صفحة 1
الكتاب: الدعاية إلى سبيل المؤمنين
المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد اطفيش الجزائري
الناشر: المطبعة السلفية ومكتبتها، لصاحبيهما: محب الدين الخطيب و عبد الفتاح قتلان
تاريخ النشر: 1342هـ / 1923م
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) الدعاية إلى سبيل المؤمنين
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف:
عبد ربه
أبي إسحاق إبراهيم آل يوسف اطفيش الجزائري
لطف الله به
1342هـ/1923م
"حقوق إعادة الطبع محفوظة للمؤلف"
المطبعة السلفية-ومكتبتها
لصاحبيهما: محب الدين الخطيب و عبد الفتاح قتلان (1/1)
صفحة 2
الإهداء
من عادة الكاتبين إهداء كتبهم لعزيز لديهم إما اعترافا له بالفضل , و إما أداء لبعض حقه.
ولما لقطب الأئمة مجتهد أو أنه شيخنا عمنا محمد بن يوسف اطفيش من الأيادي علينا , و على يده الكريمة اقتبسنا من نور العلم و اغترفنا من يم العرفان , أهدي كتابي هذا إلى روحه الزكية الخالدة في روضات الجنات قياما ببعض الواجب. أسكنه الله بحبوحة الفردوس في الروح و الريحان و نفع المسلمين بتآليفه.
إبراهيم اطفيش (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
نحمدك يا من شرحت صدورنا بنور الإيمان والتوفيق، أرشدتنا إلى سبيل النجاة من الحيرة والضيق، وملأت قلوبنا إخلاصا للدين، فكان أكبر باعث إلى إحيائه بخدمة العلم وإحياء سيرة سيد المرسلين، رغم كيد الكائدين ومعاكسة الخائنين، حمدا يكون لنا نورا يسعى بين أيدينا يوم ينكشف الغطاء عن مساوي المفسدين. ونصلي ونسلم على أشرف المخلوقات، مطهر النفوس من وسن (1) الجمود والغباوة، سيدنا محمد الذي من تمسك بهديه سعد في الدارين. وآله وصحبه الذين تحملوا كل إذاية وعبء (2) في سبيل تأييد الحق المبين.
وبعد فإن الله عز شأنه، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه بالعقل، ولولاه لكان في مستوى البهيمة، فتح له سبيلي السعادتين، وهداه النجدين، فمنه من كان بلدا طيبا
__________
(1) الوسن الغشيان من نتن ريح البئر يقال وسن وأوسن.
(2) ثقل (1/3)
صفحة 4
يخرج نباته بإذن ربه، ومنه من خبث لا يخرج إلا نكدا، فصيره الله أسفل سافلين بسوء كسبه، يتيه في هوجل (1) الجهالة بفساد اختياره، ينقدح الشك في فؤاده لأول وهلة (2) سمع الحق، ويسعى وراء كل ناعق يصيح بباطل أو بشر أو بضر، اغتمضت (3) عيون كثير من الناس عن الواجب، فعدلوا عن المنهج السوي، وانصرفت قلوبهم عن مراقبة الحق، ورعاية الصدق. فتراهم يتمثلون في مظهر خلاب (4) وشكل يظنون انه مستطاب، ويغدون ويروحون في هيئة يخالونها (5) أبهج الصفات، وفي كل ذلك لا يناقشون أنفسهم الحساب، ولا يوجهون إليها أدنى
عتاب فيأتون بضروب (6) من الأعمال لا تتفق مع الحق والصواب بحال من الأحوال، يخادعون به ذوي البساطة؛ لغاية في نفوسهم، وما يخدعون الّا أنفسهم، وما يشعرون.
أهملوا إعمال الفكر؛ فاستعصت عليهم الحقائق، واستحكم فيهم الهوى فطلبوا إرضاءنفوسهم، وتركوها هائمة (7) فاستبهمت (8) سبيل الهدى؛ فأصبحوا عقبة وعثرة (9) أمام التقدم القومي والحياة العلمية والعملية، فكلما أحسوا بانتعاش
__________
(1) الأرض التي لم تكن لها أعلام ومعالم
(2) الوهلة أول الشيء
(3) صارت غمضه
(4) خداع يقال برق خلاب أي لا مطر فيه
(5) أحسنها
(6) أنواع
(7) متحيرة
(8) اشتبه عليها بحيث لا تهتدي إليه من شدة التحير
(9) كبوة (1/4)
صفحة 5
الأفكار، أو نهوض في مضمار المنافسه، أو حركة في ميادين الاقتصاد، أو ركوب الأخطار للارتقاء إلى أوج (1) الشرف، ملأوا الفضاء لجبا (2) والأرجاء صخبا (3)، ونادوا بالويل واستهولوا الامر، وذهبت أفكارهم طرائق قددا (4) ذلك لأنهم اعتادوا الخمول (5) وألفوا الذل والصغار والذبول (6)، وشبوا وشابوا على الجهل بأسباب الحياة وأحوال الامم وماضي التاريخ، فحسبوا أن كل ما يخالف مألوفهم فهو فساد يطرأ على مستواهم (7)، وخلل في الاعتقاد وسبب في خراب البلاد على أنهم لا ينفكون في الغالب يفصمون (8) عرى الأمة وينقضون (9) ما أبرمه الراسخون ومن أوتوا الحكمة، مما يصلح الهيئة الاجتماعية وتحسن به عاقبة الأمة وينتظم به شملها فيا للعجب من هؤلاء يتدخلون فيما لا يعرفون له كنها (10)
ولا يستطيعون له تحملا، ويفتاتون على كل عمل بمجرد دعوى الزعامة، ظانين أنها مقدسة ولو بدون التأهيل والاستعداد عرفانا وأخلاقا، ويتحكمون في نوازل بأحكام
ما أنزل الله بها من سلطان فمتى وجهت إليهم أسهم الانتقاد
__________
(1) العلو أو الأعلى
(2) الجلبة والصياح والأرجاء الناحية
(3) كثرة الأصوات
(4) طرائق جمع طريقة والقدد بالكسر القطع
(5) الستر الصغار والحقارة
(6) ذبل البقل ذوى
(7) وسطهم
(8) يقطعون
(9) النقض ضد الإبرام
(10) حقيقة (1/5)
صفحة 6
أو حلوا العتاب؛ ليستقيموا أو يبعدوا عن مضان الريب، وينقلعوا من عوامل الفساد، قاموا وقعدوا وأغاروا (1) وأنجدوا، فتبا (2) لتلك النفوس الضارة، والأحلام الطائشة، والأفكار التائهة منشأ الخلاف ومبعث النزاع والتشاكس (3) وآلة انفصام (4) التضامن والتكافل وفك التحام القلوب بين الأفراد والجموع.
يتذرع (5) هؤلاء باسم الدين والحق، إلى غايات شخصية وأمنية حقيرة بشره (6) زائد ونهم جسيم واغراق (7) في المكر، يعبثون بالواجبات والأعراض وحرية الأفراد والعائلات، بدون شفقة ولا رحمة، أضف إلى ذلك استمدادهم من السلطة الاستبدادية، هنالك لا ترى دينا ولا رحمة، ولا رعاية حق ولا عاقبة ولارضوخا (8) للموعظة الحسنة ولا تبكيتا (9) للنفس ولا خوف نكاية (10) العدو ولا غيرها من المهلكات، الأهواء (11) تتلاعب بها الأهواء، وأدمغة دبت (12) فيها خمرة الحمية، ونفوسا لعبت بها نشوة (13) الانتقام،
__________
(1) الغور المكان المنخفض والنجد المرتفع
(2) التب الهلاك
(3) المشاجرة
(4) الانفصام الانفكاك في المعاني ومقابله الانقصام في المحسوسات.
(5) يتوسل
(6) غلبة الحرص والنهم شدة شهوة الشيء وأصلها في الطعام
(7) المبالغ فيه
(8) السكون والخضوع
(9) تقريعا
(10) ايقاع
(11) جمع هوى، الاول المراد به ميول النفس والثاني النفس
(12) مشت
(13) السكر (1/6)
صفحة 7
صفات تذكرنا الدور الجاهلي وما كان عليه العرب وغيرهم من الأمم الهمجية، صفات لا يشاهدها المرء في النفوس المتشبعة بالتعاليم الاسلامية، من الآداب الكاملة والوجدان الطاهر والتهذيب الديني والاعتصام بحبل الله المتين.
إنّ نهضات الشعوب وحركات الأحزاب الصالحة مبنية على قوة الإرادة في الأفراد، وصدق العزيمة التي لاتثنيها عقبات، ولا يفلها (1) حسام، ولا تنصدع بمعارضة الرجعيين، فبمقدار ما تكون الإرادة فيهم من السمو والخير تكون النتيجة وحسن المآل.
ومن المعلوم أنّ أحزاب الإصلاح لا تسلم من المعارضين الذين يألفون الخمول ويؤون إلى كهوف الانزواء (2) طلبا للسلامة في زعمهم واتقاء من الحوادث، فكيف بالذين يستهترون (3) ويلجون (4) أبوابا طلبا للرياسة أو التذاذا بالخلاف، في حين أنهم لا يدركون من يقظةالأفكار ولامن انتباه النفوس الساميةشيئا ما إلّا الجريان على قاعدة (خالف تعرف) كي يصلوا إلى بعض ما سولت لهم أنفسهم من الظهور الفارغ.
ولقد كنا طوينا كشحا وضربنا صفحا (5) عن هذا
__________
(1) الفل الثلم
(2) الاستتار
(3) يتبعون هواهم فلا يبالون بما يفعلون
(4) الولوج الدخول
(5) كناية عن الإعراض وصفح ترك التثريب (1/7)
صفحة 8
الموضوع ردحا (1) من الزمن، رغم ما نشاهده من استهتار الذين جبلت نفوسهم على حب الشقاق والعناد ورفع لواء النفاق والفساد، تنزها عن أن نتنازل إليهم، وترفعا عن أن نكون في مستواهم وتجافيا (2) لمكافحة من لا تأثير له بالحق، إذ هي عناء. لذا قال المتنبي:
ومن البلية عذل من لا يرعوي (3)
عن غيه وخطاب من لا يفهم
وددنا والله أن تطوى صحيفته طيا لا نشر بعده، لكن أبى أولئك الأشقياء الّا أن يلجوا في طغيانهم يعمهون (4) وحسبوا إعراضنا ضعفا ووهنا، ولم يزالوا منهمكين
في مقاومة الحق ومناوأة النهضة العلمية، والطعن في الأعراض، واختلاق ما عساهم أن يلصقوه بأولئك الذين أخلصوا دينهم لله، وعملوا بالواجب الذي ينشده كل غيور، ويسعى إليه كل حصيف، (5) ولابدع إن بادرنا إلى حماية الحق وصون العرض من إفك الخراصين (6) ودفع شكوك ربما تحوم حول القاصرين
ولاخير في حلم إذا لم يكن له بوادرتحمي صفوه أن يكدرا
أصيب وطننا منذ أمد ببعض الحائرين، يجرون إليه الخزي.
__________
(1) سعة
(2) إعراضا
(3) يرجع، والغي الباطل
(4) عمه تردد في الأمر وتحير، والطغيان تجاوز الحد، ولج تمادى على العناد
(5) العاقل السديد الرأي
(6) الكاذبون (1/8)
صفحة 9
وكم نزلت به من النكبات، وتحمل من ويلات تنوء (1) بها الراسيات وكثيرا ما رزح تحت كلكل (2) الاضطهاد والاعتساف.
وطن لم يزل ينكب بما جره فسدة أبنائه الخائنين العاقين المسلوبي الإيمان ولسان حاله يقول:
وردت علي وقائع وشدائد وردت على الأيام صرن ليالي
هكذا تشقى أوطان بأبناء جهلة نحس مستمر، وتسعد بأبناء بررة عارفين كيف كيف تجلب السعادة إليها. ولقد صدق والله القائل:
أنَّى اطلعت على البلاد وجدتها
تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
قاتل الله الجمود والغباوة، يذران نفوسا أعضاء مشلولة (3) في الهيئة الاجتماعية
تصدى أشخاص منذ أن قامت فئة لخدمة العلم والدين والأخذ بيد الشبيبة الناهضة لمقاومتها بالطعن وإيجاد العقبات والصد عن سبيل العلوم، تارة بالسعاية وحينا بالشتائم على صحف لاخلاق ولاذمة لذويها وطورا بالتغرير والمكر.
تولى كبرهم شخص حلقات عمره ضروب من الفتن والأهواء.
كتب رسالة فوزعت بين الناس مجانا، حشر فيها هجر القول
__________
(1) تثقل وتميل، ورزح سقط إعياء وهزالا
(2) الصدر والاضطهاد القهر، والاعتساف الظلم والجور
(3) يبست وفقدت قوتها (1/9)
صفحة 10
وأباطيل وأدلة محمولة على ما لم ياذن به الله، وأحكاما لم ينزل بها سلطانا، مزج فيها بين الغث (1) والسمين والرث (2) بالقشيب (3) والصفو بالكدر والغرر (4) بالغرر
(كمحتطب في اليل مهما يجد يضم)
إنا لنربأ بأنفسنا – لولا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أن ننفق جزءا من حياتنا في جانب هؤلاء الذين خذلهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم، ولعمرو الحق إن نسبة تلك الرسالة إلى من له ذرة من الإيمان أو مسكة من العقل عار وخزي، لولا الواجب لقلنا (سلام عليكم لانبتغي الجاهلين) ولقلنا ما قاله المعري:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى ظن أني جاهل
وإنا لخصنا ذلك الإملاء في عشرة فصول هي محوره ومدار هوج (5) المملي المغرور
أولا: الشباب المتعلم في معزل عن تعلم دينهم.
ثانيا: ذم العلوم الفلسفية مطلقا، وذم العلوم العصرية.
__________
(1) الهزال
(2) الخلق
(3) الجديد
(4) الهلاك والغش والغرر جمع غرة مستعار للشيء المستحسن
(5) الطيش والتسرع (1/10)
صفحة 11
ثالثا: ذم الأسلوب العصري في التعليم.
رابعا: ذم الفصاحة والبلاغة.
خامسا: مدح الخمول والذل والاستكانة.
سادسا: زعمه أنه سالك في تعليمه الأسلوب النبوي.
سابعا: الحكم على رجال النهضة بالضلال
ثامنا: دعوى الإعراض عن السلف الصالح وذم مسالكهم وجحود فضائلهم
تاسعا: زعم تحليل بعض صور الربا والبيوع المنفسخة.
عاشرا: اتهام الرجال العاملين بالغاية الشخصية المادية.
ثم دعم أباطيله بدعاوى فارغة ليست في شيء من الصواب، كما تراه إن شاء الله ونبينه بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة (1)، زيادة على ما هو واضح السقوط بطبيعته عند كل حاذق من مزاعمه ومقاصده الذاتية التي لم تعزب عن البله فضلا عن النبلاء النبهاء
__________
(1) مسلكنا في إيراد ما بناه إيراد آيات أو أحاديث أو ما قاله جهابذة العلم أو ذكر نظريات مسلمة بدهيا، بحيث يدرك المطلع لدى المقارنة مبدأه كليا، وتنكشف له مخباته التي أبداها في صورة حق، لكن أراد به باطلا لا الاعتناء بعبارة منحطة وتمطق مؤلم اللهم الّا اضطرارا لدافع، فتنبه. (1/11)
صفحة 12
إذا جاء موسى وألقى العصى فقد بطل السحر والساحر)
فها نحن شارعون بحول الله وقوته في كشف ذلك الضباب بشمس الحق وغسل هاتيك الأدران (1) بوابل الصواب، مراعين آداب التأليف مجتنبين البذاءة (2)،التي جاء بها، مقتصرين على الدليل والبرهان، تاركين تيار الإحساس جانبا حتى لايكون عملنا شخصيا
(وإني لتنهاني خلائق أربع عن الفحش (3) فيها للكريم روادع)
(حياء وإسلام وشيب وعفة وما المرء إلا ما حبته (4) الطبائع)
__________
(1) الأوساخ
(2) السفه وفحش المنطق
(3) مجاوزة الحد وسيء القول أو القبح مطلقا
(4) أعطته (1/12)
صفحة 13
مقدمة
إن العاقل - متى تأمل في حالة العالم، وما ظهر من تقدم الأمم وتنافسها في ميادين العلوم، ومناهج الحياة والعز والعظمة، واستثمار خيرات الأرض والأخذ بنواصي الأمم البسيطة، وغير ذلك من كل وصف يدل على التمكن والسلطان – أدرك مقار فوز العلم على الجهل وأنه هو أس السعادة والفلاح، وتبين له اتساع دائرة العلوم والتطور العجيب في بني الإنسان منذ أفاض الإسلام على البرية بنو العرفان وسعادة الإيمان.
كان جهابذة (1) الإسلام وفطاحله (2) عند سواده وانتشاره في أرجاء الأرض، وفرار الشرك أمامه فرار الظلام عند انفلاق الصبح، مجتهدين في تدوين العلم واستنباط الفنون ونشر العرفان بكل ما في وسعهم إلى أن أصبحت الأمة الإسلامية زاهرة مغتبطة، تعنو (3) لإرادتها الأمم الأخرى وتقتبس (4) من أنوارها وتأنس لجوارها. ولم يأل (5) جهدا أولئك الفحول في تنقيح ما سبق للأمم الغابرة (6) من العلوم حتى لا يكون للقصور لديهم مجال،
__________
(1) جمع جهبذ النقاد الخبير
(2) جمع فطحل العظيم
(3) تخضع
(4) تستمد علومها
(5) يترك
(6) الماضية (1/13)
صفحة 14
وأضافوا إلى ما استخلصوه إلى ما بين أيديهم، حرصا على أعداء الإسلام ودفعا لكل تفوق في الأخصام.
وسهروا على حياة الأمة العلمية والعملية كي لا تخضع للأعداء ولا تجنح إلى الخنوع (1) – وهما ضروريان بحكم القسر على الجاهل ولدينا ما يقنع - فتصبح ذليلة بعد العز صاغرة بعد العظمة كل هذا بعد ظهور الإسلام بمبعث سيد العالمين،- عليه الصلاة والسلام- بالفتح ونشر الدين ومحو الوثنية وتطهير البشر من عبودية الأوهام، وخضوعه لسلطان الجهل والاستبداد.
وإذا قارنا بين هذا العصر والقرون الوسطى وما آل إليه كثير من الأمم من الانحطاط والهمجية والسذاجة (2) والجهل العميق بينهما من حيث انتشار العلم وظهور النبغاء وتأثير النبوغ (3) في البيئات (4) وإن الحياة بتعميم المعارف بين الطبقات على اختلافها في الجنس والاستعداد. على أننا نشاهد
__________
(1) الخضوع * للأمة الإسلامية أطوار يمكن تلخيصها في ثلاثة:
1 - طور النشر للدين والفتح والاستمداد من أنوار النبؤة، 2 - التدوين واستنباط الفنون وزهور مدينة الإسلام،
3 - التدلي وظهور أعداء الإاسلام على أهله وليس هذا محل الأسباب.
(2) البساطة
(3) الظهور واتساع المعلومات
(4) الأوساط التي يعيش فيها المرء (1/14)
صفحة 15
اليوم شدة الحاجة إلى الشيء التافه (1) (كالإبرة مثلا) المجلوب من الخارج، وما ذلك إلا لخلونا من المعارف وإعراضنا عنها وجهلنا مقار منفعتها. ويعتقد البسيط الفكر أن الأجنبي أولى بالحياة والابتكار والتنعم والنفوذ، وإن ذلك مخصوص به اختصاصا أزليا، والواجب على المسلم أن يستسلم للحكم القسري والقضاء الإلآهي الذي لايعقب، وأنه في سجنه (2) –
جهلا منه بوجوب تعاطي الأسباب (3) –إلى غير ذلك من كل ما يصرف عن الواجب الديني والحيوي، ظنا منه أن ذلك يخفف وطأة الشقاء ونكبة العناء، وما درى أن الشقاء بعينه والبلاء الماحق الذي أباد كثيرا من الأجيال.
إعلم أنّ العاقل لا يغتر بما يكتبه المتعجرف (4) الذي لم يتجاوز فكره عتبتي داره، ولم يعرف من مسالك الحياة ولوازمها - التي هي مزرعة الآخرة – إلّا ما يعرفه الداجن (5) الذي يغدو إلى
__________
(1) الحقير
(2) يستدل كثير بقوله:-عليه الصلاة والسلام- (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) على بؤس ونكد حياة المؤمن، وبحبوحة نعيم الكافر جهلا بالحقيقة، والحديث الشريف معناه الدنيا كسجن المؤمن؛ لما يعتوره من مشاق التكاليف، وكره نفسه على أدائها وقمعها عن الشهوات، والكافر كأنه في جنته لأنها مبلغ نعيمه، ولا يناله ما ينال المسلم من تكليف العبادات والحبس عن الشهوات، والأدلة على ما ذكرنا لا تحصى
(3) ومن الأدلة قوله تعالى: (ابتغوا من فضل الله – فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) وقوله ع م (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لاخرتك كأنك تموت غدا وقوله (تغدوا وتروح) الحديث
(4) العجرفة خرق في العمل وإقدام في هوج
(5) الحيوان الذي يألف البيوت (1/15)
صفحة 16
الكلأ (1) أويروح إلى مربضه (2)، ولقد ران على قلبه سوء كسبه، فكان عليه غشاوة وسجافا (3)؛ فنبا (4) عن أن يكون مهبط الحكمة وينبوع الهداية ومقر التوفيق؛ لذلك طفق يهذي هذيان المحموم ويقبل ويدبر كالهائم المكلوم (5). يصور من الخيال ما عن (6) له، ويفرض من اللوازم ما هو وفق أهوائه فيجعلها مناط (7) أحكامه شأن الذين زين لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون.
جهل القاعدة الكلية (الحكم فرع التصور) فحكم على الفنون الحيوية بالفساد ولم يتصور منها شيئا ولا عرف لها نتيجة.
وثب إلى حكم الترجيح اغترارا وجهلا بالمآل فانكب ذلك بأن طعن في العلوم الكونية التي ورد القرآن الحكيم بها والحث عليها، إذ هي من الوسائل العظيمة إلى تقوية اليقين برسوخ الإيمان والاهتداء إلى منافع خلقها الله لنا وجعلها آيات تدل على كمال قدرته الباهرة وحكمته العجيبة الزاهرة.
وإليك المسلك الذي توخاه الناهضون في تثقيف الشبيبة، (8) ونبذامن فوائد تلك العلوم الجليلة، وبيان مرتبتها من بين العلوم حتى يتضح السبيل أمام السالك البصير.
__________
(1) المرعى
(2) مأوى الغنم، وران غلب.
(3) سترا
(4) بعد
(5) المجروح
(6) عرض
(7) متعلق
(8) جمع شاب (1/16)
صفحة 17
إنّ المسلك الذي انتهجه المخلصون في تربية الشباب العلمي، هو تنمية الشعور الديني وتقويته، وإيجاد الملكات (1) الإسلامية والبواعث على التمسك بالدين، بالوجوه المقنعة والبيانات المؤثرة، وإظهار أسراره ومزاياه وبيان أن لاحياة للمسلم إلا بدينه ولا سعادة إلا بالتمسك بأهداب تربيته الفاضلة، والتحلي بأخلاقه الطاهرة التي بها يكون المرء فائزا في الحال والمآل، كالصدق والإخلاص والأمانة والوفاء والعفة والغير، ة وأضرابها من الصفات الحميدة التي جاءت بها الشريعة الطاهرة المطهرة، واشتهر بها الأسلاف الصالحون رضوان الله عليهم.
هذا المسلك الإجمالي الواجب سلوكه والذي نحن دائبون (2) فيه لإيجاد رجال الحياة والعمل في المستقبل، ولم يتعام عن الحق المعرضون وأنكر النور العامون. وإنكارهم لهذه الحقائق الناصعة (3)، وتصويرها بصورة شائنة (4) ليس بعجيب ممن خذلهم الله ولا بحادث، بل هؤلاء في كل عصر، ومني بهم كل حزب.
وكيف لا ندأب على ما ذكرناه ونحن نعلم علم اليقين أن الأمة الإسلامية ما بلغت إلى أن صارت فاقدة لعزها العريق ومجدها الباذخ (5) ونعمة الاسلام إلّا بترك ذلك السبيل السوي، والانسلاخ
__________
(1) جمع ملكة وهي الكيفية الراسخة في النفس بالتكرر
(2) سائرون
(3) الواضحة
(4) معيبة
(5) العالي (1/17)
صفحة 18
من الصبغة (1) الإلهية واجتراح الموبقات التي جاءت الحنيفية السمحاء لتطهير البشر منها.
وإذا كان المسلم جاهلا بدينه فكيف يتسنى له الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، اللذين لا يكون المرء مسلما بمعنى الكلمة إلّا بهما؟ وبذلك تطلب السعادة الأبدية في الحياة السرمدية في الروح (2) والريحان ورضوان الله الأكبر.
ألق بنظرة إلى العالم تبصر مباراة (3) الشعوب لبعضها بعضا، كل في إحياء شعائره وتأريخه وتقوية مركزه بين الأمم، دينيا وسياسيا وماديا وأدبيا. كل منهم يرى سعادته وحياته في حرس مباديه، وشقاوته ومحوه من صحيفة الوجود في إهمالها. أفلا يكون لنا في ذلك أعظم عبرة؟ أم يتأتى لشعب إحراز مركزه بالسذاجة والجهل لا بالقوة الموزعة بين الأفراد، كل منهم على حسب استعداده الفطري؟ اللهم إنا نريد بأنفسنا خيرا وغيرنا يريد بنا سوءا فمدنا بعنايتك.
نريد المحافظة على مبادئنا (4) وإحياء ما اندرس منها، وعليها نحيا ونموت، تلك المبادئ الصادقة التي استمات في سبيلها رجال جهابذة وأعلام كرام، وأيم الله حياتها بفنون العلم والاجتهاد لا
__________
(1) الصبغة الملة والدين والفطرة
(2) الرحمة والريحان النعيم
(3) معارضة
(4) تطلق المبادئ على ما يمتاز به شعب كالدين واللغة والتاريخ وعلى ما به حياته (1/18)
صفحة 19
بالبله (1) والاستكانه، بالعمل والعزيمة الثابته لا بالأماني والعزيمة الخائرة (2)، بالصدق والإيمان لا بالخيانه والنفاق. (قال): - صلى الله عليه وسلم - (تحروا (3) الصدق وإنّ رأيتم فيه الهلكة)
نريد مجاراة (4) العاملين الذين هم أكبر مثال محسوس في الشعوب، لا الاندماج (5) في غيرنا أو التفصي (6) من المباديء الصحيحة الممتزجة بدمائنا. ومن الغلط الفادح (7) بل من من الموت الزؤام (8). أن يرى البصير عناصر تجاوره تعمل بجد ونشاط وعزم وهو صامت لا يبدي حراصا.
كفى ما مضى من الإغفال والإهمال يا قوم وحسبنا ما حل من نكبات الجهل وانتبهوا من ذلك السكر المديد، لقد ضل من انخدع لمغالطة الجامدين وهلك من خشع لوساوس اليائسين، وقد أمرنا الله تعالى أن نكون مع الصادقين في الأقوال والأفعال في قوله سبحانه (يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)
فلا تغرنكم كلمات يكتبها من لازلتم تشاهدون منهم أعمال الجناية والنكاية بقومهم، وكيف ما كانت في نظركم حقا فقد أريد به باطل، ولئن انخدعنا مرة فلا ننخدع أخرى (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين)
__________
(1) الغفلة
(2) الضعيفة
(3) اقصدوا
(4) الجري معهن أي فيما هو خير
(5) الدخول
(6) التخلص
(7) الثقيل
(8) الكريه (1/19)
صفحة 20
إن التلاميذ ليسوا في معزل عن تعليم ما يلزمهم من علمي التوحيد والشريعة كما يدعي المعارضون، وهم يعلمون أنهم لكاذبون، بل يأخذون من هذه الواجبات ما يترتب عليهم كأن يأخذوا دروسا في علم التوحيد، ودروسا في الفقه (1) في كل أسبوع، مع اليقظة التامة في مراقبة البالغ منهم عند التباسه بأداء الواجبات وإقناعهم بأنهم خلقوا للعمل العائد عليهم بالفلاح العاجل والآجل ألا وهو تمسكهم بالدين الحنيف بمعنى الكلمة قولا وفعلا، بطريقة لا يحلم بها الأجلاف، سهلة التناول واضحة البيان، يفهمون بها ما هي شريعة الله؟ ويدركون ما هي العبادة؟ زيادة على ما يلقى إليهم من تاريخ الإسلام وحياة الأئمة، وعبثا نحاول أن نبرهن على ما هو ساطع كالغزالة (2) رأد الضحى.
(أيعمى العالمون عن الضياء؟)
ومما أوضحناه تعلم أن المسلك الذي انتهجناه مع هذه النهضة المباركة في تثقيف أذهان التلاميذ وتهذيب أخلاقهم هو
__________
(1) يلقى لهم درس يوميا في الأيام الطوال إما في الفقه وإما في التوحيد، وإما في تاريخ الأئمة (سلم العامة) و (جامع أركان الاسلام) و (نور التوحيد) وأمثالها.
(2) الشمس وقت الضحى (1/20)
صفحة 21
الصراط السوي والمسلك الحميد، كما سلمه المعارض نقلا عن المجلة (1)، وهو أرقى ما ينبغي أن يتبع حيث لم يفقد فيه الطلبة ما يجب من وظائف الدين قولا وعملا واعتقادا، ولا ما تتحلى به نفوسهم من التهذيب والأخلاق الفاضلة والشيم الجليلة والشهامة والإباء وعزة النفس التي بها يترفع المرء عن الدناءة ومواقف التهم، وما ينمي فيهم القوى العقلية والشعور الديني.
وظهر لما ذكرنا آثار اعترف بها أهل المعرفة، ولئن امتعضت بها النفوس الموبوءة التي تتضرر بالمحامد والصالحات، فذلك شاهد قاطع إذ لا تزداد العيون الرمداء بالنور إلّا عموشة، وأكبر شهادة على فوزنا ما نقله عن مجلة (نور الإسلام)، هذا المعارض جاءت منه عفوا تأييدا لنا رغم إرادته إذ ذاك نفس ما نحن دائبون فيه، إن لم نقل بعضه والحمد لله.
أما التهوش ومحاولة التذرع إلى تفويض مشيد الحق، وما أبرمه ذوو الإخلاص بانتحال عناويين واهية، ومزاعم باطلة واعتبارات ساقطة ودعوى صرف الناشئة عن علوم الدين عملا
__________
(1) ومن العجب التجاء هذا المخذول إلى الاستدلال بالمجلات، وإدراج المقالات في الصحف، وهو بالأمس كان يحكم عليها بأنها من لهو الحديث، وربما أفتى بحرمة الاشتراك فيها أو الاشتغال بمطالعتها، هي الأغراض تفعل في النفوس التائهة ما تشاء، نسأله العصمة من الخذلان والخطل.
(وشر ما يكسب الإنسان ما يصم) (1/21)
صفحة 22
واعتقادا إلى علوم الفلسفة التي لا وجود لها في هذه الأقطار فضلا عن أن تزاول في المدارس الابتدائية فلا يستفز ذوي الألباب ولا يخفى مغزاه عن ملتمسي الصواب، ولا يزيد الظالمين إلّا خسارا، ولعمر الحق إن هذا الشخص وأضرابه لا يفهمون للفلسفة معنى إذا كان هذا مبلغ إدراكهم ونهاية تصورهم،
على أن الفلسفة الصحيحة حرم منها معاهد التعليم الإسلامي بهذه الأرجاء والحال أنها من أجل الفنون التي توصل الإنسان إلى المدارك السامية والوقوف على الحقائق والأسرار الكونية، إذ أمرنا الله بتدبرها والبحث عن منافعها، لأن الإنسان لا يتوصل إلى شيء من ذلك بدون النظر الصحيح والبحث الصادق، وإذا أمعن ذو الإدراك السامي النظر في الكتاب العزيز، وما احتوى عليه من علوم الأولين والآخرين، وجد من المعاني والآيات الجاذبة للفكر إلى اكتشاف غوامضها واستطلاع أسرارها والاهتداء إلى حكمتها ما يجعله مندهشا، وقد امتلك الإعجاب حسه وأخذ بتلابيبه من كل ما يبعث النفس إلى التنقيب على مكنوناتها وإبراز دررها والاستضاءة بأنوارها التي لايزال العالم في سنائها مجدا. (1/22)
صفحة 23
الكلام على الفلسفة الحقة
لا نعني بالفلسفة ما هو عبارة عن سوء العقيدة في الدين ومحاربته والإلحاد فيه- معاذ الله – كما يتوهمه الذين لا يفقهون، وإنما الفلسفة الصحيحة المطلوبة هي المعرفة بقول بعضهم: (هي عبارة عن البحث عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر على قدر الاستطاعة البشرية) وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (البقرة /269)
وعلى هذا يكون موضوع الفلسفة، هو الأشياء الظاهرة للعيان أو التي يمكن تصويرها في الأذهان، وتكون الغاية منها التشرف بالكمالات في العاجل، والفوز بالسعادة في الآجل، وعلى هذا الشكل تتفق مع الدين ولا تنافيه.
