صفحة 1
الكتاب: في رحاب السنّة (ج3)
صاحب الدروس: الشيخ/ الناصر المرموري رحمه الله
تحرير وإخراج:
بكير بن محمد فخار
يوسف بن أحمد كفوس
بمساعدة:
محمد بن موسى بكوش
ياسين بن أحمد الصادق
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
طبع: المطبعة العربية، غرداية
الطبعة: الأولى
تاريخ الطبع: ذو الحجة 1435هـ / أكتوبر 2014م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[الكتاب عبارة عن سلسة دروس في شرح " الجامع الصحيح للربيع بن حبيب "، ألقاها الشيخ الناصر المرموري (رحمه الله) في مسجد القرارة - غرداية - الجزائر، سمّاها: " في رحاب السنة "، وهو يشرح في كل ليلة حديثا إلى أربعة أحاديث؛ وأعداد السلسلة لا تزال تصدر]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) في رحاب السُّنَّة
شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
لفضيلة الشيخ
الناصر بن محمد المرموري (رحمه الله)
الجزء الثالث
من الباب السادس إلى الباب التاسع
تحرير وتخريجثلّة من طلبة الشيخ
الطبعة الأولى
(ذو الحجة 1435هـ/أكتوبر 2014م)
تحرير وتخريج:
بكير بن محمد فخَّار
يوسف بن أحمد كفّوس
بمساعدة:
محمد بن موسى بكّوش
ياسين بن أحمد الصادق
متابعة وإعداد:
أ/محمد بن أحمد جهلان
الطبعة الأولى
ذو الحجَّة 1435هـ / أكتوبر2014م
جميع الحقوق محفوظة
للتواصل مع فريق التحقيق وإبداء الملاحظات يرجى الكتابة إلى:
rihabsounna@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثالث
الأحاديث من رقم 38 إلى رقم 58
الأبواب:
6 - الأمَّة أمَّة محمَّدح.
7 - في الولاية والإمارة.
8 - في الرؤيا.
9 - في الإيمان والإسلام والشرائع.
مقدمة
تحقيق الجزء الثالث
الحمد لله الذي أنزل الفرقان، وعلم الإنسان البيان، ليشيع النور والخير في الأكوان، والصلاة والسلام على الحبيب المقتدى، ورسول الرحمة المجتبى، خير من بُعث مرشدًا وهاديًا ودليلا، سيدنا محمَّد المصطفى ح.
أمَّا بعد؛ فإنَّ الحمد لله وحده، هو أهل الحمد والثناء والعزم والرجاء، فقد يسَّر لنا السبيل وأعاننا ووفَّقنا لإتمام إخراج هذا الجزء الثالث من شرح كتاب الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب لفضيلة أستاذنا الشيخ الناصر بن محمد المرموري رحمه الله تعالى برحماته الواسعة، والحمد لله ثانيا أنَّ هذا الجزء قد جاء مواليا لسابقه، ولم يتخلَّف عن الأجل المحدَّد لصدوره، بعد أن عزمنا على المضي قدما في مشوار هذه المسيرة المباركة، وإن كانت ما تزال طويلة، وما نحن إلاَّ في بدايتها، ولكن التوكل على الله، والعزيمة على الرشد هما الدافعان لنا للمواصلة بحول الله تعالى. (1/1)
صفحة 2
يجيء العمل في هذا الجزء ليلج الأبواب الأربعة المهمَّة في قواعد الدين والاعتقاد وحياة المسلم وأمَّة التوحيد: باب الأمَّة، وباب الولاية والإمارة، وباب الرؤيا، وباب الإيمان والإسلام والشرائع. وهي سلسلةُ أبوابٍ مهمَّة في الرؤية الشمولية للكون والدين، وفيما يستصحبه المسلم المؤمن في مسيرته في هذه الحياة
والأخرى ليدرك دوره تجاه أمته، وتجاه غيره فيمن يتولاهم ومن يبرأ منهم، وغير ذلك من الأمور.
هذا الجزء الثالث من رحاب السنَّة، استُخرج من ستَّة أشرطة، سعة كلٍّ منها 90دقيقة، وقد ألقِيَت هذه الدروس بالمسجد الكبير بالقرارة، ما بين شهر جانفي 1982م إلى شهر مارس 1982. وتمَّ تسجيلها في المسجِّلة المغناطيسية، ثمَّ حُوِّلت إلى الأشرطة السمعيَّة.
ومثل المراحل السابقة؛ إذ بعد اكتمال تحرير المادَّة المسموعة من الشريط إلى الورق، شرع في رقن ما تمَّ تحريرُه، ثم تحقيق وتوثيق ما ورد فيها من نصوص، في عمل متواصل إلى نهاية الجزء بحمد الله تعالى.
إلاَّ أنَّ المتغيِّر هذه المرَّة أنَّ هذا هو أول جزء ننجزه بعد وفاة الشيخ الناصر المرموري رحمه الله تعالى، إذ إنَّه لم يكتب الله أن يُعرض عليه ولا أن يُراجع بحضوره ومسمعه، لذا كان التعويلُ على المحققين أن ينقلوا المعنى والمحتوى بأمانة ونزاهة مثلما كان الشيخ يوصي ويؤكِّد دائما، وبخاصة من حيث الأسلوب السهل والبسيط الذي اعتمده بقصد في دروسه منذ أن استهلَّها في سنة 1981، بالقرارة، وحتى آخر كلمة راجعها في الجزء السابق، حيث إنَّه أبدى رضاه وموافقته على أسلوب التحرير الذي اتبعناه فوافقنا على ذلك وطلب الاستمرار على النهج، من دون تغيير ولا تحوير، إلاَّ ما كان لضرورة الأسلوب والفهم السليم.
ثم تلت بعد ذلك مرحلة الفهرسة والتنسيق النهائي والإعداد للطبع، إلى أن بلغ النهاية، واكتسى هذه الحلَّة، وهذا الثوب القشيب الذي هو عليه بين يدي (1/2)
صفحة 3
القارئ الكريم. نسأل الله تعالى أن يتقبَّله منَّا خالصا لوجهه الكريم، نشرًا للعلم وخدمةً لسنَّة نبيِّه. ونسأله أن يجزي كلَّ من قدَّم يد العون والمساعدة في سبيل إنجاح هذا العمل ولو بالكلمة الطيِّبة، ويجعل أجره في ميزان حسناته، وأن يوفِّقنا لمواصلة المسيرة وإخراج أجزاء العمل المتبقيَّة إن شاء الله، وما ذلك على الله بعزيز، آمين والحمد لله رب العالمين.
لجنة التحرير:
أ. يوسف بن أحمد كفُّوس
أ. بكير بن محمد فخَّار
القرارة في: يوم الخميس04شوال 1435هـ
الموافق: 31جويلية 2014م
[صفحة بيضاء]
البا السادس
في الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم
[صفحة بيضاء]
ما جاء في بيان الأفضل في هذه الأمَّة
38ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ أُمَّتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي وَلَمْ يَرَوْنِي فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى إِلاَّ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْفِتْنَةِ» (1).
سند الحديث:
هذا حديث صحيح روي عن غير وجه أي من وجوه عدَّة، وهذه الرواية وردت بسند موصول، أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبيء ح بطريق متَّصل وبالعنعنة المسموعة.
الشرح:
قد تقدم لنا هذا الحديث من قبل حيث رأينا في ليلة المولد النبوي الشريف في أمّة الرسول حومن يستحقّ أن يسمى بهذا الاسم، فإنّ الأمة أمتّان أمة الدعوة وأمّة الإجابة.
فأمّة الدعوة هي الأمة التي كلّف النبيء ح أن يُبلِّغ إليهم وكُلّفوا أن يستجيبوا عامة، لأنه جاء للناس كافة.
__________
(1) روى بنحوه الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 18. (1/3)
صفحة 4
وأما أمة الاستجابة فهم الذين استجابوا لهذه الدعوة وسمعوا وأطاعوا، وأمّة الاستجابة تطلق على من استجاب للنبي ح أثناء حياته، وعلى من استجاب له من بعده مهما بعدت الأزمان حتى تقوم الساعة، فكلّهم يطلق عليهم أمَّة، وإنما الذين استجابوا له في حياته ورأوه يُطلق عليهم الصحابة، زيادة على الأمَّة فهم صحابة رسول الله ح رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم بعد الصحابة يأتي التابعون وهم الذين أدركوا الصحابة، وأخذوا عنهم العلم فهم طبعا في الدرجة دون مَن قبلهم، دون الصحابة وخير ممن يأتي بعدهم، ثم يأتي بعد ذلك تابِعُوا التابعين وهم الذين أدركوا التابعين وأخذوا عنهم العلم، ثم هكذا تتوالى الأجيال والقرون.
تفصيل البيان في عدم تعارض الأحاديث الواردة في أمّة محمد أيّها خير:
وفي هذه الأمَّة وردت أحاديث عن النبيء ح بعضٌ منها يفضِّل الذين هم معه، وبعض منها يفضِّل الذين يأتون من بعده، وبعض منها يتكلمَّ عن الأمة عامة دون فرق بين أوَّلها وآخرها، وأمَّا ما جاء فيها تفضيل للذين معه من الذين أدركوه وأخذوا عنه العلم وآمنوا به ورأوه وعاشروه من الصحابة قوله ح: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .. » (1) أي خير القرون أو الأزمان هم
الذين عاشوا معي وتعلَّموا مني وآمنوا بي، ثم الذين يلونهم من التابعين، ثم الذين يلونهم وهم تابعو التابعين، ومن بعدهم من الأمم المتعاقبة، حتى آخر الزمان حيث يأتي من وصفهم بأوصاف ليست حسنة.
__________
(1) لم يرد الحديث بهذا اللفظ وإنّما بألفاظ أخرى قريبة. ينظر: البخاري، الجامع الصحيح، بلفظ: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ... » كتاب المناقب، باب فضائل أصحاب النبي، 3377. وكذا: مسلم، الجامع الصحيح، «خير ُأمّتي القرنُ الذينَ يَلُونِي ثم الذين يَلُونَهم» كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة الذين يلونهم، رقم: 4599. (1/4)
صفحة 5
ويوجد حديثٌ آخر فيه تفضيلٌ للذين يأتون من بعده، وهو الحديث الذي نحن بصدد شرحه: «خَيْرُ أُمَّتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي وَلَمْ يَرَوْنِي ... »، فهؤلاء أيضا لهم فضل كبير وأجر أعظم. ويوجد في حديث آخر كلام عن الأمَّة عامَّة: «أمتي كالغيث لا يُدرَى أوَّلها خيرٌ أم آخرها» (1) أمتي كالمطر لا تدري أين تكون البركة في أوله ولا في وسطه ولا في آخره، فإن جاء مطر نافع ونزلت قطراته لمدة طويلة فإنّ هذا المطر كلّه بركات من الله من أول قطراته إلى آخرها، مثلما هو الحال بالنسبة لتعاقب الأمطار في ليل ونهار وفي الفصول المختلفة حيث تستفيد فيه الأرض بالمطر، فلا تدري أيها أبرك وأنفع للأرض من الأخرى.
الخير في أمَّة محمد كلّها:
والذي يهمّنا نحن هو الحديث الأخير، لأنه هو الذي يخصّنا، ولا نستطيع أن ندرك خير القرون حيث زمان عزة الإسلام وزمان الإمامة الرشيدة للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذي أقيمت فيه الأحكام وعلا الحق وزهق الباطل،
فطبعا هذا الزمان خير القرون، بدون شك ثم الذي يتبعه بقليل ثم الذي يلي من بعده بأقل، ولكن لو لم يرد هذا الحديث لقلنا إذن نحن لا خير فينا فنحن سنكون من الحثالة أم ماذا؟ نقول لا، فربنا كريم لم ينزل القرآن لينتفع به الذين رأوا الرسول ح فقط، أو الذين من بعده، فإذا كان كذلك فهل يرسل الله لنا نحن نبيا آخر؟ كلا فنحن بإذن الله تابعين لتلك الأجيال منتسبين إلى النبيء ح، نحن أمته والقرآن بين أيدينا والمحسن محسن والمسيء مسيء دائما في كل زمان ژ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ژ (التوبة: 120).
__________
(1) ينظر: الرامهرمزي، أمثال الحديث، بلفظ: «إنما مثل أمّتى كمثل ماء أنزله الله من السماء لا يدرى البركة في أولها أو في آخرها» 1/ 105. (1/5)
صفحة 6
فجاء هذا الحديث ليطمئننا ويقطع ما يقوله كثير من الناس: لو أن الله أراد لنا الخير لجعلنا في صدر الإسلام، وبما أننا بعيدين فإننا ربما سنحرم من ذلك الفضل، لا أبدا، ولا يحقّ لمسلم أن يقول هذا لأنّه حتى ولو لم تكن أيّها المؤمن في زمان النبيءح، فالفرصة سانحة والطريق ممهّد أمامك، لقد تركنا الرسول على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وهنا يقول بعض السلف: «إنّ الطريق محفورٌ إلى الركبة، لا يمكن الخروج منه إلا بالوثبة» (1) أي أنه محفور ومحاط بجدران ترد الضالّ حتى ولو كان أعمى لا يرى إن أراد أن يخرج عنها فتردّه إلاّ إن تعمّد الخروج منها بالقفز عليها، وقد قال ح: «كلُّكم يدخل الجنة إلاّ من أبى قالوا: يا رسول الله من يأبى دخول الجنة، قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد
أبى» (2) فمن أطاع الله ورسوله فقد أراد دخول الجنة ومن عصى الله ورسوله ولم يمتثل لدعوة العلماء والصالحين والمبشرين والمنذرين، حتى إذا قيل له إن الله قال كذا وكذا، وقال الرسول ح كذا وكذا فإنه يُعرض ولا يتّبع ما أُمر به أو نُهي عنه، فهذا من الذين يقولون سمعنا وعصينا، وهو بهذا لا يريد دخول الجنة.
فالطريق جليّة أمامنا والقرآن بين أيدينا والسنَّة موجودة أيضا، والرسول بهذا يُطمئن من يأتي من بعده بمائة عام أو ألف وأربعمائة عام أو بألفي عام أو بما شاء الله .. إلى قيام الساعة، وكأن الله يقول لنا: لا تحزنوا إن لم أجعلكم في زمان الرسول ح ولم تتمتَّعوا برؤيته، ورؤية جماله وطلعته البهية، وأخلاقه ونوره، فإنكم إن اتَّبعتم سنَّته بالتمام فستكونون أفضل ممن كان في زمانه.
تطبيق الأحكام على العصاة:
__________
(1) ينظر: الدرجيني، الطبقات: 2/ 297.
(2) رواه البخاريّ، باب: قول الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، رقم: 6718، 06/ 2611، ومسلم، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم: 4852، 06/ 13. (1/6)
صفحة 7
أجل إنَّ هذا الكلام صحيح، حين قلنا إنَّ خير الأمم هم الذين جاؤوا من بعده وآمنوا به، ولكنه لم يقل خير القرون، هذا حقٌّ لأنَّ القرون التي نحن فيها لا يعلو فيها الحق، والأحكام الإسلامية لا تُطبَّق والحدود لا تُنفَّذ، ولذلك من أراد العصيان يسهل عليه ذلك، ومن يُرد الطاعة يصعُب عليه ذلك، فلذلك كان الفضل عظيما لمن يطع الله ورسوله، فلما كان شرع الإسلام يُطبَّق والسيوفُ على رقاب
الظالمين والقتلة والمفسدين في الأرض، والسارقون تُقطع أيديهم، وقُطَّاع الطرق تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض أو يُقتَّلوا إذا قَتَلُوا، والزناة يجلدون ويرجمون إن كانوا محصنين، وشَرَبَةُ الخمر يُجلدون ثمانين جلدة، والقاذفون الذين يقذفون أعراض المحصنين والمحصنات يجلدون كذلك ثمانين جلدة، ففي ذلك الوقت لا مناص للمسلم من أن يطيع الله ورسوله وإلا ينفَّذ عليه الحكم، فإن لم يخَف من الله خاف من الحكم «إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (1) فإن عصى أحدهم فذلك هو الذي ينظر إليه بنظر ريبة ويرفضه الناس ويشمئزون منه ويلفظونه بعيدا لأنّه خالف الله ورسوله، ولا مزية له إذا أطاع في مثل ذلك الجو.
__________
(1) ينظر: ابن كثير، تفسير كتاب الله 3/ 60. (1/7)
صفحة 8
وأما الآن في هذا الزمان، إن أطاع المسلم الله واتَّبع طريقه القويم، فربما يُهزأ به أو يُسخر منه، لأنه: «لا تقوم الساعة حتى تتخذ الصلاة هزؤًا والزكاة مغرمًا، والأمانة مغنمًا» (1)، إذن أصبحنا نرى في هذا الوقت من تمسّك بطهارته وصلاته وزكاته وأمور دينه ينظر إليه على أنه جامد أو رجعي أو متأخر غير مواكب للعصر، وأما الذي يرتكب المعاصي أصبح لا يخشى شيئا وكأنه لم يرتكب أي منكر، وأصبح كل من تسوّل له نفسه شيئا يعمله ولا يخاف شيئا، وحتى المرأة التي
صارت تسير في الشارع سافرة وشبه عارية تعتبر هي المتحضّرة ويُسمع إلى كلامها، وحين تذهب لشاطئ البحر فإنها تقوم بالسباحة مع الرجال، وتدّعي أنّ لها الحق هي أيضا في السباحة، ـ لعنها الله وجعلها تسبح في أودية جهنم ـ.
__________
(1) رواه الترمذي في السنن، بلفظ: «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ فَقِيلَ وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلاً وَالأمَانَةُ مَغْنَمًا وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا»، كتاب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والفسخ، رقم: 2136، 4/ 494. قَالَ عنه الترمذي بعد روايته: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ". (1/8)
صفحة 9
فنحن في زمان إذا اتبع فيه أحدنا طريق الله تماما واجتنب المعاصي فإنه لا يقوم بذلك إلاّ خوفا من الله فحسب، فلو أنه ارتكب معصية بأن اشترى زجاجة خمر أو باعها أو شربها فلا أحد يحاسبه أو يعاقبه، فمن أطاع في هذا الوقت فقد أطاع حقيقةً لوجه الله، ومن ترك معصية فقد تركها مخافةً من الله وعذابه وجحيمه، لأنَّ الناس لا يقدّمون له شيئا ولا يؤخرون، ومن زكَّى ماله فقد قدَّم زكاته حقًّا لوجه الله لأنَّجباة الزكاة لن يأتوه فيحاسبوه على عدم إخراجها فيأخذونها منه بالقوة أو يقاتلوه، وإن لم يدفع زكاته لعدة سنين فإنه ليس ثمة من يرشده إلا بعض المواعظ والنصائح التي قد تقال له من بعض المسلمين.
فبهذا الاعتبار إذن فمن اتَّبع طريق الله واتَّبع نبيه محمدا ح وأحبَّه واتَّبع سنَّته وجاء بما أمر به وترك ما نهى عنه، فهذا له المقام العظيم عند الله تعالى لأنه قام بها جميعا ابتغاء لوجه الله وخوفا من سخطه وعذابه ورجاء في رضا الله ورحمته وثوابه، فلا تعارض بين الحديثين: «خير القرون قرني» و «خير أمتي قوم يأتون بعدي» فالذين آمنوا به ولم يروه آمنوا بالغيب مرتين، آمنوا بما أخبر به الرسول ح من الغيب من أمور يوم القيامة وملائكة الله وكتبه ورسله الذين مضوا، وما يأتي يوم القيامة وبعد الموت، وآمنوا أيضا بالمُخبِر الذي لم يروه فآمنوا بالمخبَر عنه وبالمخبِر، إذن فقد آمنوا بالغيب مرتين، فإن كان الإيمان بالغيب فضيلة عند الله تعالى وشرف وقربة فهؤلاء يؤمنون بالغيب مرتين.
«يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي»:
ولكن يجب أن ننتبه دائما إلى كلمة "يؤمنون بي" التي قرنت بكلمة: "ويعملون بأمري"، فلم يقل: يؤمنون بي ولم يروني، فتقول: يا رسول الله آمنا بك وأحببناك وصلّينا عليك وتغنَّينا بمدحك، فقد انتهى كلّ شيء، نعم قد يؤمنون لكن لا بد من العمل. (1/9)
صفحة 10
لقد قُرن الإيمان بمحمد ح بالعمل بأمره، والذي هو أمر الله ژ ? يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ پپژ (النساء:80) ژ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ? ? مِنْكُمْ ژ (النساء:59) ژ أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ژ (النساء: 64)، فليس أمرُ الرسول ح كسائر الأوامر ژ چ چ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ژ (النور: 63)، ژ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ چ چ چژ (آل عمران:31).
وحبُّ الرسول ح من حبّ الله وحبُّهما واحد، فإن كنتم تعبدونني فاتبعوني وأطيعوا أمري واتبعوا سنَّتي في حبكم الله، لأننا ندّعي حب الله ولكن لن ينفعنا هذا الحب إن كان الله لا يحبُّنا، فالأفضل أن نحبّه فيحبَّنا، ژ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ژ (المائدة: 54).
ولذلك جاءت هاتين الكلمتين متتابعتين "يؤمنون بي" و"يعملون بأمري"، ولهذا فإن قال لك الناس: أيها المسلم، قال رسول الله ح افعل كذا وكذا، فافتح أذنيك وقل سمعنا وأطعنا، أو إنَّ رسول الله ح قال: لا تفعلوا كذا وكذا، أو
لعن الله من فعل كذا وكذا، فافتح أذنيك أيضا وانته عمَّا نهى الرسول ح، ژگ گ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ژ (النساء: 42) ژ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ژ (الفرقان:27 ـ29). (1/10)
صفحة 11
آيات كثيرة من القرآن تبين أنَّ من عصى رسول الله ح سيندم يوم القيامة، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله، وأنه سيفوز، وإنّما هناك بعض أوامر يُراد بها الاستحباب، وهنالك قرائن تصرف عن الوجوب أو تصرف النهي إلى الكراهية، يعرفها العلماء وما على العامَّة إلاَّ أن يتَّبعوا أهل العلم وأهل الذكر.
«فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى»:
يعني أنَّ هؤلاء الناس من الأمَّة الذين يؤمنون ويتبعون النبي ح ولم يروه فإن الله يكتب لهم الدرجات العلى في الجنة، لأنَّ كل شيء في زمانهم يدعو إلى المخالفة ويدعو إلى المعصية ولكنهم مع ذلك أطاعوا الله وأطاعوا الرسول.
والدرجات في الجنة تتفاوت تفاوتًا كبيرًا أكثر من تفاوت الناس في الدنيا، فنحن نرى من الناس من يسكن كوخًا من طين مسقَّف بالخشب، وإن نزل المطر قطَرَ عليه السقف، وإن اشتدَّ القرّ لسعَه البرد، وآخرُ يسكن قصورًا فيها غرف كثيرة، بعضها فوق بعض وحمامات ورخام وفُرُش وأثاث ومصابيح ومرافق مريحة، ونلمس الفرق الكبير جدًّا بين الأول والثاني، وقد أشار الله إلى
هذا في قوله: ژ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ ژژ (الإسراء:21)، فلم يقف في قوله: "على بعض" وإنما زاد "وللآخرة أكبر درجات"، من درجات الدنيا وأكبر تفضيلاً من تفضيل الدنيا. وأهل الجنة ينظر بعضهم إلى بعض كما ننظر نحن إلى النجوم في السماء، وهذا ليس في العلوّ فقط، وإنما بمميزات وفوارق كبيرة بين جنَّة وجنَّة، وكأنّك في مكان غير الذي كنت فيه في الأول، عالٍ وعظيم وجميل وفيه قرَّة الأعين مع الخلود الأبدي.
«إِلاَّ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْفِتْنَةِ»: (1/11)
صفحة 12
التعمُّق في الفتنة يكون بالخوض في الأمور التي اختلف فيها المسلمون بأن يفتن الناس فيلعن هذا ويكفِّر هذا ـ إلاَّ إذا كان الكفر بواحًا ـ، فهنا لابدَّ من إعمال الولاية والبراءة، وأما اختلاف المسلمين والتفريق بين هذا وذاك، لا يجب على الإنسان أن يتدخَّل فيه وخاصَّة ما مضى منه، فالفتن التي وقعت بين الصحابة في ذلك الزمان لم يكلفنا الله أن نتدخَّل فيها، لأنها لم تقع في زماننا، ولا نستطيع أن نحكم بدقَّة على فلان أو لفلان بالحكم الصحيح.
وإنَّنا نلحظ في زماننا هذا عندما يحدث شيء في مكان ما فإنَّ روايته تتغيَّر وتتبدَّل بين عشية وضحاها، فيصبح الذي حضر في الحادثة يتعجَّب من الأخبار التي وصلت إليه مزوَّرة متغيِّرة، الواحد أصبح عشرة، والعشرة أصبحت مائة، والمائة صارت عدمًا، فكل شيء تغيَّر وتبدَّل في زمن قصير فكيف بنا بأكثر من ألف وأربعمائة عام، لا يسعنا إلاَّ أن نقول: ژ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ژ (الزمر:46)
ونقول أيضا:ژ پ پ ... پ ... پ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ژ (الحشر:10) فالله هو الذي علَّمنا هذا، فيكفينا مشاكل زماننا الذي نعيشه حتى نشتغل بمشاكل من قبلنا، ونحن نتَّبع الطريق الذي نظنُّه ونعتقد أنه صحيح والله لا يكلفنا أكثر من هذا.
موقفنا من الفتن السابقة: (1/12)
صفحة 13
قال سيدنا عمر بن عبد العزيز س والذي عاش وحكم بعد مائة عام من عهد النبوة، والخلافة قال: «تلك دماءٌ قد طهَّر الله منها يديَّ فلا أغمس فيها لساني أو فلا ألوِّثُ بها لساني» (1) يعني أنَّ الفتن التي كانت بين الصحابة كانت دماء طهَّر الله منها يديَّ فلم أُقحم فيها وأنا لم أقتل ولم أضرب ولم أحضر ذلك الزمان أصلا، ثم لماذا ألوِّث لساني بها؟ هذه الطريقة هي الأسلم والأحسن من التعمّق في الفتنة، بل إنَّ عليه أن يتَّبع الطريق التي يراها صوابًا، ويعبُد الله بما صحَّ عنده، ولا يبقى مكتوف الأيدي، ژ? ? أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا ? ? ? هُمْ يَحْزَنُونَ ژ (البقرة: 112).
فلم يقل النبيء ح إنَّ منكرًا ونكيرًا سيأتيكم في قبوركم فيسألكم عن الاختلاف الذي وقع بين فلان وفلان، وعن الفتنة التي وقعت بين بني فلان ما
تقولون فيها؟، فهذا لا يكون أبدًا فسؤال منكر ونكير عن الله وعن الرسول ح وعن القرآن، يسألاننا عمَّا نعتقده في ديننا وفي ربنا وفي رسولنا محمد ح، ولا يسألاننا عن زيد ولا عمرو ولا عن صحابي ولا عن تابعي.
__________
(1) ينظر: ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، بلفظ: «تلك دماء كفّ الله عنها يدي لا أريد أن ألطخ بها لساني» رقم: 1093، 3/ 163. وكذا: العزلة للخطابي، 101، 1/ 109. (1/13)
صفحة 14
وفي يوم القيامة يُسأل كل إنسان أربعة أسئلة: «عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (1) وفي هذا شغل شاغل ينقضي به العمر ولا تدري أتستطيع أن تجيب عليها كاملة أم لا، أيبقى لك مُتَّسع من الوقت لتشتغل بالأمور الأخرى. ونعوذ بالله من الفتنة ومن التعمُّق فيها، ونسأله السلامة والعافية.
ثم قال في رواية أخرى: «الواحد منهم خيرٌ من خمسين، قالوا يا رسول الله: الواحد منَّا أو منهم، قال: بل خمسين منكم» (2) نعم فالذي يطيع في زمن لا بدَّ له فيه أن يطيع وإن لم يطع قام عليه الحدّ، ليس كمن يطيع طاعة تعتبر مشقة في
زمانه، يُستهزأُ به ويسخر منه، ويتعثَّر فيعصي الله, وحينها لا ينظر إليه بل ربما يفرح الناس بمعصيته، فيجعلونه مثالا للتقدم حين يشرب الخمر أو يرقص أو يعمل أشياء أخرى، فهنا يكون الواحد منَّا خيرًا من خمسين من الصحابة، فيا ربنا قد قنعنا بهذا الفضل، فلنكن مثلهم فقط، نسأل الله القبول ونسأله الهداية والتوفيق والحمد لله رب العالمين.
} - - {
ما جاء في عصمة الأمَّة
__________
(1) رواه الترمذي، في السنن، بلفظ: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل وعن ما له من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه ". هذا حديث حسن صحيح»، كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، رقم: 2532، 4/ 36. وقال: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". ورواه الدارميّ، في السنن، كتاب المقدمة، باب من كره الشهرة والمعرفة، رقم: 538،1/ 144.
(2) رواه الترمذي في سننه، بلفظ يقارب معنى الحديث: « .. فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم، قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم، قال بل أجر خمسين منكم» قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب. تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، رقم: 2984. 5/ 257. (1/14)
صفحة 15
39ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلٍ» (1).
سند الحديث:
هذا الحديث كذلك في شأن الأمَّة وفي مقامها، وهي أمَّة محمد ح أمَّة الإجابة. روى هذا الحديث أبو عبيدة عن شيخه جابر بن زيد عن شيخه عبد الله بن عباس عن النبيء ح، فهو بهذا حديث متَّصل متينٌ صحيح، وقد أيَّدته أحاديث أخرى بلفظه أو بمعناه.
الشرح:
«ما كان الله ليجمع أمَّتي على ضلال»:
يعني نفي الشأن، وهو أبلغ من النفي المطلق، فلم يقل: لا يجمع الله أمتي على ضلال، ولو أنه قال كذلك لكان المعنى صحيحا، حيث إنَّ الله لا يجمع أمته على الضلال والحياد عن الطريق المستقيم، وإنما قال: "ما كان الله"؛ أي ليس من شأنه وحاشاه أن يدع الأمَّة تجتمع على ضلال، فهذه رحمة بهذه الأمة ورأفة بها،
فلا يعقل أن تجتمع كلُّ الأمة على قولٍ كلّه ضلال، وإلاَّ فإنّهم سيكونون بذلك كلهم ضالين، وهذا لا يمكن أبدا.
وليس المقصود بإجماع الأمَّة إجماعها من أوَّلها إلى آخرها عبر كلِّ الأزمنة فقط، وإنما إجماع كلِّ زمان وكلِّ عصر، أي ما كان الله ليجمع هذه الأمة حتى في زمن واحد ومن طرف العالم إلى طرفه، فيكونوا كلهم على ضلال، فهذا لن يحدث، لأنَّ هذه الأمَّة أكرم على الله من أن يجمعها على ضلال. ربما قد تختلف الأمة فيقول فريق قولا وآخر قولا، فيختلفون على قولين أو ثلاث أو أكثر، وأمّا أن تجتمع كلُّها فهذا لن يحدث، إذن إن هذا دليل على الحق الذي جاء به الدين.
الإجماع حجَّة شرعية:
__________
(1) رواه أحمد في مسنده 5/ 145، ورواه الترمذي في كتاب الفتن 7، ورواه الدارمي في المقدمة 8. (1/15)
صفحة 16
ومن هذا أخذ أصحابُ الأصول في الفقه والتشريع بحجِّية الإجماع بأنه حجة كسائر الحجج من الكتاب والسنَّة، وهنالك أحاديث من النبيء ح وأفعال وتقريرات تجيز الإجماع، حيث إذا اجتمعت الأمَّة على قول فهذا الإجماع يعتبر حجة، إما أن يجتمعوا على قول لم يرد فيه نص في الكتاب ولا السنَّة، فيحددون فيه قولا لنازلة فقهية حدثت ولم تكن من قبل، أو أن يُفتي فيها أحد الخلفاء الراشدين مثل ما أفتى به سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، في بعض مسائل فأجمعت عليه الأمَّة، وقبله سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - لما رأى أن حرب المانعين للزكاة واجبة فقال: «والله لأقاتل من فرَّق بين الصلاة والزكاة» رأى هذا الرأي وخالفه أول الأمر عمر - رضي الله عنه - ثم شرح الله صدر عمر، لما رأى أبا بكر جادًّا في قوله فعلم أنَّ الله لم يشرح صدره إلاَّ لأنَّه حقّ، فوافقه ثم وافقت كلُّ الأمة، وهذه حجة أيضا.
وفي الإجماع قطعيّ وظني، والقطعي هو ما أجمع عليه جميع علماء العصر على قول واحد ولم يخرج أي واحد منهم عن رأي الجميع، وإذا أفتى بعض العلماء وسكت الباقون فإنَّ إجماعهم حجة ظنية، وإذا اتبع أحد القول المجمع عليه فهو ناج عند الله تبارك وتعالى قطعا حيث إنه اتبع ما أجمعت عليه الأمة.
أما الحجة الرابعة فهي القياس، وهو حجة ظنية والقياس نفسه فيه ما هو ظني وفيه ما هو قطعي.
وهذا الحديث ينتفع به أصحاب الأصول، وأصحاب التخصُّص في الفقه.
} - - {
إنَّكم ستختلِفُونَ من بَعدِي (1/16)
صفحة 17
40ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي» (1).
الشرح:
كذلك هذا الحديث يروى بنفس الطريق دائما في الأمَّة، إنَّما الأول في اجتماعها والثاني في اختلافها، يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء ح وهو إخبار بالغيب، وإخبار بما سيأتي. والنبيء ح ما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحيٌ يوحى، علِمَ بما علَّمه الله بأن هذه الأمة ستختلف ويقع فيها خلاف من بعده، ولكن ما العمل إذا اختلف الناس في هذه الأمَّة، أيُترَكون هكذا في حيرة من أمرهم، لا يدرون أين الحق؟ لا، ولن يتركنا رسول الله ح في حيرة أبدًا، فإن قلنا في الحديث السابق "ما كان الله .. " فنقول هنا: ما كان رسول الله ح ليترك أمَّته حيارَى من بعده، لأنه الهادي الأمين الذي يهدينا إلى الصراط المستقيم، يرسم لنا طريق الهدى من بعده، حتى وإن اختلفنا، ـ وسنختلف قطعا ـ، فإنه قد دلّنا على الملجأ، أي الميزان الذي نعرض عليه الأقوال فيتبيّن لنا القول الحق.
علاج الاختلاف في الأمَّة المحمدية:
__________
(1) لم يقم محمد إدريس بتخريجه في كتاب الربيع بن حبيب، ربما لأنَّ هذا الحديث مما انفرد به الربيع بن حبيب وغيره، ولذلك لم يرد في كتب الحديث الأخرى. (1/17)
صفحة 18
الميزان هو كتاب الله تبارك وتعالى: ژ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ژ (الإسراء:09) هناك أحاديث تروى وتُسند إلى رسول الله ح ولكن الأمة تختلف فيها، بعض يتقبَّلها وبعض لا يتقبّلها، لأنَّها تخالف روح القرآن الكريم، تخالف روح الآيات المحكمة في القرآن الكريم، وكأنَّنا إذا أخذنا بظواهر تلك الأحاديث فستبطل معاني بعض الآيات، التي في القرآن الكريم الظاهرة المحكمة الصريحة، ولذلك عندما نختلف في هذه الأحاديث نعرضها على القرآن، ثم نأخذ بما وافق القرآن فهو عن النبيء ح، وهو الذي أخبرنا بأن القرآن هو الميزان الصحيح.
لأن الحديث قد يقع فيه الوضع والكذب عن النبيء ح، وهو الذي وقع كثيرًا في القرن الثاني والثالث، وكذلك قد تقع الزيادة أو النقص في بعض الأحاديث، بوضع إضافات لبعض الأحاديث قصد التضليل، وكأنها مثل عملية التلقيم التي يقوم بها الفلاح للشجر، حين يزرع غصنا وسط غصن آخر.
أنواع الروايات وأسباب الوضع:
هنالك من اليهود من ادعى اعتناق الإسلام لأجل أن يُفسد الروايات والأحاديث، وهنالك من مرضى القلوب أيضا من المنافقين، وهنالك أسباب أخرى سياسية وحزبيَّة كحبِّ الرئاسة وحب الدنيا .. كل هذه الأمور أدّت ببعض ضعفاء الإيمان إلى هذا الوضع، رغم أن النبيء ح حذّر من هذا فقال: «من
كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار» (1) ولكن لم يتَّعظ كثير من الناس واشتهروا بالوضع، وربما هنالك بعضهم لم يشتهر فلم يعلمه الناس.
فمن قال في رسول الله شيئا والرسول لم يقله في الحقيقة، فقد حجز لنفسه مقعدًا في النار، ولا أحد ينجيه من ذلك أبدًا، فعلينا أن نحذر ونحتاط، ولا نقول قال رسول الله ح إلاَّ في شيء تيقنَّا أنه حديث رواه عنه علماء ثقات.
__________
(1) رواه الربيع في صحيحه، باب من كذب على رسول الله، رقم: 738. ورواه مسلم: في صحيحه، كتاب المقدمة، باب تغليظ الكذب عن رسول الله ح، رقم: 04، 1/ 10. (1/18)
صفحة 19
وإنما الأحاديث تُقوّي ما في القرآن الكريم، ولا إشكال فيه، وهذا هو متضمن معنى قوله: «مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ» فهو مما قلته ولو أني لم أقله بلفظه فبمعناه.
حكم الأحاديث المخالفة للقرآن:
وأمَّا ما خالف القرآن الكريم خصوصًا في العقائد فإنه لا يُقبل، لأنه ما يخالف القرآن في العقائد إلاَّ المتواتر، ولم يوجد متواتر خالف القرآن، وإنما لا يقبل في العقائد مطلقا إلاَّ المتواتر.
والمتواتر هو الحديث الذي روته جماعة عن جماعة عن جماعة، والذي روي عن طريق التواتر كلُّه موافق للقرآن الكريم، وأمَّا ما رُوي عن طريق الآحاد ففيه ما يُخالف بعض الآيات المحكمات، فبذلك يجب أن يُعرض على القرآن الكريم،
فإذا وافقه قُبل، وإن خالفه أُوِّل أو رُدَّ، أي أنه يؤوَّل حتى يوافق معنى القرآن، أو أنَّه يُردّ ويوضع جانبا، ونقول الله أعلم بروايته.
أمَّا أن نتَّبع أحاديث جاءت عن طريق الآحاد شخصًا عن شخص، وخاصَّة إن كان فيهم مجاهيل أو ضعاف، وجاءت في عصور الفتن وتقلُّب السياسات، ونترك آية قرآنية واضحة تخالف معنى الحديث فلا، وهذا الذي حذَّرنا منه هذا الحديث الشريف.
أحكام وصيَّة الأقرب: (1/19)
صفحة 20
إذن ما اختلفنا فيه نعرضه على القرآن الكريم، وأمَّا ما اتفقنا فيه فنعمل به مباشرة، فثمَّة أحاديث فيها تخصيصٌ لما في كتاب الله أو فيها نسخٌ، ولكن اتَّفقت عليه الأمَّة، كحديث: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (1) فهذا قد اتَّفقت عليه الأمَّة ولم تختلف فيه رغم أنَّ في القرآن ما يَظهر وكأنّه معارض وهو ليس معارضا، في قوله تعالى:ژ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ? ? ژ (البقرة:180) الحديث يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقّه ألا لا وصية لوارث" كيف يكون هذا، في الحديث لا وصية لوارث، والقرآن يقول الوصية للوالدين والأقربين، فلا تعارض
بهنا لأنَّنا لو اتَّبعنا أسباب النزول فإننا سنجد أنَّ هذه الآية قد نُسِخت بآية أخرى في القرآن، حيث إنَّ الذي كان سائدًا في عهد النبيء أنَّ المهاجر يرث الأنصاري بعقد يعقده الرسول ح بينه وبين واحد من الأنصار أخوة كأخوة النسب تمامًا، فيقتسمون أموالهم وديارهم ونخيلهم وكلَّ شيء، وإذا مات المهاجر يرث أخاه الأنصاريَّ وإذا مات الأنصاريُّ يرثه أخاه المهاجرُ أيضا.
ولهذا في هذه الفترة شُرعت الوصية للوالدين والأقربين فإن شعر أحدهم بالموت فإنه يوصي لوالديه وأولاده بشيء يعولون به أنفسهم لأنهم كانوا لا يرثون منه شيئا، وإنما يرثه الأنصاري إن كان مهاجريا، أو المهاجري إن كان أنصاريا، فنرى أن هذا معقول.
__________
(1) رواه الترمذي في السنن، بنفس اللفظ، وقال: َهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، كتاب الوصايا، باب الوصايا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء لا وصية لوارث، رقم: 2046، 4/ 433. ورواه الربيع في صحيحه، بلفظ «لا وصية لوارث»، باب في المواريث، رقم: 667، ص 215. (1/20)
صفحة 21
ولما نزل قوله تعالى: ژ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ ? ? فِي كِتَابِ اللَّهِ ژ (الأنفال:75) أصبح المهاجر لا يرث الأنصاريَّ، والأنصاريُّ لا يرث المهاجر، وإنما يرجع الميراث إلى ذوي الأرحام، وليس ذووا الأرحام بالاصطلاح الفقهي وإنما في الاصطلاح اللغوي؛ أي الآباء والأمهات والأبناء والإخوة والأخوات، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث، وفي ولاية النكاح وفي الدية وفي ولاية اليتيم ..
ثم نزل قوله تعالى:ژ گ گ گ أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ژ (النساء:11)،فهذه الآيات في سورة النساء وآيات الكلالة الموجودة في خواتم السورة، فصَّلت الميراث كلَّه ولم تُبقِ إشكالا فيه، فبهذا أصبحت الوصية للوالدين والأقربين غير جائزة لأنَّ الله قد جعل لهم نصيبا في آية الميراث، فللوالدين الأب ـ
إذا كان له ولد ـ يرث السدُس، والأم إذا كان لها ولد أو جمع من الأخوة ترث السدُس، وإذا لم يكن الأولاد وورثه أبواه فلأمه الثلث، والأب يرث الثلثين الباقيين، إذن فلِم يوصي للوالدين والله قد فرض لهم نصيبًا في القرآن.
فجاء الحديث «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، فلا وصية لوارث»، فالله أنزل هذه الآية قبل أن يكون للوالدين والأقربين نصيب في الميراث، فلما فرض الميراث وأعطى كل ذي حق حقه لم يبق للوارث حق الوصية. (1/21)
صفحة 22
وهناك من يعتبر هذا الحديث ناسخا وهناك من يعتبره مبيِّنا، يبيِّن أنَّ آية الميراث نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين الورثة، وبقيت الوصية للوارثين غير الأقربين مُحكمةً، فلا بأس أن يوصي المسلم للأقربين غير الورثة، وهم الطبقة الثانية من الوارث، أي دونه والذي لولا الوارث الحقيقي لأصبح هو الوارث، وهم الذين يأخذون القُرب وعند سقوط القُرب إن كان عنده أبناؤه وأبناء أبنائه، فأبناؤه يأخذون الميراث وأبناء الأبناء يأخذون القُرب، وإن نقص الفرض فأبناؤه يأخذون الميراث وإخوانه يأخذون القُرب، وهكذا الطبقة الثانية بعد الطبقة الأولى والورثة جهات بعضها أولى من بعض (1).
العرض على كتاب الله أمرٌ مقبول:
فالحديث قد يبيِّن نسخ آية وتتفق عليه الأمة من دون إشكال، ولكن إذا اختلفت الأمَّة ولا سيما في العقائد فإنه لا يقبل في العقيدة بالحديث الأَحادي،
وإنما يأخذ القرآن أو ما يؤيد القرآن من الأحاديث الأحادية، أو يؤيد التوحيد والإيمان باليوم الآخر، يؤيِّد قضية الثواب والعقاب وقضية عدل الله يوم القيامة وآية: ژ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ژ (ق:29)، ويؤيِّد آيات الصفات والأسماء وهذا الذي يقبل فيه من الأحاديث التي تؤيّد القرآن لأنها تضمن أنه لا يستطيع أحد أن يدخل ما ليس فيه، ولأنَّ الله تعالى هو الذي تولَّى حفظه حيث قال:ژ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ژ (الحجر:9) فالقرآن لم يدخله التبديل أو التغيير، ولكن الحديث دخل فيه الكثير من الوضع، لذلك أصبح الميزان الطريس عندنا هو القرآن الذي نعرض عليه الأحاديث الأحادية التي تأتينا من هنا وهناك، فليس عندنا ميزان آخر، وليس عندنا من سبيل آخر فهل نذهب لنوقظ النبيء ح من قبره فيخبرنا بما قاله وما لم يقله، هذا هو الطريق السليم الذي نسلكه ونظن أننا صائبون في ذلك.
__________
(1) القُرب: هو وصية الأقرب لغير الوارث. (1/22)
صفحة 23
وبعد هذا لا مناص من اختلاف الأمَّة في الفروع، حتى في نصوص الأحاديث فكلٌّ يفهمه بوجه ما بين العموم والخصوص، هناك من يعمِّم هذا الخصوص وهناك من يخصصه، لكن العامة لا ينفعهم هذا لأنه من اختصاص الفقهاء والمؤوِّلين، وأما اختلافهم في الفروع "واختلاف العلماء رحمة" فكلٌّ يتبع العالم الذي يطمئن له قلبه وكلهم يأخذون من منبع واحد.
وَكلُّهُم مِنْ رَسُولِ الله مُلْتَمِسٌ غَرفًا مِنَ البَحرِ أو رَشْفًا من الدِّيَم (1)
فهذا هو مبدؤُنا في الاختلافات؛ نرفعها إلى كتاب الله، فما وافقه نقبله وما خالفه لا نقبله. وأمَّا الاختلافات في الفروع فلا بد أن تقع وكلّفريق يتبع من يطمئن إليه، وهو بعد ذلك ناج أمام الله تعالى، نسأله تعالى النجاة والهداية والرشاد والحمد لله رب العالمين.
} - - {
سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً
41ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ» (2) (3).
لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ في الإِسْلاَمِ
__________
(1) ينظر: البوصيري، البردة: البيت رقم 40.
(2) رواه أحمد في مسنده 2/ 332، 3/ 145، ورواه أبو داود في كتاب السنة1، ورواه الترمذي في كتاب الإيمان 18، ورواه ابن ماجة في كتاب الفتن 17.
(3) قال الشيخ الناصر: إنه لم يقم بشرح هذا الحديث خشية ما كان في ذلك الظرف من الفتن والنعرات، وقد طلبنا من الشيخ تحرير شرحه ولو مختصرًا، فوعدنا بذلك ولكن المرض والأجل حال دون ذلك، والله أعلم وأحكم. (1/23)
صفحة 24
42ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» (1).
الشرح:
دائما في آفات ما يعرض لهذه الأمَّة من البدع والأحداث من الأمور التي لم تكن مشروعة في كتاب الله تعالى أو في سنَّة رسولهح، أو مما كان مشروعا ثم غُيِّر أو بُدِّل أو عطِّل، أو ما هو إحداث ما لم يشرّعه الله أصلا باعتباره شريعة، فكلّ ذلك أحداث «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (2)، ولذلك جاء هذا الحديث وغلّظ على أصحاب الأحداث.
رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبيء ح بطريق متَّصل أن ح أخبر بأنَّ الله تعالى لعن من أحدث في الإسلام حدثًا ...
غريب الحديث:
ولعنَهُ أبغَضَه اللهُ وقَلاَهُ وطرده من رحمته.
أحدثَ: أوجدَ أمرًا لم يكن موجودًا في زمن النبيء ح، سواء أكان الحدث في الدين الإسلامي في أصوله أم فروعه، متعمَّدا كان هذا الإحداث أو غير متعمَّدٍ.
__________
(1) رواه أحمد ج1/ 81، 108، 118، ج2/ 398، 450، 526، ج3/ 238، 242، ورواه البخاري في كتاب المدينة 1، وكتاب الجزية 10، 17، وكتاب الفرائض 21، وكتاب الاعتصام 6، ورواه مسلم في كتاب الحج 463، 467، 469، وكتاب العتق 20، وكتاب الأضاحي 43، 44، ورواه أبو داود في كتاب المناسك 96، ديات 11، ورواه الترمذي في كتاب الولاء 3، ورواه النسائي في كتاب الضحايا 34، وكتاب قسامة 10.
(2) رواه أبو داود في السنن، كتاب السنن، باب في لزوم السنة، رقم:3991،4/ 200،. بلفظ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ورواه النسائي في السنن، كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة، 1/ 550، رقم: 1560. بزيادة لفظ: «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .. ». (1/24)
صفحة 25
أو آوى محدِثا: أي أعانه، وقوَّاه، وساعده بمال أو بقوَّة أو بغيرها ...
فهؤلاء جميعا تنالهم اللعنة، سواء الذي أتى بالبدعة، أو الذي أعانه عليها.
والناس يُحدثون أشياءً في الأحكام وأشياء في العبادات وأشياء في العقائد كطقوس الجاهلية والعادات الباطلة، وكلُّ هذا وقع ويقع حين تسود الغفلة في زمن من الأزمنة تسيطر على الناس البدع وتدخل في شريعتهم، حتى يبعث الله عالما يجدِّد لهم أمرَ دينهم، «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (1) ينفي عنهم انتحال الغالين وتحريف المبطلين.
إنَّ الله أكرمَ هذه الأمَّة بعهده أن ينزل لها عند رأس كلِّ قرن عالما يجدِّد لها أمر دينها؛ ـ والقرن باعتبار مائة عام أو باعتبار جيل ـ، والدينُ لا يحتاج إلى تجديد، وإنَّما تجديدُه يكون على ما يُدخله الناس عليه من البدع والضلالات، مثلما تكون قطعة من ذهب أو من فضَّة وقعت فيها شوائب غريبة، وبعد أن يعرضها الحَدَّاد على نار الكِيرِ تصبح جميلة برَّاقة كما كانت أوَّل مرَّة.
