صفحة 1
الكتاب: العفة حصن الحضارة في الإسلام
المؤلف: الحاج أحمد بن حمو كروم
الناشر: [د. ن]
تاريخ النشر: 1435هـ - 2014م
الطبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) العفة حصن الحضارة
في الإسلام
تأليف
الحاج أحمد بن حمو كروم
أستاذ الشريعة في معهد عمي سعيد
بغرداية – الجزائر
طبعة أولى
1435 – 2014 (1/1)
صفحة 2
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: «وأن يستعففن خير لهن»
[النور: 60]
*****
«وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله»
[النور: 33]
*****
«يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف»
[البقرة: 273] (1/3)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ..
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبيء الأمين وعلى آله الطاهرين وأصحابه المهتدين ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين ..
عزيزي المسلم أختي المسلمة ...
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ...
ماذا عليّ لو اقترحت عليكم موضوعا قديما جديدا، بل هو متجدد مع الإنسان في جميع مراحل حياته، هو موضوع «العفة والتعفف».
هذا «الخلق الحميد» أجده ضروريا لتوجيه الإنسان نحو حياة أفضل حتى يتمكن من ناصية الحضارة ونهجها السليم فيستفيد منها ويفيد .. ويجلب لها المصلحة ويدفع عنها المضرة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية الخاصة والعامة ..
وقد اخترت له العنوان المناسب:
«العفة حصن الحضارة في الإسلام»
وأقترح عليكم ترتيب مباحث الموضوع على الخطة التالية: (1/5)
صفحة 4
المبحث الأول:
تعريف مصطلحات البحث «العفة، العفاف، العفيف، القناعة، التعفف، الإسلام، الحضارة، الحصن»
المبحث الثاني: مظاهر العفة وأنواعها
المطلب الأول: عفة القلب
المطلب الثاني: عفة الفرج
المطلب الثالث: عفة اليد
المطلب الرابع: عفة البطن
المطلب الخامس: عفة اللسان
المبحث الثالث: حكم العفة
المبحث الرابع: نماذج من العفة
المبحث الخامس: آثار العفة وثوابها ..
المبحث السادس: آثار غياب العفة وعقوبتها
المبحث السابع: التوبة والعلاج الأمثل
الخاتمة
ولاشك أنني لست الأول ممن طرق الموضوع بالتفصيل ولكنني واحد ممن يضم صوته للسابقين واللاحقين الذين كتبوا في الموضوع أو خطبوا (1/6)
صفحة 5
فيه أو أنشدوا فيه القصائد الحكيمة، أو رتبوا فيه تحقيقات صحفية مقروءة أو مسموعة أو مصورة.
وفي الأخير لا تفوتني الفرصة أن أدعو جميع من له غيرة على الإسلام والمسلمين والبشرية جميعا ألا يتوقفوا عن الحديث في هذا المجال بأي شكل من الأشكال حتى لا تموت فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأرض. قال تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» [العنكبوت].
فما وجدتم في هذه الصفحات من صواب فمن الله، وما وجدتم فيها من خطإ فمن نفسي ومن قصوري .. ولا حرج أن نتعاون في تصحيح هذا الخطأ حتى لا نتمادى فيه ولا يتمادى فيه الآخرون.
والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل .. والسلام عليكم.
السبت 03 رجب 1435/ 03 ماي 2014
أخوكم الحاج أحمد بن حمو كروم
أستاذ الشريعة بمعهد عمي سعيد
غرداية - الجزائر (1/7)
صفحة 6
المبحث الأول
تعريف مصطلحات أساسية
1 - العفة 6 - استعف
2 - العفاف 7 - الحصن
3 - العفيف 8 - الإسلام
4 - التعفف
5 - القناعة (1/9)
صفحة 7
المبحث الأول: تعريف مصطلحات أساسية:
في مدخل الموضوع سوف أتناول بالتعريف مصطلحات متقاربة في هذا المعنى حتى لا تتداخل أثناء العرض وأذكر منها ما يلي:
1) العفة: اسم مشتق من الفعل «عفف» أي استغنى عن الكثير بأقل ما يكفي من المال والطعام .. وهي من العُفة بالضم أي بقية اللبن في الضرع .. وفي الاصطلاح هو الكف عن الحرام في الأعراض والأموال والأنفس والثمرات، وبذلك كانت العفة هي خلق الإسلام الذي لا يستغني عنه المسلم الوفي في كل زمان ومكان.
يقول الشيخ فرحات بن علي الجعبيري:
«تقول اللغة: عفّ يعفّ عفّة وعفافا كفّ عما لا يحل ولا يجمل من قول أو فعل، والعفة ترك الشهوات من كل شيء، وغلب في حفظ الفرج مما لا يحل» (1).
يقول الجاحظ: «العفة هي ضبط النفس عن الشهوات وقصرها على الاكتفاء بما يقيم أود الجسد ويحفظ صحته فقط، واجتناب السرف في جميع الملذات وقصد الاعتدال، وأن يكون ما يقتصر عليه من الشهوات على الوجه المستحب المتفق على ارتضائه، وفي أوقات الحاجة التي لا غنى
__________
(1) - أنوار من القرآن: الإنسان والحياة ج3 ص 221 (1/11)
صفحة 8
عنها وعلى القدر الذي لا يُحتاج إلى أكثر منه، ولا يحرُس النفس والقوة أقل منه، وهذه الحال هي غاية العفة» (1).
2) العفاف: هو مصدر الفعل «عفّ» المضعف .. وفي الاصطلاح هو الكف عن الفساد أو هو الالتزام بالخير والصلاح.
قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: «نحن معشر قريش نعد الحلم والجود والتوءدة والعفاف من المروءة»
3) العفيف: هو المقيم على الصلاح وهو الذي يترك الفساد رغم أنه يستطيع فعله.
يقول الجرجاني: «فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة» (2).
4) التعفُّف: هو إعلان رفض الانحراف من قبل الإنسان الصالح أو هو ترك أخذ أموال الناس بحق أو بباطل رغم أنه يستطيع أخذها .. وقد وصف الله تعالى بذلك الفقراء الصابرين فقال: «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف» [البقرة: 273].
__________
(1) - مسعد حسين محمد: خلق المسلم ص 194 نقلا عن تهذيب الأخلاق ص 21 - 22
(2) - مسعد: حسن الخلق ص 194 (1/12)
صفحة 9
5) القناعة: هي مصدر قنع بمعنى حبس النفس وتدريبها على الاكتفاء بالقليل من ضرورياتها وعدم التطلع إلى ما في يد غيرها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به» [الترمذي: 2349].
6) استعفّ: طلب العفاف أي وطّن نفسه على العفة، وهو من يضبط شهواته عند ثورانها ويكبح جماحها عند اندفاعها إلى الحرام.
قال الله تعالى: «وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله» [النور: 33].
7) الحصن: هو المكان المنيع الذي يبنى له حائط يحيط به من مختلف الجهات ليمنع عنه العدو الخارجي، وكثيرا ما يستعمل هذا المصطلح للقلعة التي يختفي فيها الجنود أثناء الدفاع عن الوطن. قال الله عن اليهود: «لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة» [الحشر: 14] أي هي مغلقة داخل جدار آمن.
8) الحضارة: هي اسم مشتق من «الحضر» وهي عكس السفر أي المكان الذي يجمع الإنسان إلى جنب أخيه الإنسان في حياة أمن وأمان واستقرار دائم لرعاية النظم والقوانين المتفق عليها داخل المدينة وخارجها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تخشنوا واخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم». (1/13)
صفحة 10
ومن مظاهر الحضارة بناء المرافق التي يحتاج إليها الإنسان لرعاية ضرورياته في الحياة مثل: «المساكن، المسجد، السوق، الدكان، الملعب، البريد، دار البلدية، دار العشيرة، المدرسة، المستشفى ... »
9) الإسلام: هو مصدر «أسلم» الرباعي وهو الخضوع والانقياد .. وفي الاصطلاح هو الخضوع والانقياد لأوامر الله تعالى التي وصلت إلينا عن طريق الأنبياء والمرسلين والكتب السماوية المنزلة وهو الدين الذي رضيه لجميع أتباع الديانات السماوية الصحيحة قبل تحريفها.
قال الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام: «إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين» [آل عمران:131]
وقال الله تعالى على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: «وأمرت أن أسلم لرب العالمين» [الأنعام: 66]
وقال أيضا: «إن الدين عند الله الاسلام» [سورة آل عمران الآية:19]
وقال أيضا: «ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور» [لقمان: 22] (1/14)
صفحة 11
المبحث الثاني
مظاهر العفة وأنواعها
1 - عفة القلب
2 - عفة اللسان
3 - عفة اليد
4 - عفة البطن
5 - عفة الفرج (1/15)
صفحة 12
المبحث الثاني: مظاهر العفة وأنواعها:
تختلف صور العفة في حياة الإنسان من حالة لأخرى ومن شخص لآخر .. فهناك من يبرز في عفة القلب .. وهناك من هو عفيف اللسان .. ونجد من يكون عفيف اليد .. وهناك من يحفظ أكله عن الحرام فيكون عفيف البطن .. وأصل ذلك كله وذروة سنامه هو من يحفظ فرجه فيكون عفيف الفرج .. وهذا الأخير هو المتبادر والمعروف أكثر من الأنواع الأخرى ..
وقد قسمت هذا المبحث إلى خمسة مطالب.
المطلب الأول: عفة القلب:
هو الإنسان الذي يعمل على تطهير قلبه من جميع أنواع معاصي القلوب مثل: الحسد والحقد والضغينة والعصبية الجاهلية والنفاق والغضب وسوء الظن والكبر والعجب والرياء .. ويملؤه بالعفو وكظم الغيظ والحلم والصفح والرحمة وكان قلبه سليما من هذه الآفات ..
وقد مدح الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام فقال: «وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم» [الصافات: 83، 84]
ومدح الفائزين في الآخرة بقوله: «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» [الشعراء: 88، 89] أي هناك قلب سليم وقلب مريض. (1/17)
صفحة 13
والقلب يتغير من وضع إلى آخر حسب البيئة التي يعيشها، بل وحسب الأوضاع التي يتعرض لها من قبل الشيطان الرجيم.
ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يردد هذا الدعاء قائلا: «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» [الحاكم] والدين هو العفاف والعفة، فاجتهد أيها المسلم الغيور أن يكون قلبك سليما من هذه الأخلاق الفاسدة حتى تكون مرضيا عند الله والناس جميعا.
ولن تستطيع أن تملك لنفسك قلبا عفيفا إلا إذا كانت عقيدتك في الله تعالى صحيحة سليمة من كل انحراف .. تقدره حق قدره ولا تجسمه ولا تعصيه في السراء والضراء وحين البأس .. تذكره وتشكره على نعمه العظيمة التي لا تعد ولا تحصى يسارع إلى التوبة النصوح.
قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال - صلى الله عليه وسلم - «كل مخموم القلب صدوق اللسان» قالوا صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال «هو التقي، النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد» [ابن ماجه]
والتقوى هو الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل –كما ورد في الأثر-
مع الاعتقاد بأن الله لا يرى في الدنيا والآخرة وأن القرآن مخلوق لله تعالى كسائر مخلوقاته، وأن النفاق منزلة بين منزلة الإيمان والشرك، وأن الشفاعة لا تنال أهل الكبائر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد التوبة منها، وأنه لا منزلة بين الجنة والنار، فإما خلود دائم في الجنة أو خلود دائم في النار. (1/18)
صفحة 14
وكل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس، وأن الله عادل في أحكامه لا يظلم ولا يجور.
