 56
لماذا قال الرسول J : « عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ»؟ ولم يقل لنا: تعلَّموا القرآن، فحتَّى الكبار يحتاجون إلى تعلُّم القرآن؟ ولكنَّه J قصد ذلك حَتَّى نركِّز العناية الكبيرة على الأبناء أكثر؛ لأنَّ التعليم الثابت والناجح هو تعليم الصغار؛ حَتَّى ينشأوا على حفظ القرآن من الصِّبا. وقد ورد حديث آخر في تعليم الصغار القرآن، وهو قوله J : « تعليم الصغار يطفئ غضب الربِّ» (1) والله تبارك وتعالى يرفع غضبه ومقته عن الناس ـ ولو استوجبوه بأعمالهم السيِّئة ـ إن كانوا يعلِّمون الصغار القرآن الكريم، فيرفع عنهم العذاب ببركة هذا التعليم. ثم إنَّ الأبناء يرفعون مشعل القرآن والدِّين من بعد آبائهم، لأنَّ الأولاد صفحة بيضاء ينقش فيها القرآن من أَوَّل وهلة، حَتَّى لا يزول من بعده أبدًا، فَكُلُّ ما يأتي بعده يمكن أن يزول ما عدا المنقوش الأَوَّل وهو القرآن الكريم.
فأوَّل ما يحفَّظ الصغار في الكُتَّاب قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قبل أن نعلِّمه الحروف الأولى ألف، باء ... أو الأعداد: واحد، اثنان، ثلاثة ... بل يجب أن يتعلَّم الصبيُّ السور القصار من والديه في المنزل، عندما يبدأ النطق، قبل أن يذهب إلى الكُتَّاب، فعندما يوجَّه إلى الكُتَّاب أو المدرسة يكون بذلك قد حفظ الفاتحة وبعض السُّور القصار أيضًا.
فالأمر بالتعليم إذن موجَّه أوَّلا إلى الوالدين ثُمَّ إلى الْمُعَلِّمِينَ. فبعد حفظ الصغير بعض السور على الوالدين أن يأخذا ولدهما إلى حيث يكمل ما بقي من القرآن، لا إلى حيث ينساه.
فهذا أمرٌ من النبيِّ J يجب علينا امتثاله وتطبيقه، فبقاء الإسلام ببقاء القرآن، ولا سيما في الأولاد الصغار والشباب الأغرار، حيث ينشَأون أجيالا مسلمة، ولا يزالون كذلك ما دامت السماوات والأرض، فلو انقطع التعليم من الصغار ـ لا قدَّر الله ـ لبقي القرآن منحصرًا في الكبار، فبموت الكبار يموت القرآن أيضا، وهذا ما يجب أن نحذره.
__________
(1) - رواه الربيع في الجامع الصحيح، عن أنس بن مالك، باب العلم، رقم23، ص30. (1/56)
صفحة 57
ندعو الله أن يجعلنا نعيش مع القرآن، ونحشَر مع القرآن، ونبعث يوم القيامة مع القرآن، آمين، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/57)
صفحة 58
حكم التغنِّي بالقرآن (1)
4) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ J قَالَ: «إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَرَتِّلْهُ تَرْتِيلاً، وَلاَ تَغَنَّوْا بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْمَلاَئِكَةُ لِذِكْرِهِ» (2).
المحافظة على القرآن
5) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ J: « مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» (3).
نسيان القرآن
6) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ J : « مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمُ».قَالَ الرَّبِيعُ: الأَجْذَمُ: الْمَقْطُوعُ الْيَدِ (4).
الشرح:
هذان الحديثان يَتَعلَّقَان بالقرآن الكريم والمحافظة عليه، وإثم من نسي
__________
(1) (*) - هذا الحديث لم يتطرَّق الشيخ إليه في شرحه.
(2) (*) - رواه البخاريُّ والنسائيُّ بنفس المعنى. البخاري: كتاب فضائل القرآن، رقم 65، عن ابن عبَّاس. النسائي: كتاب الافتتاح، رقم 1018، عن أبي هريرة.
(3) (*) - رواه الشيخان بنفس اللفظ تقريبا، عن ابن عمر؛ البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، رقم4743. مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم 789.
(4) (*) - رواه أبو داود، بنفس اللفظ تقريبا، عن سعد بن عبادة، كتاب الصلاة، رقم 1474. أحمد: كتاب باقي مسند الأنصار، رقم22509. (1/58)
صفحة 59
شيئا منه بعدما حفظه، والحديثان يَتَعلَّقَان أيضًا بموضوع واحد وهو القرآن الكريم.
فأَمَّا الحديث الأَوَّل فيتحدَّث عن كَيفِيَّة المحافظة على القرآن الكريم، والتمثيل على من حافظ عليه وعلى من لم يحافظ عليه. وأمَّا الثاني ففي إثم من حفظ شيئا فتركه، سواء أكان سورة أو جزءا، أو القرآن كلَّه، وما مصيره يوم القيامة.
نبدأ من الحديث الثاني حَتَّى نعلم أَهَمِّيَّة ترك ما حُفظ من القرآن وإثمه عند الله تعالى؛ وبذلك نهتمُّ بالمحافظة على حفظه.
فمن خلال قوله J : « مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَم» يتبيَّن لنا سوء منقلب ومصير الذي يحفظ جزءا من القرآن ثُمَّ ينساه، بأن يحشر يوم القيامة أجذم، أي: مقطوع اليد، لأنَّ مرض الجذام تسقط به الجوارح، فهذا التشويه دلالة على الشقاء.
وهناك من العلماء من ذكر أنَّ مقطوع اليد معناه: مقطوع الحجَّة عند الله، يُسأل يوم القيامة فلا يجيب، لأنَّ حجَّته ساقطة داحضة. وسواء كان المعنى هذا أو ذاك فكلاهما دالٌّ على الشقاء بوعيد شديد في حديث صحيح، فأين المفرُّ؟!.
ماذا يقصد بنسيان القرآن؟
أمَّا الحديث فيدلُّ على النسيان الحقيقيِّ للقرآن، بمعنى نسيان الحفظ، ولكن ما مدى هذا الحفظ للقرآن، وما مدَّة الاحتفاظ به عند الناس؟ هذا قليل، وحتَّى الرسول J تعجَّل في تبليغ ما نزِّل إليه خشية النسيان قبل أن يبلِّغه؛ لأنَّه (1/59)
صفحة 60
مأمور بالتبليغ، إلى أن طمأنه الله تبارك وتعالى بقوله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} (القيامة: 16 ـ 17)، وقوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى} (الأعلى: 6)، وقوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} (طه: 114)، فقد بشَّر الله تبارك وتعالى نبيَّه الكريم بضمان الحفظ لكلِّ ما أنزل إليه، إلاَّ ما شاء الله، فالمقصود أنّ كُلَّ شيء يكون بمشيئة الله تعالى، لأنَّ الرسول J لم ينس شيئا أبدا، ولكنَّنا لسنا على هذه الحالة من الحفظ، كما قال جابر بن زيد: «إنَّ الله لم يجعلنا حفظة لا ننسى» (1)، فلا بدَّ أن ينفلت منَّا شيء ممَّا حفظناه من القرآن، وأغلب الحفظة من الناس لا بدَّ أن ينسوا آيات أو يخطئوا فيها، كالمتشابهات مثلاً، فهل يعقل أن يحشر كلُّ هؤلاء أجذاما، فهذا في تصوُّرنا مستبعد جدًّا عن سعة رحمة الله وتيسير تشريعه؛ ولذلك قال بعض العلماء: إنَّ المقصود بالنسيان أن ينساه نسيانا تامًّا حتَّى لا يفرِّق بينه وبين الشعر، وقال الشيخ اطفيَّش (2): «الأحرى أن يقال أن لا يفرِّق بينه وبين كلام البشر» (3)، فإذا بلغ هذه الدركة من النسيان فإنه يحشر يوم القيامة أجذم، ففي هذا الرأي واقعيَّة وتوسيع على الناس، فالواجب أن يؤمر الناس بالحفظ والتكرار
وعدم النسيان، ولكنَّ هذه الحالة من عدم التفريق بين القرآن وكلام البشر نرجو أن تكون نادرة.
وقال علماء آخرون: إنَّ المقصود بنسيان القرآن هو نسيان العمل به، بأن لا يحلَّ حلاله، ولا يحرِّم حرامه، ولا يقف عند حدوده ومعالمه، ولا يتخلَّق بأخلاقه، ولا يتَّعظ بمواعظه (4)، وإلى غير ذلك من كنوز القرآن؛
__________
(1) - انظر ما يقارب هذا المعنى: امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ط: 2، 1973، مكتبة الإرشاد ـ جدَّة، دار الفتح، بيروت، 17/ 31.
(2) - هو امحمَّد بن يوسف اطفيَّش الشهير بقطب الأَيمَّة، من أعلام الإِبَاضِيَّة بالمغرب الإسلاميِّ، ولد ببني يسجن بالجزائر سنة 1237هـ/1821م، نشأ عصاميًّا، وجلس للتدريس والتأليف مبكِّرا، له مُؤَلَّفَات كثيرة منها: تيسير التفسير، جامع حرف ورش، وفاء الضمانة بأداء الأمانة في الحديث، شرح كتاب النيل في الفقه، وغيرها. تُوُفِّيَ سنة 1332هـ/1914م. انظر: جمعية التراث، معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 04/ 835.
(3) - انظر: السالمي، شرح الجامع الصحي، 1/ 18.
(4) - انظر: الشوكاني، نيل الأوطار، 2/ 160. السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 18. (1/60)
صفحة 61
لأنَّ ما في القرآن نفسه يَدُلُّ على هذا لقوله تعالى: {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَالِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَالِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَالِكَ نَجْزِي مَنَ اَسْرَفَ وَلَمْ يُومِنم بِئَاياَتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أشَدُّ وَأَبْقَى} (طه: 124 ـ 127)، فالإسراف يعني تضييع القرآن والعمل به، فعلى رأي هؤلاء أنَّ الإنسان ما دام يتأدَّب بأخلاق القرآن ويعمل بما فيه ويقف عند حدوده ولو أفلَتَ منه شيء فلا يحاسب على ذلك، بل يجزى بالعمل به، فإن ذكرت له آية فيقف عند حدودها ولا يتعدَّاها.
والبعض الآخر قال: إنَّه لا يكرِّره، أي لا يتعهَّده بالمراجعة ولو من الكتاب، فيقرأ كُلَّ يوم حزبًا أو حزبين أو أكثر، فيختم بذلك القرآن في مدَّة أسبوع أو أسبوعين، أو شهر، أو على الأكثر شهرين، بمعدَّل حزب واحد في اليوم، فيكون دائم التلاوة للقرآن، ولو لم يختمه، لمن تشغله أمور الدنيا.
فمن كان على هذا النحو كتب عند الله حافظا للقرآن ومعاهدًا عليه، حيث يكرِّره ويتلوه ويدرسه ويتدبَّره {إِنَّ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تُبورَ} (فاطر: 29)، فعلى الإنسان المسلم (1/61)
صفحة 62
أن لا ينسى القرآن بعدم تدبُّره، ويتعبَّد الله بتلاوته، ويكون حريصا أشدَّ الحرص على تطبيقه في أقواله وأفعاله وآدابه وأخلاقه، ولو لم يحفظه، فيعتبر بذلك من الحافظين المعاهدين للقرآن بأخلاقه وآدابه وأقواله وأفعاله، وإن طلب منه استظهار شيء منه امتنع لعدم حفظه، وإنَّما أقرَّ بالعمل به، فمثل هذا لا يعتبر ناسيًا للقرآن.
لقد جعلت هذه التأويلات حَتَّى يُفرَّج عن أنفسنا، ولا يُضيَّق عليها؛ لأنَّ تيسير الله عَزَّ وَجَلَّ بعيد عن تلك المشقَّة.
وأمَّا أن يجمع المسلم كُلِّ هذه الخصال بأن يحفظه ويدارسه ويعمل به، ويتأدَّب بآدابه فقد حاز كلَّ الخيرات، وهو ممَّا يقال فيه: الخروج من الخلاف، فلا ينطبق عليه قول من الأقوال بأنَّه نسي القرآن، فالواجب السلامة والحزم والاحتياط في كلِّ هذا.
كما أنَّ الحفظ يَرسَخ بكثرة المدارسة والتكرار، فإنَّ أصل بقاء الحفظ السليم يكون من اليوم الأوَّل للحفظ، فعندما يتقن المرء الحفظ من الوهلة الأولى عند عرضه على معلِّمه، فإنَّ له التأثير العظيم في رسوخ هذا القرآن المعجز، فيسهل عليه درسه بعد ذلك.
ثُمَّ يعطينا الله تعالى مثالا لمن حافظ على القرآن فلم يفلته، ومن لم يحافظ عليه فأفلته.
في الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدريُّ عن رسول الله J : « مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» مثَّل الرسول J صاحب القرآن بمثل صاحب الإبل والجمال، فإن كان حافظا كلَّ سور القرآن يكون له 114 ناقة، حيث إنَّه يحشدها ويعقلها بعقال، (1/62)
صفحة 63
حتَّى لا تهرب، فتمشي مشية بطيئة ريثما يصلِّي أو يفطر، فيكون بذلك يتعهَّدها بالتطلّع إليها، والتثبت في متانة عقالها، وكلُّ هذا يكون في وقت قصير قريب، فمثل هذا يضمن عدم ضياع إبله، فلا تنفلت منه.
وإن أطلقها، كأن يعقل إبلَه ثُمَّ يذهب إلى الحجِّ لمدَّة شهر أو يزيد مثلا، فأنَّى يجدها بعد رجوعه ولو كانت تسير سيرًا بطيئًا؟ ففي هذه المدَّة ستقطع الإبل شوطًا طويلا، وستتقطَّع تلك العقال بفعل الاحتكاك مع بعضها، أو إلى حجر أو شجر، فتتآكل حتَّى تبلى، ثُمَّ تنقطع وتذهب تلك الإبل ولا تبقى.
فهذا مثال بديع مطابق تماما لحافظ القرآن، بل وحتَّى المدَّة أيضًا، فربما تكون مدَّة تعهد الإبل مطابقة لمدَّة تعهُّد سور القرآن الكريم، ويجب أن يتعهَّد بالمراجعة والمدارسة كلَّ ما حفظ، سواء أكان القرآن كلُّه، أو ما تيسَّر منه، وعليه أن يدرسه من حافظته، أي بالغيب لا بالكراس أو الكتاب، مثل الجالس في مجلس الذكر، وَخَاصَّةً من كان حديثَ الحفظ للقرآن، ولا تزال كلمات كثيرة ربَّما يكون قد حفظها وقرأها على غير حقيقتها، إمَّا بتغيير في الحروف أوفي الأداء، غفلة منه أو جهلا لهذا الخطأ؛ لأنَّ أيَّ إنسان لا بدَّ له من عثرات في حفظ القرآن، فيتبيَّن هذه الأخطاء شيئا فشيئا عند مداومته على مجالس الذكر، فبهذا يصحِّح أخطاءه، ويثبِّت حفظه أيضًا. أمَّا مدارسة القرآن فقليلا ما يثبت الحفظ بها، ولكنَّ صاحبه يحظى بالأجر الكبير. وقد فضَّل بعض العلماء القراءة من المصحف؛ وقالوا: إِنَّ الأجر فيها أكثر من قراءته بالغيب؛ لأنَّ كُلَّ أعضاء القارئ تشتغل، فاليدان تحملان المصحف، والعينان تقرآن منه ـ وأعظم عبادات العين النظر إلى المصحف ـ واللسان يتلو القرآن، والأذنان تسمعانه، والرأس مطأطأة قليلا، فكلُّ هذه الجوارح مشتغلة، وغيرها أيضًا، فيجازى بِكُلِّ جارحة أجرها؛ وكلٌّ على حسب نيَّته. (1/63)
صفحة 64
فمن قرأ من المصحف على نية التعبُّد بالجوارح فله أجره على ذلك، ومن قرأه عن ظهر الغيب في مجلس الذكر على نية تثبيت الحفظ فله نيته وأجره أيضًا، والمهمُّ في كلِّ هذا أنَّه يتعهَّد القرآن ولا ينساه.
وبالمثال يتَّضح الحال، فقد علمنا من هذا أنَّ من حفظ القرآن ثمَّ نسيه فله وعيد شديد؛ فلنخَفْ من هذا الوعيد الشديد، ولنتعهد القرآن بالمدراسة والمراجعة ولا ننساه أبدا، خُصُوصًا وَأَنَّهُ قد ورد حديث آخر في هذا المعنى، وهو قول الرسول J : « إنِّي اطَّلعت على ذنوب أمَّتي فلم أر ذنبا أعظم ممَّن أوتي آية من القرآن ثمَّ نسيها» (1)، ربَّما يكون هذا الاطِّلاَع ليلة الإسراء والمعراج، حيث شاهد فيها النبيُّ J آيات وحقائق، فهذا حديث مهمٌّ أيضا، يبيِّن لنا فيه الرسول J خطورة نسيان القرآن.
فبعد هذا كُلِّهِ إذا علمنا أنَّ صاحب الإبل المعقَّلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت، فكذلك علينا أن نتعهَّد القرآن بالمدراسة حتَّى لا نفلته، اعتمادا منَّا على الحفظ الأول، فإنْ جادَلَنَا أحد بقوله: إنِّي حفظته حفظا جَيِّدًا في المَرَّة الأولى، قلنا له: فكذلك اعقل إبلك شهرا ولا تتفقَّدها فإنَّها لا تفلت!! وَلَكِن هيهات أن تبقى في مكانها، إذ الواقع يثبت أنَّها
__________
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - بلفظ: « ... وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا»، قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ»، كتاب فضائل القرآن عن رسول الله، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر، رقم 2916، 5/ 178. ورواه أبو داود في سننه عن أنس - رضي الله عنه -، كتاب الصلاة، باب في كنس المسجد، رقم 461، 1/ 126. (1/64)
صفحة 65
سوف تبرح مكانها، فكذلك الحال بسور القرآن، فمهما يكن الحفظ الأَوَّل متقنًا فإن غفل عن تعهُّده ذهب واندثر.
فهذان الحديثان يحرِّضان الناس على حفظ القرآن والمحافظة عليه وعدم نسيانه، ومدارسته وتكراره في وقت قريب، لا يتجاوز الأسبوعين على الأكثر، وكذلك العمل به حَتَّى لا ينسى، وَذَلِكَ لأمرين:
- أَوَّلاً: حَتَّى ينجو من عذاب الله ومن وعيده الشديد الذي أوعد به الرسول J ناسي القرآن بالجذام. وقال بعض العلماء: المجذوم: هو مقطوع اليدين، إمَّا من أَوَّل مَرَّة، وإمَّا نهشهما بفيه، بعد ما أحسَّ بحسرة الندامة، مثل ما ورد في القرآن الكريم: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} (الفرقان: 27)، فهذه حال لا تَدُلُّ على الخير، فلنحافظ على مدارسته وحفظه وفقهه والعمل به.
- ثانيا: حتَّى يستفيد من القرآن الكريم، فلا يمكن لعالم أن يستفيد منه فقها وعلما وفتوى وتفسيرا إلاَّ إذا حفظه واستحضره في ذهنه، لأنَّ القرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضا، فإذا أراد أن يستدلَّ بآية من الأحكام أو المواريث أو المعاملات، أو فقه الصلاة والصوم والعبادات، أومن القصص والأمثال والعبر، فعليه أن يستحضر الآيات التي أنزلت في ذلك الموضوع، فيستجمعها كلَّها حتَّى يُصدر الحكم؛ لأنَّ بعضها تذكر الحكم بالإجمال، والبعض منها بالتفصيل، وبعضها بإحكام، وأخرى بتقييد، وبعضها سابقة منسوخة، وأخرى لاحقة ناسخة، وفيها عامٌّ وخاصٌّ وصريح ومؤوَّل، يُذكر شيء في آية ولا يذكر في أخرى، فإذا استشهدَ بآية واحدة فقط فإنَّه لا يستنبط الحكم كاملا، ويكون المعنى ناقصًا، فحتَّى ولو لم يحفظها ولكنَّ يعلم بوجودها، وربَّما يحفظ أوَّلها، (1/65)
صفحة 66
فإنَّه يبحث عنها أو يُرشَد إليها فيهتدي، ويتثبَّت في حقيقتها من المصحف. فإذن يجب على من يتصدَّى لعلوم القرآن أن يكون حافظا معاهدا على حفظه، حتَّى يأتي بالمعاني كاملة ـ والكمال لله ـ فلا يطمع أيُّ شخص أن يكون عالما بالشريعة الإِسلاَمِيَّة أو مفسِّرا خطيبا مفتيا وهو لا يحفظ القرآن الكريم، سواء حفظه ثمَّ نسيه أولم يحفظه أبدًا من أوَّل وهلة، فهذا يطمع في المحال.
فإذا تمعنَّا في هذين الحديثين، وجدنا أنَّ المحافظة على حفظ القرآن واجب وضروريٌّ لمن يريد أن يستفيد ممَّا في القرآن من علوم وأحكام ومواعظ وقصص وأمثال وكلِّ ما فيه.
فلنحفظ الحديثين حتَّى نعمل بمقتضاهما، لعلَّ الله ينجينا ممَّا فيهما من الوعيد، وحتَّى نبعث يوم القيامة على صورة كاملة وعلى هيئة حسنة، وإذا حافظنا على القرآن فإنَّه يدافع عَنَّا في الدنيا والآخرة ويدخلنا الجَنَّة، آمين، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/66)
صفحة 67
جمع القرآن
7) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ J إِلاَّ سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ وَمُعَاذُ وزَيْدٌ وَأَبُو زَيْدٍ وَأَبُو أَيُّوبٍ وَعُثْمَانُ وَالْبَاقِي مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ يَحْفَظُ السُّوَرَ الْمَعْدُودَاتِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفَظُ السُّورَةَ وَالسُّورَتَيْنِ» (1).
الشرح:
هذا الحديث عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أي من كلامه وليس من كلام الرسول J ، وهو يتحدَّث عن الصحابة - رضي الله عنهم -، الذين حفظوا القرآن كُلَّهُ، ولذلك جعل مع الأحاديث النَّبَوِيَّة.
فأنس بن مالك هو خادم النبيِّ J ، تُوُفِّيَ أبوه في الجَاهِلِيَّة بالشام، ثُمَّ أهدته أمُّه بعد ذلك إلى النبيِّ J على أن يخدمه ما دام حَيًّا، فهذه الأمُّ (أمُّ سليم) من فُضليات نساء الأنصار، إذ تنازلت عن ابنها حتَّى يكون خادما للرسول J ، فتقبَّله منها قبولا حسنا، ودعا لها وله بالخير والسعادة الدُّنيَوِيَّة وَالأُخرَوِيَّة، ودعوة النبيِّ J مستجابة لخيري الدنيا والآخرة، فقد أنسأ الله في عمر أنس بن مالك حيث عاش زهاء مائة وثلاث سنين (103)، وَلَمَّا هاجر النبيُّ J من مَكَّة إلى المدينة كان أنس بن مالك ابن عشر سنين، وَتُوُفِّيَ على
__________
(1) (*) - مُتَّفَق عَلَيْهِ عن أنس بن مالك. رواه البخاري، بنفس اللفظ مع نقصان، في فضائل القرآن، رقم 24. ومسلم، فضائل الصحابة، رقم 2465. (1/67)
صفحة 68
أرجح الأقوال سنة ثلاث وتسعين (93 هـ) وبإضافة ثلاث وتسعين سنة بعد الهجرة إلى عشر سنين قبل الهجرة يصبح عمره - رضي الله عنه - مائة وثلاث سنين، فهذه من بركات دعوات النبيِّ J ، حيث أطال الله في عمر أنس تحت كنف الإسلام، فكم شهد من غزوات، وكم نشر من علوم، وكم اجتهد في الأعمال الصالحة، وقد بارك الله تعالى أيضا في ذريَّته، حيث كانوا كثرة صالحة، فقد ولد له من صلبه ثمانون ولدًا ذكرًا وبنتان، وقد بارك الله تعالى أيضا في أمواله، إذ تُوُفِّيَ وهو من أغنياء المدينة، وقسِّم هذا المال الكثير الحلال عند موته على ورثته فكفاهم جميعا، ولا غرابة في هذا؛ لأنَّها من دعوات النبيِّ J المباركة، هذا في الدنيا، وما في الآخرة خير وأبقى.
وقد عاصر أنس بن مالك جابر بن زيد مُدَّة طويلة، وقال فيه لَمَّا تُوُفِّيَ: «مات أعلم من في الأرض» (1)، شهادةٌ عظيمة من أنس لجابر، وقد تُوُفِّيَا في أسبوع واحد، فتُوُفِّيَ جابر أَوَّلاً وعمره خمسة وسبعون سنة (75 سنة)، ثُمَّ تبعه أنس بن مالك بعد ذلك.
روى هذا الخبر إذ قال فيه: «مَا جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ J إِلاَّ سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ» أي: أنَّه في عهد رسول الله J لم يحفظ القرآن كلَّه إلاَّ سِتَّة صحابة، كلُّهم من الأنصار، وكان يفتخر بهم لأنَّه أنصاريٌّ، إذ ناله الشرف بذلك.
__________
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، بلفظ: عن الحصي ين حيال أَنَّهُ قال: «لَمَّا مات جابر بن زيد بلغ موتُه أنسَ بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض، أو قال: مات خير أهل الأرض»، 2/ 205. (1/68)
صفحة 69
الأَوَّل: أبيُّ بن كعب: لقد كان يقرأ القرآن كلَّه دون خطأ، حتَّى قال فيه النبيُّ J : « أقرأُكم أُبيُّ» (1)، وقد قال النبيُّ J لأبيِّ بن كعب يوما: «إنَّ جبريل قد أمرني ـ بأمر من الله ـ أن أتلو عليك القرآن كلَّه من فاتحته إلى خاتمه»، فهذا تشريف وتكريم وتخصيص من الله تبارك وتعالى، وهو مِمَّن كتب المصحف في أَوَّل العهد.
الثاني: معاذ بن جبل: الذي قال فيه النبيُّ J : « الحمد الذي هدى رسولَ رسولِ الله لِمَا يحِبُّ رسولَ الله» أي أنَّ الرسول J أعجب واطمأنَّ لفقه معاذ بن جبل، والذي كان رسولَه J إلى اليمن، حيث بعثه ليكون واليًا عليهم، وَيُصَلِّي بهم، ويعلِّمهم أمر دينهم، وقد قال النبيُّ J لمعاذ في أحد الأَيَّام مختبرًا له: «كيف بك يا معاذ إذا نزلت بك حادثة؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، فقال: فبسنَّتك يا رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنَّتي، قال: فأجتهد برأيي»، ففرح الرسول J ، وسُرَّ بالجواب المطَمْئِن من معاذ، فضرب على صدره وهو يدعو الله ويشكره قائلاً: «الحمد لله الذي هدى رسولَ رسولِ الله لِمَا يحبُّ رسول الله» (2).
__________
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بلفظ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ». قال الترمذيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، كتاب المناقب عن رسول الله، باب مناقب معاذ بن جبل ... رقم 3724، 5/ 665، ورواه ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك، المقَدِّمَة، باب فضائل خبَّاب، 1/ 55.
(2) - رواه الترمذيُّ في سننه «عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ J بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: كَيْفَ تَقْضِي؟ فَقَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ J ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ J ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ». قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ ... ». كتاب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، رقم 1249، 3/ 616. ورواه الدارميُّ في سننه عن عمرو بن الحارث، المقَدِّمَة، باب الفتيا وما فيه من الشدَّة، رقم 168، 1/ 72. (1/69)
صفحة 70
الثالث: زيد بن ثابت الأنصاريُّ: هذا الصحابيُّ الجليل هو الآخر ممَّن كلَّفه رسول الله بكتابة المصحف مع أُبيِّ بن كعب، ووصف بأنَّه من أفرض الصحابة (1)، أي أعلم الصحابة بعلم الفرائض، أو الميراث، حيث كان يُتقنه إتقانا جَيِّدًا.
