صفحة 1
الكتاب: قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث
المؤلف: زكريا بن خليفة المحرمي
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
البلد: السيب، سلطنة عُمان
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: 1425هـ / 2004م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1425هـ / 2004 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 9726175
ص ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث
تأليف: زكريا بن خليفة المحرمي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب/ سلطنة عمان (1/3)
صفحة 4
قَالَ الله تعالى:
{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}
(سورة النساء: 82) (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
اختار الله عز وجل العرب ليكونوا حملة رسالته ومستودع أمانته، واصطفى منهم أفضلهم خلقاً وأشرفهم نسباً ليكون النبي الأمين وسيد الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه و سلم)، وكان العرب يتميزون عن غيرهم من الأمم بتشبعهم بمكارم الأخلاق وجميل الصفات، فقد كانوا أهل شجاعة ونبل وكرم، ولعل هذه الأخلاق الحميدة والمزايا الجليلة هي من بقايا دين إبراهيم (عليه السلام)، الذي وصفه الله تعالى بالكرم في قوله {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ} الذاريات: 24 - 26.
ويذهب البعض إلى أن عبادتهم للأصنام كان سببها إسرافهم في تعظيم الكعبة، فكانوا "يحملون معهم بعضاً من أحجارها في أسفارهم، فيضعونه حيث ينزلون ويطوفون عليه كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبد الكثير منهم الأوثان (1).
"لم يكن العرب قبل ظهور الإسلام أهل فكر وثقافة، بل كانوا اتباع شهوات جامحة من أثرة وجشع ورياء وتهارش وحقد وعصبيات طائشة. لقد اكتسحتهم عاصفة الأهواء وأغرقهم طوفان شهواتها، فأصيبت أفكارهم بالشلل، ووسط هذه الجهالات المركبة والنماذج التي لا حصر لها من الضلال والغفلة أخذ الإسلام رويداً رويداً ينشر أشعته، فأخرج تلك الأمة من الظلام إلى النور وجعلها مصباحاً وهاجاً يضيء ويهدي، ورفع تلك القبائل من سفوح الغرائز إلى قمم الهمم والأفكار (2).
__________
(1). ابن هشام "السيرة النبوية" ص40.
(2) محمد الغزالي "فقه السيرة" ص21 - ص22 بتصرف. (1/5)
صفحة 6
وقد ساهمت بساطة العرب الفطرية وصفائهم العقلي المفرغ من المعارف والمناهج المعقدة، وعدم إيغال الخرافات الوثنية في نفوسهم في ترسيخ صورة الإسلام الصحيح فيهم، فلم يكن هناك كثير اصطدام بين الموروث الفكري لديهم وبين هذا النور الجديد بعقيدته الشفافة التي ذابت في تكوينهم.
وقد انتشر الإسلام انتشاراً سريعاً وهائلاً في أرجاء المعمورة، ودخلت فيه شعوب وأمم مختلفة، تلك الشعوب والأمم كان لها تاريخ فكري وإرث ثقافي من حكمة وأمثال وشعر وأدب وعلوم مدونة وكتب مطولة –كما هو الحال عند اليهود والنصارى والزرداشتية والمزدكية والفلاسفة- ومنهم من مارس البحث العلمي والتنظير الفلسفي، فلما دخلوا في الإسلام بدءوا يطبقون تلك المناهج التي ورثوها من آبائهم على الفكر الجديد الذي يحمله الإسلام.
"حتى العقيدة عند بعض المسلمين لم تخل من تأثير تلك المواريث، والمستقصي لتاريخ المسلمين وعقائدهم يدرك أن الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى الغنية بالمواريث الثقافية لم يفهموه بحذافيره كما فهمه العرب الفقراء إلى التاريخ والثقافة، فقد فهمه كل قوم مشوباً بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، فصورة الإله عند النصراني غير صورته عند الفارسي، والتي هي بالطبع غير الصورة التي عند اليهودي أو الرومي أو الوثني، وكذلك الألفاظ المستعملة في الديانات كجهنم والجنة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي ونحو ذلك من معان عند هؤلاء تخالف المعاني التي يتصورها الآخر" (1)
وهذا التأثير لم يكن محدود الزمن بل استمر إلى فترات متأخرة، ومنها ما هو باق إلى زماننا هذا، والشواهد على ذلك كثيرة، ومن ذلك ما ذكره ابن بطوطة (ت 779هـ) في رحلته من أن أهل بلدة (إيوالاتن) الإفريقية "لا غيرة عند رجالهم، ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه، وذلك شيء ما رأيته قط إلا عند كفار المليبار، وأما هؤلاء فمسلمون، محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن، وأما
__________
(1) أحمد أمين "فجر الإسلام" ص94 بتصرف. (1/6)
صفحة 7
نسائهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات، والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات، ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها، فلا ينكر ذلك" (1)
أما التأثير الأخطر فهو ذلك الذي زامن تشكّل العقل المسلم، وقد تم ذلك التأثير في عصر تدوين الروايات المنسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) التي تمت في أواخر القرن الأول إلى نهاية القرن الثالث الهجري، إنه تأثير الفكر الفارسي وديانته المختلفة الزرداشتية والمزدكية والمانوية، بالإضافة إلى تأثير فكر أهل الكتاب، وتأثير الفلسفة اليونانية، هذا التأثير أدى إلى ظهور تراث الثقافات المختلفة في قوالب نصية منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) لتسهيل عملية عبورها إلى طوائف الأمة المختلفة.
فالفرس مثلاً "تميزوا بميلهم لعبادة المظاهر الطبيعية، حيث الشمس تمثل "عين الله" والضوء "ابن الله" والظلمة والجدب آلهة الشر، وظهر فيهم زردشت (583 ق. م) بكتابه المسمى "أفِسْتَا Avesta" وعليه شرح يسمى "زندافست"، ومن تعاليمه أن للعالم أصلين أو إلهين: أصل الخير وهو "أهور" أو أهورامرزدا، وأصل الشر وهو "أهرمن"، وهما في نزاع دائم، فأصل الخير من نور وأشجار وحيوانات نافعة من "أهور"، وأصل الشر من ظلمة وحيوانات ضارة من "أهرمن"، والناس بين متبع لإله الخير ومتبع لإله الشر، ومن عقائده أن للإنسان حياتين: دنيا وآخره، والروح تحلق فوق الجسد في الثلاثة الأيام الأولى من وفاته، وعند الحساب تمر النفس على صراط ممدود على شفير جهنم، وهو للمؤمن عريض سهل المجاز، وللكافر أرق من الشعرة، فمن آمن وعمل صالحاً جاز الصراط بسلام، ولقي "أهورا" فأحسن لقاءه، وأنزله منزلاً كريما، وإلا سقط في الجحيم وصار عبداً لـ"أهرمن"، وإن تعادلت سيئاته وحسناته ذهب الروح إلى الأعراف إلى يوم الفصل. وهذه العقائد موجودة بأكملها عند بعض الفرق الإسلامية.
وظهر في بلاد الفرس "ماني" مؤسس "المانوية" (215 - 216م) وانتشر مذهبه الذي هو خليط من الزرادشتيه والنصرانية في آسيا وأوروبا، ونظرته للعالم المكون من أصلين "نور
__________
(1) رحلة ابن بطوطة المسماة "تحفة النظار في غرائب الأمصار" ص687 - 688. (1/7)
صفحة 8
وظلمة" هي نفس نظرة زرادشت، ولكنه نزع للرهبنة ودعا إلى الزهد، وشرع صلوات كثيرة وصيام أيام طويلة، وحرم النكاح ليتعجل فناء العالم، وهذه الآراء موجودة عند بعض طوائف الصوفية" (1)
كما أن الفرس الساسانيين كانوا ينظرون إلى ملوكهم من الأكاسرة على أنهم كائنات إلهية اصطفاها الله وأيدها بروح من عنده، وأن دماءهم إلهية، ولا يجوز أن يكون الملك في غير أصحاب تلك الدماء، وحين دخل هؤلاء الإسلام كانوا في الحزب العلوي فأسسوا نظرية الرفض لأبي بكر وعمر والتشيع لعلي وأبنائه، فنظروا إلى علي وأبنائه نظرتهم لملوكهم (2)، ووطدوا دعائم هذه النظرية باختلاق أسطورة زواج الحسين بن علي من "شاه بنوه" ابنة يزدجرد ملك الفرس، وبذلك تم التزواج بين الدماء الإلهية الكسروية والدماء الإلهية العلوية) (3).
أما النصارى فقد نقلوا إلى بعض الفرق الإسلامية الاعتقاد بارتفاع المسيح إلى السماء، ونزوله قبل يوم القيامة (4). كما نقلوا إليهم فكرة وجود الله تعالى في السماء، ويظهر ذلك من خلال كلام أصحاب هذه الفكرة، واستدلالهم على عقيدة وجود الله في السماء بنصوص الإنجيل حيث يقول ابن تيمية: "وفي الإنجيل أن المسيح (عليه السلام) قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهواء وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهن، أفلستم أفضل منهن؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب" (5)
__________
(1) أحمد أمين "فجر الإسلام" ص99 - ص104. بتصرف.
(2) أحمد أمين "فجر الإسلام" ص111. ونظرية الحق الإلهي Divine right انتشرت في أوربا في القرنين السادس عشر والسابع بواسطة الكنيسة.
(3) علي شريعتي "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" ص124.
(4) راجع مناقشة هذه الفكرة في الفصل الخاص بها من هذا الكتاب.
(5) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص406. (1/8)
صفحة 9
ويرى البعض أن أفكار القدرية قد بثها يوحنا النصراني الدمشقي الذي هو من حفدة سرجون بن منصور الرومي النصراني المسئول عن الشؤون المالية للدولة الأموية في عهد معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك بن مروان (1).
والدولة الأموية بدءاً بمعاوية بن أبي سفيان متهمة بالتساهل في تمرير الكثير من العقائد الباطلة التي اعتمدتها في مقابل العقائد الصحيحة للمعارضين للحكم الأموي الوراثي اللاشوري، فقد اعتمد الأمويون عقيدة الجبر، التي مؤداها أن ملكهم تم باختيار الله ولا يملك المسلمون إلا التسليم بذلك، ولا يجوز لهم الاعتراض عليه، لأنهم بذلك يعترضون على أمر الله وقضائه، وتساهلوا في عقيدة الإرجاء، وأن العاصي لا يدخل النار بسبب شفاعة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، أما إذا قدّر له أن يدخلها فإنه سيخرج منها لا محالة إلى أعلى عليين حيث يغبطه الشهداء والنبيّيون، وذلك منهم للتغطية على مظاهر الفسوق والفساد والمجون التي ابتلعهم، كما أنهم قاموا بتقريب علماء السوء الذين اعتمدوا على الفكر الإنجيلي المنحرف القائم على "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، و "إذا ضربك الأمير على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر"، ليقتلوا روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الظلم والفساد في المجتمع الإسلامي.
بل إن بعضهم شارك في وضع الأحاديث التي ترسخ العقائد التوراتية، ومن ذلك ما رواه ابن خزيمة عن عروة بن الزيبر أنه قال: "قدمت على عبد الملك فذكرت عنده الصخرة التي ببيت المقدس، فقال عبد الملك: هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله ... فأنكر عليه عروة" (2). وهذه العقيدة التي يدعو إليها عبد الملك بن مروان هي مما نقله اليهود للأمة فقد روي أن عبد الله بن مسعود مرّ بشيخ يحدث عن التوراة فلما رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبم يحدثكم صاحبكم فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس، فاسترجع ابن مسعود ثم قال: اللهم لا كفر بعد إيمان يقولها مرارا ثم قال: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء}
__________
(1) حسين عطوان "الفرق الإسلامية في العصر الأموي" ص36 - 43، نقله حسن المالكي "قراءة في كتب العقائد" ص85 - 88.
(2) ابن خزيمة "التوحيد" ص241. تحقيق سمير الزهيري. (1/9)
صفحة 10
النساء:89، فهلا قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام): {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي الزائلين المنتقلين، ألا فاتهموا اليهود على دينكم" (1)
وروى الذهبي في كتابه "العلّو" أن جرير بن الخطفي جاء إلى عبد الملك ليمتدحه، فقال: ما جاء بك يا جرير؟ قال:
أتاك بي الله الذي فوق عرشه
ونورٌ وإسلامٌ عليك دليلُ (2)
وروى أبو الشيخ في كتابه "العظمة" رواية من طريق أبي صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي وهو من أبناء الأسرة الأموية الحاكمة عن كعب الأحبار أنه قال: قال الله في التوراة، أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي" (3)
بالإضافة إلى ذلك كان الأمويون يقومون بإرهاب العلماء الذين يرفضون الفكر الأموي المستورد من الديانات المحرّفة، حيث قاموا بجلد ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس، وكان ذلك بسبب وشاية أبي الزناد عامل بني أمية الذي اشتهر برواية روايات التجسيم التي أنكرها مالك بن أنس، وحين سأل مالك عن مصدر هذه الروايات قيل له إنها من رواية أبي الزناد قال: "لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات"، وقال: "وكان صاحب عمال يتبعهم" (4).
لقد كانت الأجواء مواتية لحكام بني أمية لبثّ مثل هذه العقائد بين المسلمين لأسباب عديدة، أولها احتكاك المسلمين هناك بالمجتمع النصراني العربي، بما يحمله من أحقاد نصرانية ضد
__________
(1) الربيع بن حبيب "الجامع الصحيح" برقم 879. ذكر عبد الجواد ياسين في "السلطة في الإسلام" ص274 أن كعب الأحبار هو من كان يروي حديث وضع الرحمن رجله على الصخرة بالإضافة إلى روايات كثيرة في تقديس صخرة بيت المقدس، وأحال في تحقيق الروايات إلى كتاب "نهاية الإرب" للنويري ج1ص332.
(2) الذهبي "العلّو" ص380 برقم 316.
(3) أبو الشيخ "العظمة" ص95 - 96، برقم 246.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج8ص103، العقيلي "الضعفاء" ج2ص251، راجع حسن السقاف في تعليقه على كتاب "العلّو" للذهبي ص381 - 382. (1/10)
صفحة 11
الإسلام ونبيه الكريم، كما أنهم كانوا قريبون جداً من الكنيسة الرومانية التي اعتمدت الهرمسية فلسفة لها، والهرمسية هي عبارة عن ردة فكرية للعقلانية اليونانية الأرسطية، أشعل أوراها المشاكل الإجتماعية والإقتصادية التي خلقتها حملة الاسكندر المقدوني، مما أدى إلى تمزق العقلانية اليونانية وتناحر أتباعها، وبروز شروخ الشكاك في جدرانها، إلى أن أخذت في التهام نفسها مفرخة حالة من اللاعقلانية استغلها الفيلسوف اليهودي إفلوطين ليعيد قراءة فكر فيثاغورث اللاعقلاني ممزوجاً بالميراث الفكري اليهودي الخرافي، وكان يغذيها وقود الخرافة والعلوم الكهنوتية الفارسية القديمة كالسحر والتنجيم، وتم صب هذه العلوم الخرافية في قوالب فلسفية تمت إحاطتها بالعصمة عن طريق نسبتها إلى هرمس "المثلث بالحكمة والنبوة والملك" (1). فظهر بعد ذلك ما عرف بالفكر الهرمسي الذي اتخذ من حرّان بالشام مركزاً له، ومن هذه المدينة ظهر ابن تيمية الذي أحيا الكثير من تلك الأفكار الهرمسية كما سيأتي بيانه.
كما أن الأمويون قاموا بحركة نشطة تمثلت في ترجمة كتب ثقافات وآراء ومناهج الأمم المنحرفة، وابتدأ تلك الحركة خالد بن يزيد بن معاوية (2)، وقاموا بفتح مدارس لأبناء المسلمين كي يتعلموا تلك الكتب والمناهج، مما حدى بالسيريانيين إلى ترجمة كتب الإلهيات اليونانية وبثها بين المسلمين، وكان على رأس هؤلاء يعقوب الرهاوي الذي أفتى لرجال الدين النصارى بجواز تعليم الفلسفة لأبناء المسلمين في العهد الأموي، ولا يمكن تجاهل دور حنين بن إسحاق وابنه إسحاق وابن أخته حبيش في تلك الترجمة في العهد العباسي (3).
واستطاع اليهود –خاصة في العهد الأموي- أن يبثوا الكثير من أفكار بني إسرائيل بين المسلمين، فلهذا اصطلح العلماء والمحققون على تسمية رواياتهم وأخبارهم "الإسرائيليات" وذلك تميزاً لها عن غيرها، لكثرتها وخطورة محتواها، وعلى رأس هؤلاء كعب الأحبار من علماء يهود حمير باليمن، والذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب. انبهر بعض الصحابة فصاروا
__________
(1) البعض يرى أن هرمس هو إله يوناني، وآخرون يرون أنه الإله الفرعوني "طوط"، وفلاسفة العرب يرون أنه النبي إدريس عليه السلام، ولمعرفة المزيد عن الهرمسية، راجع "تكوين العقل العربي" لمحمد عابد الجابري، الفصلين الثامن والتاسع.
(2) ابن النديم "الفهرست" ص300، طبع دار المعرفة، بيروت، ط2 سنة 1417هـ
(3) أحمد أمين "فجر الإسلام" ص132. (1/11)
صفحة 12
يحدثون بما يرويه من عجائب وغرائب كتب اليهود (1)، خاصة عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود (2). بيد أن بعض الصحابة لم يطمئن له واتهمه بالكذب، حيث قال عنه معاوية: "كنا نبلو عليه الكذب" (3)، ويروي ابن حجر في "الإصابة" تكذيبه عن حذيفة. وكذا ابن عباس نسبه إلى الكذب (4)، وكذّبه أبو ذر في مجلس عثمان وضربه بين أذنيه وقال له: "يا ابن اليهودية" (5)، ومنعه عوف بن مالك من الرواية إلى أن سمح له معاوية بذلك.
ويروي البعض أنه لما أراد عمر بن الخطاب بناء المسجد الأقصى استشار الناس هل يجعله أمام الصخرة أم خلفها، فقال له كعب الأحبار: ابنه خلف الصخرة. فقال عمر: "يا ابن اليهودية، خالطتك يهوديتك، بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون"، وقد استبطن كعب اتهام عمر إياه حتى رئي اتصاله بالمتآمرين في اغتيال عمر مع سبق إنذار منه لعمر بأنه سيقتل، متظاهراً بالنقل عن كتب أهل الكتاب! (6)، ومع ذلك فقد استطاع كعب أن يجعل مطرِّف بن مالك يصلي والصخرة حائلة بينه وبين الكعبة! (7).
ويروى أن كعبا قال لأبي هريرة: "ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي؟ قال: أبو هريرة: بلى. قال كعب: لما رأى إبراهيم أن يذبح إسحاق قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عندها آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا" (8) ... إلى نهاية الرواية التي يخبر فيها كعب
__________
(1) يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ج3ص489 أن كعباً "جالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية".
(2) ابن كثير في مقدمة تفسيره ص13.
(3) البخاري7361.
(4) محمد بن زاهد الكوثري "مقالات الكوثري" ص128.
(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص68.
(6) محمد بن زاهد الكوثري "مقالات الكوثري" ص128، وقصة نصيحة كعب لعمر بالصلاة خلف الصخرة ذكرها ابن كثير في تفسيره ج3ص20. لقوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} الإسراء1.
(7) أقر بذلك الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ج3ص493.
(8) الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" برقم [4045]. والغريب أن الحاكم قال بعد هذه الرواية: "سياق هذا الحديث من كلام كعب الأحبار ولو ظهر فيه سند لحكمت بالصحة على شرط الشيخين فإن هذا إسناد صحيح لا غبار عليه"!!. (1/12)
صفحة 13
الأحبار أبا هريرة أن الذبيح المفدي بالكبش العظيم المذكور في القرآن هو إسحاق (عليه السلام) وليس إسماعيل (عليه السلام) جد الرسول محمد (صلى الله عليه و سلم)!.
وقد تأثر بكلام كعب هذا الكثير من الصحابة، حيث يقول ابن كثير: "وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سفيان عن العلاء بن حارثة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق. وهذه الأقوال والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر رضي الله عنه، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده، وقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس رضي الله عنهم ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي" (1).
ومما رواه كعب الأحبار من الأخبار الظاهرة البطلان هو ما رواه عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعب الأحبار حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن دواد نبي الله (عليه السلام) كان إذا انصرف من صلاته قال: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة" (2) ومعلوم أن دواد (عليه السلام) جاء بعد موسى (عليه السلام) بمئات السنين أي بعد نزول التوراة، فكيف يُذكر في التوراة؟!.
يهودي آخر نقل إلى المسلمين بعض مواريث اليهود العقدية هو وهب بن منبه الحميري اليمني الذي يقول فيه الذهبي: "وروايته للمسند قليلة، وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات ومن صحائف أهل الكتاب" (3)، روى أن الله خلق السماوات والأرض في سبعة أيام معارضاً للقرآن الكريم، فقد قال في تفسير قوله تعالى ؤ {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ
__________
(1) ابن كثير "تفسير القرآن العظيم" ج4ص19.
(2) النسائي في "السنن الصغرى" برقم (1346).
(3) الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ج4ص545. (1/13)
صفحة 14
وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} هود: 7 ما نصه: "إن العرش كان قبل أن يخلق الله السماوات والأرض، ثم قبض قبضة من صفاء الماء، ثم فتح القبضة فارتفع دخان، ثم قضاهن سبع سموات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت، ثم دحا الأرض منها، ثم خلق الأقوات في يومين، والسماوات في يومين، وخلق الأرض في يومين، ثم فرغ من آخر الخلق يوم السابع" (1).
فلا نستغرب إذن أن نجد نفس هذه الرواية في "صحيح مسلم" من طريق أبي هريرة مرفوعة للنبي (صلى الله عليه و سلم)! وقد علق ابن كثير على تلك الرواية قائلاً: "وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً وقد حرر ذلك البيهقي (2). وكلام كعب الأحبار لا شك أنه لن يختلف عن كلام وهب بن منبه فهما يوردان من نفس الثقافة.
وقال وهب بن منبه كذلك: "أن السماوات والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه عز وجل لعلى الكرسي، وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه" (3)
يقول حسن السقاف معلقاً على بث كعب الأحبار ووهب بن منبه لروايات التجسيم بين المسلمين: "فإذا كان ما خرجتما منه هو الدين الباطل المحرَّف وما دخلتما فيه هو الحق الصحيح المحفوظ، فالواجب عليكما الذي يقتضيه إسلامكما هو الإعراض عن أفكار وكتب ونصوص الدين القديم والإقبال على نصوص دين الحق الجديد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ... فبدل أن يقول كعب الأحبار: قال الله تعالى في القرآن الكريم نراه يقول: قرأت في
__________
(1) الطبري ذلك في تفسيره ج12ص5.
(2) ابن كثير في تفسيره ج1 ص88 - 89.
(3) تاريخ الطبري ج1ص41، عبد الله بن أحمد بن حنبل "السنة" ج2ص477. وهذه العقيدة كما سترى هي نفس عقيدة مدرسة التجسيم!. (1/14)
صفحة 15
التوراة كذا وكذا. ونراه يفسر القرآن بأفكار إسرائيلية (أي يهودية) يردها كثير من أهل العلم" (1)
يهودي آخر بث في المسلمين بعض أوزار بني إسرائيل هو نوف البكالي الذي قال أن موسى المقصود في سورة الكهف بقوله تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} الكهف60، ليس هو النبي موسى (عليه السلام) بل رجل آخر. وردّ عليه وحين سأل سعيد بن جبير عبد الله بن عباس قائلاً: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر. فرد ابن عباس قائلاً: "كذب عدو الله" (2)
يهودي آخر دخل الإسلام محملاً بتراث اليهود الفكري هو عبد الله بن سلام الذي نُسب إليه أنه فسر قوله تعالى {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} الإسراء79 بقوله: "إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم (صلى الله عليه و سلم) فأقعد بين يدي الله على كرسيه" (3)!.
يقول حسن السقاف: "وهذا من جملة الإسرائيليات التي نقلها ابن سلام، وحاول أن يغرسها في الأمة الإسلامية، وكلامه هذا هو أصل حديث الشفاعة الطويل وحديث الرؤية الطويل الذي فيه ذكر الصراط وغيره، والذي حكمنا بشذوذه وردّه في غير ما كتاب من كتبنا، وهذا الأثر يثبت لنا أن هذه الأفكار مأخوذة من الإسرائيليات، وعبدالله بن سلام من أكابر أحبار اليهود وعلمائهم قبل أن يسلم، وعنه وعن مثله انتقلت هذه الأفكار الخبيثة التجسيمية إلى الأمة، وثبوت هذا عن عبد الله بن سلام يفيدنا أنّ هذه العقائد والتصورات والأفكار مصدرها يهودي وليس إسلامياً أبداً. (4)
__________
(1) حسن السقاف في مقدمة تحقيقه لكتاب "العلو" للذهبي ص20.
(2) البخاري 122.
(3) الحاكم في المستدرك 4/ 568، ابن أبي عاصم في سنته 786، الخلال في سنته في مواضع كثيرة ص209 - 260، والذهبي في "العلو" 191.
(4) حسن السقاف في تعليقه على كتاب "العلو" للذهبي ص307. (1/15)
صفحة 16
وقد وضعت روايات في فضائل هؤلاء، من ذلك ما روي أن سعد بن أبي وقاص قال في عبد الله بن سلام: "ما سمعت النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبدالله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الأحقاف10" (1). علماً بأن الآية مكية وابن سلام أسلم في المدينة!، وقد ذكر الطبري في تفسيره للآية أن مسروق قال: "والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما أنزلت إلا في مكة، وما أسلم عبد الله إلا في المدينة". كذلك وضِعَت روايات في مدح وهب بن منبه، وادّعوا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "سيكون في أمتي رجل يقال له وهب يهب الله له الحكمة" (2).
وقد يتساءل البعض عن سبب عدم وجود الكثير من النصوص الإسرائيلية المروية في كتب الحديث في المصادر الإسرائيلية "التوراة والإنجيل"!، وقد يكون سبب ذلك أن اليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية ليسوا من الراسخين في العلم في دياناتهم، وأن ما يرونه ليس نصاً خالصاً من كتبهم وإنما هو مزيج من تلك النوصو مضاف إليه تفسير هؤلاء لتلك النصوص، خاصة وأن تفسيرهم يعتمد علي خلفيتهم المعرفية التي لا شك أنها تأثرت بالكثير من الأفكار الخرافية والوثنية المنتشرة في البيئة المحيطة بهم، ومما يعزز هذا الإحتمال هو عدم وجود نصوص توراتية او إنجيلية مترجمة إلى اللغة العربية، يقول أبو هريرة: "كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام" (3)
وتأثير العقائد الباطلة على الفكر الإسلامي بسبب حالة الهوان السياسي، والخواء الفكري التي مرت بها الأمة الإسلامية بعد عصر الصحابة لم يتوقف في عصر من العصور، فقد ذكر علي شريعتي -عالم الاجتماع الشيعي- كيف نقل النصارى إلى المسلمين بعض طقوسهم وعقائدهم، حيث يقول: "يقول قساوسة المسيحية إنهم يحملون قبساً من الروح أي الروح
__________
(1) البخاري 3812.
(2) ابن الجوزي "الموضوعات" ج1ص354.
(3) صحيح البخاري برقم 4485. (1/16)
صفحة 17
القدس، وهو أحد التجلّيات الثلاثة للإله، ومن هنا ينبغي أن يرجع الناس إليهم من أجل الاتصال بالله، وهم مكلّفون بنشر الروح التي يحملونها في العالم، ومن هنا يأتي لقب "روحاني"، الذي يلقبون به أنفسهم. وليس لهذا اللقب وجود في الإسلام لأنه لا وجود لهذه الطبقة، وهو موجود فقط عند الشيعة، وعلى الأخص شيعة إيران الذين يستخدمون روحاني (رجل الدين الشيعي من سلالة علي)، وروحانيات (هيئة رجال الدين من سلالة علي)، وأظن أنه استخدام جديد لأن هذا اللقب لا وجود له في نصوصنا الدينية القديمة، ولا شك عندي في أنه نقل عن المسيحية.
وأظن ذلك كان على أيدي الصفوية الذين اقتبسوا كل المراسم والشعائر والعلامات المذهبية من قبيل: التكية (إلى جوار المسجد) وهيئات دق على الصدور وقفل السلاسل حول الجسد بالأقفال وضرب الجسد بالسلاسل والضرب بالقمة (سيف قيصر) وحمل الجريدة (المترجم: شكل على هيئة صليب يحمل في المواكب المذهبية)، والعلم والعلامة والرسوم. وإقامة التمثيليات (تمثليات المعجزات والميستر، وإعادة المسيحيين آلام المسيح وصلبه عند ذكرى الجمعة الحزينة، وأناشيد تعذيب عيسى أو القداسات لا تزال موجودة إلى اليوم بنصها وفصها في مسرحيات اللورد). وذلك لكي ينفصل التشيع عن المذهب السني من كل نواحي المراسم والشعائر والمظهر والتمثيليات الدينية، ولا يحس الشيعي بأي وجه اشتراك مع المسلمين من غير الشيعة الذين كانوا في حالة حرب دائمة معهم، وكان قيام الصفوية في الأصل ضدهم. لكن لما لم يكن للتشيع قبل الصفوية أي مجال للمظاهر المذهبية الخاصة، وعلاوة على هذا كان السني والشيعي يكونان أمة واحدة ومجتمعاً واحداً ويشتركان معا في العقيدة والعمل والعبادة، ولا خلاف بينهما إلا في بعض مسائل ثانوية، إلا أنه بعد استقرار النظام الصفوي الذي كان عدوه الأصلي أهل السنة والنظام العثماني، بذلت جهود كثيرة لكي تنمحي الوجوه المشتركة التي تخفف من العداوة وتقوي الوحدة أو على الأقل تحد انتشار العدوة. وذلك بحيث يحس الشيعي أنه صاحب دين مختلف، ويحس السني أنه صاحب دين مختلف، ويحسان أنهما نقيضان. (1/17)
صفحة 18
وأحد هذه الجهود والبدع والابتكارات الجديدة في الشعائر الدينية والرموز والعلامات الخاصة التي لا سابقة دينية لها، وكانوا مضطرين لهذا الأمر إلى التقليد والاقتباس من العادات والمراسم الخاصة الدينية لأوربا الشرقية، وكان الصفويون على صلة قريبة منهم ومصالح مشتركة وصداقة حميمة وتكتل ضد العثمانيين. وكان عندهم وزير خاص بأمور أناشيد الروضة كان من مهامه تقليد (الفنون الدينية) من أوربا واقتباسها، انظروا إلى الستائر السوداء المفتوحة التي تكتب حواشيها أشعار محتشم، تقليد كامل لطراز ستائر الكنيسة.
وتصوير الشخصيات الدينية مثل الرسول والأئمة وهو في الإسلام مكروه موجود دون زيادة أو نقصان، حتى ما يسمى بالجريدة هي تماما الصليب المقدس، ولم يطرأ على شكله أي تغيير أو تبديل. وهذه الجريدة تحملها جماعات الدق على الصدور دون أن يكون لها أي دور أو معنى أو تبرير (وحتى حملة الجريدة لا يعلمون هم أنفسهم ماذا تكون هذه ومن أجل أي شيء في الأصل)، وفي نفس الوقت يهتمون بها جداً ويتعصبون لها، وحيثية كل جماعة واحترامها مرهونان بثقل جريدتها وزينتها وتعقيدها وارتفاع ثمنها.
وحملة الجريدة لهم ألقاب وشخصيات متميزة خاصة، ولأنهم يقومون بهذه الرسالة الدينية العظيمة التي لا تتأتى من كل انسان توجد لهم (مجوزات لا تجوز لغيرهم)، حتى كيفية حمل الجريدة لم يغير أدنى تغيير، وأظن كلمة جريدة ليست فارسية أو عربية بل هي تلفظ فارسي أو معرب للصليب في اللاتينية. ليس لدينا روحاني في الإسلام، لدينا علماء، وعلاقتهم بالناس هي العلاقة بين العالم والعامي وبين المتخصص وغير المتخصص، لا بين المقدس وغير المقدس وحامل البركة وفاقدها والروحاني والمادي والمراد والمريد" (1).
وبجانب التمازج الطبيعي والتلقائي للثقافات المختلفة مع الإسلام والتي أدت إلى ظهور أفكار وعقائد غريبة عن الإسلام الصحيح، كان هناك عامل آخر ساهم في تشويه الثقافة الإسلامية، وهو التآمر من قبل أعداء الإسلام، فبعد فشل الهجمة العسكرية الشرسة التي قادها وثنيو جزيرة العرب، نحت تلك القوى منحى الحرب الثقافية من أجل تشويه الفكر الإسلامي.
__________
(1) علي شريعتي "العودة إلى الذات" هامش الصفحات358 - 359. (1/18)
صفحة 19
سلك هؤلاء طريقة سهلة لبث فكرهم المنحرف بين المسلمين وذلك عن طريق الاندساس في وسط المجتمع المسلم والتظاهر بصورة الإسلام، والقرآن الكريم يسجل لنا بدايات هذه المرحلة في قوله تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آل عمران72.
وهذه الحقيقة التاريخية التي يسجلها القرآن الكريم يؤكدها ما روي أن عبد الله بن مسعود مر بشيخ يحدث عن التوراة، فلما رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبم يحدثكم صاحبكم، فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس (1).
وقد أحيطت العملية برمتها بسياج العصمة عن طريق اختلاق الروايات وتعليبها، ونسبتها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) والتي تدعو المسلمين إلى المطالعة والبحث في كتب تلك الملل. ومن تلك الروايات ما جاء من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص منسوباً إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (2). ورواية أخرى من طريق أبي هريرة منسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) وفيها "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" (3).
وهذا الموقف الغامض المتأرجح بين عدم التصديق وعدم التكذيب يخالف أمر الله تعالى بتكذيبهم حين قال: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران78. ولا يعقل أن يدعونا الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى التحديث عنهم بعد أن أخبرنا
__________
(1) الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب البصري رقم (879).
(2) البخاري3461.
(3) البخاري7362. (1/19)
صفحة 20
القرآن الكريم أنهم يكذبون، فلا يعقل أن يخالف نبي الله ربه، ومعارضة هذه الرواية لنص الكتاب العزيز كافية لردها.
وكيف نقبل ما عندهم والله تعالى يخبرنا عن مدى حقدهم على عقيدتنا حين يقول: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} البقرة: 75 - 76.
ويقول عز وجل: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة:105. ويقول: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} البقرة: 109.
ويقول تعالى: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} آل عمران 69. ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} آل عمران:100.
لقد علّبت أيادي أعداء الإسلام تلك الروايات لحث المسلمين على التحايل على أوامر الله، ودفعهم إلى مطالعة تلك الكتب المسمومة، وللأسف انجرف في هذا التيار مجموعة من المسلمين، وكان على رأس هؤلاء جماعة من الصحابة مثل أبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص، وربما كان هذا الإنجراف من الصحابة سببه بساطة العربي وعذرية فطرته التي لم تدنسها الموروثات الدينية المنحرفة لأهل الملل المنحرفة، فقد كانت الوثنية طارئة على قلبه وليست متجذرة كتجذرها في قلوب أهل الكتاب، وحين رأوا ذلك الموروث الهائل المليء بالعجائب والأساطير انبهروا به، وقاموا بنقله إلى المسلمين. (1/20)
صفحة 21
يقول الذهبي: أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان قد أدمن النظر في كتب بني إسرائيل، واعتنى بذلك (1)، ويقول ابن كثير: أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما (2).
أما أبو هريرة فقد قيل: إنه كان يحدث عن كعب الأحبار حتى قال عنه كعب: "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة" (3)، ويقال إنه كان يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أن الرواة كانوا يخلطون بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (4).
وحين تبين خطر هؤلاء الكتابيين لبعض الصحابة توقفوا عن الأخذ منهم وبدأوا يحذرون الناس من شرهم، فعبدالله بن عباس الذي عرف عنه مجالسة أولئك الكتابيين ثار عليهم بعد ذلك وقال معاتباً غيره: "يا معشر المسملين، كيف تسألون أهل الكتاب؟ وكتابكم الذي أنزل على نبيه (صلى الله عليه و سلم) أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: {هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً} البقرة79، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسائلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم" (5).
لكن المشكلة حدثت في تبني بعض الفرق الإسلامية لفكر منحرف تشكل من امتزاج الموروث الديني القديم لأهل الملل السابقة، وصار يقدَّم على أنه الممثل الرسمي للإسلام، وما
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج3ص81.
(2) ابن كثير في مقدمة تفسيره "تفسير القرآن العظيم" ج1 ص13
(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص600.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص606.
(5) البخاري2685. (1/21)
صفحة 22
عداه من أفكار نابعة من صميم العقيدة الإسلامية يعتبر كفراً وزندقة!. هذا الفكر لم ينحصر دوره في بناء التركيب العقدي لتلك الفرق بل تجاوزه إلى التدخل في البناء الفقهي ومنظومة أحكام الشريعة الإسلامية وتناغمها مع الواقع، مما أفرز منهجاً نصوصياً جزئياً يختزل التغير البشري المطرد وتفاعله المتجدد مع الكون والحياة في أطنان الموروث الروائي الذي حصدته العقلية الجمعية لرواة أهل الحديث.
وسوف نحاول في الفصول القادمة استكشاف هذا الفكر، وسبر أسباب ظهوره، ودراسة منهج القائمين عليه.
زكريا المحرّمي (1/22)
صفحة 23
تاريخ الرواية
السنة النبوية تشكل مصدر التشريع الثاني المكمل للقرآن الكريم، فهي بيان لما في الكتاب العزيز من شرائع وتعليمات يقول تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44، وقد اهتمت جميع طوائف الأمة وفرقها باتباع السنة والحفاظ عليها، بيد أنه ونتيجة لتفاوت المدارك العقلية لمنظري كل فريق، ونتيجة للدور الجبروتي الطاغي للسلطة الحاكمة اختلفت الأمة في تحديد مفهوم السنة وطريقة التعامل معها، فبعد أن كانت السنة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام تمثل المنهاج والطريقة العملية التي مارسها الرسول (صلى الله عليه و سلم) لشرائع الدين وشعائره، انحرف هذا المفهوم وتوسع وتمدد ليشمل كل ما أثر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) من قول أو فعل أو تقرير، وهذا المفهوم للسنة يتجاهل العوامل الزمانية والمكانية للحظة النص الأصلية أي اللحظة التي قال فيها النبي (صلى الله عليه و سلم) ذلك القول وفعل ذلك الفعل وأقر ذلك التقرير، فهل كان هذا الفعل أو القول أو التقرير:
1. حكماً شرعياً ملزماً للأمة جمعاء كما هو الحال مع تبيين شرائع الدين وقوانينه التي جاءت مجملة في الكتاب العزيز والتي أمر الله عز وجل الأمة باتباعها كما في قوله عز وجل {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7، مع التأكيد على أن ما أتانا به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الوحي {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 4، والوحي يشمل القرآن الكريم "الذكر" والسنة "البيان" لما في القرآن.
2. أم كان اجتهاداً من النبي (صلى الله عليه و سلم) بمعزل عن الوحي لنازلة لها حيثياتها الزمانية والمكانية قد يصيب فيه الحق المطلق أو لا يصيب الحق الذي يليق بمقامه كما هو الحال في مسألة التعامل مع أسرى بدر التي أكدّها قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ (1/23)
صفحة 24
سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الأنفال: 66 - 67، والتي يعلق عليها محمد رشيد رضا بقوله: "أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده، ولكن الله تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد. ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله بن أم مكتوم (رض) حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته، فعاتبه الله تعالى على ذلك بقوله {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأعْمَى} عبس: 1" (1).
3. أم كان فعلاً يدخل في إطار الطبيعة البشرية للنبي (صلى الله عليه و سلم) {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} الكهف: 110، كما هو الحال مع ارتياده للأسواق ولبسه لباس أهل زمانه، وركوبه وسائل مواصلاتهم، واستخدامه آلاتهم الحرفية والحربية، واستعانته بأدويتهم واطبائهم.
ونتيجة لاتساع مفهوم السنة، الذي واكب التغيرات السياسية التي حدثت في الأمة حيث المذاهب الفقهية تتفاصل والفرق الكلامية تتجادل والقوى السياسية تتناحر، بدأ بعض المسلمين بشكل عفوي بتدوين السنة ليتم حفظها من العبث، لكن تأثير تلك الحروب السياسية والكلامية والفقهية ألقى بظلاله على عملية التدوين، حيث كانت كل فرقة تطلب النص الذي يؤيد موقفها ضد الآخر، فتضخمت بذلك نصوص السنة تضخماً رهيباً كان للسلطة فيه الدور الأكبر، وكان وراء عملية التضخيم هذه مجموعة من الرواة العوام الذين لم يتمرسوا الفقه ومبادئه قاموا بجمع الروايات وحشوها في مصنفات ضخمة فعرفوا بالحشوية (2)، ونتيجة لافراطهم في جمع وتخييش الروايات تعارف الناس على تسميتهم بـ "أهل الحديث"، ولما في هذا المصطلح من جاذبية في نفوس البسطاء والعوام استطاع هؤلاء
__________
(1) محمد رشيد رضا "تفسير المنار" ج10ص81.
(2) قال الفراهيدي في "العين" ج1ص388: "الحشو من الناس: من لا يعتد به"اهـ (1/24)
صفحة 25
استغلال الظروف الموضوعية السياسية والفكرية لتثبيت مناهجهم وترسيخ أفكارهم، واعتبروا أنفسهم الممثل الوحيد للسنة النبوية وأن مخالفيهم أهل بدعة وضلال!.
ولتأكيد قدسية فكر أهل الحديث بين عوام الامة صوّر هؤلاء لأتباعهم أن السنة أفضل من القرآن الكريم، لأن القرآن في نظرهم محتاج للسنة، والسنة مستقلة غير محتاجة للقرآن الكريم، فقد قال البربهاري: "إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن" (1). مع أن هذه الدعوى ينقضها العقل والنقل فحجية السنة كما قال الإمام الشاطبي تأتي في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم (2)، فالكتاب مقطوع بثبوته إجمالاً وتفصيلاً لوصوله إلينا بالتواتر، ولم تختلف الأمة بجميع طوائفها عليه، بينما السنة مقطوع بثبوتها إجمالاً، ولكنها مظنونة الثبوت تفصيلاً لأن معظم الروايات أحادية، والآحاد ظني الثبوت. (3) كما أن حجية السنة تنبع أساساً من أمر الله لرسوله (صلى الله عليه و سلم) بتبيين أحكام القرآن للناس {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44، ولا يمكن أن يكون الشرح أفضل من المشروح، لأنه لو عُدم الشرح لم يتأثر المشروح بينما لو عُدم المشروح لم يكن للشرح فائدة (4).
إذا السنّة في جوهرها هي شرح لمجمل القرآن، بمعنى آخر هي الجزئيات العملية للأحكام المجملة في كتاب الله العزيز والتي أُمرَ الرسول (صلى الله عليه و سلم) بتوضيحها للأمه، وهذه السنّة العملية اتفقت الأمة على الكثير منها، وهو ما تناقلته بالتواتر كعدد ركعات الصلاة، وقيمة الزكاة، وشعائر الحج كالوقوف في عرفة، ثم المبيت في مزدلفة، ورمي الجمرات، والرجم والاختتان وغيرها. أما أطنان الروايات الآحادية التي يفرضها علينا أهل الحديث على أنها السنة المقصودة بالحجية والاتّباع، فلا يمكن قبولها إلا وفق نظام صارم من التحقيق والتدقيق، ينبع من الرغبة في تنزيه الشريعة من الدخيل عليها.
__________
(1) حسن البربهاري "شرح السنة" ص89.
(2) الشاطبي "الموافقات" القسم الرابع ص5.
(3) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص18.
(4) الشاطبي "الموافقات" القسم الرابع ص6. (1/25)
صفحة 26
وهذه النتجية نفسها يلخصها عبد الله بن محمد بن بركة (ت 362هـ) بقوله: "والسنة على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها. فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب" (1).
عودة إلى القائمة
موقف الرسول (صلى الله عليه و سلم) والصحابة من الروايات الآحادية:
لو كانت كل تلك الأطنان من الروايات الآحادية التي كدّسها لنا أهل الحديث تمثل جوهر الإسلام –كما هوالحال مع القرآن الكريم والسنة العملية- لجعل لها رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كتّاباً يدونونها، ووضع لها طريقة مناسبة للجمع كما هو الحال مع عملية تدوين القرآن الكريم وجمعه، ولو كانت كل تلك الروايات الآحادية من بين الأشياء التي يجب عليه تبليغها لاجتهد (صلى الله عليه و سلم) في حفظها، ولحدّد لها المنهج المناسب في عملية النقل والتبليغ حتى لا يسمح للروايات الموضوعة والضعيفة بالولوج إليها، وهذه الضوابط التي يفترض بالرسول (صلى الله عليه و سلم) أن يفعلها ناتجة من أمر الله تعالى له بتبليغ الأمة أولها وآخرها بالأحكام التفصيلية للدين الإسلامي، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة67.
بيد أن الحقيقة التاريخية تؤكد عكس ذلك تماماً، فقد استفاضت الأخبار عن منع الرسول (صلى الله عليه و سلم) من كتابة بعض الروايات (2)، وجاء عنه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" (3)، وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "جهدنا بالنبي
__________
(1) عبد الله بن محمد بن بركة "الجامع" ج1ص280.
(2) نقل شعيب الأرنؤوط في تعليقه على "سير أعلام النبلاء" للذهبي ج3ص81 قول ابن القيم في "تهذيب السنن" 5/ 245 ما نصه: " قد صح عن النبي (صلى الله عليه و سلم) النهي عن الكتابة"اهـ.
(3) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم [7510] 72 - (3004)، وأحمد 1/ 171. (1/26)
صفحة 27
(صلى الله عليه و سلم) أن يأذن لنا في الكتاب فأبى" (1) , وعنه أيضاً أنه قال: "ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن" (2)، وقال أبو هريرة: "خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله!، أتدرون. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى" (3).
واستمر هذا الموقف المعارض من تدوين الروايات والأخبار إلى عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه جمع الناس فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس من بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه".أ (4) ما عمر بن الخطاب فقد جاء أنه طفق يستخير الله شهراً، ثم قال: "إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً" (5)، ثم كتب في الأمصار "من كان عنده شيء من الروايات فليمحه" (6)، وروى عنه أنه أحرق مجموعة من الروايات وقال: "مثناة كمثناة أهل الكتاب" (7). وكان من شدة احتياطه في منع كتابة الروايات الآحادية يخرج مع رسله إلى الآفاق ويسير معهم في الطريق ليقول لهم: "إنكم تاتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأنا شريككم" (8). بل قد وصل به الاحتياط في منع الحديث إلى درجة حبس مجموعة من كبار الصحابة لإكثارهم من التحديث
__________
(1) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص21 - 33.
(2) أبو داود 3648، وابن أبي شيبة في "المصنف" برقم 2991.
(3) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص34.
(4) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص3.
(5) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص49.
(6) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج1ص206
(7) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج5ص140
(8) الخطيب البغداي "شرف أصحاب الحديث" ص87. (1/27)
صفحة 28
فقد روي أنه بعث إلى عبد الله بن مسعود وإبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال لهم: "ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)؟ "، فحبسهم! بالمدينة حتى استشهد (1).
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه أحرق صحيفة بها بعض الأحاديث ثم قال: "اذكر الله رجلاً يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون" (2)، وأراد معاوية أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: "إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه" (3).
وتعلل أهل الحديث بأن هذا المنع منسوخ بما رووه من أن رجلاً من أهل اليمن قال: "اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): اكتبوا لأبي شاه. فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (4).
بيد أن هذا الإحتجاج ينقضه سياق الرواية نفسها، فكما هو واضح من الرواية أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) إنما سمح للرجل بكتابة خطبة الوداع لأنها تمثل مجموعة من أحكام الشرع التفصيلية "السنة العملية"، وقد سمعها عشرات الآلاف من الصحابة، وكتبت في حضور الرسول (صلى الله عليه و سلم) وتحت إشرافه، وموضع الخطبة شائع، وحضره جمع غفير فيستحيل تحريف حرف منه، فهي بذلك تجري مجرى السنة المتواترة التي أطبقت عليها الأمة، ومنع الرسول (صلى الله عليه و سلم) كان للروايات الآحادية، ونفس هذا التحليل يجري على أحكام الصدقات والديات والفرائض التي كتبت في حديث عمر بن حزم، ولو كان هذا إذناً بكتابة الروايات الآحادية لما ثبت عن الصحابة منع كتابة مثل تلك الروايات، ولما استدل أبى سعيد الخدري بالمنع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، ولما منع زيد بن ثابت معاوية من الكتابة.
__________
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص87.
(2) ابن عبد البر "جامع بيان العلم وفضله" ص92.
(3) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص35، أبو داود3647.
(4) البخاري 2434. (1/28)
صفحة 29
وقال أهل الحديث للإجابة عن منع النبي (صلى الله عليه و سلم) وصحابته للرواية بقولهم إن المنع كان ضرورياً في بداية الأمر لكي لا يختلط الحديث بالقرآن!، وهذا احتجاج واهٍ لأن العرب معروفون بالفصاحة وشدة الحفظ فلا يمكن أن يختلط عليهم القرآن بغيره، خاصة وأن القرآن معجز في ألفاظه وتركيبه، ولا يمكن أن يختلط به غيره (1).
والظاهر أن المنع من الرواية كان القصد منه عدم الخلط بين الجانب التشريعي للسنة الذي تواتر عملياً عند الأمة، وبين الجانب البشري أو التشريعي الغير الملزم كاجتهادت النبي (صلى الله عليه و سلم) في القضايا اليومية ذات الصبغة المحلية المأطرة في حدود الزمان والمكان، خاصة وأنها حوادث لم يشهدها إلا فرد أو أفراد قليلون من الصحابة وهم غير معصومين من الخطأ والنسيان والرواية بالمعنى مع اختلاف ملاكتهم العقلية، بالإضافة إلى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أراد الإبقاء على دائرة الإلزام في أضيق الحدود، وأراد الإبقاء على دائرة الإباحة واسعة كما قررها منهج القرآن الكريم، بينما ستحمل الروايات الآحادية مضامين إلزامية مع مرور الزمن لاختلاطها بالتشريع الملزم.
الانفلات الروائي:
إن القراءة السابقة لعملية التدوين الأولى للروايات والموقف منها نستخلص منه أن عملية تدوين الروايات الآحادية لاقت سداً منيعاً من الرسول (صلى الله عليه و سلم) وصاحبيه أبي بكر وعمر، فماذا حدث بعد ذلك؟
في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومع بداية تفجر الفتنة بين الصحابة وما تبعها من اغتيال الخليفة، حدث انفلات روائي رهيب أذكى جذوته انبهار الصحابة بما يرويه كعب الأخبار وغيره ممن طالع كتب أهل الكتاب، وكان للعوامل السياسية المتفجرة دورها في إذكاء نار الانفلات الروائي، فقد كانت هناك مراجعات كثيرة بين الخليفة ومنتقديه، واحتاج الأمر إلى التذكير بسيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) وسيرة الشيخين من بعده (2).
__________
(1) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص244.
(2) لمراجعة قضية مناقشات عثمان والصحابة، راجع علي الحجري "الإباضية ومنهجية البحث" ص108 - 119. (1/29)
صفحة 30
بعكس عمر بن الخطاب الذي حظر على كعب الأحبار الرواية والتحديث، كان عثمان بن عفان يستمع لروايات كعب الأحبار ويستشيره في أمور الأمة، وقد أورد الذهبي في ترجمة أبي ذر الغفاري في "سير أعلام النبلاء" أكثر من رواية تؤكد على ثورة أبي ذر ضد آراء كعب الأحبار في مجلس الخليفة عثمان، ومنها أن أبا ذر دخل على عثمان وعنده كعب فأقبل عثمان على كعب، فقال: "يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه ويصل الرحم؟ قال كعب: إني لأرجو له. فغضب –أي أبو ذر- ورفع عليه العصا" (1).
ورُوي أن معاوية بن أبي سفيان اتهم كعباً بالكذب (2)، ولا يبعد أن يكون ذلك في عهد عثمان لأن كعب انتقل إلى الشام التي كان معاوية والياً عليها (3)، ولم يكن كعب ليحدّث بغرائبه في عهد عمر. وأبو هريرة نفسه يؤكد حقيقة بدأ الرواية في عهد ما بعد عمر بن الخطاب حيث يقول: "لو كنت أحدّث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته" (4)، ويقول أيضاً: "إني لأحدّث أحاديث لو كنت تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي" (5).
وبعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان فشا التحديث في جماعة معاوية إلى درجة أن علي بن أبي طالب اتهمهم بإفساد سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال عنهم في صفين: "قاتلهم الله أي عصابة بيضاء سودوا، وأي حديث من حديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أفسدوا" (6).
وحقيقة انتشار التحديث في حزب معاوية وشيعته يؤكدها ما ثبت عن معاوية أنه أراد أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: "إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه" (7).
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص67 - 68.
(2) البخاري 7361
(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج3ص490
(4) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص7، مصنف عبد الرزاق برقم20496.
(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص601.
(6) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص12
(7) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص35. (1/30)
صفحة 31
وقد وصل إفساد الأمويون في الحديث إلى درجة كبيرة دفعت ببعض الصحابة إلى الإعلان عن التوقف عن الرواية، فقد جاء عن عبد الله بن عباس–حزب علي- أنه قال: "إنا كنا نحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه" (1).
وقد بيّنا في مقدمة الكتاب دور السلطة الأموية في تشجيع رواية أحاديث التجسيم والإرجاء. يقول ابن عبد البر: "قال عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل أي الحديث أصح قال: حديث أهل الحجاز قيل له ثم من؟ قال: حديث أهل البصرة. قيل ثم من؟ قال: حديث أهل الكوفة، قالوا: فالشام؟ قال: فنفض يده" (2).
ويشير البعض إلى أن أبا هريرة وهو أكثر الناس رواية عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) حيث روى (5374) حديثاً (3) كان من شيعة معاوية، حيث كان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة (4). يقول سعيد بن المسيِّب: "كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، فإذا أمسك عنه تكلم" (5).
عودة إلى القائمة
أبو هريرة والإنفلات الروائي:
يقول أبو هريرة "ما أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني عنه، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب وكنت لا أكتب" (6).
بيد أن عبد الله بن عمرو بن العاص -وهو من شيعة معاوية أيضاً- قد روى (671) حديثاً فقط، وهي التي جمعها له أحمد بن حنبل في مسنده، وربما لو حذفنا المكرر منها لنقص
__________
(1) "صحيح مسلم" المقدمة [19] و [20] و [21]
(2) ابن عبد البر "التمهيد" ج1ص81.
(3) السيوطي "تدريب الرواي" ج2ص675.
(4) صحيح مسلم [5464] 48 - (2087)
(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص615.
(6) البخاري113، ولكن الثابت أن أبا هريرة روى أضعاف أضعاف روايات عبد الله بن عمرو!. (1/31)
صفحة 32
العدد إلى حدّ كبير، لكنه روى عن أهل الكتاب، وأدمن النظر في كتبهم، واعتنى بذلك (1)، وأصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما! (2).
أما أبو هريرة فقد كان يحدّث عن كعب الأحبار حتى قال عنه كعب "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة" (3)، وكان أبو هريرة يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أن الرواة كانوا يخلطون بين روايات كعب وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (4)، بينما نسبه آخرون إلى التدليس والخلط بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)!، فقد روي عن شعبة أنه قال: "أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما يسمعه من كعب وما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ولا يميز هذا من هذا". (5)
ويفسر البعض متابعة أبي هريرة لكعب الأحبار بأنه كان منبهراً بما عند كعب من عجائب الأخبار، ونودار الأساطير التلمودية، ويؤكد أبو هريرة نفسه على هذا الإجتهاد في طلب العلم من كعب الأحبار حيث يقول: "خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ". (6)
بيد أن هذا الثنائي الروائي "كعب وأبي هريرة" كان محل متابعة ومراقبة من قبل كثير من الصحابة، حتى وصل الأمر بعمر بن الخطاب أن هددهما بالطرد من المدينة، فقد قال عمر
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج3ص81.
(2) ابن كثير في مقدمة تفسيره "تفسير القرآن العظيم" ج1 ص13
(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص600.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص606.
(5) محمد بن محمد أبو شهبة "دفاع عن السنة" ص110.
(6) الربيع بن حبيب "المسند" 279، مالك243. (1/32)
صفحة 33
لأبي هريرة: "لتتركن الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة".
(1) ومن المستحيل أن يروي أبو هريرة كل تلك الروايات عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) وحده، وذلك لأسباب بدهية أهمها: أنه أسلم متأخراً في عام خيبر في السنة السابعة للهجرة، أي أنه لم يعاصر الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلا أربعة سنوات فقط –وربما أقل لأنه ابتعث إلى البحرين-، بينما عاشره بقية المهاجرين ثلاث وعشرون عاماً، كما أنه دخل الإسلام وهو كبيرٌ السن، فقد كان يبلغ من العمر أكثر من ثلاثين عاماً، ومعلوم أن ملكة الحفظ في هذا السن تكون قد وهنت وضعفت مقارنة مع حفظ صغار السن كما هو الحال مع عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين.
لقد كان أبو هريرة في واقع الأمر لا يحدث عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) فقط، بل كان يحدّث عن الصحابة ما سمعوه عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقد روى روايات مسندة عن أحداث وقعت قبل دخوله الإسلام، حيث روى أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لعمّه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" (2)، وأن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لقومه حين أنزل الله تعالى عليه قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214 "يا معشر قريش لا أغني عنكم من الله شيئاً" (3)، بدون ذكر الواسطة الذي أبلغه بتلك الأحداث، مما حدا بشعبة إلى اتهامه بالتدليس (4)، وقال شعبة: "حدّث أبو هريرة، فردّ عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام، حتى ارتجت الأبواب بينهما".
(5)
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص579 - 632، قال شعيب الأرنؤوط محقق الكتاب معلقاً على رواية تهديد عمر بطرد كعب وأبا هريرة ما نصه: "وهذا إسناد صحيح"اهـ.
(2) مسلم [134] 41 - (25).
(3) مسلم [501] 348 - (204)، والبخاري 2753.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص608.
(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص603. (1/33)
صفحة 34
يقول السرخسي: "واشتهر عن بعض الصحابة ومن بعدهم بمعارضة روايته بالقياس، فابن عباس عندما سمعه يروي "توضئوا مما مسته النار" (1)، قال: "أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه؟ أرأيت لو ادهن أهلك بدهن فادهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه؟ " ... ولما سمعه يروي "من حمل جنازة فليتوضأ" (2)، "قال: "أيلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة؟ " ... ولما سمعت عائشة أم المؤمنين أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا شر الثلاثة. قالت: "كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: 164؟ ... وروي أن عائشة قالت لابن أخيها ألا تعجب من كثرة رواية هذا الرجل ورسول الله (صلى الله عليه و سلم) حدث بأحاديث لو عدها عاد لأحصاها (3)!، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون" (4).
والعجيب أن تجد روايات مرفوعة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) من طريق أبي هريرة تصف الذي يحدث بكل ما يسمع أنه "كذّاب" حيث جاء فيها: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" (5)، ومع ذلك ترى روايات أبي هريرة من الغزارة والكثرة بحيث صارت كالسيل الهادر باعتراف أبي هريرة نفسه!، فقد قال مجيباً على تساؤل الصحابة حول كثرة روايته: "لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته" (6)، وقال مقراً باستغراب الناس من كثرة روايته: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن أخوتي من
__________
(1) مسلم [788] 90 - (351).
(2) أحمد 2/ 454
(3) صحيح مسلم [7509] 71 - (2493).
(4) أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي "المحرر في أصول الفقه" ج1ص255، وقال السرخسي معلقاً: فلما كان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا: ما وافق القياس من روايته فهو معمول به، وما خالف القياس فإن تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به، وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه.
(5) صحيح مسلم 7 و8 و9، وجاء في مقدمة صحيح مسلم [10] عن مالك قوله: "اعلم أنه ليس يسلم رجل حدّث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدث بكل ما سمع".
(6) الذهبي "تذكرة الحفاظ" في ترجمة عمر بن الخطاب ج1ص7. (1/34)
صفحة 35
المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، واحفظ إذا نسوا ... وقد قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في حديث يحدثه: "إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول" فبسطت نمرة عليّ حتى إذا قضى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت مقالة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) تلك من شيء" (1)، مما يوحي أن أبا هريرة لم يروي حديث ذم كثرة الرواية وإنما نُسب إليه، أو أنه كان لا يرى أن الرواية عن النبي (صلى الله عليه و سلم) تدخل ضمن إطار المنع من التحديث بكل شيء، وأنه لم يدرك أبعاد نهي النبي (صلى الله عليه و سلم) والخلفاء من بعده للرواية.
ونحن لا نشك في صفاء عقيدة أبي هريرة ولا في نقاء سريرته، ولكن رواياته عن أهل الكتاب جرّت بلاءً على الأمة، كما أن الوضاعين اتخذوا أبا هريرة تكئة لتعليب الروايات ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فكثرة روايات أبي هريرة خاصة في الغرائب والعجائب التي نقلها عن كعب الأحبار، تسهّل على هؤلاء وضع الأحاديث على لسان أبي هريرة ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) لدمغها بخاتم العصمة والإلزام.
عملية التدوين الرسمية للروايات:
رأينا سابقاً أن عملية رواية الحديث قد بدأت مبكراً في عهد الخلفاء الراشدين، إلا أن أبا بكر وعمر استطاعا تضييق الخناق عليها، وكثرت بعد ذلك في عهد عثمان بن عفان، وازدادت زيادة مهولة في العصر الأموي، إلا أن تلك العملية كانت مبعثرة وغير منظمة، وبدأت عملية التدوين الرسمية في عهد الدولة العباسية، في عهد أبي جعفر المنصور العباسي
__________
(1) البخاري2047، ومسلم [6397] 159 - (2492). وحديث ضم ثوب أبي هريرة بالروايات فلم ينس منها شيئاً هو حديث آحادي لا تثبت به معجزة، والواقع يخالفها، فكم من رواية ردها الصحابة لأن ابا هريرة لم يضبطها، وهذه الرواية من جنس الروايات العجيبة التي استنكرها الصحابة على أبي هريرة. وقد روى مسلم نفس هذه الرواية من طريق مالك بن أنس برقم [6398] وقال: "غير أن مالكاً انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة، ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي (صلى الله عليه و سلم): (من يبسط ثوبه) إلى آخره"!. (1/35)
صفحة 36
الذي أمر مالك بن أنس بتأليف كتابه "الموطأ" (1)، ثم ظهرت بعد ذلك كتب الحديث المدونة في كنف الدولة العباسية.
بيد أن الدولة الأموية كان لها قدم السبق في تسييس عملية الرواية وجعلها تتم في كنفها، فأول من قام بعملية جمع للروايات تحت عين السلطة الأموية هو الزهري الذي كان أحد علماء البلاط الأموي، حيث لزم عبد الملك بن مروان، ثم ولده الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد (2). وكانت علاقته بالسلطة الأموية محلّ نقد من بعض المحدّثين أنفسهم، فقد قال عنه مكحول: "أي رجل هو لولا أفسد نفسه بصحبة الملوك" (3). وقد كتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء يؤنبونه ويعيرونه بما فعل منهم التابعي الكبير جابر بن زيد (4) ,وصحبته للملوك دفعته إلى عيش حياة الترف، ومحاولة إخفاء خيوط الشيب، فقد كان يخضب لحيته بالسواد حتى أن مالك بن أنس انخدع به وظنه شاباً (5). ومع كل ذلك فقد كان مدلساً لم يلتق بالكثير من الصحابة الذين روى عنهم!، حتى قال يحيى بن سعيد القطان: "مرسل الزهري شر من مرسل غيره" (6)، وكان الشافعي يقول: "إرسال الزهري ليس بشيء، لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم (7)، وقد بينّا في مقدمة الكتاب دور السلطة الأموية في تجنيد المحدثين لترسيخ أفكارها وعقائدها!.
