صفحة 1
الكتاب: دور الأب في استقرار الأسرة
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) دور الأب في استقرار الأسرة
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيوتِكُمْ سَكَنًا ... } (النّحل: 80).
وقال: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحدةٍ وجَعَلَ منْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ... } (الأعراف: 189) " (1/2)
صفحة 3
مقدّمة
إنّ الطفل هو اللّبنة الأولى في بناء المجتمع، وهو الثّروة الأساسيّة للأمّة. هو المستقبل الذي ننشده، وفيه نرى امتدادنا وسيرورتنا ومستقبلنا ... لذا ننظر إليه برؤية متوازنة، ونروم بناء شخصيّتة بشكل متّزن؛ لتهيئته ليسير في الحياة بقوّة وثقة وفعاليّة، بعيدّا عن مشاعر الإحباط واليأس والخور والوهن، بل ليتحرّك بخلال الإقدام والإبداع، والمواجهة والمقاومة لكلّ ما يواجه طموحه، ويستهدف شخصيّته، ويقف أمام مشروعاته وآماله .. هذه المطالب تتحقّق من الطّفل إذا نشأ منذ البداية في جوّ الاستقرار والأمن والأمان والطّمأنينة. بهذا المنظور تأتي أهميّة التّركيز على الطّفل في بحث موضوع دور الأب في استقرار الأسرة.
تناولنا في هذا البحث موضوعَ دور الأب (الوليّ) في هذا الاستقرار ... قدّمنا فيه بعض الأفكار والآراء التي رأيناها مناسبة، وهي على صنفين: ما هو خاصّ بنا، وصنف آخر نقلناه عن غيرنا ...
في معالجة هذا الموضوع سردنا بعض التّحدّيات، وذكرنا بعض الشّذرات في حقيقة الأسرة، ثم واجبات الوليّ (الأب) فيها، وخصّصنا القوامة والقيادة بالتّحليل؛ لأهميّتها ودورها في توفير الاستقرار في الأسرة، حين يفقه وليّ الأمر حقيقتها وطبيعتها، وحين يدرك أفراد الأسرة ضرورة إسنادها لمن أعطاه الله تبارك وتعالى هذا الحقّ؛ ليؤدّي بها واجبًا أساسًا في التّنشئة والتّربيّة والتّوجيه والإعداد ... كما عَرَضْنا لدور البيت المتّزن في تربية الطّفل .. فعوامل التّنشئة الاجتماعيّة، والعنصر المهمّ والأساس في البحث هو دور الأب في استقرار الأسرة. ركّزنا على الطّفل في بيان هذا الدّور: الرّكن الرّكين في عمليّة التّنشئة والإعداد للمستقبل.
في معالجة الموضوع اخترنا ألفاظًا محدّدة، هي نقط الارتكاز في العرض والتّحليل، وهي أيضًا (الكلمات المفاتيح) التي تعين على معرفة بعض الحقائق في الموضوع، واستخراج الأفكار المضمّنة في الدّراسة. هذه الكلمات هي: (الآب، الوليّ، الطّفل، شخصيّة، الاستقرار، السّكن، الطّمأنينة، الأمن، الاتّزان، التّربية، التّنشئة، الإعداد، البناء، التّوجيه، التّكوين، التّهيئة، وعي، فقه، تحدّيات ... ).
كمّا تعمّدنا تناول بعض العناصر التي قد تبدو غير أساسيّة في البحث والموضوع، إلاّ أنّنا أتينا بها إمّا مقدّمات وممهّدات للموضوع، أو مساعدة لتحليله وبسطه ومناقشته؛ ليكون كلّ ذلك عونًا على فهمه وإدراك حقيقته، واستيعاب الأهداف المنشودة من تناوله ...
نشير في ختام هذا التّقديم إلى أنّ دراسة الأستاذة عزيزة الطّائي: " ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة" تعدّ – في نظرنا – من أهمّ الدّراسات، التي عرضت ومضات وإيماءات وتوضيحات ورسائل ... وقدّمت إشارات (1/3)
صفحة 4
مهمّة في العناية بالطّفل .. تعين على وعي حقيقة الاستقرار في الأسرة، وأهمّيته في التّنشئة السّلبيمة للأبناء .. وقد كانت محور كثير ممّا تناولناه في هذه الدّراسة المقتضبة .. وقد نقلنا كثيرًا من الأفكار التي وردت فيها، وأَحلنا القارئ إليها .. كثيرًا، عساه يجد فيه ما يساعده على فهم الموضوع أكثر ...
نرجو أن نكون بهذا العمل قد شاركنا في التّوعية والتّوجيه في حقل التّربيّة الواعيّة المسؤولة، المبنيّة على أسسٍ صحيحة، و قواعد سليمة. نسأل الله القبول والسّداد والرّشاد والتّوفيق، إنّه وليّ ذلك، وهو السّميع القريب المجيب ..
الجزائر يوم الخميس: 29 من محرّم الحرام 1434ه
13 من ديسمبر ... 2012م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللّغة العربية وآدابها
جامعة الحاج الأخضر، باتنة (1/4)
صفحة 5
تمهيد
يمرّ العالم بمتغيّرات كثيرة، وتطرأ فيه مستجدّات عديدة، تشمل وتعمّ معظم مجالات الحياة، هذه المتغيّرات تؤثّر على الحياة الاجتماعيّة – بخاصّة - وأطرها ومؤسّساتها ومنشآتها وكلّ ما له بها صلة .. من هذه المنشآت مؤسّسة الأسرة. وهو ما تعيشه حاليًا، في أركانها ووظائفها وعلاقاتها بين أفرادها، ومع ما يحيط بها ..
هذا التّأثير أفرز نتائج إيجابيّة وأخرى سلبيّة، السّلبيّة منها أثمرت تحدّيات، أعاقت عمل الأسرة في التّنشئة الاجتماعيّة السّليمة، والتّربية النّفسيّة الصّحيحة، والتّنمية المتّزنة المنشودة. ما أحدث فوضى وعدم الاستقرار داخل الأسرة. وقد تسبّب في ذلك عوامل كثيرة، منها:
1 - سوء فهم حقيقة مؤسّسة الأسرة، وعدم فقه طبيعتها، وعدم معرفة دورها في بناء الحياة على قواعد السّلامة والأمن والطّمأنينة والسّكينة ... ؛ ليتوفّر لها الاستقرار ..
2 – النّقص في إدراك أبعاد القوانين والقواعد التّنظيميّة للعلاقات داخل البيت. التي منها قاعدة القوامة والقيادة، وفقه ضوابطهما وحدودهما، وما ينتظمهما، ولماذا شُرِعَا، ومن أحقّ بهما في الأسرة؟ ولماذا هذه القوامة والقيادة أصلا ... ؟
3 – غموض تعريف الأسرة الحديثة، وماذا ينتظم تحت كنفها، وما حدود صلاحيّاتها، وما الواجبات المنوطة بها .. يقول محاضير محمد Mahathir Mohamad: " بين غموض تعريف الأسرة الحديثة والتّعرّض الاضطراري لقيم أخلاقيّة مختلفة وغير مقبولة إلى درجة كبيرة، وحاجات التّحديث، تواجه الأسرة - كما عرفناها في الماضي- احتمال الانهيار، أو أن تصبح غير ذات أهميّة. السّؤال هو: هل نسمح للأسرة كما نعرفها بالانهيار، وبأن تصبح غير ذات أهميّة؟ أم نحاول أن ننقذها" (1)
4 – عدم وعي مخلّفات التّقدّم التّقني والتّكنولوجي: إيجابًا وسلبًا، وعلاقة هذا التّطوّر بالتّربية التي تنسجم مع طبيعة الإنسان روحًا ومبنى، وتتناغم مع أهداف المجتمع ومقوّماته التي تنتظم مسيره ومصيره، والتّعلّق بالتّقنية والتّكنولوجيا والاعتماد عليهما، إلى درجة إهمال المجالات الأساسيّة والعوامل الحقيقيّة في الإعداد النّفسي والعقلي والرّوحي معًا.
__________
(1) - محاضير محمد، خطابات محاضير محمد، ترجمة عمر الرّفاعي، ط1، مكتبة الشّرق الدّوليّة، القاهرة، 2007م، ص: 69، 70. (1/5)
صفحة 6
إنّ هذا النّقص ناتج عن عدم فقه حقيقة التّربية بعامّة، وما يخصّ منها المجتمع الذي ينتمي إليه مَنْ نكوّنهم وننشّئهم بخاصّة. وقد أقرّ المهتمّون بالتّربية والتّنشئة والبناء بفشل التّكنولوجيا وحدها في منح الجماعات البشريّة قوّة امتلاك زمام المستقبل، وتأمين النّشأة السّويّة، ثمّ الحياة الهنيئة المستقرّة. يقول محمد فتح الله كولن: "لن تكون الأمم المتقدّمة في التّقنية وفي التّكنولوجيا هي الأمم المسيطرة في المستقبل، بل ستكون هذه السّيطرة في يد الأمم التي تهتمّ بمؤسّسة العائلة، والتي تنجح في السموّ بأجيالها إلى مستوى الإنسانيّة الحقّ. أمّا الأمم التي لا تعير أهميّة لمؤسّسة الزّواج والولادة، ولا تهتمّ بتربية أجيالها حسب فلسفتها في التّربية والتّوجيه فمحكوم عليها بالتّحلّل والذّوبان بين فكّي الزّمان الذي لا يرحم" (1)
نتج عن هذه العوامل وغيرها انحرافات عن الفطرة وعن السّنن التي تنتظم وتحكم حركات النّاس، وتوجّه سلوكهم التّوجيهَ السّويّ، كما أوجدت خللا في التّفكير، وخطلا في التّدبير، وخطأ في التّقدير .. أدّى ذلك كلّه إلى وجود تحدّيات للمسلم، جعلته يعيش مفارقات في الحياة؛ التي انبثقت - وتنبثق- من محاولاته الجمع بين الالتزام بالضّوابط الشّرعيّة والقواعد التّنظيميّة، التي حدّها وحدّدها الإسلام وبين ما يسود العالم، وما تنتجه العولمة، وما تثمره الأهواء والمصالح، وما تبلوره وتولّده التّيّارات المنحرفة عن سواء السّبيل .. من ذلك ما تعانيه الأسرة المسلمة من تحدّيات، تتجلّى في الأسئلة المحيّرة المربكة المقلقة المذبذبة لأحوال الأسرة، والمشكّكة في قدرتها على القيام بواجبها البنائي والتّربوي والتّنموي .. وتغيب عنها دلالات المصطلحات .. مثلا ماذا تعني التّنشئة؟ وبأي مضمون تكون، وبأيّ منهج أو أسلوب تتمّ؟ ماذا يعني التّكوين والإعداد؟ وما الأهداف المعلّقة بهما؟ ماذا تعني المراقبة والتّوجيه والإرشاد؟ ولماذا تقوم بهما الأسرة؟ ما هي مهمّة الأسرة الحقيقيّة في ظلّ التّحوّلات والمستجدّات والمتغيّرات؟ وهل – أصلا- تبقى لها مهمّة في خضمّ كلّ ذلك؟؟؟
هذه الأحوال التي تعيشها الأسرة المسلمة اليوم، وهذه الأوضاع التي تتقلّب فيها، التي أحدثت لها مشاكل ومعيقات في التّصرّف في شؤونها بإرادتها، وحسن التّسيير لأمورها، وقوّة التّحكّم في أفرادها، والسّير بهم إلى حيث الأهداف الحقيقيّة والصّحيحة المرسومة ... كلّ هذه المستجدّات والمتغيّرات تتطلّب معالجة الموضوع بما يعين على إنقاذ الأسرة من هذه الوهدة، وإخراحها من هذه الكبوة أو الورطة، وإسعافها بالعلاج الشّافي والحلول النّاجعة.
