صفحة 1
الكتاب: المجلس العائلي بيْن النظام العُرفي والطموح الظرفي
المؤلف: محمد بن حمودة حريز
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
سنة الطبع: 1428هـ / 2007م
الطبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) المجلس العائلي
بين النظام العرفي
والطموح الظرفي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
محمد بن حمودة حريز
1428هـ/ 2007م (1/1)
صفحة 2
الطبعة الأولى
1428هـ / 2007م
نشر جمعية التراث
القرارة – غرداية
الجزائر (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
تقديم
مسؤولية التَّربية أمانة وعهد في أعناق من ابتُلي بالكفالة والرِّعاية، وتحمُّل أعباء التَّوجيه والإعداد والتَّنشئة، لذا فإنَّ عليه أن يعرف حدود هذه المسؤولية، ووعي خطورة هذه الكفالة والرِّعاية، وحذق كيفية تنفيذ ما وكِّل إليه، وأنيط به: شرعيًا وتربويًّا واجتماعيًا، وأن يُتقن ويحسن التَّكيُّف مع المستجِدَّات والمتغيِّرات والتحدِّيات؛ للسير السليم، والتحرُّك القويم في الطريق الصحيح، الذي يحافظ على الأصالة، ويساير التطور، ويستعد للتجديد، ويستجيب للحاجيات، ويعرف حقيقة التحدِّيات، ويخطِّط للصمود أمامها، ويتحرَّك ليقاومها، ويستشرف المستقبل، ويسابق الأحداث، ويهيِّء لها الأجواء المناسبة التي تدرج فيها وتتدرَّج.
إنَّ الإسلام نبَّه إلى كيفية التَّعامل مع المجتمع، في توجيه أبناء الأمَّة، حين أمر بأن يتمَّ ذلك بواسطة الهيئات والمؤسَّسات، التي تكوِّن دوائر تتقاسم المسؤولية، وتتعاون فيما بينها لتنظِّم المجتمع، وتنسِّق العمل، لتتضافر الجهود، وترشِّد التحرَّكات. وَأَوْمأَ إلى ضرورة الرُّجوع إلى العشيرة في العمل، أي البدء بالأقرب في التَّوجيه؛ عملاً بمبدأ توزيع المسؤولية، وتنظيم العمل، فقال: (1/5)
صفحة 6
{((((((((عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (((((} (الشّعراء/ 214، 215)، فكان هذا إيذانًا وإشعارًا بوجوب البدء والاهتمام بدائرة العشيرة أوَّلا، ثمَّ الانتقال إلى الدوائر الأخرى، لتنظيم العمل، وَمَنْهَجَةِ التحرُّك، وضمان الإتقان، ومنح الفرصة لأداء المهام في أحسن ما يرام، فالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «إنَّ الله سائل كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه حفظ أم ضيَّع». فالمرء أو الجماعة يمكن لها القيام بالواجب قيامًا حسنًا أو مقبولاً، متى كانت دائرة التحرُّك، أو حيِّز المسؤولية محدودًا، كحيِّز العشيرة مثلاً.
من هنا جاء تنظيم المجتمع الميزابي على شكل عشائر، يتوزَّع فيها العمل الاجتماعي والتَّربوي على المجموعات المكوِّنة لهذا المجتمع، لتتولَّى كلُّ مجموعة دورها، وتصبُّ اهتمامها على من يليها من جهة النَّسب، بمفهوم العاقلة في الشَّرع الإسلامي، مع مراعاة التَّنسيق بين هذه العشائر على مستوى البلدة الواحدة.
لقد أتى هذا التنظيم، أو هذه الهيكلة أكلها، وتنظَّمت الحياة الاجتماعية، وسيُّرت مصالح الناس، وقُضيت مآربهم والحمد لله، بالنسق الذي وضع لها نظام العشيرة. فقد أسهم في (1/6)
صفحة 7
رعاية شؤون اليتامى والأرامل والمحتاجين، وتأديب المنحرفين، وتربية النَّشء، وإصلاح ذات البين، والقيام بأمور الطَّلبة والمتعلِّمين، والسهر على التوعية العامَّة، وغير ذلك من المهام الكبيرة.
بتطوُّر الحياة، واتِّساع مطالب النَّاس، وكثرة المستجِدَّات، وتزايد التحديات في حياة الناس، صعبت مهمة التربية، وتزايدت الحاجة إلى البحث عن السبل المساعدة على مزيد من تخفيف الضغط على الوسائل المتهيئة لتسيير المجتمع، أو بالأحرى تطوير الوسائل لتلبي حاجات المجتمع من التربية وتوفير الجوِّ المناسب للحياة الاجتماعية. ومساعدة نظام العشيرة على العمل وأداء المهمّة بقوّة ونجاعة أكثر. جاءت فكرة المجلس العائلي أو بالتّدقيق (المجلس الأُسَرِي) ليساعد العشيرة في العمل، وليخفّف عنه بعض الأعباء، وليؤازره ويرفده.
في هذا السّياق جاءت محاولة الأستاذ محمّد بن حمّودة حريز لتقدّم مقنرحات في موضوع " المجلس العائلي ". رأى أنّ هذه المقترحات كفيلة بالوقوف أمام التّحدّيات التي تحيط وتحذق بالمجتمع، في ظلّ اتّساع مجال العمل أمام العشيرة، وعدم إمكانها القيام بكلّ واجباتها أو مسؤوليتها بالصّفة التي ينتظر منها، وما ينيط بها المجتمع، كما كانت قبل اتّساع مجال عملها .. مع (1/7)
صفحة 8
الاعتراف بدورها الكبير والمهمّ في الميدان، مع الهيئات والمؤسّسات الأخرى المرتبطة بها، أو التي تنبثق منها، يقول الأستاد محمّد خريز: " إنّنا لو قمنا بإجراء نظرة فاحصة لمجتمعنا الميزابي من حيث نشاط هيئاته ومؤسّساته الخاصّة، ولاحظنا حلقات العزّابة ومجالس الأعيان وإدارات العشائر والجمعيات، وتأمّلنا مساجدنا ومدارسنا ومعاهدنا ودور عشائرنا ... لوجدنا جميعها تبذل مجهودات كبيرة، وتُصرَف في سبيلها أموال طائلة، وتجنّد لها طاقات معتبرة.
«فإذا سُئلنا: لماذا كلُّ هذا الكمِّ الهائل من الوسائل والمجهودات والطّاقات؟ لتبادر الجواب إلينا سريعًا -يصورة منطقية - منحصرًا في كلمة واحدة هي: التّربية السّليمة» (ص: 17).
لكن هذه التربية السليمة المنشودة في حاجة إلى وسائل أخرى، تحقّقها في الميدان، بعد أن طرأ على الحياة العامَّة مستجدّات، تتطلّب تفكيرًا وتدبيرًا في تطوير ما هو موجود، وإيجاد ما يجب استحداثه. وهو ما يدعو إلى تطوير عمل العشيرة، أو دعمه بواسطة تنظيم المجلس العائلي، الكفيل بتدارك النّقائص، وتلبية الحاجات المطلوبة. (1/8)
صفحة 9
من الدوافع التي ألحَّت على الأستاذ تقديم مشروعه عن المجلس العائلي حاجة مجتمعنا – كما يقول – إلى مراجعة عامَّة، وتقويمٍ شامل، يمسُّ جميع جوانبه: الدِّينية والاجتماعية والثقافية والسّياسية: «إنَّ هذا التراث المهمَّ بدأ يفقد فعاليته، ويضعف تأثيره شيئًا فشيئًا، فلو بقينا لسنوات قليلة على نفس المسيرة، لم نتدارك الأمور، ولم ندرس ماضينا ونتأمَّل في حاضرنا، ونخطِّط لمستقبلنا باستراتيجية، تتلاءم وتحدِّيات هذا العصر، فإنَّ هيئاتنا العرفية ومؤسَّساتنا التربوية تلك ستفقد مصداقيتها، وتفقد ثقة أبنائها فيها، وتصبح مع مرِّ الزّمن كجسد بلا روح ــــ لا قدّر الله ــــ بسبب ما نراه من ضعف في وتيرة الإصلاح والتّغيير، وتخوُّف من مبادرات التحسين والتطوير، وجمود على المناهج والبرامج القديمة، ورفض للأساليب والطُّرق الحديثة، من قبل بعض هيئاتنا ومؤسَّساتنا». (ص: 34).
إنَّ الخلل الذي رآه الأستاذ في المجتمع من الناحية التربوية ــــ رغم وجود كمٍّ هائل من الهيئات والمؤسَّسات، تنشط في الميدان الاجتماعي والتّربوي ــــ يوحي بوجود ما يعيق النَّجاعة في العمل، وذلك لم يحصل إلاَّ نتيجة الضعف في الفعالية. هذا الذي دفع بالأستاذ إلى تقديم هذه الدراسة، التي يرجو منها الإسهام في (1/9)
صفحة 10
إنقاذ مجتمعنا من أن يُسلَبَ خصوصيته، وتفقد هيئاته المسيّرة له دورها، فكان لا بدّ من تطوير أساليب عملها لتضمن استمراريتها في القيام بدورها بقوّة وفعالية.
يقول الأستاذ محمّد حريز: «إنَّ هاته الدّراسة الموجودة بين يديك ــــ أخي القارئ ــــ تكشف النقاب عن تنظيم اجتماعي قديم، كثيرًا ما سمعنا ونسمع عنه؛ ولكن لا يزال في طيِّ النّسيان، ولم يسعفه الحظُّ أن تُوضع أسسُه بأفكار معاصرة، ليظهر بصورة فعَّالة، باستثناء مبادرات بعض العائلات القليلة، التي تطمح للتجديد. وهذا التنظيم يمتلك قدرة كبيرة على الإصلاح، وفعالية مؤثِّرة للتَّغيير، وهو المسمَّى بنظام المجلس العائلي، الذي بقي منحصرًا في بعض عائلات وادي ميزاب، وفي ثوبه القديم». (ص: 19).
في هذه الدراسة قدِّم الأستاذ مقترحات وآراء وأفكارًا حول هذا التَّنظيم، تتمحور حول مفهوم المجلس العائلي، ودوافع إنشائها، والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها، وهيكلته، وأنشطته، وغير ذلك من الآراء التي تنتظر من يحلِّلها ويناقشها وينقدها.
ذكر الأستاذ مجموعة من المظاهر التي تكشف عن وجود انحرافات عن الجادَّة، هذه النتائج كانت بسبب عدم تمكُّن (1/10)
صفحة 11
العشيرة ـــ بخاصّة ــــ على القيام بدورها بالهيئة الموجودة عليه، للأسباب سالفة الذّكر: «بناء على هذه الأسباب نستنتج أنَّ عمليَّة التّربية لا يمكن أن تنجح، ولا تؤتي ثمارها إلاَّ بتعاون وتضافر جهود كلٍّ من الأسرة والمجتمع، ولن يتحقّق هذا التعاون إلاَّ بتوفُّر الشروط التالية:
1 – وجود الأسرة السَّويَّة، المسلمة، المثقَّفة، الواعية والمرشدة.
2 – وجود الهيئات الاجتماعية الفاعلة، المتميِّزة بحسن التنظيم والتسيير والتأثير.
3 – وجود تنسيق دائم، وتفاهم وثيق بين الطرفين (الأسرة والهيئات الاجتماعية).
وفي حالة ضعف تأثير الطّرفين (الأسرة والهيئات الاجتماعية) فإنَّ الفرد يجد نفسه بين طرفين منشغلين عنه، ويحسُّ بنفسه وسط هوَّة سحيقة بينهما، بعيدًا عن المتابعة والمراقبة والتوجيه، ويشعر بحريَّة التصرُّف، وبالتَّالي يكون سهل الانقياد من أيِّ طرف آخر، ويصبح عرضة للضياع والانحراف.
وتلافيًا لذلك، ومن أجل تضييق الهوَّة التي بدأت تظهر بين الطرفين، نجد أنفسنا أمام ضرورة حتميَّة، لابدَّ منها، هي (1/11)
صفحة 12
إنشاء هيئة اجتماعية جديدة، تتوسَّط بينهما، وتكون مشرفة على الأسرة من جهة، ولها علاقة واتصال بالهيئات الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية. شرط أن تمتاز بـ: السُّلطة القويَّة المؤثِّرة في الأسرة. والارتباط الوثيق بالمجتمع العام. وهاتان الخاصيَّتان نجدهما ماثلتين بشكل واضح في المجلس العائلي، بحكم علاقاته الطيِّبة، التي تربطه بالطرفين». (ص:45).
إنَّ قيام تنظيم المجلس العائلي، أصبح ضربة لازم؛ لتلافي النَّقائص والسلبيات التي نتجت عن ضعف في التَّوجيه والمراقبة، بسبب سوء تأثير الأسرة والهيئات الاجتماعية في الفرد، ومن ثمَّ نقص التنسيق بين الطرفين، المعنيين برعاية الفرد. فيكون في المجلس العائلي جبر النَّقص، والعمل على أداء المهمَّة بفعالية أكثر؛ لأنّه يملك الخصائص التي تؤهِّله أن يكون السلطة المؤثِّرة في الأسرة، والعنصر الذي يحسن الرَّبط القويَّ والوثيق بالمجتمع العام، وهما العنصران المهمَّان والضَّروريان في عملية التّربية والتّوجيه والمراقبة.
المهم إنَّ الأستاذ ألحَّ على الإسراع في تكوين المجالس العائلية، وتنشيط ما هو موجود وتطويره؛ لإكمال عمل العشيرة، ومؤازرة الهيئات الاجتماعية الموجودة والمهيكلة (1/12)
صفحة 13
للمجتمع، ليتواصل العمل ويتطوَّر، وليحافظ المجتمع على أصالته وحيويَّته.
إنَّ هذه الدراسة مهمَّة وجادَّة وهادفة، انطلقت من مبادئ الدين والأصول والفلسفة التي تحكم المجتمع الذي يعالج مسائله وقضاياه، وصدرت عن قواعد التربية والتوجيه، وحكَّمت قواعد الاجتماع والتّاريخ، وارتبطت بالواقع المعيش، وتطلَّعت إلى آفاق مستقبليَّة واضحة، بكلِّ شفافية ومسؤولية.
إلا أنَّنا نقول: يناقَش وينظر ما مدى إمكانية تطبيق ما عرضه الأستاذ في هذه الدراسة؟ فإنَّ المجلس العائلي، بالتصوُّر الذي قدَّمه، قد يتحوَّل إلى عمل إداري، يُعقِّد الأمور. فلو خَفَّف من طبيعة العمل في هذا الإطار، وأخرجه من طابعه الإداري والوظيفي. ولو اتَّسم بالمرونة والبساطة لكان أكثر قبولا في النفوس، وأوفر قابلية في التنفيذ.
لقد أثقل الأستاذ كاهل المسؤولين، الذين يكلَّفون بالنَّشاط والعمل في إطار مشروع المجلس العائلي، أثقلهم ببعض المسؤوليات المرهقة، التي لا يمكن أن يضطلع بها إلاَّ من يتفرَّغ لها تفرُّغًا كاملا، لا يشتغل بغيرها. (1/13)
صفحة 14
كما أنَّ في كثير ممَّا اقترحه من مهامٍّ اقتطاعًا من وظائف الهيئات الاجتماعية الموجودة في البلدة، ممَّا يعدُّ تدخُّلا في صلاحياتها، أو تداخلا في العمل، من شأنه أن يعيق السير الحسن للعمل الاجتماعي، أو يسبِّب إهدارًا للطاقات بسبب سوء توزيع الجهود.
في تصوُّري، إنَّ دور المجلس العائلي يجب أن ينحصر في التوجيه والإرشاد والتوعية والمراقبة، وتمتين أواصر القربى بين أفراد الأسرة، وتوفير جوِّ الاستقرار الأسري بينهم، والتنسيق بين العشيرة وأفراد الأسرة الواحدة، وبينها والأسر الأخرى، ومساعدة العشيرة في أداء مهامِّها، التي تنسِّق بدورها مع الهيئات الأخرى في المدينة.
كما أنَّ كثيرًا ممَّا أورده الأستاذ من أحكام وتحليلات ومقترحات وآراء في حاجة إلى مناقشة ونقد، نترك القارئ الذي وجَّه إليه الأستاذ هذا المشروع، أن يقول رأيه، حتَّى يتعاون الجميع على النَّقد والتّطوير والتّغيير والتّدبير، والتّصويب والإضافة. فالأستاذ يقول له: «أخي القارئ الكريم: لا تعتقد أنَّني أدعوك لتنفيذ هذه الآراء بصورة مجملة، ولكن أرجو منك أن تبادر وتساهم في إنشاء مجلس عائلتك، لتكون من الذين (1/14)
صفحة 15
سنُّوا سنَّة حسنة، فيكون لك أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ... فيمكنك أن تأخذ من اقتراحاتي أو تترك ما شئت، فلا تلُمني إن كنتُ بالغتُ، أو وسَّعت في صلاحيات هذا المجلس، ولا بأس إن اختلفت طرقنا وأساليبنا، ما دامت غايتنا واحدة، هي إرضاء الله تعالى، وهدفنا واحد؛ هو خدمة الإسلام والمسلمين». (ص: 21).
شكرًا للأستاذ على هذه المحاولة، وعلى هذا الطموح الواعي، وهذا العرض الهادف، جزاه الله كلَّ خير، ووفَّقنا جميعًا إلى ما يحبُّه ويرضاه، إنَّه سميع مجيب.
