صفحة 1
الكتاب: رحلة العمر
المؤلف: محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
تنسيق وفهرسة:
أ. ابن عيسى عبد الله بن موسى
حاج امحمد قاسم بن عمر
تصميم الغلاف: محمد بن يونس فرصوص
الناشر: مكتبة التوفيق
مكان النشر: العطف - غرداية - الجزائر
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 1436 - 2015
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) رحلة العمر
محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
تنسيق وفهرسة
أ. ابن عيسى عبد الله بن موسى
حاج امحمد قاسم بن عمر
تصميم الغلاف
محمد بن يونس فرصوص
الناشر مكتبة التوفيق
العطف – غرداية – الجزائر
1436 - 2015
الطبعة الأولى
جميع الحقوق محفوظة
إهداء
إلى روح والدي الكريمين، وهما يعتزان بي في امتداد ذكرهما، وينعمان في مثواهما بدعائي الصالح لهما، وإلى أرواح مشائخي الأجلاء، في كل من العطفاء وفي القرارة وتونس الخضراء، وقد طبعوا حياتي بحب العلم والمعرفة، وأخذوا بيدي إلى مراقي السؤدد والفخار.
وإلى كلّ غيور من الرفقاء، ومخلص وفيّ من الأخلاء، ممن قاسموني حلو الحياة ومرّها، وواكبوا مسيرتي في السراء والضراء من أبناء العطف الأماجد، أو غيرهم من ذوي المآثر والمحامد.
إلى هؤلاء جميعا أهدي هذا الكتاب، معتذرا إليهم لما فيه من الخطأ، ومقدّرا إنصافهم لما فيه من الصواب، وعند الله القبول وحسن الثواب.
المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
نحمدك اللّهم يا من تفرّدت بالجلال والكمال، وترفّعت عن صفات النقص، فلا يعتريك فناء ولا زوال، سبحانك جلّت صفاتك، وتعالت ذاتك، فأنت الكبير المتعال. ونصلّي ونسلّم على أشرف خلق الله سيدنا محمد القائل: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (1)، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.
__________
(1) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم 4310. (1/1)
صفحة 2
وبعد: فها أنا قد ذرفت على الثمانين، ولا أدري هل أتابع مدرج القرن، وأنا نازل في سلم العمر درجة فدرجة إلى أسفله، أم تهوي بي الرجل لأسقط صريعا، والله أعلم بمنتهى الآجال. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ اِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} [فاطر:11]، غير أني -وإن كنت أحمد الله على أن أمدّ لي في الأجل إلى ما فوق العقد السابع-، فإنّ وطأة السنين قد أحنت على ظهري، وأوجاع المرض تناوشني من حين إلى آخر، وما في ذلك من عجب، وما لنا عن سنّة الله من تملّص ولا هرب، وهو القائل: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نَنكُسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يس:68]، وأحمد الله كثيرا أن أبقى لي يدًا تكتب وعينًا تبصر وذاكرةً ما تزال تحتفظ ببعض قوّتها، وإن كانت تأخذها غفوة من حين إلى آخر. وإذ أنا من الجيل المخضرم فقد واكبت أحداثا جساما عاشتها منطقة "وادي ميزاب" ضمن الأجواء السائدة في الوطن الكبير -الجزائر الحبيبة-، إن في فترة الحربين العالميتين في القرن الماضي، أو في مقارعتها للاستعمار البغيض سياسيا، وثوريا، أو في طور البناء والتشييد للجزائر المستقلة. عايشت تلك الأحداث كلها في المجال المحلي والمجال الوطني، وخضت غمارها جنديا بسيطا ينفذ الأوامر والتعليمات، ومسؤولا على بعض القيادات تارة أخرى، وكنت أسجل في مذكّراتي ما يستحقّ التسجيل من تلك الأحداث وأعلق عليها من وجهة نظري فأصيب وأخطئ وأشتد وألين. كما حاولت أن أترجم لجيل النهضة والإصلاح في بلدتي ... -العطفاء- وهي لم تتوان في المشاركة، بل كانت دائما في قلب المعركة تصول وتجول، وأبناؤها سباقون إلى كل مكرمة وتعمير وبناء، ولا تعوزهم النخوة والإباء، ولا يفتقرون إلى الرأي والدهاء.
ولعل ما قمت به من التسجيلات في هذا المجال -وإن لم يتم تنسيقه- يجد فيه الباحثون ضالتهم في ضبط فترة حساسة من تاريخ المنطقة. (1/2)
صفحة 3
وحتى أرسم للأجيال الصاعدة صورة حقيقية للتعريف بنفسي حتى لا يتقول عليّ المتقوّلون، أو يفتري الخراصون، فقد آثرت أن أضع هذه النبذة التاريخية عن حياتي مقرونة ببعض تلك الأحداث التي عايشتها، وقد كانت لي يد طولى في ذلك البناء، ومواقف معتبرة في مجريات الأحداث وتخيّرت أن يكون عنوان هذه الترجمة -إن صحّ التعبير- "رحلة العمر" اعتقادا منّي أن العمر لأي إنسان ما هو إلاّ رحلة عبر الزمان والمكان تطول أو تقصر، وتنتهي إلى نهايتها المقدرة لها مصداقا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (1)، وقوله: «ما لي وللدنيا، إنما أنا في الدنيا كراكب استظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها». (2)
وبعد، فإنّني أقدّم بكلّ تواضع هذه الترجمة المختصرة لحياة رجل قيل عنه: إنه من بناة الإصلاح في دائرة "وادي ميزاب"، ومن الدعاة إلى الله، في وقت كثرت فيه الاتجاهات وتشعّبت المسالك، وظهر فيه المتفيقهون والمتعالمون. وما قصدي من وراء ذلك أن ينعتني الناعتون بما لا أستحقه من أوصاف الشهرة والعظمة، لأنني -والله يشهد- أمقت المحمدة والثناء، وأزدري التعاظم والخيلاء. بل أريد إثبات الحقيقة التاريخية التي طالما أنكرها الجاحدون أو حرّفها المغرضون الحاقدون.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر، كتاب الرّقاق، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كن في الدنيا ... »، رقم 6079.
(2) - رواه الترمذي في سننه، من حديث عبد الله بن مسعود، كتاب الزهد، باب: «ما لي وللدنيا ... »، رقم 2406. (1/3)
صفحة 4
وكنت قد نسّقت هذا العمل في حلقات مرقّمة بلغت الخمسين حلقة، ضمّنتها كثيرا من تفاصيل الأحداث في إطار مراحل حياتي، فطال بي المشوار وكثرت الصفحات فتجاوزت الستمائة صفحة. فوجدت أن ذلك قد يتهيّب منه القارئ، فيبقى طيّ الإهمال، ورأيت أن لا مناص من الاختصار، والتركيز على التعريف بجوانب من حياتي في ما هو ألصق بي من النشاط العائلي، أو النشاط الثقافي والاجتماعي، مما هو ضروري لرسم الصورة الحقيقية لمراحل تلك الحياة، دونما تضخيم أو استطرادات، على أن أبقي ما كتبته أوّلا، كما سجلته مفصلا ومطوّلا، ليكون مرجعا للباحث، ومكمّلا لما سجّلته في المذكّرات. والله أسأل أن يجنبني اللّغو في القول والعمل، أو الغلوّ في الحكم والتقدير، إنّه بعباده خبير بصير.
العطف يوم الجمعة 11 ربيع الأول 1436هـ الموافق 02 جانفي 2015م.
مرحلة الحداثة والصّبا
أ- منبتي ومحتدي.
ب- نشأتي ومرابع صباي.
ج- في مجال الكسب والارتزاق.
أ- منبتي ومحتدي:
انحدرت -بقدرة الله- من سلالة "آل سعيد" الذين هم فرع أصيل من فروع عشيرة أولاد باكة، إحدى العشائر السبع لبلدة العطف، وهي: أولاد الحجاج، أولاد باكة، أولاد عبد الله، أولاد الخلفي، أولاد مخارج، أولاد جلمام. وتصنّف عشيرتنا في الرتبة الثانية من حيث عدد أنفارها، وهي تضم سبعة فروع هي:
آل سعيد، آل بابا عدون، آل بهون، آل عيسى، آل باعلي، آل بوصوفة، آل خير الناس. وتنتمي هذه الفروع إلى عرش "أولاد عبد الله اويحمد" الذين استقروا في غرداية، وما يزال منهم هناك آل الشيخ صالح، آل بوغلوسة، آل سوفغ آلم، آل زكري، وكلها تنتمي إلى جد واحد، هو أبو يعقوب محمد بن أبي بكر، كما هو مثبت في الشجرة الرسمية التي توجد نسخ منها لدى فروع غرداية وفروع العطف. (1/4)
صفحة 5
انزاحت العائلات السّتّ من غرداية لتستقرّ في العطف وانضمت إلى "آل بهون" الذين سبقوهم في الاستقرار هناك، وحمل الكلّ اسم "أولاد باكة"، وليست لدينا وثائق تاريخية تثبت متى تمّ ذلك في الزمان والمكان إلا ما يرويه المؤرخ الكبير الأستاذ "عثمان الكعّاك" بأنّ قصر "تيلزضيت" في "تاجنينت" كان معمورا بأنفار شبه رحّل من قبائل "زناتة" البربرية منذ سنة 92هـ.
كما تأكّدت من وثيقة رسمية في شكل عقد مختوم عليه، بأن آل بهون من أولاد باكة كانوا يملكون هناك أراضي وأجنة للنخيل جرفها السيل المهول الذي عرف بـ: "المسّاح" سنة 1901م.
وأما "آل سعيد" الذين هم أرومتي ومحتدي فهم يتفرعون -أيضا- إلى ثلاث أسر، تنتسب كلها إلى جدّ واحد وهو المرحوم "حمو وسعيد" الذي ما يزال يذكر اسمه بجنانه الذي تركه في حي "أوخيرة" قبالة بلدة العطف الحالية، على العدوة القصوى من "وادي ميزاب"، فأصبحت أسرتي تحمل لقب "سعيد" منذ نظمت فرنسا سجلات الأحوال الشخصية سنة 1934م. وهي متطابقة لما هو مثبت في الشجرة النّسبية للعشيرة. وهكذا تكون سلسلة نسبي الطاهر كالتالي: محمد بن إبراهيم بن باحمد بن إبراهيم بن سعيد بن حمو بن سعيد. ويمتد نسبنا مع الفروع الباقية لأولاد باكة إلى الجد الأعلى هكذا: سعيد بن بابة بن امحمد بن موسى بن صالح بن أبي يعقوب بن أبي بكر. وهذا الجد الأخير هو محور دائرة أنسابنا المباركة. فلقبي الرسمي هو: "سعيد" غير أني اشتهرت بين زملائي في الدراسة وعند المواطنين بالعطف، اشتهرت باللقب الإضافي "كعباش" وكنت أمضي على الوثائق الرسمية هكذا: "محمد سعيد" بتأخير اللقب عن الاسم كما هي القاعدة الرسمية للنحو في قول ابن مالك:
واسما أتى وكنية ولقبا ... وأخرن ذا إن سواه صحبا.
وأرجو أن يوفقني الله تعالى ليطابق الاسم المسمّى فأكون محمودا سعيدا عند الله وعند الناس، آمين. (1/5)
صفحة 6
وأما منبتي الكريم، فإنّ والدي "سعيد إبراهيم" -رحمه الله- كان أحد الإخوة الأربعة الأشقاء الذكور الذين أنجبهم الجد الكريم: "سعيد باحمد" من الجدة الكريمة "باكلي عائشة بنت محمد"، وهم حسب ترتيب أعمارهم: صالح، إبراهيم، يحيى، أمحمد. وهذا الأخير لم يخلّف ولدا، وللإخوة الأربعة شقيقتان وهما: بية، ولالة، وكل هؤلاء خلّفوا فروعا صالحة بنين وبنات. (1/6)
صفحة 7
أما والدي سعيد إبراهيم بن باحمد فقد تزوج أول زواجه في أواخر القرن التاسع عشر بكريمة السيد باباعمي الحاج موسى بن حمو المسماة "عائشة"، فأنجب منها الأخت المرحومة "سعيد فافة بنت إبراهيم" ولكن والدتها توفيت في مقتبل العمر، فاقترن بوالدتي بهون شيخة بنت الحاج محمد -رحمها الله- في سنة 1903، كما ينص عليه عقد الزواج الرسمي برقم 40 تاريخ 02/ 11/1903، اقترن بالوالدة الكريمة بكرا حصانا في كامل الصحة والعافية، فانطلقت الأسرة المباركة متحابة منسجمة في إطار العائلة الكبيرة التي تحتضن الإخوة الثلاثة: صالح، إبراهيم، يحيى في شارع "كعباش" بحي "بونقاب" في منطلق شارع "عيسى وموسى" قبل انحداره إلى سفح الجبل إلى باب "الخراجة"، ولا أعرف الوضعية الاقتصادية التي كان عليها الإخوة مع والديهم، غير أن المعروف عنهم أنهم اشتركوا في تجارة ناجحة بمدينة "البيض" حيث يوجد دكانهم إلى اليوم في شارع "بوشريط"، أخذ الإخوة الثلاثة يتناوبون في إقامتهم بالعطف فامتلكوا في نفس الشارع ديارا أخرى وأقاموا فلاحة مشتركة في حوض "أحباس"، وهكذا سار هذا الركب العائلي في تعاون وانسجام، إلى أن كثر الأولاد عند عمنا صالح بالخصوص، ودبّت الغيرة في نفوس الأمهات. (1/7)
صفحة 8
وشاءت الأقدار أن تنفصم عرى هذا الثالوث المبارك، فما كان من والدي إلا أن انعزل بتجارته في عاصمة الجزائر، في دكان صغير بشارع "لالير" سابقا، فاستغنى واستقل بداره التي شيدها بنفس الشارع "عيسى وموسى"، واستقر بالبلد منصرفا لخدمة المجتمع مسؤولا عن عشيرة "أولاد باكة" لدى صديقه قائد البلد الرسمي يومئذ المرحوم: "أولاد حاجو الحاج إبراهيم بن بافو"، غير أن يد الزمان غدرت به، فعبث بماله ودكانه من كانوا محل الثقة والأمان عنده، فأصبح في أواخر عمره فقيرا معدما اضطر إلى بيع أغلب ما كان يملكه من الأصول، إلا الدويرة التي تركها لنا في نفس الشارع والتي استبدلها بداره التي شيدها بعرق جبينه للسيد بوصوفة عمر بن الحاج إبراهيم، لينفق من المبلغ الذي اتفق عليه للفارق الذي قومت به الداران.
وليس أقسى على الإنسان من إدبار الدنيا عنه بعد الإقبال، إذ أثر ذلك على صحته، وهو يناهز الستين من عمره في العشرينيات من القرن الماضي فلم يصح من ذهوله واكتئابه حتى وافاه أجله -رحمه الله- سنة 1932م.
وهكذا طويت صفحة هذا الوالد الحنون، ولم تنعم عيناي بنور وجهه، ولا تمتعت برقة حنانه إلا لسنتين ونصف، لم يبق في ذاكرتي من صورة شخصه الكريم شبح ولا خيال. وتروي والدتي عنه -رحمه الله- أنني كلما أقبلت عليه حبوا أو مشيا أخذني في حجره فيحتضنني باكيا وهو يقول: لقد جئتني يا بني في نهاية عمري، والله يحفظك ويرعاك. فرضي الله عنه وأرضاه. (1/8)
صفحة 9
أما والدتي: بهون شيخة بنت الحاج محمد -رحمها الله- فتنتمي إلى عائلة "آل بهون" الأماجد، وكان والدها المرحوم بهون الحاج محمد بن حاجو قد اقترن بالجدة المرحومة باباعدون عائشة بنت عمر بن مسعود وكانت والدتي البنت الوحيدة العائشة بين إخوتها الثلاثة: حاجو، صالح، عمر. وهي في الرتبة الثانية من حيث السن، نشأت أوفر ما تكون صحة ونشاطا وسط أسرة ميسورة الحال في حي "تماسخت" من أحياء "بوسالم"، اقترن بها والدي سنة 1903 بعد وفاة زوجه الأولى كما تقدم، وقد احتضنت ربيبتها "فافة" بأوفى مما تجده في حضن والدتها -لو قدّر لها أن تعيش-. أنجبت والدتي بنتها البكر "عائشة"، ثم تتابع أولادها حمو فبية فمحمد الولد الأصغر. (1/9)
صفحة 10
توفي حمو غلاما يافعا، فزوج الوالدان ابنيهما عائشة، وأما بية فزوجها الخال بهون حاجو بعد وفاة الوالد. وكان الوالد -رحمه الله- يتسم بطابع الجدية والوقار، فعرفت كيف تعامله وتلاطفه، وأعانته على نوائب الزمان، بما كانت تنسجه من الأكسية الصوفية تباع في سوق البلدة بالمزاد العلني، لتوفر له بعض مال الإنفاق الضروري. وهكذا أصبحت وحيد أمه بعد وفاة الوالد سنة 1932 ولي من العمر حوالي ثلاث سنوات، كما ينصّ عليه عقد تحجير رسمي سجله والدي في فترة مرضه تحت رقم 113 بتاريخ 17 مارس 1932 في كفالة خالنا السيد بهون حاجو. ولكن لم يكن لذلك التوكيل والتحجير مفعول ولا أثر كبير، إذ تمت وفاة الوكيل بعد فترة قصيرة، أي في سنة 1936 إثر مرض أقعده الفراش فترة من الزمن، كما توفي بعده أخوه صالح، فأصبحت الوالدة مقطوعة الصلة عن كلّ ذي رحم يمدّ إليها يد العون. ولم تكن العشائر يومئذ على حالة من التنظيم والوعي لرعاية أيتامها أو التّكفل بالعجزة الضّعاف، سيما إذا لم يترك الهالك مالا أو متاعا. فشمّرت الوالدة على ساعد الجد لكفالة طفلها بكدّ يمينها نسجا للأكسية الصوفية، أو تعميرا للمضاجع الصوفية "المطارح" على مختلف أحجامها عند العائلات، أو تنظيفها لغسيلها في مختلف الأجنة بحثا عن بئر تتوفر فيها مرافق الغسيل والماء الضروري لذلك. فلا تكاد تجد ضالتها إلاّ بعد جهد وعناء، لوطأة القحط وشح السماء، وبعد وفاة أختي "بية" في مجرى سنة 1937 ومطالبة زوجها بنصف ما تملكه معنا في الدويرة التي ورثناها من الوالد اضطرت والدتي إلى بيع مصوغها الذهبي لتسدّد به المبلغ المقدر لذلك، حتى لا تباع الدويرة في المزاد العلني بالسوق كما يطالب به الزوج الوارث بدون شفقة ولا رحمة، بأن نطرد من الدار، فنضطر إلى الاكتراء والاستئجار. (1/10)
صفحة 11
تابعت الوالدة مسيرتها في الحياة مع وحيدها تغالب متاعبها وتواجه ضوائقها وتذوق حلوها ومرّها في صبر وأناة، وتارة يقعد بها المرض أياما وليالي وهي طريحة الفراش تتجرع الآلام والأوجاع بمرض يسمى "الشقيقة" وهو صداع حاد مصحوب بالقيء في مرارة وعزوف عن الطعام. فلا تكاد ترفع رأسها عن الوسادة، وهي تئن وأنا إلى جانبها حزين لا أملك من أمري شيئا، إلاّ أن أتردد على الكتّاب، ثم أرجع إلى الدار لألتمس ما أتبلغ به، فلا أكاد أجد إلاّ التمر والخبز اليابس، وبعد أسبوع كامل يسرّى عنها فترجع إلى حالتها العادية. وتدق طبول الحرب العالمية الثانية سنة 1939 وماذا ينتظره الناس من الحرب غير الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.
لقد أثرت الانعكاسات المشؤومة للحرب على حياة أسرتنا كباقي الشعب الجزائري البائس، فقلت الفرص أمام والدتي في العمل والكسب. وربما وجدت بعض المال، ولكنها لا تجد من يكفل لها حاجياتها من المواد الضرورية التي يعجز عن جلبها حتى الرجال الأقوياء. لأن تلك المواد لا تلتمس إلاّ في السوق السوداء.
وكنّا أمام هذا الوضع المشؤوم لا نملك في دارنا -أحيانا- صاعا من قمح أو شعير. وإذا قدّر أن يتصدّق علينا أحد المحسنين بكمّية من التمر والخبز اليابس، أو بقطعة من قماش جديد، تتزين به يوم العيد، فتلك منة عظمى لا يعرف قيمتها إلا الجائعون والمحرومون. أصبح لي من العمر أحد عشر عاما في سنة 1940، والحرب العالمية على قدم وساق. وكان الفقر وسوء التغذية قد تركا آثارهما على جسمي، أمشي بين أقراني نضوا هزيلا. ولكن ما حيلة الطفل الفقير غير الضرب في أرض الله للكسب والارتزاق، وتحمل عبء الأعمال في دكاكين الأغنياء بما لا يطاق.؟! (1/11)
صفحة 12
شددت عصا الترحال إلى مدن الشمال، وخلّفت أمي في دارها وحيدة لا أنيس ولا معين، تدبّر شؤون حياتها كيفما شاءت، وتراودها الآمال في مستقبل وحيدها. وتجري الأقدار على أعنّتها، والله لا يضيع من خلق. فيكون من هذا الغلام ما يكون في مجال العمل أو في طلب العلم على ما يأتي بيانه، والأم المسكينة لا تفتر عزيمتها ولا ينطفئ أملها في وحيدها، وإن طال بها الدرب حتى سنة 1954 حيث عاد الولد الشاب من تونس الخضراء ممتلئ الوفاض أدبا وعلما، يتقد غيرة وحماسا لخدمة قومه وإنعاش قريته، حيث يلقي عصا الترحال إلى جانب أمه وزوجته، فأحرى بالأم الرؤوم أن تعيش في هناء وسعادة، وتجد بجوار ولدها ما كانت تتمناه من رغد العيش وراحة البال. وأحمد الله تعالى أن وفقني إلى تحقيق ذلك لها بأوفى ما كانت تتمناه. ولم تشأ أن تخلد إلى الراحة واللغو والفراغ، بل آثرت العمل في الحقل الاجتماعي. إذ استجابت لدعوة هيئة "الغاسلات" فأصبحت من أعضائها العاملات إلى جانب ربيبتها الأخت "فافة" وقد أصبحت على رأس هذه الهيئة الموقرة. وتم ذلك سنة 1959م. وما فتئت تتمتع بوافر الصحة جعلتها تقوم بمهمتها على أكمل وجه، وهي تحظى بوافر التقدير والاحترام في المجتمع النسوي. (1/12)
صفحة 13
وفي سنة 1966 لاحظت شقيقتي "عائشة" وهي تمشط للوالدة. لاحظت نتوءا يابسا على ثديها الأيسر. ويا لهول ما أخبرني به الطبيب، وقد كشف فحصه أن الوالدة مصابة بسرطان قديم للثدي، كان قد امتد بفروعه المميتة إلى كثير من أعضائها. غير أنه نصحني باستئصال نواة السرطان مع الثدي المصاب حتى تخف عنها الأوجاع والآلام. وتمت العملية الجراحية في مستشفى غرداية في أحسن الظروف، إذ انغلق الجرح بسرعة، فهي لا تشكو سكرا ولا ملحا، وقلبها معافى، وهو بمثابة قلب شاب في مقتبل العمر، خرجت من المستشفى راضية بما قدر الله لتزيد في عمرها سنتين كاملتين لا تشكو ألما ولا وجعا إلا في العشرة الأخيرة لوفاتها. إذ خنقها ذلك الوحش الضاري في حلقها، بحيث صعب عليها الكلام وبلع الطعام، وكنت أقوم بنفسي على خدمتها وهي في كامل وعيها، ولكنها لا تقوى على النطق. وفي يوم 28 ماي سنة 1967 وأنا إلى جوارها أتلو سورا من القرآن، وأفراد الأسرة من حولي واجمون. وما كدت أنتهي من تلاوة سورتي يس والصافات حتى أسلمت الروح إلى بارئها طاهرة نقية، لم يسمع منها أنين ولم تبد حراكا عند سكرات الموت، فأغمضت عينيها وأنا ألقن لها الشهادة في رباطة جأش ورضا بقضاء الله، وذلك ليوم 28 ماي 1967.
شرعنا في إعداد مراسيم الجنازة في مصلى "باعبد الله" وكان موكبا مشهودا حضره العشراء والزملاء وجمع غفير من المواطنين، وكلهم ألسن داعية بالترحم عليها.
وهكذا تنتهي رحلة العمر لهذه الأم الرؤوم عن عمر يناهز الثمانين وشاءت الأقدار أن تلحق بها أختي "فافة" ربيبتها ورفيقتها في هيئة "الغاسلات" وذلك ليوم 05 أكتوبر لسنة 1968 فدفنت إلى جانبها في نفس المقبرة. وهكذا تكون الصحبة والوفاء في الله. فسبحان من تفرد بالبقاء، وتعالى بالعظمة والكبرياء.
ب - نشأتي ومربع صباي: (1/13)
صفحة 14
أطلقت الصرخة الأولى وأبصرت عيناي نور الحياة في زاوية غرفة الجلوس العامة وسط الدار "تزفري" أي الدار الجديدة التي بناها والدي في حي "بونقاب" كما تقدم. وقد تمت الولادة في أحسن الظروف، وحسب رواية والدتي -رحمها الله- أنه تم ذلك في مجرى شهر أفريل من سنة 1929م، وقد تحققت من هذا التاريخ برسم التحجير الذي يحمل رقم: 113 سجل 89. إذ ينص على ما يلي: "وإنه حجّر -أي والدي- ولديه الصغار: كعباش محمد، عمره ثلاث سنين، وكعباش بية عمرها 12 سنة. على أن يقوم بهم وبأموالهم -أي خالنا بهون حاجو- قيام ذوي العدل والإنصاف ما لم يأنسا رشدهما انتهى ليوم 17 مارس 1932م. يوافقه 09 ذوالقعدة 1350هـ".
وعندما ضبطت فرنسا الأحوال الشخصية سنة 1934م أخطأ أعيان العشيرة تقدير عمري يومئذ بزيادة خمس سنوات، فاضطررت لتصحيح ذلك الخطأ بعد الاستقلال الوطني، بحكم شرعي من محكمة غرداية برقم 1697 مؤرخ بـ02/ 11/1972م فأثبت القاضي سنة ميلادي بخلال 1930 فأخذت وثائقي الرسمية تحمل هذا التاريخ الميلادي.
لا أتذكر كيف ارتحلت أسرتي عن الدار الجديدة "بوصوفة" إلى الدار المبدلة بها في نفس الشارع "بونقاب" بل لا أعرف مربعا لطفولتي إلا زوايا تلك الدويرة درجت فيها مع أمي وأختي الصغرى "بية" ولا أذكر غير أجنة أخوالي "آل بهون طبرا" في العطف حيث تسكن أمي إلى جوار إخوتها: حاجو وصالح وعمر. (1/14)
صفحة 15
أخذت أتردد على كتّاب القرية بجوار مسجد "أبي سالم" في سن مبكرة، وفي سنة 1934 التحقت بالمدرسة الابتدائية الفرنسية الوحيدة في القرية، والتي أنشئت في مطالع القرن العشرين، في جوّ من الجهل المطبق، والتحفظ من تعلم اللغة الفرنسية؛ لأنها لغة الكافر المحتل. وكان لا يلتحق بهذه المدرسة إلا أولاد الفقراء، لأن الأغنياء يدفعون إتاوات حتى يعفى أولادهم من تعلم الفرنسية. وربّ ضارة نافعة، إذ أصبحت اللغة الفرنسية ضرورية لمن يريد أن يضمن لقمة العيش. وفي تلك الحقبة من سنة 1936 كان الشيخ الحاج إبراهيم محمد بن بهون -رحمه الله- قد عاد من مدينة "غليزان" معلما ومربيا ليستقر في العطف ويتولى التعليم في كتّاب "أبي سالم" وذلك بعد أن تشبع بالفكرة الإصلاحية في معهد الحياة بالقرارة حيث حفظ القرآن وتزود بمبادئ اللغة العربية. وقد بدأ الصراع التقليدي بين المحافظين والمصلحين بقيادة الشيخ الإمام المرحوم بيوض الحاج إبراهيم بن عمر. وكان الشيخ محمد بن بهون يسكن قبالة بيتنا في منزل عمه السيد الحاج إبراهيم عيسى بن الحاج صالح "يازيض"، كنت أتردد على بيت الشيخ إذ كانت زوجته السيدة خير الناس لالة بنت رمضان تغمرني بعطفها وحنانها، وكنت أتمتع بمشاهدة كتب الشيخ، كما كنت أحضر بعض لقاءاته مع زملائه المثقفين، وأستمع إلى مناقشاتهم خفية في دهليز الدار. أذكر منهم الشيخ داودي عمر بن صالح الغرداوي الضرير، والأستاذ الكبير محمد الحاج الناصر، وكلاهما تلميذ للشيخ بيوض، فقد شغفت بالكتب والقراءة في سن مبكرة، وكانت لي -بفضل الله- ذاكرة قوية تسجّل كلّ ما يقع على صفحتها في أسرع وقت، فنما في نفسي حبّ الاطّلاع ودقّة الملاحظة، والميل إلى المقارنة والاستنتاج. (1/15)
صفحة 16
ثم إنّ والدتي -رحمة الله عليها- تأخذني بالصرامة والمراقبة الشديدة لكلّ تحرّكاتي واتصالاتي داخل البيت وخارجه، حفاظا لي من قرناء السوء، فكان لها في نفسي رهبة شديدة، وانصياع مكين لكلّ ما تأمرني به وتوجهني إليه. وهي من جهتها لا تدّخر وسعا في حسن القيام بشؤوني وإصلاح حالي لأبدو سليما مستور الحال بين أقراني. فتوقظني عند الأذان الأول للفجر، لأذهب ثقيل الرأس بالنوم متعثّر الخطى فآخذ مكاني على عتبة الكتّاب مع بعض الرفقاء ننكمش إلى بعضنا البعض كالقطط الصغيرة انتظارا لقدوم المعلم وفتح باب الكتّاب.
كان التعليم تقليديا محضا يقتصر على تحفيظ القرآن الكريم، تلقينا للأطفال الصغار أو استظهارا لحصص معينة للكبار، وتسجيلا لها على الألواح الخشبية بإملائها لهم من طرف المعلم، وهو يتربع على مدرج مبني في صدر الغرفة، مفترشا جلد شاة، ومتلفعا ببرنوسه الخشن شتاء، وبعباءة فضفاضة صيفا، وإلى جانبه الدواة والأقلام وعدد من العصي تختلف في طولها بعدا أو قربا من صفوف التلاميذ الذين يصطفون أمامه جلوسا على الأرض المفروشة بالحصر البالية شتاء أو المرملة صيفا. وبعد صراع مرير مع العزابة المحافظين في مسجد "أبي سالم" استطاع شيخنا -رحمه الله- أن يجلب بعض السبورات بلون أخضر حتى يسجل عليها بعض المحاورات الفقهية أو التاريخية كنا نلقيها على وفود الزائرين من حين لآخر. فنسجلها نحن على دفاتر، نتخذ من ألواحنا الخشبية فوق حجورنا منضدة لها. (1/16)
صفحة 17
في هذا الجوّ الطاهر السّاذج قضيت العقد الأول من عمري مترددا بين الكتاب والمدرسة الفرنسية، فختمت القرآن ولما أتجاوز عشر سنين، وبدأت في إعادة السّلكة للحفظ وقد جرت العادة في البلد أن يقيم الأولياء حفلا تكريميا لولدهم عندما ينتهي في حصته القرآنية إلى قوله تعالى في سورة "آل عمران": {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُومِنِينَ} [آل عمران:171]، والحفل عبارة عن حضور الشيخ المعلم مرفوقا ببعض التلاميذ من رفاق المحتفل به، وبعض الطلبة "إيروان" الحافظين للقرآن. فيجتمعون بعد صلاة العصر مباشرة أمام دار المحتفل به -وهو في اللباس التقليدي للطلبة- عباءة بيضاء وطاقية ولحاف-، ثم يتلون النصف الأخير من "آل عمران" ابتداء من الآية المذكورة. وبعد الدعاء والمباركة يتقدّم التلميذ التالي للمحتفل به في الحصة القرآنية يتقدّم وينادي بأعلى صوته في الحاضرين: فلان بن فلان قد بشّر القرآن، وهو كناية على بلوغه الآية المذكورة. ثم توزّع على الجميع ما أعده ولي التلميذ من الصدقة. وكانت عبارة عن أرغفة وبيض وفول توضع في لفافة من قماش أبيض لكل واحد من الحاضرين وتبعث كمية من الخبز والفول إلى المسجد. وإذا كان الولي موسرا فقد ينفح لكل الحاضرين بعض النقود. كنت أنتظر هذه الفرصة السعيدة بشغف، وأنا المتفوق بين لداتي في الكتّاب، وكنت المحظي الأثير عند الشيخ. ولكن أنى ليتيم فقير مثلي أن يجد ذلك من أمه الأرملة الدائبة في كسب قوتها بعرق الجبين، وليس لي من أقربائي ولا من أبناء عشيرتي يومئذ من يهتم بشؤوننا. وكنت كلما ألححت على والدتي في القيام بتلك الوليمة بادرتني بالبكاء والشكوى، فيحز ذلك في نفسي، ولا أجد مناصا من الإذعان للواقع المرير. وأنا أتابع حصتي حتى ختام سورة البقرة، ثم البدء في الإعادة لترسيخ الحفظ. (1/17)
صفحة 18
وذات يوم فاجأني شيخي -رحمه الله- والفرحة تظهر على محياه الوقور، بأن طلب مني إخبار والدتي بإعداد الوليمة وتحديد موعدها في بحر الأسبوع، وأنه سيتكفل بإحضار المؤونة اللازمة لذلك. أرأيت إلى الغيث المريع كيف ينزل على الأرض الطيبة بعد الإمحال والقنوط؟؟ ذلك كان الأثر الطيب المبارك في بيتنا لهذه المكرمة: فرحة عارمة تغمر القلوب، وبشرى غالية تزف إلى طاقم أسرتنا، وإلى جميع أصدقائها من الأسر المحرومة أمثالها. ولا تسل عن الزهو الذي امتلكني وأنا أنقل على ظهري تلك المؤن شيئا فشيئا من دار شيخي لأضعها بين يدي أمي بكل فخر واعتزاز. (1/18)
صفحة 19
دبّت في بيتنا حركة غير عادية، إذ كانت جاراتنا مع الصويحبات لوالدتي يتجمعن لإعداد الوليمة، والقيام بلوازمها ما بين فرز وطحن وعجن وطبخ، وهن يرتلن بعض الأهازيج تملأ الجو حيوية ونشاطا، وتغمر بيتنا يمنا وبركة، وكانت جاراتنا عائشة بنت بالحاج حرم المرحوم السيد امحمد الحاج إبراهيم بن عمر، وهو من سراة القرية ومن طلائع الإصلاح فيها. كانت هذه الجارة الطيبة أشد الناس اتصالا بنا، وأرقهم قلبا لحالنا، وأكثرهم حنوا ومواساة لنا، وهي ربيبة النعيم في كنف زوجها المفضال، إذ كان موسر الحال. كانت -رحمها الله- تناغيني بكلمات طيبة، تركت أثرا طيبا في نفسي عن طريق الإيحاء بالمعاني التي تتضمنها تلك الأهزوجة، ترددها على مسمعي بلحن حنون وبلهجة اللغة المحلية إذ تقول: "إلا دا الطالب دا عزاب، إلا ديرو تامجيدا" وتعريبها كالتالي: "لقد غدا عضوا ضمن الهيئة الدينية، وغدا حافظا للقرآن ضمن عمار بيوت الله" وما كانت تدري -رحمة الله عليها-إن ذلك الفتى الصغير سوف توجهه الأقدار إلى ما كانت تتمناه له. فسبحان الذي صوّر ذلك الأثر العظيم للكلمة الطيبة عندما قال: {اَلَم تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ، تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينِم بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم:24 - 25]، وهكذا تمت الوليمة على أكمل وجه، فكانت البلسم الشافي لنفس ذاقت مرارة الحرمان، وعانت ذل الفقر، فرحم الله شيخنا، وتقبل عمل المحسنين، الذين لم يفصح عنهم الشيخ، لأنهم يريدون بعملهم وجه الله. (1/19)
صفحة 20
بعد ختمي للقرآن انقطعت عن الدراسة في المدرسة الفرنسية بعدما انتهيت إلى مستوى الشهادة الابتدائية، وكنت أحسن القراءة والكتابة بها، غير أن ميولي الطبيعية كانت إلى اللغة الفصحى. فتفرغت لإعادة القرآن حتى انتهيت إلى سورة "إبراهيم" في حفظ جيد. وكانت نذر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق، فأصبحت غلاما يافعا ميالا إلى الهدوء والرزانة، شديد الحساسية لما أشاهده من متناقضات في المجتمع محروما من أخ يعضدني، وحتى من قريب ذي رحم أستأنس به، إلا ما يكون من زوج شقيقتي "عائشة" حين يتردد على البلد من مدينة "الجلفة" حيث يعمل شريكا مع أخيه الكبير "كعباش الحاج" وأبناء خاله إبراهيم وصالح وعمر أبناء المرحوم سعيد الحاج امحمد بن إبراهيم قباض، كان صهرنا يتفقد أحوال أمي ويبعث لها بأضحية العيد في كل سنة، وحسبه بذلك مكرمة عند الله، مواساة للأرملة واليتيم.
أصبحت ولي من العمر إحدى عشرة سنة، وفي مثل هذه السن يتحتم على أبناء الفقراء أمثالي أن يضربوا في أرض الله للكسب والارتزاق، عملا في إحدى متاجر "بني ميزاب" في مدن الشمال بأجر زهيد في عمل شاق لا رحمة فيه للطفولة البريئة. وكانت أمي -رحمها الله- عوّدتني الاعتماد على النفس، إذ تكلفني ببعض الأعمال غير المرهقة كسقي الماء من آبار تقليدية بجوار بيتنا، أو جمع بعر الإبل من مجرى القوافل في "وادي ميزاب" المنحدر إلى ما وراء سد "أحباس" بالعطف، إذ أكفيها بذلك مؤونة الوقود للطبخ أياما وليالي. كما كنت أقوم بكتابة الرسائل لبعض الأسر التي يغيب عنها عائلها في مدن الشمال. فتنفحني ربّة الأسرة بعض النقود، كنت أساعد بها أمي في الإنفاق. (1/20)
صفحة 21
وعلى شغفي بالدراسة في الكتّاب وحفظ القرآن أصبحت تراودني الأحلام في أن أكون ذلك الفتى العامل لمساعدة أمه وبناء مستقبله، وليس لي في مخيلتي مما ينتظرني إلا ذلك الجانب المشرق من ركوب السيارة ومشاهدة المناظر المختلفة لمدن الشمال والتأنق في الملبس كما أشاهد عليه أبناء الأغنياء. ولذلك لم أتردد قط في استجابة دعوة زوج شقيقتي للسفر إلى بلدة "الجلفة" إذ وجد لي فيها منصب شغل، ويستقدمني لأول فرصة تسنح لي برفقة أحد التجار الأمناء من أبناء العطفاء.
لم يعد في التردد إلى الكتّاب ما يشبع نهمي إلى مزيد من المعرفة، ضرورة أني قد استوعبت أكثر ما يمكن أن يقدّم لتلميذ في مثل سنّي من مبادئ اللغة العربية وختم القرآن. وقد بدأت الصلاة وصمت أول رمضان لي، فبدأت أنقطع عن الكتاب، استعدادا للسفر وشدّ الرّحال إلى مدن الشمال. وكان شيخي يفكر في إمكان إرسالي إلى بعثة الإمام الشيخ بيوض بالقرارة، ولكن من لي بهذه الأمنية أن تتحقّق ولا عائل لي يتكفل بمصاريف البعثة، فبقيت الفكرة حلما يراود شيخي. أمّا أنا فكنت أتعجّل تلك الفرصة التي أشدّ فيها الرّحال، لأصبح مثل الرجال، ضاربا في أرض الله، متمتّعا بمناظرها، مستفيدا من خيراتها.
وما كان يدور بخلدي يومئذ تعب ولا نصب، ولا كبت ولا قيد. بل تصورت أن السفر هو محض الانطلاق والحرية والتمتع بأطايب الحياة، إذ حظيت بأول سفر في حياتي إلى مدينة الجلفة ولي من العمر ثمان سنوات في سنة 1937 بمبادرة من أبناء عمومتي لقضاء عطلة الصيف هناك.
وهكذا جاء اليوم الموعود، ودقّت ساعة الفراق، ويا ما أصعبها على الأم الرؤوم، وهي تتكبّد لواعج الخوف والإشفاق، وما تدري كيف يكون مصير وحيدها في تلكم الأماكن والآفاق.
ودع هريرة، إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل.
ودّعت أمّي بنفس كئيبة ولسان حالي يردّد مع ابن زريق:
ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأنى لا أودعه.
ج - في مجال الكسب والارتزاق: (1/21)
صفحة 22
أرأيت إلى فرخ الطير ينتشله الأطفال من عشّه ويحرم من حضن أمه، ما هي حاله وكيف يكون مصيره؟
فيا ويحك من طفل تبرح به النوى ويشتط به المزار، ولا يدري ما تخبئه له الأقدار. فما أصعب تلك اللحظات التي ودعت فيها أمي باكية، تهد كيانها لواعج الفراق، وهي تسلم طفلها لأناس لا تعرف مدى صدقهم وأمانتهم في معاملتهم للمستخدمين المستضعفين، غير أنها واثقة من ألطاف الله بعباده المحرومين.
تكفل السيد المرحوم أوعبود عيسى بن محمد "البابور" برعايتي في سفري إلى بلدة الجلفة إذ يعرج عليها في توجهه إلى بلدة "الإدريسية" زنينة سابقا، حيث كانت له تجارة مع إخوته. (1/22)
صفحة 23
انطلقنا من العطف عصرا على دابة تحمل أمتعتنا إلى غرداية، وكان الفصل خريفا لسنة 1941م انطلقت بنا سيارة "بوكامل" في الصباح الباكر وهي تشق الفيافي ما بين غرداية والأغواط في مسالك غير معبدة، إلا من شريط ممتد ضيق ما بين الأغواط والجلفة التي انتهينا إليها في نهاية النهار. وما كنت أعرف صاحب المتجر الذي أعمل معه، حتى توجه بي مرافقي إلى دكان أولاد حاجو وهناك سلمني بكل أمانة إلى "معلمي" السيد الحاج امحمد بالحاج بن عيسى، إذ كان ضيفا لوليمة العشاء في المتجر المذكور. ذهبنا إلى دكانه إثر تناول العشاء وهو يقع في حي "البازار" حيث يشركه أخوه السيد الحاج امحمد حمو بن عيسى، وهما يتناوبان على إدارة المتجر سنة فسنة، يساعدهما في العمل ابن عمهما السيد الحاج امحمد محمد بن بهون -رحمهم الله جميعا- وضعت أمتعتي في المخزن، وأنا لا أحير كلاما، إذ استولى علي الوجوم، وأخذتني الرهبة، ولم أجد من أبادله الكلام من اللدات والأقران إلا أخا يكبرني بقليل يمكث هناك لفترة مؤقتة وهو المرحوم الحاج امحمد عمر بن محمد المعروف "بلزوش" فبادرني بالتحية والإيناس واستسلمت لنوم عميق، فما راعني في الصباح إلا أن أجد حانوتا صغيرا يكاد يكون فارغا إلا من بعض الألبسة الصوفية، وبعض الزجاجات من روائح "الزوّاي" وبعض العقاقير المتناثرة على الدرج. فالمؤن مفقودة ضرورة قيام الحرب. وفي أوائل كل شهر توزع الإدارة أقساطا منها على التجار ليوزعوها على القبائل والأعراش ببطاقات عائلية حسب عدد أنفارها، وهي عملية تتطلب الدقة في ضبط الحسابات تخضع للمراقبة الرسمية من حين لآخر. وكان الأخ المذكور الحاج امحمد عمر يتكفل بذلك الضبط نظرا لمستواه المطلوب في اللغة الفرنسية. (1/23)
صفحة 24
وكانت لهذا الشيخ منّة كبرى عليّ بما كان يعاملني به من إحسان ومؤانسة، فيخفف من وحشتي، سيما في الأيام الأولى من غربتي، بدأت أقوم بالأعمال البسيطة من مسح وكنس ونفض وترتيب، ثم تدرجت شيئا فشيئا في تعلّم الطبخ. أخذت ليالي الشتاء تقسو والثلوج تتساقط ولا أملك من الثياب الدافئة شيئا ذا بال، ولا يملك مستخدمي أن يشتريها لي لأنني لم أدّخر بعملي بعد نصيبا من المال. ولم تكن في المتجر دورة للمياه فنضطر إلى الذهاب للمسجد حيث تتوفر المرافق.
أخذت وتيرة العمل تقسو، وزاد للطين بلة أن فارقنا الأخ عمر ليعود إلى متجر والده بعد عودته من "ميزاب".
تقلبت بين الرخاء والشدة، وبين اللين والقسوة في المعاملة، ما بين تسيير الأخوين: بالحاج وحمو للمتجر. إذ يمتاز الأول بكرم الأخلاق في المعاملة وبالسخاء في الإنفاق، وقد قدّر الله أن يفترقا فيستقل كل بدكانه، فتمسك الأخ الأكبر بالدكان القديم، وبقيت معه في وضع أليم. إذ مرت علي فترة ما تزال انعكاساتها مستكنة في أغوار نفسي، ذلك أن الإدارة ضبطت بعض المخالفات في توزيع التموين فحكمت بغلق المتجر وتشميع أبوابه مع سحب السجل التجاري وبغرامة مالية وسجن بسنة للمسؤول المباشر لتلك المخالفات، وهو المرحوم السيد: الحاج أمحمد محمد بن بهون.
فيا لهول الكارثة، كيف تكون وضعيتي في المتجر وقد سدّت أبوابه وتعطل نشاطه، وتفرّق مسيّروه. عاد السيد الحاج أمحمد حمو ليجد هذه الوضعية المزرية. فلابد من الجعالة والوساطة لتخفيف ذلك الحكم القاسي وتطلب السعي لذلك أكثر من شهرين بقيت فيها حبيس المخازن وراء الحانوت. لا عمل ولا أنيس لي إلا القطط المتناوشة في صفائح الزنك التي تغطي قسم المطبخ. (1/24)
صفحة 25
قضيت تك الأيام التعيسة، ولا يعلم بحالي إلا الله تعالى، ولا أحظى بالتفاتة حانية حتى من أبناء عمومتي الذين هم في طفحة وسرور، في دكانهم المشهور "أروقة الجنوب" وليس لي من حيلة إلا الانطواء على همومي، وكظم تباريحي وأحزاني. فذوى جسمي وتورمت قدماي بالحذاء العسكري الضيق، حتى تفاقم الورم بإحدى رجلي فتكبدت منه آلاما لا تطاق، أقعدتني عن التحرك والمشي، كل ذلك والسيد المعلّم لا يعير لي اهتماما، ولا يفكر في الذهاب بي إلى الطبيب، لأن ذلك يتطلب ما في الجيب. وربما لم يكن لي في تلك المعاناة أية أجرة معينة. إذ جرت العادة أن لا يعمل الأطفال في تلك السنّ إلا لما يملأ بطونهم ويستر عوراتهم. ولا أخالني إلا في تلك الوضعية المزرية، إذ لم يأخذني "معلمي" إلى الطبيب حتى خاف سوء العاقبة من جراء ذلك الورم الذي أقعدني أياما وليالي قاسيات. استأصل الطبيب الورم فصرت أتردد على عيادته لتجديد ضماد الجرح.
كان أبناء عمي على علم بما جرى لي. فأردت أن ألفت انتباههم إليّ فتمردت على معلمي واختفيت فجأة عن المتجر وهو يبحث عني في كل مكان. فشعر بالمسؤولية، وبعد أن أعياه البحث وجدني مختبئا في مخازن "البازار" التابعة لمتجر والد أنيسي الأخ الحاج أمحمد عمر "لزوش" وبعد تأديبي بالكلمات والصفعات، أخذني كالمجرم البغيض إلى متجر أبناء عمومتي، ولكن يا عثرة حظي بما واجهني به صهري "سعيد محمد" إذ صبّ عليّ جام غضبه وألزمني بالعودة إلى "معلمي" حتى يجد لي مكانا آخر للعمل، فما كان مني إلا أن رضخت للأمر الواقع المرير. فعدت أدراجي إلى المكان الذي هربت منه، لأصبح أحقر مما كنت عليه، ولم يكن مهربي منه إلا إليه. (1/25)
صفحة 26
وهكذا شاءت الأقدار أن أزيد بعض أيام العنت لتتاح لي الفرصة بعدها في السفر إلى العاصمة، حيث أصبحت أجيرا في متجر للسيد المرحوم: "الحاج سعيد إبراهيم بن سليمان، خلفاوي" بالحراش يسيره يومئذ كل من الأخوين: سعيد مسعود بن عمر "كعباش" والحاج أيوب محمد بن عبد الله. فانفسح المجال أمامي في المدينة الكبرى، إذ أقبلت فيها على أنظمة وحياة أخرى، مطبوعة بالطابع الحضاري الأنيق. وزبائن ينعمون بكل الوسائل الحضارية، ويتمتعون بحظ وافر من اللياقة والأدب، والدقة والنظام. أقبلت على تلك الحياة الجديدة بأمل وطموح، أستفيد من جديدها وأنسجم مع أنظمتها، فانطلق لساني في الحديث بالفرنسية وحتى بمبادئ الإنجليزية، عند نزول جيوش الحلفاء بالجزائر سنة 1942م، بدأت أمارس العمل بمختلف الوسائل الحديثة من المكاييل والموازين والآلات الحاسبة إلخ. وأتقنت ذلك في أسرع وقت، حظيت من رفيقي في العمل بمعاملة لطيفة، فكان لهذا الجو الجديد أثره البالغ في نفسي حيوية ونشاطا وانتعاشا وأملا، وإن لم تكن الحركة التجارية يومئذ شديدة الرواج، نظرا لندرة البضائع، وأغلبها يباع في السوق السوداء، والمواد الغذائية لا توزع إلا بالبطاقات -كما تقدم-.
سارت وتيرة العمل على ذلك النمط الجديد المحمود ولكن أنى للدنيا أن تصافي أحدا أو توادعه وهي المتقلبة المتلونة كما قال الشاعر:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صرفا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار (1/26)
صفحة 27
ففي ليلة من أوائل صيف سنة 1942 ونحن قابعون في سدة المتجر، وليس لنا من منفذ إلى الخارج إلا بابا قبالة سوق الخضار المغطى في ساحة "آلتراك" أخذنا نسمع دوي المدافع وحركة غير عادية وما كاد الصباح يتجلى حتى أذاعت وسائل الإعلام خبر نزول قوات الحلفاء على الموانئ الكبرى بالجزائر تحت قيادة الجنرال الأمريكي "إيزنهاور" فأصبح الناس حيارى بما يتولد عن تلك الأحداث. إنها الحرب العالمية انتقل ميدانها إلى شمال إفريقيا ليكون منطلقا لجيوش الحلفاء ضد جيوش المحور في محاولة لتحرير أوربا من قبضتها. أخذت طائرات المحور تقوم بالهجمات الليلية لضرب مواقع العدو. فلا تكاد ليلة تخلو من الصراع. وليس لنا من مهرب إلا إلى الله نجأر إليه بدعائنا أن يرد عنا غوائل الزمان، ونحن منكمشون داخل السدة في المتجر في ظلام دامس، وفي خوف وذهول.
ظللت مع رفاقي على تلك الحالة المتوترة لما يزيد عن شهرين، والصراع يزداد حدة، فتدمر المباني ويسقط الضحايا. ويهرب الهاربون إلى دواخل البلاد. فقرر ابن عمي "سعيد مسعود" أن نرتحل عن العاصمة بما أمكن حتى ننجو برقابنا ويفعل الله يشاء. (1/27)
صفحة 28
وكنت لا أملك بذلة محترمة ولا حذاء مناسبا أنتعل به حتى أعود لأمي في زي لائق يعطي لها انطباعا بأنني أصبحت حقا ذلك الفتى الذي تعلق فيه الآمال. فحالة الحرب تأكل الأخضر واليابس، ولا تفرق بين الغني المتفضل والفقير البائس. فحسبي -إذن- بعض الأسمال البالية مما تجمع عندي أضم بعضها إلى بعض وأرقعها بغير انسجام لتستر عورتي وكفى. ارتحلنا إلى بلدة "الجلفة" عند أبناء عمومتي بمتجر "أروقة الجنوب" وبعد ثلاثة أيام عدت إلى قريتي على ظهر شاحنة "لبوكامل" قطعت بنا الفيافي ما بين الأغواط إلى غرداية وغبار عجلاتها ينصبّ فوق رؤوسنا متراكما حتى انطمست قسمات وجوهنا واغبرت ثيابنا، ثم أكملنا الطريق من غرداية إلى العطف على الأقدام. ولا تسل عن فجيعة والدتي عندما استقبلتني باكية وهي تشاهد ثيابي الممزقة وجسمي المغبر، أهذه هي أوبة العامل المكدود، والمغترب عنها لمدة ثلاث سنوات متتابعة قضاها ما بين الجلفة والحراش، نعم، إنها الحقيقة المرة والواقع التعيس الذي كان يعيش عليه الأجراء الأطفال، ممن ليس لهم كفيل ولا وال. أمضيت شهرا أو يزيد مع أمي، وقريتنا يومئذ تعاني من الغلاء وفقدان المواد ما تعاني. وأكثر السكان مغتربون، ووسائل العيش ما تزال بدائية في أغلبها، فلا مواسير للماء، ولا قنوات للصرف، ولا سيارات، ولا مرافق صحية البتة، والحرب العالمية تلتهم الأموال والعباد. وشيخي المرحوم محمد بن بهون ما زال تراوده الآمال في إرسالي إلى بعثة القرارة، ولكنه لم يجد من المحسنين من يتكفل بنفقاتي.
كنت على موعد مع ابن عمي المرحوم السيد سعيد باحمد بن صالح -كعباش- لأعمل أجيرا عنده في بلدة "مسعد" من دوائر ولاية "الجلفة" حاليا، حيث أنشأ تجارة بدائية، لا تشبع طموحي ولا تلبي رغبات فتوتي. ولكن ما حيلتي، وأنا المسوق بإرادة الأوصياء، وظروف الحرب تقتضي الابتعاد والانزواء. (1/28)
صفحة 29
انطلقت إلى "مسعد" الرابضة على سفوح جبال "بوكحيل" الشماء، في منطقة الهضاب العليا.
أرأيت إلى الضفدعة كيف يتغير نقيقها عندما تنقل إلى غير بركتها المألوفة؟ تلك هي حالتي الكئيبة، وقد أصبحت في متجر لا يعرف نشاطا إلا في يوم السوق "يوم الأربعاء" وأقل منه يوم الثلاثاء والخميس ما بين قدوم البدو إلى السوق وعودتهم إلى مضاربهم. وكنا نمضي أغلب أيام الأسبوع في شبه راحة لانعدام تعاملنا مع أهل البلدة المقيمين إلا في القليل النادر. أمضيت ما يقرب من سنة ونصف في هذا البلد الصحراوي الوديع، وقد أحسن ابن عمي رعايتي في المطعم والملبس بما لم أتمتع به من قبل. وكفيت مؤونة الطبخ، إذ رتبنا مطعمنا عند آل المرحوم الحاج عيسى الحاج محمد بن صالح وآل سماوي في شركاتهم، وكنت أستأنس ببعض اللدات من أبنائهم عندما نجتمع للغذاء أو العشاء.
وبعد التقويم السنوي للمتجر عزم ابن عمي قضاء فترة راحته في ميزاب يضطر معها إلى غلق المتجر لثلاثة أشهر، على أن أبقى في رعاية الجيران حتى يعود.
ويشاء الله تعالى أن يتخذ ذلك فرصة لأول بادرة تنير لي الطريق على نهج العلم والمعرفة، إذ انضممت رسميا إلى كتاب الشيخ الوقور السيد: أحمد بن عبد القادر "الزنيني" رحمه الله، فأصبحت إلى جانب لداتي المذكورين، وأبرزهم هو المرحوم السيد الحاج أمحمد إسماعيل بن داود بن بالحاج. فبدأت أحفظ القرآن انطلاقا من سورة البقرة. وكان الشيخ يأخذ أمثالي من الحفاظ بطريقة ممتازة من الحفظ للتركيز والإتقان، وهو الشيخ الوقور، المقبل على خدمة كتاب الله بكل إخلاص ووفاء، والمدبر عن مفاتن الدنيا والزاهد في متاعها إلا بما يضمن له البقاء. (1/29)
صفحة 30
حفظت النصف الأول من القرآن حفظا مركزا بقي منقوشا في ذاكرتي حتى اليوم. فسبحان مدبر الأمور ومصرّف الأقدار. فقد كانت هذه البادرة سببا لانتعاش حنيني وتيقظ وعيي لطلب العلم والمعرفة، بعد أن توالت عليّ في تلك المرحلة محفزات أخرى كان لها مفعولها في وعيي الباطني أذكر منها:
أ-تلك الرسالة المعبرة التي بعث بها شيخي "محمد بن بهون" خلال سنة 1943 يعزيني بها لوفاة جدتي المرحومة باباعدون عائشة بنت عمر. ضمنها إيحاءات مخلصة تدعوني إلى حظيرة العلم يقول فيها ما نصه: "إنك يا بني لم تخلق للذراع والميزان، ولكن للدواة والقلم والعرفان".
ب- صادف أن زارنا إلى "مسعد" السيد المفضال سماوي الحاج إسماعيل بن الحاج محمد. وكان هذا الأخ الكريم نبيل العاطفة مرهف الحس، قد عزّ عليه أن يراني أجيرا بسيطا، وقد سمع عن شيخي ورغبته في إرسالي إلى بعثة القرارة. فجرني ذات مرة إلى حوش المتجر ليحرضني على الرجوع إلى الدراسة، وأنه سيكون أحد الذين يساعدونني على الذهاب إلى القرارة، كما فعل بأخيه الأصغر سماوي أيوب، وجدت كلماته أثرا في نفسي. ولكن ما حيلتي وأنا الطائر المسجون، والأجير البسيط المغبون؟. (1/30)
صفحة 31
ج-كان للسيد المرحوم بليدي عمر بن أيوب اليسجني تجارة بسيطة في "مسعد" فيجتمع معنا من حين إلى آخر وهو المشبع بالروح الإصلاحية، إذ كان ولده المرحوم بليدي صالح ضمن البعثة البيوضية بالقرارة، وكان يراسله ليخبره بكل النشاطات العلمية هناك وبالصراع الدائر بين الشيخ الإمام وخصومه التقليديين. كان يتلو علينا تلك الرسائل بفخر واعتزاز، وللتوعية والإيحاء، وقد تجمعنا حوله في سهرات الشاي بعد العشاء ... لنستمع إلى الفصحى في شغف وإعجاب. كل تلك المحفزات كان لها الأثر البالغ في نفسي جعلني أحقر شأني وأرثي لوضعيتي. فصرت أنظر باحتقار وازدراء إلى كل ما يمتّ إلى التجارة ودكاكينها بصلة ولو كان فيها مال قارون. أخذت تعتمل في نفسي تلك الأفكار، ويؤججها ما كنت أتسقطه من الأخبار. فضاق بي المقام وتساوى لدي الليل والنهار. ولكن كيف المهرب من هذا السجن؟، وأنى تتحقق لي تلك الأحلام والأفكار؟، فلأعزم أمري لهذا الاتجاه ويفعل الله ما يشاء، وهو القوي الجبار.
وزاد من وحشتي ارتحال رفاقي إلى قضاء العطلة الصيفية في البلد، فبقيت وحيدا أحمل أثقال همومي ويلح علي طموحي فلا أجد مسلكا، ولا أستطيع أن أبوح لأحد بما يدور في خلدي، فقل نشاطي وذوت صحتي وركنت إلى الصمت والذهول. فاضطر ابن عمي إلى إرسالي إلى "الجلفة" للمعالجة. وكانت فرصة غالية تفسحت فيها مع أبناء عمي في ضيعة بوكامل في "ورو" والتي نقضي في سحر طبيعتها ومائها الحلو البارد عطلة الأسبوع. وهكذا لمدة شهر كامل تماثلت للشفاء، وأنا منطو على آمالي وطموحي، لا أفصح بها لأحد. فيا للسعادة والبشرى عندما علمت أني مطلوب للخدمة العسكرية، ويقتضي ذلك رجوعي إلى "ميزاب" فورا لتسجيل "التعويض" وهو مقدار من المال يدفعه المعني حتى يعفى من الخدمة، وهو امتياز حصل عليه الميزابيون، بعد اتفاقات مضنية مع السلطة الفرنسية تولاها المرحوم السيد الحاج أمحمد عمر بن عيسى بن إبراهيم. (1/31)
صفحة 32
وهكذا شددت رحالي إلى "ميزاب" وكلي أمل ورجاء أن لا أعود لمثل حالي. وتم ذلك في ربيع سنة 1945 والحرب العالمية تسير إلى نهايتها.
مرحلة الشباب والتكوين
أ- بين أحضان البعثة في القرارة.
ب- بناء العش العائلي.
ج- في رحاب تونس الخضراء.