__________
(1) - محمد فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطّريق، ترجمة أورخان محمد علي، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1430هـ/ 2009م، ص: 83. (1/6)
صفحة 7
إنّ حياة الإنسان سلسلة من المراحل المترابطة المتّصلة المتساوقة، التي يشدّ بعضها برقاب بعض، لتكوّن هذا المخلوق تكوينًا، يرتفع به إلى المستوى الذي يعدّه ليحقّق خلافة الله في الأرض، ويقوم بالأمانة الكبيرة؛ لأنّه لم يخلق عبثًا. لكنّ أهمّ هذه المراحل: " هي سنوات الطّفولة التي تتشكّل فيها رؤاه وأفكاره، وتوجّه اتّجاهاته وميوله، وتبلور مهاراته وإبداعاته، إذا لاقت اليد الرّاعية والرّؤية الطّيّبة، والتّوجيه الرّاشد، والبيئة السّليمة لاحتضانها وصقلها. " (1)
اليد الرّاعية والرّؤية الطّيّبة والتّوجيه الرّاشد، تأتي أوّل ما تأتي من الأب الواعي الرّاعي لهذه المؤهّلات. والبيئةُ السّليمة تبدأ من أرض الأسرة التي تحتضن هذه النّبتة (الطّفل) وترعاها بالسّقي: تنشئة وتهذيبًا وتوجيهًا, ففي المرحلة الأولى في نشأة الإنسان تبدأ شخصيّته في التّشكّل واكتساب خصائصها التي تحدّد مظاهرها في المراحل اللّاحقة.
تقول عزيزة الطّائي:"من المسلّم به أنّ الطّفل هو ركيزة التّقدّم والرّقيّ الحضاري؛ لذلك فإنّ قضيّة بناء الشّخصيّة الإنسانيّة لأيّ مجتمع من المجتمعات البشريّة كانت ولا تزال، وستظلّ محور الاهتمام والنّماء لإيجاد السّبل والأدوات لإعداده وبلورة شخصيّته؛ بما يحقّق للمجتمع الأمن والاستقرار في كافة مناشط الحياة، بما يتّفق مع طبيعة المجتمع وثقافته وعقيدته؛ كون الرّقيّ والازدهار الحضاري نتاجًا طبيعيًّا لتنمية وتوليد ثروة بشريّة على مستوى واعٍ وعالٍ في كافّة المجالات النّظريّة والتّطبيقيّة ... " (2)
العناصر التي يجب تناولها في الموضوع كثيرة. البداية تكون من سرد التّحدّيات التي تواجه الأسرة. فما هي؟
__________
(1) - عزيزة الطّائي، ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، منشورات مؤسّسة الدّوسري للثّقافة والإبداع، مملكة البحرين، 2011م، ص: 9.
(2) - المرجع السّابق، ص: 67. (1/7)
صفحة 8
التّحدّيات التي تواجه الأسرة
هناك تحدّيات كثيرة تواجه الأسرة المسلمة في ظلّ التّغيّرات التي تسود العالم، نسرد بعضها:
1 – التحدّيات الفكريّة والثّقافيّة والحضاريّة. إنّ كثيرًا من المعطيات تغيّرت، فأثّرت في فكر الأجيال وثقافتهم، وغابت عنهم سبل التّعامل معها؛ بما يحفظ أصولهم ومبادئهم، ويضمن لهم البقاء في صلة مع العصر الذي يعيشونه.
2 – عدم فهم الواقع الذي تَتَحرّك فيه الأسرة، وعدم إدراكها ما يجري فيه: ما يدور حولها وما يخطّط لها.
3 – تخلّي أولياء الأمور عن مسؤوليّاتهم، أو عدم فقه حقيقتها.
4 – قلّة التّفقّه في الدّين، وضعف رسوخ العقيدة التي توجّه الحياة؛ بما يتناسب مع مقوّمات المجتمع المسلم.
5 – عدم استيعاب قواعد البناء الحضاري، وحقيقة الإعداد والتّكوين.
6 – الانهيار البطيء المستمرّ للقيم الأخلاقيّة، وتأثيرُه الكبير والخطير على جسم المجتمع المسلم؛ إذ أنّ فعلَه هو فعل السّريان البطئ للمرض في جسم الإنسان، الذي يصيبه إصابات بالغة قاتلة في النّهاية؛ لأنّه لا يشعر به ولا يحسّ بتأثيره وخطورته إلاّ بعد أن يتمكّن منه، ويضرّ به الضّرر البليغ، فيهلكه أو يفنيه، أو يفعل به ما يشاء. هذا ما يحدث للأسرة المسلمة؛ بفعل عوامل كثيرة، أخطرها إفرازات الثّقافات المختلفة التي تغزوها في عقر دارها، وتلج أعماقها، من دون أن تحتاط لذلك، ولا تتّخذ الأسباب للتّصدّي لها. فهذا أحد التّحدّيات التي تواجه الأسرة المسلمة. وقد يكون التّعامل مع الوضع بطريقة غير واعية، فينعكس خطابها الثّقافي داخلها عليها وعلى عملها سلبيًّا.
7 – العجز عن مواجهة ما تبثّه القنوات الفضائيّة من وسائل جديدة، وأشكال غريبة، ومضامين إعلاميّة حديثة على الأسر الإسلاميّة ... والافتقار إلى خطط ناجعة في كيفيّة التّكيّف والتّصرّف معها؛ بما يعين على حسن التّحكّم في التّنشئة الفكريّة، والتّربية النّفسيّة والتّفاعل الاجتماعي الإيجابي داخل الأسرة. يقول محاضير محمد: " رغم أنّ الأسرة أكثر تماسكًا بكثير في المجتمعات الإسلاميّة، فهناك شروخ في هيكل الأسرة. لا يمكن للمسلمين أن يعزلوا أنفسهم عن بقيّة العالم أكثر من ذلك لسهولة السّفر. يختلط المسلمون اليوم بشكل (1/8)
صفحة 9
مباشر مع الثّقافات الأخرى، بما فيها الثّقافات المتحرّرة المذكورة. على أيّة حال فإنّ شاشة التّلفزيون وشرائط الفيديو تنقل ثقافات وطرقَ حياة الآخرين إلى داخل بيوت المسلمين مباشرة، شئنا أم أبينا. فإنّ هذا الاطّلاع سوف يؤثّر على طريقة تفكيرنا وقيمنا وثقافتنا." (1)
تذكر عزيزة الطّائي، وهي تقارن بين الطّفل العربي ونظيره الأوروبي والأمريكي، في مشهد أو مظهر الجلوس أمام الأجهزة الإلكترونيّة والألعاب والبرامج التّرفيهيّة ... إنّ الطّفل العربي أكثر إدمانًا عليها – بناء على دراسة أجريت- سبب ذلك أنّ هذا الطّفل لا تتوفّر له البدائل التي تسحبه من هذه الوسائط كالأنشطة الرّيّاضيّة والاجتماعيّة والفنيّة بالقدر الكافي.: " وهنا تكمن المأساة؛ لأنّ الطّفل العربي كالإسفنجة يمتصّ ما يبثّه الإعلام الأجنبي كي ينفذ تعاليمه في المستقبل. فَبِتْنَا نلحظ معاناة ثقافة الطّفل العربي ممّا يعانيه من التّلوّث الفكري والفنّي والإنساني عبر قنوات الإعلام المشوّهة. " (2)
هذه المداومة على مشاهدة ما يبثّه الإعلام البعيد عن ثقافة الطّفل العربى، بل المعادي لها – في كثير من صوره- تنشر وتبثّ فيه أفكارًا ملوّثة لعقله ووجدانه. ما يضع تحدّيات أو عقبات كبيرة أو كأداء أو خطيرة في تربيته أو تنشئته على النّموذج الصّحيح، الذي يضمن له البقاء في دائرة ثقافته الصّحيحة؛ لأنّ التّفاعل الاجتماعي بينه وبين موجّهيه يكون ضعيفًا، وهو أساسي وضروري في التّربية والتّنمية؛ بغرس القيم الصّالحة بداخلهم، وتحصينهم وصيانتهم من الذّوبان والانهيار والانصهار في الآخر؛ بمنع القيم الوافدة السّيّئة في التّأثير عليهم. تقول فاضل علي: " فيض الأفكار المرتبطة بثقافات غير عربيّة، والتي تصل للصّغار عبر الفضائيّات، وما تحمله من صور ورموز ودلالات، لن يدعم من عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة التي يقوم بها الوالدان، وعلى مستوى آخر فإنّ كثرة استخدام الأطفال للتّلفاز والفيديو، سواء بالمشاهدة أو اللّعب تؤدّي إلى ضعف التّفاعل الاجتماعي بين الطّفل ووالديه، بل بين الطّفل نفسه والمحيطين به من إخوانه وأقرانه." (3)
8 – يعاني الطّفل المسلم أزمة ثقافيّة، هي أزمة الهويّة الثّقافيّة، التي تسبّبت فيها المتغيّرات، كوسائل التّطبيع الاجتماعي، ووسائل الإعلام العالمية المختلفة المتباينة في مضامينها وتوجّهاتها ... لقد وجدت الأسرة نفسها معاقة في ترسيخ الهويّة الثّقافيّة في أفرادها، ثمّ تنميتها وتوجيهها بما يخدم شخصيّتهم الإسلاميّة، ويحيطهم بسياج من الحصانة، وبقدر من المناعة من الاستلاب والتسيّب.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 67.
(2) - المرجع السّابق، ص: 43.
(3) - المرجع السّابق، ص: 87، 88. (1/9)
صفحة 10
9 – من التّحدّيات الكبيرة (هي في الوقت نفسه مهام كبيرة) التي تنتظر الأسرة المسلمة تهيئة الطّفل لمواجهة المشكلات التي ستستقبله في مراحل نموّه؛ طبقًا وتبعًا للتّطوّرات الكبيرة التي يشهدها العالم، ونتيجة للتّغيّرات العميقة التي يدفع إليها تسارع وتيرة الحياة والتّقدّم في كافّة الأصعدة والمستويات ...
10 – ممّا تعاني منه الأسرة وممّا يتحدّاها النّقصُ في إشباع حاجات الطّفل العاطفيّة والنّفسيّة. إذ يظلّ – في كثير من الأحيان- متعطّشًا إلى الحبّ والعطف والحنان والشّعور بالأمان والاستقرار والطّمأنينة ... التي تكون مفقودة في كثير من الأسر.
11 – فتور العلاقات بين أفراد الأسرة.
12 – تأثير الأجهزة الإلكترونيّة على الحياة الاجتماعيّة داخل الأسرة. وجودُ أجهزة الاتّصالات الحديثة بكثرة، وتوافرُها في أيدي الأطفال، واستعمالُها بشكل مستمرّ يعدّ تحدّيًا كبيرًا للأسرة بخاصّة والمجتمع بعامّة، إذ أنّ تنوّعها واختلافها في الأبعاد والاتّجاهات والأهداف ... يبعث على الحيرة في كيفيّة الاستفادة منها. وكيفيّة التّحكّم فيها؛ بما لا يسبّب خللا في عمليّات التّنشئة الاجتماعيّة والتّربية الأسريّة المناسبة لمقوّماتها وقيمها.