بالإضافة إلى ذلك كان الأمويون يقومون بإرهاب العلماء الذين يعارضون السلطة الأموية، ويرفضون الفكر الأموي المستورد من الديانات المحرفة، حيث قاموا بجلد ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس، وكان ذلك بسبب وشاية المحدّث أبي الزناد الذي وصفه
__________
(1) عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته على كتاب "موطأ مالك" ص12.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص331.
(3) الذهبي نفس المصدر ج5ص339.
(4) أبو يعقوب الورجلاني "الدليل والبرهان" ج1ص20.
(5) الذهبي نفس المصدر ج5ص344.
(6) الذهبي نفس المصدر ج5ص338.
(7) الذهبي نفس المصدر ج5ص339. (1/36)
صفحة 37
مالك بن أنس بالعمالة لبني أمية: "لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات" وقال: "وكان صاحب عمّال يتبعهم" (1).
ثم فشا التدوين في الطبقة التي تلي الزهري، فكان أول من جمع الروايات ابن جريج بمكة، وابن إسحاق ومالك بالمدينة، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري (2).
أما ابن جريج فقد اشتهر بالتدليس حتى قال عنه أحمد بن حنبل: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها. وقد تزوج سبعين امرأةً بالمتعة (3). ومحمد بن إسحاق المدني وهّاه كثيرون كالدارقطني والنسائي ويحيى بن سعيد القطان ومالك وغيرهم وحشا السيرة النبوية أشياء منكرة منقطعة وأشعاراً مكذوبة (4)، وصاحبا الصحيح لم يحتجا به، إنما استشهد مسلم به في أحاديث معدودة، ربما خمسة قد رواهن غيره، وذكره البخاري في الشواهد ذكراً من غير رواية (5).
أما مالك بن أنس فقد صنف كتابه "الموطأ" الذي تكلم فيه كثير من أهل الحديث لما حوى من أحاديث مرسلة ومنقطعة وبلاغات، وقد صنّفه ابن حزم ضمن الدرجة الثالثة من الكتب المقبولة في الحديث! مقدماً عليه كتب السنن والمسانيد (6)، وأشهر رواة "الموطأ" هو يحيى بن يحيى بن كثير، وقد شك في سماعه لبعض روايات الموطأ فرواه عن زياد بن عبد الله شبطون عن مالك. ويحيى بن يحيى هذا قال عنه ابن عبد البر: "لم يكن له بصر بالحديث، وأن
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج8ص103، العقيلي "الضعفاء" ج2ص251، راجع حسن السقاف في تعليقه على كتاب "العلّو" للذهبي ص381 - 382.
(2) معظم حسين في مقدمته على كتاب "معرفة علوم الحديث" للحاكم النيسابوري.
(3) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص659.
(4) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج3ص469 - 475.
(5) البيهقي "الأسماء والصفات" ص577.
(6) عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمة "موطأ مالك برواية محمد بن حسن الشيباني" ص14. (1/37)
صفحة 38
له وهماً وتصحيفاً في مواضع كثيرة من الموطأ" (1). والثاني هو محمد بن الحسن الشيباني ضعفه النسائي وغيره من جهة حفظه (2)، وقال عنه يحيى بن معين جهمي كذاب، وفي رواية: ضعيف، وقال عنه أسد بن عمرو أنه كذاب (3).
أما الربيع بن صبيح فقد ضعفه شعبة جداً، وقال عنه أبو الوليد أنه كان يدلس، ورفض يحيى بن معين الحديث عنه، وقال عفان: أن أحاديثه مقلوبة كلها. (4) أما سعيد بن أبي عروبة فهو قدري مدلس اختلط في آخره حتى يروى أنه يقول "مالك خازن النار من أيّ حيّ هو؟ " (5). أما حماد بن سلمة فله أوهام، احتج به مسلم في أحاديث معدودة في الأصول من طريق ثابت وتحايده البخاري (6)، ساء حفظه حين كبر وكان يحدث من كتابه وضاع كتابه فقام يحدث الناس من حفظه، انفرد بأحاديث منكرة في الصفات (7) من بينها "أن الله خلق ذاته من عرق الخيل" (8).
أما سفيان الثوري فكان لا ينتقي الرجال الذين يروي عنهم، وقال عنه ابن المبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحى وقال نرويه عنك! (9)، وقال عنه الخطيب البغدادي: "حب الإسناد وشهوة الراوية غلبا على قلبه، حتى كان يحدث عن الضعفاء، ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليساً للرواية عنه" (10).
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج11ص261.
(2) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص282، و "ميزان الاعتدال" ج3ص515.
(3) العقيلي "الضعفاء" ج4ص52 - 55.
(4) العقيلي "الضعفاء" ج2ص52، الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص41 - 42.
(5) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص151 - 153، العقيلي "الضعفاء" ج2ص111 - 115
(6) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص590 - 595،
(7) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج3ص11 - 14.
(8) أوردها من طريقه البيهقي "الأسماء والصفات" ج2ص529.
(9) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج4ص101 - 104.
(10) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص119. (1/38)
صفحة 39
أما الأوزاعي فقد قال عنه يحيى بن معين أنه في الزهري ليس بذاك، وقال أحمد بن حنبل إن حديثه ضعيف، وأنه يحتج في حديثه بمن لم يقف على حاله، وأنه يحتج بالمقاطيع (1).
أما هشيم فهو مدلس مشهور، فقد قال عنه أحمد بن حنبل أنه حدث عن جماعة لم يسمع منهم، وقال سفيان الثوري: هشيم لا تكتبوا عنه، وقال الهروي: إن هشيماً كتب عن الزهري نحواً من ثلاثمائة حديث، فكانت في صحيفة، فجاءت الريح فرمت الصحيفة، فنزلوا فلم يجدوها، وحفظ هشيم منها تسعة أحاديث فقط! (2)، وتغير بآخره، وقال عنه يحيى بن معين: لا يدري ما يخرج من رأسه (3). أما معمر بن راشد الأزدي فقد قال أبو حاتم إن في أحاديثه أغاليط، وقال يحيى بن معين: معمر عن ثابت: ضعيف (4)، وقال ابن معين: إذا حدثك عن العراقيين فخالفه (5).
أما جرير بن عبد الحميد فقد قال عنه أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي في الحديث، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول، وقال أبو حاتم: تغيّر قبل موته، وقال البيهقي في سننه: قد نسب آخر عمره إلى سوء الحفظ، وقال الشاذكوني: وكان جرير قد حدثنا عن "مغيرة عن إبراهيم" في طلاق الأخرس، ثم حثنا به "عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم"، قال: فبينا أنا عند ابن أخيه إذ رأيت على ظهر كتاب لابن أخيه: "عن ابن المبارك عن سفيان بالحديث"، وكان هذا حديثاً موضوعاً، فسألته، فقال: حدثنيه رجل خراساني عن ابن المبارك. فقلت له: قد حدثت به مرة عن مغيرة، ولست أراك تقف على شيء (6)، قال ابن حجر العسقلاني معلقاً على هذه القصة: "إن صحت رواية الشاذكوني فجرير كان يدلس" (7).
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج6ص215 - 218.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج4ص306 - 308.
(3) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج11ص53 - 56.
(4) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج4ص154.
(5) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج10ص219 - 221.
(6) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص394 - 396، العقيلي "الضعفاء" ج1ص200.
(7) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج2ص69. (1/39)
صفحة 40
الرواية مع أهل الحديث:
ثم ورث هذا الإرث كله أهل الحديث الذين استأثروا به لأنفسهم وحرّموا على كل من خالفهم الولوج في بحره، فقد قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (1)، وقال عبد الله بن المبارك: "بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد" (2). لقد أراد أهل الحديث أن يكونوا هم الورثة الوحيدين لتركة بني أمية الروائية، فقعّدوا القواعد ورسخوا البنيان لمنع تسلل أي أحد من غير هذه المنظومة إلى فنائها، فلهذا فمن النادر أن تجد راوياً من خارج منظومة أهل الحديث إلا والجرح قد سبقه!.
فها هو أحمد بن حنبل إمام هذه المدرسة بلا منازع يحرّم على أتباعه الأخذ من أصحاب أبي حنيفة حيث يقول عنهم: "أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء" (3)، ولما أخذ أحد أتباعه كتب أبي حنيفة هجره أحمد، وكتب إليه "إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك" (4)، بل قد وصل بهم الأمر إلى درجة تكفيره!، حيث قال أحدهم "اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة" وقال آخر: "ما ولد في الإسلام مولد أشأم عليه من أبي حنيفة" وقال غيره: "أبو حنيفة هذا، والله إني لأرجو أن يدخله الله عز وجل نار جهنم" (5).
ومع أن محمداً بن إدريس الشافعي كان المنظر الأساسي والمبلور الرئيسي للنظرة الجرئية النصوصية التي قام عليها فقه أهل الحديث إلا أن اعتماد الشافعي على آليات عقلية كالقياس، نفّرت منه كثير من أهل الحديث، فقد تحاشا البخاري ومسلم الرواية عنه , (6) ولم
__________
(1) مقدمة صحيح مسلم [27]، والترمذي في "العلل" الملحق بكتاب "سنن الترمذي" ص1072.
(2) مقدمة صحيح مسلم [32].
(3) العقيلي "كتاب الضعفاء الكبير" ج1ص23 في ترجمة أسد بن عمرو البجلي: (حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن أسد بن عمرو، صدوق؟ قال: .. )
(4) محمد بن عبد الوهاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" جمع عبد الرحمن بن محمد القحطاني ج1ص35
(5) عبد الله بن أحمد "كتاب السنة" ص148 - 223.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص5. (1/40)
صفحة 41
يرو عنه أبو داود إلا حديثاً واحداً (1)، وقال عنه ابن أبي حاتم: "كان الشافعي فقيهاً، ولم تكن له معرفة بالحديث" (2).
أما مالك بن أنس فمع انخراطه في سلك الرواية إلا أنه أصيب ببعض شرر أهل الحديث بسبب منهجه المتقدم في محاكمة الروايات الآحادية إلى السنة العملية الجارية عند أهل المدينة، وقد نقل أحمد بن حنبل أن ابن أبي ذئب كان يقول أن الإمام مالك يستحق القتل!، وقال: "كان يقول في مالك وفي تركه الحديث يرويه عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، وذكر له "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" وترك مالك الأخذ به، حتى يبلغ به، يعني يقتل" (3). وأحمد بن حنبل نفسه يصف مالك بن أنس بالتخليط!، فقد قال ابن أبي يعلى: "وذكر له ابن الشافعي عن الحديث الذي يرويه مالك عن النبي w وخالفه، فقال: هذا تخليط" (4). يقول النووي مبيناً سبب الفجوة بين الإمام مالك وبين أهل الحديث: "وأما قول مالك فهو اصطلاح له وحده منفرد به عن العلماء فلا يقبل قوله في رد السنن، لترك فقهاء المدينة العلم بها وكيف يصح هذا المذهب؟ مع العلم بأن الفقهاء ورواة الأخبار لم يكونوا في عصره، ولا في العصر الذي قبله منحصرين في المدينة، ولا في الحجاز، بل كانوا متفرقين في أقطار الأرض مع كل واحد قطعة من الأخبار لا يشاركه فيها أحد، فنقلها ووجب على كل مسلم قبولها، ومع هذا فالمسألة متصورة في أصول الفقه غنية عن الإطالة فيها هنا، هذا كله لو سلم أن فقهاء المدينة متفقون على عدم خيار المجلس، ولكن ليس هم متفقين، فهذا ابن أبي ذئب أحد أئمة فقهاء المدينة في زمن مالك أنكر على مالك في هذه المسألة وأغلظ في القول بعبارات مشهورة، حتى قال: يستتاب مالك من ذلك" (5).
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص5.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص261.
(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص292.
(4) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص292.
(5) النووي "المجموع" ج9ص177. (1/41)
صفحة 42
أما الإباضية وهم من المعارضين السياسيين لحكم بني أمية، فقد كان لهم أهل الحديث من أشد الأعداء، ويكفي الروايات التي حشيت بها كتب الحديث والتي تدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم ونسائهم!، فقد حشرهم البخاري في زمرة الملاحدة الذين يجوز قتلهم (1).
وقد نفر أهل الحديث من كل من شموا منه رائحة الفكر الإباضي حتى وصل بهم الأمر إلى ردّ روايات التابعي الكبير عكرمة مولى عبد الله بن عباس بسبب اتهامهم إياه بأنه يرى رأي الإباضية، علماً بأن عكرمة كان من أفضل التابعين، حيث يقول عنه ابن منده: "أما حال عكرمة في نفسه فقد عدّله أمة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة تكاد لا توجد منهم لكبير أحد من التابعين" (2). وينقل لنا الذهبي رأي أهل الحديث فيه قائلاً: "أحد أوعية العلم، تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج، ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وكان يرى رأي الإباضية ... عن عطاء بن أبي رباح أن عكرمة كان إباضياً" (3).
مثال آخر من أمثلة تجنّب أهل الحديث الرواية عن الإباضية وغيرهم ممن وصفته السلطة الأموية بصفة الخوارج!، هو عمران بن حطّان السدوسي إمام الصفرية (4) قال عنه الذهبي: "لا يتابع على حديثه قاله العقيلي قال وكان خارجيا" (5)!، علماً بأن الذهبي نفسه قال عنه في نفس الموضع ما نصه: "فإن عمران صدوق في نفسه، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال
__________
(1) البخاري "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم" انظر فتح الباري ج14ص286.
(2) ابن حجر العسقلاني "إرشاد الساري" ص597 - 602
(3) الذهبي "ميزان الإعتدال" ج3ص93 - 97. وقد خالف البخاري أهل الحديث، واحتج بعكرمة في أكثر من موضع، كما احتج به بعض أصحاب السنن.
(4) كان الصفرية يشتركون مع الإباضية في المعارضة السياسية والعسكرية مع السلطة الأموية إلا أنهم يصفون العاصي بالشرك "التكفير" بعكس الإباضية الذين يصفون العاصي بالفسق ولا يخرجونه من الملة. راجع محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج3ص417.
(5) الذهبي في "ميزان الاعتدال" ج3ص235. (1/42)
صفحة 43
أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج" (1)، وخالف البخاري مرة أخرى أهل الحديث فيه وروى عنه في صحيحه.
المثال الآخر على تجنّب المحدّثين للمنتسبين إلى فكر الإباضية هو الوليد بن كثير المخزومي الذي قال عنه الذهبي: "ثقة صدوق، حديثه في الصحاح ... قال ابن معين: ثقة" (2) إلا أنه هوجم من قبل أهل الحديث بسبب مذهبه! حيث ينقل الذهبي لنا موقف أهل الحديث من الوليد قائلاً: "قال أبو داود: ثقة إلا إنه إباضي، وقال ابن سعد: ليس بذلك" (3).
والعجب كل العجب من هؤلاء يقرّون بأن الإباضية هم أصحّ الناس حديثاً وأصدقهم إلا أنهم مع ذلك يتجنبون الرواية عنهم!.
ولم يكن الموقف من المعتزلة بأحسن حالاً فعمرو بن عبيد أبو عثمان البصري المعتزلي الذي قال عنه الذهبي: "مع زهده وتألهه ... وقد كان المنصور يخضع لزهد عمرو وعبادته ... كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن هو جماعة عنده" (4)، ومع كل هذا الزهد والعبادة في الرجل إلا أن أهل الحديث اختلقوا عليه الروايات للقدح في عدالته، حيث ينقل الذهبي موقف أهل الحديث من عمرو قائلاً: "ابن عون عن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من المصحف، فقلت: أما تتقي الله؟ قال: إني أبدّل مكانها خيراً منها ... سمعت سعد بن معاذ يصيح في مسجد البصرة يقول ليحيى القطان: أما تتقي الله؟ تروي عن عمرو بن عبيد! قد سمعته يقول: لو كانت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد: 1، في اللوح المحفوظ لم يكن لله على العباد حجة" (5).
__________
(1) الذهبي المصدر السابق، ونقل كلام أبي دواد الخطيبُ البغدادي في "الكفاية" ص130.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج4ص345.
(3) نفس المصدر السابق.
(4) الذهبي في "ميزان الاعتدال"ج3 ص273 - 280.
(5) نفس المصدر السابق. (1/43)
صفحة 44
وقد اعتبر أحد علماء المسلمين رد أهل الحديث لرواية عمرو بن عبيد بأنها "خيانة للسند. لأن الذي أوجب قبول خبر العدول يوجب قبول خبر هذا" (1).
أما واصل بن عطاء البصري إمام المعتزلة فقد كان أسوأ حظاً من صاحبه فقد نسبه أهل الحديث إلى الكفر، يقول الذهبي في ترجمته لواصل بن عطاء: "وقال أبو الفتح الأزدي: رجل سوء كافر" (2).
عودة إلى القائمة
التناقض في المواقف:
وأهل الحديث مع تجريحهم لثقات المسلمين من المذاهب المختلفة الحنفية والإباضية والمعتزلة، يوثقون الضعفاء والمتروكين إذا ما وافقوا هواهم!، فها هما أحمد بن حنبل وتلميذه أبو حاتم يوثقان رجلاً ضعيفاً لرضاهما عنه، يقول الذهبي في ترجمة عامر بن صالح بن عبد الله: "واه لعل ما روى أحمد بن حنبل عن أحد أوهى من هذا، ثم إنه سئل عنه فقال: ثقة، لم يكن يكذب. وقال الدارقطني: يترك، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: جنّ أحمد! يحدث عن عامر بن صالح! وقال ابن معين أيضاً: ليس بشيء، وروى أحمد بن محمد بن محرز، عن ابن معين، قال: كذاب خبيث عدو الله، فقلت لابن معين: أحمد يحدث عنه، فقال: هو يعلم أنا تركنا هذا الشيخ في حياته. قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً". (3)
وها هو الذهبي نفسه يقدح في بشر المريسي المعتزلي ويصفه بشرب النبيذ حيث قال عنه: "وكان جهمياً له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ" (4). بينما يتأول لأهل الحديث الذين يشربون النبيذ كما في ترجمة وكيع بن الجراح، حيث قال: "فرضي الله عن وكيع وأين مثل وكيع؟! ومع هذا فكان ملازماً لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه فكان متأولاً
__________
(1) انظر عبد الجود ياسين "السلطة في الإسلام" ص152.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج4ص329.
(3) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص360.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص201. (1/44)
صفحة 45
في شربه ... ولا يوبخ بما فعله باجتهاد" (1). بل أن ابن حنبل نفسه يوثق رجلاً سكيراً لأنه يوافقه في المذهب!، فحين سأل عن خلف بن هشام وقيل له: "يا أبا عبد الله إنه يشرب". قال: "قد انتهى إلينا علم هذا عنه، ولكن هو والله عندنا الثقة الأمين، شرب أو لم يشرب" (2).
ومن أفحش تعصبات أهل الحديث تعديلهم لحماد بن سلمة بن دينار البصري (ت 167هـ) الذي قال عنه أحمد بن حنبل: هو أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل. وقال عنه يحيى بن معين: هو أعلم الناس بثابت. وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأُول من حماد. وقال ابن حبان: ما أنصف من جانب حديث حماد. وقال وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا (3). وحماد هذا روى روايات منكرة شهد أئمة الحديث أنفسهم ببطلانها!، منها عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله مم خلق ربنا؟ فقال: "من ماء مرور، لا من أرض ولا من سماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق" (4). هذه الرواية الساقطة التي قال عنها الجوزقاني: "هذا الحديث كفر وزندقة ولا ينقاس". (5) حاول أهل الحديث تبرئة إمامهم حماد بن سلمة منها!، وادعوا بأن محمد بن شجاع الثلجي وضعه على حماد بن سلمة ليشين به أهل الحديث (6). ومحمد بن شجاع الثلجي (ت 266هـ) قال عنه ابن حجر: "قال ابن المنادي: كان يتفقه ويقرئ الناس القرآن، مات فجأة في ذي الحجة. وقال أبو بكر أحمد بن كامل القاضي: كان فقيه العراق في وقته ... وكان المتوكل هم بتوليته القضاء. فقيل له: هو من أصحاب بشر المريسي، فقال: نحن نعد في أصحاب بشر، فقطع الكتاب. قال المروزي وثنا أبو إسحاق الهاشمي سمعت الزيادي يقول: أشهدنا ابن الثلجي على
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج9ص143.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص145.
(3) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص590 - 592.
(4) البيهقي الأسماء والصفات ص، 529ابن الجوزي "الموضوعات" ج1ص64، أبو عبد الله الجوزقاني "الأباطيل والمناكير" ص49 - 50، برقم 52 و53.
(5) أبو عبد الله الجوزقاني "الأباطيل والمناكير" ص51.
(6) الجوزقاني "الأباطيل والمناكير" ص50، البيهقي الأسماء والصفات ص529، ابن الجوزي "الموضوعات" ج1ص64. (1/45)
صفحة 46
وصيته، وكان فيها: ولا يعطىمن ثلثي إلا من قال: القرآن مخلوق" (1). فهو إذا من علماء المعتزلة وفقهائهم، وكما هو معلوم أن المعتزلة يرون أن البهتان كبيرة تخلد صاحبها في النار، فمن المستبعد جداً أن يستحلّ الثلجي رواية هذا الكفر البواح والكذب على رسول الله (صلى الله عليه و سلم).
واتهام أهل الحديث للثلجي ناتج من بغضهم للمعتزلة الذين وقفوا في صف المأمون في محنة خلق القرآن التي راح ضحيتها الكثير من أئمة الحديث كنعيم بن حماد وأحمد بن نصر الخزاعي كما سيأتي بيانه. وقد نقل الذهبي عن الثلجي قوله: "حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي: قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث –يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطاناً خرج إليه من البحر، فألقاها إليه" (2). ومن الروايات المستنكرة التي رواها حماد بن سلمة، ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء" (3). وروى أيضاً أن عبد الله بن عباس قال: "أن محمداً رأى ربه، في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ، قدميه أو رجليه في خضرة" (4).
أهل الحديث يكفر بعضهم بعضاً:
مع إقرار أهل الحديث بأن البخاري ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبا خيثمة ومحمد بن سعد وابن أبي شيبة هم من كبار أئمة الحديث إلا أنهم انقلبوا عليهم، وطعنوا في دينهم، وتركوا الحديث عنهم بسبب موقفهم المخالف لعقيدة أهل الحديث.
فمحمد بن إسماعيل البخاري صاحب أصحّ كتب الحديث عند المحدثين (5): تركه أهل الحديث حين رفض الإقرار لهم بأن لفظ القرآن غير مخلوق!، وقعد وحيداً في منزله، فمرقوا عليه وقالوا له: "ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك" (6)، وقال فيه أحدهم: "ألا من
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج9ص189.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص593.
(3) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص593.
(4) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص593.
(5) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص23.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص454. (1/46)
صفحة 47
يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه ومن يقربه فلا يقربنا" (1)، وقال فيه أيضاً: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئاً بين المسلمين، ولم يدفن في مقابرهم، ومن وقف فقال لا أقول مخلوق مخلوق، فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه" (2). وقال فيه أيضاً: "قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية" (3). وتركه كذلك أبو حاتم وأبو زرعة الرازي بسبب موقفه من لفظ القرآن، يقول ابن أبي حاتم: "قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين وسمع منه أبي وأبو زرعة وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق" (4). وطرده أمير بخارى من بلاده لنفس السبب. (5)
وقد ذكر ابن الجوزي موقف أحمد بن حنبل وأتباعه من كبار أئمة المحدّثين الذين أقرّوا بخلق القرآن بعد أن هددهم الخليفة العباسي المأمون وناظرهم بالمعتزلة، ومن هؤلاء الأئمة: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد صاحب "الطبقات الكبرى"، وابن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو نصر التمار (6). وقد رفض أحمد بن حنبل الكتابة والتحديث عن أبي النصر التمار، كما أنه لم يصل عليه حين مات (7). أما أبو خيثمة فقد أغلق أحمد بن حنبل الباب في وجهه، وحين جاء يحيى بن معين يزوره في مرضه أعرض عنه، ولم
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص455.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص456.
(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص459. قال أحمد بن حنبل: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي كافر"اهـ. نقله ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص113.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص462.
(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص463.
(6) ابن الجوزي "مناقب أحمد بن حنبل" ص519، وذكر منهم ابن أبي شيبة ص525.
(7) ابن الجوزي "مناقب أحمد بن حنبل" ص519. (1/47)
صفحة 48
يكلمه حتى أنه لم يرد عليه السلام (1). وقال أحمد بن حنبل: "وما يدري يحيى بن معين؟ فكل شيء يعرفه يحيى اضرب عليه" (2). وقال الذهبي: "قال ابن المقري: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هانئ: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى! فقال: من جرّ ذيول الناس جرّوا ذيله ... وقد قال أحمد بن حنبل: أكره الكتابة عمن أجاب في المحنة كيحيى وأبي نصر التمار" (3).
أما علي بن المديني فكان أكثر من تضرر بشرر الحنابلة، فقد اتهمه أحمد بن حنبل بأنه يغير ألفاظ الروايات ليرضي السلطة (4)، وأنه يروي عن أحمد بن أبي دواد ويوهم الناس أنه يروي عن أحمد بن حنبل وذلك بقوله عن أبي عبد الله (5)، وأنه يجري ونعله في يده، وثيابه في فمه ليصلي خلف المعتزلة (6)، واعتبره العقيلي من الضعفاء! حيث قال عنه: "جنح إلى ابن أبي داود والجهمية ... قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب "العلل" عن أبيه فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب اسمه وكتب فوقه حدثنا رجل ثم ضرب فوق الحديث كله، فسألت عبد الله فقال: كان أبي -يقصد أحمد بن حنبل- حدثنا عنه ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: يقول حدثنا رجل ثم ترك حديثه بعد ذاك ... قال الحضرمي: قال لنا عمرو بن محمد وذكر علي بن المديني، وقال: زعم المخذول في هذا الحديث" (7).
أما ابن جرير الطبري فقد قال الذهبي: "ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة" (8)، وقال: "وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود وكان كل
__________
(1) ابن الجوزي "مناقب أحمد بن حنبل" ص523.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص266.
(3) الذهبي في "ميزان الاعتدال" ج3ص410.
(4) ابن الجوزي "مناقب أحمد بن حنبل" ص525.
(5) الذهبي" سير أعلام النبلاء" ج11ص56.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج11ص56.
(7) العقيلي "كتاب الضعفاء الكبير" ج3ص235 - 240.
(8) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج14ص273. (1/48)
صفحة 49
منهما لا ينصف الآخر وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود فكثروا وشغبوا على ابن جرير وناله أذى ولزم بيته نعوذ بالله من الهوى" (1).
يقول الكوثري في مقدمة كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي: "وقال ابن الجوزي في "التلبيس": ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث، قدح بعضهم في بعض، طلباً للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة، للذب عن الشرع، واللّه أعلم بالمقاصد، ودليل خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه". وقد أفرد الكوثري قبل ذلك بحثاً متكاملاً يشرح كيفية تلاعب الأهواء بالمحدثين في مسألة الجرح والتعديل قال فيه: "انظر قول ابن عدي في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، شيخ الشافعي: (نظرت الكثير من حديثه فلم أجد له حديثاً منكراً) مع أنك تعلم أقوال أهل النقد فيه، كأحمد وابن حبان، قال العجلي: (مدني، رافضي، جهمي، قدري، لا يكتب حديثه)، بل كذبه غير واحد من النقاد، ولولا أن الشافعي كان يكثر منه، قدر إكثاره من مالك، لما سعى ابن عدي في تقوية أمره، استناداً إلى قول مثل ابن عقدة. ومن معايب كامل ابن عدي، طعنه في الرجل بحديث، مع أن آفته الراوي عن الرجل، دون الرجل نفسه، وقد أقر بذلك الذهبي في مواضع من "الميزان". ومن هذا القبيل كلامه في أبي حنيفة في مروياته البالغة – عند ابن عدي – ثلاثمائة حديث، وإنما تلك الأحاديث من رواية آباء بن جعفر النجيرمي، وكل ما في تلك الأحاديث من المؤاخذات كلها، بالنظر إلى هذا الراوي الذي هو من مشايخ ابن عدي، ويحاول ابن عدي أن يلصق ما للنجيرمي إلى أبي حنيفة مباشرة".
التدليس:
التدليس هو الستر والإخفاء وعدم التبيين للعيب، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "وذَلَّسَ في البيع وفي كل شيء، إذا لم يبيّن له عيبه" (2). والمحدثون يستخدمون نفس هذ المعنى
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج14ص277.
(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي "كتاب العين" ج1ص588. (1/49)
صفحة 50
اللغوي لوصف التدليس في الحديث (1). والتدليس في الحديث على ضربين: الأول أن يوهم المحدثُ أنه سمع الحديث من شخص معين وهو لم يسمعه منه، ومنه أيضاً أن يسمع من ثقة حديثاً في إسناده رجل ضعيف فيقوم بحذف الضعيف من الإسناد بحيث يظهر الإسناد مسلسلاً بالثقات، وهذا التدليس يعرف بالتسوية أي يسوي الثقات بطرح الضعفاء، وهو شرّ أنواع التدليس. والضرب الثاني: أن يسمع المحدث من شخص ضعيف فيغير من اسم الضعيف أو كنيته حتى لا يُعرَف أنه رواه عن ضعيف (2).
وللتدليس مفاسد كثيرة، أهمها أنه سبيل للكذب على رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وإفساد الدين، وذلك بالرواية عن الكذابين والوضاعين والمجرحين، وقد حكم أئمة الحديث على المدلسين بأشنع الأوصاف، يقول شعبة: "لأن أزني أحبُ أليّ من أن أدلس"، ويقول: "التدليس في الحديث أشد من الزنا، ولئن أسقط من السماء إلى الأرض، أحب إليّ من أن أدلس"، وقال: "التدليس أخو الكذب"، وقال حمّاد بن أسامة "خرب الله بيوت المدلسين، ما هم عندي إلا كذابون"، وقال حماد بن زيد: "التدليس كذب"، ثم ذكر حديث النبي (صلى الله عليه و سلم) للمتشبع بم لم يعط "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" قال حماد: "ولا أعلم المدلس إلا متشبعاً بما لم يعط" وقال عبد الله بن المبارك: "لأن نخرّ من السماء أحب إلي من أن أدلس حديثاً"، وقال وكيع: "نحن لا نستحل التدليس في الثياب فكيف في الحديث" (3). وقال الذهبي: "وهو –أي التدليس- داخل في قوله تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} آل عمران: 188، قلت: والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة" (4).
والذي يسمع هذا الكلام عن التدليس وأضراره وحكم فاعله يظن أن أئمة الحديث لم يتلبسوا بشيء منه، إلا أن الواقع بخلاف ذلك فإنك لا تجد واحداً منهم إلا وقد اتهم بالتدليس!. ومن أئمة الحديث وغيرهم ممن عرف بالتدليس:
__________
(1) صالح بن سعيد عومار "التدليس" ص29.
(2) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص257وص265 بتصّرف.
(3) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص255 - 257.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" 7/ 460، نقله عنه صالح بن سعيد عومار في "التدليس" ص107. (1/50)
صفحة 51
ابن شهاب الزهري، قال عنه ابن حجر: "محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري الفقيه المدني نزيل الشام مشهور بالإمامة والجلالة من التابعين وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس" (1).
ومالك بن أنس، قال عنه ابن حجر: "مالك بن أنس الإمام المشهور يلزم من جعل التسوية تدليسا أن يذكره فيهم لأنه كان يروى عن ثور بن زيد حديث عكرمة عن ابن عباس، وكان يحذف عكرمة وقع ذلك ما حديث في الموطأ يقول عن ثور عن بن عباس ولا يذكر عكرمة وكذا كان يسقط عاصم بن عبد الله من إسناد آخر" (2). وقال عنه ابن كثير: "قلت: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما اسقط ذكر نعيم بن ريبعة عمداً لما جهل حال نعيم، ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا من هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيراً من المرفوعات ويقطع كثيراً من الموصولات" (3).
ومحمد بن إسماعيل البخاري، قال عنه ابن حجر: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الإمام وصفه بذلك أبو عبد الله بن مندة في كلام له فقال فيه أخرج البخاري قال فلان وقال لنا فلان وهو تدليس" (4). وقال عنه أيضاً: "كلام ابن الصلاح بأنه وجد في الصحيح عدة أحاديث يرويها البخاري عن بعض شيوخه قائلاً قال فلان، ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ. قلت: ... ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح مثل حديث الباب، فهذا مما كان أشكل أمره عليَّ ... وأما قول ابن الصلاح أن الذي يورده بصيغة (قال) حكمه حكم الإسناد المعنعن، والعنعنة من غير المدلس محمولة على الإتصال، وليس البخاري مدلساً، فيكون متصلاً، فهو بحث وافقه عليه ابن مندة والتزمه، فقال: أخرج
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "طبقات المدلسين" ص45.
(2) ابن حجر العسقلاني "طبقات المدلسين" ص23.
(3) ابن كثير "التفسير" ج2ص296، عند تفسير الآيات 172 - 174 من سورة الأعراف.
(4) ابن حجر العسقلاني "طبقات المدلسين" ص24. (1/51)
صفحة 52
البخاري (قال) وهو تدليس ... والذي يظهر لي أن مراد ابن مندة أن صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة، ويوجد بينه واسطة وهذا التدليس بعينه" (1).
ومسلم بن الحجاج، قال عنه ابن حجر: "مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الامام المشهور قال ابن مندة أنه كان يقول فيما لم يسمعه من مشائخه قال لنا فلان وهو تدليس". (2)
وأبو داود الطيالسي، قال عنه ابن حجر "سليمان بن داود الطيالسي أبو داود الحافظ المشهور بكنيته من الثقات المكثرين قال يزيد بن زريع سألته عن حديثين لشعبة فقال لم أسمعهما منه قال ثم حدث بهما عن شعبة. قال الذهبي ودلسهما عنه فكان ماذا". (3)
وأبو نعيم الأصفهاني، قال عنه ابن حجر العسقلاني: "أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ أو نعيم. صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة، منها: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة، والمستخرجين على الصحيحين. كانت له إجازة من أناس أدركهم ولم يلقهم، فكان يروى عنهم بصيغة أخبرنا ولا يبين كونها إجازة، لكنه كان إذا حدث عن من سمع منه يقول: حدثنا، سواء كان ذلك قراءة أو سماعاً، وهو اصطلاح له تبعه عليه بعضهم، وفيه نوع تدليس" (4).
وسفيان الثوري، قال عنه ابن حجر: "سفيان بن سعيد الثوري الإمام المشهور الفقيه العابد الحافظ الكبير وصفه النسائي وغيره بالتدليس" (5). وقال عنه ابن المبارك: حدث سفيان بحديث فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحى وقال نرويه عنك! (6). وقال عنه الخطيب
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" ج11ص177، عند تعليقه على الحديث رقم 5590.
(2) ابن حجر العسقلاني "طبقات المدلسين" ص26.
(3) نفس المصدر ص33.
(4) ابن حجر العسقلاني "طبقات المدلسين" ص18.
(5) نفس المصدر ص32.
(6) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج4ص101 - 104. (1/52)
صفحة 53
البغدادي: "حب الإسناد وشهوة الراوية غلبا على قلبه، حتى كان يحدث عن الضعفاء، ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليساً للرواية عنه" (1).
وسفيان بن عيينه، قال عنه ابن حجر: "سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام المشهور فقيه الحجاز في زمانه كان يدلس لكن لا يدلس إلا عن ثقة ... ووصفه النسائي وغيره بالتدليس" (2). وهذا الدفاع البارد بأنه يدلس عن ثقة مردود بحقيقة أن روايات الثقات تزيد في رصيد راويها فكيف يدلسها عنهم والتدليس مطعن في الرواية؟!.
وأيوب السختياني، قال عنه ابن حجر: "أيوب بن أبي تميمة السختياني، أحد الأئمة متفق على الاحتجاج به، رأى أنساً ولم يسمع منه فحدث عنه بعدة أحاديث بالعنعنة أخرجها عنه الدارقطني والحاكم في كتابهما" (3).
والدارقطني، قال عنه ابن حجر: "علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ المشهور، قال أبو الفضل بن طاهر كان له مذهب خفي في التدليس يقول قرئ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان فيوهم أنه سمع منه لكن لا يقول وأنا أسمع" (4).
وسليمان بن مهران الأعمش: قال عنه الذهبي: "ما نقموا عليه إلا التدليس، قال الجوزجاني: قال وهب بن زمعة المروزي: سمعت ابن المبارك يقول: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش، وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعميشكم هذا" (5).
__________
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص119.
(2) نفس المصدر ص32.
(3) نفس المصدر ص19.
(4) نفس المصدر ص22.
(5) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص224. (1/53)
صفحة 54
الوضع في الحديث:
لقد كان للأحداث السياسية التي مرت بها الدولة الإسلامية بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان وانقسام الأمة إلى شيعة علي وشيعة معاوية أثره البالغ في تفشي الوضع في الحديث للانتصار على الآخر.
كانت بداية الوضع في الحديث مبكرة جداً في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) فقد قال: عبد الله بن الحارث أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (1) في حق عبد الله بن أبي جذعة، أتى ثقيفا بالطائف، فقال: هذه حلة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم شئت. فقالوا: هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت. فانتظر يخلو الليل، فقال: وأتبوأ أي نسائكم شئت. فقالوا: له إن عهدنا برسول الله (صلى الله عليه و سلم) يحرم الزنا، فسنرسل إليه، فأرسلوا إليه رسولاً، فسار إليه، فأخبره القصة، فغضب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) غضباً شديداً فلذلك قال " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
واستمر التقول على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في عصر الصحابة، وكان ذلك في روايات التفسير والملاحم حتى أن أحمد بن حنبل قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي" (2). ففي التفسير جاء أن مروان بن الحكم حين كان والياً لمعاوية على الحجاز طلب من الناس مبايعة يزيد ولياً للأمر بعد معاوية، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله عنه، والله ما جعلها في أحد من ولده وأهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرمة لولده. فقال مروان متقولاً على الله ورسوله: إن هذا الذي أنزل الله فيه {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي} الأحقاف: 17، فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري (3). وفي الملاحم جاء عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان
__________
(1) مسند الربيع بن حبيب برقم 738، وقصة سبب الحديث برقم 739.
(2) السيوطي "الإتقان في علوم القرآن" المجلد الثاني ص354.
(3) البخاري 4827، ونص كلام عبد الرحمن لمروان من رواية ابن أبي حاتم في تفسير ابن كثير ج4ص173. (1/54)
صفحة 55
يسوق الناس بعصاه" (1)، رد هذا الحديث معاوية ابن أبي سفيان وقال: "أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم). وأولئكم جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها" (2).
ومن أوائل الأشياء التي طرقها الوضع في الحديث هي فضائل الأشخاص، حيث وضع كل أصحاب مذهب الأحاديث الكثيرة في فضائل أئمتهم ورؤساء أحزابهم. فقد تبنت الشيعة نظرية الإمامة الوراثية، وعلبوا للانتصار لنظريتهم روايات منسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) تزعم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أوصى بالولاية من بعده لعلي بن أبي طالب ثم لسلسلة بعينها من أبناء فاطمة، وقابلهم أهل الحديث من شيعة معاوية بنصوص منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) هي عبارة عن مضادات نصية مقابلة للطرح الشيعي العلوي، ففي مقابل نص الوصية لعلي ظهرت أحاديث في صحيح البخاري وغيره يجزم الطبري والأشعري وابن حزم أنها نص في الوصية لأبي بكر، وفي مقابل الأحاديث التي أوردها الشيعة العلويون في الطعن على معاوية ظهرت أحاديث تسهب في فضله وكرامته فضلاً عن إثبات حكمه وخلافته، وفي مقابل فكرة المهدي العلوي التي اخترعها الشيعة، ظهرت نصوص عند أهل الحديث تتكلم عن مهدي غير علوي كالمهدي الأموي السفياني وكالمهدي العباسي (3).
وتفشى الوضع في الحديث بعد ذلك خاصة من قبل أعداء الإسلام الزنادقة ومنهم عبد الكريم بن أبي العرجاء خال معن بن زائدة وربيب حماد بن سلمة إمام أهل الحديث، وكان يدس الأحاديث في كتب حماد (4)، ولما أمر بقتله قال: "والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم" (5)، ورُوي عن المهدي أنه قال: "أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعة
__________
(1) البخاري 7117 ومسلم [7308] 60 - (2910).
(2) البخاري 7139.
(3) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص235 - 236 بتصرف.
(4) ابن الجوزي "الموضوعات" المقدمة ص15.
(5) ابن الجوزي "الموضوعات" المقدمة ص15. (1/55)
صفحة 56
مائة حديث، فهي تجول في أيدي الناس" (1)، وكان حماد بن زيد يقول: "وضعت الزنادقة على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أربعة عشر ألف حديث" (2).
ومن بين الوضّاعين زهاد المتصوفة وعبادها، وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في من ينسب إلى الخير والزهد" (3) حيث يُروى عن غلام خليل الزاهد العابد الذي يتقوت الباقلا تصوفاً والذي أغلقت أسواق بغداد يوم موته (4) أنه سأل عن أحاديث الرقائق التي يحدث بها فقال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العامة" (5)، وسئل ميسرة بن مهدي عن أحاديث "من قرأ كذا فله كذا" فقال: "وضعتها أرغب الناس فيها" (6)، وكان أبو داود النخعي أطول الناس قياماً بليل وأكثرهم صياماً بنهار وكان يضع الحديث وضعاً (7)، وسُئل أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي من أين له عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: "إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة". (8).
وكان الوضاعون من الخبث بمكان حتى أنهم كانوا يضعون لكل كلام أستحسنوه إسناداً كما جاء عن محمد بن سعيد الذي قال: "لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له
__________
(1) ابن الجوزي نفس المصدر ص15.
(2) ابن الجوزي نفس المصدر ص16.
(3) ابن الجوزي نفس المصدر ص18.
(4) ابن الجوزي نفس المصدر ص17.
(5) ابن الجوزي نفس المصدر ص17.
(6) ابن الجوزي نفس المصدر ص17.
(7) ابن الجوزي نفس المصدر ص18.
(8) ابن الجوزي نفس المصدر ص18. (1/56)
صفحة 57
إسناداً" (1)، ومعلوم أن منهج أهل الحديث يقوم أساساً على النظر في السند ويتجاهل المتن، فماذا عن الأحاديث الموضوعة التي رصّعت بأسانيد جيدة (2)؟.
عودة إلى القائمة
ملاحظات على الجرح والتعديل:
وإن كنا لا ننكر بعض الجهود النظرية التي يقدمها لنا علم الحديث، من خلال بعض الأدوات النقدية التي استدخمها في وزن الأسانيد واختبارها، والوصول إلى درجة ما من تنقية السنة وتبوبيها، إلا أننا نتحفظ على هذه الحقيقة بعدة ملاحظات:
الأولى: أدوات علم الحديث لم تستطع أن تحول بين التاريخ والأنظمة الحاكمة والفرق الموازية لها فكرياً وسياسياً، وبين العبث بالسنة إنشاءاً وتأويلاً" (3).
الثانية: "علم الحديث التقليدي كان يواجه معضلة عسيرة تتمثل في هذا الكم الهائل من الروايات الواجب فحصها، وهذا العدد الغفير من الرواة الواجب وزنهم بالجرح والتعديل. ولكن هذه المعضلة بغير شك، كانت تحكمية إلى حد كبير، بمعنى أنه كان بالوسع تلافيها من حيث الابتداء. لقد صنع أهل الحديث المشكلة بأيديهم، ثم راحوا يجهدون أنفسهم لوضع الحلول لها. وذلك أن عملية جمع الحديث وتدوينه لم تكتف بالمتواتر والمستفيض أو المشهور الشائع كما كان ينبغي، بل راحت تفتش في ضرب عجيب من المبالغة والنهم، وبقدر واضح من التصنع والإفتعال عن كل خبر تشتم فيه رائحة النسبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام سيل جارف من الروايات والأخبار" (4).
الثالثة: يقول عبد الجواد ياسين: "نحن نزعم أن النص النهائي للسنة كتب في غضون الفترة التالية للإنقلاب. نعني بذلك أنه كتب على يد أهل الحديث، وفي ظل أجزاء العصبية
__________
(1) ابن الجوزي نفس المصدر ص18.
(2) يقول الشيخ أحمد بن سعود السيابي حفظه الله: "لعل هذا –من وجهة نظري- الذي ضخم الروايات عن أبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص وغيرهما، فأظن أن تلك الروايات وضعت عنهم بالأسانيد، ولا استبعد أن يكون هناك تأثير شيعي في الموضوع، حيث إنهما محسوبان على الأمويين من وجهة نظر الشيعة"اهـ.
(3) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص25.
(4) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص237. (1/57)
صفحة 58
والتعصب المصاحبة لحمى الإنتقام. الأمر الذي ترك أثره الواضح في "القائمة النهائية للرجال" كما اعتمدها أحمد بن حنبل زعيم الحديثيين. فقد راح أحمد بن حنبل يمارس الجرح والتعديل بميزان مذهبي ضيق، وفرضت قضايا "المحنة" ذاتها على الميزان. وقد"سُئل إذا اجتمع رجلان، أحدهما قد أمتحن (من قبل السلطة في قضية خلق القرآن) والآخر لم يمتحن، ثم حضرت الصلاة فأيهما يقدم؟ فقال: يقدم الذي لم يمتحن. وسئل عمن قال لفظي (تلفظي) بالقرآن مخلوق. فقال: هذا لا يكلم ولا يُصلى خلفه، وإن صلى رجل أعاد". وهكذا كان أحمد (ومن ورائه كتائب التدوين) يرد كل من خالفه في هذه القضية ولا يقبل روايته. ثم زاد في ذلك حتى رد رواية "المتوقف" الذي لم يتكلم في مسألة خلق القرآن، فكان يقول "فلان واقفي مشؤوم" ولقد بالغ أحمد في ذلك حتى ذهب يقول: "لا أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين" رغم أن هذا الأخير أستاذه.
ونحن نعجب من هذا الموقف الحنبلي المتعصب، ونرى فيه ضرباً من السذاجة الفكرية وضيق الأفق، ونأسف شديد الأسف لأن أصحابه بالذات ودون غيرهم، هم الذين كتبوا علم الحديث ودونوا السنة، ثم شرعوا يكتبون الفقه ويقدمون باسم الإسلام منظومة مفصلة وجاهزة، هي تلك التي يتم توارثها بين المسلمين حتى اليوم.
ومما يزيد من هذا العجب أن أحمد بن حنبل لم يكن من المتشددين في توثيق الرجال، فقد كان يروي عن عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير. الذي قال فيه النسائي ليس بثقة. وقال الدارقطني: يترك، وقال ابن معين: كذاب خبيث عدو الله ليس بشيء ... ومسند أحمد ملئ بأمثال عامر بن صالح، هنا يتجلى أثر الإنقلاب واضحاً في الجرح والتعديل، ومن ثم في قبول الحديث ورده، أو بعبارة مكافئة في ثبوت النص السني ذاته" (1).
الرابعة: "في نشوء هذا العلم ذاته دليل على وجود هذه الحالة التي استوجبت النشوء، أي حالة الطلب المتزايد على الحديث بشكل مبالغ فيه، مما لا بد أن يترجم إلى زيادة في العرض" (2)
__________
(1) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص150 - 151.
(2) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص237. (1/58)
صفحة 59
عملية تخييش الروايات:
ومع كل هذه الإرهاصات التاريخية التي شابت عملية تدوين وجمع الروايات المنسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) والآثار المنسوبة إلى صحابته الكرام، ومع استفحال حالة العبث المفرط بالسنة تعليباً وتأويلاً من قبل السلطة والمذاهب الفقهية والكلامية المتناحرة، ومع فشوّ الوضع في الحديث من قبل أصحاب الأهواء وأصحاب العقليات الصوفية الخرافية، فإن عملية التصنيف والتبويب والتأليف في علم الحديث جاءت متأخرة جداً، حيث تمت في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري، وابتدأها الربيع بن صبيح ومالك بن أنس في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة والنسائي في القرن الثالث الهجري، والكثير من هذه الكتب إن لم يكن كلها قد طعن فيها أهل الحديث أنفسهم!.
فصحيح البخاري مثلاً طعن فيه كثير من أئمة الحديث، وقد أقرّ ابن حجر بوجود مئة وعشرة أحاديث منتقدة على صحيح البخاري (1)، وأهم تلك الانتقادات هي التي وجهها أبو الحسن الدارقطني في كتابه "العلل"، وقد أقرّ ابن حجر بقوة تلك الانتقادات، حيث قال: "وقال –يقصد النووي- في مقدمة شرح البخاري: فصل قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جداً، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، فلا تغتر بذلك اهـ كلامه، وسيظهر من سياقها انها ليست كلها كذلك" (2). فابن حجر يقرّ أن انتقادات الدارقطني ليست واهية كما زعم النووي، علماً بان انتقادات الدارقطني كانت إسنادية بحتة، ولم تتطرق –كعادة أهل الحديث- إلى نقد المتون.
وقد تطرق محمد رشيد رضا إلى قضية الإشكالات الكثيرة في متون روايات البخاري حيث قال: "وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن، ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع تعارضها مع
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "هدي الساري" 502 - 543.
(2) ابن حجر العسقلاني "هدي الساري" ص502. (1/59)
صفحة 60
غيرها مع محاولة الجمع بين المختلفات، وحل المشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض". (1) وقال: "لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة الوضع" (2).
وقال عداب الحمش موضحاً محاولة ابن حجر الدفاع عن صحيح البخاري: "وقد تكلم فيه صاحبه على علل الحديث والرجال كلام خبير ناقد، بيد أنه كان يغضّ الطرف عن كثير من العلل، التي تعكّر على مواقفه الواضحة في الدفاع عن صحيح البخاري، وعن صحيح مسلم تبعاً" (3).
وقد أقرّ الذهبي بوجود كثير من المجاهيل في صحيح البخاري ومسلم!، ففي ترجمته لحفص بن بغيل قال: "قال ابن القطان لا يعرف له حال ولا يعرف" فعلق الذهبي على تجريح ابن القطان للرجل قائلاً: "ففي الصحيحين من هذا النمط خَلق كثير مستورون، ما ضعّفهم أحد ولا هم بمجاهيل" (4).
أما صحيح مسلم، فقد روى صاحبه مسلم بن الحجاج روايات كثيرة عن المنسوبين للتشيع، يقول الخطيب البغدادي: "أبا عبد الله محمد بن يعقوب وسئل عن الفضل بن محمد الشعراني، فقال: صدوق في الرواية إلا أنه كان من الغالين في التشيع. قيل له: فقد حدثت عنه في الصحيح، فقال: لأن كتاب أستاذى ملآن من حديث الشيعة يعنى مسلم بن الحجاج" (5)، وقد زجره أستاذه أبو زرعة الرازي بسبب هذا الميل العلوي وحشو كتابه بما ينصر عقائد الشيعة، وقال له: "يطرق لأهل البدع علينا"، وكذلك فعل محمد بن مسلم بن وادة. (6)
__________
(1) نقله أبو رية "أضواء على السنة المحمدية" ص250.
(2) نقله أبو رية في "أضواء على السنة المحمدية" ص279. راجع أبو شهبة "دفاع عن السنة" ص236.
(3) عداب محمود الحمش "علم تخريج الحديث ونقده" ص51 - 52.
(4) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص556.
(5) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص131.
(6) النووي "مقدمة شرح المنهاج في صحيح مسلم بن الحجاج" ص32. (1/60)
صفحة 61
وقال الحاكم: أن مسلم روى أحاديث كثيرة مختلف في صحتها (1)، وقال ابن تيمية: "ومما قد يسمى صحيحاً ما يصححه بعض علماء الحديث، وآخرون يخالفونهم في تصحيحه، فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح، مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم، إما مثله أو دونه أو فوقه" (2).
ومسند أحمد الذي يعتبرمن أكبر الموسوعات الحديثية، قد طعن فيه أئمة الحنابلة من أهل الحديث، يقول ابن الجوزي: "كان قد سألني بعض أصحاب الحديث هل في مسند الإمام أحمد ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم ... فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والردئ، ثم هو قد رد كثيراً مما روى ولم يقل به ولم يجعله مذهباً، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في المسند طعن فيها أحمد" (3). وقال الذهبي: "وفي "المسند" جملة من الأحاديث الضعيفة مما لا يسوغ نقلها ولا يجوزالاحتجاج بها، وفيه أحاديث عديدة شبه موضوعة" (4).
وجامع الترمذي المشهور بـ "سنن الترمذي"، قال عنه الذهبي: "قلت في الجامع علم نافع وفوائد غزيرة ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام لولا ماكدره بأحاديث واهية بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل ... قلت: جامعه قاض له بإمامته وحفظه وفقهه، ولكن يترخص في قبول الأحاديث، ولا يشدد، ونفسه في التضعيف رخو" (5).
وسنن ابن ماجة، قال عنه الذهبي: "غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة إن صح فإنما عنى بثلاثين حديثاً الأحاديث المطرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة، لعلها نحو الألف" (6).
__________
(1) النووي "مقدمة شرح صحيح مسلم" ص25.
(2) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج18 ص17.
(3) ابن الجوزي "صيد الخاطر" ص33 - 334.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج11ص329.
(5) الذهبي "سير أعمال النبلاء" ج13ص274 - 276.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج13ص279. (1/61)
صفحة 62
ومسند الطيالسي، صحابه هو سليمان بن داود (ت 204هـ)، قال عنه الذهبي: "ثقة أخطأ في أحاديث، قال إبراهيم بن سعيد الجوهري الحافظ: أخطأ أبو داود في ألف حديث، وقال أبو حاتم: أبو داود محدث صدوق، كان كثير الخطأ ... قال يزيد: حدثت بهما أبا دواد فكتبهما عني، ثم حدث بهما عن شعبة. قلت: دلسهما، فكان ماذا" (1).
والنسائي صاحب السنن، كان يميل إلى التشيع حيث ألف كتاب أسماه "خصائص علي" ضمنه سننه، وكان يميل إلى رأي الشيعة في إجازة إتيان النساء في الدبر!، قال عنه الذهبي: "قال مرة بعض الطلبة ما أظن أبا عبد الرحمن إلا أنه يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه، وقال آخر ليت شعري ما يرى في إتيان النساء في أدبارهن، قال: فسئل عن ذلك، فقال: النبيذ حرام، ولا يصح في الدبر شيء، لكن حدث محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: اسق حرثك حيث شئت، فلا ينبغي أن يتجاوز قوله". (2)
وعبدالرزاق بن همام صاحب "المصنف"، قال عنه الذهبي: "أحد الأئمة الثقات، كان عباس العنبري أحد من رحل إليه، وقال: "إنه لكذاب". وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره، وقال ابن عدي في كامله: حدّث بأحاديث في الفضائل لم يوافق عليها، قلت: كان يتشيع. وقد قال أحمد: إنه عمي آخر عمره، وكان يُلَقّن فيتلقَّن، فسماع من سمع عنه بعد العمى لا شيء، قال ابن الصلاح: وجدت فيما روى الطبراني عن الدَّبري عنه أحاديث استنكرتها، فأحلت أمرها على ذلك ... أبا حاتم قال: يكتب حديثه ولا يحتج به". (3)
وابن الجعد صاحب المسند، قال عنه ابن عدي: "قال حسين بن فهم سمعت يحيى بن معين يقول وسئل أيما أثبت أبو النضر أو علي بن الجعد؟ فقال: يحيى خرب الله بيت علي إن كان في الثبت مثل أبي النضر أو نحو هذا من القول. وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه ضعفه، وقال: نهيت ابني عبد الله أن يكتب عنه وعبد الله لم يكتب عن أحد إلا عن من أمره أبوه بالكتابة عنه وكتب عبد الله عن شيخ يقال له يحيى بن عبدويه من أهل بغداد وكان يحدث عن
__________
(1) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص203.
(2) الذهبي في سير أعلام النبلاء ج14ص128.
(3) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص622. (1/62)
صفحة 63
شعبة ويحيى بن عبدويه ليس بالمعروف ولم يكتب عن علي بن الجعد مع شهرته لأن أباه نهاه عن الكتابة عنه" (1).
وابن أبي شيبة صاحب "المصنف"، قال عنه الذهبي: "قال أحمد بن حنبل: دع ابن أبي شيبة في ذا، وانظر ما يقول غيره، يريد أبو عبد الله كثرة خطئه ... وقال جعفر الفريابي: سألت محمد بن عبد الله بن نمير عن بني شيبة ثلاثتهم، قال فيهم قولاً لم أحب أن أذكره" (2).
والبزار صاحب "المسند"، أحمد بن عمرو (ت 292هـ) قال عنه الذهبي: "قال أبو أحمد الحاكم: يخطيء في الإسناد والمتن ... وقال الحاكم: سألت الدارقطني عنه، فقال: يخطيء في الإسناد والمتن، حدّث بالمسند بمصر حفظاً، ينظر في كتب الناس، ويحدّث من حفظه، ولم يكن منه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، جرّحه النسائي، وهو ثقة يخطيء كثيراً". (3)
قام هؤلاء المحدّثون بعملية تخييش لمحصول الروايات التي انتجتها مزارع الرواية في عهد بني أمية وبني العباس، معتمدين على آليات الجرح والتعديل الإسنادية دون تطرق إلى قراءة الروايات قراءة نقدية، فلهذا تجد روايات كثيرة تعتبر صحيحة السند بمقاييس الجرح والتعديل الكلاسيكية إلا أنها مخالفة للقواعد الكلّية المستوحاة من النصوص القطعية المحكمة من الكتاب العزيز والمجتمع عليه من سنة النبي (صلى الله عليه و سلم)، ومن نماذج ذلك:
روايات تطعن في النبي (صلى الله عليه و سلم):
من أمثلة ذلك الروايات التي تقول أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قد سُحر، وأنه كان يُخيَّل إليه أنه "كان يفعل الشيء وما فعله"، وأنه "كان يأتي النساء ولا يأتيهن". (4) وهذه الروايات تطعن في رسالة النبي (صلى الله عليه و سلم)، لأن فعله وتصرفاته (صلى الله عليه و سلم) محل متابعة ومراقبة من الأمة لتعلقها بجوانب الرسالة وتبيين القرآن الكريم وشرحه، وكيف يمكن قبول مثل هذه الرواية والله سبحانه وتعالى قد أكد
__________
(1) ابن عدي "الكامل في الضعفاء" ج5ص213.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج2ص490.
(3) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص124
(4) البخاري 3175 و3268 و5763 و5765 ومسلم [5703] 43 - 2189. (1/63)
صفحة 64
على عصمة نبيه (صلى الله عليه و سلم) من ضُر الاعداء له حيث قال عز وجل: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا} المائدة42، وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة67، إن مثل هذه الروايات تثبت قول المشركين الذين ادّعوا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان مسحوراً {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} الإسراء47.
بل إن بعض الروايات تدعي أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) مات مقتولاً من أثر سم الشاة التي قدمتها له اليهودية في خيبر، فقد جاء في بعض الروايات أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لعائشة أم المؤمنين قبل وفاته: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا آوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" (1). وجاء أن أنس بن مالك قال: "فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (2) يقصد مضغة السم من الشاة!، وهذه القصة تنافي تأكيد الله عز وجل ووعده لنبيه (صلى الله عليه و سلم) بأنه عاصمه من الناس {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة67.
ومن الروايات المعارضة لنصوص الكتاب العزيز رواية أمر الرسول (صلى الله عليه و سلم) لسهلة بنت سهيل أن ترضع سالم مولى أبي حذيفة -زوجها- وهو رجل شاب ملتحي! حيث يفرد مسلم فصلاً خاصاً في صحيحه لسرد هذه الرواية العجيبة والتي جاء فيها "جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقالت: يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): "ارضعيه". فقال: أنه ذو لحية، فقال "أرضعيه يذهب ما وجه أبو حذيفة". فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة"، وفي رواية أنها حين قالت للرسول (صلى الله عليه و سلم) أن سالماً
__________
(1) البخاري 4428.
(2) مسلم [5705] 45 - 2190. (1/64)
صفحة 65
رجل كبير. قال لها: "قد علمت أنه رجل كبير" (1). وهذه الرواية تخالف مجمل الأخلاق الإسلامية التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة القائمة على العفة والطهارة، وتعارض أمر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بغض البصر وعدم التطلع إلى زينة النساء من غير ذوات المحارم والتي أصلتها سورة النور وخاصة قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31.
بل لقد وصل الإسفاف بهذه الروايات إلى النيل من عرض السيدة عائشة أم المؤمنين حيث جاء في أحدها أن أم سلمة تستغرب من عائشة كيف تسمح للغلمان المشارفّي الحلم بالدخول عليها!، وأن عائشة ردت عليها محتجة برواية سهلة وإرضاعها لسالم مولى أبي حذيفة!. ونص الرواية: "قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل عليَّ، فقالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة؟ .. فذكرت قصة امرأة أبي حذيفة"! (2).
وجاء في بعض الروايات أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) كان يدخل على النساء اللواتي لسن من محارمه وأنه ينام بين أيديهن وأنهن كنَّ يفليين رأسه؟! فقد جاء فيها أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) "كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت. فدخل عليها رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (3)، وهذا الفعل الذي تنسبه مثل هذه الروايات إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) مخالف لصريح القرآن الذي يصف الرسول (صلى الله عليه و سلم) بأنه صاحب أخلاق
__________
(1) صحيح مسلم باب "رضاعة الكبير" الروايات [3600] 26 - 1453 إلى [3605] 31 - (1454)
(2) صحيح مسلم باب "رضاعة الكبير" [3603] 29 - (1453)
(3) البخاري 2789 (1/65)
صفحة 66
عظيمة {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم4، والمتواتر من السنة الرسول (صلى الله عليه و سلم) القولية والفعلية التي تحرم الخلوة بين الرجل والمرأة، فقد ثبت عنه (صلى الله عليه و سلم) قوله: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت" (1)، فكيف يتصور منه (صلى الله عليه و سلم) النوم عند امرأة أجنبية ثم تقوم بفلي رأسه!.
ومن ذلك أيضاً ما جاء في بعض الروايات من محاولة الرسول (صلى الله عليه و سلم) للانتحار، حيث كان يصعد "رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً. فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع" (2). فكيف يجوز تصور رغبة الرسول e في الانتحار والله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء29، ويقول: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} البقرة195، إن إثبات الهمّ بالانتحار للرسول (صلى الله عليه و سلم) يعطي المنتحرين ذريعة لاقتراف فعلتهم، فطالما أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قادته نفسه إلى الانتحار لولا إنقاذ جبريل له، فكيف بمن هو دونه ممن ليس له وحي ينقذه من هذه الرغبة التي لم يصمد أمامها النبي المعصوم؟!
وجاء في بعض الروايات أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يمشي عارياً أمام الناس! فقد جاء عن جابر بن عبد الله أنه قال: "أن رسول الله e كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا بن أخي لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشياً عليه. فما رؤي بعد ذلك عرياناً e " (3) . يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: "من يصدق هذه الرواية ولو جاءت بأصح الأسانيد كما يزعمون؟!، من يصدق أن النبي (صلى الله عليه و سلم) الذي يصفه الله بأنه على خلق عظيم {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
__________
(1) مسلم [5674] 20 - (2172)
(2) البخاري 6982.
