صفحة 1
ست خطب منبرية
لخميس المكدمي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
يحتوي هذا الملف على ست خطب منبرية للشيخ / خميس المكدمي. نسأل الله أن ينفع بها وأن يجعل أجرها في ميزان حسناته.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الخطبة الأولى: رب ارحمهما
الْحَمْدُ للهِ القائل وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، ليجزي من أطاعه فيهما جنة ويجزى من عصاه فيهما نيرانا سبحانه من مدبر حكيم رحمة وامتنانا, والصلاة على خيرة البشر وصفوة الخلق أتانا فأنار بقدومه الأكوانا صلاة وسلاما ماحرّك الطير فروعا وأغصانا وعلى آله وصحبه من جعلوا البر في حياتهم هدفا وعنوانا وعلى من سار على خطاهم وازداد بنهجهم إيمانا صلاة طيبة النشر إلى حين نرى الحشر عيانا ..
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن الله سبحانه وتعالى حكيم في أمره مدبر في شرعه ما أمرنا بشيء إلا كان لنا سعادة في الدنيا وفلاحا ونجاة العقبى والطمأنينة في اقتفاء ما أمر والابتعاد عما نهى عنه وزجر ومن هذه الأسس التي أرساها لنا بر الوالدين هذه الكلمة التي يتشدق بها كثير ويعرف معناها قلة قليلة من الناس فالمطالع للنصوص القرآنية يجد أن الأمر بهذا البر قد ورد في أكثر من منها قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} العنكبوت: 8 ومنها {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} لقمان: 14
وأما النصوص الحديثية في هذا الشأن كثيرة منها مارواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة فلا أدركهما ".
وقال عليه السلام: " من هاجر أحد والديه ساعة من نهار كان من أهل النار إلا أن يتوب ".
والأحاديث في هذا الباب كثيرة من الصعب أن يحتويها هذا المقام .. ولكن هل سأل المرء نفسه لأي سبب تظافرت وتعاضدت هذه الآيات والأحاديث في هذين الشخصين العظيمين الأم والأب دعونا نسلط الضوء على بعض الرتب العليا والأفعال الخالدة التي سطرها هذا الغاليان ليستحقا ما يستحقا من هذا التكريم. (1/1)
صفحة 2
أيها المسلمون: الأب وما أدراكم ما الأب ذاك المكافح المنافح الذي ينهب الأرض نهبا ويقطعها شرقا وغربا جوعه أكثر من شبعه ونصبه فوق راحته يفني عمره بين الظمأ والنصب والكد والتعب لا يعرف للراحة طعما ولا في السكون يوما .. يستعذب الهموم ويستطرب الغموم في سبيل توفير اللقمة لأبنائه ... ويتغرب يتلظى بأتون البعد ونار الفراق وربما ذاق ذلك بالشهور والأعوام لا يهمه العمل الذي يعمله حتى لو كان يحمل الجيف ويدرك التلف ويلقى الكلف .. فكم من الآباء في اغترابه ذاق الإهانات والتجريح .. وكم من منهم كابد التنكيل والتسريح ... عيناه قد ضعفتا من حر الهجير .. ورجلاه تشققتا من وهج السعير ... يجمع الدرهم فوق الدرهم حتى ولو كابد في ذلك الهم ويحصد الدينار فوق الدينار حتى ولو لفحته حرارة النار كل ذلك كدا على العيال ليستريحوا في ظل تعبه ويرتاحوا في خيام نصبه فلله لله أيها الأب كم لاقيت وفي سبيل أبنائك كم عانيت أيذكر فضلك العارفون أم ينسف تضحيتك العاقون. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ.
والأم هذا الكائن اللطيف الذي يعجز عن نعت شخصه الحروف هذه الرحمة الإلهية التي يقع تحت قدميها الجنان ويتقى ببرها الهجير والنيران التي ذاقت أول ما ذاقت من المعاناة انتزاعها من بين عش درجت فيه ومكان تربت فيه لتحمل أكثرهن بعد المسافات وتفارق أهلها مع زوج لم تعرفه ولم تألفه لييسر لها الرحيم الصبر والجلد والعون والمدد. هذا المخلوق الضعيف ظاهرا .. القوي بأمر الله باطنا.
هي التي حملتك في أحشائها وكابدت مشقة الوحام والدوار والآلام وتخشى عليك ومازلت في بطنها وتترفق بك رغم أن عيناها لما ترك وكابدت آلام وضعك وطلقات نزولك ورأت ملك الموت ساعة ولادتك لتخرج باكيا مزعجا فيرتسم على محياها البسمة ضاحكة مستبشرة وهي التي تحملتك وتحملت إزعاجك وبكائك وتقطع نوم ليلتها وأحسن أوقات راحتها لترضعك وسخرت ثديها لك سقاء وحجرها لك فراشا وسرت بك غاية السرور ورأت السعادة فيك وإطلالتك. وتمضى السنتان والأربع وتكبر آمالها لتخبو آلامها ولربما بلغتَ العشرين عاما ومازالت مراعاتها لك كأنك ابن عشرين يوما لك الله أيها القلب الحنون.
عباد الله هذان هما الأب والأم المضيعان عند كثير من الناس ... لما قل الدين وتمكن الشيطان اللعين ... فرط فيهما وغيب شأنهما .. وأنزلا بعد سموق وارتضي إلا ما رحم ربي فيهم العقوق .. فهذه أم تئن وتبكي وتلك أخرى تندب وتشكي وذاك أب رماه البنون وهذا كبير هجره العاقون .. فإنا لله وإنا إليه راجعون وأسوق لكم قصة نقلتها من أحد المنتديات توضح صورة من صور العقوق التي تشابهها آلاف الصور في مجتمعنا يقول أحد باعة المجوهرات: دخل علي رجل ومعه زوجته، ومعهم عجوز تحمل ابنهما الصغير، أخذ الزوج يضاحك زوجته ويعرض عليها أفخر أنواع المجوهرات يشتري ما تشتهي، فلما راق لها نوع من المجوهرات، دفع الزوج المبلغ، فقال له البائع: بقي ثمانون ريالاً، وكانت الأم الرحيمة التي تحمل طفلهما قد رأت خاتما فأعجبها لكي تلبسه في هذا العيد، فقال: ولماذا الثمانون ريالا؟ قال: لهذه المرأة؛ قد أخذت (1/2)
صفحة 3
خاتماً، فصرخ بأعلى صوته وقال: العجوز لا تحتاج إلى الذهب، فألقت الأم الخاتم وانطلقت إلى السيارة تبكي من عقوق ولدها، فعاتبته الزوجة قائلة: لماذا أغضبت أمك، فمن يحمل ولدنا بعد اليوم؟ ذهب الابن إلى أمه، وعرض عليها الخاتم فقالت: والله ما ألبس الذهب حتى أموت، ولك يا بني مثله، ولك يا بني مثله. أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إن حق الوالدين عظيم وبرهما وطاعتهما من أفضل القربات فالله عزوجل قد قضى وحكم بعبادته ثم أعقب ذلك بذكر حقهما ودعا إلى برهما وخفض الجناح لهما قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا *} سورة الإسراء 23 - 24
وصور البر التي ينبغي للمرء أن يظهرها لوالديه كثيرة لا يمكن حصرها في هذه السطور ولكن نذكر منها؛ أن يظهر المرء خضوعا وتلطفا بوالديه فلا يترفع صوته على صوتهما ويبتسم في وجههما عند اللقاء ويداعبهما بما يستطيع من طيب الكلام وعذب الحديث ورقيق المعاني وينتقي الألفاظ التي يخاطبهما بها انتقاء ولا يتأفف منهما مهما كان ومن البر تحملهما والصبر عليهما وعدم تجريحهما أو إحراجهما وعدم مجاراة من يتحدث عنهما بكلام خارج عن الأدب والذوق السليم خاصة عند وصولهما سنا متقدمة, ومن البر تفضيلهما وعدم تقديم أيا كان عليهما لا زوجة ولا ولدا ولا صديقا وليجعل طاعتهما مقدمة عن طاعة الزوجة خاصة ما لم تكن طاعة في معصية الله وتفريط في حق هذه الزوجة .. ذلك لأننا نرى كثيرا من شبابنا هداهم الله يضعون رأي الزوجة فوق رأي الأب والأم, ومن برهما النفقة عليهما وعدم البخل والشح في حقهما وتوفير كل ما من شأنه راحتهما في حدود ما يستطيع دون أن يفرط في حق بقية العيال, ومن برهما إكرام أصدقاء الوالدين والاهتمام بهم وإظهار اللطف معهم لأن إكرامهم من إكرام والديه.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالىَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا).
اللّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّد، وسَلِّمْ على مُحمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، وبارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّد، وارْحَمْ مُحَمَّدً وآلَ مُحَمَّد، كما صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ وبارَكْتَ ورَحِمْتَ أبانا إبراهيمَ وآلَ أبينا إبراهيم، في العالَمِينَ، إنك (1/3)
صفحة 4
حَميدٌ مَجيد. اللهم واغفر ذنوبنا، واستر بكرمك عيوبنا، واكشف همومنا وكروبنا، وارحم أمواتنا، واسمع أصواتنا، ووسع أرزاقنا، وحسن أخلاقنا، وانصرنا اللهم على من ظلمنا، وارحمنا، وعم برحمتك إيانا وجميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، اللهم من أرادنا بسوء فاكبته، اللهم اخذل واقصم كل باغ وطاغ، وحل بينه وبين مراده، حتى يسلك سبيل رشاده، وانتقم ممن حاد وباد، وعاند وضاد هذا الدين القويم، سالكا سبيل الاعوجاج، زائغا عن المنهاج والصراط المستقيم، اللهم لا تصرفنا من هذا المقام الشريف إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور، إنك أنت الغفور الشكور، يا الله يا عفو يا غفور،، اللهم وفِّقْنا للصالحات قبل الممَات، وأرشدنا إلى استدراك الهَفَوات، وألْهِمْنا أخْذَ العُدَّة قبل أن تَنْزِلَ بنا فجائعُ الحادثات، ونَجِّنا وعافِنا واعْفُ عنّا والطُفْ بنا وارحَمْنا، ولا تَنْزِعْ رحْمَتَكَ عنّا، وأجْزِلْ علينا جزيلَ الصِّفات، وعامِلْنا برأفتك، واجعلْ مُنقَلَبَنا بعظيم مِنَّتك إِلَى فسيح جَنَّتك، وجَنِّبْنَا حُلولَ نقمتك، وامْحُ خُطَى الخُطُوات إلى الخَطيئات، وهَبْ لنا في الدُّنيا لَذَّةَ المناجاة، وفي الآخرةِ سُرورَ النجاة، يا رَفيعَ الدّرجات، يا سامع الأصوات، اللُّهُمَّ طَهِّرْنا من الأدناس، وطَهِّرْ بنا مَنْ تشاءُ مِنَ الناس، وأعِذْنا مِنْ شِرارِ خلقك أجْمَعِين، يا الله يا مُعين يا رَبَّ العالَمِين، يا أرْحَمَ الراحمين وأكْرَمَ الأكرمين وأصْلِح اللّهُمّ سرائرنا، وادفع عَنَّا شياطينَنا، ورَخِّصْ أسعارَنا، وأغْزِرْ أمطارَنا، وَوَلِّ علينا خِيارَنَا، واصرِفْ عَنَّا أشْرَارَنا، واقْضِ بفضلك دُيونَنا، وآمِنْ روعَتَنا، واهدنا سُبلَ الهُدى، وأعِنَّا على التقوى، وسَلِّمْنا مِنْ متابعةِ مُضِلات الهَوَى، يا عالِمَّ السِّرّ والنَّجْوَى. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ)) (1/4)
صفحة 5
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الخطبة الثانية: ذنوب وجفاف
الْحَمْدُ للهِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ سبحانه بيده تصريف الأمور وهو على كل شئ قدير، حث على الطاعات لتنسكب الرحمات والفضل الكبير، وزجر عن المعاصي والذنوب فالذنب خطير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحابته أهل الفضل الكثير، وعلى من سار على هداهم وخطى خطاهم إلى يوم لقاء السميع البصير.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن سعادة ابن آدم وشقاوته مقرونة بطاعة الله تبارك وتعالى والسير على النهج الرباني الذي رسمه للعالمين، لأنها سبب للراحة في الدنيا والآخرة ومعصية الله عزوجل سبب كذلك في الشقاء دنيا وأخرى قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا *} [سورة النساء:69] وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ *} [سورة النور:52] وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله خطا مستقيما في الأرض ثم خطَّ خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: ((هذا سبيل الله، وهذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها))، ثم قرأ: {وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام:153] فمتى ما أطاع الناس ربهم أدركوا السعادة والخير المنهمر الذي لا يعد و لا يحد، ومتى ما ارتضى الناس البعد والضلال والغوص في بحر المعاصي ورثوا الذلة والهوان والبؤس والصغار، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى:30].إنها حقيقة أوضحها شرعنا الكريم فالشيطان والنفس الأمارة بالسوء وما تدعو إليه من ذنوب ومعاص وأوزار وخطايا كفيلة أن تبعد المرء عن طريق ربه لتتلقفه الشياطين تصيره وتحرفه أنى شاءت ليعقب ذلك شقاءٌ يعتري المرء في دنياه وخساراً في آخرته؛ هذا وقد حذر الله عزوجل من المعاصي أيما تحذير لخطورتها وما تفرزه من أضرار كبيرة على الفرد والمجتمع قال عزوجل: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16] وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤن وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القِطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا)) رواه ابن ماجه وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [البقرة:159]. قال: دواب الأرض تلعنهم، يقولون: يمنع عنا القطر بخطاياهم. (1/5)
صفحة 6
أيها المسلمون: إن المتأمل لأحوال ديارنا بشكل عام ووادينا بشكل خاص يدرك حجم المعاناة التي يعانيها كثير من الناس بسبب هذا المحل والجفاف الذي أحكم علينا بقبضة من حديد وأذاق كثيرا منا صنوفا من البؤس الشديد فالوادي جفت مياهه والنخل يبست ثمرته وأضحى الكل من لهيبه يتلظى ومن حرِّه يصطلي عم الصغير والكبير وأدرك الفقير والغني لم يفرق بين أحد ولا أتى على البعض دون البعض وإنما هو جفاف عم الديار وأهلك الأشجار وأذبل الأزهار وأيبس الثمار وأجدب الحقول فعادت الأرض غبراء مكفهرة بعد أن كانت خضراء نضرة فانظر إلى الأفلاج الداودية الآبار المستبحرة غارت مياهها وجفت منابعها ومما فاقم المشكلة وزاد الطين بله ارتفاع درجة الحرارة التي بخرت المياه وأعطشت الأفواه وغيًضت العيون سل الساهرين طول الليل وهم يأملون في قطرات لطبخهم أو استحمامهم أو حتى شربهم حدثهم عن معاناتهم وطول سهرهم وقلة نومهم وعدم هنائهم بأكلهم وشربهم ضاقت القلوب وامتعضت النفوس ولم يبق غير الإخبات والتذلل للخالق العظيم ليخلصنا مما نحن فيه من الضنك والمعاناة والمشقة والتكدير فهو القادر على كل شيء نعم المولى ونعم النصير فلله لله المشتكى وإليه تعالى الملتجى قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سورة غافر: 60].