13 – " الحواسيب تعمل على إعادة تشكيل حياة الأطفال بطرق عميقة غير متوقّعة. ولعلّ من أبرز أضراره المتوقّعة عندما يترك الأطفال مع الحواسيب دون رقيب، ممّا يؤثّر عليهم بآثار سلبيّة، باتت تظهر عليهم كـ: الضّغط النّفسي والسّمنة والعزلة الاجتماعيّة وإجهاد البصر، وعلى المدى البعيد ستتسبّب في التّأثير على النّموّ الجسمي والانفعالي والعقلي, إنّ التّكنولوجيا الحديثة عزلت الأطفال عن حاجاتهم الاجتماعيّة، من ممارسة الأنشطة مثل: الألعاب الرّياضيّة والطّلاقة الشّفويّة لتنمية المحادثة والحوار، وممارسة التّجارب المباشرة مع العالم الطّبيعي؛ كونها لازمة لنموّهم الصّحّي. " (1)
14 – هناك تحدّيات أوجدها مجتمع المعرفة، الذي يتميّز أو يعجّ بمستجدّاته التي لا تنتهي ولا تتوقّف، ما دام العقل البشري يبدع وينتج، وما دام تطوّر الحياة وتغيّرها لا يتوقّفان، ويسيران بسرعة، وتتدفّق مطالبهما ونتائجهما بقوّة، بل إنّ مطالب التّطوّر تنشد وسائل متجدّدة، تتناسب مع ما ينتجه تغيّر الأحوال والمظاهر والأشكال؛ ممّا يدعو إلى مسايرتها شكلاً ومضمونًا، ورؤى وتخطيطًا. والعمل كلّه يدور حول الفرد التي يتولّى القيام بما يحقّق الطّموح ويلبّي الحاجة. إذن يجب الاعتناء به منذ الصّغر، وهو طفل يدرج في البيت، ينشأ في الأسرة، هنا نسجّل مسؤوليّة أولياء الأمور وفي مقدّمتهم الأب الذي يناط به العمل الكبير لتوفير هذه المطالب، التي بدورها تسهم في استقرار الأسرة، حين تؤدّي وظيفتها أحسن الأداء. بهذا يهنأ المجتمع ويستقرّ؛ إذ يهيّء له الأب لَبِناتِه الأولى تهيئة جيّدة، إنّهم الأطفال رجال الغد ومستقبل الأمّة، وامتداد وجودها ...
تقول عزيزة الطّائي: " إنّنا أمام طموحات وتحدّيات أوجدتها حاجات ومتطلّبات مجتمع المعرفة. فهو مجتمع يتميّز بلغته ورموزه ومعانيه، وبوسائطه وأدواته، وما تنفرد به من اللّغة الرّقميّة والمعلومات الشّبكيّة، الأمر الذي يطرح قضايا تمكين أطفالنا من الاقتدار اللّغوي والمعرفي الذي يعتمد على لغة العصر، وتمثّلها في نسق لغتنا وثقافتنا العربيّة. ولكي نواجه تحديّات العصر بشجاعة، لابدّ لنا أن نوفّر لأنفسنا ونوقظ الضّمير العربي والعقل العربي أمام تعاظم لغتنا واقتدارها الاستيعابيّة للحضارة ورموزها وأدواتها" (2)
أوّل من يوفّر ذلك، ويوقظ الضّمير، ويحرّك العجلة، ويستبق هذه التّحديّات، ويحتاط للمستقبل ... هو الأب الذي يحضن الطّفل في الأسرة ويعلّمه ويربّيه ويعدّه لخدمة مجتمعه؛ بما يحصل عليه من معارف ووسائل تُقدِرُه على العمل الكبير، وبه وبطموحه يعيش المجتمع في استقرار وأمن وأمان.
هذه كلّها تحديّات من إفرازات الحياة الجديدة، وهي أيضًا من نتائج التّطوّر والمدنيّة والتّحديث، التي لم تفهم حقّ الفهم، فنتجت عنها ممارسات خاطئة في التّربية، تتحمّل الأسرة تبعاتها، وبخاصّة الأب القوّام على قيادة الأسرة، الذي قد يسيء تقدير مسؤوليّته فيها، فيخطئ طريق البناء الصّحيح، والإعداد السّليم (3)
" يتّضح من ذلك كلّه انعكاس تلك التّحدّيات على الخطاب الثّقافي من خلال ما توضّحه النّقاط الآتية: تناقض نماذج الفكر المطروح للإصلاح التّربوي والتّعليمي، حيث يتربّع على السّاحة العربيّة نماذج فكر متنوّعة، كمشروعات للإصلاح والتّعامل مع تلك التّحدّيات التي يشهدها الواقع العالمي المعاصر. وتأتي تلك المشروعات والأطروحات كنتيجة للتّحوّلات الجذريّة، التي يتعرّض لها المجتمع الإنساني والثّورات العلميّة والصّناعيّة من جهة، وعلاقة بناء الإنسان وتنشئته بجذور وأعراف وتقاليد وموروث اجتماعي؛ وتتمثّل في
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 42.
(2) - المرجع نفسه.
(3) - ينظر موضوع التّحدّيات التي تواجه الأسرة العربيّة، المرجع السّابق، 85 – 94. (1/10)
صفحة 11
تلك الرّؤى الثّقافيّة والأنساق الفكريّة، التي تشكّلت عبر ظروف سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ودينيّة، يحكمها الصّراع من منطلق أنّه الأصلح لبناء الإنسان العربي في العصر الحاضر." (1)
إذن إن ّ تباين الرّؤى الفكريّة في مواجهة المتغيّرات وتوجيهها، والتّكيّف معها بما يعين على دراستها دراسة موضوعيّة عميقة، واستشراف المستقبل برؤى واضحة، وبناء شخصيّة الفرد بما يتلاءم مع المعطيات الموجودة، والمقوّمات الأصيلة (الأساسيّة) التي تنتظم الفكر الأصيل، الذي يحكم المجتمع الإسلامي ... إنّ ذلك بعدّ أحد التّحدّيات التي تواجه المجتمع المسلم – بعامّة - والأسرة المسلمة – بخاصّة -. تُحمِّلُ هذه التّحدّياتُ الأسرةَ مسؤوليّة كبيرة في معالجة آثارها؛ ليتوفّر لأفرادها والمجتمع ككلّ ظروفُ الاستقرار، وللأب الدّورُ الأكبر والأساس في هذا المطلب.
إنّ المخرج من المتاهات، ومقاومة هذه التّحدّيات يكون في الرّجوع إلى أصول التّربية الإسلاميّة، وفقه حقيقتها. ووعي الضّوابط التي تنظّم العلاقات الأسريّة، وتحديد الواجبات والحقوق داخل الأسرة. فإنّ جهل هذه الأمور أو الحقائق هو تحدٍّ بذاته. ففي خضمّ تطوّر المفهومات، وتباين التّقديرات، تباينت الآراء في تحديد مفهوم الأسرة، وطبيعتها ودورها، ثمّ معرفة العلاقات التي تسود وتسيّر أفرادها، وفي تعيين الحقوق والواجبات التي يتمتّع بها كلّ فرد داخل أسرته. هذه الرّؤى وهذه التّحديدات والتّقديرات هي من نتائج تراكم الثّقافات والتّيارات التي تقدّم تصوّرات ومفهومات متعدّدة للأسرة وما يتّصل بها (2)
إنّ المهمّة الأساسيّة للأسرة هي التّنشئة الاجتماعيّة. والتّحدّيات التي تواجه الأسرة تؤكّد أنّ عليها عبئًا عظيمًا وثقيلاً وعملا كبيرًا في هذه التّنشئة. فماذا ينتظرها؟ قبل الإجابة عن هذا السّؤال نتعرّف على الأسرة وحقيقتها، لنتبيّن دورها، ومسؤوليّة القوّام والقائد فيها.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 92.
(2) - للتّوسّع في الموضوع ينظر كتاب خطابات محاضير محمد، مرجع سابق، ص: 62 وما بعدها. (1/11)
صفحة 12
حقيقة الأسرة
إنّ الإسلام بكلّ ما شرّع وما قنّن وضبط .. في المجال الاجتماعي كان يهدف إلى بناء الأسرة المسلمة بناء قويًّا متينًا. لقد جعلها أصل المجتمعات وأسّها، إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد. والمجتمع الصّالح هو مظهر الحياة السّعيدة الآمنة المطمئنّة المنجٍية، بينما المجتمع الفاسد هو مظهر التّعاسة والاضطراب والضّلال والهلاك. حين نعي هذه الحقائق ونستوعبها نفهم لماذا كانت عناية الإسلام بالأسرة المسلمة بالغة الأهميّة -بخاصّة نشأتها والضّوابط التي تحكمها- فإنّ أفرادها هم لبنات المجتمع، ومن ينشؤون فيها يكوّنون هيكله وعناصره التي تبنيه وتسيّره. إنّ الفشل في بناء الأسرة بناء سليمًا هو الفشل في تحقيق السّعادة والهناء والطّمأنينة والاستقرار فيها وفي المجتمع كافّة.
إنّ في تنظيم مؤسّسة الأسرة والخليّة الأولى في المجتمع وضبط أمورها وتوزيع أعبائها بدقّة ودراية على أفرادها، وبيان القواعد التي تنتظم سيرها، والالتزام بها في تسيير شؤونها ... إنّ في كلّ ذلك ضمانًا للسّير الحسن والمنضبط نحو الأهداف المنشودة التي تحقّق الاستقرار والاتّزان والطّمأنينة والأمن والسّكن ... تقول عزيزة الطّائي: " ... وعلى الأسرة أن تمنح الطّفل مشاعر الاستقرار والأمان والشّعور بالرّضا كي يتسلّح بالوعي والإدراك السّليم لما يحصل حوله أو أمامه." (1)
" إنّ النّظام الاجتماعي الإسلامي نظام أسرة، بما أنّه نظام ربّاني للإنسان، ملحوظ فيه كلّ خصائص الفطرة الإنسانيّة وحاجاتها ومقوّماتها. وينبثق نظام الأسرة في الإسلام من معين الفطرة وأصل الخلقة وقاعدة التّكوين الأولى للأحياء جميعًا وللمخلوقات كافّة. تبدو هذه الفطرة واضحة في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} (الذّاريات: 49) ومن قوله سبحانه: {سُبْحانَ الذي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُون} (يس:36) ... ومن ثمّ كان نظام الأسرة في الإسلام هو النّظام الطّبيعي الفطري المنبثق من أصل التّكوين الإنساني، بل من أصل تكوين الأشياء كلّها في الكون
__________
(1) - ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، مرجع سابق، ص: 44. (1/13)
صفحة 13
كلّه، على طريقة الإسلام في ربط النّظام الذي يقيمه للإنسان بالنّظام الذي أقامه الله للكون كلّه، ومن بينه هذا الإنسان ... " (1)
علّق خالد عبد الرّحمن العكّ على الآية الأولى من سورة النّساء التي ورد فيها أنّ الله خلق النّاس كلّهم من نفس واحدة. تحت عنوان: "حقائق وتأمّلات في قانون الأسرة في الإسلام" (2): " ... رابعًا: توحي الآية بأنّ قاعدة الحياة البشريّة هي الأسرة، فقد شاء الله أن تبدأ هذه النّبتة في الأرض بأسرة واحدة. فخلق ابتداء نفسًا واحدة، فخلق منها زوجها، فكانت أسرة من زوجين { ... وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساء ... } (النّساء:1) الآية، ولو شاء الله لخلق في أوّل النّشأة رجالا كثيرًا ونساء، وزوّجهم، فكانوا أسرًا شتّى من أوّل الطّريق، لا رحم بينهم من مبدأ الأمر، ولا رابطة تربطها إلاّ صدورها عن إرادة الخالق الواحد، وهي الوشيجة الأولى. ولكنّه – سبحانه- شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها أن يضاعف الوشائج، فيبدأ بهما من وشيجة الرّبوبيّة - وهي أصل وأوّل الوشائج- ثمّ يثنِّي بوشيجة الرّحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى- هما من نفس واحدة وفطرة واحدة- ومن هذه الأسرة الأولى يبثّ رجالا كثيرًا ونساء، كلّهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الرّبوبيّة، ثمّ بعدها إلى وشيجة الأسرة التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني، بعد قيامه على أساس العقيدة. " (3)
أمّا سيّد قطب فيقول معقّبًا على ما جاء في أوائل سورة النّساء: " ... وأراد بالتقاء شطري النّفس الواحدة -بعد ذلك- فيما أراد أن يكون هذا اللّقاء سكنًا للنّفس، وهدوءًا للعصب، وطمأنينة للرّوح، وراحة للجسد ... ثمّ سترًا وإحصانًا وصيانة. ثمّ مزرعة للنّسل وامتدادَ الحياة، مع ترقيتها المستمرّ، في رعاية المحضن السّاكن الهادئ المطمئنّ المستور المصون ... " (4)
ما يجمع بين قطبي النّفس بالزّواج يؤدّي إلى تحقيق الأهداف الأساسيّة والمركزيّة في بناء الأسرة؛ نفسًا وجسدًا، روحًا ومادة: السّكن، الهدوء، الطّمأنينة، الرّاحة. ثمّ السّتر والإحصان والصّيانة، كلّ ذلك يؤدّي إلى الاستقرار، وهم بدوره يعين على الإنجاب في ظروف حسنة، وبنفس آمنة مطمئنّة، وبعدها يتمّ ما يكون
__________
(1) - خالد عبد الرّحمن العك (إعداد وتصنيف)، بناء الأسرة المسلمة في ضوء القرآن والسّنّة، ط3، دار المعرفة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1420هـ/ 2000م، ص: 30، 31.
