صفحة 1
الكتاب: حوار سيف الخروصي مع إسماعيل الأغبري حول دور الإباضية في التقريب بين المسلمين
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) حوار مع الأغبري حول دور الإباضية في التقريب بين المسلمين لسيف الخروصي
إسماعيل الأغبري في رسالته للدكتوراه
الحديث عن دور الإباضية في التقريب بين المسلمين أمر مسلم به منذ القدم
كل حديث رواه الربيع تقريبا بنصه مروي عند البخاري ومسلم وغيرهما
أجرى اللقاء- سيف بن ناصر الخروصي
أكد إسماعيل بن صالح بن حمدان الأغبري في رسالته لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية بعنوان (دور الإباضية في التقريب بين المسلمين) التي حصل عليها من المعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة بالجمهورية التونسية أن المدارس الفكرية الإسلامية، بدأت تتضح معالمها، في عهد التابعين ذلك العهد الذي بدأت تبرز فيه قضايا وأحداث يتطلب الواقع إبداء الرأي الشرعي فيها. فانبرى عدد من أساطين العلم من التابعين وتابعيهم لمحاولة حل تلك الإشكاليات من منظور إسلامي فكان الاجتهاد في ما لا نص فيه.
وأضاف: إن اختلاف الأعلام الأوائل كان رحمة لأمة الإسلام وأنهم ما كانوا لينتظروا من أحد أن يقلدهم أو يلزم قولهم.
وقال: لقد تحول الاختلاف المحمود بين مؤسسي المذاهب الإسلامية إلى خلاف مذموم بين مقلديهم من الفقهاء بسبب التعصب للمؤسسين أو الغلو في الرأي.
ودعا المسلمين الى أن ينتقلوا من حالة الخلاف المذموم إلى الاختلاف المحمود، الذي كان سائدا في عهد أساطين الفقهاء مؤسسي المذاهب الإسلامية.
وأوضح أن هذه الرسالة تكمن أهميتها في أنها تأتي في وقت يشهد فيه الشرق الإسلامي نوعا من التجاذب بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة لضيق الأفق من المقلدين والعامة بالاضافة الى الرغبة في التخفيف من غلواء الانتماء المذهبي على حساب الانتماء للأصل وهو الإسلام.
وقال: إن الحديث عن دور الإباضية في التقريب بين المسلمين أمر مسلم به؛ لأنه مسلك أئمتهم منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا. (1/1)
صفحة 2
وأشار الى ان القارئ سيجد بنفسه أن كل حديث رواه الربيع تقريبا هو بنصه مروي عند البخاري ومسلم وغيرهما.
لماذا ومتى بدأت المدارس الفكرية الإسلامية، وبماذا كان يتميز إتباعها وما ذا نتج عن هذه المدارس اليوم، وما أهمية هذه الرسالة في الوقت الحالي، وما هو الدافع للكتابة فيها، وما هي الصعوبات التي واجهت الباحث، وما هي المنهجية التي اتبعها الباحث في بحثه، وما هي توصياته لما تحدث فيه من خلال بحثه؟ هذه الأسئلة اقرأ إجاباتها فيما يلي:
مواقع مشهودة
فحول لماذا، ومتى، بدأت تتبلور المدارس الفكرية الإسلامية، وبما كان يتميز إتباعها وما ذا نتج عن هذه المدارس اليوم يقول: الدكتور إسماعيل الأغبري لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، وأن يكون القرآن الكريم خاتم الكتب السماوية نزولا من عند الله تعالى وامتاز عن غيره من الكتب السماوية بشموليته وعالميته وحفظه من قبل الله تعالى، فهو خال من كل عيب، ولم تطله يد العابثين، وليس لأحد أن يأتي بمثله من الأولين والآخرين، وجمع الله بهذا الدين شتات أمم متفرقة، وألف بسببه بين قلوب أقوام متخالفة، فكانوا عباد الله إخوانا، أمة واحدة، ويدا على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، لا يعرفون انتسابا إلا إلى الإسلام، وليس لهم من إمام إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى التحق الرسول بالرفيق الأعلى وكانوا كالبنيان المرصوص، كل لبنة منه تشد الأخرى. لقد واجه المسلمون بعد وفاة نبيهم محنا شتى داخلية وخارجية، أما الخارجية وفي عهد صحابة رسول الله فقد كانوا سدا منيعا للذود عن بيضة الإسلام وصد عدوان كل قوة غاشمة من فارس أو الروم وغيرهم من الأمم قبيل تشرف هذه الأمم الدخول في الإسلام. (1/2)
صفحة 3
أما المحن الداخلية فكانت متعددة بدءا من تضارب آرائهم في من يخلف رسول الله في قيادة الأمة، وهل منصب القيادة السياسية منصوص عليه، أو هو محض اتفاق بين المسلمين؟ وكذا وقع الاختلاف بين أساطين الصحابة في قتال المرتدين إلا أنهم طوقوا هذا الاختلاف، وانتخبوا الأصلح فيهم لقيادتهم، وكذا حسم أمر قتال المرتدين وطويت في ما بينهم أو على الأقل هدأت الأمور.
