صفحة 1
بحث: منهج تحقيق غريب الحديث عند الإمام المبرد من خلال كتابه الكامل في اللغة والأدب
الباحث: الحاج أحمد بن حمو كروم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الذي جعل العلم دولة بين الأغنياء والفقراء وأهل النسب وأهل الحسب "فرفع به أقواما ووضع به أقداما" - والصلاة والسلام على سيدنا محمّد النبي الأمّي الذي كان خير من نطق بالضاد في اللغة العربية وفاق بها جميع البشر وعلى آله وصحبه الأتباع وذوي المجد والتحقيق في جميع الفنون العلمية وكانوا السابقين إلى بناء الحضارة الإنسانية في جميع الأرض.
سيدي رئيس الجلسة العلمية.
سيدي رئيس المؤتمر الدولي حول المبرد.
سادتي العلماء.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
يسعدني أن أشارككم بهذه المداخلة الموسومة بـ "منهج تحقيق غريب الحديث عند الإمام المبرد من خلال كتابه "الكامل في اللغة والأدب" وقد قسّمتها إلى مبحثين هما:
1 - المبحث الأول: تعريف الكاتب والكتاب وعلم الغريب.
2 - المبحث الثاني: منهج تحقيق غريب الحديث عند الإمام المبرد من خلال كتابه الكامل بعد تخريجها.
وأنا أهدف من هذه المداخة إلى إظهار جهود المبرد في شرح السنة المشرفة خاصة وأنه وجد في العهد الذهبي لتدوين السنة المشرفة وهو القرن الثالث الهجري حيث عاصر الإمام البخاري (ت.256هـ) والإمام مسلم (ت.261هـ) والإمام أبا داود (ت.275هـ) والإمام ابن ماجة (ت.275هـ) والإمام الترمذي (ت.279هـ) والإمام النسائي (ت.303هـ) وغيرهم من أصحاب التصانيف المعتمدة في حفظ السنة ونقدها وشرحها، وقد ترك في التفسير والعقيدة واللغة والأدب والشعر كتبا متميّزة أصبحت ملاذ كثير من أصحاب الأدب والفقه واللغة إلا أنني لاحظت أنه لم يخصص للحديث النبوي الشريف كتابا معينا لرواية السنة وشرحها رغم أن الجو العام آنذاك يدعو إلى ذلك .... ولما وجدت الإمام مجد الدين أبا السعدات المبارك بن محمّد الجزري (ت.606هـ) في كتابه النهاية في غريب الحديث والأثر يقول: (1/1)
صفحة 2
«ثم صنف الناس غير من ذكرنا في هذا الفن تصانيف كثيرة منهم تمر بن حمدويه، وأبو العباس أحمد بن يحيى اللغوي المعروف بثعلب، وأبو العباس محمّد بن يزيد الثمالي المعروف بـ المبرّد ... »
وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث» (1).
وبحثت عن هذا الكتاب "غريب الحديث" في آثار المؤلّف فلم أجده ... ولما تتبعت إحالات المؤلف ابن الأثير إلى شرح السنة (2) عرفت أنه يقصد كتابه "الكامل" لا غير، وعرفت أنه لم يخصص كتابا خاصا لذلك، وقد تأكدت من ذلك لما وجدت محمود بن عمر الزمخشري (ت.539هـ) في كتابه الفائق (3) في غريب الحديث يعتمد كثيرا على المبرد في كتاب الكامل عند شرح غريب الحديث.
وعندما تتبعت الكامل للإمام المبرد وجدته غنيا بشرح السنة النبوية فرغبت أن أفيد السامع والقارئ بهذه الثروة العلمية المغمورة داخل كتب الأدب واللغة ... وأن مساهمة الإمام المبرد في خدمة السنة هي الدراية لا الرواية كما كان يقوم أكثر رجال الرواية في عصره، ونجد ممن سبقه في هذا الفن من الحديث أبا عبيد القاسم بن سلام (ت.224هـ) وأبا محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت.271هـ) وقبلهما أبا عبيدة معمر بن مثنى (ت.210هـ).
وقد بحثت في المصادر والمراجع وبعض المجلات المحكمة ممن اهتم بالموضوع فلم أجد من تعرض له من قبل ولذلك اخترته عن غيره من المواضيع المفيدة لدراسة هذه الشخصية الموسوعية الفذة.
ولعرض المداخلة اخترت المنهج الاستقرائي الوصفي حتى أجمع أجزاء الموضوع في جميع مجالاته. وأرجو أن أكون موفقا في الطرح والعرض.
المبحث الأول: تعريف المبرّد وكتابه الكامل وعلم الغريب.
من أجل عرض هذا المبحث عرضا مرتبا استحسنت تقسيمه إلى ثلاثة مطالب مفيدة هي:
المطلب الأول: ترجمة مركزة عن المبرد.
مولده ونسبه:
هو محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر بن ثمالة، عوف بن أسلم بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد الفراهيدي (4) الأزدي العُماني، أصله من بلدة مقاعس (5) في ناحية الباطنة بسلطنة عُمان، كنيته أبو عبد الله لأن الكنية التشريفية لمحمّد هي "أبو عبد الله"، وأمّا لقبه " المبرَّد" بالفتح فقد جاءه من معنيين (6) هما:
1) اختفى عن أنظار الشرطة في بيته داخل برميل ماء بارد وهو يكرهه لأنه ذم له.
2) عندما شرح كتاب "الألف واللام" لشيخه المازني فأعجب به فقال له: «لقد برَّدت القلوب بما فعلت» (7) فسمّي "المبرد" بكسر الراء، وهو الذي يرضى به.
ولد المبرّد في مدينة مقاعة سنة207هـ (8) أو 210هـ (9)، وهناك من يقول: إنه ولد في البصرة (10) بالعراق.
تعلّمه ونشأته:
حفظ القرآن الكريم ودرس اللغة العربية والأدب فأتقنها، وقد تلقى علومه عند الشيخ أبي عثمان المازني (11) (ت.248هـ) والشيخ أبي حاتم السجستاني (12) (ت.255هـ) وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (13) (ت255هـ) العباس بن الفرج الرياشي (14) التوزي (15) جعفر بن عيسى بن
__________
(1) - ابن الأثير: انظر النهاية ص7.