(2) - ينظر المرجع السّابق، ص: 26 – 29.
(3) - المرجع السّابق، ص: 28.
(4) - سيّد قطب، في ظلال القرآن، المجلّد الثّاني، ط10، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1402هـ 1982م، ص: 648. (1/14)
صفحة 14
امتدادًا لحياة الأسرة، تطوّرًا واستمرارًا وبقاء ... هذه النّتائج الإيجابيّة، المسؤول الأوّل عن الظّقر بها والمحافظةِ عليها ورعايتها هو الأب الوليّ، بصفته القائد القوّام على البيت، وربّان سفينة الأسرة.
الأسرة هي ركيزة المجتمع البشري، التي تحتضن القيم الإنسانيّة في الثّقافات، وتحفظ المقوّمات، بمعنى أوضح وأفصح: هي المجال الذي لابدّ منه لبناء الكيان، وتأسيس البنيان. يقول محاضير محمد: " ... الآباء – بفطرتهم- يعتنون بأولادهم، ويحاولون أن يربّوهم ليصبحوا أعضاء نافعين للمجتمع الذي يعيشون فيه. كلّما اشتدّت أواصر الأسرة والعائلة الممتدّة قوّة، أمكن أن تنتشر المعاملات والقيم، وأن تستمرّ داخل المجتمع. والقيم الحسنة هي المحدّدة لاستقرار المجتمع وأدائه وتقدّمه، وأيضًا للمستوى الحضاري الذي يصل إليه." (1)
القيم الحسنة والمقوّمات الأصيلة تمنح المجتمع الاستقرار، والأداء الجيّد، والتطوّر السّويّ، والسّيرورة الحسنة ... هو يستمدّ ذلك من الخليّة الأولى لتكوّنه وهي الأسرة، التي هي نقطة البدء التي تنطلق منها الحياة البشريّة، وهي المؤسّسة الأولى لتكوين الفرد في المرحلة الأولى من حياته، والتي تؤثّر في بقيّة المراحل التي يمرّ بها، ليتدرّج في الحياة التي يحياها. إنّها " تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون في التّصوّر الإنساني. " (2)
من هذا المنطلق وبهذا التّصوّر كانت الأسرة (وتكون) هي المحضن للإنسان في بداية حياته، وهو المخلوق المكرّم المفضّل على كلّ المخلوقات، المكلّف بعمارة الأرض وأداء رسالة سامية في الوجود، والمحمَّل أمانة كبيرة، أشفقت منها السّموات والأرض والجبال ..
الأسرة مكلّفة ومعنيّة برعاية النّاشئة منذ سنواتها الأولى من عمرها: تنمية أجسادها، وتربية عقولها، وتزكية أرواحها. وفي ظلّ هذا المحضن تتلقّى النّابتة " مشاعر الحبّ والرّحمة والتّكافل، وتنطبع بالطّابع الذي يلازمها مدى الحياة، وعلى هديه ونوره تتفتّح للحياة، وتفسّر الحياة، وتتعامل مع الحياة ... ولمّا كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة، ودوره في الأرض هو أضخم دور .. امتدّت طفولته فترة أطول ليحسن إعداده وتدريبه للمستقبل, ومن ثمّ كانت حاجته لملازمة أبويه أشدّ من حاجة أيّ طفل لحيوان آخر، وكانت الأسرة المستقرّة الهادئة ألزم للنّظام الإنساني، والصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة." (3)
__________
(1) - خطابات محاضير محمد، مرجع سابق، ص: 64.
(2) - بناء اٍلأسرة المسلمة ... مرجع سابق، ص: 17.
(3) - المرجع السّابق، ص: 31. (1/15)
صفحة 15
هكذا تتبيّن وتتّضح مهمّة الأسرة في توفير البيئة الصّالحة لترعرع الأطفال، ليكونوا صالحين في المستقبل، ومن أهمّ هذه الوظائف وظيفة زرع الاستقرار والهدوء في النّفوس؛ لتنشأ نشأة سويّة مستقيمة .. والأسرة المتّزنة توجد التّوازن والاتّزان في البيت، اللّذين هما من أهمّ عوامل التّنشئة الاجتماعيّة. ومن ثمرات الأسرة المتّزنة الأبناءُ الصّالحون، الذين يصبحون لبنات متينة في بناء الأمّة المسلمة. يقول خالد أحمد الشّنتوت: "حرص الإسلام على أن تكون الأسرة محضنًا أساسيًّا لتربية أفراد المجتمع، كما حرص على أن تكون الأسرة متّزنة لكي تصبح الأسرة سكنًا روحيًّا لجميع أفرادها، يعودون إليه كلّما أتعبهم الآخرون في معاملتهم لهم ضمن المجتمع ويتجلّى هذا الاتّزان فيما يلي:
1 - اكتمال الأسرة (أب وأمّ وأولاد وبنات) إذا غاب أحد هذه العناصر اضطربت الأسرة واختلّ توازنها، خاصّة إذا غاب أحد الرّكنين الأساسيّين: الأب والأمّ.
2 – الأسرة المتّزنة بقوامة الرّجل، والأمّ مربيّة تعمل داخل البيت، ولا تخرج إلاّ لضرورة شرعيّة.
3 – الرّغبة في إنجاب الأطفال وتربيتهم.
4 – يكتسب الطّفل من أسرته المتّزنة شخصيّة هادئة متّزنة، تكون أساس نجاحه في الدّنيا والآخرة " (1)
الذي يعين الأسرة على الظّفر بهذا العامل (الاتزان أو التّوازن)، والحصول على الغاية المنشودة من التّربية المساعدة على تجنّب الوقوع في الأخطاء، هو ربّانها الأوّل وقائدها المجلّي، الأب القوّام على شؤونها، القائم على أمورها. بهذا يتعيّن دوره الكبير في عمليّة الإشراف والتّوجيه والقيادة داخل الأسرة.
إذا أردنا أن نوجز حقيقة الأسرة ووظيفتها ودورها نقول:
أ - هي أوّل عالم اجتماعي يواجهه الطّفل، وأفرادُ الأسرة هم مرآة لكلّ طفل لكي يرى فيها نفسه. هي المدرسة الأولى للأجيال. وفيها تبذر بذور المقوّمات التي تكوّن من المجتمع وحدة متماسكة وقويّة، وفيها تغرس روح المحبّة والتّعاون والتّضحية وفعل الخير وخدمة الآخر. بهذا العمل، وفي هذا العشّ والمحضن يتربّى الطّفل وينشأ على حبّ الآخرين من حوله، وما يتّصل إليه بسبب بخاصّة. حين يرى أنّ التّعاون قائم في الأسرة يفهم - تلقائيًّا، ومن مشقّة - أنّه أساس السّعادة، وأنّ الحياة من دونه تكون مفكّكة ومضطربة وغير منسجمة، فيقوم هو ليتعاون مع غيره، ويتحرّك ليساعد الآخرين. وحين يرى أبويه يضحّيان من أجله، ويشقيان ليوفّرا له ولمن في البيت السّعادة والهناء، ينمو فيه حبّ فعل الخير للآخرين، ويتدرّج إلى أن يعمل
__________
(1) - خالد أحمد الشّنتوت، دور البيت في تربية الطّفل المسلم، شركة الشّهاب للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1989م، ص: 30، 31. (1/16)
صفحة 16
على إسعاد وطنه، ثمّ الإنسانيّة كلّها ... من يمدّ العون ويوجد هذا الرّجل بعد بذر بذور الخير فيه، وإعداده وتكوينه على النّموذج الجيّد الصّالح؟ الأسرةُ الخليّة الأولى في بناء الرّجال ..
ب - هي قاعدة التّكوين الأولى. والمعقل الأوّل الذي ينشأ فيه الطّفل، في جوّ التّربية الإسلاميّة. هي المؤسّسة الأولى التي تقوم بعمليّة التّنشئة الاجتماعيّة.
ج - هي الرّكيزة الأولى في بناء المجتمع. يقول سيّد قطب:" هي المؤسّسة الأولى في الحياة الإنسانيّة، من ناحية أنّها نقطة البدء التي تؤثّر في كلّ مراحل الطّريق. والأولى من ناحية الأهميّة؛ لأنّها تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون في التّصوّر الإسلامي." (1)
د - هي المؤسّسة التي تحفظ القيم الحسنة في الثّقافات البشريّة.
هـ - البيت مدرسة تتشكّل فيها شخصيّة الطّفل, فدوره إعدادي، فبقدر ما يتمكّن الصّلاح والحكمة والثّقافة الأصيلة في الأسرة يتخرّج فيها الرّجل الصّالح والكفء لخوض معترك الحياة بجدارة واستحقاق.
و - البيت المسلم قلعة من قلاع العقيدة، فيجب أن تكون هذه القلعة متماسكة من داخلها.
ز - تقول عزيزة الطّائي: " ... ومن أجل ضبط السّلوك العدواني عند الطّفل النّاتج عن مشاهد العنف، التي يمرّ بها أو يشاهدها بأتي دور الأسرة في تهيئة البيئة الاجتماعيّة السّويّة والدّافئة، وذلك من خلال تنشئة اجتماعيّة، تغرس الحبّ والدّفء والأمان، وتنمّي مهارات التّعاون والمشاركة والإيجابيّة، وتجنّبه الممارسات الخاطئة والاتّجاهات السّلبيّة، عند التّعامل مع محيطه الدّاخلي والخارجي." (2)
هذه هي حقيقة الأسرة في كيانها وأركانها، وفي دورها ووظائفها، التي يجب فقهها ومراعاتها لتوفير الجوّ الملائم لتنشئة الطّفل، وتكوين المجتمع الفاضل، الذي ينطلق وينمو ويرتقي في سلّم البناء الحضاري من الاستقرار، الذي يجده في المهد والمحضن والمعقل .. أي الأسرة,
هذه بعض الملاحظات التي تضيف معرفة جيّدة بحقيقة الأسرة ودورها في التّنمية البشريّة السّويّة:
ملاحظات عامّة
1 - من دقّة نظرة الإسلام إلى الأسرة حرصُه على توفير ضمانات البقاء والاستقرار والهدوء والسّكن في جوّها. قال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيوتِكُمْ سَكَنًا ... } (النّحل: 80). وقال: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحدةٍ وجَعَلَ منْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ... } (الأعراف: 189) " فإذا اجتمع الزّوجان على أساس من الرّحمة
__________
(1) - في ظلال القرآن، المجلّد الثّاني، مرجع سابق، ص: 650.
(2) - ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، مرجع سابق، ص: 145. (1/17)
صفحة 17
والاطمئنان النّفسي المتبادل، فحينئذ يتربّى النّاشئ في جوّ سعيد، يهبه الثّقة والاطمئنان والعطف والمودّة، بعيدًا عن العقد والأمراض النّفسيّة التي تضعف شخصيّته." (1)
2 – من أهداف تكوين الأسرة المسلمة إقامة حدود الله. فالطّفل الذي ينشأ طبقًا لهذا الهدف يتربّى على قواعد من تقوى الله. تمنحه هذه القواعد الفرصة كي يتدرّج وينمو لتوجيه سلوكه كي يُحكّم شرع الله فيه، حين يصير مكلّفًا وواعيًا؛ لأنّه تعلّم بالاقتداء وتقليد أبويه في سلوكهما، اللّذين أشرباه العقيدة الصّحيحة؛ بالتزامهما حدود الله في أقوالهما وأعمالهما، وفي تربيته على هذا المنوال .. هذا هو الأثر التّربوي في تحقيق هذا الهدف.