باتنة يوم الأحد: 19 من ذي القعدة 1427هـ
10 من ديسمبر2006م
الدكتور محمَّد بن قاسم ناصر بوحجام (1/15)
صفحة 16
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستهديه وبه نستعين والصلاة والسلام على معلّم البشرية أجمعين، محمد رسول الله الصادق الأمين.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {((((((((عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (((((} (1)، ويقول أيضا: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (((} (2) وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «إنّ الله سائل كلّ راع عمّا استرعاه حفظ أم ضيَّع ... » (3).
من خلال معاني هذه الأدلّة الشرعية ومن غيرها الكثيرة، يتجلّى لنا مدى اهتمام الإسلام بتربية الأهل، ومدى عنايته بإصلاح الأقارب. ففي الآية الأولى نداء صريح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) - سورة الشعراء، الآية: 214.
(2) - سروة التحريم، الآية: 6.
(3) -رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك، كتاب الترغيب والترهيب للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، الجزء3. ط:3، 1388هـ/1968م. كتاب القضاء وغيره، ص:155، رقم الحديث: 2. (1/16)
صفحة 17
ولكافَّة المسلمين- بأن يبدأوا في دعوتهم إلى الله بأبناء عشيرتهم. والأقربون في العشيرة هم أبناء العائلة. وفي الآية الثانية أمر لكلّ المؤمنين بأن يقوا أنفسهم وأهليهم من عذاب النار، أمّا الحديثان الشريفان فيبرزان المسؤولية العظيمة للمربّي تجاه أفراد أسرته.
هذه بعض تعاليم ديننا الحنيف الداعية إلى إصلاح الأهل والأقارب من أبناء العشيرة والعائلة. فماذا حققنا نحن لأنفسنا ولمن هم تحت رعايتنا من هاته التعاليم السمحة؟
إنّنا لو قمنا بإجراء نظرة فاحصة لمجتمعنا الميزابي من حيث نشاط هيئاته ومؤسّساته الخاصّة، ولاحظنا حلقات العزابة ومجالس الأعيان وإدارات العشائر والجمعيات وتأملنا مساجدنا ومدارسنا ومعاهدنا ودور عشائرنا ... لوجدنا جميعها تبذل مجهودات كبيرة، وتُصرَف في سبيلها أموال طائلة، وتجنّد لها طاقات بشرية معتبرة.
فإذا سئلنا: لماذا كلّ هذا الكمّ الهائل من الوسائل والمجهودات والطاقات؟ لتبادر الجواب إلينا مسرعا - بصورة منطقيّة - منحصرا في كلمة واحدة هي: «التربية السليمة». (1/17)
صفحة 18
ولكن إذا سئلنا: هل استطعتم من خلال هذه الهيئات والمؤسسات أن تحقّقوا هذا الهدف المنشود بمفهومه الواسع، المتمثّل في التربية: الدينية والخلقية والنفسية والعقلية والجسمية والاجتماعية والوطنية؟ نجد الجواب غائبا عن أذهاننا، ومهما حاولنا فإنّنا نجد أنفسنا محرجين بين إثبات الإجابة ونفيها. ومع ذلك، يمكن أن نتجرّأ ونقول: نعم حقّقنا الهدف إذا ما قارنّا مجتمعنا بالمجتمعات الأخرى، ورغم ذلك لا ينبغي أن نزكّي أنفسنا ما دامت صور الفساد في مجتمعنا ماثلة أمام أعيننا، بغضّ النظر عن تزايدها أو تناقصها.
وهنا تتبادر إلى عقولنا أسئلة أخرى تفرض نفسها علينا: ما هي أسباب ذلك؟ وما هي الحلول الناجحة؟ وكيف يمكن لنا تجسيدها ميدانيا؟ وماذا قدّمنا في سبيل إصلاحها؟ وهل حقّقنا نسبة من النجاح؟ وبكم تقدّر؟ ...
أسئلة كثيرة محيّرة طالما سمعناها وتحسّرنا لسماعها، وطالما سرد البعض منّا قائمة الأسباب وقدّم وصفات للعلاج، واستعرض الأفكار والنظريات في تجمّعات أفراحنا وأتراحنا، وكلّنا يحسّ ويتألّم ويتفاعل ويتذمّر. ولكن تبقى في الغالب (1/18)
صفحة 19
مجرّد أقوال وطموحات وآمال لا تتعدّى إلى مستوى الأفعال والتطبيقات، إلاّ بصفة جزئية ضئيلة.
إنّ ما نفتقر إليه في مجتمعنا هو وجود مجموعة من الأطباء الاجتماعيّين الذين يقدّمون لنا الدراسات الجادّة المبنية على أساس علمي وميداني، يطبقون الأفكار والنظريّات على أرض الواقع، ويدرسون التجارب، ثمّ يتوصّلون إلى النتائج المسلّمة، ويضعون الدواء المناسب على كلّ جرح.
إنّ هاته الدراسة الموجودة بين يديك -أخي القارئ- تكشف النقاب عن تنظيم اجتماعي قديم، كثيرا ما سمعنا ونسمع عنه، ولكن لا يزال في طيّ النسيان ولم يسعفه الحظّ أن توضع أسسه بأفكار معاصرة ليظهر بصورة فعّالة، باستثناء مبادرات بعض العائلات القليلة التي تطمح للتجديد. وهذا التنظيم يمتلك قدرة كبيرة على الإصلاح، وفعاليّة مؤثّرة للتغيير، وهو المسمّى بنظام المجلس العائلي، الذي بقي منحصرا في بعض عائلات وادي ميزاب، وفي ثوبه القديم.
فما هو المجلس العائلي الجديد؟ وما هي دوافع إنشائه؟ وما هي أهدافه؟ وهيكلته؟ ومسؤولياته ونشاطاته؟ وهل يبقى مجرّد نظريّة أو يتعدّى للتطبيق؟ (1/19)
صفحة 20
تلك هي بعض الأسئلة والاستفسارات التي طالما طرحت عليّ من طرف الشباب الغيور من بعض العائلات، فأحسست بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقي - بصفتي الشخص المجرِّب والمساهم في هذا النظام، ضمن مجلس عائلتي الموقّر- فحاولت الإجابة عنها في هذا البحث بشيء من التفصيل والتحليل، على شكل اقتراحات وآراء. مستقاة في معظمها من خبرة بعض العائلات التي سبقت لها التجربة في الموضوع وأثبتت نجاحا كبيرًا في عدّة مجالات.
أخي القارئ الكريم: لا تعتقد أنّني أدعوك لتنفيذ هذه الآراء بصورة مجملة، ولكن أرجو منك أن تبادر وتساهم في إنشاء مجلس عائلتك لتكون من الذين سنّوا سنّة حسنة، فيكون لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (1)، فيمكنك أن تأخذ من
__________
(1) -رواه مسلم عن أبي عمرو جرير بن عبد الله، كتاب رياض الصالحين للإمام أبي زكرياء يحيى بن شرف النووي الدمشقي، ط:11.1405هـ/1985م، باب في من سنّ سنّة حسنة أو سيّئة، ص: 84، رقم الحديث: 171. (1/20)
صفحة 21
اقتراحاتي أو تترك ما شئت، فلا تلمني إن كنتُ قد بالغتُ أو وسّعتُ في صلاحيات هذا المجلس، ولا بأس إن اختلفَت طرقُنا وأساليبنا ما دامت غايتنا واحدة، هي إرضاء الله تعالى، وهدفنا واحد؛ هو خدمة الإسلام والمسلمين.
نرجو من العليّ القدير أن يوفّقنا إلى ما فيه الخير لأمّتنا والصلاح لأبنائنا ...
{((((أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ((((} (1).
القرارة في: 12 جويلية 2003م/ 12جمادى الأولى 1424هـ
المؤلف:
حريز محمد بن حموده
__________
(1) -سورة هود، الآية: 88. (1/21)
صفحة 22
مدخل
- دور التربية في تغيير المجتمعات.
- الأنظمة الاجتماعية بوادي ميزاب وأثرها في التربية.
- مسؤولية التربية بين الأسرة والمجتمع. (1/22)
صفحة 23
دور التربية في تغيير المجتمعات
إنَّ مستقبل الأمَّة الإسلامية واستمرارها ودورها ومكانتها بين الأمم الأخرى، ونسبة مساهمتها في الحضارة الإنسانية، يتوقّف على مدى تربيتها وتكوينها لأجيالها، مع ضرورة مراعاتها في ذلك مقوّماتها الشخصية، التي عليها تبني حاضرها وتشيّد مستقبلها.
فإذا ما علّمَت أبناءها دينها الإسلامي، وتاريخها المجيد، ولغتها السليمة، وعاداتها الحسنة. ثمّ أطلعتهم على ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتها، وعلومها. وبيّنت لهم خيرها من شرّها ونبّهتهم بالأخطار التي تحدق بأمّتهم من خارجها وداخلها، والتي تترصّدها وتحيط بها من كلّ جانب، وتهدّد بتحطيم كيانها. فإنهم سوف ينشِئُون جيلا واعيا: حاميا لدينه، محبّا لمجتمعه، مؤمنا بعقيدته، معتزّا بتاريخه، عارفا للغته، محافظا على عاداته وتقاليده، متفهّما الأوضاع المحيطة به، مطّلعا على أصالته، متطلّعا إلى آفاق مستقبله. (1/23)
صفحة 24
إذا ما حقَّقت الأمَّة الإسلاميّة ذلك لأبنائها سعدت في حاضرها، وارتقت وازدهرت وسايرت ركب الحضارة في مستقبلها. أمّا إذا فشلت فتلكم هي الكارثة، فستعيش أجيالها كالريشة في مهبّ العاصفة، تميل بها حيث مالت، تجرفهم تيّارات الغرب الزائفة والأفكار المضلّلة الدخيلة، فيصابون بالانبهار والاستلاب، وينعتون مجتمعهم بالتخلّف والرجعية، فيتحلّلون ويذوبون بين الشعوب الأخرى، يتحكّم فيهم الفكر المادّي، وتسيّرهم الحضارة المدنية البرّاقة، وتتفشّى بينهم المشاكل والآفات ويذلّهم الضعف والجهل، ويركنون إلى الزوال والاندثار.
لقد استيقظت حكومات الدول النامية في هاته السنين الأخيرة على سرّ حضارة الغرب، وعلمت ما للتربية والتعليم من أثر في المجتمعات. فسعت لإقامة إصلاحات شاملة مسّت جميع المجالات، خاصّة مجال التربية والتعليم. فأحدثت تغييرات جذريّة في المناهج والبرامج والأساليب والوسائل، وها هو وطننا الجزائري العزيز، يقيم في حقلها تجارب مختلفة. ولا تزال مؤسّساتنا التربوية تجري تجربة تلو أخرى باحثة عن أفضل الخيارات وأحسن النتائج. (1/24)
صفحة 25
ومن جهة أخرى فقد فتحت الدولة المجال لإنشاء جمعيات مختلفة: خيرية، ثقافية، علمية، رياضية، سياسية، ... لتساهم جميعها في عملية التربية والتكوين، إلى جانب المؤسسات التربوية. كما عمدت إلى إنشاء لجان على مستوى أحياء كلّ بلدية لنفس الغرض. فظهرت في كلّ الجهات أقسام تحضيرية، وأقسام لمحو الأمية وأخرى للدروس التدعيمية، وفتحت ورشات لتعليم أشغال البيت، ونواد للهواة. وتشكّلت مجموعات ثقافية وفرق رياضية، وأفواج كشفية، وغيرها.
إلى جانب ذلك تركت الحرية لإنشاء وسائل إعلامية جديدة فبرزت إلى الوجود نشريات مستقلة متعددة كالجرائد اليومية والأسبوعية والمجلات الدورية وأسِّست محطات إذاعية محلّية، وقنوات فضائية وطنية وغيرها.
إضافة لكلّ ذلك طبّقت الدولة عدّة أنظمة وقوانين وإجراءات أخرى لا يمكن حصرها. وكلّها تصبّ في قالب التربية. منها ما وفّقت في تطبيقه وأعطت نتائج حسنة، ومنها ما أخفقت فيها. ولسنا هنا في صدد التقييم، ولكن أريد أن ألفت الانتباه إلى أنّ كلّ شعب يعمل جاهدا ويسعى بكلّ أجهزته ومؤسّساته من أجل توفير السبل التي من شأنها تحقيق التربية (1/25)
صفحة 26
الشاملة لكلّ أفراده. حول هذا يقول الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (1899م ـــ 1981م) زعيم الحركة الإصلاحيّة بوادي ميزاب والجزائر: « ... ما صنعه حزب جبهة التحرير الوطنيّ بما يسمّى (لجان الأحياء) لإصلاح ذات البين، هذا عمل مهمّ، لكنّنا سبقنا إلى هذا بقرون بلجان الأقارب والمجالس العائليّة التي تدخل في مفهوم كلمة العشيرة، وهي دائما تجتمع للصلح بين المتنازعين لا يتركونهم يخسرون أموالهم باطلا، أو يتسابّون ويتنازعون في أماكن أخرى، وهذا بالطبع ما تقصده الحكومة بأمرها تكوين لجان الأحياء لتخفّف عن المحاكم» (1).
الأنظمة الاجتماعية بوادي ميزاب
وأثرها في التربية
المؤسسات والأنظمة التي أشرنا إليها سابقا والمطبّقة على الصعيد الوطني، كلّها موجودة في مجتمعنا الميزابي الذي هو جزء لا يتجزّأ من الوطن الجزائريّ فنحن - إضافة إليها -
__________
(1) -الشيخ إبراهيم بيّوض: المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، ص:90. (1/26)
صفحة 27
ننعم بأنظمتنا الاجتماعية العرفية الموروثة، التي هي مكسب عظيم وإرث غال، وجزء من شخصيتنا، وسبب بقاء كياننا.
من أهمّ هذه الأنظمة نستعرض وبإيجاز ما يلي: (انظر الشكل 1 في الصفحة الموالية).
1 - حلقة العزَّابة:
في كلّ مدينة من مدن وادي ميزاب توجد على قمّة هرم نظامها الاجتماعيّ هيئة عليا، هي بمثابة السلطة التشريعيّة للقوانين العرفيّة، تدعى بالعزّابة «وهيئة العزّابة هي الهيئة العليا في البلد على الإطلاق، لها النفوذ الروحيّ على المجتمع الأباضيّ والسلطة المطلقة في كلّ ما له علاقة بالدين. أو هي بعبارة أوْجَز: الهيئة الشرعيّة الحاكمة القائمة مقام الإمامة العظمى في مرحلة الكتمان» (1).
__________
(1) -د. محمد ناصر: حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ط1410هـ/1989م، ص: 12. (1/27)
صفحة 28
[مخطط] (1/28)
صفحة 29
المقرُّ الرسميُّ لاجتماعات هذه الهيئة هو المسجد. ومن أبرز مهامها: القيام بالوظائف المتعلِّقة بالمسجد، كالإمامة والآذان والوعظ والإرشاد والإفتاء وتنظيم الأوقاف. بالإضافة إلى مهمَّة التعليم بالكتاتيب (المحاضر)، ومهام أخرى كغسل الأموات وتجهيزهم، وتنظيم مناسبات الأفراح والأتراح والإشراف عليها، ومحاربة البدع والخرافات ومقاومة مظاهر الفساد والانحراف، ومراقبة الاسواق، ومتابعة عمليَّة تقسيم مياه الأودية على بساتين الواحة بواسطة السدود والمجاري المائيَّة، إلى غير ذلك.
2 - هيئة إيروان:
تتكوَّن من حفظة القرآن، الذين يساعدون العزَّابة في بعض مهامهم داخل المسجد، كعمارة حلقات الذكر، وتوزيع الأوقاف والصدقات وتعليم الصغار في الكتاتيب.
3 - هيئة إمصُّوردان:
وتضمّ الطلبة الذين يعمرون المساجد ويحضرون مجالس الذكر ويتلقّون العلم في الكتاتيب. إلاّ أنّ هذه الكتاتيب حاليًّا لم تعد تقوم بدور التعليم المنوط بها قديما، (1/29)
صفحة 30
بل أصبحت لتعليم القرآن فقط. أمَّا مهمَّة التعليم الحديث فقد أوكلت للمدارس الحرَّة الحديثة، التي تشرف عليها جمعيَّات خيريَّة. كما كانت لهيئة إمصُّوردان مهام أخرى أعفيت منها بحكم التطوُّر التكنولوجي وتغيُّر ظروف الحياة، منها: نقل الحطب إلى ميضأة المسجد لتسخين مياه الطهارة أيَّام الشتاء، ونقل الحجارة إلى المقبرة لبناء القبور، وجني تمور الأوقاف ونقلها إلى المساجد، وغيرها.
4 - هيئة تمسيردين:
وهي هيئة نسويَّة، تضمُّ نخبة من النساء الصالحات الورعات والمتعلّمات. من مهامهنّ غسل الموتى من النساء والأطفال، والإصلاح والإرشاد، ومراقبة تطبيق القوانين العرفيّة الصادرة عن العزّابة داخل المجتمع النسويّ في مناسبات الأفراح والأتراح.
5 - مجلس الأعيان:
هو بمثابة السلطة التنفيذيَّة؛ كان يسمَّى قديما بمجلس الضُمَّان. ويضمُّ ممثِّلين من كلِّّ العشائر، من شيوخها (1/30)
صفحة 31
وعقلائها. وهم يتولَّون الاهتمام بكلِّ القضايا الاجتماعيّة التي تخصُّ المدينة.
