صفحة 1
الكتاب: رسالة الطالب
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) رسالة الطّالب
الدّكتور
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم (1/1)
صفحة 2
مقدّمة
في زيارتنا لسلطنة عمان، في ربيع 1993م، طلب منّي أخي الشّيخ زياد بن طالب بن سعيد المعولي (المدير العام لمعهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد) إلقاء محاضرة للطّلبة، في إطار النّشاط الأسبوعي الذي يقوم به المعهد كلّ يوم الإثنين من الأسبوع .. فكّرت في موضوع المحاضرة، فوجدت أنّ الأنسب لهذا النّشاط، والأقرب إلى اهتمامات الطّلبة، تقديمُ بعض الملاحظات والتّنبيهات والإرشادات .. تخصّ تكوّنهم وإعدادهم ليكونوا رجال المستقبل، يخدمون مجتمعاتهم .. هذه الخدمة تتطلّب استعدادًا يتناسب مع طبيعة المسؤوليّة في عملهم الرّسالي الكبير، الذي ينتظرهم بعد تخرّجهم من مراكز التّعلّم والتّثقّف ... فاخترت لهذه الخواطر (رسالة الطّالب). (1)
قدّمتها مرتجلة في قاعة المحاضرات بالمعهد في منطقة رُوَي، في مسقط، سلطنة عمان .. ثمّ فاجأني أخي الشّيخ طالب بن خلفان بن سالمين الضّامري، أنّه أفرغها من الشّريط، وهو يريد نشرها. قلت له:، أعطني إيّاها لأنقّحها وأهذّب أسلوبها، لتكون مقبولة للنّشر .. فكان ذلك ..
قمت ببعض التّعديلات البسيطة .. و بقيت على ما يكشف عن صفتها الارتجاليّة في الإلقاء. ز (القارئ يكتشف ذلك بسهولة) فطبعها، ثمّ نشرها، جزاه الله كلّ خير على ما يقوم به من نشر العلم، وتشجيع الكتّاب والمؤلّفين ..
في هذه الطّبعة الثّانيّة من الكتاب .. أضفت بعض الرّسائل التي وجّهتُها للطّلبة، ثمّ مقالتين تتعلّقان بالأدب وضرورته والكتابة الأصيلة وحاجتنا إليها. في زمن تغيّرت فيه المعايير، وفقدت الكتابة الأصيلة كثيرًا من شروطها وطبيعتها .. رأيت أنّ لهما صلة بموضوع رسالة الطّالب؛ باعتبار أنّ ممّا يدخل في رسالته التّمرّس على الكتابة، وأن تكون له رسالة واضحة فيما يكتب ليؤدّى مهمّته، التي يتكوّن عليها في أثناء تعلّمه ...
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علّمنا، ويعلّمنا ما ينفعنا، وأن يعين طلبتنا على فقه دورهم في التّحصيل، ثمّ رسالتهم في الحياة بعد التّكوّن والتّعلّم ..
الجزائر يوم الإثنين: 02 من شغبان ... 1437ه
09 من ماي ... 2016م
الدّكتور محمد بن قاسم بن الحاج عمر ناصر بوحجام
__________
(1) - ألقيت هذه الكلمة (ارتجالا) فِي معهد القضاء الشّرعي (رويّ، سلطنة عمان) يوم السبت: 18 من شوّال 1413 هـ/ 10 من أبريل 1993 م. ثمّ أفرغت من الشّريط، وهذِّب الأسلوب قليلا، بما يصلح للنّشر. مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، ط1، 1424ه/ 2003م. (1/2)
صفحة 3
رئيس جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر
بسم الله الرّحمن الرّحيم
المحاضرة
المقدِّم:
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه الذي وسع علمه كلّ شيّ، وأنعم بالمعرفة علَى كلّ حيّ، وأزال بمحمد صلَّى الله عليه وسلّم كلّ ظلمة وغيّ، أحمده تعالَى بماله من الحمد، وأثنِي عليه وأستغفره من جميع الذّنوب، وأتوب إليه، وأومن به، وأتوكّل عليه، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، القائل فِي محكم تنزيله: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم: {اقْرَأْ بِسمِ ربِّكَ الذي خلَق خَلَقَ الإنْسان من عَلَق اقْرَأْ وربُّك الأَكرَم الذي علَّمَ بالقَلَم علَّمَ الإنسان ما لَمْ يَعْلَم} (1) (
__________
(1) سورة العلق، الآية: 1 – 5. (1/3)
صفحة 4
وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا ورسولنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبده ورسوله وصفيّه وخليله، أرسله الله تعالى بالمحجّة البيضاء والرّسالة السّمحاء، فبلّغ الرّسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة وكشف الغمّة. صلّى الله عليه وسلّم، وعلى آله وصحبه، وعلى من اهتدى بهديه واستنّ بسنّته إلى يوم الدّين. أمّا بعد!
فيا إخوة العقيدة، يا طلاّب علم الله وعلم رسوله، صلّى الله عليه وسلّم، أحيّيكم بتحيّة الإسلام الخالدة، تحيّة أهل الجنّة، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد!
فممّا يسّره الله سبحانه وتعالى علينا، أن يسّر هذا الاجتماع الطّيّب الذي نأمل من المولى عزّ وجلّ أن يجعله فِي ميزان حسناتنا، وأن يرفع به درجاتنا، إنّه هو القادر على ذلك، وهو على كلّ شيء قدير.
ولقد جعل الله سبحانه وتعالى بين أظهرنا أحد الأساتذة الكرام، الذين قطعوا الدّروب والمشاق، وارتفعوا التّلال والجبال؛ حرصا منهم على زيارة إخوانهم في بلدان أخرى، آملين أن يجدوا من إخوانهم كلّ صدر رحب، وكلّ استجابة.
من بين هؤلاء الأساتذة محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الذي ولد بالقرارة سنة 1370هـ الموافق لسنة 1951م.
تلقّى علمه الابتدائي والثّانوي في مسقط رأسه، ثمَّ أكمل تعلّمه الجامعي في جامعة الجزائر، ودرس بالقاهرة بعد ذلك، وتحصّل فيها على دبلوم " الدّراسات الإسلاميّة "، كما قدّم رسالة الماجستير بالجزائر العاصمة بجامعتها، فتحصّل عليها. هو الآن في صدد التَّحضير لرسالة الدّكتوراه، آملين من المولى عزّ وجلّ أن يفتح له كلّ خير، وأن ييسّر له كلّ طريق. وهو يعمل حاليّا مدرّسا في جامعة باتنة بالجزائر. له عدّة مقالات وكتب، أهمّها: أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، أبو اليقظان في الدّوريات العربيّة ... وله بحوث في الأدب الجزائري، وكتابات ومقالات عن عدد من الشّخصيّات.
هذا الأستاذ جاء إلى هنا ليغدق علينا ممّا مَنّ الله سبحانه عليه من علمه، ويلفت أنظارنا إلى موضوع مهمّ من المواضيع التي يجب أن يهتمّ الطّالب بها، ألا وهو " رسالته ".
من المعلوم أنّ العلم هو الذي ترتفع به حضارات الشّعوب، وهو الذي يصل به الإنسان إلى رضا المولَى عزّ وجلّ، ويرفعه على غيره؛ لذلك وجب على الطّالب أن يعلم كيفية استخلاص هذا العلم من الأستاذ، أو من الكتب، أو ممّا يبذله، قاصدا فيه أن يجعله للّه سبحانه وتعالى قربة، وما ذلك إلاّ لأنّ الإنسان إنّما يولد جاهلا، لا يعلم إلاّ الأشياء الطّبيعيّة التي رزقها الله سبحانه وتعالى فيه، ولَمّا كان العلم أهمّ شيء يقصده (1/4)
صفحة 5
الإنسان في هذه الحياة؛ لأنّ الإنسان لا ينظر إليه على قدر كبر سنّه، أو على قدر كبر حجمه، إنّما يقدّر هذا الإنسان بما يحويه من العلم. يقول الإمام عليّ بن أبِي طالب كرّم الله وجهه في ذلك:
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه
والجاهلون لأهل العلم أعداء
فقم بعلم لا تطلب به بدلا
فالنّاس موتى وأهل العلم أحياء
من هذا المنطلق يتكلّم الأستاذ محمد ناصر بوحجام عن أساسيّات، ألا وهي: تحصيل العلم وكيفيّة التّعلّم، كما يتطرّق أيضا إلى التّكلّم في كيفيّة تعامل الطّالب مع الأستاذ لتلقّي المعلومات، كما أنّه أيضا يحاول جاهدا أن يلقي الضّوء على توظيف هذا المحصول من العلم في المجتمع حتّى ينتفع الطّالب بهذا العلم؛ راجين المولى عز ّوجلّ أن ييسّر له، ويفتح له من فضله. وقبل أن يتفضّل مشكورا نفتتح بآيات بيّنات من الذّكر الحكيم. فليتفضّل القارئ، آملين من المولى أن ننصت له خاشعين. (تلا القارئ آيات من سورة التّوبة، من الآية: 123 إلى الآية: 130)
المقدّم:
صدق الله العظيم، وصدق نبيّه الرّسول الكريم، ونحن على ذلك من الشّاهدين والشّاكرين، والحمد للّه ربّ العالمين. يتفضّل أستاذنا ليتحفنا بما سقاه الله سبحانه وتعالى من العلم، عسى أن نكون له آذانا مصغية وأفهاما واعية، فليتفضّل مشكورا.
المحاضر
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
حضرات المشايخ، إخواني الطّلبة، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولِي. أحمد الله تعالى وأشكره على هذه الزّيارة المباركة إلى وطني الثّاني عمان، وأشكره ثانيًّا على هذه الفرصة السّعيدة التي أتيحت لي للالتقاء بإخواني الأساتذة وإخواني الطّلبة؛ لنتحاور ونتحدّث في موضوع أراه مهمّا، وهو (رسالة الطّالب). وقبل ذلك أقدّم شكري إلى إدارة معهد القضاء الشّرعي: مديرا عامّا ومسؤولين وطلبة، على حفاوة الاستقبال، وكرم الضّيافة, وعلى هذا الاهتمام الكبير بشخصي الضّعيف. فجزاؤهم عند الله – إن شاء الله – أبقى وأوفى. كما أنوّه بدور معهد القضاء, وبهذه الرّسالة التي يقوم بها، رسالة التّكوين والإعداد والتّنشئة والتّوجيه والإرشاد، وتكوين ناشئة، نرجو أن (1/5)
صفحة 6
تكون خير خلف لخير سلف، تؤدّي رسالتها كاملة غير منقوصة في الدّعوة إلى الله تبارك وتعالى، والتّمكين لدين الله في الأرض، وفي الحقيقة نحن ننحني إجلالا واحتراما لكلّ المسؤولين في هذا المعهد، الذي بدأ يخطو خطوات وئيدة، ويدرج في مسالك الكمال – إن شاء الله- حيث كنّا نلاحظ -كلّما زرنا السّلطنة - تطوّرا في المناهج ونوعيّة الأساتذة، وتطوّرا في كلّ المجالات التي تساعد الطّالب على أن يتكوّن، ويكون عضوا فعّالا في المجتمع إن شاء الله. إذن فإلى الأمام وقدما ومزيدا من التّقدّم والازدهار إن شاء الله.
من هذا المنطلق اخترت أن نتكلّم معًا في موضوع رسالة الطّالب؛ ابتداء من مجال التّحصيل أو دور التّحصيل، لأنّ الطّالب حين يرد أو يلج المراكز التّكوينيّة، سواء أكانت مدارس أم معاهد أم كتاتيب، أو ما أشبه ذلك. في الحقيقة إنّما يعدّ لكي يستطيع أن يخوض غمار الحياة، ويعدّ لكي يكون عضوا فعّالا في الحياة العمليّة، أو على الأقلّ يأخذ القواعد الأساسيّة والخطوات التي يجب أن يتعلّمها ويحذقها؛ حتّى يستطيع أن يواجه الحياة، ويقدّم شيئا لمجتمعه.
ومن هنا حين يكون الهدف مرسوما، وحين تكون الغاية من التّعلّم واضحة، فإنّ الطّالب من خلال ذلك يستطيع أن يوظّف طاقاته ومجهوده وكلّ إمكاناته لكي يزداد طموحا وتعلّما، وكذلك يختار الوسائل التي تساعده على التّعلّم؛ لأنّ الفراغ الذي يعاني منه الإنسان - عادة - في حياته كما يقول الأستاذ أحمد أمين: يكون منشؤه سببين: السّبب الأوّل عدم وضوح الهدف عند الإنسان، وبذلك تراه يتيه في هذه الحياة، ولا يستطيع أن يرسم لنفسه طريقا معيّنا. والسّبب الثّاني عدم الاهتداء إلى وسيلة توصله إلى الهدف. فإذا كانت الوسيلة غير واضحة، غير مرسومة، غير معلومة, فإنّ الإنسان تتفرّق به السّبل، ولا يستطيع أن يصل إلى هدفه إلاّ بعد مشقّة، أو قد يضيع عن الهدف. قلت: من هنا أردنا أن نتحدّث في هذا الموضوع.
إنّ التّعليم في أبسط تعريف له، أو توضيح أو مفهوم له كما ينصّ العلماء، هو أنّه يعتمد على الإثارة، إثارة انتباه الطّالب إلى أهميّة ما يجب أن يتحصّل عليه، ولهذا نرى الأساتذة البارعين في تلقين طلبتهم وإرشادهم وتوجيههم، هم الأساتذة الذين يستعملون طرقا جذّابة في التّكوين والتّعليم؛ بحيث يثيرون اهتمام الطّالب، ويثيرون له قضايا، ويثيرون حوله بعض الأشياء، أو بعض المشاكل العلميّة، حتّى يستفزّوه كي يتعمّق في البحث، ويطمح للوصول إلى بعض النّتائج، ومن ذلك أن يجعلوه قريبا من المصادر والمراجع، ومن مجالس الذّكر والعلم، إلى غير ذلك. هذا ما يجب أن يكون عليه التّعليم: " إثارة " إثارة الانتباه. ولهذا نرجو من طلبتنا أن يعوا هذه القاعدة، ويقدّروا قيمتها وأهميّتها؛ بحيث لا يكتفون بدروس يتلقّونها في الفصل، ولا يقتصرون على بعض مذكّرات توزّع عليهم، ولا يقنعون ببعض دروس ملخّصة تعطى لهم، إنّما على الطّالب أن يكون (1/6)
صفحة 7
ملحاحا في السّؤال، يسأل عن كلّ ما يعنّ له، وكلّ ما يشكل عليه. وقد قيل: " العلم في صدور الرّجال والأسئلة مفاتيحه" قال الشّاعر:
شِفاءُ العَمَى طولُ السُّؤالِ وإنّما
يَزيدُ العَمَى طولُ السّكوتِ علَى الجهْلِ
ثمّ بعد ذلك يحاول الطّالب أن يصل بنفسه إلى المعلومات عن طريق استعمال المصادر والمراجع، وكلّ ما يمكن أن ينبّهه ويرشده إلى لغة التّعلّم، من ذلك: القيام بالبحوث والعُروض ... إلى غير ذلك. إنّ ما يبعث على سلوك هذا المسلك هو ما يلجأ إليه الموجّه من إثارة المتعلّم. هذه هي الخطوة الأولى أو الملاحظة الأولى، التي يجب أن يكون عليها الطّالب، وينتبه إليها.
الملاحظة الثّانية: على الطّالب أن يجمع في تحصيله بين الفهم والحفظ. فالفهم وحده لا يكفي، كما أنّ الحفظ وحده لا يكفي أيضا. فالفهم يسهّل على الطّالب عمليّة الاستيعاب والتّحصيل وإدراك غوامض الأمور، والغوص إلى أعماق المسائل؛ حتّى يستطيع أن يحذقها ويتقنها، ومن ثمَّ يستطيع أن يفيد ممّا يتعلّم، ثمَّ بعد ذلك لابدّ من الحفظ أيضا؛ لأنّ قلّة الحفظ قد يورّط الطّالب أو الإنسان، ويجعله ينسى معلوماته، وينسى ما أخذ عن أساتذته، أو من الكتب أو ما أشبه ذلك، وهذا ما نلاحظه في بعض المناهج التي ربّما سطّرت في بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة، التي تركّز على الفهم من دون الحفظ، فوجدنا نتائج ذلك منعكسا على مردود الإنسان، لا أقول على الطّالب فقط، بل على الإنسان؛ بالنّظر إلى أنّه يجب أن يكون عضوا فعّالا في المجتمع. ولقد وجدنا أنّ من أمراض العصر المعروفة الآن " مرض النّسيان "، لماذا؟ لأنّ الذّاكرة أهملت ولم توظّف ولم تستعمل، ولهذا وجدنا الإنسان ينسى مواعيده وارتباطاته وعلاقاته ... إلى غير ذلك، ينسى تاريخه، ينسى تراثه، لماذا؟ لأنّ الذّاكرة أهملت إهمالا تامّاً؛ بسبب الادّعاء أنّ الفهم أولى من الحفظ. وكذلك إنّ الإفراط في الحفظ وحشو الذّاكرة بمعلومات من دون فهمها أيضا يولّد بلادة في الفكر وضحالة في التّفكير، وربّما انزواء أو تقوقعا أو انحسارا في دائرة معيّنة، لماذا؟ لأنّ الحفظ الذي لا يكون مرفوقا بالفهم يولّد ذلك. ثمّ إنّ الحفظ أيضا يجمّد الفكر، بحيث يضع الإنسان في أفق ضيّق، فتجده ربّما لا يسمح لغيره أن يناقشه في بعض المسائل أو في بعض الآراء، أو أن ينازعه فكرته أو يعارضه. وهذا خطأ كبير، ربّما تكون له انعكاسات سلبيّة على مستقبل الطّالب ومستقبل المجتمع الذي ينتسب إليه. فلنحذر التّطرّف في كلتا الحالتين، فلنحفظ ولنفهم. يجب أن نجمع بين الحفظ والفهم، هذه ملاحظة ثانية.
