صفحة 1
الكتاب: الدعوة ماضيا وحاضرا ومستقبلا لمصطفى شريفي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رَبِّ العالمين والصلاة والسلام عَلَى رسول الله
مداخلة: الدعوة ماضيا وحاضرا ومستقبلا
1- ماضيا: نماذج من الدعاة الإِبَاضِيِّين.
... ... - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
... ... - أبو عبد الله محَمَّد بن بكر.
... ... - أبو الحسن علي بن يخلف بن يخلف الدرجيني
... ... - أبو إسحاق اطفيَّش وأبو اليقظان والشيخ بيوض.
2- حاضرا: نماذج من التهاون في الدعوة.
... ... - نموذج للدعوة (الخروج): الإيجابيات - السلبيات.
... ... - تجارنا والدعوة.
3- مستقبلا: آفاق الدعوة:
... ... - وسائلها المعاصرة: الفضائيات - برامج الكمبيوتر (الأقراص المدمجة) - الأنترنت.
مصطفى بن محَمَّد شريفي
عشيرة آل بولحية
عشية الجمعة: 19 جمادى الثانية 1422هـ
7 سبتمبر 2001م
مقدمة
لَمَّا طلب مِنِّي بعض الإخوان المشاركة بمداخلة في موضوع الدعوة، وجدتني محرجا، لعدة أسباب:
1- لأَنَّ الموضوع واسع يحتاج إِلىَ دراسة وافية مستفيضة لا تسعه مداخلة في بضع دقائق. والتحضير له يحتاج إِلىَ وقت كافٍ، ومدة أقل من 10 ساعات غير كافية لِذَلِكَ.
2- لأَنَّ مصادر الموضوع تعوزني في هَذَا الظرف، والوقت لا يسمح بالعودة إِلَيْهَا.
3- لأَنَّ بعض جوانب الموضوع حساسة تحتاج إِلىَ الدقة في استعمال العبارات والألفاظ...
وَلَكِن مهما يكن فما لا يدرك كُلُّه لا يترك جلُّه.
مدخل:
أ- الدعوة في القرآن الكريم: (1/1)
صفحة 2
إِنَّ االدعوة من الواجبات التي أمر الله بها في القرآن الكريم، ويكفي للتدليل عَلَى أَنَّ من أولى الآيات نزولا قَوله تَعَالىَ: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} (المدثر: 1-2) ، ثُمَّ أمره بدعوة الأقارب فقال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214) ، {فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الحجر: 94) ، وبيَّن له طريقة الدعوة إِلىَ الله، فقال: {ادْعُ إِلَىا سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) .
هَذَا بالإضافة إِلىَ الآيات الكثيرة في القرآن الكريم الداعية إِلىَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أكثر من أن نحصرها في هَذِهِ العجالة، ونكتفي بذكر بعضها:
- قَالَ تَعَالىَ: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ, أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) .
- وقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران: 110) .
- ولعن الله الذين لا يأمرون ولا ينهون فقال: {لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِنم بَنِي إِسْرَآءِيلَ عَلَىا لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمَ ذَالِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (المائدة: 78-79) .
- وقال: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ, أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71) . (1/2)
صفحة 3
- وقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىا مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنَ اَوْفَىا بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّآئِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّآئِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الاَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ} (التوبة: 111-112) .
- وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنصُرُهُ, إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ} (الحج: 40-41) .
- وقال عَلَى لسان لقمان: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} (لقمان: 17) .
ب- الدعوة في السنة النَّبَوِيَّة:
وقد عمل الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - بما أمره الله به، فدعا قومه سرا فجهرا، فرادى وجماعات، وناله من جراء دعوته ما ناله من الأذى، حَتَّى أمره الله بالهجرة، فواصل طريقه الدعوي، داخل المدينة، وبثَّ الدعاة في أطراف الجزيرة، وراسل الملوك والأمراء يدعوهم إِلىَ الإِسلاَم، وَهَذِهِ أمور معروفة في السيرة النَّبَوِيَّة.
أَوَّلاً - الدعوة في الماضي: نماذج من دعاة الإِبَاضِيَّة: (1/3)
صفحة 4
إِنَّ الإِبَاضِيَّة كانوا يسمون بأهل الدعوة، ولم يكونوا يطلقون عَلَى أنفسهم اسم الإِبَاضِيَّة إِلاَّ بعد القرن الثالث الهجري (وأولهم عمروس بن فتح في الدينونة الصافية، عند المغاربة)، وَهَذِهِ نماذج من الدعاة في مختلف العصور، من القرن الأَوَّل والثاني، إِلىَ الخامس والسادس، إِلىَ القرن الرابع عشر.
