صفحة 1
الكتاب: في رحاب السنّة (ج2)
صاحب الدروس: الشيخ/ الناصر المرموري (رحمه الله)
تحرير وإخراج:
بكير بن محمد فخار ***** يوسف بن أحمد كفوس
محمد بن موسى بكوش ***** ياسين بن أحمد الصادق
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
طبع: المطبعة العربية، غرداية
الطبعة: الأولى
تاريخ الطبع: ذو الحجة 1434هـ / أكتوبر 2013م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
[الكتاب عبارة عن سلسة دروس في شرح " الجامع الصحيح للربيع بن حبيب "، ألقاها الشيخ الناصر المرموري (رحمه الله) في مسجد القرارة - غرداية - الجزائر، سمّاها: " في رحاب السنة "، وهو يشرح في كل ليلة حديثا إلى أربعة أحاديث؛ وأعداد السلسلة لا تزال تصدر]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) في رحاب السُّنَّة
شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
لفضيلة الشيخ
ناصر بن محمد المرموري (حفظه الله)
الجزء الثاني
الباب الرابع والخامس:
العلم وطلبه وفضله
طلب العلم لغير الله
تحرير وتخريج ثلّة من الطلبة
تحرير وتخريج:
ثلة من طلبة الشيخ:
بكير بن محمد فخار
يوسف بن أحمد كفوس
محمد بن موسى بكوش
ياسين بن أحمد الصادق
متابعة وإخراج:
أ/محمد بن أحمد جهلان
الطبعة الأولى
ذو الحجة 1434هـ / أكتوبر 2013م
جميع الحقوق محفوظة
موقع الناشر على الأنترنت:
www .Tourath . org
الإيداع القانوني:
بسم الله الرحمن الرحيم
[صفحة بيضاء]
مقدمة
تحقيق الجزء الثاني
الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام، وأكرمنا بسنَّة خير الأنام، وحضَّنا على التشبُّث بها والاعتصام، قال تعالى
الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام، وأكرمنا بسنَّة خير الأنام، وحضَّنا على التشبُّث بها والاعتصام، قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7).
والصلاة والسلام على خير من بعث للعالمين مبلَّغا للرِّسالة، ومؤدِّيا للأمانة، وناصحًا للأمَّة، وقائلا لهم: «خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّتِي، ... » (1).
بعد أن ترك لنا ما إن تمسَّكنا به لن نضل من بعده أبدًا: كتاب الله وسنة رسوله، وعلى آله وصحبه الأخيار المجتَبينَ، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد:
الحمد لله أن وفَّقنا لإتمام هذا الجزء الثاني من هذه السلسة المباركة، فبعد إنجاز الجزء الأول منه قبل عقد من الزمن، شاء الله تعالى أن يتأخَّر صدور
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح، باب طلب العلم، ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم 30، ص 11. (1/1)
صفحة 2
هذا الجزء الثاني بسبب ظروف ومشاغل مختلفة ألَمَّت بالطلبة، وكذلك عسر الوقت وقلة الفرص المتاحة مع الشيخ الكريم صاحب الشرح: ”الشيخ الناصر المرموري“ الذي لم تسمح ظروفه بفسحة من الوقت ليتمَّ عرض ما تمَّ تحقيقه عليه، حيث إنه كلَّما طويت مرحلة من التحرير إلا وسعينا لمقابلتها على الشيخ ليقدم ملاحظاته وتصويباته عليها بعد أن تقرأ عليه شفهيا، وقد تكفَّل بهذه المهمة الأخ الكريم: بكير بن محمد فخار، والذي تكفَّل بدوره بعملية النسخ من الشريط المسموع إلى الورق كما كان الأمر بالنسبة للجزء الأول.
إلاَّ أنَّ هذه الفترة لم تستمر وهذه المسيرة لم تنقطع، فتمَّ استئناف العمل من قبل الطلبة أنفسهم الذين نشطت همَّتهم، خاصة بعد انضمام ثلة أخرى من الطلبة الجدد الذين التحقوا بأقسام الشريعة بمعهد الحياة، وكذلك ممن تخرَّجوا منه والتحقوا بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عُمان، وكذلك بعض من طلبة الجامعة الجزائرية الذين تخصّصوا في العلوم الشرعية، فكان هذا المشروع سببًا لالتئام الطلبة والتقائهم في سبيل خدمة العلم، وإتمام العمل بأقصى جهد ووقت مستطاع.
وبعيد إتمام هذا الجزء وتحرير هذه المقدمة، يشاء العليُّ القدير أن يتوفى شيخنا العزيز: "الشيخ الناصر المرموري":، ويجتبيه إلى جواره الكريم، في تاريخ: الأحد 12 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق لـ 15 ماي 2011م، بعد عمر مديد وجهاد مستميت في سبيل إعلاء كلمة الله، وخدمة دينه ونشر علمه. نسأل
الله تعالى له القبول والمغفرة والمثوبة، وأن يتغمَّده برحمته الواسعة، ورضوان من الله أكبر، آمين (1).
__________
(1) تنظر نبذة موجزة عن حياة الشيخ الناصر المرموري - رحمه الله - بعد هذه المقدمة. (1/2)
صفحة 3
إن هذا الجزء الثاني من هذا الشرح، استخرج من أربعة أشرطة، سعة كلٍّ منها 90 دقيقة. وقد أُلقيت هذه الدروس بالمسجد الكبير بالقرارة، ما بين شهر نوفمبر 1981، وجانفي 1982م. وتمَّ تسجيلها في المسجِّلة المغناطيسية، ثمَّ حُوِّلت إلى الأشرطة السمعيَّة.
وبعد أن اكتمل تحرير المادة المسموعة من الشريط إلى الورق - كما ذكر سابقا -،شرع في رقن ما تمَّ تحريرُه، ثم تحقيق وتوثيق ما ورد فيها من نصوص، في عمل جماعي ودورات مغلقة استمرت من يوم إلى ثلاثة أيام، وشملت ثلاث دورات، في مدة سنة (1)، ابتداء من صائفة شهر جوان 2008م.
وفي أثناء ذلك كانت قراءة النص المرقون على مسمع الشيخ رحمة الله عليه مستمرَّة، إلى أن اكتمل كل ما خُصص لهذا الجزء، وبعد الانتهاء من التحقيق عُرض أيضا على الشيخ الكريم المتخصِّص في علم الحديث الأستاذ: ”أحمد بن حمُّو كروم“ الذي قدَّم فيه ملاحظات علمية قيِّمة وإضافات منهجية
مفيدة، جزاه الله على عمله هذا خير الجزاء.
ثم تلت بعد ذلك مرحلة المراجعة النهائية والفهرسة والإعداد للطبع على يد الأستاذ ”محمد بن أحمد جهلان“ تقبَّل الله منه، فاكتسى هذه الحلة، وهذا الثوب القشيب الذي هو عليه بين يدي القارئ الكريم. نسأل الله تعالى أن يتقبَّله منَّا جميعا خالصا لوجهه الكريم، وأن يكون هذا العمل مما لا ينقطع أجره عن صاحبه، ومن العلم الذي يُنتفع به، أطباقا من الحسنات وصحائف من نور على قبر شيخنا رحمة الله عليه. ونسأله تعالى أن يجزي كل من قدَّم يد العون والمساعدة في سبيل إنجاح هذا العمل ولو بالكلمة الطيِّبة، ويجعل ثوابه في ميزان حسناته، وأن يوفِّقنا لمواصلة المسيرة وإخراج أجزاء العمل المتبقيَّة إن شاء الله وما ذلك على الله بعزيز، آمين والحمد لله رب العالمين.
عن لجنة التحرير:
أ. يوسف بن أحمد كفُّوس
أ. بكير بن محمد فخَّار
__________
(1) ينظر مزيد التفصيل عن خطوات التحقيق ومنهجه، في مقدمة الجزء الأول من هذا الشرح. (1/3)
صفحة 4
القرارة في: يوم الأربعاء 17 رمضان 1434هـ
الموافق: 08 جويلية 2013م
نبذة عن حياة الشيخ الناصر المرموري (بسم الله الرحمن الرحيم - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهما - - صلى الله عليه وسلم - سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم -)
الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري، ولد يوم 01 رجب 1345 هـ الموافق لـ 07 جانفي 1927م بالقرارة ولاية غرداية، أمه بسيس عائشة بنت أحمد.
تربَّى بين أحضان عائلة متواضعة وتلقَّى تعليمه الأوَّل بمسقط رأسه على يد الشيخ أبو الحسن علي بن صالح، والشيخ بسيس قاسم بن الحاج سعيد.
استظهر القرآن كاملا على يد أستاذه بسيس عمر بن الحاج سعيد يوم 15 جوان 1942م وهو شاب يافع ذو خمسة عشر ربيعا، فالتحق بعد ذلك مباشرة بمعهد الحياة لمواصلة مشواره الدراسي الثانوي.
تلقَّى الشيخ الناصر تعليمه في معهد الحياة على يد رائد الإصلاح في وادي ميزاب الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، ومساعده الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي الشيخ عدُّون رحمهما الله، إلى جانب مشايخ وعلماء ذلك العصر، منهم الشيخ علي يحي معمَّر النفوسي الليبي، والشيخ بكير بن عمر بيُّوض، والشيخ عمر بن صالح آداود، وغيرهم، إذ أخذ عنهم علوم اللغة العربية والفقه والحساب والميراث. ولم يتلقَّ شيئًا من التعليم المنظَّم عن غير هؤلاء، ولا في مؤسسة تعليميَّة غير معهد الحياة، إلاَّ من عصاميَّته التي سوَّدته علَما بين الأعلام، وعلَّمته الكرَّ والإقدام.
في الفاتح من أكتوبر سنة 1947م رشَّحه الشيخ بيوض للتَّدريس في معهد الحياة، واستمرَّ في تحمُّل هذه الرسالة النبيلة والشاقة إلى يوم وفاته طيلة 65 سنة كاملة، فكان بذلك أقدم أستاذ في معهد الحياة. (1/4)
صفحة 5
وفي سنة 1962م طلب الإمام غالب بن علي الهنائي العُماني من الشيخ بيُّوض إيفاد أحد أساتذة معهد الحياة إلى مصر للإشراف على مكتب عُمان في القاهرة، ورعاية شؤون البعثة العلمية العُمانية هناك، فانتدب الشيخ بيُّوض ليضطلع بهذه المهمَّة العلميَّة، فانتقل إلى القاهرة في الفاتح من سبتمبر 1962م ليمكث فيها مدة ثلاث سنوات.
وتعتبر السنوات التي قضاها في القاهرة نقطة تحوّل مهمَّة في حياة الشيخ الناصر؛ إذ كانت فرصة للاغتراف من بحر العلوم الشرعية فكان يلازم مشايخ الأزهر ويواظب على حضور محاضراتهم بمركز المؤتمر الإسلامي في الزمالك، وعلى رأسهم الشيخ محمد الغزالي ومحمد أبو زهرة، وسيد سابق، ومحمود حسن ربيع، وفتح الله بدران، والشيخ أحمد الشرباصي وغيرهم، كما كان يستقدم بعضهم لتدريس الطلبة العُمانيين في الداخلية التي كان يشرف عليها، كما كان هو أيضا مدرِّسا لمادة الفقه فيها.
كان الشيخ خلال إقامته بالقاهرة يلتقي بالشيخ البشير الإبراهيمي في مقر إقامته بمصر الجديدة في جلسات أدبية رفيعة، كما كان ملازما للشيخ أبو إسحاق
إبراهيم اطفيش في أمسيات يتبادلان فيها أطراف الحديث عن السياسة والتاريخ وأحوال الأمَّة العربية والإسلامية.
وبعد رجوع الشيخ الناصر من مصر سنة 1965م، عاد إلى معهد الحياة ليستأنف جهاده التعليمي مُدرِّسا للعلوم الشرعية من أصول الفقه والحديث والتفسير، وقد كان يلازم الشيخ أبا اليقظان صديق دربه مساء كلِّ جمعة ولمدَّة طويلة حيث كانا يجولان معا في عالم الشعر والأدب ويستطلعان أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. (1/5)
صفحة 6
ويُعرف عن الشيخ أن له قوة كبيرة على الوصف فهو شاعر وأديب، يحفظ من الشعر الشيء الكثير ومن مختلف عصوره قديمه وحديثه، كما أنَّ له قصائد عديدة من نظمه، وقد أحرق جلَّها عندما تعدَّى الاستعمار الفرنسي الغاشم على مدينة القرارة باحثا عن المجاهدين والمناضلين، فما حُفظ من هذه الأشعار قليله منشور وكثير غيره مخطوط ومسطور.
وقد امتلك الشيخ ذاكرة قوية فهو حفَّاظة، استوعب رصيدا هائلاً من العلم والشعر والحكم والتاريخ والأسماء، بالإضافة إلى الأنساب والعلاقات العائلية والاجتماعية. ولم يقتصر هذا على القرارة بل تعدَّاه إلى بعض قصور وادي ميزاب. فضلا عن التاريخ الإسلامي والإباضي سواء المشرقي منه أو المغربي.
وقد كان للشيخ كتابات ومقالات ينشرها بمجلة الشباب الصادرة عن معهد الحياة والتي كانت تعتبر عصارة النتاج الأدبي لطلبة المعهد وأساتذته، كما نشر الشيخ بعض مقالاته في جريدة الإصلاح للشيخ الطيب العقبي، والبصائر لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وللشيخ الناصر المرموري مؤلَّف مطبوع بسلطنة عُمان تحت عنوان «مختصر تفسير الشيخ بيُّوض رحمه الله» في ثماني مجلدات، جمع فيه ملخصات للدروس التي كان يلقيها الشيخ بيُّوض بالمسجد الكبير بالقرارة في تفسير القرآن الكريم.
مما يشتهر به الشيخ الناصر أسلوبُه المتميِّز في التدريس والوعظ والإرشاد، وذلك لغزارة علمه وتفقُّهه في الدين، فأوَّل بداياته في هذا الميدان كانت بدار العلم (دار الشيخ بالحاج) بالقرارة أين كان يُلقي دروسا على التلاميذ والطلبة وعامَّة الناس وذلك من سنة 1947 إلى غاية 1971م، سنة انضمامه إلى «حلقة العزابة» بمدينة القرارة. وفي السنة نفسها عُيِّن عضوًا في مجلس «عمِّي سعيد» الهيئة العرفية التي تتولى الشؤون الدينية في وادي ميزاب. (1/6)
صفحة 7
وبداية من سنة 1979م اعتلى الشيخ الناصر منبر المسجد الكبير بالقرارة واعظا وخطيبًا وإمامًا بتكليف من الشيخ بيُّوض؛ وبعد وفاة الشيخ شريفي سعيد الشيخ عدُّون رحمه الله أصبح الشيخ الناصر رئيسا لحلقة العزابة بالقرارة منذ سنة 2004م إلى أن وافته المنية، فكان مرشدًا دينيا ومصلحًا اجتماعيا في
قرى وادي ميزاب والجزائر متَّبعا المنهج الشيخ بيُّوض: الدعوي الإصلاحي. كما كان شيخا لندوة الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي البكري وعمدة الفتوى فيها بعد وفاة مؤسِّسها 1986م.
تولَّى الشيخ الناصر المرموري لعقود عدة مهمَّة مرافقة الحجاج الميامين إلى البقاع المقدسة كمرجع فقهي وتاريخي للحجاج، باعتباره عضوا دائما في البعثة الميزابية إلى البقاع المقدَّسة، كما اشتهر بالرحلات العديدة التي قام بها في ربوع الوطن الإسلامي بهدف نشر العلم والمعرفة، فقد زار تونس، وليبيا، وعُمان، والسعودية وجزيرة زنجبار بتنزانيا، واستقدم العديد من البعثات العلمية العُمانية والزنجبارية للدراسة في معهد الحياة بالقرارة، كما أرسل عدَّة بعثات علمية جزائرية للدراسة في معهد العلوم الشرعية (معهد القضاء الشرعي سابقا) بمسقط، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
خلَّف الشيخ - إضافة إلى ما سبق ذكره من آثار - تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من مدرسته، وكرعوا من علمه، وتراثًا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئات الفتاوى المبثوثة في مختلف الجهات، وتفسير الجامع الصحيح في الحديث، وبحوث فقهية كثيرة، وتراثًا مسموعا يتمثل في مئات الدروس المسجلة في مختلف مساجد وادي ميزاب والجزائر وتونس وليبيا وعُمان وزنجبار وغيرها من البلدان التي حلَّ فيها ... (1/7)
صفحة 8
استقبل الشيخ الناصر المرموري صبيحة يوم الأحد 12 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 15 ماي 2011م بمعهد الحياة بالقرارة سماحة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي مفتي سلطنة عُمان الذي كان في زيارة علمية إلى الجزائر، فكان لقاء الاستقبال بحرارته وجماله لقاء الوداع، إذ شاءت الأقدار الإلهية أن يصاب الشيخ الناصر بنوبة قلبية مفاجئة مساء اليوم نفسه بعد عودته من القرارة إلى مكان إقامته بقصر تافيلالت بأعالي مدينة بن يزقن بغرداية، نقل على إثرها إلى عيادة الواحات أين لفظ أنفاسه الأخيرة، عن عمر يناهز أربعا وثمانين سنة. وشيَّع جنازته في القرارة في عصر الاثنين جمعٌ غفير من العزابة، والعلماء، والمسؤولين، وعامَّة الناس، من داخل القطر الجزائري وخارجه.
رحم الله شيخنا، الشيخ الناصر، وأسكنه فسيح جناته، ونفع الأمَّة الإسلامية بعلمه. والحمد لله رب العالمين.
الباب الرابع
في العلم وطلَبِهِ وفضْلِهِ
[صفحة بيضاء]
ما جاء في طلب العلم ولو بالصين
الشرح:
ننتقل من باب القرآن إلى باب العلم، وقد وردت في فضل العلم آيات كثيرة تبيّن فضل أهل العلم على غيرهم، وتحثّ على طلب العلم وعلى نشره، مثل ما قال جابر بن زيد: «إن الله لم يأخذ العهد على المتعلّمين أن يتعلَّموا حتى أخذ العهد على العلماء أن يعلِّمُوهُم» (1) قال تعالى للعلماء: {وَإِذَ اَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187) وقال تعالى في شأن المتعلمين {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل:43)، إذن فقد أخذ العهد على أهل العلم أن ينشُروه، وأخذ العهد على غيرهم أن يتعلَّموه، وأن يسألوا عنه.
__________
(1) قول جابر بن زيد: «إنّ الله لم يأخذ العهد على المتعلّمين أن يتعلَّموا حتى أخذ العهد على العلماء أن يعلِّمُوهُم» لم نعثر عليه في مظانه. (1/8)
صفحة 9
وكذلك في فضل العلم ووجوبه وما لأهله عند الله من الدرجات وردت في ذلك أحاديث صحيحة وكثيرة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ولا شكَّ في ذلك لأن الله تعالى يُعبَد بالعلم ولا يُعبد بالجهل، والله خلقنا لأجل العبادة لا غير: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) وهذه العبادة لا يمكن أن
تكون إلا بعلم، لأننا نعبد الله بما شرّعه لنا هو لا بما نقترحه عليه تعالى، ولو تركنا إلى اقتراحاتنا وأهوائنا لضللنا، ولأصبح ناس يتقرّبون إلى الله بما يُبعِدهم عنه، وقد قال العلماء: «لا يُعبدُ الله إلاّ بما شرّع» (1) ولذلك كان طلب العلم واجبا لكي نعرف كيف نعبد الله، وإذا عبدنا الله بما شرع يتقبّل منا ويضاعف لنا الأجر، كما سيأتي في أحاديث الباب.
هذا الحديث الصغير في متنه الغزير في معانيه، جاء سنده بطريق صحيح متصل، أبو عبيدة عن جابر عن أنس بن مالك عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، وكل راوٍ أستاذ لغيره، فأبو عبيدة أستاذ للربيع، وجابر شيخ لأبي عبيدة، وأنس من شيوخ جابر، والرسول - صلى الله عليه وسلم - منبع النور ومصدره وأَنَسٌ خادمُه وملازمُه.
«أطلبوا العلم ولو بالصين»: الحديث يدلُّ على الترغيب في طلب العلم أولا، إن لم نقل يدلُّ على الوجوب، أما العلم الذي لا يسع الناس جهله فهو علم التوحيد، وعلم الفرائض، وعلم الواجبات والمحرمات، فهذا علم واجب على كل مسلم أن يعلمه.
معنى العلم الذي لا يسع أحداً جهله، ومعنى العلم الكفائي:
هو العلم الذي لا يعذر أحد في جهله ومنه وحدانية الله وما يتمّ به ذلك التوحيد، والواجبات اللازمة أداؤها كالصلاة والصوم، والزكاة والحج والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وما إلى ذلك، ومعرفة المحرمات من الأمور، فلا بدّ لكل مسلم ومسلمة أن يتعلّمه ويُعلّمه.
__________
(1) قول العلماء: «لا يُعبدُ الله إلاّ بما شرّع» لم يعثر عليه فيما بحث فيه في مظانه. (1/9)
صفحة 10
وبالنسبة لهذا العلم فالأمر يدلّ على الوجوب، وأمّا بالنسبة للعلم الكفائي الذي هو فرض كفاية، كالعلم الذي يتوسّع فيه العلماء ممّا إذا علِمه بعض الناس كفوا عن الآخرين فعندئذ يكون الطلب دالاًّ على الندب والتأكيد، ولكن بالنسبة لمجموع الأمة فلا بدّ أن يكون منهم فريق عارف بهذا العلم؛ علم الأحكام والمعاملات والفرائض والميراث، والوصايا وأشياء أخرى من هذا القبيل، وحتى تغسيل الأموات وتكفينهم والصلاة عليهم ... فلا يلزم كل الناس معرفة هذا ولكن لابدّ أن يكون منهم من يعلمه، إذ يجزي عن الباقين، وإذا تركه الجميع هلك الجميع، ولا ينبغي أن نقول: من يتعلّم يكفي عن الآخرين، فلو اتّكل كل منّا على غيره ستكون النتيجة الجهل المطلق الذي ليس فيه عذر.
وحدة الشرائع السماوية:
والمقصود الأول من العلم؛ هو ما جاءت به الرسل من عند الله تعالى، وجميع الأنبياء والرسل جاءوا بعلم التوحيد، والإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، وبالنسبة للدين الإسلامي فالأمر كلّه واحد {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسى أَنَ اَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى:13) ولأنّ الدين عند الله (1/10)
صفحة 11
الإسلام، وهذا ليس فيه خلاف بين رسول ورسول أو بين نبي ونبي، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «نحن معاشر الأنبياء إخوانُ عَلاَّتٍ أبونَا واحد، وأمهاتنا شتىَّ» (1) أي أبونا الإسلام وأمّهاتنا شرائعنا، والمقصود أبونا واحد أي الدين الإسلامي الذي هو علم التوحيد الواجب علينا أن نؤمن به، ونعتقده ونقرّه بألسنتنا، أمّا الشرائع فلكل نبي أسلوب ومنهج في التشريع ولكن الأصول لا تختلف، من ذلك أن الله يحلّ الطيّبات ويحرّم الخبائث ويأمر بالصلاة والزكاة والصوم، فكلّها موجودة، ولكن طريقة أدائها تختلف من وقت إلى وقت ومن شريعة إلى شريعة.
وكذلك في بعض الأمم حرّم الله عليهم أشياء دون الأمم الأخرى، مثل قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ اُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (النساء:160) إذن فقد يكون في التحريم تفاوت واختلاف وإنما دائما هو متعلّق بالحكمة الإلهية التي تقضي بأن يشدّد على أمة لتشديدها على أنبيائهم بكثرة الأسئلة، مثل قصة: البقرة عند بني إسرائيل، أو لكثرة خلافهم وعنادهم شدّد عليهم، لذلك علّمنا الله تعالى هذا الدعاء في كتابه الكريم: {رَبَّنَا
وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِنَا} (البقرة:286) إصرًا معناه ثقلاً في التكليف، وجاءت شريعتنا حنيفية سمحة لا إصر فيها.
شريعة الإسلام تنسخ ما قبلها من الشرائع:
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، بلفظ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: {واذكر في الكتاب .. }، رقم: 3187. ورواه مسلم في صحيحه، كتب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام، رقم: 2365، 4/ 4362. (1/11)
صفحة 12
ونحن مكلّفون بما نزّل علينا في القرآن، وما جاءنا عن نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، أمّا شريعة من قبلنا فما كان منها موافقا لشريعتنا كعلوم التوحيد والإيمان فنحن مكلفون به، وكذلك بعض المحرمات فما كان منها موافقا لشريعتنا كذلك كأنواع الظلم والغش والكذب والخيانة وسوء الأخلاق، وما كان مخالفا لشريعتنا فنحن غير مكلّفون به، كما قال النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «العلمُ آيةٌ محكَمَةٌ أو سُنةٌ قائمةٌ أو فريضةٌ عادلةٌ وما سِوَى ذلك فهو فَضلٌ» (1)، فالعلم إذن آية من كتاب الله تعالى محكمة غير منسوخة، نتلوها ونحفظها ونعمل بها إذا كان حكمها معمولا به غير منسوخ، وهنالك من الآيات ما يُقرأ ولا يعمل بحكمها لأنّ حكمها منسوخ بآيات أخرى.
والعلم أيضا سنَّة قائمة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - صحيحة وثابتة غير منسوخة.
أو فريضة عادلة؛ تقسيم الفرائض يعني تقسيم المواريث، ويتبعه الوصايا المشروعة والوصايا النافذة التي أذن الله تعالى فيها، ومن حفظ علم المواريث فإن له قيمة عظيمة عند الله، ولذلك يجب أن نحفظه، وأوّل علم يرفع هو علم الفرائض قبل
كل العلوم التي سيرفعها الله تعالى جميعا، يأخذ الذين يفقهون هذا العلم بالنقصان، حتى لا يبقى أحد منهم ـ فيعمل الناس على تقسيم ميراثهم على غير كتاب الله وسنة نبيّه، وإنما على حسب القوانين، كما تدّعي بعض الفاسقات والكافرات اليوم، المكذبات لكتاب الله ويطالبن بتسوية المرأة بالرجل في الميراث، ونرجو ألا يسمع لهنّ ويضرب بكلامهنّ عرض الحائط ولا كرامة، وربّما سيأتي زمان يكون التقسيم على حسب هوى هؤلاء، أو يزهد الناس في تقسيم ميراثهم على شريعة الإسلام.
__________
(1) رواه أبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض، رقم: 2499، 3/ 119. ورواه بن ماجة في سننه، باب اجتناب الرأي والقياس، رقم: 53، 1/ 21. (1/12)
صفحة 13
والميراث كله مفصَّل في القرآن، عدا ميراث الجدّة لأم، الذي أعطى لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - السدس، ثم جاء سيدنا عمر - رضي الله عنه - فقاس الجدّة لأب على الجدّة لأم، فقال للجدّة لأب لم أجد لك نصيبا في القرآن ولا في السنة، وإنما تقتسمين مع الجدة لأم السدس، الذي أعطاه النبيء - صلى الله عليه وسلم - للجدة لأم والتي ثبتت بسنة النبيء، (1) وهنالك تفاصيل طفيفة في الجد أيضا، فثمّة من يجعله بمنزلة الأب وثمّة من يجعله فوق الإخوة ودون الأب.
__________
(1) رواه أبو داود في السنن، كتاب الفرائض، باب في الجدة، رقم: 2507، 3/ 121. بلفظ: «عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ شيْئًا فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَعْطَاهَا السُّدُسَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلاَّ لِغَيْرِكِ وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا»، ورواه ابن ماجة في السنن، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، رقم: 2714، 2/ 909. (1/13)
صفحة 14
ويجوز لنا بعد أن نتعلّم علوم القرآن والسنة أن نتعلّم العلوم الأخرى، التي يشير إليها القرآن ويحثّ على النظر فيها، مثل علوم الأرض والسماء، وما في الإنسان {قُلُ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (يونس: 101) {وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمُ, أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 20 ـ 21) فيلزم أن تعلم العلوم الأخرى كعلم الحساب، وعلم الفلك، والجيولوجيا وعلم النفس والكيمياء، وحتى علم الشريعة يحتاج إلى مثل هذه العلوم كعلم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة فالعلوم يخدم بعضها بعضا، ولكن لا بدّ لنا أن نبتدئ بعلوم الدين.
ألاَ وإنَّ علم الدِّين أوَّلُ واجبٍ ومن بعده أطلُب كلَّ علمٍ ولا نُكرَا
هكذا يقول الشاعر الحكيم، فعلم الدين أول ما يجب أن نتعلّمه وأوّل ما يجب أن نتعلّمه من علم الدين هو علم القرآن، وبعدها لا ينكر عليك أن تتعلم جميع العلوم الأخرى، إلاّ علم السحر الذي هو علم الشياطين والكفرة، وهو حرام في الإسلام وحكمه شديد جدا إذ أنّ صاحبه يقتل إذا قتل به أحداً من الناس.
الرحلة في طلب العلم: (1/14)
صفحة 15
«ولو بالصين» أي ولو كان هذا العلم بعيدا جدا، وأبعد بلاد تعرفه البلاد العربية في ذلك الوقت هي بلاد الصين التي في أطراف آسيا الشرقية، والمسافة بين مكة والصين أطول منها من المغرب الأقصى إلى مكة، ولو كان مكان أبعد من الصين لمثّل به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد وصف لهم البلاد البعيدة التي يعرفونها في مطلع الشمس في أطراف الدنيا وتسمى الصين، أي حتى لو كان العلم في الصين فيجب أن ترحلوا إليه، أو إذا كنتم في الصين والعلم موجود بالمدينة المنورة فعليكم أن ترحلوا لتطلبوه بالمدينة، والمقصود ألا يكون بُعد العلم وبُعد العلماء عذرًا عن التقصير في طلب العلم، فلا يقبل الله منّا عذرا يوم القيامة إن جئناه جاهلين قائلين: إنّ عذر جهلنا هو بعد المسافة بيننا وبين العلم والعلماء، فمهما يكن العلم في أي نقطة من العالم فواجب عليك أن ترحل إليه لتطلبه فلا تمثيل أجمل من هذا.
ولا ننس أنّ من أعظم القربات إلى الله تعالى، الارتحال في طلب العلم، وقد ملئت كتب التاريخ بالعلماء الذين اغتربوا وسافروا وتجشّموا المشاق من أجل طلب العلم، فمنهم من مات في الطريق إمّا لمشقته، أو بفعل قطّاع الطرق أو بالغرق في البحار، وكل ذلك لم يثن عزيمتهم عن الرحيل في سبيل العلم. (1/15)
صفحة 16
والعلم الذي بين أيدينا جاءنا من البصرة، بعد أن ارتحل أناس من بلادنا في أوائل القرن الثاني الهجري، إلى البصرة ليطلبوا العلم (1)، والبصرة أبعد من المدينة المنورة بنحو ألفين 2000 كلم من بعد المدينة، ولكن مع ذلك ارتحلوا إليها، ووسائل الارتحال في ذلك الوقت كانت صعبة إما مشيا على الأقدام أو على الإبل، وإذا كانوا في البحر فبالسفن الشراعية وليس بالبخارية، ويقضون بذلك أيّاما وليالي وربّما شهورا عديدة في الطريق من أجل أن يصلوا إلى ما يطلبونه من العلم، وقصة سيدنا موسى - عليه السلام -، في رحلته لطلب العلم أعظم شاهد على هذا.
قصة سيدنا موسى والعبد الصالح:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوَ اَمْضِيَ حُقُبًا} (الكهف:60) خطب سيدنا موسى - عليه السلام - في بني إسرائيل خطبة بليغة كخطبة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، دوّن فيها أحكام الله التي في التوراة حيث أوحاها الله له فبلّغها وبيَّنها لقومه، فأُعجب بنو إسرائيل بخطابه إعجابا كبيرا، فلمَّا فرغ من خطابه سألوه، هل يوجد على ظهر الأرض من هو أعلم منك يا موسى؟
__________
(1) يشير هنا إلى حملة العلم إلى المغرب: إسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي، وعاصم السدراتي، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، بدعوة من سلمة بن سعد الحضرمي إلى مدرسة أبي عبيدة بالبصرة. ينظر: أبو زكرياء الوارجلاني، كتاب سير الأيمة وأخبارهم، ص 41، وص 54. (1/16)
صفحة 17
قال: لا، واعتقد ذلك اعتقادا منه وليس افتخارًا، وكذلك شكرا للنعمة، ولكي لا يقع اختلاف، فلو قال لهم نعم، لقالوا له لا نرض بعلمك إذن، إمّا أن تصححه أو نذهب إلى هذا الذي هو أعلم منك، لأنّ بني إسرائيل كثيرو الاختلاف والعناد، وسيدنا موسى ـ حتى وإن قال لهم لا ـ، فهو صادق، دلّ على ذلك قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (الأعراف:145)، أي أنّ موسى - عليه السلام - قد أوتي كل ما يؤتى الأنبياء والرسل.
فأوحى الله إليه أن يا موسى إنه يوجد في الأرض عبد من عبادنا عنده من العلم ما ليس عندك، وفوق كل ذي علم عليم، فقال موسى: يا رب دلّني عليه حتى أطلب منه العلم، وهذا واجب؛ فرغم أن سيدنا موسى - عليه السلام - عنده التوراة والعلوم الأخرى، إلاّ أنّه لم يستغن عن الاستزادة في العلم، والله تعالى لم يقل له ما عندك يكفيك، لكنه وافقه على طلبه، وهذا دليل على تأكيد ـ إن لم نقل وجوب ـ الارتحال لطلب العلم، فقال له: اذهب في ذلك الطريق حتى تصل مجمع البحرين، فتجد هنالك العبد الصالح.
فجهَّز موسى نفسه وعتاده لهذه الرحلة وأخذ معه رفيقا لهذا السفر الطويل، وهو تلميذه الذي أخذ عنه العلم وبعد ذلك صار نبيا وهو يوشع - عليه السلام - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لآَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوَ اَمْضِيَ حُقُبًا} (الكهف:60) أي لا أزال سائرا حتى أبلغ مجمع البحرين؛ المكان الذي يوجد فيه (1/17)
صفحة 18
العبد الصالح، الذي أوتي من العلم ما لم يؤت موسى، "أَوَ اَمْضِيَ حُقُبًا"، والحقُب جمع حقبة، والحقبة تمثل ثمانون سنة، وكانوا في القديم يستعملونها بكثرة مثل ما نستعمل الآن لفظة "القرن"، ويستعمل أيضا: الأمم، ويقال حقب وأحقاب مثل ما جاء في قوله تعالى: {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا} (النبأ: 23) أي حتى ولو مشينا أكثر من ثمانين سنة أو حتى ثمانمائة سنة لما توقّفنا حتى نصل إلى هذا الرجل الصالح.
فبدأ بأوَّلها {اَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} السفينة التي أحسن بها إلينا أصحابها وأركبونا فيها من بلد إلى بلد عبر البحر، وقد رأيتني أخرقها وأكسرها، ثم بعد ذلك أرقعها بحيث لا يدخل إليها الماء أو إذا دخل فإنه لا يضر ولا يغرق السفينة المهم أنه أصلحها فلماذا فعلت ذلك؟ لأنه أولا: السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر وليس لهم ما يكتسبون به غيرها وهم يقتاتون مما يعملون بها فهم فيها شركاء، ويبدو أنها صغيرة، وقيل أنهم كانوا صيادين، وحيث أنهم لا يعلمون الغيب لا هم ولا سيدنا موسى، وحيث أن وراءهم ملك جبار يراقب البحر فما وجده من السفن السليمة يأخذها، ويستغلها لأغراض الدولة أو يستعملها للحرب، أو المؤونة أو لشيء من ذلك، وأما السفن المعطوبة فإنه يتركها ولا يأخذها، وهذه السفن التي يأخذها سواء كانت بعوض أم بغير عوض فما ينفع لذلك أهلها إذا هم بقوا بغير قوت ولا عمل، ولذلك كسرتها ورقعتها حتى تسلم من أخذ الملك وتبقى بيد أصحابها.
أليس هذا خير لهم، فتسلم من أخذ الملك، ويحصلون منها قوتهم وصيدهم، ولا ينقصها شيء حتى وإن رقعت فهي تقوم بعملها بأحسن ما يكون فلربما تزيد مائة عام أخرى ولا يقع لها شيء أبدا فهي لا تنقص في العمل وإنما تنقص شيئا ما في المنظر فقط، وقد فهم سيدنا موسى الحكمة. (1/18)
صفحة 19
وبعد ذلك تحدث له عن قضية الغلام، التي هي أعجب من قضية السفينة، إذ يقوم فيها بنزع رأس غلام صغير بدون سبب واضح فهذا أمر عجيب، ولكن الخضر - عليه السلام - قال له: {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُّرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَآ أَنْ يُّبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا فالغلام الذي قتلته فيه طباع شقيّة شرسة، لو عاش لنشأ كافرا، ويتعب بذلك والداه الذين لا يستحقان ذلك العصيان لأنهما مؤمنين، وقد قال المفسرين: أن يبقى هو على دينه وهما على إيمانهما ولكنه سيتعبهما كثيرا مثل ما هو في سورة الأحقاف: {وَالذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيَ أَنُ اخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنِ اِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَآ إِلآَّ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ} (الأحقاف: 17).
فينشأ هذا الولد على هذه الكيفية ولربما أكثر من ذلك، فقد يفتنهما في دينهما حيث يميلهما إلى كفره، فيكون الهلاك أعظم حيث هلاك الآخرة فلم يشأ الله لهما هذا الهلاك، لأنهما مؤمنين وكذلك رحمة بهذا الصبي الذي إذا مات وهو صغير فيكون مآله إلى الجنة إن شاء الله فلا يشقى لأنه صغير ولا
أحد يستطيع أن يعلم هذا لولا أن أفاض الله عليه من علمه اللَّدنيّ بعض قطرات فقط، فأصبح يرى بهذا النور ما أراه الله.
مصيبة موت الأولاد رحمة: (1/19)
صفحة 20
ولكن سيدنا موسى علم بأنَّ هذا العلم لا يُتعلم، وإنما الله يهبه لمن يشاء من عباده، والعبرة من هذه القصة هي لنا، فعندما يموت لأحد منا أحد أبنائه الصغار الذين هم دون البلوغ فيحزنون حزنا شديدًا وربما يفزعون ويسخطون القدر لماذا أعطيتنا يا رب هذا الابن الوحيد ثم نزعته منا، فليعتبروا ولا يجزعوا وليقولوا: إنَّ الخيرة فيما اختاره الله لنا، فهل تعلمون مستقبل ذلك الصبي عند كبره؟ فلعل موته خير لكم، فالله أعلم باختياره له، فنحن ربحناه فرطا وأجرا وذخرا لنا يوم القيامة، وقولوا: يا رب الأمر أمرك، والخلق خلقك، تتصرف فيه كما تشاء فنحن منك ولك وإليك، فمن مات له أحد أبنائه الصغار فليقل ربما كتب الله لي مثل ما كتب للوالدين الذين قتلَ الخضر ابنهما، فإن لم يكن بيد الخضر فيسكون بيد ملائكة الموت الذين يرسلهم الله لمن شاء إذا وصل الأجل، أليس هذا خير، نعم هو خير.
نعود إلى ذلك الابن الصغير الذي قال الله فيه لوالديه إنه سيبدّلهم خيرا منه، فلم يحرموا من الأطفال كليا وإنما ترك لهم ما يعوّضهم الله به خيرا منه بعد أن صبروا واحتسبوا على فقدان هذا الولد، فكل من أصيب بمصيبة فعليه أن يقول كما ثبت عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي
واخلفني خيرًا منها» (1) نحن لله، ومُلك لله، ونعود إلى الله، وما أخذ أو ترك فكل شيء له، ومن يبقى فسيلحق بمن ذهب، فيا رب اخلف لنا خيرا مما أخذته منا، إمَّا في الدنيا وإما في الآخرة، وما تتمتع به في الدنيا إن هو إلا أياما معدودات.
صبر أم سلمة على وفاة زوجها:
__________
(1) رواه مسلم، كتاب: الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، 1525، 2/ 631. ورواه أبو داود، في سننه، كتاب الجنائز، باب في الاسترجاع، 2712، 3/ 191. (1/20)
صفحة 21
فأم سلمة كانت متزوجة بأبي سلمة؛ رجلٌ مسلم صحابي صالح، فمات زوجها فحزنت عليه حزنا كبيرًا، فقال لها النبيء - صلى الله عليه وسلم - قولي: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها» فعلَّمها ما تقول عندما تصاب بشيء، فقالت: ما كنت أقوله إلاَّ لأنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - علمني إياهنّ، فكنت أقوله بنية صادقة خالصة، ولكني لم أكن أظن أن يخلفني الله خيرا منه، ما قلته إلا تقرُّبا إلى الله، ولكنها قالته إيمانا واحتسابا وصبرا ورجت الخير عند الله تعالى: ولكن لم تكن تنتظر أن يرزقها الله خيرا منه. وبعد أن اعتدّت خطبها النبيء - صلى الله عليه وسلم - فتزوجت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت من أزواجه اللاتي مات وهو عنهن راض، فهن أزواجه في الدنيا وأزواجه في الجنة.
وقيل إنَّ هذين الوالدين خلف الله لهما، كما يقول جمهور العلماء أن الذي خلف ذلك الولد أنثى، بنت صالحة مؤمنة خدمتهما وبرَّتهما وأحسنت إليهما
إحساناً كبيرا، فبارك الله في هذه البنت وولدت عدة أولاد، فمن أولادها وأولاد أولادها أنبياء، {فَأَرَدْنَآ أَنْ يُّبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}. (1/21)
صفحة 22
وأما المسألة الثالثة فهي قصة الجدار: الذي في القرية التي أبى عليهم أهلها بالضيافة، فسيدنا الخضر - عليه السلام - لم يرض بسؤال سيدنا موسى على العمل الذي قام به، وهذه الأخيرة ليس فيها عذر أبدًا، فالأولى أنكر بها المنكر، والثانية كذلك أنكر بها المنكر، وأما الآخرة فقد أنكر بها المعروف، لكنه بعد ذلك أجابه على سبب إقامته لذلك الجدار، فقال: إن هذا الجدار لغلامين يتيمين صغيرين، فأولا لا تتعلق بهم مسؤولية عدم الضيافة من أهل القرية، أي أن هذا الذنب لا دخل لهم فيه، وثانيا فإن تحت هذا الجدار كنز مدفون من أبيهم الصالح المؤمن المستقيم، حيث دفن لابنيه اليتيمين هذا الكنز تحت الجدار وعند كبرهم يقرؤون ما ترك لهم أبوهم من وصايا فيجدون فيه قصة هذا الكنز المدفون، فيستخرجونه ثم ينتفعون به.
ولكن ما علاقة سقوط الحائط بكنز اليتيمين، قال المفسرون: لو سقط هذا الجدار الكبير على الكنز سيصبح كومة من تراب فلا يستطيعون استخراجه، وقال البعض الآخر: لو يسقط هذا الجدار فيأتي أهل البلد فيزيلون تلك الحجارة ويعيدون حفر الأسس فيقعون في هذا الكنز فيأخذونه منهم، إذن فبهذا أقام الجدار كما كان، وليكبر اليتيمان فينتفعان به.
صلاح الآباء سبب لصلاح الأبناء: (1/22)
صفحة 23
ثم بعد ذلك استشكل المفسرون بأنه كيف يكون رجلا صالحا ويترك لأبنائه كنزا فهذا دليل على حبه الدنيا، والرجل الصالح يترك التربية ويترك الإيمان والصلاح والدين للأولاد، فكيف يترك لهم كنوزا مدفونة؟ لا هذا غير صحيح لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (1) فأن تذر عيالك أغنياء عندهم مال يكفيهم لمعاشهم خير من أن يبقوا محتاجين يمدون للناس يد السؤال، ثم إن هذا الكنز المدفون لا بدّ وأنه كان يدفع زكاته، وهو ليس من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فليس كل ما يكنز حرام لا، بل إن كان مالا تخرج منه الزكاة المستحقة فهو جائز، كما قال العالم الكبير ابن عباس بعد أن نزلت الآية السابقة: «كل مال أدّيت زكاته فليس بكنز ولو دفن في سبع أراضين» (2). فما دام يخرج منه حقُّ الله فهو جائز ولا يعذب صاحبه باكتنازه. بل إن هذه فائدة نأخذها من هذه الآية، فيمكن لرجل صالح
أن يترك لأبنائه كنزا، فلو كان غير جائز لما حكاه الله بهذه الكيفية في القرآن الكريم بل ووصف الذي زكّاه بأنه صالح.
شرح رواية ابن عباس «أن الكنز لوح من ذهب منقوش»
__________
(1) رواه الربيع في صحيحه: باب الوصية، رقم: 680، ورواه البخاري، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي سعد بن خولة، رقم: 1213. 1/ 435.
(2) ينظر الحاكم، المستدرك على الصحيحين، بلفظ: عن أم سلمة، .. أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فسألت عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت أكنز هو، فقال: إذا أدَّيت زكاتَه فليس بكنز» رقم: 1439، 1/ 547. (1/23)
صفحة 24
وروي أيضا عن ابن عباس أن هذا الكنز لوح من ذهب منقوش فيه خمس حكم أو ستة لأبنائه، حيث إنهم سيخرجونه فينتفعون من تلك الحكم ثم يتقوَّتون به، وقيل إن هذه الحكم نزلت في صحف إبراهيم - عليه السلام -، وهذه الكلمات والحكم هي:
«بسم الله الرحمن الرحيم، عجبتُ لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله» (1).
«عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح»: في هذه الدنيا، وليس المقصود بالفرح مجرَّد الفرح أو الابتسام أو ارتياح القلب، وإنما الفرح الطغيان والأشر والبطر وقسوة القلب {لاَ تَفْرَحِ اِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} (القصص: 76).
«عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن»، فكل شيء يقع في هذه الدنيا مكتوب في علم الله تعالى في قضائه، ثم ينفذ الله ذلك القضاء بقدره، فكيف يحزن على بلاء قد كتبه له {لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ} (الحديد:23) فيقول ما أصبت به قد كتبه الله لي في قضائه وقدره فيعوّضه الله خيرا منه، فلماذا يحزن.
__________
(1) ينظر: البيهقي، شعب الإيمان، 1/ 232، والقرطبي، الجامع، 11/ 38. (1/24)
صفحة 25
«عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب»، أي عجبت لمن يؤمن أنَّ الرزق مقسوم مضمون من عند الله تبارك وتعالى ولكنه يتعب في جمعه. وهنا وقفة؛ فلا ينبغي عند اعتقادنا أنَّ الرزق مقسوم أن نتوقَّف عن طلبه فلا نعمل ولا نكدّ، ونجلس فيأتينا رزقنا، نعم إن جلست قد يأتيك رزقك بإذن الله، ولكن العمل عبادة وطاعة وواجب {لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4) {يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ} (الانشقاق:6) التعب البدني والعرق عبادة، وإنما المقصود به هنا هو التعب القلبي، فهنالك من الناس من هو دائم العمل والكسب ولكن الوساوس والمخاوف لا تفتأ تتملك قلوبهم، دائمي اللهف واللغط والنكاية وكأن لم يكسبوا شيئا، فهذا هو التعب الفكري المنهي عنه فالجسد نعم يتعب ولكن القلب عليه أن يكون مرتاحا مملوءًا يقينا وإيمانا وتوكّلا على الله وهو خير الرازقين.
اعمل وتوكل على الله، فإن كانت نتيجة عملك كما تريد فهذا حسن، وإن كان دون ذلك فعليك أن ترضى بذلك، وتكون قانعا بما رزقك الله، وتتبع
الكسب الحلال في ذلك، فإن تلف ذلك المال فلا تموتنّ معه، ولا ينبغي إن خسرَت تجارتُك أو نُهب مالك أن تقتل نفسك أو تنهار جسديا لأن مالَك ذهب واندثر لكن الرزق على الله، فقد يرزقك من حيث تكنز وتذّخر، وقد يرزقك من مكان آخر، فعندما خلقت في هذه الدنيا لم يكن الله لينتظرك حتى تبدأ في العمل ثم يرزقك، فكنت تأكل وتشرب وتلبس قبل أن تبدأ في العمل "غرسوا فأكلنا، ونغرس ليأكلوا" فلا يلزم أن يكون رزقك مما عملت، وإلا أين كنت ومن أين كنت تأكل قبل أن تكسب؟! (1/25)
صفحة 26
إذن فهذا هو التعب المنهي عنه التعب الذي فيه الحزن وربما الانتحار، والجزع لقضاء الله وقدره، والبخل مما رزقه الله خشية موته أو موت أبنائه، وكذلك التعدّي على أموال الناس بزعم أن الحلال لا يكفيه ولا يغنيه لإعالة عياله فلابد من الأخذ من الحرام فيغصب ويغش ويخون الأمانات ويأكل الربا، ويبيع الغرر فكل هذا يقوم به سعيا منه لجمع ما يكفيه لأبنائه وأسرته، واعتقادا منه أن الحلال لا يكفي وحده، فهذا لا يعتبر تعبا للدنيا فحسب وإنما هو التعب الأبدي في الدنيا والآخرة.
