صفحة 1
الكتاب: الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى
المؤلف: علي يحيى معمر
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) علي يحيى معمر
الأقانيمُ الثّلاثة
أو
آلهةٌ ِمنَ الحلوى
بسم الله الرحمن الرحيم
{مَنْ كانَ يُريدُ العزّةَ فلِلّهِ العزة جميعاً إِليه يَصْعَدُ الكَلِمُ الطيّب والعملُ الصالحُ يَرْفعه، والذين يمكُرُون السيئاتِ لهم عذابٌ شديد ومكُرُ أُولئِكَ هو يَبُور}
صدق الله العظيم
(سورة فاطر، الآية رقم 10)
فِِكَرة الكِتَاب
لو أردت أيها القارئ أن تحصر مواضيع الإهتمام البشري في العصر الحديث، لوجدته منصباً على ثلاثة أشياء هي ما عَّبرنا عنه في عنوان هذا الكتاب بالأقانيم الثلاثة، ولا أعتقد أنك حين تقرأ صحيفة سيَّارة يومية أو أسبوعية، أو حين تستمع إلى إذاعة مسموعة أو مرئية، أو تحضر ندوة إجتماعية أو ثقافية - لا تجد أن أكثر الإهتمام أو الحديث إنما ينصبّ على الطفل والمرأة والحاكم، أو على أحدهم على الأقل، ولن تخلو الجرائد والمجلات والإذاعات والندوات، بل والمؤتمرات، من الخوض في شأن من شؤون الثلاثة أو أحد عناصرها.
ويبدو من هذا أن مشكلة البشرية الأولى في هذا العصر، ولا سيما في الدول النامية، إنما هي الطفل والمرأة والحاكم، وعلى هذا الإعتبار أطلقت عليها إسم الأقانيم الثلاثة، لأنها أصبحت هي الأصول الثلاثة لنشاط الإنسان في عصرنا الحاضر.
وإلى جانب هذه الحقيقة توجد أُخرى هامة، وهي أن وراء الإهتمام بهذه الأقانيم في مجموعها أو بكل واحد منها على جانب، تكن رغبات محددة تُبذل من أجلها الجهود، وتولى الخدمات.
إن وراء الإهتمام بالطفل وتقديم الخدمات له تكن رغبة ملحَّة هي كسب عنصر يحقق السير في منهج محدد تُمكن الاستفادة منه على أوسع نطاق عندما يقوى هذا الطفل ويشتدّ، ويحين أوان القطاف.
وإن وراء الإهتمام بالمرأة وتقديم الخدمات لها دون حدود تمكن رغبة ملحة، هي الحصول على متعة غير مقيَّدة والاستفادة من خصائص فطرية لا توجد إلا عند المرأة، والإستعانة بها على مكاسب مادية لا تتحقق إلا على يديها. (/1)
صفحة 2
وإن وراء الإهتمام بالحاكم وتقديم الخدمات له رغبة ملحَّة، هي الإستفادة المادية أو المعنوية في وجوده، والإستفادة بمكانه عند العمل على طرحه وإبعاده.
فالعناية بالطفل والمرأة والحاكم، في الواقع، إنما تنبعث من دوافع مصلحة مظهرية تمهد لتسخيرهم فيما بعد للحصول على نتائج محدّدة دون الإهتمام بمصيرهم بعد الحصول على تلك النتائج.
أي أن المجتمع يبني من الطفل والمرأة والحاكم آلهة من الحلوى يقدم لها القرابين ويظهر لها الطاعة، فإذا وصل معها إلى مرحلة معينة فتحصل على النتائج المطلوبة أو شعَر بالحاجة إلى إزالتها من طريقه سارَع إلى تلك الآلهة من الحلوى فالتهمها واستقبل بعنايته آلهة جديدة يشكلها من جديد.
وهذا ما دعاني إلى أن أضع العنوان الثاني للكتاب: ((آلهة من الحلوى)) مقتبساً من سلوك الأعراب في العصر الجاهلي.
إن هذا الكتاب ليس دراسة ولا فلسفة، ولا بحثاً علمياً يرتكر على أسس وقوانين، ولكنه عرض وتصوير لواقع بعضه موجود عندنا وعند غيرنا، وبعضه موجود عندنا فقط، وبعضه موجود عند غيرنا، ومنه ما يتسرب إلينا في طمأنينة وسهولة ويسر.
وأنا حين أعرض الصور الآتية على القارئ الكريم وهي صور معروضة في المجتمع يراها ويحسّ بها لا أقصد أن أعطيه فيها رأياً ولا أن أعتبرها مشاكل أضع لها حلولا، وإنما أريد أن أعرضها عليه في غير زحمة الشارع وضوضائه حيث لا يملك الإنسان التفكير السليم والمراجعة الصحيحة، أريد أن أعرضها عليه وهو مستريح النفس قارّاً هادئاً حتى يتابعها في شوق ويعيد تصوره لها في تأمل ثم يتخذ لنفسه معها ما شاء من الآراء والمواقف.
ولا شكَّ أن كثيراً من القرَّاء يخالفونني في الرأي أو في طريقة العرض أو في استعمال الأسلوب الصريح البالغ الصراحة، لا سيما في موضوع المرأة. (/2)
صفحة 3
وكلمتي إلى هؤلاء الإخوة أن ما قدَّمت هو ما عرفت وقدرت عليه، وإنني أحترم آراءهم مهما كانت مخالفة لي، ولست أدعو أحداً إلى اعتناق آرائي أو الإقتناع بوجهه نظري، وإنما يهمني أن يفكر كل ذي فكر حر مستقل في مشاكل مجتمعنا عموماً وهو مجتمع يعتز بالإسلام، ابتداء من الخطوة الأولى في تربية الطفل، ثم يتخذ لنفسه في ذلك موقفاً ينسجم مع تعاليم الإسلام الحق.
والله من وراء القصد وهو يهدي إلى أقوم السبل. (/3)
صفحة 4
قوالب للبشر
إن تحكمُّ الآلة في هذا العصر أصبحت تسيطر على الإنسان إلى درجة أنها تريد أن تخضع الإنسان نفسه للصناعة كما خضعت بقية المواد.
وكما جعلت دور الصناعة الآلية قوالب محدودة للإنتاج الآلي حتى يخرج كل نوع منها متشابهاً تصلح كل قطعة منه أن تحل مكان القطعة الأخرى، سرى هذا الاسلوب من التصنيع إلى البشر أنفسهم، لا سيما في الأقانيم الثلاثة التي أشرنا إليها سابقاً.
فالتربية الحديثة تصوغ مجموعة من القوالب يمرر منها الطفل في مراحلة التربوية المختلفة ليخرج على نمط معين.
وقوالب التربية محدودة صممها خبراء الصناعة التربوية في دول متقدمة كما يقولون.
أما الشعوب النامية وقد بهرتها صناعة الحضارة أو حضارة الصناعة، فهي تلهث وراء القوالب تستورد منها لتصوغ فيها أفراد شعوبها.
وقد تتجه إلى جهة معينة لها قوالبها، فتأتي بها إلى بلادها وتضع فيها جيلاً من أطفالها المساكين، ولكن ما أن يمر عليهم فترة قصيرة في تلك القوالب، وقبل أن يتم تشكيلهم يخطر لها أن تلك القوالب لا تؤدي الغرض المطلوب، وتستورد قوالب أخرى من جهة أخرى وتخرج أطفال ذلك الجيل من قوالبهم السابقة وتعيد إدخالهم في القوالب الجديدة التي قد تختلف عن الأولى اختلافاً بيناً، فتحاول تثبيتهم فيها مع نوع من الضغط والإكراه قد يتحطم فيه عدد من الأطفال والقوالب، وتستمر العملية في استيراد القوالب وتغييرها بعض الأحيان مرتين في سنة، وبعض الأحيان عندما يكاد يتم التشكيل.
ولا شك أن تغيّر القوالب القسري يترك تشويهات عديدة ولذلك فإن الطفل بعد أن تنفرج عنه تلك القوالب المتباينة يخرج هو الآخر غير متناسق، لا مع نفسه مع الناس ولا مع قالب من تلك القوالب.
ونفس الاسلوب يجري مع الأقنوم الثاني الذي هو المرأة.
فقد وضعت للمرأة قوالب معيَّنة في بلاد صناعية قبل عنها متقدمة، والشعوب النامية تستورد تلك القوالب لتحرر منها المرأة في بلادها. (/4)
صفحة 5
لقد صنعت الدول المتقدمة قوالب للمرأة عندها، وهي قوالب محدودة في أشكالها، ولكنها مع ذلك ينبغي للمرأة عندهم أن تمرّ منها، أما المرأة في الشرق فقد كانت تنشأ حرة كما تتهيأ لها الحياة في بيئة صَّينة كريمة، فحرصت الشعوب النامية أن تستفيد من التقدم الصناعي البشري، فحرصت على استيراد تلك القوالب لتصوغ منها المرأة الشرقية فتستطيع أداء دورها المحدد كما تؤدي قطع الغيار في الآلة دورها المحدد ما دامت خارجة من قالب واحد، ولعلّ صناعة القوالب للمرأة تتقدم أكثر فتضع لها أرقاماً، وحينئذ يسهل الطلب والتعامل، وما على من أراد أن يستبدل امرأة مستهلكة في متجر أو مؤسسة أو شركة إلا أن يقدم الطلب ويذكر الرقم أما إلى جهة التصنيع البشري أو على صفحات الجرائد السيارة.
أما الحاكم فرغم أن النظم السياسية تختلف، فإن القوالب التي جعلت لتخريج الحكام لاسيما في الدول النامية قوالب قليلة، وأنماطها متشابهة إلى حد بعيد، فهي ولا شك تقوم مقام قطع الغيار بطريقة أدقّ، وبعض الدول تعاقب عليها في مدى قصير عدد من الحكام، واحد تلو الآخر، وكانت المهمة التي يقوم بها كل واحد منهم هي نفس المهمة التي تقوم بها قطعة الغيار المتقنة عندما توضع في مكانها المناسب بعد أن ينزع الأولى لأنها استهلكت أو لأنها تحطمت، وكل ما بين ذلك وهذا من فرق، أن الحكام تختلف أسماؤهم، أما قطع الغيار الآلية فلا تختلف، وغالباً ما تكون أسماؤها واحدة ما دامت الدار التي تنتجها واحدة. (/5)
صفحة 6
وإذا مضت البشرية في سيرها على هذا النمط، فسوف يكون للطفل والمرأة والحاكم (موديلات) كموديلات السيارات والأزياء، ولا تحتاج إلا إلى تحديد الطلبات فيستجاب لها بدقة، وسوف يقال في توزيع مواليد سنة معينة في دولة معينة أننا نحتاج إلى عدد كذا من موديل كذا وعدد كذا من موديل كذا، فتعدَّ القوالب لذلك ويحشد فيها الأطفال حتى يتم تصنيعهم ثم يخرجون بعد ذلك حسب المواصفات، ونفس العملية تجري مع المرأة والحاكم، بل إن بعض الدول تحاول أن تدخل أفراد الشعب كله في تلك القوالب، حتى أولئك الذين جفت عظامهم وتصلبت أعصابهم، ولم يكن يهمها أن يتحطم نصف العدد أثناء إجراء عملية التقليب الصناعية. (/6)
صفحة 7
الطّفْل
أن الإنسان في هذا العصر، يوجه اهتماماً متزائداً إلى الطفل، فقد أصبحت دراسته، والتفكير فيه، والحديث عنه، والإهتمام به في جميع الظروف والأحوال، مظاهر تشغل حيزاً غير ضيق في الوقت، وجانباً غير قليل من العناية، وتستهلك قدراً ضخماً من الجهد، وقسطاً وافراً من ميزانية الدولة، بل لقد أصبح يخيل للإنسان الكبير، أنه هو خالق الإنسان الصغير (الطفل) فمن حقه أن يشكله بالشكل الذي يريده، ومن واجبه أن يتولى شؤون سعادته وشقائه، وشؤون غذائه ونمائه، وشؤون إيجاده وإعدامه، بل حتى تحديد العدد اللازم منه في الأرض.
ولعل وزارة أو أكثر في كل دولة من دول العالم إنما تخصص للطفل، فوزارة التربية مثلاً هي وزارة للأطفال، وأهم أعمال وزارات الصحة الإجتماعية إنما تقدم للأطفال أو من أجل الأطفال، ووزارات الشباب إنما هي وزارات يعود أغلب ما تقدم به إلى الطفل.
وكل وزارات الدولة بل الدولة نفسها بما فيهتا من أجهزة وإمكانيات تجدها متهمة بالطفل في جميع الأحوال.
الإهتمام بأمراض الورائة، قضية الحمل، معاملة الحامل، الغذاء والدواء لها وله وهو في بطنها لم يخرج بعد، الإستعداد لاستقبال مقدمه، تنظيم مروره إلى الحياة بتحديد الحمل أو منعه، إذا اقتضى الأمر، تحديد العديد بالنسبة لأفراد الأسرة، فتح الباب أمام عدد محدد ومنع مجيء أطفال جدد إذا خيف أن يقلقوا راحة الموجودين بالفعل، على اعتبار أن الأرض هي ملك للأحياء الموجودين عليها بالفعل، وأن الذين لم يدخلوها بعد إنما هم دخلاء من حقنا أن لا نستقبلهم ولا نقوم بضيافتهم، وما دامت الأرض لا تستوعب إلا عدداً معيناً في نظرنا فإنه من حقنا أن لا نسمع بالزيادة على ذلك العدد، وما دام دخل البيت في نظرنا لا يكفي إلا لأربعة أفراد فإنه من حقنا أن لا نسمح بالزيادة عن ذلك العدد في ذلك البيت وهكذا. (/7)
صفحة 8
ثم الإهتمام بدور الطفولة والحضانة والمدارس والملاعب ومعسكرات الشباب، كل تلك الأشياء داخلة في هذا الإهتمام بالطفل.
والذي يلاحظ من بعيد ما يقال في هذا المجال وما ينبغي أن يعمل للطفل يجد أن الاسرة إنما هي عبارة عن ثلاثة أفراد، أو لها طفل يحاط بيجميع مظاهر القداسة والعبادة، وأم ساهرة على خدمة هذا الطفل، أو الإله الصغير تقوم عليه بالخدمة الممتازة، وتغدق عليه محبتها وتضفي عليه من أحاسيسها ومشاعرها وعاطفتها وتقدم إليه ما يحتاجه في هذه السن المبكرة، أما الأب في الحقيقة فهو خادم أو عبد يؤمر فيطيع وعليه أن يحضر للطفل ما يحب له حسب ذوق أمه ورأي الجماعة، وأن يكفل له ولها الغذاء المناسب واللباس والرعاية المناسبة، إن الأب في هذه الحال ليس له حق وإنما عليه الواجب فقط، عليه أن يتكفل بجميع ما يحتاج إليه الإثنان وأن يحضره ويعده لهما، عليه أن يعمل ليوفر للإله الصغير القابع في مهده ولسادنة المعبد جميع ما تقتضيه طبيعة حياتهما وطبيعة حياته.
