صفحة 1
الكتاب: تعقيب على كيف نتعامل مع السنة النبوية
المؤلف: عبدالله بن صالح الخالدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟)
تعقيب واستدراك
عبدالله بن صالح الخالدي
تابعت بشغف سلسلة مقالات خالد الوهيبي التي نشرتها جريدة (الوطن) من 27 ديسمبر إلى 17 يناير والتي كانت بعنوان (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟)، وكنت كلما نشر مقال من هذه السلسلة أكتب ملاحظاتي عليها، وسارعت بجمعها وتحضيرها للنشر.
ولا أستطيع إخفاء إعجابي بهذه السلسلة الإبداعية التي تعد من الطرح المقابل للطرح الذي يسطح القضايا ويعطيها أبعاداً ظاهرية وحرفية، لكن ما دامت (سيرة وفتحت) أحببت التعليق ببعض الملاحظات والاستدراكات على هذه السلسلة القيمة.
الحلقة الأولى (1-4) (1/1)
صفحة 2
- وهذه الحلقة خصصها الكاتب للحديث عن كيفية تعامل ابن بركة مع السنة، وما يهمني في هذا الجانب أن الكاتب أغفل قضية غاية في الأهمية في موضوع السنة عند ابن بركة في كتابه (الجامع) وهي مسألة المثاقفة بين المدارس الإسلامية الأخرى وخاصة في موضوع السنة، فمن المعلوم أن المدارس الإسلامية المختلفة دونت أحاديثها التي جاءت من طرقها، فما هي حدود تعاطي كل مدرسة لأحاديث المدرسة الأخرى؟، صحيح أن الكاتب تعاطى موضوع ضوابط أخذ الرواية عموماً عند ابن بركة لكن ابن بركة نفسه تطرق لهذا الموضوع في كتابه الجامع، فقد قال في (ج1 ص 547) : (ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده صحيحاً، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكل....)، وهو كلام قريب من كلام بعض من يسميهم خالد الوهيبي بفقهاء المدونة، فقد جاء فيها (ج1 ص38) : (قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: وكل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. فقلت له حينئذ: يا أبا المؤرج إن هذا قول قومنا، قال: قومك يقولون حقاً كثيراً لم يخالفهم فيه المسلمون فيما أصابوا، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا).
فأبو المؤرج يؤكد على أن عند الآخرين الكثير من الخير الذي لا ينبغي إهماله والإعراض عنه، ولكن في نفس الوقت يبين أن ذلك الخير يؤخذ بعد تنقيح وتمحيص وغربلة من خلال مناهج دقيقة قائمة على أرضية صلبة، لأن هناك من بقايا الدس والوضع والأهواء والصراعات السياسية. (1/2)
صفحة 3
- من خلال المقارنة التي أجراها بين مناهج الفقهاء وأهل الأثر الكاتب يصر على وجود شقاق وفجوة بين المنهجين، وأنا أرى أن هناك تكاملاً بينهما، لا ننكر وجود نوع من الجفوة والقطيعة الفكرية بين الطريقين في تاريخنا الإسلامي، لكن في المقابل نجد هذه المناهج تندمج في بوتقة واحدة، وتظهر جلية في تعامل بعض العلماء مع النصوص، ومن المتأخرين الذين امتزجت فيهم الطريقتان الشيخ العلامة نور الدين السالمي رحمه الله ومن المعاصرين شيخنا القنوبي حفظه الله تعالى.
الحلقة (2-4)
- عرف الكاتب السنة بقوله: (ما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قول أو فعل أو تقرير على سبيل التشريع)، هذا التعريف هو التشريع الشائع في كتب الأصول، وهو تعريف جيد إلى حد كبير، لكن مشكلته تكمن في:
1. آحاديته واجتزائه بمعنى آخر هل السنة تكمن في كل نص مفرد؟ أم أنها مجموعة المبادئ المحددة للرؤية القرآنية التي تجلت في ممارسات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومواقفه العملية، وهذه الممارسات هي الحكمة في قوله تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة).
ولذا نعاني في فقهنا الإسلامي عبر التاريخ من آحادية النظروالاجتزاء، ولذا لا يمكن القول بأن كل نص آحادي يمثل (السنة) دون فهمه في إطار (مجموعة المبادئ المحددة للرؤية القرآنية التي تجلت في ممارسات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومواقفه العملية).
من أمثلة ذلك:
1. روى البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن)، وعن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
- (قال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة، وابن حزم ومن تابعه قالوا بوجوبها، وأبطلوا صلاة الفجر بتركها!!) انظر سبل السلام للصنعاني. (1/3)
صفحة 4
- هل سنقول هنا إن السنة هي أن نضطجع على شقنا الأيمن بعد ركعتي سنة الفجر؟!
- بطبيعة الحال لايمكن لعاقل أن يقول ذلك!، فالاضطجاع ليس من الأمور التعبدية، وإنما هو أمر بشري محض، لننظر في السنة بمجموع محدداتها لنكشف عن (السنة) في هذه القضية.
