صفحة 1
الكتاب: الصحوة الإسلامية وتحديات الواقع لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الصحوة الإسلامية وتحديات الواقع
محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان حفظه الله
ألقاها سماحته بكلية الشريعة والقانون بالوطية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره، وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العز كل العز في طاعته والذل كل الذل في معصيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فبتحية الإسلام والسلام، تحية الإيمان والأمان أحييكم مشائخ العلم وطلبته وطالباته، فالسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته. إنها لفرصة سعيدة أن نلتقي في هذا الصرح العلمي وفي هذا المكان الطيب، في هذا المكان الذي تتفجر فيه ينابيع العلم والحكمة ليرتوي منها رواد المعرفة الذين جاءوا من أجل صقل نفوسهم من صدأ الجهل ومن أجل فتح بصائرهم على أنوار المعرفة ومن أجل وصل أرواحهم ببارئها سبحانه وتعالى، فالحمد لله على نعمة اللقاء.
وقبل الدخول في أي حديث أعتذر إليكم مما سمعتموه من الثناء الذي أُلبسته ولست له تأهلا في قبيل ولا دبير، وإنما هذه هي عين الرضى، فالشاعر يقول:
ولست برائ عين ذي الود كله ********* ولا بعضه يوما إذا كنت راضيا
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ******** ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولا أملك ما أقول أمام ما سمعته إلا ما روي عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون ). (1/1)
صفحة 2
هذا، والموضوع الذي طُرح من أجل أن يكون محور حديثنا هذا موضوع مهم جدا، وقد كنت أود أن أعد له عدته، ولم يتيسر لي أن أراجع ذهني أو أن أرجع إلى شيء لأتمكن من الحديث كما ينبغي، وبقدر استطاعتي حوله ولكنني سأحاول بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن أعبر عما يخطر ببالي حول الصحوة والتحديات التي تواجهها.
لا ريب أن هذه الصحوة جاءت بعد غفلة، عمق هذه الغفلة الاستعمار الأجنبي الذي غزى البلاد الإسلامية، وكان أول ما أراد أن ينفذه هو أن يقطع صلة هذه الأمة بماضيها، ولا ريب أن الحاضر إنما يبنى على الماضي وكل أمة ليس لها ماض ليس لها حاضر، وكما يقول أحد فلاسفة الغرب : ( إن الشعب الذي يحب الرقي يجب ألا يقطع الصلة التي تربطه بماضيه ). ولا ريب أن هذه الأمة شاء الله سبحانه وتعالى أن يكرمها وأن يرفع من قدرها على الأمم، إذ جعلها شهيدة على غيرها من الأمم كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهيد عليها، فهي تتبوأ بحكم هذه المنزلة التي رفعها الله تبارك وتعالى إليها مكان القيادة بين الأمم، فعليها أن تكون مؤثرة لا متأثرة وأن تكون قائدة لا منقادة وأن تكون حاكمة لا محكومة وأن تكون موجهة لا متجهة بحسب ما يوجهها به غيرها.
إن هذه الأمة كما سمعتم فيما تلي علينا من كتاب الله سبحانه وتعالى كتب الله تبارك وتعالى لها العزة : " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون " ، وإنما كانوا أعلون بما كرمهم الله تبارك وتعالى به وبما هداهم إليه من الحق ومن الصراط المستقيم، وبما استمسكوا به من حبل هذا الدين الحنيف. بقدر ما تكون هذه الأمة مستمسكة بهذا الحبل المتين وموصولة به، ومستبصرة بهذا النور المبين وسالكة هذا الصراط المستقيم تكون أمة عالية وتكون أمة عزيزة وبقدر ما تتخلى عن ذلك تكون على العكس من ذلك. (1/2)
صفحة 3
ونحن نجد في تربية القرآن لهذه الأمة، وتربية الرسول صلوات الله وسلامه عليه لها أن هذه التربية جاءت مبينة على الاستقلالية بحيث تكون هذه الأمة مستقلة في مظهرها ومخبرها، في تصوراتها وعقائدها، في عباداتها وشعائرها، في سلوكها وأخلاقها، في معاملاتها وتصرفاتها، يجب أن تكون أمة مستقلة. ومن أجل ذلك نجد في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على وجوب التراحم والتلاحم بينها، ووجوب وجود ما يفصلها عن غيرها من الأمم حتى لا تتأثر بغيرها. والله سبحانه وتعالى يحذر هذه الأمة أي تحذير من أن تمنح الولاء لغيرها، يقول الله سبحانه : " يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل * " ثم يبين أنه مهما توددوا إلى غيرهم ومهما اقتربوا من غيرهم فالعاقبة معلومة " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ". (1/3)
صفحة 4