وقد يبدو من جهة أخرى أن تفكير الانسان الكبير في تسيير الإنسان الصغير (الطفل) قد يختلف بعض الاختلاف في العصور القديمة والعصر الحديث، بل ربما أن التخطيط فيهما يتجه اتجاهين متباعدين.
فبينما كان الإنسان الكبير في القديم إنما ينظر إلى الطفل نظرة فردية باعتبار الطفل امتداداً الحياة أحد الأبوين، يتمنى ذلك الأب أن يرث منه طفله جميع مواهبه وخصائصه وطباعة، وفي كثير من الأحيان حتى وسائل معاشه، وأساليب احترافه، وإن كان يتمنى أن يكون ذلك منه بطريقة أفضل وأحسن وأعود بالكسب، كانت الدولة إنما تقف ناظرة من بعيد في شبه سلبية تنتظر حتى يتجه إليها ذلك الفرد لينضم إلى قواها. (/8)
صفحة 9
بينما كان هذا الاسلوب هو الظاهر في القديم، فإن أسلوب العصر الحاضر تغير تغيراً ملحوظاً، فأصبحت الدولة تهتم بالطفل أكثر حتى من اهتمام الاسرة أو أفراد الأبوين، ولذلك فهي تقدم له الرعاية في سنواته الأولى، ثم لا تلبث أن تستلبه من أٍرته وتستأثر دونهما في تشكيله في الشكل الذي ترغبه وتريده، ذلك أن الإنسان في هذا العصر قد تخلى عن التفكير الفردي وأصبح يعمل بروح المجموعة، فهو يريد أن تسيّر المجموعات الصغيرة، وأن المجموعات الصغيرة يجب عليها أن ترث كل الخصائص والمواهب والأفكار والسلوك من المجموعة الكبيرة، وأن تسير حسب مخططاتها. (/9)
صفحة 10
الطفل في الغيب
لا شك أن الاهتمام بالطفل وهو لا يزال في الغيب أمر يبدو غريباً ولكنه واقع، وقد أرشد إليه الإسلام، كما أنه يأخذ حيزاً كبيراً من تفكير الإنسان واهتمامه وتقديره واستعداده بأزمنة طويلة قبل توقُّع وصوله.
وإذا كان الإسلام قد أرشد إلى ملاحظة أسس معينة توقعاً لمجيء الطفل الذي لا يزال في ضمير الغيب، فإن لعاطفة الإنسان وتفكيره، وآماله وأحلامه وحتى آلامه، دخلاً عظيماً في الموضوع.
وبالنظر إلى اهتمام بالطفل وهو لا يزال في ضمير الغيب فإننا نستطيع أساسين هامين يوصي الإسلام بمراعاهما هما:
البيئة التي يجيء منها الطفل.
تأثير الوراثة على الطفل.
وفي الأساس الأول يمكن للباحث أن ينطلق من قول رسول الله: ((إياكم وخضراء الدمن، قيل: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء)) أو كما قال:
وقد شاع على ألسنة الفقهاء قولهم: ومن حق الولد على أبيه أن يختار له أخواله، ولا شك أن اختيار الأخوال يكون قبل مجيء الأم، يعني أن يهتم بالولد وسمعته وهو لا يزال في ضمير الغيب، والحديث الشريف الذي ذكرناه أصرح وأوضح في الموضوع، فإن المنبت السوء الذي تنشأ فيه الأم أو ينشأ فيه الأب يكون له تأثير عظيم على تكوين الطفل، ولذلك فمن واجب الرجل ومن واجب المرأة أيضاً أن يبتعدا عن خضراء الدمن، أما في الأساس الثاني وهو الاهتمام بقضية الوراثة، فقد جاء فيه عن رسول الله قوله: ((تخيَّروا لنطفكم فإن العرق دسَّاس)) والحديث الشريف حجة صريحة واضحة في الموضوع وحد فاصل عند الاحتكام. (/10)
صفحة 11
ومعنى هذا أن الشريعة الاسلامية حرصت ولا شك على مراعاة الطفل وهو في عالم الغيب، قبل أن تتقرر حتى علاقة الأبوين، فأرشد إلى أنه يجب على الأب قبل الارتباط بأم طفله، وعلى الأم قبل الاتباط بأب طفلها أن لا يجعلا طفلها عرضة القالة السوء بسبب منبت أحدهما ونسبته إلى أخواله أو أعمامه وأن يجنباه احتمال التعرض للعاهات بسبب الوراثة.
ويجري سلوك الناس في هذا الأساس قريباً من التوجيه الاسلامي، فلا شك أن أغلبية الناس – ذكوراً وإناثا – وهم يفكرون في الزواج تتراقص بين أعينهم صور لما ينبغي أن يكون عليه أولادهم، ولا يخلو ذهن فتى أو فتاة وهما في صدد اختيار رفقة العمر عن رسم صور محبوبة لصور ولد المستقبل، وربما دخل فيها حق الصور الجسيمة، أما الفلسفة الانسانية في الموضوع فهي قد يكون أشد اهتماماً في هذا العصر، ولما كان مبدأ الوراثة قد تقرر واعترف العلم الحديث بثبوته فقد جرى التفكير بالانسان شوطاً أبعد حتى حاول حرمان المعوقين والمشوهين والضعاف من الإنجاب، لكي تكون جميع الأجيال المتولدة من الانسان على المستوى المطلوب في القوة والجمال والذكاء، وربما اتخذت بعض الدول خطوات عملية في تطبيق أو تنفيذ هذه الفلسفة.
وخلاصة هذا الفصل أن الطفل وهو لا يزال في ضمير الغيب يجد من الاهتمام والرعاية والتفكير قسطاً كبيراً، وتتعاون الشريعة الاسلامية والفلسفة البشرية في العناية به بالقدر الذي يمهد له بيئة سليمة هادئة ومنبتاً حسناً مستقراً وضرورات مكفية مقضية بعيداً عن التأثير السيء الوراثي في خلقه وخلقه ولو أن الفلسفة البشرية في هذا الجانب تفرط في المبالغة حتى تتجاوز الحدود وتخرج عن نطاق الطبيعة. (/11)
صفحة 12
الطفل في الطريق
إن المدة الزمنية التي يقضيها الطفل في الطريق منذ اتحاد جزئيه الأولين إلى أن تصافح الشعاعة الأولى من النور عينيه المفتحتين وتلمس النسمة الأولى من هواء الأرض أنفه وشفتيه هي تسعة شهور قد تنقص قليلاً وقد تزيد قليلاً.
لقد كان الإهتمام بالطفل في المرحلة السابقة، اهتماماً بالمجهول، واحتفاء بمتوقع، وتنظيماً للسير في مرحلة تتم وقد لا تكون أبداً، أما في هذه المرحلة فإن الاهتمام واقع على شيء موجود بالفعل وإن كان غير منظور، وهو متوقع الحضور في خلال فترة وجيزة لا تتجاوز بضعة شهور، وتتعاون الأديان وفلسفة الإنسان في هذا الموضوع أيضاً فتستعد لاستقبال هذا الوافد، وتوصي بتقديم جميع الضمانات لوصوله سالماً، وتحرم تحريماً مطلقاً أن يلحق به أي أذى وهو في الطريق.
ولما كان الطفل في هذه المرحلة – مرحلة الطريق، أو مدة الحمل – لا يزال يحجزه حاجب سميك عن الإتصال المباشر به، فقد اتخذت الوسائل لخدمته والعناية به عن طريق جانبي هو طريق الأم، فأحيطت الأم بعناية فائقة، اهتمت الأديان بالطفل في شخص أمه فأعطتها حقوقاً ليست لها في الأحوال العادية، وأعفتها من واجبات لا يمكن أن فلسفة الإنسان، فقد كان لم يكن ذلك الطفل قابعاً في بطنها، أما فلسفة الإنسان فقد كان اهتمامها منصباً في تسخير كل ما وصل إليه العلم لخدمة ذلك الطفل الذي لا تزال تحجبه جدران من لحم ودم فجهدت أن توفر له وسائل الراحة وأن تهيئ له الغذاء المناسب والإشراف الطبي الكامل عن طرق أمه أيضاً طيلة فترة الإنتظار، وتبالغ أحياناً في ذلك حتى تتحكم في حركة الأم وعملها وغذائها ولباسها.
أما الأبوان فهما في هذه الفترة أشبه بطفلين لديهما لعبة ثمينة ملفوفة في طرد مغلق بإحكام، فهما بقدر شغفهما باللعبة وتوقهما إلى رؤيتها يحذران انكسارها ويخشيان من خسارتها. (/12)
صفحة 13
وهكذا نجد جميع العوامل تحيط الطفل في هذه الفترة – فترة الطريق – بالمحبة والخدمة والعناية، تتفق في ذلك الأديان والفلسفة البشرية ورغبة الدولة والمجتمع والأسرة، فهي فترة عطاء كامل بالنسبة لهذا المخلوق المنتظر الذي لا يعلم أحد غير الله ما هو الأثر الذي سوف يحدثه بعد قدومه. (/13)
صفحة 14
الطفل في الأسرة
عندما يضع الطفل قدمه على عتبة الحياة المنظورة، ويخرج من الطرد الذي أرسلته فيه العناية الإلهية إلى واقع الحياة البشرية، ويستقبل النور والهواء فتراه العيون وتلمسه الأيدي – تبدأ سلسلة أخرى من الاهتمامات، وأول الاهتمامات التي توجهها الأديان إليه في هذه المرحلة بالإضافة إلى العناية بصحته عامة ورعاية نظافته وغذائه – إنما هي مراعاة موقعه من المجتمع في حياته المقبلة، ولذلك فهي توصي أن يختار له أحسن الأسماء وتضفي عليه أكرم النعوت، لئلا يتقلقل موضعه في المجتمع بسبب لفظ تمجه الأذواق وتنبو عنه الأسماع، ويتخذه بعضهم أداة سخرية ووسيلة إغاظة وإثارة، وقد كانت الأديان في المرحلة السابقة تعفي الأم من بعض الواجبات وتعطيها بعض الحقوق التي ليست لها، أما في هذه المرحلة وقد خرج الطفل من بطنها ليستقر بين يديها وعلى حجرها فقد أصبحت تفرض عليها نوعاً من الشدة وبعضاً من الواجبات التي لم تكن مطالبة بها، ولما كان كل ما يصل إلى الطفل في حياته الأولى من الطفولة إنما يصله عن طريق الأم، ولما كان الإسلام حريصاً على الطهارة والنظافة، فإنه ألزم الأم بمراعاة هذا الجانب في حياة الطفل المبكرة عندما تكون يد الأم هي الأداة الطبيعية لتغذية الطفل ونظافته، وأوصاها أن تحرص على أن يكون كل ما يصل إلى الطفل طاهراً ونظيفاً، طهارة صحية حتى يسلم من الأمراض والآلام والعاهات، وطهارة شرعية حتى لا تستمرئ أمعاؤه الدقيقة شيئاً من الغذاء الحرام والشراب الحرام والشراب الحرام وتعتاد عليه.
وقد شدّد فقهاء المذاهب على الأم التي تتساهل في أمر الطهارة فيما تقدمه الطفل، ففرضوا عليها (كفارة) بل لقد بلغ الأمر عند بعضهم أن ألزموا كل أم (كفارة مخففة) عن كل مولود لها عاش فتره ما، احتياطاً عما قد تكون قدمته له عن غفلة أو سهو ثم نسيته. (/14)
صفحة 15
أما الفلسفة الإنسانية ممثلة في الدولة، فهي تضع كل ما وصل إليه العلم في خدمة الطفل لهذه الفترة، فتحتفل لا ستقباله بدور الولادة وتسخير علوم الطب والصحة لراحته وتجنيد الأطباء والممرضين والقوابل للقائه بما يكفل له عدم الإحساس بمرارة الانتقال من محضنه في ظلمات الرحم إلى مهاده في دنيا الحركة والتموج.
وتواصل الدولة رعايتها واهتمامها بالطفل في هذه المرحلة بالوصايا التي تفرضها على الأم من اختيار الغذاء والكساء والنظافة واستشارة علم الصحة في جميع الأحوال وتقديمه لأنواع التطعيم أو وسائل الوقاية التي توصلت إليها البشرية وتقدمها الدولة في حرص واهتمام.
وبعد فترة ليست طويلة من هذا الاهتمام والعناية بالطفل من جميع الأطراف يبدا الخلاف يتضح بالتدريج بين مقاصد الدين والدولة والأسرة من تكون هذا الطفل، بل قد تختلف مقاصد الأب عن مقاصد الأم وبالعكس.
وتتوزع الرغبات المختلفة البذور الحقيقة التي تبذر في نفس الطفل منذ هذا الحين، ولما كان الاتصال الوثيق بالطفل لا يزال في يد الأم أولاً ثم الأب ثانياً، فإن السلوك الذي ينسكب في نفس الطفل غالباً ما يأتي عن الأم أو عنها وعن الأب، ويبدا تأثيرهما يبتعد به أو يقترب من مقاصد الدين أو مقاصد الدولة عندما تكون الدولة بعيدة عن الدين.
والواقع أن الاهتمام المنصبّ عليه في هذه الفترة إنما كان لخدمته دون تكليفه، سواء في ذلك اهتمام الدين واهتمام الدولة واهتمام الاسرة ذات التأثير الفعال، ولكن عملية الخدمة هذه هي في الحقيقة عملية استجلاب أو عملية استرضاء ثم رضا.
ومن الواضح بمكان أن الدين وهو يقدم توصياته لخدمة هذا المخلوق الجديد فإنما يريد أن ينشىء فرداً يحمل المقومات التي أرادها الخالق سبحانه وتعالى في الانسان حينما جعله خليفة له في الأرض، وأناط به تمثل التبعات في عمارتها، ووضع على عاتقه الأمانة الثقيلة. (/15)
صفحة 16
أما الدولة مستعينة بالعلم الذي نشأ عن تجارب الإنسان الطويلة فهي تريد أن تستفيد عضواً جديداً يتمكن من القيام بأعباء تفرض عليه مستقبلاً، فهي تقدم النصائح والتوصيات التي تعتقد أنها كفيلة بتكوين جسم سليم وفكر قويم خاضع لرغبة المجتمع.
أما الأم وهي أقوى مؤثر من أفراد الاسرة، فهي تريد أن تصوغ عجينتها هذه على أحب صورة في أحلامها، لأنها تعتبرها امتداداً لها، وإضافة لحياتها، ولا يبعد اتجاه الأب عن هذا الاتجاه.
ووسيلة الدين في هذا المقام لا تزيد عن تعريف الأبوين بالسلوك الذي يجب عليهما إزاء الطفل ثم توجيه الطفل نفسه في المسلك الذي ينبغي له.
أما الدولة فبالإضافة إلى التوصيات الكثيرة التي توجهها إلى الأبوين وبالأخص الأم فإنها أشد خشية من أن لا يتحقق لها ما تريد، ولذلك فهي تحتال لبلوغ مقاصدها بأخذ الطفل ووضعه تحت توجيهها وإشرافها بأسماء جذابة مغرية (دور الحضانة) (رياض الأطفال) (دار التربية والتعليم) وتجعل القيمين على تلك الدور ناساً قد أعدتهم للقيام بتلك المهمات إعداداً خاصاً.