ولتحقيق هذه العقيدة السليمة في الأرض يجب علينا أن نقيم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل زمان ومكان.
1 - والقلب النقي العفيف هو الذي لا نجد فيه سوء الظن على أحد لقوله تعالى «يآ أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .. » [الحجرات 12]. بل هو كبير بالأمل وحسن الظن في الخالق والمخلوق ..
2 - والقلب التقي النقي العفيف هو الذي يعمل بصدق النية فلا يظهر منه غش ولا خيانة ولا تزوير في معاملاته ومسؤولياته المختلفة.
3 - والقلب التقي النقي العفيف هو الذي يخلص عبادته لله تعالى فلا يرائي في أعماله مثل المنافقين. قال الله تعالى: «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا» [الكهف: 110]، وقد ذم المنافقين بقوله: «يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا» [النساء:142]
4 - والقلب التقي النقي العفيف هو الذي يتوكل على الله ولا يتوكل على نفسه وهواه وماله وولده وجاهه. لقوله تعالى: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا» [الطلاق: 03]. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو أنكم تتوكلون على الله حق (1/19)
صفحة 15
توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» [الترمذي]
5 - وعفة القلب هي أساس أنواع العفة الأخرى لأن القلب هو الموجه الأول لها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ألا إن في الجسم مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» [مسلم]. وهذا مصداقا لقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» [الحج: 46]
اللهم طهر قلوبنا من النفاق وألسنتنا من الكذب.
المطلب الثاني: عفة اللسان:
هو المسلم الذي يعمل على تطهير لسانه من الكذب واللعن والسب والشتم والغيبة والنميمة والسخرية من الآخرين والتنابز بالألقاب وشهادة الزور وهمز الناس ولمزهم لقوله تعالى:
1 - اللمز: «ويل لكل همزة لمزة» [الهمزة: 01]
2 - النميمة: «ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم» [القلم: 11]
3 - الغيبة: «ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن ياكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم» [الحجرات: 12] (1/20)
صفحة 16
4 - الكذب: قال - صلى الله عليه وسلم - «إياكم والكذب وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا» [البخاري].
5 - السخرية: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن» [الحجرات: 12]
6 - الكذب: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل يكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم .. وهل كون جبانا؟ قال نعم .. وهل يكون كذابا؟ قال: لا يكون المؤمن كذابا» [مالك في الموطأ].
7 - سباب المسلم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» [البخاري]
8 - سباب الوالدين: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، يلعن أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه»
[أبو داود]
9 - سباب الموتى: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» [البخاري]
10 - وقال أيضا عن اللعن: «لا يكون المؤمن لعانا» [الترمذي]، وقال أيضا: «من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه» [أبو داود] (1/21)
صفحة 17
11 - تعيير الناس: وقال أيضا وهو يوصي أعرابي: «عليك بتقوى الله، وإن امرؤ عيّرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيّره بشيء تعلمه فيه، يكن وباله عليه وأجره لك، ولا تسبّن شيئا» [الطبراني في المعجم الكبير]
12 - اليمين الفاجرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اليمين الفاجرة تذر الديار
بلا قع» [البيهقي]
13 - ضبط اللسان: وقد أكد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لسيدنا معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بعد مجموعة من الأعمال الصالحة أن يحفظ لسانه عن أمثال هذه الجرائم حتى لا يكن حمده ذما عليه ويذمم فقال له: «كف عليك هذا فأشار إلى لسانه» فقال له معاذ - صلى الله عليه وسلم - «وإنا لؤاخذون بما نتكلم؟! فقال له - صلى الله عليه وسلم - «ثكلتك أمك .. وهل يكب الناس على مناخرهم أو قال على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» [مسلم]
14 - اللعن: كما وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الخطاب للنساء مباشرة فقال لهن «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإنني رأيتكن أكثر أهل النار»، قالت امرأة منهن جزلة لماذا يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم - «لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» [مسلم]
15 - وعندما سأله أحد الصحابة بعد عزوة أحد .. لماذا لم تدع على قريش؟ قال - صلى الله عليه وسلم - «إنما بعثت رحمة، ولم أبعث لعانا، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (1/22)
صفحة 18
16 - شهادة الزور: ووصف عباد الرحمن بقوله: «والذين لا يشهدون الزور» [الفرقان: 72]
17 - حفظ اللسان: والمسلم الحقيقي هو الذي يسلم الناس من أضرار لسانه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» [مسلم]
18 - الإعانة على القتل: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القتل «من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة آيسا من رحمة الله» [الربيع].
19 - البهتان: «ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا» [النساء: 112]
20 - اللسان سبب البلايا: وجميع الأعضاء تدعو اللسان إلى العفة حتى تنجو من مختلف الأضرار التي تتعرض لها بسبب تهوره قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا» [الترمذي]
وقد أرشدنا الإسلام إلى البديل الأسلم والأمثل والأكمل وهو الصدق في الكلام والكلمة الطيبة والأذكار الصحيحة والكلام اللين والموعظة الحسنة والاستغفار والصلاة على الرسول والدعاء بالخير (1/23)
صفحة 19
والاسم الصالح والخبر الصادق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم القرآن والدين
1) الكلمة الطيبة: قال الله تعالى: «وقولوا للناس حسنا» [البقرة 83]
2) «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن» [العنكبوت 46]
3) الصدق: «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى» [الأنعام: 152]
4) الدعوة بحكمة: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» [النحل: 125]
5) التوبة: «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون» [آل عمران: 135]
6) التسبيح والذكر: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا» [الأحزاب:41، 42]
7) الصلاة على النبي: «إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما» [الأحزاب: 56]
8) القول السديد: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم» [الأحزاب: 70]
9) الدعاء: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم» [غافر: 60] (1/24)
صفحة 20
10) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [مسلم]،
وقال أيضا: «لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا شاهده وينكر الباطل إذا قدر عليه» [الربيع]
11 - التعليم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» [الربيع]
السؤال عن الدين: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رحم الله نساء الأنصار كن لا يمنعهن الحياء أن يسألن عن دينهن»
اللهم إنا نسألك لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وجسدا على البلاء صابرا.
المطلب الثالث: عفة اليد:
هي سعي المسلم إلى كف يده عن الظلم والفساد سواء بالإشارة أو بالكتابة أو بالمعاملة، ويكون ذلك عن طريق ترك السرقة والخيانة والبغي والغش والتزوير والقتل والحرق والهدم والتهديد بالسلاح وقطع الطريق وتزوير الفواتير أو قرصنة البرامج غير المأذونة أو تصوير العري والإباحية من منتوجات الفساد الأخلاقي في القنوات الفضائية والانترنت أو تركيب فيلم أو صور مركبة أو تمثيل مسرحية لهتك أعراض بعض الناس والنيل من كرامتهم ببيانات مزورة وغيرها من جرائم اليدين. (1/25)
صفحة 21
1 - قال الله تعالى: «ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» [النساء: 77]
وقال أيضا عن المزورين في الكتابة: «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون» [البقرة الآية: 79]
وقال أيضا عن القتل: «ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما» [النساء الآية: 93]
2 - وقال أيضا عن السرقة: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم» [المائدة: 38]
3 - وقال أيضا عن الخيانة: «يآأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون» [الأنفال: 27]
4 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحذر من مصافحة غير المحارم «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له» [الطبراني].
5 - التهديد بالسلاح قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من حمل علينا السلاح فليس منا» [مسلم]
6 - وقال أيضا في حديث قدسي وهو يندد عن الظلم: «قال الله تعالى: يا عبادي إنني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» [مسلم] (1/26)
صفحة 22
7 - وقال أيضا عن أعمال جاهلية: «من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا ومن انتهب مالنا فليس منا، ومن لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا فليس منا ومن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية فليس منا» [الربيع]
8 - وقال أيضا عن إتلاف الأموال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» [البخاري]
9 - وقال أيضا عن سلامة اليد: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [البخاري]
10 - وقال أيضا عن أمان أموال الناس: «المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» [ابن ماجه]
11 - وعن سلامة اليد يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» [الترمذي]
12 - وعن كف الأذى عن الجار يقول: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» [البخاري] أي أضراره.
ومن أجل الحصول على إيجابيات هذه الجوارح وجهنا الإسلام إلى الاستعمال الصحيح لذلك عن طريق البناء والكتابة الإيجابية الهادفة ونشر السلام والتعاون والبيع والصدقة والإشارة الصالحة والعبارة الواضحة. (1/27)
صفحة 23
1 - قال الله تعالى عن النفقة: «يآ أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه» [البقرة: 267].
2 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفلاحة: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»
[الترمذي]
3 - وقال أيضا عن الفلاحة: «ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» [الترمذي]
4 - وقال أيضا عن التسليم: «من الصدقة أن تسلّم على الناس وأنت طلق الوجه» [البيهقي في شعب الإيمان]
5 - وقال أيضا عن عيادة المريض: «من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة» [الترمذي]
6 - وقال أيضا عن نظافة المسجد: «من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة» [ابن ماجه]
7 - وقال أيضا عن بناء المساجد: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» [ابن ماجه]
8 - وقال أيضا عن الصلاة في الجماعة: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته أحدهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة» [مسلم] (1/28)
صفحة 24
9 - وقال أيضا عن الصدقة للقريب: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله» [البخاري]
10 - وقال أيضا عن الخيار في البيع: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» [البخاري]
11 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التعفف عن الطلب: «ليس المسكين من ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين من يتعفف .. اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: «لا يسألون الناس إلحافا»
[البقرة: 273]
12 - وقال أيضا عن العمل والكسب الحلال: «لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس خير له من أن يسأل الناس رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» [المسلم]
13 - وجوب الصبر: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار شيئا ثم ألحوا في السؤال فأعطاهم حتى نفد ما عنده فقال لهم: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» [البخاري] (1/29)
صفحة 25
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن صفات الحاكم الصالح: «لا يصلح هذا الأمر إلا لمن جمع خمسا إن نقصت واحدة لم تصلح الأربعة إلا بها: جمع المال من حله، والعفة عنه بعد جمعه ووضعه بعد جمعه في حقه، ولين لا ضعف معه، وشدة لا جبروت فيها» [الربيع: 787]
- اللهم إنا نسألك السلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر –
المطلب الرابع: عفة البطن:
هو سعي المسلم لحفظ بطنه من تناول الحرام من الشراب والطعام مثل: الميتة والنجاسة والربا والخمر والسرقة والغصب وأموال التزوير والخيانة والمخدر والإسراف وأموال اليتامى وأموال الزكاة والغلول والديون والظلم والأمانات وأموال اليمين الغموس والرشوة في كل زمان ومكان سواء كان ذلك في السراء والضراء وحين البأس إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان لقوله تعالى: «فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم» [المائدة:03]
1 - وقال أيضا عن محرمات العين «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم» [النحل الآية 115]. (1/30)
صفحة 26
وقال أيضا عن الكسب الحرام: «يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم»
[النساء الآية 29]
2 - وقال أيضا عن الرشوة: «ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون» [البقرة الآية 188]
3 - وقال أيضا عن الخمر: «يآ أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون» [المائدة: 90]
4 - وقال أيضا عن أموال اليتامى: «إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما إنما ياكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا» [المائدة: 10]
5 - وقال أيضا عن الربا: «يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين» [آل عمران: 130]
6 - وقال أيضا عن السرقة والغلول: «وما كان لنبئ أن يغل ومن يغلل يات بما غل يوم القيامة» [آل عمران 161]
7 - وقال أيضا في معرض ذم حب الدنيا: «وتاكلون التراث أكلا لمّا» [الفجر: 19]
وقال أيضا في رعاية أموال اليتامى: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تاكلوها إسرافا (1/31)
صفحة 27
وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فلياكل بالمعروف» [النساء: 06]
8 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما لأصحابه عن الحياء الأكمل: «استحيوا من الله حق الحياء» قالوا: إنا لنستحي من الله حق الحياء .. قال - صلى الله عليه وسلم - «ليس ذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» [الترمذي]
9 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرشوة: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما» [أحمد]
10 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام» [الربيع]
11 - نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن كل مفتر ومسكر قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» [البخاري]
12 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» [أبو داود]
13 - نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب ومهر بغي وحلوان كاهن. [الربيع 633]
نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسية» [الربيع 388] (1/32)
صفحة 28
والبديل الأسلم والأنظف لعفة البطن هو تناول الطيبات وتناول الحلال من الذبائح والصيد والطعام والشراب والكسب الحلال والصدقات والهدايا والكراء والميراث المشروع والأجرة والوقف والبيع والشراء وغيرها من مصادر الرزق الحلال.
