صفحة 1
بحث: الرياضة من الممارسة إلى الاعتقاد
الباحث: جابر ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الرياضة من الممارسة إلى الاعتقاد
جابر ناصر بوحجام.
تسارُع الأحداث وتعاقبها، وذوبان المعايير وتغييبها، يجعل الانسان حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى فيتردد، لأن هناك تدافعا داخليا بين ما يحفظه والواقع الذي يريد أن يعيشه. فقوله من نوع وقعله من آخر، ليس عن قصد دوما وإنما لميل جهة على حساب أخرى؛ فيؤمن بالصدق وأنه يدخل الجنة، لكنه يطبقه جزئيا على جوانب ويترك أخرى. لذا يحاول نموذج الرشد أن يقارب الإجابة من خلال مقاربة: "من الكمون إلى الفعل الحضاري".
ونحاول أن نستفيد من هذه المقاربة في موضوع الرياضة، وكيف أن المسلم يعلم علم اليقين أنه يحشر مع من أحب، ومع هذا يجد في قلبه –إن صدق- ميلا أكبر إلى لاعبه المفضل منه إلى صحابي من صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلماذا؟؟
1. السؤال الصحيح .. بداية الطريق
الانسان باحث بالفطرة (1)، فهو يتدرج في مراحل عمره المختلفة والسؤال ملازمه ومصاحبه، وهو ما يمكن ملاحظته في الطفل في سنوات ما قبل التمدرس، فنجده يكثر من الأسئلة في كل جزئية دون تقيده بـ "حلال" السؤال من "حرامه" فهمّه أن يجد طريقه في الحياة دون عقبة تحول دون فهمه لها.
ولكن هذه الملكة تبدأ بالتناقص والتضاؤل بمجرد دخوله قالب المدرسة الذي ينمط التفكير –إلا ما رحم ربي- فتبدأ مساحة السؤال بالتقلص مع كبر الانسان حتى يغدو انسانا ينزع إلى الأجوبة ولو لم يكن هنا سؤال واضح.
هذا التشوه ليس مرده انتماء الانسان إلى الإسلام، ولكن مرده التنشئة التي انحرفت في مسيرها، فالإسلام أوجب السؤال، وأعطى نماذج وجب الاقتداء بها:
فسيدنا إبراهيم وصل بتساؤلاته وفرضياته إلى الإيمان الحق مستعينا بالمولى الحق ... فتساءل " ... قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ" (2) .. ثم مستعينا به سبحانه وتعالى .. " ... قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ" (3) فوصل إلى الجواب على سؤاله الصحيح .. " .. فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (4).
__________
(1) - مقاربة في فهم البحث العلمي، محمد باباعمي، ط1: 2007، نشر معهد المناهج.
(2) - سورة الأنعام: 76.
(3) - سورة الأنعام: 77.
(4) - سورة الأنعام: 78 - 79. (1/1)
صفحة 2
لذا نجد أن جيفري لانغ اندفع إلى الإسلام لأنه وجد فيه ما كان يبحث عنه، وتأثر كثيرا بحوار الملائكة مع الله، فكتب: "حتى الملائكة تسأل".
ما أحوجنا إلى إعادة العلاقة بين الإنسان والسؤال فهي صلة انقطعت بسبب "النسيج الحضاري" لأغلب المسلمين الذي تمزق عالمهم للأحداث التي عايشها على مَر العصور ومُرها، مع تنوع "الوعاء الحضاري" (1) الذي ينتمون إليه وتباينه ما بين متخلف إلى أقل تخلف.
من هنا، وإحماء لعضلات المخ، نطرح مجموعة من الأسئلة بين يدي الموضوع، قد لا تجد –أخي- أجوبتها كلية بين ثنايا هذه الأسطر الموجزة، ولكن إشراكا لك وترفعا من أن نبقى في عملية (ملقن- متلقي)، أدعوك أن تشاركني الجواب في هذه الأسئلة التي ليست كلها الموضوع:
• كيف ينظر الإسلام إلى الرياضة؟
• هل الرماية والسباحة وركوب الخيل رياضة؟ وهل ذكرت على سبيل المثال أم على سبيل الحصر؟
• هل كرة القدم من اللهو واللعب المذكور في القرآن؟
• لماذا سميت بالديانة الجديدة؟ وهل هي كذلك؟
• ما محل هذه الرياضة في سلم الحضارة؟
• متى تصبح كرة القدم انحرافا؟ وهل انحرفت عن مسارها؟
• كيف يمكن أن يميز الانسان نفسه ما بين الممارس وما بين المدمن إلى حد الاعتقاد؟
• هل كرة القدم خطر على حياة أبنائنا؟
• كيف نحمي انحراف أبنائنا في علاقتهم مع كرة القدم؟
هذه الأسئلة توطئة للموضوع عسانا "بنية العمل" نحقق بعضا من الأجوبة في الواقع نسهم بها في تغيير حالنا إلى أفضل حال.