عباد الله: إن الناظر للأسف الشديد يدرك أن وراء هذا الجفاف وزر وذنوب وجرم وحوب كان لها الدور الأكبر في إيجاده فالذنوب انتشرت وعمت في كل مكان وقرية في زمن قل فيها الناصحون والآخذون على المذنبين {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41].
فمن تضييع للجمعة والجماعات وانتشار للشيشة والمسكرات إلى العقوق وأكل الربا ودفعه دون وازع ولا ضمير بحجج وأعذار واهية إلى زنا ولواط وسحاق وغيبة ونميمة ودسيسة ووشاية وهجر وقطيعه وقيل وقال وتضييع مال وتفريط في عيال وزمر وغناء ونفاق ومراء وإسبال وجدال وتبرج وابتذال وذنوب توشك أن تأتي على الأخضر واليابس والقاصي والداني والمحسن والمسيء والظالم والموفي فلا حول ولا قوة إلا بالله وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25]. قال ابن عباس: (إذا رأى الناس المظالم ولم يغيروها عمهم الله بعذاب من عنده) وانظروا رحمكم الله إلى أحوال من قبلكم قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة العنكبوت: 40] وقال عز من قائل: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [سورة هود: 102] وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر أن النبي قال: ((بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة من الصغار على من خالف أمري, من تشبه بقوم فهو منهم)) فأي ذلة أكبر من ذل الذنب وأي صغار أشد من صغار الخطايا فهي أس المصائب ومبعث الرزايا وقائد الخطء والتأخر والدنايا نسأل الله اللطف والسداد والعون والرشاد.
أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ. (1/6)
صفحة 7
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ: أيها المسلمون: اعلموا وفقنا الله لما يحب ويرضى أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة وإنابة وعودة لله صادقة إلى الله تبارك وتعالى فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين فتقوى الله عزوجل والاستقامة على دربه سبب في نزول الغيث وانفتاح البركات قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96] وقال تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسقَيْنَاهُمْ مَاءً غدقاً} [الجن:16].
ومما يزيح الكرب ويأتي بالخير الوفير كثرة استغفار المولى عزوجل فدواء الاستغفار دواء ناجع مجرب لإزاحة كل هم واستمطار الرحمات وقدوم الرزق قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10 - 12]. ويقول النبي: ((ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر الله له)) ومما ينزل الغيث ويجلب البركة لعباده كذلك الرحمة بالناس والوقوف معهم في محنتهم ومؤازرتهم بكل سبيل يستطاع فمن استطاع تزويدهم بالماء زودهم ومن استطاع تزويدهم بناقلات الماء فعل ومن عجز عن ذلك فلا يبخل بالدعاء لهم بأن ينفس الله كرب المكروبين ويفك شدة الممتحنين فالمسلم للمسلم يقف معه ويؤازره بما يستطيع فبذلك يغيث الله عباده ويرحمهم ويلطف بهم إن رحمة الله قريب من المحسنين.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالىَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا). اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُوْمًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُوْمًا، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْمًا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَ كُلاًّ مِنَّا لِسَانًا صَادِقًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا خَاشِعًا مُنِيْبًا، وَعَمَلاً صَالِحًا زَاكِيًا، وَعِلْمًا نَافِعًا رَافِعًا، وَإِيْمَانًا رَاسِخًا ثَابِتًا، وَيَقِيْنًا صَادِقًا خَالِصًا، وَرِزْقًا حَلاَلاًَ طَيِّبًا وَاسِعًا، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ. (1/7)
صفحة 8
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظِّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللّهمّ أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهمّ أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغثنا، غيثاً هنيئًا مَريئًا غَدَقًا طبَقًا مجلِّلاً سحًّا عامًّا دائمًا نافعًا غيرَ ضار عاجلاً غير آجل، اللّهمّ تحيي به البلادَ وتسقِي به العبادَ وتجعله بلاغًا للحاضِر والباد، اللهم اسقِ عبادك وبهائمَك وأحيِ بلدَك الميت، اللهمّ سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، اللهمّ سقيا رحمة، لا سقيا عذابٍ ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللّهمّ إنَّ بالعباد والبلادِ مِنَ اللواء والجَهد والضّنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبِت لنا الزرع وأدِرَّ لنا الضّرع وأنزِل علينا من بركاتك، اللّهمّ ارفَع عنا الجهدَ والجوعَ والعُري، واكشِف عنا من البلاءِ ما لا يكشفه غيرك. اللّهمّ إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا. اللّهمّ إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنّا بذنوبِنا فضلك. اللهم أنزل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلتَه قوّةً لنا على طاعتك وبلاغًا إلى حين. اللّهمّ أسقِنا الغيثَ وآمِنّا من الخوف ولا تجعلنا آيسين ولا تهلِكنا بالسنين واغفِر لنا أجمعين واكشِف ما بالمسلمين من بلايا يا أرحم الراحمين .. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ)) (1/8)
صفحة 9
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الخطبة الثالثة: أنفلونزا الخنازير
الْحَمْدُ للهِ ذي البطش الشديد، المبدئ المعيد الفعال لما يريد، سبحانه جعل النجاة والفوز في طاعته والذلة والخسران في معصيته يبيد من عصاه بعجائب قدرته ويسبغ على من أطاعه وافر رحمته والصلاة والسلام على رسول أمته ومبلغ دعوته وعلى آله وكل صحابته وعلى من اقتفى أثر شرعته وسار على خطى خطته إلى يوم الدين.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ. وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أنه ما نزل بلاء في مجتمع من المجتمعات إلا بذنب ولا رفع عنها إلا بتوبة وإنابة وما انتشار الأوبئة وتدهور الاقتصاد إلا بسبب الضلال والبعد عن المنهج الرباني الذي رسمه الشارع الحكيم وأنزله المدبر الحكيم (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكفرين أمثلها) (محمد: 10)