ثم واجهت المسلمين فتن أخرى كحروب الجمل وصفين والنهروان، وكل هذه المواقع شهدها من صحابة رسول الله الجم الغفير، ولعل بذور نشأة الفرق الإسلامية تعود إلى تلك المواقع المشهودة.
لقد بدأت تتبلور المدارس الفكرية الإسلامية، وتتضح معالمها، ويتميز أتباعها في عهد التابعين، وأمة الإسلام كانت وبسبب توسع رقعة انتشار الإسلام في المعمورة، ودخول الناس من مختلف الأجناس في الدين الجديد تبرز قضايا وأحداث يتطلب الواقع إبداء الرأي الشرعي فيها. وحيث إن نزول الوحي انقطع بوفاة النبي، ولم يكن لأحد في عهده أن يسبقه في قول أو فعل شرعي، لأنه وجب على جميع المسلمين تقليده، وبما أن الحوادث من بعده كثيرة ومستجدة انبرى عدد من أساطين العلم من التابعين وتابعيهم لمناقشة ومحاولة حل تلك الإشكاليات من منظور إسلامي فكان الاجتهاد في ما لا نص فيه من حوادث مع امتلاك أدواته وشروطه مسلك أولئك العلماء، فبزغت في فترات متلاحقة لا تتعدى عهد تابعي التابعين أئمة علم مجتهدون كابن إباض وجابر بن زيد وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجعفر الصادق وزيد بن علي، وكان لأولئك الأئمة مجالسهم العلمية في أشهر الجوامع والمساجد، واشتهر في العراق عبدالله بن إباض وجابر بن زيد وأبو حنيفة أو من يعرفون بأهل الرأي، وظهرت مدارس أخرى في المدينة، وكان من أشهرها مدرسة إمام دار الهجرة الإمام مالك أو من يعرف بمدرسة أهل الحديث. (1/3)
صفحة 4
إن مما تميزت به عهودهم أن لم يكن أحد منهم يبغي على أحد مخالفيه، فلم يؤثر عن أبي حنيفة قول سوء في مالك مثلا، ولم يؤثر عن الشافعي الذي تتلمذ على يد مالك الذي خالفه في بعض الأمور أن اعتبر مالكا غير مجتهد أو فقيه، ولم يقف مالك موقف المتذمر من مخالفة تلميذه إياه.
إن اختلاف أولئك الأعلام كان رحمة لأمة الإسلام، فلو كان قولا واحدا في حكم صلاة الجماعة مثلا أو وجوب الحج على الفور أو حكم بقاء من أتى زوجته وهي حائض للقي الناس من أمرهم عسرا، لكن أقوالهم كانت بمثابة وصفات طبية صدرت عن متمكنين وضليعين في التعامل مع النصوص أو الاجتهاد في ما لا نص فيه، وهذه الأحكام تتناسب وظروف وأعمار المنتمين لأمة الإسلام.
