صفحة 1
الكتاب: رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] رسالة المسلم في عصر العولمة
الكاتب : الشيخ خميس بن راشد العدوي
تمهيد
مفهوم العولمة
العلم والمذهب
تعريف العولمة وأركانها
الأشياء
العالمية
وسائل الاتصال
السرعة
المصالح
العولمة تطور طبيعي
عناصر العولمة
العولمة تطور نفسها
مراحل العولمة
عالمية الإسلام
واقع الأمة
مقومات نهضة الأمة
الدين القويم
الذاكرة الفكرية
الوفرة في الطبيعة
التعداد السكاني
عوامل ضعف الأمة
الضعف في العمل
الضعف في التخطيط
الضعف في الأمانة
رسالة المسلم في عصر العولمة
الشورى طريق الأمة الوحيد
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛؛؛
فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان لغاية، وجعل له هدفا في الحياة، وهو عبادته جل وعلا لقوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُون)) الذاريات:56، هذه العبادة تلف كل مناحي الكون، وتأتي على حياة الإنسان من مبتداها إلى منتهاها، آخذة بكل حركته في الحياة، حيث يقول سبحانه وتعالى: ((قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) الأنعام:162-163، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان مائة جزء، أعظمها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق)) رواه الربيع.
فعلى المسلم أن لا يتخلى عن رسالته التي كلفه الله تعالى بها حتى يخرج من هذه الدنيا ويلقى ربه وهو على عهد الإيمان بالله تعالى والتسليم لشرعه الحنيف يقول سبحانه حكاية عن نبيه يوسف عليه السلام: ((أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) يوسف:101. (1/1)
صفحة 2
ولا يقبل الله سبحانه وتعالى من الإنسان إلا أن يدين له بالإسلام لقوله عز من قائل: ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) آل عمران:85.
والإنسان هو خليفة الله في الأرض، خلقه فيها ليحسن إعمارها وفق منهجه تعالى يقول سبحانه: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) البقرة:30، ويقول أيضا: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)) النمل:60-62 ومقام المسلم في الأرض هو مقام القائد الذي يقود البشرية إلى خيري الدنيا والآخرة، والمسلم الحق هو الذي يحقق القانون الإلهي؛ بأن يجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وذلك بنصرة دين الله تعالى بكل ما يملك، يقول سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ (1/2)
صفحة 3
نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) التوبة:38-41، وحال المسلمين الآن حال المقصر، فطالما أن كلمة الذين كفروا هي الكلمة التي تقود البشرية وترغم المسلمين على الخضوع لها، فإننا في وضع مخل بالأمانة التي حملنا إياها، ولا يستقيم الأمر إلا أن نرجع رجوعا صادقا إلى ديننا، وأن نأخذ بزمام القيادة، ونعمل على تحقيق التمكين لأمة الإسلام.
هذه مبادئ أولية في عقيدتنا يفقهها كل مسلم، ولكن بكل تأكيد يوجد فينا خلل، أوصلنا إلى أن تتكالب علينا الأمم من كل حدب وصوب، وأصبحنا -بكل أسف- أمة غثائية ننتقص من كل جانب، من عقيدتنا وفكرنا، ومن خلقنا وسلوكنا، ومن أرضنا ودمائنا، ومن اقتصادنا وخيراتنا، وإذ نحن الآن في عصر "العولمة" علينا أن نراجع أنفسنا، وأن ندرس واقعنا، ونحلله تحليلا يبتغ الوصول إلى الحقيقة، ثم نضع لأنفسنا العلاج الناجع الذي يرفعنا من وهدة التأخر وينقذنا من حضيض الضياع.
إن رسالة المسلم في عصر العولمة هي أن يعيد النظر إلى موقع الأمة من الخارطة العالمية وإلى واقع المسلمين من قائمة الشعوب، ويخرج بدواء للأدواء التي نعانيها، ويسعى بعد ذلك إلى العمل بجد غير متوان ولا متواكل، فعليه أن يأخذ بالأسباب التي بثها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، وأن يوثق صلته به جل وعلا. (1/3)
صفحة 4
فالصراخ والعويل ونثر التراب على الرؤوس لن يجدي نفعا، وانتظار تحقق الأماني بدون عمل وسعي هي سلعة المخذول والمنهزم، ورمي التبعة على الأعداء هي حيلة العاجز الذي قصرت به الهمة وانحطت مداركه وخارت قواه، أما المؤمن القوي فهو من يسعى لنصرة دين الله تعالى، والأخذ بالأسباب، والبحث في هذا الكون عن مخرج لضعف الأمة وانحطاطها وركودها وغفوتها.
نعم؛ هناك مؤامرة من الأعداء بل هي مؤامرات كقطع الليل المظلم، ولكن ماذا يجدينا إدانة هذه المؤامرات العدائية ونحن في نوم قاتل وسبات عميق، إننا بإدانتنا الفارغة لا نزيد الأمة إلا وهنا، ولا نزرع فيها إلا مزيدا من العجز، وربما نحطم ما بقي فيها من خير، علينا أن نرجع الكرة مرات ومرات، ونحشد قدراتنا المختلفة، ونرص الصفوف، وننسى الخلاف، ونستغل كل ما يمكن من مقدرات الأمة، تحقيقا لنصرة الله تعالى ونصرة دينه وعزة أمة الإسلام.
علينا أن ندرك المتغيرات العالمية، ونتقن فنون إدارة الحياة، ونأخذ بالعلوم والسنن الكونية، وأن نزاحم عليها أعداء الله تعالى، وأن يعي علماء الأمة أن العلوم المطلوبة من أبناء الأمة ليست هي العلوم الشرعية وحدها، بل علوم الحياة جميعها، فنلج هذا الجانب ولوج المؤمن التقي، ونندفع إلى ذلك بحماس المسلم الوفي لدينه.
وفق هذه الرؤية نعالج بإذن الله تعالى الموضوع المطروح للكتابة فيه وهو "رسالة المسلم في عصر العولمة".
مفهوم العولمة (1/4)
صفحة 5
كثر الحديث عن العولمة، ووضعت الكثير من الكتب والدراسات والمقالات عنها، ووقف الناس حيالها طرائق قددا، فمنهم من يعتبرها شرا محضا ورجسا من عمل الشيطان، وخرجت للتنديد بها مظاهرات عالمية، ومنهم من أخذ يبشر بها، ويعدها نهاية النعيم وغاية الفردوس، وجعلها أبدع ما أنتجته البشرية وعندها ينتهي العالم، أي لا يمكن أن تأتي البشرية بطريقة أفضل منها، وهؤلاء يذكروننا بنزق الشيوعيين الذين كانوا يعدون العالم بفردوسهم الأرضي، وتكشفت في الأخير عن نار لظى وسعير جهنمي، لم تلبث البشرية أن مجته وسأمته وعانت من ويلاته وذاقت مرارته.
ووقف الكثير من الكتاب يعددون مزايا العولمة ومساوئها، وأنها لا يمكن أن تعتبر شرا محضا كما لا يمكن أن تعتبر خيرا محضا، وهؤلاء يدعون للاستفادة من خيرها، ومناهضة شرها، إلا أنهم لم يتفقوا على تحديد ما هو النافع من الضار في العولمة، فما يراه البعض نافعا يراه الآخرون ضارا، والعكس بالعكس، قد يتفقون على بعض الأمور إلا أنهم يختلفون على أكثرها.
والأمر الذي يراه الكثيرون أن العولمة لا زالت في طور تشكلها، فهي لم تتحدد المعالم، ولم تعرف كافة أبعادها، ولم يتفق على تعريفها، فهي من ناحية التعريف هلامية، ومن حيث إطارها مطاطية، فهي أشبه بإحدى أدواتها وأخطرها وهي "الإنترنت"، فشبكة المعلومات العالمية شبكة عنكبوتية متداخلة متوازية ومتقاطعة في جميع الاتجاهات، وتتمدد باستمرار، وهكذا العولمة؛ يتسع مفهومها بسرعة حركة الحياة، كما أن أصحاب كل اتجاه يفسرونها ويحللونها بطرائقهم ومناهجهم، حتى أن هناك من يراها بأنها اشتراكية بثوب رأسمالي ومن يراها رأسمالية بثوب شيوعي، ومن يراها رأسمالية في صورتها المتوحشة.
فالعولمة تعني في جانب المعلومات الفضائيات التي تدخل كل بيت والإنترنت التي على رأس كل سرير. (1/5)
صفحة 6
وفي جانب الاقتصاد فهي الشركات عابرة القارات التي لا تعترف بأرض ووطن، فكل أرض وطنها، وهي الشركات التي تأكل من هو أصغر منها.
وفي مجال الحرب فهي تعني البوارج التي تحمل مدنا عسكرية بأكملها بداية من المطارات المجهزة لانطلاق عشرات الطائرات منها، وانتهاء بتقديم أكثر من عشرين ألف وجبة يوميا لجنودها السبعة آلاف محارب، وتعني في الحرب أيضا المدمرات الذكية والحرب التكنولوجية الذكية.
وفي الجوانب الاجتماعية فهي تعني النموذج الغربي وبالأخص الأمريكي؛ الذي ينبغي أن يقتدى به في المأكل والمشرب والملبس وطريقة الحديث والتعامل مع الآخرين وطرائق التفكير.
وفي الثقافة ذوبان الفروق الثقافية والتخلي عن الخصوصيات الذاتية، وتعني وحدة الأديان، والبشر في هذه المنظومة صالحهم وطالحهم سواء.
العولمة تعني كل ذلك وأكثر من ذلك.
ولكن أين كلمة الإسلام في ذلك وما موقف المسلم، وما هي رسالته؟.
لنجيب على هذه الاستفهامات علينا أن نفك التداخل بين العلم والمذهب.
العلم والمذهب
حتى نقف على رؤية صحيحة في موضوع العولمة، وبالتالي يؤدي المسلم رسالته التي ناطه الله تعالى بها، لا بد لنا أن نبي أمورنا على تصور سليم للمعرفة الإنسانية. (1/6)
صفحة 7
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وجعله قادرا على التفاعل في هذه الحياة والتعامل مع حركتها، فللإنسان قدرة عجيبة وفائقة على اكتساب المعارف ومعرفة سنن الله تعالى في كونه، يقول سبحانه: ((وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) النحل:78، وهذا ما يشير إليه أيضا قوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون)) البقرة:30-33 فقابلية الإنسان لتعلم الأسماء ينبثق منها قدرته على تعلم الأمور واكتساب الأفكار التي يستغل بها هذا الكون، وخاصة أن الله تعالى قد جعله على ضخامته وترامي أطرافه وتنوع مكوناته وتعدد موجوداته مسخرا للإنسان، وهي خاصية أمتاز بها دون سائر المخلوقات الأخرى، بل هذه المخلوقات هي مسخرة له، لقوله تعالى: ((وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) الجاثية:13، ويفصل الله سبحانه وتعالى هذا الإجمال في آيات أخر من ذلك قوله سبحانه: ((وَالأَنْعَامَ (1/7)
صفحة 8
خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)) النحل5:-18. (1/8)
صفحة 9
وقد ابتدأ الإنسان في تعامله مع هذا الكون بداية بسيطة، ولكنه أخذ في الترقي طورا بعد طور على مدى حركة الأيام وتعاقب الدهور، فتوسعت معرفته يوما إثر يوم، وكلما استطاع أن يكتشف جزءا من الكون ومن الأنظمة المسيرة له ازدادت قدرته على استغلال قانون التسخير الذي أعطاه إياه الله تعالى، يقول عز وجل: ((وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)) نوح:14، ويقول تبارك وتعالى بعد ذكر تسخير الكون للناس: ((وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) الجاثية:14.
أصبح الإنسان يقطع المسافات الشاسعة في ساعات معدودة بعد أن كان يقطعها في الأشهر الكثيرة أو السنوات، وكان يستخدم في تنقله الدواب، والآن يستخدم المركبات السريعة برا وبحرا وجوا، وكان لا يعرف ما يجري في القرية المجاورة له، وإذا به يرى ويسمع في نفس اللحظة ما يجري في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وبالجملة بعد أن كانت الأرض شاسعة مترامية الأطراف غدت قرية صغيرة، تتحرك فيها الحياة بجوانبها المختلفة؛ البشر والمعلومات والأموال، بأسرع ما يمكن.
لكن حركة الإنسان في الحياة لم تكن كلها حركة بريئة وخيرة، وإنما ابتعدت كثيرا عن مقاصد مستخلفه في الأرض، فعاث فسادا فيها وسفك دماء، وظهر بما كسبت يده الفساد في البر والبحر، يقول سبحانه وتعالى: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) الروم:41، وقد تعاقبت عليه رسالات السماء من الله تعالى لتهديه إلى دين الله تعالى وتضبط مسير حياته وترسم له خارطة سيره. (1/9)
صفحة 10
وفي سير الإنسان وحركته الدائبة في الكون اختلطت لديه الكثير من المفاهيم، ولذلك يحتاج دائما إلى ما يضبط وجوده في هذا الكون، فكان دين الله تعالى الخاتم هو الدين الأنسب لمعطيات الإنسان الحضارية، وهو القادر على مواكبة تطوره بعيدا عن الانحراف أو الانجراف إلى الهاوية، وقبل الحديث عن هذه النقطة يجدر بنا أن نفرق بين العلم والمذهب، وأين يقف الإسلام بينهما، حتى يعرف المسلم رسالته في عصر العولمة.
تنقسم المعارف الإنسانية إلى علم ومذهب.
أما العلم فهو القوانين والقواعد والسنن التي بثها الله تعالى في هذا الكون، وعلى وفقها تسير الأمور بمشيئته جل وعلا، ولا يمكن الإنسان أن يستغل الكون إلا بها، كقوانين الرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب ونحوها فقد اقتضت حكمته جل وعلا أن تسير وفق سنن محددة لا تحيد عنها، ((وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)) الأحزاب:62 ((فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)) فاطر:43، وهذه السنن دالة على عظمته وقدرته سبحانه وتعالى.
ويندرج تحت هذه السنن قوانين علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ وعلم الاقتصاد، وهذه العلوم وإن حدث فيها خلط مع مذاهب من اشتغل بها، ولكن لها قوانينها التي تسير على وفقها، وعلينا أن نفك هذا الاختلاط، ونستخلص القوانين التي تسيّر هذه العلوم.
أما المذهب فهو المعتقدات والآراء التي يعتقدها الفرد أو الجماعة، كالمذهب الشيوعي والمذهب الرأسمالي ونحوهما، فهذه المذاهب وإن كانت قد اشتغل اتباعها بالعلوم الكونية، وقد قطعوا فيها شوطا كبيرا، إلا أن مذاهبهم العقدية والفكرية أثرت على صياغة العلوم الكونية، فلم تعد علوما محضة، بل أصبحت علوما مشوبة بمذاهبهم.