الملاحظة الثّالثة: على الطّالب كذلك أن يوسّع مداركه بعدم حصر نفسه في جانب معيّن من العلم، أو دائرة محدودة من المعرفة، يجب عليه أن يكثر من المطالعة والاستزادة من المعارف؛ حتّى تكون معالجته للمسائل (1/7)
صفحة 8
والقضايا التي تعنّ له بعد ذلك في الحياة العمليّة متّسمة بالشّموليّة والتّفتّح والعمق والتّحليل والمناقشة الواسعة ... تنمّ عن سعة الأفق. بحيث إنّه كلّما توسّعت دائرة معارفه كان تفكيره أقربَ إلى الصّحّة، وأسلم من الأخطاء؛ لذلك علينا تعويد أنفسنا على ذلك أيضا. توسيع المعارف والتّنويع في التّحصيل العلمي، ولا نكتفي بجانب معيّن، ومجال محدّد في ذلك.
الملاحظة الرّابعة: علينا أن نكون منهجيّين في التّحصيل؛ لأنّ المنهجيّة في التّعلّم، يكون لها أثرها في الحياة العمليّة. فكلّما كان الإنسان منهجيّا في تحصيله، يعني له طريقة خاصّة، له منهجيّة علميّة في كيفيّة الإفادة من المصادر والمراجع، والجلوس إلى الأساتذة، واستفسارهم والتّعامل معهم ... إلى غير ذلك. كان لذلك انعكاس أو تأثير في سلوكه في الحياة العمليّة؛ بحيث يصبح إنسانا منظّما ومركّزا في حياته. وعندما يكون على نقيض ذلك يصبح فوضويّا في التّحصيل وفي التّعلّم وفي التّلقِّي، فلابدّ أن يكون كذلك فوضويّا في التّفكير في حياته العمليّة. بالتّجربة لمسنا ذلك من خلال بعض النّماذج التي لا يتّسع المقام لذكرها.
الملاحظة الخامسة: ممّا ينصحُ به الطّالب وهو ينتمي إلى الأمّة الإسلاميّة العربيّة، لها لغتها ومقوّماتها وعناصرها المكوّنة لها، ينصح أن يهتمّ بلسان الأدب العربي اهتماماكبيرا؛ لأنّ هذا الاهتمام يجعله دائما في الطّريق الصّحيح من حيث تقويمُ لسانه، حتَّى ينطق اللّغة العربيّة سليمة، وكذلك يتعرّف على تراثه الأدبِي وعلى شخصيّته وعلى كلّ ما يمتّ بصلة إلى أدبه وأمّته. لماذا أقول هذا؟ لأنّنا لاحظنا - ليس هنا فقط بل في مختلف المدارس والمعاهد والجامعات ومن مختلف الطّلبة- هذه الأخطاء التي تتكرّر على ألسنة الطّلبة، وهذا التّنكّر للتّراث وللأدب العربِي، وهذا الخلط بين مقوّمات آداب الأمم، منها الأمّة العربيّة؛ نتيجة عدم وجود قدم راسخة قي هذا الأدب، وعدم العمل على التّحصيل وعلى الاطّلاع على الأدب العربي. فقد وجدنا طلبة لهم معارف أو اطّلاع بسيط على الأدب العربي، في المقابل تعرّف كبير على آداب أخرى، مهما تكن تلك الآداب: قديمة أم حديثة. وجدنا منهم من يخلط بين الآداب؛ بحيث لا يستبين مقوّماته من مقوّمات أدب آخر، وفي بعض الأحيان نسجّل التّنكّر الكلّي لهذا الأدب العربي. نرجو أيضا – مادام للطّالب رسالة في المجتمع، وهي المحافظة على هذا التّراث، والمحافظة على الأدب وهذا المسار – أن يكون تحصيله في هذا المجال كبيرا وواعيا.
الملاحظة السّادسة: ممّا ننبّه إليه الطّالب كذلك زمن تحصيله أن يكون متخلّقا بأخلاق الطّالب الذي يريد أن يتحصّل على العلم، أن يتقيّد بالأخلاق بمفهومها العام. كما قال أحمد شوقي:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه ... فقوّم النّفس بالأخلاق تستقم (1/8)
صفحة 9
من ذلك أن تكون بينه وبين أستاذه صلة روحيّة متبادلة؛ إذ لابدّ للطّالب أن يُكِنَّ احتراما كبيرا لشيخه الذي كان السّبب في تعلّمه، كما يقول الأثر: من علّمني حرفا صرت له عبدا. أي إنّ كلّ من علّمك أيّها الطّالب لابدّ أن تحترمه. قد يصدر – أحيانا – خطأ من الأستاذ – طبعا يكون غالبا غير متعمّد – لابدّ على هذا الطّالب أن يغفر زلّة أستاذه، أو أن ينبّهه بلطف حتّى ولو كان خطأ في المعلومات، وهناك يجب أن يكون الاحترام متبادلا. أذكر في هذا المجال لفتة مهمّة لإمامنا فضيلة المرحوم الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، الذي كلّكم تعرفون أنّه كان تلميذا ذكيّا ذكاء وقّادا، وكانت مؤهّلاته الفطريّة ومواهبه – ربّما – نادرة المثال، قد يكون في مجلس شيخه، ويلاحظ بعض أخطاء تصدر منه، فينبّهه بأدب ينمّ عن خلق قويم. فحين يتفطّن إلى خطإ أستاذه، ماذا يقول؟ يقول يا حضرة الشّيخ أعد لِي الدّرس فإنّي لم أفهم المسألة الفلانيّة، فيعيد الشّيخ درسه، وربّما لا يتفطّن الشّيخ إلى خطئه مع ذلك، فيكرّر التّلميذ السّؤال أو الطّلب ثانيّة، أعد لِي يا شيخي المسألة فإنّني لم أفهمها، قد يحدث ذلك ثلاث أو أربع مرّات وأكثر، حتّى إذا لم يتفطّن الشّيخ إلى خطئه يذكّره بطريقة أخرى، ويقول له: اسمح لِي يا شيخي أعرض رأيِي، ربّما يكون المصنّف أو الكاتب يقصد كذا وكذا، فما رأيك يا شيخي المحترم؟ هنا قد يتفطّن الشّيخ إلى هذه المسألة أو إلى ذلك الخطإ، فيعيد النّظر في الموضوع، وربّما أقرّ رأي تلميذه. وهكذا يكون التّعامل بين التّلميذ وأستاذه مبنيّا على الاحترام والتّقدير والتّوقير. لا يكون بالجفاء وعدم الاحترام أو ما أشبه ذلك ...
هذه بعض الملاحظات العامّة. طبعا مجال الحديث عن القواعد التي يجب أن يحذقها الطّالب، أو على الأقلّ أن يعرفها حتّى يكون تحصيله جيّدا، ممّا يعينه على تخطّي عقبة الحياة، والقيام برسالته العلميّة على أحسن ما يرام، مجال ذكر ذلك كبير. نكتفي بهذا. فربّما في أثناء المناقشة نضيف أشياء أخرى، وبخاصّة إنّ الأساتذة الموجودين معنا، لا شكّ أنّهم سيفيدوننا ببعض المعلومات التي سنفيد منها، وتغطّي النّقص الذي ربّما تلاحظونه فيما قلت.
هذه مقدّمة أو الشّقّ الأوّل ممّا حاولت أن أتحدّث فيه إليكم، الشّقّ الثّاني وهو محور هذه المحيضرة – إن صحّ أن نسمّيها بهذا الاسم – وهي "رسالة الطّالب في المجتمع ". إنّ الطّالب لا يستطيع أن يقوم بواجبه إلاّ إذا كان الأساس صحيحا، وهو التّحصيل الجيّد، وهو ما سبق ذكره، كما أنّ رسالة الطّالب في المجتمع رسالة المعلّم، وما أدراك ما رسالة المعلّم، الذي قال فيه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: " إنّما بعثت معلّما " وأحمد شوقي يقول:
قم للمعلّم وفّه التّبجيلا
كاد المعلّم أن يكون رسولا (1/9)
صفحة 10
أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي
يبني وينشئ أنفسا وعقولا
فهي رسالة خطيرة وسامية وشريفة؛ لذا فهي تتطلّب مجهودا كبيرا وإخلاصا وعملا دؤوبا مستمرّا للقيام بها في الحياة العمليّة، من هنا فإنّ الطّالب الذي يتهيّأ في سني الدّراسة يهيّء نفسه لكي يساعد مجتمعه على النّهوض والخروج من التّخلّف.
إنّ عمله رسالة توجيه ورسالة توعية. فإذا كانت كذلك كما قلنا: فيجب عليه أن يحرص على أن ينزل إلى المجتمع لا يقبع في بيته، لا يبقى مع كتبه فقط صباح مساء، بعد التّخرّج. بعد أن يدخل غمار الحياة، لا يكتفي فقط بأن يطالع ويترك مجتمعه مهملا، أو يتركه يتخبّط في مشاكل، بل عليه أوّلا أن يتحسّس هذه المشاكل، عليه أن ينشغل باهتمامات مجتمعه، وأن ينزل إليها حتّى يستطيع أن يصل إلى المشاكل، ثمّ يعرف ما ينقصه. فالمجتمع تنقصه أشياء كثيرة، في المجال الدّيني والاجتماعي والسّياسي والاقتصادي والأدبي، في كلّ المجالات ...
لذا يجب على الطّالب حين يكون في الحياة العملية أن لا يتحرّك فقط عندما تصل إليه المشاكل، إنّما عليه أن يتحسّس ويندمج في المجتمع ليعرف ما يحتاجه هذا المجتمع. من هذا المنطلق يجب على الإنسان – حتّى يؤدّي رسالته كاملة – أن يتحرّك، ولكنّ تحرّكه يجب أن يكون على قواعد وثوابت، معناه عندما يتحرّك للتّوعيّة والتّوجيه أو الإرشاد والوعظ، يجب أن ينطلق من قواعد وأصول، من أصول إسلاميّة وعقديّة في الدّرجة الأولى. طبعا يسترشد بالتّوجيهات القرآنيّة والنّبويّة؛ حتّى يصل إلى هدفه كما قلنا، أي إنّ الهدف يجب أن يكون مرسوما ومحدّدا.
هذه الملاحظة الأولى، فكثير من العلماء يملكون من العلم الزّاد الكثير، ويحذقون من الفنون الشّيء الكثير أيضا، ولكنّهم سلبيّون في المجتمع؛ بسبب انزوائهم في بيوتهم، أو في أبراجهم العاجية، وبسبب عدم نزولهم إلى الشّارع والجلوس إلى الطّلبة والعامّة، وإلى كلّ من يحتاجون إلى توعية وتوجيه. فطبعا هنا سيكون إفادة مجتمعهم منهم ربّما تكون صفرا، لماذا؟ لأنّ علمهم لم يوظّفوه في خدمة مجتمعهم، فلننتبه إلى هذه الملاحظة. قال الشّاعر:
تعلّم وكن بالعلم ما شئت عاملا
فعلمك إن لم تعمل به جهل
الملاحظة الثّانية: كذلك حين نتولّى مسؤوليّةً ما، يجب أيضا أن نكون حذقين وماهرين في جذب النّفوس، ومحاولة تقريبها إلى ما ندعو إليه. وأعني بذلك أنّ التّوعية والتّوجيه يجب أن يكونا بالموعظة الحسنة وباللّين وبالتّيسير والتّبشير وعدم استعمال الغلظة والجفوة والتّعصّب إلى بعض الآراء، أو ما أشبه ذلك، حتّى (1/10)
صفحة 11
نستطيع أن نؤدّي رسالتنا. قال تعالى لنبيّه عليه الصّلاة والسّلام: { ... ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ... } (1) أمّا إذا كنّا متعصّبين، غلاظ النّفوس جفاة، أو لا نعذر هؤلاء الذين نوجّههم حين يخطئون، وحين لا يفهمون بسرعة، أو حين لا يجاروننا بسرعة فيما نذهب إليه، فإنّنا سنخسر الخسارة الكبرى. إذن فَلْنَعِ هذا جيّدا، ولنعمل على التّيسير والتّبشير، وعلى استعمال الطّرق الحسنة في التّوعية، ولنُراعِ الوسائل والأسباب حسب الذين نخاطبهم. طبعا فخطاب الصّغير غير خطاب الكبير، وخطاب العالم غير خطاب الجاهل، وخطاب العامّي غير خطاب الآخر وغير ذلك ... وخطاب الإنسان في حالة مرضيّة غير خطاب الإنسان في حالة عاديّة ... لسنا نعدّد الحالات، إنّما ننبّه فقط إلى أنّه علينا أن نحذق ذلك حتّى نستطيع أن نؤدّي رسالتنا كما ينبغي.
في هذا المجال أيضا يجب أن نعوّد أنفسنا احترام آراء الآخرين، مهما تكن تلك الآراء، ولو كانت آراء خارجة عن الدّين، إنّما نحاول أن نناقش أصحابها، نعمل على أن نقترب إليهم، نحاول أن نقنعهم بما عندنا، لا أن نستعمل معهم طرقا ربّما تبعدهم عنّا، أو تجعلهم يأخذون فكرة عنّا أنّنا مسلمون، ولكنّنا متعصّبون، لَكَم أضرّ التّعصّب للآراء بأصحابها أوّلا، قبل أن يضرّ ببقيّة النّاس. إذن فلنَعِ ذلك. إن ّالتّعصّب وضيق العطن وعدم فتح المجال للمناقشة والمناظرة، ليست من شيمة الطّالب، ولا من شيمة العالم، ولا من شيمة المسلم. هذا توجيه أرجو - أيضا - أن يفهم على حقيقته.
الملاحظة الثّالثة: كذلك من الأخطاء التي قد يرتكبها الإنسان وهو يواجه مشاكل الحياة الصّعبة ومستجدّاتها، التي لا تكاد تمرّ ساعات أو أيّام إلاّ ونعثر على شيء جديد في هذه الحياة يحتاج إلى معالجة ومناقشة وتبصير، قلت من الأخطاء التي ترتكب في هذا المجال الاعتماد على ما يُقرأ وما يوجد في الكتب. مثلا هناك قضيّة فقهيّة يُبحثُ لها عن فتوى قديمة، وفيما قال العلماء وكتبوا في الكتب. هناك مسألة تربويّة، ينظر لها ما قال علماء النّفس في الكتب وهكذا ...
نعم نستعين بالكتب، ولكن لابدّ من الإفادة من التّجارب، وبما يعنّ ويجدّ في الحياة؛ لأنّ ما عولج في تلك المسائل التي دوّنت كانت مرهونة بماكان موجودا في ذلك العصر. فالجمود على تلك الفتوى، والبقاء أسير ذلك الرّأي، سواء كان في الفقه أم في التّربيّة أم في السّياسة، أم في أيّ مجال، معناه تجميد الحياة وتعقيدها، أو تعجيز لهذا الإنسان، الذي وقع في الورطة، بينما حين نستعمل ما قرأناه وما وعيناه، وما أفَدْنا منه في الكتب، ونشفعه بما نكتسب من تجارب في الحياة العمليّة، فإنّنا سنقدّم خدمة كبيرة وجليلة لهؤلاء الذين ينتظرون منّا الشّيء الكثير، ولهذا فلنعِ ذلك جيّدا، حتّى لا نتصادم ولا نبقى ندور في دائرة مفرغة؛ فنجني على أنفسنا وعلى
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 159. (1/11)
صفحة 12
أمّتنا الإسلاميّة بهذا السّلوك وهذا التّفكير، الذي لا يمتّ إلى العقول السّليمة بصلة، أو لا تكون له جدوى على الأقلّ؛ لأنّ التّجربة المستمدّة من بطون الكتب، ولا تكون مشفوعة بما خبره الإنسان من ممارساته، وبما يدور في حياة النّاس التي يعايشها ويعاصرها، ولايراعي المتغيّرات والنّوازل فيها، تبقى عقيمة، وربّما مضرّة؛ لأنّها لا تعبأ بأحوال النّاس وما يفيدهم في الخروج ممّا هم فيه من حرج أو ضيق أو فتنة ...
أرجو أن أقف عند هذا الحدّ حتّى لا يكون الكلام مسترسلا هكذا. نفتح المجال لأساتذتنا ومشايخنا ليثيروا الموضوع، أو ليصوّبوا ما قلناه، ربّما تكون لهم إضافات أو استفسارات في الموضوع؛ حتّى نُفيدَ جميعا ممّا قلناه، والله وليّ التّوفيق، والحمد للّه ربّ العالمين.