1 - قال الله تعالى عن ترك الإسراف: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» [الأعراف: 31]
2 - وقال أيضا عن الطعام الحلال: «يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات»، وقال أيضا: «يآ أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون» [البقرة: 172]
3 - وقال أيضا عن الطيبات: «أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون» [البقرة: 267]
4 - وقال أيضا عن مهر النساء: «وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا» [النساء: 04]
5 - وقال أيضا عن الصيد: «وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه»
[المائدة: 04]
6 - وقال أيضا عن البحر: «وهو الذي سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا .. » [النحل: 14] (1/33)
صفحة 29
7 - وقال أيضا عن الأنعام: «والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها وتاكلون» [النحل: 05]
8 - وقال أيضا عن البيع: «وأحل الله البيع وحرم الربا» [البقرة: 275]
9 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إطعام الطعام: «أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام»
[أحمد]
10 - قال تعالى عن أجور المطلقات المرضعات: «فإن ارضعن لكم فاتوهن أجورهن .. » [الطلاق: 6]
11 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطعام الحلال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» [الحاكم]
- اللهم أطب مطعمنا واستجب دعاءنا - (1/34)
صفحة 30
المطلب الخامس: عفة الفرج:
هي الجهد المتواصل الذي ينفقه المسلم للمحافظة على فرجه من الانحرافات الجنسية التي تدفعه إليها الحواس الخمس إذا لم تضبط على طرق الشرع الحنيف.
وهذا المظهر من العفة هو القسم المعروف والمتبادر لدى كثير من الناس. ولا يكون هذا الحفظ إلا عن طريق الابتعاد عن العري والتبرج والزنا والاستمناء واللواط والسحاق والاختلاط بين الجنسين والشذوذ الجنسي والتخنث. –أكرمكم الله-
1 - لقوله تعالى: «والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون» [المومنون:06]
2 - وقال أيضا: «والحافظين فروجهم والحافظات ... » [الأحزاب: 35]
3 - وقال أيضا وهو يشرح لنا وسائل الوصول إلى ذلك: «وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم» [النور: 33]
4 - وقال أيضا: «والقواعد من النساء اللائي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم» [النور: 60]
5 - وقال أيضا عن غض البصر «قل للمومنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل (1/35)
صفحة 31
للمومنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» [النور:30]
6 - وقال أيضا عن الكعب العالي: «ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون» [النور:31]
7 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخلوة «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» [مسلم]
8 - قال الله تعالى عن الحجاب الشرعي: «ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... » [النور:31]
9 - وقال أيضا وهو يؤكد الحجاب الشرعي: «يآ أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المومنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يوذين ... » [الأحزاب:59]
10 - وقال أيضا وهو ينهى عن التبرج والكلام الفاسق: «يا نساء النبيء لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ... » [الأحزاب 32]
11 - وعندما نهانا عن التشبه بالمفسدين والمفسدات قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» [ابن ماجة] (1/36)
صفحة 32
12 - وقد قالت عائشة (ض) «من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان ما اجتمعا» (1)
وقد أرشدنا المولى عز وجل إلى البديل الأنفع والأجدى في حياتنا لنكون عند الله من أعفاء الفروج بالنكاح الحلال والصوم وغض البصر وستر العورة والحجاب الشرعي وترك التبرج بين الأجانب والأقارب داخل المنزل وخارجه.
قال الله تعالى عن نكاح الأرامل والعبيد:
1 - «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإيمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» [النور: 32]
2 - وقال أيضا عن طعام أهل الكتاب: «يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ... » [المائدة: 5]
3 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحجاب: «إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحل لها أن يظهر منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى الوجه والكفين.
[أبو داود]
__________
(1) - وقد رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود 9670 موقوفا (انظر: الحضرمي كتاب الدلائل والحجج ص 642) (1/37)
صفحة 33
4 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العفيف: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح الذي يريد العفاف، والمكاتب الذي يريد الأداء» [النسائي]
5 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عفة الفرج: «إن موسى أخر نفسه ثمان سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه» [ابن ماجة]
6 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للشباب: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج فإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» [مسلم]
7 - وقال أيضا: «ملعون من أبدى عورته للناس ملعون من أتى بهيمة» [الربيع]
8 - قال أيضا: «عفوا تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن جاء إليه أخوه متنصلا فليقبل منه محقا كان أو مبطلا وإن لم يفعل لم يرد عليّ الحوض» [الحاكم]
9 - وقال أيضا: «أحب العفاف إلى الله عفاف البطن والفرج»
10 - عن معاذ بن جبل (ض) قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - «ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل» [أبو داوود 213]
11 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الإيمان عفيف عن المحارم عفيف عن المطامع» [أبو نعيم في الحلية] (1/38)
صفحة 34
- اللهم حصن فروجنا واهد قلوبنا - (1/39)
صفحة 35
المبحث الثالث
حكم العفة والعفاف (1/41)
صفحة 36
المبحث الثالث: حكم العفة والعفاف:
لم تعد العفة خلقا حميدا نتزين به متى نشاء ونتركه متى نشاء فحسب بل هي واجب وفريضة، يجب أن يتحلى بها كل مسلم ومسلمة مع نفسه ومع الله تعالى ومع الآخرين. لأن الضرورات الخمس لا تحفظ إلا بها، وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال. وكل ما فيه إتلاف أو إضرار بهذه الكليات أو ببعضها فهو حرام، منهي عنه في الإسلام، بل هو منهي عنه في جميع الديانات السابقة عند بعض علماء الإسلام .. وعليه فإن حكمها يرتقي إلى درجة الواجب، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب على كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة في كل زمان ومكان، لا ينفك عنه ولو كان مريضا أو في حرج يمنعه من ذلك فحينئذ يدخل في حيز الضرورة .. والضرورة التي تقدر بقدرها هي التي تتيح اقتراف المحظور لأن القاعدة في ذلك تقول «الضرورات تبيح المحظورات» ثم يتوقف اقتراف هذه المحظورات مباشرة عند زوال الظروف الاستثنائية الطارئة.
يقول الله تعالى: «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم» [النحل: 115]، ولا تجوز فيها التقية إلا بالقول لا بالفعل لقوله تعالى: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالفكر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» [النحل: 106] (1/43)
صفحة 37
1 - وعليه فلا يجوز لمسلم أن يترك العفة فيقتل غيره لكي يرد القتل عن نفسه لأنها تقية بالفعل لا بالقول.
2 - ولا يحل لمسلم أن يسرق مال غيره أو يتلفه أو يحرقه من أجل أن يرد عن نفسه القتل بل يجب عليه أن يكف يده عن ذلك ولو قتله الجبار الظالم فإنه يموت شهيدا ..
3 - ولا ينبغي للمسلم الملتزم الذي يحترم دينه وعقله أن يقترف الزنى مع أنثى أو يعرض نفسه للانحرافات الجنسية الآثمة ليدفع عن نفسه الموت أو الحبس يترك نفسه عرضة لانتهاك عرضه أو أعراض الآخرين بل يدافع عن نفسه فإذا مات في ذلك مات شهيدا ..
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من مات دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد» [أبو داوود]
4 - ولا شك أن المحافظة على مال الآخرين وأعراضهم وأولادهم ودمائهم واجب مقدس، لأن المسلمين كلهم جسم واحد على من سواهم .. فمالي هو مالك يجب عليك أن تدافع عنه .. وعرضي هو عرضك يجب عليك أن تدافع عنه، وولدي هو ولدك ونفسي هي نفسك يجب عليك أن تدافع عنهما وتحفظهما عند غيابي عنك والعكس صحيح. (1/44)
صفحة 38
فهذا سيدنا موسى عليه السلام خرق السفينة (1) التي هي مال لغيره من مساكين يعملون في البحر من أجل أن لا يسرقها الملك الذي يغتصب البواخر الصحيحة عن أصحابها. فقد اضطر سيدنا موسى عليه السلام إلى ارتكاب أخف الضررين ليدفع عن مال المساكين أعظم الأضرار .. وهذا أسلوب جائز في المحافظة على أموال الغير أو أعراضهم أو أولادهم عند الإغاثة والحصار ..
5 - ومن أنواع العفة الواجبة على المسلم مراعاتها ترك غنيمة مال أخيك المسلم بعد فتنة تقع داخل الوطن المسلم بين طائفتين من المسلمين لأن الغنائم لا تؤخذ إلا من حرب مع المشركين.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» [مسلم]، وقال أيضا: «ابتغ الغنيمة في غير مال أخيك»
6 - ومن أعظم أنواع العفة التي يجب أن ينتبه لها المسلم هو نكاح مزنيته فلا يحل للمسلم ولا للمسلمة أن يتزوجا إذا وقع بينهما زنى قبل ذلك لأن ذلك الزواج يعتبر عند الله تعالى زنى بينهما، رغم تصحيحه بعقد زواج صحيح .. قال الله تعالى: «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المومنين»
[النور: 03]
__________
(1) - قال الله تعالى: «أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردن أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا» [الكهف 97] (1/45)
صفحة 39
وقد قالت عائشة (ض): «من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان ما اجتمعا» (1) وفي رواية: «ما اضطجعا» (2)
__________
(1) - رواه سعيد بن منصور في مسنده برقم: 897
(2) - وقد رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود 9670 موقوفا (انظر الحضرمي: كتاب الدلائل والحجج ص 642) (1/46)
صفحة 40
المبحث الرابع
نماذج من العفة
أ أنبياء الله قدوة إلى العفة
ب أولياء الله يصنعون العفة
ج - علماء أعفاء
د- قادة أعفاء
هـ- نساء عفيفات (1/47)
صفحة 41
المبحث الرابع: نماذج من العفة:
يفضل كل إنسان أن يشاهد الأعمال الجليلة واقعا عمليا قد تمكن منها بعض العظماء أو بعض البسطاء قبله حتى يصدق حقيقة ما اقترح عليه من جهة، ومن جهة أخرى حتى لا يكون ضحية الخيالات والمثاليات التي لا يمكن تحقيقها في الحياة.
وفعلا لقد تمكن من العفة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات اجتهدوا فيها اجتهادا عظيما حتى بلغوا بها كريم المنازل والمقامات، نذكر منهم نماذج للاعتبار والاذكار.