والفلسفة والحكمة ماصدقهما واحد، والحكمة في اللغة العلم مع العمل، وتطلق على العدل ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده وأفعال الله كذلك لأنه يتصرف بمقتضى الملك؛ فيفعل ما يشاء وافق غرض العبادة أم لا. وتطلق أيضا على القرآن قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل / 125)
أي القران. وعلى النبوءة قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (النساء / 54)
وعلى الفهم والعلم، قال (1/23)
صفحة 24
تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)، وفي عرف العلماء هي استعمال النفس الإنسانية لاقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة الحاثة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها.
نقول انتصارا للحق وإفادة لمريدي التحصيل: قد قسم العلماء الفلسفة إلى أقسام، منها ما يخص العبادات فسموه بالفلسفة الإلهية، ومنها ما يخص إدارة الأحكام فسموه بالفلسفة السياسية، وما يخص الأعمال البشرية من صناعة وزراعة وتجارة وما أشبهها فسموه بالفلسفة المدنيه، وما يخص النفس من حيث التهذيب فسموه بفلسفة الأخلاق،
وقسمها الإمام الجيطالي (1) -رضي الله عنه- في (القناطر) على
__________
(1) نسبة إلى جيطال قرية من قرى الجبل بطرابلس الغرب، وهو المحقق الجليل الآخذ من كل فن القدح المعلى، الفيلسوف الماهر صاحب التصانيف المفيدة والتحقيقات المنيفة الدالة على براعته وتضلعه الشيخ اسماعيل بن موسى الجيطالي رحمه الله.
من تآليفه هذا الكتاب المشتمل على ثلاثة أجزاء الجامع لفلسفة الأخلاق والفنون الشرعية بأسلوب فائق وترتيب رائق مع ... الاختصار غير المخل، وهو من أهم الكتب في تربية النفس وتحليتها بالكمالات الإنسانية وتطهيرها من الرذائل وقبائح الأخلاق، وله القواعد في التوحيد والفقه وشيء من الحقوق، وهو من أنفس الكتب المعتمدة عند أصحابنا، وله (كتاب الفرائض والحساب والجبر، وكتاب المناسك وغيرها، وكان -رضي الله عنه- مشهورا بالفضل والورع والتقى والجد والاجتهاد، يتبين للمطلع من غضون عباراته مقدار نبوغه وغوصه في علوم الآداب وعلوم الدين وتأثيرها الدال على إخلاصه، وبالجملة كان من رجال العلم والعمل الذين تجاب إليهم الأقطار وتشد إليهم الرحال، توفي- رحمه الله -في جزيرة جربة وروضته معروفه تزار وتلتمس فيها الإجابة. (1/24)
صفحة 25
طريقة من جعل المنطق من فنونها لا من مباديها إلى أربعة أقسام أيضا حسب ما جرى عليه الأولون، وهي إما أن يكون البحث عن الخطوط والسطوح والأشكال بأنواعها، عمليا وتعليما فهو الهندسه، وإما البحث عن وجه الدليل وشروطه ووجوه الحد وشروطه فهو المنطق، قال- رحمه الله- (وصناعة المنطق تعطى بالجملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل، وتسدد الإنسان نحو الصواب والحق في كل ما يمكن الغلط فيه من جميع المعقولات وذلك إن في المعقولات أشياء لا يغلط العقل فيها أصلا، وهي التي يحتاج الإنسان في إدراكها إلى تفكير وقياس واستدلال، وفي هذه يضطر الذي يلتمس الوقوف على الحق اليقين في مطلوباته كلها إلى قوانين (المنطق) ا هت
أما البحث عن صفات الباري عز وعلا وكمالاته فهو الإلهيات وأما البحث عن صفات الأجسام وخواصها، وتراكيبها وكيفية استحالتها وتغيرها وتحليلها فهو علم الطبيعيات (1).اهـ
__________
(1) لو تاملت أيها القارئ الكريم كيف تنجز من هذا الفن الفوائد العظيمة، التي ارتقى بها فن الطب في هذه العصور وع فن الكيمياء الذي هو فن تحليل الأجسام واستخراج منافعها ومعرفة مضارها حتى أصبحت طريقة مقاومة الأمراض – إلا نادرا – من الميسور على البشر، والطب من أهم العلوم وأقواها نفعا تتبارى فيه الشعوب المتمدنة، فكم رفع هذا الف العظيم عن النسان مضض الالام ونكبات الأسقام فأصبح في نعمة الصحة يرفل في برد العافية، قائما بجميع الواجبات الدينية والدنيوية، بعد ما كان إذا أصيب بألم لازمه لفقدان علم الطب، وربما لاينفك عنه إلى أن يفارق الحياة، ضحية الجهل. (1/25)
صفحة 26
وعلى هذه الطريقة تدريس فن الطبيعة في المدارس النظامية كما نبينه في موضعه. وقسم العلامة نور الدين السالمي (1) - رحمه الله- في (شرح المشارق) الفنون باعتبار الأحكام الخمسة، فقال: فمنها مختلف في إباحته وعدمها.
الاول: المنطق الفلسفي والصحيح الإباحة ولا حجة للمانع، وما ذكروه من التعليل في تحريمه من أن اليهود والنصارى يتعلمونه فليس بشيء نعم ويلزم عليه تحريم النحو والصرف لأن أولئك يتعلمونه ويلزمهم تحريم تعليم القران إذا ثبت أن أولئك يتعلمونه ولا خفاء في بطلان هذا
__________
(1) هو الجهبذ الهمام أعلم علماء جزيرة العرب بطل عمان نور الدين أبو محمد عبدالله بن حميد السالمي العماني -رحمه الله -، أحد الأعلام الفخام صاحب التآليف الجليلة والمتون المفيدة منها: متن المشارق وهو أهم المتون في التوحيد كتب عليه شرحين طويل ومختصر الأول جمع شتات مسائل الأصول وحقق مسائل الدين وعقيدة أهل الاستقامة، ببيان شاف كاف، وحاشية جميلة على الجامع الصحيح في الحديث ومدارج الكمال نظم مختصر الخصال وشرحه معارج الآمال في ستة عشر جزءا على ما بلغني وأظنه لم يتم وطلعة الشمس ألفية في أصول الفقه وشرحها شرحا عظيم الفائدة في جزئين من أهم ما كتب في الفن وأجمعه وغيرها من المتون والمؤلفات كان أكبر ركن في استقلال عمان تحت أمام النير الأجنبي توفي- رحمه الله- في ربيع الثاني سنة 1332هـ بعد أن ترك له ذكر رجال التاريخ العاطر ورجالا من أفذاذ العلم والسياسة. (1/26)
صفحة 27
القيل وما ذكروه من التعليل بالإشفاق على الضعيف بأن يضل بضلالات الفلاسفه ويعتقد اعتقادهم فهو تعليل لا يوجب التحريم لذلك العلم لكن نفس الضلالة ونفس الاعتقاد هو المحرم لا العلم
فأنت ترى ما يقوله الائمة الأعلام حملة الشريعة في هذا الفن الجليل الذي تبجح المغرور بذمه افتئاتا وغباوة اعتمادا على قول ابن السبكي إذ وافق هواه وهو لا ينهض حجة.
وكان من أساطين الفلاسفة المحقق المجتهد الإمام الكامل شمس الدين أبو يعقوب الوارجلاني (1) -رضي الله عنه- ويشهد بذلك
__________
(1) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني -رضي الله عنه- أحد الائمة المجتهدين البارعين الذين جابوا الأقطار وسبروا أغوار الأمم وبحثوا في حقائق كتاب الله وفسروه، وتفسيره -رحمه الله -لم ينسج على منواله ذلك العصر مع أنه عصر التدوين والنبوغ، ذكر أنه في سبعين جزءا جمع فيه من العلوم ما لم يذكره غيره، غير أنه تلاشى في تلك الحروب الداخلية التي منيت بها الأمة الأسلامية حينا من الدهر وفتوح المغرب وترجمة رجال الإباضية، ذكر لنا أحد الأساتذة أنه اطلع عليه في كلية بأوروبا وأظن بألمانيا وكتاب الدليل في أصول الدين وغيرها من التآليف المنبئة عن مقدار تضلعه في العلوم، وكان من كبار المنجمين، قرأ بقرطبة ونبغ فيها في علوم اللسان والحديث والتنجيم والتفسير والفلسفة وغيرها من العلوم وعاد إلى وطنه وهو من العلماء العظماء والفلاسفة الأعلام الذين هم خصب القلوب ونور العقول، وكان معدودا عند علماء أوروبا في تراجم الرجال الأفريقيين الذين يشار إليهم بالبنان رحل إلى السودان إلى خط الاستواء لمشاهدة تلك الأمم والاطلاع على أحواله واكتشاف ذلك الإقليم الغميض والبحث عن اعتدال الليل والنهار، ولا جرم أنه العالم الوحيد الذي عنى بهذا الاكتشاف في القرن السادس، مما يدلنا على علو كعبه وسعة عقله، واعتناء المسلمين بالاكتشاف في القرون الأولى عكس ماما يتمشدق به الأوروبيون من اعتنائهم بالاكتشاف واجتلاء الحقائق دون المسلمين وهم لم يعتنقوا بذلك إلا منذ أربعة قرون تقريبا، ولم يكتشفوا الراب الذي يعرفه المسلمون ويقرؤونه في القرآن إلا في القرن التاسع عشر ولم يكتشفوا منطقة خط الاستواء إلا حوالي القرن السابع عشر وهكذا كان الفضل في إبانة الحقائق لعلماء المسلمين، وكان- رحمه الله- كيمياويا واغترف من سائر مناهل الفنون وفاز بالقسط الأوفر فحاز قصب السبق بين أقرانه توفي -رضي الله عنه- وأسكنه بحبوحة الفردوس في أواسط القرن السادس بمسقط رأسه جزاه الله عن العلم والإسلام أحسن جزاء ونفعنا بتآليفه. (1/27)
صفحة 28
تآليفه مرج البحرين الجامع بين المنطق الفلسفي وعلمي العدد والهندسه وهو من أهم الكتب الإسلامية المترجمة الى اللغات الأجنبية على ما بلغنا لعظم فائدته عند الأمم الحية ومهجور لدينا
بعد أن عني به المحققون منهم البدر الشماخي (1)
__________
(1) هو العلامة المحقق نادرة زمانة الغزير المادة بدر الدين الشيخ أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي- رضي الله عنه-، أحد المؤلفين في كثير من الفنون والذين أبرزوا نتائج قرائحهم للقاصي والداني وكشفوا غوامض المشكلات وأزاحوا الشبهات، يعلم من طالع كتبه مقدار تضلعه وما أوتيه من الحكمة وسعة المعلومات.
من تآلايفه (شرحه على مختصره للعدل والإنصاف) في أصول الفقه وشرحه لمتن العقيدة وهو شرح لطيف ولكنه غاية في النفاسة، وكتاب السير جمع فيه تراجم الأئمة وتواريخهم وكثيرا من العلماء أضاؤا الشريعة بنور المعارف فكانوا خير قادة، من خصائصه في بابه أنه جمع كثيرا من فتاويهم واستنباطاتهم ومنه يستفيد الإنسان سيرة الأصحاب المحكمة التي هي سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسيرة الصحابة وخيار التابعين -رضي الله عنهم- والعائلة الشماخية من أعرق العائلات حسبا ونسبا قد ذكر أن نسبهم يتصل بنبي الله هود -عليه السلام- وهي معروفة بالعلم وعظماء الرجال، منهم ذلك المجتهد الجليل صاحب الكرامات الجلية الشيخ عامر أحد المدونين والجهبذ العلامة الشيخ سعيد بن قاسم -رحمه الله- نزيل مصر ونائب الدولة التونسية إذ ذاك بالقاهرة، كان من الأكابر الجامعين بين الدين والدنيا والعلم والسياسة حتى كان الفيصل الوحيد عند خديوي مصر توفيق باشا وأبا حسن معضلاته ومن أشد العظماء على عرابي باشا في ترك الفتنة وتحذيره سوء مغبتها وله في تلك الظروف الحرجة موقف هابه به الخاص والعام، ومات ولم يعترف باستيلاء فرنسا على تونس، ولا سلم لهم بالنيابة وكان قوي النظر بعيد الغور شديد العارضة قوي الإرادة ولم تزل هذه الفئة الجليلة تبدي لنا من خيرة الرجال وكرام الفحول بعد العائلة البارونية الفخيمة ما ترك لها في القلوب المكان السامي وصارت محل احترام وإجلال في الأصحاب إلا أن أهلها الآن تفرقوا وهجروا العلم إلى الاشتغال بالدنيا وانقرض أولئك الذين أجلهم التاريخ وحفظ لهم الآثار الحميدة ولله عاقبة الأمور أرسل الله فردا منهم يجدد شبابها. (1/28)
صفحة 29
-رحمه الله- وضياء الدين عبد العزيز الثميني (1) شرحه شرحا وافيا كشف فيه عن غوامضه وأظهر سر الفلسفة الصحيحة وسر العالم العلوي ونوه بفحول هذا الفن. وأيم الله إن هذا الشرح
__________
(1) هو علامة المعقول والمنقول نابغة عصره المحقق ضياء الدين الشيخ عبد العزيز ابن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الله الثميني بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز بن موسى بن محمد بن عبد العزيز بن يحيى بن موسى الحفصي نسبة الياجراني بلدة مات- رحمة الله عليه- وهو ابن نيف وتسعين سنة، يوم السبت عشية أول العشرة الوسطى من رجب عام 1223هـ، كان رحمه الله من العظماء العاملين وقدوة السالكين، له من التصانيف (النيل) وهو أحسن متن دون في الفقه الإسلامي ومكارم الأخلاق، و (تعاظم الموجين على مرج البحرين) و (معالم الدين) في أصول الدين جمع فيه من اللباب ما يغني ذوي الألباب و (مختصر المنهاج) أحد الكتب المعتمدة في الفقه والتوحيد و (الورد البسام في رياض الأحكام) أحسن كتاب أخرج للناس في أحكام القضاء والمعاملات، ومن سوء الحظ لم ينتبه أحد المترفين إلى إبرازه في عالم المطبوعات مع ما إليه من الحاجة في أكثر الأحكام و (عقد الجواهر مختصر القناطر) و (المصباح) مختصر أبي مسالة والألواح و (مختصر حاشية المسند) ومختصر أصول الأرضين سماه (تكملة النيل) و (كتاب حقوق الأزواج) وهو أعظم كتاب جمع من النظام العائلي والحقوق الزوجية مالا يفتقر إلى سواه و (شرحا الرائية والنونية) وغيرها وله -رحمه الله- حسن التعبير وأرقى أسلوب التأليف حتى كان شيخه -رضي الله عنه- يكنى عنه بالعربي السليقة، تولى الرئاسة العامة وسلك بالشعب سبيل السعادة وقام بالوعظ والإرشاد وتطهير النفوس الجامحة من داء الجهل والفتن وضرب على كل يد عابثة بالهيئة الاجتماعية إلى أن لزم ربعه العامر لما استولى عليه الهرم حتى أتاه اليقين فانتقل إلى رضوان الله والأمة عنه راضية آسفة. (1/29)
صفحة 30
من النفاسة بمكان إلا أنه لم يتمه -رحمه الله-.
ولا غرو فقد أبان لنا هذا العلم الذي يهتدى به قيمة فن الفلسفة في كتابه معالم الدين وفتح لنا المهيع (1) الذي لا يضل من سلكه ولا يغتاله (2) طمسل ولا هيم (3)
قال المصنف والشارح: (وفائدة تدوين المنطق وتعلمه كما قال الحفيد التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب والخير والشر وهو معنى قول المصنف إيضاح الحق بالقياس كما سيأتي المؤيد أي المقوى بالبرهان الصحيح ليكون المرء على ثقة
__________
(1) الطريق الواضح الواسع
(2) اغتاله قتله بغته، والطمسل بضم الطاء والسين اللص
(3) التحير وشدة العطش (1/30)
صفحة 31
ويقين من نفسه لأنه يثلج الصدور وبصيرة من أمره في علمه ويعقبه في حجته السرور ليهلك من هلك عن بينه ويحيى منحي عن بينه إلى أن قال المصنف وبفائدة المنطق حاج الله المشركين في القرآن وقرعهم ببراهينه)
وأورد الإمام رسائل أخوان الصفا ونوه بشأنها تنويها وهي أصول الفلسفة وعمدتها وجمعت من الفنون التي ذمها المفتون، أبعد هذا يقام لضوضاء (1) الجهلاء وزن؟! ولولا خشية الإطاله لأوردنا لك ما يبهر العقول، ولنكتف بمصة من وشل (2) فإذا تأملت بعين بصيرتك – وقد اتخذت الإنصاف رائدك (3) ونبذت عنك غلاف الجمود – في كل ما ألممنا به مما كتبه هؤلاء المتبحرون في علم الشريعة أدركت
سذاجة (4) فكرة ذلك المسكين وتهتره بدون روية (5) ولا بصيرة واندفاعه بباعث الشهوات الخسيسة ما يجب عليه أن يندب (6) حظه ويبكي على نبوه (7) عن مقعد أهل النبل (8) وتلكده (9) بذوي الحماقة والجهل
ولأهل العصر توسع في معنى الفلسفة ولذا أطلقوها على
__________
(1) كثرة الأصوات
(2) قليل من كثير وقد يطلق الوشل على القليل وهو ضد
(3) رسولك والأصل رسول لطلب الكلا.
(4) البساطة
(5) فكر
(6) يندب يبكي والحظ النصيب
(7) نبا السيف عن مكانه أخطا المحز
(8) العقل والنجابة والذكاء والحذق
(9) التزاقه ولزومه لهم (1/31)
صفحة 32
النتائج الفكرية العلمية وكل ما يعتمد على البحث الفكري فقالوا فلسفة الآداب وفلسفة العربية كما يقال فقه المسئلة. وكانت في الأصل هي علم الحكمة والمنطق مفتاحها ودليل الصواب ومقوم العقل ومسع دائرة الفكر وذلك متى كان ملكة للإنسان تترتب عليه حركات فكره وهذا يحصل بكثرة التمرين والاستعمال وقد أطال ضياء الدين الثميني في إطرائه (1) في الشرح نقلا عن شرح المطالع، قال بعد كلام طويل: (أصبح العلماء الراسخون الذين تتلألأ (2) في ظلم الليالي أنوار قرائحهم الوقادة، واستنارت على صفحات الأيام آثار خواطرهم النقادة، يحكمون بوجوب معرفته، ويفرطون في إطرائه ومدحه، حتى أن الشيخ أبا علي بن سينا إذا حاول التنبيه على جلالة قواعده وفضلها قال: المنطق لكم العون على إدراك العلوم كلها، وأبا نصرالفارابي ذلك الفيلسوف الذي لم يظفر بمثله في تحقيق المعاني وتشييد المباني، وترقى أمره إلى حيث لقب بالمعلم الثاني، رآه كالعقد النفيس، وإذا قاسه بالعلوم الأخرى أحله منها محل الرئيس. الخ
فارجع إلى الكتاب فإن فيه ما يثلج (3) الفؤاد، ويميط (4) الأذى عن طريق المراد
وبهذا النزر (5) اليسير يظهر للبصير
__________
(1) مدحه
(2) تشرق
(3) يطمنه ويسكنه
(4) أزال والأذى الضرر.
(5) القليل. تأمل ما أوردناه في هذه الصفحة مع ما نقله المخذول عن ابن السبكي تدرك الحق (1/32)
صفحة 33
فائدة الفلسفة الحقة التي نأسف لفقدانها من مدارسنا وفقدان أساطينها المنورة للفكر، والكاشفة لحقائق الموجودات وأحوالها بقدر الطاقة البشرية.
والعجب من الذين إذا سمعوا الأبحاث العقلية أو علومها امتعضت (1) نفوسهم واقشعرت جلودهم وتقطبت (2) وجوههم وهم يشاهدون الكتب العالية الإسلامية،
كمعالم الدين لضياء الدين والمواقف للسيد وغيرها كثير مشحونة بها، وبها تدفع الشبه الزائغة ويقرر الحق بما لا مزيد عليه وتظهر القوة الفكرية وأسرار النفوس الشريفة ونتائج القرائح. وهل المراد بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (آل عمران / 190) الآية وقوله (ألم ينظروا في ملكوت السماوات والارض) الآية في كثير من أمثالها إلا جذب العقول إلى البحث فيها وتدبرها حتى تقف على كمال قدرة الباري جل شأنه وآياته العجيبة وحكمته الباهرة فتعترف له بالوحدانية وتخضع لعزته وجبروته وصمدانيته؟ سبحانه من إله عجزت عن أن تناله الأفهام، وتاهت في جماله واتقان صنعه الأحلام، لااله الا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
وعرف بعض الفلسفة بالتشبه بالخالق بحسب الطاقة البشرية
__________
(1) غضب وشق عليه
(2) زوى ما بين عينيه وكلح (1/33)
صفحة 34
لتحصيل السعادة الأبدية واستدلوا لهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تخلقوا بأخلاق الله) أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات والتجرد عن الجسمانيات، وقد رأيت ما ذكرناه لك وهو الحق الذي ما بعده إن شاء الله وتوسع المتأخرون في مباحث كثير من فنون الفلسفة ولا سيما فن الطبيعيات فسموا بعضا منها بأسماء مخصوصة.
كعلم الجيولوجيا (1) وعلم الفسيولوجيا (2) وعلم الهستولوجيا (3) وعلم البكتريولوجيا (4) وغيرها كثير.
واعلم أن البحث في الطبيعيات يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة وأسباب استحالة مزاجه، فكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطب فليس من شرطه إنكار ذلك العلم (5)
وأما ما يزعمه أهل مذهب النشوء والارتقاء فكلام سخيف ساقط صار الآن بين العقلاء ضحكة وهزءا، وكذا القائلون بمذهب الاشتقاق. وليس كتابنا محل البسط فكل هذه لا تحوم حول أهل القرآن إلا من أضله الله (ومن يضلل الله فلا هادي له)
__________
(1) طبقات الأرض
(2) وظائف الأعضاء
(3) التشريح الدقيق
(4) المكروبات أو الجراثيم
(5) بقي في حافظتي أنني رأيت للشافعي ما نصه: العلم على قسمين علم الأبدان وعلم الأديان فعلم الأبدان مقدم على علم الأديان. (1/34)
صفحة 35
فالمسلم يعتقد اعتقادا جازما أن الطبيعة مسخرة لله، لا تعمل بنفسها استقلالا، بل التأثير لمن فطرها (والشمس والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)
وأنه سبحانه قدر نجاح المسببات بتعاطي الأسباب، فهذا هو السر في ازدياد إيمان المؤمن ورسوخه لأنه كلما تجلت له لطيفة تيقن أنها من دقائق صنع الله الذي أتقن كل شيء سبحانه هو الواحد القهار.
ومن الناس من يبحث في عالم الطبيعيات، وعجائب الحيوانات والنباتات، والخوض في علم التشريح فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلىلاعتراف بالقادر الحكيم المطلع على غايات الأمور.
وقد أعرب لي أحد أصدقائنا من العلماء الأجلاء بالقاهرة أنه ما عرف الله من نفسه ورسخ إيمانه إلا عند بحثه في النبات وإدراكه عجائب ما أودع الله فيه من بدائع حكمتة {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات /21،20) (1/35)
صفحة 36
الكلام في الفنون الحديثة (1)
لا خفاء في أن العلوم نوعان مقاصد ووسائل كما تنقسم إلى فرض عين وفرض كفاية وأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) شامل للفرضين والنوعين وأن أل في العلم للجنس كما أثبته المحققون ولا وجه للتخصيص بعلوم الدين.
ولا إخال أن مسلما على وجه البسيطة يستخف بفن من الفنون، سواء أكان من الفنون الدينية أم الحيوية بل ولو من المحرمة، للقاعدة المقررة (يعرف السم ليتقى) وقولهم (كل علم رديء فالجهل أردأ منه)، وقد استخرج الآن كثير من الفنون فخصت بتآليف على حدة، وأدخلت في الجامعات الكبرى في العالم رسميا وما تجاسر فرد من العلماء على نكران شيء منها (مع حرية الانتقاد مع ما في الأمة الإسلامية، بقية من أصحاب الجمود ينعقون، ولا جرم أننا في زمن شديد المحن كثير الفتن جلبت فيه أوروبا على الشرق بخيلها ورجلها وهم من كل حدب ينسلون حيثما
__________
(1) لا نسلم إطلاق الحديثة او العصرية على التاريخ والهندسة والطب والجغرافية لما ستراه عن الإمام شمس الدين وهو من ْائمة القرن السادس كما تقدم في ترجمته. (1/36)
صفحة 37
أهمل المسلمون موجبات الدنيا والسيادة وهجروا العلوم وارتطموا في أمواج الفتن والتفريق واستفحل فيهم داء التخاذل والتدابر وعموا عن قوله- عز شأنه-: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون) وأقبل الناس على الدنيا واغتر الغالب (إن لم نقل إلا النادر) بزخاريف المدينة الغربية الخلابة، وما دروا أن ما يبثه المستعمرون بين الشرقيين جراثيم وسموم يعاكسون بها الدين الاسلامي دين الحياة والسعادة وزاعموا التمسك به جاثمون يعتذرون بما لا يجديهم نفعا وهم يعلمون أن العلم هو الذي رفع أولئك والجهل حط هؤلاء.
هلكت الأمة الإسلامية بترك سنة الله في الكون وإهمال البحث عن واجب الحياة وموجب الفلاح، وظن كثير ممن يعدون أنفسهم في زمرة العلماء أن الجمود والخمول والاستسلام أمام الهاجم هو الحق فهلكوا وأهلكوا. حسبوا أن مجرد الانتساب إلى العلم يستنزل الحقائق إلى أدمغتهم، ويستحقون الإجلال – الذي يتهافتون عليه تهافت الذباب على جرح الدابة – ويستوجبون التكريم وقبول الحكم والترجيح. جهلوا أن الإيمان ليس بمجرد التحلي ولا الدين بالتمني، وإنما هما ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. (1/37)
صفحة 38
وما كل ذي تاج ولابس جبة على زي ذي علم لعلم بصاحب
وما كل سيف ذا الفقار مهندا وما كل رمح عاملا في الترائب
شقيت أمة ابتليت بهؤلاء، وسعدت التي هبت إلى العلم والعمل للدين والدنيا والبحث عن الحقائق والتمسك بالإسلام الذي اعترف بفضله محاربوه، وجهله المنتسبون إليه (فالمباديء لا تعتز إلا بنصرائها) وهم يدعون أنهم على منهج السلف (معاذ الله) مؤسسي المجد الذي حفظه التاريخ وغفل عنه الجاهلون بأسباب حياة الأمم، ومما لا خلاف فيه بين العقلاء العارفين أن الدين هو أساس السعادة وما يستوجب من العلوم لازمة قطعا سواء أعينية أم كفائية. وما خالف هذائك الذين هبوا إلى تخليص وطنهم من مخالب الجهل وأخطار الجمود إذا لا ريب في تعنت المعارضين ومصارعتهم للحق (من صارع الحق صرع)
إليك ما أسلفنا الوعد به من إلمام بيسير من فوائد العلوم الكونية وغيرها من علوم الحياة مما يزاوله الشباب في المدارس النظامية الإسلامية الحرة، مع العلوم الدينية التي ما كان ينبغي للمرء أن يحيد عنها أو يكون خاليا مما لا يسع جهله منها أو يرجو رضاء الله بدون التلبس بمضمونها: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف / 110)
وتعاريفها (1/38)
صفحة 39
تزييفا للشكوك التي اعتورت الأفهام الضعيفة الأفكار القاصرة فجنت على أهلها وعلى الدين بما هو براء منه {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة / 45،44)
فن التاريخ (1)
التاريخ فن دونت فيه أخبار الأمم وحوادثها، وسير الملوك ومشاهير الرجال؛ ليطلع العاقل من ذلك على أحوال من سبق من الأمم وأخلاقهم وعاداتهم وسياستهم؛ فيعتبر بما كان لهذه من النتائج الحسنة والسيئة، سواء في ذلك الإنسان في خاصة نفسه أو مع أبناء جنسه، والملك في رعيته والأمة في سائر شؤونها، ذكر الله تعالى في كتبه المقدسه كثيرا من قصص الأولين؛ ليعتبر الناس ويتبصروا في سائر أحوالهم فيتبعوا السبيل المستقيم الذي في
__________
(1) فن التاريخ قسمان أثري وهو ما يستمد من استكشافات الباحثين عن آثار الأمم وهو الأصح لأن ما يوجد من ذلك أعظم شاهد محسوس، به تعرف حالة تلك الأمم ومبلغها من العلم والحضارة، والبأس الخ وروائي ولا يخلو من الحشو والخرافات التي لاوجود لها، ومن هذا كثير في كتب التاريخ الإسلامي استنادا على الظنيات، أو موافقة الهوى، أو ثقة بالراوي مع إهمال التحقيق، ومنه أكثر ما يرويه غيرنا في الأصحاب تعصبا أو طاعة للهوى أو جهلا بالحقيقة التي لو بحثوا عنها بإنصاف وتجرد لشاهدوا روح الإسلام وسيرة أفضل الأنام وأنى يدرك الواقع من اقتنع بما بين يديه سواء أكان حقا أم باطلا، ومن ذلك ما يعتمده كثير من المفسرين وغيرهم من المؤلفين من الإسرائيليات فصارت ملجأ للجامدين لا يقيهم حرا ولا قرا (1/39)
صفحة 40
سلوكه الفوز والسعادة.
فالتاريخ علم نافع لا يجهل قدره إلا جامد لا يعرف من أين يستفيد وينمي عقله ويوسع مجال نظره، ولا كيف يصل إلى الحقائق ولا يخطئ في إصابة المرمى ولا يغتر بظواهر، ولا كيف يجد السبيل إلى معرفة المستقبل المجهول ويملأ نفسه عظة واعتبارا ويعمر قلبه بالوجدان الشريف.
أي نعم لا يجهل قدره إلا من يجهل ذلك؛ لأن تلك هي بعض فوائده وثمراته وكيف لا ومن المعلوم أن أكثر ما يفيد كمال العقل التجارب. والتاريخ هو العلم الذي يعطيك من التجارب كما يكون لمن عاش منذ بدء الدنيا، إلى اليوم الذي أنت فيه. يمر بك على الأمم كأنك معهم، ويأخذ بيدك إلى الممالك، حاضرها وباديها حتى كأنك فيها ويشهدك الحوادث والمناظرة الغابرة التي حصلت في أكثر من ستة آلاف سنة، ويطلعك على ما لو كنت في زمنه ما استطعت الوصول إليه من دقائق السياسة وما كان يجري في قصور الملوك، ويعطيك علم التاريخ هذا وأكثر منه في أقل جزء من الزمن فيه كل ذلك، للتاريخ فائدة هائلة لا يعرفها إلا من قرأ التاريخ أو رأى أعمال وأفكار من قرأه – يرقى الفكر إلى درجة عظيمة، ويؤثر في الأخلاق تأثيرا لا يمكن أن يصل إليه الإنسان بدونه، ويرقى العقل أكثر مما يتصور – وأقطع شاهد قوله تعالى: (أفلم يسيروا (1/40)
صفحة 41
في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) وشيء يحضر بين يديك العصور الخالية، والأمم البائدة والممالك السحيقة بأعمالها وعاداتها وأخلاقها ومدنيتها وحسناتها وسيئاتها، ويمثل الحوادث بين يديك كلها لتأخذ منها خلاصة المستحسنات وتبتعد عما عداها، لجدير أن تكون له أعظم فائدة، حسبك في هذا كتاب الله الذي أتى على شيء كثير من تواريخ الأمم وحث على التأمل في أحوال الأمم البائدة منها لغرض الاعتبار والموعظة (1).
إن التاريخ اتخذه كثير ممن يدعي العلم مع عظم فائدته مهزءا ولعبة ياللاسف، وبلغ بهم التهاون به إلى حد تزهيد الناس فيه وهم لايعلمون من تاريخ الإسلام شيئا فكيف بتاريخ المذهب وتاريخ الوطن والأئمة وعظماء الدين، والحال إن حياة الأمة واتصال حاضرها بماضيها متوقف عليه، والوقوف على أحوال الأمة الاسلامية وأطوارها التي تقلبت فيها وكيف تشتت وتمزقت وتجزات إلى فرق منها الضال والمحق، كل ذلك لايقف عليه إلا من عرف التاريخ. وكفاه شرفا ما تضمن القران الكريم منه ولوله ما كنا أنعرف مثال قوم نوح وقوم لوط وغيرهم من الأقوام ولا نعرف أعمالهم الخبيثة التي اجترحوها فاستحقوا بها عذاب الله الاليم، قال بعض الأدباء درس حياة الأجداد يربي أخلاق الأحفاد يصيبون فيها حكمة
__________
(1) خلاصة تاريخ مصر والعلم والعلماء مع بعض تصرف. (1/41)
صفحة 42
بالغة وموعظة حسنة والتاريخ يلقن الفكر الجديد وينير الطريف بالتليد.