تعقييب المقدّم
جزى الله أستاذنا كلّ خير على ما بصّرنا به من هذه الطّرق وهذه الوسائل التي هي جدير بنا أن نفهمها حقّ الفهم، وأن نعلمها حقّ العلم، وأن نتدبّرها حقّ التّدبّر. بدأ أستاذنا بإلقاء الضّوء على سبب أنّ الإنسان أو الطّالب لا يستطيع أن يتحصّل على العلم، فأرجع ذلك إلى سببين: السّبب الأوّل: عدم وضوح الهدف، والسّبب الثّاني: هو عدم اهتداء الطّالب إلى الوسيلة التي يصل بها إلى هذا الهدف، ثمّ انتقل أيضا إلى ما يسبّب النّسيان، فذكر سببين أو ثلاثة أسباب، أهمّها: 1) يرجع إلى عدم توظيف الذّاكرة، وذلك لقلّة الحفظ وعدم محاولة هذا الطّالب حفظ النّصوص، بل يقتصر على الفهم، وكما ذكر أستاذنا إنّ الطّالب إذا اقتصر على أحد الأمرين دون الآخر لا ينفعه، بل عليه أن يمزج ما بين الحفظ والفهم. كما انّه ألقى الضّوء على أنّ الإنسان أو الطّالب يحشو المعلومات بكثرة بعضها على بعض؛ ممّا يسبّب تشتّتها وعدم وضوحها في ذاكرته، ممّا يصعب عليه استحضار تلك المعلومات في أوقاتها. ثمّ ذكر أيضا أنّ الإنسان أو الطّالب أو التّلميذ، عليه أن يكون ملحاحا في السّؤال، يحاول بقدر استطاعه أن يحصل على الإجابة بشتّى الطّرق، وبأسلوب سهل ليّن، كما أنّه أيضا جعَلَهُ طليقا في أنّه لابدّ أن يبتغي في تحصيل هذا العلم طريقة في التّحصيل، وأسلوبا في جمع المعلومات، بدل أن تكون مشتّتة في الذّهن، كما أوصى أيضا بالاهتمام بلسان الأدب العربي لتقويم هذا اللّسان ومحاولة التّعرّف على هذه الأمّة من خلال أدبها. كما أوصى أيضا بأن يكون الإنسان ذا أخلاق خاصّة، يتخلّق بها هذا الطّالب؛ ليصل إلى مراده. هذه أهمّ النّقط التي ذكرها في الجزئيّة الأولى.
أمّا عن رسالة الطّالب في المجتمع فذكر أنّه عليه أن يعلم أنّ رسالته رسالة كبيرة، وأنّ على عاتقه دورا مهمّا، فلينظر الإنسان إلى رسالته وإلى مدى أهميّة هذه الرّسالة، لعلّه يعلم أنّ من ورائه أناسا يحتاجون إلى هذه المعلومات، فيحاول بقدر استطاعته أن يتحصّل على هذه المعلومات، ليبثّها في المجتمع، كما أنّ عليه أيضا أن (1/12)
صفحة 13
يعايش المجتمع ويعرف أحواله، ويتحسّس مشاكله، ويكون تحرّكه هذا وتحسّسه على ثوابت وأصول إسلاميّة عقديّة قرآنيّة، لا همجيّة. كما أنّ على الطّالب أيضا أن يكون له الدّور والأسلوب الحذق في جذب النّفوس وتقريبها إلى ما يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالمجادلة التي يحاول في أثنائها أن يشرح مقدار ما يعلمه من تلك المسألة، وعليه أيضا أن يحترم آراء الآخرين ومناقشتها باللّين لا بالتّعصّب، كما عليه أيضا عدم الجمود في المسائل، بل عليه أن ينظر إلى ما ترمي إليه، سواء كانت قديمة أم حديثة. هذا موجز ما قاله على ما يبدو لي، وننتقل الآن إلى الأسئلة.
المناقشة
س1: فضيلة الشّيخ، لقد أشرتم إلى أهميّة ازدواجيّة الفهم والحفظ بالنّسبة للطّالب على وجه الخصوص، ولكن يلاحظ من الطّلبة من بعاني من مشكلة عدم التّمكّن من أحدهما من دون الآخر، ومن آخرين من كليهما، فما الحلّ؟ وبماذا تنصحونهم؟ أليس هذا أمرا طبيعيّا فطريّا؟
ج1: حينما نتكلّم عن الإمكانات الفطريّة، حقيق هناك بعض الطّلبة ربّما لهم موهبة في الحفظ، وليست لهم موهبة في الفكر أو الفهم، والعكس صحيح. ولكن نحن نعاتب الطّلبة الذين يجمدون ولا يحاولون الإفادة من الموهبتين اللّتين يملكونهما، فربّما يركن أحدهم إلى الحفظ ولا يحاول أن يفهم، بل يرى أنّ أساسيّات التّعلّم تعتمد على الحفظ، من دون الفهم أو العكس، معناه أن يعتمد على الفهم وله موهبة في الحفظ، ولا يحاول أن يحفظ، هذا هو العيب، هذا أوّلا. ثانيّا: أظنّ أنّ صاحب السّؤال الذي يقول: ما الحلّ؟ إذا كان الإنسان يتمتّع بأحدهما من دون الآخر، ويرى أنّ ذلك شيء طبيعي، أقول هذا هو الخطأ، وذلك حين يعتقد الإنسان أنّه حينما يميل إلى الفهم، فذلك أمر طبيعي، وينسى الحفظ، وحين يميل إلى الحفظ، ويتغافل عن الفهم، فذلك أمر طبيعي. هذا هو الخطأ الذي نريد أن نزيله من الأذهان: أنّ على الطّالب أن يجمع بين الحسنيين أن يفهم ويحفظ. كثير من الطّلبة الذين مالوا إلى الحفظ أو الفهم من دون الطّرف الثّاني، كان ذلك ناتجا عن التّربيّة التي نشأ عليها، ربّما ربِّي منذ الصّغر، أو لقّن منذ حداثته على أن يحفظ فقط ولا يفهم، أو قيل له: يجب أن تفهم ولا يهمّك الحفظ؛ ولهذا وجدنا مثلا بالنّسبة للجانب الثّاني – الفهم من دون الحفظ – هناك بعض ملاحظات أو نزغات من بعض المستشرقين أو المستغربين أو ممّن لا يريد للإسلام خيرا، من أبنائه وغيرهم، ممّن يزهّد النّاس في الحفظ، فيقول: ليس المهمّ أن تحفظ الآية القرآنيّة، أو تحفظ الأحاديث النّبويّة، إنّما المهمّ أن تفهم. ولهذا وجدنا نتائج هذه الدّعوات في شبابنا وأبنائنا، ممّا يندى له الجبين، ويحزّ في النّفس، من خلط بين الأحاديث والآيات، ومن عدم التّفريق بين القرآن والكلام العادي، إلى غير ذلك ... (1/13)
صفحة 14
وفي المقابل وجدنا أيضا ممّن نفخ في روعه – إن صحّ هذا التّعبير - من بعض النّاس: عليكم أن تحفظوا ولا يهمّ الفهم. فوجدنا أيضا بعض الشّباب نشؤوا وهم منغلقون جامدون في تفكيرهم متعصّبون لماذا؟ لأنّك حين تخرج به من دائرة ما حفظ يتخلّى عنك، ويصفك بالمبتدع. نريد فقط أن نمحو هذه الآثار، وأن نبعد عن النّفوس هذه الفكرة، فكرة عدّ الحفظ شيئا طبعيّا في الإنسان، أو الفهم كذلك. يبقى السّؤال – طبعا – يحتاج إلى أمور أخرى، ليس المجال سانحا للحديث عنها، إنّما يحتاج إلى مناقشة صاحب السّؤال في بعض الجزئيّات حتّى نعرف ماذا يعني بهذا السّؤال. هذه إجابة عامّة وشكرا.
س2: أشرت إلى أنّه لابدّ من وجود منهجيّة في تحصيل العلم، فما هي هذه المنهجيّة التي تراها من وجهة نظرك، منهجيّة علميّة ومعقولة؟
ج2: طبعا ما أعنيه من الملاحظة أن يكون الإنسان منظّما في التّحصيل، لا يكون فوضويّا، بمعنى زيادة على أنّ الإنسان المعاصر قد نُظّمت حياتُه التّعليميّةُ، أنّه يدخل في ساعة معيّنة، ويخرج في ساعة محدّدة، هذا شيء مفروغ منه، ولكن ما بين ذلك فعلى الطّالب أن لا يعتمد الطّرق العقيمة. أعطي مثالا، يحكى لنا أنّ طالبا أراد أن يتعلّم اللّغة العربيّة، فماذا كان يصنع؟ كان يعكف على منجد الطّلاب يحفظه حفظا، وبقي عدّة سنوات وهو يحفظ كلّ ما ورد فيه، سأله أحد زملائه ماذا تفعل؟ قال أحفظ المنجد حتّى أكون متفوّقا في اللّغة العربيّة. هل هذه طريقة مجدية في التّحصيل؟ طبعا لا.
وهناك من تراه يذاكر للامتحان، ويظلّ يقرأ ليل نهار من دون تركيز، من دون اتّباع طريقة التّلخيص، أو وضع بعض المسائل في جداول مثلا ... الخ. هذا ما أعنيه، أعني أن تكون للإنسان منهجيّة وطرق منظِّمة لتعلّمه؛ بحيث توفّر له الجهد، ولا يتعب كثيرا، ويتحصّل – إن شاء الله – قسطًا كبيرا من العلم. بينما تجد بعض النّاس حين يحكي لك، ويقول: كنت أسبوعا كاملا أذاكر، لكن من دون جدوى، لم يبقَ في رأسي شيء، وحين تسأله: كيف كنت تذاكر؟ من الممكن أن يقول لك، كنت أقرأ كلّ شيء، كلّ ما جاء في الكتاب، وإذا سألته: هل كنت تلخّص مثلا، هل كنت تخطّ خطوطا تحت الكلمات المهمّة، بعض الفقرات؟ أكنت تنقلها كاملة أم كنت تختزلها؟ هل كنت تجمع بعض المسائل في جمل إلى غير ذلك؟ ربّما يجيبك بالنّفي. وحتّى الطّريقة من الممكن أن يكون الإنسان يذاكر للامتحان وهو أمام التّلفاز، ينتظر العشاء أو الغداء، هذه ليست مذاكرة؛ لأنّ التّركيز يكون ناقصا. كذلك طريقة الإفادة من المراجع، فكثير من الطّلبة تجدهم لا يعرفون كيف يفيدون من المصادر والمراجع. طبعا ليس هذا مجالنا لبيان ذلك، فالدّكتور محمد صالح ناصر متخصّص في هذا المجال، أكيد إنّه قد قدّم لكم الملاحظات في هذا المجال. فبعض الطّلبة تكلّفه ببحث أو بعرض، تجده يسألك أسئلة تفهم منها أنّه ربّما لم يقم ببحث في حياته، أو على الأقلّ لم يعرف كيف ينقل من (1/14)
صفحة 15
المصادر، من الممكن أن ينقل فقرة مبتورة، أو صفحة كاملة، وهو يحتاج إلى سطر أو سطرين فقط، من الممكن أنّه لا يحتاج إلى النّقل، بل إلى الفهم فقط، طبعا لا أستطيع أن أجيب عن سؤاله بالكامل، إنّما فقط أريد أن لا تكون هناك فوضى في التّحصيل، بل أن يكون هناك تنظيم للأوقات، هناك تنظيم لعمليّة المذاكرة، مذاكرة الدّروس وعمليّة المطالعة ... أي كيف يتمّ كلّ ذلك. هذا ما أقصده بالمنهجيّة ربّما يكون السّائل لم يفهم، وقد نلتقي في فرصة أخرى لمزيد من الاستيضاح والإيضاح.
س3: هناك إشكالية تواجه الطّالب في هذه المرحلة، أي مرحلة الدّراسة، وهي عدم القدرة على الموازنة بين الدّراسة النّظاميّة والمطالعة الخارجيّة، إذ أنّ بعض الطّلبة يعتقد أنّه من الصّعب أن يخلص نيّته في طلب العلم لوجه الله تعالى، وذلك لتعلّق الدّراسة النّظاميّة بالدّرجات، بالمستويات الدّنيويّة، فيلجأ إلى إهمال الدّراسة النّظاميّة، وعدم المبالاة بها، والسّعي الذّاتي لطلب العلم، فكيف يجب أن يكون موقف طالب العلم من هذه الإشكالية؟
ج3: هذه الأفكار التي نريد أن نحاربها بكلّ صراحة، وهذا هو الجمود الذي كنّا نعنيه، لمّا كنّا نتحدّث عن البقاء في دائرة معيّنة مغلقة، والانزواء في ركن ركين، فالرّسول صلّى الله عليه وسلّم يقول لنا: " نيّة المؤمن خير من عمله " فما هي نيّتك أيّها الطّالب حين جئت تتعلّم، هل كانت نيّتك أن تتباهى وترائي؟ هل أتيت لكي يقول عنك النّاس إنّك تحمل محفظتك أو دفترك لكي تلج مركزا معيّنا، هكذا مظهريّا؟ وحتّى هذا الإنسان الذي يتهرّب من هذه المظاهر، فربّما يكون الرّياء قد لحقه، حتّى في نقض هذه الفكرة أو هذه الطّريقة، وحتّى بقاؤه في بيته أو في المسجد أو في مكان يطالع مطالعة حرّة، ربّما يكون فيه رياء. فالرّياء يكون موجودا أو غير موجود حسب نيّة الطّالب من الطّريقة التي يتّبعها في الدّراسة، ثمّ بعد ذلك يجب أن نساير العصر فيما هو حسن، فالعصر وفّر لنا نظاما- كما قلت – من خلال هذا النّظام: الدّخول في الوقت والخروج في الوقت، واتّباع طريق معيّن في التّحصيل؛ ممّا يطوي المسافات والمراحل، مادام قد وفّر لنا هذا، فلماذا لا نستغلّه؟ بالإضافة إلى تلك المطالعة الخارجيّة أو (ذلك النّظام الحرّ) لابدّ على الطّالب كما قلت سابقا أن يكون إلى جانب هذا النّظام المتّبع: من دروس تلقى ومحاضرات ومذكّرات توزّع، لابدّ أن يوسّع أفق معارفه بالمطالعة الخارجيّة. هاتان الطّريقتان لا تتنافيان أبدا، ثمّ بعد ذلك أيّها الطّالب ما دمت تعرف أنّ الأبواب ستفتح أمامك لزيادة التّحصيل. وفرض وجودك في هذه الحياة، بنظامها وطرقها ووسائلها، لا يتأتّى لك إلاّ من هذا السّبيل، لماذا لا تستغلّه؟ وتحاول أيضا أن تكون عضوا فعّالا وسط هذا النّظام، وتقنع زملاءك على أنّ هذا التّحصيل لا يتمّ فقط بهذه الدّرجات والعلامات والوسائل وبهذه النّظرة، إنّما يتمّ أيضا بالرّغبة الملحّة في التّحصيل والإخلاص والنّيّة. فتحاول وأنت تلج هذه المراكز أن تستغلّ هذه الوسائل، وفي آن واحد أن تكون (1/15)
صفحة 16
داعيّة إلى إبعاد هذه النّظرة من نفوس زملائك. انظر كيف يكون عملك جيّدا وحسنا ومخلصا للّه، حين تكون نيّتك حسنة في التّحصيل، وحين تستغلّ هذه الطّرق في مسارها الصّحيح. أمّا أن يلقي الشّيطان في ذهنك أنّ هذه الطّريقة فيها رياء، أظنّ أنّ هذا هو الرّياء نفسه؛ لأنّه كما يقولون: كثير من النّاس لا يصلّون النّوافل في المسجد، فيخرج أحدهم من المسجد ليصلّي في داره، حتّى لا يراه النّاس وهو يصلّي. لكن الحقيقة أنّ كثيرا من هؤلاء يراؤون؛ لأنّ الشّيطان يوحي إليهم أنّ هذا الذي يقومون به عمل جيّد، عمل فيه إخلاص، وبعد ذلك وبمرور الزّمن، قد يصطبغ سلوكهم هذا بالرّياء، أي يتبيّن للنّاس أنّهم يفعلون ذلك رياء وسمعة، حتّى يقولوا إنّهم ليسوا مرائين، أو هكذا يظنّون في هذا السّلوك. انظروا كيف تتطوّر المسائل، حتّى الإنسان الذي يتهرّب من هذه الطّرق النّظاميّة، ومن هذه المراكز، قد يُظَنُّ فيه ذلك، أخشى أن يكون ما يفعله رياء. إذن فالرّياء موجود في كلتا الطّريقتين، حسب النيّة والقصد. ما أنصحك به أيّها السّائل العزيز أن تحسن النّيّة فتحسن العمل، حسّن نيّتك تحسن التّحصيل. هذا ما أفوله والسّلام.