وما أكثر ما يُحدثه الناس من بدع وإماتة للسنن كان يفعلها النبيء ح سواء في الصلاة أو في الصوم أو في الزكاة، أو في الحج أو في قراءة القرآن أو في بعض الأعمال، فيُحييها هذا العالم، ويحدِّث الناسَ عنها فيتّبعونه، أو يحذّرهم مما يخالف سنَّة النبيء ح وفعل الصحابة من أعمال أو عبادات مبتدَعة ودخيلة.
فهذا هو تجديدُ أمر الدين وما على الناس إلاَّ أن يطيعوا العالم ويعضُّوا على الدين بالنواجذ ويتَّبعوه ما دام يقول لهم بما قال الله ورسوله ح، فليس لهم الحقُّ أن يقولوا قال آباؤنا الأوَّلون، أو قال فلانٌ، فهذا جوابُ الكفَّار لأنبيائهم ورسلهم
__________
(1) رواه أبو داود: في السنن، كتاب الملاحم، باب ما يُذكر في القرن المائة، رقم: 3740، 4/ 109. (1/25)
صفحة 26
مثلما ذكر في القرآن حيث قالوا: ژ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ ? ... ? ? ? عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ژ (الزخرف:23 - 24)،إذن فلا حقَّ لهم أن يقولوا: أين كان آباؤنا وأجدادنا؟ فآباؤكم لا يخلو أن يكونوا في إحدى اثنتين؛ قد يكونون معذورين بأن لم يصل إليهم الحقُّ الذي وصل إليكم بسبب اتساع الجهل في وقتهم، وإمَّا أن يكونوا غير معذورين فيعذَّبون، وهل ترضون لأنفسكم أن تُعذَّبوا معهم؟ فليس هذا هو الرد الصحيح على العلم إذا جاء الكتاب وجاءت السنة.
"ولا يصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أوَّلها"، و"ما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينا"، فلا يصلُح حال الأمَّة الإسلامية اليوم إلاَّ بما صلحت به القرون الأولى.
موازين القسط:
وفي موازين القسط التي اختارها أصحابُنا اثنتا عشرة مسألة، جعلوها معايير لعلومهم ولسيرهم وغيرها، كلمة أثرت عن أبي عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر الفرسطائي (1) بعد مضي ألف سنة من عهد النبوة يقول فيها: «من يريد الطريق يسلك لها من فوق» وقد نظمت شعرا (2):
آخرها من يرد الطريقَا يسلك لها من فوقها الحقيقة
زن بميزان الهند ما تطلبه لعين شمس كي ترى مفهومه
__________
(1) هو مؤسس نظام حلقة العزابة. (ت440هـ 1049م). انتقل من الجنوب التونسي إلى وادي أريغ ووارجلان بالجنوب الجزائري، وهو يعد عند الإباضية من العلماء الذين مرَّ عليهم نسب الدين، صاحب كتاب: السيرة في الدماء، وكتاب القسمة وأصول الأراضين، وكتاب تبيين أفعال العباد .. تنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ج4، ص: 772 - 779.
(2) نظم الشيخ: أبو مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي (ت:971هـ)، ينظر: أبو يعقوب الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 6. (1/26)
صفحة 27
مسألتان رويتا عن أبي عبد الله، حيث قال: من يرد الطريق الحق بعد أن تاهت به الطرق الكثيرة، فليعد إلى بداية الطريق أو أوله، ومن فوق، والمقصود به من المنبع وهو الرسول ح، ثم صحابته والتابعون من بعده وهكذا إلى آخر الطريق، بهذا يوصينا الشيخ أبو عبد الله، ويقصد هنا بعين الشمس القرآن، وبميزان الهند السنَّة الصحيحة، فكل شيء تريد أن تعرف مكنونه فاعرضه على عين الشمس كي تتأكد من صفائه وخلّوه من الشوائب، ثم زنه بميزان الهند، كميزان الذهب أو الميزان الالكتروني الدقيق، الذي يتأثَّر بسرعة بما يوضع عليه.
وفي رواية "قولوا لهم: ما آتاكم عني فاعرضوه لعين الشمس وزنوه بميزان الهند"، والمعنى أنه ما من قول أو علم قلته لكم فلا تقبلوه عني حتى تعرضوه على عين الشمس وهو القرآن الكريم، وعلى ميزان الهند وهي السنَّة الصحيحة المطهرة، فإن وجدتموه وافقهما فخذوه عني، وإن وجدتم أنه خالف القرآن أو السنَّة فاضربوا به عرض الحائط، فلا كرامة ولا قيمة لكلام يخالف القرآن أو السنَّة
مهما كان قائله، حتى ولو كنت أنا قلته، فلا تسألوا عنه، ولا تقولوا كيف لا نقبله وقد قاله فلان، لا فارموه ولا كرامة.
فلا ميزان لأحد غير كلام الله ورسوله، إلاَّ أن يكون مفسِّرا أو مبيِّنا لما في القرآن الكريم، أو الحديث الشريف، أو مرجِّحا لحديثين يبدو بينهما تعارض في ظاهر الأمر، أو أن يخصص عموم الأول بخصوص الآخر، أو يبيّن المكان الذي يعمل فيه بهذا الحديث وإلى غير ذلك، وهذا هو دور العلماء فيما ينفعون به الأمة. (1/27)
صفحة 28
وكذلك من الموازين القسط: القول المنسوب إلى الصحابي الجليل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: «ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذٌ ومتروك ما خلا صاحبَ هذا القبر» (1) ويشير إلى قبر النبيءح الذي عن يمينه.
وأيُّ أرضٍ ثم ما من عالمِ قولُ أبي بكر، فلا تخاصمِ
أدخل العلماء في موازين القسط كلمتي أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: «أيُّ أرضٍ تقلُّنِي وأَيُّ سماءٍ تظلٌّني إذا أنا قلتُ في كتاب الله» (2) والتي صيغت في هذا البيت الشعري.
معناهما: أين المفرّ وأين المهربُ، إذا قلت برأيي في كتاب الله من غير علم أو بيان، فقد استعظم أن يصدر هذا منه وإن صدر فإلى أين المفر وإلى أين المهرب يوم الحساب حين يقف بين يدي الله ويسأله: لماذا قلت هذا الكلام؟
__________
(1) ينظر: ابن حزم الأندلسي، الإحكام، ذكر روايتين عن الحاكم بن عتيبة وعن مجاهد بنفس اللفظ: «قال ليس أحد من خلق الله تعالى إلاّ يؤخذ من قوله ويترك إلاّ النبي - صلى الله عليه وسلم -»، 6/ 317. ونسب البيهقي القول إلى ابن عباس ومجاهد بلفظ: «ليس أحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلاّ يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -»، أحمد بن حسين بن علي البيهقي أبوبكر، القراءة خلف الإمام، 1/ 213. وانظر: ابن عبد البر، التمهيد، 1/ 366.
(2) ينظر: ابن حجر، بلفظ: قرأ أبو بكر الصديق «وفاكهة وأبًا» فقيل: ما الأبُّ فقيل كذا وكذا، وقال أبو بكر: «إنَّ هذا لهو التكلّف، أيُّ أرض تقلُّني أو أيُّ سماء تظلّني إذا قلتُ في كتاب الله بما لا أعلم» وهذا منقطع بين النخعي والصديق. فتح الباري،13/ 271. وينظر: القرطبي، تفسير أحكام القرآن، 1/ 35. (1/28)
صفحة 29
قول أبي بكر - رضي الله عنه - الأول الذي قاله وهو واقف يخطب من منبر الرسول ح وبجواره قبره الذي على يمينه إذ يبعد عنه بقليل فقط، وبين القبر والمنبر الروضةُ الشريفة حيث قال: «ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر» وهو الرسول ح، معناه ما من عالم في هذه الدنيا إلاَّ وفي كلامه ما يُقبَل وما يُرد، فلا يوجد عالمٌ يقبل كلامه كاملا مائة بالمائة، فلا يمكن القول بأن كل ما قاله العالم الفلاني فهو مُطاع فيه وإن خالف الكتاب أو السنَّة، فلا يمكن هذا، ما عدا العالم الذي هو مُعلِّم العلماء وهو الرسول ح صاحب هذا القبر، فعلمه كلُّه مأخوذ.
سببُ الاختلاف في قبول الروايات وردِّها:
ويقول بعض أئمة المذاهب «إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي» (1) فإذا صحَّ الحديث عن النبيء حبأن قال فيه كذا أو أمر بكذا أو فعل كذا أو حكم بكذا أو نهى عن كذا، فهذا يقبل عن النبيء كله وكاملا، إلاَّ إن كان حديثا ضعَّفه
العلماء، والإضعاف هنا ليس لكلام النبيء ح حاشاه، وإنَّما للرواة الذين رووا هذا الحديث لكونهم مجهولين أو فيهم شك، فهذا مجال لاختلاف الأمَّة لأنَّ العلماء يختلفون في مثل هذه الأحاديث، فمنهم من يقول هذا الحديث صحيح عندي لأني أعرف الرواة بأنهم أتقياء عدول فأنا آخذ بهذا الحديث وأعمل به ولو كان أحاديا، ويقول الآخر: لا أعمل بهذا الحديث لأنَّ فيه بعض الرواة المجهولين.
__________
(1) القول للإمام للشافعي، ينظر: محمد بن عبد الباقي الزرقاني، شرح الزرقاني، 1/ 230، محمد شمس الحق، عون المعبود، 2/ 57. بلفظ: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط». (1/29)
صفحة 30
فمقاييس وموازين التجريح والتعديل ليست متكافئة، وغرابيل العلماء متفاوتة فيما بينهم، فمنهم من غرباله دقيق جدًّا فلا يمرّ منه إلا ما هو دقيق، ومنهم من هو أوسع، وهذا هو علم التجريح والتعديل، ومنهممن يعمل به في العبادات في الصلاة وفي الصوم وفي الزكاة وغيرها من العبادات ومنهم من لا يعمل به.
ولو شئنا لمثلنا لهذا، فهناك مسائل كثيرة ومختلفة وإنما كلُّ مذهب يأخذ ببعض الأقوال، وربما في المذهب الواحد يوجد عالمٌ يأخذ ببعض أحاديث وعالم آخر في نفس المذهب لا يأخذ بها، وكلُّ هذا جائز، وليس معناه ردّ كلام الرسول ح وعدم قبوله معاذ الله؛ وإنما الرواة الذين رووا هذا الحديث فيهم من هو ليس بثقة أو هو مجهول غير معروف ولا موصوف بالثقة ولذلك توقف عنه، ولا سيما إن كان في الأحاديث الأخرى ما يعارضه أو في بعض الآيات القرآنية.
ومثال ذلك مسألة «المسح على الخفَّين» التي أخذ بها البعض ولم يأخذ بها البعض الآخر، لأنَّ القرآن يخاطبنا بالوضوء كما قال جابر بن زيد - رضي الله عنه -، ولو اعتقد وأيقن الذين لم يعملوا بالحديث بأنَّ الرسول ح مسح على الخفين لفعلوا ذلك على الرأس والعين، ولكن بما أنه لم يثبت عندهم ذلك توقَّفوا، لأنهم لا يدرون أحقًّا
قاله وفعله الرسول ح أم أنه جاء من بعده أي من اجتهادات العلماء، أو هو أصلا منسوخ أو معارض بشيء هو أقوى منه فكل ما صح عن الرسول ح يؤخذ. (1/30)
صفحة 31
أما آراء العلماء مقدَّرة ومقدَّمة، ولكن إذا وجدنا ما يخالفها من القرآن والسنَّة فالمقدَّم هو القرآن والسنَّة، ليس معنى ذلك أننا احتقرنا رأي العالم أو تبرَّأنا منه، بل نحن نُخالفه مع احترامنا له ولاجتهاده؛ فقد وقع مثل هذا في زمن الصحابة والتابعين وفي كل زمان، فبعض العلماء يفتون ببعض الفتاوى ولا يؤخذ بها ولا يعني أننا قد تبرَّأنا من ذلك العالم أو طعنَّا في علمه، بل إنه في الحقيقة لو بعث الله ذلك العالم ووجد أنَّ قوله وضع جانبا وقدَّمنا عليه ما صحَّ عن الرسول حفإنه سيفرح بذلك، بل إنه يدعو لنا بالخير لأنَّ العلماء أنفسهم يوصون في حياتهم من بعدهم أنَّ ما جاء من كلامنا معارضا للقرآن أو الحديث فاتركوه وخذوا بما صح منهما، خاصَّة وأنهم بعد هذا قد أفضوا إلى ربهم وإلى الدار الآخرة.
صلاة الجمعة وراء الإمام الجائر: (1/31)
صفحة 32
ومثال هذا ما كان عليه حكمُ صلاة الجمعة؛ حيث إنه أشاع كثيرون أنَّ من شروطها الإمامُ العادلُ، ولكنَّنا وجدنا أنَّ النبيء ح لم يشترط للجمعة الإمام العادل، قال: «فمن تركها وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ ألا فلا صلاة له، ألا فلا صوم له، ألا فلا حجَّ له، ألا فلا جمع الله عمله، ومن تاب تاب الله عليه .. » (1) إلى آخر
الحديث، فوجدنا أنَّ الرسول ح أقرَّ بأنَّ من ترك الجمعة ـ سواء أكان له إمام عادل أم جائر ـ فإنه يأثم بذلك.
هذا هو الحديث الصحيح عن النبيءح، والذي يؤيِّده أئمتنا جابر بن زيد، وصحار العبدي، وأبو مودود، وأبو نوح صالح الدهان، وزيد بن حزم الطائي، وأبو عبيدة، والربيع بن حبيب، ووائل بن أيوب، وعلماء كثيرون من سلفنا ممن نتَّبع طريقهم من الأوَّل، فكلهم كانوا يصلُّون مع الجورة، كانوا يصلون الجمعة خلف الحجاج، وزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد، إذن فهل نتبرأ من أئمتنا لأنهم كانوا يصلون خلف الأئمة الجورة، أم نقول إنه لا صلاة لهم.
__________
(1) رواه البيهقي في سننه، عن جابر بن عبد الله بلفظ: قال سمعت رسول الله ح على منبره يقول: «إن الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة من وجد إليها سبيلا، فمن تركها في حياتي أو بعدي جحودًا بها واستخفافًا بها وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله له شمله، ألا ولا بارك الله له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا وتر له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه .. » قال البخاري: إن في الحديث عبد الله بن محمد العدوي وهو منكر الحديث لا يتابع في حديثه.3/ 171. ينظر أيضا: الكناني، مصباح الزجاجة: 1/ 129. (1/32)
صفحة 33
إذن فإن صحَّ شيءٌ عن النبيء ح فلا اعتبار لما خالفه من الأقوال الأخرى، رغم أنه موجود في بعض شروح العقيدة الإباضية أنه من شروط الجمعة الإمام العادل، لا فهذا لا يكفي، إنَّما العدلُ واجبٌ على كلِّ إمام وحاكم، بل هو شرطٌ واجبٌ تصحُّ به الإمامة، ولكن إذا جار فلا تسقط صلاة الجمعة عن المسلمين، وإنَّما يصلّون خلفه ولو كان جائرًا، ومهما جار أهلُ هذا الزمان فلن
يجوروا مثلما جار الحجَّاج من قبل في قطعه للرقاب ظنًّا واتهامًا، وما أكثر أمثاله في العصور الأخرى.
جزاء أصحاب البدع يوم القيامة:
نعود إلى حديثنا: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» وإلى قوله ح: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» فكل من أحدث في الإسلام حدثًا فهو ضالّ، وملعونٌ مطرودٌ من رحمة الله، ومن آواه وأعانه ونصره على ذلك فهو أيضًا ملعونٌ، و"الراضي عن الشيء كفاعله".
فهؤلاء الناس يقال لهم يوم القيامة سُحقًا سُحقًا؛ لأنهم هم الذين بدَّلوا وغيَّروا في التشريع بعد سيدنا محمد ح، وقد قال لهم الرسول ح «فسُحقًا فسُحقًا» عندما جاؤوا ليَرِدُوا من الحوض فيُردُّون بعنفٍ كما ورد في الحديث (1)، وكما يردُّ البعير الضالُّ، ويقول فيهم النبيءح كلمة حسنة: «ألا هلُمَّ» أي تعالوا، ولكن هذه الكلمة لا تُقبل فيهم لأنَّهم بدَّلوا وغيَّروا بعد رسول الله ح، وهو مثل ما قاله سيدنا عيسى؛ژ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ? ? عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ژ (النساء:117) وكذلك النبيءح يقول هذه الكلمة: "يا رب كنت عليهم شهيدًا لما كنت فيهم، ولكن لما غبتُ عنهم فأنت الرقيب عليهم والشهيد والحسيب".
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب في الجامع، باب في الأمة أمة محمد ح رقم: 43. ينظر شرح هذا الحديث ضمن الأحاديث هذا المشروحة في هذا الجزء. (1/33)
صفحة 34
ولما قيل له إنهم بدَّلوا بعدك، فلم يقل لهم لا بأس في ذلك أتركوهم يرِدُون الحوض، فإني أشفع فيهم، لا، ولكن لما تبيَّن له سبب إبعادهم، قال لهم: «فسُحقًا» والفاء هنا سببيَّة، أي: إذن أبعِدوهم أبعدوهم، فإنِّي لا أقبلهم، فهؤلاء المبدِّلون المغيّرون.
إنكار أصول التشريع الإسلامي بدعة:
وللتبديل والتغيير والإحداث في الدين أمثلةٌ كثيرةٌ، من ذلك إنكارُ شيء يسيرٍ أو حرفٍ من القرآن، ولو جزءًا قليلا، فهؤلاء يُعتبرون مُحدِثون، والذين أنكروا السنَّة أو أنكروا الأحاديث، فلم ينكروا حديثًا واحدًا لضعفه أو عدم الثقة في رواته ولكن أنكروا السنَّة كلَّها، فهذه بدعة من أكبر البدع لأنها تهدم علينا نصف ديننا، أو أقل أو أكثر من ذلك؛ لأن أقل أو أكثر نصف ديننا كله من الحديث، فمن أنكر الأحاديث بدعوى أنَّ فيها صحيح وضعيف وموضوع، فهذا قد هدم الدين، وأتى ببدعة من أعظم البدع، وقد حذر منها النبيء ح بحديث صحيح صريح، في الموضوع.
وكذلك الذين أنكروا بعض أصول التشريع كالاجتهاد مثلا، إذ أنه لا بدَّ أن يبقى بابُه مفتوحًا إلى قيام الساعة، خصوصا منها القضايا المستحدثة، والتي لم تكن في زمن الرسول ح، فلا بد من الاجتهاد فيها، فكذلك هذا لا يمكن أن ينكر.
والقياس أيضًا أقرَّه البعض وأنكره البعض الآخر، حتى الذين أنكروه قالوا القياس الجلي الذي علته منصوصة هذا ليس قياسًا بل نصًّا. فيكون هذا اختلاف لفظيّ فيما يتَّصل بالقياس الجلي الذي تكون علَّته منصوصة.
إنكار المحكم من النصوص بدعة: (1/34)
صفحة 35
هذا بالنسبة لمن أنكر النصوص، وأمَّا بالنسبة للذي اعترف بالنصوص ولم يقل لا أعترف بالآية مثلا، وإنما هو يقرؤها ويفهمها ولكنه يُبطل حكمَها بدعوى أنَّ هذه الأحكام لا تصلح لوقتنا، مثل الرجم للزاني أو الزانية ـ حتى يموت بالحجارة إذا ثبتت عليه المعصية بالبينة والإقرار والشهود ـ، أو قطع اليد لسارق كما هو معروف عند كتب الحديث والفقه فيقول: إنَّ هذه وحشية ... فكذلك هذه بدعة من أعظم البدع، وملعونٌ من قال بهذا، ژ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ژ، ژ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ژ، ژچچ چژ (المائدة: 44 - 45 - 47) لأنَّ الله تعالى أنزل هذا القرآن وفيه أحكام مُحكمة حتى قيام الساعة فلا يجوز لأيِّأحدٍ في أيِّ زمانٍ أن يبطل الحكم الوارد في القرآن لأنه لا شيء بعد محمد ح؛ لأنه لو كان كذلك لأوحى إليه الله تعالى أن أبطل ذلك الحكم أو ذلك، فبما أنَّ النبيء ح خاتم النبيين ولا نبيَّ بعده، ولا أمَّة بعدنا؛ فالأحكام إذن باقية، ومن أنكر حكما من هذه الأحكام فهو مشركٌ أو مؤمنٌ مُبتدِع أراد أن يحكم بما هو مُبتَدَعٌ من أحكام البشر، وهذا بالنسبة للحدود مثلا.
وأمَّا بالنسبة لقسمة المواريث أو بالنسبة للزواج أو الطلاق، فلا يجوز أن يبتدع حُكمًا أو يبطل حُكمًا موجودًا فيها. فعوض أن يكون الطلاق بيد الرجل يجعله بيد المرأة مثلا، أو يُلغي الصداق كلية، فهذا أيضا مُبتدِعٌ ضالٌّ مُضِل ملعون، فلا يجوز أن يكون الطلاق على يد المرأة إلاَّ إذا اشترطت قبل الزواج شروطا للزوج، ولكنه لم يلتزم بها، فهنا يصبح الطلاق بيدها «إنَّ أحقَّ ما وفَّيتم به (1/35)
صفحة 36
من الشروط ما استحللتم به الفروج» (1). وأمَّا أن نجعل الطلاق بيد المرأة على الإطلاق، فهذا غير ممكن ولن يكون أبدًا، إلاَّ الفداء والخلع فتردُّ له ماله فهذا لا يكفي حتى يُقرَّ هو بطلاقها فيقع بذلك، وأمَّا أن ترُدَّ المال فحسب وتقول: قد افترقنا، فهذا لا يكفي ولا يقع به الطلاق.
دعوة المساواة بين الجنسين بدعة:
ومن الأمثلة أيضًا، ما يكون في أحكام المواريث، كأن يقول قائل: «لماذا تُعطى المرأة نصف ما يعطى الرجل؟ إنَّ هذا كان في القديم، عندما كانت المرأة قابعة في بيتها، أمَّا الآن وبما أنها خرجت إلى ميادين عمل الرجل، فيجب أن تُعطى المرأة مثل نصيب الرجل».
لعنهم الله وأخزاهم، وهل خرُوجها إلى ميادين العمل مشروعٌ، حتى وإن خرجت فإنَّها تخرج إلى ميادين الانكشاف والرقص والسباحة والسياحة وما إلى ذلك، وهل هي التي تتحمَّل جميع أعباء الإنفاق في البيت، أبدًا، فكلُّ ما تكسبه يذهب في زينتها ومتعتها ورفاهيتها، فليست تنفق لا على الزوج ولا على الأولاد.
وما هؤلاء الذين يَدعُون إلى ذلك إلاَّ فُسّاق وملاحدة ودُعاة إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، ومن قال بهذا فهو مرتدٌّ عن الإسلام، سواء أكان رجلا أم امرأة بدعوى تغيّر الأزمان.
__________
(1) رواه البخاري، في صحيحه، كتاب الشروط، باب في المهر عند عقدة النكاح، رقم: 3740، 2/ 970، 2/ 1035. ورواه الترمذي، بلفظ قريب،: قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ح. ينظر: السنن، كتاب النكاح عن رسول الله، باب ما جاء في الشرط عند عقدة النكاح، رقم: 1046، 3/ 434. (1/36)
صفحة 37
الرجل دائما هو الرجل، وهو الذي ميَّزه الله تعالى بخصائص الرجولة، لن تنمحي حتى قيام الساعة، وعليه مسؤولية الإنفاق على أهل بيته، والمرأة هي المخلوقة الضعيفة التي لا تقوى على تحمل المسؤوليات، حتى ولو تعلَّمت وتثقَّفت، فالمرأة هي الأنثى؛ ولذلك ألقيت مسؤولية القوامة على الرجال، وبما أنه هو المنفق فقد أعطاه الله ضعف ما أعطى المرأة في الميراث، وحصة واحدة للمرأة تكفيها لحوائجها، ولولا أنَّ المرأة أحيانا تُطلَّق وأحيانا يموت عنها زوجها، أو يلحق بها أبناؤها؛ لما كانت لها حاجة إلى الميراث أبدًا.
فعندما تكون صغيرةً فهي تحت نفقة والديها، وعند تزوُّجها تكون تحت نفقة زوجها، وعند كبرها تكون تحت نفقة أبنائها أو تعود إلى وليِّها، فدائما يجب أن ترسَّم لها نفقةُ ولي من أوليائها، ولكن حيث أنها ربما تبقى مع أبناءٍ يتامى أو تبقى مطلَّقة، فتستحي أن تبقى عالة على وليها فتنفق بما عندها من الميراث، ولكي تغتنم ذلك المال فتسبّقه إلى آخرتها عن طريق الصدقات أو التبرعات في المشاريع الخيرية.
وأحيانا في الميراث يكون نصيب الرجل والمرأة بدرجة واحدة، وهم الإخوة لأم، حيث إنَّهم يتَّصلون بالهالك عن طريق الأم، فقال عنهم الله تعالى: ژ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ژ (النساء: 12)، إذن فللذكر مثل حظِّ الأنثى بالنسبة للإخوة لأم.
وهناك أحكامٌ وحِكَمٌ وعجائب في الميراث؛ لأنَّ المتفق في أحكام الميراث التي قسَّمها الله تعالى لا يستطيع أن يعِيَها ويفهمَ حكمها أحد؛ لأنَّ تلك الحظوظ التي جعلها الله في المواريث هي مقابل الواجبات، وكذلك بالنسبة للقرب والبعد، فكلما كان أحدهم قريبا فإنَّ له نصيبا أوفر، وكلُّ من أراد غير هذا فهو مُحدِثٌ مبتدع ملعون، يريد أن يُدخل في الإسلام أحكامًا غير أحكام الإسلام، فلعنه الله ولعن من آواه وقبل بحكمه.
زيادة ما لم يشرع في الفرائض بدعة: (1/37)
صفحة 38
وكذلك لو زاد الناسُ مثلا في الصلاة ما لم يُشرع فيها، من ركعات أو تحيات، أو صلاة جديدة يفرضها فهو محدث، وكذلك في الزكاة حيث أوجبها في بعض أشياء أو أسقطها عن بعض أشياء، في الوقت الذي هي واجبة بالنصوص والحجج إلاَّ ما كان من باب اختلاف العلماء، أو في الحجِّ بأن زاد للناس منسكا جديدًا لم يكن مشروعا زمن النبيءح، أو أنقص منسكا مشروعا من قبل، مثل أن يقول لهم ما هذه الجمرات إلاَّ خرافات جاهلية، وهو ما روي عن فرقة تسمى الدروز (1)، حيث أسقطوا هذا المنسك، ومن قال بهذا أو فعله فهو مُبتدِعٌ ملعونٌ، فكلُّ ما بقي عن النبيء ح من أحكام الحجِّ كلها صحيحة ومتَّفق في حكمها بين العلماء إلاَّ ما فيه اختلاف طفيفٌ مما هو ترخيصٌ أو تشديدٌ أو تقديمٌ أو تأخير.
بدع المقابر:
ومن البدع أيضا ما يتَّصل بالمقابر، حيث نهى النبيء ح عن تجصيص القبور وعن الكتابة عليها والصلاة إليها، بنصوص صريحة في أحاديث صحيحة، نهت عن الكتابة إمَّا على القبور أو على الشاهد، وكذلك في طريقة بناء القبور وصبغها وتزيينها أو تغطيتها بالرخام، فهذا لا يجوز أبدًا، وإنَّما يجب أن يكون بالطين والحجارة والتراب، وكلُّ ما في الأمر توضع عليه صفائح من حجارة أو من خشب يمنع الهوام والكلاب من تعريتها فقط، وكذلك مَنَع من الجلوس عليها أو المشي فوقها والصلاة إليها.
__________
(1) الدروز: فرقة إسماعيلية من الشيعة تنسب إلى محمد بن إسماعيل الدرزي. ينظر: مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص191. (1/38)
صفحة 39
فكل هذا من البدع المنهي عنها، فما بالك إن كان فيها بناياتٌ ومحاريب ومعابد وسُرُجٌ وشموعٌ وبخورٌ وقدور، وذبحٌ وقَسَمٌ ـ أي حلفٌ ـ، فكل هذه بدع تَمُتُّ بصلة إلى الشرك، فإن لم تكن من الشرك الجليّ فهي من الشرك الخفيّ، أو هي مما يتَّصل بذلك، فالمقابرُ يجب أن تكون بسيطةً، فلا يُبنى قبرٌ ولا يبُنى شيءٌ على قبر، مثلما هي مقابر البقيع؛ مقابر الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا بنيان ولا تجصيص ولا تزيينٌ أبدًا، وهذه هي السنَّة الحقَّ، «لعن الله زائراتِ القبور، والمتخذين عليها السُرُجَ» (1) المصابيح.
وكلُّ هذه البدع أُحدِثَت إحداثا في الإسلام، فأصبحت وعودًا وولائم وذبائح، وأبنية خاصَّة لذبح وسلخ الشياه، فكلُّ ما يذبح فيها فهي كالميتة أو الجيفة
نجسةٌ لا تؤكل أبدًا، وإن أعدَّت وطُبخت في إناءٍ فلابدَّ أن يُغسل ذلك الإناء؛ لأنَّها جيفة ذبحت على النّصُب.
التمائم والحروز بدعة:
وكذلك ما اتَّبع الناس من تعليق التمائم بكيفيَّاتٍ مختلفة كشعر الذئب مثلا، كانت في الجاهلية ولا تزال، حيث تُعلَّق للأطفال حتى ترُدَّ عنه العين الحاسدة، وتردَّ عنه الشياطين والجن ـ أعوذ بالله ـ، قال الرسول ح في هذا الشأن: «من علَّق تَمِيمةً فلا أتمَّ الله له، ومن علَّق وَدَعَة فلا ودَع الله له» (2)، وكانوا يعلقونها لأبنائهم وحيواناتهم، والوَدَعةُ معناها الحفظُ والعافية، فمن علَّقها فلا حفظه الله ولا عافاه.
__________
(1) رواه الترمذي، في سننه، عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، «باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا»، رقم: 319، 1/ 200.
(2) رواه ابن حبان في صحيحه،13/ 450.الحاكم، المستدرك على الصحيحين،، رقم 7501، 4/ 240. (1/39)
صفحة 40
فلا شيء أفضل من الدعاء بكلمات الله التامَّة التي هي أسماؤه الحسنى؛ فقد علَّمنا رسولُ الله ح من دعائه للحسن والحسين: «أعيذُكما بكلمات الله التامَّة من كلِّ سامَّة وهامَّة، ومن كلِّ عين لامَّة» (1)، أي: أعيذكم بأسماء الله الحسنى من الهوام والحشرات والعين الحاسدة. ومن الدعاء الأسماء الحسنى أيضا: «أعوذُ
بكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجرٌ من شرِّ ما خلق» هكذا، وكذلك السلام الذي نقرأه صباحًا، فعندما يقرؤه المسلم فيطمئنّ أن يكون يومه محاطًا بحفظ الله تعالى ورعايته من خلال تلك الأسماء التي استعاذ بها.
لزوم النوافل فوق الفرائض بدعة:
__________
(1) رواه البخاري، في صحيحه: عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - بلفظ: «قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ح يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ»، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى {واتخذ الله إبراهيم خليلاً}، 3120، 3/ 1233.ورواه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب كيف الرقيا، رقم: 3395،4/ 411. (1/40)
صفحة 41
أمَّا من اتخذ لنفسه نافلة من تلاوة قرآن أو صلاة ممَّا شرع الله تعالى أو صام نوافلا، فهنا لا يسمى مُبتدعًا وإنَّما مُنفِّلاً؛ لأنه جاء بعبادة تقرَّب بها إلى الله تعالى من نوع العبادة المفروضة، ولم يغيِّر فيها سواء من صلاة أو صيام أو صدقة أو حج، فلا يسمَّى مبتدعا، إلاَّ إذا اتخذ الناس هذه النافلة فرضًا، ومن تركها لعنُوهُ أو تبرَّؤا منه، فهنا تصبح بدعةً، فلا يجوز لهم ذلك لأنه يصبح تشريعًا والتشريعُ ليس من حقهم، وإنَّما التشريع هو ما فرض الله في كتابه أو الرسول ح في سنَّته. وأمَّا النوافل فإنَّ بابها يبقى مفتوحًا لمن أراد ولا يُلزَم بها أحد، وتبقى نافلة في رتبتها ولن تصبح في يوم من الأيام فريضة أو تشريعا.
رفع الأصوات في المساجد بدعة:
ومن البدع التي تحدث أيضا ارتفاع الأصوات في المساجد، ولقد عدَّه النبيءح ذلك من أمارات الساعة؛ أي أنَّ الأصوات التي تحدث ضجيجًا في المساجد فتصبح كالأسواق هي بدعة من أمارات الساعة. وإننا نخشى أن نكون قد وقعنا في هذا، فإن قلنا أنَّ الكلام يجب أن لا يكون مُطلقًا في المسجد، أي: وسط المحراب كما نسميه، ولكن لماذا كلُّ هذا الصراخ والتعالي في الأصوات عندما نخرج إلى
صحن المسجد أو فنائه وكأنه السوق تمامًا، ولا أظنُّ السوق يكون ضجيجه أكثر من ذلك، فلربَّما يكون أقل، وأحيانا يشوِّش على البعض صلاتهم ما يحدثه الكلام حول المسجد، وخصوصًا لمن كان يستدرك أو يتنفَّل، فنرجو أن تُحترم المساجد، حتى وإن جاز الكلام في رحبة المسجد، فهذا يجب أن يكون بأدب واحترام، فلنتحدَّث بقدر ما يَسمع بعضنا الآخر، فكلّ يناجي صديقه في سكينة ووقار، أمَّا أن يرفع كلُّ واحد صوته حتى يسمعه الآخر، فإن هذا سيُحدث منكرًا، وتصبح بدعة من أكبر البدع التي تحدث، وتكون من أمارات الساعة، والمساجد لم تجعل لذلك وإنما جعلت للعبادة وللذكر والأدب والوقار.
السعيُ إلى الصلاة بسرعة بدعة: (1/41)
صفحة 42
وكذلك الإسراعُ في المشي لإدراك صلاة الفرض منهيٌّ عنه؛ لأنَّ تلك السرعة تشوِّش على الناس خشوعهم في صلاتهم، «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاَةِ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ يَعْمَدُ إِلَى الصَّلاَةِ» (1).
والمسلم دائما يمشي في تعقُّل وسكينة ووقار، لا في خفَّة وسرعة وطيش، فما أدركه فليصلِّه، وما فاته فليستدركه بعد تسليم الإمام، واعلموا أنَّ المصلِّي يكتب له أنه في صلاة مادام قاصدًا الصلاة، فلا داعي للسرعة مادام الأجرُ مسجَّلا من قبل، وإن أدركت ربع الصلاة أو أقلَّ من ذلك، بل وإن دخلت المسجد فوجدت
الإمام يسلِّم؛ فإنك ستحوز الأجر كاملاً موفورًا، والعدَّاد يسجِّل الحسنات منذ قدومك إلى الصلاة، فلا داعي للسرعة، وإن أسرع العبد قصد الأجر فله وزرٌ على تلك السرعة؛ لأنَّه بتلك السرعة يشوّش على الناس صلاتهم، ومن المحتمل أن يظنُّوا أن سبب ذلك الجري خطرٌ محدقٌ أو عاهة حدثت أو غير ذلك.
لمعرفة البدع الكثيرة التي تحدث، فإنَّ كلَّما لم يكن مشروعا في القرآن والسنَّة الصحيحة فكلّه بدعة، ما عدا النوافل التي هي من جنس الفرائض فهي جائزةٌ مادام فيها تقرُّب إلى الله تعالى، شرط أن لا توضع في منزلة الفرض، ولنحذر تغيير أحكام الله، أو إنكار ما أنزل الله، ومن أنكر حرفًا من القرآن كمن أنكر القرآن كلَّه. نسأل الله أن يحفظنا من البدع والمحدثات والحمد لله رب العالمين.
} - - {
مَا جَاءَ في فَضلِ أهلِ الوَفَاءِ مِن بَعدِهِ وعُقُوبةُ الناكثِينَ لِعَهْدِه
__________
(1) رواه الربيع في صحيحه، رقم: 217، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، 1/ 70. (1/42)
صفحة 43
43ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي (1) رَأَيْتُ إِخْوَانِي» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: (2) إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا». (3)
الشرح:
__________
(1) * خ: لو أنِّي.
(2) * خ: لا.
(3) رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج2/ 300، 408، ورواه مسلم في كتاب الطهارة 39، ورواه النسائي في كتاب الطهارة 109، ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36، ورواه مالك في الموطأ في كتاب الطهارة 28. (1/43)
صفحة 44
دائما في الأمَّة أمَّة النبيء ح وما يقع فيها بعده، وما يقع يوم القيامة؛ لأنَّه يوجد في الأمَّة من يوفي ما عاهد الله عليه ورسوله ح، ويوجد فيها من ينكث ذلك العهد، والله تعالى يقول: ژ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ ? ?ژ (الفتح:10)، فالقرآن إذن حذَّرنا من هذا النكث، فأخبرنا أنَّ هنالك من ينكث وهناك من يوفي.
هذا الحديث يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد، وجابر يرويه عن أبي هريرة، وأبو هريرة يرويه عن النبيءح، فسند هذا الحديث متَّصل.
روي أنَّ الرسول ح خرج يوما إلى المقبرة، ـ والرسول يزور المقبرة من فترة لفترة ـ، فلما دخل المقبرة سلّم وقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» أي: السلام عليكم يا دار .. ، و (يا) للنداء وهو محذوف؛ لأنَّ الموتى من المسلمين هم أحياء عند ربهم؛ لذلك فهم يستحقُّون السلام.
موتى المسلمين يَرُدُّون السلام:
وقد روي أنَّ موتى المسلمين في بعض الفترات يكونون في قبورهم ويردُّون السلام على من يسلِّم عليهم، ورد في أحاديث أسندت إلى النبيءح أنَّ هؤلاء الموتى في مساء يوم الخميس ويوم الجمعة كاملاً وصباح يوم السبت حتى تطلع الشمس يكونون هنالك وأرواحهم ترُدّ السلام، ولهذا فمن الأدب عند دخولنا إلى المقبرة أن نقوم بإلقاء السلام على المؤمنين والمؤمنات، حتى ولم نسمع الجواب،
فإنهم يردّون السلام، أو إن الملائكة هي التي تتكفَّل بالردِّ. ثم قال: «إنَّا إن شاء الله بكم لاحقون»، أي أنتم سابقون أيها المؤمنون إلى كرامة الله تعالى وجواره، وإنا بعدكم إن شاء الله لاحقون. (1/44)
صفحة 45
أمَّا بالنسبة للموت فلابدَّ ميِّتُون، ولكن من حُسنِ الأدب أن نقول: إن شاء الله؛ لأنَّه لا يقع في هذا الكون موتٌ ولا حياةٌ إلا بمشيئة الله. وأما بالنسبة للحاقهم لمكان السعادة والكرامة، فهذا أيضًا متعلِّق بمشيئة الله، فلا ندري ما مصيرنا، فنحن نتمنى أن نلحق بأهل الخير في مكانهم السعيد بالجنة إن شاء الله.
أصحاب النبي وإخوانه:
ثم التفت حقليلاً وكأنَّه رجع إلى نفسه فقال: «وددتُ لو رأيتُ إخواني» إذ صرَّح بما في فؤاده بأن تمنَّى لو رأى إخوانه، فالمقصود الأخوَّة في الدين طبعًا، والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا معه فتعجَّبوا، فقالوا: «ألسنا إخوانك يا رسول الله، فقال: بل أنتم أصحابي» بما فيها الأخوَّة. أي هم إخوانٌ له بزيادة درجة أخرى هي درجة الصحبة.
وكلُّ من آمن بالنبيء ح في وقته ورآه وصحبه ولو ساعة من الزمن يعد مصاحبًا، ويسمى صحابيًّا، ولكن الإخوان الذين ليسوا صحابة، بل إخوان فقط، هم الذين يأتون من بعده، والذين يلتحقون به بعد موته ح، ويؤمنون به مثل ما تقدم لنا في حديث «يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني» فهؤلاء هم الإخوان بعد خروج روح سيدنا محمد ح حتى تقوم الساعة، وحتى ينتهي آخر مسلم في
العالم، وكلُّهم إخوانٌفيما بينهم، وإخوان للنبي حژ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ژ. وتمنَّى الرسول حأن يراهم؛ لأنه يعلم أنه لن يبقى حيًّا وسيأتي أناس بعده يؤمنون به، وهذا ليس بمشيئته، وإنما تمنىَّواشتاق أن يراهم؛ لأنَّه يُحبّهم وكلّهم في ولايته، والإنسانُ دائم الحب والشوق لرؤية من يحبُّه ويواليه.
حوض الكوثر يوم القيامة: (1/45)
صفحة 46
«وأنا فَرَطُهم على الحوض» والفَرَطُ هو الرجلُ الذي يتقدَّم القافلةَ إلى أماكن الماء ليهيِّئها لهم، فيملأ الأواني التي يشربون منها، وما تشرب فيه الحيوانات من بئر أو حوض، حتى لا تطيل القافلة الانتظار بعد وصولها، وإنَّما يجدون السقاية جاهزة؛ إذن فالفرَطُ هو الذي يسبق القافلة إلى الماء، وكذلك النبيء ح له حوضٌ على باب الجنة ژ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ژ (الكوثر:1)، قيل من أسماء حوض النبيء ح (الكوثر)، وإن كان الكوثرُيحمل معنى الخير الكثير ولا يقتصر على الحوض فحسب، ولكن من جملة الكوثر هذا الحوض.
وكما تقدم لنا في درس سابق (1) وصف لحوض النبيء ح حيث قال: «حوضي من المدينة إلى صنعاء، وعليه من الأكوابِ كعدد نجوم السماء» (2)
__________
(1) حديث رقم: 21 في الجزء الثاني من هذا الشرح.
(2) رواه الترمذي في سننه بلفظ: «حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء» كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في صفة الحوض، 4/ 628.رقم: 2442، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ورواه أحمد في مسنده، مسند ومن حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، رقم: 22421،5/ 275. بلفظ: «حوضي من عدن إلى عمان البلقاء ... وأكاويبه عدد النجوم». (1/46)
صفحة 47
وصنعاءُ هي عاصمة اليمن، وبين المدينة المنورة وصنعاء حوالي ألفي (2000كلم)، وهذا كلُّه عرض حوض النبيء ح بمائه البارد الحلو العذب، ونصفه أكواب من ذهب كمثل عدد نجوم السماء؛ لأنَّ الأمَّة كبيرة، فعندما يأتون يجدون الماء وافرًا والأكواب متوفِّرة، ولا انتظار هنالك، جعلنا الله من الواردين إن شاء الله. أي أنَّ النبيء حيسقيهم هذا الماء، وفيه معنى الشفاعة لهم أيضا ولذلك سأله الصحابة: «كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟» وجوههم وهيئاتهم؟ فإن كنت تعرفنا لأننا التقينا بك، وتعرفنا بأسمائنا وألواننا وأشكالنا، ولكن كيف تعرف الذي يأتي من بعدك؟ بل وحتى الذي في زمانه؛ لأنَّ كثيرًا من المسلمين في زمانه آمنوا به ولكنهم لم يروه، ومنهم من رآه مرَّة واحدة، ومنهم من اجتمع معه في حجَّة الوداع حيث كان عددهم نحو مائة ألف مسلم، فلربما لا يذكرهم جيدا؟
فبعد سؤالهم هذا أجابهم بجواب ضرب به لهم مثلا: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ» وجوههن وأرجلهنَّ بيضٌ في شكل حلقات في الأرجل، والبياض في الرجل يسمى التحجيل، وأمَّا البياض في الوجه فيسمى الغرَّة، فاختلط هذا النوع من الأفراس وسط أفراس سودٍ كلها «فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ» ودُهم يعني نقطة بيضاء في سواد عام كالليل البهيم، فهل يخفى التفريقُ بينها على صاحب الخيل، فهل تخفى الأفراس المحجّلة وسط الخيل البُهم السود، طبعا لا تخفى بل تُرى وتُعرف من بعيد.
فهذا مثال ضربه النبيء ح: «أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» فأمَّتي التي صلحت بعدي يأتون يوم القيامة ووجوههم تشعُّ نورًا، وكذا (1/47)
صفحة 48
أيديهم وأرجلهم، وسط أناس آخرين وجوهُهم سوداءُ، فمن أين جاءهم هذا النور؟، لقد جاءهم من الوضوء الذي كانوا يحافظون ويواظبون عليه، طبعًا يتطهَّرون للصلاة الطهارة الحسيَّة من النجاسات. كما نزل في حقِّ أهل قباء ژچ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ژ (التوبة:108) فسألهم النبيء ح: «ما هذا الطهور الذي أثناكم الله به؟ فقالوا: يا رسول الله: كنَّا نتبع الحجارة الماء، قال: كذلك فافعلوا» (1).
الوضوء فريضة على الرجال والنساء:
إذن كان سببُ مدح الله لهم أنهم يتوضَّؤون الوضوء الأكبر بالماء بعد أن يستجمروا، فأقرَّهم الرسول ح على ذلك وأمر أمَّته بأن يفعلوا أيضا؛ لأنَّ الوضوء لا ينبني إلاَّ على الطهارة، ولكي يصحَّ الوضوءُ فلابد للمصلي أن يكون قد تطهَّر من البول ومن كلِّ النجاسات، ثم بعد ذلك يسبغ الوضوء بالماء، فهؤلاء الذين يداومون على إسباغ الوضوء دائما في المنشط والمكره، وفي الشتاء والصيف، والسفر والحضر، ما وجدوا الماء، فإن لم يجدوا التجأوا إلى التيمّم، وأمَّا إن وُجد الماء في حضر أو سفر فلا بدَّ من استعماله، إلاَّ إذا حالَ دون ذلك مرضٌ، إمَّا أنه لا يستطيع الحركة، أو أن له جروحا تتأذَّى بالماء، والله أعلم بمن هو معذور من
__________
(1) ينظر: الهيثمي، مجمع الزوائد بلفظ: «عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهَّروا والله يحب المطهرين فسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنّا نتبعُ الحجارةَ الماءَ» رواه البزار وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما وهو الذي أشار بجلد مالك، باب الجمع بين الماء والحجر،1/ 212. (1/48)
صفحة 49
الرجال والنساء؛ لأنَّ الوضوءَ فريضةٌ على الرجال والنساء على السواء، ولا فرق بينهما في الاغتسال أو الاستنجاء أو الوضوء، أمَّا تلك الخرافة التي كانت تتناقل بين الأفواه، حيث تقول الأمُّ لابنتها إنَّك لا تستطيعين الاغتسال لأنَّك ضعيفة فتيمَّمي، فقد زالت والحمد لله، واليوم قد توفَّرت الوسائل وتهيَّأت الظروف، حيث إنَّه صار للاغتسال مكانٌ خاص في كل البيت، بل وهناك من يضع حمَّاما في كلِّ طابقٍ حتى لا يتزاحم أهل البيت على حمَّام واحد، ولم تعد تلك المعاناة السابقة حيث كان الغسل يتمُّ في العراء أو في سطح المنزل حيث يكون المرء عرضة للبرد والريح.
فضل المداومة على الوضوء:
إذن فهذا هو الوضوءُ الذي يأتي صاحبه يوم القيامة وفي وجهه شهادة على أنه مؤمن متَّبع للنبي ح، وهو بياضٌ ونورٌ يعلو وجه المؤمن يوم القيامة بسبب الوضوء. فعلينا معرفة قيمة الوضوء والمداومة عليه، وعدم الميل للراحة، بأن يقول أحدٌ إنَّني مسافرٌ مثلا فسأتيمَّم بدل الوضوء، فيمكنك أن تتوضَّأ قبل ذهابك أو بعد وصولك، أو تحمل معك الماء في سفرك، أو أنك تمرُّ على مياه كثيرة في طريقك وقت الصلاة، فعلينا أن نحافظ كثيرًا على الوضوء الذي يكون شهادة على الوجوه وجوازًا لدخول الجنَّة، مثل الجواز الذي ندخل به أرض الحجاز، فهو جوازٌ نتنزَّل به دار الكرامة، ونرِد به الحوض مع الواردين بهذا النور الذي يأتي في الوجه من أثر الوضوء.
فالرسول ح ببيِّن لنا معنى هذا النور، ولم يقل لنا إنَّ هذا النور نحصل عليه بكلمة الشهادة فقط، لكنَّه أكَّد على أنه من أثر الوضوء، فالذي لا يُسبِغ الوضوء لا يأتيه هذا النور في وجهه، والذي لا يصلّي فهذا من باب أولى، والذي يصلّي بغير وضوء فذلك لا صلاة له أيضًا؛ إذن لا بد من الوضوء لكي نحوز هذا النور الذي يقرِّبنا ويُدنينا من حوض النبيء ح ويجعلنا من وارديه.
«وأنا فَرَطهُم عَلَى الحَوضِ»: (1/49)
صفحة 50
أنا سأقودُهم وأختارُهم وأشفعُ لهم وأقدُمُهم، وهذا شرفٌ عظيمٌ في الوضوء الذي هو ليس بشيء كبير ـ والحمد لله ـ بل هو شيءٌ بسيط، كلَّ ما في الأمر صعوبتُه في بعض الظروف القاسية كالبرد ـ رغم أنه يمكن توفير الماء الساخن ـ، أو في صحراء حيث الريح القوي، فما علينا إذ ذاك إلاَّبشيء من الصبر.
جزاء أهل البدع:
كلُّ ما قاله الرسول ح إلى هنا هو مبشِّر ومُفرِح، لكن آخره مُفزعٌ ومخيفٌ نوعا ما، حين قال: «ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: (1) إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا».
يأتي أناس يقتربون من الحوض ويرونه لكنهم لا يشربون منه ولا يتذوَّقون ماءه أبدًا، بل يُطردون منه كما يُطرد البعير الضالّ، وهذا مثال مُقتبس ممَّا يفعله الراعي الذي يرعى الجمال فحين يرِدُ الحوض فإنه يفسح المجال لإبله لكي تشرب بينما يقوم
بضرب الإبل الأخرى الهائمة يضربها على وجهها من أنوفها وأفواهها لكي لا تشرب مع إبله، وكذلك الحال بالنسبة ليوم القيامة للذين لا يستحقّون الشرب من حوض النبيء، يأتيهم الزبانية فيضربونهم بعصيّ على وجوههم ويرُدّونهم على أعقابهم إلى حيث العذاب والشقاء في جهنم، والعياذ بالله.