3 – الممارسات الإسلاميّة تتّسم بالعدل، لذلك فهي تسهم في تكوين أسر صالحة.
4 – إنّ الاهتمام بالبيت هو الوسيلة الكبيرة لبناء المجتمع المسلم.
5 – " إنّ دور الأسرة هو البدء في الصّغر بتثقيف هذا الإنسان ومساعدته للوصول إلى قمّة قدراته، وتنمية مهاراته العقليّة والإبداعيّة والجسديّة والاجتماعيّة، وتثقيفه ثقافة مستقبليّة للتّكيّف مع عالم المستقبل، سريعِ التّغيّر. وحتّى تتناغم التّغيّرات في بنائه النّفسي والعقلي مع التّغيّرات الخارجيّة البيئيّة، وإلاّ فإنّه يشعر بالضّغط النّفسي والاغتراب في هذا العالم الجديد؛ لأنّ الفجوة تزداد بينهما.": (2)
هذه الملاحظة التي تضمّنتها هذه الفقرة تنبّه إلى النّقط الآتية:
أ - تحضير الطّفل للعالم المستقبلي.
ب – الوعي بمتطلّبات العصر واستيعاب ثقافته. أو الاستعداد لإدراكها على الأقلّ.
ج - هذا الإدراك الواعي يدفع أولياء أمور الطّفل وأسرته - بخاصّة- إلى مساعدته أن يعرف كيف يتعلّم، وكيف يستمرّ فيه ويتطوّر؛ لأنّ الحياة في تطوّر دائم وسريع، والإنسان في درب التّعلّم دائمًا؛ لأنّ طلب العلم لا نهاية له ولا حدّ، وباب الاستفادة من الحياة مفتوح على الدّوام ..
د - بعث التّفكير الخلاّق في الطّفل منذ الصّغر، وهو يدرج في أحضان أسرته؛ حتّى تُكتشَف قدراته وتنمو، فتبُدعَ وتثجدِّد في وسائل العمل والنّشاط؛ فيستعدّ هو ليخوض بها معركة الحياة بثقة وقوّة ..
__________
(1) - عبد الرّحمن النّحلاوي، أصول التّربية الإسلاميّة: في البيت والمدرسة والمجتمع، ط2، دار الفكر، دمشق، سورية، 1402هـ/ 1982م، ص: 136.
(2) - ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، مرج سابق، ص: 52. (1/18)
صفحة 18
هـ ـــــ هذه الممارسات وهذا التّحضير للعالم المستقبلي يرفع عن الطّفل الضّغط النّفسي، ويبعد عنه الشّعور بالاغتراب في العالم الذي يعيشه، ويمنحه القدرة على التّكيّف مع المتغيّرات والمستجدّات، ويزرع في قلبه الطّمأنينة، ويجعل حياته النّفسيّة والعقليّة أكثر استقرارًا.
الرّعاية الأسريّة الواعية الهادفة تحقّق هذا الاتّزان وهذا الاستقرار في أفرادها. وهي - في الحقيقة - مهمّتها الأساسيّة؛ ما دام من واجبها بناء الكيان، وتأسيس خلايا المجتمع، فأوّل ما يطلبه هذا البناء زرعُ الأمن والطّمأنينة في القلوب، وإبعادُ الشّعور بالاغتراب والخوف من النّفوس ...
6 – إعدادُ الإنسان - محطّ عناية الأسرة - يقوم على جانبين أو دعامتين:
أ - المسؤول على تربيته، وهما الوالدان، وبخاصّة الأب. الوالدان هما اللّذان يعطيان الطّفل طابعه الخاصّ، وهما اللّذان يغرسان فيه الصّفات والعادات. إنّ التّنشئة الصّالحة للأجيال -بعامّة- تقع على عاتق الآباء والأمّهات.
ب – الجوّ الأسري السّليم النّظيف الذي ينشأ فيه.
7 – الأسرة في مجتمعاتنا الإسلاميّة ما تزال مهد التّنشئة الاجتماعيّة، وحضن التّكوين والإعداد. لذا لابدّ من وضع برامج، وإعداد مشروعات للعناية بهذه الأسرة، لتلبية الحاجات الماديّة والمعنويّة، التي تقوم على التّنمية المتكاملة لمواجهة التّحدّيات الحاضرة والمستقبلة أو القادمة.
هذه الملاحظات التي ذكرناها تبيّن أنّ كيان الأسرة الطّبيعيّة بتّسم بالتّنظيم المحكم، ويخضع للبناء المتين، ويحاط بمجموعة ضوابط وقواعد توجّه نشاطه وعمله. بذلك يحصل الاستقرار. هذا العمل الكبير يضمنه ويقوم به طرفان رئيسان متعاقدان على أداء واجبهما بكلّ حزم وعزم، وصدق وإخلاص ... هما الوالدان." لذا لابدّ من حضور الوالدين لسدّ منافذ الإغراء ونقاط الضّعف عند الأبناء، التي تؤدّي بهم إلى الانحراف؛ شريطة أن يعي الوالدان بمركزيّة وأهميّة دورهما بالإشراف والتّوجيه بأساليب تربويّة، تعتمد على الحوار والنّقاش والقدوة الحسنة." (1)
لكنّ المسؤوليّة الكبيرة على توفير الاستقرار في البيت وفي الأسرة تقع على عاتق الأب. يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض: " ... لكنّ المسؤول الرّئيسي على كلّ هذه التّربية إنّما هو الأب؛ إذ هو القيّم على الأمّ، وهو
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 92. (1/19)
صفحة 19
المسؤول، يأخذ ولده إلى المدرسة ليتعلّم دينه، وهو المسؤول على مواصلة تهذيبه ووعظه بمثل الوعظ الذي وعظ به لقمان." (1)
إذن توفير الاستقرار في البيت ينطلق من أداء الأب واجباته في أسرته. وبخاصة مع أبنائه. فما هي هذه الواجبات؟
واجبات الأب في الأسرة ونحو الطّفل
مهام البيت المسلم كبيرة وخطيرة، لا يضطلع بها إلاّ رجل عرف اللّه فآمن به، فقام بواجبه أحسن قيام، وأدّى الأمانة أحسن أداء؛ ليكون البيت متّزنًا. فماذا نطلب أن يكون في البيت؟
إنّ العمل الكبير الذي يقوم به البيت هو التّربية، إذ هي:" الوسيلة الفاعلة لإقامة قوّة بشريّة ناضجة، يمكن من خلالها بلورة نهضة حضاريّة للمجتمع البشري لتحقيق آمال وطموحات أفراده في سبيل تهيئة حياة كريمة ومستقرّة لهم." (2)
إنّ أهمّ ما يطلب في البيت السّكنُ، والانسجام، والتّفاهم، والرّاحة، والطّمأنينة، والوئام والسّلام ... هذه الأهداف هي من عوامل الاستقرار وركائزه. لذا تبدو مسؤوليّة الأب كبيرة وثقيلة ومهمّة.
كيف يتحقّق ذلك؟
يتحقّق بمجموعة أمور منها:
1 – معرفة الواجبات والحقوق المتبادلة بين أفراد الأسرة.
2 – وعي المسؤوليّة الملقاة على عاتق كلّ واحد منهم، وحذق طرق تنفيذها أو القيام بها.
3 – قيام البيت برسالته أحسن قيام.
4 – معرفة أصول التّربية الصّحيحة، ونوعية التّربية المطلوبة.
5 - بناء الشّخصيّة القويّة. وزرع مقوّم الشّعور بالذّات؛ لينمو الطّفل نموًّا سليمًا.
6 – تنمية روح الجماعة في الطّفل -أيضًا- ليندمج في مجتمعه، فلا يعيش العزلة والنّفور والاضطراب.
7 – تنشئة الطّفل على خلال الفضيلة والمحبّة والأخوّة والقوّة والثّقة والعزّة والكرامة ... المقوّمات البانية للشّخصيّة السّوية.
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، في رحاب القرآن، تفسير سورة لقمان، تحرير عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج، الجزء الحادي عشر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1423هـ/ 2002م، ص: 112
(2) - ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، مرجع سابق، ص: 67. (1/20)
صفحة 20
8 – من أهداف تثقيف الطّفل تنمية القيم الجماليّة السّامية فيه، التي تجعل منه إنسانًا ذا حسّ رفيع وإحساس مرهف وشعور دقيق ورقيق.
9 – قبل ذلك وبعده فالأب المؤمن مكلّف بهداية أهله وإصلاح بيته، كما هو مكلّف بهداية نفسه وإصلاح قلبه. فالإسلام دين أسرة؛ لهذا يقرّر تبعة المؤمن في أسرته وواجبه في بيته.
تحقيق هذه المطالب يساعد على استقرار الأسرة.
كيف يؤدّي الأب مهمّته، ويقوم بمسؤوليّته ليتحقّق الاستقرار في البيت؟ يؤدّيها بالشّروط الآتية:
1 – فقه الرّجل لعلاقته بزوجه. التي تبدأ باختيارها شريكًا في حياته الزّوجيّة والأسريّة، ثمّ في الإحسان وإكرامها بعد الارتباط بها، بهذا يكون الاستقرار والسّكن والطّمأنينة. يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض: " ترى متى نصل إلى هذه الدّرجة من الإحسان؟ نصل إذا كنّا نربّي أبناءنا وبناتنا من أوّل يوم ليكونوا أزواجًا صالحين؛ ليكوٍّنوا عشًّا زوجيَّا صلبًا متينًا، أسّه الدّين وقوامه الخلق، ومتى كوّنوا ذلك فهما زوجان سعيدان، وبعد أيّام يصيران أبوين صالحين، يتعاونان على تربية الولد الذي يخرج من بينهما، وليس أحدهما يبني والآخر يهدم، فلابدّ من صلاح الاثنين ليصلح الولد." (1)
إعداد الأب الصّالح الذي يحسن التّربية، يمرّ عبر محطّة عشّ الزّوجية الصّالح. هذا الصّلاح يبدأ فيه مبكّرًا، أي قبل تكوين هذا العشّ، في الأسرة التي تربّي أبناءها على خلق الإحسان في السّلوك والمعاملة والعيش. وللأب الدّور الكبير في هذه المهمّة.
2 - مراعاة الله في تربية الأولاد؛ لأنّ الأب مسؤول عنهم أمام خالقه.
3 – الالتزام بقواعد الشّرع وتوجيهات التّربية الصّحيحة، ودواعي الفطرة، والضّوابط التي تمليها الحياة زمانًا ومكانُا وظروفًا ...
4 - معرفة حقيقة القوامة وحذق كيفيّة تنفيذها في واقع الأسرة وحياتها.
5 – فهم شخصيّة كلّ فرد في البيت، ومعرفة كيفيّة التّصرّف معها.
6 – زرع مشاعر المحبّة والعطف والشّفقة والرّحمة في قلوب أفراد الأسرة. من ذلك دخول البيت بوجه مشرق، وقلب منشرح ... فحاجة الطّفل إلى المحبّة كبيرة. إنّه يريد أن يكون محبوبًا ومرغوبًا فيه. حرمانه من ذلك يؤدّي به إلى الاضطراب وسوء التّكيّف مع أجواء الأسرة .. إنّ الحبّ في الأسرة هو أهمّ سبب من
__________
(1) - في رحاب القرآن تفسير سورة لقمان، ج11، مرجع سابق، ص: 119. (1/21)
صفحة 21
أسباب بناء الأسرة السّعيدة. والبيت الذي ينعم بالحبّ هو البيت الذي يتربّى فيه الأولاد تربية، تجعلهم أكثر حبًّا لآبائهم وأمّهاتهم وكلّ أفراد أسرتهم. هذا الحبّ يزرع الطّمأنينة والأمن فيهم، فيبتعدون عن حالات التّعقيد والاضطراب في حياتهم: " ... لأنّ الشّعور بالأمن والطّمأنينة أمر ضروري لينشأ الطّفل خاليًا من العقد والاضطرابات النّفسيّة. ليس ذلك فحسب، بل هو محتاج إلى الحبّ والتّقدير في مختلف مراحل حياته." (1)
7 – حاجة الطّفل إلى احترامه، وتقدير ذاته، ومنحه فرصًا لصقل شخصيّته، وإظهار قدراته.
8 – القدوة الحسنة والسّلوك السويّ.
9 – المساواة بين الأولاد في المعاملة.
10 – إيجاد الجوّ الإسلامي في البيت.
11 – غرس العقيدة الصّحيحة في قلب كلّ فرد؛ لأنّ ذلك ينتج عنه تكوين شخص مخلص لدينه وعقيدته، هذا الإخلاص يبعث الاستقرار في النّفس، والطّمأنينة في القلب.
12 – إنّ كلّ الواجبات المذكورة تحقّق التّنشئة الاجتماعيّة المطلوبة، التي تعدّ الطفل ليكون على النّموذج الذي يرجوه مربّوه، وعلى الهويّة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها " إنّ التّنشئة الاجتماعيّة الموضوعيّة تعدّ حصانة فاعلة للطّفل، ضابطًا له أثناء التّفاعل مع المحيط الدّاخلي والخارجي؛ كون الحصانة الذّاتيّة للطّفل تعدّ عنصرًا هامًّا مكمّلاً لنموّه، بما يحقّق له التّوازن بين أصالة ثقافته المجتمعيّة والانفتاح نحو الآخر. وتبدو التّنشئة الاجتماعيّة المحرّك الفاعل لثقافة الطّفل وإكسابه الهويّة الاجتماعيّة بعد ذلك." (2)
ما يساعد على توفير الاستقرار بعضُ الأعمال والحركات أو التّصرّفات. نشير إليها فيما يأتي:
1 - ملء فراغ الأولاد بما يفيدهم ويبعد عنهم التّصرّفات المشينة. ويكون بما يأتي:
أ ... - شغل أوقاتهم بما يفيدهم وما يمتعهم داخل البيت وخارجه.
ب - الجلوس معهم في أوقات عديدة والتّحاور معهم، وإفادتهم بما ينفعهم، وتفقّد أحوالهم .. عندما يلزم أفراد الأسرة أنفسهم بالجلوس سويًّا مع بعضهم بحضور الوالدين؛ لمناقشة أمور داخليّة أو خارجيّة، تتعلّق بالأسرة، تنتظم حياتهم داخل البيت، ويسود الودّ، وتتعمّق المجبّة بينهم ... إنّ هذا الالتزام عامل مهمّ في تماسك الأسرة وتفاعلها وتعاونها وانسحامها ...
__________
(1) - بناء الأسرة المسلمة ... ، مرجع سابق، ص: 185.
(2) - ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، مرجع سابق، ص: 106. (1/22)
صفحة 22
ج – اصطحابهم إلى مجالس الرّجال ومنتديات العظماء، وفضاءات الفائدة والمتعة ... ليأخذوا منها دروسًا ومواعظ، ويفيدوا تجارب وخبرات، وأشياء كثيرة، تزيد في عقولهم ونفوسهم، وتبعد عنهم الشّرور التي يسبّبها الفراغ. يقول خالد أحمد الشّنتوت: " ... وعندما يصبح الطّفل في الرّابعة يحسن بالأب أن يصطحبه معه خارج المنزل، إلى المسجد أو السّوق، أو بعض الأقارب والأصحاب، وفي مصاحبة الطّفل لأبيه تفتّح اجتماعي سليم عند الطّفل، وتشرّب للقيم التي يلمسها عند والده. وقد وجدت الباحثة سامية حمام بعض الصّفات المشتركة عند الأطفال الذين يغيب أحد الوالدين عن تربيتهم، سواء كان الغياب بسبب الموت أو الطّلاق أو السّفر الكثير أو الاشتغال بالمال عن الأطفال، ومن هذه الصّفات: الغيرة ... الشّعور بعدم الانتماء ... الانطواء ... " (1)
هذه الصّفات هي النّتائج والثّمار التي يجنيها الطّفل؛ بسبب غياب الوالد عنه، والابتعاد عن البيت. هي تهدّد الأسرة بعدم الاستقرار، وتحرم البيت من السّكن الذي جعله الله - عز وجل - صفة له، ومنحة لمن يكون فيه ويعيش. وتبيّن هذه النّتائج السّلبيّة دور الأب الكبير في زرع الطّمأنينة في الأسرة، وتوفير الاستقرار فيها؛ ممّا يفرض عليه واجب منح الأبناء حقّ المكوث معهم في البيت باستمرار.
د - اطلاع الأطفال على سيرة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّاريخ الإسلامي وتاريخ وطنهم وأسرتهم، والحياة الاجتماعيّة التي ينتمون إليها؛ ليتحصّنوا من الاستلاب والانفصال عن تاريخهم وتراثهم، حتّى لا يتنكّروا لهويّتهم وانتمائهم وعاداتهم وتقاليدهم.
حرمان الأبناء من هذا الفضاء وغيابه في برامجهم، يفتح المجال لتملأ أوقاتهم بأشياء أخرى وثقافات أخرى، وقد يصابون بالحيرة والتّذبذب والاضطراب، فيفقدون الاستقرار والطّمأنينة ..
2 – الحرص على عدم الغياب عن البيت كثيرًا وطويلا؛ لأنّ ذلك يمنع من المراقبة والمتابعة والتّوجيه المفيد المثمر .. فغياب الأب عن المنزل يسبّب اضطرابًا في سير أموره، ويسبّب إرهاقًا للأمّ؛ إذ أنّها ستقوم بمهمّتها ومهمّة الأب معًا، وقد تخفق فيهما جميعًا. والنّتيجة انعدام الاستقرار النّفسي ـ وراحة البال ...
3 – غرس حبّ الحريّة في أعماق قلوب الأبناء، وتنشئتهم على العزّة والكرامة والقوّة؛ حتّى لا تتمكّن منهم الانهزامية واليأس والذّلة والصّغار ..
__________
(1) - دور البيت في تربية الطّفل المسلم، مرجع سابق، ص: 29، 30. ينظر سامية حمام، " أثر غياب الوالدين على الطّفل"، مجلّة التّربية القطريّة، ع: 64، أبريل 1984م. (1/23)
صفحة 23
4 – تعويد الأبناء على الصّراحة في القول، والصّدق في العمل، وعلى الخشونة في العيش فإنّ النّعومة لا تدوم، ولا تنتج – إن طال أمدها – إلاّ دمارًا للشّخصيّة وهلاكًا وإفلاسًا ...
5 – الاعتدال في معاملة الأولاد: صرامة في غير عنف؛ حتى لا تنزرع في قلوبهم رذيلة مقت آبائهم والرّهبة منهم، ولين في غير ضعف؛ حتّى لا يحرؤوا على احتقار أولياء أمورهم وإهانتهم، أو عدم احترامهم وتقديرهم. يجب أن يمتزج ويختلط في قلوبهم شعور الهيبة من آبائهم بإحساس الحبّ لهم. وفي هذا يكون الاستقرار والرّاحة النّفسيّة.
6 – الدّقة في ملاحظة أحوال البيت لتوجيه السّلوك وتقويم الحركات، وتثمين التّصرّفات الحسنة؛ وبذلك يتعلّم الجميع في البيت، وتؤتي التّربية أكلها الطّيّب، وتقود إلى الاستقرار والسّكن النّفسي.
7 – عدم إظهار الخلافات الأسريّة أمام الأولاد؛ لتجنّب الانعكاسات التي تجني على الاستقرار والطّمأنينة.
كلّ هذه التّصرّفات والحركات والأعمال تمنع قطع العلاقات الأسريّة وتساعد على الاستقرار.
8 - أعظم هذه الواجبات (هو حقّ الولد على والده) رعاية الطّفل بالتّوجيه المستمرّ، بواسطة الوعظ بصفة دائمة؛ ليبقى على صلة بالطّريق المستقيم، يتجنّب الغفلة، ويرتبط برباط الهداية، ويبتعد عن مواطن الغواية. في هذا السّياق أُثبت ملاحظات الشّيخ إبراهيم بيّوض، التي تعمّق هذا الفهم، وتبرز هذه النّقطة بجلاء. علّق على قول الله - عز وجل - عن لقمان وهو يقوم بواجب نصح ابنه {وِإِذْ قالّ لقمانُ لاِبْنِهِ وّهُوّ يّعِظُهُ ... -} (لقمان:13): "ولمّا نقل إلينا وصيّة لقمان لابنه عرفنا أنّ اعتناء الوالد بولده، واهتمامه بدينه وتوجيهه وإرشاده، هي واجبات على الأب، يتحمّلها ليؤدّيها إلى ولده ... ولكنّ الأوكد من الواجبات هو الهداية والرّشد والنّصح والوعظ ... وهذا فرض واجب عليك أيّها الأب، وحقّ لولدك أكيد عليك. وهذا ما يدلّ عليه قوله: {وَهُوَ يَعِظُهُ}، وكلّ حقوق الولد على الوالد من هذه النّاحية تؤخذ من هذه الكلمة. وإلاّ لماذا لم يقل: وإذ قال لقمان لابنه: يا بنيّ لا تشرك بالله ... على إيجاز القرآن واختصاره، ولكنّه جاء بكلمة: {وَهُوَ يَعِظُهُ}.
فالذي نستشفّه ونتذوّقه من الكلمة أنّ من شأن لقمان أن يعظ ابنه، فوعظُه له دائم متواصل، فهو يعظه مرّة بعد مرّة، وكأنّها حالة من حالاته. وهذا ما يبدو لي وأتذوّقه، فتذوّقوا أنتم هذا، فإنّكم تحسّون به ... فلقمان لحكمته قال لابنه وهو يعظه، إذن كان الوعظ من همّه ومن شأنه دائمًا، بصورة مستمرّة (1/24)
صفحة 24
دائمة ... وإنّما الذي يؤخذ من هذا هو اهتمام لقمان بوعظ ابنه، وجعله في مقام شديد الأهميّة، حتّى إنّني أراها أعظم آية تحقّق حقّ الولد على الوالد ... " (1)
هذه الواجبات التي يضطلع بها الأب في أسرته، وهذه الملاحظات التي يجب أن يعمل بها ليؤدّي الأمانة التي حُمِّلها وتَحمَّلها نحو أسرته بعامًة، ونحو أطفاله بخاصّة، التي تتّجه كلّها وتهدف إلى توفير العنصر الأساس المتين، والرّكن الرّئيس الرّكين، ونقطة الارتكاز في الإعداد والتّنشئة (وهي الاستقرار والسّكن والرّاحة النّفسيّة) تنطلق من منطلق أنّ الطّفل هو حجز الزّاوية وبيت القصيد في تكوين المجتمع، الاعتناء به عناية شاملة، وتربيته تربية متكاملة، وتهيئته تهيئة جيّدة ... يضمن البناء القويّ لكيان المجتمع، ويوفّر عوامل تشييد المستقبل السّعيد. لهذا نجد الدّارسين يحرصون - في أثناء الحديث عن تربية الطّفل – على إبراز الغاية من ذلك، وبيان الأهداف المنشودة من التّكوين، مبيّنين الجوانب التي يحب أن تراعى في الإعداد. تقول عزيزة الطّائي: " والغاية من التّربية والتّعليم لمرحلة الطّفولة هي البناء وتنمية الشّعور بحبّ الخالق والانتماء للوطن والولاء له؛ باكتساب المهارات والاتّجاهات السّليمة للتّعايش مع المجتمع المحيط والعالم الخارجي، ليجد الطّفل نفسه ويحقّق ذاته، فيتكامل نموّه النّفسي والعقلي مع النّواحي الاجتماعيّة والفكريّة والثّقافيّة والعلميّة، بما تقدّمه البيئة المتاحة من المعلومات والقدرات والخبرات والمهارات التي تثري حياته، وتساعده على التّكيّف مع محيطه، الموائمة مع مجتمعه، والتّنفيس عن مشاعره، وصقل مهاراته، وتهذيب أحاسيسه؛ لاستثمار أوقات فراغه، وتذوّق الجمال، والارتقاء بالذّائقة الفنّيّة، وصقل المواهب، وتنمية الإبداع، والرّقيّ بالابتكار." (2)
عبارات النّصّ وكلماته توحي بالآتي:
1 – نقرأ في بعضها معاني الانسجام والتّماسك والتّناغم. (حبّ الخالق، الشّعور بالانتماء للوطن والولاء له، التّعايش مع المجتمع والمحيط والعالم الخارجي،، التّكيّف مع محيطه، يحقّق ذاته، يتكامل نموّه ... )
2 – نتبيّن من بعضها علامات التّشييد والتّأسيس والبناء والتّكوين. (البناء، تثري حياته، صقل مهاراته، اكتساب المهارات، تهذيب أحاسيسه، استثمار أوقات فراغه، الارتقاء بالذّائقة الفنّية، تنمية الإبداع، الرقيّ بالابتكار ... )
3 – يدلّنا بعضها على مواطن القوّة في ذات الطّفل (القدرات، المهارات، الخبرات، تذوّق الجمال، الارتقاء بالذّائقة الفنيّة، الرّقي بالابتكار ... )
__________
(1) - في رحاب القرآن تفسير سورة لقمان، ج11، مرجع سابق، ص: 102 – 104.