س4: هناك مشكلة نواجه الطّالب في تحصيله، وهي هل يتخصّص في علم واحد، بحيث يتعمّق فيه تعمّقا واسعا، أو يأخذ من كلّ علم وكما – يقال – يأخذ من كلّ بستان زهرة، فيأخذ السّطحيات من العلوم بلا تعمّق، فإنّ التّعمّق في مجال واحد يكون مانعا من التّعمّق في أغلب العلوم؟
ج4: في الحقيقة هذا السّؤال عامّ يحتاج إلى أسئلة أخرى لنعرف ماذا يقصد الطّالب من هذا التّساؤل، سأجيب حسب فهمي له، وحسب الإمكان. أظنّ أنّ تخطّي الطّالب لمراحل التّعليم من الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثّانوي إلى الجامعي إلى ما بعد الجامعة، يغنيني عن الإجابة عن السّؤال، وما أعنيه أنّ الطّالب في الابتدائي يأخذ معلومات عامّة في كلّ الفنون، ثمّ يبدأ في التّخصّص بالتّدريج، بحيث يتخصّص نوعا ما في الإعداديّة، ويزداد تخصّصه أكثر في الثّانويّة، ثمّ يركّز في بعض الجوانب في التّعليم العالي، ويزداد تخصّصا دقيقا فيما بعد التّدرّج. هذا ماذا يعني؟ يعني أن تكون للطّالب قاعدة عامّة ينطلق منها، ومعارف متنوّعة في مختلف المعارف التي يجب أن يحذقها، ثمّ يكون له تخصّص معيّن، لابدّ أن يرفد ويساعد هذا التّخصّصَ بعضُ المعارف التي تعينه على التّحصيل. طبعا التّخصّص في نهاية المطاف لا بدّ أن يكون إمّا في الفقه أو الأدب أو الاجتماع أو العلوم ... هذا لا ينفي كما قلت أن يكون الإنسان مطّلعا على جوانب مختلفة من المعارف، بل يجب أن يكون له اطّلاع ولو كان غير معمّق في المسائل العلميّة والمعارف الأخرى غير تخصّصه؛ لأنّ ذلك سيعينه على التّعمّق حتّى في تخصّصه؛ إذِ المعارف تتعاون وتشترك في إعانة المتخصّص في أداء مهمّته في إطار تخصّصه. هذه إجابة عامّة، أمّا أن تفهم أنّ الإنسان يجب أن يكون متخصّصا تخصّصا كليّا ويبقى يدور في ذلك التّخصّص، فإنّ هذا لا يعينه أبدا على أن يحذق المسائل المستجدّة. أعطي مثالا في الفقه، فالفقيه قبل أن يفتي في مسألة، (1/16)
صفحة 17
لابدّ أن يراجع متخصّصا في السّياسة وفي الاجتماع وفي الطّبّ وفي الفلك ... حسب المسألة المعروضة، وأحيانا إذا لم تكن له معارف في بعض هذه الجوانب، ولو كانت بسيطة ستكون فتواه طبعا فتوى غير مقبولة، أو على الأقلّ نقول إنّها ستسيء إلى المستفتي أو إلى الحياة العامّة.
إذن فالتّخصّص أو التّعمّق في جانب معيّن شيء لابدّ منه، مع الإلمام ببقيّة المعارف. وأعود إلى ما بدأت به، قلت هذه المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته الدّراسيّة، يجب أن يكون الطّالب فيها جادّا مستغلاّ تلك المعلومات أو المعارف التي أخذها؛ حتّى تفيده في مستقبل حياته، وبخاصّة حين يكون في تخصّص، و في مستوى عال.
س5: ما هي الطّريقة التي يجب على الإنسان أن يسلكها حتّى لا تكون ذاكرته مهملة، وما هي الأشياء والأسباب التي تزيد من وعي الذّاكرة؟
ج5: أعتقد أنّني أجبت عن السّؤال من خلال ما قلت، ذكرت أنّ على الإنسان أن يستعمل ذاكرته، فف فلا يهملها، بمعنى أنّه يعتني بالحفظ، حفظ النّصوص، حفظ بعض التّواريخ، فأنا لست مع الرّأي الذي يقول: "أن نفهم من دون أن نحفظ "؛ لأنّ الذّاكرة عضو من أعضاء الإنسان، إذا لم يستعمل يفنى، أو يفقد وظيفته، ويصبح لا فائدة منه، وهذا ما لاحظناه، وما اتّصف به الإنسان اليوم، وهو ما نسمّيه مرض العصر أو من أمراض العصر"النّسيان". فالإنسان يجب أن يعوّد نفسه حفظ ما يجب حفظه: حفظ القرآن، الحديث، النّصوص الأدبيّة، بعض التّواريخ، بعض الأسماء ... إلى جانب الفهم طبعا. هذا ما أعنيه وما أقصده من الملاحظة، ولهذا ليست هناك طريقة معيّنة في هذا المجال، كيف تحفظ، كيف تستعمل الذّاكرة، ما نؤكّد عليه هو ترويض الذّاكرة من الصّغر على الحفظ؛ حتّى تؤدّي مهمّتها في كامل مراحل حياة الإنسان.
س6: يطلب السّائل التّحدّث عن التّعصّب المقيت الذي يجب أن يتجنّبه في أيّ حال من الأحوال مع أيّ شخص كان، وإلى أيّ حدّ يمكن التّنازل عن المبادئ، إن صحّ هذا التّعبير؟
ج6: أنا لم أقل التّنازل عن المبادئ، الشّخص الذي يتنازل عن مبادئه لا يسمّى أو لا يعدّ إنسانا. وقد قلت في البداية: التّحرّك في هذه الحياة يكون عن مبادئ راسخة وثوابت متجذّرة، إنّ ما أحذّر منه هو أن يتعصّب الإنسان لرأيه من دون أن يفتح المجال ليسمع رأي الآخر. أيّها الإنسان اسمع رأي غيرك وناقشه وأقنعه بما لديك من آراء, أمّا أن تغلق باب المناقشة والحوار ومحاولة فهم الآخر، فهذا هو التّعصّب الذي لا يقبل في أيّ مجال: في الدّين أو في الأدب ... في أيّ حال. فالتّعصّب لا يأتي إلاّ بنقيض المقصود. بالعكس إنّ المتّعصّب عادة ما يكون غير راسخ القدم في المعرفة؛ لأنّ الإنسان الذي يكون متمكّنا في المعرفة وفيما يقول، أو مقتنعا اقتناعا كليّا بما يتفوّه به يحاول أن يستمع إلى غيره ويناقشه في رأيه؛ حتّى يقنعه، أو على الأقلّ يبيّن خطأه، حتّى ولو لم (1/17)
صفحة 18
يقتنع. أمّا أن تسلك مسلك التّعصّب أيّها الإنسان، وتتمسّك برأيك، ولا تفتح المجال لغيرك كي يتحاور معك، وتقول هذا رأيي، لا أحيد عنه مهما يكن، ولو تبيّن خطئي، فهذا هو التّعصّب الذي أعنيه. وكثيرا ما جنى التّعصّب على أصحابه، ولا أزيد على ذلك.
س7: ذكرتم أستاذنا الفاضل أهميّة الاطّلاع على الأدب العربي، ولكنّنا نجد أنّ الأدب العربي المعاصر قد اختلط فيه الغثّ والسّمين، وحتّى لو حاول الطّالب أن يطّلع على كلّ شيء من باب "عرفت الشّرّ لا للشّرّ ولكن لتوقّيه "ولكن العوامل النّفسيّة والمرحلة النّفسيّة التي يعيشها الطّالب، والتي يكون فيها الطّالب في معتزل في تحديد منهجه الفكري، كلّ هذه العوامل قد تجعل من الاطّلاع على كلّ الآداب شيئا خطيرا، يؤثّر سلبا في تحديد المنهج الفكري أو الأيديولوجي للطّالب. هل توافقوننا على أنّ الطّالب لا ينبغي أن يفتح الباب على مصراعيه للاطّلاع على كلّ الآداب. إذا كان الجواب بنعم، فما هو المنهج الذي يحدّده الطّالب لتحديد الأدب الجيّد من غيره، وما هي أهمّ الكتب والكتّاب الذين تنصحوننا بالاطّلاع على كتاباتهم؟
ج7: أفضّل أن يجيب عن هذا السّؤال أستاذي الدّكتور محمد ناصر ليفيدنا أكثر في الموضوع، فليتفضّل مشكورا.
الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسول الله، في الحقيقة أنا أستجيب لدعوة أخي الأستاذ محمد ناصر بوحجام؛ لأنّني أشعر أنّه بدأ يتعب من كثرة الأسئلة، فأحال الجواب إليّ، وإلاّ فإنّه يستطيع الإجابة، لأنّه متخصّص في الميدان، ولأنّه مجرّب، ولأنّه أستاذ المادّة: مادّة الأدب، فباستطاعته إذن أن يجيب على ذلك، ولا أستطيع أنا بدوري أن آخذ من حصّته هذه، لأنّها خاصّة به، وقد عُوِّدنا أن نحترم أوقات الضّيوف، وأنا معكم طول السّنة الدّراسيّة، فقد يجيء الوقت الذي أستطيع أن أتكلّم فيه، ربّما سمحتم بهذا الموضوع بمحاضرة , والسّلام عليكم.
(المحاضر): نرجو أن نكون من المحظوظين لحضور هذه المحاضرة.
(المقدّم) نخبر الطّلبة على أن تكون هناك محاضرة - إن شاء الله – لشيخنا الدّكتور محمد ناصر حول: "أدب الرّدّة " يوم السّبت المقبل بحول الله.
س8: إنّني تأتي عليّ أوقات أحبّ فيها العلم وأريد أن أجتهد وأحفظ كلّ شيء، ولكن ما يلبث ذلك الشّعور أن يتلاشى بعد يومين أو ثلاثة، فماذا أصنع وماذا أفعل؟
ج8: احْمَدِ الله على أنّ فيك استعدادا للتّعلّم وتحصيل العلم؛ ما دمت تشعر بأنّك في حاجة إلى العلم، وفي حاجة إلى إرشاد وتوجيه، فهنيئا لك. يبقى أن نعمل بما عوّدنا عليه أساتذتنا ومشايخنا، وهو أن نستعين بالدّعاء في كلّ حركاتنا، فكلّما هممت بالقيام بعمل ما استعن بالله يُعِنْكَ. فحاول أن تستعين بالله على أن يفقّهك في (1/18)
صفحة 19
الدّين، ويلهمك رشدك، ويفتح لك من خزائن العلم؛ حتّى تكون من العلماء إن شاء الله. ولا تركن إلى وساوس الشّيطان, ولا تسكن إلى هذه الهواجس، إن هي إلاّ مثبّطات. فما دمت ترغب في التّحصيل، فحاول أن تراجع نفسك، ربّما تكون في حالة نفسيّة، لا تسمح لك بالتّعلّم، فأبدل ساعة بساعة، وربّما يكون المكان غير ملائم، غيّر المكان، وربّما يكون الكتاب غير مناسب، غيّر الكتاب، ربّما تحتاج إلى رفقة في المذاكرة، ادْعُ رفقة لذلك ... إلى غير ذلك. فهذه الحالات تمرّ على المرء؛ حين تكون النّفس في حالة إدبار، والقلب في حالة ضيق ... فإن شعرت في نفسك هذا الشّعور، فحاول أن تعالج الوضع حسب الظّروف التي تعاني منها، أمّا أن تقول إنّ هذه قاعدة عامّة، أمّا أن تقول إنّني أشعر بأنّ لي طموحا للتّعلّم والمذاكرة فأقدم، ثمّ بعد ذلك أحجم، فما الحلّ؟ أرجو أن لا يستبدّ بك هذا الشّعور، بل حاول أن تغيّر من الوضع الذي تكون عليه إلى وضع أحسن، واستعن بمن يفيدك في الميدان. هذا ما أستطيع أن أقوله والسّلام عليكم.
س9: يطلب هذا السّائل من أستاذنا أن يعطينا فكرة عامّة عن ميزاب، فإنّنا مشتاقون للتّعرّف على أحوالهم، لعلّنا نتمسّك بأخلاقهم ومدى اطّلاعهم.
ج9: هذا السّؤال يحتاج إلى محاضرة ثانية، لست أدري ماذا أقول عن الطّلبة في وادي ميزاب؟
على كلّ حال الطّلبة في وادي ميزاب ليسوا في مكان واحد أوّلا، هم في مدارس مختلفة؛ سواء في قرى ميزاب السّبع أو الثّماني أم في المدن خارج الوادي: شرق الجزائر وغربه وجنوبه وشماله، متفرّقون في المدارس الرّسميّة الحكوميّة والمدارس الخاصّة، فإذا سمحت لنفسي بالتّحدّث في الموضوع، أقول: إنّ الطّالب في وادي ميزاب بخاصّة يبدأ عمله أو دراسته في المدارس الخاصّة بعد صلاة الفجر مباشرة. حيث يتوجّه الطّالب والتّلميذ إليها ابتداء من السّنة السّادسة من عمره؛ أي حين يدخل المدرسة لأوّل مرّة. لأنّ الطّالب في الوادي عندنا يدرس في المدرستين الخاصّة والرّسميّة، أي حكوميّة كما تسمّى، فيدرس في الصّباح من الفجر إلى غاية السّابعة أو بعدها بقليل، حسب الفصل بين ربيع وخريف وشتاء، ثمّ بعد ذلك يذهب إلى المدرسة الرّسميّة، وبعد خروجه منها في نهاية النّهار يعود إلى المدرسة الخاصّة لمتابعة دروسه، فتراه مشغولا طول اليوم بين المدرستين الرّسميّة والخاصّة، هذا بالنّسبة للنّظام. أمّا بالنّسبة للمواد – لست أدري ما ذا أقول – ما تدرسونه يدرّس هناك، من هذه المواد الفقه والتّاريخ واللّغة العربيّة والعلوم ... ، وهناك لغات أجنبيّة: فرنسيّة وإنجليزيّة وإسبانيّة ومختلف اللّغات، يدرسها الطّالب حسب رغبته، أو حسب التّوجيه الذي يخضع له، وذلك بالنّسبة للمدارس الرّسميّة. نظام التّعليم أو الدّوام في المدارس الخاصّة هو خمسة أيّام في الأسبوع مثلما هو عندكم، من السّبت إلى الأربعاء. بالنّسبة للمدارس الرّسميّة من السّبت إلى الخميس. ماذا أقول أكثر من هذا، لست أدري، حالتهم – إن شاء الله – هم مجتهدون يحاولون أن يتحصّلوا على العلم، وأن يكونوا علماء بإذن الله، ينيرون المجتمع. فمثلما (1/19)
صفحة 20
تسألون عنهم فهم دائم السّؤال عنكم أيضا، يسألون عن الطّلبة هنا في السّلطنة، كيف هي أحوالهم؟ وأنا متأكّد أنّي لمّا أرجع إلى الجزائر سأحظى بجلسات وجلسات؛ لأحكي عن حال إخواننا هنا، وعن الطّلبة بخاصّة، سيسألونني ماذا يدرسون؟ ما هي الكتب المقرّرة عليهم؟ وكيف هم مع التّحصيل؟ وغير ذلك من الأسئلة. يبقى أن نتحدّث عن التّفاصيل، أعتقد أنّ الوقت متأخّر، والمحاضرة الواحدة لا تكفي لنتكلّم عن الطّلبة عامّة، هذا ما لديّ للإجابة عن السّؤال.
تعقيب الدّكتور الهادي أحمد الهادي:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسول الله. وإذ تكرّرت الدّعوة للمشاركة، وكان لابدّ أن أقف هذا الموقف، وجزى الله الأستاذ الفاضل محمد ناصر بوحجام على هذه المحاضرة القيّمة الشّيّقة، والتي أعتقد أنّه بسط فيها كلّ الضّوابط والقواعد التي يحتاجها الطّالب للتّعلّم، بل لعلّي أقول إنّه من طرف خفيّ أشار أيضا إلى قواعد التّعليم؛ لأنّه أشار إلى ضوابط التّعلّم، ومن خلاله أيضا قواعد يستفيد منها الأساتذة والمعلّمون أيضا في التّدريس، إن شاء الله، الأمر كلّه مشترك، ولابدّ أن تكون هناك قواعد للتّدريس وقواعد للتّعلّم والتّعليم. وأحسب أنّه ذكر ما فيه الكفاية عن هذه القواعد، ولم يترك شاردة ولا واردة، ولكنّني إذا كنت مضيفا شيئا فأضيف: إنّ على الطّالب أن يحرص دائما على الاستزادة من جميع المعارف، معارف الحياة، من جميع أمور الحياة، دون أن يقتصر على نحو معيّن أو تخصّص معيّن. صحيح إنّه متخصّص في أمر ما أو دراسة ما، الطّلاّب في المعهد متخصّصون في الدّراسات الشّرعيّة، ولكنّ هذا لا يمنع من فتح المجال بالنّسبة لبقيّة المعارف؛ لأنّ الأمر كلّه في النّهاية مرتبط ببعض، أعتقد أن أسمع محاضرة في الإذاعة، أو ندوة صحفيّة أو مقالة صحفيّة أو نحو ذلك، كلّه يفيد- لا شكّ - في الدّراسة، يعني ليس يصحّ أن نقتصر على الدّراسة المتخصّصة فقط؛ بحيث إنّنا لا نترك المجال للمعارف الأخرى، ونعتقد أنّها ليست مفيدة على أيّ نحو. الحقيقة والصّحيح إنّها تفيد الطّالب، فالعقل البشري في واقع الأمر مخزن المعارف والمعلومات، إذا استطعنا أن نقرأ ونقرأ، ولا نقتصر على الدّراسة فقط، نقرأ كلّ ما هو متعلّق بشؤون الحياة، ما هو اجتماعي، ما هو ثقافي، مقالة صحفيّة، كلّ شيء، من خلال هذه الدّراسات والقراءات تحصل الاستزادة؛ لأنّ هذا العقل البشري وهذا المخزن الواسع للمعلومات يحفظ هذه القراءات، التي من خلالها تستفيد عبارات، استخدامات لغويّة، معلومات لم تكن تعرفها، إلى غير ذلك ...
ثمّ في الوقت المناسب تجد أنّ هذه المعلومات قد أسعفتك، هذه المعلومات تستطيع أن تربط بينها وتوسّع أفقك، تستطيع أن تجعلك أكثر تعمّقا في فهم الحياة وفي الدّراسة نفسها. ولذلك فلو كانت إضافة أرجو أن (1/20)
صفحة 21
تكون إضافة، أرجو من الطّلاّب – إن شاء الله – أن يحرصوا على المطالعة الخارجيّة، وأن لا يقتصروا على الدّراسة الدّاخليّة.
