صفحة 1
الكتاب: مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي: دراسة حديثية فقهية مقارنة
المؤلف: خلفان بن محمد المنذري
مراجعة وتقديم: مصطفى بن صالح باجو
تدقيق وضبط: قاسم بن الحاج عمر حاج محمد
إعداد وإخراج:
الأستاذ. محمد أحمد جهلان
البلد: القرارة - غرداية - الجزائر
سنة النشر: 1438هـ / 2017م
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) مختلف الحديث
وأثره في الفقه الإباضي
دراسة حديثية فقهية مقارنة
تأليف ... د. خلفان بن محمد المنذري
مراجعة وتقديم:
أ. د. مصطفى بن صالح باجو
تدقيق وضبط:
د. قاسم بن الحاج عمر حاج محمد
القرارة ـ غرداية ـ الجزائر
1438هـ / 2017م
مُختلَف الحديث
وأثرُه في الفقه الإباضيّ
دراسةٌ حديثيَّةٌ فقهيَّةٌ مقارنة
تأليف:
الدكتور خلفان بن محمد المنذري
مراجعة وتقديم:
الأستاذ الدكتور مصطفى بن صالح باجو
تدقيق وضبط:
الدكتور قاسم بن الحاج عمر حاج محمد
إعداد وإخراج:
الأستاذ محمد أحمد جهلان
الطبعة الأولى
1438 هـ/ 2017 م
!
قال الله تعالى:
ژS ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ... ? ? ?ژ [الأحقاف: 15]
مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي
أصل الكتاب:
أصل هذا الكتاب أطروحة تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه في علوم الحديث من كلية دار العلوم بالقاهرة. تحت إشراف الأستاذ الدكتور
محمد البلتاجي حسن
الطبعة الأولى
1438هـ/2017م
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
نشر جمعية التراث
القرارة، غرداية، الجزائر
K
من نعم الله على البشريَّة أن أكرمهم برسالاتٍ هاديةً تأخُذ بأيديهم إلى عيشةٍ راضية، وسعادةٍ أبديَّة في جنَّة عالية. وكان دينُ الإسلام خاتمة الرسالات، وفضَّل الله نبيَّنا محمد ح فجعله خاتم المرسلين، شرَّفه الله بالوحي المبين، فكان القرآنُ الكريمُ دستورَ هذا الدِّين، وجاءت سنَّة المصطفى بيانًا لما فيه من كنوزٍ ومضامين.
وحفظ الله القرآن من التحريف والتبديل، كما حفظ السنَّة في مُجملها من الدخيل. وتولَّى جهابذةُ علماءِ الإسلام تنقيتها من الشوائب، ووضعوا لذلك ضوابطَ صارمةً؛ تُعتبر أدقَّ ما عرف الناسُ من معاييرَ لغربلة المرويَّات، ونقد الأخبار. (1/1)
صفحة 2
وأثرى علماءُ الإسلام المكتبةَ الإسلاميَّة بصنوف المؤلَّفات في علوم الحديث، وازدهرت المكتبةُ الإسلاميَّة بهذه الكنوز التي تضافرت لخدمة السنَّة المطهَّرة روايةً ودراية، من علوم المصطلح والرجال، والجرح والتعديل، وتدوين السنَّة، وشروح الحديث، وبيان الغريب ومُشكل الآثار.
وكان من جملة هذه العلوم «علمُ مختلِف الحديث»، أو «مختلَف الحديث»، باسم الفاعل واسم المفعول.
وهو علمٌ بالغ الأهميَّة يُعنىَ بإزالة التعارض الظاهريِّ بين نصوص الحديث النبويِّ، بعد التثبُّت من صحَّة سندها، وصدق نسبتها إلى رسول الله ح، وعليه تُبنى عمليَّة الاجتهاد لاستنباط الأحكام من السنَّة النبويَّة، باعتبارها ظلَّ القرآنِ في تشريع الأحكام. ومشكاتَها من وحي الله، وإن كانت وحيًا غير مَتْلوٍّ، كما تقرَّر لدى علماء الأصول.
ومعلومٌ من قواعد الاجتهاد أنَّ الفصل بين النصوص عند تعارُض دلالاتها وبيان معناها الشامل؛ من أصعب مهامِّ المجتهدين، ولذلك قال فيه الإمام النووي: «وإنَّما يكمُل له الأئمَّة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليُّون الغوَّاصون على المعاني» (1).
ولأجل أهميَّة هذا العلم عُني به علماءُ الإسلام من محدِّثين وأصوليِّين، وفقهاء مجتهدين، وأفردوا له مؤلَّفات مستقلَّة، صنيعَ الشافعيِّ في كتابه «اختلاف الحديث»، إذ أورد فيه نماذج من الأخبار المتعارضة، ووَفَّق بينها حسب قواعد الاجتهاد والترجيح.
واشتهر في هذا الباب كتابُ ابن قتيبة الدَّيْنَوَري «تأويل مختلف الحديث»، وكتابُ أبي جعفر الطحاوي «مشكل الآثار»، وهو كتاب جامع، وصِيتُهُ بين أهل العلم ذائع.
كما تخلَّل الحديثُ عن مُشكل الحديث كتبَ الفقه والحديث المختلفة، صنيعَ ابن عبد البرِّ، وابن رجب، وابن حجر في مؤلَّفاتهم، وغيرهم كثير. كما نجده مبسوطًا في مباحث الفقه المقارن، وأسباب اختلاف الفقهاء.
__________
(1) الإمام النووي، تدريب الراوي، ج2، ص175. (1/2)
صفحة 3
وفي ساحة الأصوليين نجد أثر العلم واضحًا في مباحث التعارض والترجيح، جمعًا بين الأدلَّة عند الإمكان، أو ترتيبًا بينها لإزالة هذا التعارض ليخلُص إلى التوافق والانسجام.
وكان للإباضيَّة في هذا المضمار إسهامٌ طيِّب في ميدان الفقه والأصول، وإن لم يُفردوه بكتابٍ مستقلٍّ ضمن علوم الحديث.
واللافتُ للنظر أنَّ منهج الإباضيَّة في معالجة مُختلف الحديث ظلَّ مغفلاً ومجهولاً من قِبل جمهور علماء المسلمين، بله عامَّة المتعلِّمين، حتَّى قيَّض الله رجالا مخلصين للتعريف بهذا التراث الإسلامي الأصيل، عملاً بالقاعدة الثلاثية الحكيمة: «المعرفة والتعارف والاعتراف»، إذ يعرف كلُّ أتباع مدرسة فقهيَّة ما عند المدرسة الأخرى، ويتعارفون بعد ذلك، ويعترف كلٌّ لصاحبه بإسهامه وجُهده، دون إقصاءٍ ولا انتقاص، فكلُّهم من مشكاة القرآن مُقتبسٌ، وكلُّهم من رسول الله مُلتمِس.
وفي هذا المضمار، جاء هذا السِّفر القيِّم لأخينا الأستاذ الفاضل، الدكتور خلفان بن محمَّد المنذري، إذ قضى بضع سنين باحثًا متفرِّغا للكشف عن معالم فقه الإباضيَّة، وبيان منهج علمائهم في معالجة مختلف الحديث، وما كان له من أثر في تراثهم الفقهي، وهو تراثٌ أصيلٌ ثريٌّ، ورافدٌ يُغني المكتبة الإسلاميَّة بلا ريب.
وهذا المؤلَّف أنجزه الباحثُ ضمن رسالة دكتوراه في علوم الحديث، بكليَّة دار العلوم بالقاهرة، تحت رعاية علاَّمةٍ جهبذ هو الدكتور محمد البلتاجي حسن، فكان بها صاحبُها أهلاً لمزيدِ الغوص لاستجلاء غوامض هذا العلم ودُرره ضمن نتاج المدرسة الإباضيَّة، والإفادة منه في مسار بعث الفقه الإسلاميِّ المقارن لحاجة الناس إليه في واقعنا المعاصر. (1/3)
صفحة 4
وفي ثنايا هذا المؤلَّف تتجلَّى صورةٌ من عطاء علماء الإباضيَّة للمكتبة الإسلاميَّة، وإثرائهم لها بنظراتٍ فقهيَّة أصوليَّة ثاقبة، في محور السنَّة النبويَّة الشريفة، فضلاً عن نتاج مدرستهم في مختلف ميادين المعرفة الإسلاميَّة والإنسانيَّة.
وقد اعترف الباحثُ أنَّ البحث في مختلف الحديث يستلزم - ضرورة - اطِّلاعاً وبحثاً مُستفيضاً في جوانب مختلفة من العلوم الشرعيَّة، وأوَّل ذلك دُربةٌ واسعةُ واطلاعُ كافٍ على القواعد الأصوليَّة بعامَّة، وفي ميدان التعارض والترجيح بخاصَّة، ثم الخروج بها إلى ساحة التطبيق في الاجتهاد الفقهيِّ.
وفي هذا مُعتبَرٌ وحافزٌ لطلبة العلم أن ينهلوا من هذا التراث، ويستفيدوا منه في بعث تليد مجدهم، بعد غياب عن الشهود الحضاريِّ؛ امتدَّ في ليلِ أمَّتنا بضعة قرون.
وعسى أن يتمَّ ذلك عمَّا قريب، على أيدي جيلِ البَعْثِ المنشود، وما ذلك على أولي العزم ببعيد.
ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?ژ [التوبة: 105].
أ. د. مصطفى صالح باجو
أستاذ الأصول والفقه المقارن
جامعة غرداية. الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
?
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبيه محمد الذي حُمّل الأمانة، فحملها وأداها كاملة غير منقوصة، وأنقذ بها الأمة من الضلالة، وهداها إلى الطريق المستقيم، وجمعها بعد التفرق والشتات، وتركها على المحجة البيضاء، والصلاة والسلام على آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فإن أشرف العلوم وأعلاها وأجلّها عند الله تعالى علوم الشريعة التي تربط العبد بربه، وتنظم العلاقة بين البشر بعضهم ببعض على أساس من العدل، وهي علوم مترابطة ومتصلٌ بعضها ببعض كحلقات سلسلة لا يُدرَى أين طرفاها، فعلم الفقه – مثلاً - مرتبط بعلم أصول الفقه وبعلوم الحديث وبعلوم اللغة، وهكذا. (1/4)
صفحة 5
والناظر في تلك العلوم الشرعية يجد أن علم مختلف الحديث من أهما، فهو يتناول جوانب كثيرة من شؤون الشريعة عقيدة وأحكاماً؛ لذا عُنِيَ به علماء الإسلام بمختلف مدارسهم ومذاهبهم.
قال النووي عن هذا العلم: "هذا فنٌّ من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف" (1).
فالمحدثون قد اهتموا به واجتهدوا في تأويل المختلف من الأحاديث لدفع التعارض الظاهري بينها ضمن مباحث مختلف الحديث، والأصوليون تعرضوا له ضمن مباحث التعارض والترجيح جمعًا وتوفيقًا أو ترجيحًا بين الأدلة عند التعارض.
وللفقهاء جانب كبير من الاهتمام بمختلف الحديث؛ وقلّما يخلو باب من أبواب الفقه منه، وهو من أهم أسباب الاختلاف بين فقهاء المذاهب الإسلامية.
ولكل مذهب من هذه المذاهب قواعد ومناهج للتعامل إزاء القضايا الفقهية الناتجة عن مختلف الحديث، وهذه القواعد مدونة في كتب الأصول ومتناثرة في الكتب الفقهية لكل مذهب.
وتعتبر المدرسة الإباضية ضمن مدارس الفقه الإسلامي التي أسهمت في إثراء هذا العلم، بيد أن جهود علمائها لا تزال مغمورة، وإنتاجهم لا يزال مجهولا لدى كثير من الباحثين، نظراً لعدم وفرة هذه المراجع بين أيدي الناس في كثير من الأحيان.
علما أن ثمة دراسات قليلة عن إسهام هذه المدرسة في التاريخ والفكر السياسي، فضلا عن دراسات أخرى في العقيدة وبحوث معدودة في مجال الفقه والأصول.
ولما كانت دراستي الجامعية في مرحلة الماجستير عن الحديث وعلومه، رأيت أن أتابع الموضوع في الدكتوراه بالجمع بين الحديث والفقه الإباضي، فكان من بين الخيارات لنيل درجة الدكتوراه موضوع "مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي".
__________
(1) التقريب مع تدريب الراوي للنووري: (2/ 196). (1/5)
صفحة 6
وقد لقي - بفضل الله تعالى - هذا الموضوع قبولاً واستحساناً من أستاذنا الفاضل الأستاذ الدكتور محمد البلتاجي حسن (1)، ومن قسم الشريعة عموماً؛ حيث يستحسن القسم أن تكون دراسة الحديث مرتبطة بالفقه أو أصوله بدلاً من أن تكون الدراسة حديثية خالصة.
وهذا الموضوع يتناول ثلاثة جوانب: الجانب الفقهي والجانب الأصولي فضلاً عن الجانب الحديثي مما يعطي فكرة واسعة عن الفقه الإباضي.
صعوبة الموضوع:
قد تبدو فكرة هذه الدراسة سهلة؛ لأن موضوع مختلف الحديث تناوله المحدثون في كتبهم، كما تناوله الأصوليون في باب التعارض والترجيح، وأجريت عليه تطبيقات فقهية عديدة؛ سواء على مستوى الفقه المذهبي أم ضمن دراسات الفقه المقارن.
والحقيقة أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لدراسته وتطبيقه في الفقه الإباضي، فكتب الفقه الإباضي قد عُنِيَ أكثرها ببيان إيراد الآراء الفقهية التي عليها العمل عندهم مما يعتبر فقهاً موروثاً مسلماً به إلى حد بعيد – أي يعنى بالفقه المذهبي – ويظهر ذلك في التآليف المطولة التي ظهرت بعد القرن الخامس الهجري حيث يكثر فيها نقول آراء وفتاوى عن السابقين في المسألة المعروضة، ولكثرة النقل يشعر القارئ بالتشابه في محتوى تلك المطولات بصفة عامة، وإن وجد اختلافاً فإنما هو اختلاف في الترتيب.
ويضاف إلى هذا عدم البسط في ذكر الأدلة وبيان وجوه الاستدلال منها، وعدم تعليل الأحكام، وعدم بيان مستند القول الراجح إن كان في المسألة أكثر من قول.
__________
(1) محمد بلتاجي حسن: أحد أعلام الحركة الفقهية بمصر والعالم العربي. ولد سنة 1939، وشغل عدة مناصب أكاديمية، منها رئاسة قسم الشريعة وعمادة كلية دار العلوم، وعضوية مجمع البحوث الإسلامية، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية. له عدة مؤلفات علمية وفقهية متنوعة، منها "أحكام الأسرة"، و"مكانة المرأة في القرآن والسنة"وغيرها. توفي يوم 26 أبريل 2004. (1/6)
صفحة 7
ثم إن فقهاء الإباضية لم يعنوا بذكر الرأي المخالف، وإيراد أدلته ومناقشتها، كما أنهم لم ينصّوا على سبب ترك العمل بالقول الذي يرونه مخالفاً؛ ومن ثم قلّت عندهم الكتب التي تذكر مسائل الخلاف. (1)
يضاف إلى ذلك أيضاً ما نلاحظه في هذه المصادر الفقهية من قلة الكلام عن الأحاديث، أو التعليق عليها من حيث الصحة أو الضعف أو الترجيح أو النسخ، بل تكاد تطبيقات علم مصطلح الحديث تكون مفقودة في أكثر المصادر الإباضية.
ولهذا كان من الصعوبة بمكان: استخلاص القواعد الأصولية والحديثية من خلال تلك المراجع والكتب الفقهية.
__________
(1) وأذكر بعض الكتب التي أوردت شيئاً من مسائل الخلاف: كتاب الجامع لمحمد بن بركة البهلوي؛ من علماء القرن الرابع الهجري. وكتاب الضياء لأبي منذر سلمة بن مسلم العوتبي؛ من القرن السادس الهجري. وقد كان ينقل كثيراً من مسائل الخلاف من كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري.
وكتاب قواعد الإسلام لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي: المتوفى سنة 750هـ، وهو من علماء إباضية المغرب الإسلامي، واقتصر فيه على أبواب العبادات، وأورد فيه الأقوال بطريقة مختصرة، وتأثر في تأليفه بمنهج ابن رشد في كتابه بداية المجتهد، ونقل عنه كثيراً مسائل الخلاف.
ومن ذلك أيضاً كتاب الإيضاح للشيخ عامر بن علي الشماخي، من القرن التاسع الهجري من إباضية المغرب أيضاً، وكتاب شرح النيل للشيخ محمد أطفَيَّشْ، المتوفى سنة 1332 هجرية، وكتاب معارج الآمال؛ للشيخ عبد الله بن حميد السالمي؛ المتوفي سنة 1332هـ، ولم يتمه، فقد وصل إلى باب الاعتكاف من كتاب الصوم؛ فأدركته المنية دون تمام كتابه.
وكتاب نثار الجوهر؛ للشيخ أبي مسلم البهلاني. (1/7)
صفحة 8
هذا من حيث البحث في المصادر الإباضية، وأما من حيث العموم فإن البحث في مختلف الحديث يستلزم – ضرورة – اطلاعاً وبحثاً مستفيضاً في جوانب مختلفة من العلوم الشرعية، وأول ذلك دُربةٌ واسعةٌ واطلاعٌ كافٍ على القواعد الأصولية، ومِرَانٌ على الترجيح في المسائل الفقهية التي يختلف فيها الفقهاء وبين موجِز يستغني عن التفاصيل، وبين مفصل يطيل بحثه ومناقشته وتعقيباته على الآراء المختلفة، وهذه عقبة تقف في طريق طالبٍ مبتدئ كانت دراسته قاصرة على علم الحديث فقط طوال مرحلته الجامعية.
خطَّة البحث:
جاءت خطة البحث على النحو الآتي:
يشتمل الموضوع على: مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة:
تضمنت المقدمة أسباب اختيار الموضوع وأهميته وبيان منهج البحث وخطة الدراسة.
التمهيد: ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: مدخل إلى الرسالة. ويتضمن المطالب الآتية:
- التعريف بمختلف الحديث وأهميته.
- أهمية السنة.
- أسباب اختلاف الفقهاء.
المبحث الثاني: حول المذهب الإباضي. ويتضمن المطالب الآتية:
- نبذة تاريخية عن المذهب الإباضي.
- مصادر التشريع المعتمدة في الفقه الإباضي.
- ذكر بعض المراجع والمصادر الفقهية عند الإباضية.
الباب الأَوَّل: قضايا مختارة من مختلف الحديث:
وهي قضايا فقهية متفرقة من أبواب الفقه المختلفة:
- قضايا فقهية من باب الطهارة. - قضايا فقهية من باب الصلاة.
- قضايا فقهية من باب الصيام. - قضايا فقهية من باب الزكاة.
- قضايا فقهية من باب الحج. - قضايا فقهية من باب الذبائح.
- قضايا فقهية من باب النكاح. - قضايا فقهية من أبواب متفرقة.
الباب الثاني: الأصول المستخلصة من هذا الاختلاف
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: خبر الواحد وشروط الاحتجاج به.
ويتضمن هذا الفصل المباحث الآتية:
- التعريف بخبر الآحاد ودلالته. - خبر الآحاد فيما تعم به البلوى.
- خبر الآحاد وعمل أهل المدينة. - إثبات الحد بخبر الآحاد. (1/8)
صفحة 9
- خبر الآحاد إذا تضمن زيادة على القرآن والمتواتر من السنة.
- الحديث المرسل والاحتجاج به. - النسخ في السنة.
الفصل الثاني: التعارض بين النصوص الشرعية.
ويتضمن هذا الفصل المباحث الآتية:
1 - تعريف التعارض. 2 - شروط التعارض.
3 - مسلك العلماء في دفع التعرض. 4 - ذكر بعض صور التعارض.
5 - التعارض بين العام والخاص. 6 - التعارض بين المطلق والمقيد.
7 - التعارض بين أفعال الرسول ح.
8 - التعارض بين أقوال الرسول ح وأفعاله.
9 - التعارض بين المنطوق والمفهوم.
الفصل الثالث: قواعد الترجيح بين مختلف الحديث.
ويتضمن هذا الفصل المباحث الآتية:
- تعريف الترجيح. - شروط الترجيح. - وجوه الترجيح.
الخاتمة: وقد أودعتها أهم نتائج البحث والتوصيات.
منهج البحث:
وقد اتبعت في دراسة القضايا الفقهية الخطوات التالية:
- في أول كل مسألة أوردت حديثاً أو أكثر من الأحاديث التي تتضمن خلافاً فقهياً.
- بيان الأثر الفقهي المترتب على تلك الأحاديث والخلاف المنبني عليها مع ذكر الاتجاهات الفقهية للمذاهب الأربعة مصحوبة بأدلة كل قول في المسألة ووجهة الاستدلال، سواء كانت الأدلة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو غيرها.
- ثم أوردت رأي الإباضية وأدلتهم في المسألة بعد رأي المذاهب الأربعة؛ وذلك لأمرين:
1. أن الإباضية لا يتوسعون في ذكر الأدلة وبسطها ومناقشتها، فتقديم رأي المذاهب الأربعة مما يعطي وضوحاً أكثر للمسألة المعروضة.
2. لإظهار المقارنة بين الإباضية وغيرهم، ويتضح محل الاتفاق والاختلاف.
- وفي ختام كل قضية عرجت على بيان سبب الخلاف فيها، وقد يكون الخلاف راجعاً في ذات الحديث متناً أو سنداً، أو راجعاً إلى قاعدة من قواعد الأصول، أو إلى الاختلاف في التوفيق والترجيح عند التعارض، أو غير ذلك من أسباب الاختلاف.
- وقد حاولت أن أبين في نهاية كل مسألة الرأي الراجح على حسب ما ظهر لي من الأدلة. (1/9)
صفحة 10
ولم يكن من هدفي عند تناول هذه المسائل أن أستوعب الخلاف فيها، وأستقصي في بيان الأدلة والتعقبات عليها، وإنما كان الهدف إلقاءَ الضوء على تلك المسائل المختلف فيها، وبيان أقوال المذاهب إزاءها، مع ذكر رأي الإباضية للوقوف على قولهم فيها وبيان مدى اتفاقهم أو اختلافهم مع المذاهب الأربعة، يضاف إلى ذلك أنني كنت حريصاً على بيان شيء من أسباب الاختلاف في المسألة المعروضة ليتضح أن كل مذهب أو اتجاه كان له أدلته واستنباطاته ومسلكه في استخراج الأحكام من مصادرها الشرعية، وأنهم – أبداً – لم يصدروا آراءهم عن هوى أو عن غير دليل، بل كانوا جميعاً يعتمدون أدلة الشريعة، ويسعون للوصول إلى بيان حكم الله تعالى لعباده.
ولما كان المراد من البحث إظهارَ منهج الإباضية في الأخذ بمختلف الحديث وتطبيقه في الفروع – فقد ذكرت في كل مبحث أو قاعدة من القواعد الأصولية اتجاهات المذاهب الأربعة، ثم نقلت رأي الإباضية إن وجدته مصرَّحاً به في مصادرهم، وإلا حاولت – جاهداً – استنباطه من مجموعة المسائل التي تتعلق بذلك المبحث – أو تلك القاعدة – مسترشداً بما عند الآخرين.
وأوردت إثر كل مبحث أو قاعدة بعض المسائل الفقهية المتصلة بها لبيان رأي الإباضية ومسلكهم تجاه تلك القاعدة قبولاً أو رفضاً مع الإشارة إلى ذكر من وافقهم في ذلك.
- قمت بعزو الآيات إلى سورها.
- قمت بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها الأصلية. وما كان منها في الصحيحين اكتفيت بتخريجه منهما، وإن لم يكن بهما خرجته من السنن الأربعة، ولم أنتقل منها إلى غيرها إلا إذا لم أجد الحديث فيها، أو لزيادة لفظ يشتمل على زيادة حكم فقهي.
- بيّنت درجة كل حديث بقدر الاستطاعة مستعيناً بأقوال أهل العلم في ذلك.
- عزوت الأقوال والآراء الفقهية والأصولية إلى مراجعها ومظانها الأصلية المعتمدة في كل مذهب. (1/10)
صفحة 11
هذا، وأرجو من الله تعالى أن أكون قد وفقت في بيان الهدف من هذه الرسالة وأن تلقى قبولاً واستحساناً، وهو جهد المقل – والكمال لله وحده – إذ الضعف والنقص من سمات البشر، وليس يرجى للبداية كمال، ولا للوليد في مهده تمام. والله تعالى أسأل التوفيق والسداد والرشاد.
وفي الختام، أكرر شكري وتقديري لأستاذنا فضيلة الدكتور: محمد البلتاجي حسن، الذي شملني برعايته وتوجيهاته وكان له الأثر الواضح في إظهار هذا العمل؛ فجزاه الله عني كل الخير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
?
المبحث الأول: مختلف الحديث والعلوم المتصلة به:
المطلب الأول: التعريف بمختلف الحديث وأهميته.
المطلب الثاني: أهمية السنة.
المطلب الثالث: أسباب اختلاف الفقهاء.
المطلب الرابع: بعض الكتب المؤلفة في الخلافيات.
المبحث الثاني: المذهب الإباضي أصوله ونتاجه الفقهي:
المطلب الأول: نبذة تاريخية عن المذهب الإباضي.
المطلب الثاني: مصادر التشريع المعتمدة في الفقه الإباضي.
المطلب الثالث: ذكر بعض المراجع والمصادر الفقهية عند الإباضية.
?
المبحث الأول
مختلف الحديث والعلوم المتصلة به
المطلب الأول: التعريف بمختلف الحديث وأهميته
المختلف في اللغة:
المختلف في اللغة مأخوذ من الاختلاف، ومثله التخالف، وهو ضد الاتفاق. يقال: "تخالف القوم واختلفوا؛ إذا ذهب كل واحد منهم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر (1) "
ويقال: "تخالف الأمران واختلفا؛ إذ لم يتفقا، وكل ما لم يتساو، فقد تخالف واختلف" (2)
ومنه قول الشاعر: "دلواي خلفان وساقياهما" أي: إحداهما مصعدة ملأى، والأخرى فارغة منحدرة (3)
المختلف في الاصطلاح:
__________
(1) القاموس المحيط، للفيروز آبادي، مادة (خ ل ف).
(2) لسان العرب، لابن منظور، مادة (خ ل ف).
(3) ويقال لكل شيئين اختلفا هما: خلفان. مادة (خ ل ف). (1/11)
صفحة 12
يختلف المراد بـ" مختلف الحديث" في الاصطلاح باختلاف ضبط كلمة "مختلف". فمِن المحدِّثين من ضبطها بكسر اللام على وزن اسم فاعل، ويكون المراد بمختلِف الحديث على هذا: "الحديث الذي عارضه ظاهراً مثله" (1).
ومنهم من ضبطها بفتح اللام على أنه مصدر ميمي، بمعنى أنه الحديث الذي وقع فيه الاختلاف، ويكون المراد حينئذ بمختلف الحديث: "أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً" (2)
فعلى الضبط الأول يراد بالمختلِف: الحديث نفسه. وعلى الضبط الثاني يراد بالمختلف: نفس التضاد والاختلاف. (3)
ويلاحظ في التعريف أن التعارض المذكور هو التعارض الظاهري، إذ إنه لا وجود لتعارض حقيقي في أقوال النَّبِيّ ح، بناء على أن التعارض بين أحكام الشريعة محالٌ أصلاً، وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثاني من الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
إذن فمختلف الحديث هو: علم يتناول الحديثين اللذين يبدو في ظاهرهما الاختلاف والتعارض والتضاد، فإذا بحثها العلماء، أزالوا تعارضهما من حيث إمكان الجمع بينهما، وذلك بحمل العام على الخاص، أو المطلق على المقيد، أو ما شابه ذلك من وجوه التوفيق، أو بيان أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، أو بترجيح أحدهما على الآخر (4).
ويَرِدُ إلى جانب مختلف الحديث مشكل الحديث، فيجدر بنا أن نعرف المشكل والعلاقة بينهما.
المشكل في اللغة:
يقال في اللغة – عن الأمر المشتبه وغير المستبين: "مشكل" ويقال: "أشكل علَيَّ الأمر، إذا اختلط، وأشكلت عليَّ الأخبار وأحلكت: بمعنى واحد، والأشكل عند العرب: اللونان المختلطان". (5)
__________
(1) شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، لابن حجر العسقلاني، ص (20).
(2) تدريب الراوي، شرح تقريب النواوي، لجلال الدين السيوطي: (2/ 196)، توضيح الأفكار للأمير الصنعاني: (2/ 423).
(3) مختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه، أسامة الخياط، ص (3).
(4) مختلف الحديث، د. نافذ حسن عماد ص (14).
(5) لسان العرب، مادة (ش ك ل). (1/12)
صفحة 13
ويقال أيضاً: أشكل الأمر: التبس (1).
وأصله من المماثلة، قال ابن فارس: الشين والكاف واللام معظم بابه المماثلة، تقول: هذا شكل هذا أي: مثله، ومن ذلك يقال: "أمر مشكل"، كما يقال: أمر مشتبه، أي: هذا شابه هذا، وهذا دخل في شكل هذا (2) ... ".
ومما تقدم يمكن القول بأن المشكل لغة هو: المختلط والملتبس، وكل ما لا يبين.
المشكل في الاصطلاح:
المشكل كلمة يستعملها بعض الأصوليين في مصنفاتهم علماً على قسم من "أقسام الكلام باعتبار الخفاء والظهور" فالمشكل عند هؤلاء الأصوليين هو: "اللفظ أو الكلام الذي خفي المراد منه على السامع؛ وكان خفاؤه لأجل الصيغة (3)، ولا يدرك بالعقل" (4).
ويعرف السرخسي المشكل بأنه: "اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في إشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال" (5).
ويلاحظ أن المعنى اللغوي للمشكل ظاهر في هذا التعريف وبخاصة ما ذكره صاحب "معجم مقاييس اللغة" في معناه.
أما المشكل عند المحدثين، فيختلف معناه عن المعنى الذي مر ذكره عند الأصوليين، وفي ذلك يقول أبو جعفر الطحاوي في مقدمة كتابه "مشكل الآثار": «فإني نظرت في الآثار المروية عنه ح، بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبيت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها، والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها» (6).
__________
(1) القاموس المحيط، مادة (ش ك ل).
(2) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (3/ 204).
(3) أي: لكونها محتملة لمعان كثيرة.
(4) التقرير والتحبير، شرح التحرير: (1/ 159).
(5) أصول السرخسي: (1/ 168).
(6) مشكل الآثار: (1/ 3). (1/13)
صفحة 14
ويمكن استخلاص تعريف لمشكل الحديث من تعريف الطحاوي هذا، بأنه: «آثار مروية عن رسول الله ح بأسانيد مقبولة، وجد فيها أشياء؛ غاب عن كثير من الناس علم معانيها، ودفع ما فيها من إحالات ظاهرية».
الفرق بين المختلف والمشكل في الحديث:
يتبين مما سبق أن بين مختلف الحديث ومشكل الحديث فروقاً ظاهرة، يتميز بها كل واحد عن الآخر، ويزول بها اللبس والتداخل، وفيما يلي ذكر هذه الفروق:
- أن مدار مختلف الحديث قائم على وجود معنى التعارض والاختلاف بين الحديثين، أي أنه إذا لم يوجد تعارض بينهما، فلا يتحقق معنى "مختلف الحديث".
أما "مشكل الحديث" فلا يقتصر إشكاله على وجود تعارض بين حديثين أو أكثر فحسب، وإنما منشأ الإشكال فيه من أسباب أخرى كثيرة مع ذلك. أي أن التعارض بين الحديثين هو سبب من الأسباب التي ينشأ عنها مشكل الحديث، غير أن للإشكال أسباباً أخرى كذلك.
- أن مختلف الحديث مقصور على ما قد يقع من تعارض بين الأحاديث دون غيرها من أدلة الشرع.
- أما "مشكل الحديث" فلا يقتصر على هذا النوع من أنواع التعارض فقط، بل يتجاوز ذلك إلى أنواع أخرى.
- فمن مشكل الحديث ما يكون إشكاله بسبب معنى الحديث نفسه بغير معارضة
- ومن مشكل الحديث ما يكون إشكاله بسبب تعارض آية معه
- ومن مشكل الحديث ما يكون إشكاله بسبب تعارض الحديث مع الإجماع، أو تعارضه مع القياس، أو بسبب مناقضة الحديث لما توجبه بدائه العقول. (1)
__________
(1) مختلف الحديث، ص (37)، وما بعده بتصرف. (1/14)
صفحة 15
وقد جعل بعض العلماء اختلاف الحديث ومشكله نوعاً واحداً، قال محمد بن جعفر الكتاني في معرض حديثه عن الكتب المؤلفة في هذا الفن: (ومنها كتب في اختلاف الحديث، أو تقول في تأويل مختلف الحديث، أو تقول في مشكل الحديث، أو تقول في مناقضة الأحاديث) (1). كما وجدنا بعض العلماء ممن تعرض لترجمة ابن قتيبة يذكر كتابه "تأويل مختلف الحديث" باسم "تأويل مشكل الحديث" كما في كتابه إنباه الرواة للقفطي (2)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (3). ومن المعاصرين الذين خلطوا بين النوعين وجعلوا منهما شيئاً واحداً؛ الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "الحديث والمحدثون (4) ". والدكتور صبحي الصالح في كتابه "علوم الحديث ومصطلحه" (5). والدكتور نور الدين عتر في كتابة منهج النقد في علوم الحديث (6)
وَمِمَّا سبق ممكن القول: بأن "مشكل الحديث" في الواقع أعم من "مختلف الحديث" حيث إن المشكل يشتمل المختلف كما يشمل غيره، والمختلف نوع من أنواع "مشكل الحديث" فالعلاقة بينهما – إذن – علاقة عموم وخصوص، لأن "مختلف الحديث": حديث مشكل، وليس كل مشكل "مختلف حديث". (7)
أهمية علم مختلف الحديث:
__________
(1) الرسالة المستطرفة، ص (158).
(2) أنباه الرواة: (2/ 144) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
(3) وفيات الأعيان: (3/ 42) تحقيق إحسان عباس.
(4) الحديث والمحدثون، ص (471).
(5) علوم الحديث ومصطلحه، ص (111).
(6) منهج النقد في علوم الحديث، ص (337).
(7) انظُر: مختلف الحديث، د. أسامة الخياط، ص (43)، مختلف الحديث، د. نافذ حماد، ص (17). (1/15)
صفحة 16
بقدر ما للسنة من مكانة في الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، فإن لعلم مختلف الحديث أهمية خاصة في فهم كثير من النصوص النبوية التي أشكلت على الناس، وبيان المراد من دلالتها، وتوجيه الأفهام إلي حلِّ مُشكِلها ومختلفها، فتحصل الطمأنينة والسكينة لكثير من المسلمين الأخيار الذين يقفون أمام القضايا في "مختلف الحديث" حائرين مضطربين لا يعرفون لها مخرجا، ولا يملكون لها ردا.
وفي علم مختلف الحديث درء لبعض المطاعن التي وُجِّهت وتوجه إلى السنة نتيجة عن قصور الفهم، وقلة الدراية، أو سوء النية، سواء من المتقدمين أو من المتأخرين، إذ موضوع "مختلف الحديث" أضحى تكأة للطاعنين والمرجفين والملحدين في الماضي والحاضر، من لدن عهد الشافعي وابن قتيبة، وربما قبل ذلك أيضاً إلى هذا العهد الذي ابتلي المسلمون فيه بالمستشرقين ومن تأثر بآرائهم ومناهجهم من المسلمين، إذ تبنّوا أفكارهم، وصاروا ينشرونها، ويدافعون عنها، فاغتر بها من ليس له دراية بحقيقة هذه الطعون والشكوك. فكان دورهم أخطر من المستشرقين.
يقول الطحاوي في "شرح معاني الآثار": (إن من أهم أسباب تأليفه لهذا الكتاب أنه للرد على أهل الإلحاد والضعفة من المسلمين الذين يتوهمون أن الأحاديث ينقد بعضها بعضاً). (1)
- وفي علم مختلف الحديث ضوابط وإرشادات للذين يسعون لتغليب العقل على النقل.
__________
(1) انظُر: شرح معاني الآثار: (1/ 7). مختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين، ص (15)، د أسامة عبد الله الخياط. (1/16)
صفحة 17
- وإن من أهمية علم مختلف الحديث تحرير العقل من قيد الجمود على نص واحد دون الالتفات إلى النصوص الأخرى الواردة في المسألة والاهتمام بها، وهو مدخل واسع إلى الاجتهاد، مما يعطي ثراء فقهيا وفكريا، وفي ذلك دليل على حيوية الفكر الإسلامي، قال الشاطبي: (من لم يعرف مواضع الاختلاف لم يبلغ درجة الاجتهاد) (1).ونقل عن قتادة قوله: (من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه) (2).
وفي علم مختلف الحديث معرفة كثير من أسباب الاختلاف الفقهي عند العلماء، ذلك الخلاف الذي انبنى على أسس وقواعد علمية، مرجعها كثير من نصوص نبوية، وبتلك المعرفة تضيق شقة الخلاف بين المسلمين وتتسع صدور بعضهم لبعض، ويزداد التقارب بينهم.
ولأهمية علم مختلف الحديث وعظم شأنه - لما له من أثر في الفقه- عُني به المحدثون والفقهاء والأصوليون على سواء. فصار بذلك هذا العلم من أهم أنواع علوم الحديث وأصعبها.
يقول النووي: (هذا فن من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما، وإنما يكْمُلُ له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني، وصنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد استيفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه). (3)
وقال السخاوي: (وهو من أهم الأنواع مضطر إليه جميع الطوائف من العلماء، وإنما يكمل له من كان إماماً جامعاً لصناعتي الحديث والفقه، غائصاً على المعاني الدقيقة) (4). وهذه الأقوال تكشف لنا عن أهمية هذا العلم وتدل على ما يأتي:
1. أن هذا العلم يدخل في كثير من العلوم الإسلامية من حديث وعلوم حديث، وفقه، وأصول فقه، وغير ذلك.
__________
(1) الموافقات: (4/ 161).
(2) المصدر السابق.
(3) تقريب النووي مع تدريب الراوي: (2/ 196).
(4) فتح المغيث: (3/ 81). (1/17)
صفحة 18
2. أن جميع الفرق والطوائف بحاجة إلى معرفة هذا الفن؛ لأنه يبين الصواب من تعارض الأدلة مع بعضها، وأيهما أحق بالعمل أو الترك؟؛ فإما أن يعمل بهما جميعاً إن أمكن الجمع، أو يرجح أحدهما على غيره؛ أو ينسخ أحدهما الآخر فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
3. أنه يُمَكِّن المجتهدَ من الترجيح بين الأقوال عند الاطلاع على أدلتها وسبب الخلاف فيها. ونظراً لأهمية علم مختلف الحديث بالنسبة للفقهاء، فقد استهل الحاكم النيسابوري كلامه عن "مختلف الحديث" بقوله: "هذا النوع من هذه العلوم، معرفة سنن لرسول الله ح يعارضها مثلها، فيحتج أصحاب المذاهب بأحدهما. (1)
وكتب الإمام ابن قتيبة الدينوري (رحمه الله) كتابه (تأويل مختلف الحديث) وأبان مقصوده في المقدمة بقوله: "ونحن لم نُرِدْ في هذا الكتاب أن نَرُدَّ على الزنادقة ولا المكذبين بآيات الله ورسوله، وإنما كان غرضنا الردّ على من ادعى على الحديث التناقض، والاختلاف واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين" (2).
ووجدنا ابن بركة –رحمه الله- قد نبَّه في مقدمة كتابه "الجامع" إلى قضايا مختلف الحديث قال: ثم نبدأ بذكر الأخبار المروية عن النَّبِيّ ح التي تتعلق بها أحكام الشريعة، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها وتنازعوا في صحة الحكم بها (3).
لذلك كله، كان من أولى ما تتعين العناية به وصرف الجهود إليه: دراسة قضية التعارض والتضاد الواقع بين بعض ظواهر حديث رسول الله ح، وتحليلها والكشف عن خفاياها ودفع ما يتبادر إلى الأذهان من تضادها وتخالفها.
المطلب الثاني: أهمية السنة في التشريع الإسلامي:
__________
(1) معرفة علوم الحديث للنيسابوري، ص (122).
(2) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، المقدمة، ص (2) وما بعدها.
(3) جامع ابن بركة: (1/ 16). (1/18)
صفحة 19
السنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله ?، والسنة أصل من أصول الدين، وهي حجة لازمة في التشريع الإسلامي، لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ [الحشر: 7]، وهي مبينة وشارحة له، وخصَّصَتْ عامَّهُ، وقيّدت مطلقَه، وفصّلَت مجملَه. قال تعالى: ژ? S ... S S S ? ? ? ? ?ژ [النحل44]، وقال أيضا: ژچ چ چ چ ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ژ ژ ... s sک ک ک ک گ گ گ ژ [المائدة67].
بناء على توجيهات هذه الأوامر الإلهية كان من مهام رسول الله ح بيان مدلول ألفاظ القرآن الكريم، وتفصيل أوامر الله ونواهيه؛ التي لا يمكن فهمها إلا بالبيان والتفصيل من رسول الله ح قولاً أو عملاً، أو بهما جميعاً، كقوله تعالى: ژ? ? ? ںژ (1)، فلم تكن الصلاة عند العرب تعرف إلا بمعنى الدعاء. أما المفهوم الشرعي للصلاة، فلم يكن معروفاً عند العرب، والقرآن الكريم أجملها ولم يفصلها، فجاءت السنة النبوية، فوضحت الشروط والأركان والواجبات والسنن وغيرها، وبذلك اتضح لدى المخاطبين معنى الصلاة المطلوبة منهم، وكيفية أدائها، وهكذا شأن السنة في جميع أركان الإسلام وفروع أحكامه، سواء من ذلك العبادات أو المعاملات.
__________
(1) الآية: تكررت في عدَّة مواضع من القرآن الكريم في سورة البقرة 43، 83، 110 وفي سورة النساء الآية 77، في سورة يونس الآية 87، في سورة النور الآية 56، في سورة الروم الآية 31، في سورة المزمل الآية 20. (1/19)
صفحة 20
ونجد في سنة النَّبِيّ ح تخصيصَ عموم ورد في القرآن، وذلك كنهيه ح عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (1)، فهو مخصص لعموم قول الله ?: ژ ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? S S S ژ [النساء24]، ومثله قوله ح: «لا يرث القاتل» (2) خصص عموم الوارثين من الأولاد في قوله سبحانه وتعالى: ژ گ گ گ ?? ? ? ? ?ژ [النساء11].
ونجد في سنة النَّبِيّ ح تقييداً لمطلق ورد في كتاب الله تعالى، وَمِمَّا ورد في كتاب الله مطلقاً، وقيدته السنة، قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ... S S SS ? ? ... ? ژ [المائدة38].
فلفظ اليد مطلق يعم الذراع كله إلى الكتف، ويطلق عليه إلى المرفقين، ويطلق عليه إلى المفصل، وجاءت السنة فبنيّت أن المقصود باليد هو الكف إلى المفصل، كما في حديث عدي وجابر وابن عمر - رضي الله عنهم - (3).
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (5109)، ومسلم, كتاب النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، حديث (1407).
(2) رواه أبو داود، كتاب الديات، باب: ديات الأعضاء، حديث رقم (4564)، والترمذي، كتاب الفرائض، باب: ميراث القاتل، حديث (2736، 2735).
(3) أخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (8/ 270)، كتاب السرقة، باب: السارق يسرق فتقطع يده اليمنى، و ابن أبي شيبه في مصنفه: (10/ 30) كتاب الحدود، باب: من قال: من أين تقطع اليد رقم (8650). (1/20)
صفحة 21
ونجد في السنة ما نسخ حكماً ثبت في كتاب الله، ومن ذلك قوله ح: (لا وصية لوارث) (1) فهو ناسخ للوصية الواردة في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ?ژ [البقرة180]. فلا غنى عن السنة في تطبيق الأحكام الواردة في القرآن، لأنها مبينة لكتاب الله تعالى، وتزيل ما قد يقع في فهم بعض آياته من إشكال.
وإضافة إلى ما سبق نجد أحكاماً شرعية، نص عليها رسول الله ح ولم يرد لها ذكر في كتاب الله صراحة، أو إلحاقًا لبعض الفروع بما ذكر في القرآن كالأحاديث التي دلت على تحريم الرضاع وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وبيان ميراث الجدة وتشريع الشفعة في الحضر ووجوب الكفارة على من انتهك حرمة صوم رمضان، ومن ذلك النهي عن لبس الحرير والذهب على الرجال، والنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وأكل كل ذي مخلب من الطير. إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي النبوية.
ولما كان الرسول ح مبلّغاً عن الله ?، ومبيّناً لمقاصد الكتاب أوجب الله علينا طاعة رسوله ح واتباعه، فقال تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ [الحشر7]، وقال تعالى: ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ?? چ چ چ ژ [آل عمران31].
وقال ح محذراً كل من تسوّل له نفسه، أن يترك سنة وجب اتباعها: ÷ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحَرِّمُوه"" (2) ".
__________
(1) رواه أبو داود: (3/ 290)، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، رقم (2870)، والترمذي: (4/ 376)، كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، رقم (3565). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي.
(2) رواه أبو داود: (5/ 10)، كتاب السنة، باب: في لزوم السنة، رقم (4604). (1/21)
صفحة 22
فسنة رسول الله ح هي وحي أيضاً، ولكن لا يتعبد بتلاوته، وقد قال تعالى: ژ ? ? ? ? ژ [النجم 3]، ومن ثم وجب الأخذ بما نطق به رسول الله ح ولزم العمل به كظاهر المتلو من القرآن (1).
وخلاصة القول: إن السنة مصدر ضروري للأحكام لا غنى عنه كالقرآن سواء، وكلاهما من مصدر واحد، وهو الله تبارك وتعالى. الذي يقول في كتابه: ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ں ں ... ? ? ? ?ژ [الجاثية18].
واتفقت الأمة على حجية السنة، وأنها مصدر أساسي للتشريع في مختلف أنحاء الحياة العامة والخاصة، فهي كالقرآن الكريم من حيث الاحتجاج بها على الأحكام الشرعية؛ ولا عبرة بمن يخالف هذه الحقائق، بل إنه يعد منكِراً لأمر معلوم من الدين بالضرورة، ولا يبقى له بعد هذا حظّ في الإسلام. (2).
والالتزام بالسنة النبوية، والقول بحجية الحديث من لوازم الإيمان، لأن طاعة رسول الله ح من طاعة الله، لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ [النساء59]، وقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ?ژ [النساء80]، وفي القرآن أمر بوجوب إتباع أمر رسول الله ح واجتناب ما نهى عنه.
قال تبارك وتعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ [الحشر7].
وفي القرآن تحذير من مخالفة أوامر رسول الله ح في قوله ?: ژ s ک ... ک ک ک گ گ گ گ ? ... ? ? ژ [النور63] فطاعة الرسول ح متلازمة مع طاعة الله تبارك وتعالى، ولا يتم إيمان المرء إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
__________
(1) معالم السنن: (5/ 10).
(2) إرشاد الفحول، ص (33). (1/22)
صفحة 23
قال الإمام الشافعي: "فرْضُ الله ? في كتابه من جهتين: أحدهما: أبان فيه كيف فرض بعضها حتى استغنى فيه بالتنزيل عن التأويل وعن الخبر. والآخر: أحكَمَ فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هي على لسان نبيه ح، ثم أثبت فرض رسول الله ح في كتابه بقوله ?: ژ ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ [الحشر7]، وبقوله تبارك اسمه: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ژ [النساء65]، وبقوله ?: ژ ? ? ... ? ? ... ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? S ... S S ... Sژ [الأحزاب36] مع غير آية من القرآن بهذا المعنى. فمن قَبِلَ عن رسول الله ح، فبفرض الله ? قَبِلَ". (1)
ولا تُعرف أحكام الشريعة إلا بالسنة، فعن خالد بن أمية أنه قال لعبد الله بن عمر: " أما تجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن الكريم ولا تجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال عبد الله: يا ابن أخي إن الله بعث إلينا محمداً ح ولا نعلم شيئاً، وإنما نفعل كما رأينا محمداً ح يفعل" (2).
وقد روي أن رجلاً قال لعمران بن حصين: يا أبا نجيد: إنكم تحدثون بأحاديث، لم نجد لها أصلاً في القرآن!! فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟
قال: نعم.
قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً، وجدت المغرب ثلاثاً، والغداة ركعتين، والظهر أربعاً والعصر؟
قال: لا،
قال: من أين أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذنا عن رسول الله ح؟ أوجدتم فيه من أربعين شاة، شاة، وفي كل كذا بعير كذا؟
قال: لا.
قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذنا عن النبي ح؟!
قال: أوجدتم في القرآن: ژھ ھ ے ے ? ? ? ? ژ [الحج29] أوجدتم فيه "طوفوا سبعا واركعوا خلف المقام؟ " أوجدتم في القرآن: لا جلب و لا جنب، ولا شغار في الإسلام؟! أما سمعتم الله في كتابه: ژ ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ے ژ؟ [الحشر7] قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله ح أشياء وليس لكم بها علم.
__________
(1) الأم: (7/ 286)، الرسالة، ص (73).
(2) المستدرك: (1/ 258). (1/23)
صفحة 24
وفي رواية قال: «خذوا عنا؛ فإنكم والله إن لا تفعلوا لَتَضِلُّنَّ» (1).
ومن هذا المنطلق، فإنه لا غنى عن السنة النبوية لإقامة الدين، فكل المسلمين- على اختلاف مذاهبهم- قالوا بحجيتها ولا عبرة لمن قال بغير ذلك.
والإباضية جزء من هذه الأمة، وهي تعتبر السنة مصدراً أساسياً للتشريع.
__________
(1) الكفاية للخطيب البغدادي، ص (48)، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ص (495). (1/24)
صفحة 25
قال أحد علمائهم وهو العلامة ابن بركة الإباضي -أحد علماء القرن الرابع (1) -: "ثُمَّ نبدأ بذكر الأخبار المروية عن النَّبِيّ ح، والتي تتعلق بها أحكام الشريعة – وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها، وتنازعوا في صحة الحكم بها-، لأنها قواعد الفقه وأصول دين الشريعة، لحاجة المتفقه إلى ذلك، وقلة استغنائه عن النظر فيه والاعتبار عن معانيه، فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه، أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سنته، ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة (2). وهكذا نرى ابن بركة يقرر تلك القاعدة المتبعة عند الإباضية في اعتبار السنة مصدراً أساسياً في التشريع.
وقال الشيخ خميس الشقصي -رحمه الله-: "وأصول الدين هو ما جاء فيه حكم من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه محمد ح أو من إجماع المهتدين من علماء الأمة، وقال: فما وجد في الأصول الثلاثة وهي الكتاب والسنة والإجماع، فهو أصل، وما لا يوجد فهو فرع، ويقاس عليها ما لم يذكر في أحدها" (3).
__________
(1) عبد الله بن بركة: هو الشيخ العلامة الأصولي أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، مسكنه الضرح من قرية بهلا وما زال مسجده وبيته وآثار مدرسته باقية معروفة حتى الآن ... وهو من علماء القرن الرابع ومن أشياخه الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب – رحمه الله – والعلامة أبو مالك غسان بن الخضر بن محمد الصلاني وأبو مروان، كان غنياً موسراً ينفق في مدرسته فكثر طلاب العلم فيها، ومن تلاميذه أبو الحسن البسيوي، وكان ابن بركة وأبو سعيد في عصر واحد. له العديد من الكتب: منها: جامع ابن بركة، وله كتاب التقييد، والموازنة، والمبتدئ، وكتاب التعارف وغيرها من الكتب. انظُر: إتحاف الأعيان بتاريخ بعض أهل عمان: (1/ 226).
(2) جامع ابن بركة: (1/ 14).
(3) مكنون الخزائن: (1/ 47)، ومنهج الطالبين: (1/ 75)، بيان الشرع: (1/ 16). (1/25)
صفحة 26
وقد تناول الإباضية السنة – كبقية الأمة – في تقسيمها من حيث الوجوب والندب.
قال عمرو بن جميع -رحمه الله-:"السنة على وجهين: ما فعله النَّبِيّ ح، ولم يأمر به فهو نافلة، والعمل بها فضيلة، وتركها لا عقاب عليه. والسنة التي فعلها، وأمر بها والعمل بها فريضة، وتركها يعاقب عليه" (1).
وبهذا المفهوم، تعامل الإباضية مع السنة المطهرة، من حيث الاستدلال والعمل بها، فجلّ الكتب الفقهية الإباضية، لا تخلو من الاستدلال بالحديث النبوي.
} - - {
المطلب الثالث: أسباب اختلاف الفقهاء:
خلق الله تعالى الخلق متفاوتين في كل شيء، في أجسامهم وألوانهم وأشكالهم وألسنتهم، وكذلك خلقهم تعالى متفاوتين في عقولهم وتفكيرهم ومشاربهم، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى في كتابه الكريم فقال: ژ ? S S ... S ... S ... ? ?? ? ? ? ?ژ [التغابن2]، وهكذا شاءت إرادة الله تعالى – ولله الحكمة البالغة – ألا يزال الخلق مختلفين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فقال تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ?? ? ?? ? S S S S ? ? ? ?ژ [هود118،119].
فالاختلاف طبيعة بشرية واسعة المجال في مختلف مناحي الحياة لا حصر لها ولا ضبط، وقد ترتب على هذا، اختلافهم في مناهج الحياة وفي الاعتقاد والتصورات والآراء. والمسلمون كغيرهم من البشر متفاوتون في عقولهم وتفكيرهم وميولهم النفسية ومنازعهم الشخصية، ومن ثم كان لابد من أن تجري عليهم سنة الحياة وهي الاختلاف. والذي يعنينا هنا هو الاختلاف في فهم النصوص الشرعية التي أنزلها الله في كتابه، أو التي سنها رسوله ح في سنته (2).
ويضاف إلى ما سبق أن الله تعالى قد شاءت حكمته أن يكون القرآن بلسان العرب كما قال تعالى: ژ ? ? ... ? ژ [الشعراء195].
__________
(1) مقدمة التوحيد، ص (92).
(2) وكلامنا هنا عن أهل العلم الراسخين، الذين حازوا مراتب الاجتهاد الشرعي، أما العوام أو أهل البدع والأهواء، فهؤلاء لا يعتد أصلاً بقولهم وآرائهم. (1/26)
صفحة 27
ولغة العرب من أوسع اللغات بياناً، وأكثرها اتساعاً حتى لا يحيط بها إلا نبي، يقول الشافعي في الرسالة: "ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيءٌ على عامتها حتى يكون موجوداً فيها من يعرفه" (1). ثم نجد في القرآن ما في لغة العرب، من الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول، والمشترك، والمبهم، والمجمل، وغير ذلك من أساليبها المعلومة لدى أهلها.
يضاف إلى هاتين الحقيقتين السابقتين أن القرآن الكريم - وإن كان كله قطعي الثبوت - إلا أن منه ما هو قطعي الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، ومنه ما هو ظني الدلالة وهو الذي يحتمل معنيين أو أكثر، وهذه النصوص – ظنية الدلالة – ذات مجال رحب لاختلاف العقول في فهمها والوقوف على المراد منها. وهذه الظنيات لا يمكن الاتفاق فيها عادة كما يقول الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام (2).
فإذا ما جئنا إلى حديث النَّبِيّ ح وجدنا أن معظمه من أحاديث الآحاد، وقليله متواتر قعطي الثبوت، ومن ثم، فإن مجال الاختلاف يتسع بالنسبة لحديث الآحاد، فإن منه ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة فيجتمع في كثير من هذه الأحاديث كونها ظنية الثبوت، وكونها ظنية الدلالة، فرب حديث بل أحاديث تثبت عند البعض أو يغلب على ظنهم ثبوتها عن النَّبِيّ ح فيفتون بها، ويعملون بمقتضاها، وقد تكون هذه الأحاديث بعينها لم تثبت عند آخرين، فلا يقولون بموجبها ولا يفتون بمقتضاها.
تلك مشيئة الله ? وحكمته في أن يكون القرآن والسنة هكذا، ولو شاء الله لجعل القرآن والسنة كليهما قطعي الثبوت قطعي الدلالة لا مجال للاختلاف فيهما.
__________
(1) الرسالة للإمام الشافعي، ص (42).
(2) الاعتصام للشاطبي: (2/ 395). (1/27)
صفحة 28
ومن هنا، فإن كثيراً من الأحكام الشرعية تختلف فيها أنظار المجتهدين تحقيقاً لمشيئة الله تعالى في شريعته توسعة لعباده حتى قال عمر بن عبد العزيز: "ما أحب أن أصحاب رسول الله ح لم يختلفوا لأنه لو كان قولاً واحد كان الناس في ضيق وإنهم أئمة يُقتَدى بهم؛ فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة" (1).
ويقول الزركشي في هذا الأمر: "واعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية؛ قصداً للتوسيع على المكلفين" (2).
وهذا من يسر الشريعة ورحمة الله تعالى لهذه الأمة قال السيوطي: "اختلاف المذاهب في هذه الملة خصيصة فاضلة لهذه الأمة وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة، فكان الأنبياء قبل النَّبِيّ ح يبعث أحدهم بشرع واحد وحكم واحد حتى أنه يضيق من ضيق شريعته، فلم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا ... وهذه الشريعة سمحة سهلة لا حرج فيها كما قال الله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة185]، وقال: ژھ ھ ھ ھ ے ے ?ژ [الحج78] ".
وهذا اليسر الناتج عن الاختلاف المبني على الاجتهاد، أعطى لهذه الشريعة صبغة الصلاحية لكل زمان ومكان بحسب مستجدات ظروف الحياة ومتقلباتها، وفي ذلك تحقيق لمصالح الناس وحاجاتهم، ولا حرج من اختيار رأي من آراء المجتهدين، والفتوى تتغير بحسب الأحوال والأشخاص على ضوء الأدلة الشرعية، ورُبَّ رأي أو قولٍ كان مرجوحاً عند الفقهاء ردحاً من الزمن أصبح بعد ذلك راجحاً، والقول به أولى نظراً لتغير متطلبات الحياة.
ومن ذلك أن صدقة الفطر مثلاً، كان الراجح أنه لا يعطى للفقير قيمتها، وبتغير ظروف الحياة أصبحت القيمة أولى للفقير.
ومسألة الأخذ بالحساب الفلكي في تقدير معرفة الشهور ومع تطور الحياة وتقدم العلم أصبح الأخذ به أمر معتبراً عند الكثير. وهكذا.
__________
(1) جامع بيان العلم: (2/ 59).
(2) البحر المحيط: (6/ 108) (1/28)
صفحة 29
فإذا أضفنا إلى ما سبق، أن سنة النَّبِيّ ح من الكثرة بمكان حتى إنه لا يحيط بها أحد من الأمة مهما علت منزلته ودرجته في العلم، ولو كان يمكن أن يحيط بسنة النَّبِيّ ح عالم أحاط بها من لازمه طوال حياته وهو أبو بكر الصديق وعمر وغيرهما من الصحابة الأجلاء - رضي الله عنهم -، وقد ثبت أنه قد خفي عليهم أشياء وأشياء من حديث النَّبِيّ ح كما سيأتي بيانه في حينه إن شاء الله. ويقول الإمام الشافعي -رحمه الله- مقرراً هذه الحقيقة: "والعلم به – يعني بلسان العرب – كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن، وإذا فرق علم واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجوداً عند غيره" (1).
لهذه الأسباب المتقدمة – وغيرها مما سنذكره إن شاء الله – وقع الاختلاف بين أهل العلم، ولم يكن ثم مَفَرِّ من ذلك.
حكم هذا الاختلاف:
وليس معنى هذا الاختلاف الناشئ بين الراسخين في العلم أنهم مذمومون بذلك، بل هم مأجورون على صوابهم وعلى خطئهم (2)،
__________
(1) الرسالة، ص (42، 43)، وانظُر البحر المحيط: (6/ 148).
(2) وهذا على مذهب من قال: الحق في أحد الطرفين وأحدهما مصيب والآخر مخطئ، وإن كنا لا نعنيه قطعاً. أما على مذهب من قال: كُلّ مجتهد مصيب، فالأمر واضح. قال الوارجلاني: فمن أصاب الحق عند الله تعالى فله أجر اجتهاده وأجر إصابته، ومن أخطأه فله أجر اجتهاده وحط عنه المأثم.
العدل والإنصاف للوارجلاني: (2/ 20). (1/29)
صفحة 30
فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، كما صرح بذلك النَّبِيّ ح في الحديث الذي روي عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ح يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثُمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (1).
ثُمَّ إن هذا الاختلاف ليس اختلافاً في الأصول أو القطعيات، بل هو اختلاف في الفروع والظنيات، ومن ثم يقول الشاطبي: "فالله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون. وقد ثبت عند النظار: أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف. وقد نقل المفسرون عن الحسن البصري في قوله: ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ?ژ [هود 118] أنه قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافاً يضرهم.
قال الإمام الشاطبي: يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها يقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر (2).
ثم استدل الشاطبي على أن هذا الاختلاف لا يضر أهل العلم، بقوله: "ثم إنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، بحيث لا يصح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه ... -ثم قال:- وهناك جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضرباً من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجاً من قسم أهل الرحمة ... ثم قال: فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله" (3).
نشأة الاختلاف (4):
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري في صحيحه، كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة)، باب: (أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ)، رقم (7352)، ومسلم: (3/ 1342)، كتاب (الأقضية)، باب: (بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ)، رقم (1716).
(2) الاعتصام: (2/ 393).
(3) المصدر السابق: (2/ 294، 295).
(4) الكلام هنا منصب على نشأة الاختلاف في الفروع الفقهية. (1/30)
صفحة 31
سبقت الإشارة إلى أن النصوص الشرعية والأحاديث الثابتة عن النَّبِيّ ح، فيها ما هو قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحداً، ومنه ما هو ظني الدلالة الذي يحتمل أكثر من معنى أو يدخله التأويل.
وفي عصر النَّبِيّ ح حدث أمر كان في غاية الأهمية، وهو ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده عن ابن عمر قال: قال النَّبِيّ ح لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي؛ لم يرد منا ذلك، فذكِرَ للنبي ح فلم يعنف واحداً منهم» (1).
فهذا النص شافه به النَّبِيّ ح أصحابه، فهو عندهم قطعي الثبوت، ومع هذا اختلفوا في فهمه اختلافاً أدى ببعضهم إلى ترك صلاة العصر فلم يصلوها إلا في بني قريظة بعدما فات وقتها. ولم يعنف النَّبِيّ ح أحداً ممن اختلفوا في هذه المسألة؛ إذ اختلفت أفهامهم في إدراك مقصد رسول الله ح، يقول الحافظ ابن حجر تعقيباً على هذه القصة: "وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت؛ ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها ... والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة. وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد؛ لأنه ح لم يعنف أحداً من الطائفتين، فلو كان هناك إثمٌ لَعَنَّف مَن أَثِم" (2).
ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهم ماء؛ فتيمما صعيداً طيباً، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الثاني، فذكر ذلك للنبي ح فقال للذي لم يعِد: ÷أصبت السنة، أجزأتك صلاتك".
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري، كتاب (الجمعة)، باب (صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماء)، رقم (946).
(2) فتح الباري: (7/ 410)، الطبعة السلفية. (1/31)
صفحة 32
وقال للذي توضأ وأعاد: ÷لك الأجر مرتين" (1).
واختلفت آراؤهم قبل ذلك في قضية أسرى بدر.
فالصحابة اختلفت مداركهم وأفهامهم في فهم النصوص الشرعية ومقاصدها في حياته ح؛ وهو بين أيديهم، وأقرهم على ذلك؛ لأن اختلافهم كان في دائرة مشروعة مبنياً على الاجتهاد.
اختلاف الصحابة في حياة النبي ح راجع إلى عدم الاطلاع على بعض الحديث:
من المعروف أن الأحكام في عهد النبيّ ح كان مصدرها القرآن والسنة. فالقرآن كان مكتوباً في الصحائف ومحفوظاً في الصدور، ولم تكن السنة كذلك فلم تكتب في بادئ الأمر، بل نهى رسول الله ح عن كتابتها لئلا تختلط بالقرآن، فكتب بعض الصحابة شيئاً منها بعدما أذن النَّبِيّ ح في الكتابة (2).
وأما حفظها فإنها تختلف على حسب الأحوال والأماكن – ومفهوم السنة لا يقتصر على أقوال النَّبِيّ ح بل يشمل أفعاله وتقريراته وصفاته، ومن كل ذلك تستقى الأحكام الفقهية – فكانت مهمة الصحابة حفظ السنة، فحفظ كل ما شاهد وسمع بحسب وجوده مع رسول الله ح.
__________
(1) الحديث أخرجهُ أبو داود، كتاب الطهارة، باب: في التيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت (338).
(2) أخرج البخاري في صحيحه، مما يدل على كتابة بعض الصحابة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتاب العلم وترجم له بباب كتابة العلم.
وتفصيل القول حول هذه المسالة في كتاب السنة ومكانتها، ص (61) للدكتور مصطفى السباعي، وتدوين السنة، ص (344) محمد عجاج الخطيب. (1/32)
صفحة 33
فأمهات المؤمنين حفظن عن رسول الله ح ما شاهدن وسمعن في بيوتهن، وغابت عنهن كثير من السنن، وأما الرجال فلم تكن ملازمتهم لرسول الله ح ملازمة تامة، بل يلازمه البعض ويفارقه الكثير لانشغالهم في أمور الحياة، هذا أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم. وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ح يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون" (1).
وحكي عمر بن الخطاب أنه كان يتناوب مع جارٍ له في النزول على رسول الله ح، فينزل يوماً فيأتيه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وينزل جاره يوماً ويأتيه بخبر الوحي (2).
وفي هذين الخبرين ما يدل على أن السنة لم تكن محفوظة كلها عند أحد من الصحابة بعينه، بل غاب كثير منها عن كثير منهم وإن كانت محفوظة عند آخرين.
اختلاف الصحابة بعد وفاة رسول الله ح:
وَلَمَّا توفي النَّبِيّ ح انقطع الوحي، وكثرت المسائل التي اختلف فيها الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً، فكل منهم أفتى بما لديه من العلم وما حصله من سنن النَّبِيّ ح، وربما فاتت أحدَهُم سنةٌ لرسول الله ح، وهذا كثير غير مُنكَر.
يقول الشافعي في هذا: "ولا نعلم رجلاً جمع جميع السنن فلم يذهب منها عليه شيء .. " (3).
ويقول ابن عبد البر في هذا المعنى أيضاً: "لا أعلم أحداً من الصحابة إلا وقد شذَّ عنه بين علم الخاصة واردةٌ بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره، وذلك على من بعدهم أجوزُ، والإحاطة ممتنعة على كل أحد" (4).
__________
(1) أخرجهُ البخاري، كتاب (العلم)، باب (حفظ العلم)، رقم (118).
(2) أخرجهُ البخاري، كتاب (العلم)، باب (التناوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)، رقم (89)، ومسلم كتاب (الطلاق)، باب (في الإيلاء واعتزال النساء)، رقم (17).
(3) الرسالة للإمام الشافعي، ص (42).
(4) الاستذكار لابن عبد البر: (1/ 36). (1/33)
صفحة 34
ويقول ابن تيمية: "من اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة أو إماماً معيناً: فهو مخطئ خطأً فاحشاً قبيحا" (1) ً.
وقد اتضح هذا المعنى في مسائل غابت عن كبار الصحابة، ومنها:
المسألة الأولى: مسألة ميراث الجدة. فإن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لم يحفظ فيها شيئاً؛ حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة (2).
المسألة الثانية: مسألة إملاص المرأة (3). فإن عمر - رضي الله عنه - لم يحفظ فيها شيئاً فأخبره محمد بن مسلمة أن رسول الله ح قضى به (4).
المسألة الثالثة: مسألة أخذ الجزية من المجوس: فإن عمر بن الخطاب لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد له عبد الرحمن بن عوف بأن النَّبِيّ ح قال فيهم: ÷سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" (5).
__________
(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام للإمام ابن تيمية، ص (17).
(2) أخرجهُ أبو داود في سننه، كتاب (الفرائض)، باب (في الجدة)، رقم (2894).
(3) الإملاص في اللغة هو: تزلق الجنين قبل وقت الولادة. وكل ما زَلق من اليد فقد مَلِص. النهاية في غريب الحديث: (4/ 356). قال ابن حجر: أن تضع المرأة جنينها ميتاً قبل أوانه بسبب ضربها أو غيره. فتح الباري: (11/ 261).
(4) الحديث أخرجه البخاري، كتاب (الديات)، باب (جنين المرأة)، رقم (6906).
(5) روى البخاري، كتاب (الجزية والموادعة)، باب (الجزية والموادعة .. )، رقم (3157) عن بُجالة قال: كنت كاتباً لجزء بن معاوية عم الأحنف فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: (فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس)، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس هجر. وأما حديث (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) فرواه مالك في الموطأ، ص (278)، كتاب (الزكاة)، باب (جزية أهل الكتاب والمجوس)، رقم (617). (1/34)
صفحة 35
المسألة الرابعة: مسألة إرث المرأة من دية زوجها: فقد كان عمر - رضي الله عنه - يقول: "الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا"، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ح كتب إليه أن ÷ورِّثْ امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" (1).
هذه بعض أمثلة تدل على أن السنة قد غابت عن كثير من الصحابة ومن كبارهم.
رد بعض الصحابة لبعض الأحاديث للشك في صحتها أو لدليل آخر:
فقد رد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حديث فاطمة بنت قيس بأن رسول الله ح لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، وقد كانت مطلقة ثلاثاً فقال عمر: "لا نترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت. لها النفقة والسكنى" (2).
وقالت عائشة: "ما لفاطمة ألا تتقي الله؟ تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة للبائنة" (3).
ورد الإمام عليّ خبر معقل بن سنان الأشجعي في المرأة التي مات عنها زوجها ولم يفرض لها مهراً؛ ولم يكن قد دخل بها، فقال: "لا نصدّق الأعراب على خبر رسول الله ح" (4).
اجتهادات الصحابة فيما لا نصَّ فيه:
اختلف اجتهاد الصحابة فيما لا نص فيه، فكانوا إذا استجدت قضية رجعوا إلى الكتاب أو السنة يبحثون فيها عن حكمها، فإن لم يجدوا فيهما لجئوا إلى الاجتهاد وإعمال الرأي مستشهدين بالكتاب والسنة، وقد يقع اتفاق بينهم في رأي ويكون ذلك إجماعا، وقد يختلفون في كثير من الأحيان وذلك بحسب تباين أفهامهم ووجهات نظرهم فتبقى المسألة على الخلاف بينهم، فقد اختلفوا في قضايا كثيرة ونذكر منها:
__________
(1) الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب (الديات)، باب (ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها)، رقم (1415).
(2) أخرجهُ مسلم، كتاب (الطلاق)، باب (المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها)، رقم (1480).
(3) أخرجهُ البخاري، كتاب (العدة)، باب (قصة فاطمة بنت قيس)، رقم (5323).
(4) أخرجهُ عبد الرزاق في مصنفه: (6/ 479)، وابن عبد البر في الاستذكار: (16/ 107). (1/35)
صفحة 36
1. الاختلاف في قضايا المواريث، ومنها توريث الجد مع الإخوة الأشقاء. فمنهم من يرى أن الجد يحجب الإخوة ومنهم من يرى إشراك الإخوة مع الجد في الميراث (1).
2. الاختلاف في تقسيم الأرض المفتوحة وكان كثير من الصحابة يرى أن تقسم على المجاهدين باعتبارها جزءاً من الغنائم، وكان عمر بن الخطاب يرى خلاف ذلك ويرى أن استبقائها استبقاء الأرض للمسلمين ولمن يأتي من بعدهم ويبقيها في أيدي أصحابها ويؤدوا خراجها (2).
3. الاختلاف في رجل تزوج بامرأة وبنى عليها وهي في عدة من غيره؛ فذهب عمر بن الخطاب إلى التفريق بينهما وأنهما لا يجتمعان أبداً.
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود بخلاف رأي عمر، فقالا: له أن يتزوجها بعد أن تنقضي عدتها من الأول والثاني (3).
هذه بعض صور اختلاف الصحابة وأسبابها، فهي تتلخص في تفاوت مداركهم وأفهامهم في فهم النص، وفي عدم بلوغ النص أحيانا، وعدم الأخذ ببعض الأحاديث أحيانا أخرى، إما لمعارضته لدليل أقوى أو لعدم الوثوق بصحته. كما اختلفت آراؤهم فيما لا نص فيه. فهذه الأسباب تعتبر منشأ للخلاف الفقهي.
ومع تباين مداركهم فقد تباين مسلكهم في الفتوى أيضاً. فمنهم من كان لا يفتي إلا بالكتاب أو السنة، ويتحرج أن يفتي برأيه، ويفضل أن يترك ذلك لغيره مخافة القول بغير العلم.
ومنهم من كان لا يرى الحرج في ذلك، ويرى أن الشريعة معقولة المعنى؛ شرعت لعلل وأغراض ومقاصد يجب مراعاتها؛ لذلك لم يرَ حرجاً في الاجتهاد واستعمال الرأي.
__________
(1) الرسالة، ص (591)، الموطأ، ص (510)، مصنف عبد الرزاق: (10/ 226).
(2) الخراج لأبي يوسف، ص (14)، منهج عمر بن الخطاب في التشريع، ص (123)، د. محمد البلتاجي، نظرة عامة في التاريخ الإسلامي، د. علي حسن عبد القادر، ص (88).
(3) مصنف عبد الرزاق: (6/ 210)، السنن الكبرى للبيهقي: (7/ 441)، الاستذكار لابن عبد البر: (16/ 217). (1/36)
صفحة 37
ولقد أخذ التابعون عن الصحابة؛ فأخذ كل واحد منهم ما تيسر له؛ فحفظ ما سمع ووعى وفهم من آرائهم وفتاويهم واختلافاتهم، فوفَّق وجمع ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ورجح بعضها على بعض إذا لم يستطيع التوفيق بينها.
واختلف التابعون تبعاً لاختلاف الصحابة، وكانوا متفرقين في البلدان والأمصار. فعرف في كل بلد مذهب فقهي، بحسب كثرة أتباع كل فقيه في ذلك البلد (1).
أسباب الاختلاف بين علماء الشريعة:
اتضح مما سبق أن هناك بعض الأسباب التي لها مدخل في وقوع الخلاف بين أهل العلم، وأن موضوع أسباب الاختلاف موضوع واسع ومتداخل، وللعلماء تفصيل في ذلك، ونذكر هنا أهم تلك الأسباب بشيء من الإيجاز:
السبب الأول: عدم العلم بالنص.
السبب الثاني: الشك في ثبوت النص.
السبب الثالث: الرواية بالمعنى.
السبب الرابع: الاختلاف في فهم النص.
السبب الخامس: الاختلاف في اعتماد بعض مصادر الأحكام.
السبب السادس: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية.
السبب السابع: الاختلاف في كيفية الجمع والترجيح.
السبب الثامن: التنازع في النسخ.
عدم بلوغ النص:
وما حدث للصحابة من عدم بلوغ الخبر قد حدث مثله لكثير من التابعين وأتباعهم حيث لا يبلغهم الخبر في مسألة ما، أو تبلغه رواية دون أخرى فيجتهد رأيه؛ فقد يوافق اجتهاده خبراً لم يصله أو يخالفه فيصبح ذلك رأياً متبعاً عند من قلده. وهذا سبب من أسباب وجود الاختلاف الفقهي. ولاسيما أنه قد يبلغهم الخبر الصحيح فلم يعملوا به ظناً منهم أن مخالفته فيما مضى لم يكن إلا لسبب كنسخٍ أو لوجود معارض أو لعلة أوجبت تركه فيستقر الخلاف (2).
الشك في ثبوت النص:
__________
(1) حجة الله البالغة: (1/ 143)، الإنصاف للدهلوي، ص (34)، مذكرات أسباب اختلاف الفقهاء، ص (263).
(2) مذكرات في أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ علي الخفيف، ص (56). (1/37)
صفحة 38
للاحتجاج بالحديث قواعد وضوابط وشروط يجب توافرها في السند كالعدالة والضبط، والاتصال، والسلامة من العيوب. فمنها ما اتفق العلماء عليها ومنها ما اختلفت وجهات نظرهم فيها، فاختلفت أقوالهم في تصحيح الحديث أو تحسينه أو تضعيفه.
وتبعاً لذلك انبنى عليه الخلاف الفقهي في العمل بمقتضى ذلك الحديث.
وليس المقام مقام بسط لشروط الرواية وصحة الإسناد، ولكن أذكر سببين مباشرين يتعلق بهما الاختلاف:
أولاً: اختلافهم في حجية المرسل.
الثاني: اختلافهم في الجرح والتعديل.
أولاً: الحديث المرسل (1):
وقد اختلفت أقوال أهل العلم في الاحتجاج به إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يحتج به مطلقاً. وهو قول جمهور المحدثين كما قال الإمام مسلم (2).
الثاني: أنه يحتج به إذا كان من مراسيل القرون الثلاثة الأولى وكان مرسله ثقة. وهو قول الأحناف والمالكية وغيرهم (3).
الثالث: أنه يحتج به إذا عضدته إحدى القرائن الآتية: وهي: أن يروى الحديث مرسلاً من طريق آخر أو مسنداً، أو يفتي بحكمه بعض الصحابة، كما فصّل الشافعي -رحمه الله- في ذلك (4).
فمن قَبِلَ المرسل عمل بمقتضاه، ومن لم يقبله لم يعمل. وهذا السبب كفيل بأن يوجد بعض المسائل المختلف فيها لاختلافهم في حجية المرسل أو عدم حجيته.
ثانياً: اختلافهم في الجرح والتعديل:
__________
(1) وهو الذي يرفع فيه التابعي الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدون ذكر الواسطة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظُر: تعريفه في: التمهيد لابن عبد البر: (1/ 20)، النكت على كتاب ابن الصلاح: (2/ 543)، تدريب الراوي: (1/ 195)، توضيح الأفكار للأمير الصنعاني (1/ 287).
(2) صحيح مسلم: (1/ 30) في المقدمة.
(3) أصول السرخسي: (1/ 360).
(4) الرسالة، ص (461، 463). (1/38)
صفحة 39
من المعلوم أن رجال الإسناد منهم من هو ثقة باتفاق أهل الجرح والتعديل، ومنهم من هو مجروح لا يقبل حديثه باتفاق، وبين هاتين المرتبتين مراتب كثيرة، تكون سبباً لاختلاف الفقهاء في قبول أحاديثهم، وخصوصاً الرواة المختلف فيهم جرحاً وتعديلاً، وأن الحكم على الراوي حكم اجتهادي؛ يخضع لاختلاف وجهات نظر النقاد بين المتشدد والمتساهل.
قال الترمذي: "وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في ما سوى ذلك من العلم" (1).
وهذا سبب أوجد اختلافاً كبيراً، وذلك أن الراوي قد يكون مختلفاً في توثيقه وتضعيفه، فيترجح لدى البعض أنه يمكن قبول حديثه فيعمل بمقتضاه، في حين لا يقبله آخرون ترجيحاً لضعفه فيردون روايته ولا يعملون بمقتضاها.
ومن أسباب الاختلاف: رد بعض أخبار الآحاد الصحيحة الإسناد ببعض اعتبارات، لما فيها من شبهة الانقطاع.
1. عمل الراوي بخلاف ما روى:
اختلف في قبول تلك الرواية، والعمل بها. فقبلها الجمهور واعتبروا روايته دون عمله وعملوا بموجبها، ولم يقبلها الحنفية بل اعتبروا عمله وفتواه دون روايته؛ لاحتمال نسخها، أو لأنه لم يعمل بموجبها لعلمه أن المعنى الظاهر منها غير مراد (2).
ومثال ذلك حديث: غسل الإناء من ولوغ الكلب. الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ح: ÷طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات" (3).
وثبت عن أبي هريرة أنه غسل الإناء ثلاثاً من ولوغ الكلب فيه، واعتبروا عمل الراوي طعناً في روايته أو نسخاً لها.
2. رواية الآحاد لما تعم به البلوى:
__________
(1) شرح علل الحديث لابن رجب: (321)، وانظُر أسباب اختلاف المحدثين، خلدون الأحدب: (2/ 541).
(2) المحصول: (4/ 439)، الإحكام للآمدي: (2/ 104)، كشف الأسرار: (3/ 67)، فواتح الرحموت: (2/ 162).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 234) كتاب (الطهارة) باب (حكم ولوغ الكلب) رقم (279). (1/39)
صفحة 40
فقد انقسم أهل العلم تجاه هذه الرواية إلى فريقين، فذهب الجمهور وغيره إلى قبول تلك الرواية والعمل بمقتضاها (1)، وذهب الحنفية إلى جعل انفراد الراوي الواحد بتلك الرواية طعناً فيها، أو نسخاً، أو كانت على سبيل السهو. وباختلافهم في ذلك الأمر اختلفوا في بعض الأحكام الشرعية.
3. خبر الواحد الذي يتضمن زيادة على القرآن:
فعمل الجمهور بتلك الزيادة ولم يعمل بها الحنفية (2).
4. عمل أهل المدينة إذا خالف خبر الواحد:
وقد عمل الجمهور بالخبر وتركوا ما عليه من عمل أهل المدينة المخالف للخبر الواحد خلافاً للمالكية الذين قدموا عمل أهل المدينة على خبر الواحد؛ باعتبار أن عمل أهل المدينة نوع من الرواية فهو معارض له (3).
5. خبر الواحد إذا خالف القياس والأصول العامة المستنبطة من الكتاب والسنة، اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
أ- يقدم الخبر على القياس مطلقاً وهو قول الجمهور.
ب- يقدم القياس على الخبر.
ج- يقدم الخبر على القياس إذا كان الراوي معروفاً بالفقه وإلا قدم القياس (4).
من أسباب الاختلاف: الاختلاف في فهم النص:
وهذا السبب له دور كبير في وقوع الخلاف الفقهي في كثير من المسائل الفرعية، وللاختلاف في فهم النصوص عوامل عديدة، ومنها:
1. وقوع الاشتراك في اللغة:
__________
(1) المستصفى: (1/ 172)، روضة الناظر: (1/ 327)، الإحكام للآمدي: (2/ 102)، شرح طلعة الشمس: (2/ 22).
(2) أصول السرخسي: (2/ 82)، التقرير والتحبير: (3/ 99)، المستصفى: (1/ 117)، الأحكام للآمدي: (3/ 243).
(3) شرح تنقيح الفصول، ص (334)، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص (337).
(4) الإحكام للآمدي: (2/ 169)، روضة الناظر: (1/ 228)، شرح تنقيح الفصول: (378)، إحكام الفصول للباجي، ص (643)، كشف الأسرار: (2/ 377)، التقرير والتحبير: (2/ 398). (1/40)
صفحة 41
وقد سبق أن بينا أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، ومن ثم فقد تضمن في نصوصه أساليب العرب في خطاباتها، ومن هذه الأساليب وجود "المشترك" في اللغة، وهو اللفظ الذي يقع على معنيين في اللغة وقوعاً متساوياً (1)، وقد يكون هذان المعنيان متضادين، فيجب العمل بأحدهما، وهذا سبب من أسباب الاختلاف.
ومن أمثلة ذلك، هذا المثال المشهور في كتب الأصول، وهو الاختلاف في معنى القرء الواقع في قوله تعالى: ژ? ? ... چ چ چژ [البقرة228]. فقد اختلف في المقصود بالقرء هنا، هل هو الطهر، أو الحيض (2).
وانبنى على هذا الاختلاف خلاف في إحصاء العدة لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پژ [الطلاق1].
ومن مثال المشترك أيضاً كلمة النكاح (3) فهي مشتركة بين العقد والوطء. فانبنى عليه اختلاف في بعض المسائل الفقهية، ومنها حرمة أو جواز نكاح الابن لموطوءة أبيه. ومنها جواز العقد للمحرم أو عدم جوازه.
ومثاله في السنة في قوله ح: (البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا) (4). فكلمة الافتراق مشتركة بين الافتراق في القول والافتراق في الأبدان.
والاشتراك قد يكون في اللفظ المفرد أو في الأمر حيث يحمل على الوجوب أو الندب، أو في النهي حيث يحمل على التحريم أو الكراهة، أو في اللفظ المركب.
__________
(1) انظُر: في تعريف المشترك: الإنصاف لابن السيد بطليموس، ص (37)، إرشاد الفحول: (1/ 103).
(2) الإنصاف: (37 – 40)، النهاية لابن الأثير: (4/ 42).
(3) تخريج الفروع على الأصول، ص (105) مذكرات في أسباب اختلاف الفقهاء، ص (117).
(4) أخرجهُ البخاري: (4/ 382)، كتاب (البيوع)، باب (كم يجوز الخيار)، رقم (2107)، وفي باب: البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، رقم (2111)، ومسلم: (3/ 1163) كتاب (البيوع)، باب (ثبوت خيار المجلس)، رقم (1531)، وأخرجاه من حديث حكيم بن حزام فعند البخاري رقم (2110) من الكتاب والباب والمذكورين، وعند مسلم، رقم (1532) من كتاب (البيوع)، باب (الصدق في البيع والبيان). (1/41)
صفحة 42
2. وجود الحقيقة والمجاز:
ومن أمثلة ذلك في النصوص الشرعية قوله تعالى: ژ? ? ?ژ [النساء:43]، ومن أجل تردد اللمس بين الحقيقة والمجاز، وهو اللمس حقيقة أو الوطء مجازاً، اختلف في مس المرأة الأجنبية هل ينقض الوضوء أو لا؟.
3. وجود الغريب في اللغة:
ومن أمثلة ذلك، اختلاف أهل العلم في تفسير حديث النَّبِيّ ح: (لا طلاق ولا عتاق في غلاق) (1). فمن أهل العلم من فسّره بالغضب، ومنهم من فسره بالإكراه. والحديث أخذ به من لم يوقع الطلاق والعتاق من المكره.
4. اختلاف وجوه الإعراب (2): كقوله ح: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (3). اختلف في إعراب كلمة الذكاة الثانية بين الرفع والنصب، ففي حالة الرفع يجوز الأكل من الجنين تبعاً لذكاة أمه وإن كان ميتاً. وفي حالة النصب لا يجوز أكله إذا نزل ميتاً بتقديره ذكاته كذكاة أمه (4).
من أسباب الاختلاف: الاختلاف في نسخ بعض النصوص والأخبار وهذا له أثر في الاختلاف الفقهي فمن ادعى النسخ فيها ترك العمل في تلك النصوص ومن أثبتها عمل بموجبها.
من أسباب الاختلاف: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية (5):
__________
(1) الحديث أخرجه أبو داود: (2/ 642)، كتاب (الطلاق)، باب (في الطلاق على غلط)، رقم (2193) وقال أبو داود: الغلاق أظنه الغضب.
(2) الإنصاف للبطليوسي، ص (170).
(3) الحديث أجرخه أبوداود، كتاب الأضاحي، باب: ما جاء في ذكاة الجنين (2828)، والترمذي، كتاب الأطعمة، باب: في ذكاة الجنين: (1476)، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب: ذكاة الجنين (399).
(4) النهاية لابن الأثير (3/ 64)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: (2/ 626)، معالم السنن: (3/ 252).
(5) وقد فصل د: مصطفى الخن القول في هذه القواعد في رسالته القيمة "أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء". و د. عبد الحميد إسماعيل في الأدلة المختلف فيها وأثرها في الفقه الإسلامي. (1/42)
صفحة 43
1. وذلك مثل الاختلاف في حمل الخاص على العام بناء على اختلافهم في دلالة العام بين القطيعة والظنية، فالجمهور يرى أنها دلالة ظنية، والحنفية يرون أنها دلالة قطعية.
2. حمل المطلق على المقيد:
لقد كان لحمل المطلق على المقيد – أو عدم حمله – أثر في الاختلاف الفقهي، وذلك لاختلافهم في وجوب تقييد المطلق منها بما قيد به الآخر، أو عدم تقييده.
3. الاختلاف في حُجيَّة مفهوم المخالفة.
فقد اختلف أهل العلم في حجية المفهوم في اعتباره طريقاً من طريق الاستنباط أم لا. ومن ثم كان لهذه القاعدة مدخل في الخلاف الفقهي.
من أسباب الاختلاف، الاختلاف في كيفية الجمع والترجيح بين الأدلة:
من المعلوم أن هناك كثيراً من الأحاديث يوهم ظاهرها التعارض، مع ثبوت كل منهما عن النَّبِيّ ح، ومن ثم وجب العمل بكل منهما عن طريق الجمع بينهما أو العمل بأحدهما وترك الآخر عن طريق الترجيح أو ادعاء النسخ، وهذا يكون ببيئة توجب العمل بأحدهما وترك الآخر.
يقول ابن عبد البر في ذلك: (ليس لأحد من علماء الأمة أن يثبت حديثاً عن النَّبِيّ ح ثم يرده، دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع يجب – على أصله – الانقياد إليه، أو طعن في سنده. ولو فعل ذلك سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق) (1).
__________
(1) جامع بيان العلم وفضله: (2/ 148). (1/43)
صفحة 44
وقد اختلف أهل العلم في كيفية الجمع بين النصين اللذين ظاهرهما التعارض، فذهب الجمهور إلى دفع التعارض الظاهري بين المختلفين على الترتيب الآتي (1): باللجوء إلى الجمع، ثم ادعاء النسخ إذا عُلِمَ التاريخ (2)، ثم الترجيح، وهذا الترجيح له جوانب متعددة، وقد فصلتُ القولَ في ذلك إلى حد ما كما سيأتي في الباب الثاني – إن شاء الله – من هذه الرسالة.
الاختلاف في الاعتماد على بعض مصادر الأحكام:
من المعلوم أن هناك مصادر متفقاً عليها بين أهل العلم، يستنبط منها الأحكام الشرعية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس (3). وهناك مصادر مختلف في حجيتها، فبعض أهل العلم يراها صالحة لاستنباط الأحكام، وبعضهم لا يراها كذلك، وهذه المصادر هي:
1. شرع من قبلنا.
2. فتوى الصحابة.
3. المصالح المرسلة.
4. سد الذرائع.
5. الاستحسان.
6. عمل أهل المدينة.
سادساً: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية:
وذلك مثل حمل العام المتواتر على خاص الآحاد، ومثل حمل المطلق على المقيد، وغير ذلك مما تناوله أهل العلم، وسيأتي في الباب الثاني شيء من التفصيل في بعض هذه القواعد.
حكمة هذا الاختلاف:
وفي نهاية هذه المقدمة، أقول: إن لله تعالى الحكمة البالغة والحجة التامة، في جعل شريعته بهذه الميزة العظيمة التي شرف الله تعالى بها أمة النَّبِيّ ح، ويمكنني أن أشير هنا إلى بعض الحكم التي من أجلها كانت الشريعة بهذه المثابة:
__________
(1) مقدمة ابن الصلاح مع شرح الحافظ العراقي، ص (285)، الرسالة للإمام الشافعي، ص (341، 342). اللمع للشيرازي، ص (46)، شرح الكوكب المنير: (4/ 609 - 612).
(2) قد فصلت – في الباب الثاني إلى حد ما – القول في النسخ.
(3) وقد فصل القول في هذه المصادر، وبيان مدى حجيتها واعتمادها مصادراً وأصولاً، د. مصطفى ديب البغا في رسالته "أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي"، وهي مطبوعة. (1/44)
صفحة 45
1. شحذ عقول الأئمة وإبراز مواهبهم في التحري إلى الوصول إلى الحق.
2. تفضله سبحانه بإثابة من أصاب الحق بأجرين، ومن لم يصبه بأجر واحد على نيته وسعيه.
3. مسايرة الشريعة لتطورات الزمان واختلاف الأماكن، وهذا من فضله تعالى على العالمين.
4. ليرى سبحانه من يبذل جهده في إصابة الحق ومن يبذل جهده لمساندة باطل مستخدماً قواعد أهل العلم.
هذا ما ظهر لي من ذلك وإن كنت أقر بأن هناك حكماً عظيمة أخرى، ولكن هذا جهد المقِلّ، والحمد لله أولاً وأخراً.
المطلب الرابع: بعض المراجع المؤلفة في الخلافيات:
وبعد أن ذكرنا أسباب الاختلاف يحسن أن نذكر بعض المراجع والمصادر التي ألفت في الاختلاف، فمنها ما تكلم عن الخلاف من جهة الحديث وما تعلق به من أحكام، ومنها ما جمعت الخلاف بين الحديث وغيره من الأحكام الفقهية، ومنها ما عُنِيَت بدراسة أسباب الخلاف.
المجموعة الأولى التي عنيت بالخلاف من جهة الحديث.
- اختلاف الحديث للإمام الشافعي (1):
يعتبر الإمام الشافعي (رحمه الله) أول من أفرد مصنفاً مستقلاً لهذا النوع من العلم، ففي الكتاب مسائل الخلاف ولاسيما الجزء الأخير الذي أكثر فيه من الرد على غيره من الفقهاء. وفي الرسالة تناول موضوع الخلاف وبين وجوهه، ومسلك التعامل في مختلف الحديث (2).
وكتاب اختلاف الحديث يعتبر تطبيقاً لأصول الفقه على بعض المسائل الفقهية التي هي موضع خلاف بين أهل العلم، ويشتمل أيضاً على الأحاديث التي تبدو متعارضة، فيبين المنهج الذي ينبغي سلوكه للتعامل مع هذه الأحاديث.
__________
(1) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي، علم من أعلام المسلمين، ومناقبه ومفاخره أجل من أن تحصى، توفي سنة (24 هـ) بمصر انظُر: تذكرة الحافظ: (1/ 361).
(2) الرسالة، ص (210) باب (علل الحديث)، و ص (560) باب الاختلاف. (1/45)
صفحة 46
والكتاب يشتمل على أحاديث الأحكام دون غيرها، ولم يبوبه الشافعي، ولعله -رحمه الله- أراد أن ينبه على أسباب الاختلاف؛ إذ نجده في مقدمة الكتاب يتكلم عن أهمية السنة، ثم يتناول الأحاديث عن الأخبار المتواترة وأخبار الآحاد التي هي محل النزاع في مسائل فقهية كثيرة، ثم يتكلم عن مسائل النسخ، والعموم والخصوص مدخلاً فيها بعض مسائل الأمر والنهي (1).
ومسلكه في الحديثين المختلفين الذين يبدو بينهما شيء من التعارض أنه يحاول الجمع بينهما أولاً حتى يعمل بهما جميعاً دون تعطيل لأحدهما، فإن لم يمكنه الجمع صار إلى النسخ إذا كان تاريخهما معلوماً، أو صار الترجيح إن لم يمكن ادعاء النسخ (2).
ومما لا ريب فيه أن للكتاب أهمية عظيمة حيث أرسى فيه الشافعي قواعد نفي التعارض بين الأدلة الشرعية مما أفاد مَن جاء بعده مِن أهل العلم.
- تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري (3):
__________
(1) المنهج الإسلامي في مختلف الحديث: (41)، مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين، ص (58).
(2) مختلف الحديث وموقف النقاد، ص (388).
(3) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، نسبة إلى (دينور) الذي كان هو قاضيها، وكان رحمه الله عالماً فقهياً لغوياً أديباً عالماً بأيام العرب، وله عدة مصنفات، ومنها: غريب القرآن، وغريب الحديث، وتوفي ببغداد سنة (276هـ) ببغداد. انظُر: ترجمته في: سير أعلام النبلاء: (13/ 296)، الأعلام للزركلي: (4/ 137). (1/46)
صفحة 47
وهذا الكتاب لا يختص بأحاديث الأحكام التي يكون هناك تعارض ظاهري بين مدلولاتها، بل مزج فيه مؤلفه الأحاديث العقائدية أيضاً، وكان هدفه من ذلك بيانَ أنه لا تعارض بين نصوص الشريعة، سواء ما يتصل منها بالعقائد، أم ما يتصل بالأحكام، وهو بذلك يفند الشبهات التي أوردها بعض المتكلمين والمعتزلة والزنادقة، وقد وضع في حسبانه أيضاً أن يرد على الحنفية في تركهم العمل ببعض أحاديث الأحكام، حيث يورد الأحاديث التي ادعى فيها التناقض أو التي في ظاهرها مخالفة لكتاب الله أو مخالفة للعقل (1)، فيورد هذه الأحاديث ثم يقوم ببيان الإشكال، ثم يأخذ في إزالته مستعيناً بقدراته اللغوية، مستشهداً بأشعار العرب، ومسترشداً بأسباب ورود الحديث إن كان له سبب. ويعتبر ابن قتيبة من الرواد الأوائل في هذا الفن.
- التحقيق في أحاديث الخلاف (2)، لابن الجوزي (3):
__________
(1) انظُر: تأويل مختلف الحديث، ص (97).
(2) الكتاب طبعته دار الكتب العلمية بتحقيق محمد فارس ومسعد السعدني.
(3) هو العلامة أو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد البكري نسبة إلى أبي بكر الصديق، وهو معروف بابن الجوزي نسبة إلى الجوزة التي كانت بدار جدهم، فنسب إليه، نشأ ابن الجوزي يتيماً، فتولته عمته ودفعته إلى العلم والتحصيل فاجتهد ونال من العلم مرتبة منيفة، وله مؤلفات عديدة، ومن أهمها: زاد المسير في التفسير، والموضوعات في الحديث، والمنتظم في التاريخ، وتلبيس إبليس وغيرها كثير، وتوفي (رحمه الله) ليلة الجمعة 13 من رمضان سنة (597 هـ). سير أعلام النبلاء: (21/ 365)، وفيات الأعيان: (3/ 140). (1/47)
صفحة 48
حاول ابن الجوزي جمع المسائل الفقهية المختلف فيها بين الحنابلة وغيرهم الناشئة عن اختلاف الحديث، حيث يورد المسألة ثم يبين حكمها عند الحنابلة ومن وافقهم، ثم يذكر المخالفين لهم في تلك المسألة، ثم يردّ الأحاديث التي اعتمد عليها الفريقان، فيذكر أولاً الأحاديث التي احتج به الحنابلة ومن وافقهم، ثم الأحاديث التي استدل بها المخالفون، ويبين عللها وضعفها إن كانت كذلك.
والكتاب مرتب ترتيباً فقهياً مبتدئاً بمسائل الطهارة، منتهياً بمسائل العتق.
- اللباب في الجمع بين السنن والكتاب للمنبجي (1):
وهذا الكتاب ألفه صاحبه لدفع التهمة التي ألصقت بالحنفية أنهم يعدلون عن الحديث إلى القياس، فيذكر المسائل الخلافية ويستدل لها بالكتاب والسنة ليثبت أن الحنفية لم يتركوا السنة على الإطلاق.
وقد رتب كتابه هذا الترتيب الفقهي المعروف، ويصدّر كل مسألة بترجمة تفيد الحكم الفقهي، ثم يورد الحديث مع عزوه إلى مُخرجيه، ويبين وجه استدلال الحنفية بالحديث، أو يبين سبب ترك العمل به، كأن يكون الحديث ضعيفاً أو له معارض أقوى منه، أو لمسوّغ آخر، وهذا الكتاب يعدّ من كتب اختلاف الحديث.
المجموعة الثانية التي جمعت الخلاف الفقهي:
- المصنف في أحاديث الآثار (2) لابن أبي شيبة (3):
__________
(1) هو أبو محمد علي بن يحيى بن زكريا المنبجي، نسبة إلى مدينة منبج، التي ولد فيها، وتلقى العلم على أيدي علمائها، ثم ارتحل إلى القدس واستقر بها حتى وفاته سنة 686 هـ.
(2) والكتاب له طبعتان، الأولى طبعة الدار السلفية بالهند، والثانية طبعة مؤسسة الرسالة بيروت بتقديم وضبط كمال يوسف الحوت.
(3) هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة العبسى مولاهم، الإمام الحافظ، وتوفي رحمه الله عام (232 هـ). انظُر: سير أعلام النبلاء: (11/ 122)، تهذيب التهذيب: (6/ 2)، شذرات الذهب: (2/ 85). (1/48)
صفحة 49
وقد صنف ابن أبي شيبة كتابه هذا على الأبواب الفقهية، ويورد في الباب الأحاديث المرفوعة والموقوفة وآثار التابعين في مسألة معينة، ثم يورد ما يقابل هذه الأحاديث من المرويات بشيء في السند أو المتن أو الدلالات الفقهية.
- تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله ح من الأخبار (1)، للإمام الطبري (2):
ألف الإمام الطبري هذا الكتاب على ترتيب المسانيد، وابتدأ بما رواه أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة.
ولم يخرج في هذا الكتاب إلا ما صح عنده، ولا يذكر ما لم يصح إلا إذا كان قد اعتمد عليه أحد من أهل العلم في تأييد رأيه. وهو يورد الحديث ثم يبين سبب تركه، ويتكلم على علله إذا كان معلولاً ثم يذكر ما فيه من الفقه والمعاني واختلاف أهل العلم حوله ويذكر أدلته وحججهم، ثم يذكر ما يراه صواباً عنده.
__________
(1) عاجلت المنية الطبري قبل إتمامه. والكتاب من منشورات دار الخنجي بالقاهرة بتحقيق الشيخ محمود شاكر.
(2) هو الإمام الحافظ ابو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري من مدينة آمل أكبرالمدن بطبرستان، بها نشأ و طلب العلم ثم ارتحل إلي الأقاليم، واستقر ببغداد. كان جامعا للعلوم، إماما في التفسير والحديث والفقه واللغة والتاريخ. توفي ليلة الأحد ليومين بقيا من شوال سنة (310هـ)، وخلف ثروة علمية ضخمة من أهمها: جامع البيان المعروف تفسير الطبري، وكتاب تاريخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار. انظُر تذكرة الحفاظ: (2/ 710)، شذرات الذهب: (2/ 260). (1/49)
صفحة 50
- شرح معاني الآثار في أحاديث الأحكام لأبي جعفر الطحاوي (1):
وهو يورد في كتابه هذا بعض الأحاديث والآثار التي تفيد حكماً فقهياً معيناً قال به بعض الفقهاء، ثم يأتي بأحاديث وآثار أخرى تخالف مضمون الأحاديث السابقة، ثم يحاول الطحاوي التوفيق بين هذه الأحاديث كلها، إما بالجمع بينها، أو ادعاء النسخ في بعضها، أو ترجيح بعض هذه الأحاديث على الأخرى.
وفي غالب الأمر يأتي بالرأي المخالف له أولاً، ثم يأتي بالرأي الذي يميل إليه ثانياً، ويأخذ في الانتصار له بالآثار النقلية والحجج العقلية.
__________
(1) هو الحافظ الكبير أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، نسبته إلى (طحا)، وهي تتبع مركز (سمالوط) بمحافظة المنيا بصعيد مصر. كان من الفقهاء والمحدثين، تلقى العلم أولاً على يدي خاله أبي إسماعيل المزني تلميذ الإمام الشافعي، ثم ترك خاله وتتلمذ على يد الإمام أحمد بن عمران – وكان حنفي المذهب – فتلقى الطحاوي على يديه المذهب الحنفي، وارتحل إلى الشام، وسمع هناك من علمائها، ثم رجع إلى مصر وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي. له عدة مؤلفات، ومنها: شرح معاني الآثار في أحاديث الأحكام، وشرح مشكل الحديث، وأحكام القرآن، واختلاف الفقهاء الذي اختصره الرازي، وهذا المختصر مطبوع متداول. وتوفي (رحمه الله) سنة (321 هـ). انظُر: في ترجمة: سير أعلام النبلاء: (15/ 27)، الطحاوي وأثره في الحديث، د. عبد المجيد محمود. (1/50)
صفحة 51
- مختصر اختلاف العلماء (1)، لأبي بكر الجصاص (2):
وهو كتاب اختصره أبو بكر الجصاص من كتاب اختلاف العلماء لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفى (321 هـ)، قال ابن النديم: "كتاب اختلاف الفقهاء هو كتاب كبير ولم يتمه والذي خرج منه نحو ثمانين كتاباً (3).
ويتعرض المؤلف للمسألة مبتدئاً بقول الإمام أبي حنيفة ثم يذكر قول الأئمة الذين يوافقون قول أبي حنيفة، ثم يذكر قول الإمام مالك ومن يتفق قوله مع قول مالك، ثم يذكر قول الشافعي. ويستدل للمسألة بالآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين (4).
- ابن المنذر (5):
من العلماء الذين اهتموا بالخلاف بين أهل العلم، الإمام أبو بكر ابن المنذر، فقد صنف فيها عدة كتب، ومن هذه الكتب:
1. كتاب السنن والإجماع والاختلاف.
__________
(1) حقق هذا الكتاب د. عبد الله نذير أحمد، ونشرته دار البشائر الإسلامية ببيروت.
(2) هو أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي نسبة إلى الري، وهي مدينة بطهران عاصمة إيران. وكان الجصاص إمام الحنفية في عصره، وارتحل إلى بغداد ونيسابور، واستقر به المقام في بغداد، وبعد وفاة الإمام الكرخي وانتهت إليه رئاسة الحنفية. وتوفي (رحمه الله) في بغداد سنة (370 هـ) وله عدة مؤلفات من أهمها كتاب أحكام القرآن.
(3) الفهرست لابن النديم، ص (292).
(4) مقدمة كتاب مختصر اختلاف العلماء: (1/ 89).
(5) هو أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري المتوفى عام (318هـ)، كان محدثاً فقهياً عالماً مجتهداً، ولد في نيسابور من بلاد خرسان، وتلقى العلم بها، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وعلى يديه تلقى كثيرٌ من أهل العلم. وله عدة مؤلفات. انظُر: سير أعلام النبلاء: (14/ 491)، طبقات الشافعية للسبكي: (3/ 102)، الأعلام للزركلي: (6/ 184). (1/51)
صفحة 52
2. كتاب المبسوط، نقل فيه اختلاف العلماء ومذاهبهم (1).
3. كتاب الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (2):
وهذا مختصر من كتاب (المبسوط) السابق الذكر، والكتاب مرتب على الأبواب الفقهية بداية من كتاب الطهارة وينتهي بأبواب الجهاد.
وهو يورد المسائل الخلافية وينص على القائلين بها وأدلتهم، وكذلك المسألة التي ليست من مسائل الخلاف، ينص على حكمها وأدلتها، ويذكر المسائل المجمع عليها.
4. كتاب الإشراف على مذاهب أهل العلم (3):
وهو مختصر من الأوسط، حيث اكتفى فيه بذكر الخلاف الفقهي في المسألة والإشارة إلى أصحابها، ولا يذكر لأحد منهم نصاً، وحذف الأسانيد أيضاً من الأحاديث واكتفى بمتونها.
- الخلافيات للإمام البيهقي (4):
__________
(1) ذكره السبكي في طبقات الشافعية: (3/ 102)، تاريخ التراث العربي: (2/ 184)، معجم المؤلفين رضا كحالة: (8/ 220).
(2) الكتاب مطبوع بتحقيق د. أبو حماد صغير أحمد بن محمد، ونشرته دار طيبة بالسعودية.
(3) وقد نشر منه جزءان فقط بتحقيق محمد نجيب سراج الدين، ونشرته دار الثقافة بقطر. ونشر أربعة أجزاء بتحقيق أبي حماد أحمد، نشرته دار طيبة بالرياض.
(4) هو أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، نسبة إلى بيهق من مدن نيسابور، وأخذ يطلب العلم ببلده، ثم ارتحل إلى خرسان وما جاورها من البلدان، ثم رحل إلى بغداد والكوفة للتلقي من علمائها، وارتحل إلى الحجاز، ثم رجع إلى نيسابور واستقر بها معلماً وناشراً للعلم، وله عدة مؤلفات ذات أهمية كبرى، ومنها: السنن الكبرى، والسنن الصغرى، ومعرفة السنن والآثار، الجامع في شعب الإيمان، والخلافيات، وكتاب الأسماء والصفات وغيرها من المؤلفات النافعة. وتوفي رحمه الله سنة (458هـ). (1/52)
صفحة 53
جمع الإمام البيهقي في هذا الكتاب المسائل الخلافية بين الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، فهو يذكر المسألة المختلف فيها، ثم يذكر رأي الشافعية ثم رأي الحنفية بشكل موجز، ثم يعرض أدلة الشافعية ثم أدلة الحنفية وما فيها من الأحاديث والآثار بأسانيدها، ثم يرجح ما يراه راجحاً.
وقد اختصر هذا الكتاب أحمد بن فرج اللخمي الإشبيلي المتوفى سنة (699 هـ)، فجرد أسانيده واكتفى بالراوي الأعلى، وحذف أيضاً الطرق المكررة للحديث الواحد، وأبقى على أصحها (1). وهذا الكتاب يعد من كتب الخلاف التي تعني بإيراد أقوال الأئمة وذكر أدلتهم.
- كتاب المحلى بالآثار لابن حزم (2):
__________
(1) هذا المختصر نشرته مكتبة الرشد بالرياض، بتحقيق د/ ذياب عبد الكريم عقل.
(2) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الأندلسي، نشأ في أسرة مرموقة، وكان في أول أمره مهتماً بعلوم اللغة وآدابها، وكذلك الفلسفة، ولما بلغ السادسة والعشرين من عمره صرف نظره إلى دراسة الفقه والعلوم الشرعية، وكانت دراسته للفقه على المذهب المالكي السائد في الأندلس حينئذ، ثم انتقل إلى المذهب الشافعي، ولم يلبث قليلاً حتى اعتنق المذهب الظاهري، واستقر أمره عليه، ونافح عنه وجادل أشد المجادلة، وكان (رحمه الله) عنيفاً جداً في مناقشاته مع الفقهاء المعاصرين له، أو السابقين عليه عند إيراد أقواله، وقد اشتد الخلاف بينه وبين معاصريه وانتهى الأمر بتحذير العلماء منه حتى انتهى أمره بحرق كتبه، وبعزلته عن الناس في قرية (منت ليشم)، وتوفي بها سنة 456 هـ. ولابن حزم كتب كثيرة جليلة، ومن أهمها: الفصل في الملل والنحل، والإحكام في أصول الأحكام، والمحلى بالآثار، والايصال وهو كتاب ضخم في الفقه ولكنه لم يطبع حتى الآن.
انظُر: في ترجمة: تذكرة الحفاظ: (3/ 1146)، معجم الأدباء: (12/ 250)، وفيات الأعيان: (3/ 227). (1/53)
صفحة 54
يعتبر كتاب المحلى موسوعة فقهية، حيث يستعرض ابن حزم أحكام الفقه الإسلامي، ويأتي – في كل مسألة – بالأقوال الفقهية التي قالها الأئمة في تلك المسألة، وقد اهتم في كتابة هذا بإيراد أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من فقهاء الأمصار، وأقوال المذاهب الأربعة، وآراء المذهب الظاهري.
وفي كل مسألة يعرضها؛ يبين ما ورد في شأنها من كتاب الله وسنة رسوله ح وآثار الصحابة والتابعين بالأسانيد الموصولة، وفي أثناء ذلك يبين ما صح من تلك الأحاديث والآثار وما لم يصح.
كما يبيّن في كل مسألة رأيه الظاهري محتجاً له ومناقشاً لآراء الفقهاء المخالفين له بكل قوة وعنف. وبتك الآراء الفقهية التي يحتويها كتاب المحلى فإنه يعتبر من كتب الخلاف. وقد قدم ابن حزم لكتابه المحلى بمقدمتين:
الأولى: في أصول الاعتقاد.
الثانية: في أصول الأحكام الشرعية وطرق استنباطها مبيناً في ذلك ما يصح أن يكون أصلاً يعتمد عليه في استنباط الأحكام الشرعية، وما لا يصح أن يكون أصلاً.
ـ الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار لابن عبد البر (1).
المجموعة الثانية: من كتب الخلاف التي تذكر رؤوس المسائل وتبين الحكم المختلف فيه بين الفقهاء.
__________
(1) هو الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي. نشأ في بيت علم، وتوفي أبوه وهو صغير، وتولت والدته تربيته ورعايته، وتلقى العلم على أيدي علماء قرطبة حاضرة الأندلس، واجتهد في تحصيل العلم، فنال المراد، وبلغ في العلم مبلغاً عظيماً، ثم تفرغ للتعليم، والتصنيف، وتوفي (رحمه الله) سنة (463 هـ)، مخلفاً وراءه ثروة علمية ضخمة، ومن أهمها: الاستذكار، والتمهيد، والاستيعاب، والأنساب، والكافي في الفقه المالكي.
انظُر: في ترجمة: سير أعلام النبلاء: (18/ 153)، ترتيب المدارك: (4/ 808)، مقدمة الاستذكار: (1/ 80). (1/54)
صفحة 55
1. اختلاف الصحابة لأبي حنيفة المتوفى سنة 150 هـ (1).
2. كتاب الاختلاف لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة (290 هـ) (2).
3. اختلاف الفقهاء لابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ. وطبع منه جزء صغير يحتوي على بعض أبواب المعاملات، ومعظمه مفقود (3).
4. الاختلاف لأبي إسحق إبراهيم بن جابر المروزي الشافعي المتوفى سنة (370 هـ).
5. حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، لأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المتوفى سنة (507 هـ).
6. تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي المتوفى سنة (539 هـ).
7. طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف، لمحمد بن عبد الحميد الأسمندي المتوفى سنة (552هـ).
8. رؤوس المسائل أو المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية. لأبي القاسم محمد بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538 هـ.
9. الإفصاح عن معاني الصحاح في الفقه على المذاهب الأربعة لأبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة المتوفى سنة 560 هـ.
10. رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي.
11. إيثار الخلاف لسبط ابن الجوزي.
وهناك نوع من كتب الخلاف تعرضت لأسباب الخلاف ومناهج العلماء في دفع هذا الخلاف، ومن هذه الكتب:
1. تأسيس النظر: للإمام عبيد الله بن عمر الدبوسي المتوفى سنة 340 هـ.
2. الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين. لأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي المتوفى سنة 521هـ (4).
__________
(1) ذكره أبو الوفا الأفغاني في مقدمة كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلة.
(2) ذكره ابن النديم في الفهرست، ص (111).
(3) ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون: (2/ 1186)، وابن النديم في الفهرست، ص (272).
(4) وقد طبع الكتاب بعنوان (التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف بين المسلمين). (1/55)
صفحة 56
3. بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد المتوفى سنة 595هـ.
4. تخريج الفروع على الأصول: لأبي شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفى سنة 656هـ.
5. رفع الملام عن الأئمة الأعلام: لأبي العباس أحمد بن تيمية المتوفى سنة 728 هـ.
وقد تناول هذا الموضوع أيضاً بعض أهل العلم من المحدثين، ومنهم:
1. الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لأحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي المتوفى سنة 1114 هـ.
2. محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ الأستاذ على الخفيف.
3. أثر الاختلاف في قواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء للدكتور/ مصطفى سعيد الحسن.
4. دراسات في اختلاف الفقهاء للدكتور/ محمد أبو الفتح البيانوني.
5. أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء للشيخ محمد عوامة.
6. أسباب اختلاف الفقهاء للدكتور/ سالم الثقفي.
7. مختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه أسامة عبد الحميد الخياط.
8. أسباب اختلاف المحدثين د. خلدون الأهدب.
9. منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي.
10. المنهج في علم مختلف الحديث، د. عبد اللطيف السيد سالم.
11. مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين للدكتور/ ناقد حسين حماد.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن هناك كتباً قريبة من هذا الفن والتي عنيت بالحديث، ومنها: كتاب نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ الزيلعي.
وهو يخرج الأحاديث التي استدل بها الحنفية مما أورده الإمام المرغيناني في كتاب الهداية شرح بداية المبتدي، فالزيعلي يخرج تلك الأحاديث ويعزوها إلى مصادرها الأصلية، مع بيان درجة الحديث، ثم يورد الأحاديث التي يستدل بها مخالفو المذهب الحنفي، ويعزوها إلى مخرجيها مبيناً درجة كل حديث.
} - - {
المبحث الثاني
المذهب الإباضي،
أصوله ونتاجه الفقهي
المطلب الأول: نبذة تاريخية عن المذهب الإباضي: (1/56)
صفحة 57
بعد أن توفي رسول الله ح وانتقل إلى الرفيق الأعلى حدث خلاف فيمن يخلف رسول الله ح، وانتهى هذا الخلاف بتدخل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وعقدت له الخلافة، واستمر الأمر حتى قتل عثمان، وحدثت فتنة عظيمة في المجتمع الإسلامي، وتولى علي بن أبي طالب الخلافة، ولكن معاوية بن أبي سفيان لم يبايعه حتى يقتص من قتلة عثمان، ومن هنا بدأت الفتنة بين الإمام علي ومعاوية، وانتهت تلك الفتنة بما عرف بمسألة التحكيم، وبسببها انفض عن الإمام علي بعض أتباعه، لقبوله ذلك التحكيم، وهؤلاء سُموا "بالمحكِّمة" وأطلقت عليهم أسماء كثيرة، منها "الحروريَّة"، و"الشُّراة و"الخوارج" وغير ذلك.
وهذه الطائفة قاتلها الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهزمهم. ثم قُتِل الإمام علي وتولى ابنه الحسنُ الخلافة، ثم تنازل عنها لمعاوية الذي عقدها لابنه يزيد من بعده.
ولما تولى يزيد الخلافة خرج عليه الحسين - رضي الله عنه -، وانتهى الأمر بمقتل الحسين في كربلاء. وتم الأمر لبني أمية، ولكن (المحكِّمة) لم يرقهم هذا الحكم المستبد، الذي كالَ لمخالفيه شتى أنواع العذاب، وعلى رأسهم "العلويين" آل بيت النَّبِيّ ح.
انقسام المحكمة إلى فريقين:
الفريق الأول: رأى وجوب الخروج على الحكام الأمويين مهما كلفهم ذلك من متاعب، غير عابئين بنتيجة هذا الخروج.
والفريق الثاني: رأى ضرورة القعود، وعدم الخروج عليهم، لأن عدوّهم، بريء من الشرك، وما زال ينطق – مع ظلمه- بالشهادتين، ويؤدي الصلاة. وهؤلاء هم الذين عُرِفوا بالقَعَدَة.
وهذا الفريق الثاني، هو النواة الحقيقية لما عُرِف في التاريخ باسم "الإباضية" (1).
__________
(1) انظُر: نشأة الحركة الإباضية، د. عوض خليفات: (64: 74)، عمان الديمقراطية الإسلامية، ص (40). (1/57)
صفحة 58
وكان من بين هؤلاء القعدة، عبد الله بن إباض الذي نسبت إليه الإباضية فيما بعد، وهو الذي خالف نافع بن الأزرق في دعوته إلى الخروج على الحكام، وقال له: "لا أخرج لمحاربة الذين يقرؤون القرآن، ويرتفع الأذان في مساجدهم" (1).
وبسبب هذا الأمر انشق عن المحكمة فرقة الإباضية. وتختلف المصادر التاريخية اختلافاً غير جوهري فيمن تنسب إليه الإباضية، فبعضها تنسب هذه الفرقة إلى جابر بن زيد الأزدي المتوفى سنة (93هـ) (2)، وينسبهم البعض إلى عبدالله بن إباض (3).
__________
(1) كتاب السير والجوابات: (2/ 342)، كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، ص (155) لأبي العباس البرادي، طبقات المشايخ بالمغرب: (2/ 214)، وانظُر الكامل في الأدب: (2/ 160)، الكامل في التاريخ: (3/ 391)، تاريخ الأمم والملوك: (5/ 568)، الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص (14).
(2) هو الإمام جابر بن زيد الأزدي نسبة إلى قبيلة الأزد العمانية، ولد بعمان وهو من التابعين، وكان له دور هام في المذهب الإباضي خاصة في الناحية العلمية، وكان يأخذ مبدأ التقية طيلة حياته، وهو ما جعل البعض ينفي صلته بالإباضية. انظُر: ترجته في حلية الأولياء: (3/ 85)، تهذيب التهذيب: (4/ 265)، طبقات الدرجيني: (1/ 255)، سير الشماخي: (1/ 77)، الكامل لابن الأثير: (3/ 124)، العبر لابن خلدون: (2/ 78)، الفرق بين الفرق، ص (54)، الملل والنحل للشهرستاني: (2/ 180)، البعد الحضاري: (1/ 24)، العقود الفضية، ص (45).
(3) هو عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة، ولد في فترة معاوية وتوفي في آخر حياة عبد الملك بن مروان، أخذ العلم عن جابر بن زيد، وقد تولى المناظرات ممثلاً المذهب الإباضي، وكان جريئاً على الحكام من غير دعوة للخروج عليهم. انظُر: ترجمته في الجواهر المنتقاة، ص (155 وما بعدها). (1/58)
صفحة 59
وقد كان الأخير شجاعاً جريئاً، فتولى الجانب الحركي، والمناظرات التي كانت تعقد بين الإباضية وغيرهم وكان يصدر في ذلك كله عن رأي شيخه جابر بن زيد (1).
وهذا الخلاف السطحي يمكن إرجاعه إلى أن كلاً منهما (أعني جابر بن زيد، وعبدالله بن إباض) إمام للمذهب الإباضي، فجابر هو المؤسس العلمي، وابن إباض هو المعلن بالمذهب المناظر عنه، ولم تُؤثر عنه آراء فقهية، خلافا للإمام الفقهي جابر بن زيد.
