صفحة 1
الكتاب: الشباب بين الواقع والطموح لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشباب بين الواقع والطموح (1)
مقدمة وتسليم
الحمد لله الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء بصير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وله الحمد في الآخرة والأولى، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، واستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمه للعالمين وسراجاً للمهتدين، وإماماً للمتقين، ونعمة على الخلق أجمعين، فبلَّغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلى الله وسلم تسليما عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد…
فالسلام عليكم أيها المشايخ الكرام والأخوة الأعزة والأبناء النجباء ورحمة الله وبركاته، أحييكم بهذه التحية المباركة وأهنئ نفسي وأهنئكم بهذا الجمع الكبير في هذا المسجد المبارك في هذا البلد العريق، سائلاً الله تبارك وتعالى أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الحق وأن يطلق ألسنتنا بكلمة الحق، وأن يوفقنا للعمل به إنه على كل شيء قدير.
__________
(1) هذه المحاضرة ألقاها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في جامع السلطان قابوس بولاية إبراء بتاريخ 23 من ربيع الأول 1418ه، الموافق 27 من يوليو 1997م. (1/1)
صفحة 2
هذا ولا ريب أن مرحلة الشباب هي المرحلة المتميزة في عمر الإنسان لما يطفح به الشباب من الطموحات المتنوعة، ولأن الشباب يكون دائماً أكثر اشتعالاً للعاطفة من غيره، ولذلك يتأثر دائما بدعوات الخير وبدعوات الشر.. فمن هنا كان أهل الخير يحرصون على ضم قطاع الشباب إلى صفهم، وكان أهل الشر كذلك يحرصون على ذلك؛ لما في الشباب من طاقات وملكات حسية ومعنوية، فالاعتناء إذاً بهذا القطاع إنما هو اعتناء بالأمة، لأن الأمة ينظر إليها من مرآة شبابها، من حيث الاستقامة وعدمها، فبقدر ما يكون الشباب عليه من الاستقامة والخير يكون الأمل باسماً في وجه الأمة، وبقدر ما يكون الشباب بخلاف ذلك يكون هذا الأمل متلاشياً، فالشباب هم معيار الأمة في تقدمها وتأخرها وفي رقيها وانحطاطها.
مرحلة الشباب: مرحلة العطاء والاستجابة للدعوة (1/2)
صفحة 3
ومن أجل ذلك نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدلنا دلالة واضحة على أن كثيراً من أولئك الذين قاموا بالحق وصدعوا به كان قيامهم بذلك في مرحلة الشباب، فالله سبحانه عندما حكى قصة إبراهيم - عليه السلام - وإنكاره عبادة الأصنام على قومه وتحطيمه لهذه الأصنام ذكر في المقاولة التي جرت بين قومه فيمن حطم الأصنام، فحكى عنهم قولهم: { قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ له إِبْرَاهِيمُ } (1) وكذلك عندما تحدث عن أصحاب الكهف الذين أنكروا ما كان عليه قومهم من عبادة غير الله والتوجه إلى غيره سبحانه وتعالى في الدعاء والابتهال أتبع ذلك قوله: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } (2) وكذلك حكى الله سبحانه وتعالى قصة عبده يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال: { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } (3). كل ذلك يدل على أهمية هذا القطاع في حياة البشر، والرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما دعا بدعوة الحق وقام بما يجب عليه من أداء رسالة ربه إلى الخلق استجاب له الشباب أكثر من استجابة الشيوخ، فانظموا إلى صفه عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان الشاب منهم يلقى ما يلقاه من العنت من قبل أهليه وذويه، ويصبر لذلك رغم كل الصعوبات وكل التحديات وصنوف الإيذاء الذي يجده، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو القدوة لهم في صبره وجهاده وتفانيه، فوجدوا فيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما يشفي ضميرهم، ووجدوا في سيرته صلوات الله وسلامه عليه ما ينير سبيلهم فاستمسكوا بالعروة الوثقى وانطلقوا في أرجاء الأرض حاملين دعوة الحق إلى الخلق، ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الجبارين، ووطئوا بنعالهم على عروش المستكبرين، فأنزلوهم من عليائهم، ولكن لما فتح لهم باب الدنيا على مصراعيه لم يلتفتوا إلى حطام هذه الدنيا بل تساوى في موازينهم تبرها وترابها، وتعادل في
__________
(1) الأنبياء/ 60
(2) الكهف/ 13
(3) مريم/ 12 (1/3)
صفحة 4
نفوسهم عذبها وعذابها لأنهم لم يكن لهم هم إلا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (1).
تربية الرسول - صلى الله عليه وسلم - للشباب:
ولكن كيف كانت تربية أولئك الشباب؟ ..لقد رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القرآن والعزوف عن هذه الحياة الدنيا ومتعها، والإقبال على الدار الآخرة، والرغبة في نعيمها، والتفاني من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وقد كان القرآن الكريم يوجههم في كل جزئية من جزئيات حياتهم ويعرفهم أن الدنيا لو كانت من ذهب وكانت الآخرة من تراب لما كانت بجانب الآخرة مع فنائها ودوام الدار الآخرة، فكيف والدنيا أرخص من التراب والآخرة أغلى من الذهب { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى } (2).
…لم يكن ذلك الصنف من الشباب له هم فيما ينظر إليه كثير من الشباب بأنه من خصائص الشباب وذلك كمغازلة الحسان والتشبه بهن في ملامحهن وخصائصهن؛ لا! بل كان ذلك الصنف من الشباب كل همه في أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فلذلك { كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } (3) كانوا أسبق الناس إلى الخير وأثقلهم عن الشر، كانوا أخفهم إلى الجهاد في سبيل الله، وكانوا أثقلهم عن الاستجابة لداعي الهوى في هذه الحياة الدنيا.
__________
(1) الحج/ 41
(2) الضحى/ 4
(3) الذاريات/ 17، 18، 19 (1/4)
صفحة 5
وقد بهرت صفاتهم التي تحلوا بها أعداءهم فتناقلت ألسنة هؤلاء الأعداء ما كان عليهم هؤلاء الشباب من خير واستقامة وصدوع بكلمة الحق واستمساك بالعروة الوثقى واستهداء بهدي القرآن، فعندما كانت جيوش المسلمين تزحف على ممالك الروم وكان الجيش القوي؛ الجيش الروماني الذي واجه عما قريب الإمبراطورية الفارسية وهزمها، كان هذا الجيش يتساقط أمام هذا الزحف الإسلامي الذي هو أقل عدة وعدداً، وهذا الذي دعا إمبراطور الروم (هرقل) إلى الجلوس مع قادة جيشه من أجل دراسة أسباب الهزيمة التي لحقتهم من المسلمين، وعندما اجتمع بهم سألهم عن صفة هؤلاء الناس الذين واجهوهم في ميادين المعركة، فقال له أحدهم: «هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه». وقال آخر: «أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون(1) النبل ويروونها ويثقفون(2) القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر».
عزة المؤمنين تدحر شرف الكافرين
__________
(1) يريشون راش السهم بمعنى ألزق عليه الريش، (القاموس المحيط، الفيروزابادي،ط1، ج/صباب "ريش").
(2) الثِّقاف: حديدة تسوى بها الرماح ونحوها والعدد أثقفة، وجمعه ثُقُف (ترتيب كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ج/ صباب «ثقف») (1/5)
صفحة 6
وعندما توجهت جماعة من هؤلاء الذين رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كتاب ربهم سبحانه وتعالى إلى مواجهة الإمبراطورية الأخرى -إمبراطورية فارس- وكان الجيش الإمبراطوري الفارسي الذي يعد الجيش الأول في العالم في ذلك الوقت يتساقط أيضاً أمام هذه القلة المؤمنة المستمسكة بالعروة الوثقى؛ طلب قائد الجيش الفارسي التفاوض مع قائد الجيش الإسلامي سعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -، فأرسل إليه سعدُ ربعيَّ بن عامر ومعه عشرون راكباً وكان القائد للجيش الفارسي (رستم) الذي كما يقال: قد اجتمعت فيه عناصر الشرف حسب الأعراف الفارسية؛ فلذلك كان قلنسوته(1) بمائة ألف دينار، واستعد القائد الفارسي للقاء هذا الوفد الإسلامي المقبل وكان استعداده استعداداً مادياً ظناً منه أن مظاهر الترف التي يكون عليها هو وأصحابه سوف تستلب قلوب أولئك وسوف يسيل لعابهم وهذا ما سوف يجعلهم يتركون المهمة التي جاءوا من أجلها وهي الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل إعلاء كلمة الله، فأعد ما أعده من مظاهر الزينة، وكان من بين ما أعده أنه فرش بساطاً مطرزاً بالذهب وصفف الكراسي الذهبية المنمقة بالأحجار الكريمة وصفف أيضاً النمارق المطرزة بالذهب، فجاء ربعي بن عامر ومعه عشرون راكباً ولم يقف بل لم ينزل عن فرسه حتى وطئ بقوائم فرسه على ذلك البساط وربط فرسه ببعض تلك النمارق! ثم جلس بجانب رستم؛ فسأله رستم: ما الذي جاء بكم؟ فأجابه: «إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».
__________
(1) القَلَنْسُوة والقُلَنْسية: جمع قلانس وقلنس وهي ما يلبس في الرأس (القاموس المحيط، الفيرزابادي، ط1، ج/ ص). (1/6)
صفحة 7
هذه الكلمات يقول فيها أحد المفكرين الإسلاميين المعاصرين: «لو وضعت على الجبال لتدكدكت ولو وضعت على البحار لتبخرت» ويقول: «بأن مكمن العجب فيها ليس في قوله: «إن الله قد ابتعثنا لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله» فإنه من المعلوم بأن الفرس كانوا يقدسون أباطرتهم تقديساً لا يليق إلا بجلال الله وهذا ما كان مأثوراً فعلاً عن الفرس، فإن الإمبراطور الفارسي الذي كان في عهد الرسالة -عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- والذي وجه إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالته بواسطة رسول يدعوه فيها إلى الإسلام، هذا الإمبراطور كان يُمَجَّد على ألسنة الفرس بنشيد ترجمته بالعربية «في الناس إله ليس له ثان، وفي الآلهة إنسان غير فان، ارتفع اسمه وتعالى مجده يطلع مع الشمس بضيائه وينير الليالي المظلمة بنوره». (1/7)
صفحة 8
وكذلك لا يمكن العجب في قوله: «ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» لأنه من المعلوم أن الأديان كلها ليس فيها ما في الإسلام من عدالة تسوي بين القوي والضعيف والبغيض والحبيب والبعيد والقريب، إذ الإسلام وحده هو الذي أنزل موازين القسط التي تصلح للإنسانية بأسرها وليس في أي نظام ما في الإسلام من كمال العدالة الاجتماعية والعدالة التشريعية التي لا تساويها أية عدالة أخرى، وإنما العجب في قوله: «ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا» قبل أن يذكر الآخرة؛ فلو ذكر الآخرة وحدها لما كان في ذلك عجب، لأن ربعي بن عامر - رضي الله عنه - كان قارئاً لكتاب الله سبحانه وقد اطلع فيه على قوله سبحانه وتعالى: { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ } (1) وكذلك اطلع على قوله - عز وجل -: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } (2) فلو ذكر الآخرة وحدها لما كان في ذلك عجب، كما أنه أيضاً كان عارفاً بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع مرة منه عليه أفضل الصلاة والسلام ما سمع، وسمع من أصحابه ما سمع، وكان - صلى الله عليه وسلم - مما قاله في تعريف قيمة الجنة: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»(3) فليس في قوله من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة عجب ولكن العجب أنه بدأ بالدنيا أولاً فقال: «من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة» فأي سعة كان عليها العرب الذين خرجوا من جزيرة العرب التي كانت قاحلة جرداء؟ وأي ضيق مع الفرس الذين كانوا يتمتعون بما يتمتعون به من مظاهر الطبيعة الخلابة في بلادهم، ومن مظاهر الحضارة التي صنعوها بأنفسهم؟ وكانت هنالك القصور الشامخة وكانت هنالك الحدائق الغناء وكانت
__________
(1) آل عمران/ 133
(2) السجدة/ 17
(3) رواه البخاري، وأحمد بن حنبل، وابن عدي في الكامل ضعفاء الرجال، والسنن الكبرى للبيهقي، وتاريخ جرجان للبيهقي. (1/8)
صفحة 9
هنالك الأنهار المطردة، وكانت هنالك الجواري الحسان إلى غير ذلك، أجاب هذا المفكر الإسلامي بأن: «العجب هذا يتلاشى عندما نعرف حقيقة الأمر وكيف نظرة ربعي بن عامر ومن معه إلى هذه الحضارة الزائفة التي كان عليها أولئك، فكان ربعي ينظر إلى رستم كما ينظر أحدنا إلى كلب عند أوروبي مربوط بسلسلة ذهبية فهو لا يغتبط فهو فاقد الحرية بسبب ذلك الرباط، ولو كان مربوطا بسلسلة من ذهب، ولو كان يطعم ويسقى في آنية الذهب، ذلك كله لا قيمة له في موازين الإنسان المعتدل الذي يعشق الحرية، وكذلك مثل نظرته إليه كمثل نظرة أحدنا إلى الطير الذي هو في قفص ذهبي محبوس عن الطيران وعن أية حركة حسب حريته واختياره فهذا الطائر لا يغبط على تلك الحالة التي هو عليها». وقال: «بأن العرب كانوا يتمتعون بالحرية والفرس كانوا بخلاف ذلك»؛ فإن (يزدجرد) الإمبراطور الفارسي لما خرج هارباً من سيوف المسلمين اصطحب معه ألف طباخ وألف مغنٍ وألف خادم وألف قيم على الصقور وسائر الحيوانات، وكان يقول بجانب ذلك: «إنني في حالة يرثى لها، بحيث لم أخرج إلا في هذا العدد النزر اليسير من هؤلاء الخدم». (1/9)
صفحة 10
وعندما مرَّ في طريقه على امرأة وكان عطشان فاستسقاها فقدمت له السقيا، قال: «لم أشرب قط في حياتي إلا مع أغنية». يقول هذا المفكر الإسلامي: «أي ضيق أشد من هذا الضيق بحيث لا يستسيغ شربة ماء في حالة عطشه إلا بأغنية تغنى له، بينما العربي الذي اعتاد بأن يلتحف الخضراء، وأن يتوسد الحجر ويفترش الغبراء ويأكل كسرة التمر بيده ويشرب عليها بكفه شربة ماء، هو الذي يتمتع بأجواء الحرية بحيث لم يتقيد بمثل هذه القيود، ولم يُرهَق بهذه التكاليف المصطنعة التي لا أساس لها في الفطرة الإسلامية، ولا زال الجيش الإسلامي الذي رباه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أولئك الشباب يسير خطوة خطوة إلى الأمام في ذلك الوقت إلى أن ضاق (يزدجرد) الإمبراطور الفارسي نفسه ذرعاً وكتب -بعد ذلك- كتاباً إلى إمبراطور الصين يستنجده، وكان إمبراطور الصين على وعي ونباهة ولا يبعد -حسب ظني- أن يكون ذلك الإمبراطور هو الذي عاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه حسب ما وجدت في بعض التواريخ أن الإمبراطور الذي عاصر بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان من أعقل أباطرة الصين يسمى (تهتسنج)».
الإمبراطور الصيني يخشى المسلمين (1/10)
صفحة 11
ولما حمل رسول (يزدجرد) -الإمبراطور الفارسي- كتابه إلى الإمبراطور الصيني ومَثَل بين يديه في بلاطه وجّه إليه أسئلة بعدما قرأ كتاب الإمبراطور الفارسي، كان من بين هذه الأسئلة: هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر عدداً منكم أو أقل عدداً؟ قال له: بل هم أقل عدداً، قال له: هل هم أكثر عدة أم أقل عدة؟ قال له: بل هم أقل عدة، قال له: أخبرني عن حالهم؟ قال له: هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار. قال له: أخبرني عن طعامهم؟ قال له: يأكلون بقدر ما يعيشون. قال له: أخبرني عن لباسهم؟ قال له: يلبسون بقدر ما يستترون ويقولون ولباس التقوى ذلك خير. قال له: أخبرني عن حالتهم فيما بينهم؟ قال له: قلوبهم كقلب الرجل الواحد، فأجابه بقوله: لم يغلبوكم مع كثرتكم وقلتهم إلا بما ذكرته من صفاتهم، ثم كتب بعد ذلك رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس يقول له فيها: «قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء -يعني أنه لا يمنعه من إرسال جيش عرمرم حيث يجمع أعدادا هائلة فيكون أوله بمرو أي بخراسان في أرض فارس وآخره ببلاد الصين، إلا أن أولئك القوم لا يقاومهم شيء- ولو وقفت في وجههم الجبال لاقتلعوها، ولو أرادوني لأزالوني من مكاني، هذا فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم».
العقيدة منبع القوة (1/11)
صفحة 12
هذه هي الرسالة التي خرجت من الإمبراطور الصيني العاقل المفكر الذي يزن الأمور بموازينها الصحيحة، عرف أن القوة المادية لا تقاوم شيئاً من القوة المعنوية، فإن القوة التي كانت عند المسلمين، عند أولئك الشباب الذين رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كتاب الله وعلى سنته؛ تلكم القوة وهي قوة الإيمان والصلة بالله سبحانه وتعالى لا يزعزعها شيء فإن قوة الحديد والنار تتلاشى بين يديها، ولذلك استطاع أولئك القلة من المؤمنين الذين ساحوا في أرض الله الواسعة أن يفتتحوا هذه الممالك الواسعة، وأن يذيقوا الإنسانية طعم العدالة والمساواة، فعرفت الإنسانية قيمتها في هذه الحياة، وأدرك الإنسان بأنه خلق ليكون خليفة في الأرض، لم يخلق كما تخلق البهيمة العجماء تتمتع بالشهوات الدنيئة، وتسخَّر كما يريدها مسخرها، وذلك الذي كانت عليه البشرية من قبل، فإن الوضع البشري في هذه الإمبراطوريات كان كما يقول بعض المفكرين: «كان الوضع البشري هنالك أن تسخَّر الجماهير من أجل شخص واحد، شخص الإمبراطور فهي تفنى من أجل أن يحيا، وتشقى من أجل أن يرتاح، تجوع من أجل أن يشبع، تسهر من أجل أن ينام، وكانت كلها تدور حول ذلك الشخص.
جاء الإسلام بخلاف ذلك نهائيا، فذاقت الإنسانية طعم العدالة، وعرفت قيمة هذه الحياة، وقيمتها في الحياة».
وصف الشباب في القرآن الكريم (1/12)
صفحة 13
ولكن لننظر إلى ما وصف به الله سبحانه وتعالى هؤلاء الناس الذين تربوا على كتاب الله وعلى هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالله - عز وجل - يقول فيهم: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } (1) ويقول سبحانه وتعالى: { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (2) هذا هو وصف الله تبارك وتعالى العلي الأعلى الذي أنزله من سبع سماوات بعدما كان مدوناً مكتوباً في اللوح المحفوظ على قلب نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليكون قرآناً يُتلى إلى أن تقوم الساعة في الصلوات وفي غيرها، جعله الله سبحانه وتعالى تخليداً لمآثر ذلك السلف العظيم، وكما قيل: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» فالسير على هذا النهج هو أنشودة جميع المصلحين في جميع أدوار التاريخ، فكل أحد من
__________
(1) الفتح/ 29
(2) الحشر/ 8، 9 (1/13)
صفحة 14
المصلحين يحرص على تربية الشباب على هذا النهج، والسير في هذا الطريق، والاعتصام بهذه العروة والاستمساك بهذا الحبل والاستنارة بهذا النور، كل من مضى من المصلحين إنما يحرص على ذلك.
تربية أبو عبيدة للشباب
ولنأخذ مثلاً لذلك ذلك الإمام العظيم العملاق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي(1) -رحمه الله تعالى- الذي نهج هذا النهج في تربية الشباب لأنه أدرك قيمة هؤلاء الشباب وكيف يمكن استغلالهم في الخير، وكيف يمكن أن يكونوا رسل خير إلى الإنسانية، فقد كان عهد أبي عبيدة عهد ظلم وجور وانحراف من قبل السلطات الغاشمة، فقد انحرف بنو أمية بالحكم عن سواء الطريق الذي مضى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون من بعده، وكان الوضع كما يقول أحد المفكرين الإسلاميين المعاصرين: «كان الوضع في ذلك الوقت لا يختلف عن الوضع عما كان عليه الحال في بلاد فارس وبلاد الروم أيام الإمبراطوريات، فكانت الحياة كلها تدور حول شخص واحد وهو لشخص الذي يسمى بالخليفة والذي تخرج الأرض خيراتها من أجله، يزرع الزارع من أجله، يكدح الكادح من أجله، ويتجر التاجر من أجله، وتشقى الأمة من أجل مرضاته، وتعرى من أجل أن يكتسي، وتسهر من أجل أن ينام».
__________
(1) لمعرفة المزيد عن أحوال الإمام أبي عبيدة وحياته يمكن الرجوع إلى كتاب «الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145ه(» إعداد مبارك بن عبدالله الراشدي. (1/14)
صفحة 15
كان الوضع هذا هو لا ريب أن أبا عبيدة كان من الناس الذين يدركون تمام الإدراك حقيقة الإسلام الحقة الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإسلام لم يأت لتسخير البشر للناس بل لتحرير هذه الإنسانية وجعلها في منزلة سواء لا تتفاضل إلا بتقوى الله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (1).
ولذلك كان يحرص دائماً على تتبع أحوال المسلمين في العالم، وكان محاصراً حصاراً شديداً، بعدما سجن في سجن الحجاج بن يوسف هو وضمام بن السائب وقد أطال الحجاج سجنهما حتى صارا يجزان شاربهما بأسنانهما، واستشار الحجاج طبيباً مجوسياً في إطعامهما طعاما يعذبهما ولا يقضي على حياتهما فأشار عليه بأن يطعمهما الزيت والكراث، وقد أحسن المجوسي في ذلك، فإن هذا الطعام ما ينفع البدن ولكن مع ذلك فهو طعام غير مألوف، والطعام الواحد تعافه النفوس عندما تستمر عليه حتى تمله، حتى ولو كان مألوفا فكيف بغير المألوف؟؟ ولربما حاول بعض أصحابهما أن يدخل عليهما في بعض الأوقات شيئاً من الطعام ولكن مع الحذر البالغ من أن تنبه الحراسة لذلك إلا من يوافق من الحراس على أن يقوم بهذه المهمة في مقابل شيء من المال يعطاه، وفي يوم من الأيام أدخل لهما شيء من الخبز مع لحم الدجاج وقد سمعا بعد ذلك شيئاً من الضجيج على باب السجن فظنا أن السجان ومن معه تنبهوا لذلك فألقوا بذلك الطعام في الكنيف ولكن اكتشفا من بعد أن تلك الضجة كانت لأمر آخر، يقول ضمام: فوجدنا من فقد ذلك الطعام أمراً عظيماً ولربما ضاق ضمام ذرعاً بطول هذا السجن، وبسوء هذه المعاملة فيقول له أبو عبيدة الرجل الواسع الصدر: على من تضيق يا ضمام؟!
مدرسة أبو عبيدة تصنع الرجال
__________
(1) الحجرات/ 13 (1/15)
صفحة 16
وعندما خرجا من السجن بعدما مات الحجاج لم يخلد أبو عبيدة إلى الراحة ولم يطلب النعيم ليتقلب في أعطافه؛ وإنما حرص على أداء هذه المهمة، فكوَّن مدرسة للشباب في سرداب بالبصرة تحت الأرض، وكان حسب الظاهر ذلك السرداب مصنعاً للقفاف، فكان يدرس تلامذته في ذلك السرداب، وعندما يدخل عليهم داخل تتحرك سلسلة بضغوط خاصة على مدخل السرداب فيعدلون عن التدريس والدراسة إلى صناعة القفاف حتى اشتهر بلقب القفاف، وكان ذلك السرداب في حقيقة الأمر مصنعاً لرجال حملوا أمانة الله إلى عباد الله في أجزاء من الأرض فتخرج من ذلك السرداب حملة العلم إلى بلدان واسعة من أرض المشرق والمغرب، إذ كان يَفِد الوافدون من بلاد اليمن ومن عمان، ومن بلاد خراسان ومن بلاد المغرب، ومن مصر، إلى أبي عبيدة ليدرسوا في ذلك السرداب وليتخرجوا في تلك المدرسة الإيمانية التي تهيئ رجالاً لحمل هذه الأمانة الثقيلة. (1/16)
صفحة 17
وقد كان من بين تلامذته أربعة أئمة نصبوا أئمة عدولاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الله وينفذون أحكامه ويجاهدون في سبيله، وهم الإمام أبو الخطاب المعافري(1) والإمام عبد الرحمن بن رستم(2) اللذان نصبا ببلاد المغرب والإمام طالب الحق عبدالله بن يحيى(3) الذي نصب ببلاد اليمن؛ واستمرت فتوحاته إلى بلاد الحجاز، والإمام الجلندى بن مسعود(4)
__________
(1) هو عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني، زعيم ديني على المذهب الإباضي وقائد عسكري شجاع ومحنك، ولاه حملة العلم على أنفسهم بناء على أمر أبي عبيدة للقيام بالدعوة سراً ثم الظهور، وهو الذي هزم ورفجومة ودانت له القيروان بعد ذلك، قتل في معركة فاجأه فيها جيش العباسيين في (سرت) سنة 144ه(كتاب سير الأئمة وأخبارهم، أبي زكريا يحيى بن أبي بكر، ط2/ ص).
(2) هو الإمام عبد الرحمن بن رستم، ولد بالعراق ومات أبوه وهم ذاهبون مع أمه إلى الحج، وتزوجت أمه رجلا من القيروان فنشأ هنالك، ثم سار مع البعثة ودرس على يدي الإمام أبي عبيدة، وكان واليا على القيروان للإمام أبي الخطاب المعافري، ثم انتخبه المسلمون ليكون إماما لهم، فكان رأس الدولة الرستمية، بويع بالإمامة سنة 160ه، توفي 171ه، يراجع (طبقات المشائخ بالمغرب، الشيخ الدرجيني، ص) و(مختصر تاريخ الإباضية، تأليف العلامة الشيخ أبي ربيع سليمان الباروني، ط4، ص).
(3) هو عبدالله بن يحيى بن عمر الكندي (أبو يحيى) الملقب بطالب الحق، إمام إباضي من اليمن، خلع طاعة مروان بن محمد، وبويع له بالخلافة واستولى على صنعاء ومكة، وقد وجه إليه الخليفة جيشاً بقيادة عبدالملك بن محمد السعدي، ودخل هذا الجيش في معركة أبي حمزة وقتل فيها الأخير، ثم سار إلى طالب الحق الذي خرج إليه من صنعاء، ونشبت بين الطرفين معركة انتهت بمقتل طالب الحق، وكان ذلك في سنة (130) (سير الأئمة وأخبارهم، أبي زكريا يحيى بن أبي بكر، ط2، ص).
(4) هو أحد بني الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الحرار بن عبد العز بن معولة بن شمس، بويع له بالإمامة سنة (132ه) وكان قد بويع على إمامة الشراء وقام بالواجب خير قيام، فكان أول أئمة العدل بعمان، فقد كان - رضي الله عنه - عادلاً فاضلاً تقياً، حضر بيعة طالب الحق، وقاتل شيبان الصفري، استشهد في موقعة جلفار التي كانت بينه وبين رسول السفاح –خازم بن خزيمة- وذلك بعد سنتين وشهر من إمامته. (قلائد المرجان في ذكر السيرة العطرة لأئمة عمان، الشيخ إسماعيل بن إبراهيم السرحني، ص). (1/17)
صفحة 18
الذي نصب بعمان، هؤلاء كلهم من تلامذة أبي عبيدة، ومن الذين درسوا في تلك المدرسة وكان شأنه عجيباً مع هذا الحصار المضروب عليه، فإنه كان في كل عام يرسل بعثة من الحجاج إلى بلاد اله تعالى مكة المكرمة تقوم بأداء مناسك الحج وبالاختلاط بحجاج المسلمين وتتبع ما يجري في العالم مع أن وسائل الإعلام في ذلك الوقت لم تكن موجودة إلا الوسائل البدائية التي هي نقل الأخبار بهذه الطريقة، ولم تكن توجد وسائل للمواصلات إلا الوسائل البدائية من ركوب على ظهور الدواب أو سير على الأقدام، أو ركوب على ألواح البحر، وكان أبو عبيدة مع ذلك كله يحرص كل الحرص على أن يتتبع ما يجري في هذا العالم حتى ينظر أين يمكن أن تنجح الدعوة، ومن أي سبيل يمكن أن تنفذ، وهو قد اجتمعت فيه أسباب الضعف، فقد كان رجلاً فقيراً، وكان ضريراً إلا أنه قاد أمة، وكان بجانب ذلك لا عشيرة له تشد أزره وتحمي ظهره، وكان أيضاً من الموالي، وقد يكون هنالك الكثير من الناس يحتقرون الموالي بحسب الأعراف الاجتماعية إلا أن إيمانه العظيم غطى على هذه النواحي بأسرها فكان قائداً فريداً من نوعه، وقد جاء إليه من جاء من تلامذته بأخبار بلاد المغرب، وما كان يعانيه البربر في بلاد المغرب من ظلم ولأن بني أمية بحيث كانت بناتهم معرضات للسبي وكانت أموالهم معرضة للإتلاف والنهب، وكانت أيضاً نفوسهم معرضة للإزهاق، وهذا ما دعا البربر إلى أن يفكروا في أن يثوروا ثورة عنصرية لأنهم حسبما فهموا الإسلام من تصرفات هؤلاء الغازين الفاتحين، فهموه بأنه دين عنصرية جاء لتسخير الشعوب للعرب، ولكن عندما وصلت هذه الأخبار إلى أبي عبيدة واكتشفها على حقيقتها هيأ أحد الشباب الذين كانوا عنده للقيام بهذه المهمة وهو سلمة بن سعد(1)
__________
(1) هو من تلامذة الإمام أبي عبيدة أرسله شيخه للدعوة في بلاد المغرب العربي، وتذكر المصادر أنه خرج هو وعكرمة مولى بن عباس، وهذا الأخير يدعو للمذهب الصفري وكان ذلك في عام (100ه ) تقريباً، ينظر (نشأة الحركة الإباضية) ص. (1/18)
صفحة 19
الذين كان طالب علم عند أبي عبيدة في مرحلة مبكرة من تاريخ قيامه بالتدريس في ذلك السرداب وكان وافداً عليه من بلاد حضرموت، كما يقول جماعة من المؤرخين فهيأه للذهاب إلى البربر ولم يتردد التلميذ في ذلك وقال قولته الشهيرة عندما كان يودع شيخه: «وددت لو ظهر هذا الأمر يوماً واحداً ببلاد المغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي» ومع هذا كله كانت الطريق غير آمنة، وكانت الأوضاع صعبة جداً وكان المجتمع مجتمعاً مغلقاً لأنه لا يعرف لغته ولا يعرف عاداته ولا يعرف شيئاً من أحواله التي يمكن أن يستهدي بها للتأثير عليه إلا أنه اكتفى بما في صدره من اليقين وما بين جوانح قلبه من العزيمة المتوقدة، فشد الرجال إلى بلاد المغرب ومرَّ بطرق غير مألوفة هروباً من السلطة لئلا تفتح أنظارهم عليه، وكان يخشى البربر في مجتمعاتهم وأنديتهم ويحدثهم بما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما كان عليه الخلفاء الراشدون ويعرفهم الإسلام الحق ويدعوهم إلى الاستمساك بهذه العروة الوثقى، فكان لكلماته تأثير بالغ بل كان تأثيرها على المجتمع البربري كتأثير النار في الهشيم فسرعان ما كانوا يستجيبون لهذه الدعوة وينضوون إلى هذا اللواء.
أبو عبيدة يعد خمسة من تلاميذه لمهمة خاصة
وسرعان ما تكونت بعد ذلك بعثة تعليمية خرجت لطلب العلم من بلاد المغرب إلى بلاد المشرق إلى البصرة تتكون من أربعة شباب وهم إسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داوود القِبْلي النفساوي وعاصم السدراتي وعبد الرحمن بن رستم، الذي هو من أصل فارسي ولكنه انتقل إلى القيروان لأن أباه مات وهو في مكة المكرمة من أجل أداء فريضة الحج وكان بصحبته ابنه عبد الرحمن وأمه، فبعدما انتهى أمد حداد أمه تزوجت برجل قيرواني وحملها مع ابنها إلى بلاد المغرب، فكان من الدوافع له في المجيء إلى بلاد المشرق مرة أخرى أنه لعله يسكن في بلاد أبائه ويبحث عن ثروة أبيه. (1/19)
صفحة 20
فاجتمع هؤلاء الطلبة في كنف أبي عبيدة وضم إليهم وافداً آخر جاء من بلاد اليمن وهو الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني، فكان يرعى هؤلاء الخمسة رعاية خاصة ويهيئهم لأمر خاص يتعلق ببلاد المغرب، ولما أكملوا دراستهم بعدما انقضت عليهم خمس سنوات أمرهم أن يتوجهوا جميعاً إلى بلاد المغرب وقال لهم: إذا أمكنكم القيام فلا تتأخروا يوماً واحداً، فقالوا له: مَن نبايع؟ فقال لهم: بايعوا أبا الخطاب، فقالوا له: وإن رفض ذلك؟ قال لهم: اضربوا عنقه، ثم في أثناء الوداع كان إسماعيل بن درار يوجه إليه أسئلة، فسأله في ذلك الوقت وهو ممسك بركابه وشيخه يسعى في تشييعهم، سأله عن ثلاثمائة مسألة في الأحكام!! فقال له أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضياً يا ابن درار؟ فقال له: أرأيت إن ابتليت بذلك! وهذا الذي كان فعلاً.
وفعلاً وقع الذي أمرهم به أبو عبيدة، فعندما وصلوا إلى بلاد المغرب واجتمعوا في طرابلس رأوا من الظلم ما رأوه، وكان ذلك في بداية العهد العباسي وهي الدولة الوريثة للدولة الأموية في الظلم، فرأوا القيام أمراً محتوماً؛ واجتمعوا في بادئ الأمر لمهمة إصلاح بين رجل وامرأته ثم بعدما توطدت الأمور وتهيأت الظروف دعوا أبا الخطاب من أجل إتمام الصلح حسب الظاهر، فلما التفوا حوله قالوا له:أمرنا شيخنا أن نبايعك، وهذا أوان المبايعة، فحرص على الاعتذار من ذلك. فردوا عليه بأن وصية الشيخ أن يقتل إن رفض هذا الأمر، ولابد من ذلك؛ فاشترط عليهم ما اشترطه من الشروط ومنها السكوت على الفتنة التي تَحَدَّثَ المُتَحَدِّثُونَ، وخاض الخائضون فيها، وهي قضية الحارث وعبد الجبار(1).
أخلاق أهل الحق والاستقامة في الحرب
__________
(1) لمعرفة هذه القضية يمكن الرجوع إلى كتاب (نشأة الحركة الإباضية) للدكتور عوض خليفات، صوما بعدها. (1/20)
صفحة 21
وقاموا بالأمر وجاءوا إلى عامل الخليفة في بلاد طرابلس، ولأنهم ما قاموا إلا بالعدل وما حرصوا إلا على امتثال أمر الله سبحانه وتعالى، خيروا ذلك العامل بعد أن استسلم لهم بين أمرين أن يكون معهم وله ما لهم وعليه ما عليهم، وبين أن يخرج آمناً ويزود بما يحتاج إليه من الطعام لطريقه للمحافظة على حياته، ومن السلاح لأجل غارة قطاع الطرق عنه، فاختار الخروج فخرج من بينهم سالماً من غير أن يؤذوه فضلاً عن قتله، هكذا كانت المعاملة، وهكذا كان الاعتدال، ثم بعدما اشتهر أبو الخطاب بعدله ومساواته بين القوي والضعيف وكانت قبيلة (ورْفَجُومَة)(1) الصفرية متسلطة في بلاد القيروان وتعيث فيها فساداً، نادت امرأة بعدما نالها ما نالها من الظلم من هذه القبيلة: يا أبا الخطاب! وكان رجل ماراً بها وسمع هذا النداء فأخبر أبا الخطاب بهذا النداء، فلم يتردد أن يقول: لبيكِ يا أختاه. وبكى وسلَّ سيفه وقطع غمده ونادى إلى الجهاد، فخرج الناس للجهاد في سبيل الله ولما وصلوا إلى المدينة وحاصروها وأخرجوا تلك الطغمة الجائرة فيها، ظنَّ الناس بعد خروجهم من الحصار الذي كان أنهم سيجدون متاجرهم قد نُهبت وسيجدون زروعهم قد صُرمت، وسيجدون مزارعهم قد أتلفت فإذا بهم يجدون كل شيء على ما هو عليه، حتى أن جند المقاتلين لم يُؤخذ من أسلابهم شيء، وقد مرَّت امرأة بالقتلى وهم في ميدان المعركة وعليهم أسلابهم فقالت: كأنهم رقود. فسمي ذلك المكان رقَّادة(2) ولا يزال يسمى بذلك الاسم إلى الآن.
__________
(1) إحدى بطون قبيلة نفزة (نشأة الحركة الإباضية، د. عوض خليفات ص).
(2) هي منطقة قريبة من القيروان التجأ إليها أبو الخطاب المعافري ليوهم العدو –ورفجومة- أنه انسحب فتعقبوه ولما وصلوا رقادة فوجئوا بكمائنه ودار قتال بين الطرفين انتصر فيه أبو الخطاب وهربت ورفجومة إلى القيروان، (مصدر سابق، ص). (1/21)
صفحة 22
وعندما قال بعض الناس لأبي الخطاب -رحمه الله-: نأخذ من أموالهم كما يأخذون من أموالنا، قال قولته المشهورة: إذاً حق على الله أن يكُبَّنا معهم في النار، فنكون كما قال الله تعالى: { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } (1).
هذه هي تربية أبي عبيدة لهذا الشباب الذي تربَّى عنده على الاستقامة والحق والتقوى والاستمساك بكتاب الله وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومثل ذلك كان عند سائر تلاميذه، فعندما كتب له تلميذه طالب الحق بعدما رجع أدراجه إلى بلاد حضرموت من أرض اليمن قائلاً له: إن الظلم هاهنا قد بلغ غايته، فما رأيك بالقيام، أجابه بقوله: «إذا أمكنك القيام فلا تتأخر يوما واحداً، وقد أمددناك برجل أنجيله في صدره -يعني أبا حمزة الشاري(2)- وأمددناكَ باثني عشر رجلاً وألف رجل» أي أمددناك من عندنا باثني عشر رجلا وألف، المراد بالألف شاب كان في الثامنة عشر من عمره وهو بَلْج بن عُقبة الذي يقول فيه الإمام ابن النظر(3)
__________
(1) الأعراف/ 38
(2) هو المختار بن عوف بن سليمان بن مالك الأزدي البصري، ثائر إباضي من رجال طالب الحق الذي التقى به في سنة (128ه ) وبايعه في الخلافة في حضرموت وتوجه أبو حمزة من اليمن إلى الشام لقتال مروان بن محمد فاستولى على مكة في طريقه، ثم قاتله أهل المدينة في (قُديد) وقتل منهم نحو سبعمائة، ثم واصل سيره في اتجاه الشام، ووجه مروان لمقاتلته جيشا تعداده أربعة آلاف مقاتل، والتقى الجمعان بوادي القرى، فكانت الهزيمة من نصيب أبو حمزة، فعاد أبو حمزة ببقية جيشه إلى مكة ولحق به جيش الخليفة، ودخل الطرفان في معركة قتل فيها أبو حمزة سنة (130ه ) (سير الأئمة وأخبارهم، مصدر سابق، ص).
(3) ابن النظر: هو صاحب كتاب الدعائم الشيخ أحمد بن سليمان بن عبدالله بن أحمد بن الخضر، العالم الكبير ابن سليمان، من بني النظر السموئلي، له في الحفظ ما يقصر عنه حفظ أهل زمانه، قتله خردلة الفاسق، وهو ابن خمس وثلاثين سنة في القرن الخامس الهجري. (كتاب الدعائم، ابن النظر، المقدمة). (1/22)
صفحة 23
:
أو كفتى بلج الهمام البط
ي الحرب من في الجحفل
?
عن ألف قرن في الوغى لا ينجلي
ويقول فيه الإمام أبو إسحاق الحضرمي:
سل من غزا وادي القرى بالصيل
لج الذي لألف قرن ينتمي
?
كان يعد عن ألف بطل وهو شاب لم يصل العشرين من عمره، وعندما اجتمعوا حول الإمام طالب الحق واختاروه للإمامة وعقدوا عليه الإمامة -وكان ذلك في عهد مروان بن محمد(1) المعروف بمروان الحمار، وهو آخر خلفاء بني أمية- وتوجهوا إلى مقر الحكم في حضرموت، وكان هنالك من قبل العامل الأموي في صنعاء عامل يرعى شؤون حضرموت يسمى إبراهيم ابن جَبَلَة، فأخرجوه من معقل الحكم، وخيروه بين أن يكون معهم له ما لهم وعليه ما عليهم، وبين الخروج، فاختار الخروج، فأخرجوه آمنا من غير أن يرزءوه شيئا من المال، ومن غير أن يصيبوه بشيء من الأذى، فخرج إلى بلاد صنعاء، وكان بصنعاء القاسم بن عمر الثقفي، ثم خرجوا بعد ذلك إلى بلاد صنعاء وكانوا كما يقول أبو حمزة في وصفهم في خروجه ذلك: «النفر الكثير منهم يتعاقبون على بعير واحد، ويتعاورون لحافاً واحد، ولكنهم عندما جاءوا إلى صنعاء، وفتحوها ووجدوا خزائن الأموال التي جمعها العامل الأموي -القاسم بن عمر الثقفي- في صنعاء لم يسل من أجلها لعابهم ولم تمتد إليها أنظارهم مع فقرهم المدقع»، بل قال طالب الحق: «هذه أموال جبيت بغير حق على أهل صنعاء، فمردها إليهم وتوزيعها عليهم». وفي هذا يقول الإمام السالمي(2)
__________
(1) مروان بن محمد (72-132ه/ 692-750م) آخر الخلفاء الأمويين في الشام، ولد في الجزيرة، بويع له بالخلافة في دمشق، أوقع بالخوراج وقضى على خليفتهم الضحاك بن قيس الشيباني، هزمه العباسيون في معركة الزاب، وقتل بالقرب من بوصير (مصر) يُعرف بمروان الحمار لجرأته في الحروب وبالجَعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم. المنجد، ط21، ص.
(2) نور الدين السالمي: هو العلامة المحقق نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد في بلدة الحوقين من أعمال الرستاق، كان نيّر البصيرة، مع أنه ضرير، ويرأس الجيوش مع أنه فقير، له مع علماء المغرب ومصر مراسلات ومواصلات، من مؤلفاته: جوهر النظام، أنوار العقول، بهجة الأنوار، المنهل الصافي، مدارج الكمال، تحفة الأعيان، تلقين الصبيان.. وغيرها، مات في الثامنة والأربعين سنة 1332ه. (أعلام من عمان، يوسف الشاروني، ط1، ص، جوهر النظام، نور الدين السالمي، مقدمة). (1/23)
صفحة 24
–رحمه الله-(1):
وطالب الحق بصنعا حكما
لم يأخذن عند مضيق يومه
تعففاً منهم ومن كمثلهم
كانوا يموتون على ما أبصرو
جعلها في أهلها واحتشما
شيئاً لنفسه ولا لقومه
أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
من الهدى ما بدلوا أو غيروا
?
أبو حمزة الشاري في أرض الحرمين من أجل الدعوة إلى الله
ثم بعد ذلك أوفد الإمام طالب الحق قائد جنده أبا حمزة الشاري -رحمه الله تعالى- إلى أرض الحجاز، من أجل الدعوة إلى الله، ومن أجل تعريف الناس بالموسم بهذه الحركة التي قاموا بها، ولما وصل إلى بلاد الحجاز، ووافى الموسم، اشتد قلق سليمان بن عبد الواحد بن عبد الملك الذي كان بمكة المكرمة عاملاً من قِبل الخليفة الأموي، فأرسل إلى أبي حمزة يفاوضه إلى أن ينتهي موسم الحج، فأجابه أبي حمزة بقوله: «نحن أحرص الناس على حجنا» واستمسكوا بهذا الشرط، ولم يقوموا بأي عمل قتالي في أرض الحرم، بل لم يؤذوا أحداً في حرم الله تعالى، ولما انتهى الموسم خشي سليمان ابن عبد الواحد فخرج من مكة المكرمة ولحق بأرض الخلافة، ودخل أبو حمزة مكة بدون قتال، واستولى عليها، وخطب هنالك خطباً كثيرة؛ بيَّن فيها النهج الذي هم عليه سائرون، ثم بعد ذلك ذهب مع أصحابه إلى المدينة.
__________
(1) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، الإمام نور الدين السالمي، ط12 (1413ه/1993م)
ج-2، الجزء الثاني (كتاب الضمانات) باب الأموال المشتبهة، ص (1/24)
صفحة 25
وكان من سياسة بني أمية أنهم حاولوا إغراق أهل الحرمين الشريفين في الملاهي، وحرصوا على تمييع المجتمع في الحرمين الشريفين بكثرة الملاهي هنالك، وكثرة المطربين والمغنيين، وكثرة الناس المفسدين، وبعدما استمرأ أهل المدينة ذلك الفساد شق عليهم أن يغادروه إلى غيره، وينتقلوا من نمط تلك الحياة التي ألفوها إلى نمط حياة أخرى، نمط الحياة الشديدة، حياة الاستمساك بأهداب الاستقامة، ولذلك خرج عدد من المقاتلين منهم يصل ثمانية آلاف مقاتل، وواجهوا أبا حمزة وأصحابه في (قُدَيْد) فحرص أبو حمزة على التفاوض معهم، ولكنه لم يجد من أهل المدينة استجابة، فأقام عليهم الحجة بكثير مما وجهه إليهم من الأسئلة التي أجابوا عنها بما يقيم الحجة على أنفسهم، ولكنهم لم يرتضوا بالتفاوض، فقال لأصحابه: دعوهم حتى يبدءوكم بالقتال، وكان أصحابه لا يتجاوزون ألفاً ومائة على أكثر ما قيل، فرمى أهل المدينة في جند أبي حمزة بسهامهم -رشقوهم(1) بسهامهم- وأصابوا أحداً من جنده، فقال: دونكم الآن، فقد حل قتالهم، فأصلت السيوف، وقاوموهم مقاومة عنيفة أدت إلى انهزام أهل المدينة، بعدما تركوا وراءهم آلافاً من القتلى، وعادوا أدراجهم إلى المدينة المنورة.
__________
(1) الرشق والخزق بالرمي ورشقناهم بالسهام رشقاً، وإذا رمى أهل النضال ما معهم من السهام ثم عادوا فكل شوط من ذلك رِشْقٌ، (ترتيب كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ط1،ج/ص (1/25)
صفحة 26
ودخل أبي حمزة المدينة المنورة، وبث في الناس دعوة الخير، ونعى أهل المدينة ما صاروا إليه، وكان مما قاله لهم في بعض خطبه التي وجهها إليهم: «يا أهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أبناء المهاجرين والأنصار نِعْمَ ما ورَّثَكم آباؤكم لو حافظتم عليه، وبئس ما تورثونه أبنائكم إن تمسكوا به». وذكرهم بأن بلادهم آوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان مما يشيعه أهل المدينة في أبي حمزة وأصحابه أن هؤلاء شباب أغمار(1) سفيهة أحلامهم، فلما شاعت هذه المقالة، وبلغت أبا حمزة -رحمه الله- جاء إلى منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضع وجهه حيثما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع قدميه وبكى طويلاً حتى خضب لحيته بالدموع، ثم قال: «كم من قدم عاصية لله، منتهكة لحرماته، متسلطة على عباده، حاكمة بغير ما أنزل، وطئت موضع قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي» ثم بعد ذلك خطب خطبته(2) التي بيَّن فيها سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرة خلفاءه وما انتهى إليه الأمر من بعد، ثم قال لأهل المدينة: «يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شباباً؟ نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء(3)
__________
(1) الاغتمار: الاغتماس، والغمر: مُنهمَك الباطل، ومرتكم الهول (غمرة الحرب)، وفلان غمر فلان: أي علاه بفضله، ودخل في غمار الناس: أي مجتمعهم، والمغامر: الذي يرمي بنفسه في غمرة من الأمر، والغمر من لم يجرب الأمور وجمعه أغمار، ودار غامرة: خراب. (ترتيب كتاب العين، مرجع سابق، ص
(2) من أراد الخطبة كاملة فليرجع إلى (العقود الفضية في أصول الإباضية) للشيخ سالم بن حمد الحارثي، ص-208
(3) نضو: نضا ينضو، نضو السيف من غُمده: سله، نضا الثوب عند نزعه وخلعه، ونضو ونضيّا الفرس الخيل: تقدمها، والنضو: جمع (أنضاء) السهم فسد من كثرة ما رُمي به. (المنجد، ط21، ص، باب (نضو) فكأن المعنى أنهم ينسلخون من الدنيا كانسلاخ السيف من غمده، ويتركون ملذاتها ويتجهون إلى ما فيه الخير وهي الدار الآخرة. (1/26)
صفحة 27
عبادة، وأطلاح سهر، موصول كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم، وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوِّقت، ورماحه قد انتُضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا وعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنة، وشائك السهام، وحد السيوف بوجوههم، وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه فخر صريعاً في الثرى ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبه في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خَدٍّ عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان».
تصوروا وضع الشباب الذي رباه أبو عبيدة على الاستقامة والبر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضحية في سبيل الله، والحرص على امتثال أمر الله، وكما قيل قديماً: «لا يُصْلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها»(1) فالاستسماك إذاً بهذا النهج القويم، وتربية الشباب عليه وتوجيههم نحوه هو السبيل الأمثل لاستعادة أمجاد هذه الأمة، وجعلها أمة قوية، أمة ذات شأن بين الأمم، أمة ترهب الأمم قوتها، وترهب الأمم سلطانها وتأثيرها، هذا هو الطريق لإعادة أمجاد هذه الأمة لا تربية الشباب على الفساد وعدم الاستقامة.
دعاء
__________
(1) لعل هذه المقولة قالها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حسب ما ورد في كتب التاريخ. (1/27)
صفحة 28
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يبصرنا بأمور ديننا وأن يحمينا من كل شر، وأن يعيننا على كل خير، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً للخير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المراجع
القرآن الكريم.
أعلام من عمان (السلسلة العمانية) يوسف الشاروني، الطبعة الأولى (سبتمبر 1990م).
الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التيميمي وفقهه (45-145ه) الدكتور مبارك بن عبدالله الراشدي، الطبعة الأولى (1413ه/1993م).
ترتيب كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامِرَّائي، الطبعة الأولى (1414ه).
جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، الإمام نور الدين السالمي، علق عليه أبو إسحاق أطفيش وإبراهيم العبري، الطبعة الثانية عشر (1413ه/1993م).
سير الأئمة وأخبارهم (المعروف بتاريخ أبي زكريا)، أبي زكريا يحيى بن أبي بكر، حققه إسماعيل العربي، الطبعة الثانية (1402ه/1982م) دار الغرب الإسلامي.
طبقات المشايخ بالمغرب (الجزء الأول والثاني) الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، تحقيق وطبع: إبراهيم طلاي.
العقود الفضية في أصول الإباضية، الشيخ أبي عبدالله سالم بن حمد الحارثي، بلا تاريخ.
القاموس المحيط، الإمام مهدي الدين محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزابادي، الطبعة الأولى (1415ه/1995م) دار الكتب العلمية.
قلائد المرجان في ذكر السيرة العطرة لأئمة عمان، الشيخ إبراهيم بن يوسف السرحني.
كتاب الدعائم، الشيخ أبو بكر أحمد بن سليمان السموئلي، دمشق (1400ه/1980م).
مختصر تاريخ الإباضية، العلامة الشيخ أبي ربيع سليمان الباروني، الطبعة الرابعة، مكتبة الظامري للنشر والتوزيع. (1/28)
صفحة 29
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية (استانبول/ تركيا) 1982م.
المنجد في اللغة والأعلام، مجموعة من المؤلفين، الطبعة الحادية والعشرون، دار المشرق (بيروت).
نشأة الحركة الإباضية، الدكتور عوض خليفات، (1982م).
الفهرس
م ... الموضوع ... الصفحة
1 ... مقدمة وتسليم ... 5
2 ... مرحلة الشباب مرحلة العطاء والاستجابة للدعوة ... 10
3 ... عزة المؤمنين تدحر شرف الكافرين ... 13
4 ... الإمبراطور الصيني يخشى المسلمين ... 19
5 ... العقيدة منبع القوة ... 20
6 ... وصف الشباب في القرآن الكريم ... 21
7 ... تربية أبو عبيدة للشباب ... 23
8 ... مدرسة أبو عبيدة تصنع الرجال ... 25
9 ... أبو عبيدة يعد خمسة من تلاميذه لمهمة خاصة ... 29
10 ... أخلاق أهل الحق والاستقامة في الحرب ... 31
11 ... أبو حمزة الشاري في أرض الحرمين للدعوة إلى الله ... 36
12 ... دعاء ... 41
13 ... المراجع ... 42
14 ... الفهرس ... 44 (1/29)