السّؤال الذي يتعلّق بمجال التّخصّص، موضوعه قريب من هذا الموضوع، أنا أتكلّم عن المعلومات العامّة والقراءات العامّة، أيّ كانت، سواء أكانت شرعيّة أم غير شرعيّة، فكلّها مفيدة، يعني لا يصحّ أن نحصر المسألة في مجرّد المعلومات الشّرعيّة، فنقول إنّ هذه شرعيّة وهذه غير شرعيّة، في الشّريعة نفسها لابدّ من معرفة بقيّة المعلومات، معرفة المسائل الثّقافيّة ... لأنّها مربوطة حتّى في مجال التّخصّص.
بالنّسبة للسّؤال أعتقد أنّ الإجابة كانت إجابة دقيقة، وإجابة فعلا عن السّؤال، وهذا ما عنّ لي في تلك اللّحظة، وأجاب نفس ما كنت أفكّر فيه في تلك اللّحظة؛ لأنّ هذه الدّراسة المنظّمة في واقع الأمر تتيح لك أن تتخصّص في المجال الذي تريد أن تتخصّص فيه، أنت في المرحلة الأولى تقرأ قواعد عامّة، ثمّ تتخصّص في دائرة معيّنة من التّخصّص ... الآن في المعهد هناك درجة معيّنة للتّخصّص، لكن بعدها دراسة الماجستير، هي مزيد من التّخصّص أيضا، دراسة الدّكتوراه - إن شاء الله – إن تمكّنتم بذلك – قيّض الله لكم ذلك – هي مزيد من التّخصّص أيضا، ولذلك فامض في هذه الدّراسة دون النّظر إلى أنّ هذا يتيح لك التّخصّص. هو في النّهاية يتيح لك التّخصّص الكامل. شكرا للأستاذ الفاضل المتحدّث. والحقيقة أنا وقفت هذا الموقف كما ذكرت؛ لأنّه كرّر دعوته، فشكرا له وشكرا لكم.
المقدّم
نتمنّى لأستاذنا الخير، وجزاه الله سبحانه وتعالى كلّ ما هو خير، آملين من المستمعين أن يتدبّروا هذه الوصايا وهذه المبادئ التي يجب علينا أن نحاول تطبيقها بقدر الإمكان، حتّى نحصل في نهاية هذه الدّراسة، أوّلا برضا المولى عزّ وجلّ، وثانيّا بتطبيق هذا العلم في المجتمع كما هو مطلوب من كلّ واحد منّا.
نختم هذه المحاضرة بخير ما بدأنا به، وهو القرآن الكريم. فليتفضّل الطّالب محمد بن سالم المقبالي مشكورا، آملين من المولى عزّ وجلّ أن نتدبّر ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه. ثمّ قرأ الطّالب ما تيسّر من سورة النّور، الآيات: 35 – 39. ثمّ كان الدّعاء مسك ختام الجلسة. (1/21)
صفحة 22
لك يا طالب العلم (1)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أبنائي الطّلبة الأعزّاء!! إخواني المتعلّمين الأصفيّاء!! حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، وشكر مسعاكم، وحقّق مناكم، وأكرم مثواكم، وجعل الجنّة العلا مأواكم .. سلام قولاً من ربٍّ رحيم.
أبنائي وإخواني!! اسمحوا لي في البداية أن أقدّم إليكم شكري الجزيل، وثنائي الجليل، على ما قدّمتم لنا من معروف، وما أسديتم لنا من فضل في أثناء إقامتنا بينكم في مسقط، بمناسبة إقامة معرض مسقط الدّولي الثّاني عشر للكتاب.
لقد أحللتمونا بينكم أهلا، وأنزلتمونا بينكم سهلا. آويتمونا فأكرمتم وفادتنا، خدمتمونا فأحسنتم رعايتنا، سهرتم على راحتنا، وقمتم بأمورنا ..
كان كلّ واحد منكم أمّة لوحده في القيام بشؤوننا، يسارع إلى الخدمة، ويسابق أخاه في التّضحية، يبادر في التّحيّة والسّلام باكرًا، ويهيّئ الفطور، ما يتخلّف إلاّ نادرا، يتقدّم إلى توفير الغداء قبل ولوجنا عتبة الدّار، ويحتاط للعشاء إذا تأخّرنا في آخر النّهار، يسرع إلى توفير ما تومئ به العين، يتحرّك قبل أن تنطق الشّفتان بالعبارة، ويسير وَفقَ ما توحي به الإشارة. شعرتم بواجب خدمة العلم فتحرّكتم، أحسستم بضرورة الوفاء لذوي الفضل فنهضتم، نرجو أن نكون أهلا لذلك ..
وجدنا فيكم كلّ الخلال التي تطلب في المتعلّم: الإخلاص، الصّدق، الوفاء، الاحترام، الإحسان، الحياء، التّواضع، توقير الكبير، تقدير الفضل ... إنّ هذه الشّمائل هي من أثر التّربيّة التي تلقّيتموها في مهادكم ومعاهدكم، وفي مراكز تكوينكم وتثقيفكم. حملتموها معكم زادًا إلى موطن إقامتكم هناك. فكان نعم الزّاد، ونعم الغذاء. فاحمدو الله العزيز المنّان على هذه النّعمة، واشكروا لأولي الفضل عليكم هذه المكرمة .. ثمّ حافظوا
__________
(1) - نشرت الرّسالة في مجلّة البستان، مجلة ثقافيّة سنويّة، من إصدار مكتب الطّلبة الجامعيّين (القرارة)، الجزائر، العدد التّجريبي، السّنة الأولى، صفر 1429هـ/ فيفري 2008م. ص: 53 – 56. جاء في تقديم الرّسالة: مقال موجّه إلى طلبة عمان، بمناسبة زيارة الدكتور إلى مسقط، وهو موجّه أيضًا إلى كلِّ طالب علم، ارتأبنا نشره لتعمّ الفائدة .. (1/22)
صفحة 23
على هذه المكاسب، ولا تفسدوا هذه الأطايب، استثمروها في حياتكم، وجسّدوها في مسيراتكم. فالله هاديكم وناصركم وحاميكم ..
أبنائي الطّلبة!! لقد لمسنا فيكم الرّغبة الصّادقة في التّعلّم والتّكوّن، من خلال إلحاحكم على الجلوس إلينا، ومن أسئلتكم المركّزة الواعية، في مختلف مجالات المعرفة، وفي مختلف مصادر التلقّي، كالمنهجيّة مثلا، ومن خلال العروض التي قمتم بها، أو أنتم في صدد إعدادها، ومن خلال المشروعات البحثيّة التي تفكّرون فيها، ومن خلال طموحكم وتطلّعكم إلى ما بعد التّخرّج ..
إنّ هذا مؤشِّرٌ كبير على وضوح رسالتكم في الحياة، وعلى رغبتكم الصّادقة في المزيد من التّكوّن والتّثقّف؛ قصدَ خدمة مجتمعكم الذي سمح لكم بالانتقال عنه مؤقّتًا، والابتعاد عنه قليلاً، ومنح لكم فرصة السّفر بالمعنى الذي سجّله الشّاعر:
تغرَّبْ عنِ الأوطانِ في طلبِ العلاَ ... وسافرْ ففي الأسفارِ ... خمسُ فوائد
تَفَرُّجُ هَمٍّ، ... واكتسابُ معيشةٍ ... وعلمٌ، وآدابٌ، وصُحبةُ ... ماجِد
كلُّ هذه الفوائد والأهداف قرأناها في أسئلتكم، ومحاوراتكم ومناقشاتكم وانتقاداتكم .. وسجّلناها في مطالبكم وآمالكم وأعمالكم .. فبورك فيكم، وفي تفكيركم وتدبيركم وتقديركم ..
اسمحوا لنا أبنائي الطّلبة ببعض النّصائح الإضافيّة:
1 ـــ إذا كان التّعلّم يرمي إلى إعداد الفرد لخوض معترك الحياة بقوّة وثقة. فإنّ ذلك يعني أيّها الطّلبة، أنّ عليكم أن تروِّضوا أنفسكم على مختلف الوسائل والسّبل، التي تتيح لكم مواجهة الطّوارئ والمفاجآت بقوّة ومهارة وذكاء؛ لأنّ الحياة متغيّرة، متطوّرة، متجدّدة ... تَعِدُ بالطّارئ والجديد غيرِ المتوقّعين. فلابدّ أن يُستعَدَّ لهما. فاعملوا على تجنّب الإخفاق في حياتكم؛ بالإعداد القويّ السّليم.
2 ــــ أهيب بكم بالعمل على التّكوّن القويّ؛ بالتّفرّغ للتّعلّم، واستغلال كلِّ الفرص المتاحة، بل البحث عن غير المتوفّرة؛ فالعلم يؤتَى ولا يأتي .. والخليل بن أحمد الفراهيدي يقول:" إِعْطِ كُلَّكَ للعلمٍ يُعْطِكَ بعضَه ". والشّاعر يقول:
يغوصُ البحرَ من طلبَ اللآلي ... وَيَحْظَى ... بالسِّيادَةِ ... والنَّوال (1/23)
صفحة 24
مِن مظاهر القوّة التّنوّعُ في طلب المعارف، مع التّركيز عل تخصّص معيّن؛ للتّبحُّر والتّخرّج فيه .. واعلموا أنّ التّحدّيات التي تواجه الإسلام قويّة جدًّا، والإسلام – بطبعه – قويّ، فلا يرضى لمن يتبنّاه ويدافع عنه إلاّ أن يكون قويًّا، والله تبارك وتعالى أمرنا أن نتدرّع بالقوّة لهزم العدوِّ، فقال: {وَأّعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ منْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبون بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وآخرينَ منْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ نَعْلَمُهثمْ وَمَا تثنْفِقُوا مِنْ شًيْءٍ في سبيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمون} (الأَنفال/ 60).
الرّسول - صلى الله عليه وسلم - أيضًا - ينبِّهنا إلى هذه القوّة، أو هذه الحقيقة بقوله: " المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضّعيف وفي كلٍّ خير". ومن جملة القُوَّاتِ المطلوبة، التي ترهب العدوّ قوّة العلم والمعرفة.
أنتم طلبة العلوم الشّرعيّة أولى من يجب أن يكون قويًّا في العلم؛ لأنّكم المسؤولون - في الدّرجة الأولى - عن هذا الدّين، وأنتم من يستطيع أن يكشف عن قوّة الإسلام، من خلال إبراز التّشريعات التي وضعها للحياة الدّنيا والأخرى، وأنتم أكثر النّاس معرفة بها. فحذارِ أن تغيب عنكم هذه الحقيقة، أو تغفلوا عن هذا الملحظ ..
3 ـــــــ أطلب منكم التّزوّد بالمنهجيّة في تعلّمكم، فهي السّبيل إلى تذليل العقبات أمامكم، وتوفير الجهد، وحبّ العلم، وعشق البحث، وتوفير المعرفة ... احرصوا على التّخرّج على المنهجيّة قبل الجري وراء المعلومات؛ لأنّ المنهجيّة تأتي بالمعلومات، والمعلومات وحدها قد تعجز أن توفّر المنهجيّة ..
عوّدوا أنفسكم المنهجيّة في التّحصيل، وفي التّحضير للدّروس والمراجعة والمحاورة والمناقشة، واستغلال مصادر التّعلّم المختلفة، وفي توظيف المعرفة ..
4 ـــــــ نوّعوا في مصادر تعلّمكم وتثقّفكم؛ بين الكتب والدّوريّات وحضور النّدوات والمحاضرات، وشهود الملتقيات، والجلوس إلى الأساتذة والعلماء، والقيام برحلات علميّة وجولات استكشافيّة، واستعمال الأنترنت .. بمعنى صريح: لا تعوّدوا أنفسكم عادة واحدة في التّكوّن والتّثقّف.,إنّ العمل بهذه الملاحظة يسمح لكم بتنميّة معارفكم.
5 ـــــــــ زاوجوا بين النّظري والتّطبيقي في تعلّمكم، أي اعملوا على تطبيق ما تقرؤونه في الكتب وما تتلقّونه في فصول الدّراسة في الميدان؛ لتربطوا بين النّظريّات وما يجري في الواقع، فإنّ هذا يعين على التّأكيد أو التّصحيح أو الإلغاء .. قد تصحّح النّظريّة واقعًا فاسدًا، وقد يلغي أو يردّ الواقع نظريّة خاطئة. وقد ينقّح أحدهما الثّاني، فيحصل الانسجام، وتكون الفعاليّة. المهمّ، إنّ القيام بكلّ ذلك في حينه ينقص كثيرًا من المشاكل، ويوجّه المسار وجهة صحيحة .. (1/24)
صفحة 25
يخطئ من يبقى مع الكتب يقرؤها، ويستمع إلى الدّروس والمحاضرات يتقنها ويستوعبها، ولا ينظر إلى الواقع، ويؤجّل ذلك إلى زمن متأخّر، فيحدث هذا هُوّة بين الواقع والنّظريّات، تتّسع بتطوّر الأحداث وتجدّد الحياة وجمود النّظريّة؛ لأنّ من يبقى في هذا المسلك أو يسير على هذا المنوال، يعيش أزمة ومشاكل؛ إذ أنّه إذا جاء ليطبّق ما قرأه من زمان، أتى بالخور والخطل والخواء .. ؛ لأنّ ما تعلّمه يكون – ربّما – قد طواه الزّمن، ولم يعد صالحًا للتّطبيق، فيحدث في المجتمع نوعٌ من التّشنّج والانقباض والصّراع .. بين المتجاورين المتشاكسين، والمتحاورين النتعاكسين ..
6 ـــــــــ لقد تغرّبتم عن مجتمعاتكم لتتعلّموا، وتتعلّمون لتعودوا إليه فتخدموه .. فإيّاكم أن تتخلّوا عنه، أو أن تصرفوا وجوهكم لغير ما صنعكم من أجله .. اختاروا أيّة وسيلة تريدون، واسلكوا أيّ نهج تبتغون، وتخيّروا أيّ بيئة ترغبون، وعيّنوا أيّ ميدان تفضّلون .. لكن لا تنسوا أن توجّهوا أنظاركم إلى الوفاء للبيئة التي نشّأتكم، ولا تهملوا المجتمع الذي علّمكم، ولا تغدروا بمن أرسلكم لتتكوّنوا، ولا تخونوا الأمانة التي وُكِلتْ إليكم ..
سخّروا علومكم وما غنمتم من خيرات وأفضال في الرّقيّ بمجتمعكم نحو المعالي، قدِّموا لأصحاب الفضل عليكم كلّ نفيس وغالٍ، تكونوا ممّن يوفِّي بالعهد، ولا ينقض الميثاق، وممّن يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ووصْلُ الفضل يكون بالوفاء له .. فيقال لكم، كما يقال لأهل الجنّة: {سَلامٌ عَليْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْم َعقْبَى الدَّارِ} (الرّعد/ 24)
7 ـــــــــ عليكم بالتّكوّن في اللّغة العربيّة، بكلّ فروعها، فهي الآلة التي بها تفهمون كتاب ربّكم الحكيم. وتستوعبون سنّة رسولكم الكريم، وتفقهون أحكام دينكم العظيم، وبها تبلّغون رسالة الإسلام، وتخاطبون وتُفهمون الأنام. إنّها الوعاء الذي يحضن فكركم، والبناء الذي يقيم أمركم. إنّها المقوِّم الذي يُبرزُ أركانكم، والحصن الذي يحمي كيانكم. لا تفرّطوا في لغة، بها نزل القرآن، ولا تُهينوا لسانًا، عظّمه الدّيّان ..
8 ــــــــ اقرؤوا الأدب واحفظوا ماثوراته، تصقل ألسنتكم، وتتهذّب أذواقكم، وتتفتّق أذهانكم، وتتوسّع مدارككم، وتنشرح صدوركم، وتحيا قلوبكم. قديمًا قال ابن قتيبة: إنّ من يرغب أن يكون عالمًا فليتخصّص في علم من العلوم (أو فن من الفنون)، ومن يرغب أن يكون أديبًا فليتوسّع في الفنون. وهناك مقولة تقول: لن يكون الفرد فقيهًا حتّى يكون أديبًا. تأمّلوا قول أبي تمّام في أهميّة الشّعر مصثلا:
ولولاَ خلالٌ، سَنَّها الشِّعرُ ما دَرَى ... بُناةُ الشِّعْرِ، منْ أَيْنَ تُؤْتَى المكارمُ (1/25)
صفحة 26
انظروا إلى مَنِ استطاع أن يجذب القُرّاءَ إلى قراءة كتاباته- فقيهًا كان أم غيره – فإنّه لم ينجح في ذلك إلاّ لكون كتاباته مَصْبوغة وَمَصُوغَة في قالبٍ أدبي. بل كان هؤلاء أدباء في بداية مشوار حياتهم التّعليميّة والعمليّة، أمثال الشّيخ محمّد الغزالي، وسيّد قطب، والشّيخ البشير الإبراهيمي، ومصطفى صادق الرّافعي، والشّيخ حمّو بن عمر فخّار، والشّيخ عليّ يحي معمّر وغيرهم ..
إنّ قراءتكم الأدبيّة المركّزة الواعيّة، تعينكم على الصّياغة المحكمة في الكتابة والتّحرير. هذه الصّياغة الجيّدة المطلوبة في الكتابة تغيب كثيرًا في دراسات الأساتذة والباحثين المُحدثين. هذا النّقص عيبٌ يرافق هذه الكتابات، وهو ما ينذر بخطرٍ كبير على اللّغة العربيّة، وعلى الهويّة، وعلى الشّخصيّة الأصيلة ..
9 ـــــــ عليكم بممارسة الكتابة منذ المراحل الأولى من حياتكم العلميّة، ولا تؤخّروا ذلك؛ بدعوى عدم التّمكّن من العلم، أو عدم امتلاك أدوات الكتابة، فيسكنكم الخوف من المبادرة، والمغامرة والمراودة، فكلُّ شيء يبدأ بالعنت والتّعب والمجاهدة، وكلّ أمرٍ يستوي ويتقدّم بالمحاولة والمطالبة، والتّحكّمُ في ناصيّة الأمور يأتي بالمغالبة، والفرد في الدّنيا يزاوج في تكوّنه بين الخطأ والصّواب. تذكّروا قول المتنبّي:
لَولاَ ... المَشَقَّةُ سادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... الجودُ ... يُفْقِرُ، والإِقْدامُ ... قتَّالُ
وقول أبي القاسم الشّابي:
ومَنْ لا يريدُ صُعودَ الجبالِ ... يَعِشْ أَبَدَ الدّهرِ بَيْن الحُفرْ
أمَّا أنا فأقولُ لكم – كما أردِّدُ باللَّهجة الميزابيّة: " واسِي أُلِبْدٍي أُلِبَدِّي، واسِي يَبْدَا أُلِتْبَدِّي".قلتُ هذا في موضوع الكتابة، أي من هابها، ولم يشرع فيها، لن ينطلق فيها أبدًا؛ لأنّ مركّبَ النّقصِ يسكنه، فيمنعه من الإقدام. ومن بادر وانطلق فيها، فلن يتوقّف أبدًا. فكونوا من الصِّنفِ الثّاني، تفوزوا بالحسنى بإذن الله وتعالى، والعاقبة للجسور الجرئ المقدام ..
10 ــــــــ استعينوا في كلّ أعمالكم، في بدايتها ووسطها ونهايتها بالدّعاء، فهو القوّة المعنويّة، التي تقهر الصّعاب، وتنير الشّعاب، وترفع النّقاب، وتطرد الذّئاب، إنّه توجيه ربّ الأرباب، وعناية خالق الأسباب، جعلكم الله من أولي الألباب، ونفعكم من العلم باللّباب، وأقعدكم مقعد صدق، والملائكة تدخل عليكم من كل بابن تحيّيكم بالسّلام في دار السّلام .. (1/26)
صفحة 27
الجزائر: سنة 1428هـ/ 2007م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رسالة الطّالبة في المجتمع (1)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
رسالة الطّالبة في المجتمع كبيرة وعظيمة، تنضوي في مفهوم الواجب الذي يناط بالفرد المسلم بخاصّة، الذي خلقه الله - عز وجل - ليحمل الأمانة، التي خافت منها السّماوات والأرض والجبال، واعتذرت إلى خالقها، عن عدم قدرتها على القيام بها. كما تندرج ضمن الغاية التي خلق الله تبارك وتعالى البشر من أجلها، وهو ما توحي به الآية الكريمة: {أَفَحَسِبْتُم أنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وأَنَّكُم إليْنَا لا تُرْجَعونَ} (المؤمنون/ 115).إذن فلابدّ أن تقوم الطّالبة بواجبها الدّيني في المجتمع، فهي تتعلّم لتخدمه ..
هذه الرّسالة تتطلّب إعدادًا جيدًا، لتؤدَّى أداء حسنًا، من هنا ينبغي على الطّالبة أن تعرف القواعد التي تساعدها على إتقان عملها، فتحسن القيام برسالتها .. من هذه القواعد:
__________
(1) - نشرت الرّسالة في مجلّة البستان، العدد التّجريبي، السّنة الأولى، 1429صفر هـ/ فيفري 2008م. ص: 9، 10. (1/27)
صفحة 28
1 ــــــ أن تحدِّد الهدف من التّعلّم والتّكوّن. فحين يكون الهدف مرسومًا، والغاية من التّعلّم واضحة، فإنّ التّحرّك يكون واضحًا، ومُوَجَّهًا توجيهًا سليمًا: تخطيطًا ووسائلَ وإمكانات وطاقات .. فالمشكلة التي تعاني منها الطّالبة – وهي تتعلّم – هي عدم وضوح الهدف، أو عدم الاهتداء إلى طرق الوصول إلى الهدف المحدّد ..
2 ــــــــ أن تعرف المتعلّمة وتعِي أنّ التّعلّم هو التّهيُّؤُ لخوض معترك الحياة بقوّة وثقة، وبما أنّ الحياةَ مليئة بالمفاجآت والطّوارئ، فلابدّ أن تستعدَّ لها منذ مراحل التّعلّم والتّكوّن، وبما أنّها مقبلة على تحمّل أمانة ثقيلة، وتسلّم مسؤوليّة عظيمة، فعليها أن تحرص على التّكوّن بقوّة، بخاصّة وهي تتأهّب لحمل أمانة الإسلام الذي يتميّز بالقوّة، فعليها أن تكون قويّة لتجسّد قوّة هذا الدّين في الميدان، تملأ أوقاتها بالتّحصيل الجيّد، وتغتنم كلَّ الفرض والمناسبات - في مرحلة التّعلّم – لتتكوّن. وتنوّع من مصادر تكوّنها، وتنمِّي مداركها، وتتوسّع في مجالات المعرفة والثّقافة.
3 ـــــــــ أن تمزجَ – فؤ مرحلة تعلّمها – بين الجانب النّظري والتّطبيقي والعملي. بمعنى أوضح: عليها أن تشارك في المجتمع وتسهم فيه ببعض الأنشطة؛ حتّى تطبّق المعلومات التي تتلقّاها في فصول الدّراسة، وتتدرّب على العمل الاجتماعي. لكن من دون أن يطغى هذا على واجبها الأساس، وهو التّكوّن والتّثقّف علميًّا، ومن دون أن يعيق ذلك مسيرة تعلّمها.
4 ـــــــــ بعد مرحلة التّعلّم، يكون دورها كبيرًا في الميدان، تجنّد نفسها للقيام بواجب خدمة المجتمع. هنا يجب عليها أن تحذق كيف توازن بين الواجبات والفروض والأعمال التّطوعيّة، ولتعلم أنّها مهيّأة لتكون زوجًا وأمًّا، وداعية وخادمة للمجتمع .. عليها أن تراعي الواجب والأولويات في العمل ..
5 ـــــــ عليها أن تتحسّس حاجات المجتمع، وتكتشف اهتماماته، وتقف على مشكلاته؛ فتبادر إلى العمل، من دون انتظار من يعرّفها بها، أو يطلبها منها. يجب أن تتحلَّى بروح المبادرة الإيجابيّة ..
6 ــــــــ أن تتحرّك في نشاطها بخطّة مدروسة ومنهج محكم، تتوخَّى العمل الجماعي، وتنتهج أسلوب التّشاور والتّحاور، وأن تتحلَّى بروح احترام من يعمل معها، وتقدير من سبقها في الميدان، والإفادة من تجارب المبادرين والمتقدّمين ..
7 ــــــــ لا تنسى الاستعانة بالتّاريخ في التّخطيط والتّحرّك والتّنفيذ. فالتّاريخ غنيٌّ بالمواعظ والإرشادات والتّنبيهات، مع عدم الاستغناء عن التّجارب الجديدة؛ بشرط تكييفها مع ما يتناغم والبيئة التي تتحرّك فيها، والثّقافة التي تنتمي إليها .. (1/28)
صفحة 29
8 ــــــــ أن تعمل على التّغيير نحو الأحسن، وتطوير العمل نحو الأجدى، وترقية المجتمع إلى الأفضل، بمنهجيّة محكمة، تراعي قواعد التّغيير والتّطوير، لا تلغي المبادئ والأصول، ولا تحيد عن الأهداف المنسحمة مع المجتمع الذي تنحدر منه. في الوقت نفسه لا تجمد على الطّرق البالية والوسائل العقيمة. ولا تنفر من الجديد؛ لأنّه جديد. في هذا المجال يجب عليها أن تتجنّب الصّدام والصّراع، فتعمل بقاعدة (الصّلابة في المبادئ والمرونة في التّطبيق)، وأن تجتهد في أن تتحلَّى بخلق احترام آراء غيرها، مها تكن ..
9 ـــــــــــ في عملها الكبير والشّاق، يجب أن تتّصف بخلال الصّبر والأناة وقوّة التّحمّل واحتمال مختلف الأمزجة والأفكار، التي تتعامل معها أو تناقشها، فلا تتأذَّى بالنّاس.
10 ـــــــــ أن تحرص على الجمع بين الوظائف الموكلة بها، بصفتها أنثى، لها مهمّات خاصّة، الغفلة أو التّخلِّي عنها يصيب المجتمع بانتكاسة، تعود عليه بالوبال والثّبور. كما أنّ التّخطيط وتقدير حجم المسؤوليّة وتنظيم العمل .. كفيل بالتّغلّب على ما يبدو أنّه عائق في تنفيذ ما يرجى ويتأمَّل ..
11 ــــــــ ما استجدَّ في المجتمع من أنماط وتوجّهات جديدة، ستغيّر كثيرًا في وتيرة الحياة المألوفة، وتوجد كثيرًا من أنواع السّلوك غير المعتاد، قد لا يقبلها المجتمع بسهولة، وقد لا يُوَفَّقُ أصحابها إلى دمج هذه المتغيّرات في جسم هذا المجتمع، فيحدث نوع من التّنافر بين هذه القيم وذاك المجتمع، أو يحصل التّخلِّي عن بعض تقاليد المجتمع وأنماط السّلوك، الذي تعوّد عليه ... فيحدث الصّراع والصّدام والنّزاع ... فعلى الطّالبة الواعية المثقّفة أن تعرف كيف تتخطَّى هذه العقبة؛ بحسن التّفكير والتّخطيط والتّدبير والتّوجيه ..
هذه الملاحظات العامّة المقتضبة المركّزة .. أراها من ركائز العمل الاجتماعي، ومن الأصول التي تهيّئ الطّالبة للعمل الرّسالي .. أرجو أن تكون مفهومة. نطلب الله تبارك وتعالى أن يوفّق طالباتنا إلى العمل للتّمكين لدين الله في الأرض، وأن يوفِّقَهُنَّ إلى الإسهام بقوّة في النّهوض بالمجتمع، وأن يكون عملهُنَّ لبنة صلبة وقويّة في مسرح العمل الدّعوي، الذي يقف في وجه أعداء الإسلام، الذين يحاربونه بكلّ الوسائل والطّرق، وبواسطة الثّقافة والقيم بخاصّة .. فلتكن هذه الرّسالة التي تحملها طالباتنا. أو يسعَيْنَ إلى حملها سلاحًا حادًّا، يقضي على أعدائنا، ودواءً شافيًا، يعالج آفات المجتمع. هداهنّ الله وسدّد خطواتهنّ، وأقرَّ أعيُنَ المجتمع بهنَّ. {والذين جاهَدُوا فينا لنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسنينَ} (العنكبوت/ 69).
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
جامعة الحاج الأحضر، باتنة، الجزائر (1/29)
صفحة 30
رسالة إلى طلبة العلم في أرض الكنانة
بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني الفضلاء، طلبة العلم في أرض الكنانة المحترمين، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، وزادكم بسطة في العلم، وبارك لكم فيما أعطاكم من الخيرات والبركات.
إخواني، اسمحوا لنا أن نقدّم إليكم شكرنا وخالص تقديرنا لما قدّمتم لنا من ألوان البرّ والإحسان، وما أوليتمونا من أنواع المعروف والقربان، إنّها من الصّدقات المدّخرِ أجرُها عند من يجزي بالأسنى والأوفى والأبقى. (1/30)
صفحة 31
لقد فتحتم لنا قلوبكم، فانشرحت صدورنا لكم في أوّل لقاء بكم في ديار الغربة، وفسحتم لنا في مقرّاتكم، فسح الله لكم في جناته. لقد سهرتم على راحتنا، وسهّلتم أمورنا، وقمتم بشؤوننا، وقضيتم مآربنا، سهّل الله لكم طرق العلم وطرائق الحياة الهنيئة.
إخواني، لقد لمسنا فيكم الإخلاص في خدمة العلماء، وإكرام النّزلاء، وإيواء الغرباء، منحكم الله عليها منزلة الشّهداء، بالقرب من الرّسل والأنبيّاء، إنّه أحسن الأسخيّاء. أكرموا ضيوفكم يكرمكم العزيز الجواد، أحسنوا إلى النّاس يحسن إليكم ربّ العباد.
إخواني، لقد فضّلتم السّفر والبعد عن الأهل من أجل العلم، إن هذا مسلك نبيل، ومركب جليل، أحسنتم فيه الاختيار. بارك الله في مسعاكم، وحقّقَ مناكم.
ما أوصيكم به هو الحرص على استغلال أيّامكم في أرض الكنانة، والتّزوّد من مختلف المعارف بشغف ونهم وقوّة، فلا تنشغلوا عن العلم إلّا بما هو ضروري، واعملوا بنصيحة العالم الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي:" إِعط كلَّك للعلم يُعطك بعضه"، واعلموا أنّ العلم الذي ينفع هو ما أخذ عن أصول وقواعد. إذا أَخْطَأَتْكُم هذه القاعدة في هذه المرحلة يصعب تداركها في المستقبل. فتكوّنوا بقوة، وخذوا العلم من أهله، واستثمروا في الجوّ الذي يناسبه: وفرة المراجع والمصادر، وجود العلماء الكبار، تنوُّع في مصادر التّعلّم والتّلقّي، محيط ينضح بالثّقافة والمعارف، تفرّغ للتّحصيل والتّكوين ... كلّ هذه المعطيات متوفّرة عندكم – في أرض الكنانة - فاحمدوا الله، واطلبوه المزيد، واسألوه التّوفيق في الإفادة منها. فالحياة فرص، من ضيّعها تَجرَّع الغصص.
تغرّبتم عن وطنكم، لتعودوا إليه طاقات تنفعه وتخدمه، وترتقي به في مدارج الكمال، فاحذروا أن تؤوبوا إليه بغير ذلك. فتكونوا من الخاسرين الهالكين. وممّن يكون حسابه عسيرا دنيا وأخرى، يعزّره مجتمعه، ويحاسبه التّاريخ، ويسأله ربّه يوم القيامة: ماذا صنعت فيما منحته لك من نعم وفرص للتّعلّم؟! وماذا قدّمت لنفسك من خير، ولأهلك من جميل، ولوطنك من معروف، ولأمّتك من فضل ... ؟!
إخواني، نحن في زمان اتّسعت فيه جوانب الحياة، وانفسحت فيه مجالات المعرفة، وتكاثرت مصادر التّعلم، وتفجّرت ثروات المعلومات وثرواتها ... ممّا يطلب من كلّ شعب أو مجتمع مسايرة هذه التّطوّرات والتّغيّرات، كي يكون له مع خلق الله مكان وحضور ووجود، وتكون له في خضمِّ الصّراعات والصّدامات كلمة وحسّ ... لن يحصل هذا إلّا بحسن تحصيل العلم، وترشيد طرق طلبه، وتعميم مجالات البحث عنه. فافقهوا سبل الوصول إليه، واعملوا على توفير كلّ التّخصّصات، التي تحتاجها أمّتكم، من دون التّفريط في أحدها. فزمن التّحدّي والتّصدّي والصّراع والهيمنة. لا يسمح بالتّراخي وتناسي أيّ مجال، مهما يراه بعضكم غير ذي (1/31)
صفحة 32
نفع أو جدوى. وطنكم وأمتّكم تحتاج إلى العلوم الإسلاميّة والإنسانيّة والتّجريبيّة، وإلى كلّ ما ينزل جديدا في ميادين المعرفة.
أمّتُكم تحتاج إلى الأرض والسّماء، إلى الرّوح والمادة، إلى الجسم والنّفس، إلى الدّعوة والدّعوى، إلى الإعلام والأقلام. إلى القديم والجديد، والطّارف والتّليد ... فلا تخيّبوا أملها فيكم، ولا تجعلوها تئنّ تحت وطأة التّخلّف والتّردّي، لا تتركوها تصارع الحياة، وتقاوم من أجل البقاء. بل وفّروا لها ما يبعدها عن هذه المضامير، لتوجّه طاقاتها نحو المفيد والمنتج والمثمر، لتتقدّم وتتطوّر ..
أعينوها على تصحيح مسارها مع فكرها، وتوطيد علاقتها مع أبنائها بأصولهم الصّحيحة، مع توفير سبل معرفة هذه الأصول، وأعينوا شبابها أن يعرفوا لأمجادهم فضلها وقيمتها، ولعلمائه وكبرائه وزعمائه قدرهم ومكانتهم. ولتاريخهم خصوصيّته، والبيئة التي درج فيها وتحرّك، والظّروف التي وجّهت مساره، وواجهت مسيره ...
كلّ هذه المهمّات هي من واجبات المتعلّم، الذي يتعلّم ليُعلِّم غيره، ويَتَكَوّنُ ليُكوِّنَ سِواه. وهي من أعمال المتعلِّم الذي يتميَّز بالوعي المفقود في الآخرين، بل هؤلاء ينتظرون منه الارتقاء بوعيهم إلى مدارج العلا ليخرج بهم من دوائر التّخَلّف والاستبداد والاستلاب والتّبعيّة ... إلى فضاء النُّور والتَّقدُّم والتَّحَكُّم فِي الذَّات.
هذه وصايا مقتضبة، أذكّركم بها إخواني الفضلاء، وأضعها بين أيديكم، وأمدّها في بساط حياتكم، عساها تبسط لكم الآمال وطرق العمل المثمر، وتنفعكم في ترشيد مساركم العلمي. وفّقنا الله إلى ما يحبّه ويرضاه، وأنار دروبنا بالعلم النّافع والعمل الرّافع، دمتم في رعاية الله وحفظه، والسّلام عليكم.