الرابع: أبو زيد سعد بن عبيد، كان مشهورًا بالقراءة المتواصلة للقرآن الكريم حَتَّى سُمِّيَ: بسعد القارئ (2).
الخامس: أبو أيُّوب خالد بن زيد الأنصاريُّ المشهور بأبي أيُّوب الأنصاريِّ الذي نزل الرسول J في بيته عندما هاجر إلى المدينة، فأقام به حتَّى بُني بيته الجديد، فرحل إليه J ، وبيت أبي أيُّوب موجود حتَّى الآن بجوار المسجد النبويِّ
__________
(1) - انظر الحديث السابق.
(2) - سعد بن عبيد بن النعمان الأنصاريُّ، أبو زيد، شهد بدرا، واستشهد بالقادسيَّة، سنة 15هـ، وهو ابن أربع وَسِتِّينَ سنة، يعرف بسعد القارئ، وهو أحد الأربعة من الأنصار الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله J ، لَمَّا شهد سعد القادسيَّة قام خطيبا فقال: إنَّا مستشهدون غدا، فلا تكفنونا إلاَّ في ثيابنا التي أصبنا فيها. انظر: ابن حجر: الإصابة، 3/ 68، ابن عبد البر: الاستيعاب، 2/ 600. (1/70)
صفحة 71
الشريف من الجهة القبليَّة، والمعروف ببيت أبي أيُّوب (1)، والذي أكرمه الله تعالى بالشهادة في الفتوحات الإِسلاَمِيَّة بالقسطنطينية عاصمة تركيا سابقا، وقد عاش هنالك وراء سور المدينة، حَتَّى تُوُفِّيَ ودفن فيها، وقد بني هنالك مسجد نسب اسمه إلى أبي أَيُّوب الأنصاريِّ.
فنزول الرسول J أَوَّل مَرَّة بيت أبي أَيُّوب لم يكن مقصودا بداية الأمر، وإن كان من أخواله J ، لأنَّ أبا أَيُّوب الأنصاريَّ من قبيلة بني النجَّار من أخوال عبد المطَّلب بن هاشم الذي كانت أمُّه من المدينة من بني النجَّار، وَلَكِن لكي ينزل النبيُّ J في داره كان يتلطَّف، إذ لَمَّا ناخت ناقة رسول الله J في المكان الذي بني فيه المسجد بأمر من الله تعالى لناقته J بالبروك أينما تريد، إذ قال لهم الرسول J : « دَعُوها فإنَّها مَأمُورَةٌ»، وكان الأنصار في ذلك الحين يلحُّون على النبيِّ J بالنزول عندهم، كلٌّ يريد أن يَحُلَّ رسولُ الله J ببيته، حتَّى تنزل البركة عليهم، وبينما هم كذلك إذ بالشابِّ الحاذق أبي أيُّوب يأخذ رحلَ رسول الله J إلى بيته دون أن يستأذنه، فقال لهم النبيُّ J : « المؤمن مع رحله» (2)، وهكذا كتب الله عَزَّ وَجَلَّ البركة والشرف لأبي أَيُّوب الأنصاريِّ بنزول الرسول J بيته.
السادس: عثمان بن حنيف: أخو سعد بن حنيف، وكلاهما من الأنصار، وهو من أعيانهم، وقد أكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم كلِّه.
__________
(1) - أُزيل البيت عند توسعة الملك فهد الأخيرة.
(2) - انظر: ابن حجر، فتح الباري، إذ قال: «وذكر ابن سعد أنَّ أبا أَيُّوب لَمَّا نقل رحل النبيِّ J منزله قال النبيُّ J : المرء مع رحله»، 7/ 246. الهيثمي: مجمع الزوائد، 6/ 63. (1/71)
صفحة 72
هؤلاء الستَّة حفظوا القرآن كلَّه حفظا جَيِّدًا، وأمَّا باقي الصحابة ـ كما قال أنس بن مالك ـ فإنَّهم حفظوا السور المعدودات من القرآن الكريم، فمنهم من يحفظ نصف القرآن أو ربعه، ومنهم من يحفظ السورة والسُّورتين.
وَرُبَّمَا يتعجَّب أحدنا فيقول: لماذا حفظ القرآن من الصحابة سِتَّة فقط؟ الجواب على هذا بسيط: لأنَّ القرآن في ذلك الوقت لا يزال ينزل، ولم يكن مجموعًا في كتاب واحد، ولم يتمَّ جمع القرآن إلاَّ قبيل وفاة الرسول J بأيَّام، حيث نزل يوم الجمعة بعرفات من حجَّة الوداع قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة: 3)، يقول الجمهور: إنَّ هذا هو آخر ما نزل من القرآن الكريم قبل وفاة الرسول J بثلاث وثمانين يوما، وقال بعض العلماء: إنَّ آخر ما نزل كان بعد حجَّة الوداع، وهو قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (البقرة: 281)، قبل وفاة الرسول J بأيَّام قليلة.
وَعَلَيْهِ فالقرآن كان ينزل منجَّما في أوقات وأماكن مختلفة، والصحابة لم يكونوا في كُلِّ الأوقات مع النبيِّ J ، فَإِمَّا مثلاً أن تنزل على الرسول J آيات في إحدى الغزوات فيقرأها على من معه في تلك الغزوة، ومن كان في المدينة منهم من يسمع بها ومنهم من لا يسمع.
وإمَّا أن يبقى الرسول J في المدينة ويبعث إلى المعركة سرايا (وهي جمع سريَّة)، أو أن يبعث إلى بعض القبائل جيوشًا، فبطبيعة الحال إذا أنزلت آية بالمدينة بعد ذهاب السريَّة فإنَّهم لا يعلمون بما أنزل إلاَّ بعد رجوعهم منها، إن سألوا عمَّا أنزل، أو من يشتغل مثلاً في الحقول والبساتين البعيدة عن المدينة، أو فيهم من لا
يستطيع حفظ الكثير من الآيات، وحالات الصحابة تختلف حسب ظروفهم، وَرُبَّمَا لا يكون هؤلاء الستَّة ممَّن عرفوا بحفظ القرآن كلِّه فحسب، بل ربَّما يكون هنالك صحابة آخرون يحفظون القرآن كلَّه، غير أنَّهم مغمورون ولم يُعرَفوا بذلك، لأنَّه في ذلك الوقت لم تكن تُحيَى حفلات لحفَّاظ القرآن.
والدليل على حرص الصحابة على حفظ القرآن أنَّه في حروب الردَّة استشهد فيها سبعون من القرَّاء الحفَّاظ بعد عام واحد من وفاة النبيِّ J ، هذا ممَّن قد تُوُفِّيَ منهم، وأمَّا من بقي على قيد الحياة فهم بأعداد وفيرة، إذ أقبلوا على حفظ القرآن كلِّه بمجرَّد نهاية نزول الوحي، مع ما كانوا يحفظونه ممَّا نزِّل منجَّما من قبل، فلم يكونوا إذن مقصِّرين ولا زاهدين في حفظه، وقد قال الرسول J : « أناجيل أُمَّتِي صدورها» (1)، أي إِنَّ الكتب المنزَّلة الأخرى كانت أممها تكتبها في الكتب، وأمَّا أُمَّة النبيِّ J فكانت أناجيلها صدورها، إذ تكتب القرآن حفظا في صدورها بدلا من المصاحف، هكذا أخبر النبيُّ J عن أمَّته بأنَّها تحفظ القرآن في الصدور بدلاً من المصاحف.
ويبقى التذكير لمن يحفظ القرآن بأن يراجعه، كما تَقَدَّمَ لنا في درس أمس، حيث يدرسه وَيُصَلِّي به حَتَّى لا ينساه، ومن ينساه فله أوزار كثيرة على ذلك، فأوائلنا سَنُّوا لنا مجالس القرآن أو الذكر في أوقات محدَّدة بين المغرب والعشاء وقبل الفجر وبعده مثلا، وفي مناسبات وأعياد مُتَعَدِّدَة، وفي رمضان كذلك، إذ القرآن يتلى خلاله في كلِّ وقت دون توقُّف، ما عدا أوقات الصلوات المفروضة أو الوعظ
والإرشاد، وفي نفس الوقت يُقرأ القرآن كذلك بكيفيَّات مختلفة، فنقرأ منه في الصلاة، ونستشهد به ونفسِّر آياته في الوعظ، فلهذه المجالس مزيَّة كبرى للحفَّاظ على القرآن الكريم، فلو داوم الإنسان على مراجعة قرآنه بعد استظهاره لحافظ عليه، وحفظه من النسيان. وفي المجالس يقرأ القرآن
__________
(1) - أورده القرطبي في الجامع، بقوله: « ... وجعلت صدور أمَّتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أُمَّة». 16/ 260. وأورده ابن كثير: تفسير القرآن، 4/ 526. (1/72)
صفحة 73
بالغيب دون المصاحف، وهذا ما يجعل المرء محافظا على قرآنه، بخلاف من يعتمد على المراجعة من المصحف ـ رغم ما فيه من أجر وثواب ـ لأنَّ فكره يكون منصبًّا في ذلك الوقت على ذلك المصحف، وأمَّا من يعتمد على حفظه فيكون مستجمعًا فكره للقراءة الجيِّدة المركزة لِكُلِّ آية يمرُّ بها ولو لم يقرأها، لأنَّ القارئ معرَّض لبلع ريقه أو أخذ نفَسه أو السعال أو شرود الفكر، غير أنَّه يسمعها ممَّن حوله في المجلس، فلو لم تكن هذه المجالس، لَمَا أمكن لنا مراجعة القرآن في بيوتنا، لأنَّ أمور الدنيا قد تشغلنا عن ذلك، ولا أظنُّ أنَّه يوجد من يدارس القرآن بأحزاب وفيرة في البيت وباستمرار إلاَّ ما ندر.
فهذه المجالس توجد في مغرب العالم الإسلاميِّ من طرابلس إلى تونس مرورا بالجزائر إلى المغرب، حيث إنَّهم مشهورون بالقراءة الجماعيَّة للقرآن الكريم، وقديمًا قيل: «نزل القرآن في الحجاز، وكتبه الأتراك، وجوَّده المصريُّون، وحفظه المغاربة»، فكان نزول القرآن في الحجاز في مكَّة والمدينة، وبرع في كتابته الأتراك بخطوط جميلة منمَّقة، كما كتب بها مصحف عثمان - رضي الله عنه -. كما أتقن تجويده المصريُّون منذ القديم إلى يومنا هذا، ففي القاهرة مثلا نجد بها خمسة آلاف مسجد، وفي كلِّ مسجد يؤمُّه قارئ أو قرَّاء يتلون القرآن بتجويد رائع قبل صلاة الجمعة بساعة أو ساعتين، فلو مشيت من أَوَّل المدينة إلى نهايتها ـ في حوالي 40 كلم ـ فإنَّ القرآن يملأ أذنيك دون انقطاع. (1/73)
صفحة 74
وقد برز المغاربة في حفظه، فكانوا مشهورين بالحفظ والتحفيظ في مدارس ومجالس، كهذه المجالس التي لا يوجد غيرها في بلاد العالم، فيتعجَّب القادم إليها حين يستمع إلى القرآن وهو يتلى جماعة، وبنغمة واحدة، وصوت رصين، وكلُّه حرف واحد لا يسبق الواحد منهم الآخر في التلاوة، ومن حافظتهم أيضًا، فالمشارقة يتعجَّبون ويُعجبون بهذه المجالس ويتمنَّون لو أنَّ لهم نفس الأمر، فالمزيَّة والفضل الأكبر لهذه المجالس في المحافظة على القرآن الكريم.
فمن جلس في هذه المجالس وتَلاَ القرآن بنيَّة خالصة فقد فاز بهذه المزيَّة العظمى، ومن كان خارج المجلس فله فرصتان:
- أوَّلهما: أن يجلس في المحاضر (1)؛ لأنَّها هي الأخرى مخصَّصة لقراءة القرآن جماعة في مجلس واحد، فلا يقطع المرء صلته بهذه المحاضر؛ حَتَّى يفوز هو الآخر بهذه المزيَّة، وَرُبَّمَا يستطيع ختم القرآن وحفظه كاملا من خلال هذه المجالس فحسب، ولا يهمُّ العمر الذي يحفظه فيه.
- ثانيهما: أن يجلس خارج المجلس يسمع الآيات الكريمة، ويدارسها مع المجلس، فيكون له من الأجر ما هو عند القارئين، فهو بدوره يحافظ على القرآن بتكرار ما حفظ منه وإن كان يسيرا، ولكن عليه ألاَّ يجهر في تلاوته حَتَّى يكون الصوت موحَّدا متَّزنا، فمن كان خارج المجلس فعليه بالاستماع دون القراءة الجهوريَّة، قال تعالى: {وإِذَا قُرِئَ القُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا لَعَلَكُمْ
__________
(1) - المحضرة: عبارة عن مجالس لقراءة القرآن لغير المستظهرين له، ويخصَّص لها مكان بجوار المسجد، وهو ما يعرف بالكُتَّاب. (1/75)
صفحة 75
تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204)، لأنَّه كثيرا ما تؤدِّي هذه الأصوات الخَارِجِيَّة إلى الإخلال بالتوازن، وَرُبَّمَا إلى الأخطاء كذلك.
فالقرآن متوفِّر في كلِّ مكان وزمان، فلا يقولنًّ أحد: إنَّه محروم من سماع أو حفظ القرآن الكريم، فليس فيه تحديد للسن لا بداية ولا نهاية، وإنَّما فيه أنظمة عرفيَّة، فمجلس ما بين المغرب والعشاء مخصَّص للحفظة، وأمَّا غير الحفظة فلهم المحضرة للمدارسة فيها، أو ليلة الجمعة ما بين المغرب والعشاء الذي هو مفتوح لكلِّ مصلٍّ يعمر المجالس، وأمَّا باقي المصلِّين فهم يستمعون إلى القرآن من خارج المجلس، فقلب المرء وأعصابه كلُّها تقشعرُّ من سماع هذه الآيات العظيمة، وكذلك في صُفَّةِ النساء فإنَّهنَّ يستمعن إلى هذا المجلس عن طريق مكبِّرات الصوت، فالحمد لله على نعمه السابغة، إذ القرآن منتشر في كُلِّ أوقات الصلاة أو انتظار الصلاة بعد الصلاة، فهي روضة من رياض الجَنَّة، في أيِّ روضة منها شئت جلست، فَكُلُّهَا تنفح بالقرآن الكريم، وقد قال الرسول J : « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» (1)، أربع كرامات أعدَّها الله تعالى للذين يجلسون في بيت من بيوت الله يقرؤون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، فَكُلُّ كرامة من هذه الكرامات تكفي في الدول الإِسلاَمِيَّة ينطقون القرآن
__________
(1) - رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في حديث طويل بلفظ: « ... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْملاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ... ». كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم: 2699، 4/ 2074. ورواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند المكثرين، باب مسند أبي هريرة، رقم: 7421، 2/ 252. (1/76)
صفحة 76
- أَوَّلها: أنَّه تعالى يُنزل عليهم سكينة وطمأنينة في قلوبهم، حيث يجدها المسلم عند ذكر الله وقراءة القرآن خَاصَّةً، ولا يجدها إلاَّ المسلم المخلص، قال تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُومِنِينَ} (الفتح: 26).
- ثانيها: تغشاهم رحمة الله وتغمرهم كمثل السحاب، إذ يفوزون بالدعاء المستجاب، وجنَّةِ الرضوان، قال J : « ولا أنا إلاَّ أن يتغمّدني الله برحمته» (1)، وقال تعالى: {اِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56).
ففي هذه الأرض أصناف مختلفة من الناس، فمنهم من تنزل عليه لعنات من السماء، ومنهم من تنزل عليه رحمات نورانيَّة إِلهِيَّة، فمن كان في معصية الله من سكر وخمور وفساد، فسينزل عليه الله تعالى سخطه ومقته ولعناته، ومن كان في مثل هذه المجالس يقرأ كتاب الله أو يستمع إليه فستنزل عليه رحمات من الرحمن الرحيم.
- ثالثها: إنَّ قراءة القرآن سوق عامرة في الأرض، فعندما يُقرأ القرآن يلمح الملائكة قارئي القرآن من السماء كمَثل نجم ساطع، أو نور لامع، فينزلون إليهم ويحفُّونهم برحمات الله، فيشهدهم الله على هؤلاء العباد أنَّهم يذكرونه وأنَّه تعالى يغفر ذنوبهم، بعد أن يأمرهم بالاستغفار لهم، ويقول لملائكته: صلُّوا عليهم يا ملائكتي، وصلاة الملائكة هي: الاستغفار والدعاء للمؤمنين.
فإن علمنا كلَّ هذا فلنتخشَّع ولا نتكلَّم وقت تلاوة القرآن، وعلينا بالقراءة أو الاستماع فحسب، وأمَّا الكلام فهو لا يجوز في المسجد أصلاً، وما بالك في وقت تلاوة القرآن.
- رابعها: يرفع الله تعالى من يقرأ القرآن إلى مصافِّ الملائكة حملة
__________
(1) - رواه البخاري، في صحيحه، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم: 5349، 5/ 2147. ورواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثم لا يُنجي أحدا منكم عمله، فقال رجل ولا أنت يا رسول الله فقال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله برحمته ولكن سددوا» 2/ 451. (1/77)
صفحة 77
العرش، فيُشهدهم قائلاً: اشهدوا يا ملائكتي أنّي قد غفرت لهم، {الذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُومِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر: 7).
فهذا حديث صحيح وعظيم من النبيِّ J ، في فضل مجالس القرآن التي تكون فيها القراءة مسترسلة جميلة، فالبعض يتلو، والبعض الآخر يستمع إلى هذه الآيات الكريمة.
تقبَّل الله منَّا ومنكم وجعلنا من أهل القرآن وخاصَّته، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/78)
صفحة 78
فضل «قل هو الله أحد»
الحديث الأول
08) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ {قُلْ هُواللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ}. وَيُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ J فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَلَّلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ J: « وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لإِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (1).
الشرح:
هذا الحديث في فضل {قُلْ هُواللَّهُ أَحَدٌ}، وَتُسَمَّى سورة الإخلاص؛ لأنَّ فيها إخلاصًا في توحيد الله، وهي سورة عظيمة جاء فيها فضل كبير بيَّنه الرَّسُول J في هذا الحديث والذي بعده.
روى الحديث الأَوَّل أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدريِّ، وهو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدريُّ، أنصاريٌّ من بني خدرة.
قال في هذا الحديث: «أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً»: قيل: إنَّ أبا سعيد هو الرجل السامع، حيث سمع جاره يقرأ: سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وقيل: إنَّ القارئ هو
__________
(1) (*) - رواه البخاريُّ وأبو داود بنفس اللفظ تقريبا، عن أبي سعيد الخدري. البخاري: كِتَاب فضائل القرآن، رقم 33. أبو داود: كِتَاب الصلاة، رقم 1461. (1/79)
صفحة 79
قتادة بن النعمان (1) ـ أخوه من جهة الأمِّ ـ إذ كان يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ليلاً، وقيل: إِنَّهُ لا يُصَلِّي إلاَّ بها.
«فكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَلَّلُهَا»: أي إِنَّهُ عجب من هذا القارئ أن يقرأ سورة الإخلاص فحسب، لقصرها لا لقلَّة قيمتها أو تقليلا منه لفضل القرآن الكريم، وإنَّما يتقلِّل العمل. فَلَمَّا أصبح هذا الرجل السامع ذهب إلى النبيِّ J في أَوَّل النهار فقصَّ عليه الحكاية، إذ أخبره واستفهمه عمَّن يقرأ سورة الإخلاص في صلاته ويكرِّرها، إمَّا في الركعة الواحدة أو الأكثر، بعد الفاتحة طبعا، فجاء الجواب من قبل النبيِّ J ، مؤكِّدا باليمين حتَّى يبيِّن له عظمتها، فقال له: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لإِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»: حلف الرسول J بِمَنْ روحُه وناصيتُه بيده، مثلما كان يحلف من قبل بهذا النوع من القسم الحقِّ، الذي فيه القسم والعبادة معًا، حيث فيه الاعتراف بعبوديَّتة لله تعالى، بأنَّه المالك لنواصي العباد، وبيده نفوسهم.
«َلإِنَّهَا»: أكَّد جواب القسم باللام، ليبيِّن أنَّ الخبر يقينيٌّ.
«لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»: أي إِنَّهَا تساوي ثلث القرآن عند الله تعالى من الأجر والثواب والفضل، فمن قرأها فكأنَّما قرأ ثلث القرآن. قال العلماء: إنَّ سبب تفضيل النبيِّ J للسورة وإعطائها فضل ثلث القرآن ـ والثلث كثير ـ أنَّها:
__________
(1) - قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاريُّ الظفريُّ، صحابيٌّ شهد بدرا، وهو أخو أبي سعيد لأمِّه، مات سنة 23هـ على الصحيح. انظر: المزي: تهذيب الكمال، 15/ 124. ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، 1/ 454. (1/80)
صفحة 80
- أَوَّلاً: لأنَّها سورة التوحيد والاعتراف بِأَنَّ الله هو الخالق الرازق المالك لأمر العباد في الدنيا والآخرة، واحد أحد لا شريك له (1).
{اللَّهُ الصَّمَدُ}: أي الذي يُقصد ويُصمد إليه عند الحاجة، فَكُلُّ شيء عداه يحتاج إليه، وهو لا يحتاج إلى أحد من خلقه.
{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}:لم يُنجب أحدا، ولم ينجبه أحد، مثلما يقول النصارى، إذ يجعلون له تعالى ولدا، أو يجعلون له ثالوثا، أي: الله والابن وروح القدس، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا، فكما أَنَّهُ تعالى ليس من شأنه أن يلد، فكذلك ليس من شأنه أن يولد، ردًّا على الذين يقولون بالأبوَّة والبنوَّة من اليهود والنصارى وسائر الملل الأخرى مِمَّن يعتقدون بهذا الشرك.
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ, كُفُؤًا اَحَدٌ}: أي ليس له شريك ولا شبيه ولا مثيل، والكفء هو المساوي له في القُوَّة والصورة والعلم والدرجة، حاشاه تعالى أن يكون المخلوق كفءًا للخالق، فما أبعد هذا عن ذاك، هو الخالق وما سواه مخلوق؛ وأنَّى للمخلوق أن يشبه أو يماثل بل أن يقارب الخالق، فالله لا يوصف بصفات المخلوقين، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11)، والمخلوقون لا يوصفون بصفات الله، ولا تطلق عليهم صفات الخالق تعالى. وإذا وجدت بعض الصفات التي تطلق الخالق والمخلوق، كالرؤوف والرحيم، والتي وُصف بها الله تعالى، وكذلك وُصف بها الرسول J في قوله تعالى: {بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:128)، وغيرها من الصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق، فَإِنَّ وصفَ المخلوق بها مجاز فقط، لا بقاء له، وهو مقتبس من
صفة الله تعالى، وأمَّا وصف الخالق بهذه الصفات فهي حقيقيَّة، مطابقة للموصوف {وَلِلَّهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180).
فإذا وصفنا الخالق والمخلوق بالكرم مثلا فشتَّان بين كرم الخالق وكرم المخلوق، إذ لا تَصِحُّ المساواة بينهما، فإنْ أكرم المخلوقُ شخصا فقد أكرمه من مالِ وملكِ المالك الخالق تعالى، وهذا المخلوق ينتظر مِن بعدِ
__________
(1) - انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 4/ 10. (1/81)
صفحة 81
هذا الكرم عوضا؛ إمَّا في الدنيا أو في الآخرة، وأمَّا الخالق تعالى فيتكرَّم على عباده بالكرم المطلق من ملكه العظيم، ولا يرجو من بعده عوضًا، ولو شكره العباد جميعا فلن ينفعه ذلك ولن يضرَّه أبدا، لقوله تَعَالىَ: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (الزمر: 7)، أي لا يرضى ذلك الشكر لنفسه، وإنَّما يرضاه لكم، وإن تكفروه فهو غنيٌّ عنكم إذ لا يَضُرُّه كفركم، وإنَّما لا يرضاه لكم، وَحَتَّى لا يُلقيكم بذنوبكم في قعر جَهَنَّم وبئس المصير.
فلذلك حذَّرنا وأنذرنا من عواقب الكفر حَتَّى لا نكون في زمرة الكُفَّار، وإن شكرناه فيرضاه لنا لعاقبتنا الحسنة وجزائنا السعيد، مثلما هو في آية أخرى إذ يقول تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل: 40). فهذا معنى سورة الإخلاص إجمالا، وهي ردٌّ على جميع طوائف المشركين:
- {قُلْ هُوَ اللَّهُ}: ردٌّ على الذين ينسبون مظاهر الكون إلى الطبيعة، وينكرون الأُلُوهِيَّة بالمرَّة.
- {أَحَدٌ}: ردٌّ على الذين يثنُّون ويثلِّثون، ويجعلون للخير إلها وللشرِّ إلها، وللظلِّ إلها وللنور إلها، إلى غيرها من الظواهر الكونيَّة، مثلما هو الشأن بآلهة اليونانيِّين. (1/82)
صفحة 82
- {اللَّهُ الصَّمَدُ}: ردٌّ على الذين ينسبون لبعض المخلوقين صفات الأُلُوهِيَّة، غير أَنَّهُم في الحقيقة محتاجون، ولو لقليل منها، وردٌّ على الذين يصفون الله بغير أوصافه، مِمَّا يتعالى عنه من صفات الاحتياج والفقر مثلا.
- {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: ردٌّ على الذين يثلِّثون، وينسبون الوالديَّة أو الولديَّة لله تعالى أو لبعض المخلوقين، ويقال فيهم: إِنَّهُم آلهة أو أبناء آلهة.
- {وَلَمْ يَكُن لَّهُ, كُفُؤًا اَحَدٌ}: ردٌّ على جميع الكُفَّار الذين هم بربِّهم يعدلون، ويساوونه تعالى بغيره من المخلوقات، {الْحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلونَ} (الأنعام: 1)، أي يساوونه تعالى بغيره، ويجعلون له شركاء.
فهذه السورة إذن ردٌّ على جميع الطوائف من أَوَّل الدنيا إلى آخرها.
- ثانيًا: قال العلماء (1) أيضا: إنَّ سبب تفضيلها بمرتبة ثلث القرآن، أنَّه لو جُمع كلُّ ما فيه من الآيات التي تثبت وَحْدَانِيَّة الله، وَأَنَّهُ تعالى واحد أحد لا شريك له، لكان مقدار الثلث، مثل قوله تعالى: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ} (الأعراف: 9)، فكأنَّ سورة الإخلاص ملخَّص موجز مبيِّن لما في القرآن من آيات إثبات وجود الله تعالى ووحدانيَّته، فهي بهذا المعنى تعدل ثلث القرآن، فمن قرأها واعتقدها، وقلبه منشرح لهذا التنزيل المطلق من الله تعالى، فسيجازى ـ إن شاء الله ـ بأجر من قرأ ثلث القرآن.
الحديث الثاني
09) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ J فَسَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: {قُلْ هُو اللَّهُ أَحَدٌ} إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ J: « وَجَبَتْ» فَقُلْتُ: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «الْجَنَّةُ». قَالَ أبو هريرة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الرَّجُلِ فَأُبَشِّرَهُ، ثُمَّ خِفْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الغذاء مَعَ رَسُولِ اللَّهِ J ، فَآثَرْتُ الْغَذَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ J ، فَذَهَبْتُ إِلَى
__________
(1) - انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 20/ 247. (1/83)
صفحة 83
الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ» (1).