(2) - ابن الأثير: النهاية ج1 ص97 - 312.
(3) - الزمخشري: الفائق في غريب الحديث ج1 ص100 - 194 - 387 - 448 / ج2 ص111 - 150 وغيرها.
(4) - العوتبي: الأنساب ج1 ص784.
(5) - هي بلدة بين صحم والخايور ... وهناك من يضبطها بلفظ " مقاعة".
(6) - أحمد درويش وغيره: كتاب الأدب والنصوص للصف الثاني الثانوي، ط2، ص160.
(7) - المبرد: الكامل (مقدمة الدالي).
(8) - المرجع نفسه.
(9) - السيوطي: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ص117.
(10) - ابن خلكان: وفيات الأعيان ج4 ص314.
(11) - المبرد: الكامل ج1 / ص242 - 267 - 422.
(12) - المبرد: الكامل ج2 / ص256.
(13) - المبرد: الكامل ج2 / ص293 - 47 - 501 - 537.
(14) - المبرد: الكامل ج2/ ص148، ج3/ ص339 - 394.
(15) - المبرد: الكامل ج2 / ص05 - 244 - 451. (1/2)
صفحة 3
جعفر الهاشمي (1) عبد الصمد بن العذل (2) إبراهيم بن محمد التيمي (3) قاضي البصرة وغيرهم ممّن أوصلهم محقّق الكامل إلى 38 عالما.
تدريسه:
لقد درّس كتاب سبويه وهو حدث السن ... وقد روي أن شابا من أهل نيسابور أتى أبا حاتم السجستاني فقال: يا أبا حاتم إنّي قدمت بلدكم وهو بلد العلم والعلماء وأنت شيخ هذه المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه ... فقال له أبو حاتم: الدين النصيحة إن أردت أن تنتفع بما تقرأ فاقرأ على هذا الغلام محمّد بن يزيد.
وقد اتصل بالخلفاء العباسيين مثل المتوكل سنة 246هـ في سر من رأى، ومحمّد بن عبد الله بن طاهر سنة 247هـ في بغداد فأكرموه وعينوا له أجرة محترمة.
تلاميذه:
لقد تخرّج في مدارسه عدد كبير من العلماء في اللغة والأدب والشعر مثل أبو إسحاق الزجاج (ت.311هـ) والأخفش أبو الحسن علّي (ت.315هـ) وأبو الفضل المنذري الهروي (329هـ) وغيرهم ممن أوصلهم المحقق (4) إلى أكثر من أربعين تلميذا من أساطين اللغة والأدب في القرن الثالث والرابع الهجريين.
مناظراته:
المبرِّد يمثل المدرسة البصرية في اللغة العربية يقول عنه ابن جني: «يعدّ جبلاً في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا وهو الذي نقلها وقررها وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها»، وقال الأزهري: «كان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه» (5). وكانت له
__________
(1) - المبرد: الكامل ج2 / ص312.
(2) - المبرد: الكامل ج2 / ص364 - 367.
(3) - المبرد: الكامل ج3 / ص45.
(4) - د. محمّد أحمد الدالي: الكامل ج1 /ص24.
(5) - د. محمد أحمد الدالي: م. س ص25. (1/3)
صفحة 4
مناظرات مع إمام المدرسة الكوفية في اللغة أبي العباس (1) أحمد بن يحيى (ت.291هـ) الملقب بـ"ثعلب" حتى تنافسا، وكان لكل واحد منهما أنصار يؤيدونه وكانت الغلبة دائما للمبرّد بسبب فصاحته وحلو بيانه (2).
آثاره الفكرية:
لقد أثرى المبرد المكتبة الإسلامية بتآليف قيمة تشهد له بالغزارة الفكرية والتفوق والموسوعية والذكاء وهي تفوق أربعين كتابا منها الموجود ومنها المفقود ومنها المطبوع ومنها المخطوط نذكر منها:
1) كتاب الكامل في اللغة والأدب. (مطبوع)
2) كتاب المقتضب في النحو. (مطبوع)
3) كتاب القوافي.
4) كتاب الاشتقاق.
5) كتاب معاني القرآن.
6) كتاب إعراب القرآن.
7) كتاب الرد على سيبويه.
8) كتاب قحطان وعدنان.
9) كتاب شرح قواعد كتاب سيبويه.
10) كتاب المقصور والممدود.
11) كتاب الروضة في الشعر.
12) كتاب الخط والهجاء.
13) كتاب المذكر والمؤنث.
14) كتاب الحروف في معاني القرآن.
15) كتاب البلاغة وقواعد الشعر.
16) كتاب صفات الله تعالى.
17) كتاب المدخل في النحو.
18) كتاب التعازي والمراثي.
19) كتاب أدب الجليس.
20) كتاب التصريف.
21) طبقات النحويين البصريين وأخبارهم (3)
__________
(1) - الحمصي: تهذيب سير أعلام النبلاء، للذهبي ج1 ص559.
(2) - د. محمد أحمد الدالي: م. س ص25، وقد نقل هذا الرأي عن ختن "ثعلب" أبي عبد الله الدينوري.
(3) - د. محمّد أحمد الدالي: الكامل ج1/ ص26 إلى 30، وقد أوصل عددها إلى 56 كتابا. (1/5)
صفحة 5
مميزاته الشخصية:
لقد وصف المبرد معاصروه بأوصاف جليلة ترفع من قدره وتعظمه في النفوس، قال عنه مستمليه ابن أبي الأزهر:
«كان من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة القريحة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه» (1)
ويقول عنه ابن عماد الحنبلي في كتاب شذرات (2) الذهب في أخبار من ذهب: «وكان وسيما، مليح الصورة، فصيحا، مُفَوَّهاً، إخباريا، علّامة، ثقة».
وفاته:
يقول المسعودي في مروجه (3): «وفي هذه السنة 285هـ كانت وفاة أبي العباس محمّد بن يزيد النحوي المعروف بالمبرّد ليلة الاثنين لليتين بقيتا من ذي الحجة، وله تسع وسبعون سنة، ودفن بمقابر باب الكوفة من الجانب الغربي بمدينة السلام».
المطلب الثاني: كتاب الكامل للمبرِّد
هو كتاب من عيون كتب الأدب واللغة الأربعة التي قال عنها ابن خلدون في مقدمته (4): «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين وهي:
أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علّي القالي البغدادي وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها».
وسبب تأليفه يقول عنه مؤلفه:
__________
(1) - د. محمّد أحمد الدالي: الكامل ج12 / ص24 - 25.
(2) - ابن عماد الحنبلي: شذرات الذهب ص191 ج2، نقلا عن ابن خلدون في تاريخه.
(3) - المسعودي: مروج الذهب ج4 ص175.
(4) - ابن خلدون: المقدمة ص508 (علم الأدب). (1/6)
صفحة 6
«هذا كتاب ألفناه يجمع ضروبا من الآداب: ما بين كلام منثور وشعر موصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة، والنية فيه أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب من كلام غريب، أو معنى مستغلق، وأن نشرح ما يعرض فيه من الإعراب شرحا شافيا حتى يكون هذا الكتاب بنفسه مكتفيا، وعن أن يرجع إلى أحد في تفسيره مستغنيا ... » (1) ثم يشيد في النهاية قائلا: «هذا الكتاب قد وفيناه جميع حقوقه، ووفينا بجميع شروطه، إلا ما أذهل عنه النسيان، فإنه قلما يخلى من ذلك ... » (2)
وعليه فهو يقصد عرض ستة فنون من فنون الأدب: النثر والشعر والأمثال والمواعظ والخطب والرسائل، وهو بهذا يعتبر موسوعة أدبية متنوعة تهذّب الأخلاق وتقوّم اللسان، وتمكّن الأديب من تذوّق الشعر الظريف والنثر الفصيح ...
ولما تتبعت الكتاب من خلال الفهارس التي وضعها المحققون المخلصون في نهاية الكتاب وجدته قد التزم بهذا وزيادة، ومن خلال هذه الأرقام التي أضعها أمامكم سوف تتحسسون القيمة العلمية لهذا الكتاب النفيس وتعيدون له الاعتبار أكثر من ذي قبل سواء كان ذلك في تقسيمه جزءين أو على ثلاث أو على أربعة أجزاء:
1) الأبواب: 53 بابا أو 57 بابا أو 59 بابا.
2) الآيات القرآنية: 460 آية، القراءات: 36 آية.
3) السور القرآنية: 93 سورة.
4) الأحاديث النبوية: 130 حديثا مسندة وغير مسندة.
5) الآثار للصحابة: أكثر من مائة أثر رواها عن أكثر من أربعين صحابيا.
6) الأمثال: 75 مثلا.
7) الأعلام: 1590 علما.
8) الفرق والقبائل: 338 علما.
9) الأماكن: 341 علما.
__________
(1) - المبرد: الكامل ج1 ص61 - 62.
(2) - المبرد: الكامل ج3/ ص452. (1/7)
صفحة 7
10) أيام العرب: 50 علما.
11) الكلمات المشروحة: 2824 كلمة.
12) الخطب: 25 خطبة.
13) الرسائل: 36 رسالة.
14) وأمّا الشعراء فهم أكثر من 615 شاعراً وقد أنشدوا مآت القصائد موزعة بين 12 بحراً (الطويل-الوافر- مديد - رمل- رجز- بسيط- سريع- منسرح-كامل- متقارب- خفيف- هزج) فهي تمثل غالبية ما في الكتاب من الفوائد.
وغيرها من المعارف المفيدة في الفقه والبلاغة والبيان ممّا لا يستغني عنه أي دارس متخصّص في اللغة العربية، فهو من خلال هذه الإحصائيات يأخذ من كل فن بطرف ففي التفسير حاضر، وفي الخطابة مرافق، ومع الشعراء والأعلام محاور.
وقد اطلعتُ على أربع طبعات من كتاب الكامل للمبرّد وهي:
1) طبعة مؤسسة المعارف بيروت صححت بمعرفة لجنة من المحققين بدون تاريخ النشر والتحقيق – الجزء الأول 45 بابا / الجزء الثاني 12 بابا.
2) طبعة المكتبة العصرية - بيروت- تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم طبعة جديدة ومنقحة عام 1431هـ/2010م مقسمة إلى أربعة أجزاء ذات 53 بابا - وقد ذيله بأحد عشر فهرسا.
3) طبعة دار الفكر مع شرح مختصر في هوامشه من وضع الشيخ إبراهيم بن محمّد ثلاثة أجزاء بدون وضع ترقيم للأبواب.
4) طبعة مؤسسة الرسالة – ناشرون- دمشق - بعناية مركز الرسالة للدراسات وتحقيق التراث، تحقيق الدكتور محمّد أحمد الدّالي، ط2، سنة 1434هـ/ 2013، وحقّق في هامشه معه: كتاب القرط على الكامل لابن سعيد الخير (ت.571هـ) وكتاب التنبيهات على الكامل لأبي القاسم علّي بن حمزة البصري (ت.375هـ)، وقد قسّمه إلى 04 أجزاء وبوّبه إلى 54 بابا، وذيله بـ 31 فهرسا وهي أروع طبعة محققة تحقيقا علميا مفيداً حسبما رأيت من هذه الطبعات لهذا الكتاب القيم. (1/8)
صفحة 8
المطلب الثالث: علم غريب الحديث
تعريف: الغريب في اللغة هو البعيد عن أقاربه ووطنه، وكلام غريب أي بعيد عن الفهم (1).
وفي الاصطلاح: غريب الحديث هو علم (2) يضطلع بشرح المفردات اللغوية الغامضة في متون الأحاديث ممّا يقل استعماله من ألفاظ اللغة العربية، حتى يتم فهم الحديث النبوي الشريف لاستنباط الأحكام الشرعية منه.
مصنفاته: وقد برع فيه علماء محققون مثل: أبي عبيدة معمر بن المثنى (ت.210هـ)، ابن قتيبة الدينوري (ت.276هـ) والإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت.538هـ) صنف فيه "الفائق في غريب الحديث" ثم تلاه العلامة ابن الأثير أبو السعادات مجد الدين المبارك بن محمّد (ت.606هـ) فصنف فيه كتابه القيم: "النهاية في غريب الحديث والأثر".
أنواعه: هناك من يخصّص كتابه لشرح مفردات كتاب معين في الرواية مثل كتاب "غريب حديث البخاري" للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت.852هـ) وكتاب "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض اليحصبي (ت. 544هـ) الذي خصصه لغريب الموطأ والصحيحين، وهناك من يجمع بين غريب القرآن والحديث مثل "كتاب "الغريبين" تأليف أبي عبيد أحمد بن محمّد الهروي (ت. 401) (3) وهناك من يخصص لمفردات الحديث كتابا عاما مثل "غريب الحديث" تأليف أبي سليمان حمد الخطابي (ت.388هـ) ...
برامج الحاسوب: ورغم أننا لا نجد كتبا تصدر عن هذا الفن في الآونة الأخيرة ويظهر كأنها قد توقفت ولكننا نجدها قد زادت بنمط آخر، وذلك عن طريق برامج الحاسوب المسهلة للوصول إلى لفظ الحديث وغريبه في أسرع ما يكون مثل المكتبة الألفية للسنة النبوية (4) التي تيّسر الوصول إلى أي سند أو كلمة أو نص في 500 ألف رواية حديث بعنوان الكتاب ومؤلفه والصفحة والجزء.
والباحث المحقق يجتهد في الرجوع إلى المصادر الأصلية للموسوعة حتى لا يخطئ في نصوص السنة المشرفة.
__________
(1) - د. محمود زقزوق وغيره: موسوعة علوم الحديث الشريف، ص 559.
(2) - د. عبد الرحمن الخميسي: معجم علوم الحديث، ص159.
(3) - د. محمد أبو الليث الخير آبادي: علوم الحديث أصلها ومعاصرها، ص298.
(4) - د. محمد ناصر الجوهري منصور: الأعمال الموسوعية في السنة النبوية، ص136. (1/9)
صفحة 9
كما نجد الفهارس الفنية التي يذيل بها كل كتاب في الحديث قد احتلت مكان هذه الكتب بجدارة.
أهميته: وتبرز أهمية هذا العلم فيما يلي (1):
1) ضبط ألفاظ السنة ضبطا يوافق المعنى.
2) الوقوف على الأحكام الشرعية العملية.
3) إبعاد التصحيف عن ألفاظ السنة المطهرة.
4) التنبيه إلى أخطاء النسّاخ والرواة.
5) المحافظة على السنة الصحيحة.
المبحث الثاني: منهج تحقيق غريب الحديث عند المبرّد.
لم يظهر للإمام المبرّد كتاب متخصّص في غريب الحديث رغم أن الكثير من أصحاب الغريب يرجع إليه في ضبط معاني بعض الكلمات في القرآن والسنة، وإنما المصدر المتبادر هو موسوعته الأدبية القيمة "الكامل في اللغة والأدب" لأنّه قد تعرض فيه لشرح غريب أكثر من 130 حديثا، جعلها كشاهد لنفس الغريب في بعض الأبيات الشعرية أو العكس حيث يشرح الغريب الموجود في الحديث ببيت شعري، وقبل أن أتعرض لهذا المنهج أستعرض مجموعة من الأحاديث التي ذكرت في كتابه "الكامل".
المطلب الأول: أحاديث الكامل
مجموع الأحاديث المذكورة في كتاب "الكامل في اللغة والأدب" تعد أكثر من 150 حديثا مع التكرار، وإذا حذفنا التكرار وحذفنا الموقوف والمقطوع فإننا نخلص إلى 103 حديثا، وهذه الأحاديث تقسّم على الأبواب كما يلي:
1) باب الأخلاق
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2): «ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم منّي مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون» (3)
__________
(1) - د. محمد جوابي طاهر: جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف، ص284.
(2) - رواه الترمذي: كتاب البر، رقم 2018 عن جابر.
(3) - المبرد: الكامل، ج1 ص66. (1/10)
صفحة 10
قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الموطؤون أكنافا» مثل، وحقيقته أن التوطئة هي التذليل والتمهيد، يقال دابة وطئ يا فتى، وهو الذي لا يحرك راكبه في مسيره، وفراش وطئ إذا كان وثيرا لا يؤذي جنب النّائم عليه، فأراد القائل بقوله: موطأ الأكناف أن ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذٍ ولا ناب به موضعه ... »
وتأويل الأكناف الجوانب، يقال في المثل: فلان في كنف فلان، كما يقال: فلان في ظل فلان، وفي ذرى فلان، وفي حيز فلان.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الثرثارون» يعني الذين يكثرون الكلام تكلّفا وتجاوزا وخروجا عن الحقّ، وأصل هذه اللفظة من العين الواسعة من عيون الماء، يقال عين ثرثارة، وكان يقال لنهر بعينه الثرثار، وإنما سمّي به لكثرة مائه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المتفيهقون» إنما هو بمنزلة قوله الثرثارون توكيد له، ومتفيهق: متفيعل، من قولهم: فهق الغدير يفهق إذا امتلأ ماء فلم يكن فيه موضع مزيد ..
2) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجرير بن عبد الله البجلي: «يا جرير إذا قلت فأوجز، وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف» (1).
3) ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) أنه قال: «ألا أخبركم بشراركم؟ من أكل وحده، ومنع رفده، وضرب عبده، ألا أخبركم بشر من ذلكم؟ من لا يقبل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا، ألا أخبركم بشر من ذلكم؟ من يبغض الناس ويبغضونه» (3).
4) ويروى عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - (4) أنه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، والمرء كثير بإخوانه» (5)، قوله - صلى الله عليه وسلم - «تتكافأ» من قولك «فلان كفء لفلان» أي عديله. وموضوع بحذائه، قال الله - عز وجل -: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. [الإخلاص]
5) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنظروا إلى صومه، ولا إلى صلاته، ولكن انظروا إلى ورعه إذا أشفى (6)» ومعناه أشرف على الدينار والدرهم، الورع في الدين إنما هو الكف عن أخذ الحرام.
6) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (7): «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (8)
7) روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ترفعوني فوق قدري، فتقولوا فيّ ما قالت النصارى في المسيح، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً» (9).
8) ويروي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (10) أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» (11) قوله "متين" المتين الشديد، قال الله - عز وجل -: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] وقوله: «فأوغل فيه برفق» يقول: أدخل فيه، هذا أصل الوغول، ويقال مشتقاً من هذا للرجل الذي يأتي شراب القوم من غير أن يدعى إليه: واغل، ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم ... الخ و «المنبت»: مثل المحقحق، واشتقاقه من الانقطاع، يقال: أنبت فلان من فلان أي انقطع منه، وبت الله ما بينهم، أي قطع ... الخ.
9) وفي حديث الحجاج بن علاط السلمي. وكان قد أسلم ولم تعلم قريش بإسلامه، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر في أن يصير إلى مكة فيأخذ ما كان له من مال، وكانت له هناك أموال متفرقة، وهو غريب بينهم إنما هو أحد بني سليم بن منصور، ثم أحد بني بهزٍ فأذن له رسول الله
__________
(1) - المبرد: الكامل، ج1 ص71.
(2) - الهيثمي: مجمع الزوائد ج8 ص138.
(3) - المبرد: الكامل ج1 ص160.
(4) - أبو داود: كتاب الديات رقم 4530.
(5) - المبرد: الكامل ج1 ص160.
(6) - المبرد: الكامل ج1 ص305.
(7) - ابن ماجه: كتاب السنن، رقم 3712 عن ابن عمر.
(8) - المبرد: الكامل ج1 ص338، وقد قال هذا الحديث عندما وفد إليه جرير بن عبد الله البجلي فبسط له رداءه ثم عممه بيده الشريفة.
(9) - المبرد: الكامل ج1 ص408.
(10) - البيهقي، السنن ... ورواه أحمد عن أنس بلا «ولا تبغض ... »
(11) - المبرد: الكامل ج1 ص417. (1/11)
صفحة 11
- صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إني أحتاج أن أقول، قال: فقل (1). يقول: أقول على جهة الاحتيال غير الحقّ، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
10) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2): «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الموتى» (3)
11) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4): «كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين الرجلين، وكذب الرجل لامرأته يعدها، وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد» (5)
ب) باب العقيدة
12) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6): «إذا ذكرت النجوم فأمسكوا» (7) يعني أمر الأنواء.
13) وعنه عليه السلام أنه قال: «أتدرون ما قال (8) ربكم تبارك وتعالى؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب، وكافر بي ومؤمن بالكواكب، فأمّا المؤمن بي الكافر بالكواكب فهو الذي يقول: مطرنا بنوء الرحمة، والمؤمن بالكواكب الكافر بي الذي يقول: مطرنا بنوء كذا» (9).
و «النوء» مهموز، وهو في الحقيقة الطالع من الكوكبين لا الغائر.
ج) باب الوحي
14) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (10): «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب، ولا يحملنّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته» (11) فالروع والجخيف غير مختلفين، والعرب تقول: أذهب الله قلبه، ولا قلب له. ولا تقول: لا روع له، فكأن الروع هو متصل بالقلب، وعنه يكون الفهم خاصة.
د) باب الصلاة
__________
(1) - المبرد: الكامل ج1 ص570.
(2) - رواه الترمذي: كتاب السنن، كتاب البر، رقم 1982.
(3) - المبرد: الكامل ج3 ص146.
(4) - الترمذي: كتاب البر، رقم 1939.
(5) - المبرد: الكامل ج3 ص187.
(6) - رواه الطبراني عن ابن مسعود.
(7) - المبرد: الكامل ج2 ص488.
(8) - مسلم: كتاب الإيمان رقم 71/ الربيع: كتاب المقدمة رقم: 62.
(9) - المبرد: الكامل ج2 ص488 – ج3 ص381.
(10) - أورده أبو نعيم في حلية الأولياء.
(11) - المبرد: الكامل ج1 ص567. أتممت الحديث من الهامش. (1/12)
صفحة 12
15) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1): «إني قد بَدَّنْت، فلا تسبقوني بالركوع والسجود» (2) والبُدَّن: واحدها بادنٌ كقولك: «شاهدٌ وشهَّد»، وضامرٌ وضمّر، وهو العظيم البدنِ، يقالُ: بدن «فلانٌ» إذا كثر لحمه، بدَّن إذا أسنّ.
16) صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) الظهر فسلم في الركعة الثانية، فقال ذو اليدين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما كان ذاك، فقال: بلى يا رسول الله، فالتفت إلى أصحابه فقال: «ما يقول ذو اليدين»؟ فقالوا: صدق يا رسول الله. فنهض فأتمّ، ثم قال: «إني لأنسى أو أنسَّى لأَسُنّ» (4)
هـ) باب الحشر
17) روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا حشر الناس في صعيد واحد نادى منادٍ من قبل العرش: ليَعْلَمن أهل الموقف منْ أهلُ الكرم اليوم؟ ليقم المتقون» (5) ثمّ تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]
و) باب الزكاة
18) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (6) أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (7) فالوسق: خمسة أقفزةٍ بملجَم البصرة.
ز) باب الصدقة
19) روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (8) أنه قال: «يقول ابن آدم مالي مالي، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» (9)
ح) باب الجنائز
20) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (10): «لو تكاشفتم ما تدافنتم» (11)، يقول: لو علم بعضكم سريرة بعض لاستثقل تشييعه ودفنه.
__________
(1) - أبو داود: كتاب الصلاة، رقم 619.
(2) - المبرد: الكامل ج2 ص326.
(3) - مالك: الموطأ برقم 221/ الربيع: كتاب الصلاة برقم 248.
(4) - المبرد: الكامل، ج3 ص422.
(5) - المبرد: الكامل، ج2 ص39.
(6) - مسلم: كتاب الزكاة، رقم 979/ الربيع: كتاب الزكاة، 332.
(7) - المبرد: الكامل ج1 ص346.
(8) - مسلم: كتاب الزهد، رقم 2958.
(9) - المبرد: الكامل ج1 ص605.
(10) - ورد هذا الحديث موقوفا عن علّي في نهج البلاغة وشرحه، ج4 ص547.
(11) - المبرد: الكامل ج1 ص502. (1/14)
صفحة 13
21) دمعت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم (1) وقال: «العين تدمع، والقلب يوجع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» (2)
22) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3): «تعزّوْا عن مصائبكم» (4)
هـ) باب الدعاء والاستغفار
23) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «افصلوا بين حديثكم بالاستغفار» (5)
24) قال رسول الله (6) - صلى الله عليه وسلم -: «اللّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كَسِنِي يُوسُفَ» (7). وقال بعض الرواة: اشْدُدْ وَطْدَتَكَ، والمعنى قريب يرجع إلى الثّقل، فأجذبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، فكانوا يسمونه العلهز
25) جاء في الحديث عند هبوب الريح (8) قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» (9)، فإن العرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح. ويصدق ذلك قول الله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [الروم: 48]
26) ويروى أن عامر ابن طفيل قال للنبيء - صلى الله عليه وسلم - (10): «لأغزونك على ألف أشقر وألف شقراء، فلما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اكفنيهما» أي معه "إربد" أخو لبيد.
وتروي قيس أنه قال: «اللهم إن لم تهد عامراً فأكفنيه». وقال عامر لإربد: قد شغلته عنك مراراً فألاّ ضربته!
قال: إربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في إحداهما حائط من حديد، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك! فلم يصل واحد منهما إلى منزله، أمّا عامر فغُدَّ في ديار بني سلول بن صعصعة، فجعل يقول: أغُدَّة كَغُدَّة البعير وموتاً في بيت سلولة! وأما إرْبَدُ فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته. (11)
__________
(1) - البخاري: كتاب الجنائز، رقم 1303/ مسلم: كتاب الجنائز، رقم 1589.
(2) - المبرد: الكامل ج3 ص362.
(3) - ابن ماجه: الجنائز، رقم 1599 (بالمعنى)
(4) - المبرد: الكامل ج3 ص410.
(5) - المبرد: الكامل ج1 ص502.
(6) - مسلم: كتاب المساجد 675/ البخاري: كتاب الآذان رقم 804.
(7) - المبرد: الكامل ج2 ص135.
(8) - رواه الطبراني عن ابن عباس.
(9) - المبرد: الكامل ج2 ص535.
(10) - ابن سعد: الطبقات ج1 ص310.
(11) - المبرد: الكامل ج3 ص333 - 334. (1/15)
صفحة 14
ي) باب الحقوق
27) قال عليه الصلاة والسلام (1): «اجتنبوا القعود على الطرقات، إلا أن تضمنوا أربعا: ردّ السلام وغض الأبصار، وإرشاد الضال. وعون الضعيف» (2)
28) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3): «إن المرأة خلقت من ضلع عوجاء، وإنك إن ترد إقامتها تكسرها، فدارها تعش بها» (4)
29) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (5): «أوصيكم بالنساء فإنهنّ عندكم عوانٍ» (6) أي أسيراتٌ، ويقال: عني فلانٌ في بني فلان، إذا أقام فيهم أسيرا، ويقال: فلان يفكّ العناة، وأصل التعنية التذليل، وأصل الإسار الوثاق، ويقال للقتب مأسور إذا شدّ بالقِدّ، هذا أصل هذا.
ص) باب الحدود
30) قال رسول الله (7) - صلى الله عليه وسلم -: «ادْرَءُوا الحدود بالشبهات» (8) أي ادفعوا.
ع) باب الفدية
31) فادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رأى فداءه من أُسَرَاءِ بدر (9)، فمن لم يكن له فداءٌ أمره أن يعلّم عشرة من المسلمين الكتابة، ففشت الكتابة بالمدينة (10).
ف) باب الأيمان والنذر
__________
(1) - مسلم: كتاب اللباس 2121/ البخاري: كتاب المظالم، رقم 2465.
(2) - المبرد: الكامل ج1 ص502.
(3) - البخاري: أحاديث الأنبياء، رقم 3331.
(4) - المبرد: الكامل ج3 ص355.
(5) - ابن ماجه: كتاب النكاح، رقم 1851 / الترمذي: كتاب النكاح، رقم 1163.
(6) - المبرد: الكامل ج2 ص119.
(7) - رواه ابن عدي في الكامل عن ابن عباس.
(8) - المبرد: الكامل ج1 ص86.
(9) -. ابن هشام: السيرة النبوية ج3 ص231.
(10) - المبرد: الكامل ج1 ص503. (1/16)
صفحة 15
32) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) للأنصارية المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:: «لبئس ما جزيتها» وقال: «لا نذر في معصية، ولا نذر للإنسان في غير ملكه» (2)
33) ويروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً لعائشة رحمها الله، وقد كانت نذرت أن تعتق قوماً من ولد إسماعيل، فسبي قوم من بني العنبر، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن سرّك أن تعتقي الصميم من ولد إسماعيل فأعتقي من هؤلاء» (3)
34) قال رسول الله (4) - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض» (5)
س) باب النكاح
35) رأى رسول الله (6) - صلى الله عليه وسلم -: عند عبد الرحمن بن عوف ردع خلوق فقال: «مَهْيَمْ»! فقال: تزوجت يا رسول الله، فقال: «أولم ولو بشاة» (7) وقوله: مهيم حرف استفهام، معناه: ما الخبر وما الأمر، فهو دال على ذلك محذوف الخبر.
ك) باب الرضاع
36) قال رسول الله (8) - صلى الله عليه وسلم -: «هممت أن أنهى أمتي عن الغِيلةُ، حتى علمت أن فارس والروم تفعل ذلك بأولادها، فلا يضر أولادها» (9) والغِيلةُ: أن ترضع المرأة وهي حامل، أو ترضع وهي تغشى، ويزعم أهل الطب من العرب والعجم أن ذلك اللبن داءٌ.
__________
(1) - مسلم: كتاب النذر، رقم 1641.
(2) - المبرد: الكامل ج1 ص252.
(3) - المبرد: الكامل ج2 ص104.
(4) - ابن ماجه: كتاب الكفارات، رقم 2101.
(5) - المبرد: الكامل ج3 ص147.
(6) - البخاري: النكاح، رقم 5072/ مسلم: كتاب النكاح، رقم 1427.
(7) - المبرد: الكامل ج3 ص228.
(8) - مسلم: كتاب النكاح، رقم 1442/ ابن ماجه: كتاب النكاح، رقم 2011.
(9) - المبرد: الكامل ج1 ص261. (1/17)
صفحة 16
37) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1): «إنه ليدرك الفارس فيدعثر عن سرجه» (2) أي يضعف فيسقط عن السرج.
38) قال أبو العباس: حدثني مسعود بن بشر، قال: حدثني محمّد بن حربٍ، قال: أتى عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكساه حلة وأقعده إلى جانبه، ثم قال: «إنه ابن أمي، وكان أبوه يرحمني» (3)
ل) باب العمال
39) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رضي الله عن قوم أمطرهم المطر في وقته، وجعل المال في سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم، وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم، وجعل المال عند بخلائهم، وأمطرهم المطر في غير حينه» (4)
م) باب البيوع
40) يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - (5) أنه قال: «من باع داراً أو عقاراً فلم يردد ثمنه في مثله فذلك مالٌ قمَنٌ ألا يبارك له فيه» (6) وقوله: قمن يريد: خليق، ويقال أيضاً: قمين وقمن. وتأويل: «قمين» و «حقيق» و «جدير» و «خليق» واحد أي قريب من ذلك.
41) قال رسول الله (7) - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يبيعن حاضرٌ لبادٍ» وتأويل ذلك: أن البادي يقدم وقد عرف أسعار ما معه وما مقدار ربحه، فإذا جاءه الحاضر عرفه سنة البلد فأغلى على الناس (8) 42) نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تلقي الجَلَب (9)
__________
(1) - أبو داود: النكاح، رقم 3881/ ابن ماجه: كتاب النكاح، رقم 2012.
(2) - المبرد: الكامل ج1 ص262.
(3) - لأن جدّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم أبيه عبد الله هي جدّة عبد الله بن الزبير هذا وأم أبيه هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ، وعبد الله بن الزبير هو ابن عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - (المبرد: الكامل ج1 ص498).
(4) - المبرد: الكامل ج1 ص505.
(5) - ابن ماجه: كتاب البيوع، رقم 2491.
(6) - المبرد: الكامل ج1 ص97/ ج2 ص441.
(7) - البخاري: كتاب البيوع، رقم 2140/ مسلم: كتاب النكاح رقم 1413.
(8) - المبرد: الكامل ج1 ص159.
(9) - مسلم: كتاب البيوع، رقم 1519 (المبرد: الكامل ج1 ص159) (1/18)
صفحة 17
43) قال رسول الله (1) - صلى الله عليه وسلم -: «دعوا عباد الله يصب بعضهم من بعضٍ» (2)
44) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3): «الثمر لمن أَبَرَ، إلا أن يشترطه المشتري» (4) يقال: أبَّرت النخل وأبَرْته خفيفة، إذا لقحته.
ن) باب الكون
45) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما هبّت الريح الجنوب إلا أسال الله بها وادياً» (5) يريد أن الجنوب تأتي بالمطر والندى.
46) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6): «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدَّبُور» (7) والعرب تكره الدّبور، وقلما يكون بالدبور المطر، لأنّها تجفل السحاب، ويكون فيها الرّهج والغَبَرة. ولا تهب إلا أقل ذلك إلا بشدة، فتكاد تقلع البيوت وتأتي على الزروع.
س) باب اللباس والزينة
47) قال رسول الله (8) - صلى الله عليه وسلم -: «فَضْلُ الإزار في النار» إنما أراد معنى الخيلاء.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال لأبي تميمة الهجيمي: «إياك والمَخِيلة» فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب، فما المخيلة؟ قال - صلى الله عليه وسلم - «سبل الإزار» (9).
__________
(1) - مسلم: كتاب البيوع، رقم 1522.
(2) - المبرد: الكامل ج1 ص159.
(3) - البخاري: كتاب البيوع، رقم 2203.
(4) - المبرد: الكامل ج1 ص412 - 413.
(5) - المبرد: الكامل ج2 ص532.
(6) - البخاري: كتاب الاستقاء، رقم 1035.
(7) - المبرد: الكامل ج1 ص532.
(8) - ابن ماجه: كتاب اللباس 3573 عن أبي سعيد الخدري.
(9) - المبرد: الكامل ج1 ص136 – 137/ ج2 ص411 - 412. (1/19)
صفحة 18
والفضل: مشية فيها اختيال، كأنّ مشيتها تخرج عن خِطَامها فتفضل عليه، والأصل في ذلك أن يمشي الرجل وقد أفضل من إزاره، وتمشي المرأة وقد أفضلت من ذيلها، وإنما يفعل ذلك من الخيلاء.
وقد تركت بقية الأحاديث لأن المحاضرة لا تقتضي التوسع، فاكتفيت بهذه الأمثلة على سبيل التمثيل لا الحصر.
المطلب الثاني: منهج الرواية عند المبرد
ومما يلاحظ على المبرّد في رواية الحديث ما يلي:
1) عدم التزامه برواية السند لكل حديث.
2) رواية الحديث بالمعنى لأن كثيرا من هذه الأحاديث تخالف أحاديث كتب الصّحاح في اللفظ.
3) يعلّق على الحديث بدون إعادة ذكر اسمه في بداية التعليق أو الشرح حتى لا يختلط قوله بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
4) يلتزم بنفس الرواية عند تكرار اللفظ في مواطن مختلفة من كتابه "الكامل".