فلا تتّبع الشيطان فيما يلهيك عن فرائضك وواجباتك، ولا تتعب جسدك أيضًا أكثر مما يطيق، فإن كان جسدك يتحمّل ستّ ساعات عمل أو سبع فلماذا تشقي جسدك أكثر من ذلك، فتبقى ليلاً ونهاراً في عمل مضنٍ مستمر حتى ترهق جسدك، ولا شكّ أن ما يوصل الإنسان إلى هذا هو خوفه
من الموت بسبب الفقر، فلا تناقض بين آيات الله مما نزل في الكتب السماوية السابقة، وما نزل في القرآن الكريم، أو ما نطق به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته المطهرة، وإنما فهمنا القاصر أحياناً يوحي لنا بوجود التناقض فيه فإن قال أحدهم: بما أن الرزق مقسوم فلا نعمل، فهذا طعن في هذه الكلمات.
«وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل» يؤمن بحساب يوم القيامة حيث سيحاسب على أقواله وأفعاله وأخذه وتركه ثم يغفل عن كل ذلك، وليس الغفلة مجرد النيات وإنما يعمل الأعمال التي يحاسب ويعاقب عليها، والغافل من يعمل أعمالا في الدنيا يعلم أنه سيعاقب عليها في الآخرة فهذا لابدّ للإنسان أن يحاسب نفسه وليس حتى ينبهه الناس أو يخشى من العدالة أو القضاء أو السجن أو التغريم، ومن حاسب نفسه في الدنيا كان حسابه يسيرا يوم القيامة. (1/26)
صفحة 27
ثم الكلمة الأخيرة «عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها، كيف يطمئن إليها»، فالحياة الدنيا دائمة التقلّب بأهلها فكم من أناس يصعدون ثم ينزلون، وكم منهم من يُولّ ثمّ يعزل ومنهم من يعز ثمّ يذل، وهذه هي طبيعة الدنيا بأهلها، فكيف للعبد أن يأمنها ويسكن فيها، والاطمئنان إلى الدنيا هو الغفلة التامة عن الآخرة، فلا يعمل لها ويقدّم لها بالأعمال الصالحة ولا الباقيات الصالحات من الحسنات، لأن الدنيا استهوته وغرّته، فلربما يظلم الناس ويتكبّر ويطغى بدنياه، فكثير من الناس طغوا إما بأموالهم وإما بعلومهم أو بسلطانهم أو بصحة أبدانهم أو
بما إلى ذلك من أمور الدنيا، اغتروا بنعيم الدنيا وقالوا إنّ هذا النعيم خالد لن يزول أبدا، كما قال صاحب الجنتين: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا} (الكهف:36) كيف تنتهي كل هذه الجنات، وهي تتدفق أنهارا وخضرا وثمارا فكيف تموت كل هذه الخيرات وتنقطع، وإن ذهبت إلى الله يوم القيامة فسأجدها خضراء أيضا. فمثل ما أعطاني الله من النعم في الدنيا فسيمدّني بمثلها في الآخرة أيضا.
كثير من الناس يقولون هذا بلسان مقالهم، فإن لم يقولوه بلسان مقالهم فإنهم يقولونه بلسان حالهم، إعجابا بالدنيا واطمئنانا إليها وغرورا واعتزازا بها، إذن فيجب أن تعاشر الدنيا عشرة ارتياب لا عشرة اطمئنان. نأخذ منها الزاد ليوم القيامة وكفى وبعدها نمسكها باليد اليسرى فلا نعجب بهذه الدنيا لغاية النسيان والغفلة، فهي دار من لا دار له، وحظّ من لا حظّ له. (1/27)
صفحة 28
وسيدنا الخضر - عليه السلام - عندما فارق سيدنا موسى - عليه السلام - قال له أوصني فقال: «أنبذ الدنيا وراءك ظهريا، فإنها ليست لك بدار ولا هي محل قرار، إنما هي بُلغة للعباد ليتزوَّدوا منها لدار المعاد» (1) فلا تغرنَّك الدنيا فإن أتتك من الأمام فألق
بها وراءك ظهريا، فليست لك بدار ولا هي مكان استقرار لك ولا لأحد قبلك ولا بعدك، إنما هي بلغة للعباد ليتزوّدوا منها لدار المعاد، ودار المعاد هي يوم القيامة التي نرجع إليها جميعا إلى ربنا ونصير إليه ليحكم بيننا وهو خير الحاكمين. ثم بعد ذلك افترقا وقد حصل موسى - عليه السلام - على هذا العلم.
إذن فنستفيد من قصة هذا اليتيم أيضا أنه إذا أردنا أن يحفظنا ربنا ويحفظ أبناءنا فعلينا أن نجمع لهم من المال الحلال ونعلمهم الصلاح، كن صالحا ونشء أبناءك صالحين، وإن كتب الله لك أن تموت وكل عمر ابن آدم قصير فلن يضيّع الله أبناءك من بعدك إن كنت صالحا {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَيْنِ ( ... ) فَأَرَدْنَآ أَنْ يُّبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ .. } "فأردنا" الفاء هنا سببية أي من أجل صلاح أبيهما أراد الله أن يبلغا أشدهما ويكبرا، ثم يقرآن وصية أبيهما فيستخرجا هذا الكنز فينتفعان به، ولا بأس إن فهمنا أن هذا الكنز على تفسير ابن عباس فيكون قد جمع بين كنز الدنيا وكنز الآخرة، وصايا منقوشة في صحيفة الذهب فهم يترفقون بذلك الذهب وينتفعون بتلك الوصايا.
هذا ما كان من أمر موسى والخضر عليهما السلام ولنا فيه عبرة، وها نحن أخذنا العلم ولم نرحل إليه وموسى رحل إليه ارتحالا فاستفدنا منه.
__________
(1) ينظر: الهيثمي، روي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: « .. واعزف الدنيا وانبذها وراءك فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بُلغة للعباد ليتزوّدوا منها للمعاد» مجمع الزوائد، 1/ 130. الطبراني، المعجم الأوسط، 7/ 79. (1/28)
صفحة 29
الشجر والحجر يستغفر لمن رحل في طلب العلم:
كذلك عندنا في حديث مرفوع إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - من طريق صحيح أن أحدا من عامة الصحابة - رضي الله عنهم - من المغمورين لكنه ممن يشهد له بالفضل، فلو أنه لم يذكر إلا في هذا الحديث لكفاه وهو الصحابي: قبيصة بن مخارق المحاسبي (1) - رضي الله عنه -، جاء إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - من بلده البعيد يطلب العلم، فقال يا رسول الله كبرت سنّي ودقّ عظمي وجئتك تعلّمني علمًا ينفعني الله به، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أبشِر يا قبيصة إنّك ما مررتَ بشجر و لا حجَر إلا استغفر لك» (2) فهذا هو وجه المناسبة، يعني الرحلة في طلب العلم رغم ما كان من أمر هذا الصحابي من كبر في العمر وضعف في الجسد، إلا أنّه جهّز نفسه وارتحل إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - لينظر إلى وجهه الكريم، فقد يكون رآه من قبل وربما لم يره، وإنّما أراد الاستزادة بالقرب من النبيء - صلى الله عليه وسلم - للاستفادة من هذا النور، وبما عنده من العلم، فلم يقل إني قد كبرت في العمر وقد لا ينفعني التعلّم، وكذلك النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يقل له: ما جاء بك
__________
(1) قبيصة بن المخارق بن عبد الله الهلالي، كنيته: أبو بشر البصري (والد قطن بن قبيصة)، صحابي جليل، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه. ينظر: المزي، تهذيب الكمال،23/ 493، ابن حجر، تهذيب التهذيب: 8/ 350.
(2) رواه أحمد في مسنده: بلفظ: «يا قبيصة ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلا استغفر لك .. » كتاب أول مسند البصريين، باب حديث قبيصة بن مخارق عن النبي، رقم: 19692، 5/ 60. وانظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، 1/ 132. (1/29)
صفحة 30
وأنت كبير السن؟ فماذا تنتفع من العلم؟ وإنما شجّعه وتقبّله بقبول حسن، وقال له: أبشّرك أولاً بأنّ كل ما مررتَ به في الصحراء والبادية مرتحلاً لطلب العلم من حجر وشجر إلاّ استغفر لك، وهذا سرٌّ من أسرار الله تبارك وتعالى، فلا نقول كيف هذا، فالله تعالى يجعل ما يشاء من الشعور والنطق فيما يشاء من خلقه، {اللَّهُ الذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} (فصلت:21) فلا ندري كيفية نطقه، ولكن نعلم أن ما من حجر أو شجر إلا ويستغفر لطالب العلم.
كما يروى أنّ شجرة من جملة الأشجار دعاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمرها لتُقبل إليه فأقبلت، دعاها بإشارة من أصبعه فأتتهُ اجتثّت نفسها من جذورها ثم مثُلت بين يديه - صلى الله عليه وسلم -، فسلّمت عليه بالرسالة: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، بلسان فصيح، سمعَه من معه، فردّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال لها: ارجعي مكانك، فرجعت مكانها وعادت جذورها في الأرض وكأنه لم يقع شيء (1).
__________
(1) رواه أحمد: في مسنده، كتاب ومن مسند الشاميين، باب بداية مسند عبد الله بن العباس، رقم:1853، 1/ 223. الدارمي: السنن، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بلفظ: قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَلاَ أُرِيكَ آيَةً قَالَ بَلَى قَالَ فَاذْهَبْ فَادْعُ تِلْكَ النَّخْلَةَ فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَنْقُزُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ قُلْ لَهَا تَرْجِعْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ارْجِعِي فَرَجَعَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا فَقَالَ يَا بَنِي عَامِرٍ مَا رَأَيْتُ رَجُلاً كَالْيَوْمِ أَسْحَرَ مِنْهُ»، كتاب المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم، رقم: 24. 1/ 26. (1/30)
صفحة 31
هذه هي أسرار الله تعالى في خلقه، أو كما قال تعالى: {لَوَ اَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ} (الحشر:21) ليس متصدّعا من زلزال أو مطر وإنما من خشية الله، إذن فالقرآن شاهد على هذا، فالمهم أنّه من فضل الارتحال في طلب العلم أنه ما من شجر أو حجر إلا استغفر لك، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في فضل طَالِبِ الْعِلْم
19 ــ وَمِنْ طَرِيقِهِ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا لِمَا يَطْلُبُهُ» (1).
قَالَ الرَّبِيعُ: الأَجْنِحَةُ بَدَلٌ مِنَ الأَيْدِي فِي بَابِ الدُّعَاءِ.
الشرح:
دائما في باب العلم وطلبه، وفضل طلبه عند الله وعند ملائكته وعند الصالحين من عباده، وطلب العلم فيه فضل عظيم.
أعمال الملائكة وعباداتهم:
إنّ الملائكة المكرّمين الملائكة الأبرار، خير ما خلق الله من خلقه، وقد خلقهم الله لطاعته وعبادته، وكرّمهم بتقريبهم إليه، عباد مكرّمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} (الأنبياء:20)
__________
(1) رواه أحمد ابن حنبل في مسنده 4/ 239 – 241، و 5/ 1960، ورواه أبو داود في كتاب العلم: 1، ورواه الترمذي في كتاب العلم: 19، ورواه النسائي في كتاب الطهارة: 112، ورواه ابن ماجة في المقدمة: 17. (1/31)
صفحة 32
فريق منهم يحملون عرش الرحمن، ومَن حولهم من الملائكة الذين رفعت درجاتهم، ثم إنّ السماوات السبع مُلئت كلّها بالملائكة، فأهل سماء قيام حتى تقوم الساعة، وأهل سماء ركّع حتى تقوم الساعة، وأهل سماء سجّد حتى تقوم الساعة، ولكلٍّ تسبيحُه، {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمُ مبِمَا يَفْعَلُونَ} (النور:41) وكلهم صفوف في السماوات، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» (1)، وجعلت هيئات الملائكة من القيام والركوع والسجود والقعود والخشوع في صلاتنا، حتى ننال فضل عبادة أهل السماوات، وزادنا الله كرامة ليست عندهم، وهي كلام الله القرآن الكريم، حيث نقرؤه في صلاتنا أو نستمع إليه والإمام يقرؤه، وكل هذا يستوجب الرحمة من الله، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف:204) ويستنزل الرحمات أيضا.
ومن الملائكة التي جعلها الله تعالى جنودا تحضر مجالس الذكر، لتنزل إلى مجالس العلم لتشارك أهلها، وتستغفر وتصلي عليهم، فإذا كان رجل يصلي صلاة مع الجماعة وفي مسجد من مساجد الله، وينتظر الصلاة الأخرى، فإن الله تعالى ينزل عليه ملكا خاصا يكون إلى جنبه يصلي عليه، ما لم يُحدِث، يقول له: "اللهم
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب مواضيع الصلاة، رقم: 522، 1/ 371، ورواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب فضائل القرآن، رقم: 8022، 5/ 15. (1/32)
صفحة 33
اغفر له اللهم ارحمه" (1) وصلاة الملائكة يقصد بها الدعاء، أي تقول: "اللهم اغفر للذي صلى لك وها هو ينتظر للصلاة الأخرى، اللهم ارحمه"، فلا بدّ وأنّ دعاء الملك الذي أنزله الله وأنطقه بهذه الكلمات يستجيب له، ولم ينزله الله ليردّ عليه دعاءه، وإنّما ليستجيب له، وفعل الإجابة يعود للآدمي المؤمن وليس للملك، ما لم يحدث شيئا ينقض الوضوء، أو يلغو، أي يتحدث حديث لهو في المسجد، ولو لم يقرأ القرآن، أو لم يسبح وإنما بقي ساكتا فقط، أو أخذه النعاس فلا بأس في ذلك ما دام ينتظر الصلاة، فالملائكة تصلي عليه وتستغفر له.
وهناك طوائف من الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب فإن كان عبد مؤمن من عباد الله ذهب لطلب العلم في أرض الله، إمّا من بيته إلى مجلس العلم، أو إلى مسجد أو بيت يستفيد منه علما، إما قرآنا أو حديثا أو مسألة فقهية وما إلى ذلك .. إلا نزل إليه ملك فيبسط إليه جناحه من أجل الرضا لما يطلب، من أجل أن الملائكة تحب وترضى هذا العمل. وأن تحضر في مجلس علم هو أفضل أنواع العبادة وخير من ألف ركعة، والملائكة لا ترضى إلا بما يرضى الله، فهي ترضى لأجل رضا الله، وهي مأمورة بأن تنزل وتبسط أجنحتها لذلك الطالب.
معاني بسط الأجنحة:
وتكلّم الشرّاح في معاني بسط الأجنحة، ونفترض أن لو ركزنا على نص الحديث فقط لفهمنا منه التكريم لطالب العلم من الله ومن الملائكة، وحسن العاقبة ورفع الدرجات، والأجر الكبير، فمجرّد السماع للحديث يدلّنا دلالة واضحة على هذا الفضل والثواب العظيم، كفاه أن تنزل إليه الملائكة وتبسط له أجنحتها، ولا بأس أن نذكر بعض أقوال الشرّاح في معاني بسط الأجنحة:
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضيع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، رقم: 649، 1/ 460، ورواه البخاري في صحيحه، أبواب المساجد، باب الحدث في المسجد، رقم: 4345، 1/ 171. (1/33)
صفحة 34
قال الربيع بن حبيب مصنف هذه الأحاديث: الأجنحة بدلاً من الأيادي في باب الدعاء، أي تبسط أجنحتها كالذي يبسط يديه يدعو الله، كما قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فاطر:01) حتى قيل إن جبريل له ستمائة جناح، وقيل ألف (1)، إذن فبسط الملائكة أجنحتها كأنها تبسط يديها تستنزل الرحمات من الله لطالب العلم، وتصلي عليه وتستغفر له، فلا بأس بهذا المعنى المقبول، إن لم يكن هذا؛ فقطعا هي تدعو له وتصلي عليه.
وقال آخرون: إنّها تسكن وتجلس إلى مجلس العلم، وتستمع وتشارك وتدعو، وتحفّ به حتى يرفع ذلك المجلس، فهذا المعنى مقبول أيضا.
وقال آخرون: تبسط أجنحتها أي تظلّل بها طالب العلم، فإذا هو ذهب في طلب العلم ترفرف عليه بأجنحتها من فوق، كذلك هذا المعنى مقبول.
وقال آخرون: تبسط أجنحتها أي تكون في عونه (2).
ولا مانع أن تظلّلهم بأجنحتها ولا مانع أن تبسط عليهم أجنحتها، وكأنّهم يسيرون على أجنحة الملائكة، ولا مانع أن تدعو لهم أيضا، ولا يوجد مجلس في الأرض أشرف من مجلس تحفّه الملائكة، وتبسط أجنحتها لطالب العلم، إما سائرا في طريقه فهي تظلّله، وإما في مجلس فهذا فضل عظيم وثواب كبير.
آداب طلب العلم:
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله فأوحى إلى عبده ما أوحى، رقم: 4576، 4/ 1841. ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، رقم: 174، 1/ 158.
(2) ينظر: أبو ستة حاشية الترتيب 1/ 32،33. وينظر: عبد العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود 10/ 53. وكذا السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 58. (1/34)
صفحة 35
لكن من جهة أخرى ينبغي لطالب العلم أن يكون في نهاية العقل والأدب، يجب على الذي يخرج من داره طالبا للعلم أن يكون في غاية الوقار والأدب والخشوع، لا يتفكّر إلا في مسائل العلم، ولا تصدر منه أعمال تستحي منها الملائكة فتكون مخالفة للأدب، أو خارجة عن موضوع العلم. يجب أن
يستحي من الملائكة حتى لا تذهب عنه وتتبرأ منه، وتتركه وهي غير راضية عنه، وربما قد تلعنه إذا سمعت منه ما يستوجب اللعنة، يجب على طالب العلم أن يتفكّر وأن يكون من أولي الألباب وأولي البصائر، ويذهب إلى أعماله بفكر حاضر وبصيرة مستنيرة، ولا يمش كما اتفق بدون بصيرة أو غاية أو نية.
إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج إلى صلاة الجمعة يخرج في غاية الأدب والوقار، فبعد أن يغتسلَ ويتطيَّب، يقول: «اللهمَّ إنّي لم أخرُج أَشرًا ولا بَطَرًا، وإنما خرجتُ ابتغاءَ مرضاتكَ، أسألُك بحقّ ممشَايَ هذا وبحق السائلينَ عليك أن تغفرَ لي وتنقذني من النار» (1).
دعاء من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعمل الرسول أسوة لنا لأنه نبي، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب:21) فلنقتد به في هذا ولنتأدّب بأدبه ولنأخذ من أخلاقه وصفاته، وإننا لا نصل إلى كماله ولكننا نأخذ الكثير إذا كانت نيّتنا صالحة. فكان - صلى الله عليه وسلم - يخرج غاضًّا بصره ويمشي مشية التواضع، «اللهمَّ لم أخرج أشرًا ولا بطرًا» أي لا تكبراً ولا رياءً ولا سمعةً ولا طغياناً ولا مباهاةً ولا فخراً ولا خيلاء، ... «أسألك بحقّ ممشايَ هذا .. »، لأن الله أوجب على الماشين إلى المساجد ومجالس العلم حقًّا كبيرًا، كتبَهُ على نفسه،
__________
(1) رواه ابن ماجة في السُّنن، كتاب المساجد والجماعات، باب المشي على الصلاة، رقم: 778، 1/ 256. ورواه أحمد في مسنده، مسند أبي سعيد الخذري، رقم: 11172، 3/ 21. (1/35)
صفحة 36
{كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (الأنعام:12) أنَّهُ يجيبُ السائلينَ، فهو قال يا ربّ بهذا الحق الذي أنت أوجبتَه أسألُك بحقِّ السائلينَ، وأنا أحدُ السائلينَ، وهذا ليس توسُّل بالمخلوقين وإنّما هذا توسُّلٌ إلى الله بعملك أنت لأنك ماش إلى الله، فإذا سألته بحق السائلين، - وأنتَ من جُملتِهِم - فقد توسَّلت إلى الله بعملك لا بعمل غيرك.
الورود على النار:
«أن تغفرَ لي وتُنقذَني من النار» إنقاذا حقيقيا فنحن نرى نار الدنيا إذا اشتعلت وكان أحد وسطها، فأنقذه إنسان أو رجال المطافئ من وسط الحريق فإن هذا الإنقاذ يعتبره أعظم فرصة وأعظم غنيمة وأعظم فوز، وهذه نار الدنيا، فما بالُنا نحن من نار يوم القيامة، قال تعالى: {وَإِن مِّنكُمُو إِلاَّ وَارِدُهَا} (مريم:71) المقصود بالورود ليس الدخول في وسطها - نسأل الله السلامة - وإنما عندما نكون في المحشر تكون دائرة بنا من كل الجهات، بحسب ورود سيدنا موسى - عليه السلام - ماء مدين، {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} (القصص:23) فسيدنا موسى لم ينغمس في ماء مدين، وإنما ورد ماء مدين أي نزل ساحته، وهذا ما فهمناه وفهمه كثير من المحققين (1).
__________
(1) ينظر: أطفيش، تيسير التفسير، 9/ 83ـ 84. وينظر: وينتن، آراء الشيخ أطفيش، ص447. (1/36)
صفحة 37
إذا يوما ما سنكون هناك {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} (مريم:71)، فلا يوجد أحد حتَّم على الله ولكن الله هو الذي كتب على نفسه وأوجب عليها أن سيصير هذا الأمر، ولعلكم تطمعون أن يصير مقضيا، يعني مكتوبا في القضاء ولا تبديل فيه، {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} (ق: 29) {ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ} (مريم:72) أي ننجي المتّقين وننقذهم من وسط جهنم، لأنهم سيعبرون على أودية جهنم في طريقهم إلى الجنة، فهو مرور على الصراط الذي هو عبارة عن جسور ممدودة على أودية جهنم، فتكون ثمة منجاة المسلم (1).
لماذا لا نقول هذا الدعاء عند كل خروج ليس إلى المسجد فقط، بل في كل خروج لطلب العلم؟ فهذا الدعاء سيعظُنا، ويمنعنا أن ننتكس فلا تصدر منا أقوال وحركات غير مناسبة لمقامنا، ويكون لنا أيضا ذكر وغنيمة عند الله يغفر لنا به ذنوبنا وينقذنا من النار، ومن حُرّم على النار فهو في الجنة قطعا، {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} (آل عمران:185).
الملائكة وطلاب العلم:
وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم وإنه لحقٌّ ولو كُشف الغطاءُ لرأينا عجبا، ولكن من جهة أخرى يجب أن نحترم أنفسنا ونقدّرها حق قدرها، فلو
كنت تمشي مثلا أيّها الإنسان مع شخص تحترمه، فهل من الممكن أن تخالف الأدب حين مشيك معه؟ إنَّ هذا غير ممكن، فما بالك إذا بالملَك، وليس يوجد من هو أحق بالاحترام من الملك، فالملائكة حين تمشي معك إمَّا تظلك بأجنحتها، أو تبسطها لك لتمشيَ عليها، أو أنها تدعو لك.
فتخيّل أنك تراهم، - وهذا حق لأنّك تؤمن بهم -، فإن لم تكن تراهم فإنّهم معك، إذا فاحترم رفقاءك الذين نزلوا من السماء ليكونوا معك، ففي هذا عبرة كبيرة وموعظة، وكذلك بشارة لمن التزم الأدب.
__________
(1) ينظر: أطفيش، تيسير التفسير، 9/ 83ـ 84. وينظر: وينتن، آراء الشيخ أطفيش، ص179. (1/37)
صفحة 38
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله والحمد لله رب العالمين.
ما جاء فيمن سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا (1)
ما جاء فيمَن تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ
20 أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ». هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (2)
الشرح:
دائما في باب العلم وفضله وشرفه وثوابه العظيم عند الله تبارك وتعالى.
راوي هذا الحديث هو أبو عبيدة، عن جابر، عن أبي هريرة، وهو أحد الصحابة الذين أدركهم جابر - رضي الله عنه -، وأبو هريرة يؤكد هذا الحديث من أوّله ومن آخره بعدما روى لهم هذا الحديث قال: هكذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد أكّد الرواية من أوَّلها ومن آخرها فهي بهذا صحيحة، والحديث يتناول فضل من تعلّم العلم لله عز وجلّ وعمل به، ونصّ على خصلتان لابدّ منهما في باب العلم وإلاّ فإن هذا الطلب لا ينفع إذا لم تتوفر فيه هاتان الخصلتان:
__________
(1) عنوان هذا الحديث من وضع فريق التحقيق وكذا الأمر بالنسبة لكثير من الأحاديث، فبغية تسهيل معرفة موضوع الحديث من خلال عنوانه، قمنا بوضع عناوين لكل الأحاديث التي لم نجد لها عناوين خاصة في المصدر الذي استقينا منه العناوين الأخرى، وهو كتاب: شرح الجامع الصحيح للشيخ السالمي، وبالنسبة للمصادر الأخرى التي منها: الجامع الصحيح الربيع بن حبيب، حاشية الترتيب، .. فإن هذه المصادر في الغالب تضع العنوان للكتاب والباب فقط، وبالنسبة للحديث فتكتفي بالطرف الأول منه ولذلك لم نعتمدها.
(2) روى بنحوه الحاكم في المستدرك 1/ 85، ورواه الهيثمي في موارد الظمآن 51. (1/38)
صفحة 39
أولا: الإخلاص في النية، بطلبه لوجه الله تعالى.
ثانيا: العمل به.
العلم يرشد إلى الصراط المستقيم، ويدلّ على الخصال التي يرضاها الله تبارك وتعالى، من عباده المؤمنين، فإذا أنت عملت بما أرشدك إليه العلم، نفعك علمك، وإذا أنت لم تعمل كان العلم حجة عليك، أي يصير وبالاً على من تعلمه ولم يعمل به. فلا بدّ من هاتين الخصلتين لأن من تعلّم العلم لغير الله تعالى تعلَّمَه للمباهاة وللمجادلة والمماراة، والرياء والسمعة والعلو والشرف الدنيوي، فهذا لا ينفعه علمه، وهذه فتنة في طريق العلم لا يسلم منها إلا من سلّمه الله، والشيطان يجلب هذه الأفكار للمتعلّمين.
وحقيقة العلم هي أنه شرف وزين لأهله في الدنيا والآخرة، فإذا كان الإنسان يقصد زينة الدنيا فقد خاب وخسر {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ, أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (هود:16)
فيجب على المؤمن أن يحذر هذه الفتنة ويرجع إلى حقيقة الإخلاص، وذلك بأن يعلم عظم قيمة العلم، وعظم درجات العلماء عند الله تعالى يوم القيامة، حيث الثواب العظيم والدرجات العلا في الجنة، فإذا فكّر المتعلم في هذا استصغر الدنيا وعلّق همّته بما عند الله {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه:131) وكلّ من جعل قيمة لأمور الدنيا افتتن بها وصار مثلا للتصدير والعلو والمباهاة والافتخار، وإذا فتن هلك وأهلك، هلك نفسه وأهلك أناسا كثيرين، لأن أكثر ما يحدث من الفتن بين العلماء والعداوات أصله الافتخار بالدنيا والحسد على المناصب والمراتب والسمعة إلى غير ذلك، فتقع الفتنة بينهم ويفتتن الناس وراءهم.
سبب تعلّم أبان بن وسيم: (1/39)
صفحة 40
إن العلم إمام مرشد قد ينبِّهك إلى تصحيح نيتك، كما روي عن أبان بن وسيم (1) - رحمه الله - تلميذ أبو خليل الدركلي (2)، وأبو المنيب محمد بن
__________
(1) أبان بن وسيم، أبي يونس بن نصر الويغوي النفوسي (أبو ذر)، من علماء الدولة الرستمية، اشتغل بالزراعة، ولاّه الإمام أفلح بن عبد الوهاب على جبل نفوسة بعد وفاة أفلح بن العباس في أوائل القرن الثامن الميلادي، أجازه شيخه بالفتوى حتى كاد لا يخلو كتاب من كتب السير الإباضية والفقه والتاريخ من آرائه وفتواه. ومن تلامذته: أبو القاسم البغطوري، وأبو محمد عبد الله بن الخير، وأبو معروف ويدران بن جواد، وأبدين الفرسطائي، وغيرهم من العلماء والعالمات ... وفي مدينة ويغو مسجد يعرف باسمه، ينظر: معجم أعلام الإباضية 2/ 8.
(2) أبو خليل صال الدركلي: علَم من أعلام "إيدَرْكَل" بجبل نفوسة (ليبيا)، أخذ العلم عن حملة العلم الخمسة من البصرة إلى المغرب، وقيل هو أول من تتلمذ عليهم، ومن أساتذته أيضا: الشيخ أبو المنيب محمد بن يانس. ومن أبرز تلامذته: أبان بن وسيم، وأبو معروف ويدران بن جواد، وابن مؤنسة. وكانت له كرامات عديدة تدل على ورعه وتقواه، وله فتاوى وآراء فقهية، توفي عن عمر يناهز المائة و العشرين عاما، وفي جبل نفوسة غار ومصلى ينسبان إليه. ينظر: معجم أعلام الإباضية 3/ 465. (1/40)
صفحة 41
يانس (1)، مشايخ تعلَّم منهم أبان بن وسيم في القرن 3 هـ، قال: "تعلّمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله" (2). وقد روي عن غيره أيضا.
معنى هذا الكلام: إنَّ أبان تعلّم العلم وهو كبير، عندما بلغ الستين عاما، ذهب ليتعلّم مع الصبيان وكان الصبيان يضحكون على أخطائه، ويقول لهم: علِّموني واضحكوا عليّ. والسبب أنَّ أبان كان له أخ، هو سعيد بن وسيم وكان
عالما كبيرا، ومرض ذات يوم بوباء عمَّ منطقة جبل نفوسة، فمرض فيه ناس كثيرون، ومن جملتهم أبان وأخوه إذ مرضا مرضًا أقعدهما الفراش، وحيث إن أخاه سعيداً كان عالما، فقد فرش له في صدر المجلس داخل الدار وبفراش لائق، أمّا أبان فقد كان جاهلا في ذلك الوقت، ففرشوا له في مدخل الدار ـ أي في السقيفة ـ في الطريق وبفراش بسيط.
وكانت أفواج الطلبة والمشايخ الأفاضل يزورون العالم سعيد بن وسيم، ويمرّون على أبان الجاهل مجرد مرور، منهم من يسأل عنه ومنهم من لا يسأل، وربما عثر أحدهم به لكونه نائما في الطريق، فكان يخالجه شعور وإحساس بالفرق الكبير بين العلم والجهل، فقال في نفسه: "إن أحياني الله فسأتعلّم العلم لأحتلّ هذه الصدارة وهذا التقدير والاحترام".
__________
(1) أبو المنيب محمد بن يانس الدركلي النفوسي: (200 _ 250 هـ/ 815 _ 864 م) من أعلام جبل نفوسة، أخذ العلم عن عاصم السدراتي، واغترف من نبع إسماعيل بن درار الغدامسي، مارس التجارة لفترة، من تلامذته أبو خليل صال الدركلي، وأخوه عمر بن يانس، من أهم أعماله أنه رشحته نفوسة لمواجهة الواصلية بتيهرت بطلب من الإمام عبد الرحمن بن رستم، واشتهر بمعرفته العميقة لمعاني القرآن الكريم، فهو من مفسري القرآن الكريم تفسيرا شفويا إذ لم تذكر المصادر عنه تأليفا، كان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ينظر: معجم أعلام الإباضية، 4/ 828.
(2) ينظر، الجيطالي، قناطر الخيرات، 1/ 159، لكن الجيطالي ذكر القول حكاية عن العالم المشهور: سفيان الثوري. (1/41)
صفحة 42
ولمّا شفي أبان من مرضه، ذهب يتعلَّم لهذا الغرض، غرض نيل الرفعة والتقدير كما ناله أخوه ولا أكثر، فهذه نية غير صالحة، لأنه تعلُّم لغير الله، ولكن بعد ذلك وبمجرد أن حاز قسطًا من العلم وأخذ مبادئه، علم بعلمه أنه لا يجوز أن يتعلَّم لغير وجه الله فهو علم لا ينفع، والعلم النافع هو ما كان لوجه الله خالصا، فتغيّرت بذلك نيَّته (1)، ولربما بسبب قراءته هذا الحديث حينما وصل إلى هذا الباب في مسند الربيع، فوجد فيه: «من تعلم العلم لله عزَّ وجلَّ ... ».
في أول الأمر تعلَّمناه لغير الله تعلَّمناه للدنيا، ولكن العلم وجَّهنا إلى أن العلم لا يُتعلم للدنيا بل لله، والعلم هو الذي قوَّم نيَّته، فإذا كان العلم نورا، فلا بدَّ أن يمشي بذلك النور فلا يشقى إلاَّ من أشقاه الله وهلك عن علم، والعياذ بالله. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُو أَخْلَدَ إِلَى الاَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثَ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} (الأعراف:176) أي لم ينفعه علمه ولا جهله، وهو يلهث وراء الدنيا، والعلم نفسه نورٌ ينيرُ لصاحبه الطريق، ويبيّن له النية التي يجب أن ينويها في طلب العلم، فيخلي قلبه من النية الفاسدة ويعمرها بالنية الصالحة.
فضل العمل على العلم:
__________
(1) ينظر، الدرجيني، طبقات المشايخ 2/ 116ـ 117. (1/42)
صفحة 43
«وعمل به» أي عمل بذلك العلم، كما روي «هو الإمام والعمل تابعه» العمل يتبع ذلك الإيمان، فمن عمل بغير علم لم ينفعه، وربما يظنُّ الإنسان أنَّه يُحسن صنعا وهو يسيء، يظن أنَّه يتقرَّب إلى الله وهو يبتعد عنه، لأنه يعمل بجهل، فلا بدَّ أن يعمل بعلم، والله تبارك وتعالى إنَّما يعبد بما شرّع، ولا يمكن أن يدرك ما شرّع إلا بالعلم، حتى تعلم ما شرعه الله من عبادات فتتبعه وتعمل به.
والعلم يحتاج إلى عزيمة ويحتاج إلى صبر، وقد يهلك كثير من الناس ممن تعلّموا ولم يعملوا بعلمهم، فهم: {مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراَ} (الجمعة:5) لكنه لم يستفد منها. (1/43)
صفحة 44
ويوجد كثير من الناس كتب الله عليهم الهلاك لأنّهم تعلموا ولكن لم يعملوا بعلمهم، فقعدت بهم العزيمة، وعملوا بخلافه واتبعوا أهواءهم وشهواتهم، وضلّوا عن السبيل فلم ينفعهم علمهم، فالويل لهم مرتين، إذا كان الويل للجاهل مرة فالويل للذي علم ولم يعمل مرتين، وكل واحد من الناس ذكراً أو أنثى سيسأل يوم القيامة: «لا تزول قدما عبد (أي ذات اليمين وذات الشمال حتى يوقف) حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن ماذا عمل فيما علم» (1) لا بدّ أن يسأل هذه الأسئلة الأربعة ولا بدّ بالجواب، ولا يمكن أن يردّ ورقته بيضاء كما يفعل بعض التلاميذ في الامتحان، لا يوجد هذا يوم القيامة لا بد من الجواب، وهو امتحان شفهي وليس كتابي فلا بد أن يجيب، وإذا أجاب لا بد أن يصدق، وإذا أراد أن يكذب أُخرس لسانه ونطقت جوارحه.
فهذان شرطان رئيسيان وخصلتان تتعلقان بالعلم: أن تعقد النية الحسنة، وأن تعمل به، فإذا أتيت بهاتين الخصلتين
أعطاك الله يوم القيامة خصلتين مقابل
الخصلتين، عبارة عن جائزتين عظيمتين، الواحدة منهما تكفي لنيل السعادة الأبدية، فما بالك باثنتين: «حشر يوم القيامة آمنا» و «رزق الورود على الحوض».
ثواب العمل بالعلم:
«حشر يوم القيامة آمنا»:
__________
(1) رواه الترمذي، في السنن، بلفظ: «لا تنعقد قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه»، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، رقم: 2341،3/ 1053. وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". ورواه الدارميّ، في السنن، كتاب المقدمة، باب من كره الشهرة والمعرفة، رقم: 538،1/ 144. (1/44)
صفحة 45
الناس يوم البعث يقومون من قبورهم آحادًا، ثم يذهب الجميع مهطعين إلى الداعي حيث يدعوهم إلى المحشر، ولكنهم في ذلك المحشر يكونون على فريقين؛ فريق فزع، وفريق آمن؛ الفريق الفزع هو الذي رأى ذلك الهول، ولم يُبَشَّر، ورأى ما يخيفه في القبر، وتيقَّن أنَّ ما بعد ذلك أشدُّ مما رأى، أما الفريق الآمن فتنزل عليه الملائكة وقتئذ {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (الأنبياء:103) تتلقاهم ملائكة الرحمة عند الحشر يُبشِّرونهم ألاَّ يخافوا ولا يحزنوا كما قال تعالى في موضع آخر: {أَلآَ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس:62 - 64) وتأتيهم البشارات من الله تبارك وتعالى، - ونسأل الله أن نكون منهم - أنّهم آمنون فيملأ الله قلوبهم أمنا، وفي سورة الإنسان: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ
ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} (الإنسان:11) نظرة في وجوههم بمعنى بياض وإشراق وسرور في قلوبهم.
هذا الأمن من الخوف بدل الفزع، والفرح بدل الحزن، هذه خصلة كبيرة، لو لم تكن جائزة طلب العلم إلا هذه لكفت. (1/45)
صفحة 46
والذي حشر آمنا هو من أولياء الله، ومن السعداء، يمشي كل مراحل يوم القيامة وقلبه آمن، قال العلماء: ربما يفزع ببعض الأهوال لأنها خوارق عادات، لأنها مناظر لم يعتد النظر إليها يفزع قليلا ثم يرجع إلى صوابه، فيعلم أنه من أهل السعادة ومن أهل الرحمة. ويعرف أنَّ هذه الأهوال لم تُعدَّ له (1).
«ورُزِق الورود على الحوض»:
ثم بعد ذلك يُرزق الورود على الحوض جزاءً وفاقًا لأنَّه كان في الدنيا يرد حياض العلم، فيُرزق ورود الحوض وهو الكوثر، حوض النبيء - صلى الله عليه وسلم -، «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة، قال مجالس العلم» (2). وإذا رزق الورود على الحوض، فهو قطعا من أهل الجنة ونال السعادة
الأبديّة، لأنَّ الأشقياء لا يردون الحوض، أو أنهم يصلون إلى حافته فيُرجعون، «وليذادَنَّ رجال عن حوضي، كما يذادُ البعير الضالُّ، فأناديهم: ألا هلمَّ، فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: فسُحقا سُحقا» (3)، من بدَّل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقصى عن ذلك الحوض، إذا وفّق الله الإنسان فوصل إلى الحوض، وشرب منه، لم يبق بعد ذلك إلاَّ دخول الجنة.
__________
(1) ينظر: السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 59 ..
(2) رواه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، رقم: 3509، 5/ 532، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب، ورقم: 3510، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت. ورواه أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك، رقم: 12545، 3/ 150.
(3) رواه الربيع بن حبيب في الجامع، باب في الأمة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - رقم: 43، ص: 16. (1/46)
صفحة 47
وبالنسبة للأنبياء كلهم فإنَّ لكل نبي أرسل إلى أمَّةٍ حوضٌ تَرِدُ منه أمَّتُه، وتصغر هذه الأحواض وتكبر بحسب الأتباع، وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو أكثر الأنبياء أتباعاً ووُرَّادًا على حوضه، ولذلك جاء الحديث: «ما بين بيتِي ومنبري روضة من رياضِ الجنة» (1)، وجاء «منبري على حوضي» (2) وجاء كذلك «حوضي من المدينة إلى صنعاء، وعليه من الأكواب كعدد نجوم السماء» (3)،
فالرسول أعطانا بشارة كبيرة بأنّ حوضه كبير، وليس فيه طوابير كما في الدنيا، فطول الحوض من المدينة إلى صنعاء حوالي 2500 كلم، أو 3000كلم، كله حوض النبيء، لا يزاحم الواحد الآخر، وهناك من يكون له أفرَاطٌ على الحوض، الذين مات لهم أبناء صغار يذهبون ويكونون فرَطًا لوالديهم على الحوض، ويتلقَّونهم في وسط الطريق ولا ينتظرونهم حتى يصلوا إلى الحوض فيستقبلونهم بأكواب من ذهب، طبعًا للذين صبروا لأمر الله واحتسبوا أجرهم عند الله، ولم يجزعوا أو يسخطوا.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، بلفظ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» أبواب التطوع، باب فضل ما بين القبر والمنبر، رقم: 1138، 1/ 399. ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، رقم: 1391، 2/ 1011.
(2) ينظر: ابن حبان في صحيحه، 9/ 66. والبيهقي، السنن الكبرى،5/ 246.
(3) رواه الترمذي في سننه بلفظ: «حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء» كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،باب ما جاء في صفة الحوض، رقم: 2442، 4/ 628. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ورواه أحمد في مسنده، مسند ومن حديث ثوبان - رضي الله عنه -، بلفظ: «حوضي من عدن إلى عمان البلقاء ... وأكاويبه عدد النجوم». رقم: 22421،5/ 275. (1/47)
صفحة 48
فهذه كرامة كذلك تكفي لو لم تذكر في كرامة العلم إلاّ هذه لكفت، لأنَّ الإنسان الذي ورد الحوض لا بدّ يكون من السعداء ولا بدّ لهذا السعيد أن يكون آمنا، وأن يكون مبشّرا، تنزلت عليه الملائكة بالبشرى وبعد ذلك يدخل الجنة، فكيف بالكرامتين معا.
وقال العلماء: جعلت جائزة التعلّم الأمن، لأن التعلّم يكون في القلب، والأمن يكون في القلب، وجعلت جائزة العمل الورود لأن الشراب يتمتع به الجسد جزاء وفاقا (1)، يعني كل جائزة هي مقابل تعبه في سبيل العمل بذلك العلم
لأن العلم قد أتعب الجسد في الطاعة وحرمه كثيرا من اللذات في المعصية، أليس العلم هو الذي نهاك عن شرب الخمر فتركته في الدنيا، ونهاك عن أكل الحرام، نهاك عن شرب الماء البارد في رمضان، فعملت بذلك العلم فاشرب حينئذ هنيئًا مريئًا آمنًا مطمئنًا من حوض النبيء - صلى الله عليه وسلم -.
إنّ هذا الحديث صحيح المعنى موافق للقرآن، وصحيح الرواية لأنه روي بطريق متصل بسلسلة ذهبية، ثم أكّده أبو هريرة بعدما رواه قال: هكذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،لم أزد ولم أنقص ما عليكم إلا أن تعملوا، فهذا طريق للجنة واضح. والله الموفق والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في أنّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ، قُرْبَةٌ إلى اللهِ
__________
(1) ينظر فيما يفيد هذا المعنى كتاب الشيخ السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 59. (1/48)
صفحة 49
22 أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ لَيَنْزِلُ بِصَاحِبِهِ فِي مَوْضِعِ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، وَالْعِلْمُ زَيْنٌ لأَهْلِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (1).
التعليق على السند:
دائما في موضوع العلم وفضله وشرفه للمتعلمين وأهل العلم في الدنيا والآخرة.
الحديث رواه جابر وهو حديث مُرسل، وإرسال التابعي الكبير لا يضرّ، لأن:
أوّلا: إذا روى جابر الحديث عن واحد ذكره عادة، أمّا إن كان عن جماعة، يقول قال رسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يسمّي الجماعة واحدا واحد وهو مشوار كبير.
ثانيا: ثقته بالجماعة عظيمة إذا سمع من أحد الصحابة يقول فيه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر صادق وروي بطرق أخرى، غير هذه.
الشرح:
«تعلّموا العلم»: في هذا الكلام أمر بالتعلّم والأمر يدلّ على الوجوب، أما بالنسبة للعلم الذي لا يسع الناس جهله، والذي يجب على الناس جميعا حفظه فهو علم التوحيد، وعلم فرائض الأعمال، وعلم الحلال والحرام، هذا يجب معرفته وتعلّمه فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ولا يسع أو يعذر أحد بجهله، وأما بالنسبة للعلوم الأخرى كعلوم الأحكام والمعاملات والفرائض والوصايا والجنائز وما إلى ذلك فهو فرض كفائي إذا قام به البعض أجزَوا عن الباقين، ولا بد أن يكون في الأمة من يقوم بهذا الواجب.
__________
(1) ذكره صاحب كنز العمال 10/ 28867 بلفظ: «تعلموا العلم فإن تعليمه خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد» وقال: رواه الخطيب في المتفق والمفترق عن معاذ .. (1/49)
صفحة 50
والعلم، ـ بالألف واللام للعهد ـ هو العلم الذي جاءت به الرسل، العلم الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «العلمُ آيةٌ محكَمَةٌ أو سُنةٌ قائمةٌ أو فريضةٌ عادلةٌ وما سِوَى ذلك فهو فَضلٌ» (1)، وهو مأمور بتعلّمه، أما العلوم الأخرى من علوم الدنيا التي لا يستغنَى عنها ففيها فضل، والعلم يخدم بعضه بعضا، فمن تعلّمه بنية حسنة فله أجره.
«فإن تعلّمه قربة إلى الله عز وجل»: إذا كنت تتعلم هذا العلم، وتسير في سبيل طلبه فإنه يستغفر لك الشجر والحجر، والملائكة تظلّلك بأجنحتها وتبسطها لك إذا مشيت، رضًا بما تصنع، وإذا صار لك هذا العلم فعلّمته لغيرك فهو
صدقة، وإذا تعلّمت مسألة أو عشر مسائل أو مئة مسألة من مسائل العلم وعلّمتها لغيرك من الناس فتعليمك صدقة بل هو من أفضل الصدقات، كما روي في الحديث: «أفضل الصدقة أن يتعلَّم المرء المسلم علما ثم يعلّمه أخاه المسلم» (2).
إنّ العلم ليس كغيره من الحرف، كل العلوم الأخرى لا يستفيد منها الإنسان في وقت تعلّمها، إلاّ علم الدين فإن المتعلّم يجني ثمرته من أول يوم عند خروجه من منزله إن كانت نيته تعلّم العلم، فإنه يقترب إلى الله بتلك الخطوات، وتلك المجالس وبالاستماع والنظر إلى العالم وإلى الكتاب، وبممارسته وتكراره وكل الأمور التي تكون في طلب العلم تفيد في القربة، قرب مكانة وليس قرب مكان، أي أن تكون له منزلة عند الله عالية.
فضيلة التعليم:
__________
(1) رواه أبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض، رقم: 2499، 3/ 119. ورواه بن ماجة في سننه، باب اجتناب الرأي والقياس، رقم: 53، 1/ 21.
(2) رواه ابن ماجة في سننه، باب ثواب معلم الناس الخير، رقم: 243، 1/ 89. الهمذاني، الفردوس، 1/ 354. (1/50)
صفحة 51
فالعلم أو حرفة العلم خير من جميع الحرف ولا تشبه الحرف الأخرى، لأنّ ثمرته تنال من أول يوم تزرع فيه بذرته في ذلك اليوم الذي تنوي فيه الذهاب، وإن لم تتعلم أو تعلّمت النزر القليل ومتّ، فقد نلت درجة عند الله تقربك إليه، وإن كان قد قال الله تعالى: في شأن العلماء: {يَرْفَعِ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11) يرفعهم بعلمهم وحتى الذين يذهبون للتعلّم،
لأنهم يتقربون إلى الله، ومعنى تقربهم أنهم يرتفعون درجات. وهذا فضل في العلم خاصة، ولا يوجد في غيره، فلنستمسك به لأنّ تعلُّمه قُربة.
«وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة» وإذا صار عندك هذا العلم فطبعا عليك أن تعلّمه، إذا تعلم أحد منها مسألة أو اثنتين أو مائة مسألة، لا ينبغي أن يكون تعلّمه لنفسه، لا بدّ أن ينشره ويعلّمه للناس فينالُ بذلك أجر التعليم وأجر نشره، فينجو من الحساب، قال - صلى الله عليه وسلم -: «نضّرَ الله امرُؤًا سمعَ مقالتي فوعاها ثم أدّاها كما سمعها» (1)، فهذا هو التعلّيم وهذه الصدقة في التأدية أفضل من كل الصدقات يعني أفضل من صدقة المال، فلو أنّك تصدقت على فقير بمال وفير وتصدّقت بمسألة علم، فإن صدقة العلم أفضل من صدقة المال الكثير، لأن صدقة المال تفيد بدنه الذي هو مادة والمادة تفنى، وصدقة العلم تفيد روحه، والروح تبقى.
__________
(1) رواه ابن ماجة في سننه، باب من بلغ علما، رقم: 230، 1/ 84. ورواه أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك، بلفظ: «نضَّر الله عبدًا»، رقم: 13374، 3/ 225. (1/51)
صفحة 52
ورد في "سير المشايخ" قالوا «من أدخل إلى مدينة كتاب علم لم يوجد فيها، فهو خير ممن أدخل إليهم ألف حمل من دقيق» (1)، طبعا معنى الأثر صحيح، أكثر من هذا فلو جاء أحد بكتاب فيه الفقه والدين التفسير أو الحديث أدخله إلى مدينة غير موجود فيه، فنشره في تلك المدينة خير ممن حمل لهم ألف حمل من
دقيق، والحمل قنطاران يعني ألفي قنطار من دقيق، والمعنى واضح لو كان ألف حمل من دقيق وزعناه على مدينة فيها عشرة آلاف أو عشرين ألف ساكن، كل واحد يتحصل على العشر أو الربع من الدقيق يتعشّى به ليلتين وينتهي، ولكن كتاب واحد من علم يفيد المدينة كلها بفائدة مستمرة، والدقيق ينجيهم من الجوع، وربما الجوع يؤدي بهم إلى الموت، ـ والموت طبعا يكون بالأجل ـ ولكن العلم ينجيهم من الجهل، وينجيهم من النار وهذا مثال ساقوه إلينا للمقارنة.
صدقة العلم أفضل من صدقة المال:
ثم إنّ صدقة العلم لا تشبه صدقة المال، لأن المال إذا أنفقت منه أدخلت فيه نقصا ـ وإن كان الله يخلفه ـ، والعلم كلما تصدقت منه نما ولم ينقص، فلو أنت علّمت مسألة لأناس ألقيتها عليهم عبر إذاعة أو نشرتها عبر العالم، تبقى عندك المسألة موجودة، ولذلك يقول الشيخ السالمي في باب العلم:
والمال إن أنفقت منه شقصًا لا شك قد أدخلت فيه نقصًا (2)
المال إن أنفقت منه شقصا يعني جزءًا، أدخلت فيه نقصاً، وإنّ المال ينقص بالإنفاق والعلم يزداد بالإنفاق، وأما الخلف فالله يخلف في المال والعلم {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ:39).
__________
(1) ينظر الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، 2/ 233، وهو قول للشيخ عمران موسى بن زكرياء المزاتي، (400ـ 450هـ).
(2) ينظر: الشيخ السالمي، جوهر النظام، كتاب العلم، ص: 5. (1/52)
صفحة 53
كذلك إن صدقة العلم لا يقوم بينك وبينها مانع ولا حجاب، ولو سمع أحد في الجزائر أنّ جهلاً في تونس أو في ليبيا أو في الحجاز أو في أيّ مكان، واتّخذ الزاد لينشر علمه الذي في صدره خارج الحدود، إذا وصل إلى حاجز الجمارك يقولون له: اترك علمك هنا لأن العلم لا يخرج من الجزائر، فهذا لا يحدث أبدا، ولا يمكن أن يقولوا له هذا؟ بل إذا علموا أنه عالم يحترمونه لأنّهم يعلمون أنه سيشّرف الجزائر عندما ينشرُ العلم في الخارج، وسيرجع بذلك العلم أيضا عند عودته.
بينما إذا كان لأحد مال في الجزائر وسمع بمجاعة في تونس أو ليبيا أو مكان آخر، وقال أحمل مبلغ مليون أو اثنين لأنفقه على هؤلاء الجياع، فإذا وصل إلى الحدود، يمنعونه، حتى ولو قال لهم إني سوف أنفقه على الفقراء، يقولون له: هذه عملة الجزائر لا تخرج، أو ربما عملته لا تنفع ولا تصرف في الخارج، ويقولون له: إذا أردت ذلك فتصدق على الفقراء الذين هم في بلادك.
فصاحب المال يرجع ولا يقبل، وصاحب العلم يملك أن يذهب ويتصدق بعلمه حيث يريد ثم يرجع، وصاحب المال أيضا يخاف عليه من السرقة عندما يحمله في أوعية، بينما صاحب العلم لا يخاف عليه السرقة يذهب بعلمه ولا يسرق من قلبه أبدا.
إذا صفة العلم إذا قارنتها بصفة المال من جميع الوجوه فالعلم خير وأفضل وأنفع وأعمّ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، فضيلتان تعلّمه قربة وكذلك هو لا يشبه الحرف الأخرى فمن أول يوم نأكل ثمرته من أول الغرس، ثم إن تعليمه ونشره للغير صدقة وهي خير من جميع الصدقات. (1/53)
صفحة 54
«وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة» وإن العلم لينزل، أي يطير ويحلق بذلك العلم في الأجواء يرتفع ثم ينزل في مواضع مرتفعة، ونزوله يكون على القمم الشامخة على قمم الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة، رفعة عند الناس وعند المسلمين، ورفعة عند الله وعند ملائكته، كما يقولون "العلم يرفع العبد المملوك فيجلسه مجالس الملوك" (1) العبد الذي كان يباع ويشترى بالمال يرفعه العلم ويجلسه مجالس الملوك وحتى أفضل من مجالس الملوك.
العلم يرفع العبيد ملوكا:
وقد روي أن لقمان الحكيم - عليه السلام -: كان عبدا من "نوبة" في مصر جهة السودان، يباع ثم اعتق ثم حصَّل على العلم والحكمة وولي القضاء في زمن سيدنا داود - عليه السلام - في بعض النواحي، وقد أنزل الله فيه قرآنا وسميت سورة كاملة باسمه، وذكر فيها وصاياه لابنه فصار مثلاً لعباده المؤمنين، وهو ليس بنبي ولكنه عالم أوتي الحكمة (2) {وَلَقَدَ اتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} (لقمان:39) شهد الله له بذلك.
قال الشيخ السالمي فيما روى عن بعض العلماء: «إن الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك» (3) شرف ورفعة طبعاً.
__________
(1) الجيطالي، قناطر الخيرات، 1/ 61، وانظر: ابن القيم: بلفظ: «إنّ العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه المُلْك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفاً ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك»، مفتاح دار السعادة، 1/ 164.
(2) ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 5/ 380. القطب أطفيش، هميان الزاد، الباب 12، 10/ 423. (بحسب ترقيم المكتبة الإباضية الشاملة).
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 60. (1/54)
صفحة 55
يروى أن عبد الله بن مبارك في زمان أحد من الملوك العباسيين خرج من بيته وجاء الناس في موسم عيد أو موسم آخر فصار الكلّ يسلم عليه، منهم مشتاق إليه، ومنهم من يسأله في مسألة، ومنهم من يتبرّك بمشيه، لأنه عالم مشهور ومن الصالحين الكبار، «فخرج أحد الملوك وقتئذ ـ أظنّه المنصور أو هارون الرشيد ـ فرأى هذه الأبّهة، فقال: هذا هو المُلك
الحقُّ» (1)، أي الملك الحقيقي وليس الملك الذي نحن فيه، فملكُ العلم أفضل من ملك الدنيا.
وينزل صاحبه منزلة الشرف والرفعة هذا بدون شك، وإنما هنا وقفة؛ ربما يخطر على بال واحد ويقع في خلدِه أن يجعل تعلّمه لهذا الشرف وهذه الرفعة عند الناس، هذا خطر، فقد خاب وخسر من جعل همُّه من تعلمه شرف الدنيا والرفعة والشهادات فهو من الخاسرين، وسيأتي في أحاديث علماء السوء، إنما يأتي الشرف والرفعة عرضا، ولا يقصده الإنسان قصدًا، وإنما ينبغي أن ينوي من تعلّمه نفي الجهل عن نفسه، والتقرّب إلى الله، بتعلّمه، ونشر العلم في
الناس، هذا ما يقصده لينال الثواب عند الله تبارك وتعالى ليحشر يوم القيامة آمنا ويرزق الورود على الحوض.
فهذا هو الشرف والرفعة الذي ينبغي أن تقصد أيّها الإنسان، نعم قد تحدثّك نفسك بشيء من مكاسب الدنيا ولا بدّ أن تحدّثك به، لكن عليك أن تدفعه عن نفسك فلا تطلبه، إياك أن يكون هذا مطلوبك وإذا كان هو مطلوبك في الدنيا فلا حظ لك منه في الآخرة.
ونحن إذا قلنا الشرف والرفعة فنحن مكلفون ومتعبّدون بتقديم العلماء وتشريفهم وهذا ما نتقرب به إلى الله، ولكن العلماء لا يطلبون ذلك لأنفسهم.
القطب أطفيش يزور القرارة:
__________
(1) هذا القول قالته زوجة هارون الرشيد عندما رأت إقبال الناس على عبد الله بن المبارك. ينظر: ابن الجوزي، صفة الصفوة، 2/ 332. (1/55)
صفحة 56
وحكي عن القطب الشيخ حاج امحمد بن يوسف أطفيش - رحمه الله - (1)، عندما أتى القرارة قام الناس وحضّروا له استقبالا كبيرا - وقد يتذكّر هذا كبار
السن - فحفّ الطريق الذي يمرّ منه بأغصان الأشجار، وكذلك طُليت جدران وسقف المنزل الذي ينزل فيه بطلاء جديد، وقد كان هذا آخر مقدم له إلى القرارة، حيث إنّه توفي بعد عام من ذلك ربما أقل أو أكثر، لمن تذكر. فقد كان كبير السن وجاء وهو راكب.
__________
(1) امحمد بن يوسف بن عيسى أطفيش، قطب الأيمة: (و1237هـ، 1821م _ ت: 1332هـ، 1914م)، أشهر عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة من عائلة شهيرة بالعلماء ولد بغرداية، ونشأ فيها يتيما، حفظ القرآن وهو ابن ثمان سنوات في بني يزقن، والتحق بدور العلماء وحلق الدروس بالمسجد، أخذ العلم عن بعض المشائخ، ولما بلغ السادسة عشرة جلس للتدريس والتأليف، ثم أصبح عالما مشهورا، وبلغ درجة الاجتهاد في كهولته، وتتلمذ على يده العشرات من ميزاب وليبيا وتونس والمدينة المنورة، وله عدة تآليف أهمها: تيسير التفسير، شرح كتاب النيل، شامل الأصل والفرع، شرح عقيدة التوحيد ... إلخ، توفي بمرض، وكان رجل علم ومجتمع. ينظر: معجم أعلام الإباضية،4/ 835. (1/56)
صفحة 57
والذي مشى بجانبه (1) قد حكى لي مباشرة، أنه أرخى لحافه (الحولي) وطأطأ رأسه، كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند فتح مكة، حيث إنّه لما طأطأ رأسه كادت لحيته تلمس رحل جمله، كذلك فعل الشيخ أطفيش، -رحمه الله -، حياء من ربه، ومما يفعله الناس به، وهو لا يستطيع أن يقول لهم لا تفعلوا لي هذا، لأن الناس مكلفون ومأمورون من قبل الله بأن يرفعوا درجات الذين أوتوا العلم، ويتقرّبوا إلى الله بإكرامهم، ولم ينههم الشيخ عن ذلك، وهم حينئذ يقومون بعبادة وواجب من أعظم الواجبات، لكن الواجب عليه هو ألا يغترّ بهذا أو يناله الزهو.
وهذا الذي مشى بجانب الشيخ، وهو مطأطأ الرأس سمعه يقول: "يا ربّ إنَّ هذا للعلم وليس لـ امحمد بن يوسف"، أي أن كلّ هذه الأبهة وهذا التشريف والرفعة للعلم لا لشخص امحمد بن يوسف، يعتذر إلى الله تبارك وتعالى يستحي
ويتواضع، ويزيد بالتصريح بذلك وهذه كلمة حكيمة لكي نعرف ونطّلع على ما في قلوب علماء الله وعلماء الآخرة عندما تأتي إليهم مثل هذه الرفعة، فيجب أن تتبرّأ منها قلوبهم ولا يطلبونها، ولذلك على طالب العلم أو على أي تلميذ يطلب النجاح، ألاّ يضع في حسبانه طلب الشرف والرفعة في الدنيا، فهو يطلب الشرف والرفعة عند الله، ويسأله أن يكون له حسن ظن في الناس وكلمة خير يدعون له بها، كما دعا سيدنا إبراهيم - عليه السلام -: {وَاجْعَل ليِّ لِسَانَ صِدْقٍ فيِ الاَخِرِينَ} (الشعراء: 84) وأكثر من هذا لا يكون.
__________
(1) الشيخ الذي مشى بجانب القطب عند مقدمه لبلدة القرارة هو: الشيخ بالحاج حمو بن بكير بن حمو بن الشيخ بالحاج. (1/57)
صفحة 58
ثم قال: «والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة»، والزين هو البهاء والجمال، ولا يوجد زين كزين العلم، هذا هو الزين والجمال الحقيقي الذي يبقى ويستمر في جميع أطوار الحياة، ويبقى بعد الممات وفي الجنة، بخلاف الزين الجسدي من اللون واللباس الجميل، هذا شيء عارض، ربما يكون فتنة على صاحبه، ثم عارض ويزول في وقت الشباب:
أيَا من يؤمّلُ طول الحياة ... وطولُ الحياة عليه خطَرْ
إذا ما كبرتَ وبانَ الشبابُ ... فلا خيرَ في العيش بعد الكِبَرْ
إذا كبرت زال ذلك الجمال، وجمال الدنيا يذهب كلما كبرت بك السن، في عشر سنين أو أكثر من الشباب ثم يزول، خلاف زين العلم الذي يبقى في الدنيا وفي المحشر وفي الآخرة.
وروي أن الناس يحتاجون للعلماء في الدنيا ويحتاجون لهم حتى في الجنة، أما الدنيا فيسألونهم عن أمور دينهم، وحتى عن بعض أمور دنياهم، ويحتاجون لهم في الجنة عندما يقول لهم الله: تمنَّوا عليّ فيحتارون ما يتمنّون على الله، فيقصدون علماءهم في الجنة فيقترحون عليهم قيل هكذا (1)، المهم أن العلم يكون زين وبهاء لأصحابه.
العلم والأخلاق:
أما في الدنيا قالوا بالأخلاق الحسنة، يتزيّن العالم في الدنيا بالأخلاق الحسنة بالحلم والصدق والنزاهة والحياء والإنصاف والتواضع وكرم النفس وصفاء القلب، وهذه الأخلاق الحميدة التي تكون زينة للعالم إذا كان العالم يعمل بعلمه يكون كذلك، وإذا كان العالم متكبرًا ومتجبّرًا ولا يعمل بعلمه، كأن يكون حقودا أو حسُودا فعلمه لا ينفع.
__________
(1) ينظر: الفردوس بمأثور الخطاب، بلفظ: «إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة وذلك أنهم يزورون الله عز وجل في كل جمعة فيقول: تمنّوا عليّ تمنّوا ما شئتم فيلتفِتُون إلى العلماء فيقولون: ماذا نتمنى على ربنا؟ فيقولون كذا وكذا فهم يحتاجون إليهم في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا»، رقم: 880 1/ 230. وكذا المناوي، فيض القدير، 2/ 437. (1/58)
صفحة 59
إذًا زين لأهله في الدنيا بالأخلاق الحسنة "ما قورن شيء بشيء أزين من حلم إلى علم" كما يقال، وكما يقول ناسجو الزرابي: إنّ هذا اللون يأتي أجمل مع هذا
اللون، شيء جميل يقرن إلى شيء جميل، أو الحلي الذي يقرن بالحسناء حين تلبسه فيقترن جمال الحلي بجمال الحسناء. لا يوجد شيء في الدنيا إذا قورن بشيء كان جميلا مثل الحلم مع العلم، معناه من أتاه الله علمًا وأتاه بجانبه حلما وصبرا وعقلا وتواضعا فيكون أجمل شيء في الدنيا على الإطلاق.
والله تعالى يعطي العلم لصاحب الأخلاق، فلو أُعطيَ إنسان حسن أدب وتواضعا في صغره مع كونه متعلّما، فيتواضع ويصبر ويصدق ويعاشر أستاذه بهذه المعاشرة الطيبة، فإنّ الله يفيض عليه من العلم والحكمة ما يشاء، أمّا المتكبّر الحسود فهذا لا يتحصل على العلم من أول وهلة، وإذا تحصل على شيء فإنه سيكون وبالاً عليه.
العلمُ حربٌ للفتى المتعالِ كالسّيلِ حربٌ للمكانِ العالي
العلم حربٌ للفتى المتعال: أي العلم ضد نفس المتكبر يذهب عنه يمينا وشمالا ويتركه، كالسيل حرب للمكان العالي، كلما نزلت أمطار وسيول تذهب وتترك الأمكنة العالية وتستقر في الأمكنة الوطيئة المنخفضة، فهذا مثل للعلم الذي يذهب إلى صاحب الأخلاق الحميدة، العلم زينٌ لأهله في الدنيا بالأخلاق الحسنة العظيمة، والآخرة بما يرفع الله له من درجات وبما يشفعهم الله في الناس، يشفع الله العلماء في أتباعهم والذين أطاعوهم، وهذا بشهادة القرآن الكريم، فإذا أردت جمال الدنيا والآخرة ورفعة الدنيا والآخرة وشرفها، - والذي
هو وحده يبقى والزين الذي يبقى - فاطلبه في العلم بنية خالصة - كما تقدم ذكره- لله عز وجل، ولتناله في الآخرة وعند الله، وهذه هي النية الحسنة طبعا.
العمل بالعلم ونشره: (1/59)
صفحة 60
فالعلم خير من أي جهة أتيته وإنما شرطان لا ننساهما في طلب العلم، أولا: طلبه لله، ثانيا: العمل به، لا ينفع إن تعلمت العلم وعلّمته غيرك وأنت لا تعمل به، فيكون مَثلُك كمثل الأرض الصمّاء فيها ماء جاء الناس وشربوا منها وانتفعوا وذهبوا ولم ينفع الماء تلك الأرض لأنها صماء، فالأرض التي أمسكت الماء قيعان ليست كالأرض المنبتة، هذا مثل العالم الذي يعلم الناس ولكنه لا ينتفع بعلمه وهذا واقع، وعليك أن تحذر أن تكون من هذا النوع الذي يتعلّم لنفسه فقط ويبخل ولا يعلم غيره، بل عليه أن ينشر العلم كلما سنحت الفرصة له وكلما لقي آذانا صاغية ووجد من يكوّنه ويلقّنه العلم، بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير.
وعليه أن ينشره في الناس بنية خالصة لله سبحانه وتعالى، ولا يقل إنّ الناس لا يستمعون إليَّ ولا ينفعهم ذلك، إن لم ينفع مائة أو ستون أو سبعون سينفع خمسون أو عشرة ولو حتى واحد في المائة، لو علّمت مائةً من الناس فاستجاب لك واحدٌ، فهذا أفضل من الدنيا وما فيها «لأن يهديَ الله رجلا على
يديك، خير لك مما طلعت عليه الشمس» (1) إذا دعوت ناسا فاستجابوا لك فهذا خير لك مما في الأرض من ذهب، ليس لتكسبها بل لتنفقها في سبيل الله، والأرض إن كسبتها وهي ميتة فليس لها قيمة، وهداية شخص خير من ذلك.
لا يقول الإنسان إنّ الناس لا يستمعون إليّ، فأينما ذهب أحد منّا سواء في دائرة صغيرة أو كبيرة، ولقيَ الناس مجتمعين وفي وقت مناسب يجب أن يستغل الفرصة ويعلّمهم مما تعلم، ولا يقول إنّي لست بعالم فكيف أعلّم الناس، وهل توجد درجة يصل إليها المرء حتى يقال فيه هذا عالم، لا يوجد بل هي أمور نسبية {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف:76).
__________
(1) ينظر: الحاكم: المستدرك على الصحيحين،3/ 690. / الهيثمي: مجمع الزوائد، 10/ 105. (1/60)
صفحة 61
وقد تبيّن لنا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، مع سيدنا الخضر ما وصل إليه من علم فأخبره الله أنه يوجد من هو أعلم منك، فلا يقول إنسان لا أنشر العلم حتى أصبح عالما، فمتى ستصبح عالما إذن، فإذا علمت مسألة واثنتين وثلاثة، وحديثا أو اثنين أو ثلاثة فعليك أن تعلّمه أينما ذهبت وكن لسانا داعيا إلى الخير، وكن ناشرا للعلم والنور في الناس.
ولا تقتصر مهمة نشر العلم على إنسان واحد أو اثنين ممن هم معيّنين لهذا الغرض، ثم على الآخرين أن يسكتوا، إن العلم لن ينتشر بهذا، وإنما ينتشر
بالتعليم، كلّ من حفظ مسألة يعلّمها لغيره كما تعلّمها مراعيًا هذا الشرط ولا يزد فيها ولا ينقص، وليؤدّها كما حفظها وكما علمها، وبهذا ينتشر العلم، فعندما يعلّم الواحد عشرة، وكل واحد من هؤلاء العشرة يعلّم عشرة أفراد آخرين فتصبح مائة، وكل واحد من هؤلاء المائة يعلّم عشرا فيصبحون آلافا، وهكذا .... وبهذا ينتشر العلم، ولا يقولنّ أحد منا أنا لم أخلق لهذا.
وعلى كل واحد أن ينشر العلم أيضا في بيته، ولأُجَرائه في متجره، ولأصدقائه الذين يلتقي بهم، وفي المساجد إذا اجتمع الناس، وفي النوادي وفي الجلسات ... فإذا كان عند كل واحد مسألة فإنه ستكون هناك عدة مسائل سيتمُّ نشرها، فينتشر بهذا العلم وينتشر الفضل، وننال جميعا فضل التعليم وفضل الله أجمع، ونسأل الله الهداية والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في أنّ تَعْلِيمُ الصِّغَارِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ
23 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعْلِيمُ الصِّغَارِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ».
الشرح: (1/61)
صفحة 62
هذا الحديث في فضل التعلم في طور من أطوار حياة الإنسان وهو طور الصبا، لاعتبارات كثيرة جعل هذا الطور أولى بالاعتناء من غيره، وإن كان الإنسان مأمور بطلب العلم من المهد إلى اللحد، دائما الإنسان مأمور ومتعبّد بطلب العلم في أي طور من أطوار حياته، ولكن التعليم في الصغر أهمّ، لأنّ الصغير صفحة نقيّة بيضاء ما نقش فيها أول مرة وما رسم يبقى فيها عالقاً طول العمر لا يمحى منها أبدا؛ «كل مولود يولد على الفطرة» (1) فالتعلّم تزكية لهذه الفطرة، فطرة الإسلام فطرة الإيمان بالله وحده لا شريك له أنّه الخالق وأنّه
الربّ وأنه القويّ وأنه القاهر وأنه الرازق وأنه المحيي والمميت، وأنه الشافي من الأمراض؛ كل صبي منقوش في قلبه هذه الفطرة.
فإما أن تحرَّف هذه الفطرة عن أصلها الأول إلى التهويد والتنصير والتمجيس، «فأبواه يهوّدانه أن ينصّرانه أو يمجّسانه»؛ والتمجيسُ أي يلقّن عقيدة المجوس، وإما أن تزكّى هذه الفطرة وتثبَّت وينقش فيها القرآن، كما تقدّم بنا من حديث: «علّموا أولادكم القرآن فإنه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو» (2) علم الله، يشمل العلوم التي تتصل بالدين كلها، ولكن أول ما ينبغي من هذا العلم هو علم القرآن، أن ينقش في قلوب الصبيان ونحن مكلّفون أن نعلّم أولادنا كمسلمين وننشِئهم على الإسلام.
ما يجب أن يعلَمَه الصبيّ أولا:
__________
(1) رواه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة، رقم: 7181. 2/ 233. ورواه البخاري في صحيحه، بلفظ: «[ما من مولود .. »، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم: 1292. 1/ 456.
(2) رواه الربيع في الصحيح، بَابٌ فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ، رقم: 03. 1/ 24. (1/62)
صفحة 63
فعلم الدين أول واجب، عندما يبدؤون في الفهم والإدراك في السن الثالث والرابع يبدؤون في التعلّم، لا ننتظر الصغير حتى يبلغ السن الرسمي للتعلّم، وهو السن السادس من عمره، بل عليه قبل ذلك وقبل أن يتّجه إلى المدرسة أن يكون قد حفظ دينه وعقيدته وعرف خالقه وعرف نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وعرف الآخرة والموت والحساب والجزاء والبعث والجنة والنار والحلال والحرام، وفرّق بين
الطاهر والنجس وبين الخبيث والطيب وبين المعصية والطاعة، فكل هذا يمكن أن يثبّت في قلب الصبي قبل أن يذهب إلى المدرسة، وباستطاعته أن يحفظ نصيبا من القرآن، وقد تقدّم في السير أنّ هناك من حفظ القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته لسبع سنين وثمان سنين وتسع سنين خلق كثير، فهذا ما يجب الاعتناء به من قبل الوالدين خاصة.
وإن كنّا قصرنا فلا بد عند بلوغه سن التعلُّم أن يُؤخذ إلى الأماكن التي تعلّمه الدين والقرآن وتربِّيه التربية الإسلامية والأخلاق القرآنية، وهي مسؤولية على الأب وأمانة في عنقه سينجو يوم القيامة إذا حفظها، وسيهلكُ إن هو ضيّعها، ونشأَ ولده على الضلال والكفر، وكذلك يهلكُ والداهُ معًا إذا أرسلوهُ إلى حيث يتعلَّم علوم الدنيا فقط دون علم الدين، فيكونون بذلك السبب في انحرافه وتضييعه، فيهلكون بذلك جميعا.
وإذا أدّى الوالدان مسؤوليتهما وعلّماه وربّياه وانحرف بعد ذلك، يكون عذرهم قائمًا عند الله تبارك وتعالى.
تلقين الأجيال أمانة الدين:
إذن فالصغار أمانة في أعناقنا، وتعليمنا إياهم ضمان للأجيال المقبلة لأننا نحن سنكبر ونموت، أما الصغار فيكبُرون ويأتون إلى الحياة، وبذلك إذا علَّمناهم دينهم فقد بلّغنا الجيل الذي يأتي بعدنا أمانة الإسلام، وبهذا يمتدُّ النور إلى ما شاء الله للأجيال المقبلة، وكل واحد منّا مكلّف أن يعلم أبناءه. (1/63)
صفحة 64
وإذا ضيّعنا صغارنا مع تبدُّل الحال وأصبحنا نهتمُّ بعلم الدنيا أكثر من علم الآخرة، فستنقطع هذه الأمانة ويذهب العلماء ويذهب العلم معهم، فينشأ الصغار بعد ذلك جاهلين، فيتحقَّق بذلك ارتفاع العلم الذي هو شرط من أشراط الساعة الكبرى، فيصير بعد ذلك كل شيء إلى الهلاك.
أهمية العلم في الصغر:
ولهذا الاعتبار وجب الاعتناء بتعليم الصغار أكثر، وكذلك لاعتبار أنَّ فيهم الاستعداد العقلي لتلقّي كل علم، فهم في مرحلة الصغر التي يكون العلم فيها كالنقش على الحجر، وأما العلم الذي يأخذ في الكبر فهو كالذي يكتب في الرمل أو في الماء سرعان ما يزول، وهذه أبيات مفيدة أنشَدَها الشيخ السالمي:
أُرانِي أَنسَى ما تعلّمتُ في الكِبرِ ... ولستُ أنسَى ما تعلمتُ في الصغر
وما العلمُ إلاّ بالتعلُّم في الصِّبَا ... وما الحلمُ إلاّ بالتحلُُّمِ في الكِبر
ولو فَلَقُوا قلبَ المعلَّم في الصّبا ... َلأُلفِيَ فيه العلم كالنقش في الحجر
وما العلمُ بعد الشيب إلا تعسُّفٌ ... إذا كَلَّ قلبُ المرء والسمعُ والبصر
وما المرء إلا اثنانِ عقلٌ ومنطقٌ ... فمَن فاتَه هذا وهذا فقد دَمَر
أجد نفسي أنسى ما تعلّمته في الكبر، يعني ينسى اليوم ما تعلّمه أمس، كم يشتكي من النسيان ولكن رغم ذلك لم ينس ما تعلّمه في الصبا والصغر.
وما العلمُ إلاّ بالتعلُّم في الصّبا ... وما الحلمُ إلاّ بالتحلُّم في الكِبرِ
العلم الحقيقي هو العلم الذي يؤخذ في الصّبا، كما أن الحلم يكون بالتحلُّم أي أن الصبر والأناة والوقار تكتسب اكتسابا وتعلّما لكن في زمن الكبر حتى يصير طبعا من طباع الإنسان.
ولو فلَقوا قلب المعلم في الصِّبا لأُلفِيَ فيه العلم كالنقش في الحجر
أي لو شقُّوا وفتحوا قلب الصبي ليروا كيف كتب وتكوَّن فيه العلم فإنهم سيجدون فيه العلم الذي نقش على الحجر الأصم، لا يذهب ولا يُمحى، حتى لو وقعت عليه الأتربة أو الغبار أو أي شيء، فعندما ينفض ذلك الغبار يبقى الأصل منقوشا محفوظا. (1/64)
صفحة 65
وما العلم بعد الشيب إلا تعسّف ... إذا كَلَّ قلبُ المرء والسمع والبصر
التعلّم بعد الشيب تعسّف أي مشقة وعنت، لأنَّ الإنسان في الكبر يكون قد كلَّ فيه كل شيء؛ قلبه تعب من هموم الدنيا، وضعفت ذاكرته، وسمعه يكلّ أيضا، وربما يصير يسمع خلاف ما يقال له، ويكلّ بصره، وقد تلامس جبهته اللوح حين يحاول أن يقرأ منه ولا يستطيع لشدّة ضعف البصر، فلا يتمكّن من القراءة ولا الكتابة جيدا، لأنَّ كل شيء قد أصبح كليلا.
وما المرء إلا اثنان عقلٌ ومنطقٌ ... فمن فاته هذا وهذا فقد دَمَر
وما المرء إلا عقل ونطق أي عقل ولسان، والذي فاته العقل والمنطق فقد دَمَر أي قد هلك، ليس المقصود بالعقل العقل المجرد بل العقل المُعلَّمُ الحافظ الواعي.
لهذا الاعتبار كانت العناية بالتعليم في الصبا لأنه ينتقش في هذه الصفحة النقيّة البيضاء نقشاً، ثم بعد ذلك لأنّ الصبيّ يكون له كامل الوقت فهو ليس مكلف بشؤون حياته فهو يتعلّم ووالداه يُغنيانه ويوفران له حاجياته وأغراضه، ولو كان يتيما فالذي يكفله يستطيع كفالته في فترة تعلمّه منذ الصبا إلى السن العاشر أو الخامس عشر، أو العشرين، ولا يعجزه ذلك لأنه فرد واحد يسهل عليه أن يعيش مع أيٍّ كان، على عكس ما إذا كان متزوجا وله أولاد فإنه من العسير أن يجد الهناء والاستقرار مع ثقل أعباء الحياة، فلا تتاح له الفرصة للتعلم، ولهذا فإذا أراد المرء أن يغنم العلم فليغنمه في الوقت الذي تكون فيه تكاليف الحياة قليلة، ويستطيع التفرُّغ لطلبه، ولهذا وجب الاعتناء به في هذا العمر أكثر، وهو الذي قد جاء به هذا الحديث حاثًّا على العناية بالعلم في الصغر.
أسباب إطفاء غضب الربّ:
«تعليم الصغار»، الله تبارك الله وتعالى يرضى على الأمة وعلى الناس الذين يعلّمون صغارهم العلم، وأوَّل ما يعلّمونه من علم الله: القرآن الكريم. (1/65)
صفحة 66
«يطفئ غضب الرب» لماذا؟ لأنَّ هؤلاء الناس الذين يعلّمون صغارهم البسملة والحمدلة وغيرها .. ربما يستوجبون غضب الله لأفعالٍ قد فعلوها ليست في هذا التعليم، بل ربَّما من معاصٍ قد عصوها وفرائض قد ضيَّعوها، فربما قد أكلوا الحرام، وأكلوا الربا، أو الخمر، أو الزنا، أو السرقة أو الظلم أو الغيبة أو
بالنميمة، وأنواع أخرى من المعاصي استوجبت غضب الله تعالى، ولربما أنزل عليها انتقاما في الدنيا من قبل أناس قريبين منهم، أو من أي مكان ممكن أن يأتي منه غضبه {قلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَّبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمُو أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمُو أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} (الأنعام:65).
والفتن الواقعة اليوم كثيرة في بلاد العالم، وغضب الله لا نعرف بأي كيفية يأتي، وغضب الله شديد لا نقدر عليه، ربما يكون الناس قد وقعوا في بعض المعاصي في مجتمع ما، فيظهر ذلك المنكر، ثم لا يُنكر أو يُنكر بإنكار ضعيف، فيستوجبون بذلك غضب الله فينزل عليهم في صورة من صور العذاب.
ولكن الله تبارك وتعالى يلطُفُ ويرفع غضبه إذا وجد فيهم أطفالا صغارًا، سليمي الفطرة يقرؤون "بسم الله الرحمن الرحيم" يتعلَّمونها، وفي هذه الكلمة الأولى من القرآن في هذه الآية ذكر ووصف الله تبارك وتعالى مرتين بالرحمة، فكيف لا يرحم الله هؤلاء الناس؟ الذين فيهم صبيان صغار يلهجون بذكر الله، وفي سورة الفاتحة كذلك {اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ} (الفاتحة:2)، يعني هنا مرتين ووصفين بالرحمة.
فالرحمة العامة هي في الدنيا لجميع الخلق، أما الرحمة الدائمة فسيكتبها الله لمن يشاء يوم القيامة {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَالذِينَ هُم بِئَايَاتِنَا يُومِنُونَ} (الأعراف:156) هذا هو المَعِين (1/66)
صفحة 67
الذي يطفئ غضب الرب، فكأنهم بمعصيتهم وبمخالفتهم قد أشعلوا نارا عظيمة، لا قبل لهم بها كأنها جهنم تعرّضوا لها، فغضب الربِّ أشدُّ من عذاب جهنم، ولذلك عُبِّر عنه بالإطفاء، والإطفاء لا يكون إلاّ للنار، أي كأنّ هذا الغضب يشبه نارًا عظيمة، فلم يقل تعليم الصغار يرفع أو يزيل بل قال: يطفئ، حتى نعلم بأنها نار خطيرة، ولا شيء أخطر من النار إذا اشتدّت وعظمت فلا يقوى لها الناس، فلو جاء رجال مطافئ الدنيا كلها على أن يطفئوا غضب الرب على قوم فلن يستطيعوا أبدًا، لأنه ليس من الأشياء التي في استطاعتهم.
ولكن شيئا واحدًا يستطيع إطفاء هذا الغضب هو الذي يخبرنا به الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصادق المصدوق؛ تعليم الأطفال الصغار «بسم الله الرحمن الرحيم». اللهم برحمتك الواسعة وبرحمتك الدائمة التي في "بسم الله الرحمن الرحيم"، والتي في سورة الفاتحة، اللهم ارفع عنّا مقتَك وغضبَك، فعندما نعلمها أطفالنا الصغار فإننا نقول لله تعالى: يا رحمن يا رحيم لا نزال على دينك، ولا نزال على عهد رسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يزال أولادنا يتعلَّمون كتابك، فيا رب رحمتك، فإنَّ هذا التعليم للصغار يطفئ غضب الربِّ الذي تعجز عن إطفائه كل بحار الدنيا.
وقد استشكل بعض العلماء حيث قالوا: كيف يطفئ غضب الرب من كان يعلّم أولاده القرآن؟ وهو تارك للصلاة أو سكير؟ فهل لا يعذب في الآخرة بسبب هذا التعليم؟ إنَّ المقصود من رفع الغضب هو غضب الدنيا، وأما يوم القيامة فكلٌّ يحاسَب حسب عمله، لأنَّ الدنيا يَعمُّ الله مخلوقاته بعذاب عميم
كالكوارث والزلازل والفتن والبلايا، فتكون الرحمة في مثل هذه الكوارث مثلا فلا تصيب الأقوام التي تعلّم الأطفال الصغار. (1/67)
صفحة 68
ثم بعد ذلك في يوم القيامة كلٌّ يجازَى على حسب عمله، مثل ما هو في القرآن {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (ق:29)، وربما هذا الذي يعلّم ابنه أو أحد أقاربه، أو أنه يتبرع للمشاريع التعليمية كان في وقت إنفاقه عاصيًا لله تعالى فيتقبّلها الله منه ويوفقه إلى التوبة ببركة هذا التعليم، فيموت على التوبة ويموت على الوفاء، وذلك هو الإطفاء بالنسبة إليه.
الشفاعة لا تنال أهل الكبائر:
أمَّا أن نقول إنَّ الذي يموت مُصِرًّا على الكبائر؛ من ترك للصلاة أو غيرها فيشفع فيه ابنه الذي كان يعلِّمه القرآن يوم القيامة، فهذا لا يمكن، لأنه لم يستقبل القبلة طول عمره، أو أنه كان يسكر أو يقوم بشتى المعاصي كما يريد، ثم يتذرَّع بأن يشفع فيه ابنه الذي علّمه، فهذا لا يكفي، والقرآن لا يتبدَّل أبدًا.
وإنما قد لا يصيبه الغضب الذي يعمُّ الأمم، من مصائب وأوبئة، أو أن الله يوفِّقه إلى التوبة قبل الموت، فيموت على الوفاء.
وعليه فإنَّ لهذا الحديث أثرًا عظيمًا، غير أنه علينا أن نشرحه على ضوء القرآن الكريم، حتى لا يكون هناك تناقض في فهم الشريعة {اِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الاَنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا} (النساء: 17، 18)، والكفر هنا كفر نعمة أو كفر شرك، وإنما دائمًا يكون تعليم الصغار تخفيفًا لمقت الله أو هداية إلى الرجوع إلى الله والتوبة إليه. (1/68)
صفحة 69
إذن فلنتمسَّك بهذا الحديث، ولنعلِّم صغارنا القرآن وعلوم الدين، فكلٌّ منا مسؤولٌ على تعليم أولاده ومن هم تحت كفالته ورعايتهم، سواء بتعليمهم أو إرسالهم إلى من يعلّمهم أمور دينهم سواء كانوا ذكورًا أو إناثًًا، لأنَّ علم الدين واجب عليهما معًا، والتضييع يقع على مسؤولية الذكور والإناث، فلا نتركهم جاهلين أو نرسلهم إلى حيث يتعلّمون دنياهم دون دينهم، ففي هذا الخطر الكبير، فعلينا أن نعلّمهم القرآن والحديث والفقه وسيرة النبيء - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين والصالحين من المسلمين في كل مكان، والمسؤولية لا تقتصر على الذكور دون الإناث بل تقع عليهما معًا.
وإذا نحن علّمنا الأولاد في الصغر فكأنّنا وضعنا الأسس المتينة والقواعد الصحيحة التي نستطيع أن نبني من فوقها طبقات عالية ترتكز على تلك الأسس، ويستطيعوا أن يتبحّروا في العلم ويتخصّصوا في سائر الفنون وهم كبار؛ لأنهم وضعوا بنيانهم على أساس متين لا يُخشَى عليه؛ فقد تعلّموا الدين والعقائد
وتشرَّبوها في دمائهم وقلوبهم، فلا نخاف عليهم الزلل أبدًا، أمَّا إن هم نشأوا على علوم الدنيا فقط فلا يُؤمَن عليهم، {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 07)، فإن جاءتهم عاصفة من عواصف العلوم الدنيوية عصفت بهم، لأن فيها من العلوم ما هو مضرّ ومهلك ما لم يتشبّع الإنسان في صغره بالعلوم الدينية {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} (غافر: 83). (1/69)
صفحة 70
فهذا العلم مذموم، وطبعًا هو ليس من العلوم السماوية بل مما اغترَّ به الناس واستهوتهم به الشياطين ففرحوا بها، وسخروا واستهزؤوا بعلوم القرآن وعلوم الدين. فرفع البنايات العلمية يكون على الأساس المتين الذي هو التعليم في الصغر، ولن يتحرّك أو يتزعزع مهما هبَّت العواصف والرياح القوية. هذا معنى حديث «تعليم الصغار يطفئ غضب الرب»، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في ذهاب العلماء
24 أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (1) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَرَفْعُهُ: ذَهَابُ أَهْلِهِ» (2).
الشرح:
هذا أمر من النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن نتعلّم العلم قبل أن يُرفَع، وكيفية رفعه هو ما بيّنه في هذا الحديث، فليس رفعه من صدور العلماء أو من صفحات الكتب فتبقى بيضاء لا أثر فيها، بل إنَّ رفعه هو موت أهله، كما عبَّر عن ذلك بذهاب أهله، فليس المقصود به انتقالهم من مكان إلى آخر، وإنما انتقالهم من الدنيا إلى الآخرة، فإذا أُدخِل عالم القبر فقد أدخل علمُه معه، ولذلك يحزن المسلم على
موت العلماء، بل ويحزن على موت العلماء كل الخلائق حتى الحوت في البحر، ومن لم يحزن على موت العالم فهو منافق (3) كما ورد.
__________
(1) * عن أبي هريرة، في نسخة القطب: عن أنس بن مالك عن أبي هريرة.
(2) ذكره صاحب كنز العمال 10/ 28865، 28866 بلفظ: «تعلّموا العلمَ قبل أن يُرفع فإنّ أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده، وعليكم بالعلم، وإياكم والتنطع والتبدّع والتعمق، وعليكم بالعتيق». وقال: رواه الديلمي.
(3) قوله: «ومن لم يحزن على موت العالم فهو منافق»، لم يعثر عليه فيما بحث فيه من مظان. (1/70)
صفحة 71
ولذلك علينا أن نبادر إلى تعلّم العلم واغتنام الفرص ما دام هناك من يعلِّمنا، أو نسأله فيجيبنا بما في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآثار العلماء، فإذا فعلنا هذا أمِنَّا دوام العلم وعدم زواله، فما إن يرحل فوج من العلماء يأتي من بعدهم فوج من الشباب وقد تعلّموا وأخذوا هذه الأمانة منهم، فنأمنُ إذًا ذهاب العلم مادام التعلُّم موجودًا، لكن إن انقطع التعلُّم فمعنى ذلك أنه ذهب العلم -علم الدين خاصة-، فيبقى الناس في جهالة وضلال، ويعيشون في فوضى، ولا خير فيهم بعد ذهاب العلماء.
والمقصود بـ"العلم": (الألف واللام للعهد) العلم المعروف الذي جاءت به الرسل والكتب، وهو المقصود في الحديث الذي بيّنه - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «العلمُ آيةٌ مُحكَمَةٌ أو سُنةٌ قائمةٌ أو فريضةٌ عادلةٌ وما سِوَى ذلك فهو فَضلٌ»، وهذا هو العلم الذي أمرنا بتعلّمه والإسراع في تلقّيه ممن يعلمه قبل أن يذهبوا، وقد نُبِّهنا إلى أنّهم سيذهبون كما ذهب كلّ الناس، قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} (الأنبياء: 34، 35)،
وهذا هو المقصود بالأمر، وذهاب العلماء هو موتهم.
وقد تقدَّم لنا هذا الموضوع في حديث «ذلك أوانُ ينسخ القرآن فقال أعرابي: وكيف يُنسخ القرآن يا رسول الله، فقال: يذهب بأهله ويبقى رجال كأنَّهم البغاثُ» (1)، والبغاثُ كما فسَّره الربيع بن حبيب: هم أرذلة الطير، فلا داعي للإعادة، فلننتقل إلى الحديث الذي يليه.
ما جاء من قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ»
__________
(1) ينظر: الجزء الأول من هذا الكتاب. (1/71)
صفحة 72
25 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ» (1).
الشرح:
حديثان يدلان على أنَّ أفضل شيء يُنعِم الله تعالى به على عبده هو الفقه في الدين.
الفقه: هو الفهم الدقيق للأسرار والحكم، وثمة فرق بين الفهم والفقه، فالفهم: هو الفهم الظاهري للكلمات والجمل، وأمَّا الفقه: فهو فهمُ السرِّ والمغزى والحكمة والعلَّة والمقصود، فالفقه أعمق من الفهم، لذلك قال: يفقِّهه.
__________
(1) رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ 306، ج2/ 234، ج4/ 92،93، 95، ورواه البخاري في كتاب العلم 10، خمس 7، اعتصام 10،ورواه مسلم في كتاب الإمارة 175، زكاة 98، 100، ورواه الترمذي في كتاب العلم 4، ورواه ابن ماجة في المقدمة 17، ورواه الدارمي في المقدمة 24، وفي كتاب الرقاق 18، ورواه مالك في الموطأ في كتاب القدر 8. (1/72)
صفحة 73
«من أراد الله به خيرًا» فالله تبارك وتعالى يريد الخير لجميع عباده، ولذلك أرسل إليهم رسلاً وأنزل عليهم كتبًا ليبشروهم وينذروهم مغبة الكفر، فهذا خير لجميع الناس وهو الدعوة إلى الصراط المستقيم، فمن أراد الخير أخذَ به ومن أبى فقد حرم نفسه، وقد قال النبيء: - صلى الله عليه وسلم - «كلُّكم يدخل الجنة إلاَّ من أبى، قالوا يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ومن يأبى دخولَ الجنة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (1)، فالجنة تُنال إذن باتباع سبيلها واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أبى دخول الجنة فلا يسِر في سبيلها ولا يتَّبع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل ليُطع هواه وشيطانه.
فهناك من يعلم طريق الجنة ولكنه لا يسير فيه، بل وهناك من يُجَرُّ إليها بالسلاسل وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «عجب الله من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل» (2)، هكذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد تعجَّب الله منهم وهو الذي خلقهم، حيث يجرون
إلى الجنة بالسلاسل فهناك من يُجرُّ إلى الجنة فيتَّبِع، وهناك من يقطع تلك السلاسل ويهوي في نار جهنم -والعياذ بالله-.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنة رسول الله، رقم: 6737. 6/ 2655. ورواه الإمام أحمد، في مسنده، بإسناد آخر، كتاب باقي مسند المكثرين، باب المسند السابق،2/ 361 رقم: 8373.
(2) رواه البخاري في صحيحه، عن أَبي هُرَيْرَةَ بلفظ: قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - رضي الله عنه - يَقُولُ: «عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلاَسِلِ» كتاب الجهاد والسير، باب الأسارى في السلاسل،3/ 1096 رقم: 2788. ورواه أبو داود: في السنن، كتاب الجهاد، باب في الأسير يوثق،3/ 56، رقم: 2302. (1/73)
صفحة 74
فالدعوة إلى الله دعوة شاملة إذن؛ {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء: 165).
وأمَّا الخير الخاص الذي يتفضّل به الله تعالى لمن يشاء من عباده {ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ} (الجمعة: 04)، فلا نحاسبه تعالى في رزقه وحكمته فهو الذي يُفيض بفضله على من يشاء من عباده {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23)، {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَّشَآءُ} (البقرة: 105)، فهذا الفضل يفيضه على عباده المؤمنين السعداء الذين أراد الله بهم خيرًا، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} هذه دعوة عامة {وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (يونس: 25)، فهذه دعوة وهداية خاصة، وهي هداية الإيصال والتوفيق، -نسأل الله تعالى أن نكون من أهلها-.