2. كرة القدم من الترفيه إلى الصناعة ..
تحولت كرة القدم من وسيلة للترفيه إلى صناعة محترفة قائمة بذاتها حيث تحظى هذه الصناعة الترفيهية بزخم هائل من التغطية الإعلامية، لماذا؟
__________
(1) - الوعاء الحضاري: مصطلح من إبداع الدكتور محمد باباعمي، حيث يعرفه بأنه " هو كلُّ ما يؤثِّر في مسير الإنسان ومصيره –الدنيوي– أكيدا، والأخروي غالبا؛ فهو: جغرافيتُه، وتاريخُه، ومحيطُه، وبيئتُه، وخصائصُه الموروثة، وأحداثُ عصره، والمؤثرات في فكره، والمحرّكات لمشاعره ... وهو –بلغة فن الرسم– الخلفيةُ التي يضع عليها الرسام لوحته، حجمُها، ونوعُها، وشكلها ... وهو الحال النفسية التي يكون عليها ذلك الرسام، والطبيعة التي تحيط به، والأفكار التي تعتلج في خاطره ... كلُّ ذلك ليس هو الرسم نفسه، ولكنه محدِّد ومؤثِّر فيما سيصدر من أشكال وألوان ورسوم". (1/2)
صفحة 3
لأنها استثمار، فهي تدر المال للكثير من الشركاء، من شركات للألبسة، والشركات الإعلامية .. الخ. فكل مشجع لفريق هو بالتالي ممول بطريقة أو بأخرى. فالتركيز على الصورة والاشهار سيؤدي حتما إلى أفعال قد تكون لا إرادية لدى المتلقي، فيمد يده دون أن يعي لشراء "كوكاكولا" –مثلا- ليس لحاجة وإنما استجابة لرغبة داخلية .. الخ.
ومداخيل الفرق الرياضية تعتمد بصورة كبيرة على التسويق التجاري لملابسها استثمارا في العلاقة الحميمة التي تربطها بالمشجعين الأسخياء، ومن بينهم الانسان المسلم الذي يحفظ جيدا الحديث: " .. وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه .. ". ويبلغ عدد متابعي كرة القدم في العالم حوالي 3.5 مليار إنسان (1).
وفكرة كرة القدم تعود إلى الصين القديمة، حوالي القرنين الثاني أو الثالث قبل الميلاد على حسب كتيب في الارشاد الحربي في الصين (2). أما لعبة كرة القدم في صيغتها المعروفة حاليا فتعود إلى القرن التاسع عشر في بريطانيا.
(الصورة التالية توضح كيف أن الرياضة تحولت إلى صناعة لها مداخيلها، والملاحظ أن أكبر مداخيلها هي من العملية التجارية من خلال بيع الأقمصة، والأعلام .. الخ أكثر من مداخيل المقابلة في حد ذاتها. فعندما يشتري الانسان المسلم في الجزائر قميصا لفريق ما، فهو بمول بطريقة أو بأخرى ذلك الفريق)
/
3. هل الرياضة من اللهو واللعب المذكور في القرآن؟
__________
(1) - http://mostpopularsports.net/football-soccer-popularity web: 02/ 03/2016
(2) - http://www.fifa.com/about-fifa/who-we-are/the-game web: 02/ 03/2016 (1/3)
صفحة 4
إذا حاولنا أن نبحث عن الرياضة كمصطلح في القرآن الكريم فلن نجدها بالاسم ولكن نجد ما قد يبدو يدخل في زمرة الرياضة من مفاهيم مثل اللهو واللعب.
وقد ورد ذكرهما مترابطين في 6 مواضع في القرآن (لعب ولهو): 4، (لهو ولعب): 2، وذكرا منفصلين في 5 مواضع: (لعب): 2، (لهو): 3.