فلذلك علينا أن لا نخلط بين الأمور، وإنما علينا أن نسعى لفرز هذه العلوم عن تلك المذاهب. (1/10)
صفحة 11
إن العلم مرتبط دائما بالموضوعية، والمذهب متداخل مع الذاتية التي يعكسها الفرد أو الجماعة، ولذلك على الباحث أن يتخلى عن ذاتيته ويدخل حقل العلوم متحليا بالموضوعية التامة.
هناك أمور كثيرة تعكس ذاتية المرء على أي علم من العلوم وتؤثر على موضوعيته، من ذلك عقيدة الإنسان ودينه، والتربية التي تربى عليها والمناهج التي يسير عليها النظام التعليمي، كما أن لظروف الزمان والمكان أثرها القوي، بل طبيعة الإنسان ومزاجه لهما أثرهما الذي يعكس ذاتية الإنسان على العلم الذي يبحث فيه أو يأخذ به، لذلك على الإنسان أن يحاول جهده أن يتخلص من ذاتيته ويتحلى بأكبر قدر ممكن من الموضوعية.
والعلوم الكونية والعلوم الاجتماعية المعاصرة نشأت في الغرب، فجاء الكثير منها محملا بذاتية البيئة التي بحثتها والباحثين الذين بحثوها، فهي من حيث الكشف عن قوانين الكون التي جعلها الله تعالى ومن حيث استغلال هذه القوانين أمر مشاع بين خلق الله تعالى، فلا يحكر على أحد دون أحد استخدامها، والمسلمون هم أولى من يأخذ بهذه العلوم لأنها من خلق الله تعالى ولأنها تحقق النصرة والتمكين للمسلمين، وتجعل كلمة الله تعالى هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
ولكن ذلك لا ينسينا أن نفرز هذه العلوم مما شابها من مذاهب القوم التي لا تمت إلى العلم، وإنما تروج ثقافتهم التي لا تمت إلى الإسلام بل تتعارض مع هديه الحنيف، بداية من الإلحاد في الله تعالى وانتهاء بالتفسخ الأخلاقي والانحطاط الإباحي، مرورا بالاستغلال الاقتصادي، حيث علينا أن نرفض هذه الثقافة رفضا تاما، لأننا مطالبون أن ننتمي إلى ثقافة ديننا النابعة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. (1/11)
صفحة 12
والإسلام الذي اصطفاه الله لعباده وإن كان يحمل معتقدات إلا أننا لا يمكن أن نصنفه بأنه مذهب كغيره من المذاهب، بل هو في الحقيقة ينتمي إلى دائرة العلم، لأن الله خالق هذا الكون وجاعل سننه وقوانينه؛ هو منزل الإسلام، فما في الإسلام لا يتنافى مع العلوم الكونية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو سبحانه وتعالى منزه من أن يحابي أحدا على أحد، وهو متعال عن تأثير الأمور عليه، فلا ينزّل على عباده إلا ما يتوافق مع قوانين هذا الكون ومع حركته الموزونة والمقدرة من قبله جل وعلا.
ومن المهم أن ننبه بأن العصمة من مخالفة سنن الله تعالى ونواميسه هي لكتاب الله العزيز وحده، وأما السنة النبوية فقد دخلها الكثير من الوضع وأصابها التحريف المقصود أو الوهم غير المقصود، ولذلك تحتاج إلى تنقية وغربلة يخلصها مما علق بها مما ليس منها.
والمذاهب الإسلامية قد تقترب من الحق الذي أنزله الله تعالى وقد تبتعد بمقدار ما تخلص مؤسسوها ومنظروها من ذاتيتهم، وبالتي هي لا تمثل علما موضوعيا خالصا، ولكن ولا ريب فيها الخير الكثير الذي يمكن أن يستفاد منه، وجزى الله علماءنا خيرا على ما قدموا من خدمة لدينهم ولأمة الإسلام، ولكن على العلماء الآن أن يجتهدوا في أحوال زمانهم بالرجوع المباشر لكتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يعيدوا صياغة التفكير وأساليب الاجتهاد.
تعريف العولمة وأركانها
مع كثرة التعريفات التي أعطيت للعولمة وتعدد مفاهيمها، يمكننا أن نخرج بتعريف سهل لكنه يشمل قضاياها؛ فنقول:
العولمة: هي إخراج الأشياء من حيز الخصوصية إلى آفاق العالمية في أقصى سرعة ممكنة بوسائل الاتصال الحديثة بغية تحقيق المصالح .
بهذا يتبين لنا أن أركان العولمة خمسة:
الأشياء، والعالمية، ووسائل الاتصال، والسرعة، والمصالح.
. الأشياء:
وهي تشمل كل جوانب الحياة. (1/12)
صفحة 13
فهي تشمل في جانب الثقافة: الاجتماع والتربية والتعليم والمعارف والصحافة والعقائد والسلوك والتراث الإنساني.
وفي جانب الاقتصاد تشمل: التكنولوجيا والتجارة والأموال والاتفاقيات بشتى أنواعها وهجرة العمال والبضائع والحرف والمهن والسوق الحر.
وفي السياسة تشمل: الاتفاقات، وقرارات الأمم المتحدة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي.
وفي الفن تشمل: الأدب والسينما والمسرح والتمثيل والموسيقى والأغاني.
بل أصبحت الجريمة والإباحية والمافيا مما شملتها العولمة.
وكذلك الحرب والدمار وتقنيتهما كالإنتاج النووي والذري والبيولوجي وعقيدة القتال وأدوات الحرب الذكية.
ولمزيد بيان سنتكلم لاحقا بإذن الله تعالى عن عناصر العولمة.
العالمية
أصبح الكون الآن قرية واحدة، ومن الطبيعي أن تتحرك الأشياء في أطراف هذه القرية، ولم تكتسب العولمة صفتها إلا من خلال تحقق العالمية، فهي الركن الأول من أركان العولمة.
وهذه العالمية قد أوجدت منافذ لا تحصى لرواج الأشياء من أفكار وأموال ونحوها، فهي من جهة إيجابية لمن يحسن استغلالها، حيث تعني له النمو والازدهار والرخاء وسيادة أفكاره وثقافته على غيرها من الثقافات والأفكار الأخرى، ومن جهة أخرى هي قاتلة للضعفاء والفقراء والكسالى والصغار، حيث يعني فقدان هويتهم وخصوصيتهم، ودمار اقتصادهم وتداعي منجزاتهم، وذوبانهم في عالم الكبار.
وبمعنى آخر يزداد الفقير فقرا والغني غنى والقوي قوة والضعيف ضعفا والكبير استكبارا والصغير صغارا، فهي على ما عليه اليوم لا تعدو أن تكون الرأسمالية في أشرس صورها، وهي الرأسمالية المتوحشة التي تأكل كل شيء حتى الرأسماليات الضعيفة.
هناك جانب آخر في "عالمية" العولمة، وهو التشابك والتداخل الكبير بين جوانب العولمة؛ سواء على نطاق الأشياء أو على نطاق الوسائل، أي أنها تعمل على دمج هذه الجوانب كلها بحيث يختلط كثيرا العلم بالمذهب. (1/13)
صفحة 14
العالمية ليست شيئا جديدا خرج من رحم العولمة، بل العولمة خرجت من رحم العالمية إن صح التعبير، فالعالمية قديمة جدا قدم الإمبراطوريات التي كانت تهيمن على أجزاء كبيرة من العالم، أو كانت تحاول أن تسيطر على العالم كله، وهي بغية كل شعب من الشعوب، وتوجه كل تيار من التيارات الفكرية والعقدية، لكن الفارق الآن الإمكانات التي تحقق فشو عالمية الأشياء في وقت قياسي وبقدرة عالية جدا، تجعل من يصل أولا هو الفائز ومن يتأخر ولو للحظات هو الخاسر، والفائز يحرز كل شيء ويفرض كل ما يريده، حتى أنه يفرض منطق "من لم يكن معنا فهو ضدنا" منطق القوة والغلبة وهو آخر صيحة تطلقها العولمة.
وسائل الاتصال
تعتمد العولمة في تمددها على وسائل الاتصال الحديثة، وقد قطعت هذه الوسائل شأوا كبيرا في نقل الأشياء، واخترقت البشرية مجالات ما كانت تحلم ولا تفكر بها، قد كان الإنسان ينتقل من قرية إلى أخرى في أيام بأقدامه، أو بالدواب من حمير وبغال وإبل وخيول، أصبح الآن يطوف الكرة الأرضية في ساعات معدودة، في مركبات مريحة لم تكن تتوفر في المنزل القديم فضلا عن أدوات ركوبه ونقله.
وفي مجال نقل المعلومات دخلنا "العصر الرقمي"؛ هذا العصر الذي ينقل المعلومات في أسرع من لمح البصر، فبعد أن كان الإنسان يكدح ويشقى ليتحصل على لقمة عيشه، غدا الآن يدير أكبر المشاريع من غرفته عبر الشبكة العنكبوتية، فهو يحاور ويجادل ويتفاهم ويعقد الصفقات ويدفع ثمنها وأجور الموظفين والعمال في جلسات مغلقة بالصوت والصورة.
وفي مجال الحرب قللت تقنية وسائل الحرب استخدام الإنسان، فأصبحت تنتقل وسائل تنفيذ المعارك بصورة مذهلة وعجيبة، هذه الحرب غيرت أساليب وتقنية الحرب التي كانت تتبع قبل عقد ونصف من الزمن، طبعا هذا لا ينسينا أن هذه التقنيات العالية الجودة هي أداة نافعة في يد من يملكها، لكنها أداة دمار وإبادة على من تنزل عليه غاضبة. (1/14)
صفحة 15
وهكذا في مجالات الاتصال أخرى، ومن نافلة القول أن نقول إن وسائل الاتصال لا تقتصر على قضية نقل الصوت والصورة والكلمة، إنما تشمل جميع الوسائل، حيث تطورت خلال القرن "العشرين" تطورا مذهلا، يصدق عليها قول الله تبارك وتعالى: ((ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ)) المؤمنون:14.
وقد أخذت هذه الوسائل تكشف المجهول بصورة مذهلة، فأصبحت الأقمار الفضائية تكشف عن حركة الأرض، وتسبر أغوار البحار، كما أن سفن الفضاء اخترقت ونفذت من الغلاف الأرضي ووصلت إلى كواكب مجاورة.
إن كان قد قيل سابقا: (البقاء للأصلح) فإن هذا العصر يؤكد المقولة بعبارة أخرى وهي (البقاء لمن يملك وسائل العولمة)، وعندما نتكلم عن مسألة البقاء لا يعني هلاك الأجساد؛ وإن كانت هي الأخرى في حال الضعف تتأثر سلبا بالعولمة، وإنما نقصد الموت الحضاري للأمم والذوبان الثقافي لها، الذي تجتاحه العولمة بفرض قيم من يملك وسائل الاتصال الحديثة التي تفرض علينا العولمة فرضا قاتلا.
السرعة
أصدق وصف يمكننا أن نصف به عصر العولمة هو "عصر السرعة"، وباتت السرعة تتدخل في كل أمر لتحسمه لصالح الأسرع، وهذا أمر بيّن لا يتنازع فيه، لكن هناك أمرا داخليا تحمله السرعة يؤثر على الكيان الإنساني؛ أفرادا وجماعات، هذا الأمر هو الإبهار.
والإبهار: هو نوع من التوهج يثير إعجاب النفس الإنسانية فيسلمها غالبا إلى التقليد والتمثل للشيء المبهر. (1/15)
صفحة 16
فالسرعة في نقل الخبر وتحليله، والسرعة في تحليل الظواهر الاجتماعية؛ ومنها ظواهر احتكاك الدول والشعوب عن طريق الحروب، والسرعة في استغلالها، والسرعة في نقل آلة الحرب للفصل في صالح من يملك التقنية الدقيقة والسريعة، والسرعة في صنع الاتفاقيات الاقتصادية وفرضها وكسبها، والسرعة في إدارة العمل وإنجازه وتخليصه، وإدارة المؤسسات بشتى فروعها وأنواعها، كل هذه السرعة تثير نوعا من الانبهار المثير للنفس الإنسانية، حيث يصبح من هو عاجز عن تحقيق هذه السرعة الفائقة منقادا لمن يملكها.
وهذه السرعة في حد ذاتها مأزق انخدع به الكثيرون حيث خلطوا بين عامل السرعة وبين ما يقدمه هذا العامل، فهو عامل مطلوب لذاته، وديننا يأمرنا به حيث يقول سبحانه وتعالى: ((أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ))المؤمنون:61 ويقول تبارك اسمه: ((يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)) آل عمران:114.
ولكن للأسف الشديد قدم بهذا العامل العولمة بكل ما لها وما عليها.
والانبهار هو الذي أدى بكثير من أبناء الأمة المسلمة إلى أن ينخدعوا به وينساقوا وراء الحضارة الغربية، ويعتبروا النموذج الغربي هو النموذج المثالي الذي يجب أن يُتمثل ويُقتدى به.
ونحن لا نختزل الإبهار في عامل السرعة، فالإبهار يدخل في مجالات كثيرة من مجالات العولمة، لكننا تحدثنا عنه في السرعة لأنه أصبح من خصائصها المميزة.
المصالح
في الأصل لا يحرم الإسلام على الإنسان أن يحقق مصالحه، بل ركبت فلسفة الخلافة في الأرض على تحقيق المصلحة، وهي دافع غريزي يعزز لدى الإنسان التفاعل في هذا الكون ليقدم أفضل ما يكون، وينتج أجود ما يمكن. (1/16)
صفحة 17
والإسلام يسمي تحقيق المصالح الإنسانية بالفضل ويحث عليه ويحض على تتبع مساربه، ومن الضروري هنا أن نبين موقف الإسلام في ابتغاء المصالح، قبل الحديث عن المصالح عند أرباب العولمة، فهنالك الكثيرون الذين يخلطون بين المبادئ والمصالح، ويرون أن من يسعى خلف المصالح هادم للمبادئ ولا يمكن التوفيق بين المبدأ والمصلحة، وقبل بيان ذلك نسوق هنا موقف الإسلام من تحقيق المصالح.
كما قلنا يرى الإسلام تحقيق المصالح فضلا من الله سبحانه وتعالى، فالتجارة والسعي والكدح في الأرض في شتى مصادر الرزق هو فضل من الله تعالى، فآيات الكتاب العزيز لا تطلق على ذلك إلا بأنه فضل من الله تعالى، فتحقيق المصلحة في حقيقته مبدأ من مبادئ الإسلام، فالإغفال عن تحقيق المصالح التي تعز الفرد والأمة هو هدم لمبدأ من مبادئ ديننا الحنيف.