ثم بعد ذلك خير خاص بين كل هؤلاء الناس الذين أسعدهم الله تعالى حيث يفقِّهُهُم في الدين لا نقول: لا خير أحسن من هذا؛ وإنما نقول: لا خير مثل هذا، ونحن نزعم ونقوله بحالنا إن لم نقله بألسنتنا: من يرد الله به خيرًا أعطاه الملايين والملايير، أو من أراد الله به خيرًا أعطاه رتب الملوك والسلاطين
والشرفاء، أو أعطاه صحَّة البدن، حتى يكون بطلاً للعالم في رفع الأثقال كما يقال، أو يعطيه الله زوجة جميلة وحسناء، أو سكنًا حسنًا تجري من تحته الأنهار، وإلى غير ذلك من الأشياء التي يتخيّلها الناس ... كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالاَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَالِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ, حُسْنُ الْمَئَابِ} (آل عمران: 14)، فالناس يدَّعون ويسعون وراء هذهِ الأشياء من متاع الدنيا الفانية. (1/74)
صفحة 75
ولكن الله تعالى قال بأن كل هذه الأموال والأنعام والنساء والبنين إنما هي متاع الحياة الدنيا فقط، فكلُّها تؤول إلى الزوال؛ ولكن حسابها يكون بعد ذلك عند الله تعالى، وقَلَّ من ينجو من هذا الحساب، ثم قال تعالى بعدها: {وَاللهُ عِندَهُ, حُسْنُ الْمَئَابِ}، وخير ما يعطى للإنسان هو المآب الحسن يوم القيامة، والخير الحسن، والعاقبة الحسنة يوم القيامة بماذا تُنال؟ قد تنال بهذه النعم الدنيوية، ولكن شرط أن يتفقَّه صاحبها في الدين، وأما إذا فارقها الفقهُ في الدين فستصير كلّها نقما وأشياء تضرّ ولا تنفع، وتذهبُ ولا تبقَى، وهي فتنة على صاحبها.
فخير ما يُعطَى للإنسان إذن هو الفقه في الدين، فإذا فقه في الدين فلم يضره مال ولا جاه ولا سلطان، بل إنَّ كلَّ ذلك سيسخِّره في الطاعات؛ يُسخّر
صحة بدنه في الطاعة، ويسخّر نفوذ سلطانه في إقامة الحق {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ} (الحج: 41)، فيكون ذلك السلطان نعمة له، وقد قيل: "يومٌ مع سلطان عادلٍ خير من أن تمطر الأرض أربعين خريفًا" (1).
إذن هذا يبين لنا صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا نشك في صدقه، وإنما نريد أن نبيِّن أن خير ما يعطيه الله للعبد هو الفقه في الدين الذي به يسعد في الدنيا سعادة أبدية، وربما ذلك الفقير المتفقّه في الدين يرزقه الله من حيث لا يحتسب فيعيش معيشة طيبة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ, حَيَاةً طَيِّبَةً} تأكيدان -تأكيد باللام من قبل وتأكيد بالنون المشددة من بعد-، وكأنه قسم.
__________
(1) ينظر: ابن منظور، بلفظ: (قال عمرو بن العاص لعبد الله ابنه: يا بنيّ، سلطان عادل خير من مطر وابل)، مختصر تاريخ دمشق، باب عمرو بن العاص بن وائل، 6/ 130. (1/75)
صفحة 76
ثم قال: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمُو أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97)، فمن يعمل صالحًا إذن فسيُحيِيه الله حياة طيبة، ويكفي للعبد أن يصف الله له هذه الحياة بأنها طيبة، فلا يضرُّه فيها مرض ولا صحة ولا فقر ولا غنى، حتى ولو كان طول عمره مريضًا معلولاً، ولكنه يشعر بأنه يحيا حياة طيِّبة، يذكر الله تعالى
ويرجو فضله وعفوه، وبذلك يجزيه الله بصبره على مرضه درجات ودرجات في الجنة؛ حيث إنه قد لا يبلغها بصلاته ولا صيامه، وهذا أجر الصبر على البلاء.
وعلينا ألا نفهم أنَّ الحياة الطيبة هي العيش في بحبوحة من المال والجمال والمتعة، بل الحياة الطيبة هي أن يُفيض الله تعالى على قلبه رضا وطمأنينة وحسن رجاء فيه تعالى، وأن يحفَّه بألطاف {وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 02، 03)، فبعد هذه الحياة الطيّبة في الدنيا قال: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمُو أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97)، من هذا نستفيد أن الله تعالى يغفر لهم أسوأ ما عملوا، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.
بخلاف الذي أعرض عن ذكر الله ولم يتفقَّه في الدين {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 124)، إذن هذا الحديث نجد معانيه في آيات كثيرة من القرآن الكريم، وهذا الفقه -إذا آمنا بأنه خير ما يعطيه الله لعبده- فسنسعى في تحصيله، وذلك لأنَّ منه ما هو موهوب ومنه ما هو مكسوب.
فالأول أنَّ الله تعالى قد يُفيض على عبده أنواعًا من العلم ومن الانشراح في الصدر للعلم لمن يريد به الخير، ولكن هذا لا يكفي بأن تبقى قابعًا تنتظر نزول العلم مثل سيدنا الخضر؛ وإنَّما إذا فتح الله صدر المسلم لاكتساب العلم (1/76)
صفحة 77
فعليه أن يجتهد في الاستزادة والاكتساب منه الشيء الكثير، وينشط في طلبه في كل مكان، ويفتح له أذن رأسه وأذن قلبه معًا حتى يكون ذلك العلم مكسوبًا، «ليس منَّا من يقول بأنَّ علم الدين يؤخذُ من غير تعلُّم» (1)، فهذا مذكور في شرح العقيدة، بأنه خاص بالأنبياء والرسل، فلابدَّ بالتعلُّم، والسعي في التفقًّه والتعلُّم شيئا فشيئًا حتى يفتح الله عليه فيصير فقيهًا.
ولكن شرط تفقيه الله له في الدين ومدَّه من حكمته أن يكون ذلك العلم مقرونًا بالتقوى، فإذا كان طلب العلم مصحوبًا بالتقوى حصل معه الفقه، وأمَّا إذا لم يكن كذلك فربما سيُحصِّل العلم، ولكن لن يحصِّل الفقه، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 282)، فمن اتقى الله فتح له أبواب علمه الواسعة.
إذن عليك أن تأتي بالأسباب فحسب، تفتح رأسك وقلبك أمام العلماء لتتلقى منهم العلم، كما قال سيدنا لقمان لابنه: "يا بُنيَّ زاحم العلماء بركبتيك، وأنصت إليهم بأذنيك، فإنَّ القلوب تحيا بنور العلم كما تحيى الأرض بمطر السماء" (2) أي: أنَّ طالب العلم إذا كان في مجلس ووجد فرجة إلى الأمام
فليتقدم وليزاحم بركبتيه، ولا يقولنَّ أحد منَّا أجلس في أي مكان كان، لأنَّ المتقدمين إلى الأمام دائمًا يحصلون على الفهم أكثر، وأمَّا المتأخرون إلى الوراء فربما تفوتُهم كلمة أو نقطة بُني عليها الدرس كلُّه.
__________
(1) ينظر، القطب أطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص: 582.
(2) أورده الإمام مالك في الموطأ، بلفظ: «حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ جَالِسْ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ». كتاب الجامع، باب ما جاء في طلب العلم 2/ 2002. (1/77)
صفحة 78
ثم قال وأنصت إليهم بأذنيكَ أي بأذني الرأس وأذن القلب، فأذن الرأس تسمع وأذن القلب حاضرة معه، فكثير من الناس حاضر بجسده ولكنه غائب بقلبه {كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمُّم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (البقرة:171) {اِنَّ فِي ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ اَوَ اَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: 37)، إذن لا بد من الإنصات بالأذنين حتى لا يهيم القلب في التدبر فيما لا يعني، أو في اللهو، فإنَّ القلب يحيى بنور العلم، لقوله تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} (الأنعام: 122)؛ أي: ميتًا بالجهل، فأحييناه بنور العلم، فيحيى بنور العلم كما تحيى الأرض بمطر السماء، حيث تكون جافة قاحلة فينزل عليها المطر، فتهتز وتربو وتُنبت من كل زوج بهيج، وكذلك الشيء نفسه يقع للقلب مع العلم.
إذن فعلى الإنسان أن يتَّقي الله تعالى ويجتهد ويحضر مجالس العلم والفقه
بأذنيه وقلبه، فيفيض الله تعالى عليه من بركات ذلك العلم، فحضورك أيّها الطالب وانتباهك وسؤالك إنَّما هي أسباب أنت تأتيها، وأمَّا العلمُ فيعطيه الله لمن يشاء من عباده، ويجعله في قلوب عباده المتقين، لقوله: {وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ}، هذا هو العلم المكسوب الذي نكتسبه بالدَّأب على الدرس والمطالعة والحرص والنشاط، والتقوى هي السر في ذلك كله من قبل ومن بعد، فإن لم تكن التقوى فلا ينفع ذلك العلم.
ودائمًا نردد البيتين اللذين اشتكى فيهما طالب إلى معلمه سوء حفظه، كالمطر ينزل على الصفا ينزلق إلى يمين وشمال ولا يدخل فيه قال:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظِي وأخبرني بأنّ العلم نورٌ ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
ونورُ الله لا يُهدى لعاصي (1)
__________
(1) ينظر: ديوان الإمام الشافعي، ص18. (1/78)
صفحة 79
ووكيع: هو قاضٍ معروف، شكا إليه تلميذه أنَّه لا يحفظ ما كتب وما سمع، ووكيع هذا هو طبيب الأرواح يعلم سرَّ القلوب، حيث أرشده الله أنَّ هذا الذي يقرأ كثيرًا ولكنه لا يحفظ لا بد وأنَّ فيه سرًّا من الأسرار، فقال: فأرشَدَني إلى ترك المعاصي، أي اتق الله واستقم يفتح الله عليك كل أبواب
علمه وحكمته، ولعله قد تفقَّه الآية الكريمة {وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ}، فوجد أنَّ الآية تدل على هذا، ثم زاد قائلاً: واعلم بأنّ العلم نورٌ، ونور الله لا يعطى لعاصي، أي اعلم بأن علم الدين هو نور الله تعالى والله لا يعطي نوره لعاصي، فالله يعطي في الدنيا من الخيرات للمطيع والعاصي، وأمَّا نوره وتوفيقه فلا يعطيه إلا للمطيعين فقط، «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض، وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الإيمان» (1) والإيمان والفقه في الدين يدلاَّن على معنى واحد.
وقد زاد بعض العلماء قائلين: «العلم أَعطِه كلَّك يُعطيك بعضه» (2)، أعطه كلَّ وقتك من ليل أو نهار، من نوم أو يقظة، بل وأعطه جميع تفكيرك علَّه يعطيك بعضًا منه، لأنَّ العلم لا يحصل كله وذلك لله وحده، فالعلم إذن إذا أعطيته كلّك أعطاك بعضه، وكنتَ به من السعداء في الدنيا والآخرة، وأمَّا إذا لم تعطه أنت كلّك وإنما أعطيته بعضك فلربما قد لا يعطيك شيئاً من ذلك.
إذن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ليس مجرد
__________
(1) ينظر: المستدرك على الصحيحين،1/ 88. وكذا الهيثمي، حيث ذكر بأن الطبراني رواه موقوفا ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد، 10/ 90.
(2) ينظر: د. محمد صالح ناصر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، ص:32، 49. وانظر: الجيطالي: بلفظ: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك .. »، قناطر الخيرات، 1/ 134. (1/79)
صفحة 80
إخبار فحسب، فإنَّ قيمة الدين والتفقُّه فيه أعظم من كل شيء تتصوره أيها الإنسان في هذه الدنيا، فإذا عرفنا وعلمنا هذا بذلنا في سبيله كل غال:
من يعرف المطلوب يحقر ما بذل ... ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر
فإذا عرفنا هذا سعينا في الفقه في الدين وجعلنا نصبَ أعيُننا التعلُّم والتفقُّه، وجئنا بكلِّ شروطهما، فإذا كان منَّا كل هذا فإن الله تعالى لا يخيِّب رجاءنا، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ»
26 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ، وَلاَ مُعْطٍ (1) لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجِدِّ مِنْهُ الْجِدُّ. مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَلَى هَذِهِ الأَعْوَادِ، يَعْنِي الْمِنْبَرَ (2).
الشرح:
__________
(1) * خ: معطي.
(2) رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج3/ 87، ج4/ 93، 97، 98، .. ورواه البخاري في كتاب الآذان 155،اعتصام 3، قدر 12، دعوات 17، ورواه مسلم في كتاب الصلاة 194، 205، 206، وفي كتاب المساجد 137، 138، ورواه أبو داود في كتاب الصلاة 140، وكتاب الوتر 25، أدب 88، ورواه الترمذي في كتاب الصلاة 108، ورواه النسائي في كتاب التطبيق 25، سهو 85، 89،ورواه الدارمي في كتاب الصلاة 71، 88، ورواه مالك في الموطأ، كتاب القدر 8، دون زيادة من يرد به خيرا .. (1/80)
صفحة 81
هذه خطبة من خطب النبيء - صلى الله عليه وسلم - يرويها أحد الصحابة الذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من مسلمي الفتح، ألقاها من منبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وهو معاوية بن أبي سفيان، نفس الكلام في نفس المكان وإنما يختلف الزمان، وهي كخطب النبيء - صلى الله عليه وسلم - الموجزة التي هي قليلة الألفاظ ولكنها غزيرة المعاني، وكثيرة الفائدة، فبعد الحمد والثناء لله لما هو أهله، قال: «أيّها الناس .. »؛ وهذه الكلمة تقال دائمًا في صدر الخطاب أيها الناس أو أيها المؤمنون، أو أيها المسلمون، لينتبه الناسُ، فيها استرعاء لانتباه من هو غافل أو ناعس، حتى يستيقظ ويزدادُ تنبّهًا وتركيزًا.
ثم يأتي من بعد ذلك المعنى «إنّه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». أربع كلمات فيها تقرير عقائد مهمَّة من عقائد التوحيد، من المعتقدات التي يجب على الإنسان أن يعتقدها في ربه سبحانه وتعالى.
إنّه لا مانع لما أعطى الله:
إنه: تعني الحقيقة والشأن أي أن الحقيقة والشأن لا مانع لما أعطى الله، أي أنَّ الشيء الذي أعطاه الله لعبده وقضاه له وقدَّره لا يمكن أن يمنعه عنه أهل السماوات ولا أهل الأرض، والشيء الذي منعه الله تعالى عن عبده ولم يكتبه ولم يقضه له ولم يقدره، فلا يمكن أن يعطيه له أهل السماء ولا أهل
الأرض، ولم يبيِّن هنا ما هو الشيء الذي أعطاه الله له سواءً من أمور الدين أو الدنيا، أي أعطاه الله الفقه في الدين أو أعطاه الاستقامة أو العمل الصالح أو أعطاه الله المال والملك، ونحن نقرأ في القرآن الكريم، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 26). (1/81)
صفحة 82
فإذا أُعطي إنسان شيئًا من الخيرات التي يطمح إليها الناس عادة، من حسنات الدنيا أو الآخرة عطاء من الله فلا يمكن أن يمنعه أي شخص مهما قويَ أو مهما قووا - إن كانوا أشخاصًا مجتمعين-، لا يمكن أن يمنعوه الشيء الذي أعطاه الله تعالى إياه.
ولا معطي لما منعه الله:
وكذلك لا يمكن أن يعطوهُ الشيءَ الذي منعه الله إيّاه، فإذا لم يكتب الله تعالى لعبده شيئاً فلا يأتي أي مخلوقٍ فيعطيهِ له مُحادَّةً لله تعالى -حاشاه- فلا يمكن ذلك، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنم بَعْدِهِ} (فاطر:02) هذه الآيات جاءت في هذا المعنى.
أولاً يجب أن نؤمن بهذا، وأن نملأ قلوبنا بهذا الاعتقاد بأنَّ المعطي الحقيقي هو الله تعالى، وما العباد إلاَّ مُسخَّرون لذلك، فإذا جاءتك العطيَّة على أيدي العباد، فلا
تقل إنَّ العباد هم الذين أعطوني في الحقيقة، وإنما أعطاك الله على يد عباده أو على يد من يشاء، إمَّا من العباد أو السماء أو الأرض أو على يد من يريد، فلا بد من الاعتقاد والإيمان بهذا، وإن كان هذا لا يمنعنا من شكر العباد ممن جاءتنا على يده العطية، فنشكر الله تعالى ونشكر من جاءتنا هذه النعم على يديه، لأنَّ اعتقادنا لا يعني أننا نؤمن بأنَّ الذي أعطانا هو ذلك العبد، وإنّما أجرى الله الخيرَ على يديه فله الحق في الشكر إذن هو الآخر، مثلما أجرى الله تبارك وتعالى مسؤولية تربية الأولاد وكسوتهم وتغذيتهم ومعالجتهم على يد الوالدين، فقال: {أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} (لقمان:14)، فكلَّفنا أن نشكر لله وأن نشكر لوالدينا ولمن جاءتنا نعمة التربية منه أو على أيديهم، فأصل هذا إذن موجود في القرآن، بأن نشكرَ لله وأن نشكر للعباد الذين جاءتنا النعمة أو العطيَّة على أيديهم، هذا دليل من القرآن الكريم. (1/82)
صفحة 83
وأمَّا من الحديث الصحيح، «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» (1)، فمن لا يقدِّر كرم الناس وفضلهم عليه فلا يشكرهم، فسنجده مع الله على نفس الحال؛
حيث لا يشكر تعالى على نعمه، فطبيعة الشكر وخُلُقُ شكر الجميل عنده منعدم، والعكس فيمن يشكر الناس نجدُه دائمَ الشكر لله تعالى، فقد كان نص الحديث «من لا يشكر الناس لا يشكر الله تعالى» فنستطيع أن نعكس المعنى، وإن كان لا يصدق دائمًا فنقول كثير من الناس يشكرون الناس ويشكرون الله أيضًا، وربما يوجد أناس يشكرون الناس ولا يشكرون الله، أو يشكرون الله ولا يشكرون الناس، وكل هذا موجود، فإن كان شخص لا يشكر الله فشكره للناس لا ينفع، ومن يشكر الله ولا يشكر الناس فهذا جاهل يجب أن ينبَّه.
وهذا شخص فيه طبيعة الشكر حيث يشكر الله في كلِّ نعمة أنعمها عليه فيقول: اللهم لك الحمد ولك الشكر، ولكنه ينسَى العباد، ظنًّا منه أنَّ العباد لا مزية لهم عليه، فعلينا أن ننبِّه مثل هؤلاء الناس، ونقول لهم: إنَّ الله قد كلّفكم بشكر الله وشكر العباد الذين أجرى الخير على أيديهم. ولكن عليه أن يعتقد أن المنعمَ الحقيقي هو الله تعالى يجب شكره ويجب شكر من جاءتنا نعم الله على أيديهم أيضًا.
__________
(1) رواه الترمذي في السنن، بنص: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ» قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، كتاب البر والصلة عن رسول الله، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، 4/ 339، رقم:1877. ورواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند المكثرين، مسند أبي سعيد الخدري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، بزيادة: «عَزَّ وَجَلَّ»، 2/ 295، رقم: 11278. (1/83)
صفحة 84
عندما يتمنَّى أحدُنا خيرًا فقصده وجعله هدفه سواء من طريقه أو من غير طريقه، ولكنه لم يصل إلى ذلك الخير، فسنحسب أنَّ الناس هم السبب في صدّه عن ذلك الخير، ولكنه غير ذلك بل الله كتب أن لا تصل إليه، لأن الظاهر يوهمنا أنه قد منعه شخص أو آخر، أو أراد أن يعطيه شخص ولكنه ضاع
أو سُرِق أو سقط منه، فهنا يجب أن نعلم أن هذا المنع في الحقيقة ليس من ذلك الشخص؛ وإنما من الله تبارك وتعالى حتى ننقص ونقلّل من لومنا للناس كثيرا، وكثير منا يغفل عن مسبِّب الأسباب، ويجعلون لومهم أو فرحهم للأسباب وينسون مسبب الأسباب، فينشأ من هذا الجزع والفرح؛ حيث إذا جاءتهم الدنيا خضرة ميسورة على أيدي العباد يفرحون بهؤلاء العباد أو يسخطون على العباد الذين لم يأتوهم بما يرغبون.
فائدة الحديث:
إن كثيرا من الناس يصدُّهم عن الحقِّ الطمعُ في العباد والخوف منهم، ويجعلهم يقتحمون الباطل؛ إذ يتملّقون ويُداهِنون من كانت عليهم نعمة، ويخافون إن هم نصحوهم أو أمروهم بالمعروف أو نهوهم عن المنكر فيقطعون عنهم ذلك العطاء الذي يأتيهم من قِبلِهم، ونسوا أنَّ المنعمَ الحقيقي عليهم هو الله تعالى، بل وأحيانًا يركَنُون معهم إلى ظلمهم، حفاظًا على الخير الذي يُنفق عليهم من المال والجاه، أو الأوسمة أو الرتب أو الوظائف أو غيرها من الأشياء التي من هذا القبيل.
لماذا كلُّ هذا؟ لأنهم لم يؤمنوا ولم يعتقدوا جازمين بأن كل هذه النعم لله تعالى ومنه، فإذا علمنا واعتقدنا أن لا مانع لما أعطى الله فسنعتصم به ونتوكل عليه ولا نتوكل على أحد سواه، وإذا اعتقدنا بأن لا معطي لما منع الله، سألنا (1/84)
صفحة 85
الله أن يعطينا من فضله، وأمَّا العباد فعلينا أن نعاملهم بما يجب أن نعاملهم به، وهو أن نأمر بالمعروف ولا نخاف انقطاع العطاء، وننهى عن المنكر ولا نخاف الإصابة بالأضرار، فيكون حبنا لله وبغضنا لله وعطاؤنا لله وأمرنا ونهينا لله تبارك وتعالى، ولا يهمُّنا بعدها أمر العباد ولا محاسبتهم إيانا في هذه المعتقدات.
ومن باب شكر المنعمين علينا فإنَّ من الخطأ ألا نشكر هذا الفضل ولا نستكثر خيره ولا ندعو له بالخير، قائلين بأن الخير من الله، وإنما هو واسطة فقط؛ فلا يمكن هذا، وهو خطأ عظيم يخالف معنى الآية الكريمة السابقة الذكر في موضوع الوالدين ويخالف الحديث الشريف، «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
ثم قال: «ولا ينفع ذا الجَدّ منه الجَدُّ»، الجَدُّ بفتح الجيم: يُطلق على الجد أو أب الأب، ويطلق أيضا على السلطان لقوله تعالى: {وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا} (الجن: 3)؛ أي: تعالى سلطان ربنا، وهو من قبيل ما نقوله في الصلاة في التوجيه: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدُّك» أي: تعالى سلطانك يا رب، وليس المقصود بأب الأب هنا.
وإنما في هذا الحديث لا يقصد هذا ولا ذاك، وإنما يقصد به معنى ثالث؛ وهو الحَظ أو كما يعبر به "الزهَرْ"؛ فهذا فلان ذو حظ، أو فلان محظوظ وإلى غير ذلك، فهذا هو الجَدُّ، والمقصود به في هذا الحديث أنَّ صاحب الجَدِّ أو الحَظّ لا ينفعه حظه عند الله تعالى يوم القيامة، فالحظ قد يؤول إلى أحد في هذهِ الدنيا
ولكنه في الآخرة غير ذلك، فمثلاً إذا قام أحدهم بجمع بعض أشياء بسيطة ثم باعها في السوق فكان منه ربح وفير، على حسب حظه، أو ذهب لشراء شيء كان ذا ثمن غال، فلما وصل السوق خُفِّض ثمنه، أو تحصَّل على تركة من قريب منه، فكل هذهِ الأشياء يراها الناس من باب الحظِّ الوفير. (1/85)
صفحة 86
فالدنيا إذًا تُنال بالحظوظ، وأمَّا الآخرة فلا ينفع فيها الحظ الدّنيوي؛ إذ لا يُعتمَد عليه للحصول على السعادة الأخروية، فمثله كمثل صاحب الجنة المذكور في سورة الكهف: {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدْتُ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا} (الكهف: 35، 36)، فكما أعطاني الله في الدنيا فسأجدها خضراء كذلك في الآخرة، فأصحاب الأموال والجاه والسلطان يظنون أنَّه سينالهم في الآخرة من الحظ والرغد مثل ما نالهم في الدنيا ولو لم يعملوا ولم يؤمنوا ولم يصلوا ولم يزكُّوا، فما دام أنه محظوظ في الدنيا فسيكون كذلك في الآخرة، ومن كان غير محظوظ في الدنيا فسيكون كذلك في الآخرة، فهذا مفهوم خاطئ؛ إنما الآخرة تُنال بالإيمان والعمل الصالح، ونحن نعلم أنَّنا لا ندخل الجنة بأعمالنا؛ أي أنَّ العمل الصالح وحده لا يُدخلنا الجنة، إذا لم يغمرنا الله بفضله ورحمته، «ما لم يتغمدني الله برحمته» كما قال - صلى الله عليه وسلم - (1)،
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب نهي تمني المريض الموت، رقم: 5241، 5/ 2147. ورواه مسلم بلفظ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ فَقِيلَ وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي رَبِّي بِرَحْمَةٍ»، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى،4/ 2171، رقم: 5037. (1/86)
صفحة 87
نعم ولكن لمن تكون هذه الرحمة من عند الله تعالى إنما تكون للمحسنين {اِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56)، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَالذِينَ هُم بِئَايَاتِنَا يُومِنُونَ الذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبيء الاُمِّيَّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمُ، إِصْرَهُمْ وَالاَغْلاَلَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 156، 157) إلى آخر الآيات.
إذن فلن تنفعنا الحظوظ لنيل الجنَّة؛ وإنما بالعمل الصالح تنالنا رحمة الله وندخل بها جنّته، فعلينا بتقديم الباقيات الصالحات لأن: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} لأصحاب الحظوظ في الدنيا. {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ اَمَلاً} (الكهف: 46)، وفي آية أخرى {وَخَيْرٌ مَّرَدًّا} (مريم: 76)، والباقيات الصالحات هي كل الأعمال الصالحات التي تقدمها للآخرة وتبقى لك ذخرًا عند الله تعالى، وتُطلق الباقيات الصالحات على ذكر من الأذكار؛ وهو: "سبحان الله والحمد ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ باللهِ العلي
العظيم"، وليس هو كل الباقيات الصالحات؛ وإنما الباقيات الصالحات هي كل الأعمال الصالحة التي تبقى من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر وقراءة القرآن ونفع الخلق.
ومن جملة الباقيات الصالحات هذا النوع من الذكر الذي أطلق عليه خاصة الباقيات الصالحات، لأنها تبقى عند الله في ميزان الحسنات. (1/87)
صفحة 88
إذًا لا ينفع ذا الجد منه الجدُّ، كما قال - صلى الله عليه وسلم -، وكما قال أيضًا: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبُه» (1)، فلا يكفي أن يكون الإنسان ابن نبي أو ولي صالح أو عالم؛ حيث يدَّعي أن نسبه الشريف هذا يدخله الجنة، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا فاطمة لا أغني عنكم من الله شيئا، اعملي» -وكذلك قال يا عباس ولكل أقاربه (2) -،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على القرآن وعلى الذكر، رقم: 4867، 4/ 2064. ورواه ابن ماجه، في السنن، كتاب المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم: 221،1/ 82. واللفظ لابن ماجه؛ كونه الأقرب.
(2) رواه الربيع في الجامع الصحيح، بَابٌ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ... ، رقم: 820، ص 308، وكذلك ورد بنفس المعنى في باب ما ذكر في حديث الشفاعة، رقم: 1005، ص 382. ورواه البخاري في صحيحه، عنَّ أَبي هُرَيْرَةَ بلفظ: «قَالَ قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَلِّبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ويَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ من مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا»،كتاب الرقاق، باب واخفض جناحك،7/ 1787 رقم:4493. (1/88)
صفحة 89
فهذا النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال هذا، فلذلك علينا بالعمل الصالح ولا نتكلَ على الحظوظ، فمن كان محظوظًا في الدنيا فلا يتّكل على تلك الحظوظ، ومن كان غير محظوظ في الدنيا فلا ييأس من رحمة الله بل عليه أن يعمل كذلك، وإن كان فقيرًا أو مبتلًى أو مصابًا لعلَّ الله يخلف له من نعيمه في الآخرة، ولذلك سمّيت الواقعة في القرآن، خافضة رافعة {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} (الواقعة: 01 - 03) فهي خافضة؛ لأنها تخفض أُناسًا كانوا محظوظين مرتفعين في الدنيا ولكنهم لم يقدموا الإيمان ولا الأعمال، ورافعة لأنها ترفع أناسًا كانوا منخفضين غير محظوظين في الدنيا لأنهم قدموا الإيمان والأعمال الصالحة. فمن هنا نستنتج أنَّ السعادة في الآخرة لا ترجع إلى الحظوظ وإنما ترجع إلى الإيمان والأعمال الصالحة.
ثم قال «من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين» أي بمعنى أنَّ الذي ينفع هو التفقُّه في الدين وليس من يعطه خيرًا في الدنيا من غنى أو طول عمر أو صحة بدن أو كثرة أنصار أو ملك أو بنين فهذا لا يسمى خيرًا بل يسمى ابتلاء، وإنّما الخيرية كلُّها لمن أراده الله له هو التفقيه في الدين؛ حيث يفهم دينه جيدًا (1/89)
صفحة 90
ويفهم السرَّ والمغزى ويفهم ما يريده الله والرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذا الدين ثم يتبعه ويعمل به، لأنَّ الخير الحقيقي في اتباع هذا الدين، وأمَّا خير الدنيا فكلُّه زائل ليس فيه بقاء ثم من بعده حساب يوم القيامة، ثم يقول له تعالى: أُعطيتَ كذا وكذا فما صنعتَ فيما أعطيتكَ أو أَوليتُك؟، كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر: 08) نعيم الدنيا طبعا، فإمَّا أن تجيب الجواب الصحيح فتنجوَ وإمَّا أن يكون العكس، فالخير الحقيقي إذن هو التفقيه في الدين، ومن فقَّهَه الله في الدين نجده صالحًا لأنَّ فقهه هو الذي يسيِّره في الطريق المستقيم، ويكون سببًا في سعادته الدنيوية والأخروية. (1/90)
صفحة 91
هذه هي الكلمات التي ألقاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من منبره وقد عبَّر عنها معاوية من على هذه الأعواد، لأنَّ منبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن إلاَّ أعوَادً من طرفاء الغابة، حيث لماَّ اتسع المسجد صار الناس لا يسمعونه جيدًا أمر الصحابة فصنعوا له منبرًا، حين أمر امرأة مسلمة كان لها عبدٌ نجارٌ فقال لها: مُري فتاكِ فيصنع لي منبرًا، فذهب هذا الفتى إلى طرفاء الغابة فصنع له منها منبرًا ذا ثلاث درجات، والطرفاء هي نوع من الأشجار الكبيرة التي تنبُت على ضفاف المجاري وهي موجودة بالمدينة (1).
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من استوهب من أصحابه شيئا، رقم: 2381. 2/ 908. ورواه مسلم في صحيحه، بلفظ: «قَالَ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى امْرَأَةٍ قَالَ أَبُو حَازِمٍ إِنَّهُ لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ»، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطبة والخطبتين في الصلاة،01/ 386، رقم: 847. (1/91)
صفحة 92
وهذا الحديث متصل بحديث أمس، حيث فيه روايتان الأولى بالماضي «مَن يُردِ اللهُ به خيرًا فقَّهه في الدين» "فقَّهه" (1)، والثانية جاءت بالمضارع "يُفقِّههُ" وهذا الفقه كما قلنا منه ما هو موهوب من الله تعالى بالفطرة والذكاء والفطنة التي بها يسهل لصاحبها الحفظ والفهم في فقهه، ومنه ما هو مكسُوبٌ إذ لا بدَّ من السعي والنشاط الدائم من أجل اكتسابه، وهذا الدين مُيَسَّر لكل الناس أن يعلموا ما يجب عليهم تعلّمه، من أمر الصلاة و الصوم والتوحيد، فهذا قدر مشتركٌ بين الناس فلا يحرم منه أحد لأنه معرفة واجبةٌ ومن لم يعرفه هلك، وأماِّ التوسع والتعمُّق في المسائل الفقهية والدينية فهذا لمن أراد به الله تعَالى الفضل والخير، وهذا دَائمًا يتّصل بموضوعنا وهو طلب العلم، إذ رأينا أنَّ الخير كل الخير في التفقُّه في الدين، فإن عملنا ونشطنا وبذلنا في سبيله كلَّ رخيص وغال فإننا سنحصّل هذا الخير.
نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من هذا الخير، وأن يرزقنا منه جميعاً، آمين، والحمد لله رب العالمين.
ب
ما جاء في كتابة العلم
27 - أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَسْمُ الْمِدَادِ فِي ثَوْبِ أَحَدِكُمْ إِذَا كَانَ يَكْتُبُ عِلْمًا كَالدَّمِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَلاَ يَزَالُ يَنَالُ بِهِ الأَجْرَ مَا دَامَ ذَلِكَ الْمِدَادُ فِي ثَوْبِهِ».
الشرح:
__________
(1) ينظر أحمد المسند، بلفظ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ»، مسند الشاميين، حديث معاوية بن أبي سفيان، رقم: 16231. (1/92)
صفحة 93
هذا الحديث في فضل كتابة العلم، لأنَّ العلم لا يدرك إلا َّ بالقراءة والكتابة، ولذلك كان أول الآيات نزولا: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَم الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:01 ـ 05) وفي قوله تعالى: {نُ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم: 01). أقسم الله تعالى في هذه الآية بالقلم والكتابة لشرف القلم والكتابة عنده، وللكتابة فضلٌ كبير في تناقل العلم من الأوائل إلى الأواخر، ولولا الكاتبة لما أدرك الأواخر علوم الأوائل، فلو كان بالإخبار فقط فسيخطئ الناس كثيرًا وينسون كثيرًا، وعليه فلا يصل العلم ولا ينتشر أبدًا أو يصل إلى الناس محرفاً مزورًا. لأن الكتابة هي التي تحفظ لنا هذه العلوم، منذ آلاف السنين وذلك بأن يأتي الأواخر فيقرؤون كتابات الأوائل.
وهذه الكتابة أنواع؛ إمَّا نقشا ونحتاً في صخور أو في معادن، أو كتابة في رق الغزال أو في الأوراق ثم مؤخرا في الأشرطة وإلى غيرها من الأشياء، المهم أنَّ الكتابة هي أصل نقل العلوم أو الاحتفاظ بها من صاحبها لنفسه، لأن طالب العلم إذا لم يقيّد علومه بالكتابة تضيع منه لا محالة، ومجرد الكتابة في ورق أو رقٍّ يرسّخ العلوم في ذهن صاحبها، لأنَّ الكتابة لها فضل على الذهن، فأنت عندما تكتب في أي مكان، فكأنك تكتب في ذاكرتك، ولذلك قيل: "أكتب الحكمة ولو على الحائط" فوقت كتابتك على الحائط إنما تكتبها في ذهنك، ولكن كتابة الحائط قد تنمحي، وأمَّا كتابة الذهن فلا تنمحي أبدًا. (1/93)
صفحة 94
من أجل هذا شرف الله تعالى الكتابة وشرف آلتها وهي القلم، إلا شخصاً واحدًا فقد علّمه الله تعالى بدون كتابة ليكون هذا العلم فيه معجزة "كفاك بالعلم في الأميِّ معجزة " (1) فالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أوحى الله تبارك وتعالى إليه العلم الحقيقي الذي صحَّح به علوم الناس كان ذلك بدون قلم وبدون كتابة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} أي كن قارئا بفضل ربك وإرادته وعظمته وقدرته ورحمته؛ فهذا الأمر ليس أمرًا شرعيا حيث يأمره بالقراءة لأنه لا يعرف القراءة والكتابة، ولكن الأمر هنا بمعنى كن قارئاً؛ فالأمر قدَرِي لأنَّ الله تبارك وتعالى شاء وقدَّر أن
يكون قارئًا وعالمًا بدون كتابة، ولذلك شرّف الله هذه الكتابة في القرآن وشرَّف أيضًا الكاتبين الذين يكتبون العلم بالأجر العظيم.
__________
(1) ينظر البصيري، البردة، وهو صدر بيت، وتمامه: "كفاك بالعلم في الأميِّ معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم"، الموسوعة الشعرية، قصيدة البردة، رقم البيت: 140. (1/94)
صفحة 95
ويكفي أنَّ مداد العلماء يوزن بدماء الشهداء كما ورد في الأثر، بأن يرفع مداد العلماء على دماء الشهداء وفي حديث آخر «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء» (1) ودماء الشهداء طبعا فيه فضل كبير، حيث يبعث الشهداء يوم القيامة وأوداجهم تشْخُبُ (2) دمًا، اللونُ لون الدم والريحُ ريح المسك (3)، ويغفر لهم لأول قطرة من دمهم إذا سقطوا في الميدان، ولكن رغم هذا فمداد العلماء مفضَّل على دماء الشهداء، لأنه لو لم يَكن مداد العلماء لما سالت دماء الشهداء، أو لو لم يكن مداد العلماء لكانت الدماء تسيل هدرًا من غير شهادة، حيث إن العلم علَّمهم الدين، ومن جملته الجهاد في سبيل الله، ورغّبهم فيه وفي ثوابه فدَفعوا أرواحهم في سبيل الله، وعلَّمهم متى يكون الجهاد جهادًا ومتى لا يكون جهادًا، متى يكون جهادًا مقدَّسًا يدخلون به الجنة ومتى يكون معركة يسقط فيها من
__________
(1) ينظر: المناوي عبد الرؤوف: فيض القدير، 6/ 466. وكذا الفردوس بمأثور الخطاب، بلفظ: «وإنّ مداد العلماء في الميزان أثقلُ من دم الشهداء، وأكثر ثواباَ يوم القيامة» رقم: 488، 5/ 486.
(2) الشخب: ما امتدَّ من اللبن إلى الإناء عند الحلب، أو هو صوت اللبن عند الحلب، ابن منظور، لسان العرب،1/ 485.
(3) رواه الربيع في صحيحه، بلفظ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ـ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» باب في فضل الشهادة، رقم: 453. (1/95)
صفحة 96
يسقط ولا يُكتب من الشهداء، فقد مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجل يُقاتل حميَّةً وعن الرجل يقاتل حسدًا، وعن الرجل يقاتل شجاعة، وعن الرجل يقاتل للغنيمة ... ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الشهيد هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا» (1)، فالذي يقاتل من أجل الانتصار لقوميته فقط فهذا ليس شهيدًا، والذي يقاتل من أجل أن يقال فلان شجاع مقدام، فهذا أول رجل تُسعَّر به نار جهنم، «فيُقال له قاتلتَ ليُقال فلان شجاع فقد قيل لك ذلك فلم يبق لك عندنا شيء، فاسحبُوهُ إلى النار فيسحب ويلقَى فيها» (2)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، عن أبي موسى، بلفظ: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ثم يا رسول الله ما القتال في سبيل الله فإنّ أحدنا يقاتل غضبًا ويقاتل حميّة فرفع إليه رأسه قال وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال: من قاتلَ لتكونَ كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عزّ وجلّ». باب من سأل وهو قائمٌ عالمًا جالسا، رقم:120،1/ 58. ورواه مسلم: في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، رقم: 3526، 3/ 1512.
(2) رواه مسلم في صحيحه، بلفظ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ ِلأَن يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ .. » كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، رقم: 3527، 3/ 1513. ورواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند المكثرين، باب باقي المسند السابق، رقم: 7928. 2/ 321 .. (1/96)
صفحة 97
والرجلُ يقاتل للغنيمة وليس له إلاّ تلك الغنيمة وإذا مات لم يمت شهيدًا.
فالشهيد من قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا لا شيء آخر، أو الشهيد الذي مات وهو يقاتل دون ماله ودون حريمه ودون حماه فذلك أيضًا شهيد، فيتبين لنا إذًا أنه لولا العلم لما تبيَّن للناس كيف يجاهدون، ولما علم الناس كيف يستشهدون، إذن فالأصل الأول الذي أنار الطريق للمجاهدين والشهداء هو علم العلماء وكتابتهم ولذلك رجح مداد العلماء على دماء الشهداء.
التعليق على السند:
وكما وردت في هذا الحديث الذي يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي بلغني بواسطة صحابي صادق أو بواسطة صحابة كثيرين كما تقدم، فأحيانًا يروي جابر عن صحابة كثيرين فلا يذكرهم جميعًا، فلان فلان، يعني بلاغًا صادقًا محقَّقا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «رسم المداد في ثوب أحدكم إذا كان يكتب علمًا كالدم في سبيل الله ولا يزال ينال به الأجر ما دام ذلك المداد في ثوبه».
الرسم: هو العلامة أو "الطاشة" - كما نقول - وذلك بأن تسقط قطرة من القلم أو يسقط القلم على الثوب فيحدث رسمًا فيه، فنعتبرها وسخًا وعارًا في الثوب، ولكنها في الأصل شرف وأجر، إذا كان يكتب به علمًا، والعلم -كما سبق - هو ما جاءت به الأنبياء والرسل من عند الله تعالى، من علم الدين والتفسير والفقه والحديث وعلم السيرة والحلال والحرام والعلوم التي تخدم ذلك العلم إذا كان يقصد من تعلمها خدمة الدين والقرآن مثل العربية والعلوم الأخرى
التي توصله إلى فهم القرآن والسنة والفرائض، والعلم يخدم بعضه بعضًا، فإذا كان يقصد ذلك فسقطت قطرة على ثوبه فربما يقلق الإنسان ويضجر منها ويعتبرها وسخًا يسارع إلى غسلها وربما تبقى فيه ولا تنمحي، فعلى الإنسان ألاَّ يقلق منها ويعتبرها شرفًا كما قال - صلى الله عليه وسلم -. (1/97)
صفحة 98
فهي كالدم في سبيل الله أي كدم المجاهد في سبيل الله لأنَّ المجاهد قد يقطر الدم على ثوبه أو يتلطخ به، إما من دمه أو من دم الأعداء، فالله تبارك وتعالى يعطيهم على ذلك الدم أجرًا عظيمًا، ويغفر ذنوبهم، فقد سَوَّى مداد العلماء ودم الشهداء، فكانوا سواءً، فهذا فضل كبير، فيكفي للعالم شرفًا هذه التسوية، حتى ولو سكت الحديث هنا، لأننا به نعرف ما أعدَّ الله من أجر للعلماء فلو قال «رسم المداد في ثوب أحدكم إذا كان يكتب علمًا كالدم في سبيل الله» ثم وقف لكفى، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - زاده تبيينًا فقال: «ولا يزال ينال به الأجر ما دام ذلك المداد في ثوبه» أي فكأنَّ نيل الأجر يتكرَّر يومًا فيوما ويزداد ساعة فساعة ما دام ذلك المداد في ثوبه سواءً غسله أو لم يغسله، فسيبقى أجره دائمًا في تزايد، وكأنه عدَّاد يعدُّ له حسناته دائم الاشتغال في كتابة الأجر.
فهذا هو مفهوم الحديث، فلا يزال ينال به الأجر أي يتضاعف دون انقطاع ما دام ذلك المداد في ثوبه، والله عنده أجر عظيم، فلو بقي ذلك المداد شهرًا كاملاً مثلاً فالأجر يحسب له ويضاعف في ذلك الشهر هذا شرف عظيم لا يعرف مداه إلاّ الله تعالى. (1/98)
صفحة 99
وكذلك المجاهدون ينالون الأجر ما دام الدم في ثوبهم والدم كالمداد أحيانًا يُغسل جيدًا ولكن يبقى أثره، فذلك تجوز به الصلاة كما أفتى النبيء - صلى الله عليه وسلم - لإحدى زوجاته «أُقرصيه بالماء ولا يضرك أثره» (1) على شرط أن يكون بالماء الذي لا يبقي أثر الدم فيه، فهنا تجوز الصلاة به ولو بقي فيه أثر فإنه لا يضر لأن الدين يسر وليس بعسر، ولا داعي لمشَقَّة قطعِه مثلاً، فما بقي من الأثر فلا يضر وكذلك نفس الشيء بالنسبة للمداد.
ولكن ربما يستمع أحدنا إلى هذا فيقول إذن أذهب فألطخ ثيابي كله بالمداد حتى أنال منه الأجر، فلا يجوز ذلك لأنه لا عبث في الإسلام، وإنما يكتب تلك العلوم بنية طلب العلم، وإن قطرت في ثوبه قطرة مداد أو سقط منه القلم أو وضع قلمًا في جيبه قصد كتابة ما يعرض له من حِكم أو أدعية أو أحاديث فأفسد عليه ثيابه بما يتدفق منه من مداد، فهذا يقع عفوا لا تكلُّفًا، ولكن الذي يستفاد منه أن لا يقلق من هذه الأشياء لأنه ينال به الأجر وتجعل
__________
(1) رواه أبو داود في السنن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بلفظ: «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ أَتَتْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ» فَقَالَتْ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ؟ «قَالَ: يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» كتاب الطهارة، باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، رقم: 310، 1/ 100. ورواه الترمذي في السنن، بلفظ: « .. حُتِّيهِ ثم اقرُصِيهِ بِالماءِ ثمَّ رُشِّيهِ وصلِّي فيه»، كتاب: الطهارة عن رسول الله، باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب، رقم: 138، 1/ 255. (1/99)
صفحة 100
عداد الحسنات به يشتغل، وهذا فيه حثٌّ على الكتابة، بأن يكون المرء دائمًا مصحوبًا بقلم وقرطاس أين ما ذهب، وخصوصًا طالب العلم الذي يذهب إلى أي مكان يتعلم فيه من مدرسة أو معهد أو مسجد أو حلقة ذكر، ومن لم يكن كذلك فهو كالساعي إلى الهيجاء من غير سلاح، أي كالذي يخرج إلى الحرب من غير سيف ولا رمح ولا بندقية، فإذا كان سلاح المجاهد هو هذا، فإن سلاح الطالب قلمه ودفتره، فيجب أن تكون له مذكرة وقلم حيث لو عرضت له حكمة شاردة يقيِّدها في ذلك الدفتر، "العلم صيد والكتابة قيده" كما قيل، فإذا اصطدت تلك الحكمة مثلاً ثم قيّدتها في دفتر فلن تفلت منك أبدًا، وإن أنت سمعت حكمة فلم تقيّدها وقلت سأكتبها فيما بعد، فإنك ربما تنساها قبل قيامك من مجلسك ذلك، فلا شيء يقيِّد العلم إذن مثل الكتابة.
فهذا النبيء الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة يأمرنا بالحرص على الكتابة، ويبيِّن لنا ما فيها من الأجر، ويبدو أنَّ هذا الأجر أعلى درجة في التقدير، وأنه يوزن بدماء الشهداء، وأنه لا يزال ينال به الأجر ما دام ذلك المداد فيه، فربما يبقى ذلك الحبر عامًا كاملاً وهو في ثوبه فسيبقى العداد عامًا كاملاً وهو يشتغل في حساب الحسنات.
وقد بدأ الصحابة الكتابة من عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث كانوا يكتبون القرآن الكريم، وأمَّا الحديث الشريف فكانوا يحفظونه ولا يكتبونه مخافة الاختلاط بالقرآن، فلما كثر حفاظ القرآن وانتشروا وكُتِب المصحف الإمام اشتغل الناس (1/100)
صفحة 101
حينئذ بكتابة الحديث، فظهر المصنِّفون في كتابته في أواخر القرن الأول وفي أوائل القرن الثاني الهجري أيضًا بعدد أكبر، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا ألّفه صاحبه الربيع بن حبيب في القرن الثاني الهجري (1)، فكان ينقُل عن التابعين، والتابعون نقلوا عن الصحابة، والصحابة نقلوا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، فالعهد قريب، فلولا أنهم كتبوا وصنَّفوا ومهَّدوا - أوَّل مرة كتبوا القرآن وثانيًا كتبوا الحديث، ثم كتبوا التفسير حين قيّدوا التفسيرات وأسباب النزول، مثل ما ألّفه ابن عباس في التفسير مثلاً ثم ألّفوا الكتب المختلفة - لولا هذا كله لما وصلت إلينا العلوم أبدًا.
وكانت الكتابة في القديم صعبة وشاقة، وتَنَاقُلها أصعبُ وأشَقُّ أيضًا، حيث تدوم مدَّة نقله من بلاد إلى بلاد أشهرا عديدة، وأمَّا اليوم فهذه الوسائل السريعة من المطابع وغيرها من الآلات قد ملأت الدنيا بالكتب، فلا يوجد زمان مبارك في الإسلام في انتشار العلم ووفرته مثل هذا الزمان، فكان في القديم الواحد منهم يسمع بكتاب فيعقد رحلة من أجل أن يحصل على نسخة منه، وربما لا يحصله أو إنه لا يتمكن إلا من الاطلاع على ما يريد، أو يستنسخ منه بعض الشيء، لأنَّ المجلدات مختلفة الحجم منها العشرة إلى العشرين بل إلى التسعين مجلدًا، مثل ما هو "قاموس الشريعة" الذي ألفه جميل بن خميس السعدي حيث إنه يملأ خزانة كاملة فكيف يستطيع المرء استنساخه.