أما الأبوان فلكي يصوغا طفلهما على النمط الذي يريدانه فإن سلوكهما غالباً لا يخرج عن حالتين: حالة الرعاية والنصيحة والتوجيه في لين حيناً وفي شدة حينا آخر، والحالة الأخرى التوجيه الاجباري ولو اقتضى ذلك استعمال العنف بأقوى مظاهره.
وهكذا تبدأ الرغبات تتجاذبه، وبعد أن كانت جميع الجهود مبذولة له والخدمات تقدم إليه أصبح مطالباً بالواجبات، وكل يوم تزداد تلك الواجبات وتثقل، فنحن نريد منه الحب ونحن نريد منه الإعجاب، ونحن نريد منه السلوك الذي نمليه عليه، وبعبارة أوضح نريد منه أن يتجه اتجاهاً إجبارياً في مسلك خاص.
إن ذلك التمثال الذي حلمنا به في الغيب وانتظرناه في الطريق واستقبلناه بما يشبه التقديس والعبادة، وأحطناه بهالة من العناية والرعاية والإكرام أصبح اليوم تمثالاً من الحلوى نتوق إلى أكله والاستعاضة عنه بغيره. (/16)
صفحة 17
الطفل في المدرسة
إن الطفل في المدرسة يشبه نبتة صغيرة على أرض عارية تتعاقب عليها رياح مختلفة الإتجاه وتمرّ زوابع عنيفة من كل مكان.
الأب يريد منه أن ينمو بسرعة وأن يجيد مهارة ما لتكون وسيلة اكتساب تقدم للبيت مدداً مادياً يساعد على النفقات، وهو غالباً يرغب أن يسلك طفله أقرب الطريق لأضخم المكاسب.
والدّين يريد منه أن يعرف حقائق الإيمان والعمل الصالح ليقوم بقسطه من خلافته الله على الأرض على هدى وبصيرة، وليعيش في الدنيا عبداً حراً الله، لا يخضع لغيره، ولا يذل لسواه.
أما الدولة فهي تريد منه أن يسير في المنهج الذي تراه حق يساعد على مزيد من الإكتشاف والإختراع في المجال الذي تمهده له وأن يسوق معها – بقوة وذكاء – قافلة البشرية إلى مصير مرسوم، والواقع أن الدولة وإن قدّمت إلى الطفل في السابق كثيراً من المساعدات، غير أنه كان لا يحس بها الإحساس الكافي، فهي في نظره ليست ذات قيمة، أما الآن وقد مرَّ برياض الأطفال ودخل المدرسة، فإن المساعدات تصله مباشرة وهو يعيها ويحس بها إحساساً كاملاً، ولذلك فإن تأثيرها عليه يكون من العنف والقوة بالقدار الذي يزيح جميع المؤثرات السابقة، ويوجهه التوجيه الإجباري المطلوب، وعندما تكون الدولة مخالفة في مسلكها المنهج الدين أو لرغبات المجتمع – وهذا ما يحدث غالباً – فإن الطريق يتفرع أمام الطفل، ويسلك غالباً مع المنهج الذي امتص مبادئه من أفراد أسرته وهو صغير، أما عندما تكون الدولة سائرة في منهج الدين فإن الطفل غالباً ما ينتهج السلوك المقصود منه.
ولا شكّ أن الدولة بالنسبة للطفل في هذه المرحلة متسترة بمصالح الشعب والوطن، تستغل كل ما حذفه خبراء التوجيه التربوي للإستفادة من هذا الطفل في الركب السائر لتنفيذ مخططاتها.
وينقسم خبراء التوجيه التربوي إلى نوعين: (/17)
صفحة 18
النوع الأول: وهو في الغالب ما تسير عليه مخططات الشعوب النامية التي تنقصها الخبرات والمواد، وسلكها يشبه أن يكون مسلك الطبيب مع المرضى في الحالات الخطيرة، الإشراف المتواصل، أخذ مقاييس الحرارة عدة مرات في اليوم، وضع ريجيم للتغذية، التقليل من بعض المواد والإكثار من مواد أخرى، المنع الكامل من بعضها، مراعاة حركة المرضى، والسماح لبعضهم بالتحرك الكامل لبعضهم بالتحرك المحدود في نطاق محدود، وعدم السماع لبعضهم بالحركة مطلقاً.
إن أطفال المدارس في الدولة النامية في الواقع ليسوا بُعداء عن هذا الوضع، تحدد لهم مواضيع الدراسة حسب أمزجة الدولة وسياستها، تكثر من بعضها وتقلل من بعضها الأخرى، وتمنع بعضها منعاً مطلقاً، وتشرف على تحركاتهم إشرافاً كاملاً، تسمح لبعضهم بالحركة المطلقة ولبعضهم بالحركة المحدودة في الأماكن المحدودة، بينما تمنع بعضهم من التحرك منعاً مطلقا.
ويسير الطفل في مراحله الدراسية على هذا التخطيط حتى يتمها وقد صب في القالب المطلوب، القالب الذي تريده الدولة، فإذا لم يتسع له القالب أو حاول أن يخرج عنه مثَّلت معه دور العربي الحاهلي مع إله من الحلوى.
وفي أثناء هذه العملية المحدّدة الضعيفة التي يسير عليها الطفل بإشارات التوجيه الإجباري تنصب سيول دافقة من آراء التربية وعلماء النفس ونصائحهم في هذا الميدان، يقرؤها الكبار والمسئولون طبعاً ثم يضعونها في أماكنها من مراكز التوثيق أو مكتبات الدولة أو مكتباتهم الخاصة، وذلك لأن ما يجيء في تلك الكتب عامة يشبه ما تصفه كتب علم التغذية من المواد الموجود في النباتات المنتشرة في ميادين الحياة. (/18)
صفحة 19
أما المدرسة فهي شبيهة جداً بالمستشفى ولا تقدم للطفل إلا بقدار ما يقدَّمه المستشفى للمريض، بنصيحة وكيل الوزارة أو عميد التوجيه أو مدير المدرسة أو المدرس أو غيرهم ممن تناط به هذه العملية، بل إن القوانين تحاول أن تلحق الطفل حتى خارج المدرسة فتمنعه من الزيادة على ما تقدمه له بدعوى الشفقة عليه وخوفاً على أعصابه من الإرهاق، بل لعله من المضحك أن يجنح عدد من أولئك الخبراء فيقررون على سنة دراسية عدداً من الحصص في الأسبوع يؤكدون أن علم النفس التربوي الحديث لا يسمح بالزيادة عليها ولا بالتنقيص منها، ويجتمعون هم أنفسهم أو أكثرهم بعد فترة قصيرة فيقررون غير ما قرروه أول مرة زاعمين أيضاً أن ذلك ما يؤكده علم النفس التربوي الحديث وأن الزيادة على ذلك والنقص منه مخالفة لحقائق العلم.
أما النوع الثاني: وهو الذي تسلكه الدول التي تملك الخبرة والثروة فهو يختلف عن هذا المسلك اختلافاً واضحاً، إنه مسلك ينبني على دراسة مسبقة لميول الطفل ثم تقديم ما يشتهيه أولاً بأول، هم لا يمنعون ما لا يريدون بصورة النهي المباشر، وبدلاً من أن يضعوا أمامه إشارة منع الحركة في اتجاه أو ميدان يبتعدون به عن الاتجاه أو الميدان المرفوض، ويضعونه في الميدان أو الاتجاه المطلوب ويبذلون له حرية الركض، وقد تلتقي أهداف الإتجاهين وإن كانت الصور الأخيرة تتم دون تذمر أو شكوى لأن أصحابها يعتقدون أنهم وصلوا بمحض اختيارهم ورغباتهم، بينما تتم الصور الأولى بكثير من القسر والإكراه والعنف. (/19)
صفحة 20
إن الأطفال في الدول النامية كأنما يوقفون في طوابير ثم تصدر إليهم الأوامر – واحداً واحداً – كن أنت كذا، وكن أنت كذا، أما الأطفال في الدول المتقدمة فكأنما يوقفون هم أيضاً في طوابير، وتوضع مصائرهم في أشباه لعب جميلة أمامهم ثم يتاح لهم اختبار ما يريدون منها، وإن كانت هي الأخرى محددة حسب رغبة الدولة، فيثب كل واحد منهم إلى اختيار اللعبة وتتيح له تلك اللعبة أن يستمر معها حتى يصبح محترفاً فيها تشكل لون حياته.
والفرق بين التوجيهين الأول والثاني أن التوجيه الأول يترك جميع الأشياء أمام حسّ الطفل ونظره، مرفقة ببطاقات الأوامر والنواهي: إفعل لا تفعل، خذ لا تأخذ، أما في التوجيه الثاني فتستبعد من المبدأ الأشياء غير المرغوب فيها وتوضع الأشياء المرغوب فيها أمام الطفل منسقة جميلة إلى جانبها بطاقة واحدة تقول له: إختر ما شئت منها.
وهكذا تجد في الدول النامية كلمة: إفعل ولا تفعل تتحرك معك كظلك، بينما لا تجد في الدول المستقرة إلا عبارة: إختر ما شئت. (/20)
صفحة 21
طفْل الدولة
لست أدري لماذا تثور في ذهني – كلما فكرت في موضوع الطفل في الدول – تلك الصورة التي قرأت عنها
في بعض كتب التاريخ أو كتب الأدب من أن بعض الأعراب في الجاهلية يتخذون أصناماً من الحلوى يعبدونها زماناً فإذا جاعوا أكلوها ثم يتخذون غيرها ويكون مصيرها نفس المصير.
هذه الصورة تلحّ على ذهني كثيراً وأنا أفكر في الطفل، بل في الفرد البشري عند الدول النامية كما تسميها الأوضاع السياسية اليوم، ولعل وجه الشبه في هذا أننا نبذل من الاهتمام والرعاية وتقديم الخدمة – على كل من نطاق الاسرة والدولة – للطفل قبل أن يحصل على مادته، ثم عندما تتشكل عندنا مادته ويتم بناؤه تعود عليه فتلتهمه تماماً كما يفكر ذلك الأعرابي الجاهلي فيجمع مادة الحلوى ويقوم بتشكيلها وتقديم الخدمات لها، فإذا تم له ذلك واستوت أمام عينيه ثم أحس بالجوع وثب عليها فالتهمها، ثم بدأ يفكر في إله جديد.
نحن ننتظر الطفل وهو في الغيب، ونرعاه وهو في بطن أمه ونحتفل لاستقباله عند مقدمه ونقدم له الخدمة والرعاية لفترة من الزمن، فإذا دخل المدرسة شكلنا له هيكله وأعضاءه حسب رغبتنا، كما يشكل الجاهلي هيكل إلهه من الحلوى، وبعد أن يتم تشكيل ذلك الطفل على النمط الذي خططناه نثب عليه في يوم من الأيام لنزيله من الوجود، الوجود الحسي والوجود المعنوي.
ربما ظنّ أريد القارئ أنني أرمز بهذا إلى معنى بعيد لم يفهمه، وأريد أن يتأكد القارئ أنني لم أقصد إلى شيء غير الظاهر الذي تؤديه عباراتي بما فيها من قصور.
إن الذي أريد أن أقوله أن الدول في هذا العصر أصبحت تحاول جاهدة بما أوتيت من خبرة ومعرفة أن تصوغ أطفال شعوبها كلهم في قوالب متشابهة تسير بحركة واحدة رتيبة كأنما هي في طابور عسكري تنسق إيقاع خطواتها كلمتا .. يمين .. شمال ..
إن الدولة المعاصرة قد سيطرت – بمختلف الوسائل – على شخصية الفرد، فهي تريد أن ينساق معها في الاتجاه الذي ترسمه غير عابئة بشخصيته. (/21)
صفحة 22
ورغم التغني المستمر بالحرية الفردية فإنه لا وجود لها لا في الدول المتقدمة ولا في الدول النامية.
والواقع الذي تعيش عليه البشرية اليوم أنَّ الفرد إنما هو عبارة – مهما كان مستواه الفكري – عن طفل نقدم له الخدمات ولكنه يسير على المنهج الدراسي ولا يخرج عنه، وإذا خطر له أن يخرج عن المنهج الدراسي المرسوم أعيدت معه قصة الإله من الحلوى.
وخلاصة هذه الفصول أن الدول تبذل من الرعاية والعناية شيئاً كثيراً للأطفال في فترتي الحمل والرضاع ثم تستلمهم من أسرهم في نحو الرابعة والخامسة من أعمارهم حيث تكون قد أعدت لهم قوالب للصياغة تبدأ من رياض الأطفال وقد تنتهي بآخر المراحل الجامعية وقد لا تنتهي صياغة بعضهم فلا يتشكلون بالشكل المطلوب، وحينئذ تعاد قصة الإله من الحلوى معهم.
والحقيقة أن الدول إنما تعامل في هذا العصر أفراد شعوبها معاملتها، فهي شبيهة بتلك الأم التي لا تستطيع أن تتصور أن ولدها قد كبر وأصبح رجلا يستغني عن رعايتها فهو إما أن يأتمر بأمرها ويخضع لرغبتها ويسير حسب توجيهها وإلا فستبدأ المشاكل وتثور الزوابع. (/22)
صفحة 23
المرأة
لعلَّ المرأة لم تشغل من فكر الإنسان، وتأخذ من وقته وتستحوذ على اهتمامه – في أي فترة من فترات التاريخ – كما شغلت واستحوذت وأخذت ذلك منه اليوم، رغم أن المرأة في حياة الإنسانية الكاملة كانت هي مثار الإهتمام وموضوع المنافسة والحديث.
والسبب فيما يبدو أنها في العصور السابقة كانت هي موضوع الحديث فقط، فالديانات تشغل بها وتخصها بجانب من الرعاية، والفلسفة تهتم بها اهتماماً خاصاً وتوليها جانباً آخر من العناية، وكانت العاطفة البشرية تتأثر بها وتؤثر فيها وتخصها بالجانب الأكبر من الإهتمام، وكانت المرأة تنظر إلى كل ذلك متلذذة مستمتعة متدللة طالبة المزيد، متصنعة الحنق والغيظ، مظهرة في ظاهرها الإحساس بالحرمان، وهي في داخل نفسها مغتبطة فرحة.
وجاء العصر الحديث، ورغبت المرأة في المزيد من العناية والاهتمام، ولم تعد تكتفي بالإيحاء بما تريد، وإنما خطر لها أن تتولى هي نفسها الإعلان والمطالبة وأن تشترك أو تقود هذه الحركة الجديدة، وبعد أن كانت المرأة موضوع الحديث والاهتمام أصبحت موضوع الحديث والاهتمام ومصدرهما أيضاً، وهكذا تضاعفت الحجم والمساحات التي كانت تشغلها المرأة من واقع الحياة.