الرسول ح يُشفق من هذا المنظر لأنه في مكانٍ جميل بديع فيدعو: ألا هَلُمَّ، ألا هَلُمّ؛ مرَّتين، تعالوا لتشربوا لماذا تُبعِدُونهم؟ وطبعا هذه الدعوة نابعة من خُلُقه وقلبه الذي طُبِع على الرحمة، وعلى الرأفة والشفقة، فهو يُبعث كما كان في الدنيا، ولكن الملائكة يجيبونه: إنَّهم قد بدَّلوا بعدك ولم يبقُوا على العهد الذي تركتهم عليه، بدَّلوا طريقك.
__________
(1) * خ: لا. (1/50)
صفحة 51
فهذا الوعيد للذين بدَّلوا من بعده، للذين نكثوا عهده، وليس للذين وفَّوا ما عاهدوا الله عليه. وسُنَنُ الرسول ح محفوظة ومبثوثة في الكتب وليست خافية، وكلُّ شيء واضح، فمن أراد أن يوفّي ويتّبع فعليه بها، ومن أعرض وبدَّل فقد طغى عليه تقليد الآباء والأهواء، وطغت عليه الشهوات وحبُّ المال، وحبُّ الدنيا وحبُّ الرياسة، والشكُّ في الآخرة وطول الأمل في الدنيا، كلُّ هذا ممكن أن يقع ويؤثر في تنكّب الناس عن طريق الرسولح.
فهذا سبيل من بدَّل وغيَّر، فحالُه صعبة وموقفه أشدّ وأنكر من الذي سِيق من المحشر وأُخِذَ إلى النار مباشرة دون أن يرى هذا الحوض، فهو يرى مصير السّعداء والنعيم الذي هُم فيه، ثم يُؤخذ بعيدًا عنهم، فهذا أشدّ وأنكَى وأكثر شقاءً، وهو جزاء وفاق، لأنَّ هؤلاء كانوا في الدنيا مع المسلمين يحسبون أنفسهم
منهم ويختلطون بهم، ولكنهم بدَّلوا وغيَّروا، فيمكر الله بهم حتى يظنوا أنَّهم منهم ثم يُخرجهم ويطردهم من بينهم إلى مصيرهم الأبدي في النار، والعياذ بالله.
فعليك أيُّها المسلم أن تُعِدَّ لهذا الموقف جيِّدا، وإياك أن تبدِّل أو تغيِّر، فإذا علمت أنَّ هذه هي سنة النبيء وهذا هو نهجه وهذا قوله وهذا فعله، وهذا خلقه وهذا أمره ونهيه فعليك أن تتَّبعه، دون أن تعتمد رأيك أو تختار ما أعجبك وما وجدت سهلا وخفَّ تطبيقه، أمَّا ما ثقل عليك أو صعب أو لأنه يخالف ما تعارف عليه الناس وشاع عندهم فإنك تتركه، وتقول في نفسك: لا يُعقل أن أبقى وحدي أتَّبع السنَّة، وأخالف ما ألفه الناس، بهذا الشكل أو بهذه الهيئة، فهذا صعبٌ وفوق استطاعتي، فيجب أن أكون مثل الناس، ولا أخالفهم ... فعلى المسلم أن يتَّبع الحقَّ ولا يهتمَّ لأمر الناس، حتى ولو بقي وحده في طريق الحق.
الشفاعة لا تنال العصاة: (1/51)
صفحة 52
فبعد أن يُقال له إنَّهم بدَّلوا بعدك وغيَّروا، فإنَّ تلك الرحمة لا تبقى بل تُنزع نزعًا بقدرة الله، لأنَّ «القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن» (1) فلا تبقى في ذلك الوقت أيُّ رحمة لأيِّ شقي عصى الله، بل تتحوَّل تلك الرحمة بُغضا، بما أنهم قد بدَّلوا فإنَّ الرسول ح بحدِّ ذاته لا يكتفي بالصمت، بل إنه يقول: فسُحقًا
فسُحقًا، مرَّتين مثلما دعاهم في المرة الأولى: هلُمَّ هلُمَّ مرتين، يطالب بإبعادهم بعد ذلك بقوله فسُحقًا فسُحقًا مرتين أيضا، بمعنى أبعدوهم أبعدوهم، فأنا لا أشفع في الذي بدَّل بعدي وغيَّر وضيَّع سنَّتي.
__________
(1) رواه الترمذي في السنن، بلفظ: «القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء»، قال أبو عيسى وفي الباب عن النواس بن سمعان وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وعائشة وهذا حديث حسن، باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن، رقم: 2140، 4/ 448.ورواه أحمد، في مسنده، رقم: 12128، 3/ 112. (1/52)
صفحة 53
والحديث روي بصيغ متعدِّدة منها: قوله: "أُصيحابيأُصيحابي" في رواية البخاري ومسلم (1)، يعني أن ناسا من أصحابه ح ربما يعرفهم في زمانه، ولكنهم بدَّلوا وغيروا، فتذودهم الملائكة عن حوضه يوم القيامة ويقال لهم «فسُحقًا فسُحقًا»، ولا تنفع حينئذ لا صحبةٌ ولا قرابةٌ ولا غير ذلك، كلّ من بدَّل يلقى جزاء تبديله، فميزان الله واحدٌ، وميزانُ الله لا يختلّ.
إلاَّ الذين وردت فيهم بشاراتٌ على لسان الرسول ح، يبشِّرهم بالجنة كأصحاب بدر، الذين قال فيهم الله تعالى بلسان رسوله ح: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (2) فإنّ هؤلاء لا بدَّ يموتون على التوبة.
لكن الصحابة في بدر قليل، وغيرهم كثير من بعدهم، والذين بُشّروا أفرادٌ، فنحن لا يلزمنا سؤال من يكون هؤلاء، فحينما نذكر الصحابة نقول: ژ پ پ ... پ ... پ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ژ (الحشر: 10) فالواجب أن نذكرهم وندعو لهم بخير ولا نتدخَّل أبدًا فيما وقع بينهم من الفتن، فأمرهم إلى الله.
__________
(1) رواه البخاري، في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب وكنت عليهم شهيدا، رقم: 4259. 6/ 2587. ورواه مسلم: في صحيحه، أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: «قَالَ: لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِيأُصَيْحَابِيفَلَيُقَالَنَّ لِي إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»،كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيّنا وصفاته، رقم: 4259. 4/ 1800.
(2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب: فضل من شهد بدرا. 3/ 1120، رقم: 3684. (1/53)
صفحة 54
وهذه الموعظةُ تنفعُنا نحن لكي لا نبدِّل ولا نغيِّر، وأمَّا الآخرون فلا يدخلون في تلك الفتن ژ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ? ? كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ژ (البقرة:134)،فعلينا أن نحذر نحن، فالتبديل والتغيير ليس فقط في ذلك الوقت بل هو في كلِّ وقت موجودٌ، فلنحذر التبديل ولنحذر النكث، وعلينا أن نوفِّ بما عاهدنا عليه الله والرسول حتى يوفِّ الله لنا. هذا ما كان من أمر هذا الحديث، ونسأل الله العصمة والتوفيق، آمين.
} - - {
[صفحة بيضاء]
الباب السابع
بابٌ في الولاية والإمارة
[صفحة بيضاء]
ما جاء في ولاية قريش
44ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَزَالُ الأَمْرُ - يَعْنِي الْوِلاَيَةَ - فِي قُرَيْشٍ مَا دَامَ فِيهِمْ رَجُلاَنِ - وَأَشَارَ بِإِصْبِعَيْهِ - وَلَكِنَّ الْوَيْلَ لِمَنْ افْتَتَنَ بِالْمُلْكِ» (1).
45ــقَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ: «لَنْ يَزَالَ هَذَا الأَمْرُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلاَتُهُ مَا لَمْ تُحْدِثُوا، فَإِذَا فَعَلْتُمْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَ خَلْقِهِ فَيَلْحُونَكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا الْقَضِيبُ» لِقَضِيبٍ كَانَ فِي يَدِهِ (2).
الشرح:
هذا الحديث أو الحديثان يشتملان على أمر الولاية أو أمر المُلك؛ حيث كانت تسمَّى بالخلافة في سالف الزمان، ثم انقلبت بعد ذلك إلى المُلك.
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الأحكام 02، وكتاب المناقب: 02، ورواه مسلم كتاب الإمارة، 4، 8.
(2) رواه أحمد في مسنده: 1/ 458، 34/ 118، 5/ 274، 275. (1/54)
صفحة 55
والذي ورد الإخبارُ به في هذين الحديثين أنَّه سيقع بعد زمن، فقد وقع لقريش، إذ سيكون لكم الملك ثم تبدِّلون فينزع الله عنكم الملك وينتقم منكم، إنَّها من معجزات النبوءة، حيث يخبر بشيء سيقع في المستقبل ثم يقع كما قال.
وفي ذلك موعظة وعبرة للمعتبرين، ولكل من تولَّى الملك أو الإمارة فعليه أن يعتبر بمن قبله؛ إن حكم بالعدل والقسمة وبالحكمة ولم يجُر ولم يطغَ ولم يتكبَّر، كانت له العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، كما تقدم في الملوك الأنبياء، سليمان وداود عليهما السلام، وسيدنا يوسف لما وُلِّي على خزائن مصر، فكانت عاقبتهم حسنة في الدنيا وفي الآخرة، والذي طغى وتكبَّر كفرعون وهامان وقارون والنمرود، وفراعنة كلِّ زمان ومكان، فعاقبتهم معلومةٌ ومعروفةٌ وإنَّما يحصل بهذا الاعتبار.
فما كان النبي حيتكلَّم عنه هو عن ولاية قريش من بعده، أي الرئاسة الدينيَّة والدنيويَّة، حيث تبقى الإمامةُ عندهم ماداموا عادلين غير مغيِّرين، وعندما يغيِّرون يغيِّرُ الله ما بهم.
شرح الحديث الأول:
«وَلَكِنَّ الْوَيْلَ لِمَنْ افْتَتَنَ بِالْمُلْكِ»:
والويلُ هو العذاب الأليم لمن أُعجب بملك الدنيا فطغى ولم يعدل، وأخذ المال من غير حقِّه وأنفقه في غير حلِّه وسفك الدماء الحرام، وربما وطِئ الفروج الحرام، فالويلُ والعاقبة السيّئة له في الدنيا وكذلك في الآخرة، فقد خُصِّص واد في جهنم لمن وُلّي أمراً ولم يعدل، ويسمى «الهَبْهَبْ» (1).
«مَا دَامَ فِيهِمْ رَجُلاَنِ ـ وَأَشَارَ بِإِصْبِعَيْهِ»:
__________
(1) ينظر، السيوطي، الدر المنثور، بلفظ: أخرجابنأبيشيبةعنأبيموسىعنالنبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: «إنفيجهنمواديًايقالله: هبْهبْحقّعلىللهأن يُسكنهكلجبار» 5/ 14. (1/55)
صفحة 56
نرجع إلى الرجلين الذين أشار إليهما الرسول ح بإصبعيه، وقال يبقى الحكم في قريش ما دام فيهم هذا الرجلان، فهل قصد بأنَّ المُلك سيبقى في قريش ولو بقي فيهم رجلين فقط؟ لا؛ ليس هذا، لأنَّ الأمر قد نُزع منهم وهم في كثرة يُعدُّون بالمئات والآلاف، لكن الذي قصده بالأمر هو أنّه مادام فيهم الرجلان المعيَّنان [على قيد الحياة]، ولكن من هذان الرجلان يا ترى .. ؟
تكلَّم أهل الحديث فيمن يكونان هذان الرجلان، ـ من دون أن يهمَّنا نحن بالضبط من يكونان زيدًا أم عمروًا ـ وثمة من ورد ذكرهما، ورجَّحهما في ذلك الشيخ السالمي فقال لعلهما: العباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف (1)، فالعباس هو عمُّ النبي ح الذي عاش من بعده ح طويلا، مثل ما هو عبد الله بن عباس الذي عاش طويلا أيضًا، حيث شهد النبيءح وولاية أبي بكر وعمر وشطرًا من ولاية عثمان بن عفان، وكذلك عبد الرحمن بن عوف هو الآخر زهري قريشي، قال أكثر المحدثين بهذين الصحابيين.
وقصَد بالإشارة إلى هذين الرجلين، لأنَّه بموتهما ثارت الفتن، ووقع التبديل والتغيير، ـ وإنَّنا نكِل أمر هذه الفتن التي وقعت بين الصحابة إلى الله تبارك وتعالى وحده ـ، ثم انقلبت الخلافة بعد ثلاثين سنة، من بعد الخلفاء الراشدين إلى الملك، حيث سعى كلُّ واحد لأن يحوز الملك لنفسه ثم لأبنائه وإلى أبناء أبنائه من بعده، ويأخذ العهد لهم بذلك في حياته، وهكذا حتى أصبح الملكُ متوارثًا فيما بينهم، وهو الذي وقع في الدولة الأموية والدولة العباسية، حيث لم تعد الخلافة بيعةً لخيار المسلمين. ثم بعد العباسيين وقع الذي أنذر به النبي ح.
شرح الحديث الثاني:
«لَنْ يَزَالَ هَذَا الأَمْرُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلاَتُهُ مَا لَمْ تُحْدِثُوا»:
__________
(1) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، 1/ 93. (1/56)
صفحة 57
يا معشر قريش أنتم الوُلاة بحقٍّ ما لم تُحدثوا، والإحداث نوعان: منه ما تحدثنا عنه سالفا في حديث: «من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى مُحدثًا .. »، والإحداثُ الثاني هو في الولاية.
الإحداث الأول: هو نقلُ الولاية من الإمامة إلى الخلافة التي تؤخذ بالبيعة الشرعيَّة إلى الملك الذي يؤخذ بالميراث، (ملكًا عضودًا)، إذ كان المسلمون من قبلُ عند وفاة الخليفة يجتمع أهل الرأي فيرون الأليق بهم فيبايعونه ويبايعه المسلمون بعد ذلك، وهذا هو الحكم الحقُّ، وهو الذي وقع في زمان الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وفي أئمة اليمن، وعُمان، والرستميين، ـ وإن كان الواحد منهم ابنًا للآخر ـ غير أنَّ المسلمين هم الذين قاموا بمبايعتهم، ـ وقد وقع هذا في بعض بلاد الإسلام ـ، ولكن بعد ذلك أصبحت الإمامة مُلكًا وراثيًا.
الإحداث الثاني: هو الجورُ في القسمة والأخذُ بالظنِّ والقتل وغير ذلك .. ، أي ما لم تحدثوا في ولايتكم شيئًا لم أترككم عليه، وهو الحكم بما أنزل الله: بالعدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وأخذ المال من حلِّه ووضعه في حقِّه، والتورُّع عن المحارم؛ وهذا هو الطريق الذي سار عليه الخلفاء الراشدون في حوالي ثلاثين عاما بعد النبي ح.
«فَإِذَا فَعَلْتُمْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَ خَلْقِهِ»: فإذا فعلتم ذلك بأن أحدثتم في الولاية حدثا وغيّرتم وبدّلتم فعندها يسلّط الله عليكم أشرار خلقه وأراذلهم، وقد وقع
هذا لما حمل التتار حملاتهم لغزو بلاد العرب وغيرها، ـ وهم أناسٌ ليسوا عربًا ـ وإنَّما هم من أقاصي الشرق من منغوليا والصين ونحو ذلك، فغاروا بقوة هائلة ونزعوا ما عند بني العباس من الولاية، وأفسدوا وقتلوا خلقًا كثيرا يُعدّون بمئاتِ الآلافِ، وبهذا نزع الله الحكم من أيديهم وصار في أيدي غيرهم، وهذا جزاء على الإحداث.
لماذا لا ينتقم الله من عباده بمجرد تبديلهم سننَه: (1/57)
صفحة 58
قال الشيخ السالمي رحمه الله (1)، إنَّ هناك من يقول: لماذا لم ينتقم الله من الحكَّام بمجرد أن بدَّلوا الحكم، ـ وهو سنَّة الله في خلقه ـ؟، إنَّه حين يغيِّر الناس ما بأنفسهم يُمهلهم الله ولا ينتقم منهم مباشرة، لعلهم يتوبون، أو إنَّ الله سبحانه وتعالى، يملي لهم ليزدادوا إثما.
فكما وقع للدولة العباسية مع التتار وقع للدولة الأموية قبل ذلك في الأندلس، حين انقضَّالأسبانُ على المسلمين في الأندلس وأخرجوهم منها، وزالت بذلك ولاية قريش من الأندلس.
إذن فما قاله الرسول ح في الولاية قد وقع في الشرق، ووقع في الغرب، وفي كثير من المواطن.
«فَيَلْحُونَكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا الْقَضِيبُ»:
مثَّل الرسول حتسلُّط الشرار على حكم المسلمين بغصن شجرة كان في يده، فقال: فيلحُونَكم كما يُلحى هذا القضيب، والإلحاء هو: نزع لحاء العود أو قشرته،
عندما يكون رطبًا فيموت وتموت تلك الشجرة، لأنَّ مقوِّمات الحياة التي تصعد إلى الشجرة من الأرض من ماء وغذاء إنَّما هي تمرُّ بين العود والقشرة، فإن نُزعت تلك القشرة فلن يبقى ثمَّة ممر للحياة، فيموت الغصن بذلك وتموت الشجرة، كما هو معروف ومجرَّب، ومثل ما نقول نحن بلهجتنا: (أَومَتسَنالجدَّارتَنوَمْ)، أي ينزعونكم من أصولِكُم كليَّة، كما تُنزع القشرة من الغصن، فتنزع الحياة منه كلية.
__________
(1) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، 1/ 86. (1/58)
صفحة 59
وهذا إنذار من النبي ح ـ وليته نفع ـ والأمر لله، وإن كان قد نفع برهة من الزمن غير أنَّ الافتتان بالملك صعبٌ جدًّا، حيث إن فاض الملكُ على أحدٍ وحصل على الجاه والمال فإنَّ طباعه ستكون عرضة للتغيّر، فكثيرا ما رأينا الأجداد يؤسِّسون ملكا على العمل والاستقامة، ثم يأتي الأولادُ والأحفاد فيفتتنون به، وهذا ما يقع دائما ويتكرَّر حيثما وقع الملك بالميراث وليس بالبيعة، إذ ينشأُ الأبناء على تلك الرفاهية والأبَّهة والأموال فتتغيَّر طباعهم وأخلاقهم، ثم يأتي أمر الله بعد ذلك ليزيل ملكهم إلى غيرهم، وهذا الذي أخبر به النبي ح وهذا الذي وقع أيضًا وهذه هي العبرة التي نأخذها نحن من بعدهم حتى لا نفتتن بالملك. فإنَّ الذي علينا جميعا أن نعمله هو أن نسير باستقامة ونؤدّي الواجب كما ينبغي، ولا نغترَّ بسلطةٍ أو مال أو جاه فكلّه زائل لا محالة.
في حديث عن النبي ح «إنَّ كل إنسان ولي على شخصين يأتي يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، فيأتي عدله فيفكّه أو جوره فيُوبقه» (1) أي إنّ كل من
وليَ على شخصين فصاعدًا إلى مائة وألف أو ملايين .. فسيأتي يوم القيامة ويداه مربوطتان إلى عنقه ـ لا كغيره من الناس ـ، فإن كان عادلا رحيما حاكما بين الناس بما أنزل الله، يأتيه عدلُه في هيئة إنسان، فيفكّ أسره، وإن لم يكن عادلا فسيأتيه جوره وظلمه فيُوبقه أي يجرُّه إلى النار، والعياذ بالله.
__________
(1) الحافظ الهيثمي، رواه الطبراني في الأوسط، بلفظ: «عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه، فكه عدله، أو غله جوره».وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن حبان وغيره، وكذبه أبو حاتم وأبو زرعة وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد رقم: 9044، 5/ 248. (1/59)
صفحة 60
إذن لابدَّ أن نعتبر بهؤلاء وبأمثال الذين نعرفهم عبر التاريخ، فكم من ولايات قامت بالحق ثم بعد ذلك جارت فانتزعها الله من أهلها، وكم من ولايات قامت على الظلم والقتل أوَّل مرَّة ثم زالت بالقتل والظلم آخر مرَّة، أي زالت بمثل ما قامت به، فكما كانت بدايتها ببحار من الدماء، كانت نهايتها ببحار من الدماء أيضا.
وليس المقصود بالولاية صاحب الملك العام الكبير، وإنَّما كلّ من ولي ولاية في ناحية أو منطقة ما ... فليحاسب نفسه وليعلم كيف يكون حاله يوم القيامة، هل سيكون من العادلين الذين يفكُّهم عدلهم، أم من الجائرين الذين يُوبقهم جورُهم، ولا أحد ينفعه ماله ولا جندُه ولا أنصارُه حينها، ژ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ? ? الْقَهَّارِ ژ (غافر:16) يكفينا هذا عبرة، والحمد لله رب العالمين.
} - - {
ما جاء في أئمة الجور
46ــ قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَقْبَلَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ (1) أَلاَ أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَقْرَؤُونَ كَمَا تَقْرَؤُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ، فَلَيْسَ لأُوْلَئِكَ (2) عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ» (3).
الشرح:
__________
(1) * خ: فقال له.
(2) * خ: لأولئكم.
(3) روى بنحوه مسلم في كتاب الإمارة 62،63، بلفظ: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: أفلا تقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلّوا». (1/60)
صفحة 61
نعود إلى مواصلة شرح أحاديث الرسول ح من مسند الربيع بن حبيب سونحن في موضوع الأئمَّة أي الذين يؤمَّرون على هذه الأمَّة الإسلامية ويقودونها، والله تعالى يقول: ژ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ? ? مِنْكُمْ ژ (النساء:59).فالله تعالى أوجب طاعته في الدرجة الأولى، وطاعة الرسول ح في الدرجة الثانية، وطاعة الرسول ح من طاعة الله يقول تعالى: ژ ? يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ پپژ (النساء:80)، وفي الدرجة الثالثة «أولي الأمر» وهم الذين يتولَّون أمر على هذه الأمة
الإسلامية وقوله تعالى: «منكم» إشارة إلى أنَّ أولي الأمر منَّا، من المسلمين لا من الكفار، وقد تدلُّ «مِنكم» أيضا على الانتساب إلى الإسلام والعمل بأعمال الإسلام، أي إن كان هؤلاء الأمراء يطيعون الله ويطيعون الرسول حويطيعون العلماء، بل إنَّ هناك من قال: إنَّ المقصود بأولي الأمر هم العلماء (1).
هذا الحديث يرويه الربيع عن عبادة بن الصامت، فهذا الحديث مُرسل، والربيع عبَّر عنه بالبلاغ فلا بدَّ أن يكون هنالك تابعيٌّ بينه وبين هذا الصحابي، فإن لم يكن أبا عبيدة فغيره من التابعين.
__________
(1) ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، فصل في توقير العالم، 1/ 211. (1/61)
صفحة 62
لَمَّا أقبل الصحابي الجليل عبادة بن الصامت سحاجًّا من الشام إلى مكة ـ وكأنَّه كان مستقرًّا بالشام ـ زار المدينة المنوَّرة، ولا بدَّ حين يأتي من الشام يمرُّ من المدينة ذهابا وإيابا، لأنَّ المدينة في طريق الشام إلى مكة، ويوجد طريق آخر يمكن أن يمرَّ منه المسافر من دون الدخول إلى المدينة. وكان يومئذ الخليفة على المؤمنين عثمان بن عفان سالخليفة الثالث، فقصده عُبادة بن الصامت لينصحه، ولربَّما لظهور شيءٍ من المخالفات منه، وكان الصحابةييتناصحون ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، كما أمر بذلك الله تعالى؛ إذ لو رأى أحدُ الناس في أمره عوجًا لقام بنصحه وتوجيهه، ولا يكبر ذلك عليه، ولا يكبر ذلك أيضا على أمير المؤمنين أن يقبل نصيحة الناصحين، لأنَّهم جُبلوا على ما ربَّاهم عليه النبي ح من التواضع وقبول الحق
والتناصُح، ولذلك قصده فنصحه، بحديث سمعه من النبي ح وهو أفضل ما ينصحه به.
«سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَقْرَؤُونَ كَمَا تَقْرَؤُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ»:
وهذا من معجزات النبوءة ودلائلها، وهنا يقصد بالقراءة قراءة القرآن، ويخطبون خُطب الجمعة أو غيرها كما تخطبون وكما تقرؤون، ولكن يفعلون ما تنكرون أي يعملون من الأعمال ما تنكرونها، ولا ينكر المسلمون إلاَّ ما أنكره الله ورسولهح.
ثم قال: «فَلَيْسَ لأُوْلَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ»:
ليس لأولئك عليكم طاعة؛ أي لستم مُلزمين بطاعتهم وإنَّما تُلزمون بطاعة من أطاع الله ورسوله من الذين يقولون بالحق ويعملون ويحكمون، وبهذا الحديث عمل الصحابة وعمل الخلفاء الراشدون يجميعا، لكلٍّ واحد منهم موقفٌ في هذا الأمر وهذا الحديث. (1/62)
صفحة 63
فسيدنا أبو بكر سعنه قال في خطبته بعد أن بويع بالخلافة: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم» (1) فهذا معقول، فلو وافق الناس الأمير على المعصية، لفسدت أحوال الأمَّة، أمَّا إن كان الأمير قد عصى أو أخطأ وجاء من الأمَّة من أرشده وردَّه إلى الصواب فستستقيم أحوال الأمَّة، فما الأمير إلاَّ بشرٌ معرَّضٌ للخطأ والمعصية كسائر البشر؛ «الدين النصيحة، الدين
النصيحة، الدين النصيحة»، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المسلمين وعامتهم» (2) كما قال الرسول ح .. وهو يؤكد قوله: الدين النصيحة .. ثلاثا، أي إنَّ الذي لا ينصح إخوانه فلا دين له، ومن لا يقبل نصيحة إخوانه فهو كذلك مجرَّدٌ من الدين، صفر الكف.
وإنَّ قبول النصيحة ينبغي أن يكون من أيٍّ مستوًى وأيّ مصدرٍ جاءت، إمَّا مساوٍ أو أعلى أو أسفل، فلا ينبغي للمسلم أن يقبل النصيحة إن جاءته من أعلى، ويرفضها إن جاءته من مساوٍ أو من أسفل، فهذا شأن المتكبِّر، والله لا يحبُّ المتكبرين، وسواء كانت هذه الدونية في المقام أو الحياة أو المال أو حتى في العلم فيجب على المسلم قبولها، ولو كان المنصوح عالمًا، ويأتيه من هو دونه فيرشده وينصحه في شيء ربما يكون قد أخطأ فيه، فإن كان فيما اعتاده يرفض النصح ممن هو دونه، فهو متكبِّر والله تعالى لا يحبُّ المتكبرين، ولبئس مثوى المتكبرين.
__________
(1) ينظر: أبوبكر عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، باب لا طاعة في معصية، 11/ 336.
(2) رواه البخاري في صحيحه، باب قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - الدين النصيحة .. ، رقم: 57، 1/ 31، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، رقم: 56، 1/ 74. (1/63)
صفحة 64
قال رسول الله ح: «من مات وفي قلبه مثقال حبَّة خردل من كبر لم يَرِحْ رائحةَ الجنة» (1)، وقال الرسول ح أيضا في الحديث القدسي الذي يرويه
عن الله تبارك وتعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته» (2) الله تعالى ينبِّهنا إلى أنَّ الكِبْر والعظمة من خصوصياته، ومثَّلهما برداء وإزار لا يلبسهما إلاَّ صاحبهما، فإن أتى أحد ينازعه تعالى فيهما قصمه، وفي رواية «أُدخِله نارِي»، وأنتم تعرفون نارَ الله، فهي ژ چ چ ? ... ? ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ژ ژ ژ، وجاء هذا الوصف للقلوب المتكبرة التي تهمِزُ وتلمِزُ وتسخرُ من الآخرين لأنَّهم معجبون بمالهم أو جاههم أو علمهم، ولأنّه لا يستهزئ بالآخرين إلاَّ من أُعجب بنفسه، فهؤلاء هم الذين يدخلهم الله ناره.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، باب تحريم الكبر وبيانه، بلفظ: «عنعبد اللهبنمسعودعنالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لايدخلالجنةمنكانفيقلبهمثقالذرةمنكبرقالرجلإنالرجليحبأنيكونثوبهحسناونعلهحسنةقال: إناللهجميليحبالجمالالكبربطرالحقوغمطالناس» رقم: 149. 1/ 93. واللفظ الأقرب لما ورد هو ما ذكره ابن حبان في صحيحه، رقم: 224، 1/ 181.
(2) رواه أبو داود في: السنن، بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، رقم: 3567، 4/ 59. ورواه ابن ماجة في: السنن، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع، رقم: 4165، 2/ 1397. (1/64)
صفحة 65
وقد كبُر على الصحابة هذا الحديث فخافوا من أن يكونوا ممن في قلبه حبَّة خردل من كِبر، فكيف يكتشفون ذلك، قالوا للنبي ح: «يا رسول الله: كيف يكون هذا الكِبْرُ» فربما ألبس لباسًا جميلاً أو حذاء من جلد مدبوغ ونظيف وأحِسُّ بالإعجاب من جماله ونظافته، وحتَّى إني قد أعجَبُ بالمركوب الأنيق ... فهل هذا من الكبر؟ فقال النبي: ح ليس هذا من الكبر، «إنَّ الله جميل يحب الجمال» (1)، «إن الله إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن يظهر أثر نعمته عليه» (2) أو
كما قال، والله تعالى يحبُّ إذا أنعم على عبده إن تظهر نعمته عليه فينعم عليه برزق مثلا فلا بأس أن تظهر تلك النعمة في لباسٍ جديدٍ أنيقٍ مثلا، أو في مسكن جميل، فلا بأس في ذلك وهو ليس بكبر.
تعريف الكِبْر:
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ، يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». رقم: 134.
(2) رواه البيهقي في: شعب الإيمان، بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ».الأربعون من شعب الإيمان وهو باب في الملابس والزي والأواني وما يكره ميها، فصل فيمن كان متوسعا فلبس ثوبا ... رقم: 5715 (1/65)
صفحة 66
ثم عرَّفهم الكِبْرَ فقال: (الكِبْرُ هو: غمطُ الخلق وتسفيه الحقِّ)، وفي رواية: (غمصُ الحقِّ) (1). فالكبر فيه خصلتان أولاهما: تحقير الناس وينتج عن ذلك عدم قبول النصح منهم، إذن فهذا من ذاك، فلماذا لا يقبل المرء الحقَّ ممن هو دونه في المال أو السلطان أو الرأي؟ لأنّه احتقره فهذه هي المصيبة والكبر، أمَّا إذا كان المرء يقبل النصيحة من أي مستوى كان صغيرًا أو كبيرًا أو فقيرًا أو امرأة أو صبيًا، فإنَّه لا كبر في هذا، وهذا هو الميزان الواضح في هذا الأمر، وكان هذا من دأب الصحابة أنهم يتناصحون فيما بينهم.
ثم زاد سيدنا أبو بكر س: «إذا أحسنتُ فأعينونِي وإذا أخطأتُ فقوّموني»، فهنا طلب أبوبكر العون من الأمَّة بألاَّ يدعوه وحده، لكي يحكُم بأمرِ الله بمثل ما أمرَ
الله، ولا بدَّ للخليفة من البطانة الصالحة. أمَّا إن رأيتم منِّي اعوجاجًا عن الحق، فلا تُعينُوني على ذلك إنّما نبّهُوني إلى الحق. وكذلك يجب أن تكون الرعية مع أمرائها، ويجب أن يكون الأمراء مع الرعيَّة، بأن يتعاونوا على الخير، ويتناصحوا على الخطأ أو العمد بمختلف أنواع النصيحة وبطرق حكيمة مجدية، «إذا دخل الرفق في أمر زانه، وإذا دخل الخرق في شيء شانه» (2). فالنصيحة لا تكون بالعنف، والبشر تتغلب عليهم الغرائز والمشاعر وتعتَريهم نوازع وشوارد وهِنات، ولكن الناصح يجب أن يكون حكيمًا، والحكمة تُصلح أكثر مما تُفسد، والأخرق يُفسد أكثر مما يُصلِح.
__________
(1) ينظر، ابن بطال، شرح صحيح البخاري، كتاب الأدب، 9/ 267.
(2) رواه أبو داود في سننه، بلفظ: «ياعائشةارفقي، فإنَّ الرفقلميكنفيشيءقَطّإلازانه، ولانزعمنشيءقَطّإلاَّشانه» رقم: 2478، 1/ 317. (1/66)
صفحة 67
وكذلك قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب س: «ما تقولون لو قلتُ برأسي هكذا، فقال قائلهم: لو قلتَ برأسك هكذا، لقلنا بسيوفنا هكذا، فسُرَّ سيِّدُنا عمر س، عنه لَمَّا وجد في رعيته من يراقبه» حتى ربَّما بأشد ما يمكن أن يقوَّم به؛ أي بالسيف، ولكن أين الناس من عدالة عمر، «ثم قال له قائلهم: اتَّق الله يا عمر فغضب عليه من حوله من الرعية، فقال سيدنا عمر س: لا، دعه يقُولها، فو الله ما فينا خير إن لم نقبلها، ولا خير فيهم إن لم يقولوها» (1)، أي لا تغضبوا عليه، دعوه يقولها لي، فهذه كلمة حق، لا أحد يعلو عليها، فإذا لم نقبل نحن هذه العبارة فإنَّ الناس يقولون لنا: لا خير فيكم، وكذلك هم إذا لم يقولوا لنا هذه العبارة، فإنَّه لا خير فيهم، ذلك أنَّهم يسايروننا ويداهنونا بسكوتهم.
فهي كلمة حقٍّ تقال للأمير والمأمور، وتقال للعظيم وللحقير، وتقال من الصغير والكبير، فعبارة «اتَّق الله» ليست من الخطأ في شيء، وليست شتماً ولا سبًّا ولا اتهامًا إذا قلتها لأحد، ومن الناس يرُدّ على القائل له اتق الله، بقوله: إنَّك تتّهمني بأنّي لا أخاف الله. فعندما يقول لك أحد: اتَّق الله، فهل يعني أنَّك لم تتق الله فعلاً؟ كلاَّ، إنَّما ذاك الذي يقولها لك، لأجل أن تعرض نفسك على الميزان، فإذا كنت مُتَّقيا الله فعلاً فزد في تقاك، وإذا لم تكن تتّقه، فعليك أن تتَّقيه بحقّ.
فالتقوى غاية الغايات، مهما وصل أحدٌ إلى أعلى قمة الأعمال الصالحة، والاستقامة السليمة فإنَّ ثمّة درجات أعلى في التقوى لم يبلغها، وقد فاقه فيها من هو خير منه، من النبيئين والصدِّيقين والشهداء والصالحين.
__________
(1) ينظر: السيوطي، جامع الأحاديث بلفظ: «أنَّرجلاقاللعمراتقالله، فقالعمرومافيناخيرإنلميُقَللنا، ومافيهمخيرإنلميقولوالنا» رقم: 28377، 25/ 464. (1/67)
صفحة 68
وفي حقيقة الأمر إذا كان الأمير يعصي الله فإنَّه لا محالة سيظهر في الرعية فسادٌ كبير وعتوٌّ في الأرض، وهذا الذي ينصُّ عليه قول رسول الله ح: «كما تكونوا يولَّى عليكم» (1) أي كيفما تكونوا أيَّها الرعية يكون أمراؤكم، فلا تطمعوا إذا كان فيكم فسَّاق وعصاة ومجاهرين بالمعاصي أن يكون أميركم عمرَ بن الخطاب أو أحدًا مثله.
فعمر بن الخطاب كان بين أصحاب رسول الله حوتابعيه وأمته، ولو جاءنا في هذا الوقت ليكون أميرنا نرفضه ولا نقبله ـ لا نقصد بهذا الكلام أنفسنا نحن كمسلمين ـ بل أكثر الناس في هذا الوقت، فإنَّهم يرفضونه ويمنعوه لأنَّهم لا يطيقون ما سيأتي به، [ولربما قصد بذلك أي حاكم أتى بما أتى به عمر]، فالأمير عادة يكون مثل الرعية، وفي مستواها، لأنَّه ينتخب منهم ومن وسطهم، فهو واحد منهم، فإذا كانت الرعية
صالحة فالأمير أو الولي يكون صالحا عادة، وإذا كانت الأمَّة فاسدة يكون الأمير كذلك فاسدًا، لأنه ما هو إلا واحد منهم وليس ملَكاً نزل من السماء.
قد يجعل الله من جور الأمير عقوبة للأمَّة على معاصيها في بعض الأحيان إن شاء، فيكون الحاكم جائرا على الناس الذين يعصونه، فإذا لم نستطع نحن أن نصلح أمراءنا فلنصلح أنفسنا، ونبُثَّ الصلاح في أوساطنا؛ في أبنائنا وبناتنا وفي مجتمعنا، فنصبح على مستوى من التقوى والورع والصلاح لكي يسخِّر الله تعالى لنا أميرًا صالحًا جزاءً لصلاحنا.
وإذا كان العكس ـ والعياذ بالله ـ ظلم بعضنا بعضا وتفرَّقنا، وخرجنا عن طاعة الله ورسوله، وسلَّط الله علينا المعاصي والكبائر، فهنالك ـ لا محالة ـ سيعاقبنا الله بأمير جائر، وهذا كله من المعاني التي يدل عليها قوله ح: «كما تكونوا يُولَّى عليكم».
__________
(1) ينظر: السيوطي، الجامع الصغير، رقم: 6406، 3/ 293. (1/68)
صفحة 69
ومن جهة أخرى الطاعةُ لا تجوز في معصية الله، «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» طاعة أولي الأمر لازمة لأننا تحت سلطته، يجب علينا الاستجابة له، والعمل بأمره فيما فيه الصلاح واستقامة أمر المجتمع، والدنيا والدين، لكن إذا كان ثمَّة أمرٌ بالمعصية لأحد مثلا بترك الصلاة أو شرب الخمر أو الفسق فلا عذر له، بأن يقول قد أمرني فلانٌ أو فلان وألزمني؛ إذن فلا أصلِّي وأشرب الخمر .. فالتقية عندنا لا تجوز بالفعل، لكن ربما قد تجوز بالقول، والله تعالى لم يُبِح التقيَّة بالفعل، فلا يجوز شرب الخمر ولا الفسق ولا الزنا بحجَّة أن فلان أمر بها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. نسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح أمرَ أمرائِنا، وأمور رعايانا، والله الموفق لما يُحبّه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء فيمن أطاع أمري فقد أطاعني
47ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَ أَمْرِي (1) فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمْرِي (2) فَقَدْ عَصَانِي، أَلاَ وَإِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا» (3).
الشرح:
في باب الأمَّة ورد هذا الحديث المسند المتصل عن أبي عبيدة، عن شيخ الربيع جابر بن زيد، عن شيخه الصحابي الشهير أنس بن مالك ش جميعا، عن النبي ح.
«مَنْ أَطَاعَ أَمْرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمْرِي فَقَدْ عَصَانِي»:
__________
(1) * خ: أميري.
(2) * خ: أميري.
(3) رواه أحمد في مسنده:1/ 23،92،101 .. ورواه البخاري: كتاب الطلاق 24، وكتاب الفتن 16، وكتاب المناقب 1،5، ورواه مسلم في كتاب الفتن:50، ورواه الترمذي: كتاب الفتن79، ورواه مالك في الموطأ: كتاب الاستئذان 29. (1/69)
صفحة 70
بحسب تعبير الحديث كأنَّ النبيء حيخاطب الذين يأتون من بعده من أمَّته، لأن من سمعه من النبي ح مباشرة إمَّا أن يطيعه وإمَّا أن يعصيه، وأمَّا من لم يسمعه يبلغه الأمر بالتَّبع فحينئذ ينطبق هذا الحديث عليه، كأن يقول ح من وصله أمري وأطاعه فقد أطاعني، ومن وصله أمري فعصاني فقد عصاني، وهذا يكون للتابعين، ومن بعدهم ثم الذين من بعدهم حتى تقوم الساعة. فالرسول ح
إن مات ـ فالموت مكتوبٌ على كل مخلوق ـ فأمر الدين وسنَّته حيَّة لم تمت ولن تموت، كما قال النبي ح: «تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنَّتي» (1) كأنه يقول أنا ذاهب إلى ربي ولن أبقى حيًّا معكم، ژ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ?ژ (الأنبياء:34،35) تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتم به وتشبَّثتم، فإنَّكم لن تضيعوا أبدًا ولن تخرجوا عن طريقه ولن تهلكوا، ألا وهما أولاً: كتاب الله الذي تولَّى أمره بالحفظ ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ژ (الحجر:09)، ثانيا: سنّته ح، والسنَّة ليست تلك التي يطلقها بعض من الناس والغوغاء لمجرَّد فعل شيء فيقول هذه سنَّة، فهذا مفهومٌ خطير، ولكن السنَّة النبويَّة شيء آخر فهي تمثِّل كلَّ أمرٍ فعله النبي ح أو قاله أو أقرَّه.
إلى كم تنقسم السنَّة؟
تنقسم السنَّة بمثل ما تنقسم الأحكام في القرآن الكريم إلى أوامر ونواهي، فبالنسبة إلى الأوامر تنقسم إلى: الواجب، والمؤكد، والمندوب، وأمَّا بالنسبة إلى النواهي فتنقسم إلى: المحرم والمكروه.
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح، بلفظ: «خَلَّفْتُفِيكُمْمَاإِنْتَمَسَّكْتُمْبِهِلَنْتَضِلُّواأَبَدًاكِتَابَاللَّهعَزَّوَجَلَّفَمَالَمْتَجِدُوهُفِيكِتَابِاللَّهِفَفِيسُنَّتِي، ... » باب طلب العلم، ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم 30. وكذا مالك، الموطأ، رقم: 1594، باب النهي عن القول بالقدر، 2/ 899. (1/70)
صفحة 71
والحديث النبوي يحمل خاصيَّة أخرى مهمة للغاية حيث إنَّ طاعة الرسول حمن طاعة الله، ومعصية الرسول من معصية الله تعالى أيضا، وهذا ما نصَّت عليه آيات الكتاب الكريم:
قال تعالى: ژ ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ?ژ (النساء:80)، وقال أيضا: ژ? ? ? ? ہ ... ہ ہ ہھژ (النساء:64). وقال أيضا: ژ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ?? چ چ چ ژ (آل عمران:31). وقال أيضا: ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ?ژ (الأنفال:20).وقال أيضا: ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ (النساء:59). وقال أيضا: ژ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ (الحشر:07). وقال أيضا: ژ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ژ (النساء:42) وغير هذه الآيات.
فمن أطاع الرسول ح واتبع أوامره وأقواله؛ فإنَّه قد اتبع كلام الله جلَّ وعلا، وأما من عصاه فقد عصى الله، كل أمر أمره الرسول محمد ح كأنما الله هو الذي أمرنا به ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ (النجم:3،4)، وكلُّ نهي نهانا نبينا المصطفى ح فإنّما الله نهانا عنه، ژ ? ? ... ہ ہہہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ (الحشر:07)،
وفي هذا إنذار وبيان أنه من عصى أمر الرسول ح فمآله العقاب الشديد.
وليس في الأمر إشكال أبدًا، فكلُّ من أتى بعد النبي ح فأهل العلم يبلغونه أمر الدين، وكأنما لسان الرسول ح يقول: أنا الذي بلَّغتهم إياه، ولا يمكن أن يأتي البعض فيقول: لم يأمرني ولم ينهني رسول الله بل أمرني ونهاني زيد أو عمرو .. ، ألك أن تقول هذا الكلام؟ ألم يقل لك: قال رسول الله، ونهى رسول الله؟ فالرسول ح إنما قال أن تقول لمن أتى لك بالحديث ما حجتك؟ ما بيانك؟ (1/71)
صفحة 72
يعني أنَّ هذا الحديث الذي ترويه عن النبي ح أهو صحيح؟ هل هو مسند؟ هل روي عن ثقات عدول عرفوا بالتقوى والصلاح والعدالة؟ نعم فهذا مقبول ومن حقِّك أن تقوله وأن تسأله بمثل هذه الأسئلة لكي تعرف مدى صحة الحديث، فإذا كان صحيحًا مسندًا، أو كان هناك آية تؤيّده أو حديثٌ يقوِّيه، سلَّمتَ بالأمر وتبعته بدون مناقشة ولا جدال، لأنَّ الأحاديث يُقوِّي بعضُها بعضًا، فعليك بالطاعة المطلقة والتسليم لهذين المصدرين، والطاعة المطلقة دائما في كلِّ أمر وفي كلٍّ نهي أتى من الله تعالى ومن النبي ح.
ثم إنه هو الذي يبيِّن ويوضح أوامره جل وعلا ژ ? S ... S S S ? ? ? ژ (النحل:44)، وأمَّا إذا كان الأمر من شخص آخر فإذا أتاك بدليل وحجَّة وبرهان على صحَّة قوله فلك ذلك، وإذا لم يكن كذلك، فلك الاختيار، و «ما من عالم إلاَّفي قوله مأخوذ ومتروك» (1)، وكذلك يقال في النهي.
الحب الكاذب لرسول اللهح:
__________
(1) سبق تخريجه: عن ابن حزم الأندلسي، الإحكام، ذكر روايتين عن الحاكم بن عتيبة وعن مجاهد بنفس اللفظ: «قال ليس أحد من خلق الله تعالى إلاّ يؤخذ من قوله ويترك إلاّ النبي - صلى الله عليه وسلم -»، 6/ 317. ونسب البيهقي القول إلى ابن عباس ومجاهد بلفظ: «ليس أحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلاّ يؤخذمن قوله ويترك إلاّ النبي - صلى الله عليه وسلم -»، أحمد بن حسين بن علي البيهقي أبوبكر، القراءة خلف الإمام،1/ 213. وانظر: ابن عبدالبر، التمهيد، 1/ 366. (1/72)
صفحة 73
قال الشيخ السالمي رحمه الله معلِّقا على هذا الكلام: «ومن عصى أمره فقد عصاه، وإن ادَّعى طاعته ومحبَّته فلا تكفي الطاعةُ باللسان حتَّى يصدقها العمل» (1). نعم بشار يحكي عن عبد الله حميد السالمي ـ رحمه الله ـ الذي شرح هذا الحديث أنَّه قال: من أطاع رسول الله فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله وإن ادعى محبَّته، ولو أن أحدا قال: أنا أحبُّ رسول الله وأنتشي بمدحه ـ ولو كان مدحه بحق ـ ولكن لا يطيع أمره فهذا حبٌّ كاذب، وهو لا يكفي في حقِّ رسول الله، بل يجب أن يكون مدحُك واتباعُك لأوامره في آن واحد، فلا ينفع أن تقول فيه مائة أو ألف بيت من الشعر وتحفظ أكثر من قصيدة في مدحه ح وتتغنَّى به، ولكنَّك تخالف أوامره ونواهِيَه، فلن ينفعك شيءٌ من هذا الحبِّ المزيَّف الكاذب.
فالرسول ح لم يقل أحبُّوني الحبَّ العاطفيَّ؛ أي حبَّ الجنون وحبَّ العشق، بل قال اتَّبعوني فيما آتيتكم به وأطيعوا أمري، وقد قالها الله تعالى وبيَّنها في كتابه العزيز حين قال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? چ چ چ ژ (آل عمران:31) جعل الله برهان محبَّته في اتباع رسوله
__________
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 98. (1/73)
صفحة 74
الكريم لمن يفقهه، ولم يقل: إن كنتم تحبُّون الله فأحبّوا رسول الله لأنّه جل جلاله يعلم أنَّ المحبَّة لا تكفي وحدها، ولأنه يعلم أن جلَّ أمَّته ستحبّه حبًّا عاطفيالا حبَّ اتِّباع، لذلك عدل عن ذكر المحبَّة إلى ذكر الاتباع، فالغايةُ من المحبَّة هو الاتِّباع وليس مجرَّد المحبَّة، لأنَّ بعض البشر إذا أحبَّ عبدًا فإنه يتّبعه ويحذو حذوه، بل إنَّه يتشبَّه به في لباسه وهيئته وحتى في مشيته وجلوسه وحركاته وسكناته، وهذا طبيعي كما يقال، حتى إن أحدهم يصل الى حدِّ الطاعة العمياء فيمتثل لكلِّ أمرٍ أو طلب يصدر عنه، فتجده رهن إشارته حتى لو سأله سائل: لماذا تفعل كذا وكذا؟ فيقول له: لأنَّ هذا ما قاله لي فلان، فتقول له: ما الغاية وما الهدف منه؟ فيقول: لأنني أحبّه، وأرى فيه الإنسان الصالح والفالح في معيشته ومعاشرته ومعرفته ورزقه ومعاملته، وله رأي سديد ويحبُّ الخير لي. فهذا هو سلطان المحبَّة حين يتمكَّن من القلوب، وهذه هي المحبَّة الصادقة فكيف بنا يا إخوتي برسول الله خير الأنام ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ (النجم:04) الذي أرسله الله تعالى إلى كافة الناس وإلى الثقلين من الجن والإنس مبشرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه، فكيف لا نتبعه ولا نطيع أمره؟
ألا فلنعلم أنَّ الله تعالى قد أعادنا إلى الفطرة السلمية التي تسير عليها النفوس أي اتِّباع كلِّ نفس من أحبت، لذلك جاءت الآية بصيغة الشرط وجزائه وجوابه، يا عبادي ژ?? ? ? ?ژ حقيقة كما تدَّعون الحبَّ فأحبُّوا رسول الله وأطيعوا أمره ونواهيه لكي تكونوا صادقين، فعند قيامكم بالشرط سيجيئكم جوابُ الشرط: ژ ? ? ? ???ژ، هذا هو معنى الكلام، فما عرف من الكلام يُستغنى عن ذكره، فهذه هي العربية، وهذه هي البلاغة والإيجاز. إذن فإن (1/74)
صفحة 75
كنتم تحبُّون الرسول حقًّا واتبعتم ما آتاكم به سأحبّكم ويحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وسيئاتكم ويقبل حسناتكم، فالله يغفر الذنوب جميعا، فكل ما فعلناه بعد التوبة يغفره لنا وما فعلناه حسنًا فهو من باب أولى أن يتقبَّله وهذه هي المحبَّة الصادقة.