المطلب الأول: أنبياء الله قدوة إلى العفة:
1 - سيدنا يوسف الصديق عليه السلام (عفيف القلب واليد والفرج)
لقد اجتهد جميع الصالحين من أولياء الله وأنبيائه ورسله أن يكونوا خير نموذج للعفاف والعفة في أقوامهم، وأروع مثال لذلك، ممن قص علينا القرآن الكريم وشهد له في أحسن قصصه هو سيدنا الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام .. هذا الذي ابتلاه الله تعالى بأعظم امتحان في العفة والعفاف فنجح في الامتحان وتفوق فيه على سائر الخلق رغم ما اجتمعت عنده من أسباب الانحراف الشيء الكثير وهي: (1/49)
صفحة 42
1 - مهانة العبودية والفقر
2 - البذخ في قصر الملك
3 - الدعوة إلى الفساد من سيدة القصر
4 - التهديد بالسجن والقهر
5 - التفوق في الوسامة والجمال
6 - قوة الفتوة والشباب
7 - العزوبة وعدم الزواج
8 - معاناة الغربة والبعد عن الأهل
9 - عدم إنكار الزوج لأفعال زوجته ولم يغر من ذلك
10 - التذمر والإحباط النفسي الذي يعانيه.
فلما خرج من هذه المحنة بسلام وأمان دخل السجن الاحتياطي لبضع سنين وبرزت فيه خصلة جليلة هي عفة القلب فاشتغل بالدعوة إلى الله تعالى وإخلاص العبودية له مع النصح لأئمة المسلمين وعامتهم بلسان عفيف.
ولما خرج من السجن رفع الله شأنه فأصبح يدير شؤون أزمة اقتصادية تعاني منها بلاد الشام، وبرزت فيه خصلة حميدة هي عفة اليد رغم ما ألصق به من الخيانة في صغر سنه قبل البلوغ، قال تعالى: «قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» [يوسف: 77] (1/50)
صفحة 43
وفي نهاية المطاف كانت الجائزة العظمى على جميع هذه المبرات هي جمع شمل عائلته في مصر داخل القصر مع والديه تحت كنف العفو الشامل على سرر متقابلين، وبعد هذا الجهد الجهيد في مكافحة الرذيلة والشيطان عبر عن غايته الأعظم في الحياة هي الخاتمة السعيدة بقوله « ... فاطر السماوات والارض أنت ولي في الدنيا والاخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين»
[يوسف: 101]
2 - سيدنا لوط يدعو إلى عفة الفرج:
قال الله تعالى: «ولوطا إذ قال لقومه أتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتاتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ايتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين» [العنكبوت: 29]
فقد ابتلي البلاء الأقوى فصبر لله صبرا جميلا ولم ينحرف مع قومه في شذوذهم الجنسي وابتلي بزوجته المشركة التي لم تزل تخالف زوجها وتوافق قومها وتدعوهم إلى الفساد والضلال البعيد حتى جاء الله بالفرج الجليل، قال تعالى: «فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد»
[هود: 83]
3 - سيدنا شعيب يدعو إلى عفة اليد:
قال الله تعالى: «وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس (1/51)
صفحة 44
أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مومنين وما أنا عليكم بحفيظ» [هود 84 - 86]
4 - سيدنا موسى عليه السلام: (يتفوق في عفة الفرج والبطن):
ضرب أروع الأمثلة في عفة الفرج حيث تدخل في ماء مدين وأنقد موقف البنتين اللتين ترعيان لوالدهما الغنم وهما تنتظران صدور الرجال عن العين لتسقيا غنم والديهما الكبير فسقا لهما سيدنا موسى من دون فتنة ولا فساد ولا ضلال.
قال الله تعالى: «ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير» [القصص:23 - 24]، فلما تزوج إحدى المرأتين أتم عدة المهر عشر سنوات راعيا أمينا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن موسى أخر نفسه ثمان سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه» [ابن ماجة]
5 - سيدنا إبراهيم عليه السلام (يتفوق في عفة القلب):
اجتهد في عفة القلب بالدعوة إلى سلامة العقيدة والسعي إلى تمكين العقيدة الصحيحة في قلوب البشر ابتداء من والده آزر الذي كان يصنع الأصنام ويبيعها لقومه في السوق. ورغم كل التهديدات التي تعرض لها من سلطان بلده ووالده وقومه حتى عاقبوه بالحرق والقتل فإنه لم يتخل عن العقيدة الصحيحة والدعوة إليها بل زاده ذلك رسوخا في توحيد (1/52)
صفحة 45
الخالق وتعظيمه. قال الله تعالى: «وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تاكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا ل بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين» [الصافات: 83 - 98]
6 - سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - (يتفوق في جميع أنواع العفة)
أ قال الله تعالى «فبما رحمت من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» [آل عمران: 159]
ب قيل يا رسول الله: ادع على المشركين. فقال - صلى الله عليه وسلم - «إني لم أبعث لعّانا، وإنما بعثت رحمة» [مسلم].
ج – قال هرقل عظيم الروم لأبي سفيان وهو يسأله عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بماذا يأمركم؟ قال أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة» [البخاري].
د- كان الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - يلقب قبل البعثة بالصادق الأمين لعفة يده ورعايته للأمانات.
المطلب الثاني: أولياء الله يصنعون العفة: (1/53)
صفحة 46
لقد دعا إلى العفة وصنعها رحال مؤمنون ونساء مؤمنات من غير الأنبياء والمرسلين نذكر منهم:
1 - هابيل بن آدم عليه السلام: (عفيف اليد)
اجتهد في عفة اليد فلم يلطخ يده بدم أخيه قابيل الذي كان يهدده بالقتل فأصبح هابيل بهذه العفة هو الرجل الصالح الذي نال الحسنيين .. وأخوه هو الذي نزل إلى أسفل سافلين بالظلم الذي عرف به فكان من الخاسرين في الأولين والآخرين.
قال الله تعالى: «واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» [المائدة: 32]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قيل أفرأيت يا رسول الله إن دخل عليّ بيتي وبسط إليّ يده ليقتلني. قال: كن كابن آدم» أي المقتول وليس القاتل. [الترمذي] (1/54)
صفحة 47
2 - لقمان الحكيم عفيف اللسان والفرج والبطن:
هذا العبد الأسود الذي جاء من صعيد مصر خلد الله ذكره بموعظة بليغة قدمها لابنه من أجل أن يستقيم فيكون من الصالحين عند الله والناس أجمعين. وهو نموذج أعظم للوالد الذي يحسن تربية أبنائه.
قال الله تعالى: «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يات بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور ولا تصعّر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير» [لقمان: 13 - 19]
هكذا فليسعد الأبناء بعفة لسان آبائهم حتى يكونوا لهم خير خلف لخير سلف سواء بالنصيحة أو بالتعليم أو بالتوجيه والإرشاد أو باللقب الصالح أو الاسم الحسن.
قال رجل للقمان الحكيم: ألست الذي كنت ترعى الغنم في مكان كذا أو كذا، قال: نعم. فقال له الرجل: فما بلغ بك ما أرى؟ فقال له لقمان: «بغضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، (1/55)
صفحة 48
وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وحفظي جاري، وتكرمتي ضيفي، وتركي ما لا يعنيني» (1)
3 - رجل من أهل الجنة عفيف القلب:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما لأصحابه: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة» وهذا ثلاث مرات، وفي ثلاث أيام متتاليات، وكان دائما هو نفس الرجل يدخل وتحت إبطه حذاءه ولحيته تقطر من ماء الوضوء .. قيل هو سعد بن أبي وقاص وقيل هو سعيد بن زيد فذهب إليه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له «إنني تخاصمت مع والدي فأريد أن أبيت عندك إلى أن ينتهي المشكل بيننا»، فأذن له، وكان يراقبه في الليل والنهار لعله يصلي ركعات أو يقول أذكارا فلم يشهد له أي شيء زائدا عنه .. وصارحه في اليوم الثالث بالحيلة وسأله: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال له: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي غشا لأحد من المسلمين، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه» فقال له: «هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق» [رواه أحمد]
4 - شبيه يوسف (2):
__________
(1) - ابن كثير: التفسير ج5 ص 380
(2) - ياسر عبد الرحمن: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق ج1 ص 280 (1/56)
صفحة 49
كان فتى يشهد الصلوات الخمس في المسجد النبوي في عهد عمر بن الخطاب (ض) وكان عمر (ض) يتفقده إذا غاب، فعشقته امرأة، فذكرت ذلك لبعض نسائها فقالت: إني أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق فلما مرّ بها قالت له: إني امرأة كبيرة في السن ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت فحلبتها لي، وكان أرغب شيء في الخير، فدخل فلم ير الشاة. فقالت: اجلس حتى آتيك بها .. فإذا المرأة قد طلعت عليه، فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه، فأرادته عن نفسه فأبى وقال: اتق الله أيتها المرأة، فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله، فلما أبى عليها صاحت عليه فجاء الناس. فقالت: إن هذا الرجل دخل عليّ يريدني نفسي، فوثبوا عليه فجعلوا يضربونه وأوثقوه، فلما صلى عمر صلاة الصبح فقده، فبينما هو كذلك إذ جاؤوا به في الوثاق، فلما رآه عمر (ض) قال: اللهم لا تخلف ظني فيه. فقال ما بالكم؟! قالوا: استغاثت امرأة بالليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه فأوثقناه. فقال عمر (ض): أصدقني فأخبره القصة على وجهها. فقال له عمر (ض): أتعرف العجوز؟ قال: نعم، إن رأيتها عرفتها.
فأرسل عمر (ض) إلى نساء جيرانها وعجائزهن فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن حتى مرت العجوز فقال: هذه يا أمير المؤمنين فرفع عمر (ض) عليها الدرة .. وقال: أصدقيني فقصت عليه القصة كما قصها الفتى، فقال عمر (ض): الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف. (1/57)
صفحة 50
5 - أبو بكر إبراهيم المسكي عفيف الفرج:
سئل أبو بكر إبراهيم المسكي: إنا نشم منك رائحة المسك مع الدوام، فما سببه؟! فقال: والله لي سنين عديدة لم أستعمل المسك، ولكن سبب ذلك أن امرأة احتالت علي حتى أدخلتني دارها، وغلقت دوني الأبواب، وراودتني عن نفسي فتحريت من أمري فضاقت بي الحيل، فقلت لها: إن لي حاجة إلى الطهارة، فأمرت جارية لها أن تمضي بي إلى بيت الراحة ففعلت.
فلما دخلت بيت الراحة أخذت العذرة وألقيتها على جسمي ثم رجعت إليها وأنا على تلك الحالة، فلما رأتني دهشت ثم أمرت بإخراجي فمضيت واغتسلت. فلما كانت تلك الليلة رأيت في المنام قائلا يقول لي: إنك فعلت ما لم يفعله أحد غيرك لأطيبن ريحك في الدنيا والآخرة.
فأصبحت والمسك يفوح مني واستمر ذلك إلى الآن (1).
6 - حديث الغار:
عند نزول مطر شديد آوى إلى الغار ثلاثة رجال وغلقت عليهن صخرة فيه حتى حبسوا فيه فاستنجد كل واحد منهم الله تعالى بعمل صالح قام به في حياته ليفرج الله عنهم. وكان منهم رجل راود امرأة
__________
(1) - المرجع السابق ص: 281 (1/58)
صفحة 51
عن نفسها وأعطاها نقودا فلم تقبل وقالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام عنها وترك الزنى (1). ورجل استأجر أجيرا فلم يرض بأجرته فمسكها عند ونماها حتى رجع الأجير فطلب أجرته فقال له: خذ تلك البقرة وأولادها. فلم يصدق ذلك فكان ذلك سببا للفرج عنهم من داخل الغار ..