(3) البخاري 364 و1852 و3829. (1/66)
صفحة 67
القلم: 4، يصل به الأمر أن يبدي عورته، ذلك الشيء لا يرضاه حتى أولئك الذين يعيشون في الأدغال أبعد ما يكونون عن الحضارة وعن القيم الإنسانية فضلاً عن القيم الدينية، من الذي يصدق هذا" (1).
وتنسب بعض الروايات إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) الغرق في الجهل والخرافة!، فقد جاء فيها أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: "ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها. فإنها تطلع بين قرني شيطان" (2)، ومعلوم أن الشمس تسطع على كل سطح الكرة الأرضية المقابل لها، واشعاعاها لا ينقطع عن الارض في لحظة من اللحظات، ولكل أهل أقليم من الأرض مطلعهم الخاص، فهل الكرة الأرضية محاطة بحجاب محكم من الشياطين شبيه بطبقة الأوزون مثلاً؟!.
وجاء في بعض الروايات أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) أخذ بيد أبي هريرة وقال له: "خلق الله عز وجل- التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم (عليه السلام) بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" (3).
وهذه الرواية التي تدّعي أن خلق الكون تم في سبعة أيام مخالفة لنص الكتاب العزيز الذي يؤكد أن الله عز وجل خلق الكون في ستة أيام {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} ق: 38. قال ابن كثير معلقاً على هذه الرواية: "وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً وقد حرر ذلك البيهقي" (4).
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي "إعادة صياغة الأمة" ص149.
(2) صحيح البخاري 3271.
(3) من طريق أبي هريرة، مسلم [7054] 27 - (2789).
(4) ابن كثير "تفسير القرآن العظيم" ج1 ص88 - 89. (1/67)
صفحة 68
روايات تطعن في الأنبياء عليهم السلام:
جاء في أحد الروايات أن موسى (عليه السلام) استقبل ملك الموت حين أخبره بموعد وفاته بلطمة على عينه فقأها!، فقد نُسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "أرسل ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه؟ قال: ثم الموت" (. (1)
وهذا الفعل لا تجوز نسبته إلى موسى (عليه السلام) لمخالفته للنصوص القطعية من الكتاب العزيز التي تؤكد على أن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر، يقول تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} المنافقون: 10 - 11.
والرواية تصف ملك الموت بصورة الآدميين، كما أنها تزري بالملائكة وتبين ضعفهم أمام النبي الذي يمجده اليهود!، مما يثير الريبة في مصدرها.
يقول الشيخ محمد الغزالي مستنكراً هذه الرواية: "وقد وقع لي وأنا بالجزائر أن طالباً سألني: أصحيح أن موسى (عليه السلام) فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله؟ فقلت للطالب وأنا ضائق الصدر: وماذا يفيدك هذا الحديث؟ إنه لا يتصل بعقيدة، ولا يرتبط به عمل! والأمة الإسلامية تدور عليها الرحى وخصومها طامعون في إخماد أنفاسها! اشتغل بما هو أهم وأجدى ... وعدت لنفسي أفكر: إن الحديث صحيح السند، لكن متنه يثير الريبة، إذ يفيد أن موسى يكره الموت، ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوض بالنسبة إلى الصالحين من عباد الله كما جاء في الحديث الآخر "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه". فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولي العزم. إن كراهيته للموت بعدما
__________
(1) من طريق أبي هريرة، صحيح البخاري 3407 وصحيح مسلم [6148] 157 - (2372). (1/68)
صفحة 69
جاءه ملكه أمر مستغرب! ثم هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عمى أو عور؟ ذاك بعيد" (1).
ثم قال معلقاً على المازري الذي اعتبر من رد الحديث ملحداً: "هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ!، ومن وصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيل في أعراض المسلمين، والحق أن في متنه علة قادحة تنزل به عن مرتبة الصحة، ورفضه أو قبوله خلاف فكري، وليس خلافا عقائدياً، والعلة في المتن يبصرها المحققون، وتخفى على أصحاب الفكر السطحي" (2).
وتنسب بعض الروايات الكذب إلى إبراهيم (عليه السلام) فقد روي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "لم يكذب إبراهيم (عليه السلام) إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا}، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه. قال: أختي. فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني. (3)
ثم يأتي تفصيل القصة في رواية أخرى، وفيها. "فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضّأُ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ الكافر. فغط حتى ركض برجله، قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته فأرسل. ثم قام إليها، فقامت توضأ تصلي وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ هذا الكافر. فغط حتى ركض برجله قال: عبد الرحمن، قال: أبو سلمة، قال: أبو هريرة، فقالت: اللهم إن يمت فيقال: هي قتلته، فأرسل في الثانية أو في الثالثة،
__________
(1) محمد الغزالي "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" ص34
(2) محمد الغزالي نفس المصدر ص36.
(3) من طريق أبي هريرة، صحيح البخاري 3358، وصحيح مسلم [6145] 154 - (2371). (1/69)
صفحة 70
فقال: والله ما أرسلتم إليّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها آجر، فرجعت إلى إبراهيم (عليه السلام) فقالت أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة" (1).
وهذه القصة منقولة حرفياًُ من التوراة (2)، يقول الفخر الرازي: "واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "ما كذب إبراهيم (عليه السلام) إلا ثلاث كذبات" فقلت: الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار. فقال على طريق الاستنكار: فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة، فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم (عليه السلام)، وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أن صون إبراهيم (عليه السلام) عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب" (3).
__________
(1) البخاري 2217.
(2) جاء في العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح 20: 1 - 18 ما نصه: "وانتقل إبراهيم من هناك إلى ارض الجنوب وسكن بين قادش وشور وتغرب في جرار. وقال إبراهيم عن سارة امرأته هي أختي. فأرسل ابيمالك ملك جرار واخذ سارة. فجاء الله إلى ابيمالك في حلم الليل وقال له: ها أنت ميّت من أجل المرأة التي أخذتها فإنها متزوجة ببعل. ولكن لم يكن ابيمالك قد اقترب إليها. فقال: يا سيد أأمة بارة تقتل. ألم يقل هو لي إنها أختي وهي أيضا نفسها قالت: هو أخي. بسلامة قلبي ونقاوة يديّ فعلت هذا. فقال له الله في الحلم: أنا أيضا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضا أمسكتك عن أن تخطئ إليّ. لذلك لم ادعك تمسّها. فالآن رد امرأة الرجل فانه نبيّ فيصلّي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها فاعلم انك موتا تموت أنت وكل من لك. فبكّر ابيمالك في الغد ودعا جميع عبيده وتكلم بكل هذا الكلام في مسامعهم. فخاف الرجال جدا. ثم دعا ابيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت عليّ وعلى مملكتي خطية عظيمة. أعمالا لا تعمل عملت بي. وقال ابيمالك لإبراهيم ماذا رأيت حتى عملت هذا الشيء. فقال إبراهيم أني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله البتة. فيقتلونني لأجل امرأتي. وبالحقيقة أيضا هي أختي ابنة أبى. غير أنها ليست ابنة أمي. فصارت لي زوجة. وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي أنى قلت لها هذا معروفك الذي تصنعين إليّ. في كل مكان نأتي إليه قولي عني هو أخي. فأخذ ابيمالك غنماً وبقراً وعبيداً وإماء وأعطاها لإبراهيم. ورد إليه سارة امرأته. وقال ابيمالك هو ذا ارضي قدامك. اسكن في ما حسن في عينيك. وقال لسارة أنى قد أعطيت أخاك ألفاً من الفضة. ها هو لك غطاء عين من جهة كل ما عندك وعند كل واحد فأنصفت. فصلّى إبراهيم إلى الله. فشفى الله ابيمالك وامرأته وجواريه فولدن. لأن الرب كان قد اغلق كل رحم لبيت ابيمالك بسبب سارة امرأة إبراهيم "اهـ.
(3) الفخر الرازي في تفسيره لسورة يوسف الآية24 ج18ص199. (1/70)
صفحة 71
و"آجر" الخادمة هي "هاجر" أم إسماعيل (عليه السلام)، وبذلك يكون النبي محمد (صلى الله عليه و سلم) من أبناء الإماء والجواري! مع أن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} آل عمران: 33 - 34.
وجاء في أحد الروايات أن موسى (عليه السلام) كان يكشف عروته أمام الناس!، فقد جاء من طريق أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال"كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده. فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر) متورم الخصية)، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه!، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا. فقال أبو هريرة والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربا بالحجر" (1).
ولنا أن نتساءل كيف سمح موسى لقومه أن يغتسلوا عراةً ينظر بعضهم إلى بعض؟ وادعاء المتكلفين أن الله تعالى لم يأمره بأن يخبرهم بستر العورة غير مقبول لأن مثل هذه الأمور تعتبر من أبجديات الشرائع السماوية، فكيف يتصور أن يخوض موسى (عليه السلام) بقومه البحر ويواجه بهم صلف فرعون وهو لم يخبرهم بعد بوجوب ستر العورة؟ وسياق القصة يدلل على أصولها التوراتية التي ربما اقتبسها أبو هريرة من كعب الأحبار ونسبها الرواة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم).
روايات تطعن في موقف الإسلام من المرأة: حرّر الإسلام المرأة من هوان الجاهلية والأفكار الوثنية التي لابست الملل المنحرفة، وساوت بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات كل بحسب تكوينه البيولجي والنفسي والإجتماعي، بيد ان بعض الروايات الآحادية تنسب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) أنه جعل المرأة في منزلة الحمير والكلاب!، حيث روي أنه قال: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب" (2). وأحمد بن
__________
(1) البخاري 278.
(2) من طريق أبي هريرة، مسلم [1139] 266 - (511) (1/71)
صفحة 72
حنبل –وهو إمام أهل الحديث- أخذه شيء من الشك في هذه الرواية فقال: "الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء" (1)، والكلب الأسود في حقيقته لا يختلف عن الكلب الأحمر، بيد أن الروايات تنسب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "الكلب الأسود شيطان" (2)، ونعجب من هذه العنصرية التي انتقلت أيضاً إلى عالم الكلاب حيث صار اللون الأسود في الكلاب شر الألوان!.
وقد ردت السيدة عائشة هذه الرواية وقالت: "قد شبهتمونا بالكلاب والحمير، والله لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة" (3). وقالت: "إن المرأة لدابة سوء لقد رأيتني بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و سلم) معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي" (4)، ورد ابن عباس أيضاً هذه الرواية قائلاً "بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلباً وحماراً، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصلي بالناس حتى إذا كنت قريباً منه مستقبلهُ نزلت عنه وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في صلاته فما أعاد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) صلاته ولا نهاني عما صنعت ... ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصلي في مسجد فخرج جديٌ من بعض حجرات النبي (صلى الله عليه و سلم)، فذهب يجتاز الصفوف بين يديه، فمنعه رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة" (5).
وادّعت أحد الروايات أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: "لولا حواء لما خانت أنثى زوجها" (6)، علماً بأنه لا ذكر في القرآن الكريم على أن زوج آدم قد خانته، أو أنها دعته إلى فعل المعصية! بل إن الله تعالى أثبت المخالفة لآدم قبلاً ثم زوجه بالتبعية، حيث قال عز وجل: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} طه: 115، ثم قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ
__________
(1) نقله الترمذي في سننه ص128 أثناء تعليقه على الرواية رقم 338.
(2) مسلم [1137] 265 - (510).
(3) البخاري 514، ومسلم [1143] 270 (512).
(4) البخاري 508، ومسلم [1142] 269 - (512).
(5) مسند أحمد بن حنبل 2222.
(6) من طريق أبي هريرة، صحيح البخاري3330. (1/72)
صفحة 73
يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} طه120 - 121. فالخطأ الأصلي صدر من آدم الذي اتبع وسوسة الشيطان، وأما الزوجة فخطأها كان في اتباع زوجها على الخطأ. ولو سلمنا بخطأ زوج آدم، فما ذنبها حتى تنتقل معصيتها إلى بناتها والله تعالى يقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} الأنعام164.
وتزعم أحد الروايات أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "إن المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج شيء في الضلع أعلاه". (1) علماً بأن عقيدة خلق المرأة من الضلع هي توراتية المنشأ فقد جاء في سفر التكوين: "فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلي آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من امرأ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً" (2).
لقد بين الله تعالى أن الأنثى خلقت من الذكر {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} النساء: 1، فهذه حقيقة يقينة لا مراء فيها، أما طريقة هذا الخلق وطبيعته وموضعه فلم يخبرنا الله تعال به، فهو يقع في دائرة الغيب التي لا يجوز اختراقها إلا بالدليل القطعي اليقيني، وليست روايات التوراة المحرفة ومرويات أهل الحديث إلا محاولة لاختراق حجب الغيب الذي لم يأذن الله تعالى للإنسان بولوجه لانعدام المصلحة في حصول هذه المعرفة.
__________
(1) من طريق أبي هريرة، البخاري 3331.
(2) سفر التكوين 2: 21 - 25. (1/73)
صفحة 74
ندم وإقرار بالخطأ:
نتيجة لإفراط أهل الحديث في الرواية وما شابها من صراع مذهبي، وتلبس البعض بالتدليس والوضع، وجدنا بعض أئمة الحديث يتلهفون على ماضيهم، ويسحون دموع الندم لإفراطهم في رواية الأحاديث الآحادية التي حذر منها الرسول (صلى الله عليه و سلم) وصحابته الكرام، فها هو سفيان الثوري (ت 161هـ) يقول: "لوددت أني لم أكن دخلت في شيء منه –قال الخطيب: يعني الحديث-، ولوددت أني أفلت منه، لا عليَّ ولا لي" (1). وقال أيضاً: "ليتني أنجو منه كفافاً –قال الخطيب: يعني الحديث" (2). وقال: "ما أخاف على نفسي غير الحديث" (3). وقال: "وددت أن كل حديث في صدري، وكل حديث حفظه الرجال عني، نسخ من دري وصدورهم" (4). وقال أيضاً: "أرى كل شيء من أنواع الخير ينقص، وهذا الحديث إلى زيادة، فأظن أنه لو كان من أسباب الخير لنقص أيضاً" (5). بهذه الفلسفة البسيطة أدرك الثوري على إمامته ومنزلته بين أهل الحديث بطلان منهج المحدّثين.
بينما كان لمغيرة بن مقسم الضبّي (ت 130هـ) سبب آخر لمفارقته أهل الحديث بعد أن أفنى عمره بينهم وسبر أحوالهم، فقد قال: "ما طلب أحد هذا الحديث إلا قلت صلاته" (6). وقلة الصلاة ربما كان سببها استغراق هؤلاء في التحديث ظانين أنه من أفضل القربات إلى الله.
بينما يرى شعبة بن الحجاج (ت 160هـ) أن الاستغراق في الحديث يجرّد قلب المسلم من الإيمان الصادق، فقد قال عن سبب هجره لأهل الحديث ومفارقته لهم وتوبته عن منهجهم: "إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون" (7)، وقال
__________
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص117 برقم 264.
(2) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص117 برقم 265.
(3) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص121 برقم 279.
(4) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص119 برقم 272.
(5) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص123 برقم 286.
(6) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص112 برقم 250.
(7) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص114 برقم 256. (1/74)
صفحة 75
نادماً على ما مضى من عمله في الحديث: "ما أنا مقيم على شيء أخوف علّي أن يدخلني النار منه –قال الخطيب: يعني الحديث" (1). أما أبو بكر بن عياش (ت 193هـ) فكان سبب مفارقته لأهل الحديث هو ما عرف عنهم من أخلاق حين قال عنهم: "أصحاب الحديث هم شرّ الخلق". (2)
أما سليمان بن مهران الأعمش (ت 148هـ) فقد كان أكثر هؤلاء نفوراً من الحديث وأهله، فقد قال: "لأن أتصدق بكسرة أحب إليّ من أن أحدّث بسبعين حديثاً" (3). وقال موافقاً ابن عياش: "ما في الدنيا قوم شرّ من أصحاب الحديث" (4)، وقال مؤكداً على سوء هذه الأخلاق التي عاشر أهلها: "لو خلا هذا الباب لأصحاب الحديث لسرقوا حَديده" (5).
كانت ردة فعل الأعمش ضد أهل الحديث كيبرة جداً إلى درجة أنه قال: "لو كانت لي أكلب كنت أرسلها على أصحاب الحديث" (6)، وقد نفذ تهديده ضد أهل الحديث!، فقد قال جرير: "كنا نأتي الأعمش، وكان له كلب يؤذي أصحاب الحديث، فجئناه يوماً، وقد مات، فهجمنا عليه، فلما رآنا، بكى ثم قال: هلك من كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" (7).
__________
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص160 برقم 270.
(2) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص136 برقم 323.
(3) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص130 برقم 306.
(4) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص131 برقم 308.
(5) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص131 برقم 310.
(6) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص131 برقم 309.
(7) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص134 برقم 316. (1/75)
صفحة 76
الحديث الآحاد والعقائد:
يعلّمنا القرآن الحكيم المنهج القويم في التعامل مع الأخبار والروايات حتى لا ننزلق وراء الأهواء والرغبات، ونضيع في دائرة أوهام أصحاب المرويات، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} الحجرات:6، واستفاضت الأخبار في أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي أمره النبي (صلى الله عليه و سلم) بالذهاب إلى بني المصطلق ليجمع الزكاة، وفي منتصف الطريق أوهمه الشيطان أن القوم سيغدرون به بسبب ثأر بينهم في الجاهلية، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) وقال له: إن القوم منعوني الزكاة وأرادوا قتلي. فنزلت الآية لتفضح أمره (1).
فبينما يقول أهل الحديث إن الصحابة كلهم عدول لا يرقى إليهم جرح (2)، نجد أن القرآن الكريم قد أثبت أنهم ربما لا يصدقون في روايتهم!. فكيف بغيرهم من الناس؟!.
إن هذا النص القاطع من الكتاب العزيز يوضح لنا أن الشخص الذي يأتينا بالخبر لا يمكن أن نقطع بصدقه ما لم يكن معصوماً كالأنبياء، أما الصحابة ومن دونهم فهم غير معصومين من الكذب والوهم والنسيان، فلهذا فإن مبلغ إفادة خبر الرجل الثقة هو العلم الظني الذي يحتمل الصدق والكذب، ولا يمكن أن يصل خبر هذا الشخص الواحد –الآحادي كما في مصطلح علم الحديث- غير المعصوم إلى درجة العلم اليقيني إلا إن جاء من طريق مجموعة كبيرة من الناس يستحيل تواطؤهم جميعاً على الكذب، وهذا الخبر يسمى عندئذ بالخبر المتواتر.
ومن الدلائل على ظنية حديث الآحاد:
أولاً: العوامل البشرية الداخلية التي تعتور الراوي وهي نوعان: إرادية كالكذب والتدليس، ولا إرادية كالوهم والخلط والذهول والنسيان.
__________
(1) تفسير ابن كثير ج4ص228.
(2) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علم الحديث" ص182. (1/76)
صفحة 77
وعوامل خارجية كالحذف والبتر وسقوط الكلمات في أثناء النسخ والرواية بالمعنى، هذه العوامل تتناقص كلما ازداد عدد رواة الخبر.
ولا يُجادل في هذه العوامل لظهور دلائلها، إلا أن بعض أهل الحديث قد يستنكر جواز الوهم والنسيان للرواة، والحجة عليهم وصف رب العالمين لآدم (عليه السلام) بالنسيان حين قال: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} طه:115، وكذلك الأمر بالنسبة لموسى (عليه السلام) حين قال: {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} الكهف: 73. فإذا كان قد جاز وصف الأنبياء بالنسيان –في غير الوحي المعصوم- فكيف برواة الحديث؟ هذا إذا سلمنا بعدالة الراوي، وإلا فالباطن لا يعلمه إلا الله، فلربما كان هذا الرجل مظهراً الاستقامة مبطناً النفاق والعداء للإسلام كما هو الحال مع الزنادقة.
وقد أقرّ ابن خزيمة بجواز نسيان الصحابة لبعض الأحاديث حيث قال: "فأصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) ربما اختصروا أخبار النبي (صلى الله عليه و سلم)، إذا حدّثوا بها، وربما اقتصّوا الحديث بتمامه، وربما كان اختصاراً بعد الإخبار، أو بعض السامعين يحفظ بعض الخبر، ولا يحفظ جميع الخبر، وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن" (1). فإذا كان هذا هو حال الصحابة فكيف بمن هم دونهم؟!.
ثانياً: لو كان كل خبر يفيد العلم القطعي لما تعارض خبران، ولأفاد كلاهما علماً قطعياً منفصلاً، بينما الواقع يخالف ذلك، فكم سمعنا من زيد ما يخالف كلام عمرو، فتصديق النقيضيين واعتقادهما من العبث، فلهذا كان خبر الآحاد ظنيّاً، فإذا جاء خبر آخر إما أن يعضده ويقويه، وإما أن يدمغه ويلغيه، وهذا هو المشاهد في واقع حياة البشر الاجتماعية والعلمية.
__________
(1) ابن خزيمة "التوحيد" ص519. تحقيق سمير الزهيري. (1/77)
صفحة 78
ثالثاً: أن تصحيح الأحاديث وتضعيفها هي أمور في أصلها ظنية، يقول ابن الصلاح: "ومتى قالوا: (هذا حديث صحيح)، فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدد واحد" (1).
وقد أمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم بالاعتماد على الدلائل القطعية والحقائق اليقينية لبناء حصن العقيدة الراسخ، حيث يقول تعالى في حواره للمشركين في مسألة التوحيد: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} يونس:35. ثم يبين عز وجل أن عقيدة المشركين تقوم على الظنون والأوهام، بينما عقيدة أهل الإسلام تقوم على العلم واليقين، حيث يقول عز وجل: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} يونس36 - 37.
فهذه الآيات المحكمة تبين للمسلم المنهج الأمثل في بناء العقيدة، وهذا المنهج يقوم على القطعي اليقيني كالنصوص المحكمة من القرآن الكريم، والسنة المجتمع عليها والعلوم الكونية القطعية التي تفيد علماً ضرورياً لا يجد القلب تردداً في قبوله واعتقاده، وقد سفه حال الكافرين المتبعين للظن كأخبار الآحاد.
كما أن الله عز وجل يين لنا ضرورة التوثق من شهادات أحاد الناس في أمور المعاملات التي لا تتعلق بالعقيدة، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} النور: 4، وقوله {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
__________
(1) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص21. (1/78)
صفحة 79
وَامْرَأَتَانِ} البقرة: 282، فإذا كان الدَّين وقضايا الزنا تحتاج إلى أكثر من شاهد عدل، فكيف بالعقيدة التي هي مدار علاقة الفرد بربه؟!.
من هنا أجمعت الأمة على وجوب التواتر في هذه الأخبار الواردة عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، لكي يُبنى عليها العلم اليقيني الضروري الذي لا يجد الإنسان دفعاً له في قلبه، والذي يمكن أن يؤسس عليه عقيدة راسخة لا يجوز مخالفتها، كما تم الإجماع أيضاً على أن الأخبار التي تتوفر فيها شروط التواتر أنها أخبار آحاد تفيد الظن موجبة للعمل إن كانت متفقة ومنظومة القواعد الكلّية المستنبطة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز، والسنة المجتمع عليها، والقوانين والسنن الكونية الثابتة، لكنها لا تنفرد بتأسيس شيء من العقائد.
يقول النووي: "وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر. واختلف في حكمه، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل (1).
وهذا الكلام عن خبر الواحد الموافق لمنظومة القواعد الكلّية التي رسختها نصوص القرآن الكريم، والسنة المجتمع عليها، ودلائل العقل القطعية.
والخبر المتواتر هو المطابق للواقع الذي يرويه عدد كبير من الناس يستحيل تواطئهم على الكذب، وسمي بالمتواتر لوقوعه على التعاقب والتوالي، واختلف أهل الحديث في أقل حد للتواتر فقيل خمسة طرق، وقيل عشرة في كل طبقة من طبقات الإسناد، وقيل أكثر من ذلك، بيد أن هناك شرطاً مهماً للتواتر وهو اتفاق ثقات الأمة من الصحابة وتابعيهم بإحسان عليه، وجريان عملهم عليه. يقول ابن بركة: "والسنة على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، وقد
__________
(1) النووي في "شرح صحيح مسلم" ج1ص11 - 12. (1/79)
صفحة 80
استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها" (1).
فلهذا فإن المفهوم الشائع بأن التواتر يقصد به كثرة الطرق التي جمعها أهل الحديث محتاج إلى إعادة نظر في صحته، لانفراد طائفة من الأمة دون غيرها برواية تلك الطرق، ومن هنا نجد أن الروايات التي ينفرد أهل الحديث بروايتها لا يمكن لها وحدها أن تأسس علماً يقينياً تقوم عليه العقيدة مهما تعددت طرقها، لأنها في الحقيقة روايات آحادية، ترويها طائفة من طوائف الأمة دون بقية الطوائف.
والرسول (صلى الله عليه و سلم) وصحابته هم من أكثر الناس تطبيقاً لقاعدة ظنية خبر الآحاد وعدم القطع بصحته ورده إذا لم يتوافق مع القواعد الكلّية، ومن أمثلة ذلك أن النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى الظهر أو العصر ركعتين، فقال له رجل يعرف بذي اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له النبي (صلى الله عليه و سلم): لم أنس ولم تقصر ... ثم قال للناس: أكما قال ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم وصلى ما ترك" (2). فالنبي (صلى الله عليه و سلم) لم يكتف في هذه الرواية بخبر ذي اليدين، فأراد أن يتأكد ليقطع الشك باليقين، علماً بأن القضية عملية وليست اعتقادية.
وأبو بكر الصديق حين جاءته جدة تريد أن تورّث، فقال لها: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً وما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ذكر ذلك، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فلم يتيقن أبو بكر من كلامه فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه أبو بكر (3).
أما عمر بن الخطاب فحين أخبره أحد الأنصار عن قصة النبي (صلى الله عليه و سلم) مع زوجاته ونزول قوله تعالى {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} التحريم: 4 في زوجات النبي، لم يقطع عمر بصدق الخبر فذهب بنفسه لسؤال النبي (صلى الله عليه و سلم) عن ذلك. وجاءه أبو موسى الأشعرى
__________
(1) ابن بركة "الجامع" ج1ص280.
(2) البخاري 1227 ومسلم 97 (573). والرواية تشير كذلك إلى محاكمة الصحابي فعل النبي (صلى الله عليه و سلم) بالمستقر المجمع عليه من العمل.
(3) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص6. (1/80)
صفحة 81
فاستأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره قال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول: "إذا سلّم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع"، فلم يقطع عمر بصدق خبره وقال له: والله لتقيمن عليه بينة. أمنكم أحد سمعه من النبي (صلى الله عليه و سلم)؟ فأكد له أبيّ صدق كلام أبي موسى (1) لموافقته القواعد الكلّية التي تأمر بالاستئذان، وتنهى عن إزعاج أهل البيت والجيران.
كما أنه حين أخبرته فاطمة بنت قيس أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) لم يأمر لها بصدقة أو سكنى حين طلقها زوجها، لم يصدقها ورد خبرها لمخالفته قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الطلاق: 1، فقال: لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة جهلت أو نسيت (2).
أما السيدة عائشة رضي الله عنها فقد ردت خبر فاطمة بنت قيس الذي رده عمر كما رأينا سابقاً لمخالفته كتاب الله تعالى (3)، كما أنها ردت ما رواه عمر بن الخطاب أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (4) وقالت: "يرحم الله عمر، والله ما حدّث رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال: "إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه" وقالت: "حسبكم القرآن {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: 164" (5). كما ردت ما رواه ابن عباس أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال: "رأيت ربي عز وجل" (6)، وفي رواية أن ابن عباس قال: "رآه بقلبه" (7)، فحين سألها مسروق: هل رأى محمد
__________
(1) البخاري 6245.
(2) مسلم [3710] 46 - (1480).
(3) مسلم [3703] 40 - (1480).
(4) البخاري 1286 و1287.
(5) البخاري1288.
(6) ابن كثير "تفسير القرآن العظيم" ج4ص275 في تفسير سورة النجم الآية5 - 18، والحديث رواه أحمد وعلق عليه ابن كثير قائلاً: "إسناده على شرط الصحيح"اهـ.
(7) مسلم [436] 284 - (176). (1/81)
صفحة 82
(صلى الله عليه و سلم) ربه؟ قالت: لقد قفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن قد كذب؟ من حدثك أن محمداً قد رأى ربّه فقد كذب. ثم قرأت {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الأنعام: 103، {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} الشورى: 51" (1). وردّت خبر أبى ذر عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) في قطع الحمار والكلب الأسود والمرأة للصلاة (2)، كما ردت خبر ابن عمر الذي فيه أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) اعتمر في رجب (3).
وتفعيلاً من الصحابة لقاعدة ظنية الآحاد وقطعية المتواتر لم يقبل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في أثناء جمعهم للقرآن الكريم أخبار الآحاد، يقول ابن كثير: "وأما إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في المصحف" (4).
وهذا المنهج هو الذي سار عليه التابعون ومن بعدهم من فقهاء الأمة فقد قال الإمام جابر بن زيد رحمه الله حين سأل عن المسح على الخفين في الوضوء: "كيف يمسح الرجل على خفيه والله سبحانه وتعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم" (5). وقال أبو غانم الخراساني: "سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟. قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت. قال الله تبارك وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} الزمر: 9. قلت: يا أبا
__________
(1) البخاري4855، ومسلم [439] 287 - (177).
(2) مسلم [1137] 265 (510).
(3) البخاري 1775 و1776ومسلم [3036] 219 (1255).
(4) ابن كثير في تفسيره ج1ص336.
(5) مسند الربيع بن حبيب برقم 123. (1/82)
صفحة 83
الشعثاء، ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام. قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة" (1). فالإمام جابر يرد الأخبار المخالفة لصريح الكتاب العزيز والعمل المستقر عند الأمة.
أما عبد الله بن عبد العزيز (ت 150هـ) فحين سئل عن "العمرا والرقبا والسكنى" قال: "معنى العمرا والرقبا والسكنى من العمر، أن يقول الرجل: قد عمرتك هذه الدار حياتك فهي لك عمراً، ولك رقباً، ولك سكناً على إنها لحياتك. قال أبو عبيدة رفع الحديث إلى جابر بن زيد إلى ابن عباس أنه قال: من عمر شيئاً حياته فهو له حياته، ولورثته من بعد مماته" ثم قال: "وكان غيره من الفقهاء لا يجيز ذلك ولا يراه لورثته من بعده، وكان إبراهيم ممن لا يجيز ذلك، ويقول في العمرا: إذا مات الذي عمرها فهي راجعة، إلا أن يقول: هي لك ولعقبك. وقول إبراهيم أعدل عندي". فلما قيل له: "وكيف يكون هذا وهناً وضعفاً وقد قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): من عمر شيئاً فهو له حياته وبعد مماته؟ قال: "لو اتفق الناس على هذا الحديث من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لم يخالفه أحد من الفقهاء، ولم يجاوزه بالقياس وبالرغبة عنه، لأن كل ما كان من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لا ينبغي لأحد أن يخالف فيه" (2).
فابن عبد العزيز لم تكبله صحة السند بل تعامل مع الراوية وفق القواعد الكلية للشريعة الإسلامية، وأكد في نفس الوقت على حقيقة مهمة وهي أن الرواية الصحيحة السند التي لم يستقر عمل الأمة عليها ليست حجة ملزمة.
وقال أبو غانم الخراساني: "قلت لأبي المؤرج: إن هؤلاء يقولون ويروون عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: هذا البحر وتحته سبعة أبحر، وتحتها النيران، وكان ينهى عن الوضوء والاغتسال بماء البحر، وكان يقول: لأن أتيمم أحب إليّ من أن أغتسل من ماء البحر. قال أبو المؤرج: لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه أمير المؤمنين رحمة الله عليه
__________
(1) أبو غانم الخراساني "المدونة الصغرى" ج1ص67.
(2) أبو غانم الخراساني "المدونة" ج1ص347 - 348. (1/83)
صفحة 84
يقول بخلاف هذا القول، ويجيز الوضوء بماء البحر والاغتسال به من الجنابة" (1). فابن المؤرج يردّ رواية ابن عمر حين خالفت العمل الذي استقرت عليه الأمة.
وقد يقال: لماذا التفريق بين العقيدة وفقه المعاملات بحيث اشترط التواتر في العقيدة ولم يشترط في فقه المعاملات؟
يجاب بأن أسباب اشتراط التواتر في العقيدة قد تم بيانه سابقا مدعوماً بالأدلة القطعية من القرآن والسنة المجتمع عليها والتي استقر على العمل عليها، أما المعاملات الفقهية فإن العلم اليقيني ضروري في تأصيل القواعد الكلّية التي تحكم تلك المعاملات، وقد أسلفنا سابقاً أن القواعد الكلّية تقوم على استقراء الأدلة المحكمة من الكتاب العزيز، والسنة المجتمع عليها، وعلى القطعيات العقلية.
أما نفس تلك المعاملات في خصوصها فجائز الأخذ بالظن فيها بشرط عدم تعارض هذا الظن مع القواعد الكلّية اليقينية، فلو ألزمنا البشر الدليل اليقيني في كل معاملتهم لتوقفت حركة الحياة وتعسرت خاصة، فلو توقف حد الزنا والسرقة والقتل على الدليل اليقيني لتعطلت الحدود، وكثر الفساد في المجتمع، ومن لطف الله تعالى بعباده أنه أنزل لهم ما يناسب حركية الحياة ودينامكية العلاقات الإجتماعية، فأجاز لهم قبول شهادة الرجلين في قضايا الديّن، وقبول شهادة الأربعة في قضايا الزنا، كما أن الله عز وجل قد وجه الزوجين إلى التراجع عن طلاقهما إن هم ظنا أن يعملا بأحكام الأسرة التي شرعها الإسلام، يقول تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} البقرة: 230.
فالخلاصة أن المعاملات الفقهية يجوز الحكم فيها وفق الدليل الظني المتوافق مع منظومة القواعد الكلّية اليقينة.
__________
(1) أبو غانم الخراساني "المدونة" ج1ص135 - 136. (1/84)
صفحة 85
وقد جاء تطبيق الصحابة لقاعدة قبول خبر الآحاد غير المصادم للقواعد الكلّية المستوحاة من النصوص القطعية والثوابت العقلية والقوانين الكونية كنموذج للأمة من بعدهم، فلما اختلف الناس في مسألة دخول البلد التي حل بها الطاعون حين خرج عمر بن الخطاب إلى الشام حتى أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بأنه سمع النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول: "إذا سمعتم الطاعون بأرض قوم فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" فعرض الصحابة خبر عبد الرحمن بن عوف على القواعد الكلّية التالية:
القاعدة الأولى: أن الخبرة البشرية تؤكد انتشار الطاعون عن طريق الاقتراب من الشخص المصاب.
القاعدة الكلّية الثانية: الإسلام يحرم تعريض النفس للهلاك.
يقول تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} البقرة: 195.
ويقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء: 29.
فقبلوا خبر عبد الرحمن بن عوف (1) لموافقته هذه القواعد الكلّية.
بيد أن أهل الحديث عارضوا إجماع الأمة بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم وقالوا: "إن حديث الآحاد حجة في مسائل العقيدة"، وهذا الموقف المتزمت المعارض لإجماع الأمة نابع من اكتشافهم أن الروايات التي يتشبثون بها لبنيان صرحهم الفكري لا تحقق شرط التواتر فهي كلها آحادية، بل إن معظمها أحاديث مكذوبة وضعيفة حتى بمقاييس علم الحديث التقليدية القائمة على الجرح والتعديل.
يقول إبراهيم بن أحمد بن شاقلا، أبو إسحاق البزار (ت 269هـ) مقرراً مذهب أهل الحديث في قبول الحديث الآحاد في العقائد وأنه يفيد العلم القطعي عندهم: "ولما كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملاً دلّ ذلك على أنها موجبة للعلم" (2). وقال عبد العزيز الراجحي: "قد أجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان، على قبول
__________
(1) البخاري 5729.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص119. (1/85)
صفحة 86
أخبار الآحاد، سواء كان ذلك في الأصول –أي المسائل الإعتقادية- أم الفروع، ولم يخالف منهم أحد" (1).
وقد أسرف الراجحي كثيراً عندما وصف من قال بظنية حديث الآحاد بأنه زنديق ملحد، حيث يقول: "وسمى هذا التعيس كتابه بـ (السيف الحاد على من أخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد)، فلزم لذلك (قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد) ليعملوا سيوفهم في رقابهم، ويجعلوهم عبرة لبقية أذنابهم" (2). لأن أحمد بن حنبل إمام أهل الحديث يقرّ بظنية حديث الآحاد!، فقد نقل عنه أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي (ت 488هـ) في مقدمته في عقيدة أحمد بن حنبل وأصول مذهبه التي ضمنها ابن أبي يعلى كتابه "طبقات الحنابلة" القول بذلك، حيث قال: " فأما خبر الآحاد فيوجب العمل بموجبه، والمصير إلى حكم نطقه، دون القطع بعينه، وإنما يحسن فيه الظن بالناقل أو الجهل بالرواي ... وقد حُكى عن بعض أصحابه أنه يقول: إنه يوجب العلم. وما وجدته من لفظه، ولا أظنه يذهب إليه" (3).
والكلام الذي ذكره ابن شاقلا والراجحي مخالف للحقائق العلمي والتاريخية، فقد نقلنا إقرار النووي –وهو من أئمة الحديث- إجماع الأمة على ظنية حديث الآحاد، كما بينا بالأمثلة سابقاً كيف رد الصحابة الكثير من الروايات التي جاء بها صحابة آخرون!.
وأكثر متأخري أهل الحديث الذين تأثروا بالمدارس الكلامية –خاصة المدرسة الأشعرية- خالفوا توجه أئمتهم، وأقروا بظنية الحديث الآحاد، وقد سبق أن نقلنا كلام النووي في المسألة، ونضيف إليه قول اثنين من كبار أئمة الحديث المعتبرين عند الراجحي!، فقد قال الذهبي: "ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما
__________
(1) عبد العزيز الراجحي "قدوم كتائب الجهاد" ص8.
(2) عبد العزيز الراجحي "قدوم كتائب الجهاد" ص7.
(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص245 - 246. (1/86)
صفحة 87
أحد" (1). وقال ابن كثير: "وأما إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في المصحف" (2).
الخلاصة:
نستنتج مما مضى أن أطنان الروايات التي يفرضها علينا أهل الحديث لا يمكن قبولها كممثل للسنة النبوية دون عرض على القواعد الكلّية للشريعة الإسلامية.
يجب إعادة تعريف جديد للحديث الصحيح فالتعريف التقليدي "كل ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (3) لا يفي بالغرض، وذلك لأن المقصود بالشذوذ غالباً هو مخالفة روايات الثقات (4)، أما العلة فهي أيضاً تختص بالسند!، حيث يقول النووي في "شرح تقريب النووي" ما نصه: "والعلة عبارة عن سبب قادح مع أن الظاهر السلامة منه، وتتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهراً وتدرك بتفرد الرواي وبمخالفته غيره له مع قرائن تنبه العارف على وهم بإرسال أو وقف أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك" (5).
فالتعريف للحديث الصحيح عند أهل الحديث يختص بالناحية الإسنادية فقط!، وقد رأينا مجموعة غير قليلة من الروايات في كتابي البخاري ومسلم المعروفين بالصحيحين (6) لا يمكن القبول بها لمعارضتها نصوص القرآن الكريم والمجتمع عليه من سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ودواعي العقل والسنن الكونية، فلهذا لابد للأمة من أن تتخلص من عقدة القداسة للمرويات الآحادية
__________
(1) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص6.
(2) ابن كثير في تفسير قوله تعالى {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} البقرة: 238 ج1 ص336.
(3) النووي "شرح تقريب النووي"، نقله السيوطي "تدريب الرواي في شرح تقريب النووي " ج1ص61 - 62.
(4) يقول السيوطي في "تدريب الرواي" ج1ص64 "لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال، أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه، والثاني: تفرد الثقة مطلقاً، والثالث: تفرد الرواي مطلقاً"اهـ.
(5) السيوطي "تدريب الرواي في شرح تقريب النووي" ج1ص295.
(6) ينقل عبد العزيز الراجحي في كتابه "قدوم كتائب الجهاد" ص175 كلاماً لأبي إسحاق الاسفرائيني (418هـ) قال فيه: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال"اهـ. (1/87)
صفحة 88
التي أثكلت كاهلها وأن تعرض هذه الأطنان من الروايات على محك أحكم وأقوم من المحك الذي استخدمه أهل الحديث، هذا المحك يعتمد على:
أولاً: النقد الخارجي للرواية عن طريق النظر في الإسناد (الجرح والتعديل) بحيث تترك روايات الضعفاء ما لم يعضدها نص قرآني أو سنة صحيحة مجتمع عليها، أو حقيقة كونية ثابتة.
كما ينبغي تحاشي رواية غلاة أهل الحديث والمشتهرين بالعمالة للسلطة، يقول الفخر الرازي: "إن هؤلاء المحدّثين يخرجون الروايات بأقل العلل، مثل: إنه، ناقل الرواية، كان مائلاً إلى حب علي فكان رافضياً فلا تقبل روايته، ومثل: كان معبد الجهني قائلاً بالقدر فلا تقبل روايته، وما كان فيهم عاقل يقول: إنه (أي الرواي) وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته. إن هذا من العجائب" (1).
وما قاله الرزاي هو ما أكد عليه الكثير من عقلاء الأمة، فها هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة يقول: "لا ينبغي أن تأخذ العلم من مبتدع لأنه يدعو لبدعته، ولا من سفيه يدعو إلى سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان صادقاً في فتواه، ولا ممن لا يفرز مذهبه من مذهب غيره" (2).
ويقول الشيخ ناصر بن أبي نبهان: "وذلك من دان برؤية الباري، وأن محمداً رآه في الدنيا بعينه، فليس بحجة فيما ينقله عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، ولا عن الصحابة، مما لم تقم على صحته الحجة على غيرهم من الفرق، لأن ذلك متهم، والمبطل لا يكون حجة على أحد في شيء لم تقم عليه الحجة بصحة ذلك" (3). وقال أيضاً: "وعلى هذه الصفة هل هم أمناء على نقل الأخبار عن النبي (صلى الله عليه و سلم) وعن أصحابه؟ وهل هم حجة على أحد من المسلمين؟ وهل تصح شهادتهم، وتقبل على غيرهم من أهل الحق في درهم واحد؟ " (4).
__________
(1) الفخر الرزاي "أساس التقديس" ص63.
(2) عمرو بن خليفة النامي "دراسات عن الإياضية" ص127.
(3) نقله جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج7ص317.
(4) نقله جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج7ص292. (1/88)
صفحة 89
ويقول ابن بركة موضحاً أسباب التوجس من روايات أهل الحديث: "ومخالفونا ينكرون منا أنا لا نقبل أحاديثهم ونقلدهم فيها، وفيهم عبد الملك بن مروان وأعوانه ... واحتج بعض أصحابنا بأن قال: إن الله تعالى نهانا عن تصديق هؤلاء، وأن يوجب شيئاً من تفويض الدين إليهم بإجماع، قال: لأن المخبر شاهد، وكل شاهد ليس بعدل، فهو مردود الشهادة عقوبة على فسقه وفجوره، وليكن زاجراً من عمله، وإن ذلك من حكم القرآن لا من قبل الرأي، قال الله جل ذكره: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} ومن نتهمه لا نرضاه في خبر قال الله جل ذكره {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} فأخبر بأن الخيار هم الشهداء، والحجة لله على خلقه" (1).
ثانياً: النقد الداخلي للروايات عن طريق عرضها على نصوص الكتاب العزيز، فقد ثبت عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال "إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني" (2). وهذه الرواية التي ادعى أهل الحديث أنها موضوعة! (3)، يشهد على صحتها القرآن الكريم الذي يقول الله عز وجل فيه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} النساء: 82، مع علمنا بأن السنة هي بيان لما في القرآن الكريم بنص قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44.
فما اتسق مع القواعد المستوحاة من نصوص الكتاب العزيز التي لا تعارض فيها ولا تناقض أخذ به، وما لم ينسجم مع تلك القواعد نظر في تأويله ومحاولة رفع الاشتباه والتعارض
__________
(1) عبد الله بن محمد بن بركة "الجامع" ج2ص314 - 315.
(2) مسند الربيع بن حبيب برقم 40.
(3) قال العجلوني في "كشف الخفاء" ج2ص386 معلقاً على هذه الرواية: "وهذا الحديث من أوضع الموضوعات". وذلك أن أهل الحديث لا يقرون رواية الإباضية مع أنها مروية عندهم بسند ثلاثي متصل عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و سلم)!. (1/89)
صفحة 90
بينه وبين نصوص الكتاب العزيز، فإن استعصى الجمع بينه وبين نصوص الكتاب العزيز المجكمة المنسجمة المتآلفة ردّ ورفض.
ثالثاً: عرض الروايات على القواعد الكلّية المستوحاة من المجتمع عليه من سنة النبي (صلى الله عليه و سلم) التي أجمع عليها الصحابة وتابعيهم بإحسان والتي جرى عليها عمل الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، دون خلاف بينهم في ثبوت ذلك العمل عن النبي (صلى الله عليه و سلم).
رابعاً: ردّ الروايات المخالفة للقواعد الكلّية المستوحاة من الحقائق الكونية القطعية، والحقائق التاريخية الثابتة، فلا يجوز مخالفة الكتاب المسطور الذي هو الكتاب العزيز وشرحه "سنة النبي (صلى الله عليه و سلم) " للكتاب المنظور الذي هو الكون بسننه وقوانينه الثابتة التي شاء الله سبحانه وتعالى أن لا تتغير ولا تبدل.
خامساً: ردّ الروايات المخالفة للقواعد الكلّية المستوحاة من الحقائق العقلية اليقينة، ولا يقصد بالعقل هنا محض الهوى أو الذوق الفردي وإنما يقصد به الحقائق العقلية اليقينة المبنية على القطعيات الحسية والعلمية والتاريخية، كاستحالة الجمع بين النقيضين، ووجو شيء واحد في وقت واحد في مكانين.
ونحن نجد أن هذه القواعد قد استخدمها الصحابة أنفسهم "إذ أن المتأمل في مواقفهم تجاه الأخبار المنسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم)، والمدقق في اجتهاداتهم يلحظ أنهم لم يتبعوا توجيهات رسول الله اتباعاً حرفياً، ولم ينتهجوا في فهم أقواله نهجاً نصوصياً، بل كانوا دائماً ينظروا في مقاصد فعله وخطابه، ويربطونه بقواعد القرآن الكلّية، فإذا تبين أن قوله أو فعله بيان مطلق لكتاب الله لا يتقيد بقيود الزمان والمكان، ولا يتعلق بأحوال خاصة اتبعوه دون تغيير أو تحوير، كما فعلوا عندما اتبعوه في صلاته وصيامه وحجه. أما إذا تبين لهم أن قوله او فعله متعلق بتطبيق قواعد الكتاب وكلياته وفقاً لخصوص الزمان والمكان، اجتهدوا في تحقيق الكلّيات التي سعى لتحقيقها، والعمل بالمقاصد التي دعته إلى قول أو فعل، وإن أدى ذلك إلى مخالفة ظاهر قول رسول الله وفعله" (1).
__________
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص152 - 153. (1/90)
صفحة 91
وقد ذكر متأخري أهل الحديث الذي تأثروا بالمدرسة الأشعرية هذه القواعد، ومن ذلك قول الخطيب البغدادي (ت 463هـ): "ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل مقطوع به" (1)، ونقل السيوطي (ت 911هـ) موافقة ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) لقول الخطيب البغدادي السابق (2). وقال ابن الجوزي الحنبلي (ت 597هـ): "المستحيل لو صدر عن الثقات ردّ ونسب إليهم الخطأ. ألا ترى أنه لو اجتمع خلق من الثقات فأخبروا أن الجمل قد دخل في سم الخياط لما نفعتنا ثقتهم ولا أثرت في خبرهم، لأنهم أخبروا بمستحيل، فكل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره، وأعلم أنه قد يجيء في كتابنا هذا من الأحاديث ما لا يشك في وضعه، غير أنه لا يتعين لنا الواضع من الرواة، وقد يتفق رجال الحديث كلهم ثقاة والحديث موضوع أو مقلوب أو مدلس" (3)، وقال ابن كثير (ت 774هـ): "معرفة الموضوع المختلق المصنوع وعلى ذلك شواهد كثيرة منها ... مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة" (4).
بيد أنا للأسف لم نجد لهؤلاء جهداً عملياً في نقد متون الروايات إذا صح سندها، وخاصة تلك التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم.
وإلى أن تُرجع الأمة هذا الكم الهائل من الروايات الآحادية التي أثقلها بها أهل الحديث إلى القواعد الكلّية "سيظل الاختلاف والافتراق بين الأمة، فليس من المبالغة القول أن الجمود الفكري والفقهي المتمثل بالعجز عن تطوير المؤسسات التربوية والإقتصادية والسياسية، والتراجع المخزي في قدرات العقل المسلم الإبداعية والإبتكارية المتمثل بالتخلف التقني والتنظيمي والتخطيطي يرجع إلى هيمنة العقلية النصوصية التي تكبل العقل المسلم وتحجّم مخياله، لذلك فإننا نرى إن تحرير العقل المسلم من المنهجية النصوصية وربطه بالرؤية القرآنية
__________
(1) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص432.
(2) السيوطي "تدريب الراوي" ج1ص325.
(3) ابن الجوزي "الموضوعات" ج1ص65
(4) أحمد شاكر "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير" ص74. (1/91)
صفحة 92
شرط ضروري لتحقيق ارتقاء علمي ونهضة عمرانية، وهذا بدوره يتطلب تحديد الأسس المنهجية لاستخراج الرؤية القرآنية" (1).
__________
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص162. (1/92)
صفحة 93
قراءة في منهج أهل الحديث
يقوم منهج أهل الحديث في مجمله على التعامل التجزيئي النصوصي في استنباط الاحكام الفقهية، ويتمثل ذلك في اختزال التعامل مع القضايا المطروحة وفق النصوص الجزئية والتي هي في معظمها روايات آحادية، دون مراعاة للقواعد الكلّية التي تحكم تلك النصوص الجزئية، وقد استطاعت هذه الممارسة التجزيئية التسرب إلى المدرسة الفقهية من خلال الإمام الشافعي ومقولته المشهورة: "اذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط" (1). فقد سببت مقولة الشافعي لبساً كبيراً في أذهان كثير من الفقهاء بين مفهوم الحديث وارتباطه بالسنة، ومعلوم لدى فقهاء الأمة أنه لا يجوز مخالفة سنة النبي (صلى الله عليه و سلم) إلا أن ذلك لا ينسحب على الروايات الآحادية المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) التي يعبر عنها أهل الحديث بـ "الأحاديث"، وهذا اللبس جعل الكثير من الفقهاء يتوهمون أن الرواية الآحادية الصحية السند تمثل السنة!، فيمتنع الاجتهاد في حضورها، ويجب إنزال حكمها ومدلولها على الحوادث المختلفة دون اعتبار للأبعاد الزمانية والمكانية!.
إلا أن المدرسة الفقهية التي تعتمد القواعد الكلّية في محكامتها للروايات الآحادية واستنطاق الاحكام المختلفة وإنزالها على الواقع حاولت مواجهة مدّ المنهج النصوصي التجزيئي لأهل الحديث، وكان أبو حنيفة من أكثر الفقهاء الذين واجهوا هذا المنهج، مما حدى بأهل الحديث إلى مهاجمته وتكفيره!، يقول ابن عبد البر: "إن كثيراً من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذاً" (2). وقال: "وأما سائر أهل الحديث فهم أعداء لأبي حنيفة وأصحابه" (3)، ويذكر محمد بن عبد الوهاب موقف أحمد بن حنبل من أبي حنيفة قائلاً: "ولما أخذ بعض أئمة الحديث كتب أبي حنيفة
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص35.
(2) ابن عبد البر "الإنتقاء" ص149.
(3) ابن عبد البر في "الانتقاء" ص203. راجع عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص79. (1/93)
صفحة 94
هجره أحمد، وكتب إليه إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك" (1)، ونقل العقيلي طعن أحمد بن حنبل في أبي حنيفة وأصحابه وقوله فيهم: "أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء" (2). ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه "السنة" تكفير حماد بن سليمان لأبي حنيفة: "قال لي حماد بن سليمان اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة" (3)، ونقل فيه قولهم: "ما ولد في الإسلام مولود أشأم عليه من أبي حنيفة" (4)، وفيه أيضاً: "أبو حنيفة هذا، والله إني لأرجو أن يدخله الله عز وجل نار جهنم". (5)
ولم تكن المدرسة الفقهية الإباضية بمعزل عن هجوم أهل الحديث، وذلك أن هذه المدرسة حسب تعبير الشهرستاني: "أشد الناس قولاً بالقياس" (6)، والقياس عندهم يعتمد على عرض القضايا على القواعد الكلّية المتسنبطة من النصوص المحكمة من الكتاب والسنة المجتمع عليها، فعلى سبيل المثال استخرج زهران المسعودي في كتاب "الجامع" لابن بركة (ت 362هـ) سبعة وخمسين قاعدة فقهية كلية، وستة وسبعين ضابطاً كلياً، بالإضافة إلى القواعد والضوابط الكلّية التي لم يذكرها ابن بركة بالنص، ولكن يمكن استخراجها بالإستقراء (7)، والمستقريء لمؤلفات الإباضية الأوائل يجدهم يردون كثيراً من الروايات الآحادية مع صحة اسانيدها لعدم توافقها مع القواعد الكلّية التي رسختها النصوص القطعية المحكمة.
هذا المنهج الفقهي المتقدم جعل أهل الحديث يصنفون الإباضية ضمن فرق الخوارج "الأزارقة والنجدات والصفرية والبيهسية"، مع أن الإباضية لا يقولون بأن المسلم العاص خارج من الملة مباح الدم كما يقول الخوارج، بل هم يحرّمون دماء أهل القبلة مهما اختلفوا معهم في
__________
(1) محمد بن عبد الوهاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص35.
(2) العقيلي في كتابه "الضعفاء الكبير" ج1ص23 في ترجمة أسد بن عمرو البجلي.
(3) كتاب "السنة" لعبدالله بن أحمد بن حنبل ص184.
(4) كتاب "السنة" لعبدالله بن أحمد بن حنبل ص187.
(5) كتاب "السنة" لعبدالله بن أحمد بن حنبل ص223.
(6) الشهرستاني "الملل والنحل" ص134.
(7) زهران المسعودي "الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية" الفصل الثاني ص131 - 276. (1/94)
صفحة 95
المذهب والمنهج، ولا يفرقون بين الإباضية وبين أهل القبلة في النكاح والتعامل (1)، إلا أن أهل الحديث أنزلوا عليهم أقصى الأحكام، فها هو ابن قدامة الحنبلي يقول: " وقال مالك في الإباضية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم" (2)، وقال أيضاً: " وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا يصلى على الخوارج فإنه قال أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا ... وقال مالك لا يصلى على الإباضية ولا القدرية وسائر أصحاب الأهواء ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم" (3).
لعل من الأسباب المهمة التي حرضت أهل الحديث على مهاجمة الفقهاء الشعور بعقدة النقص، والإقرار الداخلي بالضعف أمام الفقهاء الذين يتميزون بملكات ومدارك عقلية عركها السهر على دراسة نصوص الكتاب العزيز، وصقلها محاولة اكتشف القواعد الكلّية التي تربط النصوص بعضها وتنتظمها في إطار يضمن عدم تعارضها وتناقضها، أما أهل الحديث فإن الجري المفزع وراء الروايات الآحادية ومحاولة حفظ أكبر قدر منها قتل ملكة التدبر والتأمل والبحث، فصاروا يعانون من البساطة والسطحية في التعامل مع المعطيات المختلفة.
وحقيقة بساطة أهل الحديث التي تحركهم للثورة على الفقهاء!، قد أقر بها كبار أهل الحديث، فقد اعترف محمد بن إسحاق بن خزيمة بضعف عقلية المحدّثين بقوله فيما رواه البيهقي: "خرج أبو بكر محمد إسحاق يوماً قرب العصر من منزله فتبعته، وأنا لا أدري أين مقصده إلى أن بلغ باب معمر، فدخل دار أبي عبد الرحمن، ثم خرج وهو منقسم القلب، فلما بلغ المربعة الصغيرة، وقرب من خان مكي، وقف وقال لمنصور الصيدلاني: تعال. فعدا إليه منصور، فلما وقف بين يديه، قال له: ما صنعتك؟ قال أنا عطار. قال: تحسن صنعة الأساكفة؟ قال: لا. قال: تحسن صنعة النجارين؟ قال: لا. فقال لنا: إذا كان العطار لا يحسن غير ما هو فيه فما تنكرون على فقيه راوي حديث أنه لا يحسن الكلام" (4). ونقل البيهقي عتاب
__________
(1) راجع محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج3ص417.
(2) ابن قدامة الحنبلي "المغني" ج9ص7.
(3) ابن قدامة الحنبلي "المغني" ج9ص11.
(4) البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ج2ص400. (1/95)
صفحة 96
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي لابن خزيمة حيث قال: "ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم نتعلمه" (1).
ويقرّ الشعبي –وهو أحد أئمة الحديث- بأن أهل الحديث ليس لهم دراية وتمرس بفنون الفقه، فيقول: "إنا لسنا بفقهاء، ولكن رواة الحديث" (2).
ويقول ابن الجوزي الحنبلي وهو من متأخري أهل الحديث: "فترى المحدّث يكتب ويسمع خمسين سنة ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المحدثين فقالوا: زوامل أسفار لا يدرون ما معهم. فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل وعمل بذلك" (3).
وقال: "قال الخطابي: "وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المحدّثين لكنه لما قلت مخالطته للفقهاء كان لا يفهم جواب فتوى ... فجاءته امرأة فقالت: أيها الشيخ ما تقول في بئر سقطت فيه دجاجة فماتت فهل الماء طاهر أو نجس؟ فقال يحيى: ويحك. كيف سقطت الدجاجة إلى البئر. قالت: لم تكن البئر مغطاة. فقال يحيى: ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء. قال الأبهري: فقلت يا هذه إن كان الماء تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر" (4).
وقال عنهم الفقيه أبو المؤرج: "فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها" (5). ومصداق ذلك ما رواه الخطيب البغدادي من أن امرأة وقفت على مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وخلف بن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ورواه فلان، وما حدث به غير فلان. فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى؟ فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض. فأقبل أبو ثور، فقالوا لها: عليك بالمقبل.
__________
(1) البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ج2ص401.
(2) رواه أبو نعيم في الحلية 4/ 313 وعثمان الدارمي في "الرد على المريسي" ص385 نص رقم 207.
(3) ابن الجوزي "تلبيس إبليس" ص158.
(4) ابن الجوزي "تلبيس إبليس" ص159.
(5) الديوان المعروض، كتاب الصيام ص47. (1/96)
صفحة 97
فالتفتت إليه فسألته، فقال: نعم، تغسل الميت بحديث عائشة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لها: "حيضتك ليست في يدك"، ولقولها: "كنت أفرق رأس رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بالماء وأنا حائض". قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحي فالميت أولى به. فقالوا: نعم، رواه فلان وحدثنا فلان، وخاضوا في الطرق. فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟!. (1)
فليس مستغرباً أن تسمع الشافعي يقول لأهل الحديث: "أنتم الصيادلة، ونحن الأطباء" (2). وهذا التوصيف الدقيق يعكس الحالة المنكوسة التي يمكن أن يصل إليها الأمر إذا تجاوز الصيادلة الأطباء وقاموا بعلاج الناس بأنفسهم، فقد يستخدمون دواء ما وهو لا يناسب المريض!، والفقه مثل الطب، إنه إنزال النص على الواقع، فكما يختار الطبيب الدواء المناسب لكل مريض حسب خصوصيته النفسية والعضوية، يختار الفقيه الحكم المناسب لكل حالة حسب ظروفها الزمانية والمكانية، بيد أن أهل الحديث استطاعوا مع مرور الأيام إقصاء الفقهاء عن الساحة الفكرية، بل واستطاعوا تعميم منهجم النصوصي الصيدلاني على الفقهاء!.
يقول الشيخ محمد الغزالي: "وبعض المشتغلين بالحديث يستوعر تدبر القرآن، ودراسة دلالاته القريبة والبعيدة، ويستسهل سماع حديث ما، ثم يختطف الحكم منه فيشقي البلاد والعباد".
وقال ضارباً أمثلة لشطحات أهل الحديث الفقهية التي تفرخها النظرة الجزئية في التعامل مع النصوص:"في هذه الأيام صدر تصحيح من الشيخ الألباني لحديث "لحم البقر داء" وكل متدبر للقرآن الكريم يدرك أن الحديث لا قيمة له، مهما كان سنده، إن الله تعالى في موضعين من كتابه أباح لحم البقر وامتنّ به على الناس فكيف يكون داءً؟ ".
وقال: "وقد ظهرت في الجزائر فتوى لواحد من أهل الحديث حاربناها بقوة قبل أن تصيب الإسلام وأهله بضر شديد. إن على التجار في بضائعهم زكاة يتقربون إلى الله بأدائها، والتجار في الدنيا ملوك المال، وقد افتتح الإنجليز القارة الهندية بشركة تجارية، ولا يزال الاستعمار الاقتصادي يهيمن على ميادين التجارة حتى يتملك أعناق الشعوب! فكيف يزعم
__________
(1) الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" ج6ص67. الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" ج6ص67.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص23. (1/97)
صفحة 98
زاعم أن عروض التجارة لا زكاة فيها، وأين نذهب بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} البقرة:254، وقوله تعالى {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الأنفال: 3، وقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} البقرة: 267، لكن الشاب المشتغل بالحديث النبوي نادى في الناس ألا زكاة في عروض التجارة، إذ لا أصل لها فيما قرأ، وضم إلى ذلك أن الزكاة في التجارة لا تخرج إلا في القمح والشعير والتمر والزبيب، كأن الكرة الأرضية هي نجد وتهامة والحجاز".
والمأساة التي نعاني منها، ونخشى بلاءها على الصحوة الإسلامية تجيء من قبل قوم يسمون أنفسهم "الأخوة أهل الحديث" نلحظ عليهم عيوباً ثلاثة: اكتراثهم بالمرويات الواهية، وبناء العلالي فوقها، ثم سوء فهمهم للصحاح وتعصبهم لما يفهمون من أخطاء، ثم عجزهم عن إدراك الحكمة القرآنية، ووقوفهم بعيداً عن محاور القرآن وغاياته" (1).
فعندما نرى مثل هذه الرزايا ندرك مغزى كلام الإمام الفقيه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة حين قال: " كل صاحب حديث ليس له أمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن الله تعالى منّ علينا بجابر بن زيد لضللنا". (2)
فها هو المحدّث ناصر الدين الألباني يفتي بمنع النساء من لبس حلق وأساور وأطواق الذهب! حيث يقول: "واعلم أن الحديث فيه دلالة بينة على تحريم الذهب والحرير، وهو بعمومه يشمل النساء مع الرجال، إلا أنه قد جاءت أحاديث تدل على أن النساء مستثنيات من التحريم، كالحديث المشهور: "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها" إلا أن هذا ليس
__________
(1) محمد الغزالي "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" ص20 - 78.