(2) - ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، مرجع سابق، ص: 9. (1/25)
صفحة 25
هذه الاستنتاجات تثبت أنّ التّربية والتّعليم ينتجان الاستقرار والثّبات والسّكينة والطّمأنينة، وما دام الطّفل يمكن له أن يحقّق هذه المكاسب؛ بما يتوفّر عليه من مهارات وقدرا ت وخبرات، وإمكانات علميّة وثقافيّة وفنيّة .. فإنّه يحتاج لاستثمارها وتنميتها إلى مرشد وموجّه وقوّام على شؤونه .. إنّ هذا القائد والمربّي هو الأب، لذا فإنّ مسؤوليّته كبيرة، ودوره عظيم في توفير الاستقرار في الأسرة التي يترعرع فيها الطّفل ويدرج وينشأ ... للوصول إلى البناء الحضاري، والرّقيّ الاجتماعي، والتّقدّم العلمي ... ؛ بالاعتناء بالطّفل العناية الكاملة، بداية من توفير الاستقرار والسّكينة والاطمئنان له ...
يقول محمد فتح الله كولن:"يا ابن آدم! أنت الذي تقوم بجلب الأطفال إلى الدّنيا، لذا فوظيفة الارتفاع بالطّفل إلى ما وراء هذه السّموات تقع عليك وحدك. فكما تهتمّ بصحّة جسمه وتشفق عليه من المرض، اهتمّ بحياة قلبه وبروحه، وأشفق على ذلك المسكين وأنقذه بحقّ الله، ولا تدعه يخسر الدّنيا والآخرة." (1)
إنّ هذه المسؤوليّة الكبيرة التي تقع على الأب، التي هي واجب فطري وشرعي، أعطت له حقّ القوامة في الأسرة؛ حتّى يتمكّن من أداء دوره بقوّة وشكل طبيعي. فما هي حقيقة القوامة؟
__________
(1) - الموازين أو أضواء على الطّريق، مرجع سابق، ص: 52. (1/26)
صفحة 26
القوامة ودورها في استقرار الأسرة
إنّ حرص الإسلام على توفير البيئة الصّافية للعيش الصّحيح، جعله يقوم بتنظيم شؤون الأسرة، وضبط أحوالها، وسنّ قوانين لضمان الاستقرار والسّكن في البيت، فتتمكّن من أداء وظائفها بإتقان. من هذه التّنظيمات توزيع المسؤوليّات والحقوق والواجبات بين أفراد الأسرة، وبخاصّة بين قطبيها الأب والأمّ. من هذه العناصر الأساسيّة في تدبير البيت (القوامة). التي تعني القيادة والسّياسة والتّوجيه والمرجعيّة في شؤون الأسرة.
"إنّ توحيد القيادة ضروري لأمن السّفينة، وفي سفينة البيت لابدّ من قيادة تتحمّل التّبعة، وتحفظ النّظام أن ينفلت، وما في هذا شذوذ على القاعدة الإسلاميّة العامّة في عالم الرّجال أيضًا" (1)
هذه القوامة هي ركن من أركان كيان الأسرة، تؤدّي وظيفة تحصينها وحمايتها من التّفكّك والاضطراب والفوضى، وتقوم على توفير الاستقرار لها والهدوء ثمّ البقاء. وفي ظلال الاستقرار يترعرع الطّفل وينشأ النّاشئ وينمو نموًّا سليمًا. وهو ما يساعد على الإسهام في بناء المجتمع بناء صحيحًا متينُا.
أعطى الشّارع القوامة للرّجل؛ ليقود أسرته في سيرها وسلوكها، وليكون المرجع في شؤونها وأمورها، وضبطها بمبرّرات وضوابط وشروط، وربطها بمقاصد وأهداف. إنّ الإسلام: "يحدّد أنّ القوامة في هذه المؤسّسة (المؤسّسة الزّوجيّة) للرّجل، ويذكر من أسباب هذه القوامة: تفضيل الله للرّجل؛ بمقوّمات القوامة، وما تتطلّبه من خصائص ودربة. و ... تكليف الرّجل الإنفاق على المؤسّسة. وبناء على إعطاء القوامة للرّجل يحدّد كذلك اختصاصات هذه القوامة في صيانة المؤسّسة من التّفسّخ وحمايتها من النّزوات العارضة، وطريقة علاج هذه
__________
(1) - بناء الأسرة المسلمة، مرجع سابق، ص: 2. (1/27)
صفحة 27
النّزوات، حين تعرض في حدود مرسومة: {الرِّجالُ قَوَّامون عَلَى النِّساءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ} (النّساء: 34) " (1)
بيّن سيّد قطب مبرّرات هذا التّفضيل، الذي بموجبه أسند الله - عز وجل - القوامة في الأسرة للرّجل: " ... وكذلك زوّد الرّجل - فيما زوّده به من الخصائص- بالخشونة والصّلابة وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتّفكير قبل الحركة والاستجابة؛ لأنّ وظائفه كلّها من أوّل الصّيد الذي كان يمارسه في أوّل عهده بالحياة، إلى القتال الذي يمارسه دائمًا لحماية الزّوج والأطفال، إلى تدبير المعاش ... وإلى سائر تكاليفه في الحياة ... لأنّ وظائفه كلّها تحتاج إلى قدر من التّروّي قبل الإقدام، وإعمال الفكر، والبطء في الاستجابة بوجه عام! ... وكلّها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها, وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة، وأفضل في مجالها. .. كما أنّ تكليفه بالإنفاق – وهو فرع من توزيع الاختصاصات - يجعله بدوره أولى بالقوامة، لأنّ تدبير المعاش للمؤسّسة ومَن فيها داخل في هذه القوامة، والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها .... " (2)
إذن إنّ السّببين الرّئيسين اللّذين ذكرهما القرآن لتحديد حقّ الرّجل في القوامة، لهما ما يبرّرهما، فهما نابعان من طبيعة تكوين الزّوجين، واستعدادهما لتحمّل هذه المهمّة. لقد روعي في ذلك العدلِ في التّكليف الاستطاعةُ، كما نُظِر إلى الإعفاء من جانب عدم القدرة على الوظيفة؛ للتّبعات التي تلحق من يتولاّها، وللأهداف المنشودة من وظيفة الأسرة ..
القوامة - التي تمنح حقّ القيادة - مطلب فطري وضرورة حياة، وهي في الأسرة للرّجل. مقتضياتُها الاستعدادُ لتحمّل مسؤوليّة القيادة، والقدرةُ على القيام بها، وأهدافُها التّنظيم، وتوزيع المسؤوليّات في البيت، وتوفير الاستقرار في الأسرة. فقدانُ القوامة أو عدم إسنادها إلى أهلها أصاب الحياة البشريّة بالتّخبّط والاضطراب، والفساد والتّدهور والانهيار .. ممّا ينذر بالهلاك والدّمار، إذ جعل حياة البشريّة على شفا جرف هار.:" ولعلّ من هذه الدّلائل أنّ الأطفال، الذين ينشؤون في مؤسّسة عائليّة، القوامةُ فيها ليست للأب - إمّا لأنّه ضعيف الشّخصيّة، بحيث تبرز عليه شخصيّة الأمّ، وتسيطر عليه، وإمّا لأنّه مفقود: لوفاته، أو لعدم وجود أب شرعي- قلّما ينشؤون أسوياء، وقلّ ألاّ ينحرفوا إلى شذوذ ما، في تكوينهم العصبي والنّفسي، وفي سلوكهم العملي
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 17.
(2) - في ظلال القرآن، المجلّد الثّاني، مرجع سابق، ص:651. (1/28)
صفحة 28
والخلقي ... فهذه كلّها بعض الدّلائل التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكّمها، ووجود قوانينها المتحكّمة في بني الإنسان، حتّى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها! " (1)
إذن ذكر الله تبارك وتعالى أنّ الرّجال قوّامون على النّساء؛ مبالغة في تكليفه بالقيام بأمر النّساء في المسؤوليّة والتّوجيه، ثمّ بالأمر والنّهي والإنفاق ... بسبب ما منحهم الله من العقل والتّدبير، وما خصّهم به من الكسب والسّعي في الرّزق للأسرة كلّها. قال أبو السّعود: "والتّفضيل للرّجل بكمال العقل وحسن التّدبير ورزانة الرّأي، ومزيد القوّة؛ ولذلك خصّوا بالنّبوّة والإمامة والولاية والشّهادة والجهاد وغير ذلك."
من نتائج انعدام القوامة وعواقبها
أ – كثرة المشاكل التي تحدث بسبب عدم الانضباط، وعدم التّحكيم والاسترشاد بمرجعيّة خاصّة موحّدة، هي الأب المؤهّل لهذه المسؤوليّة.
ب – التّعب والإرهاق في تربية الأولاد، بسبب التّخلّي عن هذا العنصر، فيتعسّر التّوجيه، ويثقل النّصح، وتتعذّر المراقبة ...
ج – التّذمّر من تصرّفات بعض النّساء اللاّئي يطالِبْنَ بالمساواة مع الرّجال في حقّ القوامة، وقد يكون سلوكهنّ على حساب شؤون البيت ومسؤوليّة التّربية الصّحيحة للأولاد وواجبها ... بل يكون – أحيانًا - من النّساء تدخّلات سلبيّة في تربية للأولاد وتوجيههم ونراقبتهم.,
د – إلقاء مسؤوليّة البيت على الآخر.
هـ ضعف شخصيّة الرّجل وانحسار سلطته ...
إنّ الشّرع أعطى القوامة للرّجل والسّيادة له في البيت، فهو المخوّل والمختار لتوجيه ِشؤون الأسرة، وقيادتها.
القوامة بهذا المفهوم حقّ وواجب، هي حقّ للرّجل، لا ينازعه فيه أحد، وواجب يطالبه به كلُّ من كان قوّامًا عليه، أن يقوم بمهمّته؛ بما يكفل له العيش بسلام وأمن وكرامة وعزّة؛ ليسود الاستقرار البيتَ والأسرة. إذن على الأب والزّوج ما يأتي:
1 - بالنّسبة لزوجه:
أ - أن يفقه معنى القوامة، فيقوم بتبعاتها نحوها؛ بما يطلبه الواجب الذي يقابل الحقّ الذي مُنحَه.
ب - أن يرعاها حقّ الرّعاية.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 651، 652. ذكر سيّد قطب مجموعة من الدّلائل التي تقرّها الفطرة، ويثبتها الواقع المعيش، تبيّن واقعيّة إسناد القوامة في الأسرة للرّجل. تُراجًع الصّفحتان المذكورتان .. (1/29)
صفحة 29
ج - أن يحسن قيادتها.