6 - لمكاريس:
ينخرط ضمن هذه الهيئة مجموعة كبيرة من الشباب والكهول، ولا يقبل فيها إلاّ من يتحلّى بالأخلاق الحميدة وبروح التضحية والشجاعة وبحسّ اليقظة، وهم يمثّلون السلطة الأمنية. مهمّتهم حراسة المدن والغابات خاصّة في مواسم جني المحاصيل الفلاحيّة، وتوفير الأمن العامّ للمجتمع، والمحافظة على قدسيّة المساجد وعلى ممتلكات الأوقاف، وحماية هيئة العزّابة من أيّ اعتداء يهدّدهم. وهم اليوم يقومون بمهامهم بالتنسيق مع السلطات الأمنية الرسميّة من شرطة ودرك.
7 - العشائر:
المجتمع الميزابي مجتمع عشائريٌّ منذ أن وُجد في هاته الربوع. ففي كلّ مدينة توجد مجموعة من العشائر التي تعمل في نظام مشترك واحد تحت إشراف هيئة العزّابة وبالتنسيق مع مجلس الأعيان. ولكلّ عشيرة مقرّ واسع يدعى بدار العشيرة، (1/31)
صفحة 32
فيه تعقد اجتماعات إدارتها وجمعياتها العامّة، وتقيم ولائمها وأعراسها وتنظّم نشاطات أبنائها الثقافيّة والتربويّة. والنشاطات العامّة للبلدة.
8 - الجمعيات الخيرية:
بعد الحرب العالميّة الأولى شهد العالم الإسلاميّ والوطن الجزائريّ نهضة إصلاحيّة شاملة دينيّة، اجتماعيّة، سياسيّة، تربويّة وثقافيّة. فكانت منطقة وادي ميزاب من المناطق السبّاقة لهذه الإصلاحات، بفضل زعمائها وعلمائها، أمثال فضيلة الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض. وفي أواسط القرن الماضي بدأت الجمعيّات الخيريّة في الظهور لتأطير تلك الإصلاحات. «وقد أسّست هذه الجمعيّات الخيريّة - تحت رعاية المسجد - كلّ مؤسّساتها التربويّة الأخرى مدارس إبتدائيّة وثانويّة، مكتبات وداخليّات وجمعيّات ثقافيّة ونوادي. وضمنت للتلاميذ والطلاّب الاستفادة منها مجّانا دون مقابل مادّي لأنّ ذلك يتكفّل به المتبرّعون المحسنون» (1).
__________
(1) - د. محمد ناصر: حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص 32. (1/32)
صفحة 33
9 - مجلس عمِّي سعيد:
«إنّ مجلس عمّي سعيد مجلس دينيّ، اجتماعيّ وهو يضمّ صفوة "عزَّابة" مدن وادي ميزاب، إضافة إلى عزّابة وارجلان. إنّ هذا المجلس الدينيّ الأعلى نسبة إلى العالم سعيد بن عليّ الخيري الجربي (المتوفَّى سنة 898هـ) بغرداية.
ووظيفة هذا المجلس الإرشاد الدينيّ وإصدار الفتوى والمحافظة على الأوقاف الإباضيّة في الجزائر وخارجها» (1)
10 - مجلس باعبد الرحمن الكرثي:
هو الهيئة العليا لمجالس أعيان وادي ميزاب. والذي ينظر في القضايا الاجتماعيّة الهامّة التي فيها المصلحة المشتركة لمدن ميزاب. وسمّي باسم الشيخ العالم باعبد الرحمن الكرثي الذي كان له مسجدٌ في قصر مليكة، حيث كانت تعقد فيه اجتماعات هذه الهيئة والاجتماعات النسويّة لهيئات تمسريدين على مستوى ميزاب.
تلك هي أهمُّ الأنظمة الاجتماعيّة السائدة في منطقتنا
__________
(1) -بكير بن سعيد أعوشت: ميزاب يتكلّم، ص 54 (1/33)
صفحة 34
إلى الوقت الراهن، والتي يعود إليها الفضل الكبير والأثر البالغ في تربية الأجيال وتكوين الرجال وإصلاح الأوضاع.
إنّ هذا التراث الهامّ بدأ اليوم يفقد فعاليّته ويضعف تأثيره شيئا فشيئا. فلو بقينا لسنوات قليلة على نفس المسيرة: لم نتدارك الأمور ولم ندرس ماضينا ونتأمّل في حاضرنا ونخطّط لمستقبلنا باستراتيجيّة تتلاءم وتحدّيات هذا العصر، فإنّ هيئاتنا العرفيّة ومؤسّساتنا التربويّة تلك ستفقد مصداقيتها، وتفقد ثقة أبنائها فيها. وتصبح مع مرّ الزمن كجسد بلا روح – لا قدّر الله – بسبب ما نراه من ضعف في وتيرة الإصلاح والتغيير، وتخوّف من مبادرات التحسين والتطوير، وجمود على المناهج والبرامج القديمة، ورفض للأساليب والطرق الحديثة. من قبل بعض هيئاتنا ومؤسّساتنا.
يقول فضيلة الإمام الشيخ بيّوض رافضا ومحذِّرا من الإساليب العقيمة، وأفكار الجمود والتحجّر: «لا نرضى في مدارسنا ومعاهدنا وفي كلِّ أعمالنا الأساليب العقيمة البطيئة. إنَّنا في عصر الإتقان والسرعة، أصبح الناس يطيرون طيرانا، لا نرضى نحن أن نسير في التعليم وفي أنواع جهادنا كلِّها على حُمر هزيلة بطيئة دبرة. لا يليق بنا أن نجمد في التربية والتعليم على (1/34)
صفحة 35
طرق ووسائل عقيمة بالية أكل عليها الدهر وشرب، هي من العصر الذي هرمت فيه أمَّتنا ونامت. وكانت تلك الأساليب من أسباب ضعفها ونومها. إنَّ ما نقطعه من المسافات البعيدة بالأساليب الحسنة في العمل في ساعة، لا يجوز أن نقضي في قطعها بالأساليب العقيمة البطيئة، الأيامَ الكثيرةَ والشهورَ. إنَّ خصوم الإصلاح يريدون منَّا في مدارسنا وأنواع جهادنا أن نجمد على تلك الأساليب العقيمة والطرق البطيئة المملَّة الفاشلة. هذا هو سبب الخلاف بيننا وبينهم، وليس في الهدف» (1).
إنَّ مؤسَّسات التربية والإصلاح التي لا تتطوَّر ولا تواكب الواقع، ستصبح مع مرور الزمن مؤسَّسات جامدة قد تضرُّ أكثر ممَّا تنفع. مَثل ذلك كمثل الآلات والأجهزة القديمة التي بقيت على حالها دون تطوير. فجهاز الفونوغراف مثلا كان قبل نصف قرن فقط من الوسائل المتطوَّرة الحديثة، أمَّا اليوم فلم يعد يصلح إلاّ للعرض في المتاحف.
بناء على هذا العرض السريع ونظرا لواقعنا الحاليّ نستنتج أنّ مجتمعنا يحتاج إلى مراجعة عامّة وتقييم شامل
__________
(1) -الشيخ محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الحزائر، ج 4، ط 1، ص:143. (1/35)
صفحة 36
يمسّ جميع جوانبه: الدينيّ، الاجتماعيّ، الثقافيّ، الاقتصاديّ والسياسيّ، ... ولا يسمح المجال هنا لتقييم كلّ تلك الجوانب، ولكن يمكن أن نقتصر في حديثنا حول الهيكل التنظيميّ للمجتمع الميزابيّ، فالدارس المتمحّص له يكتشف أنّ خللا ما بدأ يصيب هذا الهيكل، نظرا لسوء التواصل الحاصل بين قمّته المتمثّلة في حلقة العزّابة ومجلس الأعيان، ووسطه المتمثّل في العشيرة وقاعدته المتمثّلة في الأسرة.
فإذا كانت تربيتنا لأبنائنا لا تؤتي أكلها بالشكل الذي نريده فإنّ ذلك يثبت وجود خلل ما في مؤسّساتنا. وإذا كنّا نشكو من الضعف الدراسيّ لأبنائنا الذين يتعلّمون في المدارس الرسميّة وفي مدارسنا الحرّة، وتقدّم لهم دروس إضافيّة في عشائرنا. فإنّ ذلك يؤكّد وجود خلل ما في مناهجنا وأساليبنا وطرقنا التربويّة. وإذا كان المنحرف من أبنائنا قد ترعرع في أسرة مسلمة محافظة، وتربّى في مدرسة حرّة قرآنيّة، وتعلّم في معهد إسلاميّ، وتكوّن في عشيرة مرشدة وموجّهة، ونشأ بين مساجد عامرة ومصلحة، فإنّ ذلك يدلّ على وجود خلل في هيئاتنا وهياكلنا. (1/36)
صفحة 37
وهذا الخلل يعود – حسب تقديري – إلى نقص التعاون وضعف التنسيق بين تلك الهيئات. هذا التعاون الذي أشار إليه فضيلة الشيخ بيُّوض في قوله: «على هذا بني مجتمعنا، وكذلك على المعهد وتعليمه، والمدارس وبرامجها، والعشائر ونظامها، والمجالس العائليّة، هذه كلّها تعمل متعاونة، المسجد هو القمّة، هو الركيزة الوسطى للخيمة، وهي التي تمسك بها، ثمّ تأتي الركائز الأخرى على الجوانب، ومجتمعنا خيمة مبنيّة على كتاب الله، رأسها وركيزتها المسجد» (1).
فإذا كانت هيئاتنا تعمل كلّ واحدة لوحدها دون تفاهم كامل، وتنسيق وثيق وتعاون شامل فيما بينها، فإنّها حتما سوف ترتكب أخطاء، وتقع في هفوات، وتعمّق الهوّة بينها، وتسهّل لوسائل الفساد والتضليل من التغلغل في المجتمع، وتقلّل من ثقة الأفراد فيها.
(انظر الشكل 2 في الصفحة الموالية).
__________
(1) -الشيخ إبراهم بيّوض: المجتمع المسجدي، إعداد: محمد ناصر بوحجام، ص:76. (1/37)
صفحة 38
[مخطط] (1/38)
صفحة 39
أمَّا إذا كنَّا نروم إلى إيجاد تفاهم وتنسيق وتعاون بين هيئاتنا الاجتماعيَّة، فعلينا أن نعمل على وضع خطَّة تربويَّة شاملة تمسُّ جميع مناحي حياتنا. مدروسة دراسة علميّة نابعة من الواقع يشترك فيها أهل الاختصاص والتجربة، تضمّ وحدة أهدافنا ووحدة تصوّرنا لجميع قضايا مجتمعنا الهامّة، وتحدّد أساليب العمل وإجراءات التغيير. بحيث إذا طرأ أيّ مشكل يهدّد كيان المجتمع، إلاّ وقامت جميع الهيئات والمؤسّسات والجمعيّات والأفراد قومة واحدة كلّ من موقع عمله واختصاصه لإصلاح المشكل دون اتكاليّة أو تقصير من أيّ جهة كانت.
فإذا اقتنعنا بضرورة تفعيل هيئاتنا لتحسين أدائها التربويّ، وضمان تأثيرها المجدي على الأفراد، فلا مناص ولا بديل عن إنشاء مجالس عائليّة تعمل على التنسيق والتعاون والتبليغ بين الأفراد والهيئات الاجتماعيّة، وتحقّق التربية الشاملة التي نطمح إليها. (انظر الشكل 3 في الصفحة الموالية).
فإذا كانت الأسرة محدودة الثقافة والوعي، أو كان الأب غائبا عنها معظم حياته، أو كان الإبن يعيش بين أبوين منفصلين، أو كان يتيما. وكانت العشيرة غافلة عن الأسرة، أو منشغلة في قضايا أخرى. فإنّ المجلس العائليّ هو الذي يقف (1/39)
صفحة 40
[مخطط] (1/40)
صفحة 41
إلى جانب الأسرة, فيرشد الوالدين أو ينصح الأبناء أو يكلّف الوكلاء أو يستعين بالعشيرة إذا لزم الأمر. وقد يتكفّل بمتابعة التلميذ في مدرسته ومحاسبته على نتائجه، وتحفيزه لتحسين مستواه، وتوجيهه لطرق التحصيل السليمة، وتدعيمه بالدروس الإضافية. وإرشاده إلى حسن اختيار فروعه الدراسيّة المستقبليّة. كما قد يتكفّل بمراقبته في الشارع والمسجد وفي نشاطات الجمعيّات المتواجد بها أو نشاطات العشيرة، وغيرها.
فكلّ هذه المهام يتعذّر على أيّ هيئة أخرى القيام بها، اللهمّ إلاّ الأسرة التي أثبت الواقع تقصيرها وتراخيها في كثير من القضايا أو فشلها في بعضها.
فإذا توصّلنا من خلال نظامنا الاجتماعيّ إلى متابعة أبنائنا في كامل حياتهم ومراقبتهم في جميع نشاطاتهم، وتحكّمنا في توجيههم وإرشادهم وتربيتهم دينيّا ونفسيّا وعقليّا واجتماعيّا وجسميّا، نكون بذلك قد حقّقنا التربية المتكاملة لهم. وسوف ننشئ منهم مستقبلا رجالا صالحين ومصلحين بحول الله. (1/41)
صفحة 42
مسؤولية التربية بين الأسرة والمجتمع
تتقاسم مسؤولية التربية كلّ من:
1 - الأسرة المصغّرة: الممثّلة أصلا في الوالدين (الزوجين).
2 - المجتمع العامّ: الممثّل في مختلف هياكله وتنظيماته؛ كالمؤسسات التربوية والجمعيات والمنظمات والمراكز الشبانية والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام ... إلخ. إضافة إليها نجد في مجتمعنا الميزابي هيئات ووسائل أخرى، تتحمّل جزءا كبيرا من عبء هذه المسؤولية. وهي حلقات العزّابة ومجالس الأعيان والجمعيات الخيريّة والمدارس الحرة والعشائر ...
وعلى الرغم من هذا الحجم الكبير من وسائل التربية التي ينعم بها أبناؤنا، لا يمكن الجزم أنّها كافية ومناسبة لتربيتهم، ما دامت هناك عوامل كثيرة معيقة للتربية أهمها:
1 - زيادة الآفات والأمراض الاجتماعية: بسبب فساد وسائل الإعلام والأنظمة وأكل الربا والرفاهية المطلقة ... (1/42)
صفحة 43
2 - ثقل مسؤولية المجتمع: فهي تكبر وتزداد كلّما زاد الأبناء في العمر. وبالمقابل نجد أنّ مسؤولية الأسرة تنحصر وتضعف مع كبرهم.
(انظر الشكل 4 في الصفحة الموالية).
3 - كثرة أوقات فراغ الأبناء.
4 - وجود عدد لا يستهان به من أبنائنا خارج التعليم الحر.
5 - نفور الكثير منهم من الجمعيات والمنظمات.
بناء على هذه الأسباب نستنتج أنّ عمليّة التربية لا يمكن أن تنجح ولا تؤتي ثمارها إلاّ بتعاون وتضافر جهود كلّ من الأسرة والمجتمع ولن يتحقّق هذا التعاون إلاّ بتوفّر الشروط التالية:
1 - وجود الأسرة السويَّة: المسلمة، المثقَّفة، الواعية والمرشدة.
2 - وجود الهيئات الاجتماعيّة الفاعلة: المتميّزة بحسن التنظيم والتسيير والتأثير.
3 - وجود تنسيق دائم، وتفاهم وثيق بين الطرفين (الأسرة والهيئات الاجتماعيَّة). (1/43)
صفحة 44
مسؤولية المجتمع
مرحلة الشباب ... 85% ... من 19 إلى 40 سنة ... 15%
مرحلة المراهقة ... 60% ... من 13 إلى 18 سنة ... 40%
مرحلة الطفولة 2 ... 40% ... من 7 إلى12 سنة ... 60%
مرحلة الطفولة 1 ... 15% ... من 1 إلى 6 سنوات ... 85%
مسؤولية الأسرة
[جدول] (1/44)
صفحة 45
وفي حال ضعف تأثير الطرفين (الأسرة والهيئات الاجتماعيّة) فإنّ الفرد يجد نفسه بين طرفين منشغلين عنه ويحسّ بنفسه وسط هوّة سحيقة بينهما بعيدا عن المتابعة والمراقبة والتوجيه، ويشعر بحريّة التصرّف. وبالتالي يكون سهل الانقياد من أيّ طرف آخر، ويصبح عرضة للضياع والانحراف.
وتلافيا لذلك ومن أجل تضييق الهوّة التي بدأت تظهر بين الطرفين. نجد أنفسنا أمام ضرورة حتميّة لا بدّ منها هي إنشاء هيئة اجتماعيّة جديدة تتوسّط بينهما، وتكون مشرفة على الأسرة من جهة، ولها علاقة واتصال بالهيئات الاجتماعيّة الأخرى من جهة ثانية (انظر الشكل 5 في الصفحة الموالية).
شرط أن تمتاز بـ:
- السلطة القويّة المؤثّرة في الأسرة.
- الارتباط الوثيق بالمجتمع العام.