7 - التاجر الأمين عبد الرحمن (2) بن إبراهيم بهون علي عفيف اليد
هو من أعيان وادي ميزاب بالعطف توفي سنة 1963/ 1383، له تجارة بالغرب الجزائري في مدينة البيض له مواقف جليلة ضد الاستعمار وكان دكانه مقر صلح بين الناس وبنك أمانات .. ومما يذكر من مآثره أن امرأة جاءت السوق ومعها مجوهراتها ودخلت دكانه وطلبت منه أن يحفظها عنده أمانة إلى أن ترجع إليها .. لكن طال غيابها إلى أكثر من عامين فاستدعى التاجر إمام المسجد وسأله عنها فقال له: إنها توفيت منذ شهور، فقال له أحضر إلي أنت وأحد أقاربها يوم كذا فعندي معكم كلام خاص .. فعندما حضروا تحقق من قريبها وفاتها .. فقدم له الأمانة .. وتعجب منه وشكره على عفته.
__________
(1) - عمر سليمان الأشقر: صحيح القصص النبوي ص 204
(2) - رواية شفوية عن أقاربه (1/59)
صفحة 52
8 - العبد المبارك عفيف اليد:
كان المبارك عبدا مملوكا لرجل غني اسمه نوح بن مريم. فطلب منه سيده ذات يوم أن يخرج إلى البساتين ليحرسها.
وبعد عدة شهور ذهب نوح ليشهد أحوال البساتين ومعه مجموعة من أصحابه فقال للمبارك: إيتني برمان حلو وعنب حلو، فقطف له رمانات ثم قدمها إليه فإذا هي حامضة مثل العنب.
فقال له نوح: يا مبارك ألا تعرف الحلو من الحامض؟ فأجاب الرجل: لم تأذن لي يا سيدي أن آكل منه حتى أعرف الحلو من الحامض، فتعجب الرجل وقال: أما أكلت شيئا وأنت منذ شهور هنا؟
قال المبارك: لا والله ما ذقت شيئاـ ووالله ما راقبتك ولكني راقبت ربي. فتعجب سيده من تلك العفة ومن هذا الورع، وظن في البداية أنه يخدعه فلما سأل الجيران قالوا له: ما رأيناه يأكل شيئا أبدا فتأكد من صدقه وورعه وعفته. وقال له: يا مبارك أريد أن أستشيرك في أمر عظيم، قال له: ما هو يا سيدي؟ قال نوح: إن لي ابنة واحدة وتقدم لها فلان وفلان وفلان من الأثرياء فيا ترى لمن أزوجها؟!
قال له المبارك: يا سيدي إن اليهود يزوجون للمال والنصارى يزوجون للجمال والعرب للحسب والنسب والمسلمون يزوجون للتقوى، فمن أي الأصناف أنت؟ زوج بنتك للصنف الذي أنت منه. (1/60)
صفحة 53
فقال نوح: والله لا شيء أفضل من التقوى، ووالله ما وجدت إنسانا أتقى لله منك، فقد أعتقتك لوجه الله وزوجتك ابنتي .. فتزوجها وولد معها العالم المشهور عبد الله بن المبارك. (1) المتوفى 181هـ.
المطلب الثالث: علماء أعفاء:
1 - جابر بن زيد رحمه الله عفيف اليد:
هو التابعي الجليل صاحب ابن عباس إمام المذهب الإباضي (18هـ-93هـ) كان عفيف اليد فلا يخدع في النقود المزيفة فإذا وجد شيئا من ذلك كسره ورماه. قال محمد بن سيرين: «كان جابر بن زيد مسلما عند الدينار والدرهم» (2)
2 - عابد بني إسرائيل (3): كان عابد من بني إسرائيل في صومعته يتعبد فإذا نفر من الغواة قالوا: لو استنزلناه بشيء. فذهبوا إلى بغي فأغروها بمال وقالوا لها: تعرضي له، فجاءته في ليلة مظلمة مطيرة فقالت: يا عبد الله آوني إليك، وهو قائم يصلي ومصباحه مضيء، فلم يلتفت إليها، فقالت: يا عبد الله الظلمة والغيث، آوني إليك، فلم تزل به حتى أدخلها إليه فاضطجعت وهو قائم يصلي، فجعلت تتقلب وتظهر محاسن خلقها حتى
__________
(1) - ياسر عبد الرحمن: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق ج1 ص 281
(2) - ابن الجوزي: صفة الصفوة ج2 ص 142
(3) - ابن القيم الجوزية: روضة المحبين ص 480 (1/61)
صفحة 54
دعته نفسه إليها، فقال: لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار، فدنا من المصباح فوضع إصبعا من أصابعه فيه حتى احترقت، ثم رجع إلى مصلاه، فدعته نفسه أيضا، فعاد إلى المصباح فوضع إصبعه أيضا حتى احترقت أصابعه وهي تنظر إليه فصعقت فماتت، فلما أصبحوا غدوا لينظروا ما صنعت فإذا بها ميتة، فقالوا: يا عدو الله يا مرائي وقعت عليها ثم قتلتها. فذهبوا به إلى ملكهم فشهدوا عليه، فأمر بقتله. فقال: دعوني أصلي ركعتين، وبعد الصلاة دعا الله قائلا: أي ربي إني أعلم أنك لم تكن لتؤاخذني بما لم أفعل، ولكن أسألك أن لا أكون عارا على القرى بعدي .. فرد الله نفس هذه المرأة فقالت، انظروا إلى يده، ثم عادت ميتة. فكان ذلك سبب نجاته ..
3 - عمرو بن عبيد المعتزلي عفيف اللسان:
قال له رجل يا أبا عثمان إني لأرحمك مما يقول الناس فيك. قال له: يا ابن أخي اسمعني أذكر فيهم شيئا .. قال: لا، قال: إياهم ارحم.
أتى رجل إلى عمرو بن عبيد فقال له: إن الأسواري لم يزل أمس يذكرك ويقول: الضال. فقال له عمرو: يا هذا والله ما رعيت حق مجالسة هذا الرجل حتى نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حتى (1/62)
صفحة 55
بلغتني عن أخي ما أكره، أعلمه أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا (1).
4 - الشيخ عمر بن داود بومعقل الوارجلاني (ت 1996م/ 1416هـ) عفيف اليد:
يحكى عن هذا العالم الجليل أنه باع زنبيلا من التمر إلى تاجر، ولما أرجع له الزنبيل إلى داره وجد في قاعه ثلاث أو أربع تمرات لاصقة فيه، فالتقطها وقصد المتجر وأعطاها له (2) ولما تعجب هذا التاجر من هذا التصرف واستفسر عن ذلك أجابه الشيخ عمر رحمه الله: أتريد أن أدخل النار من أجل هذه التمرات؟!
5 - أبو عبد الله عفيف اليد واللسان:
يقول الشيخ أبو اليقظان: «كان أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت440هـ) عفيف اللسان، عفيف اليد، عفيف الضمير، وقد شهد له في الأولى أبو الربيع فقال: كان أبو عبد الله إذا سئل عن أحد فإن علم خيرا قاله وإن علم غيره سكت، ولعل خير شاهد على عفة يده على كثرة ما مرت به من أموال ما يلي:
__________
(1) - محمد بن عبد الرحيم الزيني: عمرو بن عبيد والأصول الخمسة دراسة ومقارنة في فكر المعتزلة والإباضية ص55
(2) - سليمان بن محمد بومعقل: حياة الشيخ الحاج عمر بن داود الوارجلاني ص 43 (1/63)
صفحة 56
قال ولده أبو يعقوب يوسف: أوصى أبي ألف دينار ثم استكثرها فأوصى بخمسمائة دينار، ثم قال لي: يا يوسف يا بني هذه وصيتي فنفدها، ولا جعلك الله في حل إن دفعت زائدا على أربعة دراهم لشخص أي شخص كان، فإنما هي حوطة من أموال أهل الدعوة ما أطعمتكم منها عشاء ولا غذاء، ولكن ربما أرادوا وجها فصرفتها في غير الوجه الذي أرادوه» (1)
6 - الشيخ درويش بن جمعة المحروقي عفيف اليد:
هو عالم من علماء القرن 11هـ دخل مرة في متجر فاكتال لنفسه قمحا .. وبعد أن وصل المنزل وجد حبة قمح واحدة بين خاتمه وأصبعه .. فترجح لديه أنها لم تدخل في الشراء فرجع إلى المتجر فردها للبائع .. وتعجب التاجر من عفته (2).
ويذكر عنه أن الإمام سلطان بن يوسف اليعربي منحه زادا من الحلوى العمانية لطريقه حتى يصل بلده فاستعمل منها ما تيسر، وعندما وصل بيته وجد فضله بقيت في هميانه فأرسلها مع كتاب إلى الإمام يخبره بأنه استعمال منها ما فيه الكفاية والباقي يعود إلى بيت مال المسلمين. (3)
__________
(1) - أبو اليقظان: الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر ص 32
(2) - المحروقي كتاب الدلائل على اللوازم والوسائل ص 9
(3) - المحروقي كتاب الفكر والاعتبار (1/64)
صفحة 57
المطلب الرابع: قادة أكفاء:
1 - عمر بن عبد العزيز عفيف اليد واللسان:
أتت عمة عمر بن عبد العزيز إلى امرأته فاطمة بنت عبد الملك، فقالت: إني أريد كلام أمير المؤمنين. فقالت لها: اجلسي حتى يفرغ. فجلست وإذا بغلام قد أتى فأخذ سراجا، فقالت لها فاطمة: إن كنت تريدينه فالآن، فإنه إذا كان في حوائج العامة كتب على الشمع، وإذا صار إلى حاجة نفسه دعا بسراجه. فقامت فدخلت عليه، فإذا بين يديه أقراص وشيء من الملح والزيت وهو يتعشى. فقالت: يا أمير المؤمنين أتيت بحاجة لي، ثم رأيت أن أبدأ بك قبل حاجتي.
قال عمر (ض): وما ذاك يا عمة.
قالت: لو اتخذت طعاما ألين من هذا.
قال: ليس عندي يا عمة، ولو كان عندي لفعلت.
قالت: يا أمير المؤمنين عمك عبد الملك يجري عليّ كذا وكذا ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وليت أنت فقطعته عني.
قال: يا عمة، إن عمي عبد الملك وأخي الوليد وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال المسلمين، وليس ذلك المال لي فأعطيكه، ولكني أعطيك من مالي إن شئت. (1/65)
صفحة 58
قالت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: عطائي مائتان دينار، فهو لك.
قالت: وما يبلغ مني عطاؤك؟!
قال: فليس أملك غيره يا عمة.
قالت: فانصرفت عنه (1).
وكانت ابنة لعمر بن عبد العزيز تقول لأبيها: إن البنات يعيرنني فيقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟ فيقول لها: يا بنية قولي لهن: إن أبي يخشى عليّ حر اللهب (2).
2 - أبو اليقظان: محمد بن أفلح عفيف اليد:
لقد تفقد الإمام أبو اليقظان الرسمتي خادمه واستبطأه فعندما دخل في الليل متأخرا سأله عن ذلك فقال له: كنت أعطيت العلف للفرس من بيت مال المسلمين لأنني وجدت الحريف مغلقا .. فقال له أبو اليقظان: «والله لا قام محمد ولا أكل ولا شرب حتى نمضي ونرد في بيت المال ما أخذته منه» فخرج إلى الحريف وأخرجه من داره واشترى منه كمية العلف التي أخذها من بيت المال وأرجعها فيه .. فعندما رجع إلى
__________
(1) - ياسر عبد الرحمن: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق ج1 ص 277
(2) - المرجع السابق ص 179 (1/66)
صفحة 59
المنزل وجده ينتظر فقال له: ما وراءك، فلما حكى ما صنع قال له: أحسنت أما الآن فاجلس (1) ..
