صفحة 1
الكتاب: من معالم فكر ابن بركة.. كيف نتعامل مع السنة النبوية
المؤلف: خالد بن مبارك الوهيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] من معالم فكر ابن بركة
كيف نتعامل مع السنة النبوية؟
للأستاذ : خالد بن مبارك الوهيبي
يعد الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة البهلوي من أبرز علماء القرن الرابع الهجري، ليس في الأوساط الإباضية فحسب، بل هو بتقعيداته الأصولية والحديثية يعد من أبرز علماء ذلك العصر على الإطلاق، وقد قام أحد الباحثين المعاصرينhttp://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn1 بدراسة القواعد الفقهية في كتابه (الجامع)، حيث ذكر 68 قاعدة من قواعد الفقه منبثة في هذا الكتاب و76 ضابطاً، في حين أن بعض معاصريه ممن ألفوا في هذا الباب كأبي طاهر الدباس ذكر 17 قاعدة، فماذا لو استقصى الباحثون بقية كتبه ومؤلفاته؟!.
وموضوع التعامل مع السنة موضوع كثر طرحه قديماً وحديثاً، وتناوله المؤلفون بشتى اتجاهاتهم الفكرية ومدارسهم الفقهية، وهو موضوع يحتاج إلى مزيد بحث، وخاصة لقراءة المناهج التي سارت عليها المدارس الفقهية المتقدمة قبل استقرار المنهج الذي قدمته مدرسة أهل الحديث.
وتوجد دراسات حاولت طرق هذا الجانب ولكنها وقعت في مطبات الإخفاق والفشل لأسباب عدة من أهمها:
- قراءتها لتراث هذه المدارس بالأثر اللاحق، أي أنها حاكمت مفاهيم ومصطلحات هذه المدارس إلى مفاهيم ومصطلحات استقرت لدى المتأخرين، فكانت النتيجة إساءة إلى تراث تلك المدارس.
- دخول دائرة البحث بغرض إثبات فكرة ما بأية طريقة ولي أعناق نصوص المؤلفين من أجل التوافق مع تلك الفكرة، مع أن المنهج المطلوب هو التجرد والبحث والتأمل لقراءة ذلك التراث كما هو عليه لا كما نريده نحن من خلال تصوراتنا ومسلماتنا.
وفي هذا المقال سنحاول إن شاء الله تعالى تجنب هذه الأخطاء في المنهج من خلال قراءتنا لكيفية تعامل ابن بركة مع السنة النبوية من خلال كتابه (الجامع)
ابن بركة ورواية الأحاديث: (1/1)
صفحة 2
من القضايا الجديرة بالاهتمام عند قراءة (جامع ابن بركة) أنه لا يذكر الأحاديث منسوبة إلى مصادرها من كتب الرواية سواء كانت تلك الأحاديث من كتب الأحاديث والرواية عند الإباضية أو غيرهم من المدارس الإسلامية الأخرى.
وقبل الولوج في تفسير هذه الظاهرة في مؤلفات ابن بركة وغيرها من كتب أصحابنا –رحمهم الله- يحسن بنا التوقف عند نقطة هامة للغاية، وهي أن بعض المتأخرين من الباحثين افترضوا فرضية مفادها أن كتب رواية الحديث عند الإباضية كمسند الإمام الربيع بن حبيب –رحمه الله- ومدونة أبي غانم الخراساني –رحمه الله- لم تكن شائعة وقتها حتى ينقل المؤلفون كابن بركة وغيره منها، وقد قمت بنفسي بتتبع الأحاديث الواردة في الجامع، ومما عثرت عليه:
1. قال في ج1 ص 545 (حققه وعلق عليه عيسى الباروني ط الثانية 1974م) : ( أجمع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر) إلى أن قال في نفس الصفحة: (وقد روى أصحاب الحديث من مخالفينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة").
ومن هذا النقل يتبين الآتي:
- تفريق ابن بركة بين روايات (أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا) وبين روايات (أصحاب الحديث من مخالفينا) في نقل رواية في نفس الموضوع، ولا شك أن مسند الإمام الربيع بن حبيب والمدونة لأبي غانم على رأس الكتب الحديثية الإباضية في هذا الشأن.