والإسلام يعتبر الكون مسخرا للإنسان ليبتغي من فضله سبحانه وتعالى، مسخرا بأجرامه وأفلاكه، وبحاره وفلكه، وليله ونهاره، وحركته وسكونه، ورياحه وهدوئه. (1/17)
صفحة 18
فالله سبحانه وتعالى يخبرنا عن تسخير البحر وفلكه بقوله: ((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) النحل:14، ويقول كذلك: ((رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)) الإسراء:66، ويقول أيضا: ((وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) فاطر:12، ويقول جل شأنه: ((اللهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) الجاثية:12.
ويمتن علينا بالليل والنهار لأننا نسكن فيه ونبتغي فيه الفضل أيضا، وذلك في قوله: ((وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) القصص:73، وفي قوله: ((وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)) الروم:23.
ويقول تبارك اسمه عن تسخيره الرياح لنا لنبتغي منها الفضل بإذنه: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)) الروم:46. (1/18)
صفحة 19
وتحقيق المصالح التي تعود بالفضل على الإنسان لا بد أن يذهب جزء منها في إصلاح الأحوال الاجتماعية ورعاية القريب والفقير ومن هو في سبيل الله، وهذا مما يميز الإسلام عن النظم المادية كالرأسمالية راعية العولمة وموظفتها، فالله تعالى يقول: ((وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) النور:22.
وهناك توجيه رباني منه سبحانه وتعالى بأن ينصرف الإنسان بعدما يؤدي ما عليه من فرائض العبادة إلى الانتشار في الأرض لكسب الرزق، يقول سبحانه: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) الجمعة:10.
والله سبحانه وتعالى خفف عن المؤمنين شيئا من العبادة مراعاة للذين يكدحون في الأرض مبتغين من رزقه سبحانه، فيقول في سورة المزمل: ((إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) المزمل:20. (1/19)
صفحة 20
بل إننا نجد في بعض الأحيان أن الكسب يتزامن مع العبادة، وفي هذا ملمح مهم يرفع من شأن العمل والكسب وتحقيق المصالح، فالله تعالى يقول عندما تحدث عن الحج: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ)) البقرة:197-198.
والله سبحانه وتعالى يجعل حركة الكون بأيامه من خلال تعاقب الليل والنهار آيات ليحقق الإنسان من خلالها مصالحه ويبوء بفضل الله عليه، فيقول جل ذكره: ((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)) الإسراء:12.
وهناك الكثير من الأحاديث الشريفة التي تدفع بالإنسان إلى طلب الرزق، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبار العمل صدقة، فعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((على كل مسلم صدقة)) فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: ((يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة)) رواه البخاري. (1/20)
صفحة 21
وعلى الإنسان أن لا يتكل على غيره في تحصيل قوته وإنما يعمل بكد يده، فعن المقدام بن معدي كرب؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما أكل أحد منكم طعاما أحب إلى الله عز وجل من عمل يديه)) رواه أحمد.
وفي مجال ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في الصناعة والتجارة فقد سئل عن أفضل الكسب فقال: ((بيع مبرور وعمل الرجل بيده)) رواه أحمد.
وطلب الرزق وتحقيق المصالح في الإسلام مرتبط بذكر الله تعالى، وذكر الله تعالى مجانب لكل معصية، ولا يستقيم ذكر الله تعالى مع إتيان المعاصي، ومعنى ذلك أن الجانب الأخلاقي جزء أصيل لا بد منه في المصالح، فلا غش ولا سرقة ولا احتكار ولا ربا ولا غرر ولا ضرر في المعاملات الاقتصادية في الإسلام، ومع ذلك فلا بد للكادح في الأرض أن يرتبط بالله سبحانه وتعالى ويشكره.
هذا هو موقف الإسلام من الكدح وطلب الرزق وتحقيق المصلحة، وهو موقف يميزه عن غيره من النظم الوضعية، ويحول المصلحة إلى مبدأ أخلاقي عظيم.
أما في عصر العولمة القائم على الرأسمالية المتطرفة فإن المصلحة هي كل شيء، هي التي تحدد اتجاه كل فرع من فروع الحياة، سواء في جانب الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة أو الحرب أو الأدب والفن، ولا زلنا نرى قانون مكيافللي "الغاية تبرر الوسيلة" هو المحرك الحقيقي لفاعلية العولمة. (1/21)
صفحة 22
إن أهم ما تفتقده العولمة هو الجانب الأخلاقي، بل الأخلاق تحولت إلى مصلحة، فالأخلاق معتبرة وعاملة عندهم ما دامت تؤدي مصلحة مادية، وأصبحت مفاهيم الأخلاق متغيرة بسرعة تتواءم مع عصر السرعة، حيث فقدت الأخلاق المحك المعياري، وأصبحت تابعة للمصلحة، ولذا نرى بوضوح سياسة الكيل بمكيالين في عالم السياسة، ونرى الفوارق الاجتماعية بفعل الاختلال في موازين الاقتصاد، وفي الناحية السلوكية فقد رميت الأخلاق جانبا لأنها تتعارض مع حركة الفن، وتتعارض مع تجارة الأعراض، وتتعارض مع قيم الحداثة التي تطلق للإنسان العنان في كل تجاه.
إن من يحدد أخلاقيات المصلحة في عصر العولمة هو ذات المصلحة، المصلحة التي تملكها القوة وتسير بمنطق القوة، وإلا ما معنا منطق "من لم يكن معنا فهو ضدنا" أليس هو قانون يسيّس لأبعاد خلقية خطيرة في عصر العولمة.
من أخلاقيات العولمة أن يفرض علينا منطق القوة الذي يسيّس لحروب رهيبة في بقاع مختلفة من العالم؛ لا سيما عالمنا الإسلامي، لتتدخل هذه القوة وتتخذ من النزاعات الدولية مبررا للسيادة على مناطق النزاع لامتصاص خيراتها وتقويض حضارتها، تفعل كل ذلك لأجل أن تحافظ على مصالحها، ولتحل أزماتها الاقتصادية ولتبقى القوة العالمية التي لا تقهر.
المصلحة في الإسلام هي من فضل الله، واستخلاف في كونه، وتثمير لمعطيات أرضه، والإنسان مستخلف في كل ذلك، ثم أن المصلحة تطوير للكون وخدمة للإنسان، وللعود بفضل الله تعالى على المستضعفين في الأرض، أما المصلحة عند من يملك زمام العولمة فهي الاستكبار في الأرض، والعصف بالقيم والأخلاق، وإذلال الشعوب ونهب خيارتها وفرض منطق القوة، وحياكة الدسائس العالمية التي توقع الشعوب في الدمار والإبادة، وإيجاد النقاط الملتهبة في العالم لتأكل اليابس والأخضر، ولتستفيد هي من وراء كل ذلك عرضا زائلا.
العولمة تطور طبيعي (1/22)
صفحة 23
من خلال ما سبق تبين لنا أن العولمة تنقسم إلى علم ومذهب، فهي من حيث إنها استغلال لقوانين هذا الكون وسنن الله تعالى فيه، لتحقيق الرفاه للإنسان سواء استغلاله للوسائل الحديثة التي تجعل الأشياء قريبة المنال، وقادرة على تعميمها في أرض الله تعالى، وتحل الكثير من مشاكله، وتدفع عنه العوز الحاجة، وتجعله في رخاء واستمتاع بطيبات رزق الله تعالى، أو تلك المناهج والنظم التي تعالج قضاياه الاجتماعية والنفسية وتعينه على تسيير حركة الحياة.
هذه العلوم هي ملك بشري لا خصوصية لها، وهي داخلة في مفهوم الإباحة الأصلية، حيث أباح الله تعالى للإنسان أن يستغل الكون في كل الاتجاهات إلا ما قام الدليل على منعه، سواء بالنص عليه، أو بمجمل قواعد الشريعة أو بالاستنباط، ومن طبيعة الحياة أن لا تقف بل تتكاثر المعرفة وتتكاثف لتعطي مزيدا من الإنجاز البشري في هذا الكون، ثم إن كل إنجاز يولد سلسلة من الإنجازات اللاحقة وهكذا. (1/23)
صفحة 24
هذه هي سنة الله تعالى، فهي القوة التي ينبغي للمسلم أن يعدها لمواجهة الحياة ولمواجهة خصوم الله تعالى وأعداء البشرية، يقول سبحانه وتعالى: ((وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)) الأنفال:60، وقد وقعت الإشارة إلى هذا التطور في قوله تبارك وتعالى: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) فصلت:53، وقد ذكر سبحانه وتعالى ما تحققه الأنعام للإنسان من منافع ثم وعد جل وعلا أنه سيخلق ما لا يعلمه الإنسان في وقت نزول الوحي، أي أن قابلية التطور مفتوحة إلى يوم القيامة حيث يقول سبحانه: ((وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) النحل6-8، وقد تحدث سبحانه وتعالى عما سخره للإنسان في الكون سواء باستغلال ما في الأرض أو الفلك التي تجري في اليم، وهو مما يدخل فيه عمل الإنسان وتصرفه، ومن خلال النسق القرآني بالحديث عما يصنعه الإنسان في الأرض والبحر؛ نستشف بأن الله يشير إلى ما سيسخر للإنسان مما يحلق فوق الأرض وأن الله تعالى يمسكه من أن يقع، يقول سبحانه: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)) الحج:65. (1/24)
صفحة 25
فالحياة الدنيا آخذة في التغير من حال إلى آخر وفق قانون التطور، الذي يشبهه سبحانه وتعالى بنبات الأرض الذي يتغير من حال إلى حال، حتى يأتي أمر الله تعالى، يقول عز من قائل: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) يونس:24.
فالقرآن الكريم صريح أن البشرية لن تقف عند طور محدد، بل هي آخذة في الرقي من فترة إلى أخرى، فالعولمة من حيث هي علم لا تخرج عن هذا السنن الإلهي، فليس للمسلم أن يتوجس خيفة من هذا التطور، فهو مما أفاءه الله تعالى على الإنسان، بل على المسلم أن يملك زمام هذه الحضارة ويتمكن من تقنيتها لأنها هي التي تجعل العلو للكلمة، وقد بين الله تعالى أن كلمته هي العليا وأن كلمة الذين كفروا هي السفلى، ولأجل تحقيق هذا المراد الإلهي فلا بد أن يتجاسر المسلم، ويسعى سعيه الحثيث لأجل امتلاك معطيات الحضارة الإنسانية، ويرثها من يد الذين كفروا لقوله سبحانه وتعالى: ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)) الأحزاب:27.
هذا التطور هو ما نسميه بالتطور العلمي الإيجابي للبشرية. (1/25)
صفحة 26
وهذا التطور متحرك منذ بداية حركة الإنسان على الكون، ولذلك لا يمكن أن نعطي وقتا لبدء العولمة من هذا الجانب، لأنها عبارة عن معارف وإنجازات متراكمة ومتكاثفة مع بعضها البعض، فإبحار السفن من قارة إلى أخرى في قديم الزمان هو عبارة عن عولمة ما تحمله تلك السفينة، إي إخراجه من مضيقه المحدود إلى مجال في العالم أوسع وأرحب، وهكذا أخذت البشرية في حركتها نحو التداخل والاقتراب، فمن السفينة والخيل والجمل، ثم الكتابة، إلى القطار والسيارة، ثم الطائرة، ثم الإذاعة والتلفزة والقنوات الفضائية، وأخيرا الإنترنت، مرورا بكل الوسائل والتقنيات التي أبدعها الإنسان، وصدق الله العظيم حيث يقول: ((عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) العلق:5.
وهناك تطور آخر للبشرية، وهو ما يتعلق بالآراء والأفكار والمعتقدات التي تمثل مذاهب الناس، فهي الأخرى دخلت عصر العولمة، حيث استخدمت التقنيات المتقدمة والسريعة في الترويج لهذه المذاهب عبر القنوات الفضائية وشبكة المعلومات العالمية، وعبر السينما والمسرح والفن، ونحن إن كنا لا نرفض الجانب العلمي من العولمة فإننا نرفض المذاهب البشرية الوضعية والشرائع السماوية المحرفة، لأنها تعبر عن تفكير خارج إطار حضارتنا، وهي في الأول والأخير غير منبثقة عن ديننا الحنيف.
العلم لا يتهدد ديننا، بل فيه الوسيلة لتحقيقه عالميا، ولكن ما يتهدد أمتنا وشخصيتنا وخصوصيتنا هو استقبال وتمثل المذاهب الغريبة، وتأثيرها على إسلامنا الذي ارتضاه الله تعالى لنا. (1/26)
صفحة 27
وعندما نتكلم عن عولمة المذاهب فإننا نقصد بها المذاهب القديمة كالوثنية والبوذية والهندوكية ونحوها، والمذاهب المعاصرة كالشيوعية والرأسمالية، فقد وجدت في العولمة المسلك الذي تخرج به من إطارها المحلي إلى الإطار العالمي، بل في كثير من الأحوال فرضت على الأمة الإسلامية فرضا؛ بالنار والحديد تارة، وبالعبارات البراقة المذوقة تارة أخرى، تحت شعارات حلوة وعذبة كالمؤاخاة والإنسانية والمساواة.
والآن تفرض علينا الرأسمالية تحت مسمى الديمقراطية، ومن المفارقات أن تأتينا هذه الديمقراطية من الرأسمالية عبر السفن الحربية والطائرات الهجومية والسحق البشري، إنه خداع العولمة.
وقد تفننوا في الترويج لهذه المذاهب والتسويق لها؛ فمن ذلك أن تأتينا البوذية أو اليهودية أو النصرانية من خلال أغنية يدغدغ بها المشاعر، أو أن ينتج فلم يروج لفكرة ما عبر خديعة "الإنسانية"، فنرى في هذا الفلم –مثلا- مجموعة من الأطفال من مختلف الجنسيات والأديان يحملون أسماءها، ففي الفلم الواحد نجد جورج وصمويل وكرشنا وأحمد ومصطفى وشو وبيينج وغيرهم، يروجون للرذيلة تحت اسم الإخاء الإنساني.
هذه المذاهب تعبر عن خصوصيات مجتمعية، نشأت تحت ظروف اجتماعية وتأريخية معينة، وصنعها الإنسان لتعبر عن حالة من حالاته في فترة زمنية معينة، أي أنها لم ينزل الله بها من سلطان، ثم يتم عولمتها لأجل تمييع الأفكار بعضها ببعض، ولا سيما الفكرة الإسلامية، لأجل أن يسود بعد ذلك المذهب الرأسمالي الذي تدعمه القوة.
