صفحة 1
الكتاب: أصول الجمع وكليات الوفاق بيْن المذهبَيْن الإباضي والمالكي مع تخريج بعض الفروع الخلافية
المؤلف: الشيخ/ محمد بن بابا الشيخ بالحاج
الناشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
تاريخ النشر: جمادى الأولى 1437هـ - فيفري 2016م
الطبعة: الثانية
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) أصول الجمع
وكليات الوفاق
بين المذهبين الإباضي والمالكي
مع تخريج بعض الفروع الخلافية
تأليف:
الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج
عضو المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر
أستاذ الشريعة والتاريخ الإسلامي بمعهد الحياة القرارة (1/1)
صفحة 2
/
نشر جمعية التراث
القرارة ـ غرداية ـ الجزائر
صندوق بريد 19 – القرارة- غرداية
هاتف فاكس: 29262258) 213) +
Tourath@gmail.com
الإيداع القانوني:4872 - 2014
ردمك ( ISBN):
9 - 06 - 533 - 9931 - 978
(((((( (1/2)
صفحة 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRVbTrOqiFpbcUCev4UQNjIACLboy3VC4M8iVaDD6ELhPmHgAgy (1/6)
صفحة 5
المؤلف في سطور
الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج المعروف بـ "الشيخ ابن الشيخ" من مواليد القرارة جنوب الجزائر سنة 1350هـ /1931م
• زاول تعليمه ا?بتدائي في مسقط رأسه بين المدرسة القرآنية والمدرسة العامة، استظهر القرآن سنة 1946 والتحق بمعهد الحياة الثانوي و تخرج منه سنة 1953 وقد عرَف في مراحل تعليمه هذه النبوغَ والتفوُّق والذكاء والحفظ.
• ارتحل إلى تونس ليواصل تحصيله العلمي على مشايخ الزيتونة فمكث فيها تسع سنوات وعاد سنة 1962 متحصلا على شهادتين عالميتين في الشريعة والحقوق، كما تولى رئاسة البعثة البيوضية بتونس لعدَّة سنوات إلى غاية عودتها إلى الجزائر.
• التحق بمعهد الحياة أستاذًا يدرِّس العلوم الشرعية والتاريخ ا?سلامي إلى أن أقعده المرض سنة 2006 وكان من أبرز ا?ساتذة كفاءة وأداء وانضباطا.
• عيِّن عضوا في حلقة العزابة بالقرارة سنة 1971 وتولى فيها مسؤولية الوعظ وا?فتاء، كما رشَّحَته كفاءته العلمية لتُعيِّنه عضوا في مجلس عمي سعيد ـ الهيئة الدينية العليا (1/7)
صفحة 6
لقرى ميزاب ـ وكذا مجلس باعبد الرحمن الكرثي ـ المجلس ا?على ?عيان بني ميزاب ـ و? يزال كذلك إلى حين مرضه.
• اختارته السلطة الجزائرية عضوا في المجلس ا?سلامي ا?على فكان فيه فعَّا? بإسهاماته العلمية ونشاطه المعرفي.
• للشيخ مشاركات كثيرة في ملتقيات الفكر ا?سلامي والندوات العلمية المحلية والوطنية والدولية، تميَّز بالتحقيقات العلمية والمناظرات الكلامية الدقيقة.
• له عشر كتب ضمن سلسلة "وقل رب زدني علما" وعشرات من الرسائل والمؤلَّفات المخطوطة التي تنتظر الطبع والنشر. كما كوَّن آلاف الطلبة الذين انخرطوا في دورة الحياة فكانوا نجومًا.
• كان يصل الليل بالنهار من غير كلل و? ملل؛ فلا تراه إ? قارئا أو كاتبا أو في موعد اجتماعي في سفر أو حضر؛ مما أثَّر على صحَّته فأقعده المرض في شهر سبتمبر 2006 فتوقَّف نشاطه كُلِّيًا. نسأل الله تعالى أن يشفيَه ويتقبَّل منه ما قدَّم ويوفِّيَه أجر ما صبر.
بسم الله الرحمن الرحيم
تصدير: (1/8)
صفحة 7
الحمد لله الذي اصطفانا من بين خلْقه فجعلَنا من عباده المؤمنين، وكلأنا بعين رحمته فأنزل علينا كتابه المبين، واجتبانا من بين أُمَمِه فأرسل إلينا رسوله الأمين، سبحانه القائل في محكم تنزيله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}) الأنبياء: 92) والصلاة والسلام على النبيء الأميِّ الأمين محمَّد بن عبد الله، الذي بعثه ربُّه الكريم جامعا شتات الأمم، ورافعًا لواء القِيَم، القائل في جوامع كلمه: لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُمْ على بَيعِ بَعضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْواناً، المُسلِمُ أَخُو المُسلم، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ، ولا يَكذِبُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقوى هاهُنا - ويُشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ - بِحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلمِ على المُسلِمِ حرامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعِرضُهُ. فاللهمَّ صلِّ على عبدك المختار ما تعاقب الليل والنهار، وعلى آل بيته الأطهار، وجلَّة صحبِه الأخيار، وعلى من اسْتنَّ بسنَّته راشدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أيُّها القارئ الكريم: نعرض بين يديك هذا الكتيِّب في طبعته الثانية، في ظرف عصيب يمرُّ عليه العالم الإسلامي (1/9)
صفحة 8
بما يشهده في مختلف دُوَله، من فتن وشتيمة، وحروب وقطيعة أثارتها نزاعات عرقية، وخلافات مذهبية، وصراعات فكرية، تغذِّيها أياد خفية خبيثة، وتؤجِّج أوارها ألسنة سليطة لئيمة، تبتغي تقويض أواصر المودَّة التي أقامها كتاب الله بين المسلمين، وتدمير ركائز الوفاق التي بناها رسول الله بين المؤمنين، وإنَّه لخطر كبير يهدِّد كيان الإسلام في جذوره، ويزلزل بناء الأمة في أصوله، فكان لِزَاما على علماء الإسلام الربَّانيين الذين اصطفاهم ربُّ الخلائق زوارق نجاة للمؤمنين، وحرَّاس أمان للمسلمين، بما يحملونه من معدَّات إيمانية، ويتمتعون به من معارف علمية، أن يواجهوا الخطر الذي يتهدَّد، والفتنة التي تتمدَّد، فيرصدوا قواهم المعرفية، ويرفعوا أصواتهم المنبرية في وجه دعاة التفريق، وبغاة التمزيق، ويوجهوا أفكار أبناء الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، يبصِّرونهم بالداهية التي تتهدَّدهم من قِبَل أعدائهم الذين {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}) التوبة: 47) ويخلِّصوهم من شُؤْم التفرقة التي تذهب بريحهم {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}) الأنفال: 46) ويوجهوهم إلى أن (1/10)
صفحة 9
يثوبوا إلى رشدهم، وينيبوا إلى ربِّهم الذي أرادهم أمَّة واحدة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}) الأنبياء:92) ولقد انتهج هذا المسلك القويم علماء كثيرون باعوا أنفسهم لله، وشروا ضمائرهم دفاعا عن خلق الله، فألَّفوا الكتب الجليلة، ودوَّنوا الخُطَب المثيلة، التي كانت بلسمًا لكثير من الجراحات، إذ لولاها لكان الخطْب أخطر، والرتق أكبر، ومن بين أولئك العلماء المنصفين الذين ساهموا في هذا المسلك النبيل والدي الكريم محمَّد بن بابه الشيخ بالحاج أستاذ الشريعة والتاريخ الإسلامي بمعهد الحياة، شفاه الله، بما خلَّده في هذا الكتيب الصغير حجمه، والكبير نفعه الذي أسماه: أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي مع تخريج بعض الفروع الخلافية، وقد حرص كلَّ الحرص بما أوتي من حكمة إيمانية، وحنكة علمية على عرض أصول الجمع التي تجمع بين المذهبين باعتبارها اللحمة التي تصل جميع المسلمين، وعرض كليات الوفاق التي ترتقُهما باعتبارها العروة التي يستعصمون، أمَّا الخلافات الفرعية التي تميِّزهما فإن هي إلاَّ اجتهادات تمخَّضت عن آراء الأئمة الفقهاء، وكلُّهم يصدر عن كتاب (1/11)
صفحة 10
الله، وينطلق من سنَّة رسول الله، باعتبار المذاهب الإسلامية مدارس فقهيَّة عليها علماء نبلاء أجلَّة، ولكلٍّ فهمه وإدراكه، وتلك سنَّة الله، واختلاف العلماء رحمة على خلق الله، فما الإثم واقعًا على اختلاف العلماء في شتات الأمَّة وتمزيق أواصرها، وإنَّما على السفهاء الذين يشحذون عزائم الفتنة تبعا لشياطين الإنس والجن الذين لا يرقُبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمَّة، وإنَّما خصَّ المؤلف المذهب الإباضي والمالكي بالذكر لأنَّهما المذهبان الَّلذان يسودان الجزائر منذ قرون، ويتعايش أتباعهما بينهم في وئام عبر السنين، وإلاَّ فإنَّ نظرة المؤلف واحدة إلى جميع المذاهب الإسلامية التي يدين بها المسلمون حيثما كانوا من المعمورة، وهو الذي يقول في مؤلفه هذا: "إنَّه لا يوجد خلاف معتبر بين مذاهب الأمة وطوائفها ممَّا من شأنه أن يؤدي فيه إلى التفرقة والتنازع والتباغض والتدابر، وحتى إلى التقاتل فيما بينهم بضرب بعضهم رقاب بعض، مهما كانت دواعي تلك وأسبابه، إذ لا يعدو أن يكون خلاف تنوُّع وتعدُّد المصالح والمنافع حرصًا على جلبها، أو تنوُّع وتعدُّد الشرور والمفاسد والحرص على درئها، تطهيرا للمجتمع الإسلامي، وتزكية للنفس المؤمنة حتى تطمئن (1/12)
صفحة 11
فتلقى ربَّها راضية مرضية ... " وتلكم هي النظرة التي يؤمن بها المؤلف، والفكرة التي ينطلق منها، كيف لا وهو الطالب الذي نهل العلم صافيا من معين معهد الحياة على أساتذة كرام بررة، واقتبس من معين الزيتونة نورًا مبينا على يد مشايخ أفاضل نقرة، فالتقى المصدران على أمر قد قُدر، فكانت أثباج التسامح والتحابب ترتفع عالية لتحطِّم كل شوائب التفرقة والتجاذب، هذا الذي يجب على كلِّ مسلم أن يؤمن به ويجسِّده واقعًا معيشا في حياته وسلوكه امتثالا لأمر ربِّه، وانطلاقا من سنَّة رسوله. هذا وقد صدر هذا الكتيب في طبعته الأولى سنة 1413 هـ 1993 م بناء على مداخلة للمؤلف في ندوة الفقه المالكي، أثارت في الحاضرين الإعجاب، وفي المؤلف الشجن فرأى أن يفرغ شجنه في كتاب يعمُّ نفعه ويدوم أثره، ثم كانت الطبعة الثانية بعد نفاذ الأولى وقد أضفى عليها الطالب الوفي عمر بن باحمد الشيخ أحمد تخريجات وتعليقات، جزاه الله خيرا، فغدا الكتاب في هذا الثوب القشيب الذي أسأل الله تعالى أن يلبسه عباده المؤمنين حُللا للمودَّة والسلام، ويسبله على أوليائه الصالحين ذُررًا للمحبَّة والوئام. فعلى كل قارئ أن يولي وجهه شطر هذا (1/13)
صفحة 12
الكتاب قراءة متأنية، ليشيع في نفسه روح التفاؤل، ويذيع على لسانه صوت التعاون، امتثالا لقوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2) كما نشكر جمعية التراث التي تكفَّلت بطباعة هذا الكتاب سننًا منها في نشر المعرفة التي تودي إلى التعارف والاعتراف، وتلك الغاية النُّبلى، والنية المثلى لمن رام إلى ربِّه القصد، وران على عزمه الجهد، فالله تعالى نسأله أن يحوط الجمعية بلطفه، ويكلأها بعونه، فتزداد مع مرِّ الأيام رونقا وعلى الدوام تفوُّقًا. {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (الصافات:60 - 61)، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26) {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر:10)
القرارة: يوم الخميس 12 ربيع الأوَّل 1437 هـ (1/14)
صفحة 13
24 ديسمبر 2015 م
عيسى بن محمَّد بن بابا الشيخ بالحاج (1/15)
صفحة 14
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله
توطئة:
بسم الله الرحمن الرحيم {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (الأعراف:43)
نحمد الله ونشكره ونستزيده كما قال {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم:7)
فشكرا لله أوَّلا وأخيرًا، ثمَّ شكرا لوزارة الشؤون الدينية بجميع مصالحها خاصة مديرية الثقافة الإسلامية، وشكرًا للمعهد الوطني العالي لأصول الدين بجامعة الجزائر مديرًا ومجلسًا علميّا وطلبة وإدارةً؛ أن أتاحوا لنا هذه الفرصة فرصة المشاركة في هذه النّدوة المباركة ندوة المذهب المالكي مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ـ المدينة المنورة ـ على دَفِين روضتها أفضل الصلاة والسلام.
وإنَّ هذه الندوة لتُعتبر أيَّامًا دراسية ثريَّة بالفكر المالكي. كما تعتبر تكاملا مع الأيام الدراسية للفكر الإباضي التي انعقدت أيام 1 ـ (1/16)
صفحة 15
2 ـ 3 من شهر ماي من هذه السنة الجارية تحت الشعار الخالد الذي رسمه وخلَّفه العلاَّمة الراحل الشيخ علي يحي معمر ـ رحمه الله ـ كوسيلة للتواصل بين جميع المسلمين أينما كانوا من مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها، شمالها وجنوبها، وهو "المعرفة ـ التعارف ـ الاعتراف" وأرجو أن لا يكون هذا التقارب الزمني بين هذه الأيام الدراسية لهذين المذهبين من باب الصدفة، وإنما نرجو أن يكون ذلك مدروسًا ومبرمجا ومخططا أن تتكامل هذه الدراسات لهذين المذهبين المتكاملين المتعايشين جنبا إلى جنبٍ، متآزرين متسامحين في تنظيم شؤون المسلمين في مختلف جوانب حياتهمْ في هذا المغرب الإسلامي بأقطاره الأربع أو الخمس ليبيا تونس الجزائر والمغرب ولعلَّ حتَّى موريطانيا والأندلس في بعض فترات تاريخهما. وأخصُّ تمركز المذهبين في الجزائر وتونس وليبيا منذ ما يزيد على ألفٍ وثلاثمائة عام.
أيُّها الإخوة المؤمنون أستسمح سادتي المشايخ الأجلاَّء والأساتذة المحاضرين المعقِّبين أن أهمس في أذنهم همسة خفيفة لطيفة: إنه لَيُؤْسفني أن تنقضي ثلاثة أيام كاملة، عامرة بالدراسات والتعقيبات (1/17)
صفحة 16
والتدخّلات ولا يُذكر فيها المذهب الإباضي كمذهب عاش وانتشر ومازال عائشًا ومزدهرًا كأحسن عصور ازدهاره عبر عصور تاريخه بالجزائر، ومتكاملاً مع المذهب المالكي ومتسامحا معه، بل متعاونا وإيَّاه ضدَّ كل التيارات المناهضة للإسلام كإسلام بقطع النظر عن الانتماءات المذهبية في ظلِّ الكتاب والسنَّة الصحيحة، خاصة في معرض الحديث عن المذاهب التي زامنت المذهب المالكي واحتكَّت به عبر التاريخ كالمعتزلة والشيعة والظاهرية الذين لم يُكتب لهم الدوام والاستقرار في هذه الأقطار المغاربية إلا فترات قصيرة لم تعد شيئًا مذكورًا.
وأستثني من هذه الهمسة، أو هذا العَتْب الجميل السيد معالي الوزير محمد رضوان وزير الشؤون الدينية ـ أبقاه الله ووفقه لما فيه خدمة هذا الدين وصلاح هذه الأمة ـ إذ سجَّل في كلامه أثناء كلمته الافتتاحية الطيِّبة تلك الحقيقة الثابتة حقيقة تعايش وتسامح هذين المذهبين الإباضي والمالكي بضميمة المذهب الحنفي في هذه الأقطار.
كما أستثني فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان ـ وزير الشؤون الدينية سابقًا ـ إذ ذكر بصدد حديثه عن تأسيس ونشأة ونجاح جمعية العلماء المسلمين (1/18)
صفحة 17
الجزائريين في مهمَّتها ورسالتها التي أنْشِئت لها من المحافظة على الأصالة الإسلامية العربية الجزائرية لهذه الأمة. قال إن الجمعية قد قامت محتضنة كل علماء الجزائر المسلمين لا فرق بين العلماء المالكيِّين والعلماء الإباضيين. والذي أريد أن أقوله أيها الإخوة المؤمنون ـ وأرجو أن نتَّفق عليه ـ أن هذا التهميش أو هذه الغفلة أو التغافل إن كان عن سهو وخطأ فما كان ينبغي ولا يُستحسن، ونرجو أن لا يتكرر، ونسأل الله أن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، كما قال {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة:286) أمَّا إن كان عن قصد أو عمد ـ وإن كنت لا أظنه ـ فهذا لا يجوز في حق الأخُوَّة الإسلامية.
أولاً:
إذ حكم الله بها من فوق سبع سماوات إذ قال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:10).
ثانيا:
لا يجوز في حقِّ العِشْرة وحُسن الجوار طيلة ما يقرب من أربعة عشر قرنا وللجار ـ مهما كان ـ حقّه في المنظور الإسلامي. إذ ما زال جبريل - عليه السلام - ـ وبأمر من ربه ـ يوصي بالجار خيرًا ـ كما قال (1/19)
صفحة 18
الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما زال حبيبي جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه (1).
ثالثًا:
لا يجوز في حقِّ الوطنية ووحدة الأمة وقد قال الله عز وجل {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (المؤمنون:52)
وما انتصرت الجزائر في جميع معاركها التاريخية المصيرية خاصة حربها التحريرية الأخيرة في ثورتها المباركة الكبرى إلا بفضل الله أوَّلاً، ثم بفضل وحدتها ثانيا.
أما إن كانت هذه الغفلة وهذا التهميش ناتجًا عن جهل وعدم معرفة واطِّلاع على ما يوجد عندنا معشر المغاربة من تراث ديني أصيل فهذا لا يجوز في حقِّ البحث العلمي والدراسات المعمَّقة عن التراث، خاصة الإسلامي منه.
أمَّا الملاحظة التي أريد أن أنبِّه إليها وألفت إليها أنظار الباحثين الدارسين في هذه الندوة أو غيرها فهي الإغراق في المبالغات في إصدار الأحكام على بعض أو في بعض التحقيقات
__________
(1) البخاري: ج:8، ص: 10، رقم: 6015. مسلم: الصحيح، ج:4، ص:2025، رقم: 2526. (1/20)
صفحة 19
أو التقريرات العلمية ـ إيجابًا أو سلبًا ـ كقول القائل: هذا أوَّل ما ألِّف، أو أحسن ما ألِّف، أو أوَّل ما ألِّف وأحسن ما صُنِّف، أو أن يقول القائل: لم يؤلِّف أحد في موضوع كذا، أو لم يصنَّف مصنَّف في موضوع كذا غير فلان أو مصنَّف فلان، وهذا ما سمعناه في هذه الندوة مرارًا وتكرارًا في حقِّ بعض المؤلِّفين أو بعض المصنَّفات. وإذا بالمناقشين المتدخِّلين ينقضون الحكم في نفس الزمان والمكان من الندوة ـ وبدون مراجعة ـ أنَّ هناك من كتب وألَّف، أو هناك كتب ومصنَّفات. والاعتدال في كل شيء مطلوب خاصَّة في مجال التحقيق العلمي، ولتكن الأحكام نسبيَّة على الأقل بالنسبة لعلم الدارس والكاتب والمُحاضر حتى يبقى مجال لقوله تعالى {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف:76) وقوله {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء:85) وقول بعض الحكماء: علمتَ شيئًا وغابت عنك أشياء، وبذلك يُبقي الكاتب لنفسه مجالاً لما علَّمنا ربّنا أن ندعوه به بقوله لنبيئه - صلى الله عليه وسلم - {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه:114) وبذلك يكون في منجاة من الاعتراض والنقد. (1/21)
صفحة 20
أمَّا محاضرتي ـ إن استرخصت لنفسي أن أُسمّيها محاضرة ـ أو حديثي معكم أيها الإخوة المؤمنون فقد اختير لي وارتضيت ما خيِّر لها من عنوان.
أصول الوفاق ومسائل الخلاف بين المذهبين الإباضي والمالكي
وإني قد ارتضيت لنفسي الخوض في هذا الموضوع الذي أرجو أن ينال بعض إعجابكم ورضاكم، لا أدَّعي لنفسي أنَّني جدير به ومقتدر عليه، إذ يوجد في المذهب الإباضي علماء أعلام أجلاَّء أرسخ مني علما بالمذهب الإباضي ـ أصوله وفروعه ـ فضلا عن المذهب المالكي وما يوجد من علماء أعلام أرسخ علما وأدرى مني بكثير بالمذهب المالكي ممَّن أراه وأسمعه بين يدي هذا الملتقى في هذه الندوة، فضلا عن من لم يشهدوه وأخصّ بالذكر هنا فضيلة الشيخ أحمد حماني مربِّي الأجيال المالكية ومرجع الفتوى ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى سابقا بالجزائر، وأمثال الشيخ عبد الرحمن الجيلالي، والشيخ عبد الرحمن شيبان، والشيخ علي المغربي، وغيرهم ممَّن لا يسعهم العدّ اليوم، غير أني من جهة أخرى استسمحت لنفسي أن أطرق وأتناول هذا الموضوع باعتبار أنني إباضي أصيل مكين في المذهب الإباضي ومعتزّ وفخور به كما أنني ـ والحمد لله ـ قد تفتَّحْت على بعض المذاهب الأخرى غير (1/22)
صفحة 21
المذهب الإباضي خاصة المذهب المالكي الذي منَّ الله عليَّ أن تعرَّفت عليه بشيء من العمق في الدراسة على أيدي مشايخي الأجلاَّء الذين تشرَّفت بالتتلمُذ عليهم، والجلوس أمامهم في حلقاتهم الدراسية بجامع الزيتونة، وفي مدرَّجات المدرسة العليا للحقوق بالجامعة التونسية فتخرَّجْت على أيديهم بعد عدة سنوات من الدراسة المركَّزة. وانتشاءً بالذكريات أذكر بعضا منهم على سبيل التبرّك بهم أمثال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، عبد العزيز جعيط، في مجالس تفسيرهما، على قلَّة ما أدركت من ذلك. وأمثال الشيخ محمد الزغواني في التفسير والحديث، والشيخ العربي الماجري في الفقه والأصول والإجراءات القضائية، والشيخ مصطفى القمودي ومحمد اللقَّاني في تقريرهما العميق للأصول، والشيخ البشير النيفر في حجة الله البالغة للدهلوي، والشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي في المقاصد الشرعية، وأختم هذه السلسلة الطيِّبة بالأستاذ الدكتور الحبيب بن الخوجة، وفضيلة الشيخ الإمام الفاضل بن عاشور الذي أعتبره أستاذي بحقٍّ، إذ قد تأثرت به بالغ التأثّر، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا. (1/23)
صفحة 22
من أجل كل ذلك أرجو أن أوفَّق فيما أقوم به من مقارنة بين المذهبين الإباضي ـ باعتباري أصيلا فيه ـ والمالكي باعتباري متفتِّحا عليه بعض التفتح، ومعجبًا بكثير من فحول علمائه وأمهات تراثه ومصنَّفاته خاصة الموافقات للشاطبي، وأحكام القرآن للإمام القرطبي، وبداية المجتهد لابن رشد، وبذلك أرجو أن تكون المقارنة أقرب ما تكون من الحقِّ والصواب والوضوح والشفافية، تستوعب جانبًا معتبرًا من وجوه المقارنة، وإن لم أستوعب كل ذلك، وما كنت لأزعم استطاعة استيعاب كل ذلك لقصوري وتقصيري، ومعذرة أيها الأساتذة الأفاضل من مشايخ ودكاترة وأساتذة وطلبة وطالبات فالعذر عند كرام الناس مقبول.
أيها الإخوة المؤمنون إليكم المحاضرة، كما قُدِّر لها أن تُكتب في ضيق من الوقت، واختُصرت ارتجاليا عند الإلقاء كما قُدِّر لها أن تُختَصر تقيّدًا بالتوقيت المقدَّر لها ضمن برنامج الندوة.
عنوان المحاضرة:
أصول الوفاق ومسائل الخلاف بين المذهبين المالكي والإباضي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أن هدانا للإيمان وما كنا لنهتدي لولا أن (1/24)
صفحة 23
هدانا الله، فله المنَّة والفضل، ولا يجوز لعبد أن يمُنَّ باستقامته على ربه ولا على رسوله، وقد أنكر الله ذلك على قوم فمنُّوه، فقال فيهم {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات:17) والصلاة والسلام على صفوة أنبيائه ورسله الهادين، وخيرة عباده المهتدين، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في حقِّه {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} (سبأ:50) فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن اهتدى بهديهم من ربَّانيين وحواريين وأنصار ومهاجرين ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون لو أنصفنا أنفسنا معشر المسلمين وأنصفنا التاريخ من أنفسنا ـ بعيدين كل البعد عن كل رواسب كيد الكائدين الماكرين بالإسلام والمسلمين ـ لوجدنا أنفسنا حقًّا أمَّة واحدة كما قال الله جل جلاله {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:92) وقد قالها في (1/25)
صفحة 24
حق الأنبياء والرسل أوَّلاً، ثم قالها في حقِّ المِلل السماوية والأمم التي استجابت لها بصفة عامة وفي حق هذه الأمة الإسلامية خاصة {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون:52) كيف لا وقد جمعتنا أوسع مظلَّة يستظلُّ بها عباد الله يوم القيامة ـ يوم لا ظل إلا ظله ـ إنها مظلة أفضل كلمة قالها رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قالها جميع الأنبياء والرسل مِن قبله، وما زلنا جميعنا نقولها ونردِّدها عشرات المرَّات في اليوم آناء الليل وأطراف النهار، إنها كلمة لا إله إلاَّ الله. وفي ذلك إقرار منَّا ومن جميع الخلائق بعبوديَّتنا المُطلقة لله عز وجل، وبربوبيَّة الله عز وجلَّ وألوهيته المُطلقة الكاملة والوحيدة علينا وعلى جميع الكائنات في العالمين.
ومن المفروض المقرَّر عندنا في كتاب ربنا أن تكون هذه العقيدة الأصيلة المكينة في القلب قدرا كافيا، وعاملا مشتركا يجمع كلمة المسلمين وغير المسلمين ممن يدينون بمبدأ الإيمان بربوبية الله عز وجل للكون كله، وبمبدأ صِلَة العباد بربهم وصِلة المولى عز وجل بعباده عن طريق الوحي والكتب المنزلة بواسطة أنبيائه ورسله المصطفين الأخيار، (1/26)
صفحة 25
وبمبدأ الإيمان بالمصير وبالوعد والوعيد بالثواب أو العقاب في الحياة الأخرى {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} (الأعلى:17ـ19) وذلك جماع عقيدة الملل السماوية لا تناسخ بينها في ذلك ولذلك قال الله سبحانه وتعالى {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران:64)
أيها الإخوة المؤمنون إذا كان هذا الذي سمعناه حقًّا، وعلمنا ذلك واعتقدناه عقيدة راسخة أنَّه عين الحق والصواب المقرَّر في تنزيل رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ فما بال البعض يطرح اليوم جدلية أو إشكالية التوافق أو التخالف بين المذاهب الإسلامية على جهة التشكيك والتفرقة بين المسلمين، وتوهين الصلة والتواصل بينهم؛ بَيْدَ أنَّه تجْمَع بينهم إلى قوَّة تلك الأصول العقائدية آنفة الذكر أصول عقائدية أخرى أخصُّ من سابقتها ولا تتنافى أو (1/27)
صفحة 26
تتناقض معها، إذ هي من قبيل التنصيص لا من باب التخصيص كالإيمان بالرسول النبيء الأمِّي محمد - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التنصيص، وأنه خاتم النبيئين وسيِّد المرسلين، مبعوث للناس كافة ومعشر الثقلين من إنس وجان، بل رحمة للعالمين، وذلك صريح قول الله عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (سبأ:28) وقال تعالى أيضا {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107) كما قال سبحانه وتعالى {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب:40).
والإيمان بالقرآن إمامًا يهدي للتي هي أقوم، مصدِّقا لِما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قد تكفَّل الله عز وجل بحفظه منذ أنزله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وإنَّه لقرآن مجيد في لوح محفوظ، وفي كتاب مكنون لا يمسُّه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين. وكل ذلك مصرَّح به ومنصوص عليه بنصوص قطعيَّة المتن والدلالة في آيات مُحكَمات، من مثل (1/28)
صفحة 27
قوله تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء:9) وقال {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} (الكهف:2 - 3) وقال عز وجل {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة:48) وقال {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:41 - 42) وقال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9).
كما يجمع المسلمين أهل الإيمان بالكعبة، أوَّل بيت وُضع للناس بمكة. مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بيِّنات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وقد غدا قِبلة واحدة وموحِّدة للناس جميعا في صلاتهم، ومآوَي أفئدتهم في حجِّهم وذلك قول الله عز وجل {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل (1/29)
صفحة 28
عمران:96 - 97) كما قال الله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (البقرة:144).
أفَبعْد كل هذه الأصول الجامعة الثابتة بين جميع طوائف وفئات ومذاهب الأمة الإسلامية تُطرح جدليَّة أو إشكالية وحدة المذاهب الإسلامية، أو اختلافها وافتراقها؟ إنَّ هذا أمر عجيب في غمط التاريخ ومغالطة المسلمين وتضليل أبناء الإسلام عن أصالتهم وملَّتهم التي أُمِروا أن لا يموتوا إلا عليها بقوله تعالى {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 130ـ132) كما قال تعالى أيضا خطابا لهذه الأمة الإسلامية وعباده المؤمنين {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ (1/30)
صفحة 29
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (آل عمران:102 - 109) وذلك الجامع الأول بين المسلمين المؤمنين جامع أصول الدين وكليَّات الاعتقاد.
أما ثانيا فلو أنصفنا أنفسنا أيضا معشر المسلمين وأنصفنا التاريخ من أنفسنا وأنصفنا التاريخ بواقعه لوجدنا التراث الفكري في الفقه الإسلامي في مجال الفروع العلمية التطبيقية ـ خاصة في عصر ما سمي في اصطلاح تاريخ التشريع بعصر التأصيل (1/31)
صفحة 30
والتأسيس للمذاهب، من تزاور أئمة المذاهب فيما بينهم، ورواية العلم بعضهم عن بعض، وتكامل بعضهم ببعض، وتسامح بعضهم مع البعض، واعتراف بعضهم للبعض. وكذلك الأمر في عصر الاستبحار والتفريع ـ إذن لرأينا في ذلك تكريما من الله لهذه الأمَّة في علمائها وفطرتهم. وتعظيما لهذه الملَّة في شمولها وسماحتها.
أما تكريم هذه الأمة في علمائها وفطرتهم فذلك أن الله جل جلاله قد أقرَّ في محكم كتابه العزيز فطرة الخلاف والاختلاف بين خلقه، وتلك سنَّته وإرادته ومشيئته: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (فاطر:43) وقد قال عز وجل {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:118).
وأزاء هذه الفطرة فقد كرَّم الله هذه الأمة في علمائها، فتفضل عليهم بقبول الخلاف في المسائل الفرعية، وآجرهم على قدر اجتهادهم فيها رغم اختلاف نتائجهم التي توصَّلوا ـ أو يتوصَّلون ـ إليها على أنَّها كلَّها حقٌّ وصواب على قول من يقول بتعدُّد الحق والصواب في المسائل (1/32)
صفحة 31
الفرعية، فيكون الشيء ونقيضه معا حقًّا وصوابا باعتبار تغيُّر الزمان أو المكان أو الشخص المحكوم له أو عليه.
أو على أنَّ بعض نتائج الاجتهاد حقٌّ وصواب مأجور عليه صاحبه أجرين، أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحق، وبعضها الآخر خطأ ولكنه معفوٌّ عن صاحبه إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ومأجور عليه صاحبه أجرًا واحدًا أجر الاجتهاد وإن لم يصِب الحقَّ فلا يؤاخذ على ذلك، وهذا صريح قوله تعالى {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة:286) أمَّا منح الأجر على الاجتهاد رغم خطأ صاحبه فذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (1). وقد يوحي بذلك قول الله عز وجلَّ في قصة داود وسليمان وحكمهما في خصومة أصحاب الحرث وأصحاب الغنم إذ نفشت في الحرث ـ رعته ليلاً ـ (2) قال الله عز وجل {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
__________
(1) صحيح البخاري: بلفظ: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ج9 ص 108 رقم 7352. المحقق: محمد زهير الناصر. الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ. صحيح مسلم: ج3 ص 1342. رقم 1716. المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي. الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
(2) *- لقد اتبعت في تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب منهج التخريج من مصدرين وأكثر، بدءًا من مسند الإمام الربيع بن حبيب والموطأ للإمام مالك لأنهما المعتمدان عند المذهبين الإباضي والمالكي اللذين هما قيد الدراسة، فإن لم أجد الرواية فيهما أو في أحدهما بحثت في صحيح البخاري وصحيح مسلم، ثم في كتب الرواة الآخرين على سبيل التسوية. (مُعِدّ الطبعة الثانية ومخرِّجها)
() ابن منظور: لسان العرب: يقال نفشت الإبل إذا تفرقت فرعت بالليل من غير علم راعيها. (1/33)
صفحة 32
إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} (الأنبياء: 78ـ79).
هذا فضل الله على هذه الأمة يتجلى في تكريم علمائها ورثة الأنبياء فيها، ومن ثَمَّ قال من قال ـ وكأني بقوله حق وصواب ـ إذ قال رحمة الأمَّة في اختلاف الأئمَّة.
أما تعظيم هذه الملَّة ـ ملَّة الإسلام ـ فمن حيث سماحتها وشموليَّتها وصلوحيَّتها لكل زمان ومكان بما يناسبه، وذلك سرُّ عظمة هذه الشريعة، في يُسرِها ومرونتها وقابلية النصوص القطعية المتن الظنيَّة الدلالة في كثير من مواردها أن تُفهم وتُفسَّر وتُؤوَّل بحسب كل زمان وكل مكان، بل وبحسب كل شخص أحيانًا بما يناسبه مع المحافظة على الثوابت والأصول القطعية وفي العقائد والعبادات والمعاملات على اختلاف مجالاتها. (1/34)
صفحة 33
وبهذا المنظور يستطيع كل منصف ـ منا ومن غيرنا إذا أنصفنا أنفسنا أو أنصفنا التاريخ ـ أن يقول إنه لا يوجد خلاف معتبر بين مذاهب هذه الأمة وطوائفها مما من شأنه أن يؤدِّي بها إلى التفرقة والتنازع والتباغض والتدابر وحتى إلى التقاتل فيما بينهم، يضرب بعضهم رقاب بعض مهما كانت دواعي ذلك وأسبابه، إذ لا يعدو أن يكون خلاف تنوُّع وتعدُّد المصالح والمنافع حرصًا على جلبها وتحقيقها، أو تنوُّع وتعدُّد الشرور والمفاسد والمضارِّ حرصًا على درئها ودفعها وتلافيها تطهيرًا للمجتمع الإسلامي منها، وتزكية لنفس المؤمن حتى تطمئنَّ وتلقى ربها راضية مرضية فيُدخلها في عباده ويدخلها جنَّتَه. (الفجر: 28 - 30).