فهذا العالم الذي بين أيدينا لم يكد يستعيد عافيته من إعصار الأزمة المالية العالمية التي كبدته المليارات حتى أفاق على وقع داء خبيث مستشر بث الهلع والرعب في قلوب العالمين فغدا الخبر العجل في وسائل الإعلام والموضوع الأول فيما تخطه الأقلام فأرجف قلب الصغير والكبير والغني والفقير واستنفرت الجهود وأعدت البنود وانتبهت الهيئات وأعدت العدات مما حدا بمنظمة الصحة العالمية إلى رفع حالة التأهب لأقصى الدرجات (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض ما عملوا لعلهم يرجعون) الروم: 41 وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما ظهر في قوم الزنا والربا، إلا أحلّو بأنفسهم عذاب الله" والمتتبع لأحوال الأمم السابقة يبصر بأم عينه أن ما أبادها وأذهب بأسها وأنزلها بعد رفعة وأذلها بعد عزة ودمرها بعد قوة ونكسها بعد ازهار إلا إعراضها وغطرستها وتعاليها وبعدها عن منهاج ربها (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذاهم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومسكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يويلنآ إنا كنا ظلمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلنهم حصيداً خمدين (15)) الأنبياء: 11 – 15
عباد الله: إنها حقيقة إلهية لا تتغير وسنة ربانية لا تتحول (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً) الإسراء: 77 فبقدر ما عم الظلم وتم واستشرى الفساد وطم عمت المصائب وانتشرت الأوبئة، وانهار الاقتصاد واستشرى الفساد فأي ظلم أكبر مما يحدث في عالمنا من هرج ومرج أي ظلم أكبر من هذا الطوفان من الطغيان أي ظلم أكبر من إزهاق الأرواح بطريقة أو بأخرى بحق وبغير حق، وأي ظلم أكبر من أن تشيع الفاحشة ويجهر بفعلها دون حياء ولا خجل ولا خوف ولا وجل، أي ظلم أكبر من انتشار الربا ودخوله كل منزل، أي ظلم أكبر من محاربة لا إله إلا الله بشتى الوسائل ومختلف الطرق أي ظلم أكبر من التطاول على خاتم النبيين وإمام المرسلين أي ظلم أكبر من حلول الظلم (1/9)
صفحة 10
محل العدل والخيانة مكان الأمانة والكذب بدل الصدق. وبغض النظر عما إذا كان انتشار أنفلونزا الخنازير مسّه شئ من التهويل أم لا فإن الحقيقة التي يجب أن تستقر في نفس المؤمن أن الله سبحانه وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته وأن العذاب إذا حل لم يطرق الظالم وحده وإنما شره وشؤمه يلحق الجميع فعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَنَّهَا قَالَتْ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ قِيلَ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ والمتتبع للأمم الماضية يجد أن الله تبارك وتعالى سبحانه وتعالى ما أبادها إلا بسبب طغيانها وعتوها فمنهم من أهلكه الطوفان ومنهم من أطبق البحر عليه ومنهم من أخذته الصيحة (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) العنكبوت: 40
أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إنه ومهما حلكت الظلم وتتابعت الإحن يبقى باب النجاة مفتوحا ما كان هناك توبة لله وإنابة إليه فباب التوبة غير موصد وباب الإنابة ما زال مفتوحا على مصراعيه فالله تبارك وتعالى يقول (وما كان الله ليُعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) الأنفال: 33
فالاستغفار والعودة الصادقة إلى المولى تبارك وتعالى كفيلة بأن تدفع الأمراض والأسقام والأوبئة وفي انتشار إنفلونزا الخنازير عظة وعبرة لمن كان له قلب سليم (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ق: 37
كما أن تغيير ما بالنفس من بعد وإعراض عن الله عز وجل كفيل بأن يدرأ عنا كل مصيبة وكارثة ووباء، فرفع العذاب مقرون بالعمل الصالح والتوبة والإنابة وإصلاح كل سلوك شائن والاستمساك بالعروة الوثقى والمثل العليا (له مُعقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد لهُ وما لهم من دونه من والٍ) الرعد: 11 (1/10)
صفحة 11
"كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له دور فالواجب على من أراد النجاة لمجتمعه أن يسعى في إنكار المنكر والأمر بالمعروف حسب قدرته واستطاعته فإنه متى أستجيب له نجا المجتمع جميعاً ومتى لم يستجب له فإن الله وعده بالنجاة ويهلك الظالمين فقال (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} الأعراف: 165. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)."
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالىَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا). اللَّهُمَّ صَلِّ وسلم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ. اللهم واغفر ذنوبنا، واستر بكرمك عيوبنا، واكشف همومنا وكروبنا، وارحم أمواتنا، واسمع أصواتنا، ووسع أرزاقنا، وحسن أخلاقنا، وانصرنا اللهم على من ظلمنا، اللهم من أرادنا بسوء فاكبته، اللهم اخذل واقصم كل باغ وطاغ، وحل بينه وبين مراده، حتى يسلك سبيل رشاده، وانتقم ممن حاد وباد، وعاند وضاد هذا الدين القويم، سالكا سبيل الاعوجاج، زائغا عن المنهاج والصراط المستقيم، اللهم وفِّقْنا للصالحات قبل الممَات، وأرشدنا إلى استدراك الهَفَوات، وألْهِمْنا أخْذَ العُدَّة قبل أن تَنْزِلَ بنا فجائعُ الحادثات، ونَجِّنا وعافِنا واعْفُ عنّا وألطف بنا وارحَمْنا، ولا تَنْزِعْ رحْمَتَكَ عنّا، وأجْزِلْ علينا جزيلَ الصِّفات، وعامِلْنا برأفتك، واجعلْ مُنقَلَبَنا بعظيم مِنَّتك إِلَى فسيح جَنَّتك، وجَنِّبْنَا حُلولَ نقمتك، وامْحُ خُطَى الخُطُوات إلى الخَطيئات، وهَبْ لنا في الدُّنيا لَذَّةَ المناجاة، وفي الآخرةِ سُرورَ النجاة، يا رَفيعَ الدّرجات، يا سامع الأصوات، اللُّهُمَّ طَهِّرْنا من الأدناس، وطَهِّرْ بنا مَنْ تشاءُ مِنَ الناس، وأعِذْنا مِنْ الوسواس الخناس يا أرْحَمَ الراحمين وأكْرَمَ الأكرمين وأصْلِح اللّهُمّ سرائرنا، وادفع عَنَّا شياطينَنا، ورَخِّصْ أسعارَنا، وأغْزِرْ أمطارَنا، وَوَلِّ علينا خِيارَنَا، واصرِفْ عَنَّا أشْرَارَنا، واقْضِ بفضلك دُيونَنا، وآمِنْ روعَتَنا، واهدنا سُبلَ الهُدى، وأعِنَّا على التقوى، وسَلِّمْنا مِنْ متابعةِ مُضِلات الهَوَى، يا عالِمَّ السِّرّ والنَّجْوَى. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ)) (1/11)
صفحة 12
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الخطبة الرابعة: من نفحات الإسراء
الْحَمْدُ للهِ الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، سرّى بهذه الرحلة عن نبيه مما كان يلقى، ودحر بحجتها الدامغة الكافر الأشقى وأعلى بتصديقها الكريم الأتقى والصلاة والسلام على النبي الأنقى، الذي صبر وصابر في سبيل هذا الدين ليبقى، وعلى آله وصحبه الكرام صلاة دائمه إلى يوم فيه المهيمن نلقى.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن أمتنا الإسلامية المجيدة تمر بها هذه الأيام ذكرى عطرة، نتفيؤ ظلها، ونستشق عبير شذاها، ذكرى غالية على قلوب العارفين المؤمنين، ألا وهي ذكرى الإسراء والمعراج قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [سورة الإسراء:1] ذكرى تمر علينا وأمتنا تكفكف دمعها حينا وحينا ترقب بارقة أمل في صحوة تعيد لها مكانتها وعزتها وسؤددها، ذاك لأن بعد الزمان بينها وبين حياة نبيها وما جاء به من رسالة خالدة ودعوة نيرة دفعها لتنسى تلك الحياة التي عاشها نبيها وتلك البطولات والتضحيات التي قدمها نبي الهدى وأصحابه الكرام البررة رضوان الله تعالى عليهم في سبيل هذا الدين وتعاليمه السامية السامقة ولأنه لم يصل إلينا على طبق دون تضحيات بل سالت دونه المهج وفاضت في سبيله الأرواح وتجندلت الجماجم نصرة لهذا الدين وأوذي فيها رسول رب العالمين فمن إيذاء بالتكذيب والنبز والاتهامات الآسنة والرمي بالجنون والشعر والسحر إلى إيذاء الأصحاب والأتباع والتنكيل والتغرير بهم ومضادتهم وسلبهم أبسط حقوقهم إلى التجويع والحصار يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله الذي لا إله إلا هو لقد أتت علي أيام في أول الإسلام ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ولقد كنا نأكل من أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقنا -أصبحت مثل أشداق الجمال من أكل أوراق الشجر- قال: فانتهى ورق الشجر حتى وجدت جلد ميتة فأخذته فأحرقته بالنار ثم سحقته ثم شربته على الماء" هذا مالا قوه من الحصار إلى التعذيب والتنكيل والتغريب والتهجير من ديار درجوا فيها واستنشقوا عبيرها وطلعوا ونزلوا فيها إلى مطاردة لهم في كل فج ووهاد ومحفل وناد فلله تلك النفوس كيف بذلت وذاك النبي الكريم كيف ضحى أوذي في نفسه فصبر وفي أهله فتحمل وفي عشيرته فتجلد لم تزعزعه المغريات ولم تكسر شوكته الملمات عرض عليه الملك وجرت خلفه الدنيا فما رضخ ولا استكان، ولا ذل ولا لان، فكان كالطود الشامخ الراسي وكالحجر الجلمد القاسي في سبيل الماكرين وكانت معية الله معه أينما اتجه وسار وحل وارتحل نصر من الله وأي نصر وتأييد وتمكين منقطع النظير قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [محمد:7] ولقد جاءت حادثة الإسراء بالنبي الكريم في وسط (1/12)
صفحة 13
ظروف شتى من الإحن والمحن ألمت به عليه السلام فمن وفاة لراعيه والمدافع والمكافح عنه عمه أبي طالب الذي وقف في وجه الشرك نصيرا للنبي على المشركين إلى رحيل الغالية على قلبه التي آزرته بالمال والعيال السيدة خديجة بنت خويلد رضوان الله تعالى عليها (فعَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ قَالَ نَعَمْ بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ) إلى العنت والتكذيب الذي لاقاه من أهل الطائف حين أتى إليهم بالنور والهدى راجيا تجنيبهم سبل الردى فقابلوا الجميل نكرانا والإيمان كفرانا {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية:23] ليلتجئ إلى حائط وقلبه ملؤه الهموم ونفسه ملؤها الأحزان على قومه وعلى من كان حليفا له ليرفع أكف الضراعة إلى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء إلى قاضي الحاجات ومقيل العثرات ومنزل الرحمات (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني! إلى عبد، يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) [أوده القرطبي في تفسيره]
وهنا تشمله عناية الله وترعاه عين الكريم وييسر المولى تعالى له نفرا من الجن يؤمنون به ويصدقونه ويتبعونه ويؤازرونه وتلك إرادة الله وأمره وقراره ومشيئته لما ضاق بدعوته الإنس آمن به الجن وحين رفض هداه أهل الأرض دعاه مولاه إلى السماء ليقوم برحلة سماوية يصعد فيها بروحه وجسده عن رغبات الأرض والطين ويرتفع برحمته إلى عليين وما ذاك على الله بعزيز قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ليعود بعدها وقلبه ممتلئا إيمانا على إيمان ويقينا على يقين ليقص ما حصل له على الناس فينقسم حينها أولئك إلى قسمين فمن مصدق تصديقا لم يخامره في ذاك الشك ومن مكذب له تكذيبا أيضا لا يخامره شك وهذا هو البعد والضلال والزيغ والوبال فأي تناقض هذا الذي وقع فيه المكذبون فحينا سموه بالصادق الأمين وحينا ينعتوه بالدجل والتكذيب قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [سورة الفرقان:44]
وتعود هذه الرحلة على المصطفى بعزيمة متقدة رباطة جأش جعلت منه يمضي في تبليغ دعوته للناس وتبصيرهم بأمور دينهم رغم الرياح الزعازع والرياح الهوجاء ليكتب الله لهذه الأمة ثباتا ويقينا وعزا وتمكينا سادت به العالم وخضعت لها الأمم وأسعدت الورى بعد أن كانت في الوراء وبسقت ثمارة دعوة مضى بها قرابة عشر سنين قضاها بجوار بيته الأمين فلله تلك الهمم العالية والنفوس الأبية. أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ (1/13)
صفحة 14
الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ: إن حادثة الإسراء والمعراج لا ينبغي أن تمر على المسلم الحق دون أن يقف معها وقفة صدق يستشف منها العبر ويستلهم منها الدروس والاحتفال بإسراء الرسول ليست محاضرة تلقى أو نشيدا يرتل على مسمع الحاضرين وإنما هو إسلام القياد والخضوع بالكلية لأمر المرسِل، والمرسَل دون تفريط ولا تضيع لمضمون الرسالة؛ والهدف منها الذكرى تعني اعتصام بحبل المتين، ونوره المبين، والسير على ما عليه الهداة المهتدون والصبر والتحمل في سبيل المبادي السامية السامقة ونشرها بين الأنام بالحكمة والموعظة الحسنة والتبشير لا التنفير فلا أجمل من الترفق والتمهل ومراعاة الناس وأحوالهم ومشاربهم والصبر على أذاهم مرارا
الذكرى تعني أن يعشق المسلم الصدق في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته إن تكلم تكلم صدقا وإن دعي تجاوب مع ما دعي إليه دون صلف ولالف ولا عنت ولا غرور الذكرى تعني أن يهتم المسلم بصلاته كونها فرضت ليلة أسري بالرسول الكريم وفي المحافظة عليها في الجمعة والجماعات.
الذكرى تعني أن يوقن الإنسان تمام اليقين بأنه مهما دجى ليل الظلم وادلهمت الدنيا بالحيف والجور وعطلت الأحكام فلا بد بد للصبح أن يتنفس عن أمل مشرق ولابد لفلول الظلم والطغيان من أن تندحر فليستبشر المؤمن خيرا وليستقر في نفسه أن النصر والتمكين آت لا محاله وأن الأمل يلوح في الأفق وأن السعادة والطمأنينة لابد من أن تهيمن على الأمة ما اعتصمت وتمسكت وابتسمت عن محيا ملؤه الرضا كذلك كما كان في عهد الرعيل الأول رضوان الله عليهم فاتقوا عباد الله واستلهموا العبر من سيرة نبيكم واجعلوه قدوتكم ونبراسا يضيء دربكم تفلحوا وتسعدوا في الدارين (واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثُم تُوفى كُل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون) البقرة: 281
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالىَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا).
اللّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّد، وسَلِّمْ على مُحمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، وبارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّد، وارْحَمْ مُحَمَّدً وآلَ مُحَمَّد، كما صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ وبارَكْتَ ورَحِمْتَ أبانا إبراهيمَ وآلَ أبينا إبراهيم، في العالَمِينَ، إنك حَميدٌ مَجيد. اللهم واغفر ذنوبنا، واستر بكرمك عيوبنا، واكشف همومنا وكروبنا، وارحم أمواتنا، واسمع أصواتنا، ووسع أرزاقنا، وحسن أخلاقنا، وانصرنا اللهم على من ظلمنا، وارحمنا، وعم برحمتك إيانا وجميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، اللهم من أرادنا بسوء فاكبته، اللهم اخذل واقصم كل باغ وطاغ، وحل بينه وبين مراده، حتى يسلك سبيل رشاده، وانتقم ممن حاد وباد، وعاند وضاد هذا الدين القويم، سالكا سبيل الاعوجاج، زائغا عن المنهاج والصراط (1/14)
صفحة 15
المستقيم، اللهم لا تصرفنا من هذا المقام الشريف إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور، إنك أنت الغفور الشكور، يا الله يا عفو يا غفور،، اللهم وفِّقْنا للصالحات قبل الممَات، وأرشدنا إلى استدراك الهَفَوات، وألْهِمْنا أخْذَ العُدَّة قبل أن تَنْزِلَ بنا فجائعُ الحادثات، ونَجِّنا وعافِنا واعْفُ عنّا والطُفْ بنا وارحَمْنا، ولا تَنْزِعْ رحْمَتَكَ عنّا، وأجْزِلْ علينا جزيلَ الصِّفات، وعامِلْنا برأفتك، واجعلْ مُنقَلَبَنا بعظيم مِنَّتك إِلَى فسيح جَنَّتك، وجَنِّبْنَا حُلولَ نقمتك، وامْحُ خُطَى الخُطُوات إلى الخَطيئات، وهَبْ لنا في الدُّنيا لَذَّةَ المناجاة، وفي الآخرةِ سُرورَ النجاة، يا رَفيعَ الدّرجات، يا سامع الأصوات، اللُّهُمَّ طَهِّرْنا من الأدناس، وطَهِّرْ بنا مَنْ تشاءُ مِنَ الناس، وأعِذْنا مِنْ شِرارِ خلقك أجْمَعِين، يا الله يا مُعين يا رَبَّ العالَمِين، يا أرْحَمَ الراحمين وأكْرَمَ الأكرمين وأصْلِح اللّهُمّ سرائرنا، وادفع عَنَّا شياطينَنا، ورَخِّصْ أسعارَنا، وأغْزِرْ أمطارَنا، وَوَلِّ علينا خِيارَنَا، واصرِفْ عَنَّا أشْرَارَنا، واقْضِ بفضلك دُيونَنا، وآمِنْ روعَتَنا، واهدنا سُبلَ الهُدى، وأعِنَّا على التقوى، وسَلِّمْنا مِنْ متابعةِ مُضِلات الهَوَى، يا عالِمَّ السِّرّ والنَّجْوَى. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ)) (1/15)
صفحة 16
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الخطبة الخامسة: السعادة الحقيقية
الْحَمْدُ للهِ الذي جعل السعادة في الخضوع له والانقياد وجعل الشقاوة في معصيته والعناد سبحانه هو الهادي إلى سبيل الرشاد أحمده حمدا يبقى إلى المعاد في ازدياد وأصلي وأسلم على صفوة الخلق وخير العباد محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للأنام والبلاد وعلى آله النجباء وصحبه الأصفياء والأشهاد شهادة تبقى لنا ذخرا إلى يوم التناد.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ. وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذه الدنيا لم يخلقها لتكون دار سعادة حقيقية يبذل لأجلها الغالي ويضحى في الحصول عليها بالنفيس وإنما خلقها متقلبة الأحوال متغيرة الصروف إن صفت لشخص يوما ما كدرت عليه يوما آخر وإن أسعدته للحظات أشقته لساعات وإن أفرحته في زمان أحزنته في أزمنه دار هموم وأحزان ولوعة وأشجان حالها متقلب ودربها متشعب فالسرور فيها آني والسعادة نسبية والمرء يتقلب فيها من حال إلى حال ومن لون لآخر (كُل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يو القيمة فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران: 185 غير أن البشر في هذه الدنيا-بحكم عقولهم القاصرة- متفاوتون في نظرتهم إلى مفهوم السعادة كل بحسب الفكر الذي يحمله وكل إناء بالذي فيه يرشح ورشح القلوب سلوك يعاش.
فمنهم من يرى السعادة في مال يجمعه ودراهم يكنزها وأراض يشتريها ودور يستثمرها وقصور يبنيها ومزارع يحرثها (وتُحبون المال حُباً جما) الفجر: 20 فيغض الطرف عن الوسيلة التي توصله لتحقيق الغاية فركب مركب العصيان ومخر عباب الطغيان لتحقيق المنى ودرك المقصود فلم يهمه إن يتلبس بربا أو بيع متعدد الشروط أو مال محرم مشبوه يغض الطرف عن كل ذلك مادام أنه يوصله إلى سعادته المزعومة وهيهات هيهات تكون السعادة في الحرام.
ومنهم من ينطلق في تحقيق سعادته في الكب على الملذات والشهوات فلا يراعي حرمة الأعراض ولا يأبه بخطورة الفساد أو معنى الرجولة فيبيح لنفسه الزنا واللواط وهي الموبقات المهلكة والمنايا المدركة التي ما حلت بدار قوم إلا أحالتها بلاقع كأن لم تكن ... وأين هذا ممن امتدحه الخالق عزوجل بحفظ الفرج وغض البصر (والذين هم لفروجهم حفظون (5) إلا (1/16)
صفحة 17
على أزواجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون) المؤمنون: 5 – 7
ومن الناس من يرى السعادة في طيب عنصره فيتباهى بنسبه لدى القاصي والداني ويعمد إلى تصنيف بقية العباد بالموالي والبياسر والعبيد فلا يقيم لهم قدرا ولا يضع لهم وزنا يأنف مجالستهم ولو كانوا من أهل الصلاح ويكره الصف معهم إن نودي حي على الفلاح ولم يدر أن بلال بن رباح مؤذن الرسول كان عبدا حبشيا وهو الذي رآه النبي الكريم في منامه يسابقه الخطى في الدخول إلى الجنة .. فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ .... قَالَ بِلَالٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا" وهيهات ينفع النسب إن خبثت الطوية والحسب إن عظمت البليّه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ"
ومن الناس من يرى السعادة في سيارة فارهة غالية القيمة مرتفعة الثمن فيعقد العزم على اقتنائها ممهما كلفه من ثمن ولو أدى به الأمر إلى الدين وإرهاق نفسه بالأعباء المادية التي تحيل عيشه إلى جحيم لا يطاق ... يخفي نفسه نهارا خشية المدين ويخفي نفسه ليلا من كثرة الحزون يصحو من نومه على صخرة أثقلت أنفاسه وآثرت إتعاسه وجانبت إيناسه. فعن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدين، فإنه هم بالليل، ومذلة بالنهار»
ومن الناس من يرى السعادة في حرية يطلبها وطريق يرسمها حتى ولو كانت الحرية تنكبا عن المبادئ والقيم والعادات الحسنة في المجتمع فلا يأبه لنصح ناصح ولا لتوجيه مرب وكأن فكره هو الصواب وغيره هو الخطأ فيتشبه بالغرب ويتنكر لدينه وينزع عنه لباس التقى ليلبس ثوب العصيان بداعي التحرر حينا وحينا بالتطور والمدنيه ولو فتشت عنه من الداخل لألفيته مجوفا نخب هواء يعيش التناقضات ويعتنق التخبطات وهيهات هيهات تكون السعادة في هذا السبيل أيضا (أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) الجاثية: 23. و (قُل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم (1/17)
صفحة 18
يحسبون أنهم يُحسنون صُنعا) الكهف: 103 - 104 إذا فلا بد أن هناك دربا بينا وطريقا نيرا يوصل إلى السعادة الحقيقية وتوقفه على لثم الشقيق منها.
أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
لما أوضحنا سلفا زيغ الناس وبعدهم عن بلوغ السعادة وحقيقتها كان لا بد أن نبسط كنهها ونوضح خافي أمرها والمتمثل في سكون النفس واستقامة في السلوك وتقويم للاعوجاج وطمأنينة في الفؤاد وانشراح في القلب وانتشاء في الروح وسمو في الفكرة ورقي في الهدف وترفع عن الدنايا وتجنب للخطايا وذلك لا يمكن أن يدرك ما لم يبن على تقوى الله عزوجل والسير على دربه المستقيم قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} الحجرات: 10 إذ السعادة الحقيقة تتمثل في أمور شتى على رأسها تمجيد للخالق العظيم وتقديسه وإفراده بالوحدانية والعبادة والطاعة والخضوع والانقياد والاستسلام.
السعادة الحقيقية في ذكره تعالى والاستئناس بنفحاته والتلذذ بمناجاته والتبتل في محراب جلاله وساحات عظمته وحمده في السراء والضراء (الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنُ القلوب) الرعد: 28
السعادة الحقيقية هي السعادة التي تصنع رجلا طائعا محبا الخير للناس ... خيره يعرفه البعيد قبل القريب تلقاه إيجابيا في أفعاله وسلوكه متزنا في تصرفاته وتعاملاته هادئا حركاته وسكناته.
السعادة الحقيقية في أداء الواجبات والتقرب إلى الله بالطاعات ومجانبة المعاصي والموبقات.
السعادة الحقيقية أن تعيش يومك الذي أنت فيه وتطرح هموم الأمس لأنه ذهب وهم غد لأنه لما يأت بعد فأكثر أمراضنا من أمور لا نعلم أتقع أم أنها محض وهم الخالق العظيم قادر على درئها ما دام ثقتنا فيه كبيره ويقيننا به عظيم. السعادة الحقيقية أن يمر عليك دقيقة لم تفرط فيها في طاعته ولم تتلبس فهذا عين المنى وغاية المقصود ورحم الله رحمة واسعة حكيم (1/18)
صفحة 19
الأمة الراحل الشيخ سعيد بن حمد الحارثي عندما سئل عن أميته في الحياة فقال: " أحب أن أجلس على هذا الكرسي لا لي ولا علي " أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالىَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا). اللَّهُمَّ صَلِّ وسلم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ. اللهم واغفر ذنوبنا، واستر بكرمك عيوبنا، واكشف همومنا وكروبنا، وارحم أمواتنا، واسمع أصواتنا، ووسع أرزاقنا، وحسن أخلاقنا، وانصرنا اللهم على من ظلمنا، اللهم من أرادنا بسوء فاكبته، اللهم اخذل واقصم كل باغ وطاغ، وحل بينه وبين مراده، حتى يسلك سبيل رشاده، وانتقم ممن حاد وباد، وعاند وضاد هذا الدين القويم، سالكا سبيل الاعوجاج، زائغا عن المنهاج والصراط المستقيم، اللهم وفِّقْنا للصالحات قبل الممَات، وأرشدنا إلى استدراك الهَفَوات، وألْهِمْنا أخْذَ العُدَّة قبل أن تَنْزِلَ بنا فجائعُ الحادثات، ونَجِّنا وعافِنا واعْفُ عنّا وألطف بنا وارحَمْنا، ولا تَنْزِعْ رحْمَتَكَ عنّا، وأجْزِلْ علينا جزيلَ الصِّفات، وعامِلْنا برأفتك، واجعلْ مُنقَلَبَنا بعظيم مِنَّتك إِلَى فسيح جَنَّتك، وجَنِّبْنَا حُلولَ نقمتك، وامْحُ خُطَى الخُطُوات إلى الخَطيئات، وهَبْ لنا في الدُّنيا لَذَّةَ المناجاة، وفي الآخرةِ سُرورَ النجاة، يا رَفيعَ الدّرجات، يا سامع الأصوات، اللُّهُمَّ طَهِّرْنا من الأدناس، وطَهِّرْ بنا مَنْ تشاءُ مِنَ الناس، وأعِذْنا مِنْ الوسواس الخناس يا أرْحَمَ الراحمين وأكْرَمَ الأكرمين وأصْلِح اللّهُمّ سرائرنا، وادفع عَنَّا شياطينَنا، ورَخِّصْ أسعارَنا، وأغْزِرْ أمطارَنا، وَوَلِّ علينا خِيارَنَا، واصرِفْ عَنَّا أشْرَارَنا، واقْضِ بفضلك دُيونَنا، وآمِنْ روعَتَنا، واهدنا سُبلَ الهُدى، وأعِنَّا على التقوى، وسَلِّمْنا مِنْ متابعةِ مُضِلات الهَوَى، يا عالِمَّ السِّرّ والنَّجْوَى. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ (1/19)
صفحة 20
قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ)) (1/20)
صفحة 21
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الخطبة السادسة: أهمية العناية بالشباب
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي رفع الأمة بهمة الشباب، وَأمر بتجنيبهم كل ارتياب، ورتب على تربيتهم أجرا وعلى تضييعهم عقاب، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ أرسل بالشرعة والكتاب،، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله والأصحاب وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الحساب.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن الحياة نعمة كبرى أسبغها الله سبحانه وتعاى على الإنسان؛ فعلى هذا العبد أن يقدر النعمة قدرها، وأن يؤدي واجب شكرها، وشكرها إنما يكون باستغلالها في طاعة الله إما بتطهيرها من التعلق بغير الله سبحانه وتعالى وإما بأداء العبادة التي شرعها الله وبتنفيذ الأوامر التي أمر الله بها والازدجار عن النواهي التي حذر الله منها.