بمطالعة التاريخ يعرف الإنسان كيف تسعد الأمم ويسطع نورها في أفق الظهور وكيف تشقى وينكسف ضياؤها ويأفل نجمها فتمسي في الغابرين
يصير باقعة كأنه جاب الأقطار وسبر الأمم؛ فحصلت له ملكة التجارب صاحب علم ودهاء، كأنه نقب في البلاد ولم تخف عنه أحوال الشعوب غابرهاوحاضرها.
فن الجغرافيا
الجغرافية علم وصف الأرض من حيث هيئتها الطبيعية والاقتصادية والسياسية به تعلم ما احتوت عليه الأرض من الأمم والأجيال، والمدن والجبال والبحار والنباتات والبراكين وأنواع الحيوانات التي سخرها الله للإنسان، زينة ونعمة ودفأ (والأرض وضعها للأصنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان) آلاء عظيمة خلقها عز شأنه لبني آدم ودلالة على وجوده وكماله وعزته وجلاله.
علم يمكنك من معرفة بقاع الأرض وجهاتها والأوقات وأقسام (1/42)
صفحة 43
الإسلام من غيرها ومقار الأمم والأجيال السالفة، حتى إذا وقفت على شيء منها في الكتاب العزيز فإنك تكون على بصيرة منه، ولا سيما في هذه الظروف التي أصبح البشر فيها مرتبطا ببعضه، الأفريقي مرتبط بالأوروبي والعكس وهكذا، يحتاج كل إلى نتائج الآخر ويستمد كل من الآخر بمواد قطره، ومن القبيح أن يتعاطى الإنسان التفسير ولا يعرف من هذه الفنون التي أودعها الله في كتابه شيئا.
1. الجرافيه دليل السياحة السياحة رأس النجاح وأس الفضائل وكم مرة حث القران عليها {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} ِ (الحج / 46)
الآية {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت / 20) وأمثالهما من الآيات الواردة بصيغة التوبيخ والإنكار، لكنا نحن ما أجهلنا بحاضرنا وبادينا وما أشد تقصيرنا في أداء الواجب
لم لا نعلم الجرافية ونسير في الأرض ونسافر في طلب المعالي؟ لم لا نتبع سبيل الأسلاف الذين كانوا يسافرون الشهور لمسئلة واحدة من العلم؟،لم لا نعرف هذا الفن فنعلم مواقع البلاد ونتائجها؟ ونعلم كيف نستوردها لتحصيل الثروة كالأجانب؟
أليس من العار أن لا نعلم موقع عمان مثلا، أو الزنجبار أو الآستانهة أو غيرها من المواقع الهامة ونرحل إليها ونجتمع بإخواننا (1/43)
صفحة 44
أينما حلوا، ونزيل سوء التفاهم بين المسلمين حتى يلتئم شعث الإسلام ويرأب صدعه (1).
أصبح هذا الفن يعرفه صغار التلاميذ، من الأجانب والعالم الإسلامي الضليع لا يعرف منه شيئا، أليس من العار المبين أن يسود الإسلام في الصين حتى يبلغ سبعين مليونا ولا نعرف عن أحواله شيئا؟
ولنورد لك ما كتبه شمس الدين أبو يعقوب من رسائل إخوان الصفا؛ لتزداد يقينا بما عليه الجامدون، من الإجرام والغباوة وتسفيه الحق حتى لايلتبس عليك أمرهم فتكون من الهالكين، قال رحمه الله:
(الرسالة الخامسة) في جغرافية الأرض يعني صورة الأرض والأقاليم وبيان (بأن الأرض كروية الشكل)، بجميع ما عليها من الجبال والبحار والبراري والأنهار والمدن والقرى، وكيفية تخطيطها ومسالكها وممالكها، والغرض منه هو علة ورود النفس
إلى هذا العالم والحض على التفكير في هذه الآيات اللاتي في الآفاق لأنفس الغفلين عنها حتى يتبين لهم الحق، فيستعدون للرحيل والتزود إلى دار الآخرة قبل الممات وفناء العمر وتقارب الأجل وقبل الفوت والندامة (2).
__________
(1) الشعث التفرق، ويرأب يصلح، والصدع الشق
(2) الدليل (1/44)
صفحة 45
الجغرافية هو العلم اللازم لمن يغار على دينه ويهمه انتشاره في بقاع الأرض؛ ليعرف ما يمكن نشره فيها وما لا يمكن، كما يعرف القسس أن أواسط أفريقية مثلا وإن صعبت مسالكها كما هو مبين في هذا الفن لكن من السهل نشر المسيحية فيها؛ لأن أهلها متوحشون على غير دين، أو على دين الوثنية والأكثر تابع لحكومات أجنبية فيأتون أفريقيه ويتجولون وهم كأهلها في العلم بها وبطبائعها، قد لا يحتاجون إلى دليل ولا يمكن أن يغرر بهم أحد، ولكن من أين يكون لنا هذا؟ ونحن لا نعرف بلاد المسلمين فضلا عن غيرها (1).
وترى كثيرا من أهل العلم لا يعرفون الحجاز، الذي فيه مكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أشرف البقاع، وفيه قبلة أربعمائة مليون وهو مهبط الوحي ومبعث الرسالة وينبوع نور الإيمان وشعاع الحرية للعالمين، ومحل أداء ركن من أركان الدين الذي يشير إلى وجوب جمع كلمة المسلمين على أختلافهم، والتفافهم حول راية الإسلام المرفرفة عليهم، من حدود بكين إلى شاطئ الأطلسي ورأس الرجاء الصالح.
لا يعرفون هذا المكان المعظم بوجه علمي، اللهم إلا بتصور كما يتصورون أنياب الأغوال عند ذكر بيت امرئ القيس:
__________
(1) العلم والعلماء، أول سفر في التعاليم الإسلامية. (1/45)
صفحة 46
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهل بلغهم ما تحمله أفراد من الأوروبيين في اكتشاف جزيرة العرب؟ وما ارتكبوه من الحيل حتى أشرفوا على جميع أرجائها ووقفوا معهم على جبل عرفات
وأتوا جميع المناسك ثم رجعوا باكتشافهم إلى أممهم مملوئي الوطاب.
نبغ في الأوروبيين من لا يحصون في اكتشاف أحوال القارات والأمم وينابيع الثروة في الأرجاء، واطلعوا على خفايا البلاد الإسلامية وما تكنه من الكنوز بعد أن كانوا في ظلمات الجهل منغمسين وفي الهمجية متقلبين، والإسلام في زهره وخفوق رايات عزه في أنحاء المعمورة {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران / 26) كل ذلك بهذا الفن الذي طالما هزأ به الجامدون، ولا يأتمون موطنا إلا بعد أن يكونوا على خبرة تامة منه من حيث حدوده وعوارضه الطقسية وموارده وأحوال ساكنيه.
استشكل بعض العلماء كروية الأجرام الفلكية قائلا: لعل هذه الأجسام مسطحة مبسوطة كذلك ويؤيده قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض) قالوا في تفسيرها: بسطها طولا وعرضا (فأجاب) بعضهم: كون هذه الأجرام كروية الأشكال مما شهد به الحس والأرصاد، ودل عليه الأمارات والعلامات من غير إخلال بما ثبت من القواعد الشرعية (1/46)
صفحة 47
والعقائد الدينية، كيف وبعض المسائل الشرعية ينبني عليها كتعدد المشارق والمغارب، واختلاف المطالع وسمت القبلة وأوقات الصلاة وانتفاء وقت العشاء في بعض المواضع وغير ذلك.
وأما قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض)،فقد قال الإمام الرازي في تفسيره: (ثبت بالدليل أن الأرض كرة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى):مد الأرض) لأن جميع الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها يشاهد كالسطح).اهـ
لهذا الفن ارتبط بفن التاريخ، وهو عمدة فيه، ولا يتسنى لكاتب أو متكلم فيه أن يكتب أو يتكلم ما لم يكن له علم الجغرافيا، به يأمن الخطأ في الكلام على البلاد والأمم وما بين بعضها والبعض من الروابط، ولا بد له أن يعرف أقسام الأرض وما عليها من الأمم والممالك وأحوالها، ونسبة بعضها إلى بعض كما أن المشتغل بعلم أقسام الأرض وتقويم البلدان لا بد أن يكون عارفا بالتاريخ حتى يستقيم له وصف أقسامها وأقاليمها وصفا صحيحا وإلا كانت أعماله سدى وكلامه لغوا (1).
__________
(1) من العلماء من يعد هذه الفنون من العلوم الأجنبية التي لاينبغي للمؤمن أن يشتغل بها ولا حجة لهم إلا أنها لم تكن من معلومات أسلافنا، وهذا من الأوهام والجمود بمكان، هؤلاء لم يخل منهم عصر، فقد كانوا في عصر النبوغ والاستنباط يطعنون في الفنون العربية الحديثة إذ ذاك، كالبلاغة والنحو والصرف والشعر، كما ذكر الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، مع ما في هذه العلوم من حقائق أسرار العربية وإبراز أسرار التنزيل ودقائق التأويل المعجزة لفحول بلغاء العرب، وقد شن غارة شعواء عليهم إمام الفن في كتابه وما ذلك منهم إلا بما تكنه صدورهم من الحسد لكل من ظهر بفضيلة وهم عنها بعيدون
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
ولع الناس بامتداح القديم وبذم الحديث غير الذميم
ليس إلا لأنهم حسدوا الحي ورقوا على العظام الرميم
ما أوهى تعليلهم! وما أشنع حجتهم! على أن عدم اشتغال الأسلاف بتلك الفنون لا يدل على بطلانها ومنابذتها للدين كما قدمنا، بل قد كتب فيها فطاحل من المسلمين كما رأيت وتراه، كالإمام أبي يعقوب والإمام الغزالي وابن رشد والرازي وسعد الدين وأضرابهم، قاتل الله الحسد والجمود. (1/47)
صفحة 48
فن الهندسة
هو علم تعرف به المقادير والأبعاد والأنواع وخواصها، مباديه واجبه لتقوية العقل وتقويمه وتوسيع دائرته، لقد كان الحكماء السابقون لا يقبلون من التلاميذ إلا النابغين في هذا العلم؛ لنفس هذه الحكمة، وأيضا فإن طبيعة الجهل بشيء ما يعلمه بعض الناس يؤدي إلى النقص في أعينهم، والعالم من حيث هو عالم ينبغي أن يتأهل لأن يكون محترما في عين سائر الطبقات (ليكون لحكمته تأثير ونفوذ إلى القلوب) ولا يكون ذلك إلا بالإلمام بشيء مما تحتاجه سائر الطبقات، كيف لا يكون من الأمور اللازمة تعلم مبادىءالهندسه، ولنا غالبا وقفة عند ما ترد في نحو المنطق أمثلة هندسية فلا نفهم المراد منها، (1/48)
صفحة 49
بل هجرت دراسة كتب الحكمة؛ لوجود مسائل هندسية وطبعية لا يدركها من لم يكن له إلمام بفنهما، وإذا تعاطى تدريسها فإنما هو كسالك في الدجى أو داخل لجيا لا يدري السباحة.
من الكمال الواجب أن يتعلم العلماء وطلاب العلم شيئا من الهندسة، بل شيئا من كل علم على قدر ما تسمح به الظروف، لا أقول إن الهندسة كالحساب ولا كالجغرافية ولا كالتاريخ، ولكن أقول إنها كمال وإن منها قدرا لازما (1).ولنذكر لك ما ينثلج به صدرك، ويتنور به ذهنك من كلام الإمام وضياء الدين ممزوجا قالا: (ورأس العلم أي كل علم البرهان المنطقي، وغيره من العلوم فروعه؛ لأنه آلة وخادم لجميعها، والبرهان من حيثما دار يتعلق بثلاثة علوم أولها العدد وثانيها (الهندسة) وثالثها المنطق)) (ضياء الدين) مرتبة المنطق أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب.
(الإمام) إعلم أن الهندسة من العلوم الضرورية، كلما شهدت به فهو حق عند الله تعالى، واعلم أن العدد تكييف الأزمنة، والهندسة تكييف الأمكنة والدنيا والأخرة هما الأزمنة والأمكنة، والهندسة هي معرفة المقادير والأبعاد والأنواع وخواص تلك
__________
(1) من كتاب العلم والعلماء أول سفر في التعاليم الإسلامية ببعض تصرف. (1/49)
صفحة 50
الأنواع، ومبدأ هذا العلم من النقطة التي هي رأس الخط، والمقادير ثلاثة أنواع: هي الخطوط والسطوح والأجسام وهي الهندسة، وتقدير كل صانع في أول ابتدائه في صناعته هو الهندسة – ولدفع ما عساه يورد قال: فالمتعلم لها إنما يتعلم تفصيل تلك القواعد المذكورة في جبلة عقله أي إجمالا، واعلم أن العلوم العقلية الضرورية ثلاثة: المنطق و (الهندسة) والعدد، ثم قال إعلم أن الله تعالى خلق ظروف الزمان وظروف المكان، فلن يستقيم لخلق وجود إلا بهما وفيهما، والحال التي تجري على أهل الصين والهند الخ، هي الحال التي تجري علىهل السماوات والعرش والكرسي والموجود الممكن (دون الموجود الواجب الوجود) سبحان مقدر الأمور وجعل الأمكنة بخلاف ذلك، فارتبط العدد بالأزمنة وارتبطت الهندسة بالأمكنة قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} (الإسراء / 12) فجعل الرب تعالى العدد حاكما على كل شيء منعقد وعلىتفاصيله، إلى أن قال وجعل الهندسة حاكمة على الأمكنة ومنها نقتبس علمها (1) اهـ. انظر الرسائل الثانية والسادسة من إخوان الصفا في الدليل والبرهان أيضا.
__________
(1) شرح مرج البحرين، والدليل والبرهان، من هذا يتبين لك هجوم المتطفلين على موائد العلماء. (1/50)
صفحة 51
ولهذا الفن ارتباط بعدة فنون كلها تستمد منه، كفنون الفلك والميقات والمساحة والصنائع والجغرافيا وغيرها، ولا نريد إلا الاختصار في هذه العجالة، ولولاه لرفعنا القناع عن حقائق هذا العلم وغيره من العلوم المفيدة في الحياة إفادة عظيمة ورافعة للنفس إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وإن فسح الله في العمر فسنكتب فيها ما يسربه أرباب الوجدان والسعادة الروحية بحوله وقوته سبحانه ما أعظم شأنه! وأكبر حكمته!
فليكن ما أوردناه أنموذجا (1) صالحا للنبيل (2) ولبابا يستغنى به عن القشور التي لا تجديه (3) وخير مثال إلى تحصيل السعادة، فإن العلوم أنوار لا يبعد عنها الا من كان غير موفق (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأنعام / 122)
علم الطبيعة
علم الطبيعة علم يبحث فيه عن معرفة الظواهر الطبيعية للاجسام، باعتبار كونها كتلا أي بدون أن يحصل تغيير في تركيبها، وبه تتعين النواميس التي بواسطتها تتفاعل الأجسام.
وقولنا باعتبار كونها كتلا مخرج لعلم الكيمياء فإنه علم به
__________
(1) مثال الشيء وهو بضم الهمزة وليس بلحن ونموذج بفتح النون
(2) الزكي النجيب ولباب الشيء خالصه
(3) لا تنفعه (1/51)
صفحة 52
تعرف طبيعة العناصر الداخلة في تركيب الأجسام لكونه يبحث فيه عن الأجسام من حيث التحليل والتركيب، ومخرج أيضا لعلم المواليد الثلاثة (المعدنيات والنباتات والحيوانات)،فإن هذه الثلاثة إنما يبحث فيها عن الإشكال والصفات المخصوصة بها وعن كيفية وجودها إن كان على سطح الأرض أو في جوفها، وعن كيفية نموها وحيويتها، لا عن الظواهر التي تحصل بين كتل الأجسام، ومخرج أيضا لعلم الفلك وعلم طبقات الأرض
فالأول وإن كان يبحث عن الكواكب وحركاتها وأبعادها ونحو ذلك إلا أن القواعد التي تستنتج من هذا البحث ليست عامة بخلاف الطبيعة.
والثاني إنما يبحث عن شكل الأرض الظاهر، ووضع الطبقات المعدنية في جوف الكرة بالنسبة لبعضها، وعن تساوي أسطحة الأرض واختلاف ميلها، وعن تقطع الشواطئ واتجاه تيار الماء، وعن وضع الجبال وتكونها ونحو ذلك لا عن الظواهر العامة.
فكل ما تيسر لنا إدراكه بإحدى الحواس الخمس يسمى مادة، والجسم يطلق على الجزء المحدود منها، فالحجر والشجر والماء والهواء أجسام، وهي كما ترى ثلاثة أنواع (1) يابسة (2) سائلة (3) غازية أي بخارية.
واختلاف هذه الأحوال الثلاثة ناشيء من اختلاف كمية (1/52)
صفحة 53
الحرارة الموجودة في كل منها، فذرات الغاز أشد اضطرابا وحركة لتوفر الحرارة، وأقلها في الجامد حركة وحرارة، وهي متوسطة في السوائل، وبالحرارة يمكن تحويل الجسم من صلابة إلى سيولة أو إلى غازية.
قال بعض المحققين وهذا العلم فضلا عن كونه لازما للطبيب والصيدلاني لا بد منه أيضا في حسن التربية، فإن دراسته تكسب العقل قوة واتقانا وملكة يحكم بها حكما جيدا وتصرفا تاما، وبالمعارف المكتسبة من هذا العلم نقف إجمالا على معرفة هيئة السماوات والأرض والفراغ والزمن والمادة معرفة تامة على معرفة هذا العالم العجيب الانتظام، وبه يمكننا التوصل أيضا إلى معرفة الأسباب والنواميس العامة المفتقرة إليها جميع ما تبرزه القدرة الإلهية إلى حيز الظهور، ومعرفة الظواهر التي تحدثها الآلات التي اخترعها الإنسان بعقله، وبذلك نرتقي إلى درجات توصلنا لمعرفة الباري سبحانه اهـ
وفائدة هذا الفن، أولا تكميل القوة النظرية بالوقوف على بعض ما أودع الله في هذا العالم البديع من الأسرار؛ فيزداد معرفة بحكمة العليم الحكيم المريد القادر الذي لا تحيط به الأفكار فيقبل عليه بكليته قائلا: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران / 191) (1/53)
صفحة 54
ثانيا: الاستمتاع بما ينشأ عنه من الأمور الجمة المنافع التي لها مدخل في كثير من الصنائع (1).
من الغلط الفادح أن يقول عاقل أن هذا الفن يوصل إلى الكفر، وهو على ما ذكرنا يوصل إلى استكشاف آيات الله في الكون وتسخير منافعها وقد أخبر تعالى على سبيل الامتنان والتذكير بنعمه بقوله: (خلق لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا) وقوله (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
فكفر بعض المتعلمين بالمدارس الأوروبية ولا سيما الكنيسية ناشيء عن هجرانهم وعدم تحصيلهم لما لا يسع جهله من الدين، فشبوا بين الأجانب الذين يفرسون فيهم سموما منافية للإسلام، وذلك منهم لا يقدح في العلم وإنما هو جناية عليهم، والعلم نور وهدى ولا يعقل أن مرارة العسل في فم المريض فساد له، كلا وإنما هو شفاء للناس.
ومن الأدلة القاطعة على حث المولى عز شأنه لنا على العمل بسننه في الكائنات قوله عظمت قدرته: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
__________
(1) الشيخ طاهر الجزائري في (الفوائد الجسام)، وهو من الكتب النافعة في هذا الفن. (1/54)
صفحة 55
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز) (الحديد / 25)
فالحديد نزل من كواكب السماء بإرادة الله تعالى في الأرض، وليس هو من أصل مادة الأرض الترابية بل ألقى فيها، وأنزل إليها من الكواكب كما تثبت ذلك العلوم الفلكية وعلم طبقات الأرض فقوله تعالى: (فيه بأس شديد ومنافع للناس) أي ليعمل الآلات المختلفة المستعمل فيها الحديد وهي أكثر من أن يمكن حصرها – وقوة الدفاع عن النفس وللصيد وعمل العدد والآلات الحربية ضد من يعتدي على نظام الله في الأرض ولتساعد بني الإنسان على كد الحياة واجتياز البحار بأنواع البواخر حربية وتجارية (1) وفي معنى هذا قوله عز من قائل: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) وقوله (وجعل لكم سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) قال أهل هذا الفن: إن الحديد معدن نفيس من أهم المعادن لا يوجد في جسم الأرض على هيئة الإنفراد كالذهب أو الفضة
أو النحاس ومبدأ استخراجه كان في الغالب من الأحجار التي تتساقط من السماء على سطح الأرض المسماة (بأحجار نيازيك) وليس هو نقيا فيها بل مختلط (بالنيكل) وغيره، ثم إن تلك
__________
(1) فلسفة الإسلام ومدنية القران ج الأول ص 67 (1/55)
صفحة 56
الأحجار توجد مغطاة بطبقة سوداء لماعة تشبه الورنيش، وتحتوي على أنواع متعددة من الصخور، أحيانا يتصاعد منها غاز (الإيدروجين) والمركبات الشهيرة المحتوية على كمية وافرة من هذا المعدن، إلا أكسيد الحديد أي الحديد المغناطيسي.
ثانيا: كربونات الحديد، ويوجد مركب آخر وهو (سيسكوي أكسيد الحديد) وأما كبريتور الحديد فيوجد بكثرة في الأرض، ولكن لا يستعمل لما ينفق في سبيله من العناء والمال والحديد المتصل به رديء.
وأكسيد الحديد المغناطيسي يوجد بكثرة في طبقات الأرض العتيقة، وله أحيانا صفات حسنة وقد يكون جبالا كما في بلاد السويد ونيرويج.
وأما كربونات الحديد فتوجد مبلورة على هيئة عروق في الأرض العتيقة أيضا، وفي بعض الأحيان يجدونه بين طبقات الفحم الحجري فتتلون باللون الأسود ويعطونه اسم حديد حجر الفحم (1).
فتأمل أيها العاقل الذي يريد الوقوف على أسرار كلام الله الذي أنزله هداية ورحمة جامعا لما فيه صلاح المعاش والمعاد للإنسان، والمسلمون من غفلتهم عنه معرضون (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف / 105)
__________
(1) الجواهر السنية (1/56)
صفحة 57
ولا بأس أن نذكر هنا بعض ما أورده أبو يعقوب مما له علاقة بالموضوع، من ذلك في رسائل إخوان الصفا قال في رسالة الآثار العلوية: الغرض منها هو البيان عن كيفية حوادث الجو وتغييرات الهواء من النار والظلمة والحر والبرد وتصاريف الرياح من البخارات والدخان الصاعد في الهواء من البحار والأنهار وما يكون منها من الغيوم والضباب والظل والأنداء، والأمطار والرعود والبروق والثلوج والبرد والهالات وقوس قزح والشهب وذوات الأذناب وما يشاكلها (1) اهـ
ثم أورد ما يخص تكوين المعادن والجواهر وعلة اختلاف جواهرها وكيفية تكوينها في الأرض، وعن ماهية الطبيعة ومولداتها التي هي (الحيوان) و (النبات) و (المعادن).
وما أورده هذا المجتهد الجليل الذي عرف مكانته أرباب هذه الفنون العصر (كالهندسة)، و (الطبيعة)، و (الكيمياء)، و (التشريح)، و (تاريخ الحيوان)، و (علم النفس)، و (علم تهذيب الأخلاق)، وغيرها إلا أن هناك اختلافا في المصطلحات والترتيب، وهي الآن أخصر طريقة وأوضح بيانا وأكمل تفصيلا،
__________
(1) الدليل والبرهان، اعلم أن هذه الرسائل وضع جماعة من الحكماء لم تعرف أسماؤهم وقد نسج على منوالها جماعة من الحكماء والمتأخرين إلا أنهم لم يأتوا بشيء بالنسبة إلى الرسائل الأولى. (1/57)
صفحة 58
بهذه الفنون أصبح الإنسان يمخر عباب الأرض؛ لاستخراج مكنونات أحشائها واستخدام الميكانيكية، وسراج الغياهب، والسوائل وغيرها من موارد الحياة التي هي من آلاء الله، (فبأي آلاء ربكما تكذبان) سبحان بديع السماوات والأرض القادر المريد.
علم الكيمياء
علم باحث عن تحليل الأجسام وتركيبها، سواء كانت تلك الأجسام بسيطة أو مركبة، فيكون هذا العلم باحثا عن كيفية تفاعل الأجزاء العنصرية الدقيقة المركب منها الجسم في بعضها وعن طبيعة تلك الأجزاء وعن طريق كيفيات تحليل الأجسام ثم تركيبها.
فخرج علم الطبيعة فإنه باحث عن النسب بين الأجسام من حيث إنها كتل وعن الخواص العامة للأجسام وعن وسائط ذلك التفاعل.
وعن تفاعلها الميكانيكي في بعضها، وخرج علم الفلك؛ لأنه إنما يبحث عن الأجرام السماوية من حيث حركاتها ودورانها وغير ذلك.
ففي سنن الكائنات: الكيمياء القديمة كان الغرض منها (1/58)
صفحة 59
معرفة (حجر الفلاسفة) وهو الجوهر الذي إذا وضع على أي معدن يصير ذهبا على حد زعمهم، ومعرفة (إكسير الحياة) وهو الذي كانوا يظنون أنه يعيد الشيخ شابا أو أنه يشفي جميع الأمراض، وأما الآن فالغرض من الكيمياء معرفة أصول المركبات، وكيفية تركيبها وتحليلها، وهذه الأصول تسمى بالعناصر، وهي كثيرة ولكنها الآن لا تتجاوز الثمانين، ومن أهمها الحديد والنحاس والأكسجين والكربون.
قلت) وبتلك الخرافات الباردة تعلق الجامدون الذين لا يصرفون مواهب أفكارهم في حقائق الكون والترقي الروحي بالبحث في أسراره، وبها تصوروا الفنون الكونية وهم يمرون عليها في كتاب الله العزيز الذي أنزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.
ما أخسر صفقة هؤلاء وما أسوأ حالهم، يتلون آيات الله ولا يتدبرونها، وتقرعهم نوائب الجديدين ولا يعتبرون بها
(كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول)
وفي الجواهر السنية بعد أن تكلم على تاريخ الفن وأطواره (ثم) جمع الرجال، ما كان مفرقا من تلك الأعمال ورتبوه على قواعد معقولة حسب الإمكان ثم دونوه علما مستقلا كامل الحدود (1/59)
صفحة 60
والأركان، ثم توسعوا فيه حتى بينوا دخوله في الصنائع والفنون بل في أطوار الحيوان، فإن في التنفس عملا كيماويا في الرئة به يتلون الدم بالحمرة الناصعة، وفي الهضم عملا كيمياويا في القناة الغذائية به يستحيل الغذاء إلى أجزاء حيوانية (حيوية) متنوعة، وكذا في النباتات أعمال كيمياوية بها التغذية والنمو، وفي المعادن حركات كيمياوية بها الامتزاج (الاتحاد) بين الأجزاء والدنو (الاختلاط) وعلم الطب من بين العلوم قد استفاد من علم الكيمياء أعظم المنافع فالطبيب بدون معرفة الكيمياء لا يمكنه أن يركِّب دواء أو يطيعه للمريض.
إذا نظرنا إلى هذا العلم نظرة عامة نجده يحتاج إليه في كثير من الفنون وحتى الفقيه في فتاويه، فكثير منها لا تصح إلا إذا كان عارفا بهذا الفن ولا غرابة.
(وإليك البيان) إذا سئل المفتي عن مادة طبية أو دهنية أو عطرية مثلا وردت من أوروبا، وهي مصدر الكل بلا نزاع، لا تصح فتواه إلا على طريق اكتشاف مركباتها، لما في كثير من مواد أوروبا من الكحول والمواد الشحمية.
وللنجاة من حرج المحرمات والانتفاع بالنافع لقاعدة (جلب المصالح ودرء المفاسد) يكون عارفا بهذا الفن وفروعه، حتى إذا سئل عن شيء منها صح له الإفتاء عن بصيرة وإلا كانت عن (1/60)
صفحة 61
حدس فيعظم خطاه، فكثيرا ما يحصل للمفتين لجهلهم بالحقائق الواجبة عليهم كتحريم أشياء هي حلال في نفس الأمر والعكس، وإذا سألت بعضا عن حقيقة الفتوى أجاب: بقاعدة (استصحاب الاصل)،على أن هذه القاعدة ولو كانت من القواعد العظيمة لكنها تنطبق على ما تعذر الوصول إلى حكمه، أما وقد تجلت الحقائق بقواعد العلم وتوفرت الأسباب إلى تحصيلها، فالجنوح إلى الإهمال خلود إلى الجهل واستسلام إلى الحرمان.
وقد عمت البلوى الآن بما لا محيد عنه من واردات الغرب، أصحاب الجد والمعارف فلا ينبغي للمسلمين أن يقفوا مكتوفي الأيدي بدون رعاية الحكم الشرعي فيها والأخذ بما راق، ونبذ ما عداه ومضارعتهم في استنتاج المواهب العقلية واستثمار القوى الطبيعية، وليست شريعتنا الحنيفية السمحاء قاصرة عن ذلك، بل هي صالحة لكل زمان ومكان ولكل أمة مهما كانت منازعها، بيد أن حامليها بتقصيرهم وتهاونهم ومداجاتهم وجهلهم بأسرارها وغفلتهم عن سنن الله في الكائنات، ترك العامة في جهل حالك لا يبالون بأحكام الله ولو جاءوا بالواجب لما اقتحم العامة العمل بالجهل. (1/61)
صفحة 62
علم النبات
هو علم يبحث فيه عن الأوصاف العامة لجميع النباتات والخاصة بكل نوع؛ لتمييزه عما عداه، وعن وظائف أعضائه وترتيب أنواعه ترتيبا قانونيا به تتيسر دراسته.
وهو ينقسم إلى ثلاثة فروع:
الأول: التشريح النباتي وغايته معرفة المنسوجات الأصلية التي يتركب منها النبات.
الثاني: الفيسيولوجيا النباتية (وظائف الأعضاء) وغايته معرفة الأعضاء التي تتمها الأعضاء النباتية في الإنبات.
الثالث: الترتيب النباتي وغايته معرفة التراتيب المستعملة؛ لسهولة دراسة النبات.
يعطي هذا العلم لمتعاطيه ملكة تربية النبات كل في فصله وتربته وما يليق به من هواء ومياه؛ لأن النبات كائن عضوي حي يتولد وينمو ويموت، وحيث كان مشاركا للحيوان في التغذية والنمو؛ فإنه يحتاج إلى قوانين بها يدرك الإنسان كيفية تغذيته ونموه لتحصل له المنفعة التي أنعم الله بها عليه.
في البحث في النبات يشرف العاقل على بدائع الحكيم القدير، يرى آيات الكمال المطلق والقدرة الكاملة، يشاهد في عالم النبات (1/62)
صفحة 63
جمالا قاهرا ونظاما باهرا وانقيادا لأمر المريد المدبر الحكيم الذي مدح ذلك الجمال الهائل الخاضع لجلاله {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (الرحمن / 6) وأمر بتدبره وصرف الفكر في تطوره، حتى آل إلى أن يقتات به ويتنعم بلذائذه فضلا منه ونعمة، {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّاثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} (عبس / 24، 34) وقال عز من قائل حثا وإلفاتا للنفوس الغافلة عن آياته وجليل آلائه {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد / 4)
ثم نعى على النفوس المنصرفة عن التدبر والاعتبار التائهة في أودية الضلالة والاحتيار فساد عقولها على سبيل التعريض فقال: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)
العلوم الرياضية
من الضروريات الحيوية واللوازم الأدبية والواجبات الدينية علم الحساب، لا يستغني عنه أحد من بني الأنسان، وهو من العلوم التي ينبغي أن يتلقاها المرء أول نشأته لأنه يقوي العقل ويورث النظر الصحيح وسرعة الإدراك وملكة الفهم.