إن أولئك الفقهاء المؤسسين للمذاهب الإسلامية ما كانوا لينتظروا من أحد أن يقلدهم أو يلزم قولهم، وإنما كان تصدرهم لحلقات العلم والتفاف الناس من حولهم كان بسبب رغبتهم الصادقة في الإصلاح، وبيان عملي لصلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان، ولأن الناس تحلقوا حولهم، ووثقوا فيهم انتسب الناس إليهم، فمن تتلمذ على يد أو عض بالنواجذ على طريقة الإمام مالك صار يُعرّف نفسه بأنه مالكي، ومن ارتضى منهج الإمام الشافعي صار يعرّف نفسه بأنه شافعي. (1/4)
صفحة 5
لقد انبثق عن هذه المذاهب الإسلامية فقهاء آخرون ليسوا كالمؤسسين وبعضهم مقلد للأئمة المؤسسين، يتبعون قول إمامهم في ما يجد من أحداث فإن وجدوا لإمامهم المؤسس قولا أفتوا به، وإن لم يوجد له نص في المسألة قاسوا على ما أُثر عنه، أو نظروا إلى الأليق بقواعده الأصولية. إذا كان هذا حال الفقهاء المقلدين فإن العامة من مختلف المذاهب الإسلامية لن يرتضوا بديلا، ولن يبغوا عن منهج إمامهم حولا. لقد تحول الاختلاف المحمود بين مؤسسي المذاهب الإسلامية إلى خلاف مذموم بين مقلدي الفقهاء المؤسسين، وذلك بسبب التعصب للمؤسسين أو لأقوال أئمة المذاهب أو الغلو في الرأي، وتمجيد المذهب الموافق على حساب المذهب المخالف. إن الفقهاء المؤسسين لم يدخلوا في معمعة نسب الأفضلية والتفاضل وإنما كان هذا مسلك المقلدين والأتباع من عامة المسلمين. إن دعوة المسلمين من مختلف مذاهبهم للتركيز على ما تم الاتفاق عليه دون ما تم الاختلاف عليه هو وسيلة من وسائل التقريب، لأن الأصل فيهم الاتفاق لا الشقاق، ويمكننا القول أيضا أنه على المسلمين أن ينتقلوا من حالة الخلاف المذموم إلى حالة الاختلاف المحمود، وهو ما كان سائدا في عهد أساطين الفقهاء مؤسسي المذاهب الإسلامية.
إن هذا البحث المتواضع المعنون بـ دور الإباضية في التقريب بين المسلمين قد يكون لبنة أولى في التقريب المنشود، كما يسلط الضوء على جهود الإباضية من أجل رص الصفوف ولم الشمل.
التجاذب المذهبي
وعن أهمية الرسالة قال: لعل أهمية هذه الرسالة تكمن في أنها تأتي في وقت يشهد فيه الشرق الإسلامي نوعا من التجاذب بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة، وإحياء للأسف الشديد لنعرات مذهبية كانت، ويذكي نارها أعداء الأمة الإسلامية الطامحين في مقدساتها والطامعين في خيراتها وطمس هويتها الإسلامية. (1/5)
صفحة 6
لقد شهد الشرق الإسلامي ميلاد الديانات السماوية المختلفة، كما أنه غني بالتنوع المذهبي من إباضية وحنفية ومالكية وشافعية وحنبلية وشيعة إمامية وزيدية بخلاف المغرب الإسلامي وأخص بالذكر دول شمال إفريقيا، لأن مذهب المالكية هو السائد فيها، فهي تعيش وحدة مذهبية وإن كان في تلك الأقطار خاصة لبيبا والجزائر وتونس من أتباع المذهب الإباضي ما لا يمكن إغفاله إلا أن المشرق الإسلامي يعاني في بعض أقطاره من هذه الحزازات، لضيق الأفق من المقلدين والعامة، ورغبة المستعمر في تفريق المسلمين، وهذا ما يمكن إدراكه في ما يدور في بلاد ما بين النهرين وفي بعض دول شبه القارة الهندية وبعض دول الجزيرة العربية وبعض بلاد الشام.