ويقول تعالى: " يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " ثم بين أن هذه الموالاة إنما تأتي نتيجة مرض نفساني حيث قال: " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين "، ثم يتبع ذلك ما يؤذن بأن هذه الموالاة عندما يسترسل الإنسان فيها تنتهي به إلى الانسلاخ من هذا الدين والارتداد عنه حيث يقول تعالى تحذيرا لعباده المؤمنين في معرض هذا السياق، معرض التحذير من موالاة الكافرين ، " يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ". ثم يبين من يجب على المسلم أن يحصر ولاءه فيه أي من يمنح المسلم ولاءه له، ويقول: " إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " ، ويبين عاقبة هذه الموالاة التي تكون بين المؤمنين فيقول: " ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون ". ثم يتبع ذلك مرة أخرى التحذير من موالاة أولئك فيقول: " يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ". هذه هي تربية القرآن لهذه الأمة على الإستقلالية بحيث تكون مستقلة من أي ناحية من النواحي، ولذلك تحصر ولاءها فيما بينها بعد أن تتولى الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام. (1/4)
صفحة 5
ونجد أن التربية النبوية كانت على هذا النهج، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على أن يربي هذه الأمة على الاستقلال في جميع مناهج حياتها، سواء كانت هذه المناهج نظرية أو تطبيقية، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتساهل في تقليد غير المسلمين ولو في الأمور العادية؛ وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان في حالة دفن ميت وكان واقفا وكان أصحابه وقوفا معه فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود من أجل مخالفة ...اليهود. ولا ريب أن هذا الحرص منه صلى الله عليه وسلم على تربية هذه الأمة على الاستقلالية في كل مناهج حياتها إنما هو لأجل المحافظة على كيانها حتى لا تذوب في غيرها من الأمم، ومن أجل المحافظة على عزتها وكرامتها؛ فإنها عندما تكون معتزة بكرامتها ومعتزة بمواريثها الفكرية والتأريخية وغيرها تكون أمة عزيزة وتستطيع أن تؤثر على غيرها من الأمم، أما عندما تكون بخلاف ذلك فإنها تكون منساقة وراء الأمم، تكون في هذه الحالة تابعة لا متبوعة ومحكومة لا حاكمة ومنقادة لا قائدة، هذا خلاف ما يراد لها. (1/5)
صفحة 6
وهنا كلمات قد قلت أكثر من مرة بأن هذه الكلمات حقيقة بأن تكتب بماء الذهب من أجل غلائها، قالها شاعر الإسلام محمد إقبال في وصف منهج المسلم، يقول : ( إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره؛ إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد ). (1/6)
صفحة 7
هذا، وبما ان العدو الغازي أدرك هذه الحقيقة فإنه أراد أن ينتزع من نفوس هذه الأمة هذه المقومات، مقومات حياتها؛ فحرص على انتزاع هذه الموالاة لتكون له بدلا من أن تكون لله ولرسوله وللمؤمنين، وحرص على أن يرسخ في نفوس هذه الأمة الشعور بالنقص، وهو ما يسمى عند علماء النفس فيما أحسب بمركب النقص من أجل أن تلهث هذه الأمة دائما وراء هذا العدو المتمكن منها بحيث ترى عزها وترى كرامتها وترى شرفها في تقليد خطواته وترسمها والانسلاخ من ماضيها حتى لا تعود إلى ذلك الماضي وتفكر فيه بحال من الأحوال. هذا أمر واقع لا نزال نعانيه إلى وقتنا هذا. هناك على سبيل المثال قضية قد يراها الناس بسيطة ولكنني أراها قضية لها شأن، إلى الآن لو سألت أي مسلم في وقتنا هذا ما تأريخ هذا اليوم لما كان يجيبني إلا بالتأريخ الأجنبي. لو سألت أحدا من المسلمين ما هو هذا العام لقال لي هو عام 1998 بدلا من أن يقول هو عام 1419. هذه قضية ليست بالهينة! ما الذي جعلنا نتخلى عن تأريخنا الذي ولدت الأمة بميلاده!! إن هذا التأريخ هو مؤسس على ميلاد هذه الأمة، فإنه أسس على هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي كانت ميلادا لهذه الأمة لأن المسلمين كانوا قبل الهجرة أفرادا موزعين، وبعد الهجرة كان لهم كيان، كانت لهم دولة، كان لهم عز ولهم شرف، فبدأ تأريخهم بتأريخ هذه الهجرة، فبعدنا عن هذا التأريخ يعني بعدنا عن مواريثنا الفكرية، يعني بعدنا عن عزتنا وعن أسباب هذه العزة وعن مقومات حياتنا. هذه من أبسط القضايا التي لا نزال نعاني منها. (1/7)
صفحة 8
ومرت فترة على الناس كانوا بحق يلهثون وراء غيرهم حتى إن الكثير آثروا أن يطأوا بأقدامهم على جميع قيمهم وعلى جميع مواريثهم الفكرية. هذه القضية ليست قضية هينة. جعلت الرابطة التي تربط بين الناس هي رابطة الدم والتراب بدلا من أن تكون رابطة الفكر والعقيدة؛ فأُحييت القوميات الضيقة بدلا من أن ينتمي الناس إلى فكرهم وإلى دينهم ليكونوا أمة واحدة كما أمر الله تبارك وتعالى بذلك. وأنتم تدركون أن هذه القوميات ولدت في محاضن أعداء الإسلام، وقد كان تأريخ ميلادها متقاربا. فالقومية الطورانية ولدت في تركيا على أيدي يهود الدونمة في عام 1847، والقومية العربية ولدت في الكنيسة البروستنتية في لبنان في العام التالي لهذا العام، وما ذلك إلا من أجل تمزيق هذه الأمة وإعادة انتمائاتها إلى الجاهلية حتى تُحيا فيهم النعرات المفرقة فيما بينهم. وظل الأمر كذلك وانحسر الاستعمار بعتاده وقواه العسكرية ولكن مع ذلك ظلت آثاره باقية، فظلت المناهج التربوية هي التي خلفها الاستعمار، وظلت البرامج الإعلامية هي نفس البرامج التي أرادها الاستعمار لنا، وظلت المناهج الاقتصادية كما هي مناهج بعيدة عن الإسلام وهكذا. (1/8)