وقد انتقلت تعاليم الإباضية من البصرة إلى أقطار شمال إفريقيا والجزيرة العربية، وقامت دول إباضية عاشت ردحاً من الزمان، لعل أشهرها في القديم الدولة الرستمية في الجزائر (160: 296هـ) والتي تمثل واحدة من أزهى فترات ازدهار المذهب الإباضي سياسيا وعلميا في التاريخ.
كما قامت دول أو إمامات (2) إباضية أخرى في أكثر من منطقة من العالم الإسلامي، ومنها عمان واليمن وحضرموت بالنسبة لجزيرة العرب، وجبل نفوسة في شمال إفريقيا ومناطق مختلفة في شرق أفريقيا وأهمها زنجبار، وبعض هذه المناطق ما تزال إباضية حتى الآن.
المطلب الثاني: مصادر التشريع المعتمدة في المذهب الإباضي:
من المسلّم به في الدراسات الفقهية أن كل "فقه" لابد له من منهج وأصول وقواعد، والتي بها يمكن استخراج تلك الأحكام الفرعية على وفق هذا المنهج وتلك الأصول.
__________
(1) الدولة الرستمية للدكتور بحاز إبراهيم بكير، ص (74).
(2) نشأة الحركة الإباضية للدكتور عوض خليفات، ص (116: 168) (1/59)
صفحة 60
والمذهب الإباضي ليس غريباً عن هذا، فهو مثل بقية المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها، إذ له أصوله الفقهية التي يلتقي فيها مع المذاهب الأخرى، فقد اتفقت المذاهب الأربعة – وغيرها من المذاهب السنية – على وجوب استناد الأحكام الشرعية إلى المصادر الأربعة؛ وهي: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس (1).
وهكذا الأمر عند "الإباضية" فهم يعتمدون أساساً على كتاب الله وسنة رسوله ح وعلى الإجماع والقياس.
يقول الشيخ خميس بن سعيد الشقصي من علماء الإباضية: (وأصول الدين: هو ما جاء فيه حكم من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه محمد ح أو من إجماع المهتدين من علماء الأمة ... فما وجد في الأصول الثلاثة وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، فهو أصل، وما لم يوجد فهو فرع، ويقاس عليها ما لم يذكر في أحدها) (2).
فهذا نص صريح في اعتبار المصادر الثلاثة، وما لم يوجد فيها فسبيله القياس على أحدها.
وقال الإمام السالمي: الأدلة الشرعية خمسة (3):
إحداهما: الكتاب
ثانيها: السنة
ثالثها: الإجماع
رابعها: القياس
خامسها: الاستدلال
ويعني بالاستدلال الأدلة المختلف فيها، كالاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وغير ذلك.
- الكتاب:
أما حجية "كتاب الله" ولزوم العمل بما فيه، والاستناد إليه في التشريع، فلا يسع مسلماً إنكاره أو الاختلاف في ذلك، قال تعالى: ژ? ? ? ? ... ? S S S S ? ?? ? ? ? ژ [الأعراف3].
__________
(1) خالف المذهب الظاهري في اعتماد القياس مصدراً من المصادر الشرعية. انظُر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: (2/ 515)، المحلى: (1/ 56)، النبذ في أصول الفقه الظاهري، ص (44)، وكلها لابن حزم، الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي، ص (135).
(2) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين: (1/ 83)، وانظُر قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي: (1/ 161)، الدليل والبرهان: (2/ 28).
(3) شرح طلعة الشمس: (1/ 26). (1/60)
صفحة 61
وقال تعالى: ژ ? ? ... ? ? ... ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? S ... S S ... S ژ [الأحزاب36] وقال تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ں ں ... ? ? ? ?ژ [الجاثية18].
- السنة:
وأما الاستدلال على حجية السنة النبوية فكثير في كتاب الله تعالى في إيجاب التحاكم إلى الرسول، وإيجاب طاعته، واعتبار طاعته من طاعة الله، والتحذير من مخالفته (1).
ويتشدد الإباضية مع من ينكر حجية سنة النَّبِيّ ح، اعتمادا على قول الله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ [الحشر7] ,
يقول الشيخ خميس بن سعيد: "والسنة على ضربين: مجتمع عليها، ومختلف فيها، فالمجتمع عليها فهي التي لا تحتاج إلى البحث عن طلب صحتها: لشهرتها عند الرواة وأهل التأويل وموافقتها لحكم التنزيل، وأما المختلف فيها: فهي التي لم يبلغ الكل علمها، ويقع التنازع بين الناس في صحتها؛ فلذلك يجب البحث عن الأسانيد والبحث عن صحتها، ثم يقع التنازع في تأويلها إذا صح نقلها، فإذا اختلفوا في حكمها، كان رجوعهم فيها إلى كتاب الله تعالى" (2).
__________
(1) كما في قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء65] وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12].
(2) منهج الطالبين: (1/ 84)، وانظُر مقدمة التوحيد، ص (43). (1/61)
صفحة 62
ويعمل الإباضية بجميع السنة سواء كانت موافقة لما في القرآن أو منشئة حكماً جديداً، ويحتج بالمتواترة منها والمشهورة والآحاد والمراسيل، وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث، ولو كان آحاداً أو مرسلاً، ولا يرد حديث الآحاد إلا إذا عارضه نص قطعي أو أصل من الأصول الثابتة، وهذا مما يدخل في الخلاف.
- الإجماع:
اعتبر الإباضية الإجماع من الحجج الشرعية، وموقفهم هذا مطابق لبقية المذاهب الفقهية المعتبرة (1)، يقول الشيخ خميس: "والإجماع حجة تقطع العذر، وهو توقيف، والقول به واجب" (2).
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي: "الإجماع هو اجتماع مجتهدي الأمة في عصر على حكم في حادثة، وهو حجة لا تجوز مخالفتها، وكل من خالف الحجة فهو محجوج" (3).
ويقول العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم عن إجماع الأمة: " ... وإجماعها كله صواب وحق بما سنذكره من الأدلة إن شاء الله، وما من ملة من الملل، ولا أمة من الأمم إلا وقد اجتمعوا على خطأ وباطل، لكن هذه الأمة إذا أطلقت اسم الإجماع إنما يريدون انعقاد الحجة (4).
وفي المدونة الكبرى: "ولم يكن اختلافهم في كتاب ولا في سنة ولا أثر مجمع عليه إلا اختلافاً في الرأي (5).
- القياس (6):
__________
(1) رأي الظاهرية أن الإجماع حجة في عصر الصحابة فقط.
انظُر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: (1/ 494).
(2) منهج الطالبين: (1/ 86).
(3) العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف: (1/ 184)، وانظُر: شرح طلعة الشمس: (2/ 65)، الفصول، ص (1/ 92).
(4) المدونة الكبرى: (1/ 92).
(5) المدونة الكبرى: (1/ 92).
(6) تعريف القياس هو:"حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما؛ وهو العلة". انظُر: شرح طلعة الشمس: (2/ 91). (1/62)
صفحة 63
وهو حجة عند الإباضية، كما هو حجة عند المذاهب الفقهية الأربعة (1). ولا يصار إليه إلا عند تعذر وجود نص من الكتاب والسنة أو الإجماع،
فعند الإباضية مقولة مشهورة تقول: "لا حظ للنظر إذا ثبت الأثر (2).
أخذ الإباضية ببعض الأصول المختلف فيها:
ولم تقف أصول التشريع عند الإباضية على تلك المصادر الأربعة، بل أخذوا ببعض المصادر الأخرى والتي اختلف في حجيتها بين المذاهب الفقهية الأربعة:
1. شرع من قبلنا:
والمقصود بشرع من قبلنا تلك الأحكام التي شرعها الله للأمم السابقة، وأنزلها على رسله السابقين، فبلغوها من أرسلوا إليهم.
وهناك من تلك الأحكام ما هو متفق عليه من أنه شرع لنا، وذلك ما قصه الله علينا – عن الأمم السابقة – في كتابه، أو صحت نسبته إلى رسولنا، ونص الله ورسوله على أنه شرع لنا أيضاً، ومن ذلك "وجوب الصيام" فبين الله في كتابه أنه مكتوباً على الأمم السابقة، وكتبه الله علينا أيضاً، كما قال تعالى: ژ? ? ? S ... S S S ... ? ... ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة183].
ومن شرع من قبلنا ما هو متفق على عدم العمل به، وأنه ليس شرعاً لنا، ومن ذلك ما قصة الله علينا في كتابه أو رسولنا ح في سنته، ثم ورد البيان أنه منسوخ في حقنا، ومن ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?? ? ?ژ [الأنعام146]. ومن ذلك تحريم العمل يوم السبت على السابقين.
ومن ذلك أيضاً تحريم الغنائم على من سبقنا، وهي محللة لنا، كما قال رسول الله ح: ÷وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ... × (3)، الحديث.
وهناك من الأحكام التي شرعت لمن قبلنا، ولم يرد لها ذكر في شريعتنا (كتاباً أو سنة)، فهذه ليست شرعاً لنا باتفاق.
__________
(1) انظُر: العدل والإنصاف: (2/ 59: 66)، الفصول، ص (281)، جامع ابن بركة: (1/ 14).
(2) انظُر: بيان الشرع: (1/ 27).
(3) أخرجهُ مسلم في صحيحه: (1/ 370) كتاب المساجد، باب: المساجد ومواضع الصلاة، رقم (521). (1/63)
صفحة 64
وهناك نوع أخير، وهو الأحكام التي شرعت لمن قبلنا ووردت في شرعنا كتاباً أو سنة، ولم يرد في ديننا ما يفيد الأمر بإتباعها أو النهي عنها، وذلك مثل أن يكون الصداق خدمة للمتزوجة من الزوج يقوم بها بنفسه، وقد ورد ذلك عن شعيب عليه السلام؛ إذ زوَّجَ موسى – عليه السلام – إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج (1)، ومثله أيضاً ما جاء في كتاب الله في قوله تعالى: ژے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [المائدة45].فهذا النوع هو محل الخلاف الوارد عن الأئمة (2)، وقد اعتبره قوم حجة، ورده آخرون (3). والذي استقر عليه العمل عند الإباضية أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد عليه نسخ أو إنكار أو تبديل.
2. قول الصحابي:
ومن الأدلة التي اختلف فيها الأئمة ما يسمى بـ "قول الصحابي" فبعضهم يقول: "هو حجة"، وبعضهم يقول: "إنه غير حجة".
وممن يقول بعدم حجيته الإباضية، يقول الإمام السالمي مبيناً أنه ليس بحجة: "الصحابي وغيره من المجتهدين سواء، فإذا لم يكن قول الصحابي حجة على صحابي مثله، كذلك يجب ألا يكون حجة على غير الصحابي؛ لأن الفرق بينهما تحكم، والله أعلم (4).
وجدير بالذكر أن أنبه على أمرين اتفق عليهما الأصوليين وهما:
الأول: أن مذهب الصحابي – في مسائل الاجتهاد – لا يكون حجة على صحابي مجتهد؛ لأن الصحابة – رضوان الله عليه – قد أجمعوا على جواز مخالفة بعضهم بعضاً في الاجتهاد، ولو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من الصحابة، لما جاز لغيره مخالفته.
__________
(1) انظُر: قوله تعالى في سورة القصص آية (27).
(2) شرح طلعة الشمس: (2/ 63)، الفصول: (353).
(3) انظُر: الإحكام للآمدي: (4/ 140)، المستصفى: (1/ 133)، فواتح الرحموت: (2/ 1830)، التقرير والتحبير: (2/ 308)، روضة الناظر: (1/ 400).
(4) شرح طلعة الشمس: (2/ 65)، الفصول: (356). (1/64)
صفحة 65
الثاني: أنهم قد اتفقوا على حجية قوله والعمل به إذا كان قول الصحابي فيما لا يدرك بالرأي والاجتهاد؛ لأن الظاهر في مثل هذا، أن يكون سمعه من النَّبِيّ ح، فهو من قبيل المرفوع (1).
3. الاستحسان:
ومن المصادر المختلف فيها بين المذاهب "الاستحسان"، وهو أحد أقسام القياس الخفي، واختلف في تعريفه، فقيل: هو: "ترك القياس بدليل أقوى منه، من كتاب أو سنة أو إجماع".
وقيل: "هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو تخصيص قياس بدليل أقوى منه".
وقيل: "هو عدول عن الدليل إلى العادة؛ المصلحة" كدخول الحمام من غير تعيين زمن المكث، وقدر الماء، والأجرة؛ فإنه معتاد على خلاف دليل للمصلحة، وكذلك شرب الماء من السقاء من غير تعيين قدره (2).
والتعريف المعتمد عند "الإباضية" في هذا هو أن "الاستحسان عن دليل أوهى إلى دليل أقوى (3) "؛ سواء كان المعدول إليه نص كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً أو اجتهاداً.
ومن أمثلة ذلك ما قالوه في الأكل ناسياً في رمضان أن القياس أنه يفطر كالحيض، والاستحسان أنه لا يفطر وذلك للخبر الوارد في هذا.
وفي كتاب العدل والإنصاف للوارجلاني، وكتاب شرح طلعة الشمس للسالمي أمثلة لمسائل الاستحسان.
__________
(1) الأدلة المختلف فيها وأثرها في الفقه الإسلامي د. عبد الحميد أبو المكارم، ص (286).
(2) انظُر: الأدلة المختلف فيها وأثرها في الفقه الإسلامي، د. عبد الحميد إسماعيل، ص (227 – 236) الوجيز في أصول الفقه د. عبد الكريم زيدان، ص (230)، الإحكام للآمدي: (3/ 136)، المستصفى: (1/ 274)، أصول التوحيد: (2/ 200)، كشف الأسرار: (4/ 2)، روضة الناظر: (1/ 407)، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص (401)، إرشاد الفحول، ص (211).
(3) شرح طلعة الشمس: (2/ 187)، الفصول، ص (355)، وانظُر العدل والإنصاف: (2/ 73). (1/65)
صفحة 66
ومما يؤكد الأخذ بالاستحسان عندهم ما قاله السيابي: "وفي فتاوى المذهب ما يدل على الأخذ بالاستحسان عند كثير من علماء الأصحاب" (1).
4. الاستصحاب:
قال الشيخ السالمي: (هو عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو عدم أو نحو ذلك ما لم يرد دليل ينقله عن حكم أصله إلى حكم آخر) (2).
وهو حجة عندهم في حالة عدم وجود نص يفيد الحكم، وقد أخذ به الحنابلة – وتوسعوا فيه – وأخذ به الشافعية، أما المالكية والحنفية فقد أخذوا به على ندرة (3).
5. المصالح المرسلة:
يقول الشيخ السالمي في "شرح طلعة الشمس": "من الاستدلال (4) المصالح المرسلة، وهي عبارة عن وصف مناسب، ترتبت عليه مصلحة العباد، واندفعت به عنهم المفسدة، لكن الشارع لم يعتبر ذلك الوصف بعينه، ولا بجنسه في شيء من الأحكام، ولم يعلم منه إلغاء له، ولذلك سمي مرسلااً" (5).
__________
(1) الفصول، ص (355)، وانظُر العدل والإنصاف: (2/ 73)، شرح طلعة الشمس: (2/ 185).
(2) شرح طلعة الشمس: (2/ 179)، وانظُر الفصول: (351)، فقه سعيد بن خلفان الخليلي، ص (112).
(3) أصول الفقه، أبو زهرة: (5/ 291)، أصول الفقه د. وهبه الزحيلي: (2/ 868)، أصول مذهب الإمام أحمد، ص (423)، الأدلة المختلف فيها، ص (31).
(4) يعني من أصول الاستدلال.
(5) شرح طلعة الشمس: (2/ 185). (1/66)
صفحة 67
وأخذ الإباضية بهذا الاستدلال في كثير من فروع الفقه كما نص عليه السالمي والراشدي والحارثي، كما أخذ بهذا الاستدلال المالكية (1) والحنابلة (2)، وأما الحنفية والشافعية فإنهم امتنعوا عن الأخذ به (3)، ولم يذكروه ضمن مصادر أصولهم.
والحق أن المصلحة معمول بها في جميع المذاهب الأربعة وإن لم يصرح به، فهو كالاستحسان عند الحنفية ومقاصد الشرع عند الشافعية (4)، وكثير من أحكام الفروع تقوم عليها، قال القرافي: "إن المصلحة في جميع المذاهب عند التحقيق؛ لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار. ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك".
وقال الشيخ علي الخفيف: "إن الجمهور من العلماء يرى اعتبار المصالح المرسلة، ويتضح من النظر في المذاهب الفقهية أن كثيراً من أحكامها تقوم على اعتبارها، وليس المذاهب الأربعة".
__________
(1) تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص (410)، الاعتصام، ص (351).
(2) رد بعض أصوليي الحنابلة الأخذ بالمصلحة المرسلة، ففي المسودة، ص (450) "المصالح لا يجوز بناء الأحكام عليها"، وفي روضة الناظر، ص (415): "والصحيح أن ذلك ليس بحجة" ولم يسلم ابن بدران بهذا القول، فتعقب ابن قدامة، فنقل عن الطوفي اعتبار المصلحة المرسلة. انظُر: نزهة الخاطر (1/ 415)، وقد أثبت غير واحد من الحنابلة الأخذ بالمصلحة في الفروع. انظُر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لا بدران، ص (138)، أصول مذهب الإمام أحمد للتركي، ص (471)، إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر: (4/ 321).
(3) شرح تنقيح الفصول، ص (446).
(4) مذكرات في أسباب اختلاف الفقهاء، ص (244)، وانظُر إرشاد الفحول، ص (213)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي، ص (170)، والإمام مالك لأبي زهرة، ص (309)، مناهج التشريع في القرن الثاني لأستاذنا الدكتور محمد البلتاجي: (2/ 853)، أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، ص (45)، أصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله، ص (150). (1/67)
صفحة 68
مما تقدم، يتضح لنا أن الفقه الإباضي له أصول اتفق فيها مع الأئمة الأربعة، وهي: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس. وله أصول أخرى وافق فيها بعض المذاهب الأربعة.
المطلب الثالث: ذكر بعض المصادر الفقهية عند الإباضية:
بعد أن عرضت نبذة موجزة عن نشأة الإباضية، وأصول التشريع عندهم، يجدر بالباحث أن يتناول الجانب الفقهي ومصادره عندهم، ولاسيما أن الإباضية قامت لهم دول في المشرق والمغرب، وكان لهم نفوذ واسع في فترات مختلفة، مما أثرى لديهم الجانب العلمي، فخلفوا تراثاً عظيماً، لكن المقام لا يتسع لذكر ذلك كله، فأكتفي بذكر بعض المصنفات الفقهية حسب التسلسل الزمني بادئاً بإباضية المشرق ثم إباضية المغرب (1).
القرن الأول الهجري:
1. ديوان الإمام جابر بن زيد المتوفى عام 93 هـ، وقد تلف هذا الديوان، ولكن انتقل ما فيه من آثار في مدونات الإباضية المشارقة منهم والمغاربة.
القرن الثاني:
__________
(1) لقد أفدت في هذا مما كتبه الإخوة الأفاضل في أبحاثهم: الدكتور فرحات الجعبيري "دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية"، والأخ الدكتور مبارك بن عبد الله الراشدي نشأة التدوين للفقه عبر القرون، ومبحثان مقدمان إلى ندوة الفقه الإسلامي جامعة السلطان قابوس بمسقط المنعقدة في شعبان سنة 8هـ الموافق إبريل سنة 1988م، "وسائل المعرفة في الفقه الإباضي" للأخ مبارك بن سيف الهاشمي، مقدمة مسجلة في كلية الدراسات الإسلامية بالأزهر، وأفدت من مقالات الأخ أحمد بن سعود السيابي التي نشرت في جريدة عمان في رمضان سنة 1409هـ الموافق إبريل 1989م، فضلاً عن سجلات وزارة التراث القومي العماني. (1/68)
صفحة 69
2. مسند الإمام الربيع بن حبيب العماني البصري المتوفى عام 170 هـ بصحار عمان (1)، وقد عاش سابقاً بالبصرة، وقد جمع هذا المسند في النصف الثاني من القرن الثاني، واعتمد فيها طريقة المسانيد، ثم رتبه على الأبواب الفقهية الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (2) الجزائري، وشرحه العلامة محمد بن عمر المكني بأبي ستة، وهو من علماء جربة في القرن الحادي عشر الهجري، ثم حشى عليه العلامة محمد بن يوسف أطفيش، وشرحه العلامة نور الدين عبد الله بن حميد السالمي شرحاً وافياً شافياً وخرّج أحاديثه أحسن تخريج.
__________
(1) هو الإمام الحجة الربيع بن حبيب الفراهيدي، نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم. عماني المولد من غطفان في ولاية لِوى غرب صحار من منطقة الباطنة في عمان. انتقل إلى البصرة حاضرة العلم آنذاك وتتلمذ على يد الإمام عبيدة مسلم بن كريمة وآلت إليه رئاسة العلم والفتوى في عمان ودفن في لِوَى عام 181هـ. ومن آثاره العظيمة مسنده الذي يعرف بمسند الإمام الربيع، ويعتبر من أهم المصادر في السنة عند الإباضية.
انظُر: في ترجمته: طبقات المشايخ للدرجيني (2/ 273). إتحاف الأعيان للبطاشي (1/ 86).الإمام أبو عبيدة وفقهه، الراشدي، ص (250).
(2) هو أبو يعقوب بن إبراهيم السدراتي الدرجيني وقد ولد ونشأ في مدينة سدراته بوارجلان في الجزائر وقد تتلمذ على علماء عصره مثل الشيخ أبي سليمان أيوب بن إسماعيل وأبي زكريا يحيى بن أبي زكريا وكان متوقد الذكاء دفع إلى أن يرحل لطلب العلم إلى كل من الأندلس والسودان والمشرق ومن إنتاجه العلم الغزير تفسير للقرآن إلا أنه مفقود، وله في الحديث كتاب ترتيب مسند الإمام الربيع، وفي أصول الفقه كتاب العدل والإنصاف، وفي أصول الدين كتاب الدليل والبرهان، وله كتب في الفلسفة، والتاريخ، والسير، وله ديوان شعر. وقد توفى -رحمه الله عليه- سنة 570هـ.
انظُر: أبو يعقوب الوارجلاني وفكرة الأصولي، مصطفى باجو، ص (82). (1/69)
صفحة 70
3. مدونة أبي غانم الخرساني، المتوفى في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (1)، لكنه قد انتهى من تدوين المدونة في أواخر القرن الثاني الهجري؛ وقد طبع منها مجلدان، وعثر أخيراً على الباقي وهي قيد التحقيق (2).
وهناك المدونة الصغرى المنسوبة إلى بشر بن غانم أيضاً.
وقد اتخذ المؤلف أسلوب السؤال والجواب، حيث سجل فيها أجوبة مشايخه وأقوال الصحابة والتابعين في المسألة.
القرن الثالث الهجري:
4. جامع أبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي رحمه الله (3)، ويبلغ الكتاب ستة مجلدات، وهو كتاب جليل القدر عند الإباضية، وقد تناوله الفقهاء بالشرح والتعليق وقامت بطبعه وزارة التراث العمانية، ومن أهم شروحه شرح العلامة ابن بركة، وسيأتي ذكره، وللمؤلف مصنفات أخرى.
القرن الرابع الهجري:
__________
(1) هو أبو غانم الخرساني، من أعلام النصف الثاني للقرن الثاني الهجري، تلقى العلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وغيره من معاصريه، فدون عنهم آرائهم وفتاويهم وما حفظ عنهم من العلم، وجمعه في مصنفيه المعروفين باسم بالمدونة الكبرى والصغرى، مما كان له فضل في حفظ آراء وفتاوى الطبقة الأولى من علماء الإباضية، وقد توفي -رحمه الله- في النصف الأول من القرن الثالث الهجري.
انظُر: السير للشماخي، ص (228)، طبقات الدرجيني: (2/ 323).
(2) حققها الدكتور مصطفى باجو، وطبعتها وزارة التراث العمانية، في ثلاث مجلدات، وصدرت سنة 2007م.
(3) هو الشيخ العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي. من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، من أشياخه العلامة محمد بن محبوب بن رحيل وهو ينتمي لأسرة علمية حيث كان والده وأخوه سعيد من رجال العلم الذين زخرت بهم عمان في ظل الإمامة الثانية، وهو من ولاية إزكي. وله من المؤلفات جامعه المشهور بجامع أبي جعفر في أجزاء متعددة، طبع منها حتى الآن أربعة أجزاء.
انظُر: البطاشي، إتحاف الأعيان، ص (207). (1/70)
صفحة 71
5. جامع ابن بركة: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي السليمي رحمه الله، وهو من العلماء المجتهدين وكتابه يدل على غزارة علمه؛ حيث يقرن المسألة بدليلها من الكتاب والسنة، ويرجح ويضعف ويقرر ما يراه صواباً، وقد طبع الكتاب في مجلدين، ويقال: إن له جزءاً ثالثاً مفقوداً.
6. المعتبر لأبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي الملقب بإمام المذهب (1)، ويقع في تسعة أجزاء، وقد أتت عليها النيران في حريق إلا مجلداً واحداً طبع في وزارة التراث في ثلاث مجلدات، ويعتبر مرجعا هاما في الفقه الإباضي؛ لأن مؤلفه من مجتهدي الإباضية، بل كان -رحمه الله- إماماً في عصره.
7. الضياء لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري رحمه الله (2)،
__________
(1) هو الشيخ العلامة أبو سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، من كدم بولاية الحمراء في داخلية عمان، ولد سنة 305هـ تقريباً، عاصر الإمام الشهيد سعيد بن عبد الله بن محبوب، والإمام راشد بن الوليد، وهو من كبار علماء عصره، وله مؤلفات جليلة مثل: كتاب الاستقامة، وكتاب العبر، وله تعقيبات على كتاب الإشراف لابن منذر النيسابوري. وقد ملئت مصادر الفقه الإباضي بآرائه وتحقيقاته السديدة. وتخرج على يديه الكثير من العلماء، توفي ما بين سنة (53 - 56) من القرن الرابع للهجرة.
انظُر: إتحاف الأعيان البطاشي: (1/ 215).
(2) هو الشيخ العلامة الفقيه اللغوي النسابه أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الصحاري، من علماء النصف الأول من القرن الخامس الهجري، كان -رحمه الله- من أشهر العلماء في عمان في عصره، ويعد من العلماء الموسوعيين، له مؤلفات عديدة في العلوم الشعرية، واللغة، والأنساب والتاريخ. ومن أهم مؤلفاته: كتاب الضياء في أربعة وعشرين مجلداً، ومن مؤلفاته في اللغة: كتاب الإبانة في اللغة، وفي الأنساب والتاريخ: كتاب الأنساب، وهو مطبوع في جزأين. وسنة وفاته غير معلومة.
انظُر: إتحاف الأعيان: (1/ 273). (1/71)
صفحة 72
في أربع وعشرين مجلداً وعنيت وزارة التراث القومي والثقافة بطبعه (1).
القرن الخامس الهجري:
8. جامع أبي الحسن البسيوي (2)، نسبة إلى بسيا تابعة لولاية بهلا من داخلية عمان، وقد طبعته وزارة التراث العمانية في أربعة مجلدات، والمؤلف أخذ العلم عن العلامة ابن بركة.
9. بيان الشرع للشيخ العالم محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي النزوي المتوفى في 12 رمضان 508هـ (3)، والكتاب يقع في اثنين وسبعين جزءاً ويحتوي على جميع أبواب الشريعة، ويعتبر الكتاب من موسوعات الفقهية، وقد صدر منها حوالي 23 مجلداً من نشر وزارة التراث العمانية، وللمؤلف مصنفات أخرى غير هذا الكتاب.
القرن السادس الهجري:
__________
(1) – ... أعيد طبعه مؤخرا، من قِبل وزارة الأوقاف في عمان بتحقيق سليمان بابزيز.
(2) هو العلامة الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي الأزدي، من بسيا ولاية بهلا بداخلية عمان، وهو من أشهر تلامذة الشيخ العلامة ابن بركة من علماء القرن الرابع للهجرة في عمان، وقد توفي الشيخ البسيوي في الثلث الأخير من القرن الرابع للهجرة تقريباً تاركاً ورائه مؤلفات قيمة مثل: كتاب جامع أبي الحسن وكتاب السير وكتاب سبوغ النعمة.
انظُر: إتحاف الأعيان: (1/ 229).
(3) هو العلامة القاضي الشيخ محمد بن إبراهيم بن سلمان الكندي النزوي من ولاية نزوى العاصمة التاريخية لعمان كان العلامة الكندي من أشهر علماء عصره في القرن الخامس إلى أوائل القرن السادس الهجريين وهو رحمه الله غزير الإنتاج حيث ألف كتباً قيمة تعتبر من أهم المصادر في عمان ومنها كتاب بيان الشرع الذي يقع في اثنين وسبعين جزءاً وله قصيدة غراء في وصف الجنة تسمى العبيرية. شرحها الكثير من العلماء منها الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وقد طبع الشرح في كتاب الجنة في وصف الجنة توفي -رحمه الله عليه- في شهر رمضان من عام 508هـ.
إتحاف الأعيان للبطاشي: (1/ 236). (1/72)
صفحة 73
10. كتاب المصنف للعالم أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي المتوفى في15 ربيع الأول عام 557هـ (1)، ويقع الكتاب في ثلاثة وأربعين جزءاً، وقامت بطبعه وزارة التراث العمانية، وهو كتاب نفيس رتبه أحسن ترتيب وهذب الفقه وأصوله فيه خير تهذيب، ويعتبر من أمهات كتب الإباضية (2).
القرن الحادي عشر:
__________
(1) هو العلامة الفقيه الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي النزوي -رحمه الله- من علماء القرن السادس الهجري، وينحدر من سلالة علمية منهم على سبيل المثال: العلامة محمد بن إبراهيم الكندي صاحب كتاب بيان الشرع، والعلامة محمد بن موسى الكندي صاحب كتاب الكفاية. وقد ألف الكثير من الكتب في فنون شتى منها: كتاب التخصيص في الولاية والبراءة، وكتاب الاهتداء، وكتاب التيسير في النحو، وكتاب سيرة البررة، ومن أشهر مؤلفاته: كتاب المصنف الذي يقع في واحد وأربعين جزءاً توفي -رحمه الله- عشية الاثنين للنصف من شهر ربيع الآخر سنة 557هـ.
إتحاف الأعيان للبطاشي: (1/ 253 – 254).
(2) حققه الدكتور مصطفى باجو، وهو تحت الطبع بإشراف وزارة الأوقاف في عُمان. (1/73)
صفحة 74
11. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين في اثنين وعشرين جزءاً للشيخ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي (1)، وهو الذي قام بعقد الإمامة على أول إمام من اليعاربة وهو الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، وكتاب منهج الطالبين كتاب جليل القدر ومن المراجع الهامة في المذهب الإباضي عامة وفي الفقه خاصة، وينبئ عن قدرة المؤلف على التأليف وغزارة علمه وسعة اطلاعه، وقد طبع على نفقة وزارة التراث العمانية بكامله، وتوفي في القرن الحادي عشر حوالي الستين بعد الألف.
القرن الثاني عشر:
12. لباب الآثار: وهو كتاب ضخم صنفه الشيخ جمعه بن علي الصائغي بطلب من الشيخ مهنا بن خلفان البوسعيدي (2)،
__________
(1) هو الشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي من ولاية الرستاق بعمان، وهو من كبار علماء القرن الحادي عشر للهجره، وكان له دور بارز في نصب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عام 1024هـ، وله كتابان هما: كتابه الموسوعي القيم منهج الطالبين يقع في عشرين جزءا، وكتاب الإمامه العظمى. وقد عاش إلى ما بعد 1060هـ، كذلك سنة وفاته لم تحدد. وقد عاش طويلاً لأنه ولد ما بين عامي 980 و985هـ. أشعة من الفقه الإسلامي، للتيواجني، ص (162).
(2) هو العلامة السيد أبو زهير مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي من علماء القرن الثاني عشر الهجري، كان معاصرا للعلامة جاعد بن خميس الخروصي وكان والده من رجال الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي المؤسس الأول للأسرة الحاكمة حتى الآن، وكان شغوفاً بطلب العلم إلى أن منّ الله عليه بعلم واسع، ومن أهم كتبه القيمة: كتاب لباب الآثار وهو جامع في الأديان والأحكام ملئ بأقوال العلماء وأرائهم، وقد توفاه الله في شهر شوال من عام 1250هـ رحمه الله.
انظُر: كتاب لباب الآثار: (1/ 704). (1/74)
صفحة 75
وقد تم طبع هذا الكتاب على نفقة التراث العمانية في سبعة عشر مجلداً كبير الحجم، وهو يعتبر من الكتب القيمة والمراجع الأساسية في الفقه الإباضي، ومعظمه مسائل مفردة بطريقة السؤال والجواب.
القرن الثالث عشر الهجري:
13. قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي (1)، وعدد أجزائه تسعون، وهو موسوعة إسلامية، قيد فيها جميع فنون الشريعة الإسلامية، وقد تضمن ما جاء في بيان الشرع وزاد عليه من أجوبة المتأخرين شيئا كثيراً.
14. مكنون الخزائن للمؤلف موسى بن عيسى البشري، وقد اختصره من كتاب الخزائن وجعله في ثلاث مجلدات، ولكنه صدر مطبوعاً في أربعة عشر مجلداً، وقد قال في مقدمة الجزء الأول ما نصه: "فهذا كتاب اتخذته من الكتاب الذي ألفته وهو يسمى خزائن الأسرار وسميته مكنون الخزائن وعيون المعادن، فذلك سبع قطع وهذا ثلاث، وكلاهما في الشرع قد احتويا على الأصل منه والفرع".
القرن الرابع عشر الهجري:
__________
(1) هو الشيخ العلامة جميل بن خميس السعدي من علماء القرن الثالث عشر الهجري، وهو من بلدة القرط بولاية المصنعة من منطقة الباطنة في عمان، ويعتبر كتابه الموسوعي القيم من أضخم المؤلفات الإباضية حيث يبلغ عدد أجزاء كتابه تسعين جزءاً، وقد تم بعض أجزاء هذا الكتاب.
انظُر: دليل أعلام عمان، ص (46). ندوة الفقه الإسلامي د. مبارك الراشدي، ص (196). (1/75)
صفحة 76
15. معارج الآمال شرح مدارج الكمال، للإمام عبد الله بن حميد السالمي (1)، وهو شرح لنظم كتاب مختصر الخصال الذي ألفه الإمام أبو إسحاق الحضرمي، ويبلغ هذا الشرح ثمانية عشر مجلداً متوسط الحجم، وقد أبدع مؤلفه في التنسيق والترتيب على نحو لم يسبق إليه أحد من علماء الإباضية وانتهى الشرح إلى آخر باب الاعتكاف، وتوفي قبل أن يستكمله رحمه الله، وهو شرح عظيم الفائدة.
__________
(1) هو الإمام المجدد نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد سنة 1286 ببلدة الحوقين، من أعمال ولاية الرستاق، الولاية ذات التاريخ العريق التي كانت يوماً عاصمة لعمان. وكان -رحمه الله- متوقد الذكاء، قوي الذاكرة، كفيف البصر، بلغ درجة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة العلماء في عمان في عهده، كان شديد الغيرة على الإسلام، همه الأول إزالة الظلم وإرساء العدالة، كان غزير التأليف في فنون شتى من العلوم الإسلامية. ومن مؤلفاته القيمة: معارج الآمال على مدارج الكمال، وكتاب شمس الأصول منظومة في ألف بيت في علم أصول الفقه، وشرحه في كتاب سماه طلعة الشمس، وله كتاب جوهر النظام وكتاب شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع. وفي التاريخ كتاب تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان. وله مؤلفات أخرى منها في علوم اللغة العربية وغيرها من فنون العلم. توفي -رحمه الله- عام 1332هـ وهو لم يتجاوز العام السادس والأربعين من عمره.
انظُر: أشعة من الفقه الإسلامي، ص (167 - 169). (1/76)
صفحة 77
16. نثار الجوهر: وهو في ثلاثة مجلدات كبيرة للشيخ ناصر بن سالم الرواحي (1)، وكان قصد المؤلف أن يجعله في اثنين وعشرين جزءاً، ولكنه وافاه الأجل قبل ذلك، وهو شرح لكتاب جوهر النظام، وهو أرجوزة الشيخ السالمي السالف الذكر، وجرى فيه على نسق كتاب المعارج المذكور، وقد صوره بالأوفست الشيخ حمد بن سالم الرواحي.
مؤلفات إباضية المغرب
وللإباضية في المغرب فضل كبير في التأليف والتصنيف الفقهي، إلا أنه لم تبلغنا مصنفاتهم في القرون الأولى، ولعلهم كانوا يكتفون بما يرد إليهم من المشرق، وهنالك سبب آخر ولعله السبب الحقيقي، وهو الحريق الذي حدث في مكتبة المعصومة بـ"تيهرت" عاصمة الدولة الرستمية سنة 296هـ، وقد وصلت إلينا مؤلفاتهم بعد ذلك، ومنها:
من القرن الرابع الهجري:
17. ديوان مشايخ جربة المعروف بديوان الغار حيث ألفه سبعة من الأشياخ في غار مجماج بجربة، وهو في اثنى عشر جزءاً، ولا يزال مخطوطاً، والمشايخ هم: أبو عمران وجابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح وأبو مجبر توزين، وهؤلاء من قبيلة مزاتة، وأبو عمر النميلي، وأبو زكريا بن جرناز النفوسي، وأبو عبد الله بن الناتوح اللّمّائي.
من القرن الخامس الهجري:
__________
(1) هو الشيخ العلامة الشاعر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي، ولد سنة 1273هـ في بلدة محرم بولاية سمائل، وقد تلقى العلم أولاً في عمان ثم رحل إلى شرق أفريقيا (زنجبار) في العهد العربي العماني، وكان والده من قضاة سلطان زنجبار، وقد نبغ في الشعر، وله قصائد وطنية غراء، وله في الشعر باع طويل من مؤلفاته القيمة: كتاب نثار الجوهر ولكن للأسف لم يكمل هذا السفر القيم؛ حيث وافاه الأجل -رحمه الله- يوم ثاني صفر سنة 1339هـ في زنجبار.
انظُر: مقدمة كتاب نثار الجوهر، سالم بن حمود السيابي. (1/77)
صفحة 78
18. ديوان الأشياخ المعروف بديوان العزابة، وهو أربعة وعشرون جزءاً كما يقول البرادي، ويقال: إنه خمسة وعشرون، وقال البرادي: إنه المعتمد عندهم في جربة في زمانه.
من القرن السادس الهجري:
19. أصول الأرَضِين للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر المتوفى سنة 570هـ في ثمانية أجزاء صغار ولا يزال مخطوطاً، ويتولى تحقيقه الدكتور محمد ناصر (1).
20.كتاب "الوضع" للمؤلف نفسه في مجلد واحد، تناوله الفقهاء من بعده بالشرح والحواشي، لأهميته ومكانة صاحبه العلمية، وقد طبع عدة مرات.
من القرن الثامن الهجري:
21. قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي -رحمه الله- دفين جربة بتونس (2)
__________
(1) صدر الكتاب عن جمعية التراث بالجزائر بتحقيق الشيخ بالحاج بكير، ود. محمد ناصر.
(2) هو العلامة أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي، نشأ في مدينة جيطال جبل نفوسة بتونس، وهو من علماء أواخر النصف الثاني من القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن الهجريين، وكان عهده زاخراً بالعلماء في نفوسه، أخذ العلم عن العالم الكبير أبي موسى عيسى بن عيسى الطريسي المتوفى سنة 722هـ، ونظراً لغزارة علم الشيخ الجيطالي فقد تخرج عن يديه نخبة من العلماء البارزين مثل: ابنه أبي عمران، وحفيده سليمان، والشيخ أبي القاسم البرادي، وغيرهم وله مؤلفات عدة منها قواعد الإسلام، وقناطر الخيرات، وشرح النونية في ثلاثة أجزاء في أصول الدين وكتاب الحساب وقسم الفرائض وكتاب الحج المناسك وغيرها من الكتب القيمة توفي رحمه الله في جربة في تونس عام 750هـ.
انظُر: مقدمة كتاب قواعد الإسلام، بكلى عبد الرحمن. (1/78)
صفحة 79
ويقع الكتاب في جزأين، وقد اقتصر المؤلف فيه على أبواب العبادات. وقد تأثر بمنهج ابن رشد في كتابه بداية المجتهد، فيذكر الخلاف في المسألة مع ذكر رأي الإباضية بإيجاز، وقد طبع الكتاب بالجزائر، وهو كتاب جليل، يدل على غزارة علم المؤلف وقدرته على عرض مسائل الخلاف. صححه وعلق عليه بتعليقات مفيدة الشيخ عبد الرحمن بكلي.
22.الإيضاح للشيخ عامر بن علي الشماخي (1) في أربعة مجلدات، وقد تناول فيه أكثر أبواب الفقه، وحشى على الكتاب الشيخ أبو ستة الجربي، وطبع عدة مرات آخرها طبعة وزارة التراث العمانية في ثمانية أجزاء، وهو كتاب قيم يأتي المؤلف فيه بالمسألة مع أدلتها من الكتاب والسنة والإجماع.
23. قناطر الخيرات للمؤلف نفسه، وقد اتبع فيه طريقة الغزالي في إحياء علوم الدين، وهو كتاب جيد كشف عن عيوب النفس وعلاجها، وقد طبع في ثلاثة أجزاء على نفقة وزارة التراث.
القرن الحادي عشر:
24. حاشية الترتيب للشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر أبو ستة، والملقب بالمحشي؛ ولُقِب بذلك لأنه ألف حوالي عشرين حاشية، منها هذه، وهو شرح مسند الربيع، وقد طبعت على نفقة وزارة التراث العمانية في ثمانية أجزاء متوسطة، وهي حاشية قيمة تدل على مكانة المؤلف العلمية.
من القرن الثالث عشر:
__________
(1) هو العلامة أبو ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي وقد نسب إلى جبل شماخ في ليبيا وقد نشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى وقد كون مدرسته الشهيرة في بلدة يفرن التي لا تزال مبانيها باقية حتى اليوم منذ عهده في القرن الثامن الهجري. وكان مرجع الفتوى والرأي في جبل نفوسة. ومن أهم مؤلفاته كتاب الإيضاح الذي يعتبر من أمهات كتاب الفقه في المذهب الإباضي. توفي رحمه الله سنة 792هـ.
انظُر: مقدمة كتاب الإيضاح. ندوة الفقه الإسلامي، لمجموعة من الباحثين، ص (515). (1/79)
صفحة 80
25. النيل وشفاء العليل للشيخ عبد العزيز الثميني (1)، وهو في ثلاثة مجلدات في أبواب الفقه كلها، قد اختصر فيه كتاب الإيضاح وهو كتاب جليل من أهم المراجع في الفقه الإباضي.
من القرن الرابع عشر الهجري:
26. شرح كتاب النيل وشفاء العليل للشيخ محمد بن يوسف أطفيش (2) في سبعة عشر مجلدا ًطبع عدة مرات، وهو كتاب فقهي نفيس وموسوعة مقارنة في الفقه الإسلامي.
__________
(1) هو الشيخ العلامة عبد العزيز بن الحاج الثميني يلقب بضياء الدين، ولد في يسجن ولاية غرداية ودي ميزاب بجنوب الجزائر سنة 1130هـ. انتهت إليه رئاسة العلم في عصره عند إباضية المغرب العربي. له مؤلفات عديدة منها: النيل وشفاء العليل شرحه القطب أطفيش. الورد البسام في رياض الأحكام. التاج في حقوق الأزواج. توفي -رضي الله عنه- سنة 1220هـ، دفن في بلدة بني يسجن، بوادي ميزاب، جنوب الجزائر.
انظُر: مقدمة كتاب معالم الدين، لسالم ابن حمد الحارثي.
(2) هو الشيخ العلامة محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش، لقب بالقطب لغزارة علمه، ولد في مدينة غرداية عام 1236هـ الموافق 1821م، نبغ في العلم منذ نعومة أظفاره، درس بالإضافة إلى العلوم الشرعية والعربية علم المنطق، والحساب، والفلك، وقد وصل درجة الاجتهاد في المذهب الإباضي وهو لا يتجاوز الثلاثين من عمره، وخير ما يبرز ذلك مؤلفاته القيمة في التفسير: هيميان الزاد ويقع في 14 مجلداً، وله تفسير داعي العمل ليوم الآمل ما يزال مخطوطاً، وتفسير التيسير. وفي الحديث: ترتيب الترتيب، ووفاء الضمانة، وجامع الشمل، وفي الفقه: شامل الأصل والفرع، وشرح كتاب النيل وشفاء العليل، وله كتب أخرى كثيرة في مختلف العلوم الشرعية والعربية والتاريخ، وفي الثقافة الإسلامية. وتوفي رحمه الله عليه في 22 من ربيع الثاني 1332هـ الموافق مارس 1914م عن عمر يناهز ستة وتسعين سنة.
انظُر: كتاب "الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ومنهجه في التفسير"، بوتردين، ص (20 – 62). (1/80)
صفحة 81
بعض المصادر الأصولية عند الإباضية (1)
1.الأكِلَّة وحقائق الأدلة:
للشيخ أبي محمد بن موسي بن إبراهيم المَنَحي (2).
2. العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف:
تأليف العلامة الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.
3. كتاب شرح طلعة الشمس على الألفية:
تأليف العلامة أبي محمد عبد الله ين حميد السالمي.
4. فصول الأصول:
تأليف الشيخ خلفان بن جميل السيابي (3).
} - - {
الباب الأول
قضايا فقهية مختارة من مختلف الحديث
وهي قضايا فقهية متفرقة من أبواب الفقه المختلفة:
المبحث الأول: ... قضايا فقهية من باب الطهارات.
المبحث الثاني: ... قضايا فقهية من باب الصلاة.
المبحث الثالث: ... قضايا فقهية من باب الصيام.
المبحث الرابع: ... قضايا فقهية من باب الزكاة.
المبحث الخامس: ... قضايا فقهية من باب الحج.
المبحث السادس: ... قضايا فقهية من باب الذبائح.
المبحث السابع: ... قضايا فقهية من باب النكاح.
المبحث الثامن: ... قضايا فقهية من أبواب متفرقة.
المبحث الأول
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في باب الطهارات
__________
(1) - هذه المصادر التي استقلَّت بالتأليف في أصول الفقه، وأكثر المطولات الفقهية تناولت المباحث الأصولية.
(2) أبو محمد نجاد بن موسي بن إبراهيم المنَحي، نسبة إلي مدينة مَنَح من داخلية عمان. المتوفي 513هـ عاش في زمن إمامة راشد بن علي.
تحفة الأعيان، للسالمي، (1/ 274)، منهج الاجتهاد، مصطفى باجو، ص44.
(3) هو الشيخ الجليل العلامة خلفان بن جميل بن حرمل السيابي، المكنى بأبي يحيى، ولد عام 1308هـ / 1890م، ببلده سمائل، عمل فترة طويلة بالقضاء في عدة ولايات، وكان مرجعاً علمياً كبيراً، وله من المؤلفات: كتاب سلك الدرر، وكتاب فصول الأصول، وكتاب بهجة المجالس، وغير ذلك من الكتب. توفي رحمه الله عام 1392هـ - 1972م. (1/81)
صفحة 82
من المعلوم أن الخلاف الفقهي واسع ومتشعب الفروع، ولا يمكن لنا في هذه الرسالة أن نتناول جميع مختلف ما ورد في السنة بالاستقصاء التام؛ لأن هذا أمر يطول جداً، ومن ثم فقد قمت بدراسة بعض المسائل و القضايا الفقهية المختلف فيها عند العلماء لاختلاف الحديث فيها، مع مراعاة أن تكون تلك المسائل من أبواب متفرقة، وأن تحتوي – على قدر الوسع والطاقة- قائمة الأصول التي يمكن أن يرجع إليها تأصيل الخلاف.
عدد غسلات الإناء الذي ولغ فيه الكلب:
1. عن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ح: ÷طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب (1) أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب× (2).
2. عن أبي هريرة ? قال في الإناء يلغ فيه الكلب: ÷يغسل ثلاث مرات× (3).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على وجوب غسل الإناء الذي ولغ فبه الكلب، للأمر الثابت عن رسول الله ح، ولنجاسته عند الجمهور، خلافا للمالكية الذين قالوا بطهارة سؤره تبعا لقولهم بطهارة الكلب أصلا (4).
ثم اختلف أهل العلم في عدد مرات غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، هل يغسل – وجوبا - ثلاثا أم سبعا؟، على قولين:
__________
(1) ولغ الكلب: إذا شرب بطرف لسانه من الإناء، أو أدخل لسانه فيه وحركه.
(2) أخرجهُ بهذا اللفظ مسلم: (1/ 234) كتاب (الطهارة)، باب: (حكم ولوغ الكلب)، رقم (279)، وأخرجهُ البخاري بلفظ:" إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ". صحيح البخاري: (1/ 330) كتاب (الطهارة)، باب: (الماء الذي يغتسل به شعر الإنسان)، رقم (172).
(3) هذا الأثر أخرجهُ الدارقطني في سنته: (1/ 66)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 32) والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (2/ 59) من طريق أبي هريرة.
(4) انظُر: المنتقى للباجي: (1/ 73)، بداية المجتهد: (1/ 45)، حاشية الدسوقي: (1/ 43)، وقد قال بعض أئمة الإباضية أيضا بطهارة سؤر الكلب، منهم أبو عبيد مسلم بن أبى كريمة؛ نقل عنة ذلك ابن جعفر في جامعه: (1/ 37). (1/82)
صفحة 83
القول الأول: أنه يكتفي بغسله ثلاث مرات، وهذا هو مذهب الحنفية (1).وقد استدلوا على قولهم بما أفتى به أبو هريرة ? أن الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل ثلاث مرات (2)؛ قالوا: لم يكن لأبي هريرة ـ وهو راوي الحديث ـ أن يفتى ويعمل بخلاف ما روى عن رسول الله ح إلا لعلمه أن هذا الحكم منسوخ، وأن غسل الإناء سبعا كان من التشديدات في أمر الكلاب في بادئ الأمر حتى أمر بقتلها. وقد قووا مذهبهم برواية عن أبي هريرة أيضا، وفيها التنصيص على غسل الإناء ثلاث مرات (3)، وبرواية عنه أيضا، وفيها التخيير بين ثلاث وخمس وسبع (4).
وقد أجيب على هذا الاستدلال بأن فتوى أبي هريرة على خلاف ما روى لها احتمالان:
الأول: أن يكون قد نسي ما روى فأفتى بثلاث.
__________
(1) انظُر: شرح معاني الآثار: (1/ 23)، المبسوط: (1/ 48)، شرح فتح القدير: (1/ 107).
(2) انظُر: شرح معاني الآثار: (1/ 24)، معرفة السنن والآثار: (2/ 57)
(3) أخرجهُ ابن عدى في الكامل في ترجمة علي الكرابيسي: (2/ 365)، ترجمة رقم (495)، ولفظة:" وإذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله ثلاث مرات " وقال: لم يرفعه غيره، ولم أًرَ له حديثا منكرا غيره، قلت: والنكارة من حيث إنه خالف غيره فرفع الحديث، والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة. وقد نوه ابن الجوزي بهذا الحديث في كتابة التحقيق: (1/ 74) وأنكر على الكرابيسي رفعه.
(4) وهو حديث ضعيف أخرجهُ الدارقطني في سننه: (1/ 65)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (2/ 56) في إسناده عبد الوهاب بن الضحاك، و هو متروك الحديث، انظُر المجروحين: (1/ 147)، تهذيب التهذيب: (6/ 447)، وفيه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف الرواية إذا روى عن غير الشاميين، وقد رواه عن هشام بن عروة، وهو من أهل الحجاز. انظُر: المجروحين: (1/ 124)، تهذيب التهذيب: (1/ 321). (1/83)
صفحة 84
الثاني: أن يكون ذلك لاعتقاده أن غسل الإناء سبعا للندب، و أن الغسل ثلاث مرات للوجوب، فأفتى بما يعتقده من الوجوب. و أجيب أيضا بأن فتوى الراوي وعمله بخلاف روايته ليست حجة، بل الحجة فيما صح من روايته عن النَّبِيّ ح.
وقد أجابوا عن الأحاديث المروية، والتي فيها الأمر بغسل الإناء ثلاثا، أو التخيير بين الثلاث والخمس والسبع بأنها ضعيفة، وأما فتوى أبى هريرة بالثلاث؛ فقد روى عنه أيضا أنه أفتى بغسل الإناء سبع مرات (1) وفي هذا موافقة لروايته بغسل الإناء سبعا، بل إن فتواه التي توافق روايته أرجح من رواية فتواه التي فيها الأمر بغسل الإناء ثلاثا (2).
وأما استدلال الحنفية ومن وافقهم بالقياس على بقية النجاسات وأنها تغسل ثلاثا، فأجابوا عنه بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار (3).
القول الثاني:
__________
(1) وهذه الفتوى رواها ابن حزم في المحلى: (1/ 114)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 242)، وانظُر المجموع شرح المهذب: (2/ 600)، وفتح الباري: (1/ 332).
(2) وذلك لأن فتوى الثلاث في إسنادها عبد الملك بن أبي سليمان، وهو لا يقبل إذا خالف الثقات، و رواية السبع من طريق حماد بن زيد عن أبي أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، وهؤلاء الرواة أقوى في الرواية والحفظ والإتقان.
(3) السنن الكبرى: (1/ 242)، معرفة السنن والآثار: (2/ 6359)، المحلى: (1/ 114)، المجموع: (2/ 599)، فتح الباري: (1/ 332). (1/84)
صفحة 85
أنه يجب غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات؛ وهو مذهب المالكية والشافعية (1)، واستدلوا على قولهم هذا بأن الحديث قد صح في الأمر بغسل الإناء سبعا إذا ولغ فيه الكلب، ولا التفات لما يخالف من فتوى الراوي أو عمله، وان التعبد قائم بقول الرسول ح فقط.
رأى الإباضية في هذه المسألة:
للإباضية في هذه المسألة قولان:
الأول: أنه يكتفي بغسل الإناء ثلاث مرات، متفقين في ذلك مع الأحناف.
الثاني: أنه يغسل الإناء سبع مرات. وقد وفق الإباضية بين رواية الثلاث. ورواية السبع، وفتوى الثلاث، أن الغسل ثلاثا هو الواجب، وما زاد على ذلك فهو للندب (2).
ومن الإباضية من رجح وجوب الغسل سبعا تمسكا بالعدد الوارد في الحديث، قال في نثار الجوهر: وبالجملة، فمقصود الشرع زوال النجاسة، فإن زالت قبل الثلاث أو قبل السبع فلابد من استيفاء العدد الوارد. إما على مذهب جابر بن زيد وضمام بن السائب بأن مشروعية العدد ندب وإما على المذهب الثاني بأن المشروعية تعبدٌ (3).
سبب الخلاف:
__________
(1) المنتقى للباجي: (1/ 73)، الأم: (1/ 6)، المجموع: (2/ 597)، مغني المحتاج: (1/ 83)، وقد ذكرت أقوال المذاهب الثلاثة في غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب، وبقى قول الحنابلة في ذلك وهو أنهم قالوا بغسله ثماني مرات؛ أخذا بحديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجهُ مسلم في صحيحه: (4/ 235)، كتاب (الطهارة)، باب (حكم ولوغ الكلب)، رقم (280) بإسناده عن ابن المغفل قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب. ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب. وانتظر في قولهم: المغني لابن قدامة: (1/ 52)، المبدع شرح المقنع: (1/ 236).
(2) جامع ابن بركة: (1/ 198)، جامع ابن جعفر: (1/ 2744)، شرح النيل: (1/ 113)، معارج الآمال: (5/ 34).
(3) نثار الجوهر: (1/ 122،121). (1/85)
صفحة 86
مما سبق يتضح أن اختلاف أهل العلم في هذه المسألة يكمن في التعارض بين رواية الراوي وبين عمله وفتواه، فمن رأى أن فتوى الراوي وعمله بخلاف روايته يُعد ناسخا لروايته أخذ بفتواه. ومن رأى أن التعبد قائم بما صح عن النَّبِيّ ح فقط ولا عبرة بما عارضه من فتوى أو عمل الراوي، أخذ بالرواية وترك ما خالفها، وخصوصا إذا كان احتمال نسيان الراوي، أو تأويله لما روي قائما. والله أعلم.
***
استقبال القبلة عند قضاء حاجة:
1 - عن أبي أيوب الأنصاري ? قال: قال رسول الله ح: ÷إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يُوَلِها ظهره، شرّقوا أو غرّبوا× (1).
2 - عن عبد الله بن عمر ? أنه كان يقول: إن ناسا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. فقال عبد الله بن عمر: ÷لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ح على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته× (2).
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري: (1/ 295) كتاب الوضوء، باب (استقبال القبلة بغائط أو بول)، رقم (144)، ومسلم: (1/ 224) كتاب (الطهارة)، باب (الاستطابة)، رقم (264)، وللحديث شواهد منها حديث أبى هريرة في صحيح مسلم: (1/ 224)، رقم (265)، وحديث سلمان الفارسي في صحيح مسلم: (1/ 224)، رقم (262).
(2) أخرجهُ البخاري: (1/ 297) كتاب الوضوء، باب (من تبرز على لبنتين)، رقم: (145)، ومسلم في صحيحه: (1/ 225) كتاب (الطهارة)، باب (الاستطابة) رقم (266). (1/86)
صفحة 87
3 - عن جابر بن عبد الله ? قال: ÷نهى نبي الله ح أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها× (1).
4 - عن مروان الأصفر قال: "رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول فيها. فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس" (2).
الأثر الفقهي:
اختلفت أهل العلم في مقتضى هذه الأحاديث المختلفة المتعلقة باستقبال القبلة واستدبارها؛ بين الجواز أو المنع مطلقا، أو تخصيص الجواز بالأبنية دون الصحارى و البراري.
القول الأول: ذهب الحنفية (3)، والحنابلة (4): على عدم جواز استقبال القبلة أو استدبارها، و استدلوا بحديث أبي أيوب ? وغيره في عموم النهي ورجحوها على الأحاديث المعارضة لها من عدة أوجه:
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (1/ 21)، كتاب (الطهارة)، باب (الرخصة في ذلك)، رقم (13)، والترمذي: (1/ 15)، أبواب (الطهارة)، باب (ما جاء في الرخصة في ذلك)، رقم (9)، وابن ماجه: (1/ 117)، كتاب الطهارة، باب (الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحارى)، رقم (325)، والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وله شواهد من حديث أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، قالت: (لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول الناس فاستقبل القبلة). الحديث في مسند الإمام أحمد: (6/ 184)، وحسن إسناده النووي في المجموع: (2/ 93).
(2) أخرجهُ أبوداود: (1/ 20)، كتاب الطهارة، باب (كراهة استقبال القبلة)، رقم (1).الحديث سكت عنه أبو داود وصححه الحاكم في المستدرك: (135) والحازمي في الاعتبار، ص (137).
(3) حاشية المحتار: (341)، الاختيار لتعليل المختار: (1/ 37).
(4) المغني لابن قدامة: (1/ 162)، الكافي: (1/ 97)، المبدع: (1/ 85). و قول عند الحنابلة بجواز ذلك في البنيان دون الصحاري، لحديث ابن عمر وللتوفيق بين الأدلة. وهو ما رجحه المرادي في الإنصاف: (1/ 100). (1/87)
صفحة 88
الأول: أن حديث النهي قول، و حديث ابن عمر و عائشة و جابر - رضي الله عنهم - فعل، والقول مقدم على الفعل عند التعارض؛ و ذلك لاحتمال خصوصية ذلك بالنبي ح.
الثاني: أن هذه الأحاديث تفيد حكاية الحال، وحكايات الأحوال تعتريها الأعذار والأسباب، والأقوال لا تحتمل ذلك.
الثالث: أن القول شرع متبع، والفعل عادة، والشرع مقدم على العادة (1).
القول الثاني: وهو مذهب المالكية (2) والشافعية (3): أنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى والبراري، وأن ذلك جائز في الأبنية، أو إذا وُجِد ساتر بين القبلة والإنسان وذلك لحديث ابن عمر? وحملوا أحاديث النهي، بأن النهي خاص بالصحارى دون الأبنية، وأن حديث ابن عمر مخصص لها، وفي ذلك جمع بين الأحاديث المتعارضة؛ وعللوا الحكمة من النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة لتعظيم القبلة، فيجب صيانتها في الصحارى، ورخص في الأبنية للمشقة، ولاحتمال أن يكون في الصحارى ملائكة وجنّ يصلّون، فربما وقع بصرهم على عورته، وأن الكنيف والمراحيض ليست محلا للصلاة (4).
وقال جماعة من السلف بجواز استقبال القبلة واستدبارها، يروى ذلك عن عائشة وعروة بن الزبير وربيعة بن عبد الرحمن، وداود الظاهري، واستدلوا بحديث عائشة وجابر -رضي الله عنهما- وقالوا: إن في حديثهما دلاله على نسخ النهي عن استقبال القبلة واستدبارها.
وقالوا: إن الأحاديث في المسألة متعارضة، فينبغي الرجوع إلى الأصل وهو الإباحة (5).
__________
(1) در المحتار: (1/ 342)، زهر الربى المجتبى: (1/ 22)، حاشية السندي على سنن النسائي: (1/ 23).
(2) المدونة الكبرى: (1/ 117)، حاشية الدسوقي: (1/ 108).
(3) المجموع: (2/ 92)، مغني المحتاج: (1/ 40).
(4) انظُر: المجموع: (2/ 97)، مقدمات ابن رشد، ص (22)،الاعتبار، ص (138).
(5) الاعتبار، ص (134). (1/88)
صفحة 89
وأجيب عن ذلك بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة (1)، وقد أمكن بين الأحاديث المتعارضة في المسألة (2). وفي المسألة أقوال أخرى متفرقة تصل إلى ثمانية أقوال تركتها لعدم الإطالة (3).
ومذهب الإباضية (4): أنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى والبراري، وجواز ذلك في الأبنية أو إذا وجد ساتر بين الأبنية والإنسان، وذلك لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- وحملوا أحاديث النهي؛ بأنه خاص بالصحارى دون الأبنية، وأن عمر مخصص لها كما سبق بيانه في مذهب المالكية والشافعية.
سبب الخلاف:
في هذه المسألة راجع إلى تعارض الأحاديث بين إباحة استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة والمنع من ذلك، فمن ذهب إلى الجمع بين هذه الأحاديث قال بجواز ذلك في الأبنية دون الصحارى، وهو الذي أراه صوابا، وذلك للجمع بين الأدلة، فهو أولى من طرح بعضها كما هو مقرر عند الأصوليين (5).
ومن ذهب إلى الترجيح بين الأحاديث، رجع أحاديث النهي فقالوا بعدم جواز الاستقبال والاستدبار لا في الصحارى ولا في البنيان، ومن ذهب إلى النسخ قال بجواز ذلك مطلقا. ومنهم من جعل الفعل خاصا بالنبي ح والنهي خاصا بالأمة، والله تعالى أعلم.
الوضوء من مسح الفرج
__________
(1) المجموع: (1/ 97).
(2) الإيضاح: (1/ 15)، معارج الآمال: (1/ 224)، فتح الباري: (1/ 296).
(3) نيل الأوطار: (1/ 110).
(4) قواعد الإسلام: (1/ 133)، الإيضاح: (1/ 13)، حاشية الترتيب: (1/ 131)، شرح النيل: (1/ 47)، معارج الآمال: (1/ 243)، نثار الجوهر: (1/ 123).
(5) المحصول: (3/ 260) نثار الجوهر: (1/ 123). (1/89)
صفحة 90
1. عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله ح يقول: ÷من مسّ ذكره فليتوضّأ× (1).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود في سنته: (1/ 125)، كتاب الطهارة، باب (الوضوء من مس الذكر)، رقم (181)، والترمذي في سنته: (1/ 126)، أبوب (الطهارة)، باب (الوضوء من مس الذكر)، رقم (81)، والنسائي، كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من مس الذكر)، رقم (163)، وابن ماجه (1/ 161)، كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من مس الذكر)، رقم (479). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الإمام أحمد ويحيى ابن معين وغيرهم من أهل الحديث. التلخيص الحبير: (1/ 134)، وصححه النووي في المجموع: (2/ 47)، وقد أعل الطحاوي حديث بسرة بالانقطاع والجهالة في الإسناد وجهالة بسرة. شرح معاني الآثار: (1/ 62)، وأجيب بأن للحديث طرقا متعددة متصلة مما ينفي عنه شبهة الانقطاع والجهالة، وللحديث شواهد: منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنهم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا أفضى أحدكم بيده ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ " أخرجهُ الإمام الشافعي في الأم: (1/ 19)، والإمام أحمد في مسنده: (2/ 333)، والدارقطني: (1/ 53)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 74) والحاكم في المستدرك: (1/ 138)، وفي إسناده ضعف لضعف يزيد بن عبد الملك. المجروحين: (3/ 102)، تهذيب التهذيب: (11/ 347) وبه أعل الحديث الطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 39)، والنووي في المجموع: (1/ 39)، وانظُر التلخيص الحبير: (1/ 134) ونصب الراية: (1/ 56). ويتقوى الحديث بطرق أخرى فقد تابع نافع بن عمر الجمحي يزيد بن عبد الملك كما هو عند الإمام أحمد في مسنده: (2/ 33)، وأشار إلى ذلك البيهقي في معرفة السنن: (1/ 389)، وفي الاعتبار، ص (145) وقال النووي: يتقوى الحديث بمجموع طرقه. المجموع: (1/ 39) .. وله شاهد آخر من حديث عبد الملك بن عمرو بن العاص في مسند أحمد (2/ 223)، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من مس ذكره فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ " ورواه البيهقي في السنن الكبرى: (1/ 132) وفي معرفة السنن والآثار: (1/ 403) وفي إسناد بقية وهو مشهور بالتدليس إلا أنه " صرح بالتحديث عند البيهقي، فصحح الحديث، وصححه الحازمي في الاعتبار، ص (145)، وفي الباب شواهد أخرى من حديث عائشة وأم حبيبة وزيد بن خالد وابن عمر وجابر بن عبد الله وإن كان فيها مقال ولكن يشد بعضها بعضا. انظُر: سنن الدارقطني: (1/ 147)، والسنن الكبرى: (1/ 132)، شرح معاني الآثار: (1/ 70)، التحقق لابن الجوزي: (1/ 178 - 181). (1/90)
صفحة 91
2. عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على نبي الله ح، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: ÷يا نبي الله، ما ترى في مسّ الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مضغة منه (1)، أو قال: بضعة (2) منه× (3).
الأثر الفقهي:
__________
(1) المضغة: هي القطعة التي تمضغ من لحم وغيره. المعجم الوسيط: ماده (م ض غ).
(2) البضعة: بفتح الباء القطعة من اللحم. مختار الصحاح، ص (55) مادة (ب ض ع).
(3) أخرجهُ أبو داود في سننه: (1/ 127)، كتاب (الطهارة)، باب (الرخصة في ذلك)، رقم (182)، والترمذي: (1/ 131)، أبواب (الطهارة)، باب (ترك الوضوء من مس الذكر)، رقم (85)، والنسائي: (1/ 110) كتاب (الطهارة)، باب (ترك الوضوء من ذلك)، وابن ماجه: (1/ 163) كتاب (الطهارة)، باب (الرخصة في الوضوء من مس الذكر)، رقم (483)، والحديث صححه ابن حبان، والطحاوي، وابن حزم، وعمرو بن الفلاس، ورجحه على حديث بسرة. الاعتبار، ص (149)، شرح معاني الآثار: (1/ 76)، والمحلى: (1/ 239)، الإحسان ترتيب صحيح ابن حبان: (2/ 223)، التلخيص الحبير: (1/ 134)، نصب الرواية: (1/ 61). وقد ضعف هذا الحديث الإمام الشافعي، والبيهقي، وأعلاه بجهالة قيس بن طلق، وللحديث طرق أخرى وفي كل منهما مقال. انظُر: معرفة السنن والآثار: (1/ 408 - 415). وللحديث شاهد من حديث أبي أمامه (رضي الله عنه)، رواه ابن ماجه في سننه: (1/ 163)، كتاب (الطهارة)، باب (الرخصة)، رقم (484)، وفي إسناد جعفر بن الزبير وهو متروك. وشاهد آخر من حديث عصمة بن مالك الخطمى قال: إن رجلا قال: يا رسول الله إني احتككت في الصلاة، فأصابت يدي فرجي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " وأنا أفعل ذلك " أخرجهُ الدارقطني في سننه: (1/ 145) وهو حديث ضعيف، ففي إسناده الفضل بن المختار، وهو مترك الحديث. (1/91)
صفحة 92
هذان حديثان في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر وبينهما شيء من التعارض، فحديث بسرة يوجب الوضوء من مس الذكر، وحديث طلق لا يوجب الوضوء من ذلك، ولهذا التعارض اختلف السلف في هذه المسألة إلى قولين:
القول الأول: إيجاب الوضوء من مس الذكر، ويروي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة وغيرهم - رضي الله عنهم -، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسلمان بن يسار وعطاء وجابر بن زيد والأوزاعي وغيرهم (1). وبهذا القول قالت المالكية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4).
__________
(1) انظُر: سنن الترمذي: (11/ 129)، منصف عبد الرزاق: (1/ 16 - 114) معالم السنن: (1/ 126)، المحل لابن حزم: (1/ 237)، شرح معاني الآثار: (1/ 77).
(2) المدونة الكبرى: (1/ 118)، المنتقى للباجي: (1/ 91)، جواهر الإكليل: (1/ 20)، حاشية الدسوقي: (1/ 121)، كفاية الطالب الرباني: (1/ 262).
(3) الأم: (1/ 178)، مغني المحتاج: (1/ 35)، المجموع: (2/ 39).
(4) انظُر: الاعتبار، ص (145)، رسوخ الأخبار، ص (149)، التحقيق: (1/ 239،185)، مغني المحتاج: (1/ 35). (1/92)
صفحة 93
واستدلوا على ذلك بحديث بسرة وقالوا: إنه ناسخ لحديث طلق بن علي (1) ويدل على النسخ أن قدوم طلق بن على راوي الحديث إلى المدينة كان في السنة الأولى من الهجرة؛ والمسلمون يبنون المسجد النبوي الشريف كما صرحت بذلك بعض الروايات (2). ومما يؤكد هذا النسخ أن طلقا راوي حديث ترك الوضوء من مس الذكر قد روي عن رسول الله ح خلافه فقد أخرج الطبراني والحازمي عن قيس بن طلق عن أبيه عن النَّبِيّ ح قال: (من مس ذكره فليتوضأ) (3)، وبهذا يكون قد روى الناسخ والمنسوخ معاً.
ومن مرجحات النسخ أن ممن شاركوا بسرة في رواية حديث الوضوء من مس الذكر كانوا ممن تأخر إسلامهم كأبي هريرة الذي أسلم بعد عام الحديبية وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس. وقد ردت دعوى النسخ بأنها غير لازمة وأجابوا عن رواية طلق في إيجاب الوضوء من مس الذكر بأنها ضعيفة (4).
__________
(1) انظُر: الاعتبار، ص (145)، رسوخ الأخبار، ص (194)، التحقيق: (1/ 185، 239)، مغني المحتاج: (1/ 35).
(2) انظُر: معرفة السنن والآثار: (1/ 410)، الاعتبار: (1/ 154)، وسنن الدارقطني: (1/ 147).
(3) أخرجهُ الطبراني في معجمه الكبير: (8/ 401) وقال بصحة الحديثين وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: (1/ 245) وسكت عنه. والحازمي في الاعتبار، ص (145)، وضعفه ابن الهمام في شرح فتح القدير: (1/ 55)، قلت: وفي إسناده حماد بن محمد الحنفي، وأيوب بن عتبة وهما ضعيفان.
انظُر: ترجمة أيوب في الضعفاء الكبير: (1/ 108)، المجروحين: (1/ 169)، تهذيب التهذيب: (1/ 408).
(4) انظُر: شرح فتح القدير: (1/ 55)، حاشية السندي على سنن النسائي: (1/ 102). (1/93)
صفحة 94
وأجاب الجمهور بأنه على فرض عدم نسخ ترك الوضوء من مس الذكر بحديث طلق؛ فهما حديثان متعارضان؛ فيستلزم التوفيق أو الترجيح، فأما التوفيق فيكون بأن يحمل حديث طلق على أن اللمس يكون من فوق حائل، لأن السائل عن مسّ الذكر كان في الصلاة، وعادة الإنسان أنه لا يمس ذكره في الصلاة. وأما الترجيح فحديث بسرة بطرقه المختلفة أصح وأقوى من حديث طلق، وخبر نقض الوضوء أكثر رواة وفيه احتياط للعبادة (1).
وقد اختلف القائلون بنقض الوضوء في المس الناقض؛ فقال المالكية (2) والشافعية (3): لا ينقض اللمس إلا ببطن الكف، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ? مرفوعا: ÷إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ×، فقالوا: إن الإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف، وفي ذلك احتراز عن إثارة الشهوة.
وقال: الحنابلة (4): ينقض اللمس ببطن الكف أو بظهره.
القول الثاني: أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر، ويروي ذلك عن بعض الصحابة والتابعين ومنهم الإمام على بن أبي طالب، وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وغيرهم.
ومن التابعين سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسفيان الثوري وعلي بن المديني (5)، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه (6).
__________
(1) انظُر: المجموع: (2/ 48)، المغني لابن قدامة: (1/ 179)، المبدع: (1/ 161)، معارج الآمال: (2/ 135)، نثار الجوهر: (1/ 121).
(2) انظُر: المدونة الكبرى: (1/ 118)، حاشية الدسوقي: (1/ 121).
(3) انظُر: المجموع: (2/ 40،39)،مغنى المحتاج: (1/ 35).
(4) انظُر: الإنصاف: (1/ 240)،الكافي: (1/ 78)، المبدع: (1/ 161).
(5) انظُر: مصنف عبد الرزق: (1/ 118/120)، سنن الترمذي: (1/ 132)، شرح معاني الآثار: (1/ 78)، معرفة السنن: (1/ 395)، الاعتبار، ص (149).
(6) انظُر: المبسوط: (1/ 66)،شرح فتح القدير: (1/ 55)، بدائع الصنائع: (1/ 30)، حاشية الدر المختار: (7/ 147). (1/94)
صفحة 95
واستدلوا بحديث طلق بن علي، وقدموه على حديث بسرة، وقالوا بضعفه (1).
وحكوا عن يحيى بن معين أنه قال: حديث مسّ الذكر لا يصح (2).
وقد عضدوا رد حديث بسرة بأن الأمر بالوضوء من مسّ الذكر مما يشيع ويعم بين الناس، وهو خاص بالرجال وقد انفردت بروايته بسرة دون بقية الرجال. وأجابوا عن حديث بسرة بأجوبة منها:
أولا: أن الأمر بالوضوء من مَسّ الذكر يحمل على غسل اليد.
الثاني: تأولوا المَسّ بمَسّ البول وقالوا: إن رسول الله ح كنى عن مَسّ الذكر بالبول كما كنى الله تبارك وتعالى عن الغائط بالحدث وقاسوا الذكر على بقية أعضاء الجسد (3).
وأجيب عن قولهم بانفراد بسرة برواية الحديث دون بقية الرجال أنها لم تنفرد بروايته؛ بل شاركها في رواية الحديث عدد من النساء والرجال.
وأما عن قياس الذكر على بقية أعضاء الجسد فلا يصح؛ لأن الذكر تثور الشهوة بمَسّه غالبا بخلاف غيره، وأنه تتعلق به أحكام كثيرة ينفرد بها كوجوب الغسل بالإيلاج والمهر وغير ذلك من الأحكام (4).
مذهب الإباضية:
ومذهب الإباضية أنه يجب الوضوء من مَسِّ الذكر، سواء كان ببطن الكف أم بظهره (5)، استنادا إلى عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ÷من مسَّ ذكره فليتوضأ×.
سبب الخلاف:
__________
(1) وقد بينت ذلك عند تخريج الحديث.
(2) شرح فتح القدير: (1/ 55)، الاعتبار، ص (1499)، التحقيق: (1/ 181)، التلخيص الحبير: (1/ 132)، نيل الأوطار: (1/ 266).
(3) المبسوط: (1/ 66)، فتح القدير: (1/ 55).
(4) المجموع: (2/ 48)، المغني لابن قدامة: (1/ 171)، نثار الجوهر: (1/ 121).
(5) جامع ابن جعفر: (1/ 389)، المعتبر: (2/ 217)، جامع ابن بركة: (1/ 355)، قواعد الإسلام: (1/ 134،122) معارج الآمال: (2/ 135)، نثار الجوهر: (1/ 121). (1/95)
صفحة 96
وسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى التعارض بين الحديثين، وهل أحدهما ناسخ للآخر أم لا؟ فالذين قالوا بنسخ حديث طلق أوجبوا الوضوء من مَسّ الذكر، والذين لم يقولوا بالنسخ لم يوجبوا الوضوء منه.
وفي حالة القول بعدم النسخ يتطلب الأمر الترجيح بين الحديثين، فرجّح الجمهور حديث نقض الوضوء من مَسّ الذكر، وهو الذي أراه صوابا، وذلك لقوة إسناده، وكثرة طرقه وشواهده، وفيه احتياط للعبادة، والله أعلم
***
هل ينقض الوضوء بما خرج من غير السبيلين؟
1. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ÷من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فليتوضّأ، ثم لِيَبْنِ على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم× (1).
__________
(1) الحديث أخرجهُ ابن ماجه: (1/ 385) كتاب (إقامة الصلاة)، باب (ما جاء البناء على الصلاة)، رقم (1221). وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وهو ثقة إذا روى عن أهل بلده الشاميين، وضعيف إذا روى عن غيرهم المجروحين: (1/ 124). تهذيب التهذيب: (1/ 88). وهذا الحديث رفعه إسماعيل تارة ووقفه أخرى كما هو في سنن الدارقطني: (1/ 154)، وسنن البيهقي الكبرى: (1/ 142): (2/ 255)، وفي رفعه للحديث مخالفة لمن شاركه في روايته عن ابن جريح، وبهذه المخالفة أعل الحديث، فقال البيهقي: ليست هذه الرواية بشيء، ونقل عن الشافعي مثل ذلك كما في السنن الكبرى: (1/ 142)، ومعرفة السنن والآثار: (1/ 422). وقد تعقب على هذا الإعلال، بأن رفعه تارة ووفقه تارة أخرى دليل على الحفظ لا على الاضطراب أو الشذوذ، وإنما هذا من باب حفظ ما لم يحفظه غيره وزيادة الثقة مقبولة؛ قال ابن الجوزي: قال يحيى بن معين: إسماعيل بن عياش ثقة، والزيادة من الثقة مقبول.
انظُر: التحقيق: (1/ 188). وبمثل ذلك قال ابن الهمام في شرح فتح القدير: (1/ 40)، والزيلعي في نصب الراية: (1/ 39). قلت: وللحديث شواهد: منها حديث أبي هريرة رواه الدارقطني في سننه: (2/ 43)، وفي إسناد عبد الرحمن القطامي وهو متروك الحديث كما في الكامل: (4/ 312)، ومنها ما رواه الطبراني في المعجم الكبير: (11/ 165)، رقم (1374)، وفي إسناده سليمان بن الأرقم، وهو ضعيف وبه أعل الحديث. ومنها حديث أبي سعيد الخدري رواه الدارقطني: (1/ 157)، وفي إسناده عبد الله بن عكيم، وهو متروك الحديث كما في المجروحين: (2/ 220). وهذه الشواهد كلها ضعيفة. (1/96)
صفحة 97
2.عن جابر ?أن النَّبِيّ ح كان في غزوة ذات الرقاع فرُمِى رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته (1).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على نقض الوضوء بالمعتاد خروجه من السبيلين، واختلفوا فيما سوى ذلك من النجاسات الخارجة من الجسد غير السبيلين وذلك لاختلاف الأحاديث الوارد في الباب على قولين:
القول الأول:
__________
(1) الحديث ذكره البخاري تعليقا: (1/ 236)، كتاب (الوضوء)، باب (من لم ير الوضوء إلا من المخرجين). وأصل الحديث في سنن أبى داود: (1/ 136) كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من الدم)، رقم (198) بإسناده عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجل امرأة رجلٍ من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دما في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - منزلا فقال: مَنْ رجل يكْلَونا؟ فانتدب من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: كونا بقَم الشعب. قال: فلما خرج الرجلان إلى قَم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعة حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدم قال: سبحان الله، ألا أنبهتني أول ما رمى قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الحاكم وابن خزيمة، وابن حبان. (1/97)
صفحة 98
أن الوضوء ينتقض بما يخرج من أحد السبيلين أو من غيرها من النجاسات، وهو قول الحنفية (1)، والحنابلة (2)،إلا أن الحنفية قيدوا ذلك بما إذا كان الدم والقيح مجاوزين إلى موضع يلحقه حكم التطهير وبما إذا كان القيء ملء الفم. وقيده الحنابلة بالكثير الفاحش دون اليسير.
واستدل أصحاب هذا القول عموما بالأدلة الآتية:
أولا: بحديث عائشة المذكور ولفظه: ÷ من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فليتوضأ بما ورد معه من الأحاديث والشواهد (3).
ثانيا: واستدلوا بحديث ثوبان - رضي الله عنه - ÷أن رسول الله ح قاء فتوضأ× (4).
__________
(1) بدائع الصائغ: (1/ 221)، المبسوط، شرح فتح القدير: (1/ 40).
(2) المغنى لابن قدامة: (1/ 184)، والمبدع: (1/ 159)، الكافي: (1/ 82)، التحقيق لابن الجوزي: (1/ 185).
(3) سبق الإشارة إليها عند تخريج حديث عائشة المذكور في الصفحة السابقة.
(4) الحديث أخرجهُ أبو داود: (2/ 777). كتاب (الصوم). باب (الصائم يستقيء عامدا)، رقم (2381). بإسناده عن معدان بن طلحة أن أبا الدرداء حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر، فلقيت ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن سول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر، قال:" صدق، وأنا صببت له وضوءه " وأخرجهُ الترمذي: (1/ 143) في كباب (الطهارة)، باب (ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف)، رقم (78)، وفيه .... " أنه قاء فأفطر وتوضأ ".
و الحديث سكت عنه أبو داود، و قال الترمذي: "جوده حسين المعلم". و قد صححه الحاكم كما في المستدرك: (1/ 426) ونقل ابن حجر تصحيح ابن منده للحديث. قلت: وقد أعل البيهقي هذا الحديث باضطراب إسناده وبأحد رواته أيضاً، وهو يعيش بن الوليد، وقال: فيه نظر، ولم يحتج به الشيخان، معرفة السنن: (1/ 428).
قلت: الاضطراب الذي أشار إليه البيهقي هو عدم ذكر بعض الرواة في إسناد هذا الحديث، أجيب بأن اضطراب بعض رواته لا يؤثر في رواية الآخرين. قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث؟! قال: وقد جوده حسين المعلم. وأما قول البيهقي: يعيش بن الوليد، فيه نظر لكون الشيخين لم يخرجا حديثه، فلا يلزم من ذلك تضعيفه؛ فقد ذكره العجلي في معرفة الثقات: (2/ 374). وابن حيان في الثقات: (7/ 654) ووثقه النسائي كما في تهذيب التهذيب: (11/ 356). (1/98)
صفحة 99
ثالثا: بحديث تميم الداري ? قال: قال رسول الله ح: الوضوء من كل دم سائل (1).
رابعاً: بحديث سلمان ? قال: رآني النَّبِيّ ح وقد سال من أنفي دم، فقال: ÷أحدث لما حدث وضوءً× (2).
خامساً: بحديث زيد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ح: ÷القَلَسُ حدث× (3).
قالوا: وهذه الأحاديث تدل على وجوب الوضوء من النجاسات الخارجة من الجسد عامة وأجيب بأن هذه الأحاديث ضعيفة ولا تقوم بها حجة.
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني في سننه: (1/ 157)، والبيهقي في معرفة السنن: (1/ 427) من طريق يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري، وفي إسناده انقطاع، فعمر بن عبدالعزيز لم يلق تميماً الداري، ويزيد بن خالد بن محمد كلاهما مجهول كما نص على ذلك الدارقطني، والبيهقي، والذهبي في الميزان: (4/ 421، 439).
قلت: ويشهد له حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس في القطرة ولا القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً" أخرجهُ الدارقطني: (1/ 157)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (1/ 427). وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية، وهو متروك الحديث كما في المجروحين: (2/ 278)، وتهذيب التهذيب: (9/ 402).
(2) أخرجهُ الدارقطني: (1/ 156) والبيهقي في معرفة السنن: (1/ 425) وفي إسناده عمرو بن خالد، وهو ممن لا يحتج به، وكان يضع الحديث.
انظُر: المجروحين: (2/ 76). تهذيب التهذيب: (8/ 26).
(3) أخرجهُ الدارقطني: (1/ 155)، والبيهقي في المعرفة: (1/ 428) كتاب (الوضوء)، باب (الوضوء من القيء والرعاف). قلت: وقد انفرد به سوار بن مصعب، وهو ضعيف الحديث كما في المجروحين: (1/ 356)، والضعفاء للعقيلي: (1/ 168). (1/99)
صفحة 100
سادساً: واستدلوا- أيضاً – بحديث فاطمة بنت حبيش إذ قالت للنبي ح: ÷يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر؛ أفأدع الصلاة؟ فقال: رسول الله ح: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي×، وفي رواية: ÷ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت× (1).
وأجيب بأن قوله: (توضئي لكل صلاة) مدرج.
قال النووي: وهذه الزيادة باطلة (2).
قلت: وكأنه يشير إلى ما أثير من تفرد أبي معاوية لهذه الزيادة، وسياق البخاري موهم للزيادة في قوله في رواية الحديث: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
وأجيب بأن أبا معاوية لم ينفرد عن هشام بهذه الزيادة؛ فقد تابعه عليها حماد بن زيد عند النسائي (3)، وتبعهما حماد بن سلمة كما في سنن الدرامي (4). وقد رواه ابن شهاب عن ابن الزبير بلفظ: (فأمسكي عن الصلاة وإن كان الآخرة فتوضئي) (5). وبهذا يندفع توهم انفراد أبي معاوية بهذه الزيادة.
واعترض على الاستدلال بحديث فاطمة بنت حبيش بأن دم الاستحاضة ليس ناقضاً للوضوء لكونه دماً، بل هو ناقض لخروجه من أحد السبيلين (6).
القول الثاني:
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري: (1/ 396) كتاب (الوضوء)، باب (غسل الدم) رقم (228).
(2) المجموع: (2/ 64).
(3) سنن النسائي: (1/ 185) كتاب (الحيض)، باب (الفرق بين دم الحيض والاستحاضة).
(4) سنن الدرامي: (1/ 199) وقد أشار إلى ذلك ابن حجر في الفتح: (1/ 488).
(5) أخرجه أبو داود في سننه: (1/ 197) كتاب (الطهارة)، باب (إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة)، رقم (268).
(6) المجموع: (2/ 64). (1/100)
صفحة 101
إن ما خرج من أحد السبيلين ناقض للوضوء إلا ما كان غير معتاد، وهذا قول المالكية (1). وعند الشافعية أن كل خارج من السبيلين ناقض للوضوء، سواء كان معتاداً أو غير معتاد، كالدود والحصى والريح من القبل. وأما النجاسات الخارجة من غير السبيلين فغير ناقضة للوضوء عند المالكية والشافعية جميعاً (2).
وقد استدلوا على قولهم بالآتي:
أولاً: حديث جابر المتقدم. ووجه الاستدلال أن الدم السائل لو كان ناقضاً للوضوء لما استمر الأنصاري في صلاته بعدما أصابه السهم.
ثانياً: واستدلوا أيضاً بحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -؛ أن رسول الله ح احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه (3).
وأجيب على الاستدلال بهذا الحديث بأنه ضعيف، ولو سُلِّم بأنه صحيح ففعله ح لا يعارض به قوله؛ لاحتمال أن يكون ذلك خاصاً به (4).
ثالثاً: واستدلوا بحديث ثوبان ?كان رسول الله ح صائماً في غير رمضان، فأصابه غم آذاه؛ فتقيأ فقاء، فدعاني بوضوء، ثم أفطر. فقلت: ÷يا رسول الله، أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: ÷لو كان فريضة لوجدته في القرآن× (5).
وأجيب علي الاستدلال بهذا الحديث بأنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج به (6).
__________
(1) المنتقى: (1/ 186)، حاشية الدسوقي: (1/ 123)، كفاية الطالب: (1/ 239).
(2) انظُر: الأم: (1/ 18)، المجموع: (2/ 62)، مغني المحتاج: (1/ 32).
(3) أخرجهُ الدارقطني: (1/ 157) وفي إسناده صالح بن مقاتل، وهو ضعيف. وقال الزيلعي: وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول.
انظُر: نصب الراية: (1/ 23). التلخيص الحبير: (1/ 124).
(4) معارج الآمال: (2/ 108).
(5) الحديث أخرجهُ الدارقطني: (1/ 157) وفي إسناده عتبة بن السكن، وهو منكر الحديث، وقد انفرد بروايته عن الأوزاعي كما نص على ذلك الدارقطني،
وانظُر نصب الراية: (1/ 43).
(6) التحقيق لابن الجوزي: (1/ 191). (1/101)
صفحة 102
وقد حمل أصحاب هذا القول الأحاديث الواردة في الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين على الوضوء اللغوي دون الشرعي كما نص على ذلك البيهقي (1).
ورُدّ هذا القول بأن الوضوء من الحقائق الشرعية؛ فلا يصار إلى غيرها إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تفيد ذلك.
رابعاً: واستدلوا أيضاً بالقياس على الريح الخارج من المعدة عن طريق الفم، وأنه غير ناقض للوضوء بالإجماع، وعليه فلا يلزم نقض الوضوء من الدم والطعام من غير السبيلين (2).
رأي الأباضية:
ومذهب الإباضية أن الوضوء ينتقض بما خرج من السبيلين، أو من غيرهما من النجاسات؛ يسيرا كان ذلك الخارج أو كثيرا (3).
واستدلوا بالأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الأول؛ وهم الحنفية والحنابلة (4).
سبب الخلاف:
وخلاصة القول في هذه المسألة إن لكل قول أدلته، وأكثرها فيه مقال وضعف، فاختلفت الاتجاهات باعتبار الخارج والمخرج في الخصوص والعموم بينهما، فاعتبر فريق النجاسة الخارجة من الجسد، فعلقوا عليها حكم نقض الوضوء؛ لما له من تأثير على الطهارة وهذا ما ذهب إليه الإباضية والحنفية والحنابلة – على التفصيل السابق – وقولهم هذا فيه احتياط وتحرز وهو ما أميل إليه.
ورأى فريق آخر اعتبار المخرج فعلق عليه حكم نقض الوضوء، وهو من باب الخاص أريد به العام، وهو قول الشافعية.
وقال فريق آخر باعتبار الخارج والمخرج، وعلقوا نقض الوضوء عليهما؛ بحجة أن الخاص يبقى على خصوصيته حتى يأتي دليل يفيد العموم وهو قول المالكية (5).
***
الوضوء مما مسته النار
__________
(1) معرفة السنن والآثار: (1/ 421 – 429)، وانظُر المجموع: (1/ 64).
(2) نيل الأوطار: (1/ 252).
(3) جامع ابن بركة: (1/ 111،95)، الإيضاح: (1/ 144)، شرح النيل: (1/ 122). نثار الجوهر: (1/ 254)، معارج الآمال: (2/ 107).
(4) راجع ما سبق من الأدلة في الرأي الأول.
(5) الإيضاح: (1/ 116،114)، بداية المجتهد: (1/ 5)، نثار الجوهر: (1/ 254)، جامع ابن بركة: (1/ 11). (1/102)
صفحة 103
1. عن أبي هريرة ? قال: سمعت رسول الله ح يقول: ÷توضّؤوا مما مست النار× (1).
2. عن عبد الله بن عباس ? ÷أن رسول الله ح أَكَلَ كَتفَ شاةٍ ثم صلّى ولم يتوضأ× (2).
3. عن بشير بن يسار مولى بني حارثة أن سويد بن النعمان ? أخبره أنه خرج مع رسول الله ح عام خيبر؛ حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي أدنى خيبر، ÷فصلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤتَ إلا بالسويق (3) فأمر به فثري (4)، فأكل رسول الله ح وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فتمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (5).
الأثر الفقهي:
__________
(1) أخرجهُ مسلم: (1/ 272) كتاب (الحيض)، باب (الوضوء مما مست النار)، رقم (352) وله شاهد من حديث زيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين (رضي الله عنهما)، عند الإمام مسلم، رقم (151): (353)، من الكتاب والباب المذكورين، وشاهد من حديث أبي أيوب، وأم حبيبة عند النسائي: (1/ 106) كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء مما غيرت النار)، وقد نوه الترمذي والحازمي إلى هذه الشواهد، سنن الترمذي: (1/ 116)، الاعتبار، ص (157).
(2) أخرجهُ البخاري: (1/ 371) كتاب (الوضوء)، باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق)، رقم (207) ومسلم: (1/ 273) كتاب (الحيض)، باب (نسخ الوضوء مما مست النار)، رقم (354)، وله شاهد من حديث عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه - أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتز من كتف شاة، فدعي إلى الصلاة، فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ. أخرجهُ البخاري، رقم (208)، من الكتاب والباب المذكورين، ومسلم، رقم (355)، من الكتاب والباب المذكورين.
(3) السويق: هو دقيق الشعير أو السلت المقلى، ويكون من القمح. فتح الباري: (1/ 373).
(4) ثري: بضم الثاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها، أي بل لما لحقه من اليبس. لسان العرب مادة (ث ر ي).
(5) البخاري: (1/ 373)، كتاب (الوضوء)، باب (من مضمض من السويق ولم يتوضأ)، رقم (209). (1/103)
صفحة 104
اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب، فبعضها أوجبت الوضوء مما مَسّته النار، والبعض الآخر لم توجب الوضوء، وقد اختلف السلف في هذا إلى قولين:
القول الأول: ذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب الوضوء مما مَسّت النار، ويروي ذلك عن ابن عمر وأبي طلحة وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري، وعائشة وأبي هريرة وغيرهم - رضي الله عنهم - ومن التابعين: الزهري، وأبي مجلز وأبي قلابة والحسن البصري (رحمهم الله).
واستدلوا بالأحاديث الموجبة للوضوء، وقالوا: إنها ناسخة لأحاديث ترك الوضوء مما مَسّت النار، ثم أجابوا عن أكل رسول الله ح من كتف الشاة والسويق ولم يتوضأ، بأن ذلك من خصوصياته، وتعقب ذلك بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على ذلك ثم إن الصحابة أكلوا مما أكل منه رسول الله ح، ولم يأمرهم بالوضوء، وأما دعوى نسخ أحاديث ترك الوضوء، فهي دعوى بلا دليل (1).
القول الثاني: هو ترك الوضوء مما مَسّته النار، وهو قول الخلفاء الراشدين وابن عباس وأبي طلحة، وأكثر الصحابة وأكثر التابعين (2).
__________
(1) المجموع: (1/ 68).
(2) مصنف عبد الرزاق: (1/ 164 – 170)، سنن الترمذي: (1/ 119)، المحلى: (1/ 243)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص (159). (1/104)
صفحة 105
وتمَسّكوا بالأحاديث الواردة في ترك رسول الله ح الوضوء مما مَسّته النار، وقالوا: إنها ناسخة لأحاديث الوضوء مما مَسّته النار، ورجحوا النسخ، بأن هذه الأحاديث من رواية ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو لم يصحب الرسول ح إلا بعد فتح مكة (1)، وبما رواه جابر ? قال: ÷كان آخر الأمرين من رسول الله ح ترك الوضوء مما مَسّته النار× (2).
وبهذا قال جمهور السلف، وبه أخذ الإباضية (3)، وهو ما عليه العمل عند الأئمة الأربعة وأتباعهم (4)، ولم يستثنوا من ذلك شيئاً، إلا ما روي عن الإمام أحمد وأتباعه، فاستثنوا لحم الجَزُور، وأوجبوا الوضوء منه (5).
***
الوضوء من أكل لحم الجزور
__________
(1) سنن الترمذي: (1/ 120)، الأم: (1/ 5)، شرح معاني الآثار: (1/ 67)، معرفة السنن والآثار: (1/ 447) الاعتبار، ص (159)، رسوخ الأخبار، ص (201).
(2) أخرجهُ أبو داود: (1/ 108)، كتاب (الطهارة)، باب (ترك الوضوء مما مسته النار)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر: صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما. فتح الباري: (1/ 372).
(3) جامع ابن بركة: (1/ 287،305)، الإيضاح: (1/ 140)، معارج الآمال: (2/ 288).
(4) شرح معاني الآثار: (1/ 70)، بدائع الصنائع: (1/ 32)، المجموع: (2/ 66)، بداية المجتهد: (1/ 56)، القوانين الفقهية، ص (22)، المغني: (1/ 190)، الكافي: (1/ 85).
(5) الإنصاف: (1/ 216)، الكافي: (1/ 85)، المبدع: (1/ 168)، المغني: (1/ 187). (1/105)
صفحة 106
1. عن جابر بن سمرة? أن رجلاً سأل رسول الله ح: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ÷إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم؛ فتوضأ من لحوم الإبل× (1).
الأثر الفقهي:
في هذا الحديث دليل لمن قال بوجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وهو قول الحنابلة (2)، خلافاً للجمهور الذين قالوا بعدم وجوبه لاستوائه مع لحم الغنم وغيره مما مَسّته النار، وقد نسخ الوضوء منه، ولم يسلّم الحنابلة بدعوى عموم نسخ الوضوء مما مَسّته النار، بل قالوا بخصوصية لحم الجزور للحديث المذكور، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: إن الأمر بالوضوء من لحم الجزور متأخر عن نسخ الوضوء مما مَسّته النار، أو مقارن له، بدليل أنه قرن برخصة ترك الوضوء من لحوم الغنم، والناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ.
والأمر الثاني: إن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل إنما هو لكونها لحوم إبل لا لكونها مما مَسّته النار، ونسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى.
الأمر الثالث: إن حديث ترك الوضوء مما مَسّته النار عام وحديث نقض الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام (3). وقد حمل الجمهور الأمر بالوضوء من لحوم الإبل على وجهين:
__________
(1) أخرجهُ الإمام مسلم: (1/ 275) كتاب (الحيض)، باب (الوضوء من لحوم الإبل)، رقم (360)، وله شاهد من حديث البراء بن عازب. سنن أبي داود: (1/ 128)، كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء) من لحوم الإبل رقم (184)، سنن الترمذي: (1/ 122)، أبواب (الطهارة)، باب (الوضوء من لحوم الإبل)، رقم (81). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (1/ 451)، والنووي في المجموع: (2/ 68).
(2) المغني لابن قدامة: (1/ 187)، المبدع في شرح المقنع: (1/ 169)، الكافي: (1/ 85)، الإنصاف للمرداوي: (1/ 216)، التحقيق: (1/ 198).
(3) المغني: (1/ 188)، المبدع: (1/ 171)، الشرح الكبير: (1/ 180). (1/106)
صفحة 107
الأول: إن الوضوء يراد به الوضوء اللغوي لا الشرعي.
الثاني: إن الأمر بذلك على الاستحباب لا على الوجوب، ولذا تمَسّكوا بعموم نسخ الوضوء مما مَسّته النار، وبما كان عليه العمل عند الخلفاء الراشدين وأكثر الصحابة (1).
والذي أراه -والله أعلم- أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى من مذهب الحنابلة، وقد أجيب عن الوضوء المأمور به هنا أنه الوضوء اللغوي، أو أن الأمر للاستحباب.
وأقوى ما تمَسّك به الجمهور هو عمل الخلفاء الراشدين وأن أكثر الصحابة على ترك الوضوء من لحوم الإبل، وأنه قد شمله النسخ، والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة هو اعتقاد نسخ أحد الحديثين للآخر، وأما الوضوء من لحم الإبل، فسبب الخلاف فيه هو أن نسخ الوضوء مما مَسّت النار هل يشمل أيضاً لحم الإبل أو لا يشملها؟
فمن قال: يشملها، ترك الوضوء من أكلها، ومن قال: إنها مخصصة من عموم النسخ أوجب الوضوء منها كما هو مذهب الحنابلة.
الوضوء من النوم
__________
(1) معالم السنن: (1/ 128)، شرح معاني الآثار: (1/ 70)، المجموع: (2/ 67)، المفهم شرح صحيح مسلم: (2/ 742). (1/107)
صفحة 108
1. عن علي بن أبي طالب ? قال: قال رسول الله ح: ÷وكاء السعه فمن نام فليتوضأ× (1).
__________
(1) الحديث أخرجهُ أبو داود في سننه: (1/ 140)، كتاب (الطهارة)، باب (في الوضوء من النوم)، رقم (203). وأخرجه ابن ماجه: (1/ 161) كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من النوم)، رقم (477). والحديث إسناده حسن، فقد سكت عنه أبو داود، وحسنه النووي، والمنذري، وابن الصلاح. انظُر: المجموع شرح المهذب: (2/ 20)، التلخيص الحبير: (1/ 127)، نصب الراية: (1/ 45). وقد ضعف هذا الحديث الإمام ابن الجوزي بالوضين ابن عطاء وقال فيه: واهي الحديث. انظُر: التحقيق: (1/ 171). قلت: والوضين بن عطاء وثقه غير واحد سأل أبو زرعه عبدالرحمن ابن إبراهيم عن الوضين بن عطاء، وقال: ثقة. وقال ابن عدي: ما أرى بأحاديثه بأسا. انظُر: نصب الراية: (1/ 45). وحسبنا في هذا الحديث تحسين الإمام النووي له، والمنذري، وابن الصلاح. والحديث له شاهد من حديث معاوية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنما العين وكاء السة، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء ". رواه احمد في مسنده: (4/ 97)، والدارقطني في سننه: (1/ 160)، والبيهقي في المعرفة: (1/ 366). وفي إسناده أبو بكر بن مريم وقد اختلط. انظُر: ميزان الاعتدال: (1/ 497)، وبه أعل الحديث الهيثمي كما في مجمع الزوائد (1/ 247). والوكاء: بكسر الواو، الذي يشد به القربة ونحوها من الأوعية.
والسهِ حلقة الدبر، وهو كناية عن الحدث وخروج الريح، فالعين كناية عن اليقظة، ومعنى الحديث: أن اليقظة وكاء الدبر، أي حافظة لما فيه من الخروج ما دام الإنسان مستيقظا، فإذا نام انحل وكاؤها.
انظُر: النهاية: (2/ 196)، لسان العرب: (3/ 1936)، التلخيص الحبير: (1/ 127)، المجموع: (2/ 15). (1/108)
صفحة 109
2. عن ابن عباس ? أن رسول الله ح كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ وقد نمت؟ فقال: ÷إنما الوضوء على من نام مضطجعا×. زاد عثمان وهناد: ÷فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله× (1).
__________
(1) الحديث رواه أبو داود: (1/ 139) كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من النوم)، رقم (202)، والترمذي: (1/ 11) أبواب (الطهارة)، باب (من اضطجع في الوضوء من النوم)، رقم (77)، من طريق أبي خالد الدالاني، عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس، وقد خالف أبو خالد الدالاني غير واحد من الثقات فقد تفرد بزيادة " إنما الوضوء على من نام مضطجعا " بقية أصحاب قتادة. قلت: وأبو خالد صدوق كثير الخطأ، فقد قال عنه ابن حبان في المجروحين: (3/ 105) كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات. ولمخالفته الثقات في هذا الحديث منكرا. قال أبو داود: " الوضوء على من نام مضطجعا "، هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جملة عن ابن عباس ولم يذكروا شيئا من هذا، وقال أيضا: ذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، استعظاما له، وقال: ما ليزيد يدخل على أصحاب قتادة؟!! ولم يعبأ بالحديث.
انظر: سنن أبي داود: (1/ 140،139)، وقد ضعف الحديث أيضا الدارقطني، والبيهقي، والبخاري. سنن الدارقطني: (1/ 158)، والسنن الكبرى: (1/ 121)، التلخيص الحبير: (1/ 128)، نصب الراية: (1/ 45). قلت: وللحديث شواهد لا تسلم من مقال، منها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" من نام جالسا فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء "، أخرجهُ الدارقطني: (1/ 161)، وفي إسناده عمر ابن هارون، وهو متروك الحديث. الضعفاء للدارقطني، ص (279). المجروحين: (2/ 10) تقريب التهذيب: (2/ 64). ومن شواهده أيضا: حديث أبي أمامه - رضي الله عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام حتى نفخ ثم قال: الوضوء على من اضطجع. أخرجهُ الطبراني في المعجم الكبير: (8/ 290). وفي إسناده جعفر الزبير، وهو متوك الحديث كما في المجروحين: (1/ 212)، والضعفاء للنسائي، ص (74) وتقريب التهذيب: (1/ 130). (1/109)
صفحة 110
الأثر الفقهي:
اختلف العلماء في حكم النوم، هل هو ناقض للوضوء أو لا؟ وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث الوارد في ذلك وتفسيرها، وهل هو حدث في ذاته ينقض الوضوء؟ أو هو سبب للحدث؟ على أقوال:
القول الأول:
إن النوم في ذاته ليس حدثا يجب منه الوضوء.
وحكى هذا القول عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وحميد الأعرج (1)، واستدلوا على ذلك بأن الله تعالى ذكر موجبات الوضوء ولم يذكر فيها النوم في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ... ? SS S S ... ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [المائدة6]
وأجيب على هذا الاستدلال بأن الآية لم تشمل على نواقض الوضوء كلها كالبول والريح وغيرها، وإنما ذكرت بعضها، وبيّنت السنة باقي النواقض. وقد ذهب بعض المفسرين إلى تخصيص الآية في القيام من النوم، وفسروا قوله تعالى: {إذا قمتم} أن ذلك من المضاجع. كما نقل ذلك الإمام مالك عن زيد بن أسلم (2)، وبه قال الإمام الشافعي أيضا (3).
واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح ÷نام حتى نفخ ثم صلى×. وفي لفظ: ÷اضطجع فنام حتى نفخ، ثم قام فصلى× (4).
واستدلوا أيضا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح أنه قال: ÷لا وضوء إلا من صوت وريح× (5).
وأجيب بأن هذا الحديث ورد في دفع الشك وفي الوضوء لا يجب إلا عند تيقن الحديث (6).
القول الثاني:
__________
(1) المجموع: (2/ 20).
(2) موطأ مالك: (1/ 12).
(3) الأم: (1/ 12)، معرفة السنن والآثار: (1/ 355)، والمجموع: (2/ 21)، المغني لابن قدامة: (1/ 173).
(4) أخرجهُ البخاري: (1/ 287)، كتاب (الوضوء)، باب (التخفيف في الوضوء)، رقم (138)، ومسلم: (1/ 525)، كتاب (المسافرين)، باب (الدعاء في صلاة الليل)، رقم (763).
(5) الحديث أخرجهُ الترمذي: (1/ 109)، أبواب (الطهارة)، باب (الوضوء من الريح)، رقم (47)، وقال: حديث حسن صحيح.
(6) المجموع: (2/ 21). (1/110)
صفحة 111
إن النوم حدث في ذاته ناقض للوضوء، قليله وكثيره، على أي وضع كان. وهو مروي عن الحسن البصري والمزني وأبي عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهوية (1).
واستدلوا على مذهبهم بالآتي:
استدلوا بحديثي على ومعاوية السابقين. وحديث صفوان بن عسال قال: كان رسول الله ح يأمرنا إذا كنا سفراَ ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم (2).
وليس في هذا تقييد للنوم بالكثير أو القليل، وليس فيه تقييد أيضا بوضع معين.
واستدلوا أيضا بالقياس على الإغماء (3).
القول الثالث:
أن النوم لا ينقض الوضوء إلا إذا كان النائم مضطجعا أومتكئا، أما إذا كان النائم قائما أو قاعدا أو ساجدا أو راكعا فلا ينقض.
وهذا مذهب الحنفية (4). واستدلوا على مذهبهم بالآتي:
(أ) حديث حذيفة ? قال: نمت قاعدا في المسجد حتى وقع ذقني على صدري، فوجدت برد كفّ على ظهري، فإذا هو رسول الله - ح فقلت: أعليّ في هذا الوضوء؟ فقال: ÷لا، حتى تضطجع× (5).
(ب) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ح: ÷ليس على من نام قائما أو قاعدا وضوء حتى يضطجع جنبه إلى الأرض×.
والحديثان ظاهرا الدلالة في أن النوم ليس ناقضا إلا من نام مضطجعا.
(ج) واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس المتقدم.
__________
(1) المجموع: (2/ 21)، نيل الأوطار: (1/ 256).
(2) أخرجهُ الترمذي: (1/ 159)، أبواب (الطهارة)، باب (المسح على الخفين)، رقم (96)، وقال: حديث حسن صحيح.
(3) المجموع: (2/ 21).
(4) بدائع الصنائع: (1/ 31)، والمبسوط للسرخسي: (1/ 78)، شرح فتح القدير: (1/ 47)، حاشية رد المحتار: (1/ 141).
(5) أخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (1/ 21) وفي إسناده بحر بن كثير وهو ضعيف. (1/111)
صفحة 112
القول الرابع: إن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا على أي هيئة كان، قاعدا أو قائما أو جالسا. وأما النوم الخفيف فلا ينقض وإن طال؛ وذلك لانتفاء مظنة الحدث، وهذا هو مذهب المالكية وإن كانوا قد استحسنوا الوضوء من النوم الطويل وإن كان خفيفا (1). واستدل المالكية على مذهبهم بالآتي:
حديث أنس - رضي الله عنه - أن أصحاب رسول الله ح كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضّؤون (2).
وحملوا ذلك على النوم الخفيف دون الثقيل (3).
القول الخامس: أن النوم ناقض للوضوء إلا من نام ممكنا من الأرض فلا ينقض وضوؤه. وهذا مذهب الشافعية (4). واستدلوا على مذهبهم بالآتي:
(أ) بحديث أنس السابق.
(ب) وبحديث: من نام جالسا فلا وضوء عليه (5)
القول السادس: أن النوم اليسير لا ينقض إذا كان قاعدا غير متكئ أو كان مستندا، وكذلك نوم القائم اليسير لا ينقض قياسا على القاعد غير المتكئ، أما غير ذلك من الهيئات فينقض بها الوضوء (6).
وهذا هو قول الحنابلة، وعن الإمام أحمد راوية أن نوم الراكع والساجد اليسير لا ينقض الوضوء؛ لأنه في هيئة من هيئات الصلاة، وقياسا على القاعد غير المتكئ والقائم (7).
مذهب الإباضية:
__________
(1) المنتقى للباجي: (1/ 337)، حاشية الدسوقي: (1/ 118)، كفاية الطلب الرباني: (1/ 255). وفي استحسان الوضوء من النوم الطويل، وإن كان خفيفا نص الدسوقي على أنه المعتمد كما في حاشيته: (1/ 119).
(2) أخرجهُ مسلم: (2/ 368) كتاب (الطهارة)، باب (الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء)، رقم (812).
(3) كفاية الطلب الرباني: (1/ 156).
(4) المجموع: (2/ 14)، متفق المحتاج: (1/ 33).
(5) سبق تخريجه.
(6) المغني لابن قدامة: (1/ 173)، المبدع: (1/ 159)، الكافي: (1/ 83).
(7) وقد رد هذا القياس بالفارق بين حالة القائم والقاعد وبين حالة الراكع والساجد لانفراج محل الحدث. انظُر: المبدع: (1/ 160). (1/112)
صفحة 113
اتفق الإباضية على أن النوم الثقيل في حالة الاضطجاع ناقض للوضوء، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس مرفوعا: ÷إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فمن نام استرخت مفاصله× (1).
واختلفوا في النوم غير المضطجع الثقيل، وفي النوم الخفيف على أقوال (2):
(أ) قيل: ينتقض الوضوء بالنوم مطلقا؛ لحديث العينان وكاء السَّهِ (3).
(ب) قيل: ينتقض وضوء النائم إلا أن يكون في صلاة؛ لحديث: إذا نام العبد في الصلاة، باهى الله به الملائكة (4).
(ج) وقيل: ينتقض الوضوء إلا أن يكون قاعدا أو متكئا؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وحديث أنس في نوم أصحاب رسول الله ح وهم ينتظرون العشاء. ولحديث حذيفة السابق، ونصه: ليس على من نام قائما أو قاعدا وضوء حتى يضع جنبه إلى الأرض. وهذا القول أكثر الإباضية وعليه العمل كما نص على ذلك ابن بركة والشماخي (5).
سبب الخلاف:
واختلاف هذه الأقوال السابقة ناتج عن اختلاف الأحاديث القاضية بأن النوم ناقض للوضوء مطلقا، ولم يأخذوا بالأحاديث الأخرى. وبعضهم أخذ ببعض الأحاديث التي يستفاد منها أن النوم غير ناقض للوضوء.
وأكثر أهل العلم جمع بين الأحاديث الوارد على التفصيل السابق ذكره، وهو أولى المذاهب على الاختلاف الوارد في كيفية الجمع، وهو أولى من رد بعض الأحاديث الصحيحة الوارد في هذا (6) والله تعالى أعلم.
__________
(1) انظُر: ابن بركة: (1/ 326)، قواعد الإسلام: (1/ 182)، الإيضاح: (1/ 120)، شرح النيل: (1/ 122)، معارج الآمال: (1/ 270)، نثار الجوهر: (1/ 227).
(2) وردت هذه الأقوال في نثار الجوهر: (1/ 227،280)، معارج الآمال: (1/ 281،285).
(3) العالية غير مقبولة عند أهل الحديث، وذلك لأنه يحدث عن كل أحد. انظُر: معرفة السنن والآثار: (1/ 36).
(4) الحديث ضعفه النووي في المجموع: (2/ 23).
(5) جامع ابن بركة: (1/ 327)، الإيضاح: (1/ 123).
(6) انظُر: بداية المجتهد: (1/ 53)، الإيضاح: (1/ 123)، نثار الجوهر: (1/ 229). (1/113)
صفحة 114
هل ينتقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة؟
1. عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: بينما نحن نصلي خلف رسول الله ح إذ أقبل رجل ضرير البصر، فوقع في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ح بإعادة الوضوء كاملا، وإعادة الصلاة (1).
__________
(1) الحديث أخرجهُ الدارقطني: (1/ 161)، كتاب (الوضوء)، باب (أحاديث القهقهة في الصلاة)، وإسناده ضعيف، فقد رواه الدارقطني من طريقين:
الطريقة الأولى: فيه الحسن بن دينار، وهو متروك الحديث، قال فيه ابن حبان: يحدث بالموضوعات عن الأثبات، ويخالف الثقات في الروايات. المجروحين: (1/ 231)، الكامل لابن عدي: (2/ 296)، تهذيب التهذيب: (2/ 275).
الطريق الثاني: في إسناده الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث أيضا، كما في المجروحين: (1/ 229)، والضعفاء للدارقطني، ص (192)، تهذيب التهذيب: (2/ 304)، وبهما أُعل الحديث، فقد أخطأ في إسناده ورفعه، والصحيح أنه من مراسيل أبي العالية، وعليه مدار الحديث، كما نص عليه أبو دادو، في كتاب المراسيل، ص (75)، والدارقطني في سننه: (1/ 162)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 146)، والكامل لابن عدي: (1/ 166). قلت: ومراسيل أبي العالية غير مقبولة عند أهل الحديث، وذلك لأنه يحدث عن كل أحد. انظُر: معرفة السنن والآثار: (1/ 36). وللحديث شواهد ضعيفة، منها ما أخرجهُ الدارقطني في سننه: (1/ 162 - 173)، من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده عبدالرحمن بن عمرو، وهو متروك الحديث، كما في لسان الميزان: (3/ 424). ومنها حديث ابن عمرو مرفوعا بلفظ: من ضحك في صلاة قهقه فليعد الوضوء والصلاة، وفي إسناده عطية بن بقية، وهو مدلس، ومنها مع حديث عمران بن حصين، وفي إسناده عمرو بن قيس، وهو ضعيف كما في المجروحين: (2/ 14)، تهذيب التهذيب: (6/ 376)، ومنها حديث أبي هريرة، وفي إسناده عبد الكريم بن أبي أمية، وهو متروك، كما في الكامل: (5/ 110)، ومنها حديث جابر، وفي إسناده يزيد بن سنان، وهو ضعيف كما في الكامل لابن عدي: (7/ 270)، وهذه الأحاديث المرفوعة كلها ضعيفة، انظُر: معرفة السنن: (1/ 431 - 436)، نصب الراية: (1/ 47 - 50)، وقد رويت شواهد لهذا الحديث مرسلة:
الأول: مرسل أبي العالية، رواه أبو داود في كتاب المراسيل، ص (75)، وابن أبي شيبه في مصنفه (1/ 341)، وعبدالرزاق في المصنف: (2/ 376)، والدارقطني: (1/ 162)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 146) وهو مرسل صحيح.
الثاني: مرسل الحسن: أخرجهُ أبو داود في مراسيله، ص (75).
الثالث: مرسل معبد الجهني: أخرجهُ الدارقطني: (1/ 167).
الرابع: مرسل إبراهيم النخعي: رواه عبدالرزاق في مصنفه: (2/ 377). (1/114)
صفحة 115
2. عن جابر - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح قال: ÷الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء× (1)
الأثر الفقهي:
أجمع المسلمون على فساد صلاة الضاحك فيها (2)، واختلفوا في فساد طهارته، لاختلاف الأحاديث الوارد في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: وهو أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، وهو مذهب الحنفية (3) وقد روي ذلك عن السلف منهم الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري (4).
وقد استدلوا على مذهبهم بالحديث السابق من حديث أبي المليح عن أبيه. وفيه أن النَّبِيّ ح أمرهم بإعادة الوضوء.
وقد أجيب على هذه الأحاديث بأنها ضعيفة، لا تصلح للاحتجاج ولا يصح حديث في إعادة الوضوء من القهقهة في الصلاة (5).
__________
(1) الحديث ذكره البخاري تعليقا: (1/ 336) كتاب (الوضوء)، باب (من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)، ووصله الدارقطني في سننه: (1738) وفي إسناده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو منكر الحديث، كما في نصب الراية: (1/ 53)، وفيه أيضا يزيد أبو خالد، وهو ممن لا يجوز الاحتجاج به، كما في نصب الراية. وقد رُوي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو: من ضحك في الصلاة فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة. رواه الدارقطني في سننه: (1/ 162) وهو ضعيف الإسناد أيضا.
(2) الإجماع لابن المنذر، ص (25)، الإفصاح لابن هبيرة: (1/ 40).
(3) بدائع الصنائع: (1/ 32)، المبسوط: (1/ 77)، فتح القدير: (1/ 211)، رد المحتار: (1/ 144).
(4) انظُر: مصنف ابن أبي شيبة: (1/ 341)، مصنف عبدالرزاق: (2/ 377).
(5) معرفة السنن: (1/ 30)، المجموع: (1/ 71)، المغني: (1/ 177). (1/115)
صفحة 116
وتعقب هذا الرد بأن الأحاديث المروية الموصولة، وإن كانت ضعيفة فقد روى بعضها مرسلا صحيحا، والمرسل حجة عندنا. وقال المخالفون: ومما يدل على عدم صحة هذه الواقعة أن صحابة النَّبِيّ ح، كانوا شديدي التوقير والاحترام لرسول الله ح، وهذا يمنعهم من الضحك خلفه في الصلاة إذ في ذلك سفاهة يتنزه عنها الصحابة رضوان الله عنهم (1).
وأجيب على هذا احتمالين:
الأول: أن الطارئ يغلب الاختيار، كالبكاء والتثاؤب وغيرهما، فالضحك في ذلك الموقف كان طارئا غير ناشئ عن سفه.
والاحتمال الثاني: أن يكون من بين المصلين المنافق والجاهل الذي لا يفقه الأحكام، كالأعرابي الذي بال في المسجد، فيمكن أن الضحك من هؤلاء، لا من خيار الصحابة (2).
واعترض على الاستدلال بالحديث بالقياس أيضا؛ وهو أن الكلام وغيره من المناهي يبطل الصلاة ولا يبطل الطهارة، والقهقهة كالكلام وقد ورد عن النَّبِيّ ح أنه قال: ÷الضاحك في الصلاة، والملتفت، والمفرقع أصابعه بمنزلة واحدة× (3).
فإذا كانت القهقهة في الصلاة تبطل الوضوء فيلزم نقضه بغيرها من المناهي (4) وأجيب: بأن الوضوء من القهقهة في الصلاة جاءت به سنه بحيالها ولا يصح القياس مع النص (5).
__________
(1) انظُر: فتح الباري: (1/ 337).
(2) شرح فتح القدير: (1/ 52)، نثار الجوهر: (1/ 247).
(3) أخرجهُ الإمام أحمد في مسنده: (3/ 438)، والدارقطني في سننه: (1/ 175)، وفي إسناده ابن لهيعة، وزيان بن قائد، وكلاهما ضعيف.
(4) انظُر: المغني: (1/ 177)، المجموع: (1/ 71)، التحقيق: (1/ 193).
(5) انظُر: جامع ابن بركة: (1/ 595)،الإيضاح: (1/ 130)، نثار الجوهر: (1/ 239)، المبسوط: (1/ 78). (1/116)
صفحة 117
المذهب الثاني: أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء، وعليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (1).
واستدل أصحاب هذا القول بحديث جابر المتقدم مرفوعا بلفظ: ÷الضحك ينتقض الصلاة ولا ينقض الوضوء×.
وبحديث رسول الله ح: ÷لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا× (2).