- من الظاهر أن ابن بركة قد روى هذا الحديث بالمعنى، وهو في مسند الإمام الربيع(295): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس)، وقد عزاه (لأهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا)، ورواية الأحاديث بالمعنى واردة كثيراً في جامع ابن بركة. (1/2)
صفحة 3
2. قال في ج1 ص 124: (والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا يصلي أحدكم وهو زناء" ممدود غير مشدد النون، يريد والله أعلم الحاقن، يعني بذلك الذي يجمع البول في مثانته حتى يضيق به)، وهذه الرواية بنصها في مسند الإمام الربيع (297): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصلي أحدكم وهو زناء)، وقد اجتهدت في البحث عن هذه الرواية في الموسوعة الألفية للحديث (= تضم مئات الكتب الحديثية) وفي مواقع البحث عن الأحاديث في الإنترنت فلم أعثر عليها في غير مسند الإمام الربيع، مما يؤكد أن قد تفرد بها، وأن ابن بركة قد نقلها من المسند دون غيره من كتب الحديث، بل إن تفسيره لمفردة (زناء) هو بعينه كلام الإمام الربيع في مسنده.
وراجع أيضاً ما قاله في ج1 ص 358، وفي مواضع عديدة؛ يروي فيها: إما بالنص أو بالمعنى روايات ينفرد بها المسند دون غيره من غير أن يذكر أنها في المسند.
3. من الكتب التي نقلت الآراء الفقهية والأحاديث النبوية عن المدرسة الإباضية الأولى بالبصرة (مدونة أبي غانم الخراساني)، وهذه المدونة ذات قيمة علمية لا تقل في أهميتها عن مسند الإمام الربيع، والذين روى عنهم أبو غانم في مدونته جلهم من تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة –رحمه الله- من أمثال الربيع وأبي المؤرج وابن عبدالعزيز وأبي غسان مخلد، وما يظهر أن ابن بركة قد اطلع على المدونة ونقل منها، أو على أقل تقدير أن المدونة معروفة لديهم شائعة آراء علمائها بين علماء تلك الحقب. (1/3)
صفحة 4
- قال ابن بركة في ج1 ص 66: (وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن، ولعل هذا مذهب بعض أصحابنا البصريين)، والظاهر أنه يعني بذلك أبا المؤرج الذي قال في المدونة ط وزارة التراث ج1 ص 88 : (ولا ينسخ القرآن إلا القرآن، ولا نعلم رواية نسخت القرآن، إنما ينسخ القرآن القرآن، وكذلك قال الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)).
- قال في ج1 ص 333: (وقد وجدت لبعض أصحابنا البصريين تجويز الصلاة والثلاث بتيمم واحد)، والظاهر أنه يعني بذلك ابن عبدالعزيز البصري وأبا المؤرج تلميذي أبي عبيدة، حيث قال أبو غانم في المدونة ج1 ص 142:
(أرأيت المتيمم؛ هل يصلي بتيممه ذلك ما لم يحدث؟.
قال ابن عبدالعزيز:نعم.
قلت: إن هؤلاء يروون ويقولون إنه يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث.
قال أبو المؤرج وابن عبدالعزيز: لسنا نأخذ بذلك من قولهم، ولا ينتقض التيمم عندنا إلا بما ينقض الوضوء من حدث أو نوم أو غير ذلك أو يقدر على الماء).
- قال في ج1 ص 345: (وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا البصريين أن التيمم لا ينقضه إلا وجود الماء أو الحدث). وهذا هو عين النقل السابق الذي نقلناه من المدونة.
- قال في ج1 ص 591: (واختلف الناس في تكبير صلاة العيدين مع اتفاقهم أنهما ركعتان، وقول ابن عباس: إن التكبير فيهما يجزئ بسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاثة عشرة تكبيرة، وكل سنة)، ولم أجد هذه الرواية عن ابن عباس (=قول ينسب لابن عباس بهذه الصيغة في تحديد التكبيرات) رغم البحث والتقصي (في الموسوعات الحديثية على الأقراص أو في الإنترنت) سوى في المدونة، فقد جاء فيها ج1 ص 91: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عن صلاة الفطر والأضحى.
قالوا جميعاً: يستفتح بتكبيرة الافتتاح، ثم يكبر أربع تكبيرات يوالي بينهن، ثم يقرأ ويكبر ويركع ويسجد، فإذا فرغ من قراءته الثانية كبر ثلاث تكبيرات، ثم يكبر التي يركع بها، ويركع ويسجد. (1/4)
صفحة 5
قال أبو المؤرج: وهذا أحسن ما سمعت من أبي عبيدة، والذي كان عليه رأيه، وقد كان يجيز التكبير بتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، إنما يجعل الشفع أولاً والوتر آخراً.
قال: وإن كبرت بتسع فكبر في الأولى أربعاً وفي الآخرة خمساً، وإن كبرت إحدى عشرة فكبر أولاً ستاً ثم تستفتح القراءة، ثم تقرأ وتسجد، فإذا نهضت قائماً فاقرأ، فإذا فرغت من قراءتك فكبر خمساً.
وإن كبرت ثلاث عشرة فكبر أولاً خمساً ثم تركع وتسجد، فإذا نهضت قائماً فاقرأ، فإذا فرغت من قراءتك فكبر خمساً، ثم تركع فإذا رفعت رأسك من الركوع فكبر ثلاثاً، ولا يكبر بعد الركوع إلا الذي يكبر بثلاث عشرة تكبيرة.
قال أبو المؤرج: قال أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: كل ما وصفت لك من هذا التكبير في صلاة الفطر والأضحى كله جائز على حال ما وصفت لك).
ومن الواضح أن ابن بركة هنا روى الرواية من المدونة بالمعنى، لكن المعنى واحد، ولم يورد أحد –بحسب البحث- قول ابن عباس هذا سوى أبي غانم في مدونته ونقلها عنه ابن بركة.
كيف يتعامل ابن بركة مع السنة؟:
( (1/5)
صفحة 6
وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، فهو قوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) الأعراف:3، والسنة أيضاً مأخوذة من الكتاب قال جل ذكره: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) المائدة:92 وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) النساء:59 وقال جل ذكره: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) النور:63 وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء:80 وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) النساء:65 وقال: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) النجم:3 والسنة عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn2.
من هذا النص عن ابن بركة يتبين أنه يرى أن الأصل الأصيل للدين هو كتاب الله وأن (أحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين) والسنة كذلك هي التطبيق العملي لكتاب الله تعالى لأن (السنة عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها). والسنة أيضاً على ضربين:
- (فسنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها) ، يقسم ابن بركة السنة هنا إلى قسمين والذي يظهر أن هذا التقسيم بحسب طريق الورود: (1/6)
صفحة 7
- سنة مجمع عليها (وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها)، وهذه تشمل ما تواتر من العمليات من سنته صلى الله عليه وسلم، وهي توقيف (لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn3. ويبدو من مصطلح ابن بركة أنه يعبر عن السنة المتواترة بالسنة التي (قد اجتمع عليها)، إذ ما تواتر من العمليات وبعض الأقوال عن النبي صلى الله عليه هو القدر (المجمع) عليه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ الكل علمها.
- سنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها)، وهي المعروفة بأخبار الآحاد، وهي التي (لم يبلغ الكل علمها)، لذا فهو يقول إن (الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn4. ولعله يقصد بذلك ما عمل به السلف الأول من الصحابة والتابعين أو اشتهر بين الجميع الذي عبر عنه ابن بركة (وقع عليه الإجماع).
- ومن خلال تتبع (الجامع) لابن بركة وجدنا أن له ضوابط في التعامل مع هذا النوع من الأخبار، ومن ذلك:
1. لابد من سلامة الخبر من مخالفة الكتاب العزيز وما دلت عليه العقول السليمة. وقد نص ابن بركة على ذلك عندما قال عن حديث "إن الميت يعذب ببكاء أهله": (وهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn5 .
2. صحة الإسناد من عدالة الرواة وضبطهم واتصال السند، و (لذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn6. (1/7)
صفحة 8
3. وضع الرواية في موضعها الصحيح بعد سلامة (المتن) و (السند)، فسلامة المتن والسند لا يعنيان بحال من الأحوال وجوب العمل بالرواية عند ابن بركة –كما يظهر من صنيعه في الجامع-، فهو يرى أنه (تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn7 أي أنه يرى: لا بد من خضوع الخبر الآحادي بعد ثبوت (متنه) و (سنده) لهيمنة الدلالات القرآنية والثابت والمستقر من الأحكام والتشريعات في السنة (والسنة أيضاً مأخوذة من الكتاب) وهي التي عبر عنها ابن بركة (استغني بالإجماع عن طلب صحتها) إذ إن (أحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn8. فلذا (كان مرجعهم إلى الكتاب)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn9. وهذه الدلالات القرآنية الكلية هي التي تنظم دائرة الآحاد وتنظم حركة الحياة وفق قوانين المولى تبارك وتعالى: النصية والكونية.
بين منهجين:
قال النووي في "المجموع شرح المهذب" (6/34) نقلاً عن بعض أئمة الحديث: (إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ خلاف قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ وَاتْرُكُوا قَوْلِي، أَوْ قَالَ: فَهُوَ مَذْهَبِي). وهذا القول نسب إلى الكثيرين من علماء أهل الحديث والأثر، ومثل هذا الكلام يشهره المحدثون في وجه الفقهاء ويعيبون عليهم أنهم كثيراً ما يتركون (الأحاديث والآثار) ويعتمدون على آرائهم وأقيستهم في مقابل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. (1/8)
صفحة 9
ويحضرني في هذا المقام ما رواه الترمذي وغيره من أصحاب السنن عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، أنَّهُ سُئلَ عن رَّجلٍ تزوَّجَ امرأةً ولم يفرضْ لها صداقاً، ولم يدخلْ بها حتىَّ ماتَ. فقال ابنُ مسعود: لها مثلُ صداقِ نسائِها، ولا وكسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ ولها الميراثُ. فقامَ معقلُ بنُ سنان الأشجعيُّ فقال: قضى رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّم في بروعَ بنتِ واشقٍ، امرأةٍ منَّا، مثلَ ما قضيتَ. ففرحَ بها ابنُ مسعود).
فهذه الرواية كثيراً ما يتداولها المحدثون ويرون فيها (حجة لازمة) في وجوب حكم صداق المثل لمن توفي عنها زوجها ولم يسم لها صداقاً، وكثيراً ما يشنعون على الفقهاء الذين لم يروا في هذه الرواية إلزاماً بهذا الحكم وينقلون عن (الْحَاكِمُ فِي المستدرك: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ يَقُولُ: سَمِعْت الْحَسَنَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْت حَرْمَلَةَ بْنَ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْت الشافعي يَقُولُ: إن صح حَدِيثُ بروَعَ بنت واشق قُلْت بِهِ، قَالَ الْحَاكِمُ: فَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَوْ حَضَرْت الشافعي لَقُمْت عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَقُلْت: قَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَقُلْ بِهِ)http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn10.
مع أن الفقهاء حينما لم يعولوا على هذه الرواية كانوا يأخذون بالحظ الأوفر من النظر (=التعبير الذي يستخدمه ابن بركة كثيراً في الجامع)، فهم قد عولوا على:
1. عدم اشتهار هذه الرواية بين الصحابة وبالأخص بين فقهائهم كعبدالله بن عباس وابن عمر وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن أفتوا بأنه لا صداق للمرأة في مثل هذه الحالة.
2. بل وحتى ابن مسعود نفسه لم يكن على معرفة بتلك الرواية، وإنما عول على نظره في القضية، وبعد ذلك أخبره معقل بن سنان بقصة بروع بنت واشق. (1/9)
صفحة 10
3. في حين أن مثل هذه القضايا تعم بها البلوى ويحتاج الناس إليها، فينبغي أن تكون أقضية النبي صلى الله عليه وسلم فيها مشتهرة بين الناس، وبخاصة بين فقهاء الصحابة والمشتغلين بالفتوى والقضاء منهم، في حين لا يطلع عليها إلا من هم دون هذه المرتبة العلمية، فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حريصاً على تبليغها للناس على وجه التشريع الملزم، لذا فهي في كثير من الأحوال تكون – إن صحتhttp://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftn11- من وقائع الأحوال التي لها ملابساتها وظروفها الخاصة.
4. لذلك فقد عولوا على النظر في كتاب الله عز وجل حول قضية (الصداق)، وبالاستقراء الكلي لمجموع النصوص لعلهم رأوا أن:
صداق المرأة مرتبط بأمرين اثنين
-المس (=تعبير قرآني راق كناية عن المعاشرة الجنسية)، وهو العامل الأهم في تحديد الصداق، وهو إن حصل حتى مع عدم تسمية الصداق فيحكم بالصداق كاملاً قال تعالى: ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) النساء:24
- تسمية الصداق: (تفرضوا لهن فريضة) قال الله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) البقرة:236 وقال تعالى: ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) البقرة:237.
-ففي الآية 236 من سورة البقرة ينفي الله سبحانه وتعالى الجناح عمن طلق النساء دون حصول ممارسة جنسية بينهما أو دون فرض فريضة لهن، ولذا فحين يحصل التطليق مع (فرض فريضة لهن) دون مس (فنصف ما فرضتم) أي للمطلقة نصف الصداق في هذه الحالة.
- ومع الوفاة وعدم تسمية الصداق وعدم حصول المس قالوا لا صداق لها عليه وعليها العدة ولها الميراث، لأن الأمرين معاً (المس وتسمية الصداق) لم يتوافرا في هذه الحالة. (1/10)
صفحة 11
- فهم قد نظروا إلى أن هذه الرواية على خلاف هذه الأصول القرآنية فلم يعولوا عليها في نظرهم.
أما ابن مسعود رضي الله عنه فلم يكن على علم بالرواية لما أصدر حكمه في القضية، ويبدو أنه عول على نظر آخر في المسألة، ولعله –كما يذكر ذلك بعض الفقهاء- كان يرى أن الموت كالدخول أخذاً من أحكام المرأة المعتدة.
وعلى كل حال فالمسألة مسألة رأي ينبغي أن يتفهم فيها: ظروف وملابسات وردود النص الملزم ودلالته، أما الإلزام فيها فلا يكون إلا من أولياء الأمر الذين عناهم المولى تبارك وتعالى بقوله: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فإن حكمهم هو الذي يرفع الخلاف ويحسم النزاع بما يحقق مصلحة المسلمين وفق واقعهم الزماني والمكاني.
وابن بركة حين قال: (لذا تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب) يختلف اختلافاً جذرياً عن ما نقل عن أهل الحديث والأثر: (إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ خلاف قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ وَاتْرُكُوا قَوْلِي, أَوْ قَالَ: فَهُوَ مَذْهَبِي).
فابن بركة يقولها بصريح العبارة: (ثم التنازع في تأويلها) فقد يصح الحديث سنداً ولا يكون نصاً في الموضوع، أو يكون من وقائع الأحوال التي لها ظروفها وملابساتها الخاصة، أو تقدم عليه دلالات أخرى كالاستقراء الكلي لمجموع النصوص، أو يلزم حالات معينة لا يتعداها، أو يتخلف الحكم بتخلف علته (فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب)، في حين أن أهل الحديث والأثر لا يعولون على شيء من ذلك في أغلب الأحيان.