إن الباحث يحاول جاهدا بيان أسباب الاختلاف المحمود ليعذر بعضنا بعضا في ما وقع فيه الاختلاف، وأنه مبني على قواعد أصيلة أقرها الإسلام نفسه. لم يشأ الباحث الإعراض عن الإشارة إلى أسباب الخلاف المذموم وذلك رغبة منه في تجنب تلك الأسباب، وحيث إن المشكلة قائمة شئنا أو أبينا كان لا بد من البوح بها وطرحها، فنفيها يفاقمها، وبحثها قد يساهم في حلها، ولو لم تكن هناك مشكلة لما كان هناك من حاجة للتقريب بين المسلمين.
أسباب عديدة
وحول الأسباب الدافعة الى اختيار هذه العنوان أكد أن هناك أسبابا عديدة لاختيار الباحث لهذه الدراسة نذكر منها:
التعريف بالمذهب الإباضي نشأة وتاريخا والأصول التي يعتمد عليها، وهي كما ستستبين في ثنايا البحث لا تختلف عن أصول المذاهب الإسلامية الأخرى.
والكشف عن جهود الإباضية العملية في سعيهم الحثيث من أجل التقريب بين المسلمين قديما وحديثا.
والرغبة في التخفيف من غلواء الانتماء المذهبي على حساب الانتماء للأصل وهو الإسلام. (1/6)
صفحة 7
ومحاولة ترسيخ إمكانية التعايش السلمي بين أتباع المذاهب الإسلامية من خلال التعايش السلمي طوال قرون عديدة بين الإباضية وغيرهم من مذاهب المسلمين في عمان وبين الإباضية وغيرهم في شمال إفريقيا وبين الإباضية وغيرهم في شرق إفريقيا.
لكل عمل صعوبة
وعن الصعوبات التي واجهت الباحث أوضح أن أي بحث أو مشروع يتقدم به الباحث لا يخلو من إشكاليات ومصاعب، لكن الإصرار والعزم على مواصلة المشروع مع التوكل على الله تعالى، والتمكن أو إلمام المسبق والتصور لرؤوس المشروع قد يساهم في تذليل تلك العقبات، كما إن لرحابة صدر المشرف وسعة علمه وطول باعه في العلم وصبره على الباحث وتفهمه لطبيعة المشروع يساهم في تذليل الإشكاليات، ولعل من أهم الإشكاليات التي واجهتني:
محاولتي أن يكون موضوعي بعيدا عن التحيز، ولست أزعم هنا أني التزمت الموضوعية المطلقة فذلك أمر لا يقدر عليه من هم أكثر نظرا، وأعمق فكرا فضلا عمن كان مثلي، وإنما بذلت قصارى جهدي أن اصل إلى الموضوعية المقبولة خالية من التعسف والحيف، ذلك أن الإنسان لا يستطيع مطلقا أن يتخلص من كل ما نشأ وشب عليه، ولا يمكنه بين عشية وضحاها وهو قد قارب الأربعين من العمر أن يطوي كل انتماء انتمى إليه، وإنما أقصى ما يمكنه، وما يجب عليه سلوك العدل مع الجميع. (1/7)
صفحة 8
وإن الحديث عن دور الإباضية في التقريب بين المسلمين حديث شائك، وقد يكون عند غير الإباضية غير متوقع ولا متصور، أما عند الإباضية فهو أمر مسلم به؛ لأنه مسلك أئمتهم منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا. إن الباحث يتفهم مما قد يستغربه غير الإباضية من دعوة الإباضية إلى التقريب بين المسلمين، وهذا يعود إلى سوء النية عند بعض المخالفين أو تقصير غير مقصود عند كثير منهم، والى تقصير الإباضية في التعريف بأنفسهم وانطوائهم عن غيرهم، وذلك