(2) عمرو النامي "دراسات حول الإباضية" ص80. (1/98)
صفحة 99
على عمومه، فقد جاءت أحاديث صحيحة تحرم على النساء جنساً معيناً من الذهب، وهو ما كان طوقاً أو سواراً أو حلقة". (1)
بل والأدهى من ذلك أنه استدل لرأيه برواية هابطة جاء فيها "أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له إن ردك فعاوده. فقال له علي: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقيها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك" وهذا الكلام لا يجوز في حق أحقر صعاليك مكة فيكيف يرضاه المحدّث الألباني في عمر بن الخطاب! " ثم أردف الألباني مؤكداً على أن قوله هو قول المحدّثين من قبله: "وعن أحمد ثلاث روايات: إحداهن أن ينظر إلى وجهها ويديها، والثانية: ينظر ما يظهر غالباً كالرقبة والساقين ونحوهما، والثالثة: ينظر إليها كلها عورة وغيرها، فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة!. قلت –الألباني- والرواية الثانية هي الأقرب إلى ظاهر الحديث، وتطبيق الصحابة له والله أعلم" (2).
ومع إقرار أهل الحديث ببساطة الرواة وعدم فقههم إلا أنهم يقبلون روايتهم بالمعنى!، يقول النووي: "فصل إذا أراد الحديث بالمعنى ... قال جمهور السلف والخلف من الطوائف المذكورة، يجوز في الجميع إذا جزم بأنه أدى المعنى" (3)، ويقول الترمذي: "فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغير اللغظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى" (4).
ونحن وإن كنا لا ننكر جواز الرواية بالمعنى فقد قال أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: "لا يؤثر تغيير موقع كلمات في أحاديث الرسول أو الآثار، بأن نقدمها أو نؤخرها إذا بقى المعنى واحداً". ثم سئل: ماذا بشأن إضافة أو حذف حروف كالواو أو الألف المهموزة إذا لم يغير ذلك المعنى؟ " فقال: "أرجو أن لا حرج في ذلك" (5)، لكن الإشكال يكمن في إفراط أهل
__________
(1) المحدّث محمد ناصر الدين الألباني "سلسلة الأحاديث الصحيحة" المجلد الأول ص597.
(2) الألباني "سلسلة الأحاديث الصحيحة" المجلد الأول ص156 - 157.
(3) النووي مقدمة شرح صحيح مسلم ج1ص40.
(4) الترمذي "العلل" الملحق بكتاب "سنن الترمذي" ص1075 - 1076.
(5) عمرو النامي "دراسات عن الإباضية" ص127. (1/99)
صفحة 100
الحديث -على قلة فقههم- في الرواية بالمعنى حيث نقل الترمذي عن محمد بن سيرين أنه قال: "كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد"!، ونقل عن سفيان الثوري أنه قال: "إن قلت لكم أنا أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى". (1).
وقد أقرّ أبو سليمان الخطابي بهذه الإشكالية حين قال: "وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه، بل كثير منهم يحدث على المعنى، وليس كل منهم فقيه" (2).
فكيف تقبل رواية غير الفقهاء كحجة في الشرع دون عرض على قواعد الفقه الكلّية (3) المستنبطة من نصوص الكتاب العزيز، والسنة المستقرة المجتمع عليها، والثوابت العقلية والكونية والتاريخية؟!.
عودة إلى القائمة
إشكالية تعارض العقل والنقل بين الفقهاء وأهل الحديث:
من بين القضايا الأساسية التي أدت إلى انزلاق أهل الحديث إلى منحدر التعامل الجزئي مع نصوص الشريعة الغراء وصولاً إلى الأسفاف الفقهي والعقدي المتمثل في عقيدة التجسيم قضية أيهما أحق بالتقديم العقل أم النقل، الرواية أم الرأي، وأبرز من تعرض لمناقشة أهل الحديث في هذه المسألة الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" حيث توصل بعد النظر والتحليل إلى النتيجة التالية: "الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
-إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.
- وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
__________
(1) الترمذي "العلل" الملحق بكتاب "سنن الترمذي" ص1075 - 1076.
(2) البيهقي في "الأسماء والصفات"ج2ص427 باب: ما ذكر في النفس.
(3) القاعدة الفقهية هي "الكلية التي تَعَرُّفُ أحوال الجزئيات وأحكامها منها بحيث يمكن للفقيه بواسطتها الهيمنة على شتات المسائل والنوازل التي ينظر فيها بتصنيفها وترتيبها" (محمد الطاهر الميساوي في تحقيقه لكتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" لابن عاشور ص78). (1/100)
صفحة 101
- وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذّب الظواهر العقلية، وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول (صلى الله عليه و سلم)، وظهور المعجزات على محمد (صلى الله عليه و سلم). ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وأنه باطل.
- ولما بطلت الأقسام الأولى لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية أما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى.
فهذا هو القانون الكلّي المرجوع إليه في جميع المتشابهات" (1)
إلا أن ابن تيمية تعقبه، وانتصر لمذهب أهل الحديث بالقول: "إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبره به" (2).
يرى لؤي صافي في كتابه المميز جداً "إعمال العقل" أن إشكالية تعارض العقل والنقل لم تنبع أصلاً من داخل العقل الإسلامي الذي تشكل بتأثير الخطاب القرآني، ولكنها طرأت نتيجة لتأثر الفكر الإسلامي بالفلسفة الإغريقية، ذلك أن الخطاب القرآني يستنكر العقلية الرافضة للوحي استناداً إلى مرجعية تاريخية غير عقلية {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} لقمان: 31. لأن هذه العقلية منغلقة رافضة للنظر في أطروحات الخطاب المنزل وتعقل
__________
(1) الفخر الرازي "أساس التقديس" ص220 - 221. نقله لؤي صافي في "إعمال العقل" ص81.
(2) ابن تيمية "درء تعارض العقل والنقل" ص 138. (1/101)
صفحة 102
مضمونه. كما دعا القرآن إلى تأسيس المعتقدات على قواعد معرفية ثابتة، وعلي يقين علمي ناجم عن نظرة ناقدة متفحصة.
يقول تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} الإسراء: 36، وقال أيضاً: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28.
والقرآن يدعو الإنسان إلى الاستدلال على وجود الله وقدرته من خلال النظر في ملكوته {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} آل عمران: 190، ويدعوه إلى التصديق بمرجعية الكتاب الإلهية من خلال التدبر في آياته {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} النساء: 82.
ثم يفصل لؤي صافي الحديث في إشكالية التعارض من خلال استعراض مفهوم العقل، وانقسامه إلى عقل فطري "غريزي"، وعقل متحصل "مكتسب"، وأن العقل الفطري يتحدد بالقدرة على توليد تصورات كلية بسيطة تتحصل من خلال تجريد المدركات الحسية، ترتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً ينجم عنها تصورات مركبة، وهذه الأحكام والتصورات تشكل القاعدة المنطقية والرياضية، مثل قاعدة كون الكل أكبر من الجزء. وهذ القسم من العقل هو الذي يمثل القاسم المشترك بين الناس كلهم، ويؤدي فقدانه إلى اختلال الفهم والعجز عن التفكير السليم.
أما العقل المكتسب، فإنه متحصل من الخبرة الإنسانية، ومتولد من تطبيق العقل الفطري على موضوع ما، فعملية النمو العقلي في حقيقتها نمو للعقل المكتسب بتحصيل المعارف والاستفادة من خبرات السابقين، وإعمال مباديء العقل الفطري على مصدر معرفي معين. (1/102)
صفحة 103
والعقل المكتسب ينطوي على ثلاثة أنواع من الأحكام:
1 - أحكام متعالية عن الوجود الحسي ومرتبطة بالوجود المغيّب، كالحكم بأن النفوس تبعث من جديد بعد موتها لتثاب على أعمالها.
2 - أحكام قيمية توجه العقل في دائرة الحياة الاجتماعية، كالحكم بأن الصدق حسن والكذب قبيح.
3 - أحكام تجريبية مستمدة من ملاحظات الإنسان الطبيعية والتاريخية، كالحكم بسقوط الأجسام التي تزيد كثافتها عن كثافة الهواء نحو مركز الأرض (1).
ويضيف لؤي صافي قائلاً: إن التأمل في بنية العقل يظهر لنا أن التعارض بين أحكام الوحي وأحكام العقل الفطري غير ممكن، نظراً لخلو العقل الفطري من الأحكام المضمونية واقتصاره على الأحكام الإجرائية لا يملك أن يقضي بصدق أحكام مضمونية منفردة أو كذبها، لكنه قادر على الطعن في مصداقية منظومة من الأحكام من خلال إظهار تناقضها الداخلي، فلا يملك العقل الفطري مثلاً أن يعارض حكم القرآن بخلق الإنسان من طين، فإذا ظهر الاتساق الداخلي لمنظومة الأحكام القرآنية امتنع على العقل الفطري الاعتراض أو التشكيك في أي حكم منفرد من أحكام القرآن. فإذا امتنع قيام تعارض بين الوحي والعقل الفطري فهل يمكن قيام تعارض بين الوحي والعقل المكتسب؟
للإجابة عن هذا السؤال يجدر بنا أن نلحظ بدءاً البنية الداخلية للخطاب القرآني، إذ يتألف القرآن من آيات تنطوي على أحكام متعلقة بثلاثة مستويات من الوجود: الوجود الكلّي المغيب، والوجود الطبيعي المشاهد، والوجود الإنساني الاجتماعي المعيش.
لكن الأحكام القرآنية هذه ليست أحكاماً ناجزة بل أحكام ثاوية في النص المنزل تحتاج إلى إعمال عقل ونظر قبل استخراجها، ولأن الوحي مصدر معرفي يستمد العقل مضمونه منه فإن قيام تعارض مباشر بين آيات الكتاب والعقل المكتسب من تطبيق العقل الفطري على تلك الآيات ممتنع أيضاً، إذ لا يمكن بأي حال أن تتعارض المفاهيم والتصورات
__________
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص80 - 103، بتصرف. (1/103)
صفحة 104
المستمدة من مصدر معرفي مع المعطيات المعرفية لذلك المصدر، لأن تلك المعطيات تؤلف المادة التي يستخدمها العقل الفطري لتشكيل العقل المكتسب، فمصدر التعارض بين العقل والوحي لا بد أن يعود إلى أحكام ناجمة من مصادر أخرى. فما المصادر الأخرى المولدة للمعارف العقلية؟
المصدر الآخر للمعرفة الذي تتولد منه تصورات العقل وأحكامه هو الوجود الطبيعي والاجتماعي للإنسان. لقد ارتبط مفهوم العقل بالمعرفة الطبيعية ارتباطاً حميماً حتى أطلق المسلمون المتقدمون صفة عقلي على كل ما ارتبط بالنظر في المحيط الطبيعي والاجتماعي للإنسان، لذلك أدرجوا الطب والهندسة والحساب والفلك والسياسات المدنية في دائرة العلوم العقلية.
فانقسام العلوم بين عقلي ونقلي يكشف لنا بعداً جديداً في طبيعة إشكالية التعارض يتعلق بالمعارف المكتسبة من خلال النظر في معطيات الواقع المحسوس، والتأمل في بنية الواقع المشهود. ومن هنا يظهر لنا أن مشكلة تعارض العقل والنقل لا تنبع من رفض عقلي مباشر لنصوص منقولة، بل تتعلق بتناقض دلالات النص المنقول وتجليات الواقع المشهود. لكننا إذا أمعنا النظر في في طبيعة الأحكام المضمونية المستمدة من الوحي والواقع وجدنا التعارض بين العقل المكتسب والوحي القرآني ممتنع في دائرة الأحكام المتعالية والقيمية لأن النظر في الواقع المشهود لا يمكن أن يولد أحكاماً متعالية أو قيمية دون هداية الوحي ذاته، الذي يمثل المصدر الرئيس لمثل هذ الأحكام.
فإمكان التعارض قائم في دائرة الأحكام التجريبية وحدها. بيد أنه من الطريف ملاحظة أن هذه الدائرة لم تكن يوماً من الأيام عبر تاريخ الفكر الإسلامي كله مداراً للتعارض. في حين أن الخلافات التصورية بين فرق المسلمين ومذاهبهم تركزت في دائرة الأحكام المتعالية.
لذلك فإننا نرى أن إشكالية التعارض في جوهرها ليست تعارضاً بين أحكام لامتناع التعارض بين الأحكام المستمدة من الوحي المقطوع في ثبوته، وتلك المستخرجة من النظر في (1/104)
صفحة 105
آيات الآفاق والأنفس. بل التعارض في حقيقته تعارض بين منهجيات البحث والنظر، ومنظومات الأحكام المضمونية الناتجة عنها، لذلك وجدنا أن الخلاف بين ابن تيمية والرازي ليس خلافاً في تعارض أحكام نقلية وعقلية بعينها، بل خلاف في آليات الاستدلال وأولويات المصادر، فابن تيمية يرفض تقديم قطعيات العقول على ظنيات الأخبار بالقول: "مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدمات الأدلة السمعية" (1).
فالقضية في جوهرها إذن قضية رفض أهل الحديث لتحكيم المدارك العقلية في النص، سواء ما تعلق منه بتأويل آيات الكتاب عند امتناع حمل معانيها على ظاهرها أو بردّ أخبار الآحاد ظنية الثبوت عند تعارضها مع اليقينات العقلية (2).
بيد أن موقف أهل الحديث الرافض لإقحام العقل في فهم النص، والمصر على الحرفية في الفهم والاتّباع حتى عند تعارض دلالة النص الظاهرية مع اعتقده العقل يقيناً، موقف مضطرب يؤدي إلى اعتبار الجزئي ورفض الكلّي، واعتماد الظني ورد اليقيني، ذلك أن فهم النصوص وتحديد دلالاتها يتوقف على أمرين.
الأول: تحديد معاني الألفاظ من خلال مقارنتها بالاستخدامات المختلفة للألفاظ ضمن الخطاب الكلّي، وبالتالي فإن تحديد معنى الألفاظ المتضمنة في النص يحتاج إلى عملية استقراء ينتقل فيها العقل من الجزئي إلى الكلّي، من خلال مقايسة الجزئيات بعضها ببعض.
أما الأمر الثاني المهم الذي يتوقف عليه فهم النصوص فيتعلق باختيار المدلول، وتحديد أوجه دلالة النص عليه. وهذا يعني أن فهم أي جزئي لا يتم إلا من خلال ربطه بمجموعة من الكلّيات التي تشكل في جوهرها الأحكام المضمونية لعقل المفسر لمفهوم النص.
وبناءً على ما تقدم نخلص إلى أن الوصول إلى اليقين المعرفي لا يمكن أن يتم إلا من خلال تطوير منظومة من الأحكام الكلّية اليقينة المتحصلة من خلال نظر واستدلال عقليين
__________
(1) ابن تيمية "درء تعارض العقل والنقل" ص174.
(2) لؤي صافي "إعمال العقل" ص103 - 105. بتصرف. (1/105)
صفحة 106
في مصدري المعرفة الرئيسيين: الوحي والواقع. بمعنى أن الأحكام الكلّية هذه تتولد نتيجة لتواطؤ الأحكام الجزئية المستقرأة من مفردات الوحي وتمظهرات الواقع، ومن هذا المنطلق يظهر تهافت دعوة أهل الحديث إلى تأسيس المواقف على أساس نصوص مجتزأة أو حوادث متفرقة، ذلك أن تظافر النصوص وتواطؤ الحوادث شرط أساسي للوصول إلى قناعات راسخة وأحكام يقينية، ومن تأسيس تصور كلي لجال من مجالات الوجود.
وهكذا يظهر لنا أن تعارض العقل والنقل في فحواه تعارض بين نصوص جزئية ومجموعة من المباديء الكلّية، وبالتالي النظر العلمي يقتضي إلحاق الجزئي بقاعدة كلية، فإن تعذر نظرنا في إمكان تعديل القاعدة الكلّية لدفع التعارض الكلّي والجزئي، فإن تعذر فلا مفر من التوقف في اعتبار الجزئي واستمرار العمل بالكلّي، أي التوقف في النص، واعتماد منظومة القواعد الكلّية التي تشكل البنية الداخلية لعقل الناظر في النص (1).
وقد عمد الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" إلى تأسيس قواعد عقلية يقينية مستنبطة من نصوص الوحي، يحاكم من خلالها حشوية ابن خزيمة الذي حاول في كتابه "التوحيد" منع تأويل النصوص وحملها على المجاز لينتصر لعقيدة التشبيه التي يتبناها أهل الحديث، ولم يعرض الرازي قواعده بصورة منهجية لكننا نستطيع تقسيمها إلى أربع قواعد تنزيهية:
القاعدة 1: يمتنع تشابه الباري أو تماثله مع أي من خلقه:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} الإخلاص: 1 - 4.
{فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 22.
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11.
__________
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص105 - 107. بتصرف. (1/106)
صفحة 107
{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} الشورى: 11.
القاعدة 2: يمتنع تحيز الباري في سماء أو أرض لأنه خالق لهما، قيوم عليهما، ومستغنٍ عنهما:
{اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} البقرة: 255.
{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} الحشر: 24.
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ} الأنعام: 12.
{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} الزخرف: 84.
القاعدة 3: يتسامى الباري عن حدود الزمان والمكان:
{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} الحديد: 3.
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} القصص: 88.
القاعدة 4: يستحيل تخصص الباري في جهة:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} البقرة: 186.
{وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} البقرة: 115.
القاعدة 5: يمتنع قياس الغائب على الشاهد عند تحديد صفات الذات الإلهية لاختلاف المقيس والمقيس عليه.
وبذلك تكتمل القواعد الكلّية التي تشكل منظومة الأحكام التي يرجع إليها الرزاي لدى تأويله للنصوص وتحديده لدلالات الألفاظ المرتبطة بأسماء الله وصفاته.
وانطلاقاً من منظومة الأحكام السابقة يعمد الرازي إلى استعراض النصوص التي يدل ظاهرها على التجسيم، كقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه:5، فيبين ضرورة (1/107)
صفحة 108
تأويل الآية وإخراج الاستواء من الحقيقة إلى المجاز لاستحالة حمل المعنى على الحقيقة. فحقيقة الاستواء الاستقرار على العرش والجلوس عليه، وهو محال في حق الله تبارك وتعالى، ويخلص الرازي إلى أن الاستواء يعني في سياق الآية الاستيلاء والقهر والسطرة. (1)
ويلخص لؤي صافي رؤيته للمنهج الكلّي الذي استخلصه من خلال استقراءه الدقيق لفكر الفخر الرزاي بقوله: "إن القضية التي يثيرها الرزاي هنا قضية منهج استنباط المفاهيم والأحكام من النصوص، فنراه يرفض منهج المحدّثين الذين يعتمدون الأخبار المرفوعة إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ما دام سندها صحيحاً، ولا يرون حاجة في النظر إلى الاتساق الداخلي للمفاهيم والأحكام المستنبطة من أحاديث الآحاد ذات الطبيعة الظنية، ولا يبدون رغبة في التحقق من انسجام المعاني المستخرجة من الحديث وتلك المستمدة من القرآن الكريم" (2).
وهذا المنهج هو الذي سار عليه الراسخون في العلم، فقد استخرج زهران المسعودي في بحثه القيم حول الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ت 362هـ) ومكانته الفقهية في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "الجامع" سبعة وخمسين قاعدة فقهية، وستة وسبعين ضابطاً كلياً، بالإضافة إلى القواعد والضوابط الكلّية التي لم يذكرها ابن بركة بالنص، ولكن يمكن استخراجها بالإستقراء (3)، ومنهج ابن بركة هو نفس منهج الصحابة الذين أوضحنا سابقاً ردهم للأخبار الغير متفقة مع القواعد الكلّية، وهو المنهج الذي سار عليه فقهاء التابعين وتلامذتهم كجابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع بن حبيب وعبدالله بن عبد العزيز وغيرهم من الفقهاء كأبي حنيفة وأبي ثور.
إلا أن المنهج الذي سار عليه ابن بركة والذي يمثل جوهر المدرسة الإباضية أهمل مع تقادم الزمن ولم يجد من يعتني به!، ونحن نرى أن هذا المنهج هو الحل الأمثل لأزمة الفكر الإسلامي الراهنة، فالنظرة القواعدية الكلّية تشتمل على كل الحلول الجزئية التي طرحها المفكرون الإسلاميون لمعالجة الأزمة الفكرية الإسلامية، فالقواعد الكلّية تضمن ترسيخ "مقاصد
__________
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص108 - 111. بتصرف.
(2) لؤي صافي "إعمال العقل" ص112.
(3) زهران المسعودي "الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية" الفصل الثاني ص131 - 276. (1/108)
صفحة 109
الشريعة" التي نظّر لها محمد عبده ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهم، وتضمن كذلك تمديد "دائرة الإباحة النصية"، وتقليص "دائرة الإلزام" الذي نادى إليه عبد الجواد ياسين (1)، وهي تتجاوز الإشكالات التقنية للقياس الفقهي، بالإضافة إلى عدم تجاوزها المخل للروايات الآحادية، وإنما حددت لها طرقاً في التعامل بما يضمن الإنسجام والاتساق والتناغم بين النصوص المختلفة حتى تشكل بنياناً متماسكاً محكماً يستطيع الموائمة بين النص والواقع.
وقد يدّعي البعض أن علم أصول الفقه فيه مع علم الجرح والتعديل غنية عن منهج القواعد الكلّية، إلا أن الأمر غير ذلك تماماً فعلم أصول الفقه قائم في أساسه على النظر إلى النصوص كقوالب لفظية مفككة، بينما منهج القواعد الكلّية يتعامل مع النصوص كعالم متجانس من الجزئيات التي تتآلف لتشكل البناء الكلّي الذي يقم عليه فضاء الفقه الرحب، يعّلق ابن عاشور على علم الأصول قائلاً: "معظم مسائله مختلف فيها بين النظّار، مستمر بينهم الخلاف في الأصول تبعاً للاختلاف في الفروع. وإن شئت فقل: قد استمر بينهم الخلاف في الأصول لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع، إذ كان علم الأصول لم يدوّن إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين ... على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تُؤذِن بها تلك الألفاظ، ويمكن أن تُجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مرادٌ من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة" (2).
وقال ابن عاشور نافياً درجة القطع عن علم أصول الفقه: "معظم أصول الفقه مظنونة" (3) وقال أيضاً: "وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من كتاب
__________
(1) عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام".
(2) ابن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلامية" ص166 - 167.
(3) ابن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلامية" ص168. (1/109)
صفحة 110
الموافقات الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية فلم يأت بطائل" (1). ولكنه امتدح منهج القواعد الكلية بالقول: "ولقد فاضت كلمات مباركة من بعض أئمة الدين أمست قواعد قطعية للتفقه، إلا أن تناثرها وانغمارها بوقوعها في أثناء الاستدلال على جزئيات، يسارع إليها بإبعادها عن ذاكرة من قد ينتفع بها عند الحاجة إليها، وهذا مثل قولهم: "لا ضرر ولا ضرار"، وقول عمر بن عبد العزيز "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، وقول مالك في الموطأ: "ودين الله يسر" (2)
يقول لؤي صافي: "إن النظر المدقق في منهجية القواعد القياسية يظهر لنا تماسك هذه المنهجية واتساقها مستمد من قدرتها على توظيف مبادئ العقل وعملياته المختلفة للوصول إلى نتائج راسخة، بدءاً من عملية التحليل ومروراً بعملية القياس وانتهاءاً بعملية التركيب. إذ يعمد المجتهد في فهم النصوص إلى تحليلها إلى مفرداتها وتحديد معانيها ومنطقها الداخلي، ثم إعادة تركيبها بناءً على تشابه دلالاتها ومقاصدها. وهكذا يؤدي اتحاد مقاصد الأحكام الجزئية إلى تركيبها وفق قواعد كلية ومن ثم القياس على الكلي بدلاً من القياس على الجزئي، لذلك فإن اعتماد القواعد الكلية ليس إلغاء لعملية القياس بل تلخيصها من ترددها الظني والسمو بها إلى مستوى معرفي أكثر ثبوتاً ورسوخاً" (3)
أما عن منهجية استخراج مثل هذه القواعد فيلخصها لؤي صافي في النقاط التالية:
1 - تحديد النصوص المرتبطة بالموضوع المدروس من كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم.
2 - تحليل النصوص بغية تعيين معاني الألفاظ المفردة اللغوية ودلالاتها الاصطلاحية في الخطاب القرآني أو النبوي، وتحديد دلالات النظم الثاوي في التركيب الصرفي والنحوي للنصوص.
3 - تعليل النصوص بالنظر إلى مناط الأحكام المرتبطة بالنصوص وتحديد المقصد أو المصلحة او السبب الذي يدور حوله الحكم وجوداً وعدماً.
4 - استقراء المعاني الكلية لنصوص الكتاب وصياغتها وفق عدد من القواعد العامة.
__________
(1) ابن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلامية" ص172.
(2) ابن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلامية" ص173.
(3) لؤي صافي "إعمال العقل" ص205. (1/110)
صفحة 111
5 - عرض نصوص السنة على القواعد المصاغة في الخطوة السابقة للنظر في تأثيرها على هذه القواعد من حيث تخصيص عامها، أو بيان مجملها أو تقييد مطلقها.
6 - اعتماد القواعد القياسية المتحصلة لفهم الواقع المدروس، أو توجيهه والحكم عليه، وهو ما يعرف في علم الأصول بتحقيق المناط. (1)
وفي هذا الإطار يمكن لنا نتفهم عدم اهتمام كثير من أئمة الفقه لعلوم الجرح والتعديل ومرويات أهل الحديث، فأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وحين سئل أبا عبيدة عن الشخص الذي لا يحفظ الروايات هل يستطيع تدريس العلم؟ قال: "سبحان الله، أكلّ الناس يحفظون الحديث؟ بل يؤخذ العلم عن الثقات، وإن كانوا لا يعلمون حديثاً واحداً" (2)
الاجتهاد والتقليد عند أهل الحديث:
إن الهروب من إعمال العقل في النصوص هو أساس البنية الفكرية لمدرسة أهل الحديث، وهذه القاعدة يلخصها الحسن بن علي البربهاري (ت 329هـ) في دعوته لأتباعه وقوله لهم: "فالله الله في نفسك وعليك بالأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو التقليد". (3)
فالدين عند أتباع هذه المدرسة هو التقليد، أما إعمال العقل في آيات الله الكونية والتعامل مع القرآن الكريم بتدبر وتمعن كما أمرنا الله تعالى بقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} ص: 29 فهو مغيب عندهم. وفي كلام البربهاري مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي اعتبر التقليد الأعمى دون وعي وتعقل من صفات أتباع الملل المنحرفة {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم
__________
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص195 - 196.
(2) عمرو النامي "دراسات عن الإباضية" ص127.
(3) حسن البربهاري "شرح السنة" ص 118. (1/111)
صفحة 112
مُّقْتَدُونَ} الزخرف23، والذي حذر من مغبة التقليد الأعمى بقوله: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} البقرة: 166.
بل قد وصل الأمر بالبربهاري إلى رفض عرض أقوال أئمته على كتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} فصلت42، فهو يقول: "وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا يُشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة" (1). ودعوة البربهاري هي اجترار لأصداء تجاوزتها عجلة المد الإيماني الذي بدد ظلام الجاهلية، فهي تجسد من وصفهم الله تعالى بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} المائدة: 104، بينما القرآن العظيم يدعو أتباعه إلى التفكر والنظر واتباع أقرب الأقوال إلى الحق {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} الزمر: 18.
ولا تعارض بين دعوة البربهاري لتقليد الأثر وبين رفض أهل الحديث عدم اتباع الفقهاء ومنهجهم القائم على القواعد الكلّية، ذلك أن أهل الحديث يرون في أطنان الروايات الآحادية التي مخازنهم كفيلة بتغطية جميع الاحتياجات الفقهية والعقدية، فهم لا يبالبون بالتفاوت الزماني والمكاني بين لحظة النص في تلك الروايات وبين الواقع الذي يستلزم الحكمة في إنزال النص عليه.
وظن كثير من المفكرين أن دعوة أهل الحديث التي ظهرت حديثاً تحت مسمى "السلفية" هي دعوة للإجتهاد من خلال التعامل المباشر مع النصوص، إلا أن هؤلاء سرعان ما
__________
(1) حسن البربهاري "شرح السنة" ص113. (1/112)
صفحة 113
سيكتشفون خطأ تصورهم حين يدركون أن الإجتهاد عند أهل الحديث يقصد به التقيد الحرفي بالتراث الروائي!.
وابن القيم الجوزية يؤكد على حقيقة تقديم أهل الحديث للروايات الضعيفة الواهية على الإجتهاد القائم على محاكمة الجزئي "الروايات الآحادية" بالكلّي "نصوص الكتاب والسنة المجتمع عليها ودلائل العقل القطعية"، حيث يروي ابن القيم عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: "سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إليّ من الرأي. فسألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة. فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي". (1)
ونتيجة لهذه العقلية السطحية التي تعامل بها أهل الحديث، صار بسطاءهم أرضاً خصبة تنبت فيها عقائد أهل الملل المنحرفة، خاصة إنهم وجدوا ما يتكئون عليه من آيات متشابهات في القرآن الكريم تعجز مداركهم العقلية عن تدبر معانيها وتأويل ما فيها، وتجاوزا ذلك إلى تعليب الروايات المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) للانتصار لعقائد الأمم المجسمة. يقول ابن الجوزي: "واعلم أن عموم المحدّثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه وتعالى على مقتضى الحسن فشبهوا، لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم". (2)
قدسية القرون الثلاثة الأولى:
لا يخفى على الباحث أن أهل الحديث ينزعون إلى تقديس أقوال وآثار أصحاب القرون الثلاثة الأولى فهم حسب تعبيرهم: "كانوا أعلم بلغة القرآن ومراميه، وأدقّ في محكمه ومتشابهه، وأعرف بالفرق بين الحق والباطل، وأعظم محبة للحق الذي أرسل به محمد (صلى الله عليه و سلم)، وأصبر على متابعة الحق واحتمال الأذى، وكانوا يرون في الحجج العقلية المنتزعة من الكتاب والسنة غناءً تاماً عن الطريق القياسية الكلامية، ولم يصدر عنهم ذم جنس الكلام، ولا ذم
__________
(1) ابن القيم الجوزية "أعلام الموقعين" ج1ص76 - 77.
(2) ابن الجوزي "تلبيس إبليس" ص159 - 160. (1/113)
صفحة 114
الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، أو الاستدلال بما بينه الله ورسوله، ولا ذم كلام هو حق، وإنما صدر عنهم ذم الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة، والمخالف للعقل أيضاً، فهم أهل نظر ودراية بجانب كونهم علماء أثر ورواية". (1)
فاستغل غلاتهم هذه القدسية المزعومة للسلف للتشنيع والشغب وتأليب الأتباع من العوام على المخالفين عن طريق وصفهم بمعاداة السلف، ومن ذلك قول ابن تيمية في مخالفيه "التزموا لذلك تجهيل السلف، وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولم تكن الحقائق من شأنهم" (2).
إن من بين أهم المشاكل التي تعتري منهج أهل الحديث تكمن في النظرة إلى النص الخالص –القرآن والسنة- كبناء من الألفاظ والجمل والتراكيب البيانية، مما يترتب عليه اعتبار أهل القرون الثلاثة الأولى هم الأعلم بالشريعة لاستطاعتهم بملكتهم اللسانية استفادة المعاني والأحكام، أما رؤية النص باعتباره عالماً واسعاً من الأحكام والنظم والمقاصد والهياكل التي يشيد عليها بنيان الفقه حسب الظروف الزمانية والمكانية فهي مغيبة، لأنها تستلزم إلى جانب الآلة اللغوية التي يعتمد عليها منهج المحدّثين استخدام أدوات تفكيرية وعقلية لم ينفرد بها أصحاب القرون الثلاثة، بل شاركهم فيها غيرهم، بل أننا نسطتيع القول إن أصحاب القرون المتأخرة لهم خلفية ثقافية ومعارف علمية أكبر من أولئك الذين عاشوا في القرون الأولى والذين انحصرت معارفهم في مفردات بيئتهم البسيطة.
وحين أدرك أهل الحديث أن نظرتهم للنص المنحصرة في بنائه اللفظي ستؤدي إلى محدوديته حيال الزمن المتغير، قاموا بعلمية توسيع هائلة لدائرة النص، فحشروا فيها أقوال وآراء علمائهم التي جعلوها موازية للنص الخالص –القرآن والسنة-، ثم قاموا بعملية تحصين لتلك الآراء عن طريق التنصيص على خيرية أصحابها على بقية الأمة!. وبذلك أصبح النص عندهم شاملاً للقرآن والسنة وآراء أئمتهم من أهل تلك القرون.
__________
(1) عبد الله عبد المحسن التركي، وشعيب الأرنؤوط في تقديمهما لكتاب "شرح العقيدة الطحاوية" ج1ص10.
(2) محمد الموصلي "مختصر الصواعق المرسلة" ج1ص36 - 37. (1/114)
صفحة 115
والرواية التي تم تعليبها للانتصار لأهل القرون الثلاثة الأولى هي ما نسب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثاً، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" (1). ويلاحظ على هذه الرواية بالإضافة إلى كونها تتحدث عن الغيب (2)، أنها تعتمد البعد الزمني كميزان للمفاضلة بين البشر، وليس للإنسان في هذا البعد قدرة ولا اختيار، فما ذنب الذين ولدوا في القرون المتأخرة أن لا تنالهم هذه الخيرية المزعومة، وهذا الميزان الزماني للمفاضلة بين البشر مخالف للنصوص القطعية من الكتاب العزيز، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات13، فمقياس الخيرية عند الله تعالى هو التقوى، ولا قيمة للبعد الزماني ولا المكاني في الإسلام.
ومن دلائل مخالفتها للقرآن الكريم معارضتها لقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} آل عمران110، والخطاب لكل الصالحين من الأمة في كل زمان ومكان إن تحقق فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وليس في الآية تخصيص لفترة زمنية كما تفترضه الرواية السابقة!.
إن هذه الرواية ومثيلاتها بجانب وصفها للإسلام بالإقليمية الزمانية والمكانية، وبجانب سحقها لروح التنافس في فعل الخيرات، وبجانب بثها لروح الهزيمة والوهن في أفراد الأمة، هي أيضاً مخالفة للثوابت التاريخية التي تؤكد على أن أصحاب القرون الثلاثة الأولى ليسوا بأفضل
__________
(1) البخاري 3650 و3651 ومسلم [6469] 210 - (2533).
(2) الغيب لا يمكن القطع فيه إلا بالدليل القطعي الثبوت والقطعي الدلالة، كنصوص القرآن الكريم الصريحة أو السنة المتواترة الصحيحة المجتمع عليها، وهذه الرواية لو صحت لا تعدو أن تكون آحادية ظنية الثبوت. وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لمسروق: "ومن حدثك أنه –أي النبي (صلى الله عليه و سلم) - يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا} لقمان: 34" البخاري 4855. (1/115)
صفحة 116
حالاً ممن جاء بعدهم، ففي عهد بني أمية الذين بدأ عهدهم في القرن الأول الهجري، بدأ الاستبداد السياسي، وترسخت فيه الديكتاتورية المقيتة، وابتدع الانتقال العمودي للسلطة كما هو الحال عند الأكاسرة والقياصرة، وحدثت في عهدهم المذابح المختلفة حيث قتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (1)، وقتل أحفاد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) الحسن الذي مات مسموماً (2)، والحسين الذي قتلته قوات يزيد بن معاوية (3). ثم تلى ذلك عهد بني العباس الذين قاموا بجرائم القتل الجماعية ضد الأمويين، وانتشر في عهدهم الفساد الإداري، وتفشى الخلل الاجتماعي وظهر المجون واللهو والعبثية وتعطيل حدود الله، كما ظهرت المذاهب الفقهية والكلامية التي ما زالت تتناحر إلى اليوم.
ونحن إذا رجعنا إلى الرواية التي احتج بها أهل الحديث ونظرنا إلى كلمة "قرن" التي اصطلح المحدّثون على أنها تعني "مائة عامة"، وحاولنا استقراء النصوص اللغوية القريبة من عهد النبوة -وأصدق هذه النصوص هو ما جاء في القرآن الكريم- لتأكد من صحة هذا الإصطلاح، سنجد أن كلمة "قرن" وردت في سبعة مواضع من الكتاب العزيز وهي:
{
أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} الأنعام: 6، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} مريم:74، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ
__________
(1) هناك روايات تشير إلى تدبير معاوية قتل علي عن طريق الأشعث بن قيس الذي استخدم عبد الرحمن بن ملجم لهذا الغرض (راجع ابن سعد "الطبقات" ج3ص37، البلاذري "الأنساب" ج3ص254) والأشعث كان متهما بأنه عميل لمعاوية (راجع احمد معروف "قراءة جديدة في مواقف الخوارج" ص59، وص71، ولمزيد من التفاصيل (راجع ناصر السابعي "الخوارج والحقيقة الغائبة" ص163 - 174). والأشعث بن قيس ارتد عن الإسلام أيام أبي بكر (الطبري" التاريخ" ج2ص30 - 304)، وقد ندم أبو بكر على عدم قتله وقال فيه "وددت يوم أتيت بالأشعث بن قيس أن ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي انه لا يرى شراً إلا سعى فيه وأعان عليه" (البلاذري "فتوح البلدان" ص112).
(2) دست له السم زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس (ابن حجر العسقلاني "التهذيب" ج23ص274، رقم1331).
(3) الطبري "التاريخ" ج2ص305. (1/116)
صفحة 117
لَهُمْ رِكْزًا} مريم: 98، {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} المؤمنون:31، {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} ص: 3، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} ق:36.
والقرن في جميع هذه المواضع يعني "الأمة"، ومعنى ذلك أن "القرن" بمعنى "مئة عام" كما تفترضه الرواية لم يكن معهوداً عند العرب في عهد التنزيل مما يثير الشكوك حول اختلاقها في وقت متأخر. ويؤكد هذا الافتراض تفسير الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 172هـ) لمعنى "القرن" قائلاً: "القَرْنُ: الأمة. وقَرْنُ بعد قَرْنٍ، ويقال: عُمْرُ كل قرنٍ ستون سنة" (1)، فهو قد أثبت أن القرن يعني الأمة، وذكر بصيغة التمريض "يقال" أن القرن قد يراد به ستون عاماً!. فإذا علمنا أن "القرن" في لغة العرب على عصر الرسول (صلى الله عليه و سلم) تعني "الأمة" ستكون دلالة الرواية كالتالي: "خير أمتي أمتي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد أمته أمتين، أو ثلاثاً، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن". وهذا التركيب البالغ الركاكة لا يمكن توهم صدوره من مشكاة النبوة، وهو يشير فعلاً إلى إحتمال كون الرواية مختلقة في عصور متأخرة.
وقد ذكر ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري ما يوافق تحليلنا السابق حيث قال: "والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل" (2). ثم ذكر ابن حجر المعنى الذي وصل إليه المحدّثون وكيف اضطربوا في معناه فقال: "ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. وذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو
__________
(1) الخليل بن أحمد الفراهيدي "كتاب العين" ج3ص1468.
(2) ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" ج7ص351. (1/117)
صفحة 118
المشهور، وقال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد وثبتت المائة في حديث عبد الله بن بسر وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر صاحب "المحكم" الخمسين وذكر من عشر إلى سبعين ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال وبه صرح ابن الأعرابي". (1)
فالاضطراب نشأ من محاولة التلفيق بين الروايات المختلفة للوصول إلى حل للإشكال الذي افتعلته الرواية المزعومة، ولم يعول المحدّثون على مرجعية القرآن الكريم لاستجلاء حقيقة هذا المصطلح، وليس هذا بمستغرب عليهم، فهم يتعاملون مع النصوص بصورة مفككة مسلوخة من إطارها الكلّي، تجعلهم يقعون في التخبط والتناقض والاضطراب.
وأهل الحديث أنفسهم يروون عن أبي هريرة قوله: "سمعت الصادق المصدوق يقول: هلكة أمتي على أيدي غلمة من قريش. فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت. فكنت –الرواي سعيد بن عمرو- أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم" (2). فهذه الراوية تناقض الراوية السابقة لأنها تقول إن هلاك الأمة سيكون على أيدي الأمويين أي في القرن الأول الذي يفترض فيه القدسية والخيرية المطلقة حسب رواية أهل الحديث.
وأهل الحديث مع تجاهلهم لنصوص القرآن الكريم والحقائق التاريخية التي تثبت بطلان رواية القرون الثلاثة رفضوا كذلك بعض المرويات التي تعارض تلك الرواية، ومنها رواية "مثلُ أمتي مِثلُ المطر لا يدرى أوله خير أم آخره" (3). وهذه الرواية أقرب لمنهج كتاب الله وأصح من حيث موافقتها للقواعد العامة للشريعة الإسلامية التي تعتبر التقوى –الإيمان والعمل- هو مقياس الخيرية وميزان المفاضلة بين الناس.
__________
(1) ابن حجر العسقلاني نفس المصدر.
(2) البخاري 7058.
(3) قال ابن حجر موثقاً لهذه الرواية كما في "فتح الباري" ج7ص351.: (وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة ... عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار"اهـ .. (1/118)
صفحة 119
رواية أخرى تجاهلتها عقلية أهل الحديث هي ما نسب إلى أبي عبيدة أنه قال: "يا رسول الله، أأحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك!. قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" (1). ورواية أخرى رواها الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير أمتي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة" (2). وهذه الروايات وإن كانت متوافقة في المعنى مع عموم الخيرية لأمة محمد (صلى الله عليه و سلم) أولها وآخرها إلا أنه لا يمكن تلقيها على إطلاقها، ففضل الصحابة وجهادهم بأموالهم وأنفسهم وتضحياتهم الجسام في سبيل نشر هذا الدين لا يمكن إنكاره، ونستطيع القول من خلال استقراء نصوص القرآن الكريم أن الصحابة في عمومهم كانوا أفضل الأمة إيماناً وبذلاً وتضحيةً، والمنصف لا يمكن أن يغمط تاريخهم المشرّف المرصع بالجهاد والتضحية بالغالي والنفيس.
ونحن وإن كنا نقرّ بأن المهاجرين الأولين ومن اتبعهم بإحسان من الصحابة هم خير الأمة ديناً وخلقاً وبذلاً وجهاداً، إلا أننا لا ننساق وراء العواطف كما فعل المحدّثون، فنحن لا نقول بأن الصحابة هم أعلم الناس بعد الأنبياء كما قال أهل الحديث الذين يروون في الجانب المقابل أن الصحابة كانوا ضعفاء في حفظ الكتاب العزيز، حيث لم يحفظه منهم كاملاً إلا أربعة (3)!.
فالصحابة كغيرهم من البشر تتفاوت قدراتهم العقلية، ففيهم العالم وفيهم الأقل علماً، وفيهم الذكي وفيهم الأقل ذكاءاً، فوجود مثل عمر وعلي وابن عباس لا ينفي وجود مثل من
__________
(1) قال ابن حجر موثقاً للرواية كما "فتح الباري" ج7ص351 "روى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: وإسناده حسن وقد صححه الحاكم"اهـ.
(2) الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب برقم 38.
(3) يروي أهل الحديث عن أنس بن مالك أنه قال: "ما جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إلا أربعة كلهم من الأنصار" البخاري3810، و3996، و5003، و5004، ومسلم [6340] 119 - (2465)، 120 - (2465). وهذا الحديث يخلق إشكالا كبيراً يتعارض مع حقيقة تواتر القرآن من صدور الصحابة إلى من بعدهم، ويفتح أبواباً للطعن في الكتاب العزيز وقطعية ثبوته، فهو كلام مرفوض جملةً وتفصيلاً، وفي عصرنا هذا عشرات الأطفال من العرب والعجم يحفظون القرآن الكريم بأكمله فكيف بالصحابة وأطفال الصحابة؟!. (1/119)
صفحة 120
بال في المسجد أمام النبي (صلى الله عليه و سلم) (1). ونتيجة لهذا التفاوات في الملكات والقدرات بين الصحابة اختلفوا في الكثير من القضايا الفقهية والسياسية، ويمكن رصد بعض من ذلك في كتب الفقه وفي تفسير الطبري.
عودة إلى القائمة
محنة "خلق القرآن" والدعاية الشعبية:
يروي أبو يعقوب الورجلاني (ت 570هـ) أن أول من أشاع فكرة خلق القرآن بين المسلمين هو رجل يهودي يدعى أبو شاكر الديصاني، وحين واجه فقهاء المسلمين بهذه المسألة عرضوها على منظومة القواعد الكلّية التالية:
القاعدة الأولى: الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء وما سواه مخلوق.
{ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الأنعام: 102.
{أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الرعد: 16.
القاعدة الثانية: الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالأزلية والقدم.
{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} الحديد: 3.
القاعدة الثالثة: الله سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء من مخلوقاته في صفاته وأفعاله.
1 - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} الإخلاص: 1 - 4.
2 - {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 22.
__________
(1) البخاري 219. (1/120)
صفحة 121
3 - {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11.
4 - {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} الشورى: 11.
القاعدة الرابعة: الله سبحانه وتعالى لا يكلم البشر إلا من وراء حجاب.
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} الشورى: 51.
القاعدة الخامسة: القرآن كلام الله تعالى.
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} التوبة: 6.
القاعدة السادسة: القرآن الكريم مُنزلٌ مُحدث.
{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} الاسراء: 106.
{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الشعراء: 192.
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} الأنعام: 92.
القاعدة السابعة: الكلام لا يستلزم حروفاً وأصواتا.
1 - الدماغ يتكلم مع أعضاء الجسم فيوجهها دون أن ينطق بحرف.
2 - الإنسان يتكلم مع الآخر كتابةً عبر جهاز الحاسوب دون أن ينطق بحرف.
وفق هذه القواعد حاكم عقلاء الأمة أطروحة أبي شاكر الديصاني في مسألة خلق القرآن.
فالقرآن وفق القاعدة الأولى لا يمكن أن يكون خالقاً لأن الخالق هو الله تعالى وحده، فالقرآن لا شك مخلوق. ووفق القاعدة الثانية لا يمكن أن يكون القرآن أزلياً وإلا لصار شريكاً لله في الألوهية، ووفق القاعدة الثالثة لا يمكن أن يوصف تعالى بأنه يتكلم ككلام مخلوقاته، ووفق القاعدة الرابعة فإن تكليم الله تعالى لموسى (عليه السلام) الذي ذكره في قوله تعالى {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} النساء: 164 هو تكليم من وراء حجاب، وتكليم غيره من الأنبياء كان عن (1/121)
صفحة 122
طريق الوحي، ووفق القاعدة الخامسة فإن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى لا يجوز نسبته إلى أحد غيره كجبريل أو النبي محمد (صلى الله عليه و سلم)، ووفق القاعدة السادسة فإن القرآن الكريم مُنزل والنزول من صفات المخلوقات، والقرآن الكريم مُحدث والحدوث من صفات المخلوقات، ووفق القاعدة السابعة فإن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى أوحاه إلى جبريل، ولا يستلزم ذلك أن يكون جبريل قد سمع حروفاً وأصواتاً.
فحكم فقهاء الأمة بأن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، وأنه مخلوق لله تعالى.
وكان أبو شاكر الديصاني يطمح إلى دفع المسلمين إلى القول بقدم القرآن الكريم "كلام الله"، لأن قوله هذا سيؤدي إلى تعدد الآلهة وإلى القول بألوهية المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه كلمة منه في قوله {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} آل عمران: 45. فتكون العقيدة الإسلامية متناقضة تدعو إلى وحدانية الله بينما تقرّ بوجود قدماء غير الله!.
فلما لم يجد عند فقهاء المسلمين آذان صاغية اتجه إلى أهل الحديث وتظاهر بينهم بالورع والوقار، فلم يزل كذلك حتى ادعى المرض وجاءه أهل الحديث يعودونه، فتظاهر بالبكاء، وحين سألوا عن سبب بكاءه ومرضه قال: أتيت إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة إذ جاءه رجل فقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: وما عسى أن أقول في القرآن؟ فقال له الرجل: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال حماد بن أبي حنيفة: وما في هذا من العجب؟ القرآن مخلوق. فعمد يا أخوتي إلى كلام الله ونوره وضيائه الذي خرج منه وإليه يعود، فجعله مخلوقاً فعظمت مصيبتي يا أخوتي في القرآن العظيم، ولقد أمرتكم يا اخوتي قبل هذا أن نعتزل مجالسهم ولا نسمع كلامهم، فاستجاب القوم بالبكاء في كل ناحية!، فقال بعضهم لبعض: وجب علينا جهاد هؤلاء القوم (1).
__________
(1) أبو يعقوب الورجلاني "الدليل والبرهان" ج1ص18 - 19. (1/122)
صفحة 123
وانجرف أهل الحديث نحو دعاية أبي شاكر الديصاني فقال أحمد بن حنبل أن القرآن هو: "كلام الله، قديم غير مخلوق" (1). ولما سئل عمن قال أن الله عز وجل لم يتكلم بصوت، قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت (2). ونسبوا إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) القول: "إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان" (3). ووصل بهم التعصب إلى تكفير مخالفيهم، فحين سئل ابن حنبل عمن قال: "القرآن مخلوق". قال: "كَفر" (4). كما أنه وصف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق بالكفر (5)، وكان هذا سبب محنة البخاري كما بيناه سابقاً.
في عام 197هـ هاجم المأمون أخيه الأمين في بغداد وضرب أهلها بالمنجنيق وأحرق بيوتها بالنفط، فقُتل الأمين في محرم عام 198هـ، وقام الجنود بقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق، ولما رأى الناس أن الوالي لا يمنعهم تقدم بعض أهل الحديث للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة جنود الوالي، وتصادف ذلك مع وصية المأمون لعلي بن موسى بن جعفر من أحفاد علي بن أبي طالب، فرفض قسم كبير من أهل بغداد هذه الوصية وأعلنوا خلعهم للمأمون ومبايعة إبراهيم بن المهدي العباسي (6)، وكما يحدث دائماً، فإن المعارضة للدولة ورجالها لا تتمكن في نفوس الناس إلا إذا ارتبطت برموز ونماذج وشعارات تعيّن "البديل"، وإذا كانت الشيعة قد اتخذت فكرة "المهدي المنتظر" رمزاً ربطت به أتباعها، فإن قسماً كبيراً من أهل الحديث قد ظل على ارتباط عاطفي بالأمويين، فظهرت فكرة "السفياني" (7). ولكن بسبب خيانة الجند هرب إبراهيم وبايع الجند للمأمون، ودخل المأمون بغداد عام 204هـ.، وحين استتبت الأمور للمأمون بدأ بتتبع أهل الحديث بعد أن
__________
(1) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص156.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص372.
(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص281، والدارمي "نقض عثمان بن سعيد" ص31.
(4) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص74.
(5) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص113.
(6) تاريخ الطبري أحداث عام 197هـ وما بعد. المجلد الخامس ص74 وما بعد.
(7) محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ص94، بتصرف. (1/123)
صفحة 124
أدرك خطورة اتساع نفوذهم السياسي بين العامة، بالإضافة إلى دورهم الهام في تقوية الأمويين خصوم أسرته التقليدين.
عمد المأمون إلى قضية خلق القرآن ليجعلها السبب الظاهر في محاربته لأئمة أهل الحديث فيما عرف بمحنة "خلق القرآن"، ولم تنته القضية بوفاة المأمون، وذلك دليل قاطع على أن المسألة لم تكن مسألة قناعات فكرية دينية أراد المأمون فرضها، ولا قضية التحريض الذي يقال أن المعتزلة مارسوه على المأمون بعد أن استمالوه إليهم لفرض مذهبهم الذي من جملة مسائله الفرعية مسألة "خلق القرآن" كلا. إن القضية كانت قضية الدولة ككل، وبعبارة عصرنا: قضية "أمن الدولة"، يتجلى ذلك واضحاً من الأهمية القصوى التي أعطاها المأمون لهذه المسألة في وصيته، وهو على فراش الموت، إلى أخيه وخلفه المعتصم الذي لم يكن من أهل العلم كالمأمون، وإنما كان عسكري الميول والطبع، فامتحن الناس بـ "خلق القرآن" أكثر مما فعل المأمون. لما توفي المعتصم سنة 227هـ وتولى الخلافة بعده الواثق، سار هذا الأخير على ما كان عليه المأمون والمعتصم من امتحان أهل الحديث في القول بـ "خلق القرآن".
إن المسألة إذن أعظم من مجرد التصريح أو عدم التصريح بـ "خلق القرآن"، المسألة تكمن فيما سكتت عنه المصادر التاريخية من أسباب حقيقية للفتنة وهو "الشغب" على الخليفة ومحاولة "الخروج عليه" والثورة ضده وانتزاع السلطة منه كما فعل أحمد بن نصر الخزاعي في عهد الواثق.
ولما لم يكن المأمون ولا المعتصم ولا الواثق ولا رجال دولتهم يرغبون ولا كان في مصلحتهم التصريح بأن الأمر يتعلق بتهديد "أمن الدولة" تماماً مثلما أنه لم يكن الذين تعرضوا للامتحان يرغبون ولا كان في مصلحتهم التصريح بأن الهدف من معارضتم القول بـ "خلق القرآن"، هو تعبئة الناس ضدها. وهكذا بقي الصراع يجري على سطح القضية بتوظيف مسألة دينية لغرض سياسي!.
أما قضية دور المعتزلة في "المحنة" فقد تعرضت لنوع من التواطؤ التاريخي الغريب، فبسبب رغبة الدولة وأهل الحديث تحويل معركتهم السياسية إلى صراع ديني، وبسبب رغبة أهل الحديث تصوير اضطهاد الدولة لهم سببه ديني بحت، وجه أهل الحديث أصابع الاتهام (1/124)
صفحة 125
إلى المعتزلة وأنهم هم الذين زينوا للمأمون القول بـ "خلق القرآن"، وأن رجال المعتزلة الذين استوزروا للمأمون والمعتصم والواثق هم المدبرون للمحنة والمشرفين على تنفيذها (1).
أما صورة ابن حنبل بعد انتهاء هذه المحنة فقد بقيت حاضرة وما تزال في قلب "الصراع" في ذاكرة أهل الحديث، ليس لأنه كان متشدداً في الدين، فكم من المتشددين مات ذكرهم بمجرد وفاتهم بل لأنه كان الشخصية التي واجهت السلطة وصمدت في وجهها، إنه وإن لم يكن –بالنسبة لأهل الحديث- البطل الوحيد في محنة "خلق القرآن" التي اختلطت فيها السياسية بالدين إلا أنه بقي حياً يرزق ليجسد بمواقفه "بطل المحنة" إلى أن مات (2). وهذا هو سر اعتبار أهل الحديث أحمد بن حنبل إمامهم الأول، فهو بالنسبة لهم نموذج التحدي والثبات على المواقف.
تضخيم الرجال:
تضخيم الرجال، وتقديس آرائهم واجتهاداتهم، ورفعها إلى درجة النصوص القرآنية ونصوص السنة النبوية التي لا تقبل المعارضة، فلو رجعت إلى ما كتبه غلاة أهل الحديث حول مسألة خلق القرآن مثلاً لوجدتهم يقيسون أقوال العلماء بأقوال أحمد بن حنبل، وصاروا يحتكمون إلى مواقفه، وكل فريق منهم يدّعي أنه الموافق لتلك الأقوال!.
والغريب أن أئمة الحديث كالبخاري ويحيى بن معين لم يسلموا من تقديس غلاة هذه المدرسة لأقوال أحمد بن حنبل!، فنتيجة لاختلافات هؤلاء الجزئية مع تيار التجسيم في مدرسة أهل الحديث تمت محاصرتهم وفتنتهم. يقول ابن القيم: "فخفى تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث، ولم يفهم بعضهم مراده، وتعلقوا بالمنقول عن الإمام أحمد نقلاً مستفيضاً أنه قال: (من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق. فهو
__________
(1) محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ص79 - 91. بتصرف.
(2) محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ص11 - 112 بتصرف. (1/125)
صفحة 126
مبتدع) ... وتمسكوا بإطلاق الإمام أحمد وإنكاره على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وأنه جهمي، فتركب من مجموع هذه الأمور فتنة وقعت بين أهل الحديث" (1).
إن لأحمد بن حنبل عند هؤلاء جاذبية فريدة، فلهذا تجدهم ينسبون إليه الأقوال والعقائد من أجل الانتصار بها على خصومهم، كأنه نبي معصوم!، وقد أُلّفت في أقواله وفضائله وعقائده الكثير من الكتب. يقول عبد الرحمن بن محمد العاصمي: "وكان أبو عبد الله الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلة، وأوسعهم معرفة بحديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وأتبعهم له وأكثرهم تتبعاً لمذاهب الصحابة والتابعين، وأزهدهم في الدنيا وأطوعهم لربه، ومذهبه مؤيد بالأدلة" (2).
إن هذه العبارات البسيطة التي يخطها العاصمي تفتح لنا نافذة على مدى تعظيم هؤلاء لأحمد بن حنبل، فلا غرو إذن أن نرى أسنة هؤلاء قد أشرعت في وجه مخالفي منهج أحمد بن حنبل، ويكفي أن ترجع إلى كتاب "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي الذي جمع فيه الروايات التي وضعها هؤلاء في فضل أحمد بن حنبل، من ذلك أن النبي إلياس (عليه السلام)، والملك الموكل بجزائر البحار يبعثان له السلام مع البحّارة (3)، والنظرة منه تعدل عبادة سنة (4)، وأنه يرى الشيطان ويكلمه (5)، ويأمر النمل بالخروج من داره فيخرج (6)، والنخلة تحمل حين يضع فيها قلمه (7)، وأنه رأى الله في المنام (8).
وليس الأمر مقتصراً على أحمد بن حنبل وحده، فهناك أحمد بن تيمية الذي يُعد من أهم المنظرين لمدرسة أهل الحديث، والمفارقة العجيبة تكمن في كون أحمد بن تيمية قد عاش
__________
(1) نقله عنه محمد الموصلي في "مختصر الصواعق المرسلة" ج2ص661 - 662.
(2) عبد الرحمن بن محمد العاصمي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص11.
(3) ابن الجوزي "مناقب الإمام أحمد بن حنبل" ص190 - 191.
(4) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص202.
(5) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص245.
(6) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص397.
(7) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص398.
(8) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص583. (1/126)
صفحة 127
محنة شبيهة بمحنة أحمد بن حنبل التي عرّكته ليحمل لواء إمامة أهل الحديث، حيث تم سجن ابن تيمية من قبل السلطة التي كانت تتبنى العقيدة الأشعرية، وحاولت السلطة إجباره على التنازل عن فتاواه وعقيدته، لكنه رفض الرضوخ للسلطة مستلهماً موقف إمامه ابن حنبل، فقضى ابن تيمية في السجن ليخلّد ذكراه عند اتباعه كنموذج آخر من نماذج الصمود والتحدي في وجه طغيان السلطة.
يلخص لنا العاصمي مركزه من مدرسة أهل الحديث بقوله "إلى أن أقام الله تعالى العالم الرباني مفتي الأمة بحر العلوم شيخ الإسلام (أحمد بن تيمية) المجتهد المطلق، المجمع على فضله وإمامته، الذي جمع العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد، جدد الله به الدين بعد دروسه، وأحيا به هدي سيد المرسلين بعد أفول شمسه، وادحض به جميع بدع المبتدعين، وانبلج الحق اليقين" (1). وهذه الهالة من العظمة التي يضفيها العاصمي على ابن تيمية تفوق حدود الشرع، حيث وصفه بالإحاطة بالعلوم كلها!، والله تعالى يقول {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} الإسراء: 85.
بينما يرى مخالفي غلاة أهل الحديث في ابن تيمية عكس ذلك حيث يلخص زاهد الكوثري مدى الأثر الهائل الذي شكله بروز ابن تيمية على الساحة الفكرية في الشام بالقول "وكاد أن لا يبقى بينهم حشوي لولا جالية حران بعد نكبة بغداد حطوا رحلهم بالشام، ونبغ من بينهم رجل حسنت نشأته في الطلب على ذكائه وحافظة وسمت، وتمكن من اجتلاب ثقة شيوخ العلم إلى نفسه وثنائهم عليه، وكان واعظاً طلق اللسان، فإذا هو يجري على خطة مدبرة في إحلال المذهب الحشوي تحت ستار مذهب السلف" (2).
__________
(1) عبد الرحمن بن محمد العاصمي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص12.
(2) زاهد الكوثري في مقدمة كتاب "تبيين كذب المفتري" ص17. (1/127)
صفحة 128
التحذير من كتب المدارس الأخرى:
اعتمدت سياسية منظري أهل الحديث على بناء إخطبوط إعلامي هائل يفرض على أتباعه دراسة مناهج هذه المدرسة وحدها دون غيرها من المدارس الفكرية كالإباضية والأشعرية والإعتزال بل وحتى مدرسة الرأي الحنفية، مما كان له أبلغ الأثر في ترسيخ أفكار هذه المدرسة لدى أتباعها، وتحصينهم من أفكار المدارس الإسلامية الأخرى.
وقد وصلت الجرأة بغلاتهم إلى أمر أتباعهم بالتصديق والإيمان بكل ما يقررونه لهم وكأنه وحي منزل، ومن هؤلاء حسن البربهاري الذي قال: "وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضى لما في هذا الكتاب ... فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى وهو كافر" (1).
وكلام البربهاري الذي يصف كتابه بالعصمة والذي يضاهئ فيه قول الله تعالى في وصفه لكتابه العزيز {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} فصلت: 42، ينطلق من مسلمات فكرية عند أهل الحديث تقوم على تقديس كلام البشر واعتبار الروايات الآحادية بمنزلة القرآن الكريم في قطعية ثبوتها وحجيتها!.
ويقول البربهاري أيضاً: "من أقرّ بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماماً، ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفاً واحداً، فهو صاحب سنة وجماعة، كامل قد كملت فيه السنة، ومن جحد حرفاً مما في هذا الكتاب، أو شك أو وقف، فهو صاحب هوى" (2). وما في هذا كلام البربهاري من مجازفة لتكفير عباد الله، وتوزيع صكوك الانتساب إلى "السنة والجماعة" على غلاة أهل الحديث الذين يعتقدون عصمة البربهاري كاف لبيان تهافته وبطلانه.
والناظر في كتب غلاة أهل الحديث العقدية ككتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب "السنة" للخلال، وكتاب "الإيمان" لابن مندة، وكتاب "التوحيد" لابن خزيمة،
__________
(1) حسن البربهاري "شرح السنة" ص100.
(2) حسن البربهاري "شرح السنة" ص125. (1/128)
صفحة 129
وكتاب "الإبانة" لابن بطة، وكتاب "العظمة" لأبي الشيخ، وكتاب "العلو" للذهبي يجدها مليئة بتلك النوعية الرديئة من الأقوال والروايات التي لو أعملت فيها الموازيين التقليدية للجرح والتعديل التي يشهرها هؤلاء كالسيف في وجه معارضيهم، والتي تمثل كل بضاعتهم في التعامل مع الروايات المنسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) لكانت كفيلة برد معظمها.
وفي نفس الوقت الذي يحيطون فيه كتبهم بسياج العصمة والقداسة تجدهم يحقّرون علماء المذاهب الأخرى، وذلك من أجل صد اتباعهم عن مطالعة فكر المخالفين، يقول ابن تيمية: "ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه، ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث" (1). مع العلم بأن الأشاعرة يمثلون غالبية الأمة الإسلامية باعتراف أحد أتباع ابن تيمية!، حيث يقول عبد الرحمن أبا بطين: "إذا عرفت مذاهب الفرق المسؤول عنها فأعلم: أن أكثر أهل الأمصار اليوم أشعرية" (2).
ولا يُظَن أن هذا الإسفاف الخلقي الذي لا يليق بعامّي فضلاً عن أن يصدر من عالم كابن تيمية يعد فلتة لسان، بل هو منهج التزمه في كثير من مؤلفاته، وقد تكرر في أكثر من مناسبة في كتابه "مجموع الفتاوى"، وهو يتكرر أيضاً عند أتباعه، يقول ابن القيم: "أفيظن أفراخ المعتزلة ومخانيث الجهمية ومقلدو اليونان أن يضعوا لواء رفعه الله" (3)، ويقول أيضاً:
هذا كما قال الخبيث لصحبه ... كلب الروافض أخبث الحيوان (4)
وهو الذي أنشأ الخوارج مثل ... انشاء الروافض أخبث الحيوان (5)
ليسوا مخانيث الوجود فلا إلى ... الكفران ينحازوا ولا الإيمان (6)
ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم ... لم تنفتح منكم لهمم عينان
__________
(1) ابن تيمية "الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز" المطبوعة في "مجموع الفتاوى" ج6 ص359.