__________
(1) ينظر ترجمة الربيع بن حبيب في الجزء الأول من هذا الكتاب. (1/101)
صفحة 102
وأمَّا اليوم -والحمد لله- فالدنيا كلها كتب ومجلدات سواء في المكتبات العامة أو الخاصة، فإن كان باستطاعتك اقتناء أمهات الكتب التي لا يمكن الاستغناء عنها فافعل، فنحن نرضع العلوم منها رضاعا دائمًا مثل ما يرضع الصبي الحليب من أمه فلا يستطيع الاستغناء عنه، وهناك كتب أخرى من الفروع، فالمرء عليه إذن أن يقتني الأمهات من الكتب في التفسير وفي أصول الدين والفقه والسيرة والحديث، فإن لم يستطع ففي كل بلد أو مؤسسة علمية يجد مكتبة عامة بابها مفتوح للمطالعة، واستنساخ النسخ منها، فلم يعد الأمر صعباً، فأحيانا تجد مخطوطًا مفقودًا وأنه بإمكانك تصويره ونسخه بمبلغ معقول، فالوسائل والظروف متوفرة اليوم للقراءة والمطالعة ولكن على الإنسان ألاّ يستغني عن الكتابة أبدًا، حيث يكون دائما مرفوقًا بدفتره يكتب الشوارد مما يلقاه في ميدان العلم والمعرفة من أحاديث وأدعية وحكم وتفاسير حتى ينال فضل الكتابة، وربما رغم هذه الوسائل تجد كتابًا مفقودًا لا يتسنى لك تصويره، فتكتبه كاملاً بنية التقرب إلى الله تبارك وتعالى، فكثير من الناس يكتب القرآن كاملاً رغم توفر المصاحف إلاّ أنه ينوي بذلك التقرب إلى الله تبارك وتعالى، حيث يكتبه بكتابة صحيحة جيدة مراجعة، ينتفع الناس به بعده ورغم أن المصاحف متوفرة اليوم ومع ذلك فإن للمخطوط قيمته ونكهته، فإذا كانت قيمته عند العباد كذلك، فقيمته عند الله مثل ذلك وأكثر لأن الذي
كتب قد تعب وصحّح وحقّق فلا يضيع أجره عند الله تعالى، {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنَ اَحْسَنَ عَمَلاً} (الكهف: 30).
فهذا الحديث إذن يحضنا على الكتابة ويبين لنا شرفها عند الله تعالى، ولكننا لا نتّكل على الكتابة فقط في طلب العلم؛ بل علينا بحفظ ما نكتب بأكبر قدر نستطيعه حتى يكون علمنا دائما معنا لا في الخزائن أو الصناديق، فنفتقر إليها، وقد قال الإمام الشافعي:
علمي معي حيثما يممت ينفعني ... قلبي له وعاء لا بطن صندوقي (1/102)
صفحة 103
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق (1)
فهو يعرّض إذن في هذه الأبيات بالذين يعتمدون على صناديق الكتب التي يصعب حملها أو ربما تسرق أو تحرق أو تغرق، فلا يمكن التوكل عليها وحدها إذن، فلا يمكن أن يسأل عن مسألة وهو في السوق أو في السفر فيردّ قائلاً: لا أدري جواب ذلك فعلي بالذهاب إلى بيتي أو إلى صندوقي، فلا ينفع ذلك الكتاب إذن، فالعلم يتم بهما معًا -بالكتابة والحفظ أيضًا-، فلابد بالكتابة لتحتفظ بأكبر قدر ممكن من الحقائق والمعلومات، ثم بعد الكتابة الحفظ
والدراسة والتكرار، فكل يوم يمرّ عليك تحفظ فيه من المعلومات من مذكرتك فاحفظه بلفظه وإلاّ فبمعناه، لأنّ الكتابة ليست هي الغاية وإنما هي الوسيلة إلى تحصيل العلم وتقييده وتحصينه وحفظه ثم بعده تراجع ما حفظته.
نسأل الله الهداية والتوفيق إلى ما يحبه ويرضاه.
ما جاء في صنوف العلم
__________
(1) الإمام الشافعي، الديوان، ص18. (1/103)
صفحة 104
28 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ أَصْحَابَهُ عِزِينَ (1) ذَاكِرِينَ فُنُونَ الْعِلْمِ، فَأَوَّلُ حَلْقَةٍ وَقَفَ عَلَيْهَا وَجَدَهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «بِهَذَا أَرْسَلَنِي رَبِّي». ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ فَوَجَدَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ فَوَجَدَهُمْ يَذْكُرُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَفْيَ الأَشْبَاهِ وَالأَمْثَالِ عَنْهُ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ: «بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي». (2)
قَالَ جَابِرٌ: لأَنَّ التَّوْحِيدَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ لاَ يَعْرِفُ تَوْحِيدَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
التعليق على السند:
الحديث رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس فهو حديث متصل، لأن أبا عبيدة أخذ عن جابر وجابر أخذ عن ابن عباس وابن عباس هو الذي روى هذه القصة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -.
الشرح:
__________
(1) * عِزِينَ وعِزُونَ جمع عِزة وعزان عدة: الطائفة من الناس والجماعات.
(2) ذكره صاحب كنز العمال بنحوه، ج9/ 26965 وذلك في الوضوء .. (1/104)
صفحة 105
دائما في باب العلم هذا الحديث جاء في فنون أو صنوف وأنواع العلم، قال إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات يوم إلى المسجد، (والمسجد بالألف واللام هو مسجده؛ أي مسجد النبيء - صلى الله عليه وسلم -) لأنه كانت في المدينة مساجد فرعية كمسجد قبا (1) ومسجد بني سلمة (2) ومسجد بني سالم بن عوف (3) وأمثالها، ولكن المسجد المعهود هو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قال فخرج من بيته إلى المسجد، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كانت أبواب بعض بيوته إلى المسجد، فوجد أصحابه جماعات متفرقة، وكانوا يتذاكرون فنون العلم، فكان بعضهم يدرس ما حفظ من القرآن الكريم، وبعضهم يتذاكر ما حفظ من
__________
(1) مسجد قباء: يبعد عن المسجد النبوي بالمدينة بحوالي 3.2كلم.
(2) مسجد بني سلمة: يقع في الطرف الشمالي من الحارة الغربية غربي جبل سلع، يبعد عن المسجد النبوي ب 3.5كلم.
(3) مسجد بني سالم بن عوف: يقع في شمالي قباء يبعد عن المسجد النبوي بالمدينة بحوالي 2.5كلم. د. عبد الغني: تاريخ المدينة، ص:50. (1/105)
صفحة 106
أصناف الحلال والحرام وأحكام الشريعة الإسلامية، وآخرون يتذاكرون ما حفظوه من توحيد الله تعالى، ونفي الأشباه والأنداد عنه تعالى، فكانوا إذن يتذاكرون أشياء كانوا يعرفونها من قبل، فأوَّل حلقة وقف عليها وجدهم يقرؤون القرآن فجلس إليهم، وجلوسه إليهم دليل على الرضا والموافقة، وبعدما وصلوا إلى وقف أو ختموا السورة التي يدرسونها سكتوا وتكلم قائلا: «بهذا أرسلني ربي»، للإشارة إلى ما هم فيه؛ أي بهذا الذي تتلونه من كلام الله تعالى أرسلني ربي بالقرآن والهدى ودين الحق، وهذه الكلمة أيضا تدلّ على الموافقة، وتدل على الشرف وتدلُّ على الأمر بتلاوة القرآن، فالذين يجلسون في حلقة في أي مكان يقرؤون القرآن الكريم في كل زمان فهم يتقربون إلى الله تعالى بأفضل أنواع القربات، بعمل أقرَّه النبيء - صلى الله عليه وسلم - ومدحه وقال، «بهذا أرسلني ربي»، ويبدو أنه لا يوجد عمل أشرف من هذا، وهو أمر من الله تبارك وتعالى أيضا لقوله: {إِنَّ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمُو أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر:29 ـ 30) فالله تعالى يعطي الذين يقرؤون القرآن بالكيل الوافي ويزيدهم من فضله أيضا، ولكنه تعالى لم يذكر مقدار هذه الزيادة، وكما نعلم أن الحسنة بعشرة أمثالها، يعني أن أدنى مقدار للزيادة هي عشر مرات ثم بعد ذلك تتضاعف إلى عشرين وثلاثين وسبعين ومائة وإلى سبعمائة؛ والله يضاعف لمن يشاء لأنه تعالى غفور شكور. (1/106)
صفحة 107
وهذه إشارة إلى أن الله تعالى يغفر لهم سيئاتهم ويشكر لهم حسناتهم؛ بمعنى أنه تعالى يتقبلها منهم ويجازيهم عليها الأجر العظيم بعملهم هذا وبتلاوتهم للقرآن الكريم وبإقامتهم للصلاة وإنفاقهم مما أعطاهم الله تعالى. وتكفي هذه الكلمات تشريفا لهذا العمل وأنه من أفضل ما يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى، فمن جلس معهم في حلقتهم فهو أفضل درجة، ومن جلس من ورائهم فعليه أن يستمع في إمعان وتدبر، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) مثلما نقول دائما إن كان جالسا في الحلقة فليقرأ بتدبُّر، ومن كان من ورائها فليستمع دون قراءة، لأنه ربما شوَّش على المستمعين، لأن المتدبر لتلاوة تلك الباقة من الآيات المنسجمة صوتا يستمع إليها ويتدبَّرها بعقله وعظمه وعصبه لأنه تعالى قال {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَه} ولم يقل فاقرؤوا، وأما من أراد أن يتلو مع المجلس لكن دون الجهر بصوته فلا بأس بذلك، إن كان ينوي بها مثلا مراجعة حفظه أو الزيادة في التدبُّر والتمعُّن في آيات الله، ولكن بكيفية لا تشوّش على الآخرين قراءتهم ولا استماعهم للآيات، فأحيانا ما نسمع بعضًا يتلون القرآن مع المجلس من ورائه وبصوت جهوري وهم لا يسايرونه، فأحيانا يسرعون وآخرون يبطئون، أو إنهم يخطئون في الآيات، فإن كنت من وراء المجلس فعليك بالاستماع، فللاستماع روعته أيضًا، هذا إن كان تلاوة للقرآن، وأما إذا كان كلاما وسط المسجد فلا يُقبل أبدا، سواءً كانوا صغارا أم كبارا، ويجب أن ينكر مثل هذا
الفعل إنكارًا شديدًا، وقيل: إن من كان يتكلم والقرآن يُتلى فينزل عليه البلاء من الله تعالى (1)، ولعل كلامهم هذا يكون حقًّا اقتبسوه من قوله تعالى: {لعلكم تُرحمون}.
__________
(1) لم يعثر على القول فيما بحث فيه من مظان. (1/107)
صفحة 108
فإذا كان الذي يستمع إلى القرآن تنزل عليه الرحمات فالذين يَلغون عند قراءة القرآن ربما ستنزل عليهم النقمات جزاء وفاقا، فليحذر المتكلمون وقت تلاوة القرآن من نزول البلايا عليهم ـ والعياذ بالله ـ فإذا لم نخف من الله تعالى فلنخف مما يصيبنا من بلايا الدنيا، فمن أعمال الكفار أنهم يقولون {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26) فهذه من أعمال الكفار، وكل كلام يكون وقت تلاوة القرآن فهو لغو لأنه يشوِّش على التالين، فكأنك بهذا مُستغنٍ عن السماع للقرآن الكريم.
حلقات الفقه في المسجد:
ثم قام إلى الحلقة الثانية التي وجد الجالسين فيها يتكلمون عن الحلال والحرام، فهذه الحلق سنَّة منذ عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم -، وتعقد حلقات العلم في مساجد المسلمين دائما؛ في القرآن والتفسير والفقه وفنون العلم، مثل ما كان (1/108)
صفحة 109
جامع الزيتونة أو الأزهر أو القرويين ومساجد أخرى في العالم .. ، فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام، أو في أمور الفقه مما أحلّه الله تبارك وتعالى ويستدلُّون له من القرآن الكريم، فهم يتلون القرآن الكريم ولكن مع الوقوف في آياته واستنباط الأحكام منه، أو مما حرّمه الله تعالى في القرآن فيستدلون له من القرآن أيضا أو من أحاديث النبيء - صلى الله عليه وسلم - التي تبيِّن معنى تلك الآيات أو تخصص منها العموم أو تبين بعض المجمل، فلا بدَّ أنَّ هؤلاء الصحابة الذين يتكلمون في الحلال والحرام لا يأخذونه بأهوائهم، وإنما يأخذونه من كتاب الله على حسب ما فهموه وعلموه في الحلال والحرام، وهذا من الفقه في الدين، فجلس إليهم ولم يقل شيئا، أي جلس إليهم بعضًا من الوقت ولم يكلمهم، واستدلَّ بعض العلماء على أنَّ هذا العمل ربما يكون أقل من العمل السابق وإن كان قربى فلا يهمُّنا أيهما أقل درجة أو أرفع فالله تعالى هو أعلم بذلك، وإنما جلوسه إليهم دليل على الموافقة، فلو أنه لم يعجبه عملهم لما جلس إليهم ولنهاهم عنه، ولكن بما أنه جلس إليهم فقد رضي بعملهم هذا ولأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس إلا إلى خير، فعملهم إذًا قربى وإن كان لم يقل شيئا، ففي ذلك معنيان؛ أولها أنه لم ينكر عليهم من قولهم شيئا، أي أنَّ كل كلامهم صواب، ولو أخطأوا لصوَّبهم، لأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يقرَّ غيرَه على خطأ، وثانيهما موافقته على ما هم فيه من العلم.
حلقات التوحيد في المسجد: (1/109)
صفحة 110
ثم بعدها قام إلى حلقة أخرى فجلس إليهم، وهنا عبَّر بأنه جلس إليهم كثيرًا، فهناك من قال بأن جلوسه كثيرًا دليل على أن ذلك العمل هو المفضل، ولكن لا يمكن أن يكون عمل أفضل من تلاوة القرآن، وربما جلس إليهم كثيرا لكونهم آخر حلقة يجلس إليها وبعدها ينصرف إلى الصلاة أو إلى شغل آخر، وقد وجدهم يتحدَّثون في توحيد الله عز وجل، ونفي الأشباه والأمثال عنه، فالله ليس له شبيه وليس له مثيل من خلقه من صفة ولا خُلق ولا عمل أبدًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى:11) فكل ما خطر ببال الإنسان فالله تعالى بخلاف ذلك وليس ما هو في الدنيا فقط، فتقول ربما كذا أو ربما كذا -حاشاه - فالله لا يشبهه شيء من خلقه من أهل السموات ولا الأرض، بل لا يجوز التفكير حتى في ذات الله تعالى، فهو لا تدركه الأبصار، ولا تمثله الخواطر ولا العقول ولا القلوب، ولا تتفكر أيها الإنسان في ذات الخالق وإنما تفكر في خلقه، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «تَفَكَّرُوا في الخلقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخَالِقِ، فَإِنَّهُ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِتَصْدِيقِهِ» (1) كما أرشدنا الله تعالى وحظنا على ذلك في قوله: {اَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
__________
(1) رواه الربيع في الجامع الصحيح، رقم: 823. ص 309. (1/110)
صفحة 111
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الاَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية:17 - 20) وإلى أمثالها من الآيات الكثيرة {قُلُ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (يونس:101) {وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمُو أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات:21) فالله تعالى يرشدنا إلى التأمّل إما بالأمر كما مرَّ في الآيات السابقة، وإما بالإخبار {وَيَتَفَكَّرُونَ فيِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 191). وإما أيضا بطريق القسم فالله تعالى يقسم بمخلوقات عظيمة من مخلوقاته وهذا للفت نظرنا إلى عظيم خلقه والتي تدل على عظم خالقه مثل قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا وَالاَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (الشمس:1 - 7) فالله تعالى يقسم بهذه المخلوقات لنتفكر فيها وفي عظمة خالقها وسعة علمه وقدرته وحكمته ودقة صنعه وإتقانه، وأمَّا أن نتفكر في الخالق جلَّ وعلا فحاشاه فلا يقال فيه تعالى أين ولا كيف ولا متى، {هُوَ الاَوَّلُ وَالاَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد:03).
وجدهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذن يعظمون الله تعالى ويوحّدونه وينفون عنه الأشباه، فجلس إليهم وذلك كما قلنا دليل على أنه قربة إلى الله عزَّ وجلَّ، فعملُهُم من أجلِّ الأعمال، وكان جلوسهم في أبرك الأماكن ألا وهي المساجد، ومجلسهم (1/111)
صفحة 112
هذا هو من أحسن المجالس لأنه مجلس علم ينالون فيه الأجر عند الله، وهو روضة من رياض الجنة «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة، قال مجالس العلم» لو جلس ولم يقل شيئا كالتي قبلها لكان هذا يكفي لتصويب عملهم وأقوالهم، ولكنه زاد فقال بهذا أمرني ربي، أي بهذا الجلوس وبهذا التفكير وبهذا العلم أمرني ربي؛ أمرني أن أنفي عنه الأشباه {فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} (محمد:19) {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} فجميعها أوامر من الله تعالى فلا يقتصر هذا الأمر على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وحده بل يشمل جميع من يتلون القرآن، فنحن إن قَرأنَا الآية فنقرأ معها "قل" لأننا تُعبِّدنا بقراءة القرآن ولكن لا ننسى أنه أمرٌ لنا أيضا.
حلقات العقيدة في المسجد:
وأحيانا يعلِّق جابر على بعض الأحاديث ومن بينها هذا الحديث، حيث قال: "إنَّ التوحيد معرفة الله ومن لم يعرف الله فليس بمؤمن" أي أنَّ الكلام في التوحيد والتفكر في التوحيد هو معرفة الله تعالى، وإنما هذه المعرفة طبعا تستقَى من القرآن ومن الحديث، وليس مما تحدثنا به خواطرنا، فالتكلُّم في الله وفي القضاء والقدر والحكم فيهما بخواطرنا خطأ كبير إن اتبعنا فيهما ما تمليه عقولنا (1/112)
صفحة 113
من غير رجوع إلى القرآن أو السنة، ففي القرآن الكريم نصيب وافر يكفينا لفهم التوحيد، كما تقدم لنا أنَّ سورة الإخلاص تعادل ثلث القرآن، ولكن لماذا هي تعدل الثلث، قيل أنه لو بحثنا في كامل القرآن الكريم لوجدنا أن الآيات التي تتكلم في توحيد الله عزَّ وجل ونفي الأشباه والأمثال والشرك ودحض أقوال المشركين لبلغ الثلث، فكل هذا موجود في القرآن الكريم وكذلك موجود في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوحيد ونفي الشركاء والأصنام والأولياء، وكل ما يعبده الناس دون الله.
فكل الكلام في هذا الموضوع يعني معرفة الله عزَّ وجلَّ، فالله يعرف بهذا النمط من الكلام، ثم قال: ومن لم يعرف الله فليس بمؤمن، حتى ولو كانت نيته صادقة ويعمل الصالحات ولكن لا يعرف الله ولا يعتقد وحدانيته كما ينبغي أو يجب، وإنما في قلبه ظن أو شبهه بشيء، فكل عمله يكون في ضلال، {وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} (الرعد:14) والجهل لا ينفع فيه عذر فتقول: لم أكن أدري أن الله يتصف بكذا، أو هو منزّه عن كذا، فكل هذا لا ينفع، ومعرفة الله ليست بالشيء العسير، فمجلس واحد لا يمكن أن تعرِّف فيه الله للناس، فمعرفة الله تكون منذ بدء الطفل الكلام نلقِّنه وحدانية الله، ولا ننتظر إلى أن يبلغ الحلم لأنه حين ذلك نعطيه درساً شاملا في التوحيد أو نمتحنه فيما عرفه من قبل في أمور التوحيد، مثل أن نسأله هل الله -حاشاه- ينام أم لا؟، هل الله ينسى أم لا؟ هل الله قريب أم بعيد؟، حتى تعرف مدى اعتقاده في الله تعالى، فإن كان (1/113)
صفحة 114
صائبا بدأت في تلقينه أمور الصلاة وإلا فتبيِّن له العقيدة الصحيحة أولاً، ثم الصلاة بعد ذلك، فهذا لابدَّ منه، ونفس الأمر بالنسبة لتلقين العقيدة لمشرك دخل الإسلام وأعلن إسلامه وتأكَّدت من صحَّته، حيث اغتسل وجهزَّ ثوبًا طاهرا وقدم إلى الصلاة، فلا بدَّ أن نعلِّمَه عقيدة التوحيد والأمور التي تتبع التوحيد، لأن التوحيد فيه ما هو يجب أو يجوز أو يستحيل في حقه تعالى، وما يتبع ذلك من الإيمان بالأنبياء والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر وما فيه من البعث والحساب والجزاء بالجنة والنار والقضاء والقدر، ففي جلسة واحدة تستطيع أن تلقن الإنسان ما يجب عليه في عقيدته.
فكلام جابر حق، فيمن لا يعرف الله؛ بأنه ليس بمؤمن، لا نقول أن جابر كان قاسيا في حكمه، لأنَّ الإنسان إذا كان لا يعرف الله فكيف يعبده على جهل، مثل ما سألت شخصا يومًا ما رُبِّي في مكان بعيد وهو مسلم فسألته لأعرف عقيدته، هل لله شريك أم لا؟ فقال لي: لا أدري وهو أعلم، فإن لم يعرف مسلم أنَّ لله شريك أم لا؛ فهذا ليس بمسلم فهو هالك، وقد أجبته على توِّه: نعم هو العالم ولكنه قد عرَّفنا وعلَّمنا بأن نعتقد أنه وحده لا إله إلاَّ هو، قال: نعم، فقلت له: هذا هو معنى لا شريك له.
أهمية حلق العلم في المساجد:
فمن هنا عرفنا فضل العلم وحلقاته في المساجد وينبغي على المساجد أن تحافظ دائما على هذه السنَّة، فمجالس النبيء - صلى الله عليه وسلم - التي كان يلقي فيها العلم والدين
بهي المساجد، ولكن لم يكن محظورًا عليه أن يلقيها في غير المساجد، وإنما أصل انبعاث هذا النور كله من المساجد، فلما كثر عدد المسلمين طلب أن يتخذ له منبرًا يلقي منه خطبة الجمعة وغيرها من المواعظ والنصائح التي تكون بين الأوقات. (1/114)
صفحة 115
وإقراره - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه الحلق وجلوسه إليهم دليل على جواز هذه الحلق بل استحبابه وتأكيده عليها، فعلى المسلمين أن يعمروا مساجدهم بهذا لأنَّ كلَّ ما تؤدِّيه المدارس من دروس إسلامية تربوية تعليمية هو حقٌّ وواجب مهمٌّ وعظيم - لكنه لا يكفي وحده -، المدارس تتخصَّص في صنف من الناس في سنٍّ محدودة وعند نهاية التدرُّج يتخرج فيها من كان مجدًّا، وأمَّا من كان ضعيف المواهب فقد يخرج منها في سن مبكرة، فإشعاع المدارس محدود بصنف خاص من الشباب، أمَّا المساجد فتأوي جميع الناس من كل صنف وسنّ ومن كل جنس ذكورهم وإناثهم، ولا بد للمساجد أن تخصص أمكنة للرجال، وصُفَّة للنساء بحيث يبلغهن صوت المسجد من غير أن ينكشفن للرجال، وعليهنَّ بالاهتمام بما يلقى في المساجد لأنَّ العلم يلزمهنَّ كما يلزم الرجال، فهذه سنَّة لابدَّ أن تُتَّبع، وبهذه الطريقة ينتشر العلم بين الناس ويكون حقًّا مشاعًا بينهم، ولا يوجد في مدخل المسجد مكتب يحدِّد أعمار الداخلين إلى المسجد لا في الرجال ولا في النساء، غير أنه قد يمنع الصبيان من دخول المسجد خشية النجاسة أولاً، وخشية الحركة والكلام المفرط ثانيا، غير أنَّه قد وضع لهم مكان خاص بهم وهي المحاضر أو الكتاتيب، ثم بعدها يذهبون إلى المدارس، أمَّا المسجد فلكل من
وصل سن البلوغ وما قاربه من الأعمار، إلاَّ المجانين أو من يُحدث في المسجد فسادًا؛ فيجب أن تُصان المساجد وتُطهَّر.
بهذا يصبح القرآن والحديث والعلم حقًّا مشاعا لجميع الناس، بل وحتى تذاكر الدخول غير موجودة مهما كان ثمنها في مدخل المسجد فأينما ذهبنا من الأماكن فلا بدَّ من تذكرة الدُّخول، سواء الأماكن الصالحة أم الفاسدة، وأماكن الفسق والمجون والرقص، وكذلك في المعارض التجارية مثلا، والتذكرة تنتهي صلاحيتها بخروجك من ذلك المكان، وعليك بأخرى إذا رغبت في الدخول ثانية.
أوقاف المساجد: (1/115)
صفحة 116
أمَّا بالنسبة للمساجد فإنَّ فيها كل الربح والكرامة والأجر والسعادة الأبدية فلا تذكرة في دخولها في أي مكان في العالم، بل أكثر من ذلك في بعض المساجد تكون أوقافٌ وصدقاتٌ تنالها عند مكوثك بها، فكم من فقير عاش على هذه الصدقات سواء هنا أو في مكة أو المدينة، ففي شهر رمضان مثلا لا يحتاج الفقير إلى أكل وإنما يحصل عليه في المسجد وكذلك المياه المبرَّدة، غير أنَّنا ننبهك هنا أيها المؤمن على أن تكون نيتك صادقة خالصة، فتنوي عند ذهابك إلى المسجد الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى لا أن تنال تمرا أو خبزا أو أي وقف مَّا، فإن كان أحدنا يأتي إلى المسجد فلا يأتيه بهذه النية، فلا يكون له أجر الذهاب إلى المسجد، ثم لا يأخذ منه إلا تلك الصدقات فقط.
وإنما سقنا هذا المثال لنبيِّن فضل المساجد ومجالسها؛ بأن لا يدخل إليها بتذاكر، بل إن الله يعمُّنا بأفضاله ورزقه فيها بما تسخو به أيادي المحسنين للفقراء والمساكين واليتامى، ومن كان مكتفيا من تلك الصدقات فليتصدق بها على إخوانه المحتاجين، وجرت العادة أن تكون هنالك أوقاف جارية في المساجد.
الكلام في المسجد:
وهذا الحديث هو أصلُ ومرجعُ ما نحن فيه من حِلَق القرآن وحلق الذكر، ولكن بشرط أن لا تكون حِلَقا في أمور الدنيا، وقد ورد في تحريم هذا حديث النبيء - صلى الله عليه وسلم - لمن كانت مجالسه للغيبة والنميمة واللغو وحديث الدنيا، فلا يجوز هذا في المسجد أبدًا، ما عدا رحبة المسجد أي خارج أبواب المسجد - فلا بأس - إن كان الكلام في بعض المصالح الدنيوية أو الأخروية، ولكن على شرط أن يكون بصوت خافت هادئ لا بضجة كضجة الأسواق، فعلى المؤمن أن يلتزم آداب المسجد وإن أمكن أن يرافق صاحبه إلى الشارع خارج الرحبة ليحدثه فذلك أفضل، فلو أنَّ كلَّ الناس يتحدثون بصوت خافت لما كانت هذه الفوضى في المساجد، أمَّا داخل المسجد فهذا لا يجوز قطعا، إلا هذه المجالس العلمية فهي مشروعة. (1/116)
صفحة 117
هذا ما أمكن في الموضوع، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في النهي عن التَبوُّلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
29 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ فُتْيَاهُمُ حَدِيثُ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ (1) قَالَ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ أَوْ يَتَوَضَّأُ» (2) (3).
ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة
30 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّتِي، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي سُنَّتِي، فَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» (4).
التعليق على السند:
__________
(1) * خ: ويقولون.
(2) رواه احمد بن حنبل في مسنده ج2/ 259،265،316، .. ج3/ 341، 350، ورواه البخاري في الوضوء 68، ورواه مسلم في كتاب الطهارة 94 ـ 96، ورواه أبو داود في كتاب الطهارة 36، ورواه الترمذي في كتاب الطهارة 51، ورواه النسائي في كتاب الطهارة 45، 139، كتاب الغسل 1، ورواه ابن ماجة في كتاب الطهارة 25، ورواه الدارمي في كتاب الوضوء 54.
(3) الحديث رقم: 29، أجّل الشيخ شرحه إلى باب الطهارات لكونه تابعا لموضوع: أحكام المياه، وسيشرح في حديث رقم:162.
(4) رواه الترمذي في سننه: بلفظ: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي» كتاب المناقب 31. (1/117)
صفحة 118
دائما في موضوع العلم من الكتاب والسنة قال - صلى الله عليه وسلم -: «خلّفتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبدا كتاب الله عز وجلّ»، أي أن نفي الضلالة عن أمته ما دامت تعتصم بكتاب الله عزَّ وجلَّ، و"لن" تفيد النفي المؤكّد والمؤبّد، ثم زاد أيضا التأكيد الثاني أبدا، أي لن تضلّوا ما دمتم تعملون بما في كتاب الله تعالى، ومادامت أعمالكم موافقة لما فيه.
القرآن أصل السنة:
وكتاب الله الذي جاء به سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن الكريم، وقد سبقته كتبٌ أخرى مثل التوراة والإنجيل والزبور، ولكن الكتاب الذي نحن مكلّفون بالتمسّك والاعتصام به والعمل بما فيه هو القرآن الكريم الذي ضمن الله حفظه، حيث لا يناله الباطل {لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}، (فصلت: 42) {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:09) والقرآن الذي نقرأه اليوم هو القرآن الذي أُنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من غير تبديل أو تحريف على خلاف السنة التي ربمَّا دخلها بعض الشيء من التغيير ولكن العلماء قد نقّحوها واعتنوا بها وتكلّموا في الرُّواة بالتعديل والتجريح، وقاسوا هذه الأحاديث على القرآن الكريم، فما كان موافقا للكتاب نأخذه لا سيما إذا كان أَحاديا؛ أي روي عن طريق واحد، أو مقطوعا أو مرسلا فهنا نرجح ما كان موافقًا للكتاب، مثل ما مرت الإشارة إليه.
السنة بيان للقرآن:
وفي هذه العبارة أيضا ما يدُلُّ على أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - يوصي الصحابة بأنه ذاهب وتاركهم ولن يبقى معهم أبد الدهر، وإنما ترك لهم ما يطمئنون إليه ولا يضلّون ماداموا متمسكين به ألا وهو كتاب الله، ثم بعد هذا الكتاب سنة النبيء - صلى الله عليه وسلم - التي تبقى محفوظة، أقوالها وأفعالها وتقريراتها مكلفون أيضًا بالعمل بها، فهي مبيّنة لما في (1/118)
صفحة 119
القرآن الكريم لا نستغني عنها، والله تعالى يقول لنبيه الكريم: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل:44) وكثير من الأحكام جاءت بإيجاز في القرآن الكريم مجملة لها، إلا أنَّ السنة النبوية جاءت مبينة، لأنَّ القرآن لو جاء مفصّلا لما كان يحتوي على ستين حزبا بل ستمائة حزب أو أكثر، ولما استطاع أحد حفظه، لأنّنا مأمورون بحفظ القرآن والصلاة والتعبّد به ولذلك جعل الله تعالى إلى جانب قرآنه سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - يبين ويفصّل ويخصص فلا بدَّ من مراعاتها.
لا يجوز الاكتفاء بالقرآن دون السنة:
ولا يجوز أبدًا إلغاؤها بدعوى أنّنا نكتفي بالقرآن الكريم ونلغي كلّ ما في السنة، فهذا كلام لا يقوله إلاّ منافقٌ، فلا بُدَّ باعتبار السنة وإنّما نطلب صحة السند وصحة المعنى الموافق للقرآن «فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي» فمصادر الدين درجات، فما وجدناه مفصلا فنكتفي به، وما لم نجده في القرآن ووجدناه مفصلا في السنة النبوية الصحيحة فنأخذ به أيضا مثل الرجم والختان وميراث الجدّة (1)، أو ما وجدناه مجملاً في القرآن الكريم مثل إقام الصلاة وذكر القيام والركوع والسجود، ولكن لم يفصّل فيه مثل عدد الركعات أو بيان الأوقات، ولكن مجرَّد إشارة إليها بالإجمال.
{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء:78) ولكن السنة هي التي تبيّن أوائل هذه الأوقات وأواخرها، وكذلك الزكاة أنصبتها وأنواعها ومقاديرها، فهي لم تُذكر مفصّلة في القرآن فذُكرت في السنة، وكثير من الأشياء نجدها في السنة موضّحة مفصلة بطرق قوية أو يقوّي بعضها بعضا في الرواية والسند.
الاستنباط حق لعلماء الشريعة:
__________
(1) عمرو بن جميع، عقيدة العزابة، ص13، تحقيق عمر بازين، ط2، المطبعة العربية، غرداية 1421هـ/2000م. (1/119)
صفحة 120
ثم بعد ذلك نجد أُمورًا لم تذكر في القرآن ولا في السنة لأنها أحوال تتجدد، حيث أن كثيرا من القضايا لم تكن حدثت في زمن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ولكنها حدثت بعد وفاته وصاحبها يطلب حكمها ولا بد من إيجاد حكم لها، فهنا يأتي دور العلماء المستنبطين المجتهدين، وهو معنى قوله: «فما لم تجدوه في سنتي فإلى أولي الأمر منكم» والمقصود بأولي الأمر هنا أولي أمر العلم والاستنباط لا أولي أمر الحكم، لأن ذلك موجود في آيات أخرى في مثل قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: 59) يعني به الحكام والملوك والخلفاء الذين يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن المقصود هنا أولو العلم مثل ما هو موجود في آية أخرى في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء:83) والاستنباط
هو استخراج الأحكام من أدلتها (1).
أدلة الاجتهاد أصل للتشريع:
__________
(1) محمد رواس قلعة جي، معجم لغة الفقهاء، ص 45. (1/120)
صفحة 121
إذا فهناك جزء وافر من الفقه يأتي من جانب الرأي، كما هو عندنا في عقيدة العزابة أن فرز الدين ثلاثة: الكتاب والسنة والرأي (1)، ويشمل الرأي: القياس والإجماع والاستحسان والاستدلال والمصالح المرسلة .. وما إلى ذلك من آراء للعلماء في الموضوع، كما هو الحال في قضية الميراث، الذي جاء في القرآن الكريم مفصلا لكن ميراث الجدة لم يذكر فيه، والنبيء - صلى الله عليه وسلم - أعطى للجدة ـ أم الأم ـ السدس. وهذا ما أثبتته السنة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ثم بعد ذلك في زمن الخليفة عمر بن الخطاب لما كان أميرا للمؤمنين (2)، بعد وفاة النبيء - صلى الله عليه وسلم - ووفاة أبي بكر - رضي الله عنه -، جاءت قضية أخرى هلك فيها هالك فترك جدة لأب مع جدة لأم، أي أم الأب، وأم الأم، فهذه قضية مستجدة لم تحدث في زمن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ولم يحرمها النبيء - صلى الله عليه وسلم - من الميراث في عهده فلو كان كذلك لحرمناها اقتداء بالسنة النبوية.
__________
(1) القطب أطفيش، شرح عقيدة العزابة، ص 166، وقد أورده صاحب العقيدة: بقوله: «كمال الدين ثلاثة: ... ». وينظر: الشماخي: شرح العقيدة ص61.
(2) سبق تخريجه، رواه أبو داود في السنن، كتاب الفرائض، باب في الجدة، رقم: 2507، 3/ 121. ورواه ابن ماجة في السنن، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، رقم: 2714، 2/ 909. (1/121)
صفحة 122
وبعد نزول الميراث إلى وفاة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فترة قصيرة، فجاءت الجدة لأب تطالب هي الأخرى بحقّها في الميراث، فقال لها عمر: لا أجد لك في كتاب الله شيئا إلا السدس الذي أعطاه النبيء - صلى الله عليه وسلم - للجدة لأم فهو بينكما على السواء، فقسم بينهما هذا السدس. ولو أعطى لها سدسًا آخر لنقص من نصيب الورثة، كالزوجة إذا كانت وحدها تأخذ الربع وبوجود الولد تأخذ الثمن، وإن كنّ عدة زوجات فالربع أو الثمن بينهن بالسواء يقسمنه إن كنّ اثنتين أو ثلاث أو أربع ولا تأخذ كل منهن ربعا أو ثمنا خاصا.
وكذلك فعل عمر مع الجدتين، ووافقه على ذلك الصحابة رضي الله عنهم، وكان ذلك اجتهادا منه - رضي الله عنه - وإجماعا سكوتيا من الصحابة «فإن لم تجدوه في سنتي فإلى أولي الأمر منكم» فهنا ميراث الجدة لأب لم يكن في سنة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فذهب إلى أولي الأمر أي إلى عمر - رضي الله عنه - الذي هو من أولي الأمر بالعلم وبالحكم، فأقرّه جميع الصحابة وبقي إلى يوم الناس هذا، وكذلك عدة قضايا في المدينة، فلا بد لها من أحكام حتى لا يبقى الفقه الإسلامي جامدا.
ولكن ماذا نفعل مع هذه القضايا المستجدّة والكيفيات المختلفة، من صور المعاملات أو المسائل الطبية وغيرها .. فلا بُدّ لها من أحكام حتى يكون الفقه مسايرا للعصر وتطوّر العلم، فالفقه هو الذي يتطوّر وأمّا الدين فكامل قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا}
فالفقه يتطور إذن بأن نقيس الأشباه بالأشباه والنظائر بالنظائر، وأن ننظر في المصالح المترتبة من ذلك فالتي اعتبرها الشرع نعتبرها والتي ألغاها نلغيها، ونعمل القياس أيضا. (1/122)
صفحة 123
هذه قاعدة كبرى من مصادر التشريع أو أصول التشريع كما ذكرت سابقا: الكتاب والسنة والرأي، وهنالك من يجعلها أربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس (1)، والإجماع هو ما أجمع عليه علماء ذلك العصر، وهو قويٌّ أيضا، لأنّه «ما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلال» كما جاء في الحديث (2)، أما القياس فربما يكون باجتهاد شخص أو شخصين أو أكثر، ولكن قد يجمعون عليه وقد لا يجمعون حيث إنهم يقيسون المسألة بنظائرها ثم يستخرجون لها الحكم، وهو أيضا أصل كبير من أصول التشريع.
وكذلك هذا الأصل نفسه أقرّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - عليه معاذَ بن جبل - رضي الله عنه - لماّ بعثه إلى اليمن حيث قال له: «كيف بك يا معاذُ إذا نزلت بك قضيّة؟
__________
(1) ينظر: القطب أطفيش، شرح عقيدة العزابة ص 166/ الشماخي: شرح العقيدة ص61.
(2) رواه الربيع في الجامع، باب ما جاء في عصمة الأمة، رقم: 39،ص 36. وهو مشروح ضمن هذا الجزء. (1/123)
صفحة 124
فقال: أقضي فيها بكتاب الله» (1)، والرسول - صلى الله عليه وسلم - هنا يسأل معاذاً عن تصرّفه إذا نزلت عليه قضية، فقال له: «أقضي بما هو في كتاب الله»، طبعا فلا بدّ أن يحكم بالقرآن، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فإن كان حكم قضية موجوداً في القرآن سواءً في العبادات أو المعاملات أو في الأحوال الخاصة أو العامة فلا يجوز أن نقضي فيها بخلاف القرآن الكريم، ومن حكم متعمّدا في قضية ما بخلاف القرآن الكريم فهو منافقٌ غير مسلم بل كافر بشهادة القرآن الكريم {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} سواء هو الذي قضى بذلك أو قبِل بذلك القضاء إذا قبل حكما مخالفا أو قانونًا مخالفا لما في كتاب الله فهو شريك القاضي في الذنب، بل عليه أن يَقبل ويسلّم بما يقضي به القرآن الكريم:
__________
(1) رواه أبو داود في السنن، بلفظ: « ... أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدْرَهُ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم: 3119، 3/ 303. (1/124)
صفحة 125
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65) فهو توكيد شديد جدا من قبل الله تعالى وبالقسم الصريح، حيث قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أقسمتُ لك بربك يا محمد ويا كلّ تالٍ للقرآن إنّ الناس لا يكونون مؤمنين ـ وبالطبع إن لم يكونوا مؤمنين فهم
كافرون ـ، إن لم يحكّموك فيما شجر بينهم من تنازع في أموال أو على أشياء أخرى، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بماذا يحكم؟ يحكم بكتاب الله أو بسنته بإذن من الله.
وجوب الاجتهاد للعلماء والقضاة: (1/125)
صفحة 126
وأما المسلمون الذين أتوا بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحكمون بكتاب الله أو بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا ليس اختيارا، وإنما الأمر درجات، بداية من كتاب الله فإن لم يجد الحكم مفصلا فيه فإلى سنة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن كذلك في السنة فنلجأ إلى الاستنباط، فلا تقدَّم السنة على الكتاب، ولا يجوز أن نقدم الاستنباط على السنة والكتاب أيضا «لا حظّ للنظر مع وجود الأثر» (1) فإن كان الأثر موجودا من كتاب وسنة فلا يجوز لأحد أن يجتهد، أو يقول هذا رأيي فلا رأي مع ثبوت النص من القرآن والسنة، فكل رأي يأتي مخالفا للنصوص يضرب به عرض الحائط، ولا كرامة والعلماء المستنبطون من أئمة المذاهب أنفسهم يقولون بذلك من ذلك قول بعضهم: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي» وآخر يقول: «إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط» (2)، لأنهم يخافون من سؤال الله لهم يوم
القيامة: أتتركون كلامي وكلام نبيي، وتتبعون ما تقولون، فهم يعتذرون إلى الله، ويحذّروننا أن نتبع أقوالهم إن وجدنا بديله أو غيره في كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) ينظر: قاعدة فقهية يضمّ إليها كثير من أبواب الفقه والاجتهاد، وهي تشبه قاعدة: «لا اجتهاد مع وجود نص» حسن أحمد الخطيب، فقه الإسلام ص 251.
(2) القولان للإمام للشافعي، ينظر: محمد بن عبد الباقي الزرقاني، شرح الزرقاني، 1/ 230، محمد شمس الحق، عون المعبود، 2/ 57. بلفظ: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط». (1/126)
صفحة 127
هكذا قال لمعاذ: «بماذا تحكم؟ فقال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فاحكم بسنتك، أي بالقضايا التي قضيتها يا رسول الله، والأقوال التي قلتها، ثم قال له: فإن لم تجد في سنتي؟ قال معاذ: أجتهد رأيي، فالرأي جاء في الدرجة الثالثة، فعندما لا نجد في القرآن ولا في السنة، نجتهد أو نردّ المسألة إلى من يجتهد، فسُرّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجواب، ووافق معاذ على ذلك ولم يكتف بالإقرار السكوتي؛ وإنما ضرب على صدر معاذ وقال له: «الحمد لله الذي هدى رسولَ رسولِ الله إلى ما هدى إليه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -» قال رسولَ رسولِ الله ذلك لأن معاذاً أرسله رسولا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليكون قائما بحكم الله فيهم ومعلما ومرشدًا.
شروط المجتهد:
إذن هذه هي طريقة المسلمين حتى تقوم الساعة، فما لم يجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله، وما لم يجدوه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستنبطه المجتهدون الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد، وليس المقصود بالمجتهد المجدُّ في طلب العلم فقط، وإنّما المجدّ المكدّ في البحث وراء مسألة علمية بالنظر إلى أدلتها، مع توفر شروط الاجتهاد، بأن يكون حافظا للقرآن الكريم، ملمّا بالسنة النبوية،
متقنا للغة العربية نحوا وصرفا وبيانا ومعانيا، مُطّلعا على كثير من أحكام العلماء الذين ألّفوا وخلّفوا من اجتهاداتهم وأحكامهم، وعالما بالتفسير وأصول التفسير، وبتوفر هذه الشروط يمكن أن يصل درجة الاجتهاد.
والنبيء يرشدنا بهذا الحديث إلى الاجتهاد وإلى أن يكون لنا نخبة من المجتهدين المتخصصين في كل بلد وناحية يتصدون لذلك. (1/127)
صفحة 128
إذن يريد أن يبيّن لنا أننا لا نجد كل ما نبحث عنه مفصلا في القرآن الكريم، وقد لا نجده في السنة النبوية، فهناك ما نجده مصرحا به في القرآن أو مصرحا به في السنة، وهنالك ما لا نجده لا في القرآن ولا في السنة، ولكننا نجد مثاله فيهما فنقيس عليه القضايا المستجدة.
وجوب تخصيص طائفة للتفقُّه في الشريعة:
إذن لا بُدّ أن يكون منكم أيّها المسلمون أناس يتصدّون لهذا فبعد أن يعلّم الناس أبناءهم، فمن لوحظ فيه النبوغ من هذه الجهة الشرعية يؤخذ بيده وساعده ليتخصص في ذلك، وتهيّئ له كل الوسائل من مكتبات ونفقات، وهو واجب الأمة جميعا لتُعين هؤلاء المتخصّصين ولا يمكن للأمة أن تتخصّص كلها، وإنما من لوحظ فيه الاستعداد للتفقّه والتبحّر في العلم ممّن حفظ القرآن والسنة وتمكّن في الفقه والشريعة فيجب أن يعانُ حتى يستطيع المواصلة ويطوي المراحل المتبقية في ذلك المجال حتى يبلغَ المقصود، وعندها يقوم بواجبه تجاهها.
ولو لم يكن في الأمة مثل هؤلاء لهلكت، لأن الناس سيلتجئون في أسئلة أمور دينهم إلى الجهلاء، فإمّا أن يفتوا فيها بجهل أو يقولوا لا ندري، فيصبح القوم كلهم لا يعلمون فيهلكون، فلا بدّ للأمة أن تسهر وتنفق من أجل تكوين أبنائها حتى يرفعوا فرض الفتوى عنها، وعندما يَسألون يجدون الجواب الصحيح في أمور دينهم، فإن كان في القرآن فيجدون من يفسّر لهم وإن كان في السنة فيجدون من يفهمُهم، وإن لم يكن لا في القرآن ولا في السنة فيجدون من يجتهد ليجد الحكم من طرُقه الشرعيّة فيفتي لهم بعلم، فينجو الجميع، لأنّ الله لا يرض أن نبقى جاهلين لديننا ولا عذر لنا في ذلك. (1/128)
صفحة 129
فلا بدّ إذن أن يكون في الأمة ناس يستنبطون، فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإن لم تجدوا في سنتي فإلى أولي الأمر منكم» أي أنه لا بد لهذه الأمة في كل زمان من أولي الأمر، من العلم والاستنباط أو من الحكم، قد يكون الحاكم عالما كما كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حاكما وعالما ومجتهدا أو قد يكون الحكام والعلماء يتعاونون فيحكم الحكام بإرشاد العلماء فيكونون جميعا أولي الأمر منا.
علوم الاجتهاد:
إذن هذا الحديث يبيّن لنا طريقة أخذ الأحكام من القرآن ومن السنة، ومن الاجتهاد، وكلّ مصدر مقدّم على الآخر ولا يجوز لنا تقديم أو تأخير واحد منها، فمثل هؤلاء المجتهدين عليهم أن يحفظوا القرآن كاملاً، ويحفظُوا
نصيبًا أوفر من السنة إن لم نقل يحفظوها بألفاظها ورواتها كما كان يفعل العلماء القدامى، إذ كانوا لا يعطون لقب الحافظ إلا لمن حفظ مائة ألف حديث فما فوق، فإن لم يكونوا ملمّين بالحديث فعلى الأقل بمعانيه، فعند حدوثِ مسألة يكونون على علمٍ بمكانها وأبوابها وفصولها فيعودون بذلك إلى مظان الكتب، خاصة وأنّها الآن مفهرسة ومع ذلك فالباحث لا يعتمدُ على تلك الفهارس، فكثيرًا ما يعود المرء إلى مسألة ذكرت في مكان ما في الفهارس فلا يجدها في مكانها المعيّن. (1/129)
صفحة 130
إذن فلا بد بحفظ القرآن كلّه والإلمام بقدر كبير من السنة، والقرآن يفسر بعضه بعضا فأحيانا يذكر موضوعا عاما في آية ثم يخصصه في آية أخرى، أو مجملا في آية ومبيّنا في آية أخرى، أو يذكر حكمًا في آية وينسخه في آية أخرى، أو بإخبار من النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن هذه الآية نسخت تلك الآية السابقة؛ كما وقع في وصية الوالدين والأقربين ومسألة الميراث، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله قد أعطَى لكلِّ ذي حقٍّ حقّه فلا وصيّة لوارث» (1)، فهذا إرشادٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه لا بد من حفظ القرآن كلّه، ثم من بعد ذلك فهم معناه بقواعد التفسير وأصوله والتوسّع
فيه ومعرفة الكثير من كتبِ التفسير وما قاله المفسّرونَ فيه، لأنّ القرآن بحرٌ من المعاني فيوفّق الله كلّ مفسّر إلى فهمه من ناحية ما، وبمجموع تلك النواحي يكتمل المعنى أو يقترب من الكمال لأنّه لا كمال في فهم القرآن.