الفارق بين تلك المذاهب وبين الإسلام، أن المذاهب تحمل ذاتية البشر، أو قل قطاعات معينة من البشر، أما الإسلام فإنه يتعالى عن كل ذلك، لأنه من الله سبحانه وتعالى رب الكون وخالقه ومصرفه. (1/27)
صفحة 28
والخلاصة في هذا الموضوع؛ للمسلمين أن يستخدموا الجانب العلمي من العولمة أو بالأحرى ما تستخدمه العولمة، وأن يوجهوا العلم ويهدوه إلى رشده عن طريق ما توصلت إليه البشرية من معطيات حضارية قائمة على سنن الله تعالى في خلقه، ولكن عليهم أن ينتبهوا في ذات الوقت إلى شرك العولمة التي جاءتنا محملة بالمذاهب البشرية التي تعبر عن ذاتية أصحابها، أي علينا أن نفصل بين العلم وبين المذهب.
عناصر العولمة
للعولمة ثلاثة عناصر وهي: حرية انتقال الإنسان، وحرية انتقال الأموال، وحرية انتقال المعلومات.
هذه العناصر رغم ما تدعيه الرأسمالية من تفوقها في كفالتها، وجعلها مرتكزا في العولمة، إلا أن هذا الادعاء لا يزال يعاني الكثير من مصداقية التطبيق، فهي حريات خاضعة للمصلحة الرأسمالية، فالدعوة إلى تحريرها كانت نتيجة الحاجة الملحة لتنشيط السوق الرأسمالي، ولكن عندما تعارضت المصلحة مع هذه العناصر، فإننا نرى بوضوح سافر، كيف يحد بطريقة وحشية حرية انتقال هذه العناصر الثلاثة.
ويكفينا مثال على ذلك ما هو حادث بعد هجمات "11 سبتمبر"، حيث أصبح الإنسان متهما، وللقوة المهيمنة أن تتعقبه أينما ذهب، وأن ترصد تحركاته ولو كانت في منتهى الخصوصية، وحد من حركة المال، ولو كان ذاهبا لرفع الفقر والحاجة عن الفقراء والمستضعفين، وأن أي مشروع من هذا النوع يعتبر مهددا لمصالح المستكبرين في الأرض، وأما المعلومات فهي تحت المجهر الأمريكي الضخم الذي يسيطر على شبكات المعلومات العالمية.
إن من السذاجة بمكان أن نعتبر هذه الحريات مكفولة في عصر العولمة، بل هي في الحقيقة مسخرة تمام التسخير لخدمة الهيمنة العالمية، تجري بسرعة عندما تصب في مصالحها، أما عندما لا تكون كذلك فهي لا تجري إلا نكدا. (1/28)
صفحة 29
ويكفينا هنا أن نذكر بأن الإسلام يكفل من حيث التشريع والتطبيق حرية هذه العناصر، ويمنع الحيلولة دون انسيابها، وأن التعدي على حركتها هو تعد على الدين الذي نص على إباحة أصل الأشياء وبراءة الذمة الأصلية.
نعم؛ هو يمنع ما يضر بالإنسان عموما، فهو يمنع الإنسان عندما يكون مفسدا في الأرض ومتعديا على أخيه الإنسان، بل يطبق عليه أحكامه الرادعة، يقول سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) المائدة:33-34.
وهو يحد من التعامل بالأموال عندما تدمر البشر وتستضعفهم كتحريمه تعالى للربا، يقول سبحانه وتعالى: ((وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) البقرة:275. ويقول سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)) البقرة:278-279. (1/29)
صفحة 30
والإسلام يحارب المعلومة التي تفسد الأخلاق الإنسانية وتوقعهم في الفساد والانحطاط، وتدمر كيانهم البشري، كالغناء الهابط والتمثيل الإباحي والعرض الفاضح لجسد الرجل والمرأة، وهو ما يدخل تحت القواعد القرآنية التالية: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)) لقمان:6، ((وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)) الأعراف:56.
وهو مع كل هذا يمنح الإنسان فرصة الرجوع والأوبة إلى الحق، فليس عندنا في الدنيا رجل تحق عليه اللعنة الأبدية كما نراه عند الآخرين بشتى الصور.
العولمة تطور نفسها
الكثير منا يتصور أن العولمة بصورتها الرأسمالية ستسقط وشيكا وما علينا إلا أن ننتظر، وبعدها نرى الإسلام صاعدا في أرض الله تعالى بعالميته وشموله، وهذا أمر نتمناه، وهو حلم يداعب مخيلاتنا باستمرار، لكن ليس الأمر بهذه البساطة، ولا تحدث الأمور بمجرد الأماني، فهناك عوامل موضوعية داخلية وخارجية لسقوط الحضارات، لأن العولمة مظهر من مظاهر الحضارة المعاصرة، بل هو مظهرها وجوهرها المتميز، ونحن لا نماحك في سقوط أي حضارة، فلطالما نهضت حضارة وسقطت، ثم جاءت أخرى لترثها وتحل محلها، ولنا في التأريخ شواهد لا تنكر. (1/30)
صفحة 31
لن نتكلم هنا عن عوامل نهوض الحضارات وسقوطها، لأن ليس هنا محله، وإنما علينا أن نبين أن أي حضارة لا تستسلم للسقوط بنفسها فهي لا تزال تكافح وتناضل من أجل بقائها، وهذا ما تفعله حضارة العولمة، فهي تحاول جهدها أن تتجاوز بكل ما أوتيت من قوة عوامل السقوط الداخلية والخارجية، وأهم هذه العوامل أنها تفرض نفسها على العالم، فقيم العولمة هي قيم الرأسمالية، فالحضارة الغربية تراهن على بقائها بفرض حضارتها وقيمها على العالم أجمع، وبالتالي تطمس الحضارات الأخرى وتذوب، ولذلك خرجت لنا مقولة "نهاية التاريخ" ويقصد بها أن العالم لن يستطيع أن يأتي بحضارة تسوس العالم فوق ما أتت به الرأسمالية، ويضيف أنصار هؤلاء بأنه يمكن أن تسقط الرأسمالية من أمريكا ثم تزدهر في أوروبا، أو تسقط من الغرب لتنهض في شرق آسيا كاليابان مثلا، وهؤلاء يؤكدون على "نهاية التأريخ بعولمة الرأسمالية" بسقوط الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية وغيرها من الدول، وتحول باقي دول المعسكر الشيوعي إلى نظام السوق الحر الرأسمالي، وأخذت القيم الرأسمالية تطغى على شعوبهم ومجتمعاتهم.
هذا ما نراه وهو ما يبدو واضحا. (1/31)
صفحة 32
إن "فرانسيس فوكوياما" وهو ينظر لنظرية "نهاية التاريخ" لابد أنه قرأ كثيرا في الحضارات والأديان ومنها الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي، وفي نظري أن هذه النظرية لم تكن إبداعا من "فوكوياما" بمقدار ما تكون اقتباسا لعقيدة "ختم الرسالة الإلهية" الإسلامية بمجيء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل ما فعله "فوكوياما" أنه نقل فكرة ختم الشرائع إلى فكرة ختم الحضارات بالرأسمالية واسماها "نهاية التاريخ"، ونسي هذا الفيلسوف أمورا جوهرية بين ختم الشرائع بالرسالة الإسلامية وبين "نهاية التاريخ بالرأسمالية" فالرسالة الإسلامية هي دين رباني تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه، أما الرأسمالية فهي تجربة وضعية، وفق مقاييس بشرية محضة، وتغير نفسها باستمرار، أي أن الرأسمالية اليوم هي غير الرأسمالية قبل سقوط الشيوعية، وهي غير الرأسمالية قبل صعود الشيوعية؛ وهكذا، أما دين الله تعالى فهو لا يتبدل، محفوظ من قبله جل وعلا، قد لا يكون دين الله تعالى هو المسيطر على مجريات الأمور، لكنه يبقى ببقاء الحياة الدنيا، أما الرأسمالية فهي آيلة إلى الانتهاء إما بتغيرها المستمر، أو بسقوطها وصعود غيرها.
ومن قوانين سقوط العولمة بصيغتها الرأسمالية وأنها لا تمثل الصيغة النهائية للبشر، ارتباطها بالمصلحة وحدها دون اعتبار لقيم اجتماعية وأخلاقية.
ثم القول بأن الرأسمالية هي الصيغة النهائية للعولمة أمر تنكره السنن الكونية التي جعلها الله سبحانه وتعالى، فهو ببساطة قول يلغي الإبداع الإنساني، والإبداع لا حدود له. (1/32)
صفحة 33
ومع كوننا نؤمن بختم الكون بشريعة الإسلام لكن لا يعني ذلك أن حركة الإسلام فاعلة بدون الأخذ بالأسباب، إننا لا يمكن أن نجعل الإسلام عالميا يحل محل العولمة الرأسمالية إلا إذا أخذنا بالأسباب، وإن لم نأخذ بالأسباب سنرى فترات متلاحقة تطور العولمة من نفسها، وتكسب لها رصيدا مستمرا من الزمن، أو نرى عولمة أخرى بديلة عن عولمة الرأسمالية، ونحن لا زلنا في سبات قاتل.
مراحل العولمة
لكي نعرف موقعنا نحن المسلمين من العولمة، علينا أن نتتبع العولمة مرحلة مرحلة، فهي تمر بخمس مراحل كالآتي:
1. ... مرحلة التنظير: وهي المرحلة التي يتم فيها رسم السياسات وتدبير الخطط ومراجعة الأمور من جميع جوانبها، وصنع الاتفاقيات، وهندسة المشاريع، ووضع أطر أكثر حداثة لترويج ما ينبغي ترويجه في "عالم" العولمة، ويتولى هذا الأمر كبار المفكرين والسياسيين والاقتصاديين والعلماء في مختلف الفروع عبر مؤسسات وبيوت خبرة ومكاتب استشارية عملاقة تدعمها أموال طائلة تنفقها الدول التي تتسابق في مضمار العولمة.
هذا التنظير ليس في جانب واحد أو جوانب محددة، وإنما يشمل كافة الجوانب، بداية من سبر الفضاء وأجرامه عبر أقمار وسفن ضخمة، وانتهاء بالفن والسينما، مرورا بالاقتصاد والفكر والاجتماع والطب والزراعة والتجارة وغيرها.
لا أظن أن لنا إلى حد الآن موطئ قدم في مرحلة التنظير، فنحن مجبرون قسرا على السير وفق ما ينظره لنا أرباب العولمة، ولابد لنا من الدخول فيما ينظرونه لأنه هو اللغة العالمية، أي اللغة التي تتحكم في العالم.
2. ... مرحلة الإنتاج: إن كانت مرحلة التنظير هي القاعدة الفكرية للعولمة فإن مرحلة الإنتاج العمود الفقري لها، حيث تدخل بعد ذلك الدراسات والخطط إلى عالم الإنتاج، ويستخدم في ذلك آخر ما أبدعه الإنسان في هذه الحضارة. (1/33)
صفحة 34
فيتم إنزال المخططات السياسية عبر المحافل الدولية، وأهمها الأمم المتحدة، وفي عالم الاقتصاد تخرج لنا الشركات عابرة القارات في كل لحظة جديدا تملأ به السوق العالمية، وتحكم سيطرتها به، وفي الطب دخلنا عالم الاستنساخ والهندسة الوراثية، وفي الاتصالات القنوات الفضائية ومجال الشبكة العنكبوتية والنظام الرقمي، وفي الطاقة شرع العلماء في تجميد الضوء، وفي الفضاء ولجت العولمة الكواكب الأخرى، وهكذا.
ولن تقف البشرية عند حد من التطور حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولكن ما هو حالنا نحن المسلمين في الإنتاج، اعتقد أن الأمر واضح جدا، فنصيبنا لا شيء سوى الصناعات البسيطة؛ وهي لا تعدو أن تكون فتات الإنتاج العالمي الذي يفرغ منه سدنة العولمة، ومع ذلك ضرب عليها ألف سياج لحصارها من أن تلج الأسواق العالمية.
إننا لا نملك قوة الإنتاج، وكذلك لا نملك القوة التي تسوق ما ننتج.
3. ... مرحلة التصدير: وهي المرحلة التي يتم فيها تسويق ما تنتجه العولمة في كافة مناحيها، فهناك إنتاج هائل على مستوى الكم والكيف، هذا الإنتاج لابد له من أسواق لأجل استيعابه، ولذلك من متطلبات العولمة أن تبحث لها عن مجالات وأسواق لتصدر ما تنتجه من سلع وبضائع ومعلومات وبرامج في كافة المجالات، ولأجل ذلك تقوم العلاقات الدولية، والاتفاقات التجارية والاقتصادية، وترغم الدول على فتح أبوابها مشرعة أمام ما تصدره القوى العالمية.
والتصدير التجاري والاقتصادي يصحبه ضخ هائل وتدفق رهيب من المعلومات المصورة والمسموعة والمقروءة عبر الكتب والصحف والفضائيات والإنترنت لأجل أن ترسخ قيم السوق الحر "الرأسمالية" فالمنتج الرأسمالي لابد له من فرشة رأسمالية لكي تستقبله.
وهنا يتضاعف الخطر حيث التصدير يستولي على الجيوب والعقول في آن واحد. (1/34)
صفحة 35
4. ... مرحلة الاستقبال: من الطبيعي أن توجد أسواق مستقبلة لما تنتجه المصانع الرأسمالية، فمن وضيفتها أن توجد المستقبل لكي تصدر ما تنتجه، ولذلك تعتبر الشعوب سوقا محتكرا للدول القوية وخاصة أمريكا زعيمة الرأسمالية والقابض الأول للعولمة.
وعندما نتكلم عن عالمنا الإسلامي، نجد الفقر في إدارة العولمة والتنظير لها وصناعتها وإنتاجها وبالتالي تصديرها، في حين أننا نشكل السوق الكبير المفتوح أمام ما تنتجه الآلات والمكنات الرأسمالية، وعالمنا بذلك يزداد ضعفا وذوبانا في بوتقة العولمة الرأسمالية.
5. ... مرحلة رد الفعل: نشهد باستمرار عبر وسائل الإعلام المناهضة للعولمة كرد فعل طبيعي، حيث تتهدد الحضارات والشعوب والاقتصاد، ولكن ردود الفعل هذه رغم قوتها في أحايين كثيرة إلا أنها لا تؤتي ثمرتها، وذلك لأن سدنة العولمة يفرضونها فرضا قسريا على الشعوب، ولا يزالون يغيرون في خططهم بحيث تتقبل الشعوب الأوضاع الحاصلة والمستجدة.
والأخطر من ذلك أن ردود الفعل هذه لا تلبث أن تفور وتثور ثم تخبو وتغور، وتستسلم لمنطق الواقع، والسبب أنها لا تملك المؤسسات القوية التي توقف هذا الزحف الكاسح.