وهاتان الخاصيّتان نجدهما ماثلتين بشكل واضح في المجلس العائليّ، بحكم علاقاته الطيّبة التي تربطه بالطرفين. (1/45)
صفحة 46
[مخطط] (1/46)
صفحة 47
المجلس العائلي حسب النظام العرفي
بالرغم من ضآلة عدد سكّان وادي ميزاب في طور نشأته، مقارنة بالوقت الحاليّ، وبالرغم من قلّة عائلاته وأسره، وقلّة مشاكله الاجتماعيّة إلاّ أنّ أجدادنا - رحمهم الله - اهتدوا بفضل وعيهم الدينيِّ وحسِّهم الاجتماعيِّ إلى إنشاء نظام اجتماعيّ فريد يكفل لهم التسيير الحسن للمجتمع، والتربية السليمة للفرد. بالتعاون المشترك بين جميع هيئاته من القمّة إلى القاعدة، بدءا بالعزّابة والأعيان فالعشائر والمجالس العائليّة، ثمّ الأسر وغيرها. ولقد شهدنا في السنوات الأخيرة تطوّرا نسبيّا في نشاط معظم هاته الهيئات، وإن لم يبلغ مستوى الطموح. فالعشائر مثلا أصبحت تمتلك مقرّات واسعة لها، تفتحها للنشاطات الثقافيّة والتربويّة والرياضيّة لأبنائها، ولأبناء البلدة عموما. وبالمقابل شهدنا تراجعا بيّنا، بل شبه انقراض لنشاط المجالس العائليّة، التي كانت تقوم بأدوار اجتماعيّة هامّة بتنسيق جهودها مع إدارات العشائر، ورغم أنّ المجلس العائليّ آنذاك لم يكن مهيكلا بصفة نظاميّة دقيقة بتعدّد المسؤولين، أو بلجان مهيكلة أو جلسات دوريّة. إلاّّ أنّ نشاطه كان معتبرًا وملموسا. (1/47)
صفحة 48
فاجتماعاته كانت طارئة في الغالب، وخاضعة للقضايا التي تطرح عليه، فكلّما رفعت قضيّة أو مشكلة إلى إدارة عشيرة، تتعلّق بعائلة معيّنة، فإنّ الإدارة تطرح القضيّة وتناقشها في جلستها، ثمّ توكل الأمر لشيخ تلك العائلة الممثّل لها في العشيرة للمتابعة وتطبيق الحلّ. وإذا استلزم الأمر يدعو بدوره شيوخ العائلة وعقلاءها ومن له علاقة بالقضيّة لعقد مجلس عائليّ حولها للفصل النهائيّ فيها، ومتابعة تنفيذ الحلّ، وقد ترفع بعض القضايا مباشرة للمجلس العائليّ للبثّ فيها دون اللجوء إلى العشيرة.
بهذه الطريقة العفويّة استطاع المجلس قديما أن يحقّق نجاحا كبيرا ويقوم بأدوار مختلفة منها:
- إصلاح ذات البين بين المتخاصمين.
- التكفّل بالأرامل واليتامى.
- مساعدة العائلات المحتاجة.
- تأديب المنحرفين.
- نصح وإرشاد أبناء العائلة لما يصلح لمستقبلهم. (1/48)
صفحة 49
فإذا استعصت إحدى القضايا على المجلس العائليّ ترفع إلى العشيرة، وإذا استعصت على العشيرة ترفع إلى العزّابة، وإذا أبى صاحب القضيّة أن يرتدع للحقّ والصواب، وأعلن عصيانه للعزّابة تعلن البراءة منه في المسجد أمام الملإ، فيقاطعه الجميع ولا يتعاملون معه إلى أن يعلن توبته في المسجد وأمام الملإ أيضا.
ولقد اهتمّ الإمام العلامة الشيخ إبراهيم بيّوض بإصلاح النظام الاجتماعيّ بوادي ميزاب حسب مقتضيات عصره، كما اهتمّ أيضا بالنظام العائليّ والنظام العشائريّ، ودعا إليهما في كثير من المناسبات. وفي خطب الجمعة ودروس المسجد خصوصا. حيث كان يبرز أهمّيتهما ودورهما في التماسك الاجتماعيّ، وفي تربية الأبناء وإصلاح الأوضاع الفاسدة. ويدعو إلى التمسّك بهما والدفاع عنهما. ويردّ على أولئك الذين يدعون إلى تقويض مثل هذه الأنظمة التقليديّة الموروثة.
نورد فيما يلي بعضا من هذه الأقوال:
«فرحم الله أئمّتنا الذين وضعوا هذا النظام وساسوا به هذا المجتمع في أحلك الظروف من الفتن العمياء والجهالة الجهلاء. يوم كانت القبائل والأعراش في هذه المنطقة النائية الشاسعة لا يجمع بينها نظام دولة موحّدة، ولا تعرف لها مستقرّا ينطبق (1/49)
صفحة 50
عليه مدلول الوطن، حتّى بعد الاستقرار شبه الحضاريّ وقيام نظام الدولة الحديثة في العهد الاستعماريّ، فهل استطاع الناس أن يستغنوا عن هذه التنظيمات الداخليّة على مستوى العشائر والأسر؟ وهل استطاعت الدولة بأجهزتها القضائيّة أن تقوم مقام المجلس العائليّ أو العشائريّ في معرفة وضعيّات الأسر وما يصلح لها في مجال الكفالة والوكالة للقاصرين والأيتام والأرامل والعجزة؟ كلاَّ، إذ ليس في مقدور القاضي مهما تكن كفاءته أن يقوم مقام المجلس العائليّ في معرفة الوضعيّة الاجتماعيّة للأسرة، وبالتالي لا يستطيع أن يهتدي وحده للكفيل أو الوصيّ القويّ الأمين الذي يختار لهذا الصنف الضعيف من المجتمع» (1).
«وكم من مواريث تنازع عليها ذوو الحقوق الشرعيّة فيها، ولم تستطع المحاكم أن تفصل بينهم، إلاّ أن ترجع القضايا للمجلس العائليّ، وتلتمس منه العون والمساعدة في إصلاح ذات البين وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. وهل يعقل أن نقوّض هذا النظام ونقول للناس: قطّعوا أرحامكم واستغنوا عن رهطكم وقبيلتكم لأنّ لكم من المؤسّسات العامّة بديلا عنها يراعي مصلحتكم ويضمن حقوقكم؟
__________
(1) -محمد سعيد (كعباش): حديث الشيخ الإمام، الحلقة 1، ص:62. (1/50)
صفحة 51
وهل يَعيبُ علينا مُسلمٌ نصوحٌ أن نربّي أولادنا ونرعى مصالحهم بمثل هذه النظم الاجتماعيّة التي أثبتت فعاليتها عبر تاريخنا الطويل؟ إنّنا لا نتجرّأ يوما للتدخّل في الشؤون الداخليّة الخاصّة بغيرنا، كما أنّنا لا ندّعي الكمال في ما نحن عليه ولم نحاول أن نجعل هذه النظم حكرا علينا، أو نجد غضاضة في استفادة غيرنا بها إذا اقتنع بذلك، ولا نستنكف من الاستفادة والاقتباس من تجارب الآخرين في التنظيم الاجتماعي» (1).
« ... وأظنّ أنّ عيونكم قد تفتّحت لتزدادوا تكتّلا وتضامنا وتساندا وتعاونا، كلّ عشيرة في دارها وكلّ مجلس عائلة في نطاقه، وليست هذه العشائر كما قلنا وهذه المجالس العائليّة جعلت للتناكر، واذكروا دائما قوله تعالى: {(((((((((((((((شُعُوبًا (((((((((((((((((((((((((((} (2) ... إذن لا يبطل هذا النظام، ولا يقال كما يقول الشيوعيّون: ما الفائدة في أن يعرف الناس فلانا، يعرفون أنّ أباه فلان بن فلان، إنّما فلان رقمه كذا وكذا فقط. يعني نكون كالبقر والغنم والإبل،
__________
(1) -محمد سعيد (كعباش): حديث الشيخ الإمام، الحلقة 1، ص:63.
(2) -سورة الحجرات، الآية: 13. (1/51)
صفحة 52
يجمعها مرعى، ولا علاقة بينها أبدا. هذا ليس من طبيعة الإنسان الذي جعل خليفة في الأرض، لأنّه لا يحقّق خلافة الله في الأرض إلاّ بمدنيّته، إلاّ بتعاضده وبتعارفه» (1).
[صورة]
__________
(1) -الشيخ إبراهيم بيّوض: المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، ص:99. (1/52)
صفحة 53
دوافع إنشاء المجالس العائلية
- تمهيد
- الدوافع الاجتماعيَّة
- الدوافع التربوية (1/53)
صفحة 54
دوافع إنشاء المجالس العائلية
تمهيد:
لم يكن الإباضية في المغرب العربي بحاجة إلى نظام العزّابة إلاّ بعد سقوط الدولة الرستمية، حيث بدأوا يفكّرون في نظام بديل لنظام الدولة، يحمي دينهم ويوحّد صفوفهم، فبعد تفكير وتمحيص ودراسة مطوّلة اهتدى الشيخ أبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي إلى إنشاء نظام العزّابة، الذي يعود إليه الفضل في الحفاظ على المذهب الإباضيّ عموما والمجتمع الميزابي خصوصًا.
ولم تكن الحاجة تدفع الميزابيين إلى إنشاء مجالس للأعيان إلاّ بعد أن استفحلت الخلافات والنزاعات والفتن. فكان لإنشائها دور كبير في تسوية المشاكل بين العشائر وتوحيد صفوفها.
ولم تكن الحاجة تدعو إلى تأسيس جمعيات خيريّة إلاّ بعد أن انتشر الجهل وتفشّت الأمّية في عهد الاستعمار الفرنسي. حيث حملت على عاتقها مسؤولية التربية والتعليم، فبنت (1/54)
صفحة 55
المدارس والمعاهد وفتحت المكتبات والنوادي، وأنقذت المنطقة من تخلّفها وأحالتها إلى مركز العلم والدين الذي أشعّ بنوره على الوطن الجزائريّ وعلى العالم الإسلاميّ.
ولم تكن الحاجة تستدعي الإصلاح الداخليّ للعشائر. إلاّ بعد أن ازدادت الكثافة السكانيّة وكثرت المشاكل والآفات الاجتماعيّة فقامت ببناء مقرّات لها. وتنظيم إدارتها وإنشاء لجان ومجموعات لتنشيط شبابها وتعليم طلبتها، فتكفّلت كلّ عشيرة بحلّ مشاكل أبنائها ومساعدة ضعفائها وتنظيم أعراسها ...
فكلّ تلك المؤسسات والتنظيمات العرفية التي سبق ذكرها - وغيرها كثير - إنّما وجدت بحكم الضرورة وحاجة الناس إليها، فالنظام الاجتماعيّ بوادي ميزاب لم ينظم دفعة واحدة، ولم يظهر للوجود إلاّ بعد قرون من الزمن كان خلالها ينشأ ويتبلور شيئا فشيئا حسب مجريات الأحداث وظروف كلّ عصر، ووفق حاجات السكان لها.
يقول الشيخ علي يحيى معمَّر النفوسي الليبي عن تطوُّر نظام العزَّابة: (1/55)
صفحة 56
«ولم يبق النظام على ما سطّره الإمام أبو عبد الله بن بكر ولا على ما حرّره تلميذه أبو الربيع سليمان بن يخلف، وإنّما تطوّر مع الزمن فكانت تضاف إليه من حين إلى آخر تنظيمات جديدة وصلاحيّات جديدة، وتخصّصات محدّدة لكلّ قسم من أقسام الحلقة كتخصّصات مجلس العزّابة وتخصّصات التلاميذ (إيروان) وتخصّصات المساعدين (إمصّوردان) على النمط الحالي الذي يجري به العمل في وادي ميزاب ووارجلان، وقد حرص الإباضيّة في المغرب الإسلاميّ على تطبيق نظام العزّابة بشيء من الدقّة والمنافسة منذ وضعه الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر» (1).
لذا فإنّ الحاجة التي أشرنا إليها أصبحت اليوم ضرورة ملحّة تتطلّب منّا أن نبادر ونعجّل بإنقاذ مجتمعنا من خلال تسجيل وقفة جادّة وشجاعة في تاريخنا، نقيّم فيها ماضينا وندرس نظمنا وعاداتنا وتقاليدنا دراسة واقعيّة عميقة، قصد التعديل والتصحيح والإثراء بما يتناسب مع ظروف حياتنا ومستجدّات عصرنا دون إفراط ولا تفريط. يعلّق الشيخ علي
__________
(1) -علي يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التاريخ، الحلقة 4، ص: 286، 287. (1/56)
صفحة 57
يحيى معمّر عن كيفية وضع أنظمتنا الاجتماعيّة قائلا: «إنّ هذه الأنواع من التنظيمات والإجراءات أو الأعراف ليست وليدة يوم، ولا منبثقة عن تفكير فلسفيّ في برج عاجيّ، أو نبعت بين أناس من ذوي الكراسي الدوّارة والمكاتب العريضة، الذين يتصوّرون مشاكل المجتمع بآذانهم ويتخذون لها الحلول بأخيلتهم، وإنّما هي نبعت من تجارب غنيّة متواصلة، وملاحظات مستمرّة متتابعة ومناقشات في اختيار أنسب الحلول وأسلمها، وقد تدوم تلك الملاحظات والمناقشات شهورا وأعواما حتّى تبلغ إلى الصيغ النهائيّة التي نفّذت كأعراف أو تقاليد أو كأنظمة وقوانين» (1).
وأعتقد أنّ أولى النظم التي تتطلّب منّا الدراسة والتقييم هو نظام المجلس العائليّ، فالحاجة والضرورة تستدعيان منّا تأسيس مجالس لكلّ عائلاتنا على مستوى وادي ميزاب. وأقترح أن يتمّ ذلك بتوصيات من طرف مجلس عمّي سعيد ومجلس باعبد الرحمن الكرثي، وبتحريض من حلقات العزّابة، ومتابعة من إدارات العشائر.
__________
(1) -علي يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التاريخ، الحلقة 4، ص:551. (1/57)
صفحة 58
إنّ إعطاء كلِّ هذا الاهتمام بالمجلس العائليِّ يعود إلى خطورة الموقف الذي تعيشه أمّتنا، وفداحة الخطب الذي يهدّد مستقبلها. ونظرا للأسباب والدوافع التالية:
أ) الدوافع الاجتماعية:
1 - رغبة الطبقة المثقّفة في إحياء نظمنا الاجتماعيّة، وبعث تراثنا المحلّي بما يتناسب ومتطلّبات عصرنا.
2 - كثرة المشاكل العائليّة، وزيادة الآفات الاجتماعيّة داخل مجتمعنا.
3 - عجز إدارات العشائر على حلّ كلّ مشاكلها، وعلى التكفّل بجميع ضعفائها، وعلى تربية سائر أبنائها، بسبب زيادة الكثافة السكّانيّة على نطاق كلّ عشيرة. رغم وجود مجهودات معتبرة لا تنكر من قبل الكثير من عشائرنا.
4 - غياب الكثير من الآباء عن أسرهم لفترات طويلة، بحكم عملهم خارج البلدة، وعدم استخلاف أولياء ينوبونهم في مراقبة ومتابعة أبنائهم.
5 - نقص الوعي الديني والاجتماعي في الأوساط العامة والنسوية بسبب ضعف مستواهنَّ الثقافي. (1/58)
صفحة 59
6 - ضعف مساهمة المرأة في النشاط الاجتماعي، بسبب عدم وجود هيئات نسويّة مؤطّرة ومكوّنة لها.
7 - بقاء الكثير من أبنائنا غير مؤطَّرين بسبب عدم قدرة جمعياتنا وهيئاتنا على احتوائهم.
8 - تناقص الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع وهيئاته، ويتجلَّى هذا في نفور بعضهم من نشاطاتها، أو انتقاداتهم لها، أو رفع قضاياهم إلى المحاكم بدلا من إدارات عشائرهم، أو لجوئهم إلى أشخاص يثقون فيهم لحلّ مشاكلهم، حتّى لا ُتعرَف مشكلتهم في إطار واسع (داخل العشيرة).
9 - انحسار المسؤوليّات الاجتماعيّة في عدد قليل من الأشخاص، ممّا أدّى إلى تعدّد المسؤوليّات لدى الشخص الواحد وعدم القدرة على تحمّلها وتضييع مصالح الأمّة بذلك.
10 - ضعف دور المثقّفين وأصحاب الكفاءات داخل المجتمع، نظرا لعدم وجود آليات تؤطّرهم وتستثمر خبراتهم.
ب) الدوافع التربويّة:
1 - قصور المنظومة التربويّة الرسميّة وعدم قدرتها على تحقيق التربية النموذجيّة لأبنائها. (1/59)
صفحة 60
2 - ضعف المستوى الدراسيّ لأبنائنا وقلّة اهتمامهم بالعلم، وتفشّي ظاهرة التسرّب المدرسيّ، رغم وجودالتعليم الحرّ.
3 - كثرة وسائل الفساد والتضليل وقلّة وسائل التربية والإصلاح.
4 - فشل الكثير من أسرنا في تربية أبنائها، وعدم قدرتها على الرقابة المستمرّة لهم.
5 - تناقص شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوساطنا العامّة.
6 - نقص القدوة الصالحة في أوساطنا، داخل أسرنا وفي مدارسنا ومؤسّساتنا وشوارعنا وحتّى في مساجدنا.
7 - وقوع أبنائنا في فراغ روحيّ وفراغ وقتيّ ورفاهيّة مطلقة تهدّد دينهم وسلوكهم في حاضرهم ومستقبلهم، وصدق الشاعر إذ قال:
إنَّ الشبابَ والفراغَ والجِدَة ... مَفسَدَة ٌللمرءِ أيُّ مفسَدَة
8 - ظهور النزعة الماديّة والأنانيّة وحبّ الذات وضعف روح المسؤوليّة ونقص التضحية في سبيل المجتمع، وقلّة الاهتمام واللامبالاة بقضايا الأمّة. (1/60)
صفحة 61
9 - جهل الكثير من أبنائنا لتاريخ مذهبهم الإباضيّ ولتاريخ مجتمعهم الميزابيّ، ولعاداتهم وتقاليدهم.