الشرح:
هذا الحديث الثاني رواه أبو هريرة - رضي الله عنه -، حيث إنَّه لَمَّا ذهب مع رسول الله J إلى وليمة غذاء دُعُوا إليها، وكان الرسول J من عادته إذا دعي إلى وليمة ما، أخذ معه أهل الصُفَّة، وهم شباب من المهاجرين يسكنون صفَّة المسجد، وأبو هريرة كان منهم، لأنَّ أصله من الأزد ومن الدَّوْس في اليمن، وسِرُّ أخذ النبيِّ J لأهل الصفَّة، أنَّ الطعام الذي يضع فيه الرسول J يده الكريمة تحلُّ به البركة، فيكفيه ومن معه ومن بالدار جميعًا، ويختار النبيُّ J أهل الصفَّة لاحتياجهم إلى مثل هذا الطعام، فأحيانًا يقضون ما بين ثلاثة وأربعة أيَّام دون أن يدخل جوفهم طعام، حتَّى يؤدِّي بهم إلى اختلال التوازن وضعف الجسد، ورغم هذا كلِّه فهم صابرون
__________
(1) (*) - رواه الترمذيُّ والنسائيُّ بنفس اللفظ تقريبا مع نقصان، عن أبي هريرة. الترمذيُّ: كِتَاب فضائل القرآن، رقم 2897. النسائيُّ: كتاب الافتتاح، رقم 994. (1/84)
صفحة 84
إلى جانب رسول الله J في طلب العلم والجهاد في سبيله، فهم ينصرون الله ورسوله، وينشرون العلم والدين بين أوساط الناس.
فبينما كان الرسول J سائرًا ومعه أبو هريرة، إذ سمع رجلاً يقرأ سورة الإخلاص، من بدايتها إلى نهايتها، فقال الرسول J : « وَجَبَتْ»، فلم يدر أبو هريرة ماذا يقصد النبيُّ J بقوله: «وَجَبَتْ»، فسأل النبيَّ J ، فقال: «الْجَنَّةُ»، أي: وجبت الجَنَّة لتالي سورة الإخلاص، ثُمَّ قال أبو هريرة: «فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الرَّجُلِ فَأُبَشِّرَهُ، ثُمَّ خِفْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَذَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ J » ، فكان بين خوف من فوات غدائه مع النبيِّ J ، واستحيائه من استئذانه كذلك حتَّى ينتظره، ففضَّل أبو هريرة الغذاء على التبشير، لِمَا فيه من بركة النبيِّ J ، وقد تحدُث هنالك فوائد جمَّة أيضًا، فربَّما تنزل آية، أو يرِد منه J حديث فيحفظه، مع ما في أبي هريرة من فقر؛ لأنَّه من أهل الصفَّة كما سلف الذكر، إلاَّ أنَّه عزم على إخبار هذا الرجل وتبشيره بعد الغذاء، إلاَّ أنَّه ألفاه قد رحل، لحكمة يريدها الله تعالى.
فلو شاء لألهم أبا هريرة إلى معرفة صوت القارئ، أو تذكُّر نبرة صوته، فيبحث عنه حتَّى يبشِّره، وكذلك ليدع الله تعالى ذلك القارئ دائمَ الخوف والرجاء، فربَّما يركن إلى الراحة إذا بشِّر بالجنَّة، والله وحده أعلم بمن يصلح له التبشير وبمن لا يصلح له، فيترك الناس دائمي الخوف والرجاء، والطاعة والجهاد في سبيل الله، حتَّى تتضاعف درجاتهم. والحكمة الأخرى أنَّ مثل هذه البشارات ليست مختصَّة بزيد أو عمرو، وإنَّما تعمُّ كلَّ من يقرأ سورة الإخلاص، بإخلاص من قلبه، وتدبُّرٍ بعقله، فربَّما يكون ذلك الصوت صوت ملك أو جنٍّ؛ يريد الله تعالى أن يبيِّن للناس من خلاله حُكمه في فضل من يقرأ سورة الإخلاص. (1/85)
صفحة 85
فكلُّنا يطمع في نيل الجنَّة بهذه التلاوة العطرة؛ لأنَّ الرسول J قد بَيَّنَ لهم سبب تبشير هذا الرجل بالجنَّة، إذ لم يسمِّه باسمه وإنَّما سمَّاه بعمله، فهذا النوع من التبشير ليس كمثل ذلك الرجل الذي دخل من باب المسجد فقال لهم النبيُّ J: هذا من أهل الجنَّة (1)، فكأنَّ النبيَّ J يقول لهم: إنَّ كلَّ من يقرأ سورة الإخلاص خالصة من قلبه، وجبت له الجنَّة، وذلك هو الفوز العظيم، وبطبيعة الحال إذا وجبت له الجنَّة فقد زحزح عن النار.
فهذه سورة مباركة عظيمة، علينا أن نحفَظها ونحفِّظها أبناءنا، ونحاول أن نفقه معناها، ونكثر من تلاوتها في الصلوات، خالصة من قلوبنا، لأنَّ هذا الإخلاص يؤدِّي بنا إلى العمل بما فيها.
فإذا قرأ أحدنا: {قُلْ هُو اللَّهُ أَحَدٌ} أيقن، وَعَبَدَ اللهَ وحدَه، ولم يخالف ذلك بعبادة الشيطان والهوى والنفس، وحتَّى لا يكون إلهه هواه. ومعنى قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أي أؤمن أنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ وحده لا شريك له، أعبده وأطيعه وحده، ولا أعصي أمره، وأذكره ولا أنساه، وأشكره ولا أكفره، فإن كان العبد يعبد هواه فهو في تناقض كبير مع قوله؛ حيث يقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ولكنَّه يعبد هواه.
__________
(1) - انظر: الترمذي، السنن، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ J : « قَالَ: يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَاطَّلَعَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَاطَّلَعَ عُمَرُ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كتاب المناقب عن رسول الله، باب في مناقب عمر بن الخطَّاب، رقم 3694، 5/ 622. ورواه أَيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أَنَّ النبي J قال: «أَوَّل من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنَّة، فدخل سعد بن أبي وقَّاص»، 2/ 222. (1/86)
صفحة 86
فبقدر ما في هذه السورة من عظيم أجر وثواب وفضل وتبشير، فإنَّها لا تفتح أمام الطامعين أيَّ باب من الأماني الكاذبة، قال الحسن البصريُّ: «إنَّ قومًا ما ألهتهم الأماني حتَّى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إنِّي أُحسن الظنَّ بربِّي، وكذب، ولو أحسن الظنَّ لأحسن العمل» (1)، فهؤلاء القوم الذين ألهتهم أماني المغفرة، حتَّى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، إمَّا لأنَّهم لم يعملوا أيَّ حسنة، أو لأنَّهم أبطلوها بسيِّئاتهم؛ مثل الغيبة والنميمة والظلم والكبر، وما إلى ذلك من الكبائر، فقالوا: إنَّ لهم ظنًّا حسنا بالله تعالى، وتمسَّكوا بهذا القول، فأجيبوا: «وكذبوا، لو أحسنوا الظنَّ لأحسنوا العمل»، فإنَّهم لو أحسنوا الظنَّ بالله لأطاعوه، وعملوا بأوامره، وانتهوا عن نواهيه، فأيُّ صديق لك مثلاً لو أحسنت الظنَّ به لأطعته في كلِّ ما يأمرك به، ولو لم تعرف مغزى ذلك الأمر والعمل، وإن يسألك إنسان لقلت: أحسنت الظنَّ به، فأنا أعمل بما يقوله، لأنَّه صديق لي مجرِّب أجد الفائدة والصواب في كلامه، هذا بين الناس فكيف بالله عَزَّ وَجَلَّ الذي نثق بحبِّه ورحمته وعلمه، فهؤلاء الناس يتمنَّون على الله المغفرة، وهم مصرُّون على الذنوب، فأنَّى يغفر لهم ما لم يتوبوا!.
فهذه السورة لها شأن كبير من الفضل والثواب لمن قرأها، فإمَّا أن يحفظ اللهُ قارئها، أو يوفِّقه إلى التوبة إذا ما وقع في الذنوب ببركة هذه السورة العظيمة، فعلينا بقراءتها وإخلاص النيَّة فيها حتى نبشَّر بجنَّة الخلد إن شاء الله، آمين، والحمد لله رَبِّ العالمين.
__________
(1) - انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 15/ 353. عبد الرؤوف المناوي: فيض القدير، 5/ 67. (1/87)
صفحة 87
سبب نزول سورة الفتح
10) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ خَرَجَ مَعَ رَسُول اللَّهِ J فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ J، ثُمَّ سَأَلَهُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُجِبْهُ؛ فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ نَفْسِهِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ! نَزَّرْتَ رَسُولَ اللَّهِ J ثَلاَثًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يُحِبيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ فَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا مَشَيْتُ إِذْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ، فَهَرْوَلْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ J، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} (1).
الشرح:
تحدَّثنا في الدرس السابق عن فضل وثواب سورة الإخلاص، وحديثنا اليوم عن سبب نزول سورة الفتح، وما ورد فيها من الفضل.
إنَّ سورة الفتح نزلت في السفر، في الطريق ما بين مَكَّة والمدينة، عند رجوع النبيِّ J وأصحابه - رضي الله عنه - من صلح الحديبيَّة، في مكان يبعد عن الحديبيَّة بقليل يسمَّى: "كراع الغميم"، وصاحب هذا الحديث هو عمر بن الخطَّاب، وذلك حين خرج مع الرسول J في بعض أسفاره، وروى هذا الحديث في السنة السادسة من الهجرة (6هـ)، عندما خرج الرسول J ومعه أربعمائة وألف (1400) من
__________
(1) (*) - رواه البخاريُّ والترمذيُّ، بنفس اللفظ تقريبا، عن زيد بن أسلم عن أبيه. انظر: البخاري: كتاب فضائل القرآن، رقم 32. الترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم 3262. (1/88)
صفحة 88
الصحابة، إذ أحرموا من ذي الحليفة، وساقوا الهدي معهم، فلمَّا سمعت قريش بهم عزمت على منعهم من دخول مَكَّة، حتَّى يحافظوا على سمعتهم وقوَّتهم وهيبتهم، فصدُّوهم عن المسجد الحرام {هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّهُ} (الفتح: 25)، فصدُّوهم والهدي لم يبلغ محلَّه في منى أوفي مَكَّة، فلمَّا سمع الرسول J بخروج قريش لصدِّهم، غيَّر طريقه من جهة الشمال لمكَّة إلى جهة الغرب منها ـ الطريق الحالي بين جدَّة ومكَّة ـ فلمَّا كانوا تحت شجرة حدباء استظلُّوا تحتها، لذلك سمِّيت تلك المنطقة بالحديبيَّة، نسبة إلى هذه الشجرة الحدباء، ولأنَّها ذكرت في القرآن الكريم في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (الفتح: 18)، غير أنَّ اسمه الحاضر هو"الشميسي"، فعند ذهابك من مكَّة إلى المدينة وقبل الوصول إلى الكعبة بـ 25 كلم تمرُّ بمنطقة عمرانيَّة محروسة، بها مسجد يُسَمَّى: "مسجد الرضوان"، ومنه تفترق إلى طريقين؛ أحدهما يؤدِّي إلى الحرم القريب منه، والآخر يؤدِّي إلى الطائف من غير الحرم.
وقد خيَّم الرسول J في ذلك المكان، بعد أن منعتهم قريش من دخول مَكَّة، وذلك بعد محاولات ومفاوضات معها، ورغم أنَّ الرسول J كان معه أربعمائة وألف (1400) صحابيٍّ، إلاَّ أنَّه لم يستعمل القُوَّة مع قريش، رغم ما وجده من استعداد من أصحابه للقتال، حين طلبوا من الرسول J دخول مَكَّة سلما أو حربًا، وعلى رأسهم عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -، وقالوا: إِنَّهُم قصدوا العمرة لا الجهاد، فإن منعوا فسيجاهدون، وإن كان بسلاح خفيف (سلاح المسافر)، وقد عارض عمرُ كلَّ معاهدة أو مهادنة مع قريش، واعتبر بنود صلح الحديبيَّة ضعفًا من المسلمين، حين أعطيَ لقريش من الحقوق أكثر ممَّا أعطي للمسلمين، وقال إنَّه لا (1/89)
صفحة 89
عدالة في هذا الصلح ـ حسب رأيه ـ، لكنَّ الرسول J قال: «لا يدعونني اليوم إلى خطَّة فيها صلة الرحم وحقن الدماء إلاَّ أجبتهم إليها» (1)، فالرسول J يريد الوصول إلى حلٍّ بالمصالحة والسلم قبل الحرب، وكان ذلك بإذنه وأمره تعالى، وليس باجتهاده J ، فهذه ليست كقضيَّة أسرى بدر، إذ اجتهد فيها النبيُّ J فأخطأ، ثُمَّ نبَّهه الله عَزَّ وَجَلَّ إلى خطئه وصوَّبه، وأمَّا هذه المعاهدة فكانت بأمر من الله تعالى، إذ أنزل فيها سورة كاملة تتلى، فسمَّى الله تعالى هذه المعاهدة فتحا مبينا وفتحا قريبًا.
فدارت المعاهدة بين المسلمين وقريش، ومثَّل قريشا سهيل بن عمرو (2) بعد إخفاق عدد من المفاوضين من قبله، وعند قدومه للتفاوض قيل: هذا سهيل بن عمرو يا رسول الله، قال: «سهُل أمركم» (3) تفاؤلاً باسمه كما قال J ، وبعد المفاوضات التي تَمَّت باسم محمَّد من جانب المسلمين، وباسم سهيل بن عمرو من جانب المشركين، تمخَّضت على بنود من جملتها:
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، كتاب: الشروط، رقم 2581. 2/ 974. ورواه أحمد في مسنده في حديث طويل بلفظ: « ... وَاللَّهِ لاَ تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، باب حديث المسور بن مخرمة الزهري ومروان بن الحكم، كتاب أَوَّل مسند الكوفيِّين، رقم 8927. 4/ 323.
(2) - سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشيُّ العامريُّ، خطيب قريش، أسلم في فتح مَكَّة وحسن إسلامه، مات سنة ثماني عشرة بالطاعون، ويقال: إنَّه قتل في اليرموك. انظر: ابن حجر: الإصابة، 3/ 213.
(3) - نفس الحديث السابق، رواه البخاريُّ بلفظ: «لقد سَهُلَ لكُم مِن أمرِكُم». ورواه أحمد بلفظ: «سَهُلَ مِن أمرِكُم». (1/90)
صفحة 90
- أن تضع الحرب أوزارها مدَّة عشر سنين بين قريش ومحمَّد بن عبد الله، وأصحابه ومن دخل تحت رايتهما، ومن نقض العهد يصير الحقُّ إلى جانب خصمه، فقال سهيل: محمَّد بن عبد الله ولم يقل: محمد رسول الله، وقال: لو أنَّك رسول الله لَمَا حاربناك.
- أن يرجع هذا العدد الهائل من المسلمين إلى مَكَّة دون حجٍّ أو عمرة، وأوَّل المعارضين لهذا البند عمر - رضي الله عنه -، وأوَّل الموافقين رسولُ الله J.
- أن يعودوا في السنة القادمة بسلاح المسافر، وألاَّ يمكثوا في مكَّة أكثر من ثلاثة أيَّام. وفعلاً فقد رجعوا في السنة القادمة لعمرة القضاء، وكأنَّها قضاء لعمرة السنة التي منعوا فيها من دخول مكَّة، وكان هذا في السنة السابعة للهجرة.
- من جاء من قريش إلى المدينة بغير إذن وليِّه يَرُدُّه أهل المدينة إلى مَكَّة، لأنَّ بعض المسلمين لا يزالون في مَكَّة، إلاَّ أنَّهم لم يستطيعوا الهجرة، مستضعفين مجبورين، {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (النساء: 98)، فلم يعجب هذا البند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضا، وقال: كيف نردُّ إخواننا المسلمين إلى أوليائهم المشركين ليقهروهم ويستضعفوهم؟ ولكنَّ الرسول J وافق على ذلك وأمضى عليه.
- من هرب من المسلمين من المدينة إلى مَكَّة لا يردُّ إلى أهله، قال عمر: إنَّ هذه البنود ليس فيها عدل، فمن هرب من مَكَّة إلى المدينة رُدَّ إلى أهله، ومن هرب من المدينة إلى مَكَّة لم يردَّ! . غير أنَّ من هرب من المدينة إلى مَكَّة في الحقيقة ليس بمسلم، بل هو منافق نَفَته المدينة عنها، كما قال J : « إنَّ المدينة لتنفي خبثها كما (1/91)
صفحة 91
ينفي الكير خبث الحديد» (1)، فمثل هذا الصنف من المنافقين لا حاجة للمدينة إليهم، إلاَّ أنَّ الفارَّ من مكَّة إلى المدينة يصعب ردُّه إلى أوليائه المشركين.
وفي هذا الموقف المشحون من بنود صلح الحديبيَّة جاء أبو جندل (2) (ولد سهيل بن عمرو) الذي كان مسلمًا مستضعفًا في مَكَّة، حيث جاء يجرُّ السلاسل والأغلال، إلاَّ أنَّ النبيَّ J ردَّه إلى أبيه إنفاذا للمصالحة التي كانت بينهم، فقال له النبيُّ J : « اصبر يا أبا جندل حتَّى يجعل الله لك سبيلاً» (3).
فسرعان ما جاء الفتح والفرج، فبعد سنتين فتحت مَكَّة، وصارت تحت إمرة النبيِّ J ، وأصبح الدين كلُّه لله، بل وصار صناديد قريش من الكُفَّار يدخلون في دين الله أفواجا.
- من شاء أن يدخل في عقد محمَّد فله ذلك، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش فله ذلك، وكلُّ من يدخل في هذين العقدين تحمَّل بنود المعاهدة كلِّها، فدخلت خزاعة في عقد الرسول J ، ودخلت كنانة في عقد قريش، وهما قريبتان من مَكَّة.
__________
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي الخبث، رقم 1784، 2/ 665. ورواه مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بلفظ: « ... ، أَلاَ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي شرارها، رقم 2451، 1381، 2/ 1005.
(2) - هو ابن سهيل بن عمرو، قيل: اسمه عبد الله، استشهد باليمامة، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، قاله ابن إسحاق وأبو معشر وغيرهم، انظر: ابن حجر، الإصابة، 7/ 69.
(3) - نفس الحديث السابق، رواه أحمد بلفظ: «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله عَزَّ وَجَلَّ جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا»، 4/ 325. (1/92)
صفحة 92
وهكذا تَمَّت المعاهدة، وختمها النبيُّ J بخاتمه الخاصِّ، وذبح الصحابة هديهم هنالك؛ ولكنْ بعد تثاقل عن امتثال أمر النبيِّ J حين أمرهم أَوَّل الأمر، فلم يفعل منهم أحد، وَكَأَنَّهُم فهموا أنَّ الأمر للاختيار، وتملَّكهم الطمع في دخول مَكَّة، فتباطؤوا ولم ينفِّذوا هذا الأمر، فدخل الرسول J مخيَّمه الذي فيه إحدى زوجاته وهي أمُّ سلمة رضي الله عنها، دخله وهو غاضب من أصحابه، وعلامات ذلك بادية على وجهه، فعرفت أمُّ سلمة ذلك من تلك العلامات، فقالت له: «من أغضبك يا رسول الله أغضبه الله، فقال J : مالي آمر بالأمر فلا يطاع! هلك القوم» بسبب عصيانهم لرسولهم، فلربَّما ينزل الله عليهم عذابا من عنده، قالت أمُّ سلمة: «وبم أمرتهم؟» قال J : « أمرتهم أن ينحروا هديهم، قالت: وهل نحرت أنت يا رسول الله هديك؟ قال: لا بعد، فقالت: اذهب وانحر؛ فإن رأوك نحرت فعلوا» (1)، أو كما قالت، فوجد النبيُّ J أنَّ رأي أمِّ سلمة نِعم الرأي الصائب، وعندها خرج مباشرة وبدأ في نحر هديه، فسارع الصحابة للنحر دون أن يعيد لهم الأمر، فكانوا يتزاحمون على نحر هديهم بعد أن علموا أنَّ الأمر جِدٌّ وليس
__________
(1) - نفس الحديث السابق عن وقعة الحديبيَّة، رواه البخاريُّ بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ J لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا ... »، ورواه أحمد بنفس اللفظ أيضا. (1/93)
صفحة 93
بالهزل، وأن ليس فيه مهلة أو طمع في دخول مَكَّة، فكانت نجاة الأُمَّة بسبب هذه الإشارة المباركة من السَّيِّدة أمِّ سلمة رضي الله عنها.
ثُمَّ بعد أن نحروا وأكلوا وتصدَّقوا، رجعوا من هذا الموضع من طريق المدينة، وكان عمر بن الخطَّاب يسير ويتمتم رافضا هذا الصلح مع من معه من الصحابة ـ ومنهم أبوبكر الصدِّيق - رضي الله عنه - ـ فقال عمر: «كيف يا أبا بكر أنعطي بأيدينا ونحن بقوَّتنا وسلاحنا ولا نطالب بحقِّنا، أولم يقل الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (الفتح: 27)، أولم يَعِدْنا ربُّنا بدخول المسجد الحرام؟» قال أبوبكر - رضي الله عنه -: «أوَ قال لك العام؟ قال: لا، قال: ويحك يا عمر، إنَّه رسول الله، استمسك بغرزه» (1). أي إنَّ الرسول J يقرِّر هذا الأمر بإذن من الله تعالى وليس باجتهاده، فخضع عمر بن الخطَّاب واطمأنَّ إلى حجَّة أبي بكر.
وَلَمَّا كان في الطريق اقترب من النبيِّ J ، وبعد السلام سأله عن شيء لم يرد نصُّه، فربَّما يتعلَّق بالعلم أو القرآن أو ما إلى ذلك من أمور الدين، فلم يجبه، وأعاد الكرَّة ثلاثا فكان الأمر نفسه، فتقدَّم براحلته إلى مقدَّم القافلة حتَّى لا يكلِّمه أحد، وهو في خوف شديد من أن ينزل فيه قرآن يتلى، فقال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ! نَزَّرْتَ رَسُولَ اللَّهِ J ثَلاَثًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يُحِبيبُكَ»، أي: يا ليت كان فَقْدُك من قبل يا عمر، أتسأل رسول الله ثلاثا وتلحُّ عليه ولا يجيبك، لأنَّ لفظ "نزرت" بمعنى ألححت. قال عمر: «فَمَا مَشَيْتُ إِذْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ» أي: لم يسر مسافة طويلة حتَّى سمع صوت صارخ ينادي: يا عمر، يا عمر، أقبل، فإذا
__________
(1) - نفس الحديث السابق عن وقعة الحديبيَّة. (1/94)
صفحة 94
بالنبيِّ J يدعوه ـ فإمَّا أن يكون هو المنادي، وإمَّا أن يكون شخصا آخر أمره الرسول J بنداء عمر ـ فذهب إليه مسرعا، فوجد وجه النبيِّ J متهلِّلا مبتسمًا فرِحًا فرَحًا شديدا كَأَنَّهُ البدر ليلة التمام، فقال له J : « لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، أي: أفضل من الدنيا وما فيها، لأنَّ الشمس تشرق على الأرض وعلى القمر وعلى التوابع كُلِّهَا، حتَّى يبيِّن لعمر أنَّه كان وقت سؤاله مشغولا بتلقِّي الوحي من الروح الأمين، ولا يمكن للرسول J أن يجيب أحدا أو يحاوره وقت تلقِّي الوحي، وإن كان يسمع إلى ذلك السائل، ودليل هذا أنَّه بعد فراغه من تلقِّي الوحي مباشرة، نادى عمر حتَّى ينزع عن قلبه ما يمكن أن يكون قد وقع فيه من ظنون حول عدم إجابته له J ، وكذلك حتَّى ينزع من قلبه الهمَّ والغمَّ ممَّا لاقاه منه J ، ويبيِّن له أنَّه ليس متغيِّرا ولا غاضبا عليه، بل كان منشغلا بتلقِّي الوحي، لم يصارحه بسبب عدم إجابته لسؤاله، بل تركه ليفهمه ضمنيًّا من خلال كلامه J ، وقول الرسول J لعمر: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، لأنَّه بُشِّر فيها ببشارات كثيرة وعظيمة، وهي:
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} (الفتح: 1 ـ 3)، خمس بشارات بشَّر بها الله تعالى نبيَّه الكريم في هذه الآيات الكريمة.
- سَمَّى الله تعالى هذا الصلح فتحا مبينا، حَتَّى تعترف قريش بوجود المسلمين معهم، وَأَنَّهُم أُمَّة تكتب معهم المعاهدات والاتِّفاقات، وبالمصطلح العصريِّ يُسَمَّى: الاعتراف بالكيان السياسي، بعدما كانت قريش تعتبر المهاجرين صابئين، شقُّوا عصا الطاعة حين هربوا إلى المدينة، فكانوا مطاردين ملاحقين للنيل منهم. (1/95)
صفحة 95
- نصَّ هذا الصلحُ على أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين، فكانت فرصة سانحة لنشر الإسلام والتقاء المسلمين، بعد أن كان محظورا عليهم من قبل، إذ كان المشركون لا يصلهم من الإسلام إلاَّ ما يُقَصُّ عليهم، وبعد هذا الصلح صاروا يخالطونهم، ففهموا حقيقة الإسلام والقرآن، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ففي مدَّة سنتين دخل في الإسلام عدد كبير، يفوق ما دخل في الإسلام قبل الصلح، وذلك ما بين السنة السادسة للهجرة (صلح الحديبية) والسنة الثامنة للهجرة (فتح مَكَّة)، أي دخل الإسلام في مُدَّة سنتين أكثر مِمَّا دخل فيه مُدَّة تسع سنين، وقد أسلم في هذه الفترة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الأبطال.
قيل للرسول J : كيف تسمِّي صلح الحديبيَّة فتحا وقد أُغلقت علينا كلُّ الأبواب؟ فقال: «بل هو أعظم الفتوح؛ قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا» (1)، أي إِنَّ المشركين رضوا لأنفسهم أن يدفعوكم عن مَكَّة بأيديهم، بعدما كانوا يردُّونكم بالسلاح، ويأتوكم إلى المدينة للقتال، ويسألونكم القضيَّة، بمعنى أنَّهم أذنوا لكم في الرجوع هذا العام، وضمنوا لكم دخول مَكَّة في العام القابل، ويرغبون إليكم في الأمان، أي: إِنَّهُم صاروا هم الذين يبحثون عن الأمان لكم ولأنفسهم، أليس هذا بالفتح العظيم؟
وكذلك أنعم الله عليهم بغنائم عظيمة من خيبر، حيث كتبت غنائمها الكثيرة لأصحاب صلح الحديبيَّة خاصَّة من دون الصحابة الآخرين في ذلك العام، قال تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُومِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} (الفتح: 20).
__________
(1) - انظر: محمد أبادي: عون المعبود، 7/ 290. (1/96)
صفحة 96
وكان الفتح عظيما أيضا للنبيِّ J حين بُشِّر بمغفرة ما تَقَدَّمَ من ذنبه وما تأخَّر، فبقدر ما يكون غفران ما تَقَدَّمَ من الذنوب بشارة، فغفران ما سيأتي أعظم بشارة من ذي قبل. وَكَذَلِكَ إتمام نعمته تعالى عليه، وهدايته صراطا مستقيما إلى جَنَّات الخلد المقيم، وإذا هدى الله تعالى نبيَّنا فقد هدانا من بعده أيضا، وينصره الله نصرا عزيزا، أي: كبيرا.
قيل: إنَّ بعض الصحابة قالوا: هذا لك يا رسول الله، فما لنا نحن أيضا؟ فأنزل الله قوله: {هُو الذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُومِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (1) (الفتح: 4)، وقال في ختام السورة: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ ذَالِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح: 29)، فَكُلُّ هذا مدح للنبيِّ J وأصحابه، فالسورة إذن عظيمة، فيها بشارات كثيرة، ومدح للنبيِّ J ولأصحابه المؤمنين الصادقين حَتَّى تقوم الساعة.
أعطانا الله من خير هذه السورة وبشاراتها، وجعلنا من أهلها، آمين، والحمد لله رَبِّ العالمين.
