صفحة 1
بحث: العمل الجماعي والاستثمار في الإنسان
الباحث: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) العمل الجماعي، والاستثمار في الإنسان
ابن ادريسو مصطفى
حري بنا أن ندعو أمتنا في خطاب مباشر ونقول للمسلمين:
احملوا همَّ رفعِ راية الإسلام خفاقةً في المعمورة، وانصروا دين الله في الأرض، واجتهدوا في إصلاح أحوالكم وتحسين أوضاعكم، واعملوا متحدين متآلفين، في إطار جماعي منظم، ذلك لأن العمل الجماعيَ في الإسلام ضرورةٌ وفريضةٌ؛ ضرورةٌ بشرية، وفريضةٌ شرعية؛ فهو ضرورة بشرية لأن الإنسان قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، وهو فريضة شرعية لأن الله ورسوله أمرانا بالجماعة والاتحاد فقال عز مِن قائل: إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ، وقال عز وجل أيضا: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ، والقاعدة الشرعية تُقرر كذلك: "أن ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب"، وإقامةُ مجتمع إسلامي تحكمه عقيدةُ الإسلام وشريعتُه، أمر واجب، ولا سبيل إلى تحقيق هذا الواجب إلا بمجتمع منظم وأمة مطيعة.
ومما يؤكد على حتمية وحدة صفنا، والعمل في إطار جماعي منظم أننا إذا نظرنا إلى القوى المُناوئة للإسلام -على اختلاف أسمائهم وأهدافهم ووسائلهم- وجدناهم يعملون بجد ونشاط، وفي صورة جماعاتٍ وتكتُّلات، وفي هذا تشير الآية من سورة الأنفال: وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ اِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. فستحدث الفتْنة والفساد، لاتِّحاد الكفار وتفرُّق شوكة المسلمين، ولتحديد الكفار لأولوياتهم وقيمهم، وتذبذبِ المسلمين في أمورهم العامة، ودخولِهم في صراعات هامشية لأبسط الأمور وأتفهها.
إن مهمة الإنسان في الحياة كبيرةٌ لمَن يُقدِّرها حقَّ قدرِها؛ فهي مهمة الخلافةِ في الأرض وعمارتِها، وهى مسئولية ضخمة صوَّر القرآن ضخامتَها وثِقلَها حين قال: اِنَّا عَرَضْنَا الاَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً. وخاطب اللهُ خاتم الرسل بقوله: إنَّا سَنُلْقِي عليكَ قولًا ثَقِيلًا.
فمهمة الإنسانِ المسلم أعظمُ وأضخم من مهمة أيِّ إنسان آخر، لأنه وريثُ تركات جميع الأنبياء والرسل، والوكيلُ الحصريُ بتنفيذ رسالة الإسلام، وهدايةِ العالم إليها، فلذلك لا يحق لك أيها الأخ الكريم أن تنزوي مع أمورك الخاصة وتتخلى عن واجبك الاجتماعي، أو تعملَ فرديا في ميدان معين وتعزفَ عن أمتك، فهذا من الباطل والضلال في السلوك والعقيدة والأخلاق، فكن منه أخي على حذر، وتجنب الأنانيةَ وحبَّ الذات وعدمَ الشعور بالآخرين، لأن الطبع السيءَ يتناقض مع التكليف، يقول تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)، ويقول أيضا في آية قاصمةٍ للظهر وشديدةٍ على الفردانين الأنانيين المحبين لأنفسهم دون غيرهم من المسلمين: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ (1/1)
صفحة 2
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
ولقد كان الجيلُ الأول من الصحابة -رضوان الله عليهم- على فهم عميق بمقاصد الإسلام ومراميه في إصلاح البشر، فكانت أعمالهُم تؤدى في إطار جماعي منظم، فهذا الخليفة الراشد عثمان بن عفان ض لما خشي تفرقَ المسلمين واختلافَهم في قراءات القرآن، عزم على جمعهم على مصحف واحد، وشكل لهذا الأمر لجنةً علمية برئاسة الصحابي الجليل زيدِ بنِ ثابت ض، وقال لهم: إذا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ.
وهؤلاء ثلة من سلفنا الصالح عبر التاريخ الإباضي أنجزوا موسوعاتٍ علمية جماعية، كجماعة غار أمجماج في جزيرة جربة بتونس الذين ألفوا ديوان الأشياخ في اثني عشر جزءا، وجماعة العزابةِ الثمانيةِ الذين ألفوا ديوان العزابة في خمسة وعشرين كتابًا وذلك في واد ريغ بالجنوب الشرقي للجزائر.
إن مثل هذه الأعمالِ تبين تقصيرَ المسلمين وبعدَهم عن الأعمال الجماعية، حيث تجتمع الطاقات وتُحشد الجهود، ويستفيد كل واحد من الآخر، والسبب في هذا أنه لم يترسخ عندنا مفهوم العمل الجماعي الذي ينبني على الجهد المشترك في إخراج الأعمال، وعلى الحوار مع الآخر، وحسن الاستماع إليه.
فما أحوجنا أن نوطن أنفسنا على حب العمل الجماعي، والاستفادة ممن حولنا في أعمالنا وقراراتِنا، ومن واجبنا أن نغرس في أولادنا هذا الخلق النبيل، وهذه القيمة الحضارية العميقة، وأن نسعى جادين إلى إرشاد أمتنا إلى انتهاج الأسلوب التعاوني في دراسة القضايا العالقة، وإشراك المختصين في معالجة المسائلِ والنوازل وفق معطيات واقعية وأساليبَ حضاريةٍ معاصرة، متجنِبين العفويةَ في التسيير، واستخدامَ الطرقِ الكلاسكية القديمة، مع توفر الجديد مما أنعم الله به على عباده.