وقول الشيخ السالمي يرمي إلى أنَّ المحبَّة لا تكفي بالقلب فلا بدَّ أن يصدِّقه العمل بالجوارح فحينئذ تُصبح محبًّا لرسول الله ومحبا لله تعالى.
روي أنَّ أحد الصالحين رأى رسول الله ح في المنام فقال: «السلام عليك يا رسول الله، فردَّ عليه الصلاةُ والسلامُ السلامَ، فقال له: اعتذر إليك يا رسول الله، فقال: ح من ماذا؟ فقال له: شغلتني محبَّة الله عن محبَّتك، وذِكرُ الله عن ذكرك، أعتذرُ إليك بطاعة الله وذكره ومحبَّته وربَّما يمرُّ وقتٌ طويل فلا أذكرك، وإنما أوحِّد الله جلَّ وعلا وأقرأ القرآن وأصلِّي .. فإنّي أطلب منك المعذرة يا حبيب الله، فتبسَّم النبي ح وقال: يا هذا إنَّه من أحبَّ الله فقد أحبني، فلا يلزم الاعتذارُ لأنَّه من أحبَّ الله فقد أحبني بالتَّبع» (1).
فمن أحبَّ الله واتبع أوامره وذكره في كلِّ حين فإنه يحبُّني ولو لم يذكرني لأنَّ حبَّ الله وحب الرسول ح واحد، يصدر من منبع واحد.
__________
(1) ينظر: الرازي، تفسير الفخر، سورة النساء، قالمقاتلفيهذهالآية: أنَّالنبي - صلى الله عليه وسلم - كانيقول: "منأحبنيفقدأحبَّاللهومنأطاعنيفقدأطاعالله" فقالالمنافقون: لقدقاربهذاالرجلالشرك، وهوأنينهىننعبدغيرالله، ويريدأننتّخذهربّاكمااتخذتالنصارىعيسى، فأنزلاللههذهالآية،1/ 1504. الزمخشري، الكشاف، 1/ 570. (1/75)
صفحة 76
فلله المقام الأوَّل في قلوبنا، ثم يليه رسول الله ح، وفي هذا الحديث إشارة إلى الحديث السابق (1): «خَيْرُ أُمَّتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي وَلَمْ يَرَوْنِي فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى إِلاَّ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْفِتْنَةِ». يعملون بأمري ولم يقل يؤمنون بي فقط، فمن الناس من يدَّعي الإيمان به ولكن لا يعملون بأمره، فالإيمان والحب لا يكفيان حتى يفسَّر بالعمل بأمر الرسول، الذي هو من أمر الله تعالى ژ ? ? ? ? ? پپژ (النساء:80).
إنَّ العمل بأمر الله وأمر رسوله فيما كان واجبًا فلا اختيار فيه، وما كان منه مستحبًّا أو مندوبًا فإنَّه بحسب النشاط والرغبة، ومن أخذ من ذلك بسهم وافر فقد أخذ بسهمه من الأجر عند الله تعالى، وإذا كان هناك عجزٌ طبيعيٌّ وعائقٌ يمنع من اتباع أمر الرسول ح كما أمر به على الكيفية التي فعلها وبيَّنها لأمَّته، فلا مناص حينئذ، لأنه قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم» (2) فهذا من رحمة الله تعالى ومن تيسيره، ثم إنه لم يقل: وما نهيتكم عنه فلا تأتوا منه ما استطعتم، لأنَّ الترك ليس فيه الاستطاعة وعدمها فهو بلا جهد ولا عمل، وفي حال تأصَّلت في الإنسان بعضُ النواهي مثل الخمر أو الدخان أو غيرهما .. فما عليه إلاَّ تركها بالابتعاد عنها مرَّة واحدة، ومدَّة معيّنة ليسهل عليه نسيانها، ولا يجوز القول: لا أستطيع أن أترك هذا لأنِّي قد ألفتُه، فهذا محال.
__________
(1) ينظر الحديث رقم 38 من مسند الربيع بن حبيب، و قد تقدَّم شرحه ضمن أحاديث هذا الجزء.
(2) رواه مسلم في صحيحه، باب توقيره - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 1337. 4/ 1829 (1/76)
صفحة 77
الأمر الذي أمرتكم به «فاتوا منه ما استطعتم» هنا عقَّب الأمر بالاستطاعة لأنَّ الشرع الحكيم يعلم عدم تساوي الاستطاعة بين العباد، فما من طاعة مفروضة جملة واحدة، إلاَّ وفيها ترخيصات فالصلاة فيها رُخص، والصومُ فيه رُخص كذلك ژ? ? ... ? ... ? ? ... چ چ چ چ ? ??ژ (البقرة:184)، والطهارة فيها رُخص ژ? ? ? چ چ چژ (المائدة:08)، والفرائض الخمس كلّها فيها ترخيصاتٌ.
وفريضة التوجيه ليس فيها كلام، لأنَّ الاعتقاد باللسان؛ وأمَّا الذي لا يستطيع أن ينطق بكلمة التوحيد كأن يكون أبكمًا والله تعالى يعلم نيَّته، فقد يشير بيده موحِّدا إلى السماء ويتمتم بلسانه ... «فاتوه ما استطعتم» فلم يبق لنا أيَّ عذر لنقول: لا نستطيع، فإذا لم تستطع فلك البدل. فإذا لم تستطع أن تصلِّي لمرض أو عجزٍ فَصَلِّ قاعدًا أو نائما، وبدل كلِّ القراءات والتكبيرات يسعك تكبيرة واحدة وقيل أربع ... ژ? ? ? ? ? ??ژ (البقرة:286)، الله يعلم نوايانا فمنهم من قصَّر تقصيرًا فترك من مجهوده في طاعة الرسول ح تكاسلا أو عنادا أو تمرُّدًا، ولكن من قصَّر لعجز به أو مرض فالله يكتب أجره كاملا غير منقوص، والذي في الصغر قوي البنية يصلِّي قائمًا، وعندما يصل به السن إلى العجز فصلى قاعدًا أو نائمًا، أو كان يذهب إلى المسجد ولا تفوته صلاة فيه ومنع بعد ذلك فالله تعالى لا يضيع أجره، فيعطيه أجره كاملاً، فبعض العلماء قالوا في تفسير الآية ژ? ? ? ? S S S S ? ? ... ? ? ? ? ژ (التين:5 - 6)؛ أسفل سافلين: يعني في الضعف وفي الهرم والشيخوخة، فله أجرٌ غير ممنون: أي غير مقطوع، فالله يكتب أجره كأنه ذهب إلى المسجد وصلى مع
الجماعة، فهذا قولُ بعض المفسرين، بهذا قد يكون للآية بعض مدلولات ومعاني أخرى غير هذه والتفسير صائبٌ وراجح (1).
__________
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، سورة التين، 20/ 113 .. (1/77)
صفحة 78
فالرسول ح قال في حديث آخر: «فإذا كان أحدٌ يعمل عملاً وعجز عنه فيقولُ الله للملائكة اكتبوا لعبدي أجرَه كاملاً قائمًا حبَسَهُ المرض» (1)، قال تعالى: اكتبوا أجره كاملاً، فالذي حبسه في البيت عن المسجد وأماكن الخير المرضُ والعجزُ، لأنه عندما كان في عنفوان شبابه كان يذهب إليها دائما. إذن فهذه هي الأمَّة المحبَّة لسيدنا محمد ح الذين صدقوا محبَّته بالعمل، الذين أتوا من بعده ولم يروه، فهم آمنوا بالغيب مرتين أولئك لهم الدرجات العلى في الجنَّة، وقيمة تلك الدرجات لا نُدرك حقيقتها حتَّى نصل إليها في الآخرة، لأنَّ الله تعالى قال لنا في الدنيا انظر كيف فضَّلنا بعضهم على بعض، يعني في الدنيا، ثم قال ژ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ژ ژ (الإسراء:21). فنحن نرى في الحياة الدنيا فروقا كثيرة بين الناس، فهذا يسكن في كوخ من طين أو سعف النخيل أو من القصدير، وهذا فضَّل الله عليه فهو يسكن في قصور وفرش وحمامات وأثاث فاخر، وكلُّ هذا لأجل الاعتبار، فهذا التفضيلُ في الدنيا يجعلنا نتعجَّب منه، فكيف بالآخرة فهو أكبر وأكثر.
إنَّ الدرجات العلى في الجنَّة للذين اتَّقَوا الله وأطاعوا الرسول ح، وإنَّ الدركات السفلى في النار للذين عصوا الله وخالفوا رسوله ژ ? ? ? ... ? ? ? ... ? ں ں ? ? ? ? ? ? ... ہ ... ہ ہ ژ (الفرقان: 27،28) وقال أيضا: ژ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?ژ (النساء:42)، فهم يودُّون أن تنشقَّ الأرض ويُدَكّوا فيها وهم أحياء وتُسوَّى بهم لكي يرتاحوا من الهول الذي يستقبلهم والذي لا مهرب ولا مفرَّ منه.
__________
(1) ينظر، البخاري الأدب المفرد، بلفظ: «مامنمسلمابتلاهاللهفيجسدهإلاكتبلهماكانيعملفيصحّتهماكانمريضًافإنعافاهأراهقالعسلهوإنقبضهغفرله»، رقم: 501، 1/ 176،كذا، ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: «مامنعبديمرضإلاَّقالاللهلكاتبيه أكتبالعبديماكانيعملفيصحته» رقم:21، 17/ 208. (1/78)
صفحة 79
«ثم أشار إلى المشرق فقال إنَّ الفتنة هاهنا، ألاَّ وإنَّ الفتنة هاهنا» (1):
وهذا خبر غيبي، وقد وقع بعد زمن النبي ح، فقد وقعت في المشرق فتنة المرتدين في خلافة أبي بكر الصديق، في شرق الجزيرة العربية، ثم فتنة أخرى في البصرة والكوفة، ووقعة الجمل كلُّها في المشرق، ومن الغريب أنَّ الرسول ح قال إنَّ الفتنة تقع في المشرق، بينما أورد في المغرب أحاديث طيِّبة، من ذلك قوله ح: «إنَّ الله يؤيِّد هذا الدين بقوم من المغرب» (2)، وغيره من الأحاديث، والحمد لله تعالى أنَّنا من جهة المغرب، فهو فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء.
نسأل الله الهداية والتوفيق والحمد لله ربِّ العالمين.
ما جاء في الإمام العادل
__________
(1) اللفظ الوارد في النص الأصلي: «أَلاَ وَإِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا»، ربما قد اختلط على الشيخ، فالنص الذي ذكره في هذا الموضع، هو من حديث رقم: 75.
(2) ينظر: أحمد كنزالعمال: رواية: «لايزالأهلالمغربظاهرينعلىلحقحتىتقومالساعة»، رقم: 35130، 19/ 167، كذا: السيوطي، الدر المنثور، نفس رواية كنز العمال، بينما الرواية الواردة في الشرح، فينظر: مهناالسعدي، كتاب الشيخعمروسومنهجه، بلفظ: «فإناللهسيعزهذاالدينبقوممنالمغرب» 1/ 314. (1/79)
صفحة 80
48ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ» (1).
الشرح:
هذا الحديث الذي روي عن النبي ح من طريقٍ صحيحٍ مُسنَدٍ في موضوع الإمام العادل، والخصال الأخرى التي وردت بمناسبة ذكر الظل يوم القيامة، لأنَّ موضوعنا في الأمَّة وفي الأئمَّة. وقد تقدَّم أن رأينا وعيد الإمام الذي لا يعدل وعيده عند الله وفي الأمَّة، واليوم في هذا الحديث نتطرَّق إلى الإمام العادل،
الذي يعدل ويحكم بكتاب الله وسنَّة رسوله ح؛ يعدل في الرعية ويقسم بالسوية، ويقيم الحدود ويقيم صلاة الجمعة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر طبقًا لقوله تعالى: ژ? ?? ? ژ ژ ss ککک کگ گ گگژ (الحج:41).
__________
(1) رواه أحمد في مسنده: 2/ 439، ورواه البخاري: كتاب الآذان 36، كتاب الزكاة 91، وكتاب الرقائق 24، وكتاب الحدود 19، ورواه مسلم في كتاب الزكاة 91، ورواه الترمذي في كتاب الزهد 53، ورواه النسائي كتاب القضاة 2، ورواه مالك في الموطأ كتاب الشعر: 4. (1/80)
صفحة 81
فهذا الحديث مشهورٌ في الأمَّة، روي من طرق صحيحة، فإسنادُه هنا عن أنس بن مالك، وورد أيضا عن سلمان الفارسي وعن غيره من الصحابة ش، وكأن النبي ح قاله في جماعة من الصحابة فحفظه كلُّ واحد منهم ورواه لمن بعده من التابعين، ولذلك فلا إشكال في تعدُّد روايته.
«سبعةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه»:
في رواية أنس، هكذا وردت نسبة الظل إلى الله تبارك وتعالى نسبة تشريف وتقريب، وليس نسبة الظل إلى الله سبحانه تعالى عن ذلك، وروي في حديث آخر برواية سلمان الفارسي س «سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلهُّ» (1) وليس هناك إشكال.
سبعة من الناس لم يقصد سبعة أشخاص فقط، بل سبعة أنواع، وسبعةأصناف من الناس، يدخلون تحت ظلِّ عرش الرحمن يوم القيامة، مثلما قال: ژژ ژ s s ک ک ژ (الحاقة:17) إمَّا الثمانية: ثمانية من الملائكة على قول بعض المفسرين، أو ثمانية من صفوف الملائكة يحملون هذا العرش في
قول بعضهم (2)، كل ذلك هيِّن عند الله تعالى، وهو إذا أراد سبحانه وتعالى أن يحمله هو من دون الملائكة فهو قادر على كلِّ شيء.
__________
(1) ينظر، المتقي الهندي، كنز العمال. رقم: 43563.الجزء 15، 21/ 300.
(2) هو قول لابن عباس، تفسير البغوي باب 12، 8/ 210. ينظر أيضا: الدر المنثور للسيوطي، 14/ 62. تفسير ابن أبي حاتم، 12/ 332 .. (1/81)
صفحة 82
في ذلك اليوم تدنو الشمس من الرؤوس، كما روي أنَّ الشمس تستقر في كبد السماء في يوم طويل جدًّا فالشمس لا تشرق ولا تغرب، كما يتمنَّى كلُّ أحد أن تغيب، فالشمس تثبت في مكانٍ واحدٍ دانيةً من الرؤوس بحيث لا يستطيع ولا يقوى أحدٌ على حرِّها يومئذ، فمن كان تحت تلك الشمس فهو في عذاب شديد لا يستطيع أن يهرب، وإنَّ مُخّه يغلي غليانا من شدَّة حرِّها، ولن يتسنَّى حينها لأحد أن يرى ظلاً ولو على مسافة مائة متر أو ألف متر فيذهب ليستظل به، فليست أحكام تلك الدار كأحكام هذه الدنيا، حيث يمكن للشخص إذا رأى الظل قريبًا أو بعيدًا وهو في الحرِّ الشديد فإنه يأوي إليه مسرعًا.
ونحن نرى في الدنيا بعضًا من مواقف فيها قليل من الشبه بذلك الموقف العظيم في الآخرة، في أماكن مزدحمة كمِنَى في أيام الحجِّ، حين يكون الواحد منَّا وسط العدد الغفير من الحجاج لا يستطيع أن يمشي يمينًا ولا شمالاً، فكيف بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأوَّلين والآخرين ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الواقعة:50) ژ ? ? ? ں ں ? ? ?? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ھژ (هود:103)، يجتمع الإنس والجنُّ وحتَّى الوحوش والحيوانات ـ كما روي في بعض الروايات ـ، ثم تصير تلك
الحيوانات ترابًا، ويبقى الإنس والجن ينتظرون الحساب الذي يفضي بهم إلى الثواب أو إلى العقاب.
ففي ذلك الجمع الكبير فإنَّ كلَّ واحد يبقى في مكانه لا يستطيع أن ينحاز عنه يمينًا أو شمالا ولو بقدر شبر، أو أقل من ذلك، ولأجل هذا فإن من وجد نفسه تحت الظل فهو السعيد، - نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ في ذلك اليوم المشهود، مع الذين لا خوفٌ عليهم ولا هو يحزنون؛ لا خوفٌ عليهم من العقاب، ولا حزن عليهم في الوقوع فيه ولا على توقّعه أبدًا، وإنَّما هم في راحة بال وفي بردٍ ونعيم، رَوْحٌ وريحان وجنَّة نعيم. (1/82)
صفحة 83
ولذلك يجب أن نبحث عن هذه الخصال ونعِيَها ونحفظها فهي التي تزحزحنا عن الشمس وعذابها إلى الظل ونعيمه، ومن نجا من عذاب ذلك اليوم فهو عنوان نجاته الأبدية ودخوله الجنَّة، وكما أنَّ من هلك يومئذ فذلك عنوان عذابٍ بعده هو أشدُّ وأبقى.
فعلينا أن نفهم هذا الحديث جيدًا ونعيه، فقد روي عن النبي ح بطرق صحيحة، وليس عندنا فيها أدنى شكٍّ، وقد رواه أصحاب الصحاح من الأحاديث فعلينا أن نبلغها كذلك لمن بعدنا من الأمَّة لكي نعمل بهذه الخصال وحتى نكون من أصحاب ظل عرش الرحمان يوم لا ظل إلاَّ ظله.
ولا ننسى في ذلك اليوم أن الأرض تُبَدَّل غير الأرض، ففي الدنيا ثمَّة أشجارٌ وبنيان وكهوفٌ وجبالٌ وأودية يمكن لأحدنا أن يستظلَّ بها، ولكن الأرض يوم القيامة لا يبقى فيها شيء ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ژ (طه:105)
ژ ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ژ (الانشقاق:05) يعني أنَّها انصاعت لربها، فالأرض في المحشر تُمَدّ وكأنها سبيكة من فضة، لا يبقى فيها جبالٌ ولا أنهارٌ ولا صخورٌ ولا نباتٌ فهي ممدودةٌ مبسوطة، ولأجل ذلك سمِّيت أرض المحشر بالساهرة (1)، حيث إنَّه لا يبقى فيها ظلٌ إلاَّ ظل عرشه سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث.
ورد في هذا الحديث سبع طوائف وأنواع من الناس أو ممن يحملون تلك الخصال السبع الذين سيظلهم الله، وبالنظر إلى أحاديث أخرى فإنَّ مجموعها حسب تلك الأحاديث يصل إلى عشر خصال تقريبا؛ وإنما الذي في هذا الحديث سبع فحسب، أوَّلها:
الأوَّل: إمامٌ عادلٌ:
__________
(1) ينظر: اطفيش، هميان الزاد إلى يوم المعاد، 15/ 169. (1/83)
صفحة 84
يبدأ بالإمام العادل لشرف مقامه وشرف عدله، وصلاح الرعية بصلاحه، فإذا كان الإمامُ صالحًا عادلا فالرعية بالتبع تكون صالحة، ليس بنسبة مائة بالمائة ولكن يشيع الصلاح في الأمَّة، ويشيع الرخاء والأمن، حتى الخصوبة في الأرض تكثُر، كما قيل في الأثر: «فضلُ عدلِ ساعةٍ من إمامٍ خيرٌ من أن تمطر الأرض أربعين سنة» (1)، حقيقة تصبح الأرض خصبة إذا كان هناك إمام عادل، ويقع الخير من جميع النواحي، ولا أدلَّ على ذلك ما جاء في التاريخ القديم للأئمة
العدول في زمان الإمامات حيث يكثر الرخاء والغنى والخصوبة والعافية والدين والعلم في عهودهم، وحتى في التاريخ الحديث فإنَّه قد حصل هذا.
يحدِّثنا أهلُ عمان، عن زمن الإمام محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله (2) العالم العادل التقيّ الذي كان إمامًا لمدَّة ثلاثين عامًا، مقيمًا للحدود، وحاكما بالعدل، وكان في سيرته مثالاً للإمامة الصادقة التي كانت أقرب ما تكون إلى إمامة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، فيحكى أنَّ عمان في ذلك العقد كانت كلها تمتاز بالخصوبة، ووفرة المياه وصلاح الثمار والغلال، لكن اليوم لما تغيَّرت الأحوال جفَّت كثيرٌ من الأفلاج، لهذا السبب.
__________
(1) ينظر: فيما يقرب من المعنى، إسماعيلحقيالإستانبولي، تفسير روح البيان، سورة الحج، 6/ 29. بلفظ: «عدلُساعةٍخيرٌمنعبادةسبعينسنة».
(2) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق مما ورد فيه: «الإماممحمدبنعبداللهالخليلي (1299 - 1373هـ/ 1882 - 1954)،بويعبالإمامةسنة1338هـ، منأشهرأئمةعمانوأعدلهم، عرفعنهسعةالعلم، وحبَّالخير، وحسنالسيرة. تعتبرإمامته (1920 - 1954م) منأنجحالإماماتفيتاريخعُمان، وبانتهائهاانتهتالإمامةكمؤسسةوكنظامسياسي» 1/ 326 .. (1/84)
صفحة 85
وكما ذكرنا على حسب ما يكون حال الإمام يكون حال الرعيَّة، إذا صلحت أيمتها ورعاتها تتجه الرعيَّة إلى الصلاح، كما قال "أبو حازم الأعرج" التابعيُّ الكبير لـ"سليمان بن عبد الملك" (1)، الملك الأموي لما كان في طريقه إلى الحجّ فدخل المدينة المنوَّرة فسأل: هل بقي أحد من الصحابة؟ فقيل له: أولئك فنَوا ولم يبق منهم أحد، وسليمان بن عبد الملك جاء بعد السنة المائة، والصحابةُ يومئذ لم يبق فيهم أحد، فقال: هل بقي أحد من التابعين؟ فقالوا: نعم، فدعي له بأبي حازم، ودار بينهما حديث طويل، ومن جملتهقال: عظني، فقال له: «نزِّه ربَّك وعَظَمَتِهِ
أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك»، فهذا وعظ مختصر وفيه كل شيء. ومعنى هذا القول: إنه عليك أن تستحي من الله ومن عظمته أن يراك حيث نهاك فإذا قال لك لا تفعل كذا أو كذا، فيجب أن تستحي من عظمة الله، وكذلك عليك أن تستحي ألا يجدك الله في الأماكن التي أمرك أن تكون فيها كالمساجد ومجالس العلم، ومجالس الذكر، فاستحي من عظمة الله أن يكون الناس في هذه الأماكن وأنت غير موجود معهم، وربما قد تكون في مكان المعاصي والفسق. فهذه كلمةٌ جامعة مانعة مؤثرة وبليغة.
__________
(1) ينظر: الدارمي، السنن، باب في إعظام العلم، 1/ 163. (1/85)
صفحة 86
ثم قال: «إنَّما أنت سوقٌ، فما نَفِذ عندك حُمل إليك» أنت أيها الأمير كمثل سوقٍ فما نفذَ عندك يجلبه الناس والبائعون إليك من جميع الأمكنة، فهذا طبيعي، فغلةٌ كالتمر مثلا، في مثل الموسم الذي نحن فيه، حيث إنه بمجرد سماع الناس بأنّها صارت سلعة مطلوبة في أحد الأسواق، ـ خاصة وأنَّ الناس تنتابهم الحيرة في حال نفاذ التمر ـ فإنَّنا نجد الجميع يهرع إلى ذلك السوق بكل وسائل النقل بالسيارات أو بالإبل أو بالحمير أو غيرها وبأي كيفية لإيصال البضاعة إلى ذلك السوق، لأنَّ سلعة كذا أو كذا قد نفذت فيه، خاصَّة إذا كانت تلك السلعة بائرة. وكذلك أنت أيها الأمير فإذا نفذت عندك الديانة، جاءتك من مجالس الذكر ومجالس الحكمة ومجالس العلماء والعقلاء والحكماء والكتب والتأليف والخير .. في عهدك.
وأمَّا إذا كان مجلسك من مجالس الفسق والخمر والقيان والرقص .. فسوف تكثر في الناس هذه الأشياء ويأتونك بأنواع الفسق من هنا وهناك بمثل ما تطلبه،
فحينها يكثر في عهدك الفجور، وكما يقولون: «الناس على دين ملوكهم» (1)؛ فالناس يكونون على حسب رغبة أمرائهم، فإذا كان الأمير صالحا يطلب العلم والفقه تكثر هذه الأشياء، في مجلسه وفي كامل مملكته من أقصاها إلى أقصاها، وأمَّا إذا كان على النقيض فهو كذلك. ولذلك كان للإمام العادل الأثر العظيم ـ مقارنة بالخصال التي تليها ـ، ولذا بُدئ به في هذا الحديث.
الإمامُ العادلُ هو ظلُّ الله في أرضه:
وسُمِّي الإمامُ العادل أيضا «ظِلُّ الله في أرضه» وليس المقصود بالظل ظلُّ الله الحقيقي، وإنَّما تمثيله خلافة الله في الأرض أحسن خلافة وأحسن تمثيل، بإقامة الحدود، والعدل في الرعية والقسمة بالسوية، حيث إنَّه يكون بهذا بمثل ظل الله في أرضه وخليفته فيها، ولأجل ذلك كان أوَّل من يكون تحت ظل الله يوم القيامة يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلّه.
__________
(1) ينظر: ابن حجر، فتح الباري، الجزء 07، 21/ 225. (1/86)
صفحة 87
ويدخل في معنى الإمام كلُّ من استعمله ذلك الإمام العادل، كما عندنا في العقيدة (1) نتولَّى الإمام العادل ونتولَّى ولاته وكُتّابه ووزراءه وكل واحد يتَّصل به، والعكس كذلك بالنسبة لكلِّ واحد استعمله ذلك الإمام من الولاة والأمراء
والوزراء والقادة، والإمام لا يستطيع أن يوجِّه أمَّته بمفرده وإنَّما يستعين بهؤلاء في جميع النواحي والميادين.
وبطبيعة الحال الإمام العادل الناصح الأمين لا يختار حاشيته إلاَّ ممَّن يمثِّله في العدل والصلاح، فهو يوصيهم ويوجههم، فإن خانوا مثلا في مال الأمَّة أو في الأحكام، يحاسبهم على عملهم حسابًا شديدًا ما دام هو إمام عادل، وإن وجد فيهم من لا يصلح في منصبه قام بعزله.
إذن إنَّ كل هؤلاء الذين يستعملهم الإمام العادل، ويكلَّفون بمسؤوليات صغيرة كانت أو كبيرة، إذا عدلوا فيها وأصلحوا واتَّقوا الله، يكونون كلّهم تبعًا لإمامهم في ظلِّ عرش الرحمان يوم القيامة. فهذه الخصلةُإذن لا تخصُّ الإمام الحاكم أو الرئيس الأول فقط، بل كل من كان على شاكلتهم وسار على هديهم.
الثاني: «شابٌّ نَشَأ في عِبَادةِ الله»:
__________
(1) ينظر: السالمي، غاية المراد في الاعتقاد، منه هذا النظم:
«وكُنْمُوالٍإمامَالمسلمينومَنْ .... حوتْهُطاعتُهُإلاَّالذيانخَذَلا
وعادِفيالدِّينِجبَّاراًوعامِلَهُ ..... ومَنلهفيسبيلِالمُكْفِراتِتَلا»، ص: 02. (1/87)
صفحة 88
كلنا نعرف الحكمة التي تقول: «من شبَّ على شيء شاب عليه»؛ فمن نشأ على حالةٍ معيَّنة في صغره فسيستمرّ عليها في كبره، فمن كان شبابه في عبادة الله، فإنَّه يمضي على ذلك في كبره لا محالة، ولا يُظن بأنه سيتحوَّل عمَّا نشأ عليه، لأنَّ شهواته ونوازعه تكون قد ضعفت ولا يمكنه أن يعود إلى المعاصي. ولكن النقيض هو ممكن، لأنَّ الشيطان قد يغرّه ويغويه، ثم يعود بعد ذلك ويتوب وهذا ممكن حدوثه، وأمَّا إذا نشأ في عبادة الله ثم يرجع القهقرى بعد أن يكبر فهذا نادرٌ، ولا نقول لا يقع ذلك، ولكن نعوذ بالله من سوابق الشَّقاء. إذن فمن نشأ من عهد شبابه في عبادة الله، فهو في ظل عرش الرحمان يوم لا ظل إلاَّ ظله، وهذا مهمٌّ جدًّا.
فإذا أتينا لترتيب هذا الحديث من حيث خصاله فلا نستطيع أن نرتِّبه بترتيب أحسن مما هو عليه، فالشبابُ هم رأس الأمَّة، وهم رأسمال المسلمين، فإذا نشأوا صالحين فما أسعد تلك الأمَّة كلها، ولا يكون الأئمة والولاة إلاَّ من أولئك الشباب، فإذا نشأ شبابُ الأمَّة في عبادة الله صلحت ولاية تلك الأمَّة، وقام الجميع لانتخاب الأصلح الذي يخرج من بينهم، فالناس يختارون رجلا صالحا وأمينا لا تُخشى منه الخيانة، لأنهم صالحون أمناء ونزهاء، لذلك كان الشاب الناشئ في عبادة الله في الدرجة الثانية في هذا الحديث، ونستطيع أن نقول إنَّه هو الأصل، فالأئمة العدول هم الشبابُ الصالحون الذين نشأوا في عبادة الله وتقواه. (1/88)
صفحة 89
إنَّ الشاب الذي نشأ على الصلاح والتقى له مزية عند الله تعالى، - ولو أنه لا مزية في حقه تعالى إذا أطعناه -، أمَّا الشاب الصالح المستقيم فله مزية، والله تعالى يشكر صنيعه وهو الشكور الحليم، والله تعالى يشكر عباده على ما فعلوه من خير ويُعظم أجرهم وقيمتهم، لأنَّه من الصعوبة أن يتحكَّم الشابُّ في نفسه ويتَّقيَ الله حقَّ تقاته تجاه النوازع والغرائز والميول الكثيرة والأمور الميسَّرة في مثل ذلك العمر، فيعرض عن كل ذلك ويزهد ويلتزم بعبادة الله، وعمارة المساجد، وعمارة مجالس الذكر والعلم، وترك المحرَّمات من الخمور والفسوق والتدخين والزنا وكل الموبقات، فهذا شيء مهمٌّ وعظيم جدًّا.
فالشيخ الكبير ليس له مزيَّة لأنَّ نوازعه ضعيفة، ولكن الشباب له قيمة كبيرة عند العلي الكبير، وعند العقلاء من المسلمين، فهو يتحدَّى شياطين الإنس والجن التي تهمزه وتغمزه من كلِّ جانب، ويستمسك بالعروة الوثقى بالرغم من ذلك، ففي هذا أكبر الدليل بأنَّ له إيمانا قويا في قلبه، وعقلا راجحا غلَّبه على هواه. وفي هذا دعوة لنا جميعًا أن نتَّقي الله شبابًا وشيوخًا، فليس لدينا طريق للنجاة غير هذه.
وعلى الشاب أن يعلم أيضا أنه إذا لم يستقم فقد يهلك عمره كله، ويقود نفسه إلى الهلاك المحتَّم، لأنَّ شهواته ستتغلب عليه، وسيلتفّ من حوله الموسوسون من شياطين الإنس والجن، يقولون له: أنت في مقتبل العمر وطريق الحياة أمامك طويل فكيف تخاف الله؟ ذق ما يذوق الناس وشاهد ما يشاهدونه، وعندما تكبر تُب وارجع إلى ربِّك ... هكذا يقول الموسوسون وهذا هو عملُهم، الذي هو خداع وغرور كبير، فالذي يصغي للموسوسين فهو يخاطر بعمره في الدنيا، ويخاطر بحياته الأبدية.
أنت أيُّها الشاب في هذه المرحلة تمرُّ بمخاطرة شديدة جدًّا، تتضمَّن خطران: (1/89)
صفحة 90
الخطر الأوَّل: هو أنَّك حين تنخدع بالموسوسين فمن الذي يضمن أنك ستعيش حتى تكبر وتتوب؟ ألم ترى الناس يسقطون من حولك بالعشرات أو بالمئات والآلاف في العقد الأول من العمر أو الثاني أو الثالث؟ فالضحايا كثيرون لا يُعدُّون ولا يُحصون في عمر الشباب، ومن يدريك أنَّك ستكون واحدًا منهم في اليوم أو الغد؟ أم إن نفسك تسوِّل لك بأنك صحيح في كامل القوة والفتوة ولن يصيبك سوء؟ أوليس الموت يحصد الصحيح المعافى، كما يحصد المرضى بالعاهات والآفات والحوادث الكثيرة!! بل وإنَّ الصحَّة بحدّ ذاتها لا تدوم؛ فهي تتلاشى بمرِّ الزمان، كما يمكن أن تباغتك سكتة قلبيةٌ أو جلطةٌ دموية أو غيرها، وأنت في كامل قوتك الصحيَّة، وهذا ما يقع ويتكرَّر كثيرًا.
فعلى الشاب أن يحذر هذا الخطر ويدرك جيِّدا أنَّ مصيره بعد موته هو الشقاء المؤبَّد والعذاب الأليم والعياذ بالله، لا نجاة ولا مناص منه. (1/90)
صفحة 91
والخطر الثاني: هب أنَّك أيّها الشابُّ عشتَ طويلا، وأنَّ الله أمهلك الأجل وعشتَ إلى الستين والسبعين أو حتى المائة، ولكنك أمضيت الشباب في المعصية والفسق والزنا والخمر وغيرها من المعاصي، وبعد عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة بقيت على هذه الحالة ووجدت أنَّ هذه الطباع الفاسدة السيِّئة قد تمكَّنت منك ولم تستطع أن تتركها، ولقد رأينا مثل هذا كثيرا عند بعض الناس الذين استحكمت فيهم العادات الخبيثة وظلَّت لصيقة بهم، لا يستطيعون منها فكاكًا ... فما يدريك أنت أيّها الشاب بعد أن يمهلك الأجل أن تقوى على ترك المعاصي وفعل الطاعات؟ فالأمر صعب جدًّا، وأصعب مما تكون عليه الآن، فالإقلاع عن المعاصي والرجوع إلى الطاعة بعد الخوض فيها لسنين طويلة يجعل الأمر أشدَّ صعوبة من مفارقتها في عهد الشباب. فإذا ما أتيت معصيةً أيُّها الشاب فعليك أن تسرع إلى التوبة منها ما دام الأمر سهلا، فيكون مَثَلُكَكمثل ثوبك النظيف إذا ما تدنَّس بالوسخ فإنك سرعان ما تزيله فيطهُر. وهذا ما يجعل التوبة في مرحلة الشباب أسهل، والحكمة تقول: «ترك المعصية في أوَّل الأمر أسهل من معالجة التوبة»، أي إنَّزلت قدم شخصٌفارتكب الذنوب، فرجع منها في الحين أسهل وأهون عليه من أن يتمادى فيها.
الشبابُ والفراغُ والجِدَةُ:
يقول الحكماء: «من شبَّ على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه» إنَّ هذا ليس واقعا حتما مؤكَّدا، بل يقع بنسبة كبيرة نستطيع أن نقول إن أغلب الناس وأكثرهم حين يكبرون وقد نشأوا على المعصية لا يستطيعون أن
يرجعوا إلى طريق الله ويتركوا المعاصي، فقليلٌ نادر من يتمكَّن من ذلك إلاَّ إذا نزلت عزيمة من السماء خاصَّة تعينه ليُقلع عن المعصية ويوفق للتوبة. (1/91)
صفحة 92
فخيرٌ من هذا وذاك، عليك أيَّها الإنسان أن تستقيم وأنت شابٌ، تُغلِّبُ عقلَك وإيمانَك على غرائزِك وشهواتك، وتعمِّر أوقاتَك بما يفيدك بالعمل المجدي الجاد المفيد، لأنَّ الشيطان يتمكَّن من الشاب حين يكون فارغًا في وقته، كما قال الشاعر الحكيم في البيت المشهور:
إنَّ الشبابَ والفراغَ والِجَدةمَفْسَدَةٌ للمرءِ أيّ مَفْسَدَة (1)
ثلاثة أشياء إذا اجتمعت حصل الفساد الذي هو شعبة من الجنون.
أوّلا: الشبابُ: الذي هو مرحلة عمرية لا مناص لكلِّ إنسان من أن يمرّ عليها في حياته.
ثانيا: الفراغ: إذا كان الشابُّ فارغا من أيّ شيء يشغله، من طلب علم أو طلب رزق.
ثالثا: الجِده: من الوجد ووفرة المال، وذلك بأن توجد الوسيلة المساعدة على المعصية بين يدي الشاب، بغضِّ النظر عن مصدرها ميراثًا أو سرقة، ومن الحلال أو الحرام.
فإن التقت هذه الأسبابُ الثلاثة فإنَّ فيهادافع لفسادٍ لا أعظم منه: وهو مبالغة في الفساد، بل إنّه فساد محقَّق كبير لا يوصف. فعلى الشاب أن يتغلَّب على هذه الأسباب الثلاثة بعزيمة وعقل وإيمان وتفكّر في العواقب، وتجنب للأخطار والمقامرة بالعمر الزائل، فأحسن شيء يستعين به الشاب المؤمن الصالح بعد أن يكون مسلما مؤمنا هو أن يواظب على صلاة الجماعة، ويعمر المساجد، ويخالط
الصالحين من الأصدقاء، ويستمع إليهم ويجالسهم ... ثم بعد هذا يحرص على العمل الجاد المفيد المتواصل، من دراسة، أو عمل يطلب به الرزق، فلا يُبقِي على الأوقات الفارغة إلاَّ ما يخصِّصه للاستراحة، فالراحة ضرورية من أجل أن يتقوَّى بعدها على عمله وجده.
ليس الشبابُ عذرًا للمعصية:
__________
(1) ينظر الزبيدي، تاج العروس، 8/ 497. (1/92)
صفحة 93
لا يمكن للشاب إذا عصى ربَّه في شيء ما أن نقول إنَّه معذور لأنَّ نفسيَّته تغلَّبت عليه، لا أبدًا، إنَّ العاصي مهما كان هو آثم، ولكن المطيع إذا كان شابًّا فله أجرٌ كبير عند الله تبارك وتعالى، ويكون في ظلِّ عرش الرحمن يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلّه. فكما أنَّ العاصي هو بين خطرين، فإنَّ الشاب الناشئ في عبادة الله هو بين حُسنيَين:
الحسنة الأولى: إمَّا أن يطول عمره في الدنيا ويزداد خيرًا ما دام قد نشأ في عبادة الله، فيستمر في العمل الصالح، ويأخذ كيله وافيًا من الأجر والحسنات، كما دلَّ عليه قوله ح: «خيرُ أمَّتي مَنْ طَالَ عُمُرُه وَحَسُنَ عَمَلُه» (1)،
والحسنة الثانية: -إذا لم يقدِّر الله له طول العمر-، فإنَّ الموت في الصغر هو مآل مباشر إلى الرحمة الإلهية، خاصَّة إذا نشأ في عبادة الله، فما شأن الإنسان بهذه الدنيا بعد أن اختبره الله وامتحنه فيها ووجده مستقيمًا، فالله يختاره إلى جواره ويخلّصه من تعب الدنيا وشقائها.
إذن هذه المسألة مهمَّة جدًّا وعليها ترتكز قاعدة الأمَّة، إذا كان شباب الأمَّة صالحا فإنَّ لها مستقبلا طيّبا بإذن الله، وإذا كان شبابها كافرًا وعاصيًا فكبّر عليها. ولفظة الشباب تشمل الذكور والإناث.
«من أنظر مُعسِرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلهُّ»:
ذكر الشيخ السالمي أنَّه توجد أصناف أخرى للذين يظلهم الله تحت ظله يوم القيامة، تزيد عن الأصناف الواردة في هذا الحديث، وإن ذكر الأصناف السبعة هنا لا يفيد الحصر، بل هناك أحاديث متفرِّقة ذكرت أصنافا أخرى مكملة، ولتتميم الفائدة نذكرها كما ذكرها الشيخ السالمي في الشرح:
__________
(1) رواه الترمذي في سننه، باب طول العمر للمؤمن، رقم: 2329 بلفظ: «عنعبداللهبنبسرأنأعرابياقال: يارسولاللهمنخيرالناس؟ قالمنطالعمرهوحسنعمله». قالأبوعيسى: هذاحديثحسنغريبمنهذاالوجهصحيح، 4/ 565. (1/93)
صفحة 94
روي في صحيح مسلم في حديث أبي يوسف مرفوعا: «من أنظَر مُعسِرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلّه» (1) هذه خصلة مهمَّة جدًّا من الخصال التي يظل الله صاحبَها بظله يوم القيامة، وهي تتمثل في صفة سلف الإحسان إلى أجل سواء سلفا بالمال، أو سلف النسيئة حيث يعطي الدائن للمحتاج سلعة ويؤجل قبض ثمنها إلى أجل محدَّد، فيرجعه له أو يوفيه ثمن السلعة، ولكن حين يصل وقت القضاء يجد المدين أنه لا يستطيع أن يسدِّد دينه، فيقوم الدائن بإنظار المعسر إلى أجل آخر، أو يعفو عنه، فهذا هو الفعل الحسن ذو الفضل العظيم، الذي يُظلّ الله به صاحبه يوم القيامة تحت ظله، ومن فتح بابا لأحد فتح الله له باب رحمته.
حتى إنَّه ورد حديثٌ على ما أظن أنه قدسي لا أحفظ نصّه جيِّدا حيث يقول: «إنَّ الله تبارك وتعالى قال للملائكة بشأن الذي كان ميزانه ناقصا وسيئاته أكثر من حسناته: انظروا لعلكم تجدون شيئا آخر من حسناته فلم يجدوا شيئا إلا أنه كان مرَّة تجاوز عن مُعسِر، فقال لهم الله تبارك وتعالى: تجاوزوا عن عبدي واسمحوا له واجعلوه من أهل الجنة» (2) يعني أنَّ شخصا داين شخصًا آخر، فلم يستطع المدين المعسر أن يدفع الدين فبكى لصاحبه معتذرًا، فتجاوز عنه الدائن.
__________
(1) رواه مسلم، في صحيحه، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، رقم: 3006، 4/ 2301.
(2) رواه مسلم في صحيحه، بلفظ: «تَلَقَّتِالْمَلاَئِكَةُرُوحَرَجُلٍمِمَّنْكَانَقَبْلَكُمْفَقَالُواأَعَمِلْتَمِنَالْخَيْرِشَيْئًا؟ قَالَ: لاَ، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُأُدَايِنُالنَّاسَفَآمُرُفِتْيَانِىنْيَنْظُرُواالْمُعْسِرَوَيَتَجَوَّزُواعَنِالْمُوسِرِ، قَالَ: فَقَالَاللَّهُتَعَالَىتَجَوَّزُواعَنْهُ»، باب فضل إنظار المعسر، رقم: 1560. 3/ 1194. (1/94)
صفحة 95
إن هذه الخصلة «التجاوز عن المعسر» من طبائع السخاء التي تنطبع بها بعض النفوس، وليس السخاءُ فقط أن تأتي بالصدقة فتعطيَها لشخصٍ، ولكن السخاء فيه صفات كثيرة، من مثل ذلك: السماحة في البيع والسماحة في الشراء، والسماحة في القضاء والسماحة في الاقتضاء، والحديث يقول: «المؤمن سَمْحٌ إذا باع، سَمْحٌ إذا اشترى، سَمْحٌ إذا قضى، سَمْحٌ إذا اقتضى» (1) لا إشكال في ذلك أبدًا، فالعبدُ المؤمن إذا اشتريت منه يبيع لك بيعًا سمحًا، وإذا اشترى منك يشتري شراء سمحًا، بل وإنك تحصِّل معه بعض الفائدة، وإذا أسلفك شيئا فإنه يطالبك مطالبةً هيِّنة ليِّنة، ولا يطالبك المطالبة المُلحَّة الشديدة، وإذا هو استلف منك شيئا
فإنه لا يماطلك ولا يُعنِتُك في ردِّه إليك في وقت القضاء. وهذا الذي يدلّ على سماحة النفس وسخائها وزُهدها ورجاء ما عند الله يوم القيامة.
إذن من أنواع السخاء، عدم التشدُّد في طلب قضاء الدين في وقته، مع من هو معسر، ژ ? ? ? ? ... ? ? ... ??ژ (البقرة:280).كما يمكن للدائن أن يُنظر المعسر بتقسيط ما عليه من دين إلى الثلث أو الربع أو أقلَّ أو أكثر من ذلك، أو أن يقبض الحاضرَ ويعفوَ عما بقي، ويضعه عنه، ففي هذا الخير كله، فالدائن لا ينقص من ماله شيءٌ بفضل الله، وهو سيمنّ عليه ويرزقه ويخلف عليه، لأنه قد فتح للمُعسر بابًا حسنًا، ورفع عنه همَّ الدّين الذي هو صعبٌ جدا في الحال التي لا يستطيع فيها قضاءه، والخيرُ الأعظم يوم القيامة حيث سيكون في ظلِّ الله يوم لا ظلّ إلاَّ ظلّه، ولربما قد ينسى الدائن الدين والأجل الذي يحدده للمدين، فيعفو عنه وينظره إلى أجل آخر، ففي هذا الخير كله، فيعتبر هذا النسيان هنا فيه خير وإحسان.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، بابا السُّهُولَةِوَالسَّمَاحَةِفِيالشِّرَاءِوَالْبَيْعِ بلفظ: «رَحِمَاللَّهُرَجُلًاسَمْحًاإِذَابَاعَوَإِذَااشْتَرَىوَإِذَااقْتَضَى»، رقم: 2076، 3/ 57. (1/95)
صفحة 96
هذا الحال مع الحسنات لكنَّ العكس لا ينبغي أن يكون، بنسيان السيئات والذنوب، فأنت أيها العبد يمكنك أن تنسى الحسنات التي تأتيها، ولكن لا يمكنك أبدًا أن تنسى السيئات التي اقترفتها بل عليك تذكّرها في كلِّ مرَّة، والاستغفار منها، وتحديث التوبة، ولا تقل: إني قد تبتُ من ذلك الذنب أو غيره بل يجب عليك دائما أن تحدث التوبة على ما تعلم وعلى ما لا تعلم وعلى ما تذكر وما لا تذكر.
ومن جهة أخرى يجب على الذي في ذمته دين ألا ينسى دينه أبدًا، خاصة عندما يصل أجل دفعه، بل على المدين في حال تعسّره أن يذهب إلى الدائن ويعترف له بعدم استطاعته الإيفاء بالدين، وأنه لا ينوي مخالفة العهد لكن ظروفه لم تمكِّنه من ذلك، ويبكي عنده ويطلب منه الإنظار لأجل آخر، أو أن يقدِّم له
الجزء الذي أمكنه جمعه من الدين ويطلب منه الإنظار إلى حين اكتمال ما عليه من دين، فهذه خصلة إيجابية جدًّا، حين يقوم بالاعتراف بالحقيقة بكل صدق، ثم إنَّ الدائن بهذا قد يلين قلبه، وتنالُه الرحمة فيقول للمدين: لا تحمل همَّ هذا الدَّين، بل يمكنك أن تدفع متى أمكنك ولا بأس عليك.
والأحسن على المدين تسليم ما عليه من دين إلى صاحبه من دون أن يحدِّث نفسه بأنَّه ما لم يجمع المبلغ الكامل فإنه لن يقدِّم أيَّ شيء لصاحب الدين، فيقع بذلك في التماطل، فلا ينبغي فعل هذا لأنَّ فيه مفسدة لثقة وسمعة الشخص بين الناس وغلق لباب الدين على نفسه، ثم بعد ذلك فيه إضرارٌ لغيره من المعسرين من حيث لا يدرك؛ لأنَّ الناس سوف تذهب بهم الظنون مذاهب، وسيحجمون عن السلف. ثم إن ردَّ جزءٍ من الدين مما يَقدِرُالمدين عليه والاعتذارُ عن الجزء الآخر يعتبرُ وفاءً بالوعد. (1/96)
صفحة 97
ورد في الآثار أنَّ الله يُعطي على السلف ما لا يعطي على الصدقة، كما دلَّت بذلك بعض الآثار من أحاديث صحيحة (1)، أنَّ الله يعطي الحسنات للذي أسلف سلف إحسان وفتح الباب أمام المعسر، أكثر من الذي يعطي الصدقة، لماذا يا ترى؟ لأنَّ الذي قد تُصدِّق له ربما هو ليس في حاجة ماسَّة إليها مثل ذلك الملهوف أو الذي في
ذمَّته دين، وأمَّا الذي يقدّم سلفا فإنه قد وقع بلا ريب في يد المحتاج إليه والملهوف، ثم إنَّ ذلك يُعتبر تنفيسًالكربة شديدة عليه، والحديث يقول: «من يسَّر على مُعسِرٍ يسَّر الله عليه» (2)، «مَن نفَّسَعن أخيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ القِيَامَة» (3).وربما قد يسهل على بعض الناس تقديم الصدقة، ويصعب عليهم إعطاء السلف بحكم العادة، ولكنهم لا يدركون أنَّ في هذا الأخير الأجر الأكثر.
إظلالُ من أعَانَ مُجاهِدًا أو أرفد غازيًا أو أعان مُكاتِبًا:
__________
(1) ينظر: ابن ماجة في سننه، بلفظ: عنأنسابنمالك، قال: قالرسولالله - صلى الله عليه وسلم - «رَأيْتُلَيْلَةَأُسْرِيَبِيعَلَىبابِالجَنَّةِمَكْتُوباً: الصَّدَقَةُبِعَشْرِأَمْثَالِهاوالقَرْضُبِثَمانِيَةَعَشَرَ، فَقُلْتُياجِبْرِيلُ: مَابَالُالقَرْضِأفْضَلَمِنَالصَّدَقَةِقالَ: لأَنَّالسَّائِلَيَسأَلُوَعِنْدَهُ، والمُسْتَقْرِضُلايَسْتَقْرِضُإلامِنْحاجَةٍ». فيالزوائد: فيإسنادهخالدبنيزيد، ضعفه أحمدوابنمعينوأبوداودوالنسائيوأبوزرعةوالدارقطنيوغيرهم. باب القرض، رقم: 2431. 2/ 812.
(2) رواه ابن ماجة في سننه، بلفظ: باب إنظار المعسر، بلفظ: «عنأبىهريرة، قال: قالرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْيَسَّرَعَلَىمُعْسِرٍفِيالدُّنْيَايَسَّرَاللَّهُعَلَيْهِفِيالدُّنْيَاوَالْآخِرَةِ». رقم: 2417، 3/ 88.
(3) رواه الترمذي، باب ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. بلفظ « ... من كرب يوم القيامة». رقم: 2888. (1/97)
صفحة 98
والخصلة الثانية التي بها يظلُّ الله صاحبها في ظلِّه، نستقيها من الحديث الذي رواه أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف: «إظلال من أعان مجاهدا أو أرفد غازيا أو أعان مكاتبا» (1)، ويتمثل هذا في الشخص الذي يعِين مجاهدًا في سبيل الله وفي سبيل رفع كلمة المسلمين أو دفع الظلم عنهم، إمَّا بزاد أو طعام أو ثوب، وإمَّا بتقديم الرعاية والنفقة لأهله، حينما يذهب للغزو ويترك أهله فيقوم برعايتهم.
والمجاهد والغازي تقريبا معنى واحد، والإعانة تكون أعمّ من الإرفاد، لأن إرفاد الغازي معناه تجهيزه هو بذاته، أما مفهوم الإعانة فربما هو أعمّ، لأنه يشمل أهله وأولاده كما ذكرنا.
أو أعان مكاتبا: المكاتب هو الذي ابتلاه الله بالرقِّ أي العبودية، حيث إنَّه يُباع ويشترىكالحيوان أو كالمتاع، وفي حال أراد أن يُحرِّر نفسه من هذه العبودية، فإنه يكاتب سيَّده، وهذا الذي أشار إليه الحقّ تعالى في كتابه العزيز: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? چچ چ چ ? ? ? ??ژ (النور:33)، وهو أيضا الصنف الأخير الذي تشمله الزكاة، قال تعالى: ژہھژ (التوبة:60)، هذه المكاتبة كانت تقع بكثرة في عهد العبودية، وذلك بأن يكتب العبد أوراقًا ثم يدفعها لسيِّده إلى أجل شهر أو ستَّة أشهر، أو سنة، ليحرِّر بها نفسه من رقِّ سيِّده بعد أن يتمَّتسديد قيمة تلك الأوراق.
__________
(1) ينظر: مسند الإمام أحمد، حديث سهل بن حنيف، رقم: 16029/ 03/487. الحاكم، المستدرك رقم: 2448، 3/ 106. (1/98)
صفحة 99
ولكن ربما لا يجد ذلك العبد عملا يقتات به، أو ربما يجد فيه صعوبة، وهنا يمكن للمسلم أن يعينه من مال الزكاة أو من غير مال الزكاة، وتُعتبر هذه الإعانة فيها من الفضل العظيم، ما يُظل الله به صاحبها بظلّه يوم القيامة، وهذا الذي يعتبر تحريرًا للرقبة التي جعلها الله سببا من أسباب اقتحام العقبة، التي لا بدَّ أن نجتازها لنلج إلى الجنة، ژ ? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ... ھ ھ ھ ژ (البلد:13) إضافة إلى أسباب أخرى إلى جانب فك الرقبة بالمكاتبة ژ ے ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ژ (البلد:18).
ومما يدخل في معنى المكاتب الذي يمكن إعانته، المظلوم الذي وقع في السَّجن بتهمةٍ أو بشيء آخر، فالسعيُ إلى تحريره وفكُّ أسره هو نوع من أنواع فك الرقبة، وإعانة المكاتب الذي وعد الله صاحبه بأن يُظلَّه في ظلِّ عرشه يوم القيامة يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه.
وممن عُرف بهذه الخصلة وامتاز بها سيدنا أبو بكر الصديق س، حيث إنه كان يكثر من عتق رقاب الضعفاء المؤمنين السابقين إلى الإسلام، الذين يعذبون أشدَّ العذاب، كان سيشتريهم بِحُرِّ ماله ويعتقهم، ومنهم سيدنا بلال بن رباح س الذي أعتقه بضعف ثمنه، حتى أتَّى أبا قحافة سوالد سيدنا أبي بكر، (حين لم يعتنق الإسلام بعد) فانتقد ابنه ذات مرَّة لكثرة الإعتاق، قائلا له: يا بني كيف جعلت مالك في رقاب ناسٍ ضعفاء لا ينفعوك، ما لك لو جعلتها في رقابِ من ينفعك إمَّا بردِّ ديَّتك أو إنك ترثهم حين يموتون، لأنَّ الولاء لمن أعتق، فقال أبوبكر: أنا أعتقهم ليوم آخر ليس في هذه الدنيا (1).
التاجرُ الصدوقُ:
__________
(1) ينظر، الحاكم، المستدرك، بلفظ: «قالأبوقحافةلأبيبكرأراكتعتقُرقابًاضعافًافلوأنَّكإذفعلتمافعلتَأعتقتَرجالاًجلدًايمنعونكويقوموندونك، فقالأبوبكرياأبتِإنِّيإنَّماأريدماأريد»، رقم: 3942. 4/ 121. (1/99)
صفحة 100
هذا حديث آخر رواه البغوي في شرح السنَّة من حديث سلمان وأبي القاسم التيمي من حديث أنس «إظلالُ التاجرِ الصدوقِ» (1)،كذلك هذه خصلة رابعة بعد الخصال السبعة التي ذُكرت في الحديث المروي عن النبي ح وكلامه الشريف، والتاجر الصدوق هو التاجر الذي يصدق في بيعه وشرائه، لا يبيع بالربا ولا يغشُّ، ولا يمدح السلعة بما ليس فيها، ولا يكذب، ولا يستعمل الحلف من أجل تنفيذ سلعته، على غرار الكثير من الناس الذين يُنفّقون بما ذُكر سلعهم وينفذونها، فيقولون مثلا: إنَّ هذه سلعة جيِّدة ومخيَّرة، وقد أعجب بها كلّ من اشتراها .. ، ثم يعقب
ذلك حلف بالله، ويمين فاجرة .. كما سماها الرسول ح. وكذلك قال عنها: إنها «مَنْفَقَةٌ للسِّلْعَةِمَمْحَقَةٌ لِلْبَركَةِ» (2)؛فربما قد يعمل تاجر بجد ونشاط وينفذ السلعة بشطارةِ لسانه وذكائه، ولكنه لا يجد البركة تمامًا في عمله هذا، فإمَّا أن يُتلفه الله بعاهة، فيذهب الحلال والحرام معًا، وإما ألاَّ يُوفِّق الله صاحبه، فيخرج المال من الباب الذي دخل منه فيذهب في باب المعاصي في الخصام بالفجور ورشوة الحكام والظلم، وإمَّا أن يبتليه الله بالبخل، فيمسك عن إخراج أي شيء حتى حقَّ الله في الزكاة والصدقة وغيرهما، فيكون هذا المال وبالا عليه يوم القيامة وزاده الذي يهوي به في النار، وربما أيضا يغبن الغبن الكبير جدًّا، فيجد ورثته قد استفادوا من ماله فيما يدخلهم الجنة ـ كأن يحجَّ به أحدهم، أو يتصدَّق به ـ، بينما هو سيأخذ ثعبانا يلفّ عنقه ويذهب به إلى النار، فهذا الذي كسبه وهذا الذي تركه، لماذا؟ لأنه كاذب غشَّاش، حلاَّف (من كثرة الحلف) مُرابِي.
__________
(1) ينظر: البغوي، شرح السنَّة، بلفظ: عنسلمانأنهقال: «التاجرُالصدوقُمعالسبعةفيظلِّعرش اللهيومالقيامة»، باب التوقيت في المسح، 2/ 355.
(2) ينظر: البخاري في صحيحه، باب السهولة والمسامحة في البيع، 1981، 2/ 735. (1/100)
صفحة 101
فالتجارة فيها آفات وما يأتيه الإنسان من معاصٍ فيها إن هو بسبب ضعف إيمانه وقلَّة توكّله على الله، واتّكاله على دهائه وحيلته وحلفه وتعدّيه على الضعيف، وبغي الخلطاء مع بعضهم ژ ے ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ (ص:24) وكذلك إذا ما خالط أحدا فإنه يأكل ماله، بأن كان شريكا له أو عاملا تحت مسؤوليته، أو جاره، فيهلكه لماذا؟ لأنه لا توكَّل له على الله، فهو يتَّكل على حذاقته التي يظن أن يعيش بها، «من حاول أمرًا بمعصيةِ اللهِ كان أبعَدَ مِمَّا رجا، وأقرب مما اتَّقى» (1).
إنَّ الله هو الذي يرزق عباده، ولا رازق غيره، والتجارة التي يتاجر فيها التاجر الأمين والصدوق، هي عبادة وجهاد في سبيل الله، تعادل أجر الذي مكث في المسجد يتلو كتاب الله تعالى.
ثم بعد الاتكال على الله يكون الجهدُ والعملُ والنشاطُ، فعليك أيَّها التاجر أن تجتهد ولا تتكاسل في جهادك ولا تُقصِّر فيه، واسْعَ في جلب السلعة الجيِّدة، واستقبال الزبائن استقبالاً طيِّبا بوجهٍ بشوش، ولسان صدوق، ومعاملة وخدمة جيِّدة، ثم بعد ذلك اترُك الرزق على الله، سر في طريق الله يرزقك، كما قال: «إنَّ الرزقَ مقسومٌ فأجمِلُوا في الطَّلبَ ولا يحملَنَّكم استبطاءُ الرزقِ أن تطلبُوه بمعصية الله فإنَّ ما عند الله لا يُنَالُ بمعصية الله» (2).
__________
(1) ينظر: المتقي الهندي، كنز العمال، بلفظ: «منتناولأمرًابمعصيتيكانأفوتَلمارجاوأقربلمجيءمااتقى»، الباب الثاني في الاعتصام بكتاب الله، رقم: 1085، 1/ 377.
(2) ينظر: السيوطي، الدر المنثور «إنَّالروحالأميننفثفيروعيإنهليسمننفستموتُحتىتستوفيَرزقهافاتقوااللهوأجملوافيالطلبولايحملنكماستبطاءالرزقعلىنتطلبوهبمعاصياللهفإنهلاينالماعنداللهإلابطاعته» 6/ 321.كذا معجم الطبراني الكبير، 8/ 132. (1/101)
صفحة 102
ثم لا يحملنَّكم استبطاء الرزق من مثل قلة إقبال المشترين، أو ركود السلعة، فتلجأوا إلى خداع الناس وارتكاب المحرَّم من المعاملات من أجل نيل الربح. فالتجارةُ من أكبر أنواع العبادات وعلى التاجر أن يَصدُق فيها، ويتوكَّل على الله تعالى، ويملأ قلبه باليقين، معتقدًا أنَّ كلَّ ما يناله من تجارته إنما هو بما قسمه الله له، وبهذا يبارك الله له في رزقه ويُغنيه بغنىً طاهر، كما كان حال بعض الصحابة من أمثال: عبد الرحمان بن عوف، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وغيرهم .. فهم من الصحابة الأغنياءش.
وكذلك يمتِّعه بالكفاف والقناعة ولو كان متوسِّط الحال، والله يبارك له فيه، فيحقِّق به أمور الدنيا وأمور الدين، فبعضُ الناس يتعجَّبون من ذلك التاجر البسيط الذي له تجارة بسيطة في دكَّان صغير ورأس مالٍ صغير، ولكنَّه ينجز أعمالاً ويحقِّق أهدافًا معتبرة في مسار حياته، فتراه يزوِّج أبناءه وبناته، ويبني لنفسه بيتًا ويحجّ ويعتمر ... بل وتجده ممن يبادر إلى المساهمة في سُبُل الخير والإحسان.
إذن إنَّه من الواجب علينا أن نؤمن بالبركة التي أضحت شيئًا محسوسًا، يجدها الناس في أنفسهم، ويلاحظها المؤمنون في بعضهم، من دون أن تكون فيها لغة أرقامٍ، لأنَّ صاحب المال القليل قد يبلغ به من الفضل ومن الأجر ما لا يبلغه صاحب المال الكثير.
خلاصة القول:
التاجرُ الصدوقُ من الذين يظلُّهم الله في ظله، وهؤلاء التجَّار الأمناء الصُدْقُ هم الذين تجد قلوبهم مطمئنَّة بالتوكل على الله، يسيِّرون تجارتهم بطرق مشروعة، ويفقهون دينهم، ويحفظون ما يجوزُ ومالا يجوز في البيع، ويتعاملون بالصدق، ولا يبغي بعضهم على بعضهم، ولا يطفِّفون الكيل والميزان، ولا يرابون ولا يغشّون، وعلى ربهم يتوكلون .. فهؤلاء يوم القيامة يكونون تحت ظلِّ عرش الرحمن. (1/102)
صفحة 103
فلا نستغرب من هذا، ونقول إنَّ التجارة هي الدنيا فقط، لا، بل إنَّ التجارة سبيل لعبادة الله، ولا يقوى عليها إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لأنَّ أهواء الدنيا تعترضهم بقوَّة، وتفتح الأبواب الكثيرة أمامهم للزيغ والانحراف، ولكنهم يُعرضون عن الربا والغشّ والحرام، فبإمكانهم أن ينالوا الربح الوفير والمال
الكثير من هذا، ولكنَّهم يرفضون ذلك، ويرضون بالرزق الحلال فقط. ثم إنّ هناك من التجَّار من يحقّق الربح الكبير المبالغ فيه، على حساب قدرة الناس وطاقتهم، برفع الأسعار والتحكّم في السوق فهذا غير جيد وإنما عليه أن يرضى بالقليل من دون أن يُعنِت نفسه ويُعنِتَ الناس.
إن هذه الخصال؛ إعانة الغازي والمكاتب وإنظار المعسر والصدق في التجارة كلّها تنبع من الخصال السبعة التي سبق ذكرها (1)، ولا يقوى على هذا إلاَّ الذي نشأ في عبادة الله، والذي تعلّق قلبه بالمسجد، خاصَّة من التجار الذين وصفهم الله بأنهمژ ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ ? ? ژ (التوبة:37).
__________
(1) بقية الخصال الأخرى الواردة في هذا الحديث: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: «وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، .. » يبدو أن الشيخ الناصر قد تجاوزها إمَّا عن غير قصد، أو ربما لعدم تسجيله، حيث إنَّ الشيخ الناصر ذكر بأنه قد تقدم بيانها، أو ربما لانقطاعه عن الدرس فترة طويلة، وبعد العودة ظنّ بأنه قد شرح الحديث كاملا، فلم يرجع إليه، خاصَّة وأنه قد استفاض في شرح الخصال الأولى منه، والله أعلم. (1/103)
صفحة 104
فهذه الخصال بعضها من بعض، خصال الخير تنتج خصال الخير، وخصال الشر تنتج خصال الشر، الشيء يهدي إلى الشيء. فذِكرُ الشيخ [السالمي] هذه الأحاديث الإضافية في الشرح لا يخلو من الفائدة، وبعضها من بعض. نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق وأن يجعلنا منهم، والحمد لله رب العالمين.
ردُّ البدع
49ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (1).
الشرح:
هذا الحديث جاء في ردِّ الإحداث في الدين والبدع، وهو: كل ما أحدثه الناس في دينهم مما لم يكن موجودًا في الزمن الأوَّل، ولم يأت به كتابُ الله ولا سنَّة رسوله، وإنما أحدِثَ بعد ذلك وابتُدع. فالبدعة في الدين مردودةٌ غير مقبولة، فاسدة وباطلة، والعملُ بها لا ينعقد ولا يُقبل، وقد تقدَّم نحو هذا الحديث الذي في معناه: «لَعَنَ اللهُ مَن أَحدَثَ في الإسْلاَمِ حَدَثًا أو آوى مُحدِثًا» (2)، الذي روي من طرق عديدة، في كتب الصحاح.
وروي هذا الحديث عن طريق جابر بن زيد عن ابن عباس بطريق متَّصل عن النبي ح: «مَن عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُو رَدٌّ» فكلُّ من عمل عملا، غير موجود ولا مشروع في أمرنا؛ أي: في أمر الشريعة التي جاءت في القرآن والسنَّة،
__________
(1) رواه أحمد 2/ 146، ورواه البخاري: كتاب الاعتصام 20، وكتاب البيوع 60، وكتاب الصلح 5، ورواه مسلم كتاب الأقضية 17،18، ورواه أبو داود كتاب السنة 5، ورواه ابن ماجه في المقدمة 2.
(2) ينظر: الرّبيع بن حبيب، الجامع الصحيح، باب: في الأمّة؛ أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 42، 01/ 36، وقد تقدم شرحه ضمن أحاديث هذا الجزء. (1/104)
صفحة 105
فهو باطل غير مقبول مردود على صاحبه، وليس المقصود من هذا الحديث الأعمال التي رويت عن النبي ح مسندةً صحيحة لكنها وردت بروايات مختلفة، وإنَّما المقصودُ ما هو غير موجود في أصل الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الحج أو العمرة ... اتفاقًا عند كل المذاهب، كزيادة ركعة ثالثة في صلاة الصبح أو نقصان ركعة من صلاة العصر مثلاً، فهذا عمل باطلٌ؛ لأنَّ المذاهب كلَّها اتفقت على أنَّ صلاة الصبح ركعتان، والظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، أو كزيادة يوم في رمضان، أو وصل صيام الليل بالنهار، أو زيادة في بعض مناسك الحجِّ أو نقصان منها، فالطواف بالكعبة مشروعٌ بسبعة أشواط، فمن زاد شوطا ثامنا أو أنقص منه شوطا ليصبح ستَّة أشواط وهو قاصد فإنَّ عمله يكون باطلا، أو أبطل الصلاة خلف مقام إبراهيم، أو زاد في رمي الجمرات على سبع حُصيَّات، فتكون الشعيرة باطلة لأنَّ النبيءح يقول: «خُذُوا عنِّي مناسِكَكُم» (1) ويقول: «صَلّوا كما رأيتموني أصلِّي» (2)، وهذا ينطبق على كل العبادات.
ومن البدع المحدثة أن يتَّخذ الناس معبدًا لم يشرعه الله تعالى، كبناء كعبة أخرى، كما بنى القرامطة (3) -وهم من غلاة الشيعة- في أواخر القرن الرابع
__________
(1) رواه أحمد بلفظه، من حديث سلمة بن المحبق، رقم: 15951، 3/ 476،ورواه مسلم (بمعناه)، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النّحر راكبا، رقم: 3197، 4/ 79.
(2) رواه البخاريّ، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، رقم: 605، 01/ 226، وابن حبّان، باب: الأذان، رقم: 1658، 04/ 541.
(3) ينظر قصة القرامطة: ياقوت الحموي، معجم البلدان، 02/ 166، وابن كثير، البداية والنهاية، 11/ 182. (1/105)
صفحة 106
الهجري بيتا سمَّوْه «الكْعِيبة» بالتصغير، في القطيف بمنطقة الدمَّام، ونقلوا إليه الحجر الأسود الذي قاموا بسرقته من بيت الله الحرام عُنوةً بالحرب والفتنة وسفك الدماء، وبقي عندهم عدَّة أعوام، وجعلوا يطوفون حوله ويحجّون إليه، مغفلين أنَّ الحجر الأسود لا ينفعهم تقديسُه وتقبيله، فهو خُلِق ليكون في الكعبة، والكعبة في البيت الحرام في مكَّة أمِّ القرى، ولم يُخلَق ليكون في مكان آخر. وبعد عدَّة سنوات قيَّض الله للمسلمين من تغلَّب عليهم، وأخذ الحجر وردَّه في مكانه حيث هو موجود إلى الآن وهُدم ذلك البيت المزعوم، وقد مرَّ على وقوع هذه الحادثة أكثر من ألف عام، وفرقةُ القرامطة انقرضت ولم يبقَ لها من ذكر إلاَّ في كتب التاريخ. فتلك بدعة في الدين، وأهلُها كفَّارٌ بعملهم هذا (1).
فشرْع الله لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، إذ لا يجوز لأيِّ بشر كان أن يخصَّ مكانًا أو زمانا بالتقديس أو العبادة في غير ما شرعه الله تعالى أو سنَّه رسوله الكريم، من قبرٍ أو ضريحٍ أو وليّ؛ حيًّا كان أو ميِّتًا فالعبادةُ لله والتشريع له ولرسوله؛ والرسول ح يبلِّغ عن الله، ولا يضع ولا يشرِّع شيئًا من عنده، بل كلٌّ من عند الله تعالى، ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ (النجم:04)، وإنَّما إذا تقرَّب الناس إلى الله بعبادة من جنس العبادة المشروعة فلا بأس بذلك؛ كالتقرُّب بصلاةٍ فيها قيام وركوع وسجودٍ وتلاوة القرآن، فالله تعالى قد فتح لنا أبواب الخير، فنتقرَّب إليه بالفرائض والسنن والنوافل إن رغبنا، ولكن شرط أن تكون تلك النوافل من جنس الفرائض، فلا نخالفها في هيئتها أو في عملها أو في قراءة أو في
تسبيح أو في استقبال، كأن يبتدع أحد فيقول: أصلِّي الفرائض والسنن إلى الكعبة وأصلي ركعتين نافلة إلى بيت المقدس مثلاً، فهذا باطلٌوحرام لا يجوز.
__________
(1) ينظر: ابن كثير، البداية والنهاية، 11/ 252، وابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 04/ 90. (1/106)
صفحة 107
فيا أيَّها المبتدع أأنت تقترح على الله هيئة الصلاة أو الاستقبال؟ وهو الذي يقول لك: ژ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ... ? ? ??ژ (البقرة:144)، نعم كان الناس يتوجَّهون إلى بيت المقدس قبل مشروعية استقبال المسجد الحرام، لكن حين شُرِّع استقبال المسجد الحرام حُرِّم على المسلمين استقبال بيت المقدس.
هذا في الصلاة وكذلك في الصوم؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أذن لنا بصوم النفل شريطة توفّرها على مواصفات الفرائض، فلا نصوم الليل ونفطر النهار، أو نصوم أربعًا وعشرين ساعة، أو نطوي ثلاثة أيام بلياليها، وهو ما يسمَّى بالوصال، إذ كان بعض المسلمين يفعلونه في صدر الإسلام تعذيبًا للنفس واستزادةً في الأجر، ولكن الرسول ح قال: «إنَّ الله ينهاكم عن الوصال، فقالوا يا رسول الله: تنهانا عن الوصال ونراك تواصل؟ فقال: إنِّي لستُ كهيئتكم إنِّي أبيتُ يطعمني ربي ويسقيني» (1)؛ أي إنَّ الله تعالى هو الذي نهاكم عن الوصال ولكن خصَّ الرسول بأمر لأنه ليس مثلنا، فالله تعالى يضع الشبع في بطنه والريَّ في كبده، وهذا خاصٌّ بالنبي ح، فهناك أحكام خاصَّة بالنبي ح؛ كالزواج بأكثر من أربع نسوة، حيث إنَّه جمع في عصمته إحدى عشر امرأة، ثمَّ حُرِّم عليه بعد ذلك أن يتزوَّج، ولا أن
يستبدل بهنَّ أحدًا، وكذلك أوجب الله عليه قيام الليل، ولم يوجبه علينا بل جعله لنا نافلة، وهكذا هي أمور قليلة خاصة بالنبيح، ولكن قام عليها الدليل.
__________
(1) رواه البخاري، باب: الوصال، رقم: 1863، 2/ 693، ومسلم، باب: النهي عن الوصال في الصّوم، رقم: 1102، 2/ 774. (1/107)
صفحة 108
ومما لا يجوز لنا أيضا أن نصيِّر النفل أو المسنون فرضًا فنوجبه على الناس؛ فالتسبيح بعد صلاة الفجر أو ما يسمى بـ"دعاء السلام"، فيه أدعية وردت عن النبي ح بل فيها أجر عظيم لمن يقرأها، ورغم ذلك نجد بعض الناس ينصرف عنها في أوله، وبعضهم يقوم في منتصفه ومنهم من يجلس إلى نهايته، فرغم فضلها العظيم إلاَّ أنَّها نافلة لا ترقى إلى الفريضة، فمن جلس فلهُ الأجرُ، ومن انصرف فلا ذنب عليه. ولو عاتبنا الناس على عدم جلوسهم لأصبحنا مُفتِنِين لهم، وقد نسبِّبُ بذلك نفورَ الناس عن فريضة الصبح جرَّاء هذا الإلزام بالقعود للسلام خاصَّة ممَّن به مرض أو ينتظره سفر أو موعد ما.
وكذلك من أنواع الابتداع في المعاملات بيوعُ الغرر والغشِّ وقد قال ح: «من غَشَّنَا فليس منَّا» (1) كبيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها، أي قبل بدء نضجها، وبيع العنب قبل اسوداده، وبيع الحبِّ قبل اشتداده، سواء أكان ذلك في الشجرة أوالنخلة أو على الأرض مما هو من خضار الأرض، مثل بيع القمح الأخضر في سنبله، فهذا النوع من البيع المحرَّم نهى عنه الرسول ح، «نَهَى الرسولُح عَن بَيْعِ العِنَبِ حتَّى يَسْوَدَّ وَعَن بَيْعِ الحَبِّ حتَّى يَشْتَدَّ» (2)، ونهى
أيضا «عَن بيعِ الثَّمرَةِ قبل أن تَزهُوَ، وقيل: ما زَهوُها يا رسول الله؟ قال: يبدو صلاَحُهَا» (3).
__________
(1) رواه الرّبيع، باب في الرِّبا والانفساخ والغشِّ، رقم: 582، 01/ 231، ومسلم، باب قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «من غشَّنا فليس منَّا»، رقم: 294، 01/ 69.
(2) رواه الترمذي في سننه، باب: ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم: 1228، 3/ 220.
(3) رواه أبو داود، باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم: 3373، 3/ 260 (دون ذكر: عن بيع الثمر حتّى يزهو)، وابن ماجه، باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم: 2217، 2/ 747. (1/108)
صفحة 109
وقد نهى رسول الله ح «عن بيع ما لم تملك» (1)، فكيف تبيع شيئًا لم تملكه في حوزتك؟! فيجب أن تبدأ بشراء السلعة وتضمنها في ملكك، ثم إن شئت بعد ذلك أن تبيعها فهذا بيع ما بيد صاحبه، وذلك أن يعرض شخص على آخر شراء سلعة يعرف أنها متوفرة عند شخص آخر؛ فإن وافق على الشراء يذهب ويأخذها من صديقه ثم يقدمها للمشتري، فيقبض ثمنها ثم يقدم الثمن الأصلي لصاحب السلعة ويأخذ الربح الذي بينهما، فقد ربح من سلعة دون أن يملكها فهذا محرَّم شرعًا، فلنتصوَّر أنَّ تلك السلعة أصابتها آفة كسرقة أو حرق أو تلف أو غرق فمن يضمن فيها؟ البائع أم صاحب السلعة؟ فهذا ربح ما لم تضمن، والخراج بالضمان، فالربح مشروعٌ لكن في حال تمَّ امتلاك السلعة تحت ضمانة صاحبها، بحيث إذا انخفضت قيمتُها أو سُرقت أو هَلَكت؛ هلكت في ذمَّته، ولم تسبب ضررًا للغير، فخلاف هذا كلّه من المحدثات في المعاملات.
وقد يكون الابتداع أيضا في عقود النكاح والطلاق، بأن يكون النكاح ناقصا من بعض شروطه، كالنكاح بدون ولي أو بدون صداق، أو ما يسمى بنكاح
المتعة، أي نكاح امرأة لأجل، إذ كان هذا مباحا في بادئ الإسلام ثم حُرِّم ونُسخ، أو نكاح المرأة في عصمة زوجها أو في العدَّة فيخطبها أو يتزوجها، فهذا كلّه حرام في شرع الله، إلاَّ إن كانت خطبته بالكناية من غير تصريح فجائز لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (البقرة:235).
__________
(1) رواه البيهقيّ، باب: النهي عن بيع ما ليس عندك وبيع ما لا تملك، رقم: 10638، 5/ 339 (جزء من حديث طويل). (1/109)
صفحة 110
ومن صور الابتداع ما يقع من طلاق بدعي كأن يطلِّق الزوج زوجته ثلاثا دفعة واحدة، أو يبالغ في النكاية فيقول «ثلاثة في ثلاثة»، فلماذا كلُّ هذا الحقد؟ فأصلاً الطلقات الثلاثة محرَّمة، فكيف بثلاثة في ثلاثة وهي تسعة؟ فإن كان لك أيُّها المطلِّق ثلاث تطليقات غير متتالية فمن أين لك الستَّة الباقية؟! فإن كتب الله عليك الطلاق ودفعك شيطانك إلى ذلك فطلِّق طلقةً واحدة فقط، لأنَّك قد تسكن بعد غضبك، وترى إلى عواقب الطلاق وإلى العلاقة التي بينكما، أو قد تتوب المرأة ـ إن كان النشوز منها ـ في تلك المدة، فيكون ذلك الطلاق الأول موعظة لها، فترتدع وتعود إلى رشدها، أو يعظكما مصلحٌ فتعمد إلى إرجاعها لعصمتك، فتكون تلك الفرصة لك لأنه طلاق رجعي.
كان «طلاق الثلاث» في عهد الرسول ح وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي صدر من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغوًا مردودًا يعتبر طلاقا واحدًا، ولكن عندما رأى سيدنا عمر الناس يكثرون من هذا الطلاق أمضاها عليهم عقوبة لهم، فعمد إلى اعتبار الطلقات الثلاث المتتالية دفعة واحدة،
ثلاث طلقات نافذة (1)، فتحرم على المطلق بذلك زوجته، عقوبة له حتى يرتدع ويترك هذه البدعة.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه: بلفظ: «عنابنعباسقالكانالطلاقعلىعهدرسولالله - صلى الله عليه وسلم - وأبيبكروسنتينمنخلافةعمرطلاقالثلاثواحدة، فقالعمربنالخطاب: إنالناسقداستعجلوافيأمرٍقدكانتلهمفيهأناةٌفلوأمضيناهعليهم، فأمضاهعليهم»، باب طلاق الثلاث رقم: 1472، 2/ 1099. (1/110)
صفحة 111
ومن صور الطلاق البدعي أن يطلِّق الزوج زوجته في الحيض، أو في النفاس، فقد روي «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ح فَسَأَلَهُ عَمَّا فَعَلَ، فَقَالَ: «مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ». (1) هكذا حديث رسول الله ح؛ قال له: إن ابنك أخطأ وأتى بدعةً، فاذهب وقل له أن يراجع امرأته بسرعة ويبقيَها في عصمته حتى تطهُر وتكون معه خلالها، ويجوز له أن يباشرها فهي امرأته مثل العادة، فالرسول ح دائما يختار الإمساك على الطلاق لأنَّ الطلاق هو أبغض الحلال، فإذا أراد أن يطلقها فليطلِّقها في طهر لم يمسَّها فيه، فهذا هو الطلاق الذي أمر الله وتلك هي العدَّة التي يجب أن يطلق لها النساءژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ?ژ (الطلاق:01)، وليس المقصود بالعدَّة هنا الكيفية التي يطلق فيها المرأة ژ پ پژ أي مستقبلات لعدتهنَّ أي في طُهر لم تمسوهنَّ فيه،
بعد الطهر مباشرة ليكون الرحم بريئًا، فبعد أن تحيض المرأة ثم تطهر فلا شيء يبقى في الرحم، ثم تزيد حيضةً أخرى ثم تطهر لكي تضمن براءة الرحم تمامًا، فإن وجد أنَّها حامل فعدَّتها وضعُ الحمل، وبعد ذلك تخرج من عدتها.
__________
(1) رواه الرّبيع، باب: الخلع والنّفقة، رقم: 529، 1/ 213، والبخاريّ، باب: تفسير سورة الطلاق، رقم: 4625، 4/ 1864. (1/111)
صفحة 112
فهذه أمورٌ في العبادات والمعاملات وفي الأحكام التي أنزلها الله تعالى وقد قال: ژ ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ژ، ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ، ژ ? ? ? ? ? چ چ چ چژ (المائدة: 44 - 45 - 47).فإذا كان قاضي المسلمين يحكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يحكم إلاَّ بجهل أو بهوى، والقضاة ثلاثة كما قال ح: «قاضيان في النار وقاض في الجنَّة، قاضٍ يحكم بغير ما أنزل الله عن جهل فهو في النار، وقاض يحكم بغير ما أنزل الله عن هوى؛ (أي يعرف حكم الله ولكنه يأكل الرشوة) فهو في النار، وقاض يحكم بما أنزل الله؛ أي عن علم فهو في الجنة» (1).
حديث «مَن عَمِلَ عملاً ليس عليهِ أمرُنَا فَهُو رَدٌّ» هو نصف الدين:
قال العلماء إنَّ هذا الحديث هو نصفُ الدين، ونصفُ الشريعة الإسلامية، وهو يمثل قاعدة أصولية (2)، والقاعدة الأخرى التي تمثل النصف الآخر للدين هي: «من عمل عملاً عليه أمرُنا فهو مقبولٌ». والعمل الذي عليه أمرنا أي هو العمل
الموافق لما في الكتاب والسنَّة، فهو مقبولٌ. وتعتبر هذه القاعدة من مفهوم الكلام وليس منطوقه، أي أنها لم ترد نصًا ولكنَّنا فهمناها بحسب النص الأوَّل. وما ليس عليه أمرنا؛ هو كل ما خالف الشرع سواء في العبادات والمعاملات والحقوق والعقود، أو في الحرب وفي السلم وفي السياسة، وفي كل شيء، فهو باطلٌ مردودٌ على صاحبه، إلاَّ النوافل فالأمر جائز.
__________
(1) رواه أبو داود، باب: في القاضي يخطئ، رقم: 3575، 3/ 324، والترمذي (بمعناه)، باب: ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القاضي، رقم: 1322، 3/ 612.
(2) ينظر: ابن رجب، جامع العلوم والحكم، 7/ 1، وكذا: الشاطبي، الاعتصام، فصل الوجه الثاني من النقل، 1/ 51. (1/112)
صفحة 113
هذا في أمور الدين، أمَّا في أمور الدنيا والمعاش، فالناس أحرارٌ في مساكنهم وملابسهم ومشاربهم ومتاعهم ومراكبهم، حسب الزمان والمكان، وفي حدود الشرع الحنيف، فالناس في القديم كانوا يركبون الحمير والجمال، ... والآن يركبون القطارات والحافلات والطائرات، وبعضهم ركب الصاروخ .. فما دام هذا التطور لا يمسُّ أسَّ الشريعة فلا يُعتبر بدعة، وأما إذا كان مخالفا لها كالأكل والشرب في آنية الذهب أو الفضة مثلا فهذا حرام ومنهي عنه «إنَّما يجرجِرُ في بطنه نارَ جهنم» (1)، وكذا اللباس إن كان غير مستورٍ وكاشفًا أو يشبه لباس الكفَّار تماما؛ فلا بد من مخالفتهم «فمن تشبَّه بقوم فهو منهم» (2).
وأمَّا الأشياءُ التي لا يتمُّ الواجب إلاَّ بها فهي واجبة وليست ببدعة؛ كما ابتدع الناس المآذن، إذ لم تكن في عهد الرسول ح، ولكن لما امتدَّ العمران اتخذوا المآذن ليصل الصوتُ إلى أنحاء البلدة، فهي بدعةٌ حسنة، وكذلك
__________
(1) رواه الرّبيع، باب: أدب الطّعام والشّراب، رقم: 384، 1/ 152، ورواه البخاريّ، باب: آنية الفضّة، رقم: 5311، 5/ 2133.
(2) رواه أبو داود، باب: في لبس الشهرة، رقم: 4033، 4/ 78، وأحمد، مسند: عبد الله بن عمر، رقم: 5114، 2/ 50. (1/113)
صفحة 114
الآلات التي تكبِّر الصوت فهذه الأشياء أصبحت واجبة، لأنَّه لا يتمُّ الواجب إلا بها؛ فهي تساعدنا على أداء الواجب بأحسن وجه. وكذلك اتخاذ الرباطات، وديوان الجند، فسيدنا عمر بن الخطاب اتخذها ليكتب عليها أسماء المحاربين في الجيش ويكتب أجورهم ومدَّة عملهم، إذ لم يكن هذا في زمن الرسول ح فقد كان ينادَى للجهاد فيأتي الناس، وبعد الحرب يقسِّمون الغنائم فيما بينهم، ولكن سيدنا عمر اتخذ ديوانا يحصي فيه الجند، ويستخدمهم بحسب المدَّة المعينة والأجرة المحددة؛ وإذا غنموا غنيمة يجعلها في خزينة بيت المسلمين، ولا يأخذ الجنديُّ إلاَّ راتبه كبقية الجنود، وغير ذلك من التنظيمات التي تُعتبر أمورًا حسنة ابتدعت للتنظيم.
والكلام في هذا الموضوع كبيرٌ وواسع، لكن ينبغي التأكيد على أنه يجب على المسلم ألاَّ يفعل ما اعتاد عليه وفقط، أو ما وجد عليه آباءه أو أجداده من دون التثبّت من حكم الله ورسوله في ذلك العمل، فإن كان موافقًا فليأته، وإن كان زائدًا فليحذفه، وإن كان ناقصًا فليُكمله، وإذا كان مخالفًا فليتركه، هذا إذا كان في صلب الديانة، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
[صفحة بيضاء]
الباب الثامن
في الرؤيا
[صفحة بيضاء]
الرؤيا
50ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ قَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيًا؟» وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَيْسَ يَبْقَى مِنْ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» (1).
الشرح:
__________
(1) رواه أحمد في مسنده: 5/ 14،44، 50، ورواه البخاري: كتاب الجنائز93، وكتاب التعبير 48، ورواه مسلم: كتاب الرؤيا 17،23، ورواه أبو داود: كتاب السنة 8، ورواه الترمذي: كتاب الرؤيا 10، ورواه مالك في الموطأ: كتاب الرؤيا 2. (1/114)
صفحة 115
ننتقل من باب الأمَّة إلى باب الرؤيا: كلمةُ الرؤيا بالمدِّ؛ أي ما يراه النائم في نومه، من الرؤيا الحسنة، وليست أضغاثُ الأحلام، والرؤيا التي لها شأن هي التي يراها المسلم الصادق، وهي التي وردت فيها جملة الأحاديث عن النبي ح في هذا الباب.
نبدأ بالحديث الأوَّل هذا الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ح أنه إذا انصرف من صلاة الغداة، أي بعد أن يتمَّ صلاة الفجر، وبعد أن يسلّم، ويتمّ المصلّون ذكر الله تعالى، يلتفت نحو أصحابه يسألهم: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ويقول إنه ليس يبقى من بعدي من النبوَّة إلاَّ الرؤيا الصالحة»؛ لا يبقى بعدي من آثار النبوَّة إلاَّ الرؤيا الصالحة، وليس معنى ذلك أن النبوَّة تبقى متَّصلة بعد موت النبيءح لأنها ستنقطع
بعد النبيء وهو ما قاله في موضع آخر: «إنَّه لا نبيَّ بعدي ولا أمَّة بعدكم» (1) وقد قال الله تعالى: ژ ? ? ? ? ??ژ (الأحزاب:40).
إلاَّ أن هذه الرؤيا الصالحة فيها جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النبوة، وقيل من خمسة وأربعين، وقيل من سبعين، وليس معنى هذا أنَّ من له هذا الجزء من النبوَّة فهو نبيّ، فهذا الاعتقاد يؤدِّي إلى الكفر؛ لأنَّ من شأن النبوة التحقق اليقيني الثابت، وأمَّا الرؤى الصالحة فهي بشارات وظنون، ومنه فإنَّ النبوات قد انقضت وزالت بانقضاء الأنبياء، ولم يبق من أثرهم إلاَّ ما تركوه من سُنَنهم وحِكَمهم وعلمهم الذي ورَّثوه العلماء، فهذا قطعا يجب علينا اتباعُه وقد قال ح: «إنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله» (2).
__________
(1) رواه الطبراني في مسند الشاميين: من حديث خطبة الوداع: 531.
(2) رواه البخاريّ، باب: قول الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، رقم: 6718، 06/ 2611، ومسلم، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم: 4852، 06/ 13. (1/115)
صفحة 116
إلاَّأنَّفي هذه الرؤيا نوع من الاستبشار ونوع من ترويح النفس؛ وفيها نوع من الغيب أيضا، لأنَّ الله تعالى في بعض الأحيان يفتح نافذة صغيرة ليرى من خلالها الناس بعض الغيب المستقبلي إذا فُسرت تفسيرًا حكيمًا، حيث فسَّرها نبي أو رسول أو عالم بتفسير الرؤى، كما هي رؤيا ملك مصر التي رآها، ثم فسَّرها العزيز سيدنا يوسف؛، حيث تمَّ الكشف عن جزءٍ من الغيب، مما سيقع في مصر من سبع سنوات خصب، وسبع سنوات جدب، وسنة بعدها فيها يغاث الناس
وفيها يعصرون؛ أي يقع فيها الغيث، ويعصر الناس قصب السكر والعنب والزيتون والذرة لاستخراج الزيت، فكانت الرؤيا إخبارًا بما سيقع في خمس عشرة سنة مقبلة، فصدقت رؤيا الملك، وهذا دليل على صدقه أيضا، لأنَّ الرؤيا الصادقة لا تكون إلاَّ من الصادقين. (1/116)
صفحة 117
فكان الرسول ح من عادته أن يسأل الصحابة بعد الفراغ من صلاة الصبح، إلاَّ أنَّ هذا لم يقع إلاَّ قليلا فيما يقرب من حديثين أو ثلاث فقط، حيث يقصُّون أحلامهم فيفسرها لهمح، كما جاء عن صحابيبأنه رأى في حلمه أنَّه يصعَد سلمًا يمتدّ من الأرض إلى السماء فوجد عروة متدلّية من السماء فاستمسك بها، فانكسر السُلّم من تحته، فبقي معلَّقا بين السماء الأرض، فاستيقظ محتارًا في ما رأى، فقصَّها على النبي ح فقال له: أبشِر فإنك ستموت على الفطرة، والسلَّم الذي كنت تصعد فيه إنمَّا هو السنَّة والتوحيد والصلاة والصوم وخصال الخير التي لا تزال تتقرَّب بها إلى الله وترتفع بها في الدرجات العلى، وما انكسار السُلَّم إلاّ مصادفةُ انقضاء سنوات عمرك، وأنت تستمسك بالعروة الوثقى المتدلية من السماء، أي أنك ستموت وأنت متشبِّث بعروة الدين الصحيح المتينة (1)،
__________
(1) قريب من معنى هذه القصة ورد عن الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، فقد أورد البخاري في صحيحه عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ: رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ؛ وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا، وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ: لِهُ ارْقَهْ، قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي, فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاه فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَلَهُ: اسْتَمْسِكْ. فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ: الْإِسْلَامُ, وَذَلِكَ الْعَمُودُ: عَمُودُ الْإِسْلَامِ, وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ: العُرْوَةُ الْوُثْقَى, فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ». وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. صحيح البخاري، كتاب المناقب، 3553. وأحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم 23156. (1/117)
صفحة 118
وقد
قال تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ژ (البقرة:256) والعروة الوثقى هي التي لا تنقطع، فبشَّره النبي ح بذلك بأنَّه من أهل الرضا والسعادة الدائمة بعدما احتار وخاف من هذا الحلم، وهذه من المبشِّرات التي يراها المؤمن أو تُرى له، وهذه هي سنَّة النبي ح.
فكذلك الشأنُ بالنسبة إلينا إذا رأينا رؤيا حسنة أن نقصَّها للصديق الصدوق النصوح المحبِّ لا للعدو، أو نحكيها لمن يفسِّر الأحلام فيفسِّرها لنا، لأنَّ تفسير الرؤى علمٌ، وقد تقدَّم أنَّ تفسير الرؤى لا يكون إلاَّ بعلم، والوعيدُ شديدٌ لمن يفسِّر أو يفتي بغير علم، فيكون كمن خرَّ من السماء فصادف بئرًا لا قعر لها (1) ويكون قرارُه في جهنَّم والعياذ بالله.
وأمَّا حديث الرؤيا السيئة فيأتينا تفصيله في الباب المقبل بحول الله.
الحديث الثاني في الرؤيا
51ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (2).
الشرح:
__________
(1) روى الربيع بن حبيب في مسنده، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَةً أَوْ فَسَّرَ رُؤْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ كَمَنْ وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَصَادَفَ بِئْرًا لا قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ». وسيأتي شرح هذا الحديث (رقم 53) ضمن هذا الباب.
(2) رواه أحمد: 2/ 18، 20، 219. 4/ 10، 11، 12، ورواه البخاري: كتاب التعبير 2، 4، 10، مسلم: كتاب الرؤيا 6، 7، 8، أبو داود: كتاب الأدب 88، الترمذي الدارمي: الرؤيا:2، ورواه مالك: كتاب الرؤيا 1، 3. (1/118)
صفحة 119
هذا الحديث الذي روي عن أنس بن مالك عن رسول الله ح، هو حديث متَّصل إلى النبي ح، حيث إنَّه يخبرنا فيه أنَّ الرؤيا الصالحة لا يراها إلاَّ الرجلُ الصالح ـ والمرأة الصالحة أيضا بالتغليب ـ وهي جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النبوءة، وقد جاءت رواياتٌ أخرى صحيحة أيضا بخمسة وأربعين وسبعة وأربعين وسبعين، وأدنى ما روي في هذا ستَّة وعشرون، إلاَّ أنَّ الرواية المشهورة هي التي تنصُّ على ستَّة وأربعين (1). وليس معنى هذا أنه جزءٌ من ستَّة وأربعين من النبي ح ولكنها توافق هذا الجزء في إصابتها للحق، لأنَّ النبوءة حقٌّ كلُّه وأما الرؤيا الصالحة فهي نسبةٌ من الحقيقة، أي إنَّ قيمتها إلى قيمة النبوءة هي
بقيمة جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوءة، فهي ليست بالنصف ولا بالثلث ولا بالربع.
وهي تفيد الظن ولا تفيد اليقين قطعًا، فمن المستحيل مثلاً أن يُنسخ حكم شرعي بمجرد رؤيا من أحد الصحابة بأن يرى الرسول ح يلقي إليه حكما شرعيا مخالفا لما هو مقرَّر، فيبدِّل الحرام حلالا أو الحلال حراما، فهذا مستحيل، لأنَّ الرؤى لا تفيد الأحكام الشرعية ولا تبطلها ولا تنسخها، فإن وافقت الشريعة فبها ونعمت وهي من الرحمان، وإن خالفتها فهي من الشيطان.
__________
(1) ينظر: النووي، شرح صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، قوله كنت أرى الرؤيا 15/ 21. وعبد المحسن العباد، شرح سنن أبي داود، باب حكم الاعتماد على الرؤى 1/ 2. (1/119)
صفحة 120
وقد تساءل العلماء عن حكمة هذه النسبة الجزئيَّة وما مناسبة هذا التقسيم، ولماذا بالتحديد جزء من ستة وأربعين جزءًا؟ وقد ذهبوا في هذا مذاهب عديدة؛ ولكن الحقيقة لا يعلمها إلاَّ الله، فقد قال بعض العلماء (1) كلاما ـ يبدو أنَّ نسبته ضعيفة ـ: قالوا بما أنَّ مدَّة الوحي للنبي ح كانت ثلاثا وعشرين سنة من يوم ابتداء الوحي إلى وفاته، وكان الرسول ح قبل ذلك يرى الرؤيا الصادقة الصحيحة مثل فلق الصبح في مدَّة ستة أشهر قبل أن يُبعَث، فنسبة مدَّة ما قبل النبوة تساوي جزءًا من ستة وأربعين جزءًا لما بعد النبوءة، لأنَّ ثلاث وعشرون سنة لما تقسمها على ستَّة أشهر فستساوي ستَّةً وأربعين جزءًا، وهذا ليس قول الرسول ح وإنَّما قول بعض العلماء، وهو يحتمل الصواب والخطأ، ومدَّة الرؤى ليست محصورة في ستَّة أشهر فحسب، فحتى وقت في النبوءة كان الرسول حيرى رؤى صادقة، بل وحتى أحيانا
ينزل عليه الوحي في المنام، وقيل إنَّ:ژ ? ... ? ژ (الكوثر: 1) نزلت في رؤيا، والنبوءة هي وحيٌ صادق ولا يلزمنا التفكير والخوض في هذا.
المهم أنه ح قال: إنَّ الرّؤى هي جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة وفيها رباط بالنبوءة، في ذلك الجزء وجهُ شبهٍ بين الرؤى وبين النبوة هو إصابة الحق.
أما بالنسبة لأحوال يوم القيامة فلربما يلتقي مسلمٌ مسلمًا فيقول له مصيري كذا ونرجو أن يكون خيرًا إن شاء الله، أو بالنسبة للأمور الغيبية فيرى من يفسر له ذلك الحلم، فربَّما يبشّره بازدياد مولود مثلا يكون له شأنٌ عظيم، وربما قد تصدُق حتى بعد أربعين سنة، هذا موجود حقًّا، خاصة إن وجد من يفسِّر مثل هذه الرؤيا بحق.
__________
(1) ينظر: النووي، شرح صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، قوله كنت أرى الرؤيا 15/ 21. وعبد المحسن العباد، شرح سنن أبي داود، باب حكم الاعتماد على الرؤى 1/ 2. (1/120)
صفحة 121
وهنالك بعض من الرؤى لا تُعتبر إلاَّ مجرد خيالات وأفكار متداخلة فقط، وأضغاثُ أحلام، بسبب أنَّ مزاج الإنسان لم يكن معتدلا في تلك المدَّة، فينتقل من موضوع إلى موضوع آخر دون اتصال أو تنسيق بينهما.