أ- أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة:
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي القفَّاف (ت ~: 145هـ/ 762م)، كان آية في الذكاء، أوتي المقدرة والكفاءة في التنظير، وحسن التدبير؛ سياسيٌّ محنك، وعالم جليل، عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب. أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد الأزدي، وعن كثير من الصحابة، كجابر بن عبد الله الأنصاريُّ، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن عَباس، وأبي سعيد الخدريُّ، وعائشة أمُّ المؤمنين. وطَّن نفسه على طلب العلم والاستفادة منه، فقد مكث في التعلُّم طالبا أربعين سنة، ثمَّ مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة أخرى.
ونظرا لنشاطه الدؤوب تعرَّضت له عيون الحجَّاج بن يوسف الثقفي، فأدخله سجنه، ولم يخرج منه حَتى هلك الحجَّاج سنة 95هـ/713م، فأفرج عنه ليعود إلى نشاطه العلميِّ والدعويِّ. تولَّى الإمامة العِلمِيَّة وَالسِّيَاسِيَّة للإباضية بعد جابر بن زيد، إذ أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة، بعيدا عن عيون بني أمية. وإمعانا في التمويه ادَّعَى صنع القِفاف وتعليمها حَتى سُمِّيَ بالقفَّاف. شكَّل شبه حكومة سرِّية، تولَّى فيها بنفسه مهامَّ شؤون الدين والدعوة. (1/4)
صفحة 5
وَفي مدرسة السرداب البصرية تخرَّج مشاهير أَيمة الإباضية ودعاتها، أمثال: الربيع بن حبيب الفراهيديِّ، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي يزيد الخوارزميِّ، وأبي حمزة المختار بن عوف الشاري، وعبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، والجلندَى بن مسعود، وسلمة بن سعد، وأبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمنيِّ، وكلُّ هؤلاء مشارقة. ومن المغاربة: عبد الرحمن بن رستم، وإسماعيل بن درار الغدامسيِّ، وأبو داود القِبِلِّي النفزاويُّ، وعاصم السدراتيُّ.
عرفت الإباضية تحت إمامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لأوَّل مَرَّة في تاريخها نشأة دولها في المغرب والمشرق، كدولة طالب الحقِّ باليمن والحجاز، ودولة الجلندَى بن مسعود في عُمان، ودولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح في ليبيا...
ب- أبو عبد الله محَمَّد بن بكر:
هو أبو عبد الله محمَّد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي (و: 345هـ/ 956م - ت: 440هـ/ 1049م) أحد أقطاب الإِباضِيَّة في المغرب، ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين.
أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه فرسطاء، ثمَّ تنقَّل بين عدَّة مدن: القيروان، وجربة، والحامة، عند الشيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مِسوَر، وفي الحامَّة عند شيخه أبي نوح سعيد بن زنغيل
اعتمد أبو عبد الله على نفسه في توفير قوته، فلم يشغله العمل العلمي والاجتماعي عن السعي لكسب الرزق بكدِّ يمينه، فقد اتخذ لنفسه غنماً وماشية يتنقَّل بها بين عدَّة مناطق، متتبِّعا مصدر الكلأ، مثل نفوسة، ووادي سوف، ووادي أريغ، ووادي ميزاب. كما كان يملك ضيعات كثيرة. (1/5)
صفحة 6
تميز أبو عبد الله بتأسيسه لنظام حلقة العزَّابة، وكانت المبادرة لوفد من طلبة جربة، التقوا بالشيخ وهو في طريقه إلى قصطيلية، وبلَّغوا إليه وصية شيخهم وشيخه أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بأن يطلبوا منه تأسيس حلقة للعلم، فأبى أوَّل الأمر، وبعد إصرارهم وإلحاحهم الشديد لم يتركوا له بدًّا من القبول؛ فاشترط عليهم مهلة أربعة أشهر ليرتِّب فيها نظاماً محكماً ودقيقا للتسيير الحسن للحلقة، فوافقوا. وساعده في التنظير والتخطيط أستاذه فصيل بن أبي مسور، ولذلك عرف هذا النظام بـ«السيرة المسورية البكرية». ثمَّ شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أوَّل حلقة له بغار في «تين يسلي»، وهي «بَلْدَة اَعْمَر» بالقرب من مدينة تقرت، وذلك سنة 409هـ/1018م.
لم يحصر أبو عبد الله هدفه في مجرَّد التعليم الديني النظري فحسب، وإنما سعى إلى غرس مبادئ الإسلام في طلبته، على أنه منهج حياة، لا فصل فيه بين العلم والعمل، ولا بين النصِّ والواقع.