وإذا كانت الحياة كلها نعمة من الله فإن صفوة هذه النعمة وجوهرها وبهجتها هي مرحلة الشباب؛ فإن الشباب هو ريعان هذا العمر، وبهجته ونضرته، وقوته وعزته، ولذلك كان الشباب مسئولا عنه بصفة خاصة فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ومنها عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه)) وإذا كان الشباب بهذا القدر من النعمة فإن على الشباب أن يشكروا هذه النعمة العظيمة باستغلال هذه المرحلة من العمر في أنواع الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى زلفى، فالشباب فرصة للمسارعة إلى الطاعات المختلفة واجتناب المنهيات جميعا وليس فرصة للمسارعة إلى الشهوات والمبادرة إلى الملذات وعدم الإصغاء إلى الأوامر والنواهي من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس فرصة لارتياد الوادي أواخر الليل دون حسيب أو رقيب دون إصغاء لنصح ناصح أو وعظ واعظ وتضييع أثمن الأوقات في معاص لا تجلب إلا خسارا في الدنيا وبوارا في الأخرى .. نعم وهو كذلك ليس فرصة لتعاطي الشيشة ومختلف المنكرات كالدخان وما إلى ذلك من خطوات الشيطان التي تورد الإنسان مورد التهلكة وتوصل مواصيل الردى فهل هناك أحمق من امرئ يمسك ريالا أو خمسة ريالات ثم يشعل ولاعته فيها .... إذ لو رأينا صانعا يصنع هذا لنعتناه أقل ما ننعته به بالجنون (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف (1/21)
صفحة 22
وينهاهم عن المنكر ويُحل لهم الطيبات ويُحرمُ عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروهُ ونصروهُ واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون) الأعراف: 157 أيها المسلمون معاشر الشباب: إن هناك أمورا كثيرة تحدث حولنا تتطلب منا وقفة شجاعة إزاءها لأن التمادي بها ينتج مجتمعا متداعيا متخلخل متحلل البنية هش الأساس كما أن السكوت على هذه الممارسات تحيل الإنسان شيطانا والساكت عن الحق شيطانا أخرس وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) المائدة: 78 وفي المسند وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية ثم قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر. ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنَّه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم» ولعل من الملاحظات المهمة ما يحدث من تساهل كبير في لبس بعض الفتيات والتي ربما وصلت الواحدة منهن سن الثانية عشره ولا يجد أهلها حرجا من أن تلبس الثوب الضيق غير المحتشم والمسمى عرفا بالجينز فهذا مما يؤدي إلى انتشاء الرذيلة وازدهارها والله تعالى يقول (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم) النور: 15 ومن الملاحظ أيضا التساهل الكبير في ترك بعض الفتيات من ارتياد الوادي ليلا دون أن يكون معهن أحد محارمهن والحجة ممارسة الرياضة وتخفيف الأوزان ولعمري هذا الفساد الذي يجب أن يوضع له حدا فالمرأة ضعيفة من جميع الجهات سواء كان بدنيا أو معنويا وتركها على راحتها في هذا الأمر ربما أدى إلى تعريضها للخطر الداهم والبلاء البيّن حتى إذا ما حدث مالا تحمد عقباه أخذوا في البحث عن المخارج والخلاص من هذه المأزق.
ومن الأمور التي يحسن التنبيه عليها الإهمال الكبير لكثير من الأبناء في عدم تعليمهم القرآن والقرآن هو الحياة والنور الموصل إلى شاطئ الأمان وبر السلام فكم من الشباب قد جاوز العشرين ولا يحسن قراءة والتين فإنا لله وإنا إليه راجعون. فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ -، وَتَمسَّكُوا بِكِتَابِ رَبِّكُمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم.
أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إن من الشباب من يقارف ما يقارف من ذنوب وآثام ومخالفات جسام كثيرا ما يكون فيها الوالدان هما السبب فالهوة (1/22)
صفحة 23
السحيقة بين الأب وابنه والتجافي والتباعد غالبا ما يكون له دور كبير في تشجيع الولد على غيه وتماديه في عصيانه ولو أن الوالد كلف نفسه واقترب من ابنه وتفهم مشاعره وقدر أحاسيسه لما كان ما كان ولا تطاول في ظلم أو عصيان فالاقتراب من الابن وفهم نفسيته وجعله كالصديق والرفيق ترتقي بعلاقة كليهما. ويكون الوالد سببا في ضياع ابنه حينما لا يتقي الله في والديه فهذه أم تشتكي على امها في القضاء بسبب مائتي ريال وتحملها المئتين إلى يوم الدين ويأتي بدوره ابنها ويرفع نعله في وجه ألأمه مهددا إياها بأنه سيؤدبها إن تقلع عن كذا وكذا فلا حول ولا قوة إلا بالله أوصلت العلاقة بين الوالدين إلى هذا الحد.
أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إن صلاح أبنائنا إنما يكون بصلاحنا واستقامة شبابنا مقرون باستقامتنا والجرم شؤمه عظيم والظلم مرتعه وخيم والذنب لا يبلى والدين لا ينسى والديان لايموت وكما تدين تدان فاتقوا الله يا عباد الله وتبصروا في أنفسكم (واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون) البقرة:281
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالىَ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا).
اللّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّد، وسَلِّمْ على مُحمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، وبارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّد، وارْحَمْ مُحَمَّدً وآلَ مُحَمَّد، كما صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ وبارَكْتَ ورَحِمْتَ أبانا إبراهيمَ وآلَ أبينا إبراهيم، في العالَمِينَ، إنك حَميدٌ مَجيد. اللهم واغفر ذنوبنا، واستر بكرمك عيوبنا، واكشف همومنا وكروبنا، وارحم أمواتنا، واسمع أصواتنا، ووسع أرزاقنا، وحسن أخلاقنا، وانصرنا اللهم على من ظلمنا، وارحمنا، وعم برحمتك إيانا وجميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، اللهم من أرادنا بسوء فاكبته، اللهم اخذل واقصم كل باغ وطاغ، وحل بينه وبين مراده، حتى يسلك سبيل رشاده، وانتقم ممن حاد وباد، وعاند وضاد هذا الدين القويم، سالكا سبيل الاعوجاج، زائغا عن المنهاج والصراط المستقيم، اللهم لا تصرفنا من هذا المقام الشريف إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور، إنك أنت الغفور الشكور، يا الله يا عفو يا غفور،، اللهم وفِّقْنا للصالحات قبل الممَات، وأرشدنا إلى استدراك الهَفَوات، وألْهِمْنا أخْذَ العُدَّة قبل أن تَنْزِلَ بنا فجائعُ الحادثات، ونَجِّنا وعافِنا واعْفُ عنّا والطُفْ بنا وارحَمْنا، ولا تَنْزِعْ رحْمَتَكَ عنّا، وأجْزِلْ علينا جزيلَ الصِّفات، وعامِلْنا برأفتك، واجعلْ مُنقَلَبَنا بعظيم مِنَّتك إِلَى فسيح جَنَّتك، وجَنِّبْنَا حُلولَ نقمتك، وامْحُ خُطَى الخُطُوات إلى الخَطيئات، وهَبْ لنا في الدُّنيا لَذَّةَ المناجاة، وفي الآخرةِ سُرورَ النجاة، يا رَفيعَ الدّرجات، يا سامع الأصوات، اللُّهُمَّ طَهِّرْنا من الأدناس، وطَهِّرْ بنا مَنْ تشاءُ مِنَ الناس، وأعِذْنا مِنْ شِرارِ خلقك أجْمَعِين، يا الله يا مُعين يا رَبَّ العالَمِين، يا أرْحَمَ الراحمين وأكْرَمَ الأكرمين وأصْلِح اللّهُمّ سرائرنا، وادفع عَنَّا شياطينَنا، ورَخِّصْ أسعارَنا، وأغْزِرْ أمطارَنا، وَوَلِّ علينا خِيارَنَا، واصرِفْ عَنَّا أشْرَارَنا، واقْضِ بفضلك دُيونَنا، وآمِنْ روعَتَنا، واهدنا سُبلَ الهُدى، وأعِنَّا (1/23)
صفحة 24
على التقوى، وسَلِّمْنا مِنْ متابعةِ مُضِلات الهَوَى، يا عالِمَّ السِّرّ والنَّجْوَى. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ)).
كتبها الشيخ / خميس المكدمي. (1/24)