أ- بين أحضان البعثة في القرارة:
عدت إلى الوكر الدافئ الحنون في قريتنا الوديعة لأنعم بالحنان إلى جانب أمي، ولم أكن في الواقع قد بلغت السن القانونية لخدمة الجندية -أي ثمان عشرة سنة- لولا تلك الزيادة في العمر عند تسجيل الأحوال الشخصية كما تقدم، وبعد أيام وضعت الحرب أوزارها، وأعلنت الهدنة بعد استسلام جيوش المحور في "ألمانيا" فتنفس الناس الصعداء، لعودة الأمن وإعادة البناء. ففكت القيود وأزيلت الحواجز. فإذا بالشيخ الإمام بيوض -رحمه الله- يرفع عنه الحجر والإقامة الجبرية بالقرارة لطول مدة الحرب. فينظم جولته الإصلاحية بقرى "وادي ميزاب"، وإذا بطلائع الإصلاح في قريتنا يستعدون لاستقبال هذا الحدث التاريخي العظيم. وقد برز على مسرح الأحداث يومئذ الشيخ ابن يوسف سليمان بن الحاج داود، فاستطاع بحنكته أن يأخذ زمام المبادرة في انطلاقة الحركة الإصلاحية في قريتنا، وأصبح الفرس المجلى في الميدان وقد تجمع حوله من سراة البلدة فوج مبارك، وفي طليعتهم المشائخ: محمد بن بهون، بكلي أحمد بن الحاج يحيى، بابا عمي الحاج أحمد بن الحاج موسى، ومن السراة: اسماوي حمو بن صالح، اسماوي أحمد بن بكير، اسماوي الحاج إسماعيل بن محمد، بوبكر محمد بن عمر، ابن لولو صالح بن الحاج محمد وغيرهم كثير. (1/32)
صفحة 33
ففي غمرة هذه الأحداث التي انتعش فيها حماس الجمهور ما بين مؤيد ومعارض، وأصوات المباركة والمبايعة، أو التنديد والبراءة والتكفير، قضيت أيّام راحتي، وأنا مأخوذ بما يهيأ لها من الولائم وما يعدّه الأساتذة والطلبة من برامج ثقافية، فمنيت نفسي أن أكون في قلب تلك الأحداث مع زملائي من التلاميذ الذين واتاهم الحظ، عندما اختيروا ليكونوا ضمن أفراد البعثة لتلك السنة 1945 وكان للأستاذ المرحوم الشيخ الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى "القرادي" كان له الفضل الكبير في إقحامي مع تلك المجموعة لإعداد المهرجان الثقافي للشيخ الإمام. إذ كنت معجبا بجراءته الأدبية، وشخصيته المرحة، ومكانته المرموقة في الطلائع الإصلاحية. وبدون انتظار ولا تردد التحقت بالمجموعة، وهي تحضر البرنامج في المدرسة القديمة تحت صحن المسجد العتيق بإشراف الشيخ بكلي أحمد بن الحاج يحيى. وسرعان ما عيّنت أحد الممثلين في رواية "بلال بن رباح" للشاعر الجزائري: محمد العيد آل خليفة، لأقوم بدور "أمية بن خلف" ولا تسل عن مدى سرور شيخي "محمد بن بهون" وهو يراني أعود إلى حظيرة العلم والثقافة بعد غياب خمس سنوات. فاختار لي -رحمه الله- قصيدة في مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأحد الشعراء المصريين لألقيها أمام الشيخ الإمام. وهكذا اندمجت في مجموعة رفاقي قلبا وقالبا. وتم المهرجان الثقافي وأقيمت الولائم لمدة ثلاثة أيام، كانت من نصيب العطفاء وفي تلكم الجولة التاريخية الخالدة، وكانت دار المرحوم بابا عمي الحاج إبراهيم بن محمد "باش عادل" مسرحا لتلك المسرحيات، قمت بدوري أحسن قيام تمثيلا وحفظا وإلقاء، واندمجت مع رفاقي التلاميذ، وأصبحت فرضا في عداد من يلتحق بالبعثة، أما كيف يتم ذلك؟؟ ومن هذا الذي يتكفل بنفقاتي، فذلك ما سيقضي فيه الله كيف يشاء. (1/33)
صفحة 34
وكان الشيخ ابن يوسف سليمان ورفاقه قد أعدوا برنامجا لتأسيس جمعية النهضة بقانونها الأساسي واعتمادها الرسمي لدى السلطات الفرنسية سنة 1945 فاتخذوا من زيارة الشيخ الإمام فرصة للإعلان عن أعضاء إدارتها، والتي أصبح على رأسها الشيخ ابن يوسف، فكان ذلك بالنسبة إليه شارة رسمية يباركها ويزكيها الإمام بيوض ليصبح القائد الأول لحركة الإصلاح في البلد بدون منازع.
تركت دروس الشيخ الإمام دويا عظيما في نفوس الجماهير تطلعا لحركة تغيير شاملة في البلد تعتمد على التربية والتعليم، وعلى حسن التنسيق والتنظيم، فتدافع الكثير من سراة البلدة إلى تسجيل أولادهم في قائمة المترشحين للالتحاق بالبعثة العلمية في القرارة، فأفرزت عملية الانتقاء، كلا من الإخوة الرفقاء:
بكلي بابة أحمد بن حمو ... .
بكلي عيسى بن بنوح ... الحاج امحمد محمد بن الحاج سعيد ... حاج إبراهيم أحمد بن محمد ... خير الناس عيسى بن إبراهيم ... سماوي صالح بن عمر
وقد التحق قبل ذلك بعض الأفراد الآخرين انضموا إلى الطليعة الأولى، التي التحقت بالبعثة في أواخر الثلاثينات وهم الإخوة:
سماوي طالب عيسى بن إبراهيم.
الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى "قرادي".
الحاج إسماعيل يحيى بن الحاج إبراهيم.
إضافة إلى الأخ سماوي الحاج أيوب الذي سبق فوجنا بنحو سنة، كما تقدم.
تتبعت بشغف زيارات الشيخ الإمام في كل من بنورة وبني يسجن وغرداية، وبهرتني أجنة "بوشمجان" في غرداية ومدرسة الإصلاح هناك، وما شاهدتها من قبل، فاندسست برفقة الشيخ باباعمي الحاج أحمد في وسط الوفود الزائرين، أرتحل بارتحالهم وأنزل حيثما نزلوا. (1/34)
صفحة 35
وفي أوائل أكتوبر سنة 1945م تهيأ الفوج المذكور للسفر إلى القرارة، وقد تكفل بهم أولياؤهم ما بين أب أو وصي. أما أنا فأعلل نفسي بما سمعته من وعود، بأن يتولى بعض المحسنين التكفل بشؤوني لألتحق بالقرارة. وكانت والدتي لا ترتاح لتلك الوعود إذ لم تشاهد أي بادرة لذلك حتى من طرف أبناء عمومتي. فبقيت عالة عليها في تلك الأيام الثقيلة المملة بالانتظار، إذ لم أسعفها بدرهم ولا دينار، لأنني أجهل تمام الجهل ما ادّخرته بكد يميني في تلك السنوات الخمس من الغربة والعمل المضني. اللهم إلا ما نفحني إياه الشيخ عدون شريفي إثر انتهائي من استنساخ القانون الأساسي لوحدة التعليم في مدارس الإصلاح، وهو يقع في حوالي مائة صفحة، إذ دفع لي مبلغ مائتي فرنك فرنسي. لتبقى منه نسخة لجمعية النهضة.
ارتحل الفوج المذكور إلى القرارة، وبقيت وحدي بين اليأس والرجاء، لا أدري أأصدق ما يعدني به الوجهاء أم هي مواعيد عرقوب تذهب أدراج الرياح هباء، بقيت على تلك الحالة المضنية لما يزيد عن شهرين، ونفسي أميل إلى اليأس منها إلى الرجاء.
لك الله يا أمي، ماذا سببته لك من عناء؟؟ وأنا أمام الوعود كباسط كفيه إلى الماء.
كان أبناء عمومتي في بلدة "الجلفة" أغلبهم شباب انطلقوا في تجارتهم بمحل "أروقة الجنوب" وليست لديهم أية فكرة عن الحركة الإصلاحية، إذ ما تزال في حداثتها مقصورة على الطلائع الواعية من سراة البلدة، وكان أبرزهم في ذلك السيد المرحوم سماوي الحاج حمو بن صالح وهو من الأعضاء المؤسسين لجمعية النهضة والمهتمين بشؤون البعثة. فقام بدور الوسيط لدى أبناء عمومتي ليأخذ منهم الإذن بإرسالي إلى القرارة -لأنهم الأوصياء الشرعيون علي- ولكنهم لا يتحملون أيّة نفقة ولا يلتزمون بأي تكاليف مادية. قبل منهم السيد سماوي ذلك الشرط استدراجا لهم ووضعهم أمام الأمر الواقع، والزمان والنتائج كفيلة بإقناعهم بعد ذلك. (1/35)
صفحة 36
وذات يوم دعيت أمي من طرف أبناء عمومتي الموجودين في البلدة: كعباش بالحاج بن صالح، وسعيد الحاج صالح بن الحاج امحمد قباض، فأخبراها بأنهم وافقوا على التحاقي بالقرارة حتى تجهّز ما أحتاجه من اللباس والفراش، وأن بعض المحسنين سيتولون نفقتي.
مسكينة أنت يا أمي! كيف تدبرين شؤون طفلك، وهو في سن المراهقة، وليس له كفيل ولا معين؟، إلا من الله القوي العزيز الذي يمن على المستضعفين. فما كان من الأم الرؤوم إلا أن غدت تدبّر أمرها بإمكانياتها الخاصة لتعدّ لي فراشا وكساء وصندوقا يحفظ أمتعتي في دار البعثة. فتهيأ لي من ذلك ما هو ضروري يردّ عني عالة البرد ويستر عورتي وكفى. أمّا الثياب العصرية الجديدة، أو الفرش والأكسية المخملية الوثيرة فلا شأن لي بها إطلاقا.
كانت أمي بين الخوف والرجاء كيف يكون مصير وحيدها هناك في القرارة؟؟ ومهما يكن من الأمر فهو لا يكون أسوأ حالا مما شهدته عليه وهو عائد من غربة العمل في مدة خمس سنوات، فلتفوّض أمرها إلى الله، وهو اللطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز,
حان موعد السفر فدبّرت أمري وحدي لنقل أمتعتي من العطف إلى غرداية بكراء دابة المرحوم عيسى موسى ابن عدون ثم الكراء إلى القرارة على ظهر شاحنة المعمر "داقيق". تركت أمي تذرف دموعها الحارة داعية الله لي بالتوفيق والسلامة، وهي تواجه صفحة أخرى من حياة وحيدها، ولا تعلم مداها ولا نتائجها.
انطلقت بنا الشاحنة عند الظهر لتصل إلى القرارة بعد صلاة العشاء، وكان الطلبة يترصّدون وفود الطلبة ممن يلتحق مؤخرا بالبعثة، وتم ذلك في أواخر شهر ديسمبر من سنة 1945. وقد انطلقت الدراسة قبل ذلك في كلّ من مدرسة ومعهد الحياة. وهناك بين أحضان البعثة ألقيت عصا الترحال، وأنا أشعر براحة البال لأستقبل حياة جديدة، كلّها جدّ ونشاط على ما تتّسم به من شظف العيش واحتكاك الطبائع والصرامة في التسيير والانضباط. (1/36)
صفحة 37
كان على رأس البعثة مؤقتا السيد: البرياني محمد -رحمه الله- ثم تقلد مسؤوليتها الأستاذ: أحمد بن عمر آوراغ من 1945 إلى 1949. ويمتاز بالصرامة والدهاء في التسيير. وكان الأخ السيد اسماوي عيسى الطالب نائبا له ومسؤولا على البعثة العطفاوية.
بدأت أندمج في ذلك الوسط الذي يمثل مجتمعا صغيرا بكلّ ما يعجّ به من أنواع العواطف والطبائع وألوان من التقاليد والسلوكات يصهرها نظام البعثة في بوتقة واحدة، ويتعهّدها الشيخ الإمام بالتوجيه والإرشاد، بالدروس العامة بالمسجد، أو الخاصة بداره في كلّ يوم خميس، أو في كلّ لقاء يجمعه بالبعثة من حين إلى آخر.
ولم أكن قد تدرّجت في دراستي بالكتاب بكيفية منتظمة مع السنوات السبع الابتدائية. وبالتالي ما درست في قواعد النحو غير الجزء الأول من كتاب "النحو الواضح" للأستاذ "علي جارم"، غير أني أجيد القراءة والكتابة. بفضل مدارسة كتاب الله كما تقدم، ونظرا لما أتمتع به من الاستعداد الفطري -بفضل الله-، انخرطت مباشرة في القسم الأول من مدرسة الحياة التي يديرها المرحوم: لبسيس قاسم، على أن أستكمل جانبيا قواعد النحو للجزء الثاني.
شمرت عن ساعد الجد والمثابرة، يحدو بي الطموح أن أطوي مرحلة الابتدائي لسنتي الأولى في البعثة، واستطعت بعد شهرين من انطلاقتي أن أستظهر القرآن عن ظهر قلب، إذ كنت أحفظ النصف من قبل كما تقدم، فبقي لي متسع من الوقت لتنمية الثروة اللغوية بالمطالعة، فإذا بي أتحصل على الدرجة الأولى في الامتحانات السنوية، وحافظت على تلك الميزة طيلة سنوات المعهد، فلم يجرؤ أحد أقراني أن يفتكها مني -والحمد لله- بينما بقي الكثير من زملائي الذين سبقوني إلى البعثة يتعثرون في المصلى لشهور وسنوات، لإنجاز حفظ القرآن، وهو شرط للالتحاق بالمعهد وفق المنهجية التي توخاها الشيخ الإمام. (1/37)
صفحة 38
كانت تلك الانطلاقة الناجحة مؤشرا مباركا لنجاحاتي في المستقبل، وقد أصبحت مرموق المكانة لدى رفاقي وأساتذتي، وبرزت في مجالات النشاط الثقافي بالبلدة فغدوت محل إعجاب لدى كثير من المواطنين، مما حدا بأبناء عمومتي، -وقد تفتح وعيهم للإصلاح-، أن يتولوا بأنفسهم تسديد نفقاتي في البعثة -جازاهم الله عني خيرا-، فتوخيت في سلوكي أن أكون متزنا في كلّ موقف لا أتملق أحدا ولا أتعسف في المعاملة، ففرضت الاحترام لنفسي بلطافة المعشر والسلوك الحميد. وقد بدأت الدراسة في "معهد الحياة" لمستوى الطبقة الخامسة يومئذ، وكان الإخوة الرفاق في الدراسة من أبناء العطف كلّ من الإخوة: سماوي أيوب، عيسى بن عبد الرحمن، خير الناس عيسى بن طالب إبراهيم، فأصبحت أطمح إلى المراتب العالية في المجالات الأدبية. إن على صفحات مجلة "الشباب" الخاصة بالمعهد أو خلال الجمعيات الأدبية، والمناسبات الدينية والاجتماعية المختلفة، مشاركة في إحياء الذكريات أو القيام لحفلات الأعراس. فتكونت لي بذلك سليقة أدبية محترمة أثريتها بتنميق الخطب والمقالات وحتى ببعض المحاولات الشعرية، وكنت أندس مع كبار البعثة وأستفيد من تجاربهم، وأسأل عما أجهله في تواضع للاستزادة العلمية، ويرافقني في المطالعة والتحضير الأخ ابن زايط محمد بن حاج صالح وهو على حظ من الذكاء والجد والمثابرة -وهو شبه بصير- يلازمني في المذاكرة والمطالعة. (1/38)
صفحة 39
وفي سنة 1948 تغيرت وضعيتي في حياة البعثة بعد انقطاع أغلب كبارها، ومن بينهم الطالب عيسى اسماوي، والحاج أيوب إبراهيم القرادي والحاج إسماعيل يحيى، فتحولت إليّ مسؤولية البعثة العطفاوية كما تقلدت كثيرا من المأموريات، سواء في المجالات التنظيمية الخاصة بالبعثة، أو المجالات الأدبية في المعهد. ضرورة أنني أصبحت عضوا إداريا ورئيسا للجمعية الأدبية ومنشطا لأفواج الكشافة بعد التربص الذي أشرف عليه الفرنسي "جان مايير" في المخيم الذي أقامه لنا سنة 1947م كما توليت قلم التحرير لمجلة "الرقيب" الخاصة بالبعثة، مما أكسبني دربة في التنظيم والتسيير.
ولم يكن الشيخ الإمام يستقر في القرارة بعد عضويته بالمجلس الجزائري المنتخب لسنة 1947 فلم يكن حظى من دروسه القيمة كبيرا طيلة وجودي في المعهد إلا ما يكون من النزر اليسير في دروسه العامة بالمسجد. وبعض الدروس في أصول الفقه من كتاب "طلعة الشمس" عندما درجت إلى الطبقة الأولى في الخمسينيات. وأبرز أساتذتي هم: الشريفي الشيخ عدون بن بالحاج: في النحو والصرف وأصول الدين.
أداود إبراهيم بن عمر: في الشرعيات وبعض الأدبيات.
محمد علي دبوز: في التاريخ وفي التربية وعلم النفس.
وفي السنوات الأولى بالمعهد صحبت كلا من الأساتذة:
أداود عمر بن صالح الضرير: في الميراث.
بيوض بكير بن عمر" في الفقه والأحكام العملية في الميراث.
الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى: في التاريخ والآداب.
فقد أسهم هؤلاء الأساتذة الفضلاء في تكويني الأدبي والعلمي، كما أسهم كبار البعثة ورئيسها في تكويني الخلقي والاجتماعي، فجازاهم الله عني خيرا وبوّأهم المقام الأسمى في عليين: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23). (1/39)
صفحة 40
وفي سنة 1949 أصبح على رأس البعثة المرحوم صالح بن عمر بليدي. بعد أن تركها السيد أوراغ أحمد بن عمر سليمة الاتجاه، مستقرة النظام، ذائعة الصيت على المستوى المحلي والوطني، بل حتى خارج الوطن في تونس وليبيا. وقد تعددت مراكز البعثة لازدياد أفرادها. وبقي المركز الرئيسي للإدارة في مستودعات المرحوم "خبزي عيسى بن عمارة" عند مدخل البلدة.
تقلد هذا الأخ الكريم -بليدي صالح- مقاليد الأمور وما يزال ناقص التجربة في التسيير. ولكن لا يعوزه الإخلاص ولا تنقصه العزيمة، فوجدتني إلى جانبه الساعد الأيمن والنائب الأول له، فاكتسبت خلال تلك السنة 1949 - 1950 مزيدا من الحنكة والتجربة، تباركنا دعوات الإمام، وتحالفنا توجيهاته القيمة. فسارت القافلة -بحمد الله- على ما يرام. حتى أشرفت تلك السنة على نهايتها، وكانت بالنسبة لي نهاية المطاف في دراستي بمعهد الحياة. وقد ازدادت معرفتي بالناس في مختلف القرى وتوطدت محبتي بين أفراد البعثة ممن أصبحوا رجالا مرموقين في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
والآن وقد أصبحت متزوجا -كما سيأتي بيانه- فهل هو الدخول في معترك الحياة العملية؟؟ وهل أقتنع بما حصلت عليه من الزاد المعرفي، أم أنني استشرفت آفاقا أخرى أوسع وأرحب؟؟ فلنترك القرارة آمنة تواصل مشوارها في تكوين الرجال، ولنرتقب من قدر الله ما سوف يتحقق من تلك الآمال.
ب- بناء العش العائلي:
يقول الشاعر العربي:
إذا بلغ الفتى عشرين عاما ... ولم يفخر فليس له افتخار. (1/40)
صفحة 41
ها قد بلغت العشرين في شهر أبريل لسنة 1949 وأنا في السنة الرابعة بمعهد الحياة. أرتقب النبأ العظيم الذي يحلم به كل شاب في مثل تلك السن. غير أن أحلامي الجميلة التي أصبحت تهدهدني منذ صائفة ذلك العام، امتزجت بشيء من الخوف، لهاجس أصبح يكدر عليّ صفوي كلما طرق خاطري. إذ أن الزواج على ما فيه من السكن النفسي، قد يهدّدني بالانقطاع عن المعهد، وأنا في نهاية المطاف للدراسة فيه، وذلك بعد أن يثقل كاهلي بمسؤولية الزوجة، وأبناء عمومتي لا يحملونها عني مع نفقات البعثة. فلم يكن لي بد من النزول عند الأمر الواقع. وكنت من جهة أخرى أخشى إن تأخر موعد العرس، أن تنفلت مني من ارتضيتها شريكة حياتي، إذ يزاحمني فيها بعض الأقرباء لها.
ولعلّ من الغريب يومئذ أن يتحدث شاب مثلي في موضوع اختيار قرينة الحياة، والتقاليد تفرض واقعها على المجتمع، تجعل الكلمة الأولى والأخيرة في ذلك لأولياء الأمور، فلا رفض ولا امتناع. غير أن الله تعالى قد قدر في علمه الأزلي أن أكون ذلك الذي يشق الطريق أمام الأجيال، يحدو بها في مدارج المعرفة والنضال، ويزجي بها في مجالات التغيير والتجديد. فشاءت قدرة الله تعالى أن تكون انطلاقة حياتي الزوجية قدوة في هذا المضمار، تقوم على الحوار والمشورة. والاختيار كما أرشدنا إلى ذلك الحبيب المختار. (1/41)
صفحة 42
فمنذ سنة قبل الزواج تحاورني والدتي -رحمة الله عليها- وتقترح عليّ أصنافا من بنات القرية، ولم تحز رضاي غير اثنتين منهن، كنت أركز اختياري عليهما، وتساعدني أختي الكبرى -سعيد فافة- رحمة الله عليها، إذ كانت تقف إلى جانبي في كل محاورة وتقول لأمي. ليس ولدنا كأحد من الشباب، ممن يلجون بنزواتهم كل الأبواب. وكان وكلائي -رحمهم الله- يعدون العدة لولائم العرس. وقد استاؤوا لتلكئي في الاختيار حتى هددوني بالانسحاب من تحمل مسؤوليتي. وشاءت قدرة الله أن ييسر لي الأسباب، إذ تحققت رغبتي في من اخترتها قرينة حياتي، وكانت لأختي الكبرى -وهي رئيسة الغاسلات- اليد الطولى في إتمام الخطبة بكريمة عمنا المرحوم عبد العزيز الحاج محمد بن عمر وهو التقي الصالح من كبار هيئة "إيروان" في المسجد العتيق. عاش مستور الحال بعرق جبينه، لا يغويه النفوذ والمال. فرضي لابنته –عائشة- من يكون كفاء لها في التربية المثلى وحميد الخصال، فيا بشراي إذ حملت إلي أمي وأختي نبأ الرضا والوفاق. وإقرار وكلائي لما تم عليه الاتفاق.
تحدد موعد العرس ليوم 04 أبريل من سنة 1949 وهكذا تشكلت لجنة لإنعاش العرس وتغطيته بمختلف النشاطات الثقافية يشارك فيها فوج من البعثة يستقدم في أغلب الأعراس الإصلاحية لأنها مناسبة للتحسيس والتوعية وتأطير الجمهور. وكان على رأس اللجنة الشيخ القرادي بعد أن أصبح مديرا لمدرسة النهضة في 1948 فقد أحسن التنسيق لحفلات العرس. بما جعل وكلائي من أبناء عمومتي يحمدون معروفهم وإحسانهم بي وزادهم قناعة بحسن النتائج وحسن العقبى. ولم تكن الأعراس الجماعية معروفة في البلد، إذ ما تزال كثير من العادات والتقاليد الفاسدة راسخة الجذور في المجتمع، تتطلب كثيرا من الصبر والحكمة في محاولة تغييرها أو إلغائها. (1/42)
صفحة 43
فليكن عرسنا بإرادة محمودة للانطلاق في التغيير؛ لأنه يجمع ثلاثة عرس في آن واحد لشباب أيتام فقراء وهم: الكاتب، وسعيد محمد بن الحاج صالح، وسعيد محمد بن بكير، وصادف أن تحمل أزواجنا كلها اسم "عائشة"، فتوافقت الأسماء لدى الأزواج محمّدون وعوائش. وقد ضمن هذا المعنى الشيخ بكير أرشوم في قصيدة شارك بها في حفل الزفاف إذ قال:
أمحمدون لتهنأوا بعوائش ... هنّ المنى، وليسرع الخطاب.
أقيمت حفلات الرجال في دار "باحريز" دار العشيرة وتستمر عادة لثلاث ليال، أما في الجانب النسوي فتقرر أن تقيم كل أسرة حفلاتها في بيتها الخاص حيث يكون مخدع العروس. وقد اكتنفت عرسنا أعراس أخرى للزملاء. (1/43)
صفحة 44
ها قد أصبحت متقلدا شارات الرجولة، وقد اضطررت إلى خرم السنة الدراسية قبل نهايتها، وبقيت لي سنة واحدة في مشوار دراستي بمعهد الحياة. فهل يقدّر لي أن أستوفيه، أم ينقطع بي السبيل، ويضيق وكلائي بالحمل الثقيل؟؟ فلله الأمر من قبل ومن بعد. مرّ شهر العسل في متعة كلمح البصر. إذ تحققت الصورة المثلى التي رسمتها في ذهني لشريكة حياتي، انسجاما في العواطف وتجاوبا في المشاعر، وتمازجا في الأرواح. لا نقيم لحطام الدنيا وزنا، ولا نفتتن بما في أيدي الناس من ثراء وزينة. فقد استعضنا بقناعة النفس وراحة البال، ما تقتصر عنه اليد ويعوزه المال. وكنت بين الخوف والرجاء في العودة إلى المعهد فما حيلتي وقد دنت أيام الفراق، فما هو مصيري وإلى أين المساق؟ ذلك ما حسم فيه عمنا المرحوم سعيد الحاج صالح عندما جمع العرس الثلاثة ليقدم لهم حساب النفقات وهو الوكيل والوصيّ الشرعي على كل من الأخوين سعيد محمد بن الحاج صالح وسعيد محمد بن بكير، وهو المتكفل بنفقاتي هو وشركاؤه كما تقدم. وكم كانت دهشتي عندما أهاب بي أن أخوض غمار الحياة، وأتحمل مسؤوليتي في إنفاق العائلة، وقد تقرر أن أعمل معهم في متجر "الجلفة" لأسافر بعد أيام مرورا بالقرارة لأزم الحقائب وأودع الأساتذة والرفاق. تقبلت تلك الأوامر على مضض، وقد أصبحت أمام الأمر الواقع، ليس له في حيلتي وجهدي من دافع. فمرت الأيام الحلوة، وأشباح الفراق تناوشني أينما اتجهت، ولم أكن منزعجا من وضعية أسرتي بقدر ما آلمني أن أنقطع عن الدراسة في المعهد قبل استيفاء مراحله وفق البرنامج الرسمي إذ هو بمثابة إكمال المرحلة الثانوية. (1/44)
صفحة 45
شددت رحالي إلى القرارة وبثثت شكواي لرفاقي وأساتذتي، وهم مشفقون على وضعيتي، وأشدهم في ذلك الشيخ محمد علي الدبوز. إذ وعدني بأنه سوف يدبر الأمر بنفسه مع وكلائي عندما يمر بمدينة "الجلفة" في عطلة الصيف. وهو على ود وتقدير واتصال وثيق بعمنا السيد سعيد الحاج صالح الذي يعتبر الرأس المسير للحركة التجارية هناك، ولا ينازعه شركاؤه في أمر يقرره.
غادرت القرارة بنفس كئيبة، فأصبحت في عداد العمال الخاضعين للتراتيب المألوفة لدى جماعتنا من الصرامة والانضباط. لا أجد إقبالا لنفسي ولا راحة ضمير في ذلك النوع من العمل، ولو كان فيه الغنى والثروة ضرورة أني ذقت في ذلك من الضعة والضياع ما كفى ولكن:
إذا لم يكن غير الأسنة مركبا ... فلا يسع المضطر إلا ركوبها
مرت ستة أشهر وأنا على تلك الوضعية، لا أطيق لها صبرا ولكني تحملت ألم الصدمة، موقنا أن الله سيجعل بعد العسر يسرا، وكنت على تلك الحالة النفسية لا أدّخر وسعا في القيام بواجبي، ولا أستنكف عن أي عمل أكلف به، فسارت الأيام على هذه الوتيرة أثقل ما تكون، وأنا أرتقب بشغف كيف ينجز الشيخ الدبوز وعده الثمين؟؟
وبعد أيام من شهر أكتوبر 1949 هتف الشيخ ليخبرنا بقدومه وإقامته عندنا ليوم كامل يلقي فيه درسا على الجماعة في المسجد فأعددنا الوليمة وحرّضنا الجمهور على حضور الدرس. وكان عمنا سعيد الحاج صالح من كبار جماعتنا هناك. وما كاد الشيخ يستريح بيننا حتى بادره بجلسة خاصة استمرت لأكثر من ساعتين في واجهة المقهى قبالة المتجر. لقد انتعش الأمل في قلبي وتيقنت أن الشيخ سيؤثر بقوة شخصيته في عمنا الحاج صالح. وعرفت ذلك من خلال قسمات الشيخ الضاحكة، وقد انتهت الجلسة وحسم في أمري.
وفعلا دعاني السيد الحاج صالح إلى مكتبه في المتجر ليأمرني بإعداد أمتعتي للعودة إلى القرارة حتى أكمل السنة الباقية من برنامج المعهد، واعتذر إلي بكل تواضع وإنصاف بأنه ما كان يعرف أن للمعهد برنامجا محددا بالسنوات. (1/45)
صفحة 46
فلا تسل عن حالتي النفسية في تلك اللحظات، وأنا أتلقى منه تلك الأوامر التي كانت بمثابة الغيث المريع على الأرض الجدباء، فلم أتمالك من فرط السرور عن البكاء، وقد تأثر هو الآخر بالموقف، فتعهّد أن لا يتأخر عن مساعدتي ولو تلكأ في ذلك الشركاء.
وهكذا تعود المياه إلى مجاريها، وتصلح الأمور إذ أخذ القوس باريها فرضي الله عنهما جميعا وأرضاهما. وجعل الجنة مآبهما ومثواهما، ففي العشر الأواخر من أكتوبر 1949 شددت رحالي إلى القرارة عن طريق "مسعد" الصحراوي، فاستقبلني الرئيس الجديد للبعثة المرحوم بليدي صالح. فقرت بلابلي، وأصبحت ذلك الطائر الغرّيد يعيد الكرّة في دراسته من جديد.
أما كم هو عدد أفراد ذلك العش العائلي السعيد، وكيف نشأوا في حضن والديهم، وما هي حظوظهم من التربية والرعاية، فتلك شؤون سوف أبينها خلال مرحلة الفتوة وجهود الإصلاح و التغيير، لأنها تشكل حلقة خاصة في ذلك المشوار، بكل ما يعرفه من شدة أو رخاء، ومن عسر أو يسر، فسبحان مصرف الأقدار ومدبر الأمور.
ج - في رحاب تونس الخضراء: (1/46)
صفحة 47
انطوت السنة النهائية بالمعهد في لمح البصر ونعق غراب البين، ولم يبق لي من عودة إلى القرارة في السنة القادمة، فإما ارتياد لآفاق أخرى في مجال العلم والدراسة، وإما دخول إلى معترك الحياة بكل متناقضاته، وليس إلا تونس الخضراء موردا للارتياد، وقد سبقنا إليه بعض الزملاء و الأنداد، وهم الأخوة: بالحاج بن عدون، لعساكر محمد، الأطرش إبراهيم، بكير أرشوم، فلم لا تكون تونس وجهتنا نحن كذلك؟؟. تلك كانت رغبة بعض زملائي في الدراسة، وهم الإخوة: سعودي عيسى، ابن زايط محمد، العايب محمد، سماوي أيوب، على أن يتولى كل واحد منا تنفيذ خطته في التسلل إلى تونس بنفسه منفردا عن الآخرين بالكيفية التي تتيسر له، بعيدا عن مراقبة الشيخ الإمام، والشيخ عدون -مدير المعهد- لأنهما متحفظان جدا من فتح هذا المجال للطلبة خشية نكوصهم عن المعهد، وإشفاقا على الطلبة هناك بدون دار بعثة ورئاسة حازمة تنظم شؤونهم، إذ أن الإخوة الروّاد المذكورين قد اتخذوا من دار الجماعة في سوق البلاط، مأوى لهم على ما بها من ضيق وانعدام الوسائل الصحية اللازمة.
كنت أتحين الفرص و أجس النبض مع بعض سراة البلدة من رواد الإصلاح فيها، سيما الأعضاء الإداريين لجمعية النهضة، وكان الأستاذ الحاج أيوب إبراهيم قرادي أول من صارحته برغبتي، عندما زار البعثة في آخر تلك السنة 1950 م، فوعدني على أن يعمل على مستوى إدارة النهضة لتطلع على بعض مصارفي، كما كاتبت السيد بابا عدون إبراهيم -رحمه الله- ليكون شفيعا لي عند عمنا الحاج صالح ليتكفل بنفقات العائلة.
وعند اتخاذ تلك الوسائل توسلت إلى الله العلي القدير أن يسهل لي الأسباب ويفتح الأبواب. (1/47)
صفحة 48
وفي منتهى شهر جويلية من سنة 1950 ودّعت القرارة بقلب أسيف وعين سكوب – وهي أحب بلاد الله في قلبي، قضيت فيها فترات عمري طائرا غريدا ونحلة دؤوبة لصنع الشهد، لا أعرف لعوادي الزمان طيفا ولا شبحا، ولا أبدي لتقلباته حزنا ولا فرحا، بل هي الحياة المثالية والجو الفطري السليم نجد في كنفه الطمأنينة والهناء، وننعم بالزمالة العلمية في محبة وصفاء.
تلقيت الأوامر من عمنا الحاج صالح للعروج على الجلفة قبل العودة إلى ميزاب، فحزمت أمتعتي وكتبي وبعثتها مع أحد الزملاء إلى العطفاء ثم انطلقت على شاحنة "توربي" على طريق "مسعد". وعلى مشارف الساقية الحمراء ألقيت نظرة الوداع على القرارة وواحاتها الغناء، وعلى دورها ومنازلها الشماء، ولساني يردد مع الشاعر:
بنفسي تلك الأرض، ما أطيب الربى ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك، ولكن خلّ عينيك تدمعا
هناك في مدينة "الجلفة" سوف يتقرر مصيري مرة أخرى، ونهاية العطلة الصيفية قاب قوسين. ترى ماذا تخبئه الأقدار؟؟ والعادة تقضي بالعودة إلى العش الهنيء في تراتيب خاصة للعودة الأولى إلى العروس، وأنا يتجاذبني عاملان من الخوف والرجاء ومن الحزن والفرح، إذ كنت على شوق إلى اللقاء السعيد، وحلاوة شهر العسل ما تزال تسري في أوصالي، ولكنه مشوبة بقسط من المرارة مخافة ألا تتحقق طموحاتي وآمالي، وكنت لا أكتفي بالمواقف السلبية والوعود الفضفاضة، فأخذت أبتهل كل فرصة تسنح لي لمخاطبة أي شخص عن رغبتي، وأنا أعتقد فيه الخير أنه سيساعدني في أمري، وفي هذا الإطار صادف أن مرّ رئيس الجمعية ... -الشيخ ابن يوسف سليمان- مرّ من هناك إلى ميزاب، فلم أتمكن من مصارحته بالموضوع مراعاة لتراتيب العمل في المتجر، وأخذت ورقة سجلت عليها بيتا للمتنبي بعد التحية والسلام يقول:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي جواب عندها وخطاب (1/48)
صفحة 49
ثم ناولتها إياه خفية وأنا أودعه، فكان لهذا البيت مفعوله السحري في نفسه، إذ لم يتردد قط في الموافقة على أن تتحمل الجمعية تكاليف نفقاتي في تونس، ويتابع أبناء عمومتي التكفل بالعائلة، وفي أواخر شهر أوت 1950 جاءتني البشرى بالقرار يحملها إليّ السيد بابا عدون إبراهيم بن عيسى، ويخبرني بها سرّا.
وسرعان ما تهيأت الأجهزة المطلوبة للعودة إلى الحبيب، بعد فراق ستة عشر شهرا على التقريب، ولا أجد أبلغ من قول البحتري في سحر اللقاء:
ولو عرف الناس اللقاء وحسنه ... لحبّب من أجل اللقاء التّفرّق
نعمت براحة البال وكؤوس الحب مترعة، في غفلة من الدهر وأكداره، وأنا على أتم سعادة بين أم حنون وروح تغمرني عطفا ومودة، تمازح روحنا حتى لكأننا كما يقول جميل معمّر:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... وليس إذا متنا بمنقضي العهد
وعلى ذلك الصفاء النفسي، كنت على إشفاق كبير لما يكون من ردود الفعل عند أمي وزوجي إذا ما كشفت لهما ما أدبره من السفر إلى تونس الخضراء، و أنى للمرء أن يمتلك زمام عواطفه مع ألصق الناس به، سيما وقد أزفت ساعة الرحيل، فلا بد من الصراحة لدرء ما يروّج من الأقاويل، وقد كفاني عمنا الحاج صالح مؤونة الوالدة و الصّهر، إذ كشف لهما حقيقة الأمر، وطمأنهما بأنه سيبقى على العهد في التكفل بنفقات الأسرة، أما الزوج الحبيبة فكانت فوق المظنون، إذ لم تتبرم بما عقدت عليه العزم، بل شجعتني على المضي قدما لما قدره الله لي، وأنها باقية على الحب والوفاء، في المنشط والمكره، وفي الشدة والرضاء. (1/49)
صفحة 50
وكان الشيخ سعودي عيسى هو رائدنا إلى تونس من زملائنا في الدراسة، وكنت أنتظر جوابه في وصف وضعية الإخوة في دار الجماعة، فإذا به يستعجل قدومي مادام قد وجد متسعا لفراشي هناك، فسوف يرضى الإخوة بالأمر الواقع، كما فعل هو. وفي أوائل ديسمبر 1950 دنت ساعة الرحيل، فما أشد قساوة الفراق، وقد خرست الألسن وتصاعدت الزفرات، وانسكبت العبرات، إنها لحظات حرجة تذكرني بقول ابن زريق البغدادي:
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة و إني لا أودعه
فكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه (1/50)
صفحة 51
طويت المسافة إلى تونس على مراحل في أربعة أيام مرورا من الجلفة فبرج بوعريريج فقسنطينة فسوق أهراس ثم تونس على طريق "غاردوماو" للسكة الحديدية، وهناك في محطّة القطار بالعاصمة التونسية، دهاني شيء من الحيرة والقلق مما أنتظره من الرفاق عندما أنضم إلى مثواهم، وبصحبة أحد الحمالين انتهيت إلى "سوق البلاط" فإذا بالزملاء بين متمالك لعواطفه، ومغلوب عليها لا يخفي امتعاظا وتبرما. غير أن الأخ سعودي -بارك الله في أنفاسه- كفاني كل ملام أو نقد بصراحته المعهودة، لأن الرفاق ما ضاقوا بي ذرعا، ولكن يخشون أن يلتحق آخرون، فلا يجدون لهم متسعا، ولم يبق من بيوت الدار إلا غرفة واحدة استبقاها وكيل الوقف المرحوم الشيخ الثميني الحاج محمد تحسبا للوافدين من جماعتنا بين الحين والآخر، فلم نجد أنا والأخ سعودي إلاّ الرّدهة الأمامية لتلك البيوت التي يستغلها الرفاق من قبل، وإذ نحن في وضعية غير صحية فقد رضينا بها مستقرا لمضاجعنا من غير أن نزعج أحد رفاقنا أو نضيق عليه في بيته، فأصبحنا بعد متحابين متعاونين على مستوى واحد من الأعمار والشعور بالمسؤولية، فلا رئيس ولا مرؤوس ولا غني ولا فقير، وهكذا انطلق هذا الركب الميمون في ذلك البحر الزاخر نغترف من فيضه، ونستفيد من ربوعه في كل المجالات، يحدونا الأمل من أن نكون روادا صادقين للأجيال، نمهد الطريق لمن يلتحق بنا إلى ذلك المورد السلسال.
هكذا وجدتني في جو تونس الخضراء، مدفوعا إلى التكيف مع متطلبات الحياة هناك، وليست بالساذجة البسيطة كما ألفناها في الصحراء، فالأمر يتطلب من كل واحد منا سعيا دؤوبا وإرادة حازمة، واعتمادا على النفس، إذ أننا وإن توفر لنا المستوى المطلوب في العلوم الأدبية و الشرعية، على مستوى التحصيل -أي المستوى الثانوي- فإننا لا نستطيع الانخراط رسميا في عداد الطلبة المسجلين وذلك للأسباب التالية: (1/51)
صفحة 52
أ- ليس لمعهد الحياة شهادة معادلة لبرنامج الزيتونة لا في المتوسط (شهادة الأهلية) ولا الثانوي (شهادة التحصيل).
ب- لا يحتوي برنامج المعهد على برامج علمية للمواد المطلوبة في الثانوي، كالرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية والكيمياء، إذ لا تدرس في الجزائر إلا في المتوسطات والثانويات الفرنسية، وأغلبنا لم يتجاوز في ذلك الابتدائي.
ج- بالرغم من اتصالنا بمشيخة الجامع لالتماس مخرج لنا لإجراء الامتحانات الموازية لنا، لم نتحصل على أي موافقة لذلك، إذ ليست لدينا الأوراق الثبوتية لمستوانا لا في الأهلية ولا في التحصيل، وبالتالي لا يسعنا إلا أن نحضر بعض الدروس على بعض المشائخ بصفة حرة، كما كان يفعل من قبلنا في بعثة الشيخ أبي اليقظان -رحمه الله- فاستقر رأينا على ما يلي:
أ) - ننتقي من برنامج العالمية -مستوى الليسانس- حصصا في الأدبيات والشرعيات، على كبار المشاهير من المشايخ.
ب) - ننخرط في المعهد الخلدوني المتخصص في العلوم التطبيقية (رياضيات، فيزياء، كيمياء، كهرباء، تاريخ، جغرافية، لغات أجنبية) وكلها في دروس مسائية لا تتعارض مع برامج الزيتونة، فأصبح يرافقني ويلازمني كظلي كل من الأخوين: أرشوم بكير، وابن زايط محمد، أقودهما إلى الجامع ذهابا وإيابا، نحضر ونراجع معا، وقد اخترنا في الشرعيات برنامجا محكما هو كالتالي:
- الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والشيخ محمد الزغواني: في التفسير، فأجازنا في التفسير بعد ما سمعناه منهما ربطا بسلسلة نسب الدين لمشائخهما العظام حتى عهد الصحابة، وهي مسجلة في وثيقة بإمضائهما.
- الشيخ البشير النفير: في دروس الأحكام للحصّاص وابن العربي.
- الشيخ محمد اللقاني: في مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور.
- الشيخ العربي الماجري: في كتاب الفروق للقوافي.
- الشيخ محمد العلاني: في مصطلح الحديث.
- الشيخ أحمد بن ميلاد: في المنهاج لأصول الفقه. (1/52)
صفحة 53
- الشيخ علي التريكي: في القراءة رواية قالون وورش على نافع.
رحم الله هؤلاء المشايخ العظام ورضي عنهم، فقد كانوا يبادلوننا حبا بحب، ووفاء بوفاء، ويعتبروننا النموذج الحي للطالب المثالي الذي يدرس العلم للعلم لا يطلب ذلك لشهادة ولا وظيفة، وقد انتظمنا على هذا البرنامج لما يقرب من ثلاث سنوات، وكنت في السنتين الأوليين 1950 - 1952 أحضر بعض الحصص في الزيتونة، ولكني كنت أركز على دروس المعهد الخلدوني، إذ انخرطت بصفة رسمية في السنة الأولى من بعد إجراء امتحان الدخول، وكان لأخي سعودي الفضل في إعدادي لذلك، إذ انخرط هو في السنة الثانية نظرا لمستواه في تلك المواد، وتتطلب الدراسة سنتين للحصول على الشهادة الأهلية في العلوم العملية وهي تحمل هذا الاسم وهي معترف بها رسميا، وسرعان ما تكونت مجموعة من الرفاق انخرطوا في نفس المستوى وهم الإخوة: العايب محمد بن بالحاج، قرقر عيسى بن سليمان، بابكر قاسم بن الحاج صالح، فانطلق أربعتنا بجدية وحزم في استيعاب برنامج الخلدونية، سيما في سنة 1952 إذ اضطربت أحوال الزيتونة بمختلف الإضطرابات والمسيرات الطلابية، إرهاصا لقيام الثورة التونسية في تلك السنة، فاقتصرت على بعض الحصص في الزيتونة، للتفسير ومقاصد الشريعة كما سبق، وفن التعليم والتربية على الأستاذ المختار الوزير.
وكنت على رغبتي الملحة كعادتي في معهد الحياة ألا أقنع بدون المرتبة الأولى في الامتحانات، فكان لي ما أردت -بعون الله- إذ سجّلت على رأس قائمة الناجحين في الحصول على الشهادة، بينما أخفق الكثير من زملائنا ممن كانوا يتعالون علينا في أول السنة. (1/53)
صفحة 54
سارت وتيرة الحياة في السنتين الأوليين ونحن ما نزال في دار الجماعة بسوق البلاط، سارت منتظمة هنيئة، نظرا لتقارب مستوانا في الأعمار وفي التكوين، لم نضيع الوقت كثيرا في تطوير أساليب معيشتنا بما يتلاءم مع ذلك الجو الراقي، أناقة في اللباس على الزّي التقليدي التونسي، ووجبات كافية غنية يقوم على إعدادها قيم الدار، المرحوم السيد عمر بن قاسم القراري، وسرير وفراش وطاولة للكتابة والمطالعة أتقاسمها مع الأخ سعودي عيسى، وكانت هذه الحياة بالنسبة إلينا نحن الاثنين شيئا ممتازا، فما كنت أعرف اللباس الداخلي إطلاقا، وما لبست من قبل صدارا "تريكو" صوفيا يقيني غائلة البرد، ولا جوربا يقي رجليّ من التشقق، فأصبحت -بفضل الله- أرفل في عباءة ممتازة مطرزة مختلفة القماش بما يتلاءم مع الشتاء والصيف، واضعا على هامتي طربوشا لمّاعا ومنتعلا حذاء نظيفا، ولا أعدم برنوسا من الوبر أضعه على كتفي وفق الزي التقليدي للطلبة الزيتونيين، وقد تكفل بحاجياتي السيد الكريم المرحوم: الواهج الحاج يحي بن حمو، إذ كانت له تجارة ناجحة في سوق "الترك" منذ شبابه وتواجده الباكر في تونس، وكان مثاليا في الحزم والنظام والصدق في المعاملة، فأصبح بحكم تقلبه بين القطرين الجزائري والتونسي، الرسول الأمين بينا وبين أولياء أمورنا، وإن أنس لا أنس موقفه الإنساني عندما علم أنني أشكو -أحيانا- آلاما ممضية لفتق قديم لازمني منذ صغري، فأخذ ينمو ويسبب لي ضعفا وهزالا، فلم تكد السنة الدراسية 1951 م تنقضي حتى شجعني على إجراء عملية جراحية اغتناما للعطلة الصيفية التي قررت ألا أعود فيها إلى أهلي، وقد تكفل الأخ الكريم بإبلاغ أولياء أمري واختيار العيادة والأطباء المهرة، فلم أتردد قط في اغتنام تلك الفرصة، ففي شهر جويلية من سنة 1951 تمت العملية الجراحية في عيادة "دار الشفاء" للسيد "الصادق بن عمار" وهو الممرض المشهور لدى جماعتنا قديما في مستشفى "الصادقية" وبعد (1/54)
صفحة 55
ثمانية أيام قضيتها في العيادة تماثلت للشفاء، أوفر ما أكون صحة وعافية، بعد ما أكّد لي الجراح أنني سوف أنعم بتطورات كبرى فسيولوجية في بدني، تحققت بالفعل فيما بعد.
ومن مبرات السيد الواهج الحاج يحي شراؤه لدار البعثة في نهج "ابن خلدون" بباب "منارة" وذلك إثر قيامنا بحملة دعائية، نشخص بها وضعيتنا المزرية في دار الجماعة لرؤساء الجمعيات الإصلاحية وعلى رأسهم الشيخ الإمام "بيوض" ونستعطفهم لشراء تلك الدار تكون مركزا للبعثة بكل ما تتطلبه من رئاسة مسؤولة ونظام محكم، وذلك ما تم في صائفة 1952، من ثم تدفقت الوفود الطلابية من الأجيال التي بعدنا في المعهد، وارتحلنا إلى الدار الجديدة، فنسقنا نظامها الداخلي، وتنصب المكتب الإداري الذي أصبحت من عناصره البارزة، كما تعيّن على رئاسة البعثة الدكتور محمد بن عمر لعساكر.
وبعد سنتين من الغربة عدت أدراجي إلى الوكر الحنون عودة الجندي الظافر، وذلك في أوائل شهر جويلية لسنة 1952 صحبة الأخ سماوي أيوب، وقد أقيم لنا حفل استقبال في نادي النهضة، وتم اللقاء السعيد ليثمر ابنتي البكر "عائشة" سنة 1953، ولا تسل عن فرحة الأم الرؤوم، وقد تأكدت أن وحيدها ليس بالزوج العقيم، كما كان يشاع عند الكثيرين، بأن العملية الجراحية قد تقطع حبل الإنجاب، ولكن ربي لطيف لما يشاء، يدبر الأمور وييسر الأسباب، فأنى للزمان أن يغفي عن السعداء، وأنى للدهر الخؤون أن يطيل حبل النعماء. يقول المتنبي:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا
فتولوا بغصة كلهم منه ... وإن سرّ بعضهم أحيانا
ربما تحسن الصنيع ليالـ ... يه، ولكن تكدر الإحسانا
نعم .. إن هي إلا لحظات حتى دقت ساعة الرحيل، فاستوحش الربع بعد إيناس، وانفض جمع الندامى وجفت الكأس، فلنعلل النفس بالأماني فإن الفلك يدور، وعاقبة الخير لكل صبار شكور، ودّعت تلك الأيام الصافية ولسان حالي يردد مع جميل:
كفى حزنا للمرء ما عاش أنه ... بين حبيب لا يزال يروّع (1/55)
صفحة 56
فوا حزنا لو ينفع الحزن أهله ... وواجزعا لو كان للنفس مجزع
فأيّ فؤاد لا يذوب لما يرى ... وأي عيون لا تجود فتدمع
وعدت إلى تونس الخضراء، على حدود "غار دوماو" يرافقني الأخ بكلي بابا أحمد بن حمو "بلال" لينضمّ هو الآخر إلى البعثة بعد أن أصبح مستقرها في دار نهج ابن خلدون، وأذكر بخير الخالة "رحمة" طباختنا الماهرة، تتفنن في إعداد طعامنا بكيفية ممتازة، وكانت الدار على الطراز الإسلامي التركي الفاخر، ذات مقصورات وغرف واسعة يتوسطها فناء واسع يقوم على جانبين منها رواق بأعمدة رخامية، ويتوسط الفناء سياج مربع لفلة مزهوّة يتضوّع أريجها من حين لآخر، وقد أضفنا على مدخلها مرافق للطهارة.
ذلك هو المستقر الذي أمضيت فيه سنتي 1953 و 1954 قرير العين منعّم البال، وكان يزورنا من حين لآخر بعض سراة الإصلاح، كما كان يزورنا أحد المشائخ فنقيم له حفلا أدبيا مناسبا فيبارك أنظمتنا وأنشطتنا، وقد زارنا الشيخ الإمام في مجرى من سنة 1954، كانت لنا معه مناقشات ثرية مفيدة، فخلدنا زيارته بصورة تذكارية جماعية بكل أعضاء البعثة، ما زلت أحتفظ بها، وكانت عودتي الأخيرة إلى تونس سنة 1953 ذلك ما تيسر لي من حظ الورود من حوض تونس العذب. وقد تزودت من آليات العلوم الأدبية والشرعية ما يضمن لي الاستزادة والتعمق فيها، وهي سلاحي في معترك الحياة وغمار المسؤولية، وفي أواخر الربيع من سنة 1954 زارنا الأستاذ الإمام بكلي عبد الرحمن بن عمر، مرفوقا بفوج من التلاميذ الصغار، من مستوى السادسة ابتدائي، ومن ضمنهم ابنه الأخ عبد الوهاب، وكلهم من بريان، فخرق بذلك القاعدة التي تم الاتفاق عليها في النظام الداخلي للبعثة، وهي ألا يندرج في إطار البعثة إلا الطلبة الكبار، ولكن لكل قاعدة استثناء، سيما إذا كان ذلك الاستثناء ممن يملكون القرار؟. (1/56)
صفحة 57
كانت لنا مع الشيخ عدة جلسات وجولات ذكرته بأيام شبابه عندما كان طالبا ومسؤولا في بعثة الشيخ أبي اليقظان -رحمه الله- وكان عمنا سعيد الحاج صالح قد انتهز هو الآخر فرصة الاستثناء فصحب معه في تلك السنة 1954 كلاّ من ولده سعيد محمد، وابن لولو محمد بن مسعود، والحاج عيسى يونس -رحمه الله- وهكذا أصبحت البعثة مزيجا من الأجيال تتفاوت أعمارهم، ويختلف تكوينهم ما بين زيتوني من المعارف التقليدية، ومدرسيّ يدرس في الثانويات والمعاهد الرسمية، وبما أنني بصدد إنهاء رحلتي الدراسية هناك، فقد تأخرت قليلا عن الرفاق في العودة إلى أرض الوطن، وبقيت أدير شؤون البعثة لمدة شهر -أي لأواخر جويلية من سنة 1954، وخير ما تزودت به في رحلتي تلك الحقائب المثقلة بالكتب التي انتقيتها وجمعتها شيئا فشيئا، فأصبحت هي النواة المباركة لمكتبتي العامرة.
عرجت على "برج بوعريريج" حيث مركز شركة الحافلات الصحراوية التي يديرها المرحوم بابا عمي الحاج إبراهيم بن محمد، وقد اجتمع هناك أعضاء الإدارة لتنسيق أول رحلة للبقاع المقدسة يرأسها الأستاذ الحاج أيوب إبراهيم قرادي، وبالمناسبة رحب بي أعضاء الإدارة فشكرت لهم تلك الثقة، وأكدت لهم بأني على العهد، ثم شددت رحالي إلى "الجلفة" لأتهيأ من هناك للعودة الميمونة، وقد تقلصت فترة الصيف القائظة.
مرحلة الفتوة والاستقرار وجهود الإصلاح والتغيير
في المجال الداخلي (العطف)
أ – الإصلاح في الأسرة
ب – الإصلاح في العشيرة
ج – إصلاح التربية والتعليم
د - المسجد والإصلاح الديني
هـ - الوفاق بين حلقتي العزّابة ومتابعة الإصلاحات
و – الإصلاح الاجتماعي
أ – الإصلاح في الأسرة: (1/57)
صفحة 58
من رحمته تعالى بهذا الإنسان أن سخّر له للسكن النفسي وسيلتين هامتين منّ بهما عليه، وهما الزوجة الصالحة والبيت المريح، فقال جلّ من قائل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرّوم:21]. {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [النّحل:80]. (1/58)
صفحة 59
عدت إلى مربع الصبا والطفولة، حيث درجت مع أمي، تطالعني الذكريات الحلوة والمرّة من كل جنبات بيتنا، وقد أصبح عشا للزوجية الهنيئة، تزيده رونقا وجمالا صيحات طفلتي الأولى "عائشة" وهي تحبو وتملأ الجو أنسا وحبورا، وقد ألحّ عليّ إحساسي العميق بواجبي نحو هذه الأسرة التي عانت طويلا من الحرمان والانتظار، سيما والدتي المرحومة، وكان هذا الإحساس يدفعني أن أبذل كلّ ما في وسعي للترفيه والتوسعة في الرزق، مما يرفع بعض الشيء من مستوى معيشتنا في قصد واعتدال، لا يخدش بكرامتي ولا يضطرني إلى الاستدانة أو السؤال، وبعد سنتين من الاستقرار رزقت بابنتي الثانية "باية"، فاستطعت براتبي الضيق أن أوفّر كلّ الضرورات اللازمة للبيت السعيد، ولم تكن أسرتي -بفضل الله- من ذلك النوع الذي لا يعرف إلاّ الاستهلاك، بل كانت تقدّر إمكانياتي في كلّ مطلب، ولا تبخل بجهدها أن تساعدني بما تملكه من الوسائل في تطوير البيت وتزيينه، ولم يكن في وسعي يومئذ أن أوفّر المرافق العصرية للبيت مثل الماء والكهرباء وقناة الصرف، غير أنّني بحسن التدبير تدرّجت في تحقيقها شيئا فشيئا، بعد سنتين من الاستقرار، وكانت والدتي -رحمة الله عليها- قد ساعدتني ببعض المال الذي حصلت عليه من إرث والدتها المرحومة بابا عدون عائشة عندما صفى أحفادها "آل بهون" تركة والديهم، بهون حاجو وصالح، فقمت ببعض التحسينات في مرافق الدار، فأصبحت وظيفيّة ممتازة بغرفة واسعة للنوم وصالون للاستقبال ومطبخ ومغسل عصري بقناة الصرف، كل ذلك بقصد واعتدال، دون أن أثقل كاهلي بالديون. (1/59)
صفحة 60
وفي المجال الصحي أصبحت بالغ الحرص لتنشئة أولادي على مراعاة الوسائل الصحية في المطعم والملبس والإيواء، ومن حسن الحظ أن يكون لدينا أول طبيب عصري، بل على مستوى "وادي ميزاب" وهو الدكتور بابا عمر جلمام عبد الرحمن بن محمد -رحمه الله- والذي هو الندّ لي في السن، ويعتبر نفسه ثمرة الحركة الإصلاحية، وقد فتح عيادته الحرة في غرداية سنة 1957 فأصبح الطبيب الخاص لأسرتي، وعندما انتقل إلى العاصمة بعد الاستقلال عوضته بالحكيم الحاج يحي زكري اليزقني، وقد استفاد جمهور العطف كثيرا من توجيهات الدكتور بابا عمر، مما حسن المستوى الصحي في البلدة وكانت لا تعرف من قبل إلاّ الطّب التقليدي. (1/60)
صفحة 61
وبعد استكمال المرافق الضرورية في البيت اتجهت لشراء قطعة أرض عراء في أجنّة العطف، إذ كان أغلبها يومئذ مهملا لامتداد فترة الجدب عليها وانعدام المياه الجوفية من بئر ارتوازي يسقيها، فسخر الله لي رغبتي، إذ اشتريت من صهرنا المرحوم بكلي محمد بن صالح خلال سنة 1957 قطعة الأرض الحراثية الواقعة خارج حائطه في "باهيمان" من جهته القبلية، تمت الصفقة بيننا بواسطة المرحومين: ابن لولو الحاج صالح، والحاج أيوب القرادي، وهكذا حققت لأسرتي تلك الأمنية الغالية في تنسيق جنان يكون مرتعا لأولادي، ومتنفسا لي من عناء العمل الفكري في فترات الراحة الأسبوعية، وكنت أترقب تجهيز البئر الارتوازي المحفور على الضفة القبلية للوادي تحت سفح الجبل في الطرف الأدنى مسيل "براق" غير أنني تعجلت بشراء عدد من فسيل الغرس ودقلة نور، فاضطررت لغرسه وسقيه من بئر في جوارنا للسيد المرحوم: اسماوي أحمد بن بكير، وكان ماؤها حلوا على عكس بئر "باهيمان" التي أملك فيها نصيبا من الماء، وهكذا أصبحت أتردد على تلك الغراس أتعهدها بالسقي وأتخذ خلالها أحواضا لبعض الخضار، ثم تدرجت في صيانة الجنان بالجدران ثم مد قنوات الري بن النخيل والأشجار، وبفضل الله تعالى وعونه تجذّر الفسيل وأثمر، ونمت الأشجار وءاتت أكلها كل حين، فصرنا نتفيأ ظلالها متنعمين شاكرين، حتى تمكنت من بناء دار هناك تامة المرافق محفوفة بعرائش العنب والأشجار المتسلقة لتصبح مستقرا مريحا لأسرتي بعد أن دنا عهد تقاعدي كما سيأتي بيانه، وتم بناء تلك الدار سنة 1985 م. (1/61)
صفحة 62
ولم تقف طموحاتي في إسعاد أسرتي عند ذلك الحد الأدنى من توفير وسائل الراحة لها، إذ تتابع أولادي الذكور والإناث حتى بلغوا أحد عشر كوكبا، منهم خمسة ذكور: أحمد، نور الدين، بالحاج، عبد الرحمن، وأولهم البكر إبراهيم الذي لم يزد على شهر من ميلاده فتوفاه الله، ومنهم ست بنات وهن على ترتيب أعمارهن: عائشة، باية، رحيمة، فتيحة، زليخاء، والسادسة ولدت ميتة فحمدنا الله على نجاة والدتها.
أصبح بيتنا الموروث عن والدي -رحمه الله- في حي بونقاب أصبح لا يسع أفراد أسرتنا على ما وقع فيه من تحسينات، فاتجه تفكيري إلى شراء قطعة أرض في حيّ "لامباصية"، أي حي النهضة بالتسمية الرسمية، وقد أصبحت أتقاضى راتبا محترما بعد الاستقلال الوطني، إذ التحقت رسميا بالتعليم العمومي، على ما يأتي بيانه.
لقد بدأ التوسيع العمراني في البلد على كل جهات القصر القديم، سيما في حي "باعلي وعمر" وفي النهضة، فغدوت أرتقب الفرصة السانحة لشراء قطعة أرض في أحسن الأحياء وضعية من المرافق العامة للبلد، كالسوق والبلدية والمدرسة ... إلخ، فكان حي النهضة أحسنها موقعا وألينها أرضية وأحسنها تخطيطا، فإذا بالسيد بابا عدون الحاج مسعود بن رمضان يشتري بعض القطع الفارغة هناك على نية الاتجار فيها، فكانت فرصة سانحة شجعتني على الإقدام، إذ أصبح المرحوم سندي القوي في إدارة شؤون العشيرة كما سيأتي، فلم أتردد في تحقيق تلك الأمنية وتمت الصفقة بيننا خلال سنة 1964 م.
فها هي الأرض المنتقاة ملك يدي، ولكن كيف يتم بناء البيت المرغوب فيه؟، وذلك يتطلب المال الوفير، فلا تعجب لأن من يتوكل على الله فهو حسبه، وهو العلي القدير. (1/62)
صفحة 63
فكرت في بيع الدار القديمة الموروثة، وكنت أتخوف من معارضة والدتي ولكنها ما إن فاتحتها في الأمر حتى حصلت على موافقتها، إذ يساعدها في الانتقال إلى أسفل البلدة ويعينها على التردد إلى بيت شقيقتي "عائشة" في حي "ءال قباض" هناك. وهكذا سخر الله من يشتري عني الدار، بمبلغ يدفع أغلبه نقدا حاضرا، ويستلم المفاتيح مني عندما أنتقل إلى الدار الجديدة، وهو السيد المفضال الحاج أمحمد صالح بن إبراهيم بن عيسى.
ولا تسل عن فرحتي الغامرة وأملي الفياض، وأنا أضع التصميم تلو الآخر للدار الجديدة في مساحة تقدر بمائة وعشرين مترا مربعا، تكفي لدار مريحة تامة المرافق في موقع لا يملكه إلا ذوو الرفاه واليسار، إنه التوفيق والفضل من الله أن أسكن إلى جوار مدرسة النهضة، منطلق حياتي المهنية في التربية والتعليم، فكان لا مناص لي من إتمام البناء في العطلة الصيفية لتلك السنة -أي 1964 - ، والمعول على مقاول مقتدر أتفق معه على احترام الآجال، وعلى ما يتطلبه المشروع من مال، وبعد الإنتقاء والمقارنة بين مختلف المقاولين، تم الاتفاق مع المقاول الشهير: الأخ بولنعاش عبد الرحمن بن بكير الغرداوي، وكان ذلك منه من أغرب الأمور، وهو الذي لا يبرح مدينة غرداية لكثرة الطلب عليه، ولكن لا غرابة في تدبير الله وهو المتصرف الحكيم والقاهر فوق عباده.
وبعد اطلاعه على التصميم المتفق عليه وما قدره لليد العاملة من إنجازه حتى تسليم المفاتيح، تعهد أن يتم المشروع في مدة شهرين على الأكثر، وأنا أوفر له كل ما يحتاج من المواد، وقد ساعدني على إبرام العقد معه ابن عمي وصهري المرحوم سعيد أمحمد بن صالح -كعباش- إذ كان على صلة وثيقة به في غرداية. (1/63)
صفحة 64
وهكذا أتم العمل -بعون الله- في أحسن الظروف وفي الآجال المحددة، فأصبحت الدار جاهزة للسكن في نهاية عطلة سنة 1964م وقد اكتفيت في المرحلة الأولى بمرافق الدهليز ومرافق الطابق السفلي وسطح واسع للأولاد فصلت فيه جزءا منه لمرقدي في الصيف، وفي سنة 1968 أتممت أجزاء الطابق العلوي وفق الهندسة المعمارية لبيوت البلد، وأول مولود لنا بهذه الدار هو الابن نور الدين في سنة 1964م.
ذلك ما حققته بعون الله في مجال الصحة والسكن لأولادي، أما في التربية والتعليم، فقد أخذ كل واحد حظه منها وفق قدراتهم والإمكانيات المتاحة، وأغلبهم في البنات لا يقل مستواهن عن الشهادة الأهلية، وقد نعمت كل منهن بزوج كريم وبيت محترم وأنجبن أحفادا تناهز اليوم السّبعين ما بين الذكور والإناث -أي بإضافة ما أنجبه أولادي الذكور-، وقد أنهى اثنان منهم التعليم الجامعي وهما:
أحمد: تقني سام في صيانة التجهيزات لمطارات الطيران المدني، ويعمل حاليا في مطار مفدي زكرياء "النومرات" بلدية العطف.