وهناك بعض الرؤى التي تكون صادقة حين ينام المسلم طاهرًا متوضِّئا وضوءه للصلاة، ويضطجع على يمينه ويذكر الله تعالى بما فتح له من الذكر فإنه قد يرى الرؤيا الصالحة والتي غالبا ما تكون في النصف الأخير من الليل وكلَّما اقتربت من الفجر كانت أصلح.
وفي الحديث المقبل نرى الحديث الذي يتحدَّث عن الرؤيا المزعجة وكيفية معالجتها، والحمد لله رب العالمين.
الرؤيا والحلم
52ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ (1) نَاسًا يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ (2) عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا (3) لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». وَقَالَ: قَالَ أَحَدُهُمْ (4) إِنِّي كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِي بِهَا (5).
الشرح:
__________
(1) * خ: سمعت.
(2) * خ: فلينفث.
(3) * خ: لا.
(4) * قوله أحدهم هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
(5) رواه أحمد في مسنده: 5/ 296،300،305، ورواه البخاري: كتاب التعبير 3، 4، 10، بدء الخلق 11، طب 39، ورواه مسلم: كتاب الرؤيا 201، ورواه أبو داود: كتاب الأدب 88، ورواه الترمذي: كتاب الرؤيا 5، ورواه ابن ماجه: كتاب الرؤيا 4، ورواه الدارمي: كتاب الرؤيا 5، ورواه مالك: الرؤيا 4. (1/121)
صفحة 122
دائمًا في موضوع الرؤيا التي يراها الإنسان في المنام، وقد تقدَّم لنا حديثُ عن الرؤيا الصالحة يراها النائم أو تُرى له، وأنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
وورد أكثر من ذلك وأقل، المهمّ أنها توافق النبوَّة في كونها حقّا، وإنما كما قلنا تفيد الظن ولا تفيد اليقين ولا تنسخ الشريعة، أي لا تُحلّ حراما ولا تحرِّم حلالا، وإنَّما تقوِّي يقيننا فيما سبق علمه، أو فيما يأتي لمن وُهب معرفة تفسير الرؤى، وربما تفتح شيئا قليلا من الغيب فيدركه الإنسان، إذا فُسّرت وكانت صادقة.
إنَّ بعض الرؤى تقع أحيانا على شكل أضغاث مختلطة الصور، وأحلام مزعجة حيث يتحوَّل الإنسان فيها من حال إلى حال في غير اتزان فتلك تسمى حُلمًا. أمَّا الرؤيا فهي تلك التي تكون صادقة مفيدة لمعنًى من المعاني، ولذلك قال جابر بن زيد: «أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ح، يروون عن النبي ح ... »، وهناك بعض الأحاديث يرويها عن واحد مثل: ابن عباس، أو أنس بن مالك، أو عائشة أو أبي سعيد الخذريش. وذلك الواحد يروي عن النبي ح، وأحيانًا يروي عن جماعة من الصحابة سمع عنهم قولاً عن الرسول ح، لأنَّ الرسول ح قد يُحدِّثُ الأفراد، وقد يُحدِّث الجماعات، وكثيرًا ما يُلقي الحديث لجماعة من أصحابه ش، وهم يُبلِّغون لمن بعدهم، لذلك قال: هناك ناسٌ يروون أنَّ رسول الله ح قال: ...
«الرُّؤيا مِنَ اللهِ، والحُلُم مِنَ الشَّيْطَانِ»:
إنَّ الرؤيا تنقسم إلى قسمين: منها ما تكون صالحةً موافقة للحق، يراها الرجل الصالح وهو في حالة طيبة، وهذه الرؤيا هي من الله وبشارة منه، أو فتح شيء من الغيب لِمَا يستقبل؛ إذا فُسِّرت تفسيرًا علميا. (1/122)
صفحة 123
والقسم الثاني منها: هو الحُلُم الذي يمثِّل الأضغاث والأخلاط، التي يبثّها الشيطان ليُفسد على الإنسان، أو هو بسبب تقلّب المزاج إمَّا لمرضٍ أو صُداعٍ أو ألمٍ أو تُخمة في المعِدة أو ضغط في الدم، أو لوجود خيالاتٍ وهواجس ووساوس في الذهن قبل النوم، وهذه التي تسمّى أحلامًا، مفرده حُلمٌ، والحُلُم من الشيطان وليس من الله، مع أنَّ الله هو الذي يسلَّط ذلك الشيطان على هذا الإنسان ليرى تلك الأحلام.
ثم قال: «فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ»، أي ما يُسيئه ويُخيفه من موت أو سقوط أو خوفٍ، خاصَّة وأن ذلك يقع أحيانًا فإن الإنسان يستيقظ مفزوعًا خائفًا لا يدري ما أصابه، فيحتار حيرة عظيمة، فهنا فرَّج عنَّا الرسول ح هذه الحيرة، بإرشادنا إلى شيء يُزيل عنَّا وساوس الأحلام، فقال: «فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ»؛ يجلس على فراشه، ثم يتفُل إلى يساره ثلاث مرات، لماذا؟ لأنَّ الشيطان موجودٌ عن يساره، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، فإن فعل ذلك فلن يضُرَّه ذلك الحلم بإذن الله تعالى.
العبارات الواردة في الاستعاذة:
وقد رُوِيت عباراتٌ في الاستعاذة من الشيطان ووساوسه، وكلُّها أُسنِدت إلى الرسول ح، في بعضها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من عمل الشيطان وسيِّئات الأحلام» (1)؛ أي ألتجئ إلى الله ليحفظني من الشيطان
__________
(1) رواه ابن السّني، انظر: المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، فرع في الرّؤيا، رقم: 41388، 15/ 364. (1/123)
صفحة 124
الرجيم، فيُجيرني منه، ومن قال: «أعوذ بالله من عمل الشيطان ومن سيئات الأحلام»؛ فإنَّ الله يحفظه منه، ورواية أخرى فيها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذُ بما عادت به ملائكة الله ورسله من شرِّ رؤياي هذه أن يُصيبني منها ما أكره في ديني ودنيايَ وآخرتي» (1)؛ أي ألتجئ إلى الذي التجأَتْ إليه ملائكة الله ورُسله، وهي حفظ الله وعصمته. فالاستعاذة هنا من شرِّ رؤيا الدين والدنيا والآخرة، لأنَّ الإنسان أحيانًا ما يرى أمورًا سيئة حول آخرته، فيطلب الله أن يقِيه شرَّ هذا الحلم حتى لا يكون حقًّا، فالرَّائي بعد أن يتفُل عن يساره ثلاث مرَّات، عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يزيد ما ورد من أنواع الاستعاذات الأخرى.
وكذلك ورد لفظ آخر وهو: «أعوذ بكلمات الله التامَّات من غضبه ومن عذابه، ومن همزات الشياطين وأَن يَحضُرُونِ» (2)، وكلماتُ الله التامات هي أسماؤه الحسنى، فأدعو الله أن يحفظني من غضبه ومن عذابه، لأنَّه أحيانًا ما يرى المرء أشياء مُخيفة من أهوال يوم القيامة، وكذلك يتعوَّذ بالله من همزات الشياطين وأن يحضروا له، لأنَّ الشياطين تحضر للمسلم في أعماله الصالحة فتُفسده، وتحضر في قلب المؤمن فتزعجه، ولاسيما إذا غفل عن ذكر الله أو نام ولم يذكر الله، فإنها
__________
(1) عبد الرزّاق (بمعناه)، المصنّف، باب: الرؤيا، رقم: 20359، 11/ 214، والبيهقيّ (بمعناه)، شعب الإيمان، فصل في الرؤيا ... ، رقم: 4769، 4/ 190. [ملاحظة: ورد الحديث موقوفا على إبراهيم النخعي].
(2) رواه الترمذي، في سننه، رقم: 3528، 05/ 541، والنسائيّ، باب: وما يقول من يفزع في منامه، رقم 10601، 6/ 190. (1/124)
صفحة 125
تحضره وتُلقي الحزن في قلبه، وكما علَّمنا ربنا في القرآن الكريم: ژ ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ? ہ ژ (المؤمنون:97،98)، أي أعوذ بالله من وساوس الشياطين التي توسوس بالسوء وبالمعصية، وأيًّا ما فعل فهو أجدى، لأنَّ الرسول ح قال: «فليتعوَّذ بالله من شرِّه»، بعد أن يتفل ثلاث مرَّات، فكأن ما ذكرناه أمثلة فقط للاستعاذة، حتى ولو استعاذ بلغته الخاصة، ـ مثل الميزابية مثلاً ـ والنيَّة حاضرة فلا بأس، المهمُّ أن يكون حاضر القلب.
قال أحدهم، أي أحدُ رواة هذا الحديث: كنتُ أرى حلما هو أثقل عليَّ من الجبل، وكأنّني حاملٌ جبلاً، أو أُراني تحته أترقَّب سقوطه عليَّ، فلمَّا حفظت هذا الحديث، وعملتُ به، أصبحتُ لا أبالي بتلك الأحلام السيِّئة، ولا يضرُّني منها شيء. وطبعًا يتحقَّق هذا؛ لأنَّ الحديث صحيح عن النبي ح، ولم يروه واحد، بل جماعة حيث إنه قد رُوي بصيغ وطرق مختلفة موجودة في كتب الصحاح من الكتب الستة (1).
} - - {
ما جاء فيمن أفتى مسألة أو فسَّر رؤيًا بغير علم
53ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَةً أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا بِغَيرِ عِلمٍ، فَكَأنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ». الْحَدِيث (2) (3).
الشرح:
لقد تقدَّم لنا هذا الحديث في باب العلم لصلته بالعلم، وجاء هنا أيضًا مكرَّرا في هذا الباب لصلته بموضوع الرؤيا، والحديث رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد.
__________
(1) ينظر البخاريّ عن أبي سلمة، بلفظ: «وَإِنْكُنْتُلَأَرَىلرُّؤْيَاأَثْقَلَعَلَيَّمِنْالْجَبَلِفَمَاهُوَإِلَّاأَنْسَمِعْتُهَذَاالْحَدِيثَفَمَاأُبَالِيهَا» باب: النفث في الرقية، رقم:5415، 05/ 2169.
(2) * قوله الحديث، إشارة إلى تقدمه في آخر «باب طلب العلم لغير الله».
(3) روى بنحوه أبو داود في كتاب: العلم 08. (1/125)
صفحة 126
«مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَةً أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا بِغَيرِ عِلم»:
إن هذا الذي يُفتي في مسألة ما برأيه وبغير علمٍ فكأنما يضرب البحر بالعصا، حين يقول: رأيي كذا وأنا يبدو لي بحسب فهمي كذا، والدين هو مجَّرد عقل فقط، فإذا كان الفقه والدين بالعقل فما الداعي لسهر العلماء وحرق الزيت (1)، وتعبهم في التحقيق في مسائله.
الدينُ قالَ اللهُ قالَ رسُولُهُ قالَ الصحابةُ هُمْ ذَوُو التَّنزيلِ (2)
فالدين آيةٌ محكمةٌ تُعرف بمعناها حقَّ المعرفة، وليست مجرَّد تفسير برأيٍ منفصل عن الآيات والأحاديث الأخرى، لأنَّ القرآن يُفسِّر بعضه بعضًا، والسنّة تبيّن القرآن، ژ ? S ... S S S ? ? ? ژ (النحل: 44)، خصوصًا الفتاوى فهي أصعب شيء، فلو كان للوعظ والترغيب والترهيب والأمثلة والقصص والعِبر؛ فإنَّ أيَّ إنسان ـ يُدرك اللغة العربية ـ فإنه يفهم ذلك من القرآن، ولكن مسألة الفتاوى فلا يُمكن أن تأخذ آيات منفصلة عمَّا قبلها وما بعدها وعن أمثالها من الآيات التي وردت في ذلك الحكم ومن الأحاديث أيضًا، لأنَّه قد يكون فيها عمومٌ وخصوصٌ أو ناسخٌ ومنسوخٌ، وقد يكون فيها مجملٌ ومبيَّن، وقد يكون فيها صريحٌ ومؤوَّل إلى آخره من المفاتيح.
إذن فلابدَّ من الإحاطة والإلمام بهذه الأشياء، كما أشار إلى ذلك ابن عباس (3) بقوله تفسير القرآن على أربعة أوجه:
__________
(1) عبارة مستعملة بكثرة للدلالة على السهر الطويل والكد من أجل العلم، و «حرق الزيت» طبعا مستوحى من استعمال قنديل الزيت في القديم، والزيت غذاء ثمين، وإحراقها لا يتم إلاَّ لشيء مهم كطلب العلم.
(2) ينظر: الشيخ الناصر المرموري، فيرحابالقرآنللشيخبيُّوضاختصارسورةالنور، ص: 26 البيتان الواردان:
الدينقالاللهُقالرسولُهُ ... قالالصحابةُليسخُلفٌفيهِ
ماالدينُنصبُكَللخلافسفاهةً ... بينالرسولِوبينرأيِفقيهِ
(3) فخر الدين الرازي، مفاتح الغيب، 07/ 154، وابن كثير، التفسير، 01/ 14. (1/126)
صفحة 127
وجه أوَّل: لا يسع الناس جهلُه، وهو التوحيدُ والفرائضُ والإيمانُ، حيث يجب على جميع الناس أن يتعلَّموه، وكذا المحرَّمات والحدود والحقوق.
وجهٌ ثان: تعرفه العربُ من كلامها، وهو ما كان من القصَّة والعبرة والمثل والتبشير والإنذار، والوعد والوعيد، مثلاً: ژ ژ ژ ... s s ک ک ک ... ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ژ (المطففين: 13 - 16)، إلى آخرها من الآيات.
وجهٌ ثالثٌ: لا يعلمه إلاَّ العلماءُ وهو الأحكامُ والفتاوى، فربَّما قد يُفتي شخصٌ بآية صريحة في حكم ما، ولكنه يُفتي خطأ، لأنَّ تلك الآية قد يكون فيها تخصيصٌ أو نسخ بآية أخرى، كالوصية للوالدين والأقربين مثلاً، وهنا يأتي خطر من فسَّر آية أو أفتى بغير علم؛ فيرتكب الخطأ باعتماد الآية والحديث منفصلاً، أو أن يُعمِلَ عقله وهواه من دون استنادٍ إلى نص أو دليل.
وجهٌ رابعٌ: لا يعلمه إلاَّ الله تبارك وتعالى؛ كحقائق بعض الأشياء التي ذكرت من أمور الغيب في الدنيا، أو مما يقع يوم القيامة، وبيان تأويله، ژ ? ? ? ? ??ژونحن نؤمن بها كما هي، ژ ? ? ? ... ? ? ?? ژ (آل عمران: 07)، كحروف أوائل بعض السور، مثل: ألم، حم .. أو بعض الأمور الأخرى، مثل: استواء الله على العرش، فمنهم من يردُّ العلم فيها إلى الله كما يليق بجلاله، ومنهم من يُؤوِّله بالاستيلاء أي: القهر والملك ... فهناك أشياء في القرآن لا يعلم حقيقتها إلاَّ الله تبارك وتعالى.
إذن فإن أفتى المرءُ بغير علم أو فسَّر حُلمًا أيضًا بغير علمٍ بأن قصَّ له الرائي ما رأى، فيقول له: سيقع لك كذا أو سيكون لك كذا، فهذا يكون خطره عظيمًا عند الله تبارك وتعالى، فيجب الاستنادُ إلى العلم الشرعي في السنَّة أو الأمثلة التي
وردت في القرآن والتي يصحُّ بها تفسير الرؤى، أو الرجوع إلى علم المفسرين من قبل، والنظر إلى هيئة الرائي أيضًا، لأنَّ فيها معطيات تتعلَّق بهيئة الرائي وحتى الوقت كذلك. (1/127)
صفحة 128
فمصيرُ مثل هذا الشخص لم يُرَ له من تمثيلٍ مزعج مثل قولهح: «فكأنما خرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهُ»، فربما هناك من يعتقد قائلا: بما أنَّ البئر لا قعر له فإنه لن يرتطم بالأرض إذن؟ ولكن السقوط سيكون يوم القيامة في قعر جهنم والعياذ بالله، ما دام الناس يعتمدون تلك المسألة التي أحلَّ فيها حرامًا أو حرَّم فيها حلالاً، أو أعطى فيها شيئًا لغير صاحبه، أو أحلَّ فيها فرجًا نُكِح بحرام أو العكس، فتُؤكل الأموال، وتُنكح الفروج، وتُسفك الدماء بسبب فتاوى من غير علمٍ.
فمصادفته لبئر لا قعر لها له معنى عظيم؛ فهو ما يزال في سقوط في قعر جهنم، ما دامت تلك الفتوى التي أفتى بها سارية بين الناس ويتمُّ تناقلُها، وربما اعتمادُها في الكتب، فتبقى أبد الآبدين، رغم أنها باطلة من أوَّلها، فيعلم الله كم ستقع من فتنٍ، جراءها، وكم ستسفك من دماء، وكم ستنتهك من أعراض، وكم ستُزهق من رقاب، من أجل تلك المسألة التي أفتى فيها صاحبها بغير علم، وكتبها في كتاب وصار ذلك الكتاب معتمدًا.
ولقد أعاد المصنِّف إيراد هذا الحديث هنا في باب الرؤيا بعد أن ذكره في باب العلم ليحذِّر الناس من الإفتاء وتفسير الأحلام بغير علم. فلا ينبغي أن يُفتي أحدنا إلاَّ إذا تحقَّق من المسألة جيِّدًا، ولو أنه قام بنسبة المسألة إلى قائلها فهو
أفضل، أو أن يكون من أهل الاستنباط والاجتهاد، ژ گ گ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ں ں? ژ (المؤمنون: 83)، والاستنباط هو من قبيل استخراج الماء من الأرض، وكذلك استخراج مسائل الأحكام والفتوى من أدلتها الأصلية، ومن قواعدها الكلية. (1/128)
صفحة 129
ثم زاد ما هو أشد إزعاجًا حين قال: «وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ»، أي: إنَّ الإنسان لو أفتى في مسألة برأيه فهو دائمًا في سقوط، ولو أنه أصاب الحق؛ ووافق ما عند الله وما عند الرسول ح تمامًا، فلا نتعجَّب لماذا كلّ هذا وقد صادف الحق؟! فنقول: إنه وافق الحقَّ صُدفةً فقط ـ وهي رمية من غير رامٍ ـ، ولم يُوافقه قصدًا، فتهجّمُه على الفتوى بغير علمٍ تلك هي المعصية، حيث إنه تقحَّم شيئًا ليس من اختصاصه، فإن أصاب الحقَّ مرَّة فقد لا يُصيبه في أخرى.
إذا اجتهد العالم فله أجران:
بخلاف إن كان المفتي من أهل الاجتهاد حيث استعمل مفاتيح الاجتهاد واستوفى حفظ القرآن وكثيرًا من السنَّة، وألَمَّ بكثيرٍ من الفتاوى، وأتقن اللغة العربية والأصول، ثم اجتهد على مسألة لم يرِد فيها نصٌّ، وإنما بالقياس وبالاستحسان والاستدلال والاستنباط، فالله تعالى هنا يرفع عنه الإثم ولو كان مخطئًا، فإن أفتى وأصاب فله أجران؛ لأنه جاء من طريق الفتوى، وإذا كان أخطأ فله أجر اجتهاده، وهو معذور.
هكذا قال الرسول ح، فإذا أصاب فله أجرُ الاجتهاد وأجرُ الصواب، وإذا أخطأ وقد سلك الطريق الشرعية للفتوى وهو مجتهد حيث أفتى بالحرمة على شيء
هو حلال أو بالحلِّية على شيء وهو حرام فله أجر الاجتهاد، وهو معذور في الخطأ؛ لأنَّه لو لم يتم الاجتهاد فإنَّ كل العلماء المُفتين سيقفون عند القضايا الجديدة التي لم يرد فيها نصٌّ، فتتعطَّل المصالح، ولكن أَذِن الله لأهل العلم المفتين الموقِّعين عن ربِّ العالمين أن يعملوا جهودهم وأن يستنبطوا، ثمَّ بعد ذلك يفتون بما توصَّلوا إليه.
فلكل علم بابُه ومدخلُه، فلابدَّ لنا أن نأتي الأمور من أبوابها لا أن نتخطَّها ونقتحمها من دون مراعاة حدود.
ولا يزال هناك حديثٌ في الرؤيا يتَّصل بالمسيح سيدنا عيسى؛، وبالدجال، وهو حديث رُوي في مسند الربيع، ورُوي أمثاله في صحاح الحديث، سنراه في الدرس المقبل، والحمد لله رب العالمين.
} (1/129)
صفحة 130
- - {
ما جاء في رؤيا الرسول ح للمسيح بن مريم،
والمسيح الدجال (1)
54ــ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى (2) مِنْ آدَمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى (3) مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا وَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» (4).
الشرح:
هذه الرؤيا رآها النبي ح، وقد تقدم لنا أنَّ رؤى الأنبياء وحيٌ ليس بين ما يرونه في المنام وبين ما يرونه في اليقظة فرق، فكلاهما وحي؛ لأنَّ الرسول ح
تنام عينُه ولا ينام قلبُه، أي إن هذه الأعضاء المادية مثل العين تأخذ راحتها فتنام، ولكن الهدى والنور واليقظة التي في قلبه لا تنام، سواء في يقظة أو منامٍ، والذي يراه النبيون حقٌّ، كالرؤيا التي رآها إبراهيم؛ أنه يذبح ابنه إسماعيل، ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژفطبَّق هذه الرؤيا، وصدَّقها بالعمل طاعة لله تعالى، كما كان جواب ابنه إسماعيل: ژ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ (الصافات: 102)، الأب يعلم أنَّ هذه الرؤيا وحيٌ، والابن كذلك يعلم ذلك، فلم يقل له الابن: يا أبت هذه مجرَّد رؤيا.
سند الحديث:
__________
(1) عنوان هذا الحديث من وضع المحقق.
(2) * خ: مَا أنت راء.
(3) * خ: مَا أنت راء.
(4) رواه البخاري: كتاب اللباس 68، وكتاب التعبير 11، ورواه مسلم: كتاب الإيمان 273، ورواه مالك: كتاب صفة النبي 2. (1/130)
صفحة 131
هذه الرؤيا يرويها أبو عبيدة من طريق بن عمر، أي: لا بدَّ أن يكون هنالك شخصٌ بين أبي عبيدة وابن عمر، والظاهر أنه ليس جابر؛ لأنَّه لو كان جابرًا لذكره أبو عبيدة، فربما قد يكون آخر من كبار التابعين أو من صِغار الصحابة؛ لأنَّ أبا عبيدة أدرك بعضًا من الصحابة الصغار الذين طالت أعمارُهم، ومنهم أنس بن مالك الذي أدركه أبو عبيدة، فإمَّا أن يكون تابعيًّا أو صحابيًّا، فالكلُّ صادقٌ.
ورُوي في هذه القصَّة أنَّ النبي ح قال: «أُراني الليلة عند الكعبة»، حيث رأى نفسه عند المسجد الحرام حول الكعبة إمَّا طائفًا أو قاعدًا، المهمُّ أنه رأى نفسه عند الكعبة، «فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ آدَمِ الرِّجَالِ»، ورجلاً آدم يعني: أسمر اللون؛ لأنَّ الآدم في اللغة العربية هي: السُّمرة، وكأحسن صورة من صُور الرجال السُّمر، و «لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنَ اللِّمَمِ»، له شعر مصفَّف جميلٌ كأحسن ما ترى من شعر الرجال «ليس جعدًا، ولا قططًا»، كما سيأتي في
صفة المسيح الدجال، لأنَّ هذه الصفة لشعر المسيح بن مريم، ممشوطٌ مفروقٌ، كما هي السنَّة، والشعرُ إذا بلغ شحمة الأذنيْن سُمِّي لِمَّة. «قد رجَّلها» أي: سرَّحها، «وهِي تقطُرُ مَاءً» قال بعض العلماء: على إثر الاغتسال، وقال آخرون: من شدة لمعانه وسواده، كأنه يقطر ماءً وليس به ماء، لأنَّ المسيح لا يغتسل من الجنابة، وهو لم يتزوج طول عمره، والأنبياءُ لا يحتلمون، وقد يكون قد اغتسل للطواف، أو لشيء آخر. (1/131)
صفحة 132
«مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ» وضع يده اليُمنى على كتف رجلٍ ويده اليُسرى على كتف رجلٍ آخر، وهو «يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ»، وكأنَّه يستعين بهم في طوافه، وجاء العاتق على صيغة الجمع عواتق، والأصل أن يقال: "على عاتِقَي" بالمثنى، وقد يُستعمل هذا في اللغة العربية، لأنَّ لكل رجل عاتقين، والجمع إذن أربعة عواتق، مثلما جاء في القرآن: ژ ک ک ... گ ... گ گ گ ?? ژ (الطلاق: 04)، جاء القلب بالجمع، وقد أُضيف إلى اثنيْن، وهما عائشة وحفصة أو كما رُوي.
«فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟» الذي بين رجُليْن، وهو على صفة حسنة وهيئة حسنة، وشعرُه أيضًا على هيئة حسنة، «فَقِيلَ لِي: الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ»، عليه وعلى أمه السلام، «ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» ثمَّ مرَّ من بعده رجلٌ شعرُه متموِّجٌ مُلتوٍ على شكل متدرج، أعور العين اليُمنى، لا يبصر منها وهي بارزة إلى الخارج، شبَّهها الرسول ح بحبّة عنبٍ صاعدة كالعين التي بها بقعة بيضاء، ولكن لا تبصر، وهي صفة بشعة، وطافية: يعني بارزة وخارجة. (1/132)
صفحة 133
«فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»، وهو الذي سيخرج قبل قيام الساعة يفتن الناس عن دينهم، ويتألَّه من دون الله، ويجمع البيضاء والصفراء، أي الذهب والفضة، ويجمع الأموال، فيتَّبعه الناس، حتى قيل إنَّه يجعل شكل جنةٍ وشكل نارٍ، فيقول للناس: من تبعني فسأدخله في جنَّتي، ومن لم يتبعني فسأدخله ناري، ويراها الناس أمامهم، ولكن الرسول ح قال: «لا تُطيعوا أمره، ولا تتبعوه، ولا تعبُدوه من دون الله، فجنته ناركم، وناره جنتكم»، أي لو أنَّ المسيح الدجال غضب على أحدٍ فألقاه في تلك النار التي يتوعّدهم بها؛ فإنَّها لا تحرقه أبدًا، بل تكون عليه بردًا وسلامًا، كالنار على إبراهيم، وأما جنَّته فهي الهلاك والخسران الذي يوصل إلى نار جهنم، وقد جاء هذا في أحاديث أخرى أيضًا (1).
ومن أمارات الساعة الكبرى أنَّ المسيح الدجال سيخرج وسيقتل الناس، ويُضلُّهم، وهذا موجودٌ في أحاديث صحيحة، وكان النبي ح يستعيذ بالله منه: «اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ عذَاب جهنَّم، وأعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المسيحِ الدجَّال، وأعوذُ بك من فتنة المحيَا والمَمَاتِ إنَّك على كلِّ شيء قدير» (2)، وكما دعا سيدنا محمد ح بذلك، فندعو نحن أيضًا أن يحفظنا من فتنة المسيح الدجال، بأن لا نشهد زمانه أبدًا، أو إن كُتِبَ لنا أن نحضر زمانه؛ فلا نفتتن به.
تفسير رؤيا الرسولح:
__________
(1) ينظر: اطفيش، تيسير التفسير، 09/ 261.
(2) رواه الربيع، باب: في الدّعاء، رقم: 490، 01/ 198، البخاريّ، باب: الدعاء قبل السّلام، رقم: 798، 01/ 286. (1/133)
صفحة 134
لقد قصَّ الرسول ح هذه الرؤيا ولكن دون أن يُفسِّرها، فماذا قال فيها العلماء؟ قالوا: رُؤيا النبيء ح لهذيْن الرَّجُلين في رُؤيا واحدة، وفي مكان واحدٍ، يدلُّ على اجتماعهما في زمان واحدٍ، أي بأنَّ سيدنا عيسى؛ سينزل كما ورد في أحاديث كثيرة، ولكن الذي عندنا في الربيع لم يرد حديث يدلُّ على ذلك سوى هذا الحديث؛ والذي فيه إشارة فقط من غير تصريحٍ، ولكن هنالك أحاديث أخرى رُويت من طرق أخرى (1)، فيها التصريح بنزول المسيح؛، فيحكم بالعدل بين الناس، ويلتفُّ حوله المسلمون، فيُحارب الكفار، ويُحارب اليهود في فلسطين، ويهجم عليهم في القدس حتى لا تقوم لهم قائمة، ومن جملة ذلك أنه سيُحارب المسيح الدجال، ويقتله فذلك المسيح بن مريم، وذلك المسيح الدجال، وليس ببعيد هذا التفسير، حتى قيل في ذلك بيت من الشِّعْرِ (2):
إنَّ المسيح يقتل المسيح ... لأنهما سُمِّيا المسيح معًا
حال الدنيا بعد نزول المسيح عليه السلام:
جاء في أحاديث أخرى نزولُ المسيح؛، ولكن المسيح بن مريم عند نزوله يحكم بشريعة الإسلام؛ شريعة سيدنا محمد ح (3)، أي لا يحكم بالإنجيل
__________
(1) ينظر: الإمام أحمد، المسند، مسند أبي هريرة، رقم:9757، 02/ 298.
(2) ينظر: السالمي، شرح الجامع الصحيح، 01/ 104.
(3) رواه مسلم، باب نزول عيسى بن مريم حاكما، عنأبيهريرةأنرسولالله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَيْفَأَنْتُمْإِذَانَزَلَفِيكُمْابْنُمَرْيَمَفَأَمَّكُمْمِنْكُمْ؟» فقلتلابنأبيذئبإنالأوزاعيحدثناعنالزهريعننافععنأبيهريرةوإمامكممنكمقالابنأبيذئبتدْرِي"مَاأَمَّكُمْمِنْكُمْ"قُلْتُتُخْبِرُنِيقَالَ: فَأَمَّكُمْبِكِتَابِرَبِّكُمْتَبَارَكَوَتَعَالَىوَسُنَّةِنَبِيِّكُمْصَلَّىللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّم» رقم: 246، 1/ 135. (1/134)
صفحة 135
والتوراة؛ لأنَّه قد مضى زمانهما، بل يحكم بالقرآن وسنَّة الرسول محمَّد ح، بحيث يكون بعد نزوله كأحد علماء هذه الأمَّة، قيل: ويمكث في الدنيا أربعين سنة، فيعمُّ العدلُ والخيرُ والرخاءُ والخصوبةُ حتى وُصِفت أوصافٌ تبيِّن مقدار هذه الخصوبة، والغلال والثِّمار ببركة العدل والرخاء، ثم بعد ذلك يموتُ لأنه لَمَّا رُفع إلى السماء كان عمُره ستَّة وثلاثين عامًا، فيزيد بعدها أربعين سنة، فيموت، فيخلُفه رجلٌ يسير على نفس المنهاج الذي تركه المسيح بن مريم غير أنَّ هذا الذي يخلفه لا يُعمِّرُ كثيرًا، وقيل: إنه يمكث نصف المُدَّة التي مكثها المسيح بن مريم، ثم يموت.
ثمَّ بعد ذلك يكون الإسلام في إدبارٍ، أي: أنَّ الإسلام ينتعش في وقت نزول المسيح، وفي وقت الخلافة، ثم بعد ذلك يُدبر، فيتناقص المسلمون حتى لا يبقى فيهم إلا نفرٌ قليلٌ، ثمَّ بعد ذلك «يأرز الإسلام إلى المدينة كما تأرز الحيَّة إلى جُحرها» (1) يعرج الإسلام إلى المدينة، كما تعرُج الحيَّة إلى جُحرها، فلا يبقى إلا في مدينة الرسول ح، حيث مثَّلها بالحية التي تخرج ليلاً من جحرها، فتطوف أماكن عديدة، ثم تعود إلى الغار الذي خرجت منه. وكذلك الإسلام الذي خرج
من المدينة؛ فهو يطوف الدنيا وينتشر فيها، ثم يرجع إلى المأوى الذي خرج منه؛ وهو دار الهجرة مدينة الرسول ح.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، باب الإيمان يأرز إلى المدينة، رقم: 1777، 2/ 663، ورواه مسلم، بلفظ: عنابنعمرعنالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّالإِسْلاَمَبَدَأَغَرِيبًاوَسَيَعُودُغَرِيبًاكَمَابَدَأَوَهُوَيَأْرِزُبَيْنَالْمَسْجِدَيْنِكَمَاتَأْرِزُالْحَيَّةُفِيجُحْرِهَا» كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا، رقم: 146، 1/ 131. (1/135)
صفحة 136
فالله تعالى لا يُريد أن يدنس المدينة بالكفار أبدًا، على عكس الكعبة نفسها، حيث إنه سيأتي زمان ويدخلها الكفار ويهدمونها بعد أن يعلوها عبد حبشي كافرٌ فيهدمها حجرًا حجرًا (1) والناس ينظرون ولا ينكِرون، لأنّهم على ملَّة الكفر، ووقتها لا يبقى حجٌّ ولا صلاةٌ ولا دينٌ، ولكنّ المدينة يجتمع فيها الإسلام والمسلمون، ثم بعد ذلك يقبض الله أرواحهم قبل قيام الساعة، ولا يُشهدهم قيام الساعة، حيث يُميتهم الله ميتةً هنيئةً، ثم يقيم الساعة من بعد ذلك.
«يَهُبُّ نسيمٌ من الشامِ يَقبِض أرواحَ المسلمينَ، ولا تُقبَضُ أرواحُ الكفارِ والمنافقينَ ثم بعد ذلك تَقومُ الساعةُ على لُكَعِ بنِ لُكعْ» (2) يعني لئيم بن لئيم، لا خير فيه وليس في قلبه ذرَّة من الإيمان «لا تقوم السَّاعة إلا على دين أبي جهل» (3) وفي حديث آخر: «لا تقوم السَّاعة وعلى الأرض من يقول الله» (4) فتلك كلمة تُنوسيت.
زلزلة الساعة وأهوالها:
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، بلفظ: «عن ابْنِعَبَّاسٍرَضِيَاللَّهُعَنْهُمَاعَنْالنَّبِيِّصَلَّى - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: كَأَنِّيبِهِأَسْوَدَأَفْحَجَيَقْلَعُهَاحَجَرًاحَجَرًا». باب هدم الكعبة، رقم: 1595، 2/ 149.
(2) رواه الترمذي في سننه، 2209، 04/ 493، وأحمد، حذيفة بن اليمان، رقم:23351، 05/ 389.
(3) أثر: «لا تقوم الساعة إلا على دين أبي جهل»، لم يعثر عليه إلا في بعض التفاسير منها: هود بن محكم الهواري في تفسيره: قولهتعالى: {قَدْخَسِرَالَّذِينَكَذَّبُوابِلِقَاءِاللهِ} يعنيالذينتقومعليهمالساعةالدائنينبدينأبيجهلوأصحابه، تفسير هود بن محكم، 01/ 350، كذا: الشيخ الناصر المرموري، مختصر تفسير الشيخ بيوض مريم الكهف طه الأنبياء: «الساعةلاتقومإلاَّعلىدينأبيجهل». 1/ 445
(4) رواه مسلم، باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان، رقم: 393، 01/ 91، وأحمد، مسند أنس بن مالك، رقم: 12682، 03/ 162 .. (1/136)
صفحة 137
فعندها تأتي زلزلة الساعة ژ ? ? ? ?? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ... ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الحج:1،2)، فلا يعلم إلاَّ الله هول يوم قيام الساعة، وما ينتظر الناس يومها، فيكونون كالفراش المبثوث يتطايرون يمينًا وشمالاً كالحشرات الطائرة، ولا أحد يعلم وجهته، وإنما يحسّون بالخطر من جهة فيتّجهون إلى أخرى وهكذا، ولا أدلَّ على هول يوم القيامة من قوله تعالى:ژ ? ? ? ? ? ? ?ژ فكل مرضعةٍ سواء أكانت إنسانا أم حيوانا لمَّا تسمع هذه الزلزلة فإنها ترمي برضيعها وتهرب بعيدًا عنه، على عكس الفطرة حيث إذا اشتدَّ الهول فإن الأنثى تحتضن ولدها وتأخذه معها ولو كان بعيدا عنها فإنها تسعى لحمله وتهرب به، ولكن لشدّة الفزع فإنَّها ترمي برضيعها من ثديها وتهرب مسرعة إلى غير وجهة، حين تنظر تلك المناظر التي تنوء عنها الجبال.
ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?ژ (طه: 105 - 107). ژ ? ? ? ? ... ? ? ... ? ... ?? ژ (النمل:88)، (1/137)
صفحة 138
فترى الجبال تصبح كالصوف المنشور حيث لا يبقى فيها روح وتطير في الهواء، ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ژ (المعارج: 9،10)، السماء يومئذ تصطدم فيها النيران، والبحار أيضا تصبح نيرانًا ملتهبةً والجبال متطايرةً، ولا أحد يحدِّث أحدًا ولا يلتقي به، فالمرأة المرضعة تلقي برضيعها والحامل تُسقط جنينها، فالكلٌّ منشغل بنفسه إلى أن يلقاهم الخطر والأجل، ثم يموتون جميعًا ولا يبقى منهم أحدًا، بفعل الصّعق، كما جاء في بعض الآيات: ژ ? ? پ پ پ پ ? ... ? ? ? ??ژ (الزمر:68)، وفي بعضها ذكر الفزع ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (النمل:87)، ومنها القارعة والحاقة والواقعة والصاخَّة، أسماء عجيبة جدًا .. ونحن نرى أحيانًا بعض الاضطراب في الأرض بفعل الزلزال فبعد بضع ثوانٍ ينقلب أمر البلد كلّه، حيث يبيت في عافية ويصبح في هاوية، فترى الموتى تحت الأنقاض والهلكى يصرخون ويستغيثون ولا مُغيث، هذا بعضُ ما يرينا الله إيّاه أحيانًا في هذه الدنيا، ژ ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ... ھ ھ ... ھ ے ژ (الرعد:31) ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ... ? ? ? ? ژ (الإسراء:58)، ولكن حِينَ يحين يوم القيامة فإنه سيكون الهلاك العام.
ولكن والحمد لله فإنَّه سينجِّي المؤمنين ويُميتهم قبل قيام الساعة ولا يرون تلك المناظر، ويكون ذلك العذاب الشديد واقعًا على قومٍ لا يقولون «الله»، ويقع عليهم بغتةً وفجأة من غير سابق إنذار، رغم أنهم يشهدون الآيات الكبرى قبل (1/138)
صفحة 139
ذلك من خروج الدَّجال، وخروج الدابَّة، وشروق الشمس من مغربها، ولا تنفعهُم التوبة حينها لأنَّ بابها يكون موصدًا، والناس يعودون إلى لهوهم وغيّهم وعبثهم وبيعهم وشرائهم، حتى إنَّه جاء في الحديث الصحيح: «إنَّ أحدهم يأخذ ملعقة الطعام إلى فمه فتقوم الساعة قبل أن يأكلها، ولا تصل فمه، ويبسط البائع الثوب للمشتري» (1) فعند قيام الساعة يفرُّ كلٌ منهم ويَدَعُون البيع والشراء من أهوال ذلك اليوم العظيم.
إذن، فهذه رؤيا المسيح بن مريم هو والمسيح الدَّجَال في رؤيا واحدة، وهنا فيه إشارة إلى اجتماعهما في وقت واحد آخر الزمان كما أسلفنا، والتصريح بذلك في أحاديث أخرى من غير هذا الكتاب، وفيه آيات في القرآن تدلُّ على ذلك أيضًا ژ ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ژ، وفي قراءة أخرى {وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسَّاعَةِ} (الزخرف:61)، {وإنَّه} إشارة للمسيح؛ حيث ذكر في الآية التي قبلها، أي أنَّ نزول المسيح عِلمٌ للساعة أو عَلَمٌ للساعة، تعني علامة لقرب قيام الساعة، وليس الساعة بحد ذاتها، لأنَّنا ذكرنا بأنه يحكُم مدَّة من الزمن ثم يأتي خلَفُه من بعده، ثم يبقى المسلمون مدَّة أخرى أيضًا، إلى أن يقبض الله أرواح المسلمين، ثم بعد ذلك تقوم الساعة، ولكن هذه الأوقات يبدو أنها تكون متقاربة ومتلاحقة.
__________
(1) رواه البخاريفي صحيحه، بلفظ: «وَلَتَقُومَنَّالسَّاعَةُوَقَدْنَشَرَالرَّجُلَانِثَوْبَهُمَابَيْنَهُمَافَلَايَتَبَايَعَانِهِوَلَايَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّالسَّاعَةُوَقَدْانْصَرَفَالرَّجُلُبِلَبَنِلِقْحَتِهِفَلَايَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّالسَّاعَةُوَهُوَيَلِيطُحَوْضَهُفَلَايَسْقِيفِيهِ، وَلَتَقُومَنَّالسَّاعَةُوَقَدْرَفَعَأَحَدُكُمْأُكْلَتَهُإِلَىفِيهِفَلَايَطْعَمُهَا»، باب من انتظر حتى تدفن، رقم: 6506، 8/ 106. (1/139)
صفحة 140
وروي أنَّ المسيح ينزل بالشام بدمشق، في يومٍ غائمٍ فيما ذكر من الروايات ولكننا لا نعلم حقيقة موعد نزوله ولا ندري الساعة التي تقوم فيها، وهي قريبة ولكن لا ندري بالتحديد هذا القرب، لأنَّ العلامات الصغرى لقيام الساعة قد مرَّت ولم تبق إلاَّ العلامات الكبرى. المهم على المسلم أن يكون مستعدًّا دائمًا لأنَّه لا يدري أيدرك فناء الدنيا أم فناءه هو، وقيام ساعة كل واحد منَّا هي موتُه، فبعد الموت لا دار غير دار الحق، وما من شيء إلاّ وقد شهده في الدنيا، وقد قال الله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ژ (المعارج: 6، 7)، والله تعالى أخفاها ژ? ? ? S S S S ? ? ? ژ (طه:15)، ولكن ساعة كلِّ أحد أقرب من ذلك، فنسأل الله السلامة والعافية من الفتن ومن فتنة المسيح الدجال، والحمد لله رب العالمين.
[صفحة بيضاء]
الباب التاسع
في الإيمانوالإسلام والشرائع
ما جاء في شرائع الإسلام (1/140)
صفحة 141
55ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلاَ يُفْقَهُ قَوْلُهُ، حَتَّى دَنَا (1) فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، قَالَ: هَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»، قَالَ: هَلْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالزَّكَاةُ»، ثُمَّ قَالَ: هَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ أَزِيدُ (2) عَلَى هَذَا ولاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ (3) إِنْ صَدَقَ» (4).
الشرح:
__________
(1) *خ: إِذَا دنا.
(2) * خ: واللَّه لا أزيد.
(3) *خ: الرجل.
(4) رواه البخاري: كتاب الإيمان 34، صلاة1، علم 6، جيل3، ورواه مسلم: كتاب الإيمان 8، 10/ 29 زكاة -1 - 41، 63، ورواه أبو داود: كتاب الطهارة 97، ورواه الترمذي: تفسير سورة النجم/1، ورواه النسائي: كتاب الصلاة -1 - 4،6، وكتاب الإيمان 23،45، ورواه ابن ماجه: كتاب الزكاة -1 - ورواه الدارمي: كتاب الصلاة 208، ورواه مالك: كتاب صلاة الليل 14. (1/141)
صفحة 142
الباب التاسع من أبواب هذا الكتاب في الإيمان والإسلام والشرائع، الإيمان بالله تعالى هو: عقيدةٌ متمكِّنةٌ في القلب، ونطقٌ باللسان، وعملٌ بالأركان يحقق ذلك الإيمان، لأنَّ مصدوق الإيمان لا يتحقَّق إلاَّ بالأعمال فإن لم يتحقَّق بالأعمال فلا يسمَّى إيمانًا.
والإسلام هو أن تُسلم ظاهرك وباطنك لربِّ العالمين، وأن تأتي بشرائع الإيمان، أي بأعمال الإيمان. والإيمانُ والإسلامُ كما قيل إذا اجتمعا يفترقان وإذا افترقا يتَّحدان؛ يعني أنَّ مدلول أحدهما يدلُّ على الآخر، ولا يكون الإنسان مؤمنًا حتى يكون مسلمًا ولا يكون مسلمًا حتى يكون مؤمنًا، ولا يُقبل أحدهما دون الآخر. أمَّا الشرائع فما شرعه الله تعالى لهذه الأمَّة من حلالٍ وحرامٍ وحدود وحقوق وأحكام. والإيمان لا يختلف ما بين نبي ونبي وما بين أمة وأمة، ژ? ? چ چ چچژ (آل عمران:18)، ولكن الشرائع قد يكون فيها شيء من الاختلاف من نبي إلى آخر على حسب ما تقتضيه الحكمة الربانية، أمَّا الشريعة التي ختمت بها الشرائع فهي شريعة هذا الدين؛ شريعة هذا القرآن الذي يجب على الناس أن يؤمنوا به ويعملوا بما فيه ويتركوا ما كان قبله.
سند الحديث:
روى هذا الحديث أبو عبيدة عن شيخه جابر، وجابر قال بلغني عن طلحة بن عبيد الله، الذي هو من الصحابة العشرة المبشَّرين بالجنة ش. وجابر إمَّا أنَّه لم يلتق به أو كان صغيرًا في زمانه، وطلحة مات في وقعة الجمل وجابر يومئذ
صغير السنِّ، ما بين 15إلى 16 سنة، ولذلك بلغه عنه أي بلَّغه أحدُ صغار الصحابة أو الصحابة الكبار الذين عاشوا طويلاً، أو كبار التابعين وجابر من كبار التابعين. وطلحة بن عبيد الله يروي هذه القصَّة على أنَّه شاهد في هذه الحادثة.
قال: جاء رجل إلى رسول الله ح من أهل نجد ..
جغرافية نجد وتهامة: (1/142)
صفحة 143
«نَجد» هي الأراضي المرتفعة التي تأتي شرق الحجاز، والحجازُ هي جبال تحجُز ما بَيْنَ «نجد» و «تهامة»، من الجهة الغربية قُبالة البحر فتلك «تهامة»، ومن الجهة الشرقية من هذه الجبال أراضي مرتفعة، فيها سفوحٌ ومراعي ومزارع تسمَّى «نجدًا». وسلسلة جبال تنتهي بها الأراضي المرتفعة ثم تنخفض إلى «تهامة»، وفي هذه السلسلة تقع مكة والمدينة والطائف وهي المدن الكبرى من مدُن الحجاز. ومنهم من قال إنَّ مكة هي «تهامة»، ولذلك ينسبون إليها الرسول ح ويقولون «التهامي». و «نجد» تمثِّل هذه الأراضي التي تمتدُّ من شمال الجزيرة إلى الربع الخالي، ومن سلسلة جبال الحجاز وتنخفض قليلاً بانحدار حتى تنتهي إلى البحر في الخليج الذي بين الجزيرة وبين فارس، حيث إنَّ عرض مرتفعات نجد يبلغ حوالي 900كلم إلى 1000كلم، فما بين الطائف والرياض 900كلم، وهذه كلُّها نجد، وبعد الرياض تنخفض الأرض وتكثر الرمال حتى تصل إلى الخليج. وبين الرياض والدمَّام حوالي 500 كلم أي عرض الجزيرة فيها 1600كلم، وأكثر هذه الأراضي هي مرتفعة ولذلك سميت بنجد. ومن المدن الواقعة فيها: الرياض، والقصيم، وعنيزة، وبريدة ومدن أخرى ... وجل أراضيها تصلح للرعي وفيها بعض المزارع
الصحراوية التي تستغل في مواسم هطول الأمطار، كما هو حال الصحاري التي بيننا وبين مسعد والبصير والجلفة، حيث الأراضي الرعوية لذلك يكثر فيها البدو (1).
__________
(1) ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان للحموي، 1/ 440. (1/143)
صفحة 144
«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ح مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِر الرَّأْسِ»:جاء أحد هؤلاء البدو ثائر الرأس، إمَّا من بني تميم أو من طي أو من بني عامر وإمَّا من غطفان، وكلُّ هذه القبائل تحطّ في نجد، جاء أحد منهم من البادية وهو ثائر الرأس أي من أثر السفر والبداوة، وشعره ثائر، لأنَّ الذي يكون في سفر لا يجد الوقت ولا الوسائل ليعتني بشعره أو يفرِّقه، وإلى اليوم نشاهد النجديِّين يطوفون بالكعبة وعادة ما يكون شعرهم ثائرًا، يعني على الكيفية التي كانوا عليها وقت النبي ح. ويبدو أنَّ مقدَمَ هذا النجديِّ كان بعد أن آمن بالنبي ح وآمن بالله واليوم الآخر.
جاء النبيَح ليسأل عن أمور دينه وعن الفرائض، فلم يسأل عن المناهي والمحرَّمات لأنّه قد عرفها، أو أنه أراد أن يتثبَّت فقط، ويسمعها من فم النبي ح مباشرة، ولذلك كان يقول له: «هل غيرُه»، ليتأكد جيِّدًا، وكأنه ربما سمع أن هناك صلاةً أو صيامًا أو زكاة أخرى، وربما اختلط عليه ما بين الفريضة والنّوافل.
«يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلاَ يُفْقَهُ قَوْلُهُ»، لأنَّه جاء يتكلَّم من بعيد وهذا شأن البدو، يرفعون أصواتهم ويتكلَّمون من بعيد، وهي عادةُ أهل الصحراء.
«حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ» فإذا هو يسأل عن الإسلام، ففهم الناس كلامه، بمعنى: أخبِرُوني عن الإسلام، وأعمال الإسلام، وفرائض
الإسلام، فقال له النبي ح: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» بدأ له بذكر الصلوات الخمس لأنَّها هي عمود الإسلام، وهو العمود الذي يقوم عليه بنيان الإسلام وخيمتُه وقٌبّته بحيث إذا كانت الصلاة قائمة فالبنيان قائم، وإذا انعدمت الصلاة انهدم الإسلام وانعدم. (1/144)
صفحة 145
وكلُّ من يقرأ الأحاديث يجد أنَّ أوَّل ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة الصلاة، فإن وُجدت تامَّة قائمة قُبلت وقُبل سائر عمله، وإن وجدت ناقصة؛ إمَّا بالتهاون في أدائها أو طهارتها، أو خشوعها، رُدَّت فلم تُقبل وردَّ معها سائر عمله (1)، فلا يُقبل أيُّ عمل بعد أن رُدَّت هذه الصلاة، وليس معنى ذلك أنه إن حافظ على صلاته وترك صوم رمضان أو إيتاء الزكاة، فسيُقبل منه سائر عمله، لاَ، وإنَّما من صلَّى أقام صلاته وأكمل ركوعها وسجودها وطهارتها، وخشوعها فإنَّه يوفَّق إلى غيرها من الأعمال، ژ ? ?? ? ? ? ? ? ... ??ژ (العنكبوت:45)، وإذا كانت تنهى عن الفحشاء والمنكر فإنها أيضًا تأمر بالمعروف في طريقة متلازمة، لأنَّ فعل المعروف هو تركُ للمنكر وتركُ المنكر هو فعل للمعروف، فمن أكل رمضان فقد أتى منكرًا. وقوله: «سائر عمله» إشارة إلى الأعمال الأخرى من صومٍ وزكاةٍ وجهادٍ وحجٍّ وعُمرةٍ، وما إلى ذلك.
__________
(1) رواه النسائي في سننه، عَنْأَبِىهُرَيْرَةَ أَنَّالنَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -:قَالَ «إِنَّأَوَّلَمَايُحَاسَبُبِهِالْعَبْدُبِصَلاَتِهِفَإِنْصَلَحَتْفَقَدْأَفْلَحَوَأَنْجَحَوَإِنْفَسَدَتْفَقَدْ خَابَوَخَسِرَ». قَالَهَمَّامٌلاَأَدْرِىهَذَامِنْكَلاَمِقَتَادَةَأَوْمِنَالرِّوَايَةِ «فَإِنِانْتَقَصَ مِنْفَرِيضَتِهِشَىْءٌقَالَانْظُرُواهَلْلِعَبْدِىمِنْتَطَوُّعٍفَيُكَمَّلُبِهِمَانَقَصَمِنَالْفَرِيضَةِثُمَّ يَكُونُسَائِرُعَمَلِهِعَلَىنَحْوِذَلِكَ». خَالَفَهُأَبُوالْعَوَّامِ. رقم: 465، الباب الأول والثاني، 1/ 149. (1/145)
صفحة 146
فالصلوات الخمس، الصبحُ والظهرُ والعصر والمغرب والعشاء، ما بين اليوم والليلة، تتكرَّر لا في يوم واحد وإنَّما في أيام متتالية، ولم يفصِّل له في كيفية هذه الصلاة ويبدو أن هذا الأعرابي يعرف عدد الصلوات ويصليها أيضًا وإنما جاء ليتأكد فقط، ويريد أن يجرِّد الفرض من السنَّة أو ربما لأن الأمر اختلط عليه بينهما، فحين قال له خمس صلوات لم يسأله كيف تؤدَّى، ولكن «هَلْ غَيْرُهَا؟»، أي أيجب عليَّ غيرها، قال له النبي ح «لا»، أي لا يفرض عليك من الصلوات غير هذهِ الصلوات الخمس «إلاَّ أن تَطَّوَّع»، أي إلاَّ إذا أردت أن تتطوّع، وتتنفَّل إلى الله تعالى طائعًا مختارًا متنفِّلاً تبتغي زيادة الأجر فلك ذلك.
فقال له رسول الله: ح «وصِيَامُ شَهرِ رَمَضَان»، وهي الفريضةُ الثانية باعتبار فرائض الأعمال، والثالثة باعتبار فرائض الإسلام، بعد كلمة التوحيد، ولم يسأله عن كيفية الصيام ذلك أنه يعرفه أيضًا، قال: «هَلْ غَيْرُهَ؟» من الصيام غير رمضان، «قَالَ: لاَ»، أي أنه لا يوجد فرضٌ بالصيام في السنة إلاَّ شهرَ رمضان، فهنالك أيامٌ مُستحبٌّالصومُ فيها، وفيها خير كثير وربح عظيم، كيوم عاشوراء، أو يوم عرفة لغير الحاجِّ، وكالستَّة من شوَّال، والأيام البيض وأيام من شعبان، ولكنها ليست فرضًا، «إلاَّ أن تَطَّوَّع».
ثم قال له: «والزَّكاةُ»، هذا الحقُّ المالي الذي يؤدَّى من المال ويعطى لأصحابه من الفقراء والمساكين وإلى آخره من الأصناف الثمانية وغيرها من التفاصيل، ولكن هذا الأعرابي لم يسأل عن التفاصيل، ويبدو أنه قد عرفها أيضًا من قبل، أو سيعرف بعد ذلك، وإنما أراد أن يعرف فريضة الزكاة التي تجب في بعض الأصناف من عام إلى عام، أو من فترة لفترة في حصاد الأراضي، وجني (1/146)
صفحة 147
الثمار، لمرَّة أو مرَّتين في العام، حيث إنَّ بعض الغلال تعطي ثلاث حصص في السنة. كما أنَّ حصاد الحبوب يكون سواء مرة في عام أو مرتين في العام أو مرة في عامين،ژ ? ? ? ... ??ژ (الأنعام:141)، وأمَّا زكاة الذهب والفضة وأموال التجارة، وزكاة الإبل والبقر والغنم فهذه عند دوران الحول. والزكاة إمَّا تُعطى لجابي زكاة - أي جامعها -إذا كان هناك أيمَّة للمسلمين يجبون الزكاة، وإمَّا يضعها في يد الفقير أو المسكين مباشرة.
قال: «هل غيرها؟» قال ح: «لا، إلاَّ أن تَطَّوَّع»، ولكن العلماء قالوا إنَّ هناك أشياء تُفرض في المال من غير الزكاة لأسبابٍ خاصَّة تدعو إلى ذلك، وهذا لا يتنافى مع الأمر، وقد ذكرت في آية: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ژ (البقرة:177)، يعني ذكر الزكاة بعد جملة من أنواع الإنفاق، وإنَّما هي أمورٌ تدعو إليها أسبابٌ خاصَّة كما ذكرنا، كأن يوجد يتيم في الجوار ولا كافل له، فهنا يلزم من هم حوله أن ينفقوا عليه، أو حين تنزل نائبة من النوائب على أحد المسلمين وإلى غير ذلك، وأمَّا هكذا على الإطلاق فالمفروض على المسلم الزكاة فقط، إلاَّ أن يتطوَّع الإنسان وهو أفضل ما يقوم به المسلم بأن يتصدَّق على المحتاجين من ماله الذي آتاه الله، وهنا ذكر الرسول ح له أربعة فرائض ولم يذكر الحج، لأنَّه ما زال لم يفرض، وقد فرض في السنة الثامنة. (1/147)
صفحة 148
«فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولاَ أَنْقُصُ مِنْهُ»: يعني بعد أن ألقى بأسئلته وأجابه الرسول ح فقد قضى حاجته التي أتى من أجلها، فقفل راجعًا، وهو يقول: لا أزيد ولا أنقص مما سمعته، فسمعه الرسول ح، فقال: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»؛ يعني إن كان صادقًا فيما يقول فسيكون من المفلحين، حيث لو أتى المسلم بجميع فرائضه تامَّة، بداية من الإيمان والتوحيد والصلاة، والصوم، والزكاة، والحجِّ، لأنَّه فرض بعد ذلك ولم يزد شيئًا من النوافل، فلا يأثم بذلك، فالله لا يفرض عليه أكثر من ذلك، ژ ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ژ (البقرة:147)، فقد أفلح إن صدق في عدم النقص لا في عدم الزيادة، أي ربحَ ونجحَ وسعد إن صدق ولم ينقص من هذهِ الأعمال، أمَّا إن زاد شيئًا على نية التطوّع، فتلك زيادة في الخير وليس المقصود هو أفلح إن صدق في عدم النقص وعدم الزيادة، فالزيادة ليست ممنوعة فهي خير.
وقال قومٌ، أفلح إن صدق في عدم النقص وعدم الزيادة بمعنى بالابتداع في الدين، كأن يزيد ركعة في الظهر أو العصر أو الصبح مثلاً، فلا تُقبل منه صلاته كلّيَّة ولا يكتفى بردَّ تلك الركعة المبتدعة عليه فقط.
وكذا في الصيام فبدل أن يفطر في المغرب يفطر في العشاء مثلاً بزيادة وقت آخر، فإن كان هذا عنادًا وتمرُّدًا وابتداعًا في الدين فسيردُّ عليه صومه كُلُّهُ، أو أن يصوم اليوم الأخير من شعبان أو يوم العيد، فلا يُقبل منه، وسيكون عاصيًا مرتكبًا للكبيرة.
فبهذا المعنى، نعم، قد أفلح إن لم ينقص ولم يزد، فلا تُقبل الفرائض ولا نقوم بها ولا نبلّغها إلاَّ كما وردت في القرآن الكريم، وبالتفصيل الذي ورد عن النبيء ح. (1/148)
صفحة 149
وأمَّا زيادةُ النافلة في الصلاة، فهي مستحبَّة والمتنفِّل مأجور عليها، فإذا سلَّم أحدٌمنهيا من الفرض قام يصلِّي النفل ـ ويُستحسن أن ينتحَّى ناحية أخرى غير التي صلَّى فيها الفرض ـ، ليركع ركعتين أو أكثر نافلة أو سننًا راتبة ركعتين بعد صلاة المغرب، وركعتين بعد العشاء مع الوتر، وركعتين قبل صلاة الصبح، وهناك من يركع ركعتين قبل الظهر وبعده، فيما يعرف بالسنن الرواتب منها مؤكد ومنها غير مؤكّد، وهي حسنةٌ جدًّا، ولكن لا نقول بأنها واجبة.
الفائدة من صلاة النافلة:
ولكن لماذا نتنفَّل؟ أوَّلا: نتنفل رغبة في الأجر، ثانيا: ووقاية وحفظًا لفرائضنا، كما يحمي صاحب الحديقة والمزرعة حديقته بسياج حديديّليقيها من الحيوانات الهائمة والرّمال الزاحفة، وثمة من يضع حاجزان أو ثلاثةحواجز زيادة في حمايتها، وكذلك شأنُالنوافل بالنسبة للفرائض؛ فإنها تتخذ وقاية وسترًا. وكذلك لغرض آخر وهي أنها تمثل جبرًا لما ينقص من الصلوات المفروضة، حيث إنه في يوم القيامة يُنظر في فرائض العبد فإن وجدت تامَّة فذلك المرجوُّ منه، وإن وجدت ناقصة فيقول الله تعالى: «انظروا إن كان لعبدي نوافل، فأكملوا ما نقص
في فرائضه من نوافله» (1)، وليس معنى ذلك أن يدع أحدنا فريضته لأنها ستكمَّل بالنوافل، فلو ترك المسلم صلاة فريضة واحدة لن تُجبَر حتى بألف ركعة نافلة، وإنَّما تجبر النوافل النقص الذي قد يحدث من حيث نشعر أو لا نشعر، وعادة من حيث لا نشعر، وهناك أشياء كثيرة تعرض للإنسان؛ كشرود الذهن في الصلاة، وربَّما انتقاض الوضوء من دون علم، وربَّما الاعتقادُ بأنَّ البدن طاهر ولكنه غير ذلك،، فلا يقولنَّ أحدنا إنَّ لي ضمان بأنَّ صلاتي كاملة غير منقوصة من أوَّلها إلى آخرها، وهذا الأمر يسري في الصلاة وحتى في الصوم وغيرهما من الأركان.
__________
(1) أورده ابن رجب في: فتح الباري (بمعناه لكن بلفظ مغاير)، باب: من أدرك من الصلاة ركعة، 03/ 363. (1/149)
صفحة 150
ففي الزكاة ربَّما يتم وضعها في غير في مكانها الشرعي بغير تعمُّد، فإن كان ثمة نوافل من الصدقات فالله يجبر تلك الزكاة من تلك الصدقات، فنحن الآن ندعو إلى أداء النوافل والمحافظة عليها بل والإكثار منها، خاصة في المناسبات التي ورد في أثر فضلها الكثير في الأجر، سواء في الصلاة أو في الصوم أو في الزكاة، أو الحج والعمرة. وورد التأكيد والتخصيص على الصدقات لأنَّها تجبر كلَّ أنواع الفرائض، فإذا كان المسلم سخيًّا يكثر الصدقات فستنفعه لأشياء كثيرة نحن في أمسِّ الحاجة إليها، لأنَّنا ضعفاء تعترينا الأهواء والشهوات والميل عن الحق والتكاسل، فإذا وجد أحدُنا من نفسه إقبالاً، فليزد من النوافل حتى يكون له احتياطٌ للفرائض، وإذا كانت النفس مدبرة، ـ وللنفس إقبال وإدبار ـ، فلا يُضيّعنَّ الفرائض ولا يفرِّط فيها لمجرد الإحساس بالتعب أو الخمول فهذا لا يجوز،
ولكن إن أردنا أن لا نصلي النوافل فلا بأس، وأمَّا الفرائض فلا مجال لتضييعها، «فالصَّلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل» (1) كما قال الرسول ح.
فهذا الأعرابي تعلَّم دينه من الرسول ح مباشرة، والذين حضروا هذه المحادثة تعلموا فرائض الدين وأحكامه، وعلموا ما هي فرائض الإسلام، وما هي التطوُّعات، ونحن قرأنا هذا الحديث فتعلَّمنا بواسطته الذي وصل إلينا بعد ألف وأربعمائة عام، ومن بعدنا يُتعلم منه شرائع الإسلام، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في الإحسان
__________
(1) رواه أحمد، حديث المشايخ عن أبي بن كعب، رقم: 21575، 05/ 176، وابن حبان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، رقم: 361، 02/ 76. (1/150)
صفحة 151
56ــ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ للَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (1).
الشرح:
في هذا الحديث بيانُ الإحسان في معناه وفي مقدار ما يحسنه هذا الإنسان، فيما بينه وبين ربه. والجواب على هذا جاء في حديث بين النبي ح وبين جبريل؛ (2)، إذ جاءه على هيئة رجل نظيف شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر، كما قال الصحابة: ولا يعرفه منَّا أحد.
والحديث رواه عمر بن الخطاب س، ورواه هنا أنس بن مالك، فدنا من النبي ح حتى أسند ركبتيه إلى ركبتي النبي ح ووضع يديه على فخذيه، فكان يسأل النبي ح في ستِّ مسائلَ؛ خمسٌ منها أجاب عنها النبي ح، ولكن السادسةردَّ فيها العلم إلى الله تعالى.
__________
(1) رواه أحمد في مسنده: 2/ 426. 4/ 129، 164، ورواه البخاري: كتاب الإيمان 37، تفسير سورة لقمان/2، مسلم: كتاب الإيمان 1، 5، أبو داود: كتاب السنة 16، ورواه الترمذي: كتاب الإيمان 5، 6، ابن ماجه: في المقدمة 9 بلفظ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ... » في حديث طويل.
(2) ملاحظة: أورد الشيخ هذه الإضافة في شرحه والمقتبسة من روايات كتب الصحاح الأخرى، غير رواية الربيع، قصد استيفاء السياق الكامل للحديث. (1/151)
صفحة 152
السؤال الأول: سأله أوَّلاً عن الإيمان، فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، فلما انتهى من جوابه قال له: صدقت، قال الرَّاوي: «فعجِبنا منه يسألُه ويُصدِّقُه»، بعد ما تعجَّبوا من قبل من هوية هذا الرجل، لباسٌ وجسمٌ نظيفٌولكننا لا نعرفه! أي المفروض أنَّه كان غريبا عن المدينة وجاء من سفر فسيكون أشعث أغبر من أثر السفر، لأنَّ السفر في القديم كان قطعة من عذابٍ، سير ٌوركوبٌ ونزولٌ في الصحراء وسط العواصف، فيكون مغبرَّ الثياب، لا كما هو حال سفر هذا العصر يركب الطائرة وينزل منها وهو نظيف الثياب وعلى أحسن هيئة.
وازدادوا تعجُّبا أيضًا حين اهتدى إلى النبي حفي مجلسِه دون سؤال أحد، وقد يكون بسبب نور النبوءة التي تظهر على وجه النبي ح. ولكن تعجبوا أكثر أيضًا لما كان يسأله ثم يُصدِّقه، وكأنَّ السائل يعرف الإجابة من قبل، فهو يعلم إذن مضمون السؤال ومضمون الجواب.
السؤال الثاني: سأله عن الإسلام: «ما الإسلام؟» قال: «أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً»، فقال له أيضًا: «صدقت».
السؤال الثالث: سأله عن الإحسان: فقال: «أَنْ تَعْمَلَ للَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، في رواية أن «تعبد الله» أي أن تعبد الله وكأنك تراه، فليس معنى ذلك أن تمثِّله، حاشا لله أن يُتَمثَّلَ، وإنما تستحي منه وتخشع له خشوع من يرى أحدًا يجلُّه ويقدِّره أمامه، وهذا أبلغ ممَّا لو كان غائبًا، فهو
خشوع من يراه، وإقبال من يراه، وخوف من يراه، وإخلاص من يراه، وقل ما شئت في هذا المعنى. (1/152)
صفحة 153
لماذاكلُّ هذا؟ لا شكَّ إن لم تكن تراه أنت فإنَّه تعالى يراك، بل يراك ويسمعك ويعلم ما في قلبك، ژ? ? ... ? ں ں ? ? ژ (طه:7)، (السرَّ) هو الكلام الخفيّ، (وأخفى) هو ما في القلب وما يجول فيه من أحاسيس النفس وما يختلجها من أحاديث، لأنَّ نظرك لله لا يزيد في القضية ولا ينقص شيئًا لأنه فهذا ليس مهمًّا، ولكن المهمَّ هو رؤية الله ومراقبته لك، فذلك هو المهم، وهذا هو جواب الإحسان.
السؤال الرابع: سأله عن الساعة: «متى الساعة» أي متى تقوم الساعة؟ هنا قال النبي ح: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟»، أي لا أعلم شيئًا أكثر ممَّا تعلمه هذا باعتبار ما إذا كان المسؤول سيدنا محمد ح والسائل جبريل عليه السلام، وكذلك كلُّ مسؤول وكلُّ سائل جميعًا جاهلون بأمر الساعة؛ لا علم لهم بموعد قيامها، نعلم أنها ستقوم، ونعتقد بذلك، ونعلم ما علَّمنا الله من أمور قيامها وأشراطها، ولكن لا نعلم موعدها المحدَّد، فإذا كان الرسول ح لا يعلم وجبريل لا يعلم، فمن ذا الذي بعد هذين يمكن أن يعلم؟ لا أحد بعدهما.
فجبريل أفضل الملائكة، وسيدنا محمد ح أفضل الخلق رسول الله وخاتم النبيين، فكما قال تعالى:ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ??ژ (الأعراف:187)، فيجب أن نيأس من هذا العلم ولا نبحث فيه أبدًا. (1/153)
صفحة 154
والسؤال الخامس: سأله عن أشراط السَّاعة: «عن أشراطها»، أي إن لم يكن لك علم بالساعة؛ فأعطنا علمًا بأماراتها؟ فقال له ح: من جملة أشراطها «أن تلِدَ الأمَةُ رَبَّتها»؛الإماء يلدن ربّاتهنَّ، وقد وقع هذا في الدَّولة الأموية والعباسية في أول الإسلام، في الفتوحات الإسلامية حيث امتلك الناس بالسّبي والشراء كثيرًا من الإماء، فكانوا يتسرُّوهنَّ، أي يباشروهنَّ بما أباح الله تعالى لهم ذلك، فكانت تلك الإماء تلدن البنين والبنات، وطبعًا تلك الأمَة إن وَلدت ولدًا من سيِّدها فيكون أولئك الأبناء أحرارًا، فتكون البنتُ ربَّة أمِّها، وسيِّدتها؛ الأمُّ أمَةٌ والبنت ربَّتُها، لأنّها حُرة تتَّبع حرية أبيها، أمَّا أمُّها فأَمَة، قد تُباع يومًا ما كذلك، وكثيرًا ما وقع في أواخر القرن الأول إلى القرن الرابع، وذلك لمَّا كثرت الفتوحات الإسلامية، وكثر السبيُ، وامتلأت الأسواق بهذه الإماء.
«وأن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ رُعَاةَ الشَّاه يَتَطَاوَلُونَ فيِ البُنيَانِ»؛ فترى الذين كانوا حفاةً لا يملكون حتى حذاءً يقون به أرجلهم ـ في هذا دلالة على أنَّ الرسول ح في وطن دافئ ليس فيه بردٌ أو ثلوج، ووطن رملي أيضًا، وليس صخريًا، وأهله رعاة غنم ـ فأصبحوا يتطاولون في البنيان، وهذا ما نراه واقعًا اليوم كثيرًا في هذا الزمان؛ وخاصة في البلاد التي فاض فيها النفط؛ مثل الكويت والسعودية وفي دول الخليج عامَّة، وفيه الشيء العجيب من التطاول في البنيان، ومن لم يشاهدها فلن يتصوَّر حجم هذا التطاوُل؛ فتجد بيتًا من عشرة أو خمسة عشر طابقًا، ثم إنَّه حين تسأل عن صاحبها، يُقال لك إنه كان راعيًا، وأكثر من ذلك هم يتطاولون ويتنافسون في تزيينها، وقد يسكنونها وقد يكرونها وقد يتركونها، ففي الدَّمّام مثلاً؛ ـ وهي مدينة واسعة على قدر مدينة وارجلان، بأربعة أضعاف أو أكثر، وتشبهها (1/154)
صفحة 155
من حيث أرضها الرملية ونخيلها الباسقة غير أنًّها على ساحل البحر ـ فإن جلَّ بناياتها عمارات شامخة من عشر طوابق إلى أربعة عشر أو أكثر، وقيل لي: إنَّ عُشُر البلاد قصُورٌ فارغة ولا حاجة لهم في كِرائها، وإنَّما للتباهي والتطاول في البنيان فقط، فهنالك يُدرك المرء حقيقة معنى هذا الحديث، خاصَّة وأنَّهم بالفعل في الغالب رُعاة، إمَّا هم أنفسهم وإمَّا أبناؤهم الذين من بعدهم، وهم يتطاولون في البنيان بمثل ما وصف النبي ح، وكأنه يشير إلى هذا الزمان، وهو ينظر إلى هذِه البنايات العالية، فهذِه من معجزاتهح، حيث أراه الله وعلَّمه، هذِه هي الأسئلة الخمسة الواردة.
نعود إلى الإحسان، فلماذا سأل الرجل النبي ح عن الإحسان، فالسؤال عن الإيمان شيءٌ معقول؛ إذ هو الباب الذي يَلِج به الإنسان الإسلام، وبه يتحوَّل من الكفر إلى الإيمان، وهو الذي به تُقبَل الأعمال وهو مفتاح الجنة، والإسلام كذلك. فلماذا سأل إذن عن الإحسان؟ فالإحسانُ لا يقلُّ أهمية عن الإيمان، لأنَّ الله تبارك وتعالى ذكر الإحسان في القرآن كثيرًا وبصيغ مختلفة، على ذكر أصحاب الجنة مثلاً قال: ژ ? ? ? ? ? ژ (الرحمن: 60)، وعند ذِكْرِه لصفات المتقين قال: ژ ? ? ... ژ ژ s s ک ک ... ک ک گ گ گ گ ... ? ? ? ? ? ? ژ (الذاريات:16 - 18)، وبصيغة الأمر:ژ ? ? ? ? ? ... ? ہ ہ ... ہہھھ ھ ... ھ ے ... ےژ (البقرة:195)، وفي مكان آخر ژہ ہ ہ ہژ (العنكبوت:69)،ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (النحل:128)، ژ ? ? ? ? ?پژ (يونس:26)،
ژ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ژ (النجم:31)، فكلمة إحسان حاضرةٌ في مختلف سور القرآن؛ في صيغة المصدر، وصيغة الصفة، وصيغة الأمر، والمضارع والماضي، فما هو هذا الإحسانُ الذي ذكره الله كثيرًا وأحبَّ أهله؟ ووعدهم بدرجات عليا في الجنة؟
لذلك أراد جبريل؛ أن يعلِّمه الناسَ، وذلك الرجل هو جبريل كما أسلفنا، فالرسول ح في آخر حواره معه سأله الناس عن الرجل فقال لهم: «ذلك جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم». (1/155)
صفحة 156
وطريقة التدريس بالأسئلة والأجوبة طريقةٌ مهمة جدًا، قد عرَفَها المعلمون والمدرسون، ولذلك قال لقمان الحكيم عليه السلام لابنه: «يا بني كن عالمًا أو متعلمًا أو سائلاً أو مجيبًا، ولا تكن الخامس فتهلك» (1)، وبعد أن عَلِم الصحابة أنَّ الرجل هو جبريل؛ جاء يعلمهم أمر دينهم بطريقة الأسئلة والأجوبة؛ خرج أحدهم مسرعًا ليتعقَّبه فلم يجده، وطبعًا قد صعد إلى السماء بعد أن كان على هيئة رجل، لأنَّه لا يمكن أن يأتيهم إلاَّ على هيئتهم ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ژ (الأنعام:9)، فلا بد أن يكون على هيئة رجل ليتمكن من الجلوس إليه والكلام معه، ولو أرسله بهيئته الملائكية لصعق الجميع ولَمَا استطاعوا مشاهدته.
إذن فهذا هو الإحسان الذي عَلَّق الله به محبَّته ومعيَّته وجنَّته ودرجاته العلى وزيادةً، فلا بدَّ لنا من الاهتمام به.
فما هو هذا الإحسان؟
أمَّا من ناحية اللغة؛ فهو إتقانُ الشيء والإتيانُ به على أكمل وجهٍ، وبِمَا يكون به مقبولاً. فالصحابةُ يعرفون المعنى اللغويَّ للإحسان لأنهم عربٌ فصحاء، فلم يكونوا يجهلونه، ولكن جبريل يريد أن يسأل عن مقدار هذا الإحسان، ولذلك جاء الجواب بما يفهم به مقدار هذا الإحسان الذي فيه أن تعبد الله كأنك تراه، فهذه الكلمات تكفي لفهم معنى الإحسان. ثم نعود إلى المعنى المتعارف بيننا، فإذا كان أحدٌ يعمل عملاً أمام من يحترمه، فلا بد أن يعمل ذلك العمل بما ينبغي ويجب، فإن غاب فيكون العمل بدرجة أقل، مثلما هو شأن العمال والموظفين إن كان المسؤول غائبًا.
__________
(1) ابنعبدالبر، جامعبيانالعلموفضله، بلفظ: «كنعالماأومتعلما، أومحباأومتبعا، ولاتكنالخامسفتهلك» قال: قلتللحسن: وماالخامس؟ قال: المبتدع» رقم: 117. 1/ 127، [لم يعثر على هذا القول منسوبا لسيدنا لقمان الحكيم]. (1/156)
صفحة 157
فلذلك أن تعمل لله كأنَّك تراه، فلم يقل كأنَّه يراك لأنَّه حقًا يرانا، وإنَّما زاد في المعنى تأكيدًا «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي: إن لم تكن تراه أنت بقصورك وضعفك لأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، إذن فكلَّما عملت عملاً سواءً طاعة أو هممتَ بمعصية أو خيانة، فتخيَّل أنك ترى الله، فإن لم يكن كذلك فإنه يراك، فأحْسَنُ بيانٍ لمقدار هذا الإحسان هو هذا الميزان، وهذا المثل، وكأنَّ الله حاضرٌ معك تنظر إليه، وينظر إليك، فبهذا إن كنت في صلاة تكون في أكمل خشوعٍ، وإن كنت في صوم فستحترم صومك، وإذا كنت تؤتي الزكاة فستخلص النية لله تبارك وتعالى.
وإذا كنت في أعمال الحج تكون على أحسن هيئة، لأن الله تعالى يقول:ژ ? ? ?? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? S SSژ (البقرة:197)، فلا فسوق أبدًا سواء باللسان، أو بالنظر، أو بالسمع، أو باليد، أو بالرجل، أو بسائر الجوارح، وسواء في طريقك للحج أو في عودتك منه، أو في أداءك لمناسكه، ثم قال: ژ ? ? ? ? S SSژ، أي عِوَض أنّكم تفسقون أو تجادلون أو ترفثُون فاجتهدوا في فعل الخير، لأنَّه ما تفعلوا من خير صغير أو كبير، جليٍّ أو خفيٍّ يعلمه الله، ويطّلع عليه لأنه معك.
فإذا تصوَّرت هذا كان حجُّك على أحسن وجه، ويكون مبرورًا موسومًا بالإخلاص، وفيه استقامةٌ وفيه نشاط في عمل الصالحات، وفيه عفافٌ وورعٌ، وتركٌ لما لا ينبغي وما لا يجوز، لأنَّك تعبد الله كأنك تراه.
وكذلك عندما يوسوسك الشيطان، سواءٌ شيطان إنس أو جنٍّ، لعمل شيء مخالف للشريعة، فتصوَّر أنك ترى الله في ذلك الحين، فإن لم تكن تراه فإنه يراك فترجع عن غيِّك، فإذا نسيت مرَّة فتذكّر: ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ ژ (الأعراف: 201)، أي تذكَّروا أنَّ الله يراهم، وأنَّ الله يعلم سِرّهم ونجواهم. (1/157)
صفحة 158
قصة تلقين محمد بن سوار لسهل بن عبد الله التستري (1):
جاء في القصصأنَّ رجلا صالحا لقَّن ولدا صغيرا ثلاث كلمات. والرجل هو محمد بن سوار، إذ كان رجلا عابدًا، وكان معه ابن أخته ذي ثلاث سنوات، وهو سهل بن عبد الله التستري، فكان خاله هذا محمد بن سوار يقوم الليل وإذا سمع حركة ابن أخته سهل فيقول له: هل أنت مستيقظ؟ فيجيبه: نعم، فيقول له محمد بن سوار: ألا تذكُر الله؟ فيجيبه الصغير وماذا أقول؟ فيجيبه قل: الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، فكان يعلّمِه هذه الكلمات وهو ولدٌ صغير، ثم بعد ذلك قال له: قلها ثلاث مرَّات، وبعد مدة قال له قلها سبع مرات، ثم إحدى وعشرين مرة، حتى تركّز هذه الكلمات في قلبك وترسخها فيه، ثم بعدها قال له: قلها بقلبك ولا تحرِّك بها لسانك حتى يضمن أنه يقولها بقلبه، ثم بعد ذلك بدأ يلقِّنه آيات من القرآن ويُحفِّظها، وكان الغلام ممتازا بحافظة قوية سريعة عجيبة، وما إن بلغ سبع سنين حتى حفظ القرآن كلَّه؛ من فاتحته إلى خاتمته، وبعد ذلك بدأ هذا الابن اليافع "سهل بن عبد الله" يذهب إلى مجالس العلم لينهل منها، حتى انتصب للتدريس وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم وقعت بعد ذلك مشكلة في بغداد فأرسلوا إليه بالكوفة أو البصرة ليحلَّها، فذهب وقام بحلِّها حقًّا.
فالإنسان إذن صالح سوي الفطرة، ولكنه إذا تلقَّى هذه العلوم والعناية والرعاية الكافية فإنه سيصل إلى مراتب عالية، ببركة التقوى، والله تعالى يقول في شأن العلم: ژ ? ?? ? ??ژ (البقرة: 282)، فإذا سبقت التقوى في القلب جاء العلم بالتبع، ومحلّ الشاهد: «الله معي، الله ناظري، الله شاهدي»، و «اعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
نسأل الله الهداية والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.
} - - {
ما جاء في أنَّ أفضل العمل الإيمانُ بالله
__________
(1) ينظر القصة كاملة: الغزالي أبو حامد، إحياء علوم الدين، 3/ 74، وأبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، 1/ 13. (1/158)
صفحة 159
57 ــ قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ (1) أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» فَقَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لاَ تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي شَيْءٍ قَضَى لَكَ بِهِ» (2).
سند الحديث:
هذا حديث مثل الحديث السابق، إذ نأخذ منهما العلمَ بطريقة السؤال والجواب، وهي مفيدة جدًّا بالنسبة للسائل، وبالنسبة للمستمع لأنَّ الجواب يعمّ الجميع ويفيدهم. وهذا الحديث رواه الربيع إذ بلغه عن عبادة بن الصامت، وعُبادةُ من خيرة صحابة رسول الله ح، والربيع من صغار التابعين إذ قيل إنه أدرك بعض الصحابة، وسواءٌأأدرك عُبادَةَ أم لم يدركه فلابدَّ أن يكون بينه وبين الصحابي الكبير شخصٌ من كبار التابعين يبلِّغه ما سمعه عن الصحابة، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى أيضا.
الشرح:
«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيءِ ح: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟»:
فأعمال البرِّ كثيرة، وهذا الرجل يسأل أيّها أفضل وأحظى عند الله وأثبت للأجر، يسأل عن أصل الأعمال الصالحة كلها، وطبعا أصل الشجرة أفضل من فروعها، فأجابه الرسول ح بجواب واحد عن ثلاثة أعمال؛ وإن شئنا قلنا إنها الأصل لسائر الأعمال، وسائر الأعمال فروع لها.
أولا: إيمان بالله
ثانيا: تصديق به
ثالثا: جهاد في سبيله.
فلما أجابه بهذه الأجوبة قال الرجل: أريد أهون من ذلك، وكأنَّه يساوم الله أن يرفق به فالأمر صعب، لأنَّ الرجل فهم معنى الإيمان بالله على حقيقته؛ أي السير في نهج الاستقامة، لا أنْ يعتقد بالقلب وينطق باللسان فقط، ولو كان كذلك لكان سهلا بل الله يقول: ژ ژ ژ ژ (هود: 112).
__________
(1) * خ: الأعمال.
(2) رواه أحمد في مسنده: 5/ 319. (1/159)
صفحة 160
والتصديقُ هو التفسير لذلك الإيمان العميق، ولا يكون الإيمان حقيقيا إلا إذا كان مصحوبًا بتصديق، وإلاَّ كان نفاقا أو تقليدًا.
«وجهادٌ في سبيله»: بمجاهدة النفس ومقاومته كلّ من يعترضه في سبيل الحق إمَّا باللسان وإما بالفعل. ولكن الرجل ساوم النبي ح لأن يخفِّف عنه بعض التكليف والمسؤولية، فالأمر شديد عليه، فقال له النبي: «لا تتَّهم الله في شيءٍ قضى لك به». ما معنى هذا الاتهام؟ ذلك أن لا تظنَّ أنَّ الله إن دلَّك وهداك إلى طريقٍ يوصل إلى الجنة أنَّ هنالك طريقًا أفضل منه وأيسر وأرفق، فهل الله غشَّك ولم ينصحك، حاشا لله.
فقول الرسول ح: إيمانٌ بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله؛ هو قول من الله، ورد ذلك في القرآن الكريم وما أُوحِي إليه، ولذلك الجواب من الرسول والكلام موجَّه إلى الله إذ لم يقل له لا تتهمني؛ وإنما قال لا تتّهم الله، أي: أنه قضى لك بأن تسير في هذا الطريق، فهو الطريق الأمثل للوصول إلى الجنة، وهو أيسر السبل إليها، ومثله مثل التاجر حين يُعْلِمك بأنَّ سعر سلعة كذا بمائة، فتقول له: آخذها بخمسين، فيقول لك: إذن أنت تتّهمني بزيادة السعر لك ورفعه، فقد أعطيتك السعر المناسب من أوَّل وهلة، ولله المثل الأعلى، وهذا هو الحقّ ولا طريق غيره. فحتى تلك الخصال الثلاثة لا تنازل فيها في الحقيقة أبدًا؛ أيُنقص لك في الإيمان أم في التصديق أم في الجهاد، فهذا لا يمكن. (1/160)
صفحة 161
نرجع إلى الإيمان: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ» ِ فلما سأله عن أفضل الأعمال قال له: الإيمان، فالإيمان إذن فيه العقيدة والقول والعمل؛ لأنَّه لم يقل له: أيُّ القول أفضل؛ وإنما قال: أيُّ العمل، فالإيمان إذن يتضمَّن الأعمال، ولا يسمَّى الإيمانُ إيمانا إنْ كان خاليا من العمل؛ لأنه سأله عن العمل فأجابه بالإيمان، فالإيمان يشمل: العقيدة الراسخة في القلب، عقيدة التوحيد، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، كما تقدَّم في الحديث الماضي في سؤال جبريل وجواب النبي ح، وكذلك يشمل النطق باللسان والإقرار به، فلا بدَّ أن تنطق بلسانك عن مضمون هذا الإيمان: ژ ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھژ (البقرة: 285)، وآية الكرسي، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد؛ لأنَّالشعور بالقلب دون الإقرار والاعتراف باللسان هي شيمة المشركين المتكبرين، فلما
تكلَّم الله تعالى عن المشركين وعن فرعون وقومه قال: ژ ? ? ? ? ? پپژ (النمل: 14)، أي لم يريدوا الاعتراف بآيات الله بلسانهم؛ ولكن قلوبهم اعترفت بها، واعتقدت أنَّ الإله الحق هو إله موسى وليس فرعون، بل وحتى فرعون نفسه لَمَّا أحدق به الخطر وأدركه الغرق اعترف بهذه الحقيقة التي كانت في قلبه وجحد بها، وحين يأتي الخطر يذهب الجحود ويبقى الاعتراف ژS S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ژ (يونس: 90)، ولذلك لم يقبل الله تعالى منه ذلك الإيمان رغم أنه قد رأى آيات إلهية سابقة، ژ ? ? ? ? ? ? S S S ... S ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... ??ژ (الأنعام: 158)، ژچ چ چ ? ? ? ? ژ (يونس: 91). (1/161)
صفحة 162
فهلاَّ كان هذا الاعترافُ في الرخاء فيقبله الله وقتئذ؟ ولكن لم يكن كذلك؛ إذن فالكفار جحدوا بهذه الحقيقة ولكن استيقنتها أنفسُهم، وكذلك الإقرار بدون الاعتقاد بها نفاق، ژ ? ? ? ? ... چ چچ چ ? ? ?ژ (آل عمران:167)، ژ ? ں ں ? ? ? ?ژ (المائدة:41)، فلا ينفع الإيمان باللسان دون الاعتقاد بالقلب، بل لا بد منهما معًا؛ اعتقادٌ بالقلب وإقرارٌ باللسان.
والمسألة لا تنتهي عند هذا الحدِّ؛ لأنَّ السؤال جاء عن العمل، فكان الجواب بالإيمان، إذن فالإيمان يتضمَّن الأعمال. ثم لو كان الإيمان هو الإقرار فقط لما قال
له أريد أسهل من هذا، فلا أسهل ولا أيسر أن تقول بلسانك كلمة الإيمان، ثم تصنع ما شئتَ من الأعمال السيِّئة وتتَّبع الهوى، أما هذا السائل فقد فَهِم أنَّ الإيمان هو تغييرٌلمجرى الحياة كلها، وأن يتَّجه إلى الله تعالى، ويسير في الطريق المستقيم، ويحلَّ الحلال ويحرِّم الحرام، ويأتي الفرائض ويتخلَّق بخلق الإسلام، ويؤدّي الحقوق ژپ پ ? ? ?ژ (العصر:3).
ثم بعدها «وَتَصْدِيقٌ بِه»: يقول المشايخ كالشيخ السالمي: (1): هذا الجواب يخرج مخرج التعبير لما قبله، وكأنَّ التصديق تبيينٌ لحقيقة الإيمان، فالإيمان الذي في قلبك إن لم يكن عن تصديقٍ وعن اقتناعٍ فلا يسمَّى إيمانا، بل هو مجرَّد تقليد: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الزخرف: 23)، معناه إذا أنت وجدت والديك على طريقة فاتبعتهم من دون أن تفهم شيئا عن الإيمان، فإن هذا لا يكفي أبدًا.
__________
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 116. (1/162)
صفحة 163
فلا بدَّ من التصديق والإدراك العميق لحقيقة الإيمان، والتصديق بالله وبرسوله ح، وبجميع ما في كتابه، تصديقًا ويقينًا وشهادة، وتشهد بذلك: «أشهد أن لا إله إلا الله». لا أن تقول: «أنطق أو أقوللا إله إلا الله»، بل تقول: «أشهد»، لأنَّ الشهادة لا تكون إلاَّ عن علم، وطبيعيٌّ إن حصل التصديق في القلب تنشأ عن ذلك الأعمال في الجوارح، سواء الأفعال أو الترك، فإذا صدّقت بأنَّ النار تحرق فمستحيل أن تقترب منها، وصدَّقت أنَّ الأفعى تلدغ وتقتل فمستحيل أن تمدّ
لها يدك دون حماية، وصدَّقت أنَّ الأسد يفترس فلا تذهب إليه، فنحن نرى في أمور دنيانا إن كان هنالك ما يضرّنا فلا نقترب منه أبدًا، بل ونهرب منه هروبا لا شعوريا إن داهمنا، وإن صدَّقنا بأي شيء ينفع فنحن نأخذه ونجمعه ونسلك أي سبيل للحصول عليه.
فأبسط ما في الأمر حين تذهب إلى طبيب فيكتب لك وصفة طبِّية لأدوية مرضك، ثم تتبع تلك الوصفة وأنت لا تعرف صدق هذا الطبيب ولا ثقته، بل إنَّه ربما قد يصف لك ما يؤدِّي إلى قتلك ولكنك تتبعه بلا ريب وكأنَّه نبيء، فيا ليت الأمر يكون نفسه حين نتبع أوامر الأنبياء كما نتبع أوامر الأطبَّاء، فنكون ملائكة في الأرض! ثم إنَّه حين نشتري الدواء ونتبع تعليمات الطبيب فإننا تناوله وإن كان مرًّا، فكلُّ هذا نتيجة ماذا؟ نتيجة التصديق.
أمَّا إن كان المرء يصدِّق بشيء ويعمل خلافه فهو يكذب على نفسه وعلى الله، فنقول أحيانا على لسان بعضنا: نعم نعلم أن هذا حلال وهذا حرام، ولكن «الله غالب»، ثم نأتي المحرمات ونترك الفرائض، ونقول إنًّ الله سيهدينا ... فهل نحن مصدِّقون بالله ووعده، كلاَّ، إنَّ هذا ليس تصديقًا بل نفاقا. ولذلك جاءت هنا كلمة التصديق مبيِّنة لمحتوى الإيمان، وليست تكرارًا لمعناه فقط، فلا يعمل أعمال المؤمنين إلا المصدِّقون ژ ? ? ? ??ژ (الأنفال: 4). (1/163)
صفحة 164
«وجهادٌ في سبيله»: أي تجاهد كل من وقف في سبيل إيمانك، وأوَّل أولئك: النفس وهواها، ـ والهوى يأتي من قِبَل النفس ـ، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: ژ? ? ... ? ?ژ (النازعات: 40)، والهوى هو الميل الطبيعي
النفسي للشهوات، فلذلك هي أمَّارة بالسوء، وهي كسولةٌ عن الخير بطيئة عنه، فأنت إن لم تجاهد هذه النفس فلن تنجح في إيمانك بل ستكون متناقضا فيه كاذبا به، أمَّا أن نجد نفسا من أول يوم تأمر بالخير وتكره الشهوات فهذا لا يمكن؛ لأنَّ من طبيعتها الأمر بالسوء، فلابد بجهادها، وجهادها شاق وطويل، لأنَّها عدو من الداخل وعدو محبوب، وكل ما يدعو إليه محبوب، والشيطان يأتي من قِبلها فيستغلّ نقطة الضعف في الإنسان ليلج منها، فيصبح النفس والشيطان آنَئذٍ عدُوَّان مقابل واحد وهو الإنسان، فلو كانت النفس عدوًّا خارجيا فإننا نُوصد الأبواب دونه، فيدَعنا نرتاح منه دون أن نقاتله، والشيطان كذلك يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، ومحبوب ليس مُبغض، ونفسه طويل أي: لا يوسوس مرة فقط، وإنما مرارا وتكرارا إلى الممات.
ولذلك سمى الرسول ح هذه المحاربة بالجهاد الأكبر، حين عاد من الغزوة والجهاد الميداني والقتال ضدَّ العدو الخارجي والتي فيها جارح ومجروح، وقاتل ومقتول، وغالب ومغلوب، وحيث يعتبر الصريع فيها ناجحًا، والعائد ناجحا كذلك، أي: أن مصير المؤمنين المجاهدين دائما النجاح ژ ? ? ? ? ... ? ... ? ?? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ... ہہژ (التوبة:52)، إحدى الحُسنييَن فالذي عاد من الجهاد حيًّا فقد رجع بالأجر والغنيمة إن كانت هنالك غنيمة، والذي قتل في الجهاد غُفِرَت ذنوبه من أول قطرة دمه واستقبلته الحور العين في الجنة؛ ولكن الجهاد الأكبر الطويل هو جهاد النفس؛ إذ سماه النبي ح هكذا، «عُدْنا من الجهاد الأصغر إلى (1/164)
صفحة 165
الجهاد الأكبر» (1) فيُعتبَر الصريع المغلوب فيه هالكًا هلاكا مؤبَّدا، لا كما هو الحال في الجهاد الأصغر، فلولا الجهاد الأكبر لما استقام الجهاد الأصغر؛ لأنَّ الذي لم يجاهد نفسه قبل الذهاب إلى الجهاد الأصغر فربما سيذهب إلى أخذ الغنائم فقط، أو يخرج طلبا لعصبية، أو يخرج ليُقال إنه شجاع مِقدام، وهذا كلُّه ليس في سبيل الله؛ وإنما في سبيل الدنيا؛ لأنَّ الذي جاهد لتكون كلمة الله هي العليا هو المجاهد في سبيل الله، إذن فالجهاد الأصغر ابن للجهاد الأكبر، وإذا استقام الجهاد الأول نجحنا في الجهاد الثاني. وإذا ما أنت لم تخرج للجهاد أبدًا خوفا من العدو أو أنك تفِرّ من الزحف، فأنت ملعونٌ أو تعتبر مجاهدًا لأجل الدنيا، إذن فالجهاد الأكبر هو جهاد النفس ژ ? ? ? ? ہہژ (الحج: 78).
ثم بعد ذلك يأتي جهادك الثاني: جهاد الناس الذين يعترضون سبيلك، فمنهم من يجاهد بالكلمة يقولها، ومنهم من جاهد بالكلمة يكتمها، ومنهم من يجاهد بالسلاح، فكلّ وظروفه؛ فجهاد الكلمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دون أن تأخذك في الله لومة لائم، أو بقول كلمة حقٍّ عند سلطان جائر لأنّه أفضل أنواع الجهاد، وذلك سواء كانت بالكلام أو بالكتابة، والكتابة مثل الكلام وأحيانا تكون أفضل منه.
وفي بعض الأحيان تستدعي الظروف استعمال القوة والسلاح، فعليك أن تلبِّيَ داعي الجهاد ولا يكتمل إيمانُ إنسانٍ إلاَّ بهذه الأمور، ولذلك استعظمها الرجل، وساوم الله في التخفيف، وكأنه بصدد بيع أو شراء، فلذلك قال له ح:
__________
(1) الإمام أحمد، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، الجهاد الأكبر الأصغر، رقم: 11779، 01/ 197. (1/165)
صفحة 166
«لاَ تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي شَيْءٍ قَضَى لَكَ بِهِ»، فهذه هي أفضل الأعمال، ولا يمكن المساومةُ فيها، أو خرم بعض منها. ثم بعد ذلك إن كمل إيمان إنسان وأخلص فيه فإنه سيكون بعد ذلك، بل وقبل ذلك، ومع ذلك التصديق به لينتج عنه العمل بمقتضى هذا التصديق، ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژژ s s کژ (الحجرات:7)، ثم بعد ذلك تأتي المقاومة ولا بدَّ منها في مجاهدة النفس والغير، بكل طريقة من طرق المقاومة التي يستطيعها الإنسان، فإذا تَمَّ كلُّ هذا فسيكون حقًا قد أتى أفضل الأعمال، لأنّ كلّ الأعمال الأخرى تأتي تبَعًا لهذا الإيمان، ثم يأتي جميع الطاعات وينتهي عن المنكرات ويأتي جميع الحقوق، ويقول لله سمعنا وأطعنا، وبعدها تكون الخصال الأخرى كما قال ح: «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ـ وقيل مائة شعبة ـ أعْلَاهَا كَلِمَةُ التَّوحِيدِ وَأْدْنَاهِا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (1)، وهي خصال كلّها تنبع من هذا الإيمان الصادق والجهاد الخالص، فعلينا أن نحفظ هذا جيدا ونعمل به، وخصوصًا ما جاء في جواب السؤال الثاني بعد أن سأله التخفيف، ووجب أن نحذر تمثّل ذلك الرجل الذي يريد اليسر والسهولة في كلِّ شيء، نسأل الله الهداية والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.
} - - {
إشارة النبي ح لأهل اليمن بالإيمان
__________
(1) سنن النسائي، ذكر شعب الإيمان، رقم: 5005، 8/ 110، وابن حبان، باب فرض الإيمان، رقم: 166، 01/ 384. (1/166)
صفحة 167
58ــأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَشَارَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمِينِ فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ الإِيمَانَ هَاهُنَا، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ (1) وَغِلَظَ الْقَلْبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» (2).
سند الحديث:
دائما في موضوع الإيمان، روى هذا الحديث أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ح، والحديث طريقه متَّصل ليس فيه انقطاع أو انفصال، والحديث صحيح، إذ روي من طرق أخرى أيضا وإن كانت تختلف قليلا عن هذه الرواية.
الشرح:
روي أنَّ النبي ح أشار بيده نحو اليمَن فقال: «ألاَ إنَّ الإيمان ها هنا»، أي في اليمن، وفي رواية أخرى: «أتاكم أهل اليمن أتاكم أهل الإيمان» (3). حيث
وصف اليمن بالإيمان، ثم أشار بيده فقال: «وَإِنَّ الْفِتْنَةَ وَغِلَظَ الْقَلْبِ»، أي قساوة القلوب، وبُعدها عن روح الشريعة «فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ» والفدّادون أي الذين يرفعون أصواتهم عند أصول أذناب الإبل عند رعيهم لها، وتكون أذناب الإبل مقابلة لوجوه هؤلاء، ثم أعطى وصفا لأولئك القوم الموجودين في الجزيرة العربية «ربيعة» و «مضر بن نزار»، و «مضر بن معد بن عدنان» .. قبيلتان عظيمتان في وسط الجزيرة، حيث تقطنان في المنطقة الممتدة من مكَّة إلى الطائف وإلى ضواحي نجد.