وإذا استمرت المرأة في مسيرتها هذه، فلا يبعد أن تخسر كونها موضوع الإهتمام والرعاية وتكسب كونها مصدر الإهتمام والعناية، وحينئذ تنتقل من شيء عزيز يصوره الخيال وتزينه الأحلام ويعزّه تزاحم الطلب، إلى سلعة معروضة على الرصيف تعلن عن نفسها في ذلة وانكسار، تقتحمها العيون، وتمتهنها الأيدي وتسحقها ألوان السخرية المتتابعة. (/23)
صفحة 24
المعركة المفتَعَلة
لا شكَّ أنَّ الله عندما خلق الإنسان، أنعم عليه بالحرية، في جملة النعم الكثيرة التي أغدقها عليه، ولكن تلك الحرية التي أنعم الله بها على الإنسان – ذكراً كان أو أنثى – إنما كان مراعى فيها – بطبيعة الحال- حدوداً معينة لا يصح تجاوزها، فليس من حق الإنسان أن يدَّعي باسم الحرية مطلقية التصرف، ليس من حريته أن ينكر النعم التي أسبغت عليه، ويتوجه بالشكر إلى من لم يقدمها له، وليس من حريته أن يقدم طاعته لمن لا يستحق منه الطاعة، وليس من حريته أن يعبث فيما يقتضيه نظام الحياة، وناموس الكون، وسبب العمران، وليس من حريته أن يطيع الشيطان، أو يعبد الأوثان، أو يزهق الأرواح حتى روح نفسه فالحرية إذا محدود كثيرة.
وقد اقتضت طبيعة الحياة أن تكون حرية الرجل محدودة بحدود، وأن تكون حرية المرأة أيضاً محدودة، تتفق هذه الحدود أحياناً وتفترق أحياناً أخرى لتكون لكل منهما حدوده الخاصة.
وأراد الرجل أن يجتاز حدود حريته فيستمتع دون قيود أو حدود أو ضمانات أو بذل للأموال، فعارضته حرية الآخرين، لقد أباحت الشرائع والأعراف والعادات في بعض الجهات أن يقوم الاستمتاع بين الرجل والمرأة لكنه قيد بحدود، حدود عددية، وحدود زمنية، وحدود مادية، فلم يتمكن الرجل من تحقيق تلك النزعة، نزعة الإستمتاع بما هو خارج حدود ولا يصل إليه، وعندما يجتاز الحدود ويحقق تلك الرغبة أو النزعة فإنه قد تطبق عليه العقوبة المقررة عقوبة الدين أو عقوبة المجتمع أو عقوبة القانون أو عقوبة صاحب الحد المنتهك والحق المأخوذ، وكان شيطان الشهوة قد زرع في فكر الرجل الحيلة التي يصل بها إلى تحقيق ذلك المطلب فأعلن معركة حامية الوطيس ضد الأديان والأعراف والعادات المحتفظة، ولكنه مع حربه الطويلة في هذا الصدد لم يحقق نجاحاً إلا في حالات قليلة انصبت عليه فيها عقوبات مقررة أو سوغ له استمتاع محدود بفقه منحرف أو مستغل أو مستغفل. (/24)
صفحة 25
وخطر له في هذا العصر أن يستعين في حربة الطويلة هذه بالمرأة لا على أن يختلسا – كما كانا يفعلان من قبل – متعة محرَّمة ربما تكون عواقبها وخيمة عليها وعليه، ولكن على أن تعلن معركة ضارية مدعية فيها حقاً ضاع عنها فهي تطالب بإرجاعه وذهب يسكب هذه النغمة في أذنها، ويشحن بها نفسها، فأحبتها أولا وأعرضت عنها ثم استمعت إليها ثم استساغتها ثم تبنتها وتجنَّدت للمعركة الحامية تطالب بالحق المهضوم يناصرها في ذلك رجل يزعم لها أنه يرثي لحرمانها من حق طبيعي لها في الحرية.
وطالبت أن تتحرر من رقابة الأسرة ثم من رقابة المجتمع ثم من رقابة الدَّين ثم من رقابة الخلق فأتيح لها ذلك وطالبت أن يكون لها حق التملك والإستغلال والسيطرة، فأتيح لها ذلك، وانتصرت حسب زعمه وزعمها في جميع المعارك، ولكنها لم تحقق رغبة الغريزة في الإرتواء من المتعة، لقد ارتوى هو ولم ترتو هي، لقد كانت نتائج المعركة لمصلحته لا لمصلحتها، وكان ما تعده انتصاراً لها إنما هو انتصار له لا شك في ذلك.
وتملكتها الحيرة في الاستفادة مما تعتبره انتصاراً لها فلم تعرف كيف تستفيد منه.
كانت المرأة مصونة لا تعبث بها الأيدي ولا العيون، يقدم لها الحب في حرارة العاطفة وصدقها، وتمنع لها القلوب في إخلاص وتفان، وتراق من أجلها الدماء على الأعتاب، وهي في كل ذلك متمنعة متذللة متحكمة، سواء كان ذلك في المنهج المشروع أو حتى في المنهج الممنوع. (/25)
صفحة 26
أما وقد خيَّل إليها أنها انتصرت في هذه المعركة التي افتعلها لها الرجل فأخرجها إلى حيث شبعت منها الأيدي والعيون حتى مجَّتها وأعرضت عنها، فأصبحت هي التي تلهث وراءه مخالفة بذلك سنة الفطرة التي عبت بها الأنثى في المخلوقات جميعاً، وصارت تقدم وسائل الإنتباه للرجل ولكنه وقد ارتوى من مشهدها وملمسها عزف عنها، فكانت تلهث وراءه بكل الوسائل، تنصب حوله الشباك لتوقعه بعد أن تذل وتبذل من كل مقوماتها، فطاردته باللحظة والحركة والكلمة واللمسة المقصودة، ثم فتحت من خزانتها رصيداً ضخماً تشتري به مساحيق التجميل، فلم يؤثر كل ذلك عليه، فكشفت له عن جسمها وهي تحتك به في العمل والشارع فلم يثر ذلك اهتمامه ولم يغنها شيئا.
وحار شيطان الغواية عندما فلم يعد يعرف ما هو السبيل، لعب بشعرها فشكله على مئات الأشكال، ولعب بوجهها حتى أخرجه من خلقته البشرية إلى صناعة الدمى، وحتى أن الناظر لا يجد صلة بين وجه تحمله الأنثى وهي مارة في الشارع ووجه تحمله تلك الأنثى نفسها وهي قارة في البيت، بل لعلها تتخذ لكل حفل ولكل وقت وجهاً غير الوجوه السابقة.
ولعب بجسمها فخنق منه مناطق حتى كادت تتقطع، وأبرز منه مناطق حتى صارت كأنها ثآليل ضخمة، أو نتوءات تتولد عنها أجسام أخرى غريبة.
واستمرت به الحيرة فكشف من جسمها أكثر أجزائه حتى بم يبق منه مستوراً إلا الجز اليسير، وعاد فستر منه كل شيء ولكن كل ذلك لم يغن فأصبحت المرأة تلهو باللباس، تكشف وتستر، وتستر وتكشف، وتطيل وتقصر، وتقصر وتطيل، وهي في كل ذلك تستجدي النظرة والبسمة والكلمة واللمسة، ولكن الرجل يمر بجانبها في برود، لأنه قد شبع وارتوى وأصبح ينظر إليها وهي كاسية كما ينظر إلى دمية علقت عليها ثياب للعرض، وينظر إليها وهي شبه عارية كما ينظر إلى أفخاذ البقر المسلوخة وهي معلََّّّّّّّّّّّّّّقة في دكاكين القصابين، لا تبعث في النفس إلا الأسف أو الإشمئزاز .. (/26)
صفحة 27
وجدت المرأة أن ما اعتقدته انتصاراً لها لك يحقق لها الحلم الورديّ، ولم يشبع منها إحساسها الفطري، فتمادت تبتكر جوانب أخرى للمعركة تشغل بها نفسها، فطالبت بكراسي الحكم، وطالبت بآلات العمل، وطالبت بقلب الوضع العائلي، وطالبت أن تقوم هي بأعمال الرجل وأن يقوم الرجل بأعمالها، ونالت كل تلك الطلبات، ولكنها مع ذلك بقيت في حيرتها متذبذبة متأرجحة متألمة، والرجل ينظر إليها ساخراً مستهزئا.
حاربته بالأنوثة المتقلبة فلم تفلح، وحاربته بالأنوثة العارية فلم تفلح، فاعتقدت أنها سوف تفلح إذا حاربته بخصائص الرجولة فلبست لباسه وتولَّت عمله وجلست في مكانه، ولكن هذا أيضاً لم يؤدَّ إلى نتيجة، لقد انتصر الرجل على المرأة حقاً وانتقم منها انتقاماً رائعاً وأخذ بثأره الذي ضاع منه آلاف السنين.
لقد كان باب الخباء أو باب البيت عند المرأة بمثابة ساحة القتال تُراق فيه الدماء من أجلها دون حساب، وإن همسة خافتة أو إشارة خفيفة تكفي لسلّ السيوف وتقطيع الرقاب، أما الكلمة أو الصرخة منها فقد كانت تشغل نيران حروب وتقضي وبين يديها وهي تنظر معجبة بنفسها.
وكم من أبطال أعزاء يذلون أمامها ويتوسلون إليها، بل إن منهم من يضفي عليها لقب المعبودة وينظر إليها كما ينظر إلى إله، فإذا جادت عليه ببسمة أو كلمة، رقص من السعادة وغنَّى من الفرح.
لقد انقلبت القضية الآن وأصبحت تلك المرأة العزيزة المحبوبة التي يتقاتل الرجال من أجلها تجري في الشارع عارية الرأس مكشوفة الصدر والسوق ملطَّخة الوجه، كأنما وقعت في بركة من الوحل تلتمس كلمة إطراء فلا تسمعها، وتستجدي نظرة إعجاب فلا تلمحها، أما حرارة الغزل التي كان يسكنها القلب المحب المحروم في آذان الحبيبة المصونة فقد أطفأتها لهفة المرأة المتحررة في الحصول على أي رجل يضعه القدر بين يديها. (/27)
صفحة 28
لقد كان الرجل يقول الغزل وينظم الشعر وينظم ويركع بين يدي المرأة ليحظى بالحب، وبعد هذه المعركة التي انتصر فيها الرجل على المرأة انتصاره الحاسم، وانتقم منها انتقامه القاسي أصبحت المرأة تستجدي الرجل بلغة الغريزة، لغة الغريزة الوقحة التي لا تخشى، وافتح ما شئت من الإذاعات المرئية والمسموعة واستمع إليها تغني وانظر إليها تتحرك، إنك لن تسمع من أغانيها إلا صرخات الغريزة المبحوحة في أحط حالات الهيجان ولن ترى من حركاتها إلا أحط الحركات الخليعة عند شدة الطلب وخشية الحرمان، ولا شك أن هذا اللون إنما يقدم بعد الرقابة والتهذيب، أما ما يقع وراء ذلك فالمرأة المنتصرة أدرى به وأعرف.
ألا ترى معي أيها القارئ الكريم أن الرجل الذي طالب بحقوق المرأة ليوصلها إلى هذا المستوى قد مثل معها في إتقان دور الأعرابي مع إلهه من الحلوى. (/28)
صفحة 29
الحُرية المهْدُورة
من الأشياء التي أصبحت ضرورية لكل من أراد أن يتكلم أو يكتب: كلمة ((حرية المرأة)) فهي بالنسبة لهم كوسائل الإيضاح في المدارس لا يمكن أن يتعلم الانسان بدونها، وأينما اتجهت قابلتك هذه الكلمة كما تقابلك نصائح شرطة المرور في اللافتات على جوانب الطرق.
تقابلك في كل جريدة وجلة حتى المدرسية منها وفي مختلف مراحلها ومن البنين والبنات، وفي الندوات، وفي المؤتمرات، وفي كل مكان.
بل إنها لو أمكن أن تقدم في طبق مع ألوان الطعام أو الشراب لقدمت.
ولا شك أن الحرية التي يتحدث عنها كل فريق من هؤلاء ليس لها مفهوم واحد ولا معنى واحد ولا مظهر واحد، وإنما تختلف مفاهيمها ومعانيها ومظاهرها من شخص إلى شخص ومن مستوى إلى مستوى، ولعل أحر الناس دعوة لها وتشبثاً بها وحماسة لتحقيقها إنما هم المراهقون فكرياً أو عمرياً، وعندما يتحدث الفتى أو الفتاة من المرحلة الأعدادية أو الثانوية عن حرية المرأة فإنما يقصدان صورة معينة محدودة هي أن لا يحرمها المجتمع من لقاء في الخلوات والمنتزهات يتبادلان أحاديث الإعجاب والحب والشغف والقلب المطعون بسهام العيون.
وما مع ذلك، فلو سمح للفتاة بذلك لكانت في نظر نفسها ونظر صاحبها حرة قد نالت حقوقها، وربما أضافت إلى ذلك أن لا ينتقدها أحد وهي تقلد نجوم السينما والتمثيل التي تشاهدها في السينما والإذاعة المرئية في لباسها وحركاتها وتزينها، بل وفي لهجة حديثها وفي استعمال مساحيق الزينة إذا كانت أمها تستعملها أما إذا لم تكن أمها كذلك فتعتبرها رجعية وتحاول هي أن تحصل على ما لم تجده عند أمها لتقنع الزملاء، والزميلات وتقنع نفسها أنها فتاة حرة متقدمة تتصرف كما يحلو لها. (/29)
صفحة 30
وعندما نجتاز هذا المعنى البسيط للحرية عند المراهقين والمراهقات ونحاول أن نجد له مدلولاً – في واقع الحياة – حرمت منه المرأة عند من يتخذون لأنفسهم سمعت المفكرين والفلاسفة أو على الأقل سمعت الأدباء والكتّاب، فإنه يعسر علينا أن نجد مدلولاً للحرية حرمت منه المرأة بقسوة الرجل وتحكمه، ولعل الدعوة القائمة اليوم إلى تحرير المرأة والتي لا تفتأ تنعق في كل زاوية ومكان هي في حقيقتها وجوهرها تحمل معنى الاستعباد والاسترقات أكثر من أي موقف آخر.
إن المرأة التي تختار بكامل حريتها أن تبقى في بيتها، وأن لا تخرج منه إلا لشأن من الشؤون الضرورية، يعتبرونها غير متحررة وهم يعملون بجهد ومشقة لإخراجها مستعملين كل ما يجدون من وسائل، فإذا استسلمت لهم وخرجت متسكعة في الشوارع مبحلقة في المتاجر قالوا عنها إنها تحررت وإلا فهي في منطقهم لا تزال مستعبدة، هذه المرأة بقيت في بيتها مختارة وخرجت منه مكرهة فمتى كانت حرة؟ ومتى كانت أمة؟ أعندما كانت ملكاً لإرادتها وتفكيرها، أم عندما كانت ملكاً لإرادتهم ودعايتهم وغوايتهم.