عبد الرحمن: طبيب عام فتح عيادة حرّة في "الجلفة".
نور الدين وبالحاج: مستوى الثانوي يحمل كلاهما شهادة مهنية، وهما يعملان في مجال التجارة. (1/64)
صفحة 65
وقد رغبت أن تكون لأولادي الذكور حركة تجارية مستقلة تكون مجمعا لهم وموردا للرزق يبنون عليه مستقبل أولادهم، وهم يتكاثرون من سنة إلى أخرى -بفضل الله- فاشتريت ملكا لهم بمدينة حاسي بحبح أنشأنا فيه تجارة مزدوجة الفروع وجهزنا المحل بالمرافق الضرورية للسكنى، فانطلقت التجارة فيه لسنة 1994، ولكن النتائج كانت هزيلة لفقر سكان البلد وانعدام أية مشاريع تنموية، فاضطررنا إلى تحويل تجارتنا إلى الدار البيضاء في العاصمة بشراء متجر هناك سنة 1997م، وقطعة من الأرض في حي "البستان" لا تبعد عن المتجر إلا بحوالي 500 م، بنينا عليها مستودعات ومسكنا محترما، وسير الابن نور الدين ذلك المتجر لبيع العطور والهدايا، وتتنامى القرية هناك بالتوسع العمراني مما يبشر بمستقبل واعد.
وكنت أملك منذ الستينات أنواعا من السيارات لخدمة الأسرة والقيام بمهمتي التربوية، في غرداية كما سيأتي تفصيله، وفي العطلة الصيفية أنتقل بأسرتي للاصطياف في "الجلفة" تارة، أو إلى الحمامات المعدنية تارة أخرى في حمام "قرقور" أو في "بوحنيفية" وحمام "ريغة" قليلا، وأكثر استجمامي كان في حمام "بوحجر" لعدة مرات، فينتقل أولادي من هناك إلى عدة شواطئ في القطاع الوهراني، ويتمتعون بالمناظر الطبيعية الخلابة وبذلك نشأوا -بفضل الله- كلهم متوفري الصحة سليمي العقل والنفس، وقد أمد الله في أجلي فحصنت دينهم بالزواج ذكورا وإناثا، وآخرهم في ذلك هو الابن عبد الرحمن وكلهم أصبح يتحمل مسؤوليته ويبني مستقبله.
ب – الإصلاح في العشيرة: (1/65)
صفحة 66
ما تزال العشيرة في "وادي ميزاب" بل وفي العالم العربي والإسلامي قاطبة، ما تزال تلعب دورا اجتماعيا مهما، وحتى سياسيا واقتصاديا عند كثير من الأقوام، وليس ذلك بدعا في سنة الحياة وسنة الاجتماع البشري، بل هو مجلى لحكمة الله وقدرته في تدبير شؤون خلقه وهو القائل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13).
وتقتضي صلة الرحم ووشيجة القربى أن يتدرج الإنسان في وتيرة الإصلاح والتغيير، فبعد ترتيب شؤون بيته الخاص، ينتقل إلى شؤون ذوي رحمه يدبر أمرها ويصلح ما فسد منها، كما أرشد الله رسوله إلى ذلك عندما قال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشّعراء:214). ذلك ما توخيته، إذ وجدتني في قومي أوحدهم في العلم والمعرفة وليس لهم ما يفاخرون به غيرهم في هذا المجال، فعز علي أن يبقوا على ذلك المستوى، وأنا الوحيد ممن بقي بين ظهرانيهم من زملائي الطلبة الذين كانوا معي في المعهد، إذ تغرب أغلبهم للارتزاق، والعشيرة تحكمها أعراف ليس من السهل التغلب عليها، فهناك "مقدم" يمثلها رسميا لدى السلطات -أي في مجلس الضمان- وعلى رأسهم "القائد" ومخزنه وهناك سراة العشيرة يجلسون على الصدارة، وأغلبهم من الشيوخ الكبار الذين يمثلون مختلف الأسر ممن ينتمي إلى تشكيلة العشيرة كما تقدم، فأنى لشاب مثلي تنقصه الحنكة والتجربة أن يقتحم الصفوف الأمامية ويتطاول إلى مقام المسؤولية؟، لم يكن وقتها دور واسعة للعشائر تسع تجمّعات أبنائها في المواسم والمناسبات، بل أغلب ما تملكه دور صغرى لا تسع إلاّ سراة القوم، وتحمل عشيرتنا اسم "باحريز" في نهج مبارك بن بلخير المؤدي إلى باب "ترزوق" في أسفل القرية. (1/66)
صفحة 67
ومن حسن الصدف أن يكون على رأس العشيرة ابن عمي المرحوم سعيد بالحاج بن صالح -كعباش- تعين لهذه المهمة رسميا في أواخر الأربعينيات، ثم عن طريق الاقتراع في أوائل الخمسينيات، وحدث أن قامت عليه عند الاقتراع معارضة حادة يرأسها السيد بابا عدون إبراهيم بن عيسى، غير أنه حسم الصندوق لصالح ابن عمي بصفة رسمية، وعند استقراري في البلد سنة 1954، وجدت هذا الجو المكهرب بين الطرفين فعرفت كيف أرضي الجميع في حكمة وأناة، وكثيرا ما يحتدم الصراع ويتواجه الطرفان، فأتدخل لإصلاح ذات البين، ويوفقني الله تعالى إلى رتق الفتق ولمّ الشمل، وقد فصلت تلك الأحداث في سجل خاص بعنوان "قضايا وأحداث للعشيرة" هو موجود ضمن "مذكراتي" وأول ما بدأت به بمساعدة الطرف المعارض لكون أغلب عناصره شابة، هو تنظيم جلسات العشيرة للتوعية والتحسيس عرفت في البلدة بجلسات الأربعاء لآل باكة، علما بأن الصراع بين الإصلاح ومعارضيه ما يزال على أشده بين العزابة في المسجدين، فقمنا بإصلاحات في دار "باحريز" لتسع أكبر عدد ممكن من أبناء العشيرة، كما رغّبنا كثيرا من الأولياء لإرسال أبنائهم إلى البعثة، وشجعنا من التحق منهم بالمدارس الثانوية الرسمية مثل الابن بهون سليمان "الباروني".
وتمر الأيام والليالي وأحداث الثورة التحريرية على قدم وساق من نوفمبر 1954 إلى الستينيات، فأصبحت ضمن المجلس البلدي السري للثورة، أتولى بصفة رسمية جمع المساهمات المالية للعشيرة وحلقة اتصال بين المجلسين، ويخضع الجميع للأوامر والتعليمات، فأخذ المسؤول الرسمي للعشيرة ابن عمي كعباش الحاج يضع مصالحها في يدي شيئا فشيئا ويقلص من نفوذه خوفا وتقية، وأنا مع رفاقي في المجلس السري على كف عفريت في صباحنا ومسائنا، وليس إلا الألطاف الإلهية ملاذا لنا في احتدام المواجهات بين المجاهدين وقوات الاستعمار. (1/67)
صفحة 68
وبعد الاستقلال الوطني، انتهت مهمة المجلس البلدي الذي كان يرأسه المرحوم: أولاد حاجو سليمان بن باحمد، وانتهت معه مسؤولية خليفته المرحوم الحاج كعباش، وبذلك ألقي بزمام أمور العشيرة بيدي، لمتابعة سيرها، وقد أصبحت في عداد المناضلين المرموقين في حزب جبهة التحرير الوطني إلى جانب بعض رفاقي من المعلمين - كما سيأتي تفصيله- وهنا تنطوي صفحة الثورة، وما صحبها من خضوع وإذعان، لتبدأ صفحة جديدة من الصراع والمواجهة بين أبناء العشيرة خاصة، وبيننا وبين سراة البلد القدامى عامة.
استمر الصراع عشرة أعوام من 1962 إلى 1972 م، فوقفت وقفة تأمل لأقيم تلك الحصيلة، فما وجدت إلا وقتا ضائعا في مهاترات الجاهلية العمياء، ولغوا لا يجمل بالمروءة، ولا يليق بالكرام الفضلاء، فقررت عن اقتناع بضرورة ترك هذا المجال لمن يتشبث به، لأن أمثالي يجب أن يستشرفوا بجهودهم الآفاق المستقبلية لطموحات الأجيال، وهكذا وفي مناسبة أحد الأعراس الخاصة بالعشيرة أعلنت عن تسليم كل مصالح العشيرة إلى السيد بابا عدون إبراهيم فرجعت المياه إلى مجاريها، ورضي قومي بالأمر الواقع، وإن كره البعض ذلك، ولكنهم لم يجرؤوا على شق العصا لأن الوفاق خير وأبقى.
وبلم الشتات وضم الجهود، تم بناء دار العشيرة في حي النهضة في شكل رائع، وسعة في المكان، يحتضن كل أفراد العشيرة في تجمعاتهم، وتكفي مؤونة ولائمهم في أفراحهم وأتراحهم، وبذلك تتابعت العشائر في الإصلاح والتغيير الاجتماعي.
وبعد عجز المرحوم بابا عدون الحاج إبراهيم آل أمر التسيير إلى المسؤولية الجماعية لكلّ عشيرة، تختار لها لجنة تتعين بصفة ديمقراطية من طرف أبناء العشيرة كلهم، ولها تمثيل رسمي في مجلس الأعيان بالبلد. (1/68)
صفحة 69
إنها مسيرة محمودة قدّر الله لها النجاح بفضل الإرشاد والتوجيه المخلص، فأصبح لدينا ككل العشائر الأخرى جلسات دورية في المواسم ولجان تنظم الشؤون الثقافية والاجتماعية، وتوجه الجمهور في الشؤون السياسية والإدارية والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
ج - إصلاح التربية والتعليم:
منذ انطلاقة جمعية النهضة سنة 1945 ما يزال التعليم يتعثر ويسير كيفما اتفق. وذلك إذا استثنينا فترة مدرسة الشيخ بكلي أحمد بن الحاج يحيى في أوائل الثلاثينيات. فليس هناك صرامة من رقيب، ولا ضبط من مدير قدير. بل ولا هياكل حديثة تتوفر على وسائل الراحة من سعة المكان وتجهيزات ضرورية. وقد بدأ كل من المرحومين: باباعمي الحاج أحمد، والحاج إبراهيم محمد بن بهون بدءا عملهما في إطار الجمعية وبرنامج وحدة التعليم، بدءا في الحجرات القديمة من المسجد العتيق مثل ما كانت عليه من العهود القديمة، والتحق بهما الشيخ القرادي سنة 1947 فأصبح هو المسؤول الأول عن المدرسة.
ويتوفى شيخنا محمد بن بهون -رحمه الله- سنة 1951، بينما يكلف الشيخ بابا عمي بالوعظ والإرشاد والإمامة، وبتلقين بعض السور والأحاديث للبنات في دار سكناه يومئذ هي ملك لابن عمه المرحوم بابا عمي إبراهيم بن الحاج محمد.
وعند عودتي إلى مسقط الرأس في صائفة 1954م للعمل في إطار جمعية النهضة، صادف أن ذهب الشيخ القرادي على رأس قافلة الحجيج -كما تقدم- فإذا بي في أول تلك السنة للدخول المدرسي أجدني أمام فراغ مهول في كل ما يمت إلى وسائل التعلم سواء من الإمكانيات البشرية أو المادية فليس غير تلك الغرف والأجهزة القديمة، وليس معي من المعلمين إلا الأخ المرحوم: بكلي أحمد بن الحاج عمر والمرحوم: أمحمد زكري بن صالح في المحضرة لتحفيظ القرآن. (1/69)
صفحة 70
ففي هذا المكان بالذات، ومع هؤلاء الأشخاص جئت لأربي الأجيال، وأنظم الأحوال، وأنطلق في عملية التغيير التي كنت أعتقد أن الرواد الأوائل في جمعية النهضة كانوا قد مهدوا طريقها ووضعوا معالمها فأسير على هداهم، وأقتفي خطاهم.
فما حيلتي أمام هذه الوضعية المربكة إلا أن انطلق من صفر. فأسجل وأرتب وأقسّم الحصص لسبع سنوات كما يقتضي برنامج وحدة التعليم. وما هو مصير الأقسام التي تنتظر عودة المدير من البقاع المقدسة؟؟، ومن لي بشراء الوسائل الضرورية للعمل التربوي من طبشور وأوراق وسجلات ... إلخ، ورئيس الجمعية غائب، وأمين مالها المرحوم الحاج عيسى الحاج إبراهيم بن الحاج محمد قد توفي في صيف تلك السنة بالذات أي سنة 1954. ولم أكن أفكر في أجور المعلمين، ولا عرفت كم هو راتبي الشهري. كانت هذه الأسئلة تلح عليّ ولا أجد لها جوابا. وهكذا شاءت حكمة الله أن أواجه هذا الوضع الشاذ في أول انطلاقتي، بعزم أكيد وصبر شديد، وأنا بين الخوف والرجاء، ما بين الإقدام على محاولة الإصلاح والتغيير، أو مسايرة الظروف والرضا بالأمر الواقع. وكلا الأمرين أحلاهما مرّ. ويومئذ تمثلت بقول المتنبي:
أصارع خيلا من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا؟ ومعي الصبر
نعم، ليس غير الصبر والعزيمة في مثل تلك المواقف الحرجة. توكلت على الله وشمرت على ساعد الجد، تشحذ عزيمتي ثقة المواطنين وسرورهم بمقدمي، وتبدّد حيرتي نصائح بعض المخلصين من أبناء هذا البلد الطيب. سواء من بعض أعضاء الإدارة أو غيرهم ممن حنكتهم التجارب، وخبروا طبائع النفوس، فصرت بذلك أقدّر خطوي في ما آتي وما أذر.
وهكذا شرعت في ترتيب الأفواج وتكفلت بالتدريس للأربعة الكبرى منها، وتكفل الأستاذ بكلي أحمد بالثلاثة الباقية، ثم نظمت حصصا لبعض الدائمين الكبار ممن لا يرتادون المدرسة الفرنسية، فأصبحت أعمل يوميا لعشر ساعات، من طلوع الفجر حتى الثامنة مساء. (1/70)
صفحة 71
وعاد المدير من البقاع المقدسة لا ليشرع في القيام بمهمته مع الأقسام التي تنتظره، ولكن ليتكفل بالجولة للمشروع كعادته، لأن أعضاء الإدارة كل منهم مشغول بمكسبه ومشروعه الخاص، وآلت مصالح الجمعية وأمانة المال إلى رئيس الجمعية، وهمّش نائب المال المرحوم: بكلي حاجو بن سليمان.
ونتيجة لذلك بقي المعلمون بدون راتبهم الشهري لما يقرب من ستة أشهر يريقون ماء الوجه ويستدينون. فما كان من المتجول الأستاذ القرادي إلا أن يدبر الأمر مع بعض الأعضاء المخلصين، ليتعين المرحوم السيد: ابن لولو الحاج صالح لضبط حسابات الأجور. فتنفسنا الصعداء بعد أن انتظم راتبنا على زهادته ووفرة التكاليف.
ولم أكن على علم بما في الجمعية من الإهمال واللامبالاة سيما على مستوى قيادتها. ولذلك لم أتردد قط في أول انطلاقتي عندما رجاني الرئيس السيد ابن يوسف سليمان أن أتكفل بتعليم البنات قراءة وكتابة في برنامج مواز لنظام البنين ويتم ذلك في الأوقات التي يكون فيها البنون في المدرسة الفرنسية. ولم تكن البنت تحظى قبل ذلك إلا بالتعليم التلقيني غير المنظم كما أسلفت، فأغراني الرئيس على الإقدام لشق ذلك الطريق الوعر، بأن وعدني بأنه سيمنح لي منحة على ذلك فوق راتبي الشهري فتحمست للمشروع. لا رغبة في الحصول على تلك المنحة الموعود بها، ولكني اقتنعت بضرورة تعليم البنت وترقية مستوى المرأة، إذا ما أردنا بحق إصلاح أوضاع المجتمع. (1/71)
صفحة 72
تعهدت للرئيس بتحمل تلك المسؤولية، وأنا أتيقن أنني لا أجد فيها مساعدا من رفاقي المعلمين يومئذ، وسرعان ما تكونت ثلاثة أفواج. كانت لكبرياتهن الدور الرائد في الاستيعاب والتكوين بحيث أصبحن يتقن القراءة والكتابة، بل ويجدن الإلقاء الحماسي مما أثار إعجاب الأولياء في حفل آخر تلك السنة والذي أقمته في سطح المسجد العتيق حضرته الأمهات لأول مرة وألقى فيه الشيخ باباعمي الحاج أحمد درسا تاريخيا بليغا، تأثر به الجمهور الحاشد فتسابقوا إلى تسجيل بناتهم للسنة المقبلة.
ومن يومها سارت القافلة بخطى ثابتة مركزة، ومن سنة الحياة أن لا يتمهد الطريق إلا بجهود مضنية وأدلاء أوفياء.
وإنني لأعتز بأني كنت ذلك الرائد الوفي في تلك المسيرة، وإن لم تتحقق الوعود بالمكافأة التي أستحقها، وحسبي أنني وضعت القطار على السكة لتسلسل وراءه العربات، وتطوى بعد لأي تلك المسافات. أدبر أمري، وأضع المعالم لمن يأتي على إثري، فلا يضل في المتاهات. فتابعت سيري باتزان حتى نهاية السنة، أي 1955، وكنت خلالها أكتشف مواقع الخلل، وأتوقى بواعث الزلل، واستشير ذوي الخبرة، ممن عرفوا المجتمع وفحصوا فيه كوامن العلل، وما دار في خلدي قط أن أستسلم للأمر الواقع، أو أن أجد لنفسي مهربا إلى مكان آخر أحول إليه نشاطي، وتقوى إرادتي ويشدّ أزري لذلك عدة عوامل:
أ) - حبي المكين لقريتي الوديعة -تاجنينت- مربع الصبا ومهد الطفولة.
ب) - إيماني الوطيد بالرسالة التي حملني الله إياها، بأن أكون مربيا للأجيال، وقد يسرني تعالى لذلك، ومكنني من العدة والزاد.
ج) - عزوفي الفطري عن فتنة الدنيا ومتاعها، وعطفي وحبي للفقراء والمساكين، إذ درجت مثلهم في اليتم والفقر.
د) - وفائي لوالدتي، بأن أبقى إلى جانبها وأخدمها لرفع متاعب الحياة عنها، وقد عانت طويلا من أجلي.
هـ) - إنعام الله علي بحسنة الدنيا في زوجة صالحة وفية تبادلني حبا بحب وتقف إلى جانبي في السراء والضراء. (1/72)
صفحة 73
و) - أملي الفياض وطموحي القوي لترقية المجتمع وتحسين أوضاعه.
وما كادت السنة تنتهي حتى تلقيت رسالة من إدارة "مواصلات الصحراء" في برج بوعريريج، ومن أعضائها البارزين رئيس الجمعية. وذلك في أواخر شهر ماي يخبرونني فيها بأن الشركة تعد حافلتين للبقاع المقدسة يرأسها الشيخ القرادي. ويرجونني أن أنسق الاختبارات النهائية وحفل الجوائز في آخر جويلية 1955م. وسوف تلتزم الجمعية بتقديم منحة لي مقابل ذلك.
تأسفت لهذا الإجراء اللاّمسؤول. لكن ما حيلتي إذا أصابتني إحدى يدي، وكيف يغيظك دم أراقه أهله؟؟ والله يشهد أنني ما كنت لأغرى بالمال، في مثل تلك الظروف والأحوال. سيما وأن أغلب تلك الوعود، كانت من مواعيد عرقوب. ولكني كنت مدفوعا لمواصلة السير مهما كانت الظروف، مقدرا ما بذلته الجمعية في تكويني بتونس. غير أن الوضعية لا يمكن أن تستمر على تلك الحال، لأن ذلك سوف يشلّ كل نشاط، ويقضي على كل الآمال، فلابدّ -إذن- من تحريك الهمم والتحسيس بالمسؤولية ففي أعضاء الإدارة من يبادلني ذلك الإحساس بوجوب التغيير، ولكنه لا يقوى على مجابهة الرئيس. فلأكن أنا لها وليفعل الله ما يشاء. فأخذت بقول الشاعر الحماسي:
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
حبّرت بقلمي نماذج من رسائل نقدية حادة حلّلت فيها الوضع واقترحت حلولا للإصلاح والتغيير. وعلقت استمراري في العمل على ما أتلقاه من الإيجابية في الموضوع، وإلاّ فإن استقالتي عن العمل لا محيص عنها.
فأرسلت لكل عضو إداري نموذجا من تلك الرسالة مضمونة التبليغ، وهم السادة:
بكلي أحمد بن الحاج يحيى ... بكلي حاجو بن سليمان ... بابا عمي الحاج أحمد بن الحاج موسى ... بابا عمي إبراهيم بن الحاج محمد ... سماوي الحاج حمو بن صالح ... سماوي إسماعيل بن الحاج محمد ... ابن لولو صالح بن الحاج محمد ... سعيد الحاج صالح بن الحاج امحمد ... الحاج عيسى داود بن الحاج إبراهيم ... امحمد الحاج إبراهيم بن عمر ... سماوي أحمد بن بكير (1/73)
صفحة 74
حبّرت رسالة خاصة متنوعة الأسلوب إلى كلّ من الشيخ الإمام بيوض، وإلى الشيخ بكلي عبد الرحمن، وإلى الشيخ ابن يوسف سليمان، وأخرى إلى كاتب الجمعية: الشيخ الحاج أيوب القرادي. وهذه الرسائل كلّها مثبتة في سجل "المجموعة السنيّة للرسائل الأدبية" الموجود في مكتبتي.
بقيت أنتظر ردة الفعل، وأنا "بالجلفة" لفترة راحة واستجمام، أتأهب لمواجهة كلّ الاحتمالات غير هيوب ولا متردّد، وما ضاع حقّ وراءه طالب.
فوجئت أثناء إقامتي في "الجلفة" باستدعاء عاجل من الشيخ الإمام بيوض، يستقدمني به إلى العاصمة، فاستجبت له إذ دعاني إلى مقابلته في قاعة الانتظار بمبنى المجلس الجزائري يومئذ، وهو ما يزال قائما، إذ كان عضوا منتخبا فيه لدورة ثانية، وكان ذلك في أواخر سبتمبر 1955م. فلم تزد المقابلة على عشرين دقيقة، فاتحني في موضوع الرسالة متأسفا لما آل إليه الوضع، وأخبرني بأنه أمر رئيس الجمعية أن يعقد جلسة طارئة للإدارة على أن يشرف على مداولاتها الشيخ بكلي عبد الرحمن، ثم رجاني بأن أصرّح للأعضاء بكلّ ما أحسّه وأبيّن لهم مواطن الخلل. ولم أنتظر طويلا في العاصمة حتى تنادى الأعضاء إلى الجلسة المقترحة، فحضر أغلبهم، وتم انعقادها ليوم كامل تقريبا في متجر المرحوم الحاج إبراهيم بن الحاج محمد عند نهج "سلفيرينو" سابقا. (1/74)
صفحة 75
أحسنت في تقديم عرض حال لوضعية التعليم المربكة، ونال رئيس الجمعية من النّقد النزيه ما جعله أمام مسؤوليته التاريخية، ومما جعله لا يحير جوابا في ما قصّر فيه من الوعود، وهناك تمّ إسناد مهمة دفع الرواتب إلى السيد ابن لولو الحاج صالح، ثم تمخضت المداولات عما طلبته من وجوب التعجيل بإنجاز بعض الأقسام الحديثة كمرحلة أولى لمشروع المدرسة المزمع بناؤه في حي النهضة أمام واجهة البلدة. وكان الشيخ عبد الرحمن يرى رأيي في ذلك، ويوعز ما وقع من الفوضى واللامبالاة إلى تقصير الجمعية في تأسيس المدرسة، وقد مر على وجودها عشر سنوات، إذ تأسست في 1945م ولم أشأ أن أطيل الجدال في تشخيص الواقع المريض إلا بقدر ما أضع الأعضاء على الصورة، إذ أن أغلبهم كان يجهلها، ومن تم تقرر بالإجماع وجوب الشروع في الإنجاز، وقد تعززت الفكرة بفضل توجيهات الشيخ البكري، وهو لا يتملق رئيس الجمعية في تحميله المسؤولية، فدعا جميع الأعضاء إلى التبرع بما يكون نواة لانطلاق المشروع عاجلا، فبادر الشيخ ابن يوسف بأن يتكفل بنفسه تغطية النفقات اللازمة للمشروع، ويسند الإشراف المباشر للخدمات إلى الأستاذ بكلي أحمد بن الحاج عمر. ويتكفل باختيار المقاول المناسب وتهيئة المواد اللازمة. وهكذا انفضت الجلسة وقد تحقق بعض المقصود، فخرجت منها مرفوع الرأس، موفور الكرامة. وقد تبينت من خلالها أن للعطفاء رجالا مخلصين أوفياء، ولكن تعوزهم القيادة الحازمة، من أمثال الشيخ بكلي عبد الرحمن، إذ استطاع بقوة شخصيته أن يشحذ الهمم ويحرك العزائم، فاستبق الأعضاء إلى البذل والعطاء، وأصبحوا قدوة لغيرهم من المواطنين، وهم يشاهدون منجزات الأعمال، بعدما سئموا الوعود ومجوا مضغ الأقوال. (1/75)
صفحة 76
فما أن انطلقت السنة الدراسية 1955/ 1956م حتى غدت ورشة الأخ محمد الزيدي في حركة دائبة، تركز الأسس وتعلي الجدران لخمسة أقسام متتابعة، هي النواة الأولى لهيكل مدرسة النهضة الحالية بكل أقسامها وطوابقها، والتي تمت على مراحل في غضون الستينيات بعد الاستقلال الوطني، وفق تزايد الأفواج بنين وبنات.
وهكذا استمرت الأشغال طوال السنة الدراسية 1955/ 1956م تحت إشراف الأستاذ بكلي أحمد بن الحاج عمر، فأصبحت الورشة معقد آمالنا، وكانت لنا بمثابة الروضة الزاهية تسري عن خواطرنا، وتخفف عنا عناء العمل في الحجرات الضيقة بجوار المسجد. ومن توفيق الله أن أخذت المدرسة ذلك الموقع الممتاز بين المدخلين الرئيسيين للبلدة: باب الوحدة وباب الخراجة، فتكون المؤسسة التعليمية أول ما يشاهده الزائر، والحناجر اللاهجة بآيات الله خير ما يطرق أذنيه، إنها المنة الكبرى وفضل الله علينا، أن يتحقق هذا المكسب في وقتنا وبأيدينا.
مرّت علينا تلك السنة في بريق هذا الأمل الفيّاض وقد تيقّنّا أنّنا بذلك قد وضعنا مسيرتنا الإصلاحية في بداية الطريق الصحيح، طريق العمل الدؤوب والإنجاز المستمر. (1/76)
صفحة 77
وفي المجال التربوي انضاف إلى طاقمنا الأخ المرحوم السيد: خير الناس مسعود بن الطالب إبراهيم، وكان تعليم البنت يزداد حيوية وإقبالا منقطع النظير من طرف الأولياء، وما زلت الوحيد في الميدان، فأسندت بعض الأفواج في حصص القرآن إلى المعلم الجديد السيد خير الناس. ودائما في مقر المدرسة القديمة كنت أرابط مع تلك الأجيال، أقضي معها بياض نهاري وزلفا من الليل ما بين التدريس للبنين والبنات. ويا ما تعرضنا للنقد المرير والطعن غير النزيه من طرف بعض خصوم التجديد، إن على منبر المسجد أو في بعض المناسبات، ولكنني لم أحفل بها ولم تثن من عزيمتي في المضي قدما لتركيز الفكرة وشق الطريق على وعورته وتداعياته المتوقعة، على أنه حدث ما ليس منه بدّ، وذلك عندما تلاحيت بحدة مع رئيس الجمعية نفسه، إذ أرادني أن أخرق النظام التربوي في شأن إحدى بناته، فرفضت أي محاولة لذلك فلا يتحدث الناس على أنني أقضي في مسؤوليتي بالمحسوبية ولكن الرئيس ركب رأسه وأبى أن يذعن، بل أغلظ القول وتهددني أمام الطالبات بكل عجرفة، مما جعلني أخرج فورا من القسم في المدرسة القديمة وألتحق بمدير المدرسة الشيخ القرادي لنذهب معا إلى عمنا سعيد الحاج صالح نشاركه في طرح المشكل، وقد أنصفني -رحمه الله- واعتبر ذلك التصرف من الرئيس أمام الطالبات إهانة لي، سيما وقد أصبحت عضوا في حلقة العزابة خلال سنة 1958م. وما كان من الرئيس بعد تلك العاصفة إلا أن ارتحل بأسرته إلى الشمال بعد أن أكد تهديده بواسطة نائبه الشيخ بكلي أحمد بن الحاج يحيى. فأخذت هذه القضية بعدا خطيرا في أرجاء البلد سيما عند المجتمع النسوي، وقد روت الطالبات كل ما سمعنه من الملاحاة التي دارت بيني وبين الرئيس في الرواق الطويل لمدخل المدرسة. غير أن الوالدة -رحمة الله عليها- ضغطت علي في الانسحاب من تلك المهمة بعد أن رسخت جذورها وأخذت طريقها بدون رجعة. (1/77)
صفحة 78
فاضطررت إلى النزول عند إرادتها بعد أربع سنوات من الجهد والعطاء، أزحت فيها كل الأشواك ومهدت الطريق لمن يتابع المسيرة.
وفعلا فقد انضاف إلى الطاقم التربوي بدءا من 1956م الأساتذة: بكلي بابة أحمد بن حمو، خير الناس عيسى بن الطالب إبراهيم، الحاج إسماعيل يحيى، وفي أوائل الستينات تعزز الطاقم بالأستاذ المرحوم: الحاج مسعود محمد بن إبراهيم القراري. وبعد أن تعددت أفواج البنات تحولن إلى المدرسة الجديدة.
وبحكم انشغال الأستاذ القرادي بأعمال البلدية الجديدة والمنتخبة خلال تلك السنة: 1958 أصبحت المسؤول المباشر على نشاط المدرسة. وتركز ذلك أكثر بعد الاستقلال الوطني. إذ انصرف كل من الأخ "بلال" إلى مسؤولية البلدية بالعطف أولا ثم في غرداية في البلدية الأم لوادي ميزاب ثانيا. كما انصرف الأستاذ "القرادي" إلى إدارة دار الفكر الإسلامي في العاصمة. وبقيت أتابع مسؤوليتي في تسيير المدرسة حتى الموسم الدراسي لسنة 1964/ 1965 إذا انتقلت إلى التدريس في متوسطة "ابن باديس" بغرداية على ما سيأتي بيانه.
غير أنني وإن أنهيت عملي في إطار النهضة كعضو نافذ مسؤول، فقد بقيت عضوا إداريا في الجمعية، عندما تجدد الطاقم الإداري بعد الاستقلال مباشرة فأصبح على رأس الجمعية المرحوم هيبة محمد بن حني. فأصبحت النهضة أولى الجمعيات الإصلاحية التي حصلت على الاعتماد الرسمي في الدولة الجزائرية الناشئة، وذلك لكون طاقمها الإداري الجديد مناضلين في حزب جبهة التحرير الوطني. مضينا قدما في تحمل مسؤولياتنا وتطوير المشروع بما يتلاءم مع المتطلبات العصرية من برامج وإمكانيات بشرية ومادية. (1/78)
صفحة 79
ففي التعليم النظري اكتمل هيكل المدرسة بطوابقه وأقسامه ومكتبته وفنائه الواسع وحديقته من وراء الأقسام، كما تمت كل التجهيزات الضرورية للطباعة والتصوير وأجهزة الكمبيوتر وغير ذلك من الوسائل العصرية. وقد ركزنا على تعليم البنت، إذ كانت أغلب البنات لا يذهبن إلى المدرسة الرسمية. مما حدا بنا أن نتبنى البرنامج الموازي للمدرسة الرسمية. أي الأطوار الثلاثة من المدرسة الأساسية، حتى أصبحت نسبة النجاح في الشهادة الأهلية تفوق -أحيانا- نسبة المدرسة الرسمية، وهكذا تتطور إدارة المدرسة مع ما يناسب معطيات الظروف والأحوال، دونما تحجر ولا تقوقع.
أ) - وفي مجال التكوين المهني فقد درجنا فيه كذلك بحكمة وأناة، وكنا -بفضل الله- روادا فيه لغيرنا من مدارس الإصلاح وغيرها في "وادي ميزاب" فبعد تأسيس مدرسة التّكوين المهني بعد الاستقلال أصبحنا في حاجة إلى معلمات متخصصات في القطاع. وليس في الجزائريات يومئذ من يصلح لهذه المهمة، فاتصلنا بثلاث أخوات نصرانيات يشتغلن في غرداية إذ ما يزال مركز الرّاهبات موجودا بها. فبعد أخذ وردّ وإقدام وإحجام كنا ندرك فيه حساسيات الموقف إن من الأصدقاء أو من المعارضين سلكنا الاختيار الصّعب، فأمضينا معهن عقدة لثلاث سنوات قدرنا أن تكون كافية لتكوين فوج رائد من بناتنا يتابعن المسيرة بعزم وثبات. ومرة أخرى واجهنا النّقد المرير من أصدقائنا قبل غيرهم وتيقنا أن النّاقمين علينا سوف يقتفون خطانا عندما يرون النّتائج. وذلك ما وقع، وقد انبهروا مما يشاهدونه في المعارض السّنوية التي تقيمها المدرسة بفخر واعتزاز.
واليوم وقد تطوّر القطاع، وحققنا الاكتفاء الذّاتي في المعلمات والمساعدات، وهو في طور مستمرّ إذ استقلت إدارته. (1/79)
صفحة 80
ويتجه الإصلاح إلى مزيد من التّوسيع في البرنامج بدءا من أفواج الطّور الثّالث في تكوين مشترك إلى نوع من التّخصّص بالنّسبة للأفواج الكبرى لمستوى قسم الشّريعة ومستوى الثّانويّ كما يسجّل نفس التّطوير في البرامج بالنّسبة للتّعليم النّظريّ. ونظرا لضخامة المشروع وتعدّد المستويات -بنين وبنات- فإن إدارة المدرسة كلفت لجانا فنية من طاقم المعلمين لإعداد برامج تأخذ بعين الاعتبار توجّه التّعليم الدّيني الحرّ في تقرير حصص شرعية ولغوية وتاريخية تتناسب مع ذلك التوجّه وتقلص قدر الإمكان من التّعليم الموازي.
وبات لزاما توزيع التسيير التربوي على ثلاثة مسؤولين. يتولى المدير العام للمدرسة تنسيق العمل بينهم في صباح ومساء. كما تتجه النية إلى تطعيم إدارة الجمعية بعناصر جديدة تعطيها دفعا قويا إلى مواصلة المسيرة، مع مواكبة الظروف المستجدة.
ولم تغفل الإدارة مجال محو الأمية، إذ سارت فيه بخطى ثابتة، أعطت نتائج مشكورة لدى الأجيال المسنة، سيما في المجتمع النسوي.
تلك هي إسهاماتي في الإصلاح التربوي داخل البلدة. أما في الإطار الخارجي على مستوى "وادي ميزاب" فذلك ما سأبينه -بحول الله- في الفصل القادم.
د- المسجد والإصلاح الديني: (1/80)
صفحة 81
في غمرة التغييرات الإصلاحية التي انطلقت من مؤسسة التعليم والتربية على قاعدة "التعليم قبل التعمير" كان لا مناص من التحرك في إصلاح الهيئات العرفية للمجتمع، من قمة هرمه إلى قاعدته. وكان المسجد وحلقة العزابة بمثابة الرأس للمسجد أو بالأحرى بمثابة القلب كما صوره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يمكن لأي إصلاح أن يتحقّق، وذلك القلب متماوت، ليس له من قوة لدفع الدّم إلى شرايين الجسد لينشط ويتقوى. تلك هي حالة عزابتنا في المسجد العتيق، وهي ما تزال على غير وفاق مع حلقة "أبي سالم" فكيف يتأتى لنا تحريك عجلة الإصلاح، ونحن لا نملك في وسط الحلقة إلا صوتا واحدا وهو صوت الإمام المرحوم: بابا عمي الحاج أحمد بن الحاج موسى. وكان الشيخ ابن يوسف -وهو العضو المرموق في الحلقة- كان يتحاشى الاصطدام مع الأعضاء الشيوخ، وهم يرون في كل إصلاح وتجديد زحزحة لبعض نفوذهم.
ترددنا كثيرا في اقتحام هذه العقبة. وما تزال كثير من العادات والتقاليد تحت إشراف العزابة، منها تلك التي تخص الأعراس والمآتم، والإعلان عن المناسبات الدينية كشهر رمضان والأعياد، وكذا تسيير شؤون الأوقاف ... الخ (1/81)
صفحة 82
كان أعضاء الحلقة إلى تلك الحقبة من التاريخ -أي منتصف القرن العشرين- بسطاء، لا يتمتعون برصيد ثقافي يؤهلهم إلى مستوى التنظيمات العصرية في التسيير الإداري والتنظيم الاجتماعي. وإن كانوا -رحمهم الله جميعا- مثالا للطهر والصلاح ونموذجا أعلى للورع والتقوى، فما كانوا لينقادوا إلى ما نصبوا إليه من التجديد، وما يستطيع الإمام بابا عمي لوحده أن يجد فيهم أذنا صاغية، فهو -وإن أصبح إماما ومرشدا بإجماع الحلقة- فإن رئاستها هي لأسبقهم هجرة، وهو المرحوم: الحاج إسماعيل الحاج إبراهيم بن بكير. تذرّعنا بالصبر والأناة، ونحن ننتهز الفرصة في كل لقاء يجمعنا بالشيخ الإمام بيوض -رحمه الله- كما حبّر إليه الشيخ القرادي رسالة رقيقة في الموضوع كلها شكوى وعرض حال للوضعية المتردية طال انتظارنا ودار لقمان على حالها. وبقيت تلك القلعة منيعة، لم نجد في جدرانها الثغرة التي ننفذ منها إلى مركز القرار، على ما كان يعدنا به الشيخ الإمام من حسم الموقف في كل مرة. ولم نكن نيأس من تكرار المحاولات في هذا المضمار. كان الإمام بابا عمي قد عيل صبره، ونحن نلح عليه أن يلتزم بإلقاء الدروس منتظمة مستمرة لمزيد من توعية الجماهير، ونركب -أحيانا- بعض الشطط في محاولاتنا مع الهيئة الموقرة. وكان الأخ الحاج إسماعيل يحيى قد انضم إلى طاقمنا في المدرسة لسنة 1958. وهو الولد البكر لرئيس العزابة المرحوم الحاج إسماعيل الحاج إبراهيم بن بكير، وكان لاستقراره في البلد معنا ارتياح من طرف والده، إذ تحمل عنه بعض المسؤوليات في العائلة. فرأينا أن الفرصة مواتية لمفاتحته في موضوع إضافة بعض العناصر الجديدة إلى الحلقة، وكان الفصل ربيعا خلال سنة 1958. (1/82)
صفحة 83
حين زار البلدة الشيخ بكلي عبد الرحمن، ويعتبر عضوا شرفيا في الحلقة، فعهدنا إليه أن يفاتح رئيس العزابة في الموضوع ولم يتقاعس إذ شام حالتنا النفسية، فلم يتوان في اللقاء معه بالمكتبة السفلى للمدرسة على انفراد وقد احتدت بينهما المناقشة، ونحن نرقبها من خلال زجاج النوافذ بفارغ صبر. وفي النهاية استطاع إقناعه، ثم قدم إليه القائمة المقترحة من ستة أعضاء، ولكنه تلكأ في قبول العدد المقترح فطلب أن يتم ذلك على مرحلتين: بقبول ثلاثة فثلاثة. على أن يكون القرار النهائي من مجلس العزابة، ووعد بالبث السريع في القضية، فتم القبول لثلاثة أعضاء وهم الإخوة: هيبة عيسى بن حني، بكلي محمد بن الحاج محمد والكاتب سعيد محمد بن إبراهيم -كعباش- وهكذا أصبحت مع رفيقي في مركز القرار. وكم عز علي أن أسبق الشيخ القرادي وهو أستاذي ورائدي في مجال الإصلاح والتجديد، ولكنه لتواضعه -رحمه الله- شجعني على المضي والقبول. فنادتنا الهيئة وتم ترسيمنا والإعلان بنا في يوم مشهود. (1/83)
صفحة 84
وها أنا ذا قلدت شارة العزابة، وقد أصبحت أصغر الأعضاء سنا في الحلقة. لا أجد من حولي إلا مسنين أخنت عليهم السنون، وهم في فتور مميت، حتى كادت مهمتهم تنحصر في القيام بسنة الأذان، وإقامة الصلاة وتلاوة القرآن في عمل روتيني يغلب عليه الانغلاق والانعزالية عن واقع المجتمع ومواكبة الأحداث. فلا جلسات منتظمة لمجلس العزابة، ولا تنسيق بينهم وبين هيئة الغاسلات "تمسيردين" ولا سجلات مرتبة لضبط أوقاف المسجد وميزانيته. إلى غير ذلك من الترتيبات التي هي الحد الأدنى للنظام والتسيير. فمن أين نبدأ؟، وكيف نجد القابلية والاستعداد النفسي لدى الأعضاء القدامى لتقبل روح المبادرة في التغيير والتجديد؟، فلابد من التفكير والتخطيط وتصنيف الأولويات. ولا يتأتى ذلك إلا بتنظيم الاجتماعات الدورية للحلقة كما يفرضه نظام سير العزابة في ما صنفه الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي -رحمه الله- حتى يطبق النظام الشوري في اتخاذ القرارات. ولكن كم هو صعب تغيير الذهنيات وخرق جدار المألوف من العادات. (1/84)
صفحة 85
فالإمام المرشد الشيخ بابا عمي قد انتعش فيه الأمل فراح ينظم بعض الدروس الإرشادية، على ما كان يتخللها من انقطاعات كلما أزمع السفر إلى هنا أو هناك. فاكتمل بذلك الجانب الروحي من مهام الأذان والصلاة ومجالس الذكر والإرشاد. ويبقى الجانب المادي متهالكا يتطلب جهودا مضنية، ووكيل المسجد المرحوم السيد: الحاج محمد بن حمو "بوكابوس" ليس له أي مردود ولا فعالية في مجال مهمته، إذ بلغ من الكبر عتيا، وتجاوزته الأحداث فأصبح نسيا منسيا، فلا سجل بين يديه للأوقاف، ولا ضبط لما يقدمه المحسنون من تبرعات، وبالتالي لا ضبط للنفقات، وقد جرت العادة أن يجمع ما يكون بين يديه من أموال في صندوق خشبي يحتفظ به الوكيل في مستودع التمور بالمسجد، فيأخذ منه على قدر حاجته للإنفاق على المسجد حتى تنفد تلك الأموال. وأذكر أنني عندما استفسرت الوكيل بلهجة الاستغراب عن حالة الضبط بمثل تلك الطريقة التقليدية أجابني -رحمه الله- بكل تواضع وإنصاف بأن ذلك هو ما جرى عليه من قبلنا، فعليكم المعول أيها الشباب في التنظيم والتجديد.
تأثرت أيما تأثر بتلك الإجابة المتواضعة فآليت على نفسي أن أنطلق في المجال التنظيمي شيئا فشيئا، بدءا بمعرفة النخيل المتفرق بين أجنة العطف ما بين ضاية ميزاب إلى ضاية "أولاوال" أعرفها من خلال مرافقة العمال المتخصصين لصرم التمور وحملها إلى المسجد في كل موسم خريف. وكنت أضع علامة مميزة لذلك النخل في كلّ جنان نمر به. وأما عن معرفة الأراضي والأجنة الموقوفة بكاملها على المسجد، فتلك ثروة ضخمة غير مضبوطة ولا هي معروفة إلا من خلال ما يبلغ عنه المواطنون للوكيل بوجود شيء منها في أجنتهم. وقد كرست ذلك الإهمال فترة القحط الشديد الممتدة على المنطقة لفترة نصف قرن تقريبا. (1/85)
صفحة 86
وكنا نسمع عن دفتر قديم تسجل فيه تلك الأوقاف، يتناوبه الوكلاء ويسمى باللغة المحلية "تكورّيست"، سألت الوكيل عن ذلك السجل، ففاجئني بأنه بقي بين يدي الشيخ ابن يوسف سليمان منذ أن تسلمه من ورثة الوكيل المرحوم السيد الحاج عيسى الحاج إبراهيم، فغدوت أطالب بإلحاح بهذا السجل لضبط ما يمكن أن يضبط من تلك الأوقاف. فلم أحصل عليه إلا بشق الأنفس. فإذا به عبارة عن دفتين من الجلد تجمعان أوراقا ووثائق مهترئة الأطراف، ومن حسن الحظ أن بقي أغلب الكتابة واضحا مقروءا. تكفل الشيخ الحاج أحمد بنسخه كاملا في سجل جديد خاص بحبر الصين، هو الآن تراثا محفوظا بين يدي الوكيل الحالي الأخ سعيد الحاج عبد الرحمن بن الحاج إبراهيم. فأصبح مرجعا موثوقا به لمعرفة كثير من أوقاف المسجد، والتي أعدنا تنظيمها وجمعها على ما يأتي بيانه، وهكذا استطعت بمعونة رفيقي في الحلقة عمنا بكلي محمد ومساعدة العضو القديم في الحلقة المرحوم السيد: سماوي الحاج حمو بن صالح. استطعنا أن ننظم ذلك الجانب المادي الحيوي من أوقاف المسجد، والوكيل -رحمه الله- يطاوعنا في كل مقترح نتقدم به إليه. كما نسقنا سجلا خاصا لضبط الحسابات من مدخول ومخروج نقيمه بعد دوران الحول وتغلق الميزانية، لتعرض على أعضاء اللجنة المنبثقة عن الحلقة لمساعدة الوكيل. فيصادقون عليها بإمضاءاتهم.
وقد ترسخت هذه التقاليد التنظيمية -بعون الله- فأصبحت متبعة محمودة النتائج في تطوير المسجد وتجديده.
لم يعرف المسجد العتيق من توسيع قاعة مصلاه وتجديد بعض مرافقه إلا النزر اليسير منذ تأسيسه في مفتتح القرن الخامس الهجري في بناء المجمع السكني الأول حيث القصر القديم لمدينة العطف "تاجنينت". (1/86)
صفحة 87
ففي أواخر الخمسينيات من القرن العشرين. وقد بدأ التوسع العمراني في البلد إذ امتد إلى بعض الأجنة الملاصقة للقصر القديم مثل حي "باعلي وعمر" وإلى حي "لامباصية" حي النهضة -حاليا- وحي "باحيو وموسى" فلم يبق القصر القديم محصورا بأسواره وأبراجه ومداخله المعتادة. ونظرا لانتعاش النشاط في المسجد، فقد أصبح من الضروري التفكير في توسيع رحابه وتجديد بعض مرافقه؛ لأن الواقع المعيش في ظروف الثورة التحريرية الظافرة توحي بما يتوقع من التطورات الجذرية بعد الانعتاق الوطني. وكل الإرهاصات السياسية العالمية تدل على أن النصر بات قاب قوسين، اختمرت الفكرة ولم يرفضها كبار العزابة، إذ يشاهدون كثيرا من الشقوق والتصدعات في جدران المسجد وهي تنذر بخطر الانهيار، وقد مهدنا الأفكار، ويساعدنا في الإقدام عليها تداول الأموال بين يدي تجارنا، وقد تحسنت ظروف التجارة بتواجد الجيوش الفرنسية ونفقات الحرب الضخمة، وكانت طليعتنا في البلد وفي مقدمتها أعضاء إدارة النهضة على مثل رأينا من وجوب المبادرة والإقدام، وتأرجح الرأي بين الإصلاح والترميم، أو الهدم الكلي وتجديد البناء. والكل أميل إلى الطرح الثاني، لأن المسجد القديم، لم يبق فيه ما يصلح للترقيع والترميم.
انتهزنا فرصة شهر رمضان المعظم الذي كان مفتتحه ليوم الأحد 01 رمضان 1380هـ الموافق ليوم 28 فبراير1960م، فقررنا أن يواظب الشيخ بابا عمي على دروس الوعظ والإرشاد التي كنت أفتحها بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، ثم أتبعها بصلاة التراويح إماما للمصلين بكامل القرآن في ترتيل محكم بالوقف والتجويد، مما كان له وقع شديد وإقبال غير معهود، بحيث ضاقت ساحة المسجد بالمصلين، فلمس المواطنون ضرورة توسيع قاعة المصلى، وأصبحوا معنا في الفكرة. (1/87)
صفحة 88
عقدنا طيلة شهر رمضان عدة جلسات، ندعو إليها مختلف الطبقات لنستنهض هممهم إلى المشاركة، فما وجدنا إلا إقبالا واستجابة، جمعنا خلاله بعض المال، يمكن أن تنطلق به العملية، حتى يلتحق بالركب المتوانون والمترددون.
وبما أن العملية تستدعي مجهودا جبارا ووقتا غير قصير، رأينا أن يتوزع عبء المسؤولية على لجان تتكفل كل منها بقطاع وتتكامل بحسن التنسيق والمشورة. وسرعان ما اتفقنا على تشكيلة تلك اللجان في ثلاث مجالات: المشاركة الشرفية، المال والعمل، وأعضاؤها كالتالي:
- لجنة المال:
- سيعد الحاج صالح ... - قرادي الحاج إبراهيم ... - بابا عمي الحاج إبراهيم ... - سعيد محمد -كعباش ... - أحمد بن حمو "بلال" ... - سماوي عيسى الطالب ... - بكلي محمد بن الحاج محمد.
- لجنة العمل:
- سعيد الحاج صالح ... - قرادي الحاج إبراهيم ... - عبد العزيز محمد بن صالح ... - سعيد محمد -كعباش- ... - أحمد بن حمو "بلال.
وأما للجنة الشرفية: فتضم الإخوة السادة:
- أولاد حاجو سليمان بن باحمد: رئيس البلدية. ... - ابن يوسف الشيخ سليمان: رئيس النهضة. ... - باسة الحاج يحيى بن باحريز: من سراة البلدة. ... - سعيد الحاج صالح كعباش: نائب الرئيس.
كما أوفدنا لجنة إلى الجزائر العاصمة للاجتماع بتجارنا ودعوتهم إلى المشاركة والبذل. فكان التجاوب على أتمه –بفضل الله- وأتممنا صفقة المبادلة لدار ورثة المرحوم: ابن عيسى عبد الله بن عمر بدار نبنيها جديدة تامة المرافق إلى جوار المسجد، لأن إضافة تلك الدار ضرورية لتوسيع المصلى من الناحية الغربية أما من الناحية الشرقية القبلية، فإن وكيل المسجد السّيد: الحاج إبراهيم الحاج محمد -رحمه الله- قد أطلق يدنا في داره بجوار المسجد نأخذ منها ما يلزم لتوسعة المصلى. كما نركز على أرضيتها السارية الكبرى التي يتركز عليها البناء لترتفع من أرضية الدار تحت أرضية المسجد، ترتفع إلى مستواها بما يقدر بعشرة أمتار تقريبا. (1/88)
صفحة 89
تتابعت جلساتنا العامرة طوال شهر رمضان. وجاء اليوم المشهود، يوم عيد الفطر من يوم الاثنين فاتح شوال 1380هـ الموافق ليوم 27 مارس 1960م ويتجمع حشد كبير من المواطنين كعادتهم في مواسم الأعياد، فألهب الشيخ باباعمي حماس الجمهور بدرس مؤثر حرك به الهمم ودعا الناس إلى التسابق في الخيرات، ومكبر الصوت يدوي على سطح المسجد وتتردد أصداؤه في أرجاء البلد كلها، وأنا أنادي بأسماء المتبرعين فتوالى الاكتتاب إلى ما بين الظهر والعصر وحرضنا الشباب على المشاركة في الحملات التطوعية للهدم ورفع الأنقاض وفق الرزنامة التي تنسقها لجنة العمل لتشغيل الأفواج، وقد سهل لنا المرحوم السيد الحاج عيسى بالحاج بن الحاج صالح، سهل مهمة تحويل الأنقاض بفتح كوة في سور داره بجانب المسجد، نرمي منها الأنقاض إلى جبل الشيخ عمي إبراهيم بن مناد على يمين الطريق الصاعد إلى باب "عمي حمو". (1/89)
صفحة 90
فكرت اللجنة طويلا في اختيار المقاول الماهر الذي يستطيع أن يعلي بناء هيكل المسجد على تلك الصخور الناتئة والمتدرجة على المنحدر القبلي للجبل، بعد أن انكشف على طبيعته القاسية بعد تعريته من أنقاض البناء القديم فاقترح علينا عمنا الحاج صالح أن نستقدم المقاول الشهير، والبناء القدير عبد القادر بن الفرد من عرش "أولاد نائل" في الجلفة، وهو واثق بمهارته وخبرته في بناء كثير من المشاريع في ولاية الجلفة وما جاورها، وهكذا وفد إلينا مع عماله الأربعين يوم 05 أكتوبر سنة 1960م. واتخذوا من بناية بازار أولاد "باكة" مستقرا لهم وبدوره قام رئيس البلدية المرحوم السيد: أولاد حاجو سليمان بن باحمد بمساعدة أعوانه، قاموا بتيسير الإجراءات الإدارية لانطلاق المشروع بالحصول على الرخصة الرسمية، وتوفير "الديناميت" لمقلع الحجارة في جبل "عمي حمو" ومد قناة الصرف إلى مجرى الوادي، وتخفيف الإجراءات لإقامة العمال ومراقبتهم من طرف سلطات الأمن ... الخ. وكانوا كلهم -رحمهم الله- سندا قويا لنا في إنجاز المشروع. (1/90)
صفحة 91
إذ أصبح جاهزا للانطلاق، وقد وضع تصميمه المهندس المعماري الجزائري الشهير الأخ "بوشامة" وبعد القياسات الدقيقة التي ضبطها المقاول هيأ بدقة وضبط النقطة التي يرتكز عليها الحجر الأساسي وكان يوما مشهودا يوم الأحد 18 ربيع الثاني 1380هـ الموافق للتاسع من شهر أكتوبر 1960 إذ حضر الشيخ الإمام بيوض -رحمه الله- في وقت الضحى مرفوقا بالشيخ البكري بكلي عبد الرحمن بن عمر، كما كان سراة البلد وأعضاء الحلقة وجموع المواطنين على موعد مع هذا المشهد التاريخي المبارك. وبيده المباركة وحوله العزابة وضع الشيخ الإمام الحجر الأساسي على الساعة العاشرة بالضبط، وهو يتلو قوله تعالى: "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه" وبعد أن ركز الحجر في مكانه دعا الله بقوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127 - 128]. وكان الشباب يلتقطون الصور التذكارية لذلك المشهد التاريخي الرائع وقد تلاه الإمام الشيخ بكلي عبد الرحمن فكبير العزابة السيد الحاج إبراهيم بن بكير إذ أضاف كل منهما الحجر الذي أعده. ثم ألقى الشيخ الإمام كلمة مؤثرة دعا الحاضرين إلى البذل والعطاء وانتهاز تلك الفرصة الغالية من بناء بيت الله، والتي لا تتكرر إلاّ بعد أجيال. وقد أقمنا وليمة بالمناسبة شكرا لله تعالى. ولم يبق من البناء القديم إلا جزء يسير من المصلى وكامل المئذنة. وتتابعت جلساتنا مع الفئات المختلفة من المواطنين تارة عند بيوت بعضهم وأغلبها في صالون السيد سعيد الحاج صالح في داره الجديدة بحي "باعلي وعمرو". (1/91)
صفحة 92
وقد أسندنا إليه الإشراف على الأشغال ليصير بعد ذلك الوكيل الرسمي للمسجد بإجماع العزابة، وما إن تم إنجاز القاعة الكبرى تحت أرضية المسجد من الجهة القبلية، حتى حولنا إليها صلاة الجماعة، ثم ركزنا مكبر الصوت على خشبة عالية للأذان. وبذلك تهيأ لنا هدم بقايا المصلى القديم وصرح المئذنة القديمة بكامله، ثم إعادة بنائهما بشكل بديع. فأصبحت هذه الورشة المباركة شغلنا الشاغل في ليل ونهار ما بين التخطيط والتدبير، أو الإشراف والمتابعة، كما غدت مزارا لكثير من الإخوة في القرى الأخرى، وهم معجبون ببراعة الإنجاز، يأخذون منه النموذج الحي لما يتمنون مثله لقراهم. واستمر هذا النشاط الدؤوب لحولين كاملين من أوائل الستينيات إلى 1962 مع تباشير فجر الاستقلال الوطني.
وقد تم خلالهما إضافة الفوج الثاني الموعود به إلى حلقة العزابة ويضم الإخوة: الحاج أيوب إبراهيم قرادي، باباعدون الحاج مسعود بن رمضان، بكلي بابة أحمد بن حمو. وتم ذلك خلال سنة 1961 وقد أصبح عندها العضو الأخير "بلال" رئيسا للمجلس البلدي الثوري في البلد على ما يأتي بيانه فكان هذا التدعيم لعناصر الحلقة متناسبا مع الوضعية الجديدة للمسجد. فأحسست عندئذ بعزة الجانب وقوة النصير، وأصبحنا ندبر بحزم وإرادة، ونخطط لكل ما يقوي جانب المسجد والرفع من شأنه للقيام بدوره الاجتماعي الكامل، والتفاف جمهورنا حول حلقته، وانصياعهم إلى قراراته وتوجيهاته.
هـ- الوفاق بين حلقتي العزابة، ومتابعة الإصلاحات: (1/92)
صفحة 93
استمرت القطيعة والملاحاة بين حلقتي العزابة للمسجد العتيق وأبي سالم. استمرت لسبعة عشر عاما، أي من سنة 1945م إلى 1962م. وذلك في الصراع التقليدي الذي نشب بين الجاماعة الإصلاحية والجماعة التقليدية. ولم يكن ذلك الصراع وليد الظرف الزمني المذكور، بل هو امتداد لما نجم عن النهضة العلمية منذ القرن التاسع عشر على عهد المشائخ: عبد العزيز الثميني وقطب الأئمة: الحاج امحمد اطفيش وشيوخهما وطلابهما. ورفع المشعل الإصلاحي من بعدهم الإمام الشيخ بيوض في القرارة. فكان ما كان من المواجهات الساخنة بين الجماعتين. ولم تكن العطفاء بمعزل عن ذلك الصراع التقليدي. يزيد من حدته، وجود مسجدين لكل منهما حلقته الخاصة من قديم الزمان. وكان للجهل والعصبية القبلية الضيقة أثرهما البالغ في تأجج الصراع وانعكاساته الخطيرة على وحدة المجتمع وتماسكه. (1/93)
صفحة 94
لقد عشت مع رفاقي المخضرمين ويلات تلك الوضعية الشاذة، وغصنا في حمأة تداعياته إلى الأذقان، جنودا منفذين للأوامر تارة، أو مسؤولين متحملين قسطهم من التبعات تارة أخرى. غير أننا كنا لا نملك أن نغير منكر الخصومة والتفرقة بأيدينا، ضرورة أن الأمر يرجع إلى مشائخنا ورموزنا، وشاءت حكمة الله أن نجد أنفسنا أمام مسؤوليتنا التاريخية في ذلك. عندما تقلدنا مسؤولية الثورة في بلدنا. إذ أصبحت رئاسة مجلسها البلدي للأستاذ: بكلي بابة أحمد بن حمو وكنت له عضوا فرعيا، وكاتبا للجنة الأوقاف التي كانت تضطلع بالشؤون اليومية للمواطنين، وفي أولويات مهامها حل المشاكل وإصلاح ذات البين، وبما أن تردي العلاقات بين حلقتي العزابة كان بطول مدة التنافر والتدابر، فقد بات لزاما أن يتعزز جانبنا بالسلطة الثورية القوية، فأوعز رئيس المجلس إلى المسؤول الأخ الملازم: رشيد الصائم بضرورة التوسط بين الحلقتين، لإبرام الوفاق والصلح. على شروط يلتزم بها الطرفان. وهكذا انطلقت الاتصالات والمفاوضات بين الطرفين لعدة أيام، وذلك بعد وقف إطلاق النار ليوم 19 مارس 1962م وتم الاتصال الأول بالتحديد ليوم 15 شوال 1381 الموافق ليوم 21 مارس 1962. وقد لعب كل من المرحومين: بهون علي عبد الرحمن بن إبراهيم، والحاج سعيد محمد بن يوسف لعبا دورا كبيرا في تخفيف حدة التوتر، وتمهيد الجو للملاقاة. وكانت للحكمة التي تقول: "يزع الله بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن"، كانت لتلك الحكمة فعالياتها القوية في إسلاس القياد والاحتكام إلى منطق العقل والمروءة. فسرعان ما تكونت لجنة من الطرفين للنظر في أمر الصلح وإعداد وثيقة لبيان الشروط المتفق عليها. فتعين لجانب الإصلاح كل من المشائخ: بكلي عبد الرحمن بن عمر، بن يوسف سليمان بن الحاج داود، الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى قرادي، وتعين من الطرف الآخر السادة: الشيخ يوسف بن بكير، الحاج سعيد الحاج محمد بن باحمد، الحاج أمحمد عمر بن عيسى. (1/94)
صفحة 95
ولكن الشيخ يوسف انسحب في جلسة الحسم ليخلفه السيد الحاج أمحمد أيوب بن بهون، ولم يكن انسحاب الشيخ عن خبث أو مناورة، ولكنه تحاشى المجابهة والملاحاة حفاظا لهيمنته الروحية كشيخ للحلقة.
ففي يوم الجمعة 17 شوال 1381هـ الموافق ليوم 23 مارس 1962م وفي دار عشيرة "أولاد خلفي" امتدت الجلسة إلى منتصف الليل لحضور الملازم لإدارة النقاش، ولم تخل الجلسة من التعنت والإصرار. كان يواجهها الملازم بالتنديد تارة وبالتهديد أخرى، وكادت تنتهي الجلسة بدون حسم لولا أن تداركها الشيخ عبد الرحمن بحنكته، فأعاد الكرة لمناقشة مسودة اتفاق كان قد أعدها من قبل. فهدى الله المتفاوضين إلى سواء السبيل.