لأنه استقر عند غير الإباضية من أهل السنة والجماعة والشيعة وسائر فرق ومذاهب المسلمين ان الإباضية ما هم إلى فرقة من فرق الخوارج الكثيرة. وليس بخاف على أحد أن الخوارج لم يكونوا من دعاة التقريب، وإنما يريدون حمل الناس على مذهبهم وإلا حكموا على مخالفيهم بكفر الشرك والردة عن الإسلام، واستعراض المخالفين لهم بحد السيف واستحلال أموالهم، ومن هنا فلا دور للخوارج في التقريب بين المسلمين. والإباضية لا يجتمعون مع الخوارج إلا في إنكار حكومة الحكمين، ورفض شرط القرشية في ولاية أمر المسلمين. (1/8)
صفحة 9
إن الظن عند جمهور الأمة بأن الإباضية خوارج، ونفي الإباضية ذلك جعلني أواجه أعقد إشكالية في البحث؛ لأنني كنت احاول تجنب المقارنة خاصة في بعض الموضوعات التي لا تخلو من تشدد، فاضطر لها في بعض تلك المواضع. فالباحث أحيانا يورد أراء لعلماء إباضية في مسألة من جزئيات العقيدة كنفيهم رؤية الله في الدار الآخرة، ووصفهم لمثبتها بكفر النعمة أي بمعنى الفسوق والعصيان، وحيث إن السائد عند جمهور الخاصة والعامة من غير الإباضية أن فرق الخوارج ذات نهج تشددي وتكفيري فإن هذا قد يجعل القارئ يتصور تكفير الإباضية كفر شرك لمن خالفهم، وأنهم متشددون، لذلك اضطرت أن اقارن أحيانا بين تكفير الإباضية كفر نعمة لمثبت الرؤية وتكفير بعض المنتسيبن لغير الإباضية منكري الرؤية كفر شرك كما هو صنيع الإمام أحمد بن حنبل وسائر الوهابية، وعلى العموم لا يخلو مذهب من مذاهب المسلمين ممن يضيقون ذرعا بالمخالف في جزئيات العقيدة وحتى في فرعيات الفقه.
بيان الإباضية من أحداث القرن الأول
وحول المنهجية التي اتبعها في البحث بيّن ان منهجيته هي بيان موقف الإباضية من أحداث القرن الأول الهجري مع محاولة تضييق الحديث عنها، احتراما لذلك الرعيل، وإنما أشرت إليه في الفصل الأول، وحاولت ذكر الشبه الموجهة لأهل النهروان، سعيا لبيان وجهة نظر الإباضية فيما حدث، ونفيا لما ينسب لأهل النهروان من (تطرف).
والاقتصار في التعريف بأئمة الإباضية على الإمام عبدالله بن إباض (ت 86هـ) المتحدث الرسمي باسمهم والإمام جابر بن زيد (ت 93 هـ) المؤسس الحقيقي لمذهبهم، وكان التعريف بهم مقتضبا. (1/9)
صفحة 10
وعند تخريج الأحاديث اعتمدت كثيرا على روايات الإمام الربيع بن حبيب (ت175هـ) في صحيحة، ثم تخريج الحديث غالبا من المصادر الأخرى، وهذا يدخل في التقريب بين المسلمين، لأن إطلاع القارئ على كتب المخالف ورواياته والتي لا تختلف عن روايات الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما مما يساهم في نشر نظرية التعرف والمعرفة والتعارف. وسيجد القارئ بنفسه أن كل حديث رواه الربيع تقريبا هو بنصه مروي عند البخاري ومسلم مع اعتماد الإباضية في ثروتهم الفقهية على صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، لأن الربيع لم يجمع سوى ألف حديث تقريبا.
ونقلت لبعض النصوص دون التصرف فيها خاصة في ما يتعلق بالأمور الشائكة كقضية التكفير والاستعراض واستحلال الأموال. ونقلت هذه النصوص من مصادر قديمة لا محدثة، وهي تحرم تكفير المسلمين واستحلال دمائهم مما يعطي البحث مصداقية أكثر، ويعطي القارئ انطباعا أن مسلك التقريب ليس محدثا أو انحيازا من الباحث بتصرف في النصوص أو تأويل غير سائغ لها، محاولة منه لإبراز صورة مشرفة غير حقيقة.
وسردت بعض الحوادث التاريخية والحالية التي يظهر من خلالها تشرذم المسلمين، وضيق بعضهم ببعض، وتغليبهم التعصب المذهبي على التسامح والاعتدال.
وليس في هذا ما يناقض موضوع البحث؛ لأن تجاهل المشكلة هو مشكلة في حد ذاته، والقول بأننا نعيش في أحسن حال وأفضل انسجام لا يؤدي إلا إلى التراخي عن المصارحة التي تؤدي إلى المصالحة مع التذكير أن الغالب في أكثر بقاعهم تناسي خلافاتهم. وقد سلكت في المصارحة من أجل الوصول إلى المصالحة مسلك الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الذي أكد في كثير من أحاديثه على ضرورة المصالحة، وكرر ذلك في مؤتمر الحوار بين المذاهب الإسلامية الذي عقد في دولة قطر من 20 ـ 22 ـ 2007م، وكذلك أكد على هذا النهج محمد علي التسخيري رئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في طهران. (1/10)
صفحة 11
واضطررت للمقارنة أحيانا مع محاولتي الفرار منها خاصة في كل موضع فيه خشونة من القول ضد المخالف، وقد أشرت إلى أسباب ذلك عند حديثي عن إشكاليات البحث والصعوبات التي واجهها الباحث.
وأكثر ما ذكرت مع المذهب الإباضي مذهب المالكية والشافعية، وأشرت أيضا في مواضع متعددة إلى مذهب الحنفية، والسبب الذي دعاني إلى ذكر آراء المالكية ولو باقتضاب شديد، لأن البحث يقدم إلى جامعة قديمة عريقة وهي جامعة الزيتونة وفي بلاد تونس من شمال أفريقيا، وشمال افريقيا هي مالكية المذهب في أغلبها فإكراما لهم أشرت إليهم.
والأهم من ذلك أن الإمام مالك محدث وفقيه وشتان بين من يروي الحديث وهو لا يدري معناه وبين من يفقه الحديث وإن تصرف بلفظه، وهذا يعني أن من كانت صفته كذلك لن يكون حرفيا ولن يكون أيضا كثير الرأي، ومن كان كذلك كان اقرب إلى مقاصد الشريعة، فشهر عند الإباضية والمالكية قاعدة سد الذرائع، وكأني بها وإن كانت هي من أصول الفقه من مقاصد الشريعة.
أما استئناسي برأي الشافعية فإن الإمام الشافعي فقيه وأصولي، بل إنه أول من ألف في الأصول، ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلت فقهاء الشافعية من أهل السنة أكثر انفتاحا وتقبلا للآخرين، لأن الفقه وأصوله يضبطان مسألة التكفير والتشنيع على المخالف، ولا ينفي هذا أن عبد القاهر البغدادي صاحب كتابي أصول الدين والفرق بين الفرق قد تشدد على مخالفي الاشاعرة عقيدة والشافعية فقها، لكن ذلك لا يعدو كونه رأيا أو قولا للبغدادي، وهو أيضا من كتاب الفرق، وعرف عن كتاب الفرق حدتهم على المخالف.
إن الشافعية يعيشون في عمان جنبا إلى جنب مع الإباضية، وإذا كان الإباضية يتفوقون نسبة عددية وأسبق من غيرهم في عمان فإن الشافعية أصل أصيل أيضا في عمان، وهم والإباضية لحمة واحدة جوارا ومصاهرة وصداقة وصلات. (1/11)
صفحة 12
والنقد البناء لبعض الأقوال التي لا تتفق وقواعد الشريعة الإسلامية، وما عرف عنها من تسامح واعتدال، وهذا يشمل جميع المذاهب الإسلامية خاصة الوهابية السلفية المكفرة، والذين يحصرون الحق في منهجهم، ويحملون الناس على رأيهم ولو بالشدة، وهذا النقد كما أشرت لم يكن انتقائيا.