وكما يقرر بعض العلماء لا ترادف في القرآن على الإطلاق، فكل كلمة لها من الدلالة ما يجعلها في غنى عن التكرار، والقاعدة تقرر: "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى"، وعليه فإن ورود كلمة اللهو مقترنة بكلمة لعب، لها من الدلالة ما يجعلنا نبحث عن المعنى الحقيقي لكل كلمة، فهو ليس مجرد رص للكلمات بقدر ما هو دفع لإعمال العقل في هذا القرآن المعجز و (السؤال الصحيح بداية الطريق). فالآيات تدفعنا لأن نتساءل لماذا لم يأت ترتيب كلمتي اللعب واللهو على نسق واحد، ولماذا لم تكونا دائما مقترنتين في كامل الآيات التي وردت فيها؟
عند البحث عن إجابة لهذه الأسئلة لدى العلماء، نجد الشيخ الشعراوي قد بسط في الإجابة عنها حيث يقول: "المتتبع لآيات القرآن يجدها تصف الدنيا في أكثر من موضع بهذا الوصف، لعب ولهو بهذا الترتيب الوجودي، لأن اللعب للأطفال واللهو للكبار إلا في سورة العنكبوت، فيقول: "وما هذه الحياة الدنيا إلى لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" (1) لأن الكلام هنا عن الفتن التي تضر بالآخرة وتبعدك عن ثوابها، فذكر اللهو قبل اللعب" (2).
فاللعب "حركة للإنسان لا ضرر فيها ولا نفع منها ولا تصرف عن واجب، فهي مجرد تسلية وشغل للوقت واستفراغ للطاقة" (3)
أما اللهو: فهو الانصراف والانشغال بعمل قد ينقضي، لا هدف له ولا فائدة منه حيث يلهي الانسان عن الواجب، فهو طاقة معطلة، وعليه يعاقب الله" (4)
إذا تطبيقا للقاعدة الفقهية "الوسائل لها أحكام المقاصد"، يمكن القول إن اللعب إذا كان من أجل مقصد من مقاصد الشرع ولم يتناف مع حكم من أحكام الشريعة فهو مما يؤجر عليه أما إذا كان غير ذلك، فعلى الانسان أن يتحرى.
4. من آثار كرة القدم على الانسان:
أ الولاية والبراءة (5) والقدوة في المحك:
__________
(1) - سورة العنكبوت: 64.
(2) - خواطر الشيخ الشعراوي: سورة محمد: الآية 36. ص 14357
(3) - خواطر الشيخ الشعراوي: سورة الأعراف: الآية 51، ص:4153 وص:4154. سورة العنكبوت: الآية: 64، ص: 11260. سورة لقمان: الآية:6، ص 14356. سورة الحديد: الآية: 20، ص: 14941.
(4) - خواطر الشيخ الشعراوي: سورة الأنعام: الآية 32. ص 3590. سورة الأعراف: الآية 51. ص 4153. سورة محمد: الآية 36. ص 14357. سورة الجمعة: الآية 11. ص 14356 وص 15385.
(5) - "انفرد السالمي (من علماء الاباضية) بتسمية مبحث الولاية والبراءة في العقيدة بعلم الولاية والبراءة، ( ... ) وتعريفه هو: العلم بأحوال المكلف التي يُعلق بها خطاب الشارع. ( ... ) وثمرته: التوصل إلى رضوان الله تعالى، بموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهو الفوز الكبير"، معجم مصطلحات الاباضية ج2، تأليف: مجموعة من المؤلفين، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط:1، 1429هـ/2008، ص: 1103. (1/4)
صفحة 5
من المظاهر التي تجذب النظر لدى العاشقين لهذه الرياضة الانبهار بالمشهورين فيها ممن كان للإعلام أكبر نصيب في التعريف بهم فأصبحوا يسبّحون بحمدهم في كل ناد، بل أصبحوا لهم محامين في المجالس إذا مُست كرامتهم (إن بقي منها شيء). إن هذه الظاهرة لم تقتصر على مراهقين لا يميزون بعقولهم بل تعدتها إلى كهول ذوي عقول مراهقة. فالإنسان الغارق في هذه العاطفة يطبق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ "فَمَنْ؟ " (1). فنجد الشاب منا يقلد معشوقه في كل حركاته وسكناته، في لباسه وتسريحة شعره، بل حتى في حياته الاجتماعية الخاصة. وهو بهذا ينبئ عن مخبره، فالأفعال انعكاس لما يمور في الداخل، وفي هذا يقول ادوارد هول: "إن ما يفعله الناس بشكل متكرر أهم بكثير مما يقولونه" (2) لأن الانسان قد يتحدث عن أمور مثالية لأنه في راحة وهدوء بال لكن عند المحن تبتلى السرائر، لذا قال الرسول صلى عليه وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (3).