والمرأة التي تخرج إلى الشارع مرتدية عباءتها الضافية الفضفاضة ساترة كل جسمها بكامل حريتها وإرادتها يعتبرونها غير حرة، ولا يزالون بها حتى تخلع عنها ثوبها الساتر وتستجيب لطلبات الموضة وأعين المتفرجين، فمتى كانت هذه المرأة حرة؟ عندما لبست ثوبها الساتر برغبتها وإرادتها وتفكيرها، أم عندما نزعته عنها استجابة لرغبتهم وخوفاً من لذعاتهم وانسياقاً لإرادتهم.
ولعلّ مشكلة المرأة عندنا اليوم في ليبيا بين الحرية وعدم الحرية تبرز بروزاً واضحاً، لقد اختارت المرأة المسلمة في ليبيا موقفها الكريم بحرية وإرادة، ولكننا في الواقع لم نتركها لحريتها وإرادتها واختيارها وإنما جندنا كل ما نملك من القوى لتسييرها في المنهج الذي يراه شراذمة من مقلدة الغرب ونكاد نجلدها بالسياط لنضعها في طابور مع بنات لندن وباريس. (/30)
صفحة 31
وليس من الغريب أو النادر أن تشاهد مدرسة فاضلة أو ربة بيت محترمة كانت إلى يوم قريب تسلك مسلكها الحي الكريم، فإذا بها في مناسبة حفلة أو دعوة اجتماع قد غيرت مسلكها فجأة وطلعت عليك بطلعتها الجديدة التي ما كانت تجول في حسابك ولا حسابها، وعندما تسألها عن سبب هذا التغير تحبك في حسرة: إنه ضغط المجتمع الصغير الذي تعيش فيه والذعات الفارغين والفارغات ممن يقدرون الثقافة والحضارة بالثوب والحلية.
هذه المدرَّسة الفاضلة التي قضت فترة صالحة من عمرها في مسلك رصين ارتضته لنفسها وتخرجت عليها أجيال من فضليات الفتيات كانت توصيهن بالحياء والحشمة والسترة، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى أن تخلع عنها ثوبها لتستطيع أن تواصل حياتها في مجتمعات قد انحرفت، ولا أسهل عليها من نبذ الفضائل بالتحجر والجمود ووصف الرذائل بالتقدم والتحرر.
متى كانت هذه المدرَّسة مستعبدة، حينما كانت تسير بوحي من فكرها وضميرها وإرادتها أم عندما خضعت لإرادة الآخرين خوفاً من أن يصفها الواصفون بالتأخر والجهل؟.
الألسنة والأقلام اليوم تسوق المرأة في سرعة وعنف إلى نمط من السلوك غريب عنها وعن إرادتها، وهي حريصة أن لا تترك لها فرصة التريث والتفكير في هدوء قبل أن تصل بها إلى نتائجها، وإنما تسوقها في غير وعي ولا إدراك بعد أن خدرتها بوسائل الدعاية والإعلام المختلفة.
والواقع أن المرأة لم تستعبد في يوم من الأيام ولم تهدر حريتها وتفقد كرامتها كما يقع ذلك في هذا العصر الذي جعلها تتصرف راضية فرحة حسب رغبة غيرها دون أن تملك حتى مجرد التفكير السليم في موقفها. (/31)
صفحة 32
الاستعمار بين الرجل والمرأة
إنني لم أسعد بسماع القيمة التي عقدتها المذيعة الناجحة عفاف زهران للأديب الصادق النيهوم، وإنما نقل إليَّ الأصدقاء بعض ما دار فيها ومنها كلمة النيهوم التي رددها في اجتماع الاتحاد الاشتراكي العربي وهي قولة: إن المرأة في ليبيا لم يستعمرها الانجليز ولا الأمريكان وإنما استعمرها الرجل.
وكلمة الاستعمار من الكلمات المظلومة التي استعملت في غير معناها الاشتقاقي اللغوي، وإنما جرى بها العرف في منطق السياسة فأصبحت تدل على كل شعب متسلط يبتز خيرات غيره ويتحكمَّ في مصيره.
ومعنى التسلُّط والتحكمُّ والابتزاز هو ما يقصده النيهوم في عبارته السابقة.
فهل كان الرجل حقاً مستعمراً للمرأة بهذا المعنى وهل لا يزال كذلك؟
إذا قصرنا البحث على ليبيا فإن الحياة فيها يبدو على نمطين متباعدين.
النمط الأول: حياة المجتمع الريفي حيث يغلب عليه الفقر وشظف العيش، والعلاقة هناك بين الرجل والمرأة ليس فيها استعمار ولا تحكم، وإنما فيها تعاون وبذل لجهود متواصلة يشترك فيها الرجل والمرأة، وعمل واضح لكليهما على مسرح الحياة يقدم فيها كلاهما نتائج كفاحه لصالح الاسرة.
أما النمط الثاني: فهو صورة المجتمع في الحواضر والمدن الكبيرة حيث الحياة الاقتصادية للأسرة لا تعتمد على الزراعة وإنما تعتمد إما على التجارة أو الوظائف أو ما شابه ذلك. (/32)
صفحة 33
وفي هذه البيئة قد نجد صورة للاستعمار إذا أردنا أن نستعمل هذه الكلمة في العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة في الاسرة، ولكن الاستعمار هنا يكون على العكس مما ذهب إليه النيهوم تماماً، إن المرأة في الواقع هي المستعمرة المستغلة المتحكمة، وليس الرجل الا موظفاً عندها، عليه أن يكدح ويعمل ثم يأتي بثمرات كدحه ونتاج عمله إلى البيت حيث تتصرف المرأة وتستمتع بثمرات المجهود، وبنظرة بسيطة إلى ميزانية الاسرة تتضح حقيقة الاستعمار، وبقطع النظر عن الاحتياطي المدخر لهما جميعاً وعن مصاريف البيت المشتركة من غذاء وماء ونور فأين تذهب الميزانية؟
أول البنود بنود الهدايا والصوائب في المناسبات، ولا شك أن المرأة تأخذ منه ما لا يقل عن 90%.
أما البند الثاني فهو بند اللباس، ولا شك أن ما تدفعه المرأة في شهر يكفي الرجل سنة.
أما البند الثالث وهو بند الزينة، فلعل أهم ما يحتاجه الرجل منها شفرات وفرشاة للحلاقة والأسنان، وقدر نسبة هذا إلى ما تستعمله المرأة وتستهلكه من مساحيق وعطور ومصاغ.
لست أدري هل الاستاذ النيهوم صاحب بيت أم لا يزال عميلاً للفنادق والمطاعم، فإذا كان متزوجاً وخطر له أن يقوم بحملة تفتيشية احصائية تقديرية على نسبة الميزانية التي يملكها وتملكها ربة بيته يظهر له العجب، وسوف يتضح له حقاً أنه كان مخدوعاً في نفسه وأنه كان مستعمراً لقوة لينة هنية هي زوجته المحترمة، سوف يجد أنها تملك من الثياب ما يكفي لقرن ومن تلك الثياب ما استعمل مرة واحدة ولن يعاد استعماله، وإن طلب المزيد لا يزال مستعمراً وأنه يظهر في السوق شيء جديد إلا كان لها منه نصيب، ومع ذلك فلا يمضي موسم ولا تمر مناسبة حتى تمتص المستعمرة مقداراً من الميزانية تضيفها إلى رصيدها. (/33)
صفحة 34
وعندما تكون الزوجة مثقفة وتحررة فهي توشك أن تستعمر حتى عقله وذوقه، فعليه أن يعمل وعليه أن يسلمَّ إليها نتائج عمله لتمسك الحساب، وعليه أن يستسلم لها حتى في حاجاته الخاصة، فهي التي تختار له البذلة والحذاء ورباط العنق وتشتري له القميص والجورب، والمنديل ليبدو في الشكل الذي يفضله ذوقها، ولكنها لا ترضى له أبداً أن يقوم لها بنفس الدور فيختار لها أحذيتها وفساتينها وجواربها بنفس المنطق، أي أن لباس الزوجة ينبغي أن يكون حسب ذوق الزوج، انها لا تسلم بهذا ولا ترضى به أبداً، إنها وحدها صاحبة الذوق الأفضل ولها وحدها أن تتصرف، ومن حقها أن تتسكع بين المتاجر ودور الأزياء لتختار منها ما تريد، وعندما تختار فإنها تصمم وتنفذ ولو انطبقت السماء على الأرض.
وحتى في البيوت المحافظة التي لا يسمح فيها للمرأة الصغيرة بالتسكع ومباشرة البيع والشراء في الأسواق فإنها تشترط على الرجل الفاضل أن يحمل إليها قطعاً صغيرة من أنواع مختلفة من القماش الموجود في السوق وهي التي تختار وتحدد الكمية والنوع، وعلى السيد الفاضل أن يحضر لها ذلك وإلا وقعت المشاكل، هذا بالإضافة إلى ما يأتيها عن طريق القرائب والعجائز المحترفات اللاتي يقدمن هذه الخدمات للبيوت المحافظة، وينقلن إليها أخبار السوق بأسرع مما تنقله أحدث وسائل وكالات الأنباء من أخبار العالم.
الواقع أنه إذا سمحنا لأنفسنا أن نستعمل كلمة الاستعمار في المسلك الذي يجري بين الرجل والمرأة، فإن القائم بدور المستعمر المتحكم المستفيد إنما هو المرأة لا الرجل على جميع الظروف، بل إنها تستعمل نفس الأسلوب وتتحكم بنفس المنطق. (/34)
صفحة 35
لو سألت أية دولة استعمارية عما تستفيد من استعمارها لبلدان الناس؟ لأجابتك في براءة ظاهرة وهل جئتها لأستفيد؟ إنما جئتها خدمة للإنسانية، ونشراً للحضارة، ورفعاً لشعبها المتأخر، وقد خسرت من أجلها الكثير من المال والجهد، هذا ما كانت تردده فرنسا وهي تمتص كل خيرات تونس والجزائر والمغرب، وهذا ما كانت تردده ايطاليا وهي تمتص خيرات بلادنا، وحتى العجوز البريطانية في فترة احتلالها لبلادنا وهي تمر بالبلد كما يمر الإعصار تجتاح كل شيء حتى أعمدة التليفون وخشب سقوف الثكنات العسكرية، كانت لا تخجل أن تردد تلك النغمة فتزعم أنها لم تكسب من ليبيا وإنما كانت تنفق عليها من خزانتها الواسعة.
والمرأة في البيت تمثل هذا الدور ببراعة، فهي تتلقى ما يحصل عليه الرجل بجهود مضنية توزعها حسب ميزانية أعدّتها تنفق منها في سخاء على بنود معينة وفي تقتير على بنود أُخرى، ثم هي لا تفتأ تتحسر وتصبح لأنها لم تستفيد من هذا البيت إلا الحرمان والتعب دون قريناتها وزميلاتها.
وموقف المرأة العاملة التي تكسب أوضع في هذا الباب، فرغم أنها تمثل الشريك صاحب النصف في المسؤولية على البيت وأنها تخلت عن التزاماتها لخادمة أو قريبة حتى تساعد على تحسين الحالة الإقتصادية للأسرة، رغم ذلك فإن الدخل الذي يأتي من عملها إنما ينصرف إليها فقط لا يتسرب منه قليل ولا كثير إلى الأسرة، وبعد أن تمتلئ الأرفف والخزائن بالمصاغ والملابس يقبع باسم صاحبته في مصرف أو يندس إلى مكان خفي في حقائب قريبة، فإذا تجمع منه مبلغ محترم أمكن أن يشتري عقاراً باسمها فقط، وهي مع كل ذلك تناوش دخل الزوج وتأخذ منه حقها ولو في صورة هدايا يقدمها إليها في المناسبات السعيدة في الموالد والأعياد.
هذه صورة مصغرة عن الجانب الإقتصادي، أما في الجوانب الأخرى فالمرأة فيه على موقفين: (/35)
صفحة 36
الموقف الأول التي يقال عنها متحررة واستعمارها للرجل واضح لا يحتاج إلى حديث فهي التي تأمر وتنهى في البيت، وهي التي تحكم وتقرر، وما موقف جنابه معها – على أحسن تقدير – إلا موقف الموظف الصغير أو التابع المؤدَّب، وتأمل صورتهما يسيران في الشارع وهي تعرض فتنتها على الناس يحمل عنها طفلها أو الحاجيات التي اشترتها يسير حيثما تسير ويقف عندما تقف، أليس موقفه معها موقف الخادم الأمين.
أما الموقف الثاني فهو للمرأة المحافظة وتمثل مع الرجل موقف المستشار أو الخبير الإستعماري المحنك مع الحاكم الساذج لشعب مغلوب يتمتع الحاكم ببريق اللقب والمظهر الخارجي ويخطط المستشار ويتصرف كما يشاء عن طريق الحاكم نفسه. (/36)
صفحة 37
التَفَوّق بَينَ الرَجُل والمَرأة
في تيار الحملة العنيفة التي تريد أن تعطي للمرأة مكان الرجل في ميدان الحياة والعمل كنت تسمع من حين إلى حين متحدثاً أو كاتباً ذكراً أو أُنثى يزعم أن المرأة أقوى من الرجل أو أذكي أو أشد تحملاً للمشاق أو أنها تتفرق عليه تفوقاً عاماً أو في ميدان من الميادين.
وحكاية التفوُّق هذه يمكن أن ينظر إليها من عدّة زوايا، فتفوق المرأة على الرجل في المواضيع التي خصصتها لها الفطرة، أمر طبيعي وواقعي ولا ينكره إلا مكابر، وتفوُّق الرجل على المرأة في المواضيع التي هيأتها له الفطرة أمر طبيعي وواقعي أيضاً ولا ينكره إلا مكابر.
وتفوُّق المرأة على الرجل في أمور الرجولة أمر باطل لا بدّعيه إلا مكابر، وتفوق الرجل على المرأة في أمور الأنوثة أمر باطل لا يدعيه إلا مكابر.
هذا مسير الفطرة ومسير الواقع ومسير الطبيعة بالنسبة إلى جنس الرجل وجنس المرأة، أما قضية الأفراد الشواذ من الرجال والنساء فهي قضية واقعة أيضاً لا يمكن أن تتكرر ولا يصح أن تعتبر قاعدة تجري عليها نظم الحياة.
قد تتفوَّق امرأة على مجموعة من الرجال في شئون رجالية، وقد يتفوق رجل على مجموعة من النساء في شئون نسوية، ولكن هذا التفوق من الرجل والمرأة لا يزيد عن أن يكون شذوذاً عن قاعدة عامة.