كفى فخرا وشرفا لهذا العلم أن مدحه الباري جل وعلا في (1/63)
صفحة 64
كتابه العزيز فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (يونس / 5)
جهل هذا الفن العظيم الفائده أكثرنا ولم يعلموا من فروعه شيئا مع شدة لزومه لأبنائنا، ولا سيما المزاولون لمهنة التجارة الشريفة، لا يعلمون شيئا من مسك الدفاتر الذي هو من أكبر اللوازم التجارية ولا طرق الاختزال لاختصار العمليات ولهذا كانت التجارة المفيدة المنظمة بيد الأجانب، وإذا أراد أحد منا تنظيم أعماله اضطر إلى استخدام أجنبي، وهذا نقص فاحش وخلل واضح وعار كبير، أفلا تأخذنا الغيرة وقد فاز الأجانب بكل مورد من موارد الحياة في وطننا ونحن صامتون؟
أليس من الخزي أن يكون الأجانب على جانب عظيم من النظام في أعمالهم وحياتهم ومعاملاتهم وجامعين لكل ما يعود من الفنون عليهم بالقوة والسلطان، ونحن نعلل أنفسنا بأن هذه الفنون للحياة الدنيا وهي متاع قليل وتضر بالدين إلى أمثال هذه الترهات التي لو لم تكن موجودة لبذل الأجنبي في سبيل ايجادها ونشرها بيننا ملايين من الأموال، وأنفق في ذلك أعظم مجهودات حتى لا يستقيم لنا أمر، اللهم إن أعظم البلاء على الإسلام من المسلمين (لانهلك وأنت معنا يا رجاءنا). (1/64)
صفحة 65
إن العلوم الرياضية لا يدرك منافعها الجسيمة العائدة بأجَّل الفوائد من التربية العقلية وقوة الثروة الا من انصرف إلى البحث عن أسباب نجاح الأمم وتدقيق النظر للتوصل إلى وسائل النظام وتسهيل المعاملات في عالم الحياة الإنسانية.
إن هذه العلوم صارت الآن بمراتب من الاختصار وسهولة التناول بكيفية هائلة، ولا سيما فن الجبر منها الذي هو أعظمها فائدة ولو صعب التحصيل إلا أنه جليل القدر، واضح المزية لا تنكر فضيلته، فكم له من المآثر المرضيات على علوم الرياضيات، خصوصا في حل المشكلات واستخراج المجهولات.
عليه مدار الميكانيكية والأرصاد والعمليات العظيمة وسير الأرتال والبواخر والفنون الحربية وغير ذلك.
وشرف هذه العلوم أظهر من أن يذكر ومنافعها أجل من أن تبين، إلا أن الاستغناء عن الإلمام بها في موضوعنا ليس من الصواب. (1/65)
صفحة 66
اللغات الاجنبية
من النقص الفادح أن تكون أمة تحت سلطة شعب أجنبي ولا تتعلم لغته وتطلع على أوضاعه ومزاياه، حتى تعرف كيف تتقي صولته وتقاوم تعسفه وتستفيد بخصائصه، وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم). على أن تعلم اللغات الأجنبية واجب بالنظر إلى نشر الدعوة الإسلامية بين أمم العالم وبث التعاليم الحنيفية في تلك الشعوب التي كثيرا ما تنعت الأمة الإسلامية بالأمة المتوحشة التي لا مدنية لها ولا أخلاق، لما يوحيه إليهم شياطين الكنيسة وأنصار الاستعمار، أم ارتفع وجوب نشر الدعوة الاسلامية؟ كلا إنها لواجبة على المسلمين في كل زمان، كيف لا والقرآن ينطق بذلك {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران / 64) {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران / 104) {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت / 33)
وأمثالها من الآيات الآمرة بالدعوة إلى الله ولا يتأتى ذلك إلا بتعليم اللغات الأجنبية بها يقتدر العلم على التفاهم مع تلك الأمم وإيقافها على حقائق الدين الاسلامي، ولا سيما وقد ارتبط التعامل بين الشعوب، ولا يمكن لأحد الطرفين أن يشارك (1/66)
صفحة 67
الآخر مشاركة حقيقية إلا إذا كان يحس بما يحس به، ويدرك كلٌ وجدان الآخر وآراءه وأفكاره وأمياله، وكثيرا ما يقع سوء التفاهم وتعاند من غير أن يكون هناك موجب ذلك، وإنا كثيرا ما نشاهد الإرهاق والاعتساف في جانب المسلم، وما ذلك الإ لجهله اللغة الأجنبية يعرب بها عن حجته ويبين بها عما يختلج فؤاده.
يحرف دعاة المسيحية القرآن ويشوهون الآداب الإسلامية ويفترون على رسول الله ويصفونه بمالا يليق به، كل ذلك لصرف القلوب عن اتباعه وإيغار الصدور على المسلمين، وإفعامها بغضا وكراهة واحتقارا الإسلام والمسلمين ونحن في غمرة ساهون عن الواجب غافلون.
إنا نرى ونسمع ما يبذله القسس الأوروبيون في سبيل تعليم العربية وما يجازفون به من حياتهم وأموالهم في معارضة الإسلام وإفساد القلوب عنه وبث الدعوة المسيحية، ولانعتبر بذلك ولا ينفخ فينا روح الغيرة على الإسلام، فنقوم بنشر مباديه القويمة، بل كثيرا ما يقوم من الأجانب من يناضل عن الإسلام ويدفع تلك الأراجيف الباطلة ولا نشعر به، ولوكان منا أفراد نابغون في اللغات الأجنبية لقاموا بهذا الواجب الديني العظيم ولجلبوا من الفوائد العظيمة التي لا تخطر بالبال. (1/67)
صفحة 68
أجل قام بهذا كثير من أفاضل السوريين والمصريين والأتراك، وكتبوا أحسن كتابات في فنون متعددة، وترجموا شيئا كثيرا مما ينفع ولكن غير كاف في بابه ولا ساد ذلك النقص العظيم الذي حل بالمسلمين.
وبالجملة لو انتقل الجامدون من مغاور الجمود ونشطوا من عقالهم لأدركوا سر ما ندعو إليه وأحسوا بما ينادي إليه الواجب وموقفهم الحالي.
الإنشاء
الإنشاء هو الكتابة وعرفها بعضهم بأنها (صناعة روحانية تظهر بآلة جثمانية دالة على المراد بتوسط نظمها) (1)
إذا كان المرء بأصغريه قلبه ولسانه فلا شك أن القلم أحد اللسانين بل هو أفضلها وأحقها بالعناية والاعتبار؛ لأن عمله عام دائم، فعمل اللسان الأصلي من الأعراض السيالة، قد لا ينتفع به إلا من يخالط صاحبه ويسمعه. أما عمل القلم فهو من الصفات الثابتة ينتفع به من يخالط صاحبه ومن لا يخالطه ولو كان بينهما بعد المشرقين، بل وينتفع به من في عصره ومن يأتي بعده على ممر الليالي والأيام. ولئن
__________
(1) صبح الأعشى عن البيان (1/68)
صفحة 69
قامت الحاجة إلى الكتابة في كل عصر ففي هذا العصر أشد كما أنه وإن احتاج إليها جميع الناس فإن العالم أشدهم احتياجا لأنها من أهم أسلحته التي يقضي بها أغراضه ويقيم بها من دعائم الإصلاح ما شاء الله.
فضل الإنشاء معلوم من أول الدولة الإسلامية، وقد كان سابقا لأصحاب الأقلام النصيب الأوفر من التقدم والرفعة بل كان هو الميدان الذي يتسابق فيه الفضلاء من أهل العلم والأدب.
لا ينكر فضل الإنشاء وقيمته العالية أحد، حتى الجهال والبسطاء والأميون الذين يحبون الكتابة المستمرة إلى أهليهم وأصدقائهم بعبارات إنشائية بليغة وقد يدفعون في سبيل ذلك أجورا عظيمة.
وفائدته في التأثير أشهر من أن تذكر، فقد تفعل الجملة الواحدة من جمل الإنشاء ما تعجز عنه السيوف والحراب والمدافع.
وطالما أورث الإنشاء غنى وجاها وجلب سلاما وأقام حروبا ونجى من الموت، وطالما كانت له اليد الطولى في توبة العاصي وإنابة الفاسق (1)، ومن العجيب أن يجهله مع ذلك كثير ممن يدعون العلم ويعدون أنفسهم في مصاف الفحول جهلا فاحشا
__________
(1) العلم والعلماء (1/69)
صفحة 70
وصل بهم إلى حد أن تضرب بهم الأمثال وتلوكه الألسنة في المحافل، وتتخذ بعض مكتوباتهم سخرية واستهزاء بين الناس.
وإنك لتشاهد متى وجهت فكرك إلى الحالة العالمية اليوم وقبيله من التاريخ مكانة للصحافة عظيمة وبأسا شديدا حتى إن الحكومات لتخشاها وتعنو لها في الموقفين: الاستحسان والانتقاد، وحتى صارت هي مسند كل مظلوم ولسان الشعوب التي راج فيها عكاظ الآداب، وراضت أذهانها في حدائق المعارف، بل وأصبحت لسان
الحكومات تبشر وتنذر بها وترغب وترهب، ولسان أرباب الصنائع والمبتككرين تشهر تجارتهم ونتائجهم وتجلب لهم الرفاهية، ولسان المصلح الداعي إلى مسالك الفوز، وصوت المرشد إلى أذهان الغافلين ورسول الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر العامل لإعلاء كلمة الله، والرقيب الحارس للأمة من غوائل الأعداء ودسائس الكائدين ومفاسد الأخلاق وقبائح العادات، كل ذلك بفضل القلم والإنشاء، وتجد التأثير وتصوير الحقائق بما هو مطابق للواقع بقدر رسوخ أربابها في الصناعة وحوك المعاني (1)
__________
(1) لم تزل فكرة ذم الصحافة تدب في أفكار الغافلين ويستدلون على ذلك باشتغال بعضها بالأعراض ونشر الموبقات، ولم يلتفتوا إلا إلى جانب العوارض فخفيت عنهم الذاتيات، ولو علموا أن الصحافة بيد غيرأهلها كالسيف الصقيل بيد الصبي، وكالثروة بيد المتهتك والحكمة، عند من لا يعرفها لما عابوا الشمس في رابعة النهار، نعم إن الحكومة الغشمة تمنحها غير أهلها لتكون لها الة ولا تكون سدا حائلا دون مقاصدها الخبيثة وهذا غير قادح في الصحافة. (1/70)
صفحة 71
إن أهل التحقيق من أهل علماء الأدب ما برحوا يرجحون كتابة الإنشاء ويفضلونها ويميزونها على ساءر الكتابات ويقدمونها لأمور:
منها اشتمال كتابة الإنشاء على البيان الدال على لطائف المعاني التي هي زبد الأفكار وجواهر الألفاظ التي هي حلية الألسنة وفيها يتنافس أصحاب المناصب الخطيرة والمنازل الجليلة أكثر من تنافسهم في الدر والجواهر.
ومنها ما تستلزمه كتابة الإنشاء من زيادة العلم وغزارة الفضيلة، وذكاء القريحة، وجودة الروية: لما يحتاج إليه من التصرف في المعاني المتداولة والعبارة عنها بألفاظ غير الألفاظ التي عبر بها من سبق إلى استعمالها مع حفظ صورتها وتأديتها إلى حقائقها، وفي ذلك من المشقة ما لا خفاء فيه على من مارس الصناعة، خصوصا إذا طلب الزيادة والعلو على من تقدمه في استعمالها أو أخذ حذو رسوم المبرزين الذين ينتحلون الكلام ويوقعونه مواقعه مع مراعاة رشاقة اللفظ، وحلاوة المعنى، وبلاغته ومناسبته مع ما يحتاج من اختراع المعاني الابكار للامور الحوادث والوقائع لاتتناهى ولا تقف عند حد. (1/71)
صفحة 72
أعظم شاهد لجليل قدر الكتابة ورفعة شأنها ذكر المولى عز شأنه لها على سبيل الامتنان، واضافة تعليمها إلى نفسه وعده لها من كرمه ووافر افضاله وجزيل الائه، فقال عز من قائل {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق / 5،3)
مع أن الآية والتي قبلها من مفتتح التنزيل وحيا على أشرف نبي وأكرم رسول - صلى الله عليه وسلم - وآله وفي ذلك من التعظيم ورفعة الشأن ما لاخفاء فيه.
لا جرم أن الذي لا يعرف قواعد الإنشاء ولا شيئا من فنون الأدب يعيب تعاطي هذه المناقب ويعدها من قبيل الهزل وتضييع الفطرة السليمة و (المرء عدو ما جهل) سترا لقبحه والتماسا لعجزه عذرا.
(فما حسن ان يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر)
وعديم الاحساس والشعور الحي لا يخجل إذا كتب ما يكون اضحوكة بين الناس ولا سيما إذا كانت الكتابة رسمية.
ولقد رأينا ورأى الناس كتابات يتصبب بها عرق الجبين خجلا ويتضاءل الإنسان حياء كتبت إلى الحكومة وفي كتابها ودواوينها من المستشرقين الذين كرعوامن حياض الأدب الشرقي نهلا وعللا وامتازوا من بين بني جلدتهم بتاريخه حتى صار من البسيط الفرق (1/72)
صفحة 73
عندهم بين الآداب الإسلامية والآداب الآرية بينما كنت ترى منا من يعد نفسه بين العلماء الأعلام وهو لا يعرف أن هناك ما يسمى بالأدب السامي والأدب الآري ذلك لبعدهم عن تلك المناهل بعد الفرقدين عن البسيطة، أفلا يكون هذا من أكبر العيوب وأشنعها؟ وفراغا جسيما يستوجب الازدراء ومنا أئمة الأدب وفرسانه وأبطال البيان وليوثه.
علم تهذيب النفس
هو علم يبحث فيه عن أحوال النفس وطرق إصلاحها وتطهيرها من سيء الأخلاق
حاجة العلماء والطلاب إلى هذا الفن لا تخفى لغرضين ساميين:
أولا _ تعديل أخلاقهم وتقويمها ورفع هممهم عن الدناءة واتصافهم بالفضائل ومعرفتهم كمال الإنسان من حيث هو إنسان.
ثانيا _ لغرض إعدادهم لأن يكونوا هداة مرشدين داعين الأمة إلى فضائل الأخلاق ومحاسن الشيم.
إذا كانت العلوم تشرف بشرف غاياتها وآثارها فإن هذا العلم من أفضل العلوم وأعلاها وأحقها قدرا بالرعاية والالتفات والعناية خصوصا من العلماء وطلاب العلم؛ لأنه يتعلق بترقية النوع الإنساني وبلوغه أوج الكمال فيما يتعلق بشؤون المعاش والمعاد، علم يدعو إلى الابتعاد (1/73)
صفحة 74
عن الشرور والمفاسد، والاقتراب من الخيرات والمصالح، علم يدعو للتقدم ويرسم للإنسان طريق الخير والسعادة.
إن الأمة التي لا تروج بضاعة علم الأخلاق في أسواقها جديرة أن تكون أحط الأمم وأخسها، وأن تكون رهينة الذل والنقص، حليفة الاحتقار والصغار.
يتبين للناضر في أحوال النفس وقواها إنها تنقسم إلى ثلاثة:
أولا _ القوة الناطقة وتسمى الملكية وهي القوة العاقلة، وهي التي بها يكون الفكر والتمييز والنظر في حقائق الأمور، فمتى كانت معتدلة وغير خارجة عن ذاتها وكان شوقها إلى المعارف الصحيحة (لا المظنونة معارف وهي في الحقيقة جهالات) حدثت عنها فضيلة العلم وتتبعها فضيلة الحكمة.
ثانيا _ القوة الشهوية وهي التي يعبر عنها بالبهيمية، وهي القوة التي بها تكون الشهوة وطلب الغذاء والشوق إلى الملاذ التي في المأكل والمشارب والمناكح وضروب اللذات الحسية، فمتى كانت معتدلة منقادة للنفس العاقلة غير مستعصية فيما تقسطه لها ولا منهمكة في اتباع هواها حدثت عنها فضيلة العفة وتتبعها فضيلة السخاء.
ثالثا _ القوة الغضبية وهي التي يعبر عنها بالسبعية، وهي القوة التي بها يكون الغضب والنجاة والإقدام على الأهوال والشوق (1/74)
صفحة 75
إلى التسلط والترفع وضروب الكرامات.
فمتى كانت معتدلة تطيع القوة العاقلة فيما تقسطه لها فلا تهيج في غير حينها، ولا تحمي أكثر مما ينبغي لها حدثت منها فضيلة الحلم وتتبعها فضيلة الشجاعة، وباعتدال هذه القوى الثلاث تحدث فضيلة هي كمالها وتمامها وهي فضيلة العدالة، لهذا أجمع الحكماء على أن أجناس الفضائل أربعة: (الحكمة) و (العفة) و (الشجاعة) و (العدالة). ولهذه الفضائل أضداد أربعة أيضا هي: (الجهل) و (الشره) و (الجبن) و (الجور).
فأنت ترى أن القوة العاقلة هي أشرفها وبها صار الإنسان إنسانا وشارك الملائكة وبأين البهائم، وأدونها البهيمية، وأوسطها السبعية.
فأشرف الناس من كان حظه من القوة العاقلة أكثر وانصرافهاليها أتم وأوفر، لهذا وجب تغذية النفس بالعلم والتهذيب بالأخلاق الفاضلة والزيادة في المعقولات والارتياض بالصدق في الأراء وقبول الحق حيث كان ومع من كان والنفور من الكذب والباطل كيف كان؟ ومن أين جاء؟
ومن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها ثم ينظر بعد ذلك في كتب (1/75)
صفحة 76
الأخلاق حتى يتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان فلا يسكن إلا إليها ثم يتدرج حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الإنسان فهو السعيد الكامل
وعلم تهذيب النفوس ضروري للحياة الفردية وللحياة العائلية والحياة الاجتماعية، وهو لحفظ الفطرة في النفوس حتى لاتنطبع بالخبائث والرذائل فتصبح من المفسدين.
فالقلوب التي هي محل نظر الله جل جلاله إذا كانت في نفوس متعهدة بالتهذيب كانت ينبوع الخيور وإذا لم تتعهد بالتهذيب كانت مثار الشرور.
قال - صلى الله عليه وسلم - (إن في الجسد مظغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب) وبمقدار تأثر النفس بالفضائل ورسوخ التهذيب فيها تكون مجاهدتها في سبيل الخير وعبادة الله تعالى واستطابة الحق ولو كان مرا ثقيلا، قال عليه الصلاة والسلام (اعبد ربك على الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير)
وللتهذيب طرق متعددة ولم يزل علماء الأخلاق والنفس يستخدمون قواهم لابتكار أساليب التهذيب باعتناء عظيم إلا أن الطريق المعمول به الآن في بعض مدارس تونس هي بسيطة ولكنها لابأس بها، وهي ترويض أذهان التلاميذ بما ذكرنا من (1/76)
صفحة 77
الفنون، ثم بحفظ شعر الحماسة والأخلاق الطاهرة والمحاسن والحكمة والفضائل وقطع نثرية من ذلك القبيل، بعدة آيات وأحاديث وشرح ذلك كله لهم وما يناسبه من الأمثال، أما ما يخل بالأدب الإسلامي من المجون والسخف والتغزل فلا وجود له وحسنا فعل أربابها، وما قيل من وجوده فاختلاق محض ومع وجود شيء من ذلك في دروس أولئك المختلقين وآدابهم، أولئك الذين يطعنون فيما رأيته وتراه من العلوم ويتخلل دروسهم مثل قول الشاعر:
(قد أقبلت عزة من عراقها من عراقها)
وقوله: (اعد نظرا يا عبد قيس)
مما يخجل العاقل من ذكره وسماعه، وما انتبهوا إلى سنة الله في كتابه العزيز من التعبير بالكناية كقوله تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمَ} (البقرة / 223) وقوله {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء / 21) وقوله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} (البقرة /222)
وأمثالها من التعاليم العالية والآداب الكاملة. ونود أن يوجد تدريس علم النفس حتى تتربى القوى العقلية في الناشئين وتنمو وتسمو مداركهم وتتثقف غرائزهم.
وما أحوج بلادنا الجزائرية إلى المدارس وأنواع العلوم الإسلامية فقد انتشرت في جميع أرجائها المدارس الفرنساوية (1/77)
صفحة 78
وفقدت منها المدارس الإسلامية، اللهم إلا شيئا يذكر مع ضعف التعليم وهذه منافسة عظيمة للتعاليم الإسلامية وإن استمر الأمر على هذه الحال فستصبح تعاليمنا في خبر كان ولله عاقبة الأمور.
ولا بأس أن نأتي بنزر من الكلام على الفطرة وتضاربت آراء الباحثين في نزعاتها، وعند بعض هي نقاوة القلوب وطهارتها واستعدادها للخير، ويدل لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - (خلقت هذه القلوب حنيفية إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له) وقوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)
وعند آخرين هي الإسلام، واستدلوا لقولهم بقوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم / 30)
ومنهم من يرى هي استعدادها للخير والشر، ومنهم من يرى هي هيي استعدادها للخير والشر، ومنهم من يرى هي خلوها منهما، ومنهم من يرى أنها الشر
ويستدلون برأي أبي الطيب المتنبي (1) في قوله:
__________
(1) أبو الطيب أجمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أحد كبار الشعراء الراقي الخيال الدقيق التصوير العيد ي المرمى، له سلاسة وانسجام في شعره ما جعله جذابا للقلوب، كان مصاحبا لسيف الدولة، وله فيه كثير من القصائد ولكافور الإخشيدي في مصر ولعضد الدولة بفارس، توفي سنة 354هـ. (1/78)
صفحة 79
(والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم)
ورأي المعري (1) في قوله:
(وفضيلة النوم الخروج باهله
من عالم هو بالأذى مجبول)
وقوله:
(ومن جرب الأقوام أوسعهم ثلبا)
وبعض أنصار هذا الرأي يقول إن الطبع الإنساني متى وكل إلى نفسه ولم تحفظه العصمة الإلهية وترشده الهداية الربانية التبست عليه الأمور وكان إلى الشر أميل منه إلى الخير وأطوع إلى صولة الأول منه إلى سلطة الثاني، ولذلك وجب حياطة الناس بما صدر عن سنة خيرة الخلق المعصومين المطهرين وما جاؤا به من الحكمة المبينة لجميع الخيرات بأصدق القول وأبلغ الكلام.
وللقائلين بأن الفطرة استعداد النفوس للخير والشر أدلة منها قوله سبحانه: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهاَ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس / 8 - 10) فقد افادت الآية أن إلهام الله للنفس عقب
__________
(1) هو أبو العلاء الفيلسوف الشاعر المشهور، رمي بالكفر والإلحاد وذكر أنه تاب، عمي بعد ولادته بأربع سنين، وهو من أساطين الأدب لبث زهاء 45 سنة بعيدا عن أكل اللحم، متزهدا عن تعذيب الحيوان بالذبح وكان يعتقد أن الزواج جناية، توفي سنة 449 هـ كان من مشهوري الحفظ والذكاء النادرين. (1/79)
صفحة 80
تسويتها والفلاح لمن طهرها من المعاصي ولم يدنس صفاءها الفطري بشيء من الرذائل والخيبة لمن دسسها بالمعاصي، ويأيد هذا قوله عز شأنه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد / 10) أي بينا له طريقي الخير، وكذا قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان / 3) إلا أنك إذا تأملت جيدا تجد ترجيح رأي القائلين بأن الفطرة ميل النفس إلى الخير والاستعداد له للحديثين الشريفين (خلقت هذه القلوب حنيفية) و (كل مولود يولد على الفطرة).والقائلون الفطرة هي الإسلام يستدلون بالآية المتقدمة (فطرة الله التي فطر الناس عليها) أي ألزم فطرة الله وهي الاعتراف لله بالوحدانية فإنها الدين القيم لا تغيير لها أولا تغيرها،
على أن النفي بمعنى النهي وقد أخبر الله تعالى في آية {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (الإسراء/ 44) بأن الخضوع لجلاله والاعتراف بوحدانيته وألوهيته من جميع المخلوقات أما بلسان الحال وأما بلسان المقال.
زهد الجامدون في فن تهذيب الأخلاق وابتعدوا عنه فصارت نفوسهم مظلمة وعقولهم غير صقيلة فضاعت منهم الفطرة السليمة فكان ما يمر عليهم من الدلائل والحكم غير قار. ولو اشتغلوا بهذا الفن لكفى بعضهم شر بعض وكفوا شر الناس وكفى الناس شرهم ورأوا ما تقر به أعينهم ولأدركوا ضرورة التعاون والاتحاد مع أوساطهم لأن الضرورة داعية إلى حال تجمع وتؤلف بين (1/80)
صفحة 81
أشتات الأشخاص ليصيروا بالاتفاق والائتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها على الفعل الواحد النافع له.
فالنقصان الذي يضطر الناس إلى الإتمام والاستكمال جعل أفراد البشر مرتبطة، ولا سيما أفراد الشعب الواحد، والمصالح العامة ضرورية بين الناس الاستغناء عنها مستحيل، لاتمنع منها ولاية ولا براءة لأنها من وظائف القلوب لهذا قال - صلى الله عليه وسلم - (افشوا السلام تحابوا) ما أحوج أولئك إلى درس علم النفس أيضا والوقوف على أسرار الإسلام حتى يعلموا سر إيجادهم ومعنى إنسانيتهم وكونهم بالطبع مدنيين
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} (القصصَ / 56)
المكاييل والمقاييس
من الفنون التي يزاولها الشبان بالمدرسة فن المكاييل والأوزان، وليس بخفي أن الأقيسة على اختلاف أنواعها هي القطب الذي تدور عليه رحى المعاملة فيما بين الناس وينضبط به أمر التبادل العام الذي هو أس الثروة والعمران وتتعين مقادير الحقوق الشرعية في الزكاة والصدقات وغيرها وبدونها لا يمكن الوصول إلى هذه الغاية الشريفة فيتلاشى أو يفسد كثير من أصول الدين القويم وتتعطل حركة المعاملة ويختل أمرها حيث (1/81)
صفحة 82
لا يعرف الإنسان كيف تكون.
لم تزل مسائل هذا الفن مطمح أنظار العقلاء ومبحث القادة من العلماء، ولها أهمية عظيمة بين الأمم المتقدمة وتعد من الواجبات المدرسية على التلميذ في أطواره المدرسية الأولية حتى يكون بصيرا بآلات التعامل بين أمته وغيرها كذلك، فإن سمحت له الأقدار بتعاطي المعاملة كان في تجارته لا يظلم ولا يظلم.
وقد ورد عظيم في الإخلال بشيء منها فقال عز من قائل: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وإذا كالوهم أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ} (المطففين / 4،1)
ثم انذرهم ونبههم الى مراعاة يوم يناقشون فيه الحساب ويقتص منهم فيما نقصوه من المكيال والميزان فقال {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ} (المطففين /4)، وببخس المكيال والميزان أهلك الله قوم شعيب عليه السلام.
وغير خفي أن التعامل الآن في بلادنا بمكاييل وموازين فرنسوية واندثرت مكاييلنا وموازيننا فوجب أن نعلم الشبيبة هذا الفن حتى يكونوا على بصيرة من هذه الآلآت التي ابتلينا بالتعامل بها في ظعننا وإقامتنا كما يجب علينا أن نحافظ على أوزاننا الشرعية لأداء الحقوق كما قدمنا.
وهذا الفن من لوازم العمران لا من الكماليات حتى يصح الاستغناء عنه لبعض. (1/82)
صفحة 83
الإجمال في الفنون بعد التفصيل
يتبين للمطلع على ما كتبناه على الفنون وما أتينا به باختصار وألممنا به من تلك الفنون الحيوية، عدم منافاتها للقرآن والإسلام، ويتبين له كونها من الواجبات الحيوية والعدة اللازمة للوقاية من انكسار شوكة الإسلام وانهدام أطمه وانهزام أنصاره أمام أي قوة أجنبية عنه تحاول القضاء عليه وطمس معالمه، وتلك من وسائل إعلاء كلمة الله.
والزاعمون مباينتها للدين وأنها مما يضر به، بينهم وبين إدراك أسرار الله وفهم سننه في الكون أغوار وأنجاد، ومعالم وأطواد وهذا النزر اليسير من علوم حقائق الموجودات وخواصها وأسرارها ما هو إلا كمصة من وشل، يندرج تحت هذه الكلمة علوم شتى لا تكاد تحصى ولا تخطر ببال الجامدين الذين يصمون الحق بالباطل ويتكلمون فيما ليس لهم به علم {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (الإسراء / 36)
وكلها من العلوم المفيدة اللازمة في الدين والمعاني الأدبية والأمور المادية، وقد دعا الله إلى النظر في موضوعاتها غير مرة بل أكثر القرآن جاء حاثا على النظر في الموجودات كما قدمنا.
ولا شك لأنه وإن سلمنا أن النظر السطحي كاف في الإيمان لكن التحقق من هذه الأشياء على الطرق العلمية مما يورث (1/83)
صفحة 84
كمال اليقين.
إن اعتقاد الناظر في هذه العلوم والعالم ببعض تفاصيلها هو الاعتقاد الكامل الذي يعد النفس إلى الاقتراب من موجد العوالم، وفرق كبير بين الأثر الذي يحصل في نفسك إذا سمعت أن فلانا شجاع كريم على سبيل الإجمال وبين الأثر الذي يحصل عندك إذا شاهدت جزئيات وقائعه في الحروب ونظرت إلى ما يصدر عنه من الإحسان. نعم نعم بين الإجمال والتفصيل فرق ما بين الشهود والتقليد.
الوجدان الذي يحصل من الاستكمال العلمي والنضر في الموجودات ومعرفة أنواعها ونظامها وترتيبها إلخ يرفع الإنسان إلى حد يكاد يجعله سلطان العوالم (ولا شك أن العلم نوع من الاستيلاء على المعلوم) ويريه كأنه يشرف عليها من كوة عالية فوقها ويخيل له معنى السعادة، والغنى التام، والكمال المطلق الرباني المتجلي في مخلوقاته.
ولئن امتاز الإنسان باتقان الفعل وحسن الآثار وتحصيل المصالح والابتعاد من المضار فلا جرم أن ذلك لا يكون إلا بالاستكمال في العلوم الكونية والنظر في خصائصها وأسرارها فكيف لا ننظر فيها على قدر الطاقة (1).
(الاتقان): وقد احتوى (آي القران) على علوم أخرى
__________
(1) العلم والعلماء ببعض تصرف واختصار. (1/84)
صفحة 85
من علوم الأوائل مثل الطب والجدل والهيئة والهندسة والجبر والمقابلة والنجامة إلخ
ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب وشفاء الصدور. وأما الهيئة ففي تضاعيف سورة من الآيات التي ذكر فيها ملكوت السماوات والأرض وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات وأما الهندسة ففي قوله تعالى: {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} (المرسلات / 30). (1) وأما الجبر والمقابلة فقد قيل إن أوائل السور فيها مدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة وأن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقي مضروب بعضها في بعض.
وأما النجامة ففي قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الأحقاف / 4) قال به (حبر الأمة) (2). وفيه أصول الصنائع
__________
(1) في الاستلال بهذه الاية على هذا الفن نظر، وكانه يشير الى الشكل المثلث والاشارة في قوله تعالى: (وكل شيء عنده بمقدار) اقوى، ففي اقل اشارة او احتمالها في اية كفاية الرد على دعوى مباينة تلك الفنون للقرآن
(2) هو عبد الله بن عباس عم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ورضي عنهما بحر العلم وحبر الامة وعالمها ولد (والنبي صلى الله عليه وسلم واهل بيته بالشعب من مكة) فاتي به النبي (عليه الصلاة والسلام) فحنكه بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين على قول وراى جبريل عنده صلى الله عليه وسلم مرتين وكان له لما مات النبي (صلى الله عليه وسلم) ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة وتوفي سنة ثمان وستين بالطائف وهو ابن سبعين سنة في رواية. (1/85)
صفحة 86
كلها والمعاملات. اهـ وبالجملة كتاب أنزله الله للبشر، كافل لسعادتهم في الدارين {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (ص / 29)
(قلت) من العلوم الممتازة بالتآليف النفيسة وأخصاء ونوابغ (علم النفس) وقد أصبح من العلوم المقفرة بالجامعات الكبرى وهو وإن كان شعبة من علم الأخلاق لكنه توسع فيه العلماء وأبرزوه في ثوب قشيب وحلة بديعة، المتبرزون فيه لهم اقتدار في تربية القوى العقلية وإدراك النفوس واستعدادها وتهذيب الأخلاق، وسيكون في مستقبل الأيام لهذا العلم شأن وأي شأن بما ظهر فيه من الأسرار العجيبة، وقد أخبرني بعض الأساتذة أن الاعتناء بهذا الفن عند الأمم الأوروبية أبلغهم إلى حد معرفة النفوس الشريرة كل بما يخصها من قبيح الأعمال حتى صاروا يستخرجون قضايا الجنايات بهذه المواهب بطريقة صادقة يحكمون بها.