صفحة 9
قد وجدت بحول الله تبارك وتعالى في وسط هذه الظلمات المتراكمة إشراقة لصحوة إسلامية، وُجدت هذه الصحوة في نفوس شباب هذه الأمة بمشيئة الله، وُجدت في كل بلد من بلاد الإسلام وأينما وجد المسلمون حتى في غير بلاد الإسلام، وقد كان الأمل معقودا على هذه الصحوة أن تؤتي ثمارها ولكن العدو المتربص ظل يتابعها من أجل الإجهاز عليها. كانت هناك مشكلات متعددة واجهتها هذه الصحوة ؛ أول هذه المشكلات إنحسار الوعي الديني الذي ينبغي أن يكون في نفس كل مسلم. هذا الوعي لا أعني مجرد أن تكون في الإنسان عاطفة جياشة فإن العاطفة قد تثور ثم تغور وقد تشتعل ثم تنطفئ، ولكن أعني بالوعي أن يكون على معرفة ودراية بدينه بحيث يدري كيف يتصرف في أخذه وعطائه، في رضاه وغضبه، في بذله ومنعه، في كل تصرفاته. فالشباب الذين أشرقت عليهم أنوار هذه الصحوة كانوا بحاجة إلى أن يكونوا على فقه في دينهم ومعرفة بأمور هذا الدين، هذا الفقه إنما يستقى من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة ومن هدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم. والناس مع انحسار هذا العلم بسبب أن كثيرا من طلبته كانوا يسعون وراء المظاهر ويسعون إلى أن يكونوا أصحاب شهادات فلذلك كان العلم ضعيفا عندهم لأنهم لم يسعوا إلى العلم بذاته، بسبب ذلك لم يكن هناك العلم الكافي الذي يوجه هذه الصحوة ويبصرها، وكانت هذه الصخرة اصطدمت بها هذه الصحوة. (1/9)
صفحة 10
والعدو الذي يتربص بهذه الأمة الدوائر مع هذه الحالة التي عليها شباب المسلمين أدرك كيف يتصرف من أجل الإجهاز على هذه الصحوة، فهو حرص على إثارة النعرات فيما بين هذه الأمة ولا سيما فيما بين شبابها، وهذا أمر خطير جدا. وأنا أذكر قبل فترة تناهز العقدين من السنين أنني اطلعت في إحدى الصحف أن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر دعا بمستشاره للأمن القومي برجنسكي من أجل دراسة هذه الصحوة الإسلامية. وقد حدثني أحد المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية أنه قرأ في ذلك الوقت في إحدى الصحف المغمورة التي كانت تصدر بالولايات المتحدة الأمريكية تصريحا لكارتر قال فيه ما معناه: ( إن هذا العملاق الذي ظل فترة طويلة نائما قد أخذ يفتح عينيه الآن، ولئن استيقظ واستوى على قدميه فلن يبقى لنا قرار، فلذلك يجب علينا أن نسعى دائما إلى تخديره ليظل نائما )، ويقول هذا الرجل نفسه: لم تمض إلا فترة قصيرة على هذا الكلام الذي قيل حتى أتانا من بلاد الشرق الإسلامي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليبذر بذور الخلاف فيما بين الشباب المسلمين الموجودين في نفس الولايات المتحدة الأمريكية بإثارة قضايا كان الدهر كاد أن يأتي عليها. ثيرت قضايا ما كان ينبغي أن تثار بحال من الأحوال، وجعلت هذه القضايا من صميم الدين وما القصد من ذلك إلا تمزيق شمل هذه الأمة، فكانت هذه مصيبة من كبريات المصائب التي بنيت بها هذه الصحوة الإسلامية.
ثم بجانب ذلك زُرع في وسط هؤلاء الشباب المتطلعين إلى الإسلام من يحرص دائما على تشويه صورة الإسلام حتى يبدو الإسلام وكأنه وحش لا هم له إلا في سفك الدماء وفي إزهاق الأرواح، وفي كل ما هو أمر ترفضه الفطرة السليمة للإنسان، فكانت أيضا هذه عقبة في سبيل انتشار هذا الوعي الديني وانتشار هذه الصحوة الإسلامية. (1/10)
صفحة 11
والإعلام الغربي والإعلام الموجه في بلاد الإسلام حرص أيضا بدوره على تشويه صورة الإسلام وصورة المسلمين، بحيث يُربط كل إرهاب يقع في العالم ويصور بأن هؤلاء متطرفون وأنهم إرهابيون حتى أن العالم أصبح الآن تقوم قيامته عندما تمتلك دولة إسلامية قنبلة ذرية ويُصور للناس بأن هذا أكبر خطر يهدد العالم، بينما هؤلاء الذين يثيرون مثل هذه الأحاديث لا يرجعوا إلى تأريخ أنفسهم فينظروا ماذا فعلوا هم بالقنبلة الذرية، فلو أنهم رجعهوا إلى تأريخهم بأنفسهم لوجدوا هذا التأريخ ملطخا بالعار، فكم من مئات الآلاف من الأبرياء التي أزهقت أرواحها عندما ألقت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلتين الذريتين في بلاد اليابان في آخر الحرب العالمية الثانية!!!. فلماذا يُصور المسلمون بهذه الصورة؟!! إنما يراد بذلك تشويه الإسلام ويراد بهذا أن تبقى هذه الأمة أمة ذليلة مهينة.
وقد سبق أن أجرت إحدى الصحف حوارا عندي في إمتلاك المسلمين للقنبلة الذرية هل هو محبوب أم أمر مكروه، وإن كان أمرا محمودا فهل هو من الواجب أو من غير الواجب، فأجبت بأن المسلمين من أساسيات دينهم السعي إلى السلام والسلامة، ولكن على أن يكون هذا السلام سلام عز وكرامة لا أن يكون سلام ذل ومهانة وعلى أن تكون الغلبة لهم والكلمة لهم لأنهم هم الذين هيأهم الله سبحانه وتعالى للأخذ بزمام قافلة البشرية إلى طريق الخير والسلام ولكن مع هذا التسابق والتنافس بين الدول في حيازة هذه الاسلحة على المسلمين أيضا أن لا يكونوا أقل من ذلك وأن يمتلكوا هذا السلاح ليكون هذا السلاح سببا للأمن، عندما يكون آلة للردع لا أن يكون سببا في الدمار. (1/11)
صفحة 12
ومن الأمور التي يُأسف لها كثيرا أن تحصل عندنا أن كثيرا من الشباب مع وجود جماعة كبيرة من علماء المسلمين فيما بينهم غير واثقين بهؤلاء بسبب فقدان هؤلاء العلماء ، وأنا لا أعني جميع العلماء معاذ الله وإنما طائفة من العلماء فقدت المصداقية بحيث تكون دائما تولي وجهها شطر السياسة الغالبة فتتحول من وجه إلى وجه ومن صورة إلى صورة تفتي اليوم بفتوى وغدا تفتي بما يضادها، مما يؤسف أن أحدا من علماء المسلمين في يوم من الأيام كان يتحدث عن زعيم من زعماء العرب وكان ينزله منزلة الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه؛ وبين عشية وضحاها بسبب انقلاب الاتجاهات السياسية إذا بهذا العالم نفسه يُوجه إليه سؤال بأن فلانا – أي ذلك الرئيس نفسه – يتبنى قضية الإسلام فما رأيك في ذلك؟ فقال: ومتى كان هو إسلاميا حتى يُعنى بالإسلام!! هذه مصيبة، بسبب ذلك يفقد هؤلاء الشباب ثقتهم في هؤلاء العلماء. نحن نجد أن الفتاوى تتحول بين وقت وآخر مرعاة للإتجاهات السياسية حتى في القضايا الكبرى التي تهم هذه الأمة وتعنيها، هذا أمر خطير جدا. فمن هنا يجب أن تكون هنالك قيادات علمية إسلامية موصولة بحبل الله تعالى تقول كلمة الحق ولو كانت مرة في أي موقف من المواقف ولو كان ذلك على حساب حياتها. بهذا توجد الثقة في نفوس الشباب تجاه هؤلاء العلماء وبهذا يكون بينهم وبينهم الانسجام وهنا يمكن لهؤلاء العلماء أن يقودوا الصحوة إلى طريق الخير بدلا من هذا الاضطراب. (1/12)
صفحة 13
ثم إنه ولا ريب عندما ينظر الإنسان إلى النتائج عليه أن لا يحصر نظره في النتائج فحسب، بل عليه أن يحرص دائما على النظر في المقدمات التي أدت إلى هذه النتائج. نحن حضرنا الكثير الكثير من المؤتمرات التي عقدت في البلاد الإسلامية من أجل مكافحة ما يسمى بالتطرف ومواجهة هذا الخطر الذي صُور للناس أنه شبح مخيف يهدد أمنهم ويأرق ليلهم وأنه سيكتسح العالم إن لم يُوقف في وجهه، وسمعنا أقوال الناس ومن بينهم العلماء من فقهاء هذه الأمة يتحدثون عن هذه التصرفات ويجعلونها مسؤولية الشباب الذين تصدر منهم. وأنا حرصت في أكثر من مرة أن أقول الكلمة الصريحة بأن الأسباب هي التي يجب أن تُعالج، إن كان ما يُقال عن هؤلاء صحيحا وما يُلصق بهم واقعا فعلينا أن ننظر في أسباب ذلك. (1/13)
صفحة 14
هؤلاء هم على الفطرة جاءوا ويحملون في نفوسهم هم الإسلام رغبتهم في أن يروا الإسلام ماثلا، أن يروا الإسلام حاكما، أن يروا الإسلام غالبا لا مغلوبا، ولكنهم عندما يفتحون أبصارهم يجدون الهوة السحيقة التي تفصل بين مبادئ الإسلام ومبادئ الواقع، فيجب قبل كل شيء أن تردم هذه الهوة حتى يكون الواقع يمثل الإسلام. هم يتمنون أن يروا الحكم إسلاميا بحيث يرون الشريعة الإسلامية تُطبق في كل جزئية من جزئيات الحياة، ولكن يرون أن الشريعة الإسلامية تُركن دائما، وعندما تُستخدم تستخدم في قضايا جزئية أما في حياة الناس العامة فالشريعة مركونة جانبا، فلا ريب أن هذا يسبب ردة فعل في نفوسهم. ثم بجانب ذلك هم يتطلعون إلى تعليم إسلامي، ولكن عندما يرجعون التعليمية يرون فيها الكثير الكثير مما لا يتفق مع قيم الإسلام وتعاليم الإسلام، ويتمنون أن يجدوا الإعلام إسلاميان لكنهم عندما يفتحون أبصارهم أو أسماعهم على برامج الإعلام يجدون البرامج ليست هي من الإسلام في شيء وإنما هي من المستوردات، ولعل البرامج التي تبث في البلاد الإسلامية في بعض الأحايين تكون أشد ضررا وأعظم خطرا من البرامج الوافدة التي تصلنا عبر الأقمار الصناعية أو عبر القنوات من البلاد غير الإسلامية. كذلك يريدون الاقتصاد أن يكون إسلاميا وإذا بهم يرون أن الاقتصاد منهجه ليس منهجا إسلاميا وبعيد كل البعد عن المناهج الإسلامية، لا يزال الناس يتعاملون بالربا الذي حرمه الله تبارك وتعالى وآذن مرتكبيه بحرب من الله ورسوله. (1/14)
صفحة 15
وهكذا في كل ناحية من النواحي يجدون الواقع بعيدا عن الإسلام، فإذن يجب أن تُردم هذه الهوة، وعلماء المسلمين يجب أن يقولوا كلمة الحق من أجل ردم هذه الهوة بين الواقع وبين المبادئ الإسلامية، وعندما تردم هذه الهوة لن تكون هنالك مشكلة، لن يكون هنالك تطرف، لن يكون هنالك شيء من المحذور، إنما الضد يخلق الضد غالبا أو دائما، فيجب أن نعالج المشكلة من أساسها لا أن نعالج الجزئيات. وماذا عسى أن تكون النتيجة عندما يشتغل الناس بهذه الجزئيات وبهذه النتائج من غير أن يلقوا نظرة على الأصل أو على السبب إلا أن يكون ذلك وقودا للفتنة وسببا لاستعارها!! فالمشكلة إذن يجب أن تعالح من شتى الوجوه. (1/15)
صفحة 16
هذا ولا ريب أن كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما مصدر خير لهذه الأمة، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه الذي أنزله بأنه روح من أمره وبأنه نور منه " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم "، يقول الله تعالى فيه: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا "، ويقول تعالى: " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ". وجاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي من طريق الإمام علي كرم الله وجهه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه قال: (( ستكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم )) ، قيل له: وما المخلص منها يا رسول الله؟ قال: (( كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا " إنا سمعنا قرآنا عجبا " ، من قال قوله صدق، ومن حكم به عدل ومن عمل به أُجر، ومن اعتصم به فقد هُدي إلى صراط مستقيم )). (1/16)
صفحة 17
فالقرآن الكريم هو الذي يحل كل مشكلة، وهو النور الذي يبدد كل ظلمة، وهو المعين الدافق الصافي الذي يروي كل غلة وهو الذي يقود الناس جميعا إلى مواطن السلامة، فيجب الاعتصام بالقرآن وأن تربى هذه الأمة على القرآن، أن تربى هذه الناشئة على القرآن، أن تكون عقيدتها من القرآن ومن السنة النبوية الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وأن تكون عبادتها ناشئة من القرآن، وأن تكون معاملاتها وأخلاقها جميعا انعكاسا لما في القرآن الكريم، وأن تكون ثقافتها نابعة من معين القرآن الدافق، وأن يكون استبصارها في كل مواطئ أقدامها بنور من هذا القرآن الكريم، وهكذا سنة الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم.
وهذا لا ريب أنه يتوقف على دراسة اللغة العربية السليمة التي نزل بها القرآن الكريم، فاللغة العربية مع الأسف الشديد أصبحت الآن عند العرب أنفسهم محتقرة مزدراة فضلا عن الشعوب الإسلامية غير العربية. فالعرب أنفسهم مع الأسف الشديد يسارعون في إتقان اللغات الأخرى مع إهمالهم اللغة العربية، ولأجل ذلك نجد الكثير الكثير من الاستعمالات الشائعة الآن التي هي بعيدة عن اللغة نفسها وهذا مما يحجب فهم القرآن عن هذه الناشئة عندما تنشأ على اللغة العربية غير السليمة فإن الفهم الصحيح للقرآن الكريم إنما يكون باستعمال اللغة العربية السليمة التي هي بعيدة عن الأخطاء. حاول الناس أن يطوروا هذه اللغة تطويرا في وقتنا هذا أبعدنا عن أصلها، وأذكر هنالك قصة اطلعت عليها في بعض ما كتب أن أحدا من الناس من دعاة التغريب في وقت من الأوقات كان يلح على أن تكتب اللغة العربية بالأحرف اللاتينية ، وهذا عندما استحكم الغزو الأجنبي بنفوس الناس، وكان أحد علماء الأزهر يعترض هذا الرجل اعتراضا شديدا وقال له: ما الداعي إلى أن تُكتب هذه اللغة بغير حروفها؟ فقال له: أريد بذلك أن أعممها، فأجابه: لا ولكنك تريد أن تبرنطها. (1/17)
صفحة 18
وهكذا الآن أصبحت اللغة تُطور، ومما يؤسفني كثيرا أن أسمع حتى من الفقهاء الكبار إستعمالات لكلمات ليست هي وفق المنهج العربي الصحيح؛ كنت في يوم من الأيام في لقاء وكان أحد المسؤولين عن مؤسسة فقهية كبيرة حاضرا وإذا بالناس يقولون في ضمن ما جاء به من التوصيات: أسلمة كذا..أسلمة مثلا أسلمة المناهج الاقتصادية.. وقلت لهم: من أين جاءت كلمة أسلمة؟ إن كان ذلك مصدرا لأسلم، فأسلم على وزن أفعل، ومصدر أفعل إفعال، فكل فعل يأتي على وزن أفعل مصدره إفعال، أكرم يكرم إكراما، وأحسن يحسن إحسانا، وأجلّ يجلّ إجلالا، وأعظم يعظم إعظاما، وهكذا، فليس هناك مصدر ( أسلمة )، إنما وزن فعللة هو مصدر لما كان على وزن فعلل من الأفعال أو ما أُلحق بفعلل من الأفعال المزيدة، فيقال دحرج دحرجة. ومع هذا فإن أسلم فعل لازم لا يستعمل متعديا .. فإذا بهذا الرجل المسؤول عن هذه المؤسسة يقول: مجمع اللغة العربية أقر هذا. فتذكرت كلاما قاله أستاذ العربية الكبير الدكتور ناصر الدين الأسد عندما عرضت عليه بعض هذه الأخطاء وبصفته عضوا في مجمعي اللغة العربية في الأردن وفي سوريا، قلت له: يا حبذا لو كانت المجامع هذه تُعنى بتهذيب هذه اللغة حتى تردها إلى صوابها. فكان من جوابه: وهل مهمة هذه المجامع إلا أن تبرر الخطأ حتى تجعله صوابا !!. وهذا أمر واقع. كم من الأخطاء الآن التي شاعت في ألسن الناس، عندما أسمع أحدا من الناس يقول: شل هذا الشيء يشله شلا. من أين جاءوا بهذا؟! شل فعل لازم، شل يشل شللا، ويقولون: مشلول. يأتون بإسم مفعول مع أن شل فعل لازم ( شل يشل شللا ) وفعل اللازم بابه فَعل كفرح وكجوا وكشلل، فكما لا يقال في الأصم مصموم لا يقال في الأشل مشلول إنما هو أشل، من أين جاءوا بهذا الخطأ؟!! هناك الكثير الكثير، مهزول هزل فعل لازم ليس بمتعد، الكثير الكثير من الأخطاء التي شاع استعمالها عند الناس، وهذا الذي يحجب الناس عن فهم القرآن الكريم الفهم الصحيح. (1/18)
صفحة 19
وقد قلت في أكثر من لقاء بأن اللغة العربية هي لغة جميع المسلمين وليست لغة العرب وحدهم، إنما على جميع المسلمين أن يغاروا عليها في كل شبر من الأرض وأن تكون هي لغة التفاهم بين المسلمين جميعا، إذ اللغة رباط بين الناس، وعندما تستحكم اللغة تشد البعض إلى البعض، وقلت في أكثر من موضع مما يؤسف له أن يتقن المسلم الذي يقرأ القرآن ويصلي بين يدي الله لغة المستعمر الذي استعبده ولا يتقن اللغة العربية التي خاطبه الله تبارك وتعالى بها في كتابه والتي يخاطب بها الله عندما يمثل بين يديه ويقول في تضرع وإخبات: " إياك نعبد وإياك نستعين "!!. فعلى المسلمين جميعا أن يهتموا بهذه اللغة. وقبل أيام قليلة كنت في لقاء في دولة إسلامية غير عربية وكان رئيس الدولة حاضرا، والناس كانوا يتحدثون باللغتين العربية والإنجليزية، وإذا بهم فجأة يتحول العرب أنفسهم إلى الحديث بالإنجليزية وإذا بالجلسة تدار باللغة الإنجليزية. فتحدثت مع رئيس الجمهورية وقلت له – وإن كان هو لا يتقن العربية ولكن ترجم له هذا الكلام - ، قلت له بأن اللغة العربية هي لغتكم جميعا، هي لغة القرآن الذي خاطبكم الله تعالى به، كانت لغة قومية قبل أن ينزل بها القرآن، أما بعدما اختارها الله تعالى أن لأن تكون وعاء لكلامه وأنزل بها كتابه فهي لغة جميع المسلمين ولا يجوز للمسلم أن يقدم عليها لغة أخرى مهما كانت.
وهذا الذي حصل عندما كان الوعي الديني منتشرا في الناس، فمعظم أئمة العربية الذين عنوا بدراستها وعنوا بالتأليف فيها لم يكونوا من العرب، ولكن حفزهم الإيمان إلى دراسة هذه اللغة. ونجد الزمخشري وهو أعجمي يقول في فاتحة كتابه المفصل : ( الله أحمد على أن شرفني بأن جعلني من علماء العربية ). فإذن ما الذي يمنع المسلمين اليوم من أن يعتنوا بهذه اللغة وأن يدرسوها دراسة تمحيص حتى يعيدوها إلى صوابها ويرفضوا كل دخيل لا يتفق مع أساليبها ومع موازينها؟!!. (1/19)
صفحة 20
وعلى أي حال نشر الوعي السليم بين الناس الذي يجمع ولا يفرق ويوحد ولا يشتت ويألف ولا ينفر هو من أعظم الأمور التي تؤدي إلى أن تسير هذه الصحوة في طريقها الصحيح وأن تبتعد عن هذه المتاهات التي أدت بها إلى التفرق والتشتت، وأدت بها إلى العداوة فيما بين المسلمين. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يأخذ بأيدينا إلى الخير وأن يكلأنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يهدينا إلى الصواب إنه تعالى على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين " سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين * ".
سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله يجيب على بعض الأسئلة
أحد المتكلمين: بسم الله الرحمن الرحيم، بقيت هناك بعض التساؤلات في أذهان الطلاب لا بد من طرحها..
*** السؤال الأول:
*** سؤال تسأله بعض الطالبات أنهن في بعد عن أهلهن ويردن الذهاب في بعض الأحيان إلى المناطق الداخلية، ولعدم وجود محارم اضطرن هؤلاء الطالبات إلى استئجار باص بسائقه. هل هناك مانع شرعي من ذلك؟
الجواب:
أما الحديث عنه صلى الله عليه وسلم فقد نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، مع زوج أو ذي محرم، هكذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فينبغي عندما لا يكن لهن محرم أن يكون لهذا السائق من يرافقه من نسائه المحارم منه، فإما أن تكون معه ذات محرم وإما أن تكون معه زوجة، وهذا الأمر على أي حال ينبغي أن يوضع في الحسبان. أما الضرورة عندما تكون هناك ضرورة لا محيص عنها فالضرورة تقدر بقدرها.
*** يعج العالم اليوم ويضج بمسألة العولمة، فما موقف الإسلام منها؟
الجواب: (1/20)
صفحة 21
نحن على كل حال ذكرنا بأن الإسلام هو الحل الوحيد لكل مشكلة في العالم، أنا ذكرت هذا لأكثر من واحد من غير المسلمين، كنت أتحدث بهذا الكلام لأحد الأمريكان وقلت له بأنني قرأت لبعض الكتّاب الأمريكان بأن أمريكا متجهة إلى الدمار إلا إن وافقت على الإسلام، فما رأيك في هذا؟ فقال لي: أنا متفائل مثلك. لا ادري مع معنى جوابه هذا، هل هو من باب ( ليت عينيه سوى ). ( أنا متفائل بأن يظهر الإسلام )!! هل هو متفائل بأن ينتصروا هم على الإسلام أو العكس. (1/21)
صفحة 22
الإسلام على أي حال هو الحل وهذا أمر لم أقله أنا من تلقاء نفسي، هناك الكثير الكثير من الذين أسلموا من الغربيين أثبتوا هذا، وهناك الكثير الكثير من الذين لم يسلموا هم اعترفوا بهذه الحقيقة. فقبل فترة اطلعت على محاضرتين، محاضرة ألقاها أحد الأمريكان كان اسمه روبر تريم ثم صار اسمه فاروق عبد الحق بعدما أسلم بعنوان القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين. ألقى هذه المحاضرة في مجمع أبي النور في دمشق في شهر ذي الحجة من عام 1415هـ. في هذه المحاضرة تحدث عن الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية وذكر بأن أمريكا أفلست في عالم الأخلاق ولم يبق هنالك مقوم لحياتها وجميع النذر تنذر بأنها تسير بخطى حثيثة إلى الدمار. وذكر بأن أصحاب العقول يتطلعون إلى البديل من الوضع الكائن في أمريكا وليس هنالك بديل إلا الإسلام، فالإسلام إذن هو الذي سوف يأخذ بزمام هذه الأمة الضائعة إلى طريق الخير، إلى طريق السلام. وذكر شاهدا على ما قاله بأن المستشار الذي ذكرناه برجنسكي وهو معلوم رجل يهودي ليس بمسلم تحدث في مقال له نشره في إحدى الصحف السيارة في الولايات المتحدة الأمريكية، تحدث عن الوضع الأخلاقي في الولايات المتحدة الأمريكية فقال بأن الشعب الذي يعيش في هذه الفوضى الأخلاقية لا يمكنه أبدا بحال من الأحوال أن يسن قانونا أخلاقيا للعالم. وكان من جملة ما ذكره أنه لا بد من أن يكون هنالك تغيير ، وهذا المقال عندما نشر في تلك الصحيفة قدم له أحد الصحفيين يسمى ناثان جارونس، قدم له وجاء في تقديمه بأن الإسلام هو البديل المنتظر. فالإسلام بعطائه الواسع وبتجربته الطويلة وبحلوله الكثيرة لمشكلات هذه الإنسانية هو لا ريب البديل المنتظر، فالولايات المتحدة الأمريكية عليها أن لا تستوحش من الإسلام بل عليها أن تستفيد من هذا الدين. (1/22)
صفحة 23
قبل سنوات تحدث أيضا إلى قناة تلفزيونية إنجليزية آخر زعيم للإتحاد السوفييتي الذي انهار ( جورباتشوف )، وسئل عن الشيوعية هل يمكن أن تستمر في فيتنام وفي الصين، فأجاب: كلا إنها ميتة ولا يمكن للميت أن يستمر. فقيل له: وما البديل؟ فقال: لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديموقراطية وإنما يكمن في نظام آخر فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة. هذه الحضارة الجديدة نحن أدركنا من أول وهلة أنها حضارة الإسلام، لا يمكن إلا أن تكون هي حضارة الإسلام. وقبل بضعة شهور من الآن تحدث الشيوعي الراديكالي كاسترو وقال: لم يبقى أمام الناس إلا المنهج القرآني. فالنموذج القرآني هو الذي يمكن أن يفيد هذه الإنسانية وينتشلها من ضياعها.
فإذن على المسلمين في هذا كما قلت أن يكونوا مأثرين لا متأثرين، لا أن يكونوا وراء ما يسمى بالعولمة وإنما عليهم أن يقودوا هذه العولمة إلى ما تتفق مع قيم الإسلام.
*** بينتم سماحتكم أن أكتاف الشباب مصعد قوي للصحوة الإسلامية، ولكن قد تحول شيء من التعصبات المذهبية عن هذا المنهج الصائب، فما نصيحتكم في هذا المجال؟
الجواب:
هذا الذي ذكرته بأن أعداء الإسلام حاولوا أن يوغروا الصدور وأن يثيروا هذه النعرات وأن يوقدوا هذه الفتنة فيما بين المسلمين، ونحن مهما كان من أمر واثقون بأن هؤلاء الشباب سيتخطون بمشيئة الله هذه العقبة وسيصلون إن شاء الله إلى الوفاق الإسلامي الذي يجمع الشمل ويرأب الصدع ويوحد الكلمة بمشيئة الله. (1/23)
صفحة 24
*** سماحة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ففي الواقع علمه لأحكام الله وإدراكه للواقع، وكلنا كما رأى اهتمام شيخنا بواقع العالم الإسلامي فهو ملم بكل جزئية تطرأ في العالم الإسلامي. أنا واحد من أبناء الصحوة الإسلامية عشت آلامها منذ الصغر، وعشت أحلامها، قد وجدت الكثير من الشباب في مصر وفي عمان يعيشوا آلام هذه الصحوة ويريدوا أن يروا راية الإسلام مرتفعة عالية. الجامعات في العالم المفلس كما أقول لبعض الطلبة تخرج حملة شهادات ولا تخرج علماء، فيسأل أبنائي الطلبة هنا وفي مصر فما الطريق الصحيح لكي نتعلم العلم كما تعلمه أشياخنا الأوائل؟ هذه نقطة. النقطة الثانية هي أمة مسلمة مستقيمة الرسالة في عقائدها، في تشريعاتها، وكما نعلم أن المجامع الفقهية قد أجمعت فيما أعلم واتفقت على أن الأرباح التي تعود من ال.... هي محرمة شرعا، بعض الناس سماحة الشيخ يقول بأن ال........ يجري عليها البلاء ، الجنيه المصري والريال العماني فيما أعلم من خمسين سنة غليت....ويحاولون أن يتذرعوا بهذه الذريعة إلى حل أرباح البنوك...ونريد من سماحتكم بيان هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث عشنا منذ الصغر وسمعنا إلى أناس ينتسبون إلى العلم كما تفضلتم " يحلونه عاما ويحرمونه عاما "، فهؤلاء الناس يثيرون ضجة بين عشية وضحاها واسمح لي أن آخذ من وقتك وأن أضرب لسماحتك مثالا.. منذ ثلاث سنوات فيه طبيب عربي وليس مصريا اتصل لي بمصر في ساعة الفجر، وقال لي : جاءنا عالم من البلاد العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكنا لا نعلم ما فيها من وباء وقواعد الحلال والحرام ليس لها أثر عندنا هناك، قال جاءنا هذا العالم في رمضان يلقي علينا محاضرات، فلم ينهانا عن الربا ولا عن الزنى ، إنما ظل شهرا يتكلم يحدثنا أن لله رجلا وأن لله يدا إلى أن حدثت فتنة في المسجد وضرب الناس ببعض. سنريهم كيف نقضي على هذه الفتن، كيف نكون أمة واحدة مسترشدة. (1/24)
صفحة 25
ثلاث نقاط لا أظن أن الوقت سيسعف سماحة الشيخ أن يجيب عنها لكن عذري أنني قدمت ورقتي متقدمة فأُخرت، لا أدري إذا كان سماحة الشيخ يجيب عن هذه النقاط أم سوف يبقني في حيرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (( ملاحظة: رداءة الصوت أدت إلى عدم سماع بعض الكلمات جيدا مما أثر على طريقة كتابة السؤال )).