5) لا يلتزم بذكر سبب ورود الحديث في جميع الأحاديث إلا فيما فيه إعانة على فهم معنى الحديث.
6) لا يتقيد المبرد بذكر درجة الحديث مثلما يفعل الترمذي في نهاية كل حديث.
7) إذا تحقّق "المبرد" من الحديث فإنّه يرويه على صيغة الجزم، وإمّا إذا لم يتحقق منه فإنّه يرويه على صيغة "التمريض".
8) لا يتعرض "المبرد" لذكر الصحابي الذي روى عنه الحديث إلا إذا تحقّق منه ووجد فيه زيادة معنى.
المطلب الثالث: منهج تحقيق غريب الحديث عند المبرد:
من خلال الأحاديث التي استعرضتها في بداية هذا المبحث وغيرها من الأحاديث التي لم أذكرها شرح "المبرد" ثلاثا وثلاثين كلمة من غريب الحديث نستنتج منها منهج "المبرد" في تحقيق غريب الحديث من كتابه "الكامل في اللغة والأدب" في المعاني الآتية:
1. يشرح غريب الحديث عن طريق الاستشهاد بالقرءان الكريم وبالشعر العربي القديم والحديث.
2. يتحقق المبرد غريب الحديث باستعمال تصريف الكلمة في اللغة العربية. (1/20)
صفحة 19
3. يشرح المبرد "غريب الشعر" بما ورد في الحديث النبوي الشريف لأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - عربي فصيح اللسان.
4. بعد أن يحقق المبرد "الغريب في الحديث" عن طريق الاستعمال اللغوي الحقيقي يشير إلى استعمال المجازي في مصطلح الكلمة.
5. يحقق اللفظ "الغريب" في الحديث عن طريق نسبة المعنى إلى أحد المحققين في اللغة مثل شيخه المازني وأبي عبيدة معمر بن المثنى (1) وغيرهم.
خاتمة:
يعتبر الإمام المبرد من السابقين إلى شرح غريب الحديث وتحقيقه –كما يعتبر منهجه هو المنهج الملائم لشرح السنة النبوية وآثار الصحابة والتابعين مما اعتمده كثير من المحقّقين بعده.
وفي الختام لا تفوتني الفرصة أن اقترح على المحققين والباحثين جمع كتاب مستقل بعنوان "غريب القرءان والحديث" للإمام المبرد من جميع كتبه التي وصلت إلينا حتى يكون مصدرا رشيدا للمفسرين وشراح السنة والله لا يضيع أجر المحسنين. والسلام عليكم ورحمة الله.
الأربعاء: 04 جمادى الأولى 1435هـ
05 مارس 2014م
بقلم: حاج أحمد بن حمو كروم
أستاذ علوم الحديث
في قسم التخصص في الشريعة الإسلامية
بمعهد عمّي سعيد غرداية –الجزائر-
__________
(1) - المبرد: الكامل ج3 ص83. (1/21)
صفحة 20
المراجع والمصادر
1) ابن الأثير: النهاية في غريب الأثر. تحقيق طاهر أحمد الزواوي، والطناحي، المكتبة الإسلامية. د. ت.
2) الزمخشري: الفائق في غريب الحديث. تحقيق علّي محمّد البجاوي، ط2، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
3) العوتبي: الأنساب. ط4، وزارة التراث، سلطنة عُمان 1994م/1415هـ.
4) أحمد درويش: كتاب الأدب والنصوص صّف الثانية ثانوي. ط2، ديوان البلاط السلطاني، عُمان، 2002/ 1422هـ.
5) عبد الرحمن السيوطي: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. ط1، مطبعة السعادة، القاهرة، 1326/ 1908م.
6) ابن خلكان: وفيات الأعيان. تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، د. ت.
7) المبرد: الكامل في اللغة والأدب. تحقيق د. محمّد أحمد الدّالي، ط2، مؤسسة الرسالة، دمشق، 2013م.
8) الحمصي: تهذيب سير أعلام النبلاء. للإمام الذهبي، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1412هـ/ 1991م.
9) ابن عماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب. تحقيق لجنة إحياء التراث، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
10) المسعودي: مروج الذهب. ط1، دار الأندلس، بيروت، تحقيق يوسف أسعد داغر، د. ت
11) ابن خلدون: المقدمة. ط1، المطبعة البهية، القاهرة، د. ت.
12) محمود زقزوق وغيره: موسوعة علوم الحديث الشريف. ط1، مطابع الأهرام التجارية، القاهرة، 2003/ 1424هـ (1/22)
صفحة 21
13) د. عبد الخميسي: معجم علوم الحديث. ط1، دار ابن حزم، بيروت، 1421هـ/ 2000م.
14) د. أبو الليث الخير أبادي: علوم الحديث أصيلها ومعاصرها. ط1، مؤسسة الرسالة، دمشق، 1432/ 2011م.
15) د. محمّد ناصر الجوهري منصور: الأعمال الموسوعية في السنة النبوية. ط1، دار الكلمة، القاهرة، 1425/ 2004م.
16) د. محمّد الطاهر جوابي: جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف. نشر مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله، تونس.
17) الترمذي: السنن. ط1، دار السلام الرياض، 1420/ 1999م.
18) ابن ماجه: السنن. تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، ط1، دار الفكر، بيروت, د. ت.
19) البيهقي: السنن الكبرى.
20) مسلم بن الحجاج النيسابوري: كتاب الجامع الصحيح. بيت الأفكار الدولية، الرياض، 1419هـ/ 1998م.
21) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح. تخريج محمّد إدريس وعاشور بن يوسف، ط3، مكتبة الاستقامة، سلطنة عُمان، 1434هـ/ 2003م.
22) أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء.
23) الإمام مالك: الموطأ.
24) البخاري: الجامع الصحيح. بيت الأفكار الدولية، الرياض، 1419هـ/ 1998م.
25) أبو داود السجيستاني: السنن. ط1، دار ابن حزم، بيروت، 1419هـ/ 1998م (1/23)