وهي وإن كانت غير مطابقة للحكم الشرعي لكنها توصل إليه بدون أدنى ريب ويعرف بها الجاني والنفوس الخبيثة فتتخذ وسائل إصلاحها فتغدو أعضاء نافعة في الهيكل الاجتماعي
1. فإن النفوس الجامحة منها المستعدة للتأثير بالزواجر الإلهية بمجرد سماعها ومنه بتكرارها ومنها غير قابل لها بالكلية، ولهذه (1/86)
صفحة 87
الفروق شرع الحدود تطهيرا لقابلية الصلاح وتمييزا لضدها {لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (الأنفال / 37)
ولا غرابة أن نقول أن القرآن من أكبر الآيات وأعظم المعجزات وأسطع البراهين على توحيد الله تعالى وكمال قدرته إذ جميع ما في الكون وما بلغت إليه أفهام البشر من الاختراعات مذكور في الكتاب العزيز تصريحا أو تلويحا. تأمل قوله سبحانه وتعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل / 8)
ترى من الإبداع والإعجاز المرتبة القصوى، فإنه سبحانه ألفت نظرنا تذكيرا إلى آلائه الوافرة علينا في عالم الشهادة من تسخير الحيوانات لنا وانقيادها ذلولة نتخذها مطايا وزينة ثم ألفتنا ثانيا إلى عالم الغيب بأنه يخلق أشياء لم يحط بها علمنا قبل حدوثها بصيغة الاستقبال المفيدة للتجدد والاستمرار صالحة للركوب والزينة وغيرها من العجائب التي لاتنقطع.
اللهم عز شأن الإنسان ما لم يعلم فابتكر المراكب البديعة المائية والجوية والبرية التي أصبحت تطوي الأرض وتقطع في جزء من الزمن يسير الأبعاد الشاسعة وتصل كل منتأى، وابتكر المخبرة السلكية واللاسلكية والمسرة يستكشف بها مرامه في (1/87)
صفحة 88
كل صوب، وإنا نرى كل حين من غرائب صنع الله تعالى الذي أتقن كل شيء مما ألهمه الذين خصهم بقوة الفكر واستخدام المواهب العقلية ما يبهر الألباب. وأولئك الذين تعتمت أفكارهم بطحلب الجمود أو قصرت مداركهم وتعطلت دون الوصول مواهبهم بعدم استعمالها عن آيات الله غافلون.
في رسالة حكم عيسى عليه السلام آخر الزمان (1) قال - صلى الله عليه وسلم - (ما من شيء فهو في القران أو فيه أصله قرب أو بعد، فهمه من فهمه وعمه عنه من عمه).
وفيها قال بعضهم: ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله،
حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا وستين سنة من قوله سبحانه في سورة المنافقين: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون /11)
فإنها رأس ثلاث وستين سورة وأعقبها بالتغابن.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (لو أغفل شيئا لأغفل الذر والخردلة والبعوضة (2)، وقال ابن مسعود (3) رضي الله عنه: (من
__________
(1) رسالة جليلة للسيوطي خطية في دار الكتب المصرية.
(2) رواه ابو الشيخ وابن حبان في كتاب العظمة.
(3) هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي كان من كبار الصحابة وعلمائهم، شهد له (صلى الله عليه وسلم) بالجنة وشهد معه بدرا واحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد، وهاجر الهجرتين الى الحبشة والى المدينة وصلى الى القبلتين، قال رضي الله عنه لقد رايتني سادس ستة ما على الارض مسلم غيرنا، وشهد وقعة اليرموك بعده (صلى الله عليه وسلم)، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين واوصى الى الزبير بن العوام ودفن بالبقيع وعمره بضع وستون سنة (1/88)
صفحة 89
أراد العلم فعليه بالقرآن فان فيه خبر الأولين والآخرين)، وقال: (أنزل في القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن).
مما ينبغي لنا أن نذكره هنا ونزين به هذه النبذة بعض أسرار كلام الله العزيز الذي لا ينضب معينه ولا تخلق محاسنه ولا تنطفيء أنواره، نرى كثيرا ما يمدح سبحانه فيه أعمالا ويذكر على أخرى ثوابا ويثني على فاعلها مرة أخرىتشويقا لنفوس المؤمنين وانتدابا لها إلى تلك الأعمال الجليلة بطريقة مؤثرة بليغة لما فيها من المنافع الجمة وادخار الحسنى. ولو امعنت التفكر مثلا في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} (البروج / 11)
لرأيت في نفسك من التأثير ما لاتقدر على تكييفه ومن الشوق ما لاتتصوره ومن انتعاش روحك وانجذاب نفسك ما تكتنهه، لذلك قال العلماء يؤخذ الأمر من ثلاثة من مدح الفعل ومن ذكر الثواب عليه ومن مدح الفاعل، كذلك النهي يؤخذ من ذم الفعل ومن ذم الفاعل ومن ذكر الوعيد عليه. ومن هذا القبيل ذكر المولى عز شانه نعمه في معرض (1/89)
صفحة 90
الامتنان الفاتا لنفوسنا الى شكرها واستعمالها فيما خلقت لاجله وهذا كثير في القران مما تحسن حال الافراد به وتنتظم الهيئة الاجتماعية ةتنال السعادة السرمدية.
ومن الغرور ان يقول قائل ان الكتب المنزلة لم تتضمن الا ما هو عبادة ةتهذيب النفوس مع ما تضمنه القران مما ذكرناه وهو شيء يسير مما فيه، وحتى سيادة المسلمين ةاستخلافهم في الارض لحفظ النظام ونشر السلام.
أولا يرى إلى قوله سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور / 55)
كيف استنهض المسلمين إلى العز والسلطان بأن وعدهم بالاستخلاف في الأرض وتمكينهم من الإسلام الذي اختاره لهم دينا وإلا من بعد الخوف، كل ذلك متى جمعوا بين التصديق به والعمل الصالح ثم أمر بالخضوع لجلاله وعظمته والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه ثم ختم الآية بقوله (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فأفادتنا الآية أننا متى تركنا الواجب صار أمننا خوفا وزال سلطاننا وأصبحنا محكومين لا حاكمين وهذا هو المشاهد الآن (أعاد الله للإسلام عزه وعظمته ورفع لواء دينه على كل الألوية) (1/90)
صفحة 91
وأكبر دليل على أن القرآن جامع لعلوم الأولين والآخرين قوله سبحانه: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل /89) و {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام / 38)
ولا يصح قصر الآيتين على ما يخص العبادات والمعاملات، ولا دليل يصح قصر الآيتين على ذلك إذ لا تخصيص لعمومهما، وما ظهر من هجمات الملحدين وطعن الأجانب في الدين الإسلامي ووصفهم له بأنه دين الجمود فمن أسبابه ما يكتبه الجامدون والأعراض منهم عن سنن الله في الكون، وهم يحسبون أنهم يرفعون مناره بينما هم يقوضون بنيانه فكانوا أكبر مساعد لأولئك الأخصام الذين ما ذاقوا المجد وعرفوا نعيم الحرية إلا بما نشره القرآن وأفاضه الإسلام بين الورى من أنواع السعادة وبينته السنة الغراء من المحاسن ومكارم الأخلاق، ولم تزل تتفيأ ظلال الإسلام على العالم ولو أنكرها الجاحدون.
من شأن المسلم أن يجعل نفسه مثالا تتشخص فيه مكارم الإسلام وآثاره الفاخرة وكمالاته وتعاليمه العالية وأن لايبتدر منه ما يحط من محاسنه. ومن الواجب إظهار حقائقه وفضائله والدعوة إليه ونشر مزاياه وإبانة ما جاء به القرآن من السعادتين.
فبتصوير المسلم لدينه بجماله والدعوة إليه والترغيب فيه يحصل التأثير العجيب ومصداق قولنا قوله سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت / 33) (1/91)
صفحة 92
إن من كمالات الدين الإسلامي ونعمة القرآن انتشال البشر مما كان منغمسا فيه من حمأة الجهالة والهمجية والخضوع لأسر الأوهام وما يخطر من الهواجس التي ما لها على الإنسان من سلطان إلا سوط الجهل إطاعة لها، أباح القران للعقلاء في كل شي من المخلوقات وفتح لهم مراقي السعادة العقلية ولم يحظر عنهم إلا التفكير في ذات الباري جل وعلا لأنهم لا يحيطون به علما لذا قال عليه الصلاة والسلام: (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق)
الحكمة ضالة المؤمن
ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها أخذها) سواء قلنا الحكمة العلم أو إصابة الحق بالعلم والعقل أو غير ذلك من الوجوه، فكلها تحوم حول معنى واحد وهو العلم، هو أنشودة المؤمن وغاية مناه؛ لأنه به يشرف ويسعد وينال الدرجات العلى، وأشرفه ما يبلغ به إلى معرفة (مالك الملك) (جل جلاله) عن يقين، فمن هنا قال المحققون إيمان المقلد ضعيف، فكل علم يزداد به اليقين ويشرق به الباطن وتتقوى به الكمالات الإنسانية فهو علم الحكمة {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (البقرة / 269) يلتقطها المؤمن أينما وجدها ولا غبار عليه متى وجد علما نافعا من (1/92)
صفحة 93
العلوم التي لا ضرر فيها على الدين عند أي شخص وأخذه عنه، وقد جرى على هذا العلماء قديما وحديثا، وفي المثل السائر قال - صلى الله عليه وسلم -: (الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها إذا وجدها) والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها كما يقال: (رب رمية من غير رام)، وهذا لايخص علما واحدا من العلوم بل يقع في كل علم. اهـ ففي بعض الروايات لحديث الباب (حيث) وهي لعموم الأمكنة فتفيد أخذ كل علم نافع لا ضرر فيه شرعا من أي إنسان وجد عنده.
وفي الجواهر السنية: لما كانت الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها، وأبرك يوم عنده ما أحرز فيه مسالة واستفادها أو أفادها، وكان من أجلها علم الكيمياء الذي لم يسمح بمثله الزمان، إذ هو أساس لعلم الشفاء، ومعالجة الأبدان فهو له كالأم وعلم الطبيعة كأبيه، ولا ينكر ذلك إلا جاهل سفيه، لم لا وبه يعرف تحليل الأجسام وتركيبها وتقطير الأملاح وتبلور (1) الأملاح وتذويبها وتأكسيد (2) المعادن واستحضار
__________
(1) اجتماع أجزاء مائعة أو غازية أو محلولة في مائع وانعقادها تدريجا مع البطيء على أشكال مختلفة منتظمة تسمى بالبلورات، فإن كان الاجتماع بسرعة ومن غير انتظام في الشكل يسمى ترسيبا وما تكون منه يسمى رسوبا.
(2) اتحاد مقدار من الأكسجين بجسم. (1/93)
صفحة 94
الغازات، وتجهيز الحوامض (1) والأملاح ومنافع الفلزات (2) وبه تتميز السموم من غيرها من الاستحضارات، ولا تتم مهارة الطبيب إلا به ويدرك خطؤه من صوابه، كان الواجب على العاقل أن يتلقاه ولو من غير أهل الإسلام حيث لا يجد فيه ما يخالف شريعة سيد الأنام.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أعلم الناس من يجمع علم الناس إلى علمه وكل صاحب علم غرثان) (3)، وأنت ترى عند التحقيق أن الحكمة هي العلم، فتأمل يا مسكين شرف العلم، فإن الله عز وعلا سماه الخير الكثير (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) والتنكير للتعظيم وسمى الدنيا بأسرها قليلا {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (النساء / 77) وذلك أن الدنيا متناهية العدد متناهية المقدار، متناهية المدة، والعلوم لا نهاية لمراتبها ولعددها ولمدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.
واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، قال بعض المفسرين في قول أبينا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {رَبِّ
__________
(1) هي الجواهر المتكونة من اتحاد الأوكسجين أو الإيدرجين بجسم بسيط أو جسمين أو ثلاثة.
(2) هي الأجسام المعدنية.
(3) رواه أبو يعلى عن جابر بن عبد الله. و غرثان كعطشان: جائع (1/94)
صفحة 95
هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} الحكمة النظرية (وألحقني بالصالحين) الحكمة العملية. والله ولي التوفيق.
الكلام على التعليم
لا ريب أن التعليم له طرق متعددة وأساليب متنوعة، غير أن النجاح في التحصيل مبني على مقدرة العالم في التأثير وإيصال المعاني إلى أذهان التلاميذ بذكائه ومواهبه.
لم تكن أساليب التعليم فيما سلف منظبطة وإنما هي حسب ما يراه المدرس على سبيل التقليد أو استنباطا منه لفوائد فيه يضمها إلى طريقته التي أخذ بها عن أساتذته، غير أن العلماء المعتنين بالتعليم ما زالوا يبتكرون طرقا ويمزجون بأخرى ثمرات بلغت إليها عقولهم بحثا وتجربة ويختصرونها آنا بعد آن إلى أن أصبح اليوم التعليم له طرق سهلة التناول مفيدة للمتعلمين موصلة إلى البغية في يسير من العمر مع وفرة المعلومات، وقد ألف فيها العلماء تآليف لا تحصى وأعدت الحكومات والجمعيات مدارس لذلك يتخرج فيها المعلمون الأخصاء البارعون في ايجاد الملكات للتلاميذ.
والتعليم من شعار العلم وأخص صفاته، إذن فلا بد له من الكمال فيه، وإذا كان هو أساس السعادة وواسطة التربية والترقي ونشر الدين، فلا بد من الاعتناء به والسعي في تسهيله ولا يجوز (1/95)
صفحة 96
الاقتصار فيه على ضرب غيره أحسن منه.
وبدهي أنه لا تلازم بين العلم وحسن التعليم، فكثيرا ما يكون الشخص من كبار العلماء ولكنه مشوش أو عاجز البيان أو قليل الخبرة بأساليب الإقناع ليست عنده قوة التصرف ولا دراية بطرق التفهيم التي تختلف باختلاف المتعلمين، ولا شك أن نجاح الطالب أو سقوطه وسعادته أو شقاوته يرجعان إلى أمر التعليم.
فهناك من يرفع البليد بحسن تعليمه ويقدمه إلى صفوف الأذكياء ويأخذ بأيدي الطلاب إلى أسمى مراتب العلم وأقصى وجوه النظر من أقرب الطرق بدون تعب يذكر، وهناك من يحط من قدر الأذكياء حتى يذهب ما ينتظر منهم ويضيع حسن استعدادهم، ويكون كالعلة التي تلحق الحيوان أو النبات في أول نشأته فتعوق نموه وتورثه الذبول.
المتعلم يكون أول أمره عاجزا عن تعلم أصغر الجمل وأظهرها إلا على سبيل الإجمال والتقريب بالعبارات الصريحة والإشارات الحسية ثم لا يزال الاستعداد يتدرج فيه قليلا قليلا بمعاودة النظر في قواعد العلم وتكررها عليه والانتقال فيها من التقريب والإجمال إلى الشرح والتفصيل، ثم إلى الإحاطة والاستيعاب حتى يتم ويكمل الاستعداد، (1/96)
صفحة 97
فمتى حصلت للتلميذ ملكة في علم من العلوم رغبت نفسه وتشوقت إلى الاستزادة منه وتوسيع ملكته فيه، ثم لايزال ينتقل فيه تدريجا حتى يصل الغاية ويصير فيه إماما، بخلاف ما إذا خلط عليه من أول الأمر عجزت نفسه عنه وذهبت زهرة عمره بدون جدوى، لهذا كان أغلب المتعلمين ينقطعون عن العلم عندما يرون عدم التحصيل، فكان فساد التعليم جناية على مواهب كثير فعاقتها عن إبراز آثارها والانتفاع بها.
فالتعليم النظامي العصري جميل سريع مع نمو مواهب التلميذ تدريجيا، فكان كالمذكى لها إذا كان بيد المخلصين الأمناء، وإنكار حسن التعليم الآن وترقيه من قبيل انكار المحسوس وذمه، من (المفتون) ضفاطة (1) وخطل.
__________
(1) الجهل وضعف الرأي (1/97)
صفحة 98
الكلام على الفصاحة والبلاغة وتأثيرهما
من جمال ابن آدم وكماله الإنساني البيان، جمال يأخذ القلوب ويلج الأسماع بدون أذن، ويستهوي النفوس ويخلب الألباب، لولم يكن للبيان مدح إلا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن من البيان لسحرا) (1) لكفاه شرفا وثناء خالدا، فكيف وقد مدحه الله تعالى في محكم كتابه الذي هو ينبوع البيان،
ومنهل العرفان، فقال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}
(الرحمن / 4،1) علم البيان هو علم البلاغة _ وهو أجل العلوم الأدبية قدرا ومكانا، وأعلاها منزلة وأكبر شأنا، لأنه علم يستولي على استخراج أسرار البلاغة من معادنها وهذه توجد محاسن النكت المودعة في أصدافها ومكامنها، وهو الغاية التي ينتهي إليها فكر النظار والضالة التي يطلبها غاصة البحار، وعلبه التعويل في الاطلاع على حقائق الإعجاز في القرآن وإليه الاستناد عند المسابقة في الخصل (2) والرهان ومنه تستشار المعاني الدقيقة على ممر الدهور وتخرم الأزمان.
هو أبو عذرتها وإنسان مقلتها وشعلة مصباحها،
__________
(1) الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب (رحمه الله) من أئمة القرن الثاني.
(2) الخصل والرهان عطف مرادف (1/98)
صفحة 99
وياقوتة وشامها، ولولاه لم تر لسانا يحوك الوشي من حلل الكلام وينفث السحر والزهر مفتر الأكمام، كيف لا
وهو المستولي على أسرار الإعجاز وحقائق المجاز، وكيف لا وبه يدرك المستقيم من المعوج من التأويل. هو من العلوم الأدبية بمنزلة الإنسان من سواد الأحداق وقد بلغ الذروة العليا من البلاغة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأعجز البشر ووقف دونه فطاحل الفصحاء والبلإاء، منهم من خروا له خاضعين فنكسوا أمامه ألويتهم مندهشين، فما استطاعوا أن يبدوا أقل آية فكيف بسورة من مثله وقد أنزله الله تعالى على (سيد العالمين) - صلى الله عليه وسلم - وآله.
وسوق البلاغة نافقة (1)، ومنهم من انتقل عند عجزهم من المعارضة باللسان إلى المقارعة بالسنان ومن المكالمة باللهازم (2) إلى الملاكمة باللهاذم (3).ليت شعري ما كان يخطر ببال أنه يوجد من يذم الفصاحة والبلاغة، وأحكام اللغة العربية الشريفة وإتقانها، وقد مضى ذلك العصر الذي وجد فيه هؤلاء، عصر استخراج الفنون من أصدافها، وتأسيس الضوابط لصيانتها وكفى مؤنة الرد عليهم إمام البلاغة
__________
(1) رائجة
(2) عظمتان ناتئان خلف الأذنين والمراد المكالمة بالفم.
(3) الرماح القواطع. (1/99)
صفحة 100
وفارس الفصاحة (1) في دلائل الإعجاز.
أجمعت كلمة البلغاء على أن القران معجز، وإعجازه بوجوه عديدة بالنظم، واشتماله على المغيبات وخفايا الأمور التي لم تدرك إلا بعد ظهورها، ووجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول وتصوره تصور المشاهد، وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان، ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة، وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل ويبهج، ويؤنس ويطمع، ويضحك ويبكي، ويحزن ويفرح، ويسكن ويزعج، ويشجي ويطرب، ويهز الأعطاف ويستميل نحوه الأسماع، ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى بعيدا، وله مسالك في النفوس لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة، وبحسب ما يترتب في نظمه ويتنزل في موقعه ويجري على سمت مطلعه ومقطعه يكون عجيب تأثيراته وبديع مقتضياته.
__________
(1) الشيخ عبد القاهر الجرجاني أول من لخص هذا الفن وأظهره برأسه وألف فيه كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، فكانا ركن علم البلاغة العظيم. (1/100)
صفحة 101
القرآن هو أشرف بيان وأهداه وأكمله وأعلاه وأبلغه وأسناه، متضمن ثمرة كتبه تعالى التي أولاها أوائل الأمم، كما نبه عليه بقوله سبحانه: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} (البينة / 2، 3)
الله من معجزته أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه والآلآت الدنيوية عن استيفائه {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لقمان / 27)
كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
محاسن أنواره لا يثقفها إلا البصائر الجلية، والقلوب النقية المؤيدة من الله بالتوفيق والعون.
(المصباح) (1): البلاغة أشرف أنواع الأدب وأعلاها مكانة وخطرا؛ لأنه علم لاستخراج أسرار البلاغة من معادنها، والكشف عن محاسن النكت المودعة في مكامنها، الذي هو منتقد قوى البصائر ومسبار غور الفهم والخاطر ومضمار ما يقع به التفاضل وينعقد بين الأماثل في شأنه التسابق والتناضل والذي إذا حذفت فيه
اطلعك على إعجاز نظم القران وعلى خباء انصبابه في تلك
__________
(1) كتاب في البلاغة نفيس طبع حديثا لبدر الدين بن محمد بن مالك الإمام النحوي. (1/101)
صفحة 102
القواليب ووروده على
تلك المناهج والأساليب، وأقدرك في نسج الكلام على مايشهد لك من البلاغة بالقدح المعلى وإن لك في إبداع وشيها اليد الطولى اهـ
ولولا البلاغة ما كان للشعر قيمة ولا كانت له مزية ولا كان له في النفوس وقع.
إن من الغرابة أن يذم إنسان هذه اللذة الوجدانية، أو يزهد فيها وهي كما رأيت من صفات القرآن وصفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنا أفصح من نطق بالضاد ولا فخر) إن هذا لمن التحير والانقطاع بمكان. (1/102)
صفحة 103
الكلام على الخمول والذل والاستكانة
ضعف الإرادة من بواعث الحرمان، وإهمال واجبات المرء نحو دينه ووطنه وأمته يلذ لصاحبهما الاستتار وتحمل الصغار والخضوع لإرادة الظالمين، ويرى ذلك سعادة ونعيما، تعروه رعدة الخوف لأقل صوت أو حركة. قالت عائشة أم المؤمنين: (رضي الله عنها) (1) (إن لله خلقا قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت ريح خفقت معها، فأف للجبناء).إن الخمول والذل والاستكانة صفات يجب أن يبعد عنها المسلم الغيور لدينه، وكيف لا والإسلام مصدر العز والعظمة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون /8) أهمل المسلمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففشت المعاصي وفسدت الأخلاق واختلت
__________
(1) هي أم المؤمنين زوج (رسول الله صلى الله عليه وسلم) بنت أبي بكر الصديق (رضي الله عنهما) تزوجها رسول الله قبل الهجرة بسنتين وهي بكر لها سبع سنين وبنى بها وهي بنت تسع بالمدينة وهي أحب أزواجه إليه (عليه الصلاة والسلام) كانت عالمة جليلة قال: - صلى الله عليه وسلم - في حقها (خذوا شطر دينكم من هذه الحميراء) ومدحها الله في القرآن (الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة) الآية وهي ممن أخذ عنه الإمام جابر بن زيد (رضي الله عنه)، توفيت سنة سبع وخمسين ودفنت ليلا بالبقيع بأمرها. (1/103)
صفحة 104
الآداب الحنيفية وأهملت الواجبات واشتدت وطأة الظالمين، وتمكن روح الانخذال من النفوس
فضاع العلم والدين فصارت الأمة في في زلزلة وشقاق واستحكمت الذبذة والنفاق، وأصبح كثير من النفوس ميكروب الضرر وبيت المفاسد ألا لا يمدح تلك الصفات إلا صاحب الجبن والخور قال بعض علماء الأخلاق: الجبن والخور تتبعها إهانة النفس وسوء المعيشة، وطمع طبقات الأنذال، وقلة الصبر والثبات في المواطن التي يجب فيها الثبات، وهما أيضا سبب الكسل ومحبة الراحة اللذين هما سببا كل رذيلة، ومن لواحقهما الاستخذاء لكل أحد والرضى بكل رذيلة وضيم، هذه أمراض نفسانية ناشئة عن فقدان مزايا الحكمة وعدم تتبع أعمال عظماء النفوس بعقل صحيح، وقلة الاتعاض بآيات التاريخ.
جدير بأن تتمكن الأهواء من النفوس عند فقدها لمزايا الحكمة والأدب والعقل السليم والعلم النافع الذي يلزم صاحبه العمل لصالح أمته من طريق الحكمة والموعظة الحسنة ويلزمه اجتناب الشؤون التي تنتج ضيق الفكر وفساد التصور وسقوط المروءة وفقدان الشهامة والإعجاب بالرأي وتمكن الغرور من النفس الأمارة بالسوء (1/104)
صفحة 105
ليت شعري كيف يتسنى لمن تمكنت منهم تلك الصفات الذميمة أن يعرفوا سنن التطور الاجتماعي الضروري في البشر ماذا كتب فيما هو مسلم بالبداهة، أيحتاج النهار إلى دليل؟
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يجنحون إلى الاستكانة تحت كلا كل الاضطهاد والاعتساف باختيار منهم، ويفضلون الخمول ويزهدون النفوس في الواجب من النهوض العلمي والاقتصادي.
التطور الاجتماعي سنة الله في خلقه {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (فاطر / 43)
وما السعي في معارضته إلا ضرب من المستحيل، وحيث لا مناص منه فليعمل المصلحون الصادقون والعلماء المرشدون في صرفه إلى الخير والسعادة بإنهاض الأفكار إلى العلم والعمل والسعي وراء الحق بجميع الوسائل ومقاومة كل فساد، وإلا وقع المحذور من الشر والشقاوة، وانحلت رابطة الأمة ودخلها كل وصف خبيث وتخلقت بأخلاق مباينة للدين.
من الخداع والتغرير والجبن والخور أن ينتصب المرء لمعاكسة الحياة العلمية وهي الحياة الصحيحة المعتد بها عند العقلاء إذ العلم غذاء العقول كما أن العمل غذاء الأبدان ويأمر بتحمل الضيم والمهانة، والخضوع لما تبديه الغشمة من سلب الحقوق (1/105)
صفحة 106
وكذلك ذم التنعم بنعم الله وقد خلقها الله للمؤمنين به الموقنين: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف/ 32)
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف /32)
ألا يرى إلى توفر الأدلة على إباحة نعمه سبحانه بدون استثناء وكتابه ينطق بذكرها كل آونة، والنهي عن الحرمان منها، وأنت خبير بما ورد في سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (المائدة / 87)
وذلك أن جماعة من كبار الصحابة أثرت فيهم خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشوقتهم إلى نعيم الآخرة فعزموا على هجر التنعم وقطع آلتهم حتى لا يشتهوا النساء ولبس الخشن من الثياب والانقطاع إلى العبادة وإجهاد النفس بها ليل نهار، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فقال: (أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء والطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني) وتحريمهم ليس إلا منع نفوسهم عنها وحرمانها منها، وهذا معنى (1/106)
صفحة 107
قول بعض المفسرين في قوله تعالى: (لاتحرموا) لا تقولوا حرمنا على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا. وقد سمى الله تعالى ذلك اعتداء على حدوده فقال: (ولا تعتدوا) على حدود الله أو على أنفسكم بحرمانها مما أباحه الله من اللذائذ، فإن لأنفسكم عليكم حقا، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة / 93)
أي استمروا على التقوى وتحروا حسن الأعمال وأفضلها وأحسنوا إلى الناس، لما اشترط الله تعالى لانتفاء الجناح عمن طعم مستلذات المطاعم حصول التقوى والإيمان فيه مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والإحسان اتجه أن يقال، ما الحكمة في تكرير اشتراط التقوى والإيمان فيه وعطف أحد المكررين على الآخر بثم الدالة على التراخي ولا تراخي بين الشيء وبعضه، فأجيب بأن التكرير للتاكيد كما في قوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (التكاثر / 4،3)
والتحقيق إن التكرير للتأسيس كما جرى عليه قطب الأئمة (1) شيخنا في تفسيره الكبير (هيميان
__________
(1) هو الإمام الكامل مجتهد القرن الرابع عشر بين المعقول والمنقول قطب الائمة شيخنا محمد بن يوسف اطفيش (رضي الله عنه) صاحب المؤلفات الكثيرة والتصانيف العظيمة الذي بخل الدهر بمثله في القرون الأخيرة، ولد (رحمه الله) عام ألف وماتين وستة وثلاثين هجرية ونشأ في معهد العلم والتربية الفاضلة، توفي جدنا والده رحمه الله وهو صغير، وكفلته الوالدة، وشاهدت فيه النجابة والذكاء والفطنة وهو في سن لم يعهد فيه لأمثاله تلك الصفات، عهدت به إلى أحد المؤدبين فختم كتاب الله في مدة وجيزة ثم اشتغل بالعلم وحضور مجالس العلماء حتى قدم أخوه جدنا (رحمه الله) من رحلته في طلب العلم بمصر فعكف بين يديه مجدا حتى فاق أقرانه ثم اشتغل بالتدريس حتى ظهر على كل علماء عصره وبلغ درجة الاجتهاد وصار هو المرجع وكان نادرة الذكاء والاجتهاد وكان يحضر قبل ذلك على العلامة المفضال الشيخ أي عيسى اشتغل بالتدريس والتأليف قبل عشرين سنة من عمره، وفسر القرآن ثلاثا، وألف في التوحيد والفقه والحديث والبلاغة والنحو والصرف والفرايض والعروض والفلك والتاريخ والحساب والمنطق، تآليفه تجاوزت ثلاثمائة مصنف بين كبير وصغير وحج مرتين، ومن اجتهاده كان يؤلف في السفينة حريصا على دقايق عمره لا تجده إلا في تدريس أو تأليف أو في لوازم الدين أو ضرورات الحياة شديد المقاومة للبدع آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر شديد الغيرة على الدين لا يخاف في الله لومة لائم ذا هيبة ووقار وسخاء وإخلاص لله وتبتل محدثا ومروعا يلقي في روعه فيحدث فيقع ما حدث به ولا غرو فهو من أولياء الله ذاع صيته حتى صار مرجع المسلمين في جميع أقطار الاسلام في مشكلاتهم ترد إليه الاسئلة منها، ولو جمعنا أجوبتها لبلغت المجلدات العديدة وكان ذا منزلة سامية لدى الملوك كالسلطان
(عبد الحميد الثاني) وسلاطين عمان وزنجبار وأهدوه بأوسمتهم اعترافا بمنزلته السامية في العلم والدين تبرز عنه العلماء الفطاحل أخص من بينهم ذلك السري الفخيم سليمان باشا الباروني، وبالجملة كان آية التحقيق والتدقيق والتضلع في سائر الفنون وناهيك بتآليفه في أكثرها، انتقل إلى عالم الأرواح عند تنفس الفجر يوم السبت 23 ربيع الثاني 1332هـ وقد اشبعنا الكلام على حياته الشريفة ونسبنا الفخيم الحفصي العدوي في تاريخنا له عنه (الأقوال السنية في حياة قطب الأئمة) إن ساعدتنا الأقدار فنمثله للطبع، نسأله سبحانه تحقيق الرجاء، والعدوي نسبة إلى بني عدي القبيلة العمرية، قال في أرجوزته:
مع اجتماع في عدي بعمر وبالنبي في لؤي وزمر (1/107)
صفحة 108
الزاد إلى دار المعاد) وكثير من محققي التفسير.
فإن قيل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة /93) يفيد انتفاء الجناح عن المؤمن الذي طعم مباحا بشرط إن آمن واتقى المعصية وعمل صالحا، ومن المعلوم أن انتفاء الجناح عن المؤمن ليس مشروطا بشيء من الإيمان والتقوى والإحسان وإنما (1/108)
صفحة 109
الجناح في ترك شيء من تلك المذكورات لا في تناول المباح عند انتفاء شيء منها. فما الوجه في تقييد انتفاء الجناح عمن تناوله بقوله: (إذا ما اتقوا وآمنوا) أجيب بأن قوله تعالى: (إذا ما اتقوا وآمنوا ... إلخ لم يذكر لتقييد نفي الجناح عنهم بتحقق تلك الأوصاف السنية مدحا لهم وثناء عليهم فالسائلون من الصحابة، تم جوابهم بقوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) لأنهم طعموها قبل أن حرمت عليهم فإن تلك الأوصاف لو ذكرت لاشتراط نفي الجناح عنهم باتصافهم بها لما كان لختم الكلام بذلك وجه.
نعم ينبغي للمؤمن الانكفاف عن بعض المباح أحيانا تحفظا للنفس عن الخسة وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة وتوطينها على الاقتصاد الذي هو وسط بين رذيلتين: التقتير والتبذير (1/109)
صفحة 110
، {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (الإسراء/ 29) (1) وحديث (إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بمتنعمين) (2) محمول على ما قلناه
1. وحمله على حرمة التنعم خطأ هائل، ولاريب أن ترك التنعم رهبانية وقد قال عليه - الصلاة والسلام- (لارهبانية في الإسلام) ولنا برسول الله أسوة حسنة أولا ترى إلى قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية / 13) وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة/ 29)
وغيرهما من الآيات كيف يتبادر إلى الذهن النفع الذي تدل عليه اللام وكيف تشرق في سماء الأذهان النقية تلك الحكمة البالغة.