فقد جعل رسول الله ح نقض الوضوء من صوت أو ريح أو حدث دون الضحك. وتعقب: بأن الحديث ضعيف.
واستدلوا أيضا بأن القهقهة ليست بحدث يوجب نقض الوضوء، وهو القياس.
وأجيب: بأنه لا يلزم الاطراد في الأحكام وعللها، فمنها ما يطرد، ومنها ما ينعكس أحيانا، كالنوم مثلا، فهو ناقض للوضوء في الاضطجاع ولا ينقضه في حالات أخرى، وكذلك لا يلزم أن يكون كل ناقض للطهارة حدثا، فالمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة بطلت صلاته وطهارته، ورؤية الماء ليست حدثا.
وأجابوا عن أحاديث نقض الوضوء بالقهقهة، بأنها ضعيفة، ولا يصح الاحتجاج بها.
رأي الإباضية (3):
يرى الإباضية أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، وهو مذهب الحنفية كما سبق، وقد روي ذلك عن بعض السلف، منهم الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري (4).
__________
(1) انظُر: المدونة الكبرى: (1/ 19)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 67)، الأم: (1/ 18)، المجموع: (1/ 17)، مغني المحتاج: (1/ 32)، مختصر خلافيات البيهقي: (1/ 316) الإفصاح: (1/ 40)، بداية المجتهد: (1/ 56)، المغني لابن قدامة: (1/ 179)، الكافي: (1/ 277).
(2) أخرجهُ البخاري من حديث عباد بن تميم: (1/ 376) كتاب (الوضوء) باب (لا يتوضأ من الشك حتى يستقين)، رقم (137)، ومسلم: (1/ 376) كتاب (الحيض)، باب الدليل على أن من تيقن ثم شك في الحدث ... )، رقم (361).
(3) الإيضاح: (1/ 129)، شرح النيل: (1/ 132)، معارج الآمال: (2/ 251)، نثار الجوهر: (1/ 246).
(4) انظُر: مصنف عبدالرزاق: (2/ 3779)، مصنف ابن أبي شيبة: (1/ 341). (1/117)
صفحة 118
وقد استدلوا على مذهبهم بالحديث السابق من حديث أبي المليح عن أبيه وفيه أن النَّبِيّ ح، أمرهم بإعادة الوضوء.
والأحاديث المروية الموصلة وإن كانت ضعيفة، فقد روى بعضها مرسلا صحيحا، والمرسل حجة عند الإباضية.
سبب الخلاف في هذه المسألة:
الخلاف الوارد في هذه المسألة مبني على الاختلاف في قبول "المرسل والاحتجاج به (1) "، فمن قبله واعتبره حجة أخذ به. ومن لم يعتبره حجة لم يقبله، ومن ثم لم يعول عليه.
والذين لم يقولوا بنقض الوضوء من القهقهة، عضدوا قولهم أيضاً بأن القياس يوافقه، ومن ثم يترجح لديهم الحديث الموافق للقياس على الحديث المخالف له. وهذه إحدى طرق الترجيح بين الحديثين المختلفين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
***
ما يباح التيمم به:
1. عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح قال: ÷أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النَّبِيّ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة× (2).
2. عن حذيفة ? قال: قال رسول الله ح: ÷فُضِّلْنَا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء×. وذكر خصلة أخرى (3).
الأثر الفقهي:
لقد منََّ الله تبارك وتعالى على هذه الأمة وخفف عنها في الشرائع والأحكام، ورفع الحرج عنها، وذلك بخلاف بعض الأمم السابقة.
__________
(1) انظُر: البحر المحيط: (6/ 179).
(2) أخرجهُ البخاري: (1/ 519)، كتاب (التيمم)، رقم (335)، ومسلم: (1/ 370) كتاب (المساجد)، رقم (521).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 371) كتاب (المساجد)، رقم (522)، وله شاهد من حديث علي - رضي الله عنهم - عند الإمام أحمد: (1/ 98)، رقم (763)، والبيهقي في دلائل النبوة: (1/ 213)، وقال ابن حجر: إسناده حسن. فتح الباري: (1/ 522). (1/118)
صفحة 119
ومن ذلك التخفيف أن شرع لنا التطهر بالصعيد الطيب عند فقدان الماء أو عند عدم استطاعة استعماله وتأكيداً لهذه المنة، روى عن رسول الله ح الحديثان السابقان، إلا أن في دلالتهما اختلافاً، ففي أحد الحديثين جواز التطهر بمطلق الأرض، وفي الحديث الآخر تقييد ذلك بالتراب، وبناء على اختلاف دلالة اللفظ بمقتضى الحديثين؛ اختلف العلماء فيما يجوز التيمم به.
قالت: الحنفية (1) والمالكية (2) بجواز التيمم بما هو من جنس الأرض (3) كالتراب والرمل والحجر والنورة والسبخة والملح وغير ذلك.
واستدلوا بمطلق قوله ح: ÷جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً×.
ومطلق قوله: الأرض طهور. هو الذي يتناسب ويوافق أحد المعاني المشتركة بكلمة الصعيد الواردة في آية التيمم، فكل ما على الأرض ينطبق عليه معنى "الصعيد" كما هو عند أهل اللغة، وتقييد "الصعيد" بالتراب تقييد بغير دليل، وأجابوا عن رواية "ترابها طهوراً" بأن ذلك من باب إفراد فرد من العام، لأنه ربط حكم العام نفسه ببعض أفراده، وهو خلاف التخصيص الذي يخص الفرد عن حكم العام.
وأما تفسير ابن عباس: الصعيد بتراب الحرث فهو يحمل على الأغلب، لا على التقييد (4)، وأجيب: بأن التخصيص بالمفهوم لا بتنصيص الأفراد (5).
__________
(1) المبسوط: (1/ 108)، شرح فتح القدير: (1/ 128)، شرح رد المحتار: (1/ 238).
(2) حاشية الدسوقي: (1/ 155)، كفاية الطالب الرباني: (1/ 426).
(3) الفرق بين جنس الأرض وغيره، أن كل ما يحترق بالنار فيصير رماداً كالشجر، والحشيش، أو ينطبع ويلين كالحديد، والصفر، والذهب، والزجاج، ونحوها فليس من جنس الأرض؛ انظُر: حاشية رد المحتار: (1/ 239).
(4) شرح فتح القدير: (1/ 128)، أحكام القرآن للجصاص: (2/ 547).
(5) المبدع: (1/ 220). (1/119)
صفحة 120
القول الثاني: أنه يتيمَّم بالتراب الطاهر ذي الغبار، وإلى هذا ذهب الشافعية (1) والحنابلة (2)، واستدلوا على ذلك بحديث حذيفة وفيه ÷ترابها طهوراً× وهي تفيد التطهر بالتراب دون غيره من جنس الأرض، وهو تفسير لأحد معاني كلمة الصعيد في قوله تعالى: ژ? ? ?ژ [النساء43] فكلمة الصعيد مشتركة بين التراب، وبين ما على الأرض، وقوله ح: ÷وترابها طهوراً× تقييد لمطلق قوله ح: ÷جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً× وتخصيص لأحد المعاني المشتركة في كلمة "الصعيد"، وهو قول ابن عباس ? بأنه تراب الحرث، والمقيد مقدم على المطلق.
مذهب الإباضية:
ذهبت الإباضية إلى أن التيمم يكون بالتراب (3) كما هو الأمر في مذهب الشافعية والحنابلة (4).
والذي أراه وأميل إليه – والله أعلم- أن التيمم لا يكون إلا بالتراب، وفي حالة عدم وجوده يتيمم بكل ما هو على الأرض، وذلك لأن المقيد مقدم على المطلق (5).
وأصل الخلاف في المسألة يرجع إلى سببين:
الأول: أن كلمة "الصعيد" تطلق على التراب، وتطلق على أجزاء الأرض، فهي من المشترك.
الثاني: وورد روايات عن رسول ح، بعضها يفيد جواز التيمم بجميع الأرض، وذلك لإطلاق كلمة "الأرض" وبعضها مقيد بالتراب دون غيره (6).
***
صفة التيمم (7):
__________
(1) المجموع: (2/ 245)، مغني المحتاج: (1/ 96).
(2) المغني: (1/ 247)، المبدع (1/ 219)، الكافي: (1/ 129).
(3) جامع ابن بركة: (1/ 338)، جامع البسيوي: (2/ 37)، قواعد الإسلام: (1/ 197)، الإيضاح: (1/ 298)، شرح النيل: (1/ 368)، معارج الآمال: (3/ 245)، نثار الجوهر: (1/ 284).
(4) المجموع: (2/ 246)، المغني: (1/ 247).
(5) بداية المجتهد: (1/ 93).
(6) جامع ابن بركة: (1/ 338)، بداية المجتهد: (1/ 93).
(7) التيمم في اللغة: القصد، قال الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} البقرة آية (267)، وفي الشرع: مسح الوجه واليدين بشيء من التراب، انظُر: المصباح المنير: (681) مادة (ي م م). (1/120)
صفحة 121
1. عن أبي الجهيم الأنصاري ? قال: أقبل النَّبِيّ ح من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلّم عليه، فلم يرد عليه النَّبِيّ ح حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام (1).
2. عن عمار بن ياسر أن رسول الله ح عَرَّس (2) بأولات الجيش (3) ومعه عائشة ?، فانقطع عقد لها من جزع ظفار (4)، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبستِ الناس وليس معهم ماء؛ فأنزل الله تعالى على رسوله ح رخصة التطهر بالصعيد الطيب (5)، فقام المسلمون مع رسول الله ح فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً؛ فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط (6).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (1/ 525)، كتاب (التيمم)، باب (التيمم في الحضر)، رقم (337)، مسلم: (1/ 281)، كتاب (الحيض)، باب (التيمم)، رقم (800).
(2) التعريس: هو نزول المسافر آخر الليل للراحة.
(3) موضع بين مكة والمدينة.
(4) المحافظة الجنوبية من سلطنة عمان، وعاصمتها "صلالة" وقد شاع في الكتب نسبتها لليمن وهو خطأ.
(5) يعني قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} النساء43.
(6) أخرجهُ أبو داود: (1/ 226) كتاب (الطهارة)، باب (التيمم)، رقم (320)، والنسائي: (1/ 167) كتاب (الطهارة)، باب (التيمم في السفر)، رقم (314)، والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الحازمي في الاعتبار، ص (181)، وابن حجر في الدراية تخريج أحاديث الهداية: (1/ 18). (1/121)
صفحة 122
3. عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء. فقال عمار بن ياسر - رضي الله عنه - لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت للنبي ح فقال النَّبِيّ ح: ÷إنما كان يكفيك هكذا×. فضرب النَّبِيّ ح بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (1)، وفي رواية: ÷إلى المرفقين× (2).
__________
(1) أخرجهُ البخاري في صحيحه: (1/ 528) كتاب (التيمم)، باب (التيمم هل ينفخ فيهما؟)، رقم الحديث (238)، ومسلم، (1/ 280) كتاب (الحيض)، باب (التيمم)، رقم (112).
(2) هذه الرواية عند أبي داود: (1/ 231) كتاب (الطهارة)، باب (التيمم)، رقم (324). (1/122)
صفحة 123
4. عن ابن عمر? قال: مر رجل على رسول الله ح في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طُهر (1).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (1/ 234) كتاب (الطهارة)، باب (التيمم في الحضر)، رقم (330)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 206)، وفي المعرفة: (2/ 8)، والحديث رفعه محمد بن ثابت، وهو صدوق، ولكن أنكر عليه البخاري، والأمام أحمد بن حنبل، وأبو داود رفعه. انظُر: سنن أبي داود: (1/ 234)، معرفة السنن: (912)، التحقيق: (1/ 237)، التلخيص: (1/ 16)، فتح الباري: (1/ 527)، نصب الراية: (1/ 152)، ولم ير البيهقي النكارة في محمد بن ثابت بل شاركه في رفع الحديث، وإنما النكارة لانفراده في ذكر "ومسح الذراعين" كما في المعرفة: (912). قلت: له شاهد من حديث أبي جهم أخرجهُ الدارقطني في سنته: (1/ 177)، وفي إسناده أبو عصمة وهو ضعيف، وقد خالف الثقات في ذكر الذراعين، بينما رواه الثقات "يديه" فتح الباري: (1/ 527). (1/123)
صفحة 124
5. روى ابن عمر وجابر وعائشة عن رسول الله ح قال: ÷في التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين× (1).
الأثر الفقهي:
تعددت الروايات عن رسول الله ح في صفة التيمم، منها ما يثبت ضربة واحدة للوجه والكفين، وبعضها ضربتين، ضربة للوجه وأخرى لليدين. ثم اختلفت الروايات في حد اليد التي يجب المسح عليها، فاليد كلمة مشتركة بين الكل والجزء، فهي تطلق على الأنامل إلى الكف، أو إلى المرفق، أو إلى المنكب، وفي بعض الروايات ذكرت اليد بصيغة الإطلاق (2)، وبعضها حددت الكفين (3)، وبعضها حددت المرفقين (4)، وأخرى إلى المناكب (5).
__________
(1) أما حديث ابن عمر فأخرجهُ الدارقطني في سننه: (1/ 18)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 207)، وفي إسناده علي بن طبيان العيسى، وهو ضعيف؛ كما نص عليه الدارقطني وقد خالف الثقات في رفعه، وقد صح عن ابن عمر موقوفاً كما في موطأ مالك: (1/ 53)، الأم: (1/ 28)، وسنن الدارقطني: (1/ 108)، ومعرفة السنن: (2/ 10). وحديث جابر - رضي الله عنه - أخرجهُ الدارقطني في سننه: (1/ 181)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 207)، وقال الدارقطني: رجاله ثقات وأعله النووي، وابن الجوزي بعثمان بن محمد، وقال: إنه متكلم فيه. المجموع: (1/ 245)، التحقيق: (1/ 237) وتعقبه ابن دقيق العيد، وخطأ دعواه، وقال: لم يتكلم فيه؛ نقل ذلك ابن حجر في التلخيص الحبير: (1/ 162) والزيعلي في نصب الراية: (1/ 151)، أما حديث عائشة - رضي الله عنهم - فأخرجهُ البزار، كما عزاه ابن حجر، والزيعلي، وفي إسناده حريش بن الحريش، وهو ضعيف. التلخيص الحبير: (1/ 161)، نصب الراية: (1/ 151).
(2) كما هو في حديث أبي جهيم.
(3) كما هو في حديث عبد الرحمن بن أبزي.
(4) كما هو في بعض روايات حديث عبد الرحمن بن أبزي، وحديث ابن عمر، وعائشة، وجابر.
(5) كما هو في حديث عمار. (1/124)
صفحة 125
وبناء على هذه الروايات المختلفة؛ اختلفت آراء العلماء في الاستدلال بها، أما حديث عمار في المسح إلى المناكب فهو منسوخ (1) لأن ذلك كان في أول مشروعية التيمم، أو أنه كان من عمل الصحابة دون علم الرسول ح، فأرشدهم إلى الكيفية الصحيحة (2).
وأما حديث أبي جهيم فهو مجمل، وما عدا هذين الحديثين، فمنها ضعيف ومنها ما فيه مقال (3)، وهي متفاوتة في القوة.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: مذهب الحنفية (4)، والشافعية (5) إن التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، واستدلوا بحديث ابن عمر: التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين×، وبحديث عائشة وجابر، ورجحوا هذه الأحاديث بفتوى بعض الصحابة والتابعين كابن عمر (6) والحسن، وقالوا: إن التيمم بدل من الوضوء وقد أسقط الله عضوين، وأبقى عضوين، فيكون التيمم فيهما كالوضوء.
وأجيب بأن هذا غير لازم، ولو كان الأمر كذلك في مناب بعض الأعضاء الكل، فغير منكر أيضاً أن ينوب الكف مناب الذراع (7).
القول الثاني: وهو مذهب المالكية (8) والحنابلة (9)، التيمم ضربة واحدة للوجه والكف.
__________
(1) معرفة السنن والآثار: (2/ 22)، الاعتبار، ص (184)، رسوخ الأخبار، ص (222).
(2) سنن الترمذي: (1/ 271).
(3) قال حجر: إن أحاديث صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه. فتح الباري: (1/ 530)، وانظُر المجموع: (2/ 245)، المغني لابن قدامة: (1/ 245).
(4) شرح معاني الآثار: (1/ 114)، المبسوط: (1/ 107)، شرح فتح القدير: (1/ 125)، حاشية الدر المختار: (1/ 231).
(5) الأم: (1/ 49)، المجموع: (1/ 244)، مغني المحتاج: (1/ 99).
(6) مصنف عبد الرزاق: (1/ 212).
(7) جامع ابن بركة: (1/ 337)، بداية المجتهد: (1/ 91).
(8) جواهر الإكليل: (1/ 222)، حاشية الدسوقي: (1/ 158)، كفاية الطالب: (1/ 433).
(9) المغنى: (1/ 244)، المبدع: (1/ 230). (1/125)
صفحة 126
واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن أبزي في قصة عمار بن ياسر، وقول رسول الله: إنما يكفيك هكذا، وأشار إلى الوجه والكفين، قالوا: القرآن وردت مجملة، ومبينة، ففي قوله تعالى: ژ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ? ژ [النساء43].
فتَبيَّن أن المراد من اليد إلى المرفق.
أما قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ... S S SS ? ? ... ? ژ [المائدة38].
فكلمة اليد هنا مجملة، وجاءت السنة فحددت قطع يد السارق من الكف، وبهذا البيان تفسر كلمة اليد الواردة في آية التيمم.
ويرجح بهذا حديث عمار على غيره مع صحته، وفي المدلول اللغوي عند العرب، لكن اليد إذا وردت مجملة، فهي لا تتصرف إلا إلى الكف، وإن أرادت غيرها، بينوا وفصلوا. وبهذا قالت المالكية (1) والحنابلة (2).
هذا وحديث عمار صحيح، وبقية أحاديث الباب ضعيفة أو فيها مقال، والحكم معلق على مطلق اليد، فلم يدخل فيه الذراع كقطع يد السارق أو مَسّ الفرج.
مذهب الإباضية (3):
ومذهب الإباضية أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وقولهم بالضربتين لموافقة القياس، وذلك أن لكل عضو ضربة، كما هو في الوضوء لكل عضو ماء جديد، وللأحاديث التي تنص على الضربتين الواردة في الباب (4).
وأجابوا عن حديث عمار الذي فيه أن التيمم ضربة واحدة؛ قالوا: بأن ذلك لم يكن لغاية تحديد عدد الضربات، بل القصد تعليم رسول الله ح لعمار مواطن المسح لا لجميع الجسد كما فعل هو.
وبهذا قالت الحنفية، والشافعية، كما سبق.
__________
(1) المنتقى: (1/ 114)، جواهر الإكليل: (1/ 222)، حاشية الدسوقي: (1/ 158)، كفاية الطالب: (1/ 433).
(2) المغني: (1/ 244)، المبدع: (1/ 230)
(3) جامع ابن جعفر: (1/ 410)، جامع ابن بركة: (1/ 342)، قواعد الإسلام: (1/ 194)، الإيضاح للشماخي: (1/ 290)، شرح النيل: (1/ 362)، نثار الجوهر: (1/ 300، 305).
(4) وهي حديث عائشة، وجابر، وابن عمر. (1/126)
صفحة 127
وقولهم: إن حد مسح اليد هو الكفين؛ عمل بحديث عبد الرحمن بن أبزي في تحديد اليد، وهو تفسير للمجمل في قوله تعالى: ژ ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ?ژ [النساء43].
وكلمة اليد مجملة، فهي تطلق على الأنامل إلى الكتف، وقد تطلق على جزء منه.
سبب الخلاف:
وأصل الخلاف في المسألة راجع إلى اختلاف الروايات في الباب، وإلى اشتراك لفظ "اليد" عند العرب؛ فهي تطلق على الكف فقط وتطلق على الساعد والعضد.
فالذين قالوا: التيمم إلى الكف رجحوا أحاديث الكف بما هو معروف عند العرب؛ أن اسم اليد يطلق على الكف حقيقة وما فوق ذلك فهو مجاز، ويحتاج إلى التفصيل والبيان، والذين قالوا: إن المسح إلى المرفقين رجحوا المرفقين بالقياس على الوضوء (1). والله أعلم.
***
هل يجب الغسل عند الجماع بلا إنزال؟
1. عن أبي بن كعب ? أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم يُنزِل؟ قال: يغسل ما مَسّ المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي (2).
2. عن أبي سعيد الخدري ? قال: قال رسول الله ح: إنما الماء من الماء (3).
__________
(1) بداية المجتهد: (10/ 90).
(2) أخرجهُ البخاري: (1/ 473) كتاب (الغسل)، باب (غسل ما يصيب من فرج المرأة)، رقم (293)، ومسلم: (1/ 270)، كتاب (الحيض)، باب (الماء من الماء)، رقم (346). وللحديث شواهد: منها حديث أبي سعيد الخدري قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر، قال: لعلنا أعجلناك!! قال: نعم، يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أحجلت أو قحطت، فلا غسل عليك، وعليك الوضوء. أخرجهُ البخاري: (1/ 340) كتاب (الوضوء)، باب (من لم يرد الوضوء إلا من المخرجين)، رقم (180). وأخرجهُ مسلم أيضاً: (1/ 270)، كتاب (الحيض)، باب (الماء من الماء)، رقم (345).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 269)، كتاب (الحيض)، باب (الماء من الماء)، رقم (343). (1/127)
صفحة 128
3. وعن أبي هريرة ? عن النَّبِيّ ح قال: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل (1).
الأثر الفقهي:
هذه الأحاديث فيها تعارض ظاهر، فبعضها توجب الغسل بالتقاء الختانين وبعضها لا توجبه إلا إذا أنزل الماء، وهو ما أفتى به بعض الأنصار كأبي سعيد الخدري وأبي أيوب وخالد بن زيد الجهني وآخرين؛ خلافاً لما ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين من إيجاب الغسل إذا التقى الختانان (2).
وهذه الأحاديث التي مفادها إيجاب الغسل بنزول الماء كان في أول الأمر ثم نسخ هذا الحكم بإيجاب الغسل مطلقاً إذا التقى الختانان؛ فقد روي عن أبي بن كعب ?قال: إنما كان ÷الماء من الماء× رخصة في أول الإسلام، ثم نُهي عنها (3).
وقالت عائشة رضي الله عنها فيما روى عنها عروة أن رسول الله ح كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل (4).
وقال الزهري: وكأن الصحابة الذين كانوا يفتون بعدم إيجاب الغسل إلا من الإنزال لم يبلغهم نسخ ذلك.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (1/ 470) كتاب (الغسل)، باب (إذا التقى الختانان)، رقم (291)، ومسلم: (1/ 271) كتاب (الحيض)، باب (الماء من الماء)، رقم (348)، وله شاهد من حديث عائشة - رضي الله عنهم - أخرجهُ مسلم في صحيحه رقم (350).
(2) مصنف عبد الرزاق: (1/ 250)، المحلى: (2/ 4).
(3) سنن أبي داود: (1/ 146)، رقم (214، 215)، وسنن الترمذي: (1/ 183) رقم: (110، 111).
(4) الإحسان: (2/ 354) وصححه وتعقبه الحازمي بأن في إسناده الحسين بن عمران، وهو عن الزهري بالمناكير، وقد ضعفه غير واحد من أصحاب الحديث. وبرغم هذه العلة التي أبداها الحازمي إلا أنه استحسن هذا الاستشهاد في هذه المسألة. الاعتبار، ص (129). (1/128)
صفحة 129
ولما استشرى الخلاف بين الصحابة في هذه المسألة جمع عمر بن الخطاب ? المهاجرين والأنصار، وشاورهم، فاختلفوا. فبعث إلى بعض أزواج رسول الله ح فأخبرته أم المؤمنين عائشة بأنه إذا جاوز الختان فقد وجب الغسل، فحمل عمر الناس على ذلك وقال: ÷لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضرباً× (1)، فكان هذا إجماعاً من الصحابة على أن فتوى ÷إنما الماء من الماء× منسوخة (2) بحديث النَّبِيّ ح: إذا مَسّ الختان الختان فقد وجب الغسل. وهذا ما عليه جمهور الصحابة والتابعين إلا ما روي عن عبيدة والأعمش وأبي سلمة بن عبد الرحمن وبعض الظاهرية (3).
وقد اتفقت المذاهب الأربعة (4) والإباضية (5) على ما أجمع عليه الصحابة (6).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف هو عدم بلوغ الناسخ لمن أفتى بأنه لا غسل إلا من الإنزال، أما الذين بلغهم الناسخ فقد قالوا بموجبه، وقد انتشر ذلك القول، واتفق على القول به جميع أئمة المذاهب.
***
المبحث الثاني
__________
(1) شرح معاني الآثار: (1/ 250). مصنف عبد الرزاق: (1/ 58).
(2) الأم: (1/ 31): (7/ 164)، سنن الترمذي: (1/ 185)، شرح معاني الآثار: (1/ 63). الاعتبار، ص (124)، رسوخ الأخبار: (207).
(3) مصنف عبد الرزاق: (1/ 250)، سنن أبي داود: (1/ 146)، معالم السنن: (1/ 147)، المحلى: (2/ 4)، فتح الباري: (1/ 474).
(4) انظُر: الجموع: (2/ 156)، المغني: (1/ 202)، بداية المجتهد: (1/ 65)، القوانين الفقهية، ص (23)، شرح فتح القدير: (1/ 63).
(5) جامع ابن بركة: (1/ 323)، قواعد الإسلام: (1/ 200)، الإيضاح: (1/ 168).
(6) وقد كان ابن عباس (رضي الله عنهما) يؤول حديث "الماء من الماء" على المحتلم الذي لا يجد بللاً، فلا يلزمه غسل، فإذا رأى الماء فقد وجب عليه الغسل، وبهذا التأويل لا يكون ثمة أي تعارض بين الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. انظُر: سنن الترمذي: (1/ 168). الاعتبار في الناس والمنسوخ من الآثار، ص (122). حاشية الترتيب: (1/ 196) (1/129)
صفحة 130
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في باب الصلاة
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها:
1. عن ابن عباس? قال: شهد عندي رجال مَرْضِيُّون – وأرضاهم عندي عمر – أن النَّبِيّ ح نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب (1).
2. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت النَّبِيّ ح ينهى عنها – يعني عن الصلاة بعد العصر – ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله، سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه. ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما .... هاتان. (2)
__________
(1) البخاري: (2/ 69)، كتاب المواقيت، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، رقم (581)، ومسلم: (1/ 566) كتاب، المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، رقم (826).
وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية، وأبي بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر، وعمرو بن عنبسة فحديث أبي هريرة عند البخاري، في كتاب (المواقيت)، باب (الصلاة بعد الفجر)، رقم (584)، وحديث أبي سعيد الخدري ومعاوية في باب (لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)، رقم (586، 587)، ومسلم، في كتاب (المسافرين)، باب (الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها)، رقم (825، 827، 830، 832).
(2) أخرجهُ البخاري: (2/ 76) كتاب (المواقيت)، باب (ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها) معلقاً ووصله في (3/ 126) كتاب (السهو)، باب (إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع)، رقم (1233)، ومسلم: (1/ 572) كتاب (المسافرين)، باب (معرفة الركعتين التي كان يصليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر)، رقم (835). (1/130)
صفحة 131
3. عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ترك رسول الله ح ركعتين بعد العصر عندي قط (1).
4. عن أبي قتادة السلمي ? أن رسول الله ح قال إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (2).
الأثر الفقهي:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 77) كتاب (مواقيت الصلاة)، باب (ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها) رقم (591)، ومسلم: (1/ 572) كتاب (المسافرين)، باب (معرفة الركعتين التي كان يصليهما النبي بعد العصر)، رقم (835).
(2) أخرجهُ البخاري: (1/ 640) كتاب (الصلاة)، باب (إذا دخل المسجد فليركع ركعتين)، رقم (444)، ومسلم، كتاب (المسافرين)، باب (استحباب تحية المسجد بركعتين)، رقم (714). (1/131)
صفحة 132
الأصل جواز الصلاة في جميع الأوقات، سواء كانت فريضة أو سنة أو نافلة على حسب وقتها، كما بينت السنة في أحاديث كثيرة (1)، إلا ما استثنى من الأوقات التي لا ينبغي الصلاة فيها للنهي الصريح عن تلك الأوقات، كما جاء في حديث ابن عباس وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - وهي: بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس، وعند الزوال، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، إلا ما قد ثبت عن رسول الله ح أنه صلى بعد العصر ركعتين.
__________
(1) ومنها حديث عمرو بن عبسة الطويل الذي أخرجهُ مسلم: (1/ 569)، كتاب (المسافرين)، باب (الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها)، رقم (832)، وحديث أبي هريرة أخرجهُ ابن ماجه: (1/ 397) كتاب (إقامة الصلاة)، باب (ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة)، رقم (1252)، عن أبي هريرة قال: سأل صفوان بن المعطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني سائلك عن أمر أنت به عالم وأنا به جاهل. قال: وما هو؟ قال: هل من ساعات الليل والنهار ساعة تكره فيها الصلاة؟ قال: نعم إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بقرني الشيطان، ثم صل فالصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا كانت على رأسك كالرمح فدع الصلاة؛ فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم وتفتح أبوابها حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس. (1/132)
صفحة 133
وما روي عنه أنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها) دون استثناء لوقت معين، وإنما علّق الصلاة بالتذكر بعد النسيان أو النوم، فجعل ذلك وقتها كما جاء في الحديث (1).
وأمر رسول الله ح الداخل للمسجد أن يصلي ركعتين تحية للمسجد.
وأباح للطائف أن يصلي ركعتي الطواف في أي وقت، كما جاء في حديث جبير بن مطعم ? يبلغ به النَّبِيّ ح قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار) (2).
فبين عموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وعموم الأمر بتحية المسجد، وإباحة الصلاة للطائف في أي وقت، وصلاته ح ركعتين بعد العصر تعارض. ومن ثم اختلفت الاتجاهات الفقهية في جواز الصلاة وعدم جوازها في تلك الأوقات وهي تنقسم إلى قسمين:
الأول: عند طلوع الشمس وزوالها وغروبها.
الثاني: بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر.
__________
(1) البخاري: (2/ 84) كتاب (المواقيت)، باب (من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها)، رقم (597)، ومسلم: (1/ 472) كتاب (المساجد)، باب (قضاء الفائتة واستحباب تعجيل قضائها)، رقم (684) ورقم (680)، من حديث أبي هريرة الطويل في قصة نوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الصبح، باب (قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها)، رقم (681)، ومن حديث عمران بن حصين رقم (682)، ومن حديث أبي هريرة رقم (680).
(2) أخرجهُ أصحاب السنن: أبو داود: (2/ 449) كتاب (المناسك)، باب (الطواف بعد العصر)، رقم (1894)، والترمذي: (3/ 220) كتاب (الحج)، باب (الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف)، رقم (868)، والنسائي: (1/ 284) كتاب (المواقيت)، باب (إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة)، رقم (586)، وابن ماجه: (1/ 398) كتاب (إقامة الصلاة)، باب (ما جاء في الرخصة بمكة في كل وقت)، رقم (1254). (1/133)
صفحة 134
أما القسم الأول: فقد ذهبت الإباضية إلى عدم جواز الصلاة فريضة حاضرة ولا منسية ولا سنة ولا نافلة؛ لعموم النهي المتعلق بتلك الأوقات (1)، وفي ذلك موافقة للحنفية (2)، وأجابوا عن حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها) وقالوا: إن رسول الله ح حين نام عن صلاة الصبح، واستيقظ عند شروق الشمس، صلاها بعدما ارتفعت الشمس وابيض ضوؤها (3).
قال البسيوي: فلم يصلّ رسول الله ح حتى ارتفعت الشمس قليلاً، فلا تجوز الصلاة فريضة ولا نافلة عند طلوع الشمس وعند غروبها (4).
وبمثل ذلك صرح الإمام الطحاوي بقوله: فلما رأينا النَّبِيّ ح أخّر صلاة الصبح لما طلعت الشمس وهي فريضة، فلم يصلّها حينئذ حتى ارتفعت الشمس دل ذلك على أن نهيه ح عن الصلاة عند طلوع الشمس قد دخل فيه الفرائض والنوافل، وأن الوقت الذي استيقظ فيه ليس بوقت للصلاة التي نام عنها (5).
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 545)، جامع البسيوي: (2/ 81)، قواعد الإسلام: (1/ 239)، شرح النيل: (2/ 21)، معارج الآمال، (6/ 191 – 202).
(2) شرح معاني الآثار: (1/ 353، 402) المبسوط: (1/ 151)، شرح فتح القدير: (1/ 233).
(3) وذلك في قصة طويلة رواها أبو قتادة عند البخاري (2/ 79) كتاب (المواقيت)، باب (الأذان بعد ذهاب الوقت)، رقم (595)، ومسلم في كتاب (المساجد)، باب (قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها)، رقم (681)، ومن حديث عمران بن حصين، رقم (682)، ومن حديث أبي هريرة، رقم (680)، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى.
(4) جامع البسيوي: (1/ 81)، شرح معاني الآثار: (1/ 402).
(5) شرح معاني الآثار: (1/ 402)، وانظُر عمدة القاري: (5/ 49، 89). (1/134)
صفحة 135
وأجابوا عن حديث: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (1)، بأنه منسوخ بعموم النهي (2).
وقالت المالكية، والشافعية، والحنابلة بالنهي عن الصلاة في هذه الأوقات إلا لمن نسي فريضة فتذكرها، فله أن يصليها ولو عند شروق أو غروب الشمس، لقوله ح: (من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها) دون استثناء لوقت، ولقوله ح: (من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس أو أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك)، وقالوا: إن هذه الأحاديث مخصصة لعموم النهي (3).
وأجاز المالكية الصلاة عند الزوال، واستندوا إلى عمل أهل المدينة فإنهم كانوا يصلّون في ذلك الوقت، واعتبروا ذلك نسخاً للنهي عن الصلاة عند الزوال (4).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 46) كتاب (مواقيت الصلاة)، باب (من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب)، رقم (566)، وفي باب (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)، رقم (580)، ومسلم: (1/ 423) كتاب (المساجد)، باب (من أدرك تلك الصلاة)، رقم (607).
(2) جامع البسيوي: (1/ 81) شرح معاني الآثار: (1/ 353)، عمدة القاري: (5/ 49)، وتأولوا الحديث على أن الكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمي عليه إذا أفاق، والحائض إذا طهرت قبل شروق الشمس أو قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، فقد وجبت عليهم الصلاة. انظُر: المدونة: (1/ 185) المفهم للقرطبي: (2/ 1060) المبسوط للسرخسي: (1/ 152) شرح فتح القدير: (1/ 232).
(3) المدونة الكبرى: (1/ 174، 215) المنتقى: (1/ 364) المجموع: (4/ 80) مغني المحتاج: (1/ 128) المبدع: (2/ 36).
(4) المنتقى: (1/ 362)، بداية المجتهد: (1/ 138). (1/135)
صفحة 136
واستثنى الشافعية وقت الزوال في يوم الجمعة (1)، واستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله ح نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (2).
وأما القسم الثاني:
الصلاة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر.
فقد حمل الإباضية النهي على النوافل، وقضاء الفوائت من الفرائض والسنن إلا الفريضة المنسية إذا ذكرها، لقوله ح (من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها) وركعتي الفجر، فقد ذهب جماعة منهم إلى جواز قضائها بعد صلاة الصبح (3). فخص من عموم النهي. وأجازوا الصلاة التي لها سبب يخشى فواتها، كصلاة الكسوف والجنازة، وكرهوا ركعتي تحية المسجد وركعتي الطواف (4)؛ لأن ذلك ينزل منزلة التطوع، وفي ذلك موافقة للحنفية (5) والمالكية.
__________
(1) الأم: (1/ 197) المجموع: (4/ 80) مغني المحتاج: (1/ 128).
(2) أخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (2/ 464)، وفي معرفة السنن والآثار (3/ 437)، وفي إسناده ضعف، وله شاهد من حديث أبي قتادة عن النبي أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة. والحديث أخرجهُ أبو داود: (1/ 653) كتاب (الصلاة)، باب (الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال)، رقم (1083)، وقال أبو داود: الحديث مرسل، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، انظُر المجموع (4/ 181)، التلخيص الحبير: (1/ 200).
(3) أخرجهُ أبو داود: (2/ 51) كتاب (الصلاة)، باب (من فاتته صلاة متى يقضيها)، رقم (1267)، والترمذي: (2/ 84)، أبواب (الصلاة)، باب (ما جاء فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر يصليها بعد صلاة الفجر)، رقم (422)، ابن ماجه: (1/ 365)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (فيمن جاء وفاتته الركعتان)، رقم (1154) واللفظ له.
(4) جامع ابن بركة: (1/ 545) قواعد الإسلام: (1/ 239)، الإيضاح: (2/ 7)، شرح النيل: (2/ 21)، معارج الآمال (6/ 200، 207).
(5) شرح معاني الآثار: (1/ 353، 339)، المبسوط: (1/ 151)، شرح فتح القدير: (1/ 233). (1/136)
صفحة 137
وقد أجابوا عن حديث تحية المسجد، بأن الأمر بأداء التحية يكون في غير وقت النهي والكراهية، ثم إذا تعارض الأمر والنهي يقدم النهي (1).
وكذا أجابوا عن حديث مطعم بن جبير.
ثم إنه لا يقاوم في الصحة أحاديث النهي (2).
وأما عن صلاته ح ركعتين بعد صلاة العصر، فأجابوا أن ذلك من خصوصياته ح، وإذا تعارضت أفعاله وأقواله فالقول يشمل الأمة، والفعل خاص به.
وقالت الشافعية والحنابلة (3): إن النهي بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، عن النوافل والتطوع ابتداء، أما الفوائت من الفرائض والسنن والرواتب التي يلتزم بها المسلم، فإنها جائز قضاؤها بعد صلاة العصر، وبعد صلاة الصبح، لأن الرسول ح قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر كما جاء في حديث أم سلمة، وقالوا بجواز السنن التي لها سبب كصلاة الجنازة والكسوف، وتحية المسجد، وركعتي الطواف، فالأول لعموم الأمر بتحية المسجد دون تخصيص وقت، والثاني لحديث معطم بن جبير؛ فقد خصّ ركعتي الطواف من عموم النهي، والخاص مقدَّم على العام.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في المسألة ناتج عن تعارض الأخبار بين النهي والإباحة، فالذين قالوا بحرمة الصلاة عند شروق الشمس وزوالها وغروبها، قدموا أحاديث النهي على أحاديث الإباحة، وقالوا: إذا تعارض النهي والإباحة يقدم النهي.
وأما الذين قالوا بجواز بعض الصلوات في هذه الأوقات كالمنسية أو التطوع عند الزوال، أو زوال الجمعة فقالوا: النهي عام، وهذه الصلوات مخصصة من العموم بأخبار أخرى، وفي ذلك جمع بين الأدلة المتعارضة التي يكون ظاهرها عاماً من وجه وخاصاً من وجه آخر.
__________
(1) شرح فتح القدير: (1/ 234)، عمدة القاري: (5/ 76).
(2) الأمر للندب، والنهي للتحريم، وترك المحرم أولى من فعل المندوب.
(3) المجموع: (4/ 78)، مغني المحتاج: (1/ 127)، المغني لابن قدامة: (2/ 107، 109، 121)، المبدع: (2/ 37، 38)، الإنصاف: (2/ 207). (1/137)
صفحة 138
وأما الصلاة بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، فقد اختلفوا في قضاء الفوائت إلا المنسية، وقضاء السنن والرواتب، وركعتي الطواف، وركعتي تحية المسجد مع اتفاقهم على أن المنهي عنه هو صلاة التطوع ابتداء من غير سبب، فالذين أجازوا ذلك سلكوا مسلك الجمع بين الأحاديث المتعارضة؛ وما أبيح مخصص من عموم النهي.
أما الذين منعوا ذلك، فقد رجحوا أحاديث النهي لعمومها، جرياً على قاعدة تقديم الحظر على الإباحة إذا تعارضا.
وأجابوا عن قضاء رسول الله ح بعض الرواتب بعد صلاة العصر بأن ذلك من خصوصياته، وقالوا: إذا تعارض قوله وفعله فالقول متوجه للأمة والفعل خاص به. والله أعلم (1).
إفراد الإقامة وتثنيتها:
1. عن أنس بن مالك ? قال: أُمر بلال (2) أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة (3).
__________
(1) انظُر: البحر المحيط: (6/ 144).
(2) قوله: "أمر بلال" الآمر هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنه تؤخذ الأوامر الشرعية. وهو ما قرره علماء الحديث أن قول الراوي: أُمرنا، أو نُهينا، أو كنا نفعل كذا، فهو في حكم المرفوع، والأمر، والنهي، والإقرار، لا يكون إلا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو مصدر التشريع، ويؤيد ذلك رواية النسائي عن أنس - رضي الله عنهم - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، سنن النسائي: (312) كتاب (الأذان)، باب (تثنية الأذان). وانظُر المنخول، ص (279)، والتبصرة، ص (331).
(3) أخرجهُ البخاري: (2/ 100) كتاب (الأذان)، باب (الإقامة واحدة إلا قول: قد قامت الصلاة)، رقم (607). (1/138)
صفحة 139
2. عن أبي محذورة (1) أن رسول الله ح علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. الأذان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
__________
(1) أبو محذورة القرشي المكي، قيل: اسمه شمس، وقيل سلمة، وقيل سلمان. واسم أبيه معير. أسلم عام الفتح عند رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حنين، خرجت عاشر عشرة من أهل مكة تطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجل وكنت آخرهم. فقال حين أذنت: تعال. فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي، وبرك علي ثلاث مرات، ثم قال: اذهب فأذن عند البيت الحرام. قلت: كيف يا رسول الله؟ فعلمني كما تؤذنون الآن بها. وتوفي أبو محذورة سنة تسع وخمسين، وقيل تسع وتسعين. انظُر: سنن النسائي: (2/ 5)، كتاب (الأذان)، باب (كيفية الأذان). تهذيب التهذيب: (12/ 22). (1/139)
صفحة 140
والإقامة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله (1).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (1/ 342) كتاب (الصلاة)، باب (بدء الأذان)، رقم (502)، والنسائي (2/ 4) كتاب (الأذان)، رقم (631)، وابن ماجه: (1/ 235) كتاب (الأذان)، باب (الترجيع في الأذان)، رقم (709) وأصل الحديث عند الإمام مسلم: (1/ 287) كتاب (الصلاة) باب (صفة الأذان) رقم (379). وللحديث شاهد من قصة عبد الله بن زيد في بدء الأذان وفيه تثنية الإقامة، والحديث أخرجهُ أبو داود: (1/ 347)، كتاب (الصلاة)، باب (كيفية الأذان)، رقم (507)، عن أبي ليلى عن معاذ بن جبل - رضي الله عنهم - و ذكر قصة الأذان. والترمذي: (1/ 370) أبواب (الصلاة)، باب (ما جاء في الأذان مثنى مثنى)، رقم (194). من طريق ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد. قال: كان أذان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شفعًا شفعا في الأذان والإقامة. والحديث أعله البعض بالانقطاع لأنه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو لم يسمع من معاذ ولا من عبد الله بن زيد، ذكر ذلك الترمذي في سننه: (1/ 370)، وابن خزيمة في صحيحه: (1/ 198 – 200)، والدارقطني في سننه: (1/ 41).
قلت: رُوي الحديث من طريق فيه التصريح بسماع ابن أبي ليلى من الصحابة، فقد روى وكيع عن الأعمش عن عمرو بن محمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - الحديث، أخرجهُ الترمذي: (1/ 371) وابن أبي شيبة في مصنفه: (1/ 185) كتاب (الآذان والإقامة)، رقم (3118)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 134)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 340). وقد جاء الحديث من غير طريق ابن أبي ليلى في مسند أبي عوانة: (1/ 331)، فقد روي من طريق عمر بن شيبة قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا شعبة عن المغيرة عن الشعبي عن عبد الله بن زيد أنه سمع أذان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كان أذانه وإقامته مثنى مثنى. وأخرجهُ ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ - صلى الله عليه وسلم -: (184)، رقم (190) بالسند المذكور، وإسناده صحيح، وللحديث شواهد من رواية أبي جحيفة في سنن الدارقطني: (1/ 242)، والطبراني في المعجم الكبير (22/ 100)، رقم (245، 246). قال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد: (1/ 235)، وصححه ابن التركماني في الجوهر النقي: (1/ 424).
ورواية سويد بن غفلة أخرجهُا الطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 134)، وإسنادها جيد. انظُر: الجوهر النقي: (1/ 421، 428) عمدة القاري: (5/ 103)، تلخيص الحبير: (1/ 210) نصب الراية: (1/ 469). ورواية الأسود بن يزيد رواها عبد الرزاق في مصنفه: (1/ 462) أبواب (الأذان)، رقم (1790، 1791)، والدارقطني في سننه: (1/ 242)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 134)، والحديث صححه ابن التركماني في الجوهر النقي: (1/ 435). (1/140)
صفحة 141
الأثر الفقهي:
هذان الحديثان بينهما تعارض في كيفية الإقامة، ففي أحدهما الإفراد وفي الآخر التثنية، وبناء على هذا اختلف العلماء في كيفية الإقامة على قولين:
الأول: تثنية الإقامة، وهو مذهب الحنفية (1).
الثاني: وهو قول الجمهور: المالكية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) – فقد قالوا بإفراد الإقامة، واحتجوا بحديث أنس - رضي الله عنه -: أُمِرَ بلالٌ ? أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، ورجحوا حديث أنس على حديث أبي محذورة المتقدم، وقالوا: إنه أقوى وأصح سنداً (5) وادعوا نسخه. وعللوا ذلك بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن من شروط النسخ أن يكون الحديثان متساويين في القوة، و حديث أنس أقوى من حديث أبي محذورة.
الأمر الثاني: أن حديث أبي محذورة ليس آخر الأمرين في شأن الأذان والإقامة؛ وإن كان متأخراً، فقد رجع رسول الله ح إلى المدينة بعد فتح مكة، وأقر بلالاً على إفراد الإقامة.
قيل للإمام أحمد: إن حديث أبي محذورة بعد الفتح؛ فقال: أليس قد رجع إلى المدينة وأقر بلالاً على أذانه؟ (6)
__________
(1) شرح معاني الآثار: (1/ 130)، المبسوط: (1/ 129) الاختبار: (1/ 388).
(2) المدونة: (1/ 158)، حاشية الدسوقي: (1/ 200)، كفاية الطالب الرباني: (1/ 483) وقالوا: وإذا شفع الإقامة لا تجزئة على المشهور عندهم.
(3) مختصر الخلافيات: (1/ 495)، المهذب: (1/ 64)، مغني المحتاج: (1/ 136).
(4) المغني مع الشرح الكبير: (1/ 418)، المبدع: (1/ 316)، الكافي: (1/ 201).
(5) معرفة السنن والآثار: (2/ 250)، الاعتبار، ص (199)، فتح الباري: (2/ 99).
(6) الأم: (1/ 85)، صحيح ابن خزيمة: (1/ 191)، الاعتبار: (21). (1/141)
صفحة 142
والأمر الثالث: وروى أبناء أبي محذورة أن رسول الله ح، أمر أبا محذورة أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (1).
وأجابوا عما رُوي أن إقامة بلال كانت مثنى مثنى بجوابين:
الأول: أن الخبر في طرقه ضعف، وهو لا يقاوم أحاديث إفراد بلال للإقامة الواردة في الصحيحين وغيرهما.
والثاني: أن يحمل لفظ "مثنى" على "قد قامت الصلاة" لا على جميع الإقامة (2).
مذهب الإباضية:
ومذهب الإباضية هو تثنية الإقامة (3)، وقد وافقهم في ذلك الحنفية (4)، وهو قول الإمام علي (كرم الله وجهه) ومجاهد وسفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة (5).
واحتجوا على ذلك بحديث أبي محذورة ? وقالوا: إنه محكم وناسخ لأحاديث إفراد الإقامة، وذلك أن رسول الله ح علمه الأذان والإقامة، عام الفتح بعد رجوعه من حنين وفيه تثنية الإقامة، وأحاديث إفراد الإقامة قبل ذلك، والمتأخر يقضي على المتقدم (6).
وفي ذلك موافقة للأصل، فأوّل ما شرع الأذان والإقامة في قصة عبد الله بن زيد وفيها الإقامة مثل الأذان.
__________
(1) أخرجهُ الشافعي في الأم: (1/ 85)، والدارقطني: (1/ 238) باب (ذكر الإقامة واختلاف الروايات فيه)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 214) وفي معرفة السنن والآثار: (2/ 250).
(2) الاعتبار، ص (200).
(3) جامع ابن بركة: (1/ 442)، وجامع البسيوي: (3/ 94)، قواعد الإسلام: (1/ 265)، الإيضاح (2/ 22)، معارج الآمال: (7/ 184)، نثار الجوهر: (1/ 388).
(4) شرح معاني الآثار: (1/ 138)، المبسوط: (1/ 129)، الاختبار: (1/ 42).
(5) مصنف أبن أبي شيبة: (1/ 138)، سنن الترمذي: (1/ 129)، مصنف عبد الرزاق: (1/ 463).
(6) شرح معاني الآثار: (1/ 136)، المبسوط: (1/ 129)، عمدة القاري: (5/ 504)، معارج الآمال: (7/ 184)، الناسخ والمنسوخ لابن شاهين ص (180)، الاعتبار، ص (198). (1/142)
صفحة 143
واحتجوا بما جاء في بعض الروايات أن إقامة بلال كانت مثنى مثنى، وبهذه الأدلة اعتبروا أن الأصل هو تثنية الإقامة، والإفراد شاذ، والشاذ لا يكون حجة (1).
وقد روى مجاهد أن إفراد الإقامة أمر استحدثه الأمراء (2).
سبب الخلاف:
وأصل الخلاف في المسألة اختلافهم في الترجيح بين الحديثين والقول بنسخ أحدهم الآخر.
ويعجبني في هذه المسألة قول من اعتبر أن هذا من الخلاف المباح؛ لصحة الأمرين عن رسول الله ح.
وهو قول إسحاق بن راهوية والإمام أحمد بن حنبل (3).
***
الجهر بالبسملة
1. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح وأبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كانوا يفتتحون الصلاة بـ ژپ پ پ پژ [الفاتحة1]. (4)
__________
(1) المبسوط: (1/ 129).
(2) مصنف عبد الرزاق: (1/ 463)، المبسوط: (1/ 129).
(3) المغني مع الشرح الكبير: (1/ 417)، فتح الباري: (2/ 100)، بداية المجتهد: (1/ 136).
(4) أخرجهُ البخاري: (2/ 265)، كتاب (الأذان)، باب (ما يقول بعد التكبير)، رقم (743)، ومسلم: (1/ 299)، كتاب (الصلاة)، باب (حجة من قال: لا يجهر ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، رقم (399). وللحديث طرق وألفاظ مختلفة، ففي بعضها "أنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين"، وفي بعضها "أنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم" عند النسائي (2/ 135) باب (ترك الجهر بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، وبلفظ "لم يجهروا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عند الطحاوي: (1/ 199)، وابن خزيمة في صحيحه: (1/ 250). وقد ذكر هذه الألفاظ الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار (2/ 379 – 382)، والزيلعي في نصب الراية: (1/ 329). والحازمي في الاعتبار ص (288)، والحافظ محمد ابن طاهر المقدسي، مسألة التسمية ص (41 - 48)، وفتح الباري (2/ 266)، عون المعبود (2/ 488).
ولحديث أنس شاهد من حديث عبد الله بن مغفل فقد روى أنه قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحيم. فقال لي: أي بُنيَّ مُحدث، إياك والحدث وقد صليت مع النبي ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها. أخرجهُ الترمذي في سنته (2/ 13)، والنسائي في سننه (2/ 135)، كتاب (الصلاة)، باب (ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، وابن ماجه: (1/ 267) كتاب (إقامة الصلاة)، باب (افتتاح القراءة)، رقم (815)، والحديث حسنه الترمذي. (1/143)
صفحة 144
2. عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة ?، فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم قرأ بأمّ القرآن، حتى إذا بلغ فقال: آمين. فقال الناس: آمين. ويقول – كلّما سجد -: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ح (1).
__________
(1) أخرجهُ النسائي في سننه: (2/ 134)، كتاب (الافتتاح)، باب (قراءة بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) والدارقطني (2/ 120)، وصححه، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 199)، وصححه الحاكم في المستدرك: (1/ 232)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (2/ 371)، وابن خزيمة في صحيحه. (1/144)
صفحة 145
3. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إن النَّبِيّ ح كان يصلّي في بيتها فيقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين (1).
الأثر الفقهي:
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني في سننه: (2/ 37)، والطحاوي: (1/ 199)، ورواه الحاكم في المستدرك: (1/ 232) وصححه. وللحديث شواهد، منها حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم. أخرجهُ الترمذي: (2/ 14)، وقال: ليس إسناده بذاك، والبيهقي في معرفة السنن: (2/ 368). وفي بعض طرقه مقال، وجاء في بعض ألفاظه (كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم)، ومن شواهده أيضاً حديث أنس بن مالك - رضي الله عنهم - قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فلم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} لأم القرآن ولم يقرأها للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} لأم القرآن وللسورة التي بعدها، وكبر حين يهوي ساجداً. أخرجهُ الإمام الشافعي في الأم: (1/ 108)، وعبد الرزاق في مصنفه: (2/ 92)، والدارقطني: (1/ 114)، والبيهقي في المعرفة (2/ 373)، والحاكم في المستدرك: (1/ 232)، وصححه وقال الدارقطني: رواته ثقات، وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب كما في نصب الراية: (1/ 353)، وأعله الزيلعي بالاضطراب في الإسناد والمتن.
انظُر: نصب الراية: (1/ 354). وقد اقتصرت على هذه الشواهد دون غيرها لضعفها وللاختصار وانظُر: معرفة السنن: (2/ 368 – 378)، منصف عبد الرزاق: (2/ 89 - 93)، التحقيق: (2/ 351 – 354)، ونصب الراية: (1/ 341 – 355). (1/145)
صفحة 146
اختلف أهل العلم في مسألة البسملة، وهل هي آية من القرآن الكريم – أو جزء آية، أو آية مستقلة للفصل بين السور – أو أنها ليست من القرآن أصلاً إلا في سورة النمل وأنها وضعت للفصل بين السور؟
وقد انبنى على هذا الخلاف اختلاف القول في الجهر بالبسملة أو الإسرار بها في الصلاة في الفاتحة وغيرها.
وقد قوّى هذا الخلاف أيضاً اختلاف الأحاديث المروية في مسألة البسملة بين الإسرار والجهر بها، وسوف أوجز الكلام في المسألتين وأسرد بعض الأدلة التي استدل بها كل فريق على ما ذهب إليه وعوّل عليه.
المسألة الأولى:
الاختلاف حول ژ? ? ? ?ژ وهل هي آية من كل سورة من سور القرآن سوى براءة؟ أو أنها جزء من الفاتحة؟ أو أنها آية مستقلة في بداية أوائل السور- مع اتفاقهم على أنها جزء من آية سورة النمل في قوله تعالى: ژہ ہ ہ ہ ھ ... ھ ھ ھژ [النمل30]؟
أو أنها ليست من القرآن أصلاً إلا في سورة النمل؟
وأوجز ذكر اتجاهات العلماء واختلافهم في هذه المسألة وما ينبني عليه. القول الأول: أنها ليست آية من القرآن إلا في سورة النمل في قوله تعالى: ژہ ہ ہ ہ ھ ... ھ ھ ھژ [النمل30] وليست آية من أوائل السور ولا في أول الفاتحة. وقد نسب هذا القول إلى الإمام مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري ورجحه القرطبي (1) وبه قال بعض الحنفية (2)، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل، وأخذ به بعض أصحابه، ورجحه ابن الجوزي (3).
وقد استدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:
__________
(1) المفهم: (2/ 778)، وانظُر الإنصاف فيما بين العلماء من الخلاف: (2/ 156)، الاعتبار، ص (225)، نصب الراية: (1/ 327)، وتحقيق الشيخ أحمد شاكر لسنن الترمذي: (2/ 19).
(2) المبسوط: (1/ 15)، وانظُر شرح فتح القدير: (1/ 292). حاشية رد المحتار على الدر المختار: (1/ 419).
(3) التحقيق: (1/ 345). الكافي لابن قدامة: (1/ 245)، المبدع: (1/ 434)، الإنصاف للمرداوي: (2/ 48). (1/146)
صفحة 147
أولاً: أن الأمة أجمعت على أنه لا يُكفََّر النَّافي لها أو المثبت لها وذلك لعدم القطعية. لأن الأخبار غير متواترة فيها، وأن كتابتها في المصاحف إنما هو لشهرة استنان الافتتاح بها.
ثانياً: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إني سمعتُ رسول الله ح يقول: قال الله ?: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي- وقال مَرّةً لعبدي ما سأل- فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: حَمِدني عبدي. فإذا قال: ژ? ?ژ قال: مجّدَني عبدي- أو أثنى عَلَيّ عبدي- فإذا قال ژ? ? ?ژ قال: فَوّضَ إليَّ عبدي. فَإذا قال: ژ? ? ? ?ژ قال: فهذه بيني وبين عبدي ولِعَبدي ما سأل. وقال مرة: ما سألني – فيسأله عبده ژS S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ قال: هذا لعبدي، لكَ ما سألت. وقال مرة: ولعبدي ما سألني (1).
فقالوا: إن رسول الله ح لم يذكر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في هذا التقسيم وهذا دليل وحجة على أنها ليست من الفاتحة، وأن عدد آياتها سبع من غير البسملة، وهي السبع المثاني.
ثالثاً: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح قال: ÷إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفِرَ له وهي سورة تبارك الذي بيده الملك× (2).
ووجه الدلالة أنها ثلاثون آية من غير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وبهذه الأدلة قالوا: إن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هي آية من سورة النمل فقط وأن رسول الله ح أسرَّ بها في الصلاة كما جاء في حديث أنس وغيره.
__________
(1) المفهم: (2/ 773)، المبدع: (1/ 434).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 119)، كتاب (الصلاة)، أبواب (قراءة القرآن وتحزيبه)، باب (في عدد الآي) رقم: (140)، والترمذي: (5/ 151)، كتاب (فضائل القرآن)، باب (ما جاء في سورة الملك)، رقم (2890)، والحديث سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي. (1/147)
صفحة 148
وينبني على ذلك كراهة قراءتها في الصلاة سراَ أو جهراً. قال الإمام مالك: وهي السنة وعليها أدركتُ الناس (1).
وأجيب على هذه الاستدلالات بالأجوبة الآتية:
1. بأن البسملة لو لم تكن آية من القرآن سوى سورة النمل للزم بيان ذلك من رسول الله ح، ولم يُنقَلُ عنه ذلك، ولما كتبها الصحابة في المصاحف في كل سورة، وكانوا شديدي الحرص على تمييز كلام الله عن غيره.
2. أما استدلالهم بأحاديث نفي الجهر فلا تلزم ولا تفيد أنها ليست من القرآن، بل الرواية تنفي الجهر بها ولا تنفي قراءتها.
3. قولهم: إنها وُضِعًت للفصل بين السور، لا يصح، وإلا لثبتت في أول سورة براءة، ولم تثبت في أول الفاتحة باعتبارها أول سورة في المصحف.
4. أما ما رُوِيً من إجماع أهل المدينة فلا يُسَلَّم بذلك لما روي من اختلاف الصحابة من أهل المدينة في هذه المسألة، ثم إن إجماع أهل المدينة ليس حجة ملزمة إلا عند المالكية.
5. وأما الاستدلال بحديث أبي هريرة ? في سورة تبارك وأن النَّبِيّ ح لم يَعُدَّ منها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فباعتبار أن البسملة آية مشتركة بين جميع السور فلا يلزم إدخالها في العدد.
6. وحديث أبي هريرة: ÷قَسمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي× يجاب عنه بأجوبة منها: أنه لا يراد على حقيقة التنصيف وإنما هو من باب المجاز فصدر السورة لله، وآخرها للعبد.
__________
(1) المدونة الكبرى: (1/ 162)، ويحتج الإمام مالك على القول بالإسرار بإجماع أهل المدينة، وأيضاً الإمام الشافعي يحتج على القول بالجهر بالبسملة في الصلاة بإجماع أهل المدينة كما سيأتي، وهذا تعارض صريح ويمكن إزالة هذا التعارض بما ذكره الإمام ابن الجزري أن الجهر هو إجماع القراء، وأن الإسرار هو إجماع الفقهاء، والله أعلم. انظُر: النشر: (1/ 271) للحافظ أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري المتوفى (833) هـ. (1/148)
صفحة 149
والوجه الثاني: أنه ح أراد من التصنيف تقسيم الثناء، وتقسيم الدعاء من غير النظر إلى عدد الآي (1).
القول الثاني: أنها آية من كل سورة أو بعض آية سوى سورة براءة، وروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعلي وأبي هريرة، ومكحول وطاوس (2)، وهو قول الإمام الشافعي (3)، وأحد قولي الإمام أحمد بن حنبل، وبه قال كثير من أتباعه ورجحه المرداوي (4)، وهو قول الإباضية (5).
واستدلوا بأن رسول الله ح كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إذا افتتح القراءة فقد وردت روايات تفيد ذلك ومنها:
1. حديث أنس قال بينا رسول الله ح ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مُتبسِّما قفلنا ما أضحَكَك يا رسول الله قال: ÷أنزلت عليَّ آنِفاً سورة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ× (6).
__________
(1) انظُر: أحكام البسملة، ص (23، 30، 37)، أحكام البسملة للعلامة محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني، والمعروف بالفخر الرازي المتوفى (606) هـ، طبع ونشر مكتبة القرآن بالقاهرة. وانظُر: بداية المجتهد: (1/ 153)، ومغني المحتاج: (1/ 157).
(2) سنن الترمذي: (2/ 14)، مصنف عبد الرزاق: (2/ 93)، معرفة السنن والآثار: (2/ 377)، الاعتبار، ص (225).
(3) الأم: (1/ 129)، معرفة السنن والآثار: (2/ 361)، المجموع شرح المهذب: (3/ 293)، مغني المحتاج: (1/ 157).
(4) الإنصاف في مسائل الخلاف للمرداوي: (2/ 48)، وانظُر الكافي لابن قدامة: (1/ 246) المبدع: (1/ 434).
(5) قواعد الإسلام: (1/ 272)، الإيضاح: (2/ 92)، شرح النيل: (2/ 134)، معارج الآمال: (8/ 87)، نثار الجوهر: (1/ 424).
(6) مسلم: (1/ 300)، كتاب الصلاة، باب: من قال البسملة آية من كل سورة سوى براءة رقم (400). (1/149)
صفحة 150
2. وصفُ أنس لِقِراءة رسول الله ح وفيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقد روى قتادة قال: سُئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله ح؟ قال: كانت مَدَّا، ثم قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم (1). ومثل ذلك روت أم سلمة رضي الله عنها في قراءة النَّبِيّ ح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين يُقَطِّعُها حرفاً حرفاً يعني آيةً آية (2).
3. واستدلوا كذلك بحديث ابن عباس ? أن رسول الله ح كان لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3).
4. وفي قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?ژ [الحجر87]. قالوا هي أم القرآن، وأولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لما رواه ابن جريج عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: ژ? ? ?ژ هي أم القرآن، قال أبي: وقرأها سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الآية السابقة، قال سعيد: وقرأها عليَّ ابن عباس: وروينا عن هذا التفسير عن علي ابن أبي طالب من قوله، وعن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً، وعن محمد بن كعب القرظي (4).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (10/ 708)، كتاب (فضائل القرآن)، باب (مد القراءة)، رقم (5046).
(2) أخرجهُ الدارقطني: (1/ 307) باب (وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم)، والحاكم في المستدرك: (1/ 332)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (2/ 362).
(3) أخرجهُ أبو داود: (1/ 499) كتاب (الصلاة)، باب (من جهر بها)، رقم (788)، والحاكم في المستدرك: (1/ 332) والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (2/ 362).
(4) معرفة السنن: (2/ 361)، والسنن الكبرى: (2/ 44). (1/150)
صفحة 151
5. وبحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ح يقرأ ژ? ... ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [الفاتحة] (1).
ومما استدلوا به على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ جزء من القرآن أنها كتبت في المصحف، ولا خلاف بين أئمة القُراء وأهل النقل في إثباتها في جميع المصاحف التي كتبها أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - وأقره الصحابة - رضي الله عنهم - جميعاً على ذلك حين جمعوا القرآن وكتبوه، ووضعوا كل كلمة وآية في موضعها، فهل يعقل بعد هذا الجهد أن تكون البسملة زيادة على القرآن. وقد نقل السرخسي عن المعلى قلت لمحمد بن الحسن الشيباني: التسمية آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن (2).
وهذه بعض الأدلة التي استدل بها من قال: إن التسمية آية من كل سورة أو بعض آية، وإن كانوا قد اختلفوا بعد ذلك في كونها آية في أول كل سورة سوى براءة؟ أو أنها آية من الفاتحة فقط دون غيرها من السور؟ أو أنها آية حيث كُتبت وليست من السور؟ وعلى هذا الاختلاف انبنى الخلاف حول موضع قراءتها في الصلاة.
وقد سبق قول من قال: إنها ليست آية من القرآن سوى ما في سورة النمل وعليه قالوا: إنها لا تقرأ إلا في ذلك الموضع، أما الذين قالوا بأنها آية من أول كل سورة أو جزء من آية انقسموا إلى فريقين:
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني: (1/ 107) باب (وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم) والبيهقي في معرفة السنن: (2/ 362)، وتحقيق الشيخ أحمد شاكر على الموضوع في سنن الترمذي: (2/ 20).
(2) المبسوط: (1/ 16)، وانظُر نصب الراية: (1/ 329)، وانظُر أحكام البسملة، ص (17). (1/151)
صفحة 152
الأول: أنها آية في أول كل سورة من سور القرآن سوى براءة وانبنى على قولهم هذا وجوب قراءة البسملة حيث وُجدت من المصحف، جهراً في موضع الجهر، وسراً في موضع السر. وهو قول ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وطاوس ومكحول وعطاء وابن المبارك وهو أحد قولي الإمام أحمد وقول الشافعي (1) وهو القول المعتمد عند الإباضية. قال الشماخي:" قال أصحابنا تقرأ في أول الفاتحة وفي غيرها مع كل سورة في الصلاة وفي غيرها إلا سورة التوبة (2). واستدلوا بالأحاديث السابق ذكرها في قراءة رسول الله ح البسملة، وتعقب بأنها غير صريحة في كون قراءته ح كانت في الصلاة والصريح منها غير صحيح (3)، لكنهم استدلوا بأحاديث صريحة في أن البسملة كانت في الصلاة، ومنها ما رواه محمد ابن أبي السرى العسقلاني قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب، فكان يجهر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قبل الفاتحة وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ح (4).
__________
(1) مصنف عبد الرزاق: (2/ 92)، معرفة السنن والآثار: (2/ 375)، المبسوط: (1/ 16).
(2) قواعد الإسلام: (1/ 272)، وانظُر الإيضاح: (2/ 93)، جامع البسيوي: (2/ 100)، شرح النيل: (2/ 134)، معارج الآمال: (8/ 87).
(3) زاد المعاد: (1/ 206)، مسألة التسمية، ص (67)، وقد تتبع ابن الجوزي، والزيلعي الأحاديث الصريحة منها فأعلاها انظُر: التحقيق: (1/ 57، 350)، نصب الراية: (1/ 55، 335)، وانظُر نيل الأوطار: (3/ 36، 40).
(4) أخرجهُ البيهقي في معرفة السنن والآثار: (2/ 383)، والحاكم في المستدرك: (1/ 33،) وقال إسناده: رجاله ثقات ووافقه الذهبي، وقد تابع حميد المعتمر بن سليمان كما ذكر الزيلعي في نصب الراية: (1/ 352) وعزاها إلى الخطيب .. وهذا الحديث يتعارض مع ما أخرجهُ الشيخان من حديث أنس - رضي الله عنهم - في نفي الجهر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -. وقد اعتبر معتمر بن سليمان مخالفاً لمن هو أثبت وأوثق منه في إثبات الجهر. وأما رواية حميد عن أنس؛ فمختلف في رفعها ووقفها؛ مما جعل جمهور المحدثين يرجحون رواية الإسرار بالبسملة، وانظُر نصب الراية: (1/ 352)، ويمكن الجمع بين رواية أنس النافية للجهر بالبسملة والمثبتة – وإن كانت رواية الإسرار أرجح – فإنه لا يستبعد من أنس أن يكون قد سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجهر بالبسملة ولو لبعض الوقت. وقد صلى معه مدة طويلة فأثبت الجهر في بعض رواياته وجهر بالبسملة في صلاته. (1/152)
صفحة 153
واستدلوا بحديث أبي هريرة ? الذي رواه نعيم، قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم قرأ بأم القرآن، ثم قال أبو هريرة والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ح (1).
ثم استدلوا ببعض الروايات عن بعض الصحابة ومنها:
أولاً: ما روي عن ابن عمر ? أنه كان لا يدع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لأم القرآن والسورة التي بعدها.
ثانياً: ما رواه أنس أن معاوية صلى بالمدينة وترك الجهر بالبسملة في الفاتحة والسورة التي بعدها والتكبير، فناداه من سمع من المهاجرين والأنصار: أنسيتَ أم سرقتَ الصلاة؟ (2)
وهذا الأثر اعتبره الإمام الشافعي من أقوى المرجحات في الجهر بالبسملة لما اجتمع عليه أهل المدينة في إنكارهم على معاوية (3) وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في الباب (4).
المسألة الثانية:
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) مصنف ابن أبي شيبة: (1/ 449)، مصنف عبد الرزاق: (2/ 93)، معرفة السنن والآثار: (2/ 275).
(3) سبق تخريجه.
(4) وقال: قال البيهقي: واعتمد في ذلك على إجماع أهل المدينة، انظُر: معرفة السنن والآثار: (1/ 273). قلت: دعوى الإجماع لا يسلم بها؛ وذلك لإنكار بعض الصحابة على معاوية في الصلاة. (1/153)
صفحة 154
اختلف القائلون بأن البسملة من القرآن، في الإسرار بها أو الجهر في الصلاة (1): فقال الحنفية (2) والحنابلة (3)، تسن قراءتها سراً.
وقال المالكية (4) بكراهة قراءتها جهراً وسراً، ورخصوا في قراءتها في النوافل. وقال الشافعية (5): يجب قراءتها، مع الجهر بها في موضع الجهر، والإسرار بها في موضع الإسرار، وهو قول الإباضية (6).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة واضح، وهو اختلاف الروايات عن الصحابة، في قراءة النَّبِيّ ح البسملة في الصلاة بين الجهر والإسرار، فمن رجح رواية الجهر قال به، ومن رجح رواية الإسرار قال به.
حكم الكلام في الصلاة:
__________
(1) هذه المسألة اختلف فيها الأوائل اختلافاً كبيراً، وهي من مسائل الخلاف بين المحدثين والقراء والفقهاء، صنف فيه كثيرون، منهم أبو عمرو يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفى سنة (463) هـ في كتابة (الإنصاف فيما بين العلماء من الخلاف)، وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة 507 في مسألة التسمية، والفخر الرازي في أحكام التسمية، وذكر الزيلعي جماعة ممن صنف في هذه المسألة منهم: ابن خزيمة، والدارقطني، وابن حبان، والبيهقي، والخطيب، وابن عبدالهادي، انظُر: الزيلعي: (1/ 335)، وتحقيق الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي (2/ 19)، وأطال الزيلعي الكلام في المسألة، حيث جمع ما ورد فيها من الآثار والأحاديث في نصب الراية: (1/ 332 - 363).
(2) شرح معاني الآثار: (1/ 204)، المبسوط: (1/ 15)، شرح فتح القدير: (1/ 291)، رد المحتار على الدر المختار: (1/ 490).
(3) الكافي: (1/ 245)، المبدع: (1/ 434)، الإنصاف: (2/ 48).
(4) المدونة الكبرى: (1/ 162)، كفاية الطالب الرباني: (1/ 492)، بداية المجتهد: (1/ 151).
(5) مغني المحتاج: (1/ 157).
(6) جامع البسيوي: (2/ 100)، قواعد الإسلام: (1/ 272)، الإيضاح: (2/ 93)، شرح النيل: (2/ 134)، معارج الآمال: (8/ 87)، نثار الجوهر: (1/ 424). (1/154)
صفحة 155
1. عن معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ح: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (1).
2. عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: كنا نسلم على النَّبِيّ ح وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلاً (2).
__________
(1) الحديث أخرجهُ مسلم: (1/ 381) كتاب (المساجد)، باب (تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة)، رقم (537)، بإسناده عن معاوية قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمَّاه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم علي أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – فبأبي هو وأمي – ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كَهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة .... الحديث.
قوله: ما كهرني: يعني ما نهرني، والكهر يعني الانتهار والقهر. ار مادة (ك ه ر) في القاموس المحيط: (2/ 135)، ومختار الصحاح، ص (581). وقال الخطابي في معالم السنن: (1/ 571): الكهر استقبالك للإنسان بالعبوس. وفي قراءة لابن مسعود - رضي الله عنهم - {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَكهَرْ} الضحى9. شرح السنة (3/ 39) وقوله: واثكل أمياه إضافة إلى الأب والأم، وأصله: أمي. زيد عليه الألف لمد الصوت، وأردفت بها الهاء. المفهم شرح صحيح مسلم: (2/ 943).
(2) أخرجهُ البخاري في صحيحه: (3/ 87)، كتاب (العمل في الصلاة)، باب (ما يُنهى من الكلام في الصلاة)، رقم (1199)، ومسلم: (1/ 383) كتاب (المساجد)، باب (تحريم الكلام في الصلاة)، رقم (538). (1/155)
صفحة 156
3. عن أبي هريرة ? أن رسول الله ح انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصُرَتِ الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ح: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم. فقام رسول الله ح فصلى اثنتين أخريين ... الحديث (1).
الأثر الفقهي:
في الأحاديث السابقة نهى صريح عما كان جائزاً في أول الإسلام من الكلام بين المصلين في أثناء الصلاة، فوجب الامتناع عنه. إلا أنه ثبت أن رسول الله ح تكلم وبعض أصحابه في إحدى الصلوات.
فهل الامتناع عن الكلام في الصلاة شرط مطلقاً؟ أو في بعض الأحوال دون البعض باعتبار حالة المتكلم بين العمد والسهو ونوع الكلام؟
أما الكلام في حالة العمد فمفسد للصلاة بالإجماع، لعموم النهي عن الكلام فيها، وهو ناسخ لما كان جائزاً في أول الأمر (2)، ولقوله ح: (مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ مَنْ رابه شيء في صلاته فليسبِّحْ، فإنه إذا سبّح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء) (3).
وقد استثنى المالكية المتكلم لإصلاح الصلاة، فهي حالة خاصة لا يشملها النسخ، لحديث ذي اليدين، وهو متأخر عن أحاديث النهي عن الكلام في الصلاة (4).
وأما الكلام في حالة السهو:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (3/ 118)، كتاب (السهو)، باب (من لم يتشهد في سجدتي السهو)، رقم (1228)، ومسلم: (1/ 403)، كتاب (المساجد)، باب (السهو في الصلاة)، رقم (573).
(2) الإجماع لابن المنذر، ص (25)، المجموع: (4/ 49)، المغني: (2/ 49).
(3) حديث سهل بن سعد أخرجهُ البخاري: (2/ 196)، كتاب (الأذان)، باب (من دخل ليؤم الناس)، رقم (684)، ومسلم: (1/ 316) كتاب (الصلاة)، باب (تقديم الجماعة من يصلي لهم إذا تأخر الإمام)، رقم (421).
(4) المدونة الكبرى: (1/ 219). (1/156)
صفحة 157
فالمسألة عند الإباضية (1) إن الصلاة تفسد بالكلام سهواً كما تفسد بالعمد، لعموم النهي عن الكلام في الصلاة، وهم في ذلك متفقون مع الحنفية (2).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة عن السهو والخطأ: إن الناسي لا يشمله التكليف لعموم قوله ح: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان) (3) فيخصه من عموم النهي عن الكلام في الصلاة (4).
وسبب الخلاف في المسألة:
أولاً: اختلافهم في عموم نسخ الكلام بحديث ابن مسعود وغيره، فالذين قالوا بعموم نسخ الكلام في الصلاة قالوا بفسادها، والذين لم يروا ذلك لحديث ذي اليدين قالوا بفساد الصلاة في حالة العمد دون السهو، لتخصيصه بقوله ح: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان).
__________
(1) الإيضاح: (1/ 272)، معارج الآمال: (11/ 179).
(2) المبسوط: (1/ 170)، شرح فتح القدير: (1/ 295). قال الزمخشري: "إن كل ما كان مناقضاً للصلاة لا يغير الحال بين الناسي والعامد كالحدث". رؤوس المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية ص (160)، للعلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري سنة 538هـ.
(3) الحديث من رواية ابن عباس - رضي الله عنه - أخرجهُ ابن ماجه: (1/ 659)، كتاب (الطلاق)، باب (طلاق المكره والناسي)، رقم (2045)، والحاكم في المستدرك: (2/ 198)، كتاب (الطلاق)، وصححه وحسنه النووي في الأربعين النووية، في الحديث التاسع والثلاثين، وللحديث شاهد من حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - عند ابن ماجه: (2/ 198) في الكتاب والباب المذكورين، ومن حديث ابن عمر، وأبي بكرة، وثوبان - رضي الله عنه - وفي طرقها ضعف ومقال. نصب الراية: (2/ 64).
(4) المدونة الكبرى: (1/ 219)، المفهم: (2/ 944)، المجموع: (4/ 17)، مغني المحتاج: (1/ 196)، المغني لابن قدامة: (2/ 45)، المبدع: (1/ 511)، الكافي: (1/ 276). (1/157)
صفحة 158
ثانياً: هل السهو والنسيان مسقطان للتكليف والإثم معاً، أم مسقطان للإثم فقط؟ فالذين رأوا أن رفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة، إنما هو مختص برفع الحرج والإثم الأخروي دون سقوط التكليف وعدم براءة الذمة؛ قالوا ببطلان الصلاة في حالة السهو.
والذين رأوا أن السهو والنسيان مسقطان للإثم والتكليف، قالوا بعدم فساد الصلاة (1).
وبقوله ح: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). أخذ الإباضية وحملوه على ظاهره في حصر الصلاة على التكبير والتسبيح وقراءة القرآن. فكل كلام في الصلاة سوى التكبير والتسبيح وقراءة القرآن بعد تكبيرة الإحرام محرم.
لذا جعلوا التوجه قبل الصلاة. ولم يقولوا بالتأمين بعد الفاتحة، والقنوت وغير ذلك من الأدعية سوى القرآن باعتبار أن ذلك من كلام الآدميين، لعموم النهي عنه بعدما كان جائزاً (2). وقد حملهم على القول بهذا الاحتياط والحرص خشية فساد الصلاة.
وقد يجاب بأن النهي عن الكلام عام، وما روي في السُّنّة من الأدعية والأذكار فأمور مخصوصة في مواضعها، مخصصة للعموم. والله أعلم.
***
__________
(1) الإيضاح: (1/ 272)، الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص (360)، الإنصاف، ص (378)، تخريج الفروع على الأصول، ص (65).
(2) جامع البسيوي: (2/ 103، 138)، الضياء: (5/ 283)، المصنف: (5/ 196)، شرح النيل: (2/ 417)، معارج الآمال: (8/ 212، 287): (11/ 179)، وقد وافقهم في ذلك أئمة الزيدية، كما نقل الشوكاني عنهم في نيل الأوطار: (30/ 24)، في باب (ذكر الاستفتاح بين تكبيرة الإحرام والقراءة)، وفي (3/ 61)، باب (التأمين والجهر به).
وقال الجمهور إن للمصلي أن يدعو بما شاء في الصلاة، بينما حصرت الحنفية القول بالأدعية المذكورة في القرآن والمأثورة وبما لا يشبه كلام الناس. انظُر: المبسوط: (1/ 198)، شرح فتح القدير: (1/ 318)، رد المحتار: (1/ 523). (1/158)
صفحة 159
محل سجود السهو في الصلاة (1):
__________
(1) السهو في الشيء تركه من غير علم، والسهو عنه تركه مع العلم، النهاية: (2/ 430). والسهو في الصلاة أمر يعرض للمصلي من غير إرادته وعلمه كما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والسهو عن الصلاة التعمد في ترك بعض أركانها أو واجباتها، وهذا مذموم يترتب عليه الوعيد من الويل في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:5 4]. (1/159)
صفحة 160
1. عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - صلى النَّبِيّ ح قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فلْيَتَحَرّ الصواب فليُتمَّ عليه، ثم ليسلِّم، ثم يسجد سجدتين (1).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (1/ 600)، كتاب (الصلاة)، باب (التوجه نحو القبلة)، رقم (401)، وفي (3/ 113)، كتاب (السهو)، باب (إذا صلى خمساً)، رقم (1226)، ومسلم: (1/ 400) كتاب (المساجد)، باب (السهو في الصلاة)، رقم (572)، وله شواهد منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي. قال محمد: وأكثر ظني العصر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- فهابا أن يكلماه وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو اليدين فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر. أخرجهُ البخاري: (3/ 118)، كتاب (السهو)، باب (من لم يتشهد في سجدتي السهو)، رقم (1229)، واللفظ له، ومسلم: (1/ 403)، كتاب (المساجد)، باب (السهو في الصلاة)، رقم (573)، وله شاهد من حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه - أخرجهُ مسلم، رقم (574)، من الكتاب والباب المذكورين. (1/160)
صفحة 161
2. عن عبد الله بن بُحَيْنَة (1) - رضي الله عنه - قال: صلى لنا رسول الله ح ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه (2) كبر، فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم (3).
4. عن أبي سعيد الخدري ? قال: قال رسول الله ح: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كَمْ صلّى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلّم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان) (4).
الأثر الفقهي:
من الأمر الطبيعي أن يطرأ للمصلي في بعض الأحيان السهو والغفلة في صلاة بالنقص أو الزيادة، أو يطرأ عليه الشك في عدد الركعات التي صلاها، وقد يكون ذلك وسواساً من الشيطان ليفسد عليه صلاته.
ولجبر النقص في الصلاة الناتج عن ذلك شُرعت سجدتا السهو في نهاية الصلاة كما ورد عن رسول الله ح من أفعاله وأقواله (5)، لكنها اختلفت في تعيين محل السجود، هل هو قبل السلام أو بعده؟
__________
(1) بحينة على وزن التصغير بضم الباء وفتح الحاء المهملة.
(2) نظرنا: بمعنى انتظرنا، ومنه قوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13]. المفهم (2/ 995).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 399)، كتاب (المساجد)، باب (السهو في الصلاة والسجود له)، رقم (570).
(4) أخرجهُ مسلم: (1/ 400)، رقم (571)، من الكتاب والباب المذكورين.
(5) سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للسهو قبل الصلاة عند قيامه من اثنتين كما هو في حديث ابن بحينة، وسجد عند الشك كما هو في حديث أبي سعيد الخدري. وسجد بعد السلام عند سلامه من اثنتين كما في حديث ذي اليدين. وسلامه من الثلاثة كما هو في حديث عمران بن حصين، وقيامه للخامسة كما هو في حديث ابن مسعود. (1/161)
صفحة 162
وقد ثبت من الروايات الصحيحة الفعلية والقولية الأمران، ومن ثم اختلف أهل العلم في ذلك (1).
فمذهب الحنفية: أن سجدتي السهو بعد السلام مطلقاً (2).
واستدلوا بسجود رسول الله ح للسهو بعد السلام.
__________
(1) حُكي في ذلك أكثر من ثمانية أقوال، وقد اكتفيت بما عند المذاهب الأربعة مع الإباضية. وبقية الأقوال هي أن يستعمل كل حديث كما ورد:
إن كان نقصاً فيسجد قبل السلام، والزيادة بعده. والباني على الأقل عند الشك يسجد قبل السلام، والمتحري يسجد بعد السلام. للساهي الخيار في السجود قبل السلام أو بعده. السجود كله بعد السلام إلا في موضعين: من قام ركعتين ولم يجلس ولم يتشهد. والثاني أن لا يدري أصلى ركعة أم اثنتين أم ثلاثاً أم أربعاً فيبني على الأقل ويخير في السجود. نيل الأوطار (3/ 365).
(2) شرح معاني الآثار: (1/ 439)، بدائع الصنائع: (1/ 172)، المبسوط: (1/ 218). (1/162)
صفحة 163
وهو ما رواه ابن مسعود وعمران بن حصين وأبو هريرة في حديث ذي اليدين وغيره (1). واستدلوا كذلك بعموم قوله ح إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين (2)، وبعموم قوله ح: لكل سهو سجدتان بعد السلام (3).
وقالوا: إن أقوال رسول الله ح مرجّحة في حالة التعارض مع أفعاله (4)، وقد تعارض فعله ح في السجود للسهو، فقد صح أنه ح سجد قبل السلام وبعده.
__________
(1) منها حديث ابن عمر عند أبي داود: (1/ 618)، كتاب (الصلاة)، باب (السهو في السجدتين)، رقم (1017)، وابن ماجه: (1/ 383)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (من سلم من اثنتين أو ثلاث)، رقم (1213). وحديث المغيرة بن شعبة عند أبي داود: (1/ 629)، كتاب (الصلاة)، باب (من نسي أن يتشهد وهو جالس)، رقم (1037).
(2) سبق تخريجه في أول هذه المسألة، وله شاهد من حديث عبد الله بن جعفر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم) أخرجهُ أبو داود: (1/ 625)، كتاب (الصلاة)، باب (من قال بعد التسليم)، رقم (1033)، والنسائي (3/ 30)، كتاب (السهو)، باب (التحري)، وإسناده لا بأس به كما قال البيهقي في السنن الكبرى (2/ 336).
(3) الحديث أخرجهُ أبو داود: (1/ 630)، كتاب (الصلاة)، باب (من نسي أن يتشهد وهو جالس)، رقم (1038)، وابن ماجه: (1/ 385)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (ما جاء فيمن سجدها بعد السلام)، رقم (1219)، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال وقد تفرد به. انظُر: نصب الراية (2/ 167). قلت: إسماعيل بن عياش ضعيف الرواية عن غير أهل الشام كما نص عليه أهل النقد، ورايته لهذا الحديث عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي وهو شامي وقد ذكر ذلك ابن الهمام في شرح فتح القدير: (1/ 498).
(4) قلت: الأقوال التي استدلوا بها – واعتبروها مرجحة عند تعارض الأفعال – قد تعارضت هي الأخرى. (1/163)
صفحة 164
واستدلوا كذلك بدليل عقلي: وذلك أن سجود السهو جاء متأخراً عن زمن وقوع السهو لضرورة؛ لئلا يكرر، ولهذه العلة اقتضى تأخيره بعد السلام ليتأخر أداؤه عن كل حالة السهو في الصلاة ثم إن الانشغال بالنافلة قبل إكمال الفرض مفسد للصلاة (1).
ومذهب المالكية: أن السهو إن كان بزيادة، كانت السجدتان بعد السلام، وإن كان السهو نقصاناً كانتا قبل السلام، على نحو ما سجد رسول الله ح وفي ذلك جمع بين أحاديث عمران بن حصين وابن مسعود، وذي اليدين التي فيها الزيادة وحديث ابن بحينة الذي فيه نقصان (2).
ومذهب الشافعية: أن محل سجدتي السهو قبل السلام مطلقاً (3). واستدلوا بسجود رسول الله ح كما هو حديث عبد الله بن بحينة وبقوله ح: ÷إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبين على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ... الحديث (4).
__________
(1) المبسوط: (1/ 218).
(2) انظُر: الموطأ: (1/ 95) المدونة الكبرى: (1/ 18)، مقدمات ابن رشد، ص (85)، المنتقى للباجي: (1/ 175)، حاشية الدسوقي: (1/ 74)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 36).
(3) المجموع: (4/ 41) مغني المحتاج: (1/ 213).
(4) الحديث أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب: السهو في الصلاة، رقم (571)، وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف، أخرجهُ الترمذي: (2/ 235)، أبواب (الصلاة)، باب (ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان)، رقم (398). وابن ماجه: (1/ 381)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (فيمن شك في صلاته فرجع إلى اليقين)، رقم (1209). (1/164)
صفحة 165
وقالوا: إن سجدتي السهو لإتمام الصلاة وجبر نقصانها، فينبغي أن تكون قبل نهاية الصلاة كسائر أفعالها. وأجابوا عن سجوده ح في حديث ذي اليدين بجوابين (1).
الأول: أنه لم يكن عن قصد مع أنه لم يرد لبيان حكم السهو.
الثاني: أنه منسوخ بأحاديث السجود قبل السلام، وقد روي عن الزهري قال: كان آخر فعل النَّبِيّ ح سجوده قبل السلام (2).
وقد تُعقبتْ دعوى النسخ بأنه غير ثابت ولا يسلّم، فالأحاديث متعارضة ولا يُعلم المتأخر والمتقدم منها، ثم إن السجود بعد السلام كان من رواية أبي هريرة وعمران بن حصين وهو من متأخري الهجرة، وخرباق كان إسلامه قبل وفاة رسول الله ح بشهرين (3).
ومذهب الحنابلة: حأن سجود السهو محلّه كله قبل السلام؛ إلا في موضعين فإنه يكون بعد السلام:
الموضع الأول: إذا كان السهو بالنقصان كما فعل رسول الله ح في حديث ذي اليدين.
الموضع الثاني: إن شك الإمام فيبني على غلبة الظن، عملاً بحديث ابن مسعود.
وفي ذلك جمع بين الروايات التي روت محل سجود رسول الله ح، والجمع بين قوله ح: ÷وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين×. من حديث ابن مسعود. وقوله: ÷إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كَم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم× ... من حديث أبي سعيد الخدري.
__________
(1) سنن الترمذي: (1/ 236)، باب (في سجدتي السهو قبل التسليم)، وانظُر اختلاف الحديث للإمام الشافعي، ص (169)، السنن الكبرى: (2/ 341)، ومعرفة الآثار: (3/ 279)، الاعتبار، ص (213)، رسوخ الأخبار، ص (292)
(2) المجموع: (1/ 24)، مغني المحتاج: (1/ 213).
(3) معرفة السنن والآثار: (3/ 309)، الاعتبار: (213)، المغني: (2/ 3). (1/165)
صفحة 166
وقالوا: إذا سها الإمام فيبني على غلبة الظن ويسجد بعد السلام، وإن كان منفرداً بنى على اليقين على الأقل وسجد قبل السلام (1).
مذهب الإباضية:
ومذهب الإباضية أن سجدتي السهو بعد السلام مطلقاً (2)، وقد وافقوا في ذلك رأي الحنفية، واستدلوا بسجود رسول الله ح للسهو بعد السلام، وهو ما رواه ابن مسعود، وأبو هريرة في حديث ذي اليدين وغيره (3).
واستدلوا بعموم قوله ح: ÷وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين×، وبعموم قوله ح: ÷لكل سهو سجدتان بعد السلام×.
سبب الخلاف:
وأصل الخلاف في المسألة أن الأحاديث الواردة في بيان سجود السهو متعارضة وصحيحة في نفس الوقت، وتقديم بعضها على بعض غير منصوص عليه، ومن ثم تعين الجمع بينها أو الترجيح، والذين ذهبوا إلى ترجيح أحاديث السجود قبل السلام أو بعده إنما رجحوها ترجيح عقلي، فالقائلون بأن سجود السهو بعد السلام اعتبروا أن سبب تأخيره عن زمن وقوع السهو لئلا يتكرر مع كل حالة، فاقتضى ذلك تأخيره إلى ما بعد السلام.
ثم إن الانشغال بالنافلة قبل إتمام الفرض مفسد للصلاة، فقدموا قوله على فعله عند التعارض.
والقائلون بأن محله قبل السلام اعتبروا أن سجدتي السهو تمام للصلاة وجبر لنقصانها، وذلك يقتضي أن يكون قبل نهاية الصلاة كسائر أفعالها.
والذين ذهبوا إلى الجمع بين الأحاديث اختلف مسلك الجمع عندهم فالمالكية قالوا: يسجد للنقص قبل السلام، ويسجد للزيادة بعد السلام كما فعل رسول الله ح.
__________
(1) المغني: (2/ 22)، الكافي: (1/ 18)، المبدع: (1/ 524، 527). الإنصاف: (2/ 33) وما بعدها.
(2) جامع البسيوي: (12/ 136)، قواعد الإسلام: (1/ 288) الإيضاح: (2/ 263) شرح النيل: (2/ 402)، معارج الآمال: (8/ 304)، نثار الجوهر: (1/ 587).
(3) منها حديث ابن عمر عند أبي داود: (1/ 618)، كتاب (الصلاة)، باب (السهو في السجدتين)، رقم (1017)، وابن ماجه: (1/ 383). (1/166)
صفحة 167
والحنابلة قالوا: يسجد على نحو سجود رسول الله ح في السهو.
ولتعارض الأحاديث وعدم إمكانية ترجيح أحدها على الآخر، فإن مسلك الجمع أولى من طرح أحد الأدلة كما هو المقرر عند الأصوليين، ومع ذلك فيمكن حمل الأحاديث على التوسع والقول بجواز ذلك كله.
***
عدد سجدات التلاوة في القرآن الكريم:
1. عن ابن عباس ? قال: (إن رسول الله ح لم يسجد في شيء من المفصل، منذ تحول إلى المدينة) (1).
2. وعن زيد بن ثابت ? قال: (قرأت على رسول الله ح النجم فلم يسجد فيها) (2).
3. وعن أبي هريرة ? أنه قرأ ژ? ? ?ژ [الانشقاق1] فسجد فيها فلما انصرف، أخبرهم أن رسول الله ح سجد فيها (3).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود (2/ 121)، كتاب (الصلاة)، باب (من لم ير السجود في المفصل)، رقم (1403)، والحديث سكت عنه أبو داود، وأعله ابن عبد البر وابن القطان، وقالا: حديث منكر، لمخالفته أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في الانشقاق، وأن أبا هريرة لم يصحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا بالمدينة، وأعله ابن عبد البر بأبي قدامة قال: ليس بشيء. الاستذكار: (8/ 100)، نصب الراية: (2/ 182).
قلت: وأبو قدامة هو الحارث بن عبيد أبو قدامة الأيادي البصري: أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري متابعة، ووصفه عبد الرحمن بن مهدي وقال: ما رأيت إلا خبراً، وضعفه النسائي وأبو حيان، وقال: يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في كتاب المجروحين: (1/ 224) وانظُر الضعفاء الكبير للعقيلي: (1/ 212)، وميزان الاعتدال: (1/ 438) وتهذيب التهذيب: (2/ 149).
(2) أخرجهُ البخاري: (2/ 645)، كتاب (سجود القرآن)، باب (من قرأ السجدة ولم سيجد)، رقم (1072)، ومسلم: (1/ 406)، كتاب (المساجد)، باب (سجود التلاوة)، رقم (577).
(3) أخرجهُ البخاري: (2/ 644)، كتاب (سجود القرآن)، باب (سجدة {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} رقم: (1074)، ومسلم: (1/ 406)، كتاب (المساجد)، باب (سجود التلاوة)، رقم (578). (1/167)
صفحة 168
الأثر الفقهي:
هناك في القرآن مواضع للسجود، ثبت عن النَّبِيّ ح أنه سجد عندها، فأصبحت سنة مأثورة عنه (1)، وقد اتفق الجمهور على بعض المواضع واختلفوا في البعض الآخر، فقد اتفقوا على عزائم السجود وهي:
1. في سورة الأعراف الآية: (205).
2. في سورة الرعد الآية: (15).
3. في سورة النحل الآية: (50).
4. في سورة الإسراء الآية: (109).
5. في سورة مريم الآية: (58).
6. في سورة الحج الآية: (18).
7. في سورة الفرقان الآية: (60).
8. في سورة النمل الآية: (26).
9. في سورة السجدة الآية: (15).
10. في سورة فصلت الآية: (37).
واختلفوا في سجدة الحج الثانية الآية (77)، وفي ص الآية: (24)، والنجم الآية (62)، والانشقاق الآية (21)، والعلق الآية (19).
__________
(1) يرى الإباضية أن سجود التلاوة سنة، وهو في ذلك متفقون مع المالكية والشافعية والحنابلة، ودليلهم ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ آية السجود ولم يسجد، ومثل ذلك روي عن عمر بن الخطاب أن السجود محمول على الندب. جامع ابن جعفر: (382)، قواعد الإسلام: (1/ 293)، الإيضاح: (2/ 313)، شرح النيل: (2/ 705)، معارج الآمال: (12/ 206)، المدونة الكبرى: (1/ 199)، مقدمات ابن رشد: (83)، الاستذكار: (8/ 108)، المجموع: (3/ 558)، العدة، ص (92)، الشرح الكبير لابن قدامة: (1/ 371).
وقالت الحنفية بوجوب سجود التلاوة، لحملهم الأمر فيه على الوجوب، شرح معاني الآثار: (1/ 359)، تحفة الفقهاء: (2/ 235)، الهداية: (1/ 84). (1/168)
صفحة 169
فمذهب المالكية (1): أن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة، وأثبتوا سجدة (ص) وأسقطوا السجدة الثانية من الحج، وسجدات المفصل في سورة النجم والانشقاق والعلق.
واستدلوا بحديث ابن عباس، وحديث زيد بن ثابت المذكورين، وكأنهم رأوا نسخ سجدات المفصل، وهو الذي استقر عليه العمل عند أهل المدينة، فقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ لهم {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} فسجد فيها، ولما انصرف قلت له: سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها (2). وكأنهم رأوا النسخ. وهذا قول ابن عمر وابن عباس وأبي بن كعب، وطائفة من التابعين منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري وعكرمة ومجاهد وطاوس وغيرهم (3).
__________
(1) الموطأ: (1/ 207)، باب (سجود القرآن)، المدونة الكبرى: (1/ 199)، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (83)، الاستذكار: (8/ 96)، بداية المجتهد: (1/ 262)، كتاب المنتقى للباجي: (1/ 349)، ورد الإمام الشافعي دعوى النسخ في هذا الموضع؛ لأن السنة السجود لقوله تعالى {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} الأم: (1/ 367).
(2) أخرج هذه الرواية الطحاوي في شرح معاني الآثار: (9/ 242)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (3/ 238)، وابن المنذر في الأوسط: (5/ 271)، الاستذكار لابن البر: (9/ 98).
(3) الاستذكار: (9/ 96). (1/169)
صفحة 170
ومذهب الحنفية (1): أن عزائم السجود أربع عشرة سجدة، أسقطوا السجدة الثانية من الحج، وأثبتوا سجدة (ص)؛ لوجوب الاقتداء برسول الله ح، وبالاقتداء بمن قبله من الأنبياء، وهو مقتد بأخيه داود، لحديث ابن عباس (2).
وحجتهم في إسقاط السجدة الثانية من الحج القياس، فإن المعهود من عزائم السجود أنها جاءت بضيغة الخبر، وأما ما جاء في سجدة الحج فقد ورد بصيغة الأمر بالسجود مقروناً بالركوع، وهذا ينصرف إلى أركان الصلاة (3).
ومذهب الشافعية والحنابلة (4): أن عزائم السجود أربع عشرة سجدة، فأثبتوا السجدة الثانية من الحج، كما روي أن عقبة بن عامر? قال: قلت لرسول الله أفي سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما (5)، واستدلوا بما روي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبي موسى الأشعري وجملة من التابعين الذين حفظوا من الصحابة "سجدتين في الحج (6) "وأسقطوا سجدة "ص" وقالوا: إنما هي سجدة شكر لداود عليه السلام.
__________
(1) شرح معاني الآثار: (1/ 359)، تحفة الفقهاء: (2/ 235)، الهداية: (1/ 84).
(2) حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:سجد في "ص" وسئل عنها ابن عباس فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام 90)، ونبيكم قد أمرنا بالاقتداء بداود عليه السلام)، أخرجهُ البخاري: (2/ 652)، كتاب (الصلاة)، أبواب (سجود القرآن)، باب سجدة "ص"، رقم (1960)، المنتقى: (1/ 349).
(3) شرح معاني الآثار: (1/ 361)، الهداية: (1/ 381)، الاستذكار: (8/ 102).
(4) حلية الأولياء: (2/ 123)، المجموع: (3/ 558)، العدة، ص (93)، الكافي: (1/ 272)، الشرح الكبير: (1/ 373).
(5) أخرجهُ أبو داود، كتاب (الصلاة)، في أبواب السجود رقم (1402)، والترمذي: (2/ 17)، كتاب (الصلاة)، باب (ما جاء في سورة الحج)، رقم (578)، والحديث ضعفه الترمذي وقال: إسناده ليس بذلك القوي.
(6) الاستذكار: (8/ 103). (1/170)
صفحة 171
وعن ابن عباس قال: ÷ليست سجدة "ص" من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ح سجد فيها× (1).
ومذهب الإباضية:
والمذهب عند الإباضية (2)، أن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة، أثبتوا سجدة "ص" وأسقطوا السجدة الثانية من الحج وسجدات المفصل، لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما، وهم في ذلك موافقون للمالكية من حيث العدد ومواضع السجود.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف أن الأخبار متعارضة في إثبات سجود رسول الله ح في المفصل، ونفي سجوده فيها، فالذين أسقطوا سجدات المفصل اعتمدوا على الأحاديث التي تنفي سجود رسول الله ح فيها، واعتبروها ناسخة لغيرها، وبما استقر عليه العمل بين أهل المدينة.
والذين أثبتوا سجدات المفصل بنوا قولهم على الأحاديث المثبتة، والإثبات مقدم على النفي، وردوا دعوى النسخ؛ لأن أبا هريرة من رواة حديث سجدات المفصل، وهو من متأخري الإسلام، ولم يصحب رسول الله ح إلا بالمدينة.
وأما اختلافهم في سجدة "ص" فهو راجع إلى المفهوم، فالذين أثبتوها، قالوا بها لسجود الرسول ح عندها، والاقتداء به واجب. والذين نفوا السجود فيها، قالوا: إنها خاصة لنبي الله داود عليه السلام.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 652)، كتاب (الصلاة)، أبواب (سجود القرآن)، باب سجدة "ص"، رقم الحديث: (196)، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر سورة "ص" فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا. أخرجهُ أبو داود، كتاب (الصلاة)، باب (السجود في سورة "ص")، رقم (1410)، وصححه الحاكم في المستدرك: (1/ 284) كتاب (الجمعة).
(2) جامع البسيوي: (2/ 134)، قواعد الإسلام: (1/ 293)، الإيضاح: (2/ 13)، شرح النيل: (2/ 507)، معارج الآمال: (12/ 211)، نثار الجوهر: (2/ 703). (1/171)
صفحة 172
وأرى أن أحاديث الإثبات لسجدات المفصل أقوى إسناداً ودلالة لأنها لا تحتاج إلى تأويل، أما أحاديث النفي فيتطرق إليها التأويل، ويحتمل أن رسول الله ح لم يسجد فيها لمانع، إما أنه كان في وقت لا يصلح فيه السجود أو أنه كان على غير طهارة، أو أن قارئ الآية لم يسجد فلم يسجد الرسول ح (1).
وعلى العموم، فالخلاف في هذه المسألة يعتبر من الخلاف المباح كما نص عليه الإمام الشافعي (2).
***
التسليم من الصلاة:
1. عن سعد بن أبي وقاص ? أن رسول الله ح كان يسلم في الصلاة تسليمه واحدة (3).
2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ح يسلم في الصلاة تسليمه واحدة (4).
__________
(1) شرح مشكل الحديث: (9/ 247)، الاستذكار: (8/ 100).
(2) اختلاف الحديث، ص (16)، الأم: (1/ 136).
(3) الحديث رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 267)، والبيهقي في السنن الكبرى: (2/ 178)، وابن عبد البر في الاستذكار: (4/ 291)، جميعاً من طرق عن عبد العزيز بن محمد الداروردي عن إسماعيل بن محمد بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - رضي الله عنهم -. وقد أعل ابن عبد البر هذا الحديث بأن الرواة الثقات رووه بتسليمتين، وهم ثقات، فيعد هذا الحديث شاذاً، فقال: عن هذه الرواية: إنها معلومة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد أخطأ فيه الداروردي فرواه على غير ما رواه الناس: تسليمه واحدة، وغيره يروي فيه تسليمتين. الاستذكار: (4/ 291).
(4) الحديث أخرجهُ الترمذي في سننه: (2/ 90) في أبواب (الصلاة) باب (ما جاء في التسليم في الصلاة) رقم (296)، وابن ماجه: (1/ 297)، كتاب (الإقامة)، باب (من سلم تسليه واحدة)، رقم (919). وهذا الحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي: (1/ 230). وقد أُعل هذا الحديث بزهير بن محمد، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بأن له مناكير. وانظُر زاد المعاد: (1/ 163).
قلت: زهير بن محمد اختلف فيه نقاد الحديث توثيقاً وتضعيفاً، فوثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وضعفه النسائي، وقال فيه الدارمي: ثقة صدوق وله أغاليط كثيرة، وذكره العقيلي والذهبي في جملة الضعفاء وقال: ثقة له غرائب. الضعفاء للنسائي، ترجمة رقم (127)، الضعفاء للعقيلي: (2/ 92)، سير أعلام النبلاء: (8/ 168)، تهذيب التهذيب: (3/ 348).
وللحديث شاهد من حديث أنس - رضي الله عنهم -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمه واحدة). أخرجهُ البيهقي في المعرفة: (3/ 97)، وفي السنن الكبرى: (2/ 179)، وابن عبد البر في الاستذكار، وأعله بالانقطاع بين أيوب السختياني وأنس، فقال: ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئاً. الاستذكار: (4/ 296).
قلت: رواية البيهقي في المعرفة: (3/ 97)، وابن المنذر في الأوسط: (3/ 222) ليست من طريق أيوب السختياني عن أنس، وإنما هي من طريق حميد عن أنس.
وله شاهد آخر من حديث سهل بن سعد أخرجهُ ابن ماجه في سننه: (1/ 297)، رقم (918)، والدارقطني في سننه: (1/ 359)، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف، وقال فيه البخاري: منكر الحديث. انظُر: نصب الراية: (1/ 433)، التعليق المغني: (1/ 359)، نيل الأوطار: (3/ 162)، مصباح الزجاجة: (1/ 317).
وله شاهد من حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - عند ابن ماجه: (1/ 297)، رقم (920)، ومن حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه - عند الدارقطني: (1/ 359)، وفي كل منهما مقال أيضاً. نصب الراية: (1/ 433)، نيل الأوطار (3/ 162).
قلت: وهذه الطرق والروايات تدل على أن لهذا الحديث أصلاً، ومما يدل على ذلك أن بعض الصحابة والتابعين روي عنهم الاكتفاء بتسليمه واحدة، مثل: عثمان، وعلي، وابن عمر، وأنس، وعائشة، وابن أبي أوفى، وسلمة بن الأكوع، ومن التابعين: الحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير. انظُر: سنن الترمذي (2/ 93). (1/172)
صفحة 173
3. عن عامر عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كنت أرى رسول الله ح يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده (1).
4. عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى أرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (2).
الأثر الفقهي:
اختلف أهل العلم في الخروج من الصلاة، هل يلزمه التسليم أو لا؟ على قولين:
القول الأول: أنه يلزمه التسليم، وهو فرض، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (3).
القول الثاني: أن الخروج من الصلاة لا يلزم فيه التسليم، بل يمكنه الخروج منها بالكلام وغيره، وذلك لأن السلام ليس من الصلاة. وهذا مذهب الحنفية (4).
وقد استدل الجمهور على مذهبهم بعدة أدلة، ومنها:
__________
(1) الحديث أخرجهُ مسلم في صحيحه: (1/ 409)، كتاب (المساجد)، باب (السلام للتحليل من الصلاة)، رقم (582).
(2) الحديث أخرجهُ أبو داود في سننه: (1/ 261) كتاب (الصلاة)، باب (السلام)، حديث (996)، والترمذي: (2/ 89)، رقم (295)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، والنسائي: (3/ 62)، رقم (1319)، وابن ماجة: (1/ 296)، رقم (914). وللحديث شواهد أخرى كثيرة، وقد اقتصرت على هذين الحديثين خشية الإطالة.
(3) انظُر: الكافي لابن عبد البر، ص (42)، الاستذكار: (4/ 298)، المجموع: (3/ 356)، الشرح الكبير: (1/ 300)، الكافي لابن قدامة: (1/ 258)، المغني: (1/ 588).
(4) انظُر: تحفة الفقهاء: (1/ 139)، بدائع الصنائع: (1/ 288)، الدر المختار: (1/ 418)، فتح القدير: (1/ 225). (1/173)
صفحة 174
أولاً: حديث علي ? قال: قال رسول الله ح: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (1). وفيه دليل على أن التحليل في الصلاة لا يقع بغير السلام، إذ بين النَّبِيّ ح أن تحليلها التسليم. ولو كان يصلح شيء غيره لذكره معه.
ثانياً: حديث جابر بن سمرة ? قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ح قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ح: (علام تومِئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله) (2).
فهنا جعل النَّبِيّ ح الاكتفاء بالسلام، فدل ذلك على أنه لا يجوز الاكتفاء بغيره.
ثالثاً: أن الخروج من الصلاة أحد طرفيها، فاقتضى أن يكون من شرطه النطق كالطرف الأول وهو الدخول فيه بالتكبير.
رابعاً: أن الخروج من الصلاة ركن، فوجب أن يكون معيناً كما في الركوع والسجود.
أدلة الحنفية: استدل الحنفية على قولهم بعدة أدلة، منها:
أولاً: حديث ابن مسعود حين علمه النَّبِيّ ح التشهد، قال له: إذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد (3).
__________
(1) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: (1/ 50) كتاب (الطهارة)، باب (فرض الوضوء)، رقم (61).
(2) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: (1/ 322)، كتاب (الصلاة)، باب (الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد)، رقم (431).
(3) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: (1/ 593)، كتاب (الصلاة)، باب (التشهد)، حديث (970)، وقد رد الجمهور على الاستدلال بحديث ابن مسعود بجوابين:
الأول: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - (فقد تمت صلاتك) أي قاربت التمام.
الثاني: أن قوله: (إن شئت فقم، وإن شئت فاقعد) من كلام ابن مسعود، فقد قال أبو بكر الخطيب: هذا ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو من قول ابن مسعود، أدرج في الحديث، وقد بينه شبابه بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية، وفصل كلام ابن مسعود عن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن الحسن بن الحر مبيناً مفصلاً. انظُر: معالم سنن أبي داود: (1/ 593). (1/174)
صفحة 175
ثانياً: ما يروى عن علي ? أنه قال: إذا جلس قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته.
ثالثاً: حديث ابن عمرو ? قال: قال رسول الله ح: ÷إذا أحدث "يعني الرجل" وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته× (1).
رابعاً: حديث المسيء في صلاته وأن النَّبِيّ ح لم يذكر له التسليم (2).
قول الإباضية:
__________
(1) الحديث أخرجه الترمذي في سننه: (2/ 261)، كتاب (الصلاة)، باب (ما جاء في الرجل يحدث في التشهد)، رقم (408). وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك القوي، وقد اضطربوا في إسناده. وقد رد الجمهور الاستدلال بهذا الحديث بأنه ضعيف، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم.
(2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه بإسناده، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد، وقال: ارجع فصل؛ فإنك لم تصل. فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ارجع فصل فإنك لم تصل. – ثلاثاً – فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها. (2/ 276، 277)، كتاب (الأذان)، باب (وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها)، رقم (757). وقد رد الجمهور الاستدلال بهذا الحديث بأنه - صلى الله عليه وسلم - ترك بيان السلام له لعمله به، كما ترك بيان النية والجلوس للتشهد، وهما واجبان بالاتفاق. (1/175)
صفحة 176
التسليم عند الإباضية فرض للخروج من الصلاة كما هو الأمر عند المالكية والشافعية والحنابلة. والغالب عندهم الخروج بتسليمه واحدة وأنها كافية في الخروج من الصلاة، لما روي عن النَّبِيّ ح أنه كان يسلم تسليمه واحدة. وهم بهذا متفقون مع المالكية (1).
وهناك قول في المذهب بأن الخروج من الصلاة يكون بتسليمتين كما جاء في بعض الأحاديث المتقدمة، وبهذا كان يقول ضمام وغيره من أئمة الإباضية (2).
سبب الخلاف:
وأصل الخلاف في هذه المسألة اختلاف الروايات عن رسول الله ح والصحابة التابعين، قال ابن المنذر: قال عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمه واحدة (3)، فمن رجح أحاديث التسليمتين قال بموجبها، ومن رجح أحاديث التسليمه قال بها. وهذا من الاختلاف المباح لتعدد الرواية عن الرسول ح.
***
القصر في السفر:
__________
(1) الأوسط لابن المنذر: (3/ 223)، الاستذكار لابن عبد البر: (4/ 297).
(2) جامع ابن جعفر: (2/ 116)، جامع ابن بركة: (1/ 468) قواعد الإسلام: (1/ 285)، الإيضاح: (2/ 143)، شرح النيل: (2/ 202)، معارج الآمال: (8/ 230)، نثار الجوهر: (2/ 573).
وضمام: هو ضمام بن السائب الندبي العماني، أحد الأئمة بالبصرة من طبقة التابعين، أخذ عن الإمام جابر بن زيد الله متبحراً في العلوم، ويعتبر أحد أركان العلم في القرن الثاني الهجري. إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، للبطاشي، ص (163). قواعد الإسلام للجيطالي، بكلي عبدالرحمن، ص (79).
(3) الأوسط: (3/ 224). (1/176)
صفحة 177
1. عن يعلي بن أمية? قال: قلت لعمر بن الخطاب?: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ [النساء101] فقد أمِن الناس (1) فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ح عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته (2).
2. عن ابن عباس ?قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ح في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (3).
__________
(1) قوله: آمن الناس: يخبر ويؤكد لعمر أن الأمن قد عم الناس فما بالهم يقصرون؟
(2) أخرجهُ مسلم: (1/ 478)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها) رقم (686).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 479)، كتاب (المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها) رقم (687). وللحديث شاهد من حديث عائشة - رضي الله عنهم - قالت: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وأتمت في الحضر. أخرجهُ البخاري (2/ 663)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (يقصر إذا خرج من موضعه)، رقم (1090)، وشاهد من حديث عمر - رضي الله عنه - قال: صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -. أخرجهُ النسائي: (3/ 11)، كتاب (الجمعة)، باب (عدد صلاة الجمعة)، رقم (1420)، وابن ماجه: (1/ 338)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (تقصير الصلاة)، رقم (1063)، وأُعل الحديث بالانقطاع، لأن الحديث جاء من طريق ابن أبي ليلى عن عمر بن الخطاب، وسماع ابن أبي ليلى من عمر بن الخطاب مختلف فيه كما صرح النسائي بإعلاله بالانقطاع بعد تخريجه للحديث، ووصله ابن ماجه، فقد أخرجهُ رقم (1064)، عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجزة عن عمر - رضي الله عنهم - وإسناده صحيح. (1/177)
صفحة 178
3. عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتمرت مع رسول الله ح من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت وأفطرت وصمت؟ قال: (أحسنتِ يا عائشة)، وما عاب عليّ (1).
الأثر الفقهي:
__________
(1) أخرجهُ النسائي: (3/ 122)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (المقام الذي يقصر بمثله الصلاة)، والدارقطني في: (2/ 149)، كتاب (الصوم)، باب (قبلة الصائم)، رقم (2270، 2271)، وحسن إسناده. قلت: في إسناده العلاء بن زهير، ضعفه ابن حبان كما في المجروحين (2/ 183) وفي اتصاله خلاف للخلاف في سماع عبدالرحمن من عائشة، ورجح الدارقطني اتصاله. وفي الحديث نكارة: إذ فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع مرات، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته و عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، صحيح البخاري: (3/ 701)، كتاب (الحج)، باب (كم اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم -)، رقم (1778)، ومسلم، كتاب (الحج) (2/ 916)، باب (عدد عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -)، وزمانهن رقم (1253)، وعن ابن عباس مثل ذلك أخرجهُ أبو داود، كتاب (المناسك)، باب (العمرة)، رقم (1193)، والترمذي: (3/ 180)، كتاب (الحج)، باب (كم اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم -)، رقم (816).
والأمر الثاني الذي يدل على ضعفه ونكارته في المتن، مخالفة عائشة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسائر الصحابة في إتمام الصلاة وهم يقصرون بلا موجب!! وهل يتصور من أم المؤمنين مخالفتهم، وهي التي تقول: فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر والحديث استنكره الإمام أحمد، وابن تيمية، وابن القيم، وقال ابن تيمية: هذا كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رسائل وفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: (2/ 104 / 107)، التلخيص الحبير: (2/ 49)، نيل الأوطار: (4/ 81). (1/178)
صفحة 179
من رحمة الله تعالى ومنته على هذه الأمة التسهيل ورفع الحرج عنهم في أمر دينهم أنه سبحانه شرع لهم شرائع، ثم جعل لهم رخصاً في المواضع التي تكون فيها المشقة، ومن هذه الرخص، قصر الصلاة في السفر، حيث رخص لنا القصر في الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين، وقد قصر رسول الله ح في أسفاره وقال: إنها صدقة من الله.
لكن، هل العمل بهذه الرخصة واجب أم على سبيل الإباحة؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن القصر في السفر واجب، وهو المروي عن أمير المؤمنين عمر وابنه عبد الله، والإمام علي وابن عباس وجابر وابن مسعود والحسن وحماد بن سلمة وعمر بن عبد العزيز (1). وهذا هو قول الحنفية (2) واحتجوا بأدلة، منها:
أولاً: ملازمة رسول الله ح القصر في جميع أسفاره، ولم يصح أنه أتم، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: صحبت رسول الله ح، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك - رضي الله عنهم - (3).
ثانياً: حديث ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (4).
ثالثاً: حديث عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر، فإقرار ركعتين في السفر واجب، ولا يصح الزيادة عليها، كما لا يصح الزيادة على ركعتين في صلاة الصبح، وصلاة الجمعة.
رابعاً: حديث عمر بن الخطاب: (صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ح).
__________
(1) مصنف عبد الرزاق (2/ 562)، معالم السنن حاشية على سنن أبي داود (2/ 6)، المجموع (2/ 220).
(2) شرح معاني الآثار: (1/ 423)، المبسوط: (1/ 239).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه (2/ 672)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (من لا يتطوع في السفر)، رقم (1101)، واللفظ له، وصحيح مسلم: (1/ 479)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها)، رقم (689).
(4) تقدم تخريجه. (1/179)
صفحة 180
خامساً: قول رسول الله ح: ÷صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته×، فقوله "فاقبلوا" يدل على الوجوب (1).
وأجيب عن هذه الأدلة:
بأن ملازمة رسول الله ح لقصر صلاة السفر في جميع أسفاره لا يدل على الوجوب (2). وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها: بأنها لم تشهد زمن فرض الصلاة، ولو كان ذلك ثابتاً لنقل بالتواتر، والمراد من قولها: "فرضت" بمعنى "قدرت" أي لمن أراد الاقتصار عليها في السفر، والزيادة في الحضر على الوجوب (3) وأما قولها (أقرت في السفر ركعتين وزيدت في الحضر) بأن الزيادة لا تصح كما لا تصح الزيادة في صلاة الصبح والجمعة، فهذا القياس غير صحيح، لأن صلاة الصبح وصلاة الجمعة شرعتا ركعتين من الأصل، فلا تقبل تغييراً، بخلاف صلاة السفر فإنها تقبل الزيادة بدليل أنه لو اقتدي بقيم لزمه أربع ركعات، وليس كذلك الجمعة والصبح (4).
وأما حديث عمر? في قوله "ركعتان تمام" أي تامة الأجر لمن اقتصر على ركعتين.
القول الثاني: أن صلاة السفر رخصة للمسافر وليست بعزيمة وروي هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأم المؤمنين عائشة وسعد بن أبي وقاص، وأبي قلابة - رضي الله عنهم - (5).
__________
(1) نثار الجوهر (2/ 296)، المبسوط، (1/ 239)، رسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (2/ 69، 105).
(2) نيل الأوطار: (4/ 78).
(3) المجموع: (4/ 222).
(4) المفهم: (3/ 1198).
(5) مصنف عبد الرزاق: (2/ 560)، معالم السنن حاشية سنن أبي داود: (2/ 6)، المجموع: (4/ 220). (1/180)
صفحة 181
وهو قول الأئمة الثلاثة، فعند المالكية (1) أنها سنة مؤكدة، وروي عن الإمام مالك أنها فرض، وقال: من صلى أربعاً يعيد إن كان في الوقت، وعند الشافعية (2).يجوز الإتمام والقصر، وعند الحنابلة: القصر رخصة، وفي رواية للإمام أحمد -رحمه الله- قال: إنه عزيمة، وفي رواية له قال: أنا أحب العافية من هذه المسألة (3).
واستدلوا بأدلة منها:
أولاًَ: قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ?ژ، ورفع الجناح عن القصر لا يدل على العزيمة، بل يدل على الرخصة وكلمة "الجناح" تستعمل في المباح كقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? چچ ژ [البقرة198] وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة235]، ژ? ? ? ? ? ? ? ??ژ [النور61].