10 - عدم معرفة الكثير من أبنائنا لأنسابهم وأقاربهم وحياة آبائهم وأجدادهم. (1/61)
صفحة 62
أهداف إنشاء
المجالس العائلية
- تمهيد
- الأهداف الاجتماعيّة
- الأهداف التربويّة (1/62)
صفحة 63
أهداف إنشاء المجالس العائلية
تمهيد:
ممّا ذكره فضيلة الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض حول أهمّية النظام العائليّ والنظام العشائريّ قوله: «صلة الرحم واجبة. لا بدّ أن تَعرِف من هو أبوك، من هي أمّك، لأنّ لهما عليك حقّا وهما يعرفان ولدهما لأنّ له عليهما حقّا: حقّ الولاية، حقّ التربية، حقّ التوجيه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ ((((((((((((((( ... } (1).
فلا يبقى الأمر فوضى بين جميع المسلمين، ولذلك عائلات ومن وراء العائلات قبائل، ومن وراء القبائل الشعوب، لأنّ هناك حقوقا لا يمكن التوصّل إلى تنفيذها ولا إقامتها إلاّ بالتعارف، مجلس عائليّ يجتمع لتعيين وكيل على يتيم، وإذا مات أحد فالميراث يكون – طبعا – كما قسّمه الله: الأزواج
__________
(1) -سورة التحريم، الآية: 6. (1/63)
صفحة 64
والزوجات والبنين والبنات واللآباء والأمّهات والإخوة والأخوات ... وتبدأ طبقة بعد طبقة لهذه الحقوق. ثمّ كلّ ربّ عائلة مسؤول: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته» (1).
هذا هو نظام التعارف، وقد وضع نظام القبائل من أجل هذا، للقيام بالحقوق التي أوجبها الشرع، ويكون القيام بهذه الحقوق على أيدي الأقربين، والله تعالى أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ بعشيرته الأقربين في قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ ((((((((((((((((((} (2) بعد أن قال له: {((((((إِلَّا إِلَّا ((((((((((((((((( ... } (3) وهكذا خطوة خطوة ومرحلة بعد مرحلة الأقرب فالأقرب، فالرسالة عامَّة لحكمة كبيرة ... » (4).
__________
(1) -حديث متفق عليه، عن ابن عمر رضي الله عنهما. كتاب رياض الصالحين للإمام أبي زكرياء يحيى بن شرف النووي الدمشقي، ط:11، 1405هـ/1985م، ص:220، باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم، رقم الحديث: 653.
(2) -سورة الشعراء، الآية: 213.
(3) -سورة سبأ، الآية: 28.
(4) -الشيخ إبراهيم بيّوض: المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام. ص:89. (1/64)
صفحة 65
إنّ الأهداف المنشودة من إنشاء المجالس العائليّة كثيرة وسامية، لا يمكن حصرها جميعها، منها ما يعود بالنفع على المجتمع ككلّ، ومنها ما يعود على الأسرة خاصّة، ومنها ما يعود على الفرد وحده، منها القريبة ومنها البعيدة. ولكن بالنظر إلى الدوافع التي تدعو إلى إنشاء هاته المجالس والتي سبق تفصيلها يحسن بنا أن نصنّف أهدافها إلى المجالين المذكورين: المجال الاجتماعيّ والمجال التربويّ.
أ) الأهداف الاجتماعية
1 - إيجاد هيئة وصيّة مؤثّرة على الأسرة والفرد:
إنّ الحرص على إلزاميّة إنشاء المجالس العائليّة واعتبارها هيئة اجتماعيّة عرفيّة معترفًا بها في الهيكل التنظيميّ للمجتمع الميزابيّ يجعلها مؤسّسة وصيّة على الأسرة والفرد ويساعد الهيئات الأخرى في أداء مهامها، ويضمن التعاون والتنسيق فيما بينها، ويسهّل عمليّة الإتصال والتواصل بين الأفراد والهيئات العرفيّة والرسميّة.
2 - حلّّ أكبر عدد من القضايا في أقصر وقت:
لو حاول كلّ مجلس عائليّ أن يعالج مشكلا واحدا في الشهر كحدّ أدنى، نكون بذلك قد عالجنا عشرات المشاكل (1/65)
صفحة 66
على مستوى كلّ عشيرة، ومئات المشاكل على مستوى البلدة، ووفّرنا الجهد والوقت لعشائرنا، ودفعنا بمجتمعنا خطوات عملاقة في منحى الإصلاح والتغيير، وفي زمن قياسيّ، مَثل ذلك كمَثل سفينة تسير بعدّة محرّكات، بإمكانها أن تقطع المسافات الطوال في أقرب مدّة، وتصل إلى أهدافها في أسرع وقت، وتواجه كلّ الصعوبات التي تعترضها، بينما تلك التي تسير بمحرّك واحد قديم، تكون بطيئة السرعة، قد تتغلّب عليها الرياح العاصفة، والأمواج العاتية، فتتوقّّف عن الحركة تماما أو تتحطّم أجزاؤها وتغرق لضعف مقاومتها.
3 - تدريب أكبر عدد من أبناء المجتمع على تحمّل المسؤوليّة:
إذا تعدَّدت المجالس العائليّة، وكان في كلّ مجلس: شيخ العائلة، ومسؤول الإدارة، والكاتب، وسؤول الماليّة، ومسؤول التربية والتعليم، ومسؤول الشؤون الاجتماعية، ... وقد تُشكَّل لكلّ مسؤول لجنة مساعدة. فإنّنا بذلك نكون قد درّبنا المئات بل الآلاف على تحمّل المسؤولية، وكوّناهم لتقلّد مسؤوليات أكبر في المجتمع، ومن خلال هاته المجالس أيضا نفسح المجال للكثير من أصحاب الكفاءات الذين لا يساهمون بأيّ مجهود في سبيل المصلحة العامّة. من الطاقات الشابّة وذي الاختصاصات والإطارات المتقاعدة. (1/66)
صفحة 67
4 - غرس الروح الاجتماعية في نفوس الأبناء:
إنّ غريزة الانتماء إلى الوطن والبلد والعشيرة والعائلة غريزة طبيعية في النفوس منذ أن خلق الله الناس شعوبا وقبائل على أساس التعارف والتعاون لا على أساس الاختلاف والتباين وهاته الغريزة (الروح) تذكو في نفوس الأفراد وتخبو بقدر اهتمام المجتمع بهم، وأفضل هيئة اجتماعية يمكن أن تهتمّ بالفرد هي العائلة فإذا أحسّ بعناية المجتمع به نمت فيه روح الاعتزاز بالميل والانتساب إليه ونشأ محبّا له مضحّيا من أجله وعاملا في سبيل سعادته.
5 - تضييق الهوّة بين الهيئات والأفراد:
أدّت زيادة الكثافة السكّانية والتوسّع العمراني إلى عدم قدرة المجتمع على تلبية حاجات أفراده ونقص عنايته بهم ونتج عن ذلك نفور البعض منهم من هيئاته وضعف ثقتهم فيها. وهذه الهوّة يزداد اتساعها باستمرار مع مرور الزمن وتسبّب في ضعف التواصل بين قمّة المجتمع وقاعدته - كما ذكرنا ذلك سابقا- بحيث أنّ أيّ نداء صادر عن القمّة لا يطبّق بكامله من قبل القاعدة وأيّ انشغال صادر عن القاعدة لا يصل كاملا إلى القمّة. ويأتي المجلس العائلي ليسدّ الهوّة بين هذين الطرفين ويشكّل حلقة وصل بينهما. (1/67)
صفحة 68
6 - ربط العلاقات الطيبة بين أفراد العائلة الواحدة:
إذا تعدّدت اجتماعات العائلة وتكرّرت لقاءات أفرادها تمكّن كلّ واحد منهم أن يتعرّف على الآخر. فكم من إخوة وأبناء عمومة يجهلون بعضهم بسبب انعدام اللقاءات بينهم. ومن خلال المجالس العائلية نساهم في توطيد أواصر المحبّة والقرابة وصلة الأرحام التي أولى لها الإسلام اهتماما بالغا وحرص عليها وحذّر من قطعها. يقول عليه الصلاة والسلام: «الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» (1) ولقد قرن الله تعالى قطع الرحم بالإفساد في الأرض في قوله: {((((((عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ((((} (2).
7 - مراعاة حقوق الأيتام والأرامل:
بما يلزمهم من كفالة، إيواء، نفقة، تربية ورعاية، ... فلا أحد يشعر بثقل هذه المسؤولية ويحسن القيام بها أكثر من كبار العائلة.
__________
(1) -حديث متفق عليه عن عائشة. كتاب رياض الصالحين (مصدر سابق). باب بر الوالدين وصلة الأرحام. رقم الحديث: 323، ص: 119.
(2) -سورة محمد، الآية: 22. (1/68)
صفحة 69
8 - مساعدة الضعفاء والمحتاجين من العائلة:
إنّ أعلم الناس بالضعفاء والمحتاجين هم أقاربهم من العائلة، لذا فمن السهل الكشف عنهم ومعرفتهم وتقديم يد المساعدة لهم إمّا من صندوق زكاة العائلة أو الصدقات أو الهبات أو التطوّعات أو بغيرها. يقول الله تبارك وتعالى: {(((((((((((الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ((((} (1). ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (2).
9 - فك النزاعات بين المتخاصمين بالطرق المجدية:
إصلاح ذات البين من طرف الأهل والأقارب أجدى من رفع القضايا إلى هيئات عليا أو جهات أخرى رسميّة. بحيث تبقى المشاكل منحصرة في نطاق العائلة وفي مسؤولية لجنة مصغّرة منها، ولاترفع إلى العشيرة إلاّ القضايا التي عجزت
__________
(1) -سورة الأنفال، الآية: 75.
(2) -رواه النسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبَّان في صحيحهما، والحاكم، عن سلمان بن عامر - رضي الله عنهم -. كتاب الترغيب والترهيب (مصدر سابق) ج:2، ص:37. باب الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم. رقم الحديث: 2. (1/69)
صفحة 70
عنها العائلة. ففي موضوع الإصلاح بين الزوجين مثلا يقول - عز وجل -: {((((((خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ((((} (1).
10 - الاهتمام بمشاكل البطالين والعاطلين عن العمل:
بالنظر في كيفية تشغيلهم، حتى لا يبقوا عالة على أسرهم وسببا في المشاكل والانحرافات، وبالتكفل بالاهتمامات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصّة، من المعوّقين والمصابين بالأمراض المزمنة والعجزة وغيرهم، ومساعدتهم للحصول على حقوقهم المادية والمعنوية من الإدارات المعنية، ومحاولة إدماجهم في المجتمع.
11 - إيجاد روح المنافسة النزيهة بين العائلات:
المنافسة في برامجها وفي نظامها وفي طرقها التربوية وفي جميع نشاطاتها، شرط أن تتمتّع العائلات بوعي اجتماعي رفيع، وتسود بينها روح الأخوّة العالية المرتكزة على أساس
__________
(1) -سورة النساء، الآية: 35. (1/70)
صفحة 71
التعاون وتبادل الخبرات والتجارب بينها والمبنيَّة على مبدإ الأخذ والعطاء وتضافر الجهود في سبيل المصلحة العامّة، ونبذ كلّ أشكال التفرقة والأنانية والاعتبارات الضيقة الرامية إلى تشتيت الجهود وخدمة المصالح الخاصّة. إذا توصّلت عائلاتنا وعشائرنا إلى هذا المستوى من التفكير الحضاري والوعي السامي والخلق الإسلامي تمكّنا من تحقيق إصلاح شامل وتغيير واسع داخل المجتمع.
ب) الأهداف التربوية:
1 - تعدّد هيئات التربية والإصلاح في المجتمع:
بقدر ما تتعدّد وسائل الإصلاح تضعُف وسائل الفساد وتقلّ. فلو تصوّرنا عشيرة تضمّ عشر عائلات مؤطّرة في مجالس عائلية، هذا يعني وجود عشر إدارات عائلية تعمل كلّها في سبيل تحقيق غايات واحدة، وبالتنسيق مع إدارة العشيرة. بهذا نكون قد ضاعفنا مجهود العشيرة بعشر مرّات أكثر. ولو تصوّرنا وجود مائة مجلس عائلي على مستوى البلدة الواحدة، فهذا يعني وجود مائة هيئة تربوية إصلاحية فيها. (1/71)
صفحة 72
2 - توسيع نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل المجتمع:
حسبما نلاحظ في أوساطنا أنّ هذه الشعيرة الهامَّة التي عليها ينبني إصلاح الأفراد والجماعات، تكاد تبقى منحصرة بين جدران المساجد والعشائر والمؤسسات التربوية، بسبب ضعف العقيدة في النفوس واليأس من الإصلاح والنظرة الذاتية وعدم الاكتراث بالغير وبمصلحة الجماعة، فلو تمادينا على هذا النحو انطبق علينا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (1)، وللمجلس العائلي فعالية مؤثّرة في تطبيق الأمر بالمعروف وقوّة رادعة في تحقيق النهي عن المنكر. ذلك أنّ الآمر والناهي لهما علاقة قرابة وطيدة بالمذنب، فهو بحكم صلة الدم وبحكم مصالحه المرتبطة بعائلته يرتدع عن غيّه بسهولة ويعود إلى جادّة الصواب.
__________
(1) -رواه الترمذي عن حذيفة - رضي الله عنهم -، كتاب رياض الصالحين (مصدر سابق). ص:80، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم الحديث: 193. (1/72)
صفحة 73
3 - تأطير الفرد داخل أكبر عدد من الهيئات:
إذا كانت حياة الابن محصورة بين المسجد والعشيرة والمدرسة والأسرة والعائلة والمنظمة وغيرها، وكان يتلقّى من كلّ هذه القنوات توجيهات وإرشادات واحدة لا تناقض بينها، فإنّنا نأمل فيه كلّ الخير والصلاح. لأنّ قنوات الفساد والتضليل في هذا العصر كثيرة ومتنوّعة ومؤثّرة لا يمكن مقاومتها إلاّ بتحصين الأفراد داخل أطر متعدّدة ومنيعة. كلّما خرج من إطار وجد نفسه داخل إطار آخر، فإذا خرج من الأسرة وجد نفسه داخل المدرسة أو المسجد أو العشيرة أو العائلة أو المنظمة ... وبالتالي نقضي على أوقات فراغه الذي يعدّ أكبر خطر يهدّد الأبناء.
4 - تعريف أبناء العائلات بنسبهم:
من واجب الآباء أن يعرّفوا لأبنائهم نسبهم وتاريخ أجدادهم وأصول عائلاتهم وعشائرهم بالأسلوب الذي لا يفسح المجال لإثارة النعرات القبلية أو الخلافات العائلية قصد بعث الثقة في نفوسهم والاعتزاز بكيانهم وكرامتهم، ويمكن أن يتحقّق ذلك بعقد ندوات في الجمعية العامّة (1/73)
صفحة 74
للعائلة مع شيوخها أو بلقاءات مع شيوخ العشيرة أو مع الأمّهات المسنّات، ويمكن أيضا وضع تصميم لشجرة العائلة يوزّع على جميع الأبناء. يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإنّ صلة الرحم محبّة في الأهل مَثْرَاةٌ في المال مُنَسَّأَةٌ في الأَثَرِ» (1).
5 - تحسين المستوى الدراسي للطلبة:
إذا كانت أغلب أُسَرنا قد قصّرت في واجبها تجاه أبنائها من الجانب الدراسيّ، وإذا كانت مدارسنا الرسميّة لا تزال في مرحلة الإصلاحات والتجارب المتعاقبة، وكانت معظم مدارسنا الحرّة لا تواكب تطوّرات الألفيّة الميلاديّة الثالثة، فكيف ننشد النجاح والتفوّق الدراسيّ لأبنائنا.
إنّ ضعف التنسيق بين الأطراف الثلاثة السالفة الذكر، وضعف البرامج والمناهج والأساليب التربويّة، ونقص المراقبة والمتابعة يؤثّر حتما في المستوى الدراسيّ لتلاميذنا، فدور
__________
(1) -رواه الطبراني من حديث العلاء بن خارجه عن أبي هريرة - رضي الله عنهم -. كتاب الترغيب والترهيب (مصدر سابق). كتاب البر والصلة وغيرهما، باب الترغيب في صلة الرحم وإن قُطعت، والترهيب من قطعها. ج:3، ص: 335، رقم الحديث 3. (1/74)
صفحة 75
المجلس العائليّ هنا هو دور ترقيعيّ وتحسينيّ وتكميليّ للتعليمين الرسميّ والحرّ. وذلك بتشجيع أبنائه وتحفيزهم لطلب العلم ومتابعة نتائجهم، وتنظيم دروس إضافيّة لهم، وتوعيتهم وتوجيههم لمستقبلهم العلميّ، والنفقة عليهم في أسفارهم وبحوثهم ودراساتهم، ...
6 - متابعة أبناء العائلة في جميع نشاطاتهم:
متابعتهم في عمارتهم للمساجد وأوقات دراستهم وحضورهم في العشيرة ومشاركتهم في الجمعيات والنوادي وفي الشوارع، وفي جميع مراحل حياتهم: العلمية والعملية والعائلية والاجتماعية. بمراقبتهم الدائمة وتوجيههم المستمرّ، ومساعدتهم على تخطّي الصعوبات التي تعترضهم، وأهمّ عامل يمكّن من المساعدة على تحقيق هذا الهدف، هو عامل القرابة. خاصّة إذا كان خُلُق الاحترام والتقدير يسود بين أفراد العائلة. فبمجرّد التقاء أحد الأبناء بآبائه أو إخوانه في أيّ مكان يحسّ بأنّه متابع ومراقب منهم ناهيك إذا كانت هذه المتابعة والمراقبة منظّمة ومقصودة.