ولذلك كان الشيخ كثير السفر مع طلبته في المغرب الإسلامي، من نفوسة شرقا إلى وادي ميزاب غرباً، يتعلَّمون ويعلِّمون الناس أمر دينهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونذكر من بين المناطق الكثيرة التي استقرَّ فيها بحلقته: تين يسلي، قصطالية، طرابلس، لماية، جربة، تفاجالت، وادي أريغ، وغلانة، قنطرارة، وارجلان، بادية بني مصعب. ولهذا عرف الشيخ عند العَامة بـ: «سيدي محمَّد السايح».
وقد ضبط قوانين وأنظمة صارمة لتسيير الحلقة، فقسَّم العُزَّاب إلى ثلاث مجموعات هي بمثابة المراحل التربوية المعروفة في عصرنا: الأصاغر والأواسط والأكابر. كما نظَّم مجلسا للنساء، يتعلَّمن منه، ويستفتينه في أمور الدين والحياة، ومن العالمات اللائي تخرَّجن على يده: أمُّ البخت وأختها. (1/6)
صفحة 7
ولم يكتف الشيخ بالجانب العلمي، فقد كان بمثابة الإمام في جميع الأمور والأحكام، وفي أخصِّ الأحوال الشخصية والعائلية والاجتماعية. فعلَّم تلاميذه الاعتناء بشؤون المجتمع، وتبعوه في سيرته، وورثوا مبادئ هذا النظام المحكم وورَّثوه للأجيال من بعدهم.
أسلوبه في الإصلاح: اتبع الشيخ أسلوب الأسفار والتنقُّلات، التي يتعرَّض فيها الطلبة للشدائد والمحن، ويبلون البلاء الحسن، ليعرف الغثَّ من السمين، والحجر من الإبريز، ويوجِّه كلاًّ إلى ما يصلح له: فمنهم من يصلح للقيادة الدينية، ومنهم من يخصَّص للتعليم، ومنهم من لا يصلح إلاَّ لنفسه. وكان الشيخ يعتمد على أسلوب فريد للإقناع والحجَّة، بالاستعانة بالأمثال الواقعية للإفهام والتغيير. حفظت كتب السير كثيرا منها.
من منجزاته: بناؤه لمسجد فرسطاء، إسكات فتنة الفرقة السكاكية، إصلاح قبيلة بني ورزمار، إقناع سكَّان بلدة «أغرم نتلزضيت» بالمذهب الإباضي، وقد كانوا قبل على الاعتزال.
تلاميذه: يعدُّ تلاميذ الشيخ بالمئات، من بلدان شَتى، منهم: زكرياء ويونس ابنا أبي زكرياء، وابنه أبو العباس أحمد، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي كان رديفه في سلسلة نسب الدين.
صفاته: قال عنه محمَّد بن أبي صالح النفوسي: «فيه خمس خصال قليلة في غيره من أهل العصر: عالم، ورع، عابد، سخي، شجاع، من ذروة نفوسة».
ج- علي بن يخلف الدرجيني: (1/7)
صفحة 8
هو أبو الحسن علي بن يخلف بن يخلف الدرجيني (حي في: 575هـ/ 1179م) من أعلام درجين ببلاد الجريد، جنوب تونس، جدُّ أبي العباس أحمد الدرجيني صاحب الطبقات. كان من كبار التجَّار إلى بلاد السودان الغربي، وصل إلى مالي وغانة. هو السبب في هداية ملك مالي إلى الإسلام سنة 575هـ/ 1179م نظرًا لعلمه وفقهه، وذلك عندما طلب منه هذا الملك أن يدعو ربه لينزل من السماء مطرًا، بعد أن أصابهم قحط شديد، فاستغاث لهم عليُّ بن يخلف بصلاة الاستسقاء، فسقطت الأمطار، وعمرت الوديان والأنهار، فآمن الملك ورعيَّته من بعده.