ففي هذا الحديث إذن بيان لكيفية استنباط الأحكام إمّا بالتصريح أو بطريق القياس والاجتهاد فتكون بذلك الأمة قائمةٌ بواجبها، ويهديها الله كما هدى معاذ بن جبل، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في فضل حلقة الذكر
__________
(1) رواه الترمذي في السنن، بنفس اللفظ، وقال: َهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، كتاب الوصايا، باب الوصايا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء لا وصية لوارث، رقم: 2046، 4/ 433. ورواه الربيع في صحيحه، بلفظ «لا وصية لوارث»، باب في المواريث، رقم: 667، ص: 215. (1/130)
صفحة 131
31 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَقَصَدَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ فِي حَاجَتِهِ؛ فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم (1) سَلَّمَا، فَقَصَدَ أَحَدُهُمَا إِلَى فُرْجَةٍ فِي الْحَلْقَةِ فَقَعَدَ فِيهَا، وَجَلَسَ الآخَرُ فِي الْحَلْقَةِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ»، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ فَاسْتَحْيَى اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (2).
الشرح:
__________
(1) * خ: وأصحابه.
(2) رواه أحمد بن حنبل ج5/ 219، ورواه البخاري في كتاب العلم 8، وكتاب الصلاة 84، ورواه مسلم في كتاب السلام 26، ورواه الترمذي في كتاب الاستئذان 29، ورواه مالك في الموطأ في كتاب السلام 4. (1/131)
صفحة 132
هذا الحديث في فضل حلقة الذكر التي عقدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة في المسجد، وطبعا هو مجلس ذكر، ولا يكون مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا كذلك للذكر والعلم والحكمة، وفي بيت من بيوت الله، وكثيرا ما كان يعقد مجالسه بين بيته ومنبره، بيته الذي دفن فيه بعد وفاته ومنبره الذي يخطب عليه، والذي كان من قبل سارية من جذع النخلة يستند إليها، حتى أنّ بعض العلماء أوّلوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين بيتِي ومنبري روضةٌ من رياضِ الجنة»، بأنّ المقصود بها حِلق العلم، وحِلق العلم سمّاها رياض الجنة، من خلال قوله: - صلى الله عليه وسلم - «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة، قال مجالس العلم».
وبينما هو جالس هنالك مع صحابته فإذا بثلاثة نفر من الناس يدخلون المسجد، فقصد اثنان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب ثالث في حاجته بعد دخوله المسجد، وبعد نهاية الكلام في موضوع العلم، الذي كان يتحدث فيه - صلى الله عليه وسلم - شاهدَ أحدَ المنضمّين إلى الحلقة قد وجد فرجةً في الأمام فتقدم إليها، وأمّا الثاني فبقي وراء الحلقة، والثالث خرج، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلاحظ كل ما يقع في المسجد من غير أن ينشغل عن درسه وموعظته، فلما انتهى قال: ألا أخبركُم بأمر النفر الثلاثة؛ أخبركم بحقيقَتهم عند الله تبارك وتعالىـ والصحابة طبعًا يرغبون في ذلك، فقالوا: بلى يا رسول الله، والسؤال عندما يكون بهمزة الاستفهام مقرونا بصيغة النفي "ألا" يكون جوابه بـ بلى، والصحابة لو كانوا لا يبغون سماع هذا الخبر لقالوا نعم، وحاشا للصحابة أن يزهدوا فيما يقوله - صلى الله عليه وسلم -.
أفضلية الصدر في الحلقة: (1/132)
صفحة 133
ابتدأ الحديث بالإشارة إلى أقربهم إلى الله تعالى، فقال: أمّا أحدهما فآوى، فآواه الله إليه أي لجأ وتقرّب إلى الله فقرّبه الله إليه، وذلك هو الذي قصد فرجة في الحلقة فلم يكتف بالجلوس وراء الحلقة وإنّما دخل إلى وسطها، وقد يكون المكان الذي جلس فيه قريبا من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، رغبة في العلم لا علوًّا ورفعة أو شيئا آخر، حيث إنه كان يقترب من منبع العلم وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنّه لو كان بعيدًا قد لا ينصت جيّدا، أو قد يشتغل بشيء آخر، حتى ولو كان الإنسان يستمع إلى العلم من بعيد مثل مكبرات الصوت مثلا، فإن اقترابه أفضل وهو عبادة عند الله تعالى، مثلما هو الشأن في صلاة الجماعة حتى ولو كنت في الصف العاشر فأنت في جماعة، ولكن شتّان بين الصفّ الأول والصف الأخير وهناك فرق ما بين الصف الأول والثاني، وما بين الثاني والثالث فكل صفّ أعلى درجة من الآخر، فلا يكتفينّ أحدنا بالأواخر، فلو وجدت فرجة في الصف الأول فعليك أن تتقدّم، أفضل خطوة يخطوها المؤمن خطوة يخطوها لسدّ خلل في الصف، فلا زهد إذن عن التقدم إلى الصفوف الأمامية في الصلاة أو في حلق الذكر، وكما ننبّه دائما فعلينا بملء الصفوف ما عدا الممرات الجانبية الشرقية والغربية التي تترك للمضطر ليتمكّن من الخروج.
فالذي اقترب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلقته المباركة قد اقترب إلى الله تعالى، فمن آوى إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد آوى إلى الله تعالى، ولذلك كان جزاؤه (1/133)
صفحة 134
عند الله أن قرَّبه إليه، على غرار قوله تعالى: {اِذَ اَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف:10)، أي أنَّ الله تعالى قد قبله عنده، ومن قرَّبه الله إليه؛ فهو في خير عظيم، ضمِن سعادة الآخرة بسبب تقرُّبه إلى مجلس العلم، وطبعًا لا يكون هذا الفضل محصورًا في هذا فحسب، وإنما يستمرُّ هذا الفضل إلى كل من يتقرّب إلى مجالس العلم والذكر من المؤمنين إلى قيام الساعة، طبعا ويستمع بأُذنيهِ وقلبه، فليس هذا مقصورًا عليه، ما هو حال الذي قال:» اللهم ارحمني، وارحم محمَّدًا، ولا ترحم معنا أحدًا» (1)، لا وإنما المقصود به كل من اقترب إلى مجالس العلم للاستفادة والاستزادة منها، ومن أهمّ أسباب التقرّب إلى الله والإيواء إليه الجلوس إلى حِلق العلم والذِّكر، ويجب أن نعتقد بهذا ونؤمن به حتى نكون حريصين على عمارة مجالس العلم والذكر، فنُحظى بخيْريْ الدنيا والآخرة.
جواز الجلوس وراء الحلقة:
وأما الثاني «فاستحيا؛ فاستحيا الله منه»، وقد نُسب الحياء في بعض
__________
(1) رواه الترمذي في سننه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ: «دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا»، كتاب الطهارة عن رسول الله، باب ما جاء في البول يصيب الأرض، 137. 1/ 275. ورواه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول، 324. 1/ 233. (1/134)
صفحة 135
الأحاديث إلى الله عز وجل، فهذا الذي استحيا إذن قال في نفسه: أنا أسْتَحِي أن أسيرَ وسط الناس، وهم ينظرون إليَّ، وإني لأخشى أن أُحرِجَ الناس بترك فرجة لي، فاكتفى بالجلوس وراء الحلقة فقط، فقد كان هذا الشخص مُهتَمًّا ومستمعًا لِمَا يُلقى من وسط الحلقة من الذكر، ومن العلم والحكمة، فلم يَفُته هذا الخير العظيم، وكان جزاؤُه جزاءً وِفاقًا، فهو استحيى أن يخوض وسط الناس، فاستحيى الله أن يُحاسبه على هذا التأخّر، فلا يُحاسبه الله يوم القيامة على التأخر، وعلى عدم التقدّم إلى وسط الحلقة. إنَّ الله حيِيٌّ كريمٌ، حييٌّ أن يحاسبه، وكريم بأن يهبهُ مثل أجر إخوانه الذين هم وسط الحلقة.
وهناك من أوَّله لمعنى آخر أنَّ هذا الشخص كان قد همَّ بالخروج؛ ولكنه استحيَى أن يخرج وحلقة النبيء - صلى الله عليه وسلم - يُلقى فيها العلم والذكر، وحتى من هذه الصورة فقد استحيى الله أن يُحاسبه على نية خلوته التي كانت لمجرد الاستحياء من النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقط، فهذا الحديث على غرار الحديث الآخر: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلاّ غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده فقال أحد الصحابة للرسول: أرأيت الرجل يكون فيهم لحاجة؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: أولئك (1/135)
صفحة 136
قوم لا يشقى جليسُهم» (1) أي أن هذا الصحابي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو أن أحد الجالسين لم يأت بنية قراءة القرآن أو العلم وإنما أتى لمصلحة أخرى، مثلا يبحث عن شخص لمهمة ما معه، فقال: أجلس في هذا المجلس الذي فيه هذا الشخص الذي أبحث عنه ريثما ينتهون فألقَهُ، فيا ترى أيناله أجر الذين جاءوا للعلم والذكر من غشيان الرحمة ونزول السكينة وحفّ الملائكة والصلاة عليهم أم لا ?.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: أولئك قوم لا يشقى جليسهم، أي أن كل من جلس معهم فإنه لا يحرم من أجرهم ويناله ما ينالهم، لماذا كل هذا الخير؟ لأن الذي جاء إلى مجلس العلم لمصلحة خاصة مهما كانت فإنه في وقت جلوسه قد تقع كلمة علم أو حق أو ذكر في أذنه فتقع في قلبه فيتأثر بها، فينفتح لها قلبه، وربما قد تغير هذه الكلمة مجرى حياته كليّا، فقد يكون منحرفا فيصير مستقيمًا ملتزما ويشعر بخطئه وندمه، فيقول في نفسه الناس منشغلون بالآخرة وأنا منهمك في الدنيا وجمع حطامها، فيعود بذلك إلى جادة الطريق ..
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بلفظ مختلف: أنه قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ ... قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ»، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل مجالس الذكر، رقم: 4854، 4/ 2069. (1/136)
صفحة 137
المهمّ إذن هو أن نتقرّب ونجلس في حلق العلم حتى ولو من غير نية، وأن نستفيد، كما قيل: «أردناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله».
ويبدو أن المعنى الأول للمستحيي أقوى وأقرب إلى الصواب، لأنّ فيه مقارنة بين هذا المستحيي وصاحبه الذي تقدم إلى وسط الحلقة، أما الثاني فاستحيى أن يتقدّم فجلس وراء الحلقة، فلم يقل الله له بما أنك لم تتقدم إلى وسط الحلقة فإننا نمنحك ثلاثة أو أربعة من عشرة، أما الأول فنمنحه عشرة من عشرة وإنما سوّى بينهما في الأجر.
والله يستحي من بعض عباده وأوليائه حيث لا يحاسبهم على بعض النقائص، وسيظهر ذلك جليا يوم القيامة، كما ورد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سلب الله منه كريمتين فصبر واحتسب أجره عند الله استحيى الله أن ينصب له ميزانا يوم القيامة» (1) أي لو أنّ أحد المؤمنين أخذ الله منه بصره ابتلاء منه تعالى فصبر واحتسب أجره عند الله ورضي بحكم الله وقضائه وقدره، فإن الله يستحي أن يحاسبه على أعماله يوم القيامة فيكون جزاؤه الجنة بغير حساب فالله تعالى يقول: كيف أُحاسبه وقد أخذت منه بصره؟ فرضي
بذلك وصبر، وعبدني رغم ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: {اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10).
__________
(1) رواه أحمد، في المسند، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بلفظ: «عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ أَذْهَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كَانَ ثَوَابُهُ الْجَنَّةَ»، كتاب باقي مسند المكثرين، باب باقي المسند السابق، رقم: 13510. 3/ 283. (1/137)
صفحة 138
وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه: ـ نسأل الله اللطف ـ، وربما حدّثته نفسه بأنه ليس في هذا المجلس إلا العلم فقط، وهو ليس بمال أو غنائم أو تركة توزّع عليهم، فقال أذهب إلى قضاء مآربي، ولا يعرض الله عنه إلا إذا كان فيه نوع من هذا الإعراض، فلو خرج لمصلحة ضرورية لما أعرضَ الله عنه، ويبدو أنه لم يكن إعراض بدن فقط وإنما إعراض قلب أيضا حيث حقر هذه الحلقة ولم يأبه بها، فبهذا الإعراض أعرض الله عنه جزاء وفاقا، أي أن الله حرمه من الخير ومن الأجر الذي أعطاه للجالسين في حلقة الذكر، ونعوذ بالله من الإعراض الذي يكون سببا لإعراض الله عنا، (سترك يا رب)، وإذا أعرض الله عنك فلا خير في حياتك ولا آخرتك، ومن أين تستمد الخير إذا كان الله قد أعرض عنك، {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} (طه:126) إلى آخر الآيات.
أنواع الإعراض:
والإعراض أنواع كثيرة، وربما في هذا الوقت الذي نحن فيه في طلب العلم قد يقول بعضهم: إنه لا فائدة من هذا الكلام، فهو نفسه الذي نسمعه دائما، ونفترض أنه الكلام الذي تسمعه دائما، فإن لك عليه أجرا، ويعتبر عبادة وتقرب إلى الله، بالإضافة إلى أنك قد تكون نسيت شيئا منه فتذكر به نفسك، وقد تكون فهمت شيئا فهما خاطئا فتصوبه، وربما لم تكن تعلم شيئا فتعلمه، ومن يقول إنه دائما نفس الكلام فهذا كذب، وكان مثل هؤلاء من الصنف الذين أعرضوا فأعرض الله عنهم. (1/138)
صفحة 139
وربما يأتي البعض فيجلسون في المسجد ولكنهم يشتغلون بأشياء أخرى، كما بلغنا، أنه ربما في مطالعة شيء، أو قراءة كتاب فهذا إعراض أيضا، ونحن لا نحاسبهم على ذلك وإنما المحاسِب هو الله، فلا يُعقل أن يجلس طالب في مجلس علم فيه كلام الله وأقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكلٌّ يكمِّل الآخر فيعرض عنهما.
وكل ما يشغل الإنسان به نفسه دون كلام الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو أقلّ قيمة ودرجة مع ما يلقى من صدر الحلقة من القرآن والسنة، فإنَّ من لم يره العبد فإنّ الله مطلع عليه، فليحذر من أن يكون من المعرضين، وربما يحضر طالب مخافة المحاسبة من المدرسة أو المعهد الذي يدرس فيه عن طريق
المناداة فيحضر ببدنه ولكن يشتغل بشيء آخر غير السماع، فيكون بذلك من المعرضين، أو الذي يأتي إلى الحلقة فيشوش على من هو في المجلس أو المسجد، فهذا لم يعرض عن السماع فحسب بل قد حرم غيره أيضا، سواء عندنا هنا أو في حلقة النساء، وقد بلغنا أن منهن من تتكلم في وقت الدرس، فليحاسب كل واحد نفسه، وليخف من عاقبته، فيكون من الذين أعرضوا فأعرض الله عنهم، فإن أعرض اللهُ عنك ألك إلهٌ آخر تلجأ إليه، فأنت محروم من خير الدنيا والآخرة، ـ والعياذ بالله ـ.
فمن جاء إلى حلقة العلم أو الذكر فليأت بنية صادقة ولينصت إلى ما يقال في هدوء وسكينة فلا يتحدث أو يزعج من على جانبيه في المجلس سواء أكان في الرجال أم في النساء، فلينصت وليستمع إلى ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا، بأن أفضل هؤلاء الثلاثة هو الذي آوى فآوه الله إليه وهذا له ولكل من قام بهذا العمل إلى قيام الساعة، وأن شرهم هو الذي أعرض فأعرض الله عنه، وليس مقصورا على ذلك الصحابي فحسب، بل هو على جميع المعرضين في مجالس الذكر والعلم حتى تقوم الساعة. (1/139)
صفحة 140
وهدفنا من شرح هذه الأحاديث هو الاستنان بسنته والاقتداء بمن هداه الله، {أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90) ونتّقي شرّ من أضلّه الله من المنافقين والمشركين والكفار ومن لفَّ لفّهم،
والاعتبار بغيرنا وأنفسنا أيضا فكل هذا جزاء وفاقا فالأول آوى فآواه الله إليه، والثاني استحيا فاستحيا الله منه، والثالث أعرض فأعرض الله عنه. والحمد لله رب العالمين.
الباب الخامس
الخامس الباب
فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعُلَمَاءِ السُّوءِ
[صفحة بيضاء]
مَا جَاءَ فِيمَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَا َعَلِمْ
32 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ (1) مَرَّةً وَوَيْلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَمْ يَعْمَلْ مَرَّتَيْنِ». (2)
الشرح:
بعد أن تَكَلَّم عن فضل العلم والتعلُّم، وما في ذلك من عظيم الدرجات وعظيم الثواب وعلى الدرجات لمن تعلَّم العلم لله عز وجل بإخلاص وعَمِل به، ثم بعد ذلك يأتينا الباب الذي بعده، وهو: باب من لم يعمل بعلمه أو تعلم لغير الله، وهم علماء السوء ـ والعياذ بالله ـ، كما أن في العلماء علماء خير؛ فإنه يوجد فيهم علماء السوء الذين يتعلّمون لغير الله لمجرد العظمة والرفعة، أو للمماراة والمباهاة والمجادلة، أو الذين يعملون بخلاف علمهم هؤلاء علماء السوء.
كذلك وَرَدَت فيهم أحاديث عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حذَّرنا من هذا ليَحْذَر من يخاف على نفسه سوء العاقبة، وطبعا ما من شيء فيه خير وفائدة؛ لا بد وأن فيه
__________
(1) * قوله: لمن لم يعلم مرّة في نسخة القطب لمن لا يعلم ولم يعلم مرّة.
(2) رواه ذكره صاحب كنز العمال ج10/ 29040 وقال: رواه أبو نعيم في الحلية عن حذيفة. (1/140)
صفحة 141
آفات، كل ما يكون شيء غالٍ وعزيز فيه فائدة لا بدّ أن يكون إلى جانبِ الفائدة آفات وأخطار وأهوالٌ، ولذلك فإنَّ العاقل يطلب طريق السلامة، ويطلب طريق الرِّبح والنجاح والفوز، ويحذر الهلاك والخسارة، ويحذر هذه الأخطار، ولذلك يجب أن يعلم أو يَسأَل، فممكن أن يكون أحدٌ عارفٌ بآفات الطريق الذي يمشي فيه سواء طريق الدنيا أو طريق الآخرة؛ معناه طريق طلب الرزق أو الأسفار أو شيء من هذا القبيل، فإن كان يعْرِف أو وَجَدَ من يُبيِّن له جيّدا، وإذا لم يجد فليسأل، مثلما يسأل الإنسان عمّا يأتي بالفائدة كذلك يسأل عمَّا يجلب الهلاك، كان بعض الصحابة - رضي الله عنهم - يسألون النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن أعمال الخير، وكان منهم من يسأل عن أعمال السوء لماذا؟ ليتّقيها، "يعرف الشرّ ليتَّقَى"، يسأل عن الخصال السيئة، والتي يكون منها الهلاك، لكي يترك ذلك العمل، لأنه لا ينفع العمَلُ الصالح إن خالطه عمل سيّء، يكون سببا لإفساد العمل الصالح. الإنسان يشفق على نفسه وعلى مصيره عند الله تبارك وتعالى.
فلذلك وضع المرتب -رحمه الله- الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (1)، وضع هذا الباب الذي فيه آفات العلم بجنب الباب الذي فيه درجات العلم وثواب العلم؛ لأنه من اللازم الضروري أن نعرف هذا وهذا.
خطر طلب العلم لغير الله:
الخطر الأول في العلم: تضْيِيع العمل (إذا ضَيَّعْتَ به العمل)، عَلِمْت ولكنَّك لم تعْمَل.
__________
(1) تقدمت ترجمة الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في الجزء الأول ص:153. (1/141)
صفحة 142
ومن الغريب كان من المفروض أن يُقدِّم الخطر الأول؛ وهو فساد النية، النية التي تتعلق بالذي لا يطلب العلم لأجل أن يقرِّبُه إلى الله وينجيه يوم القيامة، بينما يطلبه للمباهاة والتصدّر والسِّيَّادة والرفعة، كان من المفروض أن يقدم هذا الباب أوّلا، لماذا يا ترى أتى بباب عدم العمل أولا؟ لا بدّ وأنّ للمرتّب وجهة نظر في تقديم هذا الحديث؛ وهذا هو الدور الذي قام به المرتِّب، وما قام به الربيع بن حبيب - رحمه الله- هو أنّه جمع كلّ ما بلغه عن مشايخه من أحاديث من غير ترتيب، ثم جاء المرتّب من بعد ذلك فرتّبها. ولعلّ الخطر من عدَمِ العمل بالعلم يهلك به أناس كثيرون، أكثر من الخطر الأول الذي هو فساد النية لأن الشهوات أو الأهواء والنزوات تغلب على الإنسان إلا من رَحِمَ ربُّك.
أكثر الناس الذين حادوا عن طريق الله ظَلَمُوا بعضهم البعض أو ظَلَمُوا أنفسهم بالمعاصي، ليس لأنَّهم لم يعرفوا؛ فأكثرهم عارف وعالم، وإنَّما بعضهم حينما يسمع ويعلم فإنه لا يقبل بذلك العيب، بل يجادل بالباطل، وبعض آخر يَعْرِفُ ويقبل به ولكن نفسه لم تَقْوَ على تغيير ذلك، وغَلَبَتُه أهواؤُهُ وشهواتُهُ.
وأكثر الذين لم يعملوا بالعلم لا سيما في الأوساط التي انتشر فيها العلم ليس
آفتهم عدم العلم، وإنَّما آفتهم أنهم عَرَفُوا ولكن غلبَتْهُم نفوسهم وشهواتهم وأهواؤهم وحبُّ الدنيا، والكِبْر عن قبول الحق وما إلى ذلك، فأصيبوا من هذه النّاحية. (1/142)
صفحة 143
وأما بالنسبة للمسألة الأولى التي هي السُّوءُ في العلم، فستأتي، فلقد وضعت في الدرجة الثانية، وهي في الأصل في الدرجة الأولى كما ذكرنا، درجة الإخلاص والنية، قبل العمل ولكن جَعَلَها المرتب في الدرجة الثانية لعلَّ خطر هذه النية الفاسدة في العلم نفسه الذي يأباه فيَنْفِيهِ عن نفْسِه، يقول لِصَاحِبِه: ليس هكذا، فيصحّح صاحبه، كما تقدَّم بنا كلام أبي ذر أبان بن وسيم ـ رحمه الله ـ الذي قال: "طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله"، يعني أن العلم ذاته هو يصحِّحُ لصاحبه يقول له: إنّك مخطئ تطلبني للدنيا فسأمتّعك بها، ولكن أُطْلُبْنِي للآخرة.
خطر فصل العلم عن العمل:
فمن هذه الجهة فلا بأس، ليس فيه نوعٌ من التصحيح أثناء الطريق بل في أوّل الطريق، تصحيح ذاتي من العلم نفسه، لعل من يهلك من هذا الباب قليل، لكن الذين يهلكُون من باب قلّة العمل بالعلم خَلْقٌ كثيرٌ، يعرفون الحقَّ لكن لا يتَّبِعونه، إنّهم يعرفون الله ولا يطيعون، إنَّهم يعرفون سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أرسله الله ليتَّبِعوا سُنَّتَه ويطيعوا قوله، لكن لا يطيعون قوله ولا يتّبعونه، إنهم يعرفون الجنة وما جعل الله فيها مِن النَّعيم للمُطِيعِين، لكن لا يعملون عَمَلها، يطلبونها: يا رب
أعطنا الجنة بدون أن يعملوا لها وبدون أن يسيروا في دربه، إنَّهم يعرفون جهنم وما فيها من العذاب الذي لا يطاق، ولكن لا يتركون الخصال التي تُوقِعُهُم فيها لأنَّ شهواتهم وأهواءهُم غلبتْهُم، فهُمْ يستعيذون بالله منها ولكن لا يَفِرُّون منها بترك الأسباب الموصلة إليها، يرتكبون المعاصي ويغتابون وينِمُّون، ويكذبون على الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل، ويخاصِمُون بالفجور، ويحلفون على الكذب وهم يعلَمُون، أشياء كثيرة من هذا القبيل. (1/143)
صفحة 144
وعندما تعتَب على أحدهم يجيبك: أنا أعلم منك، إنه تعمّد تعمّدًا وأدخل أرْجُلَه في جهنَّم؛ لأنَّه أحبَّ الدنيا، و"حُبُّ الدنيا رأْسُ كلِّ خطيئٍة" (1)، خَلْقٌ كثير من هذا القبيل يهلك ليس لأنَّه لم يعرف، لكنَّهُ تعَمَّد وغَلَبَهُ الهوَى، فهو يعبُدُ الهوى، ولا يعبدُ الله، اتَّخذ إلهه هواهُ، ولربَّما يعرف بأنه عاص لكنه يُسَوِّفُ بالتوبة، ويقول: سأَتُوبُ، سأَرُدُّ المظالم، ولكِنْ هلْ لديك ضمان - عندما تُسَوِّفُ بالتوبة، ولا تُسارِعُ- أنك ستعيشُ وسَتَرُدُّ ذلك المال، وذلك الحق الذي ضَيَّعْتَه.
كثيرٌ من الناس يأتون للتوبة بعد أن تفضّل الله عليهِمْ بأَنْ أمدَّ في أعمارهم حتى يتُوبُوا عن مالٍ أكَلُوهُ وصاحِب ذلك المال قدْ ماتَ، وَوَرَثَتُهُ قد ماتوا، وآلَ الأمرُ إلى وَرَثَةِ الوَرَثة، فيقع الجميع في حيرة كبيرة جرّاء ذلك، لا
يدري كم ذلك المال الذي أكله؟ ويلزمه بعد ذلك أن يعود إلى التَّرِكة الأولى ثمَّ الثانية ثم الثالثة لكيْ يؤُولَ المالُ الذي أكله إلى أصحابه حيث يمكن أن يَصِلَ إلى الوارث الثَّاني أو الثَّالث من الذين بَقُوا، وكل هذا من حظِّ الذين أرادَ الله بهمُ الخير، فلَطَفَ بِهِمْ فتفكَّرُوا وتابوا في دنياهم قبل آخرتِهم.
الندم على تضييع الحقوق:
__________
(1) ينظر: ابن رجب، جامع العلوم،1/ 300. البيهقي، شعب الإيمان، 7/ 338. (1/144)
صفحة 145
ويَعْلَمُ الله كَمْ من الناس الذين ذهبوا إلى الآخرة فندموا على تضييع تلك الحقوق، حيث إنّه ستأخذ من حسناتهم؛ ولا يوجد في ذلك اليوم أي أَحَد يمْنَحُ لهم حسنة وَلَوْ كانَ ذَا قُربَى، {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ اِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (فاطر:18) وفي ذلك اليوم لا يؤذن لهم ليزيدوا أو يعوّضوا شيئًا، يا رب كانت عندي حسنات أتَيْتُ بها من الدُّنيا من الصلاة والصوم والقرآن و .. لكن ظلمتُ فأُخذ مني أعطني إذا مهلة لأعمل مرة أخرى، هؤلاء هم مفلسو الدنيا.
عندما يفقد الواحد كل ماله، ويأخذه الدائنون فهل تبقى فرصة لهذا لكي يجدد ثروته، نعم بل إن له فرصا عديدة ليعيد ويتحزم لمعاودة الكرة من جديد ويعمل ويكدّ ليكوّن لنفسه ما يعيش به على الأقل، أو ينشئ ثروة تكون أكثر من التي ذهبت، فإن هو بعد أربعين أو خمسين عاما أفلس وذهب كل ماله ولم يبق منه أي شيء فإنه سيجدّد الكرة وبعد عشر سنوات أو عشرين سنة سيستعيده ويكتسب ثروة أخرى من عمل آخر، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة
فإذا أحد أفلس فلن يجد فرصة ليجدد ما ضاع، والوقت لا يسمح له، إلا أن يعود إلى الدنيا لكن لا رجوع ولا أن يعيد العمل في المحشر فهل يا ترى يصلي؟ أم يسبِّح؟ أم يقرأ القرآن؟ فليس هناك مسجد أو صلاة أو عمل هذا هو المفلس الحقيقي. (1/145)
صفحة 146
فعندما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ» وربما بعد أن تؤخذ منه حسناته كلها لكي يدفعها لدائنيه لا تبقى منها شيء، ويبقى من الدائنين من يطالب بحقه، فلا يقال لهم مثلما الحال في الدنيا: اذهبوا وخذوا الربع أو العشر، لا تلك الدار دار الحق كل واحد يأخذ حقه كاملا، فإن لم تبق الحسنات وبقي الدائنون فإنه سيقال: اطرحوا من سيئاتهم مقدار ما ظلمهم هو به وألقوها في ميزانه، «فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (1) فينقلب بذلك إلى
شرّ منقلب بعد أن كان قد أتى بجبال من الحسنات فيرجع عندها بجبال من السيئات.
إذن فهذه الآفة آفة عدم العمل بالعلم ربما أعظم وأوسع ويهلك بها ناس أكثر من الآفة الأولى، وإن كانت الأولى هي الأصل ولكن ربما يهلك بها أناس قليلون، العوام هنا قد سلموا منها، فآفة تعلّم العلم للرياء وللعظمة، يهلك بها العلماء، ولا يوجد من العامة من يريد أن يتكبّر بالعلم ويتخيّل نفسه عالما.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم: 4678. 4/ 1997، ورواه الترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، رقم: 2342، 4/ 613،.بلفظ قريب منه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (1/146)
صفحة 147
وأما عدم العمل بما في العلم يشترك فيه العلماء والعامة، وإن كان العلماء يكون عذابهم أشدّ إن لم يعملوا بعلمهم، أو أنهم خالفوا ما يأمرون وينهون به غيرهم، فطبعا هم أكثر، وكلٌّ بمقداره.
ولعل العوام يقولون إن هذه الآفة لا تخصّنا نحن بل هي خاصة بالعلماء، الذين علموا ولكنهم لم يعملوا، كل واحد هو مكلّف بأن يعرف مسائل الدين «طلب العلم فريضة على كل مسلم» لا يسع الناس جهل على الدين ولا يعذرون فيه فيجب أن يعرفوا علم التوحيد وفرائض العبادات وعلم الحلال والحرام والحقوق والأخلاق، هذا واجب على كل واحد أن يتعلّمه فمن لم يتعلّمه هلك من أول مرة، ومن تعلّمه ولم يعمل كان أهلك منه، كما جاء في هذا الحديث الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ويل لمن لم يعلم مرة وويل لمن علم ولم يعمل مرتين" أو بصيغة المضارع " ويل لمن يعلم ولم يعمل مرتين".
عذاب الويل في جهنم:
الويل: هو العذاب الشديد الذي لا طاقة لأحد به، وهو الهلاك، وقيل: هو الحسرة، فكل يفسرها بتفسير، وإنما هي كلمة تفسِّر نفسها بنفسها، فالويل هو الشر كله، ولا خير فيه، التحسّر والهلاك والخيبة. (1/147)
صفحة 148
ومن معنى الويل أيضا أنه واد في جهنم، كما روي في الحديث: قال عطاء بن يسار (1) أحد من التابعين: الويل واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه (2) ـ أعوذ بالله من الويل ـ. وجهنم عالم كبير فيه أودية وفيه أشجار وفيه حيوانات كل ما فيها يزيد من عذاب الأشقياء، ليس فيها شيء للراحة مثل: الأشجار التي تمدّهم بالظل {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ، لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} (المرسلات:31)، فيها ظل لكن ليس بظليل كظل الدنيا يقي من حر الشمس ولا يرد اللهب، كذلك أوديته كلها عذاب في عذاب، {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ـ انٍ} (الرحمن:44) يطوفون: يتردّدون بين النار التي كلما
نضجت جلودهم بدّلهم جلودا غيرها، وبين حميم أودية فيها مياه حارة بلغت النهاية القصوى من الحرارة أكثر من الزيت الحار.
فواد الويل واحد من هذه الأودية التي لو أرسلت فيها الجبال لماعت من حرّه، وانصهرت كما ينصهر الحديد والنحاس في النار القوية هذا الواد الذي جُعل لمن لم يعمل بما علم.
__________
(1) عطاء بن يسار: تابعي، مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث زوج محمد، كنيته أبو محمد. كان قاصًا واعظًا جليل القدر، روى عن أمهات المؤمنين مولاته ميمونة وعائشة بنت أبي بكر، وعن زيد بن ثابت وأبي هريرة. طارده الحجاج فهرب إلى مكة مع تابعين آخرين فألقي القبض عليه، توفي سنة 84هـ.
(2) ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/ 205. وينظر: القطب أطفيش، تيسير التفسير 1/ 156. (1/148)
صفحة 149
والويل جعل لأصناف من المعاصي ذكرت في القرآن أولا في العلم، {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتَ اَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة: 79) وجعل للمطففين: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمُ, أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (المطففين: 1ـ3)، وجعل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون:5)، قال العلماء (1): من رحمته تعالى لم يقل الذين هم في صلاتهم ساهون، لأن السهو الذي يكون في وسط الصلاة لا يستطيع الإنسان أن يسلم منه، لا بد عندما يكون أحد في وسط صلاته يسهو في بعضها من غير قصد، ولكن عن صلاتهم ساهون صلاها قبل الوقت أو بعده بطهارة أو بغير طهارة، أو مرّة يصلي ومرة لا يصلي فهؤلاء هم المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون.
ورد هذا اللفظ كثيرا في القرآن ويل يومئذ للمكذبين كرّر عشر مرّات، في سورة المرسلات، والتكذيب يكون بنوعين: تكذيب فيه ردُّ القرآن وردّ الحق أو الشك فيه، وتكذيب عملي وذلك بأن يصدِّق بالقول وأعماله تكذّب صدقه.
نجاة أولادنا من الويل بالعلم والعمل:
__________
(1) ينظر: القرطبي، الجامع، 20/ 218، وابن الكثير، تفسير القرآن العظيم، 4/ 555. (1/149)
صفحة 150
هذا الويل جُعل لمن لم يعلم مرّة، ومرّة تكفي في الهلاك، ليس المقصود لمرّة أنهم يُغمسون في الويل ثم ينجون، ويل مرّة هو العذاب الدائم لمن لم يعلم مطلقا ولم يسأل عن دينه ولم يذهب إلى حيث يدرسه فيه، ولم يرسل أولاده أو بناته إلى حيث يدرسون دينهم، لأنّه أمر سواء كما يلزم علينا نحن أن نعلم ديننا يلزم كذلك أبناءنا، إن ضيّعناهم فسيعود ضياعهم علينا لأننا مكلّفون: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 06) وكل والد أولاده في ذمته يأخذهم إلى حيث يتعلمون دينهم فإن لم يتعلّموا فله الويل لمن لم يعمل فهذا ويل محقق، وويل لمن علم ولم يعمل مرتين فالله أعلم بمقدار هذا المضاعف، هو يعلم المقادير نحن لا نعلمها وإنما يضاعفه له مرّتين لأحد علم ولم يعمل بما علم وسيظهر ذلك يوم القيامة.
أسئلة الحساب:
لا بد في موقف من مواقف ذلك اليوم يوقف فيه الإنسان بين يدي الله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} (الأعراف:6)، {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}، ففي تلك اللحظة كل واحد يوقف فيُسأل عن أربعة
أشياء عن أربع أسئلة، السؤال الأول: يسأل عن شبابه فيما أبلاه، في طاعة أو في معصية والسؤال الثاني: عن عمره فيما أفناه، ويسأل عن ماله: كل شيء وقع في يديه من رزق أو مال، من أين أخذه؟ ومن أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ ففي هذا السؤال مرتين من أين أخذه؟ من حلال أم من حرام؟ وأين أنفقه؟ فيه بابان أحدهما الهلاك والآخر النجاة، فإذا أنفقته في الحرام فهو الهلاك، وإذا بخل به ولم تنفقه لا في حلال ولا في حرام فهو أيضا هلاك، النجاة في أن تنفقه في الحلال يعني في الطاعة، تخرج منه حقّ الله وتنفقه كذلك على نفسك فيما أحله الله فهذا طريق النجاة، والسؤال الرابع: يسأل فيما عمل بما علم. (1/150)
صفحة 151
وهذه الأسئلة لا بدّ من الجواب عليها فلا يقول أحد أنا لا أجيب أرجع له الورقة بيضاء كما في الامتحان، نعم يمكن هذا في الامتحان أن ترجع الورقة بيضاء بعد ساعة أو ساعتين فكل ما في الأمر يخصم من النقاط أو ترسب أو تعيد السنة أو تسرّح، ولكنك يوم القيامة لا بد من الجواب لا يقبل السكوت ولا بد بالصدق، أي أنه لا يمكنك التحايل في كلامك بأن تكذب فتزيد وتنقص كما تشاء، لا يمكنك هذا، فإذا لم تصدُق أُخرس اللسان ونطقت الجوارح بالحقائق.
وهل أعددنا لهذه الأسئلة الأربعة أجوبة، كل منّا يجب أن يفكر ويراجع ذاته ماذا أعدّ من جواب، وماذا عمل فيما علم، وفي الحقيقة فإنّ في عبارة ماذا عمل فيما علم جمع لكل هذه الأسئلة التي رأيناها.
النجاة من الويل: (1/151)
صفحة 152
الويل لمن يعلم ولم يعمل مرتين، ربما يقول الواحد منا بما أن الويل في العلم مرتين فالبقاء جاهلا أفضل والمرة أفضل من المرتين، لا هذا خطأ نحن لا نطيق من الويل مرّة ولا نصف مرة ولا عشر مرة فضلا عن المرة والمرتين، نحن نوّد أن نتجه إلى ما ليس فيه الويل كلية، نتجه إلى الطريق الذي فيه الرحمة ليس فيه الويل {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 156) {اِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56) بودّنا أن نسأل عن طريق الإحسان، فإنّك إن وقعت في الويل المحقق، وأما إذا تعلمت وعلمت فأنت بين أن تكون في نجاة وبين أن تكون في ويلين، وعلى كل حال الرجاء في النجاة يقوى إذا عمِلت بما علِمت، يعني طريق العلم فيه الرجاء في النجاة، وطريق الجهل فيه اليأس من النجاة ولا يستوي طريق فيه الرجاء وطريق فيه اليأس، فإذا سلكت طريق العلم بنية خالصة فأنت بين خوف ورجاء والله تبارك وتعالى كريم إذا علم منك صدق النية وعلم منك أنك تطلب النجاة فإن الله يأخذ بيدك {وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69). (1/152)
صفحة 153
ويقول تبارك وتعالى: «إذا تقرب إليّ عبدي بشِبر تقربت إليه بذراع وإذا تقرب إليّ بذراع تقربت إليه بباع، إذا مشى إليّ سعيت إليه هرولة» (1)، فالله تبارك وتعالى لطيف بعبده رحيمٌ إذا علم منه صدق الإقبال فإنه يزيد له ويعاونه وييسر له، {وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَاهُمْ تَقْواهُمْ} (محمد:17) وطلب العلم هداية وإن جئت تطلب العلم لأنك خفت من الجهل ومن ويله وحتى تعمل به فهذه هداية، ويكون لك من الله الزيادة في هذه الهداية، الذين اهتدوا بطلب العلم زادهم هدى بالعمل وأتاهم تقواهم، فلنحسن الظن بالله، حتى لا نحرم أنفسنا من العلم خوفا من الويل مرتين، فإذا قصدنا قصدًا حسنًا فإنّ الله تبارك وتعالى لطيف وغفور وشكور، يغفر الذنوب ويشكر الأعمال ويهدي عبده ويوفّقه، نسأل الله الهداية والتوفيق والعمل بما نعلم، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في طلب العلم للمباهاة.
33 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ خَائِبٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ» (2).
الشرح:
كما تقدم بنا سابقا في آفتي العلم الأولى: فساد النية وعدم الإخلاص، يعني عدم إرادة وجه الله في طلبه، إنما إرادة الدنيا كالزينة والعظمة والرفعة للمباهاة وما إلى ذلك.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله، رقم: 4832. 4/ 2061.
(2) رواه الترمذي في كتاب العلم 6، ورواه ابن ماجة في المقدمة 23، ورواه الدارمي في المقدمة 34. (1/153)
صفحة 154
الآفة الثانية: عدم العمل به، عدم العمل بالعلم، تضييع العمل مع العلم، {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِيسَ مَا يَشْتَرُونَ} (آل عمران:187) كأنهم لا يعلمون، يعني يصير كالذي لا يعلم، وقد تقدّم الكلام على
هذه الآفة الثانية يعني في الترتيب، وفي الكلام عن الآفة الأولى وهي فساد النية، لأن هنا الترتيب جاء في الحديث الذي هو مدح للعلم وأهله، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم العلم لله عزّ وجلّ وعمل به حشره الله يوم القيامة آمنًا ويُرزق الورود على الحوض»، وفي ترتيب النبيء - صلى الله عليه وسلم - جعل العلم لله والنية الصالحة في الدرجة الأولى، وجعل العمل في الدرجة الثانية، وفي الآفة الأولى عدم الإخلاص في العلم ورد في ذلك حديثان عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -:
الحديث الأول: «من تعلّم العلم ليجادل به العلماء أو ليماريَ به السفهاء لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات».
«من تعلّم العلم ليجادل به العلماء»:
الذي طلب العلم للمباهاة أي للمفاخرة، لأن العلم في الحقيقة بهاءٌ لأهله، ولا بدّ في العلم فخر وبهاء وزينة، ولكن العالم المخلص لا يطلب بهاء الدنيا وزينتها ودرجاتها وإنما يطلب الدرجات عند الله يوم القيامة ويعرض عن متاع الدنيا ويأتيه عفوا بدون طلبه، ولو أنه قد فرّ منه لكن يأتيه ذلك البهاء في العلم، أبى الله إلا أن سيلبس العلماء العاملين لباس البهاء لكن عليه ألاّ يطلبه طلبا ولا يقصده قصدا.
أتعلم العلم لكي أتصدّر به، وأقدّر به وينظر إليّ كل الناس ويشيرون إليّ بالأصابع كذا ... هذه آفة عظيمة من أدخلها في نيته أفسدت عليه العلم والعمل (1/154)
صفحة 155
ــ كما سيأتي ـ يحذَر الواحد هذا لكن كيف؟ عليه أن ينظر إلى يوم القيامة ولا ينظر إلى الدنيا ينظر إلى جمال وبهاء الآخرة، والدرجات عند الله وما يناله العلماء المخلصون هنالك ويحتقر الدنيا وما ينال فيها من بهائها لأنّه فانٍ وزائل ولا بقاء له، وقد يرفعه في وقت أو آخر، ولكن الله يعلم أن نيّته فاسدة من الدنيا وحقّ على الله أن لا يرفع شيئا إلا وضعه، فعندما يدرك هذا يزهد في رفعة الدنيا وبهائها ويرغب في رفعة الآخرة وبقائها، هذا هو العلاج بقدر ما تكبر قيمة الآخرة بين عينيك تحتقر أمور الدنيا وتستصغرها ولا تلتفت إليها فلا يكون لها نصيب في قلبك، وعليك أن تقرأ ما أعدّ الله للمتواضعين وللمخبتين وللقانتين من الأجر ومن عظيم الدرجات: «ومن تواضع لله رفعه الله» (1).
خطر الجدال بالباطل:
أو ليماري به السفهاء: المماراة هي الجدال بالباطل قصد التشكيك وذكر السفهاء لأنه لا يجادل بالباطل إلا السفهاء أو لا يشك في الحق الذي عنده إلا السفهاء، فإذا جادل أحد بالباطل وجادله الآخر بالباطل فهم سفهاء ربما يجادل هو بالباطل بقصد تغيير الحقائق فلا يشك فيما عنده إلا السفيه، فالواحد يكون متمكّنا في بعض العقائد الإسلامية الصحيحة فيُماري أحدا
ويجادله ويشكّكه فيما عنده فيشكّ بسبب هؤلاء المتفلسفين الملاحدة الذين يمارون السفهاء من الناس الذين يستبدلون الأدنى بالذي هو خير، هناك من الناس من يتعلّم ليجادل لأصل الجدال ولا همّ له إلا أن يتفوّق في جداله بالحق أو بالباطل فإذا كان أحد همّه هذا فإنه يجادل بالباطل ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
__________
(1) رواه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة عن الرسول، باب ما جاء في التواضع، رقم: 1952، 4/ 376. (1/155)
صفحة 156
بخلاف إذا كان أحد يخلص في عمله وفي نيّته ربما يجادل بالتي هي أحسن طلبا للحق، قال بعض العلماء: «ما جادلتُ أحدا إلا وددتُ أن يظهر الحق على يده لأكون أنا من يتّبعه» (1)، لست أبحث عن الغلبة أو ليكون كلامي أفضل منه وإنما أنا أبحث عن الحق فكان بودّي أن يظهر على يده لكي أتبعه فلو ظهر على يدي، وهذا الكلام فيه ما فيه من البصيرة والفقه في الدين.
فالله تعالى ما حرّم على أمّة بعد الشرك بالله مثل المراء، وقد وردت في ذلك أحاديث متتابعة، والله يبغض المراء خاصة إذا كان بقصد الغلبة، ومن كانت فيه هذه الطبيعة فإنه يعمى عن الحق فلا تطمع أن يكون الحق دائما في جانبك فمرة يكون بجانبك ومرة في جانب أخيك فتتبعه، فإن وُجد أحد كانت
فيه هذه الطبائع يلق الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات، يبطل كل عمله ولا تبق له حسنة، ففي هذا إشارة إلى أنّه ربما تكون له حسنات من صلاة وصوم وحج .. ويكون له علم وفقه، ولكن إذا كان فاسد النية ولم يقصد بتعلّمه إلا المباهاة والزينة والرفعة، ولتكون الغلبة له، فإن هذا الطبع يفسد عليه أعماله الحسنة كلها، وليس أجر العلم فقط، ـ فلو حرم من العلم وبقيت له أعمال أخرى لهان الأمر، فالعلم هو ذاته يصبح رمادا لأنه بني على نية خائبة.
__________
(1) «ما جادلت أحدا إلا وددت أن يظهر الحق على يده لأكون أنا من يتبعه». القول منسوب للإمام الشافعي - رضي الله عنه -. (1/156)
صفحة 157
وكذلك الأعمال الأخرى فإنها تحبط أيضا، لأن هذا العمل كبيرة، وإنّ من الكبائر ما يحبط العمل، ذكر في القرآن ما يكون سببا في إحباط العمل فساد النية سبب في إحباط العمل، الشرك كذلك، «من أشرك ساعة أحبط عمله» (1)، ومن الشرك الشرك الأصغر وهو الرياء، وقال الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيء وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2) حتى رفع الصوت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعدم التأدّب معه يكون سببا لإحباط العمل،
فقد دلّ القرآن الكريم ودلّت السنة أن هناك بعض الكبائر تحبط وتفسد الأعمال. (2)
فإذا أحبط عمله في الدنيا يلقى الله وهو خائب من الحسنات يوم القيامة، فهو يظن أنه قد صلى وصام وتعلّم وعلّم فعندما يلقى الله لا يجد شيئا، فلا حسرة مثل الحسرة التي يكون عليها في ذلك الوقت، وكما قلنا سابقا، فإنه ليس بإمكانه أن تجدّد حسناته، فهو خائب من الحسنات وخائب من الرحمة وخالد في العذاب.
__________
(1) رواه الربيع في صحيحه: بلفظ: «مَنْ أَشْرَكَ سَاعَةً أُحْبِطَ عَمَلُهُ، فَإِنْ تَابَ جُدِّدَ لَهُ الْعَمَلُ»، باب في ذكر الشكر والكفر، رقم: 59.
(2) ينظر من الأمثلة على ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه: بلفظ: «بكّروا بالصلاة فإن النبي $ قال من ترك صلاة العصر حبط عمله»، باب التبكير بالصلاة في يوم غيم، كتاب مواقيت الصلاة، باب من ترك صلاة العصر، رقم: 520. 1/ 214. وروى الترمذي في سننه: بلفظ: «من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين» قال أبو عيسى هذا حديث حسن، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب، رقم: 3139. 5/ 355. (1/157)
صفحة 158
هذا قسم من النية الفاسدة والقسم الثاني يأتي في الحديث الآتي.