ولكن كثيرا ما يظهر على السطح يكون خادعا في حقيقته، فهذا الإحباط المتكرر يولد ضغطا داخليا لا يلبث أن ينفجر كقوة كاسحة للعولمة الرأسمالية، أو أنه قد تنبثق نظريات أخرى تعتنقها بعض الفئات التي ترتب أوراقها بعيدا عن أنظار القوة المهيمنة لتخرج بمذهب جديد يأتي على هذه العولمة.
وأما على نطاقنا الإسلامي فإن ديننا الحنيف هو النظام الوحيد الذي بإمكانه أن يحل المشكلة العالمية، لكن يحتاج إلى من يقوم بواجبه، وليتنا كرد فعل لهذه العولمة نقوم بإحياء النظام الإسلامي وفق المراحل التي ذكرتها للعولمة، مرحلة مرحلة، وعلينا أن نبذل الكثير جدا، وسنواجه المصاعب والعقبات الكأداء، إلا أن بالصبر والمثابرة تتحقق "المعجزات البشرية". (1/35)
صفحة 36
والسؤال: هل نحن قادرون على هذا المشروع الحضاري الضخم؟.الجواب: ممكن بإذن الله تعالى، ولكن بإعادة صياغة الأمة في جميع مجالاتها.
عالمية الإسلام
نعتقد نحن المسلمين اعتقادا جازما لا مرية فيه أن الإسلام هو الدين الخاتم، وهو الدين الذي يجب أن يسود العالم، وهو القادر على إدارة مناحي الحياة، وخاصية العالمية في الإسلام خاصية أصيلة ثبتت بالكتاب العزيز، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطبيقها.
فالله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) سبأ:28، ويقول أيضا: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين)) الأنبياء:105-107، ويقول كذلك: ((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)) الفرقان:1، ويقول: ((إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)) ص:78-88. (1/36)
صفحة 37
بل أنه سبحانه وتعالى بشر المؤمنين بأن هذا الدين سيظهر على ما عداه من الأديان كما ألمح في الآيتين السابقتين من سورة "ص"، وبيّن ذلك بقوله جل وعلا: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)) التوبة:33، وبقوله سبحانه: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً)) الفتح:28، ووعده سبحانه وتعالى حق وصدق، ولكنه يحتاج في تحقيقه إلى رجال يصنعون التأريخ، ووعد سبحانه سيتحقق فإن لم نعمل نحن على تحقيق هذا الوعد سيأتي الله بأجيال تحقق هذا الوعد، ولكن بعد أن يفوتنا القيام بأمانة حمل الرسالة وتحقيقها وتبليغها، يقول عز من قائل: ((وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)) محمد:38.
ونسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا على نومنا وسباتنا وتقصيرنا، فسلعة الله غالية لا تشترى بالخمول والكسل وإنما بالعمل والمثابرة، حيث يقول تبارك وتعالى في سورة العصر: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)).
وتأتي عالمية الإسلام من عدة خصائص له، نراها لا تتوفر في النظم الأخرى، نذكر منها:
- الربانية: اصطفى الله تعالى لنا الإسلام دينا خاتما، وبكونه من الله تعالى نعلم علم اليقين أنه تعالى جعله صالحا لكل زمان ومكان، وكيف لا يكون كذلك؟ والله تعالى منزل القرآن هو خالق هذا الكون ومدبره، وعالم بتقلب أحواله، يقول سبحانه وتعالى: ((قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً)) الفرقان:6. (1/37)
صفحة 38
ويكتسب النظام الإسلامي بهذه الخاصية الهيبة في تطبيقه، لأن الإنسان عندما يؤمن بأن هذا النظام من عند الله تعالى، ولا يقبل منه غيره، تجده يقبل على الالتزام به وتفعيله في الحياة بعقيدة المؤمن به، وشتان بين من تسيّره العقيدة، وبين من تسيّره المنفعة الفانية.
ولأنه من الله تعالى فهو جاء صالحا لكل زمان ومكان، وكاشفا عن كل أمر يحتاجه الإنسان، ولم يفرط الله تعالى فيه بشيء، يقول سبحانه وتعالى: ((وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)) الأنعام:38، ويقول جل شأنه: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) النحل:89.
وهذا هو الفارق بينه وبين الأنظمة الوضعية، تلك الأنظمة التي هي عبارة عن تجارب تقاسي منها البشرية الأمرين بسبب "ذاتية" واضعيها، وبين هذا النظام الذي يتعالى عن الذاتية لأنه من الله تعالى.
- الأخلاق: في العولمة الرأسمالية الأخلاق خادمة للمصلحة، وعندما تتعارض الأخلاق مع المصلحة فلا قيمة للأخلاق، بل الأخلاق موجودة في العولمة بمقدار ما تدفع بالمصلحة إلى الأمام، ولذلك فالأخلاق عندهم نسبية جدا، أما في الإسلام فالأخلاق عنصر مهم، والمصلحة محكومة بعنصر الأخلاق، ولا يمكن أن تتجاوز المصلحة خلقا من الأخلاق.
إن المساوئ التي تفرزها العولمة راجعة إلى ضربها بالأخلاق عرض الحائط، ويكفينا من السقوط الأخلاقي للعولمة ما نراه من الغطرسة والهيمنة والاستكبار، والسحق والإبادة للشعوب، وقلب المفاهيم والتلاعب بها. (1/38)
صفحة 39
إن رسول الإسلام العظيم صلوات الله عليه وسلامه قائد النظام الإسلامي وصفه الله تعالى بالخلق العظيم حيث يقول: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) القلم:4، وفي ذلك دلالة عميقة على أن عدم الالتزام بالأخلاق في التعامل لا يعد تعاملا إسلاميا، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق عندما قال: ((إنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق)) رواه الطبراني، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: ((بعثت لأتمم صالح الأخلاق) رواه الحاكم.
والالتزام بالأخلاق في الإسلام ليس مع المسلمين فحسب بل هو التزام كلي مع كل البشر، يقول سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) المائدة:8، ويقول عز قائلا: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ)) النحل:125-126، وعندما تكون القاعدة الأخلاقية في الإسلام هي الأساس فذلك مما يضمن له عالميته، ويحقق له انتشاره. (1/39)
صفحة 40
- الحساب الأخروي: من العقائد القطعية في الإسلام الإيمان باليوم الآخر وهو كثيرا ما يأتي في نصوص الشرع قرين الإيمان بالله تعالى، فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)) البقرة:62، وقوله سبحانه وتعالى: ((يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)) آل عمران:114، وقوله سبحانه: ((وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً)) النساء:39، وقوله تعالى: ((إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَالظَّالِمِينَ)) التوبة:18-19 وقوله تقدس اسمه: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)) النور:2. (1/40)
صفحة 41
ومن السنة النبوية؛ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسير مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم)) رواه الربيع، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ولا يؤذي جاره أبدا)) رواه الربيع، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما)) رواه البخاري.
وهذه العقيدة تضمن الالتزام بالنظام الإسلامي، وتعطيه دفعة غير محدودة من الحركة في واقع الحياة، وذلك لأنها عقيدة تمنع الظلم والاعتداء وفعل الفواحش، وتحث على فعل كل خير، وعندما يوقن الناس أنهم واقفون أمام الله تعالى ليجزيهم على ما فعلوا فإنهم سيكونون على حيطة من أمرهم من الوقوع في الإفساد في الأرض، كما ذكر الله تعالى ذلك على لسان نبيه شعيب عليه السلام، حيث قال سبحانه: ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) العنكبوت:36، وبالتالي يعيش الناس في انسجام مع أنفسهم ومع من حولهم ومع واقعهم، وهو الأمر الذي تبحث عنه البشرية لتخرج من مأزق المادية الجاف، المادية التي تعصف بكل القيم، وتحكم الأهواء والمصالح الضيقة والأفكار المتعصبة، وما ذلك إلا لأنها غفلت عن الحساب الأخروي.
فلو إن كل إنسان يؤمن إيمانا جازما أنه واقف عن قريب بين يدي الله تعالى ليحاسبه على كل ما فعل، فإن فعل خيرا فهو في جنة نعيم أو فعل شرا فمأواه جهنم وبئس المصير؛ إن لم يتدارك أمره بالتوبة إلى الله تعالى، يقول سبحانه: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)) الزلزلة:7-8، لو أن كل إنسان آمن بهذه الحقيقة لما عانت البشرية ما تعانيه الآن من الويل والثبور وعظائم الأمور. (1/41)
صفحة 42
إن البشرية الآن هي أحوج ما تكون إلى هذه العقيدة؛ التي تدفع بالإنسان إلى فعل الخير وكسبه، وتنأى به عن الشرور، ولذلك جاء أنبياء الله تعالى عليهم السلام لإقامة الحجج على البشرية بأن اليوم الآخر آت لا ريب فيه.
فهذه العقيدة تجعل الناس سواسية أمام الله تعالى لا فرق بين أبيض وأسود، ولا بين رجل وامرأة، يقول الله في محكم كتابه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات:13، ويقول كذلك: ((وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً)) النساء:124، والعالم الآن محتاج إلى ما يحقق له المساواة ويرفع عنه الظلم والاستكبار. (1/42)
صفحة 43
وقد حدث الكثير من الانحراف عند الناس في هذا الاعتقاد فجاء القرآن الكريم ليعطي التصور الصحيح لهذه العقيدة، فمن الناس من ينكر اليوم الآخر رأسا، فأقام الله تعالى عليهم الحجج والبراهين بأن اليوم الآخر آت لا شك فيه، حيث يقول سبحانه وتعالى: ((أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) يس:77-83، ويقول تبارك اسمه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا (1/43)
صفحة 44
رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ)) الحج:5-7.
وهناك من يتصور أن الإنسان بمجرد اعتقاده بالدين الصحيح لا يضره عمل المعاصي، أو أنه لا يحجبه في نهاية المطاف عن نيل رضوا الله تعالى، وهذا غبش في التصور ومين في الاعتقاد وزيغ في التفكير، فهذه هي أماني أهل الكتاب التي ردها الله تعالى عليهم، وأثبت أن من يعمل سوء يجز به، حيث يقول تبارك وتعالى: ((لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً)) النساء:123-124، ويقول سبحانه: ((وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) البقرة:80-82، ويقول كذلك: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)) آل عمران:23-24. (1/44)
صفحة 45
إن عقيدة اليوم الآخر التي جاء بها أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام، وأكد عليها جل وعلا في كتابه الخاتم، هي من عوامل عالمية هذا الدين، وخصائصه التي تكفل له الانتشار.
- مراعاة الثابت والمتغير: الحياة تتكون من شقين رئيسيين وهما الثابت والمتغير، فهناك جوانب من الحياة ثابتة لا يمكن أن نقول بتغيرها، وهناك جوانب متغيرة لا يمكن أن نزعم بأنها ثابتة.
فكثير من حقائق الوجود هو ثابت، كوجود الله تعالى وعالم الغيب بما ينطوي عليه من وجود الملائكة والجن وقيام الساعة والجنة والنار، وكثير من عالم المشاهدة، فسنن الله تعالى التي يجري على وفقها الكون هي ثابتة؛ سواء في جانب الحركة الكونية أو جانب الحركة الاجتماعية، والنفس الإنسانية بها شق ثابت، كحاجتها لإرواء الجسد وإشباع العقل وإغناء النفس، وكذلك الأخلاق الفاضلة الكريمة، هذه الجوانب الثابتة لا بد من ملاحظتها وإشباعها.
ثم يأتي انطلاقا من هذا المنبع الثابت نهر المتغير الدافق، فحركة الإنسان في الحياة، واكتشافه للجديد، واستغلاله للكون المسخر من الله تعالى له، وضربه في الأرض كدحا وبناء، وتطوير مناهجه في التعامل مع الحياة، كل هذه الأمور هي متغيرة، ولا بد أيضا من مراعاتها وإشباعها. (1/45)
صفحة 46
علينا أن نعي أن الثابت أساس وفرشة للمتغير، والمتغير نابع ومنبثق من الثابت، ولا بد من ملاحظة ذلك كله، فمراعاة أحدهما وإغفال الآخر هو في الحقيقة إخلال بالمعادلة المتزنة في الكون، فلا استقرار ولا اعتدال إلا بتحقيق هذه المعادلة الدقيقة، وإلا فالاضطراب والدمار والانحطاط، فعندما نولي اهتمامنا بالثابت فقط دون المتغير، فإن الحياة ستجنح بعيدا، ولا نستطيع أن نواكبها، فنظل جامدين في طرحنا وعلاجنا للقضايا والمشكلات، والحياة لن تتوقف لكوننا جمدنا عند الثابت فقط، فسنن الله ماضية، وعجلة الحياة ستأتي عليه فهي لا ترحم إلا من يسابق هذه العجلة ويرسم لها الخط الذي ستسير عليها، وما اندثار كثير من الأمم والحضارات إلا من هذه الجهة، حيث لم تستطع أن تواكب المتغيرات التي تجري في الكون، ولا التبدل الجاري في الحياة.
وفي المقابل فإن الاهتمام بالمتغير على حساب الثابت، هو الآخر يؤدي إلى الاضمحلال والاندثار، حيث إن إهمال القاعدة التي انبنى عليها المتغير ذاته، سيؤدي إلى انهيار هذا المتغير، لأنه سيبقى بدون قاعدة، وينبني على غير أساس.
وعلى هذا الأمر تركبت حضارة العولمة الرأسمالية، فهي قد تركبت على إهمال الثابت إهمالا شبه تام، واعتنت عناية فائقة بالمتغير وحده، وهذا ما يؤذن بسقوطها وفنائها، وحينها لن تنفع مقولة "نهاية التأريخ" هذه الحضارة، لأنها قائمة على شق واحد فقط، وتركت الشق الآخر؛ الذي قد يكون هو الأهم. (1/46)
صفحة 47
أما الإسلام فقد راعى ذلك كله من خلال تشريعاته العظيمة، فقد جعل الله تعالى في كتابه العزيز ما هو محكم لا يحتمل إلا معنى واحدا، وهو ما يراعي الثابت، فمنه ما يتعلق بخالق هذا الكون كوحدانية الله تعالى وأسمائه الحسنى، ومنها ما يتعلق بالغيب كاليوم الآخر، ومنها ما يتعلق بالإنسان فردا وجماعة كإقامة كالشعائر التعبدية، ونحو ذلك، فأصول هذه الجوانب من المحكم في دين الله تعالى، وهو غير قابل للنزاع والاختلاف، ولا يجوز الخلاف في أصول هذه الثوابت وبالتأكيد لا يجوز نكرانها.