تلك عوامل الوحدة والجمع والتأليف بين عموم الأمة الإسلامية ـ على اختلاف ـ بل تعدُّد ـ مذاهبها العقائدية أو الفقهية أو السياسية دون اختلاف حقيقي بينها. أما بالنسبة لنا معشر الجزائريين إباضيين ومالكيين وأحنافا فالتوافق بين جميع المنتمين لهذه المذاهب أظهر وأقوى وأمتن؛ إذا ما استقرأنا التاريخ قبل أن نستقرئ المسائل والأحكام الجزئية، فضلا عن الأصول والأحكام الكلية، عمليةً (1/35)
صفحة 34
كانت أو عقائدية، فالتعايش مدى التاريخ الطويل والأمد البعيد طيلة ما يزيد على ألف سنة أو تزيد عددَ مِئِين بين المذاهب الثلاثة. خاصة بين الإباضية والمالكية في شمال أفريقيا بمعظم الأقطار الأربعة أو الخمس وخارج شمال أفريقيا في الأندلس وما جاورها من بعض الجزر المحيطة بها، وفي جنوب الجزيرة العربية في اليمن وحضرموت وعُمان وما جاورها من بعض الإمارات العربية. ووحدة هذه المذاهب منشَأه أو منبته إمَّا في العراق بالبصرة والكوفة، وما وراء بلاد العراق إلى خراسان أو في جنوب البلاد الإسلامية أو غربها، كلُّ هذا التعايش والتجاور في البيئات يدلُّ على مدى التقارب والتكامل إلى حدِّ ما يقرب من التوافق والتوحُّد في معظم ما يحكم علاقة المسلم بربه أوَّلا، ثم ما ينظم علاقته بمن يعايشه ويساكنه ويجاوره من قريب أو بعيد، ويشاطره السرَّاء والضرَّاء، إذ يستحيل عادة أن يحصل ذلك التعايش والتجاور لو كانت هناك فوارق جوهرية تباعد هذا عن ذاك أو تنفِّره منه أو تُوقِع بينهما عداوة وبغضاء دينية، كما شوهد في بعض فترات التاريخ في بعض الأقطار الإسلامية قديمًا، كفترة وجود العُبيديِّين الفاطميين بشمال أفريقيا، وكما يشاهد اليوم في بعض (1/36)
صفحة 35
أنحاء العالم الإسلامي ـ عربية وغير عربية ـ حيث يتنازع فيها دينان أو أديان، أو مذهبان أو مذاهب شتى متنافرة غاية النُّفرة، متباعدة غاية التباعد؛ مما يجعل التعايش بينهما أمرًا قريبًا من المستحيل ولا يقام إلا على أساس من النزاع والصراع الدائم لا يفتُر حتى يهيج ولا يخمد حتى يثور كأشدَّ مِن ذي قبل، ولو شئنا لضربنا لذلك أمثلة عبر التاريخ قديمِهِ وحديثه، من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية.
من هذا المنطلق أو من هذا المنظور نُدرك مدى التقارب ـ بل مدى التوافق ـ بين المذاهب المتعايشة في هذه الأقطار المتجاورة من المغرب العربي، وخاصة الجزائر الحبيبة منذ ما يزيد على ألف سنة ممَّا يعدُّون. وكم شهدت هذه الحقبة التاريخية الطويلة من تآزر وتعاون وتآخ بين الإباضيين والمالكيين خاصة في جنوب الجزائر ـ وادي ميزاب ـ إذ تجاوروا وما زالوا متجاورين في البيوت، وتشاركوا في شركات للزرع والحرث والمساقاة والمغارسة وتربية المواشي والأنعام في البوادي والحضر، وتآجروا في مختلف ميادين التشغيل الفلاحي والصناعي والتجاري وورشات الأشغال (1/37)
صفحة 36
ومقاولات البناء وما أكثرها حتى اليوم.
وقولنا إن ذلك ما يثبته التاريخ فليس معنى ذلك أننا لا نجد أي خلاف يُذكر بين إباضي ومالكي في بعض التصورات الأيديولوجية العقائدية، أو بعض التصرُّفات العملية التطبيقية، فإن ذلك ما لا يكاد يسلم منه حتى أتباع المذهب الواحد كالإباضية فيما بينهم والمالكية فيما بينهم والأحناف فيما بينهم، بل وحتى بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بينهم، وبين الأشقَّاء ذوي الأخوَّة من صلب واحد ورحم واحدة.
أخي المسلم إذا أردنا أو نوجد أو نحرِّر مواقع أو مسائل الوفاق بين الإباضية والمالكية ـ وما أكثرها ـ أو مسائل الخلاف بينهم ـ وما أقلَّها ـ فلنوجز ذلك فيما يلي مصنِّفين إياها إلى محاور محدودة مُعَنْوَنة بفصول:
الفصل الأول: 1 ـ الأصول الدينية العقائدية.
الفصل الثاني 2 ـ الأصول الفقهية ومصادر التشريع.
الفصل الثالث 3 ـ الأحكام العملية في السياسة الشرعية. (1/38)
صفحة 37
الفصل الرابع 4 ـ الأحكام العملية في المسائل الفرعية في العبادات.
الفصل الخامس 5 ـ الأحكام العملية في المسائل الفرعية في المعاملات البدنية.
الفصل السادس 6 ـ الأحكام العملية في المسائل الفرعية في المعاملات المالية.
وسنحاول بسط ذلك وبيانه بضرب أمثلة على سبيل الإيضاح لا على سبيل الحصر، بعيدين كل البعد عن الجدليات الكلامية الفلسفية العقيمة ـ في معظمها ـ مكتفين بمخاطبة العقل السليم والفطرة الإلهية التي فطر الله الناس عليها، إذ الإسلام دين الفطرة كما قال الله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم:30). (1/39)
صفحة 38
الفصل الأول:
أصول الوفاق ومسائل الخلاف في الأصول الدينية العقائدية:
إن الإباضية والمالكية يتَّفقون في معظم ـ إن لم نقل في كل ـ أصول العقائد الدينية لا باعتبار المالكية مالكية كمذهب عقائدي مستقلٍّ، وإنما باعتبارهم أشاعرة على مذهب أبي الحسن الأشعري الذي قيل عنه إنَّه شافعي وزعم أنَّه مالكيُّ المذهب الفقهي، ويوحي بعض كلامه عن نفسه أنَّه مناصر لأبي حنيفة. وهذا المذهب الأشعري العقائدي يجمع معظم أهل المذاهب الباقية اليوم ـ خاصة المذاهب الأربعة ـ فهم يتَّفقون والإباضية في أصول التوحيد لله عز وجل وإجلاله وإعظامه وتقديره حق قدره بوصفه بجميل الصفات وجميع الكمالات المطلَقَة ـ ذاتًا وصفات ـ على أنها صفات قديمة أزلية أبدية دائمة لا تنفكُّ عنه ولا ينفكُّ عنها ـ لا حالَّة فيه ولا منفصلة عنه ـ وإنما توقيفية حسبما أخبرنا عن نفسه لا قياسية؛ فلا يوصف إلا بما وصفَ به نفسه، ويوصف بكل ما وصف به نفسه، وإن لم يعهد ذلك كمالا في منظورنا مثل الجبَّار المتكبِّر، ولا يوصف بما لم يصف به نفسه، وإن بدا لنا أنَّه من الكمالات التي أثبتها لنفسه وارتضاها أن نصفه (1/40)
صفحة 39
بها هي ما اعتبرها أسماءه الحسنى التي أمرنا أن ندعوه بها إذ قال {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (الإسراء:110) وقال {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأعراف: 180).
ويتَّفق الجميع على تنزيه الله عز وجل عن جميع النقائص التي لا يجوز اتِّصافه بها مما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى خاصة العدم، الموت، الفناء، الجهل، الهلاك، العجز، الصمم، العمى، البكم. ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ وعن النِّد والشريك في ذات أو صفة، أو فعل، وعن الكُفء، والمعين والمشير، والوزير، والشبيه، إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى:11) {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (سورة الإخلاص) هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} (الحديد:3). (1/41)
صفحة 40
1 - المبحث الأول:
كمالات الله تعالى لا تتبدل لا في الدنيا ولا في الآخرة:
وهذا القدر المشترك ممَّا يُعتقد في حقِّ الله تبارك وتعالى يتوافق عليه الإباضية والأشاعرة ومنهم المالكية، إلاَّ أن الإباضيين يذهبون في التنزيه إلى أقصى حدوده فيُثبتون لله عز وجل كمالاته في الدنيا والآخرة، وينزِّهونه عما يجب أن يتنزَّه عنه في الدنيا والآخرة. إذ أن كمالاته تبارك وتعالى لا تتبدَّل ولا تتغيَّر في الآخرة عما هي عليه في الدنيا، كما أن تنزيهاته لا تتبدل في الآخرة عما هي عليه في الدنيا، ومن ثَمَّ قال الإباضية باستحالة الرؤية رؤية الباري الله عز وجل بالعين الباصرة في الآخرة كما أنها مستحيلة في الدنيا، وذلك لِمَا تستلزمه الرؤية البصرية المعهودة من التحيز والتشكل والتلوُّن والقرب والبعد والتبعُّض والتجزُّؤ إلى غير ذلك من المستلزمات الثمانية أو العشرة للرؤية البصريَّة، ممَّا يستحيل في حقِّ المولى عز وجل. وهذه إحدى المسائل الخلافية في الأصول العقائدية. وإن كنت أرى أن هذه المسألة لا دخل لها مطلقًا في استقامة سلوك الفرد أو انحرافه وغوايته؛ وعليه فما أجدر بالمسلمين أن يتغاضوا عنها (1/42)
صفحة 41
ويتسامحوا فيها ما دام قصد الجميع المبالغة في تقديس الله عز وجل وتعظيمه وتنزيهه وتقديره حق قدره.
2 - المبحث الثاني:
المسألة الثانية من المسائل الخلافية بين الإباضية والأشاعرة:
أما المسألة الثانية من المسائل الخلافية بين الإباضيَّة والأشاعرة فمنبثقة عن تفرُّد الله عز وجل بالقِدَم وأنه القديم الوحيد ـ ذاتا وصفاتٍ ـ وكل ما سواه حادث، وكل حادث مخلوق، والجميع متَّفِق على استحالة تعدُّد القدماء لِما يلزم عنه عادة من تنازع وصراع؛ مما ينتج عنه فساد السماوات والأرض كما قال عز وجل ژ? ? ... ? ... ? ? ... ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ (الأنبياء:22) ولو تعدَّدَ القدماء إذن لذهب كل قديم بما خلق، ولعَلَا بعضهم على بعض كما قال الله تعالى ژپ پ ... پ ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? S S S S ? ?? ? ? ? ?ژ (المؤمنون:91) أو لأدَّى النزاع والصراع عند تعدُّد القدماء إلى (1/43)
صفحة 42
تنازل البعض للبعض أو سيطرة البعض على البعض وقهره وغلبته، وبالتالي يفقِد المتنازل المقهور المغلوب ألوهيَّته وأقدميَّتَه.
فمن هذا المنظور ومن هذا المنطلِق فقد خصَّ الإباضية الله عز وجل بالقِدَم والأزليَّة في ذاته وصفاته، وأنَّ كل ما سواه حادث وحديث، ومن ثمَّ فقد فرَّق الإباضية بين صفة الكلام في حق الله عز وجل وأنَّها ضدُّ البُكم ونقيض الخَرَصِ، وإنَّها صفة قديمة قِدَم الذات ثَابتة لها ثبوتًا واجبًا أزليًّا وسرمديًّا كسائر الصفات الذاتية الواجبة له تبارك وتعالى. بينما القرآن هذا الكتاب المنزَّل نُجوما وأقساطًا، والمبعَّض أجزاء، والمكتوب في اللوح المحفوظ وفي المصاحف والدفاتر والكراريس والألواح الخشبيَّة تُتداول بين أيدي الناس إلى درجة أن مزَّقه الوليد بن يزيد ـ أحد الأمراء الأمويين ـ لعنه الله إن صح عنه ما قيل إنه قال:
إذا ما جئت ربَّك يوم حشر ... فقل يا ربِّ مزَّقني الوليد (1)
__________
(1) أبو الحسن علي ابن الأثير (630هـ): الكامل في التاريخ، تح: عمر عبد السلام تدمري. الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة:01. ج4، ص:307. أبو الفرج الأصبهاني: كتاب الأغاني. الناشر: دار الفكر – بيروت الطبعة:2، تح: سمير جابر. ج:7، ص:60. (1/44)
صفحة 43
إن هذا القرآن المقروء غيرُ الله وغيرُ صفة الكلام الثابتة لله عز وجل، وإنما هو نتيجة أو مستلزَم تلك الصفة كاستلزام صفة الخالقيَّة وصفة القدرة إيجاد مخلوقاته المنسوبة إليه، وكاستلزام صفة العلم الواجبة في حقِّه عز وجل أن علَّم الإنسان ما لم يعلم؛ ومن هنا قال الإباضية ـ في جملة من قال ـ: إن القرآن مخلوق كسائر الكتب السماويَّة الأخرى، وكسائر مستلزَمَات الصفات الأخرى، شأن القرآن في ذلك شأن التوراة والألواح المنزَلة على موسى، وشأن الزبور الذي أوتيَه داود، والإنجيل الذي على عيسى، وصحف إبراهيم وموسى، ومن أجل ذلك سمِّي حديثًا، وأنتم تعلمون أيُّها الطلبة والأخوات الطالبات ـ فضلا عن سادتي العلماء من مشايخ وأساتذة ـ أنَّ حديث على صيغة فعيل صيغة مبالغة، وأننا لو وضعناها في الميزان الصرفي لدى اللغويين والنحويين فعيل، لعَلِمْنا أن الياء فيه زائدة، وإذا حذف الحرف الزائد بقي حدث، وهو من الحدوث، والحدوث هذا من خصائص المخلوقات لا من صفات الخالق، إذ أجمعت الأمَّة الإسلامية كلُّها على أن الله جل جلاله قديم ذاتًا وصفات، ويستحيل عليه الحدوث في شيء من ذاته أو صفاته. (1/45)
صفحة 44
وحسبُنا في تعظيم القرآن وقد قلنا فيه ما قال منزِله عزَّ وجلَّ إذ قال ژS S ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چچ چ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ژ ژژ (الزمر:23) قلت حسبنا تعظيمًا له ـ مع ذلك ـ أن نعتقد فيه أنه أحسن حديث لا يُدانيه غيره مهما كان بما في ذلك الكتب السماوية المنزلة من قبله أو حديث الرسول ? المبين له، وبمقتضى هذه الأفضلية المطلقة للقرآن كانت له الهيمنة على كل ما سواه.
ومستند الإباضية في قولهم بحدوث القرآن وأنه حديث مخلوق، ذلك التصوُّر العقائدي بإفراد الله عزَّ وجل بالقِدم، وذلك النصُّ بل النصوص المتعدِّدة التي وصف الله فيها القرآن بأنه حديث ومحدَث.
ومن جهة أخرى فقد قال الله عزَّ وجلَّ في حقِّ القرآن ژ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (البروج:22) ففي تقتضي الظرفيَّة وفي هذا المقام المظروفُ هو القرآن والظرفُ هو اللوح المحفوظ وهذا يقتضي أن يكون الظرف ـ وهو (1/46)
صفحة 45
اللوح المحفوظ ـ أولى بالقِدَم وأعظمُ شأنًا من القرآن، وهذا لا يتناسب والقول بقِدَم القرآن اللهم إلا أن يكون اللوح المحفوظ قديما أيضًا كالقرآن ـ بل هو أقدم منه ـ وذلك يؤدي إلى تعدد القدماء وذلك ما لم يقل به ـ بل ينكره ـ الأشاعرة بالاتفاق.
وأيضا فقد قال الله عز وجل عن القرآن ژ? ? ? ? ژ ژ s sک ک ک ک گ گ ... گ ? ? ? ? ? ?? ? ں ں ? ?ژ (العنكبوت:48ـ49) إذا كان أو أصبح القرآن آيات بيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم فهل تكون الصدور التي احتوت القرآن القديم أقدَم منه حتى تحتويَه، وإلا فكيف يحتوي الظرفُ المخلوق المظروف القديم.
وأخيرًا لا آخرًا ـ فقد كلم الله موسى عز وجل تكليمًا وقال له الله عز وجل ژ? ? ? ? پ پ پژ (الأعراف:144) فهل يعتبر ذلك الذي سمعه موسى عند الشجرة، وعند جبل الطور يوم تمَّ ميقات ربه أربعين (1/47)
صفحة 46
ليلة، فهل يُعتبر ما سمعه موسى آنذاك قديما؟؟؟ وعليه فتكون التوراة قديمة أيضا، ـ ولعلَّها أقدم من القرآن ـ ولو كانت قديمة لما تغيَّرت، إذ القديم لا يتغيَّر. ولكنَّ الواقع أنَّ التوراة قد تغيَّرت وتبدَّلت، بصريح القرآن ژ? ? ? ?ژ كما قال الله عز وجل ژ ? ? ? ? ? ? ?ژ (النساء:46) وقال ژھ ے ے ?? ? ? ? ? ?ژ (المائدة:13) وقال ژ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ... ھ ے ے? ? ? ? ? ?ژ (المائدة:41) من كل ما سبق يتبيَّن لنا قوة الدليل، ووجاهة النظر عند الإباضية الذين قالوا بوجوب الفرق والتميِيز بين صفة الكلام كصفة من صفات الكمال الواجبة لله عز وجل وجوبا أزليًّا ذاتيًّا أبديًّا، وبين لازم الصفة وهو هذه الكتب المنزَّلة، إما مكتوبة في الألواح كالتوراة أو مقروءة على لسان ملك الوحي والرسول الموحى بها إليه، ثمَّ تُنقل عنه وتُحفظ وتُدوَّن، وقد تُحرَّف وتُبدَّل ما لم يتكفَّل الله تعالى بِحفظها، (1/48)
صفحة 47
فذلك مخلوق لله عز وجل يخلقه متى شاء وقد خلقه خلقًا مناسبا لكل نبيء أوحى إليه زمانا ومكانا وِفْق حكمته ومشيئته.
3 - المبحث الثالث:
الأصل الثالث من أصول الوفاق وما تولَّد من بعض جزئيات الخلاف بين الإباضية والمالكية الأشاعرة:
أنَّ الإباضية يوظِّفون نصوص الشارع ـ بما في ذلك نصوص الكتاب أو نصوص السنة ـ توظيفًا شرعيا إذ القرآن كتاب تشريع لا كتاب لغة رغم ما قيل عنه: إن القرآن قاموس الفقراء؛ وذلك لأن اللغة العربية قد استقرت عند أهلها الأصليين فيها بما في ذلك عامَّة العرب وقريش خاصَّة، فهُم ليسوا بحاجة إلى وضع ألفاظ جديدة لمدلولات لغويَّة، ولو كان الأمر كذلك لما وَسِعهم قوله تعالى ژ? ? ? ? ? ? ? ? ںژ (إبراهيم:4) وعليه فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، واستعمل نفس الألفاظ والكلمات العربية في مدلولات ومعانٍ شرعية جديدة مع إبقاء صِلة ما بالمدلول اللغوي، إذ الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد. ومثال ذلك كلمة الصلاة وقد كان مدلولها اللغوي مجرَّد الدعاء، فاستعملها الشارع في معنى (1/49)
صفحة 48
إسلامي تشريعي جديد، فأصبحت دالَّة على عبادة مخصوصة بشروط معيَّنة وبهيئات خاصة وأزمنة موقوتة وبأعداد ثابتة لا تَقبل الزيادة ولا الإنقاص، وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة الصوم، وقد كان مدلولها اللغوي مجرد الإمساك عن شيء معيَّن، كإمساك الريح عن الهبوب فيقال صَامَت الريح، أو إمساك الخيل عن علفها، ليلا أو نهارًا فيُقال صامت الخيل، فنَقَلَها الشارع عن عموم ذلك المعنى إلى الدلالة على عبادة معيَّنة قائمة على إمساك عن أشياء معيَّنة خاصة شهوتي البطن والفرج وعن محارم الله في وقت معيَّن من اليوم نهارًا، وفي شهر معيَّن من السنة على جهة الوجوب، وليُقَل مثل ذلك في الحجِّ والزكاة والتيمُّم والوضوء.
بناء على ذلك الملحَظ فإن الإباضية قد يمتازون عن معظم ـ إن لم نقل عن كل ـ من سواهم في توظيف كلمتي الإيمان والإسلام من جهة، وفي توظيف كلمة الكفر من جهة أخرى توظيفًا شرعيًّا للدلالة على معان شرعية هي أخصُّ من معانيها اللغوية، مع إبقاء أو ملاحظة علاقة ما تصل بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي لهذه الكلمات.
أما الإيمان فمن حيث مدلوله اللغوي هو مجرَّد التصديق بشيء مما (1/50)
صفحة 49
يَحتمِل الصدق والكذب في حدِّ ذاته، بِغضِّ النظر عن محتوى ومصدر ذلك الخبر المصدَّق به.
أما الإسلام فمدلوله اللغوي الإذعان والخضوع والاستسلام، إما عن طواعية واختيار أو عن قهر وإجبار.
أما مدلولهما الشرعي فهما متلازمان ومتكاملان بل قد يكونان مترادفين ترادف اللفظين على معنيين متلازمين، كالبيع والشراء، إذ يستعمل أحدهما ويستدعي وجوبًا تحقق الآخر؛ فلا بيع بدون شراء ولا شراء بدون بيع، فقيل فيهما يتَّفقان إذا افترقا ويختلفان إذا اجتمعا. وكذلك لفظ القُرء قد يطلق على الطهر ويتضمن وجوبا الحيض، وإذا أطلق على الحيض يتضمَّن وجوبًا الطهر، فإذا قال ـ وقد قال ـ الله عز وجل في عدَّة المطلقات ژ? ? ... چ چ چژ (البقرة:228) فالمطلَّقة مهما تربَّصت ثلاثة أطهار إلا وتضمَّنَت خلال ذلك ثلاث حِيَضٍ، وإذا تربَّصت ثلاث حِيض استلزمت تربُّص أطهار مثل ذلك عادة.
بناءً على ذلك النمط من التلازم فإن الإباضية يرون ويعتقدون أن مدلول الإيمان ومدلول الإسلام شرعًا واحدٌ، فالإيمان يساوي الإسلام والإسلام يقتضي ويساوي الإيمان؛ فلا إيمان شرعا بغير (1/51)
صفحة 50
إسلام، ولا إسلام شرعا بغير إيمان. وجِمَاع ذلك كلِّه مركَّب من ثلاثة عناصر أو ثلاثة أركان، متى اختلَّ ركن من الأركان أو عنصر من العناصر اختلَّت حقيقتُها الشرعية وهي عقيدة راسخة في القلب. وقول صريح أو إقرار عمَّا في القلب باللسان. وعمل صالح بالجوارح. فمتى توفَّرت هذه العناصر الثلاثة قيل في صاحبها إنه مؤمن أو إنه مُسلم ولا فرق بين الاستعمالين كما قال الله عز وجل في حقِّ أهل لوط - عليه السلام - إذ نجَّاهم من عذاب قومه ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الذاريات:35ـ36) وإنما هي عائلة واحدة قيل عنها إنها من المؤمنين ووُصِفتْ هي نفسُها بأنها من المسلمين.
بخلاف ما إذا اختلَّ أحد تلك العناصر فإنه لا يتحقَّق إيمان ولا إسلام، فقد يصدِّق القلب بشيء ـ خاصة من رسالة محمد ? ـ مثل عمِّه أبي طالب إذ قال له أعلمُ أنَّك على حقٍّ وصِدق، ولكن لمَّا لم يتلفَّظ بلسانه عمَّا يختلج في قلبه فينطق بكلمة الشهادة وقد حاول النبيء ? منه ذلك، بينما ألحَّت عليه أعيان قريش أن يمسك عن التلفظ بها ويموت على دين آبائه (1/52)
صفحة 51
وأجداده فكانت الكلمة الأخيرة التي تلفَّظ بها أبو طالب قوله: على دين الأشياخ ومن ثمَّ فإنه لا يقال في حقِّه إنَّه مؤمن ولا مسلم، رغم تصديقه بقلبه لابن أخيه (1).
كما أن الضعيف قد يُذعِن لقوَّة الحق عن خوف ومن غير تصديق به في أعماق قلبه؛ فيتلفَّظ بكلمة التوحيد ظاهريًّا، وقد يُسايِر المسلمين بل المؤمنين في سائر أعمالهم ظاهريًّا، ومع ذلك يُعتَبر منافقًا نفاق عقيدة، فلا يقال فيه إنَّه مؤمن ولا مسلم بالمعنى الحقيقي للإسلام شرعًا، وإذا أطلق عليه أنَّه أسلم فبالمفهوم اللغوي وهو الإذعان والرضوخ، وذلك قول الله عز وجل في حقِّ الأعراب الذين قال عنهم ژ? ? ? ? ? ? ں ... ں ? ? ? ? ?ژ (التوبة:97) قال الله في حقِّهم ژ s ک کک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ (الحجرات: 14).
__________
(1) عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري أبو محمد (ت: 213): السيرة النبوية، تح: طه عبد الرءوف سعد، الناشر دار الجيل ـ بيروت، ج:2، ص: 265. (1/53)
صفحة 52
وقد يأتي البعض بشيء كثير من الأعمال الصالحات ومن وجوه الخير والبرِّ والإحسان، دون عقيدة في القلب، أو تلفّظٍ باللسان بكلمة جملة التوحيد، فإن ذلك لا يسمى إسلامًا ولا إيمانًا، مثل المنظَّمات الخيرية العالمية كالصليب الأحمر الدولي أو الشمس الحمراء أو الأسد الأحمر، وغير ذلك من المنظَّمات الخيرية عبر العالم اللاَّديني واللاَّإسلامي؛ فإنه لا يُقبل منه صرف ولا عدل، وأولئك الذين قال الله عزَّ وجلَّ فيهم وفي أمثالهم ژ? ? ? ? ? ? ? ? چژ (الفرقان:23)
ومن أوضح الأدلة على سلب الإيمان ـ بمفهومه الشرعي ـ عمَّن لم يجمع إلى تصديقه العمل الصالح إذعانا وإسلاما قول النبيء ? "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (1). فقد سَلَب النبيء ? عن أولئك الأصناف الزاني والسارق وشارب الخمر وأمثالهم صفة الإيمان
__________
(1) صحيح البخاري. ج:7 ص104. رقم: 5578. الربيع بن حبيب الأزدي البصري (ت: 170هـ): الجامع الصحيح، الناشر: دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ومكتبة الاستقامة، مسقط. عمان. ج:1 ص: 276 رقم: 983. (1/54)
صفحة 53
بمدلوله الشرعي الصحيح، وإن كانوا مؤمنين أي مصدِّقين بحِرمتها.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ?ژ (البقرة:278) فمفهوم الشرط ـ وهو معتَرَف به عند جميع القائلين بمفهوم المخالفة في دلالة الألفاظ ـ أنَّ من لم يتَّقِ الله ولم يذر ما بقي من الربا انْتَفَتْ عنه صفة الإيمان بمفهومه الشرعي، وإن كان مصدِّقا بِحِرمة ذلك فيصدُق عليه الإيمان اللغوي، ومثل هذا في القرآن والسنَّة كثير.
تلك خاصية من خصائص الإباضية في مفهوم الإيمان والإسلام شرعًا، وتوظيفهما معًا لمفهوم واحد وهو مجموع العقيدة والقول والعمل.
أما توظيف كلمة أو كلمات الشرك والكفر، والنفاق والفسوق والعصيان، والظلم والإثم والوزر والذنب، فقد يتَّفق الجميع على القدر المشترك بين كل هذه الألفاظ وهو مخالفة ما جاء عن الله ورسوله من أوامر يتعيَّن الإيمان بها واتِّباعها، ومن نواهٍ أيضا يتعيَّن التصديق بها واجتنابها، وأنَّ كل من أخلَّ بشيء من ذلك يُطلق عليه بعض تلك الأوصاف وقد تُطلق عليه كلُّها أحيانا. (1/55)
صفحة 54
غير أن الإباضية في خصوص كلمة أو وصف الكفر فإنَّهم يتَّفقون مع أهل الحديث، وفي مقدِّمتهم الإمام البخاري إمام المحدِّثين (1)، ومن ثمَّ فقد اتَّفق الإباضية مع البخاري في تقسيم الكفر عملاً وأخذًا بظاهر النصوص القرآنية فترجم البخاري في صحيحه بقوله:
باب كفر دون كفر:
1 - كفر شرك أو كفر ملة أو كفر جحود أو كفر مساواة.
2 - كفر نعمة أو كفر نفاق أو فسوق أو عصيان.
والفرق بين هذين النوعين يتجلَّى في الأحكام الدنيوية دون الأحكام الأخروية.
أوَّلاً: كفر الشرك ويسمى أيضا كفر ملَّة أو كفر جحود أو كفر مساواة، يوصف به كل من أنكر وجود الله جل جلاله، أو أنكر صفة من صفاته الذاتية، أو
__________
(1) والإباضية يعتبرون صحيحه من أصح ـ إن لم يكن أصح ـ كتب الحديث وصحاحه بعد الجامع الصحيح أو المسند للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، فالإباضية يعملون ويأخذون بما ورد في صحيح البخاري وغيره من الصحاح ما لم يتعارض شيء من ذلك مع نص قطعي من القرآن.
*- نقلت النصوص المطوَّلة التي تشرح بعض الألفاظ وبعض الجمل المعترضة الطويلة نسبيا من النص إلى الهامش حفاظا على سلاسة المعنى للقارئ. (عمر بن باحمد الشيخ أحمد. معد الطبعة الثانية ومخرِّجها). (1/56)
صفحة 55
كمالا من كمالاته الواجبة له ذاتًا أو صفاتٍ، أو نسب إليه شيئًا مما لا يجوز نسبته إليه مما يستحيل في حقه ويجب تنزيهه عنه كالصاحبة والولد والكُفْءِ والنِّدِّ والسَّمِيِّ والشريكِ، فضلاً عن عدمه أو موته أو عجزه. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
وكذلك يُوصف به ويُحكم به على كل من جحد وأنكر شيئًا معلومًا من المعلومات الضرورية في الدين الإسلامي، كإنكار أصل من أصول الدين، ولو ما دون الإيمان بالله، كإنكار القرآن كله أو بعضِه، أو أصلاً من بقية الأصول الأخرى، كمبدأ الوحي، أو عالم الملائكة، أو المصير إلى الله والحياة الأخرى لتحقيق وعد الله ووعيده بتوفية عباده جزاءهم ثوابا أو عقابا، خيرا أو شرًّا. أو أنكر أصلا من أصول العبادات الواجبة كالصلاة والصوم والزكاة والحج كأركان معلومة من الدين بالضرورة، مثل الذين قالوا أمَّا الصلاة فنصلي وأما الزكاة فلا نجعل في أموالنا شركاء.
أو أنكر حِرمة شيء من المحرَّمات المعلومة من الدين بالضرورة، كحرمة الخمر والزنا والسرقة والربا وقتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، وهتك أعراضهم ظلمًا وعدوانا، فمثل هذا يعتبر كافرًا كفر شرك أو كفر (1/57)
صفحة 56
جحود أو كفر ملَّة، ليس من الإسلام ولا من المسلمين في شيء ولو نطق بكلمة الشهادة بالتوحيد. فلا تحلُّ مناكحته بل تحرم عليه زوجته أو يحرم عليها زوجها، ولا تجوز ولا تؤكل ذبيحته، ولا يرث ولا يورث، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وتجب استتابته وإلا يقاتَل حتى يتوب أو يقتل كما فعل أبو بكر وبإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - بمانعي الزكاة (1)، أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر إذا كان من أهل الكتاب أو من يسنُّ بهم سنَّة أهل الكتاب من أول الأمر ومن غير ارتداد، تلك أحكامه في الدنيا، وكأنِّي بهذا قدرٌ مشترك متَّفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية.
أما أحكامه في الآخرة فنعتقد فيه أنَّه سيلقى وعيد الله فيوفِّيَه حسابه ويجازيَه الجزاء الأوفى بالخلود في العذاب الأليم أبد الآبدين جزاء وفاقًا، إلا أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة ويجدِّد إسلامه فيسلِم لله رب العالمين في أحكامه، والإسلام جُبٌّ لِمَا قبله، فلا يطالب بشيء من فوائت الأعمال على المشهور، ولا بغرائم وتبعات الأعمال، ولا إقامة الحدود عليه سواء كانت في حق الله أو في حقوق العباد.
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:87، رقم: 341. (1/58)
صفحة 57
ثانيا: أمَّا الكفر الثاني فهو كفر دون ذلك الكفر وهو كفر نعمة أو كفر نفاق وفسوق وعصيان وظلم، ويوصف ويتَّصف به كل من ارتكب كبيرة من الكبائر الفعلية كالزنا وشرب الخمر أو الكبائر التَّركية كترك الصلاة عمدًا، أو انتهاك حرمة رمضان أو حج أو زكاة وَجَبَا وتعيَّنا على صاحبه على جهة الانتهاك دون استحلال الحرام أو إنكار الواجب.
وذلك الحكم عليه بالكفر ثابت بنصوص شرعية صريحة في السنَّة كقوله ? "ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة" (1) فمن تركها فقد كفر. وقوله في حديث سابق "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". ونقيض الإيمان هو الكفر، وقال عليه الصلاة والسلام "ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (2) فقد جعل قتل المسلم
__________
(1) الجامع الصحيح مسند الربيع، ج:1 ص:78. رقم:303 ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني (ت: 273هـ): سنن ابن ماجه، تح: محمد فؤاد عبد الباقي. الناشر: دار إحياء الكتب العربية. بلفظ:" ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك". ج:1 ص:342. رقم: 1080.
(2) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:200. رقم: 756. مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت: 261هـ) تح: محمد فؤاد عبد الباقي. صحيح مسلم، الناشر: دار إحياء التراث العربي. بيروت. ج:1، ص:82، رقم: 66. (1/59)
صفحة 58
أخاه المسلم من مقتضيات وأسباب الكفر. بل ودلَّت آيات قرآنية على هذا المعنى مثل قوله تعالى في تارك الحج ژھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?ژ (آل عمران:97) وكذلك قوله تعالى ژ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ (المائدة:44) وهذا النوع من الكفر قد يسمَّى ـ وقد سُمِّي فعلا ـ ظلما وفسوقا في نفس السورة إذ تكرَّر فيها قوله عز وجل ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (المائدة:45) وقال ژ? ? ? ? ? چ چ چ چژ (المائدة:47) وحُكم هذا النوع من الكفر في الدنيا أنَّه لا يُخرج صاحبه من الملَّة الإسلامية ولا من أحكام الجماعة المسلمة، فلا تحرُم عليه زوجته ولا تحرُم مناكحته، ولا ذبيحته، ولا يحرُم التوارث معه أخذًا وإعطاء، ويُستتاب وتُقام عليه كل الأحكام، ويُبرأ منه حتى يتوب فإن تاب عُفي عنه ومن تاب تاب الله عليه، (1/60)
صفحة 59
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قال الله عز وجل ژگ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (طه:82) وقال ژ? ? ? ? S S S S? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?ژ (الأنعام:54) وإنْ أبى التوبة وأصرَّ على ما هو عليه من الذنوب وكبائر الإثم والفواحش حتى مات وعاين بعض آيات ربِّه بعد الغرغرة فإنَّه يُقال فيه على جهة العقيدة إنه خالد مخلَّد في النار أبد الآبدين، لا فرق بينه وبين كافر كفر ملَّة وجحود وشرك في الآخرة إلا من حيث دركات العذاب. ولعلَّ مثل ذلك يُعتبر من المنافقين الذين قال الله فيهم ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (النساء:145) وذلك ما جاء به القرآن صريحا بتسوية أولئك العصاة المصرِّين على كبائرهم بالذين لم يؤمنوا من أول مرة في المصير الأخروي من حيث الخلود وذلك قوله تعالى ژچ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ... s s ک ک ک گ (1/61)
صفحة 60
گ گ گ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ? ?? ? ? ہ ہ ہژ (النساء:17ـ18) وقال عز وجل في سورة الأنعام ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (الآية:158) وهذا الحكم بالكفر الأصغر ـ كفر نعمة أو كفر نفاق عملي أو كفر فسوق وعصيان ـ يطلقه الإباضية على من ثبت في حقِّه موجبُ ذلك، ولو كان ممَّن يدَّعي الإسلام وينتسب إلى المذهب الإباضي ويعيش بين الإباضية أنفسهم، بل ولو كان ابن عالم من علمائهم أو شيخ من مشايخهم أو خلَفَ إمام من أئمتهم إذا انحرف سلوكه فأصبح خَلْفًا كما قال الله عز وجل في بعض من جاء بعد النبيئين والمرسلين المذكورين في سورة مريم ژہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ... ? (1/62)
صفحة 61
?ژ (الآية:59ـ60) والغيُّ (1) كما فسره البعض واد في قعر جهنَّم تستعيذ جهنم نفسُها منه أعاذنا الله منها.
4 - المبحث الرابع
أصل العقيدة والإيمان الصادق العميق:
من مباحث أصول الوفاق ومسائل الاختلاف بين الإباضية والمالكية أصل العقيدة والإيمان الصادق العميق بوجوب وفاء الله عز وجل بوعده بالخير لعباده الصالحين الأوفياء تفضلا وإحسانا، وتوفيته وعيده شرار خلقه من الكفرة والفسقة والعصاة المصرِّين على عصيانهم محادة لله ورسوله حكمة وعدلاً وجزاء وفاقًا، وإنه كما قال عن نفسه عز وجل ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (الحجر:49ـ50) وقال: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (ق:29) وذلك تحقيقا لحكمة الزجر والردع للطغاة والعصاة من عباده، وتحقيقا للقوة الإلزامية الضرورية لتنفيذ
__________
(1) أبو عبد الله فخر الدين الرازي (ت: 606هـ): مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة: 03. ج: 21، ص:552. (1/63)
صفحة 62
الأحكام والشرائع في كل الملل والنحل السماوية والوضعية، وتمكينا للخوف والرجاء في قلوب العباد حتى لا يأمنوا مكر الله ژچ چ ? ? ? ? ?ژ (الأعراف:99) ولا ييأسوا من روح الله ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ (يوسف:87) ولا يقنطوا من رحمة الله ژ? ? ? ? ? چ چژ (الحجر:56) وكل ذلك مقصد من المقاصد الشرعية المستوحاة من أغلب نصوص الوعد والوعيد.
يضاف إلى ذلك النصوص الصريحة في مثل قوله تعالى ژ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?ژ (الجن:23).
بمقتضى كل ذلك فإن الإباضية يعتقدون بدوام الوعد والوعيد معًا، وخلودهما وخلود أصحابهما فيهما، فمن أنعم الله عليه بالجنة ونعيمها جزاء له بالحسنى ـ الحسنة بعشر أمثالها وأكثر والله يضاعف لمن يشاء ـ فهو خالد في ذلك النعيم أبد الآبدين.
ومن اقتضى كفره وإجرامه وعصيانه وغلبت عليه شقوته وأصرَّ على كبائر (1/64)
صفحة 63
الإثم والفواحش، واقتضى عدل الله وحكمته أن يحكم عليه بدخول النار جزاء وفاقًا بعد تصفية وتوفية حسابه بالموازين القسط يوم القيامة، وقد خفَّت موازينه وقد طرح عنه ما عسى أن يكون له من بعض حسنات اقترفها في الدنيا، ووُفِّي حسابه وجزاءه فيها، أو إنها أُحبطت عليه إذ لم تكن خالصة لله، فجعلها هباء منثورًا، وإنما يتقبل الله من المتقين، فإنه إذا دخل النار مع الداخلين وأنزل في الدركة المناسبة له فإنَّه يخلد فيها أبد الآبدين، عدلاً وحكمة وجزاء وفاقًا.
فالوعد والجزاء بالجنة ونعيمها، والوعيد والعقاب في نار جهنم وعذابها لا ينقضيان ولا ينقطعان ولا يفنيان، كل ما في ذلك من تفاوت بين الناس فبالدرجات بعضها فوق بعض في الجنة، كما قال ژ? ? ? ?ژ (طه:75) أو بالدركات بعضها تحت بعض في النار كما قال ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (النساء:145) ولعل هذا أهمَّ أصل من الأصول العقائدية الدينية الخلافية التي لها بالغ التأثير والأثرُ البليغ والعظيم في سلوك الإنسان استقامةً أو انحرافًا، فبقدر ما يعتقد المؤمن في الخلود بقدر ما (1/65)
صفحة 64
تستقيم أحواله وتزكو نفسه ويحسن سلوكه مع الله أوَّلاً ثمَّ مع العباد، وهذا من ذاك، حتى ولو انزلقت به قدمه فوقع في بعض المزالق المُهلكة ـ إذ العصمة خاصة بالملائكة والأنبياء والرسل ـ فإنه سرعان ما يتذكر وينوب ويرجع، وذلك قوله تعالى ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گژ (الأعراف:201) بينما غير المتَّقين قال الله في حقِّهم ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأعراف:202) وهم الذين يَتَمَنَّوْن على الله الأماني ألاَّ تمسَّهم النار إلا أيامًا معدودة أو معدودات، وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون، وقد أنكر الله عز وجل عليهم أشدَّ الإنكار في سورة (البقرة: 80) وفي سورة (آل عمران:24).
5 - المبحث الخامس
أصل الولاية والبراءة:
الأصل الخامس من أصول الوفاق مع بعض مسائل الخلاف بين الإباضية والمالكية أصل الوَلاية والبراءة، أو أصل الحبِّ في الله والبغض في الله، وما يثمر ذلك من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما من فروض العين على الصحيح عند المحقِّقين كلٌّ قدر استطاعته وفي حدود (1/66)
صفحة 65
إمكانه، ولا يكلِّف الله نفسا إلا وسعها، وفق قول الرسول الأعظم محمد صلوات الله وسلامه عليه إذ قال: "من رأى منكم منكرا فليغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (1). وهذا الحديث منه - صلى الله عليه وسلم - يعتبر تفسيرًا وبيانا لقول الله عز وجل {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104) وقوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران:110) فكما أن الإيمان بالله فرض عين على كل مكلَّف ولا يجزي بعضَ المكلفين مهما كثروا عن الآخرين مهما قلوا فكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك امتثالاً للتأسي بالإسوة الحسنة في أبينا إبراهيم والذين معه ـ عليه وعليهم السلام ـ وخاصة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وفق قول الله سبحانه وتعالى {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ
__________
(1) صحيح مسلم: ج:1، ص: 69. رقم: 49. (1/67)
صفحة 66
مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (الممتحنة:4).
ووِفْق قوله عز وجل {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (المجادلة:22) وقال عز وجل {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة:114) وذلك ما طبَّقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - وكافَّة المجتمع المدني آنذاك على الثلاثة الذين خُلِّفوا عن الخروج للجهاد وقد تعيَّن في حقِّهم مع إخوانهم في جيش العسرة، فأعلن النبيء - صلى الله عليه وسلم - البراءة منهم ومقاطعتهم في معاملتهم في المجتمع، بل وحتى في بيوتهم وعائلاتهم وزوجاتهم وأولادهم وأقرب الناس إليهم (1) {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى
__________
(1) ينظر: سعيد بن أحمد الكندي (ت1207هـ): التفسير الميسر، تح: مصطفى بن محمد شريفي ومحمد بن موسى باباعمي. سلطنة عمان. ج:2، ص:146. (1/68)
صفحة 67
إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا (1) أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:118).
تلك مُستندات وجوب الوَلاية والبراءة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواجب الحب في الله والبغض في الله، والأدلة الدالة على ذلك والمقتضية له أكثر من أن تستوعب من الكتاب والسنة، ولعل هذا قدر مشترك بين جميع المذاهب الإسلامية بصفة مبدئية إذ يتفقون على حب وولاء جميع عباد الله الصالحين جملة من الأولين والآخرين، من السابقين واللاحقين، من علم منهم ومن لم يعلم، حتى قيام الساعة يوم يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وتلك هي ولاية الجملة كما يسمِّيها الإباضية.
ويُجمِع المسلمون ـ على اختلاف مذاهبهم ـ على كراهية وبغض جميع أعداء الله من المشركين والمنافقين والطغاة والعُصاة الأوَّلين والآخرين، من السابقين واللاحقين من عُلم منهم ومن لم يُعلم ممَّن لم يَتُب حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين لها عند قيام الساعة. وتلك براءة الجملة
__________
(1) علموا وأيقنوا. (1/69)
صفحة 68
أيضا كما يسمِّيها الإباضية، ولعل غيرهم كذلك يسمِّيها ويعتبرها.
ولكن الإباضية يمتازون بمزيد من التخصيص والتركيز والتنصيص أحيانًا فيضيفون لذلك نوعين آخرين من الولاية والبراءة وهما:
أ ـ ولاية الحقيقة.
ب ـ ولاية الأشخاص.
أ ـ براءة الحقيقة.
ب ـ براءة الأشخاص.
أما ولاية الحقيقة فهي إضمار الحب والولاء، وترجي خير الدنيا وسعادة الآخرة بيقين لكلِّ من شهد له نصٌّ قطعيُّ المتن والدلالة، باسمه أو بصفة من صفاته خاصة به فردًا أو جماعة بأنَّه من عباد الله الصالحين، مثل مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وسحرة موسى، وحواريي عيسى، ومثل أهل بيعة الرضوان، وأصحاب بدر والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة، فضلا عن الملائكة المُكرَمين وأنبياء الله ورسله المقربين.
أما براءة الحقيقة فهي إضمار البغض والكراهية وعدمُ ترجِّي سعادة الآخرة لكل من ثبت في حقِّه نص قطعي المتن والدلالة، باسمه أو بصفة خاصة (1/70)
صفحة 69
به، فردًا أو جماعة، أنَّه عدوٌّ لله محادٌّ له ولأنبيائه ورسله، مثل امرأة نوح، وامرأة لوط، وأبي لهب، وأصحاب الأخدود، وأشقى القوم في ثمود عاقر ناقة صالح - عليه السلام - والذي حاجَّ إبراهيم في ربه، ونحو ذلك، فضلا عن إبليس نفسه وجنوده مثل فرعون وهامان وقارون ومن كان على شاكلتهم.
قد يشارك الإباضية غيرهم في هذا الصنف من الوَلاية والبراءة أيضا.
ولكنَّ الإباضية كادوا أن يختصُّوا وينفردُوا بالنوع الثالث من أنواع البراءة وهو وَلاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، خاصَّة وهي إعلان الهُجران والكُره والبُغض ومقاطعة كل من ثبت في حقه ـ ثبوتا شرعيا صحيحا ـ ارتكاب كبيرة من كبائر الإثم والفواحش، وجاهَر بها حتى اشتهر أمره شهرة تضرُّ المجتمع، فبعد التثبت في أمره تثبُّتا يقينيًّا أو بما يقرب من القطع واليقين يُعلَن عنه بأن فلانًا ابن فلان في براءة المسلمين، أو فلانة بنت فلان في براءة المسلمين من أجل كذا وكذا، فإذا بالمسلمين ـ عامة رجالا ونساء كبارا وصغارا، أقارب منه وأباعد، وبمجرد الإعلان ـ يقاطعونه في معاملاتهم ومعاشرتهم بما في ذلك أقرب الأقارب إلى ذلك المتبرَّأ منه زوجته وأولاده ووالداه، وعشيرته وإخوانه (1/71)
صفحة 70
وأصدقاؤه، وأُجَراؤُه ومستأجِروه وشركاؤه، بحيث لا يكاد تنقضي عليه ساعة بعد الإعلان عن البراءة منه ـ فضلا عن اليوم واليومين ـ إلا ويجد نفسه مهاجَرا منبوذًا ومقاطَعا من طرف جميع المسلمين الصلحاء معزولاً عن المجتمع، منظورًا إليه بأنظار شَزِرَة (1) وقد تعطلت مصالحه وأعماله وانقطعت به الأسباب والصِّلات بالناس فتضيق بذلك نفسه، وتضيق به الأرض بما رحبت، ويعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم إلى إخوانه المؤمنين من عباد الله الصالحين، فلا يسعه إلا أن يبادر إلى التوبه والرجوع؛ فيفيء إلى الله وإلى إخوانه من عباد الله الصالحين معلنا، توبته أمام ملأ المسلمين في المسجد الجامع بعد أن يكون ـ غالبًا ـ قد أقلع عن ذنبه وتاب منه إلى الله، إن كان الذنب متعلقا بحق من حقوق العباد ومظالمهم إفراطًا أو تفريطا، غصْبا لحق الغير أو حِرْمانا لحقِّ الغير.
وهذا الأصل الأصيل في تربية الفرد والمجتمع ما زال ساري المفعول معمولا به ـ وبكل نزاهة ـ عند معظم الإباضية، خاصة إباضية وادي ميزاب
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، نظر شزر فيه إعراض كنظر المعادي المبغض. (1/72)
صفحة 71
جنوب الجزائر وبصفة أخص بلدة القرارة، مركز الثقافة الإسلامية والنهضة الإصلاحية حاليا في هذه العصور الأخيرة، وذلك سرُّ بقاء المجتمع الإباضي ـ نسبيا ـ محافظا على كثير من مقوِّماته الأصولية وطهارته وفطرته الإسلامية، في معظم جوانب حياته التربوية والدينية والاجتماعية، عائليًّا وعشائريًّا، وفي معظم معاملاته الاقتصادية، فلاحة وتجارة وصناعة، وفي نظامه السكني وهندسته المعمارية والعمرانية.
وإن كان الغزو الفكري الأجنبي الدخيل عبر المواصلات الكثيرة، جوًّا وبرًّا وعبر قنوات الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية قد بدأ يرسم ـ وبعمق أحيانا ـ بصماته في المجتمع ويفقده بعض مميزاته وخصائصه الأصولية وبعض عوامل مناعته وحصانته.
تلك أهم أصول الوفاق وبعض المفارقات الأصولية العقدية بين الإباضية والمالكية، أو بالأحرى الأشاعرة، وإن كان قد يبدو الخلاف في بعضها خلافًا لفظيًّا بين المذاهب مثل الخلاف في قضية قِدَم صفة الكلام لله عز وجل وخلق القرآن كما هو قرآن منزَّل ومقسَّط ومتلوٌّ ومكتوب في الألواح والرقِّ والطروس، إلا أنه عند التأمل في بقية تلك الأصول يلاحظ أن الإباضية قد تحرَّوْا (1/73)
صفحة 72
في ذلك ما يتوافق والمقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية من كمال التنزيه لله عز وجل وإخلاص التوحيد له جل جلاله بالقِدَم والخالقيَّة، وحمل الناس على خشيته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه رغبة في ثوابه الدائم في جنات النعيم، ورهبة من عذابه الأليم بالخلود في الجحيم. (1/74)
صفحة 73
الفصل الثاني:
أصول الوفاق ومسائل الخلاف في الأصول الفقهية
أما ما يخص الأصول الفقهية فالإباضية يتَّفقون مع بقية المذاهب الإسلامية على أن منابع التشريع ومصادره تتنوَّع إلى نقل وعقل، أو مصادر نقلية تؤخذ وتنقل عن طريق السماع والتلقي عن المشرع وهو الله جل جلاله بواسطة النبيء والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - كواسطة بيننا وبين مصدر الوحي ومنبعه، وفي هذا يندرج الوحي بنوعيه.
1 - الوحي المتلوُّ: وهو القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد ? بحروفه ومعانيه، ونُقل عنه بالتواتر، وقُصد به الإعجاز، وتُعُبِّدْنا بتلاوته، وتَكفل الله بحفظه؛ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
2 - الوحي غير المتلوُّ: وهو السنَّة النبوية بأقسامها الثلاثة القولية والفعلية والتقريرية، إذ ما يَنطِق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، من حيث أقواله وكذا حجيَّة أفعاله من حيث العصمة الثابتة له ?، وتقريراته لأمَّته من حيث وجوب القيام بمهمَّته وتبليغ رسالته في تزكية أمَّته (1/75)
صفحة 74
وأصحابه، فلا يُقرُّهم على ما لا يجوز وما لا يليق في حقِّهم كخير أمَّة أُخرجت للناس.
أما المصدر الثاني للتشريع الإسلامي أو الفقه فهو العقل ـ عند غياب النقل ـ إذ يفسح المجال للاجتهاد وإعمال العقل في فهم النصوص واستخراج مدلولاتها الصريحة والضمنية عن طريق فحوى الخطاب، وهو المفهوم المخالف أو الدلالة التضمُّنيَّة الاقتضائية، وهذا الاجتهاد قد يكون بصفة جماعية واتفاقيَّة وهو أقوى أنواع الاجتهاد يولِّد لنا المصدر الثالث أو الأصل الثالث للفقه وهو الإجماع.
وقد يكون الاجتهاد فرديا أو أحاديا، يقوم به المجتهد الواحد أو الاثنان أو عدد دون حصول الاتِّفاق والإجماع الكلي، فيتولَّد عن ذلك إلحاق النظير بنظرائه والأشباه بشبيهها المنصوص عليه، وذلك هو الأصل الرابع من أصول الفقه وهو القياس الذي يقول به جمهور المذاهب الإسلامية التي آمنت بدوام الشريعة الإسلامية وشمولها وعمومها وصلوحيَّتها لكل زمان ومكان، ولكل البيئات الإنسانية، من بداوة وحضارة، وسِلْم وحرب، وأمن وخوف، وخَصْب وجَدْب، وازدهار وانحطاط، وقوَّة وضعف، (1/76)
صفحة 75
وعزة ومهانة، وإن كانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين أبدًا.
وبذلك تجتمع أو تتجمَّع لنا الأصول أو المنابع والينابيع الفقهية المتَّفق عليها، وحسب ترتيبها الأولويِّ: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، ويضاف إليها الاستدلال كأصل أو ينبوع خامس، وإن كان مردُّه الاجتهاد في استخدام تلك الأصول الأربعة.
وإذا كان هناك بعض الخلاف بين الإباضية وغيرهم في بعض تلك الأصول فيتمثَّل في التقدير لتلك الأصول بعضها أزاء البعض وإليك أخي المسلم ملخَّص ذلك:
1. الكتاب:
إن الإباضية يولون الأولوية للقرآن وهو كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ومن خصائصه التواتر فلا يعتد الإباضية بما ادُّعيَ أنَّه قرآن ولم يتواتر، كقول القائلين كان ممَّا يُقرأ في القرآن: خمس رضعات يحرِّمن، فالإباضية لا يعتدُّون بهذه الرواية أنها قرآن، ومن ثَمَّ لم يقيِّدوا ـ ولا يقيِّدون ـ الرضاع بخمس رضعات ولا بثلاث لإعطاء أحكام الحِرمة ونشرها بين الرضيع وأقاربه من الرضاعة، بل يحكمون بذلك بمجرَّد وصول (1/77)
صفحة 76
شيء من إفراز ثدي المرأة إلى جوف الصبي الرضيع إذا كان في الرضاع، كما أن الإباضية يحكمون للقرآن بالهيمنة التي خوَّلها الله عز وجل لكتابه على كل ما سواه من كتب سماوية وغيرها بحيث مهما وُجِد تعارض ظاهري بين نصٍّ من الكتاب قطعي المتن دائمًا وقطعيِّ الدلالة عادة ونصٍّ آخر من السنَّة، وغالبًا ما تكون ظنيَّة المتن ـ والدلالة أحيانا ـ وتعذَّر الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعتبرة شرعًا، فالإباضية يرجِّحون نصَّ الكتاب ويقدِّمونه على كل ما سواه في الاعتبار والأخذ والعمل به، عقيدة أو عملا، خاصة في المسائل العقائدية التي يجب أن تكون نابعة من نصٍّ قطعيٍّ حتى تثبت ثبوتا قطعيا فتوجب العلم والإيمان اليقينيَّ.
وذلك مستند الإباضية في نفي رؤية الباري عز وجل، وإثبات الخلود للعصاة في النار إذا ماتوا مصرِّين عليها غير تائبين منها.
كما أن الإباضية يرون أن الأصل في القرآن الإحكام والثبوت والدوام لثبوت ذلك بصفة قطعية بمثل قوله تبارك وتعالى ژگگ ? ? ? ? ? ? ? ? ںژ (هود:1) وأنَّ (1/78)
صفحة 77
ادِّعاء النسخ في القرآن ادِّعاء خلاف الأصل فلا يُلجَأ إليه ولا يُقال به أو يُحكم به إلا في حالات نادرة قليلة جدًّا، وذلك في حالة ما إذا تعذَّر الجمع بين نصَّين متساويين ثبوتا ودلالة وتعارَضَا فيما بينهما، وعُلم داعٍ من دواعي النسخ كتقدُّم أحدهما وتأخُّر النص الآخر عنه، تعيَّن اعتبار اللاحق ناسخًا للسابق وهذا نادر الوجود في القرآن أن ينسخ بعضه بعْضا، فضلا عن أن يُنسخ القرآن بغيره، وإن جاز ذلك عقلا وشرعًا، ومن ثمَّ لم يقل الإباضية بنسخ وجوب الوصيَّة للوالدين والأقربين غير الوارثين الحقيقيين فعلاً.
2. السنة:
إن الإباضيين يرون أن السنَّة مشتقة من السنَن وهي الطريقة المسلوكة بصفة دائمة متكرِّرة باستمرار حتى تصبح فعلا طريقة متَّبعة مسلوكة لرسول الله ? قولاً أو عملاً أو تقريرًا.
أما إذا فعل النبيء ? فعلا ما أو قام بعمل ما مرَّة واحدة لسبب معين أو في ظرف زماني أو مكاني ولم يكرِّره؛ فإن ذلك الفعل لا يُعتبر سنَّة بالمفهوم الشرعي الواسع للسنَّة التي قال عنها ? "إنها محجَّة بيضاء ليلها كنهارها (1/79)
صفحة 78
لا يضِل سالكها" (1)، لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا على الطريق التي داوم النبيء ? السلوك عليها حتى تحدَّدَت وتبيَّنَت واتَّضحت وأصبحت فعلا واضحة لسالكها ليلا ونهارًا. أما مجرد فعل الشيء مرة فإنَّه إن دل على شيء فإنَّما يدل على مجرد جواز ذلك الفعل في حدِّ ذاته لمكان العصمة من النبيء ? أن يصدر عنه شيء ممَّا لا يجوز شرعًا، فيقال في مثل ذلك الفعل إنَّه مما يُحفظ ولا يقاس عليه، أو من باب قولهم: فعله لمجرَّد بيان الجواز؛ ولذلك لا يعتبر سنَّة يتعين اتِّباعه فيها، ويحرص أو يحرِّض الناس على اتِّباعه لا على جهة الوجوب بل ولو على جهة الندب أو الاستحسان أو الاستحباب، ولعل أحسن مثل نضربه لمثل هذا الفعل الذي لا يُعتبر سنة، إذا صحَّ وثبت ما روي عنه ? أنه انتهى إلى سباطة (2) قوم فبال واقفا ـ وقد فعل ـ لا يمكن ـ وكأني به لا يجوز ـ لعالم عارف بأسرار التشريع ومقام النبيء ? وبمروءة الإسلام وزكاء المسلم أن يقول
__________
(1) زين الدين محمد القاهري: فيض القدير، ج:4، ص:663 رقم: 6096، بلفظ: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا"
(2) الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل، وقيل هي الكُناسة نفسها. ينظر: ابن منظور، لسان العرب. (1/80)
صفحة 79
إنَّ من السنَّة التبوُّل من قيام، فيدعو الناس إلى فعل ذلك بدعوى السنِّيَّة والتأسِّي برسول الله ?. وليُقل مثل ذلك فيما يروى ـ إن صح وكأني به قد صح ـ أن النبيء ? قد شرب من قيام في مناسبة معيَّنة (1) ـ وكأني به في زحمة زمزم يوم عمرة القضاء أو حجَّة الوداع ـ فمثل ذلك الفعل للمرة الوحيدة في سيرة النبيء ? لا يمكن أن يقال فيه إنه سنة يجب أو ينبغي اتِّباعه تأسِّيا أو اقتداء به عليه الصلاة والسلام، إنما فعله لمجرد بيان جواز الشرب من قيام في حالة الاضطرار أو الاستعجال، اللهم إلاَّ أن يقال إنه إذا تجدَّد أو تكرَّر ظرف زماني أو مكاني مثل ذلك الظرف الزماني أو المكاني سنَّ الاقتداء فيه بالنبيء ? فيما فعل في مثل ذلك الظرف الزماني أو المكاني.
من هذا المنطلق أو من هذا المنظور الإباضي لمفهوم السنَّة وحقيقتها لغة وشرعا فإنَّ الإباضية لم يقولوا ولم يعملوا بما روي أو ثبت عن النبيء ? أنَّه فعله مرَّة أو مرتين في حياته ولم يواظب عليه، مما جعل الصحابة - رضي الله عنهم - أنفسهم يختلفون في مشروعيته أو عدم مشروعيته وفي
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:96. رقم: 381. البخاري: صحيح البخاري، ج:7، ص:110 رقم:5615. (1/81)
صفحة 80
كيفيته، خاصة إذا تعارض ذلك الفعل مع ما يغايره أو يناقضه من قول النبيء ?، فضلا عمَّا إذا عارضه ظاهر نصٍّ قرآني وإن يكن قطعيَّ الدلالة ومثال ذلك:
1 - القنوت: بالدعاء وسط الصلاة قبل الفراغ منها، إذ يعتبر عملا زائدًا خارجًا عن الصلاة (1)، خاصة الصلاة المكتوبة من الصلوات الخمس المفروضة، فإن النبيء ? وإن ثبت عنه أنَّه قنت ودعا على القبيلة الغادرة (2) التي غدرت بأصحابه عليه وعليهم الصلاة والسلام إذ بعثهم معهم ليعلِّموهم أمر دينهم، ويطلب منهم وقد تظاهروا بالإسلام ـ والمؤمن غرٌّ كريم، ومن خدعنا بالله انخدعنا له ـ فإذا بهم يغتالونهم ويستأصلونهم عن آخرهم غدرًا، فكانت فاجعة على المسلمين عامَّة آنذاك، فمثل هذا يمكن أن يصبح فيما بعد سنَّة معتبرة في كل صلاة من كل زمان ومكان. اللهم إلاَّ إذا وقع مثل ذلك الغدر والعدوان أو ما يشبه ذلك على جماعة المسلمين ـ في حي أو قرية أو دولة ـ فحينئذ يشرع لهم القنوت لمدَّة معيَّنة محدودة كما فعله
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ج1، ص: 78، رقم:300. و301.
(2) البخاري: صحيح البخاري، ج:4، ص: 88، رقم: 3064. الطبعة:01، الناشر: دار الشعب. (1/82)
صفحة 81
النبيء ? في مدة شهر مثلاً، وذلك ما كان قد وقع عندنا معشر الإباضية ببلدة القرارة سنة سبع وأربعين وتسعمائة وألف 1947، إذ اُغتيلت امرأة أرملة فقيرة وحيدةُ أمِّها العجوز وقد قصدت حائطها (1) ـ غابتها ـ لتحتطب منها حزمة حطب تُهيِّئ فطور أمِّها الصائمة ـ صومَ تطوُّع ـ فقُتلت شرَّ قِتلة إذ فُلِقت جمجمتها بآلة ـ شاقور (2) ـ أو نحوه ثمَّ جُرت جُثَّتها إلى خندق فأهيل عليها حطب غُطِّيت به طيلة منتصف اليوم إلى الغروب، وعند الغلس أُضرِمت فيها النَّار فاحترقت معظمها فكانت من أبشع الفظائع الإجرامية في المنطقة ـ زمانا ومكانا ـ اهتزَّت لها المدينة وحتى السلطة الحاكمة غير المسلمة بدافع الإنسانية، فأُعلن عليها حداد رسمي وشرعي، فكان إمام المسجد يقنُت إثر صلاة الصبح وبعد التسليم بدعاء خاص مدَّة شهر عملاً بالسنَّة في مثل تلك الحال.
2 - رفع الأيدي في الصلاة: لم يقل الإباضية بحديث الرفع رفع اليدين في الصلاة، والقبض وتحريك السبابة مثلا، لأنَّ ظاهرها يتنافى ووجوب السكون
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، الحائط البستان إذا كان عليه جدار.
(2) هكذا وردت في الطبعة الأولى. والمقصود على ما يبدو ـ الساطورـ. (1/83)
صفحة 82
والخشوع في الصلاة، الذي يقتضي خشوع القلب وسكون الجوارح كما قال ? في رجل ـ وقد رأى منه بعض حركات عفويَّة زائدة عن أفعال الصلاة ـ قال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (1) وقال تعالى في حقِّ الصلاة: ژپ پ پژ (البقرة:238) وقال: ژ? ? ? ? پ پ پ پژ (المؤمنون:1ـ2) هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الصحابة - رضي الله عنهم - قد اختلفوا كثيرًا في رواية وفي عدم رواية هذه الأفعال في الصلاة أوَّلاً من حيث وقوعها أو عدم وقوعها، وثانيا في كيفيتها، وثالثا في محلِّ وقوعها من الصلاة أفي الأول أم في الوسط أو في كل انتقال من ركن إلى ركن، ورابعا منتهى الرفع هل إلى حذو المنكبين أو إلى حذو الأذنين إلى حذو القرنين، وفي موضع اليدين عند القبض هل هو عند الصدر أو عند البطن أو عند السرَّة. وهذا الاختلاف أو هذا الاضطراب دليل على أنَّها أفعال لم
__________
(1) محمد بن علي الترمذي (ت: 320هـ): نوادر الأصول في أحاديث الرسول. تح: عبد الرحمن عميرة الناشر: دار الجيل ـ بيروت. ج:3، ص:310. (1/84)
صفحة 83
يواظب عليها النبيء ?. ومن ثمَّ رآها من رآها مرة أو مرَّتين ولم تتحدَّد له تفاصيل هذه الأفعال، ولم يشاهدها بقية الصحابة - رضي الله عنهم - فلم يرووها ونفوا وقوعها، إذ لو كانت سنَّة متَّبَعة متكرِّرة لرآها ورواها كل الصحابة - رضي الله عنهم - خاصة الأكابر منهم الذين كانوا يلون النبيء ? كما قال "ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى" (1)، ولما اختلف الرواة لها أيضا في كيفيتها ومحالِّها، كما لم يختلفوا في مشروعيَّة الركوع وأنَّه بعد القراءة وقبل السجود وأنَّه مرة واحدة في كل ركعة، وفي مشروعيَّة السجود وأنه بعد الرفع من الركوع، وأنه على سبعة آراب، وأنه مكرَّر مرتين أو سجدتين في كل ركعة بدون خلاف قطُّ، وبصفة جماعية بين جميع الصحابة كبارًا وصغارًا، رجالاً ونساء، وأجمعت الأمَّة الإسلامية من بعدهم على ذلك تبعا لهم، كما أجمعوا ولم يختلفوا في عدد الصلوات المكتوبة وأنها خمس، ولا في عدد ركعاتها جملة وأنها سبع عشرة ركعة في الحضر للمقيم، وإحدى عشرة ركعة
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، بلفظ "لِيَلِنِي فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ أُوْلُو النُّهَى مِنْكُمْ ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ" ج:1ص204. رقمك783. الترمذي: السنن، ج:1، ص:267. رقم: 228. (1/85)
صفحة 84
للمسافر ولا تفصيلا، وأنَّها وترية في المغرب ثلاث ركعات دائما وأبدًا ـ في الحضر والسفر ـ وأنها زوجية ثنائية في الفجر دائما وأبدًا في الظعَن والإقامة، وأنها رباعية في الحضر وثنائية في السفر في كل من الظهر والعصر والعشاء بدون خلاف يُذكَر بين الصحابة ولا بين التابعين لهم ولا بين أئمة المذاهب الإسلامية.
ولعل مما يُستأنس به في تلك الأفعال المختلف في سنيَّتها ومشروعيتها أو انتفاء ذلك في حقها أنها قد تحتمل النسخ بعد السكوت عنها أو عهد الناس بالصلاة ـ شأنها في ذلك شأن بعض الأفعال مثل ردِّ التحية والسلام في الصلاة ـ إذ كان الصحابة - رضي الله عنهم - يردُّون التحية في الصلاة فنهاهم النبيء ? (1) بعد ذلك رغم وجوب ردِّ التحية بأحسن منها أو بمثلها بصريح القرآن ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (النساء: 86) وكذلك تشميت العاطس بقولهم: يرحمك الله، فإنه على ما في هذه الكلمة من ذكر الرحمة ولفظ الجلالة ـ الله ـ ومع ذلك نهاهم ?
__________
(1) البخاري: الصحيح، ج:2، ص:63، رقم: 1202. (1/86)
صفحة 85
عن ذلك لِمَا عسى أن يكون في ذلك من انشغال عن الصلاة والخشوع فيها.
3 - ترتيب السنة بأنواعها الثلاثة: القولية والفعلية والتقريرية: الإباضية يرتِّبون السنة بأنواعها الثلاثة ـ القولية والفعلية والتقريرية ـ ترتيبا أولويًّا، وكأني ببعض المذاهب الأخرى يتَّفقون معهم في هذا، وأن الرتبة الأولى في الأولوية ـ من حيث العموم والشمول ومصداقية التشريع ـ للسنَّة القولية أمرًا ونهيًا، ثم تأتي بعدها في الرتبة الثانية السنَّة الفعلية لاحتمالها الخصوصية به ? وإن كانت الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، وفي المرتبة الثالثة السنَّة التقريرية لاحتمالها عدَّة احتمالات.
وعليه فمهما تعارضت السنَّة القولية مع السنَّة الفعلية ـ ولو تعارضا ظاهريا ـ أعمِلت السنَّة القولية وأُخِذ بها لعمومها وشمولها ووضوح أو ظهور الخطاب فيها موجَّها إلى الأمة، وتُرِكت السنَّة الفعلية للاحتمال والاحتمالات المذكورة في محالِّها، ومن ثمَّ فإن الإباضية لم يأخذوا بحكاية النبيء ? عن حاله أنَّه يصبح جُنُبًا فيصوم بقوله: "إني (1/87)
صفحة 86
أصبح جنُبًا فأصوم" (1) إذ عارضه بقوله: "من أصبح جُنبا أصبح مفطرًا" (2) إذ هذا قول وخطاب موجَّه إلى الأمَّة كافة ـ بمنطوق من الشَّرطيَّة ـ وهي صيغة من صيغ العموم بينما قوله: "إنِّي أصبح جُنُبًا فأصوم" (3) حكاية حال من أحواله ? لا تقتضي العموم من جهة، ولاحتمال الخصوصيَّة ولاحتمال نسخها بقوله بعد أن تعوَّد الناس الصوم ودُرِّبوا عليه، واستأنست نفوسهم به بالاستعداد له، ولاحتمال أن يريد بقوله "إني أصبح جُنُبًا فأصوم" (4) أن يُبيِّن أنَّ الجنابة ـ وإن منعت الصوم الشرعيَّ ـ في قوله "من أصبح جنبا أصبح مفطرا" (5) إفطارا شرعيا لا حِسِّيًّا إيذانا أن الجنابة ليست من مبيحات الإفطار في نهار رمضان كحدث الحيض والنفاس ـ وإن كان الكل يمنع حقيقة الصوم الشرعي ـ فتكون الجنابة ـ إذا لم ترفع باغتسال أو تيمُّم للمعذور ـ
__________
(1) مالك بن أنس الأصبحي: الموطأ، رواية محمد بن الحسن. الناشر: دار القلم ـ دمشق. الطبعة: 01. تح: د. تقي الدين الندوي. ج:2، ص: 162. رقم: 349.
(2) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:81، رقم: 513.
(3) تم تخريجه.
(4) تم تخريجه.
(5) تم تخريجه. (1/88)
صفحة 87
تبطل الصوم وبدون إباحة إفطار بأكل أو شرب بمثابة الغيبة والنميمة واليمين الكاذبة واليمين الغموس ونظرِ الشهوة تفطِّر الصائم دون إباحة الأكل والشرب. وممَّا يستند إليه الإباضية ويؤيِّد ويدعم قولهم بأنَّ الطهارة المعنوية الكبرى ـ الاغتسال من الحدث الأكبر الجنابة شرط لصحة الصوم ـ منع الحائض والنفساء من الصوم وإن كانتا قادرتين عليه، لأنَّ حالة تلبُّسهما بهذين الحدثين الكبيرين لا يجيز لهما التقرُّب إلى الله بعبادة بدنية، مثل الصلاة والطواف بالبيت في الحج والعمرة، وقراءة القرآن ومسِّ المصحف ودخول المسجد ـ إلا لضرورة ـ وهذه الموانع عوامل مشتركة بين الحيض والنفاس والجنابة، في منع الجنُبِ من قراءة القرآن ومسِّ المصحف ودخول المسجد إلا عابر سبيل، والفارق الوحيد بين هذه الأحداث أنَّ الجنابة حدث أكبر إرادي يمكن رفعه بنيَّةٍ وقصد وإرادة فور وقوعه، وبذلك خوطب المتَّصِف أو المتلبِّس به برفعه قبل الشروع في العبادة مثل الصلاة والصوم، ولم يُعفَ منهما لمجرَّد الحدث، بينما الحيض والنفاس غير إراديين، ورفعهما متوقف على انقضاء أَمَدِهِمَا بِطُهر أو (1/89)
صفحة 88
انقضاء أيَّامهما حتى يتسنى رفعهما. أما قبل ذلك وقد تعذَّر رفعهما فإنهما أُعفي النساء المتلبسات بهما من العبادة كلِّها بما في ذلك الصلاة والصوم. فتأمَّل أيها الأخ المسلم هذا تجده واضحًا.
4 - تصنيف السنة من حيث ثبوتها:
الإباضية يصنِّفون السنَّة من حيث ثبوتها إلى سنَّة متواترة وسنَّة مشهورة وسنَّة أَحَاديَّة، وكأنِّي بهذا تصنيف متَّفَق عليه بين جميع المذاهب الأصولية الإسلامية، وأن السنَّة المتواترة (1)، إن هذا النوع يُفيد القطع واليقين وبالتالي فإنَّه يفيد العلم بالحقائق القطعية اليقينيَّة بما في ذلك العقائد، فتثبت به بصفة قطعية يقينيَّة، إذ أنَّها لا يحتمل ولا يجوز فيها شكٌّ ولا ريبٌ ولا تردُّد، ولا يكفي فيها مجرَّد غلبة الظن.
أما الأحاديث أو السنَّة الأحادية (2) فإن مثل هذه الأحاديث أو هذه السنَّة ـ إذا صح سندها وزُكِّيَ وعُدِّل رُواتُها وخلت
__________
(1) وهي ما روته جماعة عن مثلها ممن يستحيل أن يتواطئوا (يتفقوا) على الكذب عادة من لدن المدوِّن كالربيع أو مالك أو البخاري أو مسلم مثلا إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى المدون.
(2) وهو ما رواه واحد أو اثنان أو نحو ذلك مما لم يصل إلى حد التواتر، من لدن المدون مدون السنة مثل مسلم والبخاري ومالك والربيع إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم -. (1/90)
صفحة 89
من أي طعن في متنها أو سندها ـ فإنَّها تُفيد غلبة الظن، أقول مجرَّد غلبة الظن بصحَّتها وثبوت مُحتواها، ومِن ثمَّ فإنها تُفيد العمل بها في الأحكام العملية الفرعية، إذ يُكتفى فيها بغلبة الظن كما في الأذان إخبار بدخول وقت الصلاة والإخبار بثبوت الهلال إشعارًا بدخول شهر الصيام مثلا أو شوال، وأخبار الشهود في مجال القضاء إيذان بوقوع المدَّعَى به من حق ماليٍّ أو بدني، وذلك ما درج عليه كل العلماء في مختلف المذاهب وقامت عليه عبادات ومعاملات كل الناس.
أما أن تثبت به العقائد وهي ثمرة القطع واليقين فلاَ، فالخبر الأحادي إذن عند الإباضية يفيد العمل ولا يفيد العلم (أي القطع) ومن ثَمَّ فإن الإباضية لا يدخلون في عقائدهم ما روي ـ إن صحَّ ـ من رؤية الباري الله عز وجل يوم القيامة، ولا خروج أهل النار منها بعد صَلْيِهم بها، ولا تحويل مستحقِّ الشقاء والعذاب إلى مستحقٍّ للثواب في الجنَّة بالشفاعة.
ومما يُلحق الأحادي في هذا المجال الحديث المشهور أو المستفيض الذي رواه عن النبيء ? راوٍ واحد أو اثنان أو نحو ذلك مما دون نصاب التواتر ـ على خلاف في تقدير ذلك النصاب ـ ثمَّ استفاض في الأمة (1/91)
صفحة 90
وانتشر وتلقَّتْه بالقبول فإن مثل هذا ينظر إليه ويعطى حكمه بحسب أوَّل سنده وروايته عن النبيء ?، وأنه أحادي يعطى كلَّ أحكام السنَّة الأحادية آنفة الذكر.
تلك أهمُّ المسائل أو الفروع الخلافية بين الإباضية وغيرهم في اعتبار السنَّة وأصالتها في الفقه والتشريع الإسلامي، إلى جانب مسائلَ أخرى كعدم اشتراط التعدُّد في قبول الحديث الأحادي. أو كونه فيما لا تعمُّ به البلوى، أو كونه غير محدود.
3. الإجماع:
الأصل الثالث من أصول الفقه المعتبر لدى الإباضية والمالكية وغيرهم: أهل الإجماع لما دلَّت عليه من أدلَّة ـ وإن لم تكن متواترة لفظيا ـ في حدِّ ذاتها إلا أن مجموعها يفيد تواترًا معنويا على قدر مشترك اتَّفقَت كلُّ الأدلة على إفادته، واتَّفقت الأمة الإسلامية على اعتباره كما هو مبيَّن في كتب الأصول المفصَّلة المطوَّلة.
وإنما حسبنا أن نقتصر هنا على تعريف الإجماع التعريف الذي ارتضاه الإباضية له، بحيث إذا تحقَّق بكل قيوده وشروطه أصبح حجَّة على الجميع لا تجوز مخالفته ويُقطَع به عذر المخالف، أمَّا إذا اختل قيد من قيوده أو شرط من شروطه فقد يعتبر لدى البعض ولا (1/92)
صفحة 91
يعتبر لدى الآخرين؛ وبالتالي لا تحرُم مخالفته على من لم يَعتدَّ به ولا يُقطع عذر المخالف له، وهذا التعريف الكامل الجامع المانع هو:
الإجماع اتِّفاق كل العلماء المجتهدين العدول من أمَّة الاستجابة لمحمد ? في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ? على حكم شرعي لم يَرِد فيه نصٌّ (ولم يسبق فيها خلاف مستندين إلى دليل نقلي أو عقلي).
وليس المقام مقام بسط وشرح لهذا التعريف حضرات السادة الأساتذة والمشايخ، فأنتم تكونون أدرى منِّي به وبأهمية كلِّ قيد فيه، لولا الحرص على إطلاع أبنائنا الطلبة وبناتنا الطالبات على أهميَّة كل قيد أو شرط ذُكر في التعريف كما يقتضي ذلك علم المنطق، فلا يكون فيه حشوٌ ولا إخلال.
1 - العبرة بحصول الاتفاق الصريح؛ فلا يُكتَفى بمجرد الأغلبية الساحقة كما يعبَّر عنه. فإنه إن تخلَّف عالم مجتهد عدل واحد ممَّن يُعتدُّ به فإنه لا ينعقد الإجماع؛ إذ قد يكون الحق إلى جانب ذلك الواحد كما وقع فعلا في غزوة بدر إذ أجمع الصحابة - رضي الله عنهم - ومعهم النبيء ? على افتداء الأسرى بمبلغ مالي حسب قدرات كلِّ أسير ويُسره المالي وإطلاق سراحه أو تعليم عشرة أطفال من أبناء الأمِّيِّين القراءة (1/93)
صفحة 92
والكتابة، ثمَّ يطلق سراح الأسير الفقير، ولم يعارض أو يخالف هذا الحكم أو هذا القرار إلا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد استمسك برأيه في قتل الأسرى والاستغناء عن فديتهم تخلُّصًا من مكرهم وشرِّهم المعهود منهم في مكة، وحاول أن يستمسك خاصَّة بأسيره لولا أنْ نهاه النبيء ? وقال له ما معناه ادخل فيما دخل فيه إخوانك، فاستجاب طاعة لرسول الله، ولكن نزل القرآن فيما بعد مؤيدًا رأي عمر ومعاتبا النبيء ? وبقية الصحابة، وذلك قوله تعالى ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأنفال:67ـ68) ولمَّا تلقَّى النبيء عليه الصلاة والسلام الوحي بهذا العتاب وقبل أن يبلِّغه بكى وقال "لو نزل عذاب من الله ما نجا غير عمر" (1).
فانظر أخي المسلم كيف أنَّ الحق بقي إلى جانب عمر وهو فرد وحده أمام الأغلبية الساحقة؛ وعليه فالعبرة إذن
__________
(1) ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف (ت:449هـ): شرح صحيح البخارى، تح: أبو تميم ياسر بن إبراهيم الناشر: مكتبة الرشد – الرياض. الطبعة: 02. ج:5، ص: 175. (1/94)
صفحة 93
باتفاق الكلِّ لا باتفاق الأغلبية؛ وبالتالي فالمفروض أن لا يعتبر الإجماع السكوتي حجَّة، وهو أن يقول البعض ويسكت البعض الآخر، أو أن يعمل البعض ويترك الآخر، فإنَّ هذا لا يعتبر إجماعًا إذ ليس للساكت قول.
2 - العلماء: فالعوام لا دخل لهم ولا اعتداد بهم في عقد أو انعقاد الإجماع على الصحيح.
3 - المجتهدين: فالمقلِّد مهما كان حافظا للعلم فإنَّه لا اعتداد بوفاقه ولا بخلافه في انعقاد أو عدم انعقاد الإجماع على الراجح لدى المحقِّقين.
4 - العدول: فمن شرط العالم المجتهد الذي يُعتدُّ ويعتبر وفاقه أو خلافه في انعقاد أو عدم انعقاد الإجماع أن يكون عدلا رِضًى. والعدل كما قال فيه الشيخ السالمي:
والعدل من يفعل كل ما يجب عليه من المحرمات ويجتنب
إلى أن يقول:
وكان ذا مروءة تصونه عن فعل ما يرديه أو يشينه (1)
__________
(1) أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي: شرح طلعة الشمس على الألفية المسمَّاة بشمس الأصول طبع: مطبعة الموسوعات. مصر. ج:2، ص: 37. (1/95)
صفحة 94
أما العالم المجتهد الفاسق ـ بترك صلاة أو صيام أو هتك حرمة من محارم الله ـ فإنَّ مثل هذا الذي لم يردعه ولم يَزَعْه إيمانه وضميره الديني عن فعل تلك المحرمات الفعلية أو التركية، فإنه قد لا يَزعُه ـ ولعل من باب أولى وأحرى ـ أن يتقوَّل على الله وعلى رسوله وعلى الإسلام والمسلمين ما لا يراه ولا يعتقده حقًّا وصوابا؛ فيقول بحلِّيَّة الشيء وهو يعتقد حرمته، ويحرِّم الشيء وهو يرى حِلِّيَّتَه، وعليه فلا يُعتدُّ برأيه ولا بقوله في الإجماع وفاقا ولا خلافا.
5 - من أمَّة الاستجابة لمحمد ?: فالمستشرقون الدارسون للعلوم الإسلامية وبعمق من غير إيمان أو تصديق أو استجابة لرسالة محمد ? لا يُعتدُّ بوفاقهم ولا بخلافهم في انعقاد أو عدم انعقاد الإجماع، إذ لا يؤمَنون على دين هذه الأمة وسلامة هذا الدين إذ لا يَرقُبُون في مؤمن إلا ولا ذمَّة كما قال تعالى ژ? ? ? ? ? پ پ پ پژ (البقرة:120) وقال ژک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?ژ (البقرة:109) (1/96)
صفحة 95
ژک ک ک ... ک گ گ گ گ ?ژ (البقرة:217) وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لعمرو بن العاص في حق اليهودي المصري، وتكليفه بمسك دفاتر المالية من زكاة وجزية وخراج وغنائم قال عمر: لا تأمنهم على شيء من أمور المسلمين. (1) إذا كان هذا في الأمور الدنيوية العاجلة فمن باب أولى وأحرى في باب التشريع بالتحليل والتحريم بإبداء الرأي في مستجدَّات الحياة للمسلمين أن لا يُعتدَّ في ذلك برأي غير المسلمين.
6 - في عصر بعد وفاة الرسول ?: إذ أن الإجماع في حياة الرسول ? لا يُعتبر إجماعًا؛ وذلك أنه إذا تمَّ بموافقه النبيء عليه الصلاة والسلام، فالعبرة بقوله أو فعله أو تقريره عليه الصلاة والسلام، وإن قُدِّر أن يتَّفق ويُجمع المسلمون جميعا على قول أو فعل وخالفهم رسول الله ? في ذلك فإنه لا اعتبار لذلك الاتفاق أو الإجماع مُطلقا ويُضرب به عرض الحائط ـ كما يقال ـ في مقابلة معارضة الرسول له،
__________
(1) الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، أبو علي، الملقب بقوام الدين، نظام الملك (ت: 485هـ): سير الملوك، تح: يوسف حسين بكار، الناشر: دار الثقافة – قطر. الطبعة:02، ص:215. (1/97)
صفحة 96
ولك قوله تعالى ژ? ? ? ? ... ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأحزاب:36) وذلك ما كاد أن يحصل في صلح الحديبية وشروطه التي ارتضاها الرسول ? مع معارضة أغلبية ـ إن لم نقل كل الصحابة - رضي الله عنهم - ـ لِما يرون من غبن أو إهانة لكرامتهم قبل أن يدركوا سرَّها وأبعادها، إلا من رحم الله منهم كأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (1).
أما بقية قيود التعريف من اشتراط أو عدم اشتراط انقراض العصر وكون القضية لم يَرد فيها نصٌّ، ولم يسبق فيها خلاف، وكون الحكم المتَّفَق عليه حكما تكليفيا أو وضعيا، وانعقاد الإجماع بالعالم المجتهد العدل الواحد إن لم يبق في الأمة الإسلامية غيره، فكلُّ ذلك مسائل خلافية محلُّها أمهات كتب الأصول.
من ذلك المنظور أو من ذلك التعريف للإجماع عند الإباضية فإنهم لا يقولون ولا يعتدُّون ببعض الاتِّفاقات الجزئيَّة مثل إجماع أو اتِّفاق آل البيت وشيعتهم لأنَّهم جزء من الأمَّة وليسوا كلَّها، ولا
__________
(1) البخاري: الصحيح، ج:3 ص:193. رقم: 2731. (1/98)
صفحة 97
مستند لهم من العصمة المزعومة للإمام المعصوم المختفي في نظرهم.
وكذا الإباضية لا يعتدُّون بعمل أهل المدينة كإجماع مع مخالفة غيرهم ولا يعتبرونه حجَّة في الإيجاب ولا في السلب، ولا يُقطع به عذر الآخرين في ذلك.
1 - لأنَّ أهل المدينة بعض الأمة الإسلامية وجزء منها لا ميزة لهم ولا خصوصية تخصُّهم وتميِّزهم عمَّن سِوَاهم من بقيَّة وأبعاض الأمَّة الإسلامية المنتشرة والمستقرة في أمصار لا تقلُّ أهمية وقدسيَّة عن المدينة، مثل مكَّة المكرَّمة حرم الله في أرضه، ومثل مصر التي قال عنها الرسول ?: "مصر كنانة الله في أرضه" (1)، وما قيل في سكان أهل المدينة يقال في علمائها فهم بعض علماء المسلمين لا يمثِّلون إلا نسبة منهم، كما أن في غير المدينة علماء لا يقلُّون عن علماء المدينة علمًا إن لم يفوقوهم في بعض الجوانب، كابن عباس حبر الأمَّة وترجُمان القرآن وقد استقرَّ خارج المدينة وأمثاله كثيرون.
__________
(1) شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت: 902هـ): المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. تح: محمد عثمان الخشت، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت. الطبعة: 01. ص:609، رقم: 1029. (1/99)
صفحة 98
2 - إن المجتمعات سريعة التبدُّل والتغيُّر، خاصة في ظلِّ التطورات الفجائية السريعة مثل الفتن والحروب والتقلُّبات السياسية وتبدُّل أحوال وأنظمة الحكم، ولم يسلم من ذلك حتى المجتمع المدني نفسه، كما قصَّ عنه المؤرِّخون إذ أصبحت المدينة في العهد الأموي ـ علَى قُربِه من عهد النبوة والخلافة الراشدة ـ ورشة من ورشات الغنى (1) والهرج والمرج ليلا ونهارًا؛ حتى أنَّ المرضى والعجزة يعزُّ عليهم النوم والراحة من جرَّاء ذلك، وإذا أصبح الأمر كذلك فإنه لا يمكن أن يأتي آت من خارج المدينة فيدَّعي ويزعم أن ذلك سنَّة موروثه عن الرسول ? خلَفًا عن سلف وجيلا عن جيل، خاصَّة وقد أخبر النبيء ? بذلك قبل (2).
3 - ولعل مما يقوِّي قول الجمهور بعدم اعتبار عمل أهل المدينة حجَّة أو إجماعًا نظرًا للتغيُّر والتبدُّل الذي طرأ عمَّا كان عليه في عهد النبيء ? قول الإمام مالك نفسه إنَّه لن يصلح
__________
(1) هكذا وردت في الطبعة الأولى. والمقصود منها الغناء على ما يبدو.
(2) سليمان بن داود أبو داود الطيالسي (ت:204 هـ) المسند، تح: محمد بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث بدار هجر. الناشر: دار هجر للطباعة والنشر ـ القاهرة، الطبعة: 01. ج:1، ص: 184، رقم: 225. (1/100)
صفحة 99
آخر هذه الأمَّة إلا بما صلح به أوَّلها (1)، وقوله هذا يشعر إشعارًا قويا ـ بل كاد يكون دلالة صريحة ـ على أن الإمام مالكًا قد وجد فسادًا وتغيُّرًا كبيرًا في الأمَّة الإسلامية بالمدينة وغيرها عمَّا كان عليه الأمر في عهد النبيء ? وعهد الخلفاء الراشدين من الصحابة المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - حسبما يرويه ويبلِّغه عنهم. ومن هذا المنظور أو هذا الواقع المعاش الذي عاشه الإمام مالك نفسه فكيف يمكن أن يُعتبَر ما وُجد عليه أهل المدينة حجَّة باعتبار ذلك أمرًا مشروعًا، ولنا في واقعنا الحاضر بالجزائر نموذج من ذلك ـ والتاريخ يعيد نفسه ـ فإنَّنَا إذا أجرينا مقارنة أو موازنة بين أحوالنا وأوضاعنا الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى السياسية التي تعيشها اليوم الأمة الإسلامية عامة والجزائر خاصة وبين ما كانت عليه تلك الأوضاع قبل سنة 1830 ثلاثين وثمانمائة وألف، بل وحتى قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية لوجدناها قد تغيَّرت تغيُّرا جذريا في التصورات والسلوكيات في مختلف
__________
(1) عبد الله بن محمد الغنيمان: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري. الناشر: مكتبة الدار، المدينة المنورة الطبعة: 01. ج:2، ص:174. (1/101)
صفحة 100
المجالات على قرب الفترة التاريخية التي لا تزيد على قرن من الزمن بل أقلَّ من نصف قرن باعتبار الحرب العالمية الثانية.
فكيف والمدَّة بعد وفاة النبيء ? واستقرار مذهب الإمام مالك في النصف الأوَّل من القرن الثاني أزيد من قرن وربع على أقلِّ تقدير.
من أجل ذلك فإن الإباضية لا يعتدُّون بعمل أهل المدينة إلا في خصوص التقديرات الشرعيَّة من المقاييس والمكاييل والموازين الواردة في الأحكام الشرعية، كتقدير نصاب زكاة الحبوب بخمسة أوسُق، والوِسْق ستُّون صاعًا بصاع النبيء ?، والصاع أربعة أمداد وقدِّرت بمقتضى ذلك زكاة الفطر وإطعام المساكين في الكفارات، وكذا تقدير نصاب زكاة الذهب بعشرين مثقالاً أو عشرين دينارًا ذهبًا، وزكاة الفضَّة بخمس أواقٍ والأُوقِيَّة أربعون درهما فضَّة، فمثل هذه المقادير في الكيل والوزن ليس من شأنها أن تتغيَّر ولا أن تتبدَّل بتغيُّر وتبدُّل سلوك الناس وأخلاقهم كما هو المشاهد اليوم في العالم، فالطُّن هو الطُّن، والقنطار هو القنطار، والكيلوغرام هو الكيلوغرام، والمتر هو المتر، والكيلومتر هو الكيلومتر، واللتر هو (1/102)
صفحة 101
اللتر، والهيكتولتر هو الهيكتولتر عند جميع الناس مؤمنِهم وكافرهم، عدْلِهم وفاسقهم، بارِّهم وفاجرهم، إذ تغيَّرتْ الأخلاق والسلوكات ولم تتغير هذه المقاييس في المعاملات.
وما قيل في عدم اعتبار الإباضية للاتفاقات الجزئيَّة من طوائف معيَّنة ـ كالشيعة آل البيت وكاتِّفاق أهل المدينة على عمل معيَّن ـ لا يُعتبر ذلك إجماعًا ـ يقال مثله ولو بالنسبة لاتِّفاق الخليفتين أبي بكر وعمر، أو الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -، فإن اتفاقهما أو اتفاقهم إذا نُظِر إليه باعتبار أشخاصهم فقط، باعتبار أبي بكر كأبي بكر، وعمر كعمر، وعلي كذلك، كعلماء. فإنَّ ذلك لا يعتبر إجماعًا، ولا تقوم به حجَّة على الغير فمن شاء اتَّبَعَهم ومن شاء ترك إذا ما بدا له صواب غير ذلك، فله رأيه إذا كان من المجتهدين، أمَّا إذا نظر إليهما أو إليهم باعتبار مقام وظيفتهم كخلفاء لرسول الله ? في ولاية أمور المسلمين وهم على ما هم عليه من العدل والاستقامة والتِزام الحق وملازمة سيرة رسول الله ? ممَّا جعلهم راشدين مرشدين، متواضعين مُوَطِّنِين أنفسهم لقبول الحقِّ مهما تبيَّن لهم بقطع النظر عن مصدره وقبولهم النصيحة وأخذ الحكمة أنَّى (1/103)
صفحة 102
وجدوها، كما قال عمر - رضي الله عنه - في قضيَّة تحديد المهور، وقد حاول ذلك وحرَّض الناس عليه في خطاب بالمسجد وحاول حمل الناس عليه فقامت امرأة من صفَّة النساء فقالت: ليس لك ذلك يا عمر، أيُعطينا الله وتحرِمُنا يا عمر، إشارة منها لقوله تعالى ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?ژ (النساء:20) فقال عمر - رضي الله عنه - أصابت امرأة وأخطأ عمر، كلُّ الناس أَفْقَه منك يا عمر حتى النساء (1).
وكذلك قوله وقد أقبل على الناس فقال لهم: ما تقولون لو قلت برأسي نحو الدنيا هكذا ـ فأمال رأسه إلى جانب ـ فقام رجل من الحاضرين فأجابه بقوله: إذن نقول لك بسيوفنا هكذا ـ فأشار بضرب عنقه بالسيف ـ فلم يغضب عمر ولم يزد على أن قال: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوِّم عمر بسيفه (2) ـ أو كما قال ـ
__________
(1) أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي البصري الدمشقي (ت: 774هـ): مسند عمر بن الخطاب وأقواله على أبواب العلم، تح: عبد المعطي قلعجي، الناشر: دار الوفاء – المنصورة. الطبعة: 01. ج:4، ص: 342
(2) د. عارف خليل: نظام الحكم في الإسلام، الناشر: دار النفائس، بيروت لبنان، ص271. (1/104)
صفحة 103
فمن هذا المنظور لأولئك الأئمة الأعلام من الخلفاء الراشدين ومن ذلك المنظور للصحابة - رضي الله عنهم - أن لا تأخذهم لومةُ لائم في قولة الحق ونصح الأئمة وردِّهم عن الخطأ وتقبُّل الأئمة منهم ذلك؛ فإنه إذا أصدر أولئك الخلفاء - رضي الله عنهم - أمرًا أو حكمًا فاستفاض وانتشر وبلغ أطراف الدولة الإسلامية شرقا وغربًا، وتلقَّته الأمَّة بالقبول فلم يصدُر عن العلماء ردٌّ ولا إنكار فإنَّ ذلك يصبح إجماعًا سكوتيا، إذ يُعتبَر سكوتُ علماء الصحابة آنذاك سكوت رضى وموافقة، لا سكوت خوف وقهر كما وقع في أخذ معاوية بيعة أهل المدينة قسرًا لابنه يزيد وبمحضر أعيان من الصحابة توعَّدهم بالقتل ـ والقتل المحقَّق ـ إذا حاول أحدهم إنكار ذلك، فشتَّان بين الحالين. والإجماع السكوتي إذا تحقَّق زوال موانع الإنكار يعتَبَر إجماعًا معتدًّا به عند كثير من المسلمين.
ومن ثمَّ قال الإباضية بفتوى عمر بن الخطاب في توريث الجدَّة للأب مع التي للأم إذا استوَتْ معها في الدرجة أو كانت ذات الأمِّ أبعد، وكذا توريث الإخوة الأشقَّاء مع الإخوة للأمِّ في القضية العمرية، وكذا تحديد أقلِّ مدَّة الحمل بستَّة أشهر، ومنع بيع أمِّ الولد، وعقوبة شارب الخمر ثمانين (1/105)
صفحة 104
جلدة، إلى غير ذلك من بعض الأحكام التي انعقد عليها إجماع الصحابة أو كاد، في عهد الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -.
4. القياس والاجتهاد وإعمال العقل والفكر:
الأصل الرابع من أصول الفقه المعتبرة لدى الإباضية والمالكية وغيرهم من مذاهب أهل الرأي والعقل والنظر، دون أهل الظاهر والاقتصار على النقل والأثر أصل القياس والاجتهاد وإعمال العقل والفهم في إدراك أسرار التشريع والعلل التي أنيطت بها أحكام الشرع كمقتضيات لها ـ وفق إرادة الشارع ـ واعتباره إياها كذلك، ثمَّ إلحاق كل شبيه بشبيهه وكل نظير بنظيره، وِفْق ذلك لتوافق الحديث والجديد من مستجدات الأمور بمثيلاتها من الحالات القديمة منذ عصر التشريع زمن الوحي.
فالإباضية يقولون بمشروعيَّة القياس كغيرهم من المذاهب الإسلامية من أهل الرأي ما لم يتعارض ويتصادم مع نصٍّ، إذ لا قياس مع نصٍّ ولا حظَّ للنظر مع وجود الأثر إلا في حال تعارُضِ نصَّيْن؛ فيتدخَّل العقل بترجيح أحدهما على الآخر، أو يحمل أحدهما على حال غير الذي يحمل عليه الآخر على أساس:
1 - العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، أو الجمع بين الدليلين أولى من إهمال أحدهما. (1/106)
صفحة 105
2 - والعمل بأحد الدليلين أولى من إلغائهما.
3 - إذا تعارض الدليلان تساقطا وعُدِل عنهما إلى غيرهما.
على أن الإباضية يتوسَّعون في إعمال القياس باعتبار أنه من أهمِّ الأصول التي تعطي للشريعة الإسلامية صبغة العموم والشمول وصفة الدوام والاستمرار، وخاصة الصَّلوحيَّة لكل زمان ومكان، إذ المسائل الفرعية الجزئية التي وردت في حقها نصوص شرعية تُعتبَر أمثلة ونماذج للإنسان في حياة التشريع يقاس عليها وتلحق بها كل ما يساويها ويشابهها في العلة والحكمة والمقصد الشرعي باعتبار أحد المقاصد الشرعية الكبرى المتمثلة في:
1 - جلب المصالح العاجلة أو الآجلة للإنسان سواء كانت عامة أو خاصة دنيوية أو أخروية.
2 - درء المفاسد والمضار والشرور العاجلة أو الآجلة عن الإنسان، سواء كانت خاصة أو عامة دنيوية أو أخروية، وبذلك يتحقَّق مقصد الشارع أن يحفظ على الإنسان نفسه أي حياته ودينه وعقله وماله وعرضه ونسله، مما يعبَّر عنه بالكُلِّيَّات الخمس أو الستِّ في المقاصد الشرعية، مع مراعاة التكامل بين درجاتها وتصنيفها: (1/107)
صفحة 106
1 - ضروريات.
2 - حاجيات.
3 - تحسينات.
وقد خصَّها من خصَّها بالتأليف؛ فأوجز من أوجز وأطنب من أطنب خاصة الإمام أبو إسحاق الشاطبي في موافقاته، ومحمد الطاهر ابن عاشور في مقاصد الشريعة، والإمام السالمي في طلعة الشمس.
من ذلك المنطلق وذلك المنظور فإن الإباضية يعتبرون ـ وعلى سبيل التمثيل ـ العقوبات الشرعية بالكفارات قياسية؛ فإذا بهم يوجبون الكفارة المغلَّظة على كل من ارتكب كبيرة من كبائر الإثم والفواحش سواء كانت تَرْكيَّة كترك الصلاة، قياسا على كفارة ترك الصوم بهتك حُرمته بمواقعة الزوجة الشرعية التي أحلَّ الله ورسوله الاستمتاع بها في غير رمضان. واعتبر ذلك صدَقَة كما قال ? "وفي بُضع أحدكم صدقة" (1). ومع ذلك أوجب الكفارة على من أتى ذلك في نهار رمضان من بزوغ الفجر إلى غروب الشمس، فإنَّه من القياس الأولويِّ ومن باب أولى وأحرى أن تجب الكفارة على من تعاطى تلك المتعة الجنسية في غير نهار رمضان بطرق غير مشروعة من أصلها، إمَّا بوطء
__________
(1) مسلم: الصحيح، ج:2، ص: 697. رقم: 1006. (1/108)
صفحة 107
فرْج محرَّم ذكرًا كان أو أنثى، أو تعاطاها بطريقة غير فطريَّة ولا طبيعية كالاستمناء في نهار رمضان بطريقة أو بأخرى، وإذا كان انتهاك حرمة رمضان بتعاطي اللذة الجنسية إلى حدِّ الثمالة، والنهاية باللذة الكبرى بالإمناء والإفراغ لإشباع الجوع الجنسي أو ريِّ العطش الجنسي ـ كما يعبِّر عنه البعض ـ فإنه لا فرق بين ذلك الإشباع وذلك الريِّ الجنسي وبين إشباع جوع البطن بأكلٍ عمدًا وريِّ عطش الجسم بشرب مشروب عمدًا فكلاهما يوجب نقض الصوم وقضاءه والتكفير عن ذلك الفعل بكفارة مغلظة من باب لا فرق. وبجامع قوله ?: "وأتْبِع السيئة الحسنةَ تَمْحُها" وقوله تعالى ژ ? ? ? ?? ? ? ?ژ (هود:114) وقوله عز وجل في باب التوبة ژگ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (طه:82) وقوله ژ? ? ? ? ? ? ? ? چ ... چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ sژ (الفرقان:70ـ71) وقد جاءت السنَّة فبيَّنَت ذلك العمل الصالح المطلوب من باب التوبة وأنه التكفير (1/109)
صفحة 108
والكفارة تختلف بحسب الذنب تخفيفا وتغليظا.
وإذا كان انتهاك حرمة الصوم يوجب كفَّارة مغلظة، وهو على أهميته وركنيته في الإسلام أدنى مرتبة من الصلاة التي اعتُبِرت عماد الدين كما صحَّ في الحديث: الصلاة عماد الدين. وبدليل أنَّ الصوم يُترخَّص في تركه بالإفطار لعدَّة أعذار ـ بينما الصلاة لا نعلم عذرًا يبيح تركها ـ بالجملة ـ وإن أباح تخفيفها من إتمام إلى قصر، ومن طهارة مائيَّة إلى طهارة ترابية، ومن صلاة من قيام إلى صلاة من قعود أو على جَنب، أمَّا أن تُترَك بالكلية فذلك ما لم يشرع ـ فيما أعلم ـ إلا في حقِّ المجنون والحائض والنفساء؛ وعليه فإن تعمد تركها من عاقل بالغ طاهر مُريد يعتبر كبيرة أشدَّ وأخطر وأكبر من هتْك حرمة الصيام؛ وعليه فإنه يتعيَّن على تارك الصلاة عمدًا التوبة والقضاء والتكفير كفَّارة مغلَّظة من باب أولى وأحرى من كفارة الصيام.
هذا بالنسبة لكبائر الإثم والفواحش التَّرْكِية.
أما التكفير عن كبائر الإثم والفواحش الفعليَّة فقد شرع الله عز وجل التكفير بكفارة مغلَّظة على قول المنكَر من القول والزور في دعوى (1/110)
صفحة 109
الزوج أنَّ زوجته حرام عليه كحِرمة أمِّه أو إحدى محارِمِه الحقيقية، ثمَّ محاولتُه الرجوع إلى وطء فرج توهَّمَهُ محرَّمًا عليه، وهو في حقيقة الأمر حلال له، إنَّ مجرَّد تلك المحاولة مع ذلك الوهم أوجب الله عليه فيها كفَّارة مغلَّظة وذلك صريح قوله تعالى من سورة المجادلة ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ ژ s sک ک ک ... کگ گ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ... ? ں ں ? ?? ? ? ... ? ہ ہ ہژ (المجادلة:2 - 4)
إذا كان حكم الله في محاولة وطء فرج مزعوم الحرمة ـ في نظر صاحبه وهو في أصله حلال ـ قد أوجب الشرع عليه كفَّارة، فمن باب أولى وأحرى أن تجب الكفارة على من وطِئَ فعلاً فرْجًا محرَّما عليه حرمة قطعيَّة، سواء كان ذلك الوطء معهودًا في الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان وغير الإنسان وهو وطءُ ذكرٍ فرجَ أنثى بغير طريق الشرع بالعقد أو المُلك، أو كان ذلك الوطء غير معهود في فطرة الله في مخلوقاته، وذلك استمتاع الذُّكران بعضِهم ببعض أو استمتاع الإناث بعضهنَّ ببعض، على جهة (1/111)
صفحة 110
الشذوذ المعروف باللواط أو السحاق، أو استمتاع جنس الإنسان بغير جنسِه بالكليَّة كوطء البهائم في الحالات النادرة في الشذوذ الجنسي، فكلُّ هذه الحالات من وطء الفروج المحرَّمة توجب كفارة مغلَّظة قياسًا أَولويًّا على محاولة وطء فرج موْهُوم الحرمة، إذ العبرة والمقصد الشرعيُّ من الكفارة تكفير الذنب وتغطيته وستره، ولا شك أن تغطية الفعل المحرَّم بصفة قطعية أولى من ستر وتغطية الفعل المحرم زعما وتوهُّمًا، كما أنَّ العبرة من الكفارة أيضا الزجر والردع على أصحِّ الأقوال في كون الحدود والكفارات زواجر وروادع ـ أم جوابر ـ ولا شك أن الزجر والردع عن الكبائر المحقَّقَة حرمتها أولى من الزجر عن الأفعال الموهومة الحرمة.
ومن هذا القبيل أيضا إيجاب الكفارة المغلظة بتحرير رقبة مؤمنة لِوَاجِدِها، ومن لم يجدها صام شهرين متتابعين من أجل القتل العمد العدوان، قياسًا أولويا على إيجاب ذلك على قاتل الخطأ بصريح قوله تعالى ژ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S SS S ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? (1/112)
صفحة 111
? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ ژ ss ک ک ک کژ (النساء:92).
إذا كان هذا القتل الخالي من أيَّة شائبة للذنب والإثم لرفع الجُناح في الخطأ كما قال ? "رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسْتُكرِهوا عليه" (1) وكما علَّمَنا الله أن ندعوَه بقوله ژ? ? ? ... ? ? ?ژ (البقرة:286) ومع ذلك أوجب عليه هذه الكفارة، وعقَّب عليها بقوله ژژ ژ sژ لِما عسى أن يكون من تقصير من طرف القاتل في عدم أخذ الاحتياطات الكافية واللازمة لتلافي هذا القتل.
فالأصول الكبرى للشريعة والمقاصد الشرعية الكبرى تقتضي أن تجِب الكفارة على القاتل قتل عمدٍ عدوانٍ من باب أَوْلى وأحرى إذا عفي عنه من
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:206، رقم: 794. بلفظ «رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ». ابن ماجة: السنن، الناشر: مكتبة أبي المعاطي، ج:3، ص:199، رقم:2043. (1/113)
صفحة 112
القصاص؛ لأنَّ الإعفاء من القصاص حقٌّ آدمي لوليِّ الدم وهم أولياء القتيل، إذا عَفَوا عن قتله واستبدلوه بِديَّة مغلَّظة (ديَّة العمْد) أو تنازلوا عن حقِّهم بالكُلِّيَّة.
أمَّا حقُّ الله عز وجل فيتمثَّل في الكفَّارة كفَّارة مغلَّظة تستُر الذنب وتُغطِّيه بعد التوبة النصوح إن أراد الله أن يتقبَّل منه توبته، وإلا فقبول التوبة من مظالم العباد مرهون بردِّ المظالم إلى أهلها ثمَّ إخلاص التوبة إلى الله من انتهاك حرمات دينِه، وردُّ المظلمة في القتل العمد كاد يكون أمرًا مستحيلا، ـ لأنه وإن ردَّ مظالم أولياء المقتول إذا أضرَّهم بعض الضرر بقتل وليِّهم ـ وليكن رب الأسرة ومعيل العائلة، وقد لا يكون كذلك، وقد يكون قتْله خيرًا لأوليائه أن يرثوا عنه متروكه، إذا كان غنيًّا وكانوا فقراء محتاجين محرومين من رِفْده وعطائه ـ ولكنَّ مظلمته هو (أي القتيل) بإزهاق روحه وجعل حدٍّ لحياته ـ وإن بقضاء الله وقدره ـ فإنَّ هذه المظلمة مستحيلة الردِّ؛ ولذلك شدَّد الله عز وجل الوعيد على قاتل المؤمن متعَمِّدًا في سورة النساء، وهي متأخِّرة على سورة الفرقان كما قال ابن عباس فقال: ژگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? (1/114)
صفحة 113
ں ... ? ? ?ژ (النساء:93) ولم يعقِّب عليه باستثناء.
ومع ذلك نقول لا نؤيِّسه من رحمة الله إذا أخلص التوبة إلى الله وأتاها من أبوابها وتسبَّب لها بكل أسبابها، بما في ذلك دفع الديَّة إذا طلبت منه بمعروف وإحسان، والتكفير عن ذنبه وإثمه وفجوره بكفَّارة مغلَّظة قياسا أولويًّا على كفارة قتل الخطأ، مع إدامة التوبة والإنابة والتضرُّع والبكاء والجأر إلى الله.
وليُقس على هذا غيره من المجالات التي توسَّع الإباضية فيها بإجراء القياس وإِعمال العقل والرأي على أساس الأصول الكبرى والقواعد العامَّة والمقاصد الشرعية؛ لإعطاء الشريعة الإسلامية ما تستحقُّ من عموم وشمول ومن مُرُونة معتدِلة، بين الإفراط والتفريط وبين التصلُّب والتحجُّر من جهة، وبين التحلُّل والانزلاق والتسيُّب أو التملُّص من الدين من جهة أخرى، وذلك معنى الوسطيَّة في قوله تعالى ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?ژ (البقرة:143) (1/115)
صفحة 114
ولعلَّ من المهمِّ أن أُضيف في التمثيل إيجاب الزكاة وحِرمة الربا في الرُّزِّ، وهو طعام أربعة أخماس العالم اليوم قياسًا على الأصناف المذكورة في الحديث، خاصَّة البُرَّ والشعير والتمر والزبيب والذرة والسُّلت.
وإيجاب الزكاة وحِرمة الربا أيضا في الأوراق النقديَّة، وقِوامها الذهب وما جُعِل معه كرصيد لعملةِ كلِّ دولة.
فتجب الزكاة ويحرُمُ الربا في تلك الأوراق النقدية المالية التي أصبحت أساس التعامل بين الناس، قياسًا على الدنانير والدراهم التي كانت أساس التعامل بين الناس في زمن الوحي وصدر التشريع.
ومن ذلك إيجاب الكفَّارة على من تعمَّد مِن الزوجين المباشرة على غير ما شرع الله، زمانًا وقتَ الحيض أو مكانًا في غير محلِّ الحرث، وكل ذلك تمشِّيا مع مقصد الشرع في تعميم الخيور والمنافع والمصالح بجلبها، والقضاء على الشرور والمضارِّ والمفاسد بدَرئِها ودفعها.
5. أصل الاستدلال:
الأصل الخامس من أصول الفقه واستنباط أحكام الشرع والتفقُّه في الدين أصل الاستدلال، الذي قد يتعذَّر (1/116)
صفحة 115
تعريفه اصطلاحا بِحَدٍّ تامٍّ أو ناقص، أو برسم تامٍّ أو ناقص، هكذا بصفة عامَّة شاملة لكلِّ أصنافه، وإن كان ظاهر تسميته الاستدلال يفيد بمقتضى دلالة الهمزة والسين والتاء على الطلب، يفيد ظاهره طلب الدليل لإثبات حكم الشرع في الحوادث والفروع الجزئيَّة العملية، غير أن الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد ابن سلوم السالمي الإباضي العماني ـ رحمه الله ـ بعد أن أنهى الكلام عن الأصول الأربعة الآنفة الذكر قال:
وغير ما مرَّ فهو استدلال ... وفي ثبوت بعضه جدال (1)
فأدرج في غير ما مرَّ كُلاًّ من القياس المنطقيِّ الحملي، والشرطي الاقتراني، والاستثنائي، وقياس العكس، والاستقراء بقسميه: الاستقراء الكامل والاستقراء الناقص والاستصلاح (المصالح المرسلة) والاستحسان، والاستصحاب، وشرع من قَبْلَنا، أو شرع من مضى، وسدُّ الذرائع أو جلبها، والأخذ بالأحوط، والخروج من الخلاف، والمعاملة بنقيض المقصود، والقواعد الفقهيَّة، وخصَّ كل صنف منها ببيان حقيقته
__________
(1) السالمي: طلعة الشمس، ج:2، ص:177. (1/117)
صفحة 116
وموقف العلماء الأصوليِّين من الأخذ به أو ترك العمل به بما يتمتَّع طالب العلم بمعرفته ومطالعته من مظانِّه، ونخصُّ من تلك المظانِّ عند الإباضية طلعة الشمس شرح شمس الأصول للشيخ نور الدين السالمي، وإنَّما أريد في هذا العرض السريع أن أركِّز خاصَّة على أصلين أو استدلالين مُهِمَّيْن كان للإباضية عناية خاصَّة بهما مثل ما للمالكية عناية ببعضهما، وأعني بذلك الاستصحاب والاستصلاح أو المصالح المرسلة، والقواعد الفقهية.
أولا: الاستصحاب:
أما الاستصحاب فأكثر ما يعمل به الإباضية في إثبات الحقوق أو نفيها، كاستصحاب أصل براءة الذمَّة لدى النزاع والخصام حتى يُثْبت المدعي دعواه انشغال ذمَّة خصمه بحقٍّ له، وإذا أثبت المدَّعي ذلك وادَّعى الخصمُ إبراءه من ذلك أو خلاص ذمَّته من ذلك استصحب انشغال الذمَّة الثابتة بالبيان حتى يأتي مدَّعي براءتها بما يُثبت ذلك، وهكذا في جميع الحقوق المالية أو البدنية على حدٍّ سواء؛ ومن ثمَّ أو من باب الاحتياط في هذا الباب لم يقُل الإباضية بالحكم بالشاهد واليمين وكأنَّ المدَّعَى عليه ـ وقد استصحب في (1/118)
صفحة 117
حقِّه براءة ذمَّته ـ أقوى المتداعيين بالنِّسبة للمدعِي وشاهده الوحيد، ولذلك أعطيت اليمين أو جعلت اليمين للمدَّعَى عليه، وإن كانت المسألة خلافية اجتهادية.
وكذلك أُعمِل الاستصحاب كثيرًا في مسائل الطهارات العامة والخاصة، فبالنسبة للطهارات العامَّة فإن مَن تحقَّق حدثه وشكَّ في إحداث طهارة بعده فإنَّه يُحكم عليه باستصحاب الحدَث حتى يتحقَّق رفعه بطهارة كُبرى أو صغرى، وإذا تحقَّق من طهارته الكبرى أو الصغرى ثم شكَّ في نقضها استصحب طهارته حتى يتحقَّق نقضها، وذلك نصُّ وفحوى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى يسمع صوتا أو يجد رائحة" (1).
أما الطهارة الخاصة فقد أُعمل دليل الاستصحاب في إعطاء حكم للتوابع المعروفة في أحكام الحيض والنفاس، فحيث أشكل أمر هذه التوابع فقد استصحب في حكمها الحكم السابق لها، فإنْ أعقبت الطهر السابق لها أُعطيت حكم الطهر؛ فلا تَتْرك المرأة الصلاة لمجرَّد أنْ رأت هذه التوابع أو رأت
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:33، رقم: 106. البخاري: الصحيح، ج:1، ص:39. رقم: 137. (1/119)
صفحة 118
الدَّم داخل محلِّه ولم يَفِضْ ولم يسْفَح، إذِ الشكُّ لا يرفع اليقين، واليقين لا يُزِيله إلا يقين مثلُه.
وكذا العكس إذا أعقبت هذه التوابع الحيضَ السابق لها أُعطِيت حكمَه؛ فلا تطالَب المرأة بالصلاة ولا بالصوم ولا تحلُّ لزوجها في حال التوابع عقِب الدم حتَّى تتحقَّق منَ الطُّهر أو تنْقضي أيَّام الحيضِ أو النفاس المقرَّرة أو المحدَّدة عادة أو شرعًا لها أو لمثيلاتها.
ومن أمثلة العمل بالاستصحاب أيضا إعطاء أو استصحاب حكم الحياة في حقِّ الغائب والمفقود حتى تنقضيَ المدَّة المقدَّرة لذلك الاستصحاب، بحيث لا يُحكَم بفكِّ العصمة الزوجيَّة بين الفقيد أو الغائب ـ ذَكَرًا كان أو أنثى ـ وبين زوجه، ولا يورث متروكُة حتى تنقضي مدة الغياب أو مدَّة الفقد على اختلاف المذاهب في تحديدها.
ثانيا: المصالح المرسَلة:
أمَّا المصالح المرسلة: ولعلَّه الأصل أو الاستدلال الأهمُّ الذي عُنِي به الإباضية عناية كادت تكون خاصَّة بهم يمتازون بها أكثر من سِواهم، وقد عرفت المصلحة المرسلة تعاريف متعدِّدة (1/120)
صفحة 119
قد تتَّفِق في قدر مشترك من المعنى نستطيع أن نُجمِله في قول القائلين: المصلحة المرسَلة هي كل مصلحة لم يرِد عن الشارع ما يقتضي اعتبارها وجلبها بطلب تحصيلها بأمر مؤكَّد ولا غير مؤكَّد، كما أنَّه لم يرِدْ عن الشارع ما يقتضي إلغاءها وإهدارها وعدم اعتبارها بنهي عنها بأمر مؤكد ولا غير مؤكد، وبهذا المنظور فإنها تندرج في المقصد العامِّ من التشريع الإسلامي وهو درء المفاسد ـ جملة وتفصيلا ـ وجلب المنافع والمصالح جملة وتفصيلا أيضا، فهي مطلوبة ضمن جملة المصالح؛ فإذا تعيَّنَتْ مصلحة معيَّنَة فيها صالح الإسلام والمسلمين جاز اعتبارها وجلبها وطلبها وحمل الناس عليها.
كما أنه إذا تعيَّنَت مفسدة فيها فساد وضرر على الإسلام والمسلمين جاز اعتبارها كذلك مفسَدة، وتعيَّن درءها ودفعها وحمل الناس على تركها ومعاقبة من انتهكها فأضرَّ بنفسه أو أضرَّ غيره بها، وقد اشترط البعض للعمل بالمصلحة المرسلة واعتبارها وحمل الناس عليها أن تكون عامة لكافة المسلمين حسب زمانها ومكانها، وأن تكون ضرورية لحياة الناس في معاشهم طعاما أو شرابا أو كِساء أو سكنا، أو في معادهم وعبادتهم، وأن (1/121)
صفحة 120
تكون محقَّقة الحصول لا وَهْمِيَّة أو خيالية.
ومِن الأمثلة المُجمَع عليها بين الأمة الإسلامية اعتبارًا وأخذًا للمصلحة أو المصالح المرسلة مسألة جمع القرآن في عهد أبي بكر وباقتراح من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وقد كان القرآن في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم - مفرَّقا بين المسلمين في صدور الحفَّاظ، وفي بعض قطع جلود وخزف وعظام وسعَف نخْل، حيث كان يكتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بِجَمْعه في مكان واحد أو لدى شخص واحد أو في مصحف واحد، كما أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم ينه عن ذلك.
ولكنْ بعدَ حُرُوب الردَّة لاحظ عمر أنَّ القتل قد تفشَّى في خيرة الصحابة - رضي الله عنهم - خاصَّة حربَ اليمامة بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل - رضي الله عنهم -، وبينَ مسيلمة الكذَّاب ـ لعنه الله ـ وشيعته وقد استشهد في تلك المعارك كما قيل نحو ثلاثمائة من القُرَّاء، فإذا بِعُمر يشعر بخطرٍ على ذهاب القرآن بذهاب أهله ـ وإن كان الله عز وجل قد تكفَّل بحفظه ـ فاقترح عمر - رضي الله عنه - ـ وهو وزير ومستشار أبي بكر ـ اقترح عليه جمع القرآن فقال: أرى لو جمعتَ أو لو جمعنا القرآن، فإنِّي أخاف (1/122)
صفحة 121
ذهابه بذهاب أهله، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - كيف نفعل شيئًا لم يفعله النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر - رضي الله عنه -: هو والله خير (1).
تأمَّل أخي المسلم قول عمر: هو والله خير، كأنَّه أعوزه الدليل الخاصُّ الدالُّ على حكم جمع القرآن، ولكنَّه تضمَّنَتْه الأدلَّة العامَّة من مثل قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة:17) وقوله {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} (الطور:1 - 3) وتسميته كتابًا بمعنى مكتوب، وحرص النبيء - صلى الله عليه وسلم - على إملائه على مَن حضره مِن كُتَّاب الوحي لحفظه، وقوله "لا تكتبوا عنِّي غير القرآن، ومَن كتَب عنِّي شيئًا غير القرآن فَلْيَمْحُه" (2) كلُّ هذه الأدلَّة تدلُّ في مجموعها على جواز ومشروعية كتابة القرآن وإن لم تأمرْ بذلك أمرًا صريحًا، كما أنَّه لم يَرِدْ عن الشارع ما يشعر بالنهي عن ذلك، ومن ثمَّ لما تعيَّنت مصلحة القرآن باعتباره قِوَام هذه الملة ومصلحة الإسلام ومصلحة المسلمين في جمع هذا القرآن مكتوبًا تحت رعاية أمِينة، وفي مقدِّمة ذلك
__________
(1) البخاري: الصحيح، ج:6، ص:183. رقم: 4986.
(2) مسلم: الصحيح، ج:4، ص:2298، رقم:3004. (1/123)
صفحة 122
خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر - رضي الله عنه - ثمَّ من بعده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كأوَّل أمير للمؤمنين، ثمَّ عُثمان بن عفَّان مرورًا على يَدِ أمِّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهم جميعا (1)، كلُّ هذا يفسِّر ويشرح ويوضِّح لنا حقيقة قول عمر: هو والله خير، وتلك حقيقة المصلحة المرسَلة ضرورية للمسلمين لبقاء دينِهم، وعامَّة شاملة يعمُّ نفعُها كل المسلمين ومحقَّقة، وقد سجَّل التاريخ تحقَّق حفظ القرآن غضًّا طريا كَيَوْم أنزل وفاء بوعد الله عز وجل إذ قال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) ومن وسائل حفظ الله للقرآن أن يقيِّض الله عز وجل أبا بكر وعمر وعثمان وكافَّة الصحابة - رضي الله عنهم - الذين ساهموا في حفظه وتدوينه.
وما قيل في مصلحة جمع القرآن يُقَال في مسألة توحيد قراءته على مقتضى المصحف الإمام الذي أمر عثمان بكتابته في عهده، وتوزيعه على أمصار الدولة الإسلامية وحمْل الناس عليه، وإتلاف كلِّ ما سواه ممَّا كتبه بعض الخواصِّ لأنفسهم؛ جمعًا للمسلمين على مُصحَف واحد وإن اختلفت قراءاتهم،
__________
(1) ابن الأثير: التاريخ الكامل، ج:2، ص:482. (1/124)
صفحة 123
وتلافِيًا لِفِتنة ومضرَّة ومفسدة الفرقة والخلاف حول أصل الملة وقوام الشريعة القرآن، الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ} (فصلت:42)
ومن جملة المصالح المرسلة التي أجمعت الأمة الإسلامية على اعتبارها والعمل بها جمعُ الناس على إمام في صلاة التراويح، ورفعُ الأذان والصوامع بجانب المساجد لإبلاغ صوت المؤذِّن إلى آفاق المُدُن وحدود عمرانها، واتِّخاذ مرافق الوضوء والطهارة في الميضآت والمطاهر، واتِّخاذ الرُّبُط والثغور، وتدوين الدواوين الإسلامية، وغير ذلك كثير. ومن أهمِّ الأمثلة التي أريد تسجيلها كنموذج للمصالح المرسَلة الحديثة التي أخذ بها واعتبرها الإباضية ـ خاصَّة إباضية الجزائر ـ مسألة تحديد المهور وصدُقات النساء في الزواج، فاعتبارًا لحرص الشارع على إحصان الشباب ـ ذكورًا وإناثًا ـ بقوله تعالى {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النور:32) واعتبارًا لركنيَّة الصدَاق في عقد النكاح إذ لا يجوز نكاح الشِّغَار الخالي من الصداق. (1/125)
صفحة 124
واعتبارًا لعدم تحديد الصداق قلَّةً ولا كَثْرة حسب النصوص الواردة باحتمال كونه قنطارًا كما قال الله تعالى {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (النساء:20) وقد وَرَدت نصوص بجوازه بحفنة طعام وزوج نعلٍ وجِذع نخلة، وخاتَم من حديد، وبتحفيظ زوجٍ زوجته بعض آيات من القرآن وما بين ذلك من مقادير متفاوتة.
ونظرا لحرص الشارع أن يكون الصداق شيئًا معتبرًا في نفس الزوج يعزُّ عليه التخلِّي عنه والمسارعة إلى فكِّ عقدة النكاح التي جَعَلَها الله بيدِه على أصحِّ وأرجح أقوال المفسرين لقوله تعالى {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (البقرة:237)، ولتطمئنَّ به نفس الزوجة حتى تُسْلِس قيادَها للزوج كسيِّد عليها وقيِّمٍ عليها بما لَه من درجة وفضل عليها مصداق قوله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء:34) وقوله {وَلَهُنَّ (1/126)
صفحة 125
مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة:228)
ونظرا لاحتمال حصول فُرقة تقتضي ردَّ الصداق كاملاً أو نصفَه، واعتبارًا لحرص النبيء - صلى الله عليه وسلم - وترغيبِه في تقليل وترخيص المهور إذ قال: "أفضَل نساءِ أمَّتي أصبحُهُنَّ وجوهًا وأيسرهنَّ مهورًا" (1)، وقوله: "يُسْر المهْر دليل يمْنِ الرَّجُل" (2). واستنكاره لغلاء المهور إذ قال: "كأنَّكم تنْحِتون الذهب والفضَّة من عرض هذا الجبل" (3). وتلافيًا أو تقليلاً للعُنس في الرجال والنساء خاصَّة بوار البنات الذي كان يستعيذ منه النبيء - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: "نعوذ بالله من بوار
__________
(1) زين الدين محمد المدعو عبد الرؤوف القاهري (ت: 1031هـ) فيض القدير شرح الجامع الصغير، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى ـ مصر، الطبعة: 01، ج:3، ص: 492، رقم: 4091. أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري (ت: 405هـ): المستدرك على الصحيحين. تح: مصطفى عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى 01، ج:2، ص:194. بلفظ: " أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا"
(2) الحاكم: المستدرك، ج:2، ص:197، رقم: 2739، بلفظ: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَيَسَّرَ خِطْبَتُهَا، وَأَنْ يَتَيَسَّرَ صَدَاقُهَا، ... »
(3) مسلم: الصحيح، ج:2، ص:118، رقم:4157. بلفظ "كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ... " (1/127)
صفحة 126
البنات" (1) لِما ينجرُّ عليه من المفاسد الاجتماعية قديمًا وحديثًا بصفة خاصَّة.
واعتبارًا لطبيعة بعض المُترَفين وشغَفِهم بالدُّنيا وأعراضها، أو حرصًا على بناتهم المدلَّلات ـ ربَّات الخدور ـ فلا يزوِّجوهن إلا بما يُعجز أغلب الراغبين في الزواج.
مراعاةً لكلِّ ما سبق قد ارتأى أهل الحلِّ والعقد من إباضية المغرب ـ خاصة الجزائر ـ بوادي ميزاب أن تُحدَّد المهور كصداق موحَّد بالنسبة لجميع الناسِ أَغْنيائهم وفقرائهم، جليلِهم وحقيرهم، شريفهم ومشروفهم، حاكمهم ومحكومهم، عالمهم وأميِّهم، يُحدَّد للجميع مهر واحد، مضبوط جنسًا ونوعا كمًّا وكيفًا. يُشرِف على ضبطه رجال العلم والدين أعضاء مجلس حلقة العزابة في كلِّ بلدة، لا يسمح بالزيادة عليه بالنسبة للغنيِّ زوجًا أو وليًّا، ولا بالإنقاص منه بالنسبة للفقير زوجةً أو زوجًا، إذ العبرة رِضى الزوجين أحدِهما بالآخر زوجًا وكفؤًا وقرينَ حياة، أمَّا الصدَاق فما هو إلا رمز للتراضي والإحسان بينهما، وليس
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، بلفظ: "إذا خَطَبَ إِلَيْكَمْ كُفْؤٌ فَلاَ تَرُدُّوهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْبَنَاتِ" ج:1،ص:138 رقم: 215. (1/128)
صفحة 127
ثمنًا للمرأة الزوجة حتى يقدَّر لها بحسب قيمتها في الحسب أو النسب أو المال أو الجمال أو الثقافة أو العلم، إذ الحُرُّ لا قيمة له ولو وُزِنَ بمِلء الأرض ذهبًا، وذلك منعًا لمغالاة الناس في المهور الذي يؤدي عادة إلى العُنس والعزوف عن الزواج عجزًا، وبالتالي يؤدي إلى انتشار الفساد بِغاء ظاهرًا أو خفيًّا، وكل ما أدى إلى الحرام الممنوع فهو حرام ممنوع، ومن تعدى على تلك المصلحة المعتبرة لدى المسلمين (1)، وخالف قرار المسلمين فيها عمدًا وعدوانا وتنطُّعا، فإنَّه يُبرَأ منه وتُعلَن عنه البراءة في مَجْمَع المسلمين على مرأى ومسمع مِن عُمَّار مساجد الله؛ فيعتزله المسلمون رجالا ونساء حتى أقاربه كما سبَق بيان مفعول براءة الأشخاص، حتى يتوب إلى الله ويؤوب إلى إخوانه المسلمين بردِّ الزائد الذي أخذه أو إكمال الناقص الذي أنقصه عمَّا قرَّره وحدَّده أهل الحلِّ والعقد مِن المسلمين لصداق البكر أو الثيِّب كلٌّ بحسبها مناصفة، للبكر ضِعْف ما للثيِّب أو للثيِّب نصف صداق البِكر.
__________
(1) وهي بالتالي معتبرة عند الله غالبا إن شاء الله من باب قول القائل ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ومن ثم استحق من يشاقق المسلمين عذابًا وعقابًا أليما بمقتضى قوله تعالى {وَمَنْ يُّشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا} (النساء:115) (1/129)
صفحة 128
أما المثال الثاني للمصالح المرسلة التي أخذ بها الإباضية في الجزائر والتزموا العمل بها ـ ويعاقب من خالفها عقابا روحيا أدبيًّا بالبراءة وعقابًا ماديًّا إجباريًّا بالتراجع عن مخالفته ـ مصلحة نظام البناء والعمران واحترام الهندسة المعمارية التي ارتضاها المسلمون القاطنون بوادي ميزاب جنوب الجزائر، حيث المناخ قاريٌّ صحراوي شديد التفاوت والتغاير والتبدُّل بين الليل والنهار وبين الشتاء والصيف؛ ممَّا يقتضي اقتضاء ضروريا لسلامة أفراد الأسرة في البيت أن يتعرَّض المسكن شتاء لأشعة الشمس عند الشروق وعند الغروب؛ لتخفيف وطأة البرد، ويتعرَّض صيفًا لنسيم الصَّبَا بعد الغروب وفي الليل؛ لتخفيف وطأة هجير القيلولة، وكل ذلك مع مراعاة حُرمَة الأسرة في مسكنها؛ فلا يطلُّ عليها جارها ولا يطَّلع عليها وعلى أسرارها وعوَرَاتِها من هنا أو هناك، فمراعاةً لكلِّ تلك المصالح المعتبرة شرعا ومعاشًا وضع تصميم خاصٌّ للمسكن الإباضي في تلك المنطقة؛ يُعرِّضة لمقتضيات الصحَّة صيفًا وشتاء، ويصون الحرم والعائلات عن أعين الجار بل الأجوار شرقا وغربًا، شمالاً وجنوبا، يمينا وشمالا، وأمامًا وخلفا، بما في ذلك تحديد رفع البناء إلى حدٍّ معيَّن (1/130)
صفحة 129
دون أن يحجب عن جاره الحرارة والدفء شتاء، ولا النسيم والصبا صيفًا، وكذلك فتح النوافذ والشبابيك والكُوَى في اتِّجاه يشرف على جاره وحرماته وأسراره، فأصبح نظامًا مقرَّرًا معمولا به سائر المفعول إلى يوم الناس هذا، ومنذ ما يزيد على ألف سنة من العمران.
ومن خالف ذلك النظام تعدِّيًا وعدوانا وظلمًا وتنطُّعا تُعلَن عليه البراءة ـ براءة شخصية ـ على ملأ من المسلمين في مساجدهم العامرة؛ فيقاطعونه مقاطعة صارمة في مختلف مجالات حياته، حتَّى حياته العائلية بينَه وبين والديه وأولاده وزوجِه، حتى يرفع ذلك الظلم ويُزِيل ذلك العدوان ولو بهدم ما بنى، أو إغلاق وبناء ما فتح، ثم يتوب إلى الله ويتوب إلى إخوانه المسلمين.
وما قيل في النظام العمراني للسكن يُقال ويطبَّق في النظام العمراني للريِّ وتوزيع المياه وصرفها حسب المصلحة صيفًا وشتاء ربيعا وخريفًا، تصريفا عقلانيًّا مصلحيًّا وعادلاً بما لا يسع المجال شرحه، وإنَّما المهمُّ أنَّ من تعدَّى على شيء من ذلك النظام ولم يأخذه بعين الاعتبار وتنطَّع أو تطاول عليه فإنَّ مصيره أن يَلقَى جزاءه الأدبي بالبراءة الشخصيَّة منه، على ملأٍ (1/131)
صفحة 130
من المسلمين حتى يُذعِن للنظام وحُرمته ومراعاته ثمَّ يتوب إلى الله وإلى إخوانه المسلمين فيتاب عليه، والتائب من الذنب كَمنْ لا ذنب له، فيستأنف الكلُّ حياته العادية مع إخوانه المواطنين المؤمنين دون أيِّ خلفيَّات أو حساسيَّات.
وهذه الأمثلة قليل من كثير من المصالح المرسلة التي أخذ بها الإباضية، كما قد يكون المذهب المالكي أخذ بها أيضا في مسائل كثيرة غير هذه، وذلك ضرورة أنَّ كِلا المذهبين قد نشأ في بيئة نائية عن بيئة مهبِط الوحي والنصوص فاقتضى الأمر الأخذ ـ وجوبًا ـ باعتبار المقصد العامِّ من التشريع الذي أجمعت عليه الأمَّة الإسلامية، وهو جلب المصالح على اختلاف أزمنتها وأمكنتها وأنواعها وأسبابها، في إطار الاعتبار الشرعي مما لا يتنافى ولا يتعارض مع نصٍّ شرعي بالاعتبار أو بالإلغاء.
ثالثا ـ القواعد الفقهية:
أما القواعد الفقهية المعتبرة في مجال الاستدلال فهي أكثر من أن تُستوعب في هذا البحث المختصر لكثرتها؛ وقد خصَّها من خصَّها بالتأليف وبلغ بها عدة مئات، ولعلَّ من بينهم الإمام القرَافي (1/132)
صفحة 131
في فروقه البالغة مائتين وأربعة وسبعين 274 فرقًا (1)، مما قد يعتبر في معظمها من القواعد الفقهية، وكذلك الكتاب القيِّم شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقاء في نفس الموضوع، ولكن أستسمح أخي المسلم أن أخصَّ بالذكر بعضًا منها كأصولٍ لها وقد أجملها الإمام الشيخ السالمي فيما يلي:
1 - الأمور بمقاصدها أو الأعمال بالنيات.
2 - الشكُّ لا يرفع اليقين، أو اليقين لا يُزِيلُه إلا يقين مثله.
3 - المشقَّة تجلب التيسير.
4 - الضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
5 - لا يُزَال ضرر بضرر مثله.
6 - يُرتَكَب الضرر الخاص لتلافي الضرر العامِّ، أو ما يعبَّر عنه بارتكاب أخفَّ الضررين.
7 - العادة محكَّمة أو المعروف عُرفًا كالمشروط حُكمًا، أو المؤمنون على شروطهم ما وافق الحقَّ منها أو إلا شرطا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالاً.
__________
(1) يشير إلى كتاب: الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق للشيخ أبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ) (1/133)
صفحة 132
8 - كل أمرٍ لم يكن عليه أمر المسلمين زمن النبيء ? وصحابته فهو ردٌّ.
9 - العمد والخطأ في أموال الناس سواء، أو الخطأ لا يرفع الضمان.
10 - الأحكام منوطة بغايات الأمور ومقاصِدها لا بالألفاظ والعبارات وذلك لإبطال الحيل والتحايل في الشرع.
والأمثلة أوسع وأكثر من أن نورد لها نماذج، ومن شاء المزيد فعليه بالرجوع إلى أمَّهات التآليف الإباضية، وما أكثرها وأوسعها بعد المختصرات، أو إلى الواقع المعاش في المجتمع الإباضي بوادي ميزاب جنوب الجزائر وخارج الجزائر كتونس وليبيا وعمان.
تلك أهم مجالات التوافق ـ وما أكثرها ـ ونقط الخلاف ـ وما أقلَّها ـ بين الإباضية من جهة والمالكية وغيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى من جهة أخرى في ينابيع الفقه والتشريع المعبَّر عنها بأصول الفقه القريبة منها والبعيدة، المعبَّر عنها بكليَّات الشريعة. (1/134)
صفحة 133
الفصل الثالث:
الأصول السياسية الشرعية للإباضية
وجوب إقامة سلطة حاكمة شرعية:
من مميزات الإباضية أصولهم في السياسة الشرعية إذ أنهم يوجبون إقامة سلطة حاكمة شرعيَّة لتنفيذ شرع الله، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وإيصالاً لِمَا أمر الله به أن يوصل، وتبليغًا لما أنزل الله على رسوله من دين الإسلام وشريعته التي ارتضاها لعباده، وأكملها لهم، وأتمَّ بها عليهم نعمته منذ أنزل قوله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3) وقال في سورة آل عمران {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:85) وعليه يتعيَّن على المسلمين ـ وعلى جهة فرض العين على الصحيح ـ أن يبلِّغوا ما أنزل الله إليهم على لسان رسوله، وذلك امتثالاً لقوله تعالى مخاطبًا رسوله {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة:67) (1/135)
صفحة 134
والخِطاب الموجَّه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - موجَّه إلى أمَّته بالتَّبَع ما لم يقُم دليل على اختصاصه بذلك، والعكس صحيح إذ كلُّ خطاب موجَّه إلى المؤمنين المسلمين فهو موجَّه تبعًا ولعلَّ من باب أولى وأحرى إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - باعتباره أوَّل المسلمين وأفضل المؤمنين، وإقامة الإمام أو الأمير الحاكم والسلطان القائِم بإحقاق الحقِّ وإِبطال الباطل أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر ودعوة إلى الخير يندرج ضمن الامتثال، بل هو أعلى امتثال لقوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104) بقطع النظر عن كون "مِنْ" في الآية بيانيَّة كما هو الراجح أو تبعيضيَّة. وإقامة سلطة حاكمة من مقتضيات ومستلزمات قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء:59) خاصَّة مع الإيمان والاعتقاد بوفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باعتباره بشرًا لقوله عز وجل في حقِّه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر:30) وقوله {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ (1/136)
صفحة 135
انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144) ووفاته تقتضي وجوبًا أن يخلُفه من يخلُفه في سلطاته المخوَّلة له، من تنفيذ أحكام الله بعد بيانها للناس، والقضاء والحكم بين الناس فيما اختلفوا أو تنازعوا فيه لقوله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء:59) وقال في آية أخرى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء:83)
السلطة لا تختص بفئة معينة ولا عرق ولا باسم:
والإباضية إذ يوجبون إقامة سلطة حاكمة للمسلمين لا يحدِّدون لها نوعا معينا من الحكم أو اسما خاصًّا أو فئة معيَّنة من الناس، وإنما الشيء الذي يشترطونه في ذلك أن يكون ذلك الحاكم ونوع حكمه نابعين عن تشاور أهل الحلِّ والعقد من المسلمين، وهم العلماء العدول الراسخون في العلم بالشريعة ومُجريَات الأحداث ومتطلَّبات الأمَّة (1/137)
صفحة 136
وانشغالات المسلمين وما يُصلحهم في دينهم ودنياهم في معاشهم ومعادهم، ويضاف إلى العلماء رؤساء الأجناد الذين يمكن أن نطلق عليهم الاسم الاصطلاحيَّ المعاصر ـ أركان الحرب ـ والقُضاة، وأعيان القوم وعليَّتهم، مما قد يعتبر الجميع بمثابة المجلس الوطني الاستشاري أو المجلس الدستوري. وبمقتضى الشورى التي جعلها الله من مميزات هذه الأمَّة أمَّة الإسلام والمسلمين، إذ قال في سورة الشورى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الآية:38) وذلك ما يمكن أن نسمِّيه اليوم بالحوار، واستطلاع الرأي العام وتبادل الآراء على أساس من حريَّة الرأي والقول المعبَّر عنه اليوم بالديمقراطية، مع تحفُّظ في ترادف اللفظين على معنى واحدٍ أو تبايُنهما في بعض الخصائص والمفاهيم، ثمَّ بعد كل ذلك يتفقون على الشخص الذي يتخيَّرونه للحكم بقطع النظر عن انتمائه العائلي أو القَبَليِّ أو العِرْقي أو المذهب ـ الديني أو السياسي ـ أو لونه أو لغته، فالإباضية لا يشترطون أن يكون الحاكم الخليفة أو الإمام أو الأمير من آل البيت ـ بيت النبوة ـ ولا مِن بني هاشم أو بني عبد المطلب، ولا كونه قُرَشيًّا ولا عربيا ولا أعجميا، لأنَّ كل تلك العبارات قابلة للزوال (1/138)
صفحة 137
والانتقاض والانقراض ـ خاصة ـ صفة آل البيت، أو الهاشمية أو القرشية، خاصَّة اعتبار الهجرة التي انغلق بابها بفتح مكَّة، وكذلك صفة النُّصرة باصطلاحها التاريخي.
وإنَّما حسْبُ الحاكم ـ في نظر الإباضية ـ أن يكون مستوفيًا للشروط والمقاييس التي تؤهِّله لحكم المسلمين، وقيادة دولتهم، وتسيير شؤونهم تسييرًا يخوِّلهم من تحقيق رسالتهم ومهمَّتهم في هذا الوجود، وهي أن يكونوا خلفاء الله ورسوله في الأرض، يمَكِّنُون لدين الله فيها ينصرون الله ورسوله لينصرهم فيبدِّلهم من بعد خوفهم أمْنًا، فتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، وتتحقَّق العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين فيغْدُوا خيرَ أمَّة أُخرِجت للناس كما أراد الله.
مؤهِّلات ومقاييس الحاكم:
وفي مقدمة تلك المؤهِّلات والمقاييس، المقاييس المؤهِّلة لإمامة الصلاة إذ المفروض أنَّ الحاكم والإمام يَؤُمُّ المسلمين في أمور دينهم كما يؤمُّهم في أمور دنياهم وأولى كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عند اختياره لأبي بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيرضاك الله ورسوله لأمور ديننا (1/139)
صفحة 138
ولا نرضاك لأمور دنيانا (1). وإنها لَحِكمة بالغة فيكون السلطان الحاكم للمسلمين أعلمَ المسلمين أو مِن أَعلمِهم بكتاب الله وسنَّة رسول الله، وأقدمَهم هجرة عن مقامات الرَّعَاع والسُّوقَة من عامَّة الناس، وأكبرهم سنًّا ليكون أقرب ما يكون من اكتمال العقل والنُّضج، ثمَّ يُضاف إلى ذلك المؤهِّلات الأخرى من الخبرة والحنكة والذكاء، والدهاء أحيانا، مع الحكمة في الإدارة والسياسة، والعفَّة والعدالة والعدل، وذلك بحسب ما يتناسب وكلَّ زمان ومكان وذلك هو عين الحكمة، إذ الحكمة وضع كل شيء موضعه الذي يناسبه، كوضع الحكيم الطبيب الدواء المناسب للدَّاءِ المناسب {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة:269) والإباضية ـ كغيرهم من المسلمين ـ لا يشترطون على الحاكم شروطا معيَّنة مثقِلة إلا التقيُّد بالشرعيَّة في الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله، وسير السلف الصالح من هذه الأمَّة مثل الخلفاء الراشدين فيما لم يرِد فيه نصٌّ لقوله - صلى الله عليه وسلم - "عليكم بسنَّتِي وسنَّة
__________
(1) محمد بن علي بن محمد المعروف بابن العمراني (ت: 580هـ): الإنباء في تاريخ الخلفاء. تح: قاسم السامرائي الناشر: دار الآفاق العربية، القاهرة. الطبعة: 01. ص:47. (1/140)
صفحة 139
الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإنَّ كل محدَثَة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (1)، وقال: "كل أمر ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (2).
لا يُخصُّ الحاكم بوصف أو اسم:
كما أنَّ الإباضية لا يخصُّون السلطان الحاكم باسم معيَّن كالخليفة أو الملك أو الأمير أو الرئيس أو السلطان أو الامبراطور، وإن كان الاسم أو الوصف الغالب استعماله عند الإباضية هو اسم ووصف الإمامة، أخذًا من قوله تعالى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74) ولِما يتضمنه من إشعار بوجوب طاعته واتِّباعه كاتِّباع المأموم للإمام في الصلاة، وللدلالة أيضا على أنَّه هو الذي ينبغي ـ إن لم نقل يجب ـ أن يؤمَّ المسلمين في صلاتهم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - والأئمَّة العدول ـ رحمهم الله ـ يؤمُّون المسلمين في صلواتهم كلِّها
__________
(1) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي (ت:463هـ): التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تح: مصطفى العلوي، ومحمد البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب، ج:21، ص:297.
(2) مسلم: الصحيح، ج:3، ص:1643، رقم:1718. (1/141)
صفحة 140
كما يؤُمُّونهم في أمور دُنيَاهم في السلم والحرب.
ومن ثمَّ اشتهر عند الإباضية ما سمِّي بمسالك الدين باعتبار الإمامة أجلى مظهر للدين فقسَّموها إلى أربعة أحوال:
1 - إمامة الظهور.
2 - إمامة الدفاع.
3 - إمامة الشراء.
4 - إمامة الكتمان.
وليس المجال مجال تفصيل كل نوع وكل حالة وأحكامها ومقتضياتها، فذلك ما يجده الراغب فيه بالرجوع إلى أمَّهات الكتب المطوَّلة.
السلطة لا تورث:
كما أنَّ الإباضية يمنعون ـ بصفة مبدئية أصولية ـ أن تكون الإمامة وراثيَّة بصفة حتميَّة إجبارية مسبقة، بحيث يرثها الخلَف عن السلف كما يورث متروكه من المال أصولاً أو عروضًا، مهما كانت حالة الخلف استيفاء أو إخلالا بالمقاييس، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى ما روي عبر التاريخ أن تولَّى الخلافة على الأمَّة الإسلامية معظمها آنذاك صبيٌّ في السادسة من عمره أو نحو ذلك، وتولَّت أُمُّه تسيير دواليب الخلافة بالنيابة عنه، أو ما رويَ أيضًا أنه تولى الخلافة في بعض الدول الإسلامية خَلَفٌ فاسق صلَّى بالناس فريضة الصبح أربع (1/142)
صفحة 141
ركعات ولمَّا سلم من صلاته توجَّه إلى المصلِّين واستقبلهم بقوله كفاكم أو أزيدكم ولعلَّه هو هذا نفسه، استفتح يومًا على مصحف القرآن مُبتغِيا فَأْله فإذا به يقع بصره على آية {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} (إبراهيم:15) فاغتاظ لذلك ومزَّق المصحف وقال له:
إذا ما جئت ربَّك يوم حشر ... فقل يا رب مزَّقني الوليد (1)
أو كما قيل وروي
ومن جهة أخرى فإن جعل الإمامة أو الخلافة وراثية يرثها الخلف عن السلف يوقِع المسلمين عامة ـ وأسرة الخلافة أو الخليفة خاصة ـ في نزاع وصراع في حالة ما إذا تعدَّد الورثة من صنف واحد جهة ودرجة وقوَّة في الميراث، فكيف يتسنى استحقاق الخلافة، كحكم أو وظيفة شرعية معنويَّة غير قابلة للانقسام إلا بتقسيم الأمَّة أو الدولة الإسلامية شعبًا وترابًا وسلطة، وذلك ما يتنافى والوحدة التي دعَا الله إليها
__________
(1) أحمد بن علي أبو العباس الحسيني تقي الدين المقريزي (ت:845هـ): إمتاع الأسماع بما للنبيء من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تح: محمد عبد الحميد النمسي، الناشر: دارالكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة:1، ج:12، ص:282. (1/143)
صفحة 142
وحكم بها لهذه الأمَّة إذ قال {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (المؤمنون:52) وقال {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران:103) كما قال {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال:46)
وَهَبْ أنَّ الوارث واحد ولكنَّه أُنثى ـ زوجة أو بنتا أو أختا ـ فهل ترث عن سلفها إمامة وإمارة المسلمين فتتولاَّها والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لنْ يُفلِح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (1). وقال الله عز وجل {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء:34)
نظرًا لكل هذه الاعتبارات رفَض الإباضية أن تكون الإمامة أو الخلافة وراثية يرثها الخلَف عن السلف بصفة حتميَّة، إذ يُعرف الخلَف من يوم ولادته، إذ يحتفل البعض بميلاده كوليٍّ للعهد كما يقال، بل الأصل السياسي عند الإباضية أن لا يُعرَف خلف الإمام أو السلطان الحاكم ما دام على قيد الحياة فلا يتعيَّن الخلَف للإمام السالف
__________
(1) البخاري: الصحيح، ج:6، ص:8، رقم:4425. (1/144)
صفحة 143
إلا عند شغور منصب الإمام، حيث يجتمع أهل الحلِّ والعقد للنظر فيمن يخلفه، وإذا صادف أنْ توفَّرت الشروط والمقاييس المؤهِّلة للإمامة والخلافة في خلف الإمام الراحل أو في قريب من أقاربه فإنَّه لا مانع من توليته الإمامة، لا بعنوان الاستحقاق بالإرث وإنَّما بعنوان التأهُّل والاستحقاق بتوفية الشروط والمقاييس فيه، فيبايَع البيعَة العامَّة من كافَّة المسلمين حضوريًّا أو غيابيًّا،
ضوابط الخروج عن الحاكم:
إذا جار الإمام أو الخليفة أو السلطان فعلى المسلمين أن ينصحوه ويُرشِدوه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويحذِّروه مغبَّة جُورِه وانحرافه، تطبيقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم - "الدين النصيحة" قلنا لمن يا رسول الله قال: "لله ولرسوله ولكتابه ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم" (1)، وغالبًا ما تكون نصيحة الأئمَّة على لسان العلماء الربانيِّين يتوخَّوْن في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادَلة بالتي هي أحسن، فإن استقام الإمام وبرَّ وعدل فذلك خير له ولأمَّتِه، وللإسلام والمسلمين عامَّة في الدنيا والآخرة، وإن أصرَّ وأبى أو تعذَّرَتْ استقامته قيل
__________
(1) مسلم: الصحيح، ج:1، ص:74، رقم:55. (1/145)
صفحة 144
له اعتدل أو اعتزل. فإن اعتزل عن طواعيةٍ واختيار ففي ذلك سلامته وسلامة الأمَّة الإسلامية دُنيًا وأخرى، في دينها وأنفسها وأرواحها وأعراضها وأموالها، وخاصَّة السلامة من إهراق الدماء بحقنِها ما أمكن، وإن أصرَّ وتمادى وتعنَّت عاضًّا على المُلك والسلطان ـ كما توقَّعه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وأخبر به، أن تصبح الخلافة ملكًا عضدًا وقد حذَّر من ذلك (1) ـ فهنا يتعيَّن على أهل الحلِّ والعقد إن كانت لهم سلطة أن يعيدوا النظر في أمرهم وأمر المسلمين، فإن أمكن القيام والخروج عن طاعة الحاكم القائم وكان ذلك مضمون النتائج المرجوَّة من استبداله بخير منه، وبتكاليف أقلَّ ضررًا وخسارة على البلاد والعباد، ويتحقَّقون من الوصول حقًّا إلى إصلاح أمر الدولة وجبْر أضرارها وإصلاح فسادها الذي تسبَّب فيه الحاكم الجائر، فإنَّهم يقومون بذلك ويعزلونه بالقوَّة والعنف وبأقل خسارة
__________
(1) أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصرى (ت: 204هـ): مسند أبي داود الطيالسي، تح: الدكتور محمد التركي. الناشر: دار هجر – مصر الطبعة: 01. ج:1، ص: 184، رقم:225. أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي (ت: 458هـ): السنن الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة:03 ج:8، ص:275، رقم: 16630. (1/146)
صفحة 145
محتملة، وذلك من باب ارتكاب أخفِّ الضررين وهو أمر مقرَّر شرْعا.
أمَّا إذا كان الخروج عن الإمام أو السلطان لعزله واستبداله يتسبَّب في حرب أهليَّة تجتاح البلاد وتُفنِي العباد وتُهلك الحرث والنسل وتستأصل أو تأتي على الأخضر واليابس ـ كما يُقال بالحروب والتخريب والفتن ظاهرة أو باطنة فتكون المضارُّ الناجمة عن ذلك من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات بالتخريب والتدمير والإتلاف والإحراق وإشاعة الرَّوْع والهلع والرعب وضياعِ أو غيابِ وفقدان الأمن في الطرقات والأزقَّة والشوارع ومساكن المسلمين ومرافق حياتهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضِهم بحيثُ تكون هذه المضاعفات أعظم وأخطر وأطمَّ ممَّا هُم فيه ـ فإنَّ إبقاءه على ما هو عليه معَ ترك مُساندَته ومساعدته عليه متربِّصين به دائرة أمر الله وحُكمه وقضائِه وقدَره فيه. قلت أو قال الإباضية إنَّ ذلك أهون وأخفَّ ضررًا على البلاد والعباد وذلك ما سلكه أئمَّة الإباضية، أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعبد الله بن إباض مع الملوك والأمراء الأمويِّين والعباسيِّين وغيرِهم، ومن ثمَّ فقد سجَّل التاريخ الإباضيُّ ثورتين بيضاوَيْن قام بهما الإباضية، وتمَّتا ونجحتا من غير إراقة قطرة دم (1/147)
صفحة 146
لتغيير النظام الحاكم والأوضاع السائدة هنا في الأقطار المغاربية خاصَّة في ليبيا وتونس والجزائر.
أُولاهُما قيام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافريِّ ومَن معه من المبايعين له بالإمامة، بناحية صياد بضواحي طرابلس ليبيا لتغيير الوالي المولَّى عليها من قِبَل العباسيين، فخيَّروه بين أن يعتزل الإمارة ويبقى معهم في ليبيا، له ما لإخوانه المسلمين وعليه ما عليهم آمنا على نفسه وماله وأهله وأولاده ـ في سِربِه ـ وبين أن يلتحق بوُلاَة أموره في مصر أو بغداد آمنا كذلك على نفسه وأهله وماله، فاختار هذا الأخير فأبلَغُوه مأْمَنه إلى حدود مصر.
والثورة والانتفاضة الثانية: انتصاب الإمام عبد الرحمن بن رستم على رأس الإمامة أو الدولة الرستمية، وقد بُويِع بَيْعة خاصَّة مِن أهْل الحلِّ والعقدِ من العلماء وأعيان القوم ورؤساء القبائل، ثمَّ بُويع بيعةً عامَّة وأسَّس دولةً بتيهرت التي امتدَّ نفوذها على معظم الجزائر وتونس وليبيا، دون إراقة قطرة دمٍ أيضًا عند التأسيس وتغْيِير الأوضاع، بقطعِ النَّظر عمَّا طرأَ فيمَا بعد في عهد الإمامَيْن عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأفلح بن عبد الوهاب من بعضِ المناوئين للدولة كالمعتزلة (1/148)
صفحة 147
الواصلية، والنُّكَّار أتباع بن فندين نفَّاث بن النضر وذلك ما لا تكاد تخلو منه دولةٌ من الدُّوَل عبر التاريخ مهما بلغَت من الفضل والعدل، بما في ذلك دولة الخلافة الرشيدة، وما شاهَدَتْه من حروب بين الصحابة - رضي الله عنهم - خاصَّة وقعتَيْ الجمل وصِفِّين (1).
أخي المسلم هذه أو تلك أهمُّ الأصول للجمع والوفاق بين الإباضيَّة وغيرهم من المذاهب الإسلاميَّة، التي قُدِّر لها الدوام والبقاء والخلود والتعايش مع بعضها البعض تحت المظلَّة الكبرى للإسلام مظلَّة القرآن والسنَّة الجامعة غير المفرِّقة، بقطع النظر عن بعض المسائل الفرعية الخلافية سواء في أصول الدين، أو أصول الفقه، أو الأصول السياسية في الإسلام.
__________
(1) تقي الدين المقريزي: إمتاع الأسماع، ج:13، ص:233. زين الدين محمد الحدادي (ت: 1031هـ): فيض القدير، ج:6، ص:365، رقم:9640. (1/149)
صفحة 148
الفصل الرابع:
الأحكام العملية في المسائل الفرعية في العبادات
أما ما يتعلق بالمسائل الفرعية العملية الجزئية فإنَّه مهما تعدَّد فيها الخلاف ـ قلَّة أو كثرة، خفَّة أو شدَّة ـ فإنَّنا قد نجد فيها توافقًا بين علماء الإباضية من جهة وعلماء المالكية أو غير المالكية من جهة أخرى بصفة غالبية عامة، أو بصفة فرديَّة شخصية.
وبيان ذلك أنَّه قد يذهب عامَّة علماء الإباضية إلى قوْل يرونَه حقًّا وصوابًا راجحًا يُفتُون به ويجري العمل بمقتضاه، فيشذ عالم إباضي بمخالفته فيذهب إلى ما ذهب إليه عامَّة علماء المالكيَّة وغيرهم من غير الإباضية، لا عن تقليد ولكن عن اجتهاد أدَّاه إلى ذلك، والعكس صحيح، أن يذهب عامة علماء المالكية إلى قولٍ يرونَه راجحًا ويُفتُون به ويجري العمل بمقتضاه لدى المالكية أو غيرِهم من المذاهب ـ غير الإباضية ـ فيشذَّ عالِمٌ مالكيٌّ بمخالفته فيذهب إلى ما ذهب إليه عامَّة الإباضية، لا عن تقليد لهم وإنَّما عن اجتهاد آلَ به إلى ذلك، وكتاب الذهب الخالص وشامل الأصل والفرع وبعض استطرادات شرح النيل (1/150)
صفحة 149
للإمام الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش قطب الأئمَّة ـ رحمه الله ـ شاهدة بذلك، وهذا من تسامُح علماء وأئمَّة المذاهب فيما بينهم، أن يأخذ البعض عن البعض، أو على الأقل أنْ لا يؤاخِذ بعضهم البعضَ فيما أدَّى بهم إليه اجتهادهم، وذلك اعتبارًا ليُسْر الشريعة وسَعَة الدين ومرونة الملَّة ورحمَة الأمَّة، وبذلك يصبح الخلاف بين مذهب وآخر في هذه المسائل الفرعية بمثابة الخلاف الحاصل بين إمام مذهب وكبار أصحابه، أو بين شيخ وكبار تلاميذه داخل المذهب وخارجه.
وإن كان ولا بد أن نضرب بعض أمثلة لهذه المسائل العملية الفرعية الخلافية بين الإباضية وغيرهم فلتكن من باب التمثيل لا الحصر، ومن باب المعرفة والتعارف والاعتراف، لا من باب إثارة الخلاف وإحداث شغب أو بلبلة في الأفكار والتصوُّرات والقناعات والاختيارات. ونصنِّفها إلى أصناف:
الصنف الأول: بعض المسائل الخلافية الفرعية في العبادات:
وفي مقدِّمة أو طليعة ذلك الصلاة وشروطها:
الطهارة من أوكد الشروط لصحة الصلاة: (1/151)
صفحة 150
1 - فالإباضية يعتبرون الطهارة من أول وأوكد الشروط لصحَّة الصلاة، وإن اتَّفَق معهم غيرهم في هذا الشرط إلا أن الإباضيَّة يتحرَّون تحرِّيًا شديدًا في ذلك، فلا يُجيزون الصلاة بأقلِّ النجس، إلا عند الضرورة بتعذُّر أو استحالة إزالتها، مستدلِّين على ذلك بحديث عذاب القبرين اللذين مرَّ بِهِما الرسول ? وصحابته - رضي الله عنهم - فقال عن القبرين: "إنَّهما يعذَّبان وما يعذَّبان في كبير أمَّا أحدهما فكان لا يتحرَّى من رشاش البول" (1) وإن كان نجاسة قليلة، ولكن تجب إزالتها والتطهُّر والتحرُّز منها، وإنَّ ترك ذلك والصلاة به يوجب عذاب القبرِ ومن عذِّب في قبره عذِّب فيما بعدَ القبرِ عذابًا أشدَّ مصداقَ قولِه تعالى ژ? ? ? ? ? پ پژ (السجدة:21) أو قوله عز وجل في حق آل فرعون ژں ں ? ? ?? ?
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:132. رقم: 487 بلفظ: «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرَةٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَقَدْ كَانَ لاَ يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَقَدْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ». البخاري: الصحيح، ج:1، ص: 53، رقم 215. بلفظ «يعذبان، وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (1/152)
صفحة 151
? ہ ہ ... ہ ہ ھ ھژ (غافر:46) كما يرى الإباضية أنَّ المشروع في الطهارة الجمعُ بين الاستجمار بالجِمار للاستبراء من النجس الغليظ ثمَّ الاستنجاء بالماء لإزالة البقيَّة الباقية من النجس، مبالغة ومحبَّة في التطهُّر اقتداء بأهل قباء الذين أحبَّهم الله وأثنى عليهم خيرًا بِحُبِّهِم ومبالغتهم في الطهارة كما قال عز وجل ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? چ چچ چ ? ? ? ?? ? ? ?ژ (التوبة:108) ولمَّا سأل النبيء ? أهل قباء عن هذا الطهور الذي أثنى الله به عليهم قالوا: "يا رسول الله إنَّا نُتبِع الحجارة الماء" (1)، ولم يقولوا إنَّنا استبدلنا الحجارة بالماء، وعليه فالإباضيَّة لا يرون آية التوبة والحديث الوارد لمناسبتها ناسخة للأحاديث الواردة في الاستجمار والاستبراء بالحجارة أو ما يقوم مقامَها من أمثال قوله ?: "اِبغِ لي أحجارًا" (2). وقوله: "من استجمر فليوتر" (3). ونهيِه عن الاستجمار باليمين، وبالروث والعظم والرجيع (4) ومن هنا فالإباضية ـ خاصة إباضية وادي ميزاب ـ جنوب الجزائر يتحرَّون الجمع بين الطهارتين معًا، الاستجمار والاستبراء بالجمار أحجار المَدَر ونحوها من كلِّ مُنشِّف طاهر غير ذي حُرمَة وبين الاستنجاء بالماء لتحقيق النقاء والطهارة، ويستكرهون الاقتصار على إحدى الطهارتين دون الأُخْرى مهما استطاعهُما المسلم المكلَّف عند إرادة الصلاة. ومن الطرافة أن تُوجد هذه الطريقة الإباضية معمولاً وملتزَمًا بها لدى مسلمِي بعض
__________
(1) أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت:852): بلوغ المرام من أدلة الأحكام، تح: سمير الزهري، الناشر: دار الفلق ـ الرياض. الطبعة:7، ص:33، رقم:106.
(2) البخاري: الصحيح، ج:1، ص:42، رقم: 155.
(3) الربيع: الجامع الصحيح، ج:1، ص:28، رقم: 82 بلفظ «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».
مالك بن أنس: الموطأ، برواية محمد بن الحسن الشيباني. تح: عبد الوهاب عبد اللطيف، الناشر: المكتبة العلمية الطبعة: 02، ص:34، رقم: 7. بنفس لفظ الربيع.
(4) محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت: 1250هـ): نيل الأوطار، تح: عصام الدين الصبابطي، الناشر: دار الحديث ـ مصر، الطبعة:01. ج:8، ص: 125. (1/153)
صفحة 152
الجمهوريات الإسلامية مثل طاشقند (1) وأدربيجان (2) إلى يوم الناس هذا.
2 - القضاء والقدر:
الثانية أنَّ الإباضية بِحُكم أصلهم العقائدي إذ يدينون بأصل القضاء والقدر، وأنَّ الإنسان عاجزٌ عن إنجاز أعماله إلاَّ بمعونة من الله ومشيئته، وعليه فهو بحاجة إلى الاستعانة بالله، زيادةً على التبرُّك به، ويرون أنَّ الصلاة عماد الدين وأنَّها إذا أُقِيمت تامَّة كاملة تَنْهى أصحابها عن الفحشاء والمنكر، بينما إذا كانت ناقصة فإنَّها قد لا تؤتي ثمرتها ولا تؤدي وظيفتها تلك، وحيث قال رسول الله ?: "كل عمل ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر "أو خداج أو أجدم (3)، حسب تعدُّد الروايات، وحيث إن الصلاة هي أهمُّ عمل في حياة المسلم؛ وعليه فإنَّ الإباضية يوجبون ـ وبتأكيد ـ أن تقرأ البسملة في فاتحة الكتاب عند كلِّ ركعة، وأنَّها لا تتمُّ الصلاة ـ
__________
(1) عاصمة أوزبكستان حاليا.
(2) دولة في القوقاز تقع بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية.
(3) أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ): المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعة: 02، ج:1، ص:43 الشوكاني: نيل الأوطار، ج:1، ص:173. (1/154)
صفحة 153
بل لا تصحُّ ـ إلا بها، وإنَّ منْ تعمَّد تركها بطُلت صلاتُه على الراجح، خاصَّة وهي مرسومة في أوَّل الفاتحة وعدَّها الكثير آية مستقلة بنفسها ـ وإنْ عدَّها البعض جزء آية ـ فإنَّ الصلاة لا تصحُّ إلا بقراءة فاتحة الكتاب كاملة، كما قال ?: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" أو "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1)، ونفي الحقيقة الشرعية ينصرف إلى نفي الصحَّة عند الجمهور لا نفي الكمال؛ لأنَّ نفيَ الصحَّة أقرب إلى حقيقة النفي المطلَق للوقوع؛ ولذلك أوجبَ الإباضية قراءة الفاتحة ولو للمأموم خلف الإمام ولو كان في الصلاة الجهريَّة لقوله ? ـ وقد نُوزِع القراءة في الصلاة ـ "هل تقرَؤون معي في الصلاة". قالوا: نعم، قال مالي أُنازَع في القرآن لا تقرؤوا معي شيئًا من
__________
(1) مالك بن أنس: الموطأ، ج:1، ص:84، رقم: 188 بلفظ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج". البخاري: الصحيح، ج:1، ص:151، رقم: 756. بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"
الربيع: الجامع الصحيح، ص:61، رقم: 226 بلفظ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْغَدَاةِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، قَالَ: قُلْنَا: أَجَلْ، قَالَ: «لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِهَا» ". (1/156)
صفحة 154
القرآن إذا جهرت إلاَّ فاتحة الكتاب فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها فإنَّها أمُّ الكتاب والسبع المثاني" (1) أو كما قال.
3 - الترخيص والتوسيع في مواقيت الصلوات:
الإباضيَّة يترخَّصون ويتوسَّعون في مواقيت الصلوات، ويرون أنَّ ما بين أوَّل وآخر وقت كلِّ صلاة وقت أداء، عند الاختيار والاضطرار، وإن كان المرغوب والمستحسن الصلاة لأوَّل الوقت، أمَّا عند الضرورة أو الوقت الاضطراري الذي يُترخَّص فيه عند الإباضية ـ وكأنِّي به أيضا عند غيرهم ـ فهو اعتبار العصرين أو الظهرين ـ الظهر والعصر ـ شريكين في الوقت عند الضرورة؛ فتُؤخَّر الظهر إلى وقت العصر فتُصلَّى معا جمعًا، جمع تأخير، أو تُقدَّم العصر إلى وقت الظهر فتُصلَّى جمعًا جمع تقديم عند الضرورة، على أنْ لا يتَّخذ ذلك عادة وإلفًا وطبعًا، ومثل ذلك بالنسبة للمغرب والعشاء، تشتركان في الوقت أوَّله أو وسطه أو آخره، فتُجمعَان ـ عند الضرورة ـ جمعًا صوريًّا بين الوقتين، أو جمع تقديم وقت صلاة المغرب، أو جمع تأخير وقت صلاة
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:61، رقم: 225. مالك: الموطأ، ج:1، ص:83، رقم:186. أبو داود: السنن، ج:1، ص: 218، رقم: 826. (1/157)
صفحة 155
العشاء، عند الضرورة المُلحَّة القصوى على أن لا يكون ذلك دَيْدَنا وعادة وإلفًا وطبعًا، بقطع النظر عن الدواعي المقتضية لذلك من مرض أو سفَرٍ أو سحاب أو مطر، أو في حضر أحيانا من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. كما أن الإباضية لا يَروْن مُطلَقا ما يحكى ويقال عن بعض المذاهب ـ وإن كنت لمْ أرَه ـ أنَّ الصلوات تشترك كلُّها في وقت واحد من ليل أو نهار حسب مُكنَة المكلَّف المصلِّي؛ فيصلِّي خمس صلوات معًا في وقت واحد بعد العشاء مثلا، أو بعد فراغه من شغله زوالاً أو عصرًا، فضلا عمَّا يفعله أو يزعمُه بعض العوامِّ أن يجمع صلوات الأسبوع كلَّها في يوم واحد يوم الجمعة، يوم العطلة والراحة من أشغاله الدنيويَّة، وكأنِّي بهذا لم يقُلْ به عالم من العلماء، على اختلاف المذاهب الإسلامية عبر التاريخ والله أعلم. وفوق كلِّ ذِي علم عليم.
4 - الترخيص في أحكام السفر:
الإباضية يترخَّصون أيضًا ـ ومن باب التيسير ورفع الحرج المقصودين شرعًا ـ في أحكام السفر وقصر الصلاة فيه؛ فيرون أن القصر واجب وفرض وعزيمة لا رخصة، فلا تجوز الزيادة في الظهر والعصر والعشاء على ركعتين في السفر، كما لا تجوز الزيادة على أربع في الإقامة والحضر، (1/158)
صفحة 156
أو على ثلاثة في المغرب، ومن تعمَّد الزيادة انتقضت عليه صلاته وتعيَّن عليه إعادتها أو قضاؤها، إلاَّ أن يكون مأمومًا خلف إمام مُقيم فصلاته حينئذ ترتبط بصلاة الإمام يأتمُّ به من أوَّل صلاته إلى آخرها، ولا يجوز له قصرها بالقعود أو التسليم عند التشهُّد الأول. كما أنَّ الإباضية يترخَّصون في تمديد مدة السفر ما لم ينو صاحبه الإقامة بذلك البلد الذي حلَّ فيه ولو طال مُكثُه ولُبثُه فيه شهرًا أو سنين، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنَّا نقيم بأسواقٍ لنا بأذربيجان (1) ستَّة أشهر نقصر الصلاة (2). ولا يلتزم الإباضية بمدَّة معيَّنة إلا بحسب نيَّة صاحبه الاستيطان. أما القولة القائلة: من أقام أربعًا صلَّى أربعًا فإنَّهم لا يعتدُّون بها لأنَّه ليس لها أصل أو دليل شرعيٌّ يُثبتها ما دَام النبيء ? أقام بمكَّة عام الفتح نحو العشرين يومًا وهو يقصر الصلاة ويقول لأهل مكَّة "يا آل مكَّة أتمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سفر" (3) ولا يُعترض
__________
(1) أذربيجان: هي جمهورية مستقلة في غرب قارة آسيا يحدها بحر قزوين شرقا.
(2) محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني الصنعاني (ت: 1182هـ): سبل السلام، الناشر: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة:04. ج: 2، ص:41.
(3) مالك: الموطأ، ج:1، ص:149، رقم: 846. أبو داود: المسند، ج:2، ص: 189، رقم: 898. لفظه: سأل شَابٌّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْفَتَى سَأَلَنِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَاحْفَظُوهُنَّ عَنِّي مَا سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَفَرًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ وَشَهِدْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَهُ وَاعْتَمَرْتُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا الصَّلَاةَ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» (1/159)
صفحة 157
على هذا الفعل النبويِّ أنَّه كان خائفًا من مكر قريش غير آمن شرَّهم لأنَّ ذلك يصادم نصًّا شرعيًّا صريحًا في قوله تعالى ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الفتح:27) إلى غير ذلك من المناقشات التي أثارها العلماء، ولكلٍّ وجهة نظر هو مُوَلِّيها وله أدلَّته ومُستنداته.
5 - مسائل مختلفة:
أما مسائل الرفع، والقنوت، والقبض، والتأمين، وتحريك السبَّابة، والتربيع أو عدم التربيع، والترجيع في الأذان، وتَثْنِية الإقامة أو إفرادها، والتثويب، فقد سبقت الإشارة إلى هذه المسائل ومنشَأُ الخلاف فيها من حيث مفهوم السنَّة التي يتعيَّن اتِّباع (1/160)
صفحة 158
النبيء - صلى الله عليه وسلم - فيها والفعل الذي فعله لسبب أو لآخر، ولم يستمرَّ ولم يداوم عليه بحيث يتيقَّن بجوازه من باب قولهم: فَعَله لبيان الجواز. فلا يتعيَّن ولا ينبغي اتِّباعه فيه إلاَّ إذا توفَّرت دواعيه.
كما أن الإباضية يعتبرون معاني الطهارة والنجاسة معقولة معلَّلة، وإن لم تكن عللها منصوصا عليها نظرًا لأُمِّيَّة الأمَّة العربية زمن التشريع، حيث لا يمكن تعليل النجاسة أو أعيان النجاسة بما تحتوي عليه من الجراثيم غير المرئية بالعين المجرَّدَة، وبمعنى العدوى، عدوى الأمراض من المريض للسليم. وإن كانت وردت الإشارة إلى ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يرِدُ هائم على مصحٍّ" (1). فاكتفى الشارع في ذلك بِوصْف تلك الأعيان أعيان النجاسات بأنَّها رجس أو رجز أو ركس أو أذى أو نكس أو نجس، أو غير ذلك من العبارات التي استُعملت في اللغة العربية لتنفير الناس عنها؛ وبالتالي يحصُل المقصود الشرعيُّ من الحيلولة بين الناس وبين ما عسى أن يكون فيها من جراثيم
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:26، رقم: 74. قَالَ الرَّبِيعُ: الْهَائِمُ الذِي جَرِبَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ مَرِضَتْ، وَالْمُصِحُّ الذِي لَيْسَ فِي مَاشِيَتِهِ مَا يُكْرَهُ، يَعْنِي: لاَ يَنْزِلُ بِمَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ فَيَضُرَّ بِهِ (1/161)
صفحة 159
يتلوَّث بها المحيط؛ فتنتشر العدوى بين الناس بالأمراض المُعدِية التي قد تكون على غاية من الخطورة.
ولكن لمَّا تقدَّم العلم، فاكْتَشفت المجاهير تلك الكائنات الحيَّة اللاَّمرئيَّة المعبَّر عنها بالجراثيم أو الفيروسات التي تنقل الأمراض من المرضى إلى الأصحَّاء، وأنَّ تلك الجراثيم تُعدُّ بعشرات ـ إن لم تكن بمئات الملايين ـ في القلَّة القليلة من النجاسة كمقدار الظُّفر أو الدِّرهم البغليِّ ـ كما عبر به البعض عن القلَّة ـ نظرًا لكلِّ هذه الاعتبارات فإنَّ الإباضية يوجبون التطهُّر من قليل النجس كما سبقت الإشارة إلى ذلك من قبل، والأهمُّ من ذلك يوجبون الطهارة والتطهُّر ماديًّا ومعنويًّا من مسِّ النجاسة الملاقية من الخارج، خارج جسم المكلَّف المتطهِّر، لأنَّه إذا أُمر المسلم أن يطهِّر ويتطهَّر ممَّا عسى أن يصدر من نجاسة من بدنه ـ ظاهرة من داخله من مدخلَيْه أو مخرجَيْه أو من سائر بدنِه مع أمْن العدوى منه لنفسه ـ فلَأَن يجب عليه أن يتطهَّر طهارة مادية ومعنويَّة من مُلاقاته نجاسة أجنبيَّة من إنسان مثله ـ قد يكون مريضا مرضًا خفيًّا مُعديًا. أو من غير إنسان كميتَةٍ حيوان أو بوْله أو رَوْثِه إذا كان من آكلة اللحم والجِيَف، وما (1/162)
صفحة 160
يتولَّد عنها من تعفُّن وتدرُّن ـ قلت إذ ذلك يقتضي الحيطة والتحفُّظ من باب أولى وأحرى، فعليه أن يتطهَّر من ذلك طهارة مادية ومعنوية معًا، ولذلك يوجب الإباضية الوضوء بعد غسل النجس على كلِّ من مسَّ نجاسة رطبة أو مسَّتْه نجاسة وهو رطبُ البدَن رطوبة تَتْرك أثرها فيه، درءًا لذريعة العدوى والفساد، حتَّى ولو كان مسُّها لأمر مشروع كذبح شاةٍ أو علاج مريض.
تلك بعض أهمِّ المسائل أو الفروع الخلافيَّة بين الإباضية وغيرهم كالمالكية في خصوص الطهارة والصلاة باعتبارها عماد الدين.
الركن الثاني العملي من أركان الإسلام: الزكاة:
أما الرُّكن الثاني العملي من أركان الإسلام وهو الزكاة فإنَّ الإباضية متوافِقُون مع المالكيَّة وغيرهم من المذاهب الأخرى في أغلب أحكامها التفريعيَّة، خاصَّة الأموال التي تجب فيها الزكاة بصفة إجمالية مبدئيَّة وهي الحبوب والأنعام والنضُّ، وفي تقدير النصاب بخمسة أَوْسُق في الحبوب وبأربعين شاةً في الغنم. وبخمس ذَوْدٍ رؤوسٍ في الإبل والبقر، وبعشرين مثقالاً أو عشرين دينارًا في الذهب، وبخمس أواق ـ مائتي درهم ـ في الفضة. وفي القدر الواجب إخراجه زكاة، وأنه (1/163)
صفحة 161
العشر أو نصف العشر في الحبوب باعتبار سقْيِها بكُلفَة وعناء أو بدون كلفة ولا عناء، وربع العشر في النضِّ الذهب والفضة، وما يجري مجراهما، والخُمُس في الرِّكاز (الكنز)، وفي الأنعام بحسب مراتبها المبيَّنة في كتب الفقه، بحيث لا نكاد نجد خلافًا بين الإباضية وغيرهم في ذلك، اللهم إلا في بعض مسائل فرعيَّة جزئية أيضا منها:
الأصناف التي تجب فيها الزكاة:
1 - إن الإباضيَّة يعتبرون وجوب الزكاة في تلك الأصناف من باب توزيع الأرزاق الضرورية، وتوفير وسائل الثروة وفرص الكفاف والاستغناء لكل المسلمين وغير المسلمين أحيانا لبلوغ ضرورات حياتهم، ومحاربة الكنز والاحتكار أو تجميد وسائل التنمية والتوفير الاقتصادي؛ وعليه فإن الزكاة شُرِعت في الموادِّ الضرورية للحياة المتمثِّلة في الطعام وما يُقتنى به؛ فقصروا الزكاة في الحبوب ممَّا تُنبِتُه الأرض باعتبارها مادة ضرورية للحياة، وكانت في زمن التشريع متمثِّلة في الأصناف السِّتِّ المذكورة على سبيل التنصيص في الحديث وهي: البُرُّ، الشعير، التمر، الزبيب، الذُّرَة، والسُّلْت. وقد تُلحق بها من النباتات ما يُعتبر مثلها من حيث الأهميَّة في الطعميَّة والاقتيات (1/164)
صفحة 162
والادِّخار، مثل الرُّزِّ في هذا العصر أو ما عسى أن يبتدع فيها بعد.
أما بقية نباتات الأرض من الخضر والفواكه والحشائش والأعشاب والبُقول، كالجزر والبصل والثوم، وكالقرع والدَّبَّا والطماطم والفلفل والباذنجان مثلا، وكذا الحبوب الجافَّة اليابسة كالقطنيات، كالفول والعدس، والجلبانة والفاصوليا والحمُّص مثلا، وغيرها ممَّا يُزرع ويُقتنى ويُحصد منه الكميات الهائلة أحيانًا، ولكنَّها ليست من المواد الضرورية للطعام وللاقتيات والادِّخار؛ فلا يُعوَّل عليها في ذلك وإنَّما هي من مزيِّنات الطعام عادةً، فيعوِّل زَارِعُها وحاصدها على قيمتها بعد بيعها في الأسواق العامَّة أو الخاصة، ومِن ثَمَّ لا تجب الزكاة في ذاتها لِعَيْنِها وإنَّما تجب في قيمتها إذا بيعت وبلغ ريعها النصاب ودار عليها الحول؛ فشأنها في ذلك شأن النقدين الذهب والفضة وعُرُوض التجارة، لا تجب فيها الزكاة حتى يكتمل نصابها ويَدُورَ عليهِ الحول.
2 - الزكاة في الذهب والفضة:
الإباضية يُوجبون الزكاة في الذهب والفضة معًا باعتبارهما أصل القِيَم وأساس المثمِّنات وقوام المبادلات الاقتصادية في العالم، وهما المعدنان (1/165)
صفحة 163
النفيسان اللَّذان لا تتغيَّر قيمتهما مهما تغيَّرت وضعيتُهما من تِبْر (تراب الذهب) إلى سبائك أو سكَّة أو مصوغ أو مُذَاب، فمهما وُجِد الذهب بالغًا النصاب 20 عشرين مثقالاً أو عشرين دينارًا ذهبيًّا، كما كان في السابق ودار عليه الحول وجبت فيه الزكاة، ولو كان حِلْيَةً للزينة، زينة الرجل ـ وإن كان لا يجوز له ذلك ـ أو زينة للمرأة أو زينة لمشاع من أمتعة الرجل ـ كسيفه وسَرْج فرسه أو لجامه، أو زيِّن به مصحف أو كتابٌ كُتِب بالذهب المُذَاب ـ كما يحكى عن كتابة المعلَّقات قديمًا ـ، وبعض المصاحف القرآنية الشريفة الأثريَّة، أو وِعاء وتُحفَة له في قاعة ضيوفه، أو ساعة ذهبيَّة، وأصبحنا الآن نقول أو درَّاجة أو سيارة ذهبية، وقد قيل أو يقال أو مرحاض بوله وغائطه. كما حكي ويحكى عن بعض المُترَفِين الذين ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا أُمَمَهُم وشعوبهم ـ ففي كل ذلك يجب تقدير ذلك الذهب أو الفضة المتزيَّن بهما، فإذا بلغ النصاب المقدَّر ـ وعلى حدٍّ سواء بالنسبة لجميع الناس ـ وجبت فيه الزكاة، ولا عبرة لقول القائل أو القائلين: إن الزينة ضرورة من ضرورات المرأة، وإن تلك الزينة تختلف بحسب المرأة جمالا ونَسَبًا وحَسَبًا؛ فما قد يُعتبَر كنزًا إذا (1/166)
صفحة 164
فاق العشرين مثقالا بالنسبة لامرأة بسيطة وَضِيعة لا يُعتبر ضِعفُه ولا أضعافه كذلك كنزًا بالنسبة للمرأة الشريفة الحسيبة النسيبة كزوجة أو بنت ملك أو رئيس أو سلطان أو ثري من الأثرياء، تعالى الله عز وجل وتعالى الرسول ? وجلَّ الإسلام أن يُقِرَّ مثل هذا التمايز الطبقيِّ في أحكامه، بل حسبُ الله عزَّ وجلَّ وحسبُ الرسول ? وحسبُ الإسلام أنْ أخذ بعين الاعتبار أنَّ الزينة والتحلِّي بالحُليِّ من الذهب والفضة من مقتضيات فطرة النساء، وفطرة الرجل أحيانا ـ فيما جاز له التحلِّي والتزيُّن به ـ ولكن الشارع الحكيم حدَّدَ تلك الضرورة بقدْر معيَّن مُنضبِط والضرورة تقدَّر بقدرها، فقدرها عشرون مثقالا ذهبًا، وبخمس أواقٍ فضَّة، وما زاد على ذلك فهو تجاوز للفطرة، فطرة الذهب والفضة، وهو كنزٌ لهما، وتعطيلٌ لهما عن مهمَّتهما الاقتصادية؛ وبالتالي تعطيل التنمية أو الدورة الاقتصادية فحرم ذلك إلا أن تؤدى زكاته، وما أديت زكاته فليس بكنز كما قال النبيء ? (1).
كما أنَّ الزعم أنَّ إِعارة الحُليِّ زكاته ـ كما قيل ـ زكاتُه إعارتُه، هذا ليس له مستند من الشرع ولا من
__________
(1) الصنعاني: سبل السلام، ج:1، ص: 534. (1/167)
صفحة 165
العقل، إذ لو كان الأمر كذلك لأصبحت إعارة الحُليِّ واجبة على ربَّات الحُليِّ، أن يُعِرْنَه بصفةٍ حَتْميَّة ـ وجوبيَّة ـ مهما طلب منهنَّ ذلك، وأظنُّ أنْ لاَ قائِل قال ـ ولا يقول قائل ـ إنَّ على ربَّة الحُليِّ أن تُعِيره لمن طَلَبَه منها على جهة الوجوب والإلزام، لما يلزم عن ذلك من تعريض ممتلكاتها للضياع والفساد، اللهمَّ إلا برضاها أن ترضى أخلاق وأوصاف هذه التي طلبت إعارتَها حليَّها، وما تتوسَّم فيها بل تتيقَّن منها من خلق الوفاء والأمانة واسترداد العارية إذا قضَتْ منها بُغيَتَها أو احتاجتها صاحبتها.
ومن جهة أخرى لو كانت الإعارة قائمة مقام الزكاة لجاز لغنيٍّ من الأغنياء ـ وقد عز عليه إخراج زكاة ماله الوفير ـ أن يجمِّد مبلغًا ضخمًا منه ـ وهَبْهُ مليارًا مثلا ـ في بنك أو صندوق خاص ويوصي أو يتعهَّد مع نفسه ويُشهِد على ذلك أنَّ هذا المبلغ مخصَّص للإعارة يُعير منه كل مَن طلب إعارته، على نيَّة الإرجاع والاسترداد، فهل هذا يُسقِط عنه زكاة ذلك المال المجمَّد المخزون باعتبار إعارته زكاتَه، لا أظنُّ عالمًا يصادق على هذا ويقول به، لأنَّه لو فتح مثل هذا الباب لفتحنا أبوابًا واسعة للتملُّص من الزكاة وأكل حقوق مستحقِّي الزكاة الثمانية. (1/168)
صفحة 166
من كل هذه المنطلقات ونظرًا لكل هذه الاعتبارات فإنَّ الإباضية يُوجِبون الزكاة في الحُليِّ المصوغة من الذهب والفضة ـ أقول من الذهب والفضة خاصة ـ لوُرود النهي والوعيد عن كنزهما لِمَا يترتَّب عن ذلك من تعطيل التعامل الاقتصادي بين الأفراد والجماعات والدول.
أما إذا كان هناك حُلِيٌّ من غير الذهب والفضَّة من المعادن أو الأحجار الكريمة الأخرى مهما غلا ثمنها ـ وقد تكون أنفس بكثير من الذهب والفضَّة ـ فإنه لا تجب فيها الزكاة إذا امتلكها صاحبها لغير التجارة، إذ ليست أساسا للتعامل ولا مقوِّما من المقوِّمات الاقتصادية، فمَثَلها كمَثَل من ملك عمارة أو ناطحة من ناطحات السحاب، أو قصرًا من القصور المزخرفة لسكناه الخاصَّة له ولضيوفه ـ وقد تتجاوز قيمة ذلك عشرات أو مئات الملايين بل والملايير ـ ومع ذلك لا تجب فيه زكاة ما لم تُجعَل للتجارة فتصبح عرَضًا من عروض التجارة، تجب الزكاة في قيمته لا في ذاته.
3 - الزكاة في المال المجتمع المشترك قبل قسمته:
المسألة الثالثة من المسائل أو الفروع الخلافية بين الإباضية والمالكية أو غيرهم من المذاهب (1/169)
صفحة 167
الإسلامية الأخرى مسألة وجوب الزكاة في المال المجتمِع (المشترَكِ قبل قسمته)، وهو ما يعبَّر عنه باستكمال الشريك بالشريك، المنصوص عليه في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تفريق المجتمِع أو جمع المفترِق، خشية الصدقة (1)، وذلك في خصوص الحبوب؛ فتجب الزكاة فيها في النّذر والبيادر، أو في الأنعام تجب الزكاة فيها في مراعيها كما هي ما لم تُقسم، ولا مجال لبسط هذه المسألة فهي مبسوطة وبأمثلة في محالِّها، ومن هذا القبيل استكمالُ صنفٍ بصنفٍ ـ أقول صنف بصنف لا جنس بحنسٍ ـ في الحبوب فتستكمل أصناف التمر بعضها ببعض، وكذا أصناف القموح بعضِها ببعض، وأصناف الشعير بعضِها ببعض.
وكذلك الأمر بالنسبة للنضِّ عند الجمهور، يُعتبَر جنسًا واحدًا يستكمل فيه الذهب بالفضة والفضَّة بالذهب بتحويل أحدهما إلى الآخر إذا اكتمل نصاب أحدهما ولم يكتمل نصاب الآخر، فإنَّه يُحَوَّل الناقص منهما إلى المكتمِل. وإذا كانا كلاهما ناقصين عن النصاب فهل يستكمل أحدهما بالآخر؟ وأيُّهما يحوَّل إلى الآخر؟ هل يحوَّل
__________
(1) البخاري: الصحيح، ج:2، ص: 117، رقم: 1450. (1/170)
صفحة 168
الذهب إلى الفضَّة أو العكس تحوَّل الفضَّة إلى الذهب بالتقييم؟ المسألة خلافيَّة، فمن نظر لمصلحة الفقراء والمساكين وأنَّ المقصد كفايةُ حاجتهم وضروراتهم قال بتحويل الذهب إلى فضَّة، حيث يكتمل به النصاب فيحصل مفهوم الغِنَى لصاحبها باعتبارها من مقوِّمات الغِنى فتجب عليه الزكاة، أما مَن نظر إلى مفهوم الغنى الذي يقتضي حصوله لصاحبه وجوب الزكاة عليه، فإنَّه قال تحوَّل الفضَّة إلى ذهب؛ فإذا بلغ بذلك نصاب الذهب حصل له مفهوم الغِنَى ووجبت عليه الزكاة وإن لم يدرك النصاب لم يحصل له معنى الغنى، فلا تجب عليه الزكاة.
تلك أهمُّ المسائل الخلافية أو الفروع العمليَّة المختلَف فيها في ركن أو باب الزكاة بين الإباضية والمالكية أو غيرهم من المسلمين.
الركن الثالث العملي من أركان الإسلام: الصوم:
أما الركن الثالث من الأركان العملية للدين الصوم فإنَّنا نقتصر فيه على ذكر ثلاث مسائل عمليَّة فرعية خلافية بين الإباضية والمالكية وغيرهم من المذاهب الإسلامية.
1 - انطلاقا من أن الصيام عبادة بدنيَّة كالصلاة عامة، والحج في بعض (1/171)
صفحة 169
مناسكه، والاعتكاف وقراءة القرآن. وبناء على أنَّ العبادات البدنية تُشترط فيها ـ عامة وعادة ـ طهارة العابد للقيام بها، وذلك أن يكون طاهرًا طهارة كاملة من الأحداث الكبرى التي قد يتلبَّس بها، ذكرا كان أو أنثى، كالجنابة بالنسبة للجميع وكالحيض والنفاس بالنسبة للنساء، فلا تُقبل صلاة ولا طواف بالبيت في حجٍّ أو عمرة، ولا يُسمح بدخول المسجد ـ إلا لضرورة أو بصفة عبور أو مؤقَّتة ـ ولا قراءة قرآن أو مسِّ مصحف لحائض ولا نفساء ولا جُنُب.
وانطلاقا من إجماع الأمَّة على أنَّ الحائض والنفساء يجب عليهما الإفطار في رمضان ولا يصحُّ صومُهما ولو استطاعتا ذلك، وكثيرا ما تستطيعانه وكم يرغبن في ذلك لو أذن لهنَّ حتى لا ينفردن بالصوم أيام القضاء، واتَّفقَت الأمَّة على أنَّه لا مانع لهما من صوم رمضان وهنَّ حوائض أو نفساء، إلا اتِّصافهن أو تلبُّسهن بحالة حدث أكبر، وحيث أن الإجماع كاد ينعقد على أن أحكام الأحداث الكبرى الثلاثة الجنابة والحيض والنفاس واحدة لا تختلف إلا من حيث أنَّ حدث الجنابة في إمكان صاحبة رفعه بالاغتسال، إذ هو حدث عارض ورفعه أمر اختياري إرادي، بينما الحدثان الآخران الحيض والنفاس حدثان اضطراريان ليس في مُكنة صاحبتهما رفعه بصفة إرادية اختيارية حتى يرتفعا من (1/172)
صفحة 170
تلقاء نفسيهما بمقتضى الفطرة أو الشرع إذ يعقبهما طُهر أو تنقضي أيَّامهما المقدَّرة شرعًا.
بناء على كل ما سبق فإن الإباضية لا يُجِيزون تعمُّد الصيام بجنابة أوَّل النهار أو وسطه، فيوجبون على من علم من نفسه أنَّه مُجنِب قبل الفجر أن لا يدخل ولا يشرع في صيامه عند الإصباح إلاَّ وهو طاهر من جنابته، وإن أصبح جنُبا أصبح مفطرًا إفطارًا شرعيا لا إفطارًا ماديا، بحيث لا يُعتدُّ له بصوم يومه ذلك فعليه قضاؤه إن تعمَّد الإصباح جنبا، أو قصَّر في رفع حدثه قبل الفجر، وذلك معنى قوله ?: "من أصبح جنُبًا أصبح مفطرا" (1) إلاَّ إذا طرأت عليه الجنابة أثناء الليل ولم يشعر بها إلا بعد الإصباح، وكذا إذا طرأت عليه وسط النهار باحتلام أو نحوه بما لا إرادة له فيه فإنه يتعيَّن عليه المبادرة إلى رفع الحدث قبل أي عمل سواه، ولا يتعمَّد تراخي الغُسل أكثر من الوقت الضروري لغسله أو إعداد الوسائل لذلك، فإنْ تراخي وتعمَّد تمديد جنابته في نهار صومه انتقض عليه صومه ووجب عليه قضاؤه ولو لم يفطر إفطارًا ماديا، ويحرم عليه الإفطار الماديُّ بأكل أو شرب أو إمناء عمدًا ذلك اليوم فضلا عن غيره.
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:81، رقم: 315. (1/173)
صفحة 171
ومثله في ذلك النقض بالتفريط، مثل من انفلت منه قَيْءٌ أو رعاف وهو في صلاة فإنه يتوضأ ويبني على صلاته كما قال ?: "القَيْءُ والرعاف لا ينقضان الصلاة فإذا انفلت بهما المصلي توضَّأ وبنى على صلاته" (1)، ولكنه لو أنه عند انفلاته من صلاته بدل أن يشتغل بالوضوء ليُتمَّ صلاته انشغل بما سوى الوضوء فإن صلاته تنتقض بلا شكٍّ ولا بدَّ عند جميع المذاهب فيما أعلم.
2 - يَعتبر الإباضية شهر رمضان كلَّه شهر صيام كاد يتعيَّن صيامه كلَّه ليلا ونهارًا لولا التيسير الذي منَّ الله عز وجل به على هذه الأمَّة، وإلا فالضمير في قوله تبارك وتعالى ژ? ہ ہ ہ ہژ (البقرة:185) الضمير راجع إلى الشهر كله، والشهر صادق على الليالي والأيام منه، وكان الأمر قريبا من ذلك، إذ كان لا يؤذَن للصائم في الأكل أو الشرب أو متعة الزوج بعد صلاة العِشاء أو ضجعته الأولى ولو من قبل صلاة العشاء، وفي قصَّة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وقد نام من
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:34. رقم:113. أبو بكر بن أبي شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (ت: 235هـ): المصنف في الأحاديث والآثار. تح: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض الطبعة: 01، ج:2 ص: 13، رقم: 5911. (1/174)
صفحة 172
شدَّة الإعياء من نهاره فاستيقظ واشتهى أهله فراودها وامتنعت منه قائلة: إنَّك قد نِمْت بعد، أو كما قالت فأرغَمَها وقهَرَها على حاجته (1) وأنزل الله فيه قرآنا يُتْلى عند قوله تعالى ژ? ? ? ? ? پ ... پپ پ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ... ? ? S S S S? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ ... چ ?? ? ... ? ? ? ?? ? ? ژ ژs s ک کژ (البقرة:187)
بناء على كل ذلك فكأنَّ الأصل أن يكون صيام رمضان كله متواصلا عبادة واحدة، ولا يخصَّص من ذلك إلا ما خصَّصَه الشرع لضرورة قضاء الحاجة الضرورية من أكل وشربٍ وبِعال ـ ليلاً ـ والضرورة تُقدَّر بقدرها، وما زاد عن ذلك يبقى في حاله من وحدة العبادة؛ وعليه فالإباضية يروْن أنَّ من تعمَّد نقض صومه ـ بأكل أو شرب أو إمناء عمدًا ـ انتقض عليه كلُّ رمضانه ووجب عليه
__________
(1) أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني: المسند، الناشر: مؤسسة قرطبة – القاهرة، ج:3، ص:460، رقم: 15833. (1/175)
صفحة 173
قضاؤه كله، سواء أكان ذلك النقض المتعمَّد أول الشهر أو وسطه أو آخره، مثَله في ذلك كمن صلى ثلاث ركعات من صلاة رباعية صحيحة ثمَّ تعمَّد نقض وضوئه أو صلاتِه في الركعة الرابعة؛ فإنَّه يتعيَّن عليه إعادة صلاته كلها ولا يقتصر في الإعادة أو القضاء على الركعة المنتقِضة الأخيرة، أمَّا إذا طرأ عليه النقض بغير عمد أثناء يوم صيامه كما لو طرأ عليه نقض صلاته أثناء ركعة من ركعاته كالقيء والرعاف كما قال النبيء ?: "القَيءُ والرعاف لا ينقضان الصلاة فإذا انفلت بهما المصلي توضَّأ وبنى على صلاته" (1) فكذلك إذا طرأ على الصائم مُوجِب من موجبات الإفطار في رمضان لضرورة فإنه لا ينتقض عليه إلا ذلك اليوم، والمسألة مفصَّلة في كتب الفروع.
3 - نظرا لحكمة الصوم ومقصود الشارع أن تُزكَّى النفس وتُمرَّن فيه على التحكُّم في الغرائز والشهوات وتتربَّى على الإمساك إذا طلب منه الإمساك، والانطلاق فيما سمح له الشرع فيه، ومن ثمَّ شرع الصوم أيامًا معدودات لتحصيل المقصود، فلا يجوز تفريق أيام رمضان عند الإرادة والقدرة والاختيار لغير
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:34، رقم: 113. محمد الصنعاني: سبل السلام، ج:1، ص:98. (1/176)
صفحة 174
ضرورة فيتعمد الصائم صوم يوم وإفطار يوم، أو أسبوعٍ وإفطار أسبوع لغير عذر أو ضرورة، فذلك لا يُقبل ـ بالإجماع ـ في أداء الصوم فكذلك الإباضية يشترطون التتابع في القضاء عند الاختيار، فلا يجوز فصل أو تقسيط أيام القضاء لغير ضرورة، فمن أفطر عشرةَ أيام من رمضان لا يجوز له عند الاختيار فصلها وتقسيطها وتوزيعها على بقيَّة أشهُر السنة، فيصوم من كل شهر يومًا مثلا، بل يجب أن يقضيها متتابعة حتى تزْكُو نفسه وتتطهر وتتربَّى على التحكُّم في شهواتها. أما إذا كان داعي الإفطار ضرورة من الضرورات أو عذرًا من الأعذار المُبيحة للإفطار في رمضان، تجدَّدت أو طرأت على الصائم أيَّام قضائه، فبالرغم من أن بعض العلماء تشدَّدوا في القضاء أكثر من أداء رمضان فلم يُبِيحوا بها الإفطار في القضاء كما أباحوه في الأداء، لكنَّ المحقِّقين من الإباضية يَعتبرون القضاء صِنْوَ الأداء؛ فإذا كانت أيام شهر رمضان على فضلها وقدسيتها وبَرَكتها استبدلت وعوِّضت عند الضرورة بأيام عادية من أيام السَّنَة فلَأن يُستبدل يوم عادي من أيام القضاء ـ عند الضرورة الملحَّة والعذر القاهر ـ بيوم عادي آخر من (1/177)
صفحة 175
باب أولى وأحرى فذهبوا إلى أنه يرخَّص في قضائه بما يترخَّص في أدائه للضرورة، ولا يجوز تجزئته ولا تفرقته اختيارًا، كما لا يجوز ذلك في أدائه، وللفرع حكم الأصل غالبًا.
الركن الرابع العملي من أركان الإسلام الحج:
وأخيرًا ركن الحج، الركن الرابع من الأركان العملية في الدين، بعد ركن كلمة التوحيد، فإنَّنا قد لا نجد ما يستحقُّ الذِّكر من المسائل أو الفروع الخلافية بين الإباضية وغيرهم من المالكية أو غيرهم في الفقه القديم اللهم إلا ما جد ـ حديثا ـ في الفقه الحديث من اجتهاد العلماء في تحديد المواقيت المكانيَّة للإحرام لعمرة أو حج بالنسبة للوافدين إلى البلاد المقدَّسة عن طريق الجوِّ. وهي مسألة اجتهادية بين العلماء المحدَثين.
واختار الإباضية حديثًا وبمقتضى الفتوى التي استصدرتها وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية سابقًا بالحكومة الجزائرية من العالم المجتهد الإمام الشيخ بيوض إبراهيم؛ فارتضتها السلطات الجزائرية الدينية والدنيوية لجميع مواطني الجزائر المسلمين الوافدين للحجِّ والعمرة، أن يعتبِروا ميقاة إحرامهم بمهبط (1/178)
صفحة 176
الطائرة، فحيثما نزلت بهم الطائرة أصبحوا من أهل ذلك البلد تنطبق عليهم مواقيتها المكانية للإحرام كما حددها النبيء - صلى الله عليه وسلم - (1) وذلك:
1 - لأنَّ مواقيت الإحرام حُددت في الأرض لا في الفضاء، ومن ذا الذي يستطيع أن يحدِّد بالضبط السمت العمودي لميقات الأرض في السماء حتى إذا ما انْتهى إليه راكب الطائرة أحرم عنده.
2 - لا خلاف ـ وأرجو أن لا يكون خلاف ـ بين العلماء في عدم وجوب تكليف الناس أن يُحرِموا من مطارات بلادهم قبل امتطاء الطائرة، خاصَّة من المناطق النائية جدًّا والباردة جدًّا شمالاً أو جنوبًا، شرقا أو غربا، لأن ذلك مشقَّة وعنَت وحرَج وتعسير على الناس، وكل ذلك يتنافى مع المقاصد الشرعية ويُسْر الشريعة ژ? ? ? ... ? ? ... ? ? ?ژ (الشرح:5ـ6) ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (البقرة:185) ژھ ھ ھ ھ ے ے ?ژ (الحج:78) ژ? ? ? ?
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح، ص:105، رقم: 396. مالك: الموطأ، تح: عبد الوهاب عبد اللطيف، الناشر: المكتبة العلمية، الطبعة:02، ص:133، رقم: 381. (1/179)
صفحة 177
? ? ژ (المائدة:6) وقال ژS S ? ?ژ (البقرة:220).
3 - أظنُّ أنَّ الأمَّة مجمعة على أنَّ الإحرام لا يجب على المعتمر أو الحاجِّ إلا عند الميقات أو ما يوازيه ويسامِته؛ وعليه فلا يتعيَّن على رُكَّاب الطائرة أن يُحرِموا إلا عندما يُشعِرهم طاقم الطائرة ـ ربَّانها ـ بأنَّهم على سمْت الميقات الفلاني ـ لأهْل مصر والمغرب مثلا، أو لأهل العراق أو لأهل الشام أو لأهل اليمن جنوبًا وهكذا ـ ولكن لا يكاد مضيِّف أو مضيِّفة الطائرة أن يخرج من غرفة القيادة لتُخبر الراكبين بموقعهم من الميقاة وسمْتِه إلا والطائرة بحسب سُرعتِها قد تجاوزَتْه بِبِضْع ـ إن لم نقل بعشَرَات ـ الأميال، وبذلك يكون معظم الرُّكَّاب قد تجاوزوا الميقات حسب هذا القول من غير إحرام، فيتعيَّن عليهم الفِدْيَة بدم.
4 - من المعلوم لدى الأخصائيِّين في الطيران أنه لا يمكن أن تقف الطائرة مكانها عن الطيران ـ وقوفَها في مطار معيَّن ـ حتى يتمَّ الرُّكَّاب إحرامَهم قبْلَ مجاوزة الميقات.
5 - هبْهم أنَّهم أمكن لهم ذلك فإنَّ القيام للإحرام في الطائرة وهي صافَّة أجنحتها أو قابضتُها يعرِّضها لكثير من الخطر، قد يُودِي بها (1/180)
صفحة 178
وبركَّابِها إلى التهلكة بالهرَج والمرَج والاضطراب الذي قد يحصُل بقيام عدَّة مئات من الرُّكَّاب، قد يصلون خمسمائة راكب وتزيد، بنزع ثيابهم المدنيَّة الأصليَّة، وإبدالها بثوبَيْ الإحرام مع ملازمة السُّنَّة ـ إن أمكن ـ باغتسال قبل الإحرام وصلاة ركعتي الإحرام ـ للسُّنَّة ـ هل يمكن أن يتمَّ كلُّ هذا في جوف طائرة معلَّقَة ـ بإرادة الله ـ وما علم الإنسان ممَّا لم يعلم ـ دون أيِّ خطر أو ضرر يُخشى، أظنُّ أنَّ الخبراء الفنِّيِّين يحذِّرون أو يَمنَعون ذلك بدليل تحذيرهم عند الإقلاع أو الهبوط من كثرة الحركة وملازَمة الأمكنة ولمسندات أظهر الكراسي معتدلة مستقيمة، احتياطًا وحذرًا من المخاطر المتوقَّعة، والله تبارك وتعالى يقول: ژ ? ?ژ (النساء:71) وقال: ژ? ? ہ ہ ... ہژ (البقرة:195)
بناء على كل ذلك فقد أفتى عالم الإباضية وإخوانه من علماء الجزائر وغيرهم بأنَّ ميقات أهل الطائرة ميقاة محطِّهم بالمطار، إذ يُصبِحون من أهل ذلك البلَد ـ جَدَّة أو المدينة ـ فيُحرِمون من حيثُ يحرم أهل المدينة أو أهل جدَّة. (1/181)
صفحة 179
الفصل الخامس:
المسائل أو الفروع الخلافية في أحكام المعاملات
ونُفرِّعُها إلى فرعين أو نصنِّفها صنفين بل ثلاثة:
أ ـ المعاملات البدنيَّة: ونعني بها خاصَّة ما يتعلَّق بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق ورضاع وحضانة ومواريث.
ب ـ المعاملات المالية: على كثرة وَسَعَة مواضيعها دون تنصيص أو تخصيص.
ج ـ الأحكام القضائية: إجراءات وأحكامًا.
أ ـ الصنف الأول: المعاملات البدنية
نستطيع أن نذكر في هذا الجانب المهمِّ من التشريع الإسلامي لمعاملات الناس فيما بينهم ما يلي:
1 - الزواج واشتراط الكفاءة فيه: فالإباضية يروْن أنَّ المسلمين الموفِّين بأحكام دين الله على اختلاف مذاهبهم أكفاءٌ بعضهم لبعض، فالرجل المسلم يحقُّ له أن يتزوَّج بمن شاء من امرأة مسلمة ممَّن يحلُّ له نكاحها من أيِّ مذهب كانت، أو من كتابيَّة يهوديَّة أو نصرانية ذمِّيَّة على الصحيح، خاضعة لسطان المسلمين إذا كانت محصَنَة عفيفة طاهرة، تُعينُه على تحصين دينه وصيانته في عرضه وفراشه ونسله، ولا (1/182)
صفحة 180
تفتنه هو ولا أولادُه منها عن دين الإسلام دين الفطرة.
كما أنَّ المرأة المسلمة يحقُّ لها أن تتزوَّج بمن ترضاه ويرضاها من المسلمين على اختلاف مذاهبهم ـ دون الكتابي ـ شريطة أن لا يفتنها عن دينها أو مذهبها فلا يشترط بين الزوجين إلا الاستقامة العملية في السلوك، ولذلك فإنَّ عقد النكاح عند الإباضية اليوم ـ خاصَّة إباضية الجزائر بوادي ميزاب جنوب الجزائر ـ أدرجوا ضمن عقدهم النكاح شروطًا تضمَن أوفر حظٍّ من المودَّة والرحمة بين الزوجين والسكينة والطمأنينة بينهما، ودوام الاستقرار العائلي والصلاح الأُسْري لهما ولأولادهما باستمرار الحياة الزوجية والحيلولة ـ قدر المستطاع ـ دون الإهمال العائلي. ولعلَّ من المفيد أن نورد النصَّ الحرفي لعقد النكاح عند الإباضية بوادي ميزاب إلى تاريخ كتابته اليوم:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ژ ? ... ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? S S S S ? (1/183)
صفحة 181
? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الفاتحة) ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ?? ? ? ? ? ? ... ?ژ (الروم:21) ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (الفرقان:54)
الحمد لله الذي أحلَّ النكاح وأمرَ به وحرَّم السفاح ونهى عنه، نحمده على ما أحلَّ لنا من محمود النكاح نكاح المؤمنين والمؤمنات على سُنَنِ الأنبياء والمرسَلِين وبعد
فأُشهِدكم أيُّها الحاضرون والملائكة السامعون أنَّ فلان ابن فلان بن فلان قد تزوَّج على كتاب الله وسنَّة رسول الله بأمَة الله فلانة بنت فلان بن فلان ـ البكر أو الثيِّب ـ زوَّجَها إيَّاه وليُّها على صداق قدرُه كصداق أهل البلد، وعلى أن لا يتزوَّج عليها إلا برضاها، وأن لا يغيب عليها أكثر من ثلاث سنوات، وأن لا يفعل شيئًا من الكبائر الخمس (1): الزنا، الفسق، الدخان، السُّكْر، المخدرات، السرقة، والقمار، ترك الصلاة، القتل.
__________
(1) هكذا في الطبعة الأولى. (1/184)
صفحة 182
فإن فعل ما ذُكِر أو بعضه رجع أمر طلاقها بِيَدها إن شاءت قعدت وإن شاءت طلَّقت نفسها، ولا يضرُّها الانتظار في شيء من حقوقها، وتراضَيَا وتمَّ النكاح بينهما وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
وهذه الشروط ـ لأهميَّتها ـ تُشترط على كل زوج إباضيًّا كان أو غير إباضي، ومتى راعَاها الزوج في حياته استقامت الأسرة وأحوالها واستمرَّت الحياة الزوجيَّة كعُشٍّ يتربَّى فيه الأولاد تربية إسلامية صحيحة، بقطع النظر عن كون الزوجين إباضيَّين معًا أو كان أحدهما من مذهب والآخر من مذهب إسلامي آخر؛ ومن ثمَّ نجد كثيرًا من الإباضيِّين متزوِّجين بزوجات مالكيَّات صالحات والعكس صحيح، إذ نجد إباضيَّات متزوِّجات برجال مالكيين صلحاء.
وإذا أَخَلَّ الزوج بشرط من تلك الشروط فللزوجة أن تَخرج من عصمته ولو كان ابن عمٍّ لها من نفس المذهب ومن نفس القرية ومن نفس العشيرة ونفس العائلة والنسب.
2 - الرضاع ينشر الحرمة بين الناس:
أجمعت الأمَّة الإسلامية أنَّ الرضاع ينشر الحِرمة بين الناس فيحرِّم زواجَ الأمِّ المرضعة والأخوات من الرضاعة، وكذا ما عطف عليهما في محارم النسب (1/185)
صفحة 183
من البنات والخالات والعمَّات وبنات الأخ وبنات الأخت من الرضاعة، وذلك بنصِّ الكتاب في البعض وبتعميم السنَّة في البعض الآخر، والإباضية على التعميم بلا تخصيص، يبقى بعض الخلاف في تحديد وتقدير حقيقة أو مقدار الرضاع من حيث السِّن، ومن حيث الكمّ، ومن حيث الكيف، وحيث أن الشريعة تسعى وترْمِي إلى الانضباط في الأحكام وسدِّ عوامل الخلاف والاضطراب في التشريع، فالإباضيَّة يُعطُون أو يثبتون أحكام الرضاع بكلِّ ما يصل جوف الصبي في بحر السنتين من عمره من ثدي المرأة أيًّا كانت، بقطع النظر عن كيفيته أو طريق وصوله إلى جوفه مصًّا، أو شربًا، أو تجريعًا، أو مزجًا مع مطعوم آخر، والحديث القائل: إنَّما الرضاع فيما انشَزَ عظمًا أو أنبت لحمًا أو كما قال ? (1) ـ على صحة الحديث ـ فإنَّ ضبط كون اللبن ينشز أو لا ينشز عظمًا، ينبت أوْ لاَ يُنبِت لحمًا هذا أمر من الصعب تحقيقه إذ يتوقَّف على تحاليل طبيَّة كيميائية لنوعية الحليب وما فيه من مواد دُهنية دسمة غذائية،
__________
(1) أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227هـ): سنن سعيد بن منصور، تح: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: الدار السلفية – الهند. الطبعة: 01، ج:1، ص: 281، رقم: 987. (1/186)
صفحة 184
أو بروتينات أو نحو ذلك مما لا يعلمه إلا الخواص، والشريعة إنَّما جاءت للعموم، وحيث ثبت علميا أن القطرة الواحدة من دواء معيَّن قد تُحدِث أثرها في سائر الجسد وبسرعة أحيانًا، فكذلك اللبن قد يحدث مثل ذلك الأثر، فرُبَّ مصَّة واحدة أو شبعة واحدة من ثدي امرأة خيرٌ للصبي من خمس رضعات أو عشر رضعات من امرأة أخرى، والمثَل الشعبيُّ الدارج يقول: نَهْشَة (مُضْغة) من شاة خير من شاة.
ومن جهة أخرى فرُبَّ ولد صبي قد يرضع ويمتصُّ ثدي المرأة مرَّة واحدة، فيستنزفها بما لا يستنزفه منها صبي آخر في عدَّة رضعات، والنساء المرضعات يعرفن ذلك ويصرحن به.
وهناك حالة من الرضاع المشبوه يعبَّر عن صاحبه بقوله لا يصافح ولا يناكح، وهو الرضاع الواقع بعد الحولين من عُمُر الصبي مع حاجته إلى الرضاع لضُعف بِنْيته وعدم استغنائه عن اللبن، أو اشتَبَه في تحقُّق وصوله أو عدم وصوله إلى الجوف، فيشتَبه في حقِّه احتمال الرضاع مما يقتضي حِرْمة المناكحة وإباحة المصافحة وانتفاء الرضاع المقتضي حرمة المصافحة، وإباحة النكاح ولهذا التعارُض أو الاشتباه بين المقتضيَيْن قِيل عنه إنَّه لا يصافِح ولا يناكحُ. (1/187)
صفحة 185
3 - من مقتضيات حرمة المناكحة اختلال شرط الإحصان: ـ العفاف ـ في أحد الزوجين أو كليهما، إذِ اشترط الله عز وجل في عدة نصوص أن يكون الأزواج مُحصنين غير مسافحين ولا متَّخِذي أخدان، وكون الزوجات أيضا محصنات غير مسافحات ولا متَّخذات أخدان، وذلك قوله تعالى في آية المائدة ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الآية:5) وقال في سورة النساء ژ? ? ? ? ? ? ... ژ ژ s s ک ک ... ک کگ گ گ گ? ? ? ?? ? ? ? ں ں ??? ? ? ? ہژ (الآية:25) هذا من جهة.
ثانيا: ومن جهة أخرى فإنَّ مبنى الحياة الزوجية والاستقرار العائلي قائم على السكن والطمأنينة والمودَّة والرحمة كما تنصُّ عليه الآية من قوله تعالى ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ?ژ (الروم:21) وهذا إنما يحصل للزوجين معا إذا عَلِم كل (1/188)
صفحة 186
واحد منهما بصاحبه دون سواه، وكل ذلك لا يحصل بل وينعدم بصفة قطعية إذا علم أحد الزوجين عن الآخر أنَّه يتعاطى البِغاء سِرًّا أو علنا، وهذا العِلْم بقدر ما يحصل بالسماع والشهادات والبيِّنات الشرعية بما في ذلك إقرار أحد الزوجين عن نفسه بالزنا ـ وإن حسُن عدم تصديقه في ذلك ـ ومع ذلك فإنَّ العلم الحاصل لأحد الزوجين بفجور وفِسْق صاحبه إنَّما يتحقَّق بصفة قطعيَّة يقينيَّة إذا ما تعاطى هو نفسه معه فاحشة الزِّنَا، فكان كل واحد منهما عالمًا عِلْمًا يقينيًّا بأنَّ صاحبه زانٍ تعاطى ـ ومن شأنه أن يتعاطى ـ الشهوة المحرَّمة إذا عَنَتْ له وسيلتها وأمكنته الفرصة من ذلك، فمثلُ هذين المُتَنَاكِحَيْن إذا تزاوجا مع بعضهما كانت علاقتهما الزوجية قائمة من أوَّل يوم على الرَّيْب والظنون والشكوك؛ إذ تسوِّل أو توسْوس لكل واحد منهما نفسه أن يتعاطى مثل ذلك بعد الزواج إذا وجد من هو خير منه، فتقول الزوجة كما أغويته فتعاطى معي ما تعاطى فقد تعرِض له امرأة أوفَرُ مني خَلْقًا وخُلُقًا، وأقدر منِّي على الغواية والإغراء فتُردِيه وتستهويه.
كما يقول الرجل: كما أغويتُها فتعاطت معي ما تعاطت من اللَّذَّة (1/189)
صفحة 187
المحرَّمة فقد يَعرُض لها رجل آخر أقوى منِّي رجولة وأحسن خَلقًا وخُلقا، وأقدر مني على الغواية والإغراء فيستهويها ويُردِيها خاصَّة والغواني يغرُّهن الثناء، وبذلك تسود العلاقات الزوجية والعائلية سحابة أو ضبابه من الظنون والوساوس والشكوك، فلا تكاد تُبْطِئُ الزوجة في غيبة من غيْباتها عن دار الزوجية لِسبَب أو لآخر من الأسباب التي قد تكون مشروعة ولكنَّ الزوج يلقي في روعه ويوسوس له الشيطان ما يوسوس له من أنَّها عسى أن تكون قد وقعت في مصيدة من مصائد تجَّار الهوى؛ فينصِب الزوج لذلك كل وسائل المراقبة والتطلُّع على حقيقة أمرها، وقد يلاحِظ منه أولاده ذلك الريب والشكَّ منه في أمِّهم، وتلك الكارثة والطامَّة الكبرى، وكذلك الأمر بالنسبة للزوجة إذا ما أطال الزوج غيبته خارج بيت الزوجية، وقد يكون ذلك لمصالح الأسرة أو المجتمع وما أكثر ما يوسوس لها أنَّ زوجها قد يكون أسيرًا في شباك من شِبَاكَات ربَّات الهوى، وما أكثر أمثاله وأمثالهن في نظر الزوجة التي كانت قد عهِدت منه ذلك، فتنصِب له عِدَّة فِخَاخ ومصائد لتُوقِعه فيها وتُقِيم بها الحجَّة عليه وقد يتفطَّن أولادها ـ بنين وبنات ـ وقد تشعرهم بذلك وتلك الداهية (1/190)
صفحة 188
الدهْيَاء في حقِّ الأسرة واطمئنانها واستقرارها.
بناء على كل ما سبق وعملا بظاهر قوله تعالى ژ? ? چ چ چ چ ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ژژ (النور:3) وقوله ژ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (النور:26)
قلتُ بناء على كل ذلك فإن الإباضية يحرِّمون نكاح الرجل مَزْنِيَّتَه ونكاح المرأة مَزْنِيَّها ـ حِرْمَةً مُؤبَّدة ـ من باب: مَنْ تعجَّل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحِرْمَانه، ومن باب المعاملة بنقيض المقصود، قياسًا على منع القاتل من الميراث وتوريث المطلَّقة في المرض إذا مات زوجُها بنفس ذلك المرض ـ ولو خرجت من عدَّتها ـ إذا اتَّضح أو غلب على الظن أنَّه ما طلَّقها إلاَّ لِيحْرمها من الميراث.
وقول الإباضية بتحريم مزنيَّة الرجل ومُسافِح المرأة أن يتنَاكَحَا فيما بينهما ليس ذلك منعًا لهما من الزواج مُطْلَقًا حتى يقول قائل: إذن أسلمناهما للفاحشة والدوامِ عليها، بل لكل واحد (1/191)
صفحة 189
منهما أن ينكح غير مُزَانِيه ومُسافِحِه ممَّن لا يعلم عنه شيئًا من البِغاء والسفاح؛ فتطمئنُّ إليه نفسه، فلتتزوَّج المرأة رجلا لا يعرف عنها شيئًا من السِّفاح ولا تعرف عنه شيئًا من ذلك فيسكن إليها وتسكن إليه في جوٍّ عائلي خالٍ من دواعي الشكوك والرِّيَب، وليتزوَّج الرجل امرأة لا تعرف عنه شيئًا من السفاح ولا يعرف عنها شيئًا من ذلك أيضًا فيحصل السكن والطمأْنينة والمودَّة والرحمة بينهما ليَبْنِيَا حياتهما الزوجية وينشِئَا أسرتهُما في جوٍّ من الثِّقَة والطُّمأنِينَة والطهور والعفاف. وقد سبق القول أنَّ هذا الحكم أوفق للمقاصد الشرعيَّة في الزَّجْر والرَّدع لإبعاد الناس عن الفحشاء والبِغَاء والزِّنَا الذي قال الله عز وجل فيه: ژژ ژ ss ک ... ک ... ک ک گژ (الإسراء:32)
4 - الأحوال الشخصية وما يتبعها:
ومن المسائل الفرعية الخلافية في هذا الباب باب الأحوال الشخصية وما يَتْبَعُها قضية توريث الجدِّ والإخوة، فإنَّ الإباضية يَعْتَبِرون أن الجدَّ أقوى صِلَة بابن ابْنِه حفيده الميِّتِ من صِلة إخوان الميِّت به، إذ الحفيد الميِّت يُعتبر جزءًا من الجَدِّ أيَّام كان في صلب أبيه (1/192)
صفحة 190
وكان أبوه في صلب الجدِّ، فلِلْجَدِّ على الحفيد مِيزَة وفضل الوالديَّة قطعًا، بينما إخوة الهالك لا والديَّة لهم على أخيهم قطعًا، وكل مَا في الأمر أنَّهم اجتمعوا معه في صلب الأب أو رَحِمِ الأمِّ، ولا شكَّ أنَّ الوالديَّة أشرف وأولى بالبرِّ من الأخُوَّة أيًّا كانت جِهَتُها شقيقة أو أبويَّة أو من جهة الأمِّ.
ومن جهة أخرى لو فرضنا وفاة هذين المتنازع في أفضليَّتهما ـ الجدّ والأخ ـ فتوفِّيا فإنَّ الميِّت الذي تنازع في ميراثه من قِبل جدِّه أو إخوته يصبح عند وفاة الجدِّ ابن ابنٍ، وعند وفاة الإخْوة يصبح أخًا، ولا خلاف مطلقًا بين علماء الأمَّة الإسلامية أنَّ ابن الابنِ أولى بالميراث من الإخوة مطلقًا. فبهذين الاعتبارين فالإباضية يفضِّلون الجدَّ على الإخوة ويقدِّمونه عليهم مهما كانت جِهتُهم، إذ يُنزِلون الجَدَّ منزلة الأب، وهو أبٌ حقًّا باعتبار النَّسَب مهما بَعُد، فيورثون الجدَّ ويغدو عاصبًا يحجب الإخوة كلَّهم حجب إسقاط، وتطبيقًا لقاعدة الخَرَاج بالضمان والغُنْم بالغُرْم: لو أنَّ هذا الميِّت ـ حفيد الجدِّ وأخو الإخوة ـ لو أنَّه افتقر واحتاج في حياته إلى نفقه ضرورية وكان كلٌّ من الجدِّ والإخوة ذَوِي غِنى ويُسْر فمَن منهم يُلزَم بنفقة هذا المحتاج؟ أظنُّ أنَّه لا خلاف أنَّ نفقته (1/193)
صفحة 191
تَلزم جدَّه الموسِر قبْل إِخوَته الموسرين، وبالتالي إذن إنْ تُوُفِّي وترك مالا يكون جدُّه أولى به من الإِخوة، وهذا مقتضى العدل في توزيع الحقوق والواجبات.
تلك أهمُّ المسائل التي أراها جديرة بالاعتبار والتسجيل في هذا المجال والسياق مجال المقارنة بين المذهبين في المسائل أو الفروع العملية الجزئيَّة في مجال المعاملات البدنيَّة خاصَّة في الأحوال الشخصية.
وممَّا يُلحَق بهذا الباب منْع القاتل من ميراث مقتوله أو وصيَّته إذا أوصى له بشيء، إن صحَّت له الوصيَّة، سواء أكان القتل خطأ وبالأحرى إذا كان عمدًا ويُمنع القاتل من ميراث المتروك ومن ميراث الديَّة سدًّا لكلِّ ذريعة أو احتمال أن يتسبَّب الوارث في قتل موروثه طردًا للباب على وتيرة واحدة، ومعاملةً بنقيض المقصود المحتمَل ومن باب: العمد والخطأ في الأموال سواء، والخطأ لا يزيل الضمان، ولا يكون خطأ المرء من أسباب جرِّ المنفعة له؛ فإذا رفع عنه الضمان والقصاص والمؤاخذة والوِزْر وحتَّى الديَّة ـ باعتبار ـ فلا يكون خطؤُه مجلبةً للمال والثراء والغِنى له.
5 - الحضانة: (1/194)
صفحة 192
هل حضانة الصغار بحفظ الولد حقٌّ أم واجب أو أنه حقٌّ وواجب؟ الإباضية يرون أنَّ الحضانة حقٌّ من حقوق الطفل الصغير ـ ذكرًا كان أو أنثى ـ ما لم يستغْنِ عن أبويه؛ فعليهما وجوبًا إرضاعه أو الاسترضاع له مع كفالته وحضانته في ماله إن كان له مال وإلا فمن مال وليِّ الطفل أبيه أو غيره من أوليائه الأقرب فالأقرب ثمَّ الأقدر فالأقدر، هذا بالنسبة للطفل.
أما بالنسبة للوالدين فالحضانة حقٌّ للأمِّ الوالدة وواجب على المولود له ـ الأب ـ فإذا طلبَت الأمُّ رضاع ولدها وحضانته لم يكن لأحد أن ينتزعه منها ما لم يُخْشَ على الولد ضرر لسفر الأمِّ خارج وطن الأب، أو تزوُّجها بمن لا تحمد سيرته وأخلاقه ممَّا يُخشى منه على الولد وإن هذا الحق يتَّبع جهة الرحم قبل جهة النسب على المشهور، بحيث إذا غابت الأمُّ ورغبت الجدَّة للأم في حضانة الولد كان ذلك حقا لها، ومن بعد الجدَّة تأتي الخالة، إذ الخالة أمُّ كما جاء في الأثر.
وعند انعدام أو تعذُّر جهة الرحم تنتقل إلى جهة النسب الأب ثمَّ الجدَّة للأب ثمَّ العمَّة أو الأخوات على خلاف في التفصيل والترتيب. (1/195)
صفحة 193
وإنَّ هذه الحضانة تقدَّر مدَّتُها وتُحدَّد حسب مصلحة الولد الذكر، أن يربَّى تربية الرُّجولة التي تؤهِّله لمواجهة حياة الرجال في مهامِّهم واختصاصاتهم، بداية من التعلُّم إلى العمل، فإنَّ مدَّة حضانته من قِبَلِ أمِّه تُحدَّد باستغنائه بنفسه عن أمِّه في قيامه بشؤونه الخاصَّة، من لباس وغسل ونحو ذلك، وقُدِّر ذلك بحوالي ستِّ سنوات من عمره، وفي حدود ذلك السنِّ عادة تبتدئ فترة تعليمه دراسة أو تعليم مِهنَة أو حِرْفة يتكسب بها؛ فتنتقل حضانته وتربيته إلى أبيه وهو أدرى بما يصلح به.
أمَّا البنت فحَيث إنها بِفِطرتها مَخلوقَة للبيْت ورعايته وتربية الأولاد والقيام بشؤون بيت الزوجية ـ وذلك ما لا تتعلَّمُه عادة إلا عن أمِّها، فإنَّها بقدر ما يتقدَّم بها السنُّ وتتدرَّج نحو البلوغ بقدر ما تكون أحوج إلى تعلُّم الشؤون الخاصَّة بالنساء؛ ولذلك فإنَّ مدَّة حضانة البنت من قِبَل أمِّها أو من يقوم مقامها تمتدُّ إلى الزواج ـ بصفة فعليَّة ـ مهما قصُرت أو طالت المدَّة.
ب ـ الصنف الثاني المعاملات المالية:
أما المسائل أو الفروع الخلافيَّة في المعاملات الماليَّة فنذكِّر منها على سبيل التمثيل لا الحصر ما يلي: (1/196)
صفحة 194
1 - في أحكام الدَّيْن والقرض: فالإباضية يعتبرون الدَّيْن ـ ما دام حيًّا مقدورًا على استيفائه وتسلُّمِه ـ يَعتبرونه مِلكًا للدَّائن وبالتَّالي يتعيَّن عليه زكاتُه عند حلول موسم زكاتِه ـ بقطع النظر عن حلول أجل الدَّيْن أو عدم حلوله ـ ولا يكلَّف المدين بزكاته، رغم أنَّه المستغِلُّ له وذلك لاعتبارين:
الاعتبار الأول: أن تكليف المدِينِ بدفْع زكاةِ المال اثنين ونصفًا في المائة معَ تَضْمينة الدين كاملاً ـ سواء في حال الرِّبح أو حالِ الخَسارة والإفلاس ـ يُعتبر رِبًا أو فيه شِبَهٌ قويٌّ بالربا، إذ نهايته أن يَرُدَّ الديْن كاملا بعد أجل مع زيادة 2.5% اثنين ونصف في المائة كان قد دفعها لصاحب المال أو نيابة عنه إلى الفقراء والمساكين؛ فتؤول العملية إلى مبادلة مال مخصوص ـ ربوي ـ بمثله مع زيادة إلى أجل، وهي عين أركان الرِّبا.
الاعتبار الثاني: اعتبارًا لحال المَدِين وعُسْره أن يكلَّف ضمان المال كلِّه مهْمَا كانت أحواله ثمَّ تضمينه أو تكليفه بالزكاة، أمَّا قاعدةُ الخراج بالضمان فتنطبق عليهما معًا، فالمَدين يستثمر خراجَ المال مقابِل ضمانِه كاملاً غير منقوص، والدائن يتحمَّل زكاة ماله مقابِل استرجاعه بدوره الدَّيْن كامِلاً (1/197)
صفحة 195
غير منقوص رغم جميع العوارض والجوائح المحتمَلة، مع احتساب أجْره عند الله عزَّ وجلَّ ثوابًا عن الإقراض وعن الزكاة.
2 - حقوق الجار:
اعتبارا لحرص الشارع الحكيم وتوصياته بحقوق الجار أيًّا كان قريبا أو بعيدًا مُسلما أو غير مسلم، كما قال ? "ما زال حبيبي جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنَّه سيورِّثه" (1)، وقول العلماء: الجار على ثلاثة جارٌ له ثلاثة حقوق وهو الجار المسلم القريب، له حقُّ القرابة، وحقُّ الإسلام، وحقُّ الجوار، وجار له حقَّان وهو الجار المسلم البعيد، له حقُّ الإسلام، وحقُّ الجوار، وجار له حقٌّ واحد، هو الجار غير المسلم وغير القريب، فله حقُّ الجوار، وأهمُّ حقِّ الجار كفُّ الأذى والضرر عنه لقوله ? "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن" قيل من يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جارُه بوائقه" (2). ومن أشدِّ أنواع الضرر بِجَارك أيُّها المسلم ـ وقد كنت مُحسنا إليه وكان مُحسنا
__________
(1) تم تخريجه.
(2) الربيع: الجامع الصحيح، ص:271، رقم: 959، بلفظ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». البخاري: الصحيح، ج:8، ص:10، رقم: 6016. (1/198)
صفحة 196
إليك ـ أن تُحِلَّ محلَّك ـ في منزل أو مسكن أو حائط أو دكَّان ـ مالكًا جديدًا غيرك يجرِّع جارك أمرَّ الأذى والإضرار؛ ومن هنا قال الإباضية بمشروعية الشُّفْعة للجار الملاصق ولو لم يكن شريكًا، على أنَّ التصاقه بِك والتصاقك به في الممتلكات يُعتبر نوع شركةٍ في الجدران والمرافق، إذا لم تصرف الطرق وذلك قوله ? "الجار أحقُّ بصَقْبِه" (1).
3 - الربا:
يكاد الإباضية يعتَبِرون الرِّبَا مقصورًا في ربا النسيئة وعرَّفوه بأنَّه مبادلة مال مخصوص (معيَّن) بالشرع بِمِثله مع زيادة مشترطة من جنسه أو من غيره إلى أجل معلومٍ تتضاعف الزيادة بمقتضاه بحيث كلَّما امتدَّت المدَّة ازدادت الزيادة، وذلك معنى قوله تعالى ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (آل عمران:130) وحمَلوا قول النبيء ?: "إنَّما الربا في النسيئة" (2). على أنَّه قصْر حقيقيٌّ لا
__________
(1) مالك: الموطأ، ص:305، رقم: 856. البخاري: الصحيح، ج6، ص:27، رقم: 6977.
(2) مالك: الموطأ، تح: محمد الأعظمي، نشر: مؤسسة زايد ـ أبو ظبي، ج:4، ص: 970، رقم: 2479. مسلم: الصحيح، ج:3، ص: 1218، رقم: 1596. (1/199)
صفحة 197
إضافي، إذ في ذلك تتجلَّى حكمة النهي عن الربا وتحريمه، إذ تمرُّ الساعات والأيَّام والأشهر والأعوام فيعجز المَدِين عن تسديد الزيادة الناجمة عن الرِّبَا فضلاً عن تسديد رأْس المال وأصل الدَّيْن.
أمَّا رِبَا الفضل الحاضر الناجِز كتبْديل قِنطار تمرٍ جيِّدٍ رفيع ـ مثل دقلة نور عندنا في شمال أفريقيا ـ بقنطار ونصف أو قنطارين من نوع آخر من التمر رديءٍ أو أقلّ جودة ونوعية من دقلة نور، والكل حاضر ناجز بدون تأجيل ولا إنساء، بحيث لا يُحتَمَل فيه عَجْز طرَف عن تسديد ما بذِمَّته، ولا تتضاعف الزيادة بمرور الزمن، فهذا ما يعبَّر عنه بربَا الفضل، وجمهور الإباضية على إباحته وتجويزه إذا انْتَفت فيه علَّة النهي عن الربا وتحريمه.
4 - في استثمار واستغلال الأراضي الفلاحية: مزارعةً أو مغارسة، فالإباضية يفضِّلون أنْ تُزارَع الأرض بنسبة مِائوية أو عشريَّة ممَّا تُنبت، كنسبة الرُّبُع أو الخمس أو الثُّلث أو أكثر من ذلك أو أقل، حسبما يتَّفق عليه الطرفان المُزارِع ومالك الأرض مع الاتِّفاق على نوعِ الزرع ومراعاة عدَم اشتراط أَقْبال الجداول ونحوها ممَّا ورد النهي عنه في الحديث (1)،
__________
(1) امحمد بن يوسف اطفيش القطب: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الناشر: دار الفتح، بيروت. ودار التراث العربي، ليبيا. ومكتبة الإرشاد، جدة. الطبعة 02، ج:10، ص:7. (1/200)
صفحة 198
وبذلك يتحقَّق للجميع الحصول على نتاج الزرع إن قليلاً أو كثيرًا على حسب خصب السنَة وسلامة الغِلَل من الجوائح والآفات والكوارث الطبيعية أو عكس ذلك لا قدَّر الله، فلا يُغبَن أحد المتعاقدين دون الآخر ولا يثْرَى أحدهما على حساب الآخر.
أمَّا استثمار الأرض عن طريق الكِراء بمبلغٍ معلوم أو بكمية معلومة مشترطة مسبقًا من نتاج معين، مع الجهل المُطلَق بمغيَّبات الكون والقضاء والقدر، بحيث قد لا يحصل المزارع على ذلك النوع المعيَّن أو تلك الكميَّة المشترطة، أو على ذلك المبلغ المحدَّد للكراء فيُغبَن المزارع، أو قد تُدِرُّ عليه الأرض أضعافًا مضاعفة من خيراتها بالاستقصاء في اعتصارها حتى يُبلِيَها ويُضعِفَها فلا تعود صالحة فيما بعد، فيُغبَن صاحب الأرض أو يتضرَّر بذلك، إنَّ مثل ذلك الاستثمار يشتمِل على كثير من الغَرر، فجمهور الإباضية على مَنْعِه والتعويل على إيجار الأرض أو مزارعتها بنسبة يتَّفق عليها ممَّا تُنبت على طول السَّنَة. (1/201)
صفحة 199
ج ـ الصنف الثالث: المعاملات الحكمية والقضائية إجراءات وأحكاما:
في هذا المحور نقتصر على ذكر حالتين اثنتين:
1 - أهمُّ محور تدور عليه الإجراءات القضائية: كلُّها هو قول الرسول ?: "البيِّنَة على المدَّعي واليمين على من أنكر" (1).
أمَّا مِن حيث أنواع البيِّنات وأنْصِبَة الشهادات في الأموال أو الأبدان أو الأعراض فلا نكاد نجِد خلافًا يُذكَر ويجدر اعتباره بين الإباضية والمالكيَّة أو غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى.
أمَّا الشطر الثاني من الحديث "اليَمِين على من أنكر" فالإباضية أخذوا الحديث حرفيًّا محتفِظِين بنصِّ كلام النبوَّة وأنَّ اليمين نصيب المدَّعَى عليه المنكِر عادةً، وأنَّ المدَّعِي إذا عَجَزَ عن إثبات حقِّه بوسائل الإثبات المشروعة ـ كاملة ـ كالشهادات على اختلاف درجاتها، فإنَّه تُوجَّه اليمين على المدَّعى عليه المنكِر فيحلف وتَبْرَأُ ذمَّتُه، أو يُحكَم بِعدم سماعِ الدعوة ولو
__________
(1) تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد (ت: 702هـ) شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، الناشر: مؤسسة الريان، الطبعة:06. ص:109. (1/202)
صفحة 200
جاء المدَّعِي بنصف البيِّنة (شاهد واحد).
بينما المالكية نظروا إلى الحديث من جهة المعنى، فاعتبروا أنَّ اليمِينَ مِن نصيب أقوى المتدَاعِيَيْن، وعليْه ففي حال إنكار المدَّعَى عليه أصلَ الدعوى، وعجْز المدَّعِي عن إثبات دعواه بِشاهدٍ حقيقيٍّ أو عُرفِيٍّ فإنَّ البراءة الأصليَّة تُقوِّي جانب المدَّعَى عليه ـ المنكِر ـ إذ الأصلُ في النَّاس جميعًا براءةُ ذِمَمِهم مُنذ وِلادَتِهم، ومن ثمَّ فهو أقوى من خصْمِه الذي ادَّعى خلاف الأصل فيمكَّن هذا القوي المدَّعَى عليه مِن اليَمين فيحلِف؛ وتنضمُّ يمينه إلى براءتِه الأصلية فيُحكم له بالبراءَة وتُردُّ دعوى المدَّعِي.
أمَّا إذا استطاع المدَّعِي أن يستظهر بشاهد واحد لإثبات دعواه ـ ولعل شاهده الثاني تعذَّر حضوره لوفاتِه قبْل رفع دعواه ـ فإنَّ المدَّعِيَ يتقوَّى جانبُه بهذا الشاهد فيصبح المتداعيان المدَّعِي والمدَّعَى عليه متساويَيْن من حيث القوَّة، إذ المدَّعَى عليه تقوَّى جانبه بشاهد البراءة الأصلية وهي شاهد صامت، بينما المدَّعِي تقوَّى جانبه بشاهد واحد، وهو شاهد ناطق، ولا شكَّ أنَّ الشاهد الناطق أقوى دلالة من الشاهد الصامت، ومن ثمَّ يصبح المدَّعِي أقوى المتداعِيَيْن فتُعطى له اليمين، إذ هي من نصيب أقوى المتداعيَيْن، (1/203)
صفحة 201
فيحلِف مع شاهدِه ويعطَى حقَّه المدَّعَى. وذلك ما عبَّر عنه بالحكم بالشاهد واليمين الذي أخذ به المالكية دون مَنْ سِواهم ـ فيما أعلم ـ وإن كانت وُجهة نظرِهم هذه تبدو وجيهة وجاهة مُعتبَرة.
2 - أُعْطِيات الحُكَّام: إنَّ الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والتحليل والتحريم شرعيَّان، فالحلال ما أحلَّه الله ورسولُه، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله، وإنْ حكم الحاكم قاضيًا أو أميرًا أو سلطانًا أو ملَكًا أو رئيسًا أو أيًّا كان حكمُه لا يُحلُّ حراما ولا يُحرِّم حلالا عند الله. وإنَّ أُعْطِيَات الحكَّام والأُمَراء إذا كانت من عموم بيتِ مال الدوْلة لم يتعيَّن لها مورد محرَّم متمحِّض الحِرْمة جاز أخْذُها وقبولها والعهدة عليه.
أمَّا إذا كانت معلومَةَ المصدَر وأنَّه مصْدرٌ حَرام عن طريق الغَصْب والظُّلم ـ كما وقع في الجزائر أيَّام تطبيق الثورة الزراعية بأخذ ممتلكات ناس اكتسبوها بعَرَق جبينهم وكدِّ يمينهم طيلة عشرات السنين، أو اشتروها بحُرِّ أموالهم، أو ورثوها عن آبائهم وأجدادهم خلَفًا عن سلف لمدَّة قُرون أو تزيد، فتُنتزَع منهم ظلما وعدوانًا وتُسلَّم لفلان أو لفلان، بعنوان الثورة الزراعية ـ فإنَّ تلك الأموال المعطاة أو الممنوحة لمَن سُمُّوا بالمستفيدين لا (1/204)
صفحة 202
يحلُّ أخذها بأيِّ حال من الأحوال، ولو صدر بإعطائها مرسوم رئاسي، ومن ثمَّ فإنَّ الإباضية لم يسمحوا لأنفسهم بأخْذ شيء من ممتلكات أو أراضي صندوق الثورة الزراعية، وإن انزلق واحد أو اثنان منهم في ذلك ولكن إخوانهم في الدين أنكروا عليهم ذلك إنكارًا شديدًا، عاملوهم معاملة خاصَّة بالمضايقة والتعيِير والمقاطعة والهجران حتى تخلَّوْا عمَّا أخذوا، إذ أن حكم الحاكم لا يُحِلُّ حرامًا ولا يُحرِّم حلالا. وسواء في ذلك الأموال والفروج، وإن كان حكم الحاكِم يفضُّ الخصام ويُنهِي الشغب ظاهريا في حكم الناس، أما عند الله فلا بدَّ من الرجوع إلى الشرع بردِّ المظالم إلى أصحابها وإيتاء الحقوق مستحقِّيها، ولعلَّ أوضح مثَل لذلك قضيَّة المصالحة في حالات الإفلاس والتفليس، فإذا رضي بذلك الدَّائنون حِرْصا منهم على البقيَّة الباقية من أموالهم لدى المفلِس فصالحوه على النصف أو نحو ذلك قلَّة أو كثرة، وفصل الحكم بينهم بذلك فإنَّ المَدِين المفلِسَ يجب أن يعلَم ويعتقد ويؤمن ويُقرَّ أنَّ ذمَّتَه ما زالت مشغولة لدائنيه بما تبقَّى أو بما أضاع لهم من أموالهم شرعًا عند الله وإن أعفاه القضاء من مطالبتهم إيَّاه بعد المصالحة، فمتى استعاد مالاً جديدًا ـ (1/205)
صفحة 203
خاصَّة إذا أخفاه إخفاء ثمَّ أظهره ـ فإنَّه يجب عليه التنصُّل من أموال دائنيه بتسديد النسبة المطروحة عنه بحكم المصالحة والتسوية، ولذلك يقال في مثله برِئَت ذمَّته حُكما لا دِينا، أي عند الناس لا عند الله.
3 - حُرمة الأموات المسلمين: من باب التظلُّم والمظالم يرى الإباضية أنَّ حُرمة أموات المسلمين كحُرمة أحيائهم؛ لا يجوز ظلمهم أو إيذاؤهم وهم أموات كما لا يجوز ذلك في حقِّهم وهم أحياء؛ ومن ثمَّ فإنَّ الإباضية يَعتبرون جروح الميِّت مبيحة للتيمم لَه بدل غسله كما لو كانت به وهو حيٌّ، وأنَّه لا يجوز كسر عظمه ولا نتْف شعره أو قطع جلده أو كشف عورته كما لو كان حيًّا، وأنَّ كفَن الميِّت ملك له لا يجوز انتزاعه منه بالنبش كما لا يجوز أخذه سرقةً أو غصبًا منه وهو حيٌّ، وأنَّ قبره مسكنه وداره وملكه إلى يوم القيامة، وأنَّ من ملك شبر أرض ملَكَه إلى سبع أرضين وسبع سماوات كما يقال، فلا يجوز انتزاع المقبرة وانتشال الموتى منها وإخراجهم من أجداثهم وهم أموات، كما لا يجوز ذلك بالنسبة للأحياء، وإن صحَّ انتزاع أملاك الأحياء للمصلحة العامَّة، فلا بد باسترضاء المُلاَّك الأحياء بالتعويض أو بالتنازل عنها طواعية واختيارًا تطوعًا وتبرُّعًا. (1/206)
صفحة 204
وهذا الرضى يمكن الحصول عليه من قِبَل الأحياء بينما لا يمكن الحصول عليه من قِبَل الأموات؛ ومن ثمَّ قد تكون حُرمَة القبر والمقبرة كمساكنَ للأموات أقدس من حُرمة مساكن الأحياء، فلا تُنتَهك حُرمة مقبرة إلا إذا تعيَّنَت مصلحة عامة ضرورية مُلحَّة قصوى تعذَّر إيجاد بديل أو تحويلٍ لها عن المقبرة.
وهذا ما لا يكاد يتحقَّق ولا يتحتَّم إلا في حالات نادرة، والنُّدرة لا حكم لها إذ الحكْم للأغلب كما هو عموم أحكام الشريعة الإسلامية. (1/207)
صفحة 205
الخاتمة:
أيُّها الإخوة المؤمنون هذه أو تلك بعض وجوه المقارنة بين الإباضية من جهة، والمالكية وغير المالكية من بقيَّة المذاهب الأخرى من جهة ثانية عقائديا وأصولا وتفريعا، وقد أظهرَت لنا مَدَى التوافق بين الجميع في أغلب الأصول والفروع وما أكثرها، بل هي الكثرة الغالبة، وأبرزْت بعض نقط أو فروع الخلاف وما أقلَّها، قليلة ما هي، بل هي القلَّة القليلة النادرة، وقد بيَّنا دواعيَها ومستنداتها لدى الإباضية بِما يثبت أن ذلك الوفاق أولى بالأخذ بالاعتبار، وأنَّ تلك النقط والمسائل الفرعية الخلافية جديرة بالإغفال والإهمال فلا يُنظَر إليها باعتبار، وإذا أُخِذت بعين الاعتبار فلمجرد المعرفة والاطِّلاع مع إعذار البعض للبعض، بل مع إكبار البعض للبعض فيما تجلَّى فيه وجه الحقِّ والصواب والتوافق مع الأصول الكبرى والمقاصد العامَّة للتشريع الإسلامي، وبذلك يصبح ذلك مدعاةً للتوافق والتكامل لا داعيا للتفرقة والتنافر، فالإسلام يَجْمع ولا يفرق، ويؤلِّف ولا يشتِّت، ويبشِّر ولا ينفِّر، وذلك ما يجعل المسلمين يتآزرون ولا يتنافرون، ويتعاونون ولا يتخاذلون، ويتوادَدُون (1/208)
صفحة 206
ولا يتباغضون، حتَّى يكونوا قدوة على من سواهم؛ فيحقِّق الله لهم وعده الذي وعدهم إذ قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور:55) إنه قوي عزيز {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون:8) {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105) وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
دار الثقافة الجزائر العاصمة
ندوة مذهب الإمام مالك (1/209)
صفحة 207
تقاريض
قال الشيخ أحمد حمَّاني (رئيس المجلس الإسلامي الأعلى سابقًا)
إن هذه المحاضرة التي سمعناها من الشيخ الفاضل محمد الشيخ بالحاج لمحاضرة قيِّمة وعظيمة أفادتنا كثيرًا، وتعلَّمنا منها الشيء الكثير ممَّا كنا لا نعلمه عن إخواننا الإباضيين الطيبين الذين نُسَاكِنهم ويساكنوننا في هذا الوطن، ولم نكن نعرف عنهم إلا بعض الشيء فها هي هذه المحاضرة ـ بل هذا الكتاب ـ يبيِّن بكل وضوح مدى التوافق بين المذهب المالكي والإباضي في الأصول والكليات، وأنْ ليس هناك خلاف بينهما إلا في بعض المسائل الفرعية التي قد يُختلف فيها ولو في داخل المذهب الواحد نفسه، وهذا مما لا يجوز أن يكون مدعاةً للفُرْقة والنزاع أو الصراع المذهبيِّ، بل يجب أن تكون الأُخوَّة الإسلامية والوحدة الوطنية فوق كل تلك الخلافات الجُزْئِية كما قال الله عز وجل: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (المؤمنون:52). .انتهى بتصرف.
الشيخ أحمد حماني ... تعقيبا على المحاضرة (1/210)
صفحة 208
قال الشيخ عبد الرحمن شِيبان وزير الشؤون الدينية سابقًا
ودِدْت ـ وأرجو وأطلب بإِلحاح ـ أن يُطبع هذا الذي سمعناه عن إخواننا الإباضيِّين في أصولهم ومعاملاتهم ونُظُمهم الاجتماعية في كتيِّبات صغيرة، وتُوزَّع لا على المستوى الوطني الجزائري فحسب بل على مستوى العالم الإسلامي لتعريف المسلمين بنموذج حيٍّ وواقعي مُعاش للمجتمع الإسلامي الأصيل عقيدة وسلوكا، وِفْق كتاب الله وسنَّة رسول الله، على غرار ما كان عليه الصدر الأوَّل من هذه الأمَّة المسلمة. انتهى بتصرف.
الدكتور الشيخ عبد الرحمن شيبان
معقِّبا على المحاضرة (1/211)
صفحة 209
قائمة المحتويات
المؤلف في سطور: .................................................. 07
تصدير: .................................................................. 09
توطئة: ................................................................... 16
الفصل الأول
أصول الوفاق ومسائل الخلاف في الأصول الدينية والعقائدية 41
المبحث الأول: كمالات الله تبارك تعالى لا تتبدل لا في الدنيا ولا في الآخرة: ................................................................. 43
المبحث الثاني: المسألة الثانية من المسائل الخلافية بين الإباضية والأشاعرة: .................................................................. 44
المبحث الثالث: الأصل الثالث من أصول الوفاق وما تولد عنه من جزئيات الخلاف ......................................................... 50
المبحث الرابع: أصل العقيدة والإيمان الصادق العميق 66
المبحث الخامس: أصل الولاية البراءة: ............................. 69
الفصل الثاني
أصول الوفاق ومسائل الخلاف في الأصول الفقهية 78 (1/213)
صفحة 210
الوحي المتلو .................................................................. 78
الوحي غير المتلو ............................................................. 78
الكتاب: ......................................................................... 80
السنة: ............................................................................ 82
القنوت: ........................................................................ 85
رفع الأيدي في الصلاة: ................................................ 87
ترتيب السنة بأنواعها الثلاثة: القولية والفعلية والتقريرية: ...... 90
تصنيف السنة من حيث ثبوتها: ...................................... 94
الإجماع: ......................................................................... 96
القياس والاجتهاد وإعمال العقل والفهم: ....................... ... 111 أصل الاستدلال: .............................................. ... 123
الاستصحاب: .................................................... ... 124
المصالح المرسلة: ................................................. ... 127 (1/214)
صفحة 211
القواعد الفقهية: ................................................. ... 140
الفصل الثالث
الأصول السياسية الشرعية للإباضية ............ ... 143
وجوب إقامة سلطة حاكمة شرعية ................................... ... 143
السلطة لا تختص بفئة معينة ولا عرق ولا باسم: ............ ... 145
مؤهِّلات ومقاييس الحاكم ............................................... ... 147
لا يُخصُّ الحاكم بوصف أو اسم: ...................................... ... 149
السلطة لا تورث: ............................................................. ... 151
ضوابط الخروج عن الحاكم: .............................................. ... 154
الفصل الرابع
الأحكام العملية في المسائل الفرعية في العبادات: ... 159
الصنف الأول: بعض المسائل الخلافية الفرعية في العبادات: ... 161
الطهارة من أوكد الشروط لصحة الصلاة: ..................... ... 161
القضاء والقدر: .............................................................. ... 164
الترخيص والتوسيع في مواقيت الصلوات: ..................... ... 166 (1/215)
صفحة 212
الترخيص في أحكام السفر: ........................................... ... 168
مسائل مختلفة: ................................................................ ... 170
الركن الثاني العملي من أركان الإسلام: الزكاة ............... ... 173
الأصناف التي تجب فيها الزكاة: ..................................... ... 174
الزكاة في الذهب والفضة: .............................................. ... 175
الزكاة في المال المجتمع المشترك قبل قسمته: .................... ... 180
الركن الثالث العملي من أركان الإسلام: الصوم: ........... ... 182
الركن الرابع العملي من أركان الإسلام: الحج: ............... ... 189 (1/216)
صفحة 213
الفصل الخامس:
المسائل أو الفروع الخلافية في أحكام المعاملات ... 194 الصنف الأول: المعاملات البدنية: .......... ... 194
الزواج واشتراط الكفاءة فيه: .......................................... ... 194
الرضاع ينشر الحرمة بين الناس: ...................................... ... 198
من مقتضيات حرمة المناكحة اختلال شرط الإحصان: ... 200
الأحوال الشخصية وما يتبعها: ....................................... ... 205
الحضانة: ......................................................................... ... 208
الصنف الثاني: المعاملات المالية: ..................................... ... 210
في أحكام الدَّيْن والقرض: ............................................... ... 210
حقوق الجار: ................................................................... ... 211
الربا: ................................................................................ ... 213
في استثمار واستغلال الأراضي الفلاحية: ...................... ... 214
الصنف الثالث: المعاملات الحكمية والقضائية إجراءات وأحكاما: ... 215
أهمُّ محور تدور عليه الإجراءات القضائية: ...................... ... 216 (1/217)
صفحة 214
أُعطيات الحكام: ............................................................. ... 218
حرمة الأموات المسلمين: .................................................. ... 220
الخاتمة: ............................................................................. ... 222
تقاريض: ......................................................................... ... 224
تعليق الشيخ أحمد حماني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى سابقا ... 224
تعليق وزير الشؤون الدينية الأسبق الشيخ عبد الرحمن شيبان: ... 225
قائمة المحتويات: ......................................................... ... 226
http://www2.0zz0.com/2011/ 08/03/ 19/793045782.jpg (1/218)