ما جاء فيمن مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ
34 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِلْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ أَوْقَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَوْقِفَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً وَنَدَامَةً حَتَّى (1) يَكُونَ الْعِلْمُ لأَهْلِهِ زَيْنًا».
الشرح:
مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِلْعَظَمة وَالرِّفْعَةِ أَوْقَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَوقِف الذُّلِّ وَالصَّغَارِ يَوْمَ الْقِيَامَة، يعني أن الله عاقبه بعكس ونقيض مقصوده، فيجعل عظمته ورفعته عليه حسرة وندامة، «حتى يكون العلم لأهله زينا» هنا فيه "حتى" لكن ذكر في نسخة أنه فيه "حين" (2)، لو تعلّم العلم للعظمة والرفعة يقصد بذلك رفعة الدنيا، والتعاظم على الأقران والارتفاع بالعلم أمام أعين الناس فهذا كله فساد في النية والله تبارك وتعالى لا يحبّ هذا، {تِلْكَ الدَّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ
__________
(1) * خ: حين.
(2) ينظر في نسخة من نسخ مسند الربيع وكذلك، حاشية الترتيب،01/ 39. (1/158)
صفحة 159
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83) الدار الآخرة تعني السعادة والجنة يجعلها للذين لا يقصدون بعملهم العلوّ والرفعة، بل رفعة الدرجات عند الله يوم القيامة، فتلك مطلوبة «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما أدخلته نارِي» (1)، وفي رواية "قصمته"، الكبرياء والعظمة شيئان يستأثر الله تبارك وتعالى بهما كما يختص اللاّبس بإزاره وردائه لا يشاركه فيهما أحد، فمن ذهب ينازع الله في ردائه وإزاره فإن الله يقصمه ويقطعه، ثم بعد ذلك يدخله ناره، {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، التِي تَطَّلِعُ عَلَى الاَفْئِدَةِ} نار الآخرة وربما نار الدنيا ونار الآخرة.
التواضع سبب لإصلاح النفس:
إذن فهذا تحذير لنا، فعلى المسلم أن يتعلّم العلم بقصد نفي الجهل عن نفسه ليحسن العمل وأن يتقرّب إلى الله بذلك وأن يفوز بالدرجات الرفيعة عنده في الجنة، وأن يزيحَ عن خاطره عظمة الدنيا بل بالعكس يتواضع، لكن قد تخالج
__________
(1) رواه أبو داود في: السنن، بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، رقم: 3567، 4/ 59. ورواه ابن ماجة في: السنن، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع، رقم: 4165، 2/ 1397. (1/159)
صفحة 160
العظمةُ نفس الإنسان، فلا ينبغي له أن يعجب بنفسه أو يزهو، بل عليه أن يغمطها ويتّهمها ويسيء الظن فيها، ويجعل نفسه أقلّ مما يقول الناس كما قال سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه -: «اللهم إنك أعلم بي بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي فيما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون» (1) هذا إذا أتته العظمة وهو لا يريدها يعتذر إلى الله ويستحي لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه الناس، والله يعلم منه ما لا يعلم هو من نفسه، يعلم من نفسه من العيوب والذنوب ما لا يعلمه الناس، والله يعلم من نفسه أكثر مما يعرفها هو، {فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم:32).
فلا تقل أنا أعلم بما في نفسي، لا فالله هو الأعلم منك وسيظهر لك يوم القيامة أشياءً لم تكن تعلمها، وهذا الذي نحذره حين تظهر لنا أشياء سيئة لم نكن نعلمها في الدنيا، ولذلك كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يدعو الله تبارك وتعالى دائما: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك فيما أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»، أعوذ بك؛ ألتجئ إليك أن تحفظني من الشرك فيما أعلم لكن أعف وأصفح عما لم يكن في الحسبان،
__________
(1) ينظر: ابن الأثير، أسد الغابة، بلفظ: كان أبو بكر إذا مُدح قال: «اللهمّ أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهمّ اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون» 2/ 146. (1/160)
صفحة 161
أستغفرك لما لا أعلم لأن هناك بعض أنواع من الشرك خفي وهي أخفى من دبيب النمل (1).
فيجب أن يتّهم الإنسان نفسه دائما ليس مرة في اليوم أو الشهر بل دائما لأن الشيطان هو دائما يحاول أن يُلقي في القلب هذه النية الخبيثة فدائما يجب تنظيف النفس، فهو بمثابة العمل اليومي الدائم لا يكفي أن تنظف قلبك ثم تقفل عليه فترتاح إلى الأبد فأنت لست بقادر أن تقفل على قلبك، فأنت تنظّفه والشيطان يلقي فيه الخواطر فعليك أن تجاهد حتى لا يكون فيه هذه النية الفاسدة.
فإذا كان في قلب المرء هذا يعاقبه الله تعالى بنقيض مقصوده فيوقفه الله تعالى يوم القيامة موقف الذل والصغار، وهو موقف لا يدلّ على خير موقف حقارة جزاءً وفاقًا لأنه كان في الدنيا يتعاظم ويرتفع وفي الآخرة يذلّ ويحقر بعد أن كان مرتفعا.
«وجعله الله عليه حسرة وندامة»، أمّا علمه يعود عليه حسرة وندامة يقول: يا ليتني لم أتعلم، فيكون وبالاً عليه وحسرة ويندم على نيّته الفاسدة وعلى ما كان فيه من إرادة العظمة والرفعة، يا ليتني لم أرد بعلمي التعاظم والترفّع ويا حسرتي على حالي، ويندم ندما لا ينفع في ذلك اليوم أو تنقطع فيه حسراته.
الكبرياء سبب للفراق:
__________
(1) رواه أحمد في المسند، بلفظ: «عن أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ خطبنا رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ» كتاب أول مسند الكوفيين، باب حديث أبي موسى الأشعري، رقم:18781. 4/ 403. ورواه ابن أبي شيبة، في المصنف، 6/ 70. (1/161)
صفحة 162
وفي هذه النية هلاك للنفس وهلاك للمجتمع أيضا، فإذا كان في علماء مجتمع ما وكان فيهم من يريد التعاظم ويريد المراء فإنهم سيختصمون ويتدابَرون، فتنشق الأمة لأن فيها عالم يدعو إلى الحق وآخر يريد أن يجادله بالباطل والناس يتيهون حين ذلك، كالرعاة عندما يختصمون يأخذ كل واحد قطيعه، فتفترق الأمة بذلك وتهلك بسبب علماء السوء، بخلاف لو كانت نيّاتهم صالحة وركبوا الحق وتواضع بعضهم لبعض لما اختلفوا ولا تنازعوا ولم تفترق الأمة، لكن يمكن أن يكون ثمّة خلاف بينهم في مسألة من المسائل فهذا طبيعي، لكن يبقى كل واحد له نظريته، أما أن يتعادوا ويحصل الافتراق فهذا لا.
«حين يكون العلم لأهله زينا» يكون جمالا، بالنسبة للعلماء المخلصين فيظهر جمالهم وزينتهم يوم القيامة في ذلك اليوم ويبرز الفرق الكبير بين العلماء المخلصين المتواضعين الذين لا يريدون المباهاة ولا العظمة ولا الرفعة، فيكون
علمهم زينا لهم يوم القيامة، وقد كان زين لهم في الدنيا. وبين العلماء الذين يريدون العظمة والرفعة والجدال يكون عليهم العلمُ ذُلاًّ وصغارًا وحسرة وندامة.
ربما في الدنيا لا يشعر الإنسان لمن الحق مع هذا أو هذا لأن النيات لا يعلمها إلا الله، وقد تظهر، ولكن النيات التي في القلوب لا يعلمها إلا الله، ربما في الدنيا يلتبس أمرهم على الناس لكن في الآخرة يظهر الفرق الكبير لأن الله يعلم ما في الصدور ويجازي كلاّ على حسن نيته.
إذن يكفي الإنسان أن يتفكّر المصير بهؤلاء وهؤلاء يكفيه عبرة وموعظة ويحذر ويتّقيه باتقاء أسبابه فلا يريد بتعليمه أو تعلّمه الرفعة ولا العظمة ولا المباهاة وإنما يريد به وجه الله تبارك وتعالى ثم بعد ذلك يتواضع حتى يكون له علمه زينا وجمالا يوم القيامة، هذا هو الزين والجمال الحقيقي لأنه يبقى دائما وأبدا. (1/162)
صفحة 163
هذه بعض آفات العلماء بل هي الآفة الكبيرة الخطيرة التي لا محال هلك بها الكثير من الناس ونجا منها الكثير من الناس، نسأل الله تبارك وتعالى أن نكون من الناجين ونعوذ بالله أن نكون من الهالكين.
ما جَاء فِيمَن أَفتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ
35 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَة أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ كَمَنْ وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ» (1).
التعليق على السند:
هذا الحديث يرويه جابر بن زيد مرسلا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو حديث صحيح لأنه إرسال جابر، وهو إرسال التابعي الكبير الذي لا يضر (2) حيث إنّه لا
يروي إلا عن الصحابة - رضي الله عنهم - والصحابة لا يكذبون، بالإضافة إلى أن هذا الحديث تؤيّده أحاديث أخرى فيما معناه.
الشرح:
يؤيّد هذا الحديث أيضا القرآن: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، (الإسراء:35) {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (العنكبوت:68)، وما في أمثالها من الآيات الأخرى التي تؤيد معانيه بأنّ الذي يتقوّل على الله بغير علم يعتبر مفترٍ وكذاب وليس في الدنيا من هو أظلم منه، يأتي بالقول من عنده وينسبه إلى الله، ولذلك جاء فيه هذا التشديد وهذا التغليظ.
__________
(1) ذكره صاحب كنز العمال ج10/ 29018 بلفظ: «من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض». وقال: رواه ابن العساكر عن علي.
(2) ينظر هذه المسألة الحديثية في: القطب أطفيش، جامع الشمل في حديث خير الرسل، 2/ 340. وكذا: الحافظ ابن كثير، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، شرح: أحمد محمد شاكر، ط1، مكتبة المعارف، 1417هـ/1996، الرياض، ص157. (1/163)
صفحة 164
«من أفتى مسألة أو فسّر رؤياً بغير علم»، من دون أن يكون له فيها حفظ لنصٍ معين من القرآن أو من السنة أو من فتوى العلماء والمجتهدين المستنبطين، فهذا لا يعتبر إفتاء بل حكايةً لقول، أو أن يكون هو أهلا للفتوى والبحث والاستنباط والاجتهاد، فمن لم يكن على هذه الكيفية وقال: هذا حلال وهذا حرام من غير علم، بمقتضى الشهوة أو بمقتضى الإلف والعادة، بغير علم يعتبر مفتر على الله. {قُلَ اَرَآيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلَ - آللَّهُ أَذِنَ لَكُمُ, أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس:59) "آلله أذن لكم" هنا خصلتان يعني الله لم يأذن لكم والثانية كذبتم على الله،: "أم على الله تفترون" ومعنى "أم" هنا بل أي: الله لم يأذن لكم بل على الله تفترون.
لا اجتهاد مع وجود النص:
أفتى مسألة بغير علم مسألة في الدين يجب أن نحذر بالنا جيدا إنّ كثيرا من الناس يفتون بغير علم، فعندما لا يعلم شيئا يتكلم فيه ويقول: "إن عقلي يرى هذا" أو "رأيي يقول هكذا"، من أنت يا هذا حتى يكون لك رأي في الدين، وتعارض به، وتقول عقلي أو ذوقي أو رأيي، إن كان هناك نص من القرآن أو من السنة الصحيحة فليس في هذا رأي إنسان أبدا يعارض ما قاله الله ورسوله مهما يكن أبدا.
فلا حظّ للنظر مع وجود الأثر، قال ابن عباس: «يكاد ينزل علينا حجر من السماء أقول لكم: قال الله وتقولون قال فلان» (1). وفلان في ذلك الزمان هو صحابي أو تابعي لكن قوله لا يقبل في معارضة قول الله أو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) ينظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، عن ابن عباس بلفظ: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»،2/ 356. وينظر، ابن القيم، زاد المعاد، بنفس اللفظ، 2/ 178. (1/164)
صفحة 165
الاجتهاد خاص بمن توفّرت فيه شروط الاجتهاد:
لكن إن وُجدت مسألة ليس فيها نص في القرآن أو في السنة، فحينئذ يتاحُ المجال للرّأي، ولكن ليس رأي كل الناس، وإلا اختلفت الآراء وتنازعت الأهواء بينهم فتلتبِس السبل، إنما الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد وحفظ القرآن
والسنة وأصول الدين وأصول الفقه وأصول التفسير وحفظ كذلك الشيء الكثير من فتاوى العلماء حينئذ يمكن له أن ينظر في المسألة ويجتهد ويستخرج من المسألة المستحدثة الحكم، فيقول: أرى، ويصح له أن يقول هذا ويفتي به كما تقدم.
فما لم تجدوه في كتابي وفي سنّتي فإلى أولي الأمر منكم، فانظر هل أنت من أولي الأمر وأولي العلم والاستنباط والفقه والاجتهاد، حتى تقول بالرأي من عندك، فيصير بهذا الدين مجرد رأي فحسب، كل ما يراه هو الدين، فليس هنالك شيء يهلك الناس كالفتوى بالرأي في دين الله.
هذا قسم والقسم الآخر الإلف والعادة، فعندما يألف الناس شيئا إما مستحبا أو نافلة أو ليس له أصل مطلقا ويتّفقون عليه حتى يعتقد أنه فرض وواجب وحرام مخالفته، وهو ليس إلى هذا الحد كله وإنما ربما هي أمور مستحبة ومخالفتها ليست بحرام، أو أنها أمور مكروهة تنزّه عنها الناس ولم يعتبروا فعلها حراما وإنما تنزهوا عنها في زمان ما ولم تبلغ درجة الحرام.
التحليل والتحريم حق لله تعالى وحده:
إنّ الأمر لصعب تحريم شيء في دين الله تعالى لم يحرمه الله، وهو أشدّ من تحليل شيء حرّمه الله تعالى، ولذلك ابتدأ بالحرام في قوله: {فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} (يونس:59)، لأنهم حرموا بعض الشياه وبعض النياق وبعض (1/165)
صفحة 166
الإبل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي (1) يحرمونها للصفات التي فيها، وبعض يحرمها على النساء دون الرجال وهي من أفعال الجاهلية فأنكر الله عليهم هذا {قُلَ اَرَآيْتُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} قلتم هذا حرام وهذا حلال بغير علم افتراء على الله.
وهناك ناسٌ كثيرون أيضا إذا لم يعرفوا شيئا أو رأوا بأنّ الناس لم يعملوا به وتركوه تنزُّها يقولون فيه هو حرام، أو رأوا بأنّهم يقومون به من باب النافلة أو الاستحباب فيلعنون من لم يأته لعنًا، وهي أشياء مستحبة ونافلة أو هي مبتدعة، فالإنسان لا ينبغي له أن يقول حلال وحرام إلا لشيء تيقّن أنه حلال في الشرع.
ألفاظ التحريم وصيغه في الشرع:
والأصل في الأشياء الإباحة فلا ينبغي أن يقول في شيء حرام إلاّ إذا تيقّن أنه محرم في القرءان أو في أحاديث النبيء - صلى الله عليه وسلم - بلفظ التحريم أو بلفظ النهي لا تفعلوا كذا، أو بلفظ اللعن لعن الله من فعل كذا مثلا: «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» (2)، أو «لعن الله الواشمة والمستوشمة والواصلة
__________
(1) ينظر معاني هذه الأنواع في: ابن كثير، التفسير، 2/ 665، وكذلك، أطفيش، تيسير التفسير، 4/ 157 ـ 159.
(2) رواه، الترمذي في السنن، كتاب البيوع، باب ما جاء في أكل الربا، رقم: 1127. 3/ 512. ورواه الدارمي في السنن، «لعن رسول الله آكل الربا ومؤكله»، كتاب البيوع، باب في لعن آكل الربا ومؤكله، رقم: 2423، 3/ 243. (1/166)
صفحة 167
والمستوصلة والنامصة والمتنمّصة والمتفلّجات بالحسن المغيرات لخلق الله» (1)، فهنا في الحديث فيه لعن صريح لهذا الفعل المحرم، فلا يلعن أحد ولا يطرد من رحمة الله إلا لارتكابه أمرا محرَّما شرعيا.
__________
(1) رواه الربيع في الجامع، بلفظ: «لَعَنَ اللَّهُ النَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ وَالْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ». قَالَ الرَّبِيعُ: النَّامِصَةُ: التِي تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ حَاجِبَيْهَا لِيَكُونَ رَقِيقًا مُعْتَدِلاً، وَالْمُتَنَمِّصَةُ: التِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَالْوَاصِلَةُ: التِي تُوصِلُ شَعْرَ رَأْسِهَا لِيُقَالَ: إِنَّهُ طَوِيلٌ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: التِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَالْوَاشِمَةُ: التِي تَجْعَلُ الْوَشْمَ فِي وَجْهِهَا أَوْ فِي ذِرَاعِهَا، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: التِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَالْمُتَفَلِّجَاتُ: اللاَّتِي يُفَلِّجْنَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِنَّ لِلْجَمَالِ» بَابٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، رقم: 637 ص:250. (1/167)
صفحة 168
وهنا أيضا نهي صريح كالخمر: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَنصَابُ وَالاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّن عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90) فكلمة اجتنبوه تدل على التحريم فلا ننتظر حتى يقول لنا حرام كما يقول بعض السفهاء الذين استحوذت عليهم مشقة الخمر إننا لم نجد في القرآن ما يحرّم الخمر نهى عنه نهيًا فقط وأمر بتركه فالأمر بالترك والنهي عنه هو الأمر بالتحريم: {قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف:33) من جملة ما حرّم في الآية الإثم، وهو جميع أنواع المعاصي الكبائر والخمر قال فيها: {يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة:219) فلما قال تعالى للخمر إن فيها إثم كبير فهي ممّا حرمه الله في الآية الأولى.
فإذا أمر تبارك وتعالى بترك شيء فذلك يعني تحريمه وكذلك إذا نهى أو لعن من قام بشيء فذلك يعني التنصيص على أنّه حرام.
أما الحلال فالأصل في الأشياء الإباحة إلاّ ما ورد تحريمه في القرآن أو السنة {اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ إِن كُنتُمْ مُّومِنِينَ} (البقرة:278) إلى آخره.
«فسَّر رُؤيًا بغير علم»، الرؤيا هي ما يراه الإنسان في النوم، هناك بعض الرؤى تحتاج إلى تفسير وبعضها أضغاث أحلام، أي مثل الاختلاط الذي يقع للإنسان في مزاجه جرّاء ضغط الدم أو الصداع أو الأكل الكثير الذي يصيب بالتخمة أو غيرها، أو هي عبارة عن الأشياء الدنيوية التي يهتمّ بها الإنسان فتبقى عالقة في باله.
الولاية والبراءة للموتى في الرؤيا: (1/168)
صفحة 169
ونوع آخر من الرؤى تفسّر بحسب حالها، ومثالها رؤية الموتى وأحوالهم بعد موتهم، وما نراه ليس قطعًا واقع، لكنه قد يصدّق في الغالب، ويحتمل أن توجد تفاسير أخرى لها، فإن رأيت ميّتا أنت تتولاّه وهو في حال طيبة فإن شاء الله هو كذلك، ـ وليس قطعا ـ وإن كان في براءتك ورأيته في حال سيّئة فلربما
هو عند الله بخلاف ما رأيته في منامك، فلا تبطل ولايتك له فيكون في حال طيبة، وإنما تلك الحال التي قد رأيته عليها قد أفزعتك، فهذا ربما نوع من البلاء والشر الذي قد يصيب أبناء ذلك الميّت وذريّته وليس هو بذاته.
وكذلك العكس إن كان شخص في البراءة مات وهو مصرّ على المعاصي ولم تعرف له توبة فإن رأيته في حال سيئة ففي الظاهر أنه كذلك فتكون الرؤيا موعظة وعبرة، وإن رأيته في حال حسنة فلا تغيّر براءتك منه، ولا تقل بما أنّي قد رأيته في حال حسنة فسأتولاه فهذا غير جائز لأنّك إن عرفت أنه مصرّ على المعاصي فلا يجوز لك أن تدعو له بدعاء الآخرة ولا أن تستغفر له، وإنما تلك الحال الحسنة التي قد رأيته عليها تحتمل احتمالين؛ فإمّا ألا يكون عند الله مثل ما هو عندك فربما قد يكون تائبا ولكنك لم تعلم بتوبته، وإما أن يكون ذلك خير سيلحق أبناءه.
وأمّا ما عدا الموتى فإنها تفسر تفسير الرؤى التي وردت في القرآن الكريم، كالبقرات مثلا دليل على السنوات، والنعاج دليل على النساء، أو شيء من هذا القبيل.
وإما أن يكون في مثل التفاسير التي وردت في السنة كالثوب الذي يعني الدين، واللبن الذي يعني الفطرة، والرقي في الدرجات الذي يعني الزيادة في الخير، وإلى آخره ..
وثمّة تأويلات لا توجد في القرآن ولا في السنة وإنّما تجري مجرى الأمثال المضروبة للناس؛ كالأمثال المضروبة في القرآن، مثل الجنة التي تعني العمل (1/169)
صفحة 170
الصالح، إذا رأيت إنسانا في الجنان فلربما أنّ الله قد ختم له بعمل صالح فتقبّل منه عمله. وهناك أمثلة أخرى منها: {وَمَثَلُ الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنَ اَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِم بِرُبْوَةٍ اَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتُ اُكْلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة:265) فهذا المنفق ضرب الله به مثلا بالجنة والخضرة والنعيم والمياه، فأمثلة كثيرة وردت في القرآن ضرب الله بها الأمثلة للناس.
و توجد أمثلة مضروبة في الشعر إذ يرمز بها الناس إلى أشياء متعارفة بينهم، وربما تفسير الرؤيا بالحرف أي على حسب اسم ذلك الذي رأى المنام وهكذا ..
فلذلك فإنّ تفسير الرُّؤى شيء صعب يجب على الإنسان أن يتفقه في القرآن والسنة والتفسير وتفسير الرؤى والأمثلة القرآنية والأمثلة في كلام الناس، فربما تكون رؤياً واحدة يراها شخصان فتفسر بتفسيرين مختلفين، وابن سيرين كذلك يعرف بتفسيره للرؤى وعنده كتاب كذلك لمن يريد أن يقرب المعنى لنفسه "تعبير الرؤى" (1) لابن سيرين وهو من التابعين الكبار وعنده تفسيرات مهمّة للرؤى (2).
__________
(1) ذكر الشيخ الناصر عنوان كتاب "تعطير الأنام في تعبير المنام" ونسبه لابن سيرين، ولكن هذا العنوان هو لكتاب للشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، (ت1143هـ/1731م) وهو شرح لتأليف ابن سيرين، والله أعلم.
(2) أبو بكر محمد بن سيرين البصري أبو الوليد (عن ابن عمر، قيل هو نسيب ابن سيرين و قيل هو مولى رواحة و هو أرجح) التابعي الكبير، والإمام القدير في التفسير والحديث والفقه وتعبير الرؤيا، والمقدم في الزهد والورع وبر الوالدين، توفي 110 هـ، بعد الحسن البصري بمائة يوم، وكان عمره نيفاً وثمانين سنة، كان ابن سيرين عالماً بالحساب والفرائض والقضاء، وقد اشتهر بتعبير الرؤى والأحلام إذ شكل مدرسة في علم تفسير الأحلام. (1/170)
صفحة 171
ويصعب على الإجمال تفسير الرؤى بحيث عندما يفسّرها المفسر بتفسير قرآني أو سني أو أمثلة موجودة في القرآن أو في كلام العرب عليه أن يقول بعد ذلك: الله أعلم.
كيف نتعامل مع أنواع الرؤى:
وإذا رأى الإنسان رؤيا مزعجة، فلا يرويها للناس، بل عند رؤيته لمثل هذه الأحلام المخيفة المرعبة عليه أن يجلس ثم يتّجه بوجهه إلى الجهة اليسرى ويتْفُل ثلاث مرات وهو يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من سيئات الأحلام وعمل الشيطان، أعوذ بما استعاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي وآخرتي، ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنه لن تضرّه إن شاء الله» (1)، هكذا جاء
في الحديث، فإن قال هذا في مثل هذا الموقف فلن يضرّه هذا الحلم أبدا.
__________
(1) رواه الربيع في الصحيح، باب في الرؤيا، رقم: 52، ص 40. ورواه البخاري في صحيحه، بلفظ: «الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يحدث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ بالله من شرّها ومن شرّ الشيطان وليتفُل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدا فإنّها لن تضره»، كتاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها أحدا ولا يذكرها، رقم: 6522، 6/ 2582. وينظر: محمد بن عبد الباقي الزرقاني، شرح الزرقاني، بنفس اللفظ: «قال الحافظ ورد في صفة التعوّذ من شرّ الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شرّ رؤيايَ هذه أن يصيبني فيها ما أكره في ديني ودنياي»، وقال غيره أن يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام» رواه ابن السني»،4/ 453. (1/171)
صفحة 172
أما إن رأى مناما حسنا فإنه يستبشر ويرويها لأصدقائه ولمن يحبّونه، ليستبشروا به خيرا ولا يحسدوه لأنّ سيدنا يعقوب - عليه السلام - لمّا حكى له ابنه يوسف - عليه السلام - رؤياه قال له: لا تحكها لإخوتك {يَابُنَيِّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا اِنَّ الشَّيْطَانَ لِلاِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (يوسف:05)، نصح ولده بأنْ منعه من قصّ رؤياه على إخوته لِمَا رأى في أبنائه من غيرة على أخيهم يوسف، ولكن حتى لا يقطع بينه وبين إخوته لم يقل له إنهم لك عدوّ وإنما قال: {اِنَّ الشَّيْطَانَ لِلاِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، أي إنّ إخوتك إن كادوا عليك فهذا ليس من محض إرادتهم وإنما يلقي الشيطان في قلوبهم الكيد، وفعل سيدنا يعقوب هذا حتى لا يحمل سيدنا يوسف الحقد على إخوته وإنما ليحمله على الشيطان الرجيم، وهذه من حكمته - عليه السلام -، ولربما يغرّهم الشيطان ثم يتوبون مثل ما وقع حقيقة في القصة المعروفة لسيدنا يوسف - عليه السلام -.
رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقّ: (1/172)
صفحة 173
إذن فالرؤيا الصالحة مثل مشاهدة النبيء - صلى الله عليه وسلم -؛ واقعة لأنّ الرسول لا يتمثّله الشيطان، ولكن على من رآه أن يرى إلى فحوى الرؤيا فإن رآها في حالة حسنة فليحمد الله وليواصل في طاعته، وإن رآها في حالة سيئة إذ رآه مريضا أو متعبّسا أو ليس جميل الصورة فليعلم أنّ سيرته ربما ليست محمودة فعليه أن يجدّد نيّته ويغيّر من سيرته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثّل بي» (1)، فليس معنى رؤية هذا المرء لحالته السيئة أنه شقيّ ـ والعياذ بالله ـ لا؛ وإنما هي عبارة عن موعظة من الله تعالى.
إذن فتفسير الرؤى له قواعد وخطوط تُتّبَع، وليس كل من هبّ ودبّ يستطيع أن يفسّر الأحلام.
الكذب في الرؤيا حرام:
والكذب في الرؤيا هو مثل الكذب على الله، فمن كذب وقال رأيت كذا وكذا في المنام، فهو كمن يكذب على الله ويكذب على الوحي، فحذار أن
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: « .. وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي ... »، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي، رقم: 107، 6/ 2567. ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب قول النبي من رآني في المنام فقد رآني، رقم: 4206، 4/ 1575. (1/173)
صفحة 174
يوسوس الشيطان لأحدكم فيتّخذ بعض الخزعبلات والخيالات ليفتخر بها على الناس، فهي كالكذب على الله، لماذا؟ لأنّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» (1) أو الوحي، فمن كذب فيها فكأنما ادّعى الوحي، {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا اَوْ قَالَ أُوحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} (الأنعام: 93)، فلا يَرْوِيَنّ أحدكم إلا ما تذكّر من رؤياه، وإن لم يتذكّر فلا يبُح بها فهو أفضل.
جزاء الكذب في الرؤيا:
«كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها»: حقا إنه تمثيل رائع ومفزع في آن واحد فهو إذن كمن سقط من عالٍ، من طائرة أو من أي مكان فصادف بئرا، فلا يزال ماحيِيَ يهوي فيها إلى يوم القيامة، والمستقرّ أين؟ في نار جهنم والعياذ بالله، والمصيبة الأكبر هي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولو أصاب الحق»، أي: أنّه ولو كان صادف حقًّا في فتياه فقال في شيء حلال أو
حرام من رأيه، فصادفت الحق، كرمية من غير رام ـ كما يقال ـ، ولكنه قالها بغير علم، فإنه لا ينجو بينه وبين الله يوم القيامة لأنّ المرء إن كان من طبعه أنه يفتي بغير علم أو يفسر الرؤى بغير علم، فإنه أحيانا يصادف الحق وأحيانا يصادف الباطل، فلن يصادف الحق دائما.
أمّا إنْ قال: "لعل" فهذا لا بأس، أمّا أن تكون فتوًى يفتي بها للناس، كما يقول البعض ضعها على عاتقي وعلى ذمّتي، فهذا هالكٌ لا محالة، وكذلك الذي يسمع لفتواه هالك أيضا، لأن الربّ تعالى سيحاسبه هو أيضا ويقول له: أتتبع جاهلا؟ إذن فلا عذر لك في ذلك.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، رقم: 6474، 6/ 2563. ورواه الترمذي في السنن، كتاب الرؤيا عن رسول الله، باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، رقم: 2196، 4/ 534، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (1/174)
صفحة 175
التحرّج من الفتوى:
فإنّ الحق واحد وهو الذي يأتي على ألسنة العلماء، بل وحتى العالم الذي يفتي لك بشيء حاول أن تسأله عن دليله في فتواه من القرآن أو السنة أو أقوال العلماء، حتى يطمئنّ قلبك، وإن وصل في درجة عالية من الورع والعلم والفتوى فلا يلزمك ذلك، فأنت ناجٍ لأنه تعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، وإنّما كثير من الناس لا يتصوّرون عظم ما يقوله العالم، فهم يتكلمون في دين الله برأيهم وكأنّ الذين يصِلون الليل بالنهار للتحقيق في القضايا الفقهية إن هم إلاّ يعبثون، فيقضي أحدهم عمره في التمحيص والبحث
والأخذ من هنا وهناك والمقارنة بين مسائل العلم المختلفة ليفتي للناس بعلم ويقين، ثم يقال إن ذلك العالم مع التاجر والفلاح أو البطّال سواء، فيُعمل برأي من ليس بعالم وينصّب رأيه مقابل رأي العالم ويرجّح رأيه على رأي العالم، فهذه جرأة كبيرة على الله تعالى.
فلقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون عندما تحلّ عليهم مسألة فقهية فإنهم يتصبّبون عرقا لأجل أن يصلوا إلى الحل الأمثل بعد التمحيص في القرآن الكريم والسنة، فإن لم يجدوا فيها نصّا صريحا فإنّهم يلجأون إلى الاستنباط أو التخصيص أو إلى بيان الإجمال، أو إلى مناظرة بينها وبين مسألة أخرى لاستخراج الصواب، وكلٌّ يرسل السائل إلى من هو أعلم منه، فبعد أن تمرّ المسألة على ستين أو سبعين عالما حتى أنها قد تعود إلى الأول، فعندها لابد له أن يفتي في ذلك، لأنه سيخاف من موقفه ذلك بين يدي الله يوم القيامة، ماذا يجيب الله في ذلك، والمفتُون مُوَقِّعون عن رب العالمين، مثلما جاء به عنوان كتاب بعنوان: "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (1)، فهم يوقعون عن الله وسوف يحاسبون يوم القيامة عمّا أفتوا.
__________
(1) كتاب: "إعلام الموقعين عن رب العالمين" كتاب في الفقه و أصول الفقه، ألّفه: محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، ت:751هـ. (1/175)
صفحة 176
فتأتي أنت أيّها الجاهل حيث أراحك الله من هذه الأمانة الثقيلة، ودون أن يسألك أو يقصدك أحد، فتتدخل فيما لا يعنيك، وتُعارِض العلماء وتجادلهم وتعاندهم وتفتي برأيك، والعلماء الذين ابتلوا بالفتوى يرجون لو أن الناس ذهبوا إلى غيرهم في بعض المسائل حتى لا يفتوا فيها لخطورتها وصعوبتها خاصة أمام هذا الوعيد، حيث إنه يكون كمن يقع من السماء ويصادف بئرًا ليس لها قاع، فهذا أمر جلل، نسأل الله العافية والسلامة، في الدنيا والآخرة آمين والحمد لله رب العالمين.
انتهى بحمد الله شرح الجزء الثاني من كتاب في رحاب السنة
ويليه الجزء الثالث والذي سيبدأ بحول الله في
الحديث رقم: 36 ما جاء في علماء السوء
ما جاء في حديث المُروق من الدين
36ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَلاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، تَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا؛ ثُمَّ تَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا؛ ثُمَّ تَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا، وَتَتَمَارَى فِي الفُوقِ». (1)
__________
(1) رواه أحمد بن حنبل ج6/ 5 ورواه البخاري في كتاب فضائل القرآن 36، ورواه ابن ماجة في المقدمة 12، ورواه مالك في الموطأ في كتاب قرآن 10. (1/176)
صفحة 177
قَالَ الرَّبِيعُ: النَّصْلُ حَدِيدَةُ السَّهْمِ، وَالْقِدْحُ السَّهْمُ الذِي فِيهِ الْحَدِيدَةُ، وَرِيشُ السَّهْمِ الذِي يُوضَعُ فِيهِ الوَتَرُ (1)
الشرح:
يتحدث هذا الحديث عن قوم من ضمن هذه الأمة المحمدية، قوم يصلون ويصومون ولكنهم يمرقون من الدين، والمروق هو الخروج، كما يمرق السهم من الرمية، والسهم هو ما يرمَى به الشاهد أو ....... (2)
ثم أعطانا بعض الأوصاف عن هؤلاء الناس فقال: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم»، أي أنَّ مروقهم عن الدين لم يكن بترك الصلاة، ـ رغم أن ترك الصلاة يعتبر كفرًا ومروقا عن الدين ـ ولكنهم يصلُّون كما تصلُّون ويصومون، بل وتحقرون صلاتكم وصيامكم أمامهم، ولكن الرسول ح لم يقل تحقرون زكاتكم إلى زكاتهم، لأنَّ هذه صفة المرتدين في زمان أبي بكر - رضي الله عنه - إذ قالوا: "أما الصلاة فنصلي، أما الزكاة فلا نجعل في أموالنا شركاء".
قال: «وأعمالكم مع أعمالهم»، ............. (3)
ولكنهم مع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وفي رواية «يمرقون كما يمرق سهمُ الريش»، كأنه بيان أنَّ ذلك الريش يحدد الاتجاه الذي يؤول إليه، وكذلك هذا السهم لا يترك أثرا للدم، أي أن هؤلاء القوم بعد أن
__________
(1) * قوله: وريش السهم الذِي يوضع فيه أي يوضع في السهم ليقوى سيره عند الرمي. والوتر بفتحتين حبل القوس وفي النسخة سقط أشرنا إليه برمز التمريض، والصواب: «والفوق الذِي يوضع فيه الوتر» وفي نسخة القطب إسقاط ذكر الريش متنا وشرحا. ونصُّها: «ثمَّ تنظر في القدح فلا ترى شيئا ثُمَّ تتمارى في الفوق». قال الربيع: النصل: حديدة السهم، والقدح: السهم الذِي فيه الحديدة، والفوق: رأس السهم الذِي يوضع فيه الوتر. قال الربيع: ويروى أيضا: «في القديدة» ... الخ.
(2) لم يفهم الكلام في هذا الموضع، نظرا لخلل في تسجيل الصوت من المصدر.
(3) لم يفهم الكلام في هذا الموضع، نظرا لخلل في تسجيل الصوت من المصدر. (1/177)
صفحة 178
يمرقوا لا يبقى لهم أثر للإسلام أبدا حتى في مظهرهم، فيبقى أننا نشك أن هؤلاء القوم أكانوا مسلمين حقا أم لم يكونوا كذلك، أما المرتدين فقد أعلنوا ارتدادهم بقولهم: أما الصلاة فنصلي، أما الزكاة فلا نجعل في أموالنا شركاء" ...
فبعد أن حاربهم أبوبكر - رضي الله عنه - فإنَّ منهم من قتل على تلك الحال ومنهم من عاد إلى حظيرة الإسلام من جديد، فهذا مروقٌ أيضا من المرتدين، وعليه فحصرُ الحديث على فئةٍ معيَّنة من المسلمين تقصيرٌ في فهم حديث رسول الله ح، وإنما يعتبر الحديث بيانا لمروق أي فرقة من الفرق في أي عصر من العصور مهما طال الزمن، وكذلك يعتبر الغلوُّ في الإسلام مروقًا منه أيضا.
«يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، أي أنّ القرآن يخرج من حناجرهم إلى خارج ألسنتهم دون أن يمرّ بقلوبهم فهم يقرؤونه دون فهم وتدبّر، ولا يعملون بما فيه ولا يحكمون بأحكامه أيضا، فهذا الحديث يجب أن يأخذ على عمومه، حتى يتَّقي كل مسلم هذه الأوصاف إلى قيام الساعة ويخشى وعيد الله في ذلك وهو المروق من الدين، فكلُّ مسلم ليس في أمان من أنه لو لم يتدبر معاني القرآن ولم يعمل بما فيه أن يكون خارجا عن الدِّين، فقراءتهم للقرآن لا يجاوز حناجرهم جعلهم يخرجون من الدين، فإن كان هذا الحديث كما هو معناه على عمومه فإنَّ أيَّ مسلم عليه أن يحافظ على دينه وعقيدته وصلاته وصومه وقراءته للقرآن وفهمه والعمل والحكم بما فيه، فيكون تاليًا للقرآن من قلبه.
الغلو في الدين عند الأمم السابقة: (1/178)
صفحة 179
وكذلك كما قلنا إن الغلو في الدين يدخل في هذا المعنى، والمقصود بالغلو هو ما عرَّف به القرآن في قوله تعالى: ژ ? الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي پ پ پ پ اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ ?? ? ? وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ چ ... چچ چ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ژ ژ بِاللَّهِ وَكِيلًا ژ (النساء: 171) هذا غلو بني إسرائيل حيث جعلوا نبيَّهم إلهًا، وكذلك النصارى حيث جعلوا عيسى بن مريم إلها وجعلوه مع الثالوث، فقالوا: الله والابن وروح القدس، فهذا هو الغلوُّ الذي أشار إليه القرآن ونهى عنه بني إسرائيل.
تقديس الأولياء غلوٌّ في الدين:
وكذلك في أمَّة الإسلام فقد انتشرت كثير من صور الغلو في الدين، والتي منها اتخاذُ بعض الأولياء الصالحين - ممَّن عُرف علمهم وورعهم وصلاحهم - وسطاء يُعبَدون من دون الله وتُبنى لهم قباب وأضرحة يقصدها الناس لطلب قضاء الحاجات، ويُفعل فيها ما كان يُفعل في الجاهلية من التقرب إليه بالذبائح والقسم باسمه من دون الله، وقد قال ح: «من أقسَمَ بغير الله فقد
أشرك» (1) فيسألون هؤلاء الأولياء معتقدين أنَّهم يتصرَّفون في الكون، بل ويخافونهم أكثر مما يخافون من الله، حتى أنك إن وكَّلت عليه الله في أمر لا يخاف، ولكن إن وكَّلت عليه الولي فلان أو فلان، فإنه يمتثل ويخاف.
__________
(1) رواه الترمذي، في سننه: بلفظ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، كتاب النذور، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، رقم: 1455. ورواه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 5336. 2/ 86. (1/179)
صفحة 180
وللأسف فإنَّ هذا الاعتقاد منتشرٌ في كثير من بقاع الدنيا، وكم من العلماء اليوم يجاهدون لمحاربته والقضاء عليه، ويقولون لهم يا أيها المسلمون اتقوا الله ولا تغلوا في دينكم إنما هؤلاء العلماء بشر مثلكم، نعم يرجى لهم الخير إن شاء الله ولكن حاجتهم إلينا أكثر من حاجتنا إليهم، فهم يحتاجون إلى دعواتنا، ونحن لا نحتاج إليهم أبدًا، فليس بيننا وبينهم سبب، فلا نستقسم بهم، ولا نذبح لهم، ولا نسألهم الحوائج، ولا نتقرَّب إليهم، ولا نطوف بقبورهم، ولا نستعمل عندهم السُّرج، لأنَّ الرسول ح قال: «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها السرج» (1)، أي المصابيح والشموع.
__________
(1) رواه الترمذي في السنن، كتاب الصلة، باب ما جاء في كراهية أن يتّخذ على القبر مسجدًا، رقم: 294، 2/ 136. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، رقم: 2817، 3/ 218. (1/180)
صفحة 181
ولا شيء يجعل الإنسان يمرق من الإسلام ويخرج بعيدًا عنه مثل هذه الأعمال التي فيها الشرك الأكبر بالغلو في تقديس الأشخاص، فإن كان بنو إسرائيل غلوا في أنبيائهم فاتخذوهم آلهة من دون الله، فنحن قد سلكنا طريقا قريبا منه بأن جعلنا الأولياء الصالحين أربابا من دون الله، وقد قال ح: «لتتبعنَّ سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتمُوهُ» (1) وهذا الذي أهلك الأمة الإسلامية، حين اتَّبعت غيرها، فأينما ذهبتَ وجدتَ أصنامًا وقبابًا، يعتقد فيها ما يعتقد في الله، ويرجى منها ما يرجى منه عزَّ وجل، ويخاف منها أكثر مما يخاف من الله، ويذبح عندها ما لا يتقرب به إلى الله، وهو حرام قطعا لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ (الأنعام:163).
فالذبح لله عبادة، ولكن لا يجوز أبدا أن يعتقد أنَّ الذبح في مكان معيَّن يقرِّب إلى الله أو وتُقضى به الحاجات وتنال به المقاصد، فلا يجوز أبدا مهما
__________
(1) رواه البخاري: الجامع الصحيح، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بلفظ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ»، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، قول النبي: لتتبعن سنن من قبلكم، رقم: 6775، 6/ 2669،. مسلم: الجامع الصحيح، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، 4/ 2054، رقم: 4822. (1/181)
صفحة 182
كان ذلك المكان حتى ولو كان حجرا أو شجرا تنال به في تلك المنطقة البركة والقبول، فلا مكان في الأرض يحدَّد للذبح أبدًا، وإنما الذبح يكون لله تعالى وحده، وإنما إذا حدِّد مكاناً للذبح لكي تبقى فيها الدماء والأوساخ حتى لا تلوّث البيوت كفلاة أو غابة مثلا، فلا بأس لأنه ليس بنية التقرُّب بذلك المكان, وإنما بنية النظافة والصحة والنظام، خاصة إن كان في مجزرة معيَّنة يزورها الطبيب ليطمئن على سلامة ما يذبح فيها فهذا حسن.
هذا عن المكان وكذلك النهي يشمل الزمان، فلا نخصُّ زمانا محدَّدا نذبح فيه أبدا، إلا يومًا واحدا خصَّصه الله تعالى للنحر وهو يوم عيد الأضحى المبارك، فنذبح في ذلك اليوم بعد صلاة العيد ونتقرَّب به إلى الله تبارك وتعالى، وهو شعيرة من الشعائر التي شرعها الله، وكذلك أيام التشريق فنذبح في مِنى أو في فجاج مكَّة، لأنَّ النبيء ح نحر في منى وقال: «نحرتُ هنا وكلُّ فجاج مكة منحر» (1) أمَّا أن نذبح في مكان خاص آخر فلا، كما هو الحال مثلا بالمكان الذي
بناه بعض الناس وجعلوا فيه مصلى وسمَّوه المستجاب (2)، وقالوا نذبح هنا شياهنا أو نوقنا لنتقرَّب إلى الله فيستجيب دعاءنا فلا يجوز هذا أبدا، ولا نظير للغلو أكثر من هذا.
__________
(1) رواه أبو داود في السنن، بلفظ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَالَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ» كتاب الصوم، باب إذا أخطأ القوم الهلال، رقم: 1979، 2/ 297. ورواه مسلم: في صحيحه، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، رقم: 2138، 2/ 893.
(2) المستجاب، موقع في مدخل جهة الشمال لمدينة غرداية الجزائر. (1/182)
صفحة 183
فإن كان بنو إسرائيل فُتنوا بنبيَّهم فاتخذوه إلها من دون الله، وكذلك النصارى فُتنوا بالمسيح، فإنَّ المسلمين الذين فُتنوا بعلمائهم وأسندوا إليهم ما لا يسند إلا لله، من الخوف والرجاء والنَّذر والذبح وإشعال الشموع، فإنَّهم قد مرقوا من الدين المروق الحقيقيَّ، ومن فعل هذا فلا تنفعه صلاة ولا صيام ولا أي عمل آخر. وثمَّة غلوٌّ آخر هو الحكم على أهل الكبائر بالشرك.
فليكن الحديث عامًّا حتى يحذر كلُّ مسلم من الوقوع في المروق من الدين بتلك الأعمال، وحتى يكون هذا الحديث نافعا لكل زمان.
وكلُّ أحاديث الرسول ح عامَّة حتى ولو وقعت لشخص معيّن لأن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، فالله هو قاض الحاجات وميسِّر الأسباب ولا أحد سواه، وإن ذهبنا لزيارة القبور فلكي ندعو الله لنا ولهم، وكان الرسول ح نهى عن زيارة القبور ثم أباحها بعد ذلك، نهى عنها في الزمان الأوَّل مخافة الشرك، ثم أباحها لقوله: «ألا إنِّي كنت نهيتكم عن زيارة
القبور ألا فزوروها، ولا تقولوا هجرًا فإنَّها تذكِّر بالآخرة» (1) ونحن علينا أيضا أن نصلح عقائدنا ونسعى إلى إصلاحها، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.
} - - {
ما جاء في وصف البيان بالسحر
__________
(1) رواه الربيع في صحيحه، بلفظ: «عَنِ النَّبِيءِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلاَ فَزُورُوهَا وَلاَ تَقُولُوا هُجْرًا». لاَ تَدْعُوا بِالْوَيْلِ وَالْعَوِيلِ وَبِمَا يُسْخِطُ الرَّبَّ». باب في القبور، رقم: 481، 1/ 194. ورواه مسلم: في صحيحه، كتاب الأضاحي، بيان ما كان من النهي عن لحوم الأضاحي ... ، 3/ 1563، رقم:3651. وزاد في فتح الباري قوله: «عن أنس بن مالك قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنه يرق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» 1/ 532. (1/183)
صفحة 184
37 - أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلاَنِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَخَطَبَا، فَأَعْجَبَ (1) النَّاسَ بَيَانُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (2).
قَالَ الرَّبِيعُ: إِنَّمَا يَعْنِي بالبيان المنطقَ (3) بِالنَّاسِ حَتَّى يَأْخُذَ قُلُوبَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ.
الشرح:
كذلك مما يلتحق بباب العلم ويتَّصل به ويُعتبر منه: البلاغةُ والبيان؛ وهي فصاحة اللسان ومنطق العقل، بحيث إنه يضع الكلمات في أماكنها ويضع لكل مقام مقالاً، فلا يضع في مقام الإطناب الإيجاز، أو العكس، ولا الذكر ولا
الحثُّ ولا الفصلُ ولا الوصلُ إلى سائر الفنون التي يعرفها أصحاب البلاغة، بل إنه يوظِّف كل فنٍّ في محلِّه، وكذلك جريان الخبر على الظاهر وعلى غير الظاهر، وجريان الاستفهام وإلى غير ذلك، يعني أشياء حقيقية وأشياء مجازية مما يعرفه أصحاب البلاغة من أهل المعاني والبيان والبديع، فلا بدَّ ليكون العالم بليغاً في تبليغه للعلم أن يكون فصيحًا ذو بيان ومنطق سليم، حتى يكون كلامه مقبولا لدى الناس ويصل إلى أفهامهم.
القرآن معجزة خالدة لا كسائر المعجزات:
__________
(1) * فعجب الناس ببيانهما.