(2) عبد الرحمن أبا بطين"الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص219.
(3) ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص298.
(4) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص245.
(5) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص287.
(6) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج2ص47. (1/129)
صفحة 130
هذا كما قال الخبيث لصحبه ... كلب الروافض أخبث الحيوان (1)
وهو الذي أنشأ الخوارج مثل ... انشاء الروافض أخبث الحيوان (2)
ليسوا مخانيث الوجود فلا إلى ... الكفران ينحازوا ولا الإيمان (3)
ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم ... لم تنفتح منكم لهمم عينان
حذراً من استرجاعهم لسلاحهم ... فتُرون بعد السلب كالنسوان (4)
وترى المخنث حين يقرع سمعه ... تبدو عليه شمائل النسوان
ويظل منكوحاً لكل معطّل ... ولكل زنديق أخي الكفران (5)
هذه هي المحاورة العلمية عند غلاة أهل الحديث، وهكذا يلجمون الخصم بالحجة!، وهذا هو امتثالهم لقوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 108.
فإذا عرف المرء الطابع الهجومي الذي ينتهجه أهل الحديث في خطابهم الفكري أدرك مدى الشراسة التي يمكن أن يصل إليها أتباعهم في حوارهم مع الآخر، فالتكفير والإخراج من الملة يعد شيئاً سهلاً طالما حقق لذة الشعور بنشوة الانتصار!، يقول عبد الرحمن بن حسن: "وهذه الطائفة التي تنسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا رب العالمين بصفات المعدوم والجماد، فقد أعظموا الفرية على الله وخالفوا أهل الحق من السلف والأئمة وأتباعهم ... فالأئمة من أهل السنة وأتباعهم لهم مصنفات في الرد على هذه الطائفة الكافرة المعاندة" (6). وبجرة قلم صار معظم الأمة الإسلامية من الكفرة الخارجين من الملة!.
__________
(1) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص245.
(2) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص287.
(3) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج2ص47.
(4) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج2ص154.
(5) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج2ص177.
(6) عبد الرحمن بن حسن "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج3ص139. (1/130)
صفحة 131
بل أن جرعات التطعيم ضد الفكر المخالف لأهل الحديث وصلت إلى حد تفضيل الفسقة واليهود والنصارى على أتباع المدارس الأخرى، فها هو أحمد بن حنبل يقول: "قبور أهل السنة من الفسّاق روضة من رياض الجنة، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة من حفر النار" (1). ويقول أرطأة بن المنذر: "لأن يكون ابني فاسقاً من الفساق أحب إليّ من أن يكون صاحب هوى". (2)
وها هو البربهاري يقول: "وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب فاسقاً فاجراً، صاحب معاصي ضالاً وهو على السنة، فاصحبه واجلس معه فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهداً في العبادة متقشفاً محترقاً بالعبادة صاحب بدعة فلا تجالسه ولا تقعد معه ولا تسمع كلامه" (3)، وقال أيضاً: "لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة" (4)، وقال أيضاً: "آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع، وأحب أن أكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد" (5).
بل قد وصل الأمر بالبربهاري إلى دعوة أصحابه إلى استخدام العنف والإرهاب ضد مخالفيهم، حيث يقول: "إذا علم الله من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له وإن قل عمله، ولا يكن صاحب سنة يماليء صاحب بدعة إلا نفاقاً، ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيماناً، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة" (6).
ولم تكن هذه الدعوات شنشات فارغة بل كان لها أصداء واسعة عند أتباع أهل الحديث، ومن ذلك ما حدثنا به التاريخ أن أهل الحديث ببغداد سألوا ابن جرير الطبري
__________
(1) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص253، وابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" 1/ 184. والبدعة يقصد بها إنكار التجسيم الذي ينتهجه أهل الحديث!.
(2) ابن بطة العكبري "الشرح والإبانة" ص149 برقم 87.
(3) حسن البربهاري "شرح السنة" ص114 - 117.
(4) حسن البربهاري "شرح السنة" ص128.
(5) حسن البربهاري "شرح السنة" ص129.
(6) حسن البربهاري "شرح السنة" ص129. (1/131)
صفحة 132
صاحب التفسير والتاريخ عن "المقام المحمود"، وكانوا ينتظرون منه أن يوافقهم على قولهم بأنه إجلاس الله تعالى للرسول (صلى الله عليه و سلم) بجنبه تعالى على عرشه، فنهرهم قائلاً:
سبحان من ليس له أنيس ... ولا له في عرشه جليس
فثاروا عليه، ورموه بالمحابر والأحجار حتى أوشكوا أن يقتلوه، وقد تمكنت الجنود بشق الأنفس من استنفاذ الطبري من أيديهم حتى أوصلوه إلى بيته، وعاش تحت حراسة الجنود في بيته إلى أن مات سنة 310هـ، وقام البربهاري بالدعوة بالسيف إلى القول بأن المقام المحمود هو إقعاد الرسول في جنب الله على العرش، وكان ذلك ببغداد عام اقتلاع القرامطة الحجر الأسود من الكعبة. (1)
مثال آخر على إرهاب المحدّثين لمخالفيهم يحكيه ابن بطوطة في رحلته المشهورة حيث يقول: "فحضرته –يقصد ابن تيمية- يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: "إن الله ينزل إلى السماء كنزولي هذا" ونزل درجة من على المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته" (2). وقال إبراهيم بن سعيد الأطروش: "سألت أحمد بن حنبل عن قتل الجهمية؟ فقال: أرى قتل دعاتهم" (3).
لقد عرف منظرو أهل الحديث مكامن النفط في جيوب القشرة الأرضية المسفلتة بها عقول أتباعهم، فقاموا باستغلالها لتنفجر كالقنابل الذرية في وجوه المخالفين، مما يفسر المجازر التي قام بها هؤلاء ضد مخالفيهم كما سجلها لنا صاحب كتاب "المجد في تاريخ نجد" (4).
__________
(1) الكوثري "مقالات الكوثري" ص392 - 393.
(2) ابن بطوطة "رحلة ابن بطوطة" ص113.
(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص90.
(4) يقول ابن بشر في وصف المجزرة التي قام بها أتباع هذه المدرسة ضد مخالفيهم في وقعة اليتيمة عام 1265هـ، ج1ص263 - 264 ما نصه: (وحامت عليهم حوائم السام، حتى ولوا منهزمين وعلى وجوههم هاربين، وذهل الوالد منهم عن ولده، والمنهزم أشفق على السلامة فرمى ما بيده، واستمر الضرب والطعن في أقفيتهم بعد أن كان في صدورهم، وانتقل القتل من نحورهم إلى ظهورهم، فلم تر إلا رؤوسا مقطوعة وأسلابا منزوعة، وأشلاء مطروحة وجلودا مجروحة، فلم ترجع عنهم خيل المسلمين ورجالهم وأبطالهم حتى قتلوا فيهم قتلا ذريعا، وفتكوا فيهم فتكا شنيعا) اهـ. والقتلى الذين يصفهم ابن بشر ليسوا جيشاً من المشركين بل هي قبيلة صغيرة آمنة من المسلمين المخالفين لاتباع ابن بشر!. (1/132)
صفحة 133
استمالة العوام:
في العهد العباسي الأول ومع تعاظم دور الشيعة الشعوبية، انضوت خلايا المانوية السرية في نسيج الشعوبية، وجعلت تحارب الإسلام ودولته لنشر الفكر المانوي الثنوي "النور والظلمة" بين أفراد الشعوبية، وقامت تلك الخلايا المانوية بحملة ثقافية كبيرة عرفت بـ "معركة الكتب"، قامت خلالها بترجمة الكتب الفارسية المانوية القديمة ونشرها وتوزيعها بين أتباع الشعوبية، ونتيجة لبساطة منهج المحدثين لم يستطيعوا مواجهة المدّ الثنوي المانوي، فهبّ المعتزلة للذب عن الإسلام وأهله، وقاموا بفضح الفكر المانوي عن طريق الرجوع إلى العقل الكوني والإحتكام إليه.
هذا الصراع الذي استطاع فيه المعتزلة كنس الفكر المانوي من الساحة الفكرية الإسلامية، جعل أهل الحديث يستشعرون الخطر الذي يشكله فكر المعتزلة المتقدم على فكرهم الهرمسي البدائي، فتحالفوا كعادتهم مع السلطة الحاكمة لمحاصرة المعتزلة، واستغلوا جانب الحرية في عقيدة المعتزلة التي تقوم على حرية الفرد في الإختيار، والتي تستلزم الشورى وحرية إختيار الحاكم لتأليب السلطة المستبدة ضد المعتزلة، فتمت محاصرتهم ومطاردتهم والخلاص منهم.
بعد انحسار فكر المعتزلة وخلوا الساحة الفكرية لأهل الحديث خاصة بعد انتهاء محنة أحمد بن حنبل مع المأمون. قام أهل الحديث بنشر فكرهم الهرمسي في المجتمع، فانتشر بين العوام كالنار في الهشيم بسبب تسطيحه للقضايا العقدية، وتشبيهه صفات الله تعالى الغيبية بصفات ما يشاهدونه في حياتهم من كائنات ومخلوقات، معتمدين في ذلك على قياس الغائب بالشاهد، خاصة وأن هذا الفكر يتوافق مع المواريث الفكرية لدى الكثير من الشعوب التي دخلت الإسلام محملة بأوزار تراثها الوثني. (1/133)
صفحة 134
لقد اعتمد أهل الحديث أسلوباً دعائياً مكثفاً يعتمد على عبارات الجزم والقطع والإطلاق في التدليل على أفكاره وآرائه، وتكذيب أدلة مخالفيه. بالإضافة إلى إطلاق الدعاوى الرنانة من قبيل أن طرحهم الفكري هو امتداد لفكر السلف المقدس!، يقول ابن تيمية: "فمذهب السلف رضوان الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها" (1).
ولم يتورع غلاتهم عن قلب الحقائق، من قبيل الزعم بأن مخالفيهم في العقيدة قد رجعوا إلى عقيدة أهل الحديث في آخر حياتهم!، وكمثال على ذلك يقول ابن تيمية: "وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، أما عند الموت أو قبل الموت ... هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم رجع عن ذلك ... وهذا أبو حامد الغزالي ... ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ... وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ... وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره، واختار مذهب السلف". (2)
وقد فند حسن السقاف هذه الدعاوى بقوله: "وهل يتخيل هؤلاء المتمسلفون بأن الغزالي وإمام الحرمين وغيرهم رجعوا إلى عقيدة البعوضة والذبابة التي كان يعتنقها الشيخ الحراني الناصة على قدم العالم بالنوع، وإثبات الحد والحركة والجهة وقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتقدس عما يقولون، أم أنهم رجعوا إلى (عقيدة البقرة) التي يذكرها ابن القيم في آخر اجتماع جيوشه" (3). وأسهب السقاف في دحض هذه الدعاوى في كتابه "صحيح شرح العقيدة الطحاوية"، وكذلك فعل عبد الوهاب السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى".
__________
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج4ص6. يقول ابن جهبل (ت 733هـ) في "الحقائق الجلية في الرد على ابن تيمية" ص32: "وفي هذا الفرق من يكذب على السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين، ويزعم أنهم يقولون بمقالته، ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ما استطاع أن يروي عليهم كلمة تصدق دعواه، وتستر هذا الفريق بالسلف حفظاً لرياسته والحطام الذي يجتلبه {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} النساء: 91، وهؤلاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الروث مفضضاً والكنيف مبيضاً ويزهدون في الذرة ليحصلوا الدرة".
(2) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج4 ص72 – 74.
(3) حسن السقاف في رده على كتاب "منهج الأشاعرة في العقيدة" لسفر الحوالي. (1/134)
صفحة 135
وقد أدرك البعض حقيقة استمالة أهل الحديث للعوام من الناس لبسط نفوذهم على المجتمع، حيث يقول ابن القشيري (ت 514هـ): "ولقد نبغت نابغة من الرعاع، لولا استزلالهم العوام بما يقرب من أفهامهم ويتصور في أوهامهم لأجللت هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم، يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيهاً والأخبار المقتضية حداً وعضواً على الظاهر، ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شئ ويتمسكون بقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} آل عمران: 7.
وهؤلاء والذي أرواحنا بيده لأضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون، وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون، فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا في قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات، فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدري" (1).
انكار أهل الحديث للمجاز (2):
المجاز هو فن من فنون اللغة، استعمله العرب في لغتهم منذ قديم الزمن لتقريب المعاني وترسيخ الصوَّر الفنية الجميلة، بأسلوب سهل وألفاظ مختزلة قصيرة لا تستطيع الكلمات الكثيرة والتراكيب الطويلة توصيلها، خاصة بالنسبة للإنسان البسيط الذي لا يستطيع إدراك معاني الألفاظ الصعبة والتراكيب المعقدة، فحين يقول العربي لآخر مخبراً إياه عن شجاعة محمد:
__________
(1) غاية البيان، قسم الأبحاث بهيئة المشاريع الخيرية الإسلامية ص42.
(2) يقول الشيخ خميس بن راشد العدوي: الذي أراه في المجاز أن اللفظة تحتمل معنيين: معنى قريب يتبادر للذهن في حال تجرد الكلمة، إما لأصل النشأة أو لكثافة الاستعمال، وهذا ما نسميه بحقيقة الاستعمال فبمجرد ذكر اليد نتصور الجارحة أو العين أو نحو ذلك. ومعنى أبعد منه، والبعد ناشئ من قلة الاستعمال بالنسبة للحقيقة، ولكن نذهب إليه ضمناً وضرورة لسياق الكلام، فاليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} الفتح:10، لا يمكن أن نستخدمها إلا على سبيل المجاز ضرورة وحتما لأن السياق يمنع معناها الحقيقي القريب المتبادر مباشرة. (1/135)
صفحة 136
"محمدٌ أسدٌ"، وعن كرمه: "محمدٌ بحرٌ"، وعن صلابته "محمدٌ جبلٌ"، سترتسم في ذهن الرجل الثاني صوراً عن شجاعة محمد وكرمه وصلابته لا تستطيع الألفاظ الأخرى مهما كثرت أن تعبر عنها بنفس تلك الدقة والقوة والصفاء، فلهذا كان المجاز فناً أساسياً من فنون لغات البشر.
من جهة أخرى فإن كل لغة في العالم مكونة من مجموعة من الحروف الهجائية ترتبط مع بعضها لتكوّن الكلمات التي تشكل قاموس كل لغة، فلو افترضنا غياب المجاز في أي لغة عالمية ستصاب تلك اللغة بالضعف وعدم القدرة على التعبير عن الكثير من المعاني -خاصة المستحدثة منها- بسبب محدودية الكلمات التي يمكن أن تنتظم منها حروف تلك اللغة، بيد أن استخدام المجاز يسمح بتضمين الكلمة الواحدة الكثير من المعاني، بحيث تستطيع تلك اللغة استيعاب كل المعاني المستحدثة، وهذه النقطة الجوهرية غفل عنها بعض من انساق وراء الدعاية الاستشراقية التي تتهم اللغة العربية بالقصور بسبب محدودية ألفاظها (1).
والقرآن الكريم نزل بلغة العرب بكل ما فيها من بلاغة ومجاز، يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} طه: 113. فلهذا استخدم الكتاب العزيز الكثير من الصور المجازية لتقريب المعاني وترسيخها في عقول البشر بأبسط الألفاظ وأوجزها وأعجزها كقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} آل عمران: 112، حيث عبّر عن العهد والميثاق بالحبل، وقوله تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} آل عمران: 103، حيث عبّر عن الإسلام بالحبل، وقوله تعالى: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} المسد: 4، حيث الحبل بمعناه المشهور عند الناس. فالكلمة نفسها إلا أن معناها تغير حسب اختلاف السياق والقرائن، وهذا هو المجاز.
__________
(1) من هؤلاء محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي"، وقد رد عليه جورج طرابيشي في كتابه "نقد نقد العقل العربي" رداً علمياً رزيناً دحض فيه شبهاته التي أثارها حول لغة القرآن. (1/136)
صفحة 137
ومع تسليم العقلاء لحقيقة وجود المجاز في لغات البشر، ومع إجماعهم على بدهية هذه الحقيقة، إلا أن تغلغل فكر التجسيم في عقول غلاة أهل الحديث أدى بهم إلى القفز فوق جُدر البدهيات، وتهديم حصون المُسلّمات، وإنكار المجاز في اللغة العربية والقرآن الكريم!.
يعبر ابن القيم الجوزية عن رؤية أتباع هذه المدرسة اتجاه المجاز في كتابه "الصواعق المرسلة" الذي اختصره محمد الموصلي وجعل أحد عناوينه "كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات، وهو طاغوت المجاز" بالقول: "وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيماً شرعياً ولا عقلياً ولا لغوياً، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم" (1).
من خلال هذه المقدمة البسيطة لابن القيم نستطيع أن نستوحي بعض الجوانب النفسية في الممارسة التنظيرية لغلاة أهل الحديث، فمن الواضح أن خصومهم ألزموهم بالأدلة القاطعة بطلان مذهب التجسيم، وأن منشأ الخبط الذي وقعوا فيه منشأه عدم تعاملهم مع النصوص بما تعارف عليه العرب من مجاز واستعارات لغوية، فكانت أبسط الطرق لإسقاط حجج مخالفيهم هي إنكار المسلمات "المجاز" التي يمكن الاحتكام إليها، وبالتالي تظل استدلالات خصومهم غير ملزمة لأنها مجرد مغالطات لفظية حسب تحليل ابن القيم.
وكما هو الحال دائماً يحاول ابن القيم إشهار سيف السلف في وجه الخصوم، ونفس العمل قام به ابن تيمية حين قال: "فإنه لم يوجد في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف، وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز ... وكذلك منع من أن يكون في القرآن مجاز محمد بن جرير منذر، وغيره من المالكية، ومنع منه داود بن علي وابنه ... وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد أن في القرآن مجازاً، وإنما اشتهر
__________
(1) ابن القيم " مختصر الصواعق المرسلة" لمحمد الموصلي ص233. (1/137)
صفحة 138
في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجوداً في المائة الثانية، اللهم إلا أن يكون أواخرها" (1).
وهذا الأسلوب الدعائي المليء بالإطلاق في نفي ظهور المجاز قبل المائة الثالثة من الهجرة، والقطع في تأكيد ظهوره بعد ذلك لا قيمة له في سوق العلم، وهو مدفوع ومعارض بحقائق لا تقبل الجدل. "ونقرر في البداية أنه ليس مهماً أن يرد لفظ المجاز بعينه عند السلف، فاللفظ مجرد اصطلاح والمصطلحات غالباً ما تتأخر في الظهور عن الفن نفسه، ولم تبدأ أوائل المجاز في القرن الثالث كما يرى ابن تيمية، وإنما فشا المجاز في القرن الثالث، وداود الظاهري الذي ذكر ابن تيمية أنه أول أنكر المجاز في القرآن توفي عام 270 هـ، وها نحن قد عرفنا أنه أنكر قبل موته طبعاً أن يكون في القرآن مجاز. وهذا الإنكار يفيد، أولاً: أن المجاز كان معروفاً قبل وفاته، ثانياً: أن أمر المجاز قد اشتهر وأن قوماً لم يقصروا أمر المجاز على اللغة وحدها، بل قالوا به في القرآن الكريم، لأن الإنكار إنما ينصب على الإثبات، ثم نرى عند الجاحظ وهو أسبق وفاة من الظاهري وإن كان يعاصره، نرى الاستعارة تقفز إلى الظهور بجانب المجاز الذي لأول مرة عند أبي زيد القرشي، ثم تلاه أبو عبيدة في كتابه المعروف، وقد أورد الجاحظ لفظ المجاز في كتابه "الحيوان" (5/ 25) حيث قال في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} النساء:10، قال الجاحظ: وهذا مجاز آخر" (2).
و"نلتقي بمباحث الاستعارة والمجاز مرة أخرى عند علم من أعلام القرن الثالث وهو ابن قتيبة الذي قال في كتابه "تأويل مشكل القرآن": "وبكل هذه المذاهب نزل القرآن ... لأن العجم لم تتوسع في المجاز اتساع العرب"، وقد قال الشافعي في "الرسالة" ص 52: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها ... وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، ونقل البزدوي (ت 483هـ) في "أصوله" (1/ 64) استعمال الشافعي لمصطلح المجاز حيث قال:
__________
(1) ابن تيمية "الإيمان" ص80، وص81.
(2) عبد العظيم المطعني "المجاز في اللغة والقرآن بين مجوزيه ومانعيه" ج2 ص647 - 651. (1/138)
صفحة 139
"وقال الشافعي رحمه الله: إن الطلاق يقع بلفظ التحرير مجازاً، والعتاق يقع بلفظ الطلاق مجازاً"، كما أورد البزدوي في "أصوله" (2/ 77 - 80) استخدام أبي حنيفة لمصطلح المجاز حيث قال: وقال أبو حنيفة: إن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم، بل هو في الحكم أصل" (1).
والغريب أن مصطلح "المجاز" الذي ينكر ابن تيمية وجوده في القرون الثلاثة الأولى قد أثبته أحد أئمة أهل الحديث في القرن الثالث الهجري وهو عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ) الذي قال: "ويلك أيها الثلجي، أتعلّم بوجه العربية ولغات العرب وأشعارهم من هو أعلم بها منك؟ هذا ههنا في المعروف جائز على المجاز، لا يستحيل، وفي يدي الله اللتين يقول: (خلقت بهما آدم) يستحيل" (2). وقال أيضاً: "ضحك الزرع مثل على المجاز، وضحك الله أصل وحقيقة للضحك" (3)، فهذا الكلام الواضح من إمام ابن تيمية يؤكد على أن إطلاق ابن تيمية النفي لوجود مصطلح المجاز في القرون الثلاثة المقدسة عنده عبارة عن فرقعات دعائية تستهدف العوام، ولا تستند على أية أرضية علمية.
كما أن ضعف حجة منكري المجاز أدى ببعض المحسوبين على أهل الحديث إلى الاعتراف بالمجاز والرد على من أنكره، فها هو ابن قدامة الحنبلي (ت 620هـ) يقول: "والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز وهو اللفظ المستعمل موضوعه الأصلي على وجه يصح ... وذلك كله مجاز، لأنه استعمال اللفظ في غير موضوعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال: لا أسميه مجازا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه" (4)، وقال ابن كثير: "والملك في الحقيقة هو الله عز وجل ... فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز" (5).
__________
(1) المطعني نفس المصدر ج2ص652 - 679.
(2) عثمان الدارمي "رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد" ص414.
(3) عثمان الدارمي نفس المصدر ص486.
(4) ابن قدامة الحنبلي "روضة الناظر" ج1 ص64.
(5) ابن كثير في تفسيره ج1 ص39 في تفسير قوله تعالى: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّين} الفاتحة:4. (1/139)
صفحة 140
وابن تيمية الذي يشنع على مخالفيه ويستهزأ بإثباتهم للمجاز ومصطلحه، لم يستطع الفكاك من ضرورة استخدام هذا الفن ومصطلحه فهو يقول: "فمن ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئاً من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه بالله، كان جاهلاً جداً بدلالات اللغات، ومعرفة الحقيقة والمجاز" (1)، فهو هنا يقسّم الكلام في اللغة إلى حقيقة ومجاز، ويقول أيضاً: "لو كان هذا يعرف في اللغة أن استوى على كذا بمعنى عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولا في نظم ولا في نثر" (2)، وقال: "ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز: كان متناقضاً في مذهبه، مشابها لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض" (3).
وقد أقرّ ابن تيمية بوجود فنّ المجاز في اللغة العربية، وأوضح ضوابط استخدامه حين قال: "ومعلوم باتفاق العقلاء: أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد" (4). وهذا إقرار من ابن تيمية بوجود فن المجاز في اللغة!. ولا اختلاف معه في وجوب القرينة اللازمة لتجاوز ظاهر الكلام والأخذ بمجازه، إلا أن المثير للاستغراب حقاً هو أسلوب الاستخفاف الذي يتعامل به ابن تيمية مع أتباعه!. فتارة يقول لهم: لا يوجد مجاز في اللغة والقرآن. وأخرى يقول: المجاز موجود لكن مصطلحه مبتدع. وتارة يستخدم المجاز بنفسه ويحتج به، وأخرى يطالب مخالفيه بالتزام ضوابط المجاز في اللغة!.
يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: "ولعمري أن إنكار المجاز رأساً أو إنكاره من كلام الله وكلام رسوله (صلى الله عليه و سلم) ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل وتحدياً سافراً للواقع الذي لا يحتاج في وضوحه إلى دليل.
__________
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص208.
(2) ابن تيمية نفس المصدر ج5 ص521.
(3) ابن تيمية نفس المصدر ج5 ص212.
(4) ابن تيمية نفس المصدر ج5 ص167. (1/140)
صفحة 141
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
فإن المجاز ليس مقصوراً على لغة من اللغات، وإنما هو من محاسن جميع اللغات، وبه يستطيع المتحدث بها أن يجاري أساطينها في مضمار البلاغة، وإنكاره في كلام الله وكلام رسوله دعوى لم يقم عليها دليل، ويترتب عليها إخراج القرآن والحديث عن أسلوب الكلام العربي المبين، وسلبهما بلاغة اللسان العربي، وأقوى دليل وأوضح حجة وقوع المجاز في الكتاب العزيز والحديث الشريف، فكم مخبر في كلام الله سبحانه الأمر بالتقوى بلفظ {اتَّقُوا اللهَ} ونحوه، ومن المعلوم أن كلمة اتقى -في أصل وضعها- بمعنى تجنب، لأن اتقى على وزن افتعل مطاوع لوقاه يقيه بمعنى جنبه، وليس من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى، وإنما المراد تجنب سخطه بفعل أوامره وترك نواهيه.
ومنها قوله عز من قائل في وصف كتابه العزيز: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} فصلت: 42، وليس للقرآن يدان محسوستان، ولا خلف حقيقي، ومنه قوله تعالى {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} المجادلة: 22، ومن المعروف بالبديهة أنه ليس المراد منه أنه أخذ القلم وخط في قلوبهم الإيمان كما يخط الكتاب في الصحيفة، ومنه قوله عز وجل {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} الملك:15، مع أن الأرض لا مناكب لها، وهو في القرآن أكثر من أن يمكننا استيفاؤه". (1)
ومن أسباب انتشار فكرة الجمود اللغوي وعدم القدرة على استيعاب اتباع أهل الحديث للمجاز دخول جماعات كبيرة من الشعوب غير العربية المختلفة الأعراق المتعددة الألسن في الإسلام، بحيث تكدرت الطباع، واختفى الحس المرهف، وكثر اللحن نتيجة التداخل والتمازج بين العرب وهذه الشعوب، مما أدى إلى انتشار الركاكة في اللغة لدى قطاع واسع من الأمة، خاصة العوام منهم (2). يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت 210
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي في تعليقه على كتاب "مشارق أنوار العقول" لعبد الله السالمي ص273 – 274.
(2) أبو حيان الأندلسي مقدمة تفسيره "البحر المحيط". (1/141)
صفحة 142
هـ): "قالوا: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، و مصداق ذلك آية من القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} إبراهيم4، فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يسألوا عن معانيه لأنهم عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص. وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب والمعاني" (1).
انكار أهل الحديث للتأويل:
كان هدف غلاة أهل الحديث من إنكار المجاز هو منع تأويل نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية، وأصل هذا المنع عبارة عن ردة فعل هوجاء على التأويل الغنوصي الذي اعتمدته الفِرق الباطنية لنصرة مذاهبها، حيث ادّعت تلك الفرق أن القرآن الكريم له ظاهر وله باطن، وأن هذا الباطن اختصت فئة معينة بمعرفته. واستغلت الشعوبية فكرة باطن القرآن الكريم لتضمين النصوص القرآنية معاني فاسدة من موروثها الديني المانوي (2). ومن بين تلك التأويلات الباطنية قولهم في تأويل قوله تعالى {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} الرحمن:19. أن البحرين هما علي وفاطمة، وبينهما برزخ لا يبغيان هو النبي (صلى الله عليه و سلم)، ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي الحسن والحسين (3).
__________
(1) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي "غريب القرآن" ج1 ص8. وعبارة أبي عبيدة التيمي هذه تؤكد أيضاً على وجود المجاز في اللغة العربية فناً وإن لم يذكر مصطلح المجاز لفظاً.
(2) يقول علي شريعتي في الرد على أصحاب هذه الفلسفة: "ولهذا كان السعي الحثيث من أجل ألا نقرأ القرآن ولا نتدبره، ولا نفهمه، وبحجج كثيرة مثل أننا لا نفهم القرآن، وأن للقرآن سبعين بطناً، ولكل بطن سبعون بطناً، وأن التفسير بالعقل ممنوع وحرام، ولهذا يصرّح القرآن قائلاً: {أفلا يتدبرون القرآن} ويقول في جواب أعدائه الذين يعرّفون القرآن باعتباره صعباً جداً ومعقداً جداً، ولكن بلهجة رقيقة مشفقة كي يبعدوا الناس عن القرآن، يقول في جوابهم: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} "علي شريعتي "فاطمة هي فاطمة" ص50.
(3) ابن مطهر الحلّي "نهج الحق وكشف الصدق" ص188. (1/142)
صفحة 143
وردة الفعل المتعسفة هذه تدل على ضعف منهج أهل الحديث في مقارعة الفرق المنحرفة، لأنه وفي الجانب الآخر سجل لنا التاريخ حقيقة فضح المعتزلة للعقائد الباطنية للشيعة الشعوبية دون اللجوء إلى منع التأويل، لأن التأويل في جوهره هو رد النصوص المتشابهة إلى النصوص المحكمة، والنظر فيها من خلال القواعد الكلّية للشريعة الإسلامية المستنبطة من النصوص المحكمة للكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها هو مطلب أساسي في التعامل مع النصوص المتشابهة.
يقول الشيخ خميس العدوي: "إن دين الله واضح المعالم، وضيء المسالك، بيّن الأحكام، جاء ليناسب الجوانب الثابتة من النفس الإنسانية، كما أنه لا يعوق حركة الإنسان في الحياة، فمن خاصية هذا الدين، خلوده وصلاحيته لكل زمان ومكان، ولذلك كان من مشيئة الله تعالى، أن يكون في دينه الخاتم، آيات محكمات هن أم الكتاب، تكشف عن الحقائق الثابتة، سواء تعلقت بمقام الألوهية العظيم أو العقائد الغيبية، أو بما يتوائم مع رغبات نفس الإنسان في العبودية لله تعالى، أو بما يتلازم مع حاجة الأمة إلى الثوابت في كثير من القضايا، إلا أن من طبيعة الحياة، الحركة والانتقال من طور إلى طور، والتبدل من وضع إلى وضع، فجعل الله تعالى كثيراً من آيات كتابه قابلة للتأويل حتى تتناسب مع احتياج البشر للاستمداد من كتاب الله تعالى لتسيير حياتهم، والنظر في أمر معاشهم، وحتى يكون الإعمار الكوني المطلوب من الإنسان إعماراً صحيحاً لا انتكاسة فيه، لكن بشرط أن لا ينسينا المتشابه الواقع في كتاب الله تعالى المحكم من الآيات، وأن لا نركن إلى هذا التشابه لنثير به الفتنة، ولعلم الله السابق بحال الإنسان، فقد حذّر جل وعلى من ذلك بقوله تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} آل عمران: 7.
ولذلك جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه و سلم) القطعي المنبني على دلائل المحكم، وهو الركن الركين من الشريعة الذي لا يجوز الاختلاف فيه قطعاً، وجاء في كتاب الله (1/143)
صفحة 144
تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام أيضاً الظني المنبني على دلائل الظاهر والمتشابه وهذا أمر اقتضته حكمة لله البالغة حتى يتسع دينه العظيم للفوارق العقلية والفكرية والعلمية لعباده جل وعلا (1).
والنصوص المحكمة يراد بها النصوص المتناغمة مع بعضها بحيث تكون أصلاً راسخاً موثقاً لا اضطراب فيه ولا خلل، والنصوص المتشابهة هي النصوص التي تدخل معانيها الكثير من الاشتاه والاضطراب والتعارض، ولأن التضارب والتناقض لا يمكن نسبته إلى الله تعالى عقلاً نقلاً حيث يقول تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} النساء: 82، وجب على المسلمين أن يرجعوا النصوص المتضاربة إلى منظومة النصوص المتناغمة حتى تنسجم في سياقها فيرتفع اللبس والإضطراب والتعارض، وهذا هو التأويل.
ولأن تأويل النصوص المتشابهة يعتبر من أهم الأسلحة التي تنسف عقيدة التجسيم التي يتبناها غلاة أهل الحديث، كان لزاماً على منظري هذه المدرسة إيجاد آلية لتجاوز التأويل، والتخلص من إلزاماته، وأبسط طريقة لفعل ذلك هو إنكار "التأويل" من أساسه، كما هو الحال مع "المجاز".
اتبّع غلاة أهل الحديث لإنكار التأويل نفس الأسلوب الذي اتبعوه في نفي المجاز من خلال استخدام العبارات التي توحي بالجزم المطلق، وامتلاك الحقيقة التي لا تقبل الجدل، ورفع قميص السلف الموسوم بالعصمة!، واتهام المخالف بالبدعة.
يقول ابن القيم في رده على التأويل: "التأويل: تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه، فالتأويل التصيير، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه، فآل وتأول وهو مطاوع أولته. وقال الجوهري: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أولته وتأولته تأولاً بمعنى، قال الأعشى:
على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصبحا
__________
(1) خميس بن راشد العدوي "رؤية تاريخية" ص50 - 51. (1/144)
صفحة 145
قال أبو عبيدة: تأول حبها، أي تفسيره ومرجعه ... ثم تسمى العاقبة تأويلاً لأن الأمر يصير إليها، ومنها قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء: 59، وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلاً لأن الأمر ينتهي إليها، ومنه قوله {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} الأعراف53، فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله، والجنة والنار، ويسمى تعبير الرؤيا تأويلاً بالاعتبارين، فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه، وقال يوسف لأبيه: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} يوسف100، أي حقيقتها مصيرها إلى ها هنا ... فالتأويل في كتاب الله تعالى المراد به حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج ... فهذا هو التأويل في كلام الله ورسوله. وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان" (1).
وهذا المدخل الذي افتتح به ابن القيم رده للتأويل يوافق جزئياً ما عليه الطرف الآخر، والذي يعرّف التأويل كما يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ): "التَأَوُّل والتَأْوِيل: تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه" (2)، وقول الفيروزآبادي: "أوَّلَهُ إليه: رَجَعَهُ. وأوَّلَ الكلامَ تأويلاً، وتأَوَّلَهُ: دبَّرَهُ وقدَّرهُ وفَسَّرَهَ. والتأويلُ: عبارَةُ الرُّؤيا" (3).
إلا أن ابن القيم ابتعد عن التعرّض للآيات المتشابهات التي لو أخذناها بصورة مجتزأة بعيداً عن النظر لانسجامها وفق القواعد الكلّية للشريعة الإسلامية، والتي تتطلب معرفة
__________
(1) ابن القيم "الصواعق المرسلة" ج1ص175 - 178.
(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي "كتاب العين" ج1 ص120.
(3) الفيروزآبادي "القاموس المحيط" في باب ص866. (1/145)
صفحة 146
الأدوات اللغوية كالمجاز لأدى ذلك إلى التعارض والتناقض في النصوص وعدم مقدرة الفقه على التماهي مع الواقع الإجتماعي المتغير.
بل نجده عوضاً عن ذلك ينتقل إلى مرحلة أخرى من التشويش الإعلامي عن طريق نسبة التأويل إلى من سماهم بأهل الأهواء والبدع!، فهو يقول بعد ذلك: " وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل، وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك وابن مهدي الطبري وغيرهما، وعارضهم آخرون، فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين ابن قدامة" (1).
وما لم يذكره ابن القيم لأتباعه هو أن من يسميهم "الجهمية والمعتزلة والمتكلمين" يفرقون بين التفسير الذي هو بيان حقيقة الشيء، وبين التأويل الذي هو إرجاع الكلام عما ينصرف إليه من ظواهر ربما تأدي إلى التعارض والتضارب إلى القواعد الكلّية المحكمة المتناغمة المنسجمة مع بعضها بدلائل القرائن التي تصحبه، بينما حصر ابن القيم التأويل في نفس معنى التفسير. فإن قام ابن القيم بتفسير الآيات المتشابهات عن طريق إرجاعها إلى منظومة القواعد الكلّية المحكمة وفق ضوابط القرائن المصحابة فقد وافق الصواب، ولا يضير بعد ذلك أن يسمي فعله هذا تفسيراً أو تأويلاً فلا مشاحة في الإصطلاح، فنفس عمله الذي يسميه هو تفسيراً يسميه غيره تأويلاً.
__________
(1) ابن القيم الجوزية "الصواعق المرسلة" ج1ص178 - 180. وبالغ ابن القيم في إلهاب مشاعر الحقد لدى أتباعه ضد مخالفيهم الذين يفرقون بين التفسير والتأويل، وذلك عن طريق وصفهم بصفات بشعة كقوله:
إن الكلام مع الكبار وليس مع ... تلك الأراذل سفلة الحيوان
أوساخ هذا الخلق بل أنتانه ... جيف الوجود أخبث الإنسان
راجع: محمد خليل هراس في شرح قصيدة ابن القيم النونية ج1ص348. (1/146)
صفحة 147
لقد كان التأويل بلا شك ضرورياً لتوضيح معاني آيات القرآن الكريم، وتجلية خفاياها ودفع اللبس عن بعضها، فلولا التأويل لما استطعنا أن نفهم "النسيان" المنسوب لرب العالمين في قوله تعالى: {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} التوبة67 وقوله: {الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} الجاثية34، والتي بتفعيل آليات التأويل أدركنا أن معناه أنه يعاملهم معاملة المتجاهل لدعائهم ورجائهم فلا يجيب لهم دعوة في الدنيا ولا يشملهم برحمته في الآخرة، وكذلك لم نكن لندرك معنى إتيان الله في قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} الحشر2، والتي تعني إتيان عذاب الله الهائل الذي لا يخطر ببال. إنه ضروري جداً لتنزيه الله عن صفات النقص التي يمكن أن تسبق إلى الذهن عند قراءة قوله تعالى {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} آل عمران54، فالمكر المنسوب إلى الله هو استدراج المعاندين، والإملاء لهم حتى يأخذهم الله تعالى بذنوبهم.
وتتجلى ضرورة التأوّيل في قوله سبحانه {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} البقرة:115، فإن أهل الحديث يحصرون الذات العلية في جهة العلّو فوق العرش لقوله سبحانه {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه:5، والآية الأولى-إن لم تأوّل- أفادت أن الإنسان أينما ذهب في هذه الأرض فهناك وجه الله، وفي هذا ما يقتضي أن وجه الله سبحانه متدل من عرشه إلى أرضه عام لكل جوانب الأرض، ولا يستطيع أهل الحديث التصريح بهذا القول.
إذاً هم يتركون الآيات المحكمات التي هي أم الكتاب ويتبعون ما تشابه من آيات التي يجب رد تفسيرها إلى المحكمات -وهو المصطلح عليه بالتأويل- حرصاً على سلامة الآيات من التناقضات التي يتعالى عنها كلام الله، وحملاً لكلام الله على ما تقتضيه قواعد اللسان العربي المبين الذي شرفه الله بجعله لسان كتابه ولسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام (1).
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي في تعليقه على كتاب "مشارق أنوار العقول" ص275. (1/147)
صفحة 148
وأمام هذا الزخم الهائل من الاستدلالات التي تدعم موقف المفرقين بين التأويل والتفسير، بنى منظرو مدرسة التجسيم من غلاة أهل الحديث سدوداً جديدة من الشبهات لتحصين أتباعهم من قبول تلك الأفكار!.
يقول ابن القيم: "قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون، ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم، بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالاً على خلاف الحق عندهم، إما نصاً وإما ظاهراً بل دالاً عندهم على الكفر والضلال، لزم من ذلك لوازم باطلة منها الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل. الثاني: ومنها أن يكون قد نزل بيان الحق والصواب لهم، ولم يفصح به، بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد. الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا معناه من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن معناه منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك. الرابع: ومنها أن يكون دائماً متكلماً في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب". (1)
وقول ابن تيمية الذي نقله ابن القيم من أن كلام مخالفيه ليس له سند من الكتاب والسنة، يدور في فلك الدعاية المضادة للمخالفين والتشويش على الأتباع، لأن الله عز وجل يؤكد وجود الآيات المتشابهة المحتاجة إلى التأويل: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} آل عمران7، فهذه الآية نص صريح على
__________
(1) ابن القيم الجوزية "الصواعق المرسلة" ج1ص314 - 315. (1/148)
صفحة 149
وجود آيات دلالتها غير واضحة "متشابهات" تحتاج إلى الإظهار والتبيين "التأويل" عن طريق عرضها على الآيات الجَلِيّات الواضحات "المحكمات".
وقول ابن القيم "أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل". ليس بحجة، لأن غلاة أهل الحديث حين أخذوا بظواهر الألفاظ اعتقدوا التشبيه والتجسيم. وماذا يقول ابن القيم في قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} الحشر:2، وقوله {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} آل عمران54، وقوله {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} التوبة: 67، هل يمكنه أن يثبت ظواهر هذه الآيات التي تؤدي إلى وصف الله تعالى بمعاني باطلة كالحركة، والانتقال، والمكر، والنسيان؟. بيد أن عقلاء المسلمين لا يقولون أن الله عز وجل أنزل ما يُضل، بل يقولون: أن الذي يتعامل مع القرآن الكريم دون امتلاك معرفة بأبسط فنون اللغة العربية لا محالة سيضل ويضل غيره.
أما قول ابن القيم "ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به، بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه إلا بعد الجهد الجهيد. ومنها أن يكون قد كلف عباده ألا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلّفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه. ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك" ليس إلا مناورة فاشلة، فقد ذكرنا قبل ذلك أن المجاز لا يمكن أن يصار إليه إلا بالقرائن، وليس في ذلك محنة وإلغاز كما يدّعي ابن القيم، لأن هذا المجاز من معهود اللغة العربية التي نزل بها كتاب الله وتكلم بها نبيه (صلى الله عليه و سلم)، بيد أن دخول اللحن في اللغة بسبب دخول الأعاجم واستفحال أمر أهل الحديث الذين ألغوا المجاز والتأويل، أدى إلى عدم استساغة العوام للصور البلاغية في اللغة التي يمثلها المجاز.
يقول الشيخ ابن بركة: "لو كان القرآن كله محكماً لا يحتمل التأويل ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المحنة فيه وتبلدت العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل واستوت منازل العباد، والله يتعالى أن يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته ورحمته ما صنع وقدر فيه، إذ جعل بعضه محكماً ليكون أصلاً يرجع إليه، وبعضه متشابهاً (1/149)
صفحة 150
يحتاج فيه إلى الاستخراج والاستنباط ورده إلى الحكم وإعمال العقول والفكر، ليستحق بذلك الثواب الذي هو العوض" (1).
التناقض في المنهج:
إن المستقرئ لواقع غلاة أهل الحديث يجدهم يأخذون بظواهر النصوص متى وافقت هواهم، و يؤولونها متى تعارضت مع عقيدة التجسيم التي ينتحلونها، مع العلم بأن قواعد مدرستهم تقوم على الأخذ بظواهر الألفاظ وعدم تأويلها، فمثلاً يقول صالح الفوزان: "والتحريف: هو التغيير وإمالة الشيء عن وجهه ... وهو نوعان: ... الثاني: تحريف المعنى، وهو العدول به عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر ... والتعطيل هو نفي المعنى الصحيح من غير استبدال له بمعنى آخر كفعل المفوضة ... والإلحاد في أسماء الله وصفاته أنواع: ... النوع الرابع: جحد معانيها وحقائقها" (2).
فالذي يؤول النصوص المتشابهة ويفسرها بما يتوافق والمحكم من النصوص والثوابت العقلية في نظر الفوزان محرّف ومعطّل وملحد!، بيد أنا نتساءل كيف تعامل الفوزان نفسه مع الآيات التي تخالف توجه مدرسته؟.
يقول الفوزان في تفسير قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} الحديد: 3 "وفي اسمه (الظاهر) و (الباطن) إحاطته المكانية ... ومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء ما علا منه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء" (3).
فلماذا عدل الفوزان عن المعنى الظاهر لقوله تعالى "الباطن" ولم يقل إن ذاته أسفل كل شيء؟! أليس هذا ابتعاد عن المنهجية التي ادّعاها، وهي عدم التحريف والتعطيل والإلحاد في صفات الله عن طريق تأويلها؟!.
__________
(1) ابن بركة البهلوي "الجامع" ج1 ص56.
(2) صالح الفوزان "شرح العقيدة الواسطية" ص15 - 18.
(3) صالح الفوزان المصدر السابق ص 29. (1/150)
صفحة 151
وقال الفوزان في تفسير قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} الرحمن27: "ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب سبحانه لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبداً". وقال في تفسير قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} القصص: 88 "كل من في السماء ومن في الأرض سيذهبون ويموتون {إِلَّا وَجْهَهُ} منصوب على الاستثناء، وهذا إخبار بأنه الدائم الباقي الذي تموت الخلائق ولا يموت" (1).
فلماذا قال هنا: إن الوجه عبارة عن ذات الله؟ وليس بمعنى الوجه الذي هو الجارحة، بحيث يهلك كل شيء حتى اليد والجنب والساق والقدم التي أثبتها أهل الحديث لله، جميعها سيهلك ولا يبقى سوى الوجه وحده. بيد أنه لجأ في هذه الحالة إلى التأويل الذي أسماه في البداية بالتحريف والإلحاد والتعطيل. والعجيب أنه يقول بعد ذلك: "الشاهد من الآيتين: أن فيهما إثبات الوجه لله سبحانه" (2). كيف يكون الشاهد إثبات الوجه (3)، وهو قد ذكر سابقاً أن المقصود في الآية هلاك كل شيء سوى "ذات الله" وليس سوى وجهه الحقيقي الذي يدعيه مجسمة أهل الحديث؟!.
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} الطور: 48 " (فإنك بأعيننا) أي: بمرأى منا وتحت حفظنا". وفي قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} القمر:
__________
(1) صالح الفوزان المصدر السابق ص48.
(2) صالح الفوزان نفس المصدر ص48.
(3) ويبرر أهل الحديث إثبات الوجه لله تعالى من هذه الآية بقولهم: "لو لم يكن لله عز وجل (وجه) على الحقيقة لما جاز استعمال هذا اللفظ في معنى الذات فإن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف" (محمد خليل هراس "شرح العقيدة الواسطية" لابن تيمية ص65). والواقع يرد هذه الدعوى، فالله تعالى يقول: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} فصلت:42، وأصل اليد ليس موجوداً في القرآن، والله تعالى يقول في الأرض: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} الملك:15، والأرض لا مناكب لها. (1/151)
صفحة 152
14 "أي: بمنظر ومرأى منا وحفظ لها". ثم قال بعد ذلك: "الشاهد من الآيات: أن فيها إثبات العينين لله تعالى حقيقة". (1)
فإذا كانت الآيتان تثبتان عينين لرب العالمين كما يقول الفوزان فلماذا لم يقل إن قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} تعني لتتربى وتكبر فوق عين الله تعالى، وأن قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} تعني أن سفينة نوح تسبح فوق عين الله تعالى؟.
كذلك فعل الفوزان في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} الحديد: 4، وقوله تعالى: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} التوبة: 40، وغيرها من آيات المعية، حيث يقول: ({وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} أي: هو معكم بعلمه" (2).
في جميع ما سبق نجد أن الفوزان قد خالف ما أوجبه على الناس، ولم يلتزم هو نفسه بالأخذ بظواهر الألفاظ، لقد اضطر الفوزان كما اضطر معه أهل الحديث إلى العمل بالتأويل، وقام بما حرّمه على مخالفيه وهو رد الآيات المتشابهات إلى المحكم منها!!.
ومن بين المطبات التي أوقع الفوزان فيها نفسها قوله في تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} المائدة: 64: "يخبر تعالى عنهم بأنهم وصفوه بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، لا أنهم يعنون أن يده موثقة" (3). حيث اضطر الفوزان إلى الدفاع عن اليهود وذلك عن طريق تأويل قولهم "يد الله مغلولة" بالبخل مع أن ظاهر هذا القول يفيد أنهم يقصدون أن "يد الله موثقة"، ومنهج الفوزان الذي أقرّ به في البداية هو الأخذ بظواهر الألفاظ وعدم صرفها عن ظاهرها، فتركه للأخذ بظاهر قول اليهود: {يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} لا يوجد
__________
(1) صالح الفوزان نفس المصدر ص51.
(2) صالح الفوزان نفس المصدرص67.
(3) صالح الفوزان نفس المصدر ص49. (1/152)
صفحة 153
له ما يبرره سوى خشيته من إدراك أتباعه أن فكر مدرسته يشترك مع فكر اليهود في التشبيه والتجسيم.
وقد انجرف الشوكاني في تطبيق منهج حظر التأويل، حتى في تفسير قوله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} الحديد: 4، وقوله تعالى {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} التوبة: 40، التي اضطر غلاة أهل الحديث إلى تأويلها، حيث قال: "فنقول في مثل هذه الآيات: هكذا جاء القرآن إن الله سبحانه مع هؤلاء، ولا نتكلف تأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذا شعبة من شعب التأويل تخالف مذاهب السلف، وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم" (1). أي أن الله تعالى موجود بذاته في كل مكان!.
__________
(1) محمد بن علي الشوكاني "التحف في مذاهب السلف" ص28. (1/153)
صفحة 154
إحياء الموروث القديم للملل المنحرفة
الاقتباس من أهل الأوثان:
كما أسلفنا سابقاً أن الخطاب الإعلامي لأهل الحديث موجه بصورة أساسية نحو العوام، وهو يعتمد على إثارة العاطفة ودغدغة المشاعر مع تجاهله الواضح لثوابت العقل ودلائل النقل، وفي إطار إثارة عاطفة العوام نحو هذا الفكر قام أربابه بالاستدلال بكلام أهل الملل الأخرى المنحرفة عن الإسلام ليوهموا عوام الناس أن هذه العقيدة أجمعت عليها الأمم!.
مع أن إجماع الأمم المخالف لنصوص الشرع ودواعي العقل لا يعد حجة عند عقلاء المسلمين، ولو كان في إجماعهم حجة للزم أهل الحديث اتّباعهم في عبادة الأوثان، والقول بتعدد الآلهة، وإثبات الزوجة والولد لله تعالى.
لقد أرسل الله رسوله (صلى الله عليه و سلم) {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} التوبة:33، وكانت الإنسانية قبل مبعثه تتخبط في ظلمات الجهل والوثنية والضلال المبين {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} آل عمران164، وحين جاء الرسول (صلى الله عليه و سلم) بهذا الدين القويم كانت ردة فعل الكفرة هي التكذيب والسخرية والجحود لأن فطرهم قد عفنتها الوثنية {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ص4 - 5، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} الفرقان: 61. عقول فارغة، وقلوب متحجرة، وفطر ملوثة هذه التي ترفض نور الإيمان بالله تعالى، وتعدل به غيره {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} الأنعام: 1. (1/154)
صفحة 155
لم يصدق الوثنيون بربوبية الله {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ} الانشقاق: 22، وازدادوا غيّاً بعد غيّ وتكذيباً بعد تكذيب {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ} البروج:19. فكيف يتصور مسلم عاقل أن يأخذ عقيدته من هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة؟!.
بيد أنّا -للأسف- وجدنا غلاة أهل الحديث ينقلون عقائد أولئك الوثنيين في كتبهم العقدية!. بل هم تعدوا هذه المرحلة إلى درجة التصريح والإحتجاج بأقوال أهل الأوثان والديانات المنحرفة، من ذلك قول ابن تيمية: "وأهل السنة يقولون لهم: ... معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب. فعلم أن إقرار العقول بالصفات: أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به" (1).
واستشهد ابن تيمية بقول أمية بن أبي الصلت –من شعراء الجاهلية- حيث قال: "والأمم كلها عجمها وعربها تقول: إن الله عز وجل في السماء ... وقال أمية بن الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا أمسى في السماء كبيراً
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريراً
شرجعاً ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صوراً" (2)
وكلام ابن تيمية واضح البطلان لما فيه من رد لنصوص الكتاب العزيز التي ذكرناها سابقاً، ولا يصح أن يقال إن المشركين عارفون بصفات الله!، وأنهم آمنوا بها وأقروها، ولكن مبلغ كفرهم هو الجحود بيوم القيامة!، فالقرآن طوله وعرضه ينص على إنكار المشركين لوجود الله فكيف الحال بصفاته!.
__________
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص33.
(2) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص405. (1/155)
صفحة 156
ويقول ابن القيم مفتخراً لموافقة عقيدته لعقيدة عنترة الوثني: "ويكفي أن شعراء الجاهلية مقرة به على فطرتهم الأولى، كما قال عنترة في قصيدته:
يا عبل أين المنية مهربي ... إذا كان ربي في السماء قضاها (1)
وأي فطرة لأهل الأوثان!، ألم تقدهم هذه الفطرة إلى عبادة الحجارة الصماء؟! ألم يستهزيء هؤلاء بذات الله حين قالوا: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ص: 5.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أنشد قول أمية بن الصلت
رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد. (2)
أي أن رجل الله اليمنى –تعالى الله- فوق ملكين على هيئة إنسان وثور، بينما رجله الأخرى فوق ملكين على هيئة نسر وأسد!. وهذا التجسيم ووصف الملائكة بصفات الحيوانات يمثل جوهر العقيدة التلمودية، فما الذي حدا بغلاة أهل الحديث إلى قبول هذه الأفكار المنحرفة عن منهج الإسلام الصحيح (3).
الاقتباس من أهل الكتاب:
في نفس إطار الصخب الدعائي الذي يمارسه أهل الحديث، ومحاولتهم التصوير بأن عقيدة التجسيم محل إجماع جميع الديانات!، كما يقول ابن القيم:
هذا وخامس عشرها الإجماع من ... رسل الإله الواحد المنان
فالمرسلون جميعهم مع كتبهم ... قد صرحوا بالفوق للرحمن
هذا ونقطع نحن أيضاً أنه ... إجماعهم قطعاً على برهان (4)
__________
(1) ابن القيم اجتماع الجيوش الإسلامية" ج8 ص287.
(2) عبد الله بن أحمد بن حنبل "السنة" ص504.
(3) يقول زاهد الكوثري في مقدمة كتاب "تبيين كذب المفتري" ص18 "الحشوية أسقطها الجهل والجمود وترتئي آراء الجاهلية ورثتها من نحل كانوا عليها قبل الإسلام وراجت عليهم تمويهات المموهين من الثنوية وأهل الكتاب والصابئة".
(4) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص226. (1/156)
صفحة 157
صوّرَ غلاة أهل الحديث لأتباعهم أن التوراة والإنجيل لم يحرّفا!، وأن العقائد التي تحويها موافقة تماماً لعقيدة الإسلام الصافية!، حيث يقول ابن القيم: "ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف، وليس لقائل أن يقول: إن ذلك الكتاب محرف كله. وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم، وبلادهم متباينة، وأوهامهم متباينة، منهم يهودي ونصراني، وهم أمتان متعاديتان، فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون، مقرباً مالا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة". (1)
ويقول ابن تيمية: "وقد علم أن التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النفاة تجسيماً، ومع هذا فلم ينكر رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأصحابه على اليهود شيئا من ذلك، ولا قالوا: أنتم مجسمون، بل كان أحبار اليهود إذا ذكروا عند النبي (صلى الله عليه و سلم) شيئاً من الصفات أقرهم الرسول على ذلك وذكر ما يصدقه" (2). وقال أيضاً: "فقد علم أنه (صلى الله عليه و سلم) قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدله، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً لهم؟! ولم يعبهم قط بما تعيب به أهل الإثبات" (3). وقال أيضاً: "والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به احدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان" (4).
وقال: "فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل ما يخالف ذلك، فإنهم كانوا يلوون ألسنتهم ثم يقولون هذا من عند الله ويكذبون في كلامهم
__________
(1) ابن القيم الجوزية "الصواعق المرسلة" ج3ص1103 - 1104.
(2) ابن تيمية "منهاج السنة" ج2 ص562.
(3) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" المجلد الخامس ص34.
(4) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" المجلد الخامس ص34. (1/157)
صفحة 158
وكتابهم. فلهذا لا تقبل الترجمة إلا من ثقة. فإذا احتج أحدهم على خلاف القرآن برواية عن الرسل المتقدمين مثل الذي يروى عن موسى أنه قال: "تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض" أمكننا أن نقول لهم: في أي كتاب هذا؟ أحضروه، وقد علمنا أن هذا ليس في كتبهم وإنما هو مفترى مكذوب" (1). وقال أيضاً: "وكذلك إذا سئلوا عما في الكتاب من ذكر أسماء الله وصفاته لتقام الحجة عليهم وعلى غيرهم، بموافقة الأنبياءالمتقدمين لمحمد (صلى الله عليه و سلم)، فحرفوا الكلم عن مواضعه: أمكن معرفة ذلك، كما تقدم" (2).
وقد استدل ابن تيمية بالتوراة المحرفة في إثبات بعض العقائد، ومن ذلك قوله: "وهكذا في التوراة ما يوافق خبر الله في القرآن ... ما ذكره الله في التوراة يدل على أنه خلق هذا العالم من مادة أخرى" (3).
واحتج بالإنجيل أيضاً حيث قال: "وفي الإنجيل أن المسيح (عليه السلام) قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم (4) الذي في السماء يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهواء وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهن، أفلستم أفضل منهن؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب (5).
ويؤكد ابن تيمية على دراسته للتوارة وتبحره فيها بقوله: "والألفاظ العبرية تقارب الألفاظ العربية بعض المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر. وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثير من كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية" (6).
__________
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" المجلد الرابع ص111 - 112.
(2) ابن تيمية مجموع الفتاوى" المجلد الرابع ص112.
(3) ابن تيمية "منهاج السنة" ج1 ص363.
(4) وهذا احتجاج منه بقول النصارى بأبوة الله تعالى للمسيح التي هي أصل عقيدة التثليث الوثنية.
(5) "مجموع الفتاوى" ج5 ص406.
(6) "مجموع الفتاوى" ج4 ص110 –111. (1/158)
صفحة 159
ويؤكد حمود التويجري على تشابه عقيدة غلاة أهل الحديث مع عقائد التوراة بقوله: "وأيضا هذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة في السفر الأول منها: سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها" (1). وقال أيضاً: "روى صفوان الأموي بإسناده إلى كعب الأحبار قال: قال الله عز وجل في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، ولا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض" (2).
بل إن أئمة أهل الحديث يؤكدون على تقديمهم لكلام اليهود والنصارى على كلام مخالفيهم من أهل الإسلام، حيث يقول عبد الله بن المبارك: "إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية" (3).
ونحن نعجب من هؤلاء وجرأتهم على رد كتاب الله الذي يؤكد تحريف التوراة والإنجيل، ويؤكد عداء أهل الكتاب للإسلام وأهله، يقول تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} البقرة:79. وقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} البقرة: 75. وقال تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة: 105، وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} البقرة: 109. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ
__________
(1) حمود التويجري "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن" ص76.
(2) حمود التويجري "إثبات علو الله ومباينته لخلقه" ص53.
(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص174، البخاري "خلق أفعال العباد" ص31. (1/159)
صفحة 160
كَافِرِينَ} آل عمران: 100، فكيف بعد هذا التحذير من أهل الكتاب وكتبهم المحرفة، يستسيغ أي مسلم أخذ عقيدته من تلك الكتب؟
لا ينكر تحريف التوراة والإنجيل إلا المغالط لنفسه، فنصوص تلك الكتب نفسها تؤكد حقيقة التحريف التي ينكرها اليهود والنصارى، فقد تمت ترجمة العهد القديم إلى اليونانية في القرن الثالث، وأضاف النصارى إليه فقرات جديدة زعموا أن اليهود قد حذفوها من نسختهم الأصلية، وقاموا أيضاً بتضخيم العهد القديم، وأضافوا إليه فصولاً كثيرة، ونفس المجموعة التي كتبت العهد القديم هي نفسها التي كتبت العهد الجديد (1). وقد أثارت الاختلافات والتناقضات الواضحة في صفحات التوراة الحالية انتباه كثير من الباحثين قديماً وحديثاً، إلا أن العالم الناقد الكاثوليكي أستروك (1753م) كان أول من أشار صراحة إلى تعدد المصادر، واتفقت هذه الأعمال على أن التوراة تتكون من مجموعة كتابات جمعت وحررت وضمت في عمل واحد (2).
وتصديق القرآن لما مع اليهود إنما هو تصديق على الإجمال، إن القرآن يصدقهم فيما يذكرونه من إيمان بالله، وإثبات للوحي، وتكليف الناس، وحساب على الأعمال! لكنه لا يصدقهم حين يذكرون أن الله ندم على إغراق الأرض بالطوفان، ثم ندم على ما صنع واحتاج إلى من يذكره حتى لا يفعلها مرة أخرى! إنه لا يصدق العهد القديم حين يذكر أن الله يتمشى على الأرض، ثم مال إلى نبيه إبراهيم حيث تناول معه الغداء، ولا يصدقه حين يذكر أن الله صارع يعقوب ليلاً طويلاً، ثم لم يفلته حتى منحه لقب إسرائيل (3).
يقول محمد رشيد رضا: "ومن المعلوم من التاريخ بالقطع عندنا وعندهم أن التوراة التي كتبها موسى (عليه السلام) ووضعها في التابوت (صندوق العهد)، وأخذ الميثاق على بني إسرائيل بحفظها كما هو منصوص في آخر سفر (تثنية الاشتراع) قد فقدت من الوجود عندما أغار
__________
(1) Christopher Knight & Robert Lomas "The Hiram Key"page 61 - 62.
(2) محمد خليفة "علاقة الإسلام باليهودية" ص18.
(3) محمد الغزالي في كتابه "نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم" ص113. (1/160)
صفحة 161
البابليون على اليهود وأحرقوا هيكل بيت المقدس، والتوراة الموجودة الآن يرجع أصلها إلى ما كتبه عزرا الكاهن بأمر "ارتحشتا" ملك فارس الذي أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى أورشليم، وأذن له أن يكتب لهم كتابا من شريعة الرب وشريعة الملك، ولذلك تكثر فيها الألفاظ البابلية كثرة فاحشة، وقد بينا تحقيق ذلك في تفسير أول سورة آل عمران وبعض آيات من سورة النساء والمائدة، كما بينا أن إنجيل المسيح عليه السلام لم يدون في عصره، ولم ينقله عنه الحواريون كما نقل القرآن تواتراً بالحفظ والكتابة، ولا كنقل الحديث بالأسانيد المتصلة، وإنما ظهرت هذه الأناجيل التي هي قصص مختصرة له واشتهرت بعد ثلاثة قرون كما ظهر عشرات غيرها، فاعتمد أربعة منها رؤساء الكنيسة التي أسسها قسطنطين ملك الروم الذي تنصر تنصراً سياسياً، وأدخل النصرانية في دور جديد ممزوج بالوثنية، وقد طرقنا أبواب البحث في "المنار" مراراً وتغلغلنا فيها أحياناً، ومن ذلك مقال نشرناه في الجزء الثاني من المجلد السادس "صفحة 321" عقب ما كتب في شأن عثور بعض علماء الآثار العادية من الألمان على شريعة "حمورابي" منقوشة على عمود من صم الصفا في العراق. فقد ظهر لهم أن معظم شريعة التوراة موافقة لهذه الشريعة ما ظهر لبعض المحققين منهم أن أسفار هذه التوراة مشتملة على المئات أو الألوف من الألفاظ البابلية المحضة، فجزم الأحرار من هؤلاء الباحثين بأن التوراة مقتبسة وليست وحياً من الله تعالى" (1).