ثم يأتي المتشابه الذي يتسع ليأخذ بحجز هذا الكون من أطرافه فيضمها تحت قاعدة سعة الرأي، حيث جاء كثير من نصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة -بل هو الأكثر والأعم- متسعا ومكتنزا للكثير من المعاني، حتى تعطي هذه النصوص حلولا لا نهائية لمستجدات الحياة، وهذا هو سر خلود الشريعة وشمولها للمكان وعمومها للزمان.
ثم مما ينبغي أن ننبه عليه في الحقل الفقهي الذي يستنبط الأحكام والحلول للمستجدات، أن النصوص التي تحمل الكثير من المعاني، ينبغي أن نتجاوز فيها آلية الترجيح الآحادية، بمعنى ينبغي أن لا ننطلق فقط من المرجحات اللغوية في عملية الاستنباط من الأدلة التي تحمل العديد من المعاني، فاللغة هي إحدى المرجحات، ولكننا ننطلق بالإضافة إلى ذلك من أرض الواقع التي ينبغي مراعاتها، والله تبارك وتعالى لو أراد لنا رأيا واحدا؛ هو الذي يرجح على غيره لفعل، وهو القادر على كل شيء، وقد فعل فيما يدخل تحت المحكم، وإنما سبحانه وتعالى لحكمته العظيمة جعل المتشابه متشابها لأجل سعة الرأي، وإعمال الفكر لكي يدير الإنسان هذه الحياة بكافة متغيراتها، فكل المعاني والآراء المنبثقة من النص قابلة للاستفادة منها وتفعيلها وفق آلة الاجتهاد الصحيحة. (1/47)
صفحة 48
ثم لا بد ونحن نفعّل النصوص المكتنزة للمعاني أن نحتكم في ذلك إلى القواعد الكلية للشريعة المنبثقة من الآيات المحكمة، ولا يجوز لنا أن نتعسف في استغلال هذه النصوص بحيث ننتصر لآرائنا الضيقة وأفكارنا المحدودة، فعلينا أن نخرج من شرنقة الذاتية إلى أصالة الموضوعية، يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ((هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)) آل عمران:7.
إن دينا هذا شأنه لهو الدين العالمي الوحيد الذي يقدر على إدارة الحياة وإنقاذها من ويلاتها وصراعاتها، وهو المرشح الجدير ليكن بديلا عن عولمة الرأسمالية التي هي آخذة في الأفول بسبب غطرستها وجبروتها في الأرض.
واقع الأمة
ارتضى الله تعالى لنا الإسلام دينا، وسن لنا شرائعه، وأنزل علينا كتابه العزيز مهيمنا على ما سواه من الكتب، وتكفل سبحانه وتعالى بحفظه من التحريف، حيث يقول سبحانه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) الحجر:9، فهو كتاب لا يدركه التحريف ولا التبديل، وهي العاهة التي أدركت الكتب السماوية السابقة، وحفظ الله تعالى له يجعله متماشيا مع حركة الحياة أفقيا ورأسيا، صالحا للزمان والمكان، فلو لم تكن هذه الخاصية فيه لأعرض عنه الناس، ولما تحقق له الحفظ الذي أراده الله تعالى له، وذلك لأن حفظه جاء متلازما مع عناية الخلق به، فهي عناية منبثقة من سنن الله تعالى الطبيعية، وهذا ما يزيد في قوة إعجازه وإبهاره للخلق. (1/48)
صفحة 49
والنظام الإسلامي هو نظام عالمي استمد عالميته من عالمية دين الله تعالى، وهو نظام قابل لأن يتمدد في كل اتجاه، ليبني الحياة ويعمر الكون ويحل قضايا البشر ويعالج المستجدات التي تظهر كل حين.
لكن انتشار هذا النظام وعالميته وشموله للحياة وعمومه للبشر لا يكون بأمر خارق أو خارج عن سننه تعالى التي بثها في الكون، بل جعله الله تعالى أمرا مرتهنا بالأخذ بالأسباب، وأولى هذه الأسباب العمل بمقتضى كتاب الله تعالى وهدي نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم، والسير في هذا الكون، واستغلاله على أحسن وجه، واكتشاف ما فيه من كنوز؛ سواء كانت خيرات كنز بها الكون، أو أنظمة وقوانين تحتاج إلى إبرازها وصياغتها ثم استخدامها.
هذه حكمة الله وهذا قانونه في خلقه، ((فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)) فاطر:43.
عندما وعى المسلمون هذه الحقائق وهم يتربون في مدرسة النبوة العظيمة، انطلقوا كالسهم الصائب، فأقبلت الناس على دين الله أفواجا، وشرق المسلمون وغربوا ناشرين دعوتهم في ربوع الأرض، وما هي إلا فترة وجيزة لا تعدو ربع القرن؛ حتى أخذ المسلمون يدكون معاقل الظلم والطغيان، فاجتاحوا ملك كسرى، وزحزحوا قيصر عن كثير من مواقع ملكه.
وعندما تحكمت فينا الأهواء، وضربنا بأحكام ديننا عرض الحائط، فاتبعنا قوانين القبيلة في سياسة الأمة، حيث عطلنا قانون الشورى، ليحل محله قانون السيادة للقبيلة الواحدة أو البيت الواحد، من تلك اللحظة بدأ رسمنا البياني الحضاري يهبط بعد أن كان يصعد. (1/49)
صفحة 50
ثم جاءنا الغزو الفكري من أهل الكتاب المتمثل في التجسيم والإرجاء، ودخل إلينا عبر الروايات المنسوبة كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دخل إلينا التراث الأسطوري عبر الدخيل في التفسير، فصيغ عقل الأمة بهذه الخليط الفكري المتعارض مع شرع الله تعالى وسننه في خلقه، فجعل منا أمة خامدة راكدة، تعمقت فينا النعرة القبلية والعصبية المذهبية والحمية القومية، فأصبحنا نتنازع في التوافه، ونتقاتل على الفتات، وتركّب تصورنا الفاسد على أخذ بعض دين دون بعض، وشاع فينا التقليد بعد أن جاء كتاب الله تعالى ليحاربه، وأصبحنا لا نرى دين الله تعالى إلا بعيون البشر الذين يعتريهم الخطأ والصواب، وأصبح الخروج عن كلامهم كأنما هو خروج عن دين الله تعالى.
بهذا الانحراف الفكري أخذنا ننتقل من مرحلة ضعف إلى مرحلة أخرى أضعف، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ففوجئنا بخصومنا وقد أمسكوا زمام الأمر وسيطروا على مقاليد الأمور، واعتلوا صهوة الحياة، وهجموا علينا بقضهم وقضيضهم، يستعمرون ديارنا، ويقتلون شعوبنا، وينهبون خيراتنا، لكن الأخطر من كل ذلك الانبهار الذي أصابنا تجاه هؤلاء القوم، فأخذنا نعتنق مذاهبهم الفكرية، ونتمثل سلوكهم وطريقتهم للحياة، فإذا بنا نتقلب من تبعية هذا إلى تبعية ذاك، وكل مرة نجرب منهجا وضعيا، فنخرج به خاسرين.
وليت الأمر اقتصر على صراعنا مع عدونا، بل الأمر أشد من ذلك وأدهى، حيث أخذنا في قتال بعضنا البعض، يكيد أحدنا للآخر، ونستعدي على إخوتنا في الدين أعداء الله وأعداءنا وأعداء البشرية، فتفرقنا أيدي سبأ، وذهبت ريحنا وفشل أمرنا، ونسينا تحذير الله سبحانه وتعالى لنا من هذا الحال عندما قال: ((وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) الأنفال:46. (1/50)
صفحة 51
وبالاختصار هذا هو واقع الأمة، دين إلهي عظيم، ونظام عالمي تحتاجه البشرية، ولكنها أمة ضعيفة متفككة.
إن أمتنا الإسلامية حتى تواكب عصر العولمة وتدخل فيه بجدارة؛ لكي تغير من وضعها ومن الوضع البشري المؤسف، إلى ما فيه خير الإنسانية جمعاء، لا بد لها من ترتيب أوراقها، وتعيد صياغة تفكيرها ومناهجها وفق توجيه دين الله تعالى وما توصلت إليه الحضارة الإنسانية من الكشف عن السنن الله الكونية، ثم بعد ذلك تنطلق انطلاقة حقيقية وصادقة، ولا بد لها في كل ذلك أن تتناسى الخلافات بينها، وتترك الضغائن والأحقاد، ويجب عليها أن تسعى إلى التآلف والتكامل، والاستفادة من التنوع الذي وهبه الله تعالى للأمة، التنوع في كل جانب، في الفكر والمدارس الفقهية والموارد وقدرات البشر ونحوه، وهو ما يدخل في مقومات نهضة الأمة المسلمة.
مقومات نهضة الأمة
الأمة الإسلامية تملك الكثير جدا من المقومات التي تنهض بها، وتجعلها أمة قوية تقود العالم، وتنشر فيه قيم الخير والأخلاق الكريمة، وهي مع ضعفها ونومها إلا أن لوجود هذه المقومات الكامنة فيها فبإمكانها أن تنهض من جديد، وتقيل عثرتها، وترص صفها، وتوحد جهودها، ويمكننا هنا أن نتكلم عن بعض هذه المقومات إجمالا:
- الدين القويم: وهو المقوم الأساسي لهذه الأمة، وبدونه فلا أمة أصلا، ولبقيت الشعوب التي شكلت الأمة –ومنها العرب- شعوبا خامدة الذكر، ولربما اندثرت مع مرور الأيام، أو على أقل تقدير لما كان بينها أي رابط يربط بعضها البعض، فقد صنع هذا الدين من الشعوب التي اعتنقته أمة واحدة ربطها في قالب حضاري واحد، فأصبحت أمة شاهدة على غيرها من الأمم، أي وصية عليها في اتباع منهج ربها جل وعلا، لقوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) البقرة:143. (1/51)
صفحة 52
فهذا الدين يصهر الشعوب التي تعتنقه في أمة واحدة وحضارة واحدة، لا تتمايز عن بعضها البعض إلا بتقوى الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات:13، ولكن في هذا الانصهار لا يتعدى على خصوصيات الشعوب الأخرى، فهو لا يفرض عليها التقاليد العربية الخاصة، ولا يذيب الشعوب غير العربية تحت جناح الشعب العربي، بل هو الانصهار المتكافئ والمتداخل مع بعضه البعض تحت مظلة الإيمان بالله وتقواه واتباع شرعه.
فالقيم والتقاليد العربية هي بنفسها محتاجة إلى الشرعية من دين الله تعالى، وهذه الشرعية تتلخص في تهذيبها بروح الإسلام، وحذف ما يوجد فيها من مخالفات شرعية، وتثبيت ما أمر به الإسلام، وهكذا بقية الشعوب، وعندها تلتقي الشعوب بتفاعل رائع فيما بينها، فلا غلبة لثقافة قومية بعينها، وإنما الامتزاج والانصهار المتكافئ.
هذه المعادلة الوسط التي جاء بها الإسلام لا نراها في حضارة العولمة الرأسمالية، فنحن لا نرى إلا التغييب الكامل للحضارات الأخرى، والمحاولات المستمرة لطي تلك الحضارات لتحل محلها الحضارة المادية والقيم الأمريكية.
فهناك فارق واضح جدا بين عالمية إسلامنا والعولمة المعاصرة في التعامل مع الشعوب التي تنضوي تحت لواء كل منهما، ففي الإسلام شعوب متفاعلة تنسجم تحت وشيجة الدين الواحد، وأما في العولمة القائمة فهو الدمار والمسح والمسخ للشعوب الأخرى وحضاراتها.
إن الإسلام لا يريد من الشعوب أن تنسلخ من هويتها وأن تتخلى عن حضارتها، وإنما يريد منها أن تدخل في دين الله تعالى، فتهذب نفسها بتهذيب الإسلام، والإسلام يجعل من التنوع والتباين عامل بناء لحضارة واحدة بشعوب متكافئة فيما بينها. (1/52)
صفحة 53
وهو مع كل ذلك يشد شعوب الأمة مع بعضها بآصرة الوحدة، وعلى الاعتصام بحبل الله، ويدعوها إلى التعاون على البر والتقوى، يقول سبحانه وتعالى: ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) آل عمران:103، ويقول جل شأنه: ((وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) المائدة:2.
الذاكرة الفكرية
نقصد بالذاكرة الفكرية هنا هو كل ما يحتويه التأريخ الإسلامي من أحداث وتجارب، وكل ما أوصله لنا هذا التاريخ من إرث حضاري وفكري وثقافي وفقهي.
فالذاكرة الفكرية الإسلامية ليست ذاكرة ضعيفة أو قصيرة، بل هي ذاكرة عميقة رأسيا وأفقيا، فهي موغلة في القدم تمتد إلى أكثر من أربعة عشر قرنا، فليست هي وليدة مائتي أو ثلاثمائة عام كالحضارة المعاصرة التي صنعها الهواة والمشردون والمنبوذون، وقد أفنوا أصحاب الوطن الأم قتلا وتشريدا، وقد صنعوها باستعباد الخلق وجلبهم من أرضهم ظلما وعدوانا، حضارتنا قد ابتدأ بصنعها أكرم الخلق صلوات الله وسلامه عليه وفق وحي الله تعالى وعلى منهج الأنبياء عليهم السلام، وكانت رسالته كلها رحمة ورأفة بالبشرية.
هذه الذاكرة التي تختزن حركة الحضارة هي عقلها الذي تفكر به وتنطلق منه وتسير على وفقه، فهي امتداد لدعوات الرسل الكرام ووحي السماء. (1/53)
صفحة 54
وهذه الذاكرة الفكرية تحتوي على آلاف من المؤلفات في شتى صنوف المعرفة بدأ من الفقه وانتهاء بالأدب والفنون، مرورا بشتى صنوف العلوم، وهذا مقوم ضروري للأمة إذا أثبتت قدرتها على التفاعل مع الحياة، والتعامل مع المنجزات الحضارية.
والأحداث التي مرت بها الأمة؛ قد أعطتها حصيلة كثيفة من التجارب التي يمكن أن تستمد منها وتنتفع بها، هذه الأحداث قد تقلبت من الانتصار إلى الهزيمة، ومن أحداث حلوة إلى أحداث مرة، ومما يحسب للأمة ويحسب عليها، ولكن مع كل ذلك لا يمنع الاستفادة من هذه الأحداث، فالله تعالى حكى لنا أحداث غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون وأحداث غزوة أحد التي دارت فيها الدائرة على المسلمين، فهو تبارك وتعالى يقول عن بدر: ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ، بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ)) آل عمران:123-127، ويقول عن أحد: ((وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) آل عمران:139-140. (1/54)
صفحة 55
وذاكرتنا الفكرية هي المعبر الذي عبرت عن طريقه العلوم الإنسانية والحضارية، ومع ذلك لم يكن معبرا ساذجا، بل أضاف المسلمون إلى تلك العلوم الشيء الكثير، وقد نقحوا وعدلوا وأبدعوا في تلك العلوم.