فأجمعوا على الشروط المتفق عليها، والتي أعاد صياغتها الشيخ البكري، وسجلتها بخط يدي وثيقة تاريخية ثمينة على سجل كبير أمضى عقبها كل أعضاء الحلقتين، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
وهكذا انضمت جهود العزابة للقيام بالدور الاجتماعي المنوط بهم. وما يزال نص الاتفاقية مثبتا على السجل الرسمي للحلقة يحتفظ به وكيل المسجد. وللأمانة التاريخية أثبت أسماء الممضين عليها وهم:
- الشيخ يوسف بن بكير. ... - الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر. ... - الشيخ ابن يوسف سليمان. ... - الحاج سعيد الحاج محمد بن باحمد. ... -الحاج إبراهيم الحاج محمد بن حمو. ... - بهون علي حمودة بن الحاج بكير. ... - الحاج امحمد عمر بن عيسى. ... - الحاج امحمد الحاج أيوب بن بهون. ... - خير الناس ج محمد بن بأيوب. ... - بكلي بابا عيسى بن بابا عمي. ... - الحاج سعيد قاسم بن الحاج يحيى. ... - سماوي الحاج حمو بن صالح. ... - سماوي عيسى بن إبراهيم. ... - بابا عمي الحاج أحمد بن ج موسى. ... - سعيد الحاج صالح بن الحاج امحمد. ... - هيبة عيسى بن حني. ... - بكلي محمد بن الحاج محمد. ... - سعيد محمد –كعباش-. ... - الحاج إسماعيل الحاج إبراهيم. ... - الحاج أيوب إبراهيم قرادي. ... - بكلي بابا أحمد بن حمو "بلال". ... - حمودين الحاج محمد بن ج إبراهيم. (1/95)
صفحة 96
ومن شروط الاتفاق أن يكون المسجد العتيق هو المركز الرسمي لجلسات الحلقتين التي تنعقد دوريا مرة كل شهر، أو لجلسات استثنائية كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وجدير بالملاحظة أن نسجل بفخر واعتزاز استمرار هذا الوفاق والتعاون بين الحلقتين إلى يوم الناس هذا -أي لأربعة عقود- ونحن جاهدون على استدامتها بدرء كل ما يعكر صفوها، لأنه لا خير في تنافر ذوي القربى، وإني على فكرة ذلك الشاعر العربي الذي يقول:
بلادي وإن جارت علي عزيزة ... وقومي وإن ضنوا علي كرام
وكنت أوصي رفاقي في كل مناسبة عندما يشاركون في النشاطات المختلفة على المستوى الوطني أو الإقليمي أوصيهم بأن يأخذوا بإرشاد الله أولا، في قوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} [الأنفال:75]. وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثانيا: «ابدأ بمن تعول» (1)، وبالمثل الشعبي ثالثا: "إيعوم العوام وما ينساش كساتو".
وتستمر جهودنا في متابعة الإصلاحات، إن على مستوى الحلقة بالمسجد العتيق أو على مستوى الحلقتين:
أ) - ففي المستوى الأول: عندما أصبحت أغلب مصالح المسجد بيد عمنا سعيد الحاج صالح بحكم وكالته الرسمية لشؤون المسجد الذي تم تدشينه رسميا، بعد أن أصبح جاهزا بقاعته الكبرى للصلاة وبكل مرافقه الأخرى: ميضأة ومئذنة، ومركز جلسات العزابة، ومخازن للتمور. وأقساما لتحفيظ القرآن الكريم تحت قاعة الصلاة في جزءها القبلي من شرق القاعة إلى غربها.
__________
(1) - رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، رقم 1371. (1/96)
صفحة 97
لقد كان حدث التدشين حدثا تاريخيا مميزا، أعظم شأنا من حدث وضع الحجر الأساسي. إذ تم مع فجر الاستقلال الوطني في يوم مشهود ألقى فيه الشيخ درسا تاريخيا في قاعة المسجد داعيا الجمهور إلى الالتفاف حول المسجد وعمارته بذكر الله وإقام الصلاة ومباركة الجهود الإصلاحية التي تمت -بفضل الله- ثم أثنى على جهود العزابة والأعيان ودعا بالخير لكل من أنفق وساهم في إنجاز المشروع.
ب) - وفي المستوى الثاني: كان حرصا شديدا على تطبيق بنود الصلح إذ عادت المياه إلى مجاريها وأصبح التكامل على أشده بين الحلقتين تعاونا في السراء والضراء، ومشاركة تامة في الأفراح والأتراح، واجتماعا مشتركا بين الحلقتين مرة في كل شهر بمركز المسجد العتيق. (1/97)
صفحة 98
بعد أن اطلعنا على نصوص سجل الأوقاف القديم الذي استنسخه الشيخ بابا عمي اتضح لنا من خلال نصوصه ما يملكه المسجد من الأجنة والأراضي الحراثية الموقوفة له، والتي أهملت بامتداد فترة القحط ... -كما تقدم- وأغلبها لا يعرفها الوكلاء إلا بتعريف الناس إياها بحكم تواجدها في أجنتهم أو بجوارها، وبعد أن استفتينا الشيخ الإمام بيوض بشأن بيعها للمواطنين، وشراء مساحة أرضية كبرى نستصلحها، وننشئ فيها حائطا واسعا نغرسه نخيلا جديدا من النوع الفاخر -أي من الغرس ودقلة نور- فكانت فتوى الشيخ في صالح مقترحنا، فبادرنا بالعملية، إذ أعلنا على الجمهور بعزمنا على بيع تلك القطع الحراثية او النخيل المتوزع هنا وهناك. وبما أن أغلب القطع الحراثية يوجد أغلبها في الأجنة المحيطة بالقرية والتي أصبحت صالحة للبناء، أي من أعالي تامو فأجماضين، فأسجلاف، فالعطف. فقد بادر المواطنون إلى شرائها برسوم شرعية لدى محكمة بني يزقن يومئذ، وذلك قبل صدور قانون الثورة الزراعية والاحتياط العقاري في أوائل السبعينيات وهكذا تجمعت لدى الوكيل مبالغ معتبرة لتحقيق ذلك المشروع. فوقع اختيارنا على حائط في أجنة "الحاج أيوب" بأولاوال. وهو ملك للأخوين بابا عمي الحاج إبراهيم وأخيه محمد بن الحاج محمد بن مسعود وبعض أعشاش النخيل لغيرهما. وذلك على أمل توسيع المساحة المنبسطة من ناحيته الغربية مما نسميه "المقسم" الذي يمتد إلى جبل "بحيو والحاج" وهو عبارة عن خمس هكتارات تقريبا من الأرض البكر نطوعها بالتنقية والاستصلاح، وإعداد الحفر للفسيل بالضاغط الهوائي للحفر -أحيانا-، فجندنا لذلك السواعد الشبانية، في حملات تطوعية كان للإمام الشيخ بابا عمي اليد الطولى فيها. ثم اشترى الوكيل كميات من الماء في بئر "تامهيرت" لعذوبة مياهها وغزارتها، كما هيأ وسائل الري. وبعد فترة وجيزة تزينت تلك الأرض بحوالي سبعمائة نخلة في غراسة منظمة حديثة. (1/98)
صفحة 99
وعلى غرار ذلك استحدثنا مشروعا آخر في "ضاية الجاوة" إذ استصلحنا أرضا أخرى هناك هي امتداد لجنان تبرع به للمسجد المرحوم: بابا عدون الحاج مسعود بن رمضان. جهزت هي الأخرى بوسائل الري، وغرست عليها صفوف من الفسيل الجديد.
ذلك هو المشروع الذي يضمن للمسجد أوقاف الصدقات المعتادة في المواسم وليالي الجمع لولا أن جاءت الطامة الكبرى بصدور قانون الثورة الزراعية، الذي قضى على ربوع الفلاحة في الجزائر وحطم كل الآمال، إذ سحق الجهود ودمر الأموال. وأورث الكسل والتواكل بين صفوف الأجيال، فقد وقع التعسف في التطبيق، وما لحق من مكر وإهانة لذوي الحقوق. ولم ينج نخيل المسجد من عبث المستفيدين، فأصبح الكثير منها خاوية على عروشها بالتسيب والإهمال، ولم ينج من ذلك الفسيل غير ما امتدت جذوره إلى الأعماق. وكم حاولت البلدية باتصالات وتقارير ضافية أن تستنقذها من يد أولئك المخربين، ولكن بدون جدوى، حتى خيمت الأزمة الاقتصادية على البلاد، وروجعت بعض النظم والقرارات، إذ صدر قانون استصلاح الأراضي الذي يشجع المبادرات الخاصة، ويرفع القيود على المزارعين والفلاحين. وعندما انفصلت بلدية العطف عن البلدية الأم سنة 1985م كان في مقدمة أولوياتها استخلاص تلك الأجنة المؤممة من يد العابثين بها، لتردها إلى أربابها الشرعيين. وهكذا شاءت المقادير أن يتعثر هذا المشروع المبارك في تلك الظروف المرحلية في سياسة البلاد. ولكن ربي لطيف لما يشاء، إذ عادت الأرض إلى ذويها، ورجعت المياه إلى مجاريها. (1/99)
صفحة 100
وكم من جهود بذلت وأموال أنفقت لإنعاش تلك الأجنة من جديد، وهي اليوم-بحمد الله- غاية في النماء والازدهار. ويتجه تخطيطنا -بعون الله- إلى بناء المجمع القرآني بكامل مرافقه في جنان "الجاوة" لتحفيظ القرآن، حيث نجهزه بكل ما يوفر الراحة للطلبة، مطعما وإيواء وتدريسا. وقد وضع التصميم وتحددت الأرضية، وفي يد وكيل المسجد ومساعديه النواة الأولى لتمويل المشروع. ويد الله مع الجماعة، يبارك المبرات، وهو أعلم بالمقاصد والنيات.
ج) - وعلى مستوى الحلقتين: حاولنا تنظيم أوقاف مقابر الشتاء، وقد أصبحت مرهقة للحلقة من حيث امتدادها لثلاثة أشهر، في يوم كل جمعة منها لاثنتي عشرة مقبرة، كما أصبحت مكلفة للمواطنين لتراكم أوقافها التي هي عبارة عن كميات من الطعام واللحم والخبز معلقة في ما يملكه ورثة المحتبسين من أراض وأجنة وعقارات بكيفية لا ينطبق عليها الوقف الشرعي كما ضبطه الفقهاء.
د) - وقد أصبحت هذه المقابر من التقاليد الراسخة التي لا يمكن تغييرها بسهولة، لأن المواطنين -سيما المجتمع النسوي- يرون فيها نوعا من الصدقة التي يرجون من ورائها البركة للمحافظة على أموالها. وتتلخص هذه التظاهرة في تجمع العزابة والطلبة يوم الجمعة عند مصلى الجنائز للمقبرة المعينة: الشيخ بالحاج، الشيخ باعبد الله، الشيخ باباحمو ... الخ لتلاوة كامل القرآن طيلة النهار. وهم تحت رحمة السماء، ما بين صقيع الجليد في الصباح وحرارة الشمس فوق رؤوسهم عند الظهيرة، وخلال ذلك توزع الصدقات المعلقة في تلك المقبرة. يحضرها الأطفال والفقراء من مختلف الطبقات في صباح أو مساء.
لقد كان لتلك التظاهرة مغزاها وبعدها الاجتماعي قديما. ولكنها فقدت اليوم فعاليتها، بعد ارتفاع مستوى المعيشة بين المواطنين، وانتشار الثقافة في الأجيال الحاضرة. (1/100)
صفحة 101
حاولنا بكل جهد إيجاد البدائل المناسبة لتلك الأوقاف، فلم يجرؤ أحد المشائخ لاستصدار فتوى في الموضوع، نظرا لتجذر تقاليدها لدى جمهور العامة، فرضينا بتغيير نظام التسيير على الأقل، لتخفيف المعاناة عن العزابة والطلبة. وبعد النقاش والإلحاح على شيخ العزابة الشيخ يوسف بن بكير -رحمه الله- وقد أدركه الضعف والعجز خلال السبعينيات توصلنا معه إلى التنظيم الآتي:
- تقليص عدد المقابر من اثنتي عشرة إلى سبعة: الشيخ بالحاج، الشيخ با عبد الله، الشيخ بابا حمو، الشيخ عمي امحمد، الشيخ عمي إبراهيم، عمي حمو، الشيخ بأيوب وقاسم. ولكل مصلاه في العراء.
- توزيع حصص القرآن على أربعة مجالس عوضا عن اثنين. وبذلك يتقلص حجم الوقت اللازم لذلك بحيث تتم التلاوة في حدود منتصف النهار، وتبقى الختمة إلى ما بعد صلاة العصر.
- يكتفى بمصلى الشيخ "باعبد الله" بعد أن أصبح مسجدا واسع الساحات مجهزا تجهيزا عصريا. وذلك في أول فصل الشتاء. وفي الربيع يذهب العزابة إلى حيث يناسب من مصليات المقابر الباقية. وقد يبقون في نفس المكان إلى خاتمة التظاهرة. إذا كان الجو غير ملائم. وقد ألغينا من قبل عادة الإعلان عن قائمة الفسقة المدخنين في مصلى الشيخ "بالحاج" وذلك بالرجوع إلى سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل وقت وعلى أي شخص يجاهر ويتحدى شعور المجتمع المسلم. (1/101)
صفحة 102
وأزاء تحسين الأوضاع بالنسبة للبنات في مجال التربية والتعليم -كما تقدم- كنت أحس بفراغ كبير على مستوى المجتمع النّسوي من الأمهات والجدات فرأيت أن أوجه بعض عنايتي إلى هذا الجزء المشلول من المجتمع، حتى قبل أن أنخرط في حلقة العزابة إذ كن يجتمعن مرتين في الأسبوع: يوم الاثنين ويوم الخميس، ولم يكن للغاسلات مستقر خاص لذلك. غير ما تفضل به المرحوم: أبو القاسم الحاج أمحمد بن قاسم "تاسة" إذ أذن لحرمه في فتح داره بحي "بونقاب" لتصبح مركزا للتجمعات النسوية مرتين في الأسبوع. وبعد التشاور مع أختي الكبرى -رئيسة الغاسلات يومئذ- قررت أن أنظم للنساء دروسا في الوعظ والإرشاد بدأتها في أول الأمر بكيفية محتشمة، ولم تنتظم على وتيرة مستقرة إلا في شهر رمضان المعظم لسنتي 1380/ 1960. واتخذت من دار مسقط رأسي -دار بوصوفة- في شارعنا بالذات مقرا لتلك الدروس، كانت تحتشد بالحاضرات يفصلني عنهن ستار في سقيفة الدار وعن يميني وشمالي والدتي وأختي -رحمهما الله- وكانت الدروس يومية في شهر رمضان، وبعده لثلاث حصص في الأسبوع. وهكذا شاءت حكمة الله أن تكون الدار التي دوت فيها صرختي الأولى للحياة هي المقر الذي تدوي فيه صرخاتي في الدعوة إلى الله وإعلاء كلمته بعد ربع قرن من رحلة العمر. كان لتلك الدروس أثرها الكبير في تحسيس المجتمع النسوي، وتبصيره بشؤون دينه، ثم تجميعه حول المسجد والهيئة الدينية حيث كان لهن مقرات محترمة واسعة، يتابعن كل نشاط ديني أو إرشادي بشغف من خلال مكبرات الصوت. وخلال الثمانينيات أنجزنا للغاسلات في المجتمع النسوي مقرا خاصا لهن في وسط المدينة، تتابع فيه تلك الدروس الخاصة، ويستقطب كل النشاطات النسوية بالأخص تظاهرة "لا إله إلا الله" أي التجمع النسوي للغاسلات على مستوى وادي ميزاب. (1/102)
صفحة 103
سار موكب الإصلاح والتغيير في رحاب المسجد وهيئته سيرا حثيثا مباركا. فأخذ الإقبال على عمارة بيت الله بتزايد، ويبلغ ذروته عند إعلان الشيخ الإمام بيوض –رحمه الله- عن إقامة صلاة الجمعة خلال سنة 1971م وبعد انطلاقها في القرارة أولا. تتابعت المساجد الإصلاحية في وادي ميزاب ووارجلان في القيام بها. وكان لهذا الحدث التاريخي العظيم أثره المبارك في إعطاء الدفع والإقبال على عمارة بيوت الله سيما من طرف الشباب وقد أصبحت على منبر الوعظ والإرشاد في المسجد منذ 1969م بإجماع العزابة، إذ تعطل منطق الإمام بابا عمي إثر عملية جراحية أجريت له في رأسه، ولم يعش بعدها إلا سنتين إذ كانت وفاته ... -رحمه الله- خلال سنة 1971. وبعدها بقليل تتابعت وفاة كبار العزابة كل من المرحومين: الحاج إسماعيل الحاج إبراهيم بن بكير، حمودين الحاج محمد الحاج إبراهيم الحاج محمد بن حمو، كما أصيب السيد خير الناس الحاج امحمد بن بايوب بتحجر الدم في ساقيه ألزمه البيت والكرسي المتحرك. فأصبح الإخوان: سعيد الحاج صالح والطالب عيسى سماوي على رأس العزابة. وتكفلت بإمامة الجمعة ودروس الوعظ والإرشاد وبالفتوى على مستوى البلد ولخارجها -أحيانا- فاللهم أمدد لي يد العون، وقو عزيمتي لتحمل هذا العبء الثقيل، إذ ليس لي إلى رفضه من سبيل. (1/103)
صفحة 104
انطلقت في مهمتي بكل صبر وثبات، وأنا أتوقع بعض المثبطات، التي هي من طبائع البشر وسنة الحياة، فطريق المجد محفوف بالأشواك، ومقامك -أيها الإنسان- حيث أقامك مولاك. انتظمت دروس التفسير والحديث دوريا مرتين في كل أسبوع. وبعد تقاعدي سنة 1990 أصبحت ثلاث حصص أسبوعية: مرتين للتفسير ومرة للحديث. وبعد خمس وأربعين سنة من العمل الدؤوب -بعون الله- انتهيت في التفسير لسنة 2008م إلى ختام سورة الفرقان، وكلها مسجلة في أشرطة سمعية مرتبة ومرقمة ومحفوظة بالمسجد، كما هي مصنفة في تحرير مكتوب بعنوان: "نفحات الرحمن في رياض القرآن" وفي مجلدات محفوظة في مكتبتي.
وأما دروس الحديث فتخص شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - بعنوان "حديث يوم الخميس" وهي كذلك مسجلة ومصنفة وهذا عدا المئات من الأشرطة السمعية لمختلف الدروس الأخلاقية والاجتماعية في المواسم والأعياد والمناسبات كلها محفوظة في أرشيف المسجد.
وكل ما أرجوه من هذا المجهود الذي ما يزال متواصلا هو ما يكون لي عند الله من الأجر والمثوبة بفضله وإحسانه، وأن تنتفع به الأجيال، على ما بكون لها من قابلية التلقي والاستقبال. ولست أبالي بعد ذلك من واقع الناس، أشكروا أم كفروا، ومدحوا أو قدحوا.
و- الإصلاح الاجتماعي:
عندما أصبحت في مركز القرار ضمن حلقة العزابة، تنامى تطلعي إلى محاولة بعض الإصلاحات في التقاليد العامة التي يراها أغلب المواطنين، وفي مقدمتهم الهيئة الدينية القدامى، يرونها مقدسات لا يجرؤ أحد على تعديلها أو تكييفها مع الظروف، إذ يضفون عليها الطابع الديني المقدس حتى لكأنها من سنن رسول الله لا يجوز الابتداع فيها. (1/104)
صفحة 105
وتارة أقوم بجس النبض في حكمة وأناة لتقييم بعض التنظيمات الاجتماعية، سيما تلك التي يشرف عليها العزابة في الأعراس والمآتم، فلا أجد غير تصلب في المواقف، وإعراضا عن كل تجديد. ولكن بحكم المثابرة والمصابرة استطعت أن أكتسب الثقة الكاملة من كبار العزابة. وكنا في جلسات المعلمين، والندوات التي نعقدها مع كبار الشباب أو الأعيان، نتطرق إلى بعض الأوضاع الاجتماعية التي تجاوزها الزمان، فنقترح بعض التعديلات لها، وتناقشها بموضوعية وصراحة، ونرى أن الوقت قد حان لقبولها لدى الأوساط الشعبية. ولكن أصحاب القرار النهائي -أي العزابة- ليسوا من المرونة بما يجعلهم ينقادون بسهولة لما نقترحه، كما أنني أصبحت مسموع الكلمة في المجتمع النسوي -وهو القلعة الحصينة لمثل تلك العادات والتقاليد- وقد برزت في أوساط الأسر بنات متعلمات، يتجاوبن مع أحداث العصر ويواكبن التطورات.
وعندما وجدنا الفرصة مواتية، وتخيرنا من الرجال من له الجراءة في كسر تلك الطابوهات، لم نتردد في الإقدام، فكانت المحاولة الأولى في اسرة "آل سعيد" بالذات، والرجل الرائد الجريء هو المرحوم السيد الحاج إبراهيم بن الحاج محمد "سعيد" في عرس ولديه سعيد عمر وعبد الرحمن يوم 05 فبراير من سنة 1955م إذ استطعنا أن نختصر عادة التتويج في وليمة عامة واحدة بعد صلاة العشاء مباشرة يحضرها العزابة والمواطنون في وقت واحد لتلاوة القرآن والتتويج والقيام بحفل العرس بعد ذلك، وكان يتوزع ذلك من قبل على ثلاث تظاهرات.
- وليمة الوزراء والأقارب بعد أذان الزوال يكون بعدها التتويج في دارس العريس.
- الإطعام لوفود العشائر والضمان بعد العصر.
- وليمة الطلبة والعزابة بعد العشاء لتلاوة سورة الأنعام، وبعدها حفلة الأناشيد. (1/105)
صفحة 106
ولا تسل عن فرحة المواطنين لذلك الاختصار في الوقت وفي النفقات. وكان هذا المنطلق الحميد للإصلاحات الاجتماعية محفزا لنا لإحداث المزيد، وبعد وفاق الحلقتين، والتطورات المتتابعة بعد الاستقلال الوطني، تتابعت سلسلة الاتفاقات العامة لتنظيم وتطوير العادات التي أصبحت لا تتلاءم مع الظروف المستجدة، إذ تتم باستشارة واسعة لدى مجالس العشائر وكل الشرائح الاجتماعية الأخرى، وتكلف لجنة مشتركة بين الحلقتين على مستوى العزابة خلال شهر رمضان المعظم ثم تناقش المقترحات على مستوى تلك اللجنة، ثم يقرها مجلس العزابة، في جلسة مشتركة للحلقتين ويعلن عليها في أواخر شهر رمضان المعظم، كما توزع نسخ من تلك الاتفاقيات على مجالس العشائر. فبعد أن كانت ولائم الأعراس منفردة، تستلزم نفقات باهظة، وجهودا مضنية لإحياء ثلاث ليال متتابعة في دار العرس وحجبة العريس لدى الرجال وسبعة أيام لعادات النساء، تدرجنا مع الجمهور في اختصار تلك النشاطات ليوم واحد، يبتدئ بوليمة التتويج العامة في غذاء أو عشاء وينتهي في يوم الغد في حفل الاختتام بعد صلاة العصر. فليس إلا حفل واحد للنشاط الثقافي المتنوع تقوم به المجموعات الصوتية المتعددة أو أفواج الكشافة، كما تخيرنا تلاوة سورة الفتح والخواتم لحفل التتويج الذي تتلوه مباشرة وليمة الغذاء أو العشاء. ثم تدرجنا أيضا في تنظيم الأعراس الجماعية بدءا بمستوى العشيرة الواحدة، تجمع أعراس أبنائها، فاضطرت العشائر إلى توسيع مقراتها الخاصة، وتجهيزها بكل المرافق الضرورية والفرش والأواني، وحتى بوسائل التهوية والتبريد. (1/106)
صفحة 107
ثم انتشر الوعي الجماعي بفضل التوجيه والإرشاد، وذلك في حدود الثمانينيات، فاختصرت ولائم الأعراس، بتجميع عدة عرس لعشائر متعددة لا تزيد عن ثلاث عشائر في أغلب الأحيان، يتم حفل تتويجهم في دار الجماعة بحي "لالة وسارة" بعد أن استكملت مرافقها وأصبحت ملكا لكل عشائر البلدة، إذ تعاونت كلها في تأسيسها وبنائها وتجهيزها تحت إشراف وكيلي المسجدين، وبمساعدة لجنة خاصة تتكفل بالتنظيم الداخلي والتسيير. وقد حمد المواطنون هذه الإصلاحات التي وفرت لهم الجهد والنفقات. ولها دأبت مجموعة من شبابنا المخلص على حسن الإعداد والتحضير بالتنسيق مع الأولياء في كل عرس جماعي.
ولم تكن عادات المآتم والعزاء بأحسن وضعا من ولائم الأفراح، بل كانت أشد إعناتا وإحراجا للمواطنين. في الإنفاق وامتداد المؤاساة والعزاء لبضع ليال إثر وفاة الهالك، ثم تجديد الذكرى عند الأربعين وبعد دوران الحول. وأعظمها إيغالا في البدعة، ما كان من عادة تلاوة القرآن على ضريح الهالك مما يتعارف عليه بخميسات السنة. فكيف تأتى لنا تغيير ذلك بعد أن تجذرت تلك العادات، وأصبح الناس يعتبرونها نوعا من القربات والعبادات؟؟ مما يندرج -في معتقدهم- في إلزامية تنفيذ وصية الهالك. ومن هنا يجب أن يبدأ الإصلاح، إذا كانت الوصايا تأخذ شكلا فولكلوريا لا يمت بأية صلة للمقصد الشرعي من الوصية، كما حرصت على توعية كتاب الوصايا لما يجب أن يتوخوه في التحرير وفقا للمطلوب الشرعي، وكان لتلك التوجيهات أثرها الفعال في تهيئة الأجواء لتقبل ما يناسب من التغييرات بالتدريج، وتكون ضمن الاتفاقيات العامة: (1/107)
صفحة 108
أ- ففي مجال الإطعام ألغينا كل صوره مما كان مألوفا سواء للقراء في دار المأتم، أو لما يسمى عشاء القبر، فلم يعد إلا كميات من أرغفة الخبز توزع على مشيعي الجنازة وحاضرات المأتم، كما توزع كميات منه في المسجدين، فلم يبق إلا ما يبعثه الأقرباء من بعض الطعام إلى دار المأتم على سنته - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «اصنعوا لآل جعفر طعاما». (1)
ب- يوجه ما يكون من حق ثلث الوصية إلى تخصيص مبالغ نقدية إلى كل المؤسسات العرفية في البلد: مساجد، مصليات، ودور العشائر ونفقات في مختلف المناسبات، وغلى التعليم الديني الحر ... إلخ.
ج- لا تزيد تلاوة القرآن في دار المأتم عن ثلاث ليال دونما تقديم أي طعام للناس. على أن يتم توزيع حصص القرآن في الليلة الثانية، ويتم الختم في الليلة الثالثة بحشد كبير من المواطنين، وغالبا ما يكون في دور العشائر، وإذا كانت شخصية المتوفى معتبرة يتم الختم في المسجد إذا كان عضوا في الحلقة، أو في ساحة المدرسة إذا كان عضوا حيا في المجتمع. وتنتهز فرصة ذلك التجمع الحاشد في التذكير والتوعية.
وبإزاء هذه الإصلاحات ألغيت تلك الزوائد المبتدعة، وتحقق بلك الإرشاد النبوي القائل: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث، إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا» (2)، مما يطلق عليه الفقهاء عدّة الوفاة. ذلك في جانب المألوف من العادات والتقاليد.
__________
(1) - رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن جعفر، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، رقم 2774.
(2) - رواه البخاري في صحيحه من حديث زينب بنت أبي سلمة، كتاب الجنائز، باب إحداد المرأة على غير زوجها، رقم 1233. (1/108)
صفحة 109
وكم قمنا بحملات إرشادية، إن على منبر المسجد او في لقاءات العشائر، أو في مناسبات مختلفة، حيث يكون الجمهور مهيأ للتلقي والانصياع. لنرفع مستواه إلى مثالية الإسلام أخلاقا وسلوكا، سيما العلاقات الاجتماعية، وتحقيق التكافل الاجتماعي في تربية النشء، ومراعاة المستضعفين والعجزة.
وكم من صيحات مدوية كلفتني رهقا وإضرارا بي -أحيانا- واجهت بها مريدات السحر والشعوذة وهن ينتقلن إلى أوكار السحرة والمشعوذين في غرداية، أو ينتقل هؤلاء بأشخاصهم إلى البلد لممارسة نشاطهم، ولكل وضعية أساليبها في التنديد والاستنكار. وما هي بالسهلة اليسيرة لأن أعوان الشياطين لا تعوزهم الحيل والمكائد في هذا المضمار.
وفي مجال التأطير والتوجيه لمختلف الشرائح الطلابية والشبانية. فقد تنامى الوعي في التكافل الاجتماعي، فأصبحت لدينا منظمات وجمعيات، تتحمل مسؤوليتها في تلك المجالات. وكان لمجموعات المعلمين والأساتذة والطلبة الجامعيين اليد الطولى في تنظيم تلك النشاطات والتي تتلخص في ما يلي:
أ- تنظيم دروس تدعيمية لطلاب الإكمالية والثانوية طيلة السنة الدراسية في مقرات المدرسة: النهضة وأبي سالم. وفي مقرات بعض العشائر.
ب- الاطلاع بمهمة النشاط الثقافي والفني في الأعراس والمناسبات الدينية والوطنية، برزت فيه كلّ من مجموعة الفن والأدب الإسلامي وكشافة النهضة، وجمعية الوفاء، وغيرها.
ج- التأطير لطلبة التعليم الأساسي، وحتى لبعض تلاميذ التحضيري طيلة السنة الدراسية، وبتركيز أكثر في العطلة الصيفية، تتوزع مراكزه في مختلف أحياء البلدة، وله مركز رئيسي في القاعات السفلى من دار الجماعة.
د- تجميع أفواج البالغين من الذكور والإناث كلما توفرت الجموع لتعليم الصلاة لهم نظريا وتطبيقيا. تتولى تعليم الذكور هيئة "إيروان وإمصوردان" في المسجدين، وتتولى تعليم البنات بعض المعلمات. (1/109)
صفحة 110
هـ- تنظيم دروس محو الأمية للكبريات من النساء تحت إشراف مدرسة النهضة. كما تقوم بتنشيط التعليم الصيفي للبنات، وتتوزع مراكزه في مختلف الأحياء.
و- انطلاق التربص المغلق لتحفيظ القرآن في العطلة الصيفية، كان مركزه المؤقت في أجنة الشعبة بديار "آل شعانبي" هناك، وقد أعطى نتائج مشجعة، مما حدا بالعزابة أن يؤسسوا مجمعا قرآنيا في "ضاية الجاوة" كما تقدم، ويشرف على تنظيمه أساتذة للشريعة الإسلامية حاليا.
ز- نشاط الكشافة الإسلامية -فوج النهضة- طيلة السنة الدراسية. لهم تدريبات أسبوعية في فناء المدرسة. ولهم مقرهم الخاص في مصلى "يحيى حمو" بنته النهضة، وغالبا ما ينظم مخيمات صيفية في مدن الشمال.
ن- النشاط الرياضي المتمثل في المصارعة اليابانية والكاراتي ويمارس نشاطه بصفة رسمية "بدار الجماعة" وله مشاركة فعالة على المستوى الجهوي والوطني.
ح- القيام على تطوير برامج التعليم في المدرسة، بما يتلاءم ومتطلبات الظروف المستجدة، سيما ما يخص تكوين البنت، والتركيز على التكوين الشرعي بعد مرحلة التعليم المتوسط، حفظا للقرآن وتدريبا لبعض علومه، وتدريبا للبنت على منهجية البحث، بحيث تقوم بإعداد بحث في موضوع تختاره لتخرجها.
مرحلة الكهولة ومتابعة المسيرة
في الإطار الخارجي (وادي ميزاب).
أ - العمل الثوري وتداعياته
ب - في ظل البناء والتشييد
جـ - في محك التجربة القاسية
د - في المجال التربوي
هـ - الأسفار والرحلات
و - التحديات والأزمات
أ - العمل الثوري وتداعياته: (1/110)
صفحة 111
لم يكن اهتمامنا بالتنظيمات الداخلية لتشغلنا عن متابعة الأحداث العالمية بصفة عامة، والأحداث الوطنية بصفة خاصة، كانت التطورات الخارجية في مشرق الوطن العربي وغربه، سيما ثورتا تونس والمغرب، وتحرّكات جيش التحرير الوطني في الجزائر وبلاغات جبهة التحرير الوطني منذ بيان أول نوفمبر 1954. والعمليات الفدائية في مختلف المدن، ومدى إسهام إخواننا في كل ذلك ... إلخ، كانت هذه الأحداث شغلنا الشاغل، بل هي في مقدمة اهتماماتنا كلما ضمّنا مجلس أو جمعتنا مناسبة.
كنا -أي جماعة المعلمين يومئذ- نلتقط الأخبار عمّا يقع في مدن الشمال، وكيف أخذت الثورة تتوسع دائرتها لتعمّ كل أرجاء الوطن، وكانت الصحراء ترتقب دورها، سيما بعد مؤتمر الصومام 1956.
فإذا بمنطقة ميزاب ومتليلي، تجري اتصالاتها الأولى بالثورة عن طريق الأغواط بالولاية الخامسة في القطاع الغربيّ من الوطن، ولم يطلّ علينا عام 1956 حتى عرفت العطفاء حركة غير عادية في أجنّتها وبساتيها، وكان حي الشيهد رزاق وجنان الحاج أيّوب بالحاج "قرادي" في أولاوال مستقر الطلائع الأولى لجيش التحرير، إذ كان الشهيد الحاج زيّان عاشور قد ركّز حركة الجيش ممثلا لجناح مصالي الحاج M.N.A في المنطقة الوسطى للسهوب الجلفة وبوسعادة في جبال بوكحيل فأوفد إلى العطف العريف: العيفاوي بلخير، مع كوكبة من الجند، جعلوا من العطفاء مستقرّا لهم في محاولة الاحتواء لمنطقة "ميزاب" والتي أصبحت مجالا للتنافس بين الولايات: الرابعة، الخامسة، السادسة، التاريخية. (1/111)
صفحة 112
ولكن قرارات مؤتمر الصومام في توحيد القيادة وتنظيم الجيش، وتحديد مساحات الولايات، قد طوّر العمل الثوري، ولمسنا ذلك من خلال عمل المسؤولين السياسين التابعين لجيش التحرير، إذ حضرنا عدّة لقاءات سريّة في أجنّة "أحباس وأولاوال" تحت إشراف العريف المذكور، وتكفل بعض الإخوة بإبلاغ صوت الثورة إلى المواطنين ليسهموا بالأموال وبكل ما يتوفّر لديهم من بعض قطع الأسلحة، تمّ ذلك في غاية السريّة والحيطة، وحتى يتمّ توحيد القيادة وفق قرارات الصومام، وفد إلى العطف المسؤول السياسي واسمه: "محمد علي" جاء ممثلا للجبهة من الولاية الرابعة، بعد أن انضمّ الشهيد الحاج عاشور زيان إلى الجبهة بصفة رسمية ولتوحيد خطة العمل وإعلان الوفاق كانت القرارات والأوامر تختم بخاتمتين وذلك بعد حيّز من الوقت تمّت فيه الاتصالات والمفاوضات بين الطرفين، حتى أثمرت الجهود دونما مواجهة ساخنة، وبذلك أتاحت مشاركة المواطنين في سريّة تامة وحذر شديد، ولم تخل العملية من استجواب بعض المواطنين وحجزهم لمدة. وقد استقرّ " محمد علي" مع مساعديه لما يزيد عن شهرين بدار المرحوم: بكلي محمد بن صالح في جنانه "بياهيمان" وكنت جارا له أتردّد عليهم من حين لآخر. وقد طوّق الجيش الفرنسي تلك المنطقة مرّتين يجمع فيها كل من يتواجد في جنانه من الفلاحين ويستجوبهم بتعسّف عن تحركات جيش التحرير، ولكن الله سلّم، إذ كان جيش التحرير يأخذ احتياطياته بتغيير الأمكنة كلما ضرب جيش الاستعمار الطوق على جهة أو حي. (1/112)
صفحة 113
ولكن لسوء الحظ تردّت الأوضاع في منطقة السهوب، وضرب ذلك التنظيم في الصميم بعد انتكاسة الخيانة لمحمد بلونيس ولم تسلم العطفاء من تداعيات تلك الانتكاسة، إذ جاءت كوكبة من جيش الخائن لتتعقّب وحدات الجبهة وتنتقم من كل متعاون معها. فاعتقل كثير من الإخوة، وقد لعب المجاهد الرمز ابن العطفاء البار المرحوم الحاج إسماعيل بن الحاج محمد سماوي، لعب دورا قياديا في التمويه عليهم، والتستّر على كثير ممن وجّهت إليهم التهم بالتعاون مع الجبهة، فإذا بهؤلاء الخونة يتمركزون بأجنّة العطف على مرأى ومسمع من الجيش الفرنسي والناس في حيرة من أمرهم، وهم يتسامعون أخبار مكرهم وقطعهم الطرق في منطقة السهوب المذكورة وجرّهم الناس إلى مركزهم الكبير بدار الشيوخ قرب مدينة "الجلفة" لسلب أموالهم وقتلهم أحيانا. فاضطربت بذلك أوضاع الثورة ولم تستقر حتى أواخر الخمسينات وانعكس ذلك على منطقتنا، وأخيرا أصبحت المسؤولية النهائية للثورة في هذه المناطق قد آلت إلى الولاية السادسة بعد القضاء النهائي على فلول "لبونيس" الذي قتله الجيش الفرنسي، وحملوه مصلوبا على سيارة عسكرية تجول به شوارع الجلفة ليكون عبرة للمعتبر. (1/113)
صفحة 114
أخذ ضباط الولاية السادسة يتمركزون في مختلف القرى ما بين القرارة وبريان والعطف ومتليلي، ليتمدّ نفوذ الولاية إلى أقاصي الجنوب حتى منطقة "الهقار" وعلى رأس الضباط: " أحمد طالب" وهو المسؤول الأول على المنطقة الخامسة، وقد دعا إلى مركزه من "بريان" كلا من الشيخين ابن يوسف سليمان، والحاج أيوب إبراهيم "قرادي". ليفاوضهما في أمر تكوين المجلس البلدي الثوري في العطف. وفي الحادي والعشرين من شهر جويلية 1961 أوفد الشهيد أحمد طالب المساعد الأخ: "الهاشمي الدارم" مع كوكبة من الجند، فتمركزوا داخل البلدة في دار المرحوم: بكلي حاجو بن سليمان في حي "باعلي وعمر" وكنت حينها منهمكا في الإعداد لمؤتمر القدماء تحت إشراف الشيخ الإمام بيوض، إذ تقرر انعقاده في تلك الفترة بالذات في العطف، وشاءت حكمة الله أن يتلاقى الحدثان في وقت واحد، إذ احتضنت العطفاء بين حناياها رجال السيف والقلم، فتمّت في رعاية الله أعمال المؤتمر لثلاثة أيام من يوم الأربعاء 13 صفر 1381 الموافق ليوم 26 جويلية 1961، إلى مساء يوم الجمعة 15 صفر 28 جويلية، كما تركّز في البلدة نفوذ الثورة المظفر بصفة نظامية تحت مسؤولية مجلسها البلدي السرّي الحامل أولا رقم: 1173، ويرأسه الأستاذ: بكلي بابة أحمد بن حمو، "بلال"، كما تكونت المجالس الأخرى في مختلف القرى، وليس على مسؤوليتها إلا أبناء الإصلاح عن إخلاص ووفاء، وشاء القدر أن يجود بفضل الشهادة الشهيد أحمد طالب، وذلك عندما دخل إلى غرداية في نطاق مسؤوليته، إذا انكشف أمره للعدو، فحاصره مع مساعديه في مليكة يوم 06 أكتوبر 1961، فتمّ له شرف الاستشهاد، وتابع المهمة الملازم "رشيد الصائم" وكان الأخ الهاشمي الدارم ساعده الأيمن، استقروا في البلد عند مطلع الموسم الدراسي 1961 - 1962. (1/114)
صفحة 115
وكانت تداعيات خطيرة لاستشهاد أحمد طالب فقد اعتقل إثرها كثير من الإخوة في القرى. وتعرّضت القرارة للحصار والمشط لمدة ثلاثة أيام من طرف جيوش العدوّ فنهبوا وتعسّفوا وانتهكوا الحرمات.
دبّرنا أمرنا في حيطة وحذر لنضمن مأوى أمينا لمسؤولي جيش التحرير، وذلك في دار المرحوم: بكلي إبراهيم بن بالحاج وإخوته في شارع طالب باحمد، ثم أخذوا يغيّرون مركزهم داخل البلدة بين الحين والحين.
وكم من وفود كانت تترى على البلد وتتصل بقيادة الجيش حتى ردّدت أصقاع الصحراء كلها أصداء الثورة.
انقشع الضباب بعد معركة "مليكة" وعفّت الأيام على آثارها، فعاد المناضلون إلى متابعة مسؤولياتهم، فأصبحت فرعا ماليا للمجلس أتكفل بشؤون عشيرتي توعية وإذعانا لصوت الثورة واستخلاصا لواجبات المشاركة كما عيّنت كاتبا للجنة الأوقاف التابعة للمجلس، والتي تعنى بمشاكل المواطنين وتدبّر شؤونهم حتى لا يتقاضوا إلى مؤسسات الاستعمار.
وبعد فترة من العمل النضالي الدؤوب، وقع بعض التعديل في ترتيب المجالس وإعادة ترقيمها، إذ أصبح مجلس البلدة موحّدا -أي يضمّ كل المواطنين داخل القصر القديم والأحياء الخارجية-، وأصبح يحمل رقم:313. وقد أعيد توزيع المسؤوليات على المناضلين، فأصبحت البلدة مثل خلية النحل كل من فيها يعمل في صمت وحذر لأن العدو متربص وعيونه مبثوثة في كل مسلك وسبيل. ولكن الانسجام والنظام في العمل والثقة المتبادلة بين المواطنين في داخل البلدة وخارجها، جعل من البلدة المستقرّ الآمن للعمل الثوري المركّز، كما أن موقعها الاستراتيجي ما بين قرى ميزاب وبريان والقرارة ومتليلي رشّحها أن تكون في اتفاقيات إيفيان بين جبهة التحرير والسلطة الفرنسية، رشّحها أن تكون في المناطق المحرمة على الجيش الفرنسي، ليتمركز فيها جيش التحرير. (1/115)
صفحة 116
كانت المفاوضات في "إيفيان" على قدم وساق وكنا نتابع الأحداث ونحن بين الخوف والرجاء من نجاح المفاوضات أو إخفاقها، ولكن الإيمان القوي بعدالة قضيتنا وحتمية النصر في نهاية المطاف كان يؤجج في نفوسنا الغيرة والحماس، فلا نكاد نحسّ بوعورة الطريق ولا وعثاء السير، وكانت نظرتنا إلى المجاهدين وقادة الثورة نظرة إجلال وإكبار إلى حدّ الافتتان أحيانا بشجاعتهم وبطولاتهم وسموّ المبادئ التي بها ينادون بالأخص ذلك الاعتزاز القوي بالعروبة والإسلام. وهما الطابع الذي ميّز الولاية السادسة على غيرها من الولايات، وقد بدأت تباشير النصر تلوح في الأفق وأخفقت كل المناورات التي تفننت فيها الجمهورية الفرنسية الخامسة بقيادة الجنرال: "ديغول" كمحاولة فصل الصحراء عن الشمال والتي لعب فيه الإمام الشيخ بيوض-رحمه الله- دورا فعّالا في إحباطها، بما تمّ له من اتصالات سرية مع الحكومة الجزائرية المؤقتة في تونس، إذ عقد لذلك عدة جلسات سريّة بعضها تمّ في قريتنا مع كثير من نوّاب الصحراء لدى مجلس الشيوخ الفرنسي، ونواب يمثلون الصحراء لدى مجلس العمالة بوارجلان، ولذلك أصبحوا صفا واحدا ضد تلك المؤامرة الاستعمارية الدنيئة. وإن أنس لا أنس ذلك اليوم المشهود يوم الأحد 12 شوال 1321 الموافق ليوم: 18 مارس 1962، ونحن مجتمعون مع المسؤول في دار الشيخ القرادي، وأعناقنا مشرئبة إلى المذياع بالمحطة التونسية لنستمع إلى البيان الرسمي من طرف رئيس الحكومة المؤقتة الأخ: بن يوسف بن خدة، ليعلن عن وقف إطلاق النار بصفة رسمية ابتداء من ساعة الصفر ليوم 19 مارس 1962، فتصاعدت الزفرات ممتزجة بدموع الفرحة العارمة، ولهجت الألسن بالحمد والثناء لله، وبالمغفرة والرضوان للشهداء الأبرار. (1/116)
صفحة 117
ولم نكن نعرف ما يجري من صراعات بين الداخل والخارج في صفوف الثورة، ولا ما بين الولايات من تناقضات في التوجّه والاختيارات المستقبلية ولكننا شممنا مؤشرات ذلك من خلال كثافة الاتصالات بين الضباط والمسؤولين، ومما أعلنه البيان الرسمي للحكومة المؤقتة بعزل بعض قادة الثورة المرموقين، وإذا بالفتنة ينجم قرنها بالتنافس المسعور ما بين الولايات داخل الوطن في التجنيد والتسليح والتجميع الدعائي لجماهير الشعب، وما انجرّ عن ذلك من مواجهات ساخنة أحيانا، لولا وقوف الشعب كالطود الشامخ أمام المدافع والرشاشات، وهو ينادي: "سبع سنين بركات"
كانت الفترة ما بين وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، وبين إعلان الاستقلال الوطني في 05 جويلية 1962، كانت فترة عصيبة لمخاض ميلاد مجتمع وقيام دولة وطنية، وليس إلا يد الله الحانية قوابل تحتاط لمفاجآت الوضع وتحتضن المولود الجديد، وتحيطه بما يستحقه من الرعاية والصيانة لتضمن له النمو الطبيعي بدنا وعقلا وروحا.
أعادت الولاية السادسة ترتيب بيتها لضبط حدودها التاريخية، وبسط هيمنتها عليها. فتعيّن على مسؤولية المنطقة الخامسة الضابط الأخ: "علي شريف" وتمركز جيش التحرير في البلدة، فتضاعفت بذلك مسؤولية مجلسنا، إذ أصبح حلقة وصل بين قيادة المنطقة ومجالس القسمات، وأصبحنا في محك المسؤولية التاريخية، تتطلب منا مزيدا من الجدّ والنشاط ورصيدا من الصبر والأناة وقدرا كبيرا من اليقظة والحذر، إذ أن من طبيعة الثورات -وهي مشرفة على النصر- أن يختلط فيها الحابل بالنابل، فلا يتبين المخلص من الخائن ولا المجاهد من القاعد، ففي الناس طيّب وخبيث وهم عند انفراج الأزمة يرشحون بما في طبائعهم المخبوءة، فينبشون على الثارات القديمة ويطلقون الإحن المكبوتة وتتاح لهم الفرصة لتصفية الحسابات، لأن المصائب تجمع وتذكّر، بينما الأمن والرخاء يفرّق ويبعثر. (1/117)
صفحة 118
خضنا ذلك العباب المتلاطم بكل عزيمة وثبات، فلم يستفزنا صولجان السلطة ولم يند بأحلامنا غرور الزعامة، وكنت بين رفاقي -بحمد الله- أحمل القسط الأوفر من صفات الأناة والتبصّر فكنت أعيش تلك الأحداث خطوة فخطوة، وكلما استفزني موقف أو آلمني تصرّف تظاهرت بالرضا والجلد، وركنت إلى حسن الظن، فلا يستخفني حقد ولا حسد، وأننا شديد الثقة بالله أنه لا يخزيني ولا يسلمني وأنه سوف يضع قدميّ على الطريق الصحيح مهما تزاحم الناس في ذلك المفترق الخطير. وأحيانا أقف وقفة تأمل في زحمة ذلك النشاط البشري غير المألوف في البلدة، وأنا أستشفّ بنور الله مكنونات الغيوب، وأستخيره ليلهمني الرشد والسداد، فأزداد اقتناعا بأنني ما خلقت إلا أن أكون مربّي أجيال ومعلّما يكرّس حياته لإعداد الرجال، ثم أحسّ ببرد اليقين يملأ جوانحي رضا وطمأنينة وقناعة بما قسم الله لي.
عجم الدهر عودنا في تلك الفترة العصيبة فترة الصراع بين الولايات في الداخل، وشبة الانفصام بين الجيش والقيادة السياسية في الخارج، ولم نكن ندرك يومئذ أبعاد ذلك الخلاف، ولا دوافع ذلك الصراع على حقيقته، إلا أننا نعلم من الطبع البشريّ والوحي التاريخي أنه تنافس على السلطة.
وقصارى جهدنا أننا سعينا مع قيادة الجيش لحقن كثير من الدماء البريئة كادت تذهب هدرا، ولصون أموال كانت تسلب خيانة وغدرا لأن الجيش لا ينفذ إلا ما يصدر عن المجلس من قرارات.
وقد قررت مراكز القيادات في مختلف الولايات أن تقوم بتجمعات شعبية كبرى، تكون أول لقاء بين الشعب وجيشه وقيادته، للقيام بتوعية الجماهير حتى تقول كلمتها الحاسمة في تقرير المصير. أي تقول: "نعم" لجبهة التحرير وللاستقلال الوطني. (1/118)
صفحة 119
واختارت الولاية السادسة مدينة "الشارف" لذلك التجمع الشعبي الكبير، تلتقي الجماهير في مراكز المناطق أولا، ثم تنتقل إلى المركز العام الولائي، ولكون العطفاء مركزا للمنطقة الخامسة، فقد بدأت قوافل الجماهير تترى عليها من كل حدب وصوب وذلك في النصف الأخير من شهر جوان 1962.
ويأمر الجيش بإطعام وإيواء الوافدين حتى يلتحق المتخلّفون، ثم يكون الانطلاق من هناك إلى "الشارف" جنّدنا كل الإمكانيات المتاحة للقيام بواجب الوفادة والضيافة، واتّخذنا من المدرسة بأقسامها وسطحها وفنائها مقرا للوافدين، وانتظم شبابنا في أفواج للعمل بين ذبح وطبخ، وتفريش وغسل لإطعام ما يزيد عن ألفي نسمة، غمرتهم الفرحة فراحوا في الساحة أمام المدخل الرئيسي للبلدة ينشدون الأشعار ويرقصون ويغنون، وأعوان شرطتنا تزجي الصفوف وتنظم موقف السيارات وترعى الأمن.
فأية قوة كانت تدفعنا في تلك اللحظات، وأي حماس كان يلحّ علينا في المزيد من الحيوية والنشاط؟، إنه الحب البالغ للوطن الحبيب، وإنه الرحمة والعطف للشعب الكئيب، وإنها الفرحة الكبرى لاسترجاع الحق السليب، وهكذا امتزجت دموع الفرح والبشرى، بذكريات المأساة وفواجع الذكرى، فكم بين تلك الخلائق من ثكلى وأرامل وأيتام، وكم لها من معطوبين أو مفقودين، وكم من فلذات أكبادها في عداد الشهداء الأبرار. (1/119)
صفحة 120
أخذ شبابنا بفيض من الحماس والغيرة يتسابق إلى التجنيد في صفوف الجيش، وضباط الولاية يلتمسون المزيد منهم ليستكثروا من جموعهم وكانت حمولات الأسلحة تتابع لإعداد العدة وحشد من الخياطين خصصنا لهم دورا بكاملها لإعداد اللباس العسكري للمجنّدين الجدد. وحبذا لو أن الكثير من شبابنا استمر في الخدمة العسكرية لتولّي مختلف مسؤولياتهم -إذن- لأصبحت لنا بوجودهم الكلمة المسموعة والوزن المحترم، غير أن أغلبهم اختار العودة إلى الحياة المدنية بعد أن تحوّل جيش التحرير إلى الجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال، إذ خيّروا بين الاستمرار في الحياة العسكرية وبين الخروج إلى الحياة المدنية.
وقد درج مجتمعنا وتربّى على الإشفاق والخوف من الخدمة العسكرية، ويرجع ذلك لعدة اعتبارات دينية واجتماعية، ولئن كان معذورا في موقفه ذلك أزاء السلطة الاستعمارية فقد طويت صفحتها وأصبحت للبلاد سلطة وطنية، وعلمها المفدّى، فالخدمة العسكرية مدرسة لتكوين الرجال ولولا أن قررها قانون الخدمة الوطنية على كل الشباب الجزائري لما وجد شبابنا سبيله إلى الثكنة العسكرية، ولما لمست يداه قطعة يتدرّب على استعمالها، ليذود عن حوضه ويصون حماه، وتلك لعمري قاصمة الظهر ما نزال نعيش انعكاساتها لدى كثير من أسرنا ممن لا يزال متلكّأ، ويتحايل على القانون لإعفاء أولاده منها. (1/120)
صفحة 121
انتظمت الرحلة الشعبية إلى مدينة "الشارف" فارتحلنا مع الوافدين، يهزّنا الشوق إلى مشاهدة المجاهدين وأعضاء القيادة في الولاية، وعلى رأسها العقيد الشاب الأخ: محمد شعباني، فأعدّت البيوت ونصبت الخيام لاستقبال الوفود، ولكن اعتمدنا نحن على أنفسنا، إذ لم يكن التنسيق والإعداد على المستوى المطلوب، وفي ساحة كبرى للتجمهر نصبت منصة كبرى بمكبّرات الصوت، فاصطف أعضاء القيادة في الدرجة العليا، ومن تحتها اصطف الجنود مدجّجين بأنواع الأسلحة فتحدث العقيد للجمهور في حوالي ساعة، يقاطعه بالتصفيق مرات عدة، وقد أشاد بالثورة ورجالاتها، وفخر بالشعب وتضحياته، وأعطى العهود تلو العهود لبناء الجزائر وتركيز العروبة والإسلام، ثم كان للقيادة لقاء خاص بالمعلمين، تقديرا لجهودهم في الحفاظ على مقومات الشخصية الوطنية.
وفي يوم 05 جويلية 1962 قال الشعب كلمته، قال: نعم لاستقلال الجزائر، ومحا بدماء شهدائه وصمة العار، فارتفع العلم المفدّى خفّاقا بألوانه الثلاثة، وهلاله ونجمته رمزا للعروبة والإسلام.
وعلى غرار مظاهرات مدينة "الشارف" أقيمت تظاهرات شعبية في العطفاء ترأسها الرائد عمر صخري، أفاض إليها الناس من "وادي ميزاب"، ومن القرارة وبريان ومتليلي، فألقى الرائد خطابا حماسيا تعهّد فيه هو الآخر أن تكون قيادة الولاية عند حسن الظن، فيما يعقده الشعب من الآمال في قيادته.
انفتحت الحدود وتحطمت الأسلاك الشائكة المكهربة فتدفقت سيول اللاجئين، كما انفتحت أبواب السجون والمعتقلات، فكان في طليعة العائدين إلى العطفاء كل من الإخوة:
- سماوي الحاج إسماعيل بن حاج محمد، لاجئا من تونس.
- الحاج أيوب إبراهيم بن بالحاج، سجينا محكوما عليه بالإعدام، ثم ضعّف الحكم إلى السجن المؤبّد.
- بابا عمي إسماعيل بن مسعود، سجينا. (1/121)
صفحة 122
ثم توالت عودة أعضاء البعثة التونسية استقبل كل هؤلاء بحفاوة بالغة، عاش المواطنون لها أياما في غمرة الأفراح والبشائر ولكننا نحن المناضلين كنا في إشفاق بالغ لما ستتمخّض عنه الأزمة وقبل ميلاد الدولة الجزائرية المستقلة، وقيام الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، برئاسة الأخ: ابن بلة، كانت الحكومة الانتقالية المزدوجة في "بومرداس" تتولى مقاليد الأمور في تلك الفترة العصيبة، وكان من ضمن أعضائها البارزين، الإمام الشيخ بيوض-رحمه الله- وقد تكفّل بالقطاع الثقافي والتربوي ومن طبيعة التنظيم المرحلي أن تتأسّس الهياكل القاعدية حتى لا تتعطل مصالح المواطنين، وكان الجيش يقبض على زمام الأمور، فتعيّن الأخ خبزي محمد بن عيسى بن عمارة، على رأس دائرة غرداية في عهد الاستقلال، وبالتنسيق مع الضابط المسؤول على المنطقة أشرف على تعيين المجالس البلدية وتنصيبها في كل قرية، بعد إعفاء المجالس القديمة وإنهاء مهامها بصفة رسمية، وتمّ ذلك في يوم: مشهود خلال شهر جويلية 1962.
كانت أنفاس الجماهير مشدودة عشية التنصيب إلى دار البلدية في ساحة السوق يرتقبون الأعضاء الجدد في بلديتهم، وكيف يتمّ اختيارهم؟؟ وكنت ضمن أعضاء المجلس البلدي الثوري، لا أعلم ما يدور في الكواليس، بين رئيس الدائرة والضابط المسؤول، وكنت متحفظا شفوقا أراقب الأحداث على وجل وأتقصّاها على حذر، ولم يدر بخلدي قطّ أن أتعيّن ضمن أعضاء المجلس البلدي، ولذلك لم يأخذني طمع ولا زهو ولا استهواني بريق السلطة، وذلك حين فصلت عن رفاقي في النضال، وأسقطت من التعيين، وأمرت بمغادرة قاعة الاجتماع لأنني لست من المرشحين. (1/122)
صفحة 123
وهكذا أسفرت النتيجة عن تعيين الأخ: بكلي بابة أحمد بن حمو رئيسا للبلدية، والشيخ القرادي نائبه الأول، وما إن أعلنت النتائج حتى عاج السوق وماج وتبادل الناس التهاني في جوّ مشحون بالعواطف المتضاربة، بين عشير وقريب ستصبح له يد عند السلطان، وآخر من مثله إزورّ له الحظ وأدبر عنه الزمان، أما أنا فقد تسللت وسط الجموع المنتظرة إلى منزلي عندما نزلت من قاعة الاجتماع مجروح الكرامة، ولذت مرة أخرى بالصبر وفوّضت أمري إلى الله، وأنا لا أعلم من أمر المجلس الجديد، ولا عن كيفية تنصيبه شيئا، وتحت عرصات المسجد جلست أستدرّ في رحابه برد اليقين وأستلهم الرشد والسداد من ربّ العالمين بعد أن دوّى آذان المغرب وفي خاطري يتردد قول الشاعر:
دع الأيام تفعل ما تشاء ... وطب نفسا إذا حكم القضاء
وفي ومضات الإلهام الربّاني تيقّنت أن حق الصحبة لا يضيع، وأن شيئا ما تدبّره الغيوب، وأنه سيحدث عما قريب.
فالليالي من الزمان حبالى ... مثقلات يلدن كل عجيب
ولم تمرّ شهور قلائل حتى تفرق الجمع، وتباعد الأخلاء، إذ تقلّصت المجالس البلدية، وضمت كلها إلى البلدية الأم في غرداية، وتولّى رئاسة دائرتها قوم آخرون، حتى كان التصحيح الثوري في 19 جوان 1965، فأصبح الأخ بلال النائب الرابع لرئيس البلدية الأم بالتعيين بينما تعيّن الأستاذ قرادي مديرا على دار الفكر الإسلامي في العاصمة إلى حين، وصدق فينا قول الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وفي ذلك عبرة لأولي الألباب، فكيف يكون اختيار اتجاهي في ظل الاستقلال؟، وما هو نصيبي من تحمل الأمانة بعد أن تفرّق عني الأصحاب؟؟ فقد انفسح المجال للبناء والتشييد، فهل أنطلق مع الركب الوطني في المساهمة بما أملكه من طاقات وجهود، أم أبقى رهن مجتمعي الضيّق، بكل ما يرسف فيه من ضوابط وقيود؟؟.
ب ـ في ظل البناء والتشييد: (1/123)
صفحة 124
لقد كانت للحركة الإصلاحية في الشمال والجنوب اليد الطولى في المحافظة على مقومات الشعب الأصلية من دين ولغة وتاريخ وثقافة ... إلخ. غير أن رياح الثورة عصفت بكل مقومات العهد الاستعماري، حتى تلك التي تعدّ من إيجابياته في مجال التنظيم الاجتماعي والثقافي، فقد اندمجت مؤسسات الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الشمال. اندمجت بدون قيد ولا شرط في مرافق الدولة الجزائرية الجديدة وانصهرت في بوتقتها قلبا وقالبا، وأما في الجنوب فقد ارتبكت الحركة الإصلاحية، وفاجأتها تطورات الأحداث والمواقف الارتجالية التي مارسها المسؤولون في السنوات الأولى، إذ لم تنعم البلاد بالاستقرار السياسي والتخطيط المحكم إلا بعد التصحيح الثوري في 19 جوان 1965، فإذا بالسياسة الداخلية تأخذ الطابع الاشتراكي، وتركّز سلطة الحزب الواحد، حزب جبهة التحرير الوطني، فتتصادم إديلوجيته وتنظيماته مع كثير من عادات وتقاليد الشعب، سيما في منطقتنا، ويقفز إلى السلطة من لا عهد له بها من السذّج البسطاء، أو من الانتهازيين الخونة، فيختلط الحابل بالنابل، وتمارس سياسة الضغط والقهر. وما ينجرّ عنها من تصفية الحسابات الضيّقة، وأمام هذه الوضعية المربكة المتقلبة كان الشيخ الإمام بيوض رحمه الله وثلة من زعماء الإصلاح سواء من قريتنا أو القرى المجاورة يراقبون الأحداث عن كثب، ويحاولون رسم خطة للعمل تتماشى والواقع المعيش، ولا تقضي على المكاسب التي حققته الحركة الإصلاحية سيما في مجال التعليم والإرشاد الديني. وقد احتاطوا لمؤسساتنا العرفية من قمتها إلى قاعدتها، وحاولوا أن لا تندمج وتذوب في المؤسسات العامة استبقاء لدورها الاجتماعي الثقافي فتقرر ذلك بإجماع المشائخ والأعيان، على مستوى وادي ميزاب ووارجلان. (1/124)
صفحة 125
غير أن الآراء اختلفت بين الكبار الذين يرجع إليهم القرار، وبين الشباب الرائد في العمل الثوري وفي حركة البناء والتشييد، وأغلبهم من أبناء الإصلاح -كما أسلفت- ومن طبيعة ردود الفعل في المجتمعات البشرية أزاء كل تغير وتجديد أن تختلف المشارب وتتعدد المسالك وتتباين الآراء.
وأما المشايخ والعزابة بصفة عامة فقد نفضوا الغبار عن مجلس عمي سعيد وأحيوا مواته ليقوم بدوره في استقطاب حركات المساجد، ومن خلالها مرّ التأطير الاجتماعي بالتوجيه والإرشاد وتنظيم الفتوى الشرعية، ولكن ذلك يقتضي المصالحة والمهادنة مع الحركة التقليدية لمن يسمّون "بالمحافظين" في جبهة داخلية متراصة.
وهو رأي سديد ونظر حصيف لو خلصت النوايا وصحّت العزائم، غير أن الطبع يغلب التطبّع، إذ لم يكن ذلك الوفاق الذي سعى إليه الشيخ الإمام وأتباعه إلا مظهري الشكل، سرعان ما يرتكس إلى حماة الملاحاة والتنافر، سيما وقد أسندت مسؤولية نظارة الأوقاف الخاصة بنا إلى السيد المرحوم الحاج داود حواش أقوى الممثلين للحركة التقليدية وأصلبهم عودا، واتخذت مسؤولية تلك النظارة طابعا رسميا لتكون همزة وصل بين السلطات الروحية في وادي ميزاب وبين السلطات الرسمية الممثلة بوزارة الشؤون الدينية، فالشيخ الإمام -وإن أصبح الرئيس الأول لمجلس عمي سعيد بدون منازع-، فإن لممثل السلطة القوة التنفيذية التي لا تغالب، فانعدم بذلك التوازن المرجوّ بين الحركتين، وزاد الطين بلة مرض الشيخ الإمام، مع كرّ الليالي وتوالي الأيام. وبالتالي انعدم المناخ الملائم للعمل الجادّ المسؤول أمام المغيرات الجذرية في المجتمع الجزائري، والتي فرضتها ظروف البناء والتشييد.
