صفحة 1
بحث: النظافة مسؤولية شرعية
الباحث: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) النظافة مسؤولية شرعية
ابن ادريسو مصطفى
إن الإسلام دينُ الفطرة، دينٌ يجمع البشاشة في حياء، وحسنَ الخلق في ابتسامة. دينٌ يعترف بما للبشر من أشواق قلبية، وحظوظٍ نفسية، وطبائعَ إنسانية.
وتأتي متطلبات الفطرة في دين الإسلام مصاحبةً للعناية بإصلاح المعتقد وسلامة الباطن، في ارتباط وثيق، وملازمة أكيدة، يقول الله تعالى: ياأَيُّهَا الْمُدَّثّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ.
فتطهير العقيدة وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، مقرونٌ بتطهير الظاهر في بدن الإنسان وثوبه وبقعته، ليجمع المسلم بين النظافتين، ويحافظ على الطهارتين.
والإسلام حريص على أخذ أبنائه بنظافة النفس مع نظافة الحس، وصفاء القلب مع نقاء البدن، وسلامة الصدر مع سلامة الجسد، فالله يحب المطهرين ويحب المتطهرين، وبهذا امتن الله على بني آدم كلِّهم بجمالين: اللباسِ والزينةِ لتجميل ظواهرِهم، والتقوى لتجميل بواطنِهم، فقال عز شأنه: يَابَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوارِى سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاس التَّقْوَى ذالِكَ خَيْرٌ. (سورة الأعراف:26). ثم قال عن أهل الجنة: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً. فجمّل وجوهَم بالنَّضْرة، وبواطنَهم بالسرور، وأبدانَهم بالحرير.
فالنَّظافة في الإسلام ليست على هامش تشريعاته، فالله جميلٌ يحبُّ الجمال، والنّظافة جمالٌ بحدِّ ذاتها. وقد استطاع الإسلام منذ بزوغ فجره، أن يصيِّر المجتمع البدويّ البسيط، مجتمعاً يعتبر النَّظافة جزءاً أساسيّاً من تكوين شخصيّته الإيمانيّة، ويجعل النّظافةَ أمراً تعبّدياً للفرد والمجتمع.
هذا ما يريده ديننا العظيم منا، فهو يريد أن نكون نظيفِين في كل شيء؛ في الجسد والملبس والبيت والشارع والبيئة والمحيط، فعن سعيد بن المسيب ض قال: "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ.
هل واقعنا في شوارعنا وأزقتنا وأحيائنا وطرقاتنا ومجاري المياه لدينا على ما يريده الله ورسوله ص منا، أم لا؟
كيف هي حال مساجدنا؟
وكيف هي صورة المسلمين في الحج؟ لماذا يشتكي كل الناس من الأوساخ في كل موسم، بعد أن ينفقوا عشرات الملايين لأداء فريضة الله، وقصد بيته الحرام، يعودون متأسفين من واقع المسلمين. (1/1)
صفحة 2
أليس الحج مرآةً عاكسةً لواقعنا اليومي، ألم يجعل الله الحجَّ معيارا لقياس مدى اهتمامنا بالنظافة في حياتنا اليومية، فإذا أصلح كلُّ مسلم واقعَه، فإن الصورة السيئة بإذن الله ستتغير، وسيحسِّنُ الله حالَنا إلى الأفضل والأمثل، ونكونُ على سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ.
لماذا تخلينا عن أداء الواجب؟ وتركنا العمل بسنة نبينا محمد ص، مع ادعائنا جميعا أننا نحب رسولَ الله ص وسنتَه، فواقع المسلمين بداية من المظاهر التي تشاهد أمام بيوتهم ومنازلهم تخالف تماما ما يقره نبيُّهم محمدٌ ص، وذلك حينما يؤكد في أكثر من حديث: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". فالدين كما يقره الرسولُ ص كلُّه متكامل، فلا يحق أن نتخلى عن الكلمة الباقية، والكلمة الطيبة التي هي: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ص، كما لا يحق لنا البتة أن نتغاضى عن أدنى واجبات الإيمان، فنتركَ العملَ بإماطة الأذى عن الطريق، الذي يندرج ضمن مستكمِلات الإيمان بالله تعالى، وليس خارجاً عنه البتة، بدليل: الإيمان درجات، فيها الأعلى والأدنى، وإماطة الأذى جزء من الكل، ويؤكده حديث أبي هريرة ض الذي يصف المسلم، فيقول عنه النبي ص: "يُميط الأذى عن الطريق صدقة".