على أن ما ينتقده الجامدون ليس بتنعم وإنما هي بساطة في المعيشة عادية ربما عدت تقتيرا، وهل يريد هؤلاء أن تكون معيشة العقلاء كمعيشة الحيوان الأعجم؟ وما هذا إلا تنطع وليس من صفات الإسلام التي هي سعادة ونعيم:
__________
(1) في معنى ما قلناه قوله (عليه الصلاة والسلام) (ما عال من اقتصد) أخذ المعنى ابن الوردي في لاميته المشهورة الجليلة:
بين تبذير وبخل رتبة فكلا هذين إن زاد قتل
(2) الحديث في الجامع الصغير وفي جامع الشمل أورده شيخنا على قاعدة العمل بالحديث الضعيف في باب الترغيب والترهيب. (1/110)
صفحة 111
(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون).
قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ثم جمع الناس وخطبهم، فقال: (ما بال أقوام حرموا النساء والطيب والطعام وشهوات الدنيا، وإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك النساء والطعام والطيب وشهوات الدنيا ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشدد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم) وهذا لما حرم الجماعة من الصحابة على أنفسهم الطيبات والمستلذات كما مر.
العقلاء ينقسمون بالنسبة إلى كمال اللذات على قسمين، فقسم يرى أن سعادته في اللذات الحسية من المآكل والمشرب والمركب والمنكح والملبس، فيحمله هذا الاعتقاد على التأنق في ذلك والتفنن فيه، ويراه هو الكمال الإنساني والغاية والخير المطلوب والسعادة القصوى، وما ركب فيه من القوى إنما هي لأجل هذه (1/111)
صفحة 112
اللذات والتوصل إليها، وهذا هو اعتقاد الطبقة المنحطة رعاع الناس وجهالهم وسفلة القوم وسقاطهم عبيد الشهوات الخسيسة، وما علموا أنهم يشاركهم في تلك الصفات الحيوان الأعجم، وقسم يرى اللذات الحسية مهما بلغت من الحسن والجمال فهي عوارض غير مقصودة بالذات، وإنما الكمال والسعادة في اللذات المعنوية، من العقل والعلم والحكمة والفوز على الأعداء وشرف النفس والشجاعة والعفة وكرم الأخلاق ومقارعة الباطل ببرهان الحق، والعمل للسعادة السرمدية والنعيم المقيم، وأمثال هذه الكمالات وهذا القسم هم المشاركون للملائكة المقيمون بينهم بروحانيتهم المستنيرون بالنور الإلهي لا يرون للحسيات وزخاريفها شأنا ولا تختلبهم خدائع الطبيعة الجسمانية، ولا يحزنون على فقد محبوب ولا يتحسرون على فوت مطلوب، يستمدون من فيوض الآمال ويستعذبون أشد الأهوال، وما ذلك إلا لما في نفوسهم من اللذة المعنوية الصحيحة، يعسر فك رموزها على النفوس التي أخلدت إلى الحسيات والجهل المبين.
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
1. يذكر لنا التاريخ رجالا يأتون ضروبا من عظائم الأمور وأئمة تجرعوا كؤوس الحتف نصرة للحق، واشتياقا إلى الحق تعالى، أترى ذلك منهم لسوى تلك السعادة والكمال المعنويين في (1/112)
صفحة 113
نفوسهم؟ كلا {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الجمعة /4)
كيف كان (عليه الصلاة والسلام) يعلم أصحابه
ولنعطر كتابنا بنفحة من عطر الشمائل النبوية، ولنأت للقاريء بيسير من سيرته - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الصحابة (رضي الله عنهم)، ليرى من بعث من مرقد الجمود تمحله في دعوى (التعليم على الأسلوب النبوي). والجامدون هم من السيرة الغراء أفرغ من جراب بني عامر، وعنها أبعد من الأرض عن السماكين.
فما كل من صلى يقال مصليا فشتان بين الإسم والفعل في الأمر
كان - عليه الصلاة والسلام - أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح ويشهد له بذلك أعداؤه إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد، ليس بهذر مسرع لايحفظ، ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام.
قالت عائشة (رضي الله عنها): (ما كان رسول الله يسرد سردكم هذا ولكن كان يتكلم بكلام يبينه، فصل يحفظه من جلس إليه وكثيرا ما يعيد الكلام ثلاثا ليعقل عنه). (1/113)
صفحة 114
يجلس إليه أصحابه فيعلمهم الكتاب الذي تعرف به الكمالات وتتأدى به جميع العبادات، وتستفاد منه جميع العلوم، ويوقف على مجامع الأخلاق الحميدة وخير الدنيا والآخرة، والحكمة من الوعظ والإرشاد والدلائل والأحكام والمصالح والسنة والتسبب بأمور الدنيا؛ لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح والمعرفة بالدين والتفقه فيه، ويعلمهم من أخبار الأنبياء والأمم الخالية والأيام الماضية وما هو حادث وكائن من الأمور التي لم يكونوا يعلمونها من أحوال الكون ونعوت الكمال، ويعلمهم من يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، لذلك مدح بأنه على خلق عظيم، يجلس إليه البدوي الفظ الغليظ الطبع فيصدر عنه وهو من خير الناس وأرسخهم إيمانا، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} (البقرة / 151)
كان حريصا على المؤمنين عزيزا عليه مشقتهم رؤوفا رحيما ليس بصخاب ولا لعان ولا شاتم، (داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) يرسل الكلام وهو قريب من حد الإعجاز فيلج الأسماع بلا إذن ويستقر في القلوب فتصير منيبه إلى باريه (عز شأنه) حتى هدى تلك الأمة التي كانت من الانحطاط بمكان، وزكاها من كل الأرجاس والأدناس {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى / 52) (1/114)
صفحة 115
فأصبحت تخر له فتن الشامخات وتستكين لإرادتها الأمم العريقات وتنشر في العالم أعظم المدنيات وقد أوتي عليه - الصلاة والسلام - من جوامع الكلم التي لم تعط لأحد جمعت من الحكمة والفصاحة والبلاغة ما بهر العقول وعني بها فلاسفة الأمم الأجنبية، وهي ألذ شيء لدى القلوب الحية، سطعت أنوارها في العالم العلمي واهتدت بها نفوس، واتخذها أكابر الكاتبين في مقدمة الكلمات الذهبية، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) وقوله: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وقوله (كل الصيد في جوف الفرا) وأمثالها كثير.
هذه صفاته وتلك أخلاقه التي مدحه عليها القرآن وجدير بالمؤمن المتبع له - صلى الله عليه وسلم - أن يتخلق بأخلاقه الكريمة ويتصف بصفاته الجليلة البالغة نهاية الحسن والجمال.
وإن تعجب فعجب قول القائل (المسكين) إن الاشتغال بالإنشاء والفصاحة والبلاغة مناف لقوله - عليه الصلاة والسلام -: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) كلام يضحك الثكلى، لا ينبس به من له أدنى إلمام بالعلم، ولا أدل على خذلان المرء من صرفه عن التجمل (سيد الوجود) - عليه الصلاة والسلام - (1/115)
صفحة 116
تلك الطريقة المثلى والسنة الغراء التي يجب أن تسلك في التعليم حتى يكون له تأثير في الآداب ووقع في النفوس يظهر آثرهما بفوز المتعلمين وسعادتهم في معارفهم، وذلك لايكون إلا متى كانت نفوس العلماء المعلمين متشبعة بروح الإخلاص لله والإخلاص للدين والأمة، وهذه الصفات السامية تكون في النفوس الطاهرة، أما النفوس المتهالكة في الذاتيات والإعراض عن الله وصرف الوقت في غيبة ونميمة وهتك أعراض وتتبع عورات الناس ونصب نفسها ميزانا مرجحا لأحوال الناس، والاسترسال في الطعن فيمن انتقد مفسدة منهم أو ظهر برأي سديد، والسعي في الإيقاع بالأبرياء واصطناع الخائنين ومعارضة الإصلاح خذلانا وإنفاق الأموال في سبيل الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، والتخوف من سياسة الظلم والإرهاق ظاهرا وتأييدها باطنا وإثارة الحمية الجاهلية وإساءة الظن بذوي الخير والإخلاص والسعاية بهم، وأمثال هذه الضلالات والموبقات التي شقيت بها شعوب وبأصحابها فما هي إلا بلاء وفتنة وشقاء.
اللهم إنا نستعيذ بك من الجهل وخدعة المذلة ومن بوادر الحمق المضلة، ونسئلك السعادة بعقل رادع يستقيم به من زل وعلم نافع يستهدي به من ضل).
تلك النفوس لا تنفث في أفكار المتعلمين إلا سموما قاتلة (1/116)
صفحة 117
وجراثيم فاتكة، ولا تزيد مواهبهم إلا قتلا ومسخا ولا أخلاقهم إلا فسادا.
ولا تعجب من هوس الغافلين متى عدوا تعليمهم القاتل للقوى العقلية والمعقم للفكر الصالح من التعليم النبوي؛ لأن الهوس طرف من الجنون، وخذ لك بالنفحة النبوية وفلسفة التعليم التي مرت في كتابنا، واعتقد أن المواهب الرحمانية للعبد موهبة التعليم الصحيح والمقدرة على إيجاد رجال للمستقبل تسعد بهم الأمة والدين، وذر الغرور فإنه مما يطيح الإنسان، والجمود فإنه موت في عالم الحياة، واعمل لواجبك الاجتماعي كما تعمل لواجبك الفردي، فكل ميسر لما خلق له.
الكلام على الجمود
الجمود علة من أكبر العلل وآفة من أشنع الآفات تثل عروش الأمم وتذرها أثرا بعد عين، ولقد أصيب بها المسلمون منذ قرون حتى نال منهم العدو كل مبتغاه، وبلغ فوق ما تمناه، ولم نزل نتكبد آلام هذه العلة ونتجرع غصصها كان أصحابها أقسموا أن لا تبدو حركة إصلاح أو نهضة فلاح إلا قاموا إليها مصبحين بمعاول الهدم وتسلق القائمين بها بألسنة حداد، يصح أن يقال: الجمود هو عدم التصرف بالمواهب العقلية، (1/117)
صفحة 118
في الحوادث والعلوم وتطبيق الحديث منها على أصول الشريعة، ويصح أيضا أن يقال: هو رؤية النفس أن التمسك بالمألوف هو الحق والخروج عنه باطل ومروق.
لو انتبه المسلمون واتعظوا بتقلبات الدهر ونظروا إلى ما كانت عليه الأمة في عهد استنباط العلوم وما أوتيه أولئك المجتهدون من المقدرة على إبراز كنوز القرآن والأخذ بالعلم الصحيح كما قدمنا لما كان ما نشاهد الآن من المبكيات، ورب قائل: إن ما حل بالمسلمين من الانحلال أمر طبعي للأمم وسنة الله فيها، فنقول: نعم ذلك نتيجة الإهمال وترك الواجب: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال / 53)
وإليك بعض ما ذكر في كتاب (الغرائز) من آثار الجمود في النفوس: إن أدنى أنواع المحاكاة ما حوفظ به على الأصل بدون تصرف، ولا إتقان على النحو الذي يتبعه صناع الفخار في قنا، عادة ألفتها الأمم الساذجة ووضعتها موضع الاحترام، زرت مصنعهم يوما، ولما رأى بعضهم أن الشك داخلني في مقدرتهم الصناعية عمد إلى طين وسألني أن اقترح شيئا يمنعه ثم انبرى فصنع طستا وإبريقا يجمعان إلى دقة الصنعة رقة الذوق، ثم أعادهما إلى عجين كما كان ولم يرد أن يدخل ما ورثه من أسلافه شيئا خوفا عليه، (1/118)
صفحة 119
كأن بدعة الصناعة الدينية التي لا مسوغ إلى إدخال التعديل عليها.
وإذا وصفنا المحاكاة بأنها من أنواع الحضارة وجب علينا أن نفسر ذلك بضرورة الاطلاع على المحاكي وبحثه وتمحيص أدلته، لتندفع النفس إلى محاكاته بوازع صادق، والمحاكاة روح توثق الرابطة بين الفرع وأصله ومن هنا نشأت محبة المحافظة على القديم، وقد تغلو الأمة في احترام قديمها فتقتصر على ما أوصلته إليها الوراثة، وتغض الطرف عن التغيير الذي تدعو إليه الحاجة وأطوارها فتكسد بضاعتها وتبور صناعتها، ويسل عليها الدهر سيف الحرمان وتبطش بها عوامل الفناء.
ومن أمثلة الجمود والغلو في حب القديم والتحيز إلى مذهب (ليس في الإمكان أبدع مما كان) ما روي أن أحد الهنود الذين يحرمون قتل الحيوان وأكله، قد باحثه عالم ألماني وأراه بالعيان نقطة من الماء الذي يشربه تحت المنظار (المكبرة)، فتخيلها لكبرها غديرا من الماء، قد اكتظ بالهوام السابحة فيه، فلم يقتنع الهندي بما رآه بعينه وسخر بقول هذا العالم وكسر المنظار إصرارا على الباطل وعنادا للحق اهـ
ومن الجمود ما يعتقده السذج أن لبس الخلق من الورع وتغييرها بالنظفة والكي مثلا أو التبييض بدعة، والحال أن (1/119)
صفحة 120
الدين يأمر بالنظافة ومنها وظائف الطهارة للعبادات وقال عليه - الصلاة والسلام- (النظافة من الإيمان) سئل أحد هؤلاء عن فن الجغرافية فأجاب بسخرية لا حاجة إليه أو لا منفعة فيه فإذا كنت تريد السفر إلى قارة مثلا فاحمل صرة من المال حتى إذا جئت إلى ربان الباخرة فسلم له الصرة واطلب منه أن يوصلك إلى أي جهة شئت.
انظر إلى هذا الجمود الغريب، يأمر الإنسان أن يكون كالأنعام أو كالبضاعة ترفع وتوضع بإرادة الربان كأنه لا يملك عقلا ولا إرادة، وهذا المسؤول ينعت نفسه بمنار الدين وقدوة الصالحين إلى أمثالها من الألقاب الفخمة.
قل لمن يدعي سليمى سفاها لست منها ولا قلامة ظفر
وإنا إذا نظرنا نظرة عامة نجد علة الجمود من أكبر العوامل للأيدي السيئة الخفية العاملة لتقويض مميزات الأقوام وطمس معالمها ومقاومة العلوم النافعة الناهضة بالأمة من وهدة الوقوع كي يتسنى لها ازدهارها وتسخيرها آلة لمشيئتها، ولم تخف عنا قرائنها التي كادت تلمس باليد، ولكن النفوس الموبوءة ربما لا تشعر بها وهي مسخرة لها {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} (إبراهيم / 42) (1/120)
صفحة 121
الكلام على تضليل العاملين لاسعاد القوم
هل أتاك نبأ الذي نغلت صدره الآثام، وأثارت حفيظته منه باطن الأسقام، ذلك الذي نادى بضلال الذين يطاردون الأمية والجمود، وأبوا الإغضاء عن إجرام ذوي الجحود .. ذلك ما وقفت عليه من أول كتابنا من جميل السيرة، ونشر الفنون وتنوير الفكرة الخامدة وتغذية عقول الشبيبة بها لتكون ركن المستقبل في الدين والحياة، والدعاية إلى الله وإحياء الحنيفية السمحاء ومحجة الإسلام البيضاء.
يظن من خدعته نفسه وغرته الأماني الكاذبة أنه على بينة من أمره في كل أحكامه وهو خطأ مبين، ما كان لمن في قلبه مثقال ذرة من الإيمان الصحيح، وله مسكة من العقل الرجيح أن يسترسل في الانهماك، ويتوغل في ظلمات الهوى حتى يحمله ذلك على تسفيه الحق والحكم بالباطل والهلاك على من وفقتهم العناية الربانية إلى إيجاد نهضة علمية تعمل للدين والدنيا في عصيب من الفتن، انطماس معالم الدين. انصراف عن العلم ولا حياة إلا به، انسياب الأوضاع والتقاليد الأوروبية وهي ترمي إلى القضاء علينا وابتلاعنا وقتل قومياتنا، إن هذا لعمرو الحق جناية على (1/121)
صفحة 122
الدين وإهانة لأهله.
ثم غلا في الحكم وشط في الخرق والإثم فقال ما حكمنا بالضلال إلا على الولد الضال إلخ، يا ترى كيف يتأتى الحكم بالضلال على الولد، وأنت خبير بأنه يطلق في مثل مقامه إلا على الكبيرة نفاقا أو إشراكا، وكل منهما لا يصح إطلاقه على غير البالغ لعدم تكليفه، ولا وعيد ولا براءة إلا على الإخلال بالدين اعتقادا وعملا، وإنما الحكم على غير البالغ مذهب الخوارج الصفرية الأزارقة ومن نحا نحوهم، يحكمون على الأطفال كالمكلفين بالبراءة والكفر، فاستحلوا الدماء والأموال، فضلوا عن سواء السبيل، نعوذ بالله من الحرمان والضلال المبين.
وليس بجائز حمل اللفظ على معنييه الحقيقي والمجازي، وذلك من المفتون يدل على جهله وتلاعبه وإلا فكيف ساغ له الحكم على غير المكلف بالضلال، ولعله أراد الحكم بالمئال فيكون كماش في الدجا ليس يهتدي.
يتبين للقارئ الكريم كيف تنقاد النفوس الدنيئة للهوى، وتكون أسيرة له حتى يفضي بها إلى تطبيق الأحكام حسب الشهوة كتضليل وتفسيق المحق، وأخلق بمن كان على هذه الصفة أن لا يؤبه له ولا يعبأ بأحكامه، إذ ليست أحكام الشريعة منوطة بالشهوات، وإنما هي جاءت بالنهي عن الهوى والهوى مهلك (1/122)
صفحة 123
: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (القصص / 50) يجعل ستر المروءة مهتوكا، ومدخل الشر مسلوكا، إن كان الذين يسعون لإسعاد الأمة بنشر العلم وإعزاز كلمة الله ومقاومة الأباطيل والوقوف في وجه الظلم ضالين بهذه الأعمال فمن هو المهتدي المستقيم؟ أهم الخونة الذين لا يفترون عن السعاية بالناس ظلما وعدوانا؟ أم هم الذين يحملون الناس على البقاء في الجهل ونبذ العلوم؟
فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام / 125)
ما أبعد هؤلاء عن إدراك مقاصد الشريعة، وما أجرأهم على التلاعب بالأحكام، وما أحقهم بالوعيد في قوله تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} (النحل /25)
1. إذ لا قصد للمفتون وأمثاله في التأويل الباطل وخطأ الحكم إلا تضليل الطبقة البسيطة؛ استمالة لها واصطيادا في تلك المياه الآسنة وتفريق الكلمة، مصرين على ذلك وهم يعلمون، ولا نلوث كتابنا بسوء أعمالهم وسود صحائفهم، ولقد استبان المنهج القويم لأولي الأبصار وهداهم المولى (عز شأنه) إلى سلوكه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} (الفرقان / 31)
وكفى للمفتونين واعظا وإنذارا أواخر هود. (1/123)
صفحة 124
الكلام على السلف
السلف الصالح (رضي الله عنهم) كانوا أهل جهاد في سبيل الخير، أهل تواصل وتراحم وصدق وإخلاص وعزة وإباء، يأنفون من ارتكاب العار ولا يحيدون قيد أنملة عن منهج المختار، ولو وقعوا في أشد الأخطار ولا يرهبون ظالما ولا يخشون جبارا إلا الملك الجبار، أهل ورع وثبات وسماحة وسلامة، قلوبهم مملوءة إيمانا وصدورهم موقورة حكمة وإيقانا، يخضعون للحق ولو من أصغر الناس ويأنفون أن يستسلمون للباطل ولو من أعظم السواس، يرون المذلة كفرا والعزة إيمانا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال / 2)
يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية في سبيله لا في سبيل الطاغوت، يبيتون لربهم سجدا وقياما.
ومن آثارهم الجليلة سيرتهم وأنظمتهم المحكمة في وظائف الدين وتربية النفوس وتنفيذ أحكام الله بحيث صارت من أعظم أنظمة الشعوب الراقية، مستمدة من الكتاب والسنة وأفكار الأئمة الأعلام الذين نظروا إلى العالم بنظر الحقيقة وأخلصوا إلى الله في أعمالهم فاستمدوا من أنواره المشرقة به ضمائرهم، حتى أصبحت تلك المؤسسات العجيبة مما يدهش الألباب في أحكامها (1/124)
صفحة 125
وضبطها، يسعى الباحثون عن أحوال الأمم وعوائدها إلى الوقوف واكتشاف آثارها وأسرارها.
وكانت في عهد الاستقلال التام تسير الأمة بتلك النظامات كافلة لها في أحوالها المدنية والدينية والاجتماعية، حافظة ذاتيتها وقوميتها وأخلاقها الطاهرة، منذ انتقل الشعب إلى ذلك الوطن القاحل فرارا من الفتن واحتفاظا على الذاتية شأن الشعوب العريقة، وابتعادا عن تلك الشعوب المتجاورة التي يجمعها دين واحد ووطن واحد ولغة واحدة وجنس واحد، وما يقدح زنادها إلا التعصب الفاسد وتقليد أزمتها لأفراد لا علم لهم بتسيير دفة السياسة، وإنما هم أسراء التقليد الأعمى، حتى أصبحت تلك البلاد بلاقع بعد العمران متنائية الأطراف بعد الحضارة والارتباط التام، ولنا سابقا في قافيتنا:
مالي أراكم والحوادث جمة فرقا وكنتم خير ناد واق
كانت أوائلكم بعز شامخ ركبوا مطايا لم تنل بلحاق
شم الأنوف ذوو الشهامة والتقى طب القلوب وقرة الآمال
تنبي مآثرهم بحسن مسيرهم جمعا بغير خيانة ونفاق
كسبت لهم أحلامهم حسن الثناء فسموا بمجد سار في الآفاق
رفعوا لواء الدين حب محمد وذخيرة عظمى ليوم تلاق (1/125)
صفحة 126
وتواصلوا وتراحموا وتعاونوا وتواددوا وتجمعوا بوفاق
أيامهم غرا محافلهم ريا ض الأنس تحيي النفس بالإشراق
تلك نبذة يسيرة من سيرة السلف الصالح التي لا تشم ذرة منها في الذين لا يبالون بتضحية الدين والشرف القومي في سبيل شهوات شيطانية، وما هي إلا صد عن سبيل الله وإضرار بالمسلمين لو كانوا يعقلون، لو فطنوا لنوائب الدهر وتحفظوا من عواقب المكر لكانت مغانمهم مذخورة ومغارمهم مجبورة.
زعم المفتون أننا نعرض عن السلف ونجحد فضائلهم ونذم مسالكهم، وهذه أكذب كلمة قيلت، ولا قائل بفضل هذا العصر على عصر النبوءة والسلف ولا بأفضلية أهله وهم عالة على السلف.
من بحورهم استمداد الأمة في العصور بعدهم كيف لا وهم الأقربون إلى زمن النبوءة والصحابة، أما وجود المزايا التي لم تكن في عصرهم فلا ينكره أحد له أقل إدراك.
إن الأفضلية موهبة من الله تعالى وكرامة يختص بها من يشاء من عباده {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد /29)
لا ريب أن الإسلام منتشر في أطراف الكرة الأرضية بما لم يكن في العصور الأولى واتسعت العلوم وكثرت الفنون وازدهرت المدنية وبسطت أجنحتها على العالم طرا وترقي التعليم (1/126)
صفحة 127
وانتشر، ومع هذا كله لا يقدر أن يقول عاقل بفضل هذه العصور على عصر النبوة ولو قالها أحد لعد من المعتوهين، كيف لا وقد ورد عنه - عليه الصلاة والسلام - (خيار أمتي أولها) (1) وعنه (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ولا ينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن) (2) وقد ورد عنه - عليه الصلاة والسلام - (خير أمتي قوم يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني، فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة) (3) ومع ذلك لا منافاة ولا مناقضة ففضيلة الصحبة لايعدلها عمل لمشاهدة سيد العالمين - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة كانوا يبذلون مهجهم في إعلاء كلمة الله ونصرة نبيه - عليه الصلاة والسلام -وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولا سيما وقد صرح المولى عز شأنه بمدحهم في كتابه العزيز: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب/23)
{
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح / 29)
__________
(1) رواه الطبراني في كبيره.
(2) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وشمس الدين في الدليل.
(3) رواه الإمام الربيع بن حبيب في المسند الصحيح عن الأئمة أبي عبيدة مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عباس (رضي الله عنهم). (1/127)
صفحة 128
وإذا ذكرنا فضل العصر أو فضل الفرد من أفراده فلا يلزم منه أنه في الفضل أكثر من عصر النبوة أو أفضل من الصحابة أو السلف الصالح، وإذا ذكرنا حسن التعليم ورقيه فذلك بقطع النظر عن تأثير تعليم رسول الله، إذ لايعقل أن يوازيه أو يقاربه في تأثير غيره من التعليم، وذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، وعليك بمضان موضوعنا في المطولات تستفد.
غير أن اللدود إذا أعياه الدليل وأفحمته الحجة التجا إلى تكليف اللوازم أو اختلاق الدعاوى ولو تلعثم في أذياله وتسكع في جهالته.
ولا أعجب ممن يبتاع الضلالة بالهدى والدنيا بالدين، يستبيح الأعراض ويشي بالمسلمين فينالهم العذاب الأليم ممن لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وهم يعدون أنفسهم في زمرة المؤمنين، قال - صلى الله عليه وسلم - (من سعى بمؤمن أقامه الله مقام ذل وخزي يوم القيامة) ولا أرى هؤلاء المتلبسين بهذه الصفة الخبيثة إلا نفوسا مسخها الله على مكانتها وسلب منها إيمانها فأمست في الهالكين.
1. قف معي أيها العاقل برهة وتفكر فيما طرا على المسلمين من القبائح والرذائل، ونبئني أتلك الصفات تحل في قلوب مملوءة إيمانا خاضعة للباري فيما يأمر وينهى أم هاتيك قلوب في أكنة مما (1/128)
صفحة 129
تتلوه من كلامه العزيز الذي تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، إنك تشاهد على مرأى ومسمع من العموم سعاية وغدرا ورياء، ومكابرة وكذبا ونفاقا وركونا إلى الذين ظلموا وتسمع بجود حاتمي في سبيل الطاغوت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} (النساء /60)
بينما كنت ترى البخيل بدرهم في سبيل العلم أو نفع عمومي، ترى ارتشاء وخيانة وتوعدا بالسوء لا لشيء اللهم إلا لهوس في النفوس ووصب في القلوب وخيال فاسد علق بالأذهان الضعيفة.
أمور يضحك الجهال منها ويبكي من عواقبها الحكيم
استمرعت نفوس هذه الخلل الذميمة وعدتها رطبا جنيا وسلاحا باترا تعده ليوم الكريهة، فصدق عليها قول أبي نصر (رحمه الله) (1):
أيا عجبا أما الديار ديارهم وسكانها قوم أطل تبارهم
ألم يأن لهؤلاء أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟ ويتعظوا بما حل بالمسلمين من النكبات والشتات
رب إن الهدى هداك وآيا تك نور تهدي بها من تشاء
ليس من الأسلم في شي من يخذله أو يخونه أو يعين على
__________
(1) هو أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي النفوسي شاعر الفقهاء وفقيه الشعراء نظمه كله أخلاق وحكم وعلوم دينية له في التوحيد والصلاة منظومتان من أجل المتون فائدة وأحكمها نظما وأمتنها حجة ومتونة كلها في البحور غير الرجز، كان بليغا لغويا وهو من علماء القرن السابع. (1/129)
صفحة 130
إضعافه، أو يتهاون به أو ينقصه، قد أكمله الله وأتمم به نعمته على المؤمنين واختاره شريعة للأنام لا عمل بسواه ولا قبول لما عداه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة / 3)
{
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (آل عمران / 19)
هل يعقل أن يبقى هذا الدين العظيم الذي أسعد البشر بكمالاته صورة في نفوس أهله أو يزعم بعض من ينتمي إليه أن العلم الحيوي يخالفه، فيفضي به الأمر إلى الاختلاق والاعتراض بالسوء والطعن على كل من يبدو بشيء من العلوم النافعة.
إن الإسلام لا يؤيد بالسيئات والعيوب، وإنما يؤيد بالحسنات ومحاسن الأعمال، وقد رأيت يسيرا مما يجب على المسلمين أمام الحالة العصرية وسترى بحول الله أيضا، ولا التفات إلى أقوال الذين أضناهم الجمود ولم يرق لهم أن ينهض المسلمون إلى إنارة الأذهان واستعمال المواهب العقلية واستخدام العلوم، حتى يكون ديننا في عز ومنعة بقوة أهله لا تؤثر فيهم ترهات الذين لم يألوا جهدا في مقاومته بدعاة مبشرين تحت ما تسميه حكوماتهم بحرية الأديان، ما نهى الدين قط أن يكون المسلمون في العزة والباس والرفاهية التي عليها الأوروبيون باستخدام اللوازم واستنتاج دقائق الحياة واستفراغ الجهد والطاقة، واستعمال حتى لحظات أعمار البله، قال - صلى الله عليه وسلم -: (اعملوا ولا تغتروا (1/130)
صفحة 131
فكلكم ميسر لما خلق له)، إنا نرى بأبصارنا الأفراد الذين ينزحون إلى أوطاننا من الأمم يعيشون بيننا باحترام زائد ومامن من كل غائلة لما تبديه حكوماتهم من الاعتناء بهم وربما آلت نكبة تحل بهم إلى مسالة دولية تنذر باصطلاء لهيب الهيجاء.
أليس ذلك إلا مظهرا من مظاهر القوة والعظمة؟ ولو كان المسلمون لهم قوة السلطان وشدة الشوكة لكان الأفراد منهم النازحون إلى الأوطان النائية لمآرب في تلك المثابة، وإنك لتسمع من الذين يثنون على الحرية التي يلفونها ما يبهرك، وما ذلك منهم إلا حفظا لكرامتهم من أن ينسب إلى أوطانهم اضطهاد وحيف، ويتنافسون في ذلك اكتسابا لمودة الشعوب وثنائهم.
إن ذلك هو ما جاء به الإسلام والقرآن {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة / 8)
أي تحسنوا وتعدلوا فيهم فإن الله يحب العدل، وبه قامت السموات والأرض، ويأمركم به؛ لأن ثناءه تعالى على وصف يتضمن الأمر به كما مر، ولنأت للمطلع البصير ببعض مفتعلات ضعيف الرأي وواهي الحجة لترى ما ينتحله أسير الجمود وعبد الهوى. (1/131)
صفحة 132
مختلفات للتهويش وإثارة الخواطر
قال: لا يرى لسلفه فضلا ولا لكلامهم وزنا ... إلخ، وهذا كدعوى الازدراء بهم والتهاون بكتبهم (1) وذم أسلوب النبي أو الصحابة أو التابعين في التعليم.
ودعوى أن اتباعهم والاقتداء بهم ضرب من الجمود، وأعمالنا هي سيرتهم حيث كانت لتقوية الدين وإيجاد الفكر العلمي ودرس أحوال الظروف وتنشيط النفوس إلى ما خلقت لأجله من حسن أعمال الدنيا والآخرة، وتكليفه لازم أفضلية آخر الزمان على عصر النبوة، على أن أفضلية ذلك العصر من المعلوم بالضرورة كما رأيت لا يوازيها فضل بل ولا يقرب منها وإن وجدت مزايا في عصر مثلا (فالمزية لا تقتضي الأفضلية) ومن المسلَّم أن العصر متوفر الاختراعات وسهولة المواصلات برا وبحرا وجوا وانتشار التمدن والعلم بسائر فنونه ولا يقدر أياً كان أن يجترئ على التصريح بأفضليته على عصره - صلى الله عليه وسلم -، وأنى ذلك ولو بلغ أهله الذروة العليا من الصلاح والحكمة، فكيف وقد عبث بالإسلام كثير من المنتمين إليه في كل صقع غير مبالين بما يحتج به أهل الشرك من سوء
__________
(1) يقول هذا وهو يعلم أن النيل تلقى منه ومن شرحه الدروس وسلم العامة في تاريخ الأئمة ومختصر الوضع ومتن المسند الصحيح وكتاب الصوم ومتن نور التوحيد وعقيدة العزابة وجامع أركان الاسلام ومن تلاميذه من يحضر بعضها. (1/132)
صفحة 133
أعمالهم على الدين الإسلامي، ودعوى إنكار السموات والمعراج وكل منهما منصوص عليه، سبحانك اللهم هذا يهتان عظيم، ولعل هذا ممن يقطع بإسرائه - صلى الله عليه وسلم - بدنا لا روحا، مع أنه لا دليل قطعي، لذا قال قطب الأئمة (رضي الله تعالى عنه):
(دع ذا وقل إن تشأ في اليقظ أو حلم)
والشباب في معزل عن تعلم دينهم، وانتقاص عبارة السلف إلقاء لتنقيصهم (رحمهم الله) في قلوب التلاميذ، وقد مر لك ما يناقض هذا وتنقيص العبارة لا يحط من كرامة المؤلف وفضيلته متى كان من أهل الفضل كذا السلف لا يبلغ شأوهم ولا يحط من مقامهم الأسنى انتقاد عبارة أحدهم
(لقد ألجموا المستصعبات وأسرجوا
فهل من راكب أو سالك حيث أنهجوا)
والانتقاد الصحيح لا ضير فيه بل هو مما يثبت قدم أولي المعرفة، ويبين فضل المؤلفين ومكانتهم من بين أضرابهم إذ الفضل لا ينكر، وجل من لا يخلو من عيب
(ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه)
والإصداع بالحق شيمة الصادقين، وما هذا إلا ملجأ لركاكة (1/133)
صفحة 134
العبارة ورداءة الأسلوب الخالي من حسن النظم والسبك الحاوي لضعف التأليف والانحطاط إلى درجة تمجها الأذواق السليمة ولا أشد افتراء من دعوى تفضيل العلوم العصرية على القرآن التي هي قطرة من يمه وجزء من كله، وهل يقول بهذا من في شرايينه ذرة من دم الإسلام أو في خلده لمظلة من الإيمان.