ثانياً: وقالوا: الأصل هو الإتمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه وهي الرخصة المقصودة في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ [النساء101]. وقد جاءت مقيدة بالضرورة، فعند انتفاء القيد يكون مقتضى الأدلة هو الأخذ بالأصل.
ثالثاً: واستدلوا بما روي عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله ح من المدينة إلى مكة فكانت تتم الصلاة فذكرت ذلك لرسول الله ح فقال لها ÷أحسنتِ× (4).
__________
(1) المدونة الكبرى: (1/ 26)، المقدمات لابن رشد، ص (96)، حاشية الدسوقي: (1/ 358) كفاية الطالب الرباني: (2/ 130)، وفي حاشية الدسوقي حكى أقوالاً أخرى في المذهب بعد ما ذكر أنها سنة مؤكدة، فقد قيل: فرض، وقيل: مستحب، وقيل: مباح. حاشية الدسوقي: (1/ 358).
(2) المجموع: (4/ 218، 220)، مغنى المحتاج: (1/ 262).
(3) التحقيق: (1/ 493)، الكافي: (1/ 309)، الإنصاف: (2/ 321)، المغني مع الشرح الكبير: (2/ 199).
(4) الحديث سبق تخريجه في أول المسألة. (1/181)
صفحة 182
رابعاً: واستدلوا أيضاً بما روته أم المؤمنين عائشة قالت: إن النَّبِيّ ح كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم (1).
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني: (2/ 150)، كتاب (الصوم)، باب (قبلة الصائم)، رقم (2275)، وصححه. والحديث فيه نكارة وشذوذ لمخالفته لما هو محفوظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يتم الصلاة في السفر فقد استنكره الإمام أحمد واستبعد صحته، وقال ابن تيمية: إنه كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفيه تصحيف فالرواية كان يقصر وتتم بالتاء بدلاً من الياء ويفطر وتصوم بدلاً من الياء بمعنى هي التي تتم وهي التي تصوم، ومع ذلك يستبعد عنها مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجميع الصحابة. انظُر: رسائل وفتاوى ابن تيمية: (2/ 109، 112). (1/182)
صفحة 183
خامساً: واحتجوا بإتمام بعض الصحابة كإتمام عثمان في منى (1) وإتمام عائشة (2) -رضي الله عنهما- بمحضر من الصحابة وفي إتمامهم دليل على الرخصة وجواز القصر (3).
وقد تعقبت هذه الاستدلالات:
فأجيبت عن قولهم: إن نفي الجناح يستعمل في الرخص لا في الواجبات، بأن ذلك ليس مطرداً، ولا يلزم منه الإباحة، بل قد استعملت في الواجبات كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ژژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ?? ? ? ? ? ? ? ںژ [البقرة158] فنفي الجناح هنا لا يفيد الرخصة، بل يحمل على الوجوب فالسعي بين الصفا والمروة من واجبات الحج، بل هو ركن من أركانه.
وقولهم: إن القصر رخصة مقيدة بالضرورة، فيجب الرجوع إلى الأصل عند ارتفاع القيد.
__________
(1) عن عبد الله بن عمر قال صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين وأبي بكر وعثمان صدراً من إمارته، ثم أتمها، أخرجهُ البخاري: (2/ 655)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (الصلاة بمنى)، رقم (1082)، ومسلم: (1/ 482)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (قصر الصلاة بمنى)، رقم (694)، وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجهُ البخاري (2/ 65)، من الكتاب والباب المذكورين، رقم (1084)، ومسلم: (1/ 483)، من الكتاب والباب المذكورين، رقم (695).
(2) أخرج الشيخان عن عروة عن عائشة - رضي الله عنهم - قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان". صحيح البخاري: (2/ 663)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (يقصر إذا خرج من موضعه)، رقم (1090)، واللفظ له، ومسلم: (1/ 479)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها)، رقم (687).
(3) المجموع شرح المهذب: (4/ 221)، المقدمات لابن رشد، ص (95)، بداية المجتهد: (1/ 200)، التحقيق: (1/ 493)، نيل الأوطار: (4/ 79). (1/183)
صفحة 184
قيل: يعمل بهذا الأصل عند انتفاء الأدلة، أما مع وجود الدليل فلا عبرة به، وقد ثبت ملازمة رسول الله ح للقصر في جميع أسفاره من غير أي قيد (1).
وأما استدلالهم بحديث عائشة بأنها أتمت مع رسول الله ح وقوله ح لها: ÷أحسنت×، وحديثها الثاني: و÷أنه ح كان يتم ويقصر ويصوم ويفطر×، فالحديثان ضعيفان ومنكران.
__________
(1) حاشية السندي على سنن النسائي: (3/ 117). وقيد القصر هو الخوف أو احتمال المشقة فقد قصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو آمن. فعن حارثة بن وهب قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى وهو آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين. البخاري: (2/ 655)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (الصلاة بمنى)، رقم (1083)، ومسلم: (1/ 43)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب تقصير الصلاة بمنى، رقم (696). وقال ابن عباس: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين. أخرجهُ الترمذي: (2/ 431)، أبواب (الصلاة)، باب (التقصير في السفر)، رقم (547)، والنسائي: (3/ 117)، كتاب (تقصير الصلاة)، وصححه الترمذي. (1/184)
صفحة 185
وأما استدلالهم بإتمام بعض الصحابة ومنهم عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- بأن إتمامهما كان عن تأويل (1).
وأما عدم مخالفة الصحابة لعثمان فلمخافة شر الخلاف، فقد قيل لابن مسعود عبتَ على عثمان، ثم صليت أربعاً؟ فقال: الخلاف شر (2).
رأي الإباضية (3):
ومذهب الإباضية أن القصر في السفر فرض، وهو المروي عن أمير المؤمنين عمر وابنه عبد الله والإمام علي وابن عباس وجابر وابن مسعود والحسن وحماد بن سلمة وعمر بن عبد العزيز (4)، وهذا هو قول الحنفية أيضاً، واحتجوا على قولهم بالأدلة التي تفيد وجوبها التي سبق ذكرها.
وأصل الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى أمرين:
__________
(1) من تأويل سيدنا عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً لمن حمل الزاد والمزاد وكان سائراً أما من أقام بمكان في أثناء سيره فلا يقصر. وقيل: إنه أتم الصلاة بمنى لأنه تأهل بمكة، وقال: سمعت رسول الله يقول: من تأهل ببلدة فإنه يصلي صلاة مقيم قلت: الحديث ضعفه ابن حجر في فتح الباري (2/ 664) وقيل: إنه نوى الإقامة بمنى بعد الحج، وقيل: إنه لما حج رأى كثرة الأعراب فأراد أن يعلمهم أن الصلاة أربع، وقد تأولت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهم - أن القصر مقيد بالخوف، وقيل: إنها رأت أن القصر رخصة لمن يشق عليه الإتمام. وقيل: إنها أتمت حيث نزلت ولها أهلها. سنن أبي داود: (2/ 492)، ومصنف عبد الرزاق: (2/ 18، 516)، فتح الباري: (2/ 665)، المفهم شرح صحيح مسلم: (3/ 1204)، نيل الأوطار: (4/ 88).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 492) كتاب (المناسك) باب (الصلاة بمنى) رقم: (1961).
(3) جامع ابن بركة: (1/ 575)، قواعد الإسلام: (1/ 256)، الإيضاح: (2/ 234)، شرح النيل: (2/ 351) نثار الجوهر: (2/ 296).
(4) مصنف عبد الرزاق: (2/ 562)، معالم السنن حاشية على سنن أبي داود: (2/ 6)، المجموع: (2/ 220). (1/185)
صفحة 186
الأول: هل صلاة السفر قصر أم تمام؟ وهو خلاف مثاره هل فرضت أولاً أربعاً فنقصت للترخيص؟ أو فرضت ركعتين فزيدت في الحضر؟
فالذين قالوا بوجوب القصر قالوا: إنها فرضت ركعتين فزيدت في الحضر، والذين قالوا برخصة القصر قالوا: إنها فرضت أربعاً فنقصت لأجل الرخصة.
الثاني: التعارض بين المعنى المعقول والمنقول:
فالمعقول: أن القصر شرع لأجل دفع المشقة ودفع الحرج كما شرع الإفطار للمسافر، فعن النَّبِيّ ح قال: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (1)، فمفهوم هذا المعقول أن القصر رخصة، والمنقول الذي يعارضه حديث عائشة: ÷فرضت الصلاة ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر×.
وحديث ابن عباس? ÷فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة×.
وحديث عمر بن الخطاب? ÷صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ح×.
__________
(1) الحديث رواه أنس بن مالك رجل من بني كعب إخوة بني قشير قال: قال: (أغارت علينا خيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانتهيت أو قال فانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يأكل فقال: اجلس فأصب من طعامنا هذا. فقلت إني صائم قال: اجلس أحدثك عن الصلاة والصيام إن الله تعالى وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى)، أخرجهُ أبو داود: (2/ 796)، كتاب (الصوم)، باب (اختيار الصوم)، رقم (2408)، واللفظ له، والترمذي: (3/ 94)، كتاب (الصوم)، باب (ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع)، رقم (715)، وحسنه، والنسائي: (4/ 190)، كتاب (الصوم)، باب (وضع الصيام عن الحبلى والحامل)، وابن ماجه: (1/ 533)، كتاب (الصيام)، باب (ما جاء في الإفطار في السفر)، رقم (1667). (1/186)
صفحة 187
والمنقول من فعل رسول الله ح ملازمة القصر في جميع أسفاره فدل ذلك على أن القصر واجب (1). وهذا ما أراه صواباً في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
***
المسافة التي يقصر فيها المسافر:
1. عن أنس بن مالك ?قال: صليت الظهر مع النَّبِيّ ح بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين (2).
2. عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك ? عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ح إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ شعبة الشاك صلى ركعتين (3).
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 574)، شرح النيل: (2/ 351)، نثار الجوهر: (2/ 296)، المقدمات لابن رشد، ص (93)، بداية المجتهد: (1/ 200).
(2) أخرجهُ البخاري: (2/ 663)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (تقصير الصلاة إذا خرج)، رقم (1089)، ومسلم: (1/ 480)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها)، رقم (690)، وله شاهد من حديث شرحبيل بن السمط، قال: رأيت عمر، صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له: فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل، أخرجهُ مسلم: (1/ 480)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها)، رقم (692).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 480)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (صلاة السافرين وقصرها)، رقم (691)، والميل: ستة آلاف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، وقيل: أربعة آلاف ذراع، المجموع: (4/ 210)، مشارق الأنوار: (1/ 391)، الإنصاف: (2/ 318)، مغني المحتاج: (1/ 266) والميل منه البري ويساوي: (1609 متراً) والبحري ويساوي: (1852 متراً)، قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، ص (579)، والفرسخ: ثلاثة أميال. المجموع، (4/ 210)، شرح النيل: (2/ 352). (1/187)
صفحة 188
3. عن ابن عباس ?عن رسول الله ح أنه قال: يا أهل مكة: لا تقصروا في أقل من أربعة برد: من مكة إلى عسفان. (1)
الأثر الفقهي:
يطلق السفر على الخروج من الوطن، على قصد مسيرة معينة، وقد يكون سفراً طويلاً أو قصيراً، وللسفر أحكام شرعية نيطت به، كالتيمم في قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [النساء43]. وجواز الفطر في رمضان، كما في قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة184] وقصر الصلاة كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (2). وفي قوله ح: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة». والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة (3).
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني: (1/ 303)، كتاب (الصلاة)، باب (قدر المسافة التي تقصر في مثلها الصلاة)، رقم (1432)، وفي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف، وإسماعيل بن عياش، وهو ضعيف الرواية عن غير أهل الشام، انظُر: التحقيق: (1/ 493)، المجموع: (4/ 213)، فتح الباري: (2/ 660)، ويضعف الحديث تخصيص هذا الخطاب إلى أهل مكة دون غيرهم، ولا سيما أهل المدينة، أو القاصدين إليها، مع العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طال مكثه بها أكثر من مكة. والبرد: جمع بريد، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال. انظُر: مشارق الأنوار للقاضي عياض: (1/ 83)، المجموع: (4/ 210).
(2) من الآية: (101) سورة النساء.
(3) أخرجهُ أبو داود: (1/ 109) كتاب (الطهارة)، باب (التوقيت في المسح)، رقم (157)، والترمذي: (1/ 158)، أبواب (الطهارة)، باب (المسح على الخفين للمسافر والمقيم)، رقم (95)، وقال: حديث حسن صحيح. (1/188)
صفحة 189
فهذه الأحكام تتعلق بالسفر إلا أنه لم يرد تحديد صريح لحد السفر سواء بالزمن أو بالمسافة طولاً كان أو غيره، وتحديد السفر بمسافة معينة له مدخل في بعض أحكامه، ولعدم ورود نص في تحديده بالمسافة أو الزمن اختلف العلماء في الحد الذي يقصر فيه المسافر الصلاة لأن السفر ليس له حد معين في اللغة والعرف، وحكيت في ذلك أقوال كثيرة فقد تصل إلى عشرين قولاً (1)، ولكن أقتصر على أقوال المذاهب الأربعة ورأي الإباضية:
قالت الحنفية: إن حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة مسيرة ثلاثة أيام سيراً على الأقدام أو الإبل، وهو قول ابن مسعود، وسويد بن غفلة والشعبي والنخعي، والحسن البصري والثوري (2). فاعتبروا عامل الزمن حداً للسفر الذي تباح فيه الرخص، واستدلوا على ذلك بحديثين:
الأول: قول النَّبِيّ ح: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) (3).
__________
(1) انظُر: فتح الباري، (2/ 659)، سبل السلام، (2/ 39)، شرح السنة، (4/ 171)، ونيل الأوطار، (4/ 77).
(2) المصنف لعبد الرزاق: (2/ 526)، المجموع: (4/ 212). وكذلك اعتبر الأوزاعي حد الزمن فحده بمسيرة يوم، واستدل بحديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم). أخرجهُ البخاري: (2/ 659)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (في كم يقصر المسافر الصلاة)، رقم (1088).
(3) أخرجهُ البخاري: (2/ 659)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (في كم يقصر الصلاة)، رقم (1086)، ومسلم: (2/ 975)، كتاب (الحج)، باب (سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره)، رقم (1338)، عن ابن عمر (رضي الله عنهما). (1/189)
صفحة 190
الثاني: أن النَّبِيّ ح أباح المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة (1).
ووجه الدلالة من الحديثين: أن رسول الله ح حدد المسح على الخفين للمسافر بثلاثة أيام، ونهى المرأة عن السفر بغير محرم مسيرة ثلاثة أيام فالتنصيص على ثلاثة أيام هو الحد للسفر الذي تباح فيه الرخص، والرخص شرعت لرفع المشقة، ولا تتحقق المشقة إلا بالسفر الطويل الذي لا يقل عن ثلاثة أيام (2).
__________
(1) أخرجهُ مسلم: (1/ 232)، كتاب (الطهارة)، باب (التوقيت في المسح على الخفين)، رقم (276)، عن الإمام علي، وأبو داود: (1/ 109)، كتاب (الطهارة)، باب (التوقيت في المسح على الخفين)، رقم: (157)، والترمذي: (1/ 158)، أبواب (الطهارة)، أبواب (المسح على الخفين)، رقم (95)، عن خزيمة بن ثابت.
(2) المبسوط: (1/ 235)، بدائع الصنائع: (1/ 288)، الهداية: (1/ 86). (1/190)
صفحة 191
وأجيب بأن الحديثين ليسا في محل النزاع، وأنه ليس فيهما تحديد السفر بمسيرة ثلاثة أيام بل الحديثان كانا لبيان حكم معين بوصف معين، ففي الحديث الأول نهى المرأة عن السفر من غير محرم، ولم يكن ثلاثة أيام أدنى حد النهي، بل الحديث جاء بألفاظ متعددة، ففي حديث أبي سعيد الخدري: (لا تسافر المرأة يومين) (1). وفي رواية لأبي هريرة: ? (مسيرة يوم وليلة) (2) وفي لفظ (مسيرة بريد) (3) ويؤيد ذلك حديث ابن عباس ?عن النَّبِيّ ح قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) (4). والحديث الثاني جاء لبيان أثر المدة التي يجوز للمسافر فيها أن يمسح على الخفين (5).
ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة (6): أن حد السفر الذي يقصر فيه هو أربعة برد، أو ستة فرسخاً، أو ثمانية وأربعون ميلاً، واستدلوا ببعض الأدلة منها:
__________
(1) أخرجهُ مسلم: (2/ 975)، كتاب (الحج)، باب (سفر المرأة مع محرم إلى حج ... )، رقم (827.)
(2) أخرجهُ البخاري، ومسلم، وسبق تخريجه.
(3) عند أبي داود: (4/ 347)، كتاب (الحج)، باب (في المرأة تحج بغير محرم)، رقم (1725).
(4) أخرجهُ مسلم: (2/ 978)، كتاب (الحج)، باب (سفر المرأة): (1341).
(5) المجموع: (4/ 214)، فتح الباري: (2/ 660)، نيل الأوطار: (4/ 84).
(6) موطأ مالك: (1/ 147)، المدونة الكبرى: (1/ 207)، المقدمات، ص (95)، حاشية الدسوقي: (1/ 358)، المغني مع الشرح الكبير: (2/ 90)، الكافي: (1/ 306)، الإنصاف: (2/ 318)، الأم: (1/ 182)، المجموع: (4/ 210)، مغني المحتاج: (1/ 266). (1/191)
صفحة 192
حديث ابن عباس عن رسول الله ح أنه قال: (يا أهل مكة: لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان) (1). وأن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما- كانا يقصران ويفطران في أربعة برد (2). وأن عطاء قال: سألت ابن عباس، أأقصر الصلاة إلى عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف. ووجه الاستدلال أن ابن عباس وابن عمر قصرا في أربعة برد، ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً، وأيضاً فمثل هذا لا يكون مما يفعل بالرأي والاجتهاد إنما هو بالتوقف والاتباع.
ورد هذا الاستدلال: بأن الحديث المرفوع إلى رسول الله ح ضعيف لا يقوم الاحتجاج به، وأما فعل ابن عمر وابن عباس فهو من فعلهما واجتهادهما، وهو غير ملزم، ولا حجة فيه، وقولهم: لم يعرف لهما مخالف فهو غير مسلم فقد خالفهما كثير من الصحابة، بل إن ابن عمر نفسه قد روي عنه روايات مختلفة في ذلك، قال نافع: إن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه قال له بخيبر، وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلاً، وروى محارب عن ابن عمر قوله: (إني لأسافر ساعة من النهار فأقصر)، وروي عنه جبلة بن سحيم: (لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة) (3) وهذه أقوال مختلفة عن ابن عمر مما يدل على أنه لم يلتزم بقول واحد، وبهذا يرد قول من ادعى الإجماع على ذلك بقول ابن عمر وابن عباس (4).
ومذهب الإباضية:
__________
(1) الحديث ضعيف، سبق تخريجه.
(2) موطأ مالك: (1/ 147)، البخاري: (2/ 659)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (في كم يقصر الصلاة)، مصنف عبد الرزاق: (5/ 524)، البيهقي في السنن الكبرى: (12)، مغني المحتاج: (1/ 266).
(3) مصنف عبد الرزاق: (2/ 526)، فتح الباري: (2/ 660).
(4) بدائع الصنائع: (1/ 289)، نثار الجوهر: (2/ 302). (1/192)
صفحة 193
أن حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة فرسخان، أو ستة أميال (1)، واستدلوا بحديث أنس وحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أن رسول الله ح قصر في ذي الحليفة وهي تبعد عن المدينة بمسافة فرسخين، ولم يقصر دونها.
وسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى أمرين:
الأول: أن الله وضع الرخصة للقصر في قوله: فأطلق اللفظ (إذا ضربتم في الأرض) ولم يحده بحد، وكذا السنة لم تحدها؛ فاختلفت الاجتهادات في تحديد ماهية "السفر".
الثاني: تعارض المعقول مع النص، فالمعقول أن الرخصة وضعت لأجل دفع المشقة، والمشقة لا تتحقق إلا بالسفر الطويل، وقد عارضه النص، فرسول الله ح قال: ÷إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة×.
فكل ما يطلق عليه أنه مسافر جاز له أخذ الرخصة دون مراعاة المعنى المعقول (2).
***
متى يُتِم المسافر؟
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 575)، جامع البسيوي: (2/ 142)، قواعد الإسلام: (1/ 257) الإيضاح: (2/ 238)، نثار الجوهر: (2/ 299، 304).
(2) بداية المجتهد: (1/ 201)، نثار الجوهر: (2/ 299)، رسائل وفتاوى لابن تيمية: (2/ 11). (1/193)
صفحة 194
1. عن ابن عباس ?قال: أقام النَّبِيّ ح تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (1). وفي رواية له: سبعة عشر يوماً (2). وفي أخرى: خمسة عشر يوماً (3).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 653)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر)، رقم (1080).
(2) أخرجهُا أبو داود: (2/ 25)، كتاب (الصلاة)، باب (متى يتم المسافر)، رقم (1230)، والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في المجموع: (4/ 240)، وانظُر نصب الراية: (2/ 184).
(3) أخرجهُا أبو داود: (2/ 25)، من الكتاب والباب المذكورين، رقم (1231)، والنسائي (3/ 121)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (المقام الذي يقصر بمثله الصلاة)، رقم (1453)، وابن ماجه: (1/ 342)، كتاب (الإقامة)، باب (كم يقصر المسافر إذا أقام ببلدة)، رقم (1076). قال أبو داود: الحديث يُروي مسنداً ومرسلاً، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد تكلم فيه البعض، وبه ضعفه النووي، وتعقبه ابن حجر، وقال: ليس بجيد، انظُر: المجموع: (4/ 240)، وفتح الباري: (2/ 654)، قلت: وإن تكلم في محمد بن إسحاق، فالحديث لا ينزل عن رتبة الحسن، وحديث ابن عباس هذا في فتح مكة، وفي رواية لعمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام ثمانية عشر يوماً، عند أبي داود: (2/ 25)، من الكتاب والباب المذكورين، رقم (1229)، والترمذي: (2/ 430)، كتاب (السفر)، باب (ما جاء في التقصير)، رقم (545)، وقال: حديث حسن صحيح، ويمكن الجمع بين روايات ابن عباس المختلفة، ورواية عمران، فإن رواية: "تسعة عشر يوماً" عدت يومي الخروج والدخول، ورواية: سبعة عشر يوماً، حذفت يومي الدخول والخروج، ورواية" "سبعة" حذفت أحد يومي الخروج أو الدخول. المجموع: (4/ 240)، معرفة السنن والآثار: (4/ 273)، فتح الباري: (2/ 654). (1/194)
صفحة 195
2. عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنساً ?يقول: خرجنا مع النَّبِيّ ح من المدينة ومكة، وكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً (1).
3. عن جابر بن عبد الله ?قال: أقام رسول الله ح بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (2).
الأثر الفقهي:
هذه روايات مختلفة في المدة التي قصر فيها الرسول ح الصلاة بحسب مُكثه في تلك الأسفار، فمنها عشرة أيام، وخمسة عشر يوماً، وسبعة عشر يوماً، وثمانية عشر يوماً وتسعة عشر يوماً، وعشرون يوماً، وأربعون يوماً (3). فهي مدد مختلفة، فكم تكون المدة التي يقصر فيها المسافر، ومتى يتم صلاته؟.
ليس في المسألة نص شرعي صريح يحدد ذلك لذا اختلفت اتجاهات العلماء فيها، بناء على الروايات السابقة:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 653)، كتاب (تقصير الصلاة)، باب (ما جاء في التقصير)، رقم (1081)، ومسلم: (1/ 481)، كتاب (المسافرين)، باب (صلاة المسافرين وقصرها)، رقم (693).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 27)، كتاب (الصلاة)، باب (إذا أقام بأرض العدو يقصر)، رقم (1235). والحديث له إسنادان: مرسل ومسند، ورجالهما ثقات، وله حكم الرفع، قال النووي: إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد – وكلاهما صحيح – حكم بالمسند المجموع: (4/ 240). وصححه الزيلعي في نصب الراية: (2/ 186).
(3) في حديث ابن عباس أنه أقام أربعين يوماً بخيبر يقصر الصلاة، أخرجهُ عبد الرزاق في مصنفه: (2/ 533)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (4/ 274)، وفي إسناده الحسن بن عمارة، وهو ضعيف لا يحتج به. المجروحين: (1/ 229)، الضعفاء، ص (87)، تهذيب التهذيب: (2/ 304). (1/195)
صفحة 196
قالت الحنفية: إن نوى الإقامة ببلد خمسة عشر يوماً فأكثر أتم الصلاة (1) واستدلوا بحديث ابن عباس أن النَّبِيّ ح أقام بمكة عام الفتح خمسة عشر يوماً (2) واستدلوا بالآثار عن ابن عمر وابن عباس (رضي الله عنهما): إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً أتم الصلاة (3)، ووجه الدلالة أن هذين صحابيين لم يفتيا بذلك، إلا بعلم قد اطلعا عليه من رسول الله ح.
وإن نزل المسافر ببلد لقضاء حاجة، ولا يعلم متى قضاؤها ولم ينو الإقامة، فإنه يقصر حتى يرجع إلى وطنه، واستدلوا بإقامة رسول الله ح بمكة عام الفتح وإقامته بتبوك. واعترض بأنه لا وجه للاستدلال فإن إقامة رسول الله ح بمكة مختلف فيها، فأقل الروايات خمسة عشر يوماً وأكثرها تسعة عشر يوماً، وأما استدلالهم بفتوى ابن عمر وابن عباس، فهو اجتهاد منهما كما اجتهد غيرهما في المسألة وخالفهما، ثم ليس في فتواهما أنهما سمعا ذلك من رسول الله ح (4).
وقالت المالكية والشافعية: إذا نوى الإقامة ببلد أربعة أيام أتم الصلاة، واستدلوا بأمرين:
الأول: أن النَّبِيّ ح منع المهاجرين بعد قضاء النسك من الإقامة بمكة أكثر من ثلاثة أيام (5).
__________
(1) بدائع الصنائع: (1/ 297)، الهداية: (1/ 78)، المبسوط: (1/ 236)، شرح فتح القدير: (2/ 43)، رد المختار: (2/ 131).
(2) تقدم تخريج الحديث في أول المسألة.
(3) نصب الراية: (2/ 183)، وقد أخرج عبد الرزاق، أن ابن عمر كان إذا قدم مكة فأراد أن يقيم خمسة عشر يوماً أتم الصلاة، المصنف: (2/ 534)، وفي رواية عن ابن عمر كان يقول: إذا أجمعت أن تقيم اثنتي عشرة ليلة فأتم الصلاة. مصنف عبد الرزاق: (2/ 534).
(4) انظُر: المغني: (2/ 213) بداية المجتهد: (1/ 203).
(5) الحديث أخرجهُ البخاري: (7/ 266)، في (مناقب الأنصار)، باب (إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكة)، رقم (3933)، ومسلم: (2/ 985)، كتاب (الحج)، باب (جواز الإقامة بمكة للمهاجر)، رقم (1352). (1/196)
صفحة 197
والثاني: أن عمر بن الخطاب ? أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثة أيام (1).
ووجه الدلالة أن الثلاثة أيام هي المدة التي يبقى المسافر فيها في حكم السفر ومن زادت إقامته على ذلك، لا يعتبر مسافراً (2).
واعترض بأن الحديث والأثر عن عمر ليسا في محل النزاع، وليس فيهما أن مدة الثلاثة فرقة بين المسافر والمقيم، في بيان مدة إقامة المهاجر بعد النسك، لما علم أن حوائجهم يمكن قضاؤها في هذه المدة، لا لتقدير مدة الإقامة.
وإن دخل المسافر بلداً لحاجة، ثم رحل بعد إنجازها ولم ينو الإقامة، فإنه يقصر الصلاة سبعة عشر يوماً، وإذا جاوز ذلك أتم، وهو المشهور عند الشافعية، وذلك لأن رسول الله ح قصر بمكة أيان الفتح سبعة عشر يوماً وقيل: إنه يقصر حتى يرحل (3).
والمسألة عند الحنابلة:
إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أي إحدى وعشرين صلاة أتم، واستدلوا بأن رسول الله ح دخل مكة في حجة الوداع وصلى بها إحدى وعشرين صلاة، أي أكثر من أربعة أيام، إذ دخلها رابع من ذي الحجة، فأقام بها اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح وكان يقصر، ثم خرج إلى منى، فمن إقامته قصر (4).
واعترض بأنه معارض لما رواه أنس، خرجنا مع رسول الله ح من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا، قال: أقام بها عشرا، والحديث صريح أن النَّبِيّ ح قصر طول مدة مكثه بمكة.
__________
(1) الاستذكار لابن عبد البر: (6/ 153)، وانظُر الموطأ، ص (149)، المنتقى للباجي: (1/ 266)، المدونة الكبرى: (1/ 209)، حاشية الدسوقي: (1/ 364)، المجموع: (4/ 238)، مغني المحتاج: (1/ 264).
(2) انظُر: أجوبة وفتاوى ابن تيمية: (2/ 102)، المبسوط: (1/ 36).
(3) المجموع: (2/ 239)، مغني المحتاج: (1/ 365).
(4) المغني مع الشرح الكبير: (2/ 223)، الكافي: (1/ 310)، الإنصاف: (2/ 329). (1/197)
صفحة 198
ومن أقام لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة، ولا يعلم متى يفرغ منها يجوز له القصر، وإن ظن أن الفراغ منها لا يكون إلا بعد مدة القصر فإنه يتم ولا يجوز له القصر (1).
والمسألة عند الإباضية (2):
إن المسافر يقصر الصلاة ما دام خارج وطنه، حتى يعود إليه، أو ينوي الإقامة، ولم يحددوا للإقامة حداً معيناً، وإنما أرجعوا ذلك إلى نية المسافر، وقالوا إنه لم يرد نص شرعي صرح بتحديد الإقامة، فرسول الله ح كان يقصر الصلاة ما دام خارج المدينة، مع اختلاف الإقامة والمكث خارجها، فقد ظل بمكة حاجاً عشرة أيام وهو يقصر، ومكث بها فاتحاً تسعة عشر يوماً وهو بقصر وأقام بتبوك عشرين يوماً وهو يقصر، وفي رواية أقام بخيبر أربعين يوماً وهو يقصر الصلاة، فكيف لو أقام أكثر، أيقصر أم يتم؟ فالتحديد غير وارد، فتبقى رخصة السفر ما بقي اسم السفر على المسافر المقيم المتردد.
__________
(1) الإنصاف: (1/ 330).
(2) جامع البسيوي: (2/ 142)، الإيضاح: (2/ 247)، نثار الجوهر: (2/ 313)، شرح النيل: (2/ 374)، وقال القطب قولاً: في جواز التقييد بمدة ولا يقل عن أربعة أيام، كما قيد بقية أهل المذاهب الأربعة. شرح النيل: (2/ 375). (1/198)
صفحة 199
واستدلوا بقصر بعض الصحابة للصلاة لمدد طويلة فروي عن ابن عمر? أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة. وأقام أنس وسعد - رضي الله عنهم - بالشام شهرين يقصران الصلاة. وأقام عبد الرحمن بن سمرة ? سنتين ببلاد فارس يقصر الصلاة. واستدلوا بما فعل بعض التابعين من تقصير الصلاة لمدد طويلة فقد أقام علقمة بخوارزم سنتين يصلي ركعتين، وأقام مسروق بالسلسلة وهو عامل عليها يصلي ركعتين، وكان يقول: ألتمس بذلك السنة، وكذلك روي عن بعض أصحاب ابن مسعود، أنهم أقاموا بسجستان يصلون ركعتين، وقالوا: كذا فعل ابن مسعود (1).
تعقيب:
إن إقامة النَّبِيّ ح خارج المدينة إنما كانت للجهاد والفتوح، فهو لا يعلم متى سيتم ذلك، وكذلك إقامة بعض الصحابة، وقصرهم فيها الصلاة لمدة طويلة، أنهم لم يكونوا قد عزموا على الإقامة، بل حبسهم قضاء حوائجهم، وهم لا يعلمون متى تنقضي تلك الحوائج.
وأصل الخلاف في المسألة راجع إلى عدة أمور:
أولاً: إن المسألة مسكوت عنها، ولم يرد فيها نص صريح، كما صرح بذلك ابن رشد (2)، فكان الاجتهاد في تحديد الإقامة بمدة معينة من أحوال النَّبِيّ ح، إلا أن أبا مسلم الرواحي الإباضي (3) لا يرى أنها من المسائل المسكوت عنها، لأن النَّبِيّ ح فعل القصر في مدد متفاوتة، وما فعله إلا بياناً للحكم، وإن لم يقل ذلك بلسانه، كما أن حكم الإتمام في الوطن والأمن، وعدم الضرورة مستمر لا يقطعه إلا السفر، كذلك حكم القصر مستمر لا يقطعه إلا توطن أو رجوع إلى الوطن، ولذلك لم تحدد الإباضية مدة معينة للمسافر والمقيم.
__________
(1) أخرج هذه الروايات عبد الرزاق في مصنفه: (2/ 535)، وأخرج بعضها الطحاوي في شرح معاني الآثار: (2/ 244)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (4/ 274).
(2) بداية المجتهد: (1/ 203).
(3) نثار الجوهر: (2/ 313). (1/199)
صفحة 200
ثانياً: اختلافهم فيمن نزل ببلد لحاجة يقضيها، ولم يعلم متى ينجزها، أو حبسه عائق وسفره معلق بقضاء حاجته، أو زوال العائق، فهل ينطبق عليه اسم المسافر فتباح له الرخص؟ أو لا ينطبق عليه ذلك، فلا تباح له الرخص؟ مع أن الأصل ألا يصدق اسم السافر إلا على من كان سائراً، أو على شاكلته، ولا يصدق على من كان مقيماً، وهذا الأصل يعارضه قول الرسول ح لأهل مكة وهو حاج: أتموا الصلاة فإنا قوم سفر. وقد ثبت أنه كان مقيماً في مكة لعدة أيام، ومع ذلك وصف نفسه وأصحابه بأنهم قوم سفر.
ثالثاً: اختلافهم أيهما الأصل، الإتمام أم القصر؟ فالذين حددوا الإقامة بمدة معينة رأوا أن الأصل الإتمام، والذين لم يحددوا الإقامة بمدة معينة رأوا أن القصر هو الأصل، وأنه لم يقم دليل صريح بتحديد الإقامة، فيبقى الأصل كما فعل الصحابة وقصروا لمدة طويلة، ولأنه لا يسمى مقيماً للمتردد بين الإقامة والرحيل في كل يوم.
رابعاً: هل العبرة في القصر للمشقة، أم للسفر ذاته؟ فالذين اعتبروها للمشقة، فهي ترتفع لمجرد الإقامة، لزوال مشقة السفر، والذين اعتبروا الرخصة لأجل ذات السفر، فإنها تبقى مع كل من يصدق عليه اسم المسافر حقيقة أو مجازاً.
} - - {
المبحث الثالث
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في باب الزكاة
الزكاة في أموال اليتامى: (1/200)
صفحة 201
1. قال رسول الله ح: ÷ابتغوا في مال اليتيم، لا تذهبه الزكاة× (1).
2. وعن عبد الله بن عمر ? أن النَّبِيّ ح خطب الناس: ÷ألا من ولي يتيماً له مال، فلْيَتَّجِرْ فيه، ولا يتْرُكْه حتّى تأكله الصدقة× (2).
__________
(1) الحديث أخرجهُ الإمام الشافعي في الأم: (2/ 28) كتاب الزكاة، باب (الزكاة في أموال اليتامى)، وفي مسنده: (2/ 224)، كتاب (الزكاة)، رقم (615)، والبيهقي في السنن الكبرى: (4/ 107)، كتاب (الزكاة)، باب (من تجب عليه الصدقة)، أخرجهُ من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً. وروى موقوفاً عن عمر بن الخطاب بلفظ: "ابتغوا بأموال اليتامى، لا تأكلها الصدقة" أخرجهُ الدارقطني: (2/ 110)، كتاب (الزكاة)، باب (وجوب الزكاة في مال الصبي واليتيم)، والبيهقي في السنن الكبرى: (4/ 107)، كتاب (الزكاة)، باب (من تجب عليه الصدقة).
(2) وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنهم - وأخرجهُ الطبراني في المعجم الأوسط؛ كما عزاه الزيلعي في نصب الراية: (2/ 332)، والهيثمي في مجمع الزوائد: (3/ 70)، وصحح إسناده. (1/201)
صفحة 202
3. عن النَّبِيّ ح قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل× (1).
الأثر الفقهي:
في الأحاديث المذكورة دلالة على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون المسلم إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول؛ لأن الزكاة عبادة مالية تجب على عموم الأغنياء المسلمين، لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ں ں ?ژ [التوبة103]، ولحديث معاذ ? لما بعثه رسول الله ح إلى اليمن ... وفيه ÷وأعلِمْهُم أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم×.
__________
(1) الحديث من رواية الإمام علي - رضي الله عنهم - أخرجهُ أبو داود: (4/ 558)، كتاب (الحدود،) باب (في المجنون يسرق أو يصيب حداً)، رقم (4399 – 4403)، بطرق مختلفة، وفي بعضها انقطاع وألفاظ مختلفة، والترمذي: (4/ 24)، كتاب (الحدود)، باب (طلاق المعتوه والصغير والنائم)، رقم (2042)، والحديث روي من طرق مختلفة في بعضها انقطاع، والمتصلة منها صحيحة، كما صرح الحاكم، ووافقه الذهبي في المستدرك وتلخيصه: (1/ 358): (20/ 59)، ومن رواية أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهم - أخرجهُ أبو داود من الكتاب والباب، رقم (4398)، والنسائي: (2/ 156)، كتاب (الطلاق)، باب (من لا يقع طلاقه من الأزواج)، وابن ماجه: (1/ 658) كتاب (الطلاق)، باب (طلاق المعتوه والصغير والنائم)، رقم (2041) بلفظ: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي. (1/202)
صفحة 203
فالضمير في أموالهم، وتطهرهم، وتزكيهم، في القرآن، "وأغنيائهم" "وفقرائهم" (1) في الحديث راجع إلى عموم المسلمين دون تخصيص فئة، وكلهم محتاجون إلى الطهر والتزكية، وبهذا .... قالت الإباضية (2)، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (3)، وبه قال عمر بن الخطاب وعلي وعائشة.
وقالت الحنفية (4): إن الزكاة لا تجب على الصبي والمجنون، لأنها عبادة، والعبادة لا تلزمهما، ولا يشملهما خطاب التكليف في قوله تعالى: ژ? ? ? ںژ [البقرة: 43].
ومن شروط العبادات: البلوغ والعقل، فالصلاة والصوم والحج، لا تلتزم الصبي والمجنون، وكذلك الزكاة؛ لأنها من جملة العبادات، ومن شروطها النية ولا تتأتى النية من الصبي والمجنون.
واستدلوا بقوله ح: ÷رفع القلم عن ثلاثة ×.
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري: (3/ 307)، كتاب (الزكاة)، باب (وجوب الزكاة)، رقم (1395) وفي رواية عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذاً - رضي الله عنهم - إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم". أخرجهُ مسلم: (1/ 50)، كتاب (الإيمان)، باب (الدعاء إلى الشهادتين) رقم: (19).
(2) جامع ابن بركة: (1/ 601)، جامع البسيوي: (2/ 195)، قواعد الإسلام: (2/ 54)، شرح النيل: (3/ 8)، معارج الآمال: (14/ 75).
(3) المدونة الكبرى: (1/ 308)، المنتقى: (2/ 110)، الأم: (2/ 27)، المجموع: (5/ 300)، المغني: (2/ 622)، المبدع: (2/ 403).
(4) المبسوط: (2/ 162)، الهداية: (1/ 103)، شرح فتح القدير: (2/ 156)، رؤوس المسائل، ص (108). (1/203)
صفحة 204
وبقول ابن عباس: لا يجب على مال الصغير زكاة حتى تجب عليه الصلاة (1).
وأجابوا عن الأحاديث التي تفيد وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون بأنها ضعيفة.
وتُعُقِّبَ ذلك بأنها ليست كذلك على الإطلاق؛ إذ إن بعضها صحيح صالح للاحتجاج به، والضعيف منها يشد بعضه بعضا.
ثم إن هذه الأحاديث يؤيدها عموم وجوب الزكاة على أغنياء المسلمين (2).
والذي أراه من خلال الأدلة رجحان وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لعموم الخطاب الموجه إلى كافة أغنياء المسلمين، وللأحاديث المتضافرة في المسألة. ثم إن الزكاة عبادة مالية لا يسقطها عدم البلوغ أو الجنون، كما أن الذمة المالية لا تسقط عنهما؛ فولي الأمر يجب عليه إخراج البدل والعوض، واستيفاؤه من مال المسلمين، فالله سبحانه وتعالى فرض الزكاة في وصف المال لا في وصف صاحب المال؛ لأن المقصد من الزكاة – كما هو معلوم – هو حصول التكافل بين المسلمين، فمن بلغ ماله حد النصاب، فينبغي أن يرد على الفقراء شيئاً مما زاد عن حاجته، ولعل توضيح ذلك المقصد من الأمور التي يستأنس بها بالإضافة إلى الأدلة السابق ذكرها، والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الاختلاف ناتج من مفهوم الزكاة، هل هي عبادة كالصلاة والصيام، أم إنها حق واجب للفقراء على الأغنياء؟ فالذين قالوا: إنها حق للفقراء؛ قالوا بوجوبها، ولم يعتبروا في ذلك البلوغ والعقل، وأما الذين اعتبروا أنها عبادة كسائر العبادات؛ اشترطوا البلوغ والعقل، فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي لنقصان الأهلية فيها (3)، والله أعلم.
زكاة الحلي
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني، كتاب (الزكاة)، باب (استقراض الوصي من مال اليتيم)، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(2) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، ص (110)، بداية المجتهد: (1/ 89).
(3) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، ص (110)، بداية المجتهد: (1/ 289). (1/204)
صفحة 205
1. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ? أن امرأة أتت رسولَ الله ح ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مَسكتان (1) غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيَسُرُّك أن يُسَوِّرَكِ الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النَّبِيّ ح وقالت: هما لله ? ولرسوله (2).
__________
(1) مسكتان: مفرده مسكه بالتحريك: وهي الدبل والإسورة والخلخال، وقد يكون من عاج وغيره. أساس البلاغة، والقاموس المحيط، مادة (م س ك).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 212)، كتاب (الزكاة)، باب (الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي)، رقم (1563)، والنسائي: (5/ 38)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة الحلي)، رقم (2475)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: إسناده لا مقال فيه، ونقل الزيلعي عن ابن القطان تصحيح الحديث. الترغيب والترهيب: (1/ 272)، نصب الراية: (2/ 370).
قلت: هذا الإسناد مداره على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأكثر المحدثين يحتجون بهذا الإسناد. انظُر: تدريب الراوي: (2/ 257)، والحديث أخرجهُ الترمذي: (3/ 29)، كتاب (الزكاة)، باب (ما جاء في زكاة الحلي)، رقم (637)، بلفظ أن امرأتين أتيتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي أيديهما سوارين من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاته؟. قالتا: لا، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتحبان أن يسوركما الله سوارين من النار، قالتا: لا، قال: فأديا زكاته. وضعف إسناد الحديث، لأنه من رواية المثنى بن الصباح وابن لهيعة، قلت: وقد تابعهما الحجاج ابن أرطاة في مسند الإمام أحمد بن حنبل: (2/ 178، 204)، وعند ابن أبي شيبة: (2/ 382)، كتاب (الزكاة)، باب (من قال: في الحلي زكاة)، رقم (10159)، وحجاج بن أرطاة ممن يحتج به إذا توبع، فقد أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن انظُر: تقريب التهذيب: (1/ 152) وتابعهم حنين بن ذكوان عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، بلفظ: جاءت امرأة وابنتها من أهل اليمن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يدها مسكتان ... أخرجهُ الدارقطني، كتاب (الزكاة)، باب (استقراض الوصي من مال اليتيم). وللحديث شاهد، أخرجهُ أبو داود، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى في بيتي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهم أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله. قال: هو حسبك من النار. أبو داود: (2/ 2130)، كتاب (الزكاة)، باب (الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي)، رقم (1565)، وسكت عنه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، المستدرك وتلخيصه: (1/ 389)، وفتخات مفرده فتخة، وهو الخاتم الكبير في اليد والرجل، وحلقه من فضة بلا فص. أساس البلاغة، والقاموس المحيط: مادة (ف ت خ). وأخرج أبو داود عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله: أكنز هو؟ قال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز. أبو داود الكتاب والباب المذكورين. وأوضاح: مفرده وضح وهي حلي من الفضة. ا مختار الصحاح، والقاموس المحيط مادة (و ض ح) إلا أن في الحديث أن الأوضاح كانت من ذهب. (1/205)
صفحة 206
2. وعن جابر - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح أنه قال: ÷ليس في الحليّ زكاة× (1).
الأثر الفقهي:
لا خلاف بين أهل العلم على وجوب الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغا النصاب، للنصوص الواردة في الكتاب والسنة، لكنهم اختلفوا في زكاة الحليّ، فمنهم من أوجب فيها الزكاة، ومنهم من لم يوجبها. وذلك لاختلاف الأخبار والآثار عن الصحابة.
قول الإباضية:
يرى الإباضية (2)، أن الحليّ من الذهب والفضة إذا بلغا النصاب (3) وجب فيهما الزكاة؛ وذلك لعموم الأمر بذلك؛ وللأحاديث الواردة في المسألة والتي تفيد وجوب إخراج الزكاة فيهما؛ ولما روي عن عمر بن الخطاب وعلي, وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم من الصحابة، وبه قال بعض التابعين كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والثوري، وغيرهم، وهذا مذهب الحنفية أيضاً (4).
__________
(1) أخرجهُ الدارقطني: (2/ 107)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة الحلي)، والبيهقي في المعرفة، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة الحلي)، والحديث ضعفه الدارقطني بل بالغ البيهقي في إنكاره وقال: لا أصل له، والحديث يروى مرفوعاً وموقوفاً على جابر. المجموع: (5/ 491)، التحقيق: (2/ 42) نصب الراية: (2/ 374)، تلخيص الحبير: (2/ 187).
(2) جامع ابن جعفر: (3/ 103)، جامع البسيوي: (2/ 179)، قواعد الإسلام: (2/ 33)، الإيضاح: (3/ 11)، شرح النيل: (3/ 79)، معارج الآمال: (15/ 39).
(3) نصاب الذهب: عشرون مثقالاً؛ وهو ما يساوي (85) خمسة وثمانين غراماً بالموازين المعاصرة ونصاب الفضة: مائتا درهم، والدرهم = 2.97 جراماً، أي يساوي = 594 جراماً. انظُر: مصنف عبد الرزاق: (4/ 18)، مصنف ابن أبي شيبة: (3/ 382).
(4) بدائع الصنائع: (2/ 841)، شرح فتح القدير: (2/ 215). (1/206)
صفحة 207
وقالت المالكية والشافعية والحنابلة (1):
إن الحليّ المعد للاستعمال لا زكاة فيه؛ لحديث جابر المذكور، ولما روي عن بعض الصحابة، أنهم كانوا لا يرون الزكاة في الحلي، روي ذلك عن عائشة وجابر وابن عمر وأنس وأسماء (2)، وقالوا: إن الحليّ المستعمل، كعوامل البقر أو الثياب المبتذل إنما زكاته إعارته؛ لأن الحليّ متعلق بحاجة المالك، وفي إيجاب الزكاة فيهما إبطال معنى المواساة (3).
وأجابوا عن الأحاديث المفيدة لوجوب الزكاة بأنها ضعيفة (4).
وبالنظر إلى أدلة الطرفين؛ أرجح القول بوجوب الزكاة في الحليّ إذا بلغ النصاب؛ لعموم الأمر بوجوب الزكاة في الذهب والفضة، وللأحاديث التي تنص على ذلك، وهي أقوى وأرجح من حديث جابر بن عبد الله: ÷ليس في الحليّ زكاة× فضلاً عن القول بضعفه، والله أعلم.
سبب الخلاف:
سبب الخلاف في المسألة هو: تعارض الأخبار والآثار عن الرسول ح والصحابة؛ فالذين لم يوجبوا الزكاة فيه، اعتبروه مالاً غير قابل للنماء، وإنما أعد للانتفاع به والاستعمال. والذين أوجبوا فيه زكاة، اعتبروا حليّ الذهب والفضة جنساً من الأثمان التي تجب فيها الزكاة بصرف النظر عن كونها حلياً أو غيره.
***
نصاب البقر
__________
(1) المدونة الكبرى: (1/ 305)، الاستذكار لابن عبد البر: (9/ 69)، المنتقى: (2/ 107)، حاشية الدسوقي: (1/ 460)، المجموع: (5/ 515)، مغني المحتاج: (1/ 350)، حلية العلماء: (3/ 82)، المغني: (3/ 11)، المبدع: (2/ 369)، الكافي: (1/ 405)، الإنصاف: (3/ 138).
(2) وكانت عائشة تلى بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة، وكان ابن عمر يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.
(3) موطأ مالك: (1/ 250)، كتاب (الزكاة)، باب (ما لا زكاة فيه من الحلي).
(4) قلت: الأحاديث وإن كان فيها ضعف إلا أنها يشد بعضها بعضاً. (1/207)
صفحة 208
1. عن معاذ بن جبل ? أن النَّبِيّ ح لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً (1)، ومن كل أربعين مُسِنّة (2) (3).
2. عن جابر بن عبد الله ?أنه قال: في خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي كل عشرين أربع شياه (4)
__________
(1) التبيع هو ولد البقر في أول سنة، والأنثى تبيعة، والجمع: تِباع بكسر أوله، وسمي تبيعاً لأنه يتبع أمه إلى تمام سنة. مختار الصحاح، مادة (ت ب ع)، معالم السنن: (2/ 228).
(2) المسنة: هي التي حال عليها حولان وطفقت في الثالث. شرح السنة: (6/ 12).
(3) الحديث أخرجهُ أصحاب السنن الأربعة؛ أبو داود: (2/ 234)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة السائمة)، رقم (1576، 1577)، الترمذي: (3/ 20)، كتاب (الزكاة)، باب (ما جاء في زكاة البقر)، رقم (623)، النسائي: (5/ 26)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة البقر)، رقم (450)، ابن ماجه: (1/ 576)، كتاب (الزكاة)، باب (صدقة البقر)، رقم (1803)، والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، المستدرك: (1/ 398).
وللحديث شاهد من حديث الإمام علي - رضي الله عنهم - أخرجهُ الترمذي: (3/ 20)، من كتاب (الزكاة)، باب (صدقة البقر)، رقم (622)، وابن ماجه: (1/ 577) كتاب (الزكاة)، باب (صدقة البقر)، رقم (804). والحديث أعله الترمذي بالإرسال، فقال: أبو عبيدة لم يسمع من عبد الله.
(4) أخرجهُ عبد الرزاق: (4/ 23)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة البقر)، وابن أبي شيبة، (2/ 363)، كتاب (زكاة البقر)، باب (صدقة البقر ما هي). المحلى: (6/ 2). (1/208)
صفحة 209
3. وعن عكرمة بن خالد قال: استعملت على صدَقَاتِ عَكَّ، فلقيت أشياخاً ممن صدق (1) على عهد رسول الله ح فاختلفوا عليّ، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل، ومنهم من قال: في ثلاثين تبيعٌ أو تبيعةٌ (2).
4. وعن الزهري: صدقة البقر إذا كانت خمساً وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين ففيها بقرتان، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بقرة. قال الزهري: إن قول النَّبِيّ ح: ÷في كل ثلاثين بقرة تبيع، وفي كل أربعين بقرة بقرة× إن ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن، ثم كان بعد ذلك (3).
5. وعن معمر قال: أعطاني سماك بن الفضل كتاباً من رسول الله ح إلى مالك بن كفلانس (4) والمقوقس، فإذا فيه: في البقر مثل ما في الإبل (5).
الأثر الفقهي:
في حديث معاذ وغيره: ÷أن بداية نصاب البقر هو ثلاثون بقرة؛ وفيها تبيعة، وفي الأربعين مُسِنّة، وليس فيما دون ذلك صدقة×.
وهو قول أئمة المذاهب الأربعة (6).
__________
(1) أي كان عاملاً على الصدقات في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) أخرجهُ ابن أبي شيبة: (2/ 363). المحلى: (6/ 3).
(3) مصنف عبد الرازق: (4/ 26)، كتاب (الزكاة)، باب (صدقة البقر)، كتاب المراسيل لأبي داود، ص (130)، كتاب (الزكاة)، رقم (110)، السنن الكبرى: (4/ 99)، كتاب (الزكاة)، باب (صدقة البقر). المحلى: (6/ 3)، الاعتبار: (337)، رسوخ الأخبار: (335).
(4) مالك بن كفلانس لم أعثر له على ترجمة.
(5) أخرجهُ أبو عبيدة، في كتاب الأموال، ص (388)، وابن حزم في المحلى: (6/ 4).
(6) المدونة الكبرى: (1/ 354)، حاشية الدسوقي: (1/ 435)، المبسوط: (2/ 187)، شرح فتح القدير: (2/ 178)، الهداية: (1/ 106)، المجموع: (5/ 383)، حلية الأولياء: (3/ 42)، المبدع: (2/ 318)، الكافي: (1/ 389)، المغني: (2/ 519)، بداية المجتهد: (1/ 307). (1/209)
صفحة 210
والمسألة عند الإباضية: أن نصاب البقر مثل نصاب الإبل تماماً، قال في قواعد الإسلام: "وأما زكاة البقر فهو عند أصحابنا كالإبل حذو النعل بالنعل" (1).
قلت: ولم أقف على دليل نقلي يعتمد عليه في الاستدلال لرأيهم هذا، وإنما اعتمدوا على القياس؛ إذ قاسوا البقر على الإبل في الهدي والأضحية من حيث جواز اشتراك سبعة أنفار في البدنة أو البقرة الواحدة.
وصرّح الجيطالي بذلك قال: "وأظن أنهم قاسوا ذلك على نصاب الإبل، أو صحّ عندهم فيه حديث لم أقف عليه أنا" (2).
وقولهم هذا يوافق ما روي عن عمر بن الخطاب، وهو قول جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وأبي قلابة، والزهري (3)، وكان الزهري يرى أن في ثلاثين بقرة تبيعاً، وفي أربعين بقرة يعد منسوخاً؛ لأن ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن (4).
ولعل قول الإباضية بهذا الرأي؛ هو من قبيل الأخذ بالأحوط مع أن حديث معاذ صريح في تحديد نصاب البقر، ويحتمل أن الحديث لم يصل إليهم، أو أنه وصل إليهم وتركوه لعلة؛ مع أني لم أقف على من أعله منهم إلا "السالمي" من متأخريهم، فقد أشار إلى ضعف بعض طرقه لما فيه من الانقطاع (5)، وقد ضعفه من قبل لهذه العلة عبد الحق الإشبيلي وقال: ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته، وبالغ في تقرير ذلك، ووافقه ابن حزم وابن بطال (6).
قلت: إن كان في بعضها مقال أو ضعف، فإن للحديث طرقاً متعددة، وقد احتج به أهل العلم، وأقل ما يقال فيه: إنه حديث حسن، كما نص عليه الترمذي.
__________
(1) قواعد الإسلام: (2/ 12)، جامع ابن جعفر: (3/ 149)، جامع البسيوي: (2/ 199)، الإيضاح: (3/ 102)، شرح النيل: (3/ 213)، معارج الآمال: (15/ 129).
(2) قواعد الإسلام: (2/ 12).
(3) المحلى: (2/ 3)، مصنف عبد الرزاق: (4/ 26)، المغني: (2/ 592).
(4) الاعتبار، ص (336)، رسوخ الأخبار، ص (335)، المحلى: (2/ 3).
(5) معارج الآمال: (15/ 133).
(6) المحلى: (6/ 8)، التلخيص الحبير: (2/ 160)، نصب الراية: (2/ 346). (1/210)
صفحة 211
والذي أراه بعد ذكر الأدلة، هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوة دليلهم، فدليلهم مرفوع؛ ودليل غيرهم موقوف، ثم إن الإثبات بالنص أولى من القياس. والله أعلم.
زكاة خليط الماشية
1. عن أنس - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له في الزكاة التي فرض رسول الله ح: ÷ولا يجمع بين متفرق (1)، ولا يفرق بين مجتمع (2)، خشية الصدقة (3)، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية× (4).
الأثر الفقهي:
__________
(1) قوله: لا يجمع بين متفرق؛ هو أن يكون للرجل أربعون شاة، ولآخر مثلها فإذا جاءهم المصدق جمعاها لتقل الصدقة.
(2) قوله: لا يفرق بين مجتمع؛ هو أن يكون للرجلين أو أكثر مائة شاة خليطة فإذا جاءهم المزكي؛ فرقوها لتقل، فإن كانت لثلاثة نفر وقسموها بالسوية فلا زكاة فيها.
(3) قوله: "خشية الصدقة"؛ أي خشية المصدق أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن تكثر عليه الصدقة، من الجمع والتفريق، ويكون ذلك في صور متعددة، ومنها: أن يكون لكل من الخليطين أربعون شاة، فإن فرقت كان عليهما اثنتان وإن جمعت فعليهما واحدة، فالجابي لا يفرقها لتكثر الصدق، وأرباب المال لا يجمعونها إن كانت متفرقة لتقل الصدقة عليهم؛ ولذلك صور متعددة، انظُر: الموطأ: (1/ 264)، الأم: (2/ 14)، الأموال لأبي عبيد، ص (401)، معالم السنن: (2/ 222)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي: (1/ 415)، المغني: (2/ 618)، معارج الآمال: (15/ 177).
(4) الحديث أخرجهُ البخاري في صحيحه: (3/ 368)، كتاب (الزكاة)، باب (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين متجمع)، رقم (1450)، وفي باب (ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)، رقم (1450). (1/211)
صفحة 212
مما لا خلاف فيه؛ أن على مالك نصاب الماشية؛ أن يؤدي زكاتها بقدر نصابها، وإنما الخلاف في تحديد النصاب، ومقدار إخراجها إذا كانت خليطة بين اثنين أو أكثر، ويجمعها مرعى ومربض ومحلب واحد، فهل للخلطة تأثير في تحديد النصاب ومقدار الإخراج، حيث توجبها مرة، وتقللها مرة، وتكثرها مرة أخرى؟
والمسألة عند الإباضية على قولين:
القول الأول: أنه ليس للخلطة تأثير في النصاب، ولا في مقدار الزكاة وهذا قول الإباضية المغاربة (1)؛ وفي ذلك موافقة للحنفية (2)، وحجتهم أن للزكاة نصاباً ومقداراً محدداً بنصوص ثابتة، وعلى مالك النصاب المحدد إخراج المقدار المعين من غير نقصان، ولا زيادة إلا تطوعاً، وجعل مال الخليطين كمال رجلٍ واحد، وإلزام الصدقة فيها يعتبر تعدياً على حدود النصاب وعلى المقدار الواجب إخراجه المنصوص عليه، وهو مخالف للقياس أيضاً، ولفظ "خليطين" في الحديث بمعنى الشريكين – الشركة المشاعة – لا يعني خلطة المجاورة (3).
__________
(1) قواعد الإسلام: (2/ 16)، الإيضاح: (3/ 380)، النيل وشرحه: (3/ 162).
(2) مختصر اختلاف العلماء: (1/ 414)، رؤوس المسائل، ص (206)، المبسوط: (2/ 153)، بدائع الصنائع: (2/ 868).
(3) قواعد الإسلام: (2/ 17)، الإيضاح: (3/ 82)، المبسوط: (2/ 153). (1/212)
صفحة 213
القول الثاني: أن للخلطة تأثيراً في حد النصاب، والمقدار المخرج للصدقة، وهو قول الإباضية المشارقة (1) وهو قول المالكية والشافعية، والحنابلة (2).
سبب الخلاف:
وسبب الاختلاف في المسألة: مفهوم لفظ الحديث وكونه مخصصاً لغيره أم لا. فالذين قالوا: للخلطة تأثير في النصاب، وفي مقدار الخارج أخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: إن مال الخليطين كمال رجل واحد ويتراجعان بالسوية، إذا أخذ الجابي من أحدهما، واعتبروا الحديث مخصصاً لغيره من أحاديث الفروض التي فيها النصاب والمقادير. والذين لم يروا للخلطة تأثيراً قالوا: إن لفظ "خليطين" بمعنى "شريكين"؛ الشركة المشاع بينهما، لا الخلطة المجاورة، والحديث غير مخصص لغيره من الأحاديث.
} - - {
المبحث الرابع
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في باب الصيام
هل يشترط تبييت النية للصوم؟
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 613)، جامع البسيوي: (2/ 194)، الضياء: (6/ 208)، المصنف: (6/ 30).
(2) الموطأ: (1/ 263)، المدونة الكبرى: (1/ 370)، الاستذكار: (9/ 172)، حاشية السنوسي: (1/ 439)، الأم: (2/ 13)، المجموع: (5/ 406)، الوجيز: (1/ 83)، المغني: (2/ 617)، الإنصاف: (3/ 67). وقيدت المالكية تأثر الخلطة ببلوغ النصاب لكل من الخليطين، فإن ملك أحدهم النصاب، ولم يملك الآخر، فالصدقة تجب على من ملك النصاب دون الآخر. انظُر: الموطأ: (1/ 263)، المدونة الكبرى: (7/ 373). (1/213)
صفحة 214
1. عن حفصة زوج النَّبِيّ ح قال: من لم يُجمع (1) الصيام قبل الفجر فلا صيام له (2).
2. عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ÷قال لي رسول الله ح ذات يوم: يا عائشة هل عندكم شيء؟ قالت: يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: فإني صائم. قالت: فخرج رسول الله ح فأهديت لنا هدية – أو جاءنا زور – قالت: فلما رجع رسول الله ح قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية – أو جاءنا زور – وقد خبأت لك شيئاً. قال: ما هو؟ قلت: حيس. قال: هاتيه. فجئت به فأكل، ثم قال: ÷قد كنت أصبحت صائماً× (3).
__________
(1) يقال: أجمعت الأمر إذا عزمت عليه، قال الخاطبي: الإجماع إحكام النية والعزيمة.
(2) الحديث أخرجهُ أبو داود في سننه: (2/ 823)، كتاب (الصوم)، باب (النية في الصوم)، رقم (2454)، والترمذي: (3/ 108)، كتاب (الصوم)، باب (ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل)، رقم (730)، والنسائي: (4/ 196)، كتاب (الصيام)، باب (ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة)، رقم (2331). وقد اختلف فر يفع الحديث ووقفه، فقيل: إنه موقوف على ابن عمر ولا يضر وقف من أوقفه؛ لأن الذين رفعوه ثقات، وزيادة الثقة مقبولة، وقد نص على صحة وقبول المرفوع الدارقطني، والبيهقي، والخطابي، وغيرهم من المحدثين، وصححه الحاكم. انظُر: سنن الدارقطني: (2/ 172)، السنن الكبرى: (4/ 202)، ومعرفة السنن والآثار: (6/ 229)، معالم السنن: (2/ 824)، المجموع: (6/ 301)، التلخيص الحبير: (2/ 200)، نصب الراية: (2/ 434).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 222)، كتاب (الصوم)، باب (جواز النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلاً من غير نذر)، رقم (1154). (1/214)
صفحة 215
3. عن سلمة بن الأكوع ? ÷أن النَّبِيّ ح بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء: إن من أكل فليُتِمّ – أو فَليَصُم – ومن لم يأكل فلا يأكل× (1).
الأثر الفقهي:
من المعلوم أن قبول الأعمال الصالحة موقوف على نية فاعلها؛ لقوله ح: ÷إنما الأعمال بالنيات×.
وقد اتفق الجمهور على وجوب النية للصوم فرضاً ونفلاً، وأنها شرط في صحته، ولكنهم اختلفوا في وقتها: أهي قبل الفجر أم بعد ذلك؟ وذلك لاختلاف الدلالة بين قوله ح: ÷لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل×. وبين عزمه ح على الصوم في النهار.
فقالت الحنفية: يصح عقد النية للصوم بعد طلوع الفجر إلى الزوال فرضاً أم تطوعاً إلا صوم القضاء (2). واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها حيث كان رسول الله ح أمر الصحابة أن يصوموا يوم عاشوراء، فمن أكل فليمسك، ومن لم يأكل فلا يأكل، فقد أجاز النَّبِيّ ح الصوم أثناء النهار، ودل كذلك على أن النية لا يشترط عقدها بالليل، سواء كان ذلك في صيام رمضان أو غيره، ثم إنه إذا بلغ الناس رؤية هلال رمضان في النهار وجب عليهم الإمساك فيما بقي من النهار.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 167)، كتاب (الصوم)، باب (إذا نوى بالنهار صوماً)، رقم (1924)، ومسلم، كتاب (الصوم)، باب (من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه)، رقم (135).
(2) قال السمرقندي في تحفة الفقهاء: (3/ 349): "وأما وقت النية؛ فالأفضل أن ينوي من الليل أو مقارناً لطلوع الفجر في الصيامات كلها، فأمل أن ينوي بعد طلوع الفجر: فإن كان ديناً فلا يجوز بالإجماع، وإن كان الصوم عيناً فيجوز عندنا سواء كان فرضاً أو نذراً أو تطوعاً". وانظُر شرح معاني الآثار: (2/ 54)، بدائع الصنائع: (2/ 85). وقد اعترض على تخصيصهم بتبييت النية لصوم القضاء والنذر. بأن هذا التخصيص يحتاج إلى دليل وإلى قرينة تصرف العموم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يجمع الصيام من الليل لا صيام له". المنخول، ص (184). (1/215)
صفحة 216
وأجابوا عن حديث حفصة رضي الله عنها بجوابين:
الأول: أنه موقوف، والمرفوع فيه ضعف (1)، واضطراب.
الثاني: لو سلم بصحته فيحمل قوله ح: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (2).
وقالت المالكية: إن نية الصوم وقتها قبل طلوع الفجر فلا يصح الصوم فرضاً أو تطوعاً بنية بعد طلوع الفجر؛ عملاً بظاهر حديث حفصة، ولم يفرقوا بين الفرض والنفل؛ لعموم صيغة الحديث فقوله ح: "لا صيام" نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم (3).
وقالت الشافعية والحنابلة: إنه يجب عقد النية للصوم المفروض قبل طلوع الفجر، ويجوز إنشاؤها في النهار قبل الزوال في صوم النفل، جمعاً بين الأحاديث الواردة في المسألة (4).
مذهب الإباضية:
أنه لا يصح صوم فرض أو تطوع إلا بنية قبل طلوع الفجر؛ عملاً بحديث حفصة رضي الله عنها.
يقول ابن بركة في هذه المسألة: "لا يجوز صوم فرض ولا نفل إلا بتبييت نية في الليل؛ لما روي عن رسول الله ح أنه قال: ÷لا صوم لمن لم يبيت الصوم من الليل×. وهذا عموم يشمل كل صوم" (5).
سبب الخلاف:
سبب الخلاف في هذه المسألة هو تعارض الأدلة، فإنشاء الرسول ح الصوم أثناء النهار واعتياد الصحابة على ذلك – كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع – معارض لقوله ح: ÷لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل×.
__________
(1) قد أشرت إلى ذلك عند تخريج الحديث، وقد صححه جماعة من النقاد.
(2) الإبانة: (3/ 605)، عمدة القاري: (10/ 306)، طريقة الاختلاف، ص (33).
(3) المدونة: (1/ 274)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 278)، بداية المجتهد: (1/ 342).
(4) حلية العلماء: (3/ 154)، المجموع: (6/ 345)، المغني مع الشرح الكبير: (3/ 22).
(5) جامع ابن بركة: (2/ 6)، جامع البسيوي: (2/ 225)، قواعد الإسلام: (2/ 18)، الإيضاح: (3/ 168)، معارج الآمال: (18/ 28). (1/216)
صفحة 217
فاختلفوا بين الجمع والترجيح بينها، فالذين قالوا بعدم صحة الصوم إلا بنية من قبل الفجر رجحوا حديث حفصة (1)، والذين قالوا بصحة النية بعد الفجر مطلقاً أو في النوافل دون الفرض سلكوا مسلك الجمع بين الأدلة وعملوا بكل منها في موضعه (2).
***
من أصبح جنباً وهو على نية الصوم:
1. عن أبي هريرة ? عن النَّبِيّ ح قال: ÷من أدركه الفجر جنباً فلا يصم× (3).
2. عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن رسول الله ح كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم (4).
الأثر الفقهي:
ورد خلاف في الصدر الأول في فساد صوم من أصبح جنباً، فذهب بعضهم إلى القول ببطلان وفساد صومه؛ عملاً بظاهر حديث أبي هريرة، وقد كان هو يفتي بذلك. وقيل: إنه رجع عنه.
__________
(1) لم أجد عند الإباضية والمالكية شيئاً مذكوراً لترجيح العمل بحديث حفصة - رضي الله عنهم - والذي يبدو لي – والله تعالى أعلم – أن حديث حفصة قول موجه إلى الأمة، وهو مقدم على فعله إذا تعارضا؛ لاحتمال خصوصية الفعل، وأن هذا الترجيح كان أخذاً بالأحوط، وذلك خشية بطلان الصوم بترك النية.
(2) بداية المجتهد: (1/ 343).
(3) أخرجهُ مسلم: (2/ 779) كتاب (الصوم)، باب (صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب)، رقم (1109)، وفي لفظ: "من أصبح وهو جنب فليفطر"، رواه الإمام أحمد في مسنده: (2/ 248)، وابن ماجه: (1/ 543)، كتاب (الصوم)، باب (ما جاء في الرجل يصبح جنباً وهو يريد الصيام)، رقم (1702).
(4) أخرجهُ البخاري في صحيحه: (4/ 169)، كتاب (الصوم)، باب (الصائم يصبح جنباً)، رقم (1925، 1926)، ومسلم: (2/ 779)، كتاب (الصوم)، باب (صحة الصوم لمن طلع عليه الفجر وهو جنب) رقم (1109)، ورقم (1110). (1/217)
صفحة 218
ويروي ذلك عن طاووس، وعروة بن الزبير، وسالم بن عمر، وعطاء، وكان الحسن وإبراهيم النخعي يفتيان بقضاء ذلك في الفريضة دون التطوع (1).
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن مرداس أنه جاء إلى مسجد الحي بعد ما صلوا الفجر، فقال لهم: - وذلك في رمضان -: إني أصبت من أهلي، ثم غلبتني عيني، فأصبحت ولم أغتسل فما ترون؟؛ فقال له القوم: ما نراك إلا أفطرت (2).
القول الأول: أخذ الإباضية بظاهر خبر أبي هريرة.
وهذه الآثار الواردة في المسألة؛ فقالوا بفساد صوم من ضيَّع الغسل وهو ذاكر متعمد حتى أصبح (3).
والقول الثاني: أنه لا يفسد صوم من أصبح جنباً، وهو قول الجمهور (4) اتفاقاً؛ عملاً بحديث عائشة وأم سلمة، وتركوا العمل بحديث أبي هريرة؛ لثلاثة أمور:
__________
(1) سنن الترمذي: (3/ 149)، مصنف ابن أبي شيبه: (2/ 330)، مصنف عبد الرزاق: (4/ 181)، معالم السنن: (2/ 781)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ص (334)، شرح معاني الآثار: (2/ 103).
(2) المعجم الكبير: (9/ 363) رقم (9566).
(3) المدونة الكبرى: (1/ 311) جامع ابن بركة: (2/ 25)، جامع البسيوي: (2/ 229)، جامع ابن جعفر: (3/ 173 – 188)، أجوبة ابن خلفون، ص (76)، قواعد الإسلام: (2/ 82)، الإيضاح: (2/ 206)، شرح النيل: (3/ 342 – 404)، معارج الآمال: (8/ 119)، نثار الجوهر: (3/ 169).
(4) المدونة الكبرى: (1275)، شرح معاني الآثار: (2/ 103)، اختلاف العلماء: (2/ 32)، الأم: (2/ 107)، المجموع: (6/ 326)، المغني مع الشرح الكبير: (3/ 75)، القوانين الفقهية، ص (81)، نيل الأوطار: (5/ 219). (1/218)
صفحة 219
الأول: أنهم رجحوا حديث عائشة وأم سلمة على حديث أبي هريرة لكونهما اثنين، ورواية الاثنين مقدمة على رواية الواحد، وكذلك أن أبا هريرة لم يسمع هذا الحديث من رسول الله ح، وإنما سمعه من الفضل، وأسامة، ثم إنه رجع عن فتواه، وأرجعَ العلمَ بذلك إلى زوجات رسول الله ح، كما جاء في رواية مسلم (1).
الثاني: أنه يحمل حديث أبي هريرة على أنه كان في أول الإسلام، ثم نُسِخَ مثلما كان الأمر في الصيام في الأكل والشرب والجماع بعد النوم، ثم نُسِخ ذلك، وأُبِيحَ حتى طلوع الفجر (2).
__________
(1) عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر قال: سمعت أبي هريرة - رضي الله عنهم - يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهم - فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فلكتاهما قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمن فقال مروان: عزمت عليكم إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة – وأبو بكر حاضر ذلك كله – قال: فذكر له عبدالرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. صحيح مسلم: (2/ 779)، كتاب الصوم، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، رقم (1109).
(2) معالم السنن: (2/ 782)، شرح معاني الآثار: (6/ 253)، الاعتبار، ص (346). (1/219)
صفحة 220
الثالث: أن الرفث إلى النساء مباح إلى طلوع الفجر، وذلك في قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ ... چ ?ژ [البقرة 187]، فإن غاية إباحة الجماع هو الفجر، فمن الضروري لمن يستمتع بالإباحة إلى الغاية المحددة أن يصبح جنباً من غير غسل، فيلزمه الاغتسال بعد طلوع الفجر، وعليه فإن الطهارة من الجنابة ليست شرطاً في صحة الصوم.
وأما تمسك الإباضية بظاهر حديث أبي هريرة؛ فراجع إلى أمرين، وهما: الجمع والترجيح.
أولاً: الجمع
فقد قالو: إن حديث أبي هريرة محكم غير منسوخ بحديث عائشة وأم سلمة؛ وذلك لجهالة المتأخر والمتقدم منهما، وحديث أبي هريرة قول ظاهر موجه إلى الأمة، وأما حديث عائشة وأم سلمة فهو من فعله ح؛ وكان خافياً عن الأمة، ولو كان ما في حديث أبي هريرة منسوخاً لبينه ح، ولما تركه خافياً عن الأمة وما تركهم من غير بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وبعد رد دعوى النسخ؛ جمعوا بين الحديثين – لدفع التعارض بينهما، ولجهالة التاريخ – فقالوا: إن القول متوجه إلى الأمة، ومن يفسد صوم من أصبح منهم جنباً، وأما الفعل فهو خاص به ح.
ثانياً: الترجيح
أولاً: قالوا: إن الدليلين إذا تعارضا، وكان أحدهما شاغلاً للذمة، لاحتمال أن يكون المعارض سابقاً قبل مشروعية الحكم، فلا يرتفع شغلها إلا إذا تيقن أنه طرأ عليه حكم ناسخ، ويستلزم من ذلك معرفة الزمن، وبين الحديثين جهالة في الزمن؛ ومن ثم يبقى الحديث الشاغل للذمة؛ وهو حديث أبي هريرة.
ثانياً: إن الصوم عبادة بدنية محضة، يشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر، بدليل عدم صحة صوم الحائض والنفساء، والجنابة كالحيض في كونها حدثاً، وبالقياس فلا صحة لصوم الجنب (1).
سبب الخلاف في المسألة:
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 324)، المفهم: (4/ 1854)، شرح مقدمة التوحيد، ص (93). (1/220)
صفحة 221
وسبب الخلاف هو تعارض قوله ح مع فعله؛ ومن ثم فقد اختلف أهل العلم في الجمع بين الحديثين، قالوا بنسخ فعله ح لقوله، وهو ما ذهب إليه الجمهور. والذين قالوا بفساد صومه، جمعوا بين الحديثين؛ وذلك لجهالة التاريخ؛ فحملوا القول على أنه متوجه إلى الأمة، وفعله المعارض خاص به ح، كما قرره بعض الأصوليين (1)، وبذلك ينتفي التعارض بين قوله ح وفعله.
الحجامة للصائم (2):
__________
(1) انظُر: بذل النظر في الأصول، ص (151)، الإحكام للآمدي: (1/ 278).
(2) الحجامة على نوعين: حجامات جافة؛ وحجامات رطبة. ففي الحجامة الجافة؛ يحرق الهواء بداخل الكأس فيتمدد بالحرارة، وعند وضعه على الجلد، يبرد الهواء فينكمش، ويقل حجمه، فيحدث فراغاً داخل الكأس يجذب الجلد إلى داخل الكأس وبه كمية من الدم. والحجامة الرطبة تختلف عن الحجامة الجافة بإحداث جروح سطحية بالمشرط طول كل منها حوالي 3سم، ثم يوضع الكأس بنفس الطريقة السابقة، فتمتص بعض الدم من مكان المرض، وتستعمل الطريقة الرطبة على ظهر القفص الصدري في بعض حالات هبوط القلب المصحوب بارتشاح في الرئتين وفي بعض أمراض القلب لتخفيف الاحتقان الدموي، وفي بعض آلام المفاصل الروماتيزمية؛ وقد تركت الحجامة نتيجة للتقدم العلمي في الأدوية والعلاج. انظُر: حاشية الاعتبار ص (348). (1/221)
صفحة 222
1. عن ثوبان ? عن النَّبِيّ ح قال: ÷أفطر الحاجم والمحجوم× (1).
2. عن ابن عباس ? ÷أن النَّبِيّ ح احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم× (2).
الأثر الفقهي:
واضح أن بين الحديثين تعارضاً، فالحديث الأول يفيد فساد الصوم الحجامة، والحديث الثاني يفيد جواز الحجامة للصائم، وأنه لا يفسد صومه بذلك. وفي هذه المسألة قولان:
القول الأول: وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية: أنه تجوز الحجامة للصائم، ولا يفسد صومه بذلك، عملاً بحديث ابن عباس - رضي الله عنه -.
واستدلوا على ذلك بأن حديثه متأخر عن حديث: ÷أفطر الحاجم والمحجوم×؛ ومن ثم فهو ناسخ له (3).
__________
(1) الحديث أخرجهُ أبو داود: (2/ 770)، كتاب (الصوم)، باب (في الصائم يحتجم)، رقم (2367)، وابن ماجه: (2/ 537)، كتاب (الصوم)، باب (الحجامة للصائم)، رقم (1680). وله شاهد من حديث شداد بن أوس - رضي الله عنهم -، أخرجهُ أبو داود في الكتاب والباب المذكورين، وله شاهد آخر من حديث رافع بن خديج، أخرجهُ الترمذي، (3/ 144)، كتاب (الصوم)، باب (كراهية الحجامة للصائم)، رقم (774)، وقال: حديث حسن صحيح؛ وللحديث شواهد ذكرها ابن الجوزي في التحقيق، وقال: رواه بضعة عشر نفساً. التحقيق: (2/ 93)، ونصب الراية: (2/ 472).
(2) أخرجهُ البخاري: (4/ 205)، كتاب (الصوم)، باب (الحجامة والقيء للصائم)، رقم (1938).
(3) انظُر: شرح معاني الآثار: (2/ 98)، بدائع الصنائع: (2/ 107)، الحاوي الكبير: (3/ 325)، المجموع: (6/ 389)، المدونة الكبرى: (1/ 270)، المنتقى: (2/ 56)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 289). (1/222)
صفحة 223
ويؤيد ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب احتجم؛ فمر به النَّبِيّ ح فقال: ÷أفطر هذا×. ثم رخص النَّبِيّ ح بعد في الحجامة (1)، فكان أنس يحتجم وهو صائم (2). وتأولوا قوله ح: ÷أفطر الحاجم والمحجوم× بتأويلات منها:
__________
(1) الأم: (2/ 92)، معرفة السنن والآثار: (6/ 318) الاعتبار، ص (453)، رسوخ الأخبار، ص (358)، الناسخ والمنسوخ لابن شاهين: (339).
(2) أخرجهُ الدارقطني في سننه: (2/ 182)، كتاب (الصوم)، باب (الحجامة للصائم)، البيهقي في السنن الكبرى: (4/ 468)، وقال: رجاله ثقات ولا أعلم له علة، ووافقه ابن حجر في تصحيح الإسناد، إلا أنه أظهر له علة مما يعكر على صحة الحديث، فقال: رجاله كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكر؛ فقد ورد فيه أن ذلك كان زمن الفتح، وجعفر كان قُتل قبل ذلك. فتح الباري (4/ 210).
قلت: لا يلزم من ذلك النكارة، لاحتمال تعدد القصة، وحديث أنس لم يحدد الزمن بعينه، كما في حديث شداد بن أوس الذي أخرجهُ الإمام الشافعي في كتابه الأم: (2/ 108)، واختلاف الحديث ص: (143)، والدرامي في سننه: (2/ 214)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (6/ 317)، ولحديث الرخصة شواهد منها عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمها إبقاءً على أصحابه. فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل إلى السحر!! فقال: "إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني". أخرجهُ أبو داود: (2/ 774)، كتاب (الصوم)، باب (الرخصة في ذلك) -يعني الحجامة- رقم (2374)، قال ابن حجر: أحسن ما ورد في ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في الحجامة للصائم، أخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (4/ 264)، وفي معرفة السنن والآثار. (1/223)
صفحة 224
أولاً: أنهما كانا يغتابان الناس (1)؛ أي أنهما أفطرا من أجل الغيبة.
ثانياً: أو أنهما تعرضا للإفطار؛ أما المحجوم فللضعف الذي قد يلحقه من الحجامة؛ فيؤديه إلى العجز عن الصوم، وأما الحاجم، فلأنه قد لا يؤمن أن يصل إلى جوفه شيء من الدم عند المص.
ثالثاً: وقيل: إنه مر عليهما مساء، فقال: ÷أفطر الحاجم والمحجوم×. أي حان لهما أن يفطرا، لقرب موعد الإفطار، كما يقال: حصد الزرع، إذا حان موعد حصاده، أو أركب المهر، إذا حان له أن يركب (2).
والقياس يؤيد حديث ابن عباس، لأن الفطر يكون بإدخال الشيء في الجوف، أو الجماع، أو القيء عمداً، لا بما يخرج من الجسد (3).
القول الثاني: وهو قول الحنابلة: أن الحجامة تفسد الصوم للحاجم والمحجوم، للحديث المذكور، وهو محكم غير منسوخ، ويروي عن الإمام أحمد أنه قال: أحاديث ÷أفطر الحاجم والمحجوم×، و÷لا نكاح إلا بولي×؛ يشد يعضها بعضا، وأنا أذهب إليها (4)، وأنكر الإمام أحمد لفظ حديث ابن عباس وقال: ليس فيه لفظ "صائم" وإنما "وهو محرم"، ثم قالوا: إن النَّبِيّ ح احتجم وهو محرم، أي كان في السفر، ويجوز للمسافر الفطر (5).
وقد ذهب إلى القول بفساد الصوم بالحجامة عطاء والأوزاعي وابن سيرين، والحسن ومسروق (6).
__________
(1) أخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (4/ 465)، كتاب (الصوم)، باب (الحجامة للصائم)، وفي إسناده يزيد بن ربيعة، وهو متروك، ونقل عن علي بن المديني أنه قال في هذا الحديث: إنه حديث باطل. فتح الباري: (4/ 210).
(2) معالم السنن: (2/ 771)، رسوخ الأخبار، ص (359).
(3) اختلاف الحديث للشافعي، ص (144)، معرفة السنن والآثار: (4/ 318).
(4) الاعتبار، ص (352)، وانظُر الكافي: (1/ 441)، الإنصاف: (3/ 302)، المغني: (3/ 135).
(5) فتح الباري: (4/ 209)، نصب الراية: (2/ 479).
(6) معالم السنن للخطابي: (2/ 770)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ص (352)، فتح الباري: (4/ 209)، المغني: (3/ 103). (1/224)
صفحة 225
والمذهب عند الإباضية:
أن الحجامة لا تفسد الصوم؛ لحديث ابن عباس.
قال الجيطالي: "واختلفوا في الحجامة للصائم، فقال أصحابنا: ليس فيها فساد الصوم إلا كراهية الضعف، روي ذلك عن النَّبِيّ ح أنه احتجم وهو صائم" (1).
وقالوا: إن حديث ابن عباس ناسخ لحديث: ÷أفطر الحاجم والمحجوم×، وتأوّلوا هذا الحديث على عدة أوجه، ومنها:
إن رسول الله ح رأى من الحاجم والمحجوم ما يوجب الإفطار؛ فسوى بينهما في الحكم؛ لأن خروج النجاسة لا يوجب الإفطار، أو أنهما عرضاً أنفسهما للإفطار، أو للضعف، أو لدخول الدم إلى جوف الحاجم، أي باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه (2).
والذي أراه راجحاً: هو ما ذهب إليه الجمهور، أن الحجامة لا تفسد الصوم؛ لحديث ابن عباس، لكونه ناسخاً لحديث ÷أفطر الحاجم والمحجوم×. وأيضاً للقياس: فبطلان الصوم يكون بالأكل، أو الشرب، أو الجماع، أو القيء. أما خروج الإفرازات والنجاسات من الإنسان فليست سبباً في فساد الصوم؛ وهو مما لا خلاف فيه، فيشمل ذلك إخراج الدم بالحجامة، ويقاس عليها أخذ عينات الدم للفحص أو التبرع به، ولو قيل بفساد الصوم، لتعسرت تلك الأمور وشق على الناس ذلك في رمضان، والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في المسألة هو تعارض الخبرين، حيث أخبر رسول الله ح بفطر الحاجم والمحجوم. والحديث الثاني يفيد أنه ح احتجم وهو صائم، فالذين قالوا بعدم فساد الصوم؛ حملوا الحديث على أنه ناسخ للخبر الأول؛ وهو قول المالكية والحنفية والشافعية مع الإباضية؛ والذين قالوا بفساد الصوم بالحجامة قالوا: إن الحديث الأول محكم غير منسوخ؛ وهو قول الحنابلة.
***
الكذب والنميمة وقول الزور هل يفسد الصوم؟
__________
(1) قواعد الإسلام: (2/ 86)، جامع البسيوي: (2/ 236)، الضياء: (6/ 335)، الإيضاح: (2/ 166).
(2) انظُر: الضياء: (6/ 335)، معارج الآمال: (18/ 173)، نثار الجوهر: (3/ 187). (1/225)
صفحة 226
1. عن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ح: ÷من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه× (1).
2. عن أبي هريرة ? أن النَّبِيّ ح قال: ÷الصيام جنة إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث (2)، ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم× (3).
الأثر الفقهي:
من سنن الصوم وآدابه أنه يستحب للصائم كف اللسان والجوارح عن فضول الأقوال والأعمال التي لا إثم فيها، أما الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وسار المحرمات فواجب تركها وتجنبها في كل زمان، ويتأكد ترك ذلك في نهار رمضان للأحاديث المذكورة وغيرها لما للصوم من تأثير في النفس حيث يسمو بها ويحملها على التقوى. فالمحرمات من الأقوال والأفعال تخرق الصوم كما في الحديث ÷الصوم جُنّة ما لم يخرقها بالفحش والخِنى وقول الزور× ويتنافى ذلك مع التقوى.
وقوله ح: ÷ من لم يدع قول الزور والعمل به فلي لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه×، ظاهره يقتضي فساد صوم من لم يدع قول الزور والعمل به وما شابهه.
لكن جمهور العلماء لا يقولون بموجب هذا الظاهر، ومن ثم فقد رأوا عدم فساد الصوم بذلك، وذهبوا إلى أن المراد من الحديث هو التحذير من هذه الأعمال، وأن سلامة الصوم وكماله معلق بتجنبها، وأن ثوابه الكامل لا يتم معها لقبحها وشناعتها (4).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 139)، كتاب (الصوم)، باب (من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم)، رقم (1903).
(2) يرفث: الرفث هو الفحش من القول. انظُر: مختار الصحاح، مادة (ر ف ث)، وانظُر معالم السنن: (2/ 768).
(3) أخرجهُ البخاري: (4/ 125)، كتاب (الصوم)، باب (فضل الصوم)، رقم (1894)، ومسلم، كتاب (الصيام)، باب (حفظ اللسان للصائم)، رقم (2363)، واللفظ له.
(4) المفهم: (4/ 1919)، فتح الباري: (4/ 126، 140)، عمدة القاري: (10/ 276). (1/226)
صفحة 227
وقال جمهور الإباضية بفساد صوم من تعمد الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وسائر المحرمات لظاهر أحاديث الباب.
وقال الجيطالي: "وذهب أصحابنا إلى أن الغيبة المحرمة والنميمة والكذب وأيمان الفجور والنظر إلى الفروج المحرمة أن ذلك كله يفسد الصوم وينقض الوضوء" (1).
واستدلوا أيضاً بحديث ÷أفطر الحاجم والمحجوم×؛ لأنهما كان يغتابان الناس (2)، واستدلوا بحديث المرأتين اللتين أمرهما رسول الله أن تتقيآ وهما صائمتان، فقاءتا قيحاً ودماً، فقال: ÷إن هاتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس× (3).
__________
(1) قواعد الإسلام: (2/ 87). وانظُر جامع ابن بركة: (2/ 8)، جامع البسيوي: (2/ 236) الضياء: (6/ 320)، الإيضاح: (3/ 164)، شرح النيل: (3/ 343)، معارج الآمال: (18/ 139).
(2) الحديث أخرجهُ الإمام أحمد في مسنده: (5/ 431)، من حديث عن عبيد مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف. انظُر: المجروحين لابن حبان: (3/ 98)، والكامل لابن عدي: (7/ 57). مع ضعف السندين فهو صالح للاعتبار. قال ابن بركة: وهذا الخبر يؤيد ما قاله أصحابنا من صحة الخبر الذي قلنا أن غيبة المسلم تفطر الصائم. والله أعلم. جامع ابن بركة: (2/ 48).
(3) الحديث أخرجهُ أحمد: (5/ 431)، عن عبيد مولى رسول الله، وفي إسناده مجهول. وله شاهد من حديث أنس - رضي الله عنهم - أخرجهُ ابن أبي الدنيا، وفي إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف الحديث. (1/227)
صفحة 228
ولم ينفرد الإباضية بهذا القول بل حكي عن مجاهد وعبيدة السلماني وعطاء وإبراهيم النخعي (1)، وبه قال ابن حزم وأطال الاستدلال له، وذكر جملة من الصحابة والتابعين الذين يرون بطلان الصوم لمن تعمد فعل المحرم من الأقوال (2)، وقالوا: إن قول الزور والغيبة والكذب وغيرها قد ورد فيها النهي مطلقاً. فلو كانت غير مؤثرة في صحة الصوم لم يكن لذكرها معه معنى؛ ولأن الصوم لا يقتصر فيه على الإمساك عن الأكل والشرب والجماع بل يدخل معها الكف عن محارم الله ليكون الصوم جنة من النار.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة: أن الجمهور لم يقولوا بظاهر الحديث وحملوه على محمل التحذير؛ ومن ثم فإنهم ذهبوا إلى القول بصحة صوم من لم يدع قول الزور والعمل به. وحملت الإباضية الحديث على ظاهرة وقالت بمقتضاه وأن من لم يدع قول الزور والعمل به فصومه باطل، والله أعلم.
***
كفارة من أفطر في رمضان على الترتيب أو التخيير؟
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة: (1/ 125)، كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من الكلام)، كتاب الغيبة والنميمة لابن أبي الدنيا، ص (41)، وكتاب التوبيخ والتنبيه، ص (323)، كتاب الزهد لابن أبي عاصم، ص (60).
(2) المحلى: (6/ 177). (1/228)
صفحة 229
1. عن أبي هريرة ? قال: َيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لاَ. فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ. قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. (1)
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري: (1/ 193)، كتاب (الصوم)، باب (إذا جامع في رمضان)، رقم (1936)، مسلم: (2/ 781)، كتاب (الصيام)، باب (تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان)، رقم (1111). (1/229)
صفحة 230
2.أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا (1).
الأثر الفقهي:
أوجب رسول الله ح الكفارة على من وطئ أهله في نهار رمضان عامداً، بأحد الأمور الثلاثة: عتق رقبة، صوم شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكيناً، وهي ككفارة الظهار وكفارة القتل الخطأ، واتفق الجمهور على أن كفارة القتل خطأ وكذلك كفارة الظهار أنها تكون بالترتيب لا بالتخيير، أي لا ينتقل من عتق رقبة إلى الصوم إلا إذا لم يجد رقبة، ولا ينتقل إلى الإطعام إلا إذا لم يستطع الصوم، كما هو منصوص عليه (2)،
__________
(1) أخرجهُ مسلم، في الكتاب والباب السابقين، رقم (1111)، وأخرجهُ الإمام مالك في الموطأ: (1/ 296)، كتاب (الصيام)، باب (كفارة من أفطر في رمضان)، مسند الربيع بن حبيب، ص (129)، والحديثان أصلهما ومخرجهما واحد في قصة واحدة، ومدارهما على الزهري وفي بعض ألفاظهما اختلاف، والأول مفاده أن الكفارة على الترتيب، والثاني مفاده أنها على التخيير. انظُر: الاستذكار لابن عبد البر: (10/ 97).
(2) وذلك في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء92].
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: آية 3، 4] (1/230)
صفحة 231
فهل كفارة من تعمد الوطء في رمضان على الترتيب أو على التخيير كما في كفارة اليمين؟ (1)
آراء الفقهاء:
مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (2): أنها على الترتيب، فلا ينتقل من عتق رقبة إلى الصوم إلا إذا لم يجد رقبة يعتقها، ولا ينتقل من الصوم إلي الإطعام إلا إذا لم يستطع الصوم، فهي ككفارة الظهار للتغليظ؛ فكان الترتيب واجباً ولصريح الأمر في الحديث: ÷هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً ... ؟ الحديث، فالنبي ح أمره بأحد ثلاثة أمور، ولا ينتقل من أحدهما إلى الآخر إلا إذا عجز عن الذي قبله على الترتيب، وجاء ربط الجمل بحر الفاء الذي يفيد الترتيب والتعقيب، فنزل منزل الشرط.
__________
(1) وذلك في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة89.
(2) شرح فتح القدير: (2/ 340)، البناية: (3/ 665)، حاشية الدر المختار: (2/ 412)، الحاوي الكبير: (3/ 386)، حلية العلماء: (3/ 167)، المجموع: (6/ 345)، الكافي: (1/ 477)، الإنصاف: (3/ 322)، المغني: (3/ 127). (1/231)
صفحة 232
ومن حجتهم أيضا: أن رواية الترتيب، مقدمة ومرجحة على رواية التخير، وذلك لكثرة رواتها؛ مع احتمال أن الغلط فيها أقل، وأن رواية التخيير، جاءت باختصار؛ فتصرف الراوي في ألفاظها، بينما رواية الترتيب؛ رويت بكمالها، وفيها الزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة (1).
وقالت المالكية: إن كفارة الوطء في نهار رمضان على التخير لا على الترتيب، فهي ككفارة اليمين (2)؛ أخذا برواية التخير التي أخرجها الإمام مالك؛ والإمام مسلم في صحيحة (3). ويروى عن الإمام مالك أنه كان يفضل الإطعام؛ لأنه أعم نفعا (4).
والمسألة عند الإباضية:
أن كفارة رمضان على التخيير، أخذاً برواية التخيير، قال الشماخي: "وقال أصحابنا: مخير في الكفارة بين العتق والصيام والإطعام، والدليل على قولهم (رحمهم الله) ما روي عن رسول الله ح من طريق أبي هريرة أن رجلاً أفطر على عهد رسول الله ح في نهار رمضان، فأمره النَّبِيّ ح بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، فهذا يدل على جواز التخيير في هذه الكفارة" (5)، والله أعلم.
سبب الخلاف:
__________
(1) فتح الباري: (4/ 198)، عمدة القاري: (11/ 33)، المغني: (1/ 127).
(2) الحديث مداره على الزهري في الذين رووا عنه على الترتيب أكثر من الذين رووه عنه على التخيير.
(3) الموطأ: (1/ 296) كتاب (الصيام)، باب (كفارة من أفطر في رمضان)، مسلم، كتاب (الصيام)، باب (تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان)، رقم الباب (84).
(4) المدونة الكبرى: (1/ 284)، الاستذكار: (10/ 96)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 306)، المنتقى: (2/ 52، 54)، بداية المجتهد: (1/ 355).
(5) الإيضاح: (3/ 199)، وانظُر ابن بركة: (2/ 15)، جامع البسيوي: (2/ 230)، قواعد الإسلام: (2/ 90)، الضياء: (6/ 366)، معارج الآمال: (18/ 211)، نثار الجوهر: (3/ 154). شرح النيل: (3/ 399). (1/232)
صفحة 233
وسبب الخلاف في المسألة: اختلاف الروايتين بين الترتيب والتخيير، مع الاختلاف في تشبيهها بكفارة الظهار أو كفارة اليمين عند القياس. فالذين قالوا بالترتيب، رجحوا رواية الترتيب مع قياسهم كفارة الجماع على كفارة الظهار، والذين قالوا بالتخيير؛ عملوا بحديث التخيير مع قياسهم لها على كفارة اليمين. وقال بعض السلف: إن الترتيب للأولوية، والتخيير على الجواز للجمع بين الروايتين (1).
ورأى الباحث أن تكون الكفارة على من أفطر في نهار رمضان متعمداً على الترتيب لا على التخيير، وذلك لأمرين:
الأول: أن رواية الترتيب أكثر من رواية التخيير.
الثاني: من ناحية القياس؛ أن العمل المشترك بين المظاهر والمجامع في نهار رمضان، هو الجماع، فكلاهما انتهك أمراً محرماً نهى الشرع عنه؛ فيقاس الثاني على الأول للتغليظ.
***
الكفارة على من تعمد الإفطار بالأكل والشرب:
__________
(1) بداية المجتهد: (1/ 355)، فتح الباري: (4/ 1998)، عمدة القاري: (13/ 33)، نثار الجوهر: (3/ 153). (1/233)
صفحة 234
1. قال: عن أبي هريرة ? قال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ؟ قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لاَ. فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَل. ُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ (1).
الأثر الفقهي:
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري: (4/ 193)، كتاب (الصوم)، باب (إذا جامع في رمضان)، رقم (1936)، مسلم: (2/ 781)، كتاب (الصيام)، باب (تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان)، رقم (1111). (1/234)
صفحة 235
مما لا خلاف فيه بين أهل العلم أنه تجب الكفارة المغلظة على المجامع متعمداً في نهار رمضان؛ وهو صائم، فقد حكم رسول الله ح على الرجل الذي جامع في نهار رمضان متعمداً؛ بعتق الرقبة، فإن لم يجد؛ فصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ فإطعام ستين مسكيناً؛ وذلك لانتهاكه حرمة الصوم وشهر رمضان، فهل على كل منتهك لحرمة الصوم والشهر بالإفطار متعمداً، سواء كان ذلك بالأكل أو الشرب؛ أو غيرهما كفارة؟ اختلفت اتجاهات المذاهب في ذلك؛ فمنهم من أوجبها عليه ومنهم من لم يوجبها.
قالت الحنفية والمالكية (1): تجب الكفارة عليه قياساً على المجامع؛ لانتهاكه حرمة الصوم والشهر الكريم ويعضد أو يصوم أو يطعم ستين مسكيناً (2).
وقالت الشافعية والحنابلة (3)؛ بأنه لا تلزمه الكفارة، ولا يصح القياس على المجامع؛ بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته، لأن أفطر يوم من أيام رمضان من غير عذر؛ لا يجبره صيام يوم غيره، لظاهر الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله ح قال: ÷من أفطر يوماً من رمضان – في غير رخصة رخصها الله له – لم يقضِ عنه صيام الدهر× (4).
والذي عليه العمل عند الإباضية؛ وجوب الكفارة على من تعمد الفطر في رمضان؛ بالأكل والشرب أو غيرهما من غير رخصة قياساً على المجامع؛ لانتهاكه حرمة الشهر المبارك.
__________
(1) شرح معاني الآثار، (2/ 62)، تحفة الفقهاء، (2/ 361)، طريقة الاختلاف، ص (37)، رؤوس المسائل، ص (225)، بدائع الصنائع، (2/ 97)، المنتقى، (2/ 52)، كفاية الطالب الرباني، (2/ 304).
(2) أخرجهُ الدارقطني، وضعفه ابن الجوزي في التحقيق: (2/ 87).
(3) الأم (2/ 100)،المجموع، (6/ 350)، حلية العلماء، (3/ 165)، الكافي: (1/ 355)، المغني: (2/ 155).
(4) أخرجهُ أبو داود: (3/ 789)، كتاب (الصوم)، باب (التغليظ فيمن أفطر عمداً)، رقم (2396)، والترمذي: (3/ 101)، كتاب (الصوم)، باب (ما جاء في الإفطار متعمداً)، رقم (1723). (1/235)
صفحة 236
قال الشماخي: وأجمع أصحابنا، فيمن أكل نهاراً في رمضان من غير عذر أنه هالك، وعليه القضاء والكفارة قياساً على المجامع؛ لاستوائهما في هتك حرمة الصوم (1).
والقول بوجوب الكفارة؛ هو الذي نطمئن إليه، لما فيه من حمل النفوس على احترام وتقديس حرمات الله؛ والتحذير من التهاون فيها؛ والتساهل في أمرها، وفي ذلك إلزام بتعظيم شعائر الله، التي تصل به إلى التقوى، وما الصوم إلا للتقوى. والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف؛ قياس حكم المتعدي للأكل والشرب؛ على حكم المجامع فالذين لم يوجبوا الكفارة، لم يروا القياس في هذه المسألة، وقالوا: إن رسول الله ح نص على الكفارة على المجامع دون غيره، والأصل براءة الذمة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين، وعليه فاليقين إنما جاء خاصاً في حكم الكفارة بالجماع، والحديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة حال "أبي المطوس" أحد رواته، وللشك في سماع أبيه من أبي هريرة؛ وللاضطراب فيه، كما نوه بذلك أبو داود والترمذي في سننيهما، وبينه ابن حجر والعيني في شرحيهما لصحيح البخاري؛ لأن البخاري ذكره معلقاً في كتاب "الصوم" باب "إذا جامع في رمضان" (2).
والذين قالوا بوجوب الكفارة، قاسوا الأكل والشرب وغيرهما عمداً على الجماع، لانتهاك الشهر، وأصل الصوم الشرعي امتناع عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولما ثبت الحكم في إحداهما وجب ثبوته في الآخر، وتخصيص أحدهما بالكفارة عن الآخر يحتاج إلى مخصص، إذ علة الكفارة في الجماع: هي الانتهاك لحرمة الشهر؛ فإن وُجِدَت في غيره وجب إيقاع الحكم فيه؛ إذ العلة تدور مع الحكم وجوداً وعدماً، والله أعلم.
__________
(1) الإيضاح: (3/ 202)، وانظُر جامع ابن بركة: (2/ 27)، جامع البسيوي: (2/ 228)، القواعد: (2/ 89)، شرح النيل: (3/ 399)، معارج الآمال: (18/ 210)، نثار الجوهر: (3/ 154).
(2) انظُر: فتح الباري: (4/ 191)، عمدة القاري: (11/ 23). (1/236)
صفحة 237
وهذا ما ذهب إليه المالكية والحنفية، وبه قالت الإباضية.
يقول الجيطالي في بيان ذلك: "فمن ذهب إلى أن العلة فيها واحدة – وهي انتهاك الحرمة – جعل حكمها واحداً، ومن رأى أن الجماع أشد في انتهاك الحرمة وأن العقاب الأكبر إنما يوضع لما إليه النفس أميل؛ قال: إن هذه الكفارة مخصوصة بالجماع" (1).
***
من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم:
1. عن أبي هريرة ? عن النَّبِيّ ح قال: ÷إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه× (2).
الأثر الفقهي:
سبقت الإشارة إلى حكم من أفطر متعمداً بالأكل والشرب، وسبب الاختلاف في وجوب الكفارة عليه – مع اتفاقهم على فساد صومه – أنه هدم لأحد أركان الصوم وهو الإمساك عن الطعام والشراب عن قصد وتعمد من غير عذر، وأما إن كان الأكل والشرب عن نسيان، فقد اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على أن النسيان لا يفسد الصوم، فإن أكل الصائم أو شرب فليتم صومه لقوله ح: فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه وليس عليه القضاء؛ إذ النسيان ليس من كسب القلوب التي يؤاخذ الله بها العباد (3).
__________
(1) قواعد الإسلام: (2/ 89)، وانظُر بداية المجتهد لابن رشد: (1/ 353)، نثار الجوهر: (3/ 155).
(2) أخرجهُ البخاري: (4/ 183)، كتاب (الصوم)، باب (الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً)، رقم (1933) ومسلم: (2/ 809)، كتاب (الصيام)، باب (أكل الناسي وشربه وجِماعه لا يفطر)، رقم (1155).
(3) تحفة الفقهاء: (2/ 352)، شرح فتح القدير: (2/ 327)، البناية: (2/ 236)، الحاوي الكبير: (3/ 286)، روضة الطالبين: (2/ 374)، الكافي: (1/ 442)، المغني: (3/ 116)، الإنصاف: (3/ 304). (1/237)
صفحة 238
وقال المالكية بفساد صوم الآكل والشارب الناسي، وأنه يلزمه القضاء، وذلك لفوات ركن من أركان الصوم، وهو من المأمورات (1)، والقاعدة عندهم: أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، إذ المطلوب صيام يوم كامل لا ينقطع، فإن حرم بشيء من الأكل أو الشرب؛ فات المطلوب، فيبقى على الصائم ذلك اليوم، ويجب عليه قضاؤه؛ إذ الحديث تعرض لسقوط الإثم والمؤاخذة عن النسيان دون غيره؛ والقضاء لابد منه، وحمل بعضهم الحديث على محملين:
الأول: أنه في صوم التطوع دون الفرض.
الثاني: إن أمره ح بإتمام الصوم، هو الصوم اللغوي دون الشرعي (2).
وقد رد ذلك التأويل بأن الحديث عام لم يفرق بين الفرض والتطوع، وأن الألفاظ في النصوص الشرعية تحمل على مدلولاتها الشرعية، ولا ينصرف عنها إلى غيرها إلا بقرينة (3).
والمسألة عند الإباضية على قولين:
الأول: أنه لا قضاء على من أكل أو شرب ناسياً؛ للحديث المذكور ÷إنما أطعمه الله وسقاه×.
الثاني: أن عليه قضاء ذلك اليوم، وذلك لفوات ركن من أركان الصوم، وأن الحديث أسقط عنه المؤاخذة والإثم فقط.
قال ابن بركة (4): "وقد حرم الله الأكل والشرب على الصائم، وكل من وصف باسم "آكل" فصومه باطل، ومن أكل ناسياً، فلا شيء عليه؛ لقوله ح: ÷إن الله أطعمه وسقاه×.
وهذا القول من النَّبِيّ ح إخبار عن عذر الآكل ناسياً، ولولا الخبر لوجب عليه القضاء، لأنه غير صائم. وقال بعض أصحابنا: عليه القضاء لذلك اليوم؛ لأنه غير صائم وإنما سقط عنه الكفارة والإثم بعذر النسيان؛ والرأي الأول أفضل (5).
__________
(1) المدونة: (1/ 277)، الكافي: (124)، المنتقى: (2/ 65)، كفاية الطالب: (2/ 300).
(2) المنتقى: (2/ 65)، المفهم: (4/ 1926).
(3) أحكام الفصول، ص (29)، شرح فتح القدير: (2/ 327).
(4) جامع ابن بركة: (2/ 90)، انظُر: قواعد الإسلام: (2/ 9)، شرح النيل: (3/ 341).
(5) جامع ابن بركة: (2/ 90)، انظُر: قواعد الإسلام: (2/ 9). (1/238)
صفحة 239
والذي أطمئن إليه في هذه المسألة: هو أنه لا قضاء على الناسي؛ وذلك لورود النص فيه خاصة وأن ذلك يُستثنى من القاعدة والقياس، والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة، هو العمل بالقاعدة والقياس إذا تعارضا مع النص؛ والقاعدة المعمول بها في الخطأ والنسيان؛ هي رفع الحرج والإثم الأخروي عن الناسي دون التكليف، فالذين قالوا بعدم القضاء؛ قدموا النص، والذين قالوا بالقضاء، قالوا بالقياس، واعتبار الأصل في فساد الصوم مع إجراء القاعدة.
***
من جامع ناسياً في نهار رمضان وهو صائم:
من أركان الصوم؛ الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ فإن خرم الإمساك بين الوقتين فسد الصوم، وقد بينت السنة الحكم في بعض الحالات المحكوم بفساد الصوم فيها، وتركت بعض الحالات من غير نص على حكمها. فقد أوجبت الكفارة والقضاء على من جامع في نهار رمضان متعمداً، ولم تبين الحكم فيمن تعمد الفطر بالأكل والشرب، وبينت الحكم فيمن أكل أو شرب ناسياً؛ ولم تبين الحكم فيمن جامع ناسياً، فهل يحمل ما تركت على نظيره فيما بينت من الأحكام؟
أولاً: حكم من جامع في نهار رمضان ناسياً:
رأينا أن من أكل أو شرب ناسياً لا يفسد صيامه، وإنما أطعمه الله وسقاه، واعتبر الشرع النسيان عذراً، فرفع عن الناسي الحرج والإثم والقضاء على التفصيل السابق. فهل يعتبر كذلك المجامع ناسياً؟ اختلفت آراء العلماء في المسألة: (1/239)
صفحة 240
أولاً: قال الحنفية والشافعية؛ إنه لا قضاء عليه، وهو نظير الآكل والشارب الناسي، لاستوائهما في فوات الركن وفي العذر (1).
ثانياً: قال المالكية: إن عليه القضاء؛ فالناسي رفع عنه الحرج والإثم دون التكليف ولكن عليه القضاء (2).
ثالثاً: قال الحنابلة: إن عليه القضاء والكفارة أيضاً في ذلك: وحجتهم أن رسول الله ح أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان دون أن يسأل العمد والنسيان في الحكم، والصوم عبادة يفسدها الجماع، وبه تجب الكفارة وهو كالحج يفسده الوطء.
وقالوا: إن الطهارة يفسدها الحدث: لتنافيهما (3)، سواء عن عمد أو سهو، فكذلك الجماع في الصوم، يجب أن يسوى الحكم في عمده وسهوه لتنافيهما. وأجيب عن ذلك بأنه لا يسوى العامد بالناسي؛ لأن العامد في إمكانه التحرز عما يفعله، بخلاف الناسي، وأن الكفارة لا تكون إلا عند الذنب، ومن وطء ناسياً، لم يكن مذنباً ولا مأثوما (4).
والمسألة عند الإباضية على قولين:
__________
(1) تحفة الفقهاء: (2/ 352)، شرح فتح القدير: (2/ 327)، البناية: (3/ 638)، الحاوي الكبير: (3/ 283)، حلية العلماء: (3/ 164)، روضة الطالبين: (2/ 374). وقالت الحنفية: إن الحكم هنا ثبت بدلالة النص، لا بالقياس، يقول في شرح الهداية: "إذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع، للاستواء في الركنية، يعني ثبت بالدلالة لا بالقياس، لأن كلا منهما نظير للآخر" شرح فتح القدير: (2/ 328).
(2) المدونة الكبرى: (1/ 277)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 300).
(3) الكافي: (1/ 446)، المغني: (2/ 121)، الإنصاف: (3/ 311).
(4) الحاوي الكبير: (3/ 285)، بداية المجتهد: (1/ 354). (1/240)
صفحة 241
الأول: وهو ما عليه جمهورهم؛ أنه يفسد صوم من جامع ناسياً ويجب عليه قضاء يومه، وفرقوا بين الناسي في الأكل والشرب الذي لا قضاء فيه، والناسي في الجماع الذي عليه القضاء؛ فقالوا: إن تعليق النسيان في الأكل والشرب للغالب، وأما النسيان في الجماع فنادر، ومن ثم فلا يسوى بينهما، فسقط عنه الإثم، ووجب القضاء قياساً على الصلاة.
الثاني: أنه لا قضاء عليه، وأنه كالناسي في الأكل والشرب (1)، وقال أصحاب هذا الرأي: من أوجب القضاء عليه فإنه يحتاج إلى دليل.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف يدور على دلالة النص في الآكل الناسي، هل يشمل المجامع الناسي قياساً؟ وإن كان كذلك فإنه يعارض القياس الذي يوجب قضاء ما نسي من العبادات كالصلاة. فالذين قالوا بأنه لا قضاء على المجامع الناسي، قالوا بدلالة النص: (فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه). والذين قالوا: عليه القضاء، رجحوا القياس المعارض لدلالة النص (2). قال الجيطالي: وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر، أما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة التي ورد فيها القضاء. وأما الأصل فقوله ح: (أطعمه الله وسقاه) ويشهد له عموم قوله ح: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (3).
والذي يبدو لي – والله أعلم – أن القول بقضاء صوم من وطئ ناسياً هو الأسلم والأحوط للعبادة؛ لأن الأصل قضاء ما نسي من الفرائض؛ إلا ما قام الدليل على استثنائه، كالأكل والشرب على سبيل النسيان؛ والله أعلم.
***
المبحث الخامس
قضيتان فقهيتان من مختلف الحديث
في باب الحج
الطيب عند الإحرام:
__________
(1) جامع ابن بركة: (2/ 5)، جامع البسيوي: (2/ 228)، قواعد الإسلام: (2/ 90)، الإيضاح: (3/ 207)، شرح النيل: (3/ 421)، معارج الآمال: (18/ 109)، نثار الجوهر: (3/ 156).
(2) كتاب الضياء: (6/ 321).
(3) قواعد الإسلام: (2/ 90)، وانظُر بداية المجتهد: (1/ 302). (1/241)
صفحة 242
1. عن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ (1) عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةٍ. فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ. وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ. قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ أَوْ قَالَ أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي ...
2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
الأثر الفقهي:
__________
(1) الجعرانة: بكسر أوله وسكون العين، هي مكان بين الطائف ومكة وهي أقرب إليها، نزلها النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قسم غنائم هوزان حين مرجعه من غزوة حنين وأحرم منه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو ميقات من مواقيت الحج. انظُر: معجم البلدان: (1/ 142). (1/242)
صفحة 243
من المجمع عليه أن الطيب من محظورات الإحرام فيجب اجتنابه وعدم مسه في حالة الإحرام؛ وذلك لنهي رسول الله ح عنه، وهذا مما لا خلاف فيه (1)، وإنما الخلاف إذا كان الطيب عند الإحرام أو قبله مع بقاء أثره بعد الإحرام، وفي هذه المسألة قولان:
القول الأول: ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة (2) إلى جواز الطيب قبل الإحرام – أو عنده- مع بقاء أثره بعد ذلك، واستدلوا عليه بالآتي:
أولاً: حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما أنها طيبت رسول الله ح لإحرامه، وأنها كانت ترى وبيص (3) الطيب من مفارق شعره ولحيته (4).
ففي هذا الحديث دلالة على استدامة الطيب وبقائه بعد الإحرام.
وأجابوا عن حديث يعلى بن أمية بأن سؤال الرجل كان بالجعرانة عند عودته ح من غزوة حنين، وكان ذلك في العام الثامن من الهجرة. وأن حديث عائشة كان في حجة الوداع في السنة العاشرة، وهو متأخر، ومن ثم فإن حديث يعلى بن أمية يكون منسوخاً (5).
__________
(1) الإجماع، ص (22)، بداية المجتهد: (1/ 382)، المجموع: (7/ 228)، المغني: (3/ 273).
(2) المبسوط: (4/ 122)، شرح فتح القدير: (2/ 430)، حلية الأولياء: (3/ 245)، الحاوي الكبير: (5/ 102)، المجموع، (7/ 223)، الكافي: (1/ 476)، المغني: (3/ 273)، الإنصاف: (3/ 432).
(3) وبيص الطيب: بريقه ولمعانه. يقال: وبص الشيء بصيصاً: إذا برق. انظُر: معالم السنن: (2/ 359)، القاموس المحيط، مادة: (و ب ص).
(4) اللفظ عند مسلم: (2/ 848)، كتاب (الحج)، باب (الطيب للمحرم عند الإحرام)، رقم (1189) حديث الباب رقم (44)، وأصله في البخاري، في كتاب (الحج)، باب (الطيب عند الإحرام)، رقم (1538).
(5) اختلاف الحديث، ص (174)، الاعتبار، ص (366)، رسوخ الأخبار، ص (374)، زاد المعاد: (2/ 243)، المجموع: (4/ 233). (1/243)
صفحة 244
ويحتمل أيضاً أن رسول ح أمر الرجل بغسل الطيب لما فيه من زعفران، وقد نُهيَ الرجال عنه؛ كما في حديث أنس قال: ÷نهى رسول الله ح يتزعفر الرجال× (1).
القول الثاني: ذهبت المالكية إلى منع الطيب عند الإحرام، ووجوب إزالة أثره إذا كان قبل الإحرام (2).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: استدلوا بظاهر حديث يعلى بن أمية، إذ أمر رسول الله ح السائل أن ينزع عنه القميص، ويغسل عنه أثر الخلوق، ويفعل في عمرته ما يفعل في حجته.
ثانياً: واستدلوا بما روي عن عمر بن الخطاب ? إذ أمر معاوية وكثير ابن الصلت أن يغسلا عنهما الطيب (3).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (10/ 317)، كتاب (اللباس)، باب (التزعفر للرجال)، رقم (5846)، مسلم: (3/ 1162)، كتاب (اللباس)، باب (نهي الرجل عن التزعفر)، رقم (2101).
(2) المدونة الكبرى: (1/ 395) المنتقى للباجي: (2/ 201) بداية المجتهد: (1/ 382) كفاية الطالب الرباني: (2/ 290).
(3) الأثر أخرجهُ الإمام مالك في الموطأ: (1/ 329)، وابن أبي شيبة في المصنف: (4/ 286) والبيهقي في السنن الكبرى: (5/ 35)، وفي معرفة السنن والآثار: (7/ 115) عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب – وهو بالشجرة – فقال: ممن ريح هذا الطيب؟ فقال معاوية: مني يا أمير المؤمنين. قال: أمنك لعمر الله؟ فقال معاوية: إن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين. فقال عمر: عزمت عليك لترجعن فلتغسله .. وبهذا قال عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وعبدالله بن عمرو، وعطاء، وسالم، والزهري، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومحمد بن الحسن، وهو اختيار الطحاوي، وهو مذهب الزيدية كما نقل عنهم الشوكاني. انظُر: الاستذكار: (1/ 58)، المجموع: (7/ 234) شرح معاني الآثار: (2/ 201)، المبسوط: (4/ 23)، نيل الأوطار: (6/ 33). (1/244)
صفحة 245
ثالثاً: أن الإحرام يمنع معه القميص والخف والسراويل والعمائم، وأجمعوا على أن الرجل إذا لبس المخيط وهو مُحرِم أُمِرَ بنزعه؛ فكذا يجب أن يكون الأمر في الطيب قبل الإحرام وبعده (1).
وأجابوا عن حديث عائشة بأجوبة منها:
أ. أنها طيبت رسول الله ح لأجل طوافه على نسائه كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: ÷طيبتُ رسول الله ح فطاف على نسائه، ثم أصبح محرماً× (2)؛ فزال الطيب بعد الاغتسال.
ب. وقولها: ÷كأني أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته× (3)، والوبيص هو بريق الشيء ولمعانه. وهي تعني بقولها "وبيص الطيب" أي بريق الدهن ولمعانه؛ ولا يلزم من ذلك بقاء الريح أو الطيب؛ فقد زال الريح وذهب الطيب مع الغسل وبقي الدهن فيرى منه وبيضه.
ج. أن الطيب عند الإحرام يُمكن أن يكون من خصوصيات رسول الله ح دون غيره (4).
وأجيب على ذلك بأن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل (5).
المسألة عند الإباضية:
__________
(1) الاستذكار: (11/ 59)، المفهم: (4/ 2003).
(2) البخاري: (1/ 367)، كتاب (الغسل)، باب (إذا جامع ثم عاد)، رقم (267)، وفي باب (من تطيب ثم اغتسل)، رقم (270).
(3) اللفظ عند مسلم: (2/ 847)، كتاب (الحج)، باب (الطيب للمحرم عند الإحرام)، رقم (1190).
(4) الاستذكار: (1/ 60)، المنتقى: (2/ 201) المفهم شرح صحيح مسلم: (4/ 200).
(5) فتح الباري: (3/ 467). (1/245)
صفحة 246
ذهبت الإباضية إلى وجوب اجتناب الطيب عند الإحرام وإزالة ما كان منه قبل الإحرام؛ لحديث يعلى بن أمية؛ وحَملِ حكم الطيب على بقية المحظورات كالثياب والصيد، قال الجيطالي: لما كان الإجماع منعقداً على أن كل ما تجب منه فدية لا يجوز استصحابه وهو مُحرّم- مثل لبس الثياب وقتل الصيد- وجب أن يكون الطيب كذلك" (1) وقولهم هذا متفق مع المالكية.
وفي وجوب الفدية قولان ذكرهما الشقصي في منهج الطالبين (2)، وأوجبه القطب في شرح النيل لمن تركه بعد الإحرام متعمداً.
سبب الخلاف في المسألة:
وسبب الخلاف في هذه المسألة هو تعارض ظاهر الأخبار في استعمال الطيب عند الإحرام، فالذين قالوا بجوازه أخذوا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ورجحوه على حديث يعلى بن أمية لكونه متأخراً عنه. والذين منعوا الطيب عند الإحرام أخذوا بحديث يعلى بن أمية؛ باعتباره خطاباً للأمة، وفعله ح خاص به إذا تعارضا.
والعمل بحديث يعلى بن أمية فيه احتياط واحتراز على رأي من قال بتقديم المنع على الإباحة إذا تعارضا (3)، والله أعلم.
الطهارة في الطواف:
__________
(1) قواعد الإسلام: (2/ 143)، وانظُر الإيضاح: (3/ 265)، منهج الطالبين: (7/ 68)، شرح النيل: (4/ 84)، كتاب "الحج" للشيخ جاعد بن خميس، ص (48)، إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر، ص (95).
(2) منهج الطالبين: (7/ 68) شرح النيل: (4/ 84).
(3) بداية المجتهد: (1/ 382)، تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال، ص (160)، المفهم للشرح صحيح مسلم: (5/ 2000). (1/246)
صفحة 247
عن ابن عباس ? أن النَّبِيّ ح قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بالخير (1).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على أن الطهارة في الطواف مشروعة، ثم اختلفوا في اشتراطها على قولين:
الأول: إن الطهارة في الطواف شرط في صحته ولا يصح طوف إلا بطهارة كاملة، ومتى انتقضت الطهارة في أثناء طوافه فلابد من إعادتها. وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة (2). وقد استدلوا على قولهم بعدة أدلة، ومنها:
أولاً: حديث ابن عباس السابق، والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه سمى الطواف صلاة، وإذا ثبت أن الطواف في الشرع صلاة، لم تجئ إلا بطهارة؛ لقوله ح: (لا تقبل صلاة بغير بطهور) (3).
وثانيهما: أنه جعل الطواف صلاة، واستثنى من أحكامها، فلو كان الطواف صلاة في معنى دون معنى لم يكن لاستثناء حكم واحد – من جملة أحكامها – فائدة.
__________
(1) أخرجهُ الترمذي: (3/ 293)، كتاب (الحج)، باب (ما جاء في الكلام في الطواف)، رقم (960). وقال الترمذي: "وقد روى هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره عن ابن عباس موقوفاً ولا نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب". وقال الحافظ ابن حجر: وقد رجح الموقوف النسائي، والبيهقي، وابن الصلاح.
(2) الكافي لابن عبد البر، ص (139)، الاستذكار: (12/ 172)، حاشية الدسوقي: (2/ 31) بداية المجتهد لابن رشد: (2/ 848)، الأم: (2/ 178)، الحاوي: (5/ 190)، حلية العلماء: (3/ 280)، المجموع: (8/ 14 – 19).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 402)، كتاب (الطهارة)، باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (224)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجهُ من حديث أبي هريرة بلفظ "لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". (1/247)
صفحة 248
2. حديث عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ به حين قدم النَّبِيّ ح أنه توضأ ثم طاف (1).
ووجه الاستدلال بالحديث أن فعله ح في الحج يعد بياناً تؤخذ منه المناسك والأركان، لقوله ح: ÷لتأخذوا مناسككم× (2).
3. أن الحائض لا يجوز لها أن تطوف بالبيت حتى تطهر فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا لا نريد إلا الحج فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ح وأنا أبكي، قال: أنفست؟ قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت (3).
أن على الحاج أن يطوف بالبيت طواف الوداع إذا هو عزم على الرجوع إلى وطنه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (4).
ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه لو لم تكن الطهارة شرطاً في صحة الطواف لم يقل: ×وخفف عن الحائض×، وأذن لها بالسفر مع ركبها؛ فعن عائشة رضي الله عنها ÷أن صفية بنت حيي زوج رسول الله ح حاضت، فذكرت لرسول الله ح، فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذًا× (5).
__________
(1) أخرجه البخاري: (3/ 557)، كتاب (الحج)، باب (من طاف بالبيت إذا قدم)، رقم (1614). وأخرجه مسلم: (2/ 906)، كتاب (الحج)، باب (ما يلزم من طاف بالبيت)، رقم (1235).
(2) أخرجه مسلم: (2/ 943) كتاب (الحج) باب (استحباب رمي جمرة يوم النحر راكباً) حديث: (1297).
(3) أخرجهُ البخاري: (1/ 477) كتاب الحيض باب (الأمر بالنفساء إذا نفسن) رقم (294) وأخرجه مسلم (2/ 870) كتاب الحج، باب: وجوه الإحرام، رقم (1211).
(4) أخرجهُ البخاري: (3/ 684)، كتاب الحج، باب طواف الوداع، رقم (1755).
(5) أخرجهُ البخاري: (3/ 685)، كتاب الحج باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، رقم (1757). (1/248)
صفحة 249
القول الثاني: أن الطهارة ليست شرطاً في صحة الطواف وإن كانت واجبة، وهذا مذهب الحنفية (1).
وقد استدل الحنفية على قولهم بعدة أدلة، منها:
1. قوله تعالى: ژ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ژ [الحج29].
فقد أمر الله تعالى بالطواف مطلقاً عن شرط الطهارة، والخبر الوارد في اشتراطها خبر آحاد، ولا يجوز به الزيادة عما في الكتاب، لأن الزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بالآحاد.
2. وقد أجاب الحنفية على حديث ÷الطواف صلاة× أن المراد به التشبيه، كما في قوله تعالى: ژ ? ? ژ [الأحزاب: 6] أي كأمهاتهم، ومعناه: الطواف كالصلاة في الثواب أو في أصل الفرضية.
المسألة عند الإباضية:
ذهبت الإباضية إلى اشتراط الطهارة في الطواف كما هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بحديث ابن عباس السابق، ويؤيده أمر رسول الله ح للحائض أن تؤدي المناسك كلها إلا الطواف.
قال الجيطالي: "قال أصحابنا: لا يجزئ الطواف بغير الطهارة، لا عمداً ولا سهواً، ومن طاف بغير الطهارة فعليه الإعادة" (2).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة، هو أن خبر الآحاد هل يجوز أن يقيد به مطلق الكتاب، أو يزاد به عليه أم لا؟ فالذين قالوا بجواز تقييده لمطلق الكتاب عملوا بالحديث الوارد في اشتراط الطهارة في الطواف، وهو الجمهور، والذين رأوا أنه لا يزاد به على الكتاب لم يعلموا به، وهم الحنفية؛ إذ يعتبرون أن الزيادة نسخ ولا يجوز النسخ بخير الآحاد.
} - - {
المبحث السادس
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في باب الذبائح
التسمية على الذبيحة:
__________
(1) تحفة الفقهاء: (1/ 398)، بدائع الصنائع: (2/ 195)، فتح القدير: (3/ 49)، البناية: (4/ 279)، الاختيار لتعليل المختار: (1/ 162).
(2) بيان الشرع: (1/ 287). (1/249)
صفحة 250
1.عن رافع بن خديج ? قال لرسول الله ح: إِنَّا نَرْجُو أَوْ نَخَافُ الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ (1).
2. عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ح: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لاَ نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ. قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ (2).
الأثر الفقهي:
اتفق الفقهاء على مشروعية التسمية، وهي ذكر اسم الله على الذبيحة ولكنهم اختلفوا في حكمها على ثلاثةأقوال:
القول الأول: أن التسمية على الذبيحة فرض؛ وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (3).
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة، ومنها:
1. قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ [الأنعام121].
الآية تدل على أمرين:
أولا: أن مطلق النهي للتحريم في حق العمل.
ثانيا: أنه سبحانه سَمََّي أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه فسقا بقوله ?: ژ ژ.
__________
(1) أخرجة البخاري: (9/ 538)، كتاب الذبائح والصيد، باب (التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا)، رقم (5498).
(2) أخرجهُ البخاري: (9/ 550)، كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراف ونحوهم، رقم (5507).
(3) المبسوط: (11/ 36 - 38)، مختصر اختلاف العلماء: (3/ 198)، بدائع الصنائع: (5/ 68 - 70)، فتح القدير: (9/ 489 - 492)، البناية في شرح الهداية: (10/ 654 - 654)، فتح القدير: (9/ 489 - 492)، البناية في شرح الهداية: (10/ 654 - 654) ‘ حاشية رد المحتار: (6/ 299)، الكافي لابن عبدالبر، ص (179)، شرح بداية المجتهد: (2/ 1123 - 1130)، المغني: (8/ 540 – 541)، المقنع، ص (311). (1/250)
صفحة 251
ولا تُحْمَل الآية السابقة على الميتة وذبائح المشركين فحسب، كما قال بعض أهل التأويل في سبب نزول الآية (1)؛ لأن القاعدة عند الأصوليين: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وأيضا فإن حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين يفيد التكرار؛ لأن حرمة الميتة وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخرى، وهي قوله ?: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ [المائدة3]. وقال تعالى: ژ ے ? ? ? ?ژ [الحج36]، والأمر يقتضي الوجوب في حق العمل (2).
2. حديث عدي بن حاتم ? قال:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي. فَقَالَ النَّبِيّ ح: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ، فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ: إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ. فَقَالَ: لاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ (3).
ووجه الاستدلال بهذا أنه أوقف إذن الأكل على التسمية.
__________
(1) تفسير القرطبي: (7/ 74)، أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 269).
(2) وقد أجاب من قال بأن التسمية على الذبيحة سنة مؤكد – وهم جمهور الشافعية ومن واقفهم – على هذا بأن قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} المراد به ما ذبح للأصنام، كما قال تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} لأنه تعالى قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وقد أجمع المسلمون على أن من متروك التسمية علية ليس بفاسق، فيجب حملا على أنها مؤكدة.
(3) أخرجهُ البخاري: (9/ 538)، كتاب الذبائح والصيد، باب (التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا)، رقم (5498). (1/251)
صفحة 252
3. حديث رافع بن خديج ? قال لرسول الله ح: وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ قَالَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ (1).
ففي هذا الحديث تعلق الإذن بمجموع الأمرين وهما الإنهار والتسمية، والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه بأحدهما، وينتفي بانتفاء أحدهما.
4. حديث أبي ثعلبة الخشني ?أن رسول الله ح قال له: وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ. (2)
5. حديث عدي بن حاتم ? قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ح قُلْتُ: ِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلاَبِ فَقَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ إِلاَ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلاَبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ تَأْكُلْ. (3)
والقول الثاني: أن لتسمية على الذبيحة سنة مؤكدة، وبه قال الشافعية، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - واستدلوا على قولهم بأدلة كثيرة منها:
1. قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ےژ [الأنعام145].
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (9/ 538)، كتاب الذبائح والصيد، باب (التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا)، رقم (5498).
(2) أخرجهُ البخاري: (9/ 527)، كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد، رقم (588).
(3) أخرجهُ البخاري: (9/ 52)، كتاب الذبائح والصيد، باب (إذا أكل من الصيد)، رقم (5483). (1/252)
صفحة 253
ووجه الاستدلال من الآية: أن المحرمات هي هذه الثلاث فحسب، ومتروك التسمية لم يدخل فيها فلا يكون محرما (1).
2. قوله تعالى: ژ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ [المائدة5] والمعروف عنه أهل الكتاب أنهم لا يسمون على الذبيحة غالبا (2).
3. قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پژ [المائدة3] إلى قوله تعالى: ژ? ? ?ژ. ففي الآية أن الشارع أباح المذكَّى، ولم يذكر التسمية، فإن قيل: لا يكون مذكًّى إلا بالتسمية. فالجواب: أن الذكاة في اللغة الشق والفتح وقد وجدا.
4. حديث عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ح: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لاَ نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ. فَقَالَ: ÷سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ×. قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ ِبالْكُفْرِ (3).
ففي هذا الحديث أن التسمية لو كانت شرطا لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما عرض الشك في نفس الذبيحة فلم يعلم وقعت الذكاة المعتبرة أولا. ويؤكد ما سبق: انه لما نابت تسميتهم عن الذبح دلَّ على أنها سنة: لأن السنة لا تنوب عن فرض (4) وفي رواية لمالك عن عائشة رضي الله عنها زيادة فيها: "وذلك في أول الإسلام" (5).
__________
(1) وتعقب بأن متروك التسمية عمدا هو نفسه ميتة، فهذا داخل في الميتة.
(2) وتعقب هذا أهل الكتاب يذكرون اسم الله على ذبائحهم.
(3) أخرجهُ البخاري في صحيحه، (كتاب الذبائح والصيد) باب (ذبيحة الأعراب ونحوهم) رقم (5507).
(4) وقد أجاب من قال بوجوب التسمية عن حديث عائشة رضي الله عنه بأنه أعل بالإرسال فلا حجه فيه، لأن الشارع أدار الحكم على المظنة، وهي كون الذابح مسلما. وإنما أشكل على السائل حداثة إسلام القوم، فألغاه - صلى الله عليه وسلم -. بل فيه دليل على أنه لا بد من التسمية، وإلا ليبين له عدم لزومها، وهذا وقت الحاجة إلى البيان.
(5) موطأ مالك: (488)، كتاب الذبائح، باب ما جاء في التسمية على الذبيحة، حديث (1054). (1/253)
صفحة 254
وقد تعلق بهذه الزيادة قوم فزعموا أن هذا الجواب ÷ سموا أنتم وكلوا× كان قبل نزول قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ.
وأجيب على ذلك بأن في الحديث نفسه ما يرد ذلك؛ لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل، فدل على أن الآية كانت نزلت بالأمر بالتسمية، وقد اتفق على أن سورة الأنعام مكية وأن هذه القصة جرت بالمدينة، وأن الأعراب المشار إليهم في الحديث هم بادية أهل المدينة.
5. حديث أن النَّبِيّ ح قال: ÷المسلم يذبح على اسم الله، سمَّى أوْ لَم يُسَمِّ× (1).
6. حديث أبي هريرة ?: قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ح فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّىَ اللَّهَ فَقَالَ النبي ح: ÷اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ×. (2)
__________
(1) قال الزيلعي: غريب بهذا اللفظ، وفي معناه أحاديث: منها ما أخرجهُ الدارقطني، ثم البيهقي عن محمد بن يزيد بن سنان عن معقل بن عبيد الله الجزري عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" المسلم يكفيه اسمه فان نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل " انتهى قال بن القطان في كتابة: ليس في هذا الإسناد من يتكلم فيه غير محمد يزيد بن سنان وكان صدوقا صالحا لكنه كان شديد الغفلة. انتهى، وقد رواه سعيد بن منصور، وعبدالله بن الزبير الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس. ا. نصب الراية: (4/ 182).
(2) رواه الدارقطني في سننه: (4/ 295)، وفي إسناده ضعف، قال الدارقطني: في إسناد مروان بن سالم وهو ضعيف. نصب الراية: (4/ 183). (1/254)
صفحة 255
7. حديث ابن عباس ? أَنَّ النبي ح قَالَ: ÷الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يُسَمِّىَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ لْيَأْكُلْ× (1)
والقول الثالث: أن التسمية على الذبيحة فرض على الإطلاق، فلا تحل الذبيحة بترك التسمية عمدا أو سهوا، وبه قال أهل الظاهر (2).
واستدل ابن حزم وغيره من أهل الظاهر على مذهبهم بأدلة كثيرة، ومنها قوله تعالى ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ.
ففي هذه الآية نجد أن الله تعالى عم ولم يخص حالة النسيان أو العمد؛ فدل ذلك على أنه على عمومه.
المسألة عند الإباضية (3):
ذهب الإباضية في هذه المسألة إلى أن التسمية شرط في حل الذبيحة؛ وذلك لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [الأنعام118].
وفي منهاج الطالبين: "ومن ذبح ونسي أن يذكر اسم الله على الذبيحة، فلا يأكلها؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ.
وعلى هذا جمهور الإباضية" (4).
وهو ما ذهب ابن عمر وإبراهيم النخعي وابن سيرين وهو رواية عن الأمام أحمد (5) والذي أراه – والله أعلم – أن نسيان التسمية على الذبيحة لا يحرمها، وهذا القول مروي عن جابر بن زيد، والإمام أفلح بن عبد الوهاب وغيرهما من العلماء الإباضية.
قال اطفيش:" قال أبو العباس أحمد: لا تجوز الذبيحة إلا بذكر التسمية واستقبال القبلة إلا على حال الضرورة والنسيان" (6).
وأرجح هذا الرأي لأمور:
__________
(1) أخرجة الدارقطني في سننه: (4/ 296)، رقم (98)، والبيهقي في سننه الكبرى: (9/ 239)، رقم (18669).
(2) المحلى: (6/ 87 - 91).
(3) جامع البسيوي: (2/ 208)، الإيضاح: (4/ 125)، وبيان الشرع: (27/ 9)، منهاج الطالبين: (6/ 491)، شرح النيل: (4/ 469).
(4) منهاج الطالبين: (6/ 491).
(5) مصنف عبد الرزاق: (6/ 120)، والاستذكار: (15/ 217)، وأحكام القرآن للجصاص: (3/ 10)، أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 271).
(6) شرح النيل: (4/ 474)، انظُر: بيان الشرع: (27/ 11). (1/255)
صفحة 256
1. أن التسمية عبادة كغيرها من العبادات، وقد تجاوز الله عن الناسي في عبادته لقوله ح: ÷رفع عن أمتي الخطأ والنسيان×.
2. أن وصف الفسق في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ لا يرجع إلى ترك التسمية خاصة؛ لأن الفسق هو الخروج عن الطاعة، بل الوصف راجع إلى الذبح لغير الله تعالى.
3. والأمر الأخير هو أن ترك الأكل من الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها – نسيانا – هو من قبل إضاعة المال، وذلك منهي عنه شرعا.
سبب الخلاف:
وسبب اختلاف العلماء في مسألة التسمية على الذبيحة وهو معارضة ظاهر الكتاب في ذلك الأثر. فأما الكتاب فقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ [الأنعام121]
وأما السنة المعارضة لهذه الآية، حديث عائشة قالت: سئل رسول الله ح فقيل له: يا رسول الله، إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا؟ فقال رسول الله ح: ÷ سموا الله عليها ثم كلوها×.
فمن رأى التسمية شرطا قدم الآية مع الأحاديث الموافقة لها، ومن لم ير ذلك ذهب مذهب الجمع بأن حمل الأمر بالتسمية على الجمع (1).
ذكاة الجنين:
__________
(1) شرح الكتاب المجتهد ونهاية المقتصد: (2/ 1123 وما بعدها). (1/256)
صفحة 257
1. أبي سعيد ? قال: سألت رسول الله ح عََنْ الْجَنِينِ فَقَالَ: كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ (1).
الأثر الفقهي:
اختلف الفقهاء في جواز أكل الحنين إذا وجد ميتا في بطن أمه بعد ذبحها على قولين:
القول الأول: وهو مذهب "الحنفية " (2):
أنه لا يحل أكل الجنين إن وجد في بطن أمه ميتا؛ لأنه يعتبر في حكم المنخنقة؛ فإن الواجب في حل أكل الذبيحة الذكاة، واستدلوا بالأدلة الآتية:
أولاً: حديث أبي هريرة المتقدم حيث إنه يوجب قطع الحلق واللبة في كل ما أريد تذكيته ذكاة شرعية.
ثانياً: بقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ? ?ژ [المائدة3]. وهذا الجنين الذي مات في بطن أمه من المنخنقة التي لا يجوز أكلها.
ثالثاً: قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ےژ [الأنعام145]. وفي الجنين دم مسفوح بالإجماع.
رابعاً: احتمال تأخر الآية عن حديث أبي سعيد فيكون حكم الحديث منسوخاً بها.
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (3/ 252)، كتاب (الأضاحي)، باب (ما جاء في ذكاة الجنين)، رقم (2827)، الترمذي في سننه: (4/ 60)، كتاب (الأطعمة)، باب (ما جاء في ذكاة الجنين)، رقم (1476)، وابن ماجه في سننه: (2/ 1067)، كتاب (الذبائح)، باب (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، رقم (3199)، الحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي، والحاكم في المستدرك: (4/ 114)، وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبدالله في سنن أبي داود في الكتاب والباب المذكورين، رقم (2828).
(2) المبسوط: (12/ 6)، تحفة الفقهاء: (3/ 92)، رؤوس المسائل، ص (511)، بدائع الصنائع: (5/ 63)،اللباب في بين السنة والكتاب: (2/ 626). (1/257)
صفحة 258
خامساً: وتأولوا قوله ح: ÷ذكاة الجنين ذكاة أمّه×. بقولهم: إن معناه ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه بحذف المضاف أي فيجب ذبحه كما يجب ذبح أمه على معنى قول الشاعر:
فعيناكِ عيناها وجيدكِ جيدُها ... سوى أن عظمَ السَّاق منكِ دقيق
أي عيناك مثل عينيه وشبيهة بهما (1).
والقول الثاني: وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (2) وهو أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، واستدلوا على ذلك بالأدلة الآتية:
أولاً: حديث أبي سعيد الخدري ?المتقدم فقد أجاز النَّبِيّ ح أن يأكلوا الجنين الميت إذا ذكيت أمه.
ثانياً: والقياس يقتضي أن يكون الجنين تبعا لأمه؛ لأنه يباع ببيع الأم ويعتق بعتقها، فكذا في الذكاة يتبع ذكاة أمه لأنه جزء منها، وإنما تجب ذكاته ذكاة مستقلة إذا خرج من بطن أمه حيا.
ثالثاً: عن ابن عباس ? في قوله سبحانه تعالى: ژ ک ک گ ... گژ [المائدة1] أنها الجنين. (3)
المسألة عند الإباضية:
والذي عليه العمل عند الإباضية أن ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر، لاعتباره جزءا منها، ولظاهر حديث أبي سعيد الخدري، قال الشماخي: واختلف العلماء في ذكاة الجنين، فقال بعضهم: ذكاته ذكاة أمه، وعليه العمل عند أصحابنا لقوله ح: ÷ذكاة الجنين ذكاة أمه×. (4)
سبب الخلاف في المسألة:
__________
(1) انظُر: اللباب: (2/ 626).
(2) الكافي لابن عبد البر، ص (179)، الاستذكار: (15/ 251)، الشرح الكبير: (2/ 114)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 2/542)، المجموع: (9/ 146)، المهذب: (1/ 262)، مغنى المحتاج: (4/ 306)، مختصر خلافيات البيهقي: (5/ 84)، المغنى لابن قدامة: (8/ 579)، الكافي لابن قدامه: (2/ 551)، الإفصاح لابن هبيره: (2/ 255).
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى: (9/ 336).
(4) الإيضاح: (4/ 123)، جامع البيسوي: (3/ 211)، منهج الطلبين: (6/ 518)، بيان الشرع: (23/ 109)، شرح النيل: (4/ 462). (1/258)
صفحة 259
وسبب الخلاف في هذه المسألة أن الذين قالوا بجواز أكل الجنين إذا وجد في بطن أمه ميتا بعد ذكاتها أخذوا بالخبر وهو قوله ح: ÷ ذكاة الجنين ذكاة أمه×.
والذين قالوا بعدم جواز أكله تركوا الخبر لمخالفة القياس الأصول إذ الأصل إذ الأصل حرمة المنخنقة وكل ميتة، وموت ميتة، وموت الجنين في بطن أمه يشبه المنخنقة (1).
} - - {
المبحث السابع
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في باب النكاح
الولي في النكاح:
1. عن أبي موسى الأشعري ? قال: قال رسول الله ح: لا نكاح إلا بولي (2).
__________
(1) بداية المجتهد: (1/ 515)، تخريج الفروع على الأصول، ص (264).
(2) الحديث أخرجهُ أبو داود: (2/ 567)، كتاب (النكاح)، باب (في الولي)، رقم (2085)، ورواه الترمذي: (3/ 407)، كتاب (النكاح)، باب (ما جاء في لا نكاح إلا بولي)، رقم (1101)، وابن ماجه: (1/ 605)، رقم (1881). وقد روي هذا الحديث من وجوه مختلفة، منها موصلة ومرسلة، والذين وصلوه ثقات، وزيادة الثقة مقبولة، فضلا عن أن البخاري والترمذي قد صححاه، فقد نقل البيهقي عن البخاري أنه سئل عن هذا الحديث فقال:" الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة. يعني الراوي الذي أتت من طريقه الزيادة. والحديث صححه كذلك ابن المديني، وابن خزيمة. السنن الكبرى (7/ 108)، مستدرك الحاكم (3/ 170)، نصب الراية (3/ 185). وللحديث شواهد أخرى من حديث عائشة - رضي الله عنهم - مرفوعا بلفظ: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليهما فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها". رواه أبو داود: (2/ 566)، كتاب (النكاح)، باب (الولي)، رقم (2083)، والترمذي: (3/ 407)، رقم (1102)، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجة: (1/ 605)، رقم (1879). والحديث صححه ابن عبدالبر في الاستذكار: (16/ 31). (1/259)
صفحة 260
2. عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أن النَّبِيّ ح قال: الثيّب أحق بنفسها مِن وليِّها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها (1).
الأثر الفقهي:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الولي شرط في صحة النكاح، وأنه لا يجوز للمرأة أن تُزوِّج نفسها، ولا أن تُزوِّج غيرها، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (2).
القول الثاني: أن الولي ليس شرطا في صحة النكاح ولا من فرائضه، وإنما هو من تمامه وكماله؛ فيجوز للمرأة تزويج نفسها إذا كانت رشيدة عاقلة، بكرا كانت أو ثيبا، إذا تزوجت بكفء. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (3).
أدلة أصحاب القول الأول:
1. حديث أبي موسى? السابق مرفوعا: ÷لا نكاح إلا بولي×.
وهذا النفي يتوجه إما إلى الذات الشرعية أو إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الذات، فيكون المراد: لا نكاح شرعي أو صحيح إلا بولي، ومن ثم فيكون النكاح بغير ولي باطل.
2. حديث عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ ح قال: ÷أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ... × الحديث (4). وفيه التصريح بأن النكاح – بغير إذن الولي – باطل.
__________
(1) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: (2/ 1037)، كتاب (النكاح)، باب (استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت)، رقم (1421). وأبو داود في سننه: (2/ 577)، رقم (2098). والترمذي في سننه: (3/ 416)، رقم (1108). والنسائي في سننه: (6/ 84)، رقم (3260): (3261): (3262) كلهم عن ابن عباس مرفوعا.
(2) الاستذكار: (16/ 35)، بداية المجتهد: (3/ 1248)، مواهب الجليل: (3/ 419)، الخرشي على مختصر خليل: (2/ 69)، أسهل المدارك: (2/ 69)، مختصر خلافيات البيهقي: (4/ 17) الحاوي الكبير: (11/ 57)، الوسيط في المذهب الشافعي: (5/ 58)، المغني لابن قدامة: (6/ 449).
(3) المبسوط: (5/ 10)، فتح القدير: (3/ 255)، رد المحتار: (3/ 55 - 57).
(4) سبق تخرجه. (1/260)
صفحة 261
3. حديث أبي هريرة ? أن النَّبِيّ ح قال: لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها (1) فهذا نهي والنهي يدل على فساد المنهي عنه وبطلانه.
4. قوله تعالى: ژ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کژ [البقرة232]. فقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار عندما عضل أخته عن زوجها عندما طلقها ثم أراد إرجاعها، فأبى معقل أن يردها، فأنزل الله هذه الآية، فردها إليه.
أدلة من لا يشترط الولي في صحة النكاح (2):
استدل الحنفية على قولهم بعده أدلة، ومن أهمها:
1. قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة230]. فهنا نسب الفعل إلى المرأة.
2. وكذلك استدلوا بقوله تعالى: ژ ژ ژ s s ک ک ک کژ [البقرة232]، وهنا نسب النكاح إليهما أيضا، والأصل في الإسناد إلى الفاعل الحقيقي.
3. حديث ابن عباس: ÷ الأيّم أحق بنفسها من وليّها ... ×.
قالوا: والأيِّم: يطلق على المرأة التي لا زوج لها، سواء كانت بكرا أم ثيبا. وهذا هو الصحيح عند أهل اللغة.
وهذا الحديث قد أثبت لكل منهما حقا، فليس للولي سوى مباشرة العقد إذا رضيت، وقد جعلها النَّبِيّ ح أحق بنفسها من الولي.
__________
(1) أخرجهُ ابن ماجه: (1/ 606)، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي: (1882). والحديث قد رُوي من وجوه مختلفة، موصولة وموقوفه عند الدارقطني: (3/ 227)، والبيهقي في السنن الكبرى: (7/ 100) ورجح الوصل، وصححه ابن الملقن في تحفة المحتاج: (2/ 364/ 2).
(2) المبسوط للسرخسي: (5/ 12)، اختلاف العلماء: (2/ 247) فتح القدير لابن الهمام: (3/ 260،259)، بدائع الصنائع: (2/ 318)، الهداية شرح بداية المبتدي: (1/ 213)، رد المحتار: (3/ 55). (1/261)
صفحة 262
وقد تعقب هذا الاستدلال بأن المراد بالأيم في الحديث: الثيب؛ لأنه لما قابل الأيم بالبكر اقتضى أن تكون البكر غير الأيم؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وليس غير البكر إلا الثيب، فلهذا عدل بالأيم عن حقيقة اللغة إلى موجب الخبر، ويؤيد ذلك أن الحديث روي بلفظ: ÷ الثيب أحق بنفسها من وليها×.
4. ما رواه مالك في الموطأ عن عائشة - رضي الله عنه - أنها زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن، من المنذر بن الزبير – وعبد الرحمن غائب في الشام – فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يُفتات عليه في بناته؟! فكلمت عائشة رضي الله عنها المنذر بن الزبير فقال: إن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: " ما كنت لأرد أمرا قضيته، فاستمرت حفصة عند المنذر" (1)، ولو كان الولي شرطا لما خالفت عائشة ما روته.
وقد تعقب هذا الاستدلال بأن ذلك كان من عائشة تمهيدا للنكاح وليس ولاية للعقد؛ بدليل ما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبية – وهو راوي الحديث السابق. قال: " كانت عائشة رضي الله عنها تخطب إليها المرأة من أهلها، فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوج؛ فإن المرأة لا تلي عقد النكاح (2). ثم إن عائشة لم تكن هي الراوية الوحيدة لهذا الخبر، بل شاركها غيرها من الصحابة في رواية مضمونه.
1. ما رواه البخاري عن خنساء بنت خذام رضي الله عنها أن أباها زوجها ثيبا فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ح فرد نكاحها (3).
__________
(1) أخرجهُ مالك في الوطأ: (2/ 555)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (3/ 8)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (10/ 34).
(2) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار: (10/ 33).
(3) البخاري مع الفتح: (9/ 101)، كتاب (النكاح)، باب (إذا زوج الرجل ابنيه وهي كارهة فنكاحه مردود)، رقم (5138). (1/262)
صفحة 263
2. حديث ابن عباس ? أن جارية بكرا أتت النَّبِيّ ح فذكرت أن أباها زوَّجَهَا وهي كارهة، فخيَّرها النَّبِيّ ح (1).
3. حديث عائشة رضي الله عنها أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة؟ قالت: اجلسي حتى يأتي النَّبِيّ ح فجاء رسول الله ح فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أَعلَم أللنِّساء من الأمر شيء؟ × (2).
قالوا: فهذه الأحاديث تفيد أن مباشرة الولي للعقد ليست حقا ثابتا بل هو استحباب لا شرط. وقد ورد هذا الحديث بلفظ: ÷أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء×.
وفي هذا دليل من جهة تقرير ح لقوله ذلك.
__________
(1) الحديث أخرجهُ أبو داود: (2/ 576)، كتاب (النكاح)، باب (في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمر)، رقم (2096).
(2) الحديث أخرجه النسائي في سننه: (6/ 86)، كتاب (النكاح)، باب (البكر يزوجها أبوها وهي كارهة)، رقم (3269). أخرجه ابن ماجه: (1/ 602)، كتاب (النكاح)، باب (من زوج ابنته وهي كارهة)، رقم: (1874) بلفظ: " ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء ". أخرجهُ أبو داود في سننه: (2/ 576)، كتاب (النكاح)، باب (في الفكرة يزوجها أبوها ولا يستأمر)، رقم (2096)، وليس فيه: " لكن أردت أن أعلم النساء من الأمر شيء " أو نحوه. والحديث اختلف في وصله وإرساله وصحح الإرسال أبو داود والدارقطني في سننه: (3/ 335). والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (10/ 47). (1/263)
صفحة 264
وقد تعقب هذا الحديث بأنه مرسل لا يحتج به، وأنه من رواية علي بن غراب وهو ضعيف. وإن صح فهو محمول على أنه زوَّجَهَا مِن غير كفء؛ كما يشعر به قول المرأة: "ليرفع بي خسيسته ". ثم الحديثان لا حجه فيهما؛ لأن النَّبِيّ ح رد نكاحا تفرد به الولي وإنما يكون حجة لو أجاز نكاحا تفردت به المرأة (1).
المسألة عند الإباضية:
مذهب الإباضية في هذه المسألة أن الولي شرط في صحة العقد لقوله تعالى: ژ? ? ?ژ وللأحاديث الواردة في الباب كحديث: ÷لا نكاح إلا بولي×. وغير ذلك من الأحاديث والأدلة التي استدل بها من قال باشتراط إذن الأولياء كقوله ?: ژ? ? ?ژ. وقوله ح:÷لا نكاح إلا بولي× (2)، وهذا هو قول جمهور الإباضية.
وعلى الولي أن يزوّج وليته بِمَن رضيت به، وإن امتنع – يعنى الولي – فيلي نكاحها غيره من الأولياء.
وإن ادعت عند الحاكم أن وليها منعها من النكاح، فإن الحاكم يجبره على نكاحها، أو يتولى هو نكاحها (3).
ويترجح لديّ ما قال به جمهور أهل العلم من اشتراط الولي لصحة النكاح، وذلك لتعدد الأدلة التي تنص على اشتراطه.
__________
(1) الحاوي: (11/ 60). قلت: إن كان الشافعية لا يحتجون بالمرسل، فالحنفية يحتجون به.
(2) الضياء: (8/ 295). وانظُر: جامع ابن بركة: (2/ 118)، وجامع البسيوي: (3/ 6)، أجوبة ابن خلفون، ص (66)، النكاح للجناوني، ص (62)، شرح مسند الربيع: (3/ 5). وقد خالف ابن بركة في هذه المسألة، فقال باشتراط الولي في نكاح البكر فقط، ولم يشترطه في نكاح الثيب إن وضعت نفسها تحت كفء. جامع ابن بركة: (2/ 119) وهو يتفق في هذا الرأي مع داود الظاهري. المحلى: (9/ 451).
(3) المدونة الكبرى لأبي غانم: (2/ 7)، الضياء: (8/ 297)، كتاب النكاح للجناوني، ص (68). (1/264)
صفحة 265
وفي اشتراط الولي في نكاح المرأة حفظ لكرامتها وحيائها، بدلا من أن تظهر بمظهر التائق إلى الرجال، وبالولي تعزز المرأة مكانتها لدى زوجها وأهله، والمرأة تكون في أشد الحاجة إلى من يقف بجانبها من أوليائها، وأقربائها خصوصا إذا حدثت خلافات مع زوجها في مستقبل الأيام.
ثم إن الولي غالبا ما يكون أعقل وأبصر من المرأة، فهو يزن الأمور بمقياس العقل والتروّي، وذلك بخلاف المرأة التي غالبا تنظر إلى مثل هذه الأمور من خلال عاطفتها فقط، وهذا ما تؤيده وقائع الحياة.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: وهو مخالفة الراوي لما يرويه. والمقصود بالراوي هنا هو الصحابي، فقد خالفت عائشة رضي الله عنها ما روته وزوجت ابنة أخيها في غيابه، وهذا عند الحنفية سبب قوى لرد الحديث كما هو معلوم من قواعدهم.
الثاني: وهو القياس على تصرفات المرأة المالية، فالرشيدة تتصرف في مالها كيف شاءت ما لم يحجر عليها، عليها كذلك لها أن تتصرف في زواجها ما لم تعقد على غير كفء.
الثالث: أن القرآن أسند إليها النكاح في بعض آياته. ومن ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة230]، فمنها نسب الفعل إلى المرأة. وكذلك قوله تعالى: ژ ژ ژ s s ک ک ک کژ [البقرة232] فنسب النكاح أيضا إليها، والأصل في الإسناد أن يكون إلى الفاعل الحقيقي.
الرابع: اختلافهم في تفسير لفظ الأيم، فهذا اللفظ يطلق أيضا على الثيب التي عدمت زوجها بالموت أو الطلاق، ويطلق أيضا على كل من ليست لها زوج، ثيبا كانت أو بكرار.
***
الشهادة في النكاح: (1/265)
صفحة 266
1. عن عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ ح قال: ÷لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل× (1).
2. عن عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ ح قال: ÷أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال× (2).
الأثر الفقهي:
__________
(1) الحديث رواه الشافعي في الأم: (5/ 22) عن ابن عباس موقوفا، ورواه ابن حبان في صحيحه: (6/ 152)، والدارقطني في سننه: (3/ 222)، وقال: رجاله ثقات إلا أنه محفوظ من قول ابن عباس ولم يرفعه إلا عبد الله بن الفضل، وقال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر. ورواه البيهقي في سننه: (7/ 111)، موقوفا على علي بن أبي طالب بلفظ: " لا نكاح إلا بولي، ولا نكاح إلا بشهود" ورواه أيضا عن ابن عباس موقوفا بلفظ:" لا نكاح إلا بولي مرشد عدل ". وانظُر: المغنى لابن قدامة: (6/ 451)، ونصب الراية: (3/ 188).
(2) الحديث أخرجه ابن ماجه: (1/ 611)، كتاب (النكاح)، باب (إعلان النكاح)، رقم (1895). وفي إسناده خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي، وهو متفق على ضعفه في تقريب التهذيب، وأخرجه الترمذي في سننه: (3/ 398)، كتاب النكاح، باب: ما جاء في إعلان النكاح، رقم (1089)، بزيادة: "واجعلوه في المساجد"، وهي زيادة منكرة، والجملة الأولى من الحديث لها شواهد ترتقي بها إلى الحسن. ومن تلك الشواهد حديث محمد بن حاطب الجمحي مرفوعا: " فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت ". أخرجه الترمذي: (3/ 398)، رقم (1088)، وقال: حديث حسن غريب. ومن الشواهد أيضا حديث عبدالله بن الزبير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرجهُ ابن حبان في صحيحه: (6/ 147)، كتاب النكاح، باب: تزويج المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة، رقم (4054)، وأخرجه الحاكم في المستدرك: (2/ 383)، كتاب النكاح. وصححه ووافقه الذهبي. (1/266)
صفحة 267
يظهر أن الحكمة من الإشهاد في الزواج هي بيان خطورته وأهميته، وإظهاره بين الناس؛ وذلك لدفع التهمة التي قد تلحق الزوج أو الزوجة، وكذلك فإن الشريعة قد جعلت الإشهاد للحفاظ على النسب، لأنه ربما أنكر الزوج ابنه، فبالشهادة على النكاح يثبت نسب الولد من أبيه.
وكذلك فإن الشهادة تُعتبر فارقةً بين الحلال والحرام، فشأن الحلال الظهور، وشأن الحرام التستر عليه عادة، من أجل هذا جعلت الشريعة الشهادة واجبة في النكاح.
وفي الإشهاد درء لسوء الظن الذي يؤدي إلى التهم وقذف الناس في أغراضهم.
وقد اختلف أهل العلم في حكم الشهادة عند العقد على قولين:
القول الأول: أن الشهادة واجبة عند العقد ولا يتم العقد إلا بها. وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة (1).
وقد استدلوا بالأدلة التالية:
الأول: حديث عمران بن حصين ? مرفوعا: ÷لا نكاح إلا بولي وشاهد عدل×. (2)
ثانيا: حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ ح قال: ÷لابد في النكاح من أربعة: زوج وولي وشاهدي عدل× (3).
هذان الحديثان صريحان في اشتراط الشهادة عند العقد، واستدلوا بما روي عن كبار الصحابة بإيجاب الشهادة.
__________
(1) الهداية: (1/ 31)، مختصر اختلاف العلماء: (2/ 251)، فتح القدير: (3/ 200)، الشرح للدردير: (2/ 216)، مغني المحتاج، (4/ 144)، المغني: (6/ 450).
(2) أخرجه الدارقطني في سننه: (2/ 138)، وفي إسناد مجهول وهو أبو الخصيب نافع بن ميسرة.
(3) أخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (5/ 125)، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد: (4/ 286)، وعزاه للطبراني، وقال: فيه عبدالله بن محرز وهو متروك. (1/267)
صفحة 268
القول الثاني: أن الشهادة ليست شرطا في صحة العقد، ولكنها واجبة في النكاح عموما، فإن من يشهد في العقد أشهد عند الدخول ولابد، وإن دخل بلا إشهاد فرق بينها. وهذا قول المالكية (1).
واستدلوا على ذلك بأن النَّبِيّ ح قال: ÷أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف×. (2) فالحديث لم يشترط الشهادة عند العقد، وإنما بالإعلان أو الإشهار، ويعضد هذان أن النَّبِيّ ح كان يكره نكاح السر (3).
وقد فسر السر بأن يستكتم الشهود، أو أن يكون عليه من الشهود رجل وامرأتان، ونحو ذلك مما يقصد به التستر وترك الإعلان (4).
واحتجوا أيضا بالقياس على صحة البيع إذا لم يكن فيه شهود عند العقد، مع أن الإشهاد في البيع مطلوب كما في قوله: ژ ژ ژ ss ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?ژ [البقرة282]. ومن ثم فالنكاح الذي لم يطلب فيه الإشهاد أحرى أن لا يكون الإشهاد فيه شرطا، وإنما الفرض فيه إنما هو الإعلان والظهور.
والمسألة عند الإباضية:
أن الإشهاد شرط في صحة النكاح وهو قول الجمهور للحديث: ÷لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل×.
__________
(1) الاستذكار: (16/ 214)، حاشية الدسوقي: (2/ 216)، الخرشي على مختصر خليل: (1/ 167) المدارك: (2/ 88)، كفاية الطالب الرباني: (3/ 79).
(2) أخرجهُ الترمذي: (3/ 398)، كتاب النكاح، باب: ما جاء في إعلان، رقم (1089)، وابن ماجه: (1/ 611)، كتاب النكاح، باب: إعلان النكاح، رقم (1985)، بإسنادين مختلفين وفي كل منهما ضعف، لذا ضعفه البيهقي في السنن الكبرى: (7/ 290)، إلا أن الترمذي حسن الحديث، ولعله تحسينه لشواهده؛ فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده: (4/ 5)، وابن حبان في صحيحه. الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أعلنوا النكاح " والحديث صححه الحاكم. ووافقه الذهبي.
(3) الحديث رواه أحمد في مسنده: (4/ 78)، رقم (16758).
(4) الاستذكار: (16/ 212). (1/268)
صفحة 269
وقال البسيوي: ولا يجوز التزويج إلا بشاهدين حرين فالنكاح فاسد عند أصحابنا ولم نأخذ بقول من أثبته بغير بينة لأن الكتاب والسنة ينقضان ذلك (1).
سبب الإخلاف:
وسبب اختلافهم في مسألة الإشهاد عند العقد هو، هل الشهادة حكم شرعي يجب الالتزام به عند العقد، أم هي لسد ذريعة الاختلاف خشية إنكار النكاح من أحد الزوجين؟.
فمن قال: هي حكم شرعي التزم به وجعلها شرطا في صحة العقد، ومن قال: إنما هي للتوفيق جعلها من شروط التمام (2).
***
الجمع بين المرأة وعمتها:
1. عن جابر - رضي الله عنه - قال: ÷نهَى رسول الله ح أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها× (3).
2. عن أبي هريرة ? أن رسول الله ح قال: ÷لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها× (4).
3. عن ابن عباس ? قال: ÷نهى رسول الله ح أن تزوج المرأة على العمة والخالة، قال: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن× (5).
4. عن علي بن أبي طالب ? قال: قال رسول الله ح: ÷ لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها× (6).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وبنت أخيها أو بنت أختها؛ وذلك أخذا بالأحاديث السابقة التي خصصت عموم قوله تعالى: ژ? ? ? ? ?ژ [النساء24]
__________
(1) جامع البسيوي: (3/)، ابن بركة: (2/ 135)، الضياء: (8/ 345)، كتاب النكاح للجناوني، ص (56).
(2) بداية المجتهد لابن رشد: (3/ 1268،1267).
(3) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: (9/ 64)، كتاب (النكاح)، باب (لا تنكح المرأة على عمتها)، رقم (5108).
(4) أخرجه البخاري: (9/ 160)، كتاب (النكاح)، باب (لا تنكح المرأة على عمتها)، رقم (5109)، وأخرجه مسلم: (2/ 1028)، كتاب (النكاح)، باب (تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح)، رقم (1408).
(5) أخرجه ابن حبان: (6/ 166)، رقم (4104).
(6) أخرجه أحمد في مسنده: (1/ 77)، رقم (577)، وله شواهد كثيرة. (1/269)
صفحة 270
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه – بحمد الله – اختلاف (1).
المذهب عند الإباضية:
والمذهب عند الإباضية موافق لما ذهب إليه أهل العلم في هذا أخذا بتلك الأحاديث السابقة (2).
هذا الحكم وغيره من الأحاديث التي تتضمن أحكاما لم يتعرض لها القرآن تتضمن زيادة بيان على نص القرآن كحديث: ÷ لا وصية لوارث ×، أو رجم الزاني المحصن، أو تعميم حرمة الرضاع، وغيرها فقد قبلها الإباضية وعملوا بها مما يميزهم عن الخوارج الذين رفضوا العمل بها.
***
عدد الرضعات المحرمات:
1. قال الله تعالى في سورة النساء في بيان المحرمات: ژ? ? ? ... ? ? ژ ژ s s ک ک ... ک ... ک گ گژ [النساء23].
2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ح:÷إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة× (3).
3. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ح: ÷ لا تحرم المصة ولا المصتان× (4)، وفي الرواية "من الرضاعة "، وفي أخرى: ÷لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان× (5).
__________
(1) الإجماع لابن المنذر، ص (80)، الاستذكار: (16/ 170)، رد المحتار: (3/ 39) فتح القدير: (3/ 216)، مواهب الجليل: (3/ 465)، أسهل المدارك: (2/ 82)، الوسيط في المذهب الشافعي: (5/ 109)، الحاوي الكبير: (11/ 279). المغني لابن قدامة: (6/ 573).
(2) المدونة الكبرى: (2/ 26)، جامع أبي الحسن البسيوي: (3/ 36)، والضياء: (8/ 231)، شرح مسند الربيع: (3/ 23)،
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: (9/ 43)، كتاب (النكاح)، باب {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}، و (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، حديث (5099)، وأخرجه مسلم في صحيحه (2/ 1068)، كتاب (الرضاع)، باب (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، حديث (1444).
(4) أخرجه مسلم في صحيحه: (2/ 1073)،كتاب (الرضاع)، باب في (المصة والمصتان) رقم (1450).
(5) أخرجه مسلم: (2/ 1074)، في الكتاب والباب السابقين، رقم (1451). والإملاجة: الرضعة. أساس البلاغة: (2/ 397) مادة: (م ل ج). (1/270)
صفحة 271
4. عن عائشة رضي الله عنها قالت: ÷كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات تحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وهن مما يقرأ من القرآن× (1).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على أن الرضاعة تقوم مقام النسب في تحريم النكاح لقوله تعالى: ژ? ? ? ... ? ? ژ ژ s s ک ک ... ک ... ک گ گژ [النساء23].
ولقوله ح: ÷يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب×، وكذلك اتفقوا – إلا قليلا منهم (2) - على أن الرضاعة المحرمة ما كانت في الحولين لا بعدهما.
ثم اختلفوا في عدد الرضاع الناشر للحرمة والذي يقوم مقام الولادة أو النسب – على ثلاثة أقوال:
الأول: أن قليل الرضاعة وكثيرها سواء التحريم، وهو مذهب الحنفية والمالكية (3).
الثاني: أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان ثلاث رضعات فيما فوق، وهو مذهب أبي ثور وابن أبي ليلى، وهو رواية عن الإمام أحمد.
الثالث: أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان خمس رضعات مشبعات، فما فوقها، وهو مذهب الشافعية والمعتمد في مذهب الحنابلة (4).
أدلة من قال: إن قال الرضاع وكثيرة محرم:
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: (2/ 1075)، كتاب (الرضاع)، باب (التحريم بخمس رضعات)، رقم (1452).
(2) بداية المجتهد لابن رشد: (3/ 1309)، الاستذكار: (18/ 256).
(3) مختصر الطحاوي، ص (220)، المبسوط للسرخسي: (5/ 134)، رد المحتار على الدر المختار: (3/ 212)، وفتح: (3/ 438)، الخرسي على مختصر خليل: (4/ 177)، أسهل المدارك: (2/ 211)، الشرح الصغير: (2/ 720)، الاستذكار: (18/ 259).
(4) الحاوي الكبير للماوردي: (14/ 19)، الوسيط في المذهب للغزالي: (6/ 183)، الوجيز: (2/ 105)، روضة الطالبين: (9/ 7)، المغني لابن قدامة: (7/ 536)، زاد المستقنع، ص (117) المبدع شرح المقنع: (8/ 166)، منار السبيل: (2/ 293). (1/271)
صفحة 272
استدلوا بعموم قوله تعالى: ژ ک ک ... ک ... ک گ گژ [النساء23]، فهذا دليل على تحريم نكاح الأم المرضعة والأخت من الرضاعة. ومن أرضعت – ولو مرة واحدة – فقد وقع عليها اسم الرضاعة، وصارت بها أما.
وكذلك عموم قوله ح: ÷ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب×.
وتحريم النسب لا يراعي فيه العدد؛ ولأن اسم الرضاعة يطلق على القليل والكثير (1).
واستدلوا كذلك بحديث عقبة بن الحارث أنه قال: تزوجت امرأة فجاءنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما فأتيت النَّبِيّ ح، فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: إني أرضعتكما – وهي كاذبة – فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟!! دعها عنك. (2)
فها هنا النَّبِيّ ح لم يستفصل عن الكيفية ولا سأل عن العدد، فدل على أن مطلق الرضاع محرم (3).
واحتجوا كذلك بأن الأخبار التي وردت في بيان عدد الرضاع المحرم مختلفة، وهذا يوجب – كما يرون – الرجوع على أقل ما يطلق عليه اسم الرضاع وهو مرة واحدة.
أدلة من قال بتحريم الثلاث:
استدلوا بمفهوم المخالفة من قوله ح: ÷لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان، ولا المصة ولا المصتان×، فدل على أن أكثر من الاثنتين يحرم أخذا بمفهوم المخالفة.
وتُعُقِّبَ بأن هذا المفهوم لا يعمل به إذا عارضه منطوق، وهي أحاديث الخمس رضعات، وهي صحيحة؛ ومن ثم فقد سقط الاستدلال بالمفهوم.
__________
(1) أحكام القرآن للجصاص: (2/ 179،178)، أحكام القرآن لابن العربي: (1/ 481)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: (2/ 181)، عمدة القاري: (20/ 96)، الاستذكار: (18/ 261)، حاشية الدسوي على مختصر خليل: (2/ 502).
(2) الحديث أخرجه البخاري: (9/ 56)، كتاب (النكاح)، باب (شهادة المرضعة)، رقم (5104).
(3) وقد أجيب عن هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الاستفصال هنا عن العدد لاحتمال أن يكون سبق البيان منه - صلى الله عليه وسلم - للقدر الذي يثبت به التحريم. (1/272)
صفحة 273
أدلة من قال بتحريم الخمس:
استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات، .... الحديث. وهذا نص صحيح صريح في تحريم الخمس لا ما دونها (1).
واستدلوا كذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة وفيه فجاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ح فقالت: يا رسول الله، كنا نري سالما ولدا، وكان يدخل علينا وأنا فضل وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها النَّبِيّ ح: ÷أرضعيه خمس رضعات×.
وهذا صريح في عدد الرضاع المحرم.
وقد تعقب على الاستدلال بحديث سالم، بأن ذلك كان رخصة لسالم وحده، وأجيب بأنا نُسلِّم بخصوصية ذلك له في أن رضاع الكبير لا يحرم أو أن هذا منسوخ، لكن لا نسلم بذلك في العدد المذكور؛ لأمرين:
الأول: رضاع الكبير، وهذا منسوخ، أو كان لسالم خاصة.
الثاني: عدد الرضاع، وليس يدل على نسخه أو خصوصيته شيء.
وقد ردوا على من قال بتحريم قليل الرضاع وكثيره اعتمادا على مطلق الآية: ژ ک ک ... ک ژ بأن هذا المطلق جاء تقييده في سنة رسول الله ح بخمس رضعات فوجب المصير إليه.
المسألة عند الإباضية:
ومذهب الإباضية أن قليل الرضاع وكثيره يوجب التحريم، وذلك لإطلاق الرضاع في القرآن في وقوله تعالى: ژ ک ک ... ک ... ک گ گژ [النساء23]، ولقوله ح: ÷يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب×.
__________
(1) وقد تعقب على هذا الاستدلال: بأن قول عائشة هذا لا ينهض حجة؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنا ولا ذكر الراوي أنه خبر فيقبل قوله فيه، قال أبو جعفر الطحاوي عن حديث عائشة هذا: وهذا حديث منكر؛ لأنه لو جاز أن يكون قرآنا غير ما في الصحف، لجاز أن يكون بعض ما في أيدينا من القرآن منسوخا بما ليس في أيدينا منه. مختصر اختلاف العلماء: (2/ 316)، المنتقى: (4/ 156)، عمدة القاري: (20/ 96)، بدائع الصنائع: (4/ 11،10)، شرح مشكل الآثار: (11/ 491). (1/273)
صفحة 274
وكذلك أمر رسول الله ح لعقبة بن الحارث أن يفارق أم يحيى بنت أبي إهاب لما أخبرتهما امرأةٌ بأنها قد أرضعتهما، من غير استفسار منه ح لعدد الرضعات أو كيفيتها، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في المقال (1).
وبعد عرض المسألة وأدلة أقوال أهل العلم، فإني أرى أن التحريم يحصل بقليل الرضاعة وكثيرها، وذلك لما فيه من الحيطة والحذر من الوقوع في المحرم، والله أعلم.
سبب الخلاف في هذه المسألة:
يرجع سبب الخلاف هنا إلى شيئين:
1. أن أحاديث عدد الرضاع تعتبر زائدة على الكتاب والزيادة على الكتاب – عند الحنفية – تعد نسخا، وليست هذه الزيادة مما ينسخ به القرآن، فيسقط الاستدلال بها.
2. أن من القائلين بتحريم مطلق الرضاع لم يأخذوا بالأحاديث المقيدة لإطلاق الرضاع في القرآن وفي بعض الأحاديث؛ فلم يحملوا المطلق من القرآن على المقيد من السنة.
وقد عضد المالكية احتجاجهم بعمل أهل المدينة بأن التحريم يثبت بالقليل والكثير.
3. أن القائلين بحمل المطلق على المقيد قد قالوا بالعدد واختلفوا فيه، فمنهم من حدده بثلاث رضعات أخذا بالمفهوم من حديث: ÷لا تحرم الرضعة والرضعتان×.
ومنهم من حدده بخمس رضعات أخذا بمنطوق حديث عائشة: ÷كان فيما أنزل ... × الحديث.
***
مهر المفوّضة (2):
__________
(1) جامع ابن بركة: (2/ 453)، جامع البسيوي: (3/ 36)، شرح النيل: (7/ 8)، شرح مسند الربيع: (3/ 47)، غاية المأمول: (4/ 174).
(2) المفوضة: بكسر الواو: هي التي زوجت نفسها من رجل من غير تسمية مهر، والمفوضة بفتح الواو: هي التي زوجها وليها من غير تسمية مهر، والتفويض هو التسليم، وهو ترك المنازعة والاختلاف، ويراد به تفويض أمر المهر إلى الزوج وترك المنازعة في تقديره. لسان العرب، مادة: (ف. و. ض). انظُر: طلبة الطلبة، ص (134)، معجم لغة الفقهاء، ص (139). (1/274)
صفحة 275
عن عبد الله بن مسعود ? أنه سُئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس (1)، ولا شطط (2)، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله ح في بروع بين واشق – امرأة مِنّا – مثل الذي قضيت به، ففرح بها ابن مسعود (3).
الأثر الفقهي:
اختلف الفقهاء في مهر المفوّضة التي توفى عنها زوجها قبل أن يمسها على قولين:
القول الأول: أنه ليس لها مهر ولا متعة ولا ميراث.
وهو قول المالكية وأحد قولي الشافعية والحنابلة (4).
__________
(1) الوكس: النقصان، القاموس المحيط، مادة: (وكس).
(2) الشطط: العدوان والزيادة على قدر الحق، يقال: شط الرجل في الحكم، إذا تعدى الحق وجاوزه، معالم السنن: (2/ 589)، وانظُر لسان العرب، مادة: (ش، ط، ط).
(3) أخره أبو داود: (2/ 588)، كتاب (النكاح)، باب (فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات)، رقم (2113،2114)، والترمذي: (3/ 450)، كتاب (النكاح)، باب (الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفوض لها)، رقم (1145)، واللفظ له، والنسائي: (6/ 121)، كتاب (النكاح)، باب (إباحة التزويج بغير صداق)، وابن ماجه: (1/ 609)، كتاب (النكاح)، باب (الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك)، رقم (1891). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي، والحاكم في المستدرك: (2/ 180)، والبيهقي في معرفة السنن: (10/ 221).
(4) المدونة الكبرى: (2/ 164)، الاستذكار: (16/ 101)، الشرح الكبير: (2/ 313)، الوسيط: (5/ 37)، مغني المحتاج للشربيني: (3/ 228)، المجموع: (5/ 252)، وابن قدامة: (6/ 712)، الكافي: (3/ 71). (1/275)
صفحة 276
واستدلوا بما روي عن علي وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: ليس لها صداق (1). وأجابوا عن حديث ابن مسعود بالاضطراب للاختلاف في اسم راوي الحديث، قال الإمام الشافعي: لم أحفظه من وجه يثبت، مرة يقال: عن ابن يسار، ومرة: عن معقل بن سنان، مرة: عن بعض أشجع لا يسمى (2).
وأجيب بأن هذا لا يعتبر اضطرابا، لأن جهالة الصحابي، أو الاختلاف في اسمه ليس عيبا يرد به الحديث (3) ثم هذا الحديث لم ينفرد به معقل بن سنان بل تابعه الجراح وأبو سنان كما في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي (4).
ومما احتج أيضا أصحاب القول الأول أن حديث ابن مسعود يخالف القياس، والقياس يقضي بأن الثمن يسقط إذا هلك المبيع قبل القبض، وكذلك المهر يسقط بالطلاق إن لم يُسمّ.
وأجيب بأن هذا قياس مع الفارق، إذ لو صح لوجب حرمان المتوفى عنها من المهر قبل الدخول وبعد التسمية، وهذا لم يقل به أحد (5).
ثم لا نسلم بأن النكاح عقد معاوضة، بل عقد النكاح أعظم وأسمى من ذلك، وإن سلم بأنه عقد معاوضة فهو معاوضة النفس بالنفس، لا معاوضة البضع بالمهر (6).
__________
(1) مصنف عبدالرزاق: (6/ 477)، مصنف ابن أبي شيبة: (10/ 166)، سنن الترمذي: (3/ 451)، الاستذكار: (10/ 104).
(2) معرفة السنن والآثار: (10/ 226).
(3) قال البيهقي: وهذا الاختلاف في تسمية من روي قصة بروع بنت واشق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يوهن الحديث، فإن أسانيد هذه الرواية صحيحة، وفي بعضها أن أشجع شهدوا بذلك، فبعضهم سمى هذا، وبعضهم سمى آخر وكلهم ثقة، ولولا من رواة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان عبدالله بن مسعود يفرح براويته والله أعلم. معرفة السنن والآثار: (10/ 227).
(4) سنن أبي داود: (2/ 589)، وسنن الترمذي: (3/ 45)، السنن الكبرى: (7/ 245).
(5) أصول التشريع الإسلامي، للشيخ على حسب الله، ص (53).
(6) طريقة الخلاف في الفقه، للأسمندي، ص (49). (1/276)
صفحة 277
القول الثاني: أن للمفوضة التي مات عنها زوجها صداق المثل، وهو قول الحنفية (1). وهو أصح قولي الشافعية (2) والحنابلة (3).
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم.
المسألة عند الإباضية:
أجمع الإباضية على أن الذي تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا ومات عنها قبل الدخول أنه ليس لها مهر ولا متعة، ولها الميراث وعليها العدة.
قال الجناوني: "وإذا تزوج الرجل امرأة بغير صداق فمات من قبل أن يمسها فلها الميراث وليس لها صداق ولا متعة، وعليها العدة، وكذلك إن ماتت المرأة من قبل أن يمسها ورثها زوجها ولا صداق عليه (4) ".
وقد استحسن البسيوي الرأي الذي يرى أن لها صداق المثل لخبر ابن مسعود المذكور: قال " وفي آثار أصحابنا أن من مات قبل الجواز (5) ولم يفرض لها صداقا فلا صداق لها، ولها الميراث، وهذا رأيهم، وإنما رفعت (6) رأي ابن مسعود استحسانا مني ألحقته في الأثر لحال هذا الخبر، والله أعلم".
سبب الخلاف:
__________
(1) المبسوط: (5/ 62)، طريقة الخلاف: (94)، مختصر اختلاف العلماء: (2/ 260)، روؤس المسائل: (402)، بدائع الصنائع، (2/ 437).
(2) أكثر الشافعية ذكروا فولين في هذه المسألة:
الأول: أنه ليس لها مهر، وذلك لعدم ثبوت الحديث عنده في بادئ الأمر. والثاني: لها مهر وهو أصح قوليه، وهو ما رجحه بعض الشافعية، ونقل الترمذي عن الشافعي رجوعه عن القول الأول، سنن الترمذي: (3/ 451)، مغنى المحتاج: (3/ 228)، ومعالم السنن: (2/ 588).
(3) الكافي: (3/ 71)، كشف القناع: (5/ 174).
(4) كتاب النكاح للجناوي، ص (87)، الضياء: (8/ 413)، المصنف: (33/ 13)، منهج الطالبين: (15/ 425)، شرح النيل: (6/ 151). وإما إن مسها صداق المثل.
(5) جامع البسيوي: (3/ 25) و (الجواز) هكذا في الكتاب، وهي مأخوذة من " اجتاز ". يعني قبل الدخول بها.
(6) أي ذكر خير ابن مسعود في كتابة الجامع، انظُر: جامع البسيوي: (2/ 25). (1/277)
صفحة 278
وسبب الخلاف في هذه المسألة هو معارضة القياس للأثر، فالذين قالوا بأحقية الصداق للمفوضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول بها أخذوا بخبر ابن مسعود.
والذين لم يوجبوا لها صداقاً قاسوه على الثمن إذا هلك المبيع قبل القبض، وقالوا: لأن المهر عوض لمنفعة البضع والمنفعة لم تتم لموت الزوج فسقط العوض (1).
قلت: هذا القياس فيه نظر إذ المهر ليس عوضا أو مقابلاً لمنفعة البضع كما نص عليه كثير من الفقهاء؛ فلكل من الزوجين منفعة من الآخر، كما يستمتع الرجل بالمرأة، فإن المرأة تستمتع بزوجها، ولعل استمتاعها به يكون أكثر من استمتاعه بها وإنما الصداق حق شرعي فرضه الله للمرأة في النكاح تكريما لها دون أي مقابل قال تعالى: ژ? ? ? ہہژ [النساء4]. والنحلة هي العطية بلا عوض (2). ولو كان الأمر كذلك لما فرض لها نصف الصداق في حالة الطلاق قبل المسيس، ولما وجب لها مهر كامل لموت الزوج قبل الدخول بها إذا كان قد سمى لها مهرا، بل القياس يقضي بأن لها مهر المثل على حسب الحالتين المذكورتين، وهذا أولى من القياس على البيع. والله أعلم
***
طلاق المُكرَه:
__________
(1) بداية المجتهد: (2/ 25).
(2) أحكام القرآن لابن العربي: (1/ 413)، أحكام الأسرة، أ. د محمد حسن البلتاجي، ص (206)، أحكام القرآن للجصاص: (1/ 578)، تخريج القروع على الأصول، ص (193). (1/278)
صفحة 279
1. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح قال: ÷ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة× (1).
2. عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله ح: ÷لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (2).
__________
(1) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: (2/ 643)، كتاب (الطلاق)، باب (الطلاق في الهزل)، رقم (2194)، وأخرجه الترمذي: (3/ 490)، كتاب (الطلاق)، باب (ما جاء في الجهد والهزل في الطلاق)، رقم (1184)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه: (1/ 657)، كتاب الطلاق، باب (من طلق أو نكح أو راجع لاعباً)، رقم (2039). والحديث صححه الحاكم، وقال: عبد الرحمن بن حبيب – أحد رجال الإسناد – هو ابن أردك من الثقات المدنيين، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: إنه ثقة فيه لين، وقال الحافظ ابن حجر: عبد الرحمن بن حبيب مختلف فيه، فقال النسائي: منكر الحديث، ووثقه غيره. فهو على هذا حسن). انظُر: مستدرك الحاكم: (2/ 198) التلخيص الحبير: (3/ 236).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 258)، كتاب (الطلاق)، باب (في الطلاق على غلط)، رقم (2193)، وابن ماجه: (1/ 659)، كتاب الطلاق باب المكره والناسي، رقم (2046)، والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الحاكم في المستدرك وقال: على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي وقال: فيه محمد بن عبيد لم يحتج به مسلم، المستدرك وتلخيصه: (2/ 198). وانظُر: التلخيص الحبير: (3/ 227). (1/279)
صفحة 280
3. عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح قال: ÷إن الله تجاوز عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه× (1).
الأثر الفقهي:
الأصل في تكاليف الشريعة أن المكلف ملزم بها في جميع الأحوال لكن اقتضت رحمة الله تعالى بعباده أن يخفف عنهم في بعض الحالات التي يكون في الالتزام بالشرع فيها حرج ومشقة وضيق على الإنسان، فرفع الله هذا الحرج والضيق من الدين فقال: ژھ ھ ھ ھ ے ے ?ژ [الحج78].
وقال: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة185].
ومن هذه الحالات التي يرفع فيها الحرج عن المكلف: الخطأ والنسيان والإكراه، فالخطأ لا يكون متوفرا فيه عنصر القصد إلى الفعل، وكذلك الإكراه فإن القصد لا يكون متوفرا فيه، بل يتصرف المكره حينئذ تصرفا لا رغبة له فيه أصلا وإنما هو – في هذه الحالة – كأداة بيد فاعل آخر.
والنسيان أن يفعل الإنسان المحظور أو يترك الواجب ذهولا عنه.
__________
(1) الحديث أخرجه ابن ماجه: (1/ 659)، كتاب الطلاق، باب (طلاق المكره والناسي)، رقم (2043)، وأعله البوصيري بانقطاع، مصباح الزجاجة: (1/ 353). وأخرجهُ ابن حبان في صحيحه الإحسان: (9/ 174)، باب فضل الأمة، رقم (7175)، والبيهقي في السنن الكبرى: (7/ 356)، كتاب الخلع، باب ما جاء في طلاق المكره، وجود إسناده والحاكم في المستدرك: (2/ 198)، كتاب الطلاق، وصحح الحديث، ووافقه الذهبي. وانظُر نصب الراية: (2/ 64) والتلخيص الحبير: (1/ 301)، وله شاهد من حديث أبي ذر الغفاري عند ابن ماجه: (1/ 659)، من الكتاب والباب المذكورين، رقم (2043). ومن حديث عقبة بن عامر عند البيهقي في السنن الكبرى: (7/ 357)، ومن حديث ثوبان عند الطبراني في المعجم الكبير: (2/ 97)، رقم (1430)، ومن حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط كما عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد: (6/ 252). وفي طرق هذه الشواهد مقال ولكنها تشد بعضها بعضا. (1/280)
صفحة 281
وقد اتفق أهل العلم على أن هذه الحالات يكون الإثم فيها مرفوعا عن الفاعل المباشر؛ لقوله تعالى ژہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?? ? ? ? ?ژ [الأحزاب5]، ولقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ?ژ [البقرة286]، وقد ورد في الحديث أن الله تعالى قال: "قد أجبْتُ" (1)،
ثم اختلفت الفقهاء هل الفاعل المباشر في حالة الإكراه لا يكون مؤاخذا بكل ما ينتج عن فعله؟ أم أن هناك حالات يؤاخذ بها؟
ومن هذا الحالات حالة الطلاق بالإكراه، وقد اختلف أهل العلم فيها على قولين:
القول الأول: أن طلاق المكره واقع وملزم به وهو قول الحنفية. واستدلوا لمذهبهم بالأدلة الآتية:
أولاً: الحديث السابق عن ابن عباس، وهو قوله ح: ÷كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي× (2).
ووجه الاستدلال أن كلمة "كل" من ألفاظ العموم، ولم يستثن منها إلا طلاق المعتوه والصبي، فبقى طلاق المكره داخلا في عموم الخبر.
ثانيا: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح قال: ÷ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، الطلاق، والرجعة× (3).
ووجه الاستدلال: أن المكره لا يخلو أن يكون جادا أو هازلا، ومن ثم وجب أن يقطع طلاقه في كلتا الحالتين بنص هذا الحديث (4).
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب (الإيمان)، باب (بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق)، رقم (126).
(2) وكذلك فإن ذكر "الصبي والمعتوه" يكون تنبيهاً على إلحاق المكره بهما؛ بجامع انتفاء القصد منهم. انظُر: الحاوي: (13/ 96)، المحلى لابن حزم: (10/ 203).
(3) سبق تخريجه.
(4) وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأن الحديث تضمن حكم الهازل والجاد، ولا ذكر للمكره فيه، فخرج عنه، كالمجنون؛ وذلك لأن الجاد قاصد للفظ مريد للفرقة، والهازل قاصد للفظ غير مريد للفرقة، والمكره غير قاصد للفظ ولا مريد للفرقة. الحاوي: (13/ 99)، المحلي لابن حزم: (10/ 204). (1/281)
صفحة 282
ثالثا: حديث صفوان أن رجلا كان نائما مع امرأته في الفراش فجلست على صدره ووضعت السكين فقالت: طلقني وإلا ذبحتك، فناشدها الله، فأبت فطلقها. ثم أتى رسول الله ح فذكر له ذلك، فقال ح: ÷لا إقالة في الطلاق× (1).
ومعنى "لا إقالة في الطلاق" أي لا رجعة فيه؛ فدل ذلك على وقوع الطلاق مع الإكراه (2).
القول الثاني: أن طلاق المكره غير واقع. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (3). وقد استدل أصحاب القول بأدلة، منها:
أولاً: قوله ح: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... الحديث (4). فصح بهذا الحديث أن كل عمل بدون نية فهو باطل لا يعتد به، وطلاق المكره عمل بدون نية فهو باطل، وإنما المكره حاكٍ لما أمر أن يقوله فقط، ولا طلاق على من يحكي كلاما لا يعتقده (5).
__________
(1) الحديث أورده العقيلي في الضعفاء: (2/ 27)، وابن الجوزي في العلل المتناهية: (2/ 159).
(2) وقد أجيب عن هذا الحديث من ثلاثة أوجه:
الأول: أن إسناده غير صحيح، فلا يحتج به.
الثاني: أن الرجل أقر بالطلاق وادعى الإكراه فألزمه بما أقر به ولم يقبل دعواه.
الثالث: أنه يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - رأي الرجل جلداً قوياً، وأن امرأته ضعيفة، وكان يمكنه مقاومتها، فلما لم يفعل كان شرط الإكراه غير متوفر فألزمه الطلاق.
(3) مواهب الجليل: (4/ 43)، الخرشي على مختصر خليل: (3/ 31)، الحاوي: (13/ 96)، الوسيط في المذهب: (5/ 387)، المغني لابن قدامة: (7/ 118).
(4) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: (1/ 15)، كتاب (بدء الوحي)، باب (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... )، رقم (1). وأخرجه مسلم في صحيحه: (3/ 1515)، رقم (1907).
(5) المحلى لابن حزم: (10/ 205). (1/282)
صفحة 283
ثانياً: حديث النَّبِيّ ح أنه قال: ÷إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه× (1). والحديث صريح في أن المكره لا يقع تحت المسؤولية وأنه غير مؤاخذ بما يقول، ومن ثم فطلاقه غير واقع (2).
ثالثاً: حديث عائشة رضي الله عنها عن النَّبِيّ ح قال: ÷ لا طلاق في إغلاق× (3).
والإغلاق فسره علماء اللغة بالإكراه، ومنهم ابن دريد وأبو طاهر النحويان، قالا في الحديث: يريد الإكراه؛ لأنه إذا أكره انغلق عليه رأيه (4).
رابعاً: إجماع الصحابة على أن طلاق المكره لا يقع، فقد قال به عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً (5).
المسألة عند الإباضية:
__________
(1) أخرجهُ ابن ماجه: (1/ 659)، كتاب (الطلاق)، باب (طلاق المكره والناسي)، رقم (2043).
(2) وقد اعترض على هذا الاستدلال: بأن الحديث محمول على رفع الإثم فقط، وهذا أمر أخروي، بخلاف الحكم الدنيوي، فإنه مؤاخذ به. وقد تعقب ذلك بأن حمله على رفع الحكم أولى؛ لأنه إذا رفع الإثم فقد رفع الحكم.
(3) سبق تخريجه.
(4) وقد اعترض على هذا التفسير بأن المراد بالحديث هو المجنون لأنه مغلق الإرادة. وأجيب على هذا الاعتراض بجوابين: أحدهما: أن أهل اللغة أعرف بمعانيها من غيرهم، فكان حمله على ما قرروه أولى.
الثاني: أنه يحمل على كلا الأمرين، فيكون شاملاً للمجنون أيضا. الحاوي: (13/ 97)، المغني لابن قدامة: (7/ 18).
(5) الحاوي: (13/ 79)، المغني: (7/ 118). (1/283)
صفحة 284
وأجمع الإباضية على أن طلاق المكره لا يقع، لأن طلاقه صادر عن غير قصد ونية، والأعمال بالنيات، وإنما هو كان مقهورا ومجبرا على أمره حين طلق وليس على مقهور عمد ولا عقد. واستدل القائلون بعدم وقوع طلاق المكره بعدد من الأحاديث منها: ÷ إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وحديث ÷ لا طلاق ولا عتاق في إغلاق .. » وفسروا الإغلاق بالإكراه واعتبروا هذا الحديث مخصصا لعموم حديث ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والعتاق (1).
سبب الخلاف في هذه المسألة:
وسبب الخلاف في هذه المسالة هو التعارض بين إعمال حديث ÷ ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة×، وبين حديث ÷إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه×.
فهل يعمل بإطلاق الحديث الأول وأن الطلاق يقع في جميع حالات المطلِق، سواء كان مكرها أم مختارا، أم غير ذلك، أم يقيد هذا الإطلاق بالحديث الثاني الذي يدل على رفع حكم الفعل الذي تم تحت الإكراه؟. وكذلك الاختلاف في مدى اعتبار الإكراه، فهل المكره الذي قصد لفظ الطلاق فيه شبهة الاختبار، ومن ثم فيقع طلاقه، أم تلفظه بالطلاق – تحت تأثير الإكراه وإن كان قاصدا له – ليس فيه شبهة اختيار، وعليه فلا يقع طلاقه؟
***
نفقة المطلقة البائنة:
1. عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته؛ فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، فأمرنا أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم ... الحديث (2).
__________
(1) جامع البسيوي: (3/ 107)، الضياء: (9/ 203، 204)، شرح النيل: (7/ 510).
(2) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: (2/ 1114)، كتاب (الطلاق)، باب (المطلقة ثلاثا لا نفقة لها)، رقم (1480). (1/284)
صفحة 285
2. قال عمر - رضي الله عنه -: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ح لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؛ لها السكنى والنفقة، قال الله ?: ژ? ? ? ? ? ... ? ? S S S Sژ [الطلاق1] (1).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على أن المطلقة الرجعية يجب لها النفقة بأنواعها المختلفة من طعام وكسوة وسكنى؛ لأنها تعد زوجة ما دامت لم تنقض عدتها. وكذلك على أن المعتده من وفاة أنه لا نفقة لها (2).
واختلفوا في المعتدة من طلاق بائن -من حيث النفقة والسكنى ما لم تكن حاملا- على قولين:
الأول: لا نفقة لها ولها السكنى. وهو مذهب المالكية والشافعية (3)، وقالت الحنابلة: لا نفقة لها ولا سكنى (4).واستدلوا على قولهم بعدة أدلة، منها:
1. قوله سبحانه وتعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [الطلاق6]. فقد اشترط الآية في وجوب النفقة، أن تكون حاملاً، ومن ثم فإذا انتفى الحمل انتفت النفقة، فإن مفهوم الشرط أن غير الحامل لا نفقة لها و إلا لم يكن لتخصيصها بالذكر فائدة.
2. حديث فاطمة بنت قيس المتقدم (5)، وهو صريح بأن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ولا سكنى.
3. إحدى روايات حديث فاطمة وأن الحارث بن هشام وعباس بن أبي ربيعة قالا لها: ÷لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا× (6).
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: (2/ 1118)، رقم (46)، من أحاديث الباب في الكتاب والباب السابقين.
(2) الاستذكار: (18/ 69).
(3) انظُر: الكافي لابن عبد البر، ص (298،297)، الاستذكار: (18/ 67)، القوانين الفقهية، ص (227)، كفاية الطالب الرباني: (3/ 262)، الشرح الصغير: (2/ 740، 741)، روضة الطالبين: (9/ 66)، مغني المحتاج: (3/ 40)، المجموع: (17/ 117).
(4) الكافي: (3/ 229)، المقنع لابن قدامة، ص (267)، المغني لابن قدامة: (7/ 606).
(5) سبق تخرجه في الصفحة ما قبل السابقة.
(6) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: (2/ 1117)، كتاب (الطلاق)، باب (المطلقة ثلاثا لا نفقة لها)، رقم (41). (1/285)
صفحة 286
والقول الثاني: أن النفقة واجبه لها. وهو مذهب الحنفية (1) وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها:
أولاً: قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ ژ [الطلاق6]، وحديثها بأنها لا سكنى لها مخالف لظاهر الكتاب.
ثانياً: قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندرى لعلها حفظت أو نسيت (2).
فقد أخبر أن سنة الرسول ح أوجبت لها النفقة، ولا ريب أن قول الصحابي: من السنة كذا، له حكم الرفع.
ويعضده رواية الدارقطني عن عمر بن الخطاب أنه قال:÷لا ندع كتاب الله وسنه نبينا لقول امرأة، المطلقة ثلاثا لها النفقة والسكنى× (3).
ثالثاً: حديث عائشة رضي الله عنها لما أخبرت بقول فاطمة بنت قبس، فقالت ما لفاطمة، ألا تتقى الله؟ يعنى في قولها: لا سكنى ولا نفقة.
__________
(1) المبسوط: (5/ 202)، فتح القدير: (4/ 403)، رد المحتار: (3/ 609). أحكام القرآن للجصاص: (3/ 686).
(2) سبق تخريجه.
(3) رواة الدارقطني في سننه: (4/ 16)، وقد تعقب هذا الأثر عن عمر بأن السنة الثابتة في المطلقة البائنة ما قالته فاطمة، وليس مع عمر، وأن يكون لديه في ذلك سنه ولا يبينها للناس، وأنه ليس مع عمر في ذلك دليل سوى عموم سكنى المطلقات الواردة ذكرهن في القرآن.
وتعقب كذلك بأنه لو جاز النسيان على فاطمة فيرد حديثها، فعمر كذلك يجوز عليه النسيان، بل قد نسى حديث التيمم وذكره عمار بن ياسر به فلم يذكره، ومما يرجح به حديث فاطمة – لو صح أن عند عمر - رضي الله عنه - سنه في ذلك – أن الخبر وارد فيها هي، فهي أعلم بالحال والواقعة التي حدثت لها؛ إذ إنها حاولت أن تأخذ حقها وتطالب به، فبين لها النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا سكنى ولا نفقة. (1/286)
صفحة 287
وفي رواية أخرى قالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث (1).
رابعاً: روي أن أسامة بن زيد – زوج فاطمة – كان إذا سمع هذا الحديث منها رماها بكل شيء في يده (2).
المسألة عند الإباضية:
رجح جمهور الإباضية أن المطلقة البائنة لا نفقة لها سكنى لحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ح لم يجعل لها سكنى. فجعلوا هذا الحديث مخصصا لعموم القرآن ژ ? ? ? ? ? پ ژ.
قال ابن بركة: "وقول من لم يوجب لها الكسوة ولا السكنى ولا النفقة أقوى في باب الحجة لما روت فاطمة بنت قيس أن النَّبِيّ ح لم يجعل للمطلقة ثلاثا سكنى ولا نفقة ولا كسوة" (3).
وفي المذهب قول: بأن لها النفقة والسكنى لعموم الآية ژ ? ? ? ? ? پ ژ (4).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة هو المعارضة الظاهرة بين قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پژ، وبين حديث فاطمة: ÷لا نفقة لك ولا سكنى×، حيث إن السكنى المذكورة في الآية تقتضي معها النفقة وتستلزمها، وحديث فاطمة ينفيهما معا.
فالذين قالوا بأن لها النفقة والسكنى قدموا عموم الآية، وأما الذين منعوا عنها النفقة والسكنى، فقد خصصوا عموم الآية بالمطلقة ثلاثا، فليس لها نفقة ولا سكنى بنص الحديث.
***
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: (9/ 387)، كتاب (الطلاق)، باب (قصة بنت قيس ... )، رقم (5324)، ومسلم في صحيحه: (2/ 1121)، كتاب (الطلاق ثلاثا لا نفقة لها)، حديث (1481). وقد أجيب عن قول عائشة هذا بمثل ما قيل في حديث عمر - رضي الله عنه -.
(2) وقد تعقب هذا الحديث بأن رواية عبدالله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف جدا، ثم لو صح لكان إنكار أسامة كإنكار عمر (رضي الله عنهم جميعا). المحلى لابن حزم: (10/ 295).
(3) جامع ابن بركة: (2/ 175)، وانظُر المدونة الكبرى: (2/ 91) جامع البسيوي: (3/ 70)، الضياء: (10/ 158،156)، كتاب النكاح، ص (306)، شرح النيل: (7/ 398).
(4) جامع ابن بركة: (2/ 175)، والضياء: (10/ 161)، شرح النيل: (7/ 398). (1/287)
صفحة 288
عدة الحامل المتوفى عنها زوجها:
1. عن أم سلمة زوج النَّبِيّ ح أن امرأة من أسلم يقال لها: سبيعة كانت تحت زوج توفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبا من عشر ليال جاءت النَّبِيّ ح فقال: ÷انكحي× (1).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على أن المطلقة إذا كانت حاملا ووضعت حملها أن عدتها تنقضي بذلك، واختلفوا في المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا، فهل تكون عدتها بوضع الحمل أو بانقضاء أربعة أشهر وعشر.
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى أن عدة المتوفى عنها الحامل تكون بوضع الحمل، وهو قول الأئمة الأربعة (2).
وقد ورد أن عليا وابن عباس - رضي الله عنهم - قالا: إن المتوفى عنها زوجها إن كانت حاملا أنها تعتد بأبعد الأجلين (3). ومعناه: إنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على مذهبهم بعدة أدلة، منها:
أولاً: حديث السبيعية.
ثانياً: حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قلت للنبي ح: ژ ? ? ? ? ? ? ژ [الطلاق4] ألِلْمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها؟ قال: هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها (4).
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري، كتاب (التفسير) باب (وأولات الأحمال أن يضعن حملهن) رقم (4909).
(2) انظُر: المبسوط: (6/ 31)، فتح القدير: (4/ 314)، رد المحتار: (3/ 510)، مواهب الجليل: (4/ 149)، الخرشي: (4/ 143)، الحاوي الكبير: (14/ 270)،المغني: (7/ 473).
(3) أخرجهُ سعيد بن منصور في سننه: (1/ 352)، وعبدالرزاق في مصنفه: (6/ 470)، والبيهقي في السنن الكبرى: (7/ 430)، الاستذكار: (18/ 175).
(4) أخرجه أحمد في مسنده، رقم (50602)، وفي إسناده المثنى بن الصباح، وثقه ابن معين، وضعفه الجمهور. (1/288)
صفحة 289
ثالثاً: عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - أنه كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له: وهي حامل طيب نفسي بتطليقه فطلقها تطليقه، ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت، فقال: ما لها خدعتني؛ خدعها الله. ثم أتى النَّبِيّ ح فقال: ÷سبق الكتاب أجلهُ. اخطبْها إلى نفسها× (1).
وأما قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234]. فهي خاصة بمن لم تكن حاملاً، وأما الحامل فقد بينت عدتها سورة الطلاق في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ژ [الطلاق4].
أدلة من قال: أنها تعتد بأبعد الأجلين:
استدل من قال بذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234]. إن ظاهر هذه الآية أنها عامة في كل من مات عنها زوجها، سواء كانت حاملا أم غير حامل، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ?ژ [الطلاق4]. عام يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمعوا بين العمومين بقصر الآية على المطلقة، بقرينة ذكر عِدَدِ المطلقات كالآيسة والصغيرة قبلها، ولم تناوله من العموم، فعملوا بها وبالتي في حق الحامل المتوفى عنها زوجها.
المسألة عند الإباضية (2):
خالف الإباضية جمهور المذاهب الأربعة، فقالوا: إنَّ عدَّة المتوفَّى عنها زوجُها أبعد الأجلين، مقتدين في ذلك بقول الإمام علي - رضي الله عنه - وذلك لما فيه من الاحتياط؛ لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين في الحامل المتوفى عنها زوجها فلا تخرج من عدتها إلا بيقين وهو آخر الأجلين، وفي ذلك عمل بالدليلين، بإعمال كل دليل في موضعه.
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في سننه: (1/ 653)، كتاب (الطلاق)، باب (المطلقة الحامل إذا وضعت ما في بطنها: بانت)، رقم (2026).
(2) المدونة الكبرى: (2/ 102)، جامع ابن بركة: (2/ 153)، الضياء: (10/ 139) كتاب (النكاح)، ص (312)، حاشية الترتيب: (4/ 218)، شرح النيل: (7/ 421)، شرح مسند الربيع: (3/ 121). (1/289)
صفحة 290
قال أبو ستة: إن الدليلين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه فإنه يخص عموم كل منهما بخصوص الآخر؛ عملا بالدليلين معا وها هنا فإنه قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ?ژ [الطلاق4]. ظاهره العموم في كل حامل فيخص بقوله: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234]. وهذه الآية ظاهرها العموم في كل متوفى عنها زوجها حاملا كانت أو غير حامل فيخص عمومها بقوله: ژ? ? ? ? ? ?ژ.
فلابد من وضع الحمل وإن زادت على الأربعة الأشهر وعشر فقد عمل بالدليلين معا (1).
فرجحوا العمل بالدليلين بدلا من الاقتصار على عموم آية الطلاق والأخذ بحديث سبيعة الذي أجابوا عنه بأنه رخصة لها. وإن كان دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل.
ولا غرابة في ترك خبر الواحد مقابل آية من القرآن، فقد ترك مالك (رحمه الله) حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، وقال: يحل صيده، فكيف ينجس لعابه؟! وترك الحنفية حديث القضاء بالشاهد مع اليمين، لقوله تعالى: ژ ژ ژژ [الطلاق2].
لعل ما يرجح القول بأبعد الأجلين – في رأيي – أن أمر العدة أمر تعبدي لا يقتصر على براءة الرحم فقط.
ولو كان كذلك لما فرضت على الآيسة وعلى الصغيرة وغير المدخول بها، ثم يستعبد وقوع مثل هذا في الواقع وإن كان فهو نادر، والله اعلم.
} - - {
المبحث الثامن
قضايا فقهية من مختلف الحديث
في أبواب متفرقة
خيار المجلس:
__________
(1) حاشية الترتيب: (4/ 220). (1/290)
صفحة 291
عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله ح قال: ÷المتبايعان بالخيار في بيعهما ما لم يفترقا أو يكون البيع خياراً× (1).
الأثر الفقهي:
في الحديث دلالة على ثبوت خيار المجلس في البيع، وهو حق رجوع أحد المتابعين عن البيع بعد تمام الصفقة ما داما في مجلس البيع قبل تفرقهما، ما لم يكن هناك خيار بشرط لزوم البيع؛ فإذا تفرقا وجب البيع.
وهو نوع من الخيارات المشروعة في البيوع (2)، وقد اتفق العلماء على قبول بعضها، واختلفوا في خيار المجلس على قولين:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 382)، كتاب (البيوع)، باب (كم يجوز الخيار)، رقم (2107)، وفي باب: البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، رقم (2111)، ومسلم: (3/ 1163)، كتاب (البيوع)، باب (ثبوت خيار المجلس)، رقم (1531)، وأخرجاه من حديث حكيم بن حزام فعند البخاري رقم (2110)، من الكتاب والباب والمذكورين، وعند مسلم، رقم (1532)، من كتاب (البيوع)، باب (الصدق في البيع والبيان).
(2) كخيار الشرط، وخيار المدة. (1/291)
صفحة 292
القول الأول: إثبات خيار المجلس ما دام المتعاقدان لم يتفرقا بأبدانهما في مجلس العقد، فيكون لكل من الطرفين خيار في فسخ العقد أو إمضائه، وهو قول الشافعية والحنابلة (1)؛ عملاً بظاهر الحديث الذي رواه ابن عمر وحكيم بن حزام وغيرهما: ÷المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا× (2).
وهو ما ذهب إليه كثير من الصحابة، وحملوا لفظ "التفرق" الوارد في الحديث على التفرق بالأبدان دون غيره من وجوه المعاني، كما فسره ابن عمر؛ أحد رواة الحديث (3).
والقول الثاني: عدم إثبات خيار المجلس بعد إتمام الصفقة. فإذا وقع الإيجاب والقبول لزم البيع، وهو قول المالكية والحنفية (4)، وتركوا العمل بحديث ÷البَيِّعان بالخيار× لأمور، منها:
__________
(1) حلية العلماء: (4/ 15)، مختصر خلافيات البيهقي: (3/ 271)، المجموع: (9/ 206، 218)، مغني المحتاج: (2/ 43)، المغني لابن قدامة: (3/ 563)، الكافي: (2/ 26)، الإفصاح: (1/ 273).
(2) فقد رواه أبو هريرة أيضاً أخرجهُ أبو داود: (3/ 737)، كتاب (البيوع)، باب (في خيار المتبايعين)، رقم (3458)، والترمذي: (3/ 551)، كتاب (البيوع)، باب (27)، رقم (1248) ورواه عمرو بن العاص، أخرجهُ أبو داود: (3/ 736)، من الكتاب والباب المذكورين، رقم (3456)، والترمذي: (3/ 550)، كتاب البيوع، باب: وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما، ورواه سمرة بن جندب، أخرجهُ النسائي: (7/ 292)، كتاب البيوع، باب: كراهة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وابن ماجه: (1/ 714)، كتاب التجارات، باب: بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، رقم (2270).
(3) معالم السنن: (3/ 733)، المجموع: (9/ 213).
(4) المدونة الكبرى: (3/ 222)، الاستذكار: (20/ 220)، الكافي، ص (343)، الشرح الكبير للدسوقي: (83)، بداية المجتهد: (2/ 169)، المبسوط: (12/ 108)، مختصر اختلاف العلماء: (3/ 46)، بدائع الصنائع: (5/ 338)، فتح القدير: (5/ 78). (1/292)
صفحة 293
- اعتقاد نسخ الحديث بعدم عمل أهل المدينة به، فلم يعهده الإمام مالك عندهم. ومن ثم قال: ولو لم يكن منسوخاً لاشتهر في المدينة، لأنه من الأمور التي تعمّ بها البلوى.
- أن خيار المجلس ليس له حد معلوم يضبطه، فقد لا يفترق المتبايعان مدة طويلة؛ كما لو كانا في السفينة؛ فتدخل الجهالة في مدة الخيار.
- ولو كان العمل بحديث خيار المجلس مشروعاً لما جعل رسول الله ح القول قول البائع ويترادّان إذا اختلفا في البيع؛ لأن الترادّ يكون بعد تمام البيع (1).
- وحملوا لفظ "البَيِّعان"، بمعنى "المتساومان" أي الخيار لهما في حالة السوم؛ وأما بعد إتمام الصفقة فلا خيار لهما.
- وفسروا الافتراق الوارد في الحديث بمعنى الإيجاب والقبول، والرضا أي في البيع بالكلام؛ كما في عقد النكاح والإجازة والرهن والصلح وغيرها، والافتراق بالكلام جار استعماله في اللغة، كما يقال للمتناظرين إذا انفضوا عن المجلس: عن أي شيء افترقتم. ومنه قوله تعالى: ژ ژ s ... s ک ک ک کگ گ گ گ ?ژ [النساء130].
- ومما احتجوا به لرد حديث ÷البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا× أنه مخالف لأصل من الأصول، وهو وجوب الوفاء بالمعقود في قوله تعالى: ژژ ژ s s کژ [المائدة1].
- وخيار المجلس مخالف أيضاً لقوله تعالى: ژS ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [النساء29]. فالتراضي يحصل بالإيجاب والقبول، مطلقاً من غير التفرق عن مكان العقد.
* وأجيب بأن حديث خيار المجلس لا يتعارض مع الآيتين حيث يحمل ما في الآية على العموم؛ وما في حديث ÷البَيِّعان بالخيار×، على الخصوص.
__________
(1) إشارة إلى حديث ابن مسعود (إذا اختلفا البَيِّعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول به رب السلعة أو يتتاركان)، أخرجهُ أبو داود: (3/ 780)، كتاب (البيوع)، باب (إذا اختلفا البَيِّعان والمبيع قائم)، رقم (3511). (1/293)
صفحة 294
* وأجيب أيضاً بأن جهالة مدة الخيار لا تضر فهو كخيار العيب، ثم إن التفرق راجع إلى عادة الناس وعرفهم، وباعتبار المكان الذي هم فيه.
* وأجيب عن حملهم لفظ المتابيعين، بمعنى المتساومين، بأن هذا بعيد عن الاشتقاق اللغوي. فالبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين وهي لا تقع حقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، وبعد البيع لا يسميان متساومين، ثم إن كلاً من المتساومين يعلم أن له الخيار إن شاء عقد وإن شاء ترك. فذكر التفرق معه ليس له فائدة بخلاف تفسيره بالمتعاقدين حيث تحصل معه فائدة لم تكن معلومة قبل الحديث (1).
والذي أراه – والله أعلم – أن ما ذهب إليه القائلون بخيار المجلس، هو الأولى وذلك لصحة الأحاديث فيه، وأما معارضة خيار المجلس لأصول التعاقد، فيحمل على أن خيار المجلس مخصوص منها بالأحاديث الصحيحة.
المذهب عند الإباضية (2):
لا يرى الإباضية العمل بخيار المجلس، لأن البيع يتسم بالقبول والرضا، ومتى تم ذلك لزم البيع كسائر العقود؛ لأن الأصل في العقود اللزوم لأنها أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان، وحملوا حديث ÷البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا× على افتراق الأقوال دون الأبدان (3).
سبب الخلاف
وسبب الاختلاف في هذه المسألة يرجع إلى ثلاثة أمور:
__________
(1) معالم السنن: (2/ 734)، المجموع: (9/ 222)، فتح الباري: (4/ 387).
(2) جامع ابن بركة: (2/ 320)، جامع البسيوي: (4/ 8)، الضياء: (17/ 149)، الإيضاح: (6/ 165)، حاشية الترتيب: (4/ 264)، شرح النيل: (9/ 248).
(3) شرح مسند الربيع: (3/ 185) (1/294)
صفحة 295
الأول: الاختلاف في معنى التفرق، فمنهم من حمله على التفرق بالأبدان، ومنهم من حمله على التفرق بالأقوال (1).
الثاني: معارضة حديث "البَيِّعان بالخيار" لعمل أهل المدينة.
الثالث: أن هذا الحديث معارض للأصل في العقود؛ إذ الأصل فيها لزومها بمجرد الإيجاب والقبول.
بيع الْمُصَرَّاة (2):
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ح: ÷لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من التمر× (3).
الأثر الفقهي:
في الحديث دليل على صحة البيع، والخيار لمن اشترى بقرة أو شاة أو ناقة، فوجدها مصراة فله الخيار في ردها، أو استبقائها عنده إذا رضيها، لاعتبار ذلك عيباً من عيوب البيع، وردّ صاع من التمر معها إن ردَّها.
واختلف العلماء في العمل بهذا الحديث على قولين:
القول الأول:
__________
(1) جامع البسيوي: (4/ 8). ومن التفرق الذي يكون بغير الأبدان قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ستفترق أمتي ... " الحديث لم يرد الافتراق بالأبدان. انظُر: الاستذكار: (20/ 238)
(2) أصل التصرية: حبس الماء، ومنه صر الناقة يصرها بها: شد ضرعها، والصرار: ما يشد به، وقال أبو عبيد: المصراة هي الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صرى اللبن في ضرعها؛ يعني حقن، وهو جمع اللبن في الضرع؛ حيث تترك الشاة يومين أو أكثر من غير حلب حتى يجمع اللبن، فيراه مشتريها كثيراً فيغتر ويشتريها. لسان العرب، والقاموس المحيط مادة: (ص ر ر)، ومعالم السنن: (3/ 722).
(3) أخرجهُ البخاري: (4/ 423)، كتاب (البيوع)، باب (حكم المصراة)، رقم (1524)، بلفظ: من اتباع شاة مصراة فهو عليها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها؛ ورد معها صاعا من تمر (1/295)
صفحة 296
للمشتري أن يردّ بيع المُصرَّاة ويردّ معها صاعا من التمر، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لحديث أبي هريرة المتقدم (1).
ولم يشترط المالكية الصاع من التمر؛ بل قالوا بجواز أن يكون من غالب قوت أهل البلد لقوله ح: ÷فإن ردّها ردّ معها صاعا من طعام× كما في رواية مسلم (2).
القول الثاني:
أنه لا يردّ لعيب التصرية، وإنما له مطالبة التعويض عما نقص من قيمتها بسبب ذلك العيب؛ قال الطحاوي: "إذا اشترى شاة فحلب لبنها لم يردها بعيب، ويرجع بنقصان العيب" (3)، ولم يأخذوا بحديث أبي هريرة عن رسول الله ح: ÷لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردّها وصاعا من التمر×.
واعتذروا عنه بعدة اعتذارات، منها:
1.أن الحديث مخالف للقياس، وهو خبر واحد من رواية أبي هريرة، ولم يكن فقيهاً كعمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم فلا يؤخذ به.
وهذا قول بعض الحنفية.
__________
(1) المدونة: (3/ 369)، الكافي: (3460)، الاستذكار: (21/ 86)، المهذب: (1/ 282)، مغني المحتاج: (2/ 63)، مختصر الخلافيات: (3/ 322)، الكافي: (2/ 47)، المغني: (40/ 290) الإفصاح لأبي هبيرة: (1/ 289)، المدونة: (3/ 309)، الاستذكار: (21/ 87).
(2) أخرجهُ مسلم: (3/ 1158)، كتاب (البيوع)، باب (حكم بيع المصراة)، وله شاهد من حديث عبدالله بن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن ردها رد معها مثل – أو مثلى – لبنها قمحاً)، أخرجهُ أبو داود: (3/ 728)، كتاب (البيوع)، باب (من اشترى مصراة فكرهها)، رقم (3446)، قلت: وهذا أظهر لاختلاف الناس في معاشهم وقد يتقدم التمر في كثير من البلدان. والله أعلم.
(3) مختصر اختلاف العلماء: (3/ 58)، وانظُر شرح معاني الآثار: (13/ 19)، المبسوط: (13/ 38)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: (2/ 476). (1/296)
صفحة 297
2. أنه معارض للأصول العامة؛ إذ الأصل أن المعاقبة تكون بالمثل، كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ?ژ [النحل126].
فالأصل في التعويض عن إتلاف المال أن يضمن بالمثل إن كان من ذوات الأمثال، والذي لا مثيل له يقدّر بالقيمة، فإيجاب التمر مكان اللبن مخالف للأصل لانعدام المثلية وانعدام معرفة قيمة ما حلب.
3. أن حديث المُصرَّاة يتعارض مع قاعدة: (الخراج بالضمان) التي جاءت في حديث عائشة رضي الله عنها (1): أن اللبن غلة ومنفعة ينتفع بها المشتري، فكيف يبدلها للبائع، وهو ضامن إن هلكت المُصرَّاة بين العقد والفسخ.
4. أن حديث المُصرَّاة منسوخ بنسخ العقوبات بالأموال، وبحديث الخراج بالضمان.
5. أن ردّ الصاع فعله رسول الله ح صلحاً لا حكماً؛ فظنّ الراوي أنه حكم؛ فنُقل على ما ظن الراوي.
وأجيب عن هذه الاعتذارات بما يلي:
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (3/ 777)، كتاب (البيوع)، باب (في من اشترى عبداً فاستعمله ثم وجد به عيباً)، رقم (3508)، والترمذي: (3/ 581)، كتاب (البيوع)، باب (في من اشترى العبد ويستعمله)، رقم (1285)، والنسائي: (7/ 254)، كتاب (البيوع)، باب (الخراج بالضمان)، وابن ماجه: (1/ 705)، كتاب (التجارات)، باب (الخراج بالضمان)، رقم (2242)، والحديث صححه الترمذي، ومعنى هذه القاعدة: أن من اشترى عيناً لها غلة تخرج منها، كأرض أو دار فاستغلها أو ماشية فنتجها، ثم وجد بها عيباً، فله أن يردها ولا شيء عليه فيما انتفع به منها، لأنها لو تلفت ما بين العقد والفسخ، لكان من ضمان المشتري؛ فوجب أن يكون الخراج من حقه. انظُر: جامع ابن بركة: (2/ 324)، معالم السنن: (3/ 777)، القواعد الفقهية، ص (406). (1/297)
صفحة 298
1. أجيب عن قولهم: إن الحديث انفرد براويته أبو هريرة، بأنه قد شاركه في الرواية ابن مسعود عند البخاري (1)، وابن عمر عند أبي داود (2).
2. قولهم بأن الحديث مخالف للقياس والأصول العامة؛ في مثلية العقوبات وأن فيه تقويماً بغير النقد؛ قيل: إن حديث المُصرَّاة من ضمان المتلفات لا من العقوبات، وأن تقويم المتلف بغير النقد موجود في بعض الأصول؛ منها في الدية كما في الغرة (3).
وأيضاً جاء تقويم القليل والكثير بقيمة واحدة، فقد جاءت السنة النبوية بالتسوية بين دية اللسان والعين واليدين والرجلين.
وجعل صاع من التمر – في الحديث – أمر توقيفي؛ في قليل اللبن وكثيره؛ لقطع التنازع الذي قد يحدث في تقدير اللبن الموجود قبل البيع، والحادث بعده بين البائع والمشتري.
3. وعن قولهم: إن حديث المُصرَّاة، يتعارض مع حديث الخراج بالضمان؛ قيل: إن حديث الخراج عام، وحديث المُصرَّاة خاص، والخاص يقضي على العام.
4. وأجيب عن دعوى النسخ لحديث المُصرَّاة، بأن باب النسخ لا يثبت بالاحتمال (4).
والقول الراجح لديّ في هذه المسألة، هو العمل بحديث المُصرَّاة لصحّته، والحكم به من الأمور التوقيفية التي جاءت بها السنة، ويرجّح فيه جانب التعبد عن غيره، والله أعلم.
المسألة عند الإباضية:
__________
(1) البخاري: (4/ 423)، كتاب (البيوع)، باب (النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم)، رقم (2149).
(2) سنن أبي داود: (3/ 728)، كتاب (البيوع)، باب (من اشترى مصراة فكرهها)، رقم (3448).
(3) كما في حديث أبي داود: (4/ 698)، كتاب (الديات)، باب (دية الجنين)، رقم (4572)، بإسناده عن حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغرة وأن تقتل.
(4) معالم السنن: (3/ 724)، الاستذكار: (21/ 91 – 95)، فتح الباري: (4/ 427). (1/298)
صفحة 299
تعتبر التصرية عند الإباضية عيباً يردّ به البيع، فمن اشترى شاة أو غيرها فوجدها مصرّاة، فله الخيار في ردّها إن شاء، ويردّ معها صاعاً من التمر، أخذاً بحديث أبي هريرة في المُصرَّاة.
قال أبو غانم: من اشترى شاة مُحَفّلة، فهو بالخيار والنظر إلى ثلاثة أيام: إن شاء ردّها وردّ معها صاعاً من تمر، والخيار كله على ما قال رسول الله ح (1). وهذا ما نصّ عليه الإباضية (2).
سبب الخلاف:
ويرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى معارضة خبر الواحد للقياس والأصول العامة فالذين قدموا الخبر؛ عملوا بخبر أبي هريرة، والذين قدموا القياس على الخبر تركوا العمل به.
***
القضاء في الأموال بالشاهد واليمين:
1. عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله ح قضى بيمين وشاهد (3).
2. عن عبد الله بن مسعود ?أن النَّبِيّ ح قال للمدعي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه (4).
الأثر الفقهي:
اتفق أهل العلم على أن القضاء في الأموال يشترط فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. واختلفوا فيما إذا شهد بالمال رجل وامرأتان. واختلفوا فيما إذا شهد بالمال رجل واحد مضافاً إليه يمين المدعي، على قولين:
__________
(1) المدونة الكبرى لأبي غانم: (2/ 121).
(2) كتاب (الضياء): (17/ 139)، الإيضاح: (5/ 241)، المدونة الصغرى: (2/ 145)، منهج الطالبين: (14/ 174)، شرح النيل: (8/ 463).
(3) أخرجهُ مسلم: (3/ 1337)، كتاب (الأقضية)، باب (القضاء باليمين والشاهد)، حديث (1712).
(4) أخرجه مسلم في صحيحه: (1/ 123)، كتاب (الإيمان)، باب (وعيد من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين فاجرة بالنار)، حديث (138). (1/299)
صفحة 300
القول الأول: أنه يقضي في الأموال بشهادة رجل واحد مع يمين المدعي وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة (1) وقد استدلوا هؤلاء على قولهم بالأدلة الآتية:
أولاً: استدلوا بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح قضى بالشاهد واليمين في المال.
ومنها: حديث جابر - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح قال: ÷أتاني جبريل فأخبرني أن أقضي باليمين مع الشاهد× (2).
ومنها: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ÷قضى رسول الله ح باليمين مع الشاهد الواحد× (3).
ومنها: حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق (4).
ومنها: حديث جابر - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح قضى باليمين مع الشاهد الواحد (5).
وممن قال بالقضاء بالشاهد مع يمين المدعي الخلفاء الأربعة وأُبَيّ بن كعب وجابر بن عبد الله، وزيد وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة، وقال به أيضاً فقهاء المدينة السبعة (6).
__________
(1) القوانين الفقهية لابن جزي: (311)، الاستذكار: (22/ 51)، كفاية الطالب الرباني: (4/ 443)، الشرح الكبير: (4/ 187)، الأم: (6/ 256)، الوسيط في المذهب الشافعي: (7/ 377)، الروضة: (11/ 278) مغني المحتاج: (4/ 443)، الروض المربع، ص (534)، المغني لابن قدامة: (9/ 151)، بداية المجتهد: (2/ 456).
(2) أخرجهُ أبو داود: (4/ 34)، كتاب (الأقضية)، باب (القضاء باليمين والشاهد)، رقم (3608)، وأخرجه الترمذي: (3/ 628)، كتاب (الأحكام)، باب (ما جاء في اليمين والشاهد)، رقم (1344).
(3) الحديث أخرجه الترمذي في سننه: (3/ 627)، كتاب (الأحكام)، باب (ما جاء في اليمين والشاهد)، رقم (1343).
(4) الحديث أخرجه الدارقطني في سننه: (4/ 212)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (14/ 293).
(5) أخرجه الدارقطني: (4/ 212).
(6) معرفة السنن والآثار: (14/ 297)، الحاوي: (21/ 74)، الاستذكار لابن عبد البر: (22/ 50). (1/300)
صفحة 301
ثانياً: استدل الجمهور بالقياس، فقالوا: إن المدعي يعتبر أحد المتداعيين، فجاز أن يكون اليمين في جنبه كالمدعى عليه.
ويعضده: أن أصول الأحكام موضوعة على أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين فإذا عدمت الشهادة أصلاً فجانب المدعَى عليه أقوى؛ فتجعل في جانبه؛ إذ الأصل براءة ذمة المدعى عليه. لكن هنا مع وجود الشاهد – ولو كان واحداً – صار جانب المدعي أقوى فوجب أن تكون اليمين في جانبه (1).
القول الثاني: أنه لا يجوز الحكم في الأموال أو في غيرها بشاهد مع يمين المدعي. وهذا قول الحنفية (2). واستدلوا بعدة أدلة، ومنها:
أولاً: قوله تعالى: ژ ژ ژ ss ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?ژ [البقرة282]. وقوله تعالى: ژ ژ ژژ [الطلاق2].
__________
(1) الحاوي: (21/ 75).
(2) مختصر اختلاف العلماء: (3/ 342)، المبسوط: (17/ 30)، بدائع الصنائع: (6/ 343)، البناية: (8/ 401) رؤوس المسائل، ص (535). (1/301)
صفحة 302
ووجه الاستدلال من الآيتين، أن القرآن قد طلب في إثبات الحقوق إشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، ومن ثم فقبول الشاهد مع يمين المدعي تعدّ زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، وهو لا يجوز إلا بالمتواتر أو المشهور، وليس هنا واحد منهما (1).
ثانياً: بحديث ابن مسعود أن النَّبِيّ ح قال للمدعي: ÷ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه× (2).
وللحديث رواية أخرى رواها مسلم في صحيحه أن النَّبِيّ ح قال للمدعي: ÷شاهداك، أو يمينه× (3).
__________
(1) وتعقب هذا الاستدلال بأن الآية دلت على مشروعية العمل بقول الشاهد والمرأتين ولا نزاع في هذا. أما القول بأن الزيادة في النص نسخ فقول غير صحيح؛ لأن النسخ رفع وإزالة وليس في الحديث إزالة لما دلت عليه الآية؛ والزيادة في الشيء ليست رفعاً له بل هي تقرير له، فالحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه؛ ولأن الزيادة – أيضاً – لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن ناسخة له، فكذلك إذا انفصلت عنه. ثم إن الحنفية قد قبلوا شهادة القابلة وحدها في الولادة، وليست هذه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فلما لم يكن هذه الزيادة نسخاً لم يكن مع الشاهد نسخاً. ويضاف إلى ذلك أن الآية واردة في تحمل الشهادة دون الأداء؛ ولهذا قال تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} البقرة283، والنزاع ليس في محل التحمل وإنما هو في حال أداء الشهادة.
(2) سبق تخريج الحديث في أول المسألة.
(3) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: (1/ 123)، كتاب الإيمان، باب (وعيد من اقتطع حق امرئ بيمين فاجرة)، رقم (138). (1/302)
صفحة 303
ووجه الاستدلال: أن النَّبِيّ ح جعل اليمين فقط في جانب المدعي عليه إذا انعدمت الشهادة في جانب المدعي. وقوله ح:÷شاهداك أو يمينه× فيه تخيير للمدعي بين أمرين لا ثالث لهما: إما البينة، أو يمين المدعي عليه، والتخيير بين أمرين يمنع تجاوزهما إلى غيرهما أو الجمع بينهما (1).
ثالثاً: حديث ابن عباس أن النَّبِيّ ح قال: ÷لو يعطَى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه× (2). ووجه الاستدلال: أن اليمين واجبة على المدعي عليه، فلو جاز القضاء بشاهد ويمين المدعي لما بقيت اليمين واجبة على المدعي عليه. (3)
رابعاً: استدلوا بالحديث المشهور أن النَّبِيّ ح قال في خطبته: ÷البينة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه (4) ×.
__________
(1) وقد تعقب الجمهور هذا الاستدلال بأن اليمين التي جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنبة المدعى عليه هي غير اليمين التي جعلت في جنبة المدعي لاختلافهما من وجهين:
الأول: أن يمين المدعى عليه – عند انعدام البينة مع الشاهد – واجبة عليه، أما هنا فليست واجبة على المدعي بل هي جائزة وله أن لا يحلف.
الثاني: أن يمين المدعى عليه للنفي، ويمين المدعي للإثبات.
(2) أخرجه البخاري: (8/ 61)، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً"، رقم (452). أخرجه مسلم: (3/ 1336)، كتاب (الأقضية)، باب (اليمين على المدعي عليه)، حديث (1711).
(3) وتعقب الجمهور هذا الاستدلال بأن اليمين واجبة على المدعى عليه إذا انعدمت البينة في جانب المدعي، فأما في وجود شاهد فتنعدم يمين المدعى عليه، ويكون للمدعي إذا أراد.
(4) أخرجه الترمذي في سننه: (3/ 626)، كتاب (الأحكام)، باب (ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، حديث (1341)، وقال: (هذا حديث في إسناده مقال ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره). (1/303)
صفحة 304
ووجه الاستدلال: أن النَّبِيّ ح جعل كل جنس اليمين حجة للمدعى عليه؛ لأنه عليه السلام ذكر اليمين بلام التعريف، وهذا يقتضي استغراق كل الجنس، فلو جعلت اليمين حجة للمدعي، فلا يكون كل جنس اليمين حجة للمدعى عليه؛ بل يكون من الأيمان ما ليس بحجة له وهو يمين المدعي وهذا خلاف النص (1).
خامساً: رد الحنفية الحديث الذي استدل به الجمهور أن ح قضى بالشاهد مع اليمين. بأنه قد طعن فيه يحيى بن معين، وأنه قال: لم يصح عن رسول الله ح القضاء بشاهد ويمين (2).
وكذلك روى عن الزهري أنه لما سئل عن اليمين مع الشاهد قال: بدعة، وأول من قضى بها معاوية (3).
__________
(1) بدائع الصنائع: (6/ 344). وقد تعقب الجمهور هذا الاستدلال بأن حديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فيه ضعف، ثم لو صح لما كانت في حجة؛ لأنه لم يحصر كل الأيمان في جانب المدعى عليه، بدليل أن اليمين مشروعة في حق المودع لديه إذا ادعى رد الوديعة إلى صاحبها، أو أنها تلفت وكذلك تشرع اليمين في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة. انظُر: المغني: (9/ 152).
(2) وقد تعقب الجمهور هذا القدح بأنه فاسد؛ لأن مالكاً والشافعي قد أثبتاه وقالا به، وهما أعرف بصحة الحديث وأقرب من زمن معرفته من يحيى بن معين، وأنه قد أثبته مسلم بن الحجاج في صحيحه. ثم هذا القدح عن ابن معين قد روي من طريق ضعيف.
(3) تعقب الجمهور هذا القدح بأن إنكار الزهري للقضاء باليمين مع الشاهد إنما كان في الدماء لا في الأموال حين بلغه أن معاوية قضى به في الشجاج، ثم إن الزهري نفسه قضى بالشاهد مع اليمين حين ولى القضاء، فتقابل في الزهري إنكاره وعمله؛ فيسقطان بالمعارضة ولم يكن في أحدهما حجة. ثم لو لم يصح عمل الزهري بالشاهد واليمين فقد صح عن أكابر الصحابة العمل بالشاهد مع اليمين. (1/304)
صفحة 305
المسألة عند الإباضية (1):
اتفقت الإباضية مع الحنفية في عدم العمل بالشاهد الواحد مع يمين المدعي. وحجتهم في ذلك عموم قول رسول الله ح: ÷البينة على المدعي واليمين على المنكر×. والبينة قد تكون شهوداً، والشهادة لا تكون إلا من عدلين اثنين رجلين أو رجل وامرأتين؛ كما اقتضت الآية في قوله تعالى: ژ ژ ژ ss ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?ژ [البقرة282]، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ [المائدة106].
فالاقتصار على الشاهد الواحد مخالف لظاهر الآية. قال الكندي: "ولا ينبغي للقاضي أن يقضي بشهادة رجل واحد مع يمين صاحب الحق، فإن الحكم ليس ذلك، ولم ينزل الدين بذلك" (2).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة، هو أن القرآن الكريم اقتصر في إثبات الحقوق على شاهدين، أو شاهد وامرأتين. وورد في السنة الحكم بشاهد واحد مع يمين المدعي، فمن أهل العلم من أثبت صحة القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدعي اعتباراً بما ورد في السنة، ومن أهل العلم من اقتصر على ما ورد في القرآن من اعتبار الشاهدين أو شاهد وامرأتين، ورأى أن القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي تعد زيادة على ما في القرآن، وهذه الزيادة تعتبر نسخاً، ولما كانت هذه الزيادة لا ترتقي إلى مرتبة المتواتر لم يصح النسخ بها؛ ومن ثم اقتصر هذا الفريق على العمل بما ورد في الكتاب، والله أعلم (3).
***
اشتراط الإيمان في الرقبة المعتقة:
__________
(1) هذه من المسائل التي لم يَرِد ذكرها في المصادر الإباضية شأنها في ذلك شأن المسائل التي ليس عليها العمل عندهم.
(2) المصنف: (16/ 14)، وانظُر: منهج الطالبين: (9/ 467)، وانظُر: شرح النيل: (13/ 369)، فإن عباراته تفيد ترك العمل بحديث الشاهد مع اليمين وإن لم يذكر ذلك صراحة.
(3) انظُر: بداية المجتهد: (2/ 456). (1/305)
صفحة 306
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوس عند النَّبِيّ ح إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم! فقال رسول الله ح: ÷هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النَّبِيّ ح فبينا نحن على ذلك أتي النَّبِيّ ح بعرق فيها تمر – والعرق المكتل – قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذه فتصَدَّقْ به ... ×. الحديث (1).
الأثر الفقهي:
لقد أوجبت الشريعة كفارات لبعض الأخطاء والذنوب وهي متنوعة لتنوع الأخطاء وحالات المخطئ، ومنها وجوب عتق الرقبة كفارة عن قتل المؤمن خطأ، وعن الظهار واليمين، وعن إفساد صوم رمضان بالجماع؛ كما في حديث أبي هريرة.
وفي القرآن ثلاثة مواضع ذكر فيها عتق الرقبة:
أولاً: في قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? پ پ ... پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... S SS S ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?ژ [النساء92].
وثانياً: في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ?ژ [المائدة89].
وثالثاً: في قول الله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ ژ s sک ک ک ... کگ گ گ گ ?ژ [المجادلة3].
اتفق العلماء على أن تكون الرقبة المعتقة في كفارة القتل: مؤمنة، وذلك لاشتراط صفة الإيمان فيها نصاً، واختلفوا فيها في غيرها من الكفارات؛ ككفارة اليمين والظهار وإفساد صوم رمضان، وذلك لعدم التنصيص عليها فيها، إلى قولين:
القول الأول: اشتراط إيمان الرقبة في جميع الكفارات.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 193)، كتاب (الصوم)، باب (إذا جامع في رمضان)، رقم (1936)، ومسلم: (2/ 784)، كتاب (الصوم)، باب (تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة فيه)، رقم (1111). (1/306)
صفحة 307
وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (1).
واستدل هؤلاء الذين قالوا باشتراط إيمان الرقبة بأدلة منها:
* أنهم حملوا مطلق آية الظهار واليمين بقيد آية القتل في قوله تعالى: ژ? ? ?ژ [النساء92]، وألحق بها جميع الكفارات.
كما حمل مطلق قوله تعالى: ژ ژ ژ sژ [البقرة282]، بقيد قوله تعالى: ژ ژ ژژ [المائدة106].
* أن الزكاة لا يجوز صرفها إلا لمسلم فكذلك الكفارة الواجبة لا يجوز صرفها لكافر.
* كذلك من بيان رسول الله ح أن تكون الرقبة التي يراد عتقها مؤمنة كما هو في حديث معاوية بن حكيم السلمي - رضي الله عنه -، وفيه: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية (2)، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد نهب من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة (3)، فأتيت رسول الله ح فعظم ذلك عليّ. قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء؟ قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. اقل: أعتقها، فإنها مؤمنة (4).
__________
(1) الكافي لابن عبد البر، ص (198): (284)، الاستذكار: (23/ 178)، الشرح الصغير: (2/ 213)، كفاية الطالب الرباني: (3/ 51)، الأم: (5/ 285)، المهذب: (2/ 116)، مختصر خلافيات البيهقي: (4/ 252)، مغني المحتاج: (3/ 360)، المغني لابن قدامة: (8/ 743)، الكافي: (3/ 271)، الإفصاح: (2/ 273).
(2) موضع في شمال المدينة.
(3) أي لطمتها.
(4) أخرجهُ مسلم: (1/ 382)، كتاب (المساجد)، باب (تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة)، رقم (537). (1/307)
صفحة 308
وله شاهد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً أتى إلى رسول الله ح بجارية سوداء فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال: فمن أنا؟ فأشارت إلى النَّبِيّ ح وإلى السماء – تعني أنت رسول الله – فقال: أعتقها فإنها مؤمنة (1).
وفي الحديث دلالة على أن العتق الواجب لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة، قال البيهقي: فيه دلالة على أن الرقبة التي تجب في الكفارة تكون مؤمنة، حيث قال: وعليَّ رقبة. ولم يستفسر منه بسبب وجوبها عليه، ولم يأذن له في عتقها إلا بعد أن علم أنها مؤمنة (2).
القول الثاني: أنه لا يشترط إيمان الرقبة إلا في كفارة القتل وهو قول الحنفية (3). وقد خالفوا الجمهور في حمل المطلق على المقيد، حيث أجازوا المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده. وقالوا:
* إنه لا يحمل المطلق على المقيد إلا في الضرورة وعدم إمكان العمل بكل واحد منهما على حدة، كما في حالة اتحاد السبب والحكم، لاستحالة ثبوت حكم واحد في زمن واحد مطلقاً ومقيد.
* أن حمل المطلق على المقيد يعتبر نسخاً لإطلاقه؛ لأنه بعد ورود النص المقيد لا يجوز العمل بالمطلق بل ينسخ حكمه، وليس النسخ إلا بيان انتهاء مدة الحكم الأول، ولا يجوز النسخ بالقياس ولا بخبر الواحد.
* وأجابوا عن قياس منع الزكاة للكافر بأن الكفارات لا تثبت بالقياس.
* وأجابوا عن الحديث بأنه ليس فيه ما يدل أن على السائل كفارة ظهار، أو يمين أو إفساد رمضان بالجماع.
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (3/ 588)، كتاب (الأيمان والنذور)، باب (في الرقبة المؤمنة)، رقم (3282).
(2) مختصر خلاقيات البيهقي: (4/ 253).
(3) المبسوط للسرخسي: (7/ 2)، بدائع الصنائع: (5/ 164)، رؤوس المسائل: (425)، فتح القدير: (4/ 94)، مختصر اختلاف العلماء: (2/ 493)، أحكام القرآن للجصاص: (3/ 417). (1/308)
صفحة 309
* أنه ليس في الحديث ما يمنع من عتق الرقبة الكافرة بل استوثق رسول الله ح من إيمان الجارية؛ لأن السائل قال: (عليَّ رقبة مؤمنة) كما هو في بعض الروايات. وبهذا ذهب الحنفية إلى إعمال المطلق في كفارة الظهار واليمين والإفطار في رمضان بالجماع، وإعمال المقيد في كفارة قتل الخطأ.
المسألة عند الإباضية:
ذهب جمهور الإباضية إلى ما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار واليمين وغيرهما من الكفارات الواجبة؛ حملاً على اشتراطها في كفارة القتل الخطأ، فحملوا المطلق على المقيد والمجمل على المفسر، وقد نص على ذلك ابن بركة والشماخي. قال ابن بركة: "إذا كانت الآية إحداهما مجملة والأخرى مفسرة كانت المفسرة حاكمة على المجملة، ومبينة لحكم المجمل. فلما قال الله تعالى في كفارة الظهار: ژ ? ?ژ [المجادلة3]، ولم يبيّن أيّ رقبة هي، وكذلك في كفارة اليمين، وبيّن في كفّارة الخطأ أنها مؤمنة، علمنا أن المراد من ذكر نعته أنها مؤمنة، لأن الأخذ بالزيادة واجب وفائدة مقبولة. والله أعلم" (1).
- واستدلوا بحديث الجارية التي وافق رسول الله ح على عتقها لكونها مؤمنة؛ حيث أقرت بوحدانية الله وبرسالة محمد ح (2).
وفي هذا الحديث بيان لنوعية الرقبة المراد عتقها (3).
سبب الخلاف:
سبب الخلاف في المسألة راجع إلى اختلافهم في حمل المطلق على المقيد، فالذين اشترطوا الإيمان في الرقبة التي يجب عتقها في الكفارات حملوا المطلق على المقيد، والذين لم يشترطوا ذلك إلا في كفارة القتل الخطأ لم يحملوا المطلق على المقيد.
***
لا يُقتَل المسلم بالكافر:
__________
(1) جامع ابن بركة: (2/ 88)، الإيضاح: (4/ 87).
(2) شرح مسند الربيع: (3/ 453).
(3) ويروى في المذهب قول اشتراط الإيمان في الرقبة لمطلق اسم الرقبة فأجازوا عتق المملوك اليهودي والنصراني. انظُر: المصادر السابقة. (1/309)
صفحة 310
1. عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعْطِيَهُ رجلٌ مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر (1).
2. عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: قتل رسول الله ح رجلاً من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال: ÷أنا أحق من وَفَّى بذمّته× (2).
الأثر الفقهي:
شرع الله القصاص بين الناس حفاظاً لحياتهم كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة179]. ويقتص من القاتل لا فرق بين أفراد المجتمع كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في القصاص بين المسلم والكافر، وفيه قولان:
__________
(1) الحديث أخرجهُ البخاري: (1/ 246)، كتاب (العلم)، باب (كتابة العلم)، رقم (111)، وفي: (12/ 272)، كتاب (الديات)، باب (لا يقتل المسلم بالكافر)، رقم (6915).
(2) أخرجهُ عبد الرزاق في مصنفه: (10/ 101)، وابن أبي شيبة: (9/ 290)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (3/ 195)، والدارقطني في سننه: (3/ 134)، والبيهقي في السنن الكبرى: (8/ 30) وفي معرفة السنن والآثار: (12/ 25)، وأعل الحديث الدارقطني والبيهقي: (4/ 329)، والاستذكار (5/ 171)، وأخرجهُ الدارقطني مستنداً عن ابن عمر، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى وهو متروك الحديث ولم يرفعه غيره، وقال الدارقطني: والصواب أنه مرسل. سنن الدارقطني: (3/ 135). وانظُر الراية: (4/ 335). (1/310)
صفحة 311
القول الأول: لا يقتل مسلم بكافر وهو مذهب المالكية والحنابلة (1).
واستدلوا على ذلك بعدم التكافؤ بين المسلم الكافر، وعدم الاستواء بينهم، لقوله تعالى: ژچ ? ? ? ... ? ?? ? ? ? ? ژ [الحشر20]. وقوله: ژ? ... ? ? ... ? ? ? ? ... ?ژ [القلم:35، 36]. وغيرها من الآيات، وأن التكافؤ في الدين والحرية شرط في القصاص بين القاتل والمقتول لقوله ح: ÷المؤمنون تتكافأ دماؤهم× (2).
واستدلوا أيضا بحديث الباب: ÷لا يقتل المسلم الكافر×، قال الخطابي: فيه البيان الواضح أن المسلم لا يُقتل بأحد من الكفار، كان المقتول ذمياً أو معاهداً أو مستأمناً أو ما كان، وذلك أنه نفيٌ في سياق نكرة فاشتمل جنس الكفار عموماً، وقد قال ح: ÷لا يرث المسلم الكافر، والكافر المسلم×. فكان الذمي والمستأمن في ذلك سواء) (3).
وقالوا: إن هذه الأحاديث مخصّصة لعموم الآيات الواردة في القصاص في قوله تعالى: ژ ژ ژ s ... s ک ک کژ [البقرة178]. وقوله تعالى: ژے ے ? ? ? ?ژ [المائدة45].
__________
(1) الكافي، ص (587)، الاستذكار: (25/ 170)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (4/ 238) كفاية الطالب الرباني: (4/ 94)، المهذب: (2/ 174)، الوسيط في المذهب: (6/ 273)، مغني المحتاج: (4/ 2)، مختصر خلافيات البيهقي: (4/ 323)، المغني لابن قدامة: (8/ 273)، الكافي: (3/ 253)، الإفصاح: (2/ 157). واستثنت المالكية القتل غيلة، فقالوا: إن المسلم يقتل بالكافر إذا قتله غيلة نوعاً من الحرابة، والغيلة هو القتل لأجل المال، قال ابن عبد البر: كأن يقتله بماله، كما سصنع قاطع الطريق. الاستنكار: (25/ 171).
(2) الحديث أخرجهُ أبو داود: (4/ 660)، كتاب (الديات)، باب (إيقاد المسلم بالكافر)، رقم (4530)، والنسائي: (8/ 19)، كتاب (الديات)، باب (تعظيم قتل المعاهد).
(3) معالم السنن: (4/ 661). (1/311)
صفحة 312
القول الثاني: أن المسلم يقتل بالذمي، وهو الحنفية. ولم يشترطوا التكافؤ والمساواة في الدين والحرية وإنما التساوي في الإنسانية (1).
واستدلوا على ذلك بعموم القرآن في قوله تعالى: ژ ژ ژ s ... s ک ک کژ [البقرة178]. وقوله تعالى: ژے ے ? ? ? ?ژ [المائدة45] وقوله تعالى: ژگ گ ? ? ... ? ? ? ?? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ... ھژ [الإسراء33]. ولم يخصصوا هذه العمومات بالأحاديث الواردة في الباب.
واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن البيلماني: أن رسول الله ح أقاد مؤمناً بكافر، وقال: أنا أحق من وَفَّى بذمته (2).
واستدلوا كذلك ببعض الآثار عن الصحابة، ومنها:
- أن عمر بن الخطاب أمر بقتل مسلم قتل رجلاً ذميا من أهل الكوفة (3).
__________
(1) تحفة الفقهاء: (3/ 145)، مختصر اختلاف العلماء: (5/ 157)، رؤوس المسائل: (454)، حاشية عابدين: (6/ 527)، شرح معاني الآثار: (3/ 192).
(2) سبق تخريج الحديث مع بيان ضعفه، ومع ذلك فإن هذا الحديث منسوخ بقوله:" ولا يقتل مؤمن يكافر" لتأخره؛ لأنه كان من ضمن خطبته بمكة عام الفتح، وحديث عبد الرحمن البيلماني في قتل بني النضير كان قبل الفتح بزمان كما قال الإمام الشافعي، انظُر: معرفة السنن والآثار: (12/ 28، 189)، والاعتبار: (451).
(3) أخرجهُ عبد الرزاق: (10/ 101)، والبيهقي في السنن الكبرى: (8/ 32)، وعبد البر في الاستذكار: (25/ 172). (1/312)
صفحة 313
- أن المهاجرين أشاروا على عثمان أن يقيد عبيدَ الله بن عمر بالهرمزان وجفينة وهما ذميان بعد مقتل أبيه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (1) ظناّ منه أن كل أجنبي شريك أبي لؤلؤة قاتل أبيه.
ومما أيد به الحنفية قولهم القياس على السرقة؛ إذ الإجماع منعقد على أن المسلم تقطع بيده إذا سرق من مال الذمي، فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فنفسه أحرى من ماله.
وتأويل الحنفية حديث: ÷لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده×، بأنه لا يقتل مسلم ومعاهد في عهد بالكافر الحربي، على تقدير عطف ذي عهد في عهده على مسلم؛ فيكون الكلام: لا يقتل مسلم بكافر حربي ولا ذو عهد بكافر حربي.
ورُدَّ بأن الكلام تام لا يحتاج إلى تقدير، وهي جملة مستأنفة لبيان حرمة دماء أهل الذمة والعهد بغير حق.
قول الإباضية في المسألة:
ذهب الإباضية إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر وإن كان ذمياً، وهو مما لا خلاف فيه في المذهب (2)، واستدلوا بالأدلة الآتية:
1. أن الخطاب في القصاص موجه للمؤمنين فلا يدخل الكافر ضمن هذا الخطاب كما في قوله تعالى: ژ ژ ژ s ... s ک ک کژ [البقرة178] فخصصه الحديث ÷لا يقتل مسلم بكافر×.
2. أن من شروط القصاص التساوي والتكافؤ بدلالة الآية: ژ ژ ژ s ... s ک ک کک گ ... گ گ گ ? ?ژ [البقرة: 178]، والكافر لا يتكافأ مع المسلم.
__________
(1) شرح معاني الآثار: (3/ 194)، معرفة السنن والآثار: (12/ 191)، أشار المهاجرون على عثمان بقتل عبيد الله بن عمر لأنه قتل مسلماً وهو الهرمزان وابنه ابن لؤلؤة، معرفة السنن: (12/ 192) الاستذكار: (25/ 175)، والهرمزان كان من أهل فارس ممن وقع في أسر المسلمين بعثه أبو موسى إلى المدينة ومعه أثنا عشر أسيراً من العجم، فأسلم وبقي في المدينة. انظُر: الطبقات الكبرى لابن سعد: (5/ 90).
(2) جامع ابن بركة: (2/ 506)، جامع البسيوي: (4/ 127)، الدعائم: (2/ 563)، المصنف: (41/ 80)، قواعد الإسلام، (2/ 237)، حاشية الترتيب: (6/ 24). (1/313)
صفحة 314
3. أن حرمة الكافر ليست كحرمة المسلم؛ وقد قال سبحانه وتعالى: {وَالْحُرُمَاتُ} [البقرة194].
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في المسألة راجع إلى اختلافهم في تخصيص عموم الآيات القصاص بحديث: ÷لا يقتل مؤمن بكافر× فمن رأى تخصيص عموم الآيات بالحديث قال بعدم قتل مسلم بكافر، ومن لم ير تخصيص عموم الآيات بالحديث قال بقتل المسلم بالكافر الذمي، ثم تعارض الآثار مع القياس، فالقياس: أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي.
***
ما يقطع فيه السارق:
1. عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: قال النَّبِيّ ح: ÷تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً× وفي رواية عنها: إن يد السارق لم تقطع على عهد رسول الله ح إلا على ثمن مِجَنٍّ أو تُرْسٍ (1).
2. عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله ح قطع في مِجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم (2).
3. عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح قطع في قيمة خمسة دراهم (3).
__________
(1) الدينار يساوي: 5.41 جرامات تقريباً، فربع الدينار بحوالي: 1.623 جراماً. معجم لغة الفقهاء، ص (212). والحديث أخرجهُ البخاري: (12/ 99)، كتاب (الحدود)، باب (قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، رقم (6789)، ومسلم: (3/ 1312)، كتاب (الحدود)، باب حد السارقة ونصابها، رقم (1684).
(2) أخرجهُ البخاري: (12/ 99) في الكتاب والباب المذكورين، رقم (6795)، ومسلم: (3/ 1313)، في الكتاب والباب المذكورين، رقم (1686).
(3) أخرجهُ النسائي: (8/ 28،) في (القطع السارق)، باب (ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد بن عمرة)، والدارقطني: (3/ 391)، كتاب (الحدود)، والبيهقي في السنن الكبرى: (8/ 261)، وفي معرفة السنن: (12/ 391) وقال: هذا أقرب أن يكون صحيحاً. وقال في التعليق، المغني: (3/ 186): رجاله ثقات. (1/314)
صفحة 315
4. عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قطع رسول الله ح يد رجل في مِجَنّ قيمته دينار أو عشرة دراهم (1).
الأثر الفقهي:
اختلف الفقهاء في مقدار النصاب الذي يقطع فيه السارق بناء على اختلاف الأحاديث في تحديد مثمن المِجَنّ:
القول الأول: أنه لا تقطع في أقل من عشرة دراهم (2)، وبه قالت الحنفيه واستدلوا على ذلك بما يأتي:
1. بما رواه ابن عباس وعبد الله بن عمر وأيمن أن ثمن المِجَنّ الذي قطع فيه رسول الله ح كان قيمته عشرة دراهم أو ديناراً.
__________
(1) أخرجهُ أبو داود في سننه: (4/ 548)، كتاب (الحدود)، باب (ما يقطع فيه السارق)، رقم (4387)، والنسائي: (8/ 82)، كتاب (قطع السارق)، باب (ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة في هذا الحديث)، وفي إسناده محمد ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وبه أعل البيهقي الحديث كما في السنن الكبرى: (8/ 261)، وكذلك في معرفة السنن والآثار: (12/ 379)، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجهُ النسائي: (2/ 82)، في الكتاب والباب المذكورين، والدارقطني: (3/ 190)، كتاب (الحدود)، بطرق مختلفة وفيها مقال. وقال الإمام الشافعي حديث عمرو بن شعيب غير صحيح. الأم: (6/ 131)، وله شاهد من حديث أيمن قال: لم تكن تقطع اليد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن مِجَنّ وقيمته يومئذ دينار. أخرجهُ النسائي: (8/ 82)، في الكتاب والباب المذكورين، والدارقطني: (3/ 194)، والحديث مرسل، قال الدارقطني: وأيمن من التابعين لم يدرك زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الخلفاء بعده. وكذلك البيهقي في معرفة السنن والآثار: (12/ 389) وضعف إسناده.
(2) واكتفيت بإيراد رأيين فقط وتركت بقية الآراء خشية الإطالة: انظُر: المبسوط، (9/ 137)، بدائع الصنائع: (7/ 114)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: (2/ 794). (1/315)
صفحة 316
2. وبما روى عن ابن مسعود قال: لا تقطع اليد إلا في الدينار أو عشرة دراهم (1).
3. واستدلوا بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أُتِيَ بسارق سرق ثوباً فأمر بقطع يده، فقال عثمان: إنه لا يساوي عشرة دراهم، فأمر بتقويمه فقُوِّمَ بثمانية دراهم (2).
4. واحتجوا بالقياس على أقل المهر، فقالوا: إن أقل المهر عشرة دراهم، فيكون بذلك حد نصاب قطع السارق.
5. أن الإجماع قد انعقد على وجوب القطع في العشر، واختلف فيما دون ذلك فيؤخذ بما اتفق عليه ويترك ما اختلف فيه لما فيه من الاحتمال.
6. وقالوا: إن الأخذ بالأكثر فيه حيطة لدرء الحد، والحدود تدرأ بالشبهات.
وأجابوا عن القطع في ربع دينار بأنه فيه اضطراب وإن صح فيقال بأنه كان في بادئ الأمر ثم نسخ إلى العشر تخفيفاً على الأمة.
والقول الثاني: أن نصاب قطع يد السارق ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، أو ما يعادلهما، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (3).
__________
(1) أخرجهُ الترمذي في سننه: (4/ 41)، كتاب (الحدود)، باب (ما جاء في كم تقطع يد السارق)، الدارقطني: (3/ 193)، كتاب (الحدود)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (3/ 167)، والبيهقي في السنن الكبرى: (8/ 260)، كتاب (الحدود).
(2) أخرجهُ ابن أبي شيبة في مصنفه: (9/ 246)، كتاب (الحدود)، باب (لا قطع في أقل من عشرة)، والبيهقي في السنن الكبرى: (8/ 260)، كتاب (الحدود)، باب (ما جاء عن الصحابة فيما يجب فيه القطع).
(3) المدونة الكبرى: (4/ 256)، الكافي لابن عبد البر، ص (578)، كفاية الطالب الرباني: (4/ 97)، حاشية الدسوقي: (4/ 332)، الأم: (6/ 130)، الوسيط: (6/ 457)، مغني المحتاج: (4/ 158)، مختصر خلافيات البيهقي: (4/ 435)، المغني لابن قدامة: (9/ 105)، الكافي: (4/ 71)، الإفصاح لابن هبيرة: (2/ 204)، بداية المجتهد: (2/ 438). (1/316)
صفحة 317
واستدلوا بحديث أم المؤمنين عائشة وحديث ابن عمر لصحتهما وضعف ما يخالفهما من روايات كما نص عليه الإمام الشافعي (1).
واستدلوا كذلك بما ثبت عن الصحابة: ومن ذلك أن عثمان - رضي الله عنه - قطع يد سارق سرق أترُجَّةً بعدما قُوِّمت بثلاثة دراهم (2). وأن الإمام علياً قطع في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار (3).
المسألة عند الإباضية:
وذهب الإباضية إلى أن نصاب قطع السارق هو ربع دينار (4)، واستدلوا بحديث عائشة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح: ÷تقطع يد السارق في ربع ديناراً فصاعداً×، قال الكندي: ورأى أصحابنا أنه يقطع في ربع دينار أو قيمته. وأما الفضة فيكون القطع فيها في أربعة دراهم (5). وقال السالمي: إن ربع الدينار أربعة دراهم وبه أخذ أصحابنا وعليه جرت فتواهم، فنصاب القطع عندهم أربعة دراهم، وكأنهم استندوا في ذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري. (6)
وهذا القول موقوف على أبي سعيد. وقد سبق ذكر الخلاف في المسألة، وأن أشهر الروايات وأصحها ثلاثة دراهم.
__________
(1) الأم: (6/ 131)، وانظُر الاستذكار: (24/ 163)، المجموع: (20/ 80).
(2) أخرجهُ مالك في الموطأ، ص (589) كتاب (الحدود)، رقم (1516)، وعبد الرزاق: (10/ 237)، وابن أبي شيبة: (9/ 473).
(3) أخرجهُ ابن أبي شيبة في مصنفه: (9/ 470)، وعبد الرزاق في مصنفه: (10/ 236).
(4) المصنف: (40/ 147)، وانظُر: جامع ابن بركة: (2/ 478)، جامع البسيوي: (4/ 108)، حاشية الترتيب: (5/ 88)، شرح مسند الربيع: (3/ 313).
(5) المدونة الكبرى: (2/ 288)، جامع ابن بركة: (2/ 117).
(6) شرح مسند الربيع: (3/ 313). وهذا الحديث أخرجهُ ابن أبي شيبة في مصنفه: (9/ 471)، في (الحدود)، باب (حد السرقة)، رقم (8144)، وابن عبد البر في الاستذكار (24/ 164)، كتاب (الحدود)، باب (ما يجب فيه القطع)، رقم (35887)، موقوفاً عليه وعلى أبي هريرة، وهو قول عكرمة. (1/317)
صفحة 318
وهذا ما رجّحه أبو ستة باعتباره ربع دينار، وذلك أيضا في الجزية والدية. قال: ولم أر مَن ذكر أن صرف الدينار ستة عشر درهما، بل المذكور أن صرفه عشرة دراهم كما في الزكاة أو اثنى عشر درهم كما في الجزية والدية. فرواية ثلاثة دراهم في المِجَنّ أوفق بربع الدينار (1).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في المسألة: اختلاف الروايات في تقدير ثمن المِجَنّ بين ثلاثة دراهم وعشرة دراهم وغيرها، ولكن الراجح والذي تطمئن إليه النفس هو ما وافق الروايات الصحيحة بأنه ثلاثة دراهم أو ربع الدينار وهو مذهب الجمهور، والله أعلم.
***
قطع النّباش:
1. عن عبد الله ابن الصامت عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ح: ÷يا أبا ذر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، فقال: كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف (2) - يعني القبر- قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله ورسوله، قال: عليك بالصبر أو قال: تصبر × (3).
قال أبو داود: قال حماد بن أبي سليمان: يقطع النباش (4)، لأنه دخل على الميت بيته.
2. قال النَّبِيّ ح: ÷لا قطع على المختفي×. أي النباش (5).
الأثر الفقهي:
__________
(1) حاشية الترتيب: (5/ 89).
(2) الوصيف: العبد، يريد أن الفضاء من الأرض يضيق عن القبور، ويشتغل الناس بأنفسهم عن الحفر لموتاهم حتى تبلغ قيمة القبر قيمة العبد. قال ابن الأثير: يريد كثرة الموت حتى يصير موضع قبر يشترى بعبد من كثرة الموتى. النهاية: (5/ 191).
(3) أخرجهُ أبو داود في سننه: (4/ 564)، رقم (4409)، في الحدود باب (في قطع النباش)، وابن ماجه في سننه: (2/ 1308)، في كتاب (الفتن)، باب (التثبت في الفتنة)، رقم (3958).
(4) النباش: النبش إبراز المستور، ونبش الشيء: استخراجه بعد الدفن، ونبش الموتى: استخراجهم، والنباش: فاعل ذلك. (لسان العرب) / مادة ن ب ش).
(5) أخرجهُ عبد الرزاق في المصنف: (10/ 215) كتاب (الحدود)، باب (المختفي). (1/318)
صفحة 319
اختلف الفقهاء في حكم النباش إذا سرق ما يبلغ النصاب إلى قولين:
القول الأول: أنه لا قطع عليه، وهو مذهب الحنفية (1)، واستدلوا بقوله ح: ÷لا قطع على المختفي× والمختفي هو النباش (2)، وفي النباش شبهة تسقط عنه الحد وتتلخص هذه الشبة فيما يلي:
1. شبهة المال: لأن المال يدخر، والكفن إنما وُضِعَ للبِلى والتلف.
2. شبهة الحرز: لأن القبر ليس بحرز للكفن، ولا يحفظ، ولو كان حرزاً للكفن كان حرزا وحافظاً لغيره.
3. شبهة الملك: لأن الكفن مصروف لحاجة الميت، والميت لا يعتبر مالكاً له، والميت ليس بحافظٍ ولا بمالك أصلاً.
فهذه شبهات مجتمعة في النباش، وهي كافية لدرء الحد عنه قال الزمخشري: إذا وجدت إحدى هذه الشبهات يسقط القطع، فكيف عند الاجتماع؟ (3).
القول الثاني: أن النباش تقطع يده إذا بلغت سرقته النصاب. وهو قول الجمهور (4)؛ لعموم قوله تعالى: ژ? ? ? ?ژ [المائدة38].
أن النباش سرق من الحرز، لأن القبر حرز لما فيه، كالبيوت حرز لما فيها، ولأن الرسول ح اعتبر القبر بيتاً، كما في حديث أبي ذر عند أبي داود في قوله: ÷كيف أنت إذا أصاب الناس موت، يكون البيت فيه بوصيف يعني القبر×.
__________
(1) المبسوط: (9/ 159)، بدائع الصنائع: (7/ 97)، رؤوس المسائل: (493)، فتح القدير: (4/ 234).
(2) نقل البيهقي عن الإمام الشافعي أن المختفي هو النباش. معرفة السنن: (12/ 408)، والقاموس المحيط: مادة (خ ف أ)، المصباح المنير: مادة (خ ف أ).
(3) رؤوس المسائل: (494).
(4) المدونة الكبرى: (4/ 537)، الكافي لابن عبد البر: (580)، الاستذكار: (24/ 224)، حاشية الدسوقي: (4/ 430) مختصر الخلافيات للبيهقي: (4/ 452)، الوسيط في المذهب: (6/ 469)، مغني المحتاج للخطيب الشربيني: (4/ 169)، المغني لابن قدامة: (8/ 276)، الكافي لابن قدامة: (4/ 78)، الإفصاح: (2/ 208). (1/319)
صفحة 320
قال الخطابي: موضع استدلال أبي داود من الحديث، أنه سمى القبر بيتاً، والبيت حرزٌ، والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد (1).
واستدلوا أيضاً بحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح حيث قال: ÷من نبش قطعناه (2) ×.
وقالوا: إن للميت حرمة كحرمة الحي، تجب مراعاتها والحفاظ عليها فالاعتداء عليه كالاعتداء على الحي، فعن عائشة - رضي الله عنه - قالت: ÷سارق أمواتنا كسارق أحيائنا× (3)، فالنباش يعتبر معتديا على الميت، وقد أخذ مالاً على غير وجه حق.
المسألة عند الإباضية:
للإباضية في هذه المسألة قولان (4):
الأول: وهو قول البسيوي قال: ونباش القبور يقطع على كل حال، قلَّ أو كثر.
وقال الآخرون: حتى يأخذ ما يجب في مثله القطع؛ لأن من سرق الموتى كمن سرق الأحياء (5). وبهذا قال الربيع بن حبيب، وأبو المؤرج وغيرهم (6).
الثاني: أنه لا قطع على النباش، وذلك لعدم اعتبار القبر حرزا للمال، ولا قطع إلا من مال محرز؛ لقول رسول الله ح: ÷لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين×.
__________
(1) معالم السنن: (4/ 564). قلت: إطلاق البيت على القبر شائع عند بعض العرب، وما زال يستعمل عندنا في عمان، وفي بعض المناطق يطلق على المقبرة: المدينة، وعلى القبر بيت.
(2) أخرجهُ البيهقي في معرفة السنن: (12/ 409)، وأعله بأن في إسناده مجهولاً.
(3) أخرجهُ ابن أبي شيبة في المصنف: (10/ 33) والبيهقي في معرفة السنن: (12/ 409).
(4) حكى هذا الخلاف الكندي في مصنفه: (40/ 159).
(5) جامع البسيوي: (4/ 109).
(6) المدونة الكبرى لأبي غانم: (2/ 289)، والمدونة الصغرى: (2/ 82). وأبو المؤرج هو عمرو بن محمد من أهل قدم من اليمن هو أحد علماء القرن الثاني ممن أخذ عن الربيع عن أبي عبيدة مسلم، وهو ممن يروي عنه أبو غانم الخرساني في كتبه. انظُر: قواعد الإسلام للجيطالي، ص (263). (1/320)
صفحة 321
وفي المدونة: ليس سارق الأموات والأحياء بمنزلة واحدة؛ لأن من سرق من الحي قد سرق ممن يحوز ويحرز، وأما من أخذ كفناً للميت من قبره ونزعه منه فقد أخذ من غير حرز؛ لأن الميت لا يحرز شيئاً ولا يحوزه (1).
وبهذا قال ابن بركة في جامعه (2).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة اختلاف أهل العلم في اعتبار القبر حرزا. فالذين اعتبروا القبر حرزا قالوا: يقطع النباش، والذين لم يعتبروه حرزا لم يروا قطعه واكتفوا بتعزيزه.
والذي أراه- والله أعلم - هو قطع النباش لما تقدم من أحاديث ولآثار، ولأن النظر يوافقها، حيث يرتدع السارق بإقامة الحد عليه. وتحفظ حرمة الإنسان حيا وميتا، فالتعدي عليه ميتا كالتعدي عليه حياً وسرقة الحي.
قلت: وقد لا يكتفي بسرقة الكفن فحسب، بل قد يتعدى الأمر إلى سرقة الجثث لبيع بعض أعضائها أو كلها، وهذا أكبر تعدٍ على الميت، فإقامة الحد على النباش ردع له، والله أعلم.
***
تغريب الزاني البكر:
__________
(1) المدونة الكبرى لأبي غانم: (2/ 289).
(2) جامع البسيوي: (4/ 109). (1/321)
صفحة 322
عن أبي هريرة وزيد بن خالد - رضي الله عنه - قالا: كنا عند النَّبِيّ ح فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه – وكان أفقه منه – فقال: اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، قال: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً (1) على هذا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة الرجل الرجم؟ فقال النَّبِيّ ح: ÷والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها× (2).
الأثر الفقهي:
أجمع العلماء على أن الزاني البكر والزانية البكر يجلدان مائة جلدة؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ? ... ?ژ [النور2] واختلفوا في ضم التغريب مع الجلد، إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يغَرّب الزاني البكر أو الزانية عاماً بعد الجلد. وهو قول الشافعي والحنابلة (3)، وحجتهم في ذلك:
1 - حديث الباب في قصة العسيف ... وفيه: ÷وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام× وحديث عبادة بن الصامت قال رسول الله ح: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي عام (4).
__________
(1) العسيف: الأجير.
(2) أخرجهُ البخاري: (4/ 574)، كتاب (الوكالة)، باب (الوكالة في الحدود)، رقم (2314)، وفي (2/ 140)، كتاب (الحدود)، باب (الاعتراف في الزنا)، رقم (6828).
(3) الحاوي الكبير: (17/ 18)، المهذب: (2/ 268)، مغني المحتاج: (4/ 147)، المغني لابن قدامة: (8/ 166)، الكافي: (4/ 95)، الإفصاح: (2/ 192).
(4) أخرجهُ مسلم: (3/ 1316)، كتاب (الحدود)، باب (حد الزنى)، رقم (1690). (1/322)
صفحة 323
2 - ما ثبت عن النَّبِيّ ح أنه غَرّب، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -، فعن ابن عمر أن النَّبِيّ ح ضرب وغَرّب، وأن أبا بكر ضرب وغَرّب، وأن عمر ضرب وغَرّب (1)، وبه قال جملة من الصحابة (2).
القول الثاني: أنه ينفي ويغَرّب الزاني البكر دون الزانية وهو قول المالكية (3)، وحجتهم في ذلك:
1 - عموم نهي المرأة عن السفر من غير ذي محرم لقوله ح: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم. (4) وهذا النهي يخصص المرأة من التغريب؛ لاحتياجها إلى ذي محرم للسفر معها، وإن غُرِّبَت بمحرم فإنه يكون معاقباً بجريمة غيره وهذا مخالف للقواعد الشرعية، قال تعالى: ژ ? ? ? ? ?ژ [الأنعام164].
2 - أن تغريب المرأة قد يؤدي بها إلى الوقوع في الزنا مرة أخرى؛ فبقاؤها في بلدها أولى لدرء المفسدة.
القول الثالث: أنه لا تغريب للزاني على الإطلاق ذكراً أو أنثى، وهو قول الحنفية واستدلوا بأمور:
1 - أخذوا بظاهر القرآن في آية الجلد؛ إذ الآية نصت على الجلد فحسب، في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ... ?ژ [النور2]. فالتغريب زيادة على النص القرآني، والزيادة عليه نسخ، ولا يجوز نسخ النص بخبر الواحد.
3 - وقالوا: أن الله جعل الجلد جزاء، والجزاء اسم لما تقع به الكفاية مأخوذ من الاجتزاء وهو الاكتفاء، فلو أوجبنا التغريب لا تقع الكفاية بالجلد وهذا خلاف للنص.
__________
(1) أخرجهُ الترمذي: (4/ 35)، كتاب (الحدود)، باب (ما جاء في النفي)، رقم (1838).
(2) سنن الترمذي: (4/ 36)، الإشراف على مذاهب أهل العلم: (1/ 31)، الاستذكار: (25/ 56)، معرفة السنن والآثار: (12/ 290).
(3) المدونة الكبرى: (4/ 504)، الكافي لابن عبد البر: (572)، الاستذكار: (25/ 54)، حاشية الدسوقي: (4/ 322).
(4) أخرجهُ مسلم: (2/ 977)، كتاب (الحج)، باب (سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره)، رقم (1339)، من حديث أبي هريرة. (1/323)
صفحة 324
4 - إن التغريب منسوخ بظاهر آية الجلد، كما نسخ الإيذاء – في بادئ الأمر – في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? S S ژ [النساء15]. فقد نسخ هذا بقوله ح في حديث عبادة؛ (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة).
قال السرخسي: قد كان هذا قبل نزول سورة النور، ثم انتسخ ذلك بقوله تعالى ژ? ? ? ? ? ... ? ? ... ?ژ [النور2]. واستقر الحكم على الجلد في حق غير المحصن والرجم في المحصن (1).
5 - إن في التغريب تعريضاً للمغرب للفتنة والفساد، فإنه ما دام في بلده ومعارفه فقد يمنعه حياؤه عن الفاحشة، فقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه غَرّب ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغَرِّبُ أحداً بعد اليوم (2).
وقال الإمام علي: حسبهما من الفتنة أن ينفيا (3).
بهذه الأدلة يرى الحنفية أن التغريب ليس من الحد بل هو من التعزير ويرجع إلى الإمام إن رأى المصلحة في التغريب غَرّب وإلا فلا.
هذه اتجاهات الأئمة في هذه مسألة التغريب، ولكل قول استدلالاته وإن كانت حجة من قال بالتغريب أقوى لثبوته بالسنة، ولكن لما كان مقصد الشريعة المصلحة للمجتمع والفرد، فإن واقعنا اليوم يصعب فيه التغريب؛ لانتشار الفساد في مشارق الأرض ومغاربها، وسهولة الوقوع في المآثم لكثرة الوسائل والأسباب. ومن ثم فإن عدم التغريب أولى للمصلحة. والله أعلم.
__________
(1) المبسوط: (9/ 36)، التلويح على التوضيح: (2/ 34).
(2) مصنف عبد الرزاق: (7/ 12 - 14)، معرفة السنن والآثار: (12/ 293). الاستذكار: (24/ 56).
(3) المصادر السابقة. (1/324)
صفحة 325
المسألة عند الإباضية (1):
الظاهر عندهم الاكتفاء بجلد الزاني البكر دون التغريب، وهو ما نص عليه أبو المؤرّج والبسيوي. ففي المدونة "ولم نجد أصحابنا يقولون بالنفي في الزنا، ولا جمعوا جلداً ورجماً على زان في قولهم وفعلهم" (2) 0 وهذا نص صريح في ترك تغريب الزاني إلا أنا لا نجد ذكر مبررات لتركهم ما ورد من الأخبار في التغريب.
ولعلهم – والله أعلم – اعتبروا أن التغريب كان في بادئ الأمر ثم نسخ بقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ? ... ?ژ.
ثم إن رسول الله ح لم ينف إلا عسيفا، ولم يأمر بنفي الأمة التي زنت. ودعوى النسخ ذكرها السالمي نقلاً عن الشيخ أطفيش (3).
ويمكن القول بأنهم تركوا العمل بالتغريب من باب السياسة الشرعية، ومراعاة للمصالح؛ واتقاء لما ينتج عن التغريب من مضار، وقد عمل بذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: لا أغَرّب مسلماً بعدها أبداً (4)، وذلك عندما غَرّب ربيعة بن أمية بن خلف فارتد ولحق بالروم، وقد تقدم ذكر هذا الأثر.
__________
(1) وأنبه على أن المسائل الفقهية التي ليس عليها العمل قليلة الذكر في تآليفهم، وهذه المسائل من المسائل التي قل ذكر الكلام فيها، مع أن حديث عسيف في مسند الربيع رقم (579)، ومع ذلك فالشيخ أبو ستة شارح المسند لم يتعرض لهذه المسألة. راجع حاشية الترتيب: (5/ 26 – 35).
(2) المدونة الكبرى لأبي غانم: (2/ 279)، جامع البسيوي: (4/ 78)، شرح مسند الربيع: (3/ 130).
(3) شرح مسند الربيع: (3/ 310). ولقد وهم السالمي فنسب إلى أطفيش إنكاره نسخ التغريب في التفسير، وبالرجوع إلى تفسير أطفيش نجده إنما نقل قولاً حكاه الإمام الشافعي لا مذهباً له.
(4) مصنف عبد الرزاق: (7/ 312)، الاستذكار: (24/ 56). (1/325)
صفحة 326
وقد يحتمل أنهم تركوا حديث التغريب لكونه أمراًَ زائداً عما في القرآن كما هو قول الحنفية، لكنه لا يلزم هذا الاحتمال؛ لأنه خلاف منهجهم، فهم يقبلون الخبر الزائد عما في القرآن الكريم (1). والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف في هذه المسألة راجع إلى إثبات الحد بخبر الواحد وقبول الزيادة بخبر الواحد على النص القرآني، فالذين أثبتوا الزيادة قالوا بالتغريب، والذين لم يثبتوها لم يروا التغريب جزءاً من الحد، ورأوا الاكتفاء بالجلد الوارد في القرآن.
***
وبنهاية هذا الباب وبعد ذكر بعض القضايا المختلفة وبيان أثرها الفقهي عند العلماء والأئمة وسبب الخلاف في كل قضية يتضح من خلال ذلك أن الفقه الإباضي – في مجمله – لا يخرج عن فقه المذاهب الأربعة، وأنه قد يتفق معها في بعض المسائل، ويختلف مع البعض الآخر. وقد نجد عند الإباضية في المسألة الواحدة أكثر من قول كشأن بقية المذاهب الأخرى.
وتجدر الإشارة إلى أنه – من خلال البحث – اتضح لنا أن للفقه الإباضي بعض الانفردات كبقية المذاهب، ومنها على سبيل المثال:
- أنه ليس للمسافر وقت محدد لإتمام الصلاة.
- أن الغيبة والنميمة والقول الفاحش يفطر الصائم.
- أن من أصبح جنباً أصبح مفطراً إذا ترك الاغتسال عن عمد حتى طلع الفجر.
- أن عدة الحامل المتوفَّى عنها زوجها أبعد الأجلين.
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (1/ 218) وقد بينا ذلك في خبر الآحاد. (1/326)
صفحة 327
ولا يفوتني هنا أن أنوه إلى أن الفقه الإباضي لا يمثل ما ينسب إلى فقه الخوارج من ترك بعض الأحكام الثابتة في السنة وإن كان بعض المؤرخين وكتاب المقالات يعدون الإباضية فرقة من الخوارج. ففي البحث بعض القضايا التي عمل بها الإباضية مع الجمهور – خلافاً لما ينسب إلى الخوارج (1) – ومن هذه المسائل:
- القول بحرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.
- أن الرضاعة تحرم ما يحرمه النسب.
- أنه لا وصية لوارث.
- أن حد الزاني المحصن هو الرجم.
وهذه المسائل التي نسب القول بخلافها إلى الخوارج إنما قالوها لعدم ذكرها في القرآن، وقد خالفهم الإباضية في ذلك لثبوت تلك الأحكام المتقدمة في سنة النَّبِيّ ح متفقين في ذلك مع جمهور أهل العلم من المذاهب.
} - - {
الأربعة وغيرهم، وسيتضح ذلك جلياً في الباب الثاني في فصل خبر الواحد والاحتجاج به.
البا
ب الثاني
الأصول المستخلصة من هذا الاختلاف
الفصل الأول: خبر الواحد وشروط الاحتجاج به
الفصل الثاني: التعارض بين النصوص الشرعية
الفصل الثالث: قواعد الترجيح بين مختلف الحديث
الفصل الأول
خبر الواحد وشروط الاحتجاج به
ويتضمن هذا الفصل المباحث الآتية:
المبحث الأول: التعريف بخبر الآحاد ودلالته.
المبحث الثاني: خبر الآحاد فيما تعم به البلوى.
المبحث الثالث: عمل الراوي بخلاف ما رواه.
المبحث الرابع: خبر الآحاد وعمل أهل المدينة.
المبحث الخامس: إثبات الحد بخبر الآحاد.
المبحث السادس: خبر الآحاد إذا عارضة القياس.
المبحث السابع: خبر الآحاد إذا تضمَّن زيادة على القرآن.
المبحث الثامن: الحديث المرسل والاحتجاج به.
المبحث التاسع: النسخ في السنة.
الفصل الأول
خبر الواحد وشروط الاحتجاج به
__________
(1) الفرق بين الفرق، ص (248)، نظرة عامة في الفقه الإسلامي، د. علي حسن، ص (307)، حجية السنة، د. عبد الغني عبد الخالق، ص269، التشريع الإسلامي، د. شعبان إسماعيل، ص (271). (1/327)
صفحة 328
بعد عرض تلك القضايا الفقهية المختلفة وذكر أسبابها، نجد أن بعضها يرجع إلى قواعد أصولية، وبعضها يرجع إلى الحديث؛ بقطع النظر عن صحته أو ضعفه. كما نجد أن أكثر تلك القضايا جاءت عن طريق خبر الآحاد، ونظراً لتفاوت درجات النصوص دلالة وثبوتاً تفاوتت نظرة العلماء إليه، ومن ثم اختلفت اتجاهاتهم، فمنهم من احتج به مطلقاً إذا اطمأن إلى صحة نسبته إلى النَّبِيّ ح؛ ما لم يكن منسوخاً أو معارضاً بما هو أقوى منه.
ومنهم من ترك الاحتجاج ببعض أخبار الآحاد لشروط وقواعد اقتضت عندهم ترك العمل به؛ إذ رأوا وجود تعارض ظاهر بين تلك الشروط والقواعد – التي قام الدليل على صحتها – وبين أخبار الآحاد.
وقد كان لتلك القواعد والشروط أكبر الأثر في عدم وثوق بعض الأئمة بطائفة من أخبار الآحاد من حيث ثبوتها عن النَّبِيّ ح – وإن كان ظاهر أسانيدها الاتصال- وذلك لمعارضتها لتلك القواعد والشروط، فلو صحت حقيقة لما كان بينها وبين تلك القواعد معارضة أصلاً، ومن هنا فقد صرح بعض أهل العلم بهذا وسماه بالانقطاع الخفي في خبر الآحاد كما فعل الإمام السرخسي في كتابه.
وسنعرض في هذا الفصل لبعض تلك القواعد والشروط واتجاهات الأئمة بالنسبة لها، وبيان موقف الإباضية من ذلك.
المبحث الأَول: التعريف بخبر الآحاد ودلالته
خبر الواحد:
نظر الحنفية الحديث من حيث كثرة الرواة وقلتهم، فقسموه إلى: المتواتر، والمشهور، والآحاد.
فالمتواتر: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وقد يكون التواتر لفظياً أو معنوياً؛ والحديث المتواتر يفيد العلم ويوجب العمل باتفاق الجمهور (1).
__________
(1) التقييد والإيضاح: (265)، تدريب الراوي: (2/ 176)، شرح اللمع: (2/ 569) (2/ 569)، بذل النظر: (377)، أصول السرخسي: (2/ 27)، روضة الناظر: (1/ 247). (1/328)
صفحة 329
والمشهور أو المستفيض: هو الذي يروى عن رسول الله ح بطريق الآحاد، ولم يبلغ حد التواتر، ثم اشتهر في عصر التابعين؛ وسمي بالمشهور لاشتهاره، وبالمستفيض لانتشاره كالماء (1). وهو نوع من أنواع الآحاد عند جمهور العلماء؛ إلا أن الحنفية ألحقوه بالمتواتر من حيث إفادة العلم مع وجوب العمل به؛ لما فيه من زيادة الطمأنينة التي تؤدي إلى اليقين (2)، وإلى هذا ذهب أصوليو الإباضية (3).
أما خبر الواحد: فهو الخبر الذي لم يصل إلى حد التواتر، وله أقسام: فمنه العزيز والغريب، ومنه الصحيح والضعيف (4)، فالصحيح يجب العمل بمقتضاه إن لم يكن له معارض.
وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ فقد دلت الأدلة الكثيرة على وجوب العمل بخبر الآحاد، ولكنهم اختلفوا في إفادته العلم على ثلاثة أقوال:
__________
(1) وقد يطلق المشهور على ما اشتهر على الألسنة وإن لم يكن له إسناد. انظُر: التقييد والإيضاح: (369)، نخبة الفكر، ص (5)، النكت على كتاب ابن الصلاح: (1/ 378)، تدريب الراوي: (2/ 173)، قواعد في علوم الحديث: (32).
(2) بذل النظر: (384)، كشف الأسرار: (292)، التلويح على التوضيح: (2/ 3). وهذا الرأي لم ينفرد به الحنفية، فقد كان الإمام مالك يرى رأيهم في الحديث المشهور كما قرر ذلك الشيخ أبو زهرة في كتابه الإمام مالك، ص (245).
(3) العدل والإنصاف: (1/ 142)، شرح طلعة الشمس: (2/ 15)، الفصول: (242).
(4) التقييد والإيضاح: (265)، تدريب الراوي: (2/ 179). (1/329)
صفحة 330
القول الأول: يرى جمهور الأصوليين أن خبر الواحد يوجب العمل ولا يفيد العلم الضروري، وهو أحد أقوال الإمام أحمد بن حنبل، وهو قول أكثر متأخري الحنابلة كما نص عليه ابن قدامة، وقولهم بعدم إفادته العلم؛ لجواز وقوع الخطأ والوهم من الراوي (1).
القول الثاني: ورأي أهل الحديث والظاهرية أن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم ويوجب العمل (2). وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل (3).
والقول الثالث: أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به أو انضمت إليه قرينه؛ والقرينة قد تكون متصلة أو منفصلة، وبه قال: النّظّام والرازي والآمدي وابن الحاجب (4).
موقف الإباضية من خبر الواحد:
المتتبع للكتب الأصولية والفقهية لدى الإباضية، يتضح له جلياً أنهم يقولون بوجوب الاحتجاج بخبر الواحد والعمل به؛ لثبوت ذلك بالحجج العقلية والنقلية، شأنهم في ذلك شأن الجمهور؛ وهم يرون أن خبر الواحد لا يفيد العلم؛ قال السالمي: الصحيح أنه يوجب العمل دون العلم، ووجوب العمل بخبر الواحد ثابت بالنقل والعقل (5).
__________
(1) شرح اللمع: (2/ 578)، المنخول، ص (252) بذل النظر، ص (393 – 396)، المحرر: (1/ 241) شرح التلويح على التوضيح: (2/ 6)، التمهيد: (3/ 8)، إحكام الفصول، ص (33)، الإحكام للآمدي (2/ 46)، المسودة، ص (236)، روضة الناظر: (1/ 260)، نزهة الخاطر: (1/ 261)، البرهان: (1/ 392)، مقدمة شرح صحيح مسلم: (1/ 20).
(2) الفقيه والمتفقه: (1/ 98)، تدريب الراوي: (1/ 75)، الإحكام لابن حزم: (1/ 127).
(3) روضة الناظر: (1/ 26)، وقد رجح الشيخ أبو زهرة هذه الرواية عن الإمام أحمد كتابه: الإمام أحمد بن حنبل، ص (237). بنط14.
(4) دراسات أصولية في السنة النبوية: (177). وقد تكون القرينة حسية. انظُر: المحصول: (4/ 282) الإحكام للآمدي: (1/ 234)، نزهة النظر، ص (26).
(5) شرح طلعة الشمس: (2/ 15). (1/330)
صفحة 331
وقد فصل العوتبي القول في ذلك أيضاً، وأقام الأدلة النقلية والعقلية على وجوب العمل بخبر الواحد، ومن قوله: إن الصحابة عملوا بخبر الواحد؛ فيلزم قبوله والعمل به، ولو كان ما فعلوه غير جائز لأنكر عليهم رسول الله ح؛ فلما لم ينكر عليهم ذلك وثبت ما فعلوه كان حجة ودليلاً على قول الواحد. (1)
ثمرة الخلاف:
تعد السنة الشريفة كالقرآن الكريم من حيث وجوب الاتباع والعمل به، لكنها ليست كلهما مقطوعاً بها؛ وما سبق من الإشارة الموجزة إلى انقسام الخبر إلى المتواتر والمشهور والآحاد واختلاف العلماء حول الواحد من حيث إفادته للعلم؛ يتجلى ثمرة هذا الخلاف في بعض المسائل الفقهية والتي يظهر فيها التعارض بين خبر الواحد الظني والذي لا يفيد العلم عند من يرى ذلك؛ مع الدليل القطعي الذي يفيد العلم؛ كالقرآن والمتواتر والمشهور وغير ذلك من الأدلة.
ويظهر الخلاف أيضاً في بعض المسائل التي تتعلق بالترجيح؛ للتفاوت بين القطعي والظني، كتخصيص القرآن بخبر الواحد، أو تخصيص السنة المتواترة والمشهورة بخبر الواحد، أو نسخ القرآن أو المتواتر بخبر الواحد.
ولكل من مذاهب أهل السنة مسلكه ومنهجه الذي اتخذه في حالة التعارض، وذلك بحسب نظرته لخبر الواحد.
وأحاول من خلال كتب الأصول والفقه الإباضي أن أستنبط مسلك الإباضية ومنهجهم؛ مقارِناً ذلك بمنهج أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة.
***
المبحث الثاني
خبر الواحد فيما تعم به البلوى
__________
(1) العدل والإنصاف: (1/ 143)، الضياء: (2/ 261 – 264)، الفصول: (244)، الوارجلاني وفكرة الأصولي: (249). (1/331)
صفحة 332
من مواضع الجدل والاختلاف في السنة؛ الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى (1). وسبب الخلاف أن ما تعم به البلوى؛ تقضي العادة نقله بواسطة جمع كبير؛ وذلك لحاجة الناس إليه، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى خلاف لمقتضى العادة، وللعلماء في قبول ذلك رأيان:
القول الأول: قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى والاحتجاج به. وهو ما ذهب إليه الجمهور. وقد استدل الجمهور على مذهبهم بما يلي:
1. قوله تعالى في سورة التوبة: ژ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?ژ [التوبة 122]
2. إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى (2).
3. إن التعبد بخبر الواحد، إنما يثبت ذلك بكونه من عند رسول الله ح، وأن الراوي "الصحابي" عدل ثقة، وهو جازم بالرواية؛ فيجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى (3).
4. إن خبر الواحد أولى من القياس لأن القياس فرع من خبر الواحد.
__________
(1) ما تعم به البلوى: هو ما يحتاج إليه الكل حاجة متأكدة تقتضي السؤال عنه بصورة متكررة، وقضاء العادة بنقله متواتراً. التقرير والتحبير: (2/ 2945)، حاشية البناني على المحلي: (2/ 119)، الزرقاني على الموطأ: (10/ 128).
(2) قبل الصحابة من المهاجرين والأنصار حديث عائشة في الغسل: "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، وقبل الصحابة حديث المغيرة في توريث الجدة، وقد أعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السدس. وقبل الصحابة خبر رافع بن خديج في النهي عن المخابرة: قال: كنا أكثر أهل الأرض مزدرعاً، كنا نكري، وتكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الناس؛ قال: فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض وربما تصاب الأرض وسلم ذلك فنهينا" أخرجهُ البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، رقم (2327).
(3) التبصرة ص (314)، المنخول: (285)، المحصول: (4/ 440)، الإحكام للآمدي: (2/ 102)، المستصفى: (1/ 172)، مفتاح الوصول، ص (8)، روضة الناظر: (1/ 327)، تخريج الفروع على الأصول: (62). (1/332)
صفحة 333
القول الثاني: أنه لا يحتج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، لكونه منسوخاً؛ أو لخطأ الراوي فيما روى وهو مذهب الحنفية (1).
ودليلهم: أن النَّبِيّ ح منوط إليه تبليغ أحكام الشريعة وإشاعتها بين الناس، وقد أمرهم أن ينقلوا عنه كل الأحكام ليعم البيان. وفيما يعم به البلوى، اقتضت العادة أن يكثر السؤال عنه لحاجة الناس إلى معرفة ما ابتلوا به، ويستلزم ذلك اشتهاره واستفاضته، وحيث إن خبر الواحد فيما تعم به البلوى لم يشتهر ولم يستفض فقد دل ذلك على نسخه أو خطأ الراوي (2).
ومذهب الإباضية في هذه المسألة: هو مذهب الجمهور في قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى في الأحكام الشرعية.
__________
(1) بذل النظر: (474)، التقرير والتحبير: (3/ 394)، أصول السرخسي: (1/ 368)، شرح مسلم الثبوت: (20/ 129).
(2) وأجيب بأن الله تعالى لم يكلف رسوله - صلى الله عليه وسلم - إشاعة جميع الأحكام بل كلفه إشاعة البعض، ورد الخلق إلى خبر الواحد، كما ردهم إلى القياس. ويجوز أن يكثر السؤال والجواب، ولا يكثر النقل، فقد خرج حج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين المناسك وأشاع أحكامها في جمع كبير وحثهم على أخذ المناسك، ومع ذلك لم يرو عن حجته إلا القليل، وكان كثير من الصحابة لا يؤثر رواية الأخبار. وعدم اشتهار خبر الواحد فيما تعم به البلوى، لا يدل على النسخ؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بما يدل عليه. التبصرة (314)، روضة الناظر: (10/ 328)، المستصفى: (1/ 172).
قلت: وقد أخذ على الحنفية أنهم ردوا بعض الأحاديث الآحادية فيما تعم به البلوى، وقبلوا بعضها فيما تعم به البلوى، كحديث الوضوء من القهقهة، وحديث الوضوء من القيء والرعاف، وحديث شفع الأذان والإقامة، وحديث وجوب الوتر، وغير ذلك. وأجاب الحنفية: بأنهم قبلوا هذه الأحاديث – وإن كانت آحادية – لأنها اشتهرت واستفاضت. أصول السرخسي: (1/ 369). (1/333)
صفحة 334
قال الشيخ السالمي: "إن بعضهم اشترط في قبول الواحد؛ أن يكون في غير ما تعم به البلوى، لأن ما تعم به البلوى، تتوافر الدواعي إلى نقله فيستلزم كثرة الناقلين، فيشتهر بين الصحابة، فلا يختص بنقله واحد دون الآخر، سواء كان ذلك المنقول في أصول الدين ونحن نقول: إن ذلك مُسَلَّم في أصول الدين، لأنا لا نقبل فيها خبر الواحد كما ذكر، وأما في فروعه الظنية، فلا نسلم اشتراط ذلك، والحجة لنا على عدم اشتراطه وجهان:
الوجه الأول: أنه لم يفصل دليل وجوب العمل بخبر الواحد في العمليات بين ما تعم به البلوى، وبين ما تخص، على أن الأغلب في الأحكام الشرعية عموم التكليف بها، وقد أجمعت الصحابة على قبول الخبر الأحادي في العمليات من غير تفصيل.
الوجه الثاني: أنه يجب بيان ما علينا فيه تكلف، سواء عمت به البلوى أم لم تعم، فلا وجه للفرق بينهما في وجوب البيان على وجه الظهور فيلزمهم وجوب اشتهار ما لم تعم به البلوى أيضاً" (1).
وفي هذا بيان لمذهب الإباضية عن خبر الواحد الذي تعم به البلوى، ويتضح ذلك عند التطبيق في بعض المسائل التالية:
1. فقد قالوا بوجوب الوضوء من مس الذكر؛ لحديث بسرة بن صفوان وهو خبر واحد فيما تعم به البلوى؛ وفي ذلك موافقة مع المالكية والشافعية والحنابلة؛ خلافاً للحنفية الذين ردوا الخبر بدعوى أنه خبر الواحد فيما تعم به البلوى (2).
2. وأخذوا بحديث عائشة - رضي الله عنه - في وجوب الاغتسال إذا التقى الختانان، وهو خبر واحد فيما تعم به البلوى؛ وهو قول الجمهور (3).
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (2/ 22).
(2) راجع مسألة الوضوء من مس الفرج، في هذا البحث.
(3) انظُر: جامع ابن بركة: (1/ 402)، جامع البسيوي: (2/ 15). (1/334)
صفحة 335
3. وقالوا بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء بعد الاستيقاظ من النوم؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ÷إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده× (1).
4. وقالوا بالجهر بالبسملة في الصلاة، وهو من خبر الواحد فيما تعم به البلوى (2)، ورده الحنفية حيث اعتبروا البسملة مما تعم به البلوى، ولم يرو الجهر إلا من طريق الآحاد، على حسب قاعدتهم (3).
المبحث الثالث:
عمل الراوي بخلاف ما رواه (4):
من القواعد الأصولية المختلف فيها؛ عمل الراوي – أو فتواه – بخلاف ما رواه؛ وفي هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بما رواه الصحابي؛ وترك عمله وفتواه؛ واستدلوا بما يأتي:
أولاً: أن الحجة في الشريعة قول الرسول ح، وقول الراوي وعمله ليس بحجة.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (1/ 316)، كتاب (الوضوء)، باب (الاستجمار وتراً)، رقم (162)، ومسلم: (1/ 233)، كتاب (الطهارة)، باب (كراهية غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها)، رقم (278).
(2) راجع مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة في هذا البحث.
(3) التقرير والتحبير: (2/ 395).
(4) المقصود بالراوي عند الأصوليين هنا، هو الصحابي الذي روى الخبر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خالفه. (1/335)
صفحة 336
ثانياً: يحتمل أن الراوي قد نسي ما رواه (1)؛ وأفتى أو عمل باجتهاده وفهمه، ونحن متعبدون بما روى لا باجتهاده وفهمه (2).
الرأي الثاني: وجوب العمل بمذهب الراوي، بعمله أو بفتواه الذي خالف به الرواية، واعتبروا ذلك بمنزلة الناسخ؛ وهو مذهب الحنفية واستدلوا على ذلك بالأدلة الآتية:
أولاً: أن الصحابي مع فضله وعلمه، لم يترك العمل بما رواه إلى خلافه، إلا بعد علمه بنسخ ما رواه.
ثانياً: أو أنه علم بمراد النَّبِيّ ح من صيغة الأمر وحمله على الندب والاستحباب (3).
وأجاب الجمهور؛ بأن عمل الراوي بخلاف الحديث لا يدل على نسخ النص الشرعي؛ فالنص الشرعي لا ينسخه إلا نص شرعي مثله.
وقد ترتب على هذا الخلاف الأصولي خلاف فقهي؛ فقد ترك الحنفية العمل ببعض الأحاديث لمخالفة الراوي لما رواه.
ومن أمثلة ذلك:
1. ذهب الجمهور إلى غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ÷إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبعاً×، واكتفى الحنفية بثلاث غسلات لفتوى أبي هريرة (4).
__________
(1) التبصرة: (343)، المحصول: (4/ 439)، الإحكام للآمدي: (2/ 104).
(2) لا غرو أن ينسى الصحابي خبراً رواه فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في أمر التيمم ذكره عمار فوافقه، وكيف صنع كل منهما حين أصابته الجنابة: أما تذكر إذ كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل؛ وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يكفيك هكذا فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض ونفخ فيهما؛ ثم مسح بهما وجهه وكفيه. أخرجهُ البخاري: (258)، كتاب (التيمم)، باب (التيمم هل ينفخ فيهما)، رقم (338). ومسلم: (1/ 280)، كتاب (الحيض)، باب (التيمم)، رقم (112).
(3) بذل النظر: (481)، كشف الأسرار: (3/ 67)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: (2/ 162).
(4) انظُر: مسألة كم مرة يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب. (1/336)
صفحة 337
2. ذهب الجمهور إلى اشتراط الولي في صحة النكاح؛ لحديث عائشة وغيرها عن رسول الله ح ولم يقل الحنفية باشتراط الولي في صحة النكاح؛ لما روى عن عائشة - رضي الله عنه - أنها زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن بغير إذنه وهو غائب بالشام (1).
3. وقال الجمهور بقتل المرتد؛ رجلاً أو امرأة لحديث ابن عباس عن رسول الله ح: ÷من بدل دينه فاقتلوه× (2)، وقالت الحنفية: إن المرأة المرتدة لا تقتل، لقول ابن عباس؛ تقديماً لفتواه على ما روى.
رأي الإباضية في هذه المسألة:
من خلال البحث لم أقف على رأي صريح في هذه المسألة، وبالرجوع إلى المسائل السابقة التي خالف فيها الحنفية الجمهور – بناء على قاعدة عمل الراوي أو فتواه لما روى – يتضح لي أن الإباضية لا تعمل بهذه القاعدة، ورأيهم مثل رأي الجمهور في تقديم الخبر على عمل الراوي إذا خالف روايته، وأن ما ورد من المسائل متفقاً مع الحنفية في قولهم، فإنه غير مبني على تلك القاعدة. ومن أمثلة ذلك:
__________
(1) انظُر: مسألة الولي في النكاح.
(2) الحديث أخرجهُ البخاري: (6/ 173)، كتاب (الجهاد)، باب (لا يعذب بعذاب الله)، رقم (3017) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -. (1/337)
صفحة 338
1. مسألة غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، فإن الفتوى والعمل في المذهب الإباضي على غسله سبع مرات، وروي قول في المذهب بالاكتفاء بثلاث غسلات قياساً على غسل البول والعذرة في الاكتفاء على ثلاث غسلات. قال ابن بركة (1): وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين له قائمة، فإنه يطهر بثلاث غسلات، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: ÷إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده× (2). فقد اتفق هذا القول مع الحنفية (3)، ولكنهم اختلفوا في طريقة الاستدلال، فالحنفية استدلوا بناء على قاعدتهم في مخالفة الراوي لما روى، وهؤلاء استدلوا بالقياس والله أعلم (4).
2. واتفق الإباضية مع الحنفية في عدم رفع اليدين بعد الركوع والسجود، واختلفوا في طريقة الاستدلال؛ فالحنفية استدلوا بمخالفة الراوي بما روى في حديث ابن مسعود، واستدل الإباضية بعموم قوله ح في حديث جابر بن سمرة: (ما لي أراكم رافعين أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة) (5).
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 401).
(2) أخرجهُ البخاري: (1/ 316)، كتاب (الوضوء)، باب (الاستجمار وتراً)، رقم (162)، ومسلم: (1/ 233)، كتاب (الطهارة)، باب (كراهية غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها)، رقم (394).
(3) انظُر: مسألة كم مرة يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب.
(4) انظُر: مسألة كم مرة يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب.
(5) الحديث أخرجهُ مسلم: (1/ 322)، كتاب (الصلاة)، باب (الأمر بالسكون في الصلاة)، رقم (430)، وقد سبقت الإشارة إلى أن الجمهور عملوا بالنهي عن رفع اليدين في السلام. انظُر: مسألة التسليم من الصلاة، جامع البسيوي: (349). (1/338)
صفحة 339
3. واتفق الإباضية مع الجمهور في اشتراط الولي لصحة النكاح (1)، خلافاً للحنفية الذين يرون جواز ذلك بناء على ما تقدم في عمل الراوي إذا خالف روايته. واتفقوا أيضاً (2) مع الجمهور (3) في قتل المرأة المرتدة عن الإسلام خلافاً للحنفية (4) بناء على ما تقدم.
المبحث الرابع
خبر الآحاد وعمل أهل المدينة
لقد حظيت المدينة بشرف عظيم، فهي دار الهجرة التي اختارها الله لرسوله ح، وهي مأوى المهاجرين والمستضعفين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم ففتح لهم الأنصار بيوتهم وفتحوا قلوبهم للإسلام ولرسوله ح، وأصبحت المدينة مستقراً للإسلام ومركزاً للدعوة، ومهبطاً للوحي، ومسرحاً لتطبيق الشريعة، حتى أظهر الله دينه ودخل الناس فيه أفواجا، ومن الطبيعي أن يتوطن الصحابة المدينة زمن رسول الله ح، وزمن الخلفاء الراشدين، ما لم يتوطن غيرهما، إذ هي في ذلك الوقت حاضرة الدولة الإسلامية، ومركز الحكم والإدارة، وبجانب هذا كانت المدينة هي منبع الإشعاع العلمي، ومدرسة الفقه والحديث، لملازمة أكثر الصحابة لها، ولاسيما أهل العقد والحل منهم، وهذا مما مكَّن أهل المدينة مشاهدة التشريع العلمي، فتناقله جيل عن جيل، مما كان له كبير الأثر في فقه أهل المدينة ويتضح ذلك في فقه الإمام مالك -رحمه الله- حيث يحتج بعمل أهل المدينة في مُوَطَّئِه ويحكي ما اتفق عليه أهل العلم ببلدته وما اختلفوا فيه كذلك، فيختار من أقوالهم ما يراه أقرب إلى الصواب، وهذه بعض النماذج التي تُبين مدى اعتداده بما كان عليه العمل بالمدينة:
__________
(1) انظُر: المسألة الولي في النكاح.
(2) انظُر: جامع البسيوي: (4/ 120).
(3) المهذب: (2/ 223)، الكافي لابن قدامة: (4/ 60)، الإفصاح: (2/ 188)، المغني: (8/ 123).
(4) المبسوط: (10/ 109)، رؤوس المسائل، ص (480). (1/339)
صفحة 340
الأول: في باب الزكاة في الدَّين، يقول مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الدين أن صاحبه لا يزكيه حتى يقبضه، وإن أقام عند الذي هو عليه سنين ذوات عدد، ثم قبضه صاحبه لم تجب عليه إلا زكاة واحدة (1).
الثاني: ويقول مالك في باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والبقول: السُّنَّة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان، والتين، وما أشبه ذلك وما لم يشبهه ذلك إذا كان من الفواكه (2).
الثالث: يقول مالك في باب (العمل في العقيقة): الأمر عندنا في العقيقة أي من عَقَّ فإنما يعق عن ولده بشاةٍ، الذكور والإناث، وليست العقيقة بواجبة، ولكن يستحب العمل بها، وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا. وغير ذلك من العبارات المحفوظة عنه ولاسيما قوله: الأمر المجتمع عليه عندنا، والأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا، وسمعت بعض أهل العلم ..... وغير ذلك من العبارات.
وقد بين الإمام مالك المراد ببعض هذه العبارات، قال إسماعيل بن أويس: سألت خالي مالكاً - رحمه الله - عن قوله في الموطأ: الأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا، ففسره لي فقال: أما قولي: الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه قديما ولا حديث. وأما قولي: الأمر المجتمع عليه من أَرضى من أهل العلم وأقتدي به وإن كان في بعضه خلاف. وأما قولي: الأمر عندنا وسمعت بعض أهل العلم، فهو قول من أرتضيه وأقتدي به وما اخترته من قول بعضهم (3).
وهكذا نرى مدى اعتداد الإمام مالك -رحمه الله- في كثير من الفروع الفقهية بما عليه العمل في المدينة.
والسؤال الآن: هل عمل أهل المدينة حجة عند مالك بإطلاق لا يجوز خلافها حتى وإن عارضها حديث من أحاديث الآحاد؟
__________
(1) الموطأ: (1/ 235).
(2) الموطأ: (1/ 276).
(3) الموطأ: (1/ 502). وانظُر: (1/ 520): (1/ 575): (1/ 588)، وانظُر في تفسير مالك لبعض مصطلحاته إحكام الفصول، ص (485). (1/340)
صفحة 341
والحقيقة، أن هذه المسألة كثير فيها الكلام من المالكية وغيرهم، واضطربوا في ذلك فبعضهم نسب إلى الإمام مالك أن عمل أهل المدينة حجة بإطلاق، ومنهم من فصل القول في المسألة (1).
وقبل البدء في تحرير موضع النزاع: ينبغي أن نتبين مَنْ المراد من أهل المدينة الذين يُعتد بعملهم أو قولهم؟ الحقيقة أن في هذا أيضا اختلافا بين أهل العلم ويمكن حصر هذا الخلاف في ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد بهم هم أصحاب رسول الله ح (2).
الثاني: أن المراد بهم هم الصحابة والتابعون (3).
الثالث: أن المراد بهم الصحابة والتابعون وتابعوهم (4).
وتجدر الإشارة أيضاً إلى بيان أنه ليس المراد عند مالك بإجماع أهل المدينة أن إجماعهم هو إجماعهم الأمة، وكذلك ليس هو إجماع الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وليس المراد بعلمهم أيضاً أن إجماعهم حجة لأنهم أكثر الأمة، فهذه المعاني الثلاثة السابقة ليس مراده عند مالك أصلاً في اعتماده على عمل أهل المدينة (5).
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنه قد اضطرب بعض أهل العلم في المراد بحجية عمل أهل المدينة عند مالك، فقال بعضهم: المراد به أن روايتهم مقدمة على رواية غيرهم.
وقال آخرون: إن إجماعهم أولى ولا تمنع مخالفته.
وقال آخرون: يراد به ترجيح اجتهادهم على اجتهاد غيرهم.
وقال بعضهم: هو حجة فيما طريقه التوقيف لا الاستدلال والاجتهاد (6).
__________
(1) الجواهر الثمينة، ص (208).
(2) الإحكام للآمدي: (1/ 349).
(3) الجواهر الثمينة، ص (207)، حاشية التفتازاني: (2/ 35).
(4) المسودة لآل تيمية، ص (331).
(5) عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين، ص (84) د. أحمد محمد نور سيف.
(6) الأحكام الآمدي: (1/ 349)، المسودة: (331). (1/341)
صفحة 342
حقيقة مذهب مالك:
لقد فصل القول في حقيقة حجية عمل أهل المدينة اثنان من أعلام المذهب المالكي وهما القاضي عبد الوهاب (1)، والقاضي عياض (2)، ولما لكلام هذين العالمين من أهمية نقلته مفصلاً عن القاضي عياض. قال: "إجماع أهل المدينة على ضربين:
أولاً: ضرب من طريق النقل والحكاية، التي تَأثُرُه الكافة عن الكافة وعملَت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النَّبِيّ ح، وهذا أقسام:
1. نقل شرع مبتدأ من جهة النَّبِيّ ح من قول أو فعل كالصاع والْمُدّ، وأنه عليه السلام كان يأخذ بهما صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة.
2. نقل إقراره عليه الصلاة والسلام لما شاهده منهم، ولم ينقل عنه إنكاره.
3. نقل تركه لأمور وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه عليه السلام بكونها عندهم كثيرة.
__________
(1) هو القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي، مالكي المذهب، بل أحد أئمة المذاهب، ألف في المذهب والأصول تآليف كثيرة، ومن أهمها الإشراف على مسائل الخلاف وهو مطبوع. توفي (رحمه الله) سنة (422) هـ.
(2) هو القاضي عياض بن موسى أبو الفضل، من أعلام المذهب المالكي، وكان إمام أهل عصره، ومن مصنفاته: الشفا في شرف المصطفى، ترتيب المدارك، مشارق الأنوار، جامع التاريخ، الإكمال في شرح صحيح مسلم، وتوفي (رحمه الله) سنة (544هـ). انظُر: الأعلام للزركلي: (2/ 212). (1/342)
صفحة 343
فنقلهم لهذه الأمور كنقلهم بيان موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته وغير ذلك. وهذا النوع من إجماعهم في هذا النقل السابق محقق معلوم، وهو يوجب العلم القطعي فلا يترك لما توجبه الظنون كحديث الآحاد أو القياس، ولهذا رجع أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وغيره من المخالفين ممن ناظر مالكاً وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع حين شاهد النقل وتحققه (1).
ويجب على المصنف ألا ينكر الحجة بهذا، وهو الذي تكلم عليه مالك عند أكثر شيوخنا، وإنما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها.
قال القاضي عبد الوهاب: ولا خلاف بين أصحابنا في هذا.
الضرب الثاني: إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال وهذا النوع اختلف فيه أصحابنا على أقوال:
الأول: أنه ليس بحجة ولا يرجح به، وهذا قول معظمهم.
الثاني: أنه ليس بحجة ولكن يصلح للترجيح على قول المخالفين. ولم يرتض بهذا القول محققو المذهب من المالكية.
الثالث: أنه حجة كالنوع الأول، وهو قول جماعة من المغاربة من أصحاب المذهب ورأوه مقدماً على خبر الواحد والقياس، وهو محكي عن مالك ولا يصح عنه القول بهذا على إطلاقه" (2).
واستدل المالكية على ذلك بعدة أدلة منها:
أولاً: ما جاء في فضل المدينة المنورة، حيث إنها دار الهجرة ومهبط الوحي
ومستقر الإسلام وأكثر الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومنها صدر
ومنها خرج، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها وعملهم.
__________
(1) سنن الدارقطني: (2/ 151)، السنن الكبرى: (4/ 171)، إحكام الفصول للباجي، ص (483).
(2) انظُر: ترتيب المدارك: (1/ 64). (1/343)
صفحة 344
ثانياً: أن المدينة تنفي خبثها، كما ينفي الكير خبث الحديد لحديث رسول الله ح (1)، والخطأ نوع من الخبث، ونفيه ح عنهم يوجب إتباعهم.
ثانياً: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وعرفوا الناسخ والمنسوخ، وكانوا أعرف بأحوال رسول الله ح فيمتنع أن يخفى عليهم حكم النَّبِيّ ح، وهم الأكثر، ويعلمه غيرهم الأقل الخارجون عن المدينة، وهم الذين شغلوا بالعلم والرواية والفتيا فكانت روايتهم مقدمة على رواية غيرهم، ولأن أخلاقهم نقلت عن أسلافهم، فيخرج نقلهم عن خبر الظن إلى اليقين، فكان إجماعهم حجة على غيرهم (2).
وعلى هذا، فإن المالكية يقدمون عمل أهل المدينة إذا تعارض مع خبر الآحاد على اعتبار أن عملهم يعتبر من النقل.
وأجيب على هذه الحجج: بأن الحديث الذي استدلوا به وهو أن المدينة تنفي الخبث كما ينفي الكبر خبث الحديد، ليس في محل النزاع، لأنه جاء في وقت دون وقت، وقوم دون قوم، فهو خاص في المنافقين، بدليل قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ?? ? ? ?? ? ? ? ? چچ ژ [التوبة101]
__________
(1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد. أخرجهُ البخاري، كتاب (الحج)، باب (فضل المدينة)، رقم (1871).
(2) ترتيب المدارك: (1/ 64)، المحصول: (4/ 162)، شرح تنقيح الفصول: (334)، تنقيح الفصول للقرافي: (145)، مختصر ابن الحاجب: (2/ 35)، التقرير والتحبير: (3/ 100)، الإمام مالك، ص (282)، الجواهر الثمينة، ص (212). (1/344)
صفحة 345
وأما ما احتجوا به من فضل المدينة، فإنه لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غير أهلها؛ فإن مكة أفضل من المدينة؛ وهي أحب بلاد الله إلى رسول الله، لما بها من البيت الحرام، ومقام إبراهيم وزمزم، أما ملازمة الصحابة – من أهل العقد والحل – المدينة والبقاء بها، فلا يدل على انحسار أهل العلم فيها، بل خرج منها أفاضل أهل العلم والفتيا والرواية كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبي عبيدة وأبي موسى وغيرهم من الصحابة الذين كان لهم أثر واضح في العلم والفتوى.
وأما احتجاجهم بوجوب اتباع إجماع أهل المدينة، وأن إجماعهم يستحيل أن يخرج عن الحق، واستحالة اختفاء أحكام النَّبِيّ ح عن أهل المدينة وهم الأكثر؛ بأن هذا تَحَكُّمٌ، لأن حجة الإجماع تثبت بإجماع الأمة كلها؛ وأهل المدينة ليسوا كل الأمة؛ بل هم جزء منها (1).
وقد خالف الجمهور اتجاه المالكية في تقديم بعض عمل أهل المدينة على خبر الآحاد عند تعارضهما، وإنما اعتبره بعضهم مرجحاً فقط، ومن ثم فهو يدخل في باب الترجيح.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه لا ينبغي أن نعمم أن كل عمل أهل المدينة مقدم على خبر الآحاد عند الإمام مالك ومحققي المذهب كما نص عليه القاضي عياض وغيره، فأما ما كان من إجماعهم عن طريق النقل فهو حجة لا خلاف في ذلك؛ لأنه من باب تقديم المتواتر على خير الآحاد.
وإذا كان عملهم موافقاً لأحد الخبرين المتعارضين، فهو مما يدخل في باب الترجيح بين الأخبار.
وأما ما كان من إجماعهم عن طريق الاجتهاد، فقد اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إنه حجة، وقال أكثرهم: إنه ليس بحجة ولا يقدم على خبر الواحد، وهو قول الجمهور في مساواة أهل المدينة مع غيرهم.
__________
(1) أعلام الموقعين: (2/ 233)، روضة الناظر: (363)، الإحكام للآمدي: (1/ 221)، أحكام كشف الأسرار: (3/ 342)، المستصفى: (1/ 187) المحصول: (4/ 163). (1/345)
صفحة 346
ويتضح من خلال هذه الإشارة أنه ليس كل إجماع أهل المدينة حجة في رد خبر الواحد عند المالكية، وإنما هو في بعض المسائل.
وبعد هذه الإطلالة الموجزة حول عمل أهل المدينة وإجماعهم، يجدر بنا معرفة رأي الإباضية واتجاههم الفقهي في الاحتجاج بعمل أهل المدينة. ومن خلال البحث تبين أن مسلك الإباضية تجاه عمل أهل المدينة وإجماعهم لا يختلف عن مسلك الجمهور (1) في عدم رد خبر الواحد بعمل أهل المدينة وإجماعهم، قال السالمي: وكذلك لا يكون إجماع أهل المدينة مع خلاف أهلهم حجة، لأنهم بعض الأمة (2).
ومع هذا يتفق الإباضية مع المالكية في بعض المسائل، وإن كان اتفاقهم غير مبني على القاعدة المذكورة؛ ومن هذه المسائل ما يلي:
أولاً: توافق الإباضية مع المالكية في الاكتفاء بتسليمة واحدة، فقد استدل الإباضية بالروايات الواردة في الباب، واحتج المالكية بالروايات الواردة في الباب وبعمل أهل المدينة (3).
ثانياً: واتفق الإباضية مع المالكية في عدد سجود التلاوة ومواضعه، واستدل الإباضية بحديث ابن عباس؛ واستدل المالكية به وبعمل أهل المدينة (4).
ثالثاً: واتفق الإباضية مع المالكية والحنفية في أن قليل الرضاع وكثيرة يحرم، كما يحرم النسب؛ لما فيه من الاحتياط، واستدلوا بمطلق الأحاديث الواردة في الباب، وزاد المالكية في الاستدلال بعمل أهل المدينة (5).
__________
(1) انظُر: الإحكام للآمدي: (1/ 349)، فواتح الرحموت: (2/ 356) المستصفى: (1/ 187)، المسودة: (331)، نهاية السول: (2/ 353)، المدخل إلى مذهب أحمد، ص (132)، إرشاد الفحول: (2/ 18)، شرح الكوكب المنير: (2/ 327).
(2) شرح طلعة الشمس: (2/ 79).
(3) انظُر: مسألة التسليم من الصلاة.
(4) انظُر: مسألة عدد سجدات التلاوة في القرآن.
(5) انظُر: مسألة عدد الرضعات المحرمات. (1/346)
صفحة 347
رابعاً: ووافقوا المالكية والحنفية في عدم الاعتبار بتفرق الأبدان في إثبات خيار المجلس في البيع، فقد استدل المالكية بعمل أهل المدينة، واستدل الإباضية والحنفية بالقياس وأن التفرق بالأبدان شرط زائد على الرضا. (1)
} - - {
المبحث الخامس
إثبات الحد بخبر الآحاد
إذا ورد حديث من أحاديث الآحاد، فيه إيجاب حد أو عقوبة مما يسقط بالشبهة، فهل يقبل هذا الحديث، ويثبت به أصل الحد أو العقوبة؟ هذا هو المراد بقولهم هل يثبت الحد بخبر الآحاد؟
وقد اختلف أهل العلم في ذلك على مذهبين:
الأول: أنه يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات الحد وكذلك ما يجري مجرى الحد كالعقوبة ونحوها مما تسقطه الشبهة. وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من الأصوليين والفقهاء وهو قول أبي يوسف من الحنفية (2).
الثاني: أنه لا يقبل خبر الواحد إذا كان فيه إثبات حد أو عقوبة مما تسقطه الشبهة. وهذا مذهب أبي الحسن الكرخي وكثير من أئمة الحنفية، ومنهم السرخسي والبرزدوي وعبد العزيز البخاري (3)، وهو قول أبي الحسن البصري (4).
أدلة الجمهور: استدل الجمهور على مذهبهم بعدة أدلة، منها:
أولاً: أنه لا فرق في قبول خبر الواحد في حكم عملي وبين قبوله في حد، إذ الحد حكم عملي أيضاً.
__________
(1) انظُر: مسألة خيار المجلس.
(2) أصول السرخسي: (1/ 333)، إحكام الفصول للباجي، ص (622)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (2/ 168)، روضة الناظر لابن قدامة: (1/ 328) إرشاد الفحول: (1/ 231).
(3) أصول السرخسي: (1/ 334)، التقرير والتحبير: (2/ 367)، فواتح الرحموت: (2/ 137).
(4) المعتمد في أصول الفقه: (2/ 96). (1/347)
صفحة 348
ثانياً: أن الجميع متفق على أنه يقضي في الحدود كلها بشهادة الشهود، ولا ريب أننا لا نتيقن بحصول الصدق في الشهادة لاحتمال كذب الشاهد وخطئه ونسيانه، ومع هذا، فيجب العمل بشهادته اتفاقاً، ولا يجوز التوقف في العمل بتلك الشهادة. والدليل على ذلك ما رواه البخاري بإسناده عن أم سلمة - رضي الله عنه - عنها أن رسول الله ح قال: ÷إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار× (1). وهذا الحديث حجة لمن أثبت أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر ويكون الأمر في الباطن بخلافه (2).
ثالثاً: أن الأدلة قد قامت على العمل بخبر العدل متى ثبتت عدالته، وهذا محل اتفاق، فلماذا نستثني منه إقامة الحد؟
__________
(1) البخاري: (13/ 168)، كتاب (الأحكام)، باب (موعظة الإمام للخصوم)، رقم (7169).
(2) انظُر: فتح الباري: (13/ 186). (1/348)
صفحة 349
رابعاً: أن الحديث الذي احتج به المخالفون أنفسهم فيه ضعف (1)، ثم إن المراد بالشبهة التي يدرأ بها الحد هي الشبهة في نفس السبب لا المثبتة للسبب وهو الخبر.
__________
(1) هذا الحديث أخرجه الترمذي في سننه: (4/ 25)، كتاب (الحدود)، باب (ما جاء في درء الحدود)، رقم (1424)، من حديث عائشة - رضي الله عنه - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ... " الحديث في إسناده يزيد بن زياد الشامي، وهو ضعيف، وبه أعل الحديث الترمذي والدارقطني في سننه: (3/ 84)، والبيهقي في السنن الكبرى: (8/ 28)، وكذلك الذهبي عند تعقبه على الحاكم كما في تلخيص المستدرك: (4/ 384). و له شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجهُ ابن ماجه في سننه: (2/ 850)، كتاب (الحدود)، باب (الستر على المؤمن ورفع الحدود بالشبهات)، رقم (2545)، ولفظة "ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعاً"، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، فقد ضعفه أحمد، وابن نعين، والبخاري، والنسائي. انظُر: مصباح الزجاجة: (2/ 702)، رقم (904)، وأخرجهُ البيهقي في السنن الكبرى: (8/ 238)، عن علي مرفوعاً بلفظ "ادرؤوا الحدود"، وأخرجه الدارقطني في سننه: (3/ 84)، وفي سنده مختار التمار وكنيته أبو إسحاق، وهو ضعيف كما في المجروحين لابن حبان: (3/ 9)، والمغني في الضعفاء: (2/ 646)، وهذه الأحاديث المرفوعة فيها ضعف ومقال، والذي صح إسناده موقوف على ابن مسعود، أخرجهُ ابن أبي شيبة في مصنفه: (5/ 511)، والدارقطني في سننه: (3/ 84)، وهو ما صححه البيهقي في معرفة السنن والآثار: (12/ 328). وخلاصة القول في هذا الحديث أنه إن كانت طرقه ضعيفة فهي تشد بعضها بعضاً؛ فيصلح للاحتجاج به على درء الحدود بالشبهات المحتملة، فالخطأ في العفو أولى من الخطأ في العقوبة، والله أعلم. انظُر: نيل الأوطار: (7/ 105). (1/349)
صفحة 350
خامساً: أن المشهور من أقوال الأصوليين أن الحدود وما يجري مجراها يجوز إثباتها بالقياس، وهو مظنون، إذ يكون القياس فرعاً مستنبطاً من خبر الواحد أحياناً، فإذا جاز إثبات الحدود بالقياس الذي هو فرع من خبر الآحاد أحياناً فالأولى إثبات الحدود بخبر الواحد الذي هو أصل القياس.
أدلة الكرخي والمانعين:
قالوا إن حديث ÷ادرؤوا الحدود بالشبهات×. يحث على رفع الحدود عن المتهمين إذا كانت هناك شبهة، وفي اتصال خبر الواحد إلى النَّبِيّ ح شبهة؛ لاحتمال الكذب في الرواية واحتمال السهو. وهذه شبهة كافية لعدم العمل بخبر الواحد. (1)
وقد أجاب الجمهور بأن هذا الحديث ضعيف، ولو صح فليس فيه كلمة "الشبهات"، وعلى فرض وجود كلمة "الشبهات" فيه فإن المراد الشبهة هنا، هي الشبهة في الفاعل مثل أن يكون جاهلاً بتحريم ما ارتكبه مثل حديث العهد بالإسلام، أو يكون زائل العقل ليس يدري ما يقول، أو تكون الشبهة في الفعل مثل أن يطأ امرأة يظنها زوجته، أو تكون الشبهة في المفعول فيه أن تكون الموطوءة أمة مشركة أو غير ذلك من الشبهات، فقد استفسر رسول الله ح من ماعز إن كان به جنون أو سُكر، ثم جعل يستفسر: لعلك قبّلت؟ لعلك غمزت؟ ليدرأ عنه الحد (2). ومن ثم فإن الشبهة تكون في نفس السبب لا في المثبت للحد.
وبعد ذكر هذين الاتجاهين في هذه المسألة فإن النفس تطمئن إلى رأي الجمهور، لأننا لو تعلقنا بهذه الشبهة، فإن الشبهة تتعلق أيضاً بالشهادة، لاحتمال الكذب والخطأ من الشاهد.
رأي الإباضية:
__________
(1) انظُر: التقرير والتحبير: (2/ 367).
(2) البخاري: (12/ 123)، كتاب (الحدود)، باب (لا يرجم المجنون)، رقم (6824)، ومسلم: (3/ 1321)، كتاب (الحدود)، باب (من اعترف بالزنا)، رقم (1695). (1/350)
صفحة 351
ورأي الإباضية في هذا هو رأي الجمهور أنهم يقبلون خبر الواحد في إثبات الحدود كما يقبل في جميع الأحكام، وقد أثبت الشيخ السالمي قبول خبر الآحاد في الحدود حين اعترض على القائلين برده لكونه شبهة، فقال: ورد بكونه أحادياً ليس بشبهة كالشهادة؛ لأن الشهادة يثبت بها كون الحد مستحقاً كما ثبت ذلك بالخبر. ووجه الرد: أن شهادة العدلين محتملة للكذب كاحتمال خبر الواحد، وقد شرع لنا الأخذ به لما تقدم من الأدلة، فاحتمال الكذب فيه ليس بشبهة تدرأ الحد، والله أعلم (1).
الأثر الفقهي المترتب على هذه المسألة:
ترتيب – على الخلاف السابق – اختلاف في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
1. مسألة نصاب السرقة الذي يقطع فيه السارق: في هذه المسألة قولان:
الأول: أن نصاب السرقة الذي تقطع فيه اليد، ربع دينار فصاعداً، وقيمته يومئذ ثلاثة دراهم. وهذا مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (2) وهو قول الإباضية (3).
الثاني: أنه لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم. وهو مذهب الحنفية، وقد تركوا القطع في ربع الدينار لكونه خبر آحاد، ولأن الأخذ بالأكثر أحوط درأ للحد (4).
2. مسألة تغريب الزاني. وفيها قولان:
الأول: وجوب التغريب. وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقالت المالكية بتغريب الرجل دون المرأة.
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (2/ 26).
(2) المدونة: (6/ 56، 66)، الأم: (6/ 130)، المغني: (1/ 242).
(3) جامع ابن بركة: (2/ 478)، جامع البسيوي: (4/ 108)، المصنف: (40/ 147)، حاشية الترتيب: (5/ 88)، شرح مسند الربيع: (3/ 313).
(4) المبسوط للسرخسي: (9/ 137، 138)، بدائع الصنائع: (7/ 77)، حاشية ابن عابدين: (5/ 199). (1/351)
صفحة 352
الثاني: وهو عدم التغريب، وهو مذهب الحنفية، وقد وافقهم الإباضية في عدم التغريب، ولم تكن حجتهم في ذلك لكون الحبر الوارد فيه خبر آحاد كما قالت الحنفية (1) ولعل حجتهم في ذلك هو اعتقادهم نسخ التغريب، أو أن التغريب متعلق بالمصلحة التي يراها الإمام.
المبحث السادس
تعارض خبر الآحاد مع القياس
أو الأصول العامة (2)
__________
(1) التفصيل في مسألة تغريب الزاني.
(2) الفرق بين مخالفة الخبر للقياس ومخالفته للأصول، أن القياس أخص من الأصول، فكل قياس أصل، وليس كل أصول قياساً، فإذا خالف خبر الواحد القياس فقد خالف أصلاً، وإذا خالف الأصول فقد يكون مخالفاً للقياس أو للنص أو للإجماع أو للاستصحاب أو للاستحسان أو غير ذلك. وقد يكون الخبر مخالفاً للقياس، وفي نفس الوقت يكون موافقا لبعض الأصول، وقد يكون متفقاً مع القياس مخالفاً لبعض الأصول، مثل: انتقاض الوضوء بالنوم، فهو موافق للقياس، من جهة أنه تعليق للحكم بمظنته مثل سائر الأحكام المتعلقة بمعناها، وهو في نفس الوقت مخالف لبعض الأصول وهو الاستصحاب؛ لأن الأصل عدم خروج الحدث، وقد ذهب إلى القول بالاستصحاب بعض أهل العلم فلم يوجبوا الوضوء من النوم أصلاً. وقد يكون الخبر مخالفاً للقياس وللأصول معاً، مثل حديث المصراة – كما يقول قيمياً. وهو مخالف للأصول أيضاً، لأن النص والإجماع دل على ما دل عليه القياس أيضاً.
وقد يكون الخبر موافقاً للقياس والأصول معاً كالآثار المروية في تحريم النبيذ، فإنها موافقة للقياس على الخمر، وكذلك هي موافقة للنص والإجماع على تحريم كل مسكر.
والخلاصة: أن الخبر إما أن يوافق القياس والأصول، أو يخالفهما، أو يوافق أحدهما دون الآخر. انظُر: نزهة الخاطر على روضة الناظر: (1/ 328). (1/352)
صفحة 353
يتناول الأصوليون هذه المسألة في باب "شروط العمل بخبر الآحاد"، فقد اشترط بعضهم لوجوب العمل بخبر الآحاد ألا يعارضه قياس، فإذا عارضة قياس لم يعمل به وعمل بمقتضى القياس. وقبل إيراد مذاهب أهل العلم في هذه المسألة وبيان أدلتهم يجب أولاً بيان المقصود بمعنى "القياس" الذي تظن معارضته لخبر الآحاد أو الذي يعارض به خبر الآحاد.
وليس المراد هنا القياس الشائع في اصطلاح الأصوليين وهو إلحاق حكم الأصل للفرع لاشتراكهما في العلة، لأننا بهذا نفسح المجال لمصادرة جزء كبير من النصوص الشرعية وتعطيلها، مما يفضي إلى إلغاء حجية السنة – أعني خبر الآحاد – وهذا أمر خطير بحق، إذ يتضمن مخالفة صريحة لأمر الله تعالى بوجوب طاعة رسوله الكريم ح، كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ے ?ژ [الحشر7]، وقوله عزِّوجلَّ: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?ژ [النساء65].
وقد استشعر العلماء خطورة هذا الأمر، فتضافرت جهودهم للتصدي لكل فكرة أو رأي يدعو إلى تقديم القياس على النص أو تعطيله واشتهر في ذلك قولهم: "لا حظ للنظر مع ورود الأثر"، وقولهم: "لا اجتهاد مع النص"، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأئمة والعلماء مما يدل دلالة صريحة واضحة أن المراد من القياس هنا ليس هو القياس المصطلح عليه عند الأصوليين، بل المراد هنا هو القاعدة المستقاة من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وهذا ما يطلق عليه الأصول العامة أو القواعد المقررة التي تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تقرير معناها، حتى صار هذا المغنى مقطوعاً به في الشريعة لا يجوز الاختلاف فيه (1).
__________
(1) المعتمد: (2/ 162)، الموافقات: (3/ 15)، البحر المحيط: (4/ 349)، الإمام مالك لأبي زهرة، ص (286)، مذكرة اختلاف العلماء للشيخ علي الخفيف، ص (72) مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري لأستاذنا الدكتور محمد بلتاجي: (1/ 317): (2/ 580). (1/353)
صفحة 354
وقد تكون القاعدة أو الأصل نصاً عاماً من القرآن الكريم، كقوله سبحانه وتعالى: ژ? ? ? ? ?ژ [الأنعام164]، أو نصاً من الحديث كقوله ح: ÷الخراج بالضمان× (1)، و÷لا ضرر ولا ضرار× (2) وغير ذلك من نصوص السنة. وقد تكون القاعدة غير منصوص عليها بل تكون مستنبطة من النصوص الشرعية، كقاعدة رفع الحرج أو قاعدة ضمان المتلفات وقاعدة المثلية في الجزاء وغير ذلك.
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (3/ 777) كتاب (البيوع) باب (فيمن اشترى عبداً ثم وجد به عيباً) رقم (350).
(2) أخرجهُ ابن ماجه: (2/ 784) كتاب (الأحكام) باب (من بني في حقه ما يضر بجاره) رقم (2340). (1/354)
صفحة 355
هذا هو المعنى المقصود من معارضة القاعدة أو أصل من الأصول العامة لخبر الآحاد، ولهذه المسألة أصل عند الصحابة، فقد ردت السيدة عائشة حديث: ÷إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه×، بأصل من الأصول العامة، فقالت: حسبكم القرآن، قال الله تعالى: ژ? ? ? ? ?ژ [الأنعام 164] (1).
ورد ابن عباس خبر أبي هريرة في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، بقوله: فكيف نصنع بمهراسنا (2)؟؛ وذلك منه استنادا إلى أصل مقطوع به وهو رفع الحرج (3).
__________
(1) أخرجهُ مسلم: (2/ 642)، كتاب (الجنائز)، باب (الميت يعذب ببكاء أهله عليه)، رقم (929)، بإسناده عن ابن عباس قال: "فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله" قال: وقالت عائشة: "حسبكم القرآن وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، وفي البخاري (7/ 351)، كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل، رقم (3978)، بإسناده عن هشام عن أبيه قال: ذكر عند عائشة - رضي الله عنه - أن ابن عمر رفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت: وهل إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" قالت: وذاك مثل قوله إن رسول الله قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، إنما قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق " ثم قرأت {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} يقول: حين تبوؤوا مقاعدهم من النار.
(2) المهراس: حجر كبير منقور منصوب على رأس البئر يوضع فيه الماء. القاموس المحيط مادة (هـ ر س).
(3) مسند أحمد: (2/ 382)، رقم (8952)، وسنن البيهقي الكبرى: (1/ 47)، رقم (217). (1/355)
صفحة 356
وهناك أمثلة كثيرة لهذه القاعدة (1)، ولها مدخل كبير في اختلاف أهل العلم، فنجدهم ينقسمون إلى ثلاثة اتجاهات إذا تعارض خبر الآحاد مع القياس:
أقوال أهل العلم في الخبر والقياس إذا تعارضا:
الأول: تقديم الخبر على القياس مطلقا. وهذا هو قول جمهور العلماء، ومنهم الشافعي وأحمد وهو قول أبي حنيفة (2).
الثاني: تقديم القياس على الخبر، ويحكى عن مالك (3).
الثالث: تقديم الخبر على القياس إذا كان راوي الخبر فقيها؛ كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود وعائشة وغيرهم من فقهاء الصحابة، وتقديم القياس على الخبر إذا كان راوية غير معروف بالفقه، ومثلوا لهذا بأبي هريرة وأنس بن مالك -رضي الله عنهما-. وهذا قول بعض الحنفية (4).
الرابع: الوقف في هذه المسألة، وعدم قضاء أحدهما على الآخر حتى يقوم دليل على ترجيح أحدهما على الآخر (5).
أدلة المذاهب في هذه المسألة:
__________
(1) الموافقات: (3/ 14).
(2) شرح اللمع: (2/ 609)، المعتمد: (2/ 162)، التبصرة، ص (316)، الإحكام للآمدي: (2/ 169)، المحصول: (4/ 430)، مناهج العقول: (2/ 355)، المسودة، ص (239)، روضة الناظر: (1/ 328)، شرح الكوكب المنير: (2/ 564).
(3) تأسيس النظر، ص (47)، إحكام الفصول للباجي، ص (643)، الموافقات: (3/ 1)، شرح تنقيح الفصول، ص (378) العضد على ابن الحاجب: (2/ 73)، الإمام مالك لأبي زهرة: (247)، مناهج التشريع في القرن الثاني لأستاذنا الدكتور محمد البلتاجي: (2/ 585).
(4) أصول السرخسي: (1/ 339)، كشف الأسرار للبزدوي: (2/ 377)، التلويح على التوضيح: (2/ 7)، التقرير والتحبير: (2/ 398).
(5) بذل النظر، ص (516). (1/356)
صفحة 357
بعد بيان أقوال أهل العلم يمكن أن نحصر الخلاف بين اتجاهين (1):
الأول: القائلون بتقديم الخبر على القياس، وهم الجمهور.
الثاني: القائلون بتقديم القياس على الخبر.
أدلة أصحاب المذهب الأول:
استدل أصحاب المذهب الأول، وهم الجمهور، على قولهم بعدة أدلة، وهي:
أولاً: قول النَّبِيّ ح لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: ÷كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ح قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ح ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو؛ فضرب رسول الله ح صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله× (2).
ووجه الدلالة: أن معاذاً - رضي الله عنه - قدم العمل بالكتاب والسنة ثم الرأي إذا لم يجد فيهما حكماً.
__________
(1) ناقش هذه المسألة كثير من أهل الأصول بإطلاق ولم يبينوا موضع النزاع، وممن سلك هذا المسلك القاضي أبو يعلى في كتابه العدة، وأبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع. وبعض أهل الأصول حرر موضع النزاع في هذه المسألة كأبي الحسين البصري في المعتمد، والرازي في المحصول، والآمدي في الإحكام، ولكن هؤلاء اختلفوا في بيان موضع النزاع، فقد ذهب أبو الحسين والرازي إلى أن محل النزاع هو إذا كان حكم الأصل قد ثبت بدليل مقطوع به، وكانت العلة المستنبطة منصوصاً عليها. وقد فصل الآمدي في بيان محل النزاع أكثر من ذلك، فقد نظر إلى القياس وأصله وعلته، ونظر إلى خبر الآحاد ومدى دلالته على مطلوبه، وهل هي دلالة قطعية أو ظنية. ولكن الحق أن هؤلاء لم يضربوا أمثلة عملية لهذه التقسيمات، ومن ثم فإنني أحصر الخلاف بين قولين كما مشى على ذلك كثير من أهل الأصول.
(2) الحديث أخرجهُ أبو داود: (4/ 18)، كتاب (الأقضية)، باب (اجتهاد الرأي في القضاء)، رقم (3592)، والترمذي: (3/ 616)، كتاب الأحكام، باب: ما جاء القاضي كيف يقضي: (1327). (1/357)
صفحة 358
ثانياً: أن الصحابة - رضي الله عنه - كانوا يدعون آراءهم، عندما يبلغهم الخبر عن النَّبِيّ ح ومن ذلك:
أ. أن عمر - رضي الله عنه - ترك رأيه في توريث المرأة من دية زوجها، عندما بلغه خبر أن النَّبِيّ ح ورَّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها (1).
ب. ترك عمر - رضي الله عنه - رأيه في التفضيل في دية الأصابع عندما بلغه كتاب عمرو بن حزم فقد روي سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: "في الإبهام عشر من الإبل وفي التي تليها عشر وفي الوسطى والتي تلي الخنصر تسع وفي الخنصر ست" (2).
ثالثاً: أن القول بالقياس والرأي لا يكون إلا إذا عدم النص، فإذا وجد النص فلا مجال للاجتهاد أو القياس.
رابعاً: أن خبر الآحاد يتطرق إليه الظن من جهتين فقط، وهما (3):
الأولى: إثبات عدالة الراوي.
الثانية: دلالة الخبر.
أما القياس، فيدخله الظن من ست جهات، وهي:
1. إثبات حكم الأصل.
2. إثبات علة الحكم.
3. تعيين الوصف الذي يكون علة من بين الأوصاف المتعددة التي يظن أن تكون علة مؤثرة في الحكم.
4. إثبات ذلك الوصف (العلة) في الفرع.
5. نفي المعارض للأصل.
6. نفي المعارض في الفرع.
__________
(1) الحديث أخرجه أبو داود: (3/ 339)، كتاب (الفرائض)، رقم (2927).
(2) أخرجهُ النسائي: (8/ 56)، كتاب القسامة، باب: عقل الأصابع، مصنف ابن أبي شيبة: (9/ 194)، سنن البيهقي الكبرى: (8/ 93)، الاستذكار لابن عبد البر: (25/ 139).
(3) هذا الاستدلال أورده بعض الأصوليين في كتبهم عند مناقشة هذه المسألة، والذي أراه أن هذا الاستدلال ليس هذا محله، لأنه يدخل في القياس الأصولي المعروف، وهو إلحاق فرع بأصل في حكمه لاشتراكهما في العلة، وهذا لا يصح أن يكون معارضاً للنص كما أسلفت القول في ذلك. (1/358)
صفحة 359
فإذا كان القياس معتمدا على خبر ظني، دخله ثمانية احتمالات، هذه الستة السابقة، والاثنان السابقان في الخبر؛ ومما لا ريب فيه أن ما يدخله الاحتمال من جهتين أولى مما يدخله الاحتمال من ثماني جهات (1).
أدلة من يقدم القياس على خبر الآحاد:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة، ومنها:
أولا: أن القياس حجة بإجماع السلف، وفي اتصال خبر الآحاد إلى النبيح شبهة، ومن ثم كان الثابت بالقياس – مع الإجماع على الاعتداد به - أولى بالقبول من الثابت بخبر الآحاد.
ثانيا: أن خبر الآحاد يدخله احتمال السهو من الراوي بخلاف القياس (2).
__________
(1) انظُر: الإحكام للآمدي: (2/ 171).
(2) عقب الجمهور القائلون بتقديم خبر الآحاد على القياس على تلك الحجة بأن القياس هو الأولى بإلصاق الخطأ والسهو من الحديث، وذلك أن القياس يعتمد أساساً على العلة التي قد تكون غير منصوص عليها، ومن ثم كان دخول الوهم والخطأ في استخراج العلة أكثر من دخول السهو والغلط من الراوي. ثم إذا كانت هذه هي الحجة التي يرد بها خبر الآحاد، فتلك الحجة بعينها تصلح لرد جميع أخبار الآحاد. انظُر: الإحكام للآمدي: (2/ 175). (1/359)
صفحة 360
ثالثا: أن رد خبر الآحاد إذا عارضه القياس، كان فعل السلف، بدليل أن ابن عباس - رضي الله عنه - رد خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - في الوضوء مما مست النار (1). وكذلك أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنه - عنها أنكرت علة من حثها بأن الصلاة يقطعها المرأة والكلب والحمار (2)، فقالت: لقد شبهتمونا بالحمير والكلاب!! لقد رأيت النَّبِيّ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النَّبِيّ ح فأنسلّ من عند رجليه (3).
__________
(1) الحديث أخرجه الترمذي: (1/ 114)، كتاب (الطهارة)، باب (ما جاء في الوضوء مما غيرت النار)، رقم (79)، بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط" قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة أنتوضَّأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له مثلاً. وإسناده صحيح كما نص عليه الشيخ أحمد شاكر في حاشية سنن الترمذي: (1/ 115).
(2) الحديث أخرجهُ مسلم: (1/ 365) كتاب الصلاة، باب: قدر سترة المصلي، من حديث أبي ذر، رقم (510)، ومن حديث أبي هريرة، رقم (511).
(3) الحديث أخرجهُ البخاري: (1/ 700)، كتاب (الصلاة)، باب (استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي)، رقم (511). (1/360)
صفحة 361
وكذلك رد ابن عباس حديث أبي هريرة مرفوعاً: ÷إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً× (1). فقال له ابن عباس: "فكيف نصنع بمهراسنا؟ " فقال له أبو هريرة: "يا ابن أخي إذا رويت لك خبرا عن النَّبِيّ ح فلا تضرب له الأمثال". قال أصحاب هذا المذهب: هذا الحديث قد رده ابن عباس؛ لأنه خالف قياس الأصول؛ لأن قياس الأصول يقتضي إباحة غسل اليد في الإناء، لأنه لا يمكن غسل الأيدي من هذا الإناء قبل إدخال اليد فيه (2).
المسألة عند الإباضية:
والمسألة عند الإباضية أنه إذا تعارض الخبر والقياس فالرأي المعتمد عندهم هو العمل بالخبر وتقديمه على القياس. فقد ذكر السالمي هذه المسألة، وحكي الأقوال الثلاثة السابقة، وقرر ما عليه العمل عند الإباضية، فقال: "في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدهما: وهو قول أكثر أصحابنا والمتكلمين، وهو قول عامة الفقهاء من قومنا أنه يقدم الخبر على القياس، فيكون العمل به أولى من العمل بالقياس" (3).
وهذا واضح أثره في فقههم. وقد احتجوا بما احتج به القائلون بهذا القول.
الأثر الفقهي:
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري: (1/ 316)، كتاب (الوضوء)، باب (الاستجمار وتراً)، رقم (162).
(2) وقد تعقب الجمهور هذا الاستدلال بأن ابن عباس لم يرد هذا الخبر لأنه خالف قياس الأصول، وإلا فما هو القياس الذي يقتضي إباحة الغسل في الإناء؛ وإنما رد ابن عباس الأخذ بهذا الحديث في هذا الموضوع بعينه – وهو الوضوء من المهراس – لأنه لا يتأتى غسل اليد منه قبل إدخالها فيه، وإلا فالصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتوضؤون من هذا المهراس – الحجر – قبل غسل أيديهم ثلاثاً، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشاهدهم ولا ينكر عليهم، فعلم أن المراد من هذا الحديث أن غسل الأيدي قبل إدخالها الإناء مستحب فقط وليس واجباً، وهذا تأويل للخبر وليس معارضة أو رداً له.
(3) شرح طلعة الشمس: (2/ 20). (1/361)
صفحة 362
انبنى على الاختلاف في تلك القاعدة اختلاف في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
1. مسألة طهارة لعاب الكلب:
فقد أخذ الإباضية بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ÷طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب× (1)، فقالوا بنجاسة لعاب الكلب (2)، وهو قول الجمهور (3) خلافاً للإمام مالك الذي يرى طهارة لعاب الكلب (4)، ولم يأخذ بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - لأنه يراه مخالفاً للقياس المستنبط من كتاب الله تعالى، فقال: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟!؛ وذلك أخذاً من قوله تعالى: ژگ گ ? ?? ? ? ? ?? ں ں ? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ... ھژ [المائدة4] فهو لا يرى نجاسة الكلب، وأما غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب فهو عنده أمر تعبدي (5).
2. مسألة الزكاة من أموال اليتامى:
فقد روي عن رسول الله ح أنه قال: ÷ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة× (6).
وبناء على هذا الحديث قالت الإباضية بوجوب الزكاة في أموال اليتامى إذا بلغ النصاب (7)، ولا تسقط عنه لعدم البلوغ، وعلى وليّ اليتيم إخراج الواجب من زكاة ماله.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (1/ 330)، كتاب الطهارة، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، رقم (173).
(2) انظُر: جامع ابن بركة: (1/ 198)، جامع البسيوي: (2/ 21)، شرح النيل: (1/ 113).
(3) بدائع الصنائع: (1/ 97)، الوسيط في المذهب الشافعي: (1/ 141)، شرح المهذب: (1/ 72).
(4) المدونة: (1/ 116)، الكافي لابن عبد البر، ص (18)، المنتقى: (1/ 73)، الموفقات: (3/ 17).
(5) انظُر: التفصيل في مسألة كم مرة يُغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب.
(6) الحديث أخرجهُ الترمذي: (3/ 32)، كتاب (الزكاة)، باب (ما جاء في مال التيمم)، رقم (641)، وانظُر تخريجه في مسألة الزكاة في مال اليتيم.
(7) جامع ابن بركة: (1/ 60)، جامع البسيوي: (2/ 195). (1/362)
صفحة 363
وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة (1) خلافاً للحنفية (2).
3. مسألة الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً:
فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح أنه قال: ÷إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه× (3).
وقد أخذت الإباضية بهذا الحديث وقالوا بصحة صوم من أكل أو شرب ناسياً وأنه لا قضاء عليه (4).
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة، خلافاً للمالكية (5)، فإنهم تركوا العمل بهذا الحديث وقالوا بفساد صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأنه يلزمه قضاء هذا اليوم قياساً؛ فإن الإمساك عن الأكل والشرب ركن من أركان الصوم، وقد فات هذا الركن بالنسيان، والنسيان لا يؤثر في المأمورات (6).
4. مسألة ذكاة الجنين:
__________
(1) المدونة الكبرى: (1/ 308)، المجموع: (5/ 300)، المغني لابن قدامة: (2/ 622).
(2) المبسوط: (2/ 162)، شرح فتح القدير: (2/ 156).
(3) أخرجهُ البخاري: (4/ 183)، كتاب الصوم، باب: الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً، رقم (1933).
(4) جامع ابن بركة: (2/ 90)، شرح النيل: (3/ 341).
(5) انظُر: مسألة من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم من هذا البحث.
(6) المدونة: (1/ 277)، المنتقى: (2/ 65). (1/363)
صفحة 364
فقد سئل رسول الله ح عن الجنين في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة، فقال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه (1). وقد أخذت الإباضية (2) بظاهر الحديث، فقالوا بجواز أكل الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (3)، خلافاً للحنفية (4)، إذ قالوا بعدم جواز أكله، وتركوا العمل بالحديث لمعارضته القياس، فالأصل حرمة الميتة لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ? ?ژ [المائدة3]. وهذا الجنين منخنق؛ ومن ثم فإنه يعد حراماً.
5. مسألة المُصرَّاة (5):
فقد روي أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله ح: ÷لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر× (6).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (3/ 252)، كتاب (الأضاحي)، باب (ما جاء في ذكاة الجنين)، رقم (2827).
(2) جامع البسيوي: (3/ 211)، بيان الشرع: (23/ 109)، شرح النيل: (4/ 462).
(3) ر: الكافي، ص (179)، الاستذكار: (15/ 251)، الشرح الكبير: (2/ 114)، الأم: (2/ 233)، المهذب: (1/ 262)، مغني المحتاج: (4/ 579)، المغني لابن قدامة: (8/ 579).
(4) المبسوط: (12/ 6)، تحفة الفقهاء: (3/ 93)، بدائع الصنائع: (5/ 63).
(5) أصل التصرية: حبس الماء، ويقال: صر الناقة يصرها صراً، وصر بها: أي شد ضرعها، والصرار: ما يشد به. وقال أبو عبيد: الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صري اللبن في ضرعها يعني حقن. لسان العرب، مادة (ص ر ر): (ص ر ي).
(6) الحديث أخرجهُ البخاري: (4/ 423)، كتاب (البيوع)، باب (النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم)، رقم (2148)، وأخرجه مسلم: (3/ 1158)، كتاب (البيوع)، باب (حكم المصراة)، رقم (1524) بلفظ: (من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر). (1/364)
صفحة 365
وقد أخذ الإباضية بهذا الحديث، فقالوا: لمشتري المُصرَّاة الخيار في إمساكها أو ردها ومعها صاع من تمر. (1) وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، خلافاً للحنفية (2) الذين تركوا العمل بهذا الحديث، وقالوا: إذا ردها فلا يجب عليه أن يرد معها صاعاً من التمر، وإنما يرجع على البائع بنقصان العيب كغيره من العيوب، ولم يأخذوا بهذا الحديث لمخالفته للقياس بمعنى الأصول العامة من الكتاب والسنة، ففي الكتاب قوله تعالى: ژک ک ک ک ... گ گ گ گ ?? ? ? ? ? ? ? ںژ [البقرة194]، ومقتضاها رد العدوان بالمثل.
وأمّا السُّنَّة فقوله ح الخراج بالضمان، ومن ثم فاللبن لا يكون مضموناً حيث كانت المُصرَّاة في ضمان المشتري.
وهذه المسائل تكفي لبيان مسلك الإباضية في تقديم الخبر على القياس، ولكن كما يقولون: لكل قاعدة شواذ، فإن الإباضية قدموا العمل بالقياس على الخبر في مسألتين (*)، وهما:
الأولى مسألة المفوضة:
__________
(1) المدونة الصغرى: (2/ 145)، كتاب الضياء: (17/ 139)، الإيضاح: (5/ 242)، منهج الطالبين: (14/ 174) شرح النيل: (8/ 463).
(2) انظُر: المدونة: (3/ 309)، الكافي لابن عبد البر، ص (346)، الاستذكار: (21/ 86)، مختصر المزني، ص (82)، روضة الطالبين: (3/ 233)، المذهب: (1/ 282)، مختصر الخلافيات للبيهقي: (3/ 322)، المغني: (4/ 472)، الإفصاح لابن هبيرة: (1/ 289).
*) ذلك حسب علمي والله أعلم. (1/365)
صفحة 366
فقد ترك الإباضية العمل بحديث معقل بن سنان الذي يقضي بأحقية صداق المرأة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً، فقد أخرج أبو داود وغيره عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها الصداق، فقال: لها الصداق كاملاً وعليها العدة ولها الميراث فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ح قضى به في بروع بنت واشق (1).
وهذا الحديث يوجب للمفوضة الصداق كاملاً، وبه قالت الحنفية والحنابلة، وهو أظهر قولي الشافعية (2)، خلافاً للإباضية (3) الذين لم يوجبوا لها الصداق ولا المتعة ووافقهم في ذلك المالكية، وذلك لمعارضة هذا الخبر للقاعدة؛ إذ الصداق عوض، فلما لم يقبض المعوض لم يجب العوض قياساً على البيع (4).
الثانية مسألة خيار المجلس:
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (2/ 588)، كتاب النكاح، باب: في من تزوج ولم يسم صداقاً حتى ما، رقم (2114)، وأخرجه الترمذي، (3/ 450)، كتاب النكاح، باب: الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، رقم (1145)، النسائي: (6/ 121)، كتاب النكاح، باب: إباحة التزوج بغير صداق، رقم (3355). والحديث صححه الترمذي، والحاكم في المستدرك: (2/ 181)، ووافقه الذهبي.
(2) المبسوط: (5/ 62)، تحفة الفقهاء: (2/ 206)، مختصر اختلاف الفقهاء: (2/ 260)، بدائع الصنائع: (2/ 436)، مغني المحتاج: (3/ 228)، المجموع: (15/ 252)، الوسيط في المذهب الشافعي: (5/ 237)، المذهب: (2/ 16)، مختصر خلافيات البيهقي: (4/ 173)، المغني لابن قدامة: (6/ 712)، الكافي في فقه الإمام أحمد: (3/ 71).
(3) جامع البسيوي: (3/ 25)، الضياء: (8/ 413)، المصنف: (33/ 31)، منهج الطالبين: (15/ 425)، شرح النيل: (6/ 151).
(4) وهذا قياس باطل كما بينته في مسألة مهر المفوضة، في مكان آخر من هذا البحث. (1/366)
صفحة 367
عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله ح قال: ÷البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا× (1).
فهذا الحديث ترك الإباضية العمل به؛ لأنه مخالف للأصول (2)، فإن البيع عقد معاوضة يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود، وخيار المجلس ينافي ذلك لما فيه من جهالة المدة؛ إذ الافتراق ليس له ضابط ولا حد معلوم، ولا تكون الجهالة في العقود لما فيها من الغرر. وهذا قول الحنفية والمالكية خلافاً للشافعية والحنابلة (3).
} - - {
المبحث السابع
الزيادة على النص (4) في خبر الواحد الذي يتضمن زيادة عمَّا في القرآن (5)
السنة إما أن تكون موافقة للقرآن من كل وجه، أو منشئة لحكم لم يتعرض له القرآن أصلاً، أو تناولت حكماً – تعرض له – بالبيان أو التفصيل أو التخصيص أو التقييد.
والزيادة على النص نوعان:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 382)، كتاب (البيوع)، باب (كم يجوز الخيار)، رقم (2107).
(2) جامع ابن بركة: (2/ 320)، جامع البسيوي: (4/ 8)، الضياء: (17/ 149)، الإيضاح: (6/ 165)، شرح النيل: (9/ 248).
(3) شرح معاني الآثار: (4/ 12)، الاستذكار: (20/ 228)، الموافقات: (3/ 15)، بداية المجتهد: (2/ 169)، الإمام مالك للشيخ محمد أبي زهرة، ص (254) وانظُر مسألة خيار المجلس.
(4) المراد بالنص هو نصوص القرآن الكريم.
(5) قصرت الكلام على ما يتعلق بالحديث وهو محل النزاع وتركت بقية الأقسام والصور والافتراضات النظرية كقولهم: إذا زيدت ركعة على ركعتين بحيث صارت صلاة الصبح ثلاث ركعات. قيل: هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الوارد على وجوب صلاة الصبح، وقولهم كزيادة إيجاب الزكاة بعد الصلوات قالوا: لا يعد هذا نسخاً إلخ ... وللتفصيل راجع أصول السرخسي (2/ 82)، التقرير والتحبير: (3/ 99)، المحصول: (3/ 363)، المستصفى: (1/ 117)، الإحكام للآمدي، (3/ 243)، روضة الناظر: (1/ 208)، إرشاد الفحول: (2/ 113). (1/367)
صفحة 368
الأول: قد تكون مستقلة بنفسها عن النص المزيد عليه، إما من نفس جنس المزيد عليه أو من غيره كزيادة وجوب الزكاة والصوم بعد وجوب الصلاة.
الثاني: قد تكون الزيادة على المزيد عليه غير مستقلة بنفسها كزيادة جزء في الواجب كتغريب الزاني البكر مع الجلد، أو زيادة شرط في الحكم؛ كاشتراط الطهارة في الطواف.
فالأول: لا خلاف بين الجمهور؛ أنه لا يعتبر نسخاً.
وأما النوع الثاني فهو محل الخلاف في كون هذه الزيادة نسخاً أو لا، وفي ذلك قولان:
القول الأول: أن الزيادة غير المستقلة لا تعتبر نسخاً لحكم المزيد عليه، وإنما هو تخصيص أو تقييد. وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (1).
واستدلوا بعدة أدلة أهمها:
أولاً: أن النسخ هو رفع حكم أو تبديله بحكم آخر، وأما الزيادة فهي ضم حكم جزئي إلى حكم منصوص عليه مع بقاء المنصوص عليه، والزيادة ليست بدلاً لحكم المرفوع بل هي تقييد أو تخصيص.
الثاني: أن الزيادة على النص لو كانت نسخاً لكان القياس باطلاً، لأن القياس إلحاق غير منصوص على حكمه إلى منصوص على حكمه ولما كان القياس جائزاً ودليلاً شرعياً علم أن الزيادة ليست نسخاً.
القول الثاني: أن الزيادة المتأخرة على النص نسخ وهو قول الحنفية، قال السرخسي: الزيادة على النص فإنه بيان صورة ونسخ معنى سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم (2). أي أنها في صورة بيان لكنها نسخاً في المعنى والحقيقة. واستدلوا بأدلة منها:
__________
(1) إحكام الفصول للباجي، ص (410)، مفتاح الوصول، ص (108)، المعتمد: (1/ 405)، التبصرة، ص (276)، المحصول: (3/ 363)، الإحكام للآمدي: (3/ 243)، المستصفى: (1/ 117)، إرشاد الفحول: (2/ 113).