__________
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه عن أنس بن مالك، بلفظ قريب، وقال فيه: «حديث حسن صحيح»، كتاب التفسير، باب سورة الفتح، رقم 3263، 5/ 385. ورواه أحمد في مسنده عن أنس وعكرمة، كتاب باقي مسند المكثرين، باب مسند أنس بن مالك، رقم 13269، 3/ 215. (1/97)
صفحة 97
منع الجنب والحائض من قراءة القرآن
11) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ J فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلَى طَهَارَةٍ: «لاَ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَلاَ يَطَؤُونَ مُصْحَفًا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى يَكُونُوا مُتَوَضِّئِينَ» (1).
الشرح:
هذا الحديث من جملة الأحاديث التي تتحدث عن قداسة وفضل القرآن، لأنَّه كلام الله، وهو أفضل كلام في الوجود.
قال تعالى: {اِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ, إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة: 77 ـ 79)، وهذا الحديث مبيِّن لهذه الآية؛ لأنَّه حكم على الجنب والحائض والنفساء وكلِّ من لم يكن على طهارة، إذ ينهاهم الله تعالى ورسوله الكريم عن قراءة القرآن أو مسِّ المصحف، وقد ألحق بالجنب والحائض والنفساء من لم يكن على طهارة، ثُمَّ قال: لا يقرؤون القرآن ولا يطؤون المصحف بأيديهم حتَّى يكونوا متوضِّئين.
فما حكم مسِّ المصحف لغير الطاهرين؟
النهي إذا خلا من قرينة ينصرف إلى الحرمة، ولكن إذا وجدت هنالك قرينة فستصرفه إلى الكراهة، أو إلى عدم الأَولى، أي: إن استطعت.
__________
(1) (*) - رواه الترمذيُّ وابن ماجه، بنفس المعنى مع نقصان، عن ابن عمر. انظر: الترمذي: كتاب الطهارة، رقم 131. ابن ماجه: كتاب الطهارة، رقم 595. (1/98)
صفحة 98
حكم الجنب: كما هو معلوم أنَّ كلَّ من أصابته جنابة من رجال أو نساء؛ إمَّا بخروج المنيِّ أو بالاحتلام، وإمَّا بالمباشرة ـ ولو لم ينزل ـ فإنَّ الغسل واجب، والاغتسال في كُلِّ هذه الحالات هو لتلبُّس المجنب بنجاسة معنويَّة غير حِسِّيَّة، فالجنابة نجاسة مَعْنَوِيَّة، إلاَّ ما أصابت من الثوب، فإنه يُزال بغسل تلك البقعة من الثوب أو الجسد فحسب، وأمَّا باقي الجسد فهو نجاسة مَعْنَوِيَّة فقط، إلاَّ أنَّها تلتبس بحَدث يمنعه من ممارسة عِدَّة أشياء، منها: قراءة القرآن، والدخول في المسجد، إلاَّ أن يكون عابر سبيل، وكذلك يمنع من الصوم، إذ عليه أن يغتسل من الجنابة قبل طلوع الفجر، كما قال J في الحديث الذي رواه الربيع بن حبيب في الباب نفسه: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَصْبَحَ مُفْطِرًا» (1)، هذا إذا كانت جنابة ليل، وأمَّا الجنابة التي تكون نهارًا، فإن كانت بالاحتلام فَإِنَّهَا لا تنقض الصوم، وإنَّما يجب عليه المبادرة والمسارعة إلى الاغتسال بمُجَرَّد الاستيقاظ والتحقُّق منها، مع ما فيه من مقدِّمات التبوُّل والاستنجاء والمضمضة والاستنشاق، ثُمَّ الاغتسال، أي يجب المسارعة إلى ذلك؛ لأنَّ التضييع والتسويف مقدار وقت الاغتسال يلزم صاحبه إعادة يومه وما سبق.
وأمَّا عن الحيض والنفاس، فعندما تكون المرأة في فترة حيض أو دم من عادتها الشهريَّة، التي أدناها ثلاثة أيَّام وأقصاها عشرة أيَّام ـ على القول المشهور الذي نأخذ به نحن الإِبَاضِيَّة (2) ـ أو النفساء من الولادة أو الإسقاط في مُدَّة ما قبل
__________
(1) - رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة بلفظ: « ... من أصبح جنبا فلا يصم». باقي مسند الأنصار/ باقي المسند السابق، رقم 25714، 6/ 203.
(2) - مستند الإِبَاضِيَّة في هذا، الحديثُ الذي رواه الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، بلفظ: «أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ J : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ»، رقم 541، ص218. انظر: اطفيَّش: شرح كتاب النيل، 1/ 211. (1/99)
صفحة 99
الولادة ـ ما لم تر الطهر ـ فإنَّها نافس. ومنه فالحائض والنفساء لا يجوز لهنَّ الصيام حتَّى يطهرن، وحكمهنَّ غير حكم الجنابة، وإن اغتسلت من حيضها أو نفاسها قبل طهرها سبع غسلات، فلن يجديها ذلك نفعا، لأنَّ أيَّام حيضها أو نفاسها لا تزال مستمرَّة ما دامت لم تطهر أو تنتهي أيَّامها؛ وكذلك تمنع ـ كما ورد في الحديث ـ من قراءة القرآن ومسِّ المصحف، وتمنع أيضا من دخول المساجد، وفيها أحكام أخرى أيضا خَاصَّة بالزوج، مثل منعه من مباشرتها في هذه الأيَّام لأنَّها أذى، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُو أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222)، فهذا الأذى إمَّا للزوجين وإمَّا للولد الذي يولد من خلال المباشرة وقت المحيض قبل انتهاء دمه، فقد يولد الولد مشوّها أو مجذوما.
وكذلك يمنع الزوج من طلاق زوجته في تلك الفترة، فهذا طلاق بدعة وهو غير جائز.
وقد وقع هذا في زمن الرسول J قبل أن يعرف الصحابة أحكام الطلاق، حين طلَّق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما زوجته وهي حائض، فشكَّ عمر بن الخطَّاب في هذه المسألة، فذهب يسأل الرسول J في ابنه المطلِّق، فقال له النبيُّ J : « مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (1)، فقد أمر الرسول J عمر بن الخطَّاب أن يأمر ابنه بإمساك
زوجته حتَّى تستكمل ثلاث طهارات، وسبب عدم طلاقها في الطهر الأَوَّل هو التثبُّت من براءة الرحم، فربَّما تطول مدَّة الإخصاب فيثبت عدمه بالحيض الثاني كاملا، والحكمة الأخرى التي يريدها الرسول J من عدم التطليق، أنَّ الله تعالى قد يوثِّق بينهما، ويُنزل المودَّة والوئام، ويخزي
__________
(1) - رواه الشيخان عن عمر. البخاري: كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ}، رقم 4954، 5/ 2011. مسلم: كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... رقم 1471، 2/ 1093. (1/100)
صفحة 100
الشيطان بذلك، فلا يقع الطلاق، لأنَّ الرسول J بدأ بالإمساك ثُمَّ الطلاق، فالإمساك أولى إذن، وهو المقصود من مشروعيَّة الزواج، وأبغض الحلال إلى الله الطلاق، فإن شاء بعد ذلك أن يطلِّقها، لكن بشرط ألاَّ يمسَّها في ذلك الطهر.
فالطلاق السنِّيُّ إذن؛ هو الذي يطلِّق فيه الرجل زوجته في أَوَّل طهر قبل أن يمسَّها فيه، فبعد انتظار عِدَّة ثلاث حيضات وثلاثة أطهار يكون بذلك رحمها بريئا من أيِّ شبهة. فطلاق السنَّة إذن أن يكون في طهر لم يمسَّها فيه، أو في مُدَّة الحمل التي يكون فيها الرحم مشغولا، فيكون انتهاء عِدَّة طلاقها وضع الحمل. فهذه بعض الأحكام الْمُتَعَلِّقَة بالحيض.
فالإنسان إذا كان متلبِّسا بحدث جنابة أو حيض أو نفاس فلا يقرأ القرآن، ولا يمسُّ المصحف بيده، والذي هو أكثر من ذلك هو قوله J : « وَالذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلَى طَهَارَةٍ»، فواو العطف تفيد مغايرة ما بعدها، فالذين قبل الواو هم الحائض والجنب، وأمَّا ما بعد الواو فهم الذين لم يكونوا على طهارة، والمقصود بالطهارة هو الوضوء الأصغر دون الجنابة والحيض والنفاس، وأضاف J : « حَتَّى يَكُونُوا (1/101)
صفحة 101
مُتَوَضِّئِينَ» أي: لا يقصد بعدم الطهارة نجاسة الخبث فحسب، بل يقصد الوضوء الأصغر أيضا، إذن من لم يكن متوضِّئا فلا يمسَّنَّ المصحف أبدا.
فإذا عملنا بظاهر النصِّ قلنا بعدم مسِّ المصحف لغير المتوضِّئ، ولكنَّ النصَّ يحتمل التأويل، كما قال بعض العلماء، ومنهم الشيخ السالمي (1) ـ رحمه الله ـ حيث قال: إنَّ الذين لم يكونوا على وضوء ينصرفون إلى كراهة التنزيه لا إلى كراهة التحريم، أي احتراما لكتاب الله فحسب، وَعَلَيْهِ فمن مسَّ المصحف ولم يكن على وضوء لا يأثم بذلك، والدليل على هذا الحديث الذي رواه عليٌّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنَّ الرسول J كان يقرأ القرآن على أيَّة حال إلاَّ الجنابة (2)، بمعنى أنَّه J كان لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلاَّ الجنابة، وعليُّ بن أبي طالب كان قد عاشر الرسول J معاشرة جَيِّدَة، حينما كان يساكنه، ثُمَّ يجاوره بالمدينة، فقد أخذ منه الكثير، وقال: إنَّه J كان يقرأ القرآن على أيَّة حالة، إلاَّ أن يكون مجنبا فحسب، فَإِنَّهُ لا يقرأه.
والرسول J إذا نهى عن شيء ثُمَّ فعله فلا يصير مُحَرَّمًا؛ لأنَّه لا يخالف قوله بفعله، {وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ, إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود: 88)، ففعل الرسول J لشيء نهانا عنه تبيين بأنَّه قد انصرف من التحريم إلى التنزيه، ومنه فإنَّ قراءة
القرآن ومسَّ المصحف ينصرف إلى التحريم للجنب والحائض والنفساء، وإلى التنزيه لمن لم يكن على وضوء.
ولكن لا بأس أن نقول: من نوى أن يجلس ليقرأ ما كتب الله من
__________
(1) - انظر: السالمي: شرح الجامع الصحيح، 1/ 28.
(2) - رواه بن ماجه في سننه وأحمد عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ J يَأْتِي الْخَلاَءَ فَيَقْضِي الْحَاجَةَ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَأْكُلُ مَعَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلاَ يَحْجُبُهُ ـ وَرُبَّمَا قَالَ: لاَ يَحْجُزُهُ ـ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلاَ الْجَنَابَةُ». كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم 594، 1/ 195. أحمد، مسند العشرة المبشَّرين بالجنَّة/ ومن مسند عليِّ بن أبي طالب، رقم 1061، 1/ 124. (1/102)
صفحة 102
القرآن أو ما نابه من حصصه التي يقرأها دائما في وقت مُعَيَّن، فالأحسن أن يكون متوضِّئا، ما دام ينوي بتلك القراءة التقرُّب إلى الله، والتعبُّد إليه بهذه التلاوة الكريمة، مهما كانت وضعيَّة أو طريقة القراءة، سواء تلاه منفردا في البيت، أو عن ظهر الغيب، أوفي حلقة من حلقات الذكر، كما يَدُلُّ على ذلك نصُّ الحديث، وحتَّى نكون عاملين بهذا النصِّ. غير أنَّ المرء في بعض الأحيان يكون بغير وضوء، ويستشهد بآية ما من خلال دراسته لفنٍّ من الفنون، أو سئل عن آية وهو في عمله، أو في السوق، فهل يقرأ الآية على غير وضوء؟ أم يردُّ السائل ولا يجيبه؟ لا يعقل أن يقال له: لا تجب السائل عن الآية ولا تَتْلُها حتَّى تتوضَّأ، فهذا تضييق وتعسير على الناس، ومن يسر الشريعة أنَّه يجوز قراءة القرآن ولو على غير وضوء، وهذه الأحكام تنصرف إلى الاستحباب، لأنَّ النبيَّ J كان يقرأ في بعض الأحيان من غير وضوء.
أمَّا المجنب فلا يجوز له أن يقرأ ـ ولو آية ـ وهو على تلك الحال، لأنَّه بإمكانه إزالتها في ذلك الحين.
وأمَّا النافس التي يمتدُّ وقتها إلى أربعين يوما فربَّما تكون معلَّقة بحصَّة من القرآن تخشى نسيانها، أو الحائض التي تكون مدَّة حيضها بين سبعة إلى ثمانية أيَّام، وخصوصا إذا كانت مدَّة حيضها طويلة، ومدَّة طهرها قصيرة، فستقع في مشكل مع محافظتها على حصَّتها، وفي هذا أفتى العلماء بأنَّه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن حتَّى لا تنساه، وأخرجوه مخرج كراهة التنزيه، بمعنى أن لا (1/103)
صفحة 103
تقرأه تعبُّدا، وإنَّما محافظةً عليه من الانفلات، فهذه رخصة لها، إذ لا تكون بقراءتها ـ وهي في حيض ـ عاصية.
وأمَّا مسُّ المصحف فقد حرَّموه على الحائض، إلاَّ أن تحمله في محفظة، ولكنَّ بعض العلماء منعها من ذلك لإنزالها منزلة الجنب (1).
أمَّا عن تفسير قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ, إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة: 79) أينطبق على هذه الأحكام أم ينتقل إلى أحكام أخرى؟ فإنَّ للمفسرين أقوالاً عديدة، فبعضهم قال: إنَّه حكم من الله بأن لا يمسَّ المصحف إلاَّ من كان على طهارة، ومنهم من قال: بِأَنَّهُ إخبار من الله بِأَنَّ هذا المصحف في كتاب مكنون، إمَّا في اللوح المحفوظ أوفي بيت العِزَّة، ولا يمسُّ ذلك المصحف ولا يناله إلاَّ الملائكة المطهَّرون، وألاَّ يمسَّه شيطان ولا كائن نجس في السماوات أبدا، فلا في السماء الأولى حيث بيت العِزَّة، ولا في السماء السابعة حيث اللوح المحفوظ الذي فيه القرآن محفوظا، إذ نزلت نسخة منه إلى بيت العِزَّة (2).
فمهما تختلف الأقوال فما علينا إلاَّ أن نحافظ على طهارتنا ووضوئنا حين ننوي قراءة القرآن، وعلينا أن نتذكَّر جيِّدا أنَّه من كان على جنابة فلا يحلُّ له أن يقرأ القرآن إلاَّ بعد أن يغتسل ويتطهَّر.
وهناك بعض من الناس يفتي لنفسه، بأن يتيمَّم للجنابة، فيقرأ القرآن ريثما يغتسل منها، فهذا حكم باطل، ولا يجوز القيام به أبدا، مثل أن يجنب ليلا فيتيمَّم لقراءة القرآن ريثما يغتسل في الفجر، فلا يحلُّ له هذا إن كان قادرا على الاغتسال
__________
(1) - انظر: الكندي: بيان الشرع، 9/ 165 - 166. اطفيَّش: شرح النيل، 1/ 315، 317.
(2) - انظر: الطبري: جامع البيان، 27/ 205. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 2/ 407. (1/104)
صفحة 104
مع توفُّر الماء، فإن أراد المرء قراءة القرآن وهو مجنب فعليه أن يغتسل، وإلاَّ فلا يلزمه قراءة القرآن وهو على تلك الحال، وأمَّا إن كان معدما من الماء وسط صحراء قاحلة، ولا يملك إلاَّ ما يسدُّ به رمقه، أو يمنعه من الاغتسال مرض، فهنا يكون التيمُّم جائزا، وتحلُّ به الصلاة وقراءة القرآن أيضا.
حكم استماع الجنب للقرآن عن طريق مسجِّلة:
ورد الحديث في حكم قراءة الجنب للقرآن الكريم ومسِّ المصحف بأيديهم، وَلَكِن ما الحكم إذا كان مستمعا للقرآن عن طريق مسجِّلة أو تلاوة شخص ما؟
الحكم أنَّه يجوز سماع القرآن للجنب وإن لم يغتسل بعد، لأنَّ حكم الاستماع غير حكم التلاوة، والمقصود من المنع مسِّ المصحف أو التلاوة، والله أعلم. (1/105)
صفحة 105
النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدوِّ
12) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ J أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُو لِئَلاَّ يَذْهَبُوا بِهِ فَيَنَالُوهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَف» (1).
الشرح:
حديث أبي سعيد الخُدريِّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ J أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُو لِئَلاَّ يَذْهَبُوا بِهِ فَيَنَالُوهُ» هو حكم آخر في المحافظة على القرآن، والمقصود بالقرآن في هذا الحديث: المصحف، لأنَّ القرآن في الصدور لا يمكن أن ينفصل عن حامله.
وقد نهانا الرسول J في هذا الحديث عن السفر بالمصحف إلى الأرض التي فيها أعداء الإسلام، حتَّى لا يأخذوه منَّا، وهم أنجاس بنجاسة كفر أو جنابة أو حيض ـ بالنسبة للنساء ـ أو يمكروا فيه مكرًا شديدا، فيحرقونه أو يمزِّقونه أو ينجِّسونه أو ... ولنأمن من شرهم ومن النيل من مصحف القرآن ومن قداسته، فعلينا ألاَّ نسافر به إلى أرض الشرك.
وهذا النهي مشكل أيضا، فإن ذهب أحدنا إلى بلاد الكفر من أوربا أو أمريكا أو روسيا ومعه مصحف القرآن، فهل هو عاص بفعله هذا؟ يبدو أنَّه لا يأثم
__________
(1) (*) - رواه الشيخان بنفس اللفظ تقريبا، عن ابن عمر. البخاري: كتاب الجهاد، رقم 2280. مسلم: كتاب الإمارة، رقم 1869. (1/106)
صفحة 106
بفعله هذا كما قال العلماء (1) إن انتفت العِلَّة، وهي الخوف من أعداء الإسلام ـ من شيوعيِّين أو يهود ـ من أن ينالوا من ذلك المصحف، فإن ذهبت به إلى بلاد الكفر، وأنت تعلم أنَّه ربَّما يصيبه الضرر، فهذا حرام وأنت عاص بفعلك هذا، وأمَّا إن ذهبت به إلى بلد يحترمون حريات الشعوب ـ وإن كانت بلاد كفر ـ وأنت موقن بأن لا ينال المصحف مكروه، فلا بأس في ذلك.
ففي وقتنا الحاضر توجد مساجد ومراكز إِسْلاَمِيَّة وسط بلاد الشرك، فمثلا هناك مطابع في ألمانيا وفي غيرها، تقوم بطبع القرآن الكريم، فإن أمنت على مصحفك ألاَّ يناله الضرر فلا بأس في أخذه إلى هذه البلاد، بل وتجد أحيانا في هذه البلاد من يقرأ القرآن ويعبد الله بإخلاص.
وقد أخذ هذا أيضا من فعل الرسول J ، حين كاتب ملوك الكفر، مثل: هرقل ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس ملك مصر، والمنذر بن ساوى ملك البحرين، والنجاشي ملك الحبشة، فمكاتباته هذه ضمَّنها آيات من القرآن الكريم، من البسملة وآيات من الدعوة إلى الإسلام، وفعل الرسول J دالٌّ على الجواز، والحكم عَلَى البعض حكم على الكلِّ، فكما يحرم أخذ المصحف فكذلك تحرم الآية والآيتان، خَاصَّةً وأنَّ قوله تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية عظيمة من آيات القرآن الكريم.
__________
(1) - ينظر: ابن حجر: فتح الباري، 6/ 133. وروى ابن حبَّان في صحيحه، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله J أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافة أن يناله العدوُّ» قال أبو حاتم في قوله: «مخافة أن يناله العدوُّ»: بيان واضح بِأَنَّ العدوَّ إذا كان فيهم ضعف وقلَّة، والمسلمون فيهم قوَّة وكثرة ثمَّ سافر أحدهم بالقرآن وهو في وسط الجيش يأمن أن لا يقع ذلك في أيدي العدوِّ كان استعمال ذلك الفعل مباحا له. رقم 4716، 11/ 16. (1/107)
صفحة 107
وعليه، اقتداءً بفعل النبي J ، يمكن لنا أن نحمل المصحف إلى بلاد الكفر، إن أمِنَّا شرَّهم، وَرُبَّمَا بهذه الْكَيفِيَّة ينتشر القرآن الكريم، وبه ينتشر الإسلام، خاصة إذا كان القرآن يقرأ ويتدارس ويفسَّر بشتَّى الطرق واللغات وهو في بلاد الكفر. وَإِنَّهُ لحريٌّ أن يُفهم ويعمل به، فتضاف إلى معارفهم ومفاهمهم علوم جديدة، لم يكونوا يعلمونها من قبل، وكثير من الناس أسلموا بهذه الطريقة ولا يزالون إلى اليوم، فالمدُّ الإسلاميُّ ينتشر في أوربا وأمريكا واليابان والفيلبين وإفريقيا. وإذا كان المسلمون يقرؤون القرآن ويحملون المصاحف، وَيَتَّخِذُون مراكز ونوادي ومساجد للدعوة إلى دين الله وحده لا شريك له، فإنَّ هذا يكون مدعاة للتقرُّب إلى الله وطاعته وتقواه.
ولا يدَّعي المرء قائلا: إذا قام أعداء الإسلام بتمزيق المصحف والإضرار به فأنا لا آثم بما اقترفوه، كلاَّ، لأَنَّكَ بفعلك هذا قد سبَّبت له الهلاك والإهانة، فأنت مسؤول عن ذلك، إن علمت كيدهم ومكرهم من قبلُ، مثلما هو الشأن باليهود الكائدين.
إذن، فهذان الحديثان وردا في حكم قداسة القرآن والمحافظة عليه، والقرآن أولى بالقداسة والمحافظة من أيِّ شيء آخر؛ لأنَّه كلام الله تعالى.
نفعنا الله بالقرآن الكريم، وجعلنا مِمَّن يحافظ عليه، حتَّى يكون لنا شفيعا يوم القيامة، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/108)
صفحة 108
ذهاب القرآن آخر الزمان
13) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ عَنِ النبيِّ J أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ذَكَرَ حَدِيثًا فَقَالَ: «ذَلِكَ أَوَانَ يُنْسَخُ الْقُرْآنُ» فَقَالَ رَجُلٌ كَالأَعْرَابِيِّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّسْخُ؟ وَكَيْفَ يُنْسَخُ؟ قَالَ: «يُذْهَبُ بِأَهْلِهِ وَيَبْقَى رِجَالٌ كَأَنَّهُمُ الْبُغَاثُ» (1). قَالَ الرَّبِيعُ: الْبُغَاثُ: أَرْذَلَةُ الطَّيْر.
الشرح:
هذا الحديث الذي روي عن النبيِّ J صحيح، فيه شأن من شؤون ارتفاع القرآن آخر زمان هذه الأُمَّة، أي قبل قيام الساعة بوقت قصير، حين يشتدُّ الزمان ويعسر على الناس، وقد رويت في ذلك آيات وعلامات تنذر بقيام الساعة، وقد تحقَّق أغلبها من فساد الدنيا، وتحوُّل حال الناس من حُسن إلى سُوء، وانعكاس الأمور كُلِّهَا، وبقيت بعض العلامات الكبرى، مثل طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابَّة والمسيح الدجَّال (2)، فلم يظهروا بعدُ، نعوذ بالله من ذلك الزمان.
__________
(1) (*) - رواه مسلم وابن ماجه، بنفس المعنى وزيادة. مسلم: كتاب العلم، رقم 2673، عن عبد الله بن عمر. ابن ماجه: كتاب الفتن، رقم 40، عن حذيفة بن اليمان.
(2) - روى مسلم: « ... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ J حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ J يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا. وعَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالْمَدِينَةِ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الآيَاتِ أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجًا الدَّجَّالُ». كِتَاب الفتن وأشراط الساعة، باب في خروج الدجَّال ومكثه في الأرض ونزول عيسى، رقم: 2941، 4/ 2260. ورواه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، رقم: 6881، 2/ 201. (1/109)
صفحة 109
ومن جملة علامات الساعة أن يرفع القرآن من الأرض، فلا يبقى في هذه الدنيا من يقرأ القرآن ولا من يحفظه ويعمل به، بل وحتَّى المصاحف لا تكون.
وَمِمَّا روي أنَّه حتَّى الكعبة تهدم آنذاك، حين يقوم عليها عبد حبشيٌّ يهدمها حجَرا حجَرا (1)، ولا يكون الحجُّ وقتئذ، ولا تبنى بعدها حتَّى تقوم الساعة.
فهذا الحديث مهول ومخيف حَقًّا، وما يجعلنا نبتعد عن وقت حلوله، محافظتنا واعتناؤنا بالقرآن الكريم، فإن كان مِنَّا من يحفظ القرآن ويعمل بما فيه، فهذا دليل على عدم وصول هذا اليوم العسير، لأنَّه في ذلك الوقت لا يكون بين الناس قارئ للقرآن ولا حافظ ولا مدارس له، فهذا الحديث يحثُّنا على المسارعة إلى حفظ القرآن والعمل به، والدعاء لله ألاَّ يبلغنا ذلك الزمان، نسأل الله السلامة. فعلينا أن نَحفظ القرآن ونُحفِّظه أولادنا، ونبلِّغ هذه الأمانة العظيمة التي أخذناها من آبائنا ونؤدِّيها إلى أبنائنا، وهلُمَّ جرًّا، لكي نأمن ذلك الوقت، وَلَكِن لا بُدَّ من وصول ذلك الزمان.
روى ابن عبَّاس في هذا الحديث أنَّ النبيَّ J كان جالسا مع بعض أصحابه يَتَحَدَّثُون في أمور أخراهم، حتَّى حدَّثهم عن علامات قيام الساعة من فساد وعلوٍّ
__________
(1) - رواه البخاري في كتاب الحج، باب هدم الكعبة، رقم 1518، 2/ 579. ورواه أحمد في مسنده عن ابن عبَّاس مرفوعا بلفظ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَنْقُضُهَا حَجَرًا حَجَرًا يَعْنِي الْكَعْبَةَ». كتاب ومن مسند بني هاشم، باب بداية مسند عبد الله بن العَبَّاس، رقم: 2010. 1/ 228. (1/110)
صفحة 110
في الأرض، فتعجَّب الصحابة من ذلك وقالوا: كيف يقع كلُّ هذا؟ فأجابهم الرسول J : في ذلك الوقت لا يكون القرآن موجودًا.
وهناك حديث آخر في هذا المعنى يقول فيه النبيُّ J : « كيف بكم إذا فَجَر شبابكم، وطغت نساؤكم، وتركتم جهادكم» (1)، فبعد إخبار النبيِّ J صحابته بأنَّ شباب ونساء الإسلام سيخرجون من طاعة الله إلى طاعة الشيطان، ويتركون جهاد الكلمة، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد السيف لتحرير بيضة الإسلام؛ تعجَّب الصحابة وقالوا: «أَو ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشدُّ منه سيكون» وذلك حين نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندها يقوم كلُّ شخص بما يمليه عليه شيطانه من غير مراعاة للشرع، فلا ناهي ولا منتهٍ، ولا آمر ولا مؤتمر، فمن شرب الخمر أو فسق كمن شرب الماء الزلال، أو ذهب إلى زوجته الحلال، كما هو واقع اليوم في كثير من البلاد الإِسلاَمِيَّة، فليحذر الناس أن يعمَّهم الله بعذاب؛ لا يعاقَب فيه العاصي دون المطيع، ما عدا الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل وحتَّى الذي أنكر المنكر بقلبه فحسب ـ ولو لم يعص الله تعالى ـ فسيشمله عذاب الدنيا، وَلَعلَّهُ ينجو من عذاب الآخرة. تعجَّب الصحابة لقول الرسول J وقالوا: أنحجم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لأنَّه يستحيل إظهار المنكر في ذلك الوقت، إِلاَّ مِن منافق مضمر النفاق بينه وبين شيطانه، ومن يُظهر نفاقه فسيعلن الصحابة عليه حربا شعواء.