7 - الاهتمام بالمجتمع النسويّ:
إنّ البنت عندنا لا زالت لم تتلقّ القسط الأوفى من التربية والتعليم والتكوين، لا من طرف المدرسة التي لم تزد في (1/75)
صفحة 76
حجمها الساعي ولا في نشاطاتها الدراسية إلاّ الشيء القليل، ولا من قِبَل العشيرة التي لم تنشئ على مستواها أيّ هيئة نسوية تهتمّ بها، ويمكن للمجلس العائلي أن يعوّض هذا النقص، إمّا بعقد اجتماعات نسوية للإرشاد والتوجيه، أو بتنظيم حصص لتعليم الطالبات، أوبتكوين المتخرّجات منهنّ في بعض الاختصاصات داخل مقرّ العائلة أو خارجه، بما يفيدهنّ لحياتهنّ الأسرية والمستقبلية.
8 - تعريف أبناء العائلة بمقوّمات شخصيتهم وبأصالتهم:
من خلال تعريفهم بتاريخ مذهبهم الإباضي، وتاريخ مجتمعهم الميزابي، ونظمه الاجتماعية، وعاداته وتقاليده وقيمه ومكتسباته.
9 - تنمية مواهب الأبناء الثقافية والفنية والعلمية والقيادية:
وذلك بتكليفهم وتشجيعهم على تقديم نشاطات متنوّعة أثناء الاجتماعات العامّة للعائلة، أو في لقاءات خاصّة. كإلقاء خطب أو كلمات توجيهية أو أناشيد أو تقديم تمثيليات أو ألعاب بسيطة ... (1/76)
صفحة 77
10 - القضاء على أوقات فراغ الأبناء:
من خلال النشاطات المتنوعة التي تبرمَج لهم داخل مقرّ العائلة: تربوية، ثقافية، تكوينية، رياضية وترفيهية، ...
11 - تعريف أبناء العائلة بمحيطهم وببيئتهم المحلية والخارجية:
وذلك بإمكانية تنظيم خرجات أو رحلات داخل البلدة أو خارجها لجميع أبنائها أو للمتفوّقين دراسيا.
[صورة] (1/77)
صفحة 78
النظام الداخلي للمجلس العائلي
- تمهيد
- التعريف بالمجلس
- شروط العضوية
- الهيكل التنظيمي للمجلس
- اللجان وصلاحياتها
- المسؤوليات والمهام
- الدور الاجتماعي للمرأة (1/78)
صفحة 79
النظام الداخلي للمجلس العائلي
تمهيد:
النظام الداخلي للمجلس هو الموضوع الرئيسي في هذه الدراسة ويتضمّن جملة من الآراء والاقتراحات المبيّنة للأدوار المختلفة التي يمكن أن يقوم بها المجلس، والمهام الواسعة المنوطة به، وهي معروضة على شكل بنود مقنّنة ومضبوطة. وهذا لا يعني أنّنا ندعو إلى أفكار وتوجّهات محدودة، لا بديل لها. ولكن نريد من خلالها تقريب الرؤى والتصوّرات، ووضع القواعد العامّة التي من شأنها مساعدة العائلات للانطلاقة الجادّة في نشاطاتها. فعلى كلّ عائلة أن تأخذ من هذا النظام ما يتلاءم مع إمكانياتها وظروفها الخاصّة، وتزيد فيه أو تنقص بحسب ما يناسب كبرها أو صغرها، أو إمكانياتها المادية أو البشرية، والمهمّ هو الوصول إلى تحقيق أهدافها الآنفة الذكر ما أمكن.
التعريف بالمجلس:
المجلس العائلي هو هيئة اجتماعية عرفية تضمّ جميع أفراد العائلة الواحدة الموسّعة المتكوّنة من مجموعة أسر تحمل نفس (1/79)
صفحة 80
اللّقب. هدفه الإصلاح الاجتماعي والتربوي في إطار العائلة. ويعمل بالتنسيق مع هيئات المجتمع العرفية الأخرى، ومؤسّساته الرسمية.
شروط العضوية
أ-ينتمي إلى المجلس العائلي:
1 - كلّ من يحمل لقب العائلة.
2 - كلّ امرأة تزوّجت من أحد أبناء العائلة مهما كان لقبها.
3 - كلّ امرأة كانت متزوّجة في عائلة أخرى فتوفّي زوجها أوانفصلت عنه، تعود إلى مجلس عائلة والدها. أمّا أبناؤها فيبقون ضمن مجلس عائلة أبيهم.
ب - تسقط حقّ العضوية من:
1 - كلّ امرأة تزوّجت خارج عائلتها (تصبح تحت كفالة زوجها وبالتالي تنتمي إلى مجلس عائلة زوجها) ولكن يسمح لها بالحضور في نشاطات مجلس أبيها بعد موافقة زوجها ودون أن تتحمّل أيّة مسؤولية فيه. (1/80)
صفحة 81
2 - كلّ امرأة كانت متزوّجة في عائلة لا تحمل لقبها، فتوفّي زوجها أو انفصلت عنه، ثم تزوّجت في عائلة أخرى (تصبح تابعة لمجلس عائلة زوجها الجديد) أما أبناؤها فيبقون ضمن مجلس أبيهم.
3 - كلّ من هو في براءة المسلمين إلى أن يتوب ويرجع.
الهيكل التنظيمي للمجلس:
الهيكل التنظيمي هو الإطار العام الذي يحدّد هيئات أيّ جمعية ويضبط العلاقات بينها، من أعلى هيئة مسيّرة إلى أدناها.
في ما يلي مخطّط الهيكل التنظيمي للمجلس العائلي: (انظر الشكل 6 في الصفحة الموالية).
اللجان وصلاحياتها
أ- الجمعية العامّة للعائلة:
1 - تضمّ جميع أبناء العائلة بدءا من سنّ التمدرس (06سنوات) إلى أكبر شيخ.
2 - يمكن حضور الأبناء المنخرطين في الأقسام التحضيرية.
3 - تجتمع الجمعية العامة في ثلاث جلسات خلال السنة في مناسبات تجمّع أفراد العائلة: (1/81)
صفحة 82
لجنة الشرق
لجنة الوسط
لجنة الغرب
لجنة الإدارة والتنظيم
لجنة المالية والممتلكات
لجنة التربية والتعليم
لجنة الشؤون الاجتماعية
لجنة التنشيط
لجنة الإدارة والتنظيم
لجنة الشؤون الاجتماعية
لجنة التربية والتكوين
[مخطط] (1/82)
صفحة 83
الأولى: بعد عيد الفطر مباشرة.
الثانية: بعد عيد الأضحى مباشرة.
الثالثة: بعد المولد النبوي الشريف.
4 - يمكن أن تعقد في العطلة الصيفية خرجة لنصف اليوم إلى الخلاء، تبرمج فيها نشاطات تربوية، ثقافية، ترفيهية.
5 - تتحوَّل الجمعية العامَّة إلى هيئة تشريعية إذا اجتمعت في غياب الأبناء الذين تقلّ أعمارهم عن ثمانية عشر سنة. (الجمعية العامَّة للراشدين)
6 - تضطلع الجمعية العامّة للراشدين بالمهام التالية:
-البث في القضايا الهامّة بالعائلة.
-تسطير برامج طويلة المدى وقصيرة المدى للعائلة.
-متابعة الإدارة في تنفيذ برامجها وقراراتها.
-تقييم النشاطات المختلفة للعائلة.
ب -إدارة العائلة:
1 - هي الهيئة التنفيذية للعائلة والتي تعيّن من قبل الجمعية العامّة.
2 - تضمّ بين سبعة أعضاء وخمسة عشر عضوا حسب كبر العائلة. (1/83)
صفحة 84
3 - أعضاء الإدارة هم:
-شيخ العائلة.
-مسؤول الإدارة والتنظيم.
-مسؤول الكتابة.
- مسؤول المالية والممتلكات.
-مسؤول التربية والتعليم.
-مسؤول الشؤون الاجتماعية.
-مسؤول التنشيط.
4 - في العائلات الكبيرة يمكن تعيين نائب أو أكثر لكلّ مسؤول في الإدارة، لتتحوّل كلّ مسؤولية إلى لجنة.
5 - تتكفّل الإدارة بالمهام التالية:
-تسيير العائلة في جميع نشاطاتها المادية والإدارية والتربوية والاجتماعية.
- تنفيذ قرارات وتوصيات الجمعية العامّة.
- الإشراف على تسيير جلسات الجمعية العامة.
- الإشراف على تسيير الجمعية العامة للراشدين.
- الإشراف على تسيير الجمعية العامة للطلبة.
- متابعة نشاط الإدارة النسوية. (1/84)
صفحة 85
- متابعة نشاط اللجان الجهوية.
- متابعة نشاط لجان إدارة العائلة.
- تمثيل العائلة في هيئات المجتمع الأخرى.
6 - تجتمع الإدارة في جلسات دورية نصف شهرية، ويمكن عقد جلسات طارئة في الحالات الضرورية.
ج-اللجان الجهوية:
من أكبر تجمّعات الميزابيّين خارج وادي ميزاب هي منطقة الجزائر العاصمة وضواحيها، وهذا ما شجّع المثقفين والغيورين من أبنائنا على إنشاء مكاتب خاصّة بأبناء مدنهم بالعاصمة تابعة إلى هيئات وادي ميزاب، مثل مكتب آل القرارة. وبالتالي إنشاء مكاتب خاصّة بالعشائر تابعة لعشائر وادي ميزاب.
وتكملة لهذا النظام الهام، ومن أجل تسهيل عملّية الاتّصال والتواصل بين جميع الهيئات، يمكن إنشاء لجان عائلية مصغّرة على مستوى العاصمة وضواحيها، تابعة لإداراتها، هذا بالنسبة للعائلات التي لها وجود كبير بالمنطقة، أمَّا التي لها أفراد قليلون فيمكن أن يعيّن عليهم مسؤول واحد يكون على اتصال دائم بإدارة عائلته. (1/85)
صفحة 86
وتبعا لهذا النظام، يمكن أن يعيّن مسؤولون من قبل كلّ عائلة على النواحي الوطنية الأخرى، حيث تتواجد تجمّعات أفرادهم كالناحية الشرقية والناحية الوسطى والناحية الغربية.
مهمّة هاته اللجان وهؤلاء المسؤولين: هي القيام بمهام إداراتهم على مستوى منطقتهم.
د- الإدارة النسوية:
1 - هي الهيئة التنفيذية التي تعمل في إطار المجتمع النسوي للعائلة.
2 - تنتخب الإدارة النسوية من قبل إدارة العائلة وتزكّى من قبل الجمعية العامة.
3 - تضمّ الإدارة خمسة أعضاء:
-الرئيس.
-النائب.
-مسؤولة الإدارة والتنظيم.
-مسؤولة الشؤون الاجتماعية.
-مسؤولة التربية والتكوين. (1/86)
صفحة 87
4 - يمكن توسيع الإدارة إذا اقتضت الحاجة بتعيين نائبة أو اثنتين لكلّ من المسؤولية الثالثة والرابعة والخامسة لتتحوّل إلى لجان.
5 - يشترط في عضوية الإدارة:
-الأخلاق الحميدة.
-السمعة الطيّبة.
-كتمان الأسرار.
-التحلّي بالصبر والاستمرار في العمل.
-الخبرة في النشاط الاجتماعي.
-موافقة الزوج أو الولي.
-أن لا تكون لها ارتباطات منزلية كبيرة تعيقها عن النشاط الاجتماعي.
-أن يكون لها مستوى ثقافي مقبول.
-أن تكون لها قرابة بأحد أعضاء إدارة العائلة (إن أمكن) حتّى يسهل الاتصال والتنسيق بين الإدارتين.
-تجتمع الإدارة في جلسات دورية نصف شهرية ويمكن أن تتخلّلها جلسات طارئة. (1/87)
صفحة 88
المسؤوليات والمهام داخل المجلس:
أ) مسؤوليات ومهام أعضاء إدارة العائلة:
1 - شيخ العائلة:
-هو المسؤول الأعلى الشرفي على العائلة.
-مكلّف بافتتاح واختتام جلسات الإدارة وجلسات الجمعية العامّة.
-يفصل في القضايا المتنازع فيها ويصدر القرار النهائي.
-يمثّل العائلة في إدارة العشيرة (إن أمكن).
2 - مسؤول الإدارة والتنظيم:
-يشرف على تسيير وإدارة جلسات العائلة.
-يهتم بتنظيم الجانب الإداري للعائلة، مثل:
جمع الشهادات العائلية الخاصة بكلّ متزوّج، وشهادات ميلاد الأبناء الجدد.
تخصيص سجلّ لتسجيل جميع أبناء العائلة، ومعلومات عن حالتهم المدنية.
-يقدّم تقريرا سنويا أمام الجمعية العامّة يبيّن فيه: مجموع الأبناء المسجّلين. عدد المواليد الجدد. عدد الوفيات. عدد المتزوّجين ... (1/88)
صفحة 89
-يستعين في مهمّته بنائب أو بلجنة الإدارة والتنظيم حسب الحاجة.
3 - مسؤول الكتابة:
-مكلّف بكتابة محاضر جلسات الإدارة وجلسات الجمعية العامة.
-مكلّف بكتابة الرسائل الصادرة عن العائلة.
-مكلّف بكتابة الاستدعاءات أو الإعلام عن الجلسات.
-يقدّم تقريرا سنويا حول عدد الجلسات الدورية والطارئة ونسب الحضور فيها، وعدد القضايا المدروسة والقضايا العالقة.
4 - مسؤول المالية والممتلكات:
- يتولّى مهمّة التسيير المالي لكلّ من:
صندوق الاشتراكات والتبرّعات.
صندوق الزكاة.
- يتابع العمّال على دفع اشتراكاتهم السنوية، والقادرين على دفع قسط من زكاتهم.
- يوزّع أموال الزكاة على المستحقّين حسب التقسيم الذي تقرّه الإدارة. (1/89)
صفحة 90
- يؤتمن على ممتلكات العائلة في شرائها واستعمالها وصيانتها، ويقيّدها في سجّل خاصّ. (طاولات، فرش، كراسي، آلات، أجهزة ... )
- يقدّم تقريرا ماليا سنويا للمجلس، حول المداخيل والمصاريف وعدد المشتركين والمتقاعسين ...
- يستعين في مهمّته بنائب أو بلجنة المالية والممتلكات إذا اقتضى الأمر.
5 - مسؤول التربية والتعليم:
-يتابع عمليّة جمع نتائج التلاميذ الدراسية من المدارس أو من العشيرة إذا كانت تقوم بالمهمّة.
- يخصّص لكلّ تلميذ استمارة، تضمّ مراحله الدراسية، ونتائجه السنوية، والمدارس التي تعلَّم فيها، ومعلِّميه ...
- يرأس جلسات الجمعية العامّة للطلبة.
- يبرمج حصصا للدروس الإضافية على مستوى العائلة أو يتابع حضور التلاميذ في الحصص المبرمجة على مستوى العشيرة، أو على مستوى الجمعيات المعنية بذلك.
- يحضّر جوائز للتلاميذ الناجحين ويوزّعها في الجمعية العامّة. (1/90)
صفحة 91
- يقدّم تقريرا سنويا أمام الجمعية العامّة يتضمّن: عدد الناجحين، وعدد الراسبين، ونسبة النجاح ...
- يستعين في مهمّته بنائب له أو بلجنة التربية والتعليم إذا اقتضت الحاجة.
6 - مسؤول الشؤون الاجتماعية:
- يخصّص لكلّ عامل استمارة تضمّ: الاسم الكامل، المهنة، مكان العمل، عنوان العمل، رقم الهاتف، تاريخ بداية العمل، الوضعية المهنية، (أجير أو مستخدم، شريك، أو ربّ عمل، مؤمّن أم لا، ... )
- يرأس الجلسات الخاصّة بإصلاح ذات البين، وجلسات الجمعية العامة للراشدين، وجلسات تأديب المنحرفين.
- يعيّن منظمين للأعراس بالتنسيق مع الإدارة ويتابع أعمالهم.
- يتابع ميدانيا تنفيذ قرارات الإدارة الصادرة في حق المتخاصمين والمؤدّبين.
- يقدّم تقريرا سنويا حول: عدد العمال، عدد البطّالين، عدد القضايا الاجتماعية التي بثّت فيها الإدارة، (دون ذكر أصحابها) ونسبة نجاحها، عدد القضايا المرفوعة إلى إدارة العشيرة، ... (1/91)
صفحة 92
- يستعين في مهمّته بنائب له، أو بلجنة للشؤون الاجتماعية إذا تطلّب الأمر.
7 - مسؤول الثقافة:
-يتابع حضور أبناء العائلة في النشاطات الثقافية بالعشيرة.
- ينظم نشاطات ثقافية وترفيهية بسيطة على مستوى العائلة إن أمكن، خصوصا أثناء العطل المدرسية.
- يشجّع ويتابع حضور الأبناء في الجمعيات الشبانية التي يوجدون فيها.
- يعمل على توثيق الجانب التاريخي للعائلة: أصل العائلة، معنى التسمية، شجرة النسب، إعداد تراجم حول شخصيات العائلة ...
- يبرمج بعض النشاطات الثقافية، أثناء الجمعية العامة أو في خرجات العائلة.
- يقدّم تقريرا سنويّا للجمعية العامة، يتضمّن إحصائيات حول مشاركة الأبناء في الجمعيات الشبانية وفي نشاطات العشيرة أو العائلة وأهمّ منجزاته.