وكنا نحن -الشباب الرائد- نرى في تلك المحاولة من مشايخنا وكبارنا انتكاسة للحركة الإصلاحية وزحزحتها عن مقام القيادة والتوجيه في ظروف لا مجال فيها للتردّد والميوعة، وأحداث وطنية لا مكان فيها للسلبية والانزواء. (1/125)
صفحة 126
كنت مع رفاقي في العطف من السبّاقين إلى الأخذ بزمام المبادرة لمواكبة الأحداث الطارئة على ما يسودها يومئذ من تعسّف وارتجال. فلم نتبع سياسة النعامة، ولم نستسغ خطة التخلّي والهروب، أو موقف الذهول واللامبالاة، بل عزمنا أمرنا من أول يوم أن نبقى في ميدان النضال، وأن نعيش الأحداث الوطنية كيفما كانت الظروف والأحوال، ولم ننتظر من تبنّي تلك المواقف أمرا من أحد -ولا حتى من الشيخ الإمام رحمه الله- فأصبحت أنا والأستاذ الحاج إسماعيل يحي عضوين في مكتب قسمة العطف لجبهة التحرير الوطني، وعندما ضمّت القسمات على مستوى غرداية، التزمنا بالعمل في الخلايا منشطين وموجّهين، وشددنا أزر رفاقنا من المناضلين الآخرين، وعملنا جاهدين لتقوية صفوفهم، إيمانا منا على أن ذلك هو الطريق الأمثل، لمواجهة مستجدات الأحداث، يتحتّم علينا أن نناضل ونكافح ونحن بين القوم في وسط الدار، لا أن نبقى ننتظر ذاهلين من وراء الأسوار، فقد كان الشّيخ الإمام -رحمه الله- يفتح لنا صدره كلما زرناه في القرارة، إذ يستمع بشغف إلى ما كنا نعرضه عليه من مجريات الأحداث المحلية والوطنية، ثم نودّعه وهو يزوّدنا بالدعوات الصالحة، ويصارحنا بأننا على الطريق الصحيح في نظرنا إلى الأمور وموقفنا من الأحداث، وقد عقد الحزب عدة مؤتمرات للشباب والمناضلين هنا وهناك في مناطق الجنوب، سيما في غرداية ووارجلان حتى جاء دور العطفاء في صائفة 1963، فانعقد بدار "آل باكة" مؤتمر كبير للشباب تحت إشراف الأخ محمد شريف مساعدية واستمرّ لثلاثة أيام كاملة. فتشرفت برئاسة جلساته، حتى تتمّ على أكمل وجه وفي أعلى مستوى من النقاش والحوار أثار دهشة الأخ: محمد شريف، وكان لقدماء تونس القدح المعلّى فيه. (1/126)
صفحة 127
ويظل الموقف على ما هو عليه في صفوف الإصلاح بالقرى المجاورة، تردّد وإحجام عن المشاركة، وإنكار ونفور ممن لاذوا منا بالواقعية، وواجهوا الأحداث بجزم وإيجابية، وتمرّ الشهور والسنون، ودار لقمان على حالها، وذهول وانتظار عند أصحابنا، وتهافت وإقبال على مناصب المسؤولية عند قومنا، بصحبة مكر وتخطيط لسدّ المنافذ على كل من ينافسهم من ذوي الكفاءات، فأصبحوا هم أصحاب الدار، وبقي غيرهم من أصحاب الحق الشرعي يقبعون خلف الجدار، حتى إذا استقرت الأحوال بعد التصحيح الثوري، وتكوّنت مؤسسات الدولة وتركز نفوذ الحزب في أوائل السبعينيات، استفاق النائمون، وحاولوا اللحاق بالركب، ودون ذلك مثبطات وأحقاد وإحن، وعند ذلك أدركوا ووعوا حكمة الزمن، "الصيف ضيّعت اللبن". وقد شهدت الجزائر بعد التصحيح الثوري سنة 1965 إنجازات ضخمة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، واستهدفت التنظيمات السياسية لمؤسسات الدولة البدء بالهياكل القاعدية المتمثلة في المجالس البلدية والولائية في القطاع الإداري. وكذا هياكل الحزب في القطاع السياسي، فبعد التقليص لكثير من البلديات في أول الاستقلال، ثم التعيين المباشر لأعضاء تلك المجالس، أصبحت الظروف متهيّئة لإشراك الجماهير الشعبية من الإدلاء برأيها وانتخاب ممثليها الشرعيين لدى السلطات التنفيذية والتشريعية ولكن بطريقة موجّهة ومؤطرة من طرف السلطات السياسية المتمثلة في هياكل حزب جبهة التحرير الوطني، وقد كانت نسبة المشاركة في صفوف الحزب ضئيلة جدّا من طرف إخوتنا من القوى الأخرى كما ذكرت ذلك سابقا. (1/127)
صفحة 128
وعلى الرغم من النسبة المعتبرة لمناضلينا في العطف فقد لززنا في قرن واحد مع جملة من أصحابنا على مستوى وادي ميزاب فلم يراعوا عدد المرشحين من القوائم على نسبة عدد السكان -إذ نكوّن الأغلبية- بل اختاروا أن يكون ثلثا الأعضاء منهم والثلث الباقي منا، وذلك بمضاعفة عدد المرشحين اللازمين لكل بلدية وفق عدد سكانها والشعب يختار نصفهم، وكان هذا التصرّف العنصري غير العادل سببا لمواجهات، بل صراعات دامية، أوغرت الصدور وزرعت الكراهية والحقد بين المتساكنين، مما أدّى إلى فواجع في المنطقة كما سيأتي تفصيل ذلك. (1/128)
صفحة 129
ولم يسعنا إلا أن نخوض غمار المعارك الانتخابية بأساليب اضطررنا إليها دفاعا عن الكرامة من جهة، وإثباتا لمن يتنكّر لنا بأننا أُصلاء في الجزائر قلبا وقالبا، نبتت جذورنا على أديم هذه الأرض طاهرة نقية، أنشأنا حضارتها من عدم، وأقمنا عمارتها على أسس من الدين الحنيف وتعهّدنا شجرتها بالريّ والنماء، ولسنا غرباء -كما يعتقدون- أننا نزحنا من الساقية الحمراء ووادي الذهب، وعلّمتنا الأحداث كيف نستطيع أن نقلب موازين القوى لصالح منتخبينا بحيث يكونون هم الأغلبية في تلك المجالس، وكان جمهورنا الكريم منضبطا شديد الثقة بقيادته التي كانت ممثلة في مجلس "الكرثي" ففي سنة 1967 يقع مثل ذلك الترشيح من طرف الحزب لنواب المجالس البلدية، وكنت ضمن المترشحين للبلدية الأم في غرداية مع الأخوين: بكلي بابة أحمد بن حمو "بلال" وزرقون مسعود. ولا يملك المناضل في الحزب حق الرفض إذا ما وقع عليه الاختيار، وبعد ظهور النتائج بأغلبية أصحابنا. ترددت إشاعات بأن الأغلبية يمكن أن تختنار أعضاء المجلس التنفيذي، وبالتالي تتحقق رئاسة البلدية لها. وفي إطار هذا المنظور الديمقراطي لست أدري كيف وقع التفكير لدى أصحابنا في غرداية أن يرشحوني لرئاسة البلدية. وكنت أسمع تلك الشائعات ولا أعلم مأتاها، على أنني كنت على يقين أن الحزب له تخطيط آخر في مراعاة التوازن بين التشكيلات الاجتماعية المتساكنة. تغابيت عما أشاهده وألقيت الحبل على الغارب، وتجاهلت ما يتحدث به الناس، وإن كنت في قرارة نفسي أخشى أن يكون في الأمر شيء، فصرت أدعو الله دبر كل صلاة أن يجنبني هذه الورطة، وأن يصرف عني شهوة الجاه والسلطة، كما كانت والدتي تفعل مثل ذلك برجاء مني. وفعلا فقد حدث ما توقعته، إذ دعيت إلى مجمع في غرداية ضم بعض سراة الإصلاح، ليقنعوني بقبول الترشيح إلى رئاسة البلدية، وأنهم سوف يقفون إلى جاني في كل ما يحتاجه هذا الأمر من عون ومساعدة. (1/129)
صفحة 130
فبينت لهم من ممارستي النضالية، بأن تحقيق هذه الرغبة لم يحن وقتها بعد، وأن الحزب سوف يحسم القضية بغير ما نشتهيه. وكان الأمر كذلك إذ دعينا إلى تنصيب المجلس الذي تعينت رئاسته للأخ السابق في المجلس المعين من قبل -أي الأخ ابن خليفة عمر بن لعجال بأربعة نواب رابعهم هو الأخ "بلال".
وهكذا أسدل الستار على هذه اللعبة السياسية البارعة، ولكن لم أترك لشأني في الانتخابات اللاحقة للمجالس الشعبية الولائية، وكذا للمجلس الوطني الشعبي، وفي كل مرة يحاول الحزب ترشيحي كنت أتمنع وأقدم إليهم الأعذار المقبولة. ذلك لأني أصبحت أتمتع برصيد شعبي كبير في دائرة غرداية عموما وبالأخص في أوساط قومنا، لما حققته من نتائج جيدة في تعليم أبنائهم في متوسطة "ابن باديس" منذ سنة 1964 وقد تردد صدى ذلك في أوساط أسرهم مما كان له ذلك الأثر الكبير في السمعة الطيبة والذكر الحسن. غير أنني لا أريد أن يشغلني شاغل في مسار مهنتي التربوية، مهما تكن المغريات، بل أدخر الأجر عند الله بما حققته من النجاحات، بعيدا عن الأضواء، زاهدا في أساليب الحمد والثناء.
وحبذا لو كفيت مؤونة المسؤولية السياسية، غير أنه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ رشحت للمرة الثانية في انتخابات المجالس البلدية لسنة 1971م فتبين للمسؤولين مدى ما كنت أتمتع به من الرصيد الشعبي، إذ أصبحت في الرتبة الثانية لترتيب عدد أصوات الناخبين بالنسبة لتسعة وعشرين مقعدا. فساورتني المخاوف مرة أخرى لتحمل المسؤولية في المجلس التنفيذي. ومن حسن حظي أن يستمر الأخ "بلال" معنا لهذه الدورة -أيضا- وأن يكون معنا الأخوان الحاج إسماعيل يحيى وهيبة بكير بن عيسى في مسؤولية النيابة عن العطف. (1/130)
صفحة 131
وكعادتي في مثل تلك المواقف لذت بالصمت والحذر، أترصد الأحداث، وأتسقط أخبار المشاورات. فإذا بي أدعى بصفة رسمية إلى القسمة الأم في غرداية وعلى رأس أمانتنا الأخ حني بكير بن موسى, فرجاني مكتب القسمة أن أكون ضمن نواب المجلس التنفيذي للبلدية، والذي سوف يرأسه الأستاذ السيد محمد السوفي، وفي الواقع ليس في الأمر غضاضة ولا نكير ما دام رئيس البلدية الجديد من ألمع إطارات التربية والتعليم وكثير من النواب الآخرين هم من الأساتذة والمعلمين فكيف يكون المخرج من هذه الورطة مرة أخرى؟؟ وقد أصبحت مهمتي الاجتماعية في البلد أوجب من ذي قبل إذ عينت مرشدا رسميا في المسجد العتيق من 1969. وتأكدت بوفاة الإمام بابا عمي الحاج أحمد بن الحاج موسى سنة 1971م. بينت لمكتب القسمة ما لمهمتي التربوية والإرشادية من فوائد هي أجدى للمجتمع من أدائي السياسي. وفي جلسة مغلقة مع الأخ حني بكير حسمت القضية لبقاء الأخ بكلي بابه في النيابة، فأصبح في الرتبة الثانية مكلفا بمهمة الخدمات وبذلك خرجت من مركز القسمة وأنا ألعن السياسة وما تصرف منها كما فعل الشيخ محمد عبده. سارت الأحوال في قريتنا على نفس الوتيرة المألوفة من قبل، ولم يكن المواطنون ينتظرون منا كبير تغيير ولو أصبحنا أربعة نواب، لأن الجهود كانت منصبة كلها إلى البلدية الأم تعطي لها الأولوية في كل المجالات. ولا يبقى للقرى الأخرى من الميزانية إلا الفتات. وكم حاولنا أن نفتح مكتبا فرعيا -على الأقل- في دار البلدية القديمة، يكون رمز للسلطة في البلد ويتولى تسليم الوثائق الخاصة بالأحوال المدنية فلم نحصل على ذلك إلا بعد جهد جهيد. (1/131)
صفحة 132
ونتج عن ذلك الفراغ في السلطة أن قررنا الاعتماد على النفس بتكوين مجلس للأعيان يضم مسؤولي العشائر، نشرف عليه بأنفسنا أسبوعيا ليتولى تسير شؤون البلد، كما أصبح الأخ المرحوم: سعيد صالح بن الحاج عمر (لفراك)، عونا ينطق باسم البلدية تحت إشراف الدرك الوطني، فقام بمجهود مشكور في المراقبة وحل كثير من مشاكل المواطنين إلى أن توفاه الله.
تلك هي خلاصة مسيرتي في المجال الإداري والسياسي وفي هذه العهدة الثانية لنيابتي في البلدية مع رفاقي المذكورين واجهنا بكل صلابة وإرادة خطر الطامّة الكبرى، التي هدّدت كياننا وزرعت الخراب والدمار، وذلك بتطبيق قوانين الثورة الزراعية والاحتياط العفاري، فكانت هذه المسؤولية أعظم محكّ صهر معدننا وعجم عودنا وحرك شكيمتنا، فما زالت بنا قدم ولا ندّ بنا شهم في معالجتنا لهذا الملف كما سأبينه بكل أمانة فيما يلي، والله الموفق.
جـ - في محك التجربة القاسية:
صدر قانون الثورة الزراعية والاحتياط العقّاري سنة 1971 وهو يقضي أن يصرحّ المواطنون بما يملكون، ويحدد المساحات الصغيرة وعدد الأشجار والنخيل التي تبقى للمواطن، ويؤمن الباقي لصندوق الثورة الزراعية، وأمّا الأملاك الوقفية فتعتبر تلقائيا أملاكا للدولة ... إلخ. ثم توزّع تلك الأراضي على المستفيدين يستغلّون خيراتها في تنظيم جماعي تحت شعار "الأرض لمن يخدمها"، على أنّ تبني الدولة للمستفيدين قرى فلاحية ورعوية تامّة المرافق تتوزع منها حوالي ألف قرية عبر التراب الوطني.
وقسّم تطبيق القانون إلى ثلاثة أطوار:
أ- طور التأميم ودراسة الملفات.
ب- طور التقسيم والتوزيع على المستفيدين.
ج- طور التنظيم الرعوي. (1/132)
صفحة 133
ويتكفّل المجلس البلدي موسّعا إلى مشاركة ممثلي الحزب وممثلي الفلاحين، ويتعيّن للإشراف والمتابعة ضابط للثورة الزراعية يكون من الجيش الوطني الشعبي، وكم من شعارات رفعت لهذه الثورة وكم من وسائل سخّرت لها والويل لكل من تشتمّ منه رائحة المعارضة للمشروع أو المماطلة في تطبيقه.
وقد تعيّن معنا -نحن النواب الأربعة ممثلي العطف- تعيّن الأخ السيد: طالب باحمد باحمد بن إسماعيل ممثلا للفلاحين في العطف، وهو مثقف أريب، يتمتع بشجاعة أدبية جعلته يقوم بمهمته معنا على أحسن وجه، ولقد أصبحنا بين المطرقة والسندان.
لقد وجد القوم في صدور هذا القانون الفرصة المواتية لوضع أيديهم على كثير من الأجنة والأراضي التي استنفدت من أسلافنا كل مجهود، إذ سقوها بدمائهم وعروقهم واستدرّوا خيراتها بفلذات أكبادهم.
لقد أصبحنا في محكّ التجربة القاسية إذ يعتدى على حرماتنا باسم القانون، ونحن لا نملك من أسلحة ندافع به عن أنفسنا إلا بأن نحفظ نصوص القانون ونعي تفاصيل مواده، فكنا نجتمع لمراجعة بعض بنوده من كتاب ضخم يشرح تلك البنود ويبيّن كيفيات التطبيق، لأن القوم يتأوّلون تلك النصوص كيفما شاؤوا، ويجتهدون -أحيانا- بالزيادة والنقصان، وقد يستصدرون قرارات تتمّ الموافقة عليها على مستوى المجلس الولائي بورقلة، فيضفون عليها الشرعية للتطبيق ومثال ذلك:
1 - بخصوص تحديد الدخل الفردي للمواطن الذي يطبق عليه قانون التأميم، فقد حددت النصوص الحدّ الأدنى بعشرة آلاف دينار، فقلّصوه هم إلى ثلاثة آلاف وستمائة دينار. (1/133)
صفحة 134
2 - ينصّ القانون بأن تبقى للسكن الشخصي للمواطن مساحة خمسمائة متر مربع لا تأمم حرمة ... لذلك البيت، فأراد القوم إلغاء ذلك على البيوت المنتشرة في الأجنة فاعتبروها سكنا صيفيا ثانويا وحاولوا تطبيق القانون عليها باعتبارها في عداد الأراضي الزراعية، ولك أن تتصوّر مبلغ الضرر والحيف الذي يلحق بكثير من المواطنين، وهم لا يملكون إلا مساحات ضيقة أمام سكنهم الريفي، وأغلبها لا يبلغ المساحة المحدّدة قانونيا لحرمتها.
حاولنا إقناع القوم بما ينصّ عليه القانون ولكنّهم لجّوا في عنادهم ومكرهم، فاضطررنا أن نتحاكم مرتين إلى اللجنة الوطنية للثورة الزراعية على مستوى العاصمة، وكنت ضمن الأعضاء الذين عيّنوا لصياغة تقرير في تلك المسائل المتنازع عليها، فكان الردّ حاسما في منع أيّة مبادرة من أية جهة كانت في تجاوز نصوص القانون.
وبخصوص اعتبار حرمة السكن الصيفي جاء الرد شافيا أيضا بوجوب اعتبار التصميم المعماري الرسمي للبلدية الأم في غرداية، والذي يقسّم مختلف المناطق على تراب البلدية، سكنيا وصناعيا وزراعيا، فلا يطبّق القانون إلا على المناطق الزراعية، وهي قليلة على ضفاف "وادي ميزاب" (1/134)
صفحة 135
وهكذا سقط في أيديهم فأراحنا الله من دراسة آلاف الملفات التي لا يشملها القانون. وكان أشد المواقف إحراجا لي في المجلس عند بداية دراسة الملفات، هو ذلك الذي يقضي بأن يبادر أعضاء المجلس الموسع بالتنازل من تلقاء أنفسهم عن بعض ما يملكون لفائدة صندوق الثورة الزراعية حتى يكونوا قدوة لغيرهم من الشعب، وقد حضر للإشراف على هذه العملية بالخصوص مراقب وطني وفد إلينا من العاصمة ويقضي القانون أن يتبرع العضو بمبلغ مالي إذا كان لا يملك قطعة أرض أو نخلا فكيف يكون موقفي وأنا لا أملك إلا مساحة حوالي مائتي وألف متر مربع بها عشرون نخلة غرستها بيدي في ناحية "باهميان" من أجنة العطف، وتعهّدتها بالسقي والنماء مثل أولادي، وقد نبتوا سويا يرتوون من جهدي وكدحي لبنا وعرقا. عزمت أمري ألا أنخدع للدعايات العاطفية ولا أتملّق أي مسؤول، علما بأن هذه القطعة تقع في منطقة سكنية في التصميم المعماري، فلا مبرر للتبرع بها، وقد وضع ملف تصريحي على الطاولة أمام المراقب الوطني، فأجبت بكل جرأة أنني لا أملك غير هذه الأرض لسكنيات أولادي، فلست بمتبرّع بها، لأنني أولى بها، إذ لا تقع في منطقة زراعية، .. وهكذا خرجت مرة أخرى من هذه الأزمة موفور الكرامة، مدّخرا ما اكتسبته بعرق الجبين حتى لكأنني عرفت ما ستؤول إليه أحوال الثورة الزراعية بعد حين. (1/135)
صفحة 136
وواجهنا مع القوم مثل ذلك العنت لتطبيق قانون الاحتياط العقاري إذ كانت أغلب القرى تملك أراضي جماعية للعشائر والأسر فأبقتها على الشياع بين أبنائها، وبذلك تصبح معرّضة لإدراجها في الاحتياط العقاري، فكان ذلك مناسبة لتقسيمها وتوزيعها، ثم استغلالها للتوسّع السكني من طرف أصحابها الشرعيين كأراضي يدّر في بني يزقن، وأراضي ختالة في بنورة، وأراض آل حاج أمحمد وآل الخلفي في العطف، وكانت أراضي ضاية الجاوة وأولاوال عندنا كالحسناء المتدللة، تغريان كل مشرف عليهما من قمة "قارة الطعام" على طريق مطار النومرات وتستهويان كل مسؤول ليضع يده عليهما بوسيلة أو بأخرى، ونحن نحاول كل مرة على مستوى البلدية، أن نجد لهما علة نبعد عنهما شبح القنص والاصطياد، ولكم كانت دهشتنا كبيرة عندما قرر المجلس البلدي مع المصالح المعنية للترقية العقارية، إنشاء منطقة سكنية هناك تضمّ سبعة آلاف مسكن بما يتبعها من المرافق العامّة، فلم تجد توسّلاتنا لدى رفاقنا بالمجلس ليشعروا بخطورة مستقبل القرية إن تمّ ذلك، ولم يبق للعطف إلا ذلك المتسع الحيويّ لتنميتها مستقبلا، بل كانت إجاباتهم في كل مرة تنمّ عن أنانية مفرطة، ونظرة جهوية ضيّقة. (1/136)
صفحة 137
فلجأنا إلى الوسائط الأخرى لإبعاد ذلك الخطر، سيما ونحن نترقب التقطيع الإدراي الثاني لسنة 1985 لتنفصل بلدتنا عن البلدية الأم, وما ضاع حق وراءه طالب، إذ استطعنا تجميد ذلك المشروع لمزيد من دراسة التربة ومن حسن الحظ أن أصاب المنطقة وابل مدرار مصحوب ببرد كثيف أدّى إلى انجراف الضايتين في فيضانات مدمّرة، وصادف ذلك قدوم لجنة وزارية لمعاينة ما حدث، فقرّرت عدم صلوحية المنطقة للسكن، وسرعان ما قرر المجلس البلدي الأول للبلدة بعد الانفصال سنة 1985 قرر تقسيمها إلى قطع للاستصلاح الزراعي، تولّى الاستفادة منها كثير من أبناء البلد، هم اليوم يستدرّون منها الخيرات، ويحوّلونها إلى روضات وجنّات: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف:21).
د- في المجال التربوي:
كان الخط الذي أسير عليه في حياتي واضحا جليا مع قناعتي الشخصية، ومع رفاقي المعلمين، سواء منهم من سبق وتدرج معي في تأسيس المدرسة الجديدة بحي النهضة، أو من التحق بركبنا في أواخر الخمسينيات.
كنت شغوفا بعملي، أستسهل الصعاب، ولا أقيم للمثبطات أي حساب، وزادني شعورا بالمسؤولية في المجال الاجتماعي للبلدة انخراطي في سلك العزابة وفي سن مبكرة نسبيا، فرضيت بما قسم الله لي من حظ في هذا المشوار من حياتي، ولم يدر يوما بخلدي أنني سأنتهي عند الاستقلال الوطني إلى مفترق الطرق يمتحن فيه اختياري، وتتغير فيه تقديراتي، فمنذ انطلاقتي في الحياة العملية وطّنت نفسي على أن لا تعتمد إلا على جهودها، وأن لا تبالغ في حسن الظن بأريحية الناس، مما أسمعه منهم من الإغراءات والتعهدات حتى من أقرب الناس إلي، إذ أنني كثيرا ما أضعها على المحك فتتبخر هباء، وألتمسها عند الشدة والضرورة فلا أظفر منها بطائل. (1/137)
صفحة 138
فأين أعضادي من الرفاق وقد طوحت بهم الأقدار في كل الآفاق؟؟ فمنهم من جرفهم تيار الجاه والسلطة، ومنهم من عصفت بهم رياح التغيير فولوا وجوههم شطر الحواضر الكبرى لاقتناص الفرص في المجالات الأخرى، فمن لي بالرفيق الأمين والأنيس الوفي لمتابعة السير في طريق تغيرت معالمه وتشعّبت مسالكه؟؟.كنت أقدر ما ستتمخض عنه الأيام من أنواع التغير، لأن منطق الثورات لا يعطي الفرصة الكافية للتأمل والتفكير، وكنت أتوقع من خلال ذلك ما سيطرأ على عاداتنا وتقاليدنا بل حتى على مؤسساتنا العرفية من أنواع التعديل والتبديل طوعا أو كرها.
ومن حسن حظي أن تكون لي فرصة للتفكير والتدبير في العطلة الصيفية من سنة 1962 لاستقبال أول موسم دراسي تحت ظلال الاستقلال الوطني، استخرت الله واستشرت ذوي الرأي، واسترشدت بالواقع التاريخي للتعليم في بلدة العطف، بعد أن خبرت واقع أعضاء الإدارة لجمعية النهضة ما يقرب من عشر سنوات، فلم أجد هناك ما يشجعني للاستمرار معهم، فقررت في عزم أكيد وتصميم شديد أن أندمج في التعليم العمومي منذ الانطلاقة الأولى للاستقلال، على ما لدي من مؤهلات بسيطة تعتبر لدى الوظيف العمومي، ثم أعتمد على نفسي في تحسين وضعيتي المهنية شيئا فشيئا كلما سنحت الفرصة لذلك، ولكن كيف السبيل إلى الحصول على منصب عمل في القرية أو قريبا منها، حتى أجمع بين الحسنيين: العمل بصفة منظمة في المجال الوطني، ومتابعة مهامي الاجتماعية في المجال المحلي الخاص؟؟. (1/138)
صفحة 139
ارتحلت -كعادتي- بأسرتي إلى الاصطياف في مدينة الجلفة والأمل يراودني أنني سوف أضع قدمي على الطريق الصحيح، وأن التوفيق يحالفني لما لي من نبل القصد وحسن النوايا، لم أبح بما عقدت عليه العزم لأحد من رفاقي، ولا أدري كيف بلغ الأمر إلى الشيخ الإمام، إذ دعاني في أواخر سبتمبر 1962 إلى العاصمة وبالذات إلى متجر المرحوم: بكلي حاجو بن سليمان، فإذا بي أمام أقطاب الحركة الإصلاحية، الشيخ الإمام "بيوض"، الشيخ بكلي عبد الرحمن والشيخ عدون، وبداخل مكتب المتجر امتد لقائي معهم لنحو ساعتين حاولوا إقناعي بالرجوع عن قراري بمختلف الأساليب العاطفية، فلاطفتهم بالأجوبة بما كنت أعتقد أنه الصواب، بفرض وجودنا في كل المجالات الوطنية، وبالأخص في مجال التربية والتعليم، وقد أصبحت اللغة العربية هي الرسمية للبلاد بنص الدستور، وحمدت الله أن لم يأخذ مطلب الشيخ الإمام الأمر الإلزامي، بل كانت المناقشة هادئة بناءة، تقدر ما للشباب من طموح، وما غرسه المعهد في نفوسنا من حب للوطن في حدوده الشاملة وإطاره الواسع، فلم أتزحزح عن موقفي ولم أداهنهم بوعد كاذب، وقصارى ما وعدتهم به أنني سوف لا أدخر وسعا في أن يكون منصب عملي في العطفاء بالذات أو قريبا منها، وبذلك أشبع طموحاتي وأتابع مسؤولياتي.
قمت بأول محاولة لتسجيل اسمي عند وزارة التربية وقد اتخذت من معهد "ابن عكنون" مركزا مؤقتا لها، فإذا بي أمام رفيق لنا في بعثة تونس الأخ كروشي عيسى، وهو يعمل في مصلحة التوظيف، استقبلني بحفاوة وقد رحب بالفكرة وشجعني ولكنه أرشدني أن يكون تسجيلي في الولاية التي أنتمي لها وهي يومئذ ولاية الأغواط. (1/139)
صفحة 140
وفي أواخر سبتمبر عدت إلى العطف مع انطلاقة الموسم في أوائل أكتوبر 1962م، لم تكن لي شهادة رسمية للتوظيف إلا شهادة المعهد الخلدوني التي تعادل الأهلية، أما شهادة التخرج من معهد الحياة، فقد فقدت اعتبارها لدى الحكومة الجزائرية المؤقتة في المهجر بمجرد قيام الدولة الجزائرية على أرض الوطن، لأن الشيخ الإمام لم يتخذ الإجراءات لمعادلتها رسميا، رغم إلحاحنا عليه في ذلك لاعتبارات كانت تحرجه. (1/140)
صفحة 141
بقيت أستطلع الأخبار عن كيفية التوظيف المباشر وشروطه، حتى وافانا شهر أكتوبر، فإذا بأغلب الإدارات للمدارس الابتدائية قد أسندت للمعلمين الفرنسيين الذين آثروا البقاء في الجزائر في إطار التعاون الفني بين الجزائر وفرنسا، وحتى مدير الأكاديمية في الأغواط في أول الأمر كان فرنسيا، وعلمت من مدير ابتدائية العطف أنه بحاجة إلى كثير من المعلمين في اللغتين، وقد تعين السيد تزقاغين داود مفتشا مزدوج اللغة على منطقة غرداية، يتكفل بتنظيم الموسم الدراسي وانطلاقه بكل الإمكانيات المتاحة، وذلك بتوظيف كل من يتوفر على أدنى مستوى من الشهادة الابتدائية حتى البكالوريا أو ما يعادلهما، فالتقيت به في دار البلدية بالعطف، وبعد معاينة الملف وتقديم الطلب أدرجني في القائمة المقبولة للتدريس باللغة العربية في مدرسة العطف بدرجة مدرس على اعتبار قيمة شهادة المعهد يومئذ، وهكذا بدأت العمل فورا مع الأفواج التي أسندها المدير الفرنسي "جون بيير شانبو" وبعد أيام تسلمت التعيين الرسمي من الأكاديمية والرقم الميكانوغرافي الخاص بي في التوظيف، وبما أن التعليم الديني الحر بقي على حاله في مؤسساتنا العرفية، وكنت المسؤول الأول عليه لغياب الشيخ القرادي إلى دار الفكر الإسلامي بالعاصمة، ودخول الأخ بكلي بابة في المعترك السياسي كما تقدم، فقد وجدت لزاما عليّ أن أتابع مسؤوليتي في المدرسة أجمع بين التعليمين الرسمي والحر، مما كلفني جهدا مضنيا، سيما فيما يتطلبه الرسمي من الشكليات والوسائل، كنا نتدرب عليها في ندوات تربوية، فأصبحت أعمل لمدة عشر ساعات يوميا وأنا مرتاح الضمير، إذ وفقني الله تعالى إلى الطريق الأقوم، وهكذا اندمجت في الأسرة التربوية العامة، واستفدت كثيرا من زملائي جزائريين وفرنسيين، بما لديهم من التجارب الفنية بيداغوجيا وتربويا، وإن كنت من حيث الحصيلة العلمية واللغوية لا أقنع بالمستوى الابتدائي، ولكن ما حيلتي والطموح إلى ما هو أعلى (1/141)
صفحة 142
يتطلب شهادات رسمية ولا أملك منها إلاّ شهادة المعهد الخلدوني، والتي تعادل "الأهلية"، أصبحت ذا راتب محترم بدرجة مدرس، غير أن سقوط شهادة معهد الحياة من المعادلة الرسمية -كما تقدم- أضر بي وبأمثالي من المعلمين القدامى، إذ نزلت إلى درجة "مساعد" بشهادة الخلدونية فقط، صدمت لذلك صدمة كبرى ولكنني رضيت بالأمر الواقع ريثما تنتظم الأمور أكثر وتفسح المجالات لترقية المستوى، تابعت عملي في العطف لمدة سنتين على ذلك الإطار أي من 1962 إلى 1964 وأنا أتحين الفرص للرفع من مستواي الرسمي وإن استلزم الأمر أن أخوض معركة الامتحانات والمسابقات من جديد، علما بأني مثقل الظهر بأسرة تضم سبعة أفراد: أطفالي الخمسة مع والدتهم ووالدتي.
لم أكن وحدي في تلك الوضعية الإدارية الهزيلة، بل هناك آلاف المعلمين والأساتذة أمثالي يتمتعون بمؤهلات عالية، ولكنهم لا يملكون الشهادات الرسمية تثبت مستواهم، وبما أن مدارس جمعية العلماء قد اندمجت في التعليم العمومي، فقد أصبح ضروريا إدماج أولئك المعلمين القدامى في السلك الرسمي لحاجة البلاد الملحة إلى خبرتهم، فصدر لذلك مرسوم رئاسي يقضي بالإدماج لتلك الفئة من المربين، وقد بثته وسائل الإعلام ونشر في الجريدة الرسمية، وتشكلت لجنة لدراسة الملفات، ثم تصنيف المعنيين في الرتب المستحقة حسب أقدمية العمل ونوع المسؤولية لإثبات المستوى. (1/142)
صفحة 143
فلم أتوان عن إعداد الملف المطلوب بكل الوثائق التي كانت بحوزتي حتى من الشهادات التقليدية التي حصلت عليها من بعض مشائخ الزيتونة، يجيزونني بها في علمي التفسير والحديث، ثم بعثت بالملف إلى مركز اللجنة بنهج "ابن شنب" بالعاصمة مضمن التبليغ، فإذا بالنتيجة مرضية للغاية -بفضل الله- إذ تسلمت في أواخر الموسم 63/ 1964 قرارا وزاريا يقضي بإدماجي في إطار أساتذة التكميلي بأقدمية عشر سنوات ويحمل رقم 6499 بتاريخ 19 مارس 1964، ونظرا لحساب الأقدمية فقد رسمت في الدرجة الخامسة لهذا الإطار، وكان من حسن حظي أن أجد منصبا للعمل في متوسطة "ابن باديس" بغرداية في بداية الموسم الدراسي 64/ 1965، وقد أنشأت حديثا بعد الاستقلال بمسعى من الزميل السيد محمد السوفي مفتش الشؤون الإدارية للتعليم في دائرة غرداية، فمرحى لهذا التوفيق من الله: منصب عمل قار، قريبا من الدار ورتبة محترمة في الإطار، وأصبح طلابي خليطا من ميزابيين ومتساكنين ممن استقر حديثا حول قصر غرداية وفي ثنية المخزن والحاج مسعود في غرداية وفي حي "مرماد" منها، وكنت حريصا أن أكتسب ثقتهم وأكسر الحواجز التقليدية التي تفرق بين هذا وذاك، وكنت أعمل في جو من الانسجام التام بين زملاء المهنة من فرنسيين وجزائريين، وإن لاقيت بعض الصعوبات بقلة الوسائل البيداغوجية سيما الكتاب المدرسي، إذ قصارى ما قدم إلينا من وزارة التربية هو النشرة الرسمية للبرنامج الرسمي الذي يحدد الحصص والمحاور التي يجب أن تدرس في مادة اللغة العربية، وعلى الأستاذ أن يعتمد على نفسه في التحضير وتهيئة النصوص وتنسيق التمارين وإعداد المذكرات وغير ذلك مما تتطلبه الطرق الحية للتدريس، فاضطررت إلى شراء آلة راقنة وأخرى ساحبة من النوع البسيط وأصبحت أتردد كل يوم بسيارتي الصغيرة "فولزفاقن" بين العطف وغرداية، فأخذت سمعتي تتنامى من سنة إلى أخرى بما حققته من نتائج في طلابي، إذ أصبح أغلبهم إطارات سامية لا تخلو (1/143)
صفحة 144
مصلحة في غرداية من تواجد بعضهم، وهم يكنّون لي كلّ احترام وتقدير، وذلك هو خير العقبى والكنز المدخر للأستاذ المربي الذي أخلص العطاء في عمله وأنفق الثمين من جهده وعمره، وصدق أمير الشعراء إذ قال:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أشرف أو أجل من الذي ... يبني وينشئ أنفسا وعقولا
أجل، لقد لمست من أولئك التلاميذ على اختلاف مستوياتهم حماسا بالغا وعزما أكيدا لتعلم لغتهم الوطنية، وهي تحاول أن تفرض وجودها في ظل الاستقلال الوطني، بينما الكثير من أبناء هذا الوطن المغتربين يتنكرون لها، ويضعون كل العراقيل الممكنة في طريقها للبعث والنهوض، أمّا الزملاء الأجانب فلا لوم عليهم فيما يعاملوننا به من النظرة الاستعلائية، ولا تزال المسؤولية الإدارية في أيديهم، صمدنا لكل التحديات، ولم نترفع عن الاستفادة من خبراتهم، بل اعتبرنا أنفسنا مثلما كنا قبل جنودا أوفياء في معركة ثقافية فرضها التوقف الحضاري لهذه اللغة المقدسة، وقدرنا أن المعركة ستطول، ولكن النصر حليفها في النهاية، لأنها لغة الدين ولغة القرآن وهما في صميم وأصالة هذا الشعب الذي ضحى بالكثير للحفاظ على مقومات شخصيته، وكنت أستغل مادة التربية الخلقية والدينية لإثارة نخوة الوطن والشعور الديني في نفوس تلاميذي، فكان لذلك الأثر البالغ في إيقاظ الوعي وتهذيب النفس. (1/144)
صفحة 145
إنها ذكريات خالدة، حافلة بالمواقف المشرفة والمجهودات المبرورة من طرف الأساتذة والتلاميذ ومن جميع المسؤولين يومئذ في قطاع التربية والتعليم، أين منها هذه الأيام العجاف التي ما نزال نعيشها بعد أربعة عقود من الاستقلال الوطني؟، فقد استنسرت البغاث فخربت الذمم وخمدت الهمم وهوت الأخلاق الاجتماعية إلى الحضيض، وران على البصائر ما كسبت أيدي الناس من المال الحرام، ومن المطعم الحرام ومن المشرب الحرام، فإذا نحن أمام مربيين أدعياء، ومسؤولين هجناء، وتلاميذ نفوسهم خاوية وأفئدتهم هواء إلاّ من رحم ربك، وهم لا يطيقون للتحصيل صبرا، ولا يعرفون لمربيهم قدرا، ولا يقدرون لمستقبلهم أمرا.
وعلى قلة التربصات التكوينية للمعلمين والأساتذة حتى أواخر الستينات، كنت أقتني الكتب التربوية الحديثة، وأستعين بخبرات الأساتذة الأجانب سيما الأستاذ الرئيسي للمؤسسة السيد "إبرو" أستاذ الرياضيات، وكان مثالا للجد والإخلاص مع دماثة الأخلاق ولطافة المعشر، ولم أحظ بفرصة تفتيش في تلك المدة، غير أن وضعيتي الإدارية قد سويت تلقائيا بقرار الترسيم في إطار التعليم المتوسط، والذي تسلمته من الوزارة خلال 1968. وبذلك كفيت مؤونة امتحان شهادة الكفاءة لأستاذية التعليم المتوسط.
وإذ تقرر رسميا جزأرة الإدارة بالمؤسسات التربوية مع نهاية الستينيات، فذهب أولئك المتعاونون من المتوسطة، وأسندت إدارتها إلى الأستاذ تزقغين داود بن صالح، فأصبحت مستقلة بطاقمها الإداري في التسيير بعد أن عظم شأنها وكثرت أفواجها، إذ هي أول متوسطة في غرداية بعد الاستقلال الوطني، وفي أوائل السبعينيات انطلق مشروع بناء أول ثانوية في حي "مرماد" وهي ثانوية "الفيلالي"، فأحببت أن أكون في المنصب اللائق بي، والمناسب لمؤهلاتي في الأدب العربي، ولكن ما الحيلة، ولا شهادة لي معتبرة تأهلني لذلك؟؟. (1/145)
صفحة 146
كانت الجامعة الجزائرية حتى تلك الفترة من أوائل السبعينيات تسير على النظام القديم أي الحصول على أربع شهادات لسيانس من أية مادة وهو في الأدب العربي عبارة عن: شهادة الأدب العربي، شهادة الأدب المقارن، شهادة الدراسات الإسلامية، ويمكن لأي موظف أن ينتسب إلى الجامعة بإجراء امتحان الدخول لتتاح له فرصة المشاركة في الامتحانات في آخر السنة من غير التزام بالحضور أمام الأساتذة، فاختمرت في ذهني هذه الفكرة يشاركني فيها بعض الإخوة منهم الأستاذ الحاج إسماعيل يحي، حني بكير بن موسى، داودي محمد بن عمر، فعزمنا أمرنا معا على الإعداد لامتحان الدخول خلال سنة 1969 وكنا نسترشد بكثير من الطلبة الجامعيين بالأخص الأستاذ ابن أيوب أحمد بن محمد، فكان الحظ حليفنا في الحصول على شهادة الدخول، وبذلك أصبحت مزدوج المهمة، موظفا عاملا وطالبا جامعيا، وما أصعب الجمع بينهما، ولكن الإرادة القوية والسعي الدؤوب مع توفيق الله هو الكفيل بالنجاح، فكنت أواصل الليل بالنهار بين العمل الرسمي في المؤسسة والمذاكرة إلى جوف الليل مع الأستاذ داودي الحاج محمد بن عمر، كان الأستاذان ابن أيوب أحمد وحماني بالة يبعثان إلينا بالمحاضرات مستنسخة أو مسجلة على أشرطة "كاسيت"، ويرشداننا إلى المصادر التي ترتكز عليها الأبحاث والمواضيع المطلوبة، وكنت أتردد بسيارتي على بنورة كل ليلة تقريبا للمذاكرة مع الأستاذ: الداودي ويمتاز بحدة الذكاء والجرأة الأدبية، فكنا على أتم انسجام وتجاوب مع الجدية والنشاط، ونحن نخوض هذه التجربة الرائدة بالنسبة لأمثالنا ممن لم يسعفهم الحظ في اتباع دراسة منهجية منتظمة، ولم تمض سنتان حتى كنا قد أتممنا الشهادات الأربع بكاملها بملاحظة قريب من الحسن في مجموعهما. (1/146)
صفحة 147
أصبحت أتحين الفرص لإيجاد منصب عمل في التعليم الثانوي، وما يزال العمل جاريا ببطء في ثانوية "الفيلالي" وما كنت أرغب أن أبتعد عن غرداية، نظرا لتعداد مهماتي التربوية والاجتماعية، بل والسياسية مناضلا في حزب جبهة التحرير والإدارية عضوا في المجلس البلدي، وفي سنة 1974 أصبحت الثانوية جاهزة لاستقبال الأفواج من السنة الأولى ثانوي ولم تستقل بعد بهيكلها الإداري، بل كانت ملحقة بإدارة المتوسطة، وفي سنة 1975 استقلت الثانوية بإدارتها تحت مسؤولية الأستاذ داودي عمر بن صالح، ولم أحصل على منصب فيها ضرورة تنافس الأساتذة القدامى عليها، غير أني بسعي من الأخ محمد السوفي استطعت أن أحصل على تعيين رسمي في إطار الأساتذة الثانويين متربصا مع الاحتفاظ بمنصب العمل في المتوسط والثانوي تشرف عليهما وزارة واحدة، كما كان لعضويتي بالمجلس البلدي بغرداية وزن واعتبار في الحصول على هذا الامتياز، كنت أتردد على المستويات التي اخترتها لأحتك بالتلاميذ وأتجاوب معهم أثناء إجراء امتحان الأستاذية للكفاءة المهنية، وقد تم ذلك بنجاح والحمد لله تحت إشراف المفتش العام الأخ محمد روابحية، فتنفست الصعداء، ولحقت بالركب في الإطار الجديد، ثم حصلت على نقطة جيدة في التفتيش أي 16/ 20 سهلت عملية تعديل الدرجات بين إطار المتوسط إلى الإطار الثانوي، وهكذا استقرت وضعيتي الإدارية، وأنا مطمئن لمركز عملي في المتوسطة بمنزلة أستاذ ثانوي مرسّم كامل الحقوق في المرتب المستحق وفي ساعات العمل، غير أن مفاجآت الأقدار لا تدع المرء يستقر على حال، فإذا بالحكومة تقرر فصل التعليمين المتوسط والثانوي، إذ أحدث للثاني كتابة الدولة يشرف عليها نائب وزير بمصالحه الخاصة، حتى يتفرغ وزير التربية لتركيز المدرسة الأساسية التي انطلقت سنة 1976 في مدارس تجريبية تتعين في كل ولاية، ثم تعمم تدريجيا في نهاية السبعينيات لتنتهي العملية سنة 1984م، تحتضن الأطوار الثلاثة للتعليم (1/147)
صفحة 148
الأساسي في تسع سنوات إجبارية لكل تلميذ.
وأمام هذه الوضعية الجديدة أصبحت مهددا في وضعيتي الإدارية مع انعدام منصب في ثانوية بغرداية، فلا بد من خطة جديدة للبقاء فيها، وقد وفقني الله إلى خطة جديدة أحافظ فيها على سلم راتبي ألا وهي أن أتولى إدارة مدرسة أساسية، فكيف تم ذلك وأين؟.
إنطلق في أواخر السبعينيات مشروعان لبناء متوسطتين في تراب بلدية غرداية، إحداهما في بني يزقن والأخرى في العطف، فتعثرت هذه لمدة سنتين، بينما انطلقت الأخرى لتصبح جاهزة لاستقبال الأفواج الأولى لأحياء الثنية ومليكة وبني يزقن وبنورة، وكنت قد قدمت مطلبا لمنصب الإدارة سنة 1979، وفي مطلع السنة الدراسية 80/ 1981 تلقيت تعيينا رسميا في منصب مدير متوسطة بني يزقن، وإذا وافقت على التعيين أصبحت أمام الأمر الواقع في وجوب القيام بمهمتي لإعداد الدخول المدرسي بكل مشاكله، سيما بعدم استكمال المؤسسة لمرافقها الضرورية، إذ لم يتهيأ منها إلا المجموعة الإدارية والمجموعة التربوية، ولم تسبق لي تجربة في التسيير الإداري في الإطار الرسمي الذي يخضع لإجراءات وشكليات معقدة في التجهيز والتسيير، فوقعت في تجربة قاسية، سببها محاولة الأخ داود تزقغين في مبادلتي بالمنصب الإداري الذي يشغله في متوسطة ابن باديس بغرداية بدعوى أنني لا أتعب في تجهيزها وتنظيمها، وينتقل هو إلى إدارة متوسطة بني يزقن وهي على مرمى حجر من منزله هناك، وإذا لم توافق الوزارة على ذلك التبديل فلا مناص من الإقدام وتحمل المسؤولية، فشمرت على ساعد الجد مسترشدا كعادتي بالزملاء الذين لهم خبرة في هذا الميدان، وقد استطعت تكوين صداقات مع رؤساء المصالح في مديرية التربية بالأغواط، ومع مدير التربية نفسه الأخ الفاضل عبد الكريم تبون، كما توطدت علاقتي حميمية بيني وبين المفتش العام للإدارة يومئذ الأستاذ عبدي محمد، وهو يتسم بالحزم والصرامة في عمله فشاركت في عدة ملتقيات تربصية للمديرين والنظراء (1/148)
صفحة 149
أثريت بها تجربتي، فحققت بذلك نجاح الترسيم في السنة الموالية، وقد تمت مرافق المؤسسة على عهدي لمدة ثلاث سنوات واعترضتني مشاكل تغلبت عليها بحكمة وأناة، إذ تعددت أفواج المؤسسة فقفزت من أحد عشر فوجا تربويا إلى ثلاثين فوجا في السنة الثالثة من انطلاق المؤسسة، وأثقلها عليّ هو ذلك الاندماج للأفواج الأولى من ثانوية مفدي زكرياء في سنة 81/ 1982 إذ تقرر فتحها قبل أن تتم الأشغال فيها، فاستغلت الأقسام الفارغة في المتوسطة لاستقطاب أفواج الثانوية بإدارة الأستاذ ابن دريسو -وبعون الله- اكتسبت المهارة اللازمة في التسيير الإداري، سيما في الجانب الحساس للعلاقات البشرية، إذ تجمع المؤسسة تشكيلة بشرية متنافرة، نظرا للتناقض في السلوكات، والهوة الكبيرة في المستوى الحضاري والتربوي بين حي وآخر، كما كلفت بالإشراف على مركز امتحان شهادة الأهلية في مؤسسات أخرى، وتنقلت مع المفتشين الأساتذة في مختلف المواد.
وفي الموسم الدراسي 83/ 1984 أصبحت مؤسسة العطف جاهزة لاستقبال التلاميذ باستكمال تهيئة المجموعة الإدارية والتربوية، وما تزال المقاولة تتم المرافق الأخرى، فتسلمت قرار انتقالي إليها بصفة نهائية، كما تعين معي الأستاذ طالب باحمد أحمد بن حمو مراقبا عاما وتحددت الخريطة التربوية والإدارية، فانطلقت عودا على بدء في تنظيم المؤسسة ومن حسن حظي أنها وظيفية في شكلها الهندسي أحسن من متوسطة عبد العزيز الثميني في "بني يزقن"، فأصبحت -بفضل الله- قرير العين في منصبي الجديد بمسقط رأسي بعد أكثر من عشرين سنة تجشمت فيها صعاب التنقل كل يوم إلى مركز عملي بغرداية، تدرجت في تنظيم المؤسسة شيئا فشيئا فكنت لا أدخر وسعا في طلب المساعدات المالية الإضافية لضمان الصيانة اللازمة وتزيين الساحات بغرس الأشجار والزهور في أحواض ذات أشكال هندسية مختلفة، وقد تحصلت المؤسسة على نتائج مرضية تربويا وثقافيا ورياضيا ونالت جوائز سنية وبطاقات تشريفية. (1/149)
صفحة 150
وفي سنة 1985 تنفصل ولاية غرداية عن الأغواط وتستقل بمديريتها للتربية، ويصبح الإبن الحاج عيسى محمد بن يحي مديرا لمصلحة الدراسات والامتحانات، وبتنسيق محكم معه استطعنا تكوين ملحقة ثانوية تضم ستة أفواج للسنة الأولى والثانية، فهي وإن كانت إداريا تابعة لثانوية "مفدي زكرياء" ببني يزقن، فقد كلفت بالإشراف عليها عند انطلاقها في الموسم الدراسي 88/ 1989 واستغلت أقسام ملحقة ابتدائية بنيت إلى جانب المتوسطة على ضفة الوادي من الجهة الغربية للمؤسسة، وبما أن معدودات الأفواج ما تزال غير كافية لجلب مشروع بناء ثانوية في تراب البلدية، فقد نسقنا العمل على مستوى مصالح المديرية والمجلس البلدي للعطف، بحيث جددنا مبدئيا الرقعة الجغرافية للثانوية بحيث تستقطب أبناء العطف والفائض من التلاميذ على ثانوية "مفدي زكرياء" بحيث اقترحنا لها موقعا على مسافات متماثلة بين العطف وبنورة وبني يزقن، وبهذه الطريقة الذكية استطعنا تمرير المشروع لتصادق عليه الوزارة وتخصص له الغلاف المالي اللازم، وبعد ذلك تغير الموقع ليقترب من المدينة في بطحاء "عمي امحمد" وتم الإنجاز في الوقت المحدد، وانتقل التلاميذ إليها من الملحقة بصفة رسمية، وتم الافتتاح في الموسم الدراسي بإدارة الابن الحاج عيسى عمر بن الحاج إبراهيم، وهي تحمل اليوم اسم الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي بعد الزيارة التاريخية من طرف المجلس الأعلى للتربية بتاريخ 17 نوفمبر 1997م. (1/150)
صفحة 151
سارت الأمور -بعون الله- وفق ما خططت لها في المتوسطة في الأعوام السبعة التي قضيتها فيها مكرّما بين أعواني ومحترما لدى مصالح المديرية لوجود كثير من تلاميذي القدامى وزملائي في المهنة على مصالحها المختلفة، حتى دنت فترة الإحالة على المعاش، وقد أعددت الملف المطلوب ليصبح نافذ المفعول في آخر ديسمبر 1990م، وكان الأخ طالب باحمد في فترة تربص لمديري الإكماليات لتلك السنة فخلفني على الإدارة الأخ حني موسى من ورقلة، وبعد سنة واحدة انتقل إلى بلده ليخلفه الأستاذ طالب باحمد أحمد، وهكذا طويت -بفضل الله- تلك الصفحة من العمر المثقلة بستة عقود من الجهد والعطاء في أشرف مهنة هي القوام الحقيقي لنهضة الشعوب، أستعرض شريط أحداثها في راحة بال وطمأنينة نفس، إذ أخلصت ونصحت، وعلّمت وأرشدت، وما استهواني زخارف الدنيا، ولا أغراني بريق المال، لأبدل وجهتي وأكره مقامي كما فعل الكثير من الزملاء، بل كنت على يقين بأن المعلم والمربّي لا يتأثل مالا، ولا يعنيه من متاع الدنيا إلا ما يصون الكرامة، ويحقق الشرف والعزة، ويرى في تلاميذه وطلابه أغلى كنز يدّخره لعزة الوطن وأعظم قربى يلتمس بها رضى الله، ويسلك بها في عداد الخالدين.
وها أنا قد تحرّرت من قيود الوظيف، وتخلّصت من روتين المتابعة والمداومة في الشتاء والصيف فغدوت طليق العنان، أركض كيفما شاءت لي الأقدار في حلبة الزمان والمكان، ولا أدري أيمدّ الله لي في حبل الأجل لمواصلة المسيرة، أم أنها في رحلة العمر الخطوات الأخيرة؟؟.
هـ - الأسفار والرحلات: (1/151)
صفحة 152
لم تكن لي رحلات ولا أسفار خارج حدود الوطن للشرق ولا للغرب، لأن العمل الدائب في مسار مهنتي لم يتح لي الفرصة للسياحة في أرض الله كما أمرنا للنظر والاعتبار، حتى كان من حسن حظي أن كنت من الفائزين في قرعة الحج لموسم 1397 هـ/1977م، فيا بشرى إنها فرصة العمر التي لم تتح من قبل لأحد من أفراد أسرتنا من آل كعباش خاصة الآباء والأجداد الأقربين.
فاجتمع لتلك السنة وفد ضمّ خيرة أبناء البلد من عزابة وأعيان يناهز الأربعين نفرا ما بين رجال ونساء، من بينهم الأخوان: الحاج أيوب قرادي، وبكلي بابة أحمد بن حمو، وبعض العزابة الكرام، تجندت أسرتنا للإعداد وهي مستبشرة بهذه الرحلة المباركة التي يهفو إليها قلب كل مسلم يفارق فيها أهله ووطنه تلبية لنداء مولاه، وهو أحبّ إليه مما سواه، يطوف ببيته المبارك ويزور مصطفاه.
تحدد اليوم المشهود لتشييع وفد الرحمن كما أمر رسول الله، فانطلق الركب من مسجد أبي سالم بعد الدعاء الصالح من الشيخ العلامة يوسف بن بكير، فانطلقت الحناجر تردّد الدعاء المألوف: يا عظيم الجود يا مولانا بلغ المقصود يا الله يالله.
فيا لجلال الموكب في لباسه الأبيض الزاهي، وأعلامه الخفاقة، ودويّ تهليله وصيحات ابتهالاته، ويا لروعة تلك الجموع المتراصة وهي تنساب مزهوة في أزقة القرية مرورا بساحة السوق إلى مقام الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر، وجموع النساء والصبايا تسدّ المنعرجات في ثيابهن البيضاء يزغردن ويلوّحن بأيديهنّ مودّعات، وبعضهن من لوعة الفراق باكيات والبعض الآخر من السطوح مشرفات، وحتى الشيوخ والعجزة على مدخل البلدة يقومون تعظيما لشعائر الله وتكريما لوفد الرحمن. (1/152)
صفحة 153
وبما أنّ منطلق الطائرة من نوع "بوينغ" 737 يكون من ورقلة في صبيحة الغد، فقد بتنا ليلة الوداع في جنان السيد: ابن عيسى عمر بن حاج إبراهيم سهالة، بحي "باهميان" إذ كان ولده البكر الأخ موسى ضمن وفدنا، وتوّلت خدمتنا ثلة من شبابنا الكريم، وفي رتل السيارات بعدد خمس عشرة سيارة تسللنا في وقت السحر إلى "وارجلان" وأدّينا فريضة الصبح جماعة في مسجد "لالة عزّة" وقد التفّ بنا فوج من أبنائنا التجار هناك ليرافقونا إلى مركز التجمّع بوحدة رجال الخدمة المدنية حيث مراسيم الأمن والجمرك في يسر ولياقة لنستقل الحافلات من هناك إلى المطار والطائرة هي من حجم مئة راكب، انطلقت بنا إلى مطار "بن غازي " بليبيا الشقيقة على العاشرة صباحا، وهي تدوّي بأصوات التلبية والتهليل، ثم اتجهت صوب "جدّة" فتمّت رحلتنا -بفضل الله- في أحسن الظروف، إذ استوت طائرتنا على متن الهواء في استقرار عجيب، حتى لكأننا فوق بساط من كثيب، حتى دلفت الشمس للغروب، فأخذ الظلام يلفّنا شيئا فشيئا، ونحن نستجلي عظمة الخالق في بديع صنعه وجلال قدرته ما بين زرقة السماء ومياه البحر الأحمر، وبعد وقت قصير لاحت أنوار "جدّة" كجواهر الحسناء، فإذا بطائرتنا تدور ليؤذن لها بالهبوط في هالة من الأنوار، حتى لكأننا في ساعة من نهار، وبعد إتمام إجراءات الأمن والجمرك اتجهنا صوب الدار القديمة في جدة، لنتأهب للسفر من هناك إلى مدينة الرسول، لم تثر فضولي مدينة جدة كثيرا، إذ لا تتميّز عن مثيلاتها من الحواضر الكبرى ذات الطابع الأوربي.
لم يكد ينتظم وفدنا للمسير حتى تحركت لواعج الأشواق، إلى شرف الزيارة لأزكى حبيب اصطفاه الخلاّق إنها النقلة العجيبة في كوامن النفس وأغوار الوجدان، إنها أشبه ما تكون بموجدة الصوفي في إشراقة روحه ورفرفة خلوته، وحتى نبرات التلبية يمازحها حنين تندفع أمواجه من الأعماق، في قشعريرة الإجلال والهيبة، فإذا باللسان يرتبك ويتعثّر، وإذا بالدمع يفصح ويعبّر. (1/153)
صفحة 154
كنت أجتاز ذلك الحاجز النفسي العجيب كالحالم بين اليقظة والمنام، وكلما دنوت إلى مربع الحرم النبوي الشريف سبحت في فيض من الخواطر والانفعالات، فلا أكاد أنتبه إلى ما حوالي، ومن العادة أن تغلق أبواب الحرم عند منتصف الليل حتى الأذان الأول للصبح غير أن الزوار لا يضرّهم الانتظار قبل ذلك بساعات، حتى يكونوا أول الداخلين السابقين إلى حجز أماكنهم، وكنت من طول القامة وفراهة الأعضاء -بحمد الله- ما يخوّلني أن أتسلل بسهولة وسط الزحام، لآخذ مكاني قريبا من الأمام، وهكذا أديت أول صلاة لقرآن الفجر، في أمواج من البشر، كأنها تنطلق ليوم الحشر، تهدر وهي تسبّح بحمد ربّها، فتغمرك خشية ورهبة وتهيم في سبحات روحية، تنقلك في لحظات إلى الحظيرة القدسية وفسحة الملكوت، فتتخطى بذلك حاجز الموت والفناء، إلى رفرف الخلد ونعيم البقاء، فيا لحلاوة الإيمان وبرد اليقين، حين تمدّ عينيك وأنت على خطوات من الروضة الشريفة، تستعجل الخطوات، وتلتمس الفجوات في صفوف الخلائق الولهى، وهي تترنّح من خمرة الوجد ولا تكاد تصدق أنها بحضرة الرسول وألا حاجز بينها وبين رفاته الطاهر مع صحابيه إلا تلك القضبان الحديدية السميكة، تتهافت حولها تهافت الفراش، وتودّ لو تقتلعها لولا يقظة الحارس البطّاش.
ها أنا ذا بحضرة الرسول الحبيب، وذا هو منبره الشريف تحف به ملائكة الله، وصوت الوحي يدوّي من عليائه، فمن لي بصلاة ركعتين بين الروضة والمنبر لأتبوّأ بهما روضة من رياض الجنة إنها أمنية كل حاج، فلأتحيّن الفرصة ولو لوقت قصير نتناوب فيه التحليق على المصلي منا لنمنع المرور بين يديه. (1/154)
صفحة 155
كنا نسترق النظر إلى داخل الروضة من خلال ثقوب القضبان ولا تسل عن وحيب القلوب واختناق ألفاظ التحية والسلام بالعبرات، أهذي هي بيت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- وكيف كان - صلى الله عليه وسلم - يتسلّل من هنا في جوف الليل ليقوم شاكرا باكيا؟؟ أهذا هو المنبر الذي هزّ الطواغيت، ودوّى منه صوت الحق موصولا بوحي السماء؟؟ وأين هي ساحة الصفّة مثوى أبي هريرة. وأمثاله من الفقراء؟؟ مشاهد ناطقة توحي إليك بخواطر لا حصر لها، وتنقلك إلى ذلك الماضي الوضيئ المشرق، وأنت لا تصدق ما أصبح عليه المسلون اليوم من شتات وتمزق.
فماذا تغني أعمدة الرخام والبلاط الزاهي والنقوش البديعة؟؟ بل ما الفائدة من توسيع ساحات الحرم الشريف في كل اتجاه، والمسلمون قد ضلّوا طريقهم إلى الله؟؟ وليس لهم اهتداء بسنة حبيبه ومجتباه؟ وهل آن الأوان لهذه الجموع المسلمة أن تخرج من غثائيتها إلى مواردها الصّافية كما انبجست من هذه البقاع المقدسة؟
كانت تلفني هذه الخواطر كلما دخلت ساحة الحرم أو استمعت إلى واعظ أو خطيب، وهم كثر، وما أبرعهم في تنميق الحديث وما أكثر إشاراتهم إلى صاحب الروضة الشريفة.
امتدّ مكثنا بيثرب لثمانية أيام قمنا فيها بالتجوال في مختلف المزارات، كما طفنا بمرافق الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ويصحبنا كل من الأخوين قرادي وبلال، وعلى سيارة الشيخ أبي بكر الجزائري، وقابلنا عميد الجامعة وثلة من أساتذتها، استقبلونا بحفاوة وإكرام.