وهناك الكثير من اتباع مدرسة أهل الحديث قد ردّ على من أجاز الاحتجاج بالتوراة وأنكر تحريفها، فقد قال الذهبي: "ولا يُشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة ولا أَن يحفظها، لكونها مُبَدَّلَة مُحرَّفة منسُوخة العمل، قد اختلط فيها الحق بالباطل، فلتُجتنب" (2). وقال ابن كثير: "وقال وهب ابن منبه: عن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ... فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص" (3)، وقال أيضاً: "فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلوا عليه
__________
(1) محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" ج1ص174.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص ج3ص86.
(3) ابن كثير في تفسيره للآية 78 من سورة آل عمران ج1ص424. (1/161)
صفحة 162
الكذب، يعني فيما ينقله لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خير الله تعالى ورسول الله (صلى الله عليه و سلم) إلى شيء منها بالكلّية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض" (1).
ويقول صابر طعيمة في الرد على دعوى عدم تحريف صفات الله في التوراة: "ولما كان بنو إسرائيل قطاعاً من البشر مستهدفاً من الرسالة الإسلامية بحكم عموميتها ... وبأن يؤمنوا بالحق الذي جاء به الإسلام فطهر العقائد مما شابها من فكر الصنم والوثن وما يتعلق بفكر الصنم والوثن من رموز وطقوس كهذه التي لوثت أسفار العهد القديم ولوثتها" (2).
وقال: "وإنما تناول أبنائه من بعده، فالخُلق اليهودي المعوج والقائم على العدوان والعقيدة الدينية المحرفة القائمة على التزييف وصور التجسيد والتشبيه التي يخلعونها على الإله والتي كانوا عليها في بدء عصر الدعوة الإسلامية" (3).
وإثبات الذهبي وابن كثير وصابر طعيمة لتحريف التوراة والإنجيل يؤكد على تناقض منهج غلاة أهل الحديث، واتباعههم الهوى لنصرة مذاهبهم.
الاقتباس من أرباب الفلسفة الهرمسية:
إن تغرير غلاة أهل الحديث باعتباعهم لا يقف عند حد!، فحين تراهم يحاربون المعتزلة ويألبون العوام ضدهم بدعوى مطالعتهم كتب الفلسفة، وأنهم –المعتزلة-مجموعة من ملاحدة الإغريق، تجدهم أنفسهم يستشهدون -لترسيخ عقائدهم- بأقوال فلاسفة اليونان وشواذ أفكارهم، ثم يروجون تلك الأفكار بين العوام على أنها عقيدة السلف المقدس!، من ذلك عقيدة "قدم أصل العالم".
__________
(1) ابن كثير في تفسيره ج3ص112.
(2) صابر طعيمة "بنو إسرائيل بين نبأ القرآن وخبر العهد القديم" ص6.
(3) نفس المصدر ص20. (1/162)
صفحة 163
ولم نجد نصاً يدل على طرح مثل هذه القضية عند أهل الحديث الأوائل، وأول من طرح هذه القضية هو ابن تيمية الحرّاني (ت 728هـ)، الذي يقول: "لم لا يجوز أن تكون السماوات والأرض بأنفسها مسبوقة بمادة بعد مادة لا إلى غاية ... فما الذي أوجب مخالفة ما اتفقت عليه الرسل وأهل الملل وأساطين الفلاسفة القدماء" (1). وقال: "وذلك القول بحدوث هذا العالم هو قول أساطين الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، بل هم يذكرون أن أرسطو أول من صرح بقدم الأفلاك، وأن المتقدمين من قبله من الأساطين كانوا يقولون: إن هذا العالم محدث إما بصورته وإما بمادته وصورته، وأكثرهم يقولون بتقدم مادة هذا العالم على صورته. وهذا موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم" (2). وقال مشنعاً على من يقرّ بوحدانية الله تعالى في الأزل: "والأعجب من ذلك حكاية الإجماع على كفر من نازع في أنه سبحانه لم يزل وحده لا شيء معه". (3)
وقال ابن عبد العزّ (ت 792هـ) منتصراً لكلام أستاذه الحرّاني: "وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ ... منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجوداً وحده، ولم يزل كذلك دائماً، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث ... والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام، ثم استوى على العرش ... دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه ... لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق أصلاً معه أصلاً لأن قوله "وكان عرشه على الماء" يردّ ذلك" (4).
وتابعه أيضاً تلميذه ابن القيم (ت 751هـ) الذي قال:
هل بين ذلك قط من فرقان ... قلنا صدقتم وهو ذو إمكان
كتسلسل التأثير في مستقبل ... هل بين ذلك قط من فرقان
__________
(1) ابن تيمية "منهاج السنة" ج1 ص220.
(2) ابن تيمية "منهاج السنة" ج1ص360.
(3) ابن تيمية "نقد مراتب الإجماع على هامش مراتب الإجماع لابن حزم" ص33 - 36.
(4) ابن عبد العزّ "شرح العقيدة الطحاوية" ج1ص202 - 205. (1/163)
صفحة 164
والله ما افترقا لذي عقل لا ... نقل ولا نظر ولا برهان (1)
ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو ... أزل لذي ذهن ولا أعيان
بل كل فرد مسبوق بفرد ... قبله أبداً بلا حسبان (2)
وقال محمد خليل هراس في شرحه لكلام ابن القيم السابق: "انقسم الناس في تسلسل الحوادث والآثار إلى ثلاث طوائف فأهل السنة والجماعة ذهبوا إلى إمكانه في جانب الماضي والمستقبل جميعاً بلا فارق".
ومعنى كلام هؤلاء أن الله تعالى لم ينفرد بالوحدانية في الأزل، وأنه لم يخلق الأشياء من عدم!، فعملية الخلق بالنسبة لهؤلاء إنما هي مجرد عملية تحويل للأشياء من حالة إلى أخرى، وعملية التحويل هذه مستمرة منذ الأزل!. وفي هذا سلب لصفة إنفراد الله تعالى بالأزلية، وفيه إثبات لقدم أصل المخلوقات مع الله مما يؤدي إلى إثبات شريك لله في القدم مما يترتب عليه إثبات شريك له في الربوبية، فطالما تساويا في القدم فلا يوجد مرجح لقدرة أحدهما على الآخر إلا بمرجح خارجي، مما يستلزم تعدد الآلهة أو أن يكون الله تعالى مخلوقاً لآخر أعطاه القدرة على أصل العالم.
وابن تيمية يقرر في كلامه السابق أن عقيدة قدم أصل العالم، قد استمده من فلاسفة اليونان!، بيد أن السؤال المطروح هو عن أي نوع من الفلاسفة يتحدث ابن تيمية؟ فالفلاسفة اليونان ينقسمون إلى فريقين، الفريق الأول هم الفلاسفة القدماء أو الذين يعرفون بالحكماء السبعة "تاليس الملطي، أناكسوغورس، وانكسيمانس، وانبادوقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون"، وهؤلاء كانت فلسفتهم فلسفة خرافية لا عقلية، والفريق الثاني من الفلاسفة هم أصحاب الفلسفة العقلية ومؤسس هذه الفلسفة العقلية هو أرسطوطاليس، وسار طلبة أرسطو على منواله في تعاطي الفلسفة العقلية إلى أن أصيبت الإمبرطورية الرومانية بالانهيار العسكري والاقتصادي والاجتماعي الذي كان من تداعيات فشل حملة الإسكندر المقدوني، وأصيبت الساحة الفكرية اليونانية بحالة من الإنحطاط، فظهر في هذه المرحلة رجل يهودي! يدعى
__________
(1) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص173.
(2) نفس المصدر ج1ص175. (1/164)
صفحة 165
إفلوطين، وقام بإعاد قراءة للفلسفة اليونانية بطريقة خرافية تلمودية، ألغى فيها الفلسفة الأرسطية، واعتمد على فلسفة فيثاغورث اللاعقلية، فأخرج مزيجاً من الفلسفة والخرافة صارت تعرف فيما بعد بـ"الفلسفة الهرمسية" نسبة إلى هرمس (المثلث بالعلوم والحكمة) الذي يعتبر الإله (أحد آلهة اليونان أو الإله طوط المصري)، أو الناطق باسم الإله (هرمس= نبي= إدريس (عليه السلام))، وهي بجانب إحيائها لفلسفة فيثاغورث اللاعقلية امتزجت فيها أيضاً الخرافات التلمودية، والميثلوجيا الإنجيلية، والموروث الزرادشتي والهندي القديم (1).
هذا الفكر الهرمسي الذي نشأ في القرنين الثاني والثالث الميلاديين في الإسنكدرية، انتقل بعد ذلك إلى حرّان بالشام، وأصبحت حرّان بذلك مركزاً للهرمسية العالمية، وظلت على مر القرون بؤرة لتصدير الفكر الهرمسي إلى أرجاء البسيطة، واستطاع هذا الفكر الهرمسي أن يخترق جميع المدارس الفكرية. حتى المدارس الإسلامية لم تسلم منه، حيث تسرب إلى الفكر الإسلامي بإجازة ورضى من الدولة الأموية، خاصة أيام خالد بن يزيد بن معاوية كما بيناه في المقدمة.
وحرّان هذه هي نفس البلد الذي نشأ وترعرع فيه ابن تيمية إمام أهل الحديث في القرنين السابع والثامن الهجريين، فقد ولد الرجل في بيئة هرمسية تسيطر عليها الهرمسية الإشراقية المتمثلة في الجماعات الصوفية ذات الفكر الحلولي والإتحادي، لكن خلفيته المعرفية الحنبلية دفعته بقوة للثورة ضد مظاهر التصوف الخرافي، مما جعله في حالة صدام مستمر مع قوى التصوف الغنوصية، هذا الصدام اضطر ابن تيمية إلى اللجوء للفلسفة في محاولة لنقض بنيان الفكر الصوفي الهرمسي، بيد أن الفلسفة المتاحة لابن تيمية في حرّان بؤرة الهرمسية لم تكن سوى الهرمسية نفسها!.
ونتيجة للعداء التاريخي بين الفلسفة الأرسطية العقلية وبين أهل الحديث لم يستطع ابن تيمية التفاعل الإيجابي مع العقلانية الأرسطية، بل وقف منها موقفاً سلبياً محارباً دفعه إلى وصف أرسطو وأتباعه بالشرك وممارسة السحر!، حيث يقول فيهم: "كما كان أرسطو وقومه من
__________
(1) محمد عابد الجابري "تكوين العقل العربي" الفصل السابع من الكتاب. بتصرّف. (1/165)
صفحة 166
اليونان مشركين يعبدون الأصنام ويعانون السحر، ولهم في ذلك مصنفات وأخبارهم مشهورة، وآثارهم ظاهرة بذلك" (1). واستقراء فكر أرسطو يؤكد على إقرار الرجل بوجود إله واحد أسماه "واجب الوجود"، وأن هذا الواجب الوجود يلزم أن يكون واحداً فقط، وأنه محرك العالم، وأن علمه ذاتي غيرمكتسب، وأن بقية الموجودات حادثة محتاجة إلى "الواجب الوجود" (2)، إلى غير ذلك من أفكار تفيد وصول الرجل عن طريق التفكر في ملكوت الله إلى وجود الله عز وجل، وذلك ليس بمستغرب فالله تعالى يقول: {إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} يونس: 6، فاتهام ابن تيمية لأرسطو بعبادة الأصنام يدور في نفس دوامة اتهام المخالف بالإنحراف والكفر والبدعة، وعبدة الأصنام هم في الحقيقة قدماء الفلاسفة اليونان الذين يعتقدون تعدد الإلهة، وهؤلاء هم أئمة الهرامسة الذين تسرب فكرهم إلى أهل الحديث، وجعلهم يبتدعون القول بقدم أصل العالم.
وهناك بعض تلامذة ابن تيمية الذين انتقدوا قوله بقدم أصل العالم كالألباني الذي قال: "ولقد أطال ابن تيمية رحمه الله في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء كلامه بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب ... كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله هذا المولج، لأن الكلام به شبيه بالفلسفة وعلم الكلام" (3).
والذهبي الذي قال له: "يا رجل بالله عليك كفَّ عنا فإنك مِحجاجٌ عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والأغلوطات في الدين، كرِه نبيك محمد (صلى الله عليه و سلم) المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"، وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبِّش
__________
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج4 ص161.
(2) الشهرستاني "الملل والنحل" ج2ص444 - 462. إلا أن أرسطو كفر حين قال أن رب الكون تخلى عنه بعدما خلقه.
(3) ناصر الدين الألباني "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ج1ص108 عند الكلام على الحديث رقم 133. (1/166)
صفحة 167
الكفريات الفلسفية لنردَّ عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات. وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم، وتكمن والله في البدن ... يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً ... فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل أو عامّي كذاب بليد الذهن" (1).
الاقتباس من الجن والحيوانات:
استمراراً من أهل الحديث في استغفال أتباعهم، وإمعاناً منهم في إغراق الأمة في عالم الخرافات الهرمسية، لفق غلاة أهل الحديث قصصاً أسطورية تزعم استماعهم للجن وللحيوانات والحشرات، وأن هذه المخلوقات توافقهم على عقيدة التجسيم. في هذا الإطار يذكر ابن القيم قصة خرافية ملخصها أن أحد الجن دخل الحمام وقال:
كيف تهدأ جفون من ليس يدري ... أرضي عنه من على العرش أم لا (2)
وقال أحمد بن نصر الخزاعي: "رأيت مصاباً بالصرع قد وقع، فقرأت في أذنه، فكلمتني الجنية من جوفه، فقالت: يا أبا عبد الله، دعني أخنقه، فإنه يقول: القرآن مخلوق" (3).
وقال عبد الله بن المهاجر: "دخل السجن على أبي عبد الله شاب بعد ضربه، ومعه قارورة فيها ماء رائحته ريح المسك، وقد هاج عليه الضرب في اليوم الثالث وصعب. قال: فأتاه الشاب، فقال: أقسمت عليك بالله إلا مكنتني من علاجك، فتركه أبو عبد الله، فصب عليه ذلك الماء ومسحه. فهدأ الضرب وسكن. فلما رأى ذلك السجانُ تبع الشاب، فقال: لو
__________
(1) الرسالة معروفة باسم "النصيحة الذهبية"، وأصل المخطوطة محفوظ بدار الكتب المصرية برقم (18823 ب) ودار الكتب الظاهرية بدمشق برقم (1347). وقد ذكر شعيب الأرنؤوط محقق كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي في مقدمة الكتاب ج1ص38 بثبوت هذه الرسالة حين قال: "ومع أن الذهبي قد خالف رفيقه وشيخه (في مسائل أصلية وفرعية) وأرسل إليه نصيحته الذهبية التي يلومه وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه لا ريب قد تأثر به تأثراً عظيماً".
(2) ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص293 - 294.
(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص78. (1/167)
صفحة 168
أعطيتني من هذا الماء؟ فقال: إن ذلك لا يستقيم، إنه من ماء الجنة، أنزله لعقبه آدم بأرض الهند، وأنا من سكان ذلك المكان من الجن، ثم غاب عن عينه، فأقبل السجان مذعوراً" (1).
وكيف للإنسان أن يرى أو يسمع الجن والله تعالى يقول: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الأعراف: 27، إن القدرة على رؤية وتكليم الجن لم تثبت لأحد من البشر إلا لسليمان (عليه السلام) الذي طلب من الله تعالى أن يعطيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} ص: 35، فلبى الله تعالى طلبه {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} ص: 36 - 38، فلا يمكن لأحد من البشر غيره أن يحوز على هذا الأمر.
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن بركة: "من قال: إن الجن يراهم بنو آدم، ويكلمونهم، وأن السحرة ينقلبون حماماً، فإن تاب وإلا بريء منه، ولا يجوز لأحد أن يقول: أن أحداً من بني آدم يرى إبليس –لعنه الله- لأن الله تعالى يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} الأعراف: 27، والله أعلم" (2).
حتى النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يثبت تكليمه للجن، بل ثبت في الكتاب العزيز خلافه حيث يقول تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} الجن: 1، فالرسول (صلى الله عليه و سلم) لم يكلم الجن، وإنما أوحى الله إليه أن الجن قد سمعوا القرآن، وآمنوا به، وكذلك قوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا
__________
(1) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص187.
(2) جميل بن خميس السعدي "قاموس الشريعة" ج6ص329 - 330. (1/168)
صفحة 169
فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} الأحقاف: 30 ليس فيه شيء من التكليم بين الرسول (صلى الله عليه و سلم) وبين الجن، وما يروى عن ابن مسعود من قصة خطاب الرسول للجن في الوادي (1)، لا يثبت لمخالفته نصوص الكتاب المسطور "القرآن العظيم".
وقد أجاد التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد حين احال قضية تكليم النبي (صلى الله عليه و سلم) للجن إلى عالم الغيب، حيث قال: "يروى عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبي (صلى الله عليه و سلم) له أن يتوضأ بالنبيذ. قد سمعت جملة من الصحابة يقولون: ما حضر ابن مسعود تلك الليلة، والذي رفع عنه كذب، والله أعلم بالغيب" (2)، فهو يؤكد أن ما نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه غير صحيح، وفي نفس الوقت يرشد الأمة إلى أن قضية الجن هي من قضايا الغيب التي لا يقطع فيها إلا بالدليل القطعي الذي يمثله النص القطعي المتواتر في ثبوته ودلالته من الكتاب أو السنة المتواترة التي لا يشك في تواترها، أو النقل القطعي من الواقع والحس والمشاهدة.
وكلام الإمام جابر بن زيد موافق لكلام شيخه وأستاذه عبد الله بن عباس الذي قال: "ما قرأ رسول الله (صلى الله عليه و سلم) على الجن ولا رآهم" (3)، وقال أيضاً: "وإنما أوحي إليه قول الجن" (4).
ولو جئنا لكتاب الله المنظور "الكون"، ودققنا في سننه التي شاء الله تعالى أن لا تتغير ولا تتحول، كما قال عز وجل: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح: 23، وقال: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} فاطر: 43، فإننا نجد أن طبائع الجن تختلف عن طبائع الإنس، فعالم الجن يدخل ضمن دائرة الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ولم تصل علوم البشر الكونية إلى الدرجة التي تؤهلهم للتواصل مع الجن.
__________
(1) ابن خزيمة برقم 82، الترمذي 3271.
(2) مسند الربيع برقم 165.
(3) رواه البيهقي في دلائل النبوة، نقله ابن كثير في تفسيره ج4ص176.
(4) البخاري 773 و4921. (1/169)
صفحة 170
واستخفاف غلاة أهل الحديث بعقل الأمة جعلهم يستدلون بقصص خرافية تزعم بأن الحشرات توافقهم على عقيدتهم الهرمسية، من ذلك ما ذكره أحمد بن حنبل من أن وكيع حدثه، قال: حدثنا مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود عليهما السلام يستسقي بالناس فمر على نملة مستلقية على قفاها، رافعة أحد قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا أو تهلكنا" (1). وهذه القصة الهرمسية وراءها راوٍ ضعيف صاحب مناكير هو زيد العمي (2).
وفي نفس سياق التضليل الإعلامي الذي يمارسه غلاة أهل الحديث يقول ابن القيم: "وفي هذا الباب قصة حمر الوحش المشهورة التي ذكرها غير واحد، إنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد، فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت" (3).
وهذه القصة ربما تكون مشهورة عند أصحاب الفكر الهرمسي، بيد أن العقل السوي الذي نحتته نصوص القرآن الكريم وشكلته الفطرة الإسلامية الصافية لا يمكن أن يقبلها لمخالفتها القوانين والسنن الكونية التي أثبت القرآن العظيم ثباتها وعدم تحولها، فالحمير وبقية الحيوانات لا يمكن معرفة منطقها إلا بمعجزة كالتي أعطاها الله تعالى لنبيه سليمان (عليه السلام) {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} النمل: 16، أو علم كوني لم تتوصل العلوم البشريه إليه.
ولم ينس غلاة أهل الحديث في خضم الدعاية الإعلامية لترويج فكرتهم الاستدلال بأقوال البقر، حيث يقول ابن القيم: "قال الرسول (صلى الله عليه و سلم): "أكرموا البقر فإنها سيدة البهائم، ما رفعت طرفها إلى السماء حياء من الله -عز وجل- منذ عُبِدَ العجل" ... والمقصود أن هذه
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة 29487 و34273، وابن القيم "إجتماع الجيوش" ص297.
(2) الذهبي "ميزان الإعتدال" ج2ص102.
(3) ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص296 - 297. (1/170)
صفحة 171
فطرة الله التي فطر عليها الحيوان، حتى أبلد الحيوان الذي نضرب ببلادته المثل وهو البقر" (1)، فإن كان الواجب تقديس البقر، لماذا التشنيع على الهندوس عباد البقر؟!.
وروايات الحمير والنمل والبقر الخرافية تظهر عليها بصمات أهل الكتاب، فرب العالمين شبههم بالحمير حين قال فيهم: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الجمعة:5، والنملة كانت لها قصة مع جيش سليمان (عليه السلام) وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} النمل: 18، والبقرة هي الإله الذي عبده بنو إسرائيل! قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} الأعراف 148.
يقول زاهد الكوثري معلقاً على اقتباس غلاة أهل الحديث من أصحاب الملل المنحرفة: "والحشوية يجرون على طيشهم وعمايتهم واستتباعهم الرعاع والغوغاء، ويتقولون في الله ما لا يجوزه الشرع ولا العقل من إثبات الحركة له والنقلة والحد والجهة والقعود والإقعاد والاستلقاء والاستقرار إلى نحوها، تلقوه بالقبول من دجاجلة الملبسين من الثنوية وأهل الكتاب، ومما ورثوه من أمم قد خلت، ويؤلفون في ذلك كتباً يملأونها بالوقيعة في الآخرين، ويخرقون حجاب الهيبة في الإكفار" (2).
__________
(1) ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص297. قال محقق كتاب ابن القيم معلقاً على هذه القصة: "ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 3) ثم قال: هذا الحديث موضوع، والمتهم به عبد الله بن وهب النسوي، قال ابن حبان: كان دجالاً يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه".
(2) زاهد الكوثري مقدمة كتاب "تبيين كذب المفتري" ص 14. (1/171)
صفحة 172
عقيدة التجسيم (1)
بينّا سابقاً أن منهج أهل الحديث يقوم على الأخذ بظواهر الألفاظ والسطحية في التعامل مع النصوص المتمثلة في النظرة الجزئية المنسلخة عن الإطار العام الذي ترسخه القواعد الكلّية، وهذا المنهج النصوصي الجزئي لا يتوقف على نصوص اأحكام فقط بل يتجاوزه إلى النصوص التي تتعلق بعقيدة التوحيد، ويلخص لنا ابن تيمية هذا المنهج بالقول "فمذهب السلف رضوان الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها" (2)، ويستطرد صالح الفوزان في التعبير عن هذا المنهج بالقول "الإيمان بصفاته التي وصف نفسه بها في كتابه أو وصفه بها رسوله في سنته وذلك بأن نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنة بألفاظها ومعانيها من غير تحريف لألفاظها ولا تعطيل لمعانيها" (3).
والإشكال في هذه المنهج النصوصي التجزيئي الظاهري يتمثل في فشله في التعامل مع النصوص المتشابهة {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} آل عمران: 7، فإن إجراء هذه "النصوص المتشابهة" على ظاهرها دون محاولة لتأويلها بما يتناسب وانسجام النصوص وتناغمها وصولاً بها إلى التوافق والتطابق والإحكام "النصوص المحكمة" يؤدي إلى إشكالات نصية كبيرة أدت بغلاة أهل الحديث إلى انتحال عقيدة التجسيم.
وقد وصل الغلو والتطرف ببعض أهل الحديث في عقيدة التشبيه والتجسيم إلى درجة وصفهم من يسكت عن الآيات المتشابهات ويفوض معانيها إلى الله تعالى بالزندقة!، فحين قال
__________
(1) التجسيم هو وصف الله تعالى بصفات الأجسام، كوصفه بشغل حيز من الفراغ، ووصفه بالجوارح والأعضاء كالقول بأن له وجهاً ويداً وعيناً وجنباً وساقاً.
(2) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج4ص6.
(3) صالح الفوزان "شرح العقيدة الواسطية" ص15. (1/172)
صفحة 173
ابن قدامة الحنبلي: "وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله" (1)، رد عليه محمد بن إبراهيم آل الشيخ مشنعاً عليه هذه العبارة قائلاً: "أما ما ذكره في (اللمعة) فإنه ينطبق على مذهب المفوضة، وهو من شر المذاهب وأخبثها" (2).
وهذا التعامل الخشن مع النصوص جعلهم يتوهمون أن لله تعالى:
1 - صورة تشبه صورة الإنسان، وطوله ستون ذراعاً: حيث رووا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "خلق الله عز وجل آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً" (3). ورووا أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" (4).
هذه الرواية التوراتية الأصل ردها عقلاء المسلمين من أول وهلة، فحين قيل لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن مقاتل بن سليمان يقول: إن الله خلق آدم على صورته. قال أبو عبيدة: كذب مقاتل (5).
2 - أنه على صورة شاب أمرد ذو شعر أجعد ويلبس ملابس حمراء وخضراء: فهم يروون من طريق عكرمة أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال: "رأيت ربي عز وجل شاباً أمرد جعد قطط عليه حلة حمراء" (6)، ومن طريق عكرمة أيضاً أنه قال: "رأيت ربي عز وجل في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط عليه حلة خضراء" (7)، ويروون كذلك من
__________
(1) ابن قدامة الحنبلي "لمعة الاعتقاد" ص31.
(2) نقله محقق كتاب "لمعة الاعتقاد" لابن قدامة الحنبلي ص31.
(3) البخاري 6227. وقد جاء في العهد القديم، سفر التكوين الإصحاح الأول "فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقها"!!.
(4) ابن خزيمة "التوحيد" ص97 - 98، برقم 44 و45، وابن أبي عاصم في "السنة" برقم 517، والآجري "الشريعة" ص314.
(5) محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج3ص419.
(6) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص39.
(7) ابن أبي عاصم "السنة" 1/ 88 حديث433، والللاكائي، والآجري، وغيرهم. راجع تعليقات السماري على كتاب "نقض عثمان بن سعيد" ص438 - 447. (1/173)
صفحة 174
طريق عكرمة أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال: "دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد في ثوبين أخضرين" (1)، ويروون كذلك من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل هل رأى محمد ربه؟ قال: "نعم، قال: كيف رآه؟ قال: في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ، كان قدميه في خضرة" (2)، رواية أخرى أنه (صلى الله عليه و سلم) "رأى رب العالمين عز وجل في حظيرة من القدس في صورة شاب عليه تاج يلتمع البصر" (3)، ورواية أخرى أنه "رآه على كرسي من ذهب يحمله أربعة: ملك في صورة رجل وملك في صورة أسد وملك في صورة ثور وملك في صورة نسر في روضة خضراء دونه فراش من ذهب" (4).
وبينما يعد من يثبت هذه الصفات مشهباً مجسماً عند عقلاء المسلمين يعتبر غلاة أهل الحديث من ينكر هذه الروايات زنديقاً، حيث يقول الطبراني: "سمعت صدقة الحافظ يقول: من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق" (5)، وحين استُأذن أحمد بن حنبل في رواية هذه الروايات قال: "قد حدّث به العلماء، حدِّث به" (6).
والعجيب أن عثمان الدارمي استنكر هذه الرواية وقال: "والله أعلم بعلّته، غير أني استنكره جداً لأنه يعارض حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه و سلم): "هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه" ويعارضه قول عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" (7)، وبذلك يكون الدارمي من الزنادقة في عرف أصحابه من أهل الحديث!.
3 - وأن لله أسناناً ولهاةً وشفتين: فقد روى أهل الحديث أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "فيتجلى لهم تبارك وتعالى حتى يضحك ... حتى تبدو لهاته وأضراسه" (8)، وقال ابن بطة وأبو يعلى:
__________
(1) ابن أبي عاصم "السنة" 1/ 191 - 192، وعبدالله بن أحمد في السنة برقم 563، واللكائي، وأبو يعلى، وغيرهم. راجع تعلقات السماري على كتاب "نقض عثمان بن سعيد" ص438 - 447.
(2) اللالكائي "شرح أصول التوحيد" برقم 920، ابن أبي عاصم 1/ 190 برقم 437، وابن خزيمة في التوحيد 1/ 481 - 483، وغيرهم. راجع تعلقات السماري على كتاب "نقض عثمان بن سعيد" ص438 - 447.
(3) منصور السماري في تعليقه على كتاب "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص445.
(4) عبد الله بن أحمد بن حنبل "السنة" ص35.
(5) أبو يعلى "إبطال التأويلات" 1/ 143. راجع تعليقات السماري على كتاب "نقض عثمان بن سعيد" ص438 - 447.
(6) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" 1/ 118 - 119. راجع تعليقات السماري على كتاب "نقض عثمان بن سعيد" ص438 - 447.
(7) عثمان الدرامي "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص447.
(8) رواه ابن مندة، راجع منصور السماري في تعليقه على كتاب" نقض عثمان بن سعيد" ص483، قال السماري ص484: "والحديث صحيح وهذه اللفظة محفوظة فيه". (1/174)
صفحة 175
"وكذا يقال لهؤلاء الجهمية المعطلة النفاة: ما تقولون في قوله (صلى الله عليه و سلم): "حتى تبدو لهواته وأضراسه" (1)، وأجاب أبو عصمة حين سئل: كيف كلم الله عز وجل موسى (عليه السلام)؟ بقوله: "مشافهة" (2).
4 - وأن له صدراً وذراعين وجنبين وأصابع: حيث روى أهل الحديث أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر" (3)، وهذا لا يعد تجسيماً عندهم!.
وقال الدارمي: "وأي عقوق لآدم أعظم من أن يقول الله: خلقت أباك آدم بيدي دون من سواه من الخلائق. فتقول: لا. ولكن خلقته بإرادتك دون يديك كما خلقت القردة والخنازير والكلاب والخنافس والعقارب" (4).
وقال منصور السماري: "قد ورد عن بعض أهل العلم إثبات "الجنب" صفة لله ... لو لم يكن سبحانه من ذوي الجنوب، لما جاز هذا الكلام فيه" (5). وقالوا: جاء حبر يهودي إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) فقال: "يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك النبي (صلى الله عليه و سلم) حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر" (6)، وهذه الرواية تبين أصل هذه العقيدة!.
5 - وأن له مفاصل وركبة: حيث روى أهل الحديث: "يقول داود يوم القيامة: ادنني، فيقال له: ادنه. فيدنو حتى يمس ركبته" (7). بل إن عثمان الدارمي شنع على المريسي تأويله للركبة أنها لأحد المخلوقات، فقال الدارمي: "فلو كان لهذا المعارض من يقطع لسانه
__________
(1) ابن بطة في "الرد على الجهمية" (3/ 111) وأبي يعلى في "إبطال التأويلات" ص217 - 218. راجع تعليقات السّماري على كتاب" نقض عثمان بن سعيد" ص485.
(2) عبد الله بن أحمد بن حنبل "السنة" ص286.
(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص475، و عثمان الدارمي "نقض عثمان بن سعيد" ص376.
(4) الدارمي "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص97.
(5) منصور السماري في تعليقه على "نقض عثمان بن سعيد" في ص518.
(6) البخاري 4811.
(7) عثمان بن سعيد "نقض عثمان بن سعيد" ص463. (1/175)
صفحة 176
كان قد نصحه، ويلك عن أي زنديق تروي هذه التفاسير ولا تسميه؟ وأي درك لداود إذا استغفر الله لذنبه، ولجأ إليه واستعاذ به في أن يدنيه إلى خلق سواه، فيمس ركبته" (1). ويروون كذلك أن الله تعالى "أبدى عن بعضه" (2).
6 - وأنه يشعر بالملل وأنه يمكر ويخدع ويضحك: فبينما ينقل سلمة بن مسلم العوتبي قول العقلاء بعدم جواز وصف الله تعالى بالملل قائلاً: "ولا يوصف الله تعالى بالملل والملال والسآمة" (3)، يقرر محمد بن صالح بن عثيمين أن الله تعالى يمل! لكن يغطي كلامه بالقول: "ملل الله ليس كمللنا نحن بل هو ملل ليس فيه شيء من النقص (4).
وبينما ينفي ابن كثير جواز وصف الله تعالى بالمكر والهزء قائلاً: "والله لا يكون منه المكر ولا الهزء" (5)، نجد ابن عثيمين يصف الله تعالى بالمكر والخداع! قائلاً "وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله تعالى به حين يكون مدحاً" (6)، وذكر ذلك ابن تيمية في عقيدته الواسطية، حيث قال: "وقوله {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال} الخ تضمنت هذه الآيات إثبات صفتي المكر والكيد وهما من صفات الفعل الاختيارية ... وأما قوله {وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فمعناه أنفذهم وأسرعهم مكراً" (7).
ورووا عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "ضحك الله الليلة" (8)، وأنه قال: "ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال أبو رزين: أيضحك الرب يا رسول الله؟ قال: نعم" (9).
__________
(1) عثمان بن سعيد نفس المصدر ص464.
(2) عبد الله بن أحمد "السنة" ص149.
(3) سلمة بن مسلم العوتبي "الضياء" ج2ص55.
(4) محمد بن صالح بن عثيمين في "فتاوى العقيدة" ص51.
(5) ابن كثير في تفسير الآية 15 من سورة البقرة في تفسيره ج1ص69.
(6) نفس المصدر ص52.
(7) محمد خليل هراس "شرح العقيدة الواسطية" ص72.
(8) البخاري 3798.
(9) أحمد 4/ 11 و12، ابن ماجه 181. (1/176)
صفحة 177
7 - وأنه يتحرك وينزل ويهرول وتنتفض روحه: حيث يقول محمد بن صالح بن عثيمين: "ذكرنا في أول الكلام أن الذي ينزل هو الله نفسه" (1)، وقال: "وأي مانع يمنع من أن نؤمن بأن الله تعالى يأتي هرولة" (2). ورووا أيضاً: "ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته، وتنتفض فيقول: قومي بعزتي" (3).
8 - وأنه يتكلم بصوت كصوت السلسلة الحديدية: حيث نسبوا إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) القول: "إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان" (4). وقال يعقوب بن يختان: "سئل أبو عبد الله –يقصد أحمد بن حنبل- عمن زعم أن الله عزّ وجل لم يتكلم بصوت؟ قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت" (5).
9 - وأنه يتنفس، وأن الريح هي أنفاسه: فقد رووا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "لا تسبوا الريح فإنها نفس الرحمن", (6) وأنه قال: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفَس ربكم من قبل اليمن" (7).
10 - وأن له رجلين، وأنه يضع إحداهما على الأخرى، وأنه يلبس نعالاً: حيث رووا عن وهب بن منبه في وصف الله تعالى أن "الكرسي كالنعل في قدميه" (8)، ورووا أيضاً"وهو واضع رجليه تبارك وتعالى على الكرسي" (9). ورروا أيضاً أنه "لما قضى الله خلقه
__________
(1) محمد بن صالح بن عثيمين "فتاوى العقيدة" ص67.
(2) نفس المصدر ص112.
(3) ابن خزيمة "كتاب التوحيد" ص296. تحقيق سمير الزهيري.
(4) عبد الله بن أحمد "السنة" ص281، والدارمي "نقض عثمان بن سعيد" ص31.
(5) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص372.
(6) النسائي "السنن الكبرى" 6/ 232، الحاكم "المستدرك على الصحيحين" 2/ 272.
(7) أحمد 2/ 531، ونقض عثمان بن سعيد على المريسي ص401.
(8) عبد الله بن أحمد "السنة" ص477، أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1399.
(9) عبد الله بن أحمد "السنة" ص303. (1/177)
صفحة 178
استلقى، ووضع إحدى رجليه على الأخرى" (1). لعلهم أرادوا أن يصفوه بالراحة بعد عناء الخلق!.
ونسبوا للنبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله، تقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ" (2)، وفي رواية "فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، فتقول: قط قط" (3)، وأنه قال: "فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن" (4).
11 - وأنه يجلس في جهنم: حيث رووا "إن لجهنم سبع قناطر، والصراط عليهن، والله عز وجل في الرابعة منهن" (5).
12 - ووصفوه بأنه يمشي في الأرض ويشعر بالوحشة: حيث رووا في وصفه تعالى "فأصبح ربك يطوف في الأرض، وخلت عليه البلاد" (6).
وعبارة "خلت عليه البلاد" تعني الشعور بالوحشة والوحدة، ومع فضاعة هذا الوصف لرب العالمين فإن ابن القيم يقول معلقاً على هذه الراوية: "هذا حديث جليل كبير، تنادي جلالته وفخامتُه وعظمتُه على أنه قد خرج من مشكاة النبوة" (7).
__________
(1) الدرامي "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص512، ابن أبي عاصم "السنة" 1/ 248 - 249 برقم 568، والطبراني الكبير19/ 13. قال أبو يعلى في "إبطال التأويل" (1/ 189): "قال أبو محمد الخلال هذا حديث إسناده كلهم ثقات". وقد صحح الألباني هذه الرواية في "مختصر العلو" ص98 حيث قال: "رواته ثقات، رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة له"، وأضاف في حاشية نفس الصفحة: "وذكر ابن القيم في "الجيوش الإسلامية" ص34: "إسناده صحيح على شرط البخاري".
(2) مسلم [7175] 36 - (2846).
(3) مسلم [7173] 36 - (2846).
(4) البخاري 7439. وقد ردّ مالك بن أنس هذه الروايات، ذكر ذلك الذهبي في ترجمة الإمام مالك في "سير أعلام النبلاء" ج8ص103 - 104 حيث قال: "والحديث الذي جاء: "إن الله يكشف ساقه) و (أنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد) فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً، ونهى أن يحدث به أحد"!.
(5) عبد الله بن أحمد "السنة" ص526.
(6) عبد الله بن أحمد "السنة" ص486. ابن أبي عاصم "السنة" ج1ص286.
(7) ابن القيم"زاد المعاد في هدي خير العباد" 3/ 54 - 57. (1/178)
صفحة 179
13 - ووصفوه بأنه جسم وأنه ثقيل الوزن: حيث يقول محمد بن صالح بن عثيمين: "إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً، فليكن ذلك" (1)، وقالوا: "إن الرحمن سبحانه ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون، حتى إذا قام المسبحون خفف عن حملة العرش" (2)، وقالوا في تفسير قوله تعالى {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ} أي: مثقلة به" (3)!.
14 - ووصفوه تعالى بأنه يلامس خلقه: حيث رووا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "أتاني ربي في أحسن صورة ... فوضع كفيه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي" (4)، يقول ابن بطة: "وأن الله عز وجل وضع يده بين كتفيه، فوجد بردها بين ثدييه، فعلم علم الأوليين والآخريين" (5). ويقول الدارمي: "خلق آدم بيده مسيساً" (6)، ورووا أيضاً "يقول الرب عز وجل لداود أدنه حتى يضع بعضه على بعض" (7).
وقال أبو إسحاق بن شاقلا البزار: "قلت لأي سليمان الدمشقي: بلغنا أنك حكيت فضيلة الرسول (صلى الله عليه و سلم) في ليلة المعراج، وقوله في الخبر "وضع يده بين كتفي، فوجدت بردها، وذكر الحديث". فقال لي: هذا إيمان ونية، لأنه أريد مني روايته، وله عندي معنى غير الظاهر. قال: وأنا لا أقول مًسًّه. فقلت له: وكذا تقول في آدم لما خلقه بيده؟ قال: كذا أقول، إن الله عز وجل لا يمس الاشياء. فقلت له: سويت بين آدم وسواه، فأسقطت فضيلته" (8).
15 - ووصفوه بأنه يجلس ويتكئ على ظهره، وأنه يكتب بالأقلام كالبشر: حيث رووا "كتب الله التوراة لموسى (عليه السلام) بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في ألواح من در،
__________
(1) محمد بن صالح بن عثيمين "شرح العقيدة الواسطية" ص389.
(2) عبد الله بن أحمد "السنة" ص455.
(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص457.
(4) عبد الله بن أحمد "السنة" ص490.
(5) ابن بطة العكبري "الشرح والإبانة" ص275.
(6) الدرامي "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص64.
(7) عبد الله بن أحمد "السنة" ص507.
(8) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص112. (1/179)
صفحة 180
فسمع صريف القلم ليس بينه وبينه إلا الحجاب" (1). وقالوا: "فقال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده" (2). وقالوا: "هل يكون الاستواء إلا بالجلوس؟ " (3). وقالوا: "إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد" (4).
16 - ووصفوه بأنه يجلس النبي صلى معه على العرش ويشركه معه في الربوبية:
حيث قالوا: "إنه ليقعد عليه جل وعز فما يفضل منه إلا قيد الأصابع الأربعة، وإن له أطيطا كأطيط الرحل إذا ركب" (5).
وموضع الأربعة الأصابع الفاضل من العرش يعتقد هؤلاء جلوس النبي (صلى الله عليه و سلم) عليه، حيث يقول أبو بكر النجاد: "فالذي ندين الله تعالى ونعتقده: ما قد رسمناه وبيناه من معاني الأحاديث المسندة عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وما قاله عبد الله بن عباس ومن بعده من أهل العلم، واخذوا به كابراً عن كابر، وجيلاً بعد جيل، إلى وقت شيوخنا في تفسير قوله تعالى {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} الإسراء: 79. أن المقام المحمود هو قعوده (صلى الله عليه و سلم) مع ربه على العرش. وكان من جحد ذلك وتكلم فيه بالمعارضة إنما يريد بكلامه في ذلك كلام الجهمية، يجانب ويباين، ويحذر منه، وكذلك أخبرني أبو بكر الكاتب عن أبي داود السجستاني أنه قال: من رد حديث مجاهد فهو جهمي ... فبذلك أقول: ولو أن حالفاً حلف بالطلاق ثلاثاً أن الله يقعد محمداً (صلى الله عليه و سلم) معه على العرش، واستفتاني في يمينه لقلت له: صدقت في قولك، وبررت في يمينك، وامرأتك على حالها، فهذا هو مذهينا وديننا واعتقادنا وعليه نشأنا، ونحن عليه إلى أن نموت إن شاء الله، فلزم الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة" (6).
__________
(1) عبد الله بن أحمد "السنة" ص294.
(2) ابن خزيمة "التوحيد" ص302. تحقيق سمير الزهيري.
(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص106.
(4) عبد الله بن أحمد "السنة" ص301.
(5) عبد الله بن أحمد "السنة" ص305.
(6) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص10. (1/180)
صفحة 181
ينقل لنا أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني القيرواني (ت 361هـ) ما أحدثه اعتقاد أهل الحديث بشأن قعود النبي (صلى الله عليه و سلم) مع ربه على العرش من مهاترات بين أهل الحديث وعقلاء الأمة قائلاً: " قال محمد: قال لي بعض التجار بالقيروان: شهدت ببغداد رجلين يتناظران في تفسير المقام المحمود، فتقلد أحدهما أنه الجلوس مع ربه جل وعز على العرش، وتقلد الآخر أنه الشفاعة. قال: فرأيت كل واحد منهما يشيل نعله على صاحبه، فهذا يقول: "يا عدو الله تستهين بالله جل وعز، وتشبه به عبده". والآخر يقول: "يا عدو الله تستهين برسول الله (صلى الله عليه و سلم) ولا تراه أهلاً لكرامة الله جل وعز". فحكيت ذلك لمحمد بن أيمن، فقال لي: شهدت أهل بغداد وقت كوني بها وقد وقعوا في هذا المعنى، وقد تقلد أصحاب ابن حنبل أن الجلوس على العرش هو المقام المحمود، قال: فعهدي بكثير من وضاع الكتب وهم يحتالون في كتبهم فيخرجون إلى ذكر المقام المحمود ليظهروا تقلد الجلوس على العرش، فيتوجهوا بذلك عند أصحاب ابن حنبل بهذا المذهب" (1).
بل قد وصل الأمر بهؤلاء إلى إعتقاد أن الرسول يشترك مع الله تعالى في الربوبية في لحظة وجوده على العرش!، حيث يقول ابن النجاد: "وحدثنا معاذ بن المثنى حدثنا خلاد بن أسلم قال: حدثنا محمد بن فضل عن ليث عن مجاهد كلهم قال في قول الله عز وجل قال يجلسه معه على العرش، وسألت أبا يحيى الناقد ويعقوب المطوعي وعبدالله بن أحمد بن حنبل وجماعة من شيوخنا، فحدثوني بحديث محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد. وسألت أبا الحسن العطار عن ذلك؟ فحدثني بحديث مجاهد، ثم قال: سمعت محمد بن مصعب العابد يقول هذا، حتى ترى الخلائق الخلائق منزلته (صلى الله عليه و سلم)، ثم ينصرف محمد (صلى الله عليه و سلم) إلى غرفة وجناته وأزواجه، ثم ينفرد عز وجل بربوبيته" (2). وفي هذا الكلام ما فيه مجازفة ومنافاة لعقيدة التوحيد!.
17 - ووصفوه بأنه يلهو ويلعب: حيث رووا "دملج الله عز وجل لؤلؤة بيده" (3). وربما كان ذلك بسبب الملل الذي يعتقده أهل الحديث!.
__________
(1) أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني القيرواني "أخبار الفقهاء والمحدّثين" ص118.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص9.
(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص297. (1/181)
صفحة 182
18 - ووصفوه بأنه متردّد: حيث رووا أن الله تعالى يقول: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ... وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته" (1).
وقد أقر الذهبي بفضاعة هذا الوصف لله تعالى وقال في ترجمته لخالد بن مخلد رواي الحديث: "فهذا حديث غريب جداً، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه" (2). وكان الواجب على الذهبي أن يقدم قدسية الله على قدسية البخاري، وأن لا يتهيب من رد هذا الكلام الشنيع في حق الله تعالى، وابن حجر العسقلاني نفسه أقرّ بضعف جميع طرق هذه الرواية في شرحه لصحيح البخاري. (3)
19 - وأنه يجلس على البعوض: حيث يقول الدارمي: "ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم" (4). ونحن نعلم أن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن لا يجوز أن نصفه عز وجل بصفات النقص مثل الأكل والشرب والاستواء على البعوض ثم نعلق ذلك على المشيئة!.
20 - وأن له حداً: حيث يقول ابن تيمية: "فقد دلّ الكتاب والسنة على معنى ذلك كما تقدم احتجاج الإمام أحمد لذلك بما في القرآن مما يدلّ على أن الله تعالى له حدّ يتميز به عن المخلوقات" (5)، وقال أيضاً: "وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حدّ يعلمه هو ولا يعلمه غيره" (6). وقام أهل الحديث بطرد زميلهم ابن حبانّ حين أنكر الحدّ (7).
__________
(1) البخاري 6502.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص641.
(3) ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" ج13ص143.
(4) عثمان ال21ي "نقض عثمان بن سعيد" ص252.
(5) ابن تيمية "بيان تلبيس الجهمية" ج1ص445.
(6) ابن تيمية "بيان تلبيس الجهمية ج1ص443.
(7) قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة ابن حبان ج16ص97: وقال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعت يحيى بن عمار الواعظ، وقد سألناه عن ابن حبّان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحدّ لله، فأخرجناه". (1/182)
صفحة 183
21 - وأنه يتكلم بصوت مسموع: يقول ابن تيمية: "وجمهور المسلمين يقولون: إن القرآن العربي كلام الله، وقد تكلم الله به بحرف وصوت" (1)، وقال أيضاً: " وفى الصحيح إذا تكلم الله بالوحى سمع أهل السماوات كجر السلسلة على الصفوان. فقوله (إذا تكلم الله بالوحي سمع) يدلّ على أنه يتكلم به حين يسمعونه" (2).
21 – وأنه أقرب إلى قمم الجبال وناطحات السحاب، والطائرات والمركبات الفضائية من الناس في الأسفل: حيث يقول عثمان بن سعيد الدارمي: "من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله" (3) وقال ابن المبارك "رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها" (4).
وربما لو كان هؤلاء يعيشون عصر اكتشاف الفضاء لقالوا: "إن الأقمار الصناعية أقرب إلى الله من البشر"!.
فالحاصل أن غلاة أهل الحديث يعتقدون ذات الله تعالى على صورة إنسان في مرحلة الشباب طوله ستون ذراعاً، وأنه أمرد لا لحية له!، وقد أقرّ بهذه العقيدة الشنيعة أبو يعلى الفراء حيث قال: "ألزموني ما شئتم فإني التزمه إلا اللحية والعورة" (5). يقول الشهرستاني: "المشبهة: جماعه من الشيعة الغالية، وجماعه من أهل الحديث الحشوية، صرحوا بالتشبيه مثل: الهشاميين من الشيعة، ومثل مضر وكهمس وأحمد الهجيمي وغيرهم من الحشوية، قالوا: إن معبودهم على صورة ذات أعضاء وأبعاض إما روحانية وإما جسمانية، ويجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكن. وأما ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، وزادوا في الأخبار أكاذيب
__________
(1) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج5 ص556 - 557.
(2) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج6ص234.
(3) الدارمي "نقض عثمان بن سعيد" ص290.
(4) الدارمي "نقض عثمان بن سعيد" ص290.
(5) نقله ابن العربي في كتابه "العواصم" 2/ 283، وقال إنه أبلغه أحد مشائخه. انظر تعليق حسن السقاف على كتاب "العلّو" للذهبي ص555. (1/183)
صفحة 184
وضعوها ونسبوها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، وأكثرها مقتبس من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: ... وإن العرش لتئط من تحته كأطيط الرحل الحديد، وإنه ليفضل من كل جنب أربعة أصابع" (1).
البلكفة (بلا كيف):
أدرك أهل الحديث ردة فعل الأمة الإسلامية ضدهم خاصة بعد إقرار غلاتهم بمذهب التجسيم الصريح، فلهذا اعتمدوا استراتيجية جديدة مبنية على ادّعاء أن الصفات البشرية التي يثبوتنها لله تعالى هي غير معلومة الكيفية "بلا كيف". يقول ابن تيمية: "ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل" (2).
وقد يظن البعض أن المقصود بعبارة "من غير تكييف ولا تمثيل" هو تنزيه الله تعالى عن النقائص وتفويض معاني ألفاظ النصوص المتشابهة إلى علمه تعالى، بيد أن قراءتنا السابقة لحقيقة منهج أهل الحديث القائم على إثبات ظواهر الألفاظ وإنكار المجاز والتأويل يؤكد لنا خطأ هذا الظن، وأن البلكفة ليست إلا مناورة للتملص من إلزامات التجسيم.
والملاحظ أن مصطلح البلكفة لم يثبت في شيء من نصوص القرآن والسنة!، فهو مصطلح مبتدع، فكيف أخذ به أهل الحديث وهم الذين كثيراً ما نراهم يشنون الغارات ضد كل مبتدع من المصطلحات، بينما نراهم الآن يفارقون منهجهم ليتخلصوا من إلزامات منهجم؟!.
وقد أخبرنا الله تعالى أنه خلق آدم بيديه في قوله {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} ص: 75، وحسب منهج أهل الحديث تكون "اليد معلومة، لكنها غير معلومة الكيفية".
__________
(1) الملل والنحل الشهرستاني (479هـ) ص118.
(2) ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج5ص26. (1/184)
صفحة 185
وهذا الكلام غير مسلم به لأن اليد إنما تكون معلومة إذا أريد بها الجارحة وإن لم تعلم كيفيتها -هل هي كيد البشر أم كيد الحيوانات أم غيرها- وبذلك يلزم أهل الحديث القول أن الله خلق آدم بيدين هما جارحتان، وإن لم تُعلم كيفيتهما. فإن وافق أهل الحديث على هذا الإلزام وأثبتوا الجارحة، فقد أقرّوا بأنهم من المجسمة المشبهين لله تعالى بخلقه، أما إذا كابروا وقالوا: ليست اليد بالجارحة. قيل لهم: قد عدلتم عن ظاهر اللفظ، وخالفتم منهجكم القاضي بالأخذ بظواهر الألفاظ!. فإن قالوا: "اليدان هما شيء آخر غير الجارحة لا يُعلَم". فأنهم بهذا القول لا يثبتون شيئاً لله، أو أنهم يثبتون ما لا يعلمون، وهم بذلك يعطّلون آيات الكتاب العزيز، وينفون معنى الآية القاضي بأن الله تعالى خلق آدم بقدرته وأمره، ويثبتون المجهول!.
يقول الزمخشري (ت 538هـ): "ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعة سموا هواهم سنة ... وجماعة حمرٌ لعمري مؤكفة
قد شبهوه بخلقه فتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفة (1)
وقال الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ) فيهم أيضاً:
فالآي ما قالت بلا كيف ولا ... قال النبي بذا فمن أردفه
أترى مقالهم بلا كيف سوى ... إفك يزاد لقائل ما أسخفه (2)
وقد حاول أهل الحديث الدفاع عن موقفهم، وتبرير سبب أخذهم باللبلكفة، إذ يقول ابن تيمية: "وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد بها الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال به السلف كمالك وغيره: الاستواء معلوم والكيف مجهول. فالاستواء معلوم –يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى– وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله" (3).
__________
(1) محمود الزمخشري "الكشّاف" ج2ص148
(2) السالمي، مشارق أنوار العقول ص272.
(3) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص36 - 37. (1/185)
صفحة 186
ونسبة مصطلح البلكفة إلى مالك وغيره يدور في طاحونة ترسيخ قدسية القرون الثلاثة الأولى، أما قول ابن تيمية: "فالاستواء معلوم –يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى–". فالجواب عليه: أن الاستواء معلوم لدى الخاص والعام من الأمة الإسلامية، لأنه ثابت بنصوص الكتاب العزيز التي لا يجوز إنكارها، وفعلاً أن معنى هذا الاستواء يعلمه علماء الأمة ويعلمون أنه يعني الانفراد المطلق وإذعان جميع جزيئات الكون –التي يعبر عنها الله تعالى بـ "العرش"- لملك الله تعالى وتصريفه وأمره.
وقوله "وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم" فصحيح أيضاً لأن إدراك هذا المعنى قد جاء عن طريق تأويل النصوص، لأن ظاهر معنى الاستواء "الجلوس أو الاستقرار" لا يليق بجلال الله تعالى عقلاً ونقلاً، فالله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11، فلهذا توجب على علماء الأمة المصير إلى تأويل ظاهر معنى الاستواء إلى معناه المجازي، وهو الاستيلاء والانفراد بالأمر والتصريف. فإن أثبت ابن تيمية الاستواء لله تعالى على معناه الظاهر وهو الجلوس والاستقرار فقد أقرّ بالتشبيه والتجسيم، وإن قال بأن الاستواء هو شيء آخر غير الجلوس والاستقرار مع رفضه للتأويل، فقد أقرّ بأنه لا يعلم معنى الآية أصلاً وأنه لا يثبت لله شيئاً!.
وقول ابن تيمية: "وأما كيفية ذلك الاستواء فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله" فصحيح إن كان يقر بأن الاستواء يعني كما أولناه سابقاً بالاستيلاء، لأننا لا نعرف كيفية هذا الاستيلاء وكيفية تصريف الله تعالى لذرات الكون، أما إذا رفض ابن تيمية التأويل وقال بأن الاستواء هو على ظاهره بمعنى الجلوس والإستقرار، فتستره بنفي كيفية هذا الجلوس لا ينجيه من الوقوع في التجسيم، لأنه أثبت العلّو الحسي وهو المعروف عند البشر والمخلوقات.
ومن بين المدافعين عن بلكفة أهل الحديث ابن قيم الجوزية الذي يقول: "ومراد السلف بقولهم بلا كيف، هو نفي للتأويل، فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنهم هم (1/186)
صفحة 187
الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة، فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب عن صفته التي أثبتها لنفسه" (1).
وابن القيم في كلامه هذا يقرّ صراحةً سبب ابتداع أهل الحديث للبلكفة ألا وهو إنكار التأويل. أما محاذير ابن القيم فلا حقيقة لها في الواقع، لأن تأويل الألفاظ المتشابهة وردها إلى السائغ من كلام العرب يعتبر إثباتاً لحقيقتها وليس نفياً لتلك الحقيقة كما ادعى ابن القيم، أما إثبات ظواهر تلك الألفاظ الموهمة للتشبيه كما يفعل أهل الحديث فهو التعطيل لمعانيها الأصلية.
وإثباتنا للمعاني المجازية السائغة حسب قواعد اللغة ليس إثباتاً لكيفية صفات الله بل هو إثبات لحقيقة الصفة كما يليق بجلال الله تعالى دون خوض بعد ذلك في كيفية تلك الصفة، فنحن نثبت لله تعالى اليد بمعنى القدرة والقوة، والاستواء بمعنى الاستيلاء، بينما لا نستطيع أن نخوض في كيفية قدرة الله تعالى وكيفية استيلائه، لكن أهل الحديث يثبتون اليد بمعناها الظاهري المتعارف عليه عند البشر "الجارحة"، ويثبتون الاستواء بمعنى الجلوس والاستلقاء!. يقول الشيخ صالح بن عمرات:
وكل ما صورته ببالك ... فالله جلَّ بخلاف ذلك
فعلم كنه ذاته محال ... ممَّن سواه ولذاك قالوا
"العجز عن إدراكه إدراك ... والخوض في إدراكه إشراك" (2)
واثبات الألفاظ التي جاء فيها ذكر الصفات على ظاهرها يؤدي لا محالة إلى التجسيم سواء أقال أهل الحديث بالبلكفة أم لم يقولوا.
أما القول بأن تأويل الألفاظ الموهمة للتجسيم مثل (اليد، العين، الوجه، الساق، الجنب) هو تعطيل لمعانيها فليس بشيء، فقد ثبت في لغة العرب أن هذه الألفاظ يراد بها معاني أخرى كالقوة، والحفظ، والذات، واشتداد الأمر على المجاز، فلهذا يصار إلى هذه المعاني المجازية لدفع التضارب والتضاد في النصوص. فمن كلام العرب في اليد قولهم:
__________
(1) ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص184 - 185.
(2) نقله محمد ناصر في "الأصول العقدية للناشئة المحمدية". (1/187)
صفحة 188
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
ومن كلام العرب في الجنب وأنه يأتي بمعنى الأمر، قول الشاعر:
فما ضنه في جنبك اليوم متهم ... أذن بها إلا اطلعت احتمالها
وما جاء في معنى الساق وهو شدة الأمر قولهم:
قد كشفت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
ومن كلام العرب في الوجه، وأنه يأتي بمعنى الذات، قولهم:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... فأفلت منها وجهه عتدُ نهد
وقول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالفلاح
فالادعاء أن البلكفة يقصد بها تنزيه الله عن الجوارح ومشابهة البشر لا أساس له، بل الواقع بخلاف ذلك فأهل الحديث يشنعون على من ينفي الجوارح عن ذات الله، حيث يقول عثمان الدارمي: "واجده الذي يوحدّه إله مخدّج منقوص، مشوه كشبح مقصوص ... ويلك، إنما الموحّد الصادق في توحيده الذي يوحّد الله بكماله وبجميع صفاته، في علمه وكلامه وقبضه وبسطه وهبوطه وارتفاعه ... هذا إلى التوحيد أقرب من هذا الذي يوحّد إلهاً مخدجاً منقوصاً مقصوصاً، لو كان عبداً على هذه الصفة لم يكن يساوي تمرتين، فكيف يكون مثله إلهاً للعالمين" (1).
فالدارمي يرى أن من ينزّه الله عن الجوارح كعابد شبح، بينما من يثبت لله تعالى الجوارح والحركات فهو الموحّد الحق!، ونسي أن المخلوقات تختلف فيما بينها فمنها ما له أجنحة، ومنها ما له قرن، ومنها ما له مخالب وأنياب، ومنها ما له خرطوم، فيفترض بالدارمي أن يثبت جميع هذه الأعضاء "الأجنحة، والقرون، والمخالب والأنياب، والخراطيم" لله تعالى حتى لا يكون منقوصاً حسب منهجه!، إلا إن كان قد رسخ في ذهنه أن خالقه يشبه البشر فقط!.
__________
(1) عثمان الدارمي "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص320. (1/188)
صفحة 189
وماذا لو قيل للدارمي: اخبرنا عن العينين منه، هل يسمعان؟ واخبرونا عن الأذنين منه هل يبصران؟ واخبرنا عما سوى ذلك من جسد أليس لا يبصربه، ولا يسمع به، أليس منه ما لا يبصر به، ولا يسمع ولا ينطق به، ولا يعقل؟ فهل تعدّ ما لا يسمع، ولا ينطق، ولا يعقل إله؟ فقد عاب الله قوماً عبدوا ما لا يسمع، ولا يبصر حين قال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} مريم: 41 - 42. واخبرنا عن العينين هل يبصران نفسهما، فإن قلت أنهما يبصران نفسهما فقد وصفت الله بما لا تعقل، وإن قلت لا يبصران نفسهما فقد أقررت بعجزهما (1).
يقول الفخر الرازي في رده على ابن خزيمة: "واعلم بأن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه ب (التوحيد)، وهو في الحقيقة (كتاب الشرك)، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلا مضطرباً في الكلام قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: (نحن نثبت لله وجهاً ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ونقول أن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب).
ثم قال: (ولا شك أنه اعتقاد الجهمية، لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب وشافه بالسوء، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وخلقه) ... وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب (أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهاً فكذا
__________
(1) محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج2ص332. (1/189)
صفحة 190
ههنا) ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء، فالأول: أنه تعالى قال في هذه الآية: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى:11، وقال في حق الإنسان: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} الإنسان:2، الثاني: قال: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} التوبة:105، وقال في حق المخلوقين: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء} النحل:79. الثالث: قال: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} هود:37، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} الطور:48، وقال في حق المخلوقين: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} المائدة:83، الرابع: قال لإبليس: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ص:75، وقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} المائدة:64، وقال في حق المخلوقين: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} آل عمران:182، {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} الحج:10 ... الخامس: قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه: 5، وقال في الذين يركبون الدواب: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} الزخرف:13، وقال في سفينة نوح: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} هود44 ... ثم طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس ... فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب.
فنقول: المعتبر في كل شيء، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته، ولكنه من لوازم تلك الماهية، وإما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية. وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة، وأيضا نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل، بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات. (1/190)
صفحة 191
إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة، لأننا نرى الجسم الواحد كان ساكناً ثم يصير متحركاً، ثم يسكن بعد ذلك، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد، والصفات متعاقبة متزايلة، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات.
إذا عرفت هذا فنقول: الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس، وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهي الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذات والصفات، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار، ولقد صدقوا، فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية.
فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهيتها لا الأعراض والصفات القائمة بها (1).
وحاول ابن تيمية التملص من إلزام قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11 فقال: "وكذلك إذا قالوا الموصوفات تتماثل والأجسام تتماثل والجواهر تتماثل وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11 على نفي مسمى هذه الأمور التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث كان هذا افتراء على القرآن، فإن هذا ليس هو المثل في لغة العرب ولا لغة القرآن ولا غيرهما قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد: 38، فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم في الإنسانية. فكيف يقال إن لغة العرب توجب أن كل ما يشار إليه مثل كل ما يشار إليه، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ
__________
(1) الفخر الرازي في تفسيره لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11 ج27ص130 - 133. (1/191)
صفحة 192
فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} الفجر: 6 - 8، فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلاد وكلاهما بلد، فكيف يقال إنه جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب حتى يحمل على ذلك قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11، وقد قال الشاعر ليس كمثل الفتى زهير، وقال ما إن كمثلهم في الناس من بشر" (1).