ما قال بهذا أعداء الإسلام بل أجلوا القرآن وقدسوه، فكيف بأهل القرآن العاملين الراسخي الإيمان.
سلف لنا أن من وسائل مقاومي الإصلاح افتعال ما يظنون تأثيره في النفوس كي يستخدموه ولو حملهم ذلك الى أعظم فرية، ولا سيما ما هو مظنة الكفر والمروق من الدين، ولكن ذلك لا يزيدهم إلا خسرانا وخيبة {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (الأنفال / 8)
إن تفضيل كلام البشر على كلام الباري كفر بدون ريب ولو صدق الأفاكون في إفكهم لاندفع لهيب براكينهم وهم بالمرصاد وهذا كدعوى إنكار السماوات ويأجوج ومأجوج وكلها من المنصوص عليها المقطوع بها وإنكار ما نص عليه تجردهم من العلم وخلوهم من الفكر الصحيح إذ لا يفرقون بين إنكار الشيء والبحث في حقيقته، وسيأتي الكلام على كل منهما إن شاء الله وكزعم تحليل بعض صور الربا والبيوع المنفسخة لاقتضاء (1/134)
صفحة 135
سياسة العصر واتهام العلماء العاملين لتكوين النهضة العلمية ومراقبة الشباب المتعلم بالغاية الشخصية والدليل على الإفك المبين اقتصار الخراصين على مجرد الحكاية بدون الاستشهاد بقضية صحيحة والمخلصون لا تؤثر فيهم الافتعالات ولا يستفزهم تلويك ألسنة المفترين وحسبنا أن نقول لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون.
روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا دينار له ولا متاع. فقال: إنما المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقد شتم هذا وضرب هذا وقذف هذا، فيقتص لهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار) (1)
ومن آثار السلف الصالح (لا يجوز حمل الناس على التهم) وكانوا (رحمهم الله) أهل توقف واحتياط وتحرز في أحكامهم وتثبت وأقمن بهم أن يكونوا كذلك لقوله - عليه الصلاة والسلام- (المؤمن وقاف والمنافق وثاب) (2)
__________
(1) رواه شمس الدين أبو يعقوب في الدليل والبرهان عن أبي هريرة (رضي الله عنهما).
(2) رواه البدر الشماخي في السير عن بعض المحققين. (1/135)
صفحة 136
الكلام على التفقه في الدين
مما ينبغي أن لانهمل الكلام عنه التفقه في الدين الذي ذكره الله تعالى في قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة / 122)
وذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (1) وفي رواية (إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده) (2).
التفقيه في الدين تفهيم الأحكام الشرعية إما بتصورها وبالحكم عليها حتى يعلم ما يأتي وما يذر، وإما باستنباطها من أدلتها، كل ميسر لما خلق له، وإنما كان التفقه في الدين سببا لحصول الخير عند الله تعالى؛ لأن الدين هو السبيل إلى (رضى الله) وهو باب رحمته ({وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام / 153)
والآية إنما تحض على طلب العلم أي فهلا نفر من كل فريق طائفة إلى اكتساب العلم والتفقه أى وطائفة إلى الجهاد، فتفيد الآية الأمر بتوزيع الأعمال العامة بين الجماعات منها إلى النفير للجهاد، ومنها إلى تحصيل العلم وتلقي الشريعة منه- عليه الصلاة والسلام - (ليتفقهوا في الدين) ليعالجوا الفقاهة ويتجشموا
__________
(1) في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري.
(2) رواه البزار عن أبي مسعود. (1/136)
صفحة 137
المشاق في أخذها وتحصيلها (ولينذروا قومهم) وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه
إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم (لعلهم يحذرون) عقاب الله فيعملوا عملا صالحا.
قال بعض المفسرين: يصح عود الضمير على النافرين ويكون تفقيههم في الغزو بمشاهدة نصرة الله لدينه وإظهاره فئة قليلة من المؤمنين على فئة كثيرة من الكافرين، وتعلمهم أساليب الكر والفر وضروب البسالة، وهذا الوجه مروي عن بعض التابعين.
وأنت ترى كيف جعل التفنن في الجهاد ضربا من التفقه في الدين لما يعود به عليه من الفائدة العظيمة من النصر والتأييد والتمكين وفيه تدريب النفس على تحمل المشقة لأجل السعادة.
قال بعض المحققين: هو أشبه بظاهر الآية (1) نظرا إلى مادة نفر لأنه بمعنى الخروج، وبعض اختار الأول نظرا إلى مادة فقه (2).
في جامع البيان: إن أول الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال؛ ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه.
__________
(1) انظر زاد المسير لابن الجوزي
(2) أنظر هيميان الزاد إلى دار المعاد و الكشاف (1/137)
صفحة 138
وإنما اختير هذا الوجه عند بعض لما يدل عليه لفظ النفر، فإنه يراد به عند الإطلاق غالبا الخروج إلى الغزو والجهاد والموالاة لفظ التفقه له كما مر.
وعلى الوجه الثاني فلا بد من الإضمار، والتقدير فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقامت أخرى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم من الجهاد.
وعلى كلا الوجهين تفيد الآية توزيع العمل بين المسلمين؛ ليستقيم الأمر ويحصل لهم الهم الفوز في كل موطن، ويجمعوا بين العلم والعمل، والفقه في الآية يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي، وفي قوله: (ولينذروا قومهم) إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعليم هو التخويف من عذاب الله، والإرشاد إلى سبل السعادة، لا ما يستبق إليه علماء السوء من الأغراض الدنيئة والأعمال الذميمة وإفساد القلوب.
وكان هؤلاء في الوقت الحاضر يرون أنفسهم غير مطالبين بالواجبات العامة، وإنما خلقوا للشهوات والإضرار بغيرهم، ولا عليهم في مصائبنا الحاضرة وغوائل اليوم وما ينتاب الأمة من الأرزاء وأليم العذاب. (1/138)
صفحة 139
فاذا أمعنت النظر في أقوال المفسرين على الآية الكريمة وجدتها تفيد أمورا:
أولا – العمل بخبر الآحاد إذ لفظ الطائفة يصح إطلاقه على الواحد.
ثانيا _ الأمر بالسفر إلى العلم وتشير إلى مزاياه الجسيمة التي لا تحصر بصيغة التحضيض الدالة على النهي عن التخلف.
ثالثا _ الأمر بتوزيع الأعمال العامة بين المسلمين، إذ نهت أولا عن النفير الكلي إلى الجهاد، وأمرت ثانيا بالخروج إلى كسب العلم وبالتوزيع ينتظم شمل الأمة ونكون جامعة للكمال الديني والدنيوي فتصبح في عز باذخ ووارف الحرية.
رابعا _ تفيد أن ما يعود على الدين بالتأييد تفقه فيه بناء على جعل النفير بمعنى الخروج إلى الجهاد.
خامسا _ تفيد جواز طلب العلم، للقيام بأود الإسلام والمسلمين بالوعظ والإرشاد والتخويف من عذاب الله ولا ينافي ذلك الإخلاص.
سادسا _ تفيد أن العلم لا يدرك إلا بالتعليم ولهذا قال العلماء: العلم يؤخذ من أفواه الرجال.
سابعا _ تفيد أن في تحصيل العلوم مشقة وتجشما فيلزم (1/139)
صفحة 140
توطين النفس على معالجة التحصيل وإلا فاتت المعالي وخابت الآمال.
(لطيفة) قال بعض المفسرين: وإن أمكنه (أي التفقه) في الحضر، فلا شك أن في السفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار اهـ
(لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها)
لعمرو الحق أن السفر مدرسة عظمى تطبيقية توجد في الإنسان ملكة يقتدر بها على حفظ مميزاته مما يشاهد من تنافس الأمم في الظهور بها، ويطلع على آداب الأمم وأخلاقها ومواهب أفرادها وصنائعها، ويعرف سنة الله في الكون فيكون بذلك بصيرا بأحوال الهيئة الاجتماعية، وسياسات الأمم وأغراض حكوماتها ومالها وعجائب العالم، فبه تقوى مداركه وتنمو مواهبه وتكثر معلوماته ويقوى على التمييز بين الحق والباطل لهذا قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج / 46)
ولو سئل أكثر من يدعي الفقه والتجرد لإحياء الدين بزعمه عن معنى من معاني تلك العلوم حتى عن الإخلاص مثلا، أو عن التوكل أو عن وجه الإحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الدنيا والآخرة، وكم سمعنا عن (1/140)
صفحة 141
تخبطهم في الكلام على قواعد الإسلام وأركانه في متن العقيدة وما يحشرونه من المعاني غير الصحيحة مما يقتلون به مواهب نفوس السامعين.
ترى الشخص منهم يجهد نفسه ليلا ونهارا في درس متون الفقه وتفهم مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والإجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها على أنها من الفروض الكفائية، وهو في غفلة عن واجبات نفسه من تطهيرها من الأدناس وتزكيتها بحسن الأعمال وتحليتها بالفضائل، وعن واجبات الهيئة الاجتماعية وحرس الدين والأمة من كل فساد جهد استطاعته.
الفقه علم النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا، وإذا أراد الله خيرا بعبده صيره عارفا بذلك بأن يلهمه تعاطي أسباب التحصيل ويؤيد بروح منه حتى يفوز بالمراد، وهذا شامل لكل الواجبات دينية أو دنيوية، فمقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا نظام في الدين إلا بنظام الدنيا؛ لأن الدنيا مزرعة للآخرة، وهي المطية والآلة الموصلة إلى الله لمن اتخذها آلة ومطية قال - عليه الصلاة والسلام- (الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الآخرة).
يظهر من الاستدلال بالحديث في كلام (الجمود) إن (1/141)
صفحة 142
الاشتغال بغير الفقه من العلوم لا يجوز، ولا يكون إلا ممن لم يرد الله به خيرا، وهو سخافة وهراء فإن من التفقه في الدين العلم بالفروض العينية، فمتى جاء المرء بواجباته من صلاة وزكاة وصيام وحج وما يتابعها من الفروض كان من المتفقهين في الدين؛ لأن الفروض الكفائية يسع للإنسان جهلها ما لم تتعين عليه.
ولا نكران لفضل الفقه؛ فإن علم العبادات ومعرفة الحلال والحرام وهو من العلوم المقصودة بالذات لا من الآلآت التي يكون الغرض منها والتوسل بها إلى غيرها من العلوم، وبه يعرف ما يعرض لأفعال المكلفين من الوجوب والحرمة والكراهية والندب والإباحة والصحة والفساد ولو أهمل العمل به؛ لانهدمت شريعة الله التي جاء بها الأنبياء {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} (الشورى / 13)
لكن لا يعقل أن تشتغل الأمة بالفقه وتعرض عما سواه ولا يقول بهذا عاقل، بل الواجب أن يكون ما يخص الهيئة الإسلامية كالمواريث والأنكحة والوصايا والأحكام والإجارت وأمثالها، موزعا بين أفراد مع مشاركتهم في غيرها من العلوم، كما يجب أن يتخصص أفراد لعلوم الحياة مع مشاركتهم في العلوم الشرعية حتى تصير الأمة جامعة لما يكفل لها السعادة من العلوم (1/142)
صفحة 143
في الدين والدنيا، وينتظم أمرها وهذا ما يرمي إليه غرض العاملين؛ لإسعاد الأمة بنشر المعارف وإحياء معالم الهدى.
لا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة إلا شارك فيه مشاركة يكون بها خبيرا بمقصده وغايته، ثم إن ساعده الحظ سعى أن يتضلع فيه؛ فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله، فإن الناس أعداء ما جهلوا فما قام المعارضون ضد الإصلاح والطعن في العلوم الحيوية إلا لجهلهم لها وعدم النظر في نتائجها في الخارج حتى يستبين لهم حكمها.
لهذا قال بعضهم لابنه: عليك بكل نوع من العلم فخذ منه؛ فإن المرء عدو ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم وأنشد:
تفنن وخذ من كل علم فإنما يفوق امرؤ في كل فن له علم
فأنت عدو للذي أنت جاهل به ولعلم أنت تتقنه سلم
وربما سمع بعض المتهوشين ما قلنا أولا في توزيع العلوم وتكفل أفراد بالفتوى الكفائية فحمل الكلام على وجه الطعن من التزهيد في علم الشريعة، وذلك شأن الذين في قلوبهم مرض وهم جراثيم الهيئة الاجتماعية لا حياة لهم إلا في جو متسمم (1/143)
صفحة 144
بوباء الشغب، إلا أنها لا تتستقر مع مواد التعقيم (1) وآيات الشفاء {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} (الإسراء/ 82)
بيان حقيقة
سبق لنا القول في بعض مفتريات وبيان الحق فيها، ونعود الآن إلى بيان حقائق أخرى حتى لا يبقى للخائضين مجال.
من المعلوم بالضرورة ومن لوازم الإيمان وجود السماوات وآيات القرآن طافحة بذكرها، وإنكارها كفر صراح، أما البحث في ذاتها واكتشاف عجائبها فلا مانع منه بل من الواجب، كيف لا وكتاب الله يحضنا على ذلك كلما تلوناه، وهي من أعظم الدلائل على وجود باريء الكون وكمال قدرته سبحانه، ما أعظم شأنه وأعز سلطانه، قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة / 164)
انظر كيف جمع تعالى في هذه الآية أعظم الدلائل وأكثرها مشاهدة، وأجلها نعمة بحيث
__________
(1) التعقيم هو النظافة بكل معانيها وهو في عرف أهل الطب تعقيم الشيء أي قتل جراثيمه المرضية حتى لا يكون واسطة في نقل تلك الجراثيم إلى غيره. (1/144)
صفحة 145
لا يبقى للإنسان أدنى ريب متى التفت إليها في أن المعبود الحق هو المتصرف في هذا الكون العجيب النظام، وما سواه من المعبودات باطل بل هي تخضع بلسان حالها لذي الجلال والاكرام
وفي كل معبود سواك دلائل من الصنع تنبي أنه لك عابد
فإن البحث في الملكوت وتعاطي علومه يزيد المؤمن إيقانا والباطن نورا والضال هداية، وما أظهره العلم الصحيح الآن لم يناف الحق، بل إنك إذا تأملت قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت / 53) وجدت الآية تخبر بظهور تلك البينات التي أبداها العلم، فالواجب التصديق بها لا الجمود على ما قاله علماؤهم أنفسهم وما ذكروه لا على سبيل الاحتياط ولا شك.
من الحماقة أن يقول المرء بأن السماوات إجرام معدنية كما تخبر الإسرائيليات الموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف يصدق عاقل أن السماوات من فضة ونحاس وذهب وزجاج .... إلخ وأن الأولى مخضرة بجبل قاف وهي موج مكفوف إلى غير ذلك مما لم يذكره القرآن ولا السنة الصحيحة، ولو ذكراه لقطعنا به رغم كل قائل، لكن (معاذ الله) أن يأتي العلم الصحيح بخلافهما، (1/145)
صفحة 146
وقد قال قطب الأئمة وبعض المحققين (1): أن ما يروى من أن السماوات أجرام معدنية لا صحة له ولم يؤيده نقل صحيح عن رسول الله يعتمد.
(1) في حفظي أنني رأيت في شرح شرح التوحيد وأظنه للبدر التلاتي أنه زيف هذا القول كشيخنا القطب (رضي الله عنهما) ولا يبعد أن يكون في غيرها من تآليفه.
وما اكتشفه علماء الفلك وأطبقت عليه الأرصاد في العالم أمور مسلمة لا تقبل الرد، وحيث لم يذكر القرآن ولا السنة المقطوع بها وصف الأجرام العلوية فالبحث عن كيفيتها ونظام سيرها البديع وما بينها من النسب والجاذبية والاقتران والدوران حول
نفسها أو حول بعضها واستمداد بعضها من نور البعض وخاصيتها وأبعادها، ومدد سيرها ومسافتها وأقطابها وأشباه ذلك: علم جليل الفائدة عظيم العائدة يدلك على سر الوجود ولطيف صنع الله الذي أتقن كل شيء وترقى للكمالات الروحانية كما أثبته العارفون بأسرار النفس، ويرشدك إلى ذلك قوله تعالى: (لآيات لاؤلي الألباب)، (لآيات لقوم يعقلون)، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (ص/ 27) في أمثالها من الآيات.
عجبا أن يطعن من له مسكة من العقل في هذه العلوم ويعدها كفرا ومخالفة الإسلام سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
__________
(1). انظر فاكهة الخلفاء وابن مسكويه ونظام العالم. (1/146)
صفحة 147
وقد خلى الجو للذين يشتغلون بها وينتفعون بأسرارها ونحن في غفلة معرضون نمر عليها ولا نشعر {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (يوسف / 105) كأنما حظ المسلمين الشقاوة.
والسماء لغة كل ما علاك {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة /29)
قال تعالى: في آية {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} (المؤمنون / 17)
ماذا يقول الخراصون الذين هم في سكرة وغفلة عن آياته؟ ألم يكن لهم إدراك يتفهمون به كلام العليم الخبير أم جبلوا على حب المعارضة والطعن في كل شيء لم تصله مداركهم؟
إن ما يقال عند اليونانيين في الهيئة الفلكية من أن السماوات السبع مركوز فيها الكواكب السبع، وأن الكرسي هو الفلك الثامن والعرش الفلك التاسع ويسمى بالأطلس، كل ذلك أصبح ساقطا لا صحة له على مقتضى العلم الصحيح الآن والاشتغال به اشتغال بالباطل.
كان الأئمة الرستميون مصدر هذه العلوم ومنهلها أيام ملكهم الشامخ وعزهم الباذخ بتاهرت، حتى برعوا في التنجيم واشتهروا فيه في رحلهم وإقامتهم، بل حتى خدمهم يتعلمونه وهل أنكرها أحد العلماء الأعلام مع كثرة عددهم إذ (1/147)
صفحة 148
ذاك؟ كلا وكيف ينكر ما هو حق ولا سيما علم أشتغل به الأئمة المجتهدون (رضي الله عنهم) لا عاقل يقول أن الاشتغال بهذه العلوم مضر ولاحاجة إليها وعليها مدار حياة العالم ولا يقع في حرج الاعتقاد؛ فإن الأسباب كلها مضافة إلى المدبر الحكيم سبحانه من خبير بالذرات في الأجواف وباللؤلؤ في الأصداف، لا إله إلا هو فليتقول الزاعمون فإن الحق كالطود يحقر نطحه الأوعال كلما بدا منهم اعتراض إلا وكشف عن جهل مستور.
لم يزل العلم يكتشف كواكب وشموسا هي على غاية من البعد تظهر لنا كواكب ويدل لذلك في القرآن قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا} (الفرقان / 61)
جمع سراج في قراءة {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} (المدثر / 31)
وكفى إرشادا القرآن إلى العلوم والترغيب فيها دليلا فكل ما وافق الحق وقبله العقل الصحيح فهو حق، لاسيما إذا أيده الكتاب العزيز، وإنك لتعجب من المستدلين في القرآن عند التفسير بأقوال حكماء اليونان وهي مناقضة للعلم الصحيح، وبالإسرائيليات الكاذبة ومتى بلغهم شيء يناقض ذلك من البينات المقبولة عقلا كانت منهم طعنات وحملات عنيفة كان ما يتلقى من تلك الأباطيل هو من القرآن، ولو تأملوا قليلا لوجدوا في (1/148)
صفحة 149
نفوسهم نفورا منه.
إنا نريد بهذه اللمعة تذكير الخامدين لعلهم يرشدون ولولاه لأتينا في هذا المقام بالعجاب.
الكلام على يأجوج ومأجوج
أما يأجوج ومأجوج فأمة مذكورة في القرآن الكريم أيضا وفي الحديث الشريف وهم أمة عظيمة كان لها في التاريخ الغابر شأن وأي شأن كما قصه تبارك وتعالى في سورة الكهف وقد أنبانا بأن ظهورهم من أشراط الساعة الكبرى.
وهذا النوع من البشر قد انكشف للباحثين وظهر جليا للمحققين من أنه هو الجنس الأصفر (اسم المغول والتتار) ومقره الآن الصين وقد ذكر كثير من المؤرخين أنهم كانوا يشغلون الجزء الشمالي وتنتهي غربا مما يلي بلاد التركستان (1).
وما ذكره الله (عز وجل) من إفسادهم في الأرض فقد ذكر المؤرخون من الأمة الإسلامية وغيرهم أن هذه الأمم كانت قديما تغير على من جاورها من الأمم في أزمنة مختلفة وأهلكوا الحرث والنسل وقلبوها ظهرا لبطن، وخربوا البلاد ودمروا العالم تدميرا
__________
(1) رواه الترمذي عن النواس بن سمعان. (1/149)
صفحة 150
، وذلك في قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} (الكهف / 94)
وذكروا أن منهم الأمم المتوحشة والسيول الجارفة التي انحدرت من الهضبات المرتفعة من آسيا الوسطى وذهبت إلى أوروبا، وكم أغاروا على بلاد الصين وعلى أمم آسيا الغربية التي كانت مقر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) كل ذلك قبل نزول القرآن وظهور النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى أن ظهرت تلك الداهية الدهياء والغارة الشعواء (غارة المغوليين) التي اكتسحت قسما عظيما من البلاد الاسلامية، وأبادت جموعها وآتت من المنكرات ما لا يقدر قلم كاتب على وصفه ولا خيال شاعر على تصويره.
كم أحرقوا من الكتب وهتكوا من الحرمات، حتى وصلوا إلى الشام بدون أن ينال من همجيتهم وفسادهم الحرمين الشريفين ولا القدس كما أخبرت به بعض الأحاديث.
وقد انسابوا على البلاد من كل حدب أي مرتفع، ووقائعهم مشهورة ملأت بطون التواريخ، وكل ذلك مصداق القرآن، إلا أن من العلماء من قالوا ليس ذلك ما أخبر الله به من خروج يأجوج ومأجوج؛ لأن خروجهم وظهورهم من اشراط الساعة (1/150)
صفحة 151
لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} (الأ، بياء / 96)
فأجيبوا بأنه لامنافاة بين الوجهين، فإذا صح أن التتر والمغول هم أولئك الموعود بهم فلا مانع من وجود فاصل بين خروجهم وقيام الساعة، فقد قال تعالى:
{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ} (الأنبياء/ 1)
وقال {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} (القمر / 1)
وقد وقع انشقاق القمر في زمانه - صلى الله عليه وسلم - ومضى لذلك ألف وثلاثمائة ونيف وأربعون عاما، وقال - عليه الصلاة والسلام -: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار بالسبابة والوسطى، وربما قال قائل أين الاقتراب على تسليم ما قررتموه؟ فنقول: من المعلوم أن ما مضى من عمر الدنيا لا يتناوله إحصاء وما بقي قدره يسير ويؤيد هذا القول ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: (سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين) (1) ومن المسلَّم أن هذا السلام لم يبق له ذكر في هذا العصر في أي قطر من الأقطار، وهل يصح أمام تلك القذائف الجهنمية العصرية، والحروب الكيمياوية التي أصبحت تهدد العالم إن وقعت لا قدر الله تكتسح الملايين من البشر في جزء يسير من الزمن، وهذه التحقيقات لا تنافي النصوص الواردة من الآيات
__________
(1) رواه الترمذي عن النواس بن سمعان (1/151)
صفحة 152
القرآنية والأحاديث النبوية، ولا يصح لأحد أن يقول ما ذكرتموه غير مقبول لعدم ظهوره تلك الأمة ولم تعرف لحد الآن ولا مقرها من الكرة الأرضية؛ لأن البشر قد اكتشف القسم اليابس من الأرض ما عدا مركز القطبين والربع الشمالي لم يبق فيه احتمال لوجود أمة مجهولة.
وعلى الرأي الثاني مع التسليم أن يأجوج ومأجوج هم أمم الصين كما سبق سيظهرون في المستقبل ويعبر عنهم بعض ساسة أوروبا وعلمائها بالخطر الأصفر المتوقع، وذكر بعض علماء العصر أن عاهل جرمان كان يريد بممالاته المسلمين وإمدادهم لو رجحت كفته في الملحمة الكبرى أن يجعلهم سدا محكما دون أوروبا من ذلك الخطر الأصفر، وليس ببعيد أن يكون سعي الدول الاستعمارية من ثل عروش الأمم وافقادها عزها إذا أراد الله إنقاذ حكمه سببا لاهتياج ذلك الجنس
وانسيابه على الأمم المجاورة له فيستأصلها قتلا ونهبا وسلبا وتخريبا كما سلف من أعمال جان كز خان وأولاده المغوليين مما هو مشهور ومحفوظ في كتب التواريخ إلى زمن ولاية هلاكو، وقد وقعت إذ ذاك ملاحم جسيمة وأهوال وانقلاب حتى إنه قتل في سمرقند في إحدى وقائعهم مليون نسمة ولله عاقبة الأمور.
لقد بلغ الجشع الاستعماري إلى حد اقتطاع أطراف الصين (1/152)
صفحة 153
والتدخل في شؤونه الداخلية بما أدى كما ذكرت إحدى الجرائد الشرقية قبيل الحرب الكبرى إلى تهديد الحكومة الصينية لتلك الدول بيد أنه أقعدها عن القيام بأعباء مملكتها الشاسعة الأطراف الآهلة الجهل بالنظام العصري، وفقدان العلماء الفنيين والخصيصين وسواد الهمجية في تلك الأمم حتى انتشرت فيها الفوضى، فكلا الوجهين محتمل وغير مناقض لكلام الباري كلام الرسول - عليه الصلاة والسلام - كما رأيت، وأما ما يذكره أصحاب القصص من صفات ذلك الجنس فغالبه ليس بصحيح، وإنما هو من قبيل الخرافات والإسرائيليات التي هي محض كذب، تناقله أولئك الرواة والكاتبون بدون تحرز وتدقيق، وبطلان ظاهر بأدنى تأمل أيده التوفيق والعون. تلك الحقائق التي يطعن فيها الفارغون منها ومن حقائق الكون، وتظاهروا بين الملأ بدعوى دحض الشبه وإزاحة الزيغ وهم فيهما منغمسون.
يتصور لك مما مر من الفرى وهو بعضها ما عليه النفوس الشريرة وما تحاوله من لبس الحق بالباطل استسلاما لسلطان الهوى وتنفيذا لإرادته وإهمالا لسياسته بالنفس العاقلة وجهلها بطرق تلك السياسة، وقد شبه الحكماء من أهمل سياسة نفسه (1/153)
صفحة 154
العاقلة وترك سلطان الشهوة يستولي عليها برجل معه ياقوتة حمراء شريفة لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ونفاسة، وكان بين يديه نار تضرم فرماها في حباحبها حتى صارت كلسا لا منفعة فيها فخسرت وخسر ضروب منافعها.
إعلم أن النفس العاقلة إذا عرفت شرف نفسها وأحست بمرتبتها من الله عز وجل أحسنت خلافته في تربية قواها الثلاث: العاقلة والسبعية والبهيمية وسياستها ونهضت بالقوة التي أعطاها الله تعالى إلى محلها من كرامة الله تعالى ومنزلتها من العلو والشرف ولم تخضع للسبعية ولا للبهيمية، بل تقوم النفس الغضبية (وهي السبعية) وتقودها إلى الأدب بحملها على حسن الطاعة، ثم تستنهضها في أوقات هيجان هذه النفس البهيمية وحركتها إلى الشهوات حتى تقمع بهذه سلطان تلك وتستخدمها في تأديبها وتستعين بقوة هذه على إباء تلك.
قال بعض علماء النفس: إن الغضبية قابلة للأدب قوية على قمع الأخرى، والبهيمية عادمة للأدب غير قابلة له (على هذا الرأي)
وأما النفس العاقلة فقد شبهها كبار الحكماء والفلاسفة كابن مسكويه (1) بالذهب في اللين والانعطاف، فمتى آثرت الفعل
__________
(1) هو أبو علي أحمد بن مسكويه الخازن من كبار الحكماء، وأجلاء علماء الأخلاق درس العلوم الحكمية في الكتب اليونانية المترجمة إلى العربية واستخلص لبها وبرع في علم النفس، ومن كتبه تهذيب الأخلاق من النفائس في فنه، قرن فيه الحكمة بالشريعة وبين طرق التربية وتهذيب النفس وإنماء الفضائل فيها وتجريدها من أدناس الخصائل، وكان من الأطباء المهرة جمع بين طب العقول وطب الأبدان له تآليف كثيرة فيهما وفي التاريخ توفي سنة 421هـ
2) (1/154)
صفحة 155
الجميل وجاذبيتك البهيمية إلى خلافة فاستعن بالقوة الغضبية التي تثيرها الأنفة وعزة النفس واقهر بها البهيمية، وإن غلبتك ثم ندمت وأنفت في منهج الصلاح فتمم عزيمتك واحذر معاودتها إليك بالطمع والغلبة، وإلا كنت كما قال الحكيم الأول: إني أرى أكثرالناس يدعون محبة الأفعال الجميلة ثم لا يحتملون المؤنة فيها على علمهم بفضلها فيغلبهم الترفه ومحبة البطالة، فلا يكون بينهم وبين من لايحب الأفعال الجميلة فرق إذا لم يتحملوا مؤنة الصبر ويصبروا إلى إدراك ما عرفوا فضله، فمثله كمثل الضرير والبصير الواقعين في بئر فهما في الهلكة سواء وإن كان الأول أعذر.
ومن وصل إلى هذه المرتبة من معرفة النفس ومرتبة الآداب واكتساب الفضائل فقد وجب عليه أن يفيض ما أعطاه الله على أبناء جنسه وتسنى له تأديب غيره وكان فردا صالحا في بيئته.
إعلم أن النفوس التي لم تهذبها التربية ولم تغرس فيها الفضائل يبلغ بها حب النفس إلى الحد المذموم فترى أنها أولى بكل شيء كأنها لا تعيش إلا لنفسها ولم تخلق إلا لذاتها، وكأنما الدنيا بما فيها إنما وجدت لأجلها دون الخلق فلا تسعى إلا للذاتها ولا تتألم بما (1/155)
صفحة 156
يتألم به غيرها، ولا تحفل إلا بنيل مطالبها ولا تعتبر الشخص إلا بقدر حاجتها إليه، ومن كان بهذه المثابة فقد أخطا طريق السعادة، ويسلك الاغترار ببعض النفوس مسالك مذمومة فتصير أصلا لشيم نازلة منحطة أو مرذولة ممقوته،
وتستحيل صفات غير مذمومة إلى مذمومة كالغيرة عند فقدان اعتدالها (حسدا) والمبالغة في إكبار النفس إلى حد أن لا يكبر في عينها أحد (كبرا) وحب النفس والتعالي إلى
حب الرئاسة وإلى حب السلطة، وإليك ما تتنور به بصيرتك وتقف به على بعض حالة النفس الطالحة من كتاب علم النفس: ولا حرج على المرء في حب الرئاسة والسلة إذا كان فيه من (الاستعداد الطبيعي) وعنده من (الكمال الأدبي) ما يؤهله إلى هذه المكانة العالية، ولم يستفز به توليتها إلى الاستقلال الفاسد والاستبداد الباطل والتكبر المشؤم والتجبر المهلك، فلا يسوغ أن يترك المهلك فلا يسوغ أن يترك أحد يطمح نظره إلى هذه المنزلة السامية إلا إذا تحقق فيه كرم العنصر وطيب المحتد، وتبين حسن مذهبه وجميل مقصده وعلو همته وظهرت جودة فكره وقوة عقله وسعة معارفه وأصالة رأيه وكثرة تجاربه وحسن تدبره في العواقب ولطف تبصره في الأمور، وجمع إلى فصاحة اللسان وبلاغة القول والقدرة على العمل ومضاء العزيمة وحب المشاركة في الآراء والمشاورة في (1/156)
صفحة 157
المسائل، والإذعان إلى الحق والمساعدة إلى اظهاره والعمل به، وإلا دخل بشهوة على الأعمال فأبطلها وحشا بأهوائه المصالح فأفسدها ورمى النظامات بسوء تصرفاته فأخلها، فكانت عاقبة ذلك ليس فقط دمار الفرد الواحد بل دمار الأمة بأجمعها بل دمار الإجتماع الإنساني برمته، وذلك هو الوبال الأكبر والخسران المبين، فحذار حذار من حب الرئاسة والسلطة إلا من اتبع قانونا عدلا ولم يخالفه طرفة عين، أما إذا كان الداعي إلى حب هذين الأمرين ليس هو حب النفس بل إرادة الإصلاح المعززة بالاستحقاق والأهلية والكفاءة وذلك باستيفاء الشروط التي قدمناها فإنه يكون شيمة كريمة كما في عصر الخلفاء الراشدين وأمراء المؤمنين المهديين اهـ
ويتبدل الحرص طبعا باشتداد حب الاستزادة إلى حد التعلق ببعض أسباب واهية ظنا أنها توصل إلى الحصول على ما يراه، وحب الاستئثار إلى (بخل وشح) وكل من
(
الطمع والبخل والشح) من الخلال الرديئة التي يجب العمل على محوها واستئصالها منذ ظهورها مع النشاة الإنسانية، فإنها أصل الذل، (1/157)
صفحة 158
ومما يجب علمه أن حب النفس وما ينشأ عنه من الميول الشخصية دائرة على المنفعة الذاتية، بخلاف الميل إلى الجنس فإن كثيرا ما يكون مجردا عن قصد الفائدة الشخصية، ولهذا كان أشرف من الأول وأقرب إلى الكمال الإنساني.