حضرنا للمرة الثانية في يثرب صلاة الجمعة ليوم 30 ذي القعدة 1397هـ/ الموافق 12/ 11/1977م ولم تغونا أسواق المدينة الرائجة على التسرع في شراء بعض حاجاتنا؛ لأن مكة أوفر بضاعة وأرخص ثمنا. (1/155)
صفحة 156
وفي أوائل ذي الحجة ودّعنا مدينة الرسول محرمين من ذي الحليفة "أبيار علي" لنتمتع بالعمرة إلى الحج وعرّجنا في طريقنا على "بدر" ووقفنا هناك خاشعين داعين على حوض الشهداء، ثم تابعنا طريقنا إلى "أم القرى" في طريق معبّد يتلوّى كالأفعوان بين الوهاد والوديان، نقف عند كل نقطة مراقبة ثم نتابع التلبية، وأرتال الحافلات على مختلف أحجامها تتلاحق في سباق، دونما حوادث تذكر، وذلك بلطف الله ونباهة السوّاق. (1/156)
صفحة 157
دخلنا مكة محرمين بالعمرة، وأتممنا مناسكها فور التحاقنا بالدار، وكان الليل قد أرخى سدوله، والزحمة على أشدّها في شوراع مكة، وفي المطاف والمسعى، فمن لي بالألفاظ الزكية والكلمات الطيّبة لأصف بها ذلك الشعور الفيّاض الذي ينتاب المؤمن عندما تواجهه الكعبة في أول رؤيته لها؟ مجلّلة بحليّها السوداء الحريرية مرصّعة بالحروف الذهبية لآيات من القرآن الكريم، مشيّدة بفضلها ومقامها عند الله، وتلك الدائرة الذهبية حيث يستقرّ الحجر الأسعد الكريم، ما يزال يتبرّك بأيدي الرسول وهو يرفعه من برده الشريف ليركزه في ذلك الركن العظيم، إلى باب الكعبة في الملتزم ذي الفضل العميم، وأمواج البشر حولها كالطوفان، مشدودة إلى الكعبة في جاذبية روحانية كما تشدّ الأفلاك إلى شموسها، لا تبرح مداراتها، وهي مسبحة بحمد ربّها، والطوّافون يتزاحمون في تماوت حول الحجر الأسعد، لتحظى بالتقبيل أو اللمس، وفي كل مرة من طوافنا نودّ لو يخفّ الضغط، ولكن ما أشبه اليوم بالأمس، فلا نملك إلا أن نلوّح بأيدينا إلى الحجر من بعيد، يقينا منا بأن المولى جل وعلا هو أقرب إلينا من حبل الوريد، و ما تلك الأحجار إلا رموز، وما تلك المناسك إلا تعبير عن التذلل والخضوع والإجلال لعظمة الخالق، وتعظيم شعائره ليسمو العبد المؤمن على حدود الزمان والمكان، إلى حظيرة القدس ورفرف الرضوان. وقد تعدّد أداؤنا للعمرة، إما تطوّعا وإما نيابة عمن كلّفنا بذلك، وقد وفقني الله تعالى لأداء ست عمرات في حق والديّ وزوجتي وبعض الأقارب. (1/157)
صفحة 158
ولم يكن مقامنا في دارنا بمكة مريحا، إذ دخلناها متأخرين، فوجدنا الغرف كلها عامرة بمن سبقونا، ولولا أن السيد بهون علي الحاج حمودة قد حجز لنا غرفة واحدة في الطابق السفلي ذات ثمانية أسرة ما وجدنا قرارا لأمتعتنا، ولا لشيوخنا العجزة، فبقينا ننام أحيانا في الممرات، وأحيانا في قاعة الصلاة، فمرت الأيام ووطّنا أنفسنا على القناعة والصبر والأناة، لأنه لا رفث ولا فسوق، ولا جدال في الحج.
وكانت نساؤنا في السطح حيث لا يقيهن من حرارة الشمس إلا صفائح من مادة الترنيت وهن يحضرن الطعام لفوجنا في وجبات محترمة نكمّلها بأنواع من الفواكه، ونبعث الأنس في مجالسنا بكؤوس الشاي وأنواع من الشراز، يلتزم بشرائها كل من يدان منا في مخالفة لما اتفقنا عليه من أنظمة ومواعيد.
وفي يوم 04 ذي الحجة 1397هـ/16 نوفمبر 1977م قمنا بزيارة مركز العمانيين، فكان في استقبالنا عند مدخل إقامتهم في أعالي مكة وفد الكشافة، والسيد سعيد الحارثي -رئيس الوفد- والقاضي الشيخ خالد بن مهنّا البطّاشي، فدار حديثنا حول أوضاع السلطنة أمام المتغيّرات الجديدة، والتفتح على الحضارة الحديثة، ثم الإجابة على بعض الأسئلة الفقهية، ثم كانت لنا زيارة ثانية توسّعت دائرتها باستضافة بعض المثقفين من وجوه "وادي ميزاب". (1/158)
صفحة 159
وها قد اقترب اليوم المشهود يوم التروية وصادف أن كان يوم جمعة 08 ذو الحجة 1397هـ /20 نوفمبر 1977، ومن السنة أن نصعد إلى جبل "عرفات" مرورا بمنى للمبيت فيه ليلة التاسع من ذي الحجة، ولكن الحافلات المكتراة لنقل وفودنا وقعت في فوضى فتأخرت عن الموعد مما اضطرنا إلى الانطلاق من مكة في ضحى اليوم التاسع مباشرة إلى عرفات سيما الوفود المثقلة بالعائلات، فمن اعتمد على نفسه مشيا على الأقدام استطاع المبيت في "منى" اتباعا للسنة، ولكن لا حرج على المضطرّ في التنقل مباشرة، ومع خناق الزحمة وافينا خيمنا الكبرى التي هي كالشامة في وسط الخيام لسعتها وتنسيقها المحكم، فيأخذ العزابة مكان الصدارة في الخيمة وهم يتناوبون بالأدعية، من بعد صلاتي الظهر والعصر جمعا، تؤوّب على أدعيتهم جماعات الوفود حتى غروب الشمس، فيا له من مشهد رهيب مهيب، هو صورة مصغرة لمشهد الحشر يوم يقوم الناس لرب العالمين فلا تسمع إلا أصوات التهليل والتكبير والأدعية المخنوقة بالعبرات وتصاعد الآهات والزفرات.
كنت أهيم في تلك المسبحات وقد طوّحت بي الذكريات إلى ذلك العصر المقدّس عصر النبي وصحابته الأكرمين في السنة العاشرة من الهجرة، وهم ملتفون حوله في سفح جبل الرحمة حيث ألقى الرسول على مسامع الدنيا خطبته الشهيرة في حجة الوداع، ليحدد بها بنود الدستور الإسلامي ولتكون آخر وصاياه لأمته، ثم يلتحق بالرفيق الأعلى ويهتزّ كياني هزة المتبتل الولهان، لآخر آية نزولا من القرآن: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3 [. أية عظمة وأي إجلال لسلطان الله وتلك الخلائق تهفو لرحمته، وتشدو بجلاله وعظمته؟؟ إنها عزة الإسلام وقوة سلطانه على النفوس، عندما تخلص توجها لله وتعتز بجلاله وتسير على هديه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8]. (1/159)
صفحة 160
غربت الشمس وساحة عرفات تتموج للبدء في الإفاضة، ولا يتأتى المبيت في المزدلفة لأولئك الذين يفيضون على الحافلات، التي غالبا ما تخنقها الزحمة لساعات طويلة، فلنفض-نحن الأصحاء- على أرجلنا في وفقة يكون رائدنا فيها من لهم خبرة بالدروب والمسالك حتى لا نخطئ الطريق، فما أسرع ما تكونت قافلتنا في صف منتظم، يؤطرنا فيها من أمام ومن خلف إخوان لنا ذوو قامات فارهة، ويرفعون رايات فوق رؤوسهم نسترشد بها في مسيرتنا ونحن في تهليل وتكبير شعث غبر، و في مزدلفة قرنا صلاتي المغرب والعشاء تقصيرا كما فعل الرسول ثم حططنا رحالنا لأخذ قسط من الراحة نفترش الأرض ونلتحف السماء ونحن نجأر إلى الله بالدعاء وتتقارب مفارشنا حتى لا يند أحد عن الرفقة ونلتقط الحصيات لرمي الجمرات، ثم استأنفنا طريقنا بعد صلاة الصبح لنقطع "وادي النار" قبل طلوع الشمس، واحكمنا خط سيرنا في شعب "منى" حتى انتهينا إلى دار الجماعة بسلامة. ثم تسللنا بين الجموع لرمي جمرة العقبة، والحل من الإحرام ثم تحليق الشعر.
قضينا ثلاثة أيام في "منى" ونحن مرتاحو الضمير، تحينا الفرصة لطواف الإفاضة واستكمال مناسكنا -بحمد الله- فلم يضع أحدنا في الرحمة، كما لم نشعر بشدة الحرارة ولا بضيق المكان.
اغتنمنا فرصة إقامتنا في "منى" وتجولنا خلال الخيام المنصوبة لمختلف الوفود، وكان من حسن حظنا أن اهتدينا إلى مركز الإخوان المسلمين، حيث يقيم الأستاذ "محمد قطب"، ومريدوه واستمعنا إلى محاضرته القيمة حول الحركة الإسلامية، كما أجرينا معه حوارا شيقا وتعرفنا به، وهو يكن إجلالا وتقديرا للثورة الجزائرية.
تركنا وادي منى بعد إتمام المناسك وتوجنا ذلك بحفل عامر أقمناه في الليلة الثالثة بالمدائح الدينية وتوجيهات المشائخ، ولم يبق لعودتنا إلا نحو أسبوع في مكة. (1/160)
صفحة 161
وأخذ الكل يلم شعثه، ويعدد ما تبقى بين يديه من الريالات السعودية لشراء بعض الهدايا لأسرته وأقاربه وقد استبقينا بعضا منها لفترة المرور بجدة حتى آخر لحظة لركوب الطائرة.
وفي أوائل ديسمبر 1977 أقلعت بنا الطائرة إلى مطار "وارجلان" وعرّجت على جزيرة "مالطا" لتتزود بالوقود وكانت رحلة ممتعة استسلمت فيها إلى نوم عميق، فلم استفق طيلة مسافة الطريق، وبما أننا وافينا "وارجلان" في حدود العصر، فاكتفينا بإجراءات الأمن والجمارك وتركنا أمتعتنا هناك في مركز الحماية المدنية إلى الغداة.
وكان الإخوة المستقبلون بسياراتهم يتعجلون رحيلنا إلى غرداية لنوافي العطفاء قبل غروب الشمس، ضرورة خروج المواطنين لاستقبالنا، وهم ينتظمون في نظام بديع من روضة "عمي أمحمد" إلى المداخل السفلى للمدينة، بينما تخفنا على حافتي الطريق فرقة من الفرسان من رأسي العطف إلى الروضة "عمي أمحمد" في مهرجان فريد من نوعه، لم ينسق مثله لفوج من الحجيج، وذلك نظرا لتركيبة فوجنا التي تضم خيرة أبناء البلدة. (1/161)
صفحة 162
ولا تسل عن حرارة الاستقبال وفرحة اللقاء. وقد علت الهتافات والزغاريد والجموع تردد الدعاء: "الحمد لله والشكر لله، ما خاب عبد قصد مولاه"، وكان رجوعنا سالما إلى حيث انطلقنا من مسجد "أبي سالم" حيث كان في انتظارنا بعض الشيوخ والعجزة وعلى رأسهم المرحوم الشيخ يوسف بن بكير، والكل يحمد الله على العودة السليمة وأداء الواجب، فألقيت كلمة شكر وثناء على حرارة الاستقبال، وبعد الرقية المألوفة على علب الحلواء والتين وغيرها، ذهب كل منا إلى أهله وذويه، وقد جرت العادة أن تتزين الدار كأنها في عرس. وتقف زوجة الحاج متزينة بأبهى ما تملكه من حلي ولباس محتجبة بحائكها الصوفي، تقف أمام مدخل الدار المار إلى الوسط حيث تتجمع البنات وذوات المحارم في حللهن البيضاء الزاهية، ونساء أخريات من المعارف والجيران. وتكون الزوجة هي أول من يستقبل الحاج على مدخل داره، تناديه باسمه موصوفا "بالحاج" ثم تخلع عنها حائكها السابغ لتظهر في أجمل هيئة أمام زوجها، وهي تتلقى التهاني من كل الحاضرات، ويجلس الحاج محفوفا ببناته وذوات محارمه كجوهرة العقد، وهو الآخر يتلقى التهاني ويحظى بالتكريم.
فأية سعادة يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات، وأية عبارة تؤدي المعنى الوجداني الذي يختلج في الصدر حين ينعم الإنسان بذلك الفيض من المحبة والتكريم من ألصق الناس به وأعزهم عليه، وقد وفقه الله إلى أداء واجبه الديني في يسر من أمره وصحة من بدنه، وفي حفاوة من رفقته.
نعم إنها فرصة اللقاء السعيد التي قال عنها البحتري.
ولو عرف الناس اللقاء وحسنه ... لحبب من أجل اللقاء التّفرّق
وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا (1/162)
صفحة 163
لقد اطمأن بالي لأداء واجبي الديني، وأنا ما أزال في أوج النشاط في مسيرتي المهنية. وتمر الشهور والسنون، حتى ألقيت عصا الترحال بقرار إحالتي على المعاش لسنة 1990. وتخف عنّي مؤونة الإنفاق لأعراس أولادي وبناتي ولأم أولادي حنين وشوق إلى أداء واجبها الديني، فمن حقها علي وعلى أولادها أن نحقق لها تلك الأمنية الغالية.
ففي الموسم: 1415هـ/1995مـ، تهيأت لنا تلك الفرصة الذهبية، إذ تشكل فوج لا يقل عن فوج رفاقي في الحجة الأولى، إذ يضم ما يقارب الخمسين من إطاراتنا وأغلبهم شباب مكتمل مع أزواجهم. إنها فرصة لا أفوتها، سيما والبلاد تعيش عشرية سوداء بالقلاقل والاضطرابات الداخلية.
وسرعان ما يسّر الله لي جوازين للحج يدفعني إلى الأعداد واستشراف القصد. وكان في نيتي أن أؤدي على والدي -رحمه الله- حجة وعمرة، ولا شك أن ذلك يلزمه حين نجحت تجارته بالعاصمة وانتهى إلى الاستقرار في البلد مكتفيا بمدخول متجره قبل أن يغتصب منه -كما تقدم- (1/163)
صفحة 164
وهكذا تم الإعداد والتنظيم، وقد تحسنت الأوضاع في ديارنا بالبقاع المقدسة تنظيما وعدلا في التوزيع وصرامة في التسيير بعد أن تكفل الشيخ عبد الحميد بمسؤولية نظارة أوقافنا الخاصة. كما أن الأستاذ بكلي بابة أحمد بن حمو أصبح ضمن أعضاء البعثة الرسمية للحج. فهو الذي يتولى توعية فوج بلدة العطفاء، ويقوم على الإجراءات الرسمية بالتنسيق مع الشيخ عبد الحميد. وبذلك أصبح فوج العطف مثالا للانضباط والنشاط في القيام على شؤونه وفي خدمة رفاق الرحلة، سيما الكبار والعجزة، لقد كانت حقا رحلة ممتعة فريدة من نوعها في تشكيلتها البشرية، وفي نظامها البديع ذهابا وإيابا، فقد أصبح رفاق فوجنا من يومها متحابين يهفو بعضنا إلى بعض ويتمنى لو تتاح لنا فرصة أخرى لمثل تلك الرحلة. وأما حفاوة التشييع والاستقبال فهي لا تقل عن الأولى رونقا وجمالا، ولا تنقص عنها تقديرا وإجلالا. حتى أن أم أولادي تحس بالشوق والحنين مثلي إلى إعادة الكرة لحجة ثانية، ولعل الله يحقق رجاءها، إن بصحبتي أو بصحبة أحد أولادها -إن شاء الله تعالى-. ذلك ما يسّره الله لي في المجال الديني، فله الحمد والشكر أولا وآخرا.
وأما في المجال الدنيوي، فإن لي أسفارا ورحلات. كانت لأغراض شريفة ومقاصد نبيلة، استفدت منها صحيا ونفسيا وعقليا. ألخصها في ما يلي:
أ- إلى فرنسا: بلد الجن والملائكة. (1/164)
صفحة 165
كان التفكير يراودني في القيام برحلة إلى فرنسا، وقد كثر فيها المهاجرون من أبناء العطفاء، واستقروا في بعض مدنها في العاصمة "باريس" وإلى شمالها وجنوبها. ومن هؤلاء الأصدقاء الأخ السيد: خير الناس يونس بن امحمد "بولاب" إذ فتح متجرا في شمال فرنسا "بروني" فألح علينا أن نبارك هذا المحل بتلاوة مباركة ودعاء صالح. وصادف في هذه السنة نفسها 1978م أن يستقر في البلد صديقنا الدكتور بابا عمر جلمام عبد الرحمن بن محمد إثر أزمة نفسية ضايقته إذ احتدمت بينه وبين أهله وأولاده في العاصمة. وكنا نلازمه ونشد من أزره في تلك الصائفة. وبما أنني مع رفيقي القرادي وبلال قد عزمنا أمرنا للقيام برحلة إلى فرنسا لأول مرة نغتنم فرصتها لإجراء فحوص. طبية وتحاليل شاملة، لأن كل واحد كان يشكو من علل تقلق صفو حياته، وكنت أنا أعاني من نوبات مغص حادة في الأمعاء الغليظة "القولون" منذ أوائل السبعينات وقد فحصني الأستاذ "إيلول" أمهر الأخصائيين الجزائريين في الجهاز الهضمي. غير أني أريد أن أطمئن أكثر إلى تقرير طبي يكون أكثر دقة في تشخيص المرض للتيقن من عدم وجود ورم خبيث داخل المعاء. وبمجرد أن عرضنا الفكرة على الدكتور حتى بادر بكتابة توصيات إلى بعض زملائه وأساتذته الأطباء الفرنسيين في "باريس" والأخصائيين في الأشعة والتحاليل. وأضاف إلي توصية خاصة لأستاذ أخصائي كبير في الجهاز الهضمي يسمى البروفسور "قير" يعمل في مستشفى "كوشان" بباريس. (1/165)
صفحة 166
وفي أوائل شهر جويلية 1978 نسقنا تراتيب الرحلة مع السيد الهمام الحاج أيوب إبراهيم بن بالحاج قرادي. انطلاقا من معمل "الشكولاطة" ببئر مراد رايس. وقد زودنا بما يساعدنا من النقود والتوجيهات وكنا على موعد اللقاء بالأخ خير الناس يونس ليرافقنا في هذه الرحلة –وهو أعلم بالإجراءات الضرورية لذلك- وبما أننا اكترينا إلى مطار "أورلي" فقد اضطررنا إلى المبيت بدار جماعتنا في حي "آلفور" بباريس لنستقل القطار في الصباح الباكر إلى مدينة "روبي" في الشمال.
أحقا نحن في بلد الجن والملائكة كما وصفها الكتاب المصريون؟ كل شيء هنا يتحرك بسرعة، فلا مجال للتردد أو الغفلة، ولا مبرر للحيرة والتيه، فكل شيء تدل عليه الإشارات والإعلانات -إن كنت ممن يتقن الفرنسية-، إنها الحياة المادية الصرفة، فلا مطمع في عون أحد ولا إسعاف، الكل منصرف إلى شؤونه الخاصة، ولكل خدمة مقابل من الفلوس، ولو أن تتخفف من احتقان البول في دورة المياه العامة.
وإن تعجب فعجب لتلك القطر الأرضية ومحطاتها كيف يدلف الناس إلى إنفاقها، في شبكة أرضية تأخذ في كل اتجاه لأحياء العاصمة الصاخبة، وهي تتعرج وتتقاطع في مساراتها ويعلو بعضها على بعض في مسارب الأرض ودروبها، وللتذاكر آلات لا تخطئ الضبط عند كل محطة، ويقف القطار في الحي المقصود، فإذا بالناس يخرجون من فوهات المحطات كالنمل من أحجارها، لا ينقطع سعيها في غدوها ورواحها.
لم نلق أي تكريم بصفتنا "عزابة" في دار جماعتنا فافترشنا دكاكين الصالون العام وتوسدنا حقائبنا ونمنا بإحدى مقلتينا. وذلك لسوء التسيير، وضعف الاحترام والتقدير من أناس غلبت عليهم النظرة النفعية، والاعتبار العنصري -بكل أسف-. (1/166)
صفحة 167
انطلقنا في الصباح الباكر على متن القطار الكهربائي وفي أيدينا رزنامة المواعيد لتحركات القطر كلها في مختلف الاتجاهات، فلا يكاد القطار يخطئ التوقيت المقرر بالدقائق إلا ما يكون نادرا من خلل متوقع ولا تسل عن لياقة المراقبين للتذاكر، وعن لباقة الركاب وهدوئهم، فلا صخب ولا تدخين ولا مشادة، والقطار ينساب بسرعة فائقة بين المروج الخضراء والضيعات المنبتّة هنا وهناك، ويقف عند المحطات الكبرى، ثم يستأنف السير حتى مدينة "روبي" فأخذ يمشي الهوينا وقد دنا من المحطة النهائية لخطه المعين.
أحسست بشعور كئيب وأنا أعيش تلك اللحظات فقلت لأصحابي: أين نحن من هذا الضبط والنظام؟ بل وأين نحن من تعاليم ديننا الحنيف، ونحن نعتبر أنفسنا المؤسسين لأصول هذه الحضارة، والأساتذة لهؤلاء الناس؟ ... أم يصدق فينا ما قاله الشاعر: محمود غنيم:
القوم يبتكرون المعجزات لنا ... ونحن نفتن في إطراء ما ابتكروا
فهل ترى الشرق قد أدى رسالته ... وهل ترى أنبياء الغرب قد ظهروا
ومدينة "روبي" هي من المدن العتيقة في شمال فرنسا متاخمة لحدود "بلجيكا" وما تزال مبانيها على الطراز التقليدي القديم. تكاد البيوت تكون مستقلة منفردة بجميع مرافقها من المخبئ تحت الأرض إلى مخبئ الحبوب في الطابق العلوي. وغالبا ما يكون السفلي متجرا أو مستودعا للسيارات وغيرها، وتكون السكنى في الطابق العلوي الذي تكون أغلب مرافقه مغلقة بالأخشاب العازلة درءا للبرد القارص.
عجبنا من الإخوة كيف اختاروا لحركاتهم التجارية مثل تلك المدن القاسية مثل: "روبي" "أنكريك" "موبيج" "لاكروا"، "ليل" ... إلخ فأخبرونا بأن أغلب من نسميهم "الحركة" ممن تعاونوا مع الجيش الفرنسي إبان الثورة التحريرية يتواجدون هناك، إذ يقرب عددهم من نحو مائتي ألف نسمة، إضافة إلى العائلات المغاربية المستقرة هناك من قبل كعمال في النسيج الذي تشتهر به تلك المناطق. (1/167)
صفحة 168
مكثنا هناك خمسة أيام واستطعنا أن نتسلل إلى العاصمة البلجيكية "بروكسيل" لنهار كامل، فانبهرنا لنظافتها وفخامة محلاتها ونسق هندستها، وهي لا تخلو -أيضا- من المهاجرين المغاربة وغيرهم. وأغلب الإخوة من التجار يعتمدون على بيع اللحوم والمواد الغذائية، ولكن في حركة بطيئة جدا، لا يكادون يسددون في كل شهر الفائض الربوي لما يستقرضونه من البنوك، وهم يعتمدون في تسديد نفقاتهم على ما يستخلصونه من المنح العائلية لعائلاتهم وأولادهم بنسبة محترمة، تخول لمن تحصل منهم على الإقامة الرسمية، كما أن البعض منهم قد حصل على الجنسية الفرنسية فيستوفي بذلك حقوقه الاجتماعية كاملة. وهم لا يدركون ما يترتب على ذلك لمستقبل أولادهم. ولقد نبهناهم إلى مكمن الخطر في مثل تلك الأوضاع. غير أن الحياة المادية الصرفة في فرنسا قد استهوتهم. وهم يتعللون بسوء التسيير في بلادنا وعدم الاستقرار في قوانينا ... الخ، وقد أعذر من أنذر. (1/168)
صفحة 169
عدنا أدراجنا إلى "باريس" لنستقر في بيت الأخ الحاج إسماعيل بن محمد بن قاسم في حي "مونتراي" حيث يقصد أكثر أبناء العطف ممن له علاقة أو قرابة بصاحب البيت. وهو كامل المرافق والتجهيز ولكن في ضيق ونقص في التهوية والإنارة من الطابق السفلي وقد أكرمنا هنا الأخ أيما إكرام، فلم نتحرج في تلك الإقامة، إذ رتبنا فحوصنا الطبية وأتممناها بسلام، وكانت لتوصيات الدكتور بابا عمر أثرها الإيجابي لدى زملائه وأساتذته -جعل الله ذلك في ميزان حسناته- وحمدت الله أن كانت نتائج فحوصي وتحاليلي مطمئنة إيجابية، سيما من طرف البروفيسور "قير" فالقضية في التهاب الأمعاء الغليظة لا تعدو آثار الإرهاق العصبي عند مشكل يغيظ أو هم يلم، ولذا نصحني أن أتجنب تلك الهزات النفسية، وأن لا أكلف نفسي ما لا أطيقه من العنت والإرهاق. ولم يصف لي إلا دواءين أحدهما عند القبض والآخر عنذ الإسهال مع مراعاة نوعية الأغذية الخالية من العجين والمثيرات كالفلفل والمشروبات الغازية ... الخ. (1/169)
صفحة 170
اغتنمنا فرصة بقائنا هناك لعشرة أيام تقريبا لزيارة بعض المنشآت الثقافية، فتجولنا في أجنحة متحف "اللوفر" لما يقرب من نهار ولم نستكمل ما يحويه من لوحات فنية نادرة ومن تحف أثرية ذات قيمة عالية، وكذلك انتقلنا إلى ضاحية "باريس" حيث يقع قصر "فرصاي" بأجنحته البديعة وقاعته العجيبة، وحدائقه الغناء. وانتظرنا في طابور ممتد من السواح جاؤوا لنفس الغرض ويقدم الأدلاء شروحا ضافية لكل أجزاء القصر حتى انتهينا إلى قاعة العرش الملكي. المرصعة بالذهب والستائر الحريرية. وإذا خرج الواحد منا إلى الفناء الواسع الممتد أمام القصر، أخذ يفرك عينيه وهو لا يعرف أكان في يقظة أو منام؟ وتبدو الدهشة أكثر في وجود أمثالنا ممن لم يألفوا أبهة الملك وعزة السلطان، غير أننا بما نملكه من إيمان، لم تكن تلك المناظر لتأخذ بألبابنا ونحن نتذكر قوله تعالى في شأن الجبابرة الطغاة: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58]. وقوله في حضارة سبأ: {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ:19]. (1/170)
صفحة 171
أما برج "إيفل" فهو شامة تلك العاصمة الصاخبة فإذا قال الله في ملك سليمان: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]. فقد أراد المهندس "إيفل" أن يجعل من ذلك البرج الحديدي العجيب، الذي هو من عجائب الدنيا السبع، يجعل منه شارة التفوق ورمز الإبداع في صناعة الصلب بفرنسا. فسبحان الذي كرم هذا الإنسان، ومكنه من العزة والقوة والسلطان، فحقق في دنياه ما يعجز عنه الجان. انتظرنا طويلا مع الطابور الكبير في محطة "البرج" رجاء صعودنا على المصعد الكهربائي. ولكن الوقت عاجلنا بمواعيد أخرى، فاضطررنا للصعود على أقدامنا إلى الطابق الأول الذي يعتبر الثلث لارتفاع البرج، حيث نجد مطعما ومقهى أنيقين، ومرآة كبيرة تقرب الأبعاد من كل زاوية يتراءى لك منظر العاصمة في شكل بديع. ولا يقوى على الصعود راجلا إلا من يمتلك العضلات القوية والتوازن المحكم، حتى لا يأخذه الدوار وهو يتلوى مع المدرج، من زحمة الصاعدين والنازلين وكأنهم دود على عود. (1/171)
صفحة 172
التقطنا صورا تذكارية تحت أقواس البرج، كما التقطنا معا على متن غواصة تنساب في مياه نهر "السين" وقد قطعت بنا مسافة طويلة ذهابا وإيابا. وكانت الدّليلة الشقراء اللطيفة تعرفنا بالمناظر الأثرية على ضفاف النهر، وبالجسور الممتدة متى بنيت ومن بناها. وهكذا تمت رحلتنا على أحسن ما يرام ولم نستقص كل ما ينبغي أن نشاهده سيما من الجوانب الثقافية التي تهمنا أكثر. أما أسواق الجن والشياطين وخفافيش الظلام، وخنافس السراديب والأنفاق فحدث ولا حرج. فتلك مسالك لها فرسانها ومفاتن لها عشاقها من كل جنس حتى من أبناء جلدتنا ممن لا تهمهم السياحة في أرض الله إلا هذه الجوانب السفيهة، ولا يرغبون إلا في هذه النزوات الدنيئة. وكم أفواج منهم انطلقوا من هناك إلى دول شرق أوروبا كبلونيا والمجر، فهناك البضاعة المزجاة والسعر الرخيص، فما لهم عنها من محيص.
وتكررت رحلتي إلى فرنسا من أوائل الثمانينات مرتين، الأولى مرورا من "مرسيليا" إلى شمال فرنسا والثانية مباشرة على متن الطائرة إلى مدينة "ليل" ذهابا وإيابا. وكم كانت رغبتي أن أزور بلدانا غربية أخرى لكن الظروف لم تسعفني في ذلك
ج) - إلى تونس الخضراء: (1/172)
صفحة 173
لم تكتب لي عودة ميمونة إلى تونس الخضراء منذ أن فارقتها سنة 1954 كطالب يعود إلى أرض الوطن بعد استكمال دراسته هناك. فلم تتحقق تلك العودة المشتهاة إلا في العطلة الصيفية من سنة 1979 رفقة فوج من معلمي "النهضة" ذهبنا في ثلاث سيارات منها سيارتي من نوع 404 "بيجو" وأخرى للمرحوم: ابن عيسى بالحاج بن إبراهيم سهالة. والثالثة للأخ السيد: عيسى عيسى بن إبراهيم بن عدون. تجهزنا بكل ما يلزم للرحلة طعاما وإيواء تحت الخيام على الهواء الطلق. وانطلقنا عبر الجنوب من حدود "توزر" فقفصة فالقيروان، ثم مباشرة إلى العاصمة، حيث اتخذنا من مصلى دار الجماعة بسوق "البلاط" مأوى لنا لبضعة أيام، ثم اتجهنا صوب الجنوب على طريق الساحل بقربص فالحمامات، فسوسة، فنابل، فصفاقس فقابس ثم إلى جزيرة جربة، ونعمت المحطة. طاب المقام لنا فيها لثلاثة أيام، تجولنا خلالها في أنحاء الجزيرة، بعد أن اتخذنا من مسجد "والغ" مستقرا لنا. عشنا تلك الأيام ونحن مغمورون بمختلف الأحاسيس التي تسعدنا أحيانا وتبكينا أخرى.
كنا نزور مختلف النواحي في الجزيرة، فتطالعنا تلك الآثار المجيدة من مساجد تامة المرافق، أو مصليات صغرى تنطق بما كان لها من نشاط وحيوية في الدور الذي قامت به طيلة القرون المتتالية, ومشايخنا -رحمهم الله-يتخذون منها مراكز للإشعاع، ومعاقل للصمود والكفاح للغزاة المعتدين، وحصونا لقيمهم ومثلهم العليا أمام التحديات وتوالي النكبات. وقد أنتج غار "أمجماج" ديوان الأشياخ وتمخضت مشاورات العلماء من أمثال "أبي مسور" وولده: "أبي زكرياء، فيصل" عن نظام حلقة العزابة الذي غدا السياج المنيع لبقاء المذهب الإباضي حتى اليوم، وما أروع الدور القيادي لعائلة "الباروني" عبر التاريخ، وقد زرنا الحي الخاص بهم لمسجده ومكتبته ووقفنا على ضريح الشيخ إسماعيل الجيطالي -رحمه الله- مع جلة من العلماء والمشائخ هناك. فماذا دهى أهل الجزيرة اليوم؟؟ (1/173)
صفحة 174
لقد أخنى عليهم الدهر بكلله، وفرقتهم عوادي الزمان أيدي سبأ! فأصبحت المساجد خاوية إلا قليلا وحتى العامرة منها كمسجد "حومة السوق" لا يملكون الإشراف عليها. وأما نظام العزابة فقد أسدل عليه الستار من زمان، بعدما ذاقه الأحفاد من ذلة وهوان. فلم يعد لهم على جزيرتهم عز ولا سلطان، ومما زاد للطين بلة، ولحياة إخواننا سقما وعلة، أن تأذن الدولة للشركات الأجنبية ببناء أفخم المركبات السياحية على سواحل الجزيرة ذات الطابع الجنوبي برمالها الذهبية، وشطآنها الوديعة الهادئة. وناهيك "بدار جربة" بؤرة لكل المفاتن الشهوانية والنزوات الحيوانية. مما أنزه قلمي عن ذكره وبالطبع كان ذلك تخطيطا مقصودا لضرب أحد المعاقل الإسلامية في الصميم، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وهو القائل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران:186).
فأين الجربيون من الصبر والتقوى لهذا الابتلاء؟ وهل صدق فيهم قول الشاعر:
يغمى عن المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن (1/174)
صفحة 175
لقد كادت الأواصر تنقطع تماما بين ميزاب والجزيرة في المجال الثقافي والعلمي، حتى في فترة ازدهار الحركة الإصلاحية في العقود الأربعة الأولى من القرن، إذ لم يتلق معهد الحياة من الطلبة الجربيين مثل ما كان للإخوة الليبيين، غير أن البعثة البيوضية بتونس من أوائل الخمسينيات احتكت ببعض الطلبة الجربيين من طلبة جامع الزيتونة فامتدت جسور التواصل بين الإخوة، وتكونت الطليعة الرائدة بين الجربيين على عيني الأب الروحي والشيخ الوقور الشيخ سالم بن يعقوب -رحمه الله- وقد اتصلت به في أوائل الخمسينيات، بدار جماعتنا في "سوق البلاط" فشمت فيه وقار الإسلام وجلال العلم، والغيرة والإخلاص لقومه وبلاده. ولكنه لم يجد من حوله إلا القليل ممن يؤازره من أبناء الجيل الصاعد فقام هو والشيخ يونس البصير بما يجب عليهم من النصح والإرشاد. غير أن أغلب من يمكن أن يعتمد عليه من الجربيين المتمولين قد أغوتهم الحواضر الكبرى في تونس العاصمة وحتى في الجزائر وقسنطينة، فاندمجوا في العائلة الكبرى واستمرأوا حياة البذخ والترف، وكادوا يفقدون ميزاتهم الخلقية والاجتماعية وكان ما تسلط على جزيرتهم من المسخ والطمس بمثابة المنبه الذي حرك حسهم القومي ووعيهم الاجتماعي، إذ ظهر على مسرح الإصلاح والتغيير كل من الأساتذة الأجلاء، عبد الهادي الحاج إبراهيم والشيخ الصادق بن مرزوق، وبشير كوجة وغيرهم. فوجدوا من الطلبة الجربيين تجاوبا واستعدادا لدفع عجلة النهضة إلى الأمام، وقد جعلوا من "دار الهنتاتي" في سوق "اللفة" مركز تجميع وتأطير لجهودهم حتى برز على مسرح الأحداث الدكتور "فرحات الجعبيري" ليضع المسيرة على النهج الصحيح، ويعطي لها دفعا قويا بحسن قيادته وقوة شخصيته. (1/175)
صفحة 176
وكانت لرحلاته مع بعض طلبته إلى "وادي ميزاب" وهو يحضر لدكتوراه الدولة، أطروحته القيمة "البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية" كان لتلك الرحلات أثرها الإيجابي في تحفيز الهمم ومد الجسور بين وادي ميزاب والجزيرة كما كانت من قبل إذ أخذ مشائخ وأساتذة المعهد يعقدون الرحلات إلى الجزيرة. ومن حسن الصدف أن يزورها الشيخ الإمام بيوض في تلك الفترة التي نحن فيها. وتجمعنا به وليمة فاخرة أقامها على شرفه أبناء السيد الهمام: الحاج امحمد لروي، ثم حضرنا معه وليمة عرس لنجل الشيخ الصادق بن مرزوق. ثم تجولنا معه في عدة أنحاء من الجزيرة توجنا بها رحلتنا المباركة.
استطاع الأستاذ الجعبيري أن يطور مركزه "الهنتاتي" إلى مصدر إشعاع وتوجيه وإرشاد على غرار مؤسساتنا الروحية، وأصبح الإخوة الجربيون يجدون فيه الزاد الروحي لإنعاش وحدتهم. وفقهم الله وسدد خطاهم. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن حين أصبح الأستاذ في الحالة التي قال عنها الشاعر محمود غنيم:
ما حيلة العصفور قصوا ريشه ... ورموه في قفص وقالوا: غرّد
وليست تلك الوضعية ببدع على أمثاله من الدعاة إلى الله في عالمنا الإسلامي -بكل أسف- ونقول ذلك بملء الحسرة والأسى: {وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف:8).
وفي صائفة 1981 كانت لي عودة أخرى إلى تونس ليعود معي الابن أحمد بعد أن أنهى دراسته "ببرج البحري" قرب العاصمة. فعاد مزودا بشهادته المتخصصة في مراقبة التجهيزات للاتصالات المختلفة في المطارات المدنية، وتمت بصحبة الأخوين بلال ويحيى. (1/176)
صفحة 177
ج- كانت لنا رحلة صوب المغرب الأقصى الشقيق، صحبة الأخوين: ابن عيسى محمد بن الحاج إبراهيم سهالة وأخيه المرحوم بالحاج والابن سعيد أحمد، تجهزنا بما يلزم من أدوات الطبخ والشاي على سيارة الأخوين. يسوقها بالتناوب كل من السيد ابن عيسى محمد والابن أحمد. وقد اتجهنا صوب البيض إلى الحدود المغربية قرب "مغنية" ثم عبرنا الحدود مع اصفرار الشمس انطلاقا من البيض حيث كان مبيتنا الأول عند الإخوة من "آل ابن حمودة" هناك. وانتهينا مع الغسق إلى محطة "سيدي حرازم" حيث اكترينا بيتا مفروشا في دار أحد المواطنين المغاربة فشربنا من مياه المجطة التي لها خاصية تصفية المجاري البولية. ولبثنا هناك لثلاثة أيام زرنا خلالها مدينة "فاس" حيث تجولنا في بعض المعالم الأثرية ووقفنا على ضريح "مولاي إدريس" وجامع القرويين. إنها حاضرة زاخرة بالمعالم والآثار تجمع بين الأصالة والعصرنة. وقبل أن نستقر في محطة سيدي حرازم. عرجنا على "وجدة" حيث كان مبيتنا الأول في نزل "وهران" بالتراب المغربي. كما عرجنا على محطة "مولاي يعقوب" المعدنية. ولم نحط رحالنا فيها. بل تابعنا طريقنا إلى مدينة "تازة" ثم عاصمة العلويين الأولى "مكناس" وهي ما تزال تحافظ على طابعها السلطاني من عهد مولاي إسماعيل، في تحصيناتها وفي قصورها وحدائقها الغناء، وفي حبسها المشهور "قارة" تحت سراديب الأرض حيث كان يزج بالعصاة المتمردين وبأسرى الصليبيين الذين خاض معهم حروبا طاحنة وبلغ عددهم عشرات الآلاف يضمهم ذلك الحبس المهيب. كما تجولنا في مقبرة العلويين هناك وأبرز معالمها ضريح مولاي إسماعيل الذي يعتبر بحق مركز سلطة العلويين في المغرب. (1/177)
صفحة 178
ثم استأنفنا طريقنا إلى الرباط، عاصمة المغرب اليوم، وتجولنا في معالمها لمدة يومين، وشد انتباهنا ضريح محمد الخامس -تغمده الله برحمته- فهو تحفة فنية رائعة، إذ يقبع الضريح في بهو أرضي يطل عليه السواح من فوق في خشوع واستماع إلى تلاوة مباركة لا تنقطع ليل نهار. وفي مسلك مدرج إلى مستوى أرضية الضريح يشاهد الزائر صورا لبعض شخصيات العائلة المالكة، وإلى الجانب الآخر من الساحة الكبرى حيث تنتصب أعمدة السواري لبقايا مسجد عتيق، يقوم العمال والفنيون بإعداد ضريح للملك الحسن الثاني على شكل ضريح والده في نفس المكان. ولكن صدق القائل: «ما بعد الموت من مستعتب، وما بعده من دار إلا الجنة أو النار»، وصدق مولانا يوم ينادي مناديه: {لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} [غافر:16]، وتنتظرنا في نهاية رحلتنا حاضرة "مراكش" عاصمة المرابطين ومن جاء بعدهم من مختلف الدول، سيما السعديين، بما بقي لهم من الآثار في "الشلة" وفي قصر "الربيع" هناك. ولكننا عرجنا في طريقنا إلى مراكش على "الدار البيضاء" العاصمة الاقتصادية للمغرب، وذلك لمعاينة مسجد الحسن الثاني على شاطئ المحيط. وهو الآخر أعجوبة العصر في سعته ومرافقه ومئذنته العجيبة التي تعد أرفع مئذنة في شمال إفريقيا. وهو أيضا تحفة فنية تجسد مهارات العمال المغاربة في النقش والزخرفة، إذ قيل لنا بأن لا يد لأجنبي في الإنجاز تصميما وبناء، وإذ ما تزال الأشغال جارية فلم نتمكن من الدخول إلى ساحاته ومرافقه. (1/178)
صفحة 179
استأنفنا طريقنا إلى الجنوب صوب "مراكش" وهي الأخرى حاضرة صاخبة تعج بالسّواح ولا تكاد تهدأ في ليل أو صباح، وهي بطابعها الصحراوي لا تقل روعة و لا نظاما عن مدن الشمال، وكل ما فيها يوحي بالطابع المغربي الأصيل، الذي تتمازج فيه أفانين العصور الإسلامية المختلفة سيما تلك التي وفدت مع اللاجئين الأندلسيين، أيام محنتهم مع الصليبيين. وذلك قدر مشترك في كل الحواضر المغربية، إلا الدار البيضاء، فيغلب عليها الطابع الأوروبي. ونقطة التأمل والفرجة في "مراكش" هي ساحة "الفنا" الواسعة الرحبة، كيف تتحول في كل عشية إلى سوق نافقة لألوان من الألعاب والشعوذة في حلق للمشاهدين وتزاحم للمارة ينتقلون من مشهد إلى مشهد، ويتفنن اللاعبون والمشعوذون والعيساوى وغيرهم، يتفنون في عروضهم ليستدروا ما في جيوب السواح من الدريهمات. فسبحان من ألهم الخلائق لاكتساب الأرزاق وجمع الأقوات. وكانت لنا جولة في "شلة السعديين" وفي قصرهم "الربيع" بما يحويه من الدور والحدائق ومن الأفران لصهر معدن الذهب الذي تجلبه قوافلهم من "غانا" كما يرويه التاريخ عن أبي منصور الذهبي. (1/179)
صفحة 180
وبعد يومين أخذنا للعودة إلى "فاس" طريق "إيفران" الجبلي، وهو منتجع خاص بالعائلة المالكة بديع الاخضرار، متنوع الأزهار، هادئ منعش الهواء، منسق الطرقات والديار، ثم اتجهنا صوب الشمال إلى مدينة "الناظور" حيث تتراكم أنواع البضائع في سوق رائجة هي عبارة عن مجمع كبير للدكاكين وجدنا فيه عددا غير قليل من سيارات الجزائريين لجلب البضائع في سوق "الطرابندو" إذ يدخلون ويخرجون في نفس اليوم. ثم عدنا إلى بيتنا في محطة "سيدي حرازم" لنزم ما اشتريناه من مختلف الأسواق. وفي مدينة "وجدة" الحدودية كان تأهبنا لعبور الحدود. إذ استضافنا الأخ الكريم السيد عبد الله زندافو بتوصية من صديقه الإبن بهون علي محمد بن عبد الرحمن. والأخ عبد الله ذو مقام مرموق في "وجدة" إذ يعمل "ترانزيتيا" للطيران الملكي هناك، ويملك ضيعة كبرى تامة المرافق في ضاحية "وجدة" قريبا من الحدود. وبتنا ليلتنا الأخيرة في التراب المغربي هناك، واستمعنا لسهرة أدبية مديحية، كان من عادته أن يكرم بعض أصدقائه من الشيوخ والأساتذة مرة في الأسبوع يأكلون ويشربون وينشدون في طفحة وسرور، في قاعات فخمة بأثاثها الرفيع. وكان لهذا الأخ الفضل في التخفيف من الإجراءات الجمركية في محطة المغرب ومحطة الجزائر، فلم نتعطل ولم يفتش لنا طرد. وهكذا عدنا إلى بلدنا منعمين سالمين على طريق مشرية فالبيض ثم إلى العطف بعد استراحة ليلة هناك ولكم كانت حركة المرور دائبة بين البلدين الشقيقين، ولكن للسياسات حكمها، ولمصالح الحكومات وتوجهاتها القول الفصل، في القطيعة أو الوصل.
د- إلى مفاوز توات وتندوف:
تكررت أسفاري ورحلاتي إلى الشمال وسطا وشرقا وغربا مع فوج المعلمين، وأكثرها يكون في فترة العطلة الصيفية. نستقر في بعض المحيطات ونحن مزودون بكل ما تتطلبه الرحلة من أزواد وتجهيزات لا نلقي ثقلنا على أحد، ولا يكدر صفونا دخيل، وقد مرت كلها -بحمد الله- في أمن وسلام. (1/180)
صفحة 181
وكان أثقلها مؤونة وأبعدها مزارا تلك التي عقدناها إلى الجنوب الكبير انطلاقا من "المنيعة" إلى منطقة "توات" في تيميمون وأدرار. وذلك بعد ما تم تعبيد الطرق إلى تلك المناطق، وفكت عزلتها بوسائل الاتصال بعد إيصال الكهرباء، وإتمام الهياكل القاعدية. سيما في حاضرتي "تيميمون وأدرار" اللتين تنبث حولهما قصور كثيرة بواحاتها الغناء أبرزها "أوقروت" في تيميمون. وتمانطيط ورقان في "أدرار" وقد انتهينا في تجوالنا إلى "رقان" وكم بينها وبين أدرار من قصور بواحاتها الغناء تقع كلها على يمين الطريق المعبد المتجه إلى "رقان" بينما تمتد المفارز على يسارك منبسطة حتى تلتصق بالأفق في ناظريك. فلا ترى إلا فوهات "الفقارات" تتابع في ذلك المنبسط لتتدفق مياها عذبة على أقدام تلك القصور، ثم تتوزع جداول رقراقة بين الأجنة بكميات تتناسب مع سعة الحائط وعدد نخيله. إنه نظام بديع ما يزال يقوم على الأنظمة العرفية المتوارثة بين الفلاحين. وتحت رعاية الأمناء، لا يظلم فيها أحد، ولا اعتبار فيها للفقراء والأغنياء وكانت لنا لقاءات مع بعض شيوخ المنطقة إن في قرية "تامنطيط" أو في حاضرة "أدرار" مع الشيخ محمد بن الكبير وطلبته، وقد جدد بناء مسجده وزاويته ولا يزال المواطنون يولون لهذه الزاوية كل الاحترام والتقدير، ويبذلون بسخاء لفائدة الطلبة الداخليين هناك، بما فيهم من يأتي منهم من البلدان المجاورة كالمالي والنيجر. وذلك على الرغم من محاولات الاحتواء لهذه الزاوية وفروعها في منطقة "توات". (1/181)
صفحة 182
عجبت للفلول البشرية التي استوطنت تلك المناطق القاسية برمالها وحرارتها المرتفعة، وكيف تأقلموا مع تلك الأحوال والظروف، وصارعوا البقاء بما كان لديهم من الامكانيات البدائية البسيطة، وهم خليط من العربان والبربر والزنوج صهرتهم المحن والمصائب في بوتقة واحدة وتمازج أغلبهم حتى أصبح لهم ذلك الطابع الخاص من الصبر على الحرمان وشظف العيش، ومن المحافظة على الأعراف والتقاليد تتمازج فيها العقيدة الدينية مع الخرافة والأساطير، ويتأرجح فيها الانتماء إلى العرق والجنس وإلى الوطن والقبيلة. إنهم فلول من البشر فر أجدادهم من الفتن حيث كانت مرابع الخصب وموارد الغنى والجاه والسلطة، وحسبك من الشيخ "مغيلي" نازحا من مناطق "تلمسان" وقد وقفنا على ضريحه وترحمنا عليه، وقس عليه غيره من النازحين الفارين؟؟
وما لي أعجب من تلك الظاهرة وأنا سليل لمن عاشوا مثلها من أجدادنا وأسلافنا في "وادي ميزاب" ووارجلان نزوحا من مرابع "تهرت" وجناتها وقصورها؟، وتلك سنة الله في خلقه وهم يصارعون البقاء، ويداول الله بهم الأيام كيف يشاء؟؟ (1/182)
صفحة 183
أما رحلتي إلى "تندوف" فكانت وقتها في فترة إقامة المعارض الدولية هناك في كل سنة يؤمها التجار لجلب البضائع التي كانت محتكرة بمؤسسات الدولة على عهد الاشتراكية في عهد السبعينيات. وبالضبط في شهر مايو لسنة 1973. إذ أخذت عطلة الأبوة مع أيام أخرى بما فيها عطلة الأسبوع فاجتمعت لي عشرة أيام تقريبا، قمت فيها بتلك الرحلة في سيارتي 404 وبصحبة سيارة المرحوم الحاج أيوب بالحاج بن بهون قطعت خلالها أربعة آلاف كيلو متر ذهابا وإيابا. إذ أخذنا طريق الشمال من البيض إلى بشار فإلى "تندوف" ثم العودة على طريق "تيميمون" فالمنيعة فغرداية. إنها مغامرة تتطلب قوة الاحتمال وحسن الزاد والرفقة. وقد توفر ذلك لي -بفضل الله- فقضيت أياما ممتعة مع رفاقي الفضلاء أمثال الأخ بلال والحاج أيوب عيسى بن الحاج قرادي وصاحب السيارة الأخرى وسائقه الأخ باباعمر تيازيت إسماعيل ولا تسل عن أرتال السيارات المنسابة على الطريق الممتد على طول ثمانمائة كيلومتر. لا بناء ولا شجر إلا ما تلاقيه من بعض مجاري الأودية، أعرضها سيلا "وادي درعة" الآتي من المغرب الأقصى. قضينا هناك مدة أسبوع تأوينا دار هي ملك للسيد الحاج أيوب بالحاج ضرورة زيارته للمعرض في كل سنة. وبما أن تندوف بلد حدودي مع المغرب والصحراء الغربية، فإن الدولة الجزائرية أولاه اعتناء خاصا إذ يتمركز فيها الجيش الوطني بثكناته وأجهزته، كما أعادت تنسيق الهياكل القاعدية في أروع تصميم وهي اليوم ولاية تامة على قلة بلدياتها وسكانها. وهم من قبيلة "رقيبات" لهم تقاليدهم وأعرافهم وهم يمتازون بوداعة الأخلاق ولطافة المعشر. وأما تسويق البضائع وجمعها ثم زمها في طرود فتلك عملية يتنافس فيها التجار ويتخذون لها طرقا مختلفة تخفف عنهم الإجراءات الجمركية، وللتجار المغاربة القدر الأكبر في المعرض.
و- التحديات والأزمات:
وأي الناس تصفو مشاربه؟؟ وأي أمريء لا تكدّر صفوه بعض الأزمات؟ فليس ذلك من طبع الحياة. (1/183)
صفحة 184
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صرفا من الأقدّار والأكدار
ومكلف الأيام ضدّ طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وصدق مولانا العظيم إذ يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155].
فمنذ الاستقلال الوطني إلى أواسط الثّمانينات عرفت منطقة ميزاب كغيرها من المناطق في أرجاء الوطن، عرفت تطورا كبيرا في كل المجالات. وارتقى مستوى المعيشة عند المواطنين مع وتيرة التّنمية الوطنية وما يصحب ذلك من تبدّل الطّبائع وضعف القيم والمبادئ، فيختل التّوازن الاجتماعي،. ويواجه المجتمع كثيرا من التحديات في أعرافه وتقاليده كنت أشمّ من وراء ذلك ما يكون من اهتزازات، وما يحدث من خلل سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة إن لم يتداركها العقلاء بما يضمن للمجتمع مناعته ويحفظه من غوائل الفتنة.
وفعلا حدث ما لم يكن منه بدّ بعد التّقسيم الإداري الثّاني لسنة 1985م، إذ أصبح لمركز الولاية في غرداية وزنه الكبير في المجال السّياسيّ والإداري زيادة على الوزن الاقتصادي الذي تشتهر به المنطقة من قبل. إذ اتسعت التّشكيلة البشرية وتعّددت فرص العمل والشّغل للوافدين من هنا وهناك. وطبيعة صراع البقاء بين الهيئات الاجتماعية المختلفة، لا تهادن ولا تسالم. فكانت الأحداث الأليمة لسنة 1985م في مدينة غرداية وما صاحبها من إحراق وتدمير، كانت نذير شؤم نجم به قرن الفتنة ليمتد لهيبها إلى كل من بريان والقرارة. كاد يأتي على الأخضر واليابس لولا لطف الله، ولم تبق السّلطات العمومية مكتوفة الأيدي أمام تلك الحوادث الأليمة، بل تعاملت معها بجدية وحزم إن في مجال الأمن أو المجال السّياسيّ والإداريّ. كما أن سراة القوم من كل الهيئات الاجتماعية لم يألوا جهدا في مساعيهم الحميدة لإطفاء نار الفتنة وإصلاح ذات البين، حتى هدأت النّفوس الجموحة ورجعت المياه إلى مجاريها. (1/184)
صفحة 185
وكنت في غمرة تلك الأحداث عنصرا فعّالا مع رفاقي في مجالسنا العرفية نسدّد ونقارب في لقاءات جمعتنا مع الشّباب المستوفز نخفف من غلوائه، ونقيّد من اندفاعاته، كما جمعتنا بمختلف المسؤولين إن على المستوى المحلّي أو المستوى الوطني نستعرض معهم الواقع المرير، ونقترح الحلول السّلمية التي تضمن الهدوء والاستقرار، وكم من تقارير ورسائل في الموضوع حبّرتها بقلمي لتوجّه إلى مختلف المسؤولين، وكم من بيانات نشرت في الصّحافة الوطنية كان لها الأثر الطّيّب في الأوساط الشّعبية. (1/185)
صفحة 186
وليس المهمّ في هذا المقام أن أحلّل دوافع تلك الفتنة العمياء وأسبابها القريبة والبعيدة، لأنها في الواقع وليدة تراكمات، تضافرت عليها عدة عوامل حضارية وثقافية واجتماعية. غير أن ما يمكن أن نستخلصه من العبر في حق مجتمعنا مما تعرض إليه هو ذلك العمق الحضاريّ الذي يتمتع به، والرّصيد التّربويّ الأصيل الذي جعله صامدا أمام التّحديات، عاقلا رزينا عند احتدام المهاترات. لقد حزّ كثيرا في نفسي ما وقع، وأنا حذر مشفق لوقوع ما هو أكثر. لقد كان ينتابني شعور غريب بأن المولى تبارك وتعالى يدبّر لهذا الشّعب أزمة أليمة هي نتيجة لمسيرة تمتد لثلاثة عقود من الزّمن في ظل الاستقلال الوطنيّ تبحبح فيها هذا الشّعب في رغد عيش واستباب أمن وتوسّع عمراني لكل الحواضر في البلاد وأخذ التّرف والبذخ يمّيع الأخلاق ويضعف القيم والمبادئ، ضرورة إهمالنا للعنصر البشري في مسيرتنا التّنموية، إذ لم تستقرّ المدرسة الجزائرية على منهج تربويّ رشيد يركز في نفوس الأجيال الحسّ الدّيني والوطنيّ، وينمّي الحسّ المدني للتّحلّي بالمواطنة الصّادقة، فعاش مجتمعنا تناقضات صارخة وأصيبت مقوّماته في الصميم، وقد هبّت حول العالم رياح العولمة، وما صاحبها من الدّعوة إلى الدّيموقراطية والتّعددية الحزبية، تذكي ضرامها القطبية الأحادية، فما على الضّعفاء إلا أن تستجيبوا لإصلاحات الأقوياء في تكييف للدّساتير وتغيير الأنظمة. (1/186)
صفحة 187
وذلك ما أسفرت عنه أحداث 05 أكتوبر 1988م في بلادنا، لقد كان الثمن باهضا والمخاض عسيرا، وليت المولود الجديد للديموقراطية والتّعددية توفرت له أسباب الرّعاية والنّماء حتى يبلغ أشدّه! إذ لم تكن الأحداث الأليمة في مجرى الثّمانينيات بمنطقتنا إلا إرهاصا لما عرفتها التّسعينيات من الأعمال الإرهابية في إرجاء الوطن كله، ففي أوائل العقد التّاسع من القرن الماضي جرت لأول مرة بعد الاستقلال انتخابات المجالس البلدية والولائية تحت مظلة التّعددية الحزبية، فتولد عنها من التّنافس السّياسيّ ما تولّد من التّغيرات الطّائفية والتّكتلات الجهوية ما تخلخل بها حبل الأمن فهاجت البلاد وماجت، ومرت الجمهورية بتجربة قاسية كادت تعصف بها لولا لطف الله. إذ قيّض الله لهذا الوطن الجريح من أبنائه الأوفياء من قاد سفينته خلال الأمواج العاتية إلى برّ الأمان. فثابت النّفوس إلى رشدها، واستأنس الشّرود لدعوة المصالحة الوطنية. ولكن الثّمن كان باهضا، والرزء ثقيلا أذاب الشّحم وأكل اللّحم وهشّم العظم. ويا ويح من كانت بلواه بما كسبته يداه وصدق الله العظيم إذ قال في محكم كتابه الكريم: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام:65].
مرحلة الضعف والشيخوخة.
أ- التقاعد وتداعياته.
ب- الانتخابات في ظل التعددية والتجربة الديمقراطية.
ج- أين مجتمعنا من تلك التداعيات.
د- حصاد السنين وانتظار حسن الخاتمة.
هـ- طوالع الألفية الثالثة.
و- ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
أ- التّقاعد وتداعياته: (1/187)
صفحة 188
لكلّ رحلة غاية ونهاية، ورحلة العمر تتم على مراحل، ولكل مرحلة خصوصياتها وآثارها في حياة الإنسان، وقد لخص المولى تبارك وتعالى ذلك في سورة الروم فقال جلّ من قائل: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54].
وها أنا ذا ذرفت على الثمانين، وانتهيت إلى مرحلة التقاعد في آخر شهر ديسمبر من سنة 1990م لقد أصبحت في {ثُمَّ} الأخيرة من الآية الكريمة، فقد أدمت قدماي وعثاء الطريق، ووخط الشيب رأسي، فما أدري ما يكون من تداعيات هذه المرحلة، كما لا أستطيع تقدير كمية الزاد لباقي للرحلة، ولا كيف أختار الرفيق، غير أني باق على الوفاء لاستكمال مسيرتي الاجتماعية، كما أن حسن ظني بالله وثيق.
لقد انطلق العقد الأخير من القرن في التسعينيات -كما سبق- وجو الساحة الوطنية مغبر الأديم، ثم توشح بوشاح الفتنة طرزت الفواجع حواشيه بالدماء والدموع حتى اصطلح وطنيا على تسميته بالعشرية السوداء، امتد ليلها حتى منطلق القرن الحادي والعشرين من الألفية الثالثة. وفي الساحة العالمية تقلبات ومستجدات كبيرة تنعكس آثارها على كل شعوب العالم، وويل للمستضعفين المتناحرين في عالم يتكتل فيه الأقوياء ويخططون لضمان مصالح الأغنياء واستنزاف الفقراء، والاستحواذ على مصادر الغنى والثراء، واتخذوا لذلك شعارات، وتفننوا في حرب الإشاعات وتنميق المصطلحات من مثل: الديمقراطية والتعددية الحزبية، والعولمة وحرب الإرهاب. كما تذرعوا بهيئات ومؤسسات أضفوا عليها الطابع العالمي والأممي، تتفرع كلها عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وساعدهم على ذلك القطبية الأحادية في العالم بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، إذ أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة المهيمنة على تسيير العالم وتحت جناحيها الصهيونية العالمية. (1/188)
صفحة 189
ولم يكن وطننا في معزل عن تلك الأحداث، ولا كذلك منطقتنا، بل هما تحت مجهر الترصد والمراقبة وأحيانا هدفا للرمي وشارة للنبز واللمز، إذ أن الأسد الهصور وإن كان في القفص الحديدي، فلابد من تخديره إذا أراد البياطرة تعهده بالمراقبة الطبية.
لقد انتهت مسيرتي المهنية فتحررت من القيود الإدارية وتخففت من ثقل المسؤولية في المجال التربوي. فكيف أتمم المشوار الذي قدره الله لفترة عمري؟؟
فقد كان معظم جهدي قبل ذلك منصبا في المجال التربوي والإرشادي داخليا، كما أن نشاطي الاجتماعي كان محصورا في المجالات الداخلية للبلدة، كما بينته في ما سبق. وأما خارجيا في المجال الإقليمي "لوادي ميزاب" فقد كان الشيخ الحاج أيوب القرادي -رحمه الله- هو الذي ينشط في مختلف مجالاته جنبا إلى جنب مع صديقه الشيخ أبي القاسم عبد الحميد وثلة من قدماء الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ عدون. ومن لطف الله تعالى علينا نحن -أبناء العطفاء- أن يمد في أنفاس الشيخ القرادي إلى أواخر الثمانينيات إذ كان الممثل الوفي لبلده حيثما انعقد لقاء لتدبير أمر أو اتخاذ موقف وتبادل مشورة. ثم قضت حكمة الله أن يرفع روحه الطاهرة في البقاع المقدسة لسنة فاتح ذي الحجة 1410هـ الموافق لـ 1989م. فيا لها من خسارة كبرى ومفاجأة أليمة! فلابد من مداومة الرباط في الثغر الذي تركه، وأنا رفيقه في كل مسلك وسبيل، وحليفه وعضده الأيمن في أثقال المجتمع وهموم الجيل. (1/189)
صفحة 190
لقد أصبحت في نفس الموقف ذات يوم من عشرين سنة خلت ... -أي في سنة 1969م- يوم أن أجريت عملية جراحية في جمجمة الشيخ بابا عمي الحاج أحمد -رحمه الله- فتعطل منطقه لفترة زمنية، مما حدا بحلقة العزابة أن تعينني خلفا له في الوعظ والإرشاد على منبر المسجد بصفة إجماعية، فشمرت على ساعد الجد لتحمل تلك المسؤولية الشاقة الحساسة في مجتمع صعب المراس مرهف الحس بالغ الذكاء. وما يزال جهدي متواصلا حتى اليوم، ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين. فاللهم رحماك، فها هي الركيزة الثانية في صرح مجتمعنا تنهار، فلابد من سند لها وتدعيمها لمواجهة الرياح والأمطار. فلا مناص لي من الاستجابة والإقدام. وأحمد الله تعالى أن لا تزال في بقية من الجهد والنشاط. وإن التقاعد بالنسبة لأمثالي إنما هو استبدال نشاط بنشاط، وانتقال من ثغر إلى ثغر في مسؤولية الدوام والرباط.
توكلت على الله في إضافة تلك المسؤولية الخارجية إلى ما لدي من المسؤوليات الداخلية، وللنشاط الإقليمي ثلاث مجالات حيوية، لكل واحد منها أنظمة ومقاصد:
أ- مجلس "عمي سعيد" الهيئة العليا لمجالس العزابة "بوادي ميزاب" ووارجلان وهو هيئة عرفية معترف بها لدى وزارة الشؤون الدينية، ينبثق عنها ناظر الأوقاف الإباضية يمثلها لدى الدوائر الرسمية. وقد استعاد نشاطه منذ فجر الاستقلال برئاسة الشيخ الإمام بيوض ثم تداول الرئاسة بعده كل من الشيخ يوسف، والشيخ بكلي عبد الرحمن، والشيخ بابانو الحاج محمد وانتهت إلى الشيخ عدون. ومقر جلساته الشهرية المسجد القبلي ببني يزقن. (1/190)
صفحة 191
ب- مجلس "باعبد الرحمن الكرتي" وهو أيضا هيئة عرفية يضم ممثلين عن مجالس الأعيان في القرى السبع وبعض العزابة والإطارات، ويهتم بمختلف الشؤون الاجتماعية والشؤون العامة الأخرى من ثقافية واقتصادية وحتى السياسية ... إلخ، وقد برز نشاطه إلى العلن بعد انتهاء أحادية الحزب في أواخر الثمانينيات. ويعقد جلساته أسبوعيا. وكلما دعت الضرورة إلى ذلك. ومركزه غرداية.