إن الخالق عندما خلق الإنسان جعله من ذكر وأنثى وجعل لكل منه خصائصه التي يمتاز بها عن الآخر، فتنازل أحدهما عن خصائصه ومحاولة التشبث بخصائص الآخر انحراف عن الفطرة وشذوذ عن القاعدة، ومجلية للسخرية. (/37)
صفحة 38
إن من الخصائص التي وهبتها الفطرة للرجل أن يكون قوياً في بدنه، عارفاً بطريقة استعماله لتلك القوة والاستفادة منها في مجال الحياة، معتزاً بقوته وخشونته لأن هذا من كمال وصف الرجولة، ومن خصائصه في هذا أن يتفوق على غيره، فإذا تخلىّ عن هذه الخاصية، وأخذ بدلاً منها قسطاً من الليونة والفسولة حتى كان أحنّ من أم، وألطف من ممرضة، وأرق من مضيفة، وأخنث من ساقية، فهل يكون بهذا التفوق مصدر احترام، أي هل يعتبر هذا التفوق منه عليهن باعثاً على الفخر والاعتزاز، وهل يجيء أحد فيزعم أن فلاناً هذا كان عظيماً لأنه تفوق على المرأة في أخص صفاتها؟ ما قيمة هذا التفوق لو وقع؟
وإذا انعكست القضية فجاءت امرأة لها من خشونة البدن وقوة العضلات، وثخانة الأصابع، وغلاظة الصوت، ما تخنق به الأسد وتصرع الفيل، وتقيَّد عنترة، وتسبق السليك، وتمرغ كلاي في حلبة الملاكمة، فهل يعتبر هذا التفوق البدني من مزاياها ويعد من فضائلها؟ إننا قد نعجب في عمل هذه المرأة ونصفق له ولكنه كالإعجاب الذي ينبعث منها ونحن نصفق للثور في حلبة المصارعة، إن نظرتنا إليها خرجت عن اعتبارها امرأة إلى اعتبارها وحشاً مدرباً في سرك متجول.
إن ذلك الرجل وهذه المرأة لا يزيدان عن أن يكونا شذوذاً يتحدث عنهما الناس للتسلية أو للسخرية أو للانحراف عن الفطرة.
والمقصود من هذا كله أن دعوى تفوق الرجل على المرأة أو المرأة على الرجل هكذا عموماً دعوى باطلة لا يمكن أن تصح، ودعوى تساويهما هكذا على العموم دعوى باطلة لا تصح، وإن الرجل ولا شك متفوق على المرأة عليه في مواضيع الأنوثة، فإذا تفوق رجل على المرأة في شئون الأنوثة فهو رجل شاذ حرمته الطبيعة أكرم صفاته ومنحته صفات غيره، وإذا أظهرت امرأة تفوقاً على الرجل في شئون الرجولة فهي امرأة شاذة حرمتها الطبيعة أكرم ما تتجمل به المرأة وتعتز به الأنثى وأعطتها صفات غيرها. (/38)
صفحة 39
والواقع أنه في غمرة الدعوة إلى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، والدعوى أحياناً بأن المرأة متفوقة على الرجل، حاول عدد غير قليل من النساء وأغلبهن ممن وهبتهن الطبيعة قدراً من الذكاء وحرمتهن من نعمة الجمال فهن يحاولن أن يعوضن ما حرمنه من الجمال بما يحصلن عليه من مراكز القوة في ميادين الحياة، فانطلقن يعملن أعمال الرجال محاولات أن يلفتن إليهن الأنظار، ويحصلن على كلمة الإعجاب.
وقد نجح بعضهن في ذلك، وعندما تستعرض قطاعات النشاط البشري، وتمرُّ أمامك أشرطة طويلة بمن يوجهون دفة العلم أو الاختراع أو الأدب أو السياسة أو الحكم أو غير ذلك مما يجري في الحياة قد تصافح عينيك في فترات قليلة متباعدة متقطعة صورة امرأة تقتعد مكاناً مرموقاً تصرف فيه دفة الأمور كما ينبغي أو قريباً مما ينبغي ولكن تلك الصور القلائل ضائعة ولا شك في كثرة صور الرجال الذين يتحكمون في إدارة الأمور ويجيدون تصريفها. (/39)
صفحة 40
الخدَاع بَينَ الرّجُل وَالمَرأة
لعل المرأة في جميع فترات تاريخها لم تخدع عن نفسها بالمقدار الذي تخدع به اليوم، ذلك أن الرجل كان يخدعها في القديم عن نفسها – ليصل إلى مأرب ما – بإطراء الصفات الحقيقية التي تختص بها المرأة كالجمال والحب والحنان، أما في هذا العصر فقد تظاهر الرجل بأنه يسلم للمرأة كل شيء – وذلك ليبلغ منها كل شيء – وراح يلقي في أُذنها الرقيقة بمختلف الأساليب أن المرأة أذكى وأقوى وأجمل وأصبر وأكثر تحملاً ومعاناة وإتقاناً من الرجل في جميع ميادين الحياة ثم ينطلق لاهثاً في بطون التاريخ حتى يجد اسم امرأة قامت بعمل ما فيأتي به إليها ليقدمه كدليل وبرهان، جاندارك، شجرة الدر، بلقيس، خولة، منهم من يتجرأ حتى يستشهد ببعض أمهات المؤمنين. (/40)
صفحة 41
واتخدعت المرأة فعلاً أو أرادت أن تنخدع، وخيَّل إليها أنه يجدر بها أن تقوم بجميع أعمال الرجل وأنها سوف تجيد ذلك أكثر من اجادته، وانطلقت إلى الميدان وبدأت العمل، ولكن التجربة كانت غير مشجعة، انطلقت المرأة تحاول أن تشغل مكان الرجل دون أن يعترض طريقها معترض، ولكنها وجدت أنها لا تستطيع أن تملأ فراغه بسبب انعدام بعض الخصائص الفطرية التي أودعها الخالق في كل منها، ولم تعترف بالهزيمة أو بالاتخداع، وإنما ظننت أن الرجل بلغ إلى تحقيق ما عجزت عنه ببعض القشور الظاهرية، قشور اللباس، وبعد أن كانت تترنح على حذاء يثبت على شبه مسمار من الكعب العالي غضبت على ذلك الكعب وجعلت بدلاً منه كعباً قصيراً عريضاً يشبه حافر البغل، ورأت أن الرجل يحتفظ بسراويل طويلة فاعتقدت أن تلك السراويل تساعد على إنجاز الأعمال فقررت أن تلبسه ولكنها حارت كيف تلبسه، ضيقته حتى صارت كأنما تحشر فيه بالدق، ووسعته حتى صار كالجلباب، وضيقته من أسفل ووسعته من أعلى وضيقته من أعلى ووسعته من أسفل، ولا تزال في حيرة من الأمر، فلا حافر البغل ولا السراويل المتقلبة استطاعت أن تمنحها المهارة المطلوبة، ولم يجعلها تقليدها للرجل في المظاهر واللباس قادرة أن تمسك الأعمال المختلفة وأن تجلس في مكانه بنفس السهولة والاطمئنان الذي يمسكه بها الرجل.
ولا تزال المرأة في كل ميدان من ميادين الحياة، رغم كثرة الدعاوى في التساوي والمساواة – ورغم حصولها على جميع الحريات في بعض الشعوب منذ أزمنة طويلة – لا تزال رغم كل ذلك مخدوعة تُستغلَّ جارية غير كريمة.
تستخدمها الدولة سكرتيرة أو طباعة أو موظفة تنجز الأعمال البسيطة، ومهمتها الحقيقية أن تبعث المرح والانشراح في نفوس الموظفين فتلتقي حولها عيونهم ويلتزمون مكاتبهم وينجزون أعمالهم، ولذلك فلا تختار لمثل هذه الأعمال إلا من تتمتع بصفات تكفل تحقيق هذه الأغراض. (/41)
صفحة 42
وتستغلها الشركة لنفس الغاية، ولهذا يجب أن تكون جميلة تحسن لقاء الزبائن وتوزيع البسمات واتقان الحركات، وتسليم البريد إلى سيادة المدير.
وتعمل في المؤسسة أو المتجر أو أي مكان نفس العمل، تستغل جارية غير كريمة بطريق غير مباشر، إما لتشغيل الموظفين أو لجلب الزبائن، فإذا كان جمالها لا يؤهلها لأن تقوم بمثل ذلك أو كانت أخلاقها لا تسمح لها فإنها لن تنال عملاً وإذا نالته فلن تبقى فيه إلا ريثما يعثر على غيرها.
والباحث عندما يبحث عن المرأة في مجالات العمل في الشعوب المتحررة والتي هي ظالعة وراءها سوف لا يجد المرأة وجوداً حقيقياً إلا في الأماكن التي هي من فطرتها وطبيعتها، كالتدريس والتمريض، أو في المواطن التي تستخدم فيها كجارية، أما بقية الميادين فلا توجد فيها المرأة إلا بالعدد النزر اليسير الذي يدل على أن وصول المرأة إلى تلك الأماكن والاستقرار فيها ليس هو الطبيعة وإنما هو الشذوذ، إنها المرأة التي تشذ عن القاعدة فتتفوق في ميدان ليس لها.
ولعلَّ قائماً لو قام بإحصاءات دقيقة في أي دولة متحررة متقدمة ألغيت فيها الفوارق بين الرجل والمرأة منذ زمان لا تضح له أن المرأة لم تستطع أن تثبت وجودها في كثير من الميادين لأن وجودها فيه ضد الفطرة، كما يتضح له أن قضية التساوي خرافة لا يمكن أن تثبت مهما دعا إليها الرجل المراوغ وتمسكت بها المرأة المخدوعة، وأن النتيجة من كل ذلك أن الرجل استطاع في هذا العصر أن يخدع المرأة خديعة كبرى، فأخرجها عن نطاق حقيقتها إلى حيث يمكن له أن يستغلها دون عناء أو تعب، فأوهما بأنه ساواها به ومنح لها حريتها الكاملة، والواقع أنه إنما أوصلها إلى دون أن يبذل من جانبه غير كلمات، إنها قصة الإله من الحلوى تعاد هنا مرة أخرى، تقدير وتقديس وعبادة ثم التهام. (/42)
صفحة 43
الحَاكم
الحقيقة أن الحاكم في العصر الحاضر نوعان:
حاكم تحرَّكه الأنظمة وتسَّيره العواطف، فتأتي به الرغبات إلى منصة الحكم وتسنده العواطف، ثم تذهب به الرغبات المعارضة، وتتخلى عنه العواطف المتقلبة.
يجيء الحاكم فتنطلق وراءه الأصوات وتهتف له الألسنة وتصفق له الجوارح، وتمضي فترة لا تكون طويلة في الغالب، فتتحول عنه الرغبات والعواطف، إما تدريجياً وإما فجائياً، وينتهي إلى ما انتهى إليه الإله من الحلوى، وتتجه العبادة إلى إله غيره يصنع من نفس المادة وتلتف حوله الأصوات والأيدي حتى يستمرئ المكان وينوي الإستقرار فتكرر القضية ويؤكل الأول وينتصب إله جديد يغري على الأكل، ويستمر الدور والتسلسل، ولا تقف عملية الدور هذه إلا بشيء واحد هو نزول الوحي من السماء، يبعد آلهة الحلوى عن كراسي الحكم، ويضع منهاجاً يسير فيه الحاكم الأرضي طبق إرادة الحاكم الأعلى، وينزع من نفوس الجماهير شراهتهم إلى صناعة حكام من الحلوى ثم التضحية بهم والتهامهم، وإفهام تلك الجماهير أنها ليست مطالبه بتقديس مخلوق ولا عبادته، ولا ملزمة بالسير في ركابه كيفما سار، وإنما هم ملزمون بالسير في منهاج واضح لا يخرجون منه، وأن في إمكانهم إسقاط الحاكم دون التهامه.
وقد نزل هذا الوحي فعلاً على سيدنا محمد r وسارت به الأمة المسلمة حيناً فسعدت به وبها البشرية جمعاء، وتخلى عنه المسلمون فأصبحوا في الحالة التي وصفناها. (/43)
صفحة 44
وعندما يعرف الحاكم أنه عبد الله وليس إلهاً، وإنه يستوي في تلك العبودية مع أي فرد من أفراد شعبه، وأنه مخلوق من لحم ودم وليس من حلوى، وأنه ينبغي أن يتبع منهجا واضحاً وضعه عالم الغيب والشهادة، وأنه ليس مبتدعاً ولا خلاقاً ولا مبتكراً ولا آتياً بالمعجزات، وإنما هو منفذ فقط وأن ما ينسبه الناس إليه من ذلك إنما هم يكذبون فيه ويعرفون من أنفسهم أنهم يكذبون كما يعرف هو نفسه أنهم يكذبون، وأنه ليس آلة مسخرة في أدي أية مجموعة من الناس ينفذ رغباتها، ويستلهم الرشد والصواب منها، وإنما يستلهم الرشد الصواب من قانون الله.
وعندما تعرف الشعوب والجماهير أنها هي نفسها مسؤولة عن السير في المنهاج الذي وضع لها ومطالبة بالتزامه، وأنه ليس من حقها أن تضع مناهج تخالف أو تناقص المنهج الذي وضعه الله لها، وأن الحاكم يجب أن يصل إلى مكانه على أيديها طبقاً للمواصفات والشروط التي جعلتها شريعة الله، فإذا وصل حسب تلك المواصفات والشروط فإنه ليس من حقها أن تلعب به أو تتحكم فيه أو تهدده بالموت أو الإقالة – ما دام يسير بحكم الله – فإذا انحرف طالبته بالتزام الحق، فإن تمادى على الباطل طالبته بالتخلي عن مكانه لم هو أصلح منه، فإن لم يستجب جاز لها حينئذ أن تعامله الإله المصنوع من الحلوى. (/44)
صفحة 45
مخْرُوط الحُكم
كلما فكَّرت في الحكم خطرت لي صورة لا تبرح مخيلتي، ويبدو لي أنها صورة تمثل في صدق حقيقة الحكم وما يدور حوله، تلك الصور هي:
مخروط كبير جداً واسع القاعدة وينتهي بقمة لا تتسع إلا لرجل واحد أو لموقع قدمين فقط، حول ذلك المخروط أعداد هائلة من الناس في كل شعب أو أمة يحاول أولئك الناس في إصرار وعناد ومثابرة أن يتسلَّقوا ذلك المخروط، ويبذل كل فرد منهم ما يملك من جهد للوصول.
لا شكَّ أنه كلما ارتفع المخروط ضاق مجال التسلُّق وقل عدد المتسلقين وكثر عدد الساقطين، بل إن الذين يسقطون من جوانب المخروط المختلفة لا يحصرهم العد ولا يهتم بهم أحد، ولكن المحاولة مع ذلك لا تتوقف ولا تخف، تزدحم الأعداد عند القاعدة ويخف الإزدحام مع الصعود، وأخفّ الجميع حركة وأكثرهم ذكاء وأعرفهم بفنون البهلوانية هو الذي يستطيع أن يستمر في التسلق مستغلاً الظروف السيئة للآخرين، فقد يدرس على قدم أو يثبت رجله على خصر متسلق فيقع ذلك ويستمر هو حتى يتمكن من أن يضع إحدى رجليه على كتف آخر متسلق أو رأسه ليثب منها إلى قمة الهرم ليقف بعد أن يكون دفع بأعلى المتسلقين إلى الهاوية.