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بارك الله فيك.
بسم الله الرحمن الرحيم، أنا أشكر فضيلة الشيخ الأخ العزيز الدكتور محمد أبو العاص على هذا التشريف وهذا التكريم الذي كرمني إياه. وقد كنا نتمنى أن نسمع منه الحل، هو أولى بأن يحل هذه المشكلة وأن يجيب على هذا التساؤل، ولكن بقدر استطاعتي وبقدر بضاعتي المزجاة وبقدر إتساع الوقت لأن الصلاة حضرت أحاول أن أجيب باختصار على هذه الأسئلة. (1/25)
صفحة 26
أولا فيما يتعلق بطلب العلم يجب أن يكون الطلب خالصا لوجه الله، لأن طلب العلم قربة إلى الله فهو عبادة من العبادات، والعبادات يجب أن تكون خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، وعندما تكون خالصة لوجه الله يُوفق صاحبها بمشيئة الله، يقول تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ". وكل عبادة من العبادات إنما تقوم على العلم، فلما كانت العبادات تقوم على العلم النافع فإذن على الناس أن يطلبوه لوجه الله تبارك وتعالى لا لأجل مظهر من مظاهر هذه الحياة الدنيا، وعندئذ ييسر الله سبحانه وتعالى له طلبه وعندئذ يدركون قيمة العلم، أما مع كون الطلبة يجعلون الشهادة نصب أعينهم فإنهم ولا ريب لا يدركون قيمة العلم. كما قلت مرة من المرار لأحد هؤلاء الخريجين من إحدى الجامعات وهو الآن عنده شهادة الدكتوراة قلت له: أجبني عن كذا. فما فهم الإجابة، كان كتب رسالة وكتابته خطأ، خطأ فاحش، أجبني عن كذا.. قلت: طيب وأين هذا العلم الذي درسته!! قال: نحن كمن يقطع من جانب ويرقع من جانب آخر، نهتم في الاختبار ولا نهتم في بقية الأوقات، وبهذا ينحسر العلم. عندما يكون السعي لأجل حصول الشهادة لا لأجل تحصيل العلم. ولكن عندما تكون الوجهة إلى الله فإنما الطلب يكون خالصا لوجه الله ويكون الطلب للعلم لا للشهادة، وإنما الشهادة تتخذ وسيلة لخدمة الأمة فهي ليست غاية في ذاتها. (1/26)
صفحة 27
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني هذه في حقيقة الأمر مشكلة من مشكلات العصر ، نحن كما قلنا أننا نسمع الكثير الكثير من الفتاوى التي قد يتعدد رأي المفتي فيها فيجيب تارة بالحل وتارة بالحرمة بحسب ما تقتضيه الموجات التي تدفعه إلى ذلك. حكم الله تبارك وتعالى بيّن، والتذرع بأن هذه النقود هي سلعة ليس هو من الحقيقة في شيء، فهي معايير للسلع نزولا وارتفاعا غلاء ورخصا، وليست هي بمثابة السلعة التي تباع. على أننا لو سلمنا بذلك فإن النص الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول: (( يدا بيد مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى )) يقطع هذه التعللات كلها ويبين للناس ما هو المسلك الصحيح ، فالمسلك الذي يجب أن يتخذه الناس هو أن تكون هذه النقود عندما يتعامل بها إن كانت من جنس واحد أن يكون التعامل يدا بيد مثلا بمثل، وأما عندما يكون بينهما تفاوت كالفارق الذي بين الذهب والفضة واختلاف العملات من عملة بلد وبلدة فإن ذلك يتوقف على الغلاء والرخص ويكون ذلك أيضا يدا بيد كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يحكيه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء )) ولا يجوز أن يعدل عن ذلك قط.
أما بالنسبة إلى أولئك الذين يحملون المدى بأيديهم ليفروا في أديم هذه الأمة وليقطعوا أوصالها وليمزقوا شملها فإن هؤلاء سواء دروا أو لم يدروا إنما هم يعملون تحت مظلة أعداء الإسلام لأجل تبديد الطاقات بدلا من أن تكون الطاقة موحدة من أجل خدمة الإسلام يكون بأس هذه الأمة فيما بينها. هؤلاء قوم هم عقبة في سبيل هذه الصحوة الإسلامية وقد اتُخذوا حربة من أجل نحر هذه الصحوة الإسلامية. ولكن مهما يكن من أمر فإننا واثقون بأن هذه العقبة كسائر العقبات سوف تتخطاها الصحوة بمشيئة الله وسوف تصل إلى الإشراق في جميع أرجاء الأرض، فهذا وعد الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين بأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. (1/27)