لماذا اكتفى الواحد منا بتنظيف مظهره الخاص، ولباسه وجسده، واهتمت زوجته بتنظيف البيت مرة أو مرتين في اليوم، ولم يستطيع هو أن ينظف محيطه، مرة في الشهر، أو مرتين في السنة، أليس هذا عيبٌ فينا، وقلَّةٌ للشهامة والحرقة على أوامر الله تعالى المستفيضة في الموضوع، وابتعادٌ عن الفطرة السليمة النقية, ألم يرغِّبْنا رسولُنا محمد ص في النظافة وصحة الأجسام، واعتنى بها عناية فائقة، واعتبرها من صميم رسالته، فشرَّع الغسل لكل صلاة، وكلَّف المسلم أن يغسل جسمَه كلَّه غسلاً جيدًا في أحيان كثيرة كغسل الجنابة، وغسل الجمعة، وغسل فمه بالسواك، وإصلاح شعره، وحلق عانته، وتقليم أظفاره، وقص شاربه، ونتف إبطه.
ألم يُشِد نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بتنظيف حدائقنا الموالية لبيوتنا فقال: نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ؟
وقد يقول قائل أن هذا الحديث ضعيف السند، وهو كذلك، إلا أن معناه العامَ صحيحٌ، ويتناسب مع كليات الدين، ومع نصوص أخرى أكثر وثوقا، مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ (سورة البقرة)، وفي سورة التوبة أشار الله إلى العناية بالمساجد فذكر لنا صفات هؤلاء الرجال فقال تعالى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
أكيد أن وضعنا الحالي يؤرِّقُنا ويقلقُنا؟ وأنه وإن اعتدنا عليه وألفناه واستسغناه طوعا وكرها فإن ضمائرنا الحيةَ، تؤنِّبنا بين الحين والآخر، وإن مشاهدة الجمال الطبيعي دون معكرات لصفوه هدفُ كلِّ (1/2)
صفحة 3
واحدِ منا، وأن معتقدنا لا يقر بالاستسلام للأمر المحتوم، أو الاستكانة إلى الركود، واعتبار ذلك من قضاء الله وقدره لكل بلاد المسلمين.
فلنحوّل النَّظافة إلى سلوكٍ مجتمعيّ، ولْنُترجم إماطة الأذى عن الطَّريق إلى عملٍ جماعيّ حضاريّ، تتكاتف من أجله الجهود عبر الوسائل الحديثة، وعبر تنظيم برامج النَّظافة وحملات التوعية الإعلامية، وعبر تفعيل دور الدَّولة والبلديَّات في القيام بمسؤوليتهما في المتابعة والمحاسبة.
ولنبدأ بتحريك الأشجان، وإيقاظ الضمائر الحية، ولنبدأ الطريق الطويل الشاق بخطوة والخطوتين، ولنعزم بحزم أن نغير واقعنا وأنفسنا، حتى يغير الله ما بنا من أمراض وأوساخ وتخلف ومشاهد منتنة يندى لها الجبين، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.
كيف الحل إلى جعل بلاد المسلمين نظيفةً؟ ولماذا تردت بلدتُنا في نظافة محيطها؟ وإلى متى نبقى ننبهِر بشوارع الغرب ولا نسعى أن نقتدي بهم، أو نكونَ أحسن منهم؟
فهذه الأسئلة محيرة حقا، ويصعب الإجابة عنها جميعا مرة واحدة، إلا أننا لو استطعنا أن نجمع هذه الأسئلة في سؤال محوري واحد نطرحه على أنفسنا، فإنه سيسهل الإجابة عنه بيسر، وسنتمكن من إيجاد الحلّ سريعا لواقعنا بإذن الله، ويبدو أن السؤال المحوري والأساس في الموضوع، هو:
- هل يشعر كلّ فردٍ منّا بأنَّ النَّظافةَ مسؤوليةٌ شّرعيَّةٌ؟
- وهل يعتبر كل فرد منا أن النظافة واجبةٌ كما هي بقيّة الواجبات، وأنها فريضة كبقيّة الفرائض؟
- وهل نحمِّل أنفُسَنا مسؤوليةَ السؤال عنها يوم القيامة أمام الله تعالى يوم لا ينفع مالا ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وبحي نظيف؟
- وهل نحن مستعدون لإيجاد جواب مقنع أمام نصوص رسول الله (ص) التي تأمرنا بالنظافة والطهارة للفرد والمجتمع؟
إن الإجابة الصريحةَ عن هذه الأسئلةِ هي التي ستوجد لنا الحلَّ لواقعنا المزري، ذلك أن الشعور بالمسؤولية الشرعية هو الذي سيوقف من يريد أن يتخلص من نفاياته وهو في سيارته، ويوقف الوليَ والطفلَ من إخراج القمامة في غير أوقاتها المعلومة والمحفوظة لدى الخاص والعام، ويوقف من يرمي أدرانَه في غير أيام عمل عمال النظافة. (1/3)