3 - أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي (2) عفيف الحرب:
هو إمام دفاع عينه الإباضية للدفاع عن شرف المسلمين سنة 154هـ في طرابلس فلما انتصر على أعدائه نظر في القتلى فوجد بعض الأموات عراة فقال لهم: «ليس من سيرة المسلمين إذا قتلوا من بغى عليهم من أهل التوحيد أن يسلبوه، بل يقولون لأهل المدينة ارجعوا إلى قتلاكم فادفنوهم وخذوا ثيابهم، والآن إما رددتم الأسلاب وإما اعتزلت أموركم وتركت الولاية» فردوها لهم.
4 - الشيخ سليمان باشا الباروني (3) عفيف اليد:
يقول وهو يصف نفسه: «إن حكومة إيطاليا تحققت نزاهتي وعفتي من زمن الحرب التركية، فلم تتجاسر على مخاطبتي في الرشوة»
المطلب الخامس: نساء عفيفات:
7 - مريم بنت عمران رضي الله عنها عفيفة الفرج:
__________
(1) - ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين ص 101،102
(2) - الدرجيني: الطبقات ج1 ص 37
(3) - زعيمة الباروني صفحات صفحة: 467 (1/67)
صفحة 60
هي امرأة صالحة ضربت أروع الأمثلة للمرأة العفيفة الفرج رغم ما يحيط بها من أسباب الفتنة والفساد أثناء خروجها لخدمة المسجد في فلسطين مثل:
1 - الفتوة والشباب
2 - العزلة عن المنزل
3 - دخول الرجال عليها في كل وقت
4 - العزوبة وعدم الزواج
5 - جنس الأنوثة المتحرر من القيود
قال الله تعالى: «ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتابه وكانت من القانتين» [التحريم: 12]
وقال أيضا: «والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين» [الأنبياء:91].
8 - أم المؤمنين عائشة بنت الصديق عفيفة الفرج:
لقد خلد الكتاب والسنة ذكر هذه المرأة الصالحة ورفع الله من قدرها، لأنها كانت عفيفة الفرج عالية الشرف بعيدة عن الفساد والانحراف رغم ما نال المنافقون والغافلون من قدرها بعد رجوعها من غزوة بني المصطلق في السنة 6هـ حتى انقسم الناس من أجلها فريقين يختصمون، فبرأها الله تعالى من جميع ما ألصق بها من تهم (1/68)
صفحة 61
باطلة بقرآن ناطق وآيات محكمات .. ومع ذلك فإن غلات بعض الفرق الإسلامية تنال من عرضها بكل وقاحة وهم «لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة» ..
ورغم ما وقع من اختلاف في عمر زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها فإن ذلك لا يكون عذرا مقبولا في الكلام عن عرض هذه الصديقة العفيفة التي رضيت بقضاء الله وقدره عليها حتى أتاها اليقين سنة 58هـ رضي الله عنها وأرضاها وجعل الجنة مثواها .. فاتقوا الله أيها المرجفون في أعراض الناس ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ..
قال الله تعالى: «إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم» [النور: 11] إلى قوله تعالى: «الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم» [النور: 26]
9 - أخت عمروس عفيفة الفرج:
سقطت أخت عمروس بن فتح النفوسية رحمهما الله في أسر إبراهيم بن الأغلب مع مجموعة من النساء سنة 283هـ في وقعة مانو بجبل نفوسة فاتفقت فيما بينهن إن هجم عليهن جنود الأغالبة للفساد والانحراف الجنسي أن توكل كل واحدة منهن إحدى صواحبتها وليًّا (1/69)
صفحة 62
لها لتزوجها بمن يطلبها للزنى –لا قدر الله- حتى لا يكون ذلك زنى أو رضى بالزنى (1).
هكذا المرأة الصالحة تدافع عن شرفها وتصونه بمختلف الطرق الممكنة لذلك ولو في أصعب المواقف وأضيقها.
__________
(1) - سليمان الباروني: الأزهار الرياضية ص 374 (1/70)
صفحة 63
المبحث الخامس
آثار العفة وثوابها
1 - آثار العفة
2 - فضائل العفة وثوابها (1/71)
صفحة 64
المبحث الخامس: آثار العفة وثوابها:
فإذا احترم المسلمون هذا الواجب والتزموا به عاشوا حياة سعيدة ونالوا بذلك أجرا عظيما وعزّا مكينا لما يظهر في مجتمعهم من آثار جليلة وصفات حميدة أذكر منها:
المطلب الأول: آثار العفة:
نجد المجتمع الذي تنتشر فيه العفة يتمتع بما يلي:
1 - الإحسان بين الناس: فالمسلم القوي يرحم الضعفاء والفقراء بماله وجاهه وعلمه وقوته، فلا يبخل بما فضله الله تعالى على غيره، لفكر التكامل الذي يبثه الإسلام داخل الجماعة المسلمة لقوله تعالى: «وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» [البقرة: 195]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [أبو داود]
2 - سعة الرزق والقناعة: فإذا وقع الإحسان خلف الله تعالى على عباده المحسنين ووسع على عباده الفقراء فيكونوا جميعا أغنياء قال الله تعالى: «وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم» [النور: 32] (1/73)
صفحة 65
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجال من الأنصار أعطاهم ثم أعطاهم ثم أعطاهم حتى نفد ما عنده: «ما يكون عندي من خير فأدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن تصبّر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً هو خير له وأوسع من الصبر» [الربيع: 363]
3 - الزواج الحلال: فالناس في مجتمع العفة يسعون لتحصين أنفسهم بالزواج الحلال ويصبروا عليه ويبتعدون عن العزوبة والانحراف الجنسي من الزنى واللواط والسحاق تعففا. قال الله تعالى: «وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم» [النساء: 3]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تزوجوا الودود الولود». [النسائي]
4 - الحجاب الشرعي ولباس التقوى: فالرجل لا يلبس لباس المرأة والمرأة لا تلبس لباسه ولا تتبرج أمامه/ كل واحد يستر جسمه بما أمره الله به. قال تعالى: «يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المومنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يوذين»
[الأحزاب: 59]
وقال أيضا: «يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوؤاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله» [الأعراف 26] (1/74)
صفحة 66
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحل أن يظهر منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى الوجه والكفين. [أبو داود]
5 - التجارة الحلال والكسب الحلال:
فيجتهد الغني أن يكسب الحلال من الرزق ويعف عن الخيانة والربا وتطفيف الكيل والميزان والسرقة والاختلاس، كما يجتهد الفقير في العمل وترك البطالة ليكون مطعمهم حلالا وملبسهم حلالا وغذوا بالحلال. قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما» [النساء: 29]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» [ابن ماجة]
6 - الاحترام المتبادل والصدق:
فالفقير يحترم الغني ولا يحسده والغني يرحم الفقير ولا يحقره ولا يخذله، وكل واحد منهما يكون عفيفا فيما عند الآخر فلا يخونه في ماله وعرضه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، التقوى هاهنا –وأشار إلى القلب- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» [الترمذي] (1/75)
صفحة 67
7 - الدعاء الصالح: عندما يعم العفاف والعفة المجتمع المسلم تتقبل كل طبقة ما عند الأخرى من الفضل، فيتحول ظن السوء إلى دعاء صالح رجاء ما عند الله من الفضل الكبير والله ذو الفضل العظيم، وهما راضيان بقضاء الله وقدره، فيدعو كل واحد منهما للآخر على ظهر الغيب بالخير والصلاح ليكون له ولغيره سندا متينا ينتفع الواحد منهما بالآخر.
قال الله تعالى: «وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين» [غافر: 60]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزا كالها خيرا فقد أبلغ في الثناء» [النسائي]
8 - الأسماء الحسنة والألقاب الصالحة:
فإذا انتشرت العفة والعفاف في مجتمع أصبحوا جميعا يرفعون قدرهم بالأسماء الصالحة والألقاب الحسنة. فلا يكون تنابز بالألقاب ولا تهاون بذلك، قال الله تعالى: «ولا تنابزوا بالالقاب بيس الاسم الفسوق بعد الايمان» [الحجرات: 11].
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»
[مسلم] (1/76)
صفحة 68
المطلب الثاني: فضائل العفة وثوابها:
لقد رصد المولى عز وجل جوائز ثمينة وهدايا غالية لجميع من التزم العفة والعفاف في معاملاته الخاصة والعامة في أي زمان ومكان، نذكر منها ما يلي:
1 - معونة الله تعالى:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف»
[الترمذي]
2 - محبة الله تعالى: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أحب العفاف إلى الله عفاف البطن والفرج» [الضياء]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تعالى يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال» [ابن ماجة]
وقال أيضا: «إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السأل الملحف» [الضياء]
3 - الطمأنينة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الصدق طمأنينة والكذب ريبة»
قال أيضا: «أعف الناس قتلة أهل الإيمان» [أبو داود] (1/77)
صفحة 69
4 - الغنى الحقيقي:
قال الله تعالى: «وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» [النور: 32]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا، صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة المطعم»
[أحمد]
5 - عفاف الأهل:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك منه، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل لم يرد عليّ الحوض» [الحاكم]
6 - إمارة المسلمين:
قال الخليفة عمر بن الخطاب (ض) «لا يصلح هذا الأمر إلا لمن جمع خمسا إن نقصت واحدة لم تصلح الأربعة إلا بها: جمع المال من حله، والعفة عنه بعد جمعه، ووضعه بعد جمعه في حقه، ولين لا ضعف معه، وشدة لا جبروت فيها» [الربيع 787]
7 - الفرج بعد الشدة: حديث الثلاثة الذين آواهم الغار منهم: محسن لوالديه، وعفيف عن أموال الناس، وعفيف الفرج، فانزاحت الصخرة فخرجوا من الغار سالمين. [البخاري: 2333] (1/78)
صفحة 70
8 - قبول الأعمال وهداية الخلق:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقة فوضعا في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، قال اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، قال اللهم لك الحمد على سارق. قال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني، وعلى سارق، فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما الزانية فلعلها تستعف بها على زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته»
[مسلم]
9 - دخول الجنة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد ومملوك ناصح لسيده ومحسن عبادة ربه، وعفيف متعفف ذو عيال، قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وقليل ما هم» [الضياء]
10 - مغفرة الذنوب: (1/79)
صفحة 71
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت. فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله تعالى، فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك والله لا أعصيه بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك» [الترمذي 2496]
11 - ظل الله يوم لا ظل إلا ظله:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل ... » إلى أن قال: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين» [الربيع: 48]
12 - الخلود في الجنة بعد التوفيق والاستقامة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أربع من النساء في الجنة وأربع في النار، فأما اللواتي في الجنة:
أ) فامرأة عفيفة طائعة لله ولزوجها
ب) ولود صابرة قانعة باليسير مع زوجها (1/80)
صفحة 72
ج) ذات حياء إن غاب عنها حفظت نفسها وماله صابرة وإن حضر أمسكت لسانها عنه.
د) والرابعة امرأة مات عنها زوجها ولها أولاد صغار فحبست نفسها على أولادها وربتهم وأحسنت إليهم، ولم تتزوج خشية أن يضيعوا ... » (1)
__________
(1) - سعيد اللحام الحلال والحرام ص 241 (1/81)
صفحة 73
المبحث السادس
عواقب تضييع العفة وعقوبتها
1 - عواقب تضييع العفة
2 - عقوبات أليمة للعاصين والعاصيات (1/83)
صفحة 74
المبحث السادس: عواقب تضييع العفة وعقوباتها:
وأما إذا ترك المسلمون العفة والعفاف ولم يلتزموا بها فإنهم سوف يعيشون معيشة ضنكا، يتسلط القوي منهم على الضعيف، فتنتهك الأعراض وتستباح الأموال والدماء بكل وقاحة .. وأذكر من هذه العواقب الوخيمة ما يلي:
المطلب الأول: عواقب تضييع العفة:
إننا نشاهد من خلال المجتمع الإنساني الذي حاد عن الفطرة السليمة المثالب التالية:
1 - انتشار الظلم والأنانية: بسبب عدم ضبط الجوارح بضوابط الشرع والأخلاق والعقل فتسلب الحقوق من أهلها وتعطى لغير أهلها.
2 - السفور والاختلاط: فالإناث لا يتحجبن عن الذكور غير المحارم والذكور لا يجدون حرجا عن الاختلاط بالإناث في أي مكان وزمان.
3 - الانحرافات الجنسية: مثل اللواط والزنا والتخنث والسحاق، لا تجد لها حدودا ولا مقاومة من أي أحد من الشباب والفتيات والكهول أو الشيوخ الضالين، وربما يبحثون لها عن مبررات وقوانين من الشرق أو الغرب لاستباحتها حتى تقع الخيانة بين الأزواج. (1/85)
صفحة 75
4 - العزوف عن الزواج: فيستغني المنحرف عن ذلك بالزنا وغيره من أنواع الانحرافات الجنسية من أجل أن يبتعد عن تحمل المسؤولية العظمى من التربية والإنجاب.
5 - زواج المزنية: فلا يتورع أحد الجنسين بأن يستر نفسه عن ألسنة العار بالعقد على من زنى بها أو زنت به بمبررات واهية وأدلة غير صحيحة.
6 - ظاهرة الأولاد اللاشرعيين: فلا يتحرج هؤلاء المنحرفون من إغراق المجتمع بالأولاد اللقطاء ثم إيجاد مراكز في الدولة لرعايتهم الرعاية البديل.
7 - الإجهاض: خشية العار تنتشر جريمة إخراج الحمل قبل تمام أيامه بأموال باهضة يشترك فيها الزانية والزاني وبعض الأطباء غير المؤمنين ..
8 - البهتان: فإذا زال الورع عن النفوس الكريمة والقلوب السليمة أضحت الأعراض تتقاذفها التهم الباطلة لأتفه الأسباب والظنون الكاذبة .. فيستر المجرم ويفضح البريء بالباطل.
9 - انتشار ظاهرة الكذب والغيبة والنميمة: وهي نتيجة حتمية وبل هي وسائل سلبية للوصول إلى أغراض سلبية في الأموال والأنفس والأعراض البريئة. (1/86)
صفحة 76
10 - المعاكسات الجنسية: يصبح هذا الانحراف وسيلة مشروعة بين الناس إذا نزع ثوب العفة من قلوب بعض الشباب ونفوس بعض الفتيات غير الصالحات، سواء كان ذلك في الشارع أو في الهاتف أو في العمل أو في المدرسة أو في الجامعة أو في السوق أو في الدكان أو في غيرها من أماكن الحرية والاختلاط مثل الانترنت ومنتديات الدردشة في الهاتف النقال والتواصل الاجتماعي.
11 - السرقة والخيانة: فتكون الأموال لا تحفظ لأصحابها بل يخونها ويسرقها ويختلسها من لا خلاق له بشتى المبررات الممكنة.
المطلب الثاني: عقوبات أليمة للعاصين والعاصيات:
لقد توعد الله تعالى جميع من يتعدى حدود الله فلا يلتزم العفاف والعفة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. أذكر منها ما يلي:
1 - الفقر:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الزنى يورث الفقر» [البيهقي في شعب الإيمان]
وقال أيضا: «بشر الزاني بخراب بيته ولو بعد حين».
وقال أيضا: «إياكم والزنى فإن فيه أربع خصال: يذهب البهاء عن الوجه، ويقطع الرزق، ويسخط الرحمن، والخلود في النار»
[الطبراني في الأوسط]
2 - الأمراض المعدية والكوارث: (1/87)
صفحة 77
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن:
لم تظهر فاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.
ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ... » [ابن ماجه]، ومنها مرض العصر مرض فقدان المناعة.
3 - ذهاب البركة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»
[البخاري]
4 - عقوبات على المرأة غير العفيفة:
دخل الإمام علي كرم الله وجهه على النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وزوجه فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجداه يبكي بكاء شديدا فقال له علي:
فداك بأبي وأمي يا رسول الله ما الذي يبكيك؟
قال: «يا علي ليلة أسري بي إلى السماء رأيت نساء من أمتي يعذبن أنواعا من العذاب فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن
1 - رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغها (1/88)
صفحة 78
2 - ورأيت امرأة معلقة بلسانها والحميم يصب في حلقها
3 - ورأيت امرأة قد شدت رجلاها إلى ثدييها ويداها إلى ناصيتها
4 - ورأيت امرأة معلقة بثدييها
5 - ورأيت امرأة رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار عليها ألف لون من العذاب.
6 - ورأيت امرأة على صورة الكلب والنار تدخل من فيها وتخرج من دبرها والملائكة يضربون رأسها بمقامع من نار»
فقامت فاطمة (ض) وقالت: حبيبي وقرة عيني ما كان أعمال هؤلاء حتى وضع عليهن العذاب؟!
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «
1 - يا بنية أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال.
2 - وأما التي كانت معلقة بلسانها فإنها كانت تؤذي زوجها.
3 - وأما المعلقة بثديها فإنها كانت تفسد فراش زوجها
4 - وأما التي تشد رجلاها إلى ثدييها ويداها إلى ناصيتها وقد سلك عليها الحيات والعقارب فإنها كانت لا تنظف بدنها من الجنابة والحيض وتستهزئ بالصلاة.
5 - وأما التي رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار فإنها كانت نمامة حسادة. (1/89)
صفحة 79
6 - وأما التي على صورة الكلب والنار تدخل من فمها وتخرج من دبرها فإنها كانت منانة حسادة» (1)
5 - عقوبات على رجال غير أعفاء:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين ويدخلهم النار مع الداخلين إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه:
الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» (2)
6 - سخط الله تعالى:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله يحب الحليم الحيي العفيف، ويبغض الفاحش البذيء، السائل الملحف» (3)
7 - الإفلاس والجذام:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من احتكر على الناس طعامهم ابتلاه الله بالإفلاس والجذام» [ابن ماجه]
8 - الخلود في النار:
__________
(1) - سعيد اللحام: الحلال والحرام ص 242
(2) - محمد زيني: وليستعفف ص 17
(3) - العوتبي الضياء ج4 ص 530 (1/90)
صفحة 80
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « ... وأما الأربع اللواتي في النار من النساء:
أ فامرأة بذيئة اللسان على زوجها أي طويلة اللسان .. فاحشة الكلام إن غاب عنها زوجها لم تصن نفسها وإن حضر آذته بلسانها.
ب والثانية امرأة تكلف زوجها ما لا يطيق.
ج والثالثة امرأة لا تستر نفسها من الرجال وتخرج من بيتها متبرجة.
د والرابعة امرأة ليس لها هم إلا الأكل والشرب والنوم، وليس لها رغبة في الصلاة ولا في طاعة الله ولا في طاعة رسوله ولا في طاعة زوجها» (1)
9 - الإفلاس من الحسنات يوم القيامة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، فيأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» [الترمذي]
__________
(1) - سعيد اللحام: الحلال والحرام ص 241 (1/91)
صفحة 81
10 - اللعنة والطرد من الرحمة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ملعون من آذى المسلمين في طريقهم ملعون من أتى بهيمة» [الربيع]
وقال أيضا: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» [أبو داود] (1/92)
صفحة 82
المبحث السابع
التوبة النصوح والعلاج الأمثل
1 - العلاج الأمثل
2 - التوبة النصوح (1/93)
صفحة 83
المبحث السابع: التوبة والعلاج الأمثل:
وبعد عرض الداء وتتبع مواطنه في جسم الأفراد والجماعات من هذه الأمة الصالحة يحسن أن نقترح عليكم وصفات طبية إلهية للعلاج وتوقيف النزيف من هذه الأورام الخبيثة التي تنتج عن معاكسة أحكام الله تعالى في ترك «العفة والعفاف» وقد قسمت المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأول: العلاج الأمثل
هناك بعض المجتمعات الإسلامية تعاني من الفساد الأخلاقي بسبب غياب العفة والعفاف فيها ولو رجعوا إلى الله ورسوله فيما اختلفوا لوجدوا في هديهما الخير الكثير والبلسم الشافي لهذه الأمراض المزمنة.
قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا»
[النساء: 59]
وهذه الوصفات الإلهية تتكون مما يلي:
1 - الوازع الديني: هو آلة الغيرة على حرمات الله، فالواجب على المرشدين في العائلات والمساجد والمدارس والجامعات الخاصة والعامة تنمية الوازع الديني في نفوس أفرادها بالترغيب والترهيب، وإحياء (1/95)
صفحة 84
فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا تحيد عن طريق العفة والعفاف، وتكون من الذين قال فيهم الله تعالى: «حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين» [الأحقاف: 15]
2 - الاستئذان: لقد شرع الله تعالى لعباده فريضة الاستئذان بين الأجانب والأقارب من أجل أن لا يتعدى على حريم الآخرين وحرماتهم. قال الله تعالى: «يآ أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستاذنوا كما استاذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم» [النور: 58 - 59]
وقال أيضا: «يآ أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم» [النور:27، 28]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنما جعل الاستئذان من أجل النظر» [الترمذي]
3 - الحجاب الشرعي:
يجب على المسلم تدريب أهله وأولاده وجميع من تحت مسؤوليته من الإناث على الالتزام بالحجاب الشرعي خارج المنزل، ولباس (1/96)
صفحة 85
الحياء أمام المحارم داخله، وفي معنى ذلك اللباس الساتر للمسلم المحترم لحدود الله داخل المنزل وخارجه.
قال الله تعالى: «يآ أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المومنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يوذين وكان الله غفورا رحيما» [الأحزاب: 59]
ثم بين الله تعالى المحارم الذين يمكن للمرأة أن تضع حجابها أمامهم فقال: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون» [النور: 31]
4 - التفريق بين الأولاد في المضاجع:
يجب على الوالدين الإبعاد بين الجنسين من أولادهم أو من تحت مسؤوليتهم من اليتامى وغيرهم إبعادا لهم عن أي شبهة تؤدي بهم إلى الانحرافات الخلقية.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» [أبو داود] (1/97)
صفحة 86
فكم من كارثة وقعت بين الأولاد الذين لا نتبع فيهم سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من السحاق واللواط وزنى المحارم والشذوذ الجنسي والعياذ بالله.
5 - غض البصر:
هي أحسن وسيلة لكبح جماح الغرائز عند الذكور والإناث كبارا وصغارا ليلا ونهارا، وفي معناها كف جميع الجوارح الأخرى كالسمع والشم والذوق واللمس لذلك أمر الله تعالى بها أمرا صريحا فقال:
«وقل للمومنين يغضوا من أبصارهم ... » [النور:30]
«وقل للمومنات يغضضن من أبصارهن ... » [النور:31]
ولعل البصر كان أقواهن وأجمعهن لمثل هذه البلايا لذلك خصصه الله بذكره دون غيره ..
6 - الكلام المعروف:
هو الكلام الذي تقوله المرأة لأجنبي عنها في أي مجال من مجالات الحياة .. فقد نهيت أن تستعمل كلام الفتنة في ذلك حتى لا توقع نفسها أو غيرها في الفساد الخلقي ..
قال الله تعالى لأمهات المؤمنين، «فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ... » [الأحزاب: 32] ويتحقق القول المعروف في الخطاب سواء كان ذلك في السؤال أو الجواب أو الحوار العلمي (1/98)
صفحة 87
داخل القسم أو داخل المنزل أو داخل المكتب أو في الشارع والأولى من ذلك كله هو استعماله بين الأجانب من وراء حجاب.
قال تعالى: «وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ... » [الأحزاب: 53]
لأن الكلمة الطيبة أو الخبيثة لها تأثيرها البالغ في النفوس المريضة أو الصحيحة.
قال الله تعالى: «ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار» [إبراهيم: 26]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» [الترمذي]
7 - تعدد الزوجات:
لقد أباح الإسلام لأتباعه أن يجمعوا أربع نساء في الحلال في حالة الاستطاعة بشرط العدل بين النساء وعدم الميل كل الميل لإحداهن. وهذا علاج أمثل لكثير من الانحرافات ومقاومة للأمراض النفسية الناتجة عن عدم العفة والعفاف.
قال الله تعالى: «وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وإن خفتم أن لا تعدلوا (1/99)
صفحة 88
فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا». [النساء: 03] أي تجوروا وتظلموا.
وقال أيضا: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما» [النساء: 129]
8 - محاربة الفراغ:
الواجب على المسلم الملتزم أن يشغل وقته بالعمل الصالح في كل زمان ومكان لأنه في عبادة حيثما حل وارتحل .. وأن يقاوم الفراغ والبطالة لأنهما سبب كثير من الأخلاق الفاسدة.
قال الله تعالى للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب» [الشرح: 8]، أي إذا فرغت من عبادة فانصب إلى غيرها أو إذا فرغت من الصلاة فاشتغل بالدعاء.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» [البخاري]
وقال أيضا: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» [الربيع: 896]
وهذا الفراغ القاتل الذي يرتع فيه بعض الناس من الكبار والصغار يدفعهم فيه إبليس في كثير من الأحيان إلى اقتراف المعاصي خاصة (1/100)
صفحة 89
عن طريق بعض الوسائل العصرية لمن لا يحسن استعمالها مثل: الهاتف الجوال، والانترنت، والقنوات الفضائية، والفلاش، والأقراص المدمجة، وعمليات الحاسوب فيضلون ويُضلون.
قال تعالى: «إن الذين فتنوا المومنين والمومنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ... » [البروج: 10]
المطلب الثاني: التوبة النصوح
لاشك أن الكثير ممن يقرأ هذه الصفحات وكان قد تهاون في رعاية هذه الواجبات من «العفة والعفاف» هو ينتظر بفارغ الصبر هذه الكلمات الأخيرة من هذا المقترح الذي أرجو أن تكونوا قد استفدتم منه في جميع مباحاته. وهذه الكلمات هي كيفية التوبة والرجوع إلى الصلاح بعد حين من الفساد والضلال.
يقول الله عز وجل في محكم تنزيله العزيز: «فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن غفور رحيم» [المائدة: 39]
ويقول أيضا: «إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما» [الفرقان: 70]
ويقول الرسول التائب العظيم: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» [الترمذي] (1/101)
صفحة 90
ويقول أيضا: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» [الترميذي]
ويقول أيضا: «التائب عن الذنب كمن لا ذنب له» [ابن ماجه]
هذا الذنب وغيره من الكبائر والخطايا نتوب منها ونمحو أثرها بستة أركان: الاستغفار ورد المظالم والقضاء والإقلاع والدعاء والكفارة.
1 - الندم والاستغفار:
هو طلب العفو من الله تعالى على ذنب اقترفته في أي زمان أو مكان من حياتي بعد البلوغ وسن التكليف. ويكون ذلك بقصد الذنب نفسه وتعيينه باسمه في السجود أو الطواف أو السعي أو بعد صلاة أو بدون صلاة. أو هو تكرار أذكار طلب المغفرة من القرآن والسنة بصفة عامة من دون تخصيص. مثل قول سيدنا يونس عليه السلام «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» [الأنبياء: 87]
أو قوله تعالى: «رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين» [المومنون: 118]
أو خواتم سورة البقرة في قوله تعالى: «غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو اخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين» [البقرة: 285، 286] (1/102)
صفحة 91
«رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا تقبل دعائي ربنا اغفر لي ولوالدي وللمومنين يوم يقوم الحساب» [إبراهيم: 40 - 41]
2 - رد المظالم:
وهو إرجاع الأموال التي سرقها المسلم أثناء قيامه بهذا الإثم أو هو تعويض ما أنفق المظلوم بسبب جناية الظالم عندما كان بعيدا عن العفة والتعفف، مما أضره به بيده أو بلسانه أو بقلمه أو بفرجه أو ولده أو بماله أو بآلته، فإما أن يرجع الظالم كامل المال للمظلوم أو يرجعه له بالقيمة. فإن قبله فذاك وإلا يأخذ منه البعض ويسمح بالبعض أو يسمح عن الكل فلا حرج عليه.
3 - القضاء
هو إعادة الفرائض التي ضيعها أثناء القيام بهذه الذنوب مثل إعادة الصلاة والصوم الذين أداهما بدون غسل الجنابة بعد عملية الزنا أو السحاق أو اللواط سواء كان فاعلا أو مفعولا.
أو هو إعادة الصوم الذي أنقضه بعملية الاستمناء نهارا أو التبرج والعري ليلا ونهارا.
4 - الكفارة: (1/103)
صفحة 92
هو أداء ما أمر الله تعالى من مبالغ مالية أو صيام معين أو عدد أيام مثل صيام ثلاثة أيام كفارة الحنت أو صيام شهرين متتابعين بعد ذنب القتل الخطأ أو الظهار. وهناك من العلماء من يعمم الكفارة في كل كبيرة لا يمكن إقامة الحد فيها في زمن الكتمان. وهناك من يقتصر على ما ذكر لها نص صحيح صريح في الكتاب والسنة.
5 - الإقلاع:
وهو الإرادة القوية في ترك الذنب الذي يتوب منه المسلم بصفة دائمة مثل ترك الزنى واللواط والسحاق والاستمناء والسرقة وتطفيف الكيل والميزان ولا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
6 - الدعاء:
لقد علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدعية نرددها حتى يوفقنا إلى العفة من باب الوقاية خير من العلاج.
يشرفني أن أختم بها هذه الصفحات.
أ) روى ابن مسعود أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» [المسلم]
ب) روى ابن عباس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «اللهم إني أسألك العفة والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر (1/104)
صفحة 93
عورتي وآمن روعتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي» [البزار]
د) روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر» [الطبراني]. (1/105)
صفحة 94
الخاتمة
وفي ختام هذه الجولة الصامتة في أنحاء هذه المزرعة العامرة بالورود والأشواك لا يسعني إلا أن أتقدم إليكم بالشكر الجزيل والثناء الجميل على حسن المرافقة بالموافقة أو بالمخالفة «فإن الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية» .. وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك «ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب» آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله (1/107)
صفحة 95
المصادر المراجع
1 - سلمة بن مسلم العويني: كتاب الضياء، تحقيق مهنأ بن خلفان الخروصي، ط1، مطابع دار جريدة عمان سلطنة عمان 1411/ 1991.
2 - مسعد حسين محمد: حسن الخلق، ط1، الدار العالمية، الإسكندرية مصر، 1433/ 2012.
3 - سليمان بومعقل: حياة الشيخ الحاج عمر بن داود بومعقل الوارجلاني، ط1، 1416/ 1996.
4 - أحمد بن سعيد الدرجيني: كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق الشيخ إبراهيم طلاي، ط2، 2008/ 1428.
5 - عمر سليمان الأشقر: صحيح القصص النبوي، ط2، دار النفائس، الأردن 14/ 18/1997.
6 - د. فرحات الجعبيري: أنوار من القرآن (الإنسان والحياة)، ج3، ط1 وزارة التراث، سلطنة عمان. د. ت.
7 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، تحقيق محمد إدريس، وعاشور بن يوسف كسكاس، ط3، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1424/ 2003.
8 - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم. ط8، دار الأندلس بيروت 1408/ 1986.
9 - ابن الجوزي: صفة الصفوة ط1، دار الجيل، بيروت 1412/ 1992. (1/109)
صفحة 96
10 - ياسر عبد الرحمن: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، ط1، مؤسسة اقرأ، القاهرة، 1428ه/2007.
11 - محمد بن عبد الرحيم الزيني: عمرو بن عبيد والأصول الخمسة دراسة مقارنة في فكر المعتزلة والإباضية، ط1، مكتبة الأنفال، سلطنة عمان 1428/ 2008
12 - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق د. إبراهيم بحاز وغيره، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1406/ 1986.
13 - سليمان الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ط3، تحقيق أحمد حمو كروم وغيره، د، مط/ 1423/ 2002.
14 - سعيد اللحام: الحلال والحرام في الإسلام، ط2، دار مكتبة الهلال، بيروت، 1410/ 1990.
15 - محمد الزيني: وليستعفف، ط1، دار الإرشاد، سوريا، 2009/ 1430.
16 - كتب السنة النبوية المشرقة (البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه)
17 - يوسف النبهاني: الفتح الكبير، تحقيق محمد نزار تميم وأخوه هيثم، ط1، دار الأرقم، بيروت، 1416/ 1995.
18 - درويش بن جمعة المحروقي، الدلائل في اللوازم والوسائل، تحقيق سليمان بن إبراهيم بابزيز، ط1، مكتبة الضامري سلطنة عمان،1425/ 2004.
19 - درويش بن جمعة المحروقي، الفكر والاعتبار، تحقيق صالح بن سعيد الحوسني، ط1، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 1430/ 2010. (1/110)
صفحة 97
20 - ابن القيم الجوزية، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، تحقيق عصام الخرستاني ومحمد شعيب، ط1، دار الجيل بيروت 1414هـ/1993. (1/111)
صفحة 98
فهرس المحتويات
مقدمة ... 05
المبحث الأول: تعريف مصطلحات أساسية ... 09
المبحث الثاني: مظاهر العفة وأنواعها ... 15
المطلب الأول: عفة القلب ... 17
المطلب الثاني: عفة اللسان ... 20
المطلب الثالث: عفة اليد ... 25
المطلب الرابع: عفة البطن ... 30
المطلب الخامس: عفة الفرج ... 35
المبحث الثالث: حكم العفة والعفاف ... 41
المبحث الرابع: نماذج من العفة ... 47
المطلب الأول: أنبياء الله قدوة إلى العفة ... 49
المطلب الثاني: أولياء الله يصنعون العفة ... 54
المطلب الثالث: علماء أعفاء ... 61
المطلب الرابع: قادة أعفاء ... 65
المطلب الخامس: نساء عفيفات ... 68
المبحث الخامس: آثار العفة وثوابها ... 71 (1/112)
صفحة 99
المطلب الأول: آثار العفة ... 73
المطلب الثاني: فضائل العفة وثوابها ... 77
المبحث السادس: عواقب تضييع العفة ... 83
المطلب الأول: عواقب تضييع العفة ... 85
المطلب الثاني: عقوبات أليمة ... 87
المبحث السابع: التوبة النصوح والعلاج الأمثل ... 93
المطلب الأول: العلاج الأمثل ... 95
المطلب الثاني: التوبة النصوح ... 101
الخاتمة ... 107
المصادر والمراجع ... 109
فهرس المحتويات ... 111 (1/113)