ونختم هذا الباب بمناقشة بين أستاذ (=عبدالله بن عبدالعزيز) وتلميذه (=أبو غانم الخراساني) نقله لنا أبو غانم في مدونته (أقوال ابن عبد العزيز) ج3 ص11، دار الكتب المصرية (مرقونة)، وهذا الحوار يدور حول هذه المسألة، وننقل هذا الحوار على طوله لنفاسته العلمية:
(( (1/11)
صفحة 12
قلت(= أبو غانم): أرأيت لو أن رجلاً تزوج امرأة ولم يفرض لها فريضة أيجوز هذا النكاح في قول أبي عبيدة؟.
قال(= ابن عبدالعزيز): نعم.
قلت: أرأيت إن دخل بها قبل أن يفرض لها؟.
قال: لها مهر مثلها.
قلت: وهذا قول أبي عبيدة؟.
قال: نعم هذا قوله الذي حملناه عنه.
قلت: فإن طلقها قبل أن يمسها، ما قول أبي عبيدة في ذلك؟.
قال: قوله أن لها المتعة.
قلت: أتوجب هذه المتعة وتجبر الزوج عليها؟.
قال: نعم نوجبها عليه ها هنا ونجبره عليها، وليس في المتعة عنده شيء أو جب من هذه.
قلت: فإن أبى الزوج أن يمسها كراهية أن يجب عليه بمسيسه إياها صداق مثلها؟.
قال: يقال له: فراضها على صداق معلوم، وأجر لها نفقتها وكسوتها إلى أن تتراضيا على صداق معلوم.
قلت: فإن ماتت قبل أن يتراضيا على صداق معلوم، فطلب أولياؤها الصداق أو المتعة، أيكون ذلك لهم في قول أبي عبيدة؟.
قال: لا يكون لهم في قوله متعة ولا صداق، وإنما يكون لهم في قوله الميراث، ولا صداق لهم ولا متعة.
قلت: وكيف أجاز أبو عبيدة نكاحاً بغير صداق؟.
قال: لأن الله تعالى أجاز ذلك في كتابه.
قلت: وأي موضع في كتاب الله أجاز النكاح بغير فريضة؟، لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت ما تقول في كتاب الله.
قال: لعمري لئن قرأت كتاب الله ما بين اللوحين لوجدت ما قلت لك فيه، ولكن لم تفهم عن الله تعالى قوله في كتابه.
قلت: ففهمه لي حتى أفهمه عنك.
قال: بيان ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: (لا جناح عليكم) يعني ولا حرج عليكم يعني الأزواج، (إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) يعني أنه لا بأس على الرجل أن يطلق امرأته التي يملك عصمتها بالعقدة ما لم يجامعها أو يفرض لها فريضة.
قلت: ولا يجب عليه صداقاً حتى يمسها فحينئذ يجب عليه صداق مثلها.
قال: نعم.) (1/12)
صفحة 13
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref1هو الشيخ القاضي زهران بن خميس المسعودي وعنوان دراسته (الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع).
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref2جامع ابن بركة ج1 ص 280.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref3 المرجع السابق ج1 ص280.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref4 المرجع السابق ج1 ص 547.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref5المرجع السابق ج1 ص 495.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref6المرجع السابق ج1 ص 280.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref7المرجع السابق ج1 ص 280.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref8المرجع السابق ج1 ص 279.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref9المرجع السابق ج1 ص 280.
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref10التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (1/40).
http://www.alnadwa.net/malshar/fikr ibn barka.htm - _ftnref11 جاء في (آثار الربيع) ص1 (مخطوطة بدار الكتب المصرية) بتصرف: (الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء قال: في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ثم مات؟).
قال:لا صداق لها وعليها العدة ولها الميراث. قال جابر بن زيد: لو نجد هذا عن ابن مسعود عن ثقة لأخذنا به) اهـ. وهذا دليل آخر على أن الرواية لم يعرفها حتى كبار التابعين كجابر بن زيد رحمه الله، بل إنه لم يعثر على ثقة عنده لروايتها عن ابن مسعود قولاً ينسب إليه، لذا عول على الدلالات القرآنية في النظر في هذه المسألة، (1/13)