فتقليد الانسان لإنسان آخر له بعد عقدي قد يكون سببا في خسران الآخرة -لا قدر الله-، فالله تعالى يقول: چ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌچ (4). وقد أشار العلماء إلى أن التقليد والاقتداء هو واحد أو أكثر من هذه الملامح:
1. المحبة
2. اعتقاد الكمال والأفضلية عند الآخر
3. القهر والغلبة: ولع المغلوب بالغالب (ابن خلدون)
4. الغبطة (عكس الحسد) للمنافسة
فهذه الملامح إن وجهت للخير ستؤتي خيرا وإن وجهت وجهة الشر فستكون النتيجة كذلك. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
ب ديانة جديدة
__________
(1) - رواه البخارى كتاب لاعتصام، ومسلم كتاب العلم: باب اتباع سنن اليهود والنصارى.
(2) - إدوارد هول: اللغة الصامتة، ترجمة لميس فؤاد اليحي، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن، ط1: 2007، ص:2.
(3) - مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأة تبكي عند قبر، فقال لها: اتق الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) رواه البخاري).
(4) - آل عمران: 31. (1/5)
صفحة 6
إن المتتبع لهذه الرياضة يجدها من أكثر الوسائل التي استطاعت التوحيد بين شعوب كثيرة وقربت المسافات بين أديان متناحرة وعقائد متناقضة، فالجماهير باختلاف توجهاتها وتباعد اعتقاداتها تتوحد في مناصرة فريق: تجمعهم قضية واحدة هي الرفع من شأنه ومؤازرته في السراء والضراء فيضحى من أجله بالنفس والمال. فالفريق هو الهوية وهو القضية، وهو المحيا والممات. قد تستهجن هذه الكلمات وقد يثور الشاب إن وصفته بهذه الأوصاف، ولكن للأسف هو الواقع المعيش، فتسمع في الكثير من المجالس –وقد أصبحت ظاهرة عامة- أن الحديث يتم بصيغة "نحن": فنحن اشترينا ذلك اللاعب بكذا مليون، ونحن فزنا، ونحن، ونحن، ... ولو حاولت أن تعرب هذا الضمير فإنك أكيد ستخفق، ولو استنجدت بسيبويه فسيعتذر إليك حالا لأن الموضوع تجاوز اللغة وانتقل إلى الهوية.
فالعلاقة التي تجمع بين المشجعين للفريق تتعدى كونها علاقة مناصرة وتحفيز، بل تحولت إلى كونها علاقة حب وبغض "في الفريق". فقد تجد في البيت الواحد خلافا حادا بين الأبناء إذا كانت المباراة تجمع بين "الغريمين التقليديين" على حد تعبير الصحافة، والأخطر عندما يكون الزوجان يشجعان فريقين مختلفين وتصادف أن فاز أحدهما على الآخر، ... النتيجة أن ينام أحدهما في الصالون، فيتحول الهجر في الفراش من تعاليم للشرع تراعى فيها المقاصد إلى تعاليم دنيوية زائلة. "فالعلاقة القوية تحت مظلة الفريق المفضل لديهم (بين المشجعين) منحتهم ثقافة مشتركة بقوانينها وقيمها" (1). هذه الثقافة تحولت إلى معتقد لا يحق المساس به، بل أصبحت الخسارة في مقابلةٍ يساوي خسارة في الأهل أو في العرض، فنجد رجلا ذا بنية يبكي على خسارة فريقه المفضل، فأي رجولة هذه. إن "من اجتهد في حب كرة القدم إلى حد الجنون، وضيع علاقاته الروحية مع الله تعالى، بتركه الصلاة، أو تأخيرها، أو أدائها من دون خشوع ... فقد خسر غايته من الحياة (رضا الله تعالى)، وبات في عيشه بلا وجهة ولا معنى، وهذا هو الخسران المبين، والضلال البعيد" (2).