د- أبو إسحاق اطفيَّش وأبو اليقظان والشيخ بيوض:
هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف، اطفيَّش (و: 1305هـ/ 1886م ت: 20 شعبان 1385 ه / 26 ديسمبر 1965م)، عالم من بني يسجن بميزاب، أخذ مبادئ العلم بمسقط رأسه عن عمِّه قطب الأيمَّة، وعن الحاج إبراهيم زرقون، ثمَّ توجَّه إلى الجزائر العاصمة، وتتلمذ على يد الشيخ عبد القادر المجاوي، ثُمَّ سافر إلى تونس ليستزيد من العلوم العقلية عن الشيخ محمد بن يوسف الحنفي، والعلاَّمة الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير. وتحمَّل مسؤولية الإشراف على البعثة العِلمِيَّة الميزابية... واقتحم ميدان السياسة أوان تأسيس حزب الدستور التونسي، مع الشيخ صالح بن يحيى، سنداً لعبد العزيز الثعالبي، طيلة: 1338-1339هـ/ 1919- 1920م». أصدرت فرنسا ضدَّه حكم الإبعاد عن تونس في فيفري 1342هـ/ 1923م، فاختار التوجُّه إلى القاهرة، فاستقرَّ بها، وشرع في أداء رسالته ونشاطه، في التأليف والتحقيق والطبع والفتوى، ففي الصحافة: أصدر مجلَّة «المنهاج» بين سنة 1344هـ/1925م و1349هـ/ 1930م. وحقَّق عِدَّة أُمَّهَات للإباضية وغيرهم، مثل: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» للسالمي، ثلاثة أجزاء من كتاب «شرح النيل» للقطب. (1/8)
صفحة 9
وفي جوان 1359هـ/1940م أسندت إليه وزارة الداخلية مهمَّة الإشراف على قسم التصحيح بدار الكتب المصرية، وكان من أجلِّ أعماله فيها، اِنكبابه على تصحيح وتحقيق أجزاء من كتاب «الجامع لأحكام القرآن» في التفسير للقرطبي، وكذا تصحيح كتاب محمد فؤاد عبد الباقي «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم». وله تهميشات وردود على بعض مقالات المستشرقين في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية، ومراسلات علمية قال عنها أبو اليقظان: «لو جمعت لكوَّنت مجلَّدات ضخمة».
وفي التأليف: ترك لنا: «الدعاية إلى سبيل المؤمنين»، في الدعوة والفكر، «موجز تاريخ الإباضية»، ورسالة «الفَرْق بين الإباضية والخوارج».
وفي الفتوى كان مرجعاً هاما في الفتوى وعلوم الشريعة الإسلامية، وله إلمام شامل بالمذاهب الفقهية، وتضلُّع أكثر في المذهب الإباضي.
وفي السياسة والعمل الإسلامي: كانت له صِلات متينة بالحركات الإسلامية، عمل في صفوف بعضها مؤسِّسا أو مؤازراً أو مشاركاً، نذكر منها مشاركته في: تأسيس جمعية الهداية الإسلامية، التي يترأَّسها زميله الخضر حسين التونسي. نشاطه في جمعية الشبَّان المسلمين، إذ كان بينه وبين الشهيد حسن البنا علاقات وطيدة. وقد أَسندت إليه وزارة الأوقاف مهمَّة الإشراف على الأوقاف الإباضية بمصر. وكانت لأبي إسحاق مساهمة فعَّالة في الثورة العمانية، فقد كان عضوا نشطا في مكتب إمامة عمان بالقاهرة، واختاره الإمام غالب بن علي العماني، ممثّلاً رسمياً لعرض قضية عُمان في هيئة الأمم المتحدة، وسافر لأجل ذلك إلى أمريكا لحضور اجتماعات مجلس الأمن، والدفاع عن القضية العمانية.
وكانت له رحلات كثيرة ومفيدة، منها: رحلته إلى زنجبار (تنزانيا)، وأخرى إلى نفوسة بليبيا؛ وإلى القدس حيث كان ممثِّلا لإباضية المشرق في المؤتمر الإسلامي بها؛ وأخرى إلى مسقط رأسه ميزاب. (1/9)
صفحة 10
علاقاته مع الشخصيات الكبرى: تربط أبا إسحاق علاقات وطيدة مع الداعية محبِّ الدين الخطيب، وكذا الشهيد سيد قطب، والعلاَّمة محمد رشيد رضا، والشهيد حسن البنا، وغيرهم كثير من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر. وكان ذا مكانة عظيمة في نفوسهم رغم اختلافهم معه في المذهب.
هـ- إبراهيم بن عمر بيوض
(و: 11 ذو الحجة 1313هـ/ 21 أفريل 1899م - ت: الاربعاء 8 ربيع الأوَّل 1401هـ/ 14 جانفي 1981م)
ولد العلاَّمة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض بمدينة القرارة، وبها تعلم وحفظ القرآن وانضم إِلىَ حلقة إِروَان. أخذ العلم عن: الحاج إبراهيم البريكي، وأبو العلا عبد الله، والشيخ الحاج عمر بن يحيى. في سنة 1921م خلف شيخه في رئاسة وتبنِّي الحركة العلمية والنهضة الإصلاحية. وبعد سنة واحدة دخل عضوا في حلقة العزَّابة، وما فتئ أن عيِّن شيخا للتدريس والوعظ بالمسجد، ثمَّ انتخب حوالي 1940م رئيسا لمجلس العزَّابة. وفي يوم 18 شوال 1343هـ/ 21 ماي 1925م أسَّس معهدا سمَّاه معهد الشباب، للتعليم الثانوي، مركِّزا على الثقافة الإسلامية والعربية والعلوم المعاصرة، وهو المعروف بمعهد الحياة إلى يومنا هذا، اتخذ شعاره: «الدين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد». في سنة 1931م افتتح درس الحديث الشريف من «فتح الباري، شرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني، واختتمه بحفل علمي بهيج سنة 1945م، وكانت تحضره كلُّ فئات المجتمع بالمسجد؛ وقبل ذلك «شَرْح مسند الإمام الربيع بن حبيب» لنور الدين السالمي، معتمد الحديث عند الإباضية. وشرح عِدَّة كتب في أصول الفقه واللغة والبلاغة والأدب والمنطق.