ومنذ اللحظة التي يقف فيها ذلك المتسلَّق البارع على قمة المخروط ويسترد أنفاسه تبدأ الحياة معه من جديد، فإذا وقف بقدميه على المخروط، وصرف ناظريه بعيداً إلى الجماهير التي تمتلئ بها الساحات، وسرح بفكره ليرى الحقيقة التي تعيش عليها الشعوب، فإنه سرعان ما تمسك يد متسلق آخر بقدميه ثم تجذبها خارج القمة وتطوح به بعيداً كما فعل هو بغيره دون أن يستمتع كثيراً بالمجهود الذي بذله ووصل به. (/45)
صفحة 46
أما إذا اعتمد على قمة المخروط بقدم واحدة ولم يصرف نظره بعيداً وإنما حبسه على أقرب المتسلقين إليه فجعل كلما قرُب أحدهم من القمة رمحه بالرجل الأخرى وطوح به بعيداً فإنه ربما يطول به الوقوف على القمة، ولكنه في الحقيقة لا يرى شيئاً، إنه يرى إلا أجسام المتسلقين وأيديهم تتهافت قرب القمة على الاستمساك برجليه وقذفه بعيداً، فيعيش على هذا الموقف الدفاعي في عراك مستمر إلى أن تهلك قواه وتخور عزيمته فيتدحرج دون أن يحقق شيئاً مما كان يدور بخلده وهو يقترب من المخروط ليبدأ عملية التسلق.
ربما تكون هذه صورة الحكم عند الدول النامية، أما الدول الأخرى التي تعتبر أنها بلغت شأواً من الحضارة والتقدم، فقد تختلف بعض الإختلاف عن هذه الصورة في طريقة التسلق، ذلك أن كل واحد من المتسلقين فيها قبل أن يحاول التسلق يجمع وراءه مجموعة من الناس بإسم حزب أو مبدأ، يحملون له سلماً للتسلق، وتبدأ معركة الإزاحة والتثبت، فكل مجموعة تحاول أن تثبت سلمها وتسقط سلالم الآخرين، وفي أثناء هذه الحركة يصعد المتسلقون على سلالهم التي لا تفتأ تتحرك وتضطرب، منها ما يسقط ومنها ما ينكسر ومنها ما يسلم، ولكن المتسلق يكون بطيء الحركة فيسبقه من كان أكثر رشاقة وأخبر بفنون البهلوانية، وعندما يصل أحدهم إلى قمة المخروط يستطيع أن يستعيد أنفاسه ويقف معتدلاً وينظر مطمئناً لأن عملية التسلق تنوقف، وهكذا يبقى في مكانه مدة محددة، ثم يتدحرج بعدها عن القمة ليخلو المكان وتبدأ عملية التسلق من جديد.
ولا شك أن الحاكم في الصورة الجديدة هو مدين بوصوله للكتلة التي بلغته، وغالباً ما يكون منفذاً أميناً لرغباتها ومصالحها ومبادئها إن كانت لها مبادئ، وقد يتخلى عنها وينفرد بشخصيته ويستبد برأيه حتى تتم المدة المقررة له، وتمثل قصة الإله من الحلوى. (/46)
صفحة 47
أينَ الرّجُل؟
قلت في مقدمة هذه الفصول إن الأقانيم الثلاثة هي الطفل والمرأة والحاكم، فأين الرجل؟
والجواب على ذلك بعبارة صغيرة قصيرة واضحة: إن الرجل هو المطية التي يعتليها هؤلاء الثلاثة بالتبادل أو في حين واحد.
إن الرجل باعتباره أبا عليه أن يكدّ ليسعد طفله ومن يقوم بخدمة طفله ليوفر لهم جميعاً متطلبات الحياة، وجميع القوانين واللوائح تلقي عليه المسئولية في ذلك.
والرجل باعتباره زوجاً عليه أن يكد ويجتهد ليوفر لزوجته هناءها وسعادتها، يخرج إلى العمل ليأتيها بالمال فتبدده على الفساتين والمساحيق والعطور فوق المسكن والمأكل، ويعود إليها ليتولى عنها غسل الأطباق وملاعبة الأطفال ومحاسبة الخدم، ثم يهيئ لها جولة الفسحة، ومتعة السهر أينما تشاء، هذا إذا كان زوجاً مثالياً طبع على عقله بخاتم العصر.
والرجل باعتباره محكوماً، عليه أن يعد لسانه للموافقة، وحنجرته للهتاف، ويده للتصفيق، ورجليه للمسيرة.
الرجل مخلوق تتكدس عليه الواجبات وليس له حقوق، في الجيش عليه أن يحمل السلاح ويقابل العدو ويموت إذا اقتضى الأمر ليسلم الطفل والمرأة والحاكم.
في الشرطة عليه أن يسهر طول الليل وأن يجوب الشوارع طول النهار، وأن يردّ الأذى عن الطفل الذي يعبث في الشوارع، وعن المرأة التي تتسكع متبرجة لتلفت إليها الأنظار، وأن يتسع ما تنفرج عنه شفاه الغادين والرائحين من كلمات أو همسات ليست راضية عن الحاكم حتى تقطع تلك الشفاه بكلاليب من نار.
في المزرعة عليه أن يشتغل حتى يتصبب عرقاً ويتقطع تعباً ليصحو في اليوم التالي باكراً فيأخذ الخضار والفاكهة الطرية ليتغذى بها الطفل والمرأة والحاكم.
في المرعى عليه أن يصارع الحر والبرد، وأن يقاتل الذئاب والضباع، وأن يحتمل العطش والجوع ليقدم للطفل والمرأة والحاكم لحماً طرياً وفراءً جيداً، ولبناً طازجاً. (/47)
صفحة 48
في دوائر الحكومة والشركة عليه أن يحمل على ألواح من الخشب نصف يوم كامل ليقضي أشغال الطفل والمرأة والحاكم فلا تتعقد عليهم الأمور ولا تتأخر عنهم المطالب.
ومع كل هذا فلا تسمع إلا أصوات النقد للرجل إنه مهمل لم يقم بواجبه في عمله ورغم أن أعمال الوظائف تنجز كل يوم، وأن الأسواق مشحونة بأنواع الخضار والحيوان، وأن المتاجر ممتلئة بأكداس من البضائع، وأن المباني الضخمة تشاد كل يوم، وأن جميع هذا وغيره إنما يتم على كاهل الرجل وراحته وصحته إلا إن الطفل والمرأة والحاكم فيما يبدو غير راضين، وأن النقد اللاذع والسخرية الحارقة واللوم العنيف والمطالبة المستمرة لا تزال تلاحق الرجل باستمرار.
ولو أتيح لنا أن نسأل من هم أصحاب الحقوق في الحياة؟
لأمكن أن يجيبنا مجيب بما يلي:
أصحاب الحقوق في الحياة من بني البشر هم:
طفل لا يعي، يحقق رغباته بالبكاء ليثبت للناس أنه يحكم أبويه.
امرأة مشغولة باستبدال أنواع المساحيق والزينة ثم عرض نفسها على الناس لتثبت لهم أن الرجل الذي يعيش معها يقوم لها مقام الخادم الأمين يقدم لها كل شيء ولا يحاسبها عن شيء.
حاكم مهتم بالهتاف والتصفيق، يفتل له المناسبات، ليثبت للناس أنه حاكم محبوب وأنه سوف يطول به البقاء على كرسي الحكم.
ثم:
فتى في إحدى مراحل الدراسة: يدخل المؤسسة العلمية كأنما يدخلها وقد جمع علم الأولين والآخرين، ويمر بالشارع كأنما يدق البلاط ليستقر ويثبت، وينظر إلى الناس يمرون من حوله كأنما ينظر إلى أسراب من الفراش تعبث بها الرياح، ويتصرف كأنما خلق الله البلاد والعباد من أجله هو فقط، وأن على البشرية أن تخلي له المكان ليتولى هو قيادتها وإصلاحها.
فإذا خطر للرجل أن يسكت الطفل الباكي، قيل عنه متوحش مجرد من العاطفة الإنسانية.
وإذا حاول أن يحدَّ من تهور المرأة المتبرجة قيل عنه متأخر ورجعي ولا يفهم أصول الحياة في هذا العصر. (/48)
صفحة 49
وإذا سكت عن التصفيق والهتاف للحاكم قيل عنه خائن للوطن وعميل للعدو.
وإذا واجه الفتى المغرور قيل عنه غبي وبليد ويريد أن يوقف ركب الحياة ولم الطريق للشباب الطموح.
وهكذا يجد الرجل نفسه بالنظر إلى جميع عوامل الحياة أنه المخلوق الوحيد في الاسرة الإنسانية التي يجب أن تتكدس عليه الواجبات، وعليه أن يتحملها ويؤديها في صبر وأن يتلقى مع ذلك ما يجود به الآخرون من أنواع النقد المر والحلو، إن عليه أن يملأ جيوبه بالمال ليفرغها على مهد الطفل وفي جيب المرأة وأن يمرن لسانه على السرعة في صناعة الكذب ليرضي الحاكم، ثم عليه بعد كل ذلك أن يثقل ظهره بالأحمال وأن يسير خارج الطريق ورصيف الطريق ليترك المجال للفتى المغرور حتى يمر بسلام دون أن يعوقه أحد.
هذه هي الجوانب المشرقة في حياة الرجل في هذه الأيام، أما الجوانب القائمة فيجدر أن تبقى مكتومة لئلا تؤذي أحداً من الناس. (/49)
صفحة 50
مَظَاهر العِبَادة في الأقانيم الثَلاثَة
لاشكَّ أن استعمال كلمة العبادة هنا استعمال مجازيّ، والمقصود بها في هذه الفصول تقديم الإنسان طاعته وخدماته لغيره دون مطالبة بحق مقابل ذلك ولا انتظار الجزاء عليه.
ومظاهر العبادة بالنسبة للطفل تبدو واضحة في السلوك العام فإن جميع الأصوات التي تتحدث عن الطفل تعطيه جميع الحقوق وتعفيه من جميع الواجبات رغم أن مرحلة الطفولة قد تمتد إلى ما بعد البلوغ سنوات تبعاً للمراحل الدراسية المختلفة، فإن الطالب مهما بلغ من العمر يعتبر طفلاً، والنصائح التي تلقى على أفراد الأسرة وعلى المجتمع وعلى الدولة أنه يجب عليهم جميعاً في حدود اختصاصات كل واحد منهم أن يقدموا الطاعة الكاملة للأطفال، وأن يقوموا لهم بالخدمة اللازمة، يعني أن يتحلوا بهذا المظهر من مظاهر العبادة، الطاعة وتقديم الخدمة.
وحتى أولئك الذين يخالفون هذا الإتجاه، ويرون أن الطفل عجينة يجب أن تشكل وأن تطلب منها واجبات وأن ترغم في بعض الأحايين على سلوك معين، حتى هؤلاء لا يجرأون على أن يعلنوا عن آرائهم خوفاً من أن يوصفوا بالجهل والتخلف، ورغم أن السلوك الفردي قد يخالف الرأي المجمع عليه الذي تنادي به جميع الأصوات فإن الوضع يبقى كما هو. (/50)
صفحة 51
ومن الأمثلة الفريبة على ذلك أنك لو جمعت عدداً من المدرسين وسألتهم عن رأيهم في عقوبة الطفل عقوبة بدنية، لظهر الإمتعاض على وجوههم جميعاً، ولأجابوك في نفس واحد: هذا لا يجوز إنه يخالف علم النفس والتربية الحديثة، ثم لا نطلق بعضهم مسهباً يصف لك الأضرار التي تنجم عن هذه العملية، ولكنك لو أتيح لك بعد ذلك أن تزور الفصول التي يدرسونها فربما وجدت بعضهم قد ترك عصاه على المنضدة وآثار أصابع آخر مرتسمة على خدّ طفل مسكين، فهو نظرياً ينساق مع الناس في تقديس الطفل وعبادته وتقديم كل شيء له مع عدم المساس به، ولكنه عملياً يخالف بسلوكه معتقده الناس، وهو شبيه بذلك الرجل الذي يعرف حرمة بعض الأشياء ولكنه مع ذلك يقترفها بغلبة النفس وسيطرة الهوى. (/51)
صفحة 52
ومظاهر هذه العبادة بالنسبة للمرأة أيضاً واضحة، فإن جميع الأصوات التي ترتفع إنما تقرر حقوقاً للمرأة ولا تضع عليها واجبات، بل إن أصواتاً كثيرة تحاسب الماضي على عمومه وإطلاقه وهي في حسابها تجرم المجتمعات، والأديان السابقة، ولا يجوز في عرف الوقت الحاضر أن ينطلق صوت يزعم خلاف ذلك، فعندما يقال لك إن المرأة قد كانت ظلمتها الأسرة أو الشريعة أو المجتمع ويجب الآن أن تنصف فقل صح، وإذا قيل لك أن الرجل قد استعبد المرأة وقد آن أن تتحرر فقل صح، وإذا قيل إن المرأة كل الحقوق وليس عليها واجب فقل صح، وإذا قيل إنها متفوقة على الرجل فقل صح، وإذا قيل إنها أقوى منه وأذكى فقل صح، وإذا قيل إن من حقها التصرف دون حدود فقل صح، وإذا قيل إنه يجب أن يخصص لها في الجرائد والمجلات والإذاعات أركان للأزياء وأركان لتعليم فنون الزينة وأركان التعليم فنون الإغراء فقل صح، وإذا قيل إن الأطفال أطفالها – رغم أنها تتركهم للخادمة أو الجيران – حين تعرض نفسها على أنظار المارة في الشوارع فقل صح، وإذا قيل إن البيت بيتها هي يجب أن يكون على حسب ذوقها فقل صح، وإذا قيل إن على الرجل أن ينفق على هؤلاء الأطفال الذين هم أطفالها هي وعلى هذه البيت الذي هو بيتها هي فقل صح، وإذا قيل إن من حقها أن تشرك أمها في جميع شؤون الأسرة دون اعتراض من الزوج فقل صح، وإذا قيل إن من حقها أن تطرد أم الزوج وأباه من بيت ابنها دون أي اعتراض منه باعتبار الأم حماة مزعجة والأب حماً ثقيلاً فقل صح.
وهكذا كل شيء أن يقدم لها في طاعة ويقال لها في تقرب ويقبل منها في ذلة وإلا قامت القيامة.
أما مظاهر هذه العبادة بالنسبة للحاكم فلعلها تبدو في صور كثيرة هي الأخرى. (/52)
صفحة 53
ما أن يصل الحاكم إلى كرسي الحكم حتى تنطلق الحناجر بالهتاف، والأيدي بالتصفيق بالمسيرات، والإذاعات ببرقيات التهاني التي لو قورنت في مدى نصف قرن أو ربعه لوجدت تحمل نفس العبارات ولم يتغير منها إلا أسماء الحاكمين، وأيمان تقسم للأخلاص، وعهود تبذل بالوفاء، ووعود تُعطى للطاعة والعمل، ثم وصف الحاكم بالنزاهة والعدالة ومحبة الشعب والتفاني في خدمة المصلحة العامة، ثم الزعم بأنه هو وحده الذي حرر الوطن ونهض بالبلاد، وأنقذ الاقتصاد من الانهيار
ومنح العزة والكرامة للجميع وقضى على جميع الأعداء، وربما بالغ بعضهم حتى تجاوز الحدود فوصفه بما لا يوصف به إلا رب العزة كما قال بعض المتسلقين في يوم ما في حاكم ما وهو يقدم إليه تهنئة لمناسبة – إلى مانح الخير ومعطيه -.
