صفحة 1
الكتاب: في رحاب السنّة (ج4)
صاحب الدروس: الشيخ/ الناصر المرموري (رحمه الله)
تحرير وإخراج:
بكير بن محمد فخار
يوسف بن أحمد كفوس
بمساعدة:
محمد بن موسى بكوش
ياسين بن أحمد الصادق
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
طبع: المطبعة العربية، غرداية
الطبعة: الأولى
تاريخ الطبع: ذو الحجَّة 1436هـ / سبتمبر 2015م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[الكتاب عبارة عن سلسة دروس في شرح " الجامع الصحيح للربيع بن حبيب "، ألقاها الشيخ الناصر المرموري (رحمه الله) في مسجد القرارة - غرداية - الجزائر، سمّاها: " في رحاب السنة "، وهو يشرح في كل ليلة حديثا إلى أربعة أحاديث؛ وأعداد السلسلة لا تزال تصدر]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) في رحاب السُّنَّة
شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
لفضيلة الشيخ
الناصر بن محمد المرموري رحمه الله
الجزء الرابع
الأحاديث من رقم 59 إلى رقم 101
تحرير وتخريج ثلّة من طلبة الشيخ
التراث
الطبعة الأولى
(ذو الحجة 1436 هـ/ سبتمبر 2015 م)
تحرير وتخريج:
بكير بن محمد فخَّار
يوسف بن أحمد كفّوس
بمساعدة:
محمد بن موسى بكّوش
ياسين بن أحمد الصادق
متابعة وإعداد:
أ/محمد بن أحمد جهلان
الطبعة الأولى
ذو الحجَّة 1436هـ / سبتمبر2015م
جميع الحقوق محفوظة
للتواصل مع فريق التحقيق وإبداء الملاحظات يرجى الكتابة إلى:
rihabsounna@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الرابع
الأحاديث من رقم 59 إلى رقم 101
الأبواب وأرقامها:
10 - في ذكر الشرك والكفر.
11 - في الحُب.
12 - في القدر والحذر والتطيُّر.
13 - في الفتنة.
كتاب الطهارة:
14 - في الطهارة والاستجمار.
15 - في آداب الوضوء وفرضه.
16 - في فضائل الوضوء.
مقدمة
تحقِيق الجُزْء الرَّابع
الحمد لله أهل الحمد والشكر، نحمده ونشكره بتمام الحمد والذكِر، ونصلِّي ونسلِّم على خير الهادين، وأزكى المرسلين، نبي الأوَّلين والآخرين، سيدنا محمد عليه خير الصلاة وأفضل التسليم.
بعد استواء عمل هذا الجزء وبلوغه التمام بجهد جهيد، وبعد مسيرة أشواطٍ بحمد الله تعالى، نضع هذه الثمرة بين يَدَي القارئ الكريم لينهل منها العلم والنور الأحمدي فيما يخدم دينه علمًا وعملاً.
ولقد جاء هذا الجزءُ ليشمل الأبواب المتبقِّية من أول باب في مسند الربيع، ويلج كذلك كتاب الطهارات، في شطره الأوَّل، مستعينين بالله وداعين أن يوفِّقنا لتمام العمل كلِّه فيما سيأتي من قابل الأيام والأعوام، وما ذلك على الله بعزيز.
• هذا الجزء الرابع أُخذ من سلسلة الدروس التي أُلقيت بالمسجد الكبير بالقرارة، ما بين شهر مارس إلى شهر ماي 1982. (1/1)
صفحة 2
• تمَّ تفريغ هذه الدروس في الأشرطة السمعيَّة التي بلغت سبعة 07 أشرطة، سعة كلٍّ منها 90 دقيقة، بعد أن تمَّ تسجيلها بالمسجِّلة المغناطيسية أول الأمر.
• قام بمراجعة وتصحيح هذا الجزء، فضيلة الأستاذ: حاج أحمد بن عمر كروم.
وقد رأينا الانتهاء عند الباب السادس عشر: «في فضائل الوضوء» عند الحديث رقم: 101، مراعاة لحجم الكتاب وعدد صفحاته، ليكون متوازنًا مع الأجزاء السابقة واللاحقة بحول الله تعالى، على أن يمتدَّ الجزء الخامس منه، إلى نهاية كتاب الطهارات، إن شاء الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يجعل عملنا هذا في ميزان حسنات كلِّ من جاهد واجتهد ولو بالملاحظة والنقد البنَّاء لهذا العمل، ويؤتي الجزاء الأوفى لصاحبه شيخنا؛ الشيخ الناصر بن محمد المرموري:، ويدخل أجره عليه روحًا وريحانًا، وعلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، آمين، والحمد لله رب العالمين.
لجنة التحرير
القرارة في: يوم السبت 17 رمضان 1436هـ
الموافق: 04 جويلية 2015م
باب
في ذكر الشرك والكفر
[صفحة بيضاء]
ما جاء في إحباط العمل بالشرك
59ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَشْرَكَ سَاعَةً أُحْبِطَ عَمَلُهُ، فَإِنْ تَابَ جُدِّدَ لَهُ الْعَمَلُ» (1).
شرح الحديث:
جاء الباب العاشر في ذكر الشرك والكفر مقابل ذكر الإيمان الذي جاء في الباب التاسع، إذ لا بد على المؤمن أن يعرف الضدَّين، معرفة الإيمان، ومعرفة الشرك حتَّى لا يقع المؤمن فيه أو يأتيه من دون أن يشعُر، إذا كان لا يعلم حقيقة الكفر، ولا يعلم أبوابه ولا خطره على الأعمال، وكما يقال: «يُعرف الشرُّ ليُتَّقى»، فهذه المعرفة ضروريَّة لا بدَّ منها.
الكفر والشرك والنفاق:
- الكفر كفران: كفرُ شركٍ وكفرُ نفاق.
__________
(1) أخرجه الدار قطني، 3/ 147 بلفظ: «من أشرك بالله فليس بمحصَنٍ». (1/2)
صفحة 3
- الشرك أيضًا شركان: شركُ جحودٍ وشركُ مساواة.
- النفاق أيضًا نوعان: نفاقُ خيانةٍ ونفاقُ تحليلٍ وتحريم.
ونفاق التحليل والتحريم هو الشرك، أمَّا نفاق الخيانة فهو كفرُ نعمة، وذلك بأن يعترف الإنسان بالإيمان ويعتقده وينطق بألفاظه ولكنه يقوم بالأعمال السيئة؛ كتضييع الفرائض وارتكاب المعاصي، وإذا سألته عن ربِّه وعن الآخرة والجنَّة والنار قال فيها حقًّا، ولكن هواه وشهوته قد غلباه، وهذا كفرُ نعمةٍ، ويسمى أيضًا «نفاق خيانة» وهو دون كفر الشرك، إلا أنَّها كلَّها تؤدِّي إلى النار والعياذ بالله، ولكنَّ أحدها أخطر من الآخر، لأنَّ الأحكام التي تتعلَّق بالشرك غير الأحكام التي تتعلَّق بالإيمان، ويعبِّر أهل الحديث عن هذا «بكفر دون كفر»، مثلما وضع البخاري بابا في صحيحه باسم: «باب كفر دون كفر». فالكفر الذي دون الكفر هو «كفرُ نعمة»، والكفر الأكبر هو «كفر الشرك»، وإنَّما تختلف الأسماء فقط.
سند الحديث ورواته:
فهذا الحديث يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك، أي أنَّه متَّصل، وقد التقى جابر بأنس وتعارفا جيِّدا، وماتا في أسبوع واحد، حيث مات جابر ثم لحق به أنس بن مالك، وقد قال فيه عند وفاته: «اليوم مات عالم العرب». تٌوفي جابر وعمره خمس وسبعون سنة (1).
إذن إن جابر قد أخذ عن أنس يقينا بلا ريب، وأنس أخذ عن النبي حمباشرة، لأنه صاحَبَ النبيَّ حمن أوَّل يوم وإلى آخر يوم في حياته، حيث لما هاجر النبي ح
__________
(1) مقولة «اليوم مات عالم العرب» هي منسوبه لقتادة، بينما أنس بن مالك لما بلغه موتُ جابر قال: «مات أعلم من على ظهر الأرض، أو مات خير أهل الأرض» يُنظر، السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/ 08، وكذا: إبراهيم بولرواح، موسوعة آثار الإمام جابر، ذكر أنَّأنس بن مالك قال يوم وفاة جابر: «مات أعلم الناس بالله، يرحم الله جابر بن زيد» 1/ 178. (1/3)
صفحة 4
إلى المدينة كان أنس ابن عشر سنين، وقد أخذته أمه "أمُّ سليم" إلى النبي حوقالت له: "ليكن لك خادمًا"، فبقي خادمًا للرسول حلعشر سنين أخرى، حتى توفيح.
وقد دعا له النبيُّ حبثلاث دعواتٍ صالحاتٍ: دعا له بطول العمر، وبركة الرزق، وبركة الأولاد، فأغناه الله ومتَّعه بأولاد كثيرين، حتَّى قيل إنه أنجب اثنين وثمانين ولدًا كلّهم من صلبه، ــ وربما لأنه قد تزوَّج أربع نساء، وكان له أولادٌ من الإماء والجواري، وهذا غير مستغرب ــ، وقد أطال الله في عمره، وتوفي في سنة 93 هـ إذ بلغ من العمُر 103سنوات، فإذا كان موتُه في سنة ثلاث وتسعين، فنزيد لها عشر سنوات قبل الهجرة فيكون عمره 103 سنوات (1). وقدر رُوي هذا الحديث عن طريق متَّصل صادق عن صادق عن صادق.
شرح الحديث:
«مَنْ أَشْرَكَ سَاعَةً»: قد يتعجَّب أحدنا فيقول: أيقع كلُّ هذا حقًّا؟ من أشرك بالله ساعةً يحبط عمله؟ نقول له: نعم. وسيأتي تحقيقُه من القرآن، فمن جعل لله شريكًا ساعة، ـ ليس المقصود به ستِّين دقيقة ـ، وإنَّما يقصد من ذلك فترة من الزمن، ولو كان أقل من ساعة، وتحقَّق من عمله الشرك فسيقع عليه هذا الوعيد.
«أُحْبِطَ عَمَلُهُ»: حبط عمله: أي بَطُل عمله، لكن ما هو العمل الذي يَبطُل؛ أعَمَلُ الطاعة أم عملُ المعصية؟ إنه عمل الطاعة لأنَّ عمل المعصية باطلٌ من أوله وأصله، فتبطُل صلاتُه وصومه وحجُّه وعمرتُه وجهادُه، فكلُّ شيء يبطُل بذلك الشرك،
__________
(1) ينظر، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، 1/ 276. (1/4)
صفحة 5
ژ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ژ (لقمان: 13)، ژ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ ژژ مَا دُونَ ککککگگگگ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ژ (النساء: 116) ژ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ژ (الزمر: 65)، فهذا قرآنٌ مؤكَّد من قبل ومن بعد بـ «لقد»، و «باللام» و «نون التوكيد» الثقيلة، وكل أنواع التوكيد؛ أي لقد أوحى الله إليك حقيقة، وأوحى إلى كل الذين كانوا قبلك لئن أشركتَ بربك ليحبطنَّ عملك، وليبطلنَّ ويفسدنَّ.
و «الحَبط»: داءٌ يصيب الإبل عندما تأكل نوعًا معيَّنا من النبات، فتتكوَّن لديها رغبة غريبة في شرب الماء بعده، فتشرب الماء حتى تنتفخ بطونها ثم تموت بعدها. فشبَّه بهذا فسادَ الأعمال، حتى ولو كانت تبدو كثيرة ولكنها تكون في حقيقة الأمر باطلة.
فالقرآن أسبق من الحديث، ولا يقولنَّ أحدٌ إنَّ هذا الحديث صحيحٌ أو غير صحيح أمام الآية، فهي من القرآن، وإنَّما هذا الحديث قد زادنا شيئا جديدا عما هو موجود في الآية بقوله: «فإن تاب جُدِّد له العمل».
«فَإِنْ تَابَ جُدِّدَ لَهُ الْعَمَلُ»: فإن أشرك المسلم بالله ساعةً من زمان فسد كلُّ عمله وحبط، ولو كان عمل ثمانين أو مائة سنة، لكن إن تاب إلى الله تعالى، فإن الله كريم سيردُّ إليه كل عمله، رحمة منه تعالى ولطفًا بعباده لأنه يعلم ضعفهم. (1/5)
صفحة 6
فربَّما يأتي شيطانٌ من شياطين الإنس أو الجن، أو هما معًا، فيشكِّكون في الدين، وإن شكَّ المسلم في شيءٍ من دينه فقد أشرك، وليس الشرك فقط حين تعتقد بألاَّ وجود لله أبدًا، أو لا وجود للأنبياء، أو لا وجود للقرآن، أو لا وجود للآخرة أو الجنة أو النارژ وَإِذَا ? إِنَّ ? اللَّهِ ? وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ژ (الجاثية: 32) هذا خطاب موجه للكفار من قبل الله تعالى حين يقعون في جهنم فيذكِّرهم بما كانوا يقولون في الدنيا، وهؤلاء فئةٌ من الكفَّار الذين لم ينكروا وعد الله، ولكنهم قالوا لا ندري، ژ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا ژ، لذلك من شكَّ فقد أشرك، ولا يُعتبر الظانُّ مؤمنًا حتى يعلم ويشهد ويوقن ويقرَّ بكلِّ إيمان ويقين: أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند ربه، وكل ما جاء به الرسول حبالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل والقضاء والقدر أنه حقٌّ. فالشرك كما يتحقَّق بالإنكار، يتحقَّق بالشك أيضا، ولهذا ينبغي أن ندفع الشك عن أنفسنا.
حكم الظنون ـ التي قد تَرِدُ القلب ـ عن الله تعالى:
قد يراود بعض الناس شيءٌ من الوسواس، فيقولون: أحيانا تنزل علينا بعض الشكوك عن الله تعالى، فما العمل؟ ألا فليُعلم أنَّ الله تعالى لا يحاسِب بما يكون في القلب ما لم يقرَّ به المرء باعتقادٍ أو بلسانٍ أو بترديدٍ على الناس، فإنَّ الله تعالى لن يحاسب على ما يخطر في القلب.
وقد شكى بعض الصحابة ما يكون في قلوبهم من شكٍّ بصيغه المختلفة: متى؟ كيف؟ أين؟ لماذا؟ .. هذه الأسئلة التي لا تجوز على الله تعالى، فقالوا للنبي ح ما معناه: إننا لا نعتقدها ولكننا نجدها في قلوبنا، وإنه لو خرَّ أحدنا من السماء إلى الأرض (1/6)
صفحة 7
لأهون من أن يتكلم بها، فقال: أَوَجَدْتُموه؟ قالوا: نعم. فقال: «ذلك صريح الإيمان» (1)، فحين منَعتم وكرهتم ما يقع في قلوبكم من شكوك، فهذه علامة الإيمان، لأنّكم رددتُمُوها وأنكرتموها ولم تنطقوا بها بألسنتكم فلو لم تكونوا مؤمنين لصرَّحتم بها، وأقررتموها وكأنها حقائق تعملون بموجبها.
«فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنتُ بالله، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليّ العظيم»، فإن وجد أحدكم في قلبه شيء من هذا فلينكره بقلبه ثم لينطق بلسانه بمثل ما قاله ح، فلا قوَّة على خير ولا تحوُّل عن الشر إلاَّ بالله العليّ العظيم.
__________
(1) أخرجه ابن حبان، في صحيحه، محققا باب: ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه، بلفظ: «عن عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الشَّيْءَ لَوْ خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفَهُ الطَّيْرُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ"» رقم: 149، 1/ 362. ذكر مسلم رواية في نفس المعنى، في صحيحه، بلفظ: «عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْوَسْوَسَةِ، قَالَ: «تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ»، باب بيان الوسوسة في الإيمان، رقم: 211، 1/ 119. (1/7)
صفحة 8
فإن ابتلي إنسان وأشرك بالله ساعة من زمان، أو عامًا، أو عدَّة سنين، وتاب إلى الله تعالى وعاد إلى الحق، فإنَّ الله سيجدِّد له عمله ولن يضيِّعه، فكأنَّ الله قد أوقف حساب عمله، ثم يجدِّده له بفضل الرجوع إلى الإيمان، فلا يجب عليه قضاءُ صلاةٍ ولا صومٍ ولا زكاةٍ ولا أيِّ عملٍ مما سبق مطلقا؛ لأنَّ الله قد أرجع كلَّ شيء بفضل العودة إلى الإيمان، إلاَّ شيئًا واحدًا قاله العلماء، وقرَّره الشيخ السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ ألا وهو الحجُّ، إذ على التائب أن يحجَّ حجَّة أخرى (1)، وليس معنى ذلك أنَّ الحجة التي حجّها قبل الشرك باطلةٌ ولكن لما عاد إلى الإسلام من جديد فعليه أن يستقبله بأعمال
كلّها جديدة من صلاة وصوم وزكاة، وكذلك الحج في هذا الإسلام الجديد، فالحجُّ السابقُ هو للإسلام السابق، وبما أنه استقبل إسلاما جديدًا فتلزمه حجَّة أخرى لهذا الإسلام الجديد، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً طبعًا، لأنه ليس بقضاء، وإلاَّ فإنَّ الله لا يكلِّفه بذلك، بل يعفو عنه مثلما عفا عن المسلمين جميعًا.
مفهوم الشرك:
__________
(1) ينظر: الخليلي، فتاوى سماحة الشيخ الخليلي، فتاوى العبادات، 1/ 333. (1/8)
صفحة 9
نعود إلى مفهوم الشرك، فالشرك إذن منه جحودٌ ومنه مساواةٌ؛ فجحودُ الشرك هو جحود الله كليَّة ونفي وجودهژ??? إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ چچچچ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) ژ (الجاثية: 24)، "وما هي إلاَّ أرحام تدفع وأرض تبلع" فهذا ما يقوله الدهريون أو الطبيعيون الذين أنكروا الإله والأنبياء والرسل والجنة والنار، أو أنكروا أحدها، فيقول أحدهم مثلا: نعم إنَّ الله خلقنا وإنَّما سنعيش في هذه الحياة الدنيا ثم نفنى، فلا وجود لليوم الآخر ولا الجنة ولا النار، فإن قال أحدهم ذلك فهو مشركٌ، وكذلك كلٌّ من أنكر شيئًا مما علم من الدين بالضرورة سواء الله أو الملائكة أو الكتُب أو الرسُل جميعًا، أو رسولا أو نبيا بعينه، سماه الله بعينه أو ذكره في القرآن الكريم، أو أنكر كتابا من الكتب، أو سورة من سور القرآن، أو آية أو حرفا منه. فإن قال مثلا في أول سورة القلم لا داعي لقراءة حرف النون، فقرأ: ژ ن ژژ وَمَا يَسْطُرُونَ کژ فإن أنكر هذا الحرف فقط فقد أشرك وحبط عمله كلُّه! وإن مات من غير توبة فجزاؤُه جهنَّم خالدًا مخلدا فيها أبد الآبدين! إلاَّ إذا تاب فيُجدَّد له العمل.
قال الشيخ أبو نصر الملوشائي في قصيدة النونية:
ومن ردَّ حرفًا أو رسولاً فإنَّه بِردِّ جميع المرسلين كفرعون (1)
__________
(1) أبو نصر، متن النونية في العقيدة، تحقيق عمر بازين، ص 47. (1/9)
صفحة 10
فليحذر أحدنا من إنكار أيِّ شيء من الدين، أو إنكار حكمٍ من أحكام الله، وليس المقصودُ بذلك الاجتهادات والاختلافات في التأويل؛ وإنما الأحكام التي ثبتت في القرآن الكريم، واتَّفقت عليها المذاهب بأجمعها، كمن أنكر الجلد على الزاني، بادِّعاء أنها عقوبة وحشيَّة، أو أنكر قطع اليد ... وغيرها من الأحكام التي ذكرت في القرآن وصرَّح بها العلماء واتفقوا عليهاژ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) ژ (النساء: 65) فهذا كلُّه يدخل في شرك الجحود الذي هو الإنكار.
أمَّا الشرك الآخر فهو شرك المساواة لقوله تعالى:ژ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ژ? (الأنعام:01) أي يساوون به غيرَه، فيقولون ليس الله وحده وإنما هنالك آلهة معه، إمَّا شرك في الربوبية باعتقاد أنَّ هنالك من خلق مع الله تعالى، أو توحيد للرب ولكن الشرك به في الألوهية:ژ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) ژ (لقمان: 25)، فكل أجوبتهم: الله، ـ فهؤلاء لم يشركوا في الربوبية ولكنهم أشركوا في الألوهية فعبدوا مع الله غيرهـ وإن سئلوا فلماذا تعبدون إذن اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى، وهُبل، وإيساف، (1/10)
صفحة 11
ونائلة، وما إلى ذلك، ليقولون:ژککگگگگ زُلْفَى ژ (الزمر: 03)، إنَّنا نعرف أنَّ هذه الآلهة لم تخلُق ولكننا نتبرَّك بها فقط، حيث تقربنا إلى الله كواسطة بيننا وبينه. فهذا شركٌ صريحٌ لا شكَّ فيه، ولا ينبغي التساهُل معه. والقرآن قد بيَّنه وفصَّله، فلا ينبغي لأحد أن يقول:"إنَّهم لم يقولوا عن هذه الآلهة إنها تخلق أو ترزق، وإنما قالوا: إنَّها تقرِّبهم إلى الله فحسب"، فهم لم يجعلوها في منزلة الله .. ومثل هذا القول وغيره هو من صريح الشرك، والقرآن قد بيَّنه وفصَّله، فلا يجوز أن نتهاون في هذا أو أن نخوض فيه، ونقول إنَّه ليس بشرك، أو إنه أدنى درجة من الشرك، لأنه ليس فيه تقديس للآلهة بأنَّها تنزل الماء من السماء أو تخرج النبات من الأرض، أو تحيي أو تميت .. وليست تُعبد على أنها آلهة في درجة الله تعالى، فهذا كلُّه من صريح الشرك، الذي دلَّ عليه القرآن وبيَّنه:ژژ اتَّخَذُوا مِنْ ککککگگگگ زُلْفَى ژ (الزمر: 03). فإن اتخذ أحدٌ شركا من مثل هذا النوع، سواء كان من بني آدم أو من الجن أو الملائكة وظنَّ أنه يقربه إلى الله زلفى فإنه مشركٌ شركَ مساواة، وهو كشرك الجحود، وشِرْكِمن اعتقد وجود آلهة أخرى.
معنى لا إله إلا الله:
وإنَّما ژ? هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ژ (الإخلاص: 01) "قل هو الله" وليس الطبيعة أو الدهر أو غيرهما، وهو "أحد" أي ليس باثنين أو أكثر، وهو معنى «لا إله إلا الله»، كلمة أوَّلها شرك وآخرها إيمان، "لا إله" نفي للآلهة مطلقا باستثناء الله تبارك وتعالى "إلا الله"، فمن قال "لا إله" وسكت فهو مشركٌ، ومن قال هو أكثر من واحد فهو مشرك. وكم أشرك الناس بهذين النوعين قديمًا وحديثًا، وربما اليوم شرك الجحود والإنكار أكثر، وهو
الذي يظهر في الوجودية والإلحادية والماسونية واللَّادينية .. وإنَّما في القديم كانوا يعتقدون أن هنالك آلهةً كثيرة ويعبدونها، مثلما كان في عهد اليونان، فكلُّ ذلك باطل. (1/11)
صفحة 12
فليحذر أحدنا أن يقع في أحد هذين الشِّركين بأن يتوجَّه إلى أحدٍ غير الله بدعوى أنه يقرِّبه إليه، فإن كنت تريد القربى إلى الله فاذهب إلى إنسانٍ حيٍّ عالمٍ متّقٍ يعلِّمك العلم الذي يقرِّبك إلى الله تعالى أكثر، وهذا هو المنهج الصحيح، «أمَّا أحدهما فآوى فآواه الله إليه»، أو يدعو لك بمثل ما جاء في قوله تعالى:ژ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) ژ (النساء: 64) فهذا جائزٌ ومطلوب.
أما أن يكون التقرُّب إلى الله بواسطة شخص ميِّت لا يملك من أمر الدنيا شيئًا، ثم يقع التمسُّح بقبره والتبرُّك به، والذبح عنده، فهذا شركٌ صراح.
ويبقى الإيمان بيّنًا ژ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ژ (البقرة: 285)، وآية الكرسي، وسورتي الإخلاص والكافرون، أولاهما تنفي والأخرى تُثبت، وإلى غير ذلك من الآيات. نسأل الله الهداية والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.
60) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ، وَأَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» (1).
شرح الحديث:
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الزهد 46، ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 21، بلفظ: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غير تركته وشركه»، ورواه أحمد في كنز العمال، 3/ 7524، ورواه أحمد في مسنده 3/ 466/، 3/ 215. (1/12)
صفحة 13
في موضوع الشرك يأتينا هذا الحديث القدسيُّ، الذي يرويه من طريق متَّصل أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عزَّ وجلَّ؛ فالحديث الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه يقول الله لكم كذا وكذا، فهو حديثٌ قدسيٌّ.
«يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ»: وهنا طبعا من عمل عملا صالحا لأنَّ العمل السيِّئَ من أصله لا يرضاه الله تبارك وتعالى، مثلما سيأتينا في تفسير الآيات الواردة في الموضوع، فمن عمل الطَّاعات؛ من صلاة أو صيام أو صدقة، أو عمرة أو جهاد أو تعليم أو تعلُّم ـ قصد به وجه الله ـ، [فهو لله]، ولكن إن فتَنَه شيطانُه أو فتَنَتهُ نفسُه فأشرك بنيَّته في عمله الصالح ابتغاء وجه العباد، وجعل فيها نصيبًا لله ونصيبًا للناس، فحدَّث نفسه قائلا: أنا إن شاهدني الناس في عبادتي أو عملي وأثنوا عليَّ فلا أمانع، وإن لم يسمعوا بعملي فإني أتخذ الأسباب ليعلموا أو يسمعوا
حتى يطروني، فأصل عمل هذا الشخص كان لله ولكنه حين أشرك فيه ابتغاء مرضاة العباد، فإن هذا يعتبر شركًا بالله.
إنَّ الذي يحّير الألباب في هذا الحديث أنَّ الله تعالى لم يقل "من عمِل عملاً لغيري"، ـ لأنَّ الأمر واضح أنه لغير الله ـ، ولكنه نبَّه إلى أن يكون العمل لله، ولكنه ممتزجٌ بنيَّة رضى العباد ومدحهم وشكرهم، أو حتى لمجرَّد أن يسمعوا أو يروا. (1/13)
صفحة 14
فما حكم من أشرك في عمله مخلوقا مع الله تبارك وتعالى؟ يجيبنا الله قائلا: إني أترك عمله له كلَّه; أي: إنَّه يترك نصيبه ونصيب العبد كلِّه لذلك الشريك، فلا يقبل منه شيئا؛ فمن صلَّى لغير الله فصلاته كلُّها للعباد ولا يُقبل منها شيء، وكذلك صومه وحجُّه، ومعنى ذلك أنه يأتي يوم القيامة ولا أجر له على تلك الأعمال التي أشرك فيه مع الله أحدا، فيقال له: لقد عملت ليشكرك الناس ويقولوا عملتَ، فقد قالوا أو شكروا، وليس لك عندي يومئذ إلاَّ النار، وهنا مكمن الخطر، فعلى الإنسان أن يحسّن نيّته ژ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ ژژ إِلَّا النَّارُ ککککگگگگ يَعْمَلُونَ (16) ژ (هود: 16).هذا دليل صريح من القرآن الكريم، حتى إذا جاء أحدنا وقال: هذا تشديد من الرسولحومبالغة منه، فربَّما الرّواة فعلوا كذا أو أضافوا أو ... فهذا تصريحٌ من القرآن لا غموض فيه.
ثم أضاف تعالى قوله: «وَأَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»: أي لا أحد يستغني عن الشرك مثل الله تعالى، وهذا حقيقٌ؛ فما هي حاجة الله للشركاء –حاشاه – فلا يتَّخذ الشركاء إلاَّ من كان ضعيفا ليقوِّي نفسه في عمل أو رعاية في مجال الفلاحة أو التجارة وتنمية رأس المال، أو في الرأي أو العلم ... ، فالله لا ينقُصه شيءٌ من هذه الصفات، وهو
ليس بضعيف فيحتاج إلى ما يقوِّيه، ولا بفقير فيحتاج إلى من يعِينُه بمال، ولا بمريض ولا غير ذلك .. ، فلماذا يتَّخذ الشركاء؟ وبالمقابل فكلُّ مخلوق في هذه الدنيا هو الذي يحتاج إلى شريك. (1/14)
صفحة 15
فهذا سيدنا موسى؛ النبيُّ الذي أوحى الله تعالى إليه رسالة النبوءة اتخذ شريكا في رسالته حتى يعينه فيها ژ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ ?? وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) ژ (طه: 25–35)، فطلب من الله تعالى أن يسنده بأخيههارون ليكون شريكا في مهمَّته الصعبة، ولكن الله تبارك وتعالى غنيٌّ عن كلِّ هذا.
قال أحد الصحابة واسمه جندب بن زهير سألت رسول الله ح: «يا رسول الله إني لأعمل العمل لله» سواء صلاةً أو صوم أو صدقة أو تلاوة قرآن أو أي عمل صالح «فإذا اطَّلع عليه أحد سرَّني» أي أعجبني سرور الناس بعملي فهل يكون هذا شركًا، فأجابه الرسول ح «إنَّ الله لا يقبل ما شورك فيه» (1) فاجعل عملك لله فقط، واتركه بينك وبين الله، وإن علم به أحدٌ فاعتبر أنه لم يعلم به، واجعل علم الناس بعملك وعدم علمهم به عندك سواء، شكروا أم لم يشكروا، المهم أنك عملت لله خالصا رجاء أن يجازيك به يوم القيامة. وثمة من يعتبر الناس شيئا آخر بقوله: "اجعل الناس أعوادًا
وأحجارًا" ثم تساءل هل ينتظر الشكر من أعواد وأحجار في صحراء مثلا، فكذلك اجعل الناس في عملك الصالح.
__________
(1) ينظر: الصنعاني، سبل السلام، بلفظ: «عن جُنْدَبِ بْنِ زُهَيْرٍ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ: - صلى الله عليه وسلم - إنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ، وَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي فَقَالَ: - صلى الله عليه وسلم - لَا شَرِيكَ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ،، 2/ 661. (1/15)
صفحة 16
ولكن أحيانا توسوسك نفسُك أنَّ الحال غير الذي تنويه في قلبك من إخلاص لله تعالى فما المخرج من ذلك؟ مخرجُه وعلامته أن يستوي عندك عمل السر والعلانية، فيكون عملك بين الناس كعملِك لوحدك، كأن يكون إحساسُك وأنت تصلِّي ببيتك في ليلٍ أو نهارٍ كما يكون حين تصلِّي في المسجد، لا أن تُحسِّن صلاتك وركوعك وسجودك عندما تكون أمام الناس، ثم تتهاون فيها عندما تكون لوحدك، فإن كانت صلاتُك وسط الناس أفضل من صلاتك لوحدك فأنت مغرورٌ غرَّتك نفسُك وخدعتك، فأنت بذلك تتقرَّب للناس لا لله، وإن تساوتا أو كانت التي في بيتك أتقن من الأخرى فستكون بخير إن شاء الله، وكذلك الأمرُ بالنسبة للصدقات، وقراءة القرآن، وكل الأعمال الأخرى، فالله لا يقبل إذن ما شورك فيه، وهذا ما يُسمَّى «بالشرك الخفيِّ»، وليس الشرك الجليّ، لأنه لا تحبط به كلُّ الأعمال، أو تحلُّ به الدماء والأموال، فهو «شركٌ خفيٌّ» يفسد ذلك العمل وحده ولا يفسد الأعمال الأخرى. ثم بعد ذلك نزل جبريل؛ بقوله تعالى:
ژ? كَانَ ? لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ژ (الكهف: 110)، والآية مفهومة وفسَّر الرجاء هنا بالخوف ژ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ژ (نوح: 13)؛ أي لا تخافون الله وقارًا، والأصل أن المعنى واحد لأنَّ الخوف والرجاء متلازمان فمن كان كذلك فليعمل العمل الصالح، ولا يشرك مع الله أحدًا، وليجعل نيته خالصة لله تبارك وتعالى، لأنَّ الناس يوم القيامة لن ينفع أحدهم الآخر، بل الكل سينادي نفسي نفسي، ولا أحد منهم ينفع أخاه أو يحسن إليه بحسنة نقصت من ميزانه، أو يحمل عنه سيئة (1/16)
صفحة 17
أثقلته، فإذا كنت أيها الغافل غريقًا، ثم استنجدت بالناس بدل الله، فأنت تستنجد بغريق مثلك، فحتما ستغرق ويغرق معك شريكُك، وتغرقون جميعا. إذا فاستفق يا غافل إن كنت تتَّخذ الناس قبلةً في أعمالك الصالحة فأنت مخطئٌ جدًّا، لأنَّ أولئك الناس لن يأتوك بخير أو يردُّوا عنك ضرًّا، هذا يوم القيامة، وكذلك في الدنيا إذ يظهر لنا نفع الإنسان لأخيه جليًّا، غير أنه لن ينفعك أحدٌ أو يضرك إلاَّ بإذن الله.
إنَّ مراقبة الإخلاص ليس مجرَّد عمل في مدَّة قصيرة فقط، إنما هو عملٌ دائم، ما دامت الدنيا، حيث ينبغي على الإنسان تحرِّي الإخلاص لأنَّ الشيطان له بالمرصاد، في كلِّ حين يلقي في قلبه الوسائس، ويحاول خداعه كأن يقول له: اجهر في صلاتك وزيِّنها حتى يسمعك الناس، أو قل لهم أنك تصلِّي وتصوم وتتصدَّق، أو استعمل إشارةً توحي إلى علم غيرك بأنَّك قد أدَّيت مناسك الحجِّ، وإلى غيرها من الوساوس، فعلى المسلم أن يقاومها مادام حيًّا.
وبالمقابل لا ينبغي أن نشكَّ في نوايا الناس، فنعتقد فيمن يخبر قائلا: إني أتيت بكذا من الحجِّ، أو التقيتُ فلانًا في الحجِّ، أو غير ذلك .. بأنه يرائي الناس، فقد يكون إخباره ليس به قصدٌ للعباد، وإنما نيَّته خالصة لله، ولا ينتظر من أحد الشكر أو الثناء، ولهذا فإنَّ النوايا لا يعلمها إلاَّ الله تعالى.
جواز الجهر بالصدقة لإذكاء روح المنافسة:
حين قال الله تعالى لنا في الصدقات ژ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ژ (البقرة: 271) أي يمكن أن نتصدَّق جهرًا أمام الناس، كالتبرع لمسجد أو مدرسة أو أي مشروع خيري، فالجهر بتلك الصدقات لا يُقصد به انتظار الشكر من الناس وإنما يقصد به إذكاء روح المنافسة بين الأغنياء للتبرُّع أكثر، وليقتدي الناس كلُّهم، فهذا الذي يبدي الصدقة (1/17)
صفحة 18
له نيَّته، لأنَّ الله تعالى قال "فنعمَّا هي"، ولم يقل إن تبدوا الصدقات فهي فاسدة أو باطلة، بل إن جهرتم بها بنية نفع الأمَّة والإسلام فهو حسن، ولكم عليها أجر عند الله تعالى، وتنالون بها الدرجات العلى في الجنة، وسيخلفها الله بعد ذلك.ژ وَإِنْ تُخْفُوهَا ???? لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ژ (البقرة: 271)، إن أخفيت وسُتِرَت عن الناس فهي خيرٌ حين توجَّه للفقير، أمَّا فيما يخصُّ التبرُّع للمشاريع فيفضَّل فيها الجهر بالصدقات، لذا كانت السرية مطلوبة هنا، ولم يوجد الداعي لإظهار الصدقة، لأنَّها متوجِّهة إلى الفقراء، فإن وجد احتياجٌ من إنسان إلى الصدقة فيجب على المتصدق أن يسرَّها ولا يُعلم بها أحدًا، حتى لا يتحرَّج ذلك الفقير، وإن استطاع أن يعطيها له حتى دون أن يشعر بها ذلك الفقير فذلك خير، فعندما ذكر الله تعالى الفقراء ذكر معه الإخفاء حتَّى يصون كرامتهم، ويَسلم المنفِقُون من وساوس الشيطان.
أمَّا إن حدث وأخفى المتصدق صدقته ثم عمد إلى أن يظهر فعله أمام الناس بعد ذلك، بأن أخفى الصدقة في الصباح، ثم أفشاها في المساء، فهذا عين ما يسعى الشيطان إليه، في نفس كلِّ إنسان لإغوائه، وهذا هو الرياء الصريح في العمل. فعليك أيها المتصدِّق أن تصرف نظرك إلى الله تعالى وإلى الأجر الذي ينتظرك يوم القيامة، ولا تنتظر جزاء ولا شكورًا،ژ إِنَّمَا ???? نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) ژ (الإنسان:09) ژ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ???? (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) ژ (الليل: 18–21)، فاجعل وجهتك لله تعالى واصرف رضى الناس وشكرهم من طريقك، حتَّى يضمن لك دوام الإخلاص، وتحارب شيطان وتفوز عليه في نفس الوقت.
الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ: (1/18)
صفحة 19
ولذلك مدح الله تعالى المؤمنين من جملة ما مدحهم بهژ إِنَّ الَّذِينَ ?? خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) ??? لَا يُشْرِكُونَ (59) ? يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ پپپپ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) ژ (المؤمنون: 57 - 61)، أشكل الصحابة شوأشكلت عائشة كفسألت النبي ح: «يا رسول الله هذه الآية التي مدح الله فيها هؤلاء الناس المؤمنين ثم ذكر الذين يؤتون ما يؤتون وقلوبهم خائفة، يا رسول الله الآية نزلت في الرجل يصلّي ويصوم ويتصدَّق، أم نزلت في الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ ففي أيِّهم نزلت يا رسول الله؟»
نعم فيه نوع؟ هنا الإشكال! فإن نزلت في الرجل يصلِّي ويصوم ويتصدَّق ويعمل الخير، فلِمَ الوجل؟ فهم في طاعة، فلِمَ الخوف؟ أمَّا إن نزلت فيمن يسرق ويزني ويشرب الخمر فلماذا ذكرهم في معرض المدح للمؤمنين وخصالهم؟ فقال رسول الله ح: يا عائشة الآية نزلت «في الرجل يصلِّي ويصوم ويتصدَّق ويخاف ألا يُقبَل منه». وهذا هو الهمُّ الأكبر، فأصبحت عائشة كتقول: «صرنا نخاف من حسناتنا أكثر من سيئاتنا» (1)، لأنَّ السيئات إن استغفرنا وتُبنا أيقنَّا أنَّ الله سيغفرها، ولكن حسناتنا ليس لنا الضمان ولا العلم اليقين أنَّ الله قد تقبَّلها منَّا.
__________
(1) أخرجه الترمذي في سننه، تح شاكر، باب ومن سورة المؤمنون: رقم: 3175، 5/ 327، ورواه أحمد، مسند الصديقة عائشة بلفظ: «لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ - "أَوْ" لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ -"وَلَكِنَّهُ" الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ»، رقم: 25705 465/ 42. (1/19)
صفحة 20
والله تعالى عندما لا يتقبَّل عملا من أحد فليس هذا ظلمًا له، وإنَّما لاحتمال أن يكون قد اختلط به رياء أو شرك ژ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) ژ (المائدة: 27)، والمتَّقون يعملون العمل خالصًا لوجه الله الكريم: ژ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ژ (البينة:05)، وهنا لم يمدح الله المؤمنين لمجرَّد المدح، وإنَّما لكي نقتدي بهم، فكلٌّ منا يؤمن ويعمل ويصلِّي ويصوم ويتصدَّق وفي قلبه خوفٌ ألاَّ يُتقبَّل منه، أي أنه يجتهد في العمل ويخلص النيَّة لله ويخاف أن يضيع كل شيء، ولأجل هذا الخوف ورد التطمين من الله تعالى لنا ژ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) ژ (الأعراف: 42)، تطمينًا لخواطرنا حتَّى لا يركبنا الوسواس، ويستغل الشيطان هذا الأمر فيوحي إلينا بأن لا أحد يُقبل منه عمله، ولا أحد يدخل الجنة، هذا الأمر جليٌّ بالنسبة للعاصي الظاهر عصيانُه، لكن هل المطيع أيضا ربَّما لا تقبل منه طاعته، فكيف النجاة إذن .. (1/20)
صفحة 21
إنَّ مجاهدة النفس وإخلاصَها العمل لله وحده، وخوفها الشديد باستمرار ألاَّ يُتقبل منها عملُها، هو من صميم الإيمان الذي يُنقذها من الشرك الخفِيّ، والله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسعها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إنِّي أعوذُ بك أن أشرك بك فيما أعلم وأستغفرُك فيما لا أعلم» أي فيما لا أعلم من الشرك الذي هو أخفى من دبيب النمل، وروي أنَّه تعالى: «يعلمُ دبيبَ النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء» (1)
__________
(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم 716: مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ». قال الألباني: صحيح. باب فضل الدعاء، 1/ 250 .. ينظر: جمال الدين أبو محمد عبد الله الزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، بلفظ: «وَعَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - َ قَالَ: الرِّيَاء أَخْفَى من دَبِيب النملة فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة عَلَى الْمسْح الْأسود» رقم: 1541، 4/ 299. وانظر كذلك: التفسير الميسر لسعيد الكندي (4/ 412) بنفس لفظ الزيلعي، وقد علّق المحقق: [مصطفى شريفي، بابا عمي محمد] بقوله: لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. (1/21)
صفحة 22
ولذلك جاء هذا الدعاء من النبي ح «وأستغفرك فيما لا أعلم»، والنبي ح لم يتلفَّظ بهذا الدعاء إلاَّ وهو حقٌّ موقن بالإجابة، وإذا كان يجاب للنبي ح فكذلك يجاب لنا، وقد قاله ح كي يعلمنا إياه فهو معصومٌ عن الشرك أمَّا نحن فنخاف على ذلك أكثر منه فعلينا أن ندعوَ بهذا الدعاء الذي به يغفر لنا ربنا ما يمكن أن يصدر منا من شرك دون أن نشعر فيغفره لناژ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ???? وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) ژ (المؤمنون: 62).
مما نستفيده من هذا أنه علينا إذا أتممنا صلاتنا أو صومنا أو زكاتنا، أن نعقبها بذكر الله، ودعائه ليتقبل ما يقرِّبنا به إليه، ولا ننصرف مسرعين وكأنه حسابٌ في البنك دفعناه وكفى. فالواجب على المسلم أن ينتظر قليلاً بعد الصلاة ويذكر الله تعالى ويرجو منه القبول، وكذا بعد الصوم عند الإفطار، وكذلك بعد أداء مناسك الحجِّ، فهي كلُّها لحظات ينبغي استغلالهُا للدعاء، وكذلك بعد الصدقة أو الزكاة، أو بعد قراءة القرآن أو
بعد شهود الجنازة، أو عيادة المريض ففي كلِّ أعمال الخير علينا أن نردفها بذكر الله تعالى ودعائه، لأننا قد عملنا خيرًا ولكنا لا ندري أقبلت أم لا، وحتى الدعاء وسيلة لمزيد القبول أيضًا، والله كريمٌ يجيب الدعوات ولا يخيِّب عباده المخلصين.
وفي الحقيقة إنَّ هذا الأمر حسَّاس جدًّا، ويتطلَّب منا الفهم الصحيح والعمل بما في الحديث وما في القرآن، وعلَّمنا أنَّ الله تعالى لا يقبل منا إلاَّ ما كان خالصًا له لأنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك، وما بعد ذلك فهو بين يديه، نرجو منه أن يُكمل نُقصَنَا وأن يغفر لنا غفلتنا وتقصيرنا. والحمد لله رب العالمين.
((((
ما جاء في الأسباب التي يكفر بها الإنسان (1/22)
صفحة 23
61 ـ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَة زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَقَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ» (1).
شرح الحديث:
كما تقدَّم الكلامُ عن الأسباب التي تؤدِّي إلى الشرك الخفيّ والجليّ، وكذلك الكفر الكبير، كفر الشرك وكفر النعمة، فإنه ممَّا يؤدِّي إلى الكفر أيضا ما ذكر في هذا الحديث، والذي روي بطريق متَّصل، أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن عائشة ك، حيث روى جابر عن عائشة مباشرة، وروي أيضا في بعض كتب الصحاح مثل: صحيح مسلم عن طريق أبي هريرة، عن طريق مسروق عن عائشة كأيضًا.
«من زعم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظمَ على الله الفرية» (2).
خطاب هذا النص موجَّه إلى كلِّ من ظنَّ أنَّ سيَّدنا محمدًاحقد رأى ربَّه ليلة الإسراء والمعراج، والكذبُ لا يسمَّى فرية إلاَّ لعِظمه عِظمًا شديداً واعتباره كذِبا كبيرًا، لأنَّ هنالك أناسا يزعمون أنَّ سيدنا محمدًا حرأى ربه ـ حاشاه ـ فالله تعالى
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان 287، ورواه الترمذي في تفسير سورة 6/ 5/35/ 303،.
(2) هذا قطعة من حديث ذكره الربيع في الجزء الثالث، من غير هذا الطريق حيث قال أخبرنا بشر عن إسماعيل بن علية عن داؤود بن هند عن الشعبي عن مسروق ... ذكره الربيع كاملا في الجامع الصحيح، رقم: 824، ورقم: 61. (1/23)
صفحة 24
ژ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ???? الْخَبِيرُ (103) ژ (الأنعام: 103)، والرسول ح ما رأى ربَّه أبدًا، وإنَّما في القرآن الكريم آيات يُتوهَّم من معانيها رؤية البارئ ژ وَلَقَدْ ککککگگگگژ (النجم:13 - 14)،ولكن حقيقة المعنى أنَّ الذي رآه الرسول ح في هذه الرحلة ـ رحلة الإسراء والمعراج ـ هو جبريل؛، ومن قارن بين آيات سورة النجم وآيات التكوير وجد ذلك صحيحًا إذا ما فُهم بإمعان وتدبُّر، فسيستنبِط ويستخرج منهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل مرَّتين.
المرة الأولى والثانية التي يرى فيه محمدحجبريلا:
لقد رأى سيدنا محمدحجبريل في المرَّة الأولى بالأفق المبين،ژ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) ژ (التكوير:32 - 34).أي أنَّ صاحبكم الرسولحرأى جبريل بين السماء والأرض قريبًا منه، إذ لما كان في غار حراء جاءه على صورة إنسان وكلَّمه، وكان ما كان بينهما، حتَّى ألقى إليه الآيات الأولى: ژچچچ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ژژ بِالْقَلَمِ (4) ککککگگژ (العلق: 1 - 5)، ثم فارقه، والنبي ح هنا خشي أن يكون به مسٌّ من شيء لا يعرفه، فنزل مسرعا من غار حراء متَّجهًا إلى بيته، فناداه جبريل؛ من السماء "يا محمد أنا جبريل وأنت رسول رب العالمين" فالتفتَ فرأى خلقًا عظيمًا بين السماء والأرض لم ير مثله من قبل، حيث أينما التفت رآه قد ملأ السماء كلَّها وسدَّ ما بين المشرق والمغرب". وهذه هي المرَّة الأولى التي يراه فيها بحسب ما ذكره الله تعالى في سورة التكوير. (1/24)
صفحة 25
والمرَّة الثانية التي رأى فيها سيدنا محمدحجبريل؛ هي التي ذُكرت في سورة النجم: ژ وَلَقَدْ ککککگگگگژ (النجم: 13 - 14)، وسدرة المنتهى فوق سبع سماوات، إذ فيها سدرة عظيمة قيل إن الراكب يسير في ظلها مسيرة مائة عام، وفي تلك السدرة تنتهي الأمور النازلة من العرش ثم تُفرق إلى الأرض، وكذلك تنتهي إليها الأمور الصاعدة من الأرض وتستقرُّ هنالك، ژ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) ژ (النجم: 15) التي تأوي إليها أرواح الصالحينكذلك.
رأى هنالك جبريل؛ في منزلته التي أنزله الله فيها، ولا يصعد أكثر من ذلك، حيث هي منتهى ما يصل إليه، وعلى الهيئة التي خلقه الله بها، ستمائة جناح كلها أنوار ورفارف، وقيل ألف جناح (1).
إذن رؤية النبي حلجبريل على الهيئة التي خلقه الله بها وقعت مرَّتين، مرَّة ذكرت في سورة التكوير، ومرَّة ذكرت في سورة النجم، فالمسألة واضحة ومن أراد تحقيق ذلك فعليه بتفسير الشيخ مصطفى المراغي شيخ جامع الأزهر في زمانه، إذ عنده تفسير مشهور من ثلاثين مجلدا (2)، ويجد في أوَّل تفسير سورة النجم تحقيقا مهمًّا جدًّا،، وفيه
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، باب فكان قاب قوسين أو أدنى، بلفظ: «أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: «أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ» رقم: 4857، 6/ 141. ورواه مسلم في صحيحه، باب في ذكر سدرة المنتهى رقم: 281، 1/ 158. لم نعثر على رواية "ألف جناح" فيما بحث فيه من مظان.
(2) تفسير المراغي هو للشيخ أحمد مصطفى المراغي، أحد أساتذة كلية دار العلوم، المتوفّى سنة 1371 هـ 1952 م، شقيقه شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي، وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا التفسير في1365 هـ 1946 م، وقد جعله الشيخ في ثلاثين جزءًا ليسهل حمله، وذكر الزركلي أنه يقع في ثماني مجلدات، ويعدّ تفسيره من التفاسير الميسّرة المهمَّة. ينظر: المراغي، تفسير: 1/ 20. الزركلي: معجم الأعلام، 1/ 258. (1/25)
صفحة 26
أنَّ النبي ح إنَّما رأى جبريل؛، وأنَّ الذي دنى فتدلَّى هو جبريل، والذي رآه بالأفق المبين والذي رآه في سدرة المنتهى إنما هو جبريل؛ (1).
وهنا كذلك تأتي أمُّنا عائشة كوهي من أفقه الناس باللغة لتنفي رؤية محمد حلربه، بقولها: «لقد قَفَّ شعري مما يقولون حول رؤية محمَّد ربَّه» (2) وقفَّ شعري أي وقفَ من شدَّة الفزع أو الاستغراب أو التعجُّب من شيء استعظمته، من زعم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية ژ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ژ (الصف: 07)،ژ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ پپپپ إِذْ جَاءَهُ ژ (الزمر: 32) ثم قالت عائشة ك: «أنا أوَّل هذه الأمة من سألتُ رسول الله حعن معنى قوله: ژ? يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ پژ (المؤمنون: 60)»، ـ وهو ما رأيناه في حديث البارحةـ.
«فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلْتِ النَّبِيءَحعَنْ ذَلِكَ
__________
(1) المراغي، أحمد مصطفى، تفسير المراغي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر، طبعة 01، 1365 هـ 1946م. سورة النجم، (تفسير قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى .. )، جزء: 27 ص:49.
(2) رواه البخاري بلفظ: «عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا أُمَّتَاهْ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ، مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ». رقم: 7855، (6/ 140)، ورواه مسلم في صحيحه: رقم: 289، 1/ 160. (1/26)
صفحة 27
فَقَالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ؛ وَلَمْ أَرَهُ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلاَّ مَرَّتَيْنِ ـ ولقد ذكرناهما آنفا ـ قَدْ هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ فَسَدَّ جِسْمُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كمثل الغمام أو سحاب سدَّ ما بين الأفقين، أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ژ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ???? الْخَبِيرُ (103) ژ (الأنعام: 103)» (1).
__________
(1) هذا طرف من حديث ذكره الربيع كاملا، في: الجامع الصحيح، رقم: 824. (1/27)
صفحة 28
فأمُّنا عائشة استدلَّت على عدم رؤية أبصار الناس الله تعالى بهذه الآية، وتمام الحديث روي في كتب الصحاح الأخرى بنص: «من زعم أنَّ محمَّدًا رأى ربه فقد أعظم على ربه الفرية» (1)،
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، باب: مَعْنَى قَوْلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ژ وَلَقَدْ کککک، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ح رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ .. بلفظ: «عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ح رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي، وَلَا تُعْجِلِينِي، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ژ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) ژ [التكوير: 23]، ژ وَلَقَدْ ککککژ [النجم: 13]؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ح، فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ»، فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ژ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ???? الْخَبِيرُ (103) ژ [الأنعام: 103]، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ژ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ ?? اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ??? يَشَاءُ إِنَّهُ ? حَكِيمٌ ?ژ [الشورى: 51]؟، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ح كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ژ چچچچ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ژ [المائدة: 67]، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ژ قُلْ لَا يَعْلَمُ ???? الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ژ [النمل: 65]. رقم: 287، 1/ 159. (1/28)
صفحة 29
وتلت قوله تعالى: ژ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ???? الْخَبِيرُ (103) ژ (الأنعام: 103)، ومن زعم أنَّ محمدًا قصَّر في التدبير فقد أعظم على الله الفرية وتلت قوله تعالى ژچچچچ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ژژ مِنَ النَّاسِ ککککگگگگژ (المائدة: 67)، ومن زعم أنَّ محمدًا يعلم الغيب فقد أعظمَ على الله الفرية وتلت قوله تعالى: ژ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ ?? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ??ژ (لقمان: 34).فأمور الغيب استأثر بها الله تعالى وحده، وأمَّا إن أراد أن يظهر شيئا من الغيب لنبي من أنبيائه فيظهره لهم، ومنهم سيدنا محمدحيوحَى إليه شيء من الغيب فيبلغه للناس، أمَّا أن يعلم الغيب بذاته فهذا لا يكون.