الوفرة في الطبيعة
العالم الإسلامي عالم مترامي الأطراف، شاسع المساحات، يتكون من رقعة أرضية كبيرة جدا، وبسبب هذا الترامي والسعة فقد حباه الله تعالى التنوع في موارد الخير، فلو أحسنا الاستفادة من هذا التنوع لصالح الأمة الإسلامية، فبإمكاننا أن نخرج من أزمتنا الخانقة وننطلق إلى رحاب العالمية.
وعلينا أن نشير هنا إلى ما هو معلوم للجميع، وهو أن هذه الخيرات بسبب تفككنا وتمزقنا وتوزيع ولاءنا للشرق والغرب، وبسبب إعراضنا عن ديننا الحنيف، وسقوطنا في أحضان أعداء الله تعالى فوت علينا الاستفادة من هذه المنن الإلهية، بل أوغلنا في أنانيتنا إلى الرضى بسقط المتاع لكي نحافظ على مواقعنا السياسية في مقابل تسليم هذه الخيرات إلى الأعداء الذين يسيمون المسلمين أنواع الذل والاستعباد، ويعودون باستغلالهم لمواردنا إلى الكيد لنا وتعطيل نهوض الأمة المسلمة.
إن أمتنا الإسلامية ينضوي تحت عالمها عالم كبير من التنوع، لا نبالغ أبدا إن قلنا بأنه تنوع لا تملكه أي أمة أخرى.
فيوجد لدينا مصادر الطاقة المتنوعة، وأهمها النفط؛ شريان الحياة المعاصرة وعمودها الفقري، فأضخم إنتاج للنفط يخرج من بلادنا الإسلامية، وأكبر احتياطي له يوجد في أرض هذه الأمة، ونملك أيضا الكثير من مصادر الطاقة المساعدة أو البديلة للنفط، وأهمها الطاقة المائية والطاقة الشمسية، ففي الأمة الإسلامية أنهار ضخمة جدا، ومصبات مائية عملاقة، تمنحنا الفرصة الكبيرة لاستغلال هذه المصبات وتطوير أبحاث الطاقة المائية، وكثير من بلادنا الإسلامية تقع ضمن المناطق الحارة، وفي هذا فرصة مهمة تمكننا من إقامة مشاريع بحثية وعلمية وعملية للاستفادة من نعمة الشمس التي سخرها الله تعالى للإنسان. (1/55)
صفحة 56
وأمتنا الإسلامية تملك أيضا الكثير من المعادن الثمينة، ففيها تقع مناجم الذهب والفضة والألماس والقصدير ونحوها بالإضافة إلى المعادن الصناعية المهمة كالحديد والنحاس وغيرهما.
وعندنا أيضا الوفرة في الرقعة الزراعية الخصبة التي تنتج جميع الحاجات الإنسانية من الغذاء، ولنا أن نقول إن هناك من الدول الإسلامية التي تعد سلالا غذائية يمكنها أن تحقق الاكتفاء الذاتي للأمة في العديد من المواد الغذائية، بل إن بإمكان الأمة الإسلامية أن تصدر إلى العالم ما يفيض عن حاجاتها، فيرجع لها بالعزة والقوة والتمكين، فالأمة التي تملك قوتها لا يمكن أن يستذلها عدوها، بل علينا أن نستغل خيراتنا في التبشير بديننا الإسلامي وفي الدعوة إلى الله تعالى، فهناك الكثير من شعوب الأرض تعاني من الظلم فتعيش تحت خط الفقر، فالعودة عليهم بما يسد جوعهم كفيل بأن يستميلهم إلى الدين الحق.
ومما يؤسف له أن نجد دولا إسلامية تقتلها المجاعة على الرغم من الوفرة الزراعية في عالمنا وخصوبة الأرض، وما ذلك إلا لسوء التدبير والكسل القاتل والأنانية المتحكمة فينا.
وإذ تكلمنا عن الوفرة الزراعية نشير كذلك إلى الوفرة الحيوانية والسمكية، فهناك آلاف بل ملايين الحيوانات التي تشكل قطعانا ضخمة ترعى في الغابات الممطرة، وبحار العالم الإسلامي وأنهاره غنية جدا بالثروة السمكية، ويوجد بها أجود أنواع الأسماك عالميا.
وإذا جئنا إلى تنوع التضاريس في العالم الإسلامي فإننا نجد الجبال الشاهقة والوديان الممتدة والغابات الخصبة الممطرة والصحاري الشاسعة، وهذا التنوع يسمح للأمة الإسلامية أن تعدد مؤسساتها التنموية وتحسن من وضعها الإنتاجي فيما تقوم به من مشاريع، ويجعلها في غنى عن استجداء الآخرين على حساب كرامتها وعزتها. (1/56)
صفحة 57
ويتنوع الطقس في العالم الإسلامي بحسب تنوع الطقس في الكرة الأرضية، فمن المناطق الثلجية التي تنخفض درجة حرارتها إلى ما تحت الصفر بدرجات عديدة، إلى المناطق الحارة جدا التي قد تتجاوز الخمسين درجة، ومن المناطق الجافة إلى المناطق المطيرة التي لا يكاد يرتفع عنها المطر، وهذا التنوع في الطقس يسمح بإنتاج كل المحاصيل الزراعية على مدار العام.
ومن المهم جدا أن نذكر هنا الموقع الاستراتيجي الذي يتميز به العالم الإسلامي، فهو يتوسط الكرة الأرضية، ويتحكم في أهم الممرات العالمية بحرا وبرا وجوا، فنفوذ حركة التجارة العالمية يجري عبر هذه الممرات، وكذلك الحركة العسكرية الدولية، ونقل مصادر الطاقة يتم عبر بحارنا الإسلامية، ولا يمكن أن تقوم الشركات عابرة القارات بتنفيذ مشاريعها إلا من خلال الاستفادة من موقع العالم الإسلامي.
التعداد السكاني
السكان هو أهم المقومات الحضارية لأي أمة من الأمم، فكم رأينا دولا تقوم وتنهض وهي تفتقر إلى كثير من المقومات الحضارية، إلا أنها تملك تعدادا سكانيا يفرز لها تخصصات مهمة وعلماء متميزين، حيث يسمح للعلماء والمنتجين بالتكامل في الإنتاج في مختلف الأصعدة، وهو أيضا مدعاة للتنافس المرغوب به، ليتحقق المزيد من القوة للأمة.
ثم إن التعداد السكاني في حال نهوض الأمة ورقيها ينعش الاقتصاد الوطني للدول، ويجعل فيها حركة تجارية واسعة، فتزداد المصانع، وتتوفر السلع، وترخص العمالة، كما أن مؤسساتها الإنتاجية تتجه نحو الجودة في ظل التنافس الكبير، ويدفع بها إلى البحث عن الأسواق العالمية لأجل مواكبة التطور الإنتاجي والتجاري، وهو ما يحقق الانتشار نحو العالمية، كما أن التجارة كما هو معلوم من الواقع لا تكون تجارة مجردة، بل هي تعمل على نقل الثقافة والدين، ولنا في تأريخنا الإسلامي تجارة معروفة، فما انتشار الإسلام في شرق آسيا ووسطها وشرق إفريقيا ووسطها وغربها إلا عن طريق التجارة. (1/57)
صفحة 58
والتعداد السكاني يشكل هيبة عالمية، فالدول المعتدية تحسب ألف حساب للاقتراب من الدول ذات الأعداد الهائلة، فهي ذات حصانة ذاتية بكثافة شعوبها، وحتى في حالة نشوب النزاعات والحروب، فإن أحد الحوامل الحاسمة في الانتصار هو الكثافة السكانية.
والدول المنتجة عالميا تخطب ود الدول ذات الكثافة السكانية الهائلة لأنها ترى فيها أسواقا مهمة لترويج سلعها وبضائعها، كما أنه يهم هذه الدول المنتجة أن تبقى الدول ذات الكثافة السكانية مستقرة وفي أوضاع اقتصادية جيدة حتى تتمكن من التسويق التجاري، وحتى لا ينغلق عليها سوق هي في أمس الحاجة إليه.
والعالم الإسلامي يتمتع بأعداد سكانية هائلة، يمكن أن يسعى بقوة إلى النهوض نحو العالمية، فهناك عمالة كبيرة ورخيصة في كثير من الأقطار الإسلامية، ويوجد لدينا علماء متخصصون ومتميزون عالميا، ويمكننا بوجود العمالة والعلماء أن ننشئ مشاريع متميزة إنتاجيا، وذلك باستغلال الوفرة الطبيعية الهائلة في العالم الإسلامي، وتدريب الكوادر المتخصصة والفاعلة في معاهد عالية الجودة، تستقطب القدرات المختلفة في كل المجالات.
ولكن للأسف الشديد العدد السكاني على ما نحن عليه الآن هو عبئ على الأمة، وذلك بسبب الغثائية التي نعانيها، فنحن لا نملك المشاريع التي يمكن أن تنهض بأمتنا نهضة حقيقية، بل لا يوجد تخطيط ولا تدريب ولا تنفيذ على مستوى يؤدي بنا إلى استغلال الأعداد السكانية الكبيرة في الأمة، وما لم نطور من حالنا ونراجع أنفسنا ونعيد وضع الأمور في موضعها السليم، فإن حالنا لن يتغير كثيرا.
عوامل ضعف الأمة:
والآن نطرح على أنفسنا السؤال التالي؛ إن كان ديننا يملك خصائصه العالمية الفريدة، وأمتنا تملك هذه المقومات؛ فلماذا نحن في وضع ضعيف وواقع متأخر؟. (1/58)
صفحة 59
سؤال مهم وضروري، ولا يمكن الإجابة عليه من شخص واحد، وإنما يحتاج إلى تشخيص من قبل علماء الأمة ومفكريها، ولكن أحاول أن أحدد هنا بعض العوامل التي ينبغي للأمة أن تنتبه لها، وهي ضعف في العمل أصاب عموم أتباع الأمة الإسلامية، وضعف في التخطيط أصاب علماء الأمة ومفكريها، وضعف في الأمانة أصاب ساسة الأمة.
- الضعف في العمل:
مما أصيبت به الأمة الضعف في العمل، وهو ضعف سرى إلى كل مناحي الحياة بداية من العبادة ونهاية بالأعمال الحيوية الأخرى، وهذا الضعف المستشري في الأمة هو الذي أوصلها إلى هذه النتيجة المزرية من التخلف والتأخر، ومرد هذا إلى عقيدة الإرجاء التي تجعل العمل أمرا ثانويا، حيث تكتفي من الإنسان أن يعلن شهادة التوحيد وتضمن له الجنة في النهاية وإن لم يعمل عملا صالحا.
وهذه العقيدة جاء الإسلام ليحاربها لأنها تضرب بالعمل عرض الحائط، وحتى في حالة العمل فإنها لا تهتم بالجوانب الأخلاقية التي تحفظ مسار العمل وجودته، حيث يتفشى فيه بسببها الكذب والخيانة والغش والسرقة وغيرها من الأوبئة التي تقضي على العمل والإنتاج، كما أنها تدفع بالإنسان إلى الاتكال والإهمال.
ورب قائل يقول: ولكن لماذا لم نجد هذا الضعف والتواكل عند غير المسلمين؛ مع أنهم قد لا يؤمنون بالآخرة أصلا؟.
وهذا سؤال وجيه، ولكن لا يعترض على ما ذهبنا إليه، وذلك لأننا نحن المسلمين تختلف فلسفتنا عن فلسفة غيرنا، ففلسفتنا قائمة على أن الإنسان يقوم بعمله في هذه الحياة لأجل أن يدخل الجنة في الآخرة، وتفكيره متركب على هذا الأساس، ثم يجد "عقيدته!" تسمح له أن يرتكب المخالفات، بل تجعله ينال شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم لكونه مرتكبا للكبائر، فهو يوغل في المعاصي والمحذورات الشرعية، إما لكونه يراها لا تؤثر على آخرته، أو لأنها قد تنيله حظوة الشفاعة. (1/59)
صفحة 60
وأما في الفلسفة المادية الرأسمالية، فإنها عزلت الدين جانبا، ثم ركبت الحياة على المصلحة، فهم لا يلتزمون بعناصر نجاح العمل لمؤداها الأخروي، بل لأنها تؤدي إلى النجاح في العمل الدنيوي، ولما أن هذا المادي يرى حياته كاملة في هذه الدنيا فإنه يمعن في خدمتها وإصلاحها وانتظامها، ولذلك نرى ما نراه من تقدم مادي.
ولكن إن كانت عقيدة الإرجاء تضعف العمل وتؤدي إلى التواكل، وهو أمر خطير ومرفوض وجاء الإسلام ليحاربه، فإن الأخطر من ذلك ما عليه الحضارة المادية التي لا تقيم للآخرة وزنا أصلا، لأن هذه العقيدة وإن بدت لأول وهلة ناجحة في إقامة العمل وانتظامه، لكنها عقيدة تؤدي إلى دمار الإنسانية، لأنها تتركب على المصلحة التي لا ضابط أخروي لها، فالإنسان لأجل مصلحته يرتكب أفضع الأعمال ويتهور في أسوأ الأمور، وربما يهلك الحرث والنسل، ويعيث في الأرض الفساد، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، وهذا ما نراه الآن من سادنة العولمة، حيث توزع الدمار والموت في كل مكان، وهو أمر مآله إلى الفوضى والاضطراب العالمي، وما ذلك إلا لغياب عقيدة الآخرة الصحيحة.
وفي التصور الإسلامي الصحيح؛ لا بد من الإيمان بالآخرة، وأن الإنسان خاسر لا محالة بتكذيبه بالآخرة، وعليه أيضا أن يؤمن أن الإنسان الذي يهمل العمل ويرتكب المعاصي والكبائر هو أيضا خاسر عند الله تعالى، بالعقيدة الإسلامية الصحيحة نتجنب الإرجاء الذي يبعث على التواكل، أو يؤدي إلى ترك العمل، أو يبث عوامل الضعف فيه، كما أننا نتجنب بها الاستهتار بالمبادئ الأخلاقية التي تحفظنا من الدمار والهلاك، وقد سبق أن دللنا على رفض عقيدة الإرجاء من كتاب الله تعالى.