(2) رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ 269، 273، 303،.ج2/ 16، 59، 62، .. ج3/ 470، ج4/ 263، ورواه البخاري في كتاب الطب 51 (في الترجمة) نكاح 47، ورواه مسلم في كتاب الجمعة 47، ورواه أبو داود في كتاب الأدب 86،87، ورواه الترمذي في كتاب البر 79، ورواه الدارمي في كتاب الصلاة 199، ورواه مالك في الموطأ في كتاب الكلام 7.
(3) * قوله: يعني بالبيان المنطق، في نسخة القطب: يعني نطق اللسان لا يزال بالناس ... الخ. (1/184)
صفحة 185
فهذا يتَّصل بالعلم ولذلك أدرجه المرتِّب ـ رحمه الله ـ في باب العلم، وإن كانت الواقعة ليست من باب العلم، ولكن قول الرسول ح «إنَّ من البيان لسحراً» وهو قولٌ حقٌّ، إذ إنه لولا علم البيان لما فرَّق الناس كلام القرآن من سائر الكلام، والذي هو المعجزة الكبرى الخالدة للنبي ح والتي تدلُّ على صدقه وعلى أن الكلام من عند الله، وهي المعجزة الباقية ما بقي القرآن.
كل معجزات الأنبياء والرسل تنتهي بانتهائهم وتبقى خبرًا من بعدهم، كانفلاق البحر لسيدنا موسى - عليه السلام - وما تحقَّق له بالعصا أصبح خبرا، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، لسيدنا عيسى - عليه السلام - بقي خبرا بعده، فكلُّ المعجزات بقيت خبرا، ولكن معجزة القرآن قائمة خالدة لا يدركها إلا من عرف قيمة البيان، فلا يدرك قيمة كلام الله المعجز الحقيقي الذي لا
يستطيع أن يقوله بشر إلاَّ من فقه البيان، بحيث لو حاول إنسان أن يقلِّد أو يأتي بمثل القرآن فما استطاع إلى ذلك سبيلا.
والمقصود هنا في الحديث البيان يعني علم البلاغة ككل، البيان والمعاني والبديع، وليس لفظ البيان فقط كما ورد في الحديث، ولكي ندرك سرَّ الإعجاز في القرآن الكريم، فلا بدَّ من معرفة هذا الفن، ومن جهل علم البيان ولكنه مؤمن بالقرآن بأنه كلام الله، ولا يقبل أن يشككه فيه أحد، فهذا جيِّد والله يقبل منه إيمانه، ولكن من أدرك إدراكاً عميقا سبب تفضيل الله القرآن على سائر الكلام، يعرف مواضع المنطق السليم والبلاغة التي في القرآن ويدرك مواطنها فهذا طبعًا سيكون إيمانُه أعمق.
صفة القرآن في عهد قريش:
وهذا ما كانت تدركه قريش عند نزول القرآن فلقد بلغت اللغة العربية أوجّها في عصرها، بلغت القمة من البيان في الشعر وفي النثر بحيث ارتقت مرتبة عالية جدًّا، ولذلك جاء القرآن فخاطبهم الله بها، وتحدَّاهم بما يتحدَّثون به. (1/185)
صفحة 186
ولكن لم يبق الآن من يتحدَّث اللغة العربية الفصيحة الحقيقية كلغة القرآن، فقد تدهورت ولم تبق إلاَّ في الأندية وفي الرسائل والمقامات وفي القصائد وفي الملاحم، ولم تعد تتداول بين ألسنة الناس في أحاديثهم وأسواقهم وتجمُّعاتهم وإنما لغتهم الدارجة قد دخلتها العُجمة، وبذلك أدركت قريش أن هذا
الكلام ليس كمثله كلام، فقال قائلهم: «إنَّ فيه لحلاوةٌ، وإنَّ عليه لطلاوةٌ، وإنَّ أعلاه لمعدق، وإن أسفله لمغدق، وإنَّه يعلو ولا يعلى» (1)، رغم أنه مشرك متكبِّر ولا يريد الإيمان ولكنه لم يشعر حتى نطق بهذه الكلمات التي جسَّدت حقًّا أن القرآن حلو من الباطن وجميل من الظاهر، فكلَّما تذوَّقتَ معانيه زادت حلاوتُه أكثر ووجد جماله ظاهرا وباطنا، أعلاه فيه ثمرة والغدق هو عرجون النخلة، أي كالشجرة إن نظرت إلى أعلاها رأيت تلك العراجين المليئة بالتمر الناضج، وإن نظرت إلى أسفل رأيت سواقياً من المياه تجري، فهي نخلة على حافة نهر، أصلها في الماء ورأسها في السماء وثمرتها دائمة، إنَّ أعلاه لمعدق وإن أسفله لمغدق، حقًّا إنه تعبير بليغ وإنه كلام يعلو ولا يعلى، فكلَّما وضعته ووازنته بكلام آخر، فلا بدَّ أن يعلو ويتفوَّق عليه، هذا مشرك وأقرَّ بهذا!
وقد أدركت قريش بلاغة القرآن وفصاحته ولم يعارضوه، وقد قال لهم القرآن إن شئتم أن تأتوا بمثل هذا الكلام إن كنتم صادقين ثم افعلوا ما شئتم ولكنهم لم يستطيعوا، ثم قال لهم القرآن: فاتوا بعشر سور من عندكم مفتريات
__________
(1) ينظر: الحاكم، المستدرك على الصحيحين 09/ 75.رقم: 3831، وكذا: أطفيش، تفسير هميان الزاد،07/ 158. وكذا: ابن كثير، تفسير القرآن، بلفظ: «قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليعلو وما يعلى عليه وما أشك أنه سحر»، 4/ 444. (1/186)
صفحة 187
تكون بدرجة بلاغة القرآن وحلاوته وحكمته فعندها تكونوا صادقين، ولكنهم عجزوا، ثم قال لهم: اِيتوا بسورة واحدة فقط ولو كأقصر سور القرآن مثلا: سورة الكوثر، وعجزوا ثم قال لهم: فإن لم تستطيعوا فرادى، فاتوا بها جماعة كل واحد يأتي بكلمة ثم تتداولون عليها فتخرجوا بنتيجة ولم يقدروا على هذا أيضا، وقد ذهب بعض منهم من السفهاء ليتحدُّوا ويعارضوا ويأتوا بكلام مثله، لكنهم جاءوا بكلام سخيف ركيك لا يُذكر فضحكوا عليهم هم أنفسهم، وقالوا لهم: لا تعودوا إلى مثل هذا ولا تفضحونا، ومما جاءوا به قولهم: «يا ضفدع يا بنت ضفدعين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، نقّ ما تنقِّين، لا الماء تكدِّرين ولا الشارب تمنعين» (1)، ما هذه السخافة!؟ ما المعنى وما الحكمة التي في هذا الكلام وأي ترابط فيه، هم أنفسهم ضحكوا بالذي جاء بهذا الكلام لأنهم أدركوا الفرق الشاسع بينه وبين كلام الله تعالى، ولكن منعهم عن الإيمان الكبرياءُ، يدركون أن لو آمنوا فستذهب سيادتهم؛ كانوا أسياداً فيصبحون مسودين، كانوا متبوعين فسيصبحون أتباعاً، فمنهم من آمن ولكن البقية منعهم الكِبر عن الإيمان، بل كانوا أحيانا عندما يسمعون لبيان القرآن لا يسجدون لله تعالى وإنما يسجدون للبلاغة والبيان الذي في القرآن الكريم.
قصة الرجلين القادمين من المشرق:
ولا يزال المفسرون يأتون بمعان جديدة، فكلُّ عصر يأتي بشيء لم يأت به العصر السابق ولا حدَّ له، فهو بحر لا ساحل له، كلٌّ يغرف منه على قدر دلوه أو محركه المائي في هذا العصر، وهذا البحر كما هو لا يتغير.
__________
(1) ينظر: الطبري في تاريخ الطبري، 2/ 284. (1/187)
صفحة 188
فهذا هو كلام ربِّ العالمين، إذن فإن وضع المرتب هذا الحديث في هذا الباب لهذا المقصد الذي ذكرناه، ولكن أصل هذا الحديث هو قصة لرجلين قدما من المشرق أحدهما يسمى "الزبرقان بن بدر" والآخر يسمى "عمرو بن الأهثم"، فخطب أحدهما أمام الرسول ح يفتخر بقبيلته ونفسه، وهو الزبرقان بن بدر، ثم نظر إلى الرسول ح فأشار إلى صاحبه عمرو بن الأهثم، فقال: إن هذا يعرف صدق ما أقوله فليشهد، فقال عمرو نعم، فشهد له بالصدق، وسنقرأ حكايتهم أفضل (1).
«قال الزبرقان: يا رسول الله أنا سيِّدهم والمطاعُ فيهم والمجاب منهم، آخذٌ لهم بحقهم، وأمنعُهُم من الظلم وهذا يعلم ذلك»، وبنو تميم قبيلة عظيمة من نجد في المشرق العربي وهي توجد الآن في العربية السعودية الرياض، فجميع تلك المناطق هي منازل بني تميم، فقال عمرو: «أجل يا رسول الله إنَّه مانِعٌ لحوزتِهِ،
مطاعٌ في عشيرته، شديدُ العارضة فيهم»، فزاده ثلاث صفات تزكيةً لكلامه، أي أنه يمنع أهله من الظلم سواء للغير أو فيما بينهم، ومطاعٌ في عشيرته لا يعصى في أي شيء يأمر به، شديد العارضة فيهم؛ أي فصيحٌ تعرض له الحجة والكلمة الحكيمة في الكلام، سيما في الارتجال.
__________
(1) ينظر: ابن عبد البر، التمهيد،3/ 250. والسيوطي، تنوير الحوالك، 1/ 252. (1/188)
صفحة 189
فقال الزبرقان: «أما إنَّه والله علِمَ أكثر ممَّا قال، ولكنَّه حسدني في شرفي»، فردَّ عليه عمرو، والرسول ح يستمع: «أمَّا إن قال ما قال، فو الله ما علِمتُه إلاَّ ضيِّقَ العطنِ، زمِنَ المروءة، أحمقَ الأب، لئيمَ الخال، حديث الغنى»! كلُّه هجاء، ضيِّق العطن أي ضيق القلب، سريع الانفعال، والعطن هو الأرض التي يبرك فيها الإبل عند الورد فإن كانت ضيقة فستضيق بمن فيها، وهي إشارة إلى أنه ضيق الصدر لا حلم له ولا سعة صدر، وكأنه مريض المروءة بل لا مروءة له، أحمق الأب أي آباؤه مجانين حمق، وأخواله لئام، لم يأته الشرف لا من جهة الأب ولا من جهة الأم، وكذلك حديث الغنى، أي كان فقيرا ولم يرزق بالمال إلاَّ حديثا، لأنهم يعتبرون أن من نزلت عليه ثروة مفاجئة فاغتنى بها أقل مكانة ومنزلة من هو عريق الجاه والغنى.
فرأى الكراهة في وجه رسول الله ح جرَّاء ذلك التناقض والكذب، بسبب الاختلاف في قوله، أيمكن تصور هذا؟ فقد كان قبل حين يمدحه وإذا به الآن يذمُّه؟ فاغتاظ الرسول ح، ففهم ذلك من وجه الرسول ح، فأجابَ الرسولَ قبل أن يسأله، «يا رسول الله رضيتُ فقلت أحسنَ ما علمتُ، وغضبتُ
فقلت أقبحَ ما علمتُ، وما كذبتُ في الأولى ولقد صدقتُ في الثانية»، أي أنَّ ما قلته في الأولى واقع وما قلته فيه في الثانية أيضا حاصل، فلم أكذب في الأولى، وأنا صادق في الثانية .... عجيب أمرهم!
فقال الرسول ح «إنَّ من البيان لسحرا» وأكَّد الخبر بإنَّ واللام، فكأنه حلف حلفا، فالبيان الجميل والمنطق السليم يسحر الناس سحرا، ففي الأولى ترى الرجل وكأنه ملك، وفي الثانية تراه وكأنه شيطان، والغرابة في أنه لم يكذب عليه أبدا.
السحر الحلال والسحر الحرام: (1/189)
صفحة 190
هذا هو السحر، وإنما يُسمى هذا بالسحر الحلال، وأما السحر الحرام فهو ما كان من تلك الكتابات والتمائم والتباخير والخرافات، التي تغيِّر المرء من حال إلى حال؛ كأن يكون المرء محبًّا لشيء فتغير من حاله فيغدوا كارها لها، كما يكره الرجل امرأته ويراها معيبة بعد أن كان يحبها ويراها حسناء كالقمر، فهذا حرام وظلم كبير، ولكن البيان يكون سحره بالكلام الصادق الحكيم البليغ، فكأنك كنت تنظر لأمر ما بأنه حسن مليح، فتصبح نظرتك إليه غير ذلك، فيغدو قبيحا سمجًا بفعل البيان الساحر، مثلما يكون الأمر بجماعة يعتقدون في شيء أمرا ما؛ فيتحدث فيهم شخص ذا بيان مثلا فيحوِّل فكرهم كلية إلى اعتقاد آخر، فكأنه سحرهم سحرًا بكلامه.
ولذلك طعن المشركون في القرآن فقالوا: ژ ? ? ? ... ? ? ژ (المدثر: 24) لأنَّه في كلِّ مرة يستمع إليه بعض منهم فيؤثِّر فيهم ثم يؤمنون به، فهو بهذا يسحرهم سحرًا، وينقلبون على قومهم وأصنامهم.
لكن علينا أن نعلم أنَّ السحر شيء والبيان والمنطق وهداية الله تعالى شيء آخر، هذه هي القصة التي ورد فيها قوله ح: «إنَّ من البيان لسحرا».
حكم تعلُّم البلاغة: (1/190)
صفحة 191
ولذلك يجب أن نتعلَّم البيان لأنه به نفهم القرآن وندرك معجزاته، وبه نعبِّر التعبير البليغ السليم فندرك حاجتنا ومقصدنا في هذا التعبير البليغ، و يبلغ الكلام قرارة القلوب إن كان فصيحا موافقا للمقام، فمن استطاع منكم أن يتعلَّمه فإنه واجب وفرض، وكلام العرب بين أيدينا من الشعر والنثر والرسائل فما عليه إلا المطالعة والحفظ أيضا، فلقد كانت عائشة رضي الله عنها وهي امرأة تحفظ من شعر العرب عشرة آلاف مقطوعة، والمقطوعة من ثلاث إلى عشر أبيات أو أكثر. وطبعا لا يصبح أحدنا بليغا وفصيحا ومقتدرا على الإنشاء والتمييز وعلى الحكم إلا إذا كان يحفظ الشيء الكثير ويفهم ويقارن وينتقد، فيصبح بذلك كواحد منهم، وأيضا بقوة المطالعة والتذوُّق ومحاولة الإتيان بمثله، كيفما شاء نثرا أو شعرا، فبهذا يكتسب هذه الملكة.
وهذا حثٌّ من النبيء ح على تعلُّم البيان والنطق به، والله تعالى يقول ژ? ? ? چ چ چ چ ? ? ?ژ (الرحمن:1 - 4) فلم يقل علمه الكلام وحسب، لأن الببغاء يتكلم هو كذلك، ولكن علمه الكلام الذي يفصح عن النفس ببلاغة وبيان ومعان فهذا خاص بالإنسان، لذلك قال علَّمه البيان، والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
[صفحة بيضاء]
الفهارس
[صفحة بيضاء]
قائمة المصادر
1. ابن الجوزي، جمال الدين عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج، صفة الصفوة، نشر دار الحديث، القاهرة، مصر، 1421هـ/2000م
2. ابن القيم، محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تح/ محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1411هـ، 1991م.
3. ابن القيم، محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدى خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط 27، 1415هـ /1994م.
4. ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد التميمي، أبو حاتم، صحيح ابن حبان، تح/ شعيب الأرناؤوط، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1414هـ/ 1993م. (1/191)
صفحة 192
5. ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، أبو الفضل: تقريب التهذيب، تح/ محمد عوامة، دار الرشد، سوريا، ط1، 1406هـ/ 1986م
6. ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، أبو الفضل: فتح الباري شرح صحيح البخاري، تح/ محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
7. ابن رجب الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، جامع العلوم،
تح/ محمد الأحمدي أبو النور، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1424 هـ، 2004 م.
8. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، أبو عمر، التمهيد لما في موطأ الإمام مالك من المعاني والأسانيد، تح/ مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ/ 1967م.
9. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر: تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1401هـ.
10. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، شرح: أحمد محمد شاكر، ط1، مكتبة المعارف، الرياض، 1417هـ/1996.
11. ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، أبو عبد الله: سنن ابن ماجه، تح/ محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، لبنان. د. ت. ن.
12. ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، ط3، 1414هـ/ 1994م
13. أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي: سنن أبي داود، تح/ محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، لبنان.
14. أبو زكريا، يحيى بن أبي بكر، سير الأئمة وأخبارهم، تح/ إسماعيل العربي، مطبعة
أحمد زبانة، الجزائر، نشر المكتبة الوطنية الجزائرية، الجزائر، د. ت. ن.
15. أبو ستة، محمد بن عمرو بن أبي ستة: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح، ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، لمسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، تح/ إبراهيم طلاي، مطابع دار البعث، قسنطينة، 1994م. (1/192)
صفحة 193
16. أحمد بن حنبل، الشيباني، أبو عبد الله، مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر، د. ت. ن.
17. اطفيش، امحمد بن يوسف (القطب)، تيسير التفسير، تح/ إبراهيم طلاي، ط2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1421هـ/ 2001م
18. اطفيش، امحمد بن يوسف (القطب)، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1987.
19. اطفيش، امحمد بن يوسف (القطب)، هميان الزاد إلى دار المعاد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط2، 1980.
20. اطفيش، امحمد بن يوسف، (القطب)، شرح عقيدة التوحيد، تح/ د. مصطفى بن الناصر وينتن، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1422هـ/ 2001م.
21. البخاري، محمد بن إسماعيل، أبو عبد الله: صحيح البخاري، تح/ مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ/ 1987م.
22. البيهقي، أحمد بن الحسين الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، السنن الكبرى، تح/ محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة، المملكة العربية السعودية،
1414هـ/ 1994م.
23. البيهقي، أحمد بن الحسين الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، شعب الإيمان، تح/ عبد العلي عبد الحميد حامد، إشراف/ مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، ط1، 1423 هـ، 2003 م.
24. الترمذي، محمد بن عيسى، أبو عيسى: سنن الترمذي، تح/ أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت. د. ت. ن.
25. جمعية التراث، لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، من ق1هـ إلى ق15هـ، قسم المغرب، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية الجزائر، ط1، 1420هـ/ 1999م.
26. الجيطالي، إسماعيل بن موسى: قناطر الخيرات، تح/ عمرو خليفة النامي، مكتبة وهبة، القاهرة، 1385هـ/ 1975م
27. الحاكم، بن عبد الله النيسابوري، أبو عبد الله: معرفة علوم الحديث، تح/ السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1377هـ/ 1977م. (1/193)
صفحة 194
28. الحاكم، محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري، أبو عبد الله، المستدرك على الصحيحين، تح/ مصطفى عبد القادر عطا، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1411هـ / 1990م.
29. الخطيب، حسن أحمد، فقه الإسلام سمو مبادئه، رصانة قواعده، تعدد
مزاياه ومحاسنه، مطبعة سيد علي حافظ، القاهرة، 1952.
30. الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل، أبو محمد: سنن الدارمي، تح/ حسين سليم أسد الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط1، 1412هـ/ 2000م.
31. الدرجيني، أحمد بن سعيد، أبو العباس: طبقات المشايخ بالمغرب، تح/ إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة. د. ت. ن.
32. الديلميّ، شيرويه بن شهردار بن شيرويه، أبو شجاع، الفردوس بمأثور الخطاب، تح/ السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1406 هـ، 1986م.
33. الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري: الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، د. ت. ن.
34. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، تح/ طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1424هـ، 2003م.
35. السالمي، نورالدين عبد الله بن حميد، أبو محمد: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط2، د. ت. ن.
36. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تنوير الحوالك شرح
37.
موطأ الإمام مالك، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1389، 1969 هـ.
38. الشافعي، محمد بن إدريس، ديوان الإمام الشافعي، تح/ عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، ط1، 2003.
39. شرف الحق، محمد أشرف بن أمير الصديقي العظيم آبادي، عون المعبود، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان، ط2، 1415هـ/ 1985م. (1/194)
صفحة 195
40. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب، أبو القاسم: المعجم الصغير، تح/ محمد شكور محمد الحاج أمرير، المكتب الإسلامي، بيروت، دار عمار، عمَّان، لبنان، ط1، 1405هـ/ 1985م.
41. عمرو بن جميع، عقيدة العزابة، تحقيق عمر بازين، ط2، المطبعة العربية، غرداية 1421هـ/2000م.
42. القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، أبو عبد الله: الجامع لأحكام القرآن، تح/ أحمد عبد العليم البردوني، دار الشعب، القاهرة، ط2، 1372هـ
43. قلعة جي، محمد رواس، و قنيبي، حامد صادق، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1408 هـ، 1988 م.
44. مالك بن أنس، بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، الموطأ، تح/ محمد مصطفى الأعظمي، نشر مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، أبو ظبي – الإمارات، ط1، 1425 هـ، 2004 م
45. المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين القادري الشاذلي: كنز
العمال، تح/ بكري حياني وصفوة السقا، نشر مؤسسة الرسالة، ط5، 1401هـ/1981م
46. المزي، يوسف بن الزكي عبد الرحمن، أبو الحجاج: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تح/ بشار عواد معروف، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1400هـ/ 1980م.
47. مسلم بن الحجاج، القشيري النيسابوري، أبو الحسين: صحيح مسلم، تح/ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د. ت. ن.
48. المناوي، عبد الرؤوف: فيض القدير شرح الجامع الصغير، ط1، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1356هـ.
49. الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، أبو الحسن، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ/ 1987م.
50. الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، أبو الحسن، موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، تح/ محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، د. ت. ن. (1/195)
صفحة 196
51. وينتن، مصطفى بن الناصر، آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1998.
52.
53. فهرس الآيات القرآنية
54.
سورة/ آية ... نص الآية ... صفحة
الفاتحة:2،3 ... ژ پ پ پ پ ? ? ?ژ ... 85
البقرة:79 ... ژ? ? ? چ چ چ چ ? ? ژ ... 180
البقرة:105 ... ژ ? ? ? ?? ژ ... 95
البقرة:171 ... ژ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? چ چ ژ ... 100
البقرة:219 ... ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 203
البقرة:265 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S SS S ? ? ? ژ ... 205
البقرة:278 ... ژ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ژ ... 203
البقرة:282 ... ژ ? ?? ? ?? ? ? ? ? ژ ... 99
البقرة:286 ... ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ??ژ ... 21
آل عمران:14 ... ژ ? ? ? ? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ھ ... ھ ھ ے ے? ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ژ ... 96
آل عمران:26 ... ژ ? ژ ژ s ... s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ?? ? ... ?? ? ... ں ں ... ? ? ژ ... 106
آل عمران:185 ... ژ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?ژ ... 49
آل عمران:187 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ?ژ ... 17
آل عمران:187 ... ژ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? Sژ ... 85
آل عمران:191 ... ژ ? ? ں ں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ژ ... 136
النساء:17،18 ... ژ چ چ چ چ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژ ژ ... s s ک ک ک ک گ ... گ گ گ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ? ?? ? ? ہ ہ ہ ژ ... 88
النساء:59 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ... 147
النساء:65 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 151
النساء:83 ... ژ گ گ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ں ں? ژ ... 147
النساء:160 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 20
النساء:165 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 95
المائدة:03 ... ژ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ... 150
المائدة:44 ... ژ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ ... 151
المائدة:90 ... ژ ? ? ? ? ? ... پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ژ ... 202
الأنعام:12 ... ژ ? ? ? ?? ژ ... 48
الأنعام:65 ... ژ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ ... 85
الأنعام:90 ... ژ ? ? ? ?? ? ?ژ ... 167
الأنعام:93 ... ژ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ? ہ ... ہ ہ ہ ھ ژ ... 209
الأنعام:122 ... ژ? ? ? ?ژ ... 100
الأعراف:6 ... ژ ژ ژ s s ک ژ ... 181 (1/196)
صفحة 197
الأعراف:33 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ ... گ گ ... گ ? ? ? ? ? ? ... ? ژ ... 202
الأعراف:56 ... ژ ? ? ? ? ? ? ژ ... 112، 183
الأعراف:145 ... ژ ? ? ? ? ? S S S S ... ?ژ ... 26
الأعراف:156،157 ... ژ ? S S ... SS ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کژ ... 85، 112، 183
الأعراف:175،176 ... ژ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ... 56
الأعراف:204 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 43، 132
يونس:25 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 95
يونس:59 ... ژ ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ... ے ے ? ژ ... 198
يونس:59 ... ژ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہژ ... 200
يونس:62ـ 64 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? S SS S ? ? ?? ? ? ? ? ژ ... 58
يونس:101 ... ژ ژ ژ s sک ژ ... 23،136
هود:15،16 ... ژ ? ? ... ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s ... sک ک ک ک گ ... گ گ گ ? ژ ... 52
يوسف:05 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ? ... ? ? ? ? ژ ... 207
يوسف:76 ... ژ ? ? ? ? ? ژ ... 77
الرعد:14 ... ژ S S ? ? ? ? ژ ... 138
الحجر:09 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ژ ... 145
النحل:43 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 17،210
النحل:44 ... ژ ? S ... S S S ? ? ?ژ ... 146
النحل:97 ... ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگژ ... 97
النحل:97 ... ژ ? ? ? ? ? ?ژ ... 97
الإسراء:35 ... ژ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 198
الإسراء:78 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... چ چچ ژ ... 147
الكهف:10 ... ژ ک ک ک ک گژ ... 161
الكهف:30 ... ژ ? ? ? ? ? ? ںژ ... 127
الكهف:35، 36 ... ژ پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ژ ... 37، 111
الكهف:46 ... ژ پ پ پ ? ? ? ? ? ژ ... 112
الكهف:60 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ ... 25، 26
الكهف:71 ... ژ گ گ گ ? ? ? ? ژ ... 27
الكهف:80،81 ... ژ ? ہ ... ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 28، 38
مريم:71 ... ژک ک گ گگ گ ? ? ... ? ?ژ ... 48، 49
مريم:72 ... ژ? ? ? ں ... ژ ... 49
طه:124 - 126 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ?پ پ پ ... پ ژ ... 98، 165
طه:131 ... ژ ھ ھ ھ ے ژ ... 53
الأنبياء:20 ... ژ? ? ? ? ?ژ ... 42
الأنبياء:23 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ژ ... 95 (1/197)
صفحة 198
الأنبياء:34، 35 ... ژ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ... 91
الأنبياء:101 - 103 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S ژ ... 58
الحج:41 ... ژ ? ? ... ? ? ژ ... ژ s s ک ک ک کگژ ... 97
النور:41 ... ژ ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ ... 43
الشعراء:84 ... ژ ? ? ? ? ? پ ژ ... 73
القصص:23 ... ژ? ? ? ?ژ ... 48
القصص:76 ... ژ ? ?? ? ? ? ? ?ژ ... 33
القصص:83 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ژ ... 192
العنكبوت:68 ... ژ s ک ک ک ک گ گ ژ ... 198
العنكبوت:69 ... ژ ? ? ? ? ?? ہ ہ ہ ہ ژ ... 183
الروم:07 ... ژ ? ? ? ? ? ... ? ? ? S Sژ ... 89
لقمان:12 ... ژ ? ? ? ? ژ ... 69
لقمان:14 ... ژ ? ? ? ?ژ ... 107
الأحزاب:21 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژ ... 47
سبأ:39 ... ژ ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ?ژ ... 67
فاطر:01 ... ژ ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ?? ? ... ? ? ? ? ?ژ ... 45
فاطر:02 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ ... 106
فاطر:18 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ ... 176
فاطر:29ـ30 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ? ?ژ ... 131
الزمر:10 ... ژ ? ? ? ? ? ? ژ ... 165
غافر:83 ... ژ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 89
فصلت:21 ... ژ پ ? ... ? ? ? ژ ... 40
فصلت:26 ... ژ ھ ے ے ... ? ? ? ? ... ? ? ... ? ? ژ ... 133
فصلت:42 ... ژ گ گ گ ? ? ? ? ... ? ?? ژ ... 145
الشورى:11 ... ژ ? ? ... ?? ? ... S S ژ ... 135
الشورى:13 ... ژ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژژ s s ک ک ک کگ ژ ... 19
الأحقاف:17 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?ژ ... 28
محمد:17 ... ژ ? ? ? ? ? ?ژ ... 184
محمد:19 ... ژ? ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ژ ... 137
الحجرات:1،2 ... ژ ک ک ک ک گ گ گ گ ?? ? ?? ? ... ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ... ے ے ? ? ? ? ? ?ژ ... 189
ق:29 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ ... 49، 87
ق:37 ... ژ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ?ژ ... 100
الذاريات:20 - 22 ... ژ ? ں ں ? ? ? ?? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ ... 23، 136
الذاريات:56 ... ژ ? ? ? ? ? ? ژ ... 17
النجم:32 ... ژ ? ? ?? ? ? ? ? ژ ... 193
الرحمن:44 ... ژ? ? S S S ژ ... 179
الواقعة:01 - 03 ... ژ s ک ک ک ک گ گ ... گ گ ?ژ ... 114
الحديد:03 ... ژ ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ ... 136 (1/198)
صفحة 199
الحديد:23 ... ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ژ ... 34
المجادلة:11 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 65
الحشر:21 ... ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ ... گگژ ... 41
الجمعة:04 ... ژ ? ? ? ? ? ?? ژ ... 95
الجمعة:5 ... ژ ژ ژ s s ک ک ... ک ک گ گ گگژ ... 56
الطلاق:02،03 ... ژ ? ? ... ? ? ں ... ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ژ ... 98
التحريم:06 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 181
القلم:01 ... ژ ژ ژ s s ژ ... 117
الجن:3 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ژ ... 110
الإنسان:11 ... ژ چ چ ? ... ? ? ? ? ? ژ ... 59
المرسلات:30،31 ... ژ ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ژ ... 179
النبأ:23 ... ژ ? ? ? ژ ... 27
المطففين:1ـ3 ... ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 180
الانشقاق:6 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ژ ... 34
الغاشية:17 - 20 ... ژ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژ ... 136
البلد:4 ... ژ ? ? ? ? ? ژ ... 34
الشمس:1 - 7 ... ژ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ?ژ ... 136
العلق:01ـ05 ... ژ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s ... s ک ک ک ک گ ژ ... 117
التكاثر:08 ... ژہ ھ ھ ھ ھ ژ ... 115، 181
الهمزة:06،07 ... ژ چ چ ? ... ? ? ? ... ? ? ... ژ ... 192
الماعون:4،5 ... ژ ? ? ? ? چ چ چ چ ژ ... 180
الكافرون:1 - 2 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ ژ ... 137
الإخلاص:1 - 4 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 137
55.
56.
فهرس الأحاديث النبوية والقدسية
نص الحديث ... الصفحة
«أبشِر يا قبيصة إنَّك ما مررتَ بشجر و لا حجَر إلا استغفر لك» ... 39
«أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ» قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ... 177 (1/199)
صفحة 200
«إذا تقرب إليّ عبدي بشِبر تقربت إليه بذراع وإذا تقرب إليَّ بذراع تقربت إليه بباع، إذا مشى إليَّ سعيتُ إليه هرولة» ... 184
«إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة، قال مجالس العلم» ... 59، 137، 159
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من سيئات الأحلام وعمل الشيطان، أعوذ بما استعاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي وآخرتي، ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنه لن تضرَّه إن شاء الله» ... 206
«أفضل الصدقة أن يتعلَّم المرء المسلم علما ثم يعلّمه أخاه المسلم» ... 65
«أُقرصيه بالماء ولا يضرك أثره» ... 123
«أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ»، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ فَاسْتَحْيَى اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» ... 158
«الحمد لله الذي هدى رسولَ رسولِ الله إلى ما هدى إليه رسولَ الله» ... 153
«الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» ... 209
«الشهيد هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا» ... 120
«العلمُ آيةٌ محكَمَةٌ أو سُنةٌ قائمةٌ أو فريضةٌ عادلةٌ وما سِوَى ذلك فهو فَضلٌ» ... 21، 64، 91
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما أدخلته نارِي» ... 192
«اللهم إني أعوذ بك أن أشرك فيما أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» ... 193
«اللهمَّ إنّي لم أخرُج أَشرًا ولا بَطَرًا، وإنما خرجتُ ابتغاءَ مرضاتكَ، أسألُك بحقّ ممشَايَ هذا وبحق السائلينَ عليك أن تغفرَ لي وتنقذني من النار» ... 47
«إنَّ الله قد أعطَى لكلِّ ذي حقٍّ حقّه فلا وصيّة لوارث» ... 156 (1/200)
صفحة 201
«إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض، وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الإيمان» ... 102
«إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا لِمَا يَطْلُبُهُ» ... 42
«إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها» ... 23
«أنبذ الدنيا وراءك ظهريا، فإنها ليست لك بدار ولا هي محل قرار، إنما هي بُلغة للعباد ليتزوَّدوا منها لدار المعاد» ... 37
«إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ... 32
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ، وَلاَ مُعْطٍ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجِدِّ مِنْهُ الْجِدُّ. مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ... 104
«بسم الله الرحمن الرحيم، عجبتُ لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله» ... 33
«تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَرَفْعُهُ: ذَهَابُ أَهْلِهِ» ... 90
«تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ لَيَنْزِلُ بِصَاحِبِهِ فِي مَوْضِعِ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، وَالْعِلْمُ زَيْنٌ لأَهْلِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» ... 63
«تَعْلِيمُ الصِّغَارِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» ... 79، 89
«تَفَكَّرُوا في الخلقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخَالِقِ، فَإِنَّهُ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِتَصْدِيقِهِ» ... 135
«جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» ... 43
«حوضي من المدينة إلى صنعاء، وعليه من الأكواب كعدد نجوم السماء» ... 60 (1/201)
صفحة 202
«خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ أَصْحَابَهُ عِزِينَ ذَاكِرِينَ فُنُونَ الْعِلْمِ، فَأَوَّلُ حَلْقَةٍ وَقَفَ عَلَيْهَا وَجَدَهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «بِهَذَا أَرْسَلَنِي رَبِّي». ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ فَوَجَدَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ فَوَجَدَهُمْ يَذْكُرُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَفْيَ الأَشْبَاهِ وَالأَمْثَالِ عَنْهُ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ: «بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» ... 129
«خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّتِي، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي سُنَّتِي، فَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» ... 5، 144
«ذلك أوانُ ينسخ القرآن فقال أعرابي: وكيف يُنسخ القرآن يا رسول الله، فقال: يذهب بأهله ويبقى رجال كأنَّهم البغاثُ» ... 92
«رَسْمُ الْمِدَادِ فِي ثَوْبِ أَحَدِكُمْ إِذَا كَانَ يَكْتُبُ عِلْمًا كَالدَّمِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَلاَ يَزَالُ يَنَالُ بِهِ الأَجْرَ مَا دَامَ ذَلِكَ الْمِدَادُ فِي ثَوْبِهِ» ... 117، 121
«طلب العلم فريضة على كل مسلم» ... 178
«عجب الله من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل» ... 94
«علّموا أولادكم القرآن فإنه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو» ... 80
«فيُقال له قاتلتَ ليُقال فلان شجاع فقد قيل لك ذلك فلم يبق لك عندنا شيء، فاسحبُوهُ إلى النار فيسحب ويلقَى فيها» ... 120
«كل مال أدّيت زكاته فليس بكنز ولو دفن في سبع أراضين» ... 32
«كل مولود يولد على الفطرة ... » ... 79 (1/202)
صفحة 203
«كلُّكم يدخل الجنة إلاَّ من أبى، قالوا يا رسول الله ح: ومن يأبى دخولَ الجنة، فقال ح: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» ... 94
«كيف بك يا معاذُ إذا نزلت بك قضيّة؟ فقال: أقضي فيها بكتاب الله» ... 150
«لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن ماذا عمل فيما علم» ... 57
«لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ أَوْ يَتَوَضَّأُ» ... 143
«لأن يهديَ الله رجلا على يديك، خير لك مما طلعت عليه الشمس» ... 77
«لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» ... 201
«لعن الله الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمِّصة والمتفلِّجات بالحسن المغيرات لخلق الله» ... 202
«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلاّ غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده فقال أحد الصحابة للرسول: أرأيت الرجل يكون فيهم لحاجة؟ قال ح: أولئك قوم لا يشقى جليسُهم» ... 162
«ما بين بيتِي ومنبري روضةٌ من رياضِ الجنة» ... 60، 159
«ما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلال» ... 150
«من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبُه» ... 113
«مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ» ... 93
«من أشرك ساعة أحبط عمله» ... 189
«مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَة أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ كَمَنْ وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ» ... 197
«مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِلْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ أَوْقَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَوْقِفَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً وَنَدَامَةً حَتَّى يَكُونَ الْعِلْمُ لأَهْلِهِ زَيْنًا» ... 191 (1/203)
صفحة 204
«مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ» ... 51، 186
«مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ خَائِبٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ» ... 185، 186
«من رآني في المنام فقد رآني حقًّا، فإن الشيطان لا يتمثَّل بي» ... 208
«من سلب الله منه كريمتين فصبر واحتسب أجره عند الله استحيى الله أن ينصب له ميزانا يوم القيامة» ... 164
«من لا يشكر الناس لا يشكر الله» ... 107، 108، 110
«مَن يُردِ اللهُ به خيرًا فقَّهه في الدين» ... 102، 116
«منبري على حوضي» ... 60
«نحن معاشر الأنبياء إخوانُ عَلاَّتٍ أبونَا واحد، وأمهاتنا شتىَّ» ... 20
«نضّرَ الله امرُؤًا سمعَ مقالتي فوعاها ثم أدّاها كما سمعها» ... 66
«وليذادَنَّ رجال عن حوضي، كما يذادُ البعير الضالُّ، فأناديهم: ألا هلمَّ، فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: فسُحقا سُحقا» ... 60
«ومن تواضع لله رفعه الله» ... 187
«وَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَمْ يَعْمَلْ مَرَّتَيْنِ» ... 171، 178
«يا فاطمة لا أغني عنكم من الله شيئا، اعملي» ... 113
57.
58.
59. فهرس الأعلام
اسم العلم ... الصفحة
أبان بن وسيم، أبو ذر ... 53، 54، 174
إبراهيم - عليه السلام - ... 33، 73
ابن سيرين ... 205
أبو المنيب محمد بن يانس ... 54
أبو بكر الصديق ... 148، 193
أبو خليل الدركلي ... 53
أبو سلمة ... 30
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... 18، 51، 52، 63، 79، 90، 93، 104، 117، 121، 129، 143، 144، 158، 171، 185، 191، 197، 213، 222
أبو هريرة ... 51، 52، 62، 90
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ... 172
آدم - عليه السلام - ... 38
إسرائيل - عليه السلام - ... 20، 25، 26، 216، 218، 220
اطفيش، امحمد بن يوسف (القطب) ... 71، 72
أم سلمة ... 30
أَنَس بن مالك ... 18، 79، 93، 171، 185 (1/204)
صفحة 205
جابر بن زيد، أبو الشعثاء ... 17، 18، 51، 52، 63، 79، 90، 93، 104، 117، 121، 129، 130، 137، 139، 143، 158، 171، 185، 191، 197، 213، 222
الخضر - عليه السلام - ... 29، 31، 37، 38، 77، 98
داود - عليه السلام - ... 69
الربيع بن حبيب ... 42، 45، 55، 92، 125، 173، 213، 222
سالم بن عوف ... 130
السالمي، نورالدين أبو محمد عبد الله ... 67، 70، 82
سعد بن أبي وقاص ... 32
سعيد بن وسيم ... 54، 55
الشافعي (الإمام) ... 127
الشيخ بالحاج حمو بن بكير ... 72
العباس عم الرسول ح ... 113
عبد الله بن عباس ... 32، 33، 38، 125، 129، 130، 199
عبد الله بن مبارك ... 70
عطاء بن يسار ... 179
عمر بن الخطاب ... 22، 148، 149، 155، 222
فاطمة بنت الرسول ح ... 113
قبيصة بن مخارق المحاسبي ... 39
لقمان - عليه السلام - ... 69، 99
معاذ بن جبل ... 150، 153، 157
معاوية بن أبي سفيان ... 104، 105، 115
المنصور (الخليفة) ... 70
موسى - عليه السلام - ... 25، 26، 27، 28، 29، 31، 37، 38، 48، 77، 223
هارون الرشيد ... 70
وكيع ... 101
يعقوب - عليه السلام - ... 207
يوسف - عليه السلام - ... 207
يوشع - عليه السلام - ... 26
60.
61. فهرس المأثورات والحكم
62.
النص ... الصفحة
إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط ... 152
إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ... 152
أردناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ... 164
أكتب الحكمة ولو على الحائط ... 118
إنَّ التوحيد معرفة الله ومن لم يعرف الله فليس بمؤمن ... 137
إن الله لم يأخذ العهد على المتعلّمين أن يتعلَّموا حتى أخذ العهد على العلماء أن يعلِّمُوهُم ... 17
إن الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك ... 70
تعلّمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله ... 54
حُبُّ الدنيا رأْسُ كلِّ خطيئٍة ... 175
سبحان الله والحمد ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ باللهِ العلي العظيم ... 113
طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ... 174
العلم أَعطِه كلَّك يُعطيك بعضه ... 102
العلم صيد والكتابة قيده ... 124 (1/205)
صفحة 206
العلم يرفع العبد المملوك فيجلسه مجالس الملوك ... 69
غرسوا فأكلنا، ونغرس ليأكلوا ... 35
لا اجتهاد مع وجود النص ... 199
لا حظَّ للنظر مع وجود الأثر ... 152، 199
لا يُعبدُ الله إلاّ بما شرّع ... 18
لأَنَّ التَّوْحِيدَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ لاَ يَعْرِفُ تَوْحِيدَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ... 129
اللهم إنك أعلم بي بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي فيما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون ... 193
ليس منَّا من يقول بأنَّ علم الدين يؤخذُ من غير تعلُّم ... 99
ما جادلتُ أحدا إلا وددتُ أن يظهر الحق على يده لأكون أنا من يتَّبعه ... 188
ما قورن شيء بشيء أزين من حلم إلى علم ... 74
مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء ... 119
من أدخل إلى مدينة كتاب علم لم يوجد فيها، فهو خير ممن أدخل إليهم ألف حمل من دقيق ... 66
من لم يحزن على موت العالم فهو منافق ... 91
هذا هو المُلك الحقُّ ... 70
يا بُنيَّ زاحم العلماء بركبتيك، وأنصت إليهم بأذنيك، فإنَّ القلوب تحيا بنور العلم كما تحيى الأرض بمطر السماء ... 99
يا ربِّ إنَّ هذا للعلم وليس لـ امحمد بن يوسف ... 72
يكاد ينزل علينا حجر من السماء أقول لكم: قال الله وتقولون قال فلان ... 199
يومٌ مع سلطان عادلٍ خير من أن تمطر الأرض أربعين خريفًا ... 97
المصادر
مقدمة تحقيق الجزء الثاني 5
نبذة موجزة من حياة الشيخ الناصر المرموري (- رحمه الله -) 8
الباب الرابع:
في العلم وطلبه وفضله 15
ما جاء في طلب العلم ولو بالصين 17
معنى العلم الذي لا يَسَعُ أحداً جهلُه، ومعنى العلم الكفائي 18
وحدة الشرائع السماوية 19
شريعة الإسلام تنسخ ما قبلها من الشرائع 21
الرحلة في طلب العلم 24
قصَّة سيدنا موسى والعبد الصالح 25
مصيبة موت الأولاد رحمة 29
صبرُ أمِّ سلمة على وفاة زوجها 30
صلاح الآباء سببٌ لصلاح الأبناء 32
شرح رواية ابن عباس "أن الكنز لوحٌ من ذهبٍ منقوش" 33
الشجر والحجر يستغفران لم رحل في طلب العلم 39 (1/206)
صفحة 207
ما جاء في فضل طالب العلم 42
إِنَّ الملائكة لَتضَعُ أجنحتها لطالب العلم رِضًى لما يطلبه 42
أعمال الملائكة وعباداتهم 42
معاني بسط الأجنحة 45
آداب طلب العلم 46
الورُود على النار 48
الملائكةُ وطلاَّب العلم 49
من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا 51
من تعلَّم العلم للَّه عزَّ وجلَّ وعمل به 51
سببُ تعلُّم أبان بن وسيم 53
فضل العمل على العلم 56
ثواب العمل بالعلم 58
تعلَّموا العلم فإنَّ تعلُّمه قُربةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ 63
فضيلة التعليم 65
صدقة العلم أفضل من صدقة المال 67
العلم يرفع العبيد ملوكا 69
القطب اطفيش يزور القرارة 71
العلم والأخلاق 74
العمل بالعلم ونشره 76
ما جاء في تعليم الصغار يطفئ غضب الرَّب 79
ما يجب أن يعلَمَه الصبيُّ أولا 80
تلقين الأجيال أمانة الدين 81
أهمية العلم في الصغر 82
أسباب إطفاء غضب الربِّ 84
الشفاعة لا تنال أهل الكبائر 87
ما جاء في ذهاب العلماء 90
من أراد الله به خيرًا فقَّهه في الدِّين 93
لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ 104
ما جاء في كتابة العلم 117
ما جاء في صنوف العلم 129
حلقات الفقه في المسجد 133
حلقاتُ التوحيد في المسجد 135
حلقاتُ العقيدة في المسجد 137
أهمية حِلَق العلم في المساجد 139
أوقاف المساجد 141
الكلام في المسجد 142
ما جاء في النهي عن التبوُّل في الماء الدَّائم 143
ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة 144
القرآن أصل السنة 145
السنَّة بيانٌ للقرآن 145
لا يجوز الاكتفاء بالقرآن دون السنَّة 146
الاستنباط حق لعلماء الشريعة 147
أدلة الاجتهاد أصل للتشريع 148
وجوب الاجتهاد للعلماء والقضاة 152
شروط المجتهد 153
وجوب تخصيص طائفة للتفقه في الشريعة 154
علوم الاجتهاد 155
ما جاء في فضل حلقة الذكر 158
أفضلية الصدر في الحلقة 160
جواز الجلوس وراء الحلقة 161
أنواع من الإعراض 166
الباب الخامس:
في طلب العلم لغير الله عزَّ وجل، وعلماء السوء 169 (1/207)
صفحة 208
ما جاء فيمن لم يعمل بما علم 171
ويلٌ لمن لم يعلم 171
خطرُ طلب العلم لغير الله 173
خطرُ فصل العلم عن العمل 174
الندم على تضييع الحقوق 176
عذاب الويل في جهنم 179
نجاة أولادنا من الويل بالعلم والعمل 181
أسئلة الحساب 181
النجاة من الويل 183
ما جاء في طلب العلم للمباهاة. 185
خطرُ الجدال بالباطل 187
ما جاء فيمن تعلَّم العلم للعظمة والرِّفعة 191
التواضع سبب لإصلاح النفس 192
الكِبرُ سببٌ للفراق 195
ما جاء فيمن أفتى بغير علم 197
لا اجتهاد مع وجود النص 199
الاجتهاد خاص بمن توفرت فيه شروط الاجتهاد 199
التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى وحده 200
ألفاظُ التحريم وصِيَغه في الشرع 201
الولايةُ والبراءة للموتى في الرؤيا 203
كيف نتعامل مع أنواع الرؤى 206
رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ 208
الكذب في الرؤيا حرام 208
جزاء الكذب في الرؤيا 209
التحرُّج من الفتوى 210
ما جاء في حديث المروق من الدين 213
الغلو في الدين عند الأمم السابقة 216
تقديس الأولياء غلو في الدين 216
ما جاء في وصف البيان بالسحر 222
القرآن معجزة خالدة لا كسائر المعجزات 223
صفة القرآن في عهد قريش 224
قصة الرجلين القادمين من المشرق 227
السحر الحلال والسحر الحرام 229
حكم تعلُّم البلاغة 230
الفهارس 233
قائمة المصادر 235
فهرس الآيات القرآنية 242
فهرس الأحاديث النبوية والقدسية 253
فهرس الأعلام 259
فهرس المأثورات والحكم 262
قائمة المحتويات 264
} - - {
انتهى بحمد الله الجزء الثاني من كتاب «في رحاب السنَّة»
ويليه الجزء الثالث، والذي سيبدأ بحول الله بالحديث رقم: 38،
باب: الأمَّة أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم -
} - - { (1/208)