هذه بعض المظاهر التي أِرنا إليها وهي كثيرة لا سيما عند الأمم – النامية – كما يقال لها، فما يتسلق حاكم منصة الحكم حتى يحاط بمظاهر العبادة الكاملة وعندما يسقط تتحول تلك المظاهر بسرعة غريبة إلى الحاكم الجديد قبل حتى أن يُعرف من هو ولمن يعمل، ولا شك أن الحكام في الدول النامية أو في بعضها على الأقل يتساقطون كأوراق الخريف، فما أن يغفل أحدهم لحظة عن كرسيه حتى يجد نفسه محكوماً عليه بالخيانة والعمالة، فإن قبض عليه قُتل وسحبت جثته في الشوارع، وإن نجا عاش غريباً بقية عمره.
ولعل هذه الصورة تذكرنا أيضاً بالإله من الحلوى. (/53)
صفحة 54
الانسَياق الجمَاعي
في سنة 1960م كنت في البنان وأعدَّت لنا جامعة بيروت رحلة إلى مغارة قاديشا فمررنا بمتحف جبران.
كنا حوالي 150 شخصاً بين مدرَّسين ومديري ومدارس ومعاهد وموجَّهين فنيين، وقد تنقلنا بين أقسام المتحف وشاهدنا عديداً من الصور والمناظر التي رسمتها ريشة جبران وكان ضمن المعلقات لوحات ليس فيها غير خطوط متعرجة، كنت أقف أمام بعضها متأملاً دون أن أفهم شيئاً، ويمر بي الرفاق وهم يُظهرون الإعجاب بتلك الخطوط المتعرجة المتداخلة وبراعة الفنان في رسمها، كأنما كانوا يشاركونه كل الأحاسيس التي ينفعل بها حتى كانت ريشته الدقيقة تجري بتلك الخطوط، ومر بي أحد كأنما يقصد ذلك، فملت إليه والتمست منه في خجل أن يوضع ما تعنيه تلك الخطوط، وكيف توصل إلى فهم ذلك، فالتفت إلى جانبيه ثم همس إلي محاذراً يقول إنه والله لم يفهم شيئاً من ذلك ولكنه لا يريد أن يقول عنه الآخرون أنه عديم الذوق في الفن وأن يتهم بالغباوة.
فعلمت أن هذه الحالة هي حالة الكثيرين من أولئك الزوار وغيرهم.
هذه الصورة تمثل حالة المجتمعات اليوم، ففي جميع المسائل العامة تبدو لنا هذه الملاحظة واضحة – ملاحظة الانسياق الجماعي مع الفكرة الظاهرة – وإن كان الكثير ممن يسناق وراء تلك الفكرة إنما ينساق دون وعي أو عن غير فهم أو غير اقتناع ولكنه مع عدم الفهم أو عدم الإقتناع نراه يجري مع التيار في اتساق ونظام.
وبهذا الإنسياق الجماعي وراء فكرة أو دعوة أو عادة تتحكم العادات في المجتمعات، لأن الأفراد يتنازلون في مجابهتها عن آرائهم الشخصية ومعتقداتهم الحقيقة، وأحكامهم الصحيحة، مسايرة للفكرة السائدة التي قد يكون هي سلوك الأغلبية، وقد تكون فكرة بدأت في الظهور معتمدة على راسب قوي من العادات أو على دعوى قبيحة من العلم أو الدين أو السياسة. (/54)
صفحة 55
ولعلَّ أبرز ما تتضح فيه فكرة الإنسياق الجماعي ولا سيما بالنسبة إلى المثقفين وأشباه المثقفين هو موضوع الأقانيم الثلاثة، فقد انتشرت آراء عن الطفل ومعاملته وتربيته وسلوكه وما يختص به فانساق الجميع وراء ذلك التيار وصاروا ينادون بها في حرارة وحماس حتى لا يقال عنهم إنهم جهلاء أو متأخرون، وحتى أشد الناس مخالفة لتلك الآراء بالسلوك يقف للإعلان عنها في دعوة حارة وتأكيد وتصميم كأنما هو الذي ابتكرها.
وانتشرت آراء في موضوع المرأة بما فيها من خير وشر فانساق إليها الجميع دون وعي: المرأة نصف المجتمع هي المدرسة الأولى كانت مظلومة حقها في الحرية، تعطلت مسيرة البشرية لإهمال المرأة، ذكاء المرأة، قوة المرأة، تضحية المرأة، في سلسلة طويلة من العناوين الضخمة تحمل في الغالب مبادئ سليمة تندرج تحتها أفكار كثيرة منحرفة زائفة تلهج بها ألسنة لا تفرق بين الخير والشر والحق والباطل وينساق وراءها الرأي الجماعي خوفاً من تهمة التخلف والجمود والجهل، وحتى أولئك الذين يخالفون – بسلوكهم – ما يندرج تحت تلك العناوين ينساقون مع التيار، ويهتفون معه في رتابة وتنغيم.
وموضوع الحاكم لا يخرج عن هذا النطاق، فما يتسلق متسلق منصة الحكم حتى تبادر أجهزة الدعاية إلى الإعلان عنه وإلى إضفاء أثواب فضفاضة عليه من أكرم النعوت وأجمل الشعارات تلهج بها ألسنة كثيرة ثم يتم الإنسياق الجماعي وتمضي فترة قد لا تطول فهوي ذلك المتسلق وبتسلق غيره فتعمل أجهزة الدعاية على تجريد الأول مما كان يوصف به وإلباس الثاني حللاً ضافية من معاني الخير والعمل والكفاح، ويتم كذلك الإنسياق الجماعي في الموقفين دون أن يرتفع صوت بالإعتراض أو يندى جبين بالخجل من تبدل الموقفين.
وفي هذه النماذج الثلاثة كان الإنسياق الجماعي إما عن غير وعي وتفكير وإما عن خوف من تهمة الجهل أو التخلف أو الخيانة ومعارضة الحكم. (/55)
صفحة 56
وعلى هذا النمط بدأت تتكون عادات اجتماعية في المناسبات سوف تكون لها خطورة فما يظهر سلوك معين حتى يتم وراءه الإنسان الجماعي لسبب من الأسباب دون أن تظهر ردود الفعل الفردية أو الآراء الشخصية التي تقف دون انتشار ذلك بين الجميع.
والحقيقة أن فكرة الإنسياق الجماعي في هذا العصر أصبحت من الخطورة في الدرجة الكبرى، ذلك أن الفكرة الخاطئة تجد من الوسائل ما يجعلها تنتشر بسرعة وتلتف حولها الأصوات حتى تصبح سلوكاً، وتقف الأصوات المعارضة مترددة في حناجر أصحابها لأنها لا تقوى أن تعلن عن نفسها لسبب من الأسباب حتى يتم الإنسياق الجماعي وتصبح الفكرة الخاطئة هي المبدأ السليم الذي تبنى عليه الأسس، وتُرفع القواعد، وحينئذ حتى إذا ارتفعت الأصوات المضادة المنكرة، فإنها تضيع في الفضاء دون أن يسمعها أحد أو دون أن يتاح لها الإرتفاع، فتتضاءل وتنمحي ثم تزول.
وهكذا ما أن ترتفع فكرة ما في موضوع عام حتى يتم الإنسياق الجماعي، فالإنسياق الجماعي في هذا العصر ظاهرة واضحة لا اختلاف فيها ولا تخلف، تتم في يسر وسهولة وفي خطوات قليلة وذلك بأن تستعلن الفكرة فيتحمس لها عدد ويدعو إليها وينساق الأغلب، وقد تعارض أقلية في سكوت أو خفوت إما جلاً وإما عدم مبالاة.
وقد نتج عن هذا الإنسياق الجماعي عدة ظواهر يستطيع الملاحظ أن يتبينها بوضوح ربما لخصنا بعضها فيما يلي:
التخلي عن الرأي الشخصي: أصبح الفرد – رغم اعتزازه برأيه الشخصي – لا يعلن عنه إذا كان مخالفاً للانسياق الجماعي، وإذا أعلن عنه فإنه لا يندفع إلى تأييده بما ينبغي له من حماس وقوة وذلك خوفاً من أن يرمى بالتخلف والغباء وعدم الفهم. (/56)
صفحة 57
التضارب بين الرأي والقول والسلوك، فتجد الشخص يقول بما يقول به الناس في الانسياق الجماعي، ولكن رأيه في الحقيقة مخالف لرأيهم ولقوله معهم وسلوكه غالباً ما يخالف رأيه وقوله أيضاً، والأمثلة على هذا كثيرة والباحث يستطيع أن يجد لذلك عشرات الأمثلة في سلوك الآباء والأمهات والمدرسين والطلبة وغيرهم من أفراد المجتمع.
الاندفاع المتحمس مع المجموع دون روية أو تفكير خوفاً من وصمة التخلف والتماساً للسبق والظهور في مظاهر القيادة.
امتداح الخطأ: عندما تشيع الفكرة وتسود تتولى بعض الألسنة امتداحها وتأييدها فيتواصل المدح والثناء من الجميع، وحتى اولئك الذين يعتقدون أنها خطأ، يسارعون في انفسهم وفي مجالسهم الخاصة المأمونة، فهم يمتدحون الخطأ في اعتقادهم جرباً معنى هذا أن الخطأ عندما يستعلن لا يجد من ينتقده وإنما يجد من يمتدحه ويؤيده.
ادعاء الذكاء والفهم: لعلَّ أحداً لا يعترف بالقصور وعدم الفهم في هذا العصر، وكلما أثيرت مشكلة ولا سيما في ميادين الدين والطب والاجتماع والسياسة سارع الناس إلى إبداء الرأي فيها وادعاء الفهم لها والعلم بها، وعندما تتبلور حلول المشكلة سواء كانت حلولاً سليمة أو غير سليمة تزعم جميع الأصوات التي ارتفعت والتي لم ترتفع إلى أنها نصحت بتلك الحلول ودعت إليها قبل أن ينتبه إليها أحد. (/57)
صفحة 58
التحكم بإسم العلم أو بإسم الدين: ظاهره من أخطر الظواهر التي تشكل سلوك الناس في هذا العصر، والانسياق الجماعي واضح في هذه الظاهرة أكثر منه في الظواهر الأخرى ويكفي أن يزعم زاعم في رأي أو فكرة أنها رأي العلم في الواقع يجهلون رأي العلم أو رأي الدين في الموضوع، فهم يستجيبون للدعوة من أول الأمر خوفاً من أن يقال عنهم انهم جهلاء لا يعرفون بدائه العلم وحقائق الدين ثم لا يخجلون أن يردوا ذلك وأن يتحكموا باسم العلم أو الدين، ولاشك أن من خالف بعد ذلك بعد الانسياق الجماعي اعتبر جاهلاً أو غير متدين، ومن الآثار الناتجة عن ذلك أنه عندما تنتشر دعوى من تلك الدعاوى وتنساق وراءها الجموع يقف العالمون بها حقيقة العلم أحد موقفين، منهم من يؤيدها مع علمه بأنها خطأ ويمتدح الدعاة إليها ومنهم من يقف منها موقفاً سلبياً ينتقدها في نفسه ويسكت عنه بلسانه، وكثير من المشاكل المعاصرة التي اتخذ الانسياق الجماعي فيها موقفاً بدأه طلاب الظهور بدعوى رأي الدين أو رأي العلم هي من هذا النوع.
والصورة في إطارها العام بظواهرها المختلفة – سواء ما عرضنا له في هذا الفصل وما لم نعرض – لا تخرج عن مظهر العبادة والتقديس والمندفع الأول فينتج عنه تطرف إلى الجانب الثاني يمثل سلوك الأعرابي مع إلهة من الحلوى. (/58)
صفحة 59
فصُول لم تُكتَب
عندما وضعت الخطوط العريضة لهذا الكتاب، وضعت تحت الأقنوم الثالث ((الحاكم)) مجموعة من العناوين هي كما يلي:
الحاكم.
مخروط الحكم.
الحاكم فرد من المجتمع.
بروز وظهور.
في أول السلم.
مهارة التسلق.
فوق الكرسي.
عملية الزحزحة أو التدحرج.
نهاية آلهة الحلوى.
وعندما بدأت كتابة هذه الفصول، وجدت أنها تعود بي في أكثرها إلى أبحاث فلسفية لا إلى عرض صور واقعية، أو أن الصور الواقعية التي يمكن أن تعرض داخل هذه الفصول هي من الضآلة بحيث تختفي في عرض الآراء ومناقشتها.
والكتاب من أساسه عرض وتصوير وليس بحثاً ولا مناقشة ولا دراسة، فاكتفيت بالفصلين الأولين من المخطط واعتقدت أنهما يعطيان صورة لما أردت أن أضعه بين يدي القارئ الكريم لما يجري في الشعوب المتخلفة والمتقدمة من صراع على الحكم وكيف يتم ذلك في عملية تسلق وزحزحة. (/59)
صفحة 60
كلمة الختام
كنت أتمنى لو أن الدول الاسلامية عرضت الأسئلة الآتية على علمائها الأجلاء، وطالبتهم بالإجابات المحددة عنها في شبه تشريع قانوني دون الضياع بين النظريات المتضاربة التي تستوحي أو تستورد من الشرق أو الغرب ثم تجري بها تجارب عدداً من السنين فتفشل وتعاد التجربة ويعود الفشل.
أما الأسئلة فهي:
ما هو المنهج الذي يسلكه الطفل وكيف ينبغي أن نعدّه له؟.
ما هو السلوك الذي يجب أن تسير به المرأة المسلمة وكيف ينبغي أن نفرضه عليها؟.
ما هو السلوك الذي يطالب الرجل المسلم به وكيف ينبغي أن نحمله عليه؟.
ما هو السلوك الذي يجب على الحاكم المسلم وكيف ينبغي أن نلزمه به؟
وكنت أتمنى أيضاً من أية دولة مسلمة أن تشغل بحمل الأفراد والجماعات على السلوك الإسلامي وإلزامهم به كما تشغل نفسها بحملهم على ما تريده من السلوك السياسي.
ولكن الأماني لا تحقق المطالب ولا ترسي قواعد للبناء.
وإلى أن يتكوَّن الحاكم المسلم الذي يلتزم الإسلام في سلوكه ويلزم به الآخرين، ويضطلع بتنفيذ أحكام الإسلام جميعاً، كدين شامل لتنظيم الحياة البشرية في جمسع مجالاتها ولا يقتصر في أخذ أحكام الإسلام على نتف حسب الذوق أو حسب اقتراحات أشخاص امتلأت أذهانهم بتشريعات الغرب وبهرتهم أضواؤها البراقة.
إلى أن يتم ذلك تبقى هذه الأمة بمختلف دولها وأوطانها حائرة تتلقى الضربات من الخارج والداخل دون أن تملك الساعد القوي الذي يدفع الكيد ويرد العدوان ويحقق العزة. (/60)