الضعف في التخطيط (1/60)
صفحة 61
لقد أدى غياب المؤسسات داخل المجتمعات المسلمة إلى الضعف في التخطيط، وأي مشروع حضاري يفقد التخطيط السليم فإنه لا يكتب له النجاح، ولا أريد هنا أن أتكلم بتفصيل عن أهمية التخطيط، فهو أمر واضحة أهميته، ولكن الذي يعنينا هنا أننا افتقدنا في تأريخنا الإسلامي المؤسسات الحقيقية الفاعلة، التي تفكر للأمة بشكل سليم، فتضع الدراسات والبحوث، ثم تؤهل الكوادر وتدربها وتضخها عبر مشاريع مقتدرة، ثم بعد ذلك تقوم هذه المشاريع وتعدل من إنتاجها، وتوجد منافذ لهذا الإنتاج، وهكذا في عمليات متتابعة ومستمرة، تتراكم لتتقدم بالمجتمع من حال إلى حال أفضل.
وعندما نرجع إلى ذاكرتنا التأريخية لا نجد هذا النوع من التخطيط الذي ينظم تحت مظلة المؤسسات، وإنما قدمت إلينا فكرة المؤسسات من النظام الرأسمالي، فتبنيناها مع ما تحمله من ذاتية مسيطرة عليها، فهي قد نشأت في أوضاع غير أوضاعنا، وقفزت قفزا على مجتمعاتنا ولم تنمُ نموا طبيعيا، ولذلك لم نستوعب المؤسسات على حقيقتها، وإنما هي واقع فرض نفسه علينا أو تقليد منا للآخرين، ولذلك دخلت المؤسسات علينا في أغلب الأحيان ونحن لا نتقن الاستفادة منها بإعمال التخطيط السليم الذي يتناسب مع مجتمعاتنا ويراعي خصوصياتنا وينطلق من قدراتنا.
والذي ندعو إليه أن تكون لدينا مؤسساتنا النابعة من حاجتنا وحاجة مجتمعاتنا، وتعمل وفق الفلسفة الإسلامية التي نتبناها، وأن لا تكون ذات طابع شكلي، أو مفروضة علينا من خارج دائرتنا الإسلامية.
ويجب أن تكون هذه المؤسسات متخصصة، كل مؤسسة تقوم بدورها في حقل من الحقول التي تبني المجتمع المسلم المشكل للأمة الإسلامية، وأن يكون على رأس هذه المؤسسات العلماء والخبراء، وأن تبتعد عن الأنانية وعن المصالح المنغلقة، وإنما تتوجه لخدمة مصلحة الأمة. (1/61)
صفحة 62
لقد شهدنا في تأريخنا الإسلامي عمالقة من المفكرين والعلماء، ولكن للأسف الشديد ظل حال الأمة على ما هو عليه من التراجع، طيلة القرون الممتدة، وفي رأينا أن ذلك راجع إلى تشتت جهود هؤلاء العلماء بسبب الأعمال الفردية، فكم رأينا من كتب ذات دراسات معمقة، ولكنها ظلت حبيسة غير مفعلة بسبب عدم الاستفادة منها، ووضع المؤسسة التي تتبناها.
وعندما نقول هذا الكلام، فإننا لا ننفي أنه قد قامت مؤسسات علمية، لكنها ظلت تأخذ الطابع التدريسي البحت للعلوم، ولم تخرج إلى الحياة بأدوار فاعلة، كما أنها أيضا ظلت تتبنى رؤية مؤسسها ولم تتطور بالمراجعة الجماعية، فهي تظل مؤسسة علمية تدريسية بعقل فردي.
وهذا ما يفسر لنا الكثافة العلمية الواسعة في تأريخنا الإسلامي التي لم تكن فاعلة على المستوى المطلوب.
ووجدت أيضا مؤسسات تبنتها الدول في بعض الأحايين، لكنها لا تعدو أن تكون سخرة للشخص الحاكم أو الأسرة الحاكمة، ولذلك ظلت هذه المؤسسات تراوح مكانها دون أن تتقدم بالمجتمع المسلم، ولم تعمل بالتالي على نهضة الأمة، بل إن هذه المؤسسات سرعان ما تتعرض للوأد عندما تشم منها السلطة ريح الاستقلال، أو أنها تموت كلية عندما يتغير الحاكم أو الأسرة الحاكمة، ولا غرو في ذلك لأنها قامت لخدمة غرض تزول بزواله.
الضعف في الأمانة
الأمانة حمل ثقيل، ينوء بحملها الإنسان، وقد صور الله تعالى لنا ثقل الأمانة تصويرا دقيقا وبديعا، عندما تحدث عن إباء حمل السموات والأرض والجبال لهذه الأمانة، فتولى الإنسان حملها، ولكنه -للأسف الشديد- كان ظلوما جهولا، يقول سبحانه وتعالى: ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)) الأحزاب:72. (1/62)
صفحة 63
وقد ابتليت الأمة الإسلامية على عموم خط السلطة فيها بالاستبداد، هذا الاستبداد الذي أملته الخيانة في حمل الأمانة، فبعد الخلافة الراشدة تحول الحكم في الإسلام إلى ملك عضود مستبد، وغيبت الأمة عن دورها الحقيقي في البناء الحضاري، فسخر الحاكم المتسلط الأمة كلها لخدمته، فكان يزرع الزارع لأجله، ويقاتل المقاتل لأجله، ويكتب الكاتب لأجله، وهكذا ذهبت الأمانة من الأمة، فأصبح مال الله دولا بين الحكام، وعباده خولا لهم.
هذه السياسة المستهترة بالأمانة والمغيبة لحقوق الأمة قد سادت لحقب متطاولة، شهدت الأمة خلالها تراجعا في كل جوانب الحياة، وذهبت مقدرات الأمة هدرا، واستغلت الأموال العامة في خدمة المصالح الخاصة.
والأدهى من ذلك أن اعتبر كل من يحاول أن يصحح الأوضاع ويرجع الأمور إلى نصابها بأنه خارج عن الجماعة مارق من الدين، وعودي عداء شديدا، ووضعت فيه الروايات المكفرة، وكتبت فيه الكتابات المجحفة بالحق الذي ينادي به، بل شنت عليه الحرب التي قضت عليه، وتتبع هذا الفكر الإصلاحي من قبل السلطة بالرفض تارة والتعتيم في أحوال أخرى، هذا في مجريات التأريخ الإسلامي القديم.
أما الآن فلا زلنا نشهد تضييعا مؤسفا للأمانة، فلا زال يتحكم التسلط والاستبداد بالأمة، ولا زالت لا تراعى الأمانة، وتهدر الإمكانات، وتوزع المقدرات بحسب الولاء السياسي، وتذهب أموال الأمة تبعية للأعداء لأجل الحفاظ على مواقع السلطة.
وفي ظل هذا التضييع المستمر للأمانة فقدت الأمة الثقة في قياداتها، وبالمقابل لم تأمن هذه القيادات من أتباعها، وأخذت تتصور أي إصلاح في الأمة هو تهديدا لكيانها، ودخلت الأمة بذلك في صراع مرير، وصل إلى حد سفك الدماء، والنفي للناس من بلدانهم، وظهر ما يعرف بالإرهاب والإرهاب المضاد، ولا زالت الأمة تجني مرارة ذلك إلى الآن. (1/63)
صفحة 64
وما لم يتم اتخاذ سياسات حاسمة لتحسين أوضاع الأمة، وتبوء الأمانة مكانتها عند شعوبنا، وإصلاح المجتمعات إصلاحا جذريا، سنظل ندور في دوامة التخلف والضعف، ويستشري الفساد بين الناس، ولا مخرج إلا باتباع شرع الله تعالى في الحفاظ على الأمانة.
رسالة المسلم في عصر العولمة
بعد أن تكلمنا عن العولمة، بما لها وما عليها، ثم تطرقنا للحديث عن رسالة الإسلام العالمية، وعن واقع الأمة الإسلامية، وعن مكامن ضعفها وقوتها، نتكلم الآن عما ينبغي للإنسان المسلم أن يفعله في عصر العولمة، هناك قضيتان في نظري ينبغي لنا الحديث عنهما في هذا المجال، القضية الأول تتعلق باستقلال شخصية المسلم؛ الذي يعني استقلال شخصية الأمة، وبالتالي الحفاظ على الحضارة الإسلامية من الذوبان في الحضارة الغربية؛ خاصة بوجهها الأمريكي، والقضية الثانية تتعلق بالطريق الذي يجب أن نسلكه في نهضة الأمة من جديد، وهو طريق الشورى، هاتان قضيتان مهمتان، وإن كانت هناك الكثير من القضايا التي يجب العناية بها، لكن سنتكلم عن هاتين القضيتين فقط، لأنهما الأهم في نظري، وأرى أن رسالة المسلم تبدأ انطلاقا منهما.
استقلال شخصية الأمة:
تتميز قوة الأمة وعمق حضارتها باستقلال شخصيتها، وعدم قابليتها للذوبان، ولما كانت الأمة الإسلامية هي الأمة التي اصطفاها الله تعالى لتحمل لواء شرعه، فمن المؤكد لكي تقوم بهذا الدور خير قيام عليها أن تكون أمة مستقلة، لها شخصيتها المعبرة عن هويتها. (1/64)
صفحة 65
ونحن الآن في عصر العولمة الرأسمالية التي تعمل على اجتياح الحضارات، والقضاء على خصوصياتها؛ عبر شتى الوسائل، بداية من سن القوانين العالمية التي تفرض الثقافة الغربية، وانتهاء بالترويج للقيم الغربية عبر المطاعم والأكلات الغربية، مرورا بكل معابر الترويج الثقافي كالاقتصاد والفن والأدب ونحو ذلك من خلال أحدث وسائل الاتصال كالقنوات الفضائية وشبكة المعلومات العالمية، ولذلك لا بد أن نستشعر خطورة الأمر، فإن انهيار شخصية الأمة هو ترسيخ التبعية للآخرين، وطوق محكم حول رقابنا يطوقنا به الاستعمار بصورته الحداثية، بل هو في الحقيقة موت للأمة وانطماس لحضارتها ومقوماتها.
ونحن عندما نأتي إلى شرع الله تعالى نرى فيه منهجا واضح المعالم، يرسم لنا استقلال الأمة وعدم تبعيتها للآخرين، هذا المنهج هو منهج "الولاية والبراءة".
الولاية: وهي محبة ومودة الذين آمنوا والوقوف معهم ونصرة قضاياهم، وهي تعني كذلك المشاركة في نهج حياتهم، والاندماج الشعوري معهم.
والبراءة: وهي عكس الولاية، أي بغض أعداء الله تعالى، وعدم تمثل حياتهم، والمفاصلة الشعورية تجاههم، وعدم تقليدهم في أمورهم التي يسلكونها، وهي كذلك تعني عدم نصرتهم، وعدم تقبل ما يأتي من قبلهم مما يعبر عن ذاتيتهم التي تميزهم بانحرافهم العقدي والديني. (1/65)
صفحة 66
وهذا منهج إلهي، فالله تعالى يوجب ولاية المؤمنين والبراة من الكافرين بقوله: ((لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ)) آل عمران:28، ويقول سبحانه في المفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب يهودا ونصارى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) المائدة:51، وينص الله تعالى على الولاية بين المؤمنين بعضهم البعض ذكورا وإناثا بقوله: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) التوبة:71.
إن الولاية للمؤمنين تجعل منهم صفا واحدا، يتآزرون فيما بينهم، يقوم قويهم بأمر ضعيفهم، وينفق غنيهم على فقيرهم، والمؤمنون عندما يكونون يدا واحدة يشعرون بقدرتهم على مواجهة الخطوب، ويبحثون في حل قضاياهم ومشكلاتهم، ويعملون معا على نهضتهم ونهضة أمتهم.
والبراءة من أعداء الله تعالى تجعل بين المؤمنين وبين عدوهم سياجا نفسيا يحفظهم من الذوبان وفقدان هويتهم، ولذلك يبقى المسلمون في احتياط دائم من تسرب مذاهب أعداء الأمة إليهم. (1/66)
صفحة 67
وهذا الاستقلال يجب أن يكون في كل مناحي الحياة، فهناك الاستقلال العقدي والعبادي لقوله تعالى: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((هدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان)) رواه الربيع، ويقول سبحانه في وجوب الاستقلال في المشاعر: ((لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) المجادلة:22، وعن الاستقلال في حركة الأمور اليومية يقول عليه الصلاة والسلام: ((خالفوا المشركين؛ وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب)) رواه البخاري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرَّ به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فجلس النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: ((اجلسوا، خالفوهم)) رواه أبو داود، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود)) رواه الترمذي.
ونحن المسلمين لو عملنا بمقتضى مبدأ "الولاية والبراءة" لتوقينا الكثير من الشرور القادمة إلينا تحت مسميات براقة ومغرية كوحدة الأديان والأخوة الإنسانية، هذه المسميات التي تخلط بين الحق والباطل، ولا تفرز بين أتباع الحق وبين أتباع الباطل. (1/67)
صفحة 68
وقد بحث علماؤنا هذه القضايا بتفصيل دقيق منذ أول الأمر، فألفوا في ذلك الكتب، وحرروا فيها المباحث الطوال، ولذلك من الجيد والضروري الرجوع إليها، حتى نحفظ أمتنا من الانسياق الجماعي نحو حضارة مادية اتخذت من العولمة سبيلا للهيمنة والاستعلاء والاستكبار ومحق من خالفها.
الشورى طريق الأمة الوحيد
الشورى هو الطريق الصحيح لنهضة الأمة من كبوتها، وهو ليس بديلا من مجموعة بدائل تختار منها ما تشاء، بل هو السبيل الوحيد، وقد عاشت الأمة قرونا طويلة وهي سادرة تحت الاستبداد والكبت ومصادرة الرأي، فبعد أن ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على الشورى، وأنزل الله تعالى سورة سميت باسم "سورة الشورى"، وعمل الصحابة الكرام رضي الله عنهم في خلافتهم الراشدة بها، بعد كل ذلك انقلب حال الأمة، فضيعت الشورى وصودر الرأي، وتحكم في الأمة آحاد من الناس، يسوقونهم قطعانا لخدمتهم وخدمة مصالحهم، ولم يتغير الحال كثيرا منذ ذلك الوقت إلى الآن.
وأصبح الاستبداد وقهر الرأي ليس فقط في نظام الحكم، بل مستشريا في المجتمع ككل، فما أن يجد الإنسان نفسه في موقع المسؤولية عن أمر حتى يستبد به، فالحاكم مستبد في رعيته، ورئيس المؤسسة مستبد في مؤسسته، ومدير المدرسة متسلط في مدرسته، ورب البيت قاهر لزوجته وأولاده، وهكذا في كل جوانب الحياة، وأمة تتربى على هذه الأوضاع يموت فيها الإبداع، ويقل منها الإنتاج، ولا تعرف التقدم والازدهار، وتخسر أيامها بينما غيرها يكسب الدقائق والثواني. (1/68)
صفحة 69
ونحن عندما نطالب بالشورى، فليس من قبيل موافقة النزعة الديمقراطية التي تنادي بها أمريكا سادنة العