صفحة 1
الكتاب: الشيخ علي يحيى معمر والدعوة إلى وحدة المسلمين
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
تاريخ المحاضرة: 21 جمادى الثانية 1410هـ / 18 جانفي 1990م، بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الشيخ علي يحيى معمر
طبع: المطبعة العربية، غرداية، الجزائر
سنة الطبع: 1994م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) الشيخ
علي يحيى معمر
و الدعوة إلى وحدة المسلمين
تأليف
الشيخ محمد ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
تاريخ المحاضرة
21جمادى الثانية 1410هـ
18جانفي1990م
بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة
الشيخ علي يحيى معمر
المطبعة العربية
نهج طالبي أحمد غرداية
الايداع القانوني رقم 80**01**1994. (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين جعل العلماء ورثة الأنبياء فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و يلهمه رشده.
و صل اللهم و سلم على خير المرسلين و قائد الغر المحجلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد
من الواجب علينا أن نشيد بما قدمه علماؤنا و أن نحيي ذكرهم بعد مماتهم بنشر مؤلفاتهم التي أفنوا فيها أعمارهم خدمة للعمل و الدين و إرشادا (1/3)
صفحة 4
للناس. و من بين هؤلاء شيخ المجاهدين الخالدين علي يحيى معمر رحمه لله.
فقد كان مقدما على أقرانه في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وكان أحرص العلماء على وحدة الأمة الإسلامية حيث عمل ونادى بالوحدة الإسلامية في خطبة و محاضراته ومؤلفاته وبين فضيلته إن الواجب على العلماء أن يدرسوا كتب جميع الفرق الإسلامية وأن ينتقدوا المخالفين لهم من خلال مؤلفاتهم. وأن يشيدوا بما قدموا من خدمة للأمة الإسلامية إن كان الواجب يحتم عليهم هذا
أخي القارئ الكريم إن من الواجب عليّ أن أشيد بمجهود الشيخ محمد ناصر (1/4)
صفحة 5
بو حجام لإعداده هذا الكتيب والذي بين فيه فهم الشيخ علي يحيى معمرّ في الدعوة إلى وحدة المسلمين من خلال مؤلفاته وخاصة الإباضية بين الفرق الإسلامية والإباضية في موكب التاريخ.
أخي القارئ الكريم أعدك إن شاء الله بنشر جميع مؤلفات الشيخ العلامة علي يحيى معمر إذا وفقنا الله للوقوف عليها ليعم نفعها ويستفيد بها جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
الناشر (1/5)
صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ علي يحيى معمر والدعوة إلى وحدة المسمين (1)
الشيخ علي يحيى معمر شخصية إسلامية وأدبية واجتماعية، امتازت بالبحث الجاد، والعمل الدؤوب المتواصل الذي لا يعرف الملل والكلل، في سبيل نشر المعرفة، وكشف الحقائق لمن يجهلها أو يتجاهلها.
لقد كان طول حياته الرجّل الصادق مع ربه
__________
(1) ألقيت الكلمة في المسجد الكبير (القرارة) يوم الخميس في جمادى الثانية 1410هـ/1990م بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الشيخ علي يحيى معر / (1/7)
صفحة 7
و نفسه، المحب لوطنه و أمته، الغيور على دينه، الداعي لوحدة المسلمين، المجاهد في سبيل جمع شملهم. المحارب للبدع و الخرافات، كان في كل ذلك محكما كتاب الله، و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
الأستاذ علي بن يحي معمر، من مواليد مدينة (نالوت) (ليبيا) سنة 1919م، تلقى دراسته بمسقط رأسه، ثم في جزيرة جربة التونسية، فمعهد الحياة بالقرارة (الجزائر). درس في جربة، و معهد الحياة، و أخيرا في بلدة ليبيا حين رجع إليها سنة 1945م.
في هذا الأخير تدرج في أروقة التعليم، من مدرس، إلى مدير مدرسة، إلى موجه تربوي (مفتش)، إلى موثق تربوي، إلى أن استقربه المقام (1/8)
صفحة 8
في طرابلس الغرب في وظيفي مرموق بأمانة التربية و التعليم (الوزارة)، و بقي فيه إلى أن وافته المنية، رحمه الله.
كان نشيطا في الحقل الديني و الأدبي و الاجتماعي، شارك في جميع مجالات النشاط في معهد الحياة: من دروس و جمعيات أدبية و فرق فنية و رياضية و مسرحية، و ذلك لما كان طالبا، و كان ناشطا في إلقاء الدروس و المواعظ في المساجد، و في صفوف العامة و الطلبة، عملا بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
كان ينشر مقالاته الدينية و الاجتماعية و التاريخية في مختلف الجرائد و المجلات، خاصة: الشباب (معهد الحياة) المسلمون، الأزهر، الرسالة، الأسبوع السياسي، المعلم و غيرها .... (1/9)
صفحة 9
أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات عديدة، تزيد عن سبعة عشر مؤلفا (17) عدا التعليقات و الردود و المقالات و القصائد و الأناشيد و الفتاوى. (1)
هكذا بقي المرحوم يناضل و يجاهد إلى الرمق الأخير في حياته، و بذلك أدى ما عليه، فذهب إلى ربه قرير العين حين قيل له: ((يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و أدخلي جنتي)) و كان ذلك يوم الثلاثاء 27 صفر 1400هـ الموافق لـ (15 جانفي 1980م) رحمه الله و أسكنه فسيح جنانه.
مما يمتاز به الشيخ على يحيى معمر في كتاباته: المناقشة العلمية الهادئة، و الجدل المقنع اللذين
__________
(1). لمزيد من الاطلاع على هذه الأعمال تراجع المقدمة التي وضعناها لكتابه (الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم) / (1/10)
صفحة 10
مصدرهما الكفاية العلمية و الأصالة و التفكير، و الاقتناع بالمبادئ التي يعتنقها، و الاستجابة لقوله تعالى: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة، و جادلهم بالتي هي أحسن)).
كما تمتاز مؤلفاته باللغة البسيطة و الأسلوب الممتع، كما عرف عنه التواضع للعمل، و الاحترام للعلماء، و التقدير للآراء المعروضة، لأنها تمثل قبل كل اعتبار و جهات نظر مجتهدين، قد يصيبون، و قد يخطئون.
لكل ذلك نال في قلوب كبار النفوس و المنصفين مكانة عالية، و حظي بالتقدير و الاحترام و قال أبو اليقظان، إبراهيم: ((تسلمت شطرا من كتابك الأباضية في موكب التاريخ فتصفحت مقدمته، و شطرا منه فوجدته كتابا بديعا في فنه، وديعا (1/11)
صفحة 11
في أسلوبه، ينساب كالماء في الأغصان وقت الربيع، و كالنسيم فيه، يأخذ من يانع الزهر، و لا يكاد يشعر به الإنسان إلا وقد بلغ الغايتين تجاويف القلوب، و لفائف النفوس، توخيت في أسلوبه الوداعة و البساطة، لا حدة و لا عنصرية، و لا إجحاف بحق الأمة في تاريخ أسلافها، هكذا ذهبت كالسهم رأسا إلى اللب، فاقتنصته بلباقة، و طعمت به في لفائفه، و أغشيته كالطبيب، حتى ركزته في بؤرة مرض من المريض بدون أن يشعر بمرارة الدواء، حتى يجد راحة الشفاء، هكذا فليكن الدعاة، أسلوب متواضع رصين، يأخذ طريقه إلى القلوب بدون استئذان، فبارك الله لك في قلمك السيال، و فكرك المنتج، و ضميرك اليقظ)) (1).
__________
(1) من رسالة وجهها الشيخ أبو اليقظان إلى الشيخ علي يحيى معمر مؤرّخة هكذا: الجزائر يوم:18/ 09/1964م. / (1/12)
صفحة 12
بهذا الأسلوب استطاع المرحوم أن يعالج كثيرا من قضايا المسلمين، و يناقش بعضا من اهتماماتهم و انشغالاتهم، من هذه القضايا ((وحدتهم و تضامنهم)).
إن حاجة المسلمين إلى التقارب و التفاهم، هي اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، بعد المآسي التي تعرضوا لها في العصور السابقة التي اتسمت بالجهل و التعصب و التسلط و القهر و الاضطهاد، و كبت الحريات، و تمرير المؤتمرات، و اختلاف أساليب التمويه، و اتباع سياسة التشويه و التزييف و التحريف، مما نتج عنه مجتمع إسلامي ممزق الأواصر، مشتت الأفكار، متضارب الأهواء و المشارب، خائر القوى، مذبذب المواقف كسولا لا يتحرى نقل الحقائق، و لا يسعى إليها بنفسه، بل يترك غيره يمليها عليه كما يشاء، و تبلد فكر (1/13)
صفحة 13
أبناءه، فلم يعودوا قادرين على استقراء الأحداث، و لا استنطاق المواقف، فانطلت عليهم الحيل، و خفيت عنهم الدسائس، فراحوا يكتبون و يرددون ما يملي عليهم من بعض الفرق الإسلامية و أعلامها و آرائها، دون تمحيص و تدقيق، و ينسبون إليها أقوالا و أمورا، جهلا أو تعصبا، أو لسبب ودافع آخر غابت عنا حقيقته و فحواه.
كانت هذه الكتابات كافية لإخراج من كتب عنهم و زحزحتهم من زمرة المسلمين، و لذلك فهم يستحقون لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.
و قد كان لكتاب المقالات دور كبير في هذا المسار، لأن ما كتبوه كان المصدر و كان الأصل في كل ما يجب معرفته عن المذاهب الإسلامية، و معتقداتهم و مبادئهم. و قد اساؤوا كثيرا إلى (1/14)
صفحة 14
الإسلام حين لم يوفقوا في كتاباتهم و تأريخهم لمسيرة الفكر الإسلامي.
جئنا نحن، فزدنا الطين بلا، حين اعتبرنا أقوالهم أمورا مسلمة، لا يمكن مناقشتها، لأنهم معصومون من الخطأ، و أصررنا على ذلك، رغم توفر أسباب المعرفة، و طرق التمحيص و التدقيق، و موازين التمييز و التثبيت، فجمدنا عقولنا، و ضيقنا قلوبنا، و حددنا أفق معارفنا، و وضعنا على أعيننا أقنعة، و قصرنا مواطن نظرنا، لأننا لم نكن في مستوى الكلمة المسؤولة، و الموقف التاريخي الملتزم، و حقيقة التصور الموضوعي النزيه، و النظرة المستقبلية الشاملة و الرؤية الواضحة الواعية، فازدادت صفوفنا تصدعا، و مواقفنا تباينا (1).
__________
(1) محمد ناصر بوحجام، عرض كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية جريدة المساء: يوم السبت 27 رمضان 1408هـ/14 ماي 1988م / (1/15)
صفحة 15
لقد حاول شيخنا علي يحيى معمر تدراك هذا الخطأ، و معالجة مسألة الوحدة الإسلامية بكتاباته و مواقفه و توجيهاته، و ذلك بتقرير بعض الأسس التي يجب إن ينطلق منها كل من يعترض أو يتصدى للكتابة، أو الحديث عن اهتمامات المسلمين مهما تكن هذه المحاولات، و مهما تكن هذه الموضوعات، إذا يجب معالجتها بما يعين على جمع كلمة المسلمين لا بما يؤدي إلى تفرقها.
يرى الأستاذ أن المسلمين متساوون فيما بينهم، لا فرق بين مسلم و آخر، و لا أفضلية لفرقة على أخرى، و هو ما يجب أن يعتقده كل مؤمن، قال تحت عنوان: ((يا أخي في الله)): ((و أن تضع في اعتبارك أنني أرى جميع الفرق و المذاهب الإسلامية تقف متساوية على صعيد واحد، فليس (1/16)
صفحة 16
فيها-بصفتها الجماعية-فرقة أفضل من فرقة، و لا مذهب خيرا من مذهب، و أن من المنتمين إلى كل فرقة أو مذهب أتقياء بررة، و أشقياء فجرة، و سوادا أعظم، و هو وسط بين ذلك)). (1)
فهو يعيب على المسلمين حين تعتقد كل فئة أنها خير من الأخرى، و أنها صاحبة الأفضال، و أن غيرها لا وزن لها و لا قيمة، فتضفي على نفسها ألقابا و تتسمى بأسماء تحرم غيرها منها: ((سبق إلى أذهان الناس، بسبب ما يقوله كل أصحاب مذهب عن أنفسهم بأنهم أصحاب الحق و أهل العدل، و أهل الصواب و أهل السنة، و أهل الاستقامة، و بما يقولونه عن غيرهم من أنهم أهل الزيغ، و أهل الضلالة، و أهل البدعة و أهل الأهواء،
__________
(1) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية. ص:07. / (1/17)
صفحة 17
و بأنهم فعلا أهل الحق، و بأنهم في الجنة، و بأن غيرهم فعلا أهل الباطل، و أنهم في النار، هذه المفاهيم المبنية على أنانية مذهبية يجب أن تختفي، و أن يقوم بدلها مفهوم، هو أنه ليس هناك في الإسلام إلا أمة واحدة هي الأمة الإسلامية التي و عدها الله تبارك و تعالى بكل خير، و ليس فيها مجموعات أو طوائف أو فرق تدفع هكذا بوصفها الجماعي إلى الهاوية)). (1)
أن أشد ما كان يحز في نفسه أنه يرى المسلمين يتناحرون فيما بينهم، خاصة حين يحدث هذا في مستوى علماء الأمة الموجهين لها، و كان الشيخ يرى أن سبب هذا التناحر، هو التهم التي يوجهها البعض إلى الآخر، نتيجة الجهل، و فقد الوعي.
__________
(1) م، س: ص397. / (1/18)
صفحة 18
لهذا عني بإظهار الحق، و الدفاع عن المظلوم، و تصحيح المفاهيم، و الكشف عن الأغاليط، و قد نشر دراسات اجتماعية و تاريخية قيمة، و كتب بحوثا و فصولا مطولة عن الاباضية بخاصة، و لم يكن هذا منه تعصبا لمذهبه، لكن تحقيقا لمبدئه، و تنفيذا لخطته، و هو إظهار الحقائق، و دفع الضيم عن طائفة طالما ظلمها التاريخ أم تعصبا أو جهلا، قال الشيخ: ((أن أقلاما لم تستقص البحث، و لم تتعرف الحقيقة قد تناولت هذه الفرقة بشيء من الخطأ في فهم أصول العقيدة و الخطأ في فهم البواعث على العمل و الخطأ في مضمون الأسباب التي نتجت عنها أحداث تاريخية، حملت هذه الفرقة أوزارها، و بريء منها أولئك الذين تسببوا فيها، و الذي يهمني في هذا الكتاب أن أوضح (1/19)
صفحة 19
بعض اللبس الذي نتج عن آثار الأقلام الخاطئة ..... )). (1)
ثم يبين أن هذا المسلك يندرج في إطار تسهيل وسائل الاتصال و التقارب بين المسلمين بالتعريف بهم، لأن الإنسان عدو ما جهل، و يؤكد على أن الاعتزاز لا يكون إلا بالأمة الإسلامية ككل، و لا اعتراف بها متشتتة متفرقة: ((و أنني و أنا أقدم للقارئ الكريم هذا الكتاب عن فرقة من فرق الإسلام في جزء من وطن الأمة المسلمة الكبير، يسرني جدا أن أعلن هنا، كما أعلنت من قبل أنني لا أعتز إلا بالأمة المسلمة أمة واحدة، و لا أعتز إلا بالوطن المسلم و طنا واحدا، و أن ما قدمته و أقدمه من أبحاث عن طوائف صغيرة، أو بلدان ضيقة،
__________
(1) الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى: ص 10. / (1/20)
صفحة 20
فإنما أكشف عن صورة من حياة هذه الأمة العظيمة، في جانب من جوانبها، أو قسم من أقسامها، فإذا بدأ للقارئ الكريم في أثناء قراءته ما يشعر بغير هذه الحقيقة الثابتة، أو أحس أن عبارة من العبارات تشعر بغير هذا المعنى، أو تدعوا إلى عنصرية أو تفرقة فليضرب بذلك عرض الحائط. فان كيان الأمة المسلمة و الوطن المسلم أكرم على الله، و على الملائكة، و على المؤمنين، و أعز من جميع الكتاب و الدعاة، و إنني أحسب أن إيماني بهذه الحقيقة من وحدة الأمة في مذاهبها و أجناسها و أوطائها قربة أتوسل بها إلى الله تعالى.)) (1)
كيف لا يلتزم بهذه الطريقة و لا يسير على هذه السنن، و لا يعمل على تطبيق تعاليم الإسلام،
__________
(1) الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة: ص11. / (1/21)
صفحة 21
و تجسيد روحه في سلوكه، و هو موجها و ناصحا: ((و الكاتب المسلم حين يكتب عن طائفة أو عن بلد، يجب أن يحرص على الرباط المتين الذي يربط بين الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها و ديارها، و أن يبعد عن قلبه و عن أحاسيسه، و عن شعوره معاني التفرقة و العنصرية، العصبية، تلك المعاني المنتة التي استغلتها المصلحة الخاصة غير المؤمنة، و قامت بها في أحداث الزمن مطامع فردية، و سجلتها في التاريخ أقلام مأجورة، أو مغرورة أو مخدوعة، على حساب العناصر أو الأجناس أو المذاهب.)) (1)
يرى الشيخ علي يحيى معمر أن هناك عملا كبيرا متواصلا يجب القيام به، ليكفل لنا الوقوف
__________
(1) م، ن. / (1/22)
صفحة 22
أمام الادعاءات المغرضة، و المكايد المدسوسة، و الضرب على الأيدي العابثة، أنه العمل على إزاحة ما ران على التاريخ الإسلامي من آثار كتابات المغرضين، و ترهات الجاهلين و الحاقدين، و أكاذيب الأفاكين، و هو ما يعين على تصحيح المفاهيم، و رد الشبه، و إجلاء الحقائق، بذلك يتسنى للمسلمين إن يرجعوا إلى بعضهم البعض، و تتم وحدتهم و يتعاونوا على البر و التقوى، يقول الشيخ: ((فإننا في أشد الحاجة إلى أن نزيح من تاريخ الأمة الذي رمتها به أقلام مغرضة أو مخطئة، حتى إذا استقام تاريخ الأمة الإسلامية على حقيقته، و برئت الفرق المختلفة مما قيل عنها بسوء نية أو بحسن نية، مما لا يتلاءم مع أصولها و قواعدها و مصادر تاريخها و تشريعها. (1/23)
صفحة 23
إذا استقام التاريخ على ذلك، سقط عن الأمة كثير مما دسته الأيدي العابثة و الآراء المخطئة، و الأقلام المغرضة، سواء كان ذلك من كيد خارجي اندس في التراث الإسلامي، فآزرته عقول سطحية، لم تنتبه لما يحمله من عدوان، أو من كيد داخلي، دعت إليه ألسنة لم يهذبها النطق بالشهادة، فتقولت الأقاويل من أجل غرض دنيوي قريب أو متاع فيها قليل.)) (1)
لهذا يرى الشيخ على أن المعرفة التي تتوفر للمسلمين عن كل مذهب، و التعارف الذي يتم بين معتنقي المذاهب، و الاعتراف الذي يكون شعار كل فرد في كل مذهب، كل ذلك يشعر الجميع أنهم يسيرون في خط واحد، و يهدفون إلى غاية واحدة،
__________
(1) الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى: ص10،11 / (1/24)
صفحة 24
و هي خدمة الإسلام، و رفع كلمة الله، و بالتالي يؤمنون بضرورة الترفع عن سفاسف الأمور، و عدم البقاء في الأمور الهامشية، و الارتفاع إلى مستوى عظمة الرسالة.
هذا المثلث (المعرفة، الاعتراف، التعارف) كفيل بتحطيم المذهبية المبنية على التعصب المقيت، و المؤسسة على فكرة انحصار الحق عند طائفة معينة و إنكار ما عند الآخرين، و الرامية إلى التشنيع بمن لا يقول بما تقول به فئة من المسلمين:
((و أنا على يقين-في نفسي-أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة، و لا تتحطم بالحجة، و لا تتحطم بالقانون، فان هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب، و قوة في رد الفعل. و إنما تتحطم المذهبية بالمعرفة و التعارف و الاعتراف (1/25)
صفحة 25
فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون و لماذا يتمسكون به. و بالتعارف يشتركون في السلوك و الآداء الجماعي للعبادات، و بالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر يرضى، و يعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب، أو اجتهد فأخطأ)، و في ظل الأخوة و السماح تغيب التحديات، و تجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها و فهمها بالأصل الثابت في الكتاب و السنة، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت مذهبا.)) (1)
بهذه الروح عالج الشيخ كثيرا من القضايا الإسلامية، و بها يتمنى أن تزول الثقة بين المسلمين، و تذهب أسباب التباعد عن بعضهم البعض، و يحل
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 7،8. / (1/26)
صفحة 26
محلها التفاهم الذي يؤدي إلى التعاون و العمل المشترك، هذا ما جعل الأستاذ علي مصطفى المصراتي يقول: ((كانت و لا تزال و ستظل دراسات علي معمر- رغم اختلافات الرأي- أو في لون من ألوان التقريب بين المذاهب الإسلامية في الكتاب و السنة و الشريعة.)) (1)
بهذا العرض المقتضب لاراء علي يحيى معمر في مسألة الوحدة الإسلامية و كيفية تحقيقها، يتضح لنا دورة في التقريب بين المسلمين، بمحاولة إزالة ما يعكر صور العلاقات بينهم، و العمل على إخراج الرين الذي أحاط بالقلوب و نبذه.
و الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الغاية المنشودة،
__________
(1) من كلمة أبّن بها المرحوم في مصلى مقبرة سيدي مندر (طرابلس الغرب) بوم: 16/ 1/1980م. / (1/27)
صفحة 27
و بلوغ الهدف المرسوم، و تحقيق الأمل الكبير و هو " الوحدة" لا تتم إلا بتطبيق الشعار المقترح (المعرفة، التعاون، الاعتراف).
إننا في أمس الحاجة إلى الوحدة، فالأعداء قد تكالبوا علينا، و استغلوا فينا و صمة التشتت و الافتراق، فأصابونا في ديننا، و في علاقاتنا، و ألهونا بمسائل هامشية على حساب الجوهر، و هو العمل على تطوير مسيرتنا الفكرية، بما يعود علينا بالخير العميم، قال الشيخ علي يحيى معمر:
((و لن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر و أبي حنيفة و مالك و الشافعي و زيد و جعفر و أحمد و غيرهم، ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد، لا مزيد لأحدهم على الآخرون، إلا بمقدار ما قدم من (1/28)
صفحة 28
عمل خالص لله.)) (1)
و في ختام هذه الكلمة أسجل ملاحظتين اثنتين:
1/كان الشيخ علي يحيى معمر يناقش هذه القضايا بهدوء المؤمن الذي يسعى إلى إظهار الحقيقة، رغبة منه في توحيد صف المسلمين، و بعدة الباحث الذي يملك الحجة، و البرهان على تقرير الحقائق، و الذي يتحلى بالكفاية في الكتابة و الإفهام و التبليغ، و بأخلاق العالم الذي يتواضع بعلمه الواسع، و يعترف بالفضل لأصحابه، و للعلماء العالمين، و يلتمس أعذارا لمن كتب و ينزهه عن القصد إلى الإساءة، (2) يقول: ((أخي في الله أرجو أن تقرأ هذه الفصول المعروضة بين يديك في
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية: ص 5. /
(2) محمد ناصر بوحجام، عرض كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية بجريدة المساء، ع: 521، يوم: 28 مايو 1988. / (1/29)
صفحة 29
هذا الكتاب، محتسبا أجرك على الله، و أن تأخذ منها ما استبان لك أنه الحق بحفاوة، و أن تنبذ ما استبان لك أنه الباطل على طول يدك، و أن تزن كل ذلك بالميزان الدقيق الذي لا يخطئ من قوله تعالى: ((فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم مؤمنون بالله و اليوم الآخر.)) (1)
2/ كشفت كتاباته عن الأخطاء التاريخية الفادحة التي ارتكبت في حق المذهب الإباضي، كنموذج للافتراء على الفكر الإسلامي، و يبين كيف تبرعمت تلك الأخطاء و أورقت، فأنتجت ثمارا خبيثة أسهمت في توسيع شقة الخلاف بين المسلمين، كما أماطت اللثام عن البيئات التي ترعرعت فيها الشطحات التاريخية فرقص
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 7. / (1/30)
صفحة 30
على أنغامها الكذابون و المشنعون و المغرضون، و الأفاكون الذين يحبون أن تشيع الفتنة و الفرقة بين أبناء الملة الواحدة. فلننتبه إلى ما يحاك ضدنا، و لنتأكد مما نقرأ، و لنتأمل فيما يملى علينا، و لنربط كل قول بالعوامل التي دفعت إلى الجهر به، حتى لا نخسر أنفسنا. و هو ما يدعونا إلى مراجعة كثير من الآراء التي قررت في حق بعض المذاهب الإسلامية، و إعادة النظر في طريقة التعامل مع الفكر الإسلامي. و التعريف به و الكتابة حوله، بما يعمل على التقريب بين المسلمين، بدل التفريق بينهم.
هذه الآن شهادة اعتراف و تقدير للشيخ علي يحيى معمر يقدمها له أستاذه الشيخ سليمان عون الله (( .... و إن كان ما تناولته الأيدي (1/31)
صفحة 31
في هذه المؤلفات ((أي مؤلفات الشيخ علي)) حتى الآن هو شيء قليل بالنسبة لما تبقى، إلا أنه رغم قلته أحدث أصداء واسعة في الأوساط العلمية و الأدبية، و أزاح عمن أعشى ظلام التعصب أعينهم، و ران الجهل و الحقد على قلوبهم، أزاح عنهم الغشاوة السوداء فأرى لهم حقيقة الإسلام بيضاء ناصعة، بأدلة و براهين تظهر في المنهج الذي سلكه أبو الشعثاء جابر بن زيد، و أتباعه من بعده. كان رحمه الله نبراسا يستضئ به في دياجير الجهل المدلهمة و سيفا بتارا يقطع به حجج أهل الزيغ و الضلال، و رحمة ضيقت الخلاف بين المسلمين.)) (1)
__________
(1). ترجمة المرحوم علي يحيى معمر / (1/32)