وللبحث خصيصة عمانية؛ لذلك آمل من قارئيه أن يتفهموا طبيعته.
تجنب إثارة الموضوعات المختلف عليها
وعن التوصيات التي قدمها في بحثه أكد أن من أهم التوصيات التي قدمها في بحثه هي: تجنب كل ما يثير النعرات المذهبية ومنها ترك التنابز بالألقاب، وإنما يسمى كل فريق بأحب الأسماء إليه، فالإباضية ليسوا خوارج، وأهل السنة ليسوا نواصب، والشيعة ليسوا روافض.
وتجنب إثارة الموضوعات الشائكة والمختلف عليها على الملأ، وفي وسائل الإعلام المختلفة وعلى المنابر، وفي الدروس والمحاضرات، لأن هذه الوسائل يشاهدها ويستمع إليها عموم المسلمين، المتخصصين في الدراسات الشرعية وغير الشرعية، وعرض تلك الأمور عليهم يعني حشو أدمغتهم، وحملهم على اتخاذ مواقف متشنجة من مذاهب المسلمين.
إن على الجامعات والكليات والمعاهد الإسلامية عند عرض تلك القضايا المختلف فيها وعليها بين المسلمين أن تعرضها على سبيل المقارنات، وليس على سبيل التشنيع والتهويل، ويجب التزام الدقة والأمانة العلمية والنقل عن المخالف من خلال مراجعه المعتمدة لديه، ومن خلال قول المذهب أو رأي المذهب لا من خلال قول في المذهب أو رأي خاص بعالم من علماء ذلك المذهب.
ضرورة تفعيل مؤسسات التقريب بين المذاهب الإسلامية، وأن تتخذ خطوات عملية في ذلك.
قيام وسائل الإعلام في العالم الإسلامي ببث مقررات ندوات ومؤتمرات الفقه الإسلامي واجتماعات وتوصيات مؤسسات التقريب بين المسلمين، والتي يحضرها ممثلون من مختلف المذاهب الإسلامية. (1/12)
صفحة 13
قيام وسائل الإعلام ببث برامج حوارية حول التقريب بين المسلمين، وبيان أن الاختلاف بينهم مبني على أسباب معقولة أقرها الشرع الشريف.
التبادل المعرفي والثقافي بين أساتذة الجامعات والكليات والمعاهد الإسلامية، وتبادل الزيارات ليطلع كل طرف على حقيقة الآخر عن قرب وليس عن قراءة من مصادر قد تعتمد التشويه.
إن كان لا بد من التحاور والمناظرة فليكن، ولكن بشرط أن تكون المحاورة هادئة هادفة، خالية من كل تشنج وعصبية.
ضرورة توقف القنوات الفضائية ذات التوجه الإسلامي عن تأجيج الفتن المذهبية بين المسلمين، وكذلك بالنسبة لمواقع شبكة المعلومات العالمية.
قيام منظمة المؤتمر الإسلامي بإنشاء إذاعات وقنوات فضائية هدفها التعريف بالإسلام، وبث روح التسامح بين المسلمين.
قيام السلطنة بإنشاء جامعة باسم جامعة التقريب بين المسلمين برعاية فكرها الإسلامي المعتدل.
تضافر الجهود الرسمية والخاصة من اجل إنشاء قنوات فضائية تتبنى الفكر الإسلامي المعتدل ليندحر بذلك ما تبثه عدد من القنوات التي تعمل على بث الفكر المتطرف.
المصدر: ملحق " إشراقات " بجريدة " عُمان" اليومية، الجمعة 3 من صفر 1430 هـ الموافق 30 من يناير 2009م. (1/13)