الجزائر يوم الإثنين: 10 من شعبان 1429هـ
11 من أغسطس 2008م
أخوكم محمد بن قاسم ناصر بوحجام
احتفل بالفوز ولا تُبالغْ ولا تتعدَّ الحدود!!
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أيّها الطّالب النّجيب! فرحت كثيرًا لانتصار الجزائر في مباراة كرة القدم، واحتفلت طويلاً لانتزاع بلدك تأشيرة التّأهّل لنهائيّات كأس العالم، وسررت سرورًا عظيمًا لتسجيل وطنِك اسمَه في سجّل أبطال العالم في (1/32)
صفحة 33
مجال كرة القدم. هذا حقٌّ من حقوقك المشروعة، بل هو من واجباتك المفروضة. يدلّ هذا على وطنيّتك وحبّك الكبير الصّادق لبلادك، وحبّ الوطن من الإيمان، والتّعاطف مع بلدك سلوك حضاري، وتصرّف جميل ..
لكنّ البقاء في نشوة الانتصار طويلاً، ينتقل بها إلى مخدّر، يصيب الأعضاء بالشّلل في ممارسة الأعمال التي عليك القيام بها واجباتٍ في الحياة. منها الاهتمام بدروسك، والعناية بفروضك المدرسيّة، وتوجيه طاقتك وإمكاناتك للتّعلّم والتّكوّن القويَّيْن. فأنت في ميدان تحتاج فيه أن تعطي كلّ نفسك له، ربّما يعطيك بعضَه، إنّه ميدان العلم، الذي لا يمكن لك الاستفادة منه إلاّ بالجدّ والمثابرة والعناية الكاملة ..
الإفراط في البقاء في دائرة التّعبير عن الفوز في مجال الرّياضة والإدمان عليه يفقدانك التّركيز في بقيّة شؤون حياتك، وبخاصّة ميدان التّعلّم، فتخسر كلّ شيء، لأنّ الذي يبني نفسك، وينشئ عقلك، ويكوّن ذاتك .. هو العلم. إنّ الرّياضة تعين على التّكوّن السّليم، بشرط أن تتسيّج بسياج العلم، وتنطلق من نقطة العلم، وتنبني على قواعد العلم .. إنّ الاستمرار في درب الانتشاء والفرحة بالظّفر بالمرغوب أو المطلوب خطر على نفس الإنسان وعقله؛ إنّ هذا التّصرّف يعطّل الحركة والنّشاط، ويصيب العقل باللّوثة وسوء التّدبير، ويبعث على الكسل، ونسيان الواجبات الحقيقيّة, وفقدان التّركيز ..
اللاّعبون الذين رفعوا للجزائر رايتها عاليًا، هم أبطال في مجالهم، وهم رجال في ميدانهم، اجتهدوا وعملوا يجدّ وعزم وحزم فبلغوا تلك المرتبة. فأنت مضمارك الأوّل أيّها الطّالب! هو ميدان العلم، وأنت في مرحلة تحتاج فيه أن تتكوّن وتتعلّم بقوّة .. عليك أن توجّه عنايتك الكاملة للتّعلّم، حتّى لا تضيع وتتيه وتخسر كلّ شيء. إعط لكلّ شيء حقّه، ولا تتجاوز الحدود المطلوبة تَصِرْ بطلاً، وإلّا كنت من الخاسرين والمفلسين في حياتك، فكلّ شيء يتجاوز حدّه ينقلب إلى ضدّه، ويبدأ بصاحبه فيقضي عليه.
الرّيّاضة مطلوبة، والفرح والاحتفال بإحراز نصر فيها حقّ مشروع، ومطلب نفسي، يعكس سلوكًا طَبَعيًّا في الإنسان، ويعبّر عن حسّ حضاري في الفرد .. لكنّه ينتقل إلى داء عضال، وينقلب إلى مرض مزمن، يقتل صاحبه إذا لم يعرف كيف يتصرّف معه بحكمة وتدبير حسن، يصدران عن عقل سليم ..
احذر أيّها الطّالب أن تبقى في دائرة الفرح طويلاً، وأن تظلّ مُجترًّا ومردّدًا ما حزت عليه من الانتصارات، فإنّ المبالغة في ذلك يؤدّي إلى الانهزام والانكسار؛ لأنّه يوقف العمل ويعطّل التّفكير في وضع خطط جديدة للتّقدّم في النّشاط، ويصوّر لصاحبه أنّه وصل الغاية والنّهاية والقمّة في المجد. أيّها الطّالب إنّك لم تخلق لميدان الرّياضة فقط .. إنّ الله - عز وجل - لم يخلقك عبثًا، ولم يخلقك لتعيش على هامش الحياة. ولا أن تكون قانعًا بالقليل ممّا تَحْصُلُ عليه. ولا أن تهتمّ بالقشور وتترك اللّبّ، ولا أن تعطّل مواهبك وتصرف وقتك في الأمور البسيطة، (1/33)
صفحة 34
وتغفل عن الشّؤون الكبيرة. اهتمّ بالتّعلُّم، واعمل بجدّ وكدٍّ لتحصل على العلم النّافع، ولا تبدّد طاقتك في ما لا يعني، أنت في حاجة إلى أن تنفع نفسك بما تتعلّمه، ووطنك في حاجة إلى ما تأخذه من علم، وأمّتك في حاجة إلى ما تكتسبه من معارف، والإنسانيّة في حاجة إلى ما تتحصّل عليه من ثقافة .. فاعمل واجتهد وافرح واحتفل بما تحرز عليه، وابتهج بما تظفر به ... لكن لا تبالغ في ذلك، كن وسطًا فيه، لا تُفرِط ولا تُفرِّط، ولا تتجاوز الحدود فيه. والله وليّ التّوفيق والسّداد والرّشاد ..
باتنة يوم السّبت: 19 من محرّم ... 1435ه
23 من ... نوفمبر 2013م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رسالة إلى أبنائنا الطّلبة الجامعيّين
بسم الله الرّحمن الرّحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله (1/34)
صفحة 35
طلبتَنا الأعزّاء، السّلام عليكم ورحمة الله. حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، ووفقّكم في دراستكم، وهداكم إلى الأقوم من سبل التّحصيل، وفي الأحسن من الأعمال، وأعانكم على إعداد مشروعات علميّة هادفة إلى خدمة الدّين والأمّة والوطن والمجتمع ..
تشرّفت بتسلّم دعوتكم الكريمة - بواسطة مكتب الطّلبة الجامعيّين لمدينة باتنة - لحضور اللّقاء العام الذي تعقدونه بمناسبة افتتاح السّنةّ الدراسيّة الجديدة: 1436 – 1437هـ/ 2015 – 2016م. أشكركم على هذه الدّعوة، وأرجو لكم سنة دراسيّة مليئة بالمنجزات العلميّة، وحافلة بالأنشطة الهادفة .. كما أرجو أن تتهيّأ لكم الظّروف المناسبة للتّعلّم والتّكوّن، في الجامعة التي تنتمون إليها، وفي المجتمع الذي تنشطون فيه، ومع الرّجال الذين تلتقون بهم، وفي كلّ ما تطمحون الإفادة منه.
وصيّتي لكم، أن تتحلّوا بتقوى الله عزّ وجلّ في كلّ أعمالكم وأنشطتكم، وأن تستعينوا به وتتوكّلوا عليه لِيُمدَّكُمْ بالعون والتّوفيق والسّداد .. عليكم بالجدّ والحزم والعزم واستغلال كلّ ما يتاح لكم .. لتتعلّموا، فنحن في حاجة إلى رجال علماء أكفاء، يقومون بشؤون الأمّة والوطن أحسن قيام، في زمن ليس فيه مكان إلاّ للعلم والعلماء المكوّنين تكوينًا صحيحًا وقويًّا ومتنوّعًا ... إذا كان فضيلة الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي – رحمه الله – قال سنة 1950م نحن في " ... عصر المنافسة في الحياة، عصر المباراة الفكريّة، عصر من كان فيه أعلم كان أغنم، ومن كان فيه أفهم كان أسلم" فكيف يكون حالنا اليوم، وقد تطوّر كلّ شيء؟ ماذا أعددنا له من وسائل التّعلّم، ومن سبل المنافسة العلميّة، وطرق العمل الصّحيحة؟؟!!
قال فضيلة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض سنة 1948م - رحمه الله - موجّهًا خطابه ونداءه الحار الملحّ للشّباب لولوج المدارس التي فتحت أبوابها في مدينة غرداية، وهي تتوفّر على مختلف التّخصّصات في التّكوّن المهني والعلمي، وجّه هذا النّداء وهو يستشرف مستقبل الوطن: " ... فهل من سداد الرّأي أن يتركها أبناء الوطن ليحتلّها غيرهم؟ وهل يتولَّى إدارات الأعمال بعد اليوم غير المثقّفين؟ وهل يكون الإنتاج بغير علم؟ ثمّ إنَّ طبيعة العمران تقتضي اختصاصيّين كثيرين في شتَّى فنون العلم، فَمَنْ يكون هؤلاء في ميزاب في الغد القريب؟ إنّنا إن لم نندفع إلى العلم بقوّة واعتناء عاد الأمر علينا وبالاً. إنّنا نطلب أن يكون أمرُ بلادنا بأيدينا، فهل أعددنا له مدبّرين؟ وهيّاْنا له مديرين؟ "
أرجو أن تقرؤوا هذا النّداء بتركيز، وأن تستنتجوا ما يدعو إليه بوعي، وأن تدركوا ما يوحي به بنور البصيرة ... ثمّ اعملوا إلى إسقاط كلّ ذلك على الواقع الذي نعيشه اليوم .. لتعرفوا واجبكم في التّحصيل العلمي، وتهيّئوا وتعدّوا أنفسكم للعمل الاجتماعي، فتتصوّروا دوركم في المجتمع كيف يكون، وما هو دوركم ورسالتكم في هذا الوجود، وما خلقتم من أجله، وهو عمارة الأرض، التي استخلفكم الله تبارك وتعالى فيها .. (1/35)
صفحة 36
بما يبني ويشيّد ويرفع وينهض بالدّين والوطن والمجنمع .. كلّ ذلك لن يكون إلاّ بالاستعداد الجيّد والإعداد القويّ. اللذّين يتطلّبان الصّبر والمصابرة والمرابطة، والمثابرة,,
نريد منكم أن تكونوا طلبة يفقهون واجبهم نحو التّحصيل، ويدركون حقيقة التّعلّم أو طلب العلم، الذي قال فيه العالم اللّغوي الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي: اِعْطِ كُلَّك للعلم يُعْطِكَ بعضه. نريد منكم أن تتمثّلوا قول الشّاعر:
بِقَدْرِ الكّدَِ تُكْتَسَبُ المعالي ... ومَنْ طلبَ ... العلاَ سَهِرَ اللَيالي
يَغُوصُ البحرَ مَنْ طلبَ اللّآلي ... فَيَحْظَى ... بالسِّيادةِ ... والنَّوال
وَمَنْ ... طَلَبَ العُلا بِغَيْرِ كدٍّ ... أضاعَ العُمْرَ في طلب المُحال
بلوغُ الغاية، والوصولُ إلى الهدف، وتحقيقُ الأمل، والحصولُ على المُبْتَغَى، (أعني العلم الصّحيح النّافع) يتطلّب بذل جهود مضاعفة من دون حدود، وتحدّي المصاعب من دون تراخٍ، وتحمّل المشقّات من دون تراجع، فالإنسان يعيش صراعًا دائمًا مع التّعب في حياته، إن غَلَبَ التّعبَ نجح وانْتَصَر، وإن غلبًهُ التّعبُ أَخْفَقَ وانْدَحَر.
قال أبو تمام في مدح المعتىصم:
بَصُرْتَ بالرّاحةِ الكُبْرَى فَلَمْ تَرَهَا ... تُنالُ إِلاّ علَى جَسْرٍ مِنَ ... التّعَب
أمّا حافظ إبراهيم فيدعو الطّامحين إلى نيل المجد والعلا قائلاً:
وتجشّموا للمَجْدِ كلَّ ... عظيمة ... إنّي وجدتُ المجدَ صعبَ المُرتقَى
من رامَ وصْلَ الشّمس حاكَ خيوطها ... سببًا ... إلى ... آماله ... وتسلّقَا
واجبُكم الأوّل هو التّفرّغُ للتّحصيل العلمي بقوّة، أي إعطاء الأولويّة لطلب العلم، الذي يمنح لكم الفرصة كي تنشطوا – أيضًا – في خدمة المجتمع بعد ذلك بقوّة وثقة في النّفس. هذا لا يعني الانقطاعَ الكلِّي عن النّشاط في المجتمع، بل إنّ العمل الاجتماعي ضروري لتكوّنكم وكسب التّجربة والخبرة، من خلال تطبيق ما تدرسونه. فهو الذي يساعدكم على اختبار ما تتعلّمون؛ وَفق المناهج والبرامج المسطّرة .. إلاَّ أنَّ هذا النّشاط يكون بمقدار، وبما لا يؤثّر أو يعطّل عمليّة التّحصيل الصّحيحة السّليمة. (موضوع الجمع بين التّجصيل العلمي (1/36)
صفحة 37
والعمل الاجتماعي في حاجة إلى تبسيط أكثر، ما قدّمناه هو إشارة وإيماءة بسيطة، ستكون لنا معه فرصة أخرى).
أؤكّد لكم أبنائي الطّلبة! أنّنا في حاجة إلى علماء أكفاء أقويّاء في تخصّصاتهم، وفي حاجة إلى كلّ المجالات، للتّمكّن والقدرة على تسيير شؤوننا بأنفسنا، وبكفاية عالية، وتجنّب العثرات والسّقطات والانتكاسات التي نتعرّض لها بسبب نقص في عدد من يدير أعمالنا، ويُعِدُّ لنا خططنا، ويفكّر لنا تفكيرا سليمًا، ويدبّر لنا أمورنا أحسن التّدبير، فالشّاعر يقول:
ما حكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِك ... تَوَلَّ أَنْتَ جميعَ ... أمْرِك
اعلموا أنّ القوّة التي ننشدها في التّحصيل العلمي، لن تحصل إلاّ باستغلال كلّ الوسائل والفرض والإمكانات والمستجدّات في مسار طلب العلم، بحسب ما يجود به العصر. أي يجب أن تكون وسائلكم في طلب العلم متجاوبة ومنسجمة مع ما ينزل السّاحة من جديد في طرق التّعلّم واكتساب المعارف.
أنتم مطالبون أن تنوّعوا في طرق التّحصيل: بين الحضور المتواصل والدّؤوب – من دون انقطاع – في قاعات الدّراسة، والقيام ببحوث وعروض في المواد التي تدرسونها، وشهود النّدوات والملتقيات التي تخصّكم، والقيام بالرّحلات العلميّة – داخل الوطن وخارجه - والإبحار في أَنْهُر الأنترنت، والجلوس إلى الأساتذة والمشائخ، والانضمام إلى جمعيّات ذات الطّابع العلمي والثّقافي ... وغير ذلك من الوسائل المتاحة للتّكوّن .. بمعتى أدقّ التّنويع في مصادر التّعلّم، والجمع بين التّكوّن الذّاتي العصامي، والتّلقّي على أستاذ وشيخ يُريكم شخوص العلم، والتّخرّج على كتاب، والتّعلّم من بحوث خاصّة ... إيّاكم من تضييع الوقت، فهو من ذهب، إن لم تغتنموه ذهب. وهو كالسّيف، إن لم تقطعوه بما تكسبونه من فوائد، قطعكم بأن يردي بكم في هاوية الضّياع والضّلال، وبدل أن تقطعوا به دروب النّجاح والفلاح، يقطع بكم هو مسالكَ الفشل والخسران ..
هذه بعض الوصايا التي نرجو فقهها جيّدًا، والعمل بوعي على تنفيذها في مساركم التّحصيلي والعملي. نسأل الله لكم الهداية والرّشاد والسّداد والتّوفيق، ثمّ النّجاح والفلاح في الدّارين ... ربّنا آتِنا من لدنْكّ رحمةً وهيّئْ لنا من أمرنا رشدًا. والسّلام عليكم ورحمة الله ..
الجزائر يوم الخميس: 08 من محرّم الحرام 1437ه
22 من أكتوبر ... 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/37)
صفحة 38
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن في حاجة إلى كتابة أدبيّة أصيلة
ما أحوجنا اليوم إلى دارسات أدبيّة وفكريّة نقديّة هادفة، تنبع من أصالة ما ينبغي أن يسود مجتمعا ما أو أمّة ما، تحكمها مبادئ متميّزة، وفلسفة خاصّة، وتسيّرها أو توجّهها قوانين وقواعد أساسيّة ثابتة، لا تتغيّر بتغيّر الزّمن، إلاّ بقدر ما يمنحها الحيويّة، ويضمن لها الحياة؛ وفق سنن التّطّور، من دون أن يصيبها في عمقها وجوهرها.
دراسات تراعي خصوصيّات الأمّة وثوابتها. تنظر إلى المتغيّرات بعين فاحصة وبصيرة يقظة، تتعامل معها بما يعين على الإفادة منها في جانبها الإيجابي، غير مستسلمة إلى درجة الذّوبان فيها.