?? من المعلوم قطعاً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشر يمارس بشريته بصورة واضحة (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)، فالزواج والمشي في الأسواق والصحة والمرض هي من دلائل بشريته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
? والاضطجاع كذلك لا يدخل ضمن نطاق (أفعال الصلاة) التي نقلت عملياً لنا، وهي تنتهي بالتسليم.
? من هاتين المقدمتين النصيتين يتبين لنا: أن الاضطجاع لا يمت للصلاة بصلة، وأنه مورس بحكم الطبيعة البشرية المحضة التي يمكن أن تعرض لأي إنسان كان.
2. جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب (192): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: (الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات، فأما الوتر فلقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه: إن الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم وهي الوتر). وجاءت أحاديث كثيرة في الاستجمار بالحجارة.
- هل يمكننا أن نقول: إن السنة هي الاستجمار بالحجارة وأن (العلماء رخصوا في استخدام مناديل الورق بدل الأحجار!)؟
- قد يمكننا القول بذلك، لكن بعد أن نضحك العالم علينا ونقدم فهماً سطحياً أقرب لفهم العوام للإسلام؟
- لكن ما هي السنة في ذلك؟....السنة هي التنظيف والتطهير، وممارساته العملية ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قضاء الحاجة والغسل والوضوء وكل حياته تدور حول هذا المحدد الذي جاء تمثلاً لقول الله تبارك وتعالى: (والله يحب المطهرين).
- فعلى هذا يكون استعمال كافة المنظفات المؤدية للغرض هو تطبيق للسنة وليست ترخيصاً وتكرماً من العلماء!، لأن السنة هي مجموعة المحددات والمبادئ الثاوية في أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقواله.
الحلقة (3-4) (1/4)
صفحة 5
وهذه الحلقة خصصها الكاتب للحديث عن معالم المدرسة الجابرية، وهو المصطلح الذي يستخدمه الشيخ أحمد بن سعود السيابي كما ظهر من محاضرته التي ألقاها بولاية إبراء في الأسبوع الماضي للمدرسة الإباضية الأولى بالبصرة.
وهذا الجزء الذي أبدع فيه الكاتب في بيان مزايا التدوين الإباضي للحديث، وقدم تفسيراً جديداً لظاهرة إقلال رواة الإباضية من الحديث، لكن تبقى نظريته دون تطبيق، إذ إنه لم يقدم دلائل مقنعة وعملية من المسند أو من المدونة على ذلك، لا نستبق الأحداث بل نطالب الكاتب بتقديم دلائل على صحة نظريته من تآليف الإباضية الأولى.
الحلقة (4-4)
هذه الحلقة خصصها الكاتب لمناقشة محورين:
- تفسير آراء لبعض العلماء جاءت على خلاف روايات رووها هم أو رواها غيرهم.
- ضوابط الفقهاء في قبول الأحاديث الآحادية، وركز كثيراً على ضوابط المدرسة الجابرية، باعتبارها من أوائل المدارس الإسلامية نشأة.
. في مسألة تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، أرجع الكاتب آراء المتقدمين من العلماء كابن عباس وأبي عبيدة وغيرهم إلى اعتمادهم على قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)، واعتبر أن كثيراً مما ورد (آحاداً) رأوه من وقائع الأحوال، وهو التوجيه جيد لكن:
- لم يبين لنا الكاتب ما هو منهج أولئك العلماء في التعامل مع المطعومات عموماً وخاصة تلك التي تظهر كل يوم؟ وما هي ضوابطهم في ذلك إذا كانوا يرون في تلك الأحاديث وقائع أحوال لها ملابساتها؟
2. درج المؤلف كثيراً على استعمال مصطلحات قد لا يفهمها الكثيرون لندرة استعمالها كمصطلحات (النصوص الثابتة المستقرة) و (ما استقر عليه العمل)، فكان لزاماً عليه توضيح مفهوم هذه المصطلحات. (1/5)
صفحة 6
3. مثل الكاتب لمصطلح (السنة المجتمع عليها) والتي عرفها بقوله: (السنة التي وصلت للجميع وإن كانت آحاداً) بنص من المدونة، لكن في رأيي أن قول الإمام الكبير جابر بن زيد في المسند (192): (الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات) أكثر دلالة على المراد.
4. هناك مصطلحات لم يدلل عليها من تراث المدرسة الجابرية مثل مصطلح (ما استقر عليه العمل)، وأنا أرى أنه موجود في مسند الربيع (193) فبعد أن روى الربيع بطريقه الرفيع عن جابر بن زيد الذي روى عن جملة من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـفي صفة صلاة الخوف، قال الربيع: (قال أبو عبيدة على هذا القول الأخير العمل عندنا وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة).
5. أما عن قضية ضوابط الفقهاء في التعامل مع الرواية الآحادية فأنا أتفق مع الكاتب في طرحه العلمي عن القضية، وقد كتبت من قبل في موضوع (الطب النبوي) طرحاً مشابهاً في كيفية التعامل مع الأحاديث التي صنفت على أنها من طب النبوة، ولكن اختلف مع الكاتب في تقسيم الناس إلى فقهاء وأثريين، والكاتب يصر على هذا التمايز منذ بداية هذه السلسلة، قد نتفهم هذا التصنيف على أنه نوع من التمايز بين المدارس العلمية في الاجتهاد والاستنباط، لكن نرفض أي تبعات تنتج عنه، وهو نفس ما وقع فيه الشيخ محمد الغزالي في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث)، ولي توجيه للقضية دعوني أشرحها لكم من بدايتها.