__________
(1) - رواه الطبرانيُّ في المعجم الأوسط عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «كيف بكم إذا فسق شبابكم، وطغى نساؤكم، قالوا: يا رسول الله إنَّ ذلك لكائن؟ قال: وشر من ذلك سيكون، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا». رقم 9325، 9/ 129. ورواه أبو يعلى في المسند عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، رقم 6420، 11/ 304. (1/111)
صفحة 111
أجابهم الرسول J : « نعم والذي نفسي بيده، وأشدُّ منه سيكون، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا» وذلك إذا اقترف المرء منكرًا فَكَأَنَّهُ قَدَّمَ معروفًا، بل ويوصف بالحذاقة والفهم والتقدُّم، وأمَّا إذا ما قام بمعروف رآه الناس منكرا، بل ويوصف بالتخلُّف والتحجُّر وعدم مسايرة العصر، مثل ما هو قائم اليوم حين انعكست المفاهيم وانتكست.
في هذا الحديث حلف الرسول J بالذي نفسه بيده وهو الله تعالى، بأنَّه سيكون أشدَّ مِمَّا هو كائن، حين يأمر الناسُ بالمنكر وينهون عن المعروف، بل ويحملون الناس بِالقُوَّةِ على ارتكاب المنكر وعدم إتيان المعروف، كما هو شأن كثير من البلاد الإِسلاَمِيَّة، حينئذ يسلِّط الله تعالى عليهم فتنة تدع الحليم حيرانًا، إذ تختلط السبل على العاقل ولا يفهم شيئا ممَّا يجري حوله، وحينها يقول العقلاء: بطن الأرض خير من ظهرها، أو كما ورد في حديث آخر: «لا تقوم الساعة حتَّى يمرَّ الرجل بقبر أخيه فيقول: ليتني مكانك» (1)، حتَّى لا يرى ما يجري حوله من المنكرات، فالرسول J كان في ذلك الوقت يحدِّثهم عن كُلِّ تلك الأهوال التي ستقع قبل قيام الساعة.
وقد جلبت انتباه الصحابة كلمة «نسخ القرآن»، فعجبوا من ذلك، فقال رجل منهم كالأعرابيِّ، وهذا وصف من الراوي ابن عبَّاس حين قال: إنَّه
__________
(1) - رواه البخاريُّ ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، بلفظ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ». كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حَتَّى يغبط أهل القبور، رقم 6698، 6/ 2604. مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ ... رقم 5175، 4/ 2231. (1/112)
صفحة 112
كالأعرابيِّ، لأنَّه في الحقيقة ليس كذلك، ولكنَّه لجرأته على سؤال رسول الله J كجرأة الأعراب، الذين يُعرَفون بسؤال رسول الله J عن كُلِّ شيء يخطر ببالهم، عكس ما هو عند الصحابة الذين يعرفون أنَّ النبيَّ J لا يحِبُّ كثرة السؤال، إلاَّ ما كان ضروريًّا، أو ينتظرونه حتَّى يكلِّمهم في تلك المسألة دون أن يسألوه، ولأنَّ الأعراب يأتون من مكان بعيد، فيسألونه J ويفهم تصرُّفاتهم، ويصبر عليهم، ويسير معهم على حسب عقولهم. أو لَعَلَّهُ من أطراف المدينة وقليلا ما يغشى مجالس رسول الله J . وابن عبَّاس في ذلك الوقت لا يزال صغيرا، لأنَّ الرسول J لَمَّا تُوُفِّيَ تركه ابن خمس عشرة سنة.
قال هذا الرجل: «يَارَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّسْخُ؟ وَكَيْفَ يُنْسَخُ؟» بمعنى: كيف ينسخ القرآن وهو منتشر بين أقطار الدنيا، والناس قد كتبوه في المصاحف، وحفظوه في الصدور، فكيف يكون هذا النسخ؟! أيرفع من الصدور فيصبح الحافظ منهم بين عشية وضحاها غير حافظ؟ أم يُمحى من الكتب مَرَّة واحدة، حيث تصير المصاحف بيضاء فارغة من القرآن؟!.
حقيقة إنَّه سؤال محيِّر، لأنَّنا لا نعلم كَيفِيَّة نسخ القرآن، ولولا هذا الرجل لبقينا إلى يوم القيامة نجهل كيفيَّته، فأجابه الرسول J : « يُذْهَبُ بِأَهْلِهِ»، أي إِنَّ الناس الذين يكتبونه ويحفظونه ويعملون به هم الذين يذهبون، بمعنى أنَّهم ينتهون من الدنيا ولا خَلَف لهم، فقد طمأننا الرسول J بِأَنَّ القرآن لا يرفع من الصدور، وإنَّما يرُفع أهله، فهو ألطف وأكرم من أن يعامل عباده بذلك، وإنَّما يتوفَّى أهل القرآن واحدا واحدا، ولا أحد يخلفهم من بعدهم، كما هو حالنا اليوم، وعلى مرِّ الأَيَّام يصير العدد كبيرا، بمعدَّل ذهاب ثلاثين حافظا في السنة مثلا، فهل لنا مثل هذا العدد ـ في سنة أخرى، أو بعد عشر سنين ـ يكونون خلفًا لهم حفَّاظًا متقِنينَ، (1/113)
صفحة 113
لأنَّ المستظهرين موجودون بكثرة، ولكن هل من هؤلاء من يبقى دائما محافظا على قرآنه من التفلُّت؟ وهو بيت القصيد، فلكي نضمن عدم ارتفاع القرآن لاَ بُدَّ لنا من شرطين أساسيين هما:
- أولاً: أن يزداد عدد الحفَّاظ المستظهرين لكتاب الله مع ازدياد المواليد في البلد الواحد.
- ثانيا: أن يحافظ المستظهرون على ما حفظوا من غير نسيان له، لأنَّهم إذا ما استظهروه ثُمَّ نسوه فلا فائدة إذن من ذلك، فقد تركوا القرآن قبل أن يتركهم، والله تعالى يذهب بأهل القرآن الحافظين والمحافظين عليه من الدنيا إلى الآخرة، أومن ظهر الأرض إلى بطنها، فلا يبقى فيها إلاَّ من حفظ جزءا يسيرا منه أومن لم يحفظه أبدا.
فنحن مطالبون إذن بحفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه من فاتحته إلى خاتمته، خلافا لما يدَّعيه البعض، بِأَنَّ المسلم غير ملزم بحفظ القرآن كُلِّهِ، بل عليه أن يحفظ جزءا زهيدا منه، فأمثال هؤلاء يخذلون الناس في حفظ القرآن، وَرُبَّمَا هناك من يعقد العزم على حفظ القرآن ثُمَّ يدعه عند سماع مثل هذه الأقوال الزائفة.
ومنهم من يحتجُّ بأنَّ الصحابة لم يكونوا مستظهرين لكتاب الله، والجواب على هؤلاء أنَّ القرآن لم يتمَّ نزوله إِلاَّ قبيل وفاة الرسول J ببضعة أَيَّام، فلا يمكن أن يحفظوه كُلَّهُ وَلَمَّا يكتمل نزوله بعد، وبعد وفاة الرسول J مباشرة تهافت الصحابة على حفظ القرآن بأعداد وفيرة، ودليل ذلك أنَّه لَمَّا وقعت حروب الردَّة، استشهد فيها من القرَّاء سبعون حافظا، وبقي منهم (1/114)
صفحة 114
أضعاف مضاعفة وذلك في مدَّة عام واحد فقط، فدعوى الذين يقولون بأنَّ الصحابة لم يحفظوا القرآن كلَّه باطلة.
ثم قال J : « وَيَبْقَى رِجَالٌ كَأَنَّهُمُ الْبُغَاثُ» قال الربيع: يعني أَرْذَلَةَ الطَّيْر. فبعد ذهاب أصحاب القرآن الذين حفظوه وحافظوا عليه وعملوا وحكموا بما فيه، سيأتي أقوام يحكمون بغير ما في القرآن، ويخالفون ما فيه من الأحكام، بأحكامهم الْوَضْعِيَّة التي وضعتها عقولهم القاصرة، ويعقب هذه الحقبة قيام الساعة؛ لأنَّها من أماراتها الكبرى، والساعة أدهى وأمرُّ، ويبقى في هذه الفترة رجال كأرذلة الطير، لأنَّ الطيور أنواع مختلفة، ففيها النافع مِمَّا يصيد ويُصطاد، وفيها الضارُّ مِمَّا لا يصيد ولا يُصطاد، والصيَّادون يستعينون ببعض طيور تصطاد لهم أو تصطاد لنفسها، كالنسور والصقور والبُزاة، وهناك أنواع تُصطاد للأكل بما فيها من جودة لحم.
وأمَّا ما قصده الرسول J فلا هو من هذا ولا ذاك، وإنَّما هي مثل العصافير التي تملأ الدنيا، فلا منفعة منها غير الفساد في الغلال وكثرة الشقشقة ـ أي الكلام الكثير ـ فالناس الذين يبقون في آخر الزمان شبَّههم الرسول J بهذا النوع من الطيور، كثرةٌ من غير منفعة؛ إن لم تكن مع مَضَرَّة، فالكثير منهم يَتَكَلَّمُ ويخطب لساعات طويلة من غير ذكر لله تعالى، ولا حديث لرسول الله J ، لأنَّ كلامهم من وحي الشياطين، فإن لم يكن من وحي شياطين الجنِّ فمن وحي شياطين الإنس، والشياطين كما قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمُ, إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} (الأنعام: 112)، فشقشقتهم كُلُّهَا خارجة عن القرآن وَالسُّنَّة والدين والعلم والحكمة، وهي تضليل وكذب وزور من القول. حقيقة إنَّه تشبيه رائع من الرسول J ، فلا تشبيه أبرع من هذا، فهم أناس لا ينتسبون إلى القرآن، وهم أبعد ما يكونون منه، بل ويأنفون (1/115)
صفحة 115
ويستنكفون من القرآن، إمَّا لعدم حفظهم، وإمَّا لما يحفظونه من قسط يسير من بسملة أو كلمة توحيد أو شهادتين، ولكنَّهم يستكبرون عن إلقائها بألسنتهم، خوفا منهم أن تحسب عليهم بِأَنَّهُم رجعيُّون مُتَأَخِّرون جامدون، فهم يحترسون من إلقائها كما لو أَنَّهُم يحترسون من إلقاء كلام قبيح.
فهذه هي إذن الحالة التي تنذر برفع القرآن، كما جاء في حديثه J : « لا تقوم الساعة إلاَّ على دين أبي جهل» (1) وقال: «لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله» (2)، نسوا كلمة الله أو تناسوها.
وقد نشر في جريدة نافدة في بلاد إِسْلاَمِيَّة ما نصُّه ـ أستغفر الله، حاكي الكفر ليس بكافر ـ: «الله، ما الله؟ مات الله من زمن، حملناه في نعش من خرافات»، لعنة الله عليهم، قد نشر هذا في بلاد إِسْلاَمِيَّة، ولم يحرِّك ساكنا من بيده الزمام، إن لم يكن أعجبهم مثل هذا الكلام، هذا ما هو موجود في بلاد تنتسب إلى الإسلام، وهناك من هو سائر في مثل هذا الطريق، والإسلام لا يزال يُأخذ من أطرافه، إمَّا من أحاديث الرسول، وَإِمَّا من آيات القرآن، ومن أنكر آية من القرآن ـ بل ولو حرفا منه، مثل قوله تعالى: {أَلَمِّ} ـ كمن أنكر القرآن كلَّه،
__________
(1) - رواه مسلم في صحيحه: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ J قَالَ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ»، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، رقم: 2949، 4/ 2268.
(2) - رواه مسلم في صحيحه، «عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ J قَالَ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُقَالَ فِي الأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ». كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان، رقم: 148، 1/ 131. ورواه الترمذيُّ في كتاب الفتن عن رسول الله J ، باب منه، رقم: 2207، 4/ 492. قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن». (1/116)
صفحة 116
فهو عندنا كما قال الشيخ أبو نصر (1) ـ رحمه الله ـ:
ومن ردَّ حرفا أو رسولا فإنَّه ... بردِّ جميع المرسلين كفرعون (2)
فهؤلاء ينقصون الشريعة من أطرافها؛ فاليوم بشيء من السنَّة، وغدًا بآية من القرآن، ثُمَّ القرآن كلِّه.
فإن كان هذا هو واقع الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة فلنتشبَّث بالقرآن الكريم، ولنعره الاهتمام والعناية العظمى، فمن لا يزال صغيرا فعليه أن يسارع إلى حفظه، ومن كان قادرا على استظهاره من الشباب فعليه أن يسارع هو الآخر أيضا، ومن لم يستطع فليحافظ على ما حفظ وإن كان يسيرا، أو أن يكتبه في قرطاس، وإن كان أعمى فليُلَقَّن من أحد مثلا.
فهذا أمر واجب للرجال والنساء على السواء، علينا بمراجعة ما حفظنا والاستزادة مِمَّا لم نحفظه بعد، حتَّى نحافظ عليه، وأهل القرآن أهل الله وخاصَّته، وحتَّى نبتعد عن هذا الخطر، وننال بذلك رضى الله وجنَّته، ونسأله تعالى ذلك ودوامه، إن شاء الله، والحمد لله رَبِّ العالمين.
__________
(1) - هو أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي، من أعلام الإِبَاضِيَّة بجبل نفوسة بليبيا في القرن السابع الهجري، له عِدَّة مُؤَلَّفَات، منها: قصيدة النونيَّة في أصول الدين، وقصيدة الرائيَّة في الصلاة، وديوان شعر. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 4/ 703.
(2) - أبو نصر الملوشائي: الديوان، ص 6. (1/117)
صفحة 117
القراءات السبع
14) ـ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ قِرَاءَتِهِ هُوَ، قَالَ عُمَرُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ J أَقْرَأَنِيهَا، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِي فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ J، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ J لِلرَّجُلِ: «اِقْرَأْ» فَقَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ J: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، قَالَ عُمَرُ: فَقَالَ لِي: «اِقْرَأْ» فَقَرَأْتُ، فَقَالَ لِي: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِ الرَّسُولِ J: « نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» قَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: وَعْدٌ، وَوَعِيدٌ، وَحَلاَلٌ، وَحَرَامٌ، وَمَوَاعِظُ، وَأَمْثَالٌ، وَاحْتِجَاجٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلاَلٌ، وَحَرَامٌ، وَأَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَخَبَرُ مَا كَانَ قَبْلُ، وَخَبَرُ مَا هُوكَائِنٌ، وَأَمْثَالٌ. وَقَدْ قِيلَ: لاَ يُوجَدُ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنَ القُرْآنِ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ التَّفْسِيرِ (1).
الشرح:
دائما في القرآن وفي قراءته وأدائه على الوجه الصحيح، قال جابر: «بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ»؛ لأنَّ جابرا لم يدرك الخليفة عمر بن
__________
(1) (*) - رواه الشيخان، بنفس اللفظ تقريبا، عن عمر بن الخطَّاب. البخاري: كتاب فضائل القرآن، رقم 13. مسلم: كتاب صلاة المسافرين، رقم 818. (1/118)
صفحة 118
الخطاب - رضي الله عنه -، رغم أنَّ جابرا ولد في خلافة عمر، إلاَّ أنَّه في أواخرها، ما بين السنة 19 و21 للهجرة، فهو إذن في السنتين من عمره، عندما تُوُفِّيَ عمر بن الخطاب، فلا يمكن أن يروي عنه، ولذلك قال: «بَلَغَنِي»، أي بلغه من أحد الصحابة باعتباره من كبار التابعين، بمعنى شخص أو حلقة واحدة بين جابر وعمر بن الخطَّاب.
بلغ جابرًا أنَّ عمر سمع صحابيًّا اسمه هشام بن حكيم يقرأ من سورة الفرقان، إمَّا كاملة أو بعضا منها، ولكنَّ عمر سمعه يقرأها على غير قراءته باختلاف يسير، إمَّا في صيغة الحرف الذي يقرأ به أو في بعض الكلمات، بإبدال حرف مكان حرف آخر.
غير أنَّه كلام الله، ولا يرضى أن يبدَّل فيه ولو حرف واحد، فكانت غيرة عمر على كتاب الله شديدة، فبمجرَّد ملاحظته اختلافًا بين قراءته وقراءة هشام، دخل إليه ولبَّبه بردائه، أي: جمع رداءه بيده وساقه إلى النبيِّ J ، ومن حرصه - رضي الله عنه - أنَّه اقتاده ولم يَدْعُهُ إلى السير معه خوفًا من تفلُّته منه، لاسيما وأنَّ الأمر يخصُّ القرآن الكريم.
فلما وصل إلى النبيِّ J أطلقه وقال للرسول J : « يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا» فأمر الرسول J هشاما أن يقرأ سورة الفرقان حتَّى يستبين الأمرَ، أهو من الخطأ أم من باب القراءات؟ فقرأ هشام كما قرأ عند عمر - رضي الله عنه -، وعدم إنكار عمر أيِّ آية مِمَّا قرأ دليل على صدق هشام في قراءته كما حفظها أوَّل مرَّة، وعند إتمامه قال له الرسول J : « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، فتعجَّب عمر - رضي الله عنه - من ذلك لأنَّه موقن من حفظه كما لقَّنه إِيَّاهُ الرسول J ، إلاَّ أنَّه J لم يتركه في حيرته، بل أمره هو الآخر بالقراءة، فقرأ عمر كما (1/119)
صفحة 119
حفظ، فقال له النبيُّ J : « هَكَذَا أُنْزِلَتْ» أيضا فزال شيء من حيرته، إلاَّ أنَّه بقي متعجِّبا من قول الرسول J لهما: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» رغم اختلافهما في القراءة، ثُمَّ قال لهما: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ» أي: إِنَّ القرآن الذي أنزل عليه J أنزل على سبعة أحرف.
والمقصود بسبعة أحرف كما قال العلماء: على سبع قراءات، وَكُلُّ قراءة يُقرأ بها تشفي وتكفي للتقرُّب إلى الله، وتكفي أيضا للذكرى والموعظة، لأنَّ اختلاف الحروف أو القراءات لا يغيِّر في المعنى، لأنَّ مقصودها واحد رغم اختلافها في الصيغة، وتكفي في أخذ الأحكام لمعرفة الحلال والحرام وغيرهما، وتكفي أيضا في الصلوات، إذ تَصِحُّ صلاة المسلم بأيِّ آية قرأ بها ومن أيِّ قراءة.
وكما روي أيضا: أنَّ الرسول J قرأ عليه جبريل - عليه السلام - بقراءة، فاستزاده، فقرأ عليه بقراءة ثانية، فاستزاده، فقرأ عليه بقراءة ثالثة، حتَّى بلغ القراءة السابعة، فبذلك قرأ عليه جبريل القراءات السبع كُلَّهَا؛ لأنَّ جبريل لم يكن يقتصر على إنزال الوحي مَرَّة واحدة، بل كان يدارس الرسول J بما ينزله عليه، وَخَاصَّةً في رمضان، وقد قال J أيضا: «إنَّ جبريل قرأ عليَّ بلغة فاستزدته، فقرأ عليَّ بلغة ثانية فاستزدته، حتَّى أكمل سبع لغات» (1)، وأمَّا معنى سبع لغات كما قال الربيع
فقد اختلف فيها العلماء على عِدَّة أقوال (2) أهمها ثلاثة وهي:
- أَوَّلاً: يقصد سبع لهجات؛ فاللغة العَرَبِيَّة كُلُّهَا لغة واحدة، إلاَّ أنَّها
__________
(1) - رواه أحمد في مسنده عن أبي بكرة - رضي الله عنه - بلفظ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَم قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم: اسْتَزِدْهُ، فَاسْتَزَادَهُ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، فَاسْتَزَادَهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَاعْجَلْ». أَوَّل مسند البصريين، حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة، رقم: 20533، 5/ 51. ورواه ابن حبَّان في صحيحه عن أُبيِّ بن كعب - رضي الله عنه -، بلفظ مقارب، باب ذكر الأخبار عَمَّا أبيح لهذه الأُمَّة في قراءة القرآن على الأحرف السبعة، رقم: 737، 3/ 11 - 12.
(2) - انظر: ابن حجر: فتح الباري، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، 9/ 23 ـ 32. (1/120)
صفحة 120
تختلف في اللهجات، من لهجة هذيل، ولهجة طي، ولهجة كلب، ولهجة عبس، ولهجة ذبيان، إلى غيرها من اللهجات التي تنسب إلى منطقة الجزيرة العَرَبِيَّة، على اختلاف منطِقِهِم للحروف، مثل نطق الجيم قاء [مثلَّثة] ففي عُمان مثلا يقرأون قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} بـ[قاف مثلَّثة]، لأَنَّهُم لا يستطيعون نطق الجيم كما ننطقها، وإنَّما يعتقدون بِأَنَّهُم على صواب، وفي بعض المناطق ينطقون القاف قاءا [مثلَّثة] مثلما هو الحال باليمن، يقرأون سورة الفلق {قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [بقاف مثلَّثة] ولو خطَّأتهم لاتَّهموك بالخطأ؛ لأنَّها تعتبر عَرَبِيَّة أصيلة أخذوها عن أجدادهم.
ومنه فليس المقصود بسبع لغات: اللغة العَرَبِيَّة والفارسية والروميَّة ... مثلا، بل المقصود به سبع لهجات عَرَبِيَّة، فعثمان - رضي الله عنه - عندما كتب المصاحف كتبها على مختلف اللهجات العَرَبِيَّة، وعندما أراد توزيع المصاحف في أقطار الدنيا أمر أن يكتب على لهجة قريش، حتَّى لا يقع الخلاف الذي ربما يُؤَدِّي إلى تحريف القرآن، مع أنَّ اختلاط اللغة العَرَبِيَّة بالأعجميَّة قد ظهر آنذاك، فحرَّق ما سوى الذي كتب على لهجة قريش حفاظا على الوحدة. (1/121)
صفحة 121
- ثانيا: يقصد بها ألفاظ تَدُلُّ على معاني، فَرُبَّمَا يُعَبَّرُ عنها بلفظ في هذه القراءة، ويُعَبَّرُ عنها بلفظ آخر في قراءة أخرى، ومعنى ذلك أَنَّهُ يؤوَّل إلى القراءات السبع أو إلى القرَّاء السبع، مثل: نافع وعاصم والكسائيِّ وأُبيٍّ وحمزة، وَكُلُّ قارئ له رواة يروون عنه قراءته، وَكُلُّ راو روى قراءته صحيحة عن النبيِّ J.
فمثلا قوله تعالى: {وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُراَم بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} (الأعراف: 57)، فهذه قراءة ورش عن نافع وَأَمَّا قراءة حفص عن عاصم فيقرأ فيها بدل {نُشُرًا} {بُشُرًا} فمعنى {نُشُرًا} أَو {بُشُرًا} يصبُّ في قالب واحد، وهو أَنَّ الرياح تنشر السحب وتسير بها لتبشِّر عباد الله بقدوم الغيث، لأنَّ الرياح أنواع، فمنها ما يبشِّر بالغيث ومنها ما ينذر بالعذاب. أو في قوله تعالى: {وَانظُرِ اِلىَ الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا} (البقرة: 257)، أي يرجعها ويبعثها بعد الفناء، هذا في قراءة نافع، وأمَّا قراءة عاصم فهي: {نُنشِزُهَا} بدل {نُنشِرُهَا}، والنشوز هو: البروز، أي كيف تبرز هذه العظام بعد بعثها. وأحيانا ينقص أو يزاد في القراءات حرف، أو يبدَّل بحرف آخر، فمثلا خاتمة سورة الشمس تقرأ عند نافع: {فَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} (الشمس: 15)، وأمَّا عند عاصم فتقرأ: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}. أو ألاَّ يكون فيها حرف أصلا، فنافع مثلا يقرأ: {سَارِعُواْ إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (آل عمران: 133)، وعاصم يقرأ: {وَسَارِعُواْ إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} بزيادة واو. وفي قراءة نافع قوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ} (الشورى: 30)، وفي قراءة عاصم: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}. وفي بداية الفاتحة أيضا يقرأ نافع: {مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ} ويقرأ عاصم: {ماَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ}، بزيادة مدٍّ في الميم، فالملك والمالك يدلاَّن على الملك، (1/122)
صفحة 122
وبمجموع العبارتين يكتمل المعنى، فالمالك هو: صاحب ومالك الأشياء لذاته، والملك هو: مالك السلطة والحكم وَالتَّصَرُّف؛ ومنه النفع والضرُّ.
فَكُلُّ الاختلافات في القراءات، إمَّا أن تَدُلَّ على مترادفات، أو أنَّ لِكُلِّ معنى مدلوله، ومجموعهما يَدُلُّ على معنى واحد مقصود من غير معاكسة أو تناقض في القراءات، مثل قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ} عند نافع، وأمَّا عاصم فيقرأها بالتخفيف في الذال {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. أوفي سورة الكهف مثلا، فنافع يقرأ: {لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا} (الكهف: 36)، وعاصم يقرأ: {لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا}.
ومنه فليس هنالك تعاكس بين القراءات، فَكُلُّ واحدة منها شافية كافية، والناس يقرأون بها في كُلِّ أقطار الدنيا.
وهنالك قراءات أخرى بعد هذه السبعة لا تُحمل على أنَّها قراءات بل تحمل محمل التفسير، كما روت عائشة أنَّ لها غلاما اسمه أبو يونس (1)، أمرته أن ينسخ لها مصحفا، وقالت له: عندما تبلغ في قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} (البقرة: 238) فأعلمني بذلك، وعند وصوله إليها قالت له أكتب: «حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى صلاة العصر وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ»، وقالت: هكذا سمعتها من رسول الله J (2) ، فهذه القراءة ليست سمعيَّة مشهورة، بل تحمل على
__________
(1) - أبو يونس مولى عائشة زوجِ النبيِّ J روى عنها، وروى عنه القعقاع بن حكيم وعبد الله بن عبد الرحمن بن معمر وغيره. انظر: ابن حبَّان: الثقات، 5/ 591. ابن سعد: الطبقات الكبرى، 5/ 296.
(2) - رواه مسلم في صحيحه عن أبي يونس مولى عائشة - رضي الله عنهم -، «أنّه قَالَ أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي، {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ J ». كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، رقم 629، 1/ 437، ورواه الترمذي في سننه وصحَّحه، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة البقرة، رقم 2982، 5/ 217. (1/123)
صفحة 123
أنَّها تفسير من النبيِّ J للصلاة الوسطى بِأَنَّهَا صلاة العصر.
- ثالثا: والبعض الآخر ـ كأبي عبيدة - رضي الله عنه - ـ يرى أَنَّهُ يقصد بسبعة أحرف سبعة أوجه: وعد بالثواب للمؤمنين، ووعيد بالعقاب للكافرين، وحلال مِمَّا أحلَّه الله، وحرام مِمَّا حرَّمه الله، والمواعظ مِمَّا تبشِّر أو تنذر باليوم الآخر، وأمثال مِمَّا مثَّل به الله تعالى في القرآن الكريم، والاحتجاج مِمَّا احتَجَّ به أهل الحقِّ على أهل الباطل في وقت الدعوة. وقال آخرون: حلال وحرام وأمر ونهي وخبر ما سيكون وخبر ما هو كائن وأمثال.
قد نجد في القرآن عند تدبُّره هذه المعاني والأوجه، ولكنَّ عمر بن الخطاب لَمَّا اختلف مع هشام بن حكيم، كان اختلافه في القراءة والتلاوة وليس في التفسير، ومنه فالقول الثالث لا يدخل ضمن القراءات التي يقصد بها اللفظ دون المعنى.
فالقرآن إذن أنزل على سبع قراءات، سواء سبع لهجات أو سبعة أوجه أو قراءات، إلاَّ أَنَّهَا لا تختلف في المعنى، إذ لا يجد من يريد النيل من القرآن مجالا ليطعن فيه، بقوله: إنَّ القرآن فيه اختلاف، وإنَّما الرسول J صَرَّحَ بذلك حين قال: إنَّ القرآن أنزل على سبع قراءات.