وفي غرَّة محرَّم سنة 1353هـ/ ماي 1953م افتتح درس تفسير القرآن الكريم من فاتحته، واختتمه يوم 25 ربيع الثاني 1400هـ/ 12 فيفري 1980م. (1/10)
صفحة 11
وفي سنة 1931م شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وساهم في صياغة قانونها الأساسي، وانتخب عضوا في إدارتها الأولى، فأسندت إليه نيابة أمين مالها. وفي سنة 1937م أسَّس جمعية الحياة بالقرارة، رائدة النهضة العلمية الإصلاحية بالجنوب الجزائري.
دخل معترك الحياة السياسية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، وكان محور النشاط الثوري بميزاب بعامة والقرارة بخاصة، يديره مباشرة بنفسه، وبواسطة أبنائه الشباب من تلاميذه.
وكان يؤمن بأنَّ الكفاح لا يقتصر على رفع السلاح وحده، وإنما يتكامل ببناء النفوس وإعدادها لتحمُّل المسؤولية والرسالة في المستقبل.
في سنة 1963م أحيى نشاط مجلس عمِّي سعيد (الهيئة العليا لمجالس عزَّابة وادي ميزاب) فانتخب رئيسا له إلى يوم وفاته.
و- إبراهيم بن عيسى، حمدي أبو اليقظان:
(و: 29 صفر 1306 هـ / أوائل نوفمبر 1888م ت: 26 صفر 1393 هـ / 30 مارس 1973م) من العلماء الأعلام في القرارة بميزاب، تعدَّت شهرته الحدود الوطنية؛ بدأ مشواره العلمي بالكتَّاب في مسقط رأسه بالقرارة، حيث حفظ القرآن، واستظهره عند الحاج إبراهيم بن كاسي، ثم درس في معهدَيْ الشيخ الحاج عمر بن يحي، والشيخ الحاج إبراهيم الابريكي. ثُمَّ انتقل إلى معهد قطب الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، في بني يسجن بميزاب سنة 1325 هـ / 1907م، وكان من أبرز تلامذته. ثُمَّ انتقل إِلىَ تونس، حيث جامِع الزيتونة العامر، وذلك سنة 1330 هـ / 1912 م، فانتسب للزيتونة ورأَسَ أوَّل بعثة علمية جزائرية ميزابية بتونس؛ ثمَّ عاد إلى الجزائر في بداية الحرب العالمية الأولى؛ وبعدها رأَسَ البعثة مرَّة أخرى من سنة 1917م إلى غاية 1925م. (1/11)
صفحة 12
وقف إلى جانب الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض في بداية مراحل حركته الإصلاحية، وعمل على تطوير معهد الحياة. وهو بالإضافة إلى هذا من الأعضاء الإداريين المؤسِّسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. اُنتخب مرارًا في إدارة هذه الجمعية، إذ تولَّى نيابة أمانة المال.
ويعتبر شيخ الصحافة الجزائرية المجاهدة، أصدر ثماني جرائد وطنية إسلامية باللغة العربية، فيما بين 1345-1357هـ/1926-1938م ، أسقطها الاِستعمار الفرنسي واحدة تلو الأخرى، وهي على التوالي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.
الخلاصة:
- إِنَّ جهود الدعوة عند الإِبَاضِيَّة لم تنقطع منذ نشأة المذهب الإِبَاضِيِّ إِلىَ وقتنا الحاضر.
- إِنَّ الشيوخ الثلاثة (الإبراهيمين) إبراهيم اطفيَّش، وإبراهيم أبو اليقظان، وإبراهيم بيوض، كانت جهودهم متكاملة، وباستراتيجية محكمة، فَالأَوَّلُ اتجه إِلىَ إحياء التراث تحقيقا ونشرا وتأليفا، والثاني اتجه إِلىَ وسيلة إعلامية فعالة في عصره، وهي الصحافة، والثالث اتجه إِلىَ المجتمع أساسا، مصلحا اجتماعيا عظيما، لا نزال نتنسَّم عبير إصلاحاته إِلىَ اليوم. وَهَذَا التكامل هو المطلوب اليوم من الطبقة المثقفة، فلا تناقض ولا تنافر بين الاتجاهات، والوسائل إذا كانت الغاية واحدة: الدعوة إِلىَ الله.