__________
(1) * خ: القسوة.
(2) رواه أحمد: 3/ 332، 335، 345، 4/ 118، 5/ 273، البخاري: في بدء الخلق15، مناقب1، مغازي74، طلاق25، مسلم: كتاب الإيمان 81، 92.
(3) رواه البخاري في صحيحه، بلفظ: «أتاكمأهلاليمنأضعفقلوبا، وأرقأفئدة، الفقهيمانالحكمةيمانية» رقم: 3125،4/ 1595. كذا الترمذي في الجامعالصحيحسننالترمذي5/ 459. (1/167)
صفحة 168
وأمَّا اليمنيون فمركزهم اليمن وحضرموت وعُمان، وكلُّتلك المناطق كانت تسمى في القديم «اليمن»، وإنما كانت مقسَّمة إلى إقليم حضرموت، وإقليم عُمان، و «مَزُون» كما كانت تسمى قديما، وهي جهة تابعة لليمن وتسمى الغبيراء. وقبائل الأوس والخزرج والأنصار ش سكان المدينة أصلهم كذلك من اليمن، حيث إنَّ نسبهم يعود إلى هنالك من العرب العاربة، وكذلك بنو خزاعة القريبة منازلهم من مكة.
هكذا أخبر النبي ح وخبره صادق، فأهل اليمن إذن أهل إيمان، أمَّا الذين يصيحون وراء إبلهم وأذنابها فهم غلاظٌ أشداء قساة لأنهم أبناء بدوٍ، حتى وإن استوطنوا الحواضر، وأشار إلى قبيلتي «ربيعة» و «مُضر» فهم لا يستقرّون لأنهم يرتحلون إلى اليمن وإلى الشام للتجارة، وأمَّا أهل اليمن فهم ليسوا رحَّالة وإنما هم أهل زراعة وتمدُّن وكذلك أهل المدينة المنوَّرة.
وقد ظهر صدق حديث النبي ح لما بدأ الناس يزهدون في دينهم، وانتهى عهد الخلفاء الراشدون، وصار الملك عضودًا لبني أمية، يلعبون بالملك كما يلعب الغلمان بالكرة، ولَمَّا كان الأمر كذلك قام أهل اليمن ونصَّبُوا أوَّل إمامة حق،
وهم أسلافنا رحمهم الله، بإمامة عبد الله بن يحي الكندي طالب الحق، سنة 130هـ (1)، في أعقاب حكومة بني أمية فكانت إمامته أشبه بإمامة الخلفاء الراشدين، حتى زحفوا شمالا فدخلوا مكَّة والمدينة تحت حكمهم فذاقتا أيام عدل كأيام الخلفاء الراشدين، ولكن لسوء الحظ لم تدُم طويلا، فتغلَّبت الفتنة عليهم.
وكان من أصحاب طالب الحق، أبو حمزة الشاري، وأبو أيوب الأنصاري، وسليمان بن عبد العزيز، وأحمد بن سليمان، وإبراهيم بن قيس بن سليمان الذي يلقب بأبي إسحاق الحضرمي، وهو من أيمَّة اليمن.
__________
(1) ينظر: ترجمته الكاملة؛ معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، 1/ 228. (1/168)
صفحة 169
ثم بعد ذلك انتقل الأمر إلى عُمان، ونُصِّبت هنالك إمامة الجلندى بن مسعود رحمه الله، ومن بعدَه. ولم تقع في اليمن وضواحيها فتنٌ ولا ارتدادٌ ولا طغيان، ولكن في جهة ربيعة ومُضر وقع ارتدادٌ وفتن كثيرة، وبهذا صدق النبي في حديثه ولا نشكّ في صدقه، والحديث مرويٌّ من طرق كثيرة صحيحة فكان كما قال ح.
ولكن ما الحكمة في أنَّ أهل اليمن أهل إيمان، وأنَّ أهل مُضر وربيعة تظهر فيهم الفتنة، كما قال ح: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ»، وهنالك من شرحها على أنَّهما القبيلتان، وهنالك من قال أنهما كناية لقوة الشيطان وجنوده، فلا بد أن نبحث عن الحكمة حتى نعتبر ونتَّعظ.
يبدو أن السبب هو كون أهل اليمن أهلَ استقرارٍ وتحضُّر، وأن ربيعة ومضر أجلاف وأهل ترحال وبداوة، هو ما جاء في الحديث نفسه، إذ لم يقل الفتنة في ربيعة ومضر، وإنما قال «الفتنة وغلظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل»؛ في البداوة والترحال وعدم الاستقرار، كما ذكر في مكان آخر، «ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيلُ السفر، يمدّ يديه إلى السماء يا ربُّ، يا ربُّ، ومطعمه حرامٌ، ومَلبسهُ حرامٌ، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له».
الفرق بين العرب والأعراب: (1/169)
صفحة 170
فمثل هؤلاء البدو أبعد ما يكونون من العلم والفقه والأدب، وقد علَّل القرآن لذلك فقال: ژ? ? ? ? ? ? ں ... ں ? ? ? ? ?? ہ ہ ہ ژ (التوبة: 97) والأعرابُ هم البدوُ الرحَّل، لأنَّ العرب قسمان: منهم مستقرّون كأهل اليمن والمدينة، وعرب رحَّل كمُضَر وربيعة ويُسمُّون أعرابًا، فالنبي عربيٌّ، وليس أعرابيًّا. ففي قوله تعالى: ژ? ? ں ... ں ? ? ? ? ??ژيعني أنَّهم حَقِيقُونوأهلٌبأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فهم لا يفقهون ولا يعلمون الكثير من حدود الله ورسوله، لعدم استقرارهم وانشغالهم بحياتهم البدوية البدائية، فالعلم مُتاح وميسَّر لأهل الاستقرار، وبذلك يناله أهل المدائن والقرى، لأنَّ العلم في متناولهم، فالصغار يتعلَّمون في الكتاتيب وعند المشايخ، والكبار يتعلَّمون في المساجد وفي الحلقات على أيدي العلماء، أمَّا الذين يكونون في البادية أو تكون حياتهم دائمة
التنقل والأسفار فلا تكون لهم فرصة للتعلُّم، فلذلك يكون أجدر بهم وأقرب ألاَّ يعلموا ما أنزل الله على رسوله من تشريع.
الإسلام دينُ التحضُّر والاستقرار:
وهذا الحديث يفيدنا في أنَّالإسلام يحضُّ على الاستقرار والتمدُّن، وأن على الإنسان أن يقلِّل من البداوة، وإن وجد الإقامة في الحضر فهو خير له، حتى يستقرَّ وينال العلم، وإن لم يمكن له ذلك فليقلّل من حياة البادية وليخصص أيَّامًا يقضيها في الحضر حتى يتفقَّه في الدين. وكذلك على الحكومات أن تعتني بالبدو، وذلك بأن توفِّر لهم إمكانات العلم وتعمِّمه وتوصله إلى نواحي البدو المختلفة، بإنشاء المدارس التي تعلِّم الدين، وشتى فنون العلم، في الأمكنة التي يتجمَّع فيها أهل القرى والمداشر والبوادي، إمَّا في دور مبنية، وإما في خيم متنقلة .. فلا ينبغي أن تغيب المدرسة عن أي تجمّع سكاني. (1/170)
صفحة 171
وزماننا اليوم يخدم هذه القضيَّة؛ حيث أنَّ الاتجاه السياسي والثقافي والعلمي في صالح تحضير البدو، وتقليل عددهم، وذلك بتعميم التعليم وبناء المدارس، فكان يصعبُ على البادي فيما سبق أن يجد وسيلة من وسائل التعلم، إلاّ قليلا منهم، حيث كان يتسنّى لبعضهم حفظ القرآن، فيحفِّظونه لمن هم معهم في تلك البادية، ويحاولون تعليمهم الدين وتعليمهم الصلاة وإمامتهم ووعظهم بما آتاهم الله من علم، والناس يُعينونهم بما أوتوا من مال. أو إنهم يستقدمون من يُعلِّمهم من خارج باديتهم ويستقرّ معهم، وهذا موجودٌ في كثير من المناطق، ولكن ليس كلها لأنَّهم ليسوا على استطاعة واحدة.
إذن فليس هذا الحديث، من النبي مجرَّد حكاية فقط «الإيمان يَمانيٌّ والحكمة يَمَانيَّة»، كما في حديث آخر، «والفتنة وغلظ القلوب في ربيعة ومُضر عند الفَدَّادين في أصول أذناب الإبل»، وإنَّما للاعتبار والادِّكار ولاتخاذ الوسائل أيضًا، حتى يتحمَّل أهل البادية مسؤوليتهم، ويفكّروا في أمر دينهم، ويقتربوا من أهل الحضر، أو يأتوا بمن يعلِّمهم أمر دينهم؛ فـ «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (1)، «أطلبوا العلم و لو بالصين» (2)، وهذا مما على أهل البادية أن يفعلوه ولا يكتفوا برعي الغنم، وسوق الإبل فقط، وأمَّا ما يلزم الحكومات فهو تحمّلُ مسؤوليتها تجاه أهل البدو، فهم من ضمن الشعب فيوفرون لهم المدارس والعلم في المداشر والجبال والصحاري، ـ وهذا ما هو كائن ـ ولكن الذي نريده أكثر هو التركيز على التربية الدينية أكثر في تلك البوادي، فتُعنى الوزارة بتركيز الحصص الدينية وتقوية موادها بصفة أكبر، وجعلها من المواد الأساسية.
يكفينا ما قلناه في هذا الحديث، ونكلُ أمره إلى الله، والحمد لله رب العالمين.
}
__________
(1) رواه ابن ماجة، عن أنس بن مالك. سنن ابن ماجة، باب فضل العلماء والحث: 224.
(2) رواه الربيع، الجامع الصحيح، رقم: 18. وقد سبق شرحه في الجزء الثاني من «في رحاب السنة». ص:17 (1/171)
صفحة 172
- - {
الفهارس
[صفحة بيضاء]
قائمة المصادر
*-القرآن الكريم (برواية حفص عن عاصم) م
*-الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، تح/ محمد إدريس، راجعه وقدم له: عاشور يوسف، دار الحكمة بيروت، دمشق، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط01، 1415هـ1995.
1. ابن أبي شيبة، الحافظعبداللهبنمحمدالكوفيالعبسي، مصنفابنأبيشيبةفيالأحاديثوالآثار،ضبطوتعليق: سعيداللحام، دارالفكر.
2. ابن البطال، أبوالحسنعليبنخلفبنعبدالملكالبكريالقرطبي، شرحصحيحالبخاري، تح/ أبوتميمياسربنإبراهيم، مكتبةالرشد، السعودية، ط02، 1423هـ، 2003م.
3. ابن حبان، محمدبنحبانبنأحمدأبوحاتمالتميميالبستي، صحيحابنحبان، تح/ شعيبالأرنؤوط مؤسسةالرسالة، بيروت، ط02، 1414، 1993.
4. ابنحجرالعسقلاني، الحافظشهابالدين، فتحالباريشرحصحيحالبخاري، ط02، دارالمعرفةللطباعةوالنشر، بيروت.
5. ابن حزم الأندلسي، عليبنأحمدبنسعيدالظاهريأبومحمد، الإحكام في أصول الأحكام، [المكتبة الشاملة، ترقيمآلي غير موافق للمطبوع].
6. ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، [المكتبة الشاملة، ترقيمآلي غير موافق للمطبوع].
7. ابنرجبالحنبلي، جامعالعلوموالحكمبشرحخمسينحديثامنجوامعالكلم، تح/ماهرياسينفحل.
8. ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، [المكتبة الشاملة، ترقيمآلي غير موافق للمطبوع].
9. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر: تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1401هـ.، دارالمعرفةبيروت، 1992،1412 ه.
10. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، مكتبةالمعارف، بيروت.
11. ابن ماجه، محمدبنيزيدأبوعبد اللهالقزويني، سننابنماجه، دارالفكر – بيروت، تح/محمدفؤادعبدالباقي.
12. أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، [المكتبة الشاملة، ترقيم آلي غير موافق للمطبوع].
13. أبو داود سليمانبنالأشعثالسجستانيالأزدي، سنن أبي داود، دارالفكر، تح/محمدمحييالدينعبدالحميد. (1/172)
صفحة 173
14. أبومحمدالحسينبنمسعودالبغوي، معالمالتنزيل، تح/ محمدعبداللهالنمر، عثمانجمعةضميرية، سليمانمسلمالحرش، دارطيبةللنشروالتوزيع، ط04، 1417 هـ - 1997 م
15. أبو يعقوب الوارجلاني، يوسفبنإبراهيمبنمنادالسدراتيالوارجلاني، العدلوالإنصاففيأصولالفقهوالاختلاف، [المكتبة الشاملة الإباضية، ترقيم آلي غير موافق للمطبوع].
16. أبوبكر الصنعاني، أبوبكرعبدالرزاقبنهمامالصنعاني، مصنفعبدالرزاق، تح/حبيبالرحمنالأعظمي، المكتبالإسلامي، بيروت، ط02، 1403هـ.
17. الإستانبولي، إسماعيلحقيبنمصطفىلحنفيالخلوتي، تفسيرروحالبيان، دارإحياءالتراثالعربى.
18. اطفيش، امحمد بن يوسف، هميانالزادإلىدارالميعاد، [المكتبة الشاملة الإباضية، ترقيم آلي غير موافق للمطبوع].
19. الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ومكتبة الاستقامة، روي، مسقط- سلطنة عمان، د. ت. ن.
20. الإمامالسالمي، نورالدينعبد اللهبنحميد، شرحالجامعالصحيح، الجزء 1 و2، ط01،السلطانفيصلبنتركي، مطبعةالأزهارالبارونية، مصر، 1326هـ. الجزءالثالث: تصحيحوتعليق: عزّالدينالتنوخي، نشر: سليمانوأحمدابنيمحَمَّدالسالمي، المطبعةالعمومية، دمشق، 1383هـ/1963م.
21. البخاري، محمدبنإسماعيلأبوعبد اللهالجعفي، صحيحالبخاري، الجامعالصحيحالمختصر، تح/ د. مصطفىديبالبغا، دارابنكثير، اليمامة، بيروت، ط03، 1407 – 1987.
22. البخاري، محمد بن إسماعيل، أبو عبد الله محمد، الأدبالمفرد، دارالبشائرالإسلامية، بيروت، ط03، 1409، 1989، تح/محمدفؤادعبد الباقي.
23. البغوي، الحسينبنمسعود، شرحالسنة، المكتبالإسلامي، دمشق، بيروت، 1403هـ 1983م ط02، تح/شعيبالأرناؤوط، محمدزهيرالشاويش.
24. بن كثير، أبوالفداءإسماعيلبنعمرالقرشيالدمشقي، تفسيرالقرآنالعظيم، تح/ساميبنمحمدسلامة، دارطيبةللنشروالتوزيع، ط02، 1420هـ 1999. (1/173)
صفحة 174
25. البيهقي، أحمدبنالحسينبنعليبنموسىبوبكر، سنن البيهقي الكبرى، دارالباز، مكةالمكرمة، 1414، 1994، تح/محمدعبدالقادرعطا.
26. الترمذي، أبىعيسىمحمدبنعيسى، سننالترمذي، تح/ عبدالوهابعبداللطيف، دارالفكرللطباعةوالنشر.
27. جمعية التراث، لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، من ق1هـ إلى ق15هـ، قسم المغرب، القرارة، غرداية الجزائر، ط1، 1420هـ/ 1999م.
28. الحاكم النيسابوري، محمدبنعبد اللهأبوعبد الله، المستدرك على الصحيحين، تح/مصطفىعبدالقادرعطا، دارالكتبالعلمية، بيروت ط01، 1411، 1990.
29. الحموي، ياقوت بنعبداللهأبوعبدالله، معجم البلدان، دارالفكر - بيروت
30. الدارمي، عبد اللهبنعبد الرحمنأبومحمد، سننالدارمي، دارالكتابالعربي، بيروت، ط01، 1407، تح/فوازأحمدزمرلي , خالدالسبعالعلمي.
31. الدرجيني، أبوالعباسأحمدبنسعيد، طبقاتالمشايخبالمغرب، تح/ إبراهيمطلاي، المطبعة: مطبعةالبعث، قسنطينة، الجزائر.
32. الرامهرمزي، أبوالحسنبنعبدالرحمنبنخلاد، أمثالالحديثالمرويةعنالنبيح، تح/أحمدعبدالفتاحتمام، مؤسسةالكتبالثقافية – بيروت، ط01، 1409.
33. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرحالزرقانيعلىموطأالإماممالك، محمدبنعبدالباقيبنيوسفالزرقاني تحقيقالناشردارالكتبالعلمية، 1411هـ بيروت.
34. السيوطي، جلالالدينعبدالرحمنبنأبيبكر، الجامعالصغيرفيأحاديثالبشيرالنذير، دارالفكر، بيروت.
35. السيوطي، عبدالرحمنبنأبوبكر، جلالالدين، جامع الأحاديث.
36. السيوطي، عبدالرحمنبنالكمالجلالالدين، الدرالمنثور، نشردارالفكر، بيروت، 1993.
37. الشاطبي، أبوإسحاقالشاطبي، الاعتصام، المكتبةالتجاريةالكبرى، مصر.
38. الشكعة، مصطفى: إسلام بلا مذاهب.
39. الفخرالرازي، محمدبنعمربنالحسينالشافعيأبوعبداللهفخرالدين، تفسيرالفخرالرازي، دارإحياءالتراثالعربي. (1/174)
صفحة 175
40. القرطبي، أبوعبداللهمحمدبنأحمدبنأبيبكربنفرحالأنصاريالخزرجيشمسالدين، الجامعلأحكامالقرآن، تح/ هشامسميرالبخاري، دارعالمالكتب، السعودية، 1423 هـ/ 2003.
41. مالكبنأنسأبوعبد اللهالأصبحي، موطأمالك، روايةيحيىلليثي، دارإحياءالتراثالعربي، مصر، تح/محمدفؤادعبدالباقي.
42. المتقيالهندي، علاءالدينعليبنحسامالدينالبرهانفوري، كنزالعمالفيسننالأقوالوالأفعال، تح/الشيخبكريحيانيالشيخصفوةالسقا، مؤسسةالرسالة.
43. محمدبنمحمدالغزاليأبوحامد، إحياءعلومالدين، دارالمعرفة – بيروت.
44. مرتضىلزَّبيدي، محمّدبنمحمّدبنعبدالرزّاقالحسيني أبوالفيض، تاجالعروسمنجواهرالقاموس، تح/مجموعةمنالمحققين، الناشردارالهداية.
45. مسلمبنالحجاجأبوالحسينالقشيريالنيسابوري، صحيحمسلم، دارإحياءالتراثالعربي – بيروت.
46. النووي، أبوزكريايحيىبنشرفبنمري، شرحالنوويعلىصحيحمسلم، المنهاجشرحصحيحمسلمبنالحجاج، دارإحياءالتراثالعربي، بيروت، ط02، 1392.
47. الهيثمي، الحافظنورالدينعليبنأبيبكر، مجمعالزوائدومنبعالفوائدالإصدار02،بتحريرالحافظينالجليلين: العراقيوابنحجر، دارالفكر، بيروت، طبعة 1412 هـ، 1992.
48. البرامج الإلكترونية:
50. جمعية التراث، المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الرابع، موسوعة إلكترونية، نشر دار نزهة الألباب، غرداية، 1434هـ 2013م.
} - - {
فهرس الآيات القرآنية
سورة/ آية ... نص الآية ... صفحة
البقرة:112 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 21
البقرة:134 ... ژ? ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ ... 67
البقرة:144 ... ژ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ... ? ? ??ژ ... 126
البقرة:147 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ژ ... 176
البقرة:177 ... ژ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ژ ... 175 (1/175)
صفحة 176
البقرة:180 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ ... 30
البقرة:184 ... ژ? ? ... ? ... ? ? ... چ چ چ چ ? ??ژ ... 95
البقرة:195 ... ژ? ? ? ? ?? ہ ہ ... ہہھھ ھ ... ھ ے ... ےژ ... 184
البقرة:197 ... ژ? ? ?? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? S SSژ ... 187
البقرة:235 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 129
البقرة:256 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ژ ... 140
البقرة:280 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ... ??ژ ... 114
البقرة:282 ... ژ??? ? ??ژ ... 189
البقرة:285 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھژ ... 192
البقرة:286 ... ژ? ? ? ? ? ??ژ ... 95
آل عمران:31 ... ژ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ?? چ چ چ ژ ... 89، 92
آلعمران:07 ... ژ ? ? ? ... ? ? ??ژ ... 151
آلعمران:18 ... ژ? ? چ چ چچژ ... 170
آلعمران:31 ... ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ?? چ چ چژ ... 18
آلعمران:167 ... ژ? ? ? ? ... چ چچ چ ? ? ?ژ ... 193
النساء:11 ... ژ گ گ گ ?? ? ? ? ??ژ ... 31
النساء:12 ... ژں ں ? ??ژ ... 49
النساء:42 ... ژگ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?ژ ... 19، 89، 97
النساء:59 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 18، 78، 89
النساء:64 ... ژ? ? ? ہ ... ہ ہ ہھژ ... 18، 89
النساء:80 ... ژ? ? ? ? ? پپژ ... 18، 78، 89، 94
النساء:117 ... ژ ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ژ ... 45
المائدة:08 ... ژ? ? ? چ چ چژ ... 95
المائدة:41 ... ژ? ں ں ? ? ? ?ژ ... 193
المائدة:44 ... ژ? ? ہ ہ ہ ہ ھھ ھژ، ... 47، 131
المائدة:45 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 131
المائدة:47 ... ژ ? ? ? ? ? چ چ چ چژ ... 131
المائدة:54 ... ژہہژ ... 18
الأنعام:9 ... ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ژ ... 185
الأنعام:141 ... ژ? ? ? ... ??ژ ... 175
الأنعام:158 ... ژ? ? ? ? ? ? S S S ... S ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... ??ژ ... 193
الأعراف:187 ... ژ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ??ژ ... 182
الأعراف:201 ... ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ ژ ... 187
الأنفال:4 ... ژ? ? ? ??ژ ... 195
الأنفال:20 ... ژs s ک ک ک ک گ گ گ گ ?ژ ... 89
الأنفال:75 ... ژ? ?? ? ? ? ? ??ژ ... 31
التوبة:37 ... ژ ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ ? ? ژ ... 122
التوبة:52 ... ژ? ? ? ? ... ? ... ? ?? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ... ہہژ ... 196
التوبة:60 ... ژہھژ ... 117
التوبة:97 ... ژ? ? ? ? ? ? ں ... ں ? ? ? ? ?? ہ ہ ہ ژ ... 202 (1/176)
صفحة 177
التوبة:108 ... ژچ ? ? ? ?? ? ? ?ژ ... 61
التوبة:120 ... ژھ ھ ھ ے ے ?ژ ... 14
يونس:26 ... ژ? ? ? ?پژ ... 185
يونس:90 ... ژS S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 193
يونس:91 ... ژچ چ چ ? ? ? ? ژ ... 193
هود:103 ... ژ? ? ? ں ں ? ? ?? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ھژ ... 100
هود:112 ... ژ ژ ژ ژ ... 191
الرعد:31 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ... ھ ھ ... ھ ے ژ ... 163
الحجر:09 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ژ ... 33، 88
النحل:44 ... ژ ? S ... S S S ? ? ? ژ ... 90، 150
النحل:128 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 184
الإسراء:09 ... ژ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 28
الإسراء:21 ... ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ژژ ... 20،96
الإسراء:58 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ... ? ? ? ? ژ ... 163
طه:7 ... ژ? ? ... ? ں ں ? ? ژ ... 182
طه:15 ... ژ? ? ? S S S S ? ? ? ژ ... 165
طه:105 ... ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ژ ... 101
طه:105 - 107 ... ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?ژ ... 162
الأنبياء:34، 35 ... ژ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ?ژ ... 88
الحج:1،2 ... ژ ? ? ? ?? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ... ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 162
الحج:41 ... ژ? ?? ? ژ ژ ss ککک کگ گ گگژ ... 99
الحج:78 ... ژ? ? ? ? ہہژ ... 197
المؤمنون:83 ... ژ گ گ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ں ں?ژ ... 153
المؤمنون:97، 98 ... ژ ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ? ہ ژ ... 148
النور:33 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? چچ چ چ ? ? ? ??ژ ... 117
النور:63 ... ژچ چ ? ? ... ? ? ? ??ژ ... 18
الفرقان:27ـ29 ... ژ? ? ? ... ? ? ? ... ? ں ں ? ? ? ? ? ? ... ہ ... ہ ہ ہ ھ ھ ... ھ ھ ... ے ے ... ?? ? ? ? ? ژ ... 19، 97
النمل:14 ... ژ? ? ? ? ? پپژ ... 193
النمل:87 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 163
النمل:88 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ... ? ... ??ژ ... 163
العنكبوت:45 ... ژ??? ? ? ? ? ? ... ??ژ ... 173
العنكبوت:69 ... ژہ ہ ہ ہژ ... 184
الأحزاب:40 ... ژ ? ? ? ? ??ژ ... 138
الصافات:102 ... ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ ... 156
ص:24 ... ژ ے ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ ... 119
الزمر:46 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 20
الزمر:68 ... ژ ? ? پ پ پ پ ? ... ? ? ? ??ژ ... 163
غافر:16 ... ژ ? ... ? ... ?? ? ? ? ژ ... 77 (1/177)
صفحة 178
الزخرف:23،24 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ... ? ... ? ? ? ? ??ژ ... 38
الزخرف:23 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 194
الزخرف:61 ... ژ ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ژ ... 164
الفتح:10 ... ژ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? S S S S ? ?ژ ... 57
الحجرات:7 ... ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژژ s s کژ ... 198
ق:29 ... ژ ? ? ? ? ? ? ? ... ? ژ ... 33
الذاريات:16 - 18 ... ژ? ? ... ژ ژ s s ک ک ... ک ک گ گ گ گ ... ? ? ? ? ? ? ژ ... 184
النجم:3، 4 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ ... 89،92، 125
النجم:31 ... ژگ گ گ ? ? ? ? ? ? ژ ... 185
الرحمن:60 ... ژ? ? ? ? ? ژ ... 184
الواقعة:50 ... ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 100
الحشر:07 ... ژ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ ... 89
الحشر:10 ... ژ پ پ ... پ ... پ ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? S S ژ ... 21، 67
الطلاق:01 ... ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ?ژ ... 130
الطلاق:04 ... ژ ک ک ... گ ... گ گ گ ??ژ ... 157
الحاقة:17 ... ژژ ژ s s ک ک ژ ... 99
المعارج:6،7 ... ژ ? ? ? ? ? ? ژ ... 165
المعارج:8ـ10 ... ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ژ ... 163
النازعات:40 ... ژ? ? ... ? ?ژ ... 195
المطففين:13 - 16 ... ژ ژ ژ ... s s ک ک ک ... ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ژ ... 151
الانشقاق:05 ... ژ ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ژ ... 102
البلد:13 ... ژ ? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ... ھ ھ ھ ژ ... 117
البلد:18 ... ژ ے ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ژ ... 117
التين:5 - 6 ... ژ? ? ? ? S S S S ? ? ... ? ? ? ? ژ ... 95
العصر:3 ... ژپ پ ? ? ?ژ ... 194
الهمزة:6 - 9 ... ژچ چ ? ... ? ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ژ ژ ژ ... 82
الكوثر:1 ... ژ? ... ? ژ ... 59،143
} - - {
فهرس الأحاديث النبوية والقدسية
نص الحديث ... الصفحة
[اليمين الفاجرة] «مَنْفقَةٌ للسلعة مَمْحَقَةٌ للبركة» ... 119
«أَتَاكُم أَهلُ اليمَنِ أتَاكُم أهلُ الإِيمَانِ» ... 119
«إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاَةِ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ يَعْمَدُ إِلَى الصَّلاَةِ» ... 54 (1/178)
صفحة 179
«إذَا دَخَلَ الرِّفقُ في أمرٍ زانَهُ، وإذا دَخَلَ الخَرقُ في شِيءٍ شَانَهُ» ... 84
«أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ آدَمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا وَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» ... 155
«أطلُبُوا العلمَ وَلَو بِالصِّينِ» ... 204
«أعُوذُ بالله مِن الشَّيطانِ الرَّجِيمِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ وَسَيِّئَاتِ الأَحْلاَمِ» ... 146
«أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجيمِ، أعُوذُ بِمَا عَادَتْ بِهِ مَلائكَةُ اللهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ رُؤَيَايَ هَذِهِ أنْ يُصِيبَنِي مِنْهَا مَا أكرَهُ في دِينِي وَدُنْيَايَ وَآخِرَتِي» ... 147
«أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ التي لا يَجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولاَ فَاجِرٌ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ» ... 53
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَمِنْ عَذَابِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحضُرُونِ» ... 147
«أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ سَامَّةٍ وَهَامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَينٍ لامَّة» ... 52
«أَلاَ إِنَّ الإِيمَانَ هَاهُنَا، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ وَغِلَظَ الْقَلْبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» ... 199
«الإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ للَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ... 180 (1/179)
صفحة 180
«الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ـ وقيل مائة شعبة ـ أعْلَاهَا كَلِمَةُ التَّوحِيدِ وَأْدْنَاهِا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» ... 198
«الدِّينُ النَّصيحَةُ، الدُّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «للهِ وَلِرَسُولهِ وَلِكِتَابِهِ وَلأئِمَّةِ المسلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» ... 81
«الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ... 141
«الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». وَقَالَ: قَالَ أَحَدُهُمْ: إِنِّي كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِي بِهَا ... 144
«القُلُوبُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» ... 65
«الكِبْرُ هُوَ غَمْطُ الخْلقِ وَتَسْفِيهُ الحقِّ» ... 83
«الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُه» ... 82
«اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنْ عذَابِ جَهَنَّم، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المحيَا وَالمَمَاتِ، إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير» ... 158
«المؤمِنُ سَمْحٌ إِذَا بَاعَ سَمْحٌ إذَا اشْتَرَى سَمْحٌ إِذَا قَضَى سَمْحٌ إِذَا اقْتَضَى» ... 113
« ... الوَاحِدُ مِنْهُم خَيرٌ مِنْ خَمْسِينَ، قَالُوا يا رسولَ الله: الواحدُ منَّا أو مِنْهُم، قالَ: بَل خَمْسِينَ مِنْكُمْ» ... 22
«أُمَّتِي كَالغَيْثِ لاَ يُدْرَى أأوَّلُهَا خَيرٌ أَمْ آخِرُهَا» ... 13 (1/180)
صفحة 181
« ... إِنَّ أَحَدَهُم يَأخُذُ مِلْعَقَةَ الطَّعَامِ إلى فَمِهِ فَتَقُومُ السَّاعَةُ قَبْلَ أَنْ يَأكُلَهَا، وَلاَ تَصِلُ فَمَهُ، وَيَبْسِطُ البَائِعُ الثَّوبَ لِلْمُشْتَرِي ... » ... 164
«إنَّ أحقَّ ما وَفَّيتُم بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» ... 48
«إنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ فأجمِلُوا في الطَّلبَ ولاَ يَحملَنَّكم اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإنَّ مَا عِندَ اللهِ لاَ يُنَالُ بِمعْصِيَةِ اللهِ» ... 120
«إِنَّ اللهَ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» ... 32، 82
«إنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَلاَ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ... 30
«إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ» ... 82
«إنَّ الله يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِقَوْمٍ مِنَ المَغْرِبِ» ... 97
«إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ... 37
«إنَّ اللهَ يَنْهَاكُم عَنِ الوِصَالَ»، فقالوا يا رسول الله: تنهانا عن الوصال ونراك تواصل؟ فقال: «إِنِّي لَستُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» ... 126 (1/181)
صفحة 182
«إنَّ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ إِخْوَانِي» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا» ... 56
«إنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ قَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيًا؟» وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَيْسَ يَبْقَى مِنْ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» ... 137
«إِنَّ كَلَّ إِنْسَانٍ وُلِّي عَلَى شَخْصَينِ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَيَدَاهُ مَغْلُولَتَانِ إِلى عُنُقِهِ، فَيأتِي عَدْلُهُ فَيَفُكُّهُ أو جُورُهُفَيُوبِقُهُ» ... 76
«إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي» ... 27
« ... إنَّما يجرجِرُ في بَطنِهِ نَارَ جَهَنَّم» [الذي يشرب في آنية الذهب والفضة] ... 132 (1/182)
صفحة 183
«إنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَلاَ أُمَّةَ بَعْدَكُمْ» ... 138
«انَّهُ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ» ... 138
«تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» ... 88
« ... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يُطِيلُ السَّفَرَ، يَمُدُّ يَدَيهِ إلَى السَّمَاءِيَا رَبُّ، يَا رَبُّ، ومَطْعَمُه حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّي بِالَحَرامِ، فَأنَّى يُسْتَجَابُ لَه» ... 202
«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» فَقَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لاَ تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي شَيْءٍ قَضَى لَكَ بِهِ» ... 190 (1/183)
صفحة 184
«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلاَ يُفْقَهُ قَوْلُهُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، قَالَ: هَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»، قَالَ: هَلْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالزَّكَاةُ»، ثُمَّ قَالَ: هَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» ... 169
«حَوْضِي مِنَ المدِينَةِ إِلَى صَنْعَاءَ، وَعَلَيْهِ مِنَ الأَكْوَابِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ» ... 59
«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» ... 124
«خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ... » ... 12
«خَيْرُ أُمَّتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي وَلَمْ يَرَوْنِي فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى إِلاَّ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْفِتْنَةِ» ... 11، 94
«خَيرُ أمَّتي مَنْ طَالَ عُمُرُه وَحَسُنَ عَمَلُه» ... 111 (1/184)
صفحة 185
«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ» ... 98
«سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ» ... 35
«سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَقْرَؤُونَ كَمَا تَقْرَؤُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ، فَلَيْسَ لأُوْلَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ» ... 48
«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ... 124
«طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ... 204
«عُدْنَا مِنَ الِجهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» ... 196
«فَإِذَا كَانَ أَحَدٌ يَعْمَلُ عَمَلاً وَعَجَزَ عَنْهُ فَيَقُولُ اللهُ لِلْمَلاَئِكَةِ اكتُبُوا لِعَبْدِي أَجْرَهُ كَامِلاً قَائِمًا حَبَسَهُ المَرَضُ» ... 96
« ... فَالصَّلاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَاسْتَكْثِرْ أَو اسْتَقِلَّ» ... 179
«فَمَنْ تَرَكَهَا [أي صلاة الجمعة] وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ أَلاَ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ، أَلاَ فَلَا صَوْمَ لَهُ، أَلاَ فَلاَ حَجَّ لَهُ، أَلاَ فَلَا جَمَعَ اللهُ عَمَلَهُ، وَمَنْ تَابَتَابَ اللهُ عَلَيهِ ... » ... 46
«فَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» ... 132 (1/185)
صفحة 186
«قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الجنَّة، قَاضٍ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَنْ جَهْلٍ فَهُو فِي النَّارِ، وَقَاضٍ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَنْ هَوىً فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَهُوَ فيِ الجنَّة» ... 131
«كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ» ... 36، 45
«كُلُّكُم يَدْخُلُ الجنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى» قالوا: يا رسول الله من يأبى دخول الجنَّة، قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» ... 14
«كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَلَيْكُمْ» ... 85، 86
« ... لاَ تُطِيعُوا أَمْرَهُ، وَلاَ تَتَّبِعُوهُ، وَلاَ تَعْبُدُوهُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَجَنَّتُهُ نارُكُم، وَنَارُهُ جَنَّتُكُم» [أي المسيح الدجَّال] ... 158
«لاَ تَقُومُ السَّاعةُ إِلاَّ عَلَى دِينِ أَبِي جَهْلٍ» ... 161
«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى ُتتَّخَذَ الصَّلاَةُ هُزُؤًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا» ... 16
«لاَ تَقُومُ السَّاعةُ وَعَلُى الأَرْضِ مَنْ يَقُولُ الله» ... 161
«لاَ يَزَالُ الأَمْرُ - يَعْنِي الْوِلاَيَةَ - فِي قُرَيْشٍ مَا دَامَ فِيهِمْ رَجُلاَنِ - وَأَشَارَ بِإِصْبِعَيْهِ - وَلَكِنَّ الْوَيْلَ لِمَنْ افْتَتَنَ بِالْمُلْكِ» ... 71
«لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ... 66
«لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيهًا السُرُجَ» ... 51
«لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» ... 35، 123 (1/186)
صفحة 187
«لَنْ يَزَالَ هَذَا الأَمْرُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلاَتُهُ مَا لَمْ تُحْدِثُوا، فَإِذَا فَعَلْتُمْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَ خَلْقِهِ فَيَلْحُونَكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا الْقَضِيبُ» ... 71
«مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلٍ» ... 24
«مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» ... 94
« ... مَا هَذَا الطَّهُورُ الَّذِي أَثْنَاكُمُ اللهُ بِهِ؟» فقالوا: يا رسول الله: كنَّا نتبع الحجارة الماء، قال: «كَذَلِكَ فَافْعَلُوا» ... 61
«مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ... 130
«مَنْ أَطَاعَ أَمْرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمْرِي فَقَدْ عَصَانِي، أَلاَ وَإِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا ... » ... 87
«مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَةً أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا بِغَيرِ عِلمٍ، فَكَأنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ» ... 149
«مَنْ أنظَر مُعسِرًا أَو وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ» ... 112
«مَنْ حَاوَلَ أَمْرًا بِمَعْصِيَةِ اللهِ كَانَ أَبعَدَ مِمَّا رَجَا، وَأَقْرَبَ مِمَّا اتَّقَى» ... 119
«مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَة فلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ» ... 52
«مَن عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمرُنَا فَهُو رَدٌّ» ... 123، 131
«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ... 127
«مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ... 28 (1/187)
صفحة 188
«مَنْ مَاتَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ لَم يَرِحْ رائحةَ الجنَّة» ... 81
«مَن نفَّسَ عن أخيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ القِيَامَة» ... 116
«مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ» ... 116
«نَهَى الرَّسُولُح عَن بيعِ الثَّمرَةِ قبل أن تَزهُوَ، وقيل: ما زَهوُها يا رسول الله؟ قال: يَبْدُوَ صَلاَحُهَا» ... 128
«نَهَى الرَّسُولُ حعَن بَيْعِ العِنَبِ حتَّى يَسْوَدَّ، وَعَن بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» ... 127
«يَأْرَزُ الإِسْلاَمُ إِلَى المدِينَةِ كَمَا تَأرَزُ الَحيَّة إِلَى جُحْرِهَا» ... 160
« ... يَهُبُّ نسيمٌ مِنَ الشَّامِ يَقْبِضُ أرْوَاحَ المسْلِمِينَ، وَلاَ تُقبَضُ أَرْوَاحُ الكُفَّارِ والمنَافِقَينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى لُكَعِ بنِ لُكَعْ» ... 161
} - - {
فهرس الأعلام
اسم العلم ... الصفحة
إبراهيم؛ ... 124، 156
إبراهيم بن قيس بن سليمان ... 201
أبو إسحاق الحضرمي ... 201
أبو القاسم التيمي ... 118
أبو أيوب الأنصاري ... 201
أبو بكر الصديقس ... 25، 40، 41، 73، 80، 83، 97، 118، 129
أبو حازم الأعرج ... 103
أبو حمزة الشاري ... 201
أبو سعيد الخذري ... 145
أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي ... 38، 39
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... 11، 24، 27، 36، 44، 56، 57، 71، 79، 87، 123، 137، 141، 149، 155، 156، 169، 170، 199
أبو قحافة ... 118
أبو مسعود الأنصاري ... 71، 199
أبو مودود ... 44
أبو نوح صالح الدهان ... 44
أبو هريرة ... 56، 57، 137
أبو يوسف ... 112
أحمد بن حنبل ... 116
أحمد بن سليمان ... 201
إسماعيل؛ ... 156
أنس بن مالك ... 87، 98، 99، 118، 141، 145، 156، 180
البخاري، محمد بن إسماعيل ... 66
بشار ... 91
البغوي، الحسين بن مسعود ... 118
بلال بن رباح ... 118
جابر بن زيد ... 11، 24، 27، 36، 42، 44، 56، 57، 71، 87، 98، 123، 137، 141، 144، 145، 149، 149، 156، 170، 199
جبريل؛ ... 180، 182، 185، 192 (1/188)
صفحة 189
الجلندى بن مسعود ... 201
الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري ... 116
الحجاج بن يوسف ... 44
الحسن بن علي ... 52
الحسين بن علي ... 52
حفصةك ... 157
داود؛ ... 72
الربيع بن حبيب ... 44، 71، 78، 79، 87، 154، 190
الزبير بن العوام ... 120
زياد بن أبيه ... 44
زيد بن حزم الطائي ... 44
السالمي، عبد الله بن حميد نورالدين ... 73، 75، 91، 93، 112، 122، 194
سعيد بن خلفان الخليلي ... 103
سلمان الفارسي ... 99، 118
سليمان؛ ... 72
سليمان بن عبد العزيز ... 201
سليمان بن عبد الملك ... 103
سهل بن حنيف ... 116
صحار العبدي ... 44
عائشةك ... 145، 157
عُبادة بن الصامت ... 78، 379
العباس بن عبد المطلب ... 75
عبد الرحمن بن عوف ... 73، 120
عبد الله ابن عمر ... 130، 155، 156،
عبد الله بن عباس ... 11، 24، 27، 36، 71، 73، 123، 145
عبيد الله بن زياد ... 44
عثمان بن عفانس ... 73، 78، 79، 120
عمر بن الخطابس ... 25، 73، 84، 85، 129، 130، 133
عمر بن عبد العزيز ... 21
عيسى؛ ... 154
فرعون ... 72
قارون ... 72
محمد بن عبد الله الخليلي ... 103
مريم عليها السلام ... 157، 159، 160، 164
مسلم، بن الحجاج النيسابوري ... 66، 112
المسيح؛ ... 155، 157، 159، 160، 164، 165
المسيح الدجال ... 154، 155، 158، 159، 164، 165
النمرود ... 72
هامان ... 72
يوسف؛ ... 72، 138
} - - {
فهرسُ المأثوراتِ والحِكَم
النص ... الصفحة
آخرها من يرد الطريقَا***يسلك لها من فوقها الحقيقة ... 39 ... زن بميزان الهند ما تطلبه***لعين شمس كي ترى مفهومه
إذا أحسنتُ فأعينونِي وإذا أخطأتُ فقوِّمُوني ... 83
إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي ... 41
أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ... 80
إنَّ الشبابَ والفراغَ والِجَدة***مَفْسَدَةٌ للمرءِ أيّ مَفْسَدَة ... 110
إنَّ الطريق محفورٌ إلى الركبة، لا يمكن الخروج منه إلاَّ بالوثبة ... 14
إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ... 16
أَومَتسَنْالجدَّارْتَنوَمْ ... 76
أيُّ أرضٍ تقلُّنِي وأَيُّ سماءٍ تظلٌّني إذا أنا قلتُ في كتاب الله ... 40
ترك المعصية في أوَّل الأمر أسهل من معالجة التوب ... 109 (1/189)
صفحة 190
تلك دماءٌ قد طهَّر الله منها يديَّ فلا أغمس فيها لساني أو فلا ألوِّثُ بها لساني ... 21
الخراج بالضمان ... 128
الدينُ قالَ اللهُ قالَ رسُولُهُ***قالَ الصحابةُ هُمْ ذَوُو التَّنزيلِ ... 150
فضلُ عدلِ ساعةٍ من إمامٍ خيرٌ من أن تمطر الأرض أربعين سنة ... 102
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ... 86
لا، دعه يقُولها، فو الله ما فينا خير إن لم نقبلها، ولا خير فيهم إن لم يقولوها ... 84
لا يصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أوَّلها ... 38
الله معي، الله ناظري، الله شاهدي ... 188، 189
ما تقولون لو قلتُ برأسي هكذا، فقال قائلهم: لو قلتَ برأسك هكذا، لقلنا بسيوفنا هكذا ... 84
ما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينا ... 38
ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذٌ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر ... 40، 41، 90
من شبَّ على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه ... 106، 109
من يريد الطريق يسلك لها من فوق ... 38
الناس على دين ملوكهم ... 104
نزِّه ربَّك وعَظَمَتِهِ أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك ... 104
واختلاف العلماء رحمة ... 33
والله لأقاتل من فرَّق بين الصلاة والزكاة ... 25
وأيُّ أرضٍ ثم ما من عالمِ***قولُ أبي بكر، فلا تخاصمِ ... 40
وَكلُّهُم مِنْ رَسُولِ الله مُلْتَمِسٌ***غَرفًا مِنَ البَحرِ أو رَشْفًا من الدِّيَم ... 33
يا بني كن عالمًا أو متعلمًا أو سائلاً أو مجيبًا، ولا تكن الخامس فتهلك ... 185
قائمة المحتويات
مقدمة تحقيق الجزء الثالث 5
الباب السادس:
الأمَّة أمَّة محمد ح 09
ما جاء في بيان الأفضل في هذه الأمَّة 17
تفصيل البيان في عدم تعارض الأحاديث الواردة في أمَّة محمد أيُّها خير 12
الخير في أمَّة محمَّد كلها 13
تطبيق الأحكام على العصاة 15
موقفنا من الفتن السابقة 21
ما جاء في عصمة الأمَّة 24
الإجماع حجَّة شرعيَّة 25
إنَّكم ستختلفون من بعدي 27
علاج الاختلاف في الأمَّة المحمَّدية 28
أنواع الروايات وأسباب الوضع 28
حكم الأحاديث المخالفة للقرآن 29
أحكام وصيَّة الأقرب 30 (1/190)
صفحة 191
العرض على كتاب الله أمرٌ مقبول 32
ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة 35
لعن الله من أحدث في الإسلام 35
موازين القسط 38
سببُ الاختلافِ في قبولِ الروايات وردِّها 41
صلاة الجمعة وراء الإمام الجائر 43
جزاء أصحاب البدع يوم القيامة 45
إنكار أصول التشريع الإسلامي بدعةٌ 46
إنكار المحكم من النصوص بدعةٌ 47
دعوة المساواة بين الجنسين بدعةٌ 48
زيادة ما لم يُشرع من الفرائض بدعةٌ 50
بِدَع المقابر 51
التمائم والحُروز بدعةٌ 52
لزوم النوافل فوق الفرائض بدعةٌ 53
رفع الأصوات في المساجد بدعةٌ 53
السعي إلى الصلاة بسرعة بدعةٌ 54
ما جاء في فضل أهل الوفاء من بعده وعقوبة الناكثين لعهده 56
موتى المسلمين يرُدُّون السلام 57
أصحابُ النبي وإخوانُه 58
حوض الكوثر يوم القيامة 59
الوضوء فريضة على الرجال وعلى النساء 61
فضل المداومة على الوضوء 62
جزاء أهل البدع 63
الشفاعة لا تنال العصاة 65
الباب السابع:
في الولاية والإمارة 69
ما جاء في ولاية قريش 71
شرح الحديث الأول 72
شرح الحديث الثاني 74
لماذا لا ينتقم الله من عباده بمجرَّد تبديلهم سُنَنَه 75
ما جاء في أئمة الجور 78
تعريفُ الكِبْرِ 83
ما جاء في «من أطاع أمري فقد أطاعني» 87
إلى كم تنقسم السُّنَّة 88
الحبُّ الكاذب لرسول الله ح 91
ما جاء في الإمام العادل 98
سبعة يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه 99
الأول: إمامٌ عادلٌ 102
الإمام العادل هو ظل الله في أرضه 105
الثاني: شابٌّ نشأ في عبادة الله 106
الشبابُ، والفراغُ، والجِدَة 109
ليس الشبابُ عذرًا للمعصية 111
إظلال من أعان مجاهدًا، أو أرفد غازيًا، أوأعان مُكاتِبًا 116
التاجرُ الصَّدُوقُ 118
خلاصة القول 121
ردُّ البدع 123
حديث «مَن عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» هو نصفُ الدين 131
الباب الثامن:
في الرؤيا 135
الرُّؤيا 137
الحديث الثاني في الرؤيا 141
الرؤيا والحلُم 144 (1/191)
صفحة 192
الرؤيا من الله والحلُم من الشيطان 145
العبارات الواردة في الاستعاذة 146
ما جاء فيمن أفتى مسألة أو فسَّر رؤيا بغير علم 149
إذا اجتهد العالم فله أجران 153
ما جاء في رؤيا الرسول ح للمسيح بن مريم، والمسيح الدَّجَّال 155
تفسير رؤيا الرسول ح 159
حال الدنيا بعد نزول المسيح عليه السلام 159
زلزلة الساعة وأهوالها 162
الباب التاسع:
في الإيمان والإسلام والشرائع 167
ما جاء في شرائع الإسلام 169
جغرافية نجد وتهامة 171
الفائدة من صلاة النافلة 177
ما جاء في الإحسان 180
فما هو هذا الإحسان؟ 186
قصَّة تلقين محمَّدبن سوار لسهلِ بنِ عبدِ الله التُّستريِّ 188
ما جاء في أنَّ أفضل العمل الإيمانُ بالله 190
إشارة النبي ح لأهل اليمن بالإيمان 199
الفرق بين العرب والأعراب 202
الإسلام دين التحضُّر والاستقرار 203
الفهارس 205
قائمة المصادر 207
فهرس الآيات القرآنية 211
فهرس الأحاديث النبوية والقدسية 222
فهرس الأعلام 233
فهرس المأثورات والحكم 237
قائمة المحتويات 239
} - - {
} - - {
انتهى بحمد الله الجزء الثالث من كتاب «في رِحابِ السنَّة»
ويليه الجزءُالرابع، والذي سيبدأ بحول الله بالحديث رقم: 59،
(باب في ذكر الشِّركِ والكُفرِ)
} - - { (1/192)