- خلق الله تعالى الناس متفاوتين في المواهب والأفكار، وهذه سنة الله في خلقه، ولعلها من أوضح البدهيات التي لا تحتاج لشرح أو تفصيل.
- لذا كان من العبث صب الناس في قوالب محددة سلفاً ثم جلدهم بالسياط للتقولب فيها، والحياة الكريمة المتقدمة قوامها التنوع في الأفكار ضمن نطاق الثوابت. (1/6)
صفحة 7
- والإسلام دين يتسم بالفهم لطبيعة النفس الإنسانية (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، لذا تأتي التشريعات مراعية لطبيعة النفس البشريعة ومداركها المختلفة، انظر في كتاب الله تعالى تجد في خطابه توجهاً لكافة القطاعات البشرية من العالم والجاهل والصغير والكبير والرجل والمرأة، قد شملهم دين الله تعالى جميعاً واحتواهم.
- نأتي لبعض من نماذج التعامل النبوي مع قضية الفهم، فعندما رحل الأحزاب يجرون وراءهم ذيول الخيبة والفشل، تهيأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للقاء يهود بني قريظة الذين خانوا العهد وتحالفوا مع المشركين ضد المسلمين، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فظن بعضهم أن تصلى العصر في بني قريظة ولو تأخر الوقت ووصلوا إلى هناك في وقت العشاء.
- وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير، فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها قبل فوات وقتها لأن الصلاة كتاب موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم وانقدح في أذهانهم وكذا الآخرون، ولما عادوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لم يعنف الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، ولا الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة.
- كيف نفسر مثل هذا الموقف من الفريقين؟ ثم تعامل ذلك المربي العظيم ـ صلى الله عليه وسلم ـمعهم؟.
- أنا أتصور أن الفريق الذي صلى في الطريق في وقت العصر عول على الذي استقر عليه العمل ويمارس عملياً كل يوم، فهو أشبه بالعمل التواتري الذي وصل علمه للجميع، ولو كنت ممن أنعم الله عليهم بشهود ذلك العصر الذهبي لصليت في الطريق لأن أدلة الشريعة ثابتة في أن الصلاة كتاب موقوت على المؤمنين، وتلك المقولة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهموها في هذا الإطار المرجعي على سرعة المبادرة للقاء العدو. (1/7)
صفحة 8
- وأما الذين صلوا عند وصولهم لبني قريظة في وقت متأخر فقد عرضت لهم شبهة التعارض بين ما يعرفونه من رسوخ أدلة الشريعة في أوقات الصلاة وبين قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فعولوا على الدليل الجزئي وصلوا العصر في بني قريظة مع فوات وقتها المحدد، وتلك الطريقة التي تتسم بالبساطة والسطحية هي أحد أنماط التفكير الإنساني التي يتقبلها الإسلام في إطاره الواسع.
- لذا لم يعنف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـأي من الفريقين، ثم وقفوا صفاً واحداً في مواجهة اليهود.
- فالمدارس الاجتهادية لدينا لا تختلف عما حصل في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمور أظهرت الفوارق البشرية في التفكير، ويعاب على المدارس المعاصرة من الطرفين:
1. المدارس الأثرية ذات النزعة المغلبة للآثار: يعاب عليها اعتدادها الشديد بنفسها وإضفاءها ثوب الشرعية على نفسها والتحدث ((الرسمي)) باسم الإسلام، ودمغ مخالفيهم بشتى التهم بقوائم تبدأ من التسيب وتنتهي بالعلمانية!.
2. وكذا مدارس الفقهاء المعاصرة: يعاب عليها دمغها لمخالفيها ((بالحمق والغباء)) ونزعتها السيكلوجية نحو ((مخالفة)) الأثريين حتى فيما هو صواب وحق.
وفعلى العقلاء من الطرفين:
- دعم اتجاه الحوار والنقاش والتفاهم الأخوي، فكلنا في خندق واحد، يجمعنا مبدأ واحد، والحوار الأخوي هو السبيل الوحيد لبناء جسور التفاهم والثقة بين أطياف التفكير المختلفة.
- محاولة استفادة كل طرف من الآخر، بحيث تتحول الطاقات إلى طاقات تكامل وبناء لا إلى طاقات تصادم وهدم.
- البعد عن لغة ((الحدية)) في الانتصار للرأي وتحويل الرأي إلى دين، بحيث تعبأ الجماهير وتشحن للانتصار لذاك الرأي أو لهذا، بل لا بد من الاعتراف بالرأي الآخر والسعي للتفاهم والتشاور والحوار معه للحصول على التكامل في الحياة.
المصدر جريدة الوطن العدد : 7132 - 24 /1/2003 ، 22 ذو القعدة 1324 هـ (1/8)