د - أن يعرف كيف يعلّمها، وكيف يوجّهها، وكيف يراقبها ...
هـ ... أن يؤمّن لها طريق النّجاة من المهالك والمزالق والمهاوي والعواقب الوخيمة ...
2 - بالنسبة للذّريّة
أ - أن يحسن قيادتها,
ب - أن يتحرّى في تنشئتها خصائص الفطرة ومناهج الاستقامة.
ج - أن يحميها من مفاسد البيئة وأمراضها.
د - أن يزوّدها بطاقات التّحمّل والكفاح، ويجهّزها بأسلحة النّضال والفوز في ميادين الحياة.
هـ أن يكون لها قدوة في المعتقد والسّلوك ...
هذه المهمّات هي التي تثبت حقّ القوامة للرّجل، وهي التي تحقّق الاستقرار في الأسرة، إذا روعيت الحكمة في قيادتها، وأدّيت أحسن الأداء. (1/30)
صفحة 30
خاتمة
إنّ الأسرة القلعةَ التي تحصّن المجتمع؛ بما تعدّه من أفراد، يقوم عليهم بنيانه، هي في حاجة إلى توفير عنصر الاستقرار لتستقيم الحياة بداخلها .. ممّا عرضناه من أفكار وآراء وعناصر في الموضوع نخلص إلى الآتي:
1 – الأسرة في مجتمعاتنا الإسلاميّة ما تزال مهد التّنشئة الاجتماعيّة، وحضن التّكوين والإعداد. لذا لابدّ من وضع برامج، وإعداد مشروعات للعناية بها، لتلبية الحاجات الماديّة والمعنويّة، التي تقوم على التّنمية المتكاملة لمواجهة التّحدّيات الحاضرة والمستقبلة أو القادمة. يعني أنّ الاهتمام بالبيت ضرورة كبيرة وأساسيّة لبناء المجتمع المسلم.
2 ـــــــ الرّجوع إلى القواعد الصّحيحة والثّابتة في تنظيم شؤون الحياة، وضبط خطوات العمل، وتدبير طرق النّشاط، وتسيير أمور المعاش، مع مراعاة الفطرة، والانطلاق من المبادئ، والارتباط بالأهداف ... الرّجوع إلى ذلك كلّه، والاحتكام إليه .. يكفل ويضمن السّير الحسن والمنضبط لخوض معترك الحياة بقوّة وثبات .. هذا ما يطلب في تنظيم شؤون الأسرة، التي يكون على رأسها قوّام قدير، وقائد حكيم، هو الأب الذي يحقّق لها الاستقرار بإذن الله تعالى.
3 ـــــــ حجر الزّاوية في عمل الأسرة هو الطّفل؛ لذا كانت رعايته والعناية به، وتهيئة العوامل النّفسيّة والاجتماعيّة والفكريّة ... لتنشئته وتنمية قدراته، وتوجيه طاقاته، وتهذيب ميوله ... من صميم العمل على (1/31)
صفحة 31
توفير البيئة الصّالحة لإعداده وتكوينه، ليعمّ الاستقرار في الأسرة، ومنها ينتقل هذا الاستقرار إلى المجتمع الكبير. لذا فالحديث عن الطّفل هو حديث عن الجزء الذي يعني العناية بالكلّ .. ويعني العناية بالمنطلق لتأمين المنتهى ..
4 ـــــــ إنّ الاستقرار مطلب أساس في بناء الأسرة. وهو هدف مهمّ في وظائفها. توفيره يساعد على النّشأة السّويّة للخليّة الأولى للمجتمع، ويعين على التّنمية الشّاملة له. فالأسرة هي قلب المجتمع، إذا صلحت صلح، وإذا فسدت فسد. هذا الاستقرار منوط توفيره بحسن التّربية، وحسن التّوجيه، وحسن الرّعاية لأفراد الأسرة، إنّ هذه واجبات مطلوبة من كلّ فرد في الأسرة. لكنّ المعنيّ الأوّل والمكلّف الأوّل بها والأساس هو الأب، الذي كرّمه الله وكلّفه بالقوامة، التي تعني قيادة الأسرة، وتهيئة الرّجل ليكون المرجع والموئل والملاذ للأسرة ...
5 - يكتسب الطّفل من أسرته المتّزنة شخصيّة هادئة متّزنة، تكون أساس نجاحه في الدّنيا والآخرة.
6 ــــــــ الرّعاية الأسرية الواعية الهادفة تحقّق هذا الاتّزان وهذا الاستقرار في أفرادها، وهي في الحقيقة مهمّتها الأساسيّة؛ ما دام من واجبها بناء الكيان، وتأسيس خلايا المجتمع، فأوّل ما يطلب قي هذا البناء زرع الأمن والطّمأنينة في القلوب، وإبعاد الشّعور بالاغتراب والخوف من النّفوس.
7 – للقوامة ضوابط وقواعد في تنفيذها والعمل بمقتضاها، وأداء ما تتطلّبه؛ حتّى لا يساء استعمالها: إفراطًا وتفريطًا، إذ في وعي هذه الضّوابط، وفهم الأسرار التي تحملها، وإدراك الأبعاد التي تتضمّنها ... يتحقّق الاستقرارُ للأسرة، أحدُ عوامل نجاحها في مهمّتها. (1/32)
صفحة 32
الملحق: رسالة إلى الأمّهات
بسم الله الرحمن الرحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله
أيتها الأمّهات الكريمات، السّلام عليكنّ ورحمة الله وبركاته، حفظكنّ الله ورعاكنّ، وسدّد خطاكنّ، ووفقكنّ في تربية أبنائكنّ، وتنشئتهم تنشئةً صالحة، وجعلهم قرّة أعينكنّ، وجزاكنّ على ذلك أجراً كبيراً، وأثابكنّ على الصّبر في هذه السّبيل ثواباً عظيماً. فما عنده لا ينفذ، وما عنده باقٍ.
أيتّها الوالدات الفاضلات!! اشكُرْنَ الله تعالى، على ما رزقكنَّ من أولاد .. فهذه نعمة حُرِمها كثيرٌ من النّاس. فحمدُه يوجب عليكنَّ القيام بشؤونهم أحسن قيام، ورعايتهم الرّعاية الكاملة: في أخلاقهم وعقولهم وجسومهم ... ويقتضي توفير الحضن الدّافئ الذي يحضنهم، وتوفير البيئة الصّحيّة والسّليمة التي يتحرّكون فيها.
هم يحتاجون منكنّ إلى العطف والحنان والشّفقة والرّحمة والحبّ. وبخاصّة إذا كانوا ناقصين في بعض الجوانب، أو كانوا في حالات غير عادية. هنا تصبح مسؤوليتكنّ كبيرة، ومعه يكون أجركنّ كبيرًا، ومضاعفاً بغير حساب.
أيتّها الأمّ الكريمة! لا تنزعجي ممّا أعطاك الله، وممّا وهبك من أبناء أو بنات، ليسوا كبقيّة الأبناء الآخرين والبنات الأخريات، إذ قد يكون فيهم أو فيهنّ نقصٌ خَلْقي، عُدِّي ذلك هبة من الله. فلا تردّي هبته، ولا تنزعجي من اختياره. فإنّ قبولك هو رضًا بقضاء الله وقدره، وهو أحد شعب الإيمان، فإيمان المرء لا يكتمل حتى يؤمن بالقضاء والقدر خيره وشرِّ من الله. إنّه لا رادّ لقضائه، ولا مردّ لحكمه. واعلمي أنّ الله يبتلي المرء بالخير والشّر ليعرف كيف يتصرّف فيما ابتلاه به. واعلمي أنّ الأجر يكون بقدر الصّبر على الشدائد.
أيّتها الأم الفاضلة أضع بين يديك هذه النّقط من باب التّذكير: (1/33)
صفحة 33
1 - أبناؤك مسؤوليّة في عنقك، مهما تكن حالاتهم.
2 - من حقّهم أن يعيشوا حياتهم بصفة عادية، كما يعيش بقيّة الأبناء.
3 - يجب أن لا يشعروا بأيّة عقدة، ولا يحسّوا بأيِّ نقص في حياتهم.
4 - يجب أن لا يحرموا من الاحتكاك بغيرهم في الفضاءات المختلفة، وأن لا يحجبوا عن بقيّة زملائهم.
5 - لا بدّ من تعويض ما ينقصهم خَلْقًا، بالمحبّة والحنان وتوفير جوّ الفرح والبهجة؛ بما تستطيعين إلى ذلك سبيلا.
6 - لا تحزني، لا تتحرَّجي، لا تتضايقي، لا تتعقّدي بهم .. ، فإنّ ذلك يزيدهم كآبة وتعقيداً وضيقاً، فإن لم تنتصحي بهذه النّصيحة وف فستحاسبين على هذا التّقصير يوم القيامة ...
7 - اصنعي من الإعاقة عبقريّةً، ومن الضُّعف قوَّة، ومن العجز إرادة .. فقومي على أبنائك، وقومي إليهم؛ بعزمك وصدقك وشجاعتك وإرادتك ... تُحَقِّقِي الآمال، وتصنعي الرّجال، وتُكونِّيِ من بناتك ما يكون في القوّة والصّلابة مثل الجبال.
8 - اقرئي ما جاء في القرآن وتدبّري فيه. مثل قوله تعالى: { ... ونبلُوكم بالشَّرِّ والخير فِتنةً وإلينا تُرجَعون.} (الأنبيّاء/34). وقوله: {أَمْ حَسِبتُم أَنْ تَدْخُوُا الجَنَّةَ ولَمَّا يعْلَم اللهُ الذين جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابرينَ} (آل عمران/142). وقوله تعالى: { ... إنَّما يُوَفَّى الصَّابرونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر/10)
وفّقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه، ورزقنا حسن التّوجيه والرعاية لأبنائنا وبناتنا، وهدانا سُبل السلام.
ربّنا هب لنا من أزواجنا وذريّاتنا قرّةَ أعين واجعلنا للمتّقين إماما. والسّلام عليكم.
الجزائر يوم الأحد:14 من ... جمادى الثانية 1430هـ
07 من ... جوان ... 2009م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/34)
صفحة 34
المصادر والمراجع
1 ــــــــ الشّنتوت، خالد أحمد.
دور البيت في تربية الطّفل المسلم، شركة الشّهاب للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1989م.
2 ـــــــــ الطّائي، عزيزة.
ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، منشورات مؤسّسة الدّوسري للثّقافة والإبداع، مملكة البحرين، 2011م.
3 ـــــــــــ العك، خالد عبد الرّحمن.
بناء الأسرة المسلمة في ضوء القرآن والسّنّة، (إعداد وتصنيف) ط3، دار المعرفة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1420هـ/ 2000م.
4 ــــــــــــ النّحلاوي، عبد الرّحمن.
أصول التّربية الإسلاميّة: في البيت والمدرسة والمجتمع، ط2، دار الفكر، دمشق، سورية، 1402هـ/ 1982م.
5 ــــــــــــ بيّوض، إبراهيم بن عمر (شيخ).
في رحاب القرآن، تفسير سورة لقمان، تحرير عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج، الجزء الحادي عشر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1423هـ/ 2002م. (1/35)
صفحة 35
6 ــــــــــ قطب، سيّد.
في ظلال القرآن، المجلّد الثّاني، ط10، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1402هـ 1982م.
7 ـــــــ كولن، محمد فتح الله.
الموازين أو أضواء على الطّريق، ترجمة أورخان محمد علي، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1430هـ/ 2009م.
8 ــــــ محاضير، محمد
خطابات محاضير محمد، ترجمة عمر الرّفاعي، ط1، مكتبة الشّرق الدّوليّة، القاهرة، 2007م.
المحتويات
مقدّمة
تمهيد
التّحدّيات التي تواجه الأسرة
حقيقة الأسرة
واجبات الأب في الأسرة ونحو الطّفل
القوامة ودورها في استقرار الأسرة
خاتمة
الملحق: رسالة إلى الأمّهات
المصادر والمراجع
المحتويات (1/36)