والظاهر أن ابن تيمية قد فاته في غمرة الدفاع عن عقيدة أهل الحديث أن هناك قرينة تدل على أن قوله تعالى {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد: 38، يقصد منه أن الاختلاف بين القوم الموعودين والقوم المتوعدين -وهما من جنس واحد- هو في الاستجابة إلى أمر الله بالإنفاق في سبيله فقط. وذلك يؤكده سياق الآية الذي جاء فيها {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد:38.
أما قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} الفجر:7 - 8، فإن الإختلاف المقصود بين إرم وغيرها من البلدان –وهن جميعاً من جنس واحد- هو اختلاف في العمران فقط.
أما استدلال ابن تيمية بقول الشاعر:
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يساويه في الفضائل
فهناك قرينة لفظية ظاهرة تبين أن المقصود بعدم المماثلة هو في الفضائل فقط وهو قول الشاعر "يساويه في الفضائل".
__________
(1) ابن تيمية "بيان تلبيس الجهمية" ج1ص533. (1/192)
صفحة 193
وربما التبس على ابن تيمية الأمر، فالآيات والأبيات التي يستدل بها هي للمقارنة بين أشياء من جنس واحد "المدن والبشر"، وهو يريد أن يسحب هذه المقارنة بين المخلوقات المتجانسة إلى المقارنة بين الله تعالى ومخلوقاته!، معتمداً في ذلك منهج أهل الحديث القائم على قياس الغائب على الشاهد!.
ومن الشبه التي يرددها أهل الحديث في إثبات منهجهم في التعامل مع النصوص المتشابهة بصورة ظاهرية تعلقهم بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ص:75، حيث يقول محمد الموصلي ناقلاً عن ابن القيم: "نفس هذا الكلام المذكور في قوله {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} يأبى حمل الكلام على القدرة، لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل الباء التي تدخل على قوله: كتبت بالقلم، ومثل هذا النص صريح لا يحتمل مجازاً" (1). والواقع بخلاف قول ابن القيم فقوله تعالى {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} عبارة عن صلة، فيكون المعنى المقصود "خلقت بنفسي"، وإضافة الخلق إلى الله هي إضافة تشريف وتعظيم، وهذا مثل قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} القصص:88 فالوجه صلة، ولو تنزّلنا بأن المقصود هو القدرة فإن في إضافة تلك القدرة إلى ذات الله تعظيم ورفعة لآدم، وهذا التركيب محتمل للمجاز قطعاً وليس كما ادعى ابن القيم، مثال ذلك: يقول الملك هذا المجد صنعته بيديّ.
وإن أصر ابن القيم على إثبات يدين لله تعالى من هذه الآية فيلزمه أيضاً بناءاً على قاعدته في إثبات ظواهر الألفاظ إثبات أيدي كثيرة لله تعالى القائل {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} يس: 71. وإن تشبث ابن القيم بمقارنة حرف الباء لليد، فعليه أن يذكر أن الله تعالى قال: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} البقرة: 195. وليس يلقي الإنسان نفسه إلى
__________
(1) محمد الموصلي في "مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم الجوزية" ص515. (1/193)
صفحة 194
التهلكة بيديه في الحقيقة، وإنما يلقيها بقول أو فعل ليس لليد فيه عمل، وقال تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} البقرة: 237، وعقد النكاح لا يكون باليد، إنما هو باللسان، فلا يتعلق في ذلك (1).
__________
(1) جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج5ص274 وص237 - 238. (1/194)
صفحة 195
عقيدة الإرجاء (1)
جاء الإسلام لينقذ البشرية من همجية الجاهلية وعبثيتها ويسير بها إلى نظام الكون والمجتمع والأسرة والسلوك الفردي، وجاء لينتشل الأغنياء من قيود الشح وتعاسة الحسد، ويحرر الفقراء من أغلال الحرمان وفوضى الوسائط التي فرضتها رغبات النفس الأمارة بالسوء للملأ من أغنياء القوم ومترفيهم، ففرض الإسلام أوامراً تنظم حياة الإنسان، وحرّم أشياء لتجنبه العودة إلى مآسي الجاهلية، وجعل الإتيان بتلك الأوامر والإنتهاء عن تلك المحرمات أساس العبادة التي من أجلها خلق الإنسان {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذارايات: 56، هذه العبادة التي ترتقي بالإنسان من حضيض الجاهلية إلى قمة الخلافة الكونية التي أرادها الله تعالى لآدم وبنيه {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} فاطر: 35.
ولأن الإسلام رباني المصدر فإنه لم يغفل عن عوارض النفس البشرية التي لا تلبث أن تخالط المعاصي من إخلال بالأوامر أو انتهاك للمحرمات، فلهذا حدد قواعد عامة للتعامل مع النفس البشرية إن هي اخطأت، فالمعاصي الصغيرة تلغى تلقائياً طالما استمر الإنسان في مسيرة الاستقامة والالتزام بأوامر الله والبعد عن نواهيه {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا} النساء: 31.
أما المعاصي الكبيرة التي يصيبها الإنسان في حالات الضعف الإيماني فقد جعل الإسلام لها سبيلاً ومخرجاً، وذلك عن طريق الأوبة إلى جلال الله والتسليم بالتوبة لجنابه، والندم على التفريط في أوامره، ومعاهدته تعالى على عدم الرجوع إلى هذه الكبائر مجدداً، يقول تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} طه: 82.
__________
(1) الإرجاء هو القول بأن الفاسق أمره مرجأ إلى مشيئة الله يوم القيامة، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. (1/195)
صفحة 196
الإسلام العظيم جاء مربياً للإنسان على الفضيلة والبعد عن مستنقعات الرذيلة كي يكون جديراً بحمل مشعل الخلافة الكونية، فلهذا نرى أن الإسلام مهد طريق الخير وسهله، وجعل السدود والحواجز ليحول دون وقوع الإنسان في حبائل النفس الأمارة بالسوء ومكائد الشيطان، واعطى دواء التوبة لكل من ابتلي بمرض المعاصي.
هذا هو الإسلام بصفاء عقيدته ونقاء شرائعه وأحكامه، إلا أن نفوس المجرمين المنتسبين للإسلام أرادت إحياء فكر الجاهلية لتجعله قاعدة يسير على أساسها فكر الأمة الإسلامية، فأوهموا الأمة وأوحوا إليها أن المسلم يستطيع ترك أوامر الله وانتهاك محرماته –على ما في ذلك من إهلاك للنفس والمجتمع والأمة- ومع ذلك يدخل ضمن قائمة الفائزين بجنات الله ونعيمها الدائم دون حاجة للتوبة والأوبة إلى جلال الله وحظيرة شرعه!.
إن التعلق بمثل هذه الأوهام قد أضر بالأمة إضراراً بالغاً وجرأها على الإنحلال من الأخلاق والفضيلة، والانغماس في مستنقعات الفجور والرذيلة، حتى غدت أمة مزدراة في عيون أعدائها، وفقدت مصداقيتها فيما تدعو إليه بسبب سلوكها المخالف لأقوالها، ولا عجب إذن أن نعاني من الأزمات الفكرية وما صاحبها من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية، كيف لا ونحن نعاني انشطاراً بين القول والعمل (1).
لكن الإسلام العظيم لم يغفل عن مثل هذه الشطحات الشيطانية، فأكد على قواعد راسخة اجتثت هذا الفكر العفن من جذوره، وهذه القواعد الكلّية أصلتها النصوص المحكمة من الكتاب والسنة المجتمع عليها، والأدلة العقلية القطعية التي تجزم ببطلان هذه الأفكار وسخافتها لما تبثه في الأمة من ابتعاد عن أوامر الله وانتهاك لحرماته.
وهذه القواعد الكلّية هي:
القاعدة الأولى: خلود أصحاب الكبائر في النار إن لم يتوبوا إلى الله.
1 - يقول تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
__________
(1) خالد الوهيبي "معالم للزمن القادم" ص45. (1/196)
صفحة 197
فِيهِ مُهَانًا} الفرقان: 68 - 69. فجريمة القتل وجريمة الزنا هي من الكبائر التي تؤدي إلى الخلود في النار حسب دلالة هذا النص الصريح.
2 - ويقول تعالى مؤكداً على معنى الآية السابقة: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء: 93.
3 - ويقول تعالى مؤكداً على أن من تعدى حدود الله فهو خالد في النار وبئس القرار: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} النساء13 - 14.
4 - ويقول تعالى مؤكداً على معنى الآية السابقة: {إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} الجن: 23.
5 - ويقول تعالى أيضاً: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} التوبة: 63. وهذا نص واضح وصريح في خلود قاتل العمد في النار.
6 - ويقول تعالى مؤكداً على خلود الظلمة الجبارين المتكبرين الرافضين للتوبة في العذاب المهين: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} النحل: 28 - 29.
7 - ويقول تعالى حاكياً عن خلود الفسقة في النار وحديثهم مع أسيادهم الذين اضلوهم السبيل: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ (1/197)
صفحة 198
الأَسْبَاب ُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} البقرة: 166 - 167.
8 - ويقول تعالى مبيناً جزاء هؤلاء الظالمين المقيم في جهنم {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} الشورى: 45.
8 - ويقول تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} 74 - 76.
ومن نصوص السنة النبوية الصحيحة المجتمع عليها قول النبي (صلى الله عليه و سلم):
1 - "لا يدخل الجنة مخنَّث ولا ديوث" (1)
2 - "الجنة حرام على من قتل ذمّيّاً" (2)
3 - "لا يدخل الجنة قتات" (3).
4 - "لا يدخل الجنة قاطع رحم" (4).
5 - "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (5).
6 - "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (6).
__________
(1) الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب برقم 743.
(2) الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب برقم 754، والسنن الكبرى للبيهقي 8/ 133 في باب "ما جاء في إثم من قتل ذمّيّاً، وفي لفظ البخاري برقم 6914 "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة".
(3) البخاري 5709، ومسلم [290] 168 - (105)، ورواه مسلم [290] 168 - (105) بلفظ (لا يدخل الجنة نمام).
(4) مسلم [650] 18 - (2556)، البخاري 5638، الترمذي1909، أبو داود 1696.
(5) مسلم [172] 73 - (46).
(6) مسلم [265] 147 - (91)، الترمذي 1998 و1999، أبو داود 4091، ابن ماجه 4173. (1/198)
صفحة 199
7 - "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سما فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" (1).
القاعدة الثانية: عقيدة خروج المصرين على الكبائر من النار إسرائيلية الأصل، وقد حذر الله تعالى منها:
1 - يقول تعالى حاكياً عن اليهود: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة: 80 ..
2 - ويقول تعالى ناهياً المسملين عن اتباع فكر أهل الكتاب: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} النساء: 123.
3 - ويقول تعالى محذراً المسلمين من السير في طريق بني اسرائيل: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} الأعراف: 169.
القاعدة الثالثة: كلمات الله تعالى لا تتبدل ولا تتغير ولا يوصف تعالى بالعلم بعد الجهل "البداء"، بل علمه مطلق.
__________
(1) مسلم [300] 175 - (109). (1/199)
صفحة 200
1 - يقول تعالى: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} ق: 28 - 30.
2 - وقال عز وجل: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} الأنعام: 34.
3 - وقال عز وجل: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} يونس64.
4 - وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنعام: 115.
5 - وقال عز وجل: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} الكهف: 27.
القاعدة الرابعة: الشفاعة يوم القيامة لا ينالها إلا المتقون.
1 - يقول تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} الأنبياء: 21.
2 - يقول تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} مريم: 87
وفق هذه المنظومة المحكمة من القواعد الكلّية اليقينة المستنبطة من نصوص الكتاب العزيز المحمة، ومن نصوص السنة المجتمع عليها يجب على عقلاء المسلمين محاكمة مثل هذه الأفكار التي تشبث أصحابها ببعض الأدلة من متشابه الآيات والموضوع من الروايات.
لقد كان أهل الحديث من بين المروجين لهذه الأفكار الموبوءة حيث استغلت السلطة تبعيتهم لها وجعلتهم مطية لتبرير اسفافها وفجورها وبطشها بالضعفاء الذين غسل أهل الحديث عقولهم بالروايات المعلبة الجاهزة لخدمة فكر السلطة. (1/200)
صفحة 201
والغريب أن أهل الحديث لم يغفلوا عن هذه المنظومة من القواعد المحكمة فحسب، بل صاروا أكثر تشبثاً وترويجاً لفكر الإرجاء من بني اسرائيل انفسهم!، حيث قالوا: "لا تضر معصية مع إيمان"، فالإقرار بالشهادتين كاف لدخول الجنة دون عقاب في الآخرة وإن عطلت جميع أوامر الله وإن انتهكت كل حرماته!، وقد صرح بهذه العقيدة خالد بن سلمة بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي وهو من بني أمية (1) مما يؤكد على دور السلطة الأموية في نشر هذه العقيدة، وشعبة بن الحجاج (2)، ويحيى بن معين (3)، وإبراهيم بن طهمان (4)، وحماد بن أبي سليمان (5)، وعون بن عبد الله (6)، وأبو عبد الله عمرو بن مرة المرادي (7)، وأبو معاوية السعدي (8)، وعبد المجيد بن عبد العزيز (9)، وشبابة بن سوار (10)، ومحارب بن دثار بن كردوس (11)، وجميع هؤلا هم من أئمة الحديث!.
غير أن هناك فرقة أخرى من أهل الحديث لم تنجرف بعيداً عن أصل الفكرة الإسرائيلية، يقول أحمد بن حنبل معبراً عن موقف هذه الفرقة: "وأصحاب الذنوب والخطايا، فأمرهم إلى الله، إن شاء عذب، وإن شاء غفر" (12). وقال أيضاً: "وأن الله يخرج أقواماً من النار" (13).
__________
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص373.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج11ص99.
(3) الذهبي "ميزان الإعتدال" ج3ص351 في ترجمة الفضل بن دكين، ونقل أن ابن معين يقول: "وإذا قال: فلان كان مرجئاً، فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به. قلت [أي الذهبي]: هذا قول دال على أن يحيى كان يميل إلى الإرجاء"اهـ.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج7ص380.
(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص233.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص104.
(7) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص196.
(8) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج9ص76.
(9) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج9ص434
(10) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج9ص513.
(11) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص218.
(12) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص76.
(13) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص316. (1/201)
صفحة 202
ولا نرى فرقاً بين الفرقتين، فيبنما حزم الفريق الأول أمره وصرح بإلغاء شرائع الإسلام، وجعل الدين سلماً للفجور ومطية للرذيلة، ورأى أن التارك للصلاة المانع للزكاة المفطر في رمضان المضيّع للحج السارق الزاني المرابي العاصي الفاسق الفاجر سيدخل الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء دون عقاب أو عذاب، أضاف الفريق الثاني شرطاً فضفاضاً على نفس كلام الفريق الأول، وقال: إن العاصي الفاسق الفاجر سيدخل الجنة إما مباشرة دون عقاب كما قال الفريق الأول، أو أنه سيدخل النار أياماً معدودات ليتطهر من ذنبه كما قالت بنو اسرائيل، وهذان الإحتمالين "دخول العاص للجنة مباشرة، أو دخوله إياها بعد قليل من العذاب" راجعان إلى مشيئة الله الذي هو بهذا الاعتبار متردد متحير لم يحسم أمره ليقرر أي الاحتمالين سيختار!.
وبعد استقرائنا لمنهج أهل الحديث في التعامل مع عقائدهم فإننا لا نشك أن أسلوب تنظيرهم لعقيدة الإرجاء سيتماشى مع ذلك المنهج القائم على الإطلاق والجزم والاستدلال بمتشابه القرآن وتلفيق الروايات، فابن القيم مثلاً يقول: "وقد دلّ السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين، وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين" (1).
وإذا تجاوزنا هذا الخطاب الدعائي الذي رأينا تهاوي مثله أمام الفحص العلمي المتجرد، وحاولنا قراءة هذه العقيدة ما لها وما عليها وفق القواعد الكلّية المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب والسنة التي بيناها سابقاً، فإننا سنجد أن دعاوى الإرجاء الفارغة تتعارض تعارضاً هائلاً مع تلك القواعد المحكمة.
فقد استدل أهل الحديث لتأسيس عقيدة الإرجاء بآيات متشابهات كقوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر53.
__________
(1) ابن القيم "حادي الأرواح" ص175. (1/202)
صفحة 203
ولا وجود في هذا الآية ذكر لخروج أهل الكبائر من النار وأنهم سيخرجون من النار كما يدعي هؤلاء، إلا إذا افترضوا وجود فراغ في النص يقول بأن الله يغفر الذنوب حتى ولو لم يتب الإنسان من ذنبه!.
والحق أن هذه الآية تقرر سعة مغفرة الله تعالى، وهذه المغفرة ليست عبثية كما تفترضها العقلية الجمعية للمحدّثين، لأن ذلك سيؤدي إلى التعارض والتناقض بين آيات الكتاب العزيز، فالتوبة لها شروط حددتها نصوص قطعية من القرآن الكريم مثل قوله تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} طه: 82، ولو سلمنا بمنطق أهل الحديث وأسقطنا شرط التوبة للمغفرة لوقع التعرض والتناقض، بيد أن الأسلوب المنطقي في التعامل مع هذه الآية هي النظر إلى تناغمها مع بنيان النصوص المحكمة الأخرى التي توجب التوبة كشرط للمغفرة من الكبائر، والذي يؤكد ما توصلنا إليه هو أن الله عز وجل يذكر بعد الآية التي استدلوا بها مباشرة ضرورة التوبة والإنابة إليه قبل أن يأتيهم العذاب وتنعدم فرص المغفرة، وذلك في قوله تعالى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} الزمر: 54 - 56، وما وقع أهل الحديث في مطب الفهم السيء للنصوص إلا بسبب تعاملهم معها بصور مجتزئة مبتسرة مسلوخة من السياق العام والقواعد الكلّية التي حددتها النصوص القطعية المحكمة.
كذلك استدل أهل الحديث بقوله تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} النساء: 116، ولا نجد في هذه الآية أدنى إشارة إلى خروج أهل الكبائر من النار كما يدعي هؤلاء!، إلا إذا افترضوا مرة أخرى أن هناك فراغاً في النص يجب ملؤه بأفهامهم، فالآية ترسخ حقيقتين ثابتتين: (1/203)
صفحة 204
الأولى: غفرانه تعالى لجميع ذنوب أهل الإسلام.
الثانية: عدم مغفرته تعالى للشرك.
والأخذ بظاهر الآية دون مبالاة في تناغمها مع بقية النصوص المحكمة سيؤدي إلى إشكالات نصية كبيرة، وذلك أن المغفرة قد ربطها الله تعالى في نصوص محكمة كثيرة بالتوبة كما في قوله تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} طه: 82، وقوله عز وجل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} النساء: 17 - 18. فلو سلمنا بمنطق أهل الحديث للزمنا إلغاء هذه النصوص المحكمة من الكتاب العزيز والتشريع الإسلامي!.
إلا أن التأويل المنضبط وفق القرائن اللغوية يفيدنا أن الآية التي استدل بها أهل الحديث جاءت بصيغة العموم، فهي إذا عامة، وقد خصصتها نصوص وجوب التوبة لحصول المغفرة، وهذا التأويل النابع من روح اللغة العربية ينقذ آيات الكتاب العزيز من الاشتباه والتعارض والتناقض ويجعلها تتآلف في انسجام وتناغم يؤكد عظمة وإعجاز القرآن الكريم.
والشيء نفسه يقال في ما قررته الآية من عدم مغفرة الله تعالى للشرك، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بأنه يغفر للمشرك إن هو دخل في الإسلام، وذلك في قوله تعالى {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 137، فنفي الله سبحانه وتعالى للتوبة على المشرك عامة خصصتها توبته على المشرك إذا أنفك عن شركه وتاب ودخل في حيظرة الإسلام.
واستدل أهل الحديث بقوله تعالى {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا (1/204)
صفحة 205
الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} الأنعام: 128. ولا نص في الآية على مصير أهل الكبائر كما يدّعي المحدّثون.
أولاً: لأن الآية تتحدث عن مصير المشركين كما يفهم من سياقها العام، والدليل على ذلك هو قول الله تعالى في الآيات قبل هذه {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الأنعام: 125 - 127.
ثم جاءت الآية التي استدل بها أهل الحديث لتبين مصير الكافرين من الإنس والجن {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} الأنعام: 128.
ثم يؤكد الله تعالى على كفر الجن والإنس المقصودين بالآية في قوله تعالى بعد ذلك {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} الأنعام: 129 - 130.
فاستدلال أهل الحديث بهذه الآية يبين مدى المرواغة التي يمارسها أهل الحديث على أتباعهم. (1/205)
صفحة 206
ثانياً: الاستثناء في قوله تعالى {إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} لا يدل على الانقطاع، بل يدل على أن المخبر عنه –وهو الخلود في النار- دائم بمشيئة الله عز وجل لا بمشيئة غيره، وذلك كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} هود: 108 علماً بأننا نقطع بأنه لا يخرج من الجنة أحد البتة، فالمقصود بالآية أن دوام نعيم أهل الجنة إنما هو ثابت بمشيئة الله لا بمشيئة غيره، ومثاله أيضاً قوله تعالى {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ} الأعلى: 6 - 7، والنبي (صلى الله عليه و سلم) لم ينسى شيئاً من القرآن المقروء، ولو نسي شيئاً منه لسقطت عصمة النبوة، ومثاله أيضاً قوله تعالى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ} عبس: 21 - 22، علماً بأن نشر الخلائق يوم القيامة أمر مقطوع بحصوله، ومثاله أيضاً قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ} الفتح: 27، ودخولهم المسجد الحرام شيء مقطوع به وهو يؤكد قوله تعالى قبل ذلك {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} الفتح: 27 (1).
كذلك استدل أهل الحديث لترسيخ عقيدة الإرجاء في الأمة بقوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} هود: 106 - 107.
وقوله تعالى {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} الذي نسج حوله أهل الحديث أحلامهم وأوهامهم يقال فيه نفس ما قيل في جواب الدليل السابق. كما أنه يلزمهم القول حسب تأويلهم الهرمسي للآية الكريمة أن يقطعوا كذلك بخروج بعض أهل الجنة منها، وذلك لأنه جاء بعد
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي "الحق الدامغ" ص192 - 193. بتصرف. (1/206)
صفحة 207
هذه الآية ما يقابلها في جزاء أهل الجنة وهو قوله تعالى {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} هود: 108.
وأصل قوله تعالى {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} هو مما تقوله العرب في الاستبعاد والتأبيد، "كقولهم لا أفعل هذا ما اختلف الجديدان، وما اختلف الليل والنهار، وما حنّت الإبل، وما أقام الجبل، وما دامت السموات والإرض، وما أطما البحر" هذا كله به يريدون به التأيبد واستبعاد الانتهاء، فخاطبهم الله بما يعقلون من كلامهم" (1)، بيد أن التعاطي النصوصي التجزيئي الذي ينتهجه أهل الحديث بالإضافة إلى إنكارهم المجاز يجعلهم يتشبثون بظواهر الألفاظ المتشابهة ليتسلقوا جُدر الآيات المحكمة.
واستدل أهل الحديث أيضاً بقوله تعالى {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} النبأ: 21 - 23. ولا وجود لذكر أهل الكبائر وخروجهم من النار في هذه الآية.
وكلمة الأحقاب التي استشكلت على أفهام أهل الحديث مأخوذة من أحقب إذا أردف، فهي تدل على الترادف المستمر الذي لا انقطاع له كما قال الحسن البصري: "أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار" (2)، ويلزم أصحاب هذا الرأي الذي توهم أن الآية تقرر خروج أهل الكبائر من النار أن يقطعوا أيضاً بفناء عذاب النار للكفار، لأن الآية تتحدث عن جميع أهل النار، ولا ذكر للتفريق بين حال أهل الكبائر وغيرهم إلا إذا افترضنا وجود فراغات نصية يجب ملؤها بأفكار أهل الحديث!.
__________
(1) جميل بن خميس السعدي "قاموس الشريعة" ج5ص472.
(2) تفسير الطبري ج30ص11. (1/207)
صفحة 208
واستدل أهل الحديث كذلك بقوله تعالى {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} التوبة: 106، والآية لا علاقة لها بأصحاب الكبائر من أهل النار، فنحن إذا رجعنا إلى السياق العام للآية سنجد أن ما ذهبوا إليه إنما أملته عليهم أفهامهم الملوثة بعقيدة الإرجاء، فالله تعالى يخبرنا عن أحوال الأعراب حول المدينة وأنهم على ثلاثة فرق، الفريق الأول هو فريق المنافقين: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} التوبة: 101، والفريق الثاني هم المؤمنون الذين تلبسوا ببعض المعاصي لكنهم سرعان ما أقرّوا بذنوبهم، وتابوا توبة نصوحاً، وهؤلاء سيغفر الله تعالى لهم: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة: 102 - 105.
أما الفريق الثالث فهم الذين ذكرتهم الآية التي استدل بها أهل الحديث {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة: 106، وهذا الفريق يشكله الذين خلطوا العمل الصالح بالعمل السيء، بيد أنهم لم يظهروا توبة نصوحاً متبوعة بالعمل الصالح كما هو الحال مع الفريق الثاني، فلم يخبرنا الله تعالى بمصيرهم، وأمرنا بالتوقف فيهم، وأخبرنا بأنه سوف يطلعنا على مصيرهم يوم القيامة، ليس جهلاً منه في مصيرهم حاشاه عز وجل وهو الذي يعلم ما كان وما سيكون، فلهذا قال تعالى {وَاللّهُ (1/208)
صفحة 209
عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وهذا التقسيم يتوافق وما أصله علماؤنا في قضية الولاية والبراءة، فالناس إما شخص بان لك صلاحه فتواليه، أو شخص بان لك ضلاله فتتبرأ منه، أو شخص خفي عليك أمره فتتوقف فيه، وهذا التقسيم نفسه هو الذي جاءت الآيات السابقة لتبينه للأمة. وليس في الآية دليل على عقيدة الإرجاء من قريب أو بعيد.
مما سبق نجد أن النصوص الواضحة الجلية المحكمة تقطع بما لا يدع مجال للشك أن أهل الكبائر من الفجار مخلّدون في النار، وأن دعوى النصية على خروجهم ليست إلا فقاعات تتبخر حين تلامس سطح الحقيقة.
وحين أعيَّت أهل الحديث الحيلة في إثبات دعواهم اضطروا إلى اختلاق النصوص وتعليبها في طابع روائي، وتمت احاطتها بالعصمة عن طريق نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)!، وهذه النصوص يغلب عليها طابع الخرافة والأساطير الموجودة في تراث الأمم السابقة، وهي مع ذلك لا يمكن لها أن تؤسس عقيدة لأنها روايات آحادية ظنية الثبوت –ونحن لا نشك في وضعها- كما أنها تصادم نصوصاً قطعية الثبوت والدلالة في خلود أهل الكبائر في النار.
من تلك الروايات المختلقة، ما نسبه أهل الحديث إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) وأنه قال لأبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ فال: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق. ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر" (1). والبخاري في كتابه "صحيح البخاري" أدرك سخافة الاستدلال بهذه الرواية لإثبات خروج أهل الكبائر من النار فعلق عليها قائلاً: "قال أبو عبد الله –يعني أحمد بن حنبل-: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب أو ندم، وقال: لا إله إلا الله، غفر له" (2).
وهذه الرواية الملفقة عبارة عن دعوة مفتوحة للفجرة والمجرمين للسرقة واقتراف فاحشة الزنا العظيمة!، وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه ابتلي بوضع الأحاديث الكثيرة عليه، وذلك
__________
(1) البخاري 5827 و2388 و6444 ومسلم [272] 153 - (94) و [273] 154 - (94)
(2) البخاري "صحيح البخاري" ص1249 معلقاً على الرواية رقم 5827. (1/209)
صفحة 210
لأنه كان شخصية محبوبة عند المسلمين لما تميز به تاريخه من زهد وورع ووقوف أمام الظلمة من ولاة بني أمية، حتى مات وحيداً في أرض الربذة، وساهم نفيه في سهولة التلفيق عليه لعدم وجود مصادر تبين من التقى أو من لم يلتق به.
ومن تلك الروايات الأسطورية ما رواه أبو هريرة: "قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب. قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب. قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتَّبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان).
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل، ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب (1/210)
صفحة 211
أدخلني الجنة، ثم يقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل: تمن من كذا، فيتمنى، ثم يقال له: تمن من كذا، فيتمنى، حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك ومثله معه)." (1).
وفي رواية أبي سعيد الخدري الزيادة التالية: "فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: السّاق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن" (2).
والرواية يغلب عليها طابع المثيلوجيا والأساطير الإسرائيلية، فهي مشحونة بالتجسيم الفاضح والتشبيه الواضح، وهي تصور أحداث يوم القيامة كما لو كان مشهداً من مشاهد الإثارة في أفلام الرعب، وينتهي بكوميديا ساخرة يكون فيها الله –حسب تصوير الرواية الخرافية- في موقف الإله الذي يغدر به عبده كل حين ولا ينتبه لذلك، حتى ينال العبد ما يريد!.
يقول حسن السقاف معلقاً على هذه الرواية: "ومثل قضية الرؤية ومجيء الله تعالى يوم القيامة وإتيانه بمقتضى الخيال اليهودي التجسيمي، وكذا فكرة الصراط بالمعنى الذي أنكرناه وفندنا فكرته في "صحيح شرح الطحاوية" مأخوذ من كعب الأحبار وعبدالله بن سلام بلا شك وبلا ريب، والحديث الطويل الذي فيه ذكر الرؤية والاتيان والصراط الذي هو الجسر الذي على متن جهنم، وتشكّل الله بصورة وكشف لهم عن ساقه، كل هذه الأفكار جاءت في حديث واحد وهو الحديث الطويل الذي يرويه أبو هريرة وأبو سعيد في الصحيحين وابن مسعود في غير الصحيحين، فلا يشك المتأمل فيه أن هذه القصة الطويلة المناقضة تمام المناقضة لما جاء في القرآن الكريم لم تأت إلا من عند أهل الكتاب، وأنها من نسج خيالهم وقصصهم
__________
(1) البخاري 806 و6573 و7437.
(2) البخاري 7439. البخاري 7439. البخاري 7439. (1/211)
صفحة 212
وتحريفهم ووضعهم، لاسيما وأنهم كانوا يفسرون القرآن على حسب النظريات القائمة بأذهانهم والمقتبسة من الفكر التجسيمي المناقض للقواعد المثبتة في نفس القرآن الكريم" (1).
ومما يؤكد افتراض حسن السقاف أن هذه الرواية وهذه الأفكار من تسريبات أهل الكتاب هو ما ثبت بالنص القاطع في القرآن الكريم أن فكرة خروج أهل المعاصي من النار هي فكرة إسرائيلية، يقول تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} آل عمران24. وقال تعالى محذراً المسلمين من الوقوع في مهاوي هذه الفكرة الإسرائيلية {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} النساء123.
واستدل أهل الحديث برواية نسجتها مخيلة أحد المرجئة من طريق أنس بن مالك وأنه قال: "أن النبي (صلى الله عليه و سلم) ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا. قال: إذا يتكلوا. وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً" (2).
"وهذا الحديث ينقض آخره أوله، ودلائل وضعه: معارضته لنصوص الكتاب العزيز، وفيه كتم للعلم والشرع في قضية خطيرة جداً مع قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} البقرة: 159، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} المائدة: 67. ومخالفة معاذ أمر رسول
__________
(1) حسن بن علي السقاف في مقدمته على كتاب "العلو" للذهبي بتحقيق حسن السقاف ص44.
(2) البخاري 128، ومسلم [148] 53 - (32). (1/212)
صفحة 213
الله صلى الله عليه وسلم بإخباره، وهذا طعن في هذ الصحابي الجليل، وعلى من يثبت هذا الطعن أن يسقط الرواية أصلاً" (1).
واستدل أهل الحديث بما نسب إلى أبي هريرة أنه قال: "ثم كنا قعوداً حول رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله (صلى الله عليه و سلم) من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يُقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله (صلى الله عليه و سلم) حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً، فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والربيع الجدول)، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت على رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقال: أبو هريرة. فقلت: نعم يا رسول الله. قال: ما شأنك؟. قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي. فقال: يا أبا هريرة، وأعطاني نعليه، قال: اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقينا بها قلبه فبشره بالجنة. فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟. فقلت: هاتان نعلا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة. فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه و سلم): ما لك يا أبا هريرة. قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربه خررت لاستي. قال: ارجع. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و سلم): يا عمر ما حملك على ما فعلت؟. قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟. قال: نعم. قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتّكل الناس عليها، فخلهم يعملون.
قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): فخلهم (2).
"وما قلناه عن الحديث السالف نقوله هنا مع الآتي:
__________
(1) خميس بن راشد العدوي، نقل كلامه خالد الوهيبي "معالم الزمن القادم" ص59 - 60.
(2) مسلم [147] 52 - (31). (1/213)
صفحة 214
رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وطعن في رسول الله (صلى الله عليه و سلم) المعصوم –حاشاه- بأنه لا يعرف دقائق التشريع. رضوخ الرسول (صلى الله عليه و سلم) لعمر في التشريع –حاشاه-. ومع كل ذلك، فهذه الرواية أشبه بمسرحية هزلية، الرسول (صلى الله عليه و سلم) وراء الحائط يخبر أبا هريرة بهذا الكلام المناقض لكتاب الله تعالى والهدي الذي يعلمه أصحابه، وفي هذه اللحظة، وهذا المكان يقرر الرسول (صلى الله عليه و سلم)، وفي سرية ومن وراء الجدر والحوائط أن (يمنح الأمة كرامة فعل المعاصي). ثم يكون خاتم الرسالة النبوية النعال، ثم إتماماً للمشهد الهزلي يلقى أبو هريرة عمر ويخبره، ويحدث الموقف المضحك، يضرب عمر أبا هريرة ضربة قوية بين ثدييه، ويقع على أسته، ولا بد أننا نتصور حركة أقدام، ونسمع صوت الإرتطام، ثم النهوض بعد التعثر والوجع، ثم الشكوى مع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إلى آخر المسرحية، حاشا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وصحابته عن هذا الهراء الذي لا يستقيم عن عوام الناس فضلاً عن خاصتهم، وفيهم سيد الثقلين" (1).
واستدلوا كذلك برواية تزعم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، وهذه الرواية مع بطلان متنها المصادم للقواعد الكلّية المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز، والذي يوحي بأن أفضل وسيلة لنيل الشفاعة هي عن طريق التردي في درك الرذيلة وشرب الخمر وفعل الزنا، ومعارضتها لنص قوله تعالى {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} الأنبياء: 21، وقوله عز وجل {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} مريم: 87 التي تحدد أهل الشفاعة تحديداً دقيقاً وأنهم من أهل الرضوان والسعادة والإيمان، ومعارضتها للرواية الصحيحة الثابتة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) التي قال فيها: "ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي" (2)، فهي أيضاً باطلة سنداً بمقاييس الجرح والتعديل التقليدية!.
فقد رويت عن أنس بن مالك من ست روايات، الأولى من طريق ثابت البناني (3) رواها عنه معمر، وهذه الرواية ضعيفة، لأن رواية معمر عن ثابت ضعيفة: قال ابن معين: " معمر عن
__________
(1) خميس بن راشد العدوي، نقل كلامه خالد الوهيبي في "معالم الزمن القادم" ص66 - 67.
(2) الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب برقم 1004.
(3) الترمذمي 2440، وابن حبان 14/ 387 برقم (6468)، والحاكم في مستدركه 1/ 139 برقم (228). (1/214)
صفحة 215
ثابت ضعيف ". وقال: " وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام ". وقال أيضاً: "إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاووس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا ". وثابت بصري. وقال أبو حاتم: " ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط " (1)، وقد توبع معمر عن ثابت من وجهين، الأول (2) محمد بن عبد الله العصري عن ثابت، والعصري هذا قال عنه الذهبي: "لا يجوز أن يحتج به" (3). الثاني (4) الحكم بن الخزرج عن ثابت، والحكم هذا مجهول، وإن ذكره كل من البخاري (5)، وابن حبان (6) فإنهما لم يوثقاه، فلا ينتقل عن حكم الجهالة. الطريق الثانية (7) رواها أشعث الحداني عن أنس، وفيها بسطام بن حريث، قال عنه الذهبي: "لا يعرف" (8)، أما الطريق الثالثة (9) فهي من طريق عنعنة قتادة الذي قال عنه الذهبي: "حافظ ثقة لكنه مدلس" (10)، وقد رواها عنه سعيد بن أبي عروبة الذي قال عنه الذهبي: "تغير حفظه بآخره ويتهم بالقدر، قال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة" (11)، وروها عنهما عمر بن سعيد الأشج أو الأبج الذي قال فيه البخاري: "منكر الحديث" (12). وروى الخامسة (13) يزيد الرقاشي عن أنس، والرقاشي هذا قال عنه الذهبي: "قال النسائي وغيره: متروك" (14). وروى
__________
(1) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" 10/ 220، 221.
(2) الطبراني في الأوسط 8/ 241 برقم (8518)، مسند ابي يعلى 6/ 40 برقم (3284).
(3) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص327.
(4) ابن خزيمة "التوحيد" ج2ص576، برقم 532.
(5) البخاري " التاريخ " (2/ 340 رقم 2677).
(6) وابن حبان في " الثقات " (6/ 187).
(7) المستدرك 1/ 140 برقم (230)، وأبي داود برقم 4739، مسند أحمد 3/ 213 برقم (13245).
(8) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص158.
(9) مستدرك الحاكم 1/ 140 برقم (229)، ابن خزيمة "التوحيد" ج2ص574 برقم 529.
(10) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص214.
(11) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص410.
(12) الذهبي ميزان الاعتدال " (3/ 200 رقم 6124).
(13) مسند ابي يعلى 7/ 139 برقم (4105) مسند ابي يعلى 7/ 147 برقم (4115).
(14) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص534. (1/215)
صفحة 216
السادسة (1) عاصم الأحول عن أنس، وفيها عروة الرقي الذي قال عنه الذهبي: "لا يعرف". (2)
وجاءت كذلك من طريق جابر بن عبد الله في روايتين، الأولى (3) فيها زهير بن محمد العنبري التميمي المروزي الذي قال عنه الذهبي: "له غرائب، ضعفه ابن معين، وقال البخاري: روى أهل الشام عنه مناكير" (4)، الثانية (5) فيها محمد بن ثابت البناني الذي قال فيه الذهبي: "قال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ضعيف" (6).
وجاءت أيضاً من طريق ابن عباس (7)، وهي التي رواها موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وموسى هذا قال فيه الذهبي: "مشهور هالك، قال ابن حبان: دجال، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير" (8). وجاءت كذلك من طريق ابن عمر (9)، وفيها أيوب بن وائل الذي قال عنه الذهبي: "قال الأزدي: مجهول" (10).
فالرواية آحادية (11)، وهي واهية السند من جميع طرقها، فلا يرتاب في وضعها خاصة وأنها تعارض القواعد الكلّية التي أصلتها النصوص القطعية من الكتاب والسنة المجتمع عليها.
__________
(1) الطبراني في " الأوسط " (4/ 344 رقم 3590)
(2) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص56.
(3) ابن حبان 14/ 386 برقم (6467)، المستدرك 1/ 140 برقم (231)، المستدرك 1/ 140 برقم (232).
(4) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص371.
(5) الترمذي برقم 2441 وقال: "غريب من هذا الوجه"، والبزار 1/ 233 برقم (1669).
(6) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص273.
(7) الطبراني في الأوسط 5/ 75 برقم (4713).
(8) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج2ص440.
(9) الطبراني الأوسط 6/ 106 برقم (5942).
(10) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص151.
(11) قال الفخر الرازي بعد ذكره هذه الرواية في تفسير الآية 48 من سورة البقرة ج2 ص60: " واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده". (1/216)
صفحة 217
وحين عجز أهل الحديث عن إثبات دعوى النصية والقطعية لفكر الإرجاء، لجأوا إلى التحايل على النص الأصلي الذي يقطع بخلود أهل الكبائر في النار، وافترضوا أنه منسوخ!. علماً بأن الأخبار لا يدخلها النسخ، "فالخبر إما صحيح أو مكذوب ولا يقال إنه منسوخ" (1)!.
يقول ابن القيم: "والله تعالى لا يخلف وعده، وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم أن إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تبارك وتعالى به" (2).
وهذا اعتراف من أرباب هذه المدرسة أن نصوص الوعيد ثابتة بحيث لا يمكن إنكارها، فلهذا لجأوا إلى اختلاق فكرة تنازل الله تعالى عن قراره يوم القيامة وتركه لتهديده ووعيده، لأنهم تصوروا أن ذلك الأجمل في صفات الله!، وهذا التصور الفاسد نابع من طبيعة البداوة التي ترعرع فيها هذا الفكر، حيث نشأ هؤلاء في البادية حيث شيخ القبيلة يعفو عن المجرم قبل تطبيق الحدّ عليه فتعطلت الحدود وانتشر الهرج والمرج، ويعد ذلك في عُرف هؤلاء قمة الكرم، بينما هو في الإسلام حضيض المحسوبية والطبقية، فقد جاء النهي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) واضحاً عن هذا الفعل الذميم فقال: "إنّما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمَّدٍ سرقت لقطعت يدها" (3).
كما أن خيال البداوة العريض الذي صور هوان وعيد الله تعالى في عقول هؤلاء منشأه الشوائب الفكرية المستوردة من الأمم الأخرى التي تصور الإله ككيان له عواطف وأحاسيس، والإسلام النقي قائم على نصوص قطعية ثابتة موافقة للعقل والحس السليم تقول بأن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى11.
__________
(1) تفسير الطبري ج30ص12، والشاطبي "الموافقات" ج3ص85.
(2) ابن القيم الجوزية "حادي الأرواح " ص271.
(3) البخاري 3288، ومسلم 1688، والترمذي 1455، وأبو داود 4373. (1/217)
صفحة 218
وكيف يبدّل الله وعيده وقد نص في كتابه العزيز على عكس ذلك حيث قال: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} ق: 28 - 30. وقال {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} الأنعام: 34.
فكلمات الله ثابتة لا تتغير، وادعاء تغير هذه الكلمات مبني على تصور الإله على أنه كائن عاطفي متردد نادم على وعيده للمجرمين بالخلود في النار، وهذه الصورة المهزوزة لذات الله لا شك في اسرائيليتها لمطابقتها الصورة المخزية التي تقدمها النصرانية المحرفة القائمة على عقيدة الفداء (1).
إن دعوى أهل الحديث بإخلاف الوعيد مصادمة لنصوص الكتاب العزيز، كما أنها تهدم الشريعة الإسلامية ومجتمعها النقي الصالح الطاهر من الفسق والفجور والفواحش، لأن هذه الدعوى تجعل الفاجر من القتلة والزناة آمناً من وعيد الله وعقابه! مما يدفعه إلى التمادي في فسقه وفجوره وقتله للنفس وهدمه للأسرة وتدميره للمجتمع، والله تعالى يقول: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} ق45، وهؤلاء لا يخافون الوعيد لأنهم أمنوه بمثل هذه الدعاوى الرخيصة، بل أن الوعيد القرآني مرتبط بترسيخ التقوى الذي هو أساس الإيمان بالله تعالى حيث يقول عز وجل {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} طه: 113، فإذا انتفى الوعيد انتفى التقوى، وإذا انتفى التقوى انتفى الدين.
__________
(1) تقوم النصرانية المحرفة على اعتقاد أن الله عز وجل حلّ في جسد عيسى المسيح ليتم صلبه من قبل اليهود كتكفير عن خطيئته باخراج آدم من الجنة!. (1/218)
صفحة 219
والشفاعة التي يحتج بها أهل الحديث لرد النصوص القطعية، قد بين الله تعالى في كتابه العزيز في حق من تكون حين قال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} الأنبياء: 21، وهل يرتضي الله تعالى المجرمين الفاسقين الذين حاربوه بالمعاصي، واستكبروا عليه ولم يخضعوا لجبروته ورفضوا التوبة إلى جلاله؟!.
فالشفاعة تكون للمرتضين، الذين قال الله تعالى فيهم: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} مريم: 87، وهم المؤمنون المتقون لتخفيف شدة الحساب عنهم، وتسريع دخولهم الجنة، ولرفع منازلهم فيها.
"أما الشفاعة بمعنى هدم الناموس وإخراج المذنبين من النار، وإدخالهم الجنة، فهي فوضى الوسايط التي نعرفها في الدنيا، ولا وجود لها في الآخرة، وكل ما جاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية فهو مشكوك في سنده لأنه يخالف صريح القرآن، ولا يعقل من نبي القرآن أن يطالب بهدم القرآن، ولكن المسلمين الذين عرفوا بالاتكالية قد باتوا يفعلون كل منكر ويرتكبون عظائم الذنوب اتكالاً على نبيهم الذي سوف يخرجهم في حفنة واحدة من النار ويلقي بهم في الجنة بفضله وكرمه!، وهم الذين شكاهم إلى ربه في صريح قرآنه وجأر بشكواه قائلاً: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} الفرقان: 30" (1).
يقول الشيخ محمد الغزالي:"والجانب الإنساني الحر ظاهر في القرآن الكريم، فأنت وحدك صانع مستقبلك، ومصور ملامحك، إن احسنت لم يستطع أحد أن يعترض طريقك إلى الجنة، وإن أسأت لم يستطع أحد ان ينقذك من النار: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} فصلت: 46، فلا وسطاء ولا شفعاء، ولا قرابين على نحو ما تصوّر الوثنية، أو على نحو ما تصوّر الأديان السماوية التي انحرفت" (2).
__________
(1) مصطفى محمود "الشفاعة" ص19 - 20
(2) محمد الغزالي "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" ص28. (1/219)
صفحة 220
ومن الشبه التي تعلق بها أهل الحديث قولهم أنه من الظلم أن يخلد رجل مؤمن في النار وكل معصيته أنه زنى مرة واحدة أو كذب كذبة واحدة أو أنه كان ممن يستمع الأغاني الماجنة!.
واستدلالهم هذا لا يصمد أمام حجج القرآن الكريم، فالإنسان المؤمن إيماناً حقاً يصعب تصور ملابسته للمعاصي، لإن الإيمان والعلم بالشريعة يتملكان كيان المسلم فيحجزانه عن كل معصية، يقول تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت: 45، فإن حدث ووقع مثل هذا الإنسان في كبيرة من الكبائر فباب التوبة مفتوح لا يغلق إلا عند الموت، فما الذي يمنع هذا الإنسان من التوبة إن كان مؤمناً حقاً؟.
شبهة أخرى أثارها أهل الحديث ليتملصوا من إلزام حجج القرآن الكريم، فقالوا: أن القول بخلود المسلم العاصي يعني مساوة المسلم بالكافر في الخلود وهذا ظلم!.
ونسي هؤلاء أن النار دركات كما أن الجنة درجات، يقول تعالى: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} الأعراف: 38، وقال عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} النساء: 145.
وليس الظلم في خلود أصحاب الكبائر الذين تكبروا على جلال الله، ولم يرضوا بالتوبة إلى جنابه بل هذا هو عين العدل الإلهي، فهل يعقل أن يتساوى المؤمن الذي أتعب ليله ونهاره بإرضاء الله مع المجرم الذي ما انفك يحارب الله تعالى ويرفض التوبة إلى جلاله؟
وهل هذا المجرم الذي عرف الله تعالى وعرف شرعه لكنه حاربه بالمعاصي والفواحش، ورفض التوبة إلى جلال الله أفضل من النصراني الزاهد العابد الحسن الخلق الذي (1/220)
صفحة 221
لم يسمع عن الإسلام إلا كل ما يشين بسبب الدعاية المغرضة ضد الإسلام، فمات على نصرانيته التي يظنها الدين الأولى بالإتباع!، فهل من العدل أن يخرج المسلم الذي عرف الله تعالى لكنه لم يقدره حق قدره من النار بينما يخلد فيها ذلك النصراني؟ هذه الفلسلفة لا يقولها إلا من استهوته عقيدة بني إسرائيل الذين ظنوا ان انتسابهم إلى موسى (عليه السلام) كفيل بإخراجهم من النار {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} آل عمران: 24، والتي حذرنا الله تعالى منها بقوله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} النساء: 123.
يكفي حجة على أهل الحديث أن عقيدة الإرجاء تهدم بنيان الإسلام لبنة لبنة بسبب إشعارها للفسقة والفجار أن مفاتيح الجنة بين أيديهم، مما يدفعهم للتمادي في غيهم وفسادهم باسم الدين، وهذا الشعور بعدم الخوف من وعيد الله تعالى الذي ترسخه عقيدة الإرجاء لم يصب عوام الناس فحسب بل أن هناك الكثير من أئمة الحديث -مروجي فكر الإرجاء المسموم- قد ابتلي بالفواحش من زناً وشذوذ جنسي!.
من ذلك ما ذكره ابن القيم عن إمامه محمد الأصبهاني حيث قال: "وأما قصة محمد بن داود الأصبهاني فغايتها أن تكون من سعيه المعفو المغفور لا من عمله المشكور، وسلط الناس بذلك على عرضه، والله يغفر لنا وله، فإنه تعرض بالنظر إلى السقم الذي صار به صاحب فراش، وهذا لو كان ممن يباح له لكان نقصاً وعيباً فكيف من صبي أجنبي وأرضاه الشيطان بحبه والنظر إليه عن مواصلته" (1).
ومن ذلك أيضاً ما ذكره الذهبي عن سبب خروج إمام أهل الحديث في زمانه الخطيب البغدادي من دمشق حيث قال: "قال ابن طاهر في المنثور: اخبرنا مكي الرميلي قال:
__________
(1) ابن القيم "روض المحبين" ص130. (1/221)
صفحة 222
كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبي مليح فتلكم فيه الناس، وكان أمير البلد رافضياً متعصباً، فجعل ذلك سبباً للفتك بالخطيب" (1).
وكذلك قصة يحيى بن أكثم قاضي القضاة مع الشذوذ الجنسي التي ذكرها ابن عساكر الدمشقي (2)، وغيرها من القصص المؤسفة التي جمعها ابن حزم في كتابه "طوق الحمامة" (3).
ونحن لا نسارع إلى تصديق كل ما يقال في أعراض الناس كما رواها أصحاب هذه الكتب، فهي: إما أن تصح، وتلك كارثة وطامة كبرى أن ينساق علماء لهم وزنهم وراء النزوات والرغبات المحرمة، وإما ان لا تصح، فهي من الأكاذيب التي تلفق في حق العلماء، وتلك طامة أخرى أن يستباح الكذب في أعراض الناس وتشوه سمعتهم.
فإذا صح ما روي عن هؤلاء العلماء ما الذي جرأهم على ذلك غير اعتقادهم الجازم بأنهم سينالون شفاعة النبي (صلى الله عليه و سلم) إن هم فعلوا الفواحش والكبائر، فقد نسبوا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (4)، فلهذا تراهم يتسابقون في الجريمة والفاحشة من أجل الحصول على هذه الشفاعة المزعومة التي صارت قنطرة يعبر عليها الناس لإشباع شهواتهم ورغباتهم.
ونتيجة لتغلغل هذا الفكر العفن في الأمة الإسلامية ألّف أحد السفهاء كتاباً أسماه "من حقائق القرآن"! زعم فيه أن الإسلام يبيح شرب الخمر، ويبيح إقامة علاقات غرامية بين الرجال والنساء دون حاجة لزواج شرعي، وأن الحجاب هو من عادات الجاهلية، وأن الواجب على الرجال الإختلاط مع النساء، وأن الإسلام فرض صلاتين فقط في اليوم والليلة، وأن المسلم يجوز له فطر رمضان وإن لم يكن مريضاً أو على سفر، وأن الحج جائز في ثلاثة أشهر وليس في أيام الحج المعلومة، وختم هذيانه بالإقرار عن سبب جرأته على هذا الإسفاف
__________
(1) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج3ص1141.
(2) ابن عساكر الدمشقي "تاريخ دمشق" ج64ص81 - 85.
(3) ابن حزم "طوق الحمامة" ص129 - 130.
(4) سنن أبو داود 4739، وابن حبان في صحيحه برقم 6467، الحاكم في المستدرك برقم 228. (1/222)
صفحة 223
بقوله "فحتى لو اعتبرنا شرب الخمر معصية في أحسن تقدير، فلا تضر مع معصية إيمان" (1). إنه الإرجاء!!.
__________
(1) محمد سليمان غانم "من حقائق القرآن الكريم" ص79. (1/223)
صفحة 224
الفتن والملاحم الخرافة والأسطورة
نتيجة لسيادة فكر أهل الحديث الهرمسي في الأمة الإسلامية التي امتزج فكر الإسلام الصافي لدى بعض طوائفها برواسب موروثاتها الثقافية القديمة، ونتيجة لتبني السلطة لفكر الإرجاء انتشرت في الأمة أفكار وخرافات أسطورية تتحدث عن أحداث ستقع قبل يوم القيامة، وأن تلك الأحداث هي من علامات الساعة، كنزول المسيح، وظهور الدجال والمهدي وغيرها، هذه الأفكار التي انتقلت إلينا من أصحاب الملل والنحل الوثنية -كما سنأكده لاحقاً- أصابت كيان الأمة الإسلامية في مقتل، حيث قتلت فيها روح العمل والجهاد، فانقلب حال الأمة من العمل والجدّ والجهاد الإيحابي إلى حال الكسل والتواكل والإنتظار السلبي، كل ذلك اعتماداً على الروايات الأسطورية التي تزعم سيادة الكفر على الإيمان وانتصار الشر على الخير إلى آخر الزمان حيث ينزل المسيح ويظهر المهدي ليقاتلوا الدجال زعيم الشر.
هذه هي الحقيقة المرة التي أقرّ بها المحدث أبو غُدّة قائلاً "هناك فكرة شائعة لدى عدد من عوام المسلمين، وهي أنهم يتخذون من إخبار الرسول (صلى الله عليه و سلم) بهذه العلامات متكأً لهم في ترك العمل الجدّي إلى إعادة الحياة الإسلامية الصحيحة، وقد ربطوا بعلامات الساعة أمراً لا صلة له بها، وهو أن العمل الآن لا يجدي، لأنه لا بد أن يزداد الفساد، وينتشر الضلال، وتأتي الخوارق التي تتقدم الساعة، من ظهور المهدي ونزول عيسى (عليه السلام)، وحينئذ يعود الإسلام، وينتصر الدين، وينتشر الحق، ويقوى أهله، ويسود الحكم بالإسلام على وجهه، فلا جدوى الآن من مقاومة الباطل وأهله مهما حاول الإنسان المسلم.
وهذه الفكرة الضالة الخبيثة، وقد تكون دخيلة على المسلمين بمخارز أعدائهم الناعمة أسقطت السعي الجدّي الواجب، والوعي الإسلامي الصحيح عند هؤلاء الجاهلين ومن يدور في فلكهم من المسلمين الين، فقد أثرت فيهم تأثيراً سلبياً، وأحبطت منهم العمل الجدّي والسعي المتواصل لإعادة الحياة الإسلامية. وكثيراً ما خدع هؤلاء الجاهلون الأغرار من المسلمين أشباههم، بقولهم لهم: إن العالم قد اقترب من نهايته، وأن الأحاديث النبوية تدل على استمرار التدهور في شأن الإسلام والمسلمين، ولما كان الأمر هكذا، كان لا جدوى من (1/224)
صفحة 225
السعي لعمل شيء في وقف هذا التيار الفاسد، ومنع هذا الانحدار، إذ هو أمر قدّره الله تعالى، وبلّغه رسوله (صلى الله عليه و سلم)، ولا بد أنه واقع، فما علينا إلا التسليم والسكون" (1).
حاول أبو غُدّة معالجة هذه المشكلة التي خلفها الركام الروائي لأهل الحديث، بيد أن محاولته لم تخرج عن إطار منهج المحدّثين، فهو يقول: "ولو كانت هذه الفكرة صحيحة سليمة ثابتة لما كان الجهد والجهاد من السلف في دفع كل زيغ وانحراف"!، هكذا وبكل براءة وعفوية يريد المحدّث أبو غُدّة من الذين طمرت عقولهم روايات أهل الحديث أن لا يستسلموا لبريقها وجاذبيتها الذي يخدّر العقول فيجعلها تعيش في وهم الخرافات والأساطير، ليس لأن تلك الروايات مخالفة لنصوص الكتاب العزيز، ولا لإنها تصف الإسلام بالخرافة والأسطورية والغنوص الميثولوجي، لا!!، بل لأن السلف لم يفكر هذا التفكير!. ولو كان السلف المقصود هم الصحابة والتابعون وتابعيهم ممن لم يَنقَد لفكر السلطة الخرافي فهو محق، وإن كان يقصد بالسلف أئمة أهل الحديث فهم أشد الناس تواكلاً وتثبيطاً للناس من التحرر ضد أغلال السلطة الحاكمة، ولا أدّل على ذلك من الروايات الانهزامية التي تأمر بالتخاذل والهوان كالقول المنسوب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (2)، وأنه (صلى الله عليه و سلم) حين سُأل: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم" (3).
وهذه الخرافات الأسطورية التي تُعدّ في قاموس أهل الحديث من علامات الساعة التي يكفر منكرها، هي بلا ريب نقل نصي لخرافات وأساطير أهل الكتاب المدونة في كتبهم المقدسة "التوراة والإنجيل والتلمود"، وسوف نبين للقاريء الكريم بطلان هذه الروايات وتعارضها مع النصوص القطعية من الكتاب العزيز، وتعارضها مع الحس والعقل الإسلامي المستنير، بالإضافة إلى توثيق مصادرها من الكتب الإسرائيلية المحرّفة!.
__________
(1) عبد الفتّاح أبو غُدّة في تقديمه لكتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" لمحمد الكشميري ص (و-ز).
(2) مسلم [4779] 48 - (1845).
(3) مسلم [4782] 49 - (1846)، و [4783] 50. (1/225)
صفحة 226
من أمثلة تلك الروايات الأسطورية ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال في وصفه للدجال: "إنه شاب قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزي بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالاً، يا عباد الله فأثبتوا. قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدره ... فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ... ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين ... فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ... فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ... فيرسل الله طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ...
ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث (1/226)
صفحة 227
الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة" (1).
وإذا حاولنا قراءة هذه الرواية وفق المنهج السليم سنجدها مخالفة للكثير من ضوابط المنهج الإسلامي الصحيح المستوحى من النصوص المحكمة:
أولاً: مخالفتها لمنهج القرآن الكريم حيث تتحدث عن يوم القيامة وتصفه بدقة رقمية، وكأن النبي (صلى الله عليه و سلم) يعلم الفترة الزمنية التي ستكون فيها، بينما يخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز أن يوم القيامة سيأتي بغتة وأن النبي (صلى الله عليه و سلم) مثله مثل بقية البشر لا يعلم شيئاً عن الزمان الذي ستكون فيه، يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} الأعراف: 187.
ثانياً: هذه الروايات تعطي أرقاماً محددة عن أوقات تلك الفتن وأزمانها، ومن أمثلة ذلك أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) حين سأل كم سيلبث الدجال في الأرض. قال: "أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". بينما نجد أن القرآن الكريم لا يتعامل بنفس تلك الصورة الرقمية مع الأحداث التي يتنبأ بها، فالله تعالى حين بشر بنصر الدين لم يذكر الفترة الزمنية التي سيتم خلالها هذا النصر {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} التوبة: 33، وحين ربطت البشارة القرآنية بالتحديد الزمني جاء النص القرآني مع دقة التعبير معبراً عن فترة زمنية مفتوحة، حيث يقول تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} الروم: 2 - 4.
__________
(1) مسلم [7373] 110 - (2937)، الترمذي 2245، ابن حبان 6533 (14/ 469)، مستدرك الحاكم 8508 (4/ 538). (1/227)
صفحة 228
ثالثاً: أن هذه الروايات تتحدث عن انقلاب في القوانين والسنن الكونية قبل يوم القيامة، فالرواية السابقة مثلاً تتحدث عن تغير طول اليوم من أربع وعشرون ساعة إلى أسبوع، وشهر، وسنة، وهذا الطول في مدة اليوم يستلزم تباطئاً في دوران الأرض حول محورها مما يؤدي بالضرورة إلى تجمّد الأرض، واختلال اتزانها، وانعدام الحياة فيها، ونفس الأمر يقال في الروايات التي رواها أبو هريرة وتدّعي طلوع الشمس من المغرب على أنها علامة من علامات الساعة (1)، وذلك يعني دوران الأرض في اتجاه معاكس لما هي عليه الآن، مما يستلزم تباطئ حركتها، ثم توقفها، وبعد ذلك بدء الحركة في الاتجاه المعاكس، وعملية التباطؤ وحدها كفيلة بإحداث انهيار كامل في مظاهر الحياة على سطح الأرض، فكيف بالتوقف، والحركة العكسية!. والظاهر أن مختلقي مثل هذه الأساطير كانوا يجهلون كروية الأرض، ويفترضون مفاجأة الشمس لهم بخروجها من المغرب، ولم يتفطنوا أن الشمس قبل أن تظهر لهم من المغرب يستلزم توقفها عن الإشراق على البشر في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية!، هذا إذا افترضنا صمود الغلاف الجوي الارضي أمام هذا التغيير الفكلي الهائل. وهذه التغيرات الكونية المزعومة مخالفة قوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح: 23.
رابعاً: تلك الروايات محدودة الجغرافيا حيث تتحدث عن الأقاليم المرتبطة بتاريخ بني إسرائيل، فهي تتحدث عن دمشق، والعراق، وبيت المقدس، وطور سيناء، والقسطنطينية، وكأن أحداث البشرية ستظل مرتبطة بالجغرافيا المشكلة للخلفية المعرفية لمحرّفي التوراة والإنجيل.
خامساً: تتحدث الروايات عن أسلحة بدائية (السيف، الرمح، الحربة ... )، وهي الأسلحة التي تشكل الخلفية المعرفية العسكرية لعصر التدوين، وهذه الأسلحة تعتبر بدائية جداً أمام أبسط أسلحة هذا العصر، فكيف بالعصور القادمة!. وهذا يتناقض مع الدقة الرقمية للزمان والمكان والشخصيات لأحداث تلك الروايات الأسطورية.
__________
(1) البخاري 4635، مسلم [396] 248 - (157). (1/228)
صفحة 229
سادساً: تتحدث الروايات عن فتح القسطنطينية في آخر الزمان حين يظهر الدجال، وينزل المسيح، وقد أفرد مسلم في صحيحه باباً أسماه"باب في فتح قسطنطينية، وخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم" جاء فيه من طريق أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ... فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون ... فينزل عيسى بن مريم (صلى الله عليه و سلم) فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته" (1)، بينما فتحت القسطنطينية عام 1453م على يد المسلمين، ولم يحدث شيء من تلك الأحداث الملحمية إلى الآن!.
سابعاً: تتحدث الروايات عن تلك الأحداث الأسطورية على أنها أشراط للساعة بينما يظهر لمتدبر الكتاب العزيز أن أشراط الساعة قد ظهرت وتجلت. يقول تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} محمد: 18، وأهم هذه الأشراط هي بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يقول تعالى في حق موسى (عليه السلام): {إِنَّ السَّاعَةَ أَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} طه: 15، ويقول عزّ وجل في حق عيسى (عليه السلام): {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} الزخرف: 61، وقال تعالى في مبعث نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم): {هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى* أَزِفَتْ الْآزِفَةُ} النجم: 56 - 57، وقال النبي (صلى الله عليه و سلم): "بعثت أنا والساعة كهاتين. وقرن بين السبابة والوسطى (2).
__________
(1) مسلم [7278] 34 - (2897).
(2) البخاري 5301. (1/229)
صفحة 230
ثامناً: تصف هذه الروايات موعد يوم القيامة وصفاً دقيقاً، وتعطي أرقاماً وتفاصيلاً كثيرة حول تلك الفترة، ولا يحتاج المرء الذي يعيش تلك الأحادث إلى كثير جهد لمعرفة أنه في لحظات الدنيا الأخرى قبل قيام الساعة!، وهذا مخالف لعنصر المفاجأة الذي جعله الله تعالى في يوم القيامة، {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً} محمد: 18
تاسعاً: معظم هذه الروايات آحادية، والكثير منها ضعيف الإسناد، ومعظها جاءت من طريق أبي هريرة وغيره ممن تتلمذ على يدي كعب الأحبار.