فإذا يجب على العاقل أن يعرف ما ابتلى به الإنسان من تلك النقائص وأشباهها، وحاجاته الضرورية إلى إزالتها وتكميلها، ويلتمس الفضيلة في نفسه العاقلة التي صار بها إنسانا، وينظر إلى النقائص التي في هذه النفس خاصة فيروم تكميلها جهد طاقته ويلتمسها في غيره؛ لأن الإنسان قلما يدرك عيوب نفسه لهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: (المؤمن مرآة أخيه) فإن صفات الكمال الإنساني خيرات لا تستر، وجمال يدنو إليه كل ذي وجدان، وهي التي يكون بها بعض الناس أفضل من بعض وبعضهم أقوي إنسانية من بعض، ويغذو نفسه العاقلة بغذائها الموافق لها وهو العلم والزيادة في المعقولات والارتياض بالصدق وقبول الحق والنفور من الكذب والباطل.
واجب الأمة
مما لا مرية فيه رقي الغربيين في الفنون والصنائع وتقدمهم في النفوذين السياسي والاقتصادي، ولا جحود لما يبتكرون للبشر من مواد الحياة والعمران والتمدن، ولا ترد صوابا ولا (1/158)
صفحة 159
تقطع قطرا ولا تقف على صناعة ولا تدخل سوقا إلا رأيت من آثارهم ونتائج قرائحهم، ولا يمر حين من الدهر إلا وتسمع بمؤتمر لهم علمي أو عكاظ صنائعهم، ولاتأتي بلدا بل قرية إلا وجدت فيها مدارس لأبنائهم، ولا تركوا صنفا من صنائع الشرقيين إلا جاؤا بمثله، حتى كادوا يقضون على سائر صنائعنا وهذا إحدى غاياتهم نحو الشرق.
تسابقوا في ميدان النبوغ وميزوا عديد الفنون، واستنبطوا كثيرا صالحا ووسعوا دوائرها بعد أن كانت مسائل ضمن علوم أخرى، وبرع فيها مؤلفون وبرروا فيها اختصاصيون ما منهم إلا من يرى من واجبه إظهار ما لم يسبق إليه كي يخلد له ولأمته حميد الأثر وعاطر الثناء بين الشعوب.
ما هو واجب الأمة تلقاء تلك البينات وهاتيك القوى والمكانة التي طولبت بها على لسان نبيها في آي الذكر الحكيم، أواجبها وضع الإصر عنها والأغلال التي عليها بالأخذ بتلك الأسباب المسعدة، أم الأعراض عنها والبقاء تحت كلا كل الجهل والفاقة كما يدعو إليه الناعقون؟
هل نقعد على ضر ومسغبة وعيشة شأنها التعذيب والكدر
إن مواهب النفوس ليست متجهة إلى وجهة واحدة بل كل منها تميل إلى عمل وإلى علم غير الذي تميل إليه الأخرى غالبا سنة (1/159)
صفحة 160
الله في عباده؛ ليحصل العمران ويظهر سر الكون ومخباته فتتجلى وحدانية الباري وجلالة وصمدانيته {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال / 42)
إذاً الواجب على الأمة أن تتوجه إلى مناهل المعارف فتغترف من كل فن بتوزيع الأفراد كل حسب استعداده كما أمر الله تعالى أن تقوم طائفة بحماية الدعوة ونشرها، وأخرى بتجشم المشاق في اكتساب العلم كما مر، فلينقطع أفراد إلى العلوم الحيوية،، وآخرون إلى العلوم الدينية، وآخرون إلى الصنائع وآخرون إلى علوم الآداب، مع انفراد كل بما عليه من الواجب العيني، ليقيم دينه فإنه لا سعادة للمسلم إلا بالدين، فإن العلوم كلها واجبة إما وجوبا عينيا وهو ما وجب على كل مسلم، كفروض التوحيد والصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم وترك الكبائر من الغيبة والنميمة والخيانة والركون إلى الباطل وأشباه ذلك، وإما وجوبا كفائيا وهو ما وجب على الأمة، فإذا قام به البعض ارتفع الوجوب عن المجموع، كالعلوم الحيوية من الرياضيات والاجتماعيات والشرعيات والصنائع وتوابعها والعلوم الآلية، أما الجمود أمام المزاحم فاستسلام وهلاك يربأ عنهما كل عاقل، والزاعمون أن العلوم الحيوية مباينة للدين واصفون له بالنقص وهم لا يشعرون، وقد وصفه الله بالكمال وتمام النعمة: (1/160)
صفحة 161
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة /3) وقد علمت أن أكثر الآيات تشير إلى ما في العالم من أنواع الخلق وكافة العلوم المتنوعة حثا لكل نفس أن تفتكر وتعمل بما يلائم إرادتها الخصوصية ومواهبها، فبذلك تفوز بأمرين عظيمين:-
الأول – قوة الإيمان والرسوخ فيه فيقدس الإنسان ربه كلما رأى حكمته تعالى في الخلق ويشكره، وهذان هما الحكمة في إيجاده في هذه الحياة، ولم يخرج الإنسان من بطن أمه إلا لهما، تأمل ذلك في قوله سبحانه: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل / 78)
انظر كيف امتن الله علينا بالسمع والأبصار، إذ هما محل العقل والعلم، وهو القلب المعبر عنه بالفؤاد، وعلل ذلك بالشكر الذي هو صرف تلك النعم فيما خلقت له.
ثانيا:- الاستفادة المادية من تلك النتائج التي يدركها ويشرف عليها ومعرفة المضر منها فيجتنبه، وقال بعض الكاتبين: إن من الأسباب في ضعف الأمة الإسلامية أولئك الذين ادعوا العالمية وخطوا لأنفسهم ما تقشعر منه الأبدان ثم ألصقوه بالدين فسرى (1/161)
صفحة 162
في الأمة سريان السم ولا يعلمون إلى أي حفرة هم سائرون. اهـ
ليس شقاء الأمة الإسلامية سببه الفقر فقط كما يقول بعض الكاتبين وإنما هو نتيجة فقدان ثلاثة:
فقدان التمسك بالدين بالمعنى الصحيح.
فقدان العلوم الحيوية
فقدان الرفاهية، قال - عليه الصلاة والسلام-: (لابد للناس في آخر الزمان من الدنانير والدراهم يقيم المسلم بها أمر دينه ودنياه) أو كما قال.
بهذه الثلاثة كانت فيما هي عليه من الاستبعاد والتعذيب وضروب الإرهاق.
إن المنافسة في العرفان وميادين الحياة من واجب الأمة، والمحافظة على الصنائع الوطنية وترقيتها وجلب وسائل التسهيل والتوفير لها كذلك، كما أن من واجبها اختصاص رجال العلم والمتعلمين كل بفن من الفنون مع مشاركته في غيرها لارتباط؛ العلوم بعضها ببعض واستمداد بعضها من بعض؛ ولاستحالة إحاطة الفرد الواحد بجميع العلوم، ولأن الأفراد إذا جاؤا بواجبهم تكون واجب المجموع من نفسه، فخذ لك مثلا علم التفسير فإنه ترتبط به علوم العربية وعلوم السنة وتوابعها وعلم التاريخ والعلوم الكونية والجغرافية والطبيعية وغيرها كثير، إن أراد المزاول له أن (1/162)
صفحة 163
يدرك أسرار القرآن وما يحتوي عليه من العلوم، ويتمتع بذلك الجما ل الرائع، فالهيئات لا تتكون بدون توزيع اللوازم على أفرادها؛ لأن الأمة شبيهة بالهيكل كل عضو له عملية يقوم بها فمتى سلمت الأعضاء وقامت بلوازمها كانت سلامة ذلك الهيكل.
والقوة نتيجة اجتماعية، فالقوة السياسية مثلا نتيجة ارتقاء في الهيئة الاجتماعية، والقوة العملية نتيجة ارتقاء في العرفان، والقوة الاقتصادية نتيجة ارتقاء في الهيئة العاملة إلخ لهذا كانت الشعوب الفاقدة لتلك القوات طعمة الأقوياء.
لماذا لا تضارع الأمة الإسلامية غيرها من الأمم المتمدنة؟ وهي الأمة المتدينة بالدين الذي فتح أبواب الشرف في وجوه الأنفس وكشف لها عن غايته، وأثبت لكل نفس صريح الحق في أي فضلية، وأنبأ كل ذي نطق بوفرة استعداده لأي منزل من منازل الكرامة ومحق امتياز الأجناس، وسوى بينها في كل الحقوق، وإنما جعل التفاضل بالعقل والفضلية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات / 13)
قال - عليه الصلاة والسلام -: (من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله).
واجب على الأمة أن تضارع الأمة الحية لا دفعا للتفوق فقط بل الواجب يأمر بذلك، وكيف لا وهي الأمة التي أنبأها دينها بأنها ستحاسب على ما منحها الله من المواهب والقوة (1/163)
صفحة 164
الاختيارية التي هي مناط الثواب والعقاب والمدح والذم:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل / 97)
(من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد).
كل شعب تمسك بالبساطة ولم يحفظ مميزاته الجميلة بسياج العرفان فإنه يكون نهبة للأخطار وعرضة للاضمحلال.
والثروة الخالدة هي العلم وهو مع الرفاهية سعادة في سعادة، وهي بدونه عذاب وشقاوة، إن المعارف من أعظم ما يتترس به الشعوب والأفراد، وهي السلاح في كل معترك والأنيس في الوحدة والدليل إلى كل مطلوب والنور في الغياهب والرشيد عند كل حيرة، والعلوم الحيوية قوة مندفعة إلى الأمام لا يمكن إيقافها ولا حصرها في مكان واحد.
القول في الاتحاد
أنعم بنعمة الاتحاد إذا صدرت من أفئدة نقية طاهرة فإنها تفرح القلوب المحزونة وتبعث الآمال والرجاء، وتجدد الروح وتوقظ النفوس الخاملة، نعم كلمة طيبة ونغمة شجية تنعش الآيسين وتفتح الباب على مصراعيه للراجين، والاتحاد يحيي موات النفوس حياة الحبوب بالقطر، وينبت فيها صالح العمل إنبات الربيع البقل، (1/164)
صفحة 165
نسمع هذه الكلمة من كثير لكنا نرى الغالب لا ينطقون بها إلا تقليدا، ولا يتصورون معناها إلا سطحيا، ومنهم من يلفظ بها رياء ونفاقا، ألسنهم ترددها وقلوبهم تنبعث منها زفرات المكر وخبث النية.
يالله من نفوس تبدو بمبدأ الإيمان وسلامة السريرة، وتدبر بالكيد والرياء وحملقة العيون والتوعد بالشرور، نعم هي شعار المخلصين، وإن شئت تسبيحهم وذرة مغروسة في صدورهم، يلهجون بها في كل مجتمع لا رياء ولا سمعة، ودرة يضعونها في أفكار الناشئة، هي العقيدة والإيمان وتراث عن الآباء الأماجد
{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران / 103)
آية جمعت بين الأمر بالتمسك بحبله المتين والنهي عن التفريق والتباعد، كيف لانلهج بها عن صدق وإخلاص وهي جزء من إيمان المؤمنين.
الاتحاد المطلوب يكون في الخير والأعمال الصالحة العائدة على الدين والأمة بالفوز والصلاح، ويكون مع النفوس التي تعرف ضرورة التعاون البشري الذي به صار الإنسان إنسانا، في الطاعة تأتي تلك القوة الهائلة التي بها ينال المطلوب ويظفر بالمرغوب، تلك القوة العظيمة التي خاطب الله بها عباده المؤمنين، وكثروا بها وهم قليلون وعزوا بها بعد أن كانوا ضعفاء وكانوا يدا (1/165)
صفحة 166
واحدة في شؤونهم الداخلية والخارجية، قال - عليه الصلاة والسلام-: (يد الله مع الجماعة ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا)، هو وسيلة للرقي والكمال، به يلتئم شعث الأمة، ويتكون المعدوم من الصالحات، ويوجد أكبر المدنيات ويعمر البلاقع ويوطد أركان الحرية وترتفع تلك المعاملة السيئة التي تعامل بها الأمة.
الاتحاد فكرة حيوية لا تقاوم ولن تقتحم، وقوة توجد نظاما بديعا وبناء محكما، يخضع أمامها كل ظلوم وغشوم، هذه المنقبة الكبرى لا تتحملها نفوس عليلة الأفكار أسيرة غايات لها، فكيف بالتي في باطنها خيانة أو نفاق أو مكر وأمثالها من الكبائر الموبقة للمبتلى بها ولقومه، المفيدة للأضداد المترصدين، قاتلها الله من صفات لعينة تلعب بنفوس فتذرها جذوعا خاوية وأيد شلاء لا تتناول أمرا إلا صيرته شتيتا ولا تدخل جمعا إلا جعلته وحدانا ولا تبدي رأيا إلا كان مأفونا، حظه عند ذوي الألباب المقت والحرمان، صفات يبغضها الله ورسوله والمؤمنون، صاحبها أحبولة الطريد وفخ الشريد يتخذها المجرم آلته يعمل بها على حسابه وهو لا يشعر، كم هدمت من مشيد المجد، ونسفت من جسور الوئام، واجتثت من غروس الإصلاح، وجلبت من أضرار جسام وقوضت من آثار (1/166)
صفحة 167
، هن أمهات الشقاء وأصول البلايا لو تطهر منها المبتلون بها لعاد السهم إلى النزعة وانتأى كل بلاء، ولو التفتوا إلى نفوسهم بالتزكية من مفاسد الأخلاق وأمسكوا عن الخوض فيما ليس لهم به علم حتى يعلموا لسلموا وسلم سواهم من أسوائهم (لو سكت من لا يعلم لبطل الخلاف).
إنا لفي زمن ترك القبيح به
من أثر الناس إحسان وإجمال
كلمة في الأخلاق
إذا كانت الأخلاق الطاهرة في قوم كانوا على جانب من العز والكرامة، قال العلامة بدر الدين التلاتي (1) في (الفتح المبين): (الخلق كيفية راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال الاختيارية الممدوح بها بسهولة بحيث لا يتكلف صاحبها في إيجاد تلك الأفعال كالإعطاء والصفح عن الزلات ومقابلة الإساءة بالإحسان
__________
(1) هو العلامة المحقق الجامع لما تفرق في غيره من العلوم صاحب المؤلفات المفيدة الشيخ أبو حفص عمر بن رمضان الجربي التلاتي أخذ العلم في الأزهر الشريف، وصنف في عدة فنون ما يفيد وكان مشهورا بفرط الذكاء وقوة الذاكرة معاصرا للعلامة يحيى بن صالح (رحمهما الله)، توفي بالقاهرة وهو من علماء القرن الثالث عشر. (1/167)
صفحة 168
من أعظم أسباب سعادة الأمم الأخلاق الفاضلة، ولا أجمل من أخلاق الإسلام فقد تكفلت بسائر وسائل الإسعاد والفوز في كل المواطن لمن تخلق بها، فإنه لم يدع خصلة كريمة وسمة جميلة إلا أمر بها، ولا صفة خسيسة إلا نهى عنها.
أمر بالإحسان والعدل، وصلة الأرحام، والبر بالضعيف وبر الوالدين والرفق والأمانة والوفاء والحياء والجود، والتعاون على البر والتقوى، والتحاب وإكرام الجار والضيف وابن السبيل وحفظ السر والاتحاد، والأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس وتحري الصدق، والثبات والصبر على المكاره في سبيل الخير، وعلو الهمة والاعتماد على الله والعمل للدارين، وإفشاء السلام وإماطة الأذى عن الطريق وسائر الخصال الحميدة، نهى عن التجسس، والعمل بالظن، والبغي، والركون إلى الظالمين، والخيانة والكذب.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب) (1) وعن الغش والخديعة والغيبة والنميمة والظلم في المال والأنفس والأعراض، وعن كل خصلة ذميمة، قال - عليه الصلاة والسلام -: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ومن الكلمات الذهبية لشاعر الشرق التي سارت بها الركبان:
__________
(1) رواه عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) ذكره السيوطي. (1/168)
صفحة 169
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
وإن هم ذهبت أخلقهم ذهبوا
فليس بعامر بنيان قوم
إذا األاقهم كانت خرابا
قال - عليه الصلاة والسلام -: (إن من أخلاق المؤمن قوة في دين وحزما في علم وقصدا في غنى وتجلا في فاقة، وتحرجا عن طمع، وكسبا في حلال، وبرا في استقامة ونشاطا في هدى، ونهيا عن شهوة ورحمة للمجهود، وإن المؤمن من عباد الله لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم في من يحب ولا يضيع ما استودع، ولا يحسد ولا يطعن ولا يلعن، ويعترف بالحق وإن لم يشهد عليه، ولا يتنابز بالألقاب، في الصلاة متخشعا في الزكاة مسرعا، في الزلزال وقورا، في الرخاء شكورا قانعا بالذي له، لايدعي ما ليس له، ولا يجمع في الغيض ولا يغلبه الشح عن معروف يريده، يخالط الناس كي يعلم، ويناطق الناس كي يفهم، وإن ظلم وبغي عليه صبر حتى يكون الرحمن هو الذي ينتصرله) (1)
__________
(1) رواه الحكيم عن جندب بن عبد الله. (1/169)
صفحة 170
انتقاد
كنا فيما مر أتينا على بعض انتقاد لما كتبه المفتون ضمن الكلام، والآن عنَّ لنا أن نلم بشيء منه فيما يتناول فكرته وكتابته من حيث الصحة والفساد، فنقول أن ما كتب منذ تصدي المعارضون للعمل ضد النهضة العلمية ورجال الإصلاح لم يخرج عن دائرة الثلب والسباب، والكذب الفاحش وذم علوم الحياة والتشاؤم من تعليمها، وإذا تصفحت تلك الرسالة فلا تمر بك صفحة خالية من إحدى تلك الخلل الذميمة، ولا تجد انتقادا صحيحا ولا فكرة حسنة، ولا فائدة علمية، ولا عبارة راقية تستميل النفس، اللهم إلا ما دل على فراغ وطاب الكاتب وتجرده من التربية الفاضلة والعلم الصحيح، وما يدل على خبث النفس والانسلاخ المبين.
لقد أجاد القاضي الجرجاني في تقسيمه أهل النقص إذ قال: أهل النقص رجلان: رجل أتاه التقصير من قبله، وقعد به عن الكمال اختياره، فهو يساهم الفضلاء بطبعه، ويحنو عللا الفضل بقدر سهمه، وآخر رأى النقص ممتزجا بخلقته ومؤثلا في
تركيب فطرته، فاستشعر اليأس من زواله، وقصرت به الهمة عند انتقاله، فلجأ إلى حسد الأفاضل، واستغاث بانتقاص الأماثل، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته لوستر ما كشفه العجز عن عورته، (1/170)
صفحة 171
اجتذابهم إلى مشاركته ووسمهم بمثل سمته وقد قيل:
وإذا أراد الله نشر فضلية
طويت أتاح لها لسان حسود
صدق والله وأحسن، كم من فضيلة لو لم تستثرها المحاسدة، لم تبرح في الصدور كامنة، ومنقبة لو لم تزعجها المنافسة لبقيت على حالها ساكنة، لكنها برزت فتناولتها ألسن الحسد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها، وتشهرها وهي تحاول أن تسترها، حتى عثر بها من يعرف حقها، واهتدى إليها من هو أولى بها فظهرت على لسانه في أحسن معرض، واكتست من فضله أزين ملبس، فعادت بعد الخمول نابهة وبعد الذبول ناضرة، وتمكنت من بر والدها فنوهت بذكره، وقدرت على قضاء حق صاحبها فرفعت بقدره، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
إن الفضل له آثار ظاهرة وشواهد باقية، لايتناولها تنقيص بالاستحقار ولا زراية واستصغار
بنقصك أهل الفضل بان لنا
أنك منقوص ومفضول
فالكتابة متى كانت خالية من علم يستفاد أو حكمة ترتاد أو راى صائب أو نسج بديع رائق فلا حظ لها من القبول، وإنما تعد من قبيل الفضول، أما إذا كانت هجرا وفحشا فنصيبها الرد والامتهان، ولصاحبها المقت والشنآن. (1/171)
صفحة 172
وإليك ما اشتملت عليه تلك الرساله من النقائص الفادحة والغباوة:
أولا – ألفاظ الشتم والاختلاق وطعن الأعراض والبهتان، ولا أعظم فرية من قوله (تفضيل علومهم على القرآن) ودعوى نكران سد يأجوج وانكار هذا الجنس وقد رأيت ما فيه.
ثانيا – الاستدلال بما هو حجة على نفسه لو كان يعقل، كقوله نقلا (يا أيها الكفلاء تعاهدوا إلخ، اجتمعت كلفة العقلاء إلخ) وكقوله (ولمن انتصر بعد ظلمه) الآية وقوله - عليه الصلاة والسلام - (أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل أوزار من اتبعه) الحديث ولا أضل ممن يدعو إلى نبذ العلم والرضى بالجهالة.
ثالثا – تناقض الكلام، فهو أخرق من ناقضة غزلها، بينما هو يذم الجغرافياوالهندسة وحوادث الجو وغيرها من العلوم، ويعبر عنها بالعلوم المذمومة إذا هو يقول نقلا ورب قائل يقول إن بعض جماعات الأمة الإسلامية في أشد الاحتياج إلى تقدم الفنون والعلوم المناسبة للعصر الحاضر .... إلخ ثم ذم طريقة العصر في التعليم بقوله
(ما أنكرنا عليهم إلا الأسلوب الذي اخترعوه) مع أنه لايوجد أسلوب غير الطريقة النظامية، ثم قال مناضلا عن نفسه (وادعاء (1/172)
صفحة 173
هذا ........ إنكاره التعلم على الأسلوب مجازفة)
رابعا – ضعف التأليف ورداءة التعبير، كالتكرار الممل لغير فائدة، وتتابع الإضافات مثل (إلقاء بذر فتنة شعوب وطنهم) ومثل (مقالة ألقاها – وإنشاء الشقاشق الهدرية – والتيس النطوح وأمته الوطنية) وكثير من هذه السخافات التي يمجها السمع قبل الذوق.
خامسا – الخروج عن الأساليب العربية تارة باستعمال غير المشهور بين أهل العلم كإتيان النكرة من المضاف له بدون شرط الحال من شروطه، ونعت النكرة بالمعرفة مع وجوب التطابق، ولا يصح القطع لعدم تعيين المنعوت وتعدد النعوت، وتارة بما ليس بصحيح مثل يأخذون عليهم وصوابه يأخذون منهم، وقيامهم عليهم وصوابه قيامهم بهم، فينجر ذلك إلى تفرق كلمة الأمة صوابه فيجر، وتصغير توقيف صوابه تحقير إلخ لكن ليس الكريم من استقصى.
سادسا – ارتكاب مفاسد لغوية، مثل واقدها، وصوابه موقدها؛ لأن وقد يتعدى بالهمزة كقوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة / 64)
ومثل يورث لهم صوابه يورثهم.
(كل من يدعي بما ليس فيه
كذبته شواهد الامتحان)
ثم ماذا يرى في تلك الكبائر من الشتم الطعن في العرض بالظن (1/173)
صفحة 174
والكذب، أهي طاعة؟ فالله لا يعبد بالشتم، ومن تقرب إلى الله بالمعصية كفر، لما فيه من الاستخفاف بالمولى عز شأنه، أم معصية؟ فتعمد ارتكابها، ففي كلا الحالتين من الخاسرين.
كم رأينا مأساة بما كسبت أيدي الذين أجرموا وتجرع الشعب من مضض العسف والجور، وقاسى كثيرا آلآم الاضطهاد، وهناك من الذين نعدهم في زمرة المفكرين، وفي مقدمة المصلحين، يوجهون سهام الانتقاد المر إلينا عن مخبات ذوي الحيف والعناد بعد ما بلغ السيل الزبا.
ومن عجب الأيام أني على الهدى
ألام وغيري بالضلالة يحمد
فقد تبين الرشد من الغي، وانكشف الغطاء عما كان خفيا، فهل أنتم منتهون؟ (1/174)
صفحة 175
الخاتمة
لقد مرت على الشعب أطوار المحنة والبلاء، وصنوف الإرهاق ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وانتهز تلك الظروف العصيبة كل ذي كيد، فطعن برمحه كيف شاء، طعنة نجلاء فهل تركت هذه المحن في النفوس أثر الموعظة؟
إن شعبنا كسائر شعوب الشرق له قوى ومواهب، وإنا لنأسف لضياعها، وإن استخدمت ففي يسي، ر أولا يحسن استخدامها لفقدان المعارف، وإنك لترى أناسا يرضون بالتافه وفي مقدرتهم أن يكونوا على أحسن حال بما منحهم الله من قوة الذكاء واستعداد النفس لأي عمل جليل، وقد رأينا الأوروبي كيف يبذل قواه لأن يكون على أكمل صفة من العلم والرفاهية والمجد وهو في بلاد غيره، ونحن نرى أنفسنا كالغرباء في بلادنا، نخشى تناول أحقر شيء وأيسره، ولو وجدت هذه الطباع في شعب من الشعوب السائدة في العالم لما قامت لهم حضارة ولا شاهدنا منها تلك الآثار الباهرة والأعمال الفاخرة.
فلتتوجه الأمة إلى واجبها من العلوم والعمل، ولتنبذ الجمود وأهله ولتتعظ بالشعوب الأجنبية في العمل الصالح لها، ولا (1/175)
صفحة 176
يتسنى لنا والحالة كما نشاهد أن نسير مع أوهام وخيال، ولا أن نعمل بفكرة الجامدين أمام سفور الحقيقة، فإنه لا حياة لشعب بدون المعارف واكتساب الكمال، فقد بين تعالى في كتابه الذي لا يمسه إلا المطهرون مزية العالم على الجاهل آية لقوم يوقنون، فقال عز شأنه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (الزمر / 9)
هذا ما ندعو إليه ويدعو إليه الصادقون الذين شعارهم (الحق قبل كل شيء) لا ما يقول الغربيون: المصالح قبل كل شيء، كل يعمل على شاكلته.
هذا آخر ما تيسر لنا، والحمد لله أولا وآخرا، ونستغفره من الزلل ونستمنحه الهداية والتوفيق، ونستعينه على خدمة العلم والدين، لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، والحمد لله رب العالمين. (1/176)
صفحة 177
فهرس
خطبة الكتاب
ديباجته
أسباب التأليف
تقسيم إملاء المعارض
مسلكنا في نقض دعواه
مقدمة
أعمال الجهابذة في عهد التدوين
نتيجة الجهل في الأمة
المسلك الذي توخاه الناهضون
أسباب فقد الأمة لعزها
ألق بنظرة إلى العالم
أمرنا الله بالكون مع الصادقين
التلاميذ ليسوا بمعزل عن تعلم دينهم
ما يتلقونه من الصفات الجميلة
تأثير التأمل في القرآن
الكلام على الفلسفة الصحيحة (1/177)
صفحة 178
تقسيم الفلسفة
ترجمة العلامة الجيطالي
تقسيم الفنون باعتبار الأحكام الخمسة
ترجمة نور الدين السالمي
ترجمة شمس الدين أبو يعقوب
ترجمة البدر الشماخي
ترجمة ضياء الدين الثميني
توسع أهل العصر في معنى الفلسفة
توسع المتأخرين في فنون الفلسفة
المسلم لا يعتقد تأثير الطبيعة
من الناس من اهتدى إلى الاعتراف بالله بالبحث في الطبيعة
الكلام على الفنون الحديثة
تكالب أوروبا على الشرق
هلاك الأمة بترك سنة الله في الكون
الدين أساس السعادة
فن التاريخ وفوائده وآثاره في النفس
انقسامه إلى أثري وروائي
فن الجغرافية وفوائده وآثاره في الأمم والأفراد (1/178)
صفحة 179
الكلام على كروية الأجرام الفلكية
فن الهندسة وفوائده
فن الطبيعة وفوائده
الكلام على آية (وأنزلنا الحديد) ومنافع الحديد
فن الكيمياء وفوائده واحتياج الفقيه إليه
علم النبات وأقسامه وفوائده
العلوم الرياضية وفوائدها
اللغات الأجنبية وشدة الحاجة إليها ونتيجة فقدانها
أعمال دعاة المسيحية في بلاد الإسلام
الإنشاء وفوائده وآثاره في النفس
الكلام على الصحافة
علم تهذيب النفس
الكلام على قوى النفس
الكلام على الفطرة والأراء فيها
أبو الطيب المتنبي
أبو العلاء المعري
المكاييل والمقاييس
الكلام على الفنون إجمالا (1/179)
صفحة 180
اشتمال القرآن على الفنون
ترجمة حبر الأمة رضي الله عنه
الكلام على علم النفس
اشتمال القرآن على ما في الكون
ترجمة عبد الله بن مسعود
أسرار القرآن
الكلام على قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم) الآية
المسلم مثال لمحاسن الإسلام
الحكمة ضالة المؤمن
الكلام على التعليم
الكلام على الفصاحة والبلاغة وتأثيرهما
وجوه إعجاز القرآن
الكلام على الخمول والذل
ترجمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
تمكن الأهواء في النفوس الفاقدة للحكمة والأدب
الكلام على اللذائذ المباحة
سبب نزول آية (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)
ترجمة قطب الأئمة الشيخ اطفيش (1/180)
صفحة 181
العقلاء في كمال الذات على قسمين
الكلام على تعليمه عليه الصلاة والسلام للصحابة
جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -
الكلام على الجمود وآثاره في النفوس
الكلام على تضليل العاملين لإسعاد الأمة ورده
الكلام على السلف وآثارهم
القول في تفضيل عصر النبوة على غيره
وعيد السعاية وذكر ما حدث في المسلمين من ذميم الخصال
ليس من الإسلام في شيء من يخذله
ترجمة أبي نصر فتح بن نوح
الإسلام سعادة للبشر يؤيد بصالح العمل
مظهر الحرية في الأمم
مختلقات للتهويش وإثاره الخواطر والرد عليها
الكلام على التفقه في الدين ومعنى الفقه
آية (وما كان المؤمنون لينفروا) تفيد سبعة أمور
فوائد السفر
الكلام على علم الفقه
سعادة الأمة في توزيع العلوم بين الأفراد (1/181)
صفحة 182
بيان حقيقة – الكلام على السماوات
الرد على القائمين بأن السموات أجرام معدنية
علم الفلك وبراعة المسلمين فيه قديما
الاكتشافات العلمية وأخبار القرآن بها
الكلام على يأجوج ومأجوج
الكلام على النفس العاقلة وسياستها
النفوس التي لم تهذبها التربية
ترجمة ابن مسكويه
واجب الامة
تقسيم العلوم إلى الوجوب العيني والكفائي
المفكر يفوز بأمرين عظيمين
أسباب شقاء الأمة
القوة نتيجة اجتماعية
القول في الاتحاد
كلمة في الأخلاق
ترجمة البدر التلاتي
انتقاد – أهل النقص رجلان
خطأ المعارض في ستة أنواع
الخاتمة (1/182)
صفحة 183
جدول الأخطاء و الصواب
[صفحة لم ترقن] (1/183)
صفحة 184
[صفحة لم ترقن] (1/184)