ثانيا- الدعوة في الوقت الحاضر:
أ- مظاهر من التهاون في الدعوة:
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صار وَكَأَنَّهُ من مهام العَزَّابَة فقط، أَو المُعَلِّم في المدرسة فقط لا خارجها. (1/12)
صفحة 13
- السكوت عن المنكر خوفا من اللوم: يَمُرُّ أحدنا بشباب بل وأطفال يسبون الدين أو الوالدين ولا يحرك ساكنا خوفا من لوم والديهم أَو من الاستهزاء والسخرية به، وَلَكِن عَلَى المسلم أن يكون كما قال الله تَعَالىَ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآَئِم} (المائدة: 54) .
- إعطاء القدوة السَّيِّئَة لِهَؤُلاَءِ الأطفال كعدم التحكم في ألسنتنا، وتعليمهم البذاءة في القول والشتم وسوء الأدب مع الكبار، وَلاَ بُدَّ من التفريق بين تعليم الصغار الذكاء والفطانة وبين تعليمهم سوء الأدب وَقِلَّة الاحترام.
ب- تجَّارنا والدعوة:
إِنَّ التاريخ يعرض علينا نماذج كثيرة لبلاد انتشر فيها الإِسلاَم عن طريق التجار فقط، وَذَلِكَ بالمعاملة الحسنة، ولا شَكَّ أَنَّ هَؤُلاَءِ التجار قد كانوا يبذلون جهودا كبيرة لإقناع الناس بهذا الدين، وقد رأينا مثالا من ذَلِكَ في شخص علي بن يخلف الدرجيني. وَلَكِن هل تجارنا الآن في مستوى الدعوة إِلىَ الله، بإعطاء القدوة الحسنة أَوَّلاً، وبدعوة أقرب الناس إليهم، وهم الأجراء، ثُمَّ للناس الآخرين؟ أين نَحْنُ من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (1) ؟. إِنَّ الكثير مِنَّا انشغل بِمُجَرَّدِ جمع المال، بدون بذل مجهود في الدعوة، بل هم أنفسهم في حاجة إِلىَ الدعوة، «فاقد الشَّيْء لا يعطيه».
ج- نموذج للدعوة (جماعة الدعوة والتبليغ):
__________
(1) - ... رواه البخاري: كِتَاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم عَلَى يديه رجل، رقم 2847. ج3/ص1096. (1/13)
صفحة 14
إِنَّنَا اليوم إذا نطقنا بكلمة الدعوة انصرفت أذهاننا مباشرة إِلىَ جماعة الدعوة والتبليغ (الخروج)، وَهَذَا فهم قاصر، فقد رأينا فيما سبق أَنَّ الإِبَاضِيَّة كانوا يسمون بأهل الدعوة، ورأينا نماذج من دعاة الإِبَاضِيَّة في القديم والحديث. وبما أَنَّ الكثير لا زالوا تائهين بين التأييد أو التنديد بالجماعة، فهم يتساءلون: ما الموقف الذي يجب اتخاذه تجاههم؟.
ومحاولة للإجابة عن هَذَا التساؤل يمكن القول: إِنَّ جماعة الدعوة والتبليغ كأيِّ تنظيم دعويٍّ له إيجابيات وسلبيات.
1- الإيجابيات :
- الدعوة إِلىَ العودة إِلىَ روح الإِسلاَم، واستحضار الله وعظمته في النفس في كُلِّ وقت، والاهتمام بالصلوات: الفرائض والنوافل، في الصباح والمساء وإقامة الليالي وفي الخلوات، الإكثار من ذكر الله في كُلِّ وقت (التعظيم والتسبيح والتهليل...).
- القُوَّة الروحية التي يبثونها في النفوس؛ فكان الواحد منهم لا يبالي بما يصيبه في سبيل نشر الدعوة، في نفسه أو ماله أو بدنه أو أهله. وَبِذَلِكَ يتميزون بعدم اليأس وتكرار الدعوة دون ملل.
- الدعوة الفردية: الاحتكاك بالمنحرفين فردا فردا، ومحاولة الإقناع بالحسنى.
- رَدُّ كثير من الشباب المنحرف إِلىَ الطريق السوي.
وَهَذِهِ أمور لا شَكَّ نَحْنُ في أَشَدِّ الحاجة إِلَيْهَا، فما أحوجنا إِلىَ أن نكون ربَّانيِّين في كُلِّ أعمالنا، نتذكَّر الله ونذكره في كُلِّ حركاتنا وسكناتنا، وما أحوجنا إِلىَ رَدِّ الشباب إِلىَ جَادَّة الطريق، وقد عبثت بهم الأهواء، ولم ينفع فيهم أي دواء.
2- السلبيات:
- قِلَّة الاهتمام بالتكوين العلمي، وبفقه الأولويات، ولاَ بُدَّ للداعية من تكوين علميٍّ يمكِّنه من التمييز بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ويوازن بينها، ويقدِّم الأَوْلى بالتقديم. (1/14)
صفحة 15
- اعتبار وسيلتهم المتبعة هي الوسيلة الأنجع والأنجح، بل هي عند بعضهم الوسيلة الوحيدة الصائبة، والأخرى مهما تكن فهي خاطئة، حَتَّى تجرَّأ بعضهم عَلَى الوعاظ في المنابر (رغم ما يبذله هَؤُلاَءِ من الجهد الكبير)، وَعَلَى المؤلِّفين وما يبذلونه من جهود مضنية في سبيل ذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ من يسدُّ ثغرة من ثغور الإِسلاَم في منصبه الإداري، أو السياسي، أو العلمي...
- الاهتمام بكتب معدودة لا يتعدَّونها إِلاَّ قليلا، وكثير منهم يصمُّون آذانهم عَمَّا يقوله غير المعتمدين لديهم. (1/15)
صفحة 16
- الاهتمام بالجانب الروحي في الإِسلاَم عَلَى حساب الجوانب الأخرى: السِّيَاسِيَّة والاقتصادية وَالاِجتِمَاعِيَّة، والإِسلاَم كلٌّ لا يتجزَّأ، وهو متعدِّد الجوانب، لاَ بُدَّ من ا لتكامل بينها «Il faut du tout pour fair un monde». لِذَلِكَ نجد بعضهم يحاول إقناع الناس بعدم جدوى التكسب والتعمير، وَالله تَعَالىَ يقول: {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15) ، وقال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَالِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (1) (الأعراف: 32) ، وقال: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (المزمل: 20) ، والعمارة ضرورية للحياة، وقد ورد في الأثر: «اعمل لدنياك كَأَنَّكَ تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كَأَنَّكَ تموت غدا» (2) ، ولا يخفى أَنَّ العمل من سنن الأنبياء جميعا، وَمِمَّا دأب عَلَيْهِ كبار الصحابة، فكان أكملهم إيمانا - أبو بكر الصدِّيق - من كبار التجار وأغناهم.
__________
(1) - ... وَبَقِيَّة الآية يصلح للردِّ عَلَى الجماعة: {قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الآية: 33) ، أليس اعتبار التكسب صنما من باب التقول عَلَى الله؟.
(2) - ... أورده القرطبي بلفظ: «احرث لدنياك...»، تفسير القرطبي، 13/314. (1/16)
صفحة 17
ثُمَّ إِنَّ التخلف التقني والحضاري يعود عَلَى الإِسلاَم بالضرر الكبير، إذ إِنَّ الغرب يعتبر الإِسلاَم سبب ذَلِكَ التخلف، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إِلىَ الله من المؤمن الضعيف» (1) ، وعن أنس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» (2) . وبهذا يكتفون بالأخذ بالأحاديث الداعية إِلىَ الزهد والتقشف والمسكنة، ويدَعون الأحاديث الأخرى كالتي ذكرناها.
__________
(1) - ... وَبَقِيَّة الحديث: «...وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، في كِتَاب القدر، باب الأمر بِالقُوَّةِ وتركِ العجز، والاستعانة بِاللهِ، ج4/ص2052.
(2) - ... قال الهيثمي: « رواه البزار ورجاله أثبات ثقات». مجمع الزوائد، 4/63. (1/17)
صفحة 18
- اللذة الروحية التي يجدها الخارج في سبيل الدعوة، تنسيه أهله (زوجه وأولاده) مِمَّا أَدَّى إِلىَ تضييع حقوق أسرهم والتقتير عَلَيْهِم في النفقة، وتركهم عالة يتكفَّفون عشائرهم وأقاربهم وجيرانهم، وَهَذَا مع الأسف ما لا يعترف به جماعتهم، مع أَنَّهُ واقع يعيشه أهل غرداية خُصُوصًا بمرارة. والغريب في الأمر أَنَّهُ إذا تَمَّت مساعدة تلك الأسر من قبل المجتمع قالوا: ألم نقل لكم {وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 2-3) ، وهو لا يعلم أَنَّ ذَلِكَ لم يكن سوى من تزيين الشيطان، لأَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (1) .
3- النتيجة:
نظام جماعة الدعوة والتبليغ كأيِّ نظام إنساني لا يخلو من إيجابيات وسلبيات، منبتها في الهند، وزعيمها الأَوَّل: محَمَّد إلياس الديوبندي، لاَ بُدَّ من الاستفادة من بعض إيجابياتها، وَلاَ بُدَّ من تجنُّب سلبياتها، ولكي ينجح هَذَا النظام، ويؤتي ثماره لاَ بُدَّ من تكييفه وفق ظروف المجتمع، ومسايرة الأنظمة والهياكل الاِجتِمَاعِيَّة للمنطقة، أَمَّا أن يؤخذ بحذافره كما هو في بيئته الأَصلِيَّة فَهَذَا من الخطأ البيِّن. ونؤكد هنا عَلَى ضرورة التكامل بين أنظمتنا العرفية العريقة، وَهَذِهِ الجماعة، بدل التصدي لها بالعاطفة ودون مبررات عِلمِيَّة.