وما دمنا نقرأ بقراءة ورش عن نافع ـ وبهذه المناسبة ـ ننهي إلى أفهامكم بِأَنَّهُ عليكم اقتناء المصاحف التي هي برواية ورش عن نافع، حتَّى لا نشوِّش أفهام أبنائنا في حفظهم بروايات مختلفة، إذ علينا أن نحفِّظهم برواية ورش عن نافع فحسب، لأنَّ (1/124)
صفحة 124
الطفل إذا اختلطت عليه القراءات فسيعسر عليه الحفظ، فتارة يقرأ {تَذّكَّرُونَ} وتارة {تَذَكَّرُونَ} وتارة يقرأ {تَعْمَلُونَ} وأخرى {يَعْمَلُونَ}؛ فلهذا علينا الحرص على استعمال المصحف الذي هو برواية ورش عن نافع، بل وَإِنَّنَا نجد هنا بالمسجد أحيانا مصاحف من غير رواية ورش، حبسها بعض المحسنين ابتغاء الأجر، ومنه إذا أراد محسن أن يوقف مصحفا لوجه الله، فليتثبَّت أَوَّلاً من أَنَّهُ على رواية ورش عن نافع، وهي اليوم متوفِّرة في السوق؛ لأنَّه يقرأ بها أهل الجزائر وتونس والمغرب الأقصى وموريتانيا.
ثُمَّ علَّق بعدها الربيع على أنَّه لا يوجد حرف مطلقا ينطق بسبع لغات أو بسبع أوجه، وإنَّما لهجة قريش معروفة، وكذا لهجات طي وبني تميم والقبائل الأخرى.
وأمَّا إذا رأينا إليها من جانب القرَّاء، فكذلك قراءاتهم معروفة، ولا يمكن لهم أن يختلفوا على كلمة أو حرف واحد، والله أعلم بحقيقة الأمر.
فَكُلُّ القراءات والأوجه صحيحة، ومن قرأ بها شُفي وكفي في الصلاة، في الأجر والمنفعة، وكذلك يشفي ويزيل ما في النفس من قساوة، لأنَّ قراءة القرآن تلين القلب، لقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ} (يونس: 57)، وكذلك يقرأ للاستشفاء والرقية من المرض، ببركة أسماء الله الحسنى وآياته العظمى، وقد تكون كذلك للوقاية من الإصابة بالعين أو مسِّ الشيطان، بتلاوة بعض الآيات، فيكفي ويشفي كُلَّ داء يصيب الإنسان، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/125)
صفحة 125
نزول القرآن جملةً واحدةً
15) ـ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ J كَانَ إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ قَالَ: «اِجْعَلُوهَا فِي سُورَةِ كَذَا». وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ وَالْقُرْآنُ مَجْمُوعٌ مَتْلُوٌّ.
16) ـ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ دَاوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ J قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، وكَانَ اللَّه إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الأَرْضِ شَيْئًا أَنْزَلَ مِنْهُ، حَتَّى جَمَعَهُ». قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ J يَقْضِي بِالْقَضِيَّةِ فَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِخِلاَفِ قَضَائِهِ، فَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ.
الشرح:
هذان الحديثان وردا في كَيفِيَّة نزول هذا النور من فوق سبع سماوات إلى الأرض، والقرآن كلام الله وقد كتب في اللوح المحفوظ فوق سبع سماوات، ويوم كتب الله نزوله إلى هذه الدنيا رحمة وهدى للعالمين، أنزل تعالى نسخة منه، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر، والمكان الذي أنزل فيه يُسَمَّى «بيت العِزَّة»، أي بيت العزيز الوَهَّاب، ألبسه الله تعالى هذا اللقب من عزَّته وجلاله وحفظه، فبذلك لا يطمع الشياطين أن يقتربوا إليه.
ثُمَّ بعد ذلك ابتدأ نزوله بأمر من الله تَعَالىَ لجبريل - عليه السلام -، كُلَّمَا أراد تعالى أن يحدث في الأرض شيئا من علم أو ذكر، أو أن يحدث في الأرض حكما في قَضِيَّة وقعت أو ستقع، فَكُلُّ شيء موجود في القرآن سلفا، وليس عند وقوع القَضِيَّة ينظر الله لها حكما، فالقرآن خُلِقَ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ البشر، وإنَّما يترك القَضِيَّة (1/126)
صفحة 126
حتَّى تقع، ويتجادل فيها الناس باحثين عن حكم الله فيها، فعندها ينزل الله تعالى على رسوله الكريم حكمها بعد ذلك.
وابتدأ نزوله كذلك إلى الأرض في ليلة القدر من رمضان المبارك، حيث أنزل سَيِّدنَا جبريل - عليه السلام - الآيات الأولى على سَيِّدنَا محمَّد J في غار حراء، وهي قوله تعالى: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 1 ـ 5)، فهذه الآيات الأولى التي نزلت على سَيِّدنَا محمَّد J بِاتِّفَاقِ علماء الأُمَّة إِلاَّ قليلا منهم (1). وآخر ما أنزل هو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة: 3)، في حجَّة الوداع من يوم الجمعة في السنة العاشرة للهجرة، وقيل أنزل بعدها قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (البقرة: 281)، والمدَّة بين ابتداء النزول وانتهائه ثلاثة وعشرون سنة، لأنَّ الوحي ابتدأ بعد اكتمال عمر النبيِّ J أربعين سنة، وتمَّ نزوله وقد اكتمل عمره J ثلاثا وَسِتِّينَ سنة، (ثلاث عشرةً منها في مَكَّة، وعشرا في المدينة)، فالذي أنزل قبل الهجرة في مَكَّة يُسَمَّى: «القرآن المكيَّ»، والذي أنزل بعد الهجرة سواء بالمدينة أو بِمَكَّةَ يُسَمَّى: «القرآن المدنيُّ» أو «الآيات الْمَدَنِيَّة»، فمثل الآيات التي أسلفنا ذكرها وهي قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} قد نزلت بِمَكَّةَ غير أَنَّهَا تُسَمَّى مَدَنِيَّة، لأنَّها نزلت بعد الهجرة.
__________
(1) - انظر: القرطبي: الجامع، 1/ 115. ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 1/ 15. ابن الجوزي: زاد المسير، إذ قال: «واختلفوا في أَوَّل ما نزل من القرآن، فأثبت المنقول أن أوَّل ما نزل: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}»، 1/ 5. (1/127)
صفحة 127
والآيات الْمَدَنِيَّة تَتَعَلَّقُ بالأحكام غالبا ـ وهي التي يعرفها الفقهاء والعلماء ـ وأكثر القرآن المكيِّ كان في الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالبعث والملائكة والكتب والرسل، مع العلم أَنَّهُ لا توجد سورة في القرآن الكريم لا تدعو إلى الإيمان بالله. وأمَّا المدنيُّ ففيه الكثير من الآيات الداعية إلى الإيمان والعقيدة الصحيحة، وإنَّما تغلب عليها الأحكام الشَّرعِيَّة؛ لأنَّه حينها تكونت الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، ففرض الصوم والزكاة والحجُّ والجهاد والمعاملات، ونزلت آيات بني إسرائيل والمنافقين، والأمن والسلم، والميراث والزواج والطلاق، فَكُلُّ هذه الأحكام نزلت بعد الهجرة لتنير درب الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة الجديدة.
وأمَّا عن كَيفِيَّة نزول القرآن، فهو كما ورد في الحديث الشريف، عن أبي عبيدة أنَّه بلَغَه هذا الحديث عن أحد الصحابة بسند صحيح، وهو موجود في كتب الحديث الأخرى، وأبو عبيدة بينه وبين الصحابة شخص أو حلقة واحدة؛ لأنَّه من صغار التابعين، وقد أدرك بعضا من الصحابة المسنِّين الذين عاشوا طويلا، فروى عنهم هذا الحديث، فربَّما يكون الذي أبلغه بِكَيْفِيَّة نزول القرآن أحد الصحابة، إذ قال: إنَّ الرسول J كان إذا أنزلت عليه آية، قال اجعلوها في مكان كذا، فالقرآن نزل منجَّما مجزَّأً في آيات كريمة، ما عدا بعض السور من القصار المفصَّل، أو سورة الأنعام فقيل: إنَّها أنزلت جملة واحدة بَيْد أَنَّهَا من السبع الطوال، وقد شيَّعها سبعون ألف ملك، وقيل أكثر من ذلك (1)، وقد حفظها النبيُّ J مَرَّة واحدة بقدرة الله تعالى العظيمة الصالحة لِكُلِّ شيء، والتي جعلته J قارئا باسم رَبِّهِ الأعلى، إذ لا ينسى إلاَّ بمشيئته تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} (الأعلى: 6 ـ 7).
__________
(1) - انظر: الطبراني: المعجم الصغير، 1/ 145. القرطبي: الجامع، 10/ 346. (1/128)
صفحة 128
إلاَّ أنَّ أغلب السور أنزلت واكتملت بنزولها آيات مجزَّأة، فمرَّة تنزل الآيات لهذه السورة ومرَّة لأخرى وهكذا، حتَّى اختتم نزول القرآن، وكان J يقول لأصحابه: اجعلوها في مكان كذا وفي موضع كذا وكذا، فكان J كُلَّمَا أنزلت آية يوجِّه أصحابه إلى أن يجعلوها في مكان أو سورة كذا، وعلى رأس آية كذا، فيكتبونها ويحفظونها، كما قال لهم الرسول J .
وهناك مقاطع صغيرة من آيات تنزل من بيت العِزَّة إلى الأرض، ينزل بها الروح الأمين إلى الرسول الكريم، مثل قوله تعالى: {غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ} (النساء: 95)، فأنزلت منفردة بعدما كان يقرأ: «لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ» (1)، فليس عدم نزولها أوَّل مَرَّة نسيانا من الله تعالى حاشاه، فَإِنَّهُ {لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} (طه: 52)، ولكنَّها كانت موجودة في القرآن في بيت العِزَّة من أَوَّل مَرَّة، إلاَّ أنَّ الله تعالى أخَّر إنزالها لحكمة يريدها، حتَّى يتضرَّع أهل الضرر فيسمع الله تضرُّعهم فيجيبهم، كمن له ماء بارد وغيره لا يملكه، فيتركه حتَّى يحسَّ بالعطش ثُمَّ يقدِّمه له، وعندها يشعر ذلك العطشان بالارتواء والحلاوة والمنفعة من ذلك الماء الزلال، فكذلك الشأن كما أسلفنا بالنسبة
للقرآن الكريم، فقد جاء الرسولَ J أولو الضرر الذين لا يستطيعون الخروج إلى الجهاد {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (النساء: 98)، إمَّا لعجز أو مرض أو لغيرها من الأعذار، فجاءوا يشتكون إليه أنَّ الله تعالى رفع من شأن المجاهدين كثيرا على القاعدين، ونحن لم يقعدنا إلاَّ
__________
(1) - رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -. البخاري بلفظ: «لَمَّا نَزَلَتْ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} دَعَا رَسُولُ اللَّهِ J زَيْدًا فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}». كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}، رقم 2676، 3/ 1042. مسلم، كتاب الإمارة، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، رقم 1898، 3/ 1508. الطبري: جامع البيان، 5/ 230. (1/129)
صفحة 129
الضرر، ولولاه لخرجنا معك للجهاد، فكيف يبتلينا الله تعالى في الدنيا بالضرر، وفي الآخرة كذلك بنقصان الدرجات؟! فأنزل الله تعالى: {غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ}، فقال الرسول J : اجعلوها في سورة النساء في مكان كذا، فأصبحت الآية تقرأ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} (النساء: 95)، فيُعدَّل في نقاط امتحان أولي الضرر مثلما يُعدَّل للمكفوفين مثلا في الامتحان، إذ لا يحاسبون إلاَّ في الموادِّ التي هي باستطاعتهم، فَرُبَّمَا يكونون في ذلك بدرجة المجاهدين، لأنَّهم لم يقعدهم عن الجهاد إلاَّ الضرر الذي ابتلاهم الله به، ولا حيلة لهم في دفعه.
وفي بعض الأوقات تقتضي حكمة الله أن يدع رسوله J يجتهد في حكم من الأحكام، حتَّى يصل إلى نتيجة فيبتُّ بالحكم فيها، فيحكم باجتهاده، والله يعلم أنَّ ذلك الحكم رُبَّمَا قد يكون خطأ، فيتركه حتَّى يفصل في الحكم وتنتهي المسألة، فينزل الله تعالى آية تُعلِم رسوله J أنَّ ما كنت فيه من اجتهاد وحكم خطأ، فلم يكن الله غافلا من قبل ـ حاشاه ـ ولكنَّ حكمته أرادت ذلك. مثل حكم الرسول J في أسرى بدر الذين أراد الرسول J أن يأخذ عنهم الفداء من مال أو ذهب حتَّى يدعِّم بها خزينة مال المسلمين، لأنَّهم أحوج ما يكونون آنذاك إلى المال، والذين لا يجدون ما يُفدُون به أنفسهم من هؤلاء السبعين أسيرا، يعلِّمون أبناء (1/130)
صفحة 130
المسلمين القراءة والكتابة (1)، إلاَّ أنَّ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - لم يرض إلاَّ بقتلهم، لأنَّ رؤوس الكفر بعد إطلاق سراحهم رُبَّمَا يعيدون الكرَّة مَرَّة أخرى فينتقمون لأنفسهم، إلاَّ أنَّ رأي الأغلبيَّة الذين يقولون بالفداء قد رجح.
وبعد انتهاء الأمر ـ ولحكمة يريدها الله تعالى ـ حين لم يُعلِم رسوله الكريم أنَّ من بين الأسرى من يدخل الإسلام بعد مُدَّة، وهناك من كتبهم الله تعالى أيضا من أهل الجَنَّة فأراد لهم الحياة، مثل العَبَّاس عمِّ النبي J ، وأبي العاص بن الربيع (2) صهر النبي J زوج ابنته زينب، وسهيل بن عمرو، وكثير من الأسرى الذين أسلموا بعد ذلك، إلاَّ أنَّ الله أنزل حكما بخلاف ما قضى به رسول الله J ،
__________
(1) - قِصَّة أسرى بدر رواها مسلم في حديث طويل عن ابن عبَّاس عن عمر - رضي الله عنه - بلفظ: « ... فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ J وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ J : أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ـ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ J ـ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا} فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ». كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، رقم 1763، 3/ 1385، ورواه الترمذي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مختصرا بلفظ مقارب، وقال: «هذا حديث حسن»، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة الأنفال، رقم 3084، 5/ 271.
(2) - أبو العاص بن الربيع العبشمي، أمُّه هالة بنت خويلد، وكان يلقَّب: جرو البطحاء، ويقال له: الأمين، وزعم بعض أهل العلم أَنَّهُ كان مؤاخيا لرسول الله J ، وقد زوجه ابنته زينب أكبر بناته وهي من خالته خديجة، وقيل: إِنَّهُ أسلم بعد الهجرة، وكان من رجال مَكَّة المعدودين مالا وأمانة وتجارة. انظر: ابن حجر: الإصابة، 7/ 248. (1/131)
صفحة 131
وهو قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يَّكُونَ لَهُ, أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 67).
ومثل ذلك قَضِيَّة الإفك (1) التي تركها الله تعالى تجول شهرا كاملا لحكم كثيرة يريدها تعالى، رُبَّمَا يريد أن يطهِّر أمَّنا عائشة من كُلِّ ذنوبها من خلال هذه القَضِيَّة، حتَّى تكون بهذه البليَّة في جنَّة عليا مع الرسول J ، ثُمَّ أنزل بعد تلك المدَّة الطويلة حكمه تعالى ببراءتها وأنَّها من المحصنات المؤمنات الغافلات، فعائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا من جهة، وصفوان بن المعطَّل السلميُّ (2) من جهة أخرى، والذي اتُّهم هو الآخر معها في قَضِيَّة الإفك، ثُمَّ خطَّأ الله الذين تَكَلَّمُوا فيهما، وعاتبهم على قولهم المفترى في قوله تعالى: {لَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} (النور: 12)، وقال:
__________
(1) - حدبث الإفك رواه البخاريُّ في صحيحه « ... عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ J حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ، قَالَ النَّبِيُّ J : إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، قُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لا أَجِدُ مَثَلاً إلاَّ أَبَا يُوسُفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}»، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمُ, أَنفُسُكُمُ, أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، رقم 4413، 4/ 1729، ورواه مسلم في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنه -، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، رقم 2770، 4/ 2129.
(2) - صفوان بن المعطَّل بن ربيعة بن خزاعي السلمي الذكواني، سكن المدينة وشهد الخندق والمشاهد، جرى ذكره في حديث الإفك المشهور في الصحيح وغيره، وفيه قول النبيِّ J : « ما علمت عليه إِلاَّ خيرا». قتل صفوان في خلافة عمر في غزاة أرمينية كلاهما سنة تسع عشرة، وعائشة قالت في حديث الإفك إنَّ صفوان قال: «والله ما كشفتُ كنف أنثى قطُّ». (1/132)
صفحة 132
{وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا اِن كُنتُم مُّومِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النور: 16 ـ 18)، في هذه الآيات الكريمة بَيَّنَ الله خطر الأفَّاكين قائلا: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, فيِ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فيِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 17).
كما أنَّب المسلمين في شأن أسرى بدر قائلا: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: 68)، أي أنَّ الله تعالى لو لم يكتب في الأزل من قبل أنَّه غافر لهم، لمسَّهم عذاب عظيم.
وقال الرسول J فيها: «لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر» (1)، لأنَّ عمر أنكر فداء الأسرى من أَوَّل مَرَّة، وطالب بقتلهم، وكذلك في قَضِيَّة الإفك، لولا سبق قضائه تعالى لأنزل عذابا عظيما على الذين تَكَلَّموا إفكا في عائشة رضي الله عنها، وهي المحصنة المؤمنة، وفي صفوان بن المعطَّل البريء بهتانا وزورا.
وكان النبيُّ J يقضي بالقضيَّة، أي أَنَّهُ J إذا أراد أن يصدر حكما في قَضِيَّة ما، ينتظر نزول الوحي فيها، وغالبا ما تنزل عليه الآيات لتحكم بما حكم به من قبل، وأحيانا يدعه الله تعالى لاجتهاده، وهو الذي سنَّ لنا حكم الاجتهاد في التشريع، فإذا اجتهد وأصاب الحق ـ وغالبا ما يكون كذلك ـ تركه الله تعالى على صوابه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوإِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 ـ 4)، وقال أيضا:
__________
(1) - أورده ابن كثير في تحفة الطالب بلفظ: « ... لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر لأَنَّهُ أشار بقتلهم»، 1/ 468. وانظر: ابن قتيبة الدينوري، تأويل مختلف الحديث، 1/ 158. (1/133)
صفحة 133
{وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر: 7)، وقال: {مَنْ يُّطِعْ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 80)، وقليلا ما يخطئ النبيُّ J فيما اجتهد في حكمه، فينبِّهه الله تعالى إلى خطئه ويصوِّبه، إِلاَّ أنَّ النبيَّ J لا يعود في القَضِيَّة التي اجتهد فيها خطأ، وإنَّما يبدأ الحكم بما صوَّبه الله تعالى في القَضِيَّة التي تليها بما استقبله من أحداث جديدة، ولا يعدِّل في القَضِيَّة التي أخطأ فيها، سواء أكان ذلك في زمانه أو حتَّى تقوم الساعة، وأمَّا ما قد فصل في قضائه فلا رجعة فيه أبدا.
كما قضى عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في قَضِيَّة الغرَّاوين في عام من الأعوام بحكم في القرآن، وقضى فيها في العام المقبل باجتهاده، ولكن بما يوافق القرآن الكريم، فحكمه في السنة الأولى غاير حكمه في السنة الثانية، ففي الأولى لم يعط الإخوة الأشقَّاء، وقال لهم أنتم عصبة فلا ترثون، وفي السنة الثانية أعطى لهم نصيبا لأنَّهم جاءوه قائلين: يا عمر كيف لا تعطينا حقَّنا من الميراث وقد أعطيت الإخوة لأمٍّ، فقال: لأنَّ أمَّهم هي أمُّ الهالك، فقالوا نحن كذلك أمُّنا وهم إخوة لنا، فهب هذا الأب حجر عثرة لنا في الميراث فألقه في اليمِّ، أو اعتبره حمارا صدَّ عنا طريق الميراث ـ فليس هذا عقوقا للوالد، وَلَكِنَّ المقصود منه إسقاطه من الاعتبار ـ فإن كان الإخوة لأمٍّ يأخذون الميراث فنحن إخوة لأب وأمٍّ ولا نأخذ الميراث!! فأزح هذا الأذى حتَّى نكون كإخوة لأمٍّ، وبعد هذا كُلِّهِ فهم عمر كلامهم، ورأى الصواب في رأيهم فاعتبرهم جميعا إخوة لأمٍّ، وقسم عليهم الثلث للذكر مثل حظِّ الأنثى، وقسم الثلث على الجميع لكن على الرؤوس بالتوزيع، وبعد قضائه الجديد هذا رجع إليه الذين قضى لهم في العام الماضي بغير ذلك، فقالوا لم تعطنا في العام الماضي حقَّنا، وقد اعتبرتنا عصبة، فارجع في حكمك واقض بيننا بما قضيت به السنة، فقال عمر - رضي الله عنه -: (1/134)
صفحة 134
«تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا» (1)، أي إِنَّ قضيَّتكم في العام الماضي جرت على ما كان فيه الحكم وقتها، وهذه على ما نقضي به اليوم، أي أَنَّهُ يستحيل أن يرجع في التركة بعد أن أُكلت وصُرفت من الورثة.
هذا كُلُّهُ اقتداء بالنبيِّ J الذي كان يحكم في القَضِيَّة ولا يعود فيها بعد نزول آية تنصُّ على غير ذلك، لأنَّ الحكم بما أنزل يكون اعتبارا من القضايا التي تلي التنزيل.
__________
(1) - رواه الدارميُّ في سننه عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ فَلَمْ يُشَرِّكْ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ فَشَرَّكَ، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا»، المقَدِّمَة، باب الرجل يفتي بالشيء ثُمَّ يرى غيره، رقم 643، 1/ 162، ورواه البيهقيُّ في سننه الكبرى، بلفظ مقارب، باب المشركة، رقم 12247، 6/ 255. (1/135)
صفحة 135
المكي والمدني من السور
نسرد حديث المكِّيِّ والمدنيِّ سردا فقط دون شرح، لأنَّه يَتَعلَّقُ بالعلماء الذين يستنبطون منه الأحكام، وأمَّا نحن فعلينا بقراءة القرآن والتدبُّر فيه، فهو قدح عسل كلُّه شاف كاف:
17 ـ قَالَ الرَّبِيعُ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالتَّوْبَةُ مَدَنِيَّاتٌ، وَالرَّعْدُ مَدَنِيَّةٌ إِلاَّ آيَةً وَاحِدَةً وَهِيَ: {وَلَوَ اَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَرْضُ ... } [الرعد: 31]، وَالنَّحْلُ مَا فَوْقَ الأَرْبَعِينَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مَدَنِيٌّ، وَالْحَجُّ مَدَنِيٌّ إِلاَّ أَرْبَعَ آيَاتٍ وَهِيَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ... } إِلَى قَوْلِهِ: { ... عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 52 ـ 55] مَكِّيَّةٌ، وَالنُّورُ كُلُّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَالأَحْزَابُ كُلُّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَالْقِتَالُ وَالْفَتْحُ وَالْحُجُرَاتُ مَدَنِيَّاتٌ، وَمِنَ الْحَدِيدِ عَشْرُ سُوَرٍ مُتَوَالِيَاتٌ إِلَى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... } [التحريم: 1]، فَهَذَا كُلُّهُ مَدَنِيٌّ، و {لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا ... } مَدَنِيَّةٌ، وَ {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... } مَدَنِيَّةٌ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ مَدَنِيَّتَانِ. فَهَذِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً مَدَنِيَّاتٌ، وَسَائِرُ الْقُرْآنِ مَكِّيٌّ».
الشرح:
كما نعلم أنَّ القرآن المدنيَّ مؤخَّر عن القرآن المكيِّ في النزول، ولذلك يكون الاعتماد عليه في الأحكام، وَكُلُّ مؤخَّر في القرآن أو السنَّة يعتبر ناسخا لما قبله إذا تعارض الحكمان، فالقرآن المكيُّ أو المدنيُّ كلُّه شاف كاف، وَكُلُّه هدى ورحمة للمؤمنين، والحمد لله رَبِّ العالمين. (1/136)
صفحة 136
ملحق:
تراجم رواة المسند ومرتبه (1)
الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد (18 - 93 هـ)
- اسمه ومولده ونشأته: هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي قبيلة (2) المولود بفرق، قرب مدينة نزوى بعمان، سنة 18هـ، ثمَّ استقرَّ في (جوف) البصرة أين أخذ العلم عن جمٍّ غفير من الصحابة، ولازم ابن عبَّاس أكثر من غيره، حتَّى أصبح يعرف بـ «صاحب ابن عبَّاس» (3)، وقال عن نفسه: «أدركت سبعين بدريًّا فحويت ما عندهم إلاَّ البحر» أي عبد الله بن عباس (4).
- رحلاته: لقد ثبت أنَّه كان يرحل في طلب العلم والحديث من عمان إلى البصرة وإلى مكَّة والمدينة، وإلى اليمن وواسط. فروى عن ابن عبَّاس، وعائشة أمِّ المؤمنين، وأبي سعيد الخدريِّ، وأبي هريرة، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك،
__________
(1) - هذه التراجم مقتبسة ـ مع شيء من التصرف ـ من حاشية الترتيب، للشيخ محمَّد بن عمرو بن أبي ستَّة على الجامع الصحيح، ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، لمسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، تحقيق: أ. إبراهيم طلاَّي، مطابع دار البعث، قسنطينة، 1994.
(2) - يوسف المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 4/ 434، رقم: 266.
(3) - الذهبي، تذكرة الحفاظ، 1/ 72. الدرجيني، الطبقات، 205.
(4) - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، 1/ 144. (1/137)
صفحة 137
وأبي موسى الأشعريِّ، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعروة بن الزببر، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وسعيد بن جبير، ومحمَّد بن أبي بكر، وأبي مسعود الأنصاري، وسعد بن أبى وقاص، وغيرهم كثير (1). وقد وثَّقه بعض من هؤلاء الصحابة والتابعين وشهدوا له بالحفظ والدراية، فقد قال ابن عبَّاس لسائل يستفتيه: «تسألونني وفيكم جابر بن زيد» (2). وقال عنه أيضا: «لو أنَّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عمَّا في كتاب الله» (3)، وقال عنه أبو زرعة وابن معين: «بصريٌّ ثقة» (4).
ولقد نصحه ابن عمر إذ لقيه يوما في الطواف قائلا: «يا جابر إنَّك من فقهاء البصرة، وستستفتى، فلا تفتينَّ إلاَّ بكتاب الله أو سنَّة ماضية» (5).
- تلاميذه: روى عنه خلق كثير من التابعين وتابعيهم، منهم: عمرو بن دينار، عكرمة مولى ابن عبَّاس، الحسن البصريُّ، أبو بكر أيُّوب السختياني، تميم بن حويص، ثابت بن أسلم البناني، قتادة بن دعامة السدوسي، حيَّان الأعرج الجوفيُّ البصريُّ، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، أبو نوح صالح الدهَّان، ضمام بن السائب، مالك بن دينار ... وغيرهم كثير، وأوصلهم المحقِّق يحيى بكُّوش إلى أكثر من مائة رجل بين معروف ومجهول (6).
__________
(1) - يحيى بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، 1/ 42.
(2) - يوسف المزي، تهذيب الكمال، ص436.
(3) - الذهبي، تذكرة الحفَّاظ، 1/ 72.
(4) - يوسف المزي، المرجع السابق، ص: 436.