قصة واقعية:
في بداية 2013، تناقلت بين طلبة الثانويات الفرنسية نكتة ساخرة بين علمين من أعلام كرة القدم العالمية، ميسي وابراهيموفيتش، يظهران فيها شهرتهما التي تجاوزت الآفاق:
- ابراهيموفيتش: «لقد أرسلني الاله لأعلم البشر كرة القدم».
- ميسي: «هناك خطأ ما، فأنا لم أرسل أحدا»
«هذه النكتة تظهر حقيقة أن آلهة الملعب هم بيننا، وانجازاتهم ظاهرة للعيان وتستحق الاهتمام» (3)، وهي تظهر حقيقة مرة أن أبناءنا يراهنون بمصيرهم الأخروي في مقابل رياضة قد تفيدهم دنيا وقد تكون سببا في خسرانهم أخرى. "ويعتقد بعض الدارسين أن عددا من المشاهير، مثل: مارادونا، ورونالدو، وزيدان، وبيكام، ... هم الآلهة الجدد لكرة القدم، والمشاهد
__________
(1) - Football passion as a religion: the four dimensions of a sacred experience ; François Fulconis, and Gilles Pache, Society and Business Review Vol. 9 No. 2, 2014 p: 166, web 01/ 03/2016
(2) - حدد غايتك، محمد باباعمي، دار وحي القلم، دمشق – سوريا، ط1: 1434 هـ / 2014، ص: 57.
(3) - Ibid. p: 181. (1/6)
صفحة 7
الذي يضحي بماله وراحته، ويضع كل طاقته وعواطفه في تشجيعهم، هو بمثابة العابد، الذي يبتغي رضا معبوده، فيستعد لكل أنواع التضحية حتى لو كلفه ذلك إنفاق المال، أو إحداث التخريب والفساد ... " (1).
ت انفصام القول عن الفعل = النفاق
قد تكون إنسانا جاهلا أمام بعض الشباب عندما يحدثك عن الدين وعن الاخلاق، بل وقد يستشهد بالآيات والأحاديث، ولكن هل يغني ذلك عن عدم التطبيق أم تكفي كلمة "ربي يهدينا"؟ فبماذا نفسر هذه الهوة بين ما نؤمن به وبين ما نطبقه؟
وبماذا نفسر ايماننا أن الرسول ص يقول: "من روّع مسلما كمن قتله، ومع ذلك يكون فرحنا أو غضبنا من أداء الفريق بالصراخ والافساد وغير ذلك من التصرفات المشينة؟ هل نكتفي بالقول في كل مرة بـ "ربي يهدينا" أم نحاول أن نجد حلا للمشكل، فالقاعدة العقدية تقرر أن "لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار"؟ فمن أراد مداواة الحمى التي هي عَرَض عليه أن يعرف سبب الحمى ويعالجها، فقد تكون مقدمة لما هو أخطر.
وعدم تطابق قولنا مع فعلنا يوشك أن يحشرنا مع زمرة المنافقين الذين قال فيهم سبحانه وتعالى: "لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ" (2)؟، ورغم أن الدكتور عمرو خليفة النامي قد اعتبر النفاق "علامة صحية" (3) في المجتمع الإسلامي لأنها تنبئ أن المنافق يحاول أن يقاوم الصلاح المنتشر في وسطه بالتخفي وراء قناع النفاق ليستطيع العيش في ذلك المجتمع، ولكن في عصرنا ومن شدة الظهور الخفاء، وفي زمن انقلبت فيه المعايير، أصبح للنفاق اسم آخر تحت مظلة "إذا عمت هانت". وأصبح الذي ينصح ويعيد المعايير إلى مكانها يعتبر رجعيا متخلفا.
نعم للصدقية .. ولكن ..
فتصرفاتنا مرآة لما في داخلنا، وأفعالنا اللاإرادية هي أفكارنا التي آمنا بها، وهي تنتقل عبر مراحل ثلاث (إدراك فوجدان فنزوع): إدراك بالحواس، ثم وجدان يتكون في النفس نتيجة للإدراك، ثم النزوع والعمل الذي يترجم هذا الوجدان (4). والممارس لكرة القدم "يعيش وتيرة متسارعة من التفاصيل تجعله قد يتخلى عن فكرة كان يدافع عنها قبل دخوله هذا المربع المزدوج. فهي رياضة كل ثانية فيها ترسيخ لمبدأ أو فكرة أو تفنيد لهما إن لم يكونا يمدان بخيط إلى قلب وعقل هذا الممارس" (5). والمسلم يعرف أن من آيات المنافق إذا حدث كذب، فهو يعرف أن الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك، ومع ذلك لو سألته: وأنت داخل الملعب وارتكبت خطأ، فهل أنت مستعد لأن تعلن عنه ولم يره الحكم،
__________
(1) - حدد غايتك، محمد باباعمي، دار وحي القلم، دمشق – سوريا، ط1: 1434 هـ / 2014، ص: 57.