ولو عرضنا جميع روايات الفتن والملاحم على الضوابط السابقة لاستطعنا تنقية الشريعة الإسلامية من الكثير من الأدران التي ألصقها بها أهل الحديث، ولاستطعنا أن ننفخ في شباب الأمة روحاً إيجابية جديدة مليئة بالنشاط والتفاؤل وحب العمل، ولاستطاعت الأمة القيام مجدداً على رجليها، وأن تتخلص من الأثر المخدرلروايات أهل الحديث، ولاستطاعت أن تقود الأمم، وأن تحقق وعده تعالى بالتمكين {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} التوبة: 32 - 33.
نزول المسيح (عليه السلام) وعقيدة بولس:
عاش اليهود في مصر حياة بائسة ذليلة، عانوا خلالها من القهر والاستبداد، ولكن ما هو أهم في الحسابات القيمية هو حالة الهزيمة النفسية وحالة الاستسلام الفكري والتبعية الثقافية للحضارة الفرعونية، هذه التبعية تجسدت في الفطرة الوثنية التي جبل عليها الفكر اليهودي، فبعد أن تشربت قلوبهم بحب العجول والأبقار التي كانت تعتبر آلهة الخصب في مصر الفرعونية اتخذوا العجل إلهاً قبل أن تجف أقدامهم من عبور البحر مع موسى عليه السلام {وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي (1/230)
صفحة 231
قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} البقرة: 92 - 93، ولم يعتبر اليهود من الدرس، ولم يقدّروا توبة الله عليهم، فساخت أقدامهم في طريق الوثنية من جديد، فسلط الله عليهم فيالق نبوخذ نصر الملك البابلي {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً} الإسراء: 5، فنهبوا الأموال، وسبوا النساء وأسروا الرجال (1).
وعلى عقيدة بعث العجل بمجرد أن يموت، وعلى عقيدة بنوة الملك الفرعوني آمين رع ( Amen Ra) لإله الوجود آمين ( Amen) " انطلق اليهود في آشور وفي بابل تحت سقف السبي، يبحثون عن هوية جديدة تُبعث عليها دولتهم لتضاهي (حخور) حاكمة السماء، وتكون كالروح الحية للأشجار كما تقول عقيدة الأبقار، وتحت سقف البحث عن هوية، وبعد سقوط دولة بابل وظهور دولة الفرس اتفق اليهود مع السومريين على إعادة كتابة التوراة في بابل، وشكل العلماء لجنة لهذا الغرض برئاسة (عزرا)، وقد جمعت هذه اللجنة معلومات من التاريخ القديم للمسيرة اليهودية، ومعلومات أرادوا إدخالها على النصوص الأصلية" (2)، فظهرت أسفار التوراة المحرفة التي اختلط فيه القبس الإلهي بالوضع الوثني.
وقع اليهود في قهر الدولة الرومانية عام 63 ق. م حتى عام 633 ق. م (3)، "إلا أنهم لم يكونوا لقمة سائغة للرومان بل كانوا كالشوكة في خاصرة الإمبراطورية الرومانية، كانوا في ترقب وانتظار لوصول المسيح الجديد ( new messiah) ليطرد الرومان، كان الانتظار يثير حماس الناس المحلّيين، والمتعصبون اليهود كانوا يغتالون كل متعامل مع السلطات الرومانية، وعندما ظهر المسيح عيسى (عليه السلام) ( Jesus) أو ابن الله كما يسميه الناس المحليون في هذا الوقت العصيب، انقلب اليهود ضده بسبب إنكاره للتعديلات الوثنية التي أوجدوها في التوراة، فألبوا عليه السلطة الحاكمة التي أرادت صلبه، إلا أن جهل الرومان بشخصية المسيح جعلتهم يصلبون رجلاً آخر وهو يهودي متعصب كان معارضاً للرومان، وقد أورد ماثيو في
__________
(1) سفر الملوك الثاني 24/ 8.
(2) سعيد آيوب "ابتلاءات الأمم" ص76 - 110.
(3) سعيد آيوب "ابتلاءات الأمم" ص122. (1/231)
صفحة 232
المخطوطات الأولى في الإصحاح 16: 27 اسم الرجل المصلوب كاملاً وهو ( Jesus Barabbas) وبارباس تعني ابن الله!، فتم صلب اليهودي المتعصب بدل المسيح (عليه السلام) الذي اختفى عن انظار السلطة واليهود {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} النساء: 157، إلا أنه قد تم في وقت متأخر حذف القسم الأول ( Jesus) من اسم اليهودي المصلوب، وابقوا على القسم الثاني ( Barabbas) الذي يعني ابن الله، ليخلوا لهم الجو لترسيخ عقيدتهم الوثنية". (1)
بعد اختفاء عيسى (عليه السلام) ظهر بولس (شاول) على الساحة، "نشأ بولوس في طرسوس حيث كان تمثال ضخم للإله اليوناني هراكليس (هرقل عند الرومان) يعرض خلال شوارع المدينة سنوياً، كان هراكيلس عند اليونان ابن الإله زوس zeus وكانوا يعبدونه لما يعتقدون فيه من جلب الحظ السعيد، ولكونه مخلّص المؤمنين، ففي الدراما الإغريقية الميثولوجية ألكستيس Alkestis كتابة الأديب يوريبيديس Euripides، ترد قصة نصف الإله هراكليس وهو يغامر بالنزول إلى عالم الموت لإنقاذ ألكستيس زوجة صديقه، فلابد أن بولس في طرسوس كان يشاهد سنوياً ومنذ نعومة أظفاره الجموع الهيستيرية التواقة لغسيل خطاياها، وهي تهتف لمخلصها نصف الإله هراكليس، حاملة تمثاله الضخم عبر شوارع المدينة، وأن بولس بعدما نشأ وترعرع في هذا الوسط الوثني اكتسب من القناعة والأمل أنه يمكن للبشر بكل ما فيهم من آثام أن يغسلوا خطاياهم بدم مخلّص ما، تماماً كما اعتقد الوثنيون في طرسوس أنهم يغسلون خطاياهم بدم الإله ميثراس، أو كما اعتقدوا أنه يمكن إنقاذهم من قبل نصف الإله هراكليس الذي نزل إلى عالم الموت لإنقاذ أرواح البشرط (2).
كان بولس يهودياً متطرفاً كارهاً للنصارى، وهو يقرّ بذلك قائلاً: "إن اليهود جميعاً يعرفون نشأتي من البداية ... ليشهدوا أني كنت فريسياً أي تابعاً للمذهب الأكثر تشدداً في
__________
(1) Christopher Knight "The Hiram" page: 66.
(2) محمد فاروق الزين "المسيحية والإسلام والاستشراق" ص137 - 138. (1/232)
صفحة 233
ديانتنا" (1). بولس الذي امتزجت في لبّه وثنيات الفراعنة التي نقلها اليهود مع ميثولوجيات الأغريق أراد تطبيق أحلامه الوثنية على أتباع المسيح الذين يبغضهم بغضاً شديداً، وزعم بولوس أنه بينما كان متجهاً إلى دمشق لإلقاء القبض على بعض أتباع المسيح سمع صوتاً يقول له: "شاول. شاول. لماذا تضطهدني؟ فسأل: من أنت؟ فجاءه الجواب: أنا يسوع الذي تضطهده" (2)، وأنه قال له: "فقد ظهرت لك لأعيّنك خادماً لي، وشاهداً بهذه الرؤيا التي ترانا فيها الآن، وبالرؤى التي ستراني فيها بعد اليوم، وٍسأنقذك من عبك ومن الأمم التي أرسلها إليك الآن" (3)، ومن هذا النقطة بدأ بولس في تشويه الدين النصراني، وأول شيء فعله هو الادعاء بأن عيسى هو ابن الله، وأن روحه هي تجلي للإله في جسد بشر لتخليص البشرية من أخطاءها، وقام بإلغاء الشريعة وقال: "إن المسيح حررنا بالفداء من لعنة الشريعة. إذ صار لعنة عوضاً عنا. لأنه قد كتب: ملعون كل من علق على خشبة" (4).
لقد كانت الطبيعة الوثنية المتمكنة من شغاف قلوب بني إسرائيل كفيلة بتسهيل الأمر بالنسبة لبولس لبث فكرته "الفرعوإغريقية"، كما أن اختفاء المسيح المفاجيء بالنسبة للبسطاء من أتباعه دفعهم للاعتقاد بأنه رجع إلى السماء حيث يوجد أبيه "الإله الأب"، وأعيد كتابة الأناجيل بعد زمن وفق رؤية بولس القائلة بعروج عيسى في السماء، ومن تلك النصوص: "وأخرجهم خارجا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلي السماء، فسجدوا له ورجعوا إلي أورشليم بفرح عظيم، وكانوا كل حين في الهيكل يسبّحون ويباركون الله" (5). نص آخر اختلقته مخيلة بولوس وأتباعه: "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى أقصى الأرض، ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم،
__________
(1) أعمال الرسل 26/ 5 - 7.
(2) أعمال الرسل 9/ 3 - 7.
(3) أعمال الرسل 26/ 15 - 17.
(4) غلاطية 3/ 13.
(5) لوقا 24: 51 - 53. (1/233)
صفحة 234
وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض، وقالا: أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء" (1).
وقد تسربت عقيدة بولس "الفرعوإغريقية" إلى المسلمين عن طريق كعب الأحبار وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب، فقد جاء في كتاب "الفتن" لنعيم بن حماد (ت 229هـ) ثلاثة أبواب في نزول عيسى (عليه السلام) وسيرته ومدة بقائه وقتاله الدجال، وأورد ابن حماد في هذه الفصول تسع وأربعين رواية، إحدى عشرة منها جاءت من طريق كعب الأحبار!، ورواية واحدة من طريق عبد الله بن سلام!، ورواية أخرى من طريق نوف البكالي!، وتسع روايات من طريق أبي هريرة!، وروايتان من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص!، وهما ممن تتلمذ على يدي مسلمة أهل الكتاب كما أسلفنا في المقدمة، وهذا يؤكد نظرية تسرب هذه الفكرة إلى المجتمع الإسلامي من أسفار أهل الكتاب، ثم تلقفها بعض الصحابة الذين انبهروا بغرائب بني إسرائيل، ورفعها الرواة خطأً إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم). يقول بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (2).
ونتيجة لاستغلال كعب الأحبار وكتيبته للآيات المتشابهات والعبث بتأويلها عن طريق التفسير الهرمسي، وتحميلها ما لا تحتمل من معان انخدع الكثير من المسلمين بهذه الفكرة، ولأن هذه الفكرة توافق عقيدة العلّو الحسي التي ينتحلها أهل الحديث قام هؤلاء بتعليب الكثير من الروايات لترسيخ هذه الفكرة.
__________
(1) أعمال الرسل 1: 8 - 11.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص606. وقد أسهبنا في توضيح كيفية تغلغل الإسرائيليات من خلال بعض الصحابة المنبهرين بأخبار أهل الكتاب في المقدمة والفصل الأول من هذا الكتاب. (1/234)
صفحة 235
لقد أكدّ الله تعالى على بطلان عقيدة بولس "الفرعوإغريقية"، وأكدّ على حقيقة وفاة المسيح (عليه السلام) بقوله: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} آل عمران: 55. وفيها أيضاً يؤكد على أن من آمن بالمسيح (عليه السلام) سيكون لهم الغلبة على اليهود إلى يوم القيامة، وهذا ما حدث مع اعتماد قسطنطين الديانة النصرانية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، ومن ثم مجيء الإسلام الذي رسخ عقيدة التوحيد التي جاء بها عيسى (عليه السلام) والأنبياء من قبله، وإلى وقتنا الحاضر يعيش اليهود في جماعات مشتتة في أصقاع العالم، ويأكد الله تعالى لنا حقيقة وفاة المسيح عن طريق إيراد إقرار المسيح (عليه السلام) بموته، وعدم معرفته ما الذي حدث بعد وفاته قائلاً: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} المائدة: 117.
وتعلق أهل الحديث بشبهة واهية لتفسير معنى الوفاة، فقالوا: إن المقصود بها هو النوم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الأنعام: 60، وهم بذلك يغالطون أنفسهم، لأن الله تعالى يخبرنا في هذه الآية أنه هو من يتوفانا "يميتنا" بالليل، لأن الغالب على حالات الوفاة الطبيعة أنها تحدث بالليل بسبب السكون والراحة التي تقلل من الشحنات العصبية القادمة من الدماغ مما يؤدي إلى توقف عضلة القلب والرئة عن الحركة، وهذا معلوم من مشاهدات الناس لأكثر حالات الوفاة والتي تحصل غالباً في الليل، ويؤكد الله تعالى على هذا المعنى الواضح الصريح بقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ (1/235)
صفحة 236
فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر: 42.
وقد تكرر مصطلح الوفاة بمعنى الموت خمسة عشرة مرة في القرآن الكريم، وهي جميعاً تعني الموت فقط لا غير. وهذا ما يؤكده الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يقول: "والوفاة: المنية، وتُوّفَيَّ فلان، وتوفاه الله، إذا قبض نفسَهّ" (1). ولم يذكر أن الوفاة يراد بها النوم، مما يؤكد على أن هذا المصطلح "الوفاة= النوم" مصطلح حادث، اخترعته عقلية أهل الحديث للدفاع عن عقيدة بولوس "الفرعوإغريقية".
أما الرفع في قوله تعالى {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، وقوله {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} النساء: 158، الذي أثار حوله أهل الحديث الكثير من الضجيج لتوجيه أوهام الناس إلى المعاني الهرمسية التي يؤمنون بها، فهي تعبير قرآني يراد به رفع المكانة، ومثال ذلك قوله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الأعراف 176، ففي هذه الآية يخبرنا الله عن أحد الظالمين جاءته آيات الله البينات لكنه أعرض عنها واتبع هواه فكان من الخاسرين، وأنه لو أخذ بتلك الآيات لرفعه الله تعالى درجات عظيمة.
آية أخرى تؤكد معنى الرفع في القاموس القرآني هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة:
__________
(1) الخليل بن أحمد الفراهيدي "كتاب العين" ج3ص1972. (1/236)
صفحة 237
11، ولم نرى أحداً من المؤمنين يعلو في طبقات الفضاء!، مما يؤكد على أن الرفع المقصود هو رفع المكانة والمنزلة وليس رفع المكان والمنزل، وكذلك قوله تعالى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} الانشراح: 4، يجري نفس المجرى.
ومن الشواهد المؤكدة على أن الرفع يراد به رفع المكانة والمنزلة، وليس المكان والمنزل هو قوله تعالى في حق إدريس (عليه السلام) {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} مريم:56 - 57. فيتوجب عليهم أن يثبتوا أيضاً أن إدريس في السماء أيضاً!. وقد ذهب إلى ذلك بعضهم كما سنبينه في مناقشة قضية المعراج.
ومن بين المخالفات الصريحة في هذه الفكرة لنصوص الكتاب العزيز إدعاء خلود عيسى (عليه السلام) إلى آخر الزمان، والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} الأنبياء 34. كذلك تعارض قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} الأنبياء: 7 - 8. التي تؤكد موت وفناء جميع الأنبياء الرسل ولا شك أن عيسى (عليه السلام) واحد منهم.
كما أن سنة الله في خلقه تستلزم وفاة البشر بعد سن معين، وبقاء عيسى (عليه السلام) هذه المدة يناقض تلك السنن التي أكدها الله تعالى بقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الأحزاب: 62، وقوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح: 23.
وقد يحتج بعض الهرامسة بطول عمر نوح (عليه السلام)، ولا حجة في ذلك، فقد كان في طول عمر نوح (عليه السلام) آية لقومه، ولكنهم مع ذلك كفروا بالله، وليس بناء السفينة بمعجزة لأن بناء (1/237)
صفحة 238
السفن من مقدور البشر {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} القمر: 13، والمعجزة هي ما يعجز الإنسان عن الإتيان بمثله.
كما أن عصر المعجزات الحسية قد انتهى بنزول القرآن الكريم الذي حوّل المعجزة إلى سنة كونية وقانون إلهي لا يمكن اختراقه إلا باستخدام الأسباب، والدليل على ذلك أن المشركين حين طالبوا النبي (صلى الله عليه و سلم) بإنزال الآيات قال لهم {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} العنكبوت: 50 - 51، والرسول (صلى الله عليه و سلم) وعى هذه الحقيقة فأخذ بأسباب النصر في بدر، وحين تخلى المسلمون عن تلك الأسباب في معركة أحد عاقبهم الله تعالى بإنزال الهزيمة عليهم، ليربيهم على الأخذ بالأسباب.
ولا يظنن المسلم أن نزول الملائكة ببدر كان معجزة لا تحصل لغير أهل بدر، وذلك أن دور الملائكة في بدر كان تثبيت المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، يقول تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الأنفال: 12. فتثبيت قلوب المؤمنين هي مهمة الملائكة، وضرب أعناق الكافرين هي مهمة المجاهدين، ولو كان الملائكة يحاربون بالسيوف كما يُزعَم، لما كانت لأهل بدر مزيّة، فكيف لاينتصرون على ألف مقاتل كافر وهم معهم خمسة آلاف مقاتل من الملائكة مدججين بالسيوف!، وكأن الملائكة يعيشون عصراً بدائياً لا يعرفون فيه المدافع والرشاشات والقنابل الذرية!، يقول تعالى مؤكداً على حقيقة مهمة الملائكة في معركة بدر وأنها لطمئة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين: {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} آل عمران:126. (1/238)
صفحة 239
يقول محمد حسين فضل الله: "إن بعثة الرسول (صلى الله عليه و سلم) كانت للخروج من الطريقة المثالية الخوارقية اللاسننية إلى الطريقة السننية، فقد كان البشر قبل بعثته عليه الصلاة والسلام يعيشون حياة الخوارق والمعجزات، فجاء الإسلام لينقلهم إلى حياة السنن والقوانين، وحين كان المعاصرون للدعوة الإسلامية يطلبون من الرسول (صلى الله عليه و سلم) أن يأتي بالمعجزات كما أرسل الأولون، كان يرفض ذلك، وقد سجل القرآن الكريم طلبهم، وسجل الرفض لطلبهم أيضاً، {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ .. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} العنكبوت: 50 - 51، ولكن الشعوب لم تدرك هذه النقلة فظلت تعيش الخوارق والمعجزات، ولم تتكيف مع حياة السنن" (1).
ومن دلائل معارضة فكرة بولس لنصوص الكتاب العزيز، معارضتها لقوله تعالى {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} الأعراف: 24 - 25. بينما تدعي هذه العقيدة حياة عيسى (عليه السلام) في السماء خارج الأرض!.
ومن بين المخالفات الصريحة لروايات نزول المسيح لنصوص الكتاب العزيز أن تلك الروايات تتحدث عن "رفع الجزية" عن أهل الذمة، حيث جاء في أحدها بأن المسيح سينزل في آخر الزمان وأنه "يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (2)، على أن الجزية على أهل الذمة من شرائع الإسلام التي لا يجوز نسخها لثبوتها بنصوص الكتاب العزيز، يقول تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة:29.
__________
(1) محمد حسين فضل الله "أحاديث في قضايا الإختلاف والوحدة" ص387
(2) البخاري 3448 ومسلم [389] 242 - (155). (1/239)
صفحة 240
إذاً هذه الروايات تروج لفكرة مفادها أن عيسى (عليه السلام) سينزل بشرع جديد يلغي الجزية!، وكما هو معلوم أن الشريعة الإسلامية خالدة لا يمكن نسخ شيء منها ولا التلاعب به، لأن الرسول محمد (صلى الله عليه و سلم) هو خاتم الأنبياء والمرسلين: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} الأحزاب:40، وهذه الروايات تبين أن عيسى (عليه السلام) هو خاتم النبيين لأنه سيأتي آخر الزمان ويغير في شريعة الإسلام!.
وعقلاء الأمة رفضوا هذه الروايات، يقول الشيخ عبد الله السالمي: "أعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا نبي معه ولا بعده، فما رواه قومنا من نزول عيسى (عليه السلام) لم يصح عند أصحابنا رحمهم الله تعالى" (1). وقال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: "وفي أخبار قومنا أن الله يبعث المهدي، ويخرج الدجال، وينزل عيسى من السماء، وكل هذا في نفسي بعيد من الصواب، ومعي أن الخضر هو ميت، وعيسى كذلك لقوله تعالى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ". (2)
والآية التي استغلها كعب الأحبار وأهل الحديث من بعده لترسيخ فكرة بولس "الفرعوإغريقية" هي قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} الزخرف: 61، وقالوا أن نزول المسيح هو أحد علامات الساعة!.
وهذا الفهم الهرمسي لهذه الآية المتشابهة المبتسرة من سياقها المسلوخة من تركيبها الكلّي أفرز لنا فكرة بولس الهرمسية في ثوب مُأسلم!، ولو وضعنا الآية في سياقها العام لأدركنا أن المقصود بها غير ما ذهب إليه هؤلاء، يقول تعالى قبل هذه الآية مخاطباً الرسول (صلى الله عليه و سلم) وقومه مؤكداً على أن النبي (صلى الله عليه و سلم) والوحي والقرآن هو العلامة والإشارة ليوم القيامة التي سيسأل عنها
__________
(1) عبد الله بن حميد السالمي "معارج الأمال" ج1ص52.
(2) نقله الشيخ جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج6ص140 - 141. (1/240)
صفحة 241
الجميع: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} الزخرف: 40 - 44.
ثم يخبرنا تعالى بأن بعثة المسيح (عليه السلام) إلى اليهود المنحرفين تعد بالنسبة لهم علامة من علامات الساعة التي سيسألون عنها: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} الزخرف: 59 - 61.
فبعثة المسيح (عليه السلام) هي علامة من علامات الساعة بالنسبة لليهود، كما أن القرآن هو علامة من علامات الساعة بالنسبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) وأمته. يقول تعالى: {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الزخرف: 63 - 66.
وكذلك يعتبر مبعث موسى (عليه السلام) علامة من علامات الساعة لقومه {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ أَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} طه: 11 - 15.
وهذا ليس مستغرباً في التعبير القرآني فقد ذكر الله تعالى لنا قبل أربعة عشر قرناً أن الساعة أقرب من لمح البصر {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ (1/241)
صفحة 242
الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النحل: 77. هذا هو تأويل الآية التي بنى عليها أهل الحديث تأويلاتهم الخرافية والأسطورية المصادمة للعقل والنقل.
المهدي والدجال:
من بين القضايا التي نضجت تحت لهيب سياط الأسر البابلي، هي قضية المهدي المنتظر الذي سيخلص بني إسرائيل من الظلم والقهر، والظاهر أن مخيلة كتاب لجنة التوراة في بابل استعادت نبوءة موسى (عليه السلام) ببعثة نبي آخر الزمان وهو نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم)، وقامت بإحاطته بصفات خوارقية خرافية، ثم انتقلت هذه الفكرة عبر بولس إلى النصارى، ووصلت إلى المسلمين عبر كعب الأحبار ومسلمة أهل الكتاب.
جاء في سفر الرؤيا: "وإذا بحصان أبيض يسمى راكبه الصادق الأمين الذي يقضي ويحارب بالعدل" (1)، ومع أن هذا النص يشير صراحة إلى نبوة محمد (صلى الله عليه و سلم)، وأنه هو مخلص الأمة من ضلالات اليهود وفسادهم، إلا أن العقلية الخرافية لأهل الحديث انطلت عليها خدعة أهل الكتاب بأن هذه النبوة ليست لمحمد (صلى الله عليه و سلم)، وإنما للمهدي الذي سيأتي آخر الزمان! وليس بمستغرباً أن نجد نفس نص أهل الكتاب في رواية أهل الحديث التي تبشر بالمهدي المزعوم: "يملأ الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً" (2). وهل يعقل أن يكون هناك رجل أفضل من النبي محمد (صلى الله عليه و سلم) بحيث ينشر العدل والقسط في وقت قياسي في ربوع الكون الذي فشل النبي (صلى الله عليه و سلم) حسب هذه الروايات تحقيقه!.
حاول بولس الذي أغوى النصارى وأضلهم أن يمسخ كل فكرة تشير إلى نبوة محمد (صلى الله عليه و سلم)، فاختلقت مخيلته اليهودية الوثنية فكرة النبي الكذاب أو الدجال من تراث اليهود القديم حيث كانوا يقتلون الأنبياء ويتهمونهم بالكذب {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ
__________
(1) الرؤيا 12/ 19.
(2) ابن حبان 6285 (15/ 237)، المستدرك 8364 (4/ 488). (1/242)
صفحة 243
قَلِيلاً} النساء: 155، قام بولس بالتحذير من النبي القادم ووصفه بالدجال: "ورأيت الوحش وملوك الأرض وجيوشهم قد احتشدوا ليحاربوا هذا الفارس (الأمين الصادق) وجيشه ... فقبض على الوحش وعلى النبي المسيح الدجّال" (1)، إلا أن كعب الأحبار وأمثاله استطاعوا غرس فكرة الدجال المزعوم في عقول المسلمين!، فقد قال: كلب الساعة الدجال، ومن صبر على فتنة الدجال لم يفتن" (2).
ثم تنتقل الرواية من كعب الأحبار إلى أبي هريرة الذي يقول: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (3)، ومنه إلى رواة أهل الحديث ليقوموا بعملية حضانة لهذه الروايات لتفقس بعد ذلك مفرخة عشرات الروايات المنسوبة إلى الكثير من الصحابة!.
حاولت روايات أهل الحديث وصف الدجال بصفات خرافية خوارقية كإنزال المطر وجعل الماء ناراً والنار جنة، وإحياء الموتى إلى غير ذلك (4)، وهذه الصفات الخارقة كان بعضها للأنبياء للتدليل على صدق رسالاتهم، فكيف تعطى لكذّاب؟ وما هي حجية معجزات الأنبياء إن كانت متماثلة مع صفات الكذبة والدجالين، هذه الأفكار تهدم رسالات جميع الأنبياء، إنها بكل ببساطة وسيلة شيطانية لإلغاء النبوات!.
المعراج:
من بين القضايا التي حامت حولها الكثير من التساؤلات وتضمنت أدلتها الكثير من الشبهات قضية معراج النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى السماوات العلى، حيث يقول أهل الحديث إن النبي (صلى الله عليه و سلم) قد عرج به من المسجد الأقصى إلى السماء السابعة، وهم يحتجون لذلك بقوله تعالى: {وَمَا
__________
(1) الرؤيا 19/ 19 - 20. راجع سعيد أيوب "عقيدة المسيح الدجال" ص134.
(2) نعيم بن حمّاد "الفتن" برقم 1313 ص355.
(3) مسلم [1326] 130 - (588).
(4) مسلم [7373] 110 - (2937)، الترمذي 2245، ابن حبان 6533 (14/ 469)، مستدرك الحاكم 8508 (4/ 538). (1/243)
صفحة 244
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} النجم: 3 - 18.
وهذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وإنما تذكر المرّتين اللتين رأى فيهما النبي (صلى الله عليه و سلم) جبريل بصورته الحقيقية، وقد ثبت عن السيدة عائشة أنها قالت: "من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه ساداً ما بين الأفق" (1)، وحين سألها مسروق عن قوله تعالى {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} قالت: "ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنما أتى هذه المرة في صورته التي هيَ فسدّ الأفق" (2).
وبذلك نعلم أن قوله تعالى {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} يدل على أن بداية الوحي كانت في رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) للوحي معترضاً الأفق، تلك الرؤية وذلك الوحي كان رهيباً على قلب النبي (صلى الله عليه و سلم) الذي فرّ إلى أهله ليزملّوه ويدثّروه من قشعريرة الخوف، وهذا بخلاف ادعاء المؤرخين الذين قالوا إن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يتعبدّ قبل الوحي في غار حراء!، هذا الادعاء من قبل المؤرخين فتح الباب على مصراعيه لأعداء الدين للطعن في رسالة النبي (صلى الله عليه و سلم) وقولهم إنها كانت إرهاصات نفسية ناتجة من طول التعبد والتنحنث كما هو الحال عند أئمة الصوفية.
ونحن لو رجعنا إلى سيرة الأنبياء السابقين لوجدنا أن بعثتهم تكون فجائيةً وبدون ترتيب سابق، فمثلاً موسى (عليه السلام) جاءت قصة مبعثه مفاجئة له، يقول تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ
__________
(1) البخاري 3234.
(2) البخاري 3235. (1/244)
صفحة 245
الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه: 9 - 12. وكذلك الأمر بالنسبة لطالوت {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة: 247.
أما الرؤية الثانية فقد كانت أعظم من الأولى، إنها تشير فعلاً إلى {نَزْلَةً} أخرى بكل وضوح، وتظهرها بما لا يقلّ وضوحاً على أنها "نظرة بالبصر". يأكد ذلك قول عبد الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} أنه "رأى رفرفاً أخضر سدّ أفق السماء" (1).
على أنّ هذا حصل عند {سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى}، "والسدرة واحدة السدر، وهو شجر النبق، وهو من أشجار البادية دائم الخضرة كثير الفروع ممتد الظلال، واختيار شجرة السدر للدلالة على النهاية التي لا يتجاوزها مخلوق من العالم العلوي، لأن شجر السدر شجر صحراوي ينبت على حافة الصحراء بين البادية والحاضرة، فهو بهذا أمارة من أمارات البادية التي تكاد تماسّ الحياة الحضرية، وتقف على عتبتها، دون أن تتجاوزها إلى ما وراءها، إنها أقوى وأقدر نبت أصيل من نبات البادية، يستطيع أن يمتد فيصل إلى مشارف العالم الحضري، أما النخل فإنه وإن كان من نبت الصحراء إلا أنه لا ظل له يجتمع الناس تحته كما هو الشأن في شجر السدر، وأما العنب والرمان ونحوها فإنها من نبات الحضارة أصلاً، ثم استجلبت إلى البادية، وعلى هذا، فإن شجرة السدر هنا تشير –والله أعلم- إلى نقطة التقاء بين عالمين، عالم البشر الذي تتحرك فيه البشرية جميعها، والتي تستطيع بما يمدها الله سبحانه وتعالى من فضله أن تصعد في هذا العالم حتى تبلغ سدرة المنتهى، ممثلة به في خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه
__________
(1) البخاري 3233. (1/245)
صفحة 246
عليه، وعالم الملائكة المقربين، الذين جعل الله لهم وراء سدرة المنتهى مجالاً آخر ينطلقون فيه، ومنهم جبريل (عليه السلام) " (1).
"ومن الملاحظ أن النبي (صلى الله عليه و سلم) في الرؤية الثانية توقف بصره عند هذا المنتهى، منتهى المصائر {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} النجم: 17، ولا يعني ذلك فقط عدم الغلط والاشتباه والتنبه الكامل الحسي للمعطي للنظر وهو جبريل، بل قد يعني كما ذكر ذلك المفسرون التحديق في الموضوع بقوّة كي لا يهرب البصر إلى اللامتناهي الذي من خلف، وفي الحقيقة ليس هناك خلفٌ ولا أمامٌ، ولا فوق ولا تحت، فهو ما وراء العالم والجود بصيغة الاستعارة" (2).
وأوّل من أشاع بين المسلمين أن سدرة المنتهى هي سدرة في السماء السابعة كعب الأحبار اليهودي!، فقد جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله {سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} فقال كعب: "إنها سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل عالم ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، وقال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق ثم ليس لأحد وراءها" (3).
وتأكيداً من أهل الحديث لتفسيرهم الهرمسي المستقى من كعب الأحبار رووا رواية من طريق أنس بن مالك، جاء فيها: "عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن نبي الله (صلى الله عليه و سلم) حدثهم عن ليلة أسري. قال: "بينما أنا في الحطيم" -وربما قال: في الحجر- مضطجعا إذ أتاني آت" فقد قال وسمعته يقول: "فشق ما بين هذه إلى هذه"، فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. وسمعته يقول من قصه إلى شعرته. "فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض". فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم. "يضع خطوه ثم أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا،
__________
(1) عبد الكريم الخطيب "التفسير القرآني للقرآن" المجلد السابع ص594 - 595.
(2) هشام جعيط "الوحي والقرآن والنبوة" ص52 - 53.
(3) تفسير الطبري ج27ص52. (1/246)
صفحة 247
فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قيل: من هذا، قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف، فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم.
قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس، فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد (صلى الله عليه و سلم). قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال هذا موسى فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه. قال: فسلمت عليه، فرد السلام قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رُفِعت (1/247)
صفحة 248
إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات.
ثم رُفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي" (1).
ونسي أهل الحديث أنهم بهذه الرواية يطعنون في إيمان الرسول (صلى الله عليه و سلم)، وأنه لولا عملية القلب المفتوح التي قام بها جراحوا الملائكة برئاسة جبريل الذي اعتبرته الرواية رئيس الطاقم الطبي، لولا تلك العملية لما كان النبي (صلى الله عليه و سلم) مؤمناً خالصاً!، وبالرغم من طول الراوية وكثرة تفاصيلها الهرمسية إلا أنها لم تتطرق البتة إلى حادثة الإسراء العظيمة التي نص الله تعالى عليها في كتابه العزيز في قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء: 1.
__________
(1) البخاري 3887. (1/248)
صفحة 249
فالقصة تقول أن المعراج كان مباشرة من مكة إلى السماء السابعة!، وقد تعطف أحد الرواة الضعفاء المختلطين ليلفق بين القصتين (1)، والراوي هو حماد بن سلمة (2) الذي اشتهر برواياته المنكرة كرواية "خلق الله الفرس فأجراها فعرقت، ثم خلق نفسه منها" (3).
والقصة تتكلم عن حيوان اسمه "البراق" يركبه جبريل! الذي يفترض أنه من الملائكة الذين يخترقون حجب الزمان والمكان بين السماء والأرض دون حاجة لوسائل مواصلات بدائية!، وهو ذو أجنحة عظيمة كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فاطر: 1.
ثم تتحدث الرواية عن لقاء النبي (صلى الله عليه و سلم) مع الأنبياء الذين يفترض أنهم ماتوا وأنهم في رحمة الله، والميت لا يبعث إلا يوم القيامة كما أكد ذلك القرآن {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الجاثية26، ويقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} آل عمران185.
والعجيب أن الأنبياء الذين جاء ذكرهم في الرواية هم الأنبياء الذين يقر بهم بنو اسرائيل، فلم يذكر شعيب ولا هود ولا صالح ولا حتى نوح عليهم السلام وجاءت منازلهم في السماء حسب أهميتهم للفكر الاسرائيلي،، فلهذا جاء هارون وموسى وابراهيم في السماوات العلى بينما آدم في سماء دون سماء الأنبياء الذين شكلوا تاريخ بني اسرائيل!.
__________
(1) مسلم [411] 259 - (162).
(2) الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص286.
(3) البيهقي "الأسماء والصفات" ج3ص529. (1/249)
صفحة 250
ولأن راوي القصة الأسطورية جاهل في الجغرافيا، لم يعلم أن الفرات ينبع من تركيا وأن النيل ينبع من بحيرة نيانزا التي اسماها المستعمرون "فكتوريا" في أعماق أفريقيا!.
وقد جاء في بعض الروايات عند البخاري "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبَّار ربُّ العزَّة، فتدلَّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى" (1).
وهذه العبارة البشعة التي يقِفُّ منها شعر الإنسان، والتي تصف الله تعالى بصفات الحيوانات والجمادات التي تتدلى من أعلى إلى أسفل استنكرها بعض أهل الحديث أنفسهم، فقد قال الخطابي: ليس في هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- حديث أشنع ظاهراً ولا أشنع مذاقاً من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد مسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل" (2).
والرواية بالإضافة إلى ما سبق تصف الملائكة بالجهل، فهم لم يكونوا يعلمون أن محمداً (صلى الله عليه و سلم) قد بعث إلى العالمين!، كما أنها تصفهم بجهل القادم إلى السماء بحيث تقوم بعملية تدقيق في الهويات!، فتسأل جبريل عن نفسه، وعمن معه!، ويتكرر المشهد الهزلي في كل سماء!، حتى يتصور المرء بأنه يقرأ عن رحلة سياحية عبر مطارات العالم الثالث!.
ومما يدلل على الأصول الإسرائيلية لهذة القصة ايحاءها بأن موسى (عليه السلام) أعلّم من الله تعالى بحال أمة محمد (صلى الله عليه و سلم)، وأنه أحكم من النبي (صلى الله عليه و سلم) (3).
وقد ذكر الشيخ حسن السقاف أن هذه القصة منقوله حرفياً من كتب اليهود حيث قال: "وبالسؤال والتتبع وجدنا ان أصل هذه القصة موجود في كتب أهل الكتاب اليهود والنصارى، مما أكد لنا أن هذه القصة بهذا الشكل والتصوير الوارد في هذا الحديث المنسوب للنبي (صلى الله عليه و سلم) فيها ما هو منحول من كتب الأمم السابقة، وهم اليهود والنصارى. فهذه القصة
__________
(1) البخاري 7517.
(2) ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" ج15ص455.
(3) يتسائل الشيخ أحمد بن سعود السيابي حفظه الله قائلاً: "ولماذا كان النبي موسى (عليه السلام) هو المرشد لمحمد (صلى الله عليه و سلم) دون إبراهيم (عليه السلام) مثلاً؟ " وهو تساؤل يشير إلى التأثير الإسرائيلي في صياغة قصة المعراج. (1/250)
صفحة 251
موجودة في كتاب "إخنوخ" وهو من الأسفار القديمة عند اليهود، ولكن الكنيسة بأقسامها الثلاث (وهي المجامع الكنيسية المتأخرة) اعتبرته سفراً غير قانوني. ولكن الكنيسة الحبشية لا تزال تعتبره.
والثابت أن المفسرين والمسلمين المتقدمين بما فيهم جماعة الصحابة رضوان الله عليهم أطلّعوا على هذا السفر، ولذلك ورد اسم (أخنوخ) في بعض التفاسير كتفسير القرطبي مثلاً عند تفسير قوله تعالى في حق سيدنا إدريس (عليه السلام) {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} وسفر (إخوخ) اليهودي هذا يحتوي على قصة رحلة (إخنوخ) وهو سيدنا إدريس للسمواوات السبع، وإعلانات الله لإخنوخ (كما يعبر)!. وكذلك يحتوي -كما يقول- على تحذيرات إخنوخ لأبنائه!، وفي الفصل الثاني من سفر التكوين العدد (10 و11 و12 و13 و14) ورد ذكر هذه الأنهار الأربعة ببعض تغيير للأسماء وهي: فيحون، وجيحون، وحداقل، والفرات، فالذي ألّف القصة حوّر ودوّر في هذه الاسماء إلى ما يناسب معلومات العرب آنذاك" (1).
يقول الشيخ ناصر بن أبي نبهان: "أما معراجه بجسده، وروحه معاً إلى السماء أو إلى ما هو أعلى فلم يأت صريح التنزيل بذلك، ولا قامت الحجة بصحيح السنة، ولا يصح فيه الإجماع الذي لا يجوز خلافه، وأن جميع ما ذكروه فيه من رؤيته في السماوات الأنبياء، وذكر تخفيف الصلوات، وتردده على الله تعالى غير صحيح، والله تعالى أسرى بجسده وروحه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنزل في كرامته له هذه تنزيلاً في ذكرها، لنؤمن بهما فيه، فكيف لا يذكر الباري تعريجه من الأرض إلى السماوات أو إلى أعلى من السماوات في تنزيله؟ ولو كان صحيحاً لأنزل ذكر ذلك الباري في تنزيله، وجهل علم وقوع المعراج مما يسع فليس هو من العقائد الدينية" (2).
وقال أبو طاهر المعتزلي: "فإن الآية على إبطال دعاوهم أدل منه على تصحيحه. وذلك لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى ما هو أصغر في الأدلة وأحقر في الأعجوبة، ويعرض عن ذكر
__________
(1) حسن السقاف "شرح العقيدة الطحاوية" ص598 - 599.
(2) نقله عنه جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج6ص358 - 359. (1/251)
صفحة 252
ما هو أجل من ذلك بكثير، ولا يخفى بأن العروج إلى السماء في بعض ليلة أعجب في العقول من خروجه من مكة إلى بيت المقدس.
فلما ذكر إخراجه إلى بيت المقدس في ليلة على سبيل التعجب من ذلك والحث على الاستدلال به على قدرته وصحة نبوة نبيه؟ ولم يذكر من شأن المعراج ما ذكروه، دل على وهاء دعواهم، وفساد خبرهم، فأما ما يذكرونه من الخبر المروي في هذا الباب ففاسد من وجوه:
أحدها أنه من أخبار الآحاد (1) الذي لا اعتماد عليه في باب إيجاد العلم.
وثانيها: أنه ليس من الصحاح عند القوم.
وثالثها: أن فيه التشبيه وذكر الحجاب، ما لا يجوز على الله.
ورابعها: أنه يتضمن من إيجاب البدء عل الله تعالى لأنه بزعمهم على ما يروونه في هذا الخبر نسخ خميسن صلاة إلى خمس صلاة شيئاً بعد شيء، ونسخ الشيء قبل وقت فعله، وقبل وقت معرفة المكلف به بداء، والبداء على الله مستحيل" (2).
يقول عبد الكريم الخطيب: "الذي يقرأ القصص التي صورت فيها رحلة المعراج يجد فيها كثيراً من الدّس والكذب والتلفيق، ولليهود هنا، في هذه القصة، دور كبير في دسّ الأخبار، وتلفيق الأحاديث، حيث المجال فسيح يتسع لكل قول يقال في هذا العالم العلوي ...
__________
(1) ادعى البعض تواتر هذه الرواية إلا أن جميع طرقها لا تخلو من مقال، فقد جاءت من طريق أنس بن مالك، بيد أن من الملاحظ اضطراب طرقها بعد ذلك فمنهم من يرويها عن أنس عن أبيه مالك بن صعصعه (مسلم [416] 264 - (164).). وهي من طريق قتادة بن دعامة السدوسي وهو ضعيف مدلس. ومنهم من يرويها عن أنس عن أبي ذرّ، من طريق الزهري (البخاري برقم 349، ومسلم برقم [415] 263 - (163))، والزهري مدلس، وقد عدّه ابن حجر في "طبقات المدلسين" ج1ص45 من الطبقة الثالثة من المدلسين، وبعضهم يرويها عن أنس عن النبي (صلى الله عليه و سلم) دون واسطة (البخاري برقم 7517، مسلم برقم [411] 259 - (162)). وهي عند البخاري من طريق شريك بن عبد الله وهو ضعيف (الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص468.)، وعند مسلم من طريق حماد بن سلمة المجسم صاحب الروايات المنكرة (الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص286). ورويت من طريق أبي سعيد الخدري، وعبدالله بن مسعود، وأبي هريرة إلا أن ابن كثير ذكر في تفسيره ج3ص24 أن فيها غرابة ونكارة، وقد حاول ابن كثير تكثير طرق الرواية فأضاف روايات عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وغيرهم إلا أن رواياتهم لم يذكر فيها قصة المعراج العجيبة!.
(2) نقله عنه جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج6ص356 - 357. (1/252)
صفحة 253
وأبرز ما نراه من دسّ اليهود هنا، هو ما يروى في حديث المعراج من اللقاء الذي كان بين النبي وبين موسى عليهما الصلاة والسلام وأن موسى سأل النبي صلوات الله وسلامه عليه عما افترض الله على أمته من الصلاة ... هذه الرواية تشير إلى أمور منها: أولاً: ان تجعل موسى (عليه السلام) ما يشبه الوصاية على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذ من شأنه أن يجعل لليهود منزلة على المسلمين أشبه بهذة المنزلة ... وثانياً: ما وجه الحكمة في أن يكون من تدبير الله سبحانه وتعالى أن تجيء فريضة الصلاة على هذا الأسلوب الذي يشبه المناقصات!، والذي يبدأ بخمسين صلاة ثم ينتهي بخمس صلوات؟ وما الحكمة في أن يغدو النبي الكريم، ويروح بين موسى وربه هذه الغدوات والروحات؟ ألا غدوة وروحة واحدة تكفي إن كان لابد من هذا؟ إن ذكاء واضع هذه الرواية قد أبى عليه إلا أن يجيب عن هذه التساؤلات، وأن يكشف عن وجه الحكمة في هذا، فيجعل في تمام الرواية: "أنها خمس في العمل وخمسون في الأجر"، وهذا الذي جعله واضع الرواية وجهاً داعياً إلى قبولها، هو في الواقع الوجه الذي يكشف عن ردها، إذ ليست الصلاة وحدها هي التي تختص بهذه المزية في اعتبار الصلاة بعشر صلوات، بل إن كل الأعمال الطيبة توزن عند الله سبحانه وتعالى بهذا الميزان، كما يقول سبحانه وتعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: 160 ... إن الذي يطالع قصة الإسراء والمعراج على تلك الصورة أو الصور المجسدة التي تعرضعا كتب السيرة والتفسير، ليموت في نفسه كثير من تلك المشاعر الروحية، التي كان خليقاً أن يثيرها فيه حديث الإسراء والمعراج ...
فالبراق مثلاً الذي يأخذ في حديث "الإسراء" لوناً بارزاً صارخاً -والذي يهيأ للرسول ليتخذ منه مطية إلى العالم العلوي- هذا البراق ليس إلا "أتاناً" ركب عليه جناحان من ريش، فصار أشبه بلعبة من لعب الأطفال التي يؤلفونها من حطام بعض لعبهم التي انتهى دورها معهم. ثم هذا الحجر الذي يشُدّ إليه الأنبياء دوابهم عند المسجد الأقصى، وتلك الحلقات المغروسة في هذا الحجر لتمسك المقاود واللّجم إنها جميعها لتمسك بالمعاني الكريمة العالية التي (1/253)
صفحة 254
كان يجدها المرء في نفسه لو أزاح هذا الحجر من طريقها، وانزاحت معه اللجم والمقاود والسروج وغيرها، مما يكن في مرابط الحيوان! " (1).
__________
(1) عبد الكريم الخطيب "التفسير القرآني للقرآن" المجلد الرابع ص425 - 432. (1/254)
صفحة 255
قائمة بأهم المراجع
- الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، علي بن محمد الحجري، طبع مطابع النهضة، مسقط، ط1 سنة1420هـ. .
-الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد سالم هاشم، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1421هـ.
-ابتلاءات الأمم، سعيد أيوب، طبع: دار الهادي، بيروت، ط2 سنة 1412هـ ..
-إثبات علو الله ومباينته لخلقه، حمود التويجري، مكتبة المعارف الرياض، ط1 1405هـ.
-اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن القيم الجوزية، تحقيق فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي بيروت، ط1 سنة 1408هـ ..
-أحاديث في قضايا الوحدة والإختلاف، محمد حسين فضل الله، إعداد نجيب نور الدين، طبع دار الملاك، بيروت، ط1 سنة 1421هـ.
- إحياء علوم الدين، أبي حامد الغزالي، دار الجيل بيروت.
-أخبار الفقهاء والمحدّثين، أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني القيرواني، تحقيق سالم مصطفى البدري، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1420هـ.
-أخبار المجد في تاريخ نجد، عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي، تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، الرياض، ط4 سنة 1402هـ.
-الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، محمد بن محمد بن شهبة، دار الجيل بيروت ط1.
-الأسماء والصفات، أبو بكر البيهقي، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل بيروت، ط1 سنة1417هـ.
-الأصول العقدية للناشئة المحمدية، د. محمد ناصر، طبع مكتبة الظامري، ط1 سنة 1993م. (1/255)
صفحة 256
-الإمام ابن بركة السليمي البهلوي (ت 362هـ- 972م) ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "الجامع" دراسة مقارنة، زهران بن خميس بن محمد المسعودي، ط1 سنة 1421هـ -2000م.
-البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت ط2.
-البداية والنهاية، ابن كثير، دار إحياء التراث، بيروت، ط1 1417هـ.
-بلاغة القرآن في آثار القاضي عبد الجبار، تحقيق عبد الفتاح لاشين، مطبعة دار القرآن، ميدان الأزهر الشريف.
-بنو إسرائيل بين نبأ القرآن وخبر العهد القديم، صابر طعيمة، طبع عالم الكتب، بيروت ط1 سنة 1404هـ.
-بيان الشرع، محمد بن إبراهيم الكندي، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط1 سنة 1404هـ.
-تاريخ الطبري "تاريخ الأمم والملوك"، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ط دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1422هـ.
-تبيين كذب المفتري، ابن عساكر الدمشقي (571 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3 1404هـ ..
-التحف في مذاهب السلف، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق سيد عاصم، طبع: دار الصحابة للتراث، ط1 سنة 1409هـ.
-تدريب الراوي، جلال الدين السيوطي، طبع المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ط2.
- التشيع العلوي والتشيع الصوفي، علي شريعتي، طبع دار الأمير، بيروت، ط1 سنة1422هـ.
-تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، طبع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط8، سنة2002م.
-التدليس وأحكامه وآثاره النقدية، صالح بن سعيد عومار الجزائري، طبع دار ابن حزم، ط1 سنة 1422هـ .. (1/256)
صفحة 257
-التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، طبع دار الفكر العربي.
-تقييد العلم، الخطيب البغدادي، تحقيق يوسف العش، طبعة دار إحياء السنة النبوية، ط2 سنة 1974هـ.
-تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، طبع: دار الكتب العلمية بيروت، ط1 سنة 1415هـ.
- التوحيد، ابن خزيمة، تحقيق: محمد خليل هراس، طبع دار الجيل، بيروت، سنة 1408هـ.
-الجامع الصحيح، مسند الربيع بن حبيب، طبع مكتبة مسقط، ط1 سنة 1415هـ.
-الجامع، عبد الله بن محمد بركة، تحقيق عيسى الباروني، المطبعة المشرقية، مطرح، ط1.
-جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق مسعد عبد الحميد السعدني، طبع دار الكتب العلمية، بيروت ط1 سنة 1421هـ.
-حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ابن القيم الجوزية، طبع دار الفكر.
-الحق الدامغ، أحمد بن حمد الخليلي، مطابع النهضة، مسقط، ط1.
- الخوارج والحقيقة الغائبة، ناصر بن سليمان السابعي، طبع بمطابع النهضة، مسقط، ط1 سنة 1420هـ.
-الدرر السنية في الأجوبة النجدية، لعبد الرحمن بن محمد القحطاني النجدي، دار العربية للطباعة والنشر، ط2 سنة 1402هـ.
- الدرّ اللقيط من البحر المحيط، تاج الدين أبو محمد أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي، مطبوع بهامش البحر المحيط لبن حيان الأندلسي، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت ط2.
- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، محمد الغزالي، طبع دار القلم، دمشق، ط3 سنة 1419هـ ..
- دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين وبيان الشبه الورادة على السنة قديماً وحديثاً وردها رداً عليماً صحيحاً، محمد بن محمد أبو شهبة، طبع مكتبة السنة لصاحبها شرف الدين محمد عبد الفتاح حجازي، ط1 سنة 1409هـ. (1/257)
صفحة 258
-رحلة ابن بطوطة "تحفة النظار في غرائب الأمصار"، شرح طلال حرب، طبع دار الكتب العلمية.
-الرسالة التدمرية، ابن تيمية، تحقيق زهير الشاويش، طبع المكتب الإسلامي، ط5 سنة 1988م.
- السنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل، تحقيق محمد القحطاني، طبع رمادي للنشر، الرياض، ط4 سنة 1416هـ.
- سنن الترمذي "الجامع الصحيح"، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، طبع دار ابن حزم، بيروت، ط1 سنة 1422هـ.
-سنن الدارمي، أبو محمد عبد الله بن بهرام الدارمي، طبع دار الفكر، بيروت، سنة 1414هـ.
- سنن أبي داود، أبو داود سسليمان بن الأشعث السجستاني، ضبط وترقيم صدقي جميل العطار، طبع دار الفكر، بيروت، ط1 سنة 1421هـ.
-سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، طبع مؤسسة الرسالة، ط1 سنة 1401هـ ..
-السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين، طبع المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، سنة 2000م.
-سنن النسائي، أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، تحقيق أحمد شمس الدين، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1422هـ.
-السيرة النبوية، أبو محمد عبد الملك بن هشام المحيري المعافري، طبع دار ابن حزم، بيروت، ط1 سنة 1422هـ.
- الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، عبيدالله بن بطة العكبري، تحقيق رضا بن نعسان معطي، طبعة مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1 سنة 1423هـ.
-شرح السنة، البربهاري، تحقيق خالد الردّادي، طبع دار السلف للنشر والتوزيع، الرياض، ط3 سنة 1421هـ. (1/258)
صفحة 259
-شرح صحيح مسلم، محي الدين أبي زكريا بن شرف النووي، طبع: المكتبة العصرية، بيروت، ط1 سنة 1422هـ.
-شرح العقيدة الطحاوية، علي بن علي بن محمد بن أبي العزّ الدمشقي، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، وشعيب الأرنؤوط، طبع مؤسسة الرسالة، ط2 سنة 1421هـ.
-شرح العقيدة الواسطية، لابن تيمية، خليل محمد هراس، تعليق إسماعيل الأنصاري، طبعة دار الفكر.
- شرح العقيدة الواسطية لابن تيمه، صالح الفوزان، طبع دار السلام، الرياض، ط1 سنة 1414 هـ ..
-شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغدادي، تحقيق محمد سعيد خطيب اوغلي، نشرته دار إحياء السنة النبوية، نشريات كلية الالهيات- جامعة أنقرة، تركيا، سنة 1971م.
-صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، طبع دار السلام، الرياض، ط1 سنة 1417هـ.
-صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القيشيري، مراجعة هيثم خليفة الطعيمي، طبع المكتبة العصرية، بيروت، ط1 سنة 1422هـ.
-صيد الخاطر، ابن الجوزي الحنبلي، تحقيق يوسف علي بديوي، طبع اليمامة، دمشق، ط2 سنة 1423هـ.
- الضعفاء الكبير، محمد بن عمرو العقيلي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط2 سنة 1418هـ ..
-الضياء، سلمة بن مسلم العوتبي، طبع وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، ط1 سنة 1411هـ.
-طبقات الحنابلة، أبي الحسين محد بن محمد بن الحسين بن أبي يعلى الحنبلي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1417هـ.
-الطبقات الكبرى، محمد بن سعد الهاشمي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط2 سنة 1418هـ. (1/259)
صفحة 260
- طوق الحمامة في الألفة والألاف، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، تحقيق حسن كامل الصيرفي، تقديم إبراهيم الأبياري.
-عقيدة المسلم، محمد الغزالي، طبع دار القلم، دمشق، ط11 سنة 1421هـ.
-عقيدة المسيح الدجال في الأديان قراءة في المستقبل، سعيد أيوب، طبع دار الهادي، بيروت، ط1 سنة 1411هـ ..
-علم تخريج الحديث ونقده تأصيل وتطبيق، عداب محمود الحمش، طبع دار الفرقان، عمّان، ط1 سنة 1420هـ.
-علاقة الإسلام باليهودية، محمد خليفة، طبع دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة سنة 1988 م.
-العلّو للعلي الغفار، الذهبي، تحقيق حسن بن علي السقاف، طبع دار الإمام النووي، الأردن عمّان، ط1 سنة 1419هـ.
-العودة إلى الذات، علي شريعتي، طبع الزهراء للإعلام العربي، القاهرة ط2 1413هـ
- العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، طبع انتشارات اسوه، قم- إيران، ط1 سنة1414هـ.
-غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان، إعداد قسم الأبحاث والدراسات الإسلامية بهيئة المشاريع الخيرية الإسلامية، طبع دار المشاريع للنشر والتوزيع، بيروت، ط1 سنة 1420هـ ..
-فاطمة هي فاطمة، علي شريعتي، طبع دار الأمير، بيروت، ط1 سنة 1423هـ.
-فتاوى العقيدة، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الجيل بيروت، ط2 1414هـ.
-فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، طبع دار الفكر، ط1420هـ.
-الفتن، نعيم بن حماد الخزاعي، تعليق مجدي بن منصور بن سيد الشورى، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1418هـ.
-فجر الإسلام، أحمد أمين، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، ط11 سنة 1975.
-فقه السيرة، محمد الغزالي، تخريج الأحاديث محمد ناصر الدين الألباني، طبع دار الشروق، القاهرة، ط1 سنة 1421هـ. (1/260)
صفحة 261
-الفهرست، ابن النديم، تعليق إبراهيم رمضان، طبع دار المعرفة، بيروت، ط2 سنة 1417هـ.
-القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ضبط يوسف الشيخ محمد البقاعي، طبع دار الفكر، بيروت، سنة 1420هـ.
-قاموس الشريعة الحاوي لطرقها الوسيعة، جميل بن خميس السعدي، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
-قدوم كتائب الجهاد، عبدا العزيز بن فيصل الراجحي، دار الصميعي الرياض، ط1 سنة 1419هـ.
-قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجاً، حسن بن فرحان المالكي، طبع مرك الدراسات التاريخية، عمّان، ط1 سنة 1421هـ.
-الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، محمود بن عمر الزمخشري، طبع: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1 سنة 1417هـ.
-الكشاف عن ضلالات حسن السقاف، سليمان بن ناصر العلوان، طبع: دار المنار، ط1 سنة 1413هـ.
-الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1409هـ.-لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، ابن قدامة الحنبلي، شرح محمد بن صالح العثيمين، تحقيق أشرف عبد المقصود، دار السلف الرياض، ط3 1415هـ.
-مجاز القرآن، أبو عبيدة التيمي، طبع مؤسسة الرسالة، سوريا ط2 سنة 1981م، تحقيق د. محمد فؤاد سزكين.
-المجاز في اللغة والقرآن بين مجوزيه ومانعيه، عبد العظيم المطعني، ط1.
-مجموع الفتاوى، ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن العاصمي، طبع مكتبة ابن تيمية لطباعة ونشر الكتب السلفية. (1/261)
صفحة 262
-مختصر الصواعق المرسلة لأن القيم الجوزية، تحقي رضوان جامع رضوان، طبع دار الفكر سنة 1417هـ.
-المحرّر في أصول الفقه، أبي بكر محمد بن أحمد السرخسي، طبع: دار الكتب العلمية، ط1 سنة 1417هـ.
-مسألة الرؤية، حسن بن علي السقاف، طبع دار الإمام النووي، عمّان، ط1 سنة 1423هـ.
-المسند، أحمد بن حنبل الشيباني، طبع بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع، الرياض، 1419هـ.
-المسيحية والإسلام والإستشراق، محمد فاروق الزين، طبع: دار الفكر، سوريا، ط2 سنة 1422هـ.
-مشارق أنوار العقول، عبد الله بن حميد السالمي، تحقيق عبد المنعم العاني، طبع دار الحكمة دمشق، ط1 سنة 1416هـ.
-معالم للزمن القادم، خالد الوهيبي، طبع: مكتبة مشارق الأنوار، مسقط، ط1 سنة 1421هـ.
-معرفة علوم الحديث، الحاكم محمد بن عبد الله االنيسابوري، تعليق معظم حسين، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط2 سنة 1397هـ.
-مقالات الكوثري، محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، 1414هـ.
-المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية، عبد الله الهرري، دار المشاريع للطباعة والنشر، ط4 سنة 1419هـ.
-الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق أمير علي مهنا، وعلي حسين فاعور، طبع دار المعرفة، بيروت، ط7 سنة 1417هـ.
-من حقائق القرآن الكريم، محمد سلمان غانم، طبع دار الفارابي، بيروت، ط1 سنة 2000م.
-المنار، السيد محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية للكتاب، سنة 1972م. (1/262)
صفحة 263
-مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ابن الجوزي الحنبلي، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، طبع هجر للطباعة، القاهرة، ط2 سنة 1409هـ.
-منهاج السنة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، ط1 سنة 1406هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
-الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم بن موسى الشاطبي، شرح عبد الله دراز، طبع دار الكتب العلمية.
-الموضوعات، ابن الجوزي الحنبلي، تخريج توفيق حمدان، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1415هـ.
-الموطأ، مالك بن أنس الأصبحي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، طبع المكتبة العلمية، ط2.
-ميزان الاعتدال، الذهبي، تحقيق محمد بن علي البجاوي، دار المعرفة بيروت.
-نقد نقد العقل العربي، جورج طرابيشي، طبع دار الساقي، بيروت، ط2 سنة 2002م.
-نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد، عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق منصور بن عبد العزيز السّماري، طبع أضواء السلف، الرياض ط1 سنة 1419هـ.
-نهج الحق وكشف الصدق، الحسن بن يوسف المطّهر الحلّي، طبع دار الكتاب اللبناني.
-هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم الجوزية، ط1.
-الوحي والقرآن والنبوة، هشام جعيط، طبع: دار الطليعة، بيروت، ط2 سنة 2000م.
الأقراص المدمجة:
- المكتبة الألفية للسنة النبوية، إصدار مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، الإصدار 1.5، سنة 1420هـ.
- مكتبة الفقه وأصوله، إصدار مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، الإصدار 1.5، سنة 1420هـ. (1/263)
صفحة 264
-مؤلفات الشيخ وتلميذه ابن القيم، إصدار مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، الإصدار 1.0، سنة 1420هـ ..
- تاريخ دمشق لابن عساكر، إصدار مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، الإصدار الأول، سنة 1420هـ. .
المصادر الأجنبية:
- The HIRAM KEY, pharaohs, freemasons and the discovery of the secret scrolls of Jesus.CHRISTOPHER KNIGHT & ROBERT LOMAS, published by Arrow Books 1997, Berlin Germany. (1/264)
صفحة 265
الفهرس
تمهيد ............................................................................
الفصل الأول: تاريخ الرواية ...................................................
موقف الرسول (صلى الله عليه و سلم) والصحابة من الروايات الآحادية ..............................
الانفلات الروائي ......................................................................
أبو هريرة والإنفلات الروائي ...............................................
عملية التدوين الرسمية للروايات ......................................................
الرواية مع أهل الحديث .............................................................
التناقض في المواقف ..................................................................
أهل الحديث يكفر بعضهم بعضا .................................................
التدليس ...............................................................................
الوضع في الحديث ...................................................................
ملاحظات على الجرح والتعديل ....................................................
عملية تخييش الروايات .............................................................
روايات تطعن في النبي (صلى الله عليه و سلم) ..........................................................
روايات تطعن في الأنبياء عليهم السلام ................................................
روايات تطعن في موقف الإسلام من المرأة ........................................
ندم وإقرار بالخطأ ........................................................
الحديث الآحاد والعقائد ..................................................
الخلاصة .........................................................................
الفصل الثاني: قراءة في منهج أهل الحديث ...................................
إشكالية تعارض العقل والنقل بين الفقهاء وأهل الحديث .................... (1/265)
صفحة 266
التقليد والاجتهاد عند أهل الحديث ............................................
قدسية القرون الثلاثة الأولى ......................................................
أهل الحديث ومسألة خلق القرآن ........................................
تضخيم الرجال ..........................
التحذير من كتب المدارس الأخرى
استمالة العوام
إنكار أهل الحديث للمجاز
إنكار أهل الحديث للتأويل
التناقض في المنهج
الفصل الثالث: إحياء الموروث القديم للملل المنحرفة
الإقتباس من أهل الأوثان
الإقتباس من أهل الكتاب
الإقتباس من أرباب الفلسفة الهرمسية
الإقتباس من الجن والحيوانات
الفصل الرابع: عقيدة التجسيم
البلكفة (بلا كيف
الفصل السابع: عقيدة الإرجاء
الفصل الثامن: الفتن والملاحم الخرافة والأسطورة
نزول المسيح (عليه السلام) وعقيدة بولس
المهدي والدجال
المعراج .............................................................
قائمة بأهم المراجع ........................................................
الفهرس ................................................................. (1/266)