(5) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ص: 239.
(6) - يحيى بكوش، فقه الإمام جابر، 1/ 44 - 68. الشماخي، السير، ص: 121. (1/138)
صفحة 138
- مكانته عند أصحاب الصحاح: روى عنه معظمُ المسانيد والصحاح الكثيرَ من الأحاديث، مثال ذلك ما يلي:
1 - البخاري: كتاب الحج: باب لبس الخفَّين للمحرم، ص:203. رقم: 416/ 418 (1).
2 - مسلم: كتاب الحج: باب ما يباح للمحرم وما لا يباح، ج2، ص835، رقم: 1178.
3 - أبو داود: كتاب العتق: باب من ملك ذا رحم محرم، ج4، ص26، رقم: 3952.
4 - النسائي: كتاب المناسك: باب الرخصة في لبس السراويل، ج5، ص142، رقم: 271.
5 - ابن ماجه: كتاب المناسك: باب السراويل والخفين للمحرم، ج2، ص977، رقم:2931.
أما مسند الربيع بن حبيب فإنَّه يعتبر فيه العمدة في الرواية عن الصحابة، كما يتضح ذلك في معظم أحاديث الجزء الأَوَّل والثاني.
- ضبطه وعنايته: وأهمُّ شيء يمتاز به الإمام هو التثبُّت في رواية الحديث، ويشهد له بذلك تلميذه أبو نوح صالح بن نوح الدهاَّن قائلا: «ما سمعت جابرا ـ يعنى ابن زيد ـ قطُّ يقول: قال رسول الله J ، وصبيان هاهنا يقولون: قال رسول الله J في الساعة عشرين مرَّة. وما علمت جابرا روى عن رسول الله J أكثر من خمسة عشر أو ستَّة عشر حديثا أو نحو ذلك (2).
__________
(1) - العيني، عمدة القاري، ج 10.
(2) - البسيوي، كتاب المعرفة والتاريخ، 2/ 25. (1/139)
صفحة 139
أما الرواية التي يوردها أكثر المؤرِّخين من أنَّ الإمام جابر استرجع عندما أخبر أنَّ الناس يكتبون آراءه قائلا: «يكتبون عنِّي ما أرجع عنه غدا» (1) ويقولون عنه: يعني بقوله هذا أنَّه يعارض كتابة الحديث، فالصحيح لا يعني ذلك بتاتا، وهو الذي حاز قصب السبق مع المدوِّنين الأوائل للحديث، في العصر الذي تحفَّظ الكثير عن ذلك، لئلاَّ يشتبه بالقرآن، وإنَّما تفيد معارضته لكتابة آرائه وفتاويه لئلاَّ ينقل عنه شيء ربَّما يرجع عنه بعد أن يتَّضح له الصواب في غيره (2).
- نشاطه: لقد برز الإمام جابر في الفتوى بالبصرة، وأيام الحجِّ في الحجاز، كما اشتغل بالتدريس فتخرَّج عنه تلاميذ مرموقون في البصرة وعمان، وخصَّص وقتا آخر للرحلة في طلب الحديث وتدوينه، وكان نشيطا في مناظرة الخوارج، وهداية المسترشدين والدعوة إلى الحقِّ.
- زهده وقناعته: لقد كان الإمام زاهدا قانعا بالكفاف من العيش، حتَّى افتخر بذلك قائلا: سألت ربِّي ثلاثا فأعطانيهنَّ: سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم. وقال لأصحابه: ليس منكم رجل أغنى منِّي: ليس عندي درهم ولا عليَّ دين (3).
وقد طلبه الحَجَّاج أن يكون قاضيا لينال على ذلك أجرة، فاعتذر بالضعف، ولكن طلب منه أن يعطيه عطاءه ويرفع عنه المكروه، فألحقه بصاحب الديوان دون تكلفة، بوساطة كاتبه يزيد بن أبي مسلم، وعيَّن له عطاء، قيل: سبعمائة أو ستمائة
__________
(1) - ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/ 181.
(2) - د. محمد عجاج الخطيب، الوجيز في علوم الحديث ونصوصه، ص 152.
(3) - الدرجيني، الطبقات، ص 213 - 214. (1/140)
صفحة 140
درهم من ديوان المعاملة (1).
- وفاته: توفي الإمام بالبصرة سنة 96هـ (2)، أو سنة 93هـ (3)، أو سنة 103هـ، (4) أو سنة 104 هـ (5). والمرجَّح من هذه التواريخ هو سنة 93هـ؛ لأنَّ الصحابيَّ الجليل أنس بن مالك توفِّي في نفس الجمعة التي توفِّي فيها الإمام جابر، كما أنَّ المصادر الإباضيَّة وغير الإباضيَّة متَّفقة عليها، خاصَّة المحدثين. فلمَّا بلغ وفاتُه أنسَ بن مالك قال: «مات خير أهل الأرض» (6). أَمَّا قتادة فقال: «اليوم دفن أعلم أهل الأرض» (7)، أو «اليوم مات عالم العرب».
ولقد تعرَّض الإمام مثل غيره من الأعلام إلى مضايقات الحَجَّاج وسجنه (8)، ونفيه (9).
آثاره:
1 - تذكر كتب التاريخ أنَّ الإمام جمع ما وصل إليه من حديث وفقه وتفسير وعلوم في كتاب يسمَّى «ديوان جابر»، وهو في حجم سبعة
__________
(1) - المرجع السابق، ص: 212.
(2) - الشماخي، السير، ص: 77.
(3) - الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، 2/ 76.
(4) - ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/ 182.
(5) - ابن كثير، البداية والنهاية، 9/ 84.
(6) - الدرجيني، الطبقات، 2/ 205.
(7) - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 94.
(8) - الدرجيني، الطبقات، ص: 209.
(9) - الحارثي، العقود الفضية، ص: 102. (1/141)
صفحة 141
أحمال (1)، وكان العلماء والملوك يتنافسون في اقتنائه (2)، ولكنَّه لم يصل إلينا منه رغم طول البحث في عصرنا هذا، وأقلُّ ما نعرفه عنه أنَّ نسخة منه مدفونة في ليبيا في عهد الدولة الرستميَّة من قِبَل نفَّاث بن نصر (3)، إذ جاء به بعد استنساخه من مكتبة الخلافة الإسلاميَّة ببغداد (4)، فدفنه خوفا أن يصل إليه معارضوه.
2 - كتاب النكاح: وهو كتاب طبع مؤخَّرًا سنة 1984، بمطابع سجل العرب، ونشرته وزارة التراث العمانية مع كتاب: «من جوابات الإمام جابر بن زيد»، ترتيب سعيد بن خلف الخروصي.
3 - جوابات جابر: مخطوط فيه روايات حبيب بن أبي حبيب صاحب الأنماط، عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد، توجد نسخة منه في مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي ببني يزقن، ضمن مجلد رقم:47.
4 - رسائله: لقد عثر في مكتبة التراث بعمان (مسقط) على 17 رسالة أخويَّة وعلميَّة للإمام، كان قد راسل بها أنصاره ومستفتيه من عمان والبصرة وفارس.
5 - فقه الإمام جابر: كتاب جمع فيه الأستاذ يحيى محمَّد بكُّوش مختلف الآراء والفتاوى والمسائل الفقهية المنسوبة للإمام، والمبثوتة في كتب الفقه والحديث
__________
(1) - الدرجيني، الطبقات، ص: 80. حاجي خليفة: كشف الظنون.
(2) - الدرجيني، الطبقات، ص: 82.
(3) - رئيس الفرقة النفاثية المنشقَّة عن الإِبَاضِيَّة، والمعارضة للحكم الرستميِّ في عهد الإمام أفلح، (ت: 240هـ)، أبو زكرياء، سير الأيمة، ص: 92 - 93.
(4) - الدرجيني، الطبقات، 1/ 81 - 82. أبوزكرياء، سير الأيمة، ص: 95 - 96. (1/142)
صفحة 142
والتفسير والتاريخ، ورتَّبها على أبواب الفقه، وقد طبع الطبعة الثانية في جزءين بالمطبعة العربيَّة، غرداية 1988.
6 - أمَّا رواياته في الحديث فقد رواها الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة مسلم عن جابر في الجامع الصحيح حسبما نلاحظه في الكتاب.
- مذهبه: لقد كان الإمام جابر بن زيد ـ رحمه الله ـ ينتحل المذهب الإباضي سرًّا، بل يعتبر هو المؤسس، والمرشد الروحيَّ لأتباعه بلا منازع، وأدلَّتنا على ذلك ما يلي:
1 - اجتمعت المصادر الإباضية على أنه مؤسس المذهب الإباضي، وأن الأتباع لا يصدرون إلاَّ عن رأيه وفتواه، مثل عبد الله بن إباض (1).
2 - لقد حرص الإباضية حرصا كبيرا عبر القرون على جمع آثاره، ورواية العلم عنه أكثر من أتباع مذهب من المذاهب الأخرى، وهذا لا يمنع أن تكون المذاهب الأخرى تروي عنه وتثق في علمه.
3 - كان الإمام في الرسائل التي كان يجيب فيها عن أسئلة المستفتين من أصحابه في معظمها يذيلها بالتأكيد المستمرِّ على إخفاء الرسالة، وعدم إظهارها لغيره، حتَّى لا يطلع عليها أعداؤه فيضرُّوه بها.
أمَّا الرواية التي أوردها بعض المؤرِّخين ـ وعلى رأسهم ابن سعد (2) ـ أنَّ الإمام يبرأ من الإباضية وهو على فراش الموت، فإنَّها لم تصحَّ عند الإباضية فلم يروها أحد
__________
(1) - الشماخي، السير، ص: 77.
(2) - ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/ 181. (1/143)
صفحة 143
منهم، وإن صحَّت فهي من لطف الله على الإمام لكي تقبل روايته، أو أنَّه استعملها تقيَّة، فهي من التقيَّة الجائزة عند الإباضية (قولا لا فعلا).
- شهادة العلماء على علمه: استطاع الإمام أن يتبوَّأ المكانة العالية بين العلماء الأعلام بفضل الحرص الحثيث على طلب العلم من منابعه، وتنقيته بالتثبُّت والضبط، قال عمرو بن دينار: «ما رأيت أحدا أعلم بالفتيا من جابر بن زيد» (1). روى ابن حزم حديثا عن شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس فقال: «هذا إسناد لا يوجد أصحُّ منه» (2).
روى الربيع بن حبيب عن ابنة مطرف قالت: «أتيت جابر بن زيد في بعض الفتيا ممَّا يبتلى به الناس، فما أعلم أنِّي كلَّمت فقيها ولا عالما ولا أميرا قطُّ أعلم منه ولا أعقل منه» (3). وقال إيَّاس بن معاوية: «أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد» (4).
ويقول ابن حزم: «أفٍّ لكلِّ إجماع يخرج عنه عليُّ بن أبى طالب، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عبَّاس، والصحابة بالشام رضي الله عنهم، ثمَّ التابعون بالشام، وابن سيرين وجابر بن زيد» (5).
ولعلَّ هذه المكانة التي تبوَّأها كانت له بالجمع بين مدرسة الرأي التي استقاها من وجوده في البصرة ـ حاضرة العلم والعلماء في فجر الإسلام ـ ومدرسة الحديث
__________
(1) - الذهبي، تذكرة الحفَّاظ، 1/ 72.
(2) - بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، 1/ 40، نقلا عن المحلَّى، 4/ 10 - 11.
(3) - الدرجيني، الطبقات، ص: 213. الحارثي، العقود الفضية، ص: 96.
(4) - الذهبي، تذكرة الحفَّاظ، 1/ 72.
(5) - بكوش، فقه الإمام جابر، 1/ 25. نقلا عن المحلى، ج 5، مسألة: 573. (1/144)
صفحة 144
التي برز فيها بفضل رحلاته في طلبه من منازله بمكَّة والمدينة، خاصَّة في مواسم الحجِّ عند الالتقاء بالصحابة هناك، مع العلم أنَّه حجَّ أربعين حجَّة (1).
كما أنَّ الزهد الذي اتَّصف به عمَّا في أيدي الناس، وحبَّ الخير، والقناعة بالقليل (2) ساعده كثيرا على كسب ثقة الناس، وزكَّاه في قلوبهم؛ حتَّى إِنَّهُم لم يهملوه في الفتوى ولو كان في السجن منبوذا (3).
أبو عبيدة مسلم التميمى (58 - 150هـ)
اسمه ومولده ونشأته: هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ينسب إلى بني تميم بالولاء، ولد بالبصرة حوالي سنة 58هـ (4) ونشأ فيها. صنَّفه الدرجيني في الخمسين الأولى من المائة الثانية، وصدر به طبقة تابعي التابعين (5). أخذ العلم في البصرة عن كثير من الصحابة والتابعين، وكانت البصرة آنذاك موطنا لحملة الشريعة والرواة وعلماء العربيَّة وغيرهم، ومكث في التعلُّم والاستفادة مدَّة طويلة، ولم يجلس للتعليم والفتيا إلاَّ بعد أن مضت فترة طويلة من عمره (6). ولم يثبت أنه رحل في طلب العلم إلاَّ ما كان يستفيده في موسم الحجِّ من السماع ومجالسة العلماء، فقد كان يلازم حضور الموسم.
__________
(1) - أحمد درويش، جابر بن زيد حياة من أجل العلم، ص: 54.
(2) - ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/ 180 - 181. الدرجيني، الطبقات، 2/ 213. ابن كثير: البداية والنهاية، 9/ 93.
(3) - ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/ 180. الدرجيني، الطبقات، ص: 214.
(4) - الحارثي، العقود الفضية، ص 139.
(5) - الدرجيني، الطبقات، 2/ 238.
(6) - محمد بن مقرن البغطوري، سير مشايخ نفوسة، ص: 03 –04 (مخطوط). (1/145)
صفحة 145
رَوَى عن أبي سعيد الخدري (ت: 74هـ) وجابر بن عبد الله (ت: 78هـ) وأنس بن مالك (ت: 93هـ) وغيرهم من الصحابة، وأخذ عن التابعين، منهم: جابر بن زيد الأزدي، وضمام بن السائب، وجعفر السماك، وصحار بن العباس العبدي وغيرهم (1).
- نشاطه: يعتبر أبو عبيدة الإمام الثاني للمذهب الإباضي بعد الإمام جابر بن زيد، فقد علَّم وكوَّن الرجال مختفيا في غار بالبصرة، ويقال: إنَّهُ أقيمت في مدخل الغار سلسلة وحارس حتَّى إذا لاحظ أحدا مَرَّ، حرَّك السلسلة، فيتحوَّل الطلاَّب إلى صنع القفاف، (وقد كان أبو عبيدة ماهرا في صناعتها، حتَّى لقِّب بالقفَّاف) ريثما يزول الخطر فيرجعون إلى ما هم فيه (2).
ولقد كان مفتيا قديرا، تنتهي إليه جميع الإشكالات الفِقْهِيَّة أو الاجتماعيَّة لأهل الدعوة في البصرة وغيرها (3).
وكان رحمه الله المرجع المحنَّك لحركة الشراة وخروجهم في مكَّة والمدينة واليمن وعُمان وخراسان وحضرموت وغيرها، ولا يَتَقَدَّمُون في شيء إلاَّ برأيه ومشورته (4). كما كان المنظِّم لمجالس القيادة السِّرِّيَّة عند الإباضيَّة، والمنسِّق بينها وبين القاعدة العامَّة لأتباع المذهب الإباضيِّ في البصرة (5).
__________
(1) - الحارثي، العقود الفضية: ص: 139.
(2) - راجع آراءه وفتاويه ومواقفه التي أوردها الدرجيني عند الترجمة له، 2/ 238 - 240.
(3) - الدرجيني، الطبقات، 1/ 20.
(4) - د. عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص: 119.
(5) - المرجع نفسه، ص: 106. (1/146)
صفحة 146
وكان يناظر الخوارج والمعتزلة والجورة في كثير من القضايا التي يحيدون فيها عن الحقِّ، خاصَّة في موسم الحجِّ من كلِّ سنة (1).
- اضطهاده ومحنته: رغم أنه كان يُسيِّر حركته في خفاء وحذر إلاَّ أَنَّ الحجَّاج بن يوسف ـ عامل الأمويِّين على العراق ـ تفطَّن له، وسجنه مع جملة من أنصاره منهم: ضمام بن السائب، وحاجب الطائى، وأبو سالم، فأذاقهم ألوانا من العذاب مُدَّة أربع سنوات، ولم يخرجوا من السجن حتَّى مات الحجَّاج سنة95هـ (2).
- وفاته: بعد أن عانى من الفالج سنين عديدة (3) اختاره الله إلى جواره حوالي سنة 150هـ، وقد ثبت أنَّ وفاة الإمام كانت في خلافة أبي جعفر العَبَّاسي، وهو الذي قال فيه حين بلغه خبر وفاته من مولى أبي مودود حاجب الطائي: «أَوَقَد مات؟!» قال له: نعم، فرجع وقال: «ذهبت الإِبَاضِيَّة» (4).
- تلاميذه: لقد تخرَّج في حلقاته وبجهوده المضنية، أفواجٌ من الطلبة من مختلف أنحاء العالم الإسلاميِّ آنذاك، اشتهر منهم:
حملة العلم إلى المغرب وهم: عبد الرحمن بن رستم الفارسي من القيروان، وأبو داود القبلِّي النفزاوي من تونس، وإسماعيل بن درار الغدامسي من ليبيا، وأبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري من اليمن، وعاصم السدراتي.
__________
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، 2/ 240، 247، 248.
(2) - المرجع نفسه، ج2 ص240.
(3) - أبو غانم الخراساني، المدوَّنة الكبرى، 2/ 32.
(4) - الحارثي، العقود الفضية، ص: 147. (1/147)
صفحة 147
وحملة العلم إلى المشرق وهم: أبو المنذر بشبر بن المنذر الغزناوي، ومنير بن النيِّر الجعلاني، وأبو جابر موسى بن أبى جابر الأزكوي. وأبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي، وأبو عمرو الربيع بن حبيب البصري، وَكُلُّهم من عُمان. ومن الذين أخذوا عنه: سلمة بن سعد، وأبو حمرة المختار بن عوف، والإمام عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحقِّ، و غيرهم من خراسان، والموصل والسند، والبحرين وخوارزم (1). وقال عنه السالمي شارح المسند: «لقد تفجرت ينابيع الحكمة من قلب أبي عبيدة وطلعت من لسانه شموس العلم وحمل عنه خلق كثير» (2).
- آثاره: لم يبق لنا من آثاره إلاَّ كتابان هما:
1 - رسالة الزكاة التي أرسلها إلى إسماعيل بن سليمان المغريى في عهد إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بطرابلس، وهي مطبوعة بعُمان من قِبَل وزارة التراث القومي والثقافة.
2 - مسائل أبي عبيدة في 80 صفحة؛ وهي مجموعة فتاوى وآراء وأجوبة وأدعية مختلفة في العقيدة والفقه والحديث وهي مخطوطة (3).
ونجد مدونة أبي غانم الخراساني وغيرها من الكتب الأولى في المذهب الإباضي تجمع كثيرا من آرائه وفتاويه.
__________
(1) - الحارثي، العقود الفضية، ص: 184.
(2) - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 06.
(3) - توجد صورة منها في دار التلاميذ بالعطف. (1/148)
صفحة 148
- منزلته العلميَّة وفتاويه: يحتلُّ أبو عبيدة مسلم ـ رحمه الله ـ المركز الثاني بعد جابر بن زيد في سلسلة السند العالي في رواية الحديث عند الإباضيَّة، وبخاصَّة في مسند الربيع بن حبيب.
كان حيَّان بن سالم الطائي العماني يقول لأبي عبيدة: «إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، ما أجابك أحد لما ترى من تشديد على الناس» (1).
لقد ناظر مرَّة واصل بن عطاء في المسجد الحرام، فأفحمه أبو عبيدة، فقال واصل لأصحابه: «بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم، ولم أبرح مكاني» (2).
يصفه الدرجيني قائلا: «وكان عالما مع الزهد في الدنيا والتواضع مع نيل الدرجات العليا والاعتراف بضيق الباع مع ما عليه من الاطِّلاع» (3).
الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند (ت: 175هـ)
- اسمه ومولده ونشأته: هو أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي البصري، من أزد عمان. صنَّفه الدرجيني في الطبقة الموالية لتابعي التابعين (الخمسين الثانية من المائة الثانية) (4).
__________
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، 2/ 239.
(2) - المصدر نفسه، 2/ 246.
(3) - المصدر نفسه، 2/ 238.
(4) - المصدر نفسه، 1/ 23. القطب اطفيَّش: رسالة في بعض تواريخ وادي ميزاب، ص178. (1/149)
صفحة 149
أصله من فراهيد عمان، من منطقة غطفان، أبوه هو حبيب بن عمرو، تلميذ جابر بن زيد بالبصرة، وقد نفاه الحجَّاج بن يوسف من البصرة مع جماعة من الإباضيَّة (1)، ولكنَّ ابنه لم يرو عنه شيئا من العلم، إمَّا لأنَّه تركه صغيرا، أولم يهاجر معه إلى عمان، وبقى في البصرة حيث مجالس العلم والعلماء آنذاك.
- تعلُّمه وشيوخه: سكن البصرة ونزل في محلَّة الحربيَّة، وهو حدث السن، وأخذ العلم عن كثيرين، عدُّوا إلى خمسة وعشرين شيخا، منهم: أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة، وجابر بن زيد، وضمام بن السائب، وأبو نوح صالح بن نوح الدهان، ويحيى بن أبي قرة، وابن جريج، وعبَّاس بن يحيى، وعمرو بن هرم ... وغيرهم كثير (2).
- نشاطه: آلت إليه الرئاسة العلميَّة بعد وفاة الشيخ أبي عبيدة مسلم ـ رحمه الله ـ حوالي سنة 150هـ، فكان مرجعا لأتباع المذهب الإباضيِّ، فتصدَّى للتعليم والفتوى وتوجيه أهل الدعوة (3).
- تلاميذه: لقد تخرَّج عنه عدد من العلماء الأعلام الذين لهم الفضل في تدوين آرائه واجتهاداته الفقهيَّة، وتخليدها للأجيال المتعاقبة بعدهم، نذكر منهم رفقاءه في التعليم، إذ كان أكبر منهم سنًّا، وأسبقهم إلى حلقة ضمام وأبي عبيدة، وهم حملة العلم إلى عمان: أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني، وموسى بن جابر الأزكوي، ومحبوب بن الرحيل القرشي، ووائل بن
__________
(1) - الحارثي، العقود الفضية، ص: 150.
(2) - يحيى بكُّوش، رسالة السنَّة ومكانتها عند الإباضيَّة، ص: 26. مخطوط.
(3) - الشَّمَّاخِي، السير، ص: 102. الدرجيني، الطبقات، 2/ 276. (1/150)
صفحة 150
أيُّوب الحضرمي، وهاشم بن عبد الله الخراساني، ومحمَّد بن معلى الفشحي، وأبو صفرة عبد الملك بن صفرة (1).
وكان له طلاب من خراسان منهم: هاشم بن عبد الله الخراساني، وقد أخذ عنهم من العراقيين الجم الغفير (2).
- مكانته العلميَّة: يقول عنه الشيخ أبو عبيدة: «الربيع تقيُّنا وإمامنا وثقتنا» (3). وقال عنه في الطبقات: «فقيهنا وإمامنا وتقيُّنا». وقد رضي به الشيخ أبو عبيدة خليفة له في رئاسة وفد الحجيج لأهل الدعوة عندما أصيب بالفالج، وتعذَّر عليه الذهاب إلى الحجِّ (4).
وقد اختير من علماء المذهب الإباضيِّ في البصرة لكتابة الحديث والرواية عنه، وقالوا: «انظروا رجلا ورعا قريب الإسناد، حتَّى نكتب عنه ونترك ما سواه»، فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب، فطلبوا منه ذلك، فاستجاب، وكان يروي لهم عن ضمام عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ـ رحمهم الله ـ، فلمَّا خاف على نفسه أن يشيع أمره فتضطهده الأعداء؛ أغلق على نفسه الباب دون الجميع، إلاَّ من اصطفاه لذلك (5).
لهذا كان هذا المحدِّث مجهولا من غير الإباضية، رغم وجود أسماء تشبه اسمه في تراجم المحدثين (6). ويكفيه ذكرًا أنَّ أبا زكرياء يحيى بن معين إمام في الجرح
__________
(1) - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 2/ 4.
(2) - المرجع نفسه.
(3) - الشماخي، السير، ص103.
(4) - المصدر نفسه، ص: 102. الدرجيني، الطبقات: 2/ 245، 276.
(5) - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 04.
(6) - الذهبي، ميزان الاعتدال، 2/ 40، رقم: 2743. الكاشف، 1/ 235. (1/151)
صفحة 151
والتعديل قد وثَّقه، وقال عنه في كتاب التاريخ: «الربيع بن حبيب أيضا بصريٌّ، يروي عن الحسن وابن سرين، وهو ثقة» (1).
وهناك أسباب أخرى حملت الربيع على غلق الباب دون غير إخوانه، ذكرها عمرو بن مسعود الكباوي في رسالته (2).
- وفاته: لم تذكر المراجع التي تعرَّضت له سنة وفاته بالتعيين، وبما أنَّه صلَّى عليه تلميذه ورفيقه في التعليم: الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي (المتوفَّى سنة 181هـ في عمان) فيمكن أن تكون وفاته حوالي 170إلى 175هـ، حسبما رجَّحه صاحب العقود الفضيَّة (3).
- آثاره: لقد جمعت فتاوى الشيخ ورواياته في تآليف قيِّمة، وبثَّت في مختلف كتب المذهب الإباضيِّ، وهي تشهد له بقوَّته العلميَّة، ورجاحة عقله وورعه، منها:
1 - كتاب فتيا الربيع في جزءين، رتَّبه وبوَّبه سعيد بن خلف الخروصي، وطبعه بعنوان: من جوابات الإمام جابر، في مطابع سجل العرب سنة: 1984.
2 - فتاوى أخرى وروايات كثيرة جمعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في كتابه المدوَّنة، منقولة عن تلاميذه: عبد الله بن عبد العزيز البصري، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي (ربيبه)، وأبي المؤرج عمرو بن محمد اليمني، وأبي
__________
(1) - يحيى بن معين، التاريخ، ص160، رقم 3711.
(2) - عمرو بن مسعود الكباوي، الربيع بن حبيب محدثا، رسالة الماجستير في جامعة الفاتح بليبيا، ص117 (مرقون).
(3) - الحارثي: العقود الفضية، ص: 149. (1/152)
صفحة 152
منصور حاتم بن منصور الخراساني، وأبي أيُّوب وائل بن أيُّوب الحضرمي، ومحمَّد بن عباد المصري، وأبي غسان مخلد بن العمرد.
3 - وروايات وفتاوى أوردها استطرادا صاحب الطبقات (1).
4 - مسند في الحديث، روى فيه ما بلغه من حديث رسول الله J ، بسنده العالي (الربيع عن أبي عبيد ة عن جابر عن ابن عبَّاس أو عائشة أو أبي سعيد الخدريِّ، أو أنس أو أبي هريرة أو غيرهم). وقد بدأه بروايات أبي بكر الصدِّيق ثمَّ عائشة وهكذا، ولكنَّه بهذا الترتيب مفقود. ثُمَّ رتَّبه على الأبواب الفقهيَّة الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570هـ)، وَسَمَّاهُ: «الجامع الصحيح»، وهو ما بين أيدينا اليوم.
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني
(مرتِّب المسند) (500 - 570هـ)
- اسمه ومولده ونشأته: هو الإمام المجتهد أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني، ولد في أوائل القرن السادس الهجري، صنفه الدرجيني في الطبقة الثانية عشرة (550 - 600هـ) (2) في مدينة سدراتة القريبة من وارجلان، جنوب شرق الجزائر. أخذ العلم في مسقط رأسه عن الشيخ أبي سليمان أيُّوب بن إسماعيل وغيره، فحفظ القرآن الكريم، وتفقَّه في الدين.