ج- لجنة قدماء الإصلاح. وتضم النخبة من أبناء الإصلاح عن كل قرية، وهي بمثابة مجلس النخبة للتخطيط والتنسيق وطرح قضايا الساعة قبل عرضها على الهيئتين السابقتين، وأغلب جلساتها في كل خمسة عشر يوما، يتحدد في آخر كل منها مكان انعقاد الجلسة التالية، وكانت تحت إشراف الشيخ عدون رحمه الله.
وأنا إذ أجمع بين تلك المهام داخليا وإقليميا فقد أصبحت في نشاط دائب متعدد الأوجه يستنزف مني كل طاقة وجهد وأحيانا على حساب راحتي البدنية والفكرية، بل والعاطفية -أحيانا- عندما تتعلق الأمور بمواجهة واقع الناس وإفرازات التطورات المتسارعة والأحداث المتقلبة على الساحة المحلية والوطنية، إذ نواجه مختلف التحديات العاصفة، وما يتطلب ذلك من الحنكة والدهاء ومن رباطة الجأش وقوة الشكيمة.
لقد تركزت تشكيلة "الكرتي" عند انطلاقته العلنية الأولى على أعضاء مؤسسين، أغلبهم من العزابة ثم توسعت إلى تمثيل مجالس الأعيان من كل قرية ولم يكن يرافقني إلا الأخ بلال، ثم رافقني زمنا من الأعيان الأخ سعيد عبد الرحمن، وبما أن العزابة يعتبرون بمثابة المكتب التنفيذي للمجلس، فقد اقتضى ذلك حضوري الدائم إلى المجلس أسبوعيا مساء يوم الاثنين -غالبا- وأحيانا تتكون لجان فرعية تحل بعض القضايا، أو تحرير بعض البيانات، أتعين ضمن أعضائها. وسار المشوار على هذه الوتيرة حتى منتهى القرن العشرين تقريبا. (1/191)
صفحة 192
وعلى مستوى البلدة، فهناك إلى جانب مجلس الأعيان لجنة النخبة تضم بعض العزابة وبعض أعضاء إدارة النهضة للتنسيق والتشاور، تعقد جلساتها أسبوعيا مساء يوم الأربعاء، وتعتبر المرجعية المسؤولة في قمة البلد، تنسيقا وتوجيها لكل الهيئات العرفية، بل وترشيدا للهيئات الرسمية، وهيئات المجتمع المدني بصفة عامة.
وبذلك أصبحت في عهد "التقاعد" أثقل حملا من ذي قبل، فلا أكاد أجد يوما من أيام الأسبوع أخلد فيه للراحة، أو أوفر شيئا من الأنس لأفراد أسرتي، حتى في يوم العطلة الأسبوعية، لأنني ما أزال منفردا بإمامة الجمعة، وامتدت هذه المسؤولية حتى أواخر التسعينيات، عندما طعمنا الحلقة بعناصر جديدة، وإذ ذاك توزعت إمامة الجمعة بين عناصر أربعة يتداولونها أسبوعيا.
ب- الانتخابات في ظل التعددية: (1/192)
صفحة 193
أوّل تجربة وضعت مجالسنا العرفية على المحك لدى جماهيرنا الشعبية هي الانتخابات البلدية والولائية في ظل الديمقراطية والتعددية الحزبية. ذلك لأن جبهتنا الداخلية تضافرت عليها عوامل التشرذم والتفتيت، وهي ما تزال تعاني من الصراع التقليدي بين الحركة الإصلاحية والمحافظة، وقد أفرزت الصحوة الإسلامية آراء جامحة في دعوى السنية والسلفية، أو التزهد والخروج لدى أهل الدعوة والتبليغ، فصار لهذا التوجه أنصار وأتباع في غرداية ثم توسّعت الدائرة إلى القرى الأخرى. وها هي الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي تبرز كالفقاقيع لتطفو على سطح المجتمع تلتمس هي الأخرى التوسع والنفوذ. وعلى رأسها شباب غرّ طموح، لم يذق مرارة الصراع، ولم يعش مهاترات التنافس والحماس والاندفاع. واجهت مجالسنا هذا الوضع الاجتماعي المهلهل بكل عزيمة وثبات، فتوالت الجلسات الأسبوعية والطارئة، إن على مستوى المجالس أو اللجان الفرعية لها. وأنا ضمن الأعضاء الأساسيين لا أعذر في تغيب ولا أقوى على التهرب، فأصبحت أجهد نفسي أكثر من ذي قبل. وتمضي اللقاءات وتنتهي المشاورات، ونحن نستقبل الانتخابات القاعدية في 12 جوان 1990. وقد أجمع رأينا على الترشيح الحر حفاظا على وحدتنا الداخلية، وابتعادا عن المهاترات السياسية، ثم حسمنا الأمر مع كل الممثلين للأحزاب على مختلف مشاربها وتوجهاتها، وأنهينا القرار مع أبنائنا من ممثلي مكاتبها، إذ اقتنعوا بضرورة الترشيح الحر. (1/193)
صفحة 194
فكم من تجمعات حضرتها ضمن أعضاء مجلس الكرتي لتوعية الجماهير في مختلف القرى، عند الحملات الانتخابية المشروعة! وكان لي على منابرها صوت مدو وخطاب مجلجل صادق اللهجة متقد الحماسة، وكان للعطفاء من ذلك حصة الأسد، وأنا المكلف فيها بتنفيذ قرارات أهل الحل والعقد، ولم تكن عملية الترشيح والاختيار بالأمر الهين، في بلد يعتقد كل فرد فيه أنه أمة، ولم تعوزنا -بفضل الله- في تصريف الأمور أناة ولا حكمة، فطفقنا نزجي سفين المجتمع في موج هادر، تزيده أنواء العواصف والعصبيات العشائرية عتوا ونفورا، فإذا بقوائم أخرى تتحدانا، وظلت حملاتنا الانتخابية تغطي كل التشكيلات الاجتماعية توعية وتحسيسا وتأطيرا، ومرشحونا كالشامة البيضاء في كل تجمع يباركهم الجمهور، ويعدهم بالتزكية والفوز، وقيادتنا المحلية في أتم اليقظة والانتباه لكل ما يدبّر في الخفاء من أساليب الدعايات المضادة.
ويأتي موعد الانتخابات، وتتم العملية في نظام وترتيب، وأنا متوتر الأعصاب، مشدود الأنفاس إلى مراكز الانتخاب، سيما إلى المكاتب المخصصة لربات الحجاب، كنت بين الخوف والرجاء، وأنا أتابع الأحداث عن كثب. غير أن ثقتي في الله وحسن ظني بوعي جماهيرنا كان يشد من أزري.
إنها لمغامرة صعبة، تلك التي يجازف فيها الإنسان بثقله ووزنه الاجتماعي، ثم لا يدري بعد ذلك أتصيب تقديراته فتزيد في ثقته ومصداقيته لدى الناس، أم يخطئ في التقدير فيمنى بالخيبة والفشل والانتكاس. (1/194)
صفحة 195
انزويت في منزلي في آخر العشية، أحمل بين جوانحي هموم الرائد المعنىّ بوعثاء الطريق وهو لا يكذب أهله، وأسرح طرفي في الآفاق المستقبلية كيف يكون مصيري في هذا المجتمع، إن سحب البساط من تحت رجلي فخررت في الميدان صريعا -لا قدر الله- ولم أحاول في تلك اللحظات الحاسمة أن أتصل برفاقي القلائل في القيادة لأقاسمهم همومي ومعاناتي، لأنني وطنت نفسي في تلك المواقف الحرجة، أن لا أعول على أحد غير الله يمدني بالصبر واليقين، ويسدّد خطاي على نهج الحق المبين. وكم لله من ألطاف خفية يحس بها قلب المتبتل الولهان، وهو يستنزل الرحمات ويستغيث مولاه في وقت الضيق والحرج ليفيض عليه بالسكينة والاطمئنان.
كنت أشعر براحة البال، وأنا ممتد على فراشي أنتظر إعلان النتائج في حدود العاشرة ليلا. فما هي إلا دقائق تجاوبت معها دقات القلب الولهان حتى علا صوت الجموع تنادي بفوز قائمة الجماعة بنسبة ساحقة، كان لها في نفوس المؤيدين للقائمة الأخرى وقع الصاعقة. حمدا لله العليّ القدير، إذ أمدّنا بالنّصر المؤزّر. فأصبح لزاما علينا أن نواصل المشوار إلى الهدف المنشود، مع منتخبينا حتى ينتهوا قانونيا إلى الأجل الموعود -أي إلى 12 جوان من سنة 1995م. وذلك يقتضي منا تحريك الهيئات الاجتماعية من القمة إلى القاعدة حتى تلعب دورها، إن على المستوى المحلّي أو الإقليمي -أي قرى ميزاب السّبع-. (1/195)
صفحة 196
اهتزّت السّاحة الوطنية، بعد الإعلان عن النّتائج الانتخابية، فتبيّن لكل الفعاليات السّياسية مدى مصداقيتها لدى القاعدة الشّعبية، وكانت حصة الأسد لجبهة الإنقاذ الإسلامية، فنحن وإن توخينا التّرشيح الحرّ، فإن الإسلام منبت لحومنا ودمائنا ما تخلّت عنه أجيالنا في حقب الدّهر، ولا نامت عنه عيوننا حتى تستيقظ في مطلع الفجر. ونعلم أن انتماءنا للأحزاب يعرّض وحدتنا للفوضى والاضطراب، ويجرّ مجتمعنا إلى التّصدّع والخراب. وهكذا ماجت السّاحة الوطنية بتعدّد المسالك، وتهافتت الانتقادات على الحزب الواحد الذي جرّ الوطن إلى الويلات والمهالك، ووصفت بالظّلامية عشرية الثّمانينيات، ونادت الجماهير بالقطيعة مع الماضي فقامت وتهاوت حكومات، وتلاحت على وسائل الإعلام أحزاب وشخصيات، وتحفزت الهيئات الشّعبية إلى التّحضير للانتخابات التّشريعية، لأنها هي المرقاة لسدّة الحكم. والكل يرى أنه أصلح لها، وهو يتحفّز للنّجاح فيها. ولا عليه بعد ذلك أن يكون وفيّا مخلصا في طروحاته، أو مراوغا مداجيا في مواقفه وتصريحاته.
ولم تكن منطقتنا في منأى عن تلك التّيارات، وهي الجوهرة الغالية في واحات الصّحراء تغري كل طموح مغامر، وهي الغادة الحسناء يلتمس ودّها كل وفيّ وغادر. (1/196)
صفحة 197
فمنذ أن ربحنا جولتنا الحرّة في المجالس البلدية والولائية توقعنا ما تحمله الانتخابات التّشريعية من تناقضات ومفاجآت، فأزمعنا أمرنا على الصّراحة والمجابهة مع كل الفعاليات السّياسية ذات اليمين وذات اليسار. ونحن لا نرى لنا عن التّرشيح الحرّ بديلا، إذا أردنا أن نضمن وحدتنا، ونختار من أبنائنا من يكون لنا أصدق تمثيلا. فكم من لقاءات تمت لمختلف هيآتنا!. وكم من تجمّعات أقيمت لجماهيرنا في مختلف القرى للتوجيه والتّأطير!. فلم يخب لنا سعي -بفضل الله- على ما واجهناه من استفزازات وتحدّيات داخلية وخارجية، هي من طبيعة التّنافس والتّسابق على مراكز الحظوة والجاه، سيما وبعض شبابنا لم تعجم عوده التّجارب، وهم يهفون إلى عليا المناصب، ويمنّون أنفسهم بأغلى المكاسب، ولا يقدرون ما وراء ذلك من المتاعب.
وكانت غرداية وبريان هما البؤرة السّاخنة حيث تعدّدت القوائم، وتحدّى الجماعة من أوساط أبنائها كل غاضب أو ناقم، ممن لم ينل منا التّزكية والتّرشيح، أو غرّ أصبح كالدّمية يغترّ بكل صيحة ويميل مع كل ريح.
وما إن أعلنت الحملة الانتخابية حتى تحفّز كلّ فرق إلى الدّعاية والإشهار، وهو لا يتوخّى في أسلوبه إلا ما يحقّق له الانتصار، فمن هو الأثير الذي يقع عليه الاختيار؟. إنه ذلك الذي يتقن الضّرب على أحبّ الأوتار، ليعزف على الجماهير نغمة الدّين، وهي تجد فيه الملاذ الحصين. إنها الجبهة الإسلامية للإنقاذ مرة أخرى، وكنا نحن في منطقتنا متفائلين بأن جمهورنا يصدق حدسه عند الشّدائد والضوائق.
- المخاض العسير في التّجربة الدّيمقراطية: (1/197)
صفحة 198
إنه لمخاض عسير وتجربة قاسية في ظلال التّعددية؛ لأن الجهوية والعروشية ما تزال ضاربة أطنابها في البلاد، وما تزال الدّيمقراطية صيحة في واد، والشّعب وحده هو الضحية، إذ الكلّ يتحدّث باسمه وهو في أتون المحنة والرزية، فكم من دماء زكية أريقت، وأموال انتهبت، وأعراض طاهرة انتهكت، حتى لكأننا نعيش فواجع التتار، فغاض معين الرّحمة من القلوب، وديست الحقوق الإجتماعية، فلا حرمة لقريب ولا صديق ولا جار.
ولكن الشّعب الأبيّ هو سليل التّحديات، فخاض غمار التّجربة وواجه الأخطار، فلبّى دعوة الرّئيس زروال عندما عرض عليه قانون الرّحمة، وطاف في أرجاء البلاد داعيا إلى الوئام، وقد استقبلته العطفاء في يوم مشهود بتاريخ 26 ذو الحجة 1417هـ الموافق ليوم 03 ماي 1997م، وفي ساحة السّوق هتفت له جماهيرنا بالتأييد والنّجاح، فباركتُ مسعاه بخطاب كان له في نفوس الحاضرين صداه المحمود.
وحبذا لو أكمل مشواره في عهدته الرّئاسية الرّسمية، ولكنه أعلن عن انتخابات رئاسية مسبقة تكريسا للدّيمقراطية في التّداول على السّلطة، وذلك في يوم كئيب من 20 جمادى الأولى 1419هـ الموافق ليوم 11 سبتمبر 1998م، فاستقبل الشّعب هذا الحدث في تهيّب وإشفاق، إذ طال عليه ليل الفتنة، ولم يتبّين بشائر الصّبح في الأفاق.
اشتدي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج
فقد أخذ القوس باريها، وانضمّ إلى القافلة حاديها، فإذا بالرّئيس عبد العزيز بوتفليقة يزجي السّفين إلى برّ الأمان، فتهدأ العاصفة وينعم الشّعب بالأمن والاطمئنان. ونحن -أبناء العطف- شمنا في الرّئيس صدق اللّهجة ونزاهة الطّرح وهو يعرض برنامجه الانتخابيّ عندما زار بلدتنا في حملته الدّعائية، فحرّك العواطف وهزّ المشاعر بكلماته الذّهبية، وذلك في يوم الثّلاثاء 13 ذو الحجة 1419هـ الموافق ليوم 30 مارس 1999م، عاش به جمهورنا في يوم مشهود، وهو يتيقن أنه الرّئيس الموعود. (1/198)
صفحة 199
فربّ رجل فرد شهم أحيا جماعة، إذا وجد من شعبه الانقياد وحسن الطّاعة، ذلك ما يتمناه كل مخلص غيور، ولله عاقبة الأمور.
ج- أين مجتمعنا من تلك التّداعيات؟.
كنت مع رفاقي في مجلس "الكرتي" أعيش الأحداث الوطنية، والقضايا المحلية بكلّ جوانحي، ولا أدّخر وسعا في التّفكير والتّدبير، ونحن نتوقع من خلال الفتنة العمياء شرّا مستطيرا، ولكننا مؤمنون أشد الإيمان بأن الله تعالى سوف يغمرنا بألطافه مادمنا نلوذ بحماه، ونلتزم بخشيته وتقاه.
ولفرط الإجهاد في تموقعي بمختلف الجبهات -إن على مستوى بلدتي أو على مستوى قرى ميزاب- أصبحت أشكو من المرض السّكري وأحتاط لما يسببه من المضاعفات الصّحية، سيما وقد رافقه ارتفاع ضغط الدّم، مما يستدعي مراقبة صحية مستمرة، والتزاما بالأقراص التي حدّدها الطّبيب لذلك وبنوعية الأطعمة اللازمة. وقد رافقتني هذه الوضعية الصّحية منذ التسعينيات.
لقد أخذ مجتمعنا يتحوّل شيئا فشيئا من مجتمع ربّاني مسجديّ تتحكّم في دواليبه الهيئات الدّينية، تساندها جماعة الأعيان ومجالس العشائر، أخذ يتحوّل إلى مجتمع مدني في الاحتكام إلى الإجراءات المدنية والقانونية، وهي ما تزال مهلهلة مضطربة على مستوى الدّولة والأمّة. مما أثّر سلبا على الأجيال النّاشئة، فلا هي حافظت على مميزات منطقتنا في مجال الأخلاق والتّربية، ولا هي انسجمت مع الأوضاع العامّة المعيشة في البلاد، وقد زاد للطين بلّة، رفع شعار التّعددية والديمقراطية. فتهافتت الأصوات وتشعبت المسالك وتناقضت التّوجّهات والمشارب في المجال الدّيني والاجتماعي والسّياسيّ، فأفرز ذلك كله فسيفساء ذات الأشكال والألوان المتنافرة، وبرزت فيه هيئات وجمعيات متنافسة بل ومتناحرة، فأيّ نظام عرفي يستطيع تجميع تلك الأوزاع؟. وأيّ صوت يحظى في الأوساط الجماهيرية بحسن الإصغاء والاتّباع؟. (1/199)
صفحة 200
كنت أرقب هذه التّغيرات بحذر وإشفاق، وكنت ضمن طاقم القيادة العرفية على مستوى "وادي ميزاب" لا أطمئن لتلك الأوضاع. وألحّ على رفاقي أنه يجب أن نغيّر منهجية عملنا في سياستنا للجمهور، سيما على مستوى "الكرتي"، حتى نستبقي على ذلك الرّصيد من الثّقة في معالجتنا للأمور، لأن شبابنا قد ركبه العجب والغرور، فهو يهيم في كل واد، ويرتاد كل ناد، ويهش لصيحة كل مناد. ولكن رفاقي لم يعيروا لتلك الملاحظات أيّ اهتمام، فتيقنت أن سينفلت من أيدينا الزّمام.
وعلى مرّ الأيام وتوالي الأحداث في منتصف العقد التّسعين أخذت الغيوم تتلبّد، ومختلف التّشكيلات السّياسية تترصّد لتتصيّد، ومجلسنا "الكرتي" يؤتي من الدّاخل، حين اختلط فيه الحابل بالنّابل، فعلمت أنه نذير العاصفة، وأن وراء ذلك تحرشات في مخططات هادفة. وفي مثل هذه الأوضاع المربكة يحتار اللّبيب ويفتن الحليم، ويتولّى الوفيّ الغيور وهو مبتئس كظيم.
وفعلا لم أجد بدّا -وأنا أعاني من السّكر والضّغط- من أن أجتنب الصّدمات النّفسية، وأبتعد عن كل الملاحاة والمهاترات وفق الإرشادات الطّبيّة. فوجدتني مضطرا إلى تقليص مشاركتي في الحضور لتلك الجلسات، ونحن نستقبل الانتخابات التّشريعية والمحلية بعد الرّئاسيات، وكنت أتمثل لواقعنا بالمثل القائل: ما كل مرّة، تسلم الجرّة. لأن الظّروف غير الظّروف والذّهنيات اليوم غيرها بالأمس، وهكذا يثبت التّخمين ويصدق الحدس.
فما تكاد الانتخابات التّشريعية تمرّ ليوم الخميس 29 محرم 1418هـ الموافق ليوم 05 جوان 1997م. ولم نتحصّل إلا على مقعد واحد في المجلس الوطني، حتى تفجّر مجلس "الكرتي" فهاج وماج في التّلاحي والعتاب، ولجّ جلّ أعضائه في الشّك والارتياب. واحتار كل فريق في معرفة المبرّرات والأسباب. وحمدت الله تعالى أن كنت بعيدا عن موقع العاصفة وإن لم يعذرني رفاقي في موقفي وطروحاتي حسب البيانات السّالفة. (1/200)
صفحة 201
وتتسارع الأحداث في إعداد الانتخابات المحلية، ودار لقمان على حالها في جبهتنا الدّاخلية، والكل يرتقب نوعية تمثيلنا في الغرفة الثّانية، أي مجلس الأمّة، إذ أن ذلك يرتبط بالنّتائج التي نتحصّل عليها في الانتخابات المحلية، ولائية وبلدية، فكيف يتحقق الفوز وقد تناسينا قوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46].
فأيّة لطمة تنتظرنا إن لم نكفكف من غلوائنا ولم نلمّ شعثنا؟، ولئن استطاعت كل بلدية أن تدبّر أمرها مع جمهورها بالتّرشيح الحرّ، فإن الانتخابات الولائية تستلزم تنسيق الخطة وتدبير الأمر، فهل يأخذ إخوتنا في غرداية درسا مما مضى فيحتاطون للانزلاقات، أم أنهم يغمضون على القذى ويرضون بالفتات؟.
وتدق السّاعة الحاسمة ليوم الخميس 21 جمادى الثّانية 1418هـ الموافق ليوم 23 أكتوبر 1997م، وتركض الجماهير إلى صناديق الاقتراع، وأنفاسنا مشدودة إلى نتائج الفرز خوفا من التّزوير والتّلفيق، لأننا مطمئنون إلى ما سيفرزه الصّندوق.
فأما على مستوى بلدتنا فقد تمخّض اختيارنا عن فوز قائمتنا الحرة، ويتعيّن على رأس البلدية الابن العقيد: دادي حمو بالحاج بن صالح، وأما الطّامّة الكبرى ففي غرداية، حيث اختلطت الأوراق، وراجت سوق المراوغة والنّفاق، وأصبح المواطنون في حيرة ما لها من فواق، وصدق الذي قال: لا تعاند من إذا قال فعل. فماذا يجدي التّحديّ والعناد، في موقف يستلزم الحنكة والمرونة وسلالة القياد.
فكانت النتائج في غرداية على غير ما يحبّ إخوتنا في البلدية، كما دبّر الأمر بليل لتقليص أغلبيتنا في الانتخابات الولائية، ولا حيلة لهم إلا الرّضى بالأمر الواقع، وليتهم وعوا مثل الحكيم زهير:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم (1/201)
صفحة 202
وليت الأمر وقف عند هذا الحدّ من الخيبة والهزيمة، إذ انفتح باب التّلاحي، بل باب السّفاهة والشّتيمة، فكم من مواجهات صاخبة للوم والعتاب!، وكم من تقارير سوداء تبودلت تحمل الاتهام أو تردّ الجواب!.
عشت مقروح الفؤاد متوتر الأعصاب لما أسمعه أو أقرأه من تلك المهاترات، وعند احتدام العواطف وثورة النّعرات يغيب صوت العقل وتختفي المروءة. وفي تبادل الاتهامات يصعب العدل في الحكم. ولم يعد أعضاء "الكرتي" للوئام، وكادت الرّيح تعصف به لولا لطف الله وجهود بعض أبنائه الكرام، إذ كلّفهم الشّيخ عدون -رحمه الله- بدراسة هذا الملفّ الشّائك، والسّعي لتخفيف حدّة التّوتّر سيما بين آل مليكة وآل غرداية، إذ أوتي المجلس أكثر من قبلهم، فلم يدّخروا وسعا في مساعيهم الحميدة، وكل منهم ذو نظر ثاقب، له في هذه المجالات مواقف وتجارب، فأقاموا جلسات جانبية واتصلوا بالأطراف المعنية، ثم رفعوا إلى الشّيخ عدون تقريرهم النّهائي، ثم جاءت اللّحظة الحاسمة للحوار والمصالحة، ويتمّ ذلك تحت إشراف الشّيخ عدون نفسه في منزل الأستاذ الهمام السّيد: أوراغ الحاج أحمد بن عمر ببريان. وقد رجاني الشّيخ عدون شخصيا أن أحضر ذلك اللّقاء، وأن لا أعتذر بعلّة ولا داء. وكنت قد لبّيت طلبه فحضرت عدة جلسات تمهيدية، واستمعت خلالها إلى عروض ضافية، وتحاليل وافية للأوضاع. (1/202)
صفحة 203
وتنعقد الجلسة الحاسمة في المكان المقرّر ليوم الخميس 26 رمضان 1419هـ الموافق ليوم 14 جانفي 1999م. وكانت القرى كلها ممثلة بعناصر من "الكرتي" ما منهم إلا ضليع في تفاصيل القضية، عاش مراحلها، وقد لخّصها الدّكتور: محمد زكرياء، بعد أن مهّد الشّيخ عدون بموعظة ونصح تلين لها القلوب وتهدأ النّفوس. وبعد التّلاوم والعتاب وفوران الأعصاب حرّرت وثيقة الصّلح، بعد أن كادت العواطف الجموحة تفقدنا الصّواب، وقد اشتط الطّرفان في العرض والطّرح، فأمضاها الحاضرون كلهم، ولم يرد فيها ذكر لغالب أو مغلوب، دبجتها بأسلوب مرن، لتزيل من القلوب ما علق بها من رين.
لقد عشت هذا الحدث، ويصدق عليّ قول الشّاعر:
لم أكن من جناتها علم اللـ ... ـه ولكني بحرّها اليوم صال
مسكين شيخنا الرّمز، لقد انثنى صلبه من طول الجلوس، واصفرّ لونه اكتئابا لما يشاهده من الأخلاف، أما أنا فحمدت الله أن لبيت طلبه بمشاركتي في تلك المبرّة، وكفيت بذلك عن نفسي كل ندامة وحسرة، جعلنا الله تعالى ممن قيل فيهم: "طوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه".
فها هي حبال الخير موصولة، وها هي نفوس الإخوة قد تابت إلى رشدها. فهل "للكرتي" أن يعود سيرته الأولى؟. ذلك ما نرجوه، ولا شكّ أن المعوّل على الطّاقات الشّابة، وعلى إطاراتنا الوفية؛ لأنها أعرف بالواقع المعيش، أما العزابة فحسبهم النّصح والإرشاد، بعيدا عن مهاترات السّياسة والمراء والعناد.
د- حصاد السّنين وانتظار حسن الخاتمة: (1/203)
صفحة 204
ها قد جاوزت الثّمانين، وتتثاقل خطاي بوطأة السّنين، وأصبح لي من الأولاد والأحفاد أكثر من السّتين، فهل سيمدّ الله في حبل الأجل إلى حين، أم أنني من النّهاية قاب قوسين؟. ولكل أجل كتاب. وأحمد الله أنني ما زلت أتمتع بنشاط العقل وقوة الإبصار، ولكنني أصبحت لا أجد اللّذة والمتعة إلا بين الصّحائف والأسفار، ولا أحسّ بالرّاحة والطّمأنينة إلا في رحاب بيت الله، أتوجّه إليه بالحمد والثّناء والاستغفار، وألوذ بكنفه في الأصائل والإبكار، وأحيانا أودّ لو أنني أتوارى عن الأبصار، لأنأى عن واقع النّاس فلا يستفزّني منظر ولا أتألّم لموقف ينبو عن المروءة والفضيلة، وأنا في ذلك أميل إلى ذلك الموقف الذي اختاره لنفسه أحد مشائخنا في "جربة"، وقد افتقده مريدوه في المجامع، وعندما استفسروه عن السبب أجابهم بقوله الحكيم: أريد أن أترك النّاس قبل أن يتركوني.
نعم!، لقد قدّر الله أن تكون مسيرة عمري في مجتمع صعب المراس، مرهف الحسّ، وعندما أقيّم تلك المسيرة في الإصلاح والتّغيير -وأنا الفرس المجلّى بين رفاقي- فإنني أجد إنجازا ضخما قد حققناه -بعون الله- في الإصلاح الاجتماعي، وقد بيّنت جوانب منه في هذه التّسجيلات، وصحائف بيضاء من الجهد والعطاء، ومن تضحيات واجهنا بها كل المصاعب والتّحدّيات، على ندرة من الإمكانيات ومجافاة -أحيانا- من الأعوان والنّصراء.
وحسبي بذلك ما عند الشّهم اللّبيب أن يجد نفسه مدفوعا إلى الواجهة تحت وطأة الأحداث، ثم لا يلبث أن يجد نفسه مرفوعا إلى قمة المسؤولية، وهو لم يستكمل بعد عدّته، ولم يستجمع قوته ليتبوأ تلك المنزلة، سيما في المجال الدّعويّ الرّوحيّ، وهو الحمل الثّقيل الذي ناءت بحمله السّماوات والأرض والجبال، ولكن ما حيلتي في هذا الموقف وقد ورد في الأثر: مقامك حيث أقامك الله. (1/204)
صفحة 205
فمن لي بدرّة عمر، ودهاء معاوية، وذكاء إياس، ومن لي بفصاحة سحبان، لأخوض هذا الميدان؟، وإلا فإن الطّموح والمغامرة قد تصحبهما الخيبة والفشل، والويل لمن أشارت إليه الأصابع، ثم انزوى وتوارى على عجل.
لقد علّمني اليتم كيف أعتمد على نفسي، ودرّبني الفقر على أن الحياة جهاد وكفاح، وأن عليا المراتب لا تتاح فيها لجبان، ولقنت منذ نعومة أظفاري أن السّؤدد والفخار قرين المشقة والمعاناة، إذ وضعتني الأقدار على الطّريق الوعر، وتيقنت أنني لم أخلق لمتعة الدّنيا وزينتها. فأصبحت -وأنا المعلّم المتواضع- أزدري أبّهات المترفين وأحتقر زهو الأغنياء، وأمقت كل مظاهر الفخفخة والكبرياء، فأحسست بهمّة عالية وعزة نفس جعلتني لا أتردّد في نصرة الحق والدّعوة إلى الخير قولا وعملا وسلوكا ولا أبالي أرضي النّاس أم غضبوا. وإذا نصحت أو أرشدت لا يهمّني المدح أو القدح، ولا أنتظر من النّاس جزاء ولا شكورا، فحققت بهذا الموقف النّظيف، وبذلك الأسلوب الحكيم وبعون الله ما كنت أرجوه لهذا المجتمع من سلاسة القياد، ومن الثّقة والاحترام، حين وجدتني في قمة الهرم من المسؤولية الرّوحية، أزجي سفين المجتمع في بحر لا تسالمه الأنواء، وأدافع عن عرينه بصرخات لا تتيح الفرصة للسّفهاء، وفي كتابي "صرخات على مسرح المجتمع"، في حلقتيه، يجد القارئ الوفيّ عيّنات من ذلك الجهد المتواضع. وفي كتابي "المجموعة السّنية للرسائل الأدبية"، يجد الأديب الأريب شذرات من الذهب أرجو أن تكون من الفرائد الرّوائع. وفي سجل "من مقام المسؤولية" يجد الدّارس دليلا حكيما في المسالك الوعرة، ونموذجا لما تتطلبه من الحنكة والخبرة. (1/205)
صفحة 206
والآن وقد بلغت من الكبر عتيا وأصبحت في {ثُمَّ} الأخيرة من قوله تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} [الرّوم:54]. ماذا عليّ لهذا البلد العزيز، ولم أستبق شيئا من الطّاقة والجهد؟، بل ما أزال أقدّم له من حشاشتي وعصارة فكري ما ينير له الدّرب ليواصل مسيرته في طريق المجد.
ويبقى الهاجس الملحّ على خاطري والهمّ الجاثم على صدري هو إيجاد الخلائف الذين يتولّون من بعدنا رفع المشعل في ليل يكاد تنبهت نجومه وينكدر قمره، ويبقى السّارون فيه حيارى في الاهتداء إلى طريق النّجاة. ولكم فكّرت وانتقيت فلم أكد اهتدي إلى من يطمئن له الخاطر. ذلك لأن الأمانة ثقيلة، ومسؤولية التّكفل بمصير الأجيال تتطلب مميّزات هي اليوم أعزّ من الكبريت الأحمر. وقديما قال الحكيم الصيني "كونفوشيوس" وهو يضع منهجه التّربويّ لأمته العريقة. فقال: "وإني لا أدري كيف أجعل النّاس متساوين، ولكني لو استطعت أن أجعل الرّجل الطّيّب قادرا والرّجل القادر طيّبا، فقد يكون ذلك عبرة للناس ترتفع بهم إلى مستوى الأمانة والتّمدّن".
أيْ -والله-، لقد أصبحت المسؤولية اليوم مغنما يهابها القادرون الطّيّبون، ويتصيّدها الانتهازيون المغامرون. وأمام هذا الواجب التّاريخي الملّح كان لا بدّ لنا من التّعجيل والإقدام، ومن مراعاة الأولويات والتّنظير بين المجالات الاجتماعية التي تستدعي الاهتمام، وليس أولى بذلك من مؤسساتنا العرفية، بدءا بحلقة العزابة وما يتبعها من التّعليم الدّيني، إلى مجلس الأعيان ومجالس العشائر، فقد وقفنا الله إلى تطعيم كل تلك المؤسّسات بعناصر كفأة شابّة يعطون لها دفعا قويّا لمواكبة التّطوّرات ومواجهة التّحديّات. (1/206)
صفحة 207
وهكذا لم نتردّد في تحميلهم المسؤولية، فعززنا بهم جانبنا وصحبناهم في فترات تربصّية حتى يأخذوا المشعل بإرادة وقوة. ولم يخب ظننا فيهم إذ أعطت هذه المبادرة نتائجها الطّيّبة، وتكاملت المؤسسات الدّينية مع المؤسسات التّربوية.
وبموقعي في واجهة هذه المؤسسات فمن الطّبيعيّ أن أصبح محورا لكل النّشاطات، ومرجعا لكل المشاورات، فما ركبني زهو ولا غرور، بل كنت أفوّض رفاقي في كثير من الأمور، فكم عالجت من قضايا شائكة على مستوى الأفراد والجماعات، وكم من رسائل مجهولة الهوية تلقى تحت باب منزلي تحمل السّفه واللّغو ولا ألقي لها بالا، وهكذا نعمت بلدتنا الطّيّبة بالهناء والاستقرار لعقود من الزّمن، إذ جنّبناها -بعون الله- أسباب الضّغائن والإحن، وأخمدنا ما يتهدّدها من جمار الفتن.
فهل تعي أجيالنا الصّاعدة هذه الميزة، وهل تستبقي هذه النّعمة، بما تتطلبها من الجهد والمثابرة، ومن الصّبر والثّبات والمناصرة؟.
ذلك هو همّنا المكين، وشغلنا المؤرق، لأن مؤشرات الحاضر المعيش، لا تنبي بما يطمئن له الخاطر،. ذلك لأن مجتمعنا -كما أسلفت- أخذ يتحوّل بخطى حثيثة من مجتمع مسجديّ إلى مجتمع مدنيّ، ضرورة ما تتعرض إليه منطقتنا من صنوف التّفتيت والتّعويم، ومن أنماط الضّغوط السّياسية والإدارية لا نملك معها حولا ولا قوة، إذ أصبح نظام العزابة مسلوب الفعالية في تدبير شؤون المجتمع كما كان يتمتع بذلك من قبل. وتمثلت لهذه الوضعية المؤسفة بقول مصطفى صادق الرّافعي في "وحي القلم"، وهو يشخّص وضعية المجتمع المصريّ في مثل ذلك التّحوّل السّريع إذ بقول: "لقد رقّ الدّين في رجالنا ونسائنا، فهل كانت علامة ذلك إلا أن كلمة: "حرام وحلال"، قد تحوّلت عند أكثرهم وأكثرهن إلى "لائق وغير لائق"، ثم نزلت عند كثير من الشّبان والفتيات إلى "معاقب عليه قانونا، ومباح قانونا"، ثم انحطّت آخرا عند السّواد والدهماء إلى "ممكن وغير ممكن". (1/207)
صفحة 208
لقد أحدث السّفهاء من أبنائنا كثيرا من الخروق في سفينة مجتمعنا، إذ تشعبت بهم المسالك، وتهافتت عليهم الأصوات، وانفتحت أمامهم طرق المغامرات، وصحب ذلك ما سبّبته السّوق الحرّة في المجال الاقتصاديّ من تناقضات وتداعيات، أفرزت في الوضعية الاجتماعية لبلادنا ضروبا من الشّرور والويلات. ولم تكن منطقتنا بمنأى عن ذلك الواقع المرير، وسفينة مجتمعنا يحيط بها الموج من كل مكان، ولكنها -بلطف الله- لم تستسلم للقنوط واليأس، ولم يعوزها الصّريخ الذي يحشد العزائم لمواجهة الشّدة والبأس. فما يزال رصيدها الحضاريّ -بحمد الله- يمدّها ببعض الطّاقة والحيوية تغالب بها الخطوب والكروب، وأصوات المشائخ ومن حولهم من سراة كل قرية تعلو في كل ناد، وهم يتعاونون على النّصح والإرشاد، ويؤمنون بأن الحياة جهاد وكفاح، وأن صراع البقاء لاجدوى فيه للصياح والنّواح. فقد مسّنا القرح مثل غيرنا من المواطنين، ولكننا عرفنا -بعون الله- كيف نضمّد جراحنا، ونواسي المفجوعين منّا، فتجاوزوا محنتهم بعد حين.
ولعلّ أخطر ظاهرة قد تعجّل بذوبان مجتمعنا -لا قدّر الله- هي ظاهرة استقرار كثير من العائلات بالحواضر الكبرى بدون ضوابط ولا قيود، مثلما كان يرتبه أسلافنا -رحمهم الله- وفق الظّروف والملابسات، ذلك لأن التّأثيرات البيئية هي أقوى من كل مناعة نوفّرها لجسم المجتمع مهما أوتينا من حنكة وبراعة في ذلك، لأننا أصبحنا لا نملك تلك الزّواجر العرفية والاجتماعية التي يمكن أن نردع بها كل متحدّ عنود، وأصبحت زينة الدّنيا تفتن النّفوس، سيما طبقة الشّباب، وهي اليوم تمسك بمقاليد الأمور في أغلب المؤسسات الاقتصادية. (1/208)
صفحة 209
وكم كانت لي من صرخات في مركز العالية وفي مركز -الحميز- بالعاصمة، أو ببعض الحواضر الأخرى التي أمرّ عليها إلى جانب التّوعية والتّحسيس في كل مجمع يضمّني ببعض الجماعات في مختلف المناسبات. فالكل يشعر بالخطر الدّاهم، ويتوجّس خيفة من مستقبل الأجيال. ولكن عجلة التّطوّر المتسارعة لا تتيح الفرصة للنظر السّديد والتّدبير المحكم.
وحين يوسّد الأمر إلى غير أهله وينزوي الأخيار، فانتظر صروف اللّيالي ومفاجآت الأقدار.
هـ- طوالع الألفية الثالثة:
آذنت الألفية الثّانية بالغروب، وهي تجرّ أذيالها وتلفّ في أكفانها القرن العشرين، بما حمله من صروف وكروب، وبما اندلعت فيه من فتن وحروب، منّ الله فيها على كثير من المستضعفين بالتّحرّر والانعتاق، وأدركت فيه المعرفة البشرية شأوا بعيدا في الكشوفات العلمية في محيط الأرض وفي الآفاق.
لقد واكبت هذا القرن في أغلب عقوده أي من الثّلاثينيات، فجنيت من روضه الورد والشّوك وذقت من كأسه الشّهد والصّاب، وكم واكبني في مسيرتي من خلاّن وأصحاب، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما منهم إلا مخلص غيور، لم يدّخر وسعا في تقديم الدّعم والجهد في نهضة بلده وبناء صرح مجدها، ولكل منهم شرف الأحدوثة في التّاريخ والأجيال، وقد قمت بجهد متواضع في التّرجمة لبعضهم بمحاضرات نسّقتها وألقيتها في عدّة مناسبات، جمعتها في كتاب بعنوان: "جيل النّهضة والإصلاح، في العطفاء بلد النّضال والكفاح".
أما كتاباتي الأخرى فبإزاء ما طبع منها، فإنني أركزّ جهدي اليوم لطبع التّفسير: وهو ثمرات جهدي لأربعين سنة تقريبا على منبر المسجد الجامع، دروسا شفوية كانت تسجّل على الأشرطة، فقررت أن أبرزها بأسلوب التّأليف لتبقى تراثا لأجيالنا وينتفع بها الدّارسون من أبنائنا في علوم الشّريعة، وعنونت لها بـ"نفحات الرّحمن في رياض القرآن". وأنا اليوم بصدد ترتيبها وتنسيقها للطباعة. (1/209)
صفحة 210
ومؤازاة لهذا العمل في خدمة كتاب الله. شرعت في شرح كتاب الجامع الصّحيح للإمام الرّبيع بن حبيب - رضي الله عنه -، وخصّصت لذلك ليلة الجمعة في المسجد الجامع، وأبرزت هذه الدّروس هي الأخرى بأسلوب التّأليف في كتاب عنونته: بـ"حديث يوم الخميس". تمّ لي منه جزءان. وانتهيت فيه إلى أحكام الزّكاة. وهناك سلسلة كتب أعددتها تأليفا لدروس أخلاقية واجتماعية ألقيتها -أيضا- على منبر المسجد وهي بعنوان: "من أخلاق القرآن". أرجو من الله أن يوفق أبنائي ورفاقي إلى طبعها.
وأما مذكراتي، فهي البحر الواسع للباحثين والدّارسين بلغت اليوم حوالي ستة آلاف صفحة في ستّ وعشرين سجلاّ. أسجّل فيها الأحداث اليومية التي تمرّ على البلد محليا أو إقليميا أو وطنيا في بعض الأحيان، وأضّمنها آرائي وانطباعاتي. وقد يكدّر صفو علاقاتي برفاقي تصرّف مريب، أو موقف غير لائق، أو تصريح لا مسؤول. فتتوتر العلاقات بيننا -أحيانا- وقد تؤدي إلى بعض الملاحاة، ولكنني لا أقطع حبل التّواصل حفاظا على المصلحة العامّة.
ومهما كظمت غيظي وانطويت عنهم لفترة، فإنني أجد المتنفّس في ما أسجّله في مذكّراتي، فأذكر الحادثة بكل تداعياتها، وأدين من تسبّب فيها، بأسلوب حادّ -أحيانا-، ثم أدع للأيام حسم القضية، وكثيرا ما تنصفني فيتبيّن للمسيء مدى خطئه في حق الأخوّة والصّداقة. وأنا في موقفي ذلك أتمثل بقول بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت، وأيّ النّاس تصفو مشاربه.
فعش واحدا أوصل أخاك فإنه ... مقارف ذنبا مرّة ومجانبه.
وأقسى المواقف على نفسي، تلك التي تفوح منها رائحة الإهانة، ممن ركبهم الغرور من رفاقي، وممن يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وما أكثر هذا النّوع من الأصدقاء في هذا الوقت النّكد الذي نعيشه. (1/210)
صفحة 211
وإن كنت لا أملك تقويم اعوجاجهم، فإن كرامتي الشّخصية في مثل تلك المواقف الشّائنة تفرض عليّ نوعا من الاحتجاج للدفاع عن النّفس، حتى لا يعتبر حلمي وصبري إنخذالا وضعفا، ولله درّ المتنبّي إذ يقول في تصاريف الزّمان وموقف النّاس أزاءها:
ومراد النّفوس أصغر من أن ... تتعادى فيه أو أن تتفانى
غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا
وإلى جانب "المذكّرات" هناك تأليف إرشادية في حلقات معنونة بـ "من أخلاق القرآن"، طبعت منها الحلقة الأولى لبيان صفات عباد الرّحمن من أواخر سورة الفرقان. وقد أعددت للحلقة الثّانية تفسير سورة الحجرات، وللحلقة الثّالثة الوصايا العشر ووصية لقمان لابنه. وكلها دروس خصّصت لموسم شهر رمضان المعظم. ولعلّ أبرز تأليف في المجال الإرشاديّ والدّعويّ هو كتاب: "النّداء الرّبّاني للمجتمع الإيماني"، كنت جمعت فيه أغلب ما ورد في القرآن الكريم من نداء ربّ العالمين: بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، قسّمت مواضيعها إلى مختلف أبواب الفقه، من معتقدات وعبادات ومعاملات وأخلاق وإرشادات وذكريات تاريخية وهناك إلى جانب ذلك رسائل مطوّلة ومحاضرات مستقلة، كلها بخطّ يدي، تنتظر الإخراج والتّنسيق، أرجو من المولى العليّ القدير أن يتيح لها جهود الدّارسين والباحثين للنشر والتّحقيق.
و- ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل:
فسبحان الذي خلق الإنسان فشغله بالعمل، وألهاه بالأمل، وحمّله أمانة التّكليف فحمل، وكثيرا ما يحتدم الأمل في نفس الإنسان وقد بلغ من الكبر عتيا، وذلك هو ما جاش في نفسي وقد ذرفت على السّبعين، وألحّ عليّ التّدهور الصّحيّ فأصبحت أشدّ ما أكون ابتعادا عن واقع النّاس، ولكنّي لم أنقطع عن دروس التّفسير في المسجد الجامع ولا عن صلاة الجمعة فكنت أصعد على السّيارة إلى أعلى القرية عند مصلّى "عمّي حمو" لأسلك الطّريق الوطيء من هناك على رجليّ إلى الجامع. (1/211)
صفحة 212
وكم راودتني آمال رجوت من المولى تبارك وتعالى أن يمدّ لي حبل الأجل حتى أحققها، وكنت أتحيّن الفرص لها وأوفّر ما يتاح لي من الأسباب لتحقيقها:
أ) - جلب آلة "كومبيوتر" لإدخال كل إنتاجي في مذكرته تفسيرا وحديثا وغيرهما من الدّروس الأخرى، وقد تجمّع من كل ذلك من تسجيلات المسجد ما يقرب من ألف شريط، أخذت تنطمس شيئا فشيئا بمفعول الحرارة وعدم استنساخها، ومن حسن الحظ أن فكّر بعض أساتذة النّهضة في إنشاء "مشرطة" تكون تابعة للنّشاط الثّقافي في المدرسة، فوقع التّنسيق بين وكيل المسجد والمصالح المالية في الجمعية لجلب آلات التّسجيل السّريع، إحداهما للأشرطة والأخرى للأقراص المضغوطة فتكفل الابن "أحمد" مع جماعة من الأساتذة بإجراء عملية التّسجيل والاستنساخ مع تنسيق أغلفة للأشرطة بديعة الصّورة متنوعة ما بين التّفسير والحديث والدّروس الاجتماعية والأخلاقية، فتهافت الجمهور على طلب شرائها ووزعت بذلك على كل مراكز جماعاتنا في الشّمال، وعلى مستوى الأسر.
ب) - لقد تطوّرت أساليب التّسجيل في المسجد فأصبح يستوعب الصّورة والصّوت، كما اتخذنا للدروس جهاز إرسال " F.M" يبث الصّوت إلى كل الدّيار في محيط القرية وضواحيها، وذلك زيادة على خيوط الهاتف إلى كل المصليات. ولا يخفى ما للمنبر الواحد من الأثر في توحيد الصّفوف بالنّصح والإرشاد المتحد.
ج) - التّنسيق مع جمعية النّهضة لتتولّى طباعة التّفسير "نفحات الرّحمن في رياض القرآن"، وقد وفقني الله تعالى لإتمام التّأليف بحيث يتماشى مع دروس المسجد، وقد أنهيت تفسير تسعة وعشرين جزءا، وانتهيت إلى سورة الأعلى، وقد طبع من التفسير ثلاثة عشر مجلدا، والمجلد الرابع عشر النهائي بصدد الإعداد للنشر بحول الله تعالى.
وما تزال دروس التّفسير متواصلة في المسجد ما دمت أتحرك وأتكلم بعون الله. (1/212)
صفحة 213
د) - لقد أنجزت بناء قاعة لمكتبتي الخاصّة، اخترت لها سطوح مستودعات ثلاثة عند باب الخراجة: أحدهما هو ملك لي، والثّاني للسّيد الحاج أمحمد صالح بن إبراهيم، والثّالث لأبناء المرحوم السّيد: بابا عدون الحاج إبراهيم بن عيسى. وقد رتبت معهم إجراءات التّسجيل للإذن بالاستغلال والهبة، والمكتبة تحمل اسم "التّوفيق"، وهي تضمّ مكتبا صغيرا خاصّا بي أحفظ فيه المخطوطات والوثائق، ثم قاعة أنيقة للمطالعة محاطة بخزائن الكتب وتتوسطها مناضد وكراسي على شكل مربّع، وتتوفّر على كل وسائل الرّاحة من مكّيفات الهواء ومراوح كهربائية مسخّنات ... إلخ وأرضها مفروشة بالموكيت.
لقد تمّ تدشينها -بعون الله- في يوم مشهود ليوم الجمعة 06 شوال 1425هـ الموافق ليوم 19 نوفمبر 2004م، حضره العزابة والأعيان والأساتذة، ونظرا لضيق القاعة وكثرة المدعوين فقد توالت الوفود في ثلاث ساعات على دفعات من التّاسعة إلى منتصف النّهار، فألقيت بالمناسبة كلمات وقصائد هي مسجلّة في سجلّ خاصّ بعنوان: "الدّرّ النظيم في فعاليات التدشين والتكريم"، وقد أصبحت هذه المكتبة -بفضل الله- موئلي وملاذي ومربط جهدي ونشاطي، ومهبط فكري وإلهامي، لا أكاد أبرحها في غدوّ أو رواح إلا لبيتي استجماما وراحة، أو لبيت الله وعظا وإرشادا، أو حضورا لجلسات الحلقة، فهل لي من متعة روحية من وراء ذلك إلا حسن الخاتمة، وطيب المآل إلى جوار ربّ العالمين.
هـ) - وقد آليت على نفسي أن تكون المكتبة مركزا للجنة تتولى الفتوى الشّرعية بصفة جماعية، أخصص لسجلاتها ووثائقها خزانة خاصّة بها وتجتمع دوريا في المكتبة كل أسبوع، ألازم جلساتها ما استطعت، وتستمرّ على نشاطها -بعون الله- بعد وفاتي إلى ما يشاء الله وصية لأولادي من بعدي.
واللّجنة تتكون اليوم من الأساتذة معي: (1/213)
صفحة 214
الحاج أيوب محمد بن إبراهيم قرادي ... الحاج ابراهيم محمد بن بكير ... سعيد بكير بن عمر ... كروم الحاج أحمد بن حمو ... الحاج أمحمد أحمد بن محمد ... بابا عمي مصطفى بن حاج أحمد ... الحاج عيسى صالح بن حاج عيسى ... بكلي حاج أحمد بن عيسى بن بنوح ... سماوي عيسى بن يحيى ... حمودين بكير بن داود. ... الحاج أمحمد قاسم بن عمر بن عيسى
وتحضر النّدوة الأخت: بكلي بابه سعيدة بنت محمد في حرز جانبي، وخصّصنا للقاء يوم الإربعاء، وتسجل الأجوبة في سجلّ خاصّ يبقى في المكتبة، وللأخت سعيدة سجل خاصّ تحمل فيه الأجوبة الخاصّة بالمجتمع النّسويّ، ويتولّى كل أستاذ مراسلة المستفتي الذي قدم إليه السّؤال.
ولي مجموعة كبرى من تلك الأجوبة التي حررتها بقلمي مقرونة إلى السّؤال المكتوب الذي وجّه لي، وهي محفوظة في ملفّ خاصّ بعنوان "الفتاوى الشّرعية".
و) - تعرضت لرجفة صحية سنة 1424هـ، فقدت فيها الأمل في الحياة تماما، فحزّ في قلبي أن أترك الفراغ على منبر المسجد، ورأيت أن لا مناص من تدريب بعض الوعاظ من الأساتذة النابهين يتحملون مسؤوليتهم الكاملة لملئ ذلك الفراغ فوقع اختياري على الأساتذة:
الحاج إبراهيم محمد بن بكير بوكابوس ... بابا عمي مصطفى بن حاج أحمد ... الحاج أيوب محمد بن إبراهيم قرادي ... بكلي حاج أحمد بن عيسى بن بنوح
الحاج أمحمد قاسم بن عمر.
وينضاف إليهم كل من توفرت فيه الشّروط من الحصيلة الشّرعية وحسن الأحدوثة لدى جمهورنا الكريم. (1/214)
صفحة 215
وهكذا أقضي ما بقي من عمري، وأنا مرتاح الضّمير بأنني استخلفت ولم أحتكر، وبادرت ولم أنتظر، والله يشهد أنني لم أدّخر وسعا في تحمّل أمانة التّوجيه والإرشاد بصدق وإخلاص لما يقرب من أربعة عقود. حبّا لهذا البلد الطّيّب وطلبا لمرضاة الله، لا أريد بذلك من النّاس جزاء ولا شكورا. وقد أراني المولى تبارك وتعالى ثمرة جهدي صلاحا وخيرا في البلد، وبرّا وقرة عين في الولد، وعافية في العقل والجسد، وأنا أتدحرج اليوم إلى التسعين، فلا أتخلف عن حصة التّفسير في المسجد الجامع، فاللّهم زدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وكن لنا ولا تكن علينا، إنك على كل شيء قدير.
ز) - لقد هفا قلبي إلى زيارة الأماكن المقدسة لثالث مرة فبادلتني زوجتي نفس الشّعور، إذ أرادت هي الأخرى معاودة الحج للمرة الثّانية، فكان من فضل الله ومنته علينا أن يسّر لنا تحقيق هذه الأمنية الغالية، وبأحسن مما كنا نرتقبه إذ رافقنا في هذه الزّيارة كل من ولدنا "أحمد" وابنتنا "عائشة" برفقة زوجها الأخ: بكلي صالح بن محمد. فتمت حجتنا وعمرتنا في أحسن الظّروف. وذلك في موسم 1424هـ/ 2004م. وقد قمت بأداء كل المناسك بكيفية طبيعية إلا في رمي الجمرات فقد بعدت عليّ الشّقة من موقع خيام جماعتنا في "منى" إلى موقع الجمرات إذ تكفل بذلك الابن أحمد. وكنت قد أمّمت حجيجنا في موقف عرفات. وتولّى الأستاذ: بهون علي محمد بن عمر تلخيص أحداث الرّحلة كلها دبجت مقدمتها بقلمي، جعله الله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا. (1/215)
صفحة 216
ح) - وأغلى أمنية تحققت لي -بفضل الله- وببركة دعاء الشّيخ عدون -رحمه الله- هي إكمال الحلقة الغائبة من تفسير الشّيخ الإمام بيوض الحاج إبراهيم -رحمه الله- إذ انطلق التّسجيل بكيفية منتظمة رتيبة لدروسه في التّفسير بجامع القرارة. انطلقت من قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء:70]. فتولّى كل من الأستاذين: الشّيخ المرموري الحاج النّاصر والشّيخ بالحاج عيسى بن محمد بن بابه تولّيا نقل تلك الدّروس من المسموع إلى المقروء بعنوان: "في رحاب القرآن". ولا يزال العمل جاريا في التّنسيق والطّباعة.
غير أنه -وإن كان مجهودا مشكورا- فسيبقى ناقصا، لعدم توفّر وسائل التّسجيل قبل ذلك، بينما الشّيخ -رحمه الله- قد ختم تفسير القرآن بأكمله، وكان من فضل الله عليّ أن وفقني لسدّ ذلك الفراغ بما ألفته من تفسيري: "نفحات الرّحمن في رياض القرآن".
ولا تسل عن فرط سروري وشكري لله، وأنا في غمرة من ضيوف الرّحمن جالسا على المنبر أفسّر قوله تعالى في نفس الآية من سورة الإسراء، وقد وقفت عندها وقفة تاريخية تأثّر لها الجمهور الكريم تأثرا بالغا، إذ ما كنت أتوقع أن يمدّ الله لي في حبل الأجل حتى أبلغ تلك الآية.
وفي غمرة الفرح والتّأثر قرّر العزابة تكريمي لتلك المناسبة، وصادف التّفسير المذكور أن كان موضوعا لدرس المولد أي ختام سورة الإسراء من قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الإسراء:105]. حتى ختام السّورة الكريمة.
وقد تمّ حفل التّكريم كما تقرر مدمجا في حفل المدائح الدّينية المعتادة في ليلة المولد بالمسجد الجامع وهو يصادف يوم الاثنين 11 ربيع الأول 1427هـ الموافق ليوم 10 أفريل 2006م. حقا كانت ليلة مشهودة حافلة بالكلمات والقصائد جمعتها كلها في سجل: "الدّرّ النّظيم". (1/216)
صفحة 217
ثم تبع ذلك تكريمات أخرى لا تقل روعة عن المبادرة الأولى في المسجد، منها:
أ) - تكريم خاصّ أقامته عشيرتي "أولاد باكة" في ليلة ما بعد المولد دعت إليه حلقة العزابة والأعيان وكثيرا من الأساتذة والإطارات، وأعدت لذلك وليمة عشاء فاخرة ألقيت فيها -أيضا- كلمات مناسبة.
ب) - دعوت هيئة "الغاسلات" لوليمة غذاء على شرف المناسبة. فتلون ما تيسّر من القرآن في منزلنا ودعون الله لي بطول العمر وبمزيد من التّوفيق.
ج) - قامت جماعة من طالباتي القديمات في مدرسة النّهضة، قمن بحفل تكريم في قاعة المكتبة بحضور بناتي وحفيداتي.
د) - انتهزت تنسيقية "آل العطف" في العاصمة، انتهزت مناسبة سفري إلى الجزائر العاصمة لإجراء الفحوص الطّبية المعتادة، فأعدت لي تكريما ممتازا في كل من مركب "العالية" ومركب "المنار" بالحميز ليومي الخميس والجمعة 27 - 28 ربيع الثّاني 1427هـ الموافق ليومي 25 - 26 ماي 2006م.
وقد فصّلت أحداث ذلك المهرجان الكبير في "المذكرة" كما جمعت ما قيل فيه في السّجل المذكور: "الدّرّ النّظيم". (1/217)
صفحة 218
وقد توجّت التّلفزة الوطنية فعاليات ذلك التّكريم بلقطات رائعة للحفلين، ظهرت فيهما بزيّ الحلّة البيضاء على أتمّ إجلال ووقار، فتجاوب الجمهور معها وتركت صدى كبيرا في كل الأوساط. وانتهز أبناؤنا الصّحفيون فرصة وجودي في العاصمة فعزموني على زيارة مبنى التّلفزة الوطنية، وما كان لي إلا أن لبيت الدّعوة صحبة الإخوة: "دادي حمو بالحاج بن صالح، بابا عدون الحاج عمر بن إبراهيم، الحاج أيوب أحمد بن عيسى". وكان رائدنا في مبنى التّلفزة الصّحفي الابن: الحاج سعيد داود والابن: بكلي نور الدّين بن بالحاج. تجّولت في بعض الأقسام وصادفت النّشرة الأمازيغية على السّادسة وكانت بأداء الابن بكلي نور الدّين. وكان المبنى عبارة عن خلية نحل تتكامل فيه الأعمال بدقة ونظام، والعمال يحيونني باحترام وتقدير وأنا على هيئتي حسبما ظهرت بها على الشّاشة. والكلّ يرجو مني الدّعاء الصّالح. كانت لحظات سعيدة تعرفت من خلالها على كثير من المديرين والتّقنيين، وقد رافقني البعض منهم حتى مخرج المبنى إجلالا وإكبارا.
لقد عظمت المنة في نفسي لذلك التّكريم. إذ شمت فيه مدى تعلّق الإخوة والأبناء بشخصي الضّعيف اعترافا بالفضل لذويه. وتخليدا لمأثرة جهادي الطّويل في مجالات الخير والصّلاح للبلد، وصدق الذي قال:
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
وكانت تلكم التّكريمات العفوية تمحيصا كبيرا لمجموعة رفاقي على الدّرب، إذ شارك الأوفياء منهم بحرارة وإخلاص في كلّ فعاليات التّكريم هنا وهناك. وإذ عظمت في نفسي جهود القائمين على تلك التّكريمات فقد حبّرت رسائل شكر وامتنان لهم أفرادا وجماعات هي كلها مسجلة في سجل: "المجموعة السّنية، للرسائل الأدبية". والله لا يضيع أجر المحسنين. (1/218)
صفحة 219
ط) - من علامات الصّحة والخير والصّلاح لهذا المجتمع الفاضل أن يقبل أبناؤه الطّلبة على حفظ القرآن واستظهاره بحسن أداء وترتيل فبادر بعض الأساتذة المخلصين وعلى رأسهم الأستاذ: بكلي سليمان بن محمد بن عيسى، بادروا بتنظيم تربّص مغلق يدوم لشهرين في العطلة الصّيفية وبتشجيع من بعض المحسنين الأوفياء اتخذوا من أجنة "آل بوبكر" في "الشّعبة" مركزا لذلك التّربّص، والذي اختاروا له نخبة من أولئك الطّلبة أخذ يزداد عددهم في كل سنة بدءا من عام:2001م.
سار الموكب الرّاشد على بركة الله بخطى ثابتة في المركز المذكور إطعاما وإيواء وتعليما وتوجيها، مما كان له الأثر الطّيّب لدى الأولياء فأخذوا يتسابقون إلى تسجيل أبنائهم، وأخذت أفواج المستظهرين تترى في كل سنة ويكرمون في حفل رسمّي بالمسجد الجامع ليلة السّابع والعشرين من رمضان. فتجمع منهم عدد كاف لتطعيم هيئة "إروان" ومن ثمّ تقرّر تكليفهم بإمامة صلاة التّراويح في شهر رمضان المعظم بالتّلاوة المتتابعة لسور القرآن في أداء بديع. وتتولى هيئة "إروان" توزيعهم على مختلف المصليات يتناوبون إلى إمامة المصلين طيلة الشّهر، والكل يباركهم ويدعو لهم بالخير.