(2) - سورة الصف: 02.
(3) - ينظر عمرو خليفة النامي، ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية، ط1، الدار السلفية، الكويت، مطابع دار الرأي العام التجارية.
(4) - خواطر الشيخ الشعراوي: سورة لقمان: الآية 6. ص 14386.
(5) - حياتنا والقابلية للصدق .. كرة القدم نموذجا، جابر ناصر بوحجام، موقع فييكوس، زيارة الموقع: 02/ 03/2016 (1/7)
صفحة 8
فسيجيبك: لا، لأن الحكم لم يره؟ هل معيار الحكم داخل الملعب مختلف عنه خارجه؟ أليس هذا هو منطق العلمانية التي تنادي بـ "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"؟؟
ث سلوك اجتماعي متذبذب "المظهر"
اختلال المعيار:
- كرة القدم معيارا ومقياسا للوطنية: تحولت كرة القدم من ممارسة رياضة وترفيه إلى كاشف (سكانير) لقلوب الآخرين. فأصبح من البساطة بمكان في يومياتنا أن تُتهم بأنك غير وطني في انتمائك عند انتهاء مباراة لأنك لم تعلن عن فرحتك مع الآخرين. فالوطنية أن تحمل العلم وتجوب به الشوارع. أما إن أعلنت أنك لن تتابع المباراة في ذلك اليوم فعليك أن تعلن توبتك من خيانتك لوطنك. أي ميزان هذا، وأي حكم يتراشق به الناس؟ ماذا لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم بيننا: "هلا شققت على قلبه"، ثم من أجل ماذا؟ من أجل مضيعة للوقت لا تسمن ولا تغني من جوع؟؟
- اللباس والسلوك والمظهر: من غريب التصرفات التي غزتنا أن يصبح برمجة لقاء أو تلبية حاجة في المجتمع مرتبطا بموعد مباراة. فقد يعلق موعد مرتبط بمصالح ناس إلى أن تنتهي المباراة، أما إذا كانت نتيجة المباراة سلبية، فإن الموعد سيمحى من مذكرة المواعيد حتى تزول الغمة وينقشع الضباب.
ومن غريبها التجاوز في الفرح وفي الغضب بالصراخ وترويع الناس: رغم أن الآية تقول: "ولا تمش في الأرض مرحا"، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تغضب ولك الجنة" .. ولكن هي الأخلاق تنبت كالنبات، إذا ... أما إذا سقيت بماء متعفن أو حرمت من الماء، فلا تنتظر شيئا إيجابيا، ...
ومن الملاحِظ أن يصبح الانسان لوحة إعلانية متنقلة لفريقه الولهان به، فنجد الشاب يلبس قميصه في كل الأماكن، من الجامعة إلى الجامع، لا يراعي في ذلك مقصدا ولا غاية، بل أصبح الحصول على قميص الفريق الجديد مفخرة ومرتبة لا يصلها إلى "المقربون" .. ومن العار عليك أن تلبس قميص فريق ما إذا كان قد صدر آخر جديد لأنك في هذه الحالة ستكون "عبْدْ قْديم" أي متخلفا.
كثيرة هي الملاحظ التي تحتاج إلى التمعن فيها، لأنها بدأت تستشري حتى أصبحنا نخاف أن تكون هي المعيار في حياتنا مع أبنائنا. لذا لا بد من أن ننفصل عن اللحظة وعن الأحداث المتسارعة ونحاول أن نفهمها بروية دون اختزال مراعين في ذلك الحكمة وحسن التصرف.