(2) المحرر في أصول الفقه: (2/ 64)، وانظُر أصول السرخسي: (2/ 82)، التقرير والتحبير: (3/ 99) بذل النظر، ص (352)، فواتح الرحموت: (2/ 92)، كشف الأسرار: (3/ 191). (1/368)
صفحة 369
أولاً: قالوا: إن النص الشرعي المطلق يوجب العمل على إطلاقه، فإذا صار مقيداً صار شيئاً آخر، فإذا صار المطلق مقيداً فلا بد من إنهاء حكم الإطلاق بثبوت حكم التقييد فيكون ذلك نسخاً؛ لأن التقييد والإطلاق ضدان لا يجتمعان.
ثانياً: لو كانت هذه الزيادة ثابتة مع النص لذكرها النَّبِيّ ح عقب التلاوة ولنقلها من نقل الزيد عليه؛ إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين، وينقل بعضه دون البعض؛ وقد سمعوا من رسول الله ح الأمرين. لذا امتنع العمل بالزيادة.
وأجيب بأن أصل الحكم السابق ما يزال مشروعاً؛ ويكون الخبر أو القياس بياناً أو تقييداً للمطلق، أو تخصيصاً للعموم لا نسخاً.
والذي حمل الحنفية على القول بأن الزيادة على النص نسخ كونها جاءت من خبر الواحد وهو ظني الثبوت فلا يصح إلحاقها بما هو قطعي الثبوت، وأما الزيادة التي ثبتت من طريق التواتر والشهرة؛ فإنهم يعملون بها كالمسح على الخفين.
والمسألة عند الإباضية:
بعد ذكر الاتجاهين في المسألة: اتجاه الحنفية الذي يرى الزيادة على النص نسخاً خلافاً للجمهور، فإن الإباضية لا ينفردون برأي معين بل مذهبهم مذهب الجمهور في الأخذ بالزيادة والعمل بها لكون كل من المزيد والمزيد عليه ثبت بالدليل فوجب إبقاء كل دليل على أصله، لأن القول بنسخ المزيد عليه بتلك الزيادة يلزم إلغاء الدليل الأول الذي وجب به الفرض، وبقي المزيد عليه في حكم السقوط وهذا باطل؛ لأن إبطال أحد الدليلين تحَكُّمٌ بلا دليل، لأن الشارع أمر بضمِّ حكم الثاني إلى الأول (1).
__________
(1) الإحكام للآمدي: (3/ 243)، إرشاد الفحول: (2/ 113). (1/369)
صفحة 370
هذا ما قرره أصوليو الإباضية في هذه المسألة، وأثرها شاهد واضح في فقههم إلا في مسألتين، مسألة اليمين مع الشاهد، ومسألة التغريب مع الجلد. ولم يتركوهما لكونهما من باب الزيادة على النص، بل لمؤثر آخر كما صرح بذلك السالمي (1)، وسنعرض لذلك فيما يأتي إن شاء الله.
الأثر الفقهي لهذه المسألة:
1. مسألة فرض النية في الوضوء والغسل:
اعتبرالإباضية النية شرطًا في الوضوء والغسل لقوله ح: ÷إنما الأعمال بالنيات× (2).
قال الجيطالي (3): "والمختار عند أصحابنا أن لا يكون الإنسان متطهراً لوضوء الصلاة أو غسل جنابة إلا بقصد ونية؛ لأن الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، والعبادة غير معقولة المعنى لا تؤدى إلا بالنية" (4).
وهذا هو قول المالكية والشافعية والحنابلة (5).
وقالت الحنفية: إن النية في الوضوء والغسل ليست شرطاً في صحتهما لأن اشتراط النية زيادة على ما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ... ? SS ژ [المائدة6]. الآية ذكرت أربعة من فروض الوضوء ولم تذكر النية وهي زائدة عليها والزيادة على النص نسخٌ (6).
2. مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة:
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (1/ 281)، الفصول، ص (231).
(2) أخرجهُ البخاري في صحيحه: (1/ 15)، كتاب (بدء الوحي)، رقم (1)، مسلم: (3/ 1515)، كتاب (الإمارة)، رقم (1907).
(3) شرح طلعة الشمس: (1/ 155، 281).
(4) قواعد الإسلام: (1/ 167)، وانظُر جامع ابن بركة: (1/ 266)، وجامع البسيوي: (2/ 59).
(5) مقدمات ابن رشد، ص (14)، كفاية الطالب الرباني: (1/ 379)، الحاوي: (1/ 87)، المجموع: (1/ 354)، المغني لابن قدامة: (1/ 91)، الكافي: (1/ 55).
(6) بدائع الصنائع: (1/ 19)، شرح فتح القدير: (1/ 32). (1/370)
صفحة 371
قالت الإباضية (1): بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة بقوله ح: ÷لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب× (2).
وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (3).
وقالت الحنفية: إن قراءة الفاتحة ليست فرضاً من فروض الصلاة بل هي واجب فإن قرأ شيئاً من على النص نسخ، يقول السرخسي: " ثم قراءة الفاتحة لا تتعين ركناً في الصلاة عندنا، ولنا: قوله تعالى: ژ? ? ? ? ?ژ [المزمل20]، فتتعين الفاتحة زيادة على هذا النص وهو يعد نسخاً عندنا، فلا يثبت بخبر الواحد" (4).
3. مسألة الطمأنينة في الركوع والسجود:
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 513)، جامع البسيوي: (2/ 100)، قواعد الإسلام: (1/ 274).
(2) أخرجهُ البخاري: (2/ 276)، كتاب (الأذان)، باب (وجوب قراءة الإمام والمأموم في الصلاة كلها)، رقم (756)، ومسلم (1/ 295)، كتاب (الصلاة)، باب (وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة)، رقم (394)، من حديث أبي عبادة - رضي الله عنه - وله شواهد.
(3) المدونة الكبرى: (1/ 69)، الكافي لابن عبد البر: (1/ 201)، الاستذكار: (4/ 193)، كفاية الطالب الرباني، ص (504) المجموع شرح المهذب: (3/ 326)، روضة الطالبين: (1/ 242)، المغني: (1/ 520)، الكافي لابن قدامة: (246)، بداية المجتهد: (1/ 163)، الإفصاح: (1/ 84).
(4) المبسوط: (1/ 19)، وانظُر بدائع الصنائع: (1/ 239)، الهداية: (1/ 52)، عمدة القاري: (6/ 66). (1/371)
صفحة 372
قالت الإباضية بوجوب الطمأنينة في الركوع والسجود (1)؛ الحديث المسيء في صلاته: ÷ثم اركع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اركع حتى تطمئن جالساً، ثم لسجد حتى تطمئن ساجداً (2) ×. ولقوله ح: ÷لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود× (3).
وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (4).
وقالت الحنفية: إن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست من فرائض الصلاة، لأنها زيادة على النص القرآني في قوله تعالى: ژگ ? ? ? ?ژ [الحج77]. فالفرض يتم بمجرد الانخفاض، وجعل الطمأنينة فرضاً بخبر الواحد زيادة على النص وهو يعتبر نسخاً (5).
4. مسألة شرط الطهارة في الطواف:
قالت الإباضية (6): إن الطهارة شرط في صحة الطواف؛ وذلك لقوله ح: ÷إن الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون ... × (7).
__________
(1) قواعد الإسلام: (1/ 279)، جامع البسيوي: (2/ 105)، معارج الآمال: (8/ 157).
(2) أخرجهُ أبو داود: (1/ 536)، كتاب (الصلاة)، باب (صلاة من لا يقيم صلبه)، رقم (857)، والحديث صححه الحاكم في المستدرك: (1/ 241)، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(3) أخرجهُ أبو داود: (1/ 533)، كتاب الصلاة، باب: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم (855)، والترمذي: (2/ 15)، أبواب الصلاة، باب: ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم (265)، والحديث صححه الترمذي.
(4) كفاية الطالب الرباني: (1/ 504، 511)، الحاوي: (2/ 153)، المغني: (1/ 541)، الإفصاح: (1/ 84)، بداية المجتهد: (1/ 163).
(5) تحفة الفقهاء: (2/ 133)، بدائع الصنائع: (1/ 158، 241)، عمدة القاري: (6/ 66).
(6) قواعد الإسلام: (2/ 152)، جامع ابن بركة: (2/ 73)، شرح النيل: (4/ 142).
(7) الحديث أخرجهُ الترمذي: (3/ 293) كتاب الحج، باب: ما جاء في الكلام في الطواف، رقم (960)، وابن خزيمة في صحيحه: (4/ 222)، رقم (2739). (1/372)
صفحة 373
وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (1).
وقالت الحنفية: إنها ليست شرطاً في صحة الطواف؛ لأن اشتراط الطهارة في الطواف زيادة على النص في قوله تعالى: ژ? ? ?ژ [الحج29] من غير تقييد الطواف بالطهارة، والزيادة على القرآن بخبر الواحد لا يصلح فيعتبر نسخاً (2).
5. مسألة اشتراط إيمان الرقبة في كفارة اليمين والظهار:
ذهبت الإباضية إلى اشتراط إيمان الرقبة المعتقة في كفارة اليمين والظهار حملاً على كفارة قتل المؤمن خطأ. وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (3).
وقالت الحنفية: لا يشترط إيمان الرقبة في كفارة الظهار والإيمان وقالوا بصحة عتق الرقبة غير المسلمة، وأن تقييد الإيمان زيادة على النص القرآني في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ ژ s sژ [المجادلة3]. والزيادة على النص نسخ (4).
هذه بعض المسائل التي خالف فيها الإباضية الحنفية في قاعدة الزيادة بخبر الواحد على النص، واتفقوا معهم في مسألتين:
الأولى: مسألة تغريب الزاني البكر، فقالوا بعدم تغريبه وإنما يكتفي بالجلد لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ? ... ?ژ [النور2]
الثانية: مسألة اليمين مع الشاهد الواحد في الأموال فإنهم تركوا العمل بحديث ابن عباس أن رسول الله ح ÷قضى بيمين وشاهد× (5).
وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: ژ ژ ژ ss ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?ژ [البقرة282]
هذا مما استدل به الحنفية في ترك العمل بالحديثين أنهما يشملان على جزء حكم بخبر الواحد على النص والزيادة تعتبر نسخاً.
__________
(1) حاشية الدسوقي: (2/ 31)، المجموع: (8/ 14)، الكافي لابن قدامة: (1/ 512).
(2) تحفة الفقهاء: (2/ 391)، المبسوط: (4/ 38)، الهداية: (2/ 247).
(3) انظُر: مسألة اشتراط الإيمان في الرقبة المعتقة.
(4) المبسوط: (7/ 2)، رؤوس المسائل، ص (225)، أحكام القرآن للجصاص: (3/ 635).
(5) انظُر: مسألة القضاء في الأموال بالشاهد واليمين. (1/373)
صفحة 374
بينما لم أجد تعليلاً واضحاً عند الإباضية لتركهم العمل بحديث التغريب وحديث اليمين مع الشاهد، وقد يحتمل أنهم تركوهما بقاعدة الزيادة على النص- كما هو عند الحنفية- إلا أن السالمي ينفي ذلك وقال: "إنما لم نعمل بالتغريب في الزيادة على حد البكر والحكم بالشاهد واليمين لكون الخبرين لم يصحَّا معنا في ذلك؛ لأجل أن ذلك يُعَدّ نسخا" (1).
قلت: والمراد من قوله: "لم يصح عندنا" أي العمل به عندنا، وليس المراد نفي الثبوت فالحديث مخرج عندهم في مسند الربيع وأقر بصحته السالمي عند شرحه للحديث من مسند الإمام الربيع (2).
ولعل تركهم للعمل بحديث التغريب من باب السياسة أو المصلحة. وأما تركهم لحديث الشاهد مع اليمين فلكونه مخالفاً لظاهر القرآن.
المبحث الثامن
الحديث المرسل والاحتجاج به
يتضمن هذا المبحث المطالب الآتية:
1. تعريف الحديث المرسل لغة واصطلاحاً.
2. أقوال الأئمة في العمل بالمرسل.
3. مذهب الإباضية في العمل بالمرسل.
المطلب الأول: تعريف الحديث المرسل:
لكي نعرف معنى الحديث المرسل يحسن أن نتعرض لتعريف كلمة مرسل في اللغة:
أولاً: تعريف كلمة "مرسل" لغة. استخدمت كلمة مرسل في اللغة بمعانٍ كثيرة؛ ومنها:
1. معنى الإطلاق، وعدم التقييد، وذلك مأخوذ من قول العرب: أرسلت كذا: إذا أطلقت، ولم تقيده. ومن هذا الوجه فالحديث المرسل: هو الذي أطلق إسناده، ولم يقيد براوٍ.
2. معنى التفريق: وذلك مأخوذ من قول العرب: جاء القوم رسلاً أي: متفرقين. ومن هنا فالحديث المرسل: هو الذي جاء إسناده منقطعاً، وتفرق بعضه عن بعض.
3. معنى السرعة: وذلك مأخوذ من قول العرب: "ناقة مرسال" أي سريعة، ومن هذا الوجه فالحديث المرسل: هو الذي أسرع بالإسناد؛ فحذف بعضه.
4. معنى الاسترسال – الطمأنينة: ومن هذا الوجه فالحديث المرسل الذي اطمأن راسله إلى من أرسل عنه، ووثق به.
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (1/ 281).
(2) شرح مسند الربيع: (3/ 310). (1/374)
صفحة 375
وبعد عرضنا للتعريفات السابقة لكلمة المرسل في اللغة يمكن أن نقول: إن هذه التعريفات كلها محتملة كما قال العلائي (1).
ثانياً: تعريف الحديث المرسل اصطلاحاً:
في تعريف الحديث المرسل اختلاف بين المحدثين، والفقهاء، والأصوليين؛ ولذلك فإننا نجد له تعريفات مختلفة نذكرها على النحو التالي:
1. عرف الحديث المرسل بأنه الحديث الذي أضافه التابعي الكبير إلى النَّبِيّ ح. وبناء على التعريف السابق فإن ما أضافه التابعي الصغير، ومن بعده لا يدخل في نطاق الحديث المرسل.
2. الحديث المرسل الذي أضافه التابعي إلى النَّبِيّ ح من غير تقييد بكونه تابعياً صغيراً، أو كبيراً. وهذا الذي عليه جمهور المحدثين كما نص عليه ابن عبد البر، وابن حجر، وغيرهما (2).
3. الحديث المرسل: قول غير الصحابي: "قال رسول الله ح " ويدخل في عموم هذا التعريف كل من لم تصح له الصحبة، ولو تأخر عصره. وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، والأصوليين (3).
4. الحديث المرسل: ما سقط من إسناده راوٍ واحد، فإن سقط أكثر من واحد فهو معضل. وعلى الرغم من اختلاف التعريفات للحديث المرسل، فإنه يوجد فيها شيء مشترك، ألا وهو "سقوط راوٍ من الإسناد" سواء كان هذا الراوي كبيراً أم صغيراً أو غير ذلك من الشروط، والتقييدات.
أسباب إرسال الحديث:
لإرسال الحديث أسباب نذكر منها:
1. أن يكون المرسل قد سمع الحديث من جماعة من الثقات، وصحح الحديث عنده، فيرسله اعتماداً على صحة نقل شيوخه.
__________
(1) جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص (14)، النكت على ابن الصلاح لابن حجر: (2/ 542)، تاج العروس، ولسان العرب، مادة (ر س ل).
(2) انظُر: التمهيد: (1/ 20)، النكت على كتاب ابن الصلاح: (2/ 543)، توضيح الأفكار: (1/ 287).
(3) الإحكام للآمدي: (1/ 299)، الإحكام للباجي، ص (349)، بذل النظر في الأصول للسمرقندي، ص (449)، التلويح على التوضيح: (2/ 7). (1/375)
صفحة 376
2. أن يكون المرسل قد نسي من حدثه، وعرف المتن، فروى الحديث مرسلاً.
3. أن يكون المرسل غير قاصد للتحديث، بل يذكر الحديث على وجه المذاكرة؛ فيذكر المتن دون إسناد.
4. أن يرسل الحديث من أجل التدليس؛ فيسقط الرواة الضعفاء، ويبقي الثقات (1).
الاحتجاج بالحديث المرسل (2):
من خلال عرضنا السابق لتعريف الحديث المرسل، وأسباب إرساله يتضح لنا أن الحديث المرسل يكون في إسناده جهالة بالراوي الساقط منه، مما يخل بشروط صحة الحديث من وجهين: عدم الاتصال، وجهالة الراوي؛ لذا اختلف العلماء في قبول الحديث المرسل، والاحتجاج به، فمنهم من قبله، ومنهم من رفضه مطلقاً، ومنهم من قبله بشروط معينة (3).
__________
(1) التمهيد لابن عبد البر: (1/ 17)، النكت على كتاب ابن الصلاح: (2/ 555)، مقدمة لكتاب المراسيل لأبي حاتم الرازي، ص (17)، توضيح الأفكار: (1/ 299)، دراسات أصولية في السنة النبوية، ص (327)، أسباب اختلاف المحدثين: (1/ 224).
(2) الأحاديث المرسلة المختلف في قبولها نعني بها التي أرسلها التابعون ومن دونهم، أما مراسيل الصحابة فالجمهور على قبولها والإحتجاج بها؛ وذلك لعدالة الصحابة. وقد شاع في الصحابة الإرسال عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إما لكون الصحابي لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لتأخر إسلامه، أو لصغر سنه، وكل مرويات صغار الصحابة مراسيل، وهم المكثرون من الرواية. انظُر: التبصرة في أصول الفقه للشيرازي، ص (426)، الإحكام للآمدي: (1/ 299)، روضة الناظر: (1/ 323)، النكت على كتاب ابن الصلاح: (2/ 547)، أسباب اختلاف الحديث: (2/ 220)، التلويح على التوضيح: (2/ 7)، شرح طلعة الشمس: (2/ 45).
(3) يرجع اختلافهم في قبول المرسل إلى عدة أمور، وهي:
ا. رواية مجهول العدالة والاحتجاج به.
ب. هل رواية العدل عن غيره تعديل لهذا الغير، أم لا؟
ج. قول الراوي: حدثني الثقة، أو "من لا أتهم"، ونحو ذلك، هل يحتج به إذا لم يسم الراوي من حدثه أم لا.
د. هل يقبل التعديل مطلقاً، أم لابد من ذكر سببه؟
هـ. هل يشترط العدد في التعديل، أم يكفي واحد فقط للحكم بالتعديل؟ (1/376)
صفحة 377
فذهب جمهور المحدثين إلى رد الحديث المرسل؛ وعدم الاحتجاج به؛ لاعتباره من جملة الأحاديث الضعيفة التي فقدت شرطاً من شروط الصحة. يقول الإمام مسلم: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة". (1) وهي إحدى روايات الإمام أحمد (2)، وقول أهل الظاهر (3).
المطلب الثاني: أقوال الأئمة في الاحتجاج بالمرسل:
ينسب القول بقبول المرسل، والاحتجاج به إلى الحنفية، والمالكية، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل.
ولا يعني ذلك أنهم يقبلونه، ويعملون به على إطلاقه، بل قيدوه بضوابط فيها الحيطة، والاحتراز، فاشترطوا العدالة، والثقة في المرسل، والمرسل عنه؛ حيث لا يقبلون حديثاً مرسلاً ممن يرسل عن الثقات وغيرهم إلا إذا كان ذلك المرسل عدلاً ثقة.
قال ابن عبد البر: "وأصل مذهب مالك -رحمه الله-، والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل".
وقال: "وقالت طائفة من أصحابنا: مراسيل الثقة أولى من المسندات، واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع علمه ودينه وثقته، فقد قطع لك على صحته، وكفاك النظر" (4).
وقال الباجي: "ولا خلاف أنه لا يجوز العمل بمقتضاه إذا كان المرسل له غير متحرز، يرسل عن ثقات، وغيرهم". (5)
__________
(1) مقدمة صحيح مسلم: (1/ 30)، التمهيد: (1/ 6)، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص (49)، كتاب المراسيل لأبي حاتم الرازي، ص (13)، جامع التحصيل، ص (30)، تدريب الراوي: (1/ 198)، فتح المغيث: (1/ 36).
(2) إعلام الموقعين: (1/ 36)، العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى: (3/ 917)، أصول مذهب الإمام أحمد، ص (328).
(3) الإحكام لابن حزم: (2/ 70).
(4) التمهيد: (1/ 2 - 3).
(5) إحكام الفصول في أحكام الأصول، ص (349). وانظُر مفتاح الوصول، ص (17)، شرح تنقيح الفصول، ص (379)، تقريب الوصول، ص (306). (1/377)
صفحة 378
وبمثل ذلك اشترط الحنفية (1) مع تقييدهم بالقرون الثلاثة الأولى؛ لخيرية تلك القرون حيث روي عن النَّبِيّ ح قوله: خيركم قرني ثم الذين يلونهم – قال عمران: لا أدري أذكر النَّبِيّ ح بعد قرنين أو ثلاثة – قال النَّبِيّ ح: إن بعدكم قوماً يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن (2).
المرسل عند الإمام الشافعي:
سبق أن تعرضنا لاتجاهين في قبول المرسل: اتجاهاً يقبله مطلقاً، واتجاهاً يرده مطلقاً، والإمام الشافعي لم يقبل المرسل على الإطلاق ولم يرده على الإطلاق، ولكنه وضع ضوابط، وقيوداً لقبوله؛ حيث أصبح المرسل أمراً واقعاً، ومنتشراً بين أهل العلم؛ فلا يمكن طرحه وإنكاره.
والهدف من تلك الضوابط الحيطة من قبول حديث قد يغلب على الظن ضعفه، أو طرح حديث يغلب على الظن صحته ومن ثم، فقد رد مراسيل صغار التابعين عن غيرهم، وقبل مراسيل كبار التابعين بشروط؛ وهي:
1. أن لا يرسل التابعي إلا عن ثقات.
2. أن يأتي الحديث من وجه آخر مرسلاً أو مسنداً وأن يعضد بإحدى العواضد الآتية:
أ. أن يوافق أصلاً من الكتاب، أو السنة.
ب. أن يوافق قول صحابي أو عمله.
ج. أن يكون عليه فتوى أكثر أهل العلم (3).
__________
(1) قال السمرقندي: "والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن إرسال الراوي الحديث مع عدالته جارٍ مجرى أن يذكر الراوي، ويقول: هو عندي في الدلالة على العدالة، ولو ذكر الراوي وقال ذلك يجب قبوله، والعمل به، لأن الإنسان مع عدالته لا يستجيز من نفسه أن يخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه إلزام الناس عبادة أو اطراح عبادة". بذل النظر في الأصول ص (449). ففيه دلالة واضحة على أن المرسل يجب أن يكون ثقة.
(2) أخرجهُ البخاري: (5/ 306)، كتاب (الشهادات)، باب (لا يشهد على شهادة جور)، رقم (651).
(3) الرسالة للشافعي، ص (461)، وانظُر شرح علل الترمذي لابن رجب، ص (182)، نزهة النظر، ص (38)، تدريب الراوي: (198). (1/378)
صفحة 379
المطلب الثالث: مذهب الإباضية في العمل بالمرسل:
من خلال تتبعنا لكتب الإباضية الأصولية والفقهية يتضح لنا أن المرسل حجة لديهم والعمل به قائم إلا أننا لا نجد لهم رأياً صريحاً، وقولاً مفصلاً في ضوابط وشروط قبول الحديث المرسل مما يصعب على الباحث تحديد اتجاههم، وموقفهم من المرسل ومعرفة ما إذا كانوا يحتجون به على طريقة الأصوليين أم على طريقة المحدثين بضوابط وشروط معينة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
فابن بركة مثلاً يكتفي بتعريف المرسل (1) دون أي تعقيب بعد التعريف، وكأنه يقرر قبوله والاحتجاج به على الإطلاق، وكتابه الجامع مليء بالأحاديث المرسلة التي يحتج بها (2).
وعند أبي يعقوب الوارجلاني (3) أن المرسل هو ما سقط من إسناده صحابي، ويرى وجوب قبوله، والعمل به، لأن جهالة الصحابي لا تضر، لكنه لم يحدد ما إذا كان المرسل صحابياً أو تابعياً كبيراً أو صغيراً. وهو على طريقة المحدثين: وهو الذي اطمئن إليه، وبه أوجب العمل بالمرسل؛ لأن جهالة الصحابي لا تضرّ، وقد ميّز بينه وبين المنقطع الذي سقط منه راوٍ، أو أكثر والذي يعتبره الأصوليون نوعاً من المرسل، وقال: "وأكثر العلماء على أن العمل بالمرسل واجب، وبالمقطوع ندب" (4).
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 16) وعلى نهجه انتهج بعض علماء الإباضية كالعوتبي في الضياء: (2/ 253).
(2) انظُر: مثلاً مسألة القهقهة في الصلاة: (1/ 43)، ومسألة الرعاف: (1/ 416)، ومسألة زكاة مال، اليتيم (1/ 601).
(3) هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني المتوفى سنة (507هـ)، والوارجلاني نسبة إلى "وارجلان" في جنوب وسط الجزائر، أحد مواطن الإباضية قديماً وحديثاً، وهو أحد أعلام الإباضية في القرن السادس الهجري؛ فهو فقيه أصولي مجدد عصره. له عدة تصانيف من أهمها: العدل والإنصاف في أصول الفقه. وكتاب الدليل والبرهان في العقيدة، وغيرها.
(4) العدل والإنصاف: (1/ 144). (1/379)
صفحة 380
وأما السالمي فيؤكد قبول المرسل والاحتجاج به على الإطلاق دون أي قيد أو شرط سوى عدالة المرسل قال: "وقول إن المرسل العدل مقبول مطلقاً: هو الصحيح عندي" (1). يعني أنه اكتفى بعدالة المرسل دون المرسل عنه بدون أي قيد أو شرط آخر وهذا الرأي أقرب إلى منحى الأصوليين من الحنفية والمالكية في قبول المرسل.
وبخلاف هذا الرأي الموسع، نجد الشيخ خلفان بن جميل (2)، أنه يرى أن المرسل الذي يجب قبوله، والعمل به يجب أن يعضد بإحدى العواضد، إذ قال: "والصحيح رد الاحتجاج بالمرسل إذا لم يوجد معه عاضد" (3). ولكنه لم يحدد تلك العواضد والشروط، فهو أقرب إلى منهج الإمام الشافعي والمحدثين.
ومن خلال هذه النظرة لبعض علماء الإباضية المتقدمين منهم والمتأخرين يتضح جلياً أن المرسل حجة لديهم مع اختلافهم في طريقة قبوله، فمنهم من قبله على طريقة الأصوليين، ومنهم من قبله على طريقة المحدثين. وقد ظهر أثر هذا في كثير من المسائل الفقهية لديهم.
الأحاديث التي احتج بها القائلون بقبول المرسل:
1. حديث الوضوء من القهقهة في الصلاة:
وهو من مراسيل أبي العالية، وقد احتج به الإباضية في وجوب الوضوء، وإعادة الصلاة، وبهذا الرأي قالت الحنفية.
وذهب الجمهور إلى أنه لا ينقص الوضوء من القهقهة أثناء الصلاة، فهم لا يحتجون بالحديث؛ ذلك لأنه مخالف للأصول، فالضحك في الأصل يتعلق بالطهارة؛ لذلك فإنه لا ينقص الوضوء (4).
2. حديث: ÷من قاء أو رعف فليتوضأ×.
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (2/ 47).
(2) هو الشيخ العلامة أبو يحيى خلفان بن جميل بن حرمل السيابي من مواليد سنة 1308هـ في مدينة سمائل، وقد تولى القضاء لمدة طويلة، وكان مرجعاً للعلماء، وله عدة تصانيف، ومن أشهرها سلك الدرر، وبهجة المجالس، وفصول الأصول، وتوفي رحمه الله سنة 1392هـ.
(3) انظُر: الفصول.
(4) انظُر: المسألة، ص (126). (1/380)
صفحة 381
3. حديث الوضوء من لمس المرأة: ففي الحديث عن عائشة ÷أن النَّبِيّ ح كان يقبّل بعض أزواجه، ثم يصلّي ولا يتوضّأ× (1).
قالت الإباضية والحنفية: إن لمس الزوجة لا ينقض الوضوء، واحتجوا بحديث عائشة السابق. و ذهب الشافعي -رحمه الله- إلى أن لمس المرأة غير المحرمة ينقض الوضوء سواء أكان بشهوة أم بغير شهوة. ولم يأخذ الشافعي بحديث عائشة السابق؛ لأنّه مرسل (2).
4. الحديث المروي عن النَّبِيّ ح، والذي فيه: إذا أمسك الرجل الرجل، وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك. والسؤال هنا: هل الماسك يعتبر شريكاً في القتل فيقام عليه حد القصاص أم لا؟
ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أن من أمسك إنساناً، وقتله الآخر فلا يعد الماسك شريكاً في القتل، بل يقتل القاتل، ويحبس الذي أمسك.
ومن قولهم هذا يتضح لنا احتجاجهم بالحديث السابق وهو حديث مرسل. أما الإمام مالك، فلم يأخذ بهذا الحديث، بل خالفه وقضى بأنه يقتل الماسك والقاتل (3).
5. حديث رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر رد حقه بالإفلاس أو الموت: ونص الحديث: ÷أيما رجل باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باع من ثمنه شيئاً، فوجده بعينه فهو أحقّ به، وإن مات الذي ابتاعه فصحاب المتاع فيه أسوة الغرماء× (4) والحديث مرسل كما علمنا.
__________
(1) أخرجه النسائي، وأبو داود، وقال: مرسل؛ وإبراهيم اليمني: لم يسمع من عائشة، وقال النسائي: ليس في هذا الباب أحسن من هذا وإن كان مرسلاً. انظُر: فتح القدير: (1/ 37). نيل الأوطار: (1/ 195)، قواعد الإسلام: (1/ 185).
(2) انظُر: الأم للشافعي: (1/ 15، 16)، بداية المجتهد: (1/ 38)، أثر اختلاف الفقهاء، ص (407).
(3) انظُر: الاستذكار: (21/ 26)، حاشية الدسوقي: (4/ 245)، أثر اختلاف الفقهاء، ص (409).
(4) أخرجهُ الإمام مالك في الموطأ، ص (678) كتاب البيوع، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (8/ 249)، وابن عبد البر في الاستذكار: (21/ 26). (1/381)
صفحة 382
ذهب المالكية والحنابلة إلى أن: للبائع أن يأخذ عين ماله في حالة الإفلاس فقط، وأما في حالة الموت فيكون هو والغرماء سواء.
بينما ذهب الشافعية إلى أن: للبائع أن يأخذ عين ماله في حالتي الإفلاس والموت. واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه. (1)
وقالت الإباضية والحنفية: ليس لصاحب المتاع أخذ عين ماله في حالة الإفلاس، أو الموت، بل هو والغرماء سواء.
فقد ترك الحنفية – كما يتضح – العمل بالحديث؛ لأنه مخالف للأصول؛ وذلك أن المتاع صارت ملكيته وضمانه للمشتري، واستحقاق البائع لأخذها منه نقص لملكه (2).
6. حديث وجوب القضاء على من أفسد التطوع:
فقد قالت الإباضية، والحنفية، والمالكية بوجوب القضاء على من صام تطوعاً ثم أفطر بلا عذر، فقد أوجبوا عليه قضاء ذلك اليوم؛ وذلك لحديث عائشة - رضي الله عنه -: أصبحت أنا، وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام، فأفطرنا عليه، فدخل علينا رسول الله ح، فسألته عن ذلك، فقال ح: ÷اقضيا يومًا مكانه×. (3)
وقالت الشافعية والحنابلة: إنه لا يجب قضاء ذلك اليوم لأن الحديث مرسل (4).
7. حديث وجوب إخراج الزكاة من مال اليتيم والمجنون:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (5/ 76) كتاب الاستقراض باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع رقم (2402)، وأخرجه مسلم، (3/ 1192)، كتاب المساقاة باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس رقم: (1559).
(2) الهداية: (3/ 387)، رؤوس المسائل، ص (309)، الاستذكار: (21/ 26)، حاشية الدسوقي: (3/ 282)، الدر المختار: (5/ 106)، جامع ابن بركة: (2/ 331، 384).
(3) أخرجهُ أبو داود: (2/ 826) كتاب الصوم باب من رأى عليه القضاء رقم (2457).
(4) المبسوط: (3/ 68) الوجيز: (1/ 172)، الكافي، ص (129)، المغني لابن قدامة: (4/ 409). (1/382)
صفحة 383
ففي حديث يوسف بن ماهك عن النَّبِيّ ح أَنَّهُ قال: ÷ابتغوا في مال اليتيم لا تذهبه الزكاة× (1).
قالت الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة بوجوب الزكاة في مال اليتيم إذا بلغ النصاب؛ للحديث السابق.
وقالت الحنفية: لا تجب الزكاة في ماله؛ لأن الحديث مخالف للأصول؛ وذلك أن اليتيم والمجنون غير مكلفين.
8. بيع الحيوان باللحم:
لحديث سعيد بن المسيب عن النَّبِيّ ح: ÷أَنَّهُ نهى عَن أن يباع الحيوان باللحم× (2).
ذهب الإباضية مع الجمهور إلى عدم جواز بيع الحيوان باللحم للحديث. وقالت الحنفية بجواز ذلك؛ لأن الحديث مخالف للأصل وهو جواز البيع لقوله تعالى: ژS S S ? ?ژ [البقرة275].
9. إخراج مُدَّيْن من البرِّ في زكاة الفطر:
عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم وسالم: ÷أن النَّبِيّ ح فرض زكاة الفطر مدين من بر على كل إنسان مكان صاع من شعير×. وذكر سعيد بن المسيب أن ذلك كان من عمل الناس في زمن أبي بكر وعمر. وقد ترك مالك وأصحابه العمل بهذا الحديث (3).
المبحث التاسع: النسخ في السنَّة
النسخ لغة: يطلق على معنيين:
الأول: على الرفع والإزالة، ومنه قولهم: نسخت الريح آثار الديار وغيرتها، ونسخت الشمس الظل، أي: أزالته.
الثاني: بمعنى النقل والتحويل، كقولهم: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه. ومنه قوله تعالى: ژ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ [الجاثية29]، أي ننقل أعمالكم إلى الصحف.
__________
(1) انظُر: تخريج الحديث عند مسألة الزكاة في أموال اليتامى.
(2) أخرجهُ الإمام في الموطأ، ص (655) باب بيع الحيوان باللحم، والبيهقي في السنن الكبرى: (5/ 396)، وفي معرفة السنن والآثار: (8/ 65).
(3) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: (1/ 147). (1/383)
صفحة 384
النسخ اصطلاحاً: للنسخ عدة تعريفات: فقد عرفه أكثر الأصوليين بأنه: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه (1). وعرفه بعضهم: بأنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه (2). ويعرف النسخ بأحد الأمور الآتية:
1. بنص من الشارع: كقوله ح: ÷كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في السقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً× (3).
2. بقول الصحابي:
كقول أبي بن كعب - رضي الله عنه - كان ÷الماء من الماء× رخصة في أول الإسلام ثم أمرنا بالغسل (4).
3. ما يعرف بالتاريخ:
__________
(1) شرح اللمع: (1/ 481)، المحصول: (3/ 282)، المستصفى: (1/ 107)، البرهان: (2/ 1293)، الإحكام للآمدي: (3/ 81)، روضة الناظر: (1/ 190)، إرشاد الفحول: (2/ 71)، العدل والإنصاف: (1/ 116)، الاعتبار، ص (52).
(2) إحكام الفصول للباجي، ص (389)، مفتاح الوصول، ص (107)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: (2/ 53)، شرح طلعة الشمس: (1/ 268)، النسخ في القرآن، ص (79).
(3) أخرجهُ مسلم في صحيحه: (3/ 1585) كتاب (الأشربة) باب (بيان أن كل مسكر خمر) رقم (2001).
(4) أخرجهُ أبو داود: (1/ 146)، في كتاب (الطهارة)، باب (الاغتسال)، رقم (214)، والترمذي: (1/ 365) كتاب (الطهارة) باب (الماء من الماء) رقم: (110). (1/384)
صفحة 385
أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، قال الزهري: يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ح (1) كحرمة نكاح المتعة، آخر ما حرم في حجة الوداع (2).
عن الربيع بن سبرة قال: أشهد على أُبَي أنه حدث أن رسول الله ح نهى عنها في حجة الوداع. وكحديث ابن عباس: احتجم رسول الله ح وهو محرم صائم.
فهو ناسخ لحديث شداد بن أوس، أفطر الحاجم والمحتجم (3)؛ لكون حديث ابن عباس متأخراً عن حديث شداد بن أوس، حيث كان حديث ابن عباس في حجة الوداع، وحديث شداد كان في عام الفتح؛ كما صرح بذلك قال: إن رسول الله ح أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان خلت من رمضان، فقال: فقال: ÷أفطر الحاجم والمحجوم (4) ×. فإنه ح لم يأتِ عليه رمضان بعد حجة الوداع، وأن حديث شداد بن أوس كان عام ثمان من الهجرة (5).
4. يعرف النسخ بإجماع الأمة:
__________
(1) الفقيه والمتفقه: (1/ 128).
(2) أخرجهُ الحازمي في الاعتبار، ص: (228)، والهيثمي في مجمع الزوائد: (4/ 265)، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، وقال: في إسناده عبد الله بن لهيعة وبقية رجاله ثقات، قال الخطابي: تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين، وقد كان ذلك مباحاً في صدر الإسلام، ثم حرمت في حجة الوداع، وذلك آخر أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. معالم السن: (2/ 559).
(3) أخرجهُ أبو داود: (2/ 773) كتاب (الصوم)، يعني الحجامة رقم (2373).
(4) أخرجهُ أبو داود: (2/ 772) كتاب (الصوم)، باب (في الصائم يحتجم) رقم (2369).
(5) اختلاف الحديث للإمام الشافعي، ص:: (143). السنن الكبرى للبيهقي: (4/ 266)، الاعتبار (349). (1/385)
صفحة 386
وهو أن تجمع الأمة في حكم على أنه منسوخ، كنسخ الوصية للوالدين في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ?ژ [البقرة180]، فقد نسختها آيات المواريث، وقوله ح: ÷لا وصية لوارث× (1).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (3/ 290)، كتاب (الوصايا)، باب (لا وصية لوارث)، رقم (2120)، وابن ماجه: (2/ 905)، كتاب (الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية لوارث)، رقم (2713)، الحديث سكت عنه أبو داود وصححه الترمذي. وقد نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر وابن عبد البر في الاستذكار، يقول ابن عبد البر: أجمع العلماء على القول بأنه لا وصية لوارث وعلى العمل بذلك، قطعاً منهم على صحة هذا الحديث وتلقياً منهم له بالقبول فسقط الكلام في إسناده. وهذا الحكم اتفقت عليه المذاهب الأربعة والإباضية. وممن قال بأن آية الوصية منسوخة بآيات الميراث ابن عمر وأبو موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وغيرهم، وهذا قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء ويدل على ذلك أن وجوب الوصية للوالدين والأقربين منسوخ بالإجماع. وهناك قول بأنه لا تعارض بين آية الوصية وآيات المواريث؛ إذ لا تناقض بين أن يرث الوارث بآية الميراث وبين أن يوصي له بآية الوصية؛ حيث إن آيات المواريث تمنح بعض الأقربين حق خلافة الميت دون البعض الآخر ولا تمنح الوصية لكل قريب، إذ ما زال هناك بعض الأقربين ممن يستحقون الوصية بمقتضاها، وعليه قالوا بجواز الوصية للوارث إذا أجاز ذلك الورثة. انظُر: الإجماع لابن المنذر، ص (74)، الاستذكار: (23/ 14)، بداية المجتهد: (2/ 305)، رسوخ الأخبار في منسوخ الأخبار، ص (433)، الإفصاح لابن هبيرة، جامع البسيوي: (3/ 174)، معالم السنن: (3/ 291)، تفسير ابن كثير: (1/ 200)، النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد، كتاب في الميراث والوصية، لأستاذنا الدكتور محمد بلتاجي ص (193). (1/386)
صفحة 387
وحديث معاوية وغيره في قتل شارب الخمر في الرابعة (1) فقد نسخها حديث قبيصة بن ذؤيب أن النَّبِيّ ح قال: ÷من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأُتِى برجل قد شرب فجلده ثم أتي به فجلده، ثم أُتى به فجلده، ثم أُتى به فجلده، ورفع العقل، وكانت رخصة× (2).
وقال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً في القديم والحديث (3).
وقال أيضاً: جميع ما في هذا الكتاب – يقصد السنن- من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلال حديثين، حديث ابن عباس ÷أن النَّبِيّ ح جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر×.
وحديث النَّبِيّ ح، أنه قال: ÷إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه× (4). وقد سبقه الإمام الشافعي إلى ذلك، في اختلاف الحديث (5).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (4/ 623)، كتاب (الحدود)، باب (إذا تتابع في شرب الخمر)، رقم (4482)، والترمذي (4/ 39)، كتاب (الحدود)، باب (من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه)، رقم (1444)، والحديث صحيح. انظُر: نصب الراية: (3/ 346). وللحديث شواهد.
(2) أخرجهُ أبو داود في سننه: (4/ 625)، في كتاب (الحدود)، باب (إذا تتابع في شرب الخمر)، رقم (4485).
(3) سنن الترمذي: (4/ 40). وقال الخطابي: وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجباً ثم نسخ لحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. معالم السنن: (4/ 624).
(4) كتاب العلل – في آخر الكتاب – سنن الترمذي: (5/ 692).
(5) اختلاف الحديث: (149). (1/387)
صفحة 388
هذه هي الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ، وهي طرق نقلية لا مدخل للعقل فيها ولا للاجتهاد فيها (1).
أقسام النسخ:
باستعراض النصوص التي وقع بينها النسخ، نجدها تتضمن أربعة أقسام:
1. نسخ الكتاب بالكتاب: قال تعالى: ژ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ [البقرة106].
وقال أيضا: ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ژ ژ ss ک ک ک ک گ گ گ ... گ ? ... ? ... ? ? ? ژ [الأنفال65]. حيث أمرهم بالثبات في القتال فكان المسلم الواحد يثبت أمام العشرة من الكفار، ولا يصح له الإدبار عنهم، ثم نسخ ذلك، وخفف عنهم من العشرة إلى الاثنين بقوله تعالى: ژ? ? ں ں ? ? ? ?? ? ہ ہ ہ ... ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ [الأنفال66] (2).
2. وكقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة240]. وقتت عدة المتوفى عنها عاماً، ثم نسخ ذلك إلى أربعة أشهر وعشر في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234] فهذه الآية ناسخة لغيرها.
2. نسخ السنَّة بالسنَّة:
__________
(1) اختلاف الحديث للإمام الشافعي، ص (40) الفقيه والمتفقه: (1/ 126)، الاعتبار، ص (56)، المحصول: (3/ 377)، مفتاح الوصول: (111)، روضة الناظر: (1/ 235)، إرشاد الفحول: (2/ 96)، تدريب الراوي: (2/ 191)، توضيح الأفكار: (2/ 418).
(2) المحصول: (3/ 309). (1/388)
صفحة 389
وهو أن ينسخ بعضها بعضاً، فقد روي عن رسول الله ح: أن الأحاديث ينسخ بعضها بعضاً كنسخ القرآن (1)، عن أبي العلاء بن الشخير قال: كان رسول الله ح ينسخ حديثه بعضه بعضاً، كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً (2). وذلك كقوله ح: ÷إنما الماء من الماء× (3). لا يوجب الغسل إلا على من أنزل؛ فنسح ذلك، ووجب الغسل بمجرد التقاء الختانين في قوله ح: ÷إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل×. (4)
3. نسخ الكتاب بالسنة (5):
كنسخ الوصية للوالدين بعدما كانت واجبة في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ?ژ [البقرة180] بقوله ح: ÷لا وصية لوارث× (6).
4. نسخ السنَّة بالكتاب:
__________
(1) المحصول: (3/ 307)، جامع ابن بركة: (1/ 36)، شرح طلعة الشمس: (1/ 289).
(2) أخرجهُ الدارقطني في السنن: (4/ 145)، وفي النوادر رقم: (10)، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: (1/ 122)، والحازمي في الاعتبار، ص (94) من حديث ابن عمر، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه، وكلاهما ضعيف، ومحمد منكر الحديث. انظُر: التاريخ الكبير: (1/ 311)، المجروحين: (2/ 264)، التهذيب: (9/ 393)، وعبد الرحمن البيلماني ضعفوه، انظُر: التهذيب: (6/ 149).
(3) من حديث أبي سعيد الخدري أخرجهُ مسلم، في كتاب (الحيض)، باب (إنما الماء من الماء)، رقم (343)، وللحديث شواهد صحيحة ذكرناها في المسألة.
(4) أخرجهُ البخاري: (1/ 395)، كتاب (الغسل)، باب (إذا التقى الختانان)، رقم (291)، ومسلم، كتاب (الحيض)، باب (نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين)، رقم (348)، من حديث أبي هريرة.
(5) على قول من رأى ذلك، كما سيأتي بيانه.
(6) أخرجهُ أبو داود: (3/ 290)، كتاب (الوصايا)، باب (لا وصية لوارث)، رقم (2120)، وابن ماجه: (2/ 905)، كتاب (الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية لوارث)، رقم (2713)، الحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي. (1/389)
صفحة 390
كنسخ فرض صوم عاشوراء بالسنَّة، ثم نسخ فريضته لما فرض صوم رمضان، ففي حديث عائشة - رضي الله عنه - قالت: كان عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ح المدينة صامه، وأمر أصحابه بصيامه، فلما فرض رمضان، كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه (1).
وفرض صوم رمضان بالكتاب (2)، ونسخت القبلة بالكتاب، فقد كان النَّبِيّ ح والمسلمون يستقبلون بيت المقدس في أول الأمر (3)، حتى نزل قوله تعالى: ژ? ? ں ں ? ?? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھژ [البقرة144].
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 287)، كتاب (الصوم)، باب صيام عاشوراء رقم (2000)، ومسلم، كتاب (الصيام)، رقم (1125).
(2) الناسخ والمنسوخ لابن شاهين: (199)، الاعتبار: (340) والمفهم شرح صحيح مسلم: (4/ 1884) المحصول: (3/ 341)، النسخ في القرآن، ص (200).
(3) عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي نحو بيت المقدس ستة عشرة – أو سبعة عشرة – وكان رسول الله يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} البقرة144، فتوجه نحو الكعبة. أخرجهُ البخاري: (1/ 598)، كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة رقم (399). وانظُر الرسالة: (122)، المحصول: (3/ 310)، النسخ في القرآن الكريم، ص (628). (1/390)
صفحة 391
ما سبق كان عرضاً لأقسام النصوص التي يقع فيها النسخ، فالقسم الأول وهو نسخ الكتاب بالكتاب، والقسم الثاني وهو نسخ السنة بالسنة لا خلاف بين العلماء في جوازه شرعاً، وإنما الخلاف في القسم الثالث، وهو نسخ الكتاب بالسنة، وكذلك القسم الرابع، وهو نسخ السنة بالكتاب، وفي نسخ السنة المتواترة أو المشهورة بسنة الآحاد.
تشمل السنة على أقسام متفاوتة؛ في قوة الثبوت بين القطعية والظنية، فالمتواتر؛ قطعي الثبوت، ويلحق به المشهور أو المستفيض، لاشتهاره في الأمة. وأما الآحاد: فهو ظني الثبوت، والسؤال الآن هو:
هل يجوز أن تنسخ السنة بأقسامها القرآن الكريم القطعي الثبوت؟
وللإجابة على هذا السؤال أقول:
1. ذهب الحنفية والمالكية، ورواية للإمام أحمد وقول بعض أصحابه إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة والمشهورة التي هي قطعية الثبوت ومنعوا ذلك بخبر الآحاد الذي هو ظني الثبوت.
استدلوا على جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة أو المشهورة لأنه لما جاز نسخ القرآن بالقرآن لكونه وحياً من الله، فكذلك يجوز نسخ القرآن بالسنة لكونها وحياً من عند الله، فإن الرسول ح لا ينطق إلا حقا؛ لقوله الله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ [النجم4 - 3]، والأمة متعبدة باتباعها أيضاً، فنسخ أحدهما بالآخر غير ممتنع عقلاً، لأن الناسخ في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى (1).
__________
(1) أصول السرخسي: (3/ 335)، بذل النظر في الأصول: (336)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: (2/ 78)، شرح التلويح على التوضيح: (2/ 34)، الموافقات: (3/ 79)، أحكام الفصول للباجي، ص (417 – 426)، شرح تنقيح الفصول ص (313)، الاعتبار ص (99)، نزهة الخاطر شرح روضة الناظر: (1/ 225). (1/391)
صفحة 392
بل وذهب الظاهرية إلى أبعد من هذا، فقالوا بجواز نسخ القرآن بسنة الآحاد (1). كجواز تخصيص القرآن بخبر الآحاد، وقولهم هذا من منطلق أن خبر الآحاد يفيد العلم ويوجب العمل، أي شأنه شأن القرآن والمتواتر في قطعية الثبوت (2).
2. أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وهو قول الإمام الشافعي وقول الإمام أحمد بن حنبل أيضاً. وحجتهم في ذلك؛ أن السنة مبينة للقرآن من النصوص والأحكام، والسنة التي تفيد نسخاً لبعض أحكام القرآن، إنما هو من باب البيان وليس نسخاً ابتداء، وهذا مما يتناسب مع البيان لأن النسخ إبطال، ثم إن التغيير أو النسخ لا يكون إلا من الله تعالى، وذلك بأدلة من الكتاب.
أولاً: قوله تعالى: ژ ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ژ [البقرة106]، فالسنة ليست بخير من القرآن ولا مثله.
ثانياً: قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ژ [النحل101].
ثالثاً: قوله تعالى: ژ? ? ? S ... S S S ? ?? ? ? ? ? ? ??ژ [يونس15]، فالتبديل أو النسخ مرجعه إلى الله تعالى، لا إلى الرسول ح (3).
المسألة عند الإباضية:
__________
(1) الإحكام لابن حزم: (1/ 518).
(2) فقد حكي ابن حزم عن جماعة من الظاهرية هذا الرأي وأيدهم؛ لأن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يوجب العلم والعمل معاً. انظُر: الإحكام: (1/ 115)، وهذا الرأي مخالف لرأي الجمهور الذي يرى أن خبر الواحد يفيد العمل دون القطع به لظنية ثبوته.
(3) الرسالة، ص (108) شرح اللمع: (1/ 501)، التبصرة، ص (264)، المنخول، ص (293)، المستصفى: (1/ 124)، مسلم الثبوت: (2/ 579) الإحكام للآمدي: (3/ 217)، روضة الناظر: (1/ 224)، الفقيه والمتفقه: (1/ 84)، الاعتبار: (106)، رسوخ الأخبار: (136)، النسخ في القرآن، د. مصطفى زيد، ص (203): (838). (1/392)
صفحة 393
ليس للإباضية رأي خاص في هذه المسألة عن بقية المذاهب الأخرى، والمختار عندهم: جواز نسخ القرآن بالسنة، قال ابن بركة: "والنظر يوجب أن القرآن والسنة حكمان لله، ينسخ كل واحد منهما الآخر" (1). ويفهم من عبارته هذه أن السنة جميعها بما فيها سنة الآحاد تصلح لأن تكن ناسخة للقرآن، بينما قيد غيره من علماء الإباضية ذلك بالسنة المتواترة والمشهورة دون الآحاد منها، قال الوارجلاني: ويجوز نسخ القرآن بالسنَّة المتواترة (2) وذلك لقطعية الثبوت في السنة المتواترة، وتلقى الأمة بالقبول في المشهورة أو المستفيضة.
واستدلوا على جواز نسخ القرآن بالسنَّة، بما استدل به الذين قالوا بجواز ذلك، من أن القرآن والسنة كلاهما وحي من عند الله فينسخ ما يشاء بما يشاء، والنبي ح لا ينطق عن الهوى.
الآثار الفقهية المترتبة على هذه المسألة:
بعد أن ذكرت الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، أقول: إن الأثر الفقهي المترتب على هذا الخلاف يكاد يكون منعدماً، وذلك أن الفريقين كليهما قد اتفقوا على نسخ بعض الأحكام من القرآن الكريم مع اختلافهم في الناسخ، فمنهم من جعل الناسخ من القرآن نفسه، ومنهم من جعله من السنة، والمحصلة النهائية واحدة وهي ثبوت نسخ بعض الأحكام من القرآن الكريم. ومن ثم، فيمكن القول بأن الخلاف في هذه المسألة خلاف نظري لا ينبني عليه أثر فقهي حقيقي، والله أعلم.
ومن المسائل التي وقع فيها النسخ:
أولاً: إبطال الوصية للوارث:
__________
(1) جامع ابن بركة: (1/ 44 – 47).
(2) شرح طلعة الشمس: (1/ 292). (1/393)
صفحة 394
فقد أوجب الله تعالى الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ?ژ [البقرة180]، فنسخت الوصية الواجبة للوالدين وللورثة، والناسخ قوله ح: ÷إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث× (1). كما قال بعض أهل العلم. وقال بعضهم: إن الناسخ هو آية المواريث، وعلى كلا القولين فإن الوصية منسوخة.
ثانياً: مسألة جلد الزاني البكر:
فقد كان حد الزانية في أول الإسلام، الحبس إلى أن يأتيها الموت في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? S S ... S S ? ? ?? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ [النساء15 - 16].
فقد كان حد الزنا في أول الإسلام هو الحبس للزانية حتى يتوفاها الموت، والإيذاء للزاني، بكرين كانا أو ثيبين، ثم نسخ هذان الحكمان برجم المحصن وجلد البكر، وهذا مما لا خلاف فيه، سواء أكان الناسخ قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ? ... ?? ? ? S S S S ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ [النور2].
__________
(1) الحديث من رواية أبي أمامه، وعمرو بن خارجة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، أما حديث أبي أمامه وأخرجهُ أبو داود: (3/ 290)، كتاب (الوصايا)، باب (ما جاء في الوصية للوارث)، رقم (2870)، والترمذي: (4/ 376)، كتاب (الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية للوارث)، رقم (2120)، وابن ماجه: (2/ 509)، كتاب (الوصايا)، باب (لا وصية لوارث): (2713). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي، وحديث عمرو بن خارجة أخرجهُ الترمذي: (4/ 377)، كتاب (الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية لوارث)، رقم (121)، والنسائي (6/ 347)، كتاب (الوصايا)، باب (إبطال الوصية للوارث)، رقم (3641، 3642)، وابن ماجه: (2/ 509)، كتاب (الوصايا)، باب لا وصية لوارث، رقم (2712)، والحديث صححه الترمذي. وحديث أنس أخرجهُ ابن ماجه: (2/ 906)، كتاب (الوصايا)، باب (لا وصية لوارث)، رقم (2714). (1/394)
صفحة 395
أو كان الناسخ حديث رسول الله ح (خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة) (1).
وفي ختام هذا الفصل يتضح لنا اتجاهات العلماء والأئمة في خبر الواحد واختلافهم في بعض القضايا المتعلقة بقبوله. والحق أن هذه الاتجاهات إنما تنم على حرص العلماء في الوصول إلى حكم الله تعالى وإصابة الحق.
وبعد عرض الآراء يمكن أن نلخص رأي الإباضية في تلك القضايا السابقة:
- أن خبر الواحد حجة، ويجب العمل به ما لم يكن منسوخاً أو معارضاً بمثله أو أقوى منه.
- أنه يجب العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى.
- يجب العمل بخبر الواحد الذي خالفه راويه بعمله أو بفتواه.
- أن عمل أهل المدينة لا يعارض خبر الآحاد.
- أن الحد يثبت بخبر الواحد.
- أنه يجب العمل خبر الواحد إذا تعارض مع القياس.
- أن خبر الواحد الزائد عن القرآن لا يعتبر نسخاً للقرآن ومن ثم فإنه يجب العمل به.
- أن المرسل يعمل به.
- أن السنة المتواترة والمشهورة يمكن لها أن تنسخ أحكام القرآن الكريم.
} - - {
الفصل الثاني
التعارض بين النصوص الشرعية
ويتضمن هذا الفصل المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف التعارض.
المبحث الثاني: شروط التعارض
المبحث الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض.
المبحث الرابع: ذكر بعض صور التعارض.
المبحث الخامس: التعارض بين العام والخاص.
المبحث السادس: التعارض بين المطلق والمقيد.
المبحث السابع: التعارض بين أفعال الرسول ح.
المبحث الثامن: التعارض بين أقوال الرسول ح وأفعاله.
المبحث التاسع: التعارض بين المنطوق والمفهوم.
الفصل الثاني
التعارض بين النصوص الشرعية
__________
(1) أخرجهُ مسلم: (3/ 1316)، كتاب الحدود، باب: حد الزنا، رقم (1690)، المحصول: (3/ 347)، الرسالة: (247)، الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز: (132)، نواسخ القرآن لابن القيم، ص (108). (1/395)
صفحة 396
عرضنا في الباب الأول لقضايا فقهية مختلفة وبيان أثرها الفقهي مع ذكر سبب الاختلاف في كل قضية، وفي الفصل السابق من هذا الباب الثاني رأينا بعض الشروط التي اشترطها الأئمة في الاحتجاج بخبر الواحد، وقد كان لذلك أثر واضح في الخلافات الفقهية؛ وهذا يدل على أن النصوص الشرعية مرتبط بعضها ببعض وأن الحكم الشرعي لا يؤخذ من نص واحد مستقلا عن بقية النصوص؛ ومن ثم فإنه يجب النظر في مجموع الأدلة التي تعرض للمسألة قبل محاولة استنباط الحكم الشرعي منها.
وقد نص على هذا المعنى كثير من العلماء، ومنهم العلامة ابن خلفون (1) إذ يقول: "اعلم أن الفقه لا يحل دون العلم بأصوله وبنيانه على أساسه ومعرفه أدلته وبراهينه من أحكام الخطاب، والعموم والخصوص، والأوامر والنواهي، والمفسر والمجمل، والنص والمحتمل، والحقيقة والمجاز، وكيفية الإجماع وأحكام الأخبار وطريق الآثار وتميز صحيحها من فاسدها والعلم بما يفهم به كلام العرب من النحو واللغة" (2).
وهذه العلاقة بين النصوص تتمثل في التفسير المجمل وبيانه، وتقييد المطلق، وحمل العام على الخاص، وبيان العلاقة بين المفهوم والمنطوق، والناسخ والمنسوخ إلى غير ذلك من العلاقات بين النصوص الشرعية.
__________
(1) هو أبو يعقوب بن يوسف المزاني- نسبة إلى قبيلة مزاتة البربرية- من علماء القرن السادس الهجري، نشأ وعاش في إحدى القرى المجاوزة بمدينة وارجلان بجنوب الجزائر، كان فقيها أصوليا، عرف بين أقرانه بسعة الاطلاع في مسائل الخلاف وأدلتها، ولم يعثر من تآليفه إلا على رسالتين، منها الرسالة المعرفة بأجوبة ابن خلفون. طبقات المشايخ بالمغرب، للدرجين: (2/ 495)، السير للشماخي: (2/ 106)، ومقدمة أجوبة ابن خلفون، ص (13).
(2) أجوبة ابن خلفون، ص (97). (1/396)
صفحة 397
ومن هذه العلاقة بين النصوص الشرعية ما يعرف في اصطلاح الأصوليين بالتعارض الظاهري بين النصوص، وللأئمة مناهج معلومة في دفع هذا التعارض، وهو ما نعرض له في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
المبحث الأول
تعريف التعارض
التعارض في اللغة والاصطلاح:
التعارض لغة على وزن التفاعل، وهذا الوزن يدل على المشاركة بين اثنين فأكثر، وتأتي مادة عرض في اللغة بمعنى المنع والظهور والبدو وحدث الشيء بعد العدم والمقابلة.
ويقال: عارض فلان، أي جانبه وعدل عنه وسار حِياله، ويقال: اعترض الشيء، بمعنى انتصب ومنع، فصار عارضا كالخشبة المنتصبة في الطريق أو نحوه فتمنع السالكين من سيرهم.
ويقال تعارضت البينتان أي أن كل واحدة منهما تعترض الأخرى وتمنع نفادها، ويقال: عارضت الشيء بالشيء، أي قابلته به (1).
تعريف التعارض عند الأصوليين:
هو تقابل الدليلين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر (2).
وعرفه بعض الأصوليين بالتناقض (3). ولا يقصدون بذلك التناقض المنطقي الذي هو اختلاف قضيتين في الكيف بحيث تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة (4) بمعنى أنهم ينفون ورود أدلة شرعية متناقضة بحيث تقتضي بعضها وجوب الفعل وبعضها حرمته، أو إثبات الشيء ونفيه، أو الإيجاب والسلب في آن واحد، مما يستلزم صدق بعضها وكذب الأخرى.
__________
(1) لسان العرب: (7/ 168)، مادة: (ع ر ض).
(2) شرح الأسنوي: (2/ 207)، وهناك تعريفات بألفاظ متقاربة كالتعادل، أو التساوي، أو التقابل، والتناقض. المحصول: (5/ 379)، أصول السرخسي: (2/ 13)، التقرير والتحبير: (3/ 2)، المستصفى: (2/ 128)، كشف الأسرار: (3/ 76)، أدلة التشريع المتعارضة، ص (22)، أصول الفقه الإسلامي للزحيلي: (2/ 1172)، أصول الفقه، أ. د أمير عبد العزيز: (1/ 721).
(3) المستصفى للغزالي: (2/ 1172)، روضة الناظر لابن قدامة: (2/ 457).
(4) التعريفات للجرجاني، ص (92). (1/397)
صفحة 398
وهذا مما يستحيل وقوعه في الأدلة الشرعية الإسلامية لتمامها وكمالها؛ قال الله تعالى ژ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [المائدة3]. فالمكمل والمتمم لهذه الشريعة هو الله رب العالمين؛ فلا يجوز عقلا وشرعا أن ننسب إليها التناقض والتعارض، لما يلزم منه العجز والجهل بالغيب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فهو الكامل في ذاته الكامل في صفاته (1).
الفرق بين التعارض والتناقض:
1. التعارض الأصولي محله الأدلة الشرعية، وغالبا ما تكون إنشائية أمرا أو نهيا. أما التناقض المنطقي فمحله أي قضية مطلقة، سواء كانت من الأدلة الشرعية أو غيرها، ولا تكون في الإنشاء؛ لأن الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
2. اشترط المنطقيون في التناقض أن يكون التنافي بين المتناقضين لذاتهما، ولم يشترط ذلك الأصوليون في تحقيق التعارض.
3. أن التعارض بين الأدلة الشرعية الذي يعنيه الأصوليون والمحدثون إنما هو التعارض من حيث الظاهر وليس في نفس الأمر، بخلاف التناقض المنطقي فإنه يكون في الواقع وفي نفس الأمر؛ حيث يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، وهذا ما لا يمكن وقوعه في كلام الشارع: ژچ چ چ? ? ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ژ [النساء82] (2)
التعارض لا يقع حقيقة بين أدلة الشريعة:
__________
(1) الموافقات: (4/ 217)، الكوكب المنير: (4/ 614).
(2) البحر المحيط للزركشي: (6/ 111،110)، الإحكام للآمدي: (4/ 265)، تشنيف المسامع: (3/ 476)، التعارض والترجيح للبرزنجي: (1/ 37)، التعارض والترجيح للحفناوي، ص (36)، أدلة التشريع المتعارضة، ص (31). (1/398)
صفحة 399
أكثر أئمة الأصول والحديث على أنه لا تناقض بين الأدلة الشريعة، وإن وجد بين دليلين فهو تعارض ظاهري لا حقيقي، وما يتصور من التعارض بين الأدلة الشرعية فإنما يرجع إلى قصور في نظر المجتهد بحسب الظاهر في بادئ الأمر بسبب جهل الناسخ والمنسوخ منها، أو بسبب خطأ في فهم المراد، أو بسبب خطأ في مقدمات القياس (1)؛ لذا نفوا أن يكون التعارض بمعنى التناقض في حديث رسول الله ح لعصمته ولكونه مبلغا عن رب العزة.
قال الإمام الشافعي: "لا يصح عن النَّبِيّ ح حديثان صحيحان متضادان ينفي أحدهما ما يثبت الآخر من غير وجه الخصوص والعموم والإجمال والتفسير؛ إلا على وجه النسخ وإن لم نجده" (2).
وقال ابن خزيمة: " لا أعرف حديثين رويا عن رسول الله ح بإسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به حتى أؤلف بينهما" (3).
وعليه فقد قرر جمهور المحدثين والأصوليين أنه لا تعارض حقيقة بين الأدلة الشرعية، لاسيما إذا كانت الأدلة قطعية.
قال الشاطبي: تعارض القطعيات محال (4)؛ لأنها غير قابلة للزيادة والنقصان، وأما الأدلة الظنية فما يقع فيها من التعارض فإنما هو من التعارض الظاهري أو الصوري.
__________
(1) أصول السرخسي: (2/ 13)، أدلة التشريع المتعارضة ص (33)، فواتح الرحموت (2/ 189).
(2) البحر المحيط (6/ 114)، إرشاد الفحول (2/ 378).
(3) الكفاية في علم الرواية ص (606)، التقييد والإيضاح، ص (285)، تدريب الراوي: (2/ 196).
(4) الموافقات: (4/ 223)، وقد صرح بهذا أكثر الأصوليين، انظُر: تقريب الوصول، ص (469)، المحصول: (5/ 399)، شرح تنقيح الفصول، ص (420)، الإحكام للآمدي: (4/ 323)، روضة الناظر: (2/ 457)، البحر المحيط: (6/ 113،111)، الإبهاج في شرح المناهج: (3/ 199)، شرح الكوكب المنير: (4/ 657)، وذهب بعضهم إلى إمكان وقوع التعارض بين القطعيين. فواتح الرحموت: (2/ 189)، أصول الفقه للزحيلي: (2/ 1175). (1/399)
صفحة 400
نخلص من هذا إلى أن القول بالتعارض والتناقض بين الأدلة الشرعية إنما يؤدي إلى نسبة ذلك إلى الله ? وهذا يستحيل على ذاته العلية لاتصافه بالكمال والعلم.
وقد نفى الله تعالى الاختلاف في الشريعة بقوله: ژچ چ چ? ? ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ژ [النساء82]. وكذلك يؤدي إلى نسبة التناقض إلى رسول الله ح إلى وصفة الله تعالى بقوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ [النجم 4 - 3].
وأيضا فإن وجود التعارض حقيقة يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق، فإن الأمر بفعل الشيء والنهي عنه يستحيل أن يقوم به الإنسان، فكيف يأمر الشارع الحكيم بهذا وقد قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة286]. وقال: ژ? ? ? ? ? ? ژ ژ ... s s ک ک کژ [المائدة6] (1).
} - - {
المبحث الثاني
شروط التعارض
هناك شروط بينها أهل العلم لإثبات أن ثمة تعارضا بين دليلين أو حجتين، وذلك لأن كل تقابل بين دليلين لا يسمى تعارضا وإنما يسمى تعارضا إذا اجتمع فيه أربعة شروط، وهي:
الأول: أن يكون الدليلان متضادان، بمعنى أن أحدهما يثبت شيئا ينفيه الآخر، أو يحل أحدهما شيئا ويحرمه الثاني بحيث لا يمكن الجمع بينهما. قال الإمام الشافعي ولا ينسب الحديث إلى الاختلاف ما كان لهما وجهان يمضيان معا، إنما المختلف ما لم يمض إلا بسقوط غيره مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد هذا يحلل وهذا يحرم (2). أما إذا لم يكن كذلك فهما متفقان وليسا متعارضين، بل يكون كل منهما مؤيدا للآخر (3).
الثاني: التساوي بين الدليلين المتعارضين:
__________
(1) أصول البزدوي مع كشف الأسرار: (3/ 76)، أدلة التشريع المتعارضة، ص (31)، التعارض والترجيح: (1/ 46).
(2) الرسالة، ص (32).
(3) كشف الأسرار: (3/ 777)، وانظُر البحر المحيط للزركشي: (6/ 109)، أصول السرخسي: (2/ 12)، الأحكام الآمدي: (/320)، التلويح والتوضيح: (2/ 102)، التعرض والترجيح بين الأدلة الشرعية: (1/ 156)، التوفيق والترجيح، ص (64). (1/400)
صفحة 401
أ. أن يتساوى الدليلان من حيث الثبوت، كأن يكون المتعارضان قطعيين كالمتواترين أو ظنيين كخبر الآحاد ولها فلا تعارض بين قطعي وظني، قال عبد العزيز البخاري، وإنما قُيد بتساوي الحجتين ليتحقق التقابل والتدافع؛ إذ لا مقابلة بين الضعيف والقوي، بل يترجح القوي، فالمشهور لا يقابل المتواتر، والخبر الواحد لا يعارض المشهور، وكذا قاله إمام الحرمين وغيره.
ب. التساوي في الدلالة كأن يكون المتعارضان كل منهما قطعي الدلالة أو ظني الدلالة فعلى هذا لا تعارض بين النص والظاهر ولا بين الخاص والعام ولا بين المطلق والمقيد وهذا يدخل في باب البيان وإن كان ظاهره التعارض (1).
الثالث: أن يكون الدليلان في محل واحد، وذلك حتى يتصور إمكان التعارض، ومن ثم فإن الدليلين لو كان كل منهما في جهة لم يتصور التعارض أصلا.
__________
(1) شرط التساوي في التعارض بين الأدلة ذكره الأصولييون والمحدثون، ولكن يلاحظ في الأمثلة التطبيقية عند مسائل الخلاف في التعارض بين الأدلة والترجيح بينها، أنهم لا يفرقون بين كون الدليلين ظنيين، أو قطعيين، أو مختلفين في الدلالة والثبوت، وقد عارضوا أيضا بين الآحاد بالمتواتر، والضعيف بالصحيح، وكأن شرط التساوي منعدم في بادئ الأمر. وهذا ليس نقضا للقاعدة كما يُتصور وإنما يُذكر ذلك للتوفيق بينهما. أو حمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، أو الترجيح بينهما والله أعلم. انظُر: التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية: (2/ 158)، منهج التوفيق والترجيح، ص (66). ومثال ذلك: عارضوا بين قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام121، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر". الحديث أخرجهُ الدارقطني في سننه: (4/ 295)، وأبو داود في المراسيل، ص (278) الحديث مع كونه أحاديا فيه مقال أيضا كما في التعليق المغني على الدارقطني: (4/ 95 - 96). (1/401)
صفحة 402
وذلك كحل الزوجة لزوجها وحرمة ابنتها أو أمها عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ژ [البقرة223]، وقوله تعالى: ژ? ? ? ... ? ? ژ ژ s s ک ک ... ک ... ک گ گ گ گ ژ [النساء23].وليس بين الآيتين تعارض لاختلاف الجهة (1).
الرابع: أن يكون موجب الدليلين في وقت واحد، فلو كان في وقتين مختلفين، لم يتصور التعارض بينهما. وذلك كقول الله تعالى: ژ? ? ?ژ [البقرة223]، وبين قوله: ژہ ہ ہ ھژ [البقرة222]. إذ للإتيان وقتان مختلفان، فالإتيان في حال الطهر، والاعتزال في وقت الحيض.
المبحث الثالث
مسلك العلماء في دفع التعارض
سبق أن بينَّا أنَّ التعارض الواقع بين الأدلة الشرعية إنما هو من حيث الظاهر فقط وأنه لا يوجد اختلاف حقيقي في نفس الأمر. وقد سلك العلماء للتوفيق بين تلك الأدلة المتعارضة مسالك شتى، وأشهر هذه المسالك مسلكان:
الأول: وهو مسلك الجمهور (2):
فقد ذهب الجمهور وبعض الحنفية، إلى التوفيق بين الأدلة التي ظاهرها التعارض وفقا للترتيب الآتي:
أولا: الجمع بين الدليلين أو الأدلة:
بحيث يحمل أحدهما على وجه يتفق به مع الدليل الآخر، كحمل العام على الخاص أو حمل المطلق على المقيد وغير ذلك من ووجوه الجمع (3)؛ وذلك لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
__________
(1) أصول السرخسي: (2/ 12).
(2) شرح اللمع: (2/ 657)، المستصفى: (2/ 395)، شرح تنقيح الفصول، ص (421)، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص (464)، شرح الكوكب المنير: (4/ 609)، الإبهاج في شرح المنهاج: (3/ 255)، روضة الناظر: (2/ 257)، كشف الأسرار للبخاري: (4/ 77).
(3) ووجوه الجمع عديدة، فتارة يكون بالتنويع، وتارة بالتخصيص، وتارة باختلاف الحال، وتارة باختلاف الحكم، وتارة بالتقييد. انظُر: أدلة التشريع المتعارضة، ص (162)، مختلف الحديث وموقف النقاد، ص (144 - 168). (1/402)
صفحة 403
ونقل البغدادي عن الإمام الشافعي قوله: كلما احتمل حديثان أن يستعملا ولم يعطل واحد منهما الآخر (1).
وقال الشيرازي: إذا تعارض خبران ينظر فيهما، فإن أمكن الجمع بينهما أو ترتب أحدهما على الآخر وجب الجمع واستعمال الخبرين (2).
ثانيا: الترجيح بين الدليلين. فإذا تعذر الجمع بينهما ولو بنحو بعيد، فيصير إلى الترجيح بين الدليلين بوجه من وجوه الترجيح، سواء كان من ناحية الدلالة أو ناحية الثبوت أو ناحية أخرى من نواحي الترجيح المعتبرة.
ثالثاً: النسخ. وذلك يكون عند تعذر الجمع والترجيح، بشرط أن يعلم أسبقية أحدهما وتأخر الثاني فيعمل بالمتأخر.
أدلة الجمهور على هذا المسلك:
استدل الجمهور على هذا الترتيب بالآتي:
أولا: أن الله تعالى أنزل هذه الأدلة الشرعية من أجل استنباط الأحكام منها لا من أجل إهمالها أو ترك إحداهما، ومن ثم فإن الجمع بين الأدلة أولى من إهمال بعضهما وتركه.
ثانيا: أن الدليلين المتعارضين إذا أمكن الجمع بينهما، فقد وجب ألا يطرح أحدهما أو يهمل.
ثالثا: أن الجمع والتوفيق بين الأدلة المتعارضة أفضل طريقة لتنزيهها عن توهم النقص فيها.
ومن الأمثلة التي يمكن الجمع فيها بين الدليلين ما ورد من النهي عن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة وما ورد من استقبال النَّبِيّ ح لها فيما رواه البخاري أن النَّبِيّ ح قال: ÷لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول× (3).
وروي أبو داود في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: "ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ح يقضي حاجته مستدبرا القبلة مستقبلا الشام" (4).
__________
(1) الفقيه والمتفقه، ص (222).
(2) شرح اللمع: (2/ 657)، انظُر: شرح تنقيح الفصول، ص (421).
(3) أخرجهُ البخاري: (1/ 295)، كتاب (الوضوء)، باب (استقبال القبلة بغائط أو بول): (148).
(4) أخرجهُ أبو داود: (1/ 21)، كتاب (الطهارة)، باب (الرخصة في ذلك)، رقم (13). (1/403)
صفحة 404
واضح أن بين الحديثين تعارضا من حيث الظاهر، وقد أمكن الجمع بينهما بأن يُحمل حديث النهي في غير الأبنية، لأنه لا يشق فيه تجنب الاستقبال والاستدبار وذلك بخلاف البيان، فيجوز فيه الاستقبال والاستدبار (1).
ومن الأمثلة التي يقدم الترجيح عند إمكان الجمع: حديث ابن عباس: ÷أن النبيح تزوج ميمونة وهو محرم× (2). وحديث ميمونة رضي الله عنها أن رسول الله ح تزوجها وهو حلال (3).
وقد ترجح العمل براوية ميمونة رضي الله عنها بعدة مرجحات:
أولا: أن ميمونة نفسها هي صاحبة القصة، ومن ثم وجب قبول قولها؛ إذ هي أعرف بما حدث من ابن عباس - رضي الله عنه -.
ثانيا: أن رواية "تزوجها وهو حلال" من رواية أبي رافع، وكان أبو رافع في ذلك الوقت رجلاً بالغاً بخلاف ابن عباس - رضي الله عنه - فقد كان في ذلك الوقت غلاما لم يبلغ الحلم.
ثالثاً: أن أبا رافع كان هو الرسول بين النَّبِيّ ح وبين ميمونة؛ في أمر الزواج.
رابعاً: أن ابن عباس - رضي الله عنه - لم يكن في تلك العمرة مع رسول الله ح؛ فإنها كانت عمرة القضاء،
ولم يشاهد ابن عباس - رضي الله عنه - تلك القصة وإنما سمع بها من أن يحضرها (4).
__________
(1) فتح الباري: (1/ 296)، نيل الأوطار (1/ 111).
(2) أخرجهُ البخاري: (4/ 2)، كتاب (جزاء الصيد)، باب (تزوج المحرم)، رقم (1837).
(3) أخرجهُ مسلم: (2/ 1032)، كتاب (النكاح)، باب (تحريم نكاح المحرم)، رقم (1/ 411).
(4) الناسخ والمنسوخ لابن شاهين: (392،389)، سبل السلام (2/ 192). (1/404)
صفحة 405
ومن المسائل التي لم يمكن فيها الجمع ولا الترجيح وإنما أمكن النسخ: مسألة: عدة المتوفى عنها زوجها، وذلك في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ [البقرة240]. وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? SS S S ? ?ژ [البقرة234]. فقد نسخت هذه الآية الأخيرة عدة المتوفى عنها من سنة إلى أربعة أشهر وعشر (1).
ومن أمثلة النسخ نكاح المتعة. فعن سلمة بن الأكوع قال خرج علينا منادي رسول الله ح ينادي فقال: إن رسول الله ح قد أذن لكم أن تتمتعوا. يعني متعة النساء (2).
ثم نسخ نكاح المتعة بأحاديث كثيرة منها حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ ح نهى عن متعة النساء وعن اللحوم لحوم الحمر الأهلية (3). قال الحازمي: إن النَّبِيّ ح أباحه لهم وهم في بيوتهم ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه وذلك في حجة الوادع وكان تحريم تأبيد لا تأقيت، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئا ذهب إليه الشيعة (4).
ثانيا: مسلك الحنفية في دفع التعارض:
ذهب جمهور الحنفية في دفع التعارض إلى طريقة أخرى وهي على الآتي (5):
__________
(1) أحكام القرآن لابن العربي: (1/ 278)، أحكام القرآن للقرطبي: (3/ 226)، تفسير القرآن لابن كثير: (1/ 280).
(2) أخرجهُ مسلم: (2/ 1022)، كتاب (النكاح)، باب (متعة النكاح)، رقم (1405).
(3) أخرجهُ البخاري: (9/ 71)، كتاب (النكاح)، باب (نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح المتعة أخيرا)، رقم (5/ 115)، ومسلم: (2/ 1067)، كتاب (النكاح)، باب (نكاح المتعة)، رقم (1407).
(4) الاعتبار: (4/ 27).
(5) فواتح الرحموت: (2/ 189)، التقرير والتحبير: (3/ 4)، شرح التلويح على التوضيح: (2/ 103)، أصول السرخسي: (2/ 13)، الأدلة المتعارضة في التشريع، ص (36). (1/405)
صفحة 406
أولاً: القول بنسخ أحد الدليلين متى علم وقت كل منهما وتساويا في القوة، فالمتأخر ناسخ للمتقدم ويجب العمل بالناسخ.
ثانيا: الترجيح بين الدليلين إن كان لأحد الدليلين مزية على الآخر، سواء كانت تلك المزية من قبيل الوصف، كأن أحد الدليلين متواترا والآخر من أحاديث الآحاد، أو يكون راوي أحد الدليلين فقيها أو معروفاً بالفقه والاجتهاد، وراوي الثاني ليس كذلك.
ثالثاً: أن يجمع بين الدليلين بوجه من وجوه الجمع إذا لم يمكن معرفة التاريخ أو الترجيح.
رابعاً: وإذا لم يمكن ما تقدم، فأنه يترك العمل بالدليلين المتعارضين ويُعْدل إلى ما دونهما في الاستدلال.
قال ابن الهمام في ذلك:" وحكمه النسخ إذا علم المتأخر وإلا فالترجيح ثم الجمع وإلا ترك إلى ما دونهما على الترتيب" (1)، وفي فواتح الرحموت: "وحكمة النسخ إن علم المتقدم والمتأخر ويكونان قابلين له وهذا ظاهر جداً وإلا فالترجيح إن أمكن لأن ترك الراجح خلاف المعقول وإلا الجمع إن أمكن بقدر الضرورة، وإن لم يمكن الجمع تساقطا، لان العمل بأحدهما على التعين ترجيح من غير مرجح" (2).
وإذا تعارضت آيتان ولم يكن الجمع أو الترجيح أو الجمع بينهما، فإنه يصار إلى السنة.
ومن أمثلة في ذلك عندهم قوله تعالى: ژ? ? ? ? ?ژ [المزمل20] وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ژ [الأعراف204]، فعندهم أن الآية الأولى بعمومها توجب القراءة على المقتدي، والثانية بخصوصها تنفى هذا الإيجاب، ومن ثم وجب المصير إلى السنة حيث قوله ح: ÷من كان له إمام فقراءه× (3)؛
__________
(1) التقرير والتحبير: (3/ 4).
(2) فواتح الرحموت: (2/ 189).
(3) الحديث أخرجهُ ابن ماجه: (1/ 277)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) من حديث جابر، رقم (850) والحديث فيه ضعف، وله شواهد وطرق أخرى قد تقويه، انظُر شرح معاني الآثار: (1/ 217)، والسنن الكبرى: (2/ 159)، والسنن الدارقطني: (1/ 326)، نصب الراية: (2/ 9). (1/406)
صفحة 407
ومن ثم قال الحنفية بعدم وجوب قراءة الفاتحة للمأموم بعد الإمام (1).
وإذا تعارضت سنتان ولم يمكن الجمع أو الترجيح بينهما فإنه يصار إلى ما دونه. ومثاله: ما رواه النعمان بن بشير الأنصاري أن النَّبِيّ ح صلى صلاة الكسوف ركعتين، كل ركعة بركوع وسجدتين (2). وما روته عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ ح صلى صلاة الكسوف ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات (3)
فرأى الحنفية أن الحديثين متعارضان لاختلاف الروايات في عدد الركعات في كل ركعة كما أخرجها أبو داود. قال ابن عبد البر فيها: " قيل: عشرة ركعات، وثماني ركعات، وستة ركعات، وأربعة ركعات" (4). فاعتبروهما كأن لم يكونا ورجعوا إلى القياس في صلاة الاستسقاء كما في سائر الصلوات (5).
__________
(1) شرح معاني الآثار: (1/ 218)، رؤوس المسائل، ص (153)، الهداية: (1/ 59)، بدائع الصنائع: (1/ 66)، انظُر: شرح معاني الآثار: (215 - 220).
(2) أخرجهُ أبو داود: (1/ 704)، كتاب (الصلاة)، باب (من قال يركع ركعتين)، رقم (1193)، والنسائي: (3/ 141)، كتاب (الصلاة)، باب (نوع الآخر)، رقم (1/ 485)، وابن ماجه، ص (1401)، كتاب (إقامة الصلاة)، باب (ما جاء في صلاة الكسوف)، رقم (1262).
(3) أخرجهُ البخاري: (2/ 651)، كتاب (الكسوف)، باب (الصدقة في الكسوف)، رقم (1044)، ومسلم: (2/ 611)، كتاب (الكسوف)، باب (صلاة الكسوف)، رقم (901).
(4) سنن أبي داود: (1/ 705 - 695)، والاستذكار: (7/ 99).
(5) بدائع الصنائع للكاساني: (1/ 416)، الهداية شرح بداية المبتدي: (1/ 94)، شرح التلويح على التوضيح: (2/ 218). (1/407)
صفحة 408
ومن أمثلة تقديم النسخ على غيره، مسألة تثنية الإقامة وإفرادها، استدل الحنفية (1) على تثنية الإقامة بحديث أبي محذورة - رضي الله عنه - أن النَّبِيّ علمه الأذان والإقامة وفيه تثنية الإقامة (2) وكان ذلك عام حنين (3) فهو متأخر عن حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة: على أن ذلك كان في بادئ الأمر قال الحازمي: وهذا ظاهر في النسخ؛ لأن بلالا - رضي الله عنه - أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان على ما دل عليه حديث أنس - رضي الله عنه - (4). ولم يُسلِّم الجمهور بدعوى النسخ وقالوا: إن حديث بلال - رضي الله عنه - محكم غير منسوخ (5).
المبحث الرابع
أثر الاختلاف في ترتيب مسالك دفع التعارض
ترتب على الخلاف في ترتيب مسالك دفع التعارض شيء من الاختلاف في كثير من المسائل الفرعية.
ومن أمثلة ذلك:
مسألة: حكم الزكاة فيما دون خمسة أوسق: فعندنا في هذه المسألة حديثان:
__________
(1) المبسوط للسرخسي: (1/ 129)، رؤوس المسائل للزمخشري: (137)، بدائع الصنائع للكاساني: (1/ 222).
(2) الحديث أخرجهُ أبو داود: (1/ 342)، كتاب (الصلاة)، باب (بدء الآذان)، رقم (502)، وابن ماجه: (1/ 235)، كتاب (الآذان)، باب (الترجيع في الأذان)، رقم (709).
(3) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ص (197)، رسوخ الأخبار، ص (236)، عمدة القاري: (5/ 104).
(4) أخرجهُ البخاري: (2/ 92)، كتاب (الأذان)، باب (بدء الأذان)، رقم (603)، ومسلم: (1/ 286)، كتاب (الصلاة)، باب (الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة)، رقم (378).
(5) الاعتبار للحازمي، ص (200)، رسوخ الأخبار، ص (237)، الناسخ والمنسوخ لابن شاهين، ص (198)، معالم السنن: (1/ 39)، شرح صحيح مسلم: (3/ 321). (1/408)
صفحة 409
الأول: ما رواه البخاري في صحيحة بإسناده عن سالم بن عبد الله عن أبيه - رضي الله عنه - عن النبيح قال: ÷فيما سقت السماء والعيون أو كان عشريا العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر (1) ".
والثاني: ما رواه البخاري أيضا في صحيحة بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله ح: ÷ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة× (2).
بناء على اختلافهم في مسلك دفع التعارض. إذ ذهب الجمهور إلى حمل العام إلى الخاص، فرأوا أن الزكاة لا تجب فيما سقته السماء إلا إذا بلغ خمسة أوسق فصاعدا (3).
وذهب الحنفية إلى ترجيح حديث سالم، ومن ثم فإن الزكاة تجب فيما سقته السماء قل أو كثر؛ وذلك لأن حديث سالم مشهور عن حديث أبي سعيد فإنه من أخبار الآحاد (4).
ولم أجد في كتب الإباضية مسلكا معينا في دفع التعارض بين الأدلة إلا ما ذكره السالمي في تقديم النسخ ثم الجمع ثم الترجيح قال: إن ورد دليلان وتوهمت تعارضهما فاحملها على أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ لئلا يلزم التناقص في كلام الله أو كلام رسول الله ح.
فإن علم المتقدم منهما حكم بأنه منسوخ وعمل بالثاني لأنه الناسخ، وإن جهل المتقدم منهما التمس الجمع بينهما إن أمكن.
فإن تعذر الجمع بينهما التمس ترجيح أحدهما على الآخر (5).
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (3/ 407)، كتاب (الزكاة)، باب (العشر مما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري)، رقم (183)، ومسلم: (2/ 675)، كتاب (الزكاة)، باب (ما فيه العشر) رقم (9081).
(2) أخرجهُ البخاري: (3/ 319)، كتاب (الزكاة)، باب (ما أدى زكاته فليس بكنز)، رقم (1405)، ومسلم: (2/ 673)، كتاب (الزكاة)، رقم (979).
(3) والحديث أخرجهُ البخاري: (3/ 363)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة الورق)، رقم (1447).
(4) المبسوط: (3/ 3)، بدائع الصنائع: (2/ 89).
(5) شرح طلعت الشمس: (2/ 195). (1/409)
صفحة 410
هذا ما نص عليه السالمي ولعله رأى خاص به والذي يظهر لي- والله أعلم - أن مسلكهم في دفع التعارض هو مسلك الجمهور حيث يبدؤون بالجمع بين الأدلة أولا، ثم الترجيح ثم النسخ ويظهر ذلك جليا في حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد دون اشتراط علم المتقدم والمتأخر منهما، كمذهب الجمهور، كما يتضح ذلك في المسائل التطبيقية الآتية عند دراسة المطلق والمقيد والعام والخاص.
ومثال تقديم الجمع على النسخ مسألة عدة الحامل المتوفى زوجها في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234].وقوله: ژ? ? ? ? ? ?ژ [الطلاق4].
فقالوا (1) إن المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين جمعا بين الدليلين ولم يقولوا بالنسخ كما ذهب الجمهور (2). والله أعلم.
المبحث الخامس
التعارض بين العام والخاص
العام هو شمول أمر لمتعدد، سواء كان الأمر لفظاً أو غيره، و منه قولهم: عمَّهم الخير، إذا شملهم وأحاط بهم.
وفي الاصطلاح: هو اللفظ الذي يستغرق جميع ما يصلح له من الأفراد. وعرَّفه الرازي في كتابه المحصول بأنه هو "اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد" (3)
تعريف الخاص: هو اللفظ الدال على مسمى واحد.
والتخصيص: هو قصر العام على بعض أفراده، أو هو صرف العام عن عمومه وإرادة بعض ما ينطوي تحته من أفراد بالحكم (4).
وفي التعارض بين العام والخاص مسألتان جديرتان بالدراسة؛ قد انبنى عليهما كثير من الخلاف الفقهي بين أهل العلم، وهاتان المسألتان هما:
المسألة الأولى: تعارض العام مع الخاص.
__________
(1) جامع ابن بركة: (2/ 153)، شرح طلعة الشمس: (1/ 110)، الفصول ص (196). وانظُر تفصيل القول في مسألة عدة الحامل المتوفى عنها زوجها.
(2) تفسير ابن كثير: (1/ 280)، أحكام القرآن لابن العربي: (279).
(3) أصول السرخسي: (1/ 125)، إرشاد الفحول: (1/ 415).
(4) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (2/ 288)، إرشاد الفحول: (1/ 508)، أصول الفقه الإسلامي، د. وهبه الزحيلي: (1/ 254). (1/410)
صفحة 411
المسألة الثانية: وهي أخص من المسألة الأولى، وهي تعارض عام القرآن مع خاص السنة إذا كان من أخبار الآحاد (1).
المسألة الأولى: في تعارض العام مع الخاص للعلماء طريقان:
الأول: وهو مذهب الجمهور أنهم يحملون العام على الخاص مطلقا؛ لأن دلالة الخاص قطيعة ودلالة العام ظنية، سواء كان الخاص متقدما على العام، أم متأخرا عنه، أم جهل التاريخ، وسواء كانا مقترنين أم غير مقترنين، وكذلك لا فرق عندهم أن يكون العام والخاص كلاهما من الكتاب أو السنة أو أحدهما من الكتاب والآخر من السنة.
واستدلوا بالأدلة الآتية:
1. أن الخاص أقل احتمالا فيما يتناوله العام وأشد تصريحا من العام.
2. أن إجراء العام على عمومه إلغاء للخاص، واعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما فكان ذلك أولى (2).
ومن الأمثلة على هذا، قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234]. فهذه الآية توجب على المرأة التي توفي عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، سواء كانت حاملا أم غير حامل، وهذا مقتضي عموم كلمة: "أزواجا" من الآية السابقة، وقوله: ژ? ? ? ? ? ?ژ [الطلاق4].
فهذه الآية توجب على الزوجة الحامل أن تعتد حين طلاقها أو وفاة زوجها عنها بوضع الحمل، وبالنظر إلي الآيتين، فقد خصص العلماء الآية الأولى بالزوجة التي مات عنها زوجها ولم تكن حاملا، فهذه عدتها أربعة أشهر وعشر، وإذا كانت حاملا كانت عدتها بوضع الحمل عملا بالآية الثانية من سورة الطلاق.
ومن الأمثلة تعارض الحديث مع الآية، قوله تعالى: ژ ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ [النساء24].
__________
(1) سبقت الإشارة إلى هذا في مبحث خبر الواحد.
(2) شرح اللمع: (1/ 363،367)، المحصول: (3/ 104)، إحكام الفصول للباجي، ص (255)، التبصرة، ص (153)، المسودة، ص (134)، روضة الناظر: (2/ 164)، شرح الكوكب المنير: (3/ 382)، الإبهاج شرح المنهاج: (2/ 169)، المعتمد: (1/ 256). (1/411)
صفحة 412
فهذه الآية بعمومها تقتضي حِّل الجمع بين المرأة وعمتها، أوبين المرأة وخالتها، ولكن ثبت عن النَّبِيّ ح قال: ÷لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها× (1).
مذهب الحنفية في تعارض العام مع الخاص:
ولهم في ذلك تفصيل، فإن اقترن الخاص والعام خُصِّص العام، وأما إذا تراخيا وعُلم التاريخ فإن المتأخر ينسخ المتقدم، فالعالم المتأخر ينسخ الخاص المتقدم ويَثبت الحكم لجميع أفراد العام، والخاص المتأخر ينسخ العام المتقدم. وإن لم يعلم التاريخ بينهما يتوقف حتى يرجح أحدهما بدليل آخر. واستدلوا بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث؛ فإذا كان العام متأخرا وجب الأخذ به.
والأصل عندهم مبنى على أن التخصيص لابد فيه من اقتران الخاص بالعام زمانا، وعلى أن العام والخاص كلاهما قطعي وان كلا منهما بيِّنٌ بنفسه لا يحتاج إلى بيان يستمد من الآخر (2).
فقد تركوا العمل بحديث: ÷ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة×. فلم يجعلوا للزروع نصابا معينا وقالوا: إن الزكاة واجبة فيما تخرج الأرض، قليله وكثيره، ولم يعتبروا هذا الحديث مخصصا لعموم قوله ح: ÷فيما سقت السماء والعيون أو كان عشريا العشر وما سقى بالنضح نصف العشر× (3).
المسألة عند الإباضية:
__________
(1) الحديث أخرجه مسلم: (2/ 1028)، كتاب (النكاح)، باب (تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح)، رقم (1408).
(2) بذل النظر، ص (231)، المحرر في أصول الفقه: (1/ 98)، التقرير والتحبير: (1/ 302)، شرح التلويح على التوضيح: (1/ 73)، كشف الأسرار: (1/ 291)، إرشاد الفحول: (1/ 581)، أصول الفقه لأبي زهرة: (154)، أصول الفقه للزحيلي: (1/ 253).
(3) المبسوط: (3/ 3)، الهداية مع فتح القدير: (2/ 3). (1/412)
صفحة 413
إذا تعارض العام والخاص، فإنهم يقدمون الخاص على العام كقول الجمهور في ذلك. قال الوارجلاني: وقولنا إن الخاص متقدم على العام كقول رسول الله ح: ÷في الرقة ربع العشر× ثم قال: ÷ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة×. فقضينا بالخاص على العام وبطل من قال بتعارضهما" (1).
وقال السالمي: إذا تعارض الخصوص والعموم حكمنا بأن الخصوص قاض على العموم، سواء قارنا الخصوص العموم، أو كان سابقا عليه أو متأخرا عنه، كان سبقه عليه وتأخره عنه بزمان واحد أو بأزمنة كثيرة، فأما إذا قارن الخصوص العام فهو قاض عليه اتفاقا. (2)
تخصيص الكتاب بخبر الواحد:
التخصيص: هو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ من الحكم بما يدل على ذلك قبل العمل به (3).
إذا تعارض خاص خبر الآحاد مع عام القرآن فقد اتفق أهل العلم على أن المتواتر (4) والمشهور (5) من الحديث يجوز تخصيص عام القرآن به، واختلفوا في تخصيص المتواتر من القرآن أو السنة بخبر الآحاد، وذلك على قولين:
__________
(1) العدل والإنصاف: (1/ 128).
(2) شرح طلعة الشمس: (1/ 106)، وانظُر الضياء: (2/ 255)، منهج الطالبين: (1/ 77).
(3) المحصول: (3/ 7)، المعتمد: (1/ 234)، شرح اللمع: (1/ 341)، شرح الكوكب المنير: (3/ 306).
(4) المتواتر هو: ما رواه جمع عن جمع يستحيل العادة تواطؤهم على الكذب. وهو يوجب العلم الضروري. انظُر: التقييد والإيضاح، ص (265)، تدريب الراوي: (2/ 176).
(5) المشهور عند المحدثين هو ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما لم يصل إلى حد التواتر. انظُر: التقييد والإيضاح، ص (369)، تدريب الراوي: (2/ 173).وعند الحنفية أن المشهور من الحديث هو ما كان خبر آحاد في عصر الصحابة ثم اشتهر في عهد التابعين. كشف الأسرار (2/ 270)، التوضيح والتلويح: (2/ 3). (1/413)
صفحة 414
القول الأول: وهو مذهب الجمهور (1)، أنهم يحملون العام على الخاص وإن كان من أخبار الآحاد. واستدلوا بأدلة عقلية ونقلية:
أولا: الدليل النقلي:
إجماع الصحابة على تخصيص عام القرآن بخبر واحد، فقد أجمعوا على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وفي ذلك نصوص كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 - قوله تعالى: ژ گ گ گ ?? ? ? ? ?ژ [النساء11]. فلفظ الذكر في الآية عام في الميراث بين المسلمين، فخصت السنة بعض أفراد العام ومن ذلك قوله ح: ÷لا يرث القاتل× (2)، وقوله ح: ÷لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر× (3).
2 - قوله تعالى: ژ s s ک ک ک ژ [البقرة173]. والميتة والدم لفظان عامان فيقتضي لفظهما حرمة كل ميتة وكل دم، فخُصَّ منهما ميتتان ودمان بقوله ح: ÷أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال (4).
3 - وقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ [النساء24]. فخُصَّ منه العمة والخالة بقوله ح: ÷لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها×.
ثانيا: الدليل العقلي:
__________
(1) شرح اللمع: (1/ 351)، التبصرة، ص (133)، المحصول: (3/ 85)، إحكام الفصول للباجي، ص (26)، شرح الفصول، ص (208)، المسصفى: (2/ 114)، الإحكام لللآمدي: (2/ 472)، المسودة، ص (119)، شرح الكوكب المنير: (3/ 362)، روضة الناظر: (2/ 162).
(2) أخرجهُ أبو داود: (4/ 694)، كتاب (الديات)، باب (دية الأعضاء)، رقم (4564)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو حديث حسن.
(3) أخرجهُ البخاري: (12/ 50)، كتاب (الفرائض)، باب (لا ترث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)، رقم (6764)، ومسلم: (3/ 1233)، كتاب (الفرائض)، حديث (1614).
(4) أخرجهُ ابن ماجه: (2/ 1073)، كتاب (الصيد)، باب (صيد الحيتان والجراد)، رقم (1218). (1/414)
صفحة 415
أنه إذا عارض خبر الواحد عام القرآن، فيبنى العام على الخاص؛ لأن العام قطعي المتن ظني الدلالة، وأما الخاص فهو قطعي الدلالة ظني الثبوت؛ ولا يلزم من تخصيص عام القرآن بخبر الواحد أن يكون تركا للقطعي بالظني، بل هو ترك الظني بظني مثله، فكان لكل واحد منهما قوة من وجه، وفي منع التخصيص إلغاء لأحد الدليلين بالكلية وهو الخاص، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما (1).
القول الثاني:
وهو مذهب الحنفية، أنهم لا يحملون العام على الخاص؛ لأن دلالة العام قطعية، وهو قطعي الثبوت، وخبر الآحاد وإن كان قطعي الدلالة فهو ظني الثبوت، ومن ثم فلا يجوز تخصيص القطعي بالظني، ومن ثم يعملون بموجب العام.
جاء في كشف الأسرار: "العام من الكتاب والسنة المتواترة لا يحتمل الخصوص أي لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس، لأنهما ظنيان، فلا يجوز تخصيص القطعي بها؛ لأن التخصيص بطريق المعارضة، والظني لا يعارض القطع" (2)؛ لأن ذلك من باب الزيادة على النص القطعي، وهو يعتبر نسخا عندهم.
وهذا الأمر ليس على إطلاقه بل "إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق، جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يكن دخله التخصيص لم يجز تخصيصه بخبر الواحد" كما نص على ذلك الزحيلي.
المسألة عند الإباضية:
هو ما ذهب إليه الجمهور فقالوا بتخصيص عام القرآن بخبر الواحد وقد نص علي ذلك الوارجلاني (3). وقال السالمي: إن العام وإن كان قطعي المتن يصح تخصيصه بالدليل الظني من خبر آحادي (4)، ثم استدل بالأدلة التي استدل بها الجمهور.
__________
(1) المستصفى: (2/ 117)، روضة الناظر: (2/ 165)، أصول الفقه لأبي زهرة: (147).
(2) بذل النظر، ص (226)، المحرر في أصول الفقه: (1/ 99)، أصول السرخسي: (1/ 129)، فواتح الرحموت: (1/ 349): (2/ 48)، أصول الفقه للزحيلي: (1/ 260).
(3) العدل والإنصاف: (1/ 127)، الفصول: (185).
(4) شرح طلعة الشمس: (1/ 155،107). (1/415)
صفحة 416
انبنى على هذه المسألة، الخلاف في كثير من الفروع الفقهية بين فقهاء الرأي وفقهاء أهل الحديث، يقول الشيخ أبو زهرة عن هذه المسالة: وهذا محل الخلاف يبن فقهاء الراي وفقهاء السنة، ففقهاء الرأي يطلقون عمومات القرآن في عمومها، لا يخصها حديث الآحاد. وفقهاء السنة يجعلون الحديث ولو كان حديث آحاد مبينا للكتاب، يخصص عمومه، ويقيد مطلقة ويفصل مجمله، ويوضح مبهمة، فلا يهملون أحاديث الآحاد بجوار النص القرآني (1).
ومن المسائل التي انبنت على هذا الخلاف، مسألة إذا ترك المسلم التسمية عمدا على الذبيحة، فهل تحل أو لا؟.
يقول تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ [الأنعام121]. فالآية دلت على تحريم الأكل من كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، وسواء - في ذلك - أكان الذابح مسلما أم غير مسلم، وهذا هو قول الحنفية. وأما الشافعية فرأوا أن ترك التسمية من المسلم - ولو عمداً - لا يحرم ذبيحته، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري وغيره عن عائشة - رضي الله عنه - أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال ح: ÷سَمُّوا عليه أنتم وكُلُوا× (2).
ووجه الاستدلال في هذا ما قاله الخطابي (رحمه الله): "فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة؛ لأنها لو كانت شرطا لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما لو عرض الشك في نفس الذبيحة، فلم يعلم هل وقعت الذكاة المتبرة أم لا" (3)؟.
__________
(1) أبو حنيفة حياته، وعصره، و آراؤه. ص (256).
(2) أخرجه البخاري: (9/ 550)، كتاب الذبائح والصيد، باب: ذبيحة الأعراب، رقم (5507).
(3) نيل الأوطار: (8/ 140). وانظُر المسألة: ص (275). (1/416)
صفحة 417
واستدل الشافعية أيضا على أن ترك التسمية عمدا لا يحرم الذبيحة بما رواه أبو داود في مراسيله بإسناده عن الصلت عن النَّبِيّ ح قال: ÷ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أم لم يذكر× (1)
فهذا الحديث - عند الشافعية - يخصص عموم الذابحين، فلو كان الذابح غير مسلم ولم يذكر اسم الله فلا تؤكل ذبيحته، بخلاف المسلم، فإن ÷اسم الله على فم كل مسلم× كما روى مرفوعا عن رسول الله ح (2).
ومنهما مسألة إقامة الحد في الحرم:
فقد ترك الحنفية العمل بحديث: ÷إن الحرم لا يعيذ عاصيا أو فارا بدم×؛ لأن الحديث من أخبار من أخبار الآحاد؛ فلا يصح أن يخصص عموم قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ?ہ ہ ہ ہ ھژ [آل عمران97].فإذا التجأ إلى الحرم مباح الدم برِدّةٍ أو زنا أو قطع طريق، أو قصاص لا يقتل عند الحنفية. ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يجالس ولا يبايع، حتى يُضطر إلى الخروج فيقتل خارج الحرم (3)، خلافا للجمهور الذين قالوا بإقامة الحد في الحرم عملا بخبر الواحد الذي خصص عموم قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ?ہ ہ ہ ہ ھژ [آل عمران97] (4).
__________
(1) مراسيل أبي داود، ص (278)، والصلت المذكور هو السدوسي، وهو لين الحديث كما ذكر الحافظ في التقريب. ونقل الزيلعي عن ابن القطان أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روي عنه غير ثور بن يزيد. نصب الراية: (4/ 183).
(2) الحديث أخرجه الدارقطني في سنته: (4/ 295)، رقم (95)، وفي إسناده مروان بن سالم الغفاري، وهو ضعيف، كما قال الدارقطني. ورواه أيضا ابن عدي في الكامل: (6/ 384)، رقم (1870)، وضعف مروان المذكور، وأسند تضعيفه عن أحمد، والنسائي، ووافقهما، وقال عنه: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه. وانظُر نصب الراية: (4/ 294).
(3) بدائع الصنائع: (4/ 16)، الدر المختار: (2/ 921)، كشف الأشرار: (1/ 294).
(4) المغني: (8/ 33)، بداية المجتهد: (2/ 438)، مغني المحتاج: (4/ 3)، الشرح الكبير للدردير: (4/ 238). (1/417)
صفحة 418
وبقول الجمهور قالت الإباضية. قال الشيخ خميس الشقصي في منهج الطالبين: "ومن وجب عليه حد ثم دخل البيت الحرام فلا ينجيه من حد هو عليه ولو تعلق بأستار الكعبة" (1).
التعارض بين ما بينهما عموم وخصوص وجهي:
والمقصود بالنصين اللذين بينهما عموم وخصوص وجهي أن يكون كل منهما عاما من وجه وخاصا من وجه وقد سلك الإباضية مع الجمهور (2) لدفع التعارض بينهما بأن يخص كل منهما عموم الآخر وبذلك يستعمل الدليلان جميعا. وإذا لم يمكن ذلك فيرجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيحات، ومثال ذلك من قرآن قوله تعالى في آية المحرمات من النساء: ژ? ? ? ... ? ? ژ ژ s s ک ک ... ک ... ک گ گ گ گ ... ? ? ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ? ہ ہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ے ے ... ? ... ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ?ژ [النساء23] الآية تحرم الجمع بين الأختين في النكاح، سواء كانتا من النسب أو من الرضاع، وسواء كانتا حرتين أو أمتين. مع قوله تعالى: ژ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? S S SS ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ... ? ? ?ژ [النساء24].
فهذه الآية تجيز أن يجمع الرجل بين إماء كثيرات ولو كن أخوات، ومن ثم قال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عندما سئل عن الجمع بين الأختين من الإماء: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وقد كان في الجمع بين الأختين بملك خلاف بين السلف، ثم زال وحصل الإجماع على تحريم الجمع بينهما بملك اليمين؛ تغليبا للحظر على الإباحة (3).
__________
(1) منهج الطالبين: (7/ 120).
(2) العدل والإنصاف: (1/ 131)، فصول الفصول، ص (196). المستصفى: (2/ 148)، شرح اللمع: (1/ 360)، المسودة، ص (139)، شرح الكوكب المنير: (3/ 384)، روضه الناظر: (2/ 173).
(3) الإجماع لابن المنذر، ص (41)، الإفصاح: (2/ 103)، أحكام القرآن للجصاص: (2/ 168 - 188)، أحكام القرآن لابن العربي: (1/ 488)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (1/ 448). (1/418)
صفحة 419
ومن ذلك قوله ح: ÷من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها× (1). فعلى النائم والناسي قضاؤها في أي وقت، وهذا العموم يتعارض مع نهيه ح عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (2) وغيرها من الأوقات، فالخبر الأول خاص في الصلاة الفائتة وعام في الوقت، والخبر الثاني عام في الصلاة في الوقت، فيخصص عام الخبرين بخاص الآخر (3).
ومنه قوله ح: ÷من بدّل دينه فاقتلوه× (4)، فهذا الحديث يقتضي بعمومه أن يقتل كل مرتد، سواء كان رجلا أو امرأة، وقد ورد عن النبي ح أنه نهى عن قتل النساء (5).
فهذا الحديث يقتضي بعمومه النهي عن قتل النساء، سواء كن مرتدات أم غير مرتدات. ويمكن أن يخص كل منهما عموم الآخر، فإن الحديث الثاني الذي فيه النهي عن قتل النساء يخص عموم الحديث الأول، فلا يجوز قتلها.
فالحديث الأول وهو قوله: ÷من بدل دينه فاقتلوه× يخص عموم الحديث الثاني، فيكون الحكم: أنه يجوز قتل النساء المرتدات إذا أصررن على الردة. وهو قول الإباضية (6) مع الجمهور (7) إلا أن الحنفية قد أبقوا عموم النهي عن قتل النساء وقالوا: لا تقتل المرتدة (8).
}
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 84)، كتاب (مواقيت الصلاة)، باب (من نسي صلاته فليصلي إذا ذكرها)، رقم (597).
(2) أخرجهُ البخاري: (2/ 73)، كتاب (مواقيت الصلاة)، باب (لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)، رقم (585).
(3) انظُر: المسألة، ص (145).
(4) الحديث أخرجه البخاري: (12/ 279)، كتاب (استتابة المرتدين)، باب (حكم المرتد والمرتدة)، رقم (6922).
(5) الحديث أخرجه البخاري: (6/ 172)، كتاب (الجهاد والسير)، باب (قتل الصبيان في الحرب)، رقم (3014).
(6) جامع البسيوي: (4/ 120)، الضياء: (3/ 105)، فصول الفصول، ص (196).
(7) الإشراف على مذهب أهل العلم: (2/ 240)، حاشية الدسوقي: (44/ 303)، الكافي لابن قدامة: (4/ 60)، الإفصاح: (2/ 188).
(8) المبسوط: (10/ 109)، مختصر اختلاف العلماء: (3/ 471)، الهداية: (2/ 165). (1/419)
صفحة 420
- - {
المبحث السادس
التعارض بين المطلق والمقيد
المطلق في اللغة: هو أن يذكر الشيء باسمه لا يقرن به صفة ولا شرط ولا زمان ولا عدد، ولا شيء يشبه ذلك (1). وذلك كان تقول: أعتق رقبة. فالرقبة هنا مطلقة عن أي قيد يقيدها، فيصدق ذلك بإعتاق أي رقبة. أما إذا قلت: أعتق رقبة مؤمنة، فلا يجزئ في ذلك أي رقبة خاصة موصوفة بالإيمان.
تعريف المطلق اصطلاحا: هو اللفظ الدال على فرد شائع في جنسه مقترن بقيد لفظي زائد عن معناه يقلل من شيوعه (2).
وقيل: هو اللفظ الذي يدل على الماهية بقيد يقلل من شيوعه، وذلك كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... S SS S ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ [النساء92]. وكما في قوله تعالى: ژہ ہ ھژ [الأنعام145] الرقبة مقيدة بوصف الإيمان والشهران مقيدان بقيدين بشرط التتابع.
وحكم المطلق: هو وجوب العمل بإطلاقه ما لم يقيده شيء، ومن ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ?ژ [البقرة234]، فلفظ الأزواج في الآية مطلق، يصدق على المدخول بهن وغير المدخول بهن. ولم يثبت ما يقيد هذا الإطلاق، ومن ثم فإنه يجب العمل بذلك، فكل من توفي عنها زوجها عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، دخل بها الزواج أو لم يدخل (3).
__________
(1) انظُر: المعجم الوسيط. مادة: (ط ل ق).
(2) كشف الأسرار للبزدوني: (2/ 286)، شرح التنقيح، ص (39،40)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: (1/ 360)،شرح الكوكب المنير: (3/ 392)،الإحكام للآمدي: (3/ 102)،البرهان: (1/ 288)، شرح اللمع: (1/ 420،416)، المناهج الأصولية للدريني، ص (525).
(3) إلا الحامل فعدتها تنتهي بوضع الحمل، لقوله سبحانه وتعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} الطلاق4. (1/420)
صفحة 421
أما إذا قام دليل على تقييد هذا المطلق، فيجب أن يقيد بهذا القيد الوارد، كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ?ژ [النساء11]، فالوصية هنا مطلقة لكن ورد في السنة ما يقيدها، وهو حديث النَّبِيّ ح لسعد بن أبي وقاص حينما استأذنه في الوصية، قال: ÷الثلث كثير×. الحديث (1).
وبهذا الحديث لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث.
وحكم المقيد: هو وجوب العمل بما قُيد به، ولا يسمح إلغاء هذا القيد إلا أن يقوم دليل يوجب ذلك (2).
ومن أمثلة المقيّد الذي لم يثبت دليل يلغي العمل بما قُيِّد به، قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? پ پ ... پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... S SS S ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ ژ ss ک ک ک ک ژ [النساء92]. وكذلك ما ورد في كفارة الظهار حيث قال تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ... ? ں ں ? ?? ? ? ... ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھے ے ? ?? ? ? ? ژ [المجادلة4].
فلا يجوز لمن لزمته كفارة القتل أو الظهار أن يصوم الشهرين متفرقين، ولو فعل لم يكن ذلك مجزئا عنه (3).
أقوال أهل العلم في حمل المطلق على المقيد:
إذا ورد نص في موضوع ما في الكتاب أو السنة مطلقا عن أي قيد، ثم يرد هو بعينه مقيدا ما في موضوع آخر، فهل يعمل كل منها على حالة أم يحمل المطلق على المقيد؟
هناك حالات متعددة لهذا النوع، وكل حالة لها حكم عند أهل العلم، وأذكر حالات الاتفاق بين العلماء في حمل المطلق على المقيد أو عدمه:
أولا: حمل المطلق على المقيد اتفاقا:
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري: (5/ 429)، كتاب (الوصايا)، باب (الوصية بالثلث)، رقم (2743).
(2) البرهان للزركشي: (2/ 15)، تقريب الوصول إلى عالم الأصول، ص (158)، إرشاد الفحول: (2/ 4)، أصول التشريع الإسلامي، ص (196).
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (17/ 284،283). أحكام القرآن لابن العربي: (4/ 197). (1/421)
صفحة 422
1. إذا اتحد المطلق والمقيد في الحكم والسبب، فيحمل المطلق على المقيد دفعا للتعارض، ومنه قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ?ژ [المائدة3]. وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھژ [الأنعام145].
ففي الآية الأولى حرم الدم مطلقا، وفي الثانية حرم الدم مقيدا بلفظ "مسفوحا" فاتحدت الآيتان في الحكم وهو الحرمة وفي السبب وهو الضرر (1).
ثانيا: عدم حمل المطلق على المقيد اتفاقا:
1. أن يختلف الحكم والسبب، فلا يحمل أحدهما على الآخر، بل يعمل المطلق على إطلاقه، ويعمل المقيد على وصفه، ومن ذلك وله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ... S S SS ? ? ... ?ژ [المائدة38]، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?ژ [المائدة6].
فلفظ اليد في الآية الأولى مطلق، وفي الثانية قال: {إلى المرافق} فقيد به بهذا الوصف، فالحكم والسبب مختلفان فلا يحمل المطلق على المقيد بإنفاق العلماء (2).
2. إذا اختلف الحكم واتحد السبب، ومنه قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?ژ [المائدة6].
فالأيدي عند إرادة الوضوء مقيدة إلى المرافق، وفي التيمم مطلقة، والحكم فيها مختلف، والسبب واحد وهو إرادة الصلاة، فالأصل في هذه الحالة عدم حمل المطلق على المقيد وحكي فيه الاتفاق (3). ويظهر الاختلاف في مسح اليد عند التيمم نتيجة اختلاف الروايات وترجيح بعضها على بعض (4).
الأحوال التي اختلفوا فيها:
__________
(1) المحصول: (1/ 457)، البرهان: (1/ 289)، كشف الأسرار: (2/ 287)، الإبهاج: (2/ 200)، شرح تنقيح الفصول، ص (266)، أصول الفقه لأبي زهرة، ص (158)، شرح التوضيح على التلويح: (1/ 166)، فواتح الرحموت: (1/ 362)، أحكام الفصول للباجي: (280).
(2) الأحكام للآمدي: (2/ 167)، شرح تنقيح الفصول، ص (266)، إرشاد الفحول: (2/ 5)، مسلم الثبوت: (1/ 361)، كشف الأسرار: (1/ 387).
(3) الإحكام للآمدي: (2/ 43)، إرشاد الفحول: (2/ 5)، فواتح الرحموت: (1/ 361).
(4) انظُر: مسألة صفة التيمم. (1/422)
صفحة 423
1. أن يتحد المطلق والمقيد في الحكم ويختلفا في السبب، ومنه قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ ژ s sژ [المجادلة3]، وقوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ژ? ? ? ? ? پ پ ... پپ ? ? ? ? ? ? ?ژ [النساء92].
فالآية الأولى أطلق فيها لفظ الرقبة، وفي الثانية قيدت بالإيمان، والحكم فيهما واحد، ولكن السبب مختلف، وفي هذه الحالة ثلاثة أقوال:
الأول: أن يحمل المطلق على المقيد نصا (1)، فاشترطوا إيمان الرقبة في كفارة الظهار حملا على القيد في كفارة القتل الخطأ (2).
الثاني: وذهب الحنفية وقول عند المالكية إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد، فقالوا: يعمل بالقيد في موضعه، وبالمطلق في موضعه، إذا لا تعارض بينهما؛ لأن اختلاف السبب يمنع وجود التعارض وقالوا: إن حمل المطلق على المقيد فيه رفع لحكم المطلق، ويعتبر ذلك نسخا؛ لأنه زائد على النص فلم يشترطوا إيمان الرقبة في كفارة الظهار واليمين (3).
الثالث: أن المطلق يحمل على المقيد بقياس جامع بينهما؛ لجواز تخصيص العموم بالقياس (4)، وهو ما رجحه الباجي من المالكية وأكثر الشافعية والحنابلة.
المسألة عند الإباضية:
__________
(1) الإحكام للآمدي: (2/ 112)، التبصرة، ص (215)، البرهان: (1/ 288)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، ص (252)، أصول الفقه لأبي زهرة، ص (136).
(2) انظُر: مسألة اشتراط الإيمان في الرقبة.
(3) بذل النظر، ص (263)، كشف الأسرار: (2/ 287)، التلويح على التوضيح: (1/ 115)، فواتح الرحموت: (1/ 365)، تيسير التحرير: (1/ 333)، إحكام الفصول للباجي، ص (280)، شرح تنقيح الفصول، ص (267)، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص (160)، المحصول: (1/ 459).
(4) إحكام الفصول، ص (281)، البرهان: (1/ 288)، شرح الكوكب المنير: (3/ 402)، المعتمد: (1/ 289)، المسودة، ص (145)، أصول السرخسي: (1/ 267). (1/423)
صفحة 424
اتفق الإباضية مع الجمهور فيما وقع الاتفاق عليه من حمل المطلق على المقيد أو عدم حمله، وأما ما اختلفوا فيه: ففي حالة اتحاد الحكم واختلاف السبب فالرأي الغالب عندهم أنه يحمل المطلق على المقيد (1). فاشترطوا إيمان الرقبة في كفارة الظهار واليمين، قال الوارجلاني: "وحملنا المطلق على المقيد ثم اعتبرنا قاتل الخطأ قال تعالى: ژ? ? ?ژ، فقيّد الرقبة بالإيمان، وذكر في كفارة الظهار واليمين الرقبة ولم يقيّدها بالإيمان، فحملنا الرقبة فيهما على الرقبة المؤمنة" (2).
وبعد ذكر حالات الاتفاق والاختلاف يحسن أن ننوه بأن اختلاف العلماء في باب المطلق والمقيد كاختلافهم في العام والخاص، فكل ما يجوز فيه تخصيص العام يجوز فيه تقييد المطلق وما لا يجوز فلا يجوز، قال الآمدي: كل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق عليه والمختلف فيه والمزيف والمختار فهو بعينه جار في المطلق (3).
وعليه فإنه يجوز عند الجمهور تقييد الكتاب بالخبر، سواء كان متواترا أو آحاد، وأما عند أكثر الحنفية فلا يجوز تقييد الكتاب بخبر الواحد (4).
ونمثل على حمل المطلق على المقيد بمثالين من السنة وبيان الأثر الفقهي فيهما:
1. مسألة زكاة الفطر عن غير المسلم بمن يمونه المسلم:
__________
(1) ذكر السالمي أن في المذهب من قال بعدم حمل المطلق على المقيد. شرح طلعة الشمس: (1/ 80).
(2) العدل والإنصاف: (1/ 125)، انظُر شرح طلعة الشمس: (1/ 80)، الفصول، ص (202).
(3) الإحكام للآمدي: (3/ 3).
(4) شرح الكوكب المنير: (3/ 395)، فواتح الرحموت: (1/ 363)، التعارض والترجيح للبرزنجي: (2/ 24)،منزلة السنة من الكتاب، ص (435)، تفسير النصوص: (2/ 200). (1/424)
صفحة 425
عن عمر - رضي الله عنه - قال: فرض رسول الله ح زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى من المسلمين (1).
وفي رواية له: ÷فرض النَّبِيّ ح صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك× (2) بدون وصف "المسلمين".
فالأمر في النصين واحد وهو وجوب إخراج زكاة الفطر، وفي الحديث الأول قيد بالرقيق المسلم، وفي الثاني أطلق من غير ذكر وصف "المسلمين".
أخذ الإباضية (3) والمالكية والشافعية والحنابلة (4) بالحديث الأول حيث حملوا المطلق على المقيد، فقالوا أن صدقة الفطر لا يجب إخراجها عن الكافر، وهذا يتناسب مع قوله ح عن الزكاة وأنها ÷طهرة للصائم×.