3- مستقبلا: آفاق الدعوة:
__________
(1) - ... رواه أبو داود في كِتَاب الزكاة، باب صلة الرحم، حديث رقم 1692. وأحمد، برقم 6459، 6789، 6803. (1/18)
صفحة 19
إذا رأينا إِلىَ وسائل الهدم المعاصرة نجدها تتمثل في مختلف وسائل الإعلام كالفضائيات، والأفلام، وبرامج الحاسوب، والأنترنت، وإذا تساءلنا عن موقع المسلمين في خضمِّ هَذِهِ الوسائل لوجدناه ضعيفا لا يكاد يُسمع. وإذا أطللنا عَلَى ما يبثُّ عَبْرَ الأنترنت لهالنا ما نجده من سوء في استغلال هَذِهِ الوسيلة العَصرِيَّة، إذ صارت الشبكة مسرحا للصراعات بين مذاهب المسلمين، يكفر بعضهم بَعْضًا، ويكيل بعضهم لبعض التهم والسباب، ويورد هَذَا فكرة وَيَرُدُّ عَلَيْهَا آخر، وهكذا...
وفي خضم هَذَا لاَ بُدَّ من:
1- قُوَّة بَشَرِيَّة وتقنية تُمَثِّلُ الإِسلاَم النظيف الناصع، والذي يعطي الصورة الحَقِيقِيَّة للإسلام والمسلمين.
2- عمل إعلامي مؤسَّس، لا ينبني عَلَى مُجَرَّد الدفاع، ولا ينشغل بالرد عَلَى ما يثار من شبهات شغلت بال المؤلفين القدامى قبل مئات السنين.
3- إيجاد البديل الإِسلاَمِيِّ النظيف للفنِّ الهادف والمربي، والموجه إِلىَ الصغار والشباب بصفة خَاصَّة، عَبْرَ برامج الكمبيوتر (الأقراص المدمجة والأنترنت).
4- نشر تراثنا عَبْرَ شبكة الأنترنت، فإذا كان قراء كتبنا مِمَّا ينشر في وادي ميزاب لا يتجاوز ألف شخص، فَإِنَّ عدد القراء في الأنترنت قد يتجاوز 3 ملايين قارئ، إذا تصوَّرنا أَنَّ 1 % من المشتركين في الأنترنت يقرؤون ما ينشر فيها، فهي الوسيلة المثلى الآن للدعوة الإِسلاَمِيَّة، وهي لا تستنزف إمكانيات كبيرة جِدًّا كما تستنزفه الوسائل الأخرى: (الفضائيات، نشر الكتب والمجلات والجرائد في العالم).
5- تخصيص إمكانيات مَادِّيَّة معتبرة تبني النفوس، وتعدُّ البرامج، وتسطر الإستراتيجيات... عَلَى غرار الإمكانيات الكبيرة التي نخصصها لبناء الجدران، وللعمرات والحجَّات غير الواجبة (1) .
6-
الخلاصة
__________
(1) - ... إجراء مقارنة بين عمل اليهود وتكاسل المسلمين عُمُومًا وَالإِبَاضِيَّة خُصُوصًا. (1/19)
صفحة 20
- إِنَّ الدعوة مَهَمَّة الجميع، وهي واجب كُلِّ مكلَّف في أي منصب وأي عمل وأي مكان وأي زمان كان، لا فرق فيه بين المسؤول وغير المسؤول، ولا بين الذكر والأنثى، ولا بين القوي والضعيف...
- أمام كثرة وسائل الهدم، من وسائل الإعلام وأماكن اللهو والمجون المفتحة... فَإِنَّنَا مطالبون بالتجنيد بِكُلِّ طاقاتنا، وَبِكُلِّ الوسائل المشروعة المتاحة، وَإِلىَ تضافر الجهود وتكاملها دون إقصاء أَو تهميش... لنكون يدا واحدة لمواجهة هَذَا التيار الجارف الذي سيأتي عَلَى مقوماتنا الدِّينِيَّة والشَّخصِيَّة.
- لاَ بُدَّ من استراتيجية محكمة لمسايرة تطورات العصر، ومواجهة الغزو الفكري والأخلاقي، بِقُوَّة في مستوى وسائل الهدم، وَذَلِكَ بإعداد العدة وتجنيد الإمكانيات البَشَرِيَّة وَالمَادِّيَّة والتقنية، لإعطاء البديل الإِسلاَمِيِّ النظيف. (1/20)