__________
(1) - الدرجيني، الطبقات، 2/ 272، وما بعدها.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 2/ 491. (1/153)
صفحة 153
- رحلاته: يعتبر الشيخ من أعلام الرحلات في التاريخ الإسلامي، الذين حقَّقوا نتائج علميَّة موفَّقة، وقد سجل التاريخ له ثلاث رحلات:
ففي سنِّ الشباب رحل إلى قرطبة في الأندلس بغية الاستزادة من العلم، فتبحَّر في علم الفلك والحساب واللغة والحديث.
وارتحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحجِّ، فخلَّد وقائع هذه الرحلة في قصيدة طويلة، سجَّل مراحلها مرحلة مرحلة، ذهابا وإيابًا، تُعرف بـ «الحجازية»، وتبلغ 360 بيتًا (1)، ومطلعها:
خَرَجنَا نَؤُمُّ الحجَّ مِن حيِّزِ وَارجلا بِفتيانِ صِدْق من وجوهِ العَشائر
ورحل إلى غانه في السودان الغربي، وقد وصل إلى مشارف خطِّ الاستواء، حيث اكتشف هنالك تساوي الليل والنهار (2).
- نشاطه وتآليفه: لقد جلس الشيخ للتأليف والتدريس والمناظرة والفتوى، واستقرَّ به المقام في مسقط رأسه. وذكر عنه أنَّه أقام في داره سبعة أعوام، يشتغل بالنسخ والتأليف والتدريس والإفتاء، لا يصرفه عن ذلك شيء سوى قيامه لأداء الفريضة جماعة.
قال الدرجينى صاحب الطبقات: حدثني بعض الثقات قال: «وقفت ببلادنا قسطيلية، وسوف، وأريغ، على سبع نسخ أو ثمان من كتاب العدل والإنصاف بيده» (3).
__________
(1) - المصدر نفسه، 2/ 494، والقصيدة من المخطوطات القديمة.
(2) - أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان، 3/ 286، ط حجريَّة.
(3) - الدرجيني، الطبقات، 2/ 491. (1/154)
صفحة 154
وقال عنه الدرجيني كذلك: «له في كلِّ جوٍّ متنفَّس، ومن كلِّ نار مقتبس، له يد في علم القرآن وفي علم اللسان، وفي الحديث والأخبار، وفي رواية السير والآثار، وعلم النظر والكلام، والعلوم الإسلاميَّة والأحكام، ومعرفة الرجال، ولم يخل من اطِّلاع على علوم الأقدمين» (1).
- آثاره: لقد أثْرى الشيخ المكتبة الإسلاميَّة بتآليف هامَّة قيِّمة تشهد له بعلوِّ كعبه ومكانته العلميَّة، وهي:
1 - كتاب الدليل لأهل العقول المعروف بـ: «الدليل والبرهان» في ثلاثة أجزاء. وقد طبع الكتاب بالمطبعة البارونيَّة في مجلَّد واحد سنة 1306هـ، وأعيد طبعه في مجلَّدين بعمان سنة 1983م.
2 - كتاب العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، في ثلاثة أجزاء، حقَّقه الدكتور المرحوم: عمرو خليفة النامي تركه مرقونا، وطبع بدون تحقيق بعمان سنة 1984م.
3 - ترتيب مسند الربيع بن حبيب، وهو «الجامع الصحيح»، الذي نحن بصدده؛ في أربعة أجزاء، طبع في مجلَّد واحد بالمطبعة البارونيَّة بمصر سنة 1315هـ، بدون تحقيق، وطبع كذلك بالجزائر طبعة حجريَّة. وطبع بالمطبعة السلفيَّة سنة 1349هـ، بتصحيح الشيخ نور الدين عبد الله السالمي، وفهرسة وترقيم الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش.
4 - كرَّاسة في تراجم رجال المسند مفقود، عثر على جزء منها في مكتبة آل يَدَّرْ مخطوط، ببني يزقن.
__________
(1) - المصدر نفسه، 2/ 491. (1/155)
صفحة 155
5 - كتاب في التفسير مفقود، رأى أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الجزء الأوَّل منه في أريغ في القرن التاسع، وحزر أنَّه يجاوز 700ورقة، وصل به إلى آخر سورة آل عمران.
6 - كتاب مرج البحرين في الهندسة والمنطق، طبع مع كتاب الدليل والبرهان، ج2.
7 - كتاب في فتوحات المغرب، مفقود. ذكر المؤرِّخ التونسي حسن حسني عبد الوهَّاب أنَّه رآه في تركة المستشرق الفرنسي “مونتيسكيو” (1).
8 - كتاب في الفقه، روى ذلك الشَّمَّاخِيُّ عن بعض الطلبة (2)، وقال عنه: «رأيت له من الأجوبة الشيء الكثير».
- وفاته: كانت وفاته رحمه الله في مسقط رأسه بسدراتة سنة 570هـ (3).
__________
(1) - علي يحيى معمَّر، الإباضية في الجزائر، ص: 239.
(2) - الشماخي، السير، ص: 444. الدرجيني، الطبقات، 2/ 493.
(3) - الشماخي، السير، ص: 445. (1/156)
صفحة 156
الفهارس (1/157)
صفحة 157
(صفحة بيضاء) (1/158)
صفحة 158
المصادر والمراجع (1)
1) ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد: زاد المسير في علم التفسير، ط: 3، المكتب الإسلامي، بيروت، 1404هـ.
2) ابن حبَّان، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي: الثقات، تح: السيد شريف الدين أحمد، ط: 1، دار الفكر، 1395هـ/1975م.
3) ابن حبَّان، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي: صحيح ابن حبَّان، تح: شعيب الأرناؤوط، ط: 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ/1993م.
4) ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، ط: 1، تح: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، 1412هـ/1992م.
5) ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني: تقريب التهذيب، ط: 1، تح: محمد عوامة، دار الرشد، سوريا، 1406هـ/1986م.
6) ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، تح: د. محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
7) ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تح: علي محمد البجاوي، ط: 1، دار الجيل، بيروت، 1412هـ.
8) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري، تأويل مختلف الحديث، تح: محمد زهي النجار، دار الجيل بيروت، 1393هـ/1972م.
9) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر: تفسير القرآن العظيم. دار الفكر، بيروت، 1401هـ.
10) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر: تحفة الطالب. ط: 1، تح: عبد
__________
(1) - جلُّ المصادر المستعملة، خَاصَّةً الحديثيَّة اعتمدنا الأقراص المدمجة (المكتبة الألفيَّة للسنة النَّبَوِيَّة، الكتب التسعة، مكتبة التفسير وعلوم القرآن) ونقلت بيانات النشر منها مباشرة. (1/159)
صفحة 159
الغني بن حميد بن محمود الكبيسي، دار حراء، مكَّة المكرَّمة، 1406هـ.
11) ابن ماجه، أبو عبد الله محمَّد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
12) أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي: سنن أبي داود، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر.
13) أبو سِتَّة، محمد بن عمرو بن أبي ستة: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح، ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، لمسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، تحقيق: أ. إبراهيم طلاَّي، مطابع دار البعث، قسنطينة، 1994م.
14) أبو نصر، فتح بن نوح الملوشائي: الديوان، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية.
15) أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني: مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر، دت.
16) اطفيَّش، امحَمَّد بن يوسف: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ط: 2، مكتبة الإرشاد، جدَّة، 1973م.
17) البخاري، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل: صحيح البخاري، تح: د. مصطفى ديب البغا، ط: 3، دار بن كثير، اليمامة، بيروت، 1407هـ/1987م.
18) البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى: السنن الكبرى، محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مَكَّة، 1414هـ/ 1994م.
19) الترمذي، أبو عيسى محمَّد بن عيسى: سنن الترمذي، تح: أحمد محمَّد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
20) جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، محمد بن أحمد المحلي: تفسير الجلالين، ط1، دار الحديث، القاهرة.
21) جمعية التراث/لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، من ق1 هـ إلىق15 هـ، قسم المغرب، الطبعة الأولى، المطبعة العربية، غرداية، (1/160)
صفحة 160
نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1420هـ/1999م.
22) الحاكم، أبو عبد الله بن عبد الله النيسابوري: معرفة علوم الحديث، ط: 2، تح: السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1377هـ/1977م.
23) الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت: الكفاية في علم الرواية، تح: أبو عبد الله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العِلمِيَّة، المدينة المنوَّرة.
24) الخطيب: مكتبة التفسير وعلوم القرآن (قرص مدمج)، إشراف: مركز التراث لأبحاث الإعلام الآلي، الأردن. الإصدار 1.5، 1419هـ/1999م.
25) الدرجيني، أبو العَبَّاس أحمد بن سعيد: طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاَّي، مطبعة البعث، قسنطينة، دت.
26) الذهبي، حمد بن أحمد أبو عبد الدمشقي: الكاشف، تح: محمد عوامة، ط: 1، دار القبلة للثقافة الإِسلاَمِيَّة، مُؤَسَّسَة علو، جدَّة، 1413هـ/1992م.
27) الزِّرِكْلِي، خير الدين: الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، الطبعة الثالثة، د ت.
28) السالمي، نور الدين أبو محمَّد عبد الله بن حميد: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، الطبعة الثالثة، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، دت.
29) السالمي، نور الدين أبو محمَّد عبد الله بن حميد: كتاب شرح طلعة الشمس على الألفية، الطبعة الثانية: 1405هـ/1985م، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان.
30) السعدي، جميل بن خميس: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، وزارة التراث، عُمان، 1404هـ/1984م.
31) الشَّمَّاخِي، أبو العَبَّاس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد: كتاب السير، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، 1407هـ/1987م.
32) الشوكاني، محمد بن علي بن محمد: نيل الأوطار، دار الجيل، (1/161)
صفحة 161
بيروت، 1973م.
33) الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب: المعجم الصغير، ط: 1، تح: محمد شكور محمود الحاج أمرير، المكتب الإسلامي، بيروت، دار عمار، عمان، 1405هـ/1985م.
34) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان في تفسير القرآن، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
35) العَالَمِيَّة: موسوعة الحديث الشريف- الكتب التسعة (قرص مدمج)، الإصدار الثاني 2.00، 1997م.
36) العَوتبي، سلمة بن مسلم: الضياء، ط1، 1411هـ/1991م.
37) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، تح: أحمد عبد العليم البردوني، ط 2، دار الشعب، القاهرة، 1327م.
38) الكدمي أبو سعيد محمد بن سعيد: الاستقامة، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1405هـ/1985م.
39) الكندي محمَّد بن إبراهيم: بيان الشرع، ط: 2، مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1405هـ/1984م.
40) محمد شمس الحق العظيم أبادي: عون المعبود، ط: 2، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1415هـ.
41) مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي: المكتبة الألفية للسنة النَّبَوِيَّة (قرص مدمج)، عَمَّان، الأردن، الإصدار: 1.5، 1419هـ/1999م.
42) المزّي أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، د. بشار عواد معروف، ط: 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400هـ/1980م.
43) مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري: صحيح مسلم، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دت.
44) مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي: كشف الظنون، (1/162)
صفحة 162
دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1413هـ/1992م.
45) المناوي، عبد الرؤوف: فيض القدير شرح الجامع الصغير، ط: 1، المكتبة التجاريَّة الكبرى، مصر، 1356هـ.
46) النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب: سنن النسائي (المجتبى)، ط: 2، تح: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإِسلاَمِيَّة، حلب، 1406هـ/ 1986م.
47) الهاشمي، محمد بن سعد بن منيع: الطبقات الكبرى، تح: زياد محمد منصور، ط: 2، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنوَّرة، 1408هـ.
48) الهيثمي، علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ. (1/163)
صفحة 163
فهرس الآيات القرآنيَّة
السورة ... الآية ... الصفحة
الفاتحة ... {مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ} ... 122
البقرة: 222 ... {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُو أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ... 100
البقرة: 238 ... {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}
البقرة: 257 ... {وَانظُرِ اِلىَ الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا} ... 122
البقرة: 281 ... {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ... ، 127
البقرة: 285 ... {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ... 18
البقرة: 286 ... {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} ... 52
آل عمران: 7 ... {وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} ... 55
آل عمران: 133 ... {سَارِعُواْ إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} ... 122
النساء: 11 ... {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ ... } ... 22
النساء: 80 ... {مَنْ يُّطِعْ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللَّهَ} ... 134
النساء: 95 ... {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ (1/164)
صفحة 164
وَأَنفُسِهِمْ} ... ، 130 (1/165)
صفحة 165
النساء: 98 ... {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} ... ، 130
المائدة: 3 ... {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} ... ، 127
الأنعام: 1 ... {الْحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلونَ} ... 83
الأنعام: 112 ... {يُوحِي بَعْضُهُمُ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} ... 115
الأعراف: 9 ... {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ} ... 83
الأعراف: 56 ... {اِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} ... 77
الأعراف: 57 ... {وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُراَم بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} ... 122
الأعراف: 180 ... {وَلِلَّهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ... 82
الأعراف: 204 ... {وإِذَا قُرِئَ القُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا لَعَلَكُمْ تُرْحَمُونَ} ... 76
الأنفال: 67 ... {مَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يَّكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ... 132
الأنفال: 68 ... {لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ... 133
الأنفال: 75 ... {وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ... 22
التوبة:128 ... {بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ... 81
يونس: 57 ... {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ} ... 125
يونس: 101 ... {قُلُ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} ... 55
هود: 15 ... {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} ... 37 (1/166)
صفحة 166
هود: 88 ... {وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ... 102
الرعد: 31 ... {وَلَوَ اَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَرْضُ ... } ... 136
النحل: 44 ... {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ... 21
الكهف: 36 ... {لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا} ... 123
طه: 52 ... {لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} ... 129
طه: 114 ... {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} ... 60
طه: 124 - 127 ... {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ... } إلى قوله: {وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أشَدُّ وَأَبْقَى} ... 61
الحج: 52 - 55 ... {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ... } إِلَى قَوْلِهِ: { ... عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} ... 136
النور: 12 ... {لَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} ... 132
النور: 14 ... {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فيِ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فيِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ... 133
النور: 16 - 18 ... {وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا اِن كُنتُم مُّومِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ... 133
الفرقان: 27 ... {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} ... 65
الشعراء: 193 - 194 ... {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ} ... 40
النمل: 40 ... {وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} ... 82 (1/167)
صفحة 167
العنكبوت: 49 ... {بَلْ هُوَ ءَايَاتُم بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} ... 50
فاطر: 29 ... {إِنَّ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تُبورَ} ... 61
الصافات: 102 ... {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} ... 44
الصافات: 104 - 105 ... {يَّآ إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ... 44
الزمر: 7 ... {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} ... 82
غافر: 7 ... {الذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ... } إلى قوله: { ... وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} ... 78
الشورى: 11 ... {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ... 81
الشورى: 20 ... {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} ... 36
الشورى: 30 ... {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ} ... 122
الفتح: 1 - 3 ... {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} ... ، 88، 95
الفتح: 4 ... {هُو الذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُومِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} ... 97
الفتح: 18 ... {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ... 89
الفتح: 20 ... {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُومِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} ... 96 (1/168)
صفحة 168
الفتح: 25 ... {هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّهُ} ... 89
الفتح: 26 ... {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُومِنِينَ} ... 77
الفتح: 27 ... {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} ... 94
الفتح: 29 ... {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ... } إلى آخر السورة ... 97
الذاريات: 20 - 21 ... {وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} ... 55
النجم: 13 - 17 ... {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} ... 48
النجم: 3 - 4 ... {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُو إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ... 24، 133
النجم: 5 - 6 ... {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} ... 47
القمر: 17 ... {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ... 54
الواقعة: 77 - 79 ... {اِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} ... ، 104
الحشر: 7 ... {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ... ، 134
التحريم: 1 ... {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... } ... 136 (1/169)
صفحة 169
المزمل: 4 ... {وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً} ... 52
المزمل: 5 ... {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} ... 47
القيامة: 16 - 17 ... {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} ... 60
القيامة: 22 - 25 ... {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} ... 18
الإنسان: 9 ... {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا} ... 31
التكوير: 19 - 21 ... {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} ... 47
التكوير: 23 ... {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالافُقِ الْمُبِينِ} ... 48
الأعلى: 6 - 7 ... {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} ... 60، 128
الشمس: 15 ... {فَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} ... 122
الليل: 19 - 21 ... {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى} ... 31
العلق: 1 - 5 ... {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ... 127
البينة: 1 ... {لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا ... } ... 136
البينة: 5 ... {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ} ... 31
النصر: 1 ... {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... } ... 121، 136
الإخلاص ... {قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} ... ، 79
الفلق: 1 ... {قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ... 121 (1/170)
صفحة 170
فهرس الأحاديث النَّبَوِيَّة
· إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فاقضوا، فإنَّ أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى صلاة 33
· أقرأُكم أُبيُّ 69
· أنَّ الرسول J كان يقرأ القرآن على أيَّة حال إلاَّ الجنابة 102
· أنَّ جبريل قرأ عليَّ بلغة فاستزدته، فقرأ عليَّ بلغة ثانية فاستزدته، حتَّى أكمل سبع لغات 120
· أناجيل أُمَّتِي صدورها 73
· إنِّي اطَّلعت على ذنوب أمَّتي فلم أر ذنبا أعظم ممَّن أوتي آية من القرآن ثمَّ نسيها 64
· بل هو أعظم الفتوح؛ قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا 96
· نَّ الرسول J كان إذا أنزلت عليه آية، قال اجعلوها في مكان كذا 128
· تعليم الصغار يطفئ غضب الربِّ 56
· الحمد الذي هدى رسولَ رسولِ الله لِمَا يحِبُّ رسولَ الله 69
· دَعُوها فإنَّها مَأمُورَةٌ 71
· رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقهُ منهُ 17
· كيف بك يا معاذ إذا نزلت بك حادثة؟ قال: أحكم بكتاب الله 69
· لا أقول {أَلَمِّ} حرف، وإنَّما الألف حرف، واللاَّم حرف، والميم حرف 49
· لا ألفينَّ أحدكم متَّكئًا على أريكته يأتيه الحديث من كلامي فيقول: حسبنا كلام الله ما وجدنا فيه عملنا به، وما لم نجده فيه تركناه، فإنَّي أوتيت القرآن ومثله معه 23
· لا تقوم الساعة إلاَّ على دين أبي جهل 116 (1/171)
صفحة 171
· لا تقوم الساعة حتَّى يمرَّ الرجل بقبر أخيه فيقول: ليتني مكانك 112
· لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله 116
· لا يدعونني اليوم إلى خطَّة فيها صلة الرحم وحقن الدماء إلاَّ أجبتهم إليها 90
· اللهمَّ فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التأويل 25
· مثل صاحب القرآن كصاحب الإبل المعقَّلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت 51
· مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ 100
· نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها 18
· نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثمَّ أدَّاها كما سمعها، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع 17
· يا جبريل ما هذا بالمقام الذي يفارق فيه الخليلُ خليله، قال: بلى، ولكن وما منَّا إلاَّ له مقام معلوم 45 (1/172)
صفحة 172
فهرس الأعلام
· ابن جريج 150
· ابن حزم 144
· ابن سعد (صاحب الطبقات) 143
· ابن سيرين 144، 152
· ابن عمر 19، 100، 138
· ابن ماجه 139
· ابن معين 138
· ابنة مطرف 144
· أبو أيُّوب خالد بن زيد الأنصاريُّ 67، 70، 71
· أبو أيُّوب وائل بن أيُّوب الحضرمي 151، 153
· أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري 29، 147، 148
· أبو العاص بن الربيع 131
· أبو المؤرج عمرو بن محمد اليمني 152
· أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني 148، 150
· أبو بكر الصدِّيق 94، 153
· أبو جابر موسى بن أبى جابر الأزكوي 148
· أبو جعفر العَبَّاسي 147
· أبو جندل 92
· أبو جهل 40، 116
· أبو حاتم الملزوزي 26
· أبو حمرة المختار بن عوف 27، 148 (1/173)
صفحة 173
· أبو داود (صاحب السنن) 139
· أبو داود القبلِّي 29، 147
· أبو زرعة 138
· أبو زيد سعد بن عبيد 67، 70
· أبو سالم 147
· أبو سعيد الخدريِّ 19، 58، 62، 79، 106، 137، 146، 153
· أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي 152
· أبو سليمان أيُّوب بن إسماعيل 153
· أبو صفرة عبد الملك بن صفرة 28، 151
· أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة 19، 20، 24، 26، 27، 28، 29، 30، 32، 35، 39، 49،
58، 67، 79، 84، 88، 98، 106، 109، 118، 124، 126، 128، 138، 143، 145، 146، 148، 149، 150، 151، 153
· أبو عيسى الخراساني 28
· أبو غانم بشر بن غانم الخراساني 28، 148، 152
· أبو غسان مخلد بن العمرد 153
· أبو مسعود الأنصاري 138
· أبو منصور حاتم بن منصور الخراساني 153
· أبو مودود حاجب الطائي 147
· أبو موسى الأشعري 138
· أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي 117
· أبو نوح صالح الدهَّان 138، 139، 150
· أبو هريرة 19، 58، 84، 85، 137، 153 (1/174)
صفحة 174
· أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتيُّ الوارجلانيّ 30، 153
· أبو يونس (غلام عائشة) 123
· أُبيُّ بن كعب 67، 69، 70، 122
· إسماعيل بن درَّار الغدامسي 29، 147
· إسماعيل بن سليمان المغريى 148
· اطفيَّش أبو إسحاق إبراهيم 155
· اطفيَّش امحمد بن يوسف (القطب) 60
· أمُّ سلمة 93، 94
· أنس بن مالك 19، 67، 68، 72، 137، 141، 144، 146، 153
· إيَّاس بن معاوية 144
· البخاري 31، 36، 139
· البراء بن عازب 138
· البرادي، أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم 156
· بيوض، إبراهيم بن عمر 7، 8، 11
· تميم بن حويص 138
· ثابت بن أسلم البناني 138
· جابر بن زيد، أبو الشعثاء 19، 20، 24، 25، 32، 35، 39، 49، 58، 60، 67، 68، 79،
84، 88، 98، 106، 109، 118، 119، 137، 138، 139، 146
· جابر بن عبد الله 138
· جعفر السماك 146
· الجلندى بن مسعود المعولي 27
· الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ 39، 40، 47 (1/175)
صفحة 175
· حبيب بن عمرو (والد الربيع) 150
· الحَجَّاج بن يوسف 140، 141، 147، 150
· الحسن البصري 87، 138، 152
· حسن حسني عبد الوهَّاب 156
· حمزة (المقرئ) 27، 28
· حيَّان الأعرج الجوفيُّ البصريُّ 138
· حيَّان بن سالم الطائي العماني 149
· دحية بن خليفة الكلبي 43
· الدرجيني 145، 149، 153، 154، 155
· الربيع بن حبيب 1، 8، 11، 12، 19، 20، 24، 28، 30، 32، 35، 39، 49، 58، 99،
106، 109، 115، 118، 120، 125، 126، 136، 139، 143، 144، 148، 149، 151، 152، 153، 155
· زيد بن ثابت الأنصاريُّ 67، 70، 138
· زينب بنت رسول الله J 131
· السالميُّ نور الدين أبو محمد عبد الله بن حُميد 43، 47، 102، 148، 155
· السختياني، أبو بكر أيُّوب 138
· سعد بن حنيف 71
· سعد بن أبى وقاص 138
· سعيد بن جبير 138
· سعيد بن خلف الخروصي 142، 152
· سلمة بن سعد 30، 148
· سهيل بن عمرو 90، 91، 92، 131
· شعبة 144 (1/176)
صفحة 176
· الشَّمَّاخِي أبو العباس أحمد بن سعد 156
· الشيخ عدون بن بالحاج 7
· صالح بن عمر لعلي 142
· صحار بن العباس العبدي 146
· صفوان بن المعطَّل السلميُّ 132، 133
· ضمَّام بن السائب 20، 28، 138، 146، 147، 150، 151
· عائشة 19، 39، 40، 43، 123، 132، 133، 137، 153
· عاصم (المقرئ) 122، 123
· عاصم السدراتي 29، 147
· العَبَّاس عمِّ النبي J ، 131
· عبَّاس بن يحيى 150
· عَبْد الأَعْلَى بْن دَاوُدَ 126
· عبد الرحمن بن رستم 29، 147
· عبد الله بن عبَّاس 19، 24، 25، 32، 35، 53، 58، 109، 110، 112، 113، 126، 136،
137، 138، 144، 151، 153
· عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحقِّ 27، 148
· عبد الله بن إباض 143
· عبد الله بن الزبير 137
· عبد الله بن عبد العزيز البصري 152
· عبد الله بن مسعود 138، 144
· عبد المطَّلب بن هاشم 71
· عثمان بن حنيف 67، 71
· عثمان بن عفان 74، 121 (1/177)
صفحة 177
· عروة بن الزببر 138
· عكرمة 40، 126، 136، 138
· عليُّ بن أبى طالب 102، 144
· عمر بن الخطَّاب 24، 26، 35، 41، 42، 88، 89، 94، 100، 118، 119، 131، 133، 134
· عمرو بن العاص 96، 138
· عمرو خليفة النامي 155
· عمرو بن دينار 138، 144
· عمرو بن مسعود الكباوي 152
· عمرو بن هرم 142، 150
· قتادة بن دعامة السدوسي 136، 138، 141، 144
· الكسائيّ (المقرئ) 122
· كسرى ملك الفرس 107
· مالك بن دينار 138
· محبوب بن الرحيل القرشي 148، 152
· محمد بن مغطير النفوسي 30
· محمَّد بن أبي بكر 138
· محمَّد بن عباد المصري 153
· محمَّد بن معلى الفشحي 151
· مسلم بن الحجاج 139
· معاذ بن جبل 67، 69
· معاوية بن أبي سفيان 138
· المقوقس ملك مصر 107
· المنذر بن ساوى ملك البحرين 107 (1/178)
صفحة 178
· منير بن النير الجعلاني 148، 150
· موسى بن أبي جابر الأزكوي 150، 152
· مونتيسكيو 156
· نافع المقرئ 122، 123، 124، 125
· النجاشي ملك الحبشة 107
· النسائي 139
· نفَّاث بن نصر 142
· هاشم بن عبد الله الخراساني 151
· هرقل ملك الروم 107
· هشام بن حكيم 119
· واصل بن عطاء 149
· ورش 122، 124، 125
· يحيى بكُّوش 138، 142
· يحيى بن أبي قرة 150
· يحيى بن معين 151
· يزيد بن أبي مسلم 140 (1/179)
صفحة 179
المحتويات
الإهداء 5
ترجمة الشيخ ناصر المرموري 7
تقديم الشيخ ناصر المرموري 8
مقدمة التحقيق 10
مدخل 16
بسطة حول حياة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وتلاميذه 26
الباب الأَوَّل النيَّة 32
نيَّة المؤمن 32
الباب الثاني الوحي 39
بدء الوحي 39
البَابُ الثالث: الْقُرْآن 49
تعليم الأولاد القرآن 49
حكم التغنِّي بالقرآن 58
المحافظة على القرآن 58
نسيان القرآن 58
جمع القرآن 67
فضل «قل هو الله أحد» 79
الحديث الأول 79
الحديث الثاني 84
سبب نزول سورة الفتح 88
منع الجنب والحائض من قراءة القرآن 98 (1/180)
صفحة 180
النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدوِّ 106
ذهاب القرآن آخر الزمان 109
القراءات السبع 118
نزول القرآن جملةً واحدةً 126
المكي والمدني من السور 136
ملحق: تراجم رواة المسند ومرتبه 137
الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد (18 - 93 هـ) 137
أبو عبيدة مسلم التميمى (58 - 150هـ) 145
الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند (ت: 175هـ) 149
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (مرتِّب المسند) (500 - 570هـ) 153
الفهارس 157
المصادر والمراجع 159
فهرس الآيات القرآنية 164
فهرس الأحاديث النبويَّة 170
فهرس الأعلام 172
المحتويات 179 (1/181)