وأما الحنفية فلم يحملوا المطلق على المقيد، فقالوا: إن صدقة الفطر يجب إخراجها عن أي مملوك مسلما كان أو كافر (5).
2. مسألة المقدار المحرم في الرضاعة:
اختلف في هذه المسألة إلى عدة أقوال، منها:
القول الأول: إن القليل والكثير سواء في التحريم، وهو قول الحنفية والمالكية و الإباضية.
القول الثاني: أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان خمس رضعات مشبعات فما فوقها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (3/ 430)، كتاب (الزكاة)، باب (صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين)، رقم (1504)، ومسلم: (2/ 677)، كتاب (الزكاة)، باب (زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير)، رقم (984).
(2) أخرجهُ البخاري: (3/ 439)، كتاب (الزكاة)، باب (صدقة الفطر على الحر والمملوك)، رقم (1511)، وفي باب (صدقة الفطر على الصغير والكبير)، رقم (1512).
(3) جامع ابن بركة: (2/ 36)، جامع البسيوي: (2/ 218)،شرح النيل: (3/ 391)، معارج الآمال: (16/ 28).
(4) الكافي لابن البر، ص (111)، الشرح الكبير: (1/ 504)، كفاية الطالب الرباني: (2/ 411)، منزلة السنة من الكتاب، ص (435)، تفسير النصوص: (2/ 200).
(5) بدائع الصنائع: (2/ 105)، فتح القدير: (2/ 35)، المبسوط: (3/ 103). (1/425)
صفحة 426
فالذين قالوا بأن القليل والكثير سواء في التحريم أخذوا بالمطلق في قوله تعالى: ژک ک ... ک ... ک گ گژ [النساء23]، فلم يقيدوا مطلق القرآن بالأخبار التي تقيد الرضاعة بعدد معين؛ لأنها لم تبلغ عندهم درجة من القوة يمكن التقييد بها، بل عضدوا حجتهم بالأحاديث التي تحرم بمطلق الرضاعة من غير تقييد لقوله ح: ÷يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب×.
وأما الذين قالوا بعدد معين فقد حملوا المطلق على المقيد، فقيدوا مطلق القرآن بالأخبار (1).
أفعال النَّبِيّ ح:
تكلمنا في أول هذا البحث عن أن التعارض الحقيقي ليس موجودا في الشريعة، ولا يصلح فيها غير هذا القول؛ إذ هي من عند الله تعالى، سواء في ذلك في ذلك القرآن أو السنة الثابتة عن النَّبِيّ ح. وما يظهر من تعارض في أدلة الشريعة فإنما هو بحسب الظاهر فقط. ونتناول هنا التعارض بين أفعال النَّبِيّ ح، وأقواله.
أنواع أفعال النبيح:
بالنظر في أفعال النَّبِيّ ح يتضح لنا أنه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع (2):
الأول: وهي الأفعال الجبلية الخلقية، وهي التي تصدر عن النَّبِيّ ح بموجب الطبيعة البشرية، مثل مشية وقعوده ونومه واستيقاظه، وأكله وشربة وغير ذلك من الأفعال التي تصدر عنه ح بموجب كونه بشرا.
الثاني: الأفعال الخاصة به ح. وهي التشريعات التي خصه الله ? بها، مثل فرض التهجد عليه وصلاة الضحى والأضحى والوتر (3) وكذلك جواز تزوجه بالهبة دون المهر، قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ [الأحزاب50].
__________
(1) سبق التفصيل في مسألة عدد الرضعات المحرمات.
(2) أوصلها الإمام الشوكاني في الإرشاد إلى سبعة أنواع (1/ 165).
(3) ورد في هذا حديث ابن عباس - رضي الله عنه -:"ثلاث هن على فرائض، وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى". أخرجه أحمد في مسنده: (1/ 231)، والدارقطني في سننه: (2/ 21)، والبيهقي في السنن الكبرى: (2/ 468). و الحديث نص على ضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير: (3/ 136). (1/426)
صفحة 427
الثالث: الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة به. وذلك كبقية أفعاله ح، فما حكم تأسي الأمة بهذه الأفعال؟.
يمكن القول بأن هذه الأفعال أيضا تنقسم إلى عدة أقسام:
القسم الأول: الأفعال التي وردت عن النَّبِيّ ح بيانا لمجمل في الكتاب أو تقييدا لمطلق، أو تخصيصا لعام، فهذه الأفعال يكون حكمها الشرعي في حق الأمة مثل حكم المبين أو المجمل، من حيث الوجوب والندب، وفي مثل هذا ورد قوله ح: ÷لتأخذوا مناسككم× (1).
وكذلك ورد عنه ح أنه قطع يد السارق اليمنى من الرسغ (2)، فكان هذا بيانا لمطلق الكتاب في قوله تعالى ژ? ? ? ?ژ [المائدة38]، ففعل النَّبِيّ ح قيد مطلق الأيدي في الآية، إذ اليد تطلق على الكف، والكف والساعد حتى المرفق، وتطلق أيضا على الذراع كله حتى مفصل الكتف. وكذلك أيضا؛ فإن النَّبِيّ ح عندما قطع السارق يده اليمنى كان هذا أيضا بيانا تامّا للآية.
القسم الثاني: فإن لم يكن الفعل بيانا لمجمل أو تقييدا لمطلق، فإنه ينظر في صفته الشرعية:
فإن عرفت صفته الشرعية من حيث الوجوب والندب أو الإباحة، فإن الأمة تكون مثله ح في هذا الحكم بدليل قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [الأحزاب21].
* فإن لم تعلم صفته الشرعية، ينظر:
أ- إن ظهر في الفعل قصد القربة لله تعالى فيكون حكم هذه الأفعال الندب (3).
__________
(1) أخرجه مسلم: (2/ 943)، كتاب (الحج)، باب (استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا .... )، رقم (1297).
(2) مصنف ابن أبي شيبة: (10/ 294)، البيهقي: (8/ 270)، وانظُر المحصول: (3/ 171).
(3) ويمكن ضرب مثال على هذا بتقبيله - صلى الله عليه وسلم - الحجر الأسود، واقتدى به عمر - رضي الله عنه -، فقد روى البخاري: (3/ 540)، كتاب (الحج)، باب (ما ذكر في الحجر الأسود)، رقم (1597)، بإسناده عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله، فقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك". (1/427)
صفحة 428
ب- وأن لم يظهر فيها قصد القربة، فأقل ما تدل عليه هذه الأفعال هو الإباحة، وذلك مثل بيع النَّبِيّ ح وشرائه، ونحو ذلك من الأمور (1).
} - - {
المبحث السابع
التعارض بين أفعال الرسول ح
اختلف الأصوليون في إمكانية وقوع التعارض في أفعال الرسول ح إلى قولين:
القول الأول: يرى أصحابه امتناع وقوع التعارض بين أفعال النَّبِيّ ح وإنه لا يتصور ذلك؛ لأنه يستحيل عندهم وقوع فعلين في وقت واحد، وإن وقعا في وقتين أو جهتين مختلفتين لم يكن بينهما تعارض وذلك لجواز أن يكون الفعل في ذلك الوقت واجبا وفي مثل ذلك الوقت غير واجب، وقد يكون بعضها ناسخا للبعض، وهذا ما اختاره أكثر الأصوليين، قال أبو الحسن البصري: "اعلم أن الأفعال المتعارضة يستحيل وجودها؛ لأن التعارض والتمانع إنما يتم مع التنافي، والأفعال إنما تتنافى إذا كانت متضادة وكان محلها ووقتها واحدا، ويستحيل أن يوجد الفعل وضده في وقت واحد في محل واحد، فإذا يستحيل وجود أفعال متضاربة" (2).
القول الثاني: يرى أصحابه إمكان وقوع التعارض بين أفعال رسول الله ح؛ إذ الأفعال دالة على الأحكام كالأقوال فيمكن وقوع التعارض الظاهري بينهما، وحينئذ يختار أحد الوجوه التالية:
__________
(1) انظُر: شرح اللمع: (1/ 552)، التبصرة للشيرازي، ص (240)، البرهان: (1/ 321)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (2/ 248)، نهاية السول: (2/ 176)، تيسير التحرير: (1/ 251).
(2) الإحكام للآمدي: (1/ 272)، المستصفى: (2/ 226)، البحر المحيط: (4/ 192)، المعتمد: (1/ 359)، وانظُر تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال للعلائي، ص (58)، شرح الكوكب المنير: (2/ 198)، بذل النظر، ص (514). (1/428)
صفحة 429
1. أنه يعمل بالمتأخر من الفعلين إذا عُلم التاريخ أو صرَّح الراوي بأن آخر الفعلين لرسول الله ح كان كذا وكذا، كحديث جابر بن عبد الله أنه قال: ÷كان آخر الأمرين من رسول الله ح ترك الوضوء مما غيرت النار× (1).
وهذا مسلك الصحابة كما قال ابن عباس: كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث. وقال الجويني إذا نقل رسول الله ح فعلان مؤرخان مختلفان فقد صار الأصوليين إلى التمسك بآخرهما واعتقاد كونه ناسخا للأول وتنزيلهما منزلة القولين المؤرخين فإن آخرهما ناسخ لأولهما إذا كانا نصين (2).
2. أنه إذا لم يعلم المتأخر والمتقدم من الفعلين وتعذر الجمع بينهما فيطلب الترجيح وهو ما أشار إليه الجويني وقرره بعض الأصوليين.
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (1/ 133)، كتاب (الطهارة)، باب (ترك الوضوء مما مست النار)، رقم (192).
(2) البرهان: (1/ 237). وقد مثل لهذا المسلك الإمام الشافعي في كيفية صلاة الخوف إذا رأى العمل برواية صالح بن خوات في كيفية صلاة الخوف التي كانت بذات الرقاع وهي متأخرة عن رواية ابن عمر.
قلت: إن اختلاف كيفية صلاة الخوف التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت الحاجة إلى الحيطة إلى الصلاة والحذر من العدو، فقد يكون العدو بينهم وبين القبلة وقد يكون من وراء القبلة. فالواقع هو الذي أدى إلى اختلاف وتعدد كيفية صلاة الخوف. وترجيح الإمام الشافعي لرواية صالح بن خوات لكونها أقرب ما ذكر بالنسبة لما في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء102]. انظُر الرسالة: (259) فقرة (711 - 726)، معالم السنن: (2/ 35)، المنخول، ص (227). (1/429)
صفحة 430
3. أنه يعتبر كل من الفعلين جائزا فيتخير بينهما (1).
ولم أجد للإباضية رأيا في هذا الموضوع في كتبهم (2). وذلك راجع لكون أفعال النَّبِيّ ح جزءا من السنة التي يمكن وقوع التعارض فيها ظاهرا، فيشمل الكلام والتفصيل ما يشمل غيرها من السنة، والذي يظهر لي أنهم يرون إمكانية وقوع التعارض الظاهري بين أفعال رسول الله ح لأنهم أخذوا بالمتأخر منها كتركه ح الوضوء مما مسته النار كما سبق بيانه في الباب الأول (3).
والذي أراه من هذه الأقوال أن التعارض الحقيقي بين الأفعال لا يمكن تصوره وهو الذي نفاه أكثر الأصوليين. أما التعارض الظاهري فيمكن وقوعه كالأقوال، وحينئذ يسلك فيها مسلك في الأقوال.
الأثر الفقهي:
ومما يمكن تمثيله ها هنا في هذه القاعدة مسألة سجود السهو في الصلاة، هل هو قبل السلام أو بعده؟ فقد اختلف الروايات عن رسول الله ح في ذلك، فحديث عبد الله بن بحينه - رضي الله عنه - يقتضي أن السجود قبل السلام، وحديث ذي اليدين - رضي الله عنه - أنه سجد بعد السلام.
قالت الإباضية: السجود بعد السلام مطلقا، وهو قول الحنفية أخذا بحديث ذي اليدين.
وقالت الشافعية: السجود محله قبل السلام لحديث عبد الله بن بحينه باعتباره متأخرا عن حديث ذي اليدين.
وقالت المالكية: ما كان من نقض فسجود قبل السلام، وما كان من زيادة فسجود بعد السلام.
وقالت الحنابلة: السجود كله قبل السلام إلا ما ورد في مثله عن رسول الله ح.
فالمالكية والحنابلة جمعوا بين الفعلين المتعارضين.
المبحث الثامن
التعارض بين أقوال الرسول ح وأفعاله (4)
__________
(1) البرهان: (1/ 327)، تفصيل الإجمال، ص (64)، إرشاد الفحول: (1/ 176)، أفعال الرسول: (1/ 171)، التعارض والترجيح للحفناوي، ص (138).
(2) موضوع تعارض أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتناوله كثير من الأصولين في كتبهم ومن جملتهم الإباضية.
(3) في مسألة الوضوء مما مسته النار.
(4) انظُر: الاعتبار: (308 – 313). (1/430)
صفحة 431
قد يأمر النَّبِيّ ح بأمر عام، ثم يثبت عنه ح أنه فعل فعلا يخالف ذلك القول، فيخصص الفعل قوله في الحالة التي ورد فيها الفعل، وجعلوا الفعل أحد مخصصات العموم، سواء تقدم الفعل على القول أو تأخر عنه (1).
ومثال ذلك:
1. نهيه ح عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، وما رواه ابن عمر أنه رأى الرسول يستقبلها، فإن الجمهور حملوا فعله على تخصيص جواز استقبالها في البنيان (2).
__________
(1) انظُر: البحر المحيط: (4/ 197)، بذل النظر: (515)، تفصيل الإجمال، ص (79)، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص (279)، شرح طلعة الشمس: (1/ 156): (2/ 57).
(2) انظُر: تفصيل القول في مسألة: هل يجوز استقبال القبلة عند قضاء الحاجة؟ (1/431)
صفحة 432
2. نهيه ح عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى يطلع الفجر. وقد روت أم سلمة (رضي الله عنها) أن النَّبِيّ ح صلى بعد العصر ركعتين، وقال: شغلني ناس من عبد القيس عن ركعتين بعد الظهر (1)، فجعل الجمهور فعله ح هذا مخصصا لعموم هذا النهي، وأنه يجوز قضاء الفوائت، وما لها سبب بعد صلاة العصر وصلاة قضاء للتي قبلها (2).
وأما إذا تعارض قول النَّبِيّ مع فعله ولم يمكن الجمع بينهما: فإن علم التاريخ اعتبر المتأخر ناسخا للمتقدم، وأما إذا لم يعلم ذلك فللعلماء ثلاثة أقوال:
القول الأول: يقدم القول على الفعل. وبه قال أكثر الأصوليين، واختاره الشيرازي والرازي والآمدي وغيرهم، وعزاه الزركشي إلى الجمهور (3)، وقد استدلوا على ذلك بعدة أدلة ومنها:
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (2/ 76)، كتاب (مواقيت الصلاة)، باب (ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها)، معلقاً، وأخرجهُ مسلم: (2/ 71)، كتاب (صلاة المسافرين)، باب (معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي بعد العصر)، موصولاً رقم (834).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 15)، كتاب (الصلاة)، باب (من فاتته ركعتا الفجر متى يقضيهما؟)، رقم (1267)، عن قيس بن عمرو قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صلاة الصبح ركعتان فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأخرجهُ الترمذي (2/ 284)، في كتاب (الصلاة)، باب في (من تفوته الركعتان قبل الفجر)، رقم (422)، وفيه: مهلاً يا قيس أصلاتان معاً؟
(3) شرح اللمع: (1/ 557)، التبصرة، ص (249)، المحصول: (3/ 182)، تقريب الوصول، ص (280)، البحر المحيط للزركشي: (4/ 198)، تفصيل الإجمال، ص (100)، شرح الكوكب المنير: (2/ 205)، مفتاح الوصول: (2/ 122)، الإحكام لابن حزم: (1/ 470)، شرح تنقيح الفصول، ص (292). (1/432)
صفحة 433
1. أن القول يدل بنفسه من غير واسطة، والفعل لا يدل إلا بواسطة.
2. أن القول يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس، كالمعقولات الصرفة وعن المحسوسات، وأما الفعل فيخص بالمحسوسات؛ ولا ينبئ عن غيرها.
3. أن القول يتأكد بالإقرار.
4. أنه يحتمل أن يكون القول موجها إلى الأمة، والفعل خاص به ح.
القول الثاني: أنه يقدم الفعل على القول. وهو قول ابن خويز منداد من المالكية (1)، وبعض الشافعية (2).
ودليلهم في ذلك: أن الفعل آكد في الدلالة من القول لعدم الاحتمال فيه، وأنه يتبن به القول شرعا وعرفا كما صرح بذلك النَّبِيّ ح في قوله: ÷صلوا كما رأيتموني أصلي× (3)، وفي قوله: ÷خذوا عني مناسككم× (4).
القول الثالث: أن الفعل والقول متساويان، فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا بمرجح؛ لأن كلا من الفعل والقول ورد من جهة صاحب الشرح، فهما كالقولين أو كالفعلين. وهذا قول الباجي والسمرقندي، ونسبه الزركشي لابن السمعاني.
وهذا الرأي أقرب إلى القواعد العامة عند التعارض. وأرى - والله أعلم - أن الرأي الأول أقوى من الرأي الثاني لاحتمال خصوصية الفعل بالنبي ح وأن دلالة القول أقوى من دلالة الفعل.
__________
(1) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي، كان إماماً متكلماً فقيهاً أصولياً، وتوفي سنة (390) هـ.
(2) إحكام الفصول للباجي، ص (315)، بذل النظر، ص (516)، البحر المحيط: (4/ 198).
(3) أخرجهُ البخاري في صحيحه: (2/ 31)، كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافرين، رقم (631)، بإسناده عن مالك بن الحويرث.
(4) أخرجهُ مسلم، من حديث جابر بن عبد الله (2/ 943)، كتاب الحج، باب (استحباب رمي جمرة العقبة)، رقم (1297). (1/433)
صفحة 434
ولم أر للإباضية قولا صريحا في المسألة في كتبهم الأصولية، إلاّ ما أشار إليه السالمي في باب تخصيص العام بخبر الآحاد وبفعل رسول الله ح وأعتبر أفعاله ح كأقواله في تخصيص العام (1). ولكن من خلال تتبع المسائل الفقهية يمكن لي القول بأنهم يقدمون القول على الفعل عند التعارض، ويظهر ذلك في المسائل الفقهية الآتية:
أولا: مسألة تبييت النية للصوم
فقد روي عن النَّبِيّ ح أنه قال: ÷من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له× (2).
فهذا القول يفيد إيجاب النية للصوم قبل الفجر، وثبت أنه ح عقد الصوم في النهار؛ فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي عنها أن النَّبِيّ قال لها ذات يوم: يا عائشة، هل عندكم شيء؟ فقالت: ما عندنا شيء. فقال: ÷فإني صائم× (3). وفعله هذا فيه معارضة مع قوله ح في إيجاب النية قبل الفجر. وقد عمل الإباضية بالقول، فقالوا بوجوب النية للصوم قبل الفجر للفرض والنافلة، واعتبروا فعله ح من خصوصيته. وقد اختلفت المذاهب الأخرى في ذلك، فمنهم من حمل نفي الصوم لمن لم يبيت النية من الليل على نفي الكمال، ومنهم من حملها على الفريضة دون النفل جمعا بين القول والفعل (4).
ثانياً: مسألة من أصبح جنبا وهو صائم:
فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبِيّ ح قال: ÷من أدركه الفجر جُنُبًا فلا يصم× (5).
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (1/ 156).
(2) الحديث من رواية أم المؤمنين حفصة بنت عمر (رضي الله عنهما)، أخرجهُ أبو داود: (2/ 823)، كتاب الصوم، باب: النية في الصوم، رقم (245).
(3) أخرجهُ مسلم: (1/ 222)، كتاب الصوم، رقم (1154).
(4) انظُر: مسألة هل يُشترط تبييت النبة للصوم؟
(5) أخرجهُ مسلم: (2/ 779)، كتاب (الصوم)، باب (صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب)، رقم (1109). (1/434)
صفحة 435
فقوله هذا يعارض فعلا روي عنه ح، فقد روت عائشة وأم سلمة أن رسول الله ح كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم (1)، فتمسك الإباضية بقوله ح دون فعله؛ فقالوا بفساد صوم من ضيَّع الغسل عامدا حتى طلع الفجر، وأما الجمهور فقالوا بصحة صوم من أصبح جنبا ترجيحا لحديث عائشة وأم سلمة زوجات النَّبِيّ ح على حديث أبي هريرة (2).
مسألة الطيب عند الإحرام:
فقد ورد أن رسول الله ح أمر الأعرابي أن يغسل عنه الطيب عند لإحرام (3)، وروت السيدة عائشة (رضي الله عنها) أنها طيبت رسول الله ح عند الإحرام (4). فرجح الإباضية قول النَّبِيّ ح على ما ورد من الفعل الذي حكته عائشة رضي الله تعالى عنها، ومن ثم، فإنهم قالوا بعدم جواز الطيب عند الإحرام وإزالة ما كان قبل الإحرام، وقد اتفقوا بهذا مع المالكية.
وذهب الجمهور إلى جواز استعمال الطيب عند الإحرام لا بعده؛ لتأخير فعل النَّبِيّ ح على قوله (5).
ومن خلال هذه المسائل، نجد أن الإباضية يقدمون القول على الفعل إذا تعارضا، ولم أجد لذلك ضوابط أو شروطا معينة كإعمال المتأخر على المتقدم، أو الجمع بينهما إن أمكن. والذي حملهم على تقديم القول على الفعل اعتبار أن القول وموجه إلى الأمة، والفعل خاص به للاحتياط، والله أعلم.
المبحث التاسع
التعارض بين المنطوق والمفهوم
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (4/ 169)، كتاب الصوم، باب: الصائم يصبح جنباً، رقم (1925).
(2) انظُر: مسألة من أصبح جنبا وهو علي نية الصيام.
(3) أخرجهُ البخاري: (4/ 169)، كتاب الصوم، باب (غسل الخلوف ثلاث مرات من الثياب)، رقم (1536)، ومسلم (2/ 834)، كتاب الحج، باب (ما يباح للمحرم بحج أو عمرة)، رقم (1177).
(4) أخرجهُ البخاري: (3/ 362)، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام، رقم (1189).
(5) انظُر: تفصيل القول في مسألة الطيب عند الإحرام. (1/435)
صفحة 436
المنطوق: لغة: هو الكلام الملفوظ به. واصطلاحاً: هو دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام ونطق به، على سبيل المطابقة أو التضمن أو الالتزام (1).
المفهوم: هو ما نطق ويستفاد من اللفظ (2) على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه وموافقته له نفياً وإثباتاً، وذلك للاشتراك في العلة التي تدرك بمجرد فهم اللغة دون الحاجة إلى بحث واجتهاد، وهو ما يطلق عليه فحوى الخطاب (3).
وقد مثل أهل العلم بقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ... ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?ژ [الإسراء23]. على أن النهي عن الضرب والإيذاء أولى بالتحريم من التأفيف. ولا خلاف بين أهل العلم في الاحتجاج بمفهوم الموافقة إلا ابن حزم من الظاهرية (4).
__________
(1) المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له.
والتضمن: هو دلاله اللفظ على جزء ما وضع له كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} دل بمنطوقة الصريح على حل البيع وحرمه الربا. والالتزام: هو دلالة اللفظ على لازم خارج عن المعنى الموضوع له اللفظ كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة233. على أن النسب يكون للأب لا للأم والنفقة عليه. انظُر: التقرير والتحبير: (1/ 130)، تشنيف المسامع: (1/ 329)، الإحكام للآمدي: (3/ 93).
(2) مختار الصحاح، مادة: (ف- ه – م).
(3) الإحكام للآمدي: (3/ 94)، البرهان لإمام الحرمين: (1/ 298)، المستصفى: (2/ 191).
(4) الإحكام للآمدي: (3/ 96)، تقريب الوصول، ص (169)، أثر اختلاف القواعد الأصولية، د. الخن، ص (150). (1/436)
صفحة 437
الثاني: مفهوم المخالفة: هو دلالة اللفظ على ثبوت الحكم المسكوت عنه مخالفاً لما دل عليه المنطوق؛ لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم. ويسمى دليل الخطاب أيضاً (1). ولمفهوم المخالفة أنواع عديدة (2).
وقد اختلف أهل العلم في اعتبار مفهوم المخالفة وعدم اعتباره إلى فريقين:
الفريق الأول: يرى أن مفهوم المخالفة حجة يجب العمل به إذا توفرت شروطه.
وشروط العمل عندهم هي (3):
__________
(1) انظُر: الإحكام للآمدي: (3/ 99)، شرح المحلي على جمع الجوامع: (1/ 245)، البرهان لإمام الحرمين: (1/ 298)، شرح الكوكب المنير للفتوحي: (3/ 473)، تقريب الوصول، ص (169)، شرح طلعة الشمس: (1/ 260).
(2) وهي: مفهوم الصفة، مفهوم الشرط، مفهوم الغاية، مفهوم العدد، مفهوم اللقب، مفهوم الحصر، مفهوم العلة، مفهوم الحال، مفهوم الزمان، مفهوم المكان. انظُر: الإحكام للآمدي: (3/ 101،100)، إرشاد الفحول: (2/ 61)، شرح طلعت الشمس: (1/ 263).
(3) تشنيف المسامع: (1/ 346)، إرشاد الفحول: (2/ 59)، فواتح الرحموت: (1/ 414)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، ص (178)، أصول الفقه لأبي زهرة، ص (140) أصول الفقه للزحيلي: (1/ 372). (1/437)
صفحة 438
1. أن لا يعارضه ما هو أرجح منه، فإن عارض دليل منه وجب العمل به، ومثاله: ما ورد في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ? ?ژ [النساء101]. فمفهوم الآية يدل على عدم جواز قصر الصلاة في حالة الأمن، فعارضة المنطوق وهو أن الرخصة عامة في الخوف والأمن كما في حديث يعلي بن أمية (1).
2. أن لا يكون قد خرج مخرج الغالب المعتاد كقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ? ہژ [النساء23].
فالغالب كون الربائب في الحجور فقيد بذلك، وليس من مفهومه أن التي ليست في الحجور يجوز نكاحها.
3. أن لا يكون المنطوق سؤالا متعلقا بحكم الخاص.
4. أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم أو بيان الحال. ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [النحل14].
5. أن لا يكون للقيد فائدة أخرى غير إثبات خلاف الحكم المثبوت عنه، فإن كان له فائدة أخرى كالتنفير أو الامتنان أو غير ذلك فلا يكون حجة، كقوله تعالى: كقوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ [آل عمران130].
وهذا هو قول المالكية والشافعية الحنابلة (2).
__________
(1) أخرجهُ مسلم: (1/ 478)، كتاب (صلاة المسافرين وقصرها)، رقم (686)، قال: سألت عمرو بن الخطاب {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء101]، كيف تقصر الصلاة وقد أمنا؟ قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
(2) اللمع للشيرازي، ص (29)، التبصرة: (218)، المعتمد: (1/ 235)، المستصفى: (2/ 204). (1/438)
صفحة 439
الفريق الثاني: وهو يرى عدم حجية مفهوم المخالفة، بل اعتبره، من الاستدلالات الفاسدة، وهو مذهب الحنفية (1). غير أن متأخريهم حصروا عدم الاحتجاج به في كلام الشارع فقط، وأما في المصنفات الفقهية وفي الكلام الناس وفي عقودهم وشروطهم وسائر عباراتهم فقد قالوا به؛ نزولا على العرف والعادة؛ إذ جرت عاداتهم أنهم لا يقيدون كلامهم بقيد من هذه القيود إلا لفائدة (2).
مذهب الإباضية:
اعتبر الإباضية مفهوم المخالفة حجة شرعية، وقد ذكر ذلك الوارجلاني والسالمي والسيابي في كتبهم، قال الوارجلاني: "اعلم أن دليل الخطاب يقتضي نفي الحكم عما عداه ويسمى مفهوم" (3).
فقولهم كقول الجمهور في الاحتجاج بمفهوم المخالفة.
والذي أطمئن إليه هو ما ذهب إليه الجمهور من اعتبار حجية مفهوم؛ وذلك لأن الصحابة استنبطوا أحكاما من النصوص بمفهوم المخالفة ولأن لمفهوم المخالفة دلالة معتبرة عند أئمة اللغة.
} - - {
الفصل الثالث
قواعد الترجيح بين مختلف الحديث
ويتضمن هذا الفصل المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف الترجيح.
المبحث الثاني: شروط الترجيح.
المبحث الثالث: وجوه الترجيح.
الفصل الثالث
قواعد الترجيح بين مختلف الحديث
تناولنا في المبحث السابق بعض صور التعارض بين الأدلة وكيفية الجمع بينها بوجه من وجوه الجمع بحيث يمكن العمل بالدليلين معاً بدلاً من إهمال أحدهما. فإن تعذر الجمع فالمصير إلى الترجيح بين الدليلين المتعارضين للعمل بالراجح منهما.
__________
(1) شرح التلويح على التوضيح: (1/ 268)، التقرير والتحبير: (1/ 151 - 165).
(2) البحر المحيط: (4/ 15)، إرشاد الفحول: (1/ 57)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، ص (174)، شرح طلعة الشمس: (1/ 260).
(3) العدل والإنصاف: (1/ 132)، وانظُر شرح طلعة الشمس: (1/ 263)، الفصول، ص (606). (1/439)
صفحة 440
وفي هذا المبحث نتكلم عن قواعد الترجيح بين مختلف الحديث وأتناول فيه تعريف الترجيح وشروطه وموقف العلماء منه، وأذكر بعض وجوه الترجيحات.
المبحث الأول: تعريف الترجيح
الترجيح في اللغة (1):
بمعنى التمييل ومنه قولهم: رجح الميزان، أي: مال. والتغليب: ومنه قولهم: يترجح هذا القول بكذا. والتثقيل: كقولهم: زن وأرجِّح أي: ثقِّل الميزان (2).
وعرَّف علماء الأصول الترجيح بتعريفات متقاربة، ومنها: تعريف إمام الحرمين: الترجيح تغليب بعض الأمارات على بعض على سبيل الظن (3). وعرَّفه الآمدي بأنه عبارة عن اقتران أحد الصالحَيْن للدلالة على المطلوب – مع تعارضهما – بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.
وقوله: "اقتران أحد الصالحَيْن" احترز به عن دليلين ليسا صالحين للدلالة على المطلوب، واحترز به أيضاً عن أن يكون أحدهما صالحاً للدلالة والآخر ليس كذلك، فإن الترجيح إنما يكون مع وجود التعارض، ولا تعارض مع عدم صالحية الدليل.
وقوله: "مع تعارضهما" احترز به عن الصالحين للدلالة اللذين لا تعارض بينهما، فإذا لم يتعارضا فلا ترجيح (4).
__________
(1) مختار الصحاح، القاموس المحيط، مادة: (ر ج ح).
(2) ومن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه أبو داود في سننه: (3/ 631)، كتاب (البيوع)، باب (الرجحان في الوزن، والوزن بالأجر)، رقم (3336)، بإسناده عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلم يمشي، فساومنا بسراويل، فبعناه – وثم رجل يزن بالأجر – فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (زن وأرجح).
(3) البرهان: (2/ 741).
(4) الإحكام للآمدي: (4/ 320)، شرح كوكب المنير: (4/ 616)،. (1/440)
صفحة 441
و عرَّفه الرازي بقوله: الترجيح هو تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر (1). وقال الإمام البيضاوي في تعريفه: هو تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها (2). وعرّفه السالمي: عبارة عن اقتران الأمارة التي يستدل بها على حكم بما يتقوى به على معارضتها (3). وكل هذه التعريفات تنصب على معنى واحد، وهو العمل بالراجح من الدليلين.
المبحث الثاني: شروط الترجيح (4)
وللترجيح شروط لا يصلح إلا بها، فليس كل دليلين كان بينهما تعارض، صِيرَ إلى الترجيح بينهما، وإنما يكون الترجيح حيث توفرت شروطه، وهي:
الشرط الأول: استواء الدليلين من حيث حجيتهما. وذلك شرط بدهي في الترجيح؛ إذ لا يجوز إقامة التعارض بين حديث صحيح وآخر ضعيف، أو بين نص متواتر وآخر من الآحاد.
قال الرازي (5): "لا يصح الترجيح بين أمرين إلا عبد تكامل كونهما طريقين لو انفرد كل واحد منهما فإنه لا يصح ترجيح الطريق على ما ليس بطريق".
وقال البيضاوي: "إذا تعارض نصان متساويان في القوة والعموم وعلى التاريخ فهو ناسخ وإن جهل فالتساقط أو الترجيح. وقال البدخشي: والمراد بتساويهما في القوة أن يكونا معاً معلومين أو مظنونين ويتساويا في العموم بأن يصدق كل منهما على ما يصدق عليه الآخر" (6).
__________
(1) انظُر: المحصول: (5/ 397).
(2) المنهاج مع شرحه الإبهاج: (3/ 208، 209)، وانظُر أيضاً مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت: (2/ 204)، شرح الكوكب المنير: (4/ 618).
(3) شرح طلعة الشمس: (2/ 192)
(4) البرهان للجويني: (2/ 752)، حاشية التفتازاني على مختصر المنتهى: (2/ 310). أصول الفقه الإسلامي، د. أمير عبد العزيز: (2/ 725)، أدلة التشريع المتعارضة، ص (70)، التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية: (2/ 128).
(5) المحصول: (5/ 397).
(6) شرح البدخشي: (3/ 217). (1/441)
صفحة 442
الشرط الثاني: عدم إمكان الجمع بين المتعارضين؛ وذلك لأنه إن أمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين ولو بوجه فيه بعد، فهو أولى من ترك أحدهما، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
قال البدخشي: "فإنما ترجيح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية" (1).
وقد بينا سابقاً: أن الحنفية يذهبون إلى أن مسلك الترجيح مقدم على الجمع، لأن الدليل المرجوح عندهم يفقد حجيته عند مقابلته للدليل الراجح، ومن ثم فهو لم يعد دليلاً صالحاً للاستدلال به حتى يجمع بينه وبين الدليل الراجح.
الشرط الثالث: ألا يكون أحد الدليلين ناسخاً للآخر، وذلك لأننا إذا علمنا أن أحدهما منسوخ، فلا يكون ثمة مجال للترجيح. قال إمام الحرمين فإذا تعارض نصان على الشرط الذي ذكرناه وتأخرا فالمتأخر ينسخ المتقدم وليس ذلك من مواقع الترجيح (2).
الشرط الرابع: أن يكون الدليلان المتعارضان ظنيين لا قطعيين، لأن الترجيح مبني على غلبة الظن وتفاوت في القوة ولا يتحقق ذلك في القطعيات.
وهذا هو المختار عند أكثر الأصوليين، قال الغزالي: أعلم أن الترجيح إنما يجري بين ظنيين؛ لأن الظنون تتفاوت في القوة ولا يتصور في معلومين ولذلك قلنا: إذا تعارض نصان قاطعان فلا سبيل إلى الترجيح (3).
الشرط الخامس: أن يكون الوجه المرجِح به وصفا قائما بأحد الدليلين لا مستقلا عنه. قال عبد العزيز البخاري: الترجيح إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر وصفا لا حالا (4).
__________
(1) شرح البدخشي: (3/ 215).
(2) البرهان: (2/ 752).
(3) المستصفى: (2/ 92)، وانظُر كشف الأسرار للبخاري: (4/ 78)، شرح تنقيح الفصول، ص (420)، الإحكام للآمدي: (4/ 323)، شرح التلويح على التوضيح: (3/ 39)، شرح البدخشي: (3/ 214).
(4) كشف الأسرار: (4/ 77)، فواتح الرحموت: (2/ 204)، المحرر في أصول الفقه: (2/ 183). (1/442)
صفحة 443
وهذا الشرط اشترطه الحنفية، أما الجمهور فلا يشترطون مثل هذا الشرط، ومن ثم فهم يعملون بالمرجح، سواء كان قائما بالدليل كأن يكون رواية أحفظ أو أفقه أم كان المرجح دليلا مستقلا، كأن يكون رواة أحد الدليلين أكثر عددا، أو وافق أحد الحديثين حديث آخر فتقوى به (1).
حكم العمل بالدليل الراجح:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن العمل بالدليل الراجح واجب سواء كان المرجح معلوما أو مظنونا، بل هو المتعين الذي لا يجوز غيره (2) وقد حكي الإجماع على وجوب العمل بالدليل الراجح بعض أهل العلم (3)، حتى قال الشوكاني في ذلك: وهذا متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يُعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح.
__________
(1) انظُر: البحر المحيط: (6/ 150).
(2) انظُر: البرهان لإمام الحرمين: (2/ 741)، المستصفى للغزالي: (2/ 394)، كشف الأسرار للبزدوي: (4/ 76)، شرح الكوكب المنير: (4/ 627)، إرشاد الفحول: (2/ 373،372)، شرح طلعة الشمس: (2/ 192).
(3) يعني العمل بالراحج. البحر المحيط: (6/ 108). (1/443)
صفحة 444
وقال الزركشي: اعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية؛ قصدا للتوسع على المكلفين لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه. وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تعارض بمعارض في الظاهر بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينهما، والعمل بالأقوى. والدليل على تعيين الأقوى أنه إذا تعارض دليلان أو أمارتان: فإما أن يعملا جميعا، أو يلغيا جميعا، أو يعمل بالمرجوح أو الراجح، وهذا متعين (1).
وقد استدل الجمهور على وجوب العمل بالراجح بعدة أدلة، ومنها:
__________
(1) حديث "إنما الماء من الماء"، أخرجه مسلم في صحيحه: (1/ 269)، كتاب (الحيض)، باب (إنما الماء من الماء)، رقم (343)، بإسناده عن عبدالرحمن بن أبي عيد الخدري عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على باب عتبان، فصرخ به؛ فخرج يجر إزارة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعجلنا الرجل!! فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن، ماذا عليه؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" إنما الماء من الماء". وأما حديث وجوب الغسل بالتقاء الختانين فأخرجهُ مسلم، أيضا (1/ 272)، كتاب (الحيض)، باب (نسخ الماء من الماء)، رقم (350)، بإسناده عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: إن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ - وعائشة جالسة – فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل". وأخرجهُ الترمذي في سننه: (1/ 182)، رقم (109)، بإسناده عن عائشة قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح. (1/444)
صفحة 445
الأول: إجماع الصحابة على العمل بالترجيح، ومن ثم، فإنهم قدموا خبر عائشة (رضي الله عنها) في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، على خبر ÷الماء من الماء× (1).
__________
(1) حديث أبي هريرة أخرجهُ مسلم: (2/ 779)، كتاب (الصوم)، باب (صحة الصوم من طلع عليه الفجر وهو جنب)، رقم (1109)، بإسناده عن عبدالله بن عمرو القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول: لا ورب الكعبة، إنما قلت: من أصبح وهو جنب فليفطر، محمد - صلى الله عليه وسلم - قاله.
وأما حديث عائشة (رضي الله عنها) فأخرجهُ البخاري في صحيحه: (4/ 169)، كتاب الصوم، باب: الصائم يصبح جنبا، رقم (1926)، وفيه: أن أباه عبدالرحمن أخبر مروان: أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهلة ثم يغتسل ويصوم. وقال مروان لعبدالرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة – ومروان يومئذ على المدينة – فقال أبوبكر: فكره ذلك عبدالرحمن، ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة - وكانت لأبي هريرة هنالك أرض- فقال عبدالرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرا، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك، فذكر قول عائشة وأم سلمة، فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم. ورواة ابن ماجه في سننه: (1/ 544)، رقم (1704)، بإسناده عن نافع قال: سألت أم سلمة عن الرجل يصبح وهو جنب يريد الصوم. قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا من الوقاع لا عن احتلام، ثم يغتسل ويتم صومه. (1/445)
صفحة 446
وكذلك قدموا حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أنه ح كان يصبح جنبا ولا يمنعه ذلك من الصيام، على حديث أبي هريرة ÷من أصبح جنبا فلا صوم له× (1).
__________
(1) حديث أبي هريرة، أخرجهُ مسلم: (2/ 779)، كتاب (الصوم)، باب (صحة الصوم من طلع عليه الفجر وهو جنب)، رقم (1109)، بإسناده عن عبدالله بن عمرو القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول: لا ورب الكعبة، إنما قلت: من أصبح وهو جنب فليفطر، محمد - صلى الله عليه وسلم - قاله.
وأما حديث عائشة (رضي الله عنها)، فأخرجهُ البخاري في صحيحه: (4/ 169)، كتاب الصوم، باب: الصائم يصبح جنبا، رقم (1926)، وفيه: أن أباه عبدالرحمن أخبر مروان: أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهلة ثم يغتسل ويصوم. وقال مروان لعبدالرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة – ومروان يومئذ على المدينة – فقال أبوبكر: فكره ذلك عبدالرحمن، ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة - وكانت لأبي هريرة هنالك أرض- فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرا، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك، فذكر قول عائشة، وأم سلمة، فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم. ورواة ابن ماجه في سننه (1/ 544)، رقم (1704)، بإسناده عن نافع قال: سألت أم سلمة عن الرجل يصبح وهو جنب يريد الصوم. قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا من الوقاع لا عن احتلام، ثم يغتسل ويتم صومه. (1/446)
صفحة 447
وقبل أبو بكر الصديق حديث المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة عندما وافقه محمد بن مسلمة (1) وكذلك قَبِل عمر حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان ثلاثا لموافقة أبي سعيد الخدري له.
الثاني: أن الدليلين الظنيين إذا تعارضا ثم ترجح أحدهما على الآخر، كان العمل بالدليل الراجح هو المتعين عُرفا ومن ثم فهو المتعين شرعا؛ لقول ابن مسعود: ÷ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء×.
__________
(1) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: (3/ 316)، كتاب (الفرائض)، باب (في جدة) (2894)، بإسناده عن قبيضة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال: مالكَ في كتاب الله تعالى شيء، وما علمتُ لك في سنة نبي الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا؛ فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فقال: مثلَ ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال: مالكِ في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها. وأخرجهُ الترمذي: (4/ 365)، كتاب الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الجدة، رقم (2108). (1/447)
صفحة 448
قال الآمدي: إذا كان أحد الدليلين راجحا فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراجح، والأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية (1).
الثالث: أننا لو لم نعمل بالدليل الراجح لزم العمل بالدليل المرجوح أو ترك العمل بكلا الدليلين، وهذا باطل، وترجيح المرجوح ممتنع بداهة (2).
القول الثاني: عدم وجوب العمل بالراجح وقالوا: عند التعارض يلزم التخيير أو التوقف. قال الرازي وأنكره بعضهم وقال: عند التعارض يلزم التخيير والتوقف (3). وقد نسب هذا القول إلى أبي بكر الباقلاني في جواز العمل بالمرجح المظنون وقال: إنما أقبل الترجيح بالمقطوع به كتقديم النص على القياس، لا بالأوصاف ولا الأحوال ولا كثرة الأدلة ونحوها، فلا تجب العمل به فإن الأصل امتناع العمل بالظن (4).
واحتجوا بأدلة منها:
__________
(1) حديث عمر في الاستئذان، أخرجه البخاري في صحيحه: (11/ 28)، كتاب (الاستئذان)، باب (التسليم والاستئذان ثلاثا)، رقم (6245)، بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت؛ وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع". فقال: والله لتقيمن عليه ببينة، أمنكم أحد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبَيُّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك.
(2) فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقابلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء. وأخرجهُ الطبراني في المعجم الكبير، (9/ 1 12)، رقم (8583).
(3) الإحكام للآمدي: (4/ 321).
(4) شرح كوكب المنير: (4/ 619)، وانظُر شرح البدخشي: (3/ 207). (1/448)
صفحة 449
أولا: قال تعالى: ژ? ? ?ژ [الحشر2]، ووجه الدلالة أن الله تعالى أمرنا بالإعتبار مطلقا من غير تفصيل، فالعمل بالمرجوح من الأدلة داخل في الاعتبار.
ثانيا: استدلوا بما يروى: ÷نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر×.
ووجه الدلالة من الحديث أن الأخذ بالمرجوح أخذ بالظاهر فجاز العمل به.
ثالثا: أنهم قاسوا الأدلة على الشهادة فقالوا: كما لا ترجح شهادة الأربعة على شهادة الاثنين وإن كان الظن بالأولى أقوى فكذلك لا يرجح دليل على آخر بزيادة الظن.
وأجيب عن هذه الأدلة:
أولا: أن الآية ليست محلا للاستدلال؛ إذ دلالتها على المطلوب الظني والأخذ بالترجيح قطعي، والاعتبار والنظر يقتضيان العمل بالراجح.
ثانيا: أما احتجاجهم بالقول المأثور ÷نحن نكم بالظاهر ... × فلا يصح؛ فإنه لا أصل له.
ثالثا: وأجيب عن قياسهم على الشهادة بأن هناك فارقا كبيرا بين الشهادة والدليل لأن الشهادة في الشرع مقدرة بعدد معين فلا مجال للاجتهاد فيها بخلاف الأدلة فإنها مبنية على النظر والاجتهاد والتأمل. وكم من وجه يترجح به الأدلة دون الشهادات، وأما تقديم شهادة الأربعة على شهادة الاثنتين فقد عمل به مالك وغيره (1).
والذي تطمئن إليه النفس هو ما ذهب إليه الجمهور من وجوب العمل بالدليل الراجح وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من الاعتراض وهو مسلك الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم. والله أعلم.
المبحث الثالث: وجوه الترجيح
__________
(1) المحصول: (5/ 399)، الإحكام للآمدي: (4/ 322)، شرح تنقيح الفصول، ص (420)، إرشاد الفحول: (2/ 375). (1/449)
صفحة 450
للترجيح بين الأحاديث المتعارضة ظاهرا وجوه متعددة، وقد عُني علماء الحديث بتفصيل القول فيها عند ذكر مختلف الحديث، ومن هؤلاء الأجلة الإمام الحازمي في كتابه الاعتبار، فقد أوصل وجوه الترجيح إلى خمسين وجها (1)، ثم قال بعد أن عدها: وهذا القدر كاف في ذكر الترجيحات، وثم وجوه كثيرة أضربنا عن ذكرها كي لا يطول بها هذا المختصر (2)، وتكلم عليها أيضا ابن الصلاح في كتابه المعروف بمقدمة ابن الصلاح تحت عنوان" معرفة مختلف الحديث:" وإنما يَكمُل للقيام به الأئمة الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه الغواصون على المعاني الدقيقة، واعلم أن ما يذكر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يمكن الجمع بين الحديثين ولا يتعذر إبداء وجه ينفي تنافيها، فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقول بهما معا ... ثم قال:
والقسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يظهر كون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
والثاني: أن لا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما، والمنسوخ أيهما، فيفزع حينئذ إلى الترجيح، ويعمل بالأرجح منهما والأثبت، كالترجيح بكثرة الرواة أو بصفاتهم في خمسين وجها من وجوه الترجيحات وأكثر، ولتفصيلها موضع غير هذا، والله أعلم (3).
وقال الحافظ العراقي تعليقا على هذا: اقتصر المصنف على هذا المقدار من وجوه الترجيح وتبع في ذلك الحازمي، ثم قال الحافظ العراقي: ووجوه الترجيحات تزيد على المائة (4).
وكذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي (5)، والقاسمي في مقدمة كتابه "قواعد التحديث" (6).
__________
(1) الاعتبار، من ص (59).
(2) السابق المصدر، ص (90).
(3) مقدمة ابن صلاح مع التقييد والإيضاح، ص (285).
(4) ذكر مائة وعشر أوجه من الترجيحات في كتاب التقييد والإيضاح، ص (268).
(5) تدريب الراوي: (2/ 198 - 202).
(6) قواعد التحديث، ص (301). (1/450)
صفحة 451
وقد عُني الأصوليون أيضا بالترجيح في باب التعارض بين الأدلة فذكروا وجوها متعددة فمنهم من اكتفى بسردها على سبيل الإيجاز من غير تفصيل ولا تمثيل. ومنهم من ذكرها على سبيل الاستيعاب مع عرض أقسامها وأنواعها والتمثيل لها (1).
ومع هذا فقد تتفاوت تقسيمات الترجيح، فمنهم من جعلها قسمين: ترجيح بالسند وترجيح بالمتن، كالشيرازي في اللمع وشرحة، والباجي في إحكام الفصول. ومنهم من جعلها ثلاثة أقسام: ترجيح بالسند وبحال الراوي وبحالة المرويِّ - المتن – وفي المتن من قسم الترجيح بمدلوله وبأمر خارجي. قال الآمدي: وأما ما يعود إلى السند فمنه ما يعود إلى الراوي، ومنه ما يعود إلى نفس الرواية ومنه ما يعود إلى المروي، ومنه ما يعود إلى المروي عنه (2). وقال النجار: فيكون- يعني الترجيح– في السند والمدلول وأمر خارجي (3). وبه قال الشوكاني والسالمي (4).
وأما الترجيح بالسند فلكونه طريق ثبوته، وأما وقوعة في المتن فباعتبار مرتبة دلالته، وأما الترجيح بمدلول اللفظ وبأمر خارجي فلما يترتب على اللفظ وما ينضم إليه من أمر خارج من أحد الأحكام الخمسة المدلول عليها به (5).
__________
(1) انظُر: الغزالي في المستصفى: (2/ 395)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير: (4/ 659)، والآمدي في الإحكام: (4/ 324)، والشوكاني في إرشاد الفحول (2/ 383)، والسالمي في شرح طلعة الشمس: (2/ 192). واستوعب هذه الترجيحات بعض المتأخرين منهم الدكتور بدران أبو العينين في أدلة التشريع المتعارضة، والبرزنجي في التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية، والحفناوي في التعارض والترجيح.
(2) الإحكام للآمدي: (4/ 324).
(3) شرح الكوكب: (4/ 627).
(4) إرشاد الفحول: (2/ 382)، شرح طلعة الشمس: (2/ 193).
(5) شرح الكوكب المنير: (4/ 628).
*) والحق أن هذه الوجوه من الترجيحات ليس مطردة في كل موضع يمكن إعمالها فيه؛ وذلك لأن كل مسألة فقهية يكون لها من الأوصاف والأحوال ما يجعلها كأنها مستقلة بذاتها، وقد يتوفر لها من الاعتبارات ما يستغني بها عن الترجيح بهذا الوجه. والله تعالى أعلم. (1/451)
صفحة 452
وبعد هذا التقسيم أتكلم في هذا المبحث على بعض وجوه الترجيحات مع سياق بعض الأمثلة عليها إن شاء الله.
وجوه الترجيح:
1 - الترجيح من حيث السند.
2 - الترجيح من حيث المتن.
3 - الترجيح باعتبار مدلول الحديث.
4 - الترجيح باعتبار أمور خارجية.
أولا: الترجيح من حيث السند:
والترجيح من حيث السند والرواة له وجوه عديدة، وأختار منها أربعة أوجه ضاربا مثالا لكل منها:
الترجيح بحال الراوي:
1. العدالة والضبط معياران في قبول الرواية وبتفاوتهما يتفاوت صحة الحديث وقبوله قال الجويني: إذا روى راويان خبرين، وكل واحد منهما ثقة مقبول الرواية لو انفرد ولكن في أحدهما مزية ظاهرة في قوة الحفظ والضبط والاعتناء بالوعي فهذا مما يرى أهل الحديث على التقديم فيه (1).
ومنه تقديم رواية المتفق على عدالته على المختلف فيها.
ومن أمثلة ذلك: مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن. وقد ورد في هذه المسألة حديثان:
الأول: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله ح قال: ÷إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله×.
الثاني: حديث عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن؛ فأهدى إليَّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليسَتْ بمال وأرمي عنها في سبيل الله - عز وجل -، لآتيَنَّ رسولَ الله ح فلأسألنَّه، فأتيتُه، فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليَّ قوسا ممن كنت أعلمُه الكتاب والقرآن، وليسَتْ بمال وأرمي عنها في سبيل الله. قال: ÷إن كنت تحبُ أن تُطوَقَّ طوقا من نار فاقبلها× (2).
__________
(1) البرهان لإمام الحرمين: (2/ 757)، وانظُر المحصول: (5/ 416)، شرح تنقيح الفصول، ص (422)، المستصفى: (2/ 395)، الإحكام للآمدي: (4/ 326)، أصول السرخسي: (2/ 251)، شرح الكوكب المنير: (4/ 635)، إرشاد الفحول: (2/ 384) أدلة التشريع المتعارضة، ص (127).
(2) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: (3/ 701)، كتاب (الإجارة)، باب (كسب المعلم)، رقم (3416). (1/452)
صفحة 453
فحديث ابن عباس يبيح أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وهو قول الجمهور والإباضية (1).وأما حديث عبادة بن الصامت، فاستدل به من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على التعليم، وهم الحنفية ومن تابعهم (2).
وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأن حديث ابن عباس حديث صحيح وليس في إسناده أحد مختلف في توثيقه وعدالته، ومن ثم فهو مقدم على حديث عبادة بن الصامت، إذ في إسناده: المغيرة بن زياد، وهو أبو هاشم الموصلي، وهو مختلف في توثيقه: قال البخاري: في حديثة اضطراب (3)، وفي الضعفاء الصغير: قال وكيع: كان ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب (4)،وفي الضعفاء والمتروكين: ليس بالقوى (5)، وفي الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي مثل ذلك (6)، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم أنه: منكر الحديث (7)، وفي ضعفاء العقيلي: ضعيف الحديث (8).
وقال ابن حجر: وقد ادعي بعض أهل العلم أن حديث ابن عباس منسوخ بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رد هذه الدعوى بأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال (9).
وزعم بعضهم أن الأجر المذكور في حديث ابن عباس، مقصود به الثواب. وقد رد هذا التأويل بأن سياق القصة يأباه، وهذا واضح.
2. الترجيح لكون الراوي هو صاحب القصة:
__________
(1) انظُر: الإيضاح: (6/ 214/)، بداية المجتهد: (1/ 223)، الشرح الكبير: (4/ 18)، والمجموع: (15/ 262).
(2) شرح فتح القدير: (8/ 39).
(3) التاريخ الكبير: (7/ 326)، ترجمة رقم (1402).
(4) الضعفاء الصغير، ص (107)، ترجمة رقم (348).
(5) الضعفاء والمتروكين لابن حبان: (97)، ترجمة رقم (562).
(6) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي: (6/ 353)، ترجمة رقم (1837).
(7) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (8/ 222)، ترجمة رقم (998).
(8) الضعفاء للعقيلي: (4/ 175)، ترجمة رقم (1752).
(9) فتح الباري: (4/ 520). (1/453)
صفحة 454
إذا تعارض خبران وكان أحدهما هو صاحب القصة والمباشِر لها فإنه يرجح خير صاحب القصة؛ لأنه أدري بالحال وأعلم بالقصة (1).
ومثاله: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبيح تزوج ميمونة وهو محرم (2). وحديث ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين - رضي الله عنه - أن رسول الله ح تزوجها وهو حلال (3).
وظاهر الحديثين تعارض واضح، وقد رجح جمهور أهل العلم حديث ميمونة على حديث ابن عباس (4) مستدلين على ذلك بعدة أدلة، ومنها:
أن ميمونة - رضي الله عنه - هي صاحبة القصة، وهي أعلم بشأنها من غيرها، وقد أخبرت بحالها، وبكيفية الأمر في ذلك العقد.
ويؤيده حديث أبي رافع قال: ÷ تزوج رسول الله ح ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول فيما بينهما (5). لأنه كان سفيراً بينهما وكان مباشراً للحال فكان الأولى تقديم خبرها على خبر ابن عباس.
__________
(1) المحصول: (5/ 416)، المستصفى: (2/ 396)، فواتح الرحموت: (2/ 208)، شرح الكوكب المنير: (4/ 637)، شرح تنقيح الفصول، ص (423)، الإحكام للآمدي: (4/ 326)، شرح طلعة الشمس: (2/ 204).
(2) الحديث أخرجهُ البخاري: (4/ 62)، كتاب (جزاء الصيد)، باب (تزويج المحرم)، رقم (1837)، وأخرجه مسلم: (2/ 1031)، كتاب (النكاح)، باب (حريم نكاح المحرم)، رقم (1410).
(3) الحديث أخرجهُ مسلم: (2/ 1031)، كتاب (النكاح)، باب (تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبتة)، رقم (1411).
(4) انظُر: معالم السنن: (2/ 423)، المجموع شرح المهذب: (7/ 302)، شرح منتهى الإرادات: (2/ 29)، الإنصاف للمرداوي: (3/ 492).
(5) الحديث أخرجه الترمذي في سننه: (3/ 200)، كتاب (الحج)، باب (ما جاء في كراهية تزويج المحرم)، رقم (841). وقال: هذا حديث حسن. (1/454)
صفحة 455
قال ابن عبد البر: إن مضمون حديث ميمونة متواتر، عن ميمونة نفسها، وعن أبي رافع وعن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها وما أعلم من الصحابة روى أنه عليه السلام نكح ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس (1).
وتُؤول قول ابن عباس، فقد كان من مذهبه اعتبار من قلد الهدي محرماً كما ذكره الحافظ عنه في الفتح، وكان رسول الله ح قلد الهدي في عمرته التي نكح فيها ميمونة (رضي الله عنها)، فيكون مراد ابن عباس من قوله: (وهو محرم) أنه ح عقد عليها بعدما قلد هدية، لكنه لم يكن قد تلبس بالإحرام بالفعال، أو أنه تزوج في الشهر الحرام أو في الحرم، وهذا شائع في اللغة، ويحتمل أن تكون من خصائصه ح (2).
هذا، وقد ذهب الحنفية إلى ترجيح حديث ابن عباس، لأنه كما قالوا أقوى سنداً من معارِضه، وابن عباس أعلم وأفقه من أبي رافع، ورواة حديث ابن عباس أثبت وأفقه من رواة حديث أبي رافع. وقالوا أن المحرَّم الجماع وليس العقد قياسا على الطيب للمحرم أن يشتري الطيب وليس له التطيُّب به. ثم حاولوا الجمع بين الحديثين، بأن الخطبة والنكاح كان ح وقتها محرما، أما البناء فكان بسرف وهو حلال (3).
الترجيح بكثرة الرواة:
__________
(1) الاستذكار: (11/ 259). قلت: لم ينفرد ابن عباس بهذا، بل له شاهد من حديث عائشة، وأبي هريرة، عند الطحاوي في شرح معاني الآثار: (3/ 269)، باب نكاح المحرم، والطبراني في الأوسط حديث عائشة: (2/ 340)، رقم الحديث (2164)، وحديث أبي هريرة (9/ 16)، رقم الحديث (8992).
(2) فتح الباري: (9/ 166)، وانظُر: المجموع: (7/ 307)، شرح صحيح مسلم للنووي: (9/ 205).
(3) شرح معاني الآثار للطحاوي: (2/ 268)، مختصر اختلاف العلماء: (2/ 114)، المبسوط: (4/ 191)، فواتح الرحموت: (2/ 209)، شرح فتح القدير: (3/ 138). (1/455)
صفحة 456
وفي ذلك يقول ابن قدامه: فإن ما كان رواته أكثر كان أقوى في النفس وأبعد من الغلط أو السهو؛ فإن خبر كل واحد يفيد ظنا على انفراده، فإذا انضم أحدهما إلى الآخر كان أقوى وأكثر منه لو كان منفرداً، ولهذا ينتهي إلى التواتر بحيث يصير ضروريا قاطعا لا يشك فيه، وبهذا قال الشافعي وهو مذهب الجمهور (1).
وقالت الحنفية: إنه لا يرجح احد الخبرين على الآخر بكثرة رواته ما لم يبلغ حد الشهرة؛ لأن الخبر إذا لم يبلغ الشهرة فهو ظني فلا يجوز ترجيح ظني بظني آخر وقاسوا رواية الخبر على الشهادة إذ شهادة الأربعة لا ترجح شهادة الاثنين فهما سواء فكذلك في رواية الخبر. قال عبد العزيز البخاري: إن خبر الواحد وخبر الاثنين والثلاثة والأكثر في إيقاع العلم سواء، فإن كل واحد يوجب علما غالب الرأي فلا يترجح أحد الخبرين بكثرة المخبرين كما في الشهادة فإنها لا تترجح بكثرة العدد لاستواء الاثنين وما فوقها في إيقاع العلم وكون كل واحد منهما حجة (2).
وأجيب بأن كثرة الرواة تزيد في غلبة الظن. وأما قياسهم على الشهادة فإن إلحاق الشهادة بالرواية غير ممكن وإن شاركتها في بعض الوجوه فقد فارقها في وجوه أخرى، ثم إن الشهادة منصوص عليها فلا مجال للاجتهاد فيها بخلاف الرواية فإنها غير منصوص عليها، فالترجيح يدخل فيها الاجتهاد (3).
__________
(1) البرهان لإمام الحرمين: (2/ 775)، المحصول للرازي: (5/ 414)، المستصفى للغزالي: (2/ 397)، إرشاد الفحول: (2/ 382)، شرح الكوكب المنير: (628)، روضة الناظر لابن قدامه مع شرحها نزهة الخاطر العاطر: (2/ 458)، الإحكام للآمدي: (4/ 321،320).
(2) كشف الأسرار: (3/ 102)، أصول السرخسي: (2/ 340)، فواتح الرحموت: (2/ 210).
(3) الاعتبار، ص (30)، أحكام الفصول للباجي، ص (737). (1/456)
صفحة 457
ومذهب الجمهور أرجح مما ذهب إليه الحنفية، لأن كثرة الرواة في الرواية فيه زيادة ثقة وغلبة الظن. ثم أن الصحابة قد عملوا بهذا المبدأ، فأبو بكر - رضي الله عنه - طلب من المغيرة من يشهد له حين أخبره أن رسول الله ح أعطى الجدة السدس من الميراث فشهد له محمد بن مسلمة (1). وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - طلب من أبي موسى من يشهد له في خير الاستئذان (2) وهذا مما يدل أن زيادة العدد زيادة في قوة الوثوق بالخبر.
ومن أمثلة الترجيح بكثرة الرواة: ترجيح حديث بسرة بنت صفوان - رضي الله عنه - أنها سمعت رسول الله ح يقول:÷إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ× (3)؛ على حديث قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على نبي الله فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال هل هو إلا مضغة منه؟، أو قال بضعة منه× (4).
فقد ذهب الجمهور ترجيح حديث بسرة على حديث طلق للأدلة الآتية:
الأول: أن مضمون حديث بسرة رواه جمع عن النبيح ومن ذلك:
أ- رواية جابر بن عبدالله عن رسول الله ح قال: ÷إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء× (5)).
__________
(1) الحديث أخرجة أبو داود: (3/ 316)، كتاب (الفرائض)، باب (في الجدة)، رقم (2894)، والترمذي: (4/ 365)، كتاب (الفرائض)، باب (ما جاء في ميراث الجدة)، رقم (2100)، وابن ماجه: (2/ 910)، كتاب (الفرائض)، باب (ميراث الجدة)، رقم (2724)، والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي. المستدرك (4/ 338).
(2) أخرجهُ البخاري: (11/ 26)، كتاب (الاستئذان)، باب (التسليم ثلاثاٍ)، رقم (6245)، ومسلم: (3/ 1694)، كتاب (الآداب)، باب (الاستئذان)، رقم (2153).
(3) الحديث أخرجهُ أبو داود في سننه: (1/ 46)، كتاب (الطهارة)، باب (الوضوء من مس الذكر)، رقم (181).
(4) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: (1/ 46)، كتاب (الطهارة)، رقم (182).
(5) حديث جابر أخرجه ابن ماجه في سننه: (1/ 162)، رقم (480). (1/457)
صفحة 458
ب- رواية أم حبيبة عن النبي ح قال:÷من مس فرجه فليتوضأ× (1).
ج- رواية أبي أيوب مرفوعا ÷من مس فرجه فليتوضأ× (2).
د- رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال لي رسول اللهح: ÷من مس ذكره فليتوضأ، وأيما مست فرجها فلتتوضأ× (3).
هـ- رواية زيد بن خالد أن رسول الله ح قال: ÷من مس فرجه فليتوضأ× (4).
و- راوية أبي هريرة موقوفا عليه أنه يقول:÷من مس فرجه فليتوضأ، ومن مسه - يعني من وراء الثوب – فليس عليه وضوء× (5).
ز- وقد روي الطبراني في المعجم الكبير حديث بسرة بلفظ آخر وذلك بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن بسرة سألت النبيح عن المرأة تضرب بيدها فتصيب فرجها؟ فقال النبيح: ÷توضئي يا بسرة× (6).
الثاني: أن طلقا قدم على رسول اللهح في المدينة في أول الإسلام وهم يبنون المسجد، وأما أبو هريرة – راوي حديث النقض– فهو متأخر الإسلام، فإنه - رضي الله عنه - أسلم عام خبير، ومن ثم فتقديم روايته على متقدم الإسلام أولى وأجدر لاحتمال النسخ.
الثالث: أن الفرج يفترق عن بقية أجزاء الجسد الأخرى، وهذا واضح.
الرابع: أن أكثر أصحاب النبيح يقولون بوجوب حديث بسرة؛ - رضي الله عنهم - جميعا.
__________
(1) حديث أم حبيبة أخرجه ابن ماجه أيضا: (1/ 162)، رقم (481)، ورواه البيهقي في سننه الكبرى: (1/ 130)، رقم (617).
(2) حديث أبي أيوب رواه ابن ماجه: (1/ 162)، رقم (482).
(3) حديث عمرو بن شعيب رواه أحمد في مسنده: (2/ 223).
(4) حديث زيد بن خالد رواه أحمد في مسنده: (5/ 194).
(5) رواية أبي هريرة رواها البيهقي في سننه الكبرى: (1/ 134).
(6) رواه الطبراني في المعجم الكبير: (24/ 192). (1/458)
صفحة 459
وقد ذهب آخرون إلى الجمع بين الحديثين بدلاً من الترجيح فقالوا: يمكن الجمع بين الحديثين بأن حديث طلق محمول على من مس فرجه بحائل، وحديث بسرة محمول على من مس فرجه بغير حائل، أو يمكن الجمع بأن مس الذكر يندب فيه بالوضوء، وحديث طلق ينفي الوجوب، ويمكن أيضا حمل حديث بسرة على أن المراد بالوضوء فيه غسل اليد لا الوضوء الشرعي المعهود، وهذا ما قال به الطحاوي في شرح معاني الآثار (1).
4. ترجيح متصل الإسناد على المرسل:
إذا تعارض خبران أحدهما متصل الإسناد وآخر مرسل يقدم المسند وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى العمل بهذا، وذلك أن المرسل به روا أو أكثر في الغالب ساقط من السند، ومن ثم فلا تعرف عدالتهم، وقد يكون بعضهم مجروحاً، ومع الجهل بهذا لا يصح قبول هذا المرسل، أما متصل الإسناد فرجاله معروفون ويمكن الكشف عن حالهم (2).
ومن أمثلة هذا: مسألة قتل المسلم بالكافر، ففي المسألة حديثان:
الأول: حديث علي حينما سأله أبو جُحَيْفةَ قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أُعطِيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: ÷العقل، وفكاك الأسير، ولا يُقتَل مسلم بكافر× (3).
__________
(1) شرح معاني الآثار: (1/ 77).
(2) الإحكام للآمدي: (4/ 330)، المحصول: (5/ 422، 423)، روضة الناظر لابن قدامة: (2/ 460)، المسودة لآل تيمية، ص (310)، شرح تنقيح الفصول، ص (423)، فواتح الرحموت: (2/ 208).
(3) الحديث أخرجه البخاري: (1/ 246)، كتاب (العلم)، باب (كتابة العلم)، رقم (111). (1/459)
صفحة 460
الثاني: ما روي عن عبدالرحمن بن البيلماني عن ابن عمر أن رسول اللهح قتل مسلما بمعاهد، وقال: ÷ أنا أكرم من وفي بذمته، ثم أمر به فقتل× (1).
أن بين الحدثيين تعارض من حيث الظاهر، إذا إن حديث علي يدل على أنه لا يجوز أن يقاد المسلم بالكافر، سواء كان هذا الكافر حربيا أو ذميا أو مستأمنا، وحديث ابن البيلمان يدل على أنه يقاد المسلم بالكافر الذمي.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: أنه لا يجوز أن يقاد مسلم بكافر، وهو قول الإباضية وجمهور أهل العلم، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (2).
الثاني: أنه يُقتل المسلم بالكافر الذمي عملا بحديث ابن البيلماني، وهو قول الحنفية، واستدلوا بأن الحديث يؤيده عموم قوله تعالى: ژے ے ? ? ? ?ژ [المائدة45]، الأية عامة في النفس غير مُخصّصة لنفس دون نفس، ولا مقيّدة بالإسلام (3).
__________
(1) الحديث أخرجه الدارقطني في سننه: (3/ 134)، رقم (165)، وقال: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسلاً، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله؟ والله أعلم.
(2) جامع ابن بركة: (2/ 506)، المصنف: (41/ 80)، حاشية الدسوقي: (4/ 238)، المجموع للإمام النووي: (20/ 277)، شرح منتهى الإرادات: (3/ 279)، المهذب للشيرازوي: (2/ 174)، مختصر خلافيات البيهقي: (4/ 323)، الكافي لابن قدامة: (3/ 252)، بداية المجتهد لابن رشد: (2/ 399). وانظُر المسألة، ص (349).
(3) المبسوط للسرخسي: (26/ 31)، تحفة الفقهاء: (3/ 145)، أحكام القرآن للجصاص: (1/ 173 – 178)، شرح فتح القدير: (9/ 151). (1/460)
صفحة 461
ومما تقدم يمكن القول أن المرجحات بالسند كثيرة، وضابطها: أن ما كان أقوى في الظن كان أرجح في القبول، وما كان أضعف ظنا كان مرجوحا. فإن من كان ذا خبرة بأحوال الرجال وقواعد الألفاظ وأحوال النبيح وأحوال الشرع الشريف فلا يخفي عليه ترجيح الراجح منها وتضعيف الضعيف كما يقول السالمي رحمه الله (1).
الترجيح من حيث متن الحديث:
والترجيح من حيث أوصاف المتن له جهات كثيرة، ونختار منها واحدا على سبيل المثال:
أولا: ترجيح الحديث الذي سلم متنه من الاضطراب (2) على ما ليس كذلك، فإن غير المضطرب يدل على قوة حفظ رواية ويدل على قوة ضبطه، أما المضطرب فيدل على سوء حفظ رواية وأنه لم يتقن ضبطه (3).
ومن أمثلة ذلك: ما ورد في تطهير جلد الميتة بالدباغ، فقد ورد في المسألة حديثان:
الحديث الأول: حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله ح يقول: ÷إذا دُبغ الإهاب فقد طهر× (4).
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (2/ 204).
(2) المضطرب: أصله من ضرب واضطراب إذا تحرك وماج، والمضطرب المرتبك الحيران، والاضطراب في الأمور: التردد. والحديث المضطرب: هو ما رواه واحد وأكثر على أوجه مختلفة متساوية بحيث لا يمكن الجمع بينهما، ولا التوفيق، ولم يعلم لأحدهما مرجح، وقد يكون الاضطراب في الإسناد أو في المتن أو فيهما معا. مقدمه ابن صلاح مع التقييد والإيضاح، ص (124)، تدريب الراوي: (1/ 262).
(3) انظُر: اللمع للشيرازي: (2/ 659)، المستصفى: (2/ 395)، شرح تنقيح الفصول، ص (424)، شرح الكوكب المنير: (4/ 653)، فواتح الرحموت: (2/ 208).
(4) الحديث أخرجه مسلم: (1/ 277)، كتاب (الحيض)، باب (طهارة جلود الميتة بالدباغ)، رقم (366). (1/461)
صفحة 462
وفي رواية قال: تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمرَّ بها رسول الله ح فقال: ÷هلاَّ أخذتُم إهابَها فدبغتموه فانتفَعتُم به، فقالوا: عنها إنها ميتة، فقال: إنَّما حَرُمَ أكلُها× (1).
الحديث الثاني: ما روي عن الحكم بن عُتَيْبَة إنَّه انطلق هو وناس معه إلى عبدالله بن عُكَيْم – رجل من جهينة – قال الحكم: فدخلوا وقعدتُ على الباب فخرجوا إليَّ، فأخبروني أن عبد الله بن عُكَيْم أخبرَهم: أن رسول الله ح كتب إلى جُهينة قبل موته بشهر: ÷ أن لا تُنْفعوا من الميتة بإهاب، ولا عَصَب× (2).
ففي الحدثين تعارض من حيث الظاهر، فحديث ابن عباس فيه دلالة على جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد دباغها، وأن الدباغ يطهرها، بينما حديث عبد الله بن عُكَيم يدل على أنه لا يجوز الانتفاع من الميتة بشيء حتى جلودها ولو دبغت، وأن الدباغ لا يؤثر في طهارتها.
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (1/ 276)، كتاب (الزكاة)، باب (الصداقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -)، رقم (1492)، ومسلم، كتاب (الحيض)، باب (طهارة جلود الميتة بالدباغ)، رقم.
(2) أخرجهُ أبو داود في سننه: (4/ 371)، كتاب (اللباس)، باب (من روي ألا ينتفع بإهاب الميتة)، رقم (4128)، والترمذي: (4/ 222)، كتاب (اللباس)، باب (ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت)، رقم (1729)، والنسائي: (2/ 175)، كتاب (الفرع)، باب (ما يدفع به جلود الميتة)، وابن ماجه في سننه: (2/ 1194)، كتاب (اللباس)، باب (من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب)، رقم (3613). (1/462)
صفحة 463
وقد رجح جمهور العلماء حديث ابن عباس على حديث ابن عكيم، وذلك لأن حديث ابن عباس صحيح سالم من الاضطراب، أما حديث ابن عكيم فمضطرب المتن والإسناد، فهو أولا مرسل؛ لأن عبد الله بن عكيم لم يلق النبيح، وثانيا هو مضطرب المتن؛ لأنه روي تارة من غير تقييد بزمن، وتارة روي مقيدا بزمن، وهذا التقييد نفسه مضطرب، فتارة يقول: قبل موته بشهر، وتارة: بشهرين، وتارة بأربعين يوما، وتارة بثلاثة أيام (1).
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح حديث عبد الله بن عكيم على حديث ابن عباس وقالوا: إنه ناسخ لأحاديث جواز الانتفاع بإهاب الميتة إذا تمت دباغته. وذلك لأن حديث عبد الله بن عكيم متأخرا عن أحاديث الجواز، إذ هو مروى قبل وفاة النبيح بقليل، واختلاف القول في الزمن لا ينفي أنه متأخر عن حديث ابن عباس وغيره، وإلى هذا ذهب أحمد ومالك في رواية عنهما (2).
الترجيح باعتبار مدلول الحديث:
ولهذا الترجيح اعتبارات كثيرة، ونختار منها اثنين على سبيل المثال:
الأول: تقديم المثبت على النافي: إذا تعارض خبران أحدهما يثبت أمراً والآخر ينفيه، اختلف أهل العلم في تقديم أحدهما على الآخر:
القول الأول: يرجح المثبت على النافي؛ لأن مع المثبت زيادة علم، والمثبت مؤسس والثاني مؤكد، فالأخذ برواية الإثبات والتأسيس أولى، وهذا قول الإباضية قال العوتبي: (إذا ورد خبران أخدهما نفي لفعل والآخر يوجب إثباته كان الإثبات أولى إذا لم يعلم المتقدم منهما ولا المتأخر) (3) وهو قول الجمهور أيضاً (4).
__________
(1) انظُر: هذه الروايات في المجموع: (1/ 271)، نيل الأوطار: (1/ 65).
(2) المسودة، ص (309)، شرح الكوكب المنير: (4/ 654)، بداية المجتهد: (1/ 79،78)، الكافي لابن قدامة: (1/ 23)، المغني: (1/ 89 - 91).
(3) الضياء: (2/ 255)، وانظُر: طلعة الشمس: (2/ 207)، فصول الفصول، ص (363)،.
(4) شرح اللمع: (2/ 661)، البرهان: (2/ 780)، شرح الكوكب المنير: (4/ 682)، روضة الناظر: (2/ 462). (1/463)
صفحة 464
القول الثاني: يقدم النفي على الإثبات؛ لأن الأصل في الأشياء العدم، فالنفي يؤكد الأصل وهو قول الآمدي (1).
القول الثالث: أن النافي والمثبت سواء لكون كل واحد منهما نفي بما أثبت الآخر، فلا يرجح أحدهما على الآخر ومن ثم يطلب الترجيح من أمر آخر غير النفي والإثبات وكذلك فإنه يحتمل وقوعهما في حالين فلا يكون بينهما تعارض. وهذا قول الباجي والغزالي وعيسى بن أبان والقاضي عبد الجبار (2).
ومن أمثلة ذلك: صلاته ح في الكعبة، بين من أثبتها وبين من نفاها. وفي هذه المسألة حديثان:
الحديث الأول: ما رواه ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: دخل رسول الله ح البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغفلوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول مَنْ ولجَََ، فلقيتُ بلالاً فسألته، هل صلى فيه رسول اللهح؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين (3). وفي رواية عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: سألت بلالاً فقلت: أصلى النَّبِيّ ح في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين (4).
__________
(1) الإحكام للآمدي: (4/ 354).
(2) انظُر: بذل النظر، ص (493)، إحكام الفصول للباجي، ص (754)، المستصفى للغزالي: (2/ 398)، الإحكام للآمدي: (4/ 354)، إرشاد الفحول: (2/ 351).
(3) الحديث أخرجهُ البخاري: (3/ 541)، كتاب (الحج)، باب (إغلاق البيت، ويصلي في أي نواحي البيت شاء)، رقم (1598)، ومسلم: (2/ 966)، كتاب (الحج)، باب (استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره)، رقم (1329).
(4) الحديث أخرجه البخاري: (1/ 596)، كتاب (الصلاة)، باب قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، رقم (397)، وأخرجه مسلم: (2/ 966)، كتاب (الحج)، باب (استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره)، رقم (1329). (1/464)
صفحة 465
والحديث الثاني: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله ح دخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصل فيه (1)، ولا خلاف بين أهل العلم أن النَّبِيّ ح دخل الكعبة في يوم الفتح ولم يدخلها في حجة الوداع (2).
وقد جمع أهل العلم بين هذين الحديثين بأن إثبات بلال - رضي الله عنه - أرجح من نفي ابن عباس، وذلك لأن بلالاً كان معه ح يومئذ ولم يكن معه ابن عباس، وإنما يرويه ابن عباس تارة عن أسامه بن زيد وتارة عن أخيه الفضل مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة، ومن ثم فتترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغير مناف (3).
ويوفق بين هذا الإثبات وهذا النفي بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النَّبِيّ ح يدعو فاشتغل بالدعاء في ناحية، والنبي ح في ناحية، ثم صلى النَّبِيّ ح فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده عنه واشتغاله، ولظلمة المكان لأن الباب مغلق، مع احتمال أن تكون بعض الأعمدة تحجب عنه فنفي أن يكون رسول الله صلى داخل الكعبة عملاً بظنه (4). وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن أسامة - رضي الله عنه - غاب عنه ح بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته ح.
الثاني: تقديم الأخف على الأثقل (5):
وذلك إذا تعارض حديثان، يدل أحدهما على حكم مخفف، والآخر يفيد حكماً مشدداً، فاختلف أهل العلم في أيهما يقدم عند عدم إمكان التوفيق بينهما على قولين:
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: (3/ 547)، كتاب (الحج)، باب (من كبر في نواحي البيت)، رقم (1601).
(2) مسلم، كتاب الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، رقم (1330).
(3) نيل الأوطار: (2/ 204، 206).
(4) انظُر: السنن الكبرى للبيهقي: (2/ 238).
(5) انظُر: الإحكام للآمدي: (4/ 358)، المستصفى للغزالي: (2/ 406)، شرح الكوكب المنير: (4/ 629)، العدل والإنصاف: (1/ 55)، شرح البدخشي: (3/ 236)، شرح طلعة الشمس: (2/ 206)، إرشاد الفحول: (2/ 385). (1/465)
صفحة 466
القول الأول: ترجيح النص الذي يفيد التخفيف على ما يفيد التشديد، محتجين في ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ژ? ? ? ? ? ? ژ ژ ... s s ک ک کژ [المائدة6]، وقوله تعالى: ژھ ھ ھ ھ ے ے ?? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ [الحج78].
واستدلوا كذلك بحديث عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: ما خُيّر رسول الله ح بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه (1).
وهو رأي الإباضية، ويرى السالمي أنه إذا كان في حكم المثقل مصلحة راجحة عن الحكم المخفف فهو أولى بتقديمه (2).
القول الثاني: تقديم ما فيه التشديد، لاحتمال تأخره لأن بعض الأوامر جاءت تدريجياً فبدأ بالأخف شيئاً فشيئاً حتى انتهى بالأشد كتحريم الخمر وهو قول الآمدي وابن الحاجب (3)، واستدلوا على ذلك بأن في المشقة الأجر الجزيل، ويدل على ذلك قول النَّبِيّ ح لعائشة رضي الله عنها في حديث الحج ÷ولكنها على قدر نَصَبك، أو قال: نفقتك× (4)، فالثواب بقدر النَّصب؛ لأن الزيادة تدل على أن المقصود منه أكثر من المقصود الأخف، فالمحافظة عليه أولى ولأن الظاهر هو تأخر الأثقل عن الأخف لتأخر التشديدات.
والذي أراه أن الأخذ بالأخف والأشد يختلف بحسب الأحوال والأشخاص،"
__________
(1) أخرجهُ البخاري: (6/ 654)، كتاب (المناقب)، باب (صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -)، رقم (3560)، مسلم: (كتاب الفضائل)، باب (مباعدته - صلى الله عليه وسلم - للآثام)، رقم (2327).
(2) شرح طلعة الشمس: (2/ 207).
(3) الإحكام للآمدي: (4/ 358)، الإبهاج شرح المنهاج: (3/ 228)، شرح البدخشي: (3/ 236)، شرح الكوكب المنير: (4/ 692).
(4) أخرجهُ البخاري: (3/ 714)، كتاب (العمرة)، باب (العمرة على قدر النصب)، رقم (1787). (1/466)
صفحة 467
وإن كان الأصل الأخذ بالأخف ليسر الشريعة " ويدل على ذلك اختلاف فتوى رسول الله ح في قبلة الصائم لزوجته بين الشاب والرجل الكبير الذي لا تثور شهوته كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (1)، والله أعلم.
ومن أمثلة هذه القاعدة: مسألة اغتسال المستحاضة لكل صلاة أو اغتسالها مرة واحدة. ففي المسألة حديثان:
الأول: حديث أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة، أن امرأة كانت تُهراق الدم وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ح أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي (2).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود: (2/ 780)، كتاب الصوم، باب: كراهية القبلة للشاب، رقم (2387).
(2) أبو داود: (1/ 205)، كتاب الطهارة، باب: من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، رقم (293). (1/467)
صفحة 468
الثاني: حديث عائشة (رضي الله عنها) قالت: جاءت فاطمة بنت حُبيش إلي النَّبِيّ ح فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلِّي (1). وظاهر الحديثين أن بينهما تعارضاً، فحديث أبي سلمة، يوجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة، وحديث عائشة يدل على أنه لا تغتسل إلا مرة واحدة عند حصول ظن بزوال الحيض. وقد اختلف أهل العلم في ترجيح أحد الحديثين، فذهب الإباضية (2) إلى أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة عملاً بحديث عائشة – الذي رجحوه على حديث أبي سلمة – واحتجوا بأن حديث عائشة صحيح، أما الروايات التي توجب على المستحاضة الاغتسال لكل صلاة فلا تخلو من مقال، ثم حديث عائشة معتضد بالبراءة الأصلية؛ لأن الأصل عدم إيجاب شيء إلا ما ورد الشرع بإيجابه وهو قول جمهور أهل العلم (3).
وهذا المذهب هو الراجح، لقاعدة الأخذ بالأخف اعتضاداً بالآيات التي مر ذكرها في أول المسألة، وبذلك يتضمن التيسير ورفع الحرج عن عباد الله.
الحظر والإباحة:
إذا تعارض خبران أحدهما فيه الإباحة والآخر فيه حظر، ففي تقديم أحدهما ثلاثة أقوال:
__________
(1) أخرجه مسلم: (1/ 263) كتاب (الحيض) باب (المستحاضة وغسلها وصلاتها) رقم (334).
(2) انظُر: الإيضاح: (1/ 261)، معارج الآمال: (4/ 102).
(3) معالم السنن: (1/ 189)، شرح النووي على صحيح مسلم: (4/ 259)، المجموع شرح المهذب: (2/ 533)، بداية المجتهد: (1/ 60)، حاشية ابن عابدين: (1/ 199)، المغني مع الشرح الكبير: (1/ 356). (1/468)
صفحة 469
القول الأول: يقدم الذي فيه الحظر على الإباحة. وهذا قول الجمهور (1)؛ وذلك لما فيه من الاحتياط؛ فإن ترك الفعل المتردد بين الإباحة والحظر لا ضرر فيه ولا إثم عليه إن كان مباحاً فقد ترك ما يجب تركه. وأما إذا فعل ذلك الفعل المتردد بين الإباحة والحظر فربما يترتب عليه العقاب لكون ذلك الفعل محرماً.
واستدلوا بقوله ح: ÷ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحلال الحرام× (2)، وهذا يقتضي ترجيح الحظر على الإباحة لئلا يغلب الحرام.
ثم إن الفعل الذي يتردد بين الحظر والإباحة فيه شك وريبة وقد قال رسول الله ح: ÷دع ما يريبك إلى ما لا يريبك× (3).
القول الثاني: يقدم الخبر الذي فيه الإباحة على الخبر الذي فيه الحظر (4)؛ وذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة وفيه رفع للحرج.
القول الثالث: أنهما سواء فلا يرجح أحا على الآخر إلا بدليل آخر ويتساقطان إذا لم يعلم المتأخر منهما ويرجع إلى غيرهما من الأدلة، وهو قول عيسى بن أبان وأبي هاشم المعتزلي والباجي المالكي.
__________
(1) البرهان لإمام الحرمين: (2/ 779)، المحصول: (5/ 439)، شرح اللمع: (2/ 662) الإحكام للآمدي: (4/ 351)، شرح الكوكب المنير: (4/ 679)، إرشاد الفحول: (2/ 390)، شرح طلعة الشمس: (2/ 205).
(2) الحديث لا أصل له". نص على ذلك العجلوني في كشف الخفاء: (2/ 254).
(3) أخرجهُ الترمذي: (4/ 576)، كتاب (صفة القيامة والرقائق والورع)، باب (60)، رقم (2518)، والنسائي: (8/ 38)، كتاب (الأشربة)، باب (الحث على ترك الشبهات). والحديث صححه الترمذي، والحاكم، ووافقه الذهبي. المستدرك، (2/ 13).
(4) انظُر: شرح تنقيح الفصول، ص (417)، شرح الكوكب المنير: (4/ 680)، فواتح الرحموت: (2/ 206) أدلة التشريع المتعارضة، ص (100)، التعارض والترجيح عند الأصوليين، ص (363). (1/469)
صفحة 470
واستدلوا بأن الحظر والإباحة حكمان شرعيان فليس لأحدهما مزية على الآخر في تقديم أحدهما على الآخر وأن من حرم ما أحل الله بمنزلة من أحل ما حرم الله. والقول بتقديم الحظر على الإباحة هو ما عليه الإباضية والذي نص عليه السالمي (1).
وبالنظر إلى الأقوال السابقة فإن ترجيح خبر الحظر على الإباحة هو الذي أراه راجحاً؛ لأن العمل به أحوط للدين وأتقى للشبهات، واستبراء للدين. وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قوله: "كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام ". والله أعلم.
ومثال الخبرين الذي فيهما الحظر والإباحة: ما جاء عن رسول الله ح ÷أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع× (2)، وحديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عنه قال: سألت رسول الله ح عن الضبع فقال: ÷هو صيد× (3).
ففي الحديث الأول نهيٌ عن أكل كل السباع بما في ذلك الضبع، فهو من السباع. والحديث الثاني فيه إباحة أكله؛ فاختلف أهل العلم في ذلك، فقالت الشافعية والحنابلة (4) بجواز أكله لورود النص على تخصيصه.
__________
(1) انظُر: شرح طلعة الشمس: (2/ 205)، فصول الفصول، ص (362)، وانظُر الإحكام للآمدي: (4/ 351)، المحصول: (5/ 439)، بذل النظر، ص (490).
(2) أخرجهُ البخاري: (9/ 573)، كتاب الذبائح، باب: أكل كل ذي ناب من السباع، رقم (553)، ومسلم: (3/ 1533)، كتاب (الصيد والذبائح)، باب (تحريم أكل ذي ناب من السباع)، رقم (1932).
(3) أخرجهُ أبو داود: (4/ 158)، كتاب (الأطعمة)، باب (في أكل الضبع)، رقم (3801)، والترمذي: (4/ 222)، كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الضبع، رقم (1719)، والنسائي: (7/ 200)، كتاب الصيد والذبائح، وابن ماجه: (2/ 1078)، كتاب الصيد، باب: الضبع رقم (3236)، وصححه الترمذي، والحاكم في المستدرك: (1/ 453).
(4) الوسيط في المذهب للإمام الغزالي: (7/ 158)، مغني المحتاج للخطيب الشربيني: (4/ 299)، الكافي لابن قدامة: (1/ 577). (1/470)
صفحة 471
وقالت الحنفية والمالكية (1) بعدم جواز أكله؛ لعموم النهي عن كل السباع، والضبع نوع من السباع. إذ قدموا الحظرَ على الإباحة.
ترجيح النهي على الأمر:
إذا تعارض خبران في أحدهما نهي والآخر أمر، فإنه يقدم النهي على الأمر؛ وذلك لأن النهي إنما شُرع لدرء المفاسد ورفعها، والأمر لجلب المصالح وتحصيلها، ومن القواعد الشرعية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. فكانت المحافظة على النهي أولى، وهو قول الإباضية (2) والجمهور (3).
قال الآمدي: النهي مرجح على الأمر لثلاثة أوجه:
1. أن الطلب فيه ترك الأشد.
2. أن محامل النهي – وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير – أقل من محامل الأمر لتردده بين الوجوب والندب والإباحة.
3. أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة، ومن الأمر طلب تحصيل المصلحة واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصلحة (4).
الترجيح بأمور خارجة عن السند والمتن:
المقصود بالترجيح بأمور خارجة عن السند والمتن، هو أن يشهد دليل آخر من الأدلة المعتبرة شرعاًُ لأحد الدليلين بأن يوافق معناه، أو يدل على ما يدل عليه الحديث.
وهذه الأمور الخارجة التي تشهد لأحد الدليلين قد تكون قرآناً أو سنة أخرى أو إجماعاً أو قياساً، أو غير ذلك من الأمور الاعتبارية، يقول الإمام الشافعي في ذلك: "إن الأحاديث إذا اختلفت لم يذهب إلى واحد منها دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تركناه".
__________
(1) الاستذكار لابن عبد البر: (15/ 321)، الشرح الصغير: (2/ 186)، بدائع الصنائع: (5/ 58)، مختصر اختلاف العلماء: (3/ 192).
(2) شرح طلعة الشمس: (2/ 199)، فصل الفصول، ص (362).
(3) الإحكام للآمدي: (4/ 336)، شرح الكوكب المنير: (4/ 658)، فواتح الرحموت: (2/ 205)، تيسير التحرير: (3/ 159)، إرشاد الفحول: (279).
(4) الإحكام للآمدي: (4/ 336). (1/471)
صفحة 472
ثم بيَّن الشافعي -رحمه الله- السبب في ذلك فقال: " أن يكون أحدُ الحديثين أشبه بكتاب الله، فإذا كان أشبه كتاب الله كانت فيه الحجة ... أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله ح " (1).
وسأقتصر على هذه الأمور الأربعة ضارباً لكل منها مثالاً.
1. ما شهد له نص من كتاب الله تعالى:
إذا تعارض خبران فإنه يقدم ما يشهد له القرآن الكريم، وبهذا قالت الإباضية، قال الشقصي:" إذا وقع اختلاف في الأخبار فالرجوع إلى ما وافقه القرآن نصا وحكماً"، وهو قول جمهور الأصوليين (2).
ومن أمثلة ذلك: مسألة الإسفار بصلاة الفجر. ففي هذه المسألة حديثان:
الأول: حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ح كان يصلي الصبح بغلس، فينصرفن نساء المؤمنين لا يُعرَفَْن من الغلس، أو لا يعرف بعضهن بعضا (3).
الثاني: حديث رافع بن خديج قال سمعت رسول الله ح يقول: ÷أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر×.
ففي حديث عائشة أن التعجيل بصلاة الفجر هو سنة النَّبِيّ ح كما دلت عليه روايتها، وهذا هو قول أكثر أهل العلم (4)، وفي حديث رافع ما يدل على أن إقامة صلاة الفجر يستحب أن تتأخر كما هو مذهب الحنفية (5).
__________
(1) الرسالة للشافعي، ص (284، 285).
(2) منهج الطالبين: (1/ 84)، وانظُر شرح طلعة الشمس: (2/ 208)، فصول الفصول، ص (362) البرهان لإمام الحرمين: (2/ 768)، المستصفى: (2/ 396)، المنخول، ص (431)، الإحكام للآمدي: (4/ 359)، البحر المحيط: (6/ 175)، شرح الكوكب المنير: (4/ 694).
(3) أخرجهُ البخاري: (2/ 408)، كتاب (الأذان)، باب (سرعة انصراف النساء من الصبح ... )، رقم (872). والغلس هو ظلمة آخر الليل.
(4) الكافي لابن عبد البر، ص (35)، والمهذب: (1/ 53)، بداية المجتهد: (1/ 123)، المغني: (1/ 286)، الإفصاح: (1/ 62).
(5) انظُر: شرح معاني الآثار: (1/ 176)، فتح القدير: (1/ 225)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: (1/ 179). (1/472)
صفحة 473
وقد رجح الجمهور حديث عائشة علي حديث رافع؛ لأن حديث عائشة يشهد له قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پژ [البقرة238] وكذلك قوله تعالى: ژ ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?ژ [آل عمران133].
ومما لا شك فيه أن الصلاة في أول أوقاتها من المسارعة إلى طلب المغفرة من الله تعالى، وذلك بخلاف الإسفار، فليس فيه مسارعة، وإنما يتضمن تأخير الصلاة عن أول وقتها.
2. ترجيح ما شهد له حديث آخر أو سنة أخرى:
إذا تعارض خبران فإنه يقدم ما شهد له حديث أو سنة أخرى، وبهذا قالت الإباضية (1).
ومن أمثلة هذا: مسألة اشتراط الولي في النكاح. وقد ورد في المسألة حديثان:
الأول: حديث ÷لا نكاح إلا بولي× (2).
الثاني: حديث ابن عباس أن النَّبِيّ ح قال: ÷الأيم أحق بنفسها من وليها ... الحديث× (3).
مضمون الحديث الأول، وهو من رواية أبي موسى الأشعري اشتراط الولي في النكاح، والحديث الثاني يفهم منه أن الثيب يجوز إنكاحُها نفسَها بدون ولي على اعتبار أنها أحق بنفسها منه.
__________
(1) شرح طلعة الشمس: (2/ 208)، الإحكام للآمدي: (4/ 359)، شرح الكوكب المنير: (4/ 694) الاعتبار، ص (80)، التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية: (2/ 236).
(2) أخرجهُ أبو داود: (2/ 568)، كتاب (النكاح)، باب (في الولي)، رقم (2085)، والترمذي: (3/ 407)، كتاب (النكاح)، باب (ما جاء في لا نكاح إلا بولي)، رقم (1101)، وابن ماجه: (1/ 605)، كتاب (النكاح)، باب (لا نكاح إلا بولي)، رقم (1881)، والحديث صححه ابن المديني، وابن خزيمة، والحاكم. وانظُر المستدرك (3/ 170)، والسنن الكبرى للبيهقي: (7/ 108)، ونصب الراية: (3/ 385).
(3) الحديث أخرجه مسلم: (2/ 1037)، كتاب (النكاح)، باب (استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت)، رقم (1421). (1/473)
صفحة 474
وقد رجح جمهور أهل العلم حديث أبي موسى: ÷لا نكاح إلا بولي× سواء كانت بكراً أم ثيباً؛ وذلك لاعتضاده برواية عائشة -رضي الله عنهما- عن النَّبِيّ ح أنه قال: ÷أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل ... × (1)، ومن ثم أبطلوا كل نكاح لم يصدر عن الولي (2).
وأجازت الحنفية تجويز المرأة نفسها من غير وليها مادامت راشدة وعاقلة، ما دامت قد اختارت كفؤاً لها، وأن الولي ليس شرطا في صحة النكاح، بل هو من تمامه وكماله. (3)
3. ترجيح ما شهد لمضمونه الإجماع:
إذا تعارض خبران وكان أحدهما موافقاً للإجماع يقدم ما كان موافقاً للإجماع، قال عبد الشكور: عند تعارض آيتين أو سنتين ووُجد الإجماع يُعمل بما وافق الإجماع. وهو قول الإباضية أيضاً (4).
ومن أمثلة هذا:
مسألة قتل شارب الخمر إذا أصر على شربها بعد إقامة الحد عليه ثلاث مرات. ففي هذه المسألة حديثان:
الأول: حديث السائب بن يزيد قال: "كنا نُؤْتَى بالشَّارب على عهد رسول الله ح وإِمْرَةِ أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عَتَوا وفَسَقوا جلد ثمانين" (5).
__________
(1) الحديث أخرجهُ أبو داود: (2/ 566)، كتاب (النكاح)، باب (في الولي)، رقم (2083)، والترمذي: (3/ 407)، كتاب (النكاح)، باب (في الولي)، رقم (1102).
(2) في مذهب الجمهور انظُر: الاستذكار: (16/ 35) بداية المجتهد: (3/ 1248)، الوسيط في المذهب: (5/ 58)، المغني لابن قدامة: (6/ 94).
(3) المبسوط: (5/ 10)، فتح القدير: (3/ 255). وتفصيل القول راجع مسألة الولي في النكاح.
(4) فصول الفصول، ص (363)، فواتح الرحموت: (2/ 191)، والبرهان: (2/ 760).
(5) أخرجهُ البخاري: (12/ 67)، كتاب (الحدود)، باب (ضرب بالجريد والنعال)، رقم (6/ 779). (1/474)
صفحة 475
الحديث الثاني: عن معاوية بن أبي سفيان عن النَّبِيّ ح قال في شارب الخمر: ÷إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه× (1).
وقد رجَّح أهل العلم حديث السائب على حديث معاوية، وذلك أن عامة أهل العلم يرون نسخ حديث معاوية حتى صار كأنه إجماع، فاستدلوا به على ترك العمل بالقتل لمن شرب الرابعة.
قال الترمذي: سمعت محمداً يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النَّبِيّ ح في هذا أصحُّ من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ح. وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نُسخ بعدُ، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النَّبِيّ ح قال: ÷إن من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه×. قال: ثم أتى النَّبِيّ ح بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله.
وكذلك روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن النَّبِيّ ح وسلم نحو هذا. قال: فرُفِع القتل وكانت رخصة.
قال الترمذي أيضاً: والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك في القديم والحديث.
ومما يقوي هذا ما روي عن النَّبِيّ ح من أوجه كثيرة أنه قال: ÷لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس والثيب الزاني والتارك لدينه× (2).
__________
(1) أخرجهُ أبو داود في سننه: (4/ 623)، كتاب (الحدود)، باب (إذا تتابع في شرب الخمر)، رقم (4482)، والترمذي: (4/ 39)، كتاب (الحدود)، باب (من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاده في الرابعة فاقتلوه)، رقم (1444)، وابن ماجه: (2/ 859)، كتاب (الحدود)، باب (من شرب الخمر مراراً)، رقم (2573).
(2) سنن الترمذي: (4/ 40)، وانظُر كتاب (العلل) الملحق بسنن الترمذي: (5/ 692). (1/475)
صفحة 476
قال الخطابي: قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، كقوله ح: ÷من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه×. وهو لو قتل عبده لم يُقتَل به في قول عامة العلماء، وكذلك لو جدعه لم يجدع بالاتفاق.
وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجباً، ثم نسخ لحصول الإجماع من الأمة، على أنه لا يقتل، وقد روى عن قُبيصة بن ذؤيب ما يدل على ذلك (1). فقد ترك العمل بحديث قتل شارب الخمر في الرابعة للإجماع.
قال ابن عبد البر: "انعقد إجماع الصحابة رضوان الله عليهم في زمن عمر - رضي الله عنه - على الثمانين في حد الخمر ولا مخالفَ لهم منهم، وعلى ذلك جماعة التابعين وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ" (2).
4. ترجيح ما وافقه القياس:
فإذا تعارض نصان أو ظاهران وانضم إلى أحدهما قياس يوافقه رجح الذي يوافق القياس على الآخر.
قال الجويني: "وهو الذي ارتضاه الإمام الشافعي أن الحديث الذي وافقه القياس مرجِحٌ".
وهو ما عليه العمل عند الإباضية، قال السالمي: "إذا تعارض خبران، أحدهما موافق للقياس والآخر مخالف له، فالموافق للقياس مقدم" (3).
__________
(1) معالم السنن على سنن أبي داود: (4/ 624). وحديث قبيصة المشار إليه أخرجه أبو داود أيضاً في كتاب (الحدود)، رقم (4485)، مرفوعاً بلفظ: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلد، ورفع القتل وكانت رخصة).
(2) الاستذكار: (24/ 277)، وانظُر: معرفة السنن والآثار للبيهقي: (13/ 36)، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص (467)، مغني المحتاج: (4/ 189).
(3) شرح طلعة الشمس: (2/ 208)، فصول الفصول، ص (6)، البرهان: (2/ 765)، الاعتبار، ص (80)، البحر المحيط، (6/ 179)، شرح الكوكب المنير: (4/ 695). (1/476)
صفحة 477
ومن أمثلة هذا: مسألة الإقرار المعتبر في الزنا، هل هو مرة واحدة أو أربع مرات؟ ففي المسألة حديثان:
الحديث الأول: عن أبي هريرة قال: أتى رجلٌ من أسلمَ رسول الله ح وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إن الآخِر قد زنى- يعني نفسه – فأعرض عنه فتنحى لِشِقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه، فقال: يا رسول الله إن الآخِر قد زني، فأعرض عنه، فتنحّى لِشِقِّ وجههِ الذي أعرض قِبَلهُ، فقال له ذلك، فأعرضَ عنه، فتنحَّى له الرابعة، فلما شهد على نفسهِ أربع شهادات دعاهُ، فقال: ÷هل بكَ جنون؟ قال: لا، فقال النَّبِيّ ح: اذهبوا به فارجموه×. وكان قد أُحصِن (1).
والحديث الثاني: عن أبي هريرة وزيد بن خالد -رضي الله عنهما- قال: ÷أتى رجل إلى النَّبِيّ ح ... وفيه قال أحد الرجلين: إنَّ ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخبِرتُ أنًَّ على ابني الرَّجم فافتديتُ منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ح: والذي نفسي بيده لأقضِينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردَّ، وعلى ابنك جَلدُ مائة وتغريب عام. اغدُ يا أُنَيْسُ إلى امرأة هذا فإن اعترفَتْ فارجمهما. قال: فغدا عليها فاعترفَتْ فأمر بها رسول الله ح فرُجِمَت× (2).
__________
(1) أخرجهُ البخاري في صحيحه: (9/ 201) كتاب (الطلاق) باب (من قال لامرأته وهو مكره هذه أختي) رقم (5271). وفي: (12/ 123) كتاب (الحدود) باب (لا يُرجم المجنون والمجنونة) رقم (6/ 815)، ومسلم: (3/ 1318) كتاب (الحدود) باب (من اعترف على نفسه بالزنا).
(2) أخرجهُ البخاري: (12/ 140) كتاب (الحدود) باب (الإعتراف بالزنا) رقم (6827)، ومسلم، كتاب (الحود) باب (من اعترف بالزنا) رقم (2775). (1/477)
صفحة 478
ففي الحديث الأول أن رسول الله ح لم يكتفِ بإقرار الرجل مرة واحدة، بل انتظر حتى أقرَّ أربع مرات، وفي هذا دليل على أن المُقِر بالزنا لا يُكتَفَي بإقراره مرة واحدة، بل يُنتظر حتى يُقِرَّ أربع مرات.
وفي حديث زيد بن خالد أن النَّبِيّ ح اكتفى بإقرار المرأة مرة واحدة بقوله لأُنَيْسٍ: ÷اغدُ يا أُنِيْسُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها×.
فدل على أن الإقرار مرة واحدة يكفي لإقامة الحدَّ.
وقد اختلف أهل العلم في ترجيح أحد المدلولين، فذهبت طائفة إلى ترجيح مضمون حديث أبي هريرة الأول والذي فيه أن الإقرار أربع مرات، على حديث ابن زيد بن خالد، وهو مذهب الحنفية والحنابلة (1).
ورجحوا الحديث الأول بأن القياس يوافق مدلول هذا الحديث، وذلك أن الشهادة في الزنا يشترط فيها أن تكون من أربع رجال عدول، فكذلك يكون الإقرار أربعاً قياساً على الشهادة.
وقد عمل بموجب حديث زيد بن خالد الشافعية والمالكية، حيث أنزلوا كلاً من الحديثين على حالة تخالف الحالة الأخرى، فأنزلوا حديث الإقرار أربع مرات على حالة ما إذا وُجِدت شبهةٌ في إقرار الزاني كأن يكون الزاني سكران، أو أنه لا يدري ما يقول، ومن ثم وجب التثبت من إقراره قبل إقامة الحد عليه لترتفع الشبهة، وأما إذا لم تقم شبهةٌ في إقرار الزاني، فيُكتفَى حينئذ بإقراره مرة واحدة (2).
هذا والذي عليه أكثر قول الإباضية، وقد حُكي عندهم أنه لا يُحد المقر إلا بعد إقراره أربع مرات (3). وهذا الذي يطمئن إليه الباحث لما فيه من الحيطة ودرء الحد.
__________
(1) انظُر: المبسوط للسرخسي: (9/ 19)، شرح فتح القدير: (5/ 8 – 11)، حاشية ابن عابدين: (3/ 175)، الكافي: (4/ 89)، المغني: (8/ 119).
(2) الكافي، ص (572)، بداية المجتهد: (2/ 438 – 439)، المجموع: (20/ 12)، الوسيط في المذهب: (6/ 446)، حاشية الدسوقي: (4/ 318).
(3) جامع ابن بركة: (2/ 527)، المصنف: (40/ 58، 60). (1/478)
صفحة 479
هذه بعض وجوه الترجيح، وهي في الحقيقة كثيرة، وأنوه هنا إلى أن الإباضية كانوا كثيراً ما يرجحون ما هو الأحوط عندهم، فقاعدة الأخذ بالأحوط كانت مقدمة عندهم في ترجيح كثير من المسائل الفقهية؛ وذلك احتياطا للفرض وإبراء لذمة المكلف، ومن أثر الترجيح عندهم بالأحوط الواردة في البحث على سبيل المثال المسائل الآتية:
1. أنهم قالوا بنقض الوضوء من الضحك في الصلاة؛ أخذا بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال: ÷بينما نحن نصلي خلف رسول الله ح إذ أقبل رجل ضرير البصر، فوقع في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ح بإعادة الوضوء كاملاً، وإعادة الصلاة× (1).
2. قالوا ببطلان الصيام بالغيبة والنميمة والفحش من القول؛ أخذاً بحديث المرأتين اللتين أمرهما رسول الله ح أن تتقيآ وهما صائمتان، فقاءتا قيحا ودما، فقال: إن هاتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس (2).
3. قالوا ببطلان صوم من أصبح جنبا من جماع بترك الغسل متعمداً حتى طلع الفجر؛ أخذاً بحديث أبي هريرة عن النَّبِيّ ح قال: ÷من أدركهُ الفجر جُنُباً فلا يصم× (3).
__________
(1) انظُر: المسألة وتخريج الحديث، في مكان سابق من هذا البحث.
(2) نظُر: المسألة وتخريج الحديث، في مكان سابق من هذا البحث.
(3) نظُر: المسألة وتخريج الحديث، في مكان سابق من هذا البحث. (1/479)
صفحة 480
4. قالوا بحرمة الطيب للمحرم عند الإحرام ويجب إزالة ما كان قبل الإحرام؛ أخذاً بحديث يعْلى بن أُميَّة أن رجلا أتى النَّبِيّ ح وهو بالجِعِرّانة وعليه جُبَّة وعليه أثر الخلوق- أو قال: صُفرة- فقال: كيف تأمُرُني أن أصنع في عُمرتي؟ فأنزل الله على النَّبِيّ ح فسُتِر بثوب- ووددتُ أني قد رأيتُ النَّبِيّ ح وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قُلت: نعم فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط، فلما سُري عنه قال: ÷أين السَّائلُ عن العمرة؟ اخلع عنك الجُبَّة واغْسِلْ أثرَ الخَلُوق عنك، وأَنْقِ الصُّفرَة، واصنَعْ في عمرتك كما تصنع في حجك× (1).
6. قالوا ببطلان صوم من لم ينو الصيام من الليل سواء كان في صوم الفرض أو النافلة؛ عملاً بحديث حفصة زوج النَّبِيّ ح أن رسول الله ح قال: ÷من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له× (2).
7. قالوا بحرمة أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، سواء كان عن عمد أو نسيان عملاً بقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ... ? ... ? ? ژ ژ s s ک ... ک کک گ گ گ گژ [الأنعام121].
5. قالوا: إن قليل الرضاعة وكثيرها محرِّم (3)؛ أخذا بإطلاق الآي ژ? ? ? ... ? ? ژ ژ s s ک ک ... ک ... ک گ گژ [النساء23]، وبقوله ح: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
} - - {
E
في ختام هذه الرسالة يمكن حصر ما توصل إليه الباحث في النقاط الآتية:
• أن علم مختلف الحديث من أهم العلوم الإسلامية لا يمكن الاستغناء عنه فهو شديد الاتصال بعلوم الحديث وعلم أصول الفقه والفقه، وغيرها من العلوم الشرعية، ولا يعتبر الفقيه فقيهاً ما لم يستوعب علم الخلاف.
__________
(1) نظُر: المسألة وتخريج الحديث، في مكان سابق من هذا البحث.
(2) نظُر: المسألة وتخريج الحديث، في مكان سابق من هذا البحث.
(3) انظُر: المسألة، في مكان سابق من هذا البحث. (1/480)
صفحة 481
• - أن هذا الخلاف الحاصل بين المذاهب الفقهية في بعض المسائل إنما يستمد شرعيته مما حدث في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، إذ قد اختلفوا في كثير من القضايا الشرعية، وتمسك كلّ منهم بما حصل له معرفته وما وقف عليه من علم.
• - أن هذا الخلاف الحاصل له ما يبرره شرعاً وواقعاً، وذلك يرجع إلى أمور منها:
- مدى الوثوق بثبوت النص.
- مدى وضوح دلالة النص على المراد.
- اختلاف بسبب تعارض بعض النصوص.
- اختلاف راجع إلى الاعتماد على بعض مصادر التشريع التي لم يتفق عليها.
- اختلاف راجع إلى اعتماد بعض طرق الاستنباط.
- اختلاف راجع إلى دعوى النسخ في بعض النصوص.
وهذه الأسباب كانت كفيلة بإحداث كل تلك الخلافات المذهبية، ووراء ذلك كله مشيئة الله تعالى بتقدير وقوع هذا الخلاف، وذلك لحكم عديدة يعلمها الله سبحانه الذي ژ? ? ? ? ? ?ژ [الأنبياء23].
• أن هذا الخلاف الفقهي – الجائز – في الشريعة الإسلامية قد أعطى الشريعة نفسها مرونة وحيوية لصلاحيتها في كل زمان ومكان.
• اعتمد الإباضية في استنباط الأحكام الشرعية على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، مثلها في ذلك مثل بقية المذاهب الأربعة وغيرها.
• لكل مذهب من المذاهب الإسلامية قواعد أصولية وطرق معروفة لاستنباط الأحكام من مصادرها الشرعية، وتلك القواعد قام الدليل على صحتها عند من قال بها حتى أصبحت – عنده – مما لا يجوز فيه الاختلاف.
• حاول كل مذهب من المذاهب الفقهية أن يصيب الحق باذلاً في سبيل ذلك ما وسعه الجهد والطاقة مستظلاً بحديث النَّبِيّ ح: ÷إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر×.
• وحول خبر الواحد الذي كان أكثر الجدل فيه اتضح من خلال البحث رأي الإباضية كما يلي:
• أن خبر الواحد يوجب العمل ولا يفيد العلم. (1/481)
صفحة 482
• أنهم لم يشترطوا شروطا زائدة على ما اشترطه المحدثون لقبول خبر الواحد والعمل به، خلافاً لبعض أهل العلم الذين اشترطوا بعض الشروط التي رأوا ضرورة توفرها في خبر الواحد لقبوله والعمل به.
• لا عبرة عندهم بمخالفة الراوي لما روى في قبول خبر الواحد والعمل، فيقدم خبر الواحد إذا تعارضا خلافاً لبعض المالكية، وقد اتفق الإباضية في عدم اشتراط هذا الشرط مع الحنفية والشافعية والحنابلة.
• أن معارضة القياس الأصولي لخبر الواحد لم يعتد به الأئمة، بل لم يُجَوِّزُوا أن تقام المعارضة بينهما أصلاً، وهذا أمر لا يخالف فيه أحد من أهل العلم. أما القياس بمعنى القاعدة المستمدة من النصوص الشرعية فقد قدمها أحياناً بعض أهل العلم – كالحنفية والمالكية – على خبر الواحد عند التعارض، ولم يوافق على ذلك الإباضية والشافعية والحنابلة؛ إذ رأوا أنه يجب قبول خبر الآحاد مطلقاً على اعتبار أن ما ورد فيه الحديث يكون مخصوصاً من عموم تلك القاعدة.
• قَبِل الإباضية زيادة خبر الواحد على القرآن الكريم خلافاً للحنفية، في هذا قد اتفق الإباضية مع المالكية والشافعية والحنابلة.
• عمل الإباضية بالحديث المرسل، شأنهم في ذلك شأن الحنفية والمالكية والحنابلة خلافا للشافعية الذين اشترطوا بعض الشروط المعضدة للمرسل حتى يمكن العمل به.
• أن النسخ في الأحكام الشرعية ثابت ولم يخالف في ذلك أحد من المذاهب الأربعة وكذلك الإباضية.
• قالوا بجواز وقوع نسخ الكتاب بالسنَّة المتواترة والمشهورة.
• أن التعارض بين النصوص الشرعية إنما هو من حيث الظاهر فقط وليس حقيقة، وإنما ذلك يرجع لقصور في النظر المجهتد؛ وذلك لأن مصدر هذه الأحكام الشرعية إنما هو الله تعالى.
• أن هذا التعارض الظاهري قد حاول أهل العلم إزالته بطرق ارتضوها، سواء كان ذلك بالتوافيق بين النصين أو الترجيح بينهما، أو ادعاء النسخ في أحدهما. (1/482)
صفحة 483
• ذهب الإباضية – اتفاقا مع الجمهور – إلى حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، لدفع التعارض بينهما.
• أجاز الإباضية تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد اتفاقا مع الجمهور وخلافا للحنفية في ذلك.
• اعتبر الإباضية أن مفهوم المخالفة دليلا شرعيا يمكن استنباط الأحكام منه، خلافا للحنفية القائلين بعدم حجيته.
• أن طرق الترجيح بين المتعارضين تعددت أنواعها بحيث يصعب استيعابها، ولكن الحق الذي ينبغي قوله، هو أن هذه الطرق المعتبرة في الترجيح لم تكن مطردة حتى عند من قالوا بها. ويكون الترجيح باعتبار السند وما يتعلق به وباعتبار المتن وما يتعلق به وباعتبار أمر خارجي.
• أن الترجيح بالنص الأحوط سمة ظاهرة في الفقه الإباضي.
• أن المذهب الإباضي له بعض الانفرادات الفقهية، وهذا الانفراد ليس فيه ما يعيبه، إذ كل مذهب من المذاهب الأربعة له انفرادات، سواء كان ذلك من ناحية الأصول أو طرق الاستنباط.
• أن الفقه الإباضي ـ فيما أرى ـ لا يخرج في إطاره العام عن بقية فقه المذاهب الأربعة.
• هذه هي أهم النتائج التي توصل إليها الباحث، ومن أهم تلك النتائج: أن دراسة المذاهب الإسلامية – غير المعدودة من المذاهب السنية – ومحاولة معرفة أصولهم وقواعدهم والوقوف على أدلتهم مما يقلل هوة الخلاف القائم بين المسلمين وخاصة أننا في زمن لا يفرِّق فيه عدونا بين سني وشيعي وإباضي وسلفي وصوفي، فهم يرمون المسلمين جميعاً عن قوس واحدة؛ بغية استئصالهم جميعاً غير مفرقين بينهم ژ? ? ... ? ? ژ ژ s ... s کژ [الصف8]
• وأوصي بإكمال دراسة المذهب الإباضي من جميع جوانبه وزواياه المختلفة لإبراز حقيقته وإزالة الجهالة عنه، وفي تلك زيادة التقارب والالتقاء بين المسلمين.
• كما أوصي أعلام المذهب الإباضي بمحاولة إعادة صياغة الفقه الإباضي حتى يمكن الوقوف عليه بسهولة ويسر؛ للإفادة منه. (1/483)
صفحة 484
• وأوصى أيضاً بالاعتناء بمؤلفات المذهب التراثية بتحقيقها تحقيقاً علمياً يُبرز قيمتها العلمية.
هذا وأسأل الله تعالى العلي القدير التوفيق والسداد، وأن يعفو عني فيما قد أكون أخطأت فيه، إنه هو البر الرحيم.
- ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين -
o
تقديم: 5
مقدمة: 9
تمهيد:
المبحث الأوَّل: مختلف الحديث والعلوم المتصلة به: 21
المطلب الأوَّل: التعريف بمختلف الحديث وأهمِّيته: 21
المطلب الثاني: أهمِّية السنَّة: 30
المطلب الثالث: أسبابُ اختلاف الفقهاء 38
المطلب الرابع: بعض المراجع المؤلفة في الخلافيات 60
المبحث الثاني: المذهب الإباضيُّ أصوله ونتاجه الفقهيُّ: 73
المطلب الأوَّل: نبذة تاريخيَّة عن المذهب الإباضيِّ: 73
المطلب الثاني: مصادر التشريع المعتَمَدة في الفقه الإباضيِّ: 76
المطلب الثالث: ذكرُ بعض المصادر الفقهيَّة عند الإباضيَّة: 86
الباب الأَول: قضايا فقهية مختارة من مختلف الحديث
المبحث الأوَّل: قضايا فقهيَّة من باب الطهارات: 103
المبحث الثاني: قضايا فقهيَّة من باب الصلاة: 157
المبحث الثالث: قضايا فقهيَّة من باب الصيام: 231
المبحث الرابع: قضايا فقهيَّة من باب الزكاة: 246
المبحث الخامس: قضيَّتان فقهيَّتان من باب الحجِّ: 276
المبحث السادس: قضايا فقهيَّة من باب الذبائح: 285
المبحث السابع: قضايا فقهيَّة من باب النكاح: 297
المبحث الثامن: قضايا فقهيَّة من أبواب متفرِّقة: 336
الباب الثاني: الأصول المستخلصة من هذا الاختلاف
الفصل الأوَّل: خبر الواحد وشروط الاحتجاج به: 383
المبحث الأوَّل: التعريف بخبر الآحاد ودلالتِه: 384
المبحث الثاني: خبرُ الآحاد فيما تعمُّ به البلوى: 387
المبحث الثالث: عملُ الراوي بخلاف ما رواه: 391
المبحث الرابع: خبرُ الآحاد وعملُ أهل المدينة: 395
المبحث الخامس: إثباتُ الحدِّ بخبر الآحاد: 404
المبحث السادس: تعارضُ خبر الآحاد مع القياس
أو الأصولِ العامَّة: 409 (1/484)
صفحة 485
المبحث السابع: الزيادةُ على النصِّ في خبرِ الواحد
الذي يتضمَّن زيادة عمَّا في القرآن: 425
المبحث الثامن: الحديثُ المرسل والاحتجاجُ به: 433
المبحث التاسع: النسخُ في السنَّة: 446
الفصل الثاني: التعارض بين النصوص الشرعية: 463
المبحث الأوَّل: تعريفُ التَّعارُض: 464
المبحث الثاني: شروطُ التَّعارُض: 469
المبحث الثالث: مسلكُ العلماء في دفع التَّعارُض: 471
المبحث الرابع: أثرُ الاختلاف في ترتيب مسالكِ دفع التَّعارُض: 479
المبحث الخامس: التَّعارُضُ بين العامِّ والخاصِّ: 481
المبحث السادس: التعارُضُ بين المطلق والمقيَّد: 494
المبحث السابع: التَّعارُضُ بين أفعال الرسول ح: 505
المبحث الثامن: التَّعارُضُ بين أقوال الرَّسول ح وأفعالِه: 508
المبحث التاسع: التَّعارُضُ بين المنطوقِ والمفهومِ: 513
الفصل الثالث: قواعد الترجيح بين مختلف الحديث: 521
المبحث الأوَّل: تعريفُ التَّرجِيحِ: 521
المبحث الثاني: شروطُ التَّرجِيحِ: 523
المبحث الثالث: وُجوهُ التَّرجِيحِ: 531
الخاتمة: 567
محتويات الكتاب: 571
تم بحمد الله (1/485)