- يستعين في مهمّته بنائب له، أو بلجنة الثقافة. (1/92)
صفحة 93
ب -مهام أعضاء الجمعية العامّة:
-على كلّ عضو في الجمعية العامة أن يداوم على الحضور في الجلسات.
-كلّ من وجّهت له دعوة من طرف إدارة العائلة عليه بالاستجابة.
-كلّ من أراد تنظيم عرس، عليه إشعار إدارة العائلة أوّلا، ثم إدارة العشيرة ثانيا، حتّى يتسنّى للعائلة تحديد الإجراءات التنظيمية الأوّلية: مثل: ضبط قائمة المشاركين وقائمة المدعوّين ...
-كل من أراد فكّ نزاع، عليه الاتصال بإدارة العائلة قبل الاتصال بالعشيرة أو الجهات الرسمية.
-على كلّ متزوّج في العائلة أن يقدّم لمسؤول الإدارة والتنظيم شهادة عائلية، وشهادة ميلاد، لكلّ مولود جديد. (1/93)
صفحة 94
- على كلّ عامل أن يقدّم لمسؤول المالية والممتلكات إشتراكا سنويّا رمزيا، تحدّد قيمته الجمعية العامّة. ويقدّم لمسؤول الشؤون الاجتماعية إستمارة المعلومات الخاصّة بعمله (سبق ذكرها في موضوع مهام مسؤول الشؤون الاجتماعية).
- على كلّ طالب (أو على وليّه) أن يقدّم لمسؤول التربية والتعليم -في نهاية كلّ سنة دراسية- نسخة طبق الأصل لكشف نقاطه السنوية.
-كلّ من طُلب بتنفيذ أوامر من قبل إدارة العائلة عليه بتطبيقها. ما لم يكن مظلوما.
ج- مهام أعضاء اللجان الجهويّة:
- إصلاح ذات البين، وفكِّ النزاعات القائمة بين أبناء عائلاتهم، أو بينهم وبين غيرهم، بالتنسيق مع مكتب العشيرة أو العائلة بالمنطقة.
- عقد اجتماعات عامّة لأبناء عائلاتهم بالمنطقة للإرشاد والتوجيه.
- تنظيم اجتماعات خاصّة بالعمّال الموجودين بالمنطقة لدراسة أوضاعهم وإرشادهم.
- تنظيم اجتماعات خاصّة بالطلبة، لمعرفة مشاكلهم ومساعدتهم وتوجيههم.
-جمع الاشتراكات السنوية، وأموال الزكاة، وإرسالها إلى مسؤول المالية والممتلكات.
- جمع نسخ لكشوف نقاط التلاميذ، وإرسالها إلى مسؤول التربية والتعليم. (1/94)
صفحة 95
- جمع استمارات العمّال وبعثها إلى مسوؤل الشؤون الاجتماعية.
د- مسؤوليات ومهام الإدارة النسوية:
1 - الرئيس:
- هي المسؤولة الأولى على المجتمع النسوي داخل العائلة.
- مكلّفة بافتتاح واختتام جلسات الإدارة النسوية والجمعيات العامّة للنساء.
- تفصل في القضايا المتنازع فيها، وتصدر القرار النهائي.
- تمثّل نساء العائلة في الإدارة النسوية للعشيرة (إن وجدت).
2 - النائب:
- تساعد الرئيس في مسؤوليتها.
- تنوب الرئيس في جميع مهامها في حال غيابها.
3 - مسؤولة الإدارة والتنظيم:
- تشرف على تسيير وإدارة جلسات الإدارة والجمعية العامة للنساء.
- تقوم ببعض الإجراءات الإدارية والتنظيمية مثل:
حصر قوائم: العازبات والمطلّقات. (1/95)
صفحة 96
حصر قائمة النساء المقيمات خارج البلدة.
حصر قوائم: المتمدرسات في التعليم الحر، والمتمدرسات في التعليم الرسمي.
- ترفع تقريرا سنويا حول نشاطها إلى إدارة العائلة.
- تستعين في مهمّتها بنائبة أو بلجنة حسب الحاجة.
4 - مسؤولة الشؤون الاجتماعية:
-تنظّم جمعيات عامّة لنساء وفتيات العائلة، قصد التوجيه والإرشاد.
-ترأس الجلسات الخاصة بإصلاح ذات البين، أو جلسات تأديب المخالفات.
-تنظّم جلسات مع الفتيات المخطوبات لتوعيتهنّ بأسس العلاقات الزوجية والأسرية.
-تعيّن مُنظِّمات للأعراس وتتابعهنّ ميدانيا.
-ترفع تقريرا سنويا حول نشاطها إلى إدارة العائلة.
-تستعين في مهمَّتها بنائبة أو بلجنة إذا اقتضى الأمر.
5 - مسؤولة التربية والتكوين:
-تحضِّر جوائز للتلميذات الناجحات، وتوزّعها في الجمعية العامّة النسوية.
-تنظّم نشاطات تربوية حسب الحاجة والطلب، مثل: (1/96)
صفحة 97
-حصص للقسم التحضيري.
-حصص لمحو الأمية.
-حصص للإعلام الآلي.
-حصص لتعليم اللغات.
-حصص للإسعافات الأولية ....
-فتح ورشة لتكوين الفتيات في بعض الأشغال المنزلية حسب الحاجة والطلب، مثل: الخياطة والتفصيل - الطرز - الحياكة - النسيج - الطبخ.
-متابعة النشاطات التربوية والتكوينية وتوفير الحاجيات اللازمة لها.
-ترفع تقريرا سنويا حول نشاطها إلى إدارة العائلة.
-تستعين في مهمّتها بنائبة أو بلجنة إذا استلزم الأمر.
الدور الاجتماعي للمرأة
إنّ دعوتنا إلى إنشاء إدارات وتنظيم نشاطات نسوية على مستوى العائلات والعشائر، لا علاقة لها بالدعوة إلى خروج المرأة للعمل خارج بيتها، وترك وظيفتها المقدّسة التي أوكلها الله تعالى إيّاها، ولا علاقة لها بالأفكار الهدّامة الداعية إلى تحرير (1/97)
صفحة 98
المرأة. يقول الإمام الشيخ بيوض «فالمرأة المؤمنة عندنا ما تزال هي الركيزة الأولى في البناء العائلي، لا تتصرّف في مسؤوليتها الفطرية، بنتا أو زوجا أو أمّا، إلاّ وفق ما يمليه عليها ضميرها الديني ووعيها الاجتماعي، تتحرّك في إطارهما، وتجمع أمرها كلّه عليهما» (1).
غير أنّ ما نلاحظه في مجتمعنا الميزابي، هو الغياب الكبير للمرأة عن النشاط الديني والاجتماعي داخل الأوساط الاجتماعية، وقلَّة مساهمتها في الإصلاح العامّ، بسبب نقص الهيئات الخاصّة التي تؤطّرها، وكأنّ الدعوة إلى الله وإصلاح ذات البين وعلاج المشاكل الاجتماعية، في المجتمع النسوي تبقى من مهام هيئات الرجال فقط.
لا ننكر وجود بعض المبادرات القليلة من هذه الأنشطة، ولكن لا ترقى إلى المستوى المطلوب، وتحتاج إلى تأطير وتنظيم وتشجيع أكبر.
قبل قرون استطاع أجدادنا أن يؤسسوا على مستوى كلّ قصر هيئة «تٍمْسِيرِدِين» النسوية، للقيام بتلك المهام النبيلة،
__________
(1) -الشيخ محمد سعيد (كعباش): حديث الشيخ الإمام، الحلقة 1، ص: 72 (1/98)
صفحة 99
في وقت كان تعداد سكّاننا ضئيلا، يكاد لا يذكر، ويعيشون في منطقة نائية منفصلة كلّيا عن العالم، واليوم وقد تضاعف عددنا عشرات المرّات، وأصبحنا نعيش في منطقة متصلة بكلّ نقاط المعمورة، بفضل وسائل الإعلام والاتّصال، وتكالبت علينا التيّارات وتضاربت الأفكار، وأصبحت المرأة الميزابية تسافر مع زوجها إلى كلّ الجهات، داخل الوطن وخارجه. ألا يجدر بنا أن نزيد على ما ترك لنا أجدادنا، فنؤسس هيئات نسوية أخرى على مستوى عشائرنا وعائلاتنا ومؤسساتنا، في هذا العصر الذي ينبغي فيه على المجتمع أن يسلّح المرأة بسلاح الإيمان والعلم، ويزوِّدها بالأخلاق الإسلامية السمحة، ويشحنها بتاريخها وثقافتها الأصيلة، ويدرّبها على العمل الاجتماعي، وعلى واجباتها العائلية خصوصا، وقد أصبح مجتمعنا يعجّ بالطالبات المثقّفات اللائي يستطعن القيام بتلك المسؤولية العظيمة.
ولا أعتقد أنّ الإسلام يمنع المرأة أو الفتاة من الخروج من بيتها لغرض الإصلاح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو قصد الاستزادة من المعارف والعلوم، ما لم يكن ذلك على حساب مسؤوليتها المنزلية، أو خارج إطار حدود الإسلام المشروعة. (1/99)
صفحة 100
يقول تبارك وتعالى: {(((((((((((((((((وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ (((((((((((} (1).
ويقول العلامة فضيلة الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: «نحن لا ننكر مبدأ حقّ العمل للمرأة متى دعت إليه وضعيتها الاجتماعية، أو اقتضت ذلك بعض الظروف الخاصّة بالأمّة، وإنّما الذي لا يمكن أن نتساهل فيه هو إهمالها للأسرة، وحضانة الأولاد والقيام على شؤون البيت، ذلك الواجب المقدّس للمرأة» (2).
__________
(1) -سورة التوبة، الآية: 71.
(2) -الشيخ محمد سعيد (كعباش):حديث الشيخ الإمام. الحلقة 1، ص 76. (1/100)
صفحة 101
مقر العائلة
- تمهيد
- تعريفه
- أهمّيته
- كيفية الحصول عليه
- مجالات استغلال دار العشيرة
و مقر العائلة (1/101)
صفحة 102
مقرُّ العائلة
تمهيد:
قبل عقود من الزمن لم تكن لجميع العشائر مقرّات خاصّة بها، وكانت بعضها تجتمع في منازل أو مرافق بسيطة، نظرا لضآلة عدد أفرادها، وقلّة نشاطاتها. وكان التفكير -آنذاك - في بناء دور عصرية للعشائر بالشكل الحالي ضربا من المستحيل. ولكن مع مرور الزمن، وزيادة الكثافة السكانية، واتساع نشاطات العشائر حاليا، تغيّرت المفاهيم، فأصبحت كلُّ عشيرة تملك دارًا أو أكثر واسعة ومجهزة بكل المتطلبات.
وقبل حوالي عقدين من الزمن أو أكثر، بدأ التفكير في بعث المجالس العائلية وتنظيمها من جديد. وكان التفكير - آنذاك - في بناء دور للعائلات ضربا من المستحيل أيضا، وها نحن اليوم نلحظ أنّ هذا الموضوع، بدأ يشغل اهتمام بعض عائلاتنا المهيكلة، بعد أن توسّع نشاطها، وزاد عدد أفرادها، وضاقت عليها منازلها، فهل يمكن أن تتغيّر الأفكار؟ مثلما حدث مع دور العشائر. (1/102)
صفحة 103
إنّ فكرة إنشاء مقرّات للعائلات، من المؤكّد أن تكون فكرة غريبة عند الكثير، وربّما مستحيلة، خصوصا لدى أفراد العائلات غير المنتظمة في مجالس عائلية. وقد تكون (أي المقرّات) في نظر البعض هدرًا للأموال، وتكليفًا الناس ما لا يطيقون، أو إضعافًا من فعالية دور العشائر.
هذا ما وقع عند ظهور نظام لجان الأحياء على المستوى الوطني، وعلى مستوى وادي ميزاب، وعلى مستوى كلِّ حيٍّ سكنيٍّ، حيث اعتقد الكثير من عقلائنا أنّ هذا النظام لا يخدمنا، وأنّه منافس لنشاط عشائرنا، وأنّ فتح مقرّات لها أمر لا يطاق. إلاّ أنّ الواقع مع مرّ الزمن أظهر أهمّية هذه اللجان ودور مقرّاتها في التربية والتكوين والإصلاح والتغيير. وقس على ذلك الجمعيّات الشبّانية والأقسام التحضيريّة وأقسام محو الأميّة وغيرها من التنظيمات.
إنّ المجتمع الذي استطاع أن يبني العشرات من دور العشائر، ويشيّد المئات من المساجد والمئات من المدارس والمعاهد، ويدعّم الآلاف من المشاريع والأعمال الخيرية على مستوى وادي ميزاب، وعلى المستوى الوطني، لا أعتقد أن يعجز - هذا المجتمع - عن توفير مقرّات بسيطة، يتشكّل كلّ مقرّ من قاعة (1/103)
صفحة 104
واحدة، تجمع شمل العائلة، وتعود بالنفع العميم عليها وعلى الأمّة جمعاء.
وإنّ المجتمع الكريم الذي آمن بقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (((((} (1) ويؤمن بقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ((((} (2) لا أظنّ أن يبخل -هذا المجتمع- على نفسه وعلى مستقبله ومصيره.
وإنّ المجتمع الذي يعرف يقينا، أنَّ سرَّ بقائه وأمنه ورخائه يكمن في تمسّكه بدينه وعقيدته (الجانب الروحي)، وفي بذله وعطائه في وجوه الخير (الجانب المادي)، لا يمكن أن تثنيه عزيمته من البذل والعطاء والتضحية في سبيل مشاريع جديدة، لا تقلّ أهمّية عن غيرها. هذا إذا وجد أنّ كلّ تلك
__________
(1) -سورة البقرة، الآية: 261.
(2) -سورة سبأ، الآية: 39. (1/104)
صفحة 105
المشاريع تستغلّ الاستغلال الأمثل، وتؤتي أكلها كلّ حين، وليست هياكل موصدة، تفتح في مناسبات محدودة، ويعلوها الغبار في معظم أيّام السنة.
وإنّ المجتمع الذي كان عدده يقدّر ببضع آلاف نسمة على مستوى كلّ قصر، في عهد الاستعمار الفرنسي، وإبّان الثورة التحريرية المباركة، ويعيش في أحلك فترات حياته الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، استطاع رغم كلّ تلك العقبات، أن يتحدّى ويعلن الإصلاح جهرا، فيؤسّس الجمعيات، ويبني المساجد والعشائر، ويقيم المؤسسات التعليمية، ويفتح المكتبات والنوادي ... إلخ، في كلّ الجهات، ضاربا عرض الحائط كلّ القيود والعراقيل. ألا يستطيع -هذا المجتمع- الذي أصبح تعداده اليوم يقدّر بعشرات الآلاف من السكان في كلّ مدينة، ويعيش في أعزّ فترات حياته: رخاء وأمنا وحرّية، أن يحقّق لنفسه منجزات هامّة أخرى. تضمن له قفزة نوعية كبيرة في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي والتربوي الذي يؤمن به عقيدة، ويجعله شعارا ويتخذه هدفا. (التربية قبل الثقافة ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد). (1/105)
صفحة 106
تعريف مقرِّ العائلة
مقرّ العائلة: هي الدار التي تعقد فيها العائلة جميع جلساتها ونشاطاتها، كجلسات الإدارة وجلسات الجمعية العامّة، والاجتماعات النسوية، والنشاطات التربوية والتعليمية والتكوينية للطلبة والطالبات.
وهو على شكل قاعة متواضعة تَسَعُ كلّ أفراد العائلة، ويضمّ مجموعة من الوسائل التي تخدم نشاطات أفراد العائلة، مثل: الطاولات والفرش أو الآلات والأجهزة.
أهمِّية مقرِّ العائلة
1 - المقرّ: هو الجانب الهامّ من جوانب شخصية أيّ عائلة المتمثلة في اسمها ونسبها وتاريخها ورجالها وعظمائها وأنشطتها وآفاقها. فوجود المقرّ إلى جانب كلّ هذه العناصر يكمّل شخصية العائلة ويتمّمها، شأنها شأن جميع الجمعيات الرسمية والهيئات العرفية الأخرى التي تمتلك مقرّات خاصّة بها إذ لا وجود لهيئة دون مقرّ.
2 - مقرّ العائلة يحفظ أسرارها ويصون شرفها وكرامتها، لأنّ الجلسات إذا كانت داخل منازل آهلة بسكّانها، فإنّ أسرار (1/106)
صفحة 107
العائلة ومشاكلها يمكن أن تتسرّب بسهولة إلى سكّان هذه المنازل، وقد تنتشر من خلالها إلى أوساط أخرى.
3 - مقرّ العائلة يحفّز أبناءها على تنظيم نشاطات متنوعة تساعد على تربيتهم وتكوينهم وتحسين مستواهم، كالدروس الإضافية والأنشطة الترفيهية.
4 - مقرّ العائلة يشجّع على تربية العنصر النسوي الذي يشكّل الشطر الثاني للمجتمع، وذلك من خلال اللقاءات التوجيهية، أو فتح ورشات الأشغال المنزلية لهنّ، أو أقسام محو الأمّية، مثلما هو الحال في بعض مقرّات الأحياء.
5 - مقرّ العائلة يساعد على تعرّف أبناء العائلة على بعضهم، ويقوّي أواصر القرابة والمحبّة بينهم، وذلك بقدر ما تزداد لقاءاتهم ونشاطاتهم داخله.
6 - مقرّات العائلات تساهم في ربط العلاقات الطيبة وإشاعة روح التعاون على البرّ بين العائلات. يمكن أن يتحقّق ذلك إذا وجد التفاهم بين مجموعة من العائلات المتقاربة، لتوحيد جهودها حول تبادل الخبرات والإمكانيات المادّية والطاقات البشرية فيما بينها، مثل أن يكون الاتفاق بين ثلاث عائلات، بحيث تكون الدروس الإضافية في مقرّ العائلة (1/107)
صفحة 108
(أ)، والقسم التحضيري في مقرّ العائلة (ب) والأساتذة من العائلة (ج). أو أن تكون مثلا: ورشة الخياطة في مقرّ العائلة (أ)، وورشة الحياكة في مقرّ العائلة (ب)، والمكوّنات من العائلة (ج).
كيفية الحصول على المقرّ
من الخطإ أن نفرض طريقة واحدة على جميع العائلات، للحصول على مقرّاتها، ولكن الحكمة تقتضي أن يترك المجال لكلّ عائلة توفّر مقرّها بالطريقة التي تراها مناسبة، لأنّ الظروف والوسائل والإمكانيات والطاقات تختلف من عائلة لأخرى.
وما تجدر الإشارة إليه قبل تفكير العائلة في حصولها على مقرّ، هو الوصول إلى إقناع جميع أفرادها بأهمّيته وبضرورة توفيره قدر المستطاع، وذلك في الجمعيات العامّة وفي جلسات ضيّقة مع بعض المحسنين الذين يرجى منهم دعم المشروع دعما أكبر. إذ بقدر ما تتحقّق القناعة في النفوس فإننا نضمن تحقيق الهدف.
فيما يلي مجموعة من الطرق المقترحة التي يمكن اتباعها للحصول على مقرّ. (1/108)
صفحة 109
1 - استغلال منزل غير مسكون لأحد أبناء العائلة ولو لمدّة محدودة.
2 - استغلال جانب من منزل واسع مسكون، يجمع شمل العائلة (قاعة كبيرة مخصّصة، أو طابق خاصّ).
3 - تبرّع أحد أفراد العائلة بمنزل له للعائلة.
4 - تكفّل أحد المحسنين بشراء منزل للعائلة.
5 - تكفّل بعض المحسنين ببناء المقرّ.
6 - أثناء بناء أحد أفراد العائلة منزلاً، يمكن أن يتبرّع بطابق كامل، كالطابق الأرضي أو الطابق الأوّل، بشرط أن تتكفّل العائلة ببنائه وتجهيزه.
7 - يمكن للعائلات الصغيرة التي ترتبط بنسب واحد أن تشكّل فيما بينها رابطة تتكوّن من عائلتين أو أكثر. لتوحيد جهودها في توفير مقرّ مشترك لها، وتنظيم نشاطات موحّدة فيه.
8 - العائلات الصغيرة التي تتشكّل من أسر قليلة، لا تُشجَّع على إنشاء مقرّات لها، بل تكتفي في جلساتها بالاجتماع في إحد منازلها الخاصّة.
9 - في حال عدم إماكنية تطبيق أيّ اقتراح ممّا ذكرنا، يبقى (1/109)
صفحة 110
الحلّ الأخير هو إشتراك جميع أفراد العائلة ومساهمتهم في شراء منزل أو بناء مقرّ بتقديم تبرّعات ماليّة كلّ حسب استطاعته.
من خلال ما تقدّم ذكره من الخيارات نشير أنّنا لا ندعو إلى وجوب امتلاك كلّ عائلة لمقرّ خاصّ بها، بل الأولى للاختيارات الأولى ولا يكون الوصول إلى الخيار الأخير إلاّ إذا تعذّر تحقيق كلّ الخيارات السابقة، وأصبحت ضرورة ملحّة، خاصّة إذا كانت العائلة كبيرة وكثيرة الأفراد.
مجالات استغلال دار العشيرة ومقرّ العائلة
هل يسمح للعائلة أن تعقد اجتماعاتها داخل دار العشيرة؟ وهل يسمح لها أن تنظّم داخلها نشاطات لأبنائها؟ ماهي الأنشطة التي يمكن أن تحتضنها دار العشيرة؟ والتي يمكن أن يحتضنها مقرّ العائلة؟ وماهي العلاقات التي تربط بينهما؟
تلك هي بعض الإشكاليات التي نجتهد في تحليلها والإجابة عنها قدر الاستطاعة.
إنّ عقد الاجتماعات العائلية داخل العشائر أمر يصعب تطبيقه، وذلك للاعتبارات التالية: (1/110)
صفحة 111
1 - الجمعيات العامّة للعائلات لا يمكن أن تنظّم إلاّ في مناسبات الأعياد الدينيّة (عيد الأضحى وعيد الفطر)، التي يكتمل فيها شمل العائلات عادة، وبالتالي فإنّ دور العشائر لا تتّسع لاحتضان كلّ العائلات في مناسبة واحدة.
2 - تناوب العائلات على دور العشائر، قد يثير خلافات بينها، من حيث أوقات أو نسبة استغلال كلّ عائلة لها.
3 - إذا افترضنا إمكانية عقد الجمعيات العامّة للعائلات داخل العشائر التي فيها عائلات قليلة، فإنّه من غير الممكن تنظيم النشاطات التربوية والتكوينية والاجتماعات النسوية الخاصّة بكلّ عائلة داخلها.
و إنّ إلغاء تلك النشاطات داخل العائلات سوف يؤدّي إلى قتل روح المنافسة الشريفة بين العائلات، ووأد المبادرات الرامية إلى تحسين الأداء التربوي والمستوى الدراسي، وإيقاف عجلة الإصلاح الاجتماعي.
انطلاقا من هذا أقترح مجموعة من الإجراءات التي تنظم العلاقة بين العشائر وعائلاتها في شأن استغلال مقرّاتها: (1/111)
صفحة 112
1 - تبقى دور العشائر تؤدّي وظائفها المعهودة، من أعراس وولائم ونشاطات شبّانية، وإيواء الضيوف، والاحتفالات، وغيرها من الأنشطة ذات المنفعة العامّة، مع تنظيم أكثر وفاعليّة أكبر.
2 - تُعطَى الحرّية الكاملة للعائلات التي ترغب في تنظيم برامج تربوية تعليمية داخل مقرّاتها، لتتكفّل بأبنائها، وتخفّف عبء هذه المسؤولية على العشيرة، للعلم أنّ من أهمّ أهداف إنشاء المجالس العائلية، هو الإصلاح التربوي وتحسين المستوى الدراسي، ومساعدة العشيرة في مهامها.
3 - تُكثَّف النشاطات الثقافية أكثر داخل دور العشائر (المجموعة الصوتية، المسرح، الفنّ التشكيلي، المعارض، المحاضرات، الندوات، المطالعة ... ) لأنّها لا تنظم على مستوى العائلات.
4 - يسمح بتنظيم النشاطات الترفيهية داخل دور العشائر، وفي مقرّات العائلات معا، لأنّها الوسيلة المحفّزة على حضور النشاطات الأخرى. (1/112)
صفحة 113
5 - تمنع جميع النشاطات العائلية داخل دور العشائر، إلاّ إذا كانت خارج مناسبات الأعياد، وليست على حساب نشاطات العشيرة أو المصلحة العامّة للمجتمع.
6 - تشجَّع العائلات لفتح ورشات للأشغال المنزلية داخل مقرّاتها على غرار مقرات الأحياء، (وبالمقابل نقترح مراجعة المناهج التعليمية الخاصة بالبنت في المدارس الحرّة للتقليص من دروس الأشغال المنزلية فيها. ما دام هناك من يتفرّغ لها بوقت أوسع، وببرامج أطول، وتعوّض بدلا منها مواد أخرى ضروريَّة).
7 - يمكن أن تستغلّ مقرّات العائلات من طرف أيّ جهة أو هيئة أخرى للأعمال الخيريّة في الأوقات التي لا تشغلها العائلات.
8 - العائلات التي لم يتسنّ لها توفير مقرّ، يبقى نشاط أبنائها ضمن النشاطات الشبانية داخل العشائر.
9 - المسؤولون على تنشيط الشباب داخل العشائر، لا يجوز لهم أن ينقطعوا عن مسؤوليتهم، بدعوى التفرّغ للنشاط داخل عائلاتهم. (1/113)
صفحة 114
10 - العشائر الصغيرة التي تضمّ عائلات قليلة، تشجَّع على تأسيس مجالس عائليّة، ولكن لا تشجّع على إنشاء مقرّات خاصّة بها، بل يكتفي أبناؤها بالنشاط داخل عشيرتهم، ما دامت المسؤوليّة ليست ثقيلة عليها.
11 - لا يجوز لأيّ عائلة أن تعلن الانفصال عن نشاطات عشيرتها إلاّ بعد موافقة العشيرة. (1/114)
صفحة 115
الخاتمة
من المسلَّمات العامَّة لدى علماء الاجتماع أنّ: «الأسرة هي اللبنة الأساسية الأولى في بناء أيّ مجتمع، فإذا صلحت الأسر صلح المجتمع». وفي هذا العهد، عهد الحريّات العامة، أصيبت الأسرة الغربيّة بالتفكك والانحلال، وأصبح كلّ فرد فيها يمارس حقوقه وفق ما تمليه عليه قوانين مجتمعه الليبرالي: «حريّة المعتقد»، «حريّة التعبير»، «حريّة المرأة»، «حرّية الجنس»، «المساواة بين الجنسين» ... و تفطّن أولئك العلماء مؤخّرا للخطر الذي آلت إليه أسرهم، وإلى خطر السياسة الاجتماعية التي ينتهجونها، حتّى أصبح الكثير منهم ينادون بإصلاح مجتمعهم من خلال إصلاح الأسرة، بعد أن لاحظوا أنّ مجتمعاتهم آلت إلى خليط من الأفراد المنحلّين.
ويمكن القول أنّ الأسرة في معظم مجتمعاتنا الإسلاميّة لا تزال بخير والحمد لله، رغم الأبواق الكثيرة التي تنعق بتلك الشعارات الجوفاء، وتلهث وراء تلك القوانين الزائفة المستوردة، والتي من ورائها مؤسسات وتنظيمات حاقدة، تعمل جاهدة بكلّ (1/115)
صفحة 116
الوسائل المتاحة لها لتوقعنا -نحن المسلمين- في مخطّطاتها التغريبية الرهيبة.
نظرا لهذا فإنّ كيان الأسرة المسلمة اليوم مهدّد -من داخلنا وخارجنا- بالتصدّع والخراب، ما لم نتمسّك بتعاليم ديننا ونلتزم بمبادئه السامية، وما لم نبادر إلى إنشاء جمعيات ومنظمات خيرية، وهيئات عرفيّة، تحمي أسرنا وعائلاتنا، وتحافظ على روابطها، وتضمن حقوق أفرادها. بهذا سوف نضمن لمجتمعاتنا كلّ الخير والصلاح في المستقبل بحول الله.
في هذا الإطار يأتي المجلس العائلي ليسدّ فراغا كبيرا، ويشكّل حصنا منيعا، يردّ كلّ الأخطار التي تهدّد استقرار أسرنا، وتحدق بأمّتنا.
فإيمانا منّي بمدى أهمّية هذا الموضوع، وخوفا على مستقبل مجتمعنا الميزابي، ومساهمة في دفع مسيرة الإصلاح، تصدّيت لكتابة هاته الدراسة، بشيء من التفصيل، وتطرّقت إلى كلّ الجزئيات التي تخدم هذا الموضوع، وتجرّأت بتقديم آراء واقتراحات عديدة، آمل أن أكون قد وفّقت في كثير منها. (1/116)
صفحة 117
فهل يمكن الاعتقاد - بعد كلّ هذا - أنَّ المجلس العائلي ما يزال مجرَّد نظريَّة يصعب تطبيقها؟ وهل يبقى لشيوخ العائلات وإدارات العشائر والأعيان وكلّ المثقّفين عذر في عدم إنشاء مجالس عائلية؟ إنّهم إذا آمنوا بدورها وأهمّيتها وبضرورتها، فسيصبحون مسؤولين أمام الله إذا قصّروا أو تردّدوا في تأسيسها، أمّا إذا آمنوا بغير ذلك، فأناشدهم ألاّ يكتفوا بالصمت أو باللوم والانتقاد الهدّام، بل يقدّموا لنا البدائل المناسبة والحلول الناجعة لإصلاح آفات أبنائنا، وأوضاع أسرنا ومشاكل مجتمعنا، ولايبخلوا بملاحظاتهم واقتراحاتهم البنّاءة، لأنّ العيب كلّ العيب فيمن يدَّعي نفسه طبيبا، ولكنّه يكتفي بتشخيص الأمراض دون تقديم وصفات للعلاج، ودون أن يقبل وصفات من غيره.
فالمسؤوليّة إذن خطيرة وعظيمة لا يتحمّلها إلاّ من يقدّر خطورتها وعظمتها، وقد قال عنها الإمام الشيخ بيُّوض ~:
«ويتحمّل مسؤوليَّة هذا، الذين حمَّلهم الله تعالى المسؤوليّة: الآباء والأمّهات، ورؤساء العائلات، ورؤساء العشائر، ورؤساء البلد، ثمّ تتّسع الدائرة إلى رؤساء الدوائر، ثمّ رؤساء (1/117)
صفحة 118
الولايات، وإلى رؤساء الحكومات. كلّ واحد يتحمّل مسؤوليّته، ويعلم واجبه، ولايجهل أحد خطورة وعظم المسؤوليّة الملقاة على كاهله. هناك من تنحصر مسؤوليّته في نطاق بيته وعائلته، وهناك من أعطاه الله نفوذا وكلمة وقوّة فتتّسع دائرته. إذن المحيط الذي يعمل فيه يتّسع ويضيق حسب عدد الأفراد الذين يكونون تحت مسؤوليّة ذلك الراعي. فالأهل الوارد ذكره في قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ ((((((((((((((( ... } (1) يضيق محيطه فيكون في نطاق الوالد المسؤول عن رعيّته في بيته، ثمّ تتّسع الدوائر، ولا يجهل أحد نطاق نفوذه إلاّ من أراد أن يتجاهل أو يهمل مسؤوليته ... » (2).
في الأخير أطلب من العليِّ القدير أن يعين كلَّ المجتهدين في إصلاح مجتمعهم، ويلهمهم الرأي السليم، ويرزقهم الصبر الطويل، ويثيبهم على أعمالهم الثواب الجزيل،
__________
(1) -سورة التحريم، الآية: 6.
(2) -الشيخ إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام. ص100. (1/118)
صفحة 119
ويجعلهم من الذين قال فيهم رسولنا الكريم - عليه السلام -: «من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد».
أرجو أن أكون من الذين اجتهدوا وأصابوا، فإن أخطأت فمن نفسي، وإن أصبت فبتوفيق من الله. وأسأل المولى - عز وجل - أن يكلأنا بعنايته الشاملة، ويحفظنا برعايته الواسعة، ويهدي أمّتنا إلى صراط الحق والسداد.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (((} (1).
آمين ... والحمد لله ربّ العالمين.
تم بحمد الله
__________
(1) -سورة آل عمران، الآية: 8. (1/119)
صفحة 120
[صورة] (1/120)
صفحة 121
مراجع البحث
1. أعوشت، بكير بن سعيد: ميزاب يتكلّم، المطبعة العربيّة، غرداية 1993م.
2. بيوض، إبراهيم بن عمر: المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، المطبعة العربيّة، 1989م.
3. جهلان، عدُّون: الفكر السياسي عند الإباضية، نشر جمعية التراث، القرارة.
4. الحاج سعيد، يوسف بن بكير: تاريخ بني مزاب، المطبعة العربيّة، غرداية 1992م.
5. دبوز، محمد علي: أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء 4، الطبعة1، دار البعث، قسنطينة 1400هـ/1980م.
6. سعيد، محمد (كعباش): حديث الشيخ الإمام ردّا على بعض الشبهات والأوهام، نشر جمعية النهضة، العطف 1991م.
7. قشار، بالحاج بن عدون: اللمعة المضيئة في تاريخ الإباضية، الطبعة الأولى، 1409هـ/1989م. (1/121)
صفحة 122
معمّر، علي يحيى: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة 4، الإباضية في الجزائر، الجزء 2، المطبعة العربية، غرداية 1986م.
8. المنذري، الإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي: الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، الطبعة 3، دار إحياء التراث العربي، 1388هـ/1968م.
9. ناصر، محمد صالح: حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، نشر جمعية التراث. 1989م.
10. النووي، أبو زكرياء يحيى بن شرف الدمشقي: رياض الصالحين، الطبعة 11، مؤسّسة الرسالة، بيروت 1405هـ/1985م. (1/122)
صفحة 123
المحتويات
تقديم 05
مقدمة 16
مدخل 22
دور التربية في تغيير المجتمعات 23
الأنظمة الاجتماعية بوادي ميزاب وأثرها في التربية 26
مسؤولية التربية بين الأسرة والمجتمع 42
دوافع إنشاء المجالس العائلية 53
تمهيد 54
الدوافع الاجتماعية 58
الدوافع التربوية 59
أهداف إنشاء المجالس العائلية 62
تمهيد 63
الأهداف الاجتماعية 65
الأهداف التربوية 71
النظام الداخلي للمجلس العائلي 78
تمهيد 79
التعريف بالمجلس 79 (1/123)
صفحة 124
شروط العضوية 80
الهيكل التنظيمي للمجلس 81
اللجان وصلاحياتها 81
المسؤوليات والمهام 88
الدور الاجتماعي للمرأة 97
مقر العائلة 101
تمهيد 102
تعريفه 106
أهميته 106
كيفية الحصول عليه 108
مجالات استغلال دار العشيرة ومقر العائلة 110
خاتمة 115
مراجع البحث 121
فهرس المحتويات 123 (1/124)