دراساتٍ تتحصّن بالثّقافة الأصيلة: تتعمّق المبادئ، وتتشبّع بالأصول، وتتعلّق بالأهداف ... ثمّ تتفتّح على الثّقافات الأخرى؛ لتفُيد منها وتُفيدَها. هذا يتطلّب إنشاء الأفراد على ثقافة الأمّة التي يتّصلون بها بالنّسب؛ حتّى يعكسوا أصولها ومبادئها في كتاباتهم وسلوكهم؛ إذ من المعلوم أنّ الفنّان أو الكاتب، يكتب بوحي من الثّقافة التي تلقّاها في صباه، وترعرع فيها في شبابه، وَوفقا لطبيعة الجمهور الذي يخاطبه. يقول الدّكتور محمد حسن عبد الله:"إنّ فن الشّعر ثمرة الميراث الثّقافي وموقع الشّعر في البنية الاجتماعيّة، ورغبة الذّات في تجاوز فرديّتها بالاتّصال بالآخرين في جوّ من الإثارة "
دراسات تتميّز بخصوصيّتها وشخصيّتها؛ لتتمكّن من التّحكم في توجيه الدّراسات توجيها يتلاءم مع مبدأ الالتزام، والمحافظة على الأصالة؛ وذلك باختيار الرّأي الأصيل، المبنيّ على الوضوح والإقناع، وانتقاء المناهج المنسجمة مع الهدف من الدّراسة، والغاية من البحث؛ حتىّ لا تتفرّق بها السّبل، فتشرّق وتغرّب، وتتلوّن بألوان الأوضاع الآنية، وتقع تحت تأثير السّياسات المهيمنة المستبدّة، وتنبهر بأصباغ التّيارات المستجدّة المختلفة ...
دراسات أو كتابات تسعى إلى الكشف عن ثراء الفكر والأدب، اللّذين ينتمي إليهما أصحابهما، وينحدرون منهما. (1/38)
صفحة 39
دراسات تُعْنَى ببيان أنّ الأمّة التي ينسب إليها من يكتب عنه وعن فكرها. بيان أنّهما أَسْهَمَا بقوّة في الفكر الإنساني وآدابه. وهما قادران على المزيد من العطاء ...
هذه الدّراسات لا تصدر إلاّ من الكتّاب المؤمنين حقّ الإيمان بالأصول التي ينحدرون منها، ومن الواعين للثّوابت التي تحكمهم، والعارفين للأهداف التي تشدّهم.
كما لا تتحقّق هذه الغايات إلاّ من الكتّاب الأُصَلاءِ في كتاباتهم؛ فكرا ولغة وأسلوبا، القادرين على التّرجمة عن حقيقة الأمّة التي ينتسبون إليها. هؤلاء يشترط فيهم أن يكونوا نزهاء في الإحساس، وصادقين في التّعبير عن أدب الأمّة وفكرها. وقادرين على نقلهما بكلّ أمانة وقوّة، مع البقاء في محور الأمّة ودائرتها فكريّا وعاطفيّا ولغويّا، كما لا يتحقّق الأمل إلاّ مع الذين يتمكّنون من الانفلات من خطر الذّوبان في غيرهم، والحفاظ على شخصيّاتهم، وهم دارسون لثقافات غيرهم، ومُفيدون منها ما يبني نفوسهم، ويصقل ذاتهم، من دون أن يفقدهم كيانهم.
لا يتجسّد هذا إلا في كتابات من يحمل شعار الأصالة والمعاصرة: الأصالة في المحافظة على الثّوابت، والأصالة في الفكر. والمعاصرة في الوفاء للعصر الذي يعيش فيه من يكتب: مضمونا وأسلوبا، ومُفيدا ممّا ينزل السّاحة من جديد؛ يُسهِم في تنمية قدراته، وصقل مواهبه، وتطوير فكره، وتجويد أسلوبه، وتحسين أدواته في الكتابة ...
لا يحدث ذلك إلاّ إذا كان هناك تنويع في الكتابة، يراعي جانِبَي العقل والعاطفة، ويتوخّى استقصاء الفنون المختلفة في الكتابة: شعرا وقصّة ورواية ومسرحيّة ومقالة وخاطرة ... إذ بذلك تظهر قدرة أدب تلك الأمّة وفكرها على استيعاب كلّ قوالب الكتابة، ولا يبدو قصور فيهما؛ يكون مطيّة للطّعن فيهما، وفي أصالتهما ومكانتهما، ومن ثمّ التّذرّع بالاستعانة بما عند الآخر، ونقله بحذافيره؛ مما يسبّب استلابا وذوبانا، وبعدها فقد الأصالة وضياع الثّوابت.
لا تتحقّق هذه الرّغبة إلاّ إذا كان النّقد البنّاء المؤسس على قواعدَ صحيحةٍ، إذا كان هذا النّقد حاضرا مع كلّ الأعمال الفكريّة والفنيّة، يثبّت ويقوّم ويصحّح ويعدّل ويرفض ويقبل ...
هذا ما نفتقده في كثير من الدّراسات التي قدّمها أبناء الأمّة الإسلاميّة، الذين يُفترَضُ فيهم أن يكونوا في مستوى رسالتهم المسؤولة، فيتناولوا أدبهم بطريقة تخدم أهدافهم التي هي أهداف الإسلام، وهو ما يفرض عليهم أن يعالجوا الأدب على أساس أنه موقف ورؤية ومبدأ ومسؤوليّة ومن منطلق أنّ ما يحكم تجارب الأدباء صفات ثلاثٌ: إيمان وعمل صالح، وانتصار للإسلام. كما حدّدت ذلك الآية (1/39)
صفحة 40
الكريمة: {إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون} (الشّعراء/ 127)
قال الدّكتور محمد ناصر مسجّلا هذه الصّفات " ... يمكن أن يُعَبّر عنها بالمصطلح المعاصر الالتزام بِقِيَمِ الإسلام: وعي وعقيدة راسخة مع عمل صالح مع موقف ثابت "
إنّ ما يتعرّض له العالم الإسلامي من هجمات على الشّخصيّة الإسلاميّة وآداب الأمّة: تشويها وطمسا و تهوينا وتزهيدا، وصدّا لأبناء الإسلام عن تراثهم بعامّة، وآدابهم بخاصّة بشتّى الطّرق والوسائل، وفي المقابل العمل على ربط الأجيال بتراث الآخر، وتسخير الإمكانات للتّزوّد والتّعلّق بآدابه. وعودة الوعي للغربيّين بخاصّة لردّ الاعتبار للعلوم الإنسانيّة. كلّ ذلك يجعل مسؤوليّة الأدباء ثقيلة وكبيرة للنّهوض بأدبهم بالمواصفات التي أشرنا إليها.
هذه الملاحظات التي ذكرناها هي ما بدأنا نجد لها تجسيدا على أرضيّة الدّراسات الأدبيّة الحديثة – بخاصّة - وهو ما اصطلح على تسميّته بالأدب الإسلامي. هذه الدّراسات من شأنها أن تقف في وجه من يسعى إلى تشويه ثقافتنا وتزييف أدبنا، وتتصدّى لمن يحاول الانحراف بأدبنا ودارسينا ونقّادنا عن سواء السّبيل؛ بإبعادهم عن أصولهم، التي ينبغي أن تحكم حياتهم ومنطلقاتهم في البحث والدّراسة والإبداع ...
من هذه الدّراسات الجادّة بحث الدّكتور محمد ناصر " أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ".فالأدب الإسلامي تمثّل فيما نظمه أبو مسلم الرواحي، الذي اتخذ الأدب وسيلة هادفة لتربيّة الفرد المسلم، لأنّه يعدّ الأدب رسالة وتوجيها وأمانة. والرّؤيةُ الإسلاميّة تجسّدت في دراسة محمد ناصر لهذا الأدب وتحليله.
هذه الملاحظات تدخل – أيضًا – ضمن رسالة الطّالب، الذي يجب أن يتكوّن على الأصول والمبادئ التي أشرنا إليهاا؛ ليتمكّن من تجسيد هذه القواعد الأساسيّة في الكتابة الأدبيّة الأصيلة ..
وفقنا الله لما يحبّه ويرضاه ..
نزوى يوم: ... 28\ 02\1421هـ
01\ 06\2000م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/40)
صفحة 41
رسالة الأديب
بسم الله الرّحمن الرّحيم
كلّ فرد خلق ليؤدّي رسالة في الوجود. والله حين أسبغ عليه نعمه الظّاهرة والباطنة، وحين سخّر له ما في السّموات وما في الأرض، إنّما كان يوجّهه لكي يقوم بواجب الشّكر والحمد على هذه النّعم. ومن جملة واجبات الشّكر أو متطلّباته تقديم خدمات للنّاس، وتسخير هذه النّعم في نفع العباد وعمارة البلاد ..
والأديب أحد من منحه الله هذه النّعم، التي منها نعمة الأدب والقراءة والكتابة، ونعمة تحسّس مواطن الضّعف في المجتمع؛ فيقوم لينهض لمعالجتها. فالأديب الإنسان يرى نفسه مسؤولا عمّا يجري، إذ من خصائص الأديب المبدع التي يمتاز بها عن غيره الحساسيّةُ المرهفةُ في الكشف عمّا يكون من ثغرات وفجوات في الحياة الاجتماعيّة، قد لا يشاركه في هذا الإحساس غيرُه، ممّن حوله؛ بسبب اختلاف في الرّؤية والنّظرة. وعن هذا يشير مصطفى سويف في حديثه عن الخصائص الكبرى للتّفكير الإبداعي، التي من بينها: " الحساسيّة المرهفة لإدراك ما تنطوي عليه مواقف الحياة المختلفة من ثغرات أو مشكلات، وتعتبر هذه الحقيقة نقطة الانطلاق في التّفكير المبدع. "
إذن على الأديب أن يسخّر هذه النّعمة في القيام بشؤون أمّته، أي يجب أن يكون لأدبه أثر في محيطه وبيئته التي يتحرّك فيها ويدرج؛ لأنّ للأديب رسالةً ومسؤوليًة كبيرة وشريفة.
يبقى لهذا الأديب: كاتبا كان أو شاعرا - حين يتصدّى للكتابة - أن يسأل نفسه أسئلة أربعة، ويجيب عنها أجوبة صريحة صادقة؛ حتّى تكون كتابته هادفة مجدية: لماذا أكتب؟ ماذا أكتب؟ لمن أكتب؟ كيف أكتب؟ إجابته نفسَه على هذه الأسئلة الأربعة بعمق وصدق ومسؤوليّة تطبع عمله وكتابته بالجدّية والفعاليّة والجدوى. (1/41)
صفحة 42
إنّه حين يعرف لماذا يكتب، يكون قد حدّد الدّوافع للكتابة؛ ليعلم هل هي أسباب موضوعيّة مقنعة لصرف وقت من حياته في عمل مفيد، أم أنّ الدّوافع ليست ذات قيمة. يكون الإقدام على الكتابة حسب ذلك إهدارا للجهد، وتضييعا للطّاقة وتزجيّةً للوقت من دون طائل. يبحث عن إجابة عن (لماذا) هل يكتب بدافع رغبة داخلية وقناعة شخصيّة؟ هل يكتب استجابة لطلب؟ مهما يكن هذا الطّلب، ومهما يتلوّن؛ بلون التّملّق أو التّهديد أو الضّغط أو تلبيّة لمناسبة، يرى أنّه لا يحسن ولا يجمل السّكوت عنها ... من خلال تحديد الإجابة عن (لماذا) يتحدّد المنطلق في الكتابة، فيكون مستساغا مقبولا، أم هو غير ذلك.
حين تقتنع نفس الأديب وتفقه ماذا تكتب، يُعيّن هو جانبا من خصوصيّة كتابته. هل يكتب موضوعا فيه جديّة وطرافة وجديد؟ هل يكتب أيّ شيء؟ ما يرجوه فقط أن يستجيب لدافع الرّغبة في الكتابة من أجل الكتابة؟ هل يكتب ما يضيف إلى تجارب النّاس شيئا؟ في أيّ موضوع يكتب؟ في الفقه، في التّاريخ، في الأدب، في اللّغة، في الاجتماع، في السّياسة، في الاقتصاد، في العلوم ... فيخصّص مجال الكتابة، يتعمّق في العرض والمعالجة والمناقشة. ويكتب في الميدان الذي يحسنه ويتقنه، ويترك لغيره بقيّة الموضوعات، فيفيد منها أكثر. هل يكتب في كلّ المجالات دفعة واحدة؟ ومن ثمّ لا يظفر ببغيته من الكتابة، فلا يستفيد القارئ من هذه الكتابة؟
حين يعيّن من يكتب له، يكتب لعالم أم لجاهل، يخاطب كبيرا أم صغيرا، يحاور متخصّصا أم غير متخصّص، يناقش ملتزما أم غير ملتزم، يحادث من فيه استعداد لسماع الرّأي الآخر أم متعصّبا متزمّتا ... ؟؟ حين يتبيّن أو يعرف لمن يكتب يحدّد طريقة الكتابة، ويختار أسلوب المعالجة والمخاطبة ومنهجيّة الحوار وغير ذلك.
أخيرا حين يسأل نفسه كيف أكتب؟ بأيّ أسلوب أكتب؟ وأيَّ جنس أدبي مناسب أختار؟ شعرا أم نثرا؟ قصّة، رواية، مقامة، مسرحيّة، خاطرة؟ أم أكتب بأسلوب عادي؟ أكتب بأسلوب مبسّط أم بأسلوب معقّد؟ أكتب بأسلوب السّخرية والفكاهة والدّعابة أم بالأسلوب الجادّ، الذي يلتزم الوقار والصّرامة؟ أكتب بالأسلوب الواضح أم بأسلوب التّلميح والتّعريض؟ أكتب منتَحِيا ومستلهما الأساليب القديمة أم أنحو منحى التّجديد في الكتابة؟ ... فالكاتب حين يحدّد الإجابة عن هذا السّؤال، فإنّه كلّما همّ بالكتابة في أيّ موضوع يهتدي إلى الوسيلة التي تنسجم مع ما يريد أن يوصله إلى المخاطب والمعنيّ بالكتابة.
إجابة الأديب عن هذه الأسئلة تعطي أهميّة لكتابته، وقيمة لما يعرضه. وهو ما يجب أن يحرص كلّ كاتب على الظّفر بهما؛ لكونه يحمل رسالة في الوجود، ويتبنّى مواقف في الحياة، يوجّه من خلالها النّاس، ويخطّ لهم سبل التّحرّك، ويضع لهم منارات وصوى يهتدون بها في دروب حياتهم. قال مفدي زكريّاء: (1/42)
صفحة 43
رسالة الشّعر في الدّنيا مقدّسة ... لولا النّبوّة كان الشّعر قرآنا
فإنّ الأدب هو وسيلة النّهوض وسبيل التّغيير، ومجال التّحرّك في التّقدّم والازدهار. وهو ميدان نشر الأفكار وبثّ الوعي، وتوجيه المجتمع ... فكلّ الحضارات الإنسانيّة انطلقت من الأدب في نهضتها. وفي المقابل كان التّخلّف والتّأخّر حليف الأمم التي ضعف فيها الأدب ..
إذن فليعرف الأدباء ماذا يكتبون، وكيف يكتبون، ولماذا يكتبون، ولمن يكتبون. وليعلموا أنّ الأدب مجال فسيح وميدان خطير، لا ينجح في الإبحار فيه إلاّ صاحب الثّقافة الواسعة. قال ابن قتيبة: " من أراد أن يكون عالما فليطلب فنّا واحدا، ومن أراد أن يكون أديبا فليتوسّع في العلوم " ولا يفوز بالإفادة فيه إلاّ صاحب العقل الواعي والقلب النّابض، وصاحب الإرادة والنّيّة الخالصة الصّادقة في خدمة غيره. ولا ينجح في استثمار خصائصه واسترفاد مميّزاته سوى المتمرّس في الكتابة، والمتحكّم في أدواتها، والمتمكّن من أساليبها.
فليقدّر الأدباء خطر الأدب، وليعرفوا مسؤولياتهم في محيطهم، وليعوا مكانتهم في أقوامهم، وليفقهوا تعلّق النّاس بهم وتطلّعهم إلى توجيههم والنّهوض بهم. قال زكيّ مبارك: " حين ينحطّ النّاس ويضطرب الميزان يقف الأديب وقفة المصلح؛ لأنّه - كما قلت -: مفطور على التّماسك والانسجام، فيأخذ في شرح الفضائل والرّذائل، ويضع لأهل زمانه شرائع الأخلاق. " إذن فليعرف الأدباء لماذا يكتبون، وكيف يكتبون، ولمن يكتبون، وماذا يكتبون ..
أليس هذه التّنبيهات دليلاً أنّ الكتابة رسالة، وأنّ الأديب هو أولى من يجب أن يتحلّى بالمسؤوليّة اللكاملة في أداء الرّسالة التي تضمّنها ما ذكرناه؟! ألا يعني هذا أو يومئ إلى أنّ هذه الرّسالة تحتاج إلى الاستعداد لحملها؟! ألا يكون المعدّ لها ما يهيّئه الفرد لنفسه في أثناء طلبه العلم، وفي كلّ المراحل التي يكون فيها متعلّمًا؟! ألا يدخل هذا الواجب ضمن رسالة الطّالب؟!!
نزوى يوم ... 07 من ربيع الأوّل 1423ه
20 من مايو ... 2002م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/43)
صفحة 44
المحتويات
المحاضرة
لك يا طالب العلم
رسالة الطّالبة في المجتمع
رسالة إلى طلبة العلم في أرض الكنانة
احتفل بالفوز ولا تُبالغْ ولا تتعدَّ الحدود!!
نحن في حاجة إلى كتابة أدبية أصيلة
رسالة الأديب
المحتويات (1/44)