وفي رواية أخرى سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية ربه فقال: «هُوَ نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟» (1) فهذا النور الذي نعيشه نرى به الأشياء، ولا نراه هو على حقيقته، ولكن نور الله تعالى بكيفية أخرى، والرسولحبذاته قال أنَّى أراه، أي من أين لي أن أراه؟.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، بَابٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» بلفظ: «عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ». رقم: 291، 1/ 161. ورواه الترمذي في سننه، تح: شاكر، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. باب من سورة والنجم، 5/ 396. (1/29)
صفحة 30
إن آية النجم واضحة ژ وَلَقَدْ کککژ (النجم: 13) ولكن الذي وقع فيه الإشكال هو قوله تعالى: ژچچ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ژ (النجم: 10) فظُنَّ أنَّ الذي نزل، والذي رآه، هو الله تعالى نفسه في كلا الحالين، ولكن الذي يعود إليه ضمير الهبوط والتجلِّي والرؤية فهو جبريل؛، وأمَّا ضمير أوحى فيعود إلى الله تبارك وتعالى، فيكون تقديره: فأوحى الله إلى عبده بواسطة جبريل ما أوحى، أو فأوحى جبريل إلى النبي ما أوحى، فجائز أن نعبر بهذا أيضًا، فجبريل هو الذي يبلغ الوحي للنبيح.
فالأدلة جميعًا تدلُّ على أنهحلم ير الله تعالى، وإنَّما الذي رآه الرسول حهو جبريل؛، بنصِّ الحديث ومفهومه الصحيح، وبمفهوم عائشة كالتي نعتبرها من أفهم الناس بالدين، وتفهم أكثر منًّا وتُتقِن العربية أكثر منَّا لأنَّها عربية قحَّة أصيلة لم تتعلَّمها تعلُّمًا، وإنَّما ك تتكلَّم بها سليقةً، زد إلى ذلك أنَّها ملازمة دائما للنبيحفهي توظِّف فهمها، وتسأل النبي صلى الله عليه وسلم إن أشكلت في شيء أيضًا.
وأمَّا الذي نُسب لابن عباس س أنهح «رأى ربَّه بعيني رأسه» فربما قد قاله وربما لم يقله، وقد يحتمل التأويل ـ وإن كانت النسبة صحيحة ـ فيعني رآه بإيمانه (1/30)
صفحة 31
ويقينه، ونحن لا نتدخَّل في مثل هذه التفاصيل (1)، وإنَّما الذي نعتقده نحن هو الذي قالته عائشة ك، وهذا هو الجواب الذي أجابها الرسولحبه. والله الموفق والحمد لله رب العالمين.
((((
التحذير من الشرك بالله
__________
(1) ينظر: الترمذي أبواب تفسير القرآن عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 3333، عن ابن عباس قال: "رأى محمدٌ ربّه قلت أليس الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال ويحك ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نورُه، وقد رأى محمدٌ ربّه مرتين" هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. أيضا عن الترمذي رقم 3334 عن ابن عباس في قول الله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14)} (النجم: 13ـ14). قال ابن عباس: قد رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - "هذا حديثٌ حسنٌ. وبالنسبة للفظة: «بعيني رأسه» التي رويت عن ابن عباس، فقد وجدنا أن جلَّ المحدثين يحيلون إلى الإمام النووي، وقد ورد بهذا اللفظ: «فالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَإِثْبَاتُ هَذَا لَيْسَ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهَذَا مِمَّا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهِ» المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى)، 3/ 5. (1/31)
صفحة 32
62 - أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَّةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» (1).
شرح الحديث:
دائما في موضوع الكفر والإيمان، والأسباب التي يصبح بها المؤمن كافرًا من حيث يشعر أو لا يشعر، سنرى هذه القصَّة التي حدثت زمن النبي ح ومن معه، والتي يرويها أبو عبيدة عن جابر بن زيد، وجابر يرويها بالبلاغ، وكثيرا ما يقول جابر: لمَّا أروي الحديث عن صحابي أسمِّيه، ولمَّا أرويه عن جماعة لا أسمِّيهم، وعلى هذا ربما تكون مراسيل جابر أقوى من مسانيده، وطبعًا هذه الواقعة شهدها ألف وأربعمائة من الصحابة رضوان الله عليهم في عمرة الحديبية، وجابر قد أدرك من الصحابة عددا كثيرا منهم.
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الآذان 156، الاستسقاء 28، المغازي 35، ورواه مسلم في كتاب الطب 22، ورواه الترمذي في تفسير سورة 56، ورواه النسائي في كتاب الاستسقاء 16، ورواه الدرامي، كتاب الرقائق، 49، ورواه مالك في الموطأ كتاب الاستسقاء 04، ورواه أحمد في مسنده: 1/ 39، 108، 131، 2/.429، 4/ 117. (1/32)
صفحة 33
ما جاء في القصة أنَّ النبي ح: «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَّةِ» والحديبية مكانٌ معروفٌ يبعد عن مكَّة بحوالي 25 كلم، إذ كانوا يسمّونه في القديم الحديبية نسبة إلى شجرة حدباء منحنية، حيث جلسوا تحتها ووقعت البيعة، بيعة الرضوانژکککگگگگ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ژ (الفتح: 18) واليوم تغيَّر اسم المكان، لأنَّ الشجرة التي سمِّيت بها قُطعت بأمر من سيدنا عمر بن الخطاب س، بعد أن رأى الناس يقصدونها ويتبرَّكون بها، فخاف أن يصِلوا إلى عبادتها، فيسألوا عندها الحاجات وينذرون النذور ككثير من الأشجار اليوم، فأمر أن تُقتلع من جذورها، وصار هذا المكان يسمى في هذا اليوم "الشميسي"، وقد بُني في محيطه مسجدٌ وسمي "مسجد الرضوان" إشارة إلى "شجرة الرضوان"، ويصلِّي فيه قليل من الناس لأنَّ حواليه مجمَّع صغيرٌ من السكنات.
وقد نزل النبي ح هنالك مع حوالي ألف وأربعمائة من أصحابه يسوقون الهدي لقصد العمرة، فمنعتهم قريش من الدخول إلى مكَّة، رغم أنَّ المكان لا يقع في الطريق الموصل إلى المدينة لأنه من الشمال، إذ لمَّا مُنع المسلمون من طريق الشمال، عادوا من الناحية الغربيَّة لمكة حتَّى يدخلوا منها، لكنهم منعوا أيضًا، والحديبية تقع بين مكة وجدَّه، وليس بين مكة والمدينة، وكان هذا في السنة السادسة للهجرة والقصة معروفة (1).
والشاهد في درسنا اليوم أنه لمَّا صلىحصلاة الصبح «فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ» المقصود بالسماء هنا السحابُ الممطر، حيث نزل المطر غزيرًا في تلك الليلة، ولما
__________
(1) ينظر ابن هشام، السيرة النبوية، 2/ 308. (1/33)
صفحة 34
أصبح الصباح بعد تمام صلاة الفجر اِلتفتَحإليهم ليلقي عليهم درسًا يصحِّح به عقيدة من ربَّما قد زلَّت به القدمُ من أصحاب القلوب الضعيفة، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» بدأهم بالسؤال لأنَّ أسلوب السؤال والجواب من الأساليب المهمَّة في التعليم كي ينتبه الجميع، فقالوا: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، وهنا ألقى عليهم ما قصد أن يبيِّنه، فقال لهم: «قال الله: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ"» أي بسبب هذا المطر، وطبعًا في هذا الجواب الأول إشكال.
وبيانه: «فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ»، هذا هو البيان؛ والكواكب في هذا الحديث كلُّ ما سوى الله تعالى، لأنَّ الكواكب هنا مظنَّة الاعتقاد الخاطئ، وإنما الكفرُ يكون بالإيمان بكلِّ ما سوى الله ژ?????????????ژ (البقرة: 256) والطواغيتُ كلُّ ما عُبد من دون الله.
«وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا»: والنوءُ هو علامات على التقاء بعض النجوم في المطالع والمغارب، وهو حسابٌ عند العرب، حيث يلتقي في كلِّثلاثة عشر يوما نجمان معروفان بأسمائهما، فيطلع أحدُهما ويغرب الآخر عند الفجر، وفي هذا الالتقاء يعلِّقون بعض تنبُّؤات بالمطر والريح والجفاف وما إلى ذلك، فيعتقدون في ذلك قدوم ناصية خير عليهم، فلذلك يقولون: مُطرنا بسبب التقاء هذين النجمين، وبتأثير هذا النوءِ، وهذين الكوكبينِ ... فالذي قال ذلك فقد آمن بها وعبدها واعتقد تأثيرها ونسي الله تعالى. ومجرَّد التفكير في تأثير تلك الكواكب إلى جانب إرادة الله تعالى أو من دون الله شركٌ بالله، لأنَّ الله تعالى لا يكون معه شريك في التأثير على الناس أبدًا. فلذلك قال ح: «فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» فالمقام خطيرٌ جدًّا. (1/34)
صفحة 35
وحتى نحن قد يصيبُنا بعض من مثل هذا النوع، وإن كان ليس بتأثير الأنواء، ولكن بأمور أخرى كالرياح مثلا، وهو ما يعتقده بعض من يدرس علم الطبيعة فينسَون جنب الله تعالى، ويقولون: ما المطر إلاَّ صعودُ بخارٍ من البحر فتُقلّه الريح إلى مكان آخر فيصادف هواءً باردًا فيتكثَّفليصبح قطرات من الماء، فذلك هو المطر، كظاهرة طبيعيَّة وكفى، وإن كان الواقع هو كذلك ظاهريا، وهو في كلِّيته بأمر الله تعالى وبإرادته وفتحه، وقوله: "كن فيكون"، فالله يدلُّنا ويبيِّن لنا بقوله:ژھھھھےے????ژ (فاطر: 09)، ولكن مع ذلك لا ننسى فضل الله ورحمته؛ فمن الذي أوجد تلك الشمس؟ ومن الذي بخَّر ذلك الماء؟ ومن الذي أرسل الرياح؟ ومن الذي جعل ذلك الطقس البارد كي يتكثَّف فيه السحاب؟ إنَّه الله تبارك وتعالى، وإلاَّ فالشمس والبرودة موجودان دائما ولكنَّ السماء تمطر أحيانا ولا تمطر أخرى، وأحيانا تجتمع كلُّ هذه الأسباب ولا يحدث نزول المطر، لأنَّه ژ??????????????????ژ (فاطر: 02). هذا بالنسبة للمطر، وكذلك الشأنُ نفسه مع كلِّ الأسباب التي يحدث من خلالها المطر أو الإنبات أو الرزق أو الشفاء أو ولادة الولد أوكونه ذكرًا أو أنثى، يعيش أو يموت، فكل هذا ـوإن كانت هنالك أسباب ـ فلا بد لنا ألا ننسى مُسبِّب الأسباب الذي هو الله تبارك وتعالى، المتصرِّف في كلِّ شيء، وما من شيء إلاَّ بإذنه، فالله تعالى قد يجعل في تلك الأسباب ما هو نافع أو لا يكون نافعا، كما قال في السحرة: ژ????????? ژ (البقرة: 102).
وأحيانا نغفل في إدراك إرادة الله تعالى فيقول أحدُنا عالجت في الطبيب الفلاني فشفاني، فليستغفر الله من قال بذلك وليتب إلى ربِّه، فالشافي هو الله تعالى وحده،
لكن يمكن أن تقول عالجتُ عند الطبيب الفلاني، أو استعملت الدواء الفلاني، ولكن لا تقُل شفاني الطبيب، وإنَّما قل عالجني، لأنَّ الذي شفاك هو الله تبارك وتعالى. (1/35)
صفحة 36
فهذا الحديث الشريف لا يقتصر تنبيهه لنا على مسألة المطر فحسب، وإنَّما هو مثالٌ لكثير من الأمور التي ربما قد نغفل فيها عن مسبب الأسباب، وعن القادر على أن يرزق ويشفي بغير سبب، فكثيرٌ من الناس يُبتلون بأمراض ثم يُعافون منها من غير دواء، وكثيرٌ من الناس يمرضون فيعالجون ويتَّخذون الأسباب ومع ذلك لا ينفعهم مداواتهم فيموتوا، وكثيرٌ من الناس يمرضون ويتداوون فيشفون بإذن الله تعالى.
إنَّ دور الأدوية التي نستعملها ـ في حقيقة الأمر ـ ما هو إلاَّ لمساعدة الكريات المدافعة بالقوة للدفاع عن الجسم ضدَّ الجراثيم كمثل جيش وهبتَهُ سلاحًا وأمرتَه بمقاومة العدوِّ، ولكن بعد ذلك ژSSSS???ژ (الأنفال: 10)، فقد تُعطى القوَّة لتلك الكريّات المدافعة ولكن مع ذلك تُهزم، وقد لا يُعطى للمريض دواء فيغلِّب الله تلك الكريات المدافعة على الجراثيم فيُشفى بإذنه، وقد تخرج تلك الجراثيم مهزومة مدحورة بغير دواء أبدًا، فعلينا إذن أن نتعلَّق دائما وأبدًا بالله تعالى، فهو الذي يرزق وهو الذي يُشفي، وهو الذي ينزِّل الغيث من السماء، وهو الذي يُحيِي وهو الذي يُميت، وهو الذي يَفعل في مُلكه ما يريد، وأمَّا الأسباب فما هي إلاَّ بتسخير منه عزَّ وجلَّ.
فلنحذر إذن من أن يكون منَّا من يشرك بالله بعد الشفاء من المرض، أو بحلول الأمن بعد الحرب، أو بقدوم الخصب بعد الجذب، أو بمجيئ النعمة بعد الجوع، فنغفل عن الله فنقول بسبب الريح الفلاني، أو النجم الفلاني، لا فالقضية قضيَّة إيمانٍ وكفرٍ.
«أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ»: فهو أحد الفريقين فإن قلتَ بفضل الله وبرحمته، فأنت مؤمن بالله وكافرٌ بما سواه، وإن قلتَ إنَّ السبب هو ذلك الطقس
أو ذلك التأثير، وغفلت عن الله الذي كلُّ شيء بأمره ومنه، فقد كفرت به وآمنت بالطواغيت. (1/36)
صفحة 37
هذا تصحيحٌ من الرسولحلعقيدتنا، وهذه أمورٌكثيرا ما تقع للإنسان في حياته، إذ لا يمنعنا ذلك من اتخاذ الأسباب؛ فلسنا في معرض القول للناس لا تتداوَوا، فالله الذي أنزل الداء أنزل معه الدواء، وإن كان هنالك سبعين ألفًا من أمة محمدحيدخلون الجنة بغير حساب، «لا يستَرْقُون ولا يكتوون ولا يتطيَّرون وعلى ربهم يتوكَّلون» (1)، ولكن سبعين ألفا في كامل هذه الأمَّة وعبر التاريخ، يعني واحد في المليون أو لا ندري نسبتها ـ ولا يعلمها إلاَّ الله ـ وهذه النسبة قليلة من الذين وصلوا إلى هذه الدرجة العالية من الإيمان حتَّى أنَّهم يفوِّضونَ كلَّ أمرهم إلى الله تعالى وحتى الدواء فلا يتداوُون، فنحن لا نستطيع أن نصل إلى ذلك، لذا أباح لنا الله تعالى التداوي و «ما من داء إلاَّ وله دواء إلا السَّام» (2)
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، بلفظ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ... رَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلاَءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلاَءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ»، باب من لم يرقِ، رقم: 5752، 7/ 134.
(2) رواه البخاري في صحيحه، باب الحبة السوداء، رقم: 5688، 7/ 124 .. ورواه مسلم في صحيحه، باب التداوي بالحبة السوداء، رقم:2215، 4/ 1736. (1/37)
صفحة 38
يعني الموت. ومع ذلك فلا ننسى أن نتوكَّل على الله في كلِّ شيء، ونتَّخذ أسباب الكسب والرزق وغيرها، ونعرف أنَّ كلَّ شيء من عنده تعالى، وبفضله ورحمته، فإن فعلنا ذلك كنّا مؤمنين به وحده، كافرين بما سواه. والله الموفق والحمد لله رب العالمين.
التحذير من عبادة الأصنام
وبراءة النبي محمد حمن عبادتها
63) قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو لأَوَّلَ مَنْ عَابَ عَلَيَّ (1) عِبَادَةَ الأَصْنَامِ وَالذَّبْحَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنِّي أَقْبَلْتُ مِنَ الطَّائِفِ وَمَعِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمَعَنَا خُبْزَةٌ وَلَحْمٌ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ آذَتْ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَمَرَرْتُ بِهِ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ السُّفْرَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنْتُمْ (2) تَذْبَحُونَ عَلَى أَصْنَامِكُمْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لاَ آكُلُهَا، ثُمَّ عَابَ الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ وَمَنْ يُطْعِمُهَا وَمَنْ يَدْنُو مِنْهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا دَنَوْتُ مِنَ الأَصْنَامِ شَيْئًا حتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ». قَالَ: وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقُرِنَ مَعَهُ إِسْرَافِيلُ ثَلاَثَ سِنِينَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ،
__________
(1) * قوله: "عاب عليَّ " بتشديد الياء أي ذكر عيب ذلك عندي ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - دنا من الأصنام شيئا وَلاَ ذبح عليها ولكن كان قومه يفعلون ذلك فظنّ زيد بن عمروٍ أنّ السيرة واحدة وذلك قبل النبوّة فلهذا ذكر عيبها عنده وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يزل مسدّدا موفقا. اهـ.
(2) * خ: إنَّما. (1/38)
صفحة 39
ثُمَّ عُزِلَ عَنْهُ إِسْرَافِيلُ وَقُرِنَ مَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ وَعَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً (1).
شرح الحديث:
دائما في قضية الكفر والإيمان، ومظاهر الكفر ومظاهر الإيمان، فالحديثُ السابق الذي مرَّ بنا هو عن التطيُّر بنزول المطر، ونحن قد نزل علينا المطر اليوم فهل أصبحَ منَّا مؤمنٌ وكافر؟ نرجو ـ إن شاء الله ـ ألاَّ يكون منَّا كافر، فكلُّنا نقول مُطرنا بفضل الله ورحمته، ونقول في جميع أمورنا قُل بفضل الله وبرحمته، لأنه هو يطعمنا ويسقينا ويشفينا.
ثم جاء هذا الحديث الذي هو خبر زيد بن عمرو بن نفيل، ابن عم أب سيدنا عمر بن الخطاب سوهو من بني عدي. فنسبُ سيدنا عمر هو: عمر بن الخطاب بن عبد العزَّى بن نفيل، وقد تزوَّج سعيد بن زيد فاطمة بنت الخطاب، ابنة عمه، أخت سيدنا عمر بن الخطاب، وهو من الصحابة العشرة المبشرين بالجنة، أسلم من قبل أن يُبعث سيدنا محمد ح إذ أنه ثبت على دين سيِّدنا إبراهيم؛، فبعض الصحابة المعدودين على الأصابع كانوا يعبدون الله قبل بعثة النبي ح على دين إبراهيم؛، يوحِّدون الله ولا يشركون به شيئًا، ويجتنبون بعض الموبقات لأنَّهم غير مكلَّفين بفروع الأعمال وكان يكفيهم التوحيد وحده، وإن قاموا ببعض الأعمال الصالحة فمن إعمال عقولهم فحسب.
فزيد بن عمرو موحِّد ويدعو الناس إلى التوحيد أيضًا، ويحرِّم على نفسه الخمرَ وأكل ذبائح الأصنام كما جاء في الحديث؛ إذ لا يأكل أي لحم ذبح قربانا للأوثان ژSSSSژ (المائدة: 03).
__________
(1) أخرجه النسائي في سننه، باب زيد بن عمرو، رقم: 8132، 7/ 325.الطبراني، المعجم الكبير، باب ما أسند زيد، رقم: 635، 05/ 86. (1/39)
صفحة 40
فوصَّى ابنه سعيد أنه سيأتي زمانٌ يظله مبعث آخر نبيٍّ، فقال: إن أدركتُه فسأؤمن به، وإن لم أدركه فأوصيك أن تكون أوَّل من يؤمن به، فلقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم والتقى به، ولكن قبل البعثة ولم يدركه بعد البعثة؛ إذ توفي قبل ذلك ومات مسلمًا على الفطرة، وابنه سعيد عمل بوصية أبيه؛ إذ كان من أوائل المؤمنين بهح وزوجته كذلك، وقصَّة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب تبيِّن لنا أنَّ السبب في إسلامه بعد الله تعالى كان لسعيد بن زيد وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب، فقد أسلما قبل سيدنا عمر، فكانا السبب في إسلامه سمع خباب بن الأرث يجميعًا.
قال الربيع؛ قال أبو عبيدة، «قال بلغني» يعني أنَّه أسقط اسمُ صحابيٍّ هنا، وأبو عبيدة أدرك الصحابة والصحابة لا يكذبُون، وأبو عبيدة روى عن راوٍ ثقة عن ثقةٍ إمَّا عن كبار التابعين أو عن الصحابة لأنَّه أدرك بعضهم، عن النبي ح.
قال: «إِنْ كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو لأَوَّلَ مَنْ عَابَ عَلَيَّ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ وَالذَّبْحَ عَلَيْهَا» زيد بن عمرو بن نفيل هذا هو أوَّل من عاب عبادة الأصنام وذبح الذبائح على الأصنام لا على الرسول ح فحسب، وإنَّما على كلِّ مسلم، والنبي ح ـ حاشاه ـ ما عبد صنمًا في حياته أبدًا، وإنَّما كان يأكل من اللحم الذي كانت تذبحه قريش على الأصنام. و «عاب علي» أي أظهر عندي عيبه، أظهر عيب الأصنام بأنَّها لا تنفع ولا تضرُّ ولا تملك من الأمر شيئا، وكان يدعو إلى توحيد الله تعالى، والرسول موحِّد من قبل.
أمَّا عن القصة فإنَّها وقعت حينما كان النبي ح ذاهبًا إلى الطائف قبل البعثة، وأمَّا زيد بن عمرو بن نفيل فكان ذهبًا إلى الطائف بعد أن آذته قريش حين كان يدعوهم إلى ترك الأصنام ويبيِّن لهم بأنَّها لا تنفع ولا تضرُّ ولا تُغني شيئًا، ويدعوهم إلى توحيد الله. (1/40)
صفحة 41
فلما أقبل الرسول ح من الطائف ومعه مولاه زيد بن حارثة؛ الذي كان يُنسب إلى النبي ح ويقال فيه زيد بن محمَّد، ولكن الله تعالى نهى عن ذلك وقال: "أدعوهم لآبائهم" فأصبح زيد بن حارثة الكلبي من قبيلة بني كلب، وكان زيد سرقه قطَّاع الطرق، إذ سلبوا قافلة بأكملها بما فيها من أموال ونساء وصبيان؛ وكان من بينهم زيد هذا، وبيع وعمره ثماني سنوات بسوق مكَّة واشتراه حكيم بن حزام لعمَّته خديجة بنت خويلد كمن مالها، فأهدته هي الأخرى لزوجها سيدنا محمد ح، فأصبح مولى للنبي ح، وبعد ذلك أنعم عليه النبي ح بالعتق، كما قال تعالى: ژ????????ژ (الأحزاب: 37) أنعم الله عليه بنعمة الإسلام وأنعمت عليه أيها النبي بنعمة العتق.
وكان للنبيحـ ومولاه زيد بن حارثة في طريقهم هذا ــ لحمٌ وخبزٌ في سفرتهما، والسُّفرة هو فراش من جلد أو غيره يفرش للطعام ويجعل فيه الزاد، ويُحمل عادة في الأسفار، ولذلك سمي سفرة، «وَكَانَتْ قُرَيْشٌ آذَتْ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا»، أي من بينها، «فَمَرَرْتُ بِهِ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ السُّفْرَةَ»، أي دعاه إلى الزاد ليأكل معه، «يَا ابْنَ أَخِي أَنْتُمْ تَذْبَحُونَ عَلَى أَصْنَامِكُمْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ» لأنَّ زيدًا أسنَّ من النبي ح، ويقال من باب الأدب للصغير "يا ابن أخي" وللكبير "يا عمي"، فأجابه النبي ح بنعم، لأنَّ ما تفعله قريش في مكَّة أو ثقيف في الطائف سواء، فقال: «لا آكلها»، يعني زيد بن عمرو يقول للنبي ح: (1/41)
صفحة 42
لا آكل هذا اللحم الذي ذبح على الأصنام، وقد يكون ذلك اللحم الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم عقيقة ذبح على الأصنام، وقد لا يكون كذلك لأنَّه لا يستطيع التمييز بينها عند شرائها من السوق، وإنَّما الواقع أن قريشًا وثقيفًا كانتا تذبحان على أصنامهما، فزيدٌ هذا امتنع من الأكل من ذلك اللحم، وقال إنني أذبح شاتي بيدي وآكل منها، فالله تعالى هداه فثبت على عقيدة إبراهيم؛، إذ لا تزال قائمة في ذلك الوقت؛ وهنالك من يدعو إليها ولكنهم قلائل لا يُسمع إليهم بل يؤذون على ذلك، ثم بعد ذلك عاب الأصنام والأوثان ومن يطعمها ومن يدنو منها، وإطعامها يعني أنهم يصنعون طعاما فيضعونه عند أصنامهم وهذه الجهالات موجودةٌ منذ عهد سيدنا إبراهيم؛ إذ يتبرَّكون بذلك الطعام، ويزعمون أنَّ أصنامهم تأكل منها فيأكلون منه بعد ذلك زاعمين بركته، إضافة إلى من يتقرَّب منها بركوع أو سجود أو طواف أو حلف أو نذر أو استغاثة، فكلُّ ما يدفع بالإنسان ليدنو من هذه الأصنام يُعتبر شركا، والشرك ظلمٌ عظيم.
قال ح: «وَاللَّهِ مَا دَنَوْتُ مِنَ الأَصْنَامِ شَيْئًا حتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ» قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا لئلاَّ يتوهَّم أحدٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدنو من الأصنام قبل البعثة، فمحالٌ أن يكون من خلقه الله ليكون نبيئًا ورسولاً، ومن خير الناس والأنبياء والرسل ويدعه يعبد الأصنام، أبدًا لم يقع هذا، وقد قال ح: «أدَّبني رَبِّي فَأحْسَنَ تَأدِيبِي» (1).
معنى ووجدك ضالاً فهدَى:
__________
(1) أخرجه المتقي الهندي، كنز العمال، وأجمع على روايته من طريق: ابن السمعاني في أدب الإملاء، عن ابن مسعود. رقم:31895، 11/ 406، السيوطي، جامع الأحاديث، قال: لا يصح، وفيه مجهولون وضعفاء، رقم: 959، 2/ 88. (1/42)
صفحة 43
أمَّا قولُه تعالى في سورة الضحى:ژککککژ (الضحى:07) ووجدك ضالاًّ فهدى ليس معنى ذلك أنَّه ضالٌّ بعبادته الوثن أو شرب الخمر؛ فهذا مستحيلٌ أبدًا، وإنَّما ووجدك ضالاًّ بمعنى متحيِّرا بفكره أن كيف يدعو الناس إلى الإسلام، وكيف يخلص العبادة لله تعالى، وهو موقف وحدانيته وألوهيته، أمَّا الأعمال السيِّئة والمعاصي فمن بداية عمره لم يقترب إليها أبدا، وهذا هو معنى ووجدك ضالا فهدى، وانظر معي إلى ذلك التعبير الجميل "حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ" فلم يقل حتَّى نبأني الله، وأيَّة كرامة أعظم من هذه الكرامة.
وتتميمًا للفائدة أضاف أبو عبيدة فقال: «وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِحوَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقُرِنَ مَعَهُ إِسْرَافِيلُ ثَلاَثَ سِنِينَ»، وبعث بقوله تعالى:ژچچچ?????????? ژژssککککگگژ (العلق:1 - 5) وجاءته هذه الكلمات مع جبريل؛، ثم بعد مبعثه ونزول الوحي عليه انقطع عنه مدَّة ثلاث سنوات أو ثلاثون شهرًا، وفي هذه الفترة التي غاب فيها الوحي عنه قُرن به إسرافيل يوجِّهه ويسدِّده ولكن لا يأتيه بوحي، لأنَّها ليست مهمَّته، وإنَّما هي مهمَّة جبريل؛، فقلق النبي صلى الله عليه وسلم بعدم نزول الوحي عليه طيلة هذه المدَّة، ثم عذل عنه إسرافيل؛ وكلُّ هذا بأمر من الله تعالى وترتيب بديع منه، ليكون في انقطاع الوحي طول هذه المدَّة عن الرسولحاشتياق إليه.
ولما عاد إليه جبريل أتاه بقوله تعالى:ژ????????چچچچژ (الضُّحَى:1 - 3) واستمرَّ الوحي بعدها ينزل تباعًا دون انقطاع، عشر سنين بمكَّة وعشر سنين بالمدينة، والرسولحلما بعث إليه كان ابن أربعين سنة، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة إلاَّبضعة أيام، فيكون بذلك بين مبعثه وهجرته ثلاثة عشرة سنة، وبين هجرته ووفاته عشر سنين، فإذا طرحنا السنين الثلاث التي انقطع عنه الوحي فيها نجد أنَّ نزول القرآن عليه تمَّ في عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة بالتمام. (1/43)
صفحة 44
هذا ما كان من هذا الحديث الذي جاء حول الذبح على الأصنام، وهو مؤيَّد بما نزل من القرآن ژSSSSژ،ژپپپ??ژ (المائدة: 03)؛ أي لم يذكر اسم الله عليه عند ذبحه، وإنَّما ذُكر اسم مخلوقٍ آخر، كاسم صاحب قبَّة أو ما يُدعى بالشيخ فلان، أو سيدي فلان، أو الرسول الفلاني، وما إلى غير ذلك، ويعدُّ هذا فِسْقًا، وخروجًا عن طريق الإسلام، ولا يستقيم صاحبُه حتَّى يتوب ويرجع.
فلا يقولنَّ أحدنا: إنَّ الحديث كان عن الأصنام والأوثان التي كانت في ذلك العهد الغابر فقط، وإنّما القضية ما تزال تتكرر إلى يومنا هذا، فلقد ابتلي كثير من المسلمين ممن وُلدوا بعد فجر الإسلام، فلم يدركوا ما في الجاهلية من ظلمات وما في الإسلام من خير، فتجدهم يقومون ببعض الأمور التي ربما هي من صميم الشرك وهم عنها غافلون، وقد ورد حديث في ذلك رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه: «سيأتي زمان
يولد فيه أناس لا يعرفون ما كان في الجاهلية فيعملون بأعمالهم دون أن يشعروا بذلك» (1)، وهو ما يقع تماما.
__________
(1) لم نعثر على نص الحديث فيما بحث فيه من مظان، وينظر ما يقربه في المعنى ما أخرجه، أحمد، في مسنده، بلفظ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، قَالَ: "ثَلَاثٌ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُهُنَّ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: النِّيَاحَةُ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ، وَكَذَا" قُلْتُ لِسَعِيدٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ: يَا آلَ فُلَانٍ، يَا آلَ فُلَانٍ، يَا آلَ فُلَانٍ"» رقم 7560، 12/ 159. (1/44)
صفحة 45
ثم إنه قد يقع رفع الصوت باسم فلان عند الضريح أو القبَّة مع قول باسم الله بعد ذلك، فهذا لا ينفع، إذ إن اسم الله يذكر لوحده ولا يشرك معه اسم ولي قبله، ژ???????? ژژssککککگگگگ?ژ (الأنعام:121)، فلو أنَّ ذابحا قصد بذبحه وجه الله فلماذا يقصد تلك الأضرحة؟ فلا يدلُّ هذا إلاَّ على اعتقاده الباطل بأنَّ صاحب ذلك الضريح هو الذي سيقضي له مصالحه ويردُّ عنه الضرَّ ويجلب له الخير، ولذلك نذر له بذبح الشاة أو غيرها، أو يقوم بذلك إن قُضيت مصالحه أو منح له ما يريده.
فعلينا إن أردنا وجه الله في أيِّ ذبحٍ أو نذرٍ، فليكن في مكان آخر لا على الأضرحة ولا على النُّصُب، وإنَّما في الأماكن التي خصصت للتضحية حيث النظافة والمراقبة، أو في أيِّ مكان آخر ليس فيه شُبهة، حتَّى لا يشوب ذلك الذبح شائبة الشرك، مثلما ذكرنا في هذا الحديثواستفدناه منه، ونسأل الله السلامة والإيمان الصحيح، والحمد لله رب العالمين.
64) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالْجَهْلُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ» (1) (2).
ما جاء فيمن قال لأخيه يا كافر
__________
(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق15، مناقب 1، المغازي 74، ورواه مسلم في كتاب الإيمان 58، 87، 89، روواه أحمد في مسنده: 2/ 27، 319، 380 .. /42، 96.
(2) لم يعثر على شرح الحديث في المادة المسموعة في الأشرطة المتوفرة لدينا [فريق التحرير]. (1/45)
صفحة 46
65) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ لأَخِيهِ (1) يَا كَافِرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ قَالَ الرَّبِيعُ: اسْتَحَقَّ اسْمَ الْكَافِرِ دُونَ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَافِر» (2).
شرح الحديث:
كذلك في باب الكفر والإيمان جاء هذا الحديث محذِّرا عن التنابز بالألقاب، لا سيما لقب «كافر» و «فاسق»، فالرسولححريصٌ على أن تكون العلاقة بين المسلمين علاقة مودَّة وبرٍّ وتناصُح، وتكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بل وحتى في حالة مشاهدة مسلم وهو متلبِّس بكبيرة، والذي يعتبر بها كافرًا كفر نعمة، بالرغم من ذلك، لا ينبغي أن نقول له يا كافر، بل علينا أن نعظه وننصحه بالحسنى، كأن يقول له الناصح مثلا: يا أخي أنصحك بكذا، أو ما كان ينبغي أن تقوم بكذا، أو ألا تفعل كذا وكذا ... ، فلا فائدة من مناداة الكافر كفر نعمة بلفظ الكفر، ولو كان يستحقُّه، لأنَّ مناداته بالكفر لا يرجعه إلى جادَّة الطريق، بل يُضلّه أكثر عن الطريق السويِّ فيزداد بذلك إمعانا في كفره، ومن جملة إمعانه في الكفر بأن يردَّ على مناديه بالكفر "إنك أنت الكافر"، ظنًّا منه أنه يدافع عن نفسه.
__________
(1) * خ: المسلم.
(2) أخرجه البخاري، من كفر أخاه بغير تأويل، 6104، مسلم، بيان حال إيمان .. 111، أحمد، 5914، مسند عبد الله بن عمر. (1/46)
صفحة 47
لذلك جاء هذا الحديث الذي يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن طريق متَّصل، عن النبي ح قال: «مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا» فإن قال أحدٌ لأخيه المسلم يا كافر فردَّها عليه فلا بد في ذلك الحين أنَّ أحدهما كافر حقًّا، ولكن «الْبَادِئُ أَظْلَمُ» إشارة إلى أنَّ هنالك ظلمًا من الطرفين، فمن هو البادئ؟ طبعًا البادئ هو الذي يقول لأخيه أوَّل الأمر يا كافرُ، مثل ما هو شأن بعض نسائنا ـ هداهن الله ـ تقول لابنها الصغير دون أي معصية قام بها: «يا كافر» أو «يا يهودي» أو «يا نصراني» .. فهذا كله كفرٌ، فإذا دعا أحدهم أخاه بقوله يا كافر، فإنه ولا بدَّ أن يكون على إحدى الحالين؛ إمَّا أن يكون كافرا حقًّا، تاركا للصلاة أو شاربا للخمر، أو قاتلا أو ظالما، أو حتَّى كفر شرك، منكرا لما عُلم من الدين بالضرورة،
وإمَّا أنه لا يستحقُّ هذا اللقب تمامًا، لأنَّ مناداته به لمجرد نزوة غضب وانتقام للنفس فقط، أومشاتمة ومقاتلة له، وهو لا يستحقُّ هذا اللقب لا لكفر نعمة ولا لكفر شرك. (1/47)
صفحة 48
ففي الحالة الأولى التي يستحقُّ فيها المنادى ذلك الاسم لأنه حقًّا كافر كفر نعمة حين شرب الخمر أو أتى الزنا أو غيرهما، فالذي قال له يا كافر هو صادق في قوله، والعاصي هنا قد باء بالكفر، لأنَّه البادئ بالمعصية، وعمل ما يستحق به هذا الاسم، ومثل ذلك أيضًا الذي يرى الناس قد قاموا للصلاة ولا يقوم هو إليها، فإنه يمكنك أن تقول له قم يا كافر فإنك لم تصلِّ، وهذا حقٌّ وصواب (1)، فلم يقلحفقد كفر الاثنان، وإنما كفر أحدهما والبادئ أظلم، يعني الذي ترك الصلاة فاستحق أن ينادى بالكافر.
وفي الحالة الثانية، فإنَّ الذي نودي يا كافر لم يقم بتلك الكبيرة، والذي ناداه بذلك هو الكافر حقًا لأنه كفَّر أخاه الذي لا يستحق التكفير، فقد كفر بدعوته أخاه باسمٍ هو منه بريء، لمجرَّد إغضابه إيَّاه أو لأيِّ سبب آخر، ولئن ردَّ على الذي ناداه بالكفر بأنه هو الكافر فهو محقٌّ في ذلك، فالبادِئ هو المكفِّر أخاه بغير سبب، وأمَّا الثاني فهو صادقٌ بقوله للأول أنت الكافر، وليس معنى ذلك أنه كفَر بمعصية ما، وإنما كفر بمجرد قوله للثاني: يا كافر.
أمَّا بالنسبة لقولهح: "والبادئ أظلم" يشعرنا أنَّ هنالك ظلما من الجانبين، وإنما هو قوي في جانب دون آخر، والأظلم منهما هو الذي يستحقُّ الكفر، أمَّا الظالم فلا يستحق الكفر، وإنما يأثم بذلك الظلم.
أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة:
__________
(1) ملاحظة للتأكيد: لا يكون إطلاق صفة الكفر على غير المصلِّي إلاَّ بعد تحرّي سبب عدم صلاته، والتأكُّد من عدم وجود عذر أو مانع مقبول شرعا لعدم أدائه الصلاة في وقتها، فيستحق بذلك صفة الكفر، وظاهر أن الشيخ يقصد بقوله هذا المعنى [فريق التحرير]. (1/48)
صفحة 49
هب أنَّك رأيتَ مسلمًا ضيَّع صلاته أو قام بارتكاب كبيرةٍ ما فليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن تناديه من أوَّل الأمر يا كافر، ـ ولو كان يستحقّ التسمية ـ وما ألجأك إلى هذا الأسلوب الذي لا تدعوه فيه إلى الخير بل تُنفِّره به من الإسلام، بل وتقوم بنوع من الظلم، فليس كلُّ من كفر تقول له يا كافر أو كلُّ من فسق تقول له يا فاسق، وإنما عليك أن تناديه يا أخي المسلم، إني أنصحك بأن تبتعد عن هذا العمل الذي سيؤدِّي بك إلى الهلاك، فمن واجبي نصحُك بالقيام بما عليك من فرائض أو الانتهاء عن المحرمات، فتُب إلى الله وقاطع الشيطان الذي غرَّر بك، .. وبمثل هذا يمكن أن تؤلف قلبه فيرجع سريعا ويعترف بأنَّ الشيطان أغواه أو نفسه وسوست له بهذا العمل، فيتوب إلى الله وتردّه بذلك إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، من غير ظلم ولا تكفير، ولو قد وقع هذا المخطئُ في الكفر من قبل، ولكنك أنقذته بمجرد سقوطِه فيه فأخذت بيده، مثلمايحصل الأمر في الإنقاذ المادي حين يسقط أحدهم في بركة ماء أو وحل فتسارع إلى الإمساك بيده فتنقذه، أمَّا إن سقط فزدته إغراقا ودفعته إلى الهلاك، فلربما قد يتشبث بك ويجذبك معه إلى الغرق فتهلكون جميعا، فلا شيء أفضل من الحكمة والموعظة الحسنة.
لا ينبغي أن نردّ السيئة بمثلها:
أمَّا الذي ردَّعلى الذي ناداه في الأول بـ «يا كافر»، وهو لا يستحقُّ هذا الاسم، فما كان ينبغي له ذلك أيضًا أن يردَّ بمثل ذلك، بل عليه أن يعامله هو الآخر بالحلم والحكمة، فيدفع بالتي هي أحسن، فإن قلت له «يا كافر» مثلا: فيقول لك بماذا أكفر (1/49)
صفحة 50
والعياذ بالله، ماذا فعلتُ؟ انصحني إن كنت عملتُ معصية. أمَّا ردُّه بنفس ما قيل له كأن يقول: «بل أنت الكافر»، ففي هذا انتقامٌ للنفس وفيه شطط، وغضب، والغضب يؤدي إلى النار؛ «مسكين ابن آدم إذا غضب غضبةً وثب وثبة يوشك أن يقع بها في النار» (1) فإن قلت لك: «يا كافر» فاسأل وماذا صنعت؟ فإن كان الذي صنعتَ يُكفِّرك فتب إلى الله، وإن كنتُ أنا الذي كفَّرتك بغير موجب فسأتوب إلى الله تعالى. إذن فهذه المجادلة وهذه الملاحاة باسم الكفر يجب ألاَّ تكون بين المسلمين بعضهم بعضا، سواء أكانت بمعصية أم بدونها، لأنَّها توصل إلى العناد، والشيطان يفعل فعلته بالنفخ بين العباد، ولذا عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم "بالبادئ أظلم"، ولم يقل البادئُ هو الظالم، يعني أنه لم يحصل الظلم على أحدهما فقط لأنه هو الظالم، بل عليهما جميعا، وهي إشارة إلى أنَّ هذه الملاحاة وهذه المعايرة وهذا الترامي بالألقاب، ماكان ينبغي أن يكون بين المسلمين، ولو في حال وقوع معصية، بل ينبغي أن يكون بينهم التناصح بلطف.
حكم لعن غير المستحق للعن:
وهنالك مسألة أخرى كثيرًا ما تقع بين الآباء والأطفال الصغار، بل وحتى مع الدواب التي نستعملها؛ حين نرميهم بكفر أو تهويد أو تنصير في حين هي لا ذنب لهم ولا يجوز أن نُعيِّرهم بذلك، وبالأخص كثيرًا ما يقع مثل هذا بين الأمهات وأبنائهن، لأنَّ الرجال يربّون بأسلوب آخر وهو العقاب إن لزم الأمر، وعادة ما يهاب الولد
__________
(1) أخرجه الغزالي، أبوحامد، إحياء علوم الدين، بلفظ: «قال الحسن: يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في النار»، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد، 3/ 165. (1/50)
صفحة 51
من والده؛ أمَّا الأم فبدل أن تضربه شفقة به تلجأ لسبِّه، متناسيةً أن ذلك السبَّ يفسده أكثر مما يُصلحه، فتلعنُه وتلعن أهله وجدودَه وقبيلته، مع أنَّ هذه الألفاظ البغيضة، لا ينبغي أن تُقال بتاتا! واللعن معروفٌ في وسط النساء منذ القديم، ولهذا حذَّر منه الرسولحبقوله: «تصدَّقنَ مَعَاشِرَ النِّسَاءِ فَإنِيِّ رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»، فسألتهإحداهن ممن تجهر بقولها: لماذا يا رسول الله؟، ـ فهي لا تخاصم ربَّها وإنما تسأل عن السبب ـ، فقال: «لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (1).
واللعنة إن صدرت من إنسان فلا بدَّ أن تصعد إلى السماء ثم تنزل إلى الأرض؛ فإمَّا أن تنزل على الملعون إن كان أهلاً لها وممَّن يستحقُّها، وأمَّا إن كان الملعون لا يستحقُّها فسترجع على قائلها، ولن تذهب تلك اللعنة هباء.
والأطفال الصغار دون البلوغ لا يستحقُّون اللعن وهم ليسوا أهلا له وقد رُفع القلم عنهم، ومن حلَّت عليه اللعنة فهو في غضب الله ثم جهنم ـ والعياذ بالله ـ إلاَّ إن تاب وكفَّر عن ذلك، إذن فليحذر النساء من هذا وكذلك الرجال أيضا.
حكم سب الدين في الإسلام:
هذا عن لعن العباد فيما بينهم، لكن ماذا عن لعن الدين ـ والعياذ بالله! ـ والدين عند الله الإسلام، فمن لعن الدين فقد لعن الإسلام، فكيف سيكون الحال أيضًا بمن
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: باب ترك الحائض الصوم، بلفظ: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ... » رقم: 304، 1/ 68. (1/51)
صفحة 52
يلعن ويسبُّ الخالق جلَّ وعلا سبحانه! إذ لولا حلمه ورحمته تعالى لأنزل صاعقة في حينها تحرق كلَّ من يسبُّ الله تعالى مثلما يُرسل شُهُبه على الشياطين، ولكن الله حليمٌ يعلم ضعفنا وثوران غضبنا وسطوة نفوسنا، وليس معنى ذلك أن الذي يسبُّ الخالق إن لم يُصَب بشيء فيفرح ويزهو بنفسه، فليعلم بأنه لا بدَّ أن يعاقبه الله في الدنيا والآخرة إن لم يتب، فإن تاب فلعل الله تعالى سينجيه من عذاب الآخرة، ومثل هؤلاء الذين يسبُّون الخالق ويتجرَّؤون عليه لا يملكون ـ قطعا ـ مثقال ذرَّةٍ من إيمان، بل ولو كان السبُّ قريبًا أو شبيهًا بسبِّ الخالق مثلما يقول بعضهم بكلمة «كذا وكذا رَبَّك»، في حال الغضب أهو يسبِّح الله بذلك أم يسبُّه؟، ـ حاشاه ومعاذ الله ـ، ومن سبَّ الله فكأنَّما أعلن العداوة والحرب عليه، ولهذا وجب أن نُطهِّر ألسنتنا من مثل هذه الكلمات السيئة وكذا ألسنة أبنائنا، فنعزِّرهم ونربِّيهم ونشوي لحمهم شويًا على مثل هذه البذاءات، ليدركوا عظمة ما يصدر منهم تجاه الخالق ربهم، الذي سيعذبهم ويدخلهم نار جهنم، إن لم يرتدعوا.
التحذير من كفران العشير:
نعود إلى قوله: «ويكفرن العشير» إذ لم يقل الرسولح"الزوج" وإنَّما قال العشير، وقصد به كلُّ من تعاشره المرأة من زوج أو أب أو أم أو أخ أو أخت، فحين يقدَّم لها الخير الكثير ولمدَّة طويلة من غير تقصير في حقِّها، ويأتي يوم فتقول له: "لم أر منك خيرًا قطُّ" وتنكر ما سبق كلِّية، فوقعُ هذه الكلمة عميق وخطير في قلب من يحسن إليها، كمثل خنجر طعن في القلب مباشرة، فهل يعقل أن يكون فضل عشر سنين أو عشرين أو أكثر أو أقل يهرق في لحظة بسبب خطإ أو تقصير، فلتحذر النساء من هذا وليكنَّ مسلماتٍ حقًّا حتَّى ينجَينَ من نار جهنم بابتعادهن عن هاتين الخصلتين (1/52)
صفحة 53
السيِّئتين اللتين هما مما يشيع بين النساء، ويجعلهن أكثر من يدخل النار، فالرسولحهنا لم يظلمهمنَّ بأن قال: أنتنَّ في النار أيتها النساء وفقط، وإنما بيَّن السبب، لكي يحذر النساء من اللعن مطلقا.
وإنَّ من النساء من يلعنَّ أزواجهُنَّ ولا يعلمن أنَّ هذه موبقة كبيرة جدًا، فلو أن السجود جائزٌ للمخلوق لأمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تسجد لزوجها عند قدميه كلما دخل البيت، غير أنَّ السجود لا يجوز في هذه الملَّة لغير الله، ولا يجوز لعن الزوج حتَّى ولو أنه أتى عملا يستحقُّ اللعن، لأنَّه زوج لها، فإن استطاعت المرأة أن تعِظه فذلك خير، مثلماهو شأن بعض الصالحات المؤمنات، حيث أنقذن أزواجهن من قعر بئر الهلاك، أمَّا إن لعنته فإنه سيلجُّ في المعصية أكثر، ويقتحم معاصي أخرى ربما لم يقترفها من قبل، بسبب ذلك اللعن، وستتحمَّل المرأة معه الوزر.
ألا فلتعلمي أيتها الزوجة أنَّ الدنيا أحيانا سعادة وأحيانا نزاع ومشاكل، فإن حصل وقصَّر الزوج بعض الشيء في حقِّك في عيد أو عرس أو موسم ما، فاعذريه وقولي له بارك الله في رزقك، فما بأيدينا سيكفي، والله سيجود ويخلف عليك، وإن لم تستطع اليوم، فستسطيع غدا وهكذا، .. فبمثل هذا يتصرَّف نساء الجنَّة حيث يجبُرن النقص الموجود في الرجل، ويشكرن النعمة، والمرأةُ التي تشكر نعمة زوجها فهي بالتّبع تشكر نعمة
الله عليها، «مَنْ لاَ يَشْكُر النَّاسَ لاَ يَشْكُر الله» (1)، والعكس أيضًا؛ إذ من يشكر الناس أحرى بأن يشكر الله تعالى.
__________
(1) أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، رقم: 1954، 4/ 399.وأخرجه أبو داود في سننه، باب في شكر المعروف، رقم:4811، 4/ 255. (1/53)
صفحة 54
فإن كان هذا في النساء، فكذلك في الرجال فيمن يُكثِر منهم اللعنَ ويكفُر العشير، فهم في النار أيضًا، مثل ما نصَّ به الحديث، فهو في النساء أكثر نعم، لكن لم يستثن الرجال منه مطلقا، وليحذر الجميع من اللعن والتكفير، وكذا التنابز بالألقاب: يا كافر، يا لعين، يا فاسق، سواء التي تكفِّر الإنسان أو التي تجرحه وتنسبه إلى النقص، فلا ينبغي أن يكون بين المسلمين الملاحاة في التكفير، بل يجب أن يحلَّ بدلاً عنه التناصح والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
((((
ما جاء في إحباط العمل بالرياء
66) أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الرِّيَاءُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ كَمَا يُحْبِطُهُ الشِّرْكُ» (1).
شرح الحديث:
نختم باب الكفر والشرك بهذا الحديث وهو حديث الرياء، وأنه يُحبط العمل كما يُحبطه الشرك، أي يُفسد العمل الصالح ويجعله هباءً منثورًا لا وزن له عند الله كما يُفسده الشركُ، ويسمَّى الرياء أيضا بالشرك الأصغر، فالشرك الأكبر هو الشرك بالله إمَّا شرك جحود وإمَّا شرك مساواة، والرياء يسمى بالشرك الأصغر لأنَّه لا تترتَّب عليه أحكام الشرك الكبرى من تحليل الدم والسَّبي، وما إلى ذلك، ولكنه يفعل بالعمل ما يفعله الشركُ الأكبرُ حيث يُفسده.
__________
(1) الحديث مما انفرد الربيع بروايته. (1/54)
صفحة 55
والرياء هو أن تعمل العمل ولا تريد به وجه الله، وإنَّما تريد به المباهاة والسمعة والمفاخرة بين الناس، فهذا هو الرياء الكبير، والرياء الصغير هو أن تعمل العمل لله وتريد معه مقالة الناس وسمعتَهم وشكرَهم، بل وحتى وإن لم يشعروا بذلك يقوم المرائي بلفت نظرهم إليه، سواء في صلاة أو صوم أو زكاة أو حجّ، فكذلك هذا مُفسد للعمل لأنَّ الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، والحديث يقول: «إنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ».
وقد وصف الله تعالى المنافقين بالرياء لأنهم يصلُّون ويتصدَّقون لأجل أن يراهم الناس، ژ??چچچچ?????????? ژژژ (النساء: 142) وكذلك في سورة الماعون:ژSSSS????????????????چچچچ????????ژالماعون: (1 - 7) وصفٌ للنفاق، ووصفٌ للنفس التي لم يتمكَّن فيها الإيمان.
التحذير من المنِّ بالصدقات:
ولذلك ضرب الله مثلا للرياء بشيئين اثنين، أحدهما: يمثّلِه بالنسبة للنفس والقلب، والثاني بما سيجد المرائي يوم القيامة في قوله تعالى: ژ??????????????????????????????????????????ژ (البقرة: 264).
هذا هو الصنف الأوَّل من الناس حيث حذَّر المؤمنين بعدم المنِّ على من يحسنون إليهم بإطعام أو إعانة أو رفادة، فيقول المتصدِّق للمتصدَّق له مثلا: لولا أننا تصدقنا عليك وأطعمناك ونفعناك لمتَّ جوعًا وفقرًا، ـ هذا في وقت الرخاءـ، أو في وقت الشدَّة والغضب يقول له: لا خير فيك دائما ننفق عليك ونعينك، ومع ذلك لم تقف معنا في
عمل، أو أي حاجة أخرى. فهذا هو المنُّ والأذى، والتصدُّق لغرض الدنيا، ومن صُورِه أيضا أن يماطل المتصدِّق مستخدمه الذي كان ينفق عليه فلا يطلب أجرته، ويقول في نفسه كيف أطلبه وهو دائما ينفعني ويعينني بالصدقة أو الكفارات أو الزكوات، فهنا قد آذاه بالعمل. (1/55)
صفحة 56
ومنه كذلك أن يؤذيه بالكلام، حيث ينفق عليه سرًّا ثم يجهر بتلك النفقة أمام الناس فيشير إلى أنِّي قد أعطيتُ فلانا شيئًا، ليعلم الناس بتصدُّقك عليه، وهو بطبيعة الحال يستحيي ويتأذَّى بذلك، فليس هو بالمسكين الذي يظهر مسكنته ليرجو معونة الناس، بل كان ممن يستُر فقرَه ولا يُظهره للناس، وممن يتجمَّل ويستر حاجته عن الناس تجمّلا وحسن ثقة بالله أنه هو رازقه، فإن أعطي له شيء فرح به، وإن لم يعط لا يطلب الناس جهرًا. فمثل هذا العمل من المنِّ والأذى يُبطل أجر الصدقة العظيمة والأجر المضاعف له عند الله والذي يضاعف أضعافا كثيرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فالله يُخلف على المنفق في الدنيا ويكتب له الأجر المضاعف يوم القيامة.
جزاء المُرَائينَ المُمتنِّين بصدقاتهم:
فمثله عند الله تعالى كما وصفه في الآية: ژ??????????ژ (البقرة: 264) والصفوان: هو حجرٌ صلبٌ كبير ترسَّبت عليه التربة والطين من جرَّاء ريح أو سيل، وربما نبت فوقه نبات أو زهور، ولكن هذا النبات لم يكن متمكِّنا في الأرض ضاربًا جذوره فيها، بل بقي فوق تلك الصخرة فقط، فهذا مثل لما هو عليه عمل الذي لم يصدر عن إيمان راسخ في القلب، ورجاء في الله تبارك وتعالى والدار الآخرة، وإنما كان رياء للناس فقط، فعند مجيء الوابل من المطر يجرف
الأرض وينزع كلَّ ماكان على تلك الصخرة، ويغسلها غسلا، فيذهب بذلك كل ما على ظهرها ولا يبقى منه شيءژ???????ژ (البقرة: 264) فهم لا يقدرون على إمساك ولا تثبيت شيء مما كسبوا، فمثله مثل الرياء وهو مطابق ومفهوم جدا، ژ?????ژ (البقرة: 264)، والقوم الكافرون سواء هم القوم الذين كفروا بالله ولم يؤمنوا به الإيمان الحقيقي، أو القوم الذين كفروا بنعمة الله فلم يشكروها الشكر الواجب، فالكفر نوعان: كفرُ شركٍ و كفرُ نعمةٍ.
جزاء الذين لا يُراؤون بأعمالهم: (1/56)
صفحة 57
ثم بعد ذلك يقول تعالى: ژ?????پپپپ????????????SSSS????????????????چچچچ?????????? ژژssککککگژ (البقرة:265 - 266) أعطانا الله مثالا لمن ينفقون أموالهم رياءً، وأعطى لنا بعد ذلك مثالا آخر لمن ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله، ولا ينتظرون شكرا من الناس، ـ سواء أكان الأمر في باب الصدقة أم الصوم أم الحج أم العمرة أم قراءة القرآن، أم تعلُّم العلم وغيرها من أبواب الخير، ـ يبتغون بذلك وجه الله تعالى، لأنَّهم محسنون، "والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فمن كان يعبد الله كأنه يراه فسيصرف نظره عن الناس أبدًا، فلا يضع معيارًا لرضا الناس وينظر إلى الله بعيني
قلبه وإيمانه، لا بعينيه المجرَّدتين.ژپپ?ژ أي أنَّ العمل نابع من خالص النفس ومن قرار القلب الممتلئ بالإيمان ومحبة الله وتعظيمه ومراقبته. فمثل هذا العمل يكون له جذوره في النفس المؤمنة والقلب المستبصر، لا كالصفوان الذي لا تمتدُّ فيه الجذور.
ژ??ژ: أي مثل حديقة؛ وسُمِّيت جنَّة لأنها تجِنُّ من بداخلها، وتُخفيه من كثرة الظلال والأغصان، وتجنُّه حتَّى عن الشمس.ژ?ژ: يعني بمكان مرتفع لأنَّ جنات الربى دائما أحسن حالا من جنات الوهاد، من حيث الثمار والهواء النقي والشمس الدافئة.ژ??ژ: أي أنعم الله عليها بمطر غزير يتعاقب عليها كلَّ مرَّة، ژ???ژ: أي مرَّتين من الأثمار الكاملة اليانعة.ژ???SSSژ: الطلُّ هو المطر غير الغزير، ولكنه يكون مستمرًّا لمدَّة طويلة يتغلغل فيها إلى الأعماق، وعندما تكون الجنَّة بربوة فإنه يكفيها ذلك الطلُّ لتغدو طيِّبة خصبة، بل حتَّى رطوبة الجو تكفي في بعض الأماكن عن سقي الغلال. ژS???ژ: أي مُطَّلع على قلوبكم وأعمالكم، بمعنى إن قصدتم وجه الله بأعمالكم فالله مطَّلع عليها، ولا يخفى على الله شيء. (1/57)
صفحة 58
كما جاء في حديث آخر «نَقِّ عملك فإنَّ الناقد بصير» (1)، أي أخلوا أعمالكم من الرياء والشبهة لأنَّ الناقد الذي سينقده يوم القيامة بصير، والناقد هو الصرَّاف الذي
ينقد الدراهم والدنانير ليظهر صحيحها من مزيَّفها، إن كانت من الذهب أو الفضة الخالصة أم أنَّها مزيفة، أما النَّاقد يوم القيامة فهو الله تعالى، وهذا هو المثال الثاني الذي وصف به المخلصين المنفقين ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم، تكون جنَّتهم وافرة الأشجار والثمار، وإذا أصابها وابلٌ فيزيدها ثمارًا، بعكس الوابل الذي يصيب الصفوان فيجرف كلَّ شيء معه، ففي الأولى أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، وفي الثانية أصابها وابل فتركه صلدا، ففي هذا عبرة عن الخير الكبير الذي يؤتى لمن ينفق ابتغاء وجه الله، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكورًا.
التحذير من مُحبطات الأعمال:
ثم أعطى الله تعالى لنا مثالا آخر فقال: ژ????????????چچچچ?????????? ژژssککککگژ (البقرة:266). مثال جميلٌ عن إنسان له جنَّة غنَّاء فيها من وسائل الحياة كل شيء من ماء وعيون وأنهار ووسائل، وهو كبير السنِّ وأبناؤه صغار، فهو لا يَعتمد في معاشه ـ بعد الله تعالى ـ إلاَّ على هذه الجنَّة، فأصابها الله تعالى بإعصار فيه نار أتى على الأخضر واليابس فأحرقها جميعًا، ولم يبق منها إلاَّ الأرض والرماد، فكيف يكون حال هذا الشيخ الكبير وأبناؤه الضعفاء، إنَّ هذا هو مثل من يظن أنه يصليِّ ويصوم ويتصدَّق ويحجُّ في الدنيا، وحين يصير إلى الله تعالى يوم القيامة، يجد ما كان يتمنى أن يراه كجبال من الحسنات، قد زال وتآكل، كما يأكل السوس الثمار المخزنة في المخزن.
__________
(1) ينظر: الديلميّ الهمذاني، الفردوس بمأثور الخطاب، بلفظ: «يَا أَبَا ذَر جدِّد السَّفِينَة فَإِن الْبَحْر عميق، وخفّفِ الْحمل فَإِن السَّفَر بعيد، واحمِل الزَّاد فَإِن الْعقبَة طَوِيلَة، وأخلِص الْعَمَل فَإِن النَّاقِد بَصِير» 5/ 339 .. (1/58)
صفحة 59
قال الشيخ أبو خليل الدركلي ـ رحمه الله ـ عندما كان يمدحه أبناؤُه على الأعمال الجليلة:"إنِّي أخاف من المخزن أن يكون أكله السوسُ" وسوسُ الأعمال هو الرياء والمن والأذى. فيوم القيامة لا يجد المرائي من عمله أيَّ شيء، ولا يمكن أن يستدركه من جديد، أو يطلب من الناس أن يمدُّوه بحسناتهم، ولا حتَّى أن يعود إلى الدنيا، فلا هذا ولا ذاك، فيحيق به الإفلاس الحقيقيُّ والعياذ بالله، وهذا هو وجه مقارنة قوله تعالى: ژ?????ژ، إذ لَمَّا احترقت جنَّة الرجل لم يبق له قوَّة تمكِّنه أن يخدم بها أرضه بعد ذلك، وكذلك الشأن للمفلس يوم القيامة، وهذا هو وجه الشبه بين الصورتين، فلا إفلاس ولا غبن ولا خسارة أعظم من هذا المثال. فهذا مثالُ من يعمل الأعمال لغير الله ويأتي يوم القيامة فلا يجد منها شيئا.
إذن فهاتين الصورتين تبيِّنان لنا معنى حديث الباب «الرياء يُحبط العمل»، يفسده ويبطله، وحين يكون صاحبه أحوج ما يكون إليه فإنه يجده مفقودًا، ولا يستطيع استرجاعه، فيخسر بذلك الخسارة الأبديَّة.
فالرياء يحبط الأعمال كما يحبطها الشرك، ولذلك علينا معاشر المسلمين نتَّقيَ الرياء ونعمل أعمالنا خالصة لوجه الله الكريم، ولا يهمّنا شكر العباد ولا ذمّهم، فلا ينبغي أن نزيد في حجم العمل لأجل مدح من العباد، ولا ننقص منه من أجل ذمهم، فالصبر على هذا الأمر صعبٌ في حقيقة الأمر، غير أنه يصبح يسيرًا عندما يجاهد أحدنا نفسه، والله تعالى يوفِّقه ويلهمه ويملأ قلبه بمحبته، وبإرادة وجهه الكريم ژ??????ہہہہژ (العنكبوت: 69) نسأل الله أن نكون من المحسنين والحمد لله رب العالمين.
باب
في الحُبِّ
[صفحة بيضاء]
ما جاء في حبِّ الله لعباده (1/59)
صفحة 60
67 - أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أَحْبَبْتُ عَبْدِي فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» (1).
شرح الحديث:
ننتقل من باب الكفر والإيمان إلى باب الحب، والمحبَّة طبعا تتقيد بالدين، إذ خلق الله تعالى المحبَّة في قلب الإنسان لا لتكون شهوانية بهيمية تتبع الشهوة والهوى، وإنما خلقها لتكون روحانية تسير بسير الإيمان في القلب كما قالح: «من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل خصائل الإيمان» (2).
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب: "بدء الخلق"، باب: "ذكر الملائكة"، رقم: 3037، وعبد الرزاق، المصنّف، كتاب: "أهل الكتابين"، باب: "إذا أحب الله عبدا أثنى عليه الناس"، رقم: 19673. الرواية الثانية "أحببه". ورواه مسلم: كتاب البر 157، ورواه الترمذي في تفسير سورة 19/ 7، ورواه مالك في الموطأ في كتاب الشعر: 15، ورواه أحمد 2/ 267، 341 .. 5/ 263 ..
(2) رواه أبو داود، السنن، بلفظ: «استكمل الإيمان»، باب: "الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"، رقم: 4683، والطبراني، المعجم الكبير، رقم: 7613، 08/ 134 .. (1/60)
صفحة 61
فمن أحبَّ لله ووضع حبَّه في المكان الذي وجب أن يكون فيه، في حبِّ من أطاع الله واتَّبع سنة نبيهح ولو كان من البعداء، وجعل بغضه في الَّذين لم يطيعوا الله ورسوله ولو كانوا من الأقرباء، فيكون مقياسه في المحبَّة هو التقوى والإيمان، وفي البغض الكفر والفسوق والعصيان، لا لاعتبار الشهوة أو الهوى أو القرابة، فهذا هو الحبُّ المحمود الذي يحبُّ الله به أصحابه، ويعطي لهم به أجرًا عظيما:ژSSSSژ (التوبة:07)، فقد جعل الله تعالى محبّته للمتقين المراقبين الله بتقواهم، وقد قال في آية أخرى: ژ????????????چچچژ (آل عمران: 31)، فالله تعالى جعل محبَّته للذين يتبعون رسول اللهحوجعلها جزاء شرطٍ، أي شرط الاتباع، أمَّا أن يدَّعي أحدنا أنه يحبُّ الله ولكنه يعصي رسوله حفهذا حبٌّ كاذب، لأنَّ محبَّة المؤمن لله محبَّة متمكِّنة متركِّزة في القلب، عنوانها الاتباع، ژچ?????????? ژژssکژ (البقرة: 165). قارن الله تعالى في هذه الآية بين من يتخذون من دون الله أندادًا وشركاء، وبين من يوحِّدونه، والندُّ هو الشريك والمقابل والضدُّ والمماثل والمُشاكل، فرغم أنَّ هؤلاء المشركين يحبّون الله ولكنهم يتخذون معه شركاء وشفعاء يقربونهم زلفى، فالله تعالى لا يرضى بهذا الحب، بأن تتخذ أندادًا بمنزلته، فيحبونهم كحب الله.
قال ژ ژژssکژ أي أشدُّ حبًّا لله من هؤلاء الذين يتَّخذون من دون الله أندادًا، لأنَّ محبَّتهم خالصة، أولا: فيها توحيد لله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء، وثانيا: هم يحبون نبيَّه ويتَّبعونه، وذلك هو عنوان المحبَّة ومصداقه ومظهره.
وفي هذا الحديث يروي أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي ح يعني بطريق متَّصل، وهذا الخبر خبرٌ غيبيٌّ لا يقوله إلاَّ نبيّ مُرسل فقط، لأنه من ملكوت الله تعالى. (1/61)
صفحة 62
قال: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا» وكلُّنا عبادُ الله وإماؤُه، سواء أكان هذا العبدُ رجلا أو امرأة، لأنَّهما يستويان في محبَّة الله تعالى، وفي الأجر والجزاء والقربى، فلا فضل لأحدهم على الآخر ژ ژژssککککژ (النحل: 97). فبعدها ينادي الله تعالى جبريل؛ أمين الله في السماء، ورسوله إلى الأرض بالوحي والرحمات والنقمات في بعض الأوقات، وقد سماه الله تعالى أمينا: ژ?????ںں??????ہہہژ (التكوير: 19 - 21) فهذه الأوصاف لجبريل؛؛ مكينٌ عندالله وفي السماوات، وأمين الله على وحيه في السماوات وفي الأرض، فيقول الله تعالى: «يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أَحْبَبْتُ عَبْدِي فُلاَنًا» وفي رواية «فأحبِبه» والمعنى واحد، ففي نفس اللحظة يحبُّ جبريل ما أحبَّ الله تعالى، لأنَّ الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يومرون، لا كحالنا نحن فإن قيل لنا فلان متَّق لله أو عاصٍ لله، لا نسلِّم بذلك مباشرة وإنما نراجع عقولنا أوَّلا. أمَّا الملائكة فقد يكون الأمر ليس تشريعيا فقط بل قدريًا وتكوينيًا، وهذه المحبَّة لا تنقطع يوما فتصبح بغضاء مثلا أو عداوة، بل تبقى سعادة دائمة.
وإنما فسَّر العلماء هذه المحبَّة بإرادة الخير والتوفيق والهداية، يعني «إذا أحبَّ الله عبدًا» أي إذا أحبَّ هدايته وتوفيقه وسعادته، لا بالمحبَّة العاطفية كما نفهم نحن ـ حاشاه أن يتَّصف تعالى بأوصاف البشر ـ يعني يحبّه محبةً تليق بجلاله، لا كمحبتنا التي تتخلَّل
القلب والعروق والأعصاب. ومحبَّة جبريل الذي هو من الملائكة، تحتمل أيضًا معنى الدعاء والاستغفار لذلك المحبوب. (1/62)
صفحة 63
«ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ» التي تكون مكتظَّة بالملائكة على امتداد السموات السبع، إذ إنَّها ملئت صفوفا كصفوفنا للصلاة، فمنهم قائم حتَّى تقوم الساعة ومنهم راكع حتَّى تقوم الساعة، ومنهم ساجدٌ حتَّى تقوم الساعة، يعني كهيئات أعمالنا في الصلاة ومنهم مرخيَّة أجنحتها لجلال الله تعالى ژ??????????????????ژ (النجم:26)، فينادي جبريل أهل السماء حتَّى يسمعونه كلهم: «أَلاَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا»؛ وطبعا يعرِّفه تعريفًا كاملا حتَّى لا يقع إشكال بينه وبين غيره، وربما تتمثل صورته في ذلك التعريف. «فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ»؛ فيحبونه جميعا. فيُحبَّ إذن محبة ثالثة كذلك لا تحول ولا تزول إلى أن تصعد روحه إلى السماء، وعندها تُفتح له أبوابها فيقولون له: «أبشر بخير فقد أحبَّك الله» لأنهم يعرفونه منذ نداء جبريل؛ فيهم ولأنه ممن أحبَّ الله تعالى.
«ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» في قلوبهم، وخاصَّة قلوب المسلمين والمسلمات، بل ربَّما حتَّى الكافرين، يوقِّرونه ويهابونه ويحترمونه ولا يدرون لماذا، لأنَّ الله وضع له القبول في قلوبهم.
«وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ»، يعني ينادي الله تعالى جبريل؛ أن قد أبغضتُ عبدي فلانًا فأبغضه يا جبريل، فيبغضه، ثم ينادي جبريل في أهل السماوات إنَّ الله أبغض عبده فلان ـ أو أَمَتَه فلانة ـ فأبغضوه، فيبغضونه فيوضع له البغضُ في قلوب أهل الأرض، نسأل الله السلامة والعافية. فهذا من شؤون الله تعالى لأنَّه إن (1/63)
صفحة 64
أحبَّ عبدًا فقد أحبَّه من يوم خلقه، وإنَّما هنالك أجلٌ عندما يصل فيه ذلك الإنسان فينادي الله في أهل السموات، وذلك الأجل لابد له من سببٍ من ذلك العبد، إذ جاء في حديث قدسي آخر: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ... » (1) إلى آخر الحديث، فالله أحبه من أول الخلق فهداه ووفقه لأنَّ محبَّة الله لا تنقلب فهو من أول يوم كتب عليه شقي أو سعيد، وقد قال الشيخ أبو نصر: في نونيته المشهورة:
أَحَبَّ أناسًا لم تَضُرْهُم ذُنُوبُهمْ وَأَبْغَضَ قَوْمًا عِندَنَا هُمْ ذَوُو حُسْنِ (2)
__________
(1) رواه البخاري، في صحيحه، باب التواضع، رقم: 6502، 8/ 105. ورواه أبوداود، كتاب الزهد، باب بسم الله الرحمن الرحيم، 1/ 33.
(2) أبو نصر: متن النونية، تحت عنوان: التوفيق والخذلان، ص16. البيت الخامس. ومكان "أناسا" "عبادا". (1/64)
صفحة 65
يحبُّ أناسا لم تضرهم ذنوبهم أبدًا، لأنَّه تعالى يعلم أنهم بعد معصيتهم سيتوبون فأحبهم تعالى، وأبغض أناسا هم ذوو حسن وطاعة، لأنَّه يعلم أنهم سيُختمون ـ والعياذ بالله ـ بالشقاء، وإنما لَمَّا قال النبي ح هذا للصحابة قالوا له: وفيم العمل يا رسول الله؟ فقال لهم: «اعْمَلُوا وَلاَ تَغْترُّوا فَكُلّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ لَه» (1) اعملوا وجاهدوا وتضرعوا إلى ربكم ولا تغترُّوا بالقضاء والقدر، فتقولوا إنَّ الله قد كتَب كل شيء، فالله سيترك كلَّ
إنسان لما خلق له، فأهل الخير ييسَّرون للخير، وأهلُ الشرِّ يوجَّهون إلى طريق الشر، والعياذ بالله، وهذا سرٌّ من أسرار الله تعالى، فعندما يجد أحدكم نفسه في طريق الخير ويحب أماكن الخير، ويحبُّ الصالحين فليبشر بالخير، لا ليستكين ويطمئن، وإنَّما كي يواصل ويجاهد نفسه في ذلك، وإن كان أحدكم في طريق الشرِّ، فلا ييأس لأنَّه ربما سيرجع إلى الله ويطيعه، إمَّا بنصيحة إنسان أو بموعظة حادث، فاليأس حرام في دين الله تعالى.
__________
(1) ورد الحديث بصيغ كثيرة في السنن، والصحاح، ومسند الربيع في رقم: 769، وذكره ابن ماجة، بلفظ قريب: «عَنْ عَلِيِّ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا وَلَا تَتَّكِلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، باب في القدر، رقم:78، 1/ 30. (1/65)
صفحة 66
ولا يجوز لنا أيضًا أن نقول لأحدٍ إنَّك من أعداء الله ومن أهل النار، بل علينا أن ندعو إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، فما دام أحدنا يرجو الخير فسيكتب الله تعالى له الخير. وأمَّا شأننا وشأن الله تعالى، فكما جاء في الدعاء، فنحن نتبغَّض إلى الله بالذنوب مع افتقارنا إليه، والله تعالى يتودَّد إلينا بالنِّعم مع استغنائه عنَّا، وإنَّ شأننا لعجيب! فالله استغنى عنا وليس بمحتاج إلينا، ومع ذلك فهو يتحبَّب ويتودَّد إلينا بنعمه الواحدة تلو الأخرى، ونعمُه لا تحصى، ففي كلِّ يوم يملأ قلوبنا إيمانًا كي نحبَّه، وذلك بإغداق النعم علينا كي تكون سببا لمحبَّتنا له، فنذهب بعدها إلى رحمته، لكن حالنا عجيب نتبغَّض إليه بالذنوب مع افتقارنا إليه، فإن لم نكن في طريق الله فأين سنكون، فإن لم تفتح لنا أبواب الله فإلى من نلتجئ؟ فلا خير غيرَ خير الله تعالى في الدنيا والآخرة.
أداء الواجب سببٌ لمحبَّة الله تعالى:
كان من الواجب أن نتَّعظ ونستحيي من الله تعالى، إذ هو يُتابع علينا نِعَمَه ونحن نعصيه فلنتُب منها ولنعتبر، فما أحوجنا وما أفقرنا إلى الله تعالى، فلماذا لا يكون التودُّد والتحبّب من عندنا إلى الله تعالى وذلك بماذا؟ بالنوافل؛ حتَّى نكون مصداقًا (1/66)
صفحة 67
لهذا الحديث «لا يزالُ عَبْدِي يتقرّب إلي بالنوافل حتَّى أحبه» وطبعًا هذه النوافل لا تنفع إلاَّ بعد الفرائض التي هي في الحقيقة قليلة محصورةٌ في بعض الواجبات فقط، كالصلوات الخمس بين اليوم والليلة، وصوم رمضان بشهر واحد في السنة، والحجِّ مرَّة في العمر على من استطاع إليه سبيلا، والزكاة في بعض الموراد فقط، في ستَّة أنواع من الحبوب، وفي أموال التجارة والذهب والفضَّة، وبنسبٍ زهيدة جدًّا من عشرة بالمائة، إلى خمسة بالمائة، إلى اثنين ونصف بالمائة، إلى واحد بالمائة، إلى لاشيء! والمال مال الله، فكلنا وأموالنا ملكٌ لله، فلو شاء الله أن يطلب منا أنفسنا وأموالنا فسنسلِّمها له جميعا، لأنَّها ملكه واشتراها منا بالجنة،ژ??????????????????????????????????????????ژ (سورة التوبة: 111)، وهو بيعٌ رابح فلا نندم بذلك، لا نقيل ولا نستقيل، ولكن بعد أن اشتراها منَّا أعادها لنا بأن تمتَّعوا بها، وأعطوا لي منها بعض الواجبات فقط من الفرائض. فالواجبُ علينا أن ننتودَّد إلى الله بالنوافل، بألاَّ نكتفي بالفرائض وحدها فقط، بل علينا أن نُكثر من النوافل، في الليل وفي الضحى، وإن تصدقنا بشيءٍ فلنتصدق بالمزيد، ولنتقرَّب إلى الله بكثرة الصدقات للفقراء والمساكين والمشاريع الخيرية، لأنَّ المال مالُ الله، وسيأتي زمانٌ نرحل فيه نحن وأموالنا، وقد نرحل قبل أموالنا. ولنبادر إلى الحجِّ أيضًا فإن أدينا الحجَّ مرَّة فلنزد مرَّة أخرى، ولنعتمر لأنَّ الاعتمار فيه زيادة في الأجر، ولنتقرَّب إلى الله بأنواع القربات حتَّى ننال محبَّته تعالى. (1/67)
صفحة 68
«ولا يزال عبدي يتقرَّب إلي بالنوافل حتَّى أحبه»، ليس كونه لا يحبُّه من قبل وإنَّما يعلن محبَّته على الملإ الأعلى وعلى جبريل؛، وبعدها يوضع له القبول في أهل الأرض، ويبشَّر بالبشارات الكبيرة في الدنيا وفي الآخرة، أولئك ژ?????SSSژ (يونس:64)، فهذا طريق المحبَّة بعد الفرائض ألا وهي النوافل، لأنَّه تعالى قال في حديث قدسي: «ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه».
ونُرجئ الحديث الثاني في المتحابين في الله إلى درس غد، والحمد لله رب العالمين.
((((
جزاءُ المتحابِّين في الله يوم القيامة
68 ـ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ (1) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لأَجْلِي (2) الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي» (3).
شرح الحديث:
__________
(1) * قوله من طريق أبي هريرة في نسخة القطب ذكر السند وهو قوله: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ذكره.
(2) * خ: لجلالي.
(3) رواه مسلم في كتاب البر، 37، ورواه الترمذي في كتاب الزهد، 35، ورواه الدارمي في كتاب الرقاق 44، ورواه أحمد في مسنده، 2/ 237، 238 ... 3/ 87، 4/ 128، 386. ورواه أبو داود، رقم: 2456، باب ما روى سعيد بن يسار، ورواه مالك في الموطأ: باب المتحابين في الله، رقم: 13. (1/68)
صفحة 69
دائما في موضوع المحبَّة بين المسلمين التي يجب أن تكون دائما صادقة، ومبنيَّة على اتباع رسول الله ح، ليحبَّهم الله تعالى بحبِّهم ذلك، ويجب أن تكون محبَّتهم أيضًا مبنية على التعاون على البر والتقوى والتناصح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، كما شبَّههم رسول اللهحفي قوله: «مَثَلُ المؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ وَالحمُىَّ» (1)
متضامنين فيما بينهم، يفرحون لفرح بعضهم، ويحزنون لحزن بعضهم، ويتألمَّون لِمُصاب بعضهم.
لقد جاء موضوع هذا الحديث في نفس موضوع الحديث الذي سبقه، والذي يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد وإنَّما من طريق أبي هريرة.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، بلفظ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رقم: 2586، 4/ 1999. (1/69)
صفحة 70
قال رسول اللهح «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ يُعتبر هذا الحديث من أسرار الغيب ومما سيقع يوم القيامة، حين يجتمع الأوَّلون والآخرون والإنس والجن أجمعون، فينادي الله تبارك وتعالى: «أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لأَجْلِي» أين الذين كانوا يحبُّون بعضهم البعض ابتغاء وجهي، ويتعاونون من أجلي، ويعملون الخير ويحبُّون بعضهم محبَّة صادقة في الدنيا، «الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي» فسأظلهم اليوم في ظلي، أي في ظلِّ عرشي، لأنَّه في أحاديث أخرى ورد: "في ظل عرش الله"، وفي ذلك اليوم لا توجد ظلال، لأنَّ الأرض تكون ممتدَّة كمدِّ أديم عُكاظ، فليس فيها بناءٌ ولا حجر ولا صخور ولا كهوف ولا جبال ولا أودية، فكلُّ شيء فيها ممدودٌ غير ظلِّ عرش الله فقط، وفي ذلك اليوم تشرق الأرض بنور ربها.
وقد تقدَّم الحديث عن السبعة الذين يظلُّهم الله في عرشه يوم لا ظل إلاَّ ظله، ـ نسأل الله أن نكون منهم ـ، وتقدَّم في ذلك الحديث أنَّ من بينهم رجلان تحابَّا في الله واجتمعا فيه وتفرَّقا على ذلك، ولا يقصد بالرجلان هنا شخصين بعينهما، وإنما كلُّ مُسلمَين تحابَّا في الله واجتمعا وتفرَّقا على محبَّته، بلا عداوة ولا نفور، ولم تفرِّقهما حوادث الزمان، وإن تباعدا في الوطن أو فرَّق بينهما الموت؛ فكان الواحدُ منهما يدعو للآخر بالخير عن ظهر الغيب، في الدنيا أو تحت التراب. (1/70)
صفحة 71
فهذا النداء العظيم من قِبَل الله تعالى يوم القيامة حيث تتشوَّق إليه النفوس وتشرئبُّ الأعناق «أين المتحابون فيَّ» فيكونون حينئذ تحت ظلِّ العرش، ومن لم يكن في الظل كان في الشمس حيث الوقوف الطويل تحتها حتَّى يغلي الدماغ من شدَّة حرِّها في ذلك المحشر، ثم لا يكون ثمَّة شروقٌ ولا غروب، فالشمس تستقرّ في كبد السماء. وأحكام تلك الدار ليست كهذه، إذ تتغيَّر الأنظمة فلا دوران للأرض حول الشمس ولا حول نفسها، ويكون فيها الليل أو النهار في مدَّة أربع وعشرين ساعة ژ?????ہہژ (إبراهيم: 48).
فمن كان حريصًا على أن يكون تحت ظلِّ عرش الرحمن فليكن محبًّا للمسلمين والمسلمات محبَّة متبادلة مبنية على التقوى، وكلُّ محبَّة سوى هذه المحبَّة تصير عداوة يوم القيامة إن كانت قد بُنيت على المعاصي، أو على مجرَّد أعراض الدنيا، وهذا ما نصَّ عليه القرآن الكريمژ??ںں???ژ (الزخرف: 67)،والاخلاَّء هم الأصحاب الذين تكون بينهم خلَّة أو محبَّة وصداقة، فيكونون أعداءً بعضُهم لبعض يوم القيامة، كما قال سيدنا إبراهيم؛ لقومه:ژSSS????????????????چچچچ?????ژ (العنكبوت: 25). فهذا جزاءُ من كانت محبَّته من أجل الأوثان، سواء كانت من الأوثان المنصوبة أو أوثان الأهواء والشهوات في هذه الدنيا، ولأنَّ الهوى وثنٌ يُعبد في هذه الدنيا. "إلا المتقين" الذين كانت محبَّتهم لوجه الله فستكون محبتهم صادقة ودائمة ومبنية على التناصح فإذا أخطأ أحدهم أو أذنب سينبهه الآخر فيستمع لنصحه ويتعاونون على ذلك. (1/71)
صفحة 72
69) قال أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُعَاذَ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ (1) الُمتدَالِينَ فيَّ» (2).
70) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ عَبْدِي لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ» (3) (4).
شرح الحديث:
ثم جاء الحديث الآخر الذي فيه تفصيلٌ أكثر يرويه جابر بن زيد، قال بلغني عن معاذ بن جبل، يعني بواسطة، فقد تكون الواسطة تابعيا من الكبار، أو صحابيا آخر بينه وبين معاذ بن جبل رضي الله عنه، يقول: «قال رسول اللهح، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» فهذه أحاديث قدسيَّة وهي مما يرويه الرسول حعن ربِّه عزَّ وجلَّ، وهي ليست قرآنا بل
__________
(1) * وفي نسخة: المتأدِّبين في مكان المتدالين فيَّ، وفي نسخة أخرى: بالجمع بينهما، وفي نسخة القطب: المتباذلين فيَّ.
(2) أخرجه أحمد في مسنده، 5/ 229، 232،236 ... وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الشعر، 16.
(3) *ملاحظة: أورد الشيخ الناصر شرح هذا الحديث رقم: 70، ضمنيّا مع الحديث السابق رقم: 69، ربما لأنَّ جلَّ معانيه قد ضمّنت فيه بالرغم من أنه لم يشر إلى ذلك صراحة، أو يعلق عليه. [فريق التحرير].
(4) أخرجه البخاري، 7504، كتاب بدء الوحي، النسائي، في سننه، باب فيمن أحب الله لقاءه، رقم:1834، 1836. 4/ 307. مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، 50، 821. (1/72)
صفحة 73
هي درجة بين القرآن والحديث، فالقرآن هو ما يقوله الله تبارك وتعالى، وما يقوله الله تبارك وتعالى من الحِكم والأحكام من غير القرآن، يرويه عنه سيدنا محمدحلا على أنه قرآن، بل على أنَّه حديثٌ قدسي.
فقال: «وَجَبَتْ مَحَبتَّي للمتحابِّين فيَّ والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتدانين فيَّ»؛أربعُ خصال إذا كانت بين المؤمنين سيستوجبون بها محبَّة الله. قوله: «وَجَبَتْ» من الذي أوجب؟ الله تعالى هو الذي أوجب وفرض محبَّته بين المتحابين في الله. «لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ» قد مرَّ من قبل معناه حيث يكون الحبُّ في الله لا لمنفعة دنيويَّة، ولا يمكن أن يكونوا مؤمنين إن كانوا متباغضين متعادين، يقول الله تعالى: ژکگگگگ????????ںں??????ہہہہھھژ (التوبة: 71).هذا في المتحابين في الله، أمَّا المعنى الثاني ففي قوله: «وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ» أي أنَّ الله أوجب محبَّته أيضا في الذين يجلسون مع بعضهم البعض لا لمعصية أو فسق أو لمتاع الدنيا، وإنما من أجل طاعة الله تعالى، كهذا المجلس الذي نحن فيه، نسأل الله تبارك وتعالى أن يكتب لنا أجرنا عنده. يجلسون كي يسمعوا كلام الله تعالى وأنبيائه ورسله في المساجد، إذ يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، أو في طلب العلم.
«وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ»، كذلك يقول الله تعالى وجبت محبَّتي في المتزاورين فيَّ، يعني من أجلي ومن أجل محبَّتي، فإذا ذهب الواحد منَّا لزيارة أخيه، محبَّة في الله فتسمَّى زيارة، أو لمرض فتسمى عيادة، وكلا الأمرين يدخلان في معنى الزيارة، سواء أكان هذا الذي يزوره قريبا أم بعيدًا، وسواء أكان أخا أو إخوانا أو جماعة.
فضائل الزيارة في الله: (1/73)
صفحة 74
وفي فضل هذه الزيارة وردت عدَّة أحاديث، منها: أنَّ الله تبارك وتعالى بعث ملَكًا لشخص ذهب يزور أقارب في الله، فقال له الملَكُ: ألك عنده كذا، ألك عنده كذا، يعني أزرته لمصلحة أو تجارة أو دين تتقاضاه منه، قال لا، إنما زرته في الله، فقال الملَك: إنَّ الله تعالى قد بعثني إليك على أنه يحبُّك من أجل محبَّتك أخاك في الله، والله تعالى لم يرسل هذا الملَك لرجل معيَّن وإنَّما لكلِّ من يزور أقاربه في الله (1).
وقد قل هذا في الزمن المعاصر إذ لا يزور الكثير من الناس بعضهم بعضا إلا لمصالح دنيوية، وقديمًا سئل سفيان الثوري عن زيارة إخوانه في الله، فقال له أحدهم: دلني على الزيارة في الله كيف تكون. فقال سفيان تلك طريق نبت عليها العوسج»، والعوسج هو النبات المليء بالشوك، أي من قوة عدم سلوكه من الناس حتَّى أصبح منسيا فنبتت فيه مثل هذه النباتات الصحراوية.
__________
(1) رواه مسلم بمعناه: كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب في فضل الحب في الله، بلفظ: «صحيح مسلم، 38 - (2567) حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ، عَلَى مَدْرَجَتِهِ، مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» رقم: 2567، 4/ 1988. وابن حبان: كتاب البرّ والإحسان، باب الصحبة والمجالسة -ذِكْرُ إثبات محبة الله عز وجل للمتحابين فيه-، رقم: 572. (1/74)
صفحة 75
قالت العالمة النفوسية «تبركانت»، التي كان يزورها العلماء وكانت تنصحهم وتعظهم بحِكمها، قالوا لها ذات مرَّة: أوصينا، فقالت: «شرُّ القلوب قلبٌ لا رحمة فيه،
وشرُّ الأموال مالٌ لا يُنفق منه، وشرُّ البيوت بيتٌ لا يدخله المسلمون، وشرُّ الأقدامِ قدمٌ لا تزور في الله» (1). فهذه من الحكم التي قالتها العالمة «تبركانت»، وقد أخذت هذا الكلام من هذه المنابع الصافية.
أحكام الدَّلَال بين الأصدقاء:
والخصلة الرابعة، «وَالمُتَدَاِلينَ فِيَّ»، والمتدالّين هو درجة من المحبّة والثقة بين متحابَيْن إلى أن يتصرَّف أحدهما في مال الآخر، إذ يأخذ أحدهُم شيئًا من مال أخيه من بيته أو مزرعته وهو موقنٌ أن لو علم بذلك أخوه لفرح فرحًا شديدًا، وكذلك الآخر بنفس الرضى المتبادل، فكلٌّ يعتبرُ مال أخيه مالاً له، فيأكل ويتصدَّق ويهدي منه وكلُّ ذلك بطيب خاطر، وهذه الخصلة هي نهاية المحبَّة والصداقة، ولكنها خطيرة جدًا إن لم تصل إلى الرضى والسعادة الحقيقيَّة، فحين يأخذ بعضهم من البعض ربما قد يستغلّ أحدهم هذا فيبالغ في الأخذ من أصدقائه. وإن سئل عن ذلك قال لهم: هو أخي في الله، فلا ينبغي أن يكون هذا، فقد يصل إلى حدِّ السرقة، ولذلك لما ذكر الله تعالى الأصناف التي يجوز أن نأكل من أموالهم وبيوتهم ذكرهم بالجمع، الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمَّات، لكنه لما بلغ في الأصدقاء، قال:
__________
(1) تبركانت: عالمة سدراتية من نفوسة، تزوَّجت الإمام أبا هارون موسى الباروني، فرزق منها خمسة أولاد، كان منهم علماء أجلاَّء، حتَّى عُرفت تبركانت بـ «جدَّة الشيوخ».عرفت بحصافة الرأي والحكمة، من وصاياها: «شرُّ الصدور صدر لا رأفة فيه، وشرُّ الأقدام قدمٌ لا تزور في الله، وشرُّ البيوت بيتٌ لا يدخله المسلمون، وشرُّ المال مالٌ لا ينفق منه» ينظر: معجم أعلام الإباضية، 1/ 161. (1/75)
صفحة 76
ژ???ژ (النور: 61)،فلم يقل أو أصدقائكم، لأنَّ هذا النوع من المتدالِين قليل، كأنَّه خلاصة الخلاصة من الأصدقاء، لأنَّ القرآن في كلِّ لفظة منها معنى معيَّن، فما جاء منها بالإفراد له دلالته وما جاء بالجمع فله دلالته أيضا.
وفي وصايا هذه العالمة أيضا قولها: «لا تكثروا الكلام فتكذبوا ولا تكثروا الحلف فتحنثوا، ولا تكثروا الظن فتظلموا، ولا تكثروا الدلالة فتسرِقوا» (1). فقد حذَّرت هذه العالمة أيضا عن الدِلالة، فكلُّها حكم ومواعظ.
جعلنا الله من المتحابِّين في الله، والمتجالسين في الله، والمتزاورين في الله، والمتجاورين في الله، حتَّى نكون ممن وجبت عليهم محبَّة الله تبارك وتعالى. والحمد لله رب العالمين.
باب في القدر والحذر والتطيّر
[صفحة بيضاء]
71) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ» (2).
شرح الحديث:
__________
(1) ينظر: علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، بلفظ: «إيّاكم وكثرة الكلام لئلاّ تكذبوا، وإياكم وكثرة الأَيْمَان لئلا تَحنثوا، وإياكم وكثرة الدلالة لئلا تسرقوا، وإياكم والتهمة لئلاّ تَظلموا «، ج2/ 474.
(2) أخرجه مسلم في كتاب القدر، 18، وأخرجه أحمد في مسنده: 2/ 110، مالك في الموطأ كتاب القدر 04. (1/76)
صفحة 77
هذا باب خاصٌّ في القدر والحذر والتطيُّر، وهو الباب الثاني عشر، والفرق بين هذا وذاك أنَّ القدر هو ما كتبه الله على عبده، بل ما كتبه على جميع المخلوقات في اللوح المحفوظ، مما يقع من أشياء مما كان أو هو كائن أو ما سيكونژ?????ژ (القمر: 49)، ژ?SSSژ (القمر: 53) أي مكتوب. وعقيدة المسلم لا تتمُّ إلاَّ بهذا الإيمان، في أنَّ الله تعالى كتب كلَّ شيء قبل أن يكون، ثم بعد ذلك هو الذي يُحدثه ويَخلُقه في الوقت الذي كتب أن يكون فيه، من غير تقديم ولا تأخير، وهذا هو القضاء والقدر إذا ذكر أحدهما أغنى عن الآخر.
ولا يصحُّ لنا أن نتَّخذ هذا حجة أو متوكَّأً فنقول: بما أنَّ كل شيء قد كتبه الله فلِمَ العمل، ما دام السعيد قد كُتب سعيدًا منذ أن كان في بطن أمه والشقيّ كذلك؟ فليس من حقّنا أن نتدخل في مشيئة الله تعالى، وعلينا أن نسلّم أمرنا إليه ولا نترك العمل اعتمادًا على هذا، وقد قال ح «اعملوا ولا تغترُّوا فكلّكم ميسَّرٌ لما خُلق له» (1) فالسعيد ميسَّر
__________
(1) سبق تخريجه: ورد الحديث بصيغ كثيرة في السنن، والصحاح، ومسند الربيع في رقم: 769، وذكره ابن ماجة، بلفظ قريب: «عَنْ عَلِيِّ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا وَلَا تَتَّكِلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، باب في القدر، رقم:78، 1/ 30 .. (1/77)
صفحة 78
لطريق السعادة، والشقيّ ميسَّر لطريق الشقاء، وهو الحد الفاصل الذي نقف عنده، «وإذا ذكر القدر فكفّوا، وإذا ذكر أصحابي فكفّوا، وإذا ذكر النجوم فكُفُّوا» (1) فأمرَنا أن نقف عند القدر لأنّه سرّ من أسرار الله لا يجوز لنا أن نقتحمه، فإذا دخلناه فإننا نتطاول عليه حاشاه، والعياذ بالله، كأن نقول: لماذا كذا، أو بما أن كذا فسيكون كذا، فعلينا أن نسلّم أمرنا إلى الله ولنعلم أنَّ القدر هو علمٌ مخفِيّ عنا ومطوي، لن ندركه، وليس لنا من الأمر شيء، إلاَّ أنَّ الله تعالى أقام علينا الحجة بإرسال الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب والنذر، فما علينا إلاَّ أن نطيع ونستمع، ونقول: سمعنا وأطعنا.
وعلينا بالعمل لأنَّنا أحرارٌ فيما نعمل، فكل منّا يطيع أو يعصي وهو مختار بإرادته واختياره، فالله تعالى إنما يثيب أو يعاقب على هذا الاختيار، فلو أنَّ إنسانا أطاع الله مُكرها أو عصاه مكرها، فإنه لا يثاب على ذلك ولا يعاقب، ومثال ذلك لو قيّد مسلم في نهار رمضان وأُكره على شرب الماء، فلا يأثم بذلك ولا يمسي عاصيًا لأنه مُكرَه، وإنما يثيب الله ويعاقب على الاختيار، فإن وجد أحدُنا نفسه ميسَّرًا في طريق الخير يحبُّ الإيمان ويحبُّ المؤمنين، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، فليستبشِر بذلك الخير ويأمل خيرًا من الله تعالىژ?????????? ژژssکژ (الحجرات: 07)، غير أنَّه لا يأمن مكر الله، فلا يدري أحدنا ماذا ينتظره في قابل الأيام، لأنَّ «القلوب بين إصبعين من أصابع
__________
(1) أورده هود بن محكم في تفسيره عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ: «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فكفوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا»، وأخرجه بلفظ "فأمسكوا" وبشيء من التقديم والتأخير كل من: الطبراني في المعجم الكبير، رقم: 1427، 2/ 96، والأصبهاني في حلية الأولياء، 4/ 108. (1/78)
صفحة 79
الرحمن»، لكن ليستبشر خيرًا، ويدعو الله أن يثبته على الإيمان، "اللهم يا مقلِّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك" وهذا هو واجب العبد نحو ربّه، بأن يقف في مقام العبودية، ولا يتعدَّى إلى أسرار الربوبية.
هذا القدر، أمَّا الحذرُ فهو عمل العبد به، أي أنَّ العبد لا ينبغي أن يستكين، ويعتقد بما أنَّ كل شيء مكتوب في القدر فلا داعي للعمل إذن. لا، فنحن مطالبون بالعمل والحذر، فالقدر حقّ، والحذر مطلوب، وليس معنى ذلك أنّ الإنسان إذا كان يحذر فهو يحاول تغيير القدر، بأن يحذر من الوقوع في الأخطار مثلا، أو يبتعد عن أسباب الهلاك، ولا يغشى مواطنَ الخطر أو يعالج مما قد أصيب به من مرض، فهذا كله مطلوب وليس تغييرًا للقدر، لأنَّ الحذر نفسه مكتوب على الإنسان في القدر.
«حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»، سواء عجز قصور في البدن أو عجزًا في الفكر أو العلم، فكلُّ شيء مكتوب على الإنسان في القدر، بأنه يعجز أو يغفل أو ينسى أو يذهب فيفوته ما كان يطلبه، وكذلك الكيسُ مكتوبٌ في القدر، فإن كان المرء حاذقا لبيبا يقدِّر للعواقب حسابها، يتَّخذ الأسباب لمحاسن الأمور كي لا تفوته، ولسيّء الأمور أيضا كي لا تصيبه، بحكمته وعلمه وألمعيَّته وبُعد نظره، فحصل على العواقب الحسنة، فإنَّ هذا كله كائن له بقضاء وقدر، وقد كُتب عند الله أنه سيحتاط ويحسب للعواقب حسابها، ثم لا يصيبه إلاَّ ما قد قدّر له. (1/79)
صفحة 80
«أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ قَاَل: فِرَارٌ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ» (1) فإن فرَّ المرءُ مثلا من شيء مهول مخيف من سقوط جدار مثلا، فإنَّه فرَّ من قدر الله إلى قدر الله، وهي السلامةُ والنجاةُ، وليس في هذا تغييرٌ لقدر الله، وإن كُتب له الهلاك والضرر، فهو أيضا من قدر الله. ولا ينبغي للناجي من السوء أن يقول كُتبت لي السلامة بسب حذري وتجنُّبي وفراري، فهو أيضا من قدر الله وحده، فكلّ شيء مكتوبٌ إذن في قدر الله، فبقدر ما يكون المرء حذرًا يقظًا منتبهًا فإن الله تعالى إن كتب له شيئا من الهلاك وقدّره له فإنه سيصيبُه، بأن لا تعمل تلك النباهة عملها في ذلك اليوم وتتخلَّف عنه، فيصيبه المكروه، أو يفوته المطلوب، فالعقل والحيلة، لا يعملان أبدا إن كتب الله شيئا في القدر.
فهذا الحذر إذن، وكما رأينا أنَّ هنالك ثلاث كلمات: القدر والحذر والتطيُّر، أمَّا القدر فهو حقّ، ومن لم يؤمن به فهو ناقض، والحذر مطلوبٌ، إذ لا يردُّنا القضاء والقدر عن أخذ الحيطة والحذر، فهو حقّ وعبادة، ولا ينافي التوكّل بل يسايره.
التحذير من التطيُّرِ:
وأمَّا التطيُّر فباطلٌ ومعصية وليس من الإيمان، والتطيّر هو توقّع العواقب السيئة لمجرَّد قرائن سيئة؛ فمثلا ينظر المرء شيئًا لا يعجبه أوَّل النهار فيقول في نفسه: يبدو أنَّ هذا
__________
(1) أخرجه الربيع في المسند، بلفظ: «قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ»، كِتَابُ الأَشْرِبَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، باب في الطاعون، رقم: 641، والبخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم: 5729. (1/80)
صفحة 81
الطريق الذي أسلكه اليوم سيكون سيئًا، أو إنَّ العمل الذي أنا ذاهب إليه كذلك، وذلك بسبب رؤيته لمنظر سيّء أو لسماعه كلمة سيئة أو نظره لإنسان أعور أو أعرج، فهذا لا يجوز أبدًا وهو معصيةٌ بل كبيرة، كما قال ح: «وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ طِيَرَةٌ فَلَيْسَ فِيهِ حَظّ مِنَ الِإيمَان». فالحسدُ وسوء الظنِّ والطيرة صفات ليست من الإيمان، وكان العرب في القديم يقومون بإلقاء الحجر على سرب الطيور، قبل أن يباشر الواحد منهم ما يرغب فيه من عمل، فإن طار السرب إلى ناحية اليمين استبشر وقال: إنَّ في هذا العمل خير، وإن طار ناحية الشمال، قال: إنَّ هذا العمل سيكون فيه شرّ لي، فيتخلَّى عنه، ومن هذا أخذت كلمة التطيّر، نسبة إلى الطيور التي كانوا يستثيرونها.
ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث «كلُّ شيءٍ بقضاء وقدر حتَّى العجزُ والكيسُ» لكي يزيل مثل هذه الوساوس من قلوب الناس، فإنَّ علمنا أنَّ العجز مكتوب عند الله تعالى بأن يصيب أو لا يصيب ذلك المسلم شيئا بسبب عجزه، وكذا الكيس بأن ينال أو لا ينال شيئا بسبب عقله وحذاقته، فكلها بقضاء وقدر، فلا داعي إذن للتطيّر.
جواب الإمام علي رضي الله عنه عنه حول مسيره إلى الشام:
وهنالك كلماتٌ ذكرها الشيخ السالمي: في الشرح، كلمات رويت عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رجع من معركة صفّين سأله شيخ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟ فأجابه الإمام علي: «والذي خلق الحبَّ وبرأ النسمةَ ما وطئنا موطئًا ولا هبطنا واديًا ولا علونا قلعة إلاَّ بقضاء وقدر»، فقد حلف (1/81)
صفحة 82
بالله تعالى الذي ينبت الحبَّ في الأرض ويخلق النسمة يعني الروح، أنه ما من سير ساروه إلاَّ بقضاء وقدر، فقال الشيخ: «أحتسب عنائي، والله ما أدري لي من الأجر شيئا» بلى أيَّها الشيخ إنكم خرجتم على حق وكانت فئة علي محقَّة، والفئة الأخرى هي الباغية، والتي قتلت «عمَّار»، فقال عليس: «أيها الشيخ لقد عظَّم الله أجركم في سيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين»، إذ خرجتم مختارين طالبين نصرة الحق وإمام الحق- وهو الإمام علي- «ولا إليها مضطرين». فقال الشيخ «كيف لا نكون مضطرين والقضاء والقدر ساقنا، وعنه ماكان مسيرنا وانصرافنا؟»، فقال علي: «ويلك أيّها الشيخ ـ هنا الخطأ- لعلَّك ظننت قضاءً لازمًا وقدرًا حاتمًا، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب»، أي أنَّ الإنسان لا يُجبر على عمل شيء في القضاء ولا يلزم به في القدر، «والوعد والوعيد والأمر والنهي، ولا تكون لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان» حيث قالواژ??پپپپ???ژ (النحل: 35) ژ???????Sژ (الأنعام: 148)، فلا ينفعهم هذا الكلام ژSSS?????????ژ (النحل: 35) «تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان، وخُصماء الرحمن، وشهود الزور، وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمَّة ومجوسها الذين يقولون: "إذا عصينا فالله هو الذي قدَّر لنا ذلك" وهم القدرية الذين خرجوا عن الإسلام، وهم مجوس هذه الأمة، «فالله أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، (1/82)
صفحة 83
وكلَّف تيسيرًا، ولم يُعصَ مغلوبًا، ولم يُطع مُكرَها» (1)، كلمات حكيمة حقًّا، فخيَّرنا في أمره وحذَّرنا في نهيه كذلك، إذ أنه لم يُجبرنا لا على طاعة ولا على معصية، وقد كلَّفنا في الشرع بالأمر اليسير ژ????????ژ (البقرة: 185)، ولما عُصي لا أنه غُلب على أمره ولكنه هو الذي أعطى الاختيار لعباده بالطاعة والمعصية كي يعمر الدارين الجنة والنار، «ولم يرسل الرسل عبثا، ژ?????پپپپ?????????ژ (ص: 27)».
هنا انتهى كلام الإمام علي س، فقام الشيخ مسرورًا وهو يقول شعرا:
أنتَ الإمامُ الذي نَرجُو بِطَاعتِهِ يومَ النّشُورِ مِنَ الرَّحمن رِضْوَانَا
أوْضَحتَ مِنْ دِينِنَا مَا كانَمُلتَبِسًا جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فيه إِحْسَانَا (2)
لا نزيد فوق هذا شيئا، والحمد لله رب العالمين.
((((
ما جاء في الإيمان بالقدر
72) قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ» (3).
شرح الحديث:
__________
(1) أخرجه شهاب الدين القرافي، الفروق مع هوامشه، تح: خليل المنصور، دط، 1418هـ/1998م، دار الكتب العلميّة، 04/ 391.
(2) السالمي، شرح مسند الربيع، 1/، 147.
(3) أخرجه ابن ماجه في سننه، باب في القدر، رقم: 77، 1/ 55. (1/83)
صفحة 84
هذا الحديث رواه جابر زيد عن عبادة بن الصامت بالبلاغ، يعني بوجود واسطة بين جابر بن زيد، وعبادة قد يكون تابعيًّا كبيرا أو صحابيا وكلهم مبرّؤون من الكذب، لا يكذبون على رسول الله ح، فهذا الحديث صحيح وتؤيده الآية القرآنية ژ?? ژژssژ (التوبة: 51).والحديث ورد في موضوع القضاء والقدر، وهي عقيدةٌ يجب أن نؤمن بها، كسائر المعتقدات الأخرى، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من الله، كما سيأتينا
في هذا الحديث: ژے?????????????????????ژ (الحديد: 22 - 23)، صدق الله العظيم، فكلُّ شيء مكتوبٌ عند الله كي لا يحزن أحدُنا كثيرًا إذا أصيب ببلاء، وليعلم أنَّه مقدَّر عليه من الله تعالى، وإذا أصيب بفرح كذلك فلا يفرح كثيرًا ولا يطغى بذلك، ولا يقول هذا بفضل مالي أو قوَّتي أو مُلكي، وإنما يقول هذا بفضل الله تعالى، وليشكره على ما حباه من تلك النعم، وليقل مثلما قال سيدنا سليمان؛ لما رأى قوة ملكه:ژ?????ہہہہھھھھےے??????ژ (النمل: 40)، وقوله؛ لله تعالىيضا:ژھھےے????????ژ (ص:35)، فقد طلب هذا المُلْكَ ليتواضع به لله وليعترف بنعمه عليه وليُقرَّ أنَّ هذا من فضل الله ليبتليه ويختبره به فيه، لا ليطغى ويأشر ويتجبَّر ويتكبَّر على الناس. (1/84)
صفحة 85
و «عبادة بن الصامت» هو من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وهو من أصحاب البيعة الذين بايعوا رسول الله حقبل الهجرة، قال: قال رسول الله ح مخاطبا لي: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ»: هذا أمرٌ عجيب حين ورد التأكيد فيه بثلاث كلمات، حين أنَّ واحدة منها تكفي! "لن تجد" أي لن تجد حقيقة الإيمان في قلبك، ولن تشعر به، "لن تؤمن" أي لن تكون مؤمنًا كاملا أو سيكون إيمانك ناقصا "لن تبلغ"أي حقيقة الإيمان، حتَّى تؤمن بالقدر، فإن أنت لم تؤمن بالقضاء والقدر، فلست بمؤمن، ولن تجد الإيمان في قلبك، ولن تجد ثواب الإيمان، ولن تبلغ حقيقة الإيمان، لأنَّ جميع ما يقع في هذا الكون من سموات وأرض وما بينهما من بني آدم وإنس وجن، وما دون ذلك وما فوق ذلك، مُقدَّر من الله تعالى، لا يُقدّم ولا يتأخّر ولا يزاد فيها ولا ينقص.
«حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» ولكن لا يُنسب الشرُّ إلى الله تعالى، وإنما نقول هذا خير لما يعجبنا، وهذا شر لما لا يعجبنا، أو ما كان فيه بلاء أو فقد أو هلاك. نعم، هذا إن وقع في دنيانا نحن، في أهلنا أو من حولنا أو في برِّنا أو بحرنا أو غلالنا وأنعامنا، نقول هذا خيرٌ، وهذا شرّ، كما سمَّاه الرسول ح "خيره وشره" ولكن عندما يُنسب إلى الله، فلا ينسب الشرُّ إلى الله، ژ? ژژssککککگگگگ????????ںں??ژ (آل عمران: 26)،فلم يقل الله تعالى هنا بيدك الخير والشر، وإنَّما بيدك الخير. نعم إنَّ بيد الله تعالى النفع والضر، غير أنَّ كل ما جاءنا من الله تعالى فهو خير، ولو أنا نراه شرّا بعقولنا نحن، ولكن بما أنه جاء من الله فهو خير، لأنَّ هذا العالم لا يفلح إلاَّبخيره وشره، و يوم القيامة ما يلقاه العبد من الخير والشر فإنما هو جزاء على أعماله.
عدالةُ الله في القضاء والقدر: (1/85)
صفحة 86
ومن عدالة الله تعالى أن يُنزِل الخير لأهل الخير، ويُنزِل الشرَّ بأهل الشرِّ، ومع ذلك فهو خيرٌ وعدالة من الله تعالى بعباده، ولو لم يفعل ذلك لكان ظلما، ولا يُنسب الظلم إلى الله تعالى، «إنِّي حرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا» والشرُّ الذي يكون في الدنيا فلا بد من أن يكون نتيجة أعمالنا ژ????????????????ژ (الروم: 41)، وإذا كان بعض الضرِّ والأمراض التي تصيب المسلم ليس مما كسبت يداه، فهو خير للمسلم لا شر له، حين يصبر عليه فينال بذلك الدرجات العلى عند الله تعالى والتي قد لا يصلها لا بصلاته ولا بصومه ولا بصدقاته، وإنَّما ينال هذه الدرجات بالرضى بقضاء الله وقدره، وصبره على ذلك «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ
لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (1) فبشكره نال خير الدنيا والآخرة، وبصبره نال الدرجات العليا.
إذن فكلُّ ما يأتينا من الله تعالى خيرٌ كلُّه، مع ما نراه نحن على أنه شرٌّ وإنَّما في الحقيقة هو خير، فإمَّا خير لعباده المؤمنين لينالوا الدرجات العلى عنده، وإمَّا جزاء لعباده العاصين بسبب معصيتهم وتلك هي العدالة، فالله تعالى يعامل خلقه بالعدل والحلم، ولا يعاملهم بالظلم، وقد سبقت رحمته غضبه.
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، باب المؤمن أمره كله خير، 64، 04/ 2295. (1/86)
صفحة 87
«قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟»: فهذا سؤالٌ من عُبادة، والجواب من النبي ح كان بالأسلوب الحكيم، وكأنه يقول له: هذا من شأن الله تعالى وإنَّما عليك أنت أن تعلم: «أنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك» أي اعلم أنَّ الله تعالى إن منع عنك شرًّا أو خيرا فلن يصيبك ولو اجتمع أهل السماء والأرض على أن يوصلوه إليك فلن يستطيعوا.
لماذا هذا كلُّه؟ لكي نطمئنَّ لما يصيبنا ولا نحزن على ذلك، ولا نأسف، فيقول أحدُنا مثلا: يا للخسارة لو أنني جئت إلى هذا المحل قبل خمس دقائق لوجدته مفتوحا ولقضيت مصالحي، ولو كان كذا لكان كذا، فلا يجوز هذا التأسُّف والأسى، لأنه حقال: «لَوْ تَفْتَحُ بَابًا لِلشَّيطَانِ» (1) بل قُل: لم يكتب الله لي هذا، ولم يشأهُ حتَّى لو
أني اجتهدتُ وحضرتُ في الوقت ... ، فبهذا تحصل الطمأنينة في القلب والرضى في النفس على قضاء الله وقدره.
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، بلفظ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، رقم: 2664، 04/ 2295. (1/87)
صفحة 88
هذا بعد وقوع ذلك الأمر، أمَّا قبله فلنا أن نتَّخذ الأسباب اللازمة لننال الخير، ولنا أن نتَّخذ الأسباب كذلك لننجوَ من الشر، ولنا أن نتَّخذ الأسباب أيضا كي يَرفع الله عنَّا مرضًا أو بلاءً ما، فليس في اتِّخاذ الأسباب منعٌ، لأنَّ اتِّخاذ الأسباب من التوكُّل، ولأنَّ الذي خلق المسبِّبات خلق الأسباب، والذي خلق الداء خلق الدواء، فإن نحن اتَّخذنا الأسباب إذن فإننا وسط القضاء والقدر ولم نخرج عنه.
وكذلك «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ».ما أصابك لم يكن ليخطئك، سواءٌ من خير أو شر، من نِعمةٍ أو بلاء أو مرض أو موت أو إفلاس في المال، ويكون الإيمان أكثر في البلاء، لأنَّ الإنسان يقلق أحيانا من البلاء الذي يُصاب به، فيرجع باللائمة على نفسه: لأنني فعلتُ كذا وكذا، أو يرجع باللائمة على الناس، ويظنُّ السوء بهم، أو حتَّى ربما يتطيَّر أيضًا، فيقول: كاد أن يأتيني الخير ولكن لمَّا جاء فلان أو فلانة ذهب عنِّي ذلك الخير: ژ?????پپپپ????????????SSSژ (الأعراف: 131) فلا يجوز لنا أن نتطيَّر بفلان أو بدخوله أو خروجه أو كلامه، فليس هذا من الإسلام وإنمَّا الأمورُ كلُّها بقضاء وقدر، فإن آمنَّا بهذا نكون قد بلَغنا حقيقة الإيمان، وسنجد حلاوته في قلوبنا، وسيكون ثوابها عند الله تعالى، وإذا تخلَّفت هذه الأشياء ولم نعتقدها في قلوبنا، أو شككنا فيها، فإننا سنكون بذلك غير مؤمنين، وأكثر من هذا ـ إن متنا على ذلك ـ دخلنا النار. «فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ
ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ» هذا ما قاله الرسول حلعبادة بن الصامت الذي هو من كرام الصحابةس، إذ أنك إن ظننت أنَّ القضاء والقدر يتأثَّر بتأثير الأسباب أو بفعل الناس، فقد شككتَ في القضاء والقدر، وتدخل بذلك النار، أي لا ينفعك بعد ذلك اجتهادُك في أنَّك صلَّيت أو صُمتَأوتصدَّقت أو حججت أو جاهدت مع رسول الله ح. (1/88)
صفحة 89
فهذا من صميم العقيدة، وإن كانت العقيدة ناقصة فلا ينفع بعدها الإيمان، والإيمان هو: «إيمانٌ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وما فيه من الحساب والثواب والعقاب، والقضاء والقدر خيره وشره من الله، وأنَّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا»، فعلينا إذن بالرضى بالقدر الذي يأتي من الله تعالى، حتَّى نكون من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ومن النفوس المطمئنَّة التي تخاطَب بـ: ژ?????SSSS???????ژ (الفجر: 27 - 30). فلو أنَّ الناس كلَّهم آمنوا بهذا لقلَّت أو زالت الأمراضُ النفسيَّة والأحزانُ المضرَّة من قلوبهم، حتَّى أنَّ بعضهم يغضب غضبًا شديدًا حتَّى يُصاب بالسكَّري مثلا، لأجل خسارةٍ أو مصيبةٍ أو أمرٍ آخر، والعلاجُ من هذه الأمراض كلِّها هو الرضى الحقيقي، وإلاَّ فإنَّنا نرى أنَّ السخط على قضاء الله تعالى يؤدِّي إلى أمراض وانتحارات ومشاكل كثيرة؛ بمجرَّد عدم نجاحه في امتحان أو تجارة أو غير ذلك، وهذا كلُّه بضعف الإيمان بالله وبالقضاء والقدر، ولو كان الإيمان قويًّا لاستقبلت البلايا بصدر رحب وبرضىً واطمئنان، لأنَّهم آمنوا أنَّه من الله تعالى وسيكون خيرا لهم، وأنَّ عاقبته خير إن هم صبروا ژ?????ںں???ژ (يوسف: 90)، ژپپپژ (الأعلى: 17)، وفقنا الله إلى ذلك، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في الهَامَة والعدوَى وصَفَر (1/89)
صفحة 90
73) أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ هَامَةَ وَلاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ». قَالَ الرَّبِيعُ: «لاَ عَدْوَى» أَيْ لاَ يَتَحَوَّلُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَضِ إِلَى غَيْرِهِ فَيَعْدُوَ (1) «وَلاَ هَامَةَ»: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ هَامَةٌ وَهِيَ التِي تَقْتُلُهُ. «وَلاَ صَفَرَ»: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ شَهْرَ صَفَرٍ عَامًا وَيُحَرِّمُونَ شَهْر مُحَرَّمٍ عَامًا (2) فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ (3) إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ صَفَرٌ وَهِيَ التِي تَقْتُلُهُ فَنَهَى النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ (4).
شرح الحديث:
هذا الحديث والذي سيأتي بعده: «لاَ يَرِدُ هَائِمٌ عَلَى مُصِحٍّ» حديثان للنبي ح أولهما ينفي العدوى، والآخر يثبتها ويأمرنا باتقائها.
نبدأ بالحديث الأوَّل الذي يرويه جابر ويرويه أبو عبيدة مرسَلا، يعني لم يذكر الرواة، وهو إمَّا أحد كبار التابعين أو الصحابة، وهذا الحديث مشهور.
ثلاثة أشياء ينفيها النبي ح «لا هامة ولا عدوى ولا صفر» أمَّا الهامَةُ وصَفَر فهي معتقداتٌ يعتقدها أهل الجاهلية في زمن النبي ح، كانت من معتقدات عرب الجاهلية أو عجمها أيضًا، أمَّا العدوى فهي موجودةٌ في كلِّ زمان ومكان، وقد نفاها الرسولحكلها.
__________
(1) * خ: فيعدي.
(2) * قوله: شهر صفر وشهر محرَّم في نسخة القطب إسقاط لفظة شهر في الموضوعين وهي أصحُّ.
(3) * قوله: آخرون يعني من أهل الجاهليّة فهم في الصفر على طريقتين منهم من يطلقه على النسيء ومنهم من يطلقه على الحيَّة المتوهَّمة.
(4) أخرجه، البخاري، 5425، 5/ 2171، وأخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن العباس، 2425، 4/ 247. (1/90)
صفحة 91
««وَلاَ هَامَةَ»: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ هَامَةٌ وَهِيَ التِي تَقْتُلُهُ» أمَّا الهامةُ فيعتقدأهل الجاهلية بأنَّ الميت إذا مات مقتولا يخرج من رأسه ومع روحه طائرٌ، يقول: اسقُوني اسقُوني، حتَّى ارتوي، ومعناه: خذُوا بثأرِي، خذوا بثأري، وإلاَّ تفعلوا تُصبكم مصائب وبلايا بسبب ذلك الطائر الذي مازال معهم، لأنه لا يطير عنهم حتَّى يسقوه من دماء الثأر! وهناك اعتقادٌ آخر أنَّ الميِّت مطلقًا إذا مات يخرج من رأسه طائر يُتشاءم منه ويسمى طائر الشُّؤم، ومنهم من يقول إنَّ هذا الطائر هو البوم، وربَّما هنالك معتقدات أخرى في ذلك، وللجاهلية طرائقُ قِدَدٌ في الاعتقادات، فنهى رسول الله ح عنها ونفاها، فالميِّت إذا مات فبأجَلِه، ولا يخرج منه شيءٌ، ولا يُخاف منه في أيِّ شيء، سواء مات مقتولاً أو بحتفِ أنفه، أو غير ذلك، تؤدَّى إليه كلُّ حقوقه، ويُصلّى عليه ويُدفَن، ولا خوف منه بعد ذلك سواء أخذ بثأره أم لم يؤخذ، والإسلامُ جاء بالتسامح والصفح.
وأمَّا في الجاهلية فإنهم كانوا لايتنازلون عن حقِّهم إلاَّ أن يقتلوا القاتل أو يأخذوا الدِّيَة، بل وكانوا يتشاءَمون من أخذ الدية، ويقولون: ما دمنا لم نسفك دمَ القاتل فكأننا نشرب من دمِ المقتول، فيخرج منه طائر يقول: اسقوني .. كما أسلفنا، فهذه من تشاؤم الجاهلية.
والمقتول تأخذ ديته، وهو مال حلال لأهله، مشروعٌ في القرآن، يأخذه أولياء القتيل ويقتسمونه كما يقتسمون الميراث، ولا شؤم فيه في الدنيا ولا في الدين، أو يعفونَ عنه فتُكتب لهم كفارة لذنوبهم ژ???????ژ (المائدة: 45). (1/91)
صفحة 92
«وَلاَ عَدْوَى»:لا يزال إلى اليوم يعتقد كثيرٌ من الناس وقوع انتقال المرض بالعدوى، حيث يجتنبون كلَّ مصاب بمرض معدٍ، ولكننا نجد النبي ح قد نفى حصول هذه العدوى في هذا الحديث، ثم أثبتها في الحديث الذي يليه، ومعنى نفيهحأنَّ الإصابة بالعدوى لا تتمُّ إلاَّ بإذن الله، فمن أعدى المريض الأول فبإذن الله تعالى، كأن يذهب ثمانية أو عشرة من الزائرين لعيادة مريض، فتصيب العدوى البعض منهم أو ربما جميعهم، أو يسلَمون جميعًا، فلو كانت العدوى ضربة لازب لعُدي جميعهم بذلك الداء.
إذن فهذه العدوى لا تكون إلاَّ بإذن الله، فعلى الإنسان أن يتوكَّل على الله وسوف لن يُعدى إلا بإذنه، فلا ينبغي للناس أن يتحسَّسوا من ذلك، فيمتنعون عن واجب زيارة المريض بدعوى الخوف من تلك العدوى، كما بيَّن القرآن ذلك في مسألة السحر: ژ????????? ژ (البقرة: 102)، فلا عدوى تقع بطريق تلقائي لازم، فمشيئة الله هي التي تقضي بالإصابة بالعدوى من عدمها، بل وتقضي أحيانا بأن يصاب المريض مباشرة من دون عدوى تأتيه من أحد، فكلُّ ذلك بإذن الله، ومشيئته.
التحذير والنهي عن التشاؤم بشهر صفر:
«وَلاَ صَفَرَ»: وصفر هو الشهر الذي يأتي بعد محرَّم «كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ شَهْرَ صَفَرٍ عَامًا وَيُحَرِّمُونَ شَهْر مُحَرَّمٍ عَامًا» أي أنَّهم يُحِلّونَ شهرَ صفر عامًا ويُحرِّمُونه عامًا،
ويجعلون عكس ذلك مع شهر محرم، فيحرِّمونه عامًا ويحلُّونه عاما، فيداخلوا بذلك الشهر الحرام بين صفر ومحرم من كل عام، لكي يخدعوا الحجاج حين عودتهم للحج، فيباغتونهم بقتل من لهم عليه ثأر قبل أن يصل صفر، ژ?????پپپپ????????????SSSژ (التوبة: 37)، أي ليرتكبوا الإثم والقتل في الشهر الذي حرَّم الله. (1/92)
صفحة 93
وقال قومٌإنَّ «صَفَر» هي: حيَّة في بطن الإنسان هي التي تأكل شراسيفه [أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن]، حتَّى يموت جوعا، ثم يقال: «ما به صفر وهي التي قتلته». ولعل مما يذكر حول «صفر» بعض المعتقدات القديمة عندنا؛ وهو أنَّ صفر شهر مشؤوم؛ ينزل فيه البلاء، ولا سيما الأربعاء الأخيرة منه، ولعل هذا من بقايا الجاهلية لأنه لا أثر لها في الإسلام أبدًا، لا في القرآن ولا في السنَّة، حيث كانوا يسمُّونها بالأربعاء البيضاء، ـ من باب التفاؤل ـ وفي الحقيقة هي الأربعاء السوداء، لأنَّهم يتَّقونها ويُحذِّرُونَ من أن يعقد فيها إنسانٌ زواجه، أو يسافر فيها، لأنَّها عرضة لنزول ألوان من البلاء، لذلك ينسبونه إلى صَفر، وهو في الأصل من بقايا الجاهلية.
فتوكَّل على الله أيُّها المؤمن وامضِ، فكلُّ الأيام أيَّامُ الله، أخلص نيَّتك لفعل الخير، فلا فرق بين الأحد أو الأربعاء أو الخميس، ولا بين صفر ومحرَّم، ولا تشاؤم بشهر أبدًا، وإنَّما هنالك بعض الأيَّام والشهور التي فضَّلها الله حقًّا، كشهر رمضان وشعبان ورجب، وكليلة القدر، وأيام العيدين، والليالي العشر، من عاشوراء ژ??????ژ (القصص: 68). وهذا التفضيل من حيث القدر والأجر، وليس يعني هذا أنَّ الأيام والشهور الأخرى المفضولة مشؤومة، وإنَّما لا فرق بينها أبدًا.
ما جاء في نهي أن يَرِدَ هائمٌ على مُصِحٍّ
74) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَرِدُ (1) هَائِمٌ عَلَى مُصِحٍّ».
__________
(1) * خ: لا يورد. (1/93)
صفحة 94
قَالَ الرَّبِيعُ: الْهَائِمُ الذِي جَرِبَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ مَرِضَتْ، وَالْمُصِحُّ الذِي لَيْسَ فِي مَاشِيَتِهِ مَا يُكْرَهُ، يَعْنِي: لاَ يَنْزِلُ بِمَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ فَيَضُرَّ بِهِ، وَالضَّرَرُ لاَ يَحِلُّ (1).
شرح الحديث:
حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغنم التي أصابها داء الجرب وكذلك من الإبل التي ابتُليت بداء الهيام والذي يودي بحياتها لمجرَّد أنَّها تشرب الماء بنهمٍ حتَّى تتفجَّر بطونُها، حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من أن نورد الغنمَ المصحَّ أو الإبل السليمة في شرب الماء مع الغنم السقيمة والإبل المصابة، أو حتَّى من الماء الذي يبقى بعد ورودها، فتصاب بالعدوى جرَّاء ذلك، فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العدوى، وأمر بالحذر منها.
__________
(1) أخرجه البخاري، باب: لا هامة، 5771، بلفظ: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، وأخرجه مسلم، رقم: 105في باب: لا عدوى، ولا طيرة .. 4/ 1742. وأخرجه أبو داود في سننه باب في الطيرة، 3911. (1/94)
صفحة 95
وجاء كذلك في هذا المعنى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فرَّ مِنَ المَجذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ» (1)؛ والجذام مرضٌ يصيب الإنسان حتَّى تتناثر أعضاؤه، فتسقط رجله أو يده من جسده، وهو مرض مُعدٍ وخطير جدًّا لا بُرء منه حتَّى الموت – عافانا الله وإياكم- وكانت تُتَّخذ للمجذومين قرًى خاصَّة، وهذا المرض لم يوجد عندنا في شمال إفريقية على الغالب.
وقالحأيضًا: إذا كان ثمَّة ضرورة للكلام مع المجذوم فـ: «كَلِّم المجذُومَ وَبَينَكَ وَبَينَهُ رُمْحٌ» (2) أي مسافة رُمحٍ بين الصحيح والمريض، وهي حوالي أربعة أذرع، وهذا فيما إذا كان ولابد من مكالمته، وهكذا أمر النبي ح.
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده، ط الرسالة، بلفظ: «عَنْ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ»، وعلّق عليه بأنه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي عن أبي هريرة، ولضعف النهاس: وهو ابن قَهْم القيسي، لكن للحديث طريق آخر يصح بها. رقم: 9722، 15/ 449، وأخرجه ابن لابن أبي شيبة، في الأدب 1/ 221، وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير، رقم: 451، ص: 131.
(2) أخرجه، أحمد في مسنده، ط الرسالة، بلفظ: عن علي مرفوعاً بلفظ: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمُجَذَّمِينَ، وَإِذَا كَلَّمْتُمُوهُمْ فَلْيَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ قِيْدُ رُمْحٍ» رقم:581، وإسناده ضعيف. 32/ 218، وأخرجه: الهيثمي، في مجمع الزوائد، بنفس اللفظ، بَابٌ: فِي الْمُجَذَّمِينَ، رقم: 8385، 5/ 100. (1/95)
صفحة 96
إذن بهذا المعنى فالعدوى موجودةٌ، غير أنَّها لا تسري إلاَّ بإذن الله، وإنَّما نتَّقي هذه العدوى من باب اتقاء المرض، والوقاية في الإسلام مطلوبة، وليس فيها تنافٍ مع العقيدة. ومن أساليب الوقاية المشروعة الابتعادُ عن كلِّ ما فيه شبهة العدوى، وأخذ حقن الوقاية من داء الكوليرا أو حمى الملاريا أو التيفيس، والامتثال للقرارات التي تصدر من الأطباء في بعض المناطق حين ينتشر فيها الوباء، فلا يخرج من ذلك البلد من كان داخله، ولا يدخله من كان خارجه. (1/96)
صفحة 97
وهذا مما أقرَّه الرسولح، في حديث حفظه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتَ بِعَدْوَى في أَرْضٍ فَمَنْ كَانَ فِيهَا فَلاَ يَخرُجْ مِنْهَا وَمَنْ كَان خَارِجَهَا فَلاَ يَدْخُلْهَا» (1). وبهذا أنفذ سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه هذا القرار لمَّا ظهر الطاعون بالشام، فحذَّر من هم داخل الشام من الخروج منها لأنهم سينقلون العدوى خارجها، وحذَّر الذين هم خارج البلد من أن يدخلوا إليها كي لا يصيبهم المرض، فمن أصيب يؤخذ للعلاج ويُعزل عن أهله، ومن سلم منه يطعَّم بالطعم المضاد حتَّى تكون لهم حصانة ضدَّ هذا المرض، والأطبَّاء يُقرّون بمنفعة هذه التطعيمات، غير أنَّ هنالك من تكون لهم حصانة ذاتية فلا يصيبهم ذلك المرض ولو لم يطعَّموا، وهنا يأتي قوله ح «لا عَدْوَى» فإذا أذن الله أن يُعدى فإنه سيُعدى وإلاَّ فلا يُعدى، ولكنَّنا مأمورون بالوقاية التي هي من صميم الشريعة، ولسنا نفرُّ من قدر الله، غير أنَّنا نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، فالمرض مُقدَّر للذين مرضوا، والسلامة مقدَّرة للذين سلموا، ولو كانت بذلك التطعيم، فهو مكتوب لهم أيضًا في قدر الله.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ - أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ - فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» رقم: 5730، 7/ 130. (1/97)
صفحة 98
فلا تعارض إذن بين الحديثين، إذ لا تكون العدوى إلاَّ بإذن الله ولا بدَّ مع ذلك من أخذ الحيطة والحذر والوقاية، لكن مع تجنُّب الوسواس أيضا من العدوى، فقد يصاب الإنسان بالمرض بسبب ذلك الوهم، لأنَّ له تأثير على نفس الإنسان، وقد سُقنا الحديثين معا لكي يبيِّن أحدهما معنى الآخر، والحمد لله رب العالمين.
باب
في الفتنة
[صفحة بيضاء]
بابٌ في الفتنة
75) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا» وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى تَشَعَّبَتْ مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ، فَالنَّاجِي مَنْ نَجَا مِنْهَا، وَالْهَالِكُ مَنْ هَلَكَ فِيهَا (1).
شرح الحديث:
هذا الباب الثالث عشر عقده المرتِّب الشيخ أبو يعقوب يوسف الوارجلاني -رحمه الله- باسم باب الفتنة، أي ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع الفتنة، وقد وقعت ومضت هذه الفتنة فيما سبق، ونجَّانا الله تعالى منها، ونسأله أن ينجيَنا منها أيضا فيما بقي من حياتنا. وهذا الحديث يُعتبر من دلائل النبوَّة ومن معجزاتها، لأنَّه أنبأ بشيء غيبيٍّ سيقع بعد زمن، في الجهة المعيَّنة، فوقع حقًّا بعده بمدَّة يسيرة حوالي ثلاثين سنة، وفي تلك الجهة المحدَّدة، وكان أكثر الصحابة شهودًا على هذا الحديث، وشهودًا على وقوع ما نبَّأ به النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه.
__________
(1) أخرجه البخاري، باب الفتنة من قبل المشرق، 6680، 6/ 2598، وأخرجه مسلم في باب: الفتنة من المشرق، رقم: 45، 2905، 4/ 2228. (1/98)
صفحة 99
ففي الحديث الأوَّل الذي يعتبر متَّصلا، قال النبي «أَلا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا»،بأنه ستكون هنالك فتنة، «وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» لأنَّ القضية هي خبر أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فالناس يترقَّبون هذه الفتنة لأنَّها لا محالة ستقع، والقرآن الكريم أشار إلى ذلك أيضا إليها في قوله تعالى:ژ??????????????ژ (الأنفال: 25). «حَتَّى تَشَعَّبَتْ» حتَّى نبتت وظهرت هذه الفتنة، أو تشعَّبت بمعنى تفرَّقت لتفرق المسلمين وانشقاقهم. (1/99)
صفحة 100
«مِن نَحْوِ المَشرِقِ» هذه الفتنة هي "وقعة الجمل" التي حدثت في أرض الكوفة، التي تقع في ناحية المشرق بالنسبة للمدينة المنورة، ـ إن اعتبرنا الفتنة أنَّها هذه ـ، وفي الحقيقة هي كذلك، لأنَّ الارتداد الذي وقع في السنة التي توفي فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقع في ناحية المشرق أيضا في اليمامة، بزعامة مسيلمة الكذَّاب، غير أنَّ ارتداده لم يُعتبر فتنة، لأنَّ الفتنة هي التي تُوقع المسلمين في حيرة إلى أين يركن الحق بين طائفتين منهم، وأمَّا حروب المرتدِّين فهي لا تُسمَّى فتنة، لأنَّ الحقَّ فيها واضح، وإنما تسمى جهادًا في سبيل الله، ضدَّ الذين خرجوا من الإسلام وآمنوا بنبوَّة مسيلمة الكذَّاب وسجاح الكذَّابة، حينما ادَّعيا النبوَّة، والله تعالى يقول: ژ??????ژ (الأحزاب: 40) والرسول حيقول: «لاَ نَبيَّ بَعْدِي، وَلاَ أُمَّةَ بَعْدَكُمْ» (1) والأمَّة كلُّها مجمِعة على أن لا نبوَّة بعد رسول اللهح، لا في الرجال، ولا في النساء، بل إنه لم توجد نبوءة في النساء مطلقا منذ بدء التاريخ.
وقعة الجمل:
وقعة الجمل هي التي انشقَّ فيها طلحةُ والزبير وعائشة يمن جهة، وعلي بن أبي طالبرضي الله عنه ومن معهم من جهة أخرى، ووقعت الحرب بينهم، وجاءت بعد ذلك أيضًا "وقعة صِفَّين" التي وقعت في نحو تلك الجهة.
__________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، بلفظ: «عن أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَكُمْ أَلَا فَاعْبُدوا رَبُّكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، ... » رقم: 7535، 8/ 115. (1/100)
صفحة 101
فقال النبي ح: «فَالنَّاجِي مَنْ نَجَا مِنْهَا، وَالْهَالِكُ مَنْ هَلَكَ فِيهَا» فالناجي هو الذي لم يدخل فيها من أوَّل الأمر، أو دخل في جانب الحق، والهالك هو الذي دخل فيها وكان مع جانب الباطل. وقد حذَّر النبي ح أمَّنا عائشة فقال مخاطبا زوجاته: «إِنَّ إِحْدَاكُنَّ تَخرُجُ وَهِيَ عَاصِيَةٌ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الحَوْأَبِ» وحذَّر عائشة مباشرة فقال لها: «وَإِيَّاكِ أَنْ تَكُونِي أَنْتِ!» فكانت هي، وخرجت في جمل داخل هودج ـ ولذلك نسبت الواقعة إلى جملها ـ، غير أنه غُرِّر بها، إذ أنها لمَّا وصلت إلى منطقة سمعت نباح كلاب، فقالت: ما هذه الناحية؟ فقالوا لها الحوأَب، فقالت لهم: «سأرجع إذن، لأنّني عاصية» فجاءها أعيانُ القوم فقالوا لها: إنَّ هذه المنطقة لا تسمى الحوأب، وإنما تسمَّى الجَوأَب، ژ? ژژژ (الأنفال: 44)، فجاؤوها بأربعين من أهل تلك المنطقة ليشهدوا أنَّ تلك الناحية هي الجوأب، وقد وُصُّوا جميعا بذلك، وقد سألتهم كل واحد بمفرده، فكانت هذه أوَّل شهادة زورٍ في الإسلام، وتمَّ ما أراد الله، وقُتل فيها خلقٌ كثير، ثم رجعت أمُّنا عائشة فندمت وتابت، فهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وزوجته في الجنَّة أيضًا، وكذا سائر أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ (1).
__________
(1) أخرجه أحمد وغيره بإيجاز شديد دون كثير من التفاصيل؛ مسند أحمد، رقم، 23120. وذكر القصة غير واحد من المؤرخين مع تفاوت في ذكر التفاصيل، غير أنَّ الذين ذكروا عدد شهود الزور قالوا خمسين بدل أربعين، منهم: البلاذري في أنساب الأشراف، 1/ 305، والمسعودي في مروج الذهب، 1/ 316. ولم نجد من صرَّح بكون خروجها عصيانا، غير الشماخي في السير، 1/ 48. (1/101)
صفحة 102
فمرَّت تلك الفتنة، وها نحن هنا قد جئنا بعدها بأربعة عشر قرنا، فليس لنا أن نقول فيها إلاَّ بمثل ما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز، لمَّا سُئل عنها في القرن الأوَّل، فقال: «تلك دماءٌ طهَّر الله منها أيدينا، فلا نلوِّث بها ألسنتَنا» (1) فلا فائدة من الخوض في مثل هذه المواضيع، لأنَّه مما يزرع الشقاق في المسلمين وما أغناهم عن ذلك، هي كلمةٌ حكيمة حقًّا، فإن كان قد قالها سيدنا عمر في ذلك الوقت، فنحن من باب أولى نقولها في هذا الوقت، لأننا بُعداء كلّ البعد عنها، وإنما ينبغي أن نقول ما قال الله تعالى: ژ?????????????????ژ (البقرة:134)، ويقول الشيخ السالمي رحمه الله في جوهر النظام:
وَمَا مَضَى عَنَّكْ وَلَوْ بِسَاعَة فَدَعْهُلَيْسَ البَحْثُ عَنْهُ طَاعَة (2)
فإذا كان هذا بساعة فكيف بعام أو قرن، ناهيك عن أربعة عشر قرنا، فهذه أمم قد خلت ولها نواياها، ولنا نوايانا، ولن يسألنا الله تعالى يوم المحشر: ماذا تقولون في معركة صِفِّين أو وقعة الجمل، ولن يحاسبنا عليها، وإنَّما يسألنا عن عقيدتنا وعبادتنا وأعمالنا، وزماننا فقط.
__________
(1) ينظر: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا تَقُولُ فِي أَهْلِ صِفِّينَ. قَالَ: «تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ يَدَيَّ مِنْهَا، فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَخْضِبَ لِسَانِي فِيهَا» 9/ 114.
(2) الأبيات للإمام نور الدين السالمي، في منظومة كشف الحقيقة، (ص:49) وينظر: إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي 1/ 151.
نحن الأولى نسكُتُ عَمَّا قد مضَى ... ولاَ نَعُدُّ الشتْمَ دِينًا يُرتَضَى
نقولُ تِلكَ أمَّةٌ وَقَد خَلَتْ ... وَكلُّ فِرقةٍ لَها مَا كََسبَتْ
وكانَ مِن قَولِهِمُ فِيمَا مَضَى ... لَيَْس عَلَينا فِيهِ أَمْرٌ فُرِضَا
فَما مَضَى قَبلَكْ لَو بِسَاعَه ... فدَعْهُ ليسَ البَحْثُ عَنهُ طَاعَة. (1/102)
صفحة 103
والذي نقوله في صحابة رسول الله ح على العموم هو ما علَّمنا الله تعالى أن نقوله: ژ?پپپپ????????????SSژ (الحشر: 10)، نقول هذا الدعاء لأنَّنا لسنا من الفريق الأوَّل الذين هاجروا من ديارهم، إذ لم ينلنا هذا الفضل، ولسنا من الفريق الثاني:ژ????????????????????????????????ژ (الحشر: 09)، فلسنا من المهاجرين ولا من الأنصار، فمن أيِّ فريق نكون إذن؟ إن لم نكن من الفريقين السالفين؟، فندعو الله أن نكون ممن ذكرهم الله تعالى في قوله: ژ?????پپپپ????????????SSژ (الحشر: 10)، ولنردِّد دومًا هذا الدعاء، ثم بعد ذلك حسابُهم على الله.
وإذا كان النبي ح يستفتح صلاته بالليل بالدعاء القائل: «اللهمَّ ربَّ جِبْرَائِيلَ وإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالمَ الغَيِبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهدِي مَنْ (1/103)
صفحة 104
تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍمُسْتَقِيم» (1). هذا دعاء النبي ح الذي هو مؤيَّد بالوحي، فبعد تعظيم ربِّ الملائكة جبرائيل وإسرافيل وميكائيل، قال: عالم الغيب والشهادة، لأنَّ الإنسان يعلم الشهادة ولا يعلم الغيب بل وحتى الشهادة لا يعلم حقيقتها إلاَّ الله، وقد يختلف الناس في الشهادة، خبر مشهود في وقت معلوم، ولكن الناس يفترقون في رواية ذلك المشهد حتَّى وإن حضروا فيه، ما بين شخص وآخر، وما بين ساعة وأخرى، وما بين يوم وآخر، هذا في الشهادة، فكيف بالغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الذي يحكم بالفصل، ويحكم بالعدل وهو الله تعالى.
وهذا دعاء مستجاب لأنه في الساعة التي تكون فيها الإجابة وهي الليل، لأنه ح كان يقوم بالليل وفي الثلث الأخير منه، وينادى من السماء الدنيا، «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَه؟، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَه؟، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَه؟»، فإذا كان النبي ح يدعو بهذا الدعاء، ويخاف من الفتنة ومن الاختلاف، ويسأل الله أن يهديه بإذنه إلى صراطه المستقيم، فنحن من باب أولى وأحرى أن ندعو بهذا الدعاء لأنَّه لا يوحى إلينا، وإنما مجرَّد اجتهادٍ منَّا فقط، فإذا كان مؤيَّدا من الله تعالى بالهداية فإننا سنُهدى إلى الطريق السوي «يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إلاَّ مَن هَدَيتُه، فَاسْتَهدُونِي أَهْدِكُم» هذا ما قاله الله تعالى لنا، فيا ربِّ اهدنا إلى طريقك المستقيم يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في الفرار من الفتنة
__________
(1) رواه مسلم، في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم: 1847. ورواه ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب استحباب مسألة الله عز وجل الهداية، رقم: 1153. ابن حبان: كتاب الصلاة، فصل في قيام الصلاة، ذِكْرُ سُؤَالِ الْمُصْطَفَى (رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْهِدَايَةَ، رقم: 2600. (1/104)
صفحة 105
76) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاضِعَ الْمَطَرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: «شَعَفَ الْجِبَالِ»: رُؤُوسَهَا (1).
شرح الحديث:
هذا الحديث ورد في موضوع الفرار من الفتنة حتَّى لا يفتنن المسلم في دينه، فيختلط عليه الحقُّ فيكون من المبتلين، فيركن إلى الذين ظلموا فتمسّهم النار، نسأل الله تعالى أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
«يُوشِكُ» يقرب أن يكون زمانٌ يكون فيه خيرُ مال المسلم قطيعٌ من غنم، يهرب بها إلى رؤوس الجبال، أو بِرك الماء المتكوِّنة من المطر، فيرعى هنالك غنمه فرارًا بدينه من الفتنة، وفي رواية "من الفتن " ويبدو أنَّ هذا الزمن قد وصل، وهو الذي نحن فيه، لأنَّ العواصم الكبرى التي تكثر فيها الفتن من الشرق والغرب، مثل أوربا الشرقية وأوربا الغربية، وآسيا الشيوعية، ومثل ذلك من الأفكار المتلاطمة الملحدة، أو التحلُّل من الدين أو من الأديان كلها، وهذا منتشر موجود، فإذا كان المرء وسط تلك الفتن
فيخاف عليه من الافتتان به، إن لم يكن له رصيد قوي من الإيمان والذي تكوّن في أماكن بعيدة عن هذه الفتن، فإذا دخل في خضمّ هذه البحار الهوجاء نجا واستطاع الخروج منها بسلامٍ، لماذا؟ لأنَّه قد تحصَّن إيمانه من قبل، وربَّته أمهاتٌ مؤمنات مسلمات قانتات، فغرسن الدين في قلبه وسقينَه بماء القرآن والسنَّة وسير الصالحين، فمثل هؤلاء لا يُخاف عليهم الوقوع في مثل هذه الفتن في الغالب، وإنما يكون رجاء عدم وقوعهم فيها أقرب من الخوف.
__________
(1) أخرجه البخاري، باب التعرب في الفتنة، رقم: 7088، مسلم، كتاب الفتن: 50. (1/105)
صفحة 106
ولا طريق للنجاة أحسن من الطريق الوارد في الحديث، «أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاضِعَ الْمَطَرِ» إذ ينجو بغنمه إلى رؤوس الجبال والصحاري، بعيدا عن الفتنة، ويمكن أن نشبِّه في هذا الأطراف النائية البعيدة مقارنة بالعواصم التي غالبا ما تتركز فيها الفتن، في البلاد التي تختلط بالأفكار الخارجة عن الإسلام وأخلاقه وتقاليده، أمَّا في المناطق النائية وفي الصحاري فإنها عادة ما تكون في مأمن من ذلك.
الفرار إلى وارجلان ووادي ميزاب كان هروبًا بالدين من الفتنة:
ومثلما هو عليه حالنا نحن الآن، وهو ما راعاه أجدادنا - رحمهم الله ـ عند هروبهم من الشمال إلى هذه البقاع النائية فرارًا بدينهم من الفتن، فلولا ما قاساه أجدادُنا في حفر الآبار، وبناء السدود واستصلاح الأراضي، لما عمرت ـ بإذن الله ـ إلى يوم القيامة، لأنَّه لم تكن هنالك عيونٌ تجري على وجه الأرض، وإنَّما حفروا آبارا إلى عمق خمسين أو ستين ذراعا، علَّهم يحصلون على كميات من الماء، فكانت هذه المشقَّة الكبيرة لأجل الفرار بدينهم من الفتن.
وفعلاً بقي هذا الدين محفوظًا ألف عام، وإنما بتفاوت في الأزمنة ابتداء من مدينة «العطف» التي عُمِّرت في أوائل القرن الخامس الهجري سنة 402، ونحن الآن في سنة 1402هـ أي ألف عام، ثم عُمِّرت بعدها القرى الأخرى الواحدة تلو الأخرى، وهذا كله ليس إعجابا بالمنطقة أو بخيراتها، أو لكنوز الحياة الدنيا وزخارفها، فلم يكن في هذه المنطقة أي شيء، بل إنَّ جلَّ ما كان فيها ندرة الماء، والبرد الشديد في الشتاء، والحر الشديد في الصيف، والعواصف الهوجاء، والعقارب والأفاعي القاتلة. (1/106)
صفحة 107
ولكن ما الذي جعلهم يفرُّون من بلاد الخصب من «تاهرت» التي هي مفرَشُ كساءٍ ووَقرُ جملٍ، مثلما كاتب أحدُ علماء تاهرت أحدَ علماء وارجلان، فقال: «تعالى إلى أرضٍ مفرشُ كساءٍ ووقرُ بعيرٍ»، فقال الذي في وارجلان: «تعال إلى موطن مقعدُ رَجُلٍ ووقرُ بعيرٍ» (1) معنى هذا الكلام أي أنَّ العالم التاهرتي دعا العالم السدراتي أو الوارجلاني إلى أرض وصفها بأنَّ مفرش كساءٍ فيها، أي بقدر ما تفرش كساءك تحمل به مقدارَ حمل بعيرٍ من القمح، دلالةً على الخير الكثير، والأراضي الخصبة التي تركوها، أمَّا عالم وارجلان فدعا أخاه التاهرتي إلى وارجلان التي وصفها له بأنه بقدر ما يقعد رجل في بقعة تنبت فيه نخلة، تعطي التمر بقدر حمل بعير، لوفرة الماء وكثرة العيون التي تجري فوق أرضها، وقد أجاب جوابًا حكيمًا.
نعم كانت في وارجلان عمارة قديمة جدًّا، لأنَّ المياه متوفرة، أمَّا في وادي ميزاب فلا تتوفر لدينا فيه مثل تلك المياه، فمثلا في سنة 1948لم يتبقَّ في البلد إلاَّ بئرين،
أحيتَا الناس بمائهما الذي خُصِّص للشرب فقط دون سقي الأشجار والزروع، حتَّى إن أصحاب تلكما البئرين قد هلكت غاباتهم واحترقت، في سبيل إنقاذ حياة الناس. هذا ما كان في التاريخ البعيد. ونحن إن شاء الله نكون ممَّن شملنا هذا الحديث، ممَّن فرُّوا بدينهم، فإن لم يكن إلى رؤوس الجبال فإلى بطون الأودية والصحاري فرارًا بدينهم من الفتن فيما مضى.
__________
(1) ينظر: أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشماخي، السير، 1301هـ/المطبعة البارونيّة، القاهرة، 01/ 363 (طبعة حجريّة). (1/107)
صفحة 108
ولكن هذا الأمر في هذا العصر قد تغيَّر، إذ إنَّ الفتن أصبحت تتبع الناس أينما كانوا، فالآن أصبحت الطرق الممتدَّة إلى كلِّ المناطق هي التي تساعد في نقل هذه الفتن، وكذلك التلفاز أيضًا، ومن جهة أخرى أصبح الناس يتنقلون بأنفسهم لأماكن هذه الفتن، فسفر النساء والبنات إلى تلك المناطق يعلّمهنَّ الوقاحة وعدم الحياء، فعلينا أن نأخذ الحيطة والحذر، فكلما استقرَّ الرجل بأسرته في وطنه هذا بوادي ميزاب وقلَّل من السفر إلى تلك البلاد كان أفضل حتَّى نحفظ لأنفسنا هذه البقية الباقية من الأخلاق الإسلاميَّة، ونعضَّ عليها بالنواجذ، حتَّى نذهب إلى ربنا ناجين غير مفتونين والعياذ بالله، لأنَّ الفتنة صعبة، فقد يظن المرء أنه على الهدى والصراط المستقيم، وأنه قريب من الإسلام، لكنه هو بعيد عنهژں????ژ (الكهف: 104).
وموازين الله تعالى في القرآن والسنَّة لا تتغيَّر أبدًا، من الأوامر والنواهي، فلا يمكن أن يكون هناك شيء محرَّمًا من قبل ثم يصبح مباحًا، بسبب أنَّ الناس اعتادوا على فعله، أو أنَّ الجميع صار يرتكبه، فلا يوجد هذا في دين الله أبدا، فما كان حرامًا فهو حرام حتَّى تقوم الساعة، وكذلك ما كان حلالاً فهو حلال حتَّى تقوم الساعة، وحدود الله هي حدوده حتَّى تقوم الساعة، فلا يأتي يوم فتتَّسع أو تضيق أو تزول، فلا حقَّ لنا أن نغيِّر أو نبدِّل في الشريعة الإسلامية.
المال قوام الأعمال: (1/108)
صفحة 109
ومن الغريب أن يذكر الرسولحالمال في قوله: «خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ» ففي تصورنا أنَّه من المفترض أن يقول: يوشِك المرء أن يفرَّ بدينه إلى رؤوس الجبال، إذ لا يقدر المرء أن يفكر في المال أبدًا في ذلك الظرف، ولكنه ذكر المال في هذا الموضع، حتَّى نفهم أنَّ المال قوام الأعمال، وفي هذا باب واسع في الفقه، فدين الإسلام دين واقعيّ، وهو دين العمل، فلا ينبغي أن يفرَّ المرء فقط بل لا بد له من مورد رزق يعيش به، فهو إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنَّ كلَّ واحد منا عليه أن يفكرِّ في اتخاذ مورد رزق حلال يعيش به ژ??SSSS?????????ژ (الملك: 15) ژSS?????????????ژ (الجمعة: 10)، وأطول آية في القرآن هي الآية التي فيها الحثُّ على المحافظة على المال من التضييع، وهي آية الدين، إذ على الذي أعطى أموالاً للناس أن يكتُبها ويوثِّقها وفق شروطها، ويتَّخذ شهودًا لتلك الكتابة، وإن لم يتمكَّن من الكتابة فيجب أن يكون في مقابل الدَّين رهنٌ مقبوض ژ????پپپپ??ژ (البقرة: 283)،فالله تعالى قد وثَّق لنا معاملاتنا المالية جيِّدا حتَّى لا تضيع، فاكتساب المال الحلال لا يعدُّ أمرًا دنيويًا أبدًا، وإنما هو من تمامِ الدِّين ومن تمام الآخرة.
والله تعالى ينهانا عن إضاعة المال، وكذلك يدعونا إلى الكسب الحلال فلا يعقل أن يقعد المسلم ينتظر إعانة من أحد وهو جالس في المسجد مثلا، «فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضَّة»، كما قال سيِّدنا عمر رضي الله عنه، فلو أنَّ السماء تمطر ذهبا أو فضة لما عمُرت الأرض، (1/109)
صفحة 110
والناس يحرثون ويسقون الأراضي كي يكسبوا الرزق الحلال، ويُعمِّرُوا الأرض إذ لا تغنيهم تلك الفضَّة من جوع ولا عطش إن لم يعملوا، فهذا إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاهتمام بالمال ومكسب من الرزق، بشرط ألاَّ يكون من مصدر حرام أو ربًا، وأن لا يضيِّع الفرائض والعبادات من أجله ژ???????????????ژ (طه: 132)،ولأننا نؤمن أنَّ الرازق هو الله ونتوكَّل عليه، ولكن مع هذا ژSS????????ژ (الجمعة:10)، فالشرع يأمرنا أن نعمل حتَّى في يوم الجمعة الذي هو يوم راحة، فليس لنا نحن المسلمين يوم سبت كسبت اليهود، الذي يحرم عليهم أن يعملوا فيه أو يتحركوا.
هكذا يرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الفرار بديننا من الفتن، إن أمكن للمسلم أن يفرَّ من الفتنة إلى مكان أقلَّ فتنة، فرارًا بنفسه وأهله وولده، حتَّى وإن قلَّ الرزق، لأنَّ البركة ستحلُّ فيه بإذن الله تعالى، حتَّى ولو كان نصف الرزق أو ربعه فقط، ولكن مع السلامة من الفتن، فذلك أفضل من مكان فيه رزق كثير، ولكن لا يأمن المرء فيه على نفسه ولا أهله الفتنة، خاصة في مثل هذا العصر الذي تلاطمت فيه أمواجها وانتشرت في أماكن كثيرة، فنسأل الله السلامة، والحمد لله رب العالمين.
((((
كتاب الطهارة
[صفحة بيضاء]
باب
في الطهارة والاستجمار
[صفحة بيضاء]
ما جاء في النهي عن استقبال القبلة
واستدبارها ببول أو غائط. (1/110)
صفحة 111
77) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (1) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ». قَالَ جَابِرٌ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ، وَأَمَّا فِي الْبُيُوتِ فَلاَ بَأْسَ، لأَنَّهُ قَدْ حَالَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حِيَالٌ (2) وَهُوَ الْجِدَارُ (3).
78) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا لِحَاجَتِهِ بَيْنَ لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ أَجْلِ هَذَا أَبَاحَ ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فِي الْبُيُوتِ (4).
79) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ بِمِصْرَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَائِسِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِفَرْجِهِ».
__________
(1) * خ: قال بلغني.
(2) * خ: حائل.
(3) أخرجه البخاري، باب قبلة أهل المدينة، رقم: 394، 1/ 88 الترمذي: باب في النهي عن استقبال القبلة. 1/ 13.
(4) أخرجه الترمذي باب ما جاء من الرخصة، رقم: 11، 1/ 61.ورواه أحمد، مسند عبد الله بن عمر، 4617، 8/ 234. (1/111)
صفحة 112
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا قِيلَ فِيهِ وَمَا رُوِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1).
شرح الحديث:
ثلاثة أحاديث كلُّها في موضوع واحد في آداب قضاء الحاجة، نقرأها ونشرحها مجموعة إن شاء الله.
وابتداء من هذا الحديث ننتقل من باب العلم والقرآن وخصال الإيمان إلى باب العبادات التي تأتي بعد الإيمان، والطهارة تتقدَّم هذا الباب، وجميع الفقهاء والعلماء يقدَّمون باب الطهارة على باب الصلاة لأنَّ الطهارة هي أساس الصلاة بل إنَّ الصلاة بُنيت على الطهارة، فلا صلاة بلا طهارة، والربيع سمى الباب: باب الطهارة والاستجمار، وسيأتينا الكلام عن الاستجمار كيفيته وعدد أحجاره. وإنما قدَّم الباب
بموضوع آداب قضاء الحاجة، ليتعلَّم المسلم التأدُّب أثناء قضاء حاجته، فلا يستقبل القبلة في جلوسه ولا يستدبرها، وإنَّما عليه أن ينحرف عنها يمنة أو يسرة، ولا حرج في هذا فهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعلِّمنا كلَّ شيء، بل يعلِّمنا حتَّى قضاء الحاجة، وهو الذي يقول لنا: «أَنَا لَكُم مِثْلُ الوَالِدِ، أعَلِّمُكُم أَمْرَ دِينِكُم» (2).
الحديث الأوَّل: رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد التابعي، عن جابر بن عبد الله الصحابي، يعني بطريق متَّصل لأنَّ جابر بن زيد التقى جابر بن عبد الله وأخذ عنه العلم، وجابر بن عبد الله التقى أيضا النبي صلى الله عليه وسلم، وشارك معه في أغلب الغزوات، حتَّى أنه شهد بيعة العقبة الثانية هو وأبوه.
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، 29، ورواه مسلم في كتب الطهارة، 59، ورواه الترمذي، كتاب الطهارة 6.
(2) أخرجه الربيع في هذا الباب مما يلي هذه الأحاديث، رقم: 80. (1/112)
صفحة 113
إذن قال أبو عبيدة: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط» أي أنه يجب ألاَّ نتَّجه بوجوهنا إلى الكعبة في قضاء حاجتنا ولا نوجِّه إليها ظهورنا أيضًا وهذا شيء معقول، احترامًا وإجلالا لحرمتها، إذ لا يُتَّجَه إليها إلاَّ في الصلاة أو العبادات من قراءة القرآن أو الدعاء، ژگ????????ںں????ژ (البقرة: 150) ففي الصلاة يعتبر الأمر واجبا، أمَّا في التلاوة والدعاء وأعمال البر فهو مستحبٌّ، ولذلك لا تستقبل القبلة بالخبَث، والنهي هنا يدلّ على الحرمة، ومن خالف هذا النهي فقد عصى، فليحذر أحدنا ـ خاصة إن كان في سفر ـ ألاَّ يتحرىَّ القبلة فيتجنَّبها عند جلوسه لقضاء حاجته، وورد أيضا النهي عن استقبال النيِّرين الشمس والقمر، فلا يستقبل أيضا الشمس والقمر.
«قَالَ جَابِرٌ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ» ولكن ثمة فتوى لجابر بن زيد الذي سأل عن ذلك ابن عباس، وعبد الله بن عباس هو الحَبْرُ، أي العالم الكبير، الذي فضَّله الله في الدين ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أستاذ جابر بن زيد، حيث إنه روى عنه الكثير من أحاديثه وعُرف بصاحب ابن عباس، من كثرة ملازمته له. (1/113)
صفحة 114
«قَالَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ، وَأَمَّا فِي الْبُيُوتِ فَلاَ بَأْسَ» قال ابن عباس: إنَّ معنى النهي هنا هو عن استقبال القبلة إذا كان في الصحاري والقفار، لا وسط البنيان، أمَّا في البيوت فلا بأس، «لأَنَّهُ قَدْ حَالَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حِيَالٌ، وَهُوَ الْجِدَارُ». فهذه فتوى ابن عباس، وأكيد أنَّ ابن عباس لم يأخذ هذه الفتوى لمجرَّد رأي، وإنما أخذها بالنقل والاستدلال [وهذا ما جاء في الحديث الذي بعده]: عن عبد الله بن عمر لمَّا كان صغيرا قال: «دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِحجَالِسًا لِحَاجَتِهِ بَيْنَ لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ» دخل بيت النبي ح مرَّة ببيت أخته حفصة التي تعتبر أختا له شقيقة أي من أمِّه وأبيه، وهي من زوجات النبي وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فرأى النبي ح جالسا لقضاء حاجته مستقبِلا لبيت المقدس ومستدبِرا للكعبة، وطبعا رآه من ورائه وهو مستور، وفعل النبي ح حجة. وبذلك استدلَّ العلماء على استثناء البيوت بجواز استقبال واستدبار القبلة أثناء قضاء الحاجة فيها، ومع ذلك فلا يمنع هذا الترخيص من تحرِّي مجانبة القبلة حتَّى في البيوت، تطبيقا لآداب النبي ح، فعند بناء البيوت يجب محاولة مراعاة ذلك، بعدم توجيه بيت الخلاء إلى القبلة أو استدبارها.
فهذه الرخصة تفيدنا في حال قد سبق بناء بيوت الخلاء مستقبلة للقبلة، فلا يصحُّ أن نهدِمها ونُعيدها لأجل هذا المحذور، وهذا نفس الأمر الذي وقع لأبي أيوب (1/114)
صفحة 115
الأنصاري حين قال: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَائِسِ»، والكرائس جمع كرياس وهو المرحاض، قال أبو أيوب هذا الكلام بعد فتح مصر، حيث وجد مراحيضها مستقبلة للقبلة، فوقع في إشكال فأجابه الصحابة الفقهاء بأنَّك لست ملزمًا بهدمها، وإنَّما الواجب يقع على من بنى بناءً جديدا، أن يتحرَّى مجانبة القبلة، ولعلَّ النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك مضطرًّا لأنَّه حاول التستُّر قدر الإمكان، فلو أنَّه انحرف يمينا أو شمالا لانكشف.
سكن النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي أيوب الأنصاري في بيته:
أبو أيوب الأنصاري، هو من أفاضل الصحابة الكرام، وهو أنصاري كجابر بن عبد الله، غير أن جابر بن عبد الله من بني سلمة، أمَّا أبو أيوب فمن بني النجَّار، وأبو أيوب نزل عنده النبي ح وسكن معه في بيته، حين أتى المدينة مهاجرًا من مكَّة، وكما نعلم أن الجميع كان يريد أن يأخذ النبي إلى بيته غير أنَّ أبا أيوب أخذ متاع النبي صلى الله عليه وسلم معه، فقال الرسول ح: «المُسَافِرُ مَعَ رَحْلِهِ» واتَّبع رَحله وسكن معه في بيته، غير أنَّ بيت أبي أيوب له طابقان، والرسولحسكن في الطابق السفلي، أمَّا أبو أيوب وأهله فسكنوا في الطابق العلوي، ومكث معه حتَّى بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد وحجراته، لينتقل إليها بعد ذلك، حتَّى أنه في يوم من الأيام حمل أبو أيوب الأنصاري متاعه فنزل الدرج، فقال له النبي ح: إلى أين يا أبا أيوب؟ فقال له: لا يحسُن بنا أن نسكن من فوق وأنت رسول الله من أسفل، فلا بد أن تكون أنت من أعلى، فقال له رسول الله ح: ارجع حيث
كنت فهذا أرفق بنا وبك، لأنَّ النبي صلى الله عيه وسلم يأتيه الكثير من الصحابة لزيارته فلو أنه سكن في الطابق الأعلى لكان في ذلك حرج الاستئذان للصعود والنزول، لذلك قال له هذا أرفقُ بنا وبك. (1/115)
صفحة 116
فما دام أبو أيوب الأنصاري لم يقصد العلو على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قصد الرفق به وترك ما هو أفضل للنبيح، لأنَّ وضع البيت في الطابق الأسفل في البلاد الحارة عادة ما يكون أبرَدَ وألطَفَ جوًّا من الطابق العلوي، حتَّى روي عنه أنه في يوم من الأيام انقلبت جرَّة من ماء في طابق أبي أيوب الأنصاري فسارع هو وأهله بخِرق من قماش ينشِّفان ذلك الماء حتَّى لا يقطر على النبي ح. فهذا هو أبو أيوب الأنصاري الشاب المسلم الكريم الذي استضاف النبي ح في بيته، ولا يزال بيته موجودًا إلى اليوم مكتوبٌ فيه «دار أبي أيوب»، بالقرب من مسجد المدينة من جهة القبلة، حيث إنَّ بينهما شارع فقط، ولكن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه كتب الله وفاته بعيدًا عن المدينة في بلاد اسطنبول بتركيا، بالبلاد التي فيها مضيقُ البوسفور، ومات خارج المدينة بسبب مرض شديدٍ ودُفن هنالك، وبُني بجانب قبره مسجدٌ كبير سمِّي بجامع أبي أيوب الأنصاري، ومن يذهب إلى اسطنبول وإلى مسجد أبي أيوب فسيجد قبره هنالك، وهذا شرفٌ له. وروي في الحديث ما معناه أنَّه «من مات بعيدًا عن مولده وزن له يوم القيامة بين مولده ومدفنه بميزان حسناته».
وُلي أبو أيوب الأنصاري أرض مصر لما فُتِحت، ومصر بلاد عمران قديمة وبلاد حضارة وليست بلاد بداوة، خاصَّة عاصمة مصر آنذاك التي سمِّيت بالفُسْطَاط، قبل أن تسمَّى
القاهرة بعد ذلك بثلاثة قرون. وجد في هذه البيوت مراحيض مستقبلة للقبلة، فاحتار في أمرها فقال: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَائِسِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ح: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِفَرْجِهِ». (1/116)
صفحة 117
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا قِيلَ فِيهِ وَمَا رُوِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ»، قول الربيع عن أبي عبيدة هو من ضمن هذا الحديث، والذي قصده هو الفتوى التي ذكرها ابن عباس فيما يخصُّ حكم جواز استقبال القبلة أو استدبارها في المراحيض التي في البيوت في الحديث السابق، والنهي الواقع في استقبال القبلة في القفار والصحاري، وهذه الفتوى التي قالها ابن عباس مستندة إلى حديث ابن عمر الذي رأى الرسول ح مستقبلا للقبلة في بيته، فليتحرَّ أحدنا إن كان في فلاة، وأمَّا من دخل بيتًا أو مرحاضا مستقبلا للقبلة فلا حرج عليه في ذلك والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
((((
ما جاء في الاستجمار بالأحجار والنهي عن الروث والعظام
80) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا لَكُمْ (1) مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَنْجَى (2) بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَهِيَ الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ (3).
__________
(1) * خ: إنَّما أنا لكم.
(2) * خ: يستجمر.
(3) أخرجه، النسائي، باب النهي عن الاستطابة بالروث، بلفظ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ» رقم:40، 1/ 41، وأخرجه ابن ماجة، باب الاستنجاء بالحجارة، رقم: 313، 1/ 114. (1/117)
صفحة 118
81) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ إِلَى حَاجَةِ الإِنْسَانِ (1) قَالَ: «ائْتِنِي بِالأَحْجَارِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَاسْتَنْجَى بِالْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ».
قَالَ جَابِرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، لأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ زَادُ دَوَابِّهِمْ. قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: وَالذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الاِسْتِنْجَاءُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ (2).
82) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (3).
شرح الحديث:
هذه الأحاديث في موضوع الاستجمار وإزالة النجاسة بالأحجار، وقد قال النبي ح بين يدي هذا الحديث: «أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» على الإنسان ألاَّ يتعجَّب فيقول: وهل يتدخَّل الدين حتَّى في هذه المواضيع من الاستجمار وكيفيته
__________
(1) * خ: لحاجته.
(2) أخرجه مسلم، باب الاستطابة، رقم: 57، بلفظ: «لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ».
(3) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، 25، 26، وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة، 20، 22،24 .. (1/118)
صفحة 119
وعدد الأحجار المستجمر بها؟، وكأنَّ الدين عليه أن يتسامى عن هذه المواضيع، غير أنَّ الظَّانَّ لهذا مخطئٌ، فالدين يتدخَّل في جميع شؤون الإنسان، والعبادة تبدأ من الطهارة بل إنَّهاتُبنى عليها، فأيُّ عبادة من صلاة وصوم وحج وعمرة وطواف لا بدَّ فيها من شرط الطهارة، بل وحتَّى بالنسبة للميت فإنه يلزمه الغسل والتطهُّر.
والطهارة فيها كيفيات، يدرك الناس بعضًا من حكمها، وبعض منها لا يدركها حتَّى ينبئَنا بها العلم بعد تقدمه، من مثل ما اكتُشف مؤخَّرا بأنَّ في النجاسات جراثيم كثيرة تنتج عنها الأمراض المعدية والفتَّاكة وأنَّ منها ما لا يموت بالماء وإنَّما يموت بأشياء ناشفة بالحجارة والتراب والأخشاب اليابسة وما صنع منها أيضا، فمثل هذه الأمور أدركها الأطباء بعد ألف وأربعمائة عام ولم يدركوها من قبل، وقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم من قبل لأنَّهحمُلهَم يُوحى إليهژ??????????ژ (النجم: 3ـ4)، والنبي لا يتكلَّم بهواه أو بمعرفته بعصره فقط، وإنما يتكلَّم بإلهام ووحيٍ من علاَّم الغيوب الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ولا يزال العلم يتقدَّم ويكشف عن أشياء كنَّا قد آمنَّا بها من قبل، لأنَّها جاءت على لسان سيدنا محمد ح، فنحن مؤمنون بذلك بصدر منشرح قائلين سمعنا وأطعنا، وإن جاءنا شيء من العلم يؤكّد ويثبت ذلك فهذا جيِّد، وإن لم يصل العلم إلى شيء، أو جاء بنفي أو عكس ما جاء به القرآن أو السنة، فإنّنا نسيءُ الظن بالعلم ونحسنُ الظّنّ بالله تعالى.
غسل إناء الكلب: (1/119)
صفحة 120
ومثال ذلك ما قاله: ح في شأن الكلب «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (1)، في حديث آخر «أولاهُنَّ بالتراب» وفي رواية: «أُخرَاهنَّ بالتراب» وفي رواية أخرى: «أُولاَهنَّ وأُخراهنَّ بالترابِ» (2). ترى لماذا لا بدَّ من غسله بالتراب؟ فهذا كلام نطق به النبي ح، ورواه المحدِّثون بطريق صحيح، وكان الناس يصنعون هذا ولا يدرِكون ما الحكمة من ذلك، فغسْلُه سبع مرَّات بالماء يطهِّر الإناء، ولكن بالنسبة للجراثيم التي تكون في فم الكلب وفي ريقه فهي خطر، لأنَّها لا تموت بالماء فقط بل لا بدّ من التراب، فجاء الطبّ بعد ذلك فكشف هذه الحقيقة بالمجهر المتطوّر الذي يرى هذه الجراثيم الدقيقة التي لا ترى بالعين المجرّدة، فوجدوا أنَّ هذه الجراثيم، إن غسلت بالماء أو حتَّى بالصابون فإنها لا تزول أبدًا إلاَّ إن دُلكت بالتراب.
«وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَنْجَى بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ» فالنبي ح إذن أمر في حديث الباب أن نستجمر بثلاثة أحجار لكن ربَّما يزيل النجاسة حجرٌ واحد ولكنه أمر بثلاثة، بالوتر، فعلينا أن نقوم بذلك وكفى، ونفس الأمر فيما قال النبي ح في شأن سبع مرَّات في غسل ما ولغ فيه الكلب، فلعلَّ الجراثيم لا تموت بالحجر الأوَّل ولا الثاني ولكنها تموت بالحجر الثالث، ورخَّص العلماء إذا كان حجرًا ذا ثلاثة أحرف أو وجوه، وحجرين إن كان لأحدهما وجهين، فهذا أمر من النبي ح فلا بد أن يطاع.
__________
(1) أخرجه الربيع في الصحيح، رقم: 155.
(2) أخرجه الربيع في الصحيح، بلفظ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُهْرِقْهُ وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ وَأُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».» رقم: 153. (1/120)
صفحة 121
«وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَهِيَ الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ» نهى عن الاستجمار بالرَّوث والرِّمَّة، والرِمَّة هي العظم البالي فلربَّما يكون أحدنا في صحراء فلا يجد ما يستجمر به إلا الرّوث أو الرّمة فلا ينبغي أن يفعل ذلك، لأن فيه نهي صريح من النبي ح.
أما الرّوث «وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ» والركس هو الشيء النجس الخبيث، فلربّما تسري لهذا المستجمر ميكروبات من ذلك الروث وربما تكون فيها جراثيم لمرض ما كان في ذلك الحيوان فتنتقل إلى هذا الإنسان.
طعام الجن وطعام دوابهم:
وأما الرّمّة فقد جاء في الحديث التالي: «إِنَّمَا نَهَى النَّبِيءحعَنِ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، لأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ زَادُ دَوَابِّهِمْ» نحن لا نعلم كيفية أكل الجن للعظام، وإنمّا نؤمن بذلك لأن الجنّ ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وهم مخلوقات لا تُرى، خلقت من نار وطبيعتهم غير طبيعة البشر، ولكن لهم عقول وشهوات مكلّفون بما كلّف به البشر، ومخاطبون مع البشر:ژ???ژ. وكذلك في سورة الرحمن ژھھھھژ (الرحمن: 13) حتَّى قال النبي ح لمّا كان يقرأ سورة الرحمن على الصحابة رضي الله عنهم وهم جالسون من حوله: ژھھھھژ ففيه صيغة السؤال، والصحابة صامتون يُنصتون إلى القرآن، فقال لهم النبي ح: ألا تقولون مثلما قال إخوانكم الجن، فقال الصحابة يا رسول الله: وما قال إخواننا الجن؟ قال: إنهم كانوا يقولون: «اللهم لا بنعمة من نعمك يا ربنا نكذب فلك الحمد
و لك الشكر»، فكلما قال لهم: ژھھھھژ ردّدوا بهذا الحمد لله تعالى، فاستحسن النبي ح هذا الجواب من الجن فرغَّب إلى الإنس أن يقولوا كذلك (1).
__________
(1) أخرجه: الترمذي، الصحيح، أول كتاب، حديث رقم2624، 03/ 112. وأخرجه البزار: المسند، مسند ابن عباس، حديث رقم5853، 02/ 245. والبيهقي: شعب الإيمان، تخصيص سور منها بالذكر، حديث رقم2493، 02/ 489. (1/121)
صفحة 122
وروي في حديث آخر أنَّ الجنَّ ذهبوا إلى النبي ح فاشتكوا إليه قلَّة الزاد، فقال لهم النبي: ح «أَلَيْسَ لَكُم بِكُلِّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ لَحمٌ غَلِيظُ، أي طَريٌّ تَعِيشُونَ بِه، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ الله ح وَلَكنَّهم يُنَجِّسُونَها عَلَينَا يا رَسُولَ الله ح»، إمَّا بالاستبراء، وإمَّا بخلطهم إياها بالأشياء النجسة، حين يرمونها في مرابض الحيوانات، فنهى رسول الله ح بعد ذلك عن تنجيسها بأيِّ سبب كان، ومنها الاستبراء بها.
ومما رُوي أنَّ الروث زاد دوابهم، فيما جاء في حديث جابر: «لأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ زَادُ دَوَابِّهِمْ» قال عنه: إنَّه رِكْسٌ أي فيه خباثة، لذلك هو زاد دوابهم، ومنهم من قال: إنَّ الرِّكسَ بمعنى الرجيع، لأنَّ الارتكاس معناه الرجوع إلى الحالة الأولى، أي بعد أن كان طعامًا صار روثًا، وسيعود أيضًا طعامًا لدواب الجن بعد ذلك، فجمع بذلك المعنيين. ومهما يكن الأمر في هذا فنحن علينا أن نتجنَّب هذه الأشياء ولنستبرئ بالحجارة المنشِّفة أو الأخشاب أو الأوراق المخصَّصة للاستجمار والتي ينبغي أن نختار منها المُنشِّفة والنظيفة والتي ترشَح النجاسة فيها، ولقد صنع هذا الورق بالأخشاب والنبات أيضًا، فهي تمتصُّ النجاسة وتزيل الجراثيم. (1/122)
صفحة 123
وكذلك واقعة الحال التي رواها عبد الله بن مسعود حيث قال: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِح [وقد يكون في حضر أو في سفر] حتَّى إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ إِلَى حَاجَةِ الإِنْسَانِ قَالَ: «ائْتِنِي بِالأَحْجَارِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَاسْتَنْجَى بِالْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، .. » كل هذه آثار تدلُّ على أنَّ الاستجمار إنما يكون بالأحجار، أو مما صُنع من طبيعتها أو الأخشاب النظيفة، ولكن مما نستفيده أيضًا إمكانية أن يُستجمر بورقٍ واحد لكن من ثلاث وجوه نظيفة، ثم يكون الاستنجاء بعد ذلك بالماء أمرًا ضروريًّا، وإن لم يستطع فيكفي الاستبراءُ الجيِّد.
قال رَسُولِ اللَّهِحقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ» فليستنثِر معناه أي من أسبغ الوضوء فعليه أن يستنشق الماء جيدًا بأنفه ثم يخرجه جيدًا كذلك، لا أن يتركه ينزل لوحده، فلا بدَّ أن يستنثره بنفَس قوي حتَّى ينزع ما علق بالأنف من الأوساخ والغبار، وقد رخَّص العلماء ـ رغم ذلك ـ أن يدخل أصبعيه إلى أنفه ليساعد على تنظيفها جيِّدا.
«وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» أي إمَّا بثلاثة أحجار، أو بثلاثة وجوه لحجر واحدٍ، أو بثلاثة أوراقٍ، أو بثلاثة أوجه لورق واحد، المهم بالوتر، وهو إرشاد من النبي ح، ليتبع بعد ذلك الاستنجاء بالماء ويزيل بقيَّة المادَّة النجسة، وهي الطهارة الكاملة، والثلاثة هنا كحدِّ أدنى، فإن لم يطمئن فلا بأس أن يزيد إلى خمسة أو سبعة، المهم أن يكون وترًا. والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
لا يجوز الاستبراءُ بالورق الذي فيه كتابة: (1/123)
صفحة 124
بقي لنا كلمة عن درس أمس فيما يخصُّ الاستبراء بالأوراق، فالورق المكتوب لا يجوز الاستبراء به، لأنَّ الكتابة لها حرمة، فالله تعالى أقسم بالقلم، ژ ژژssژ (القلم: 01)، فهذا النهي مطلق يشكل أي كتابة، مهما كان محتواها وشكلها، ولو كانت بلغة أجنبية، وروي لنا أنَّ الشيخ اطفيش سُئل عن هذا، فشدَّد فيه كثيرًا على من يستبرئ بالورق المكتوب، وجعله في درجة من يستبرئ بقطع الخبز (1)، هكذا بهذه العبارة وهذا التشبيه، خاصَّة ما كان باللغة العربية، وما كان فيه ذكر الله، وهذا ما يحصل أحيانا ونجده في بعض المراحيض، أوراقٌ فيها كتاباتٌ بل وفي ضمنها أسماء الله تعالى وهي ملطخة بالنجاسة، فكيف نلقى الله تعالى بهذا، ففعل هذا هو بمثابة محاربة لله جلَّ وعلا، فلنحذر إذن ولنَنهَ أهالينا وأبناءنا عن ذلك، ولنُبعد الجرائد عامَّة عن مراحيضنا حتَّى لا نقع في هذا المحذور، فلربما يقول قائل: الجرائد ليس فيها إلاَّ أمور الدنيا، ولكن قد يرد فيها اسم كعبد الله أو عبد الرحمن، فهذا اسم من أسماء الله تعالى، فلنؤكد على هذا ولنشدِّد عليه حتَّى نسلم دنيا وأخرى. وقد قيل إنَّ تلك الكتابة فيها سمّ ضارٌّ جدًّا، من جرَّاء مادَّة الحبر التي كتبت به، والذي يسري بين مسام الجلد خصوصا في تلك المنطقة الحسَّاسة، فعلينا التحرِّي في استعمال الورق الذي ليس فيها كتابة، ولو تكلَّف ذلك دفعا لثمن شرائها، طبعا بالثمن الرخيص وليس الغالي، فثمَّة أنواعٌ عديدة من الورق الصالح لهذا.
ما جاء في النهي عن البول والغائط في الأجحرة
__________
(1) لم يعثر على مقولة الشيخ أطفيش، فيما بحث فيه من مظان. (1/124)
صفحة 125
83) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الأَجْحِرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأَنَّهَا مَسَاكِنُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ (1).
شرح الحديث:
هذا الحديث الذي نورده اليوم فيه نهيٌ عن قضاء الحاجة في الأجحرة، والأجحرةُ جمع جُحر، والجُحر هو الثقب والمغارة الصغيرة التي تكون في الأرض، إمَّا للثعابين أو الجرذان أو ما يكون في الصحراء أو الغابات، حتَّى ولو كان لضفدع أو فأر أو غير ذلك من دوابِّ الأرض. وهكذا جاءنا النهي من النبي ح وهو لنا مثل الوالد يعلِّمنا أمر ديننا.
نهانا عن البول في الأجحرة لأنَّ المسلم مأمورٌ أن يحفر حفرةً في الأرض قبل أن يبول حتَّى لا ينعكس رذاذه عليه، وأن يتحرَّى عدم استقبال الريح أيضًا ولا يستقبل القبلة ولا الشمس ولا القمر كذلك، فليحذر أحدنا من كلِّ هذا، حتَّى لا يتنجَّس بدنُه وثوبُه وحذاؤُه وجواربُه.
والنهي هنا عن قضاء الحاجة في الأجحرة يدلُّ على التحريم، وأمَّا عن ابن عباس فعلَّلها بعلَّة؛ فقال: «إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّهَا مَسَاكِنُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ»
فكما لا يرضى أحدنا أن ينجُّس له أحد بيته، فكذلك الأمر بالنسبة للجنِّ، فلا يجوز أن ننجس عليهم مساكنهم.
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة 16، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة 29. (1/125)
صفحة 126
وروي في هذا قصَّة لا بأس بذكرها، وهو أنَّ سعد بن عبادة رضي الله عنه سيِّد الخزرج مات بسبب هذا وهو في الشام، حيث قام من نومه في جوف الليل، فذهب ليبول خارج البيت، فوجد ثقبا في الأرض فبال فيه، ومن حينه أحسَّ بألم شديد في بطنه حتَّى أصبح ميِّتا، وفي عشية ذلك اليوم الذي أصبح أبو أيوب ميِّتا، كان أطفال يلعبون في غابة خارج البلد إذ كانوا يسكنون فيها فسمعوا صوتا ينبعث من قعر بئر، فإذا هما بيتان من الشعر:
نحن قتلنا سيِّدَ الخزرَج سَعْدَ بنَ عُبادَة ورميناهُ بِسَهمٍ فلَم نُخطِئْ فُؤادَهْ
ففزع الأطفال من هذا الكلام وهو صوت الجنِّ طبعا حيث صدر من البئر، وبعد أيام بلغ إليهم وفاة الصحابي سعد بن عبادة، فوجدوا أنَّ يوم وفاته هو نفس اليوم الذي سمعوا فيه ذلك الصوت من قعر البئر (1)، وهذا يقوي قول ابن عباس إنَّ هذه الأجحرة هي مساكن إخوانكم الجن، إمَّا مؤمنين وإمَّا كفَّارًا.
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم:5103، 3/ 283، بلفظ: «عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَا يَبُولُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي ظَهْرِي شَيْئًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَنَاحَتِ الْجِنُّ فَقَالُوا:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِسَعْدَ بْنَ عُبَادَةْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِفَلَمْ تُخْطِئ فُؤَادَهْ
وانظر تفاصيل الحادثة في: شهاب الدين أبو العباس أحمد القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، باب مناقب سعيد بن عبادة، 6/ 161. (1/126)
صفحة 127
وهنالك من علَّله تعليلاً آخر على أنَّ هذه الأجحرة هي مساكن الحشرات المضرَّة، سواء أكان جحر ثعبان أو جربوع أو جرذ أو غير ذلك، فإذا بال فيها أحدٌ فإنَّها ستخرج وتؤذيه بلا شك، وإن لم تؤذه مباشرة فإنها ستفزعه فزعًا شديدًا قد يحصل جرَّاءه تنجّس ثيابه، وهذا التعليل الثاني معقول جدًّا، ويبقى الأمر مجرَّد تعليل من لدنَّا فقط، وأمَّا النهي فقد جاء من الرسول ح، وهو نهيٌ عامٌّ ومحكم من دول تعليل، وربما أيضا يمكن أن نحتمل في التعليل المعنيان معًا بأنَّ هذه الأجحرة قد تكون في بعضها مساكن للحشرات وفي بعضها الآخر مساكن للجن. وفي معنى آخر في الأشياء التي لا تظهر جن.
وفي هذا المعنى قيل إنَّ أحد أمراء بني أميَّة في الحجاز، جاءه أعرابيٌّ يشكو ظُلامة من أحد ولاته، إذ أخذ منه غنمه لمَّا أخطأت طريقها ودخلت إلى أرضه، فقال:
أمرتَ مَن كانَ مظلُومًا ليأتِينَّكم فقد أتَاكُم غَريبُ الدَّارِ مَظْلُومَا
فقال له اذهب أيَّها الأعرابي لا أظنُّك تحسن حتَّى كيف تُحْدِث، أي أنه احتقره وازدراه، فقال له: «بلى إني لأحسنها، وإني بها لحاذق، إني لأستدبر الريح وأستقبل الشيح، وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النَّعام» (1)، أي أنه إذا حضرته الحاجة يجعل الريح إلى ظهره، ويستقبل الشيح الذي هو نبات متوسط الحجم يتَّخذ للسترة عن الناس، والأفضل للإنسان ألاَّ يقضي حاجته فوقها مباشرة لئلا ينجِّسها؛ وإنما يبتعد عنها قليلا، سواء أكانت نبتة الشيح أو أي شجرة أخرى، المهم ألاَّ تكون مثمرة حتَّى لا تحلَّ عليه اللعنة، كما ورد في حديث آخر، وقال: إنَّه يجلس كما يجلس الظبي الذي يشبه
الغزال، ومعروف عنه أنه يقترب إلى الأرض عند قضاء حاجته، لا كما يفعل بعض الناس حين يقضي حاجته واقفًا، وأجفل إجفال النعام؛ أي أذهب بعيدًا عن أنظار الناس كما تفعل النعام.
__________
(1) أخرجه أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، 1/ 131. (1/127)
صفحة 128
هذا عن حال الإنسان حين يكون في فلاة، أمَّا إذا كان في الحضر داخل المباني فعليه أن يأخذ حيطته وحذره، وليحاذر رذاذ البول وانعكاسه عليه، وقد قال النبي حما معناه إنَّ عامَّة عذاب أهل القبر بسبب عدم التنزُّه من البول.
هذا هو حديث اليوم، والله الموفق والحمد لله رب العالمين.
((((
ما جاء في الاِستِتَار وتركِ الكلامِ عند قضاء الحاجة
84) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ آدَابِهِ (1) لاَ يَكْشِفُ إِزَارَهُ إِذَا أَرَادَ حَاجَةَ الإِنْسَانِ حتَّى يَقْرُبَ مِنَ الأَرْضِ، قَالَ: وَقَدْ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ وَهُوَ يُرِيدُ الْبَوْلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ (2).
85) وَمِنْ طَرِيقِهِ (3) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ» (4).
شرح الحديث:
كذلك بقي لنا هذا الحديث في آداب قضاء الحاجة، وقد رويت عن النبي ح بطرق صحيحة. عن ابن عبَّاس أنَّ من آدابهح «أَنَّهُ كَانَ مِنْ آدَابِهِ لاَ يَكْشِفُ إِزَارَهُ إِذَا أَرَادَ حَاجَةَ الإِنْسَانِ حتَّى يَقْرُبَ مِنَ الأَرْضِ»: هذا إن كان في صحراء أو خلاء فيستتِر بشجر أو حجر، ثم لا يكشف عن إزاره حتَّى يقترب من الأرض.
__________
(1) * خ: أدبه.
(2) نصالحديثمماانفردبهالربيعبنحبيب.
(3) *قوله: ومن طريقه، في نسخة القطب ذكر السند وهو: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذكره.
(4) أخرجه الترمذي، في سننه، باب النهي عن استقبال القبلة، 08، 1/ 59. (1/128)
صفحة 129
كذلك من آدابه ح النهيُ عن السلام في وقت قضاء الحاجة، وعدم ردِّالسلام رغم أنَّه واجب، وكلُّ ذلك تنزيها للسلام من مثل تلك المواضع، بل إن في الأصل أنَّ الذي يلقي السلام لا يسلِّم على أيِّ إنسان وهو في حالة قضاء للحاجة، فردُّ السلام الذي هو واجبٌ في الأصل يصبح منهيًّا عنه في مثل هذه الحالة، لأنهحورد عنه أنه سلَّم عليه إنسانٌ من بعيد وهو في قضاء حاجته فلم يرد؛، لماذا؟ لأنَّ السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى ژھےے?????????????ژ (الحشر: 23) ولذلك لا يذكر اسم الله في تلك الحالة سواء بصيغة "السلام"، أو بأي صيغة أو اسم آخر، فاسم الله تعالى ينزَّه من أن يُذكر في بيت الخلاء، بأيِّ شكل كما لا يقرأ كلامه الذي هو القرآن الكريم كذلك، وسواء أكان قضاء الحاجة في المباني أم في الصحراء، كلُّ هذا لأنَّ اسم الله مقدَّس ومُنزَّه، وهو الذي ذكر في الآية السابقة "القدُّوس".
قراءة الذكر قبل دخول بيت الخلاء:
وهناك ذكر يقال قبل الدخول إلى بيت الخلاء وقبل الجلوس فيه، وهو قوله: «بِسْمِ اللهِ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الُخبْثِ وَالَخَبائِثِ» (1) وهكذا روي عن النبي ح والخبث جمع خبيث بصيغة المذكَّر، والخبائث جمع خبيثة بصيغة المؤنَّث، ولأنَّه يحضر في ذلك المكان الخبيثون والخبيثات من شياطين الجنِّ، وفي الجنِّ رجالٌ ونساءٌ، لذلك إن اقترب الإنسانُ المسلم من بيت الخلاء يقرأ هذا الذكر حتَّى يحفظه الله تعالى من شر هؤلاء الشياطين الخبثاء، ولأنّ
__________
(1) أخرجه البخاري، في صحيحه، باب ما يقول عند الخلاء، حديث رقم139، 01/ 246. (1/129)
صفحة 130
َالشياطين الخبيثين لا يكونون إلاَّ في الأمكنة الخبيثة؛ في أماكن الأوساخ أو الدماء أو النجاسات، ولذلك إن استحضر أحدُنا الله تعالى قبل دخوله في هذه الأماكن فسيحفظه من شرِّها وضُرِّها، على مثل ما تقدَّم لنا أنَّ سيدنا سعد بن عبادة لمَّا قضى حاجته في مكان وجود الجن رَمَوه بسهم فأصابوه وأهلكوه، وكذلك يمكن أن يُصاب المرءُ أيضا بالوسواس، فإذا قرأ ذلك الذكر فسيحفظه الله تعالى من هذا الوسواس.
وقد ورد هذا الذكر بصيغة أخرى وهي قوله ح «الَّلهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» (1) فإذا لم يذكر الإنسان اللهَ تعالى قبل دخوله الخلاء فربَّما يوسوس له الشيطان أنَّ البول انعكس عليه، وهو لم يكن كذلك، وهذا الوسواس داءٌ خطير نعوذ بالله منه، ففيه عنتٌ كبيرٌ لمن أصيب به، خاصَّة في تضييع الوقت وتضييع الصلاة جرَّاء ذلك، فتجد بعضًا من المبتَلين بالوسواس يمكث في الحمَّام من وقت الفجر إلى قُبيل طلوع الشمس أو ربَّما بعد طلوعها، ينازع نفسه في طهارة ونجاسة بعض البقع في جسده، ويعيد التطهُّر والوضوء إلى غير ذلك، وهذا ما يجعله أمرًا خطيرًا، وكم من أناس ابتلُوا به فسعوا في علاجه بالرقية الشرعية والإرشادات النفسيَّة، ولكن قلَّ من تخلَّص منه، فإذا تمكَّن الوسواس من إنسان فإنَّ شفاءه منه صعب، وقد يستمرُّ هذا الدَّاء مع بعض الناس السنوات الطِّوال وربَّما حتَّى الممات، ومثل هؤلاء لا يدَعُهم الشيطان أن ينصرفوا إلى صلاتهم حتَّى تمرَّ وقتها، وعندها يقول لهم الآن قد طهرتم من النجاسات.
__________
(1) أخرجه أبوداود، في سننه، المراسيل، اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث، حديث رقم 02، 01/ 04.وأخرجه ابن ماجة: السنن، ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، حديث رقم 295، 01/ 353. (1/130)
صفحة 131
فنعوذ بالله من شرِّ الوسواس ونعوذ بالله من الخبائث، ونعوذ بالله من الرِّجس النَّجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم، وليستحضر أحدنا مثل هذه الأذكار عند ذهابه لقضاء حاجته، لا أن يغفل ويشتغل بأمور أخرى، يضيِّع بها الوقت فيما يمكن أن يغنم منه من السنَّة الصحيحة والأذكار المأثورة التي فيها الفضل والأجر العظيم:ژ???????????ژ (الأحزاب: 41ـ42)، ووصف الله المؤمنين بقوله:ژ????ژ (الأحزاب: 35)، ويصف المنافقين بأنَّهم لا يذكرون اللهژ?????????? ژژ (النساء: 142)، ووصفهم في مكان آخر بقوله:ژ???????ژ (المجادلة: 19)، فلا ينبغي أن يكون منَّا أمثال هؤلاء؛ يأكل ويشرب ويدخل ويخرج دون ذكر الله تعالى، والأصل ذكر الله عند دخول بيت الخلاء، وعند الخروج يقول: «غفرانك»، وعدم ذكره تماما في وسطه، حتَّى ولو كان لردِّ السلام، وحتى لو لم يكن بصيغة السلام وإنَّما بالتحيَّة فقط، فالأفضل ألاَّ يردَّها الإنسان أبدًا ولو كان بما هو معروف كصباح الخير أو مساء الخير فلا يردَّها أبدًا.
ففي المعنى الأوَّل لا يردُّ السلام لأنه تقديسٌ وتنزيهٌ لاسم الله تعالى من مثل تلك الأماكن، وفي المعنى الثاني فيما يخص ردَّ التحيَّة فحياءً واحتشامًا من ردِّها، القاعد في بيت الخلاء في وضعية جلوس لقضاء الحاجة، والأصل ألاَّ يقوم المارُّ بإحراج القاعد في بيت الخلاء، وإن حصل وغفل وألقى التحيَّة، فلا يجب عليه ردُّها، ولا حتَّى التكلّم بمجرَّد الكلام أو حتَّى بالإشارة، بل يجب أن يتغافل عنه وكأنه لم يره ولم يسمعه، ويجب أن يكون الإنسان في انقطاع تامٍّ عن الناس، وهذه هي آداب النبي ح في قضاء
الحاجة فلنحفظها جميعا ونعمل بها. وإن صادف الداخلَ بيت الخلاء عطاسٌ في مثل تلك الحالة، فالأصل ألاَّ يحمد الله، ويسكت حتَّى يخرج منه، ثم يحمد الله تعالى، كأنه يقضي ذلك الذكر قضاءً لا أداءً.
تعليقُ ما فيه اسمُ الله تعالى وهو في بيت الخلاء: (1/131)
صفحة 132
ومما يتَّصل بهذا الموضوع أنَّ بعض الناس يعلِّقون قلادة فيها اسم الله تعالى أو خاتمًا من ذهب أو فضَّة أو نحاس فهذا لا يجوز الدخول به إلى بيت الخلاء أبدًا، فينبغي أن نراعي هذا من أوَّل يوم عند اقتناء حلي الزينة، فلا نقتني ما يكون فيه اسم الله تعالى أبدًا، حتَّى نتَّقيَ مثل هذا الحال، بل وهناك من يضع مصحف القرآن في جيبه فيغفل ويدخل به بيت الخلاء، فلينتبه أنَّ هذا لا يجوز أبدًا، إلاَّ إذا نسي فالله تعالى لا يؤاخذنا في النسيان.
وهنالك بعض من العلماء وربَّما الكثير منهم رخَّصوا إن كان اسم الله تعالى مخبّأً فيما هو منقوش فيه، وليس مصحف القرآن الكريم، وهنالك من العلماء من قال إنه لا بأس للمرأة إن كان لها قلادة فيها اسم الله تعالى أن تُدخلها تحت قميصها، أو كان للرجل خاتم فيه اسم الله فيديره إلى داخل يده أو يغلق عليه بأصابعه (1)، شرط أن لا يكون موضوعا في اليد التي يستجمر بها والتي يمكن أن يلمس بها النجاسة، والأصل والعادة أن يكون الخاتم في اليد اليمنى، لأنَّ الاستبراء لا يكون إلاَّ باليد اليسرى، لأنَّه لا يجوز الاستبراءُ باليد اليمنى كما هو في السنَّة إلاَّ بعذر، وإلاَّ فسيُعتبر عاصيًا، فالاستجمار والاستنجاءُ باليد اليسرى دائما وليس باليمنى، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه، والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
86) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَكُلِّ وُضُوءٍ» (2).
شرح الحديث:
__________
(1) ينظر، الخليلي: فتاوى حول بعض آيات القرآن، 1/ 8.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، 08، ورواه مسلم في كتاب الطهارة 42، وأبو داود في كتاب الطهارة 25. (1/132)
صفحة 133
ننتقل إلى باب الوضوء وآدابه وفرائضه وكل ما يتَّصل بالوضوء، حيث روي هذا الحديث بطرق صحيحه فروي هنا كما روي في كتب الأحاديث الأخرى، أما هنا فمسند ومتصل عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي ح.
يقول فيه هذه العبارة: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَكُلِّ وُضُوءٍ»، هذا الحديث على سطر واحد غير أننا نستمدُّ منه عدَّة أحكام شرعية، نستفيد منها في الوضوء والسواك وغيرها، وكذلك أُعطِيَ النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة وجوامع الكلم ومعارف واسعة في كلمات موجزة لكن بمعاني غزيرة وعميقة يفهمها الراسخون في العلم.
أمَّا المعنى الذي سيق من أجله الحديث الذي نبدأ به هو السِّواك، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم كان شديد الرغبة في السواك، وكثير الاستياك عند كلِّ وضوء وصلاة، وأحبَّ هذا لأمَّته ولكنَّه لم يعزم عليه، أي لم يأمرهم أمر عزيمة وإنَّما تركه في أمر الاستحباب فقط، من فعلها نال أجرًا كبيرًا ومن لم يفعلها فلا وزر عليه، فما هو هذا السواك؟
السواك هو عودُ الأراك الذي يُستعمل لتنظيف الأسنان، وهو موجودٌ إلى الآن ومتوفِّر في الحجازوحتَّى في الجزائر، في صحرائها البعيدة الواسعة، فمن شاء أن يستعمله فهو متوفِّر، لأنَّ في هذا العود خصائص، أوَّلُها أنَّه إذا مُضِغ طرفه أو ضُغِط كان كالفرشاة تماماً، وهو طيِّب النكهة يُطيِّب الفم، وفيه دواءٌ يشدُّ اللثَّة، أو لحم الأسنان ويُقوِّيه، على خلاف أنواع الفرشاة الأخرى المصنَّعة، والتي تؤدي إلى تآكل لحم الأسنان وإصابته بالمرض أحيانا، بخلاف عود السواك الذي فيه الدواء، وليس فيه الأشواك الحادَّة التي ربَّما تدخل فيما بين الأسنان، ثمَّ إنه هو من النوع الذي كان يستاك به النبي صلى الله عليه وسلم والذي قد لازمه وأحبَّه إلى آخر حياته.
فوائد السواك: (1/133)
صفحة 134
ومن فوائد السواك أيضًا تنظيفُ الأسنان من رواسب الطعام، التي تكوِّن الجراثيم للفم إذا مكثت مدَّة طويلة، ومن فوائده تطييب الفم لقراءة القرآن والصلاة، والعبادات، وقيل إنَّ هذه الروائح التي تكون في الفم عادة ما تتكوَّن بالأكل الكثير، وتتكوَّن كذلك نتيجة عدم الأكل، ولذلك تسمَّى الرائحة التي تكون في فم الصَّائم خلوفٌ، وقد ورد في الحديث: «لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الِمسْكِ» (1). وتتكوَّن أيضًا هذه الرائحة بطول الكلام، وتتكوَّن أكثر بطول السكوت، ولذلك يُستحَبُّ التخلُّص منها من وقت لآخر، فمن كان يستعمل معجون الأسنان فذلك جيِّد، ولكنَّ استعماله له يكون بعد الأكل مباشرة، ولا بُدَّ أنَّه قد تكلَّم أو سكت طويلاً بعد الأكل، فتتكوَّن هذه الرَّائحة، فلذلك من المناسب أن يُستعمَل هذا السواك
عند كل وضوء. ولكن في هذا الحديث ورد عند كلِّ صلاة وعند كلِّ وضوء، فإذا أراد الصَّلاة يستاك بهذا العود طلوعاً ونزولاً لا يميناً وشمالاً.
__________
(1) أخرجه الربيع في صحيحه، رقم: 328. (1/134)
صفحة 135
ومن أراد أن يُواظب على السواك وفق هذا الحديث فهذا أفضل، وأجرُه في الصلاة أعظم وأوفى، وهذا الاستياكُ هو عكس التدخين الذي يسبِّب الرائحة الكريهة للفم، فكيف يقف المصلِّي للصلاة بين يدي الله تعالى وهو على هذه الحال؟ فعكسه الذي يكون فمه طيِّب الرائحة بفضل هذا السِّواك. ويُروَى أنَّ المَلَك يقترب من الفم الطيِّب، وينفُر من الفم النَّتن ويتأذَّى منه (1)، لأنَّه يقترب من أفواه المسلمين عند قراءة القرآن أو الصلاة، فإذا كان ذلك الفمُ كريه الرائحة فسيتأذَّى منه مثلما نتأذَّى نحن كذلك، وعلى هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل البصل والثوم أبداً، لأنَّه كان يقول للصحابة: إنَّ الملائكة تأتيني فلا أريد إذايتها، أمَّا أنتم فطيِّبوه بالنار أيْ اطبخوه (2).
__________
(1) ينظر، مسلم، الصحيح، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ، وقَالَ مَرَّةً مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ»، رقم: 876، 3/ 190.
(2) ينظر، صحيح مسلم، عَنْ عمر بن الخطاب - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَل وَالثُّوم، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا»، رقم: 78 (567)، 1/ 396. (1/135)
صفحة 136
ونفهم كذلك من قوله ح: «لولا أن أشُقَّ» معنين، أوَّلهما: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمَّته الذي هو رحيم ژ?????????ژ (التوبة: 128)، حريص علينا كي ننال الأجر والخير في الدنيا والآخرة، أي يرجو لنا الخير ونيل الأجر، وبالمقابل عزيزٌ عليه وشديد عليه مشقَّتنا في الدين، والمشقَّة
في السواك تكمن في وجوب الأمر بالسواك عند كلِّ صلاة ووضوء، من خلال قوله: «لأمرتكم» الذي يدلُّ على الوجوب، ولكنها خُفِّفت بالقرينة التي في قوله: «لولا أن أشقَّ عليكم» فمن امتثل الأمر وطبَّقه فله الأجر والثواب، ومن عصى فله العقاب وهنا المشقَّة، لأنَّ الأصل في الأمر الوجوب لقوله تعالى:ژ???????????ژ (النساء: 59)،ويقول: ژ?????پپژ (النساء: 80)،ويقول: ژ????ہہہہھژ (النساء: 64)، ويقول:ژگگ????????ںں??ژ (النساء: 42)، وآيات كثيرة أيضاً منها:ژ??????ہہہژ (الحشر: 07) وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» (1) أي على حسب قدرتكم لا على حسب هواكم، بأن يقول أحدكم لاأستطيع، ولكن الله يعلم منه القدرة فهو آثم، والله أعلم به.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيح، باب الاقتداء بسنن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بلفظ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رقم: 7288، 9/ 94. (1/136)
صفحة 137
وفي رواية أخرى يقول ح: « ... لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَوُضُوءٍ، وَلأَخَّرْتُ الصَّلاَةَ إِلَى ثُلُثِ الَّليلِ» (1) لأنَّ فيه من الأجر أكثر، ولكن تكون فيه مشقَّة النعاس والتحكم في الوضوء.
وكذلك نفهم من هذا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مُفوَّض في بعض الأمور الشرعيَّة، وكأنَّ الأحكام الشرعية تنقسم قسمين: قسم يأتي فيه الأمرُ من الله تعالى عن طريق الوحي، فما على الرسول إلى البلاغ، وقسمٌ ترك فيه الاختيار للنبيح، فإن رأى الاستطاعة عليه أمرنا به، وإلاَّ رغَّبنا فيه ولكن لا يجبرنا على فعله، ومنها هذا الأمر لقوله ح: «لولا أن أشقَّ عليكم». ولا يفهم أحدنا بذلك أنَّ جميع الأوامر الشرعيَّة ترجع إلى اختيار الرسولح، لا، وإنَّما أغلب الأوامر ترجع إلى الله تعالى ولا اختيار فيها للرسولح، ژ??????????ژ (النجم: 3ـ4)، وإنَّما في بعض الأمور فوَّض الله الأمر إليه وإلى اجتهاده.
فالذي يُنظِّف أسنانه بالفرشاة والمعجون لا بأس في نظافته، ولكن الأفضل كذلك أن نُطبِّق سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم بأن نستاك في كلِّ صلاة ووضوء، فإنَّ ذلك يناسب شرف القرآن، وشرف العبادة، وفيه شرفُ اتِّباع سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، والتي يحصل بها الأجر العظيم، فإن فعلنا شيئا لم نُؤمر به ولكننا فعلناه لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله فإنَّ لنا أجرًا على ذلك، من مثل: صلاة التهجُّد مثلا، التي لم تُفرَض علينا ولا عليه ومع ذلك فإنَّه يصلِّيها، وإذا اتبعناه في ذلك نلنا الثواب العميم، أمَّا إن كان الإنسان لا يستطيع أن يستاك لأن لثَّته عرضة للجرح بذلك، فهو غير مكلَّف.
استعمال الصائم للسواك:
__________
(1) أخرجه الترمذي في السنن، باب ما جاء في السواك، رقم: 23، 1/ 42. وأخرجه المتقي الهندي، كنز العمال في حديثين رقماهما: 19465 و19464. (1/137)
صفحة 138
ذكر بعض العلماء أنَّه من الأفضل على المسلم ألاَّ يستاك في النصف الثاني من النَّهار، لكي تبقى رائحة الصوم أو الخلوف في فمه والذي قال فيه ح: «هُوَ أَطْيَبُ عِنْدَ
اللهِ مِنَ المِسْكِ» فلا يقطعه بذلك السواك، وكذلك لاحتمال أن يكون له ذلك السواك مادَّة مغذية في فمه فيبتلعها ويدخل الشكُّ في صحَّة صومه، غير أنه رُوي عنهح أنَّه كان يستاك وهو صائم (1)، وإذا صحَّت هذه الرواية فالسنَّةأولى.
فالأفضل أن يستاك أحدُنا قبل كلِّ وضوء، ثم يتوضَّأ فيكون فمه طيِّب الرائحة وهذا شيء يسير، فإمَّا أن يجلب هذا السواك من هنا من الجزائر أو من الحجاز بطلب من بعض الحُجَّاج وهذه هي البركة الحقيقية من الحجِّ وليس ما نجلبه من هدايا أخرى كالخاتم والساعة وغيرها، فيكون عودُ الأراك هذا من مصدره من مكَّة المكرَّمة، وهو شيءٌ بسيط لا يكلِّف مالاً كبيرًا، ولا ثقلا في حمله، إضافة إلى أنه مما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سنَّته. والحمد الله رب العالمين.
((((
باب
في آداب الوضوء وفرضه
[صفحة بيضاء]
باب في آداب الوضوء وفرضه
87) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (2) عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثاً، لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (3).
شرح الحديث:
__________
(1) أخرجه البخاري: الصحيح، باب سواك الرطب واليابس للصائم، رقم 1797، 07/ 18.
(2) * قوله: عن أبي هريرة، في نسخة القطب عن ابن عباس مكان أبي هريرة.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة،87، وأخرجه الترمذي في كتاب الطهارة 19. (1/138)
صفحة 139
دائما في آداب الوضوء رُوي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر بن زيد عن أبي هريرة، وقد ورد في هذا المسند وكذلك في الكتب الصِّحاح الأخرى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يبدأ بالإسباغ حتَّى يغسل يده ثلاثاً» (1). لأنَّه كان في عهد الصحابة يضعون الماء في آنية، فيغمسون فيها أيديهم للوضوء، لذلك نهاهم عن غمس أيديهم قبل غسلها خارج الإناء ثلاثاً، فكانوا يغرفون الماء من الإناء غَرفاً للوضوء والاغتسال أيضاً، وليس عندهم في ذلك الوقت أباريق أو حنفيَّات مثلما نحن عليه الآن، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لِحكم كثيرة منها: أنَّ يد الإنسان عرضة للتلوث بأيِّ شيءٍ في نوم أو يقظة، من الأوساخ أو الجراثيم ولو من خلال مصافحة الآخرين،
بل حتَّى من آثار الطعام إذا بقيت في اليدين لمدَّة قد تُسبِّب بعض الأمراض إذا نُقِل إلى الفم مباشرة مثلا، ولهذا علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدنا إلى ما فيه النظافة. والفقهاء قالوا هي من باب الطهارة، لاحتمال أن يكون النائم وضع يده في نجاسة دون أن يشعر.
__________
(1) أخرجه النسائي: السنن، باب تأويل قوله عز وجل إذا قمتم، بلفظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِى وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» حديث رقم 01، 01/ 03. (1/139)
صفحة 140
غير أنَّ المسألة أعمُّ من النجاسة، لأنَّها تتناول الجراثيم والأوساخ أيضًا، ولذلك قال: ينبغي على الإنسان ألاَّ يغمس يده في الإناء حتَّى ولو ليغسلها فقط، بل عليه أن ينقل الماء ويصبَّ على يديه صبًّا بعيدًا عن الإناء، وهو الذي قصد بالتعبير: «فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثاً» لأنَّه قد ينقل تلك النجاسة أو الجراثيم بمجرَّد غمس اليد في الإناء، وكذلك لا يغسل فمه فيجعل الماء فيه مباشرة، حتَّى لا ينقل الماء الآسن إلى فمه في المضمضة، فهل يعقل أن يوضع الماء في اليد ثم ينقل إلى الفم دون أن تغسل اليد؟ وصاحبها لا يدري ما فيها؟
وسنَّة الوضوء كما سيأتي أن تغسل يديك ثلاث مرَّات ثم تُمضمض ثلاثاً ثم تستنشق ثلاثاً وهكذا، فكلُّ عضوٍ له نصُّه الشرعيُّ في ذلك، مع أنَّ الخطاب القرآني ذكر أربعة أعضاء فقط، في قوله تعالى: ژ?????پپپپ?????????ژ (المائدة: 06)، فهذه فرائض الوضوء التي خاطبنا الله تعالى بها في القرآن: غسلُ الوجه من مفرق الرأس إلى أسفل الذَّقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عُرضاً، وغسل اليدين إلى المرافق مع دخول المرفقين في الغسل، وأخذ الاحتياط بأربع أصابع فوقهما، ومسح الرأس، وغسل الرِّجلين إلى الكعبين حتَّى تدخل في الوضوء. فهذه الأعضاء الأربعة من الأصل في الوضوء ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سنَّ غسل اليدين ثلاثاً. (1/140)
صفحة 141
«لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فإن كان ليلاً فلا يدري أين باتتْ يدُه، وإن كان نهاراً فيُقاس نومُ النَّهار على نوم الليل وإن لم يكن في نوم، فلا بدَّ وأنه قد تقلَّب في يومه في كثير من الأعمال، ولمس الأشياء التي تتعرَّض للأوساخ والغبار إلى غير ذلك، وإنَّما الغسل الأوَّل لليدين لا يكون إلى المرفقين وإنَّما إلى الرُّسغين فقط، ما بين الكَوْع والكَوْع كما يقولون (1)، والغسلُ يكون غسلاً جيِّداً مع تخليل الأصابع، حينئذ إن غسل يديه ثلاثاً يتحقَّق من نظافتها أو طهارتها إذا شكَّ، والأصل في الوضوء أن يكون على طهارة، أي لا يكون الوضوء إلاَّ بعد إزالة النجاسات، ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بالمرات الثلاث كما أرشد إليه النبي ح.
((((
88) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ (2).
شرح الحديث:
__________
(1) يقال: «الكَوعُ» و «الكُرسُوعُ»؛ الكَوعُ: العظم الذي يلي الإبهام، والكُرسُوعُ: العظم الذي يلي الخنصر، وما بينهما يسمى: الرُّسغُ. و هذان البيتان يوضحان ذلك:
وعظمٌ يليالابهامَ "كَوْعٌ "وما يليلخنصرِهِ "الكَرسُوعُ"، و"الرُّسغُ "ما وسط
وعظمٌيليإبهامَرِجلٍمُلقبٌ "ببَوعٍ"فخُذبالعلمِواحذَرمنالغلط (فريق التحرير)
(2) أخرجه أبو داود في مسنده كتاب الطهارة 84، الترمذي كتاب الطهارة 20. (1/141)
صفحة 142
قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا وُضُوءَ»، أي ليس له وضوء لمن لم يقل «باسم الله» قبل شروعه في الوضوء، ونفيُ النبيِّيدُلُّ عن نفي الإجزاء، أي لا وضوء كليًّا إن لم يذكر اسم الله، ولكن العلماء أجمعوا على أنَّ من نسي ذكر الله تعالى في أوَّل الوضوء فلا بأس عليه، ووضوؤه جائز (1)، وإذا ذكر نسيانه في وسط الوضوء فلا يعود إلى أوَّله وإنَّما يقول: «بسم الله أوَّله وآخره»، وحتَّى وإن وصل إلى آخره فيكفيه قول ذلك أيضًا.
ولأنَّ أبا عبيدة قال: إنَّ المقصود بذلك هو الترغيبُ في ذكر الله تعالى ونيل الثواب الجزيل، هذا إن لم يقصد معارضة السنَّة، كأن يُنكر ذلك إنكاراً، فمن فعل هذا فلا وضوء له ولا عبادة، وإنَّما قد يغفل الإنسان أو يجهل ذلك تماماً فلا يُقال له أعد الوضوء والصلوات، وفي مثل هذا الوضع ينفع هذا الترخيص.
وينبغي ذكر الله تعالى في كلِّ وضوء، وقيل في كلُّ تطهُّر من الأخباث، سواءً الوضوء الأصغر أو الأكبر، وهنا يقول: "بسم الله" ولا يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"
لأنَّها آية قرآنية، وورد هكذا في الآثار من مثل ما قال الشيخ عامر: «يقول "بسم الله" هكذا في أصحابهم رحمهم الله تعالى» (2).
والأفضل أن يُعوِّد أحدُنا لسانه دائما قول: "بسم الله" سواء لاغتسال الجمعة أو العيدين أو الإحرام للحجِّ والعمرة، وكذا لدخول مكَّة وعند غسل الميِّت، وكذلك الغسل من الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، فكلُّ ذلك مسنون عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس واجبًا.
__________
(1) ينظر، السالمي، معارج الآمال، 2/ 46.
(2) عامر الشماخي، الإيضاح، 1/ 71. (1/142)
صفحة 143
وكلُّ هذه الأنواع من الاغتسال يجب أن تتمَّ بعد إزالة النَّجس، وحتَّى غسل الميِّت تنزع عنه الأنجاس أوَّلاً، وسُنَّ في كلُّ هذه الاغتسالات. أيضاً البدءُ بالمضمضة والاستنشاق قبل إفاضة الماء على الجسم، وكذلك المبالغة في المضمضة والاستنشاق سواءً في الاغتسال أو الوضوء إلاَّ في حال الصوم، مخافة أن يبتلع الصائم الماء.
وعند صبِّ الماء على الجسم يتمُّ البدءُ بالميامن قبل المياسر بجميع الأعضاء إلى الرِّجلين، ومن لم يفعل ذلك فلا نقول إنه لا اغتسال له؛ وإنَّما السُّنَّة هكذا حتَّى يكون الأجرُ كاملاً وافياً، ونتجنَّب وسوسة الشيطان من دون نقص في الاغتسال.
وإنَّ بعض الصَّالحين يذكرون اسم الله تعالى في كلِّ عضوٍ يغسلونه، ويذكرون أدعية (1) تناسب كلَّ مقام، عند الدخول والخروج وعند كلِّ حركة، فلا بدَّ من الإكثار من ذكر اسم الله تعالى، ولنحفظ هذين الحديثين، وسنأتي إلى البقية، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في الوضوء مرَّة مرَّة واثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً
89) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهِ»، ثُمَّ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ: «مَنْ ضَاعَفَ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ»؛ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا فَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» (2).
شرح الحديث:
__________
(1) ينظر: كتاب أساسُ الطاعات على جميع العبادات.
(2) أخرجه ابن ماجة باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، رقم: 419، 1/ 268. (1/143)
صفحة 144
يُروى هذا الحديث من طريقه المتَّصل عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي ح، وفي هذا المسند رُوي بطرق أخرى صحيحة أيضاً، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاث كيفيات للتَّوضُّؤِ، الأولى هي: التوضؤُ مرَّة مرَّة لكلِّ جارحة، والثانية التوضؤُ مرَّتين مرَّتين لكلِّ جارحة، إلاَّ المسح من الرَّأس والأذنين فالسنَّة فيها مرَّة واحدة، وأمَّا الثالثة فالتوضُّؤ فيها ثلاثاً ثلاثاً لكلِّ جارحة، ما عدا الرَّأس والأذنين كذلك، مع بيان كلِّ كيفية.
ففي الكيفية الأولى: تَوَضَّأَ مَرَّةً فَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهِ»، أي أنَّه لا وضوء أقلَّ من مرَّة واحدة لكل جارحة، ومعنى هذا أنَّه إن توضأ مسلم مرَّة مرَّة لكلِّ جارحة فوضوؤُه صحيح، غير أنَّ المؤمن الحقيقيَّ لا يتنازل عمَّا ينال به الأجر
المضاعَف، وهي الطريقة التي يغسل بها ثلاثا ثلاثا، والذي هو وضوء النبي والأنبياء من قبله جميعًا، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مرَّة مرَّة لا للاستمرار على ذلك وإنَّما للظروف الخاصَّة، كنقص الماء مثلا، بحيث لو أسبغ الإنسان الوضوء مرَّة واحدة لكلِّ عضو بذلك الماء لكفاه، وإن أسبغ به ثلاثاً ثلاثاً فلن يكفيه، خاصَّة إن كان في سفر أو في صحراء خالية، فيضطر إلى الإنفاق من ماء الشرب لأجل ذلك الوضوء، فهذا جائز ـ بل هو المطلوب إن كان باستطاعته فعل ذلك ـ وهو أفضل له من التيمُّم، ولا يجوز له أن يتيمَّم أبداً إن كان باستطاعته تحصيل بعض الماء، كذلك يكون هذا الوضوء للمريض أو المستعجل في الطريق لركوب الحافلة أو القطار، فإن صلَّى بهذا الوضوء فهو جائز، وهو من رحمة الإسلام بالأمَّة، فقد تعترض المسلم في حياته مثل الحالات التي أسلفنا ذكرها، فيتوضَّأ مرَّة مرَّة ويكون ذلك أولى له من أن يتيمَّم. (1/144)
صفحة 145
«ثُمَّ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ: «مَنْ ضَاعَفَ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ»؛ في زيادة العمل والأجر خير، فلو عزم شخص أن يبيع سلعة في تجارة من متاع الدنيا، ليربح بها عشرة دنانير فُدُلَّ على مكان يربح فيه عشرين ديناراً، فلا شكَّ بأنه سيتَّجه إليه مهما كلَّفه الأمر لأجل أن يربح ذلك الضِّعف، بل ربما يناله التعب في طريقه إلى ذلك السوق ويدع أكله وشربه، وقد يُضيِّع صلاته من أجل ذلك الربح المضاعف، هذا لأنَّنا حريصون على الدنيا، فينبغي أن يكون حرصُنا على الدنيا بمقدار بقائنا فيها، وأن نحرص على الآخرة بمقدار خلودنا فيها.
إذن قد تعتري المسلم حالاتٌ من الاضطرار فيجوز له أن يتوضَّأ مرَّتين مرَّتين على شرط الإسباغ الكامل من غير تقصير، ونفس الأمر بالنسبة للمرَّة الواحدة أيضاً، والتوضّؤ بمرَّتين أضمن وأفضل أجراً من المرَّة الواحدة. (1/145)
صفحة 146
«ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا فَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» الذي أتوضَّأ به دائماً وهو وضوءُ الأنبياء من قبلي عليهم السلام، فإن أراد أحدنا بلوغ الكمال والأجر العميم من وضوئه فليتوضَّأ ثلاثا، وبه تُفتح أبواب الجنَّة الثمانية أيضاً، كما قال ح: «إِنَّ المسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ الوُضُوءَ الكَامِلَ وَقَالَ:"أشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ» (1)، فهذه كرامة بأن تفتح لنا أبواب الجنَّة كلما وقفنا للصلاة، وسنكون يوم القيامة من الغُرِّ المحجَّلين؛ المضيئة وجوههم وأيديهم وأرجلهم من أثر الوضوء. فهذه هي الشهادة للمسلم بأنَّه وليٌّ من أولياء الله، فيشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويأخذه إلى الجنَّة، بكرامة الوضوء. فلا يجدر بأحدنا أن يتساهل إن توفَّر له الماء والوقت، فيتوضَّأ مرَّة أو مرَّتين ويقول الأمر سواء بينها، فالفرق شاسعٌ وكبيرٌ فلنحترز لديننا وآخرتنا.
ثم بعد ذلك لا يجوز الزيادة إلى أكثر من ثلاث، لأنَّ في هذا فتحٌ لباب الوسوسة، بأن يعمد شخص إلى أن يضاعف الوضوء إلى أربع أو ستِّ مرات أو حتَّى عشرة، فيقول من ضاعف ضاعَفَ الله له رغبة في الأجر، فهذا لا يجوز أبدًا لأنَّه تَعدٍّ لحدود السنَّة.
التحذير من الإسراف في الماء:
هذا في طهارة الأحداث، أمَّا في طهارة الخبث فإنَّ التطهُّر لا يتمُّ حتَّى يزول أثر النجاسة، لكن من دون الإسراف في صبِّ الماء كما يفعل بعض من الناس حين
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم: 345، 2/ 25، ورواه أبو داود في سننه: رقم: 145، 1/ 210. (1/146)
صفحة 147
يتركون الماء يسيل من الحنفية أو من خرطوم الماء لمدَّة طويلة، فهذا لا يجوز وهو إسرافٌ سيسألون عنه يوم القيامة، وربَّما سيُعاقبون على ذلك، فلو أنَّ ذلك الماء يُستغلُّ ويُنتفع به في سقي المزارع والغلال فلا بأس بهذا، ولكن أن يذهب سُدى في مجاري الصرف الصحيِّ أو أن يغور في الأرض فيصل إلى منازل الناس، أو أن يضيع في أماكن تجمعه بالغابة مثلا فيكون مصدرًا للروائح الكريهة والحشرات المضرَّة فلا يجوز هذا أبدًا، فعلينا أن نُعوِّد أنفسنا ولنربِّ أبناءنا على الرشد في استغلال الماء، بغلق الصنبور بعد أخذ ما يكفي للوضوء، والأحسن التوضُّؤُ بالإبريق المخصَّص لتجنُّب هذا الإسراف.
ومن الضرر الحاصل في الإسراف انقطاعُ الماء عن الأهالي القاطنين في الأماكن العالية في بعض المناطق، بسبب استهلاكه بكثرة ممن هم في الأسفل، فلو أنَّنا اقتصدنا في الماء لحصلت كفاية البلد كلِّه من الماء، ولم يحصل أي نقص، وسيُحاسب مثل هؤلاء المسرفين مرَّتين؛ حسابًا أوَّل على أنَّهم قطعوا الماء عمَّن فوقهم، وحسابًا ثانيا على أنهم دفعوا بالماء المستعمَل إلى حيث يضرُّ غيرهم، وما ضرَّنا لو استعملنا الإبريق في إسباغنا للوضوء، فليس المهم الإكثار من صبِّ الماء، مثلما يفعل البعض في الميضأة هنا بالمسجد، فالماء والأواني والتسخين، ومسخِّن الماء كلُّها بمصاريف باهظة، ولكن بالرغم من هذا نجد بعضا من الناس يصبُّون الماء من الفتحة العلوية للإبريق بدل أن يستعملوا خرطومه، فتراهم يهرقون الماء الكثير في الأرض سدًى، وفي هذا إسرافٌ وتعدٍّ لا يجوز أبدا.
فالمهمُّ في استعمال الماء الاقتصادُ قدر الإمكان، والنبي صلى الله عليه وسلم قد توضَّأ بمدٍّ واغتسل بصاع، أي بمقدار لتر في الوضوء، وأربع لترات في الاغتسال، على أنَّه لا يغسل مثلما نفعل نحن بالإبريق وإنَّما كان يغرف غرفًا ومع ذلك أجزاه، فليس المهمُّ إذن هو (1/147)
صفحة 148
الإكثار من صبِّ الماء، فقد يسرف أحدنا في صب الماء ولكنه لا يعمِّم سائر جوارحه، فالمهمّ هو إبلاغ الماء إلى كلِّ بقعة من الأعضاء بقليل من الماء، وهذا هو معنى إسباغ الوضوء بالسين، الذي يعني الشمول، فمثلا إذا كان الثوب شاملا وكاملا فهو سابغٌ إذن، وليس الإصباغ والصبغ ـ بحرف الصاد ـ، الذي يعني التلوين بلون من الألوان.
وجوب الاهتمام بالغائر من الأعضاء:
وفي حديث النبي ح: «وَيْلٌ لِلُّمَعِ مِنَ النَّارِ» (1)، واللُّمعُ هي البُقع التي تبقى دون وصول ماء الوضوء إليها، مثل ما بين العينين أو ما بين الأصابع، فالنار تبدأ من هذه اللُّمع يوم القيامة والعياذ بالله. وقال ح: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (2)، «وَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ» (3)، هكذا ورد في الحديث، فالعبرة إذن بالإسباغ وليس بكثرة الماء حتَّى ولو كان المتوضّئ على جانبي واد جارٍ فلا يجوز الإسرافُ فيه، لأنَّه إن تعوَّد ذلك فسيفعل مثل ذلك مع الإبريق أو الحنفية، فهذا وسواس والعياذ بالله. وستأتينا أحاديث في كيفية إسباغ الوضوء، والله الموفق والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في التخلّل بين الأصابع
__________
(1) لم يعثر على نص الحديث فيما بحث فيه من مظان.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من رفع صوته بالعلم، 60، 1/ 22. وأخرجه مسلم، باب وجوب غسل الرجلين، 25، 1/ 213.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك، بلفظ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ، وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ». قال الذهبي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجَا ذِكْرَ بُطُونِ الْأَقْدَامِ، 580، 1/ 267، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، باب التغليظ في ترك غسل بطون الأقدام، 163، 1/ 84. (1/148)
صفحة 149
90) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ فِي الْوُضُوءِ (1) قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ» (2).
شرح الحديث:
دائما في كيفية الوضوء ولأنَّ الوضوء عمل من أعمال الإيمان فيجب أن يُتقن، لقوله ح: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا عَمَلَ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» (3).
وليس إسباغُ الوضوء هو إمرارُ الماء فحسب، وإنَّما تعميمُ الأعضاء بالغسل مع إسباغها كما أمر الله تعالى، وكما بيَّنه لنا رسول اللهح، وإلاَّ فلن يُقبل من المسلم خلاف ذلك كما قال ح: «مَنْ عَمَلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (4) وفي هذا المعنى جاء هذا الحديث الذي فيه الأمر بتخليل الأصابع، والوعيد بالنار لمن لم يمتثل بذلك.
«خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ فِي الْوُضُوءِ»:والأصابع في اللغة العربية تطلق على أصابع اليد والرجلين، وفي هذا أمرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغسل بين هذه الأصابع عندما يكون في الوضوء، أصابع اليد اليمنى تخلَّل باليد اليسرى، وكذا أصابع اليد اليسرى تُخلَّل بأصابع اليد اليمنى مع تمرير أصابع اليد بين أصابع الرِجل أيضا.
__________
(1) * خ: وفي نسخة بإسقاط قوله في الوضوء، وفي أخرى بالماء في الوضوء.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة 30، والنسائي كتاب الطهارة 91، أبو داود في كتاب الطهارة 56.
(3) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، بلفظ: «إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»، باب الأمانات وما يجب من ردّها، رقم: 5314، 4/ 335، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، باب سيرين أخت مارية، رقم: 776، 24/ 306.
(4) أخرجه الربيع، في الجامع الصحيح، رقم: 49. (1/149)
صفحة 150
«قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ»: التخليلُ أمرٌ واجبٌ وإلاَّ فستُكوَى وتخلَّل بمسامير من نار يوم القيامة، هذا دليل على الشقاء والعياذ بالله، وليس دليلا على السعادة، لأنَّ السعداء لا تمسُّهم النار ولا يقربونها أبدا، قال تعالى: ژ???????????????پپپپ????????????Sژ (الأنبياء: 101ـ103). والفزعُ الأكبرُ هو يوم القيامة، فبعد الاستقرار في النعيم لا يسمعون صوت جهنَّم ولا يحزنون ولا يخافون ولا يفزعون أبدًا، على عكس ما يكون عليه الأشقياء، فمن لم يخلِّل أصابعه هو في شقاء يوم القيامة.
وهذا أمرٌ واجبٌ ومؤكَّد، لأنَّ الحكم الذي فيه عقوبة ووعيد على من خالفه، يعتبر دليلاً على وجوب العمل به، فلنلتزم عند إسباغنا الوضوء، أو عند تعليمنا لأبنائنا وبناتنا الوضوء، أن نؤكِّد على تخليل أصابع اليدين والقدمين، وخاصَّة غسل اليدين إلى المرافق لأنَّه من الفرض الواجب، وبعده غسل اليدين إلى الرسغين الذي يُعتبر مسنونًا، وهو دليلٌ على النظافة، لأنَّ الأوساخ دائمة التجمُّع في مثل تلك الأماكن التي يمرَّر الماء فيها
تمريرًا فقط دون تخليل، فإمَّا أن تبقى تلك الأماكن يابسة دون وصول الماء إليها، وإمَّا أن يصلها الماء ولكن دون تنظيفها.
والتخليلُ من معانيه في اللغة النظافةُ مع معنى التعبُّد بذلك، فلو خرج المرءُ من الحمَّام ولم يُسبغ الوضوء فلابدَّ عليه بإسباغه لأنه تعبديٌّ، فلنحذر من هذا أشدَّ الحذر، فإن كان أحدنا لا يُخلِّل بين أصابعه في وضوئه فليبدأ من اليوم فصاعداً، ويستغفر الله فيما مضى ولا يحدِّث نفسه في قبوله، لأنَّه كان يعمله على غير علم منه، وهو قولٌ من بين أقوال العلماء المختلفة في هذه المسألة، وبعد أن تبيَّن الحكم الآن فعلى الجميع الحذر، فلا تصِحُّ صلاة من خالف هذا عن عمد، والله أعلم. (1/150)
صفحة 151
هذا فيما يتعلَّق بالوضوء، وهو أيضًا يخصُّ كلَّ غُسل واجبٍ من الجنابة والحيض والنفاس، بينما الغسلُ المسنونُ كاغتسال العيدين والجمعة والإحرام، فإن التخليل فيها مسنونٌ أيضًا، إذا غفل عنه المرء فإنَّه لا يُخَلَّل بمسامير من نار لأنَّه في اغتسال مسنون ليس بواجب، لكن على المسلم أن يُعوِّد نفسه التَّخليل في الوضوء في كلِّ غسل حتَّى يعتاد ذلك، ويطمئنَّ قلبه، ويُتقن عمله.
((((
91) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ صَلاَةَ لَهُ، وَلاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ صَوْمَ إِلاَّ بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» (1).
شرح الحديث:
هذه عدَّة أمور مترابط بعضُها ببعض، فالإيمان هو عبارةٌ عن جهاز مُركَّب من آلاتٍ عظيمةٍ ومن آلاتٍ دقيقة، فلا بُدَّ أن تتكامل هذه الآلات مع بعضها البعض، وإلاَّ فلن يؤدِّيَ هذا الجهاز وظيفته، ولا يُمكن أن يُصلِّي المؤمن بغير وضوء، ولا يُمكن أن يُسمَّى مُصلِّياً متوضِّئا، لكنَّه لا يصوم، ولا يُمكن للمسلم أن يُسمَّى صائماً إذا كان يصوم عمَّا أحلَّه الله ويُفطر بما حرَّمه عليه، أو أن يكون صائما غير أنَّه لا يُزكِّي، مثلما قال سيُّدنا أبو بكر س: «والله لأقاتلنَّ من يُفرِّق بين الصَّلاة والزَّكاة». والإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أوَّلها كلمةُ التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وقيل مائة شعبة (2)،
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة 84، وابن ماجة كتاب الطهارة 41.
(2) ينظر: رواية الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، رقم: 773. (1/151)
صفحة 152
فمَثَل الإيمان مثَل طائرة لها محرِّك ضخم، فلا بد أن تعمل كل جزيئات ذلك المحرِّك وإلاَّ فلن تُقلِع تلك الطائرة إلى الأعلى، وإن انطلقت فإمَّا أن لا تهتدي إلى الطريق، أو أنَّها لن تستطيع الهبوط بعد ذلك، وكلُّ ذلك خطرٌ فكذلك محرِّك الإيمان يجب أن يكون مكتملا كي يرقى بصاحبه ويطير به إلى الجنَّة، كما قال النبي ح: «لاَ إيمان لمن لا صلاة له» ثم «لا صلاة لمن لا وضوء له».
والحديث روي عن طريق متَّصل: أبو عبيدة جابر بن زيد عن ابن العباس س، وروي أيضًا من غير هذا الكتاب، فقال: «لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ صَلاَةَ لَهُ» وفي هذا الأسلوب فرقٌ بين أن يقول: «لا إيمان لمن لا صلاة له» وبين أن يقول: «لا إيمان لمن لم يُصلِّ» فيعتبر كل من صلَّى كامل الإيمان.
وما كلُّ من صلَّى يسمَّى مُصَلِّيًافَشَتَّانَ بين الاِسْمِ والفِعْلِ في الأَمْرِ (1)
__________
(1) البيت من رائية الصلاة لأبي نصر فتح بن نوح المالوشائي، ملحقة بدعائم ابن النضر العماني، ص205، 207.
وَلَيْسَ خُشُوعُ الجِسْمِ يَوْمًا بِنَافِعٍ ... إذَا غَابَ قَلْبٌ فِي شِعَابِ التَّدَبُّرِ
فَمَا كُلُّ مَنْ صَلَّى يُقَالُ مُصَلِّيًا ... فَشَتَّانَ بَينَ الاسْمِ وَالفِعْلِ فانْظُرِ (1/152)
صفحة 153
فمن لم يصلِّ فلا صلاة له، ومن صلاَّها ناقصة فلا صلاة له أيضاً، فمثل هؤلاء لا إيمان لهم مطلقاً ولو ادَّعى أحدهم أنَّه مؤمنٌ وهو لا يصلِّي، فكيف يلتقي الإيمان مع قلبِ تاركٍ للصلاة، ومن شهد ألفاً أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله ولكنه لا يصلِّي فهو كافر، و «لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَالكُفرِ إِلاَّ تَركُهُ الصَّلاَة» (1)، وسواءٌ تركها جحودًا أو تركها تكاسلاً، لأنَّ تاركها جحودًا كافرٌ كفر شركٍ، ولا إيمان له، وإن تركها استخفافًا بحقِّها وتكاسلا منه بأن يُقرَّ بفرضيَّتها ولكنهلا يصلِّيها، ويدعو الله أن يوفِّقه إلى صلاتها وهو لا يصلِّيها، فإن استمر على ذلك فهو كافرٌ كفر نعمة، مسلوبُ الإيمان، إذ الإيمان مركَّب من الاعتقاد والقول والعمل، ولا بدَّ من اجتماعها، كما يركَّب الهواء أو الماء من عدد من الجزيئات، فالإيمان مركَّب إذن من ثلاثة أجزاء: الاعتقادُ الراسخ في القلب والذي لا يتزعزع بشكٍّ أو ريب، وبعد ذلك الإقرارُباللسان بكلمة الشهادتين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن سيِّدنا محمد رسول اللهح، وأنَّ ما جاء به حق من عند الله، ثم العمل الذي يدعوه إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجِّ
البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وسائر أفعال الإيمان الأخرى، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، وما إلى غير ذلك.
فإن كان الناطقُ بالشهادتين متردِّدًا في الاعتقاد وشاكًّا فيه فهو منافق، وإن كان مؤمنًا بها بقلبه ولكنه لم ينطق بها فهو كفرعون وهامان ژ?????پپژ (النمل: 14)، وإن كان معتقدًا بها وناطقًا بها، غير أنَّه لا يعمل بها فهو كالمرتدين الذين حاربهم أبو بكر الصِّدِّيق س، حيث قالوا: نؤمن ونصلِّي ولا نزكِّي، إذن فلابدَّ من الاعتقاد والقول والعمل معاً.
__________
(1) أخرجهالربيع في صحيحه، كتاب الصلاة ووجوبها، باب جامع الصلاة، رقم: 303. (1/153)
صفحة 154
وهذا الحديث يؤكِّد ويقرِّر هذا المعنى «لا إيمان لمن لا صلاة له» فهذا نفيُ الجنس، أي ليس له أصلُ الإيمان مطلقاً، حتَّى ولو اعتقد ونطق باللِّسان، ولكن لا ينفعه ذلك إن لم يكن مُصلِّيا، ژSSS????????????????چچچچ?????????? ژژژ (الأنفال: 2 - 4)، والله تعالى قد بيَّن لنا موازين الإيمان الصَّادق في آيات كثيرة، موازين عادلة وطريسة لا تميل ولا تجور أبداً، وما علينا إلاَّ أن نزن بتلك الموازين الصَّحيحة، ولا تنفع تلك الدعوة الفارغة، فلا بُدَّ من الصَّلاة لثبوت الإيمان.
«وَلاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ»:وكذلك نفس المعنى السابق بين الإيمان والصَّلاة، فهو بين الصَّلاة والوضوء إذ لا صلاة لمن لا وضوء له على غير طهارة إلاَّ ما كان يعسُر إزالته، مثل جرح مربوطٍ، أو قرحةٍ، أو إلى غير ذلك فيَمنَع نزولَ النَّجس منه ثمَّ يسبغ الوضوء ولا عليه.
ويكون الوضوءُ بالطريقة التي شرحناها قبل، بالإسباغ الكامل مع تخليل الأصابع والرجلين والأعقاب وبطون الأقدام، بماء مُطلق لم يتغيَّر لونُه ولا طعمُه بمغيِّر ينفكُّ عنه غالبًا،
أمَّا إذا غُيِّر بمغيِّر لا ينفكُّ عنه غالبا بملح ماء البحر أو معادن الأرض أو طين الغدير فهذا يجوز الإسباغ به، أو بتغير الإناء بالقطران أو غيره إن كان بمقدار قليل فلا بأس، على غرار ما اعتاد النَّاس أن يضعوا مياهَهم فيه كالأقربة المصنوعة من الجلود وغير ذلك فلا بأس.
أمَّا إذا كان ممَّا يتعمَّد به تغيير ذلك الماء فلا يجوز أبداً، كماء البحر مثلا فإنه مالح طبيعيًّا إذ سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم إسباغ الوضوء به فقال «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مِيتَتُهُ» (1)، أمَّا أن تأخذ غَرفةً من ملح فتضعها في إناء فيصبح مثل ماء البحر، فذلك لا يجوز التوضُّؤ به لأنَّ الإنسان هو المتسبِّب في ذلك.
__________
(1) أخرجه الربيع في الصحيح، رقم: 161. (1/154)
صفحة 155
فقوله ح: «لا صلاة لمن لا وضوء له» حكمٌ خطيرٌ، فليحذر الذي يتهاون في التوضُّؤ، أو هو لا يتوضَّأ أبداً، إذ يقوم من نومه متكاسلاً، فيضرب يديه في التراب، ويقول «بحرٌ من ماءٍ وبحرٌ من تراب»!، وكأنَّ الله تعالى قد سوَّى بينهما، وهو الذي قال: ژ???چچچژ (المائدة: 06) فلا يلتجئُ المسلم إلى التيمُّم بالتراب إلاَّ إن لم يجد الماء، أو كان به مرضٌ يمنعه من الوضوء، أو خاف أن يطول شِّفاؤه منه، أو أن يزداد ضرره بسبب ذلك الماء، وإلاَّ فلا عذر. وكذلك لمن لم يجد الماء فعليه أن يجتهد في البحث عن الماء قبل اللُّجوء إلى التيمُّم، فعلى الذي لم يجد الماء وهو في منطقة عمرانية أن يَجِدَّ في البحث عنه عند جيرانه، أمَّا إن كان في الخلاء وفي سفر فذلك شأن آخر.
وكذلك «لا صلاة لمن لا وضوء له»؛ للذين يصلُّون بغير وضوء وهم يحسبون أنَّهم متوضِّئون، إذا انتقض وضوؤهم ببعض نواقض يجهلونها ظنًّا منهم أنَّ الوضوء لا ينقضه
إلاَّ البول أو الغائط أو النَّجاسات أو الريح، وغفلوا عن الغيبة والنَّميمة أنَّها تنقض الوضوء، فيلجؤون إلى التكلُّم في أعراض النَّاس والتجسُّس والكذب عليهم وكذا نظر الشهوة إلى العورات، فهذا كلُّه ممَّا ينقضُ الوضوء، فمثل هؤلاء لا صلاة لهم لأنَّهم لم يُجدِّدوا وضوءهم بعد انتقاضه، فيسبغ الوضوء في العصر مثلاً ولا يُجدِّده في المغرب ظانًّا أنَّه لم ينتقض وضوؤُه، وقد خاض في أعراض الناس في تلك الأمسية وهو في غفلة، فلنحذر جيٍّداً، لأنَّه ورد في الحديث الصحيح: «لاَ يَقبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ» (1). فعلينا أن نحذر جيِّداً ونتبيَّن صحَّة وضوئِنا وعدم انتقاضه قبل كلِّ صلاة حتَّى تكون صلاتُنا صحيحةً.
__________
(1) أخرجه البخاري، باب: الصلاة، رقم: 6440، 21/ 288. ورواه مسلم بلفظ قريب، باب: وجوب الطهارة للصلاة، رقم: 330، 2/ 6. (1/155)
صفحة 156
فإخواننا العُمانيون مثلا يُسبغون الوضوءَ لِكُلِّ صلاةٍ، حتَّى أنَّنا أحياناً نكون جالسين بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء في درس أو مذاكرة في مجلس لا غيبة فيه ولا لغو، وحين ننتهي من اللقاء إذا بهم يقومون جميعًا لإسباغ الوضوء، فعتبتهم على ذلك في بعض الأوقات، وقلتُ لهم إنَّنا قد نعتبر هذا مُستحسنًا لكم في ذلك لأنَّكم في بيئة حارَّة، فلو أنَّكم في بيئة باردة لعجزتم عن ذلك رغم أنَّه لا يستدعي كلُّ هذا الإجراء.
فنحن لسنا من الفريق الذي فَهم قوله تعالى:ژ??پپژ أي كلَّ صلاة، وإنَّما إذا قمتم إلى الصلاة على غير وضوءٍ فأسبغُوا الوضوءَ، أمَّا إن كنتم على وضوء فالصلاة صحيحةٌ، ونحن بهذا القول الذي أخذ به جمهور العلماء، وإن كان لا يمتنع أحدُنا أن يسبغ الوضوء على وضوء صحيح قبله فهذا جائز، فهو وضوء على وضوءٍ ونورٌ على نور. (1/156)
صفحة 157
«ولا صومَ إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله»: وهنالك حديثٌ آخر: «وَلاَ صَلاَةَ وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لاَ صَوْمَ لَه» (1)، وإن كانت لم تُروَ في هذا الحديث وإنَّما ورد هنا: «ولا صوم إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله»، فإن ردَّ المسلم عينيه عن النَّظر المحرَّم قدر المستطاع، وردَّ الأذنين عن السماع المحرَّم والكلام القبيح والنّميمة والغيبة، لأنَّ المستمع شريك المتكلِّم، وردَّ يديه ورجليه عن الأعمال المحرَّمة كذلك، وكلَّ الجوارح عن المحرَّمات، فإنه بهذا يكون صائما صومًا حقيقيًا، عمَّا أحلَّ الله وحرَّمه في وقت الصَّوم، وصام عمَّا حرَّمه الله في وقت الصوم وغير الصوم، فلا يكوننَّ صائمًا عمَّا أحلَّه الله مُفطرا بما حرَّمه الله، كتلكما المرأتين اللَّتين ذهبتا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليُرخِّص لهما بالإفطار في آخر اليوم بعد أن غُلبتا بالجوع والعطش، فقدَّم لكلِّ واحدة منهما قِدحا فأمرهما أن تقِيآ في ذلك القدحين فقاءتا بإذن الله تعالى لحمًا ودماً، فقال للصحابة رضي الله عنهم: انظروا إلى هاتين المرأتين «صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّهُ اللهُ وَأَفْطَرَتا بِمَا حَرَّمَ اللهُ» (2)،
__________
(1) ينظر: اطفيش، هميان الزاد، 1/ 64، و 2/ 198، أبي ستة، حاشية الترتيب، 1/ 109 و 2/ 53، من أحكام الصوم لفرحات الجعبري 1/ 15.
(2) أخرجه ابن أبي الشيبة في المسند، بلفظ: «عن سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يُحَدِّثُ فِي مَجْلِسِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا وَقَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «ائْتُونِي بِهِمَا» فَجَاءَتَا، فَدَعَا بِطَسْتٍ أَوْ قَدَحٍ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا: «قَيئِي» فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ حَتَّى مَلَأَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: «قَيئِي» فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ» رقم: 662، 2/ 177. وأخرجه أحمد من حديث عبيد مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 23653، 39/ 60. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت، باب الغيبة وذمها، رقم: 171، 1/ 122. (1/157)
صفحة 158
أي صامتا بما أحلَّه الله في غير رمضان
من تمر وماء ولبن وغير ذلك، وأفطرتا بما حرَّم الله باللَّحم والدم أي لحم ودم إخوانهن وأخواتهنَّ المؤمنات، لأنَّ المتكلِّم بالغيبة كالذي ينهش لحوم إخوانه المؤمنين، كما قال تعالى:ژ??SSSS???ژ (الحجرات: 12). فالصومُ لا ينفع مع إتيان الحرام، قال ح: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (1) والغيبةُ والنَّميمةُ والكذبُ كلُّها من قول الزُّور، فلم يأمرنا الله تعالى بالصوم احتياجًا إلينا، أو لأنَّ خزائنه تعالى تكاد تنفذ فأمرنا بالتقشَّف لكي نوفر له ما يبقيها عامرة، حاشاه ژ????ژ، وإنَّما يريد أن يعينَنا على تربية نفوسنا وتأديبها بالجوع والعطش لأنَّ الشيطان، يجري من ابن آدم مجرى الدَّم في العروق فضيِّقوا مجاريه بالجوع والعطش، ولنسْعَ إلى ترك ما حرَّم الله قبل ذلك، أمَّا ترك الطعام والشراب فما هو إلاَّ وسيلة لتربية النَّفس.
إذن فلا صوم لمن لم يرُدَّ نفسه عمَّا حرَّمه الله تعالى، سواء في صوم رمضان أو النَّوافل، غير أنَّ من الفقهاء من يُفتي بالإعادة وهناك من يفتي بغير الإعادة ولكن لا أجر له، ولذلك كان صمتُ الصائم تسبيحٌ ونومُه عبادةٌ ودعاؤُه مستجابٌ وعمله مضاعَف، فسكوته جعله يسلَم من قول الزُّور، فكان بذلك تسبيحًا، وكذلك في نومه عبادة لأنَّه يستريح ليسهر الليل في الركوع والسجود وتلاوة القرآن، وعمله مضاعَف وقيل إلى سبعين مرَّة للفرق الذي بين رمضان وغيره من سائر الأيَّام، فنفله يكون كالسُّنَّة والسُّنَّة كالفرض والفرض يضاعف أضعافاً مضاعفةً.
فهذا الحديث من الأصول التي تبيِّن أنَّ الإيمان لا يتمُّ ولا يتكوَّن إلاَّ بالاعتقاد والقول العمل، ودعوى الإيمان بدون أعمال هي دعوى فارغة، والله الموفِّق والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) أخرجه البخاري، باب من لم يدع قول الزور، 1903، 3/ 26. (1/158)
صفحة 159
92) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ وَوَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ».قَالَ الرَّبِيعُ: أَرَادَ بِذَلِكَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُعْرَكَ بِالْمَاءِ وَيُبَالَغَ فِي غَسْلِهَا (1).
شرح الحديث:
خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه يوماً وهم يتوضَّؤُون، ولا يُحسنون الوضوء، فنادى: «ويل للعراقيب من النار»، وفي رواية: «ويل للأعقاب من النار وويل لبطون الأقدام من النار» (2)
والعراقيب والأعقاب بمعنى واحد، وهو ما تحت الكعبين، وعادة ما يكون منخفضاً، فإن مرَّر المتوضئُ يده بسرعة دون إمعان فإنَّ الماء لا يصله، وكذلك في بطون الأقدام، إذ إن فيها تجويفًا قد لا يصله الماء أيضا، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الويل في النار لمن لم يتعهَّد تلك البقع بالعرك والدَّلك، فإسباغ الوضوء ليس إفراغاً للماء على القدمين أو غمساً لهما في الماء فقط، وإنَّما بإمرار اليد على الرِّجل مع العرك والدَّلك، وسواء كان تعميم الماء بالصبِّ أو بالأخذ من إناء، أو حتَّى بغمسها في ساقية أو في البحر، فإن الدلك والعرك وتمرير اليد على الأعضاء كلِّها لازمٌ في الوضوء، وحتى في الاغتسال بمسح كامل الجسد.
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب الطهارة 55، وأخرجه أحمد في مسنده: 02/ 242، 287.
(2) سبق تخريجه: الحاكم في المستدرك، بلفظ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ، وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ». قال الذهبي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجَا ذِكْرَ بُطُونِ الْأَقْدَامِ، 580، 1/ 267، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، باب التغليظ في ترك غسل بطون الأقدام، 163، 1/ 84. (1/159)
صفحة 160
وتتميما للفائدة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بغسل المأقِين، والمأقِين هو: ما بين العين والأنف لأنَّه مُجوَّف، فقد يكون فيه غبار أو وسخ، فوجب أن يتعنَّى المتوضئُ لكي يوصل الماء جيدًا، ويزيل كلَّ ما فيها من عوالق، وعليه كذلك بفتح العينين، كما قال النبي ح: «أَشْرِبُوا عُيونَكُم الماءَ لَعَلَّها لاَ تَرَى نَارًا حَامِيَة» (1). وليس المقصود بأنَّها لا ترى نار جهنَّم بالنَّظر، بل بالصَّلْي فيها والاحتراق، لأنَّنا جميعًا سنرى جهنَّم، وننظر إليها كما قال تعالى: ژ?????ہہژ (التكاثر: 6 - 7)، فهذا الوضوء سيُبعد تلك النَّار ويطفِئها فلا تصل العينين اللتين قد شُرِّبتا الماء، فيكون بذلك من الآمنين والغرِّ المُحجَّلين من أثر الوضوء يوم القيامة كما بشَّر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، نسأله تعالى أن يجعلنا منهم.
__________
(1) أخرجه القطب في هميان الزاد، بلفظ: «وفي الحديث: أشربوا عيونكم الماء لئلا ترى ناراً حامية»، 4/ 232. وأخرجه أبو شجاع: الفردوس بمأثور الخطاب، 1/ 71 بلفظ قريب. (1/160)
صفحة 161
وعلينا ألاَّ نتهاون كذلك في غسل أيدينا إلى المرافق؛ بأن نشملها كاملة في الغسل، وكذا بالنسبة للكعبين في الرِّجلين، وهنالك من استحسن أن يزيد أربع أصابع فوق المرفقين أو فوق الكعبين لتكون ضمن أعضاء الوضوء، فلا ينبغي أن نكتفي بإيصال الماء إلى المرفقين بالضبط ثم ننزل عنهما ولا نشملهما بالوضوء، فالآثار والأحاديث دلَّت على دخول الغاية في الغسل، لأنَّه تعالى قال:"إلى الكعبين" وقال: "إلى المرافق"، فقد يُشكِل على المرء من حيث التعبير اللُّغوي أن يُدخل الكعبين أو المرفقين في الغسل أم لا؟، ولكن البيان الشرعيَّ النبويَّ دلَّ على دخولهما في الغسل، فلنحفظ هذا جيِّداً ولنعمل به ولنعلِّمه أبناءنا، ونعلِّم كلَّ من علِمنا بجهله بذلك حتَّى نرفع عن أنفسنا الجهل وغمَّته، فهنالك من يقضي العشرات من السنين وهو يظنُّ أنه يُحسن صلاةً وصوماً، وهو ربَّما لا صلاة ولا صوم له، فأمر التعليم واجبٌ علينا دون تقصير فيه، والله الموفِّق والحمد لله رب العالمين.
ما جاء في الاستنشاق
93) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلُقَيْطِ بْنِ صُبْرَةَ: «إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّهُ قَالَ لِلُقَيْطِ بْنِ صُبْرَةَ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَضَعْ فِي أَنْفِكَ مَاءً ثُمَّ اسْتَنْثِرْ» (1).
وما جاء في المضمضة والاستنشاق
__________
(1) أخرجه النسائي كتاب الطهارة: 69، وأخرجه أحمد في مسنده، 2/ 242، 287. (1/161)
صفحة 162
94) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ (1).
شرح الحديث:
نحن نتتبع خصال الوضوء واحدةً واحدةً؛ والحديث اليوم في المضمضة والاستنشاق، وهما عملان من أعمال الوضوء، وثبتا بالسنَّة الصحيحة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضَّأ يتمضمض ويستنشق، فلربَّما يقول أحدُنا وكيف بالمضمضة والاستنشاق وهما لم يُذكرَا في القرآن، في قوله تعالى:ژپپ??
???????ژ (المائدة: 06).فنقول إنَّ الله تعالى قال عن القرآن الكريم لنبيِّه: ژ?SSSS???ژ (النحل: 44) وهذا البيان من النبي صلى الله عليه وسلم إمَّا أن يكون قوليًّا وإما عمليًّا، وهذه الأعمال التي لم تُذكَر في الآية من الوضوء إنَّما بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عمليًّا، فلمَّا تَمضمضَ واستنشق ثم غسل وجهه عرفنا أنَّ المضمضة والاستنشاق ضمن الوجه في الوضوء.
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء 41، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة 83، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة: 43. (1/162)
صفحة 163
قال كثيرٌ من العلماء إنَّ المضمضة والاستنشاق سُنَّة في الوضوء فريضة في الاغتسال من الجنابة، إن نسيَها الإنسانُ أو كان ذا عذر في عدم إتيانهما فلا بأس عليه، أمَّا أن يتعمَّد ذلك فلا يجوز. ومن العلماء من قال إنَّها تجب في الوضوء وفي الاغتسال، ومنهم شيخنا «أبو خزر يغلى بن زلتاف» (1):من علماء القرن 3هـ، حيث كان يغضَبُ لهذا القول، ويقرُّ بأنَّ المضمضة والاستنشاقَ فريضةٌ في الوضوء وفريضةٌ في الاغتسال (2).
وممن قال معه بهذا القول: الإمام أحمد بن حنبل: بحُجَّة أنَّ الله تعالى أمر بغسل الوجه، والفم والأنفُ من الوجه (3)، ولا يبعُد هذا القول عن الصَّواب.
__________
(1) يغلا بن زلتاف الوسياني، (أبو خزر)، (ت: 380هـ / 990م) «من كبار علماء الإباضية، برع في علم الكلام، وانفرد فيه بآراء متميِّزة. كانلأبيخزرنشاطسياسيوعسكري، إذقادثورةمسلَّحةضدَّجورالعبيديين، وانتقامًالمقتلزميلهأبيالقاسميزيدبنمخلد، فبويعأبوخزرإمامدفاع، أعطاهالمعزُّالأمانواستقدمهإلىبلاطهسنة 359هـ/969م، ولمَّارحلإلىمصرسنة 362هـ/972مأخذهمعهليأمنجانبه، وصفهالمعزُّقائلا: «يغلاعالمورع»؛ووصفهأبوزكرياءبأنَّه «كانإماماورعامجتهدافيالعبادة، جامعالخصالالخيروالعلموالحلموالفراسة».وهوممَّنجازتعليهسلسلةنسبالدين، كماعدَّهأبويعقوبالوارجلانيمنالعلماءالعشرةالذينانفردوابآراءفيعلمالكلام. توفيسنة 380هـ/990م، وترككتاباًبعنوان: «الردُّعلىجميعالمخالفين» ولعلَّهأقدمكتابإباضيمغربيفيعلمالكلامبعدالدينونةالصافية، وصلناكاملاً»،جمعية التراث، معجمأعلامالإباضية (قسمالمغرب) 2/ 175.
(2) ينظر: السالمي، معارج الآمال، كتاب الطهارات، 2/ 352، [دون الإشارة إلى قول الشيخ بن زلتاف].
(3) ينظر: القرطبي، المحلى بالآثار، مسألة صفة الوضوء، 1/ 296. (1/163)
صفحة 164
وكذلك عمل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي رواه الربيع عن جابر بن زيد، ولم يذكُر هنا أبا عبيدة، فقد يكون بلغه عن جابر عن طريق ضمام بن الساَّئب أو أبي مودود حاجب الطَّائي، أو أبي نوح صالح الدَّهَّان، أو من هُم من تلك الطبقة، عن النبيءحأنَّه قال للُقَيط بن صبرة، وهذا من الصَّحابة حيث كان يُعلِّمُه النبي ح، ورُويَ هذا عن لُقَيط ابنه عاصم بن لُقَيط، قوله ح: «إذا استنشقت فأبلغ إلاَّ أن تكون صائماً ثم بعد ذلك قال له فاستنثر»، أي اجتذب الماء بقوَّة ثم استنثره بقوَّة، لأنَّه أحرى أن يخرج ما يُمكن أن يكون في الأنف من أوساخ أو غبار أو غير ذلك، ولا أن يُدخِل الماء في أنفه فيدعَه ينزل دون استنثار فهذا غير صحيح، وإن لزِم الأمر أن يُدخِل إصبعه في أنفه لينظفها، فهذا حسن.
الوضوء يطرد الشيطان:
وفي حديث آخر: «إِذَا تَوَضَّأ أَحَدُكُم فَلْيَسْتَنْثِرْ فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَبِيتُ فِي خَيْشُومِه» (1) ولا نتعجَّب من هذا فإنَّ الشيطان يتشكَّل، فإن كان يبيتُ في الخيشوم، فإنَّه يجري من ابن آدم مجرى الدَّم من العروق، فإنَّنا أُمرنا أن نستنثر الماء جيِّداً إذن حتَّى نُخرج هذا الشيطان من الأنف، والشَّيطان يفرُّ بالوضوء لأنَّه عبادة، وطاعة لله ورسوله والشيطان
لا يلتقي مع عبادة الله تعالى، فأينما حلَّت فرَّ منها، وبمعنى آخر، فإنَّ الشيطان من النَّار والنَّار يُطفئها الماءُ، والوضوءُ يكون بالماء.
__________
(1) أخرجه البخاري باب: صفة إبليس وجنوده رقم: 3052، 11/ 72. وأخرجه أحمد بلفظ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْثِرْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ» رقم: 8268، 17/ 310. (1/164)
صفحة 165
وفي هذا المعنى جاء في قضيَّة الغضب، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيطَانِ، والشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَإنَّما تُطْفَأُ النَّارُبِالماءِ، فإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» أو في هذا المعنى (1)، فإذا غضب الإنسان فإنَّما يؤجِّج غضبه ذلك الشَّيطان وينفخ فيه بطبيعته النارية فإذا أردنا أن نطفئ هذا الغضب فعلينا بالتوضؤِ، أو على الأقل بغسل اليدين والوجه والمضمضة والاستنشاق حتَّى يَضعُف كيد الشيطان، فليس التوضُّؤ هدفُه النَّظافة فحسب وإنَّما فيه معنى التعبُّد أيضاً، فمهما كان الإنسان نظيفاً أو حتَّى أنَّه خرج من الحمَّام فعليه بإسباغ الوضوء على نيَّة الوضوء.
فضل الوضوء:
وفيه معنًى آخر فيما سأل عمرو بن عنبسة النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن فضل الوضوء وأجره، فقال: «إنَّ المؤمِنَ إِذَا أَسْبَغَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَأَنْفِهِ مَعَ مَاءِ الوُضُوءِ» (2)، وكذلك جميع الجوارح التي يُسبغ لها الوضوء، فإذا غسل وجهه
__________
(1) أخرجه أبوداود بلفظ: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»، باب: ما يقال عند الغضب، رقم: 4152،12/ 403. وأخرجه أحمد، في مسنده، رقم: 17302، 36/ 421.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، باب إسلام عمرو بن عبسة، في حديث طويل بلفظ: عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ» رقم: 1/ 570. وكذا ابن خزيمة في صحيحه، باب ذكر دليل أن النبي قد كان يأمر بالوضوء .. رقم: 260، 1/ 129 .... » رقم: 260، 1/ 129. (1/165)
صفحة 166
خرجت خطايا وجهه من أطراف لِحيته مع الماء، وإذا غسل يديه خرجت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء حتَّى يخرج من الوضوء وهو مغفور الذُّنوب، ففي الوضوء فضلٌ كبير جدًّا.
الوضوء يغسل معاصي الجوارح:
وكذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحبار اليهود والعشرة الذين جاؤوا يسألونه عن أشياء (1)،
__________
(1) ينظر: الثعلبي، تفسير الكشف والبيان، بلفظ: عن أبي ذر عن علي كرم الله وجهه قال: «بينا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في ملإٍ من المهاجرين إذ أقبل إليه عشرة من أحبار اليهود فقالوا: يا محمد إنا أتيناك لنسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ من كان نبيّاً مرسلا وملكاً مقرّباً، فقال - صلى الله عليه وسلم -: سلوني تفقهاً ولا تسألوني تَعنّتاً، فقالوا: يا محمد أخبرنا لِمَ أمر اللّه بغسل هذه الأربعة المواضع وهي أنظف المساجد؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنّ آدم لمّا نظر إلى الشجرة قصد إليها بوجهه ثم مشى إليها وهي أوَّل قدم مشت إلى المعصية، ثمّ تناول بيده وشمَّها فأكل منها فسقطت عنه الحلي والحلل فوضع يده الخاطئة على رأسه فأمر اللّه عزَّ وجل بغسل الوجه لما أنه نظر إلى الشجرة وقصدها وأمر بغسل الساعدين وغسل يده وأمر بمسح رأسه، ابتلته الشجرة ووضع يده على رأسه، وأمر بغسل القدمين لما مشى إلى الخطيئة فلمَّا فعل آدم ذلك كفَّر اللّه عنه الخطيئة فافترضهنَّ اللّه على أمتي ليكفِّر ذنوبهم من الوضوء إلى الوضوء، قالوا: صدقت، فأسلموا» 4/ 30، وقد ذكره السالمي في معارج الآمال، 2/ 44 .. (1/166)
صفحة 167
فقالوا يا محمَّد إنَّا جئنا نسألك عن أشياء لا يعرفها إلاَّ نبيٌّ مُرسَل أو كما قالوا، فقال: «سلوني تفقُّهاً ولا تسألوني تعنُّتاً»، فقالوا: إنَّا نسألك عن هذه الأعضاء التي زعمت أنَّ الله أمرك بها للوضوء وهي أنظف ما في الجسد، فقال ح: «إنَّ آدم؛، لمَّا ذهب إلى الشَّجرة وهي أوَّل قدم مشت إلى معصية الله ونظر إليها بوجهه كذلك ومدَّ إليها يده، فلمَّا أخذ التَّمرة شمَّها بأنفه، وبعدها أكلها بفمه، وذلك الشمُّ عصيانٌ، فلمَّا أكلها
زالت عنه الحُليُّ والحلل، ففزع بذلك ووضع يده فوق رأسه، وهي يد خاطئة عاصية وُضِعت على الرَّأس، وكان قبل ذلك استمع إلى وسوسة إبليس بأذنيه، فلمَّا تاب الله عليه أمره أن يغسل كُلَّ هذه الجوارح التي عصى بها الله قبل أن يأتي إليه للعبادة والوقوف بين يديه»، وهي أوَّل الأعضاء التي عصت الله تعالى، فشرع الله هذا الغسل له ولجميع أبنائه، تكفيراً لخطاياهم، وهو جوابٌ حكيم من النبي ح.
وسألوه أيضًا عن الاغتسال، بأنَّه لماذا إذا خرج من الإنسان البولُ والغائط لا يغتسل، وإذا خرجت منه النطفةُ يغتسل، والبولُ والغائط أقذر وأنجس من النُّطفة، فقال النبي ح: لأنَّ آدم لمَّا أكل من هذه الشَّجرة التي نُهِي عنها تحوَّلت هذه الثمرة في جميع عروقه وأعصابه، فإذا نزل من الإنسان نطفة فقد نزلت من كلِّ شعرة في جسده جنابة مثلما نزلت تلك الثَّمرة من كلِّ شعرة في جسد آدم؛، أمَّا البول والغائط فإنَّه لا يَخرُج إلاَّ من محلِّه فيُغسَل ويُنظَّف فقط، فكذلك فرضها الله على جميع أبنائه، فقالوا صدقْت وأسلموا وأعلنوا الشَّهادتين. (1/167)
صفحة 168
إذن فإنَّنا أُمِرنا بالمضمضة والاستنشاق وأُمِرنا بالمبالغة فيهما، في قوله ح: «إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ» وفي رواية فبالغ (1)، «إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، لأنَّه ربَّما قد يتسرَّب الماء إلى جوفه وهو صائم، وهذا دليل على أنَّ صوم الإنسان ينتقضُ إذا وصل الماء إلى الجوف وكذلك الطعام، سواء عن طريق الفم أو الأنف أو أيِّ مسلك آخر، هذا في الاستنشاق.
وفي المضمضمة رُوِي أن النبي صلى الله عليه وسلم «تمضمض واستنشق من غسلة واحدة» (2) أي أنَّه وضع الماء في كفِّه فتمضمض به ثم استنشق منه بعد ذلك مباشرة، وهذا جائز لمن فعله، لأنَّه لم يخالف السُّنَّة، ولكن إذا أخذ الماء ثلاثاً للمضمضة ثمَّ أخذ الماء بعد ذلك ثلاثاً للاستنشاق، فلا يُسمَّى إسرافًا لأنَّه أتى بما أُمِر به، والروايات كثيرة في طرق المضمضة والاستنشاق من طريق إلى طريق.
فعلى المُمضمض أن يَخُضَّ فمه جيِّداً بالماء، ولا بأس أن يمرِّر بأصابعه على أسنانه أيضاً، وإن قام بدلك أسنانه بعود الأراك قبل الوضوء قبل المضمضة فذلك حسن، لأنه سيُزيل ما ترسَّب فيهما.
وسننتقل بعد هذا الحديث إلى موضوع آخر، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.
((((
ما جاء في مسح أثر الوضوء
__________
(1) أخرجه أحمد، في مسنده، باب حديث لقيط بن صبرة، رقم: 16380، 26/ 306.
(2) أخرجه أبوداود في سننه، باب صفة وضوء النبيء - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 111، بلفظ: «ثمَّ تَمضمَضَ واستَنثَرَ ثلاثاً، فمَضمَضَ ونَثَر مِن الكَفِّ الذي يأخُذُ فيه»، 1/ 80. النسائي، في سننه، باب غسل الوجه، رقم: 92، بلفظ: «ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الْمَاءَ»، 1/ 68. (1/168)
صفحة 169
95) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَّخِذًا مِنْدِيلاً يَمْسَحُ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وكَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ فَيُجَفِّفُ بِهِ. قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَعْمُولُ (1) بِهِ عِنْدَنَا أَنْ لاَ يَمْسَحَ أَعْضَاءَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَهُوَ اسْتِحْبَابٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَرْغِيبٌ مِنْهُمْ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ مَا دَامَ الْمَاءُ عَلَى أَعْضَائِهِ (2).
شرح الحديث:
هذا الحديث في مسْح أثر الوضوء من الماء الذي يبقى على أعضاء المتوضِّئ، هل يمسَحُه أم يدعه؟ أمَّا ما ثبت في الحديث، فهذا الحديث الذي رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد، وجابر عبَّر عنه بالبلاغ أي من أحد الصَّحابة ي، أو بعض أزواج النبي ح: أنه كان لديه منديلٌ يمسح به بعد الوضوء، حيث يُناوله إيَّاه بعض أزواجه. جاء التعبير في هذا الحديث بمنديل، وفي بعض الأحاديث بمنشفة، فإذا ثبت هذا فالسُّنَّة مسح أعضاء الوضوء.
__________
(1) * قوله المعمول بِهِ عندنا ... الخ هذا منه رضي اللَّه عنه إشارة إلى أنَّ الحديث منسوخ.
(2) ينظر، ابن أبي شيبة في مصنفه، باب في المنديل بعد الوضوء، رقم: 1582، بلفظ: «حَدَّثَنَا ابْنُ إدْرِيسَ، عَنْ يَزَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ لَهُ مِنْدِيلٌ يَتَمَسَّحُ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ»، 1/ 148. (1/169)
صفحة 170
ولكن في حديث آخر أنَّ زوجته ميمونةك ناولته المنديل فأباه، ولعلَّ المعمول به والمُستحَبَّ من أصحابنا وعلمائنا بعدم مسح أثر الوضوء، إنَّما فهموه أنَّه نسخٌ للمسح إلى كراهة المسح، ولذلك قالوا المعمول به أن لا يمسح لنيل الأجر ما دام الماء على أعضائه، وهذا قول أبي عبيدة، وعندي أنَّه لا حكمة من النَّسخ أو عدمه وإنَّما رُبَّما اختلاف الأوقات، ففي أوقات البرد لا يستطيع المتوضِّئُ أن يدع أعضاءه مبتلَّة بالماء من غير مسح، بل إنَّ هناك الكثير من النَّاس تتشقَّق جلودُهم وتسيل دماً بسبب البرد والهواء، فالمسح هنا ليس مُستحبًّا فحسب بل واجباً حتَّى لا تتضرَّر صحته، وربَّما قد يلتجئ إلى التَّيمُّم.
فهذا المسحُ إذن في أوقات البرد مُساعدٌ على العبادة، وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو كذلك يمسح أعضاءه في وقت الحر، ـ وأغلب أوقات الحجاز حرٌّ ـ، بل إنَّ ما يحدث في أوقات الصَّيف الحارَّة، أنَّ أعضاء المتوضِّئ قد تجفُّ قبل الانتهاء من الوضوء، ومع ذلك لا نقول لمن يمسح لا تمسحْ، لأنَّنا لا نمنع شيئاً لم يثبُت منعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما من توضَّأ ومسح فقد أصاب السُّنَّة ومن لم يمْسح فقد أصاب السُّنَّة أيضاً.
((((
ما جاء في مسح الرأس والأذنين
96) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ (1).
__________
(1) نص الحديث مما انفرد به الربيع. (1/170)
صفحة 171
97) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) قَالَ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ (2).
شرح الحديث:
إنّ مسح الرَّأس قد ثبت بالقرآن في قوله تعالى:ژ??ژ، وأمَّا مسح الأذنين فقد ثبت في السُّنَّة، وكلُّ ذلك ثابت، أمَّا مسح الرَّأس ففرضٌ، وأمَّا مسح الأذنين فسُنَّة، وإنَّما وقع الخلاف أن يُمسَح كلُّ الرَّأس أم بعضُه؟ واختلف العلماء كثيراً في هذه القضيَّة فبعض المذاهب يأخذون بالظاهر وهو مسح الرَّأس كلِّه، إلاَّ من كان متعمٍّمًا أي لابساً عمامة فيَمسَح ببعض رأسه وفوق عمامته ولا يتكلَّف نزعها، وأمَّا إذا كان غير متعمِّم فيمسح الرَّأس كلَّه، وهذا رأي كثير من العلماء وعليه أغلب أهل عُمان من المشارقة.
وذهب بعض من العلماء وكثيرٌ منهم أيضاً إلى إجزاء مسح بعض الرَّأس؛ ومعنى بعض الرَّأس فُهِم من الباء التبعيضية في قوله تعالى:ژ?ژ أي ببعض رؤوسكم
مثلما تقول: مسَحْتُ يدي بالحائط، فهذا يُفهَم منه أنَّك مسحتَ يدك ببعض الحائط فقط. وهنالك من قال إنَّ تلك الباء زائدة، وإنَّما لا يُقال في القرآن زائدة، وإنَّما يقال «صِلَة» لأنَّه لا زائد في القرآن.
مسح بعض الرأس:
__________
(1) * قوله: سمعت أنَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ... الخ في نسخة القطب: عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن رسول اللَّه (ص) والإرسال أثبت.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، 37، وأخرجه ابن ماجة باب الأذنان من الرأس، رقم: 443، 1/ 152. (1/171)
صفحة 172
ولكن الحديث الذي ورد هنا، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مسح ببعض رأسه والحديث متَّصل، أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس، أي أنَّ ابن عبَّاس شاهد النبي صلى الله عليه وسلم مسح ببعض رأسه ولم يمسح كُلَّ رأسه، فإذا ثبت الحديث دلَّ على جواز مسح بعض الرَّأس، ولكن ما مقدارُ بعض الرَّأس: النصف، الثلث، الربع، مقدار اليد .. ؟ وأقلّما ورد ما فيه: مسح ثلاث شعرات بثلاثة أصابع، أي المهم أن تمسح ببعض رأسك، وإن مسح كلَّ رأسه فذلك ليس فيه خلاف، وهو أفضل. لأنَّه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث آخر «أنَّهُ أَقْبَلَ بِيَدِيْهِ وَأدْبَرَ» (1)، ومسحُ كُلِّ الرَّأس فيه كمالُ العبادة، وفيه الخروج من الخلاف، فيكون ناجيًا، وإن مسح بعض رأسه بأن كان على سفر أو لابِساً عمامة فلا بأس. فقد فعل ذلك النبي ح.
مسح الأذنين:
وأمَّا مسح الأذنين فهما من الرَّأس، كما في قوله تعالى:ژ??ژكما أنَّ المضمضة والاستنشاق من الوجه أيضًا، أي أنَّ الفم والأنف من الوجه، وكذلك الأذنان
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، باب مسح الرأس كله، بلفظ: «عن عبد الله بن زيد .. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» رقم: 185، 1/ 48، وأخرجه مسلم، في صحيحه، باب في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم:235، 1/ 211. (1/172)
صفحة 173
هما من الرأس فيمسحان معه، إمَّا بتجديد الماء وإمَّا بغير تجديد، فكلُّ ذلك جائزٌ، فإن مسح المتوضِّئُ أذنيه بعد مسح رأسه بماء واحد فجائز، وإن جدَّد فأخذ الماء للأذنين فأفضل، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنَّه غرف غرفةً واحدةً فمسح بها رأسه وأذنيه ولم يُجدِّد لهما (1).
الطريقة الجيدة لمسح الرأس والأذنين:
ونحن عندنا طريقة حسنة نقوم بها في تجديد الماء مع الاقتصاد فيه، أي مع اتباع السنَّة، فمن غرفة واحدة يغرف بها أحدنا الماء بيده اليمنى فيضعه في اليسرى فيمسح رأسه بيُمناه ثمَّ يعيد إرجاع الماء من اليد اليسرى إلى اليمنى فيمسح بهما أذنيه، فهذه الطريقة جيِّدة لأنَّ فيها اتباعًا للسنَّة، بمسح الرأس والأذنين بغرفة واحدة، وفيها أيضا تجديد الماء، وفيها ثالثا الاقتصاد في الماء، لأنَّنا أمُرنا بالاقتصاد ونهينا عن الإسراف.
والمسح طبعًا كما هو معلوم يكون بمسح باطن الأذنين بالسبَّابة، وظاهرهما بالإبهام، في وقت واحد معًا، ومن فعل غير ذلك بأن مسح بالأصابع الأخرى فلا بأس، ولا نقول له إنَّ وضوءك باطل، وإنَّما هكذا ورد المسْنون، وفي هذه الطريقة حكمة كبيرة، لأنَّ الغبار يترسَّب على الأذنين، وهما لا تقبلان الماء وتضرَّران به، ولكنَّ هذا المسح إن كان في خمس مرَّات أو أربعٍ أو ثلاثٍ في اليوم، فإنَّالمرء يتخلص من تلك الأوساخ أو الغبار وتبقى أذُناه نظيفتين. وهنا نبيِّنُ أنَّ الممسوح يكون بمرَّة واحدة وليس ثلاثاً، وإنما ورد في الرَّأس في بعض الأحاديث ذهاب وإيَّابٌ فقط، ولو أنَّ متوضِّئاً ثلَّث في الممسوح لاعتُبرت فعله ابتداعًا وزيادة في الدين مخالفة لما ورد عن المصطفى عليه الصلاة والسلام. والله أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.
باب
في فضائل الوضوء
[صفحة بيضاء]
ما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره
__________
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم 269، 1/ 58، وكذا كمال بن الهمام في فتح القدير 1/ 38 {ترقيم آلي}. (1/173)
صفحة 174
98) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» قَالَهَا ثَلاَثًا (1).
شرح الحديث:
بعدما تبيَّن لنا فرائض الوضوء وسننه فيما سبق نأتي إلى بيان فضائله حتَّى نرغَب فيه ولا تستثقِلَه نفوسنا، لأنَّه إذا علمنا فضل شيء وأجره في الآخرة ـ وحتَّى في الدنيا ـ، يخِفُّ على نفوسنا ونجد فيه الرغبة والإقبال عليه، ومن جملة ذلك فضائل الوضوء التي تُعتبر كثيرة وعظيمة جدًّا سيأتي بيانها في هذا الباب، وأوَّلها هذا الحديث الذي يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك.
قوله: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» إنَّ من أساليب التعليم التي تجلب الانتباه للسامع هذا الأسلوب الذي فيه التحريض والترغيب، فلو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال مباشرة: فضل الوضوء كذا وكذا .. فربما كان من السامعين من هو مشتغل بالتسبيح أو كان غافلا أو قائما فلا ينتبه، ولكنه لما قدَّم
__________
(1) أخرجه مسلم، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم: 41، 1/ 219، وأخرجه الترمذي، باب في إسباغ الوضوء، 51، 1/ 105. (1/174)
صفحة 175
بهذه الكلمة: "ألا أُخبركم" فقد انتبهت إليه كلُّ الأسماع واشرأبَّت إليه كلُّ الأعناق، وكلُّهم قالوا: بلى يا رسول الله، إنَّنا راغبون في إخبارنا بهذه الفضائل، فقال لهم: ما يمحو الله به الخطايا، ... والخطيئة هي السيِّئة، والدرجة هي الحسنة، أي ألا أخبركم بما يمحو الله به السيئات، ويضاعف به الحسنات، ويرفع به درجاتكم في الجنة .. وهل من أمل في هذه الدُّنيا إلاَّبأن يمحوَ الله سيئاتنا ويضاعف حسناتنا ويرفع درجاتنا؟
لم يروِ الراوي أنَّهم قالوا: «بلى»؛ لأنهم راغبون في ذلك فشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذه الفضائل، بثلاث أمور: أوَّلها إسباغ الوضوء على المكاره، ثانيها: كثرة الخُطى إلى المساجد، ثالثها: انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة في المساجد طبعًا.
فضل إسباغ الوضوء على المكاره:
«إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ» هي أوَّل هذه الخصال، وهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كلمة قبل الوضوء وكلمة بعده وفي كلا الكلمتين أهميَّة، فلم يقُل مباشرة: الوضوء وإنَّما قال: إسباغ، وزيادة كلِّ كلمة من النبي صلى الله عليه وسلم لها معناها ومغزاها، والإسباغ يعني تعميم الجوارح وشمولها بالغُسل ـ مثلما تقدَّم لنا ـ في الأماكن الغائرة ومغابن الجسد فيما يصعب إيصال الماء إليه بين الأصابع، وفي بطون الأقدام والعراقيب، والإسباغ هو الشُّمول والتَّعميم، فيُقال الثَّوب السَّابغ هو الثَّوب الكامل الذي يستر من المفرق إلى القدم.
أمَّا الكلمة التي بعد الوضوء فقوله "على المكاره" أي في الأوقات التي يُكرَه أن يُتوضَّأ فيها؛ خاصَّة في فصل الشتاء، حيث البرد الشديد، فعند انتقاض الوضوء، لابُدَّ للمتوضِّئ أن يرفع أكمام يديه أو ينزع قميصه وجواربه، وقد يتعرَّض للريح وللبرد، خاصَّة إن كان في مكان لا يستطيع فيه توفير ماءٍ دافئٍ، أو كان في سفرٍ، فبالرغم من هذا كله على المتوضِّئ (1/175)
صفحة 176
ألاَّ يُسارِع إلى التَّيمُّم، إلاَّ إن كان له جُرحٌ أو ضررٌ محقَّقٌ أو متوقَّعٌ فيجوز له في تلك الحالة أن يأخذ بالرخصة، وهنا وفي مثل هذه الحالات العسيرة يكون الأجر والفضل عظيمًا على هذه المكاره، إذن فبقدر ما تكون المشقَّة يكونُ نيل فضل الوضوء أكبر، ولا ننس أنَّ الشَّيطان لنا بالمرصاد لا يدعُنا إلاَّ بعد أن يُوسوِسُ لنا بالتَّيمُّم والتكاسل.
وهنا نُبيِّن أنَّ مثل هذه الفضائل لا تمحُو الخطايا بمعنى كلَّ الذُّنوب؛ وإنَّما الصَّغائر التي رُبَّما لم يشعُر بها الإنسان ولم يعلم بها، أمَّا الكبائر والموبقات فلابُدَّ من التَّوبة منها والتكفير عنها، ثم بعد ذلك العمل الصالح حتَّى تُمحى تلك الذُّنوب، وذلك مصداقًا لقوله تعالى:ژ??????ژ (مريم: 60) أوقوله ژگ????????ژ (طه: 82)، إذن فقد جعل الله تعالى لنا في الوضوء كفَّارات نمحو بها الخطايا التي أصبناها.
ومهما كانت صعوبة الوضوء فإنها شيءٌ يسيرٌ ليس فيه عذابٌ عسير ولا كَيٌّ بنار جهنَّم والعياذُ بالله، وإنَّما هو شيءٌ من الصبر فقط، فيقابله الله بمحو الذنوب ورفْعُ الدّرجات ـ وكما أسلفنا ـ رفع الدرجات هي مضاعفة الحسنات.
«وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ» ورد في الخُطى إلى المساجد أنَّ الله تعالى يرفع بكلِّ خطوةٍ حَسَنَةً، ويضعُ بها سيِّئةً، والحسنةُ بعشر أمثالها، سواءً في الذَّهاب أو الإيَّاب من المسجد، وسيأتينا اليوم الذي نُسَرُّ فيه بتلك الحسنات ونجدُها كنوزًا عظيمة، وكفارة للخطايا، كما سيندم عندها الإنسان الذي قصَّر ولم يُبادر بها إلى تكفير خطاياه، بل حتَّى بالنِّسبة للسَّعيد الذي بعد أن يرى ما أعدَّ الله له يقول: يا ليتني عملتُ أكثر من هذا. أمَّا الشَّقِيُّ ـ والعياذُ بالله ـ فسيكون في حسرات وحسراتٍ.
الاغتسال من الوضوء: (1/176)
صفحة 177
وفي معنى الوضوء كذلك الوضوءُ الأكبر، الذي لا نغفل عنه وهو غسل البدن كلِّه، والاغتسال من الجنابة الذي هو واجبٌ على الرِّجال والنِّساء، والاغتسال من الحيض والنِّفاس الخاصِّ بالنِّساء، والاغتسال المسنونُ أيضاً الذي فيه خيرٌ كثيرٌ، ويضاف إلى ذلك أيضًا الاغتسال للجمعة والعيدين، وللإحرام بحجّ أو عُمرة، كلُّ ذلك داخلٌ في فضل الوضوء، والاغتسالُ للجمعة مما لا ينبغي أن نعجز عنه، فلقد كان في أوَّل الإسلام واجباً، ثم خفَّفه اللهُ بعد ذلك برحمته وعفوه، ولكن بقيَ الأجرُ والفضل الكبير بعد ذلك.
ويحدث أحيانا أن يعتري الإنسان حرجٌ أو استحياءٌ من الاغتسال في بعض الأماكن والأوقات، كأن ينزل ضيفًا عند أهلٍ له، فيتحرَّج من طلب الماء منهم إن لزِمَهُ الاغتسال، فلا حياء في الدِّين أبداً، وخاصَّة إذا كان الاغتسال واجبًا، من جنابة مثلاً، فلا حرج عليه بل يجب أن يخشى أن يتعرَّض لغضب الله إن لم يغتسل خاصَّة إن كان في رمضانَ لسبب الاستحياء أو غير ذلك .. فلا بُدَّ من إدراك الأحكام الشرعية جيِّداً.
فإن لزِمَ المسلمَ اغتسالٌ من ليلٍ فعليْه أن يغتسل قبل طلوع الفجر، وإن احتلم في نهار رمضان فعليه بالمسارعة للاغتسال دون تكاسلٍ أو عجز، أو احتجاج بالانشغال بالعمل أو الدراسة، أو أيِّ فعل آخر، فلا شيء يسبّق على واجب العبادة وطاعة أمر الله، ثمَّ يأتي بعد ذلك الاعتذارُ لمن تأخَّر عليْه أو شُغِل عنه بالاغتسال. ولأجل هذا يجب أن نوفِّر لأبنائنا كافَّة الوسائل، ونقدِّر مثل هذه المسائل ونتفهَّمها، بل ونساعدهم ونحضُّهم على الحرص بدل التراخي.
ونفس الأمر بالنسبة لعمارة المساجد وحثِّ الخطى إليها، فلا يعجزنَّ أحد منَّا ويقول إنَّ المسجد بعيدٌ مثلاً، بل عليه أن يدرك أنَّ الأجر العميم في ذلك، وهو بهذا البُعد محظوظٌ، فإن كان غيرُه له خمسمائة خطوةٍ مثلاً، وهو له ألف خطوة إلى المسجد فإنه هو الرَّابح في ذلك. (1/177)
صفحة 178
ولقد كان «بنو سلمة» وهي قبيلة من قبائل الأنصار بينهم وبين مسجد الرَّسولححوالي ثلاثة أميال، فكانوا يأتون ويُصلُّون مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده رغم أنَّ لهم مسجداً يُصلُّون فيه، ولكنَّهم يرغبون ببعض الصَّلوات مع النبي ح، حتَّى يتلقُّوا العلم منه وما نزل من القرآن، أمَّا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يأتون جميعاً.
وفي يومٍ من الأيَّام أرادوا أن يرحلوا جميعاً ويقيموا بجوار النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقال لهم ح: «دِيَارُكُم تُكْتُبُ آثارَكُم» (1) أي ابقَوْوا في دياركم تُكتَبَ لكم تلك الخطوات الكثيرة في حسناتكم. ژ?????????ژ (يس: 12)، وقيل آثارهم أيْ خطواتهم إلى المساجد. فمكثوا حيث هم، وإلى اليوم أثر بني سلمة وديارهم معروفة في المكان الذي يوجد فيه ما يُسمَّى «بمسجد القِبلتين».
__________
(1) كذا، والأصح: ديارَكم: بفتح الراء بتقدير فعل الزموا، تُكتب: فعلا مبني للمجهول، آثارُكم: نائب فاعل مرفوع. صحيح مسلم، باب فضل كثرة الخطى، رقم:280، 1/ 462. (1/178)
صفحة 179
«وَانتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ»: هي من الفضائل التي ترفع الدرجات وتمحو السيئات، أي انتظار المسلم في المسجد بعد أن يُصلِّي الظُّهر فينتظر العصر أو يُصلِّي العصر فينتظر المغرب أو يصلِّي المغرب فينتظر العِشاء، أو يُصلِّي الصبح فينتظر ليُصلِّيَ ركعتيْ الإشراق، فكلُّ هذا فيه خيرٌ عميم. ويُقيِّضُ الله للمرابط في المسجد بين الصلاتين ملَكاً يدعو له وهو يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ" (1)، ولو أحدث فليُجدِّد
الوضوء، ليبقى عدَّاد الحسنات مشتغلاً ما دام في المسجد، وسواءٌأكان في راحة أم في عبادة، ما لم ينشغل بكلام الدُّنيا طبعا في داخل المسجد، أمَّا في خارجه أي في حرمه فلا بأس، ولكن ذلك ليس بمسجد.
«"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" قَالَهَا ثَلاَثًا» سمَّاه الرَّسولحالرِّباط وأكَّد عليه بالمرات الثلاث: فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط.
__________
(1) أخرجه البخاري: في صحيحه، بلفظ: «قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ». رقم 426، 2/ 230.وأخرجه الربيع في الجامع الصحيح، رقم:288. (1/179)
صفحة 180
فما معنى الرِّباط؟ الرِّباطُ هو أن يربِط الرَّجل نفسه في ثغرٍ من ثغور العدوِّ في الحدود، يرابط ليرُدَّ كلَّ كيدٍ عن البلاد الإسلاميِّ. والنبي صلى الله عليه وسلم جعل المرابطة في المسجد أكثر أجراً من الذي يُرابط في حراسة الثغر، لماذا؟، لأنَّه لو لم يكن الرِّباط في المسجد لما كان الرِّباط في ثغر العدو، والرِّباط في ثغر العدو أثرٌ من آثار الرِّباط في المسجد، فالنَّاسُ تتقوَّى عقائدهم وتُشحَذ عزائمهم بالشَّجاعة في المساجد، وأمَّا الذين يُرابطون في ثغور العدوِّ ولا يعرفون المساجد، فلا حاجة للإسلام بهم، ومثل هؤلاء يكون ضررهم أكبر من نفعهم.
والرِّباط أمر به الله تعالى في القرآن بقوله:ژ??????????ژ (آل عمران: 200)، أي احبِسُوا أنفسكم في طاعة الله، فالذي يصبر في المسجد ويرابط فيه وينتظر الصلاة بعد الصلاة فقد جاء بهذا المأمور، والذي يُرابط في ثغور العدوِّ دفاعا عن أرض المسلمين فقد جاء بهذا المأمور أيضاً، فمن لم يُدرك هذا المعنى فلا ينبغي أن يفوته المعنى الآخر؛ الذي هو انتظار الصلاة بعد الصلاة. هذا والله الموفِّقُ، والحمد لله ربِّ العالمين.
ما جاء في تكفير الوضوء للسيِّئات
99) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ آخِرَ قَطْرِ الْمَاءِ؛ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْهُمَا كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَهَا بِهِمَا، ثُمَّ كَذَلِكَ حتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» (1).
شرح الحديث:
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة 32، وأخرجه الدارمي في كتاب الوضوء 45، وأخرجه أحمد 2/ 308. (1/180)
صفحة 181
هذا الحديث يجيء أيضا في فضائل الوضوء، وهو الحديث التاسع والتسعون، ورُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريقين بهذا الطريق عن أبي هريرة، وكذلك عن طريق صحابيٍّ جليل من الصحابة الأوائل يسمى «عمرو بن عنبسة» كما سيأتي.
أمَّا هذا الحديث الذي يرويه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة س قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ» وقال المسلم لأنَّ الكافر لا يتوضَّأ، فلا يُقبل منه أيُّ عمل حتَّى ولو توضَّأ، أمَّا العبد المسلم فإنه هو المنتفع بالخطاب، وهو الذي يسمع كلام الله تعالى ورسوله فيُقبل منه إذا عمل به، والمسلم هو الذي أسلم ظاهرَه وباطنَه لله تعالى.
الذنوب التي يكفّرها الوضوء والتي لا يُكفّرها:
«فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ آخِرَ قَطْرِ الْمَاءِ»، أي أنَّ الذُّنوب التي ارتكبها بأيِّ جارحة في وجهه خاصَّة النَّظر، فإنَّها ستزول بنزول آخر قطرةٍ من ماء الوضوء من وجهه، ولكن ـ كما أسلفنا من قبل ـ إنَّ هذا يتمُّ مع شرط التَّوبة والاستغفار لا المداومة والإصرار، أو أنَّه نظر وما زال يتمنَّى النَّظر إلى ذلك المُحرَّم، فعليه بالتوبة سواء تعمَّد النَّظر أو استهواه الشيطان لذلك، فعندها ينال فضل ماء الوضوء، وفي هذا إشارة إلى ضرورة غسل العينين بالماء، وإيصال الماء إلى داخلهما، إذ على المتوضِّئ ألاَّ يُغلق عينيه عند غسل وجهه، وإنَّما عليه أن يتركهما مفتوحتين ولا يتعمَّد إغماضهما، وبعدها إن أغلقتا بغير تعمُّد فلا بأس، فهنالك تسقط كلُّ الذُّنوب التي اقترفها بعينيه، ولا يقولنَّ أحدُنا إنه لا يحتاج إلى ذلك، لأنَّه لم ينظر أبداً إلى ما لا يُرضي اللهَ تعالى، ولكن ما أحوجنا إلى تكفير ذنوبنا وغفرانها منه تعالى. وكذلك إذا غسل المتوضِّئُ يديه خرج منهما كلُّ ما اقترفه بتلك الأيدي مع آخر قطر الماء. (1/181)
صفحة 182
وكل هذا فيما يتعلَّق بالذُّنوب التي بين العبد وربه، أمَّا التي بينه وبين النَّاس كأكل أموال النَّاس بالباطل مثلاً، أو جرحهم أو قتلهم، فهذا لا يُغفَرُ بماء الوضوء وحده، وإنَّما لابُدَّ من التنصُّل من المظالم وأداء الحقوق، سواء أكان ذلك عمداً أم خطأً ولا فرق بينهما في حقوق العباد.
أمَّا فيما بيننا وبين الله، فربُّنا كريم، غفورٌ رحيم واسع المغفرة لما اقترفناهُ خطأً، كما عوَّدنا تعالى أن ندعُوَه:ژ????????ژ (البقرة: 286)، وقوله
صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسيَانُ وَمَا اسْتُكرِهُوا عَلَيهِ» (1)، وأمَّا مظالم العباد، فلا بُدَّ من التنصُّل منها، سواء ما كان منها عمداً فبالقصاص أو بالأرش أو بالدِّية، وأمَّا ما كان خطأً فبالدِّية وبالأرش أو الغُرم، على ما أفسدته، إلاَّ إن كان صاحبُك كريماً علِم منك خطأك فعفا عنك، فهذا حسنٌ جدًّا، إذ يُكتَب له كفارة لذنوبه مثلما صرَّح بذلك القرآن: ژ???????ژ (المائدة: 45)، إذن فلا يطمعنَّ أحدُنا بقوله: أُفسِدُ وأُتلِفُ وأقتُلُ، ثمَّ أتوضأ فيكون ذلك غفرانًا لذنوبي، لا، إنَّما هذا يكون في الذنوب التي بين العبد وبين خالقه بعد التَّوبة والاستغفار دائما.
__________
(1) أخرجه ابن ماجة، باب طلاق المكره والمنسي، بلفظ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ قد تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رقم: 2043، وبلفظ آخر: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، رقم: 2045، 3/ 200. (1/182)
صفحة 183
«ثُمَّ كَذَلِكَ حتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» أي جميع الأعضاء الأخرى، مِن مسح الرَّأس والأذنين، وغسل الرِّجلين وإلى غير ذلك، فتيقَّنْ إذن أخي المتوضِّئ أنَّك عندما تتوضأ فأنت لست تغسل من أعضائك الوسخ الظاهري فقط من الغبار أو الدَّرن، وإنَّما تغسل معك ذنوبك أيضًا، فيا بُشرى لك أيُّها المتوضِّئ بهذا الفضل، فالله تعالى يريد أن نقف بين يديه ونحن أطهارٌ نِظافٌ من الوسخ الظاهريِّ والباطنيِّ، فالله تعالى يُنقّينا من الآثام والذُّنوب يوميًّا خمس مرَّاتٍ حتَّى نغدوَ أطهارًا أنقياء وحتَّى يُؤذَن لنا أن ندخُل على ملِك الملوك ونحن على أطهر ما نكونُ حتَّى نُناجيه، فلننظر بماذا نُناجيه، فهل نحنُ حقًّا نناجيه بقلوبنا وألسنتنا أم نُناجيه بألسنتنا ولكن قلوبنا غافلة عن ذكره، فالله تعالى ليس كغيره من المخلوقين الذينلو نافقتَ أمامه بلسانك فإنهم لا يتفطَّنون، وأمَّا الله
تعالى فلابدَّ أن نُكلِّمه بألسنتنا وقلوبُنا حاضرة معه، والقلب هو موقع نظر الرَّب جلَّ وعلا، فعندما يقفُ المسلم بين يدي ربِّه فإنَّه لا يرى أطرافه وجوارحه ولسانه، وإنَّما يرى إلى قلبه وما يحويه، وإنَّ الله مُقبل عليه ما أقبل على الله، فإذا أعرض عنه أعرض الله عنه، وهو موقفٌ مهيبٌ.
فإذا كان الله تعالى نقَّاك وطهَّرك من كلِّ دنسٍ ومن كلِّ ذنبٍ ثمَّ أذِن لك في الدُّخول عليه وأذن لك في مناجاته وأقبل عليك، فلماذا تُدبر ولماذا تُعرِض؟، فمن سوء الأدب مع الله تعالى أن نذهب إليه في صلاتنا بأجسامنا ولكن قلوبنا متعلِّقة بالدُّنيا، فلنحذر ولنجاهد أنفسَنا ولنُرجِع قلوبَنا إلى الصلاة، ولنعلَم أنَّنا نُناجي ملك الملوك، فيا طوبى لنا:
فمن قال بالتَّكبير حينَ صَلاتِهِ صَارَ كعبدٍ بَابَ مَولاهُ يَقرَعُ
فصارَ لِرَبِّ العرشِ حِينَ صَلاتِهِ نَجيًّا فيَا طُوبَاهُ إِنْ كَانَ يَخشَعُ (1)
__________
(1) ينظر، السالمي، معارج الآمال، 5/ 20، بلفظ:
فَمَن قَامَ لِلتَّكبِير لاَقَتهُ رَحمَة **** وكَانَ كَعبدٍ بَابَ مَولاَهُ يَقرَعُ
فَصارَ لِرَبِّ العرشِ حِينَ صَلاَتِهِ **** نَجِيًّا فَيا طُوبَاه إِنْ كانَ يَخشَعُ (1/183)
صفحة 184
فالعبد المصلِّي عندما يذهب لمناجاة ربِّه بالصلاة فهو كعبد ذهب إلى باب مولاه يقرعه، ولو أنه في حقيقة الأمر ليس ثمة بابٌ مُوصَد فنقرعه فيؤذن لنا ... ولكن أبواب الله دائما مفتَّحة أمامنا، غير أنَّ الشاعر شبَّه المصلِّي كمن يقرع الباب وينتظر أن يؤذَن له، وقرعُنا في الصلاة نحن هو قولنا «الله أكبر» بقلوب حاضرة خاشعة، لنجد
أنفسنا في صميم مناجاة الله، ولكنَّنا إذا قلنا «الله أكبر» بألسنتنا وقلوبُنا غافلة، فسنجد أنفسنا خارجأمره تعالى. فاللِّسان يُكبِّر الله تعالى بالنطق والقلب يُقدِّسه ويعظِّمُه، فهنالك يُصبح نجيًّا بين يدي ربِّه، فطوباه إذا كان يخشع، أي إنَّ له الخير العظيم العميم الدَّائم المقيم إن كان خاشعاً متواضعاً متذلِّلاً بين يدي الله تعالى يدعوه بين الخوف والرَّجاء، ويا خسارته إن كان غير خاشع. والله تعالى قد هيَّأ لنا الأسباب التي تُقرِّبنا إليه وتجعلنا في كلِّ حين أنقياء من ذنوبنا، أطهاراً أبراراً.
الرواية الثانية لحديث تكفير الوضوء للسيِّئات: (1/184)
صفحة 185
هنا نورد الحديث الآخر الذي رواه عمرو بن عنبسةس، الصَّحابي الذي يلقّب برُبع الإسلام، حيث أسلَم رابع أربعة، بعد أبي بكر وعليٍّ وبلالٍ ش، ورجع إلى قومه بالبادية ثمَّ بعد زمان سمع بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة، فهاجر بعدها من باديته إلى المدينة وذهب إلى رسول اللهحبالمدينة، فسأله: أتعرفني يا رسول الله؟ فقال نعم أنت عمرو بن عنبسة، أنت من الذين آمنوا بي وأسلموا في مكَّة، ثمَّ سأله من جملة ما سأله فقال: يا رسول الله حدِّثني عن الوضوء، فقال: «مَا مِنْكُم مِنْ رَجُلٍ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ فَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ إِلاَّ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ المَاءِ» (1)،
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، باب إسلام عمرو بن عبسة، في حديث طويل بلفظ: «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». رقم: 1/ 570 .. وكذا ابن خزيمة في صحيحه، باب ذكر دليل أن النبي قد كان يأمر بالوضوء .. رقم: 260، 1/ 129. (1/185)
صفحة 186
فهنا فصَّل
النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وذكر جميع أعضاء الوضوء المفروضة منها والمسنونة، وقد بدأ بالمضمضة والاستنشاق ولم يبدأ باليدين إلى الرُّسغين لأنَّه سيذكُرهما لاحقا مع المرفقين.
أمَّا عن الذنوب التي تقع من طرف اللسان وعبر الفم فإنَّ منها اللغو والكذبٌ، وغيرها من الأمور التي تستلزم طلب المسامحة والصَّفح لأنَّها من مظالم العباد، وأمَّا ما يقع من جانب الأنف والخياشيم فرُبَّما يكون من خلال تشمَّم رائحةٍبشهوةٍ، أو التكبُّر، والأنف مظهر الكِبر والاستكبار. ثمَّ إذا غسل وجهه كما أمره الله أي غسلاً كاملاً إلى أطراف وجهه، خرجت ذنوبُ وجهه عبر أطراف لِحيته مع الماء، وفي هذا تذكير بوجوب تخليل اللِّحية خاصَّة إن كانت كثيفةً، وإذا مسح رأسه خرجت ذنوبه من أطراف شعر رأسه مع الماء، كالمعاصي التي تأتي من خلال الأفكار والخواطر لتكون سبباً في اقترافها بالجوارح.
التحذير من التجسس:
ثمَّ إذا مسح أذنيه خرجت خطايا أذنيه كذلك، كالمستمع للباطل من اللهو والمزامير، أو إلى أصوات النساء والتلذُّذ بها، أو الاستماع إلى أسرار النَّاس، والذي يعتبر الأمر الخطير جدًّا، فقد قالح: «مَن اِسْتَمَعَ إِلَى أَسْرَارِ النَّاسِ وَهُمْ لَهُ (1/186)
صفحة 187
كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ" (1)، فليحذر أحدُنا أن يتنصَّت ويتجسَّس على أُناسٍ من جدارٍ أو من خلال شقٍّ أو ثُقبٍ فيه أو في بابٍ، فيكون عقابُه والعياذ بالله أن يُذوَّبَ الرَّصاصُ ثمَّ يصبُّ في أذنيه يوم القيامة، وإن كان أحدنا فعل مثل هذا فليستغفر الله وليتُب وستُغفرُ ذنوبه مع الوضوء، وأمَّا إن أفشى ذلك السرَّ الذي سمعه بعد ذلك ونمَّ به بين النَّاس، فلا بُدَّ له من المحالَلَة والمسامحة، أمَّا إن سمع بنفسه فقط ثمَّ استغفر وتاب إلى الله دون أن يُفشيه فالله غفور رحيم، ولا يلزم أن يُخبر به من تجسَّس عليه، وقد نهانا الله تعالى عن ذلك بقوله: ژ??ژ (الحجرات: 12) وهو نهيٌ صريح.
ثمَّ بعد ذلك إذا غسل قدميه خرجت خطاياه من أصابع قدميه مع الماء، لأنَّ الإنسان قد يمشي بقدميه إلى المواطن المكروهة والمحرَّمة، فكفَّارة ذلك ـ بعد التَّوبة والاستغفار ـ أن يغسل رجليه بالماء ويُخلِّل أصابعه وعندها تخرُج ذنوبه عبر أصابع قدميه بالماء.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من كذب في حلمه، رقم: 6520، بلفظ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ، وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» 21/ 426. (1/187)
صفحة 188
وهذه كلُّها بشاراتٌ أعطاها لنا الله تعالى مع الوضوء، أمَّا إذا قام إلى الصلاة فحمد الله وأثنى عليه ومجَّده، انصرف من خطاياه كيوم ولدته أمُّه، وهذه الزيادة التي زادها الرسولحلعمرو بن عنبسة هي قيام المسلم بعد وضوئه للصلاة «فإِذا حمده في قوله: ژپپپپژ في سورة الفاتحة، فيقول تعالى حمدني عبدي، وإذا قال (1/188)
صفحة 189
العبد: ژ??ژ يقول الله تعالى أثنى عليَّ عبدي، ولأنَّ الله تعالى أهلٌ للحمد والثَّناء، وإذا قال العبد ژ???ژ، فقد مجَّد العبدُ ربَّه ونسبَه إلى العلوِّ والعظمة، وجعل له المُلك وحده، ثم يكمل الخصال الأخرى المعروفة، فعندما يقول العبد: ژ????ژ فيقول: «هذا بينِي وبين عبدي ولعبدي ما سأل»، فعندما يقول: ژSSS??????????ژ، فيقول: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فأهديه وأحشره مع الصَّالحين» (1)، فإذا انتهى هذا المسلم الخاشع من صلاته خرج منها كيوم ولدته أمُّه مغفور الذُّنوب والخطايا، مقبول الحسنات.
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، بلفظ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» رقم: 38 - (395)، 1/ 296. وأخرجه الترمذي، باب ومن سورة الفاتحة، 5/ 201، وقال هذا حديث حسن. (1/189)
صفحة 190
الله تعالى يُكرِمنا بهذه الكرامات، والمحروم من حُرم ثوابَها، مسكينٌ ومحرومٌ من تهاون في صلاته أو وضوئه أو تركهما ولجأ إلى التَّيمُّم في غير ضرورة، والعياذ بالله، نسأل الله تعالى ألاَّ يجعل فينا شقيًّا ولا محروماً، والحمد لله ربِّ العالمين.
ما جاء في الغُرَّة والتحجيل من أثر الوضوء
100 أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ ... الْحَدِيثُ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الأُمَّةِ.
[نص الحديث الذي ورد في باب الأمة، رقم 43]:
43 أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي (1) رَأَيْتُ إِخْوَانِي» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى
__________
(1) * خ: لو أنِّي. (1/190)
صفحة 191
الْحَوْضِ، ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: (1) إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا» (2).
شرح الحديث:
وعند قومنا عن نعيم المجمر إنَّ أمتي يدعَون يوم القيامة غرًّا محجَّلين ... (3)، وفي رواية مسلم رؤيته رأيت أبا هريرة يتوضَّأ يغسل ....
هذه أحاديث صحَّت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طُرق عديدة في فضل الوضوء يوم القيامة، وقد سبق لنا الحديث في فضل الوضوء من حيث غفران الذنوب، إذ أنَّ ذنوب المتوضِّئ تُغسل مع أعضائه وتَسقط مع قطرات ماء الوضوء، أمَّا في هذه الأحاديث ففيها فضائل وبشارات أخرى تحفِّزنا للاهتمام بالوضوء ولو في أوقات البرد أو السفر، إذ لم يبق لنا اليوم عذر في السفر، فالمسافات تقاربت ويكاد الواحد منا لا
__________
(1) * خ: لا.
(2) أخرجه رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج2/ 300، 408، ورواه مسلم في كتاب الطهارة 39، ورواه النسائي في كتاب الطهارة 109، ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد 36، ورواه مالك في الموطأ في كتاب الطهارة 28.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، باب فضل الوضوء بلفظ: «عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» رقم: 136، 1/ 39. (1/191)
صفحة 192
يخرج من بلد حتَّى يدخل في بلد آخر، فإمَّا أن يتوضَّأ هنالك أو يأخذ ما يكفيه من الماء للوضوء، أمَّا أن يقول لا يوجد ماء في سفري فألجأ للتيمَّم، فهذا غير ممكن لأنه بلا شكٍّ ما إن تمرَّ ساعة أو ساعتين إلاَّ ويجد بلدًا أو قرية أو عمرانا يمرُّ عليه ويكون عندهم الماء، فعلينا أن نحرص على حمل الماء لنتوضَّأ به كما نحرص على حمل الأغراض والأمتعة والأكل، بل وحتى بعض الأمور الكمالية أحيانا. (1/192)
صفحة 193
وحديث هذا الباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه خرج إلى المقبرة زائرًا قبور المسلمين، فألقى عليهم السَّلام: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ إِخْوَانِي»: وكأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، تذكَّر بأنَّه سيموت فيُقبر مثلما هو حال أصحاب القبور فيأتي إليه المسلمون ليزوروه فلا يراهم، وهم مؤمنون به، أفواجًا بعد أفواج وقرونا بعد قرون، فقال: يا ليتني أرى كلَّ إخواني من بعدي، وقد كان الصحابة إلى جنبه فقالوا له: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي»، وأنتم أصحابي فزيادة على الأخوَّة فازوا بالصُّحبة أيضا، ولكن إخواني هم الذين يأتون من بعدي ولم يروني ويؤمنون بي ويتَّبعون سنَّتي، «وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ»، والفَرَطُ هو السابق الذي يسبق القافلة قبل الوصول إلى مكان الاستراحة لشرب الماء، فيعدُّ لهم الساقية التي تشرب منها الماشية ويستقي للقافلة الماء أيضًا، وما إن تصل القافلة حتَّى تجد الماء موفورًا، وهذا الذي يُسمَّى الفَرَطُ عند العرب، وكذلك عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لأمَّته يوم القيامة بأنهم سيجدونه ينتظرهم على حوضهح، ويشفع لهم ويأخذهم إلى الجنَّة، غير أنَّه لا يشفع إلاَّ للذين يستحقُّون شفاعته بوضوئهم وأعمالهم الصَّالحة.
حوض النبي صلى الله عليه وسلم: (1/193)
صفحة 194
وقد تقدَّم أنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا، وأحواض الأنبياء تتفاوت فيما بينها حجمًا، وأكبر الأنبياء حوضًا هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو على أبواب الجنَّة، وكما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «حَوِضِي مِنَ المدِينَةِ إِلَى صَنْعَاءَ» (1)، وفي رواية: «من المدينة إلى هجر»، وتعتبر المساحة واحدة، فصنعاء مدينة معروفة، وهي عاصمة اليمن، ومسافة طريقها تزيد عن ألفَيْ كلم، إلى ألفين وخمسمائة. «وَعليه من الأكواب بعدد نجوم السَّماء»؛ أكوابٌ من ذهب، فتزيد الحوض رونقا ولمعانا وجمالاً، ومن يَرِد عليها من المؤمنين يشرب شربة لذيذة باردة لا يظمأ بعدها أبدًا، فتذهب عنه مرارة الدُّنيا والموت حتَّى يدخل الجنَّة، فذلك هو حوضُ النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من وُرَّاده برحمته وفضله إن شاء الله.
على أنَّ من مات له أطفال فصبر واحتسب أجرهم عند الله تعالى، فهؤلاء يستقبلون آباءهم في طريقهم إلى الحوض بآنية الحوض المملوءة ماءً، وكلٌّ منهم قد أرشده الله تعالى إلى والده، على شرط أنه لم يجزع ويسخط على وفاة ولده في الدُّنيا، وعلينا أن نرضى دائما بقضاء الله وقدره، فلا يعلم أحدنا ما الذي سيكون عليه ولده
في مستقبل أيَّامه إن عاش ولم يمت، وبموته وهو صغير فقد سبقه كفرط إلى الحوض يلاقيه يوم القيامة، فليحتسب أحدنا عند فقد ولده أو أهله، وليقل إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
علامات أمَّة محمَّد حيوم القيامة:
__________
(1) رواه الترمذي في سننه بلفظ: «إن فيحوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء» كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في صفة الحوض، رقم: 2442، 4/ 628. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ورواه أحمد في مسنده، ومن حديث ثوبان (، بلفظ: «حوضي من عدن إلى عمان البلقاء ... وأكاويبه عدد النجوم». رقم: 22421،5/ 275. (1/194)
صفحة 195
وبعد ذلك ألقى الصَّحابة رضوان الله عليهم السؤال على النبي ح: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟»، فالصحابة الذين مع النبي هو يعرفهم، ولكن كيف له أن يعرف من سيأتي من بعده، خاصَّة وأنه قد كثُر المسلمون واتَّسعت أرضهم بعد الفتح، أولن ينسى الكثير ممن هم معه؟ فكيف بالذين سيأتون من بعد موته .. ؟، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بمثال واضح جليٍّ فقال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»، فالخيلُ الغرُّ هي الخيل السَّوداء أو البنيَّة الدَّاكنة، وفي وجهِها بقعٌ بيضاء، والمحجَّلة أي في أقدامها كمثل الخلاخل بيضاء، وهذه الخيل تكون في وسط خيل سوداء أو بُنيَّة بالكامل، فقال: أيعرِف أحدكم خيلَه الغرَّ المحجَّلة وسط هذه الخيل السوداء؟ فقالوا: نعم، فقال: كذلك أمَّتي يأتون يوم القيامة وجوههم بيضاء مضيئة وكذلك أيديهم وأرجلهم بنور الوضوء الذي كانوا يسبغونه بها في الدنيا، فأعرفهم وأجمعهم لأشفع فيهم وأُدخلهم الجنَّة، ولذلك عندما يأخذ الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنَّة، فإنه لا يبقى إلاَّ الذين وجوههم مظلمة ژ?????ژ (الأعراف: 51) إذ كانوا يستهينون بالدين، فكانوا يُصلُّون حين يكونون مع المسلمين، ويتركون الصلاة حين يكونون مع المنافقين أو الكافرين. (1/195)
صفحة 196
وكذلك ژ?چچچچژ (الماعون: 05)، فيُنادُون الغُرَّ المحجَّلينَ:ژ????ژ (الحديد: 13)، أي لماذا سبقتمونا؟ انتظرونا حتَّى نأخذ من نوركم؟ فيجيبونهم: ژ?????ژ (الحديد: 13)، فيُديرون جميعًا رؤوسهم لينظروا ذلك النور فلا يجدون إلاَّ الظُّلمة، وبعدها العذابُ والعياذ بالله، فيعيدون النظر إلى أمامهم، فيجدون سورًا قد ضربه الله تعالى بينهم وبين أصحاب النور. وفي قوله: ژ??ژليس المقصود وراءكم حقيقة، وإنَّما قصد وراءكم في الدُّنيا، ـ إن كان فيه رجوع إلى الدُّنيا ـ فقد تركتم النور هنالك، فكنتم لا تتوضَّؤون ولا تتطهَّرون ولا تُصلُّون، بل وتسخرون من الوضوء ومن الصلاة، ومن المتوضِّئين والمصلِّين.
وأحيانا يحصل هذا للمؤمن حقيقةً، حين يكون وسط منافقين، ويصل وقت الصلاة فيدعوهم للقيام للوضوء وأداء الصلاة فيردُّون عليه إنَّنا كلّنا مسلمون! ولكن لو كانوا مسلمين حقًّا لما ضيَّعوا الوضوء والصلاة في وقتها، وهذا ما يحصل أيضًا في الأسفار خاصَّة في حافلات النقل العمومي مثلا، فحين يصل وقت الصلاة فلا تجد أحدًا يتحرَّك، وإن تكلَّم أحدهم سخروا منه، فمثل هؤلاء يوم القيامة لا يرجعون إلى الدنيا ولا هم يقتبسون النور ممن سبقهم من المؤمنين، فيضيع منهم كلُّ شيء ولا ينالون إلاَّ الخسارة.
وفي قوله ح: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ الغُرَّ المُحَجَّلينَ»، كما ورد في حديث أبي هريرة، ولذلك سُمِّيَ النبي صلى الله عليه وسلم قائد الغرِّ المحجَّلين، فلو لم تكن في الوضوء من فضيلة إلاَّ هذه الخصلة لكفى، فالوضوءُ هو سبيل المؤمن للمرور إلى الجنَّة يوم القيامة، كما يمكن أن نمثِّله في عصرنا هذا بجواز السَّفر الذي لا يستطيع أيَّ شخص (1/196)
صفحة 197
دخول دولة أخرى إلاَّ به، فجواز السَّفر إلى الجنَّة، وجواز الورود إلى الحوض هو الوضوء، وهو ليس كجواز السفر الذي يمكن أن يضيع من يد صاحبه، أو يُؤخذ منه، ولكنَّه يأتي به بالأمارة التي في وجهه، فهذا كلُّه من الخير الكثير الذي في الوضوء.
ثمَّ قال: «مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ»، أي من أراد أن يزيد في أجر الوضوء فلا بأس إن زاد عن الحدِّ قليلا، كما ورد عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل يديه إلى العضد أو قريب من المنكب وإن كان يغسل رجليه فليغسل إلى قرابة نصف ساقه فيطيل في غرَّته (1)، فهنالك من قال بهذا المعنى، ومنهم من قال: يطيل غرَّتها أي يطيل مدَّتها في الدُّنيا إلى موته، وإلى أن يدخل الجنَّة، وهذا تحريض من النبي صلى الله عليه وسلم .... (2)
((((
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل بلفظ: «عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ"، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ»، رقم: 34 (246) 1/ 216.
(2) لقد حصل في هذا الموضع انقطاع مفاجئ في تسجيل الدرس، لم ندرك السبب، والراجح أنه نهاية الدرس. (1/197)
صفحة 198
ما جاء في غفران ما يستقبل من الوضوء والصلاة
101) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ (1) فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَذَّنَ لِصَلاَةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ لِصَلاَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّيهَا إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الأُخْرَى حتَّى يُصَلِّيَهَا».
قَالَ الرَّبِيعُ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ» قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ژہھھھھےے?????????ژ (هود: 114) (2).
شرح الحديث:
وهذا حديث آخر هو الحديث الثالث في فضل الوضوء، وكلٌّ حديث قد اشتمل على بشارات جديدة، ففي الحديث الأوَّل البشارة بأنَّ الذُّنوب تتساقط مع ماء الوضوء، وفي الحديث الثاني البشارة بالغرَّة في وجوه المتوضّئين وتحجيل أيديهم وأرجلهم،
أمَّا بشارة هذا الحديث الثالث فتتمثَّل في تكفير الذنوب المتقدِّمة للإنسان حيث يمحوها الوضوء ويكفِّرها.
__________
(1) *قوله المقاعد هي مجالس كانوا يجلسون فيها في سوق المدينة.
(2) أخرجه مالك في الموطأ، باب جامع الوضوء، رقم: 29، 1/ 30، وأخرجه النسائي، في السنن الكبرى: باب ثواب من توضأ وأحسن الوضوء رقم: 146، 1/ 98. (1/198)
صفحة 199
وهذا الذي رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنَّه قال بلغني عن عثمان، أي أنَّه لم يسمعه مباشرة، وإنَّما بلغه بواسطة، وطبعًا جابر ثقة ولا يمكن أن يُبلِّغه إلاَّ ثقة من الصَّحابة رضوان الله عليهم، والصَّحابة لا يكذبون ش، فبلغه إذن أنَّ عثمان بن عفان كان جالسًا في مقاعد، والمقاعد ماهي إلاَّ زوايا أو حافَّات أرصفة صغيرة تكون في الأسواق ومداخل المساجد والمتاجر، يستريح فيها الناس ويستظلُّون، فجاء المؤذِّن فأذَّن لصلاة العصر، فدعا بوضوء فتوضَّأ وهو في ذلك المقعد، فقال لمن كان معه بمناسبة إسباغه للوضوء والله لأحدثنَّكم حديثا.
فحلف عثمان سفي كلامه لتيقُّنه من صحَّة ذلك الحديث: فقال: «وَاللَّهِ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا»، حيث سمعه من الرسولح، فزاد وأكَّد صدق ذلك بقوله: «لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ»، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِحيَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ لِصَلاَتِهِ»، ولابدَّ هنا أن نفقه قولهح، فيُحسن وضوءَه مثلما أسلفنا أنَّ هنالك من لا يحسن الوضوء ولا يُعمِّمون الجوارح بالغسل، فلربما يكون أحدهم يتوضَّأ بسرعة فيغسل رجليه دون تمعُّن، وإن كان معه أحد فيشير له إلى ما تركه من بُقع لم يصلها الماء، فكيف يكون مصيرُ مثل هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلُّمعٍ من النَّارِ»، وهذا الإمعان في الغسل ليس بشيء عسيرٍ، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه، وإنَّما تهاوُن بعض الناس يجعلهم يستعسرون الأمر، وهذا لا يجمُل بالمؤمن، بل عليه أن يعوِّد نفسه الإتقان والإحسان.
«ثُمَّ يُصَلِّيهَا» أي الصلاة التي توضَّأ من أجلها سواء أكانت فريضة أم سُنَّة أم نافلة، «إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الأُخْرَى حتَّى يُصَلِّيَهَا»، ونفهم من هذا أنَّ الله (1/199)
صفحة 200
سيغفر الذُّنوب المقبلة التي ربَّما سيرتكبها إلى الصلاة التي تليها، وقال العلماء: هنا لا تقع صلاته إلاَّ مغفورة وبركة ذلك الوضوء وتلك الصلاة تحفظه من الوقوع في الكبائر، أمَّا الصغائرُ فلا يسلم منها إنسان، ژ?ںں??????ہہہہژ (النجم: 32)، ولكن الواقع هو العكس أنَّ كثيرًا من الناس يتوضَّؤُون ويقعون في الكبائر غير أنهم يُوفقون إلى التوبة ببركة ذلك الوضوء وتلك الصلاة، فيغفر لهم، وقد ورد مثال هذا في مناسبات أخرى.
العبادات كفَّارات لما بينها من الصغائر: (1/200)
صفحة 201
فقد ورد في حديث «مِنَ الجمُعَةِ إِلَى الجُمعِةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا» (1)، وقال أهل الحديث المقصود به يوم الجمعة الأولى والجمعة التي تليها، لا التي قبلها فأنت محفوظٌ بذلك من الوقوع في الكبائر، وتُغفر لك الصغائر، وإذا ابتليت بشيءٍ من الذنوب فستوفَّق إلى التوبة منها، وورد كذلك «مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا» (2)، وورد «مِنَ الحَجِّ إِلَى الحَجِّ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (3) و «مِنَ العُمْرَةِ إِلَى العُمْرَةِ» (4) كذلك، والإنسان يتقلَّب بين
__________
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه، بلفظ: عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهُمَا، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ» باب في فضل الجمعة، رقم: 1086، 2/ 187.
(2) أخرجه ابن الهيثم، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد رقم: 4786، 3/ 142.
(3) لم يعثر على النص في كتب الحديث، ينظر: خميس بن راشد العدوي، كتاب الحج الأول، أورد رواية عن جابر بن زيد، قال بلغني «أن الحج إلى الحج كفارة لما بينهما من الذنوب للمسلم إذا اجتنب الكبائر» 1/ 22، نفس الرواية في الجيطالي، كتاب مناسك الحج، الركن الأول، 1/ 30.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، باب وجوب العمرة وفضلها، بلفظ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» رقم: 1773، 3/ 2. (1/201)
صفحة 202
العبادات لتكون له بها مغفرة للذنوب. فعلى المسلم أن يُخلص نيته لله تعالى حتَّى ينال هذا الفضل وهذا الأجر، فإذا كان أحدُنا محسنًا للوضوء والصلاة، فإنَّ الموت الذي سيأتيه لا محالة سيزوره بين صلاتين، صلاةٍ يؤدّيها في الدنيا، وصلاةٍ أخرى يشهدها وهو في العالم الأخرويِّ، وسيكون بذلك مغفورَ الذنوب من تلك الصلاة الأولى التي صلَّاها إلى التي تستقبله، فهذه بشارةٌ عظيمة، أقرَّها هذا الحديث والذي رُوي من طُرق صحيحة.
قال الربيع عن سيدنا عثمان سلم يبيِّن لنا الآية التي قصدها بقوله توافق ما في كتاب الله تعالى حيث قال أنَّه «لولا أنَّه في كتاب الله» لما ذكره لنا فلربَّما لا يُصدَّق في كلامه، أو يُخرَّج مخرج الرجاء فقط، ولكن الربيع بن حبيب بيَّن لنا ما قصده عثمان بن عفان سوهو قوله تعالى:ژہھھھھےے?????????ژ (هود: 114)، وقيل طرفي النهار صلاة الصبح وصلاة المغرب، وزُلَفًا من الليل صلاة العشاء وقيام الليل، وقيل إنَّ هذه الآية نزلت لمَّا كانت الصلاة بركعتين في أوَّل النهار وركعتين في آخره قبل أن تُفرَض الصلوات الخمس، فلمَّا فُرِضت نزل قوله تعالى:ژ?????????SSSS??ژ (الروم: 17 - 18)، فذكرت جميع أوقات الصلوات الخمس، فتمسون أي المغرب والعشاء، وتصبحون صلاة الصبح، وعشيًّا صلاة العصر، وحين تُظهِرون صلاة الظهر، ففي الآية السابقة في قوله: ژ?????ژ (هود: 114) أي حسنات الوضوء والصلاة يُذهِبْن سيئات الإنسان، فهذه الآية تؤكِّد حديث عثمان، غير أنَّه لا تبيِّن أنَّه الصلاة المقبلة، وإذا كان الحديث صحيحًا فيقبل ولا تعارض مع القرآن.
الصلوات الخمس كفارة لما بينها من الصغائر: (1/202)
صفحة 203
وكذلك جاء في الحديث النبوي: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، كَمَثَلِ نَهْرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ أَوْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كَلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، أَتَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا؟ قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ يُذْهِبْنَ الذُّنُوبَ كَما يُذْهِبُ المَاءُ الدَّرَنَ» (1)، هذا حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعًا الصلوات الخمس التي تُصلَّى بطهارتها وفي أوقاتها وبكامل أركانها وخشوعها فمثلُهنَّ كمثل نهر بباب أحدكم أي ماء يجري دائما وماء النهر يكون دائم الجريان، وزاد ووصفه بالغمرة والعمق وكثرة الماء، وزاد وصفه بالعذوبة لأنَّ الماء الحُلو يزيل الوسخ وينظفه أكثر من الماء المالح، فوصف هذا النهر بثلاثة أوصاف كلُّها تزيل الوسخ. يستحمُّ فيه هذا المرء كلَّ يوم خمس مرَّات، فسأل الصحابةَ: "أتروْنَ ذلك يُبقي من درنه شيئا، فقالوا لا يا رسول الله، فقال لهم: «فإنَّ الصلوات الخمس تُذهب الذنوب كما يُذهب الماءُ الدرنَ».
__________
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه، بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ كَفَّارَةٌ، بلفظ: «قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ بِفِنَاءِ أَحَدِكُمْ نَهَرٌ يَجْرِي يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، مَا كَانَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ؟» قَالَ: لَا شَيْءَ، قَالَ: «فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُذْهِبُ الذُّنُوبَ كَمَا يُذْهِبُ الْمَاءُ الدَّرَنَ»، رقم: 1397، 2/ 405، وأخرجه مالك في الموطأ بلفظ: «إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ عَذْبٍ بِبَابِ أَحَدِكُمْ ... » باب جامع الصلاة، رقم: 91، 1/ 174. (1/203)
صفحة 204
فهنا مثالٌ واضح مفهوم، يؤيِّد معنى الحديث الذي تناولناه اليوم بأنَّ الصلوات تكفِّر الذُّنوب الماضية بحسب ما نفهمه، ولكنَّ هذا الحديث يبيِّن لنا أنَّ الصلوات
والوضوء يكفِّران أيضًا الذنوب المقبلة وذلك في قوله "حتى يُصليها"، ودائما نحاول فهم النصوص على ضوء الشريعة والقرآن حتَّى لا نخطئ ونقع في عقيدة الإرجاء للذين يقولون: إنَّ الكبائر تُغفر من غير توبة، ونحن لا نقول بهذا، فالذنوب لا تُغفر إلاَّ بعد التوبة والاستغفار وقد يوفِّق الله المسلم إلى عدم الوقوع في الكبائر مطلقًا، وإن صدرت منه بعض الصغائر فإنها تكون مغفورة ژگگگگ?????ژ (النساء: 31) فهذا وعدٌ من الله تعالى أنَّ الصغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر، ومع عدم الإصرار على الصغائر، كما قيل «لا صغيرةَ مع إصرارٍ ولا كبيرةَ مع استغفارٍ»، وإنَّما الصغائر هي كمثل ما يقع من الإنسان من فلتات اللسان أو نظرات الأعين من غير أن يتعمَّد ذلك، ومع استغفاره الدائم والندم عليها، فإنها تُغفر بالوضوء من الصلاة إلى الصلاة ومن غير توبة وتكفير لها.
وإن وقع في الكبائر فلا يُصلِّ الصلاة المقبلة إلاَّ ووفَّقه الله إلى التوبة منها: ژ ژژssککککگگگژ (الأعراف: 201)، فهذه هي صفة المتَّقين، فلم يقل إنَّ الذين اتقَوا لا يمسُّهم طائف من الشيطان، وإنَّما قال إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكَّروا، أي لا يَسْلَمون من مسِّ الشيطان، غير أنَّهم سرعان ما يعودون ويتذكَّرون، فهم لا يُصرُّون على الذنوب، و «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». فلنفهم هذه الأحاديث إذن على ضوء القرآن والسُّنَّة، ولا يجرؤ أحدنا فيقول بما أنَّ ذنوبي تُغفر من الصلاة إلى الصلاة فأفعل ما أشاء إذن، فهذا غير جائز مطلقا، ولا لأيّ مخلوق من المخلوقات، إلاَّ لرسول اللهحبدليل (1/204)
صفحة 205
قوله تعالى، ژپپپ??????ژ (الفتح: 02) وكذلك أهل بدر، الذين قال الله تعالى لهم: «يَا أَهْلَ بَدْرٍ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُم» (1).
فمن توفِّيَ فقد رحمه الله وأدخله جنته، ومن بقيَ حيًّا فقال لهم اعملوا ما شئتم، ولكن هل لمَّا قال الله تعالى لهم ذلك فعلوا ما بدا لهم؟، لا أبدًا فلم يزدادوا إلاَّ تقوى وخشوعا وعبادة، وأحسنوا الأدب مع الله تعالى ولم يرو عن أحدهم أنه ترك صلاة أو صومًا أو أكل أموال الناس بالباطل وكانوا أبعد الناس عن ذلك.
فهذا حديثٌ خطيرٌ ربما يسمعه البعض فيقولون إذن إنَّه قد تجاوز عنَّا، فلنفعل ما نشاء، لا فالله يغفر للمؤمن صغائره بدون توبة، ويحفظه من الوقوع في الكبائر، وإذا وقع وهو لا يريد أو لا يشعر بذلك فسيوَفَّقُ إلى التوبة فيتوب ويغفر الله له. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
((((
الفهارس
قائمة المصادر
*-القرآن الكريم (برواية حفص عن عاصم)
*- الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، تح/ محمد إدريس، راجعه وقدم له: عاشور يوسف، دار الحكمة بيروت، دمشق، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط01، 1415هـ1995.
*-الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ومكتبة الاستقامة، روي، مسقط- سلطنة عمان، د. ت. ن.
1. ابن ماجة - وماجة اسم أبيه يزيد - أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تح: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد - محمَّد كامل قره بللي - عَبد اللّطيف حرز الله، نشر: دار الرسالة العالمية، ط: 01، 1430 هـ - 2009م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، باب لاتتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، بلفظ: « ... لعلَّ الله عزَّ وجلَّ اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» رقم: 4890، 6/ 149. (1/205)
صفحة 206
2. ابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين، السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، 1375هـ - 1955م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
3. أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير، أسد الغابة، نشر: دار الفكر، بيروت 1409هـ - 1989م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
4. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، البداية والنهاية، المحقق: علي شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408، هـ - 1988 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
5. أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، نشر: دار الكتب العلمية – بيروت ط: 01، 1415 هـ، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
6.
أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي، مُصنف ابن أبي شيبة، تح: محمد عوامة، ملاحظات: ـ رقما الجزء والصفحة يتوافقان مع طبعة الدار السلفية الهندية القديمة. ـ ترقيم الأحاديث يتوافق مع طبعة دار القبلة.
7. أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، المحقق: د. محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: المكتب الإسلامي – بيروت، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
8. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، إحياء علوم الدين، نشر: دار المعرفة – بيروت، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]. (1/206)
صفحة 207
9. أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، سنن أبي داود، تح: شعَيب الأرناؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي، نشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009 م. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
10. أحمد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تح: شعيب الأرناؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر: مؤسسة الرسالة، ط 01، 1421 هـ - 2001 م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
11. أطفيش، أمحمد بن يوسف، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الناشر: دار الفتح، بيروت. ودار التراث العربي، ليبيا. ومكتبة الإرشاد، جدة. الطبعة الثانية، 1392هـ / 1972م، ترقيم الصفحات موافق للمطبوع.
12. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، الأدب المفرد، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار البشائر الإسلامية – بيروت، ط: الثالثة، 1409 – 1989، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج].
13. البوسعيدي، صالح بن أحمد بن سيف، رواية الحديث عند الإباضية (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، قدمت في كلية الدراسات الفقهية والقانونية في جامعة آل البيت، نوقشت وأوصي بإجازتها بتاريخ: 19/ 7/1998م، مصدر الكتاب: كوكب المعرفة بموقع الشبكة الإباضية (شبكة أهل الحق والاستقامة)، http://www.ibadhiyah.net/maktabah/. [ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع].
14. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، معرفة السنن والآثار، تح: سيد كسروي حسن، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
15. (1/207)
صفحة 208
البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، نشر دار الكتب العلمية، بيروت – لبنات، ط: 03، 1424 هـ - 2003م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج].
16. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، شعب الإيمان، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، 1423هـ - 2003م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث].
17. الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، الكتاب: الجامع الكبير "سنن الترمذي"، المحقق: د. بشار عواد معروف، نشر: دار الجيل ـ بيروت + دار الغرب الإسلامي ـ بيروت، الطبعة الثانية 1998م.
18. جمعية التراث، لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، من ق1هـ إلى ق15هـ، قسم المغرب، القرارة، غرداية الجزائر، ط1، 1420هـ/ 1999م.
19. الخليلي أحمد، كتاب بيع الإقالة، [ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع].
20. الخليلي، أحمد بن حمد: فتاوى حول بعض آيات القرآن، مصدر الكتاب: القبس، تنسيق وفهرسة: عبدالله بن محمد الحبسي، [ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع].
21. خميس بن راشد العدوي، كتاب الحج الأول، [ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع الشاملة الإباضية .. ] (1/208)
صفحة 209
22. الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي، سنن الدارقطني، حققه وضبط نصه وعلق عليه: شعيب الأرناؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1424 هـ - 2004م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
23. الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي، مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ - 2000م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
24.
الدارمي، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، المحقق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الثانية، 1414 – 1993، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
25. الزيلعي، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، تح: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، نشر دار ابن خزيمة – الرياض، الطبعة: الأولى، 1414هـ، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
26. السالمي، نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد، معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، دت، دط، د ت ن، المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الرابع.
27. السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد، شرح الجامع الصحيح الجزء 1 و2، ط01، السلطان فيصل بن تركي، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، 1326هـ. الجزء الثالث: تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، نشر: سليمان وأحمد ابني محَمَّد السالمي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383هـ/1963م. (1/209)
صفحة 210
28. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، تحقيق: مركز هجر للبحوث، الناشر: دار هجر – مصر، [1424هـ ـ 2003م].
29. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، تح: عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
30. الصقير، سامي بن محمد، تحفة الأيّام في فوائد بلوغ المرام، [باب نواقض الوضوء ـ باب قضاء الحاجة ـ باب الغسل وحكم الجنب]، إعداد: أبو عبّاد الشمالي.
31. الصنعاني، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير، سبل السلام، نشر دار الحديث، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «بلوغ المرام لابن حجر» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - شرحه «سبل السلام» لمحمد بن إسماعيل الصنعاني.
32. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، المعجم الكبير، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية – القاهرة، الطبعة الثانية، (دار الصميعي - الرياض/ الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1994 م)، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
33. القرافي، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي، الذخيرة، المحقق: جزء 1، 8، 13: محمد حجي/ جزء 2، 6: سعيد أعراب، جزء 3 - 5، 7، 9 - 12: محمد بو
خبزة/ الناشر: دار الغرب الإسلامي- بيروت، الطبعة: الأولى، 1994 م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
34. القرطبي، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، المحلى بالآثار، الناشر: دار الفكر – بيروت، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]. (1/210)
صفحة 211
35. القسطلاني، أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة: السابعة، 1323 هـ، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]، تجد بهذا الكتاب الإلكتروني - وليس في المطبوع -:، نص الصحيح، موزعا على مواضعه من الشرح، ومشكولا، ترقيم الكتب والأبواب والأحاديث، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
36. القسطلاني، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، نشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط 07، 1323 هـ[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
37. كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، فتح القدير، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
38. مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، موطأ الإمام مالك، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، 1406 هـ - 1985 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
39. مالك بن أنس بن مالك، موطأ الإمام مالك، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، 1406 هـ - 1985، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
40. المباركفوري، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]. (1/211)
صفحة 212
41. محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ص، وسننه وأيامه، صحيح البخاري، تح: محمد زهير بن ناصر الناصر، نشر دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مع الكتاب: شرح وتعليق د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة - جامعة دمشق كالتالي: رقم الحديث (والجزء والصفحة) في ط البغا، يليه تعليقه، ثم أطرافه.
42. محمد بن بابه الشيخ بالحاج، شبه تدحضها حقائق، [ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع].
43.
المراغي، أحمد بن مصطفى (المتوفى: 1371هـ)، تفسير المراغي، نشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر، ط: 01، 1365 هـ - 1946م، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
44. مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ح، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
45. النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي، تح: مكتب تحقيق التراث، نشر: دار المعرفة ببيروت، الطبعة الخامسة 1420هـ، موافق للمطبوع.
46. النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، المجتبى من السنن، السنن الصغرى للنسائي، تح: عبد الفتاح أبو غدة، نشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، ط 02، 1406 - 1986 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
47. النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري المعروف بابن البيع، المستدرك على الصحيحين، تح: مصطفى عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1411 – 1990، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]. (1/212)
صفحة 213
48. الهيثمي، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، تح: حسام الدين القدسي، نشر مكتبة القدسي، القاهرة، 1414 هـ، 1994، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
49. الواقدي، محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، الواقدي، كتاب المغازي، (مغازي الواقدي) تح: مارسدن جونس، نشر: دار الأعلمي – بيروت، الطبعة الثالثة - 1409/ 1989 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
البرامج الإلكترونية:
- ملاحظة: لقد أشرنا في فهرس المصادر والمراجع إلى الكتب التي اعتمدناها من خلال هذه المكتبة، سواء ما كان منها موافقا للمطبوع أو غير موافق، وقد وضعنا الملاحظة في نهاية معلومات الفهرسة لكل كتاب.
2. فريق المكتبة الشاملة الإباضية، المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الرابع، موسوعة إلكترونية، دار نزهة الألباب، غرداية، 1434هـ 2013م.
فهرس الآيات القرآنية
سورة/ آية ... نص الآية ... صفحة
البقرة:102 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 40، 102
البقرة:134 ... ژ? ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ... ?ژ ... 112
البقرة:150 ... ژگ ? ? ? ? ? ? ?? ں ں ? ... ? ? ?ژ ... 127
البقرة:165 ... ژچ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ژ ژ s sکژ ... 70
البقرة:185 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 93
البقرة:256 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 39
البقرة:264 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ ... 61، 62، 63
البقرة:265 - 266 ... ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S SS S ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ژ ژ ... s s ک ک ک کگژ ... 63، 65
البقرة:271 ... ژ? ? ? ? SSS S ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ ... 23، 24
البقرة:283 ... ژ? ? ? ? پ پ پ ... پ ?? ژ ... 119 (1/213)
صفحة 214
البقرة:285 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھژ ... 18
البقرة:286 ... ژ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 200
آل عمران:200 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 198
آل عمران:26 ... ژ? ... ژ ژ s ... s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ?? ? ... ?? ? ... ں ں ... ? ?ژ ... 96
آل عمران:31 ... ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? چ چ چژ ... 70
النساء:116 ... ژ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ژ ... 12
النساء:142 ... ژ? ? چ چ چ چ ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ... ژ ژژ ... 61، 149
النساء:31 ... ژگ گ گ گ ? ? ? ... ? ?ژ ... 219
النساء:42 ... ژگ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?ژ ... 152
النساء:59 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 152
النساء:64 ... ژ? ? ? ? ہ ... ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ ... 18، 152
النساء:65 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 16
النساء:80 ... ژ? ? ? ? ? پپژ ... 152
المائدة:03 ... ژS S S Sژ ... 45
المائدة:03 ... ژپ پ پ ... ? ?ژ ... 49
المائدة:06 ... ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ... ? ? ??ژ ... 158، 180
المائدة:06 ... ژ? ? ? چ چ چژ ... 175
المائدة:27 ... ژ? ? ? ? ? ںژ ... 26
المائدة:45 ... ژ? ? ? ? ? ??ژ ... 102، 201
المائدة:67 ... ژچ چ چ چ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ ژ s sک ک ک ک گ گ گ گژ ... 34
الأنعام:01 ... ژ? ? ?? ??ژ? ... 16
الأنعام:103 ... ژ? S S S S ?? ? ? ? ?ژ ... 30
الأنعام:103 ... ژ? S S S S ?? ? ? ?ژ ... 33، 34
الأنعام:121 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ... ک کک گ گ گ گ ?ژ ... 50
الأنعام:148 ... ژ? ? ? ... ? ? ? ? Sژ ... 92
الأعراف:42 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ ... 26
الأعراف:51 ... ژ? ? ? ? ?ژ ... 211
الأعراف:131 ... ژ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? S S Sژ ... 98
الأعراف:201 ... ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گژ ... 219
الأنفال:2 - 4 ... ژS S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ژ ژژ ... 172
الأنفال:10 ... ژS S S S ? ??ژ ... 41
الأنفال:25 ... ژ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ ... 110
الأنفال:44 ... ژ? ژ ژژ ... 111
التوبة:07 ... ژS S S Sژ ... 70
التوبة:37 ... ژ? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S SSژ ... 103
التوبة:51 ... ژ? ? ... ژ ژ s sژ ... 94 (1/214)
صفحة 215
التوبة:71 ... ژک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? ? ?? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھژ ... 81
سورة التوبة:111 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ?ژ ... 75
التوبة:128 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 151
يونس:64 ... ژ? ? ... ? ? ? S SSژ ... 76
هود:16 ... ژ? ? ژ ژ s ... sک ک ک ک گ ... گ گ گ ? ... ?ژ ... 20
هود:114 ... ژہ ھ ھ ھ ... ھ ے ... ے? ? ? ? ?? ? ? ?ژ ... 214، 217
يوسف:90 ... ژ? ? ? ? ? ں ں ? ? ... ?ژ ... 99
إبراهيم:48 ... ژ? ? ? ? ? ہہ ژ ... 79
النحل:35 ... ژ? ? پ پ پ پ ? ? ?ژ ... 92
النحل:35 ... ژS ... S S ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ ... 92
النحل:44 ... ژ? S ... S S S ? ? ?ژ ... 180
النحل:97 ... ژ ژ ژ s s ک ک ک کژ ... 71
الكهف:104 ... ژں ? ? ? ?ژ ... 118
الكهف:110 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 22
مريم:60 ... ژ? ? ? ? ? ?ژ ... 195
طه:25–35 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ ... 21
طه:82 ... ژگ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 195
طه:132 ... ژ? ? ? ... ? ?? ? ? ?? ? ?? ? ?ژ ... 120
الأنبياء:101ـ103 ... ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? Sژ ... 168
المؤمنون:57 - 61 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 25، 32
المؤمنون:62 ... ژ? ? S S SS ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ ... 27
النور:61 ... ژ? ??ژ ... 84
النمل:14 ... ژ? ? ? ? ? پپژ ... 172
النمل:40 ... ژ? ? ? ? ? ... ہ ہ ہہ ھ ... ھ ھ ھ ... ےے ? ? ? ? ? ? ... ژ ... 95
القصص:68 ... ژ? ? ? ? ??ژ ... 103
العنكبوت:25 ... ژS S S ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?ژ ... 79
العنكبوت:69 ... ژ? ? ? ? ?? ہ ہ ہ ہژ ... 66
الروم:17 - 18 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ?ژ ... 217
الروم:41 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ ... 96
لقمان:13 ... ژ? ? ? ? ژ ... 12
لقمان:25 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ ... 16
لقمان:34 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ... ? ? ? ?ژ ... 34
الأحزاب:35 ... ژ? ? ? ?ژ ... 147
الأحزاب:37 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 46
الأحزاب:40 ... ژ? ? ? ? ??ژ ... 110 (1/215)
صفحة 216
الأحزاب:41ـ42 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 147
فاطر:02 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ ... 40
فاطر:09 ... ژھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ... ? ?ژ ... 40
يس:12 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 197
ص:27 ... ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ ... 93
ص:35 ... ژھ ھ ... ے ے ? ? ? ? ? ? ??ژ ... 95
الزمر:03 ... ژژ s s ک ک ک ک گ گ گ ... گ ?ژ ... 17
الزمر:32 ... ژ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ??ژ ... 32
الزمر:65 ... ژے ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ ... 12
الزخرف:67 ... ژ? ? ں ں ? ? ?ژ ... 79
الجاثية:24 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? چ چ چچ ? ... ? ? ? ? ژ ... 15
الجاثية:32 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ... 13
الفتح:02 ... ژپ پ پ ? ? ? ? ? ?ژ ... 220
الفتح:18 ... ژک ک ک گ گ گ گ ? ?ژ ... 38
الحجرات:07 ... ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژژ s s کژ ... 88
الحجرات:12 ... ژ? ?ژ ... 207
الحجرات:12 ... ژ? ? S S S S ? ??ژ ... 176
النجم:3ـ4 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 134، 153
النجم:10 ... ژچ چ ? ? ?ژ ... 35
النجم:13 - 14 ... ژs ک ک ک ک گ گ گ گژ ... 30، 31، 35
النجم:15 ... ژ? ? ? ? ژ ... 31
النجم:26 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 72
النجم:32 ... ژ? ں ں ... ? ? ? ?? ? ہ ہ ہہژ ... 216
القمر:49 ... ژ? ? ? ? ?ژ ... 87
القمر:53 ... ژ? S S Sژ ... 87
الرحمن:13 ... ژھ ھ ھ ھژ ... 136
الحديد:13 ... ژ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ ... 212
الحديد:22 ... ژے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ -23) ... 95
المجادلة:19 ... ژ? ? ? ... ? ? ... ??ژ ... 147
الحشر:07 ... ژ? ? ? ? ? ? ہ ہہژ ... 152
الحشر:09 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 113
الحشر:10 ... ژ? ? ? ? ? پ پ ... پ ... پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S Sژ ... 113
الحشر:23 ... ژھ ے ے ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ ... 147
الصف:07 ... ژ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 32
الجمعة:10 ... ژS S ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ ... 119، 120
الملك:15 ... ژ? ? S S S S ? ? ? ? ? ?? ? ?ژ ... 119
القلم:01 ... ژ ژ ژ s s ک ژ ... 15، 141
نوح:13 ... ژ? ? ? ? ? ?ژ ... 22
الإنسان:09 ... ژS ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 24
التكوير:19 - 21 ... ژ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہژ ... 71 (1/216)
صفحة 217
التكوير:32 - 34 ... ژہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ... ? ? ? ?ژ ... 30
الأعلى:17 ... ژپ پ پژ ... 99
الفجر:27 - 30 ... ژ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ... ? ژ ... 99
الليل:18–21 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ژ ... 24
الضُّحَى:1 - 3 ... ژ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چژ ... 49
الضحى:07 ... ژک ک ک کژ ... 48
العلق:1 - 5 ... ژچ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s ... s ک ک ک ک گ گژ ... 30، 48
البينة:05 ... ژ? ? ? ? ? ? ں ںژ ... 26
التكاثر:6 - 7 ... ژ? ? ? ? ? ... ہ ہژ ... 178
الماعون:1 - 7 ... ژS S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ... 61، 212
((((
فهرس الأحاديث النبوية والقدسية
نص الحديث ... الصفحة
« ... اعْمَلُوا وَلاَ تَغْترُّوا فَكُلّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ لَه» ... 73، 87
« ... أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟» قَاَل: «فِرَارٌ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ» ... 89
« ... أَلا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا» وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. ... 109
« ... القُلُوبُ بين إِصْبَعَيْنِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ» ... 89
« ... أَلَيْسَ لَكُم بِكُلِّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ لَحمٌ غَلِيظُ، أي طَريٌّ تَعِيشُونَ بِه، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ الله ح وَلَكنَّهم يُنَجِّسُونَها عَلَينَا يا رَسُولَ الله ح» ... 135
« ... إِنَّ إِحْدَاكُنَّ تَخرُجُ وَهِيَ عَاصِيَةٌ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الحَوْأَبِ» ... 111
« ... إنَّ أمَّتِي يُدْعَوْنَ يَومَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ ... » ... 210
« ... إنِّي حرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا» ... 96
« ... حَوِضِي مِنَ المدِينَةِ إِلَى صَنْعَاءَ» ... 212
« ... ذَلِكَ جِبْرِيلُ؛ وَلَمْ أَرَهُ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلاَّ مَرَّتَيْنِ» ... 33 (1/217)
صفحة 218
« ... رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالْجَهْلُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ» ... 51
« ... رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسيَانُ وَمَا اسْتُكرِهُوا عَلَيهِ» ... 202
« ... سَلُونِي تَفَقُّهاً ولاَ تَسْأَلُونِي تَعَنُّتاً» ... 185
« ... صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّهُ اللهُ وَأَفْطَرَتا بِمَا حَرَّمَ اللهُ» ... 177
« ... في الرجل يصلِّي ويصوم ويتصدَّق ويخاف ألا يُقبَل منه» ... 25
« ... لا يستَرْقُون ولا يكتوون ولا يتطيَّرون وعلى ربهم يتوكَّلون» ... 42
« ... لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَوُضُوءٍ، وَلأَخَّرْتُ الصَّلاَةَ إِلَى ثُلُثِ الَّليلِ» ... 151، 154
« ... لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الِمسْكِ» ... 152
« ... لَوْ تَفْتَحُ بَابًا لِلشَّيطَانِ» ... 97
« ... ما من داء إلاَّ وله دواء إلا السَّام» ... 42
« ... هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَه؟، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَه؟، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَه؟» ... 114
« ... هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مِيتَتُهُ» ... 175
« ... وإذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَكُفُّوا، وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَكُفُّوا، وَإِذَا ذُكِرَ النُّجَومُ فَكُفُّوا» ... 88
« ... وَلاَ صَلاَةَ وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لاَ صَوْمَ لَه» ... 177
« ... وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقرَّب إليَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّه» ... 76
« ... وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ طِيَرَةٌ فَلَيْسَ فِيهِ حَظّ مِنَ الِإيمَان» ... 91
« ... يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إلاَّ مَن هَدَيتُه، فَاسْتَهدُونِي أَهْدِكُم» ... 114
« ... يعلمُ دبيبَ النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء» ... 26 (1/218)
صفحة 219
« ... اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ» ... 89
«أدَّبني رَبِّي فَأحْسَنَ تَأدِيبِي» ... 47
«إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أَحْبَبْتُ عَبْدِي فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» ... 69
«إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ... 181
«إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ» ... 186
«إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثاً، لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ... 159
«إِذَا تَوَضَّأ أَحَدُكُم فَلْيَسْتَنْثِرْ فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَبِيتُ فِي خَيْشُومِه» ... 183
«إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ آخِرَ قَطْرِ الْمَاءِ؛ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْهُمَا كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَهَا بِهِمَا، ثُمَّ كَذَلِكَ حتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» ... 201
«إِذَا تَوَضَّأْتَ فَضَعْ فِي أَنْفِكَ مَاءً ثُمَّ اسْتَنْثِرْ» ... 181
«إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِفَرْجِهِ» ... 126، 131
«إِذَا سَمِعْتَ بِعَدْوَى في أَرْضٍ فَمَنْ كَانَ فِيهَا فَلاَ يَخرُجْ مِنْهَا وَمَنْ كَان خَارِجَهَا فَلاَ يَدْخُلْهَا» ... 106
«إِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» ... 154 (1/219)
صفحة 220
«إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ... 135
«أَشْرِبُوا عُيونَكُم الماءَ لَعَلَّها لاَ تَرَى نَارًا حَامِيَة» ... 180
«اعْمَلُوا وَلاَ تَغْتَرُّوا فكلُّكم مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». ... 87
«أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» قَالَهَا ثَلاَثًا ... 193
«الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ... 188
«الرِّيَاءُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ كَمَا يُحْبِطُهُ الشِّرْكُ» ... 60
«السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ إِخْوَانِي» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا» ... 208 (1/220)
صفحة 221
«اللهم إنِّي أعوذُ بك أن أشرك بك فيما أعلم وأستغفرُك فيما لا أعلم» ... 26
«الَّلهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» ... 146
«اللهمَّ ربَّ جِبْرَائِيلَ وإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالمَ الغَيِبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم» ... 114
«المُسَافِرُ مَعَ رَحْلِهِ» ... 129
«إنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيطَانِ، والشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَإنَّما تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» ... 182
«إنَّ الله لا يقبل ما شورك فيه» ... 21، 60
«إنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا عَمَلَ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» ... 167
«إنَّ المؤمِنَ إِذَا أَسْبَغَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَأَنْفِهِ مَعَ مَاءِ الوُضُوءِ» ... 182
«إِنَّ المسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ الوُضُوءَ الكَامِلَ وَقَالَ: "أشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ» ... 164 (1/221)
صفحة 222
«إِنْ كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو لأَوَّلَ مَنْ عَابَ عَلَيَّ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ وَالذَّبْحَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنِّي أَقْبَلْتُ مِنَ الطَّائِفِ وَمَعِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمَعَنَا خُبْزَةٌ وَلَحْمٌ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ آذَتْ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو حتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَمَرَرْتُ بِهِ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ السُّفْرَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنْتُمْ تَذْبَحُونَ عَلَى أَصْنَامِكُمْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لاَ آكُلُهَا، ثُمَّ عَابَ الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ وَمَنْ يُطْعِمُهَا وَمَنْ يَدْنُو مِنْهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا دَنَوْتُ مِنَ الأَصْنَامِ شَيْئًا حتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ». ... 43
«أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَنْجَى بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَهِيَ الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ ... 127، 132
«إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ» ... 94
«بِسْمِ اللهِ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الُخبْثِ وَالَخَبائِثِ» ... 145
«تصدَّقنَ مَعَاشِرَ النِّسَاءِ فَإنِيِّ رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» ... 56
«خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ». ... 167
«دِيَارَكُم تُكْتُبُ آثارُكُم» ... 197 (1/222)
صفحة 223
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ... 97
«فرَّ مِنَ المَجذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ» ... 105
«قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ عَبْدِي لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ» ... 80
«كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ... 219
«كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ» ... 87
«كَلِّم المجذُومَ وَبَينَكَ وَبَينَهُ رُمْحٌ». ... 105
«كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ح حتَّى إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ إِلَى حَاجَةِ الإِنْسَانِ قَالَ: «ائْتِنِي بِالأَحْجَارِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَاسْتَنْجَى بِالْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، .. » ... 132، 138
«لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ صَلاَةَ لَهُ، وَلاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ صَوْمَ إِلاَّ بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» ... 170
«لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ» ... 125، 144
«لاَ نَبيَّ بَعْدِي، وَلاَ أُمَّةَ بَعْدَكُمْ» ... 110
«لاَ هَامَةَ وَلاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ» ... 100
«لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ... 160
«لاَ يَرِدُ هَائِمٌ عَلَى مُصِحٍّ» ... 100
«لاَ يَقبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ» ... 174
«لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَالكُفرِ إِلاَّ تَركُهُ الصَّلاَة» ... 171 (1/223)
صفحة 224
«مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ... » ... 73
«مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ لِصَلاَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّيهَا إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الأُخْرَى حتَّى يُصَلِّيَهَا». ... 214
«مَا مِنْكُم مِنْ رَجُلٍ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ فَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ إِلاَّ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ المَاءِ» ... 203
«مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، كَمَثَلِ نَهْرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ أَوْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كَلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، أَتَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا؟ قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ يُذْهِبْنَ الذُّنُوبَ كَما يُذْهِبُ المَاءُ الدَّرَنَ» ... 218
«مَثَلُ المؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ وَالحمُىَّ» ... 77
«مَنْ أَحَبَّ للهِ وَأَبْغَضَ للهِ وَأَعْطَى للهِ وَمَنَعَ للهِ، فَقَدْ اِسْتَكْمَلَ خَصَائِلَ الإِيمَانِ» ... 69
«مَن اِسْتَمَعَ إِلَى أَسْرَارِ النَّاسِ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ" ... 205
«مَنْ أَشْرَكَ سَاعَةً أُحْبِطَ عَمَلُهُ، فَإِنْ تَابَ جُدِّدَ لَهُ الْعَمَلُ» ... 9
«مِنَ الجمُعَةِ إِلَى الجُمعِةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا» ... 216
«مِنَ الحَجِّ إِلَى الحَجِّ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» ... 216 (1/224)
صفحة 225
«مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» ... 133
«مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا» ... 216
«مَنْ عَمَلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ... 167
«مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ قَالَ الرَّبِيعُ: اسْتَحَقَّ اسْمَ الْكَافِرِ دُونَ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَافِر». ... 51
«مَنْ لاَ يَشْكُر النَّاسَ لاَ يَشْكُر الله». ... 59
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». ... 176
«نَقِّ عملك فإنَّ الناقد بصير». ... 64
«هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ». ... 37
«هُو نورٌ أنَّى أراه؟». ... 34
«وَجَبَتْ مَحَبتَّي للمتحابِّين فيَّ والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتدانين فيَّ». ... 81
«وَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ». ... 166
«وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». ... 166
«وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ وَوَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ». ... 177
«وَيْلٌ لِلُّمعٍ من النَّارِ». ... 168، 215
«يَا أَهْلَ بَدْرٍ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُم». ... 220
«يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ، وَأَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ». ... 19 (1/225)
صفحة 226
«يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لأَجْلِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي». ... 77، 78
«يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ الُمتدَالِينَ فيَّ». ... 80
«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاضِعَ الْمَطَرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ». ... 115، 116
ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهِ»، ثُمَّ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ: «مَنْ ضَاعَفَ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ»؛ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا فَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي». ... 162، 164
إِنَّمَا نَهَى النَّبِيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، لأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ زَادُ دَوَابِّهِمْ. ... 133
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الأَجْحِرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأَنَّهَا مَسَاكِنُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ. ... 140 (1/226)
صفحة 227
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ آدَابِهِ لاَ يَكْشِفُ إِزَارَهُ إِذَا أَرَادَ حَاجَةَ الإِنْسَانِ حتَّى يَقْرُبَ مِنَ الأَرْضِ، قَالَ: وَقَدْ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ وَهُوَ يُرِيدُ الْبَوْلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ. ... 144
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ إِلَى حَاجَةِ الإِنْسَانِ قَالَ: «ائْتِنِي بِالأَحْجَارِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَاسْتَنْجَى بِالْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ». ... 132
عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ. ... 188
عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَّخِذًا مِنْدِيلاً يَمْسَحُ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وكَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ فَيُجَفِّفُ بِهِ. ... 186
عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. ... 179
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا لِحَاجَتِهِ بَيْنَ لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ... 125
((((
فهرس الأعلام
اسم العلم ... الصفحة
إبراهيم؛ ... 44، 47، 79
إبليس ... 184
ابن عبَّاس ... 35، 51، 52، 104، 109، 125، 125، 128، 140، 144، 160، 162، 167، 170، 171، 177، 179، 188، 189
أبو أيوب الأنصاري ... 126، 129، 129، 130 (1/227)
صفحة 228
أبو بكر الصديقس ... 170، 172، 203
أبو خزر يغلى بن زلتاف ... 180
أبو خليل الدركلي ... 66
أَبو سعيد الخُدْرِي ... 115
أبو عُبيدة مُسلم بن أبي كريمة ... 10، 19، 29، 37، 45، 48، 51، 52، 60، 69، 71، 78، 80، 87، 100، 101، 104، 109، 115، 125، 125، 126، 127، 131، 132، 133، 140، 144، 149، 157، 160، 160، 162، 162، 167، 170، 171، 177، 179، 181، 186، 188، 189، 193، 199، 207، 214، 215
أبو مودود حاجب الطَّائي ... 181
أبو نصر الملوشائي ... 16، 73
أبو نوح صالح الدَّهَّان ... 181
أبو هريرة ... 19، 29، 51، 69، 71، 77، 78، 80، 133، 149، 157، 199، 207، 208، 209، 214، 215
أحمد بن حنبل ... 181
آدم؛ ... 181، 183، 184
إسرافيل؛ ... 48، 113، 114
أمُّ سليم ... 11
أنس بن مالك ... 10، 11، 193
بلال بن رباح ... 203
بن عمرو بن نفيل ... 45
بنو سلمة ... 197
تبركانت السدراتية ... 82، 83
جابر بن زيد ... 10، 19، 29، 37، 51، 52، 69، 71، 78، 80، 80، 87، 94، 101، 104، 109، 115، 125، 125، 126، 127، 128، 132، 133، 137، 140، 144، 149، 157، 160، 162، 162، 167، 170، 171، 177، 179، 181، 186، 188، 189، 193، 199، 207، 214، 215
جابر بن عبد الله ... 125، 127، 129
جبريل؛ ... 22، 30، 31، 32، 35، 48، 71، 72، 76، 113، 114
جندب بن زهير ... 21
حفصة ك ... 125، 128
حكيم بن حزام ... 46
خباب بن الأرث ... 45
خديجة بنت خويلد ك ... 46
الربيع بن حبيب ... 45، 94، 100، 104، 115، 126، 126، 131، 160، 177، 181، 186، 214، 217
الزبير بن العوام س ... 111
زيد بن حارثة الكلبي ... 43، 46
زيد بن عمرو بن نفيل ... 43، 44، 45، 46
سجاح الكذَّابة ... 110
سعد بن عبادة ... 141، 146
سعيد بن زيد ... 44، 45
سفيان الثوري ... 82
سليمان؛ ... 95
ضمام بن الساَّئب ... 181
طلحة بن عبيد الله ... 111
عائشة ك ... 25، 29، 32، 33، 36، 111، 111
عاصم بن لُقَيط ... 181
عامر الشماخي ... 161
عُبادة بن الصامت ... 94، 97، 99
عبد الرحمن بن عوف ... 106
عبد الله بن حميد السالمي، نورالدين ... 14، 91، 112
عبد الله بن عمر ... 128
عبد الله بن مسعود ... 138 (1/228)
صفحة 229
عثمان بن عفان س ... 214، 215، 217
علي بن أبي طالبرضي الله عنه ... 91، 92، 93، 111، 203
عمَّار بن ياسر ... 92
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ... 38، 44، 45، 49، 106، 119
عمر بن عبد العزيز ... 112
عمرو بن عنبسة ... 182، 199، 203، 205
فاطمة بنت الخطاب ... 44، 45
فرعون ... 172
لُقَيط بن صُبرة ... 179، 181
مسروق بن الأجدع ... 29
مسلم، بن الحجاج النيسابوري ... 29، 208
مسيلمة الكذَّاب ... 110
مصطفى المراغي ... 31
معاذ بن جبل ... 80
موسى؛ ... 21
ميكائيل؛ ... 113، 114
ميمونة ك ... 187
نعيم بن عبد الله المجمر ... 208
هامان ... 172
يوسف الوارجلاني، أبو يعقوب ... 109
((((
فهرسُ المأثوراتِ والحِكَم
النص ... الصفحة
أَحَبَّ أناسًا لم تَضُرْهُم ذُنُوبُهمْ****وَأَبْغَضَ قَوْمًا عِندَنَا هُمْ ذَوُو حُسْنِ ... 73
أمرتَ مَن كانَ مظلُومًا ليأتِينَّكم****فقد أتَاكُم غَريبُ الدَّارِ مَظْلُومَا ... 144
أنتَ الإمامُ الذي نَرجُو بِطَاعتِهِ****يومَ النّشُورِ مِنَ الرَّحمن رِضْوَانَا ... 93 ... أوْضَحتَ مِنْ دِينِنَا مَا كانَ مُلتَبِسًا****جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فيه إِحْسَانَا
إنِّي أخاف من المخزن أن يكون أكله السوسُ ... 66
بلى إني لأحسنها، وإني بها لحاذق، إني لأستدبر الريح وأستقبل الشيح، وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النَّعام ... 144
تعال إلى موطن مقعدُ رَجُلٍ ووقرُ بعيرٍ ... 117
تعالى إلى أرضٍ مفرشُ كساءٍ ووقرُ بعيرٍ ... 117
تلك دماءٌ طهَّر الله منها أيدينا، فلا نلوِّث بها ألسنتَنا ... 112
تلك طريق نبت عليها العوسج ... 82
السماء لا تمطر ذهبا ولا فضَّة ... 119
شرُّ القلوب قلبٌ لا رحمة فيه، وشرُّ الأموال مالٌ لا يُنفق منه، وشرُّ البيوت بيتٌ لا يدخله المسلمون، وشرُّ الأقدامِ قدمٌ لا تزور في الله ... 83
صرنا نخاف من حسناتنا أكثر من سيئاتنا ... 25
فالله أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، وكلَّف تيسيرًا، ولم يُعصَ مغلوبًا، ولم يُطع مُكرَها ... 93 (1/229)
صفحة 230
فمن قال بالتَّكبير حينَ صَلاتِهِ****صَارَ كعبدٍ بَابَ مَولاهُ يَقرَعُ ... 204 ... فصارَ لِرَبِّ العرشِ حِينَ صَلاتِهِ****نَجيًّا فيَا طُوبَاهُ إِنْ كَانَ يَخشَعُ
لا تكثروا الكلام فتكذبوا، ولا تكثروا الحلف فتحنثوا، ولا تكثروا الظن فتظلموا، ولا تكثروا الدلالة فتسرِقوا ... 84
لا صغيرةَ مع إصرارٍ ولا كبيرةَ مع استغفارٍ ... 219
لقد قَفَّ شعري مما يقولون حول رؤية محمَّد ربَّه ... 32
من زعم أنَّ محمدًا رأى ربَّه فقد أعظمَ على الله الفرية ... 29، 33
نحن قتلنا سيِّدَ الخزرَج****سَعْدَ بنَ عُبادَة ... 143 ... ورميناهُ بِسَهمٍ****فلَم نُخطِئْ فُؤادَهْ
والله لأقاتلنَّ من يُفرِّق بين الصَّلاة والزَّكاة ... 172
وما كلُّ من صلَّى يسمَّى مُصَلِّيًا****فَشَتَّانَ بين الاِسْمِ والفِعْلِ في الأَمْرِ ... 173
وَمَا مَضَى عَنَّكْ وَلَوْ بِسَاعَة****فَدَعْهُ لَيْسَ البَحْثُ عَنْهُ طَاعَة ... 112
ومن ردَّ حرفًا أو رسولاً فإنَّه****بِردِّ جميع المرسلين كفرعون ... 16
اليوم مات عالم العرب ... 10
((((
قائمة المحتويات
مقدمة تحقيق الجزء الرابع 05
باب في ذكر الشرك والكفر 07
ما جاء في إحباط العمل بالشرك 09
الكفر والشرك والنفاق 09
حكم الظنون ـ التي قد تَرِدُ القلب ـ عن الله تعالى 13
مفهوم الشرك 15
معنى لا إله إلا الله 17
جواز الجهر بالصدقة لإذكاء روح المنافسة 23
الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ 25
ما جاء في الأسباب التي يكفر بها الإنسان 29
التحذير من الشرك بالله 37
التحذير من عبادة الأصنام وبراءة النبي محمد ح من عبادتها 43
معنى ووجدك ضالاً فهدَى 48
ما جاء فيمن قال لأخيه يا كافر 51
أدعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة 54
لا ينبغي أن نردَّ السيئة بمثلها 54
حكم لعن غير المستحق للَّعن 55
حكم سبِّ الدين في الإسلام 56
التحذير من كفران العشير 57
ما جاء في إحباط العمل بالرياء 60
التحذير من المنِّ بالصدقات 61 (1/230)
صفحة 231
جزاء المُرَائِينَ المُمتنِّين بصدقاتهم 62
جزاء الذين لا يُراؤون بأعمالهم 63
التحذير من مُحبطات الأعمال 65
باب في الحُبِّ 67
ما جاء في حبِّ الله لعباده 69
أداء الواجب سببٌ لمحبَّة الله تعالى 74
جزاءُ المتحابِّين في الله يوم القيامة 77
فضائل الزيارة في الله 82
أحكام الدَّلَال بين الأصدقاء 83
باب في القدر والحذر والتطير 85
التحذير من التطيُّرِ 90
جواب الإمام علي س عنه حول مَسيرِه إلى الشَّام 91
ما جاء في الإيمان بالقدر 94
عدالةُ الله في القضاء والقدر 96
ما جاء في الهَامَة والعدوَى وصَفَر 100
التحذير والنهي عن التشاؤم بشهر صفر 102
ما جاء في نهي أن يَرِدَ هائمٌ على مُصِحٍّ 104
باب في الفتنة 107
بابٌ في الفتنة 109
وقعة الجمل 111
ما جاء في الفرار من الفتنة 115
الفرار إلى وارجلان ووادي ميزاب كان هروبًا بالدين من الفتنة 116
المال قوام الأعمال 119
كتاب الطهارة 121
باب في الطهارة والاستجمار 107
ما جاء في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط 125
سكن النبي حمع أبي أيوب الأنصاري في بيته 129
ما جاء في الاستجمار بالأحجار والنهي عن الروث والعظام 132
غسلُ إناء الكلب 135
طعامُ الجنِّ وطعامُ دوابِّهم 136
لا يجوز الاستبراءُ بالورق الذي فيه كتابة 139
ما جاء في النهي عن البول والغائط في الأجحرة 140
ما جاء في الاِستِتَار وتركِ الكلامِ عند قضاء الحاجة 144
قراءة الذكر قبل دخول بيت الخلاء 145
تعليقُ ما فيه اسمُ الله تعالى وهو في بيت الخلاء 148
فوائد السواك 150
استعمال الصائم للسواك 153
باب في آداب الوضوء وفرضه 155
باب في آداب الوضوء وفرضه 157
ما جاء في الوضوء مرَّة مرَّة، واثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً 162
التحذير من الإسراف في الماء 164
وجوب الاهتمام بالغائر من الأعضاء 166
ما جاء في التخلّل بين الأصابع 167
ما جاء في الاستنشاق 179
وما جاء في المضمضة والاستنشاق 179
الوضوء يطرد الشيطان 181 (1/231)
صفحة 232
فضل الوضوء 182
الوضوء يغسل معاصي الجوارح 183
ما جاء في مسح أثر الوضوء 186
ما جاء في مسح الرأس والأذنين 188
مسح بعض الرأس 189
مسح الأذنين 189
الطريقة الجيدة لمسح الرأس والأذنين 190
باب في فضائل الوضوء 191
ما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره 193
الاغتسال من الوضوء 196
ما جاء في تكفير الوضوء للسيئات 199
الذنوب التي يكفِّرها الوضوء والتي لا يكفِّرها 200
الرواية الثانية لحديث تكفير الوضوء للسيئات 203
التحذير من التجسُّس 204
ما جاء في الغرَّة والتحجيل من أثر الوضوء 207
حوض النبي صلى الله عليه وسلم 210
علامات أمَّة محمد ح يوم القيامة 211
ما جاء في غفران ما يستقبل من الوضوء والصلاة 214
العبادات كفَّارات لما بينها من الصغائر 216
الصلوات الخمس كفارة لما بينها من الصغائر 218
الفهارس 221
قائمة المصادر 222
فهرس الآيات القرآنية 228
فهرس الأحاديث النبوية والقدسية 239
فهرس الأعلام 247
فهرس المأثورات والحكم 250
قائمة المحتويات 252
((((
انتهى بحمد الله الجزء الرابع من كتاب «في رِحابِ السنَّة»
ويليه الجزءُالخامس، والذي سيبدأ بحول الله بالحديث رقم: 102،
(باب ما يجب منه الوضوء)
(((( (1/232)