أدعوكم إخواني إلى تفعيل أعضاء مجتمعكم، وإشراكهم في فرق العمل الدعوي، وإخراجهم من سباتهم الشتوي، ومن خجلهم المعيق لهم من الاندماج العملي في الأمة، وألح عليكم سادتي في ترشيدهم ليكونوا عناصرَ فعالةٍ تحمل رسالةً في الحياة، وتسعى لتحقيق أهداف الأمة المشتركة، ولنا في رسول الله ص القدوة الحسنة، حيث انتهج أسلوبَ تفعيل الطاقات الشبانيةِ من حوله في أكثر من موطن، وفوض المسؤوليات إلى صحابته الكرام ض ليساعدوه في بناء المجتمع المسلم الفتي، فمثلا في غزو الأحزاب وزع رسول الله ص الأعمال على الجميع، فأعطى لكل رجل حفر مسافة أربعين ذراعا، إذا أنهاها أخذ غيرَها، وهكذا، وبذلك يظَل الجميعُ في عملٍ دءوب، حتى يتم العمل ُعلى أكمل وجه.
فمؤسساتنا وجمعياتُنا في حاجة ماسة إلى تحريك أفراد المجتمع، وإشراكهم في أعمالها، وتفويض (1/2)
صفحة 3
المسؤوليات إلى المنتسبين إليها تخفيفا للثقل عن المسيرين في المؤسسات، وتقليلا للمتفرجين السلبيين الذين يستهلكون ولا ينتجون، ويتفرجون ولا يجِدون.
ومن أوكد المسلمات في العمل الجماعي المنظم أن نسيِّر مشاريعَنا على نظام الشورى في اتخاذ القرارات؛ فيما ليس فيه نصٌ ثابت وصريح، وفيما له طبيعة الأمرِ العام الذي يَهُمُّ جميعَ الناس أو جُمهورَهم، استنادا لقوله تعالى في سورة الشورى: وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وقولِه في سورة آل عمران: وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
ومن الضرورات الملزمة لعصرنا التخطيطُ الدقيقُ لأعمالنا ومشاريعنا ضمانا للنجاح الاستراتيجي، ومعنى التخطيط: "ألاَّ ندَعَ الأمر للظروف الآنية والمستجداتِ الحديثة تُسيِّرنا سيْرًا عشوائيًّا اعتباطيًّا، وتدفعنا إلى السير في غير الطريق الذي نرغبه"، وإنما يجب علينا أن نسير في خط واضحِ المعالم، مُحدَّدِ المراحل، بيِّنِ الأهداف، معلومِ الوسائل، اقتداء بسيدنا يوسف عليه السلام الذي طلب منصبا إداريا من مالك مصر، مع وضوح الخطة الاقتصادية التموينية لديه، وعلمه بما يجب فعلُه وما ينبغي تجنُبه، فقال للحاكم: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، فعليم بمعنى له دراية بما يتخذه من إجراءات لحل الإشكال الاقتصادي القائم أنذاك.
وتعتبر مشاركةُ المسؤول كذلك مع رعيته في أعمالهم التطوعية سببا لاستخراج أقصى طاقاتهم، وبذل أعظمِ جهدهم، نتيجةَ شعورهم بوجود قضية مشتركة بينهم، ذلك أن النبي الكريم ص ينزل بنفسه لحفر الخندق مع المسلمين، ويضرب المِعوَل بنفسه ويحمل التراب بنفسه، وهكذا كن أيها المسؤول في مجلسك العرفي معينا لمن هم تحت مسؤوليتك، ومتابعا عن كثب لمنجزاتِهم الميدانية؛ ومصححا لها، ومحفزا على حسنها، ومستمعا لانشغالاتهم واقتراحاتهم.
وإن من تمام استغلال طاقاتنا الجماعية تغييرَ ذهنيتنا من الإنفاق على البنايات والهياكل الضخمة إلى ذهنية الاستثمار في الإنسان المسير للمؤسسات، وذلك بعقد تكوينات متعددة للمسيرين، وتنظيم الدورات العلمية، وتعيين متفرغ في كل مجلس إدارة مؤسسة، بغية تحقيق السير القوي لمشاريعنا، وتهيئة الجو الممتع للعاملين المجدين، وتجنبا لإيقاع الفاعلين في الإرهاق والإحساس بالملل جراء اكتظاظ المسؤوليات عليهم، وتعقد الحياة المعاصرة في وجههم، وبهذا الاستثمار الإنساني في توظيف عضو واحد في كل مؤسسة تطوعية نضمن الاتصالَ الفعال بين الأعضاء، والمتابعة الميدانية للأعمال، والتنسيق مع الفاعلين الآخرين في المجتمع، وإنجاز الإحصاءات، وبمثل هذا الاستثمار الإيجابي نقطف ثمار العمل الجماعي المنظم في ظرف قصير بإذن الله، ونوسعُ مداركَنا وآفاق طموحاتنا المستقبلية إلى ما فيه صلاح أمتنا الإسلامية ومجتمعنا المزابي، ونكونُ كما أمرنا ربُنا تبارك وتعالى: وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا (1/3)
صفحة 4
لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
والله نسأل أن يعييننا على انتهاج العمل الجماعي المنظم في كامل قطاعاتنا، ويقنعنا بضرورة الاستثمار في الأعضاء المتفرغين لكل مؤسسة حتى نحسن من أداء عملنا الاجتماعي، ونبلغَ مراتب النجاح بيسر وعقلانية، ونمكنَ لدين الله في الأرض، إنه ولي ذلك والقادر، والهادي إلى طريق مستقيم. (1/4)