5. نعم / لا ... لكرة القدم؟
قبل أن نحدد موقفنا من هذه القضية ونجيب بـ "نعم" أو "لا"، علينا أن لا نختزل الجواب، ونتذكر ما يلي: (1/8)
صفحة 9
1. وسطية الإسلام، والبعد المقاصدي: فالإسلام علمنا أنه لا افراط ولا تفريط، فلا نقول بـ "نعم" كلية وبـ "لا" مطلقا، ولكن نستحضر مقاصد الشرع في موقفنا، فـ" الإسلام نسخة من الإنسان. ففي الإسلام تمامًا ما في الإنسان .. فيه تلك الومضة الإلهية، وفيه تعاليم عن الواقع والظلال. ( ... ) والإسلام بدون إنسان يطبقه يصعب فهمه، وقد لا يكون له وجود بالمعنى الصحيح" (1).
2. الرياضة وسيلة لا غاية: فالرسول صلى عليه وسلم لما قال: "علموا أبناؤكم السباحة والرماية وركوب الخيل" لم يكن يدعو إليها كغاية في حد ذاتها وإنما لما يمكن أن تفيد المجتمع من جرائها، لأن "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، فعندمنا أوصانا "أن نعلم أبناءنا ركوب الخيل والسباحة والرماية، كانت الخيل –في زمن الرسالة- هي إحدى الأسلحة المهمة ليركبها الداعون إلى الله المجاهدون في سبيله. وحين أمرنا أن نعلم أبناءنا السباحة فهذا بناء للجسم والقوة يفيد الشاب ويعلمه مواجهة الصعاب، وحين أمرنا أن نعلم أبناءنا الرماية فذلك لأن تحديد الهدف ماديا أو معنويا ومعرفة الوصول إليه أمر مطلوب من كل شاب. وكل هذه ألعاب ولكنها ليست لهوا، إنها ألعاب ممتعة ويمكن أن تستمر مع الإنسان بعد أن يكلف" (2). وأي انحراف بالوسيلة وإنزالها منزلة الغاية ستودي بالإنسان وتؤدي به إلى مزالق لن يتحكم فيها أبدا، ومن هذه المزالق اختلال المعايير التي تحدثنا عنها آنفا.
3. نعم، ولكن دون فصلها عن القيم: إن كرة القدم كغيرها من الرياضات تضع أفكار الإنسان وما يؤمن به في المحك؛ فهو ليس ملَكا دون عواطف وغرائز ولا شيطانا بمعاص لا متناهية وإنما مراوح بين المرتبتين، لنفسيته إقبال وإدبار، فهو أقرب إلى الملائكة بل وأفضل منها ما استحضر القيم التي سطرها له الدين، من صدق، وتواضع، وإحسان، .. الخ، لهذا نجد (برتراند رسل) ينادي بأن الإنسانية "في وقتها الحاضر أحوج منها في الماضي إلى بث فكرة المغامرات التعاونية التي يكون فيها "العدو" هو الطبيعة المادية بدلا من المغامرات التنافسية التي يكون فيها بشر غالبون ومغلوبون" (3)، خوفا على القيم أن تغتال تحت اندفاع العواطف البشرية فتؤدي إلى زيادة الأحقاد والضغينة بين المتنافسين "البشر"، -رغم أننا لا نتفق معه في اعتبار الطبيعة عدوا للإنسان، وهو بهذا يعبر عن رؤيته المادية الالحادية- وكأنه يشرح لنا لماذا استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم "السباحة" و"الرماية" و"ركوب الخيل" كمثال على التنافس مع الطبيعة وليس بين البشر.
__________
(1) - الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش.
(2) - خواطر الشيخ الشعراوي: سورة الأنعام: الآية 32. ص 3589.
(3) - في التربية، برتراند رسل، ص: 96. (1/9)
صفحة 10
إذا، كرة القدم نموذجا للرياضات الأخرى، هي وسيلة من وسائل العصر لها إيجابياتها وسلبياتها، إذا استطعنا أن نفهمها وأن نوظفها بما يتناسب ورؤيتنا الكونية فستكون لنا وسيلة من وسائل العبادة، ويمكننا بعد ذلك أن نسهم في تطويرها إذا أصبحنا "أرضا أعلى" (1)، حيث يمكننا بعد ذلك أن نبدع في القواعد كما فعلت بريطانيا في القرن التاسع عشر، ففي "كل عمل في الحياة توجد قواعد للعبة، حافظ عليها، ولكي تحافظ عليها تعلمها أو ضعها أنت" (2).
__________
(1) - مالك بن نبي: "إن الماء لا يسقي الأرض التي تعلوه".
(2) - هروبي للحرية، علي عزت بيجوفيتش، ص70. (1/10)