وكان لأسرتنا شرف السّبق في هذا المجال إذ تهيّأ لهذه المهمّة المباركة، وانتظم ضمن الأئمة المذكورين كل من أحفادنا: سعيد صالح بن أحمد، سعيد أمحمد بن إبراهيم "بابه" وكان سعيد الأمين بن نور الدّين ضمن المستظهرين في التّربّص الصّيفي لسنة 1427هـ/ 2006م. فلله الفضل والمنة إذ استجاب دعوتنا، ونحن ندعوه بها في كل صلاة: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74]. (1/219)
صفحة 220
ولترسيخ هذه المكرمة في الاستكثار من جنود الله وحملة كتابه. رأى عقلاء البلدة سيما أعضاء حلقة العزابة. أن يؤسسوا مجمّعا قرآنيا على أرض المسجد العتيق بجنان "الجاوة" يغدو ثكنة مباركة لتربّصات ذلك الجند العتيد، يجد فيها كل وسائل الرّاحة والتّعليم والتّوجيه. تبلورت الفكرة لدى مفكرينا، كما اقتنع بها جمهورنا الكريم، وهو يبارك جهود أولئك الشّباب الصّالح ينساب من حناجرهم ذكر الله على محاريب المساجد والمصليات فتدمع له العيون، وتوجل له قلوب المؤمنين من خشية الله. (1/220)
صفحة 221
فرأينا الفرصة سانحة لتحقيق هذا الحلم، وبادرنا بالتّخطيط والإعداد، فانطلق المشروع على بركة الله في يوم مشهود حضره سراة البلدة، وكانت ورشة "آل خير النّاس" حاضرة بكل أجهزتها وعمالها وخبراتها في المكان والزّمان المقرّرين: أي يوم 03 ذو القعدة 1423هـ الموافق ليوم 06 جانفي 2003م. فسارت الأشغال على وتيرة منتظمة لم يطرأ عليها عطل ولا خلل. ولم يعوزها المدد الماليّ للنّفقات اللازمة. وذلك بجهود المخلصين من أبناء البلدة عزابة وأعيانا ومهندسين وتقنيين. وما إن مضت سنتان على الإنجاز حتى أصبح المشروع جاهزا بكل مرافقه الضّرورية للإيواء والإطعام والتّدريس. فتقرّر توظيف "المجمّع" بدءا من سنة 1425هـ/2004م. فتمّ افتتاحه وتدشينه بتلاوة مباركة حضرها حشّد كبير من المواطنين. وكانت لي -بعون الله- صولات وجولات في الدّعاية للمشروع إن على منبر المسجد، وتسجيلا على أشرطة "الفيديو" لبثها على جماعاتنا في مدن الشّمال. فلم يخب لنا رجاء -بفضل الله- في إحسان جمهورنا وبرّه. وهو ما يزال إلى اليوم يبذل بسخاء لإضافة بعض التّحسينات لمحيط المشروع وزيادة المنشآت الرّياضية. وكان حسن النّوايا وعنصر الإخلاص هو العامل الأساسّي في نجاح المشروع. وذلك ما جسّده الإخوة المتطوعون ميدانيا، شكر الله سعيهم وبارك جهودهم. ويبقى اليوم أمر تشغيل "المجمّع" لكامل السّنة وما نوعية الطّلبة الذين يحتضنهم، وما هي البرامج التي تختار لهم. إلى غير ذلك من مهامّ التّسيير لهذه المؤسسة العتيدة، زيادة على التّربّص الصّيفي المعتاد. فإن هذه القضية أصبحت شغلنا الشّاغل. ويتعلق أمر حلّها بجمعية النّهضة. فنرجو أن تتوصّل قريبا إلى تخطيط محكم وتنفيذ حازم يعود على أبناء البلدة كلهم بالنّفع الجزيل، سيما للمتسرّبين منهم من المدارس. (1/221)
صفحة 222
وبالموازاة مع المجمّع القرآني للذّكور في "الجاوة" تحفزت همة الابن: خير النّاس يحيى بن حاج محمد شخشوخ بعد وفاة أخيه: الحاج أيوب ... -رحمه الله- تحفزت همته أن تتولّى مقاولة "خير النّاس" بناء مجمع آخر يخصّص للبنات على أرضية هي ملك للأخوين في حيّ "سيدي إبراهيم" يعلو لأربعة طوابق ويتوفّر على كل المرافق اللازمة لتحفيظ القرآن والتّربصات الخاصّة بتعليم الصّلاة للبنات. وقد نسقت العمل مع الابن: "يحيى" وتناقشنا في تصميم المشروع. تقبل الله منهما وبارك في مقاولتهما.
أما بعد: فماذا ينتظر الإنسان بعد الثّمانين إلا أن يوفقه مولاه لحسن الخاتمة وخير المآب. وإني على ما أعانيه من الضّعف والوهن لا أخلد إلى الكسل والخمول، بل إنني ما أزال أحمل نفسي على النّشاط الفكريّ لمتابعة دروس التّفسير، إن بالتّأليف على السّجلات، أو بإلقاء الدّرس على منبر المسجد الكبير. وسأبقى -بعون الله- على ذلك ما متعني الله بقوة الإبصار، وبقدرة رجليّ على متابعة المشوار.
وخير ما يزوّدني به أبنائي وأحبابي ورفاقي هو دعاء صالح وابتهال إلى الله تعالى أن يتقبل منى هذا العمل المتواضع في خدمة دينه وكتابه، والرّفع من شأن بيته ومحرابه. وأن يتوّج رحلة عمري بحسن الأحدوثة والذّكر، وأن يجعلني ممن قدّر نعمة الله عليه وقدّم لها ما تستحقه من الشّكر.
تداعيات الهرم
أ) - في المجال الاجتماعي:
- على مستوى البلدة.
- على مستوى المسجد.
- على مستوى العشيرة.
ب) _ في وضعيتي الصّحية:
- الفحوص والكشوف
- العملية الجراحية
- أيام المستشفى والنّقاهة
جـ) - الأيام الكالحات:
- على المستوى المحلّي
- على المستوى الوطني
د) - أغلى الأمنيات:
- ختم تفسير القرآن الكريم
- انتظار النّهاية
تواريخ لأحداث معينة.
- تدشين مصلى "الجاوة":
- يوم الأحد 07 شعبان 1434هـ الموافق لـ 16 جوان 2013م.
- لقاء العشيرة الأول:
- يوم الجمعة 19 ربيع الثّاني 1434هـ الموافق لـ 01 مارس 2013م. (1/222)
صفحة 223
- اللّقاء الثّاني:
- يوم الجمعة 22 جمادى الثّانية 1434هـ الموافق لـ 03 ماي 2013م.
- الدّعاء لانطلاق أعمال الحفر:
- يوم الثلاثاء 14 ذو الحجة 1435هـ الموافق لـ 30 أكتوبر 2014م.
- التّمهيد للمشروع: في لقاءات خاصة مع أعيان العشيرة أهمه لقاء تمّ
- يوم الأحد 15 ربيع الأول 1434هـ الموافق لـ 27 جانفي 2013م.
لإعداد مطويّ للمشروع وقرص يضبط نشاط العشيرة من أواسط القرن الماضي إلى يومنا مع كلمات تحريضية لاحتضان المشروع.
تداعيات الهرم
ها أنا ذا -بفضل الله- أتدرّج إلى التّسعين، ولي من الأولاد والأحفاد ما يربو على المائة، ويشكّلون لوحدهم في مناسبات الأفراح والأتراح حشودا كبرى لا تسعهم الدار الواحدة، وما منهم إلا بشر سويّ يشق طريقه في الحياة بسعي دؤوب وآمال واعدة.
وأحمد الله أن حافظت على كياني فلم أتكئ في مشيي على عكاز، ولا أطلب مساعدا لقضاء حاجاتي، بل ما زلت أحتفظ بذاكرتي وهدوء أعصابي، وأنعم بنوم هادئ، وأتمتع بشهية طيّبة، وإن كان كيس الأدوية وأنابيب "الأنسولين" لا تفارقني في صبح أو مساء، وفي حلّ أو ترحال، فالله الحمد والمنة على كل حال، فإذا سئم زهير تكاليف الحياة في الثمانين، فلست أحمل شعوره، وأنا أذرف إلى التّسعين، إن ربي لطيف لما يشاء، وهو القاضي في الأعمار بما يشاء.
أ) - في المجال الاجتماعي: (1/223)
صفحة 224
- على مستوى البلدة: لم أتخلّ يوما عن مسؤوليتي الاجتماعية في البلد، وإن قلصّت كثيرا من المهام لأتفرغ أكثر إلى تفسير كتاب الله رجاء ختمه قبل نهاية العمر، فما كادت عهدة البلدية تنتهي في نوفمبر من سنة 2007م حتى تحرك الرّاغبون في المسؤولية لإعداد حملاتهم الإنتخابية للبلدية الجديدة، في ظل التّعددية الحزبية، وقد كثف مجلس الأعيان من مشاوراته مع أعيان العشائر وهيئات المجتمع المدني لإيجاد قائمة واحدة يقع عليها الإجماع تفاديا لأي فتنة أو صراع، وكنت أشم بوادرها في الأفق، ولا أملك الخوض بنفسي في أتون المعركة؛ لأن المعطيات اليوم غيرها بالأمس، وكنت أتوقع ثوران العاصفة، فحذّرت أعضاء الحلقة من الزّجّ بأنفسهم في تلك المهاترات، حتى يبقوا ذخرا للحكم بين الفرقاء إذا ما ندّ بهم الصّراع والشّحناء، مما هو من طبع البشر في الصراع على الكرسيّ والجاه، وقد عاهدني العزابة كلهم على ذلك، فطبت نفسا وانخدعت بتلك الوعود، وقد أفرزت مشاورات الأعيان بعد ملاحاة وعناد، أفرزت ثلاث قوائم تحت مظلة الأحزاب الآتية:
أ) - جبهة التّحرير الوطني: وعلى رأس قائمته الأخ: ابن يوسف إبراهيم بن حاج داود.
ب) - الحزب الدّيمقراطي الوطنيّ: وعلى رأس قائمته الأخ: بابا عدون الحاج عمر بن حاج إبراهيم.
جـ) - حزب الجبهة الشّعبية: وعلى رأس قائمته الأستاذ: الحاج أمحمد محفوظ بن باسعيد.
فما كادت الحملة الانتخابية تنطلق في أيامها الرّسمية حتى هاجت البلاد وماجت إذ تحركت النّعرات القبلية واحتدمت النوازع النفعية والمصالح الشّخصية لتغلب قائمة على أخرى. (1/224)
صفحة 225
ولم تخل الحملات من سفاهات ودعايات دينية مسّت كثيرا من أعضاء الحلقة ممن أخلفوا الوعد، فخاضوا إلى الأذقان أتون المعركة، فحدث ما لم يكن منه بدّ من ضرب وحدة البلاد والتنابز بين الجماعات والأفراد، وحتى طاقم المعلمين في النّهضة وأبي سالم لم ينج من الخوض مع الخائضين، فمن لي بعد هؤلاء من المساعد الأمين؟. فقد أحاط الموج من كل مكان بالسفين، فلا صريخ ولا مغيث إلا الله ربّ العالمين.
لقد فازت قائمة حزب جبهة التّحرير، فارتفع الأخ ابن يوسف إبراهيم إلى مقام المسؤولية في البلدية وفاز عضوان للقائمتين الأخرين. (1/225)
صفحة 226
وأمام ذلك التّهافت المسعور انطوت النّفوس على الغيظ ولم يتوقع العقلاء خيرا يذكر من تلك البلدية، إذ لا خير في مؤسسة قامت على الانتهازية وعلى الحمية، أصبحت كئيب النفس بما آلت إليه البلاد من آثار تلك العاصفة الهوجاء، أتجرع مرارة الخيبة ولا يبادلني في ذلك إلا القليل من الرّفاق، ولا يكادون يرون للأزمة انفراجا، من بعد ما فقدت الحلقة مصداقيتها، وانحلّ مجلس الأعيان وتخلى الرّبان عن السّفينة الغارقة، لأن فساد الدّين والرّأي هو الحالقة. وقد توفي إلى رحمة الله الأخ بهون علي سليمان بن الحاج أحمد -مؤذن أبي سالم- توفي بعد مرض عضال، فكانت له ختمة مشهودة لمأتمه في مسجد أبي سالم حضرها أغلب من في البلد، فانتهزت الفرصة وألقيت درسا مؤثرا بليغا ندّدت فيه بالتّصرفات اللاّمسؤولة في عملية الانتخابات، وأن الوضع الكئيب الذي أصبحت عليه البلدة لا يمكن أن يستمرّ، فلا بدّ للعقلاء من التّحرك لرأب الصّدع، وإني أبرأ إلى الله من أولئك الذين تسببوا في هذا الوضع، فلا أرضى لأحد أن يعتبرني منذ اللّحظة شيخا للعزابة، ولا مرجعا لأي رأي، فلا يبقى بيني وبين الجمهور الكريم إلا دروس التّفسير ولجنة الفتوى. وهكذا تركت النّاس في حيرة من أمرهم يحلّلون ويعلقون، وأزمعت السّفر بعائلتي إلى العاصمة للفحوص الطّبية والاستجمام على نيّة قضاء عيد الأضحى هناك مع أولادي، وقد حررت للعزابة رسالة غيظ جاء فيها: (1/226)
صفحة 227
"أيها الإخوّة الأجلاء، لقد وعيتم جيّدا حديثي للجمهور في مسجد أبي سالم، ولا أريد في هذه العجالة إلا أن أؤكّد لكم ما قلته يومئذ بصفة خاصّة، حتى لا تظنوا أنّ ذلك كان مني في فورة غضب سرعان ما هدأت وانزاحت سحابتها، كلاّ، بل أؤكّد لكم مرّة أخرى بأنّني قد أنهيت مهمّتي الاجتماعية وقطعت كلّ علاقة بالنّاس، فلا تنظروني في موقف أو مناسبة، ولا تلتمسوا منّي تمثيلا للحلقة في ما تدعى إليه من قريب أو بعيد من الآن فصاعدا، إلا ما ييسّره الله عليّ من متابعة دروس التّفسير أو الإجابة عن فتوى شرعية.
فإنكم لا تعدمون من بينكم من يقوم مقامي، فإن الرّجال يزولون والمؤسسات تبقى. ولا شك أن هذا الموقف مني هو أسلم لكم حتى لا تفاجئكم الطّوارئ ولا تعاجلكم الأحداث، ألا هل بلغت؟، اللّهم فاشهد".
يوم 27 ذو القعدة 1428هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2007م.
وما كاد عيد الأضحى يطرق الأبواب، ولم يبق ليومه إلا يوم واحد، حتى اختار العزابة في العتيق فيمن يتولى إلقاء درس العيد على الجمهور كالعادة، وذلك بعد أن رفض الأستاذ بوكابوس محمد أن يتولّى تلك المهمة في غيابي بدون إذن مني، وذلك منه موقف شريف ينمّ عن الاحترام والتّقدير، فتوالت الاتصالات بي لاستقدامي فورا بأي وسيلة ممكنة لإلقاء درس العيد كالعادة، وما كانت إلحاحات العزابة تؤثر في قراري المغاضب بقدر ما أثرت في نفسي مشاعر الجمهور الكريم، وهو البريء البعيد عن كل ما وقع. (1/227)
صفحة 228
وبعد التّشاور مع عائلتي وأبنائي تمّ الاتفاق على وجوب الاستجابة للدعوة، ويفعل الله ما يشاء، تطبيقا لقاعدة: "بات على غيظ، لا تصبح في ندامة". عدت لتوّي إلى مسقط الرّأس، فانتهيت إليه في ليلة العيد بالذّات، فتنفس النّاس الصّعداء، وارتقبوا كعادتهم منى درسا قيّما. وقد ألهمني الله إلى استخلاص موضوعه من تفسير سورة الكهف تناولت فيه فتنة الدّين وفتنة الدّنيا والمال وفتنة العلم وفتنة الجاه والسّلطة، وما هي مسالك النّجاة من تلك الفتن، كان لها الأثر البليغ في الجمهور الكريم، وقد امتد الدّرس إلى أزيد من السّاعة، ثم التزمت بعد ذلك بيتي ومكتبتي، ولم يجرؤ أحد أن يفاتحني في الحديث عن وضعية البلدة وما أصبحت عليه من التململ والاضطراب ومن القيل والقال، في ما سببته الانتخابات من الملاحاة والمراء والجدال، وكان الأخ بلال في بعثة الحج بعيدا عما حدث، ولكنّني وضعته على الصّورة بمجرد عودته إلى البلد ليعرف كيف يتصرّف مع أولئك الذين خاضوا مع الخائضين، سواء من العزابة أو من المعلّمين، فإذا به يتّصل بي هاتفيا في مكتبتي ويطلب اللّقاء بي عاجلا لتبادل المشورة والرّأي، بعد أن اتّصل به بعض رؤساء العشائر يلتمسون منه استدراجي إلى وضع حدّ لتلك المهاترات بالتنسيق معه، وهم مستعدّون لتحمل المسؤولية مهما تطلّب ذلك من الوسائل، فما كان مني إلاّ أن كظمت غيظي مرة أخرى وغلبت الواجب على العاطفة، فتمّ لقاؤنا وتعهّد الأخ بلال أن يأتيني برؤساء العشائر إلى مكتبتي للحوار معهم والتماس الحلّ اللازم للمشكل، فتمّ اللّقاء، وحضر ممثلو العشائر السّبع وهم كالتّالي:
الحاج امحمد عيسى بن عمر، عن أولاد الحجاج.
بابا عدون رمضان بن باسعيد، عن أولاد باكة.
بابا عمي الحاج موسى بن عمر، عن أولاد عبد الله.
عبد العزيز الحاج عمر بن ح محمد، عن أولاد أحريز.
طالب باحمد حاجو بن صالح، عن أولاد مخارج.
الحاج سعيد الحاج عيسى بن محمد، عن أولاد الخلفي. (1/228)
صفحة 229
بابا عمر تيازيط محمد بن إبراهيم، عن أولاد جلمام.
وكنت على رأس الجلسة أنا والأخ "بلال"، فتحت الجلسة بعرض لبق عمّا آلت إليه الأوضاع في البلدة، ولا أحصر المسؤولية في أحد، إذ كل أبناء البلدة أسهموا في ذلك على تفاوت، غير أن القدر الأكبر يتحمّله مسؤولو العشائر بحكم مسؤوليتهم، ثم أشرت إلى صورة تذكارية معلقة على الحائط إلى جانبي، وهي تمثل جماعة العزابة الذين أمضوا وثيقة الصّلح في البلد، وقد أفضوا كلهم إلى ربّهم، ولم يبق منهم إلا هذان الشّخصان أمامكم، وهما أنا ورفيقي الطّالب "بلال"، وكفاكم بذلك عبرة ودرسا تاريخيا لتحافظوا على ذلك الإنجاز العظيم في توطيد دعائم الوفاق والوحدة في البلاد.
قلت ذلك وأنا لا أكاد أتمالك من التّأثر، وقد واساني مسؤولو العشائر بقولهم: "تبنا جميعا إلى الله، فاللهم ألّف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا".
وبعدها رجوت منهم أن يبادروا إلى تجديد أعضاء مجلس الأعيان فورا، وتعهدت بتزكيته بنفسي على مستوى حلقة العزابة، وبذلك رجعت المياه إلى مجاريها، فتمّ تنصيب مجلس الأعيان الجديد برئاسة الإبن الحاج عيسى إبراهيم بن محمد.
فمرت الأيام وانتهت العهدة القانونية للمجلس البلدي، وهيئت الأجواء الوفاقية للانتخابات التّشريعية ثم الانتخابات المحلية، بتنسيق جهود الأعيان ورؤساء العشائر فأفرزت النّتائج عن:
أ) - فوز الإبن دادي حمو بالحاج بن صالح نائبًا وطنيًا.
ب) - الإبن الحاج أمحمد محمد بن حاج إسماعيل رئيسًا بلديًا.
فما أروع الحكمة والأناة في معالجة المشاكل ورفضّ النّزاعات.
ب) - في المجال الاجتماعي: (1/229)
صفحة 230
- على مستوى المسجد: بعد التّجربة الرّائدة لتأسيس المجمّع القرآني للبنين في "أجنة الجاوة" وتخرّج الأفواج الرّائدة من حفظة القرآن، ازداد إقبال الطّلبة على حفظ القرآن، يشجّعهم في ذلك أولياؤهم، حتى اضطرت الإدارة إلى تحديد المعدودات سيما ممن هم من خارج البلدة في القرى الأخرى ووارجلان، وقد ضاقت طاقة الاستيعاب في الجناح الأول، وزاد من أهمية المشروع تنظيم داخلية لتأطير طلبة الأقسام الثّانوية من المؤسسة الرّسمية سيما للسنة النّهائية من أقسام شهادة "الباكالوريا" تحت إشراف المدير القدير الأستاذ: الحاج عيسى الحاج عمر بن إبراهيم.
وأمام ذلك الطّلب المتزايد وقد أصبح المجمّع يؤدّي دوره كاملا في بحر السّنة كلها ولا يكاد يتمتع بعطلة مطوّلة، أمام ذلك الوضع اتجه التّفكير إلى توسعة المجمّع بتأسيس جناح آخر مكمّل يضاعف طاقة الاستيعاب، وقد قام بالمبادرة إلى ذلك جماعة من المحسنين بالتّنسيق مع لجنة المالية للمسجد العتيق، فوضع التّصميم ووكل الإنجاز إلى مقاولة خير النّاس، وفي جنان "الجاوة" متسع لذلك. (1/230)
صفحة 231
وضع الحجر الأساسّي بحضور العزابة وإدارة النّهضة في حفل بسيط، وكنت في طليعة العزابة لوضع ذلك الحجر، وأنا متأكّد من نجاح السّعي على الرّغم من تكاليفه الباهضة؛ لأنني ما شككت يوما في إخلاص النّوايا والتّضحية لخير هذا البلد، فما يكاد يدور الحول حتى ارتفع البناء، وكملت مرافقه للتعليم والإيواء وإقام الصّلاة في قاعة كبرى ومدرج للمحاضرات والاجتماعات، واتخذ للجناحين ممرّ أرضيّ يجمع أجنحة المراقد، وقد أقيم فيه تربّص مغلق لتعليم الصّلاة لسنتي 1434هـ/ 2013م. وهكذا يريد الله تعالى أن يكون للدّنيا ومتاعها يدا طولى على الدّين وروحانيته وتكاليفه، ويشاء الله أن يتمّ تدشين الجناح الجديد للمجمّع بمناسبة زيارة وزير الشّؤون الدّينية والأوقاف الجديد الدّكتور محمد عيسى لولاية غرداية للإشراف على عقد المجلس العلميّ للفتوى لمدة يومين 19 - 20 جوان إذ زار بلدية العطف لتدشين الفرع الجديد للمجمّع يوم الإربعاء 20 شعبان 1435هـ الموافق لـ 18 جوان 2014م. في مهرجان ليلي مشهود جرت فعالياته في قاعة المصلى، وقد أزحت مع الوزير الستار عن اللوحة الرخامية التّذكارية على مدخل البناية وألقيت كلمة التّرحاب في شكر وامتنان إذ تبرع السّيد الوزير بمبلغ نصف مليار سنتيم للمشروع والتفرشة لقاعة الصلاة.
وفي نفس الهدف ولتلك الغاية الحميدة يتابع المسجد العتيق مجهوداته في القيام بدوره الاجتماعي توعية للجماهير وتأطيرا لنشاطهم الدّيني الحيويّ بتركيز المصليات في مختلف الأحياء السّكنية، وقد سعى الفلاحون المستصلحون في ضاية "الجاوة" لإنشاء مصلّى لهم هناك يجمعهم لأداء صلواتهم. وقد اختيرت لموقعه ربوة عالية تشرف على الأجنة، كما حددت حواليه رقعة أرضية فسيحة لتصبح مقبرة تكون امتدادا لمقبرة البلد بعد أن أخذت تضيق برفات الموتى. (1/231)
صفحة 232
وفي يوم الأحد 07 شعبان 1434هـ الموافق ليوم 16 جوان 2013م تمّ تدشين المصلّى من طرف العزابة وبحضور ممثلي الفلاحين فتلونا الخواتيم ودعونا الله بالقبول من المحسنين وألقيت كلمة توجيهية بالمناسبة، ثم عينا من يقوم بوظيف الأذان والإمامة من العزابة، فأصبح مرتبطا رسميا بالمسجد العتيق، يصل إليه صوت المنبر عن طريق جهاز الإرسال Fm كبقية المصليات.
ونظرا لازدياد مسؤولية الحلقة ووفاة كثير من العزابة الأقدمين، فقد دعت الحاجة إلى زيادة في أعضاء الحلقتين، وبما أن الأمر يتطلب حسن التّمحيص والاختيار فقد أوعزت إلى لجنة التّنسيق في المسجد العتيق أن يشرع أعضاء الحلقة في التّفكير مراعين في اختيارهم عناصر من كل حيّ لتولّي المسؤولية في مصلاّهم وأن يكون التّركيز أكثر على المسجد الأمّ.
وبعد جلسات جانبية مع أعضاء لجنة التّنسيق للفرز والتّمحيص والاختيار، ثم ما تلاها من جلسات تشاورية مع أعضاء الحلقتين، واستدعاء الأعضاء الجدد المقترحين، تمّ الإعلان عن الأعضاء الجدد في الحلقتين بعد ترتيبهم وفق السّن ووفق تاريخ انخراطهم في هيئة "إيروان"، وقد انتهزنا فرصة ليلة السّابع والعشرين من شهر رمضان المعظم لتتويج حفظة القرآن في حفل مشهود غصّ فيه المسجد بحشود الجمهور الكريم، وبعد سرد قوائم المستظهرين والمستظهرات وتتويجهم وتقديم الهدايا، ألقيت كلمة توجيهية مؤثرة شاكرا الله على التّوفيق في تطعيم حلقتي العزابة بعناصر جديدة كانوا محلّ ثقة وحسن ظن من رفاقهم القدامى، وقد اشرأبت أعناق الجمهور لمعرفة الوجوه الجديدة، وأنا أتلو أسماءهم وفق ترتيب درجاتهم في الحلقتين، وكان عددهم في حلقة العتيق سبعة وثلاثون موزعين على المسجد الجامع والمصليات التّابعة له، وأما عددهم في مسجد أبي سالم فهو ثلاثة عشر عضوا. (1/232)
صفحة 233
ومهما اجتهد العزابة في التمحيص والاختيار، فإنّ الجمهور الكريم تختلف نظرتهم في تحديد المقياس والمعيار، فلا مناص من مادح وقادح، والله وحده يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وقد تمّ ذلك ليوم الثّلاثاء 26 رمضان 1433هـ الموافق ليوم 14 أوت 2012م.
وكم كنت أتوجس خيفة من تحمّل تلك المسؤولية خشية إعنات النّاس بمن لا يحسنون عشرتهم ولا يقدرون ضعفهم في أقدس الواجبات من التّكاليف الدّينية.
غير أنني أجد المتنفس في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله لا يجمع أمتي على ضلالة» (1)، لأن الاختيار لم يكن حكرا على أحد، إذ تمّ بالتّشاور وحسن الانتقاء.
جـ) - في المجال الاجتماعي:
- على مستوى العشيرة: إذا كان المثل الشّعبيّ يقول: "إيعوم العوامّ ما ينساش كساتو"، فإنني لم أغب عن مقامي في العشيرة، وقد أصبحت في طليعة معمّريها من الرّجال، عركتني الإيام واللّيالي، وذقت الحلو والمرّ في مخالطة العشراء والأصدقاء، فما تخليت يوما عن مقامي في أهلي وعشيرتي ولا بخلت بنصحي وتوجيهي كلما جمعتني بهم مناسبة أو طوّحت بهم الخلافات أحيانا، وهم مرهفو الإحساس شديدو المراس، وقد نما فيهم العنصر المثقف وتعددت إطاراتهم من مهندسين ودكاترة، وتأثروا كغيرهم بالتّوجهات الجديدة في ظل التّعددية والدّيمقراطية، فلم تعد تقنعهم الأساليب القديمة في التّسيير بإسناد الأمور إلى مسؤول واحد خبير، فأصبح لا محيد عن مجاراة التّطوّر بتوسيع دائرة التّشاور، وإشراك كل العناصر في تحريك دواليب العشيرة، وتنظيم نشاطها. فانعقدت لذلك جلسات، واستعرضت عدة آليات لحسن التسيير، فتمخض ذلك عن وضع نظام داخلي يحدّد ذلك ليعرض في الجلسة العامة للإقرار والتّصديق، فتولدت عن ذلك لجنتان رئيستان:
__________
(1) - رواه الترمذي في سننه، من حديث ابن عمر، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم 2187. (1/233)
صفحة 234
أ) - لجنة الإشراف: وتضمّ عزابة العشيرة وممثلا عن الدّار التي ليس لها عضو في الحلقة.
ب) - لجنة التسيير: وتضم ممثلين عن كل أسرة من الأسر السبع.
والنّظام الدّاخلي يحدد مهامّ كل لجنة وعهدتها وجلساتها وتنتخب اللّجنة المسيرة أمينا عامًا يتولى رئاستها وهو يعتبر المسؤول الأول للعشيرة في إدارة شؤونها، وتعيّن الأخ بابا عدون رمضان بن باسعيد أول أمين عام للعشيرة في ظل النّظام الجديد وبعد إنهاء عهدة خمس سنوات خلفه الإبن بابا عدون يوسف بن الحاج إبراهيم، وهو لا يزال يباشر مهمته في حزم وأناة. (1/234)
صفحة 235
وأصبحت دار العشيرة الحالية في حيّ النّهضة لا تتسع لكل أبناء العشيرة سيما في التّجمعات العامة للأعياد وغيرها، فاتجه التّفكير إلى شراء أرض فسيحة خارج القصر، تتسع لمركب يضمّ قاعة فسيحة ومرافق اقتصادية حواليها، فتحقق ذلك بشراء قطعة على سفح الجبل المحاذي للطريق المزدوج المارّ إلى مدخل البلدة قبالة حيّ "أسجلاف" على الضّفة القبلية لمجرى الوادي. والبقعة صخرية بطبيعتها، وبعد الحصول على العقد الرّسمّي وتسديد ثمن الأرض، تقرّر البدء في تسوية البقعة ووضع التّصميم الكامل لأجزاء المركب، فتكونت لذلك لجان من مهندسين معماريين من أبناء العشيرة، ثم أجريت المناقصات بين المقاولين لتعيين من يتولى أعمال الحفر، وكان الإختيار الأمثل لمقاولة خير الناس، وبمبادرة من الأخوين: طالب باحمد عبد الله بن باحمد والحاج أيوب يحي بن محمد ولكل منهما آلة حفر، ولهما خؤولة في العشيرة، فطلبا أن يتبرعا بأيام لبدء الحفر، وفاء بحق الخؤولة وتحفيزا للمشروع في العمل، واستجابة لتلك اللفتة الكريمة منهما تقرر حضور سراة العشيرة لعين المكان، لتلاوة خواتم القرآن والدّعاء لانطلاقة الأشغال فتعيّن ذلك ليوم الثّلاثاء 14 ذو الحجة 1433هـ الموافق لـ 30 أكتوبر 2012م. (1/235)
صفحة 236
بعد صلاة العصر، فتجمّع على سفح الجبل عدد كبير من أبناء العشيرة وفي مقدمتهم العزابة، فتلونا الخواتم ووزعنا التّمر والحليب، ثم أخذ المهندس بابا عدون توفيق بن يوسف يعرض تصميم المشروع على شاشة الآلة العاكسة ويبيّن تفاصيل المرافق موقعا ومساحة وواجهة، وكانت الحفارة حاضرة تنتظر منا انطلاقة الحفر بعد أن أزحنا السّتار عن اللوحة الرّخامية التي تؤرخ لهذا الحدث التّاريخي، فألقيت على الحاضرين كلمة شكر وتشجيع ورجاء في عون الله وتوفيقه، وهكذا أصبحت العشيرة على مسرح الأحداث في البلد وقد أعطيت شارة الانطلاق، فلا تردّد ولا تخاذل بين الأهل والرّفاق، فكيف نجمع الأموال اللازمة، وهي ليست باليسيرة لمشروع صغير، فلا بد من السعي والتحرك، تمت لقاءات متعددة للإعداد والتّمهيد، أهمّها لقاء أعيان العشيرة في صالون "آل خير الناس" ضمّ أعيان العشيرة لإعداد مطويّ يفصّل مرافق المشروع وقرص يبيّن نشاط العشيرة من أواسط القرن الماضي إلى يوم النّاس هذا، كنت قد لخصت ذلك في كلمات تحفيزية، تقرر أن يهدى نسخة منه لوجهاء العشيرة في اللّقاء بهم بالعاصمة مع نسخة من كتاب: "الدر النظيم" لكل واحد منهم للشروع في جمع التّبرعات، وهكذا تحدّد موعد ذلك اللّقاء الهامّ ليوم الجمعة 19 ربيع الثاني 1434هـ الموافق لـ 01 ماي 2013م. في قاعة الاجتماعات التي خصّصها الإبن بابا عدون إبراهيم بن الحاج مسعود لذلك في بناية "بحاميز". (1/236)
صفحة 237
انطلقت لحضور ذلك اللّقاء وتنشيطه، وبرفقتي الإخوة سعيد الحاج إبراهيم بن باحمد وسعيد صالح بن أحمد على سيارة أمين العشيرة: بابا عدون الحاج يوسف، فكنا في الموعد زمانا ومكانا، وكان المدعوون عند حسن الظّن، وبعد تناول وجبة الغذاء افتتحت الأشغال بتنشيط الأستاذ عيسى عيسى بن صالح في كلمات توجيهية توضّح الأبعاد المختلفة للمشروع، ثم تلاه المهندس توفيق لغرض تصميم المشروع، ثم تقرير للأستاذ: سعيد بيوض بن عمر بن الشّيخ حول مشروع وقفي للتمويل، وبعد ذلك أخذت الكلمة للحض على البذل والتّضحية بأريحية وسخاء وأنكم القدوة لأبناء العشيرة في تبني هذا المشروع، الذي سوف ننجزه على مراحل -بعون الله-
وبعد توزيع الأقراص والكتب على كلّ الحاضرين وزعت الاستمارات على الحاضرين لتسجيل تبرعاتهم إن دفعة واحدة أو على أقساط يتولى الأخ بابا عدون الحاج عمر ترتيبها واستخلاص مبالغها، وقد عرضت كلها على الشاشة تباعا مع جمع المبالغ، وعند تجاوزها المليار سنتيم دوّت القاعة بالتّصفيق وتيقن الحاضرون أن إنجاز المشروع بات محققا -بفضل الله-. وهكذا طفحت النّفوس بالآمال، وإن لم تخل المحاولة من الشّاكين المتخاذلين ممن لم يستجيبوا للدعوة، فتقرر أن تقام عليهم الحجة بالذّهاب إليهم ومحاولة إقناعهم.
مرّت الأيام بل الشّهور، ولا يكاد دويّ الحفارة ينقطع على سفح ذلك الجبل، إذ تعرضت صخرة قاسية لا بد من إزاحتها بحيث أكلت من الميزانية الأولى مبلغا مهمّا، كان لا بدّ من إعادة الكرة مع أبناء العشيرة المقيمين في البلدة، وكنت أتابع أعمال المشروع باهتمام خشية التّأثر بحديث المتخاذلين، سيما من المسؤول الأول ومن مقاولة خير الناس فليس في طبع البشر المهادنة والإيناس. (1/237)
صفحة 238
كنت أتعهّد المقاولة بالتّشجيع والإقدام بعد إتمام الحفر وأتعجّلها في تركيز الصّفائح الزّنكية في الموقع سيما على واجهة الطّريق لتشدّ انتباه المارّين وتحفز أبناء العشيرة للاهتمام أكثر بالمشروع.
وحتى نجمع المبلغ الأوليّ للإنطلاقة، قررنا عقد التجمّع الثّاني لجمهورنا بتوجيه الدّعوات الخاصّة لكل الحاضرين في البلد وحتى بعض الغائبين فتحدد ذلك ليوم الجمعة 22 جمادى الثّانية 1434هـ الموافق لـ 03 ماي 2013م في صالون "آل خير النّاس" بحيّ تامو، حضر أغلب المدعوين لتناول وجبة الغذاء، وبعد تلاوة آي من الذّكر الحكيم افتتحت الجلسة بالشّكر والحمد لله مبيّنا الغرض من هذا اللّقاء التّاريخي الذي يندرج في التّحضيرات الضّرورية لإنطلاق مشروع مركب العشيرة، ثم استدار الحاضرون نحو الشّاشة العاكسة في مداخلة هامة للأستاذ عيسى عيسى بن صالح حول بيان الأبعاد الإجتماعية والثقافية وشروط النّجاح لكل مشروع هامّ، ثم مداخلة للإبن خير الناس الرّبيع بن إبراهيم حول التّمويل الوقفي نيابة عن الأستاذ: سعيد بيوض بن عمر، ثم توجّت ذلك بالكلمة التحريضية على مزيد من البذل والعطاء ختمتها بقطعة شعرية جاءت بها القريحة تنويها بجهود أبناء العشيرة وإشادة بالدار حسب تصوّرها في خيالي إذ قلت فيها ما يلي:
يا دار "بكّة" يا فخار أرومتي ... أنت الحبيبة لا أروم سواك
أرضعتني لبن القرابة فارتوت ... منه العروق، فهل لها مرضاك؟
رمز التّضامن في بنيك قد اغتدى ... عنوان فخر يعتلى مبناك
أفديك من صرف الزّمان بكل ما ... يرضيك عنى أن يكون فِداك
لولاك بعد الله ما ذقت الهنا ... متنعّما بين الورى لولاك
يا دار أنت على القلوب و حبّها ... وعلى الوفا قد اعتلى ركناك
وبنوك لم يستسلموا لمشاغب ... يثنى الجهود بكثرة الإرباك
فدع الكنود لشأنه متعجرفا ... يخزيه ذلاّ في الدّنا مرآك
والله يجزي بالنّجاح عزائما ... ويحفظه وأمانه يرعاك
يا خير حضن الناشئين تزينت ... لهم حياة العزّ في مغناك (1/238)
صفحة 239
يلقون فيه حنان أمّ ترتجي ... برّا لها ورجاحة الإدراك
وأنا أسير إلى الفنا لكنني ... خلّدت في سفر العلا ذكراك
فلتذكروا يا قوم نبل عواطفي ... فالذّكريات صدى السّنين الحاكي
وسوف تنقش هذه الأبيات في لوحة رخامية على مدخل الدار -إن شاء الله- فقد اهتز لسماعها الجمهور، فشرعنا في توزيع قسائم التّبرعات بأسهم ذات مليون سنتيم لكل سهم في دفعات ثلاث أو دونها حسب اختيار التّبرّع، فتنافس الحاضرون على ملء تلك القسائم فبلغ مجموع ما فيها مليارا وسبعمائة مليون سنتيم مما كان فوق المتوقع -بعون الله وحسن توفيقه-، تقبل الله جهود العاملين وأخلف للمحسنين ما بذلوه، وقد صحت العزائم وصدقت النّوايا وصدق المتنبيّ إذ قال:
كل ما لم يكن من الصّعب في الأ ... نفس سهل فيها إذا هو كانا
وقد أصبحت أكثر اطمئنانا وأعظم ثقة بنجاح المشروع، وإن كان إنجازه يتمّ على مراحل -بحول الله-.
ب) - في وضعيتي الصّحية: (1/239)
صفحة 240
- الفحوص والكشوف: في ليلة من ليالي الشّتاء القاسية من يوم السّبت 05 محرم 1435هـ الموافق لـ 09 نوفمبر 2013م. بتّ أتقلب في فراشي من ألم حادّ في المعاء الغليظ فما أغمض لي جفن ولا خفف من أوجاعي دواء حتى أصبحت منتفخ البطن مسدود التنفس من الغازات، وقد اتصلت هاتفيا بالإبن عبد الرّحمن، فأرشدني إلى الذّهاب فورا إلى الأخصائي الإبن سعيد يحي بن مسعود لإجراء الفحص في عيادته، وقد أخبره عن وضعيتي الصّحية حتى لا أنتظر طويلا، وبعد إجراء الفحص والكشف بالأشعة وصف لي الأدوية التي تخفف من الأوجاع، والتي تسهّل التّخلّص من الفضلات ولكنه أكّد على ضرورة إجراء نوع من الأشعة عند عيادة "الواحات" على منطقة "القولون" للتأكد من عدم وجود ورم خبيث -لا قدر الله- ووعدني بأنه سيحضر بنفسه للعيادة لمعرفة النتيجة فهتفت إلى الإبن أحمد في مطار "النّومرات" ليأخذني مساء إلى عيادة "الواحات" فكنت هناك في الموعد ولم تجد المادة التي تضخ من خلال الشرج لإخراج الفضلات، فاضطررت إلى تناول مادة مسهّل آخر أعطى نتائجه في إخراج الفضلات وإزالة ذلك النّفخ، ولم تكشف الأشعة عن مصدر تلك الأوجاع، وذلك بالرّغم من إعادة الأشعة الثّانية مع آلة "سكانير"، فعدت إلى المنزل بعد أن شك الإبن عبد الرّحمن على أن الوجع يتسبّب عن تلوث المجاري البولية بالجراثيم وعلى أساس ذلك وصف لي أدوية لمضادات حيوية أتناولها بعد ذلك.
بقيت أزيد من أسبوع ولا يكاد الوجع يهدأ إلا لماما، وطلب مني الإبن عبد الرّحمن أن أعيد الأشعة عند الحكيم: "باحيو" وقد اتصل بدكتور صديق له يكنى "بأبي هريرة" يعمل مع الدكتور: "باحيو".
- العملية الجراحية: (1/240)
صفحة 241
وفي يوم بارد مطير ذهب بي الإبن أحمد إلى عيادة "باحيو" فتعرفت به لأول مرة واستقبلني بحفاوة، ثم جلست إلى آلة "الرّاديو" يشغلها الطّبيب ... "أبو هريرة" وهو يدير المجسّ الآلي في أسفل بطني عل كل جهة وأنا أحسّ بالوجع كليا على أسفل البطن من الجهة اليسرى، فإذا به يكشف عن تورّم الدّودة الزّائدة وقد نفثت بسمومها على جزء من الأمعاء فأحدثت ثقبا في بعضها.
فيا للمفاجأة ويا للخطر المتوقع إن وقع التّلكؤ في إجراء العملية الجراحية كان الوقت ظهرا وقد تأكّد الطّبيبان "باحيو ومساعده" من تلك العلة، فطلبا من أحمد أن يأتي إليهما بصور "سكانير" ليعيدا قراءتها وكم كان عجبهما عظيما لعدم الانتباه إلى ما تعكسه الصّورة وكان أثناء ذلك قد اتصل الإبن عبد الرّحمن بالجراح القدير الأستاذ: صدقي محمد، وكان في مداومة مستشفى "ترشين" فلم أعد إلى منزلي بل ذهبت مباشرة إلى المستشفى ليتأكد الجراج من وجود العلة، فلم يكد يجسّ أسفل بطني الأيسر حتى صرخت من الألم، وبدون تردّد أو انتظار أمر مساعده في التخذير الإبن سماوي يحي بن عيسى -الطالب- أمره بإعداد قسم الجراحة لإجراء العملية فورا.
وهكذا أصبحت كالميت بين يدي الغاسل بين طاقم الجراحة والشّمس تدلف للغروب وذلك يوم الأحد 20 محرم 1435هـ الموافق لـ 24 نوفمبر 2013م. وقد تصرف الإبن أحمد بحكمة في إخبار العائلة حتى لا تصدم بما حدث، وقد نزعت ثيابي بالكلية واستلقيت على السّرير المتحرك إلى غرفة الانتظار ثم إلى غرفة الجراحة. (1/241)
صفحة 242
وبما أن التّخدير كان عامّا فما شعرت بمبضع الجراح وما انتبهت إلا في غرفة الإنعاش وإلى جانبي الممرض الموكول بأنابيب المصل المنعش عن اليمين واليسار وأنا مستلق على ظهري حوالي أربع وعشرين ساعة، وقد التحق الإبن عبد الرّحمن من الجلفة على وجه السّرعة ليتولى بنفسه الإشراف على المتابعة الاستشفائية، وقد اتخذ الجراح أنبوبا موصولا بكيس لإخراج الفضلات من الجرح مما يرشح به الثقب المحدث في الأمعاء.
- أيام المستشفى والنقاهة:
وقد خصصت لي غرفة ذات سريرين في جناح الرّجال بالطّابق العلويّ ليقوم على خدمتي أولادي وقد حضروا كلهم فاستسلمت لنوم عميق بعد تلك اللّيلة الثّقيلة النّجوم -ليلة العملية- والممرّضون يترددون علي لمراقبة أنابيب التّغذية والأدوية، وقد منعت عن تناول أي شيء ولو من جرعة ماء إلا ما يكون لبلع قرص من الأدوية، كما دأب الإبن عبد الرّحمن على قياس نسبة السّكر ودرجات الضغط، وأنا أتقلب على السّرير يمنة أو يسرة ولا أستوي قاعدا إلا بمساعدة أحدهم وكان موقف أبنائي صارما في منع الزّيارات إلا ما يكون من أفراد الأسرة في فترة الزّيارة الرّسمية عند الزّوال.
ومرت الأيام وعين الجراح على كيس الفضلات الرّاشحة من منطقة الجرح، ولم ينقطع ذلك الرّشح لعدم انغلاق ذلك الثّقب في الأمعاء، وذلك يمنع أي تناول لشيء يحرج القناة الهضمية إلا بعد أن يأذن الطّبيب بذلك وهو يسألني في كل مرة عن خروج الغازات، وبعد أثني عشر يوما وقد تناولت مسهّلا لتفريغ مخزون الفضلات في الأمعاء، أذن لي الطّبيب بتناول جرعات من "التّيزانة" وبعد ذلك بدأت في تناول جرعات من الحساء الخفيف.
وبعد أسبوعين بدأت أشعر بالملل وأترقب الإذن بالخروج فتمّ ذلك ليوم الأحد 05 صفر 1435هـ الموافق لـ 08 ديسمبر 2013م. (1/242)
صفحة 243
استقبلني الأهل بفرح وسرور وقد تجمعوا كلهم في منزل القصر ورتبوا لنومي غرفة في وسط الدّار وسريرا مريحا في الصّالون لاستقبال الزوار وقد حددت له ساعتان خلال منتصف النّهار، وأستقبلهم ممتدا على الفراش وأنبوب الرّشح ما يزال متصلا بالجرح وقد تكفل الإبن سماوي يحي بتبديل الضماد مرتين في الأسبوع، فأخذ النّاس يتوافدون على زيارتي وأنا أدعو لهم بالخير وهم يرجون لي من الله طول العمر لإكمال مسّيرة التّفسير وهكذا تماثلت للشفاء شيئا فشيئا فأخذت أتناول وجباتي العادية وقد انتزع مني أنبوب الرّشح بعد أن تأكد الطّبيب من انسداد ذلك التقب في الأمعاء.
وفي يوم الثّلاثاء 12 ربيع الأول 1435هـ الموافق لـ 14 جانفي 2014م. وهو يوم المولد النّبوي الشّريف استأنفت -بعون الله- دروس التّفسير على منبر المسجد أصعد على سيارتي إلى مدخل "العسّة" ثم أقطع المسافة بينه وبين المسجد على كرسيّ متحرك ذهابا وإيابا يدفعه الإبن سعيد باحمد بن الحاج إبراهيم متعه الله بصحته وقواه، وقد قدمت للجمهور الكريم كلمة شكر وامتنان على عواطفهم النّبيلة نحوي سواء من تمكّن من زيارتي أم من لم يتمكن، ثم افتتحت درس التّفسير من مفتتح سورة "القلم"، فاطمأن الجمهور رجالا ونساء بعودة النّشاط إلى رياض القرآن ونفحات الرّحمن.
ج) - الأيام الكالحات:
- على المستوى المحلّي:
لحاها الله أنباء توالت ... يكذبها اللّبيب وهي صِدق (1/243)
صفحة 244
لم تكد العطلة الشّتوية تطرق الأبواب، وهي في العادة مجال للأفراح والأعراس وفرصة لعودة كثير من الأسر إلى ديارها للمشاركة والمباركة، ويشاء الله أن يتكدّر الصّفو وتثور عواصف الفتنة عاتية في القرارة بعد أحداث بريان ليمتدّ لهيبها إلى غرداية بأكثر حدّة وأبشع صورة حتى لكأن الأمر دبّر بليل، فما كادت أحداث القرارة يخبو أوارها بعد ملاحاة وتلازم وفي حوار ساخن أشرفت عليه السّلطات المحلية، وما كادت الأعراس الجماعية عندنا تنطلق مع عشرين ديسمبر 2013م حتى اشتعلت نار الفتنة في غرداية في حيّ اليهود الذي تحوّل اليوم إلى حيّ المجاهدين وامتدت نارها إلى حيّ "الحاج مسعود" فأحرقت بيوت من هناك من أهل "مليكة"، وانتهبت أموالهم بل هجّروا من ديارهم ليصبحوا لاجئين تحضنهم بعض المدارس، وخلال المواجهات السّاخنة بين الطّائفتين انتهز السّفهاء الفرصة فاقتحموا مقبرة "عمّي سعيد" من ثقب أحدثوه في جدار المقبرة ليقتلعوا شواهد الموتى ويعبثوا بقبورها نبشا وتخريبا مما أثار حفيظة أبناء غرداية، سيما بعد سقوط ضحايا منهم، فكان ردّ الفعل أعنف، وذلك بقطع طريق ضاية بن ضحوة، فلا تمرّ سيارة للقوم إلا ورموها بالحجارة فاضطر أهل الضّاية إلى المرور من الطّريق الخارجي ذهابا وإيابا، والتهبت حرقا بالنّيران مستودعات إخواننا في كل من الثنية وطريق مليكة ومرماد، فأصبح شارع أول نوفمبر من مفترق الطّرق عند عيادة "باحيو" حتى حدود ثانوية مفدي زكرياء أصبح خاويا على عروشه، فلم يرحم القوم تاجرا ولا طبيبا إلا استهدفوه بالحرق والنهب، وسلطات الأمن ... -غالبا- ما تبقى متفرجة مثل ما فعل "نيرون" عندما أحرق روما، والمحظوظ من تجارنا وأطبائنا هو من استطاع أن ينقل بضاعته أو آلياته إلى أماكن أخرى، فنشطت الحركة التّجارية على طريق بنورة والعطف، فلا تكاد تجد مستودعا مغلقا هناك، بل حتى في بلدية العطف، وسقط من الضّحايا أكثر من عشرة، وكلّهم من إخوتنا. (1/244)
صفحة 245
وقد احتار المحلّلون في معرفة دواعي تلك الفتنة أهي من الدّاخل أم لها جذور خارجية تستهدف استقرار الجزائر لتجرّها إلى أتون ما يسمّى بالرّبيع العربيّ.
فكانت أحداث "تقنتورين" على الحدود الجنوبية ثم غرداية وما تخبئه الغيوب في مستقبل البلاد، وقد تعزز الأمن بقوات من الدّرك الوطنيّ التي أحكمت قبضتها على الوضع، وكنّا ننتظر مسعى تصالحيا تقوم به السّلطات المركزية إذ سارت الرّكبان بأخبار غرداية وطنيا وعالميا، وسال في شأنها كثير من الخبر وركزت وسائل الإعلام على الحدث ما بين مشفق رحيم وحاقد غشوم، وخلال الأسبوع الأخير من ديسمبر 2013م انتقل وفد هامّ من أصحابنا وعلى رأسه الشيخ عبد الحميد اختار أعضاءه بنفسه، وقد شارك فيه من العطف كل من الأستاذين: الحاج عيسى محمد بن يحي وبهون علي عبد الرّحمن بن حموده، انتقلوا إلى العاصمة في "جنان الميثاق"، إذ أشرف على اللّقاء الوزير الأول الأخ عبد المالك سلال، فصرّح كل وفد بما يشعر به، وحاول القوم أن يظهروا أنفسهم بمظهر الضّحية وأن الإباضية هم من أشعل نار الفتنة، وأفصحوا عن سخائم صدورهم في تعنت وعجرفة أثارت حفيظة الوزير فمنع البعض منهم عن الكلام، وحرّض الجميع على التهدئة وتغليب العقل على العاطفة، وكم توالت على المنطقة وفود وشخصيات، وكلهم لا يقولون في أصحابنا إلا حقا، ولا يظهرون إلا إعترافا بطيب عشرتنا وحسن معاملتنا لكل من نخالطهم حيثما حللنا وارتحلنا، ولكنه الغلّ والحسد، دفع بأولئك السّفهاء للمكر والكيد، وقد تكرّر بمجيء الوزير الأول إلى المنطقة مرتين فهدأت الأوضاع نسبيا، وما تزال بعض المناوشات الفردية تقع هنا وهناك، فتجهّم وجه غرداية وغاضت نضارتها إذ غلب عليها الذّهول والحيرة واستحوذ الخوف والحيطة والحذر، وما كان في حسبان من أشعلوا تلك الفتنة أن يكون الردّ عنيفا من طرف أصحابنا، إذ عاقبوا بالمثل من ظلمهم من القوم بالإحراق والتهجير من البيوت بأكثر حدة، غير أنهم (1/245)
صفحة 246
لم يرتكبوا القتل لأية نفس بريئة إطلاقا، وتكاد الأحياء المختلطة أن تبقى لعنصر واحد على غرار ما حدث في بريان والقرارة، ولا ندري أكان ذلك من أهداف تلك الفتن أم هو ما أنتجته الأحداث والمحن، ولله عاقبة الأمور.
- على المستوى الوطني:
أطلّت السّنة الجديدة 2014م وفي أحشائها جنين الانتخابات الرّئاسية ليوم 17 أفريل 2014م، فأصبح النّظام محرجا بمرض الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة أيتركه لمرضه أم يجازف بشبحه لعهدة رابعة؟، فالأمر -إذن- في غاية الحساسية، ولكن الجزائر هي أرض المعجزات، وللدولة اليد الطولى في تحريك دواليب النّظام، ولها أبواق وطبول، ولها طهاة مهرة لتحضير وليمة الطّعام المشتهاة، فما إن دعا الرئيس الهيئة النّاخبة في أوائل السّنة الجديدة، حتى تحفزت الأحزاب لتقديم التّرشيحات وتنسيق حملة الدّعايات، فهاجت السّاحة الوطنية وماجت وانطلقا وسائل الإعلام تحذر من الانزلاق في الصّراع والتّشردم وفي ركوب موجة العنف وغليان الشّارع، فقام عرس الرّئاسيات صاخبا تتهافت فيه الأصوات وتتنافر الاتجاهات، كل يغنّي بليلاه ويقضي باسم الشعب، وهو غائب يتململ في أوجاعه ويشكو ولا تسمع شكواه، كل ذلك والرّئيس غائب عن المسرح، حتى في الإعلان عن ترشحه بنفسه، إذ قام بذلك الوزير الأول "سلال" نيابة عنه في خرجة إعلامية لإحدى زياراته الولائية المتتالية، فاحتار النّاس في الأمر، ولم يتأكدوا من قدرة رئيسهم على تحمّل مسؤولياته لعهدة رابعة، مما حمل النّظام على إظهار بعض اللّقطات للقاءاته مع بعض الشّخصيات الخارجية وذهابه على كرسيّ متحرك إلى المجلس الدّستوري لإيداع ملف التّرشيح. (1/246)
صفحة 247
كلّ ذلك، والاستعدادات للحملة الانتخابية على قدم وساق بعد أن ترك "سلال" الوزارة الأولى ليتولى بنفسه حملة الرئيس، والأنظار مشدودة إلى المجلس الدّستوري لتحديد قائمة المرشحين إلى كرسيّ المرادية، فإذا الحصيلة تنحصر في مترشحين: عبد العزيز بوتفليقة، علي بن فليس، موسى تواتي، فوزي رباعين، لويزة حنون.
إنه التظاهر البراق للتعددية والدّيمقراطية، ولكن الواقع الشّعبيّ في توجّس ومراء، فدعت شريحة كبرى من الأحزاب والتّكتلات الاجتماعية إلى الامتناع والمقاطعة وسخر النّظام كل الإمكانيات من التّرغيب والتّرهيب، لفائدة مرشحه القديم، على ما هو عليه من الضّعف والوهن، وكان المرشح ابن فليس أشدّ حدة وأغلظ لفظا في حملته، ولكنه خسر بذلك كثيرا من المتعاطفين معه عند اقتراب الموعد لحسم الصّندوق، ولم تخل السّاحة من مراقبين دوليين من العالم العربي والأوروبيّ، والذين يمسكون بعصا موسى، قد عرفوا كيف يديرون المواجهة لصالح مرشحهم، فأعلنت النتائج وفق المخطط لها، فوزا ساحقا للرئيس بوتفليقة يصل ما يقرب من التّسعين في المائة، وقد بلغت غرداية تلك النّسبة على الرّغم مما أصابها لأنها تدرك ما وراء الأكمة، وتعّرف كيف تستلّ الشّعرة من العجين، وكيف تواجه إفرازات الحقد الدّفين.
وهكذا انفض الجمع وعرف كلّ مكانه، وخرجت الجزائر من حمأة الدعايات، ولم تتورط في ما نصبه الحاقدون عليها من شراك الفتنة بالاشتراك في الرّبيع العربيّ المأفون، والانزلاق إلى منحدر غير مأمون، وذلك بفضل الله ربّ العالمين، ولطفه على هذا الشّعب الأمين.
د) - أغلى الأمنيات:
- ختم تفسير القرآن الكريم: (1/247)
صفحة 248
إنّ الأماني في حياة الإنسان هي الطّاقة التي تحرّك أجهزته لتنتج الحيوية والنّشاط وتكسب الحياة مذاقها، وتلوّن بشرتها، وتوجهها كيف تشاء، وما كان يغلب على ظني أن يتحقق في واقع حياتي ذلك الدّعاء المخلص من أبي الرّوحي الشّيخ عدون شريفي عندما عرضت عليه مشروع التّفسير التأليفي المتمثل في ملزمة الجزء الأول منه، وأنا أرجو منه أن يدبّجه بمقدمة من عنده تبركا وتيمنا، وأطلب منه أن يدعو الله لي بطول العمر حتى أغطي الحلقة المفقودة من تفسير الشّيخ الإمام: "في رحاب القرآن"، فأجابني على الفطرة وبقناعة: "بل أطلب لك من الله أن يمدّ في أجلك حتى تكمّل تفسير القرآن بأكمله".
واعجبا لأقدار الله، كيف يقضي بها في حياة خلقه ليصبح المستحيل ممكنا والبعيد قريبا، والأمل الحالم واقعا ملموسا، فها أنا ذا بعد ما يقرب من أربعين عاما على ذلك الدّعاء المبارك، وقد هرمت وذهبت جدتي ولا يكاد قلمي يستقرّ بين أناملي، ها أنا أجدني في الشّوط الأخير من التفسير، أي في الجزء الثّلاثين، لأتدّرج -بعون الله- إلى الختم المبارك، وهل أغلى عندي من تلك الأمنية المباركة وأنا على عتبة نهاية المطاف، ترافقني من المولى تبارك وتعالى العناية والألطاف في الأوقات الحرجة والسنين العجاف.
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم، فالمخاوف كلهن أمان
إن الجمهور الكريم من عمّار بيوت الله والمتابعين لدروس التّفسير من خلال أمواج الأثير لجهاز الإرسال FM يعيشون مثلي تلك الأماني، ويعبّرون عنها كلما جمعني بهم لقاء أو مناسبة، بل يغرق البعض منهم في تضخيم مهرجان الختم -إن شاء الله- ويودّون توسيعه إلى المستوى الوطني والعالم الإسلامي بما لا أطمح إليه أبدا ولا أتطاول إلى مقاماته، لأنني أكره مظاهر السّمعة والمحمدة والرّياء، وأتحاشى خداع الأبصار في الأضواء، وذلك ما أوصيت به أحبائي من الأبناء والأصدقاء. (1/248)
صفحة 249
فلا أدعى في القيام بذلك الحفل من تظاهرة محلية تخصّص فيها الدّعوة إلى بعض الرّفقاء على الدّرب من المشائخ والأصدقاء الأصفياء، وإن وفقني الله إلى ذلك وأوصلني إلى شارة الوصول -بعونه وتوفيقه- فأنا إذن من المحظوظين السّعداء.
فاللّهم إنا نسألك دوام الصّحة والعافية ونسألك حسن الخاتمة وجميل العاقبة وأنت أعلم بما ينفعنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، إنك على كل شيء قدير.
- انتظار النهاية:
يقول المولى تبارك وتعالى لنبيه الكريم: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزّمر:30]. ويقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185]. فماذا ينتظره المؤمن بعد أن يشرف على التّسعين، وقد ذاق حلو الحياة ومرّها، وتقلّب بين اليسر والعسر واستكمل حظه من متاع الدّنيا كما قرّره الله له، وهو راض بما قسم الله له، ماذا ينتظر العبد المؤمن من بعد ذلك إلا حسن الخاتمة وجميل العاقبة، ومئاب الأبرار السّعداء في منازل الأولياء والصّالحين والشّهداء.
إنه الأمل الغالي والكنز الثّمين الذي يستشرف إليه العارفون بربهم الرّاغبون في مرضاته ورحمته.
ذلك هو ما أرغب فيه من كل محبّ يحترمني وصفيّ يعزّني، وهو يلاقيني مسلمّا أو مصافحا في شوق ومودة، فأطلب منه مثل هذا الدّعاء، مستنزلا من الله أغلى البركات، وأعظم الزّكوات.
فإذا كان الشّاعر المغربي يقول في معركة تحرير وطنه وهو يتمنى الشّهادة في ميدان الشّرف ويقول إذا مات:
فاغسلوا بالماء منه بدني ... واجعلوا نسج بنيه كفني
وادفنوني في ثراه وضعوا ... فوق قبري منه زهر السّوسن
واكتبوا فوق ضريحي بدمي ... هاهنا قبر شهيد الوطن (1/249)
صفحة 250
فأنا أقول متمنيا مثله أن يدفن رفاتي في مقبرة أجدادي في قبر بسيط لا زخرفة فيه ولا تزاويق، يستوقف رسمه كل زائر ليستمطر منه الرّحمات ويستجدي الدّعوات، وأردّد مع الشّاعر تلك الأماني وقد عشت معركة التحرير حتى تقرير المصير، مناضلا ومجاهدا في كنف الله وحفظه، كما عشت طور البناء والتشييد، مربيا للأجيال مضحيا وفيا للطموحات والآمال، فأقول بدلا عن بيته الأخير.
فليشهد التّاريخ عني أنني ... أفنيت عمري في بناء الوطن
فاللّهم هوّن علينا وعلى جميع المسلمين سكرات المنون وضيق القبر وظلمته ووحشته، اللّهم نجنا من النّار سراعا سالمين، ولا تخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فهرس المواضيع
إهداء 03
المقدمة 05
مرحلة الحداثة والصبا 09
أ- منبتي ومحتدي 10
ب- نشأتي ومرابع صباي 19
ج- في مجال الكسب والارتزاق 27
مرحلة الشباب والتكوين 38
أ- بين أحضان البعثة في القرارة 39
ب- بناء العش العائلي 49
ج- في رحاب تونس الخضراء 56
مرحلة الفتوة والاستقرار وجهود الاصلاح والتغيير في المجال
الداخلي (العطف) 70
أ- الإصلاح في الأسرة 71
ب- الإصلاح في العشيرة 78
ج- إصلاح التربية والتعليم 82
د- المسجد والإصلاح الديني 96
ه- الوفاق بين حلقتي العزّابة ومتابعة الإصلاحات 108
و- الإصلاح الاجتماعي 121
مرحلة الكهولة ومتابعة المسيرة في الإطار الخارجي (وادي
ميزاب) 129
أ- العمل الثوري وتداعياته 130
ب- في ظل البناء والتشييد 144
ج- في محكّ التجربة القاسية 153
د- في المجال التربوي 158
ه- الأسفار والرحلات 174
و- التحديات والأزمات 206
مرحلة الضعف والشيخوخة 210
أ - التقاعد وتداعياته 211
ب- الانتخابات في ظلّ التعددية والتجربة الديمقراطية 216
ج- أين مجتمعنا من تلك التداعيات؟ 222
د- حصاد السنين وانتظار حسن الخاتمة 228
ه- طوالع الألفية الثالثة 235
و- ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل 238
تداعيات الهرم 251 (1/250)
صفحة 251
تواريخ لأحداث معينة 252
أ- في المجال الاجتماعي 253
- على مستوى البلدة 253
- على مستوى المسجد 260
- على مستوى العشيرة 264
ب- في وضعيتي الصحية 270
- الفحوص والكشوف 270
- العملية الجراحية 271
- أيام المستشفى والنقاهة 273
ج- الأيام الكالحات 275
- على المستوى المحليّ 276
- على المستوى الوطني 278
د- أغلى الأمنيات 280
- ختم تفسير القرآن الكريم 280
- انتظار النهاية 282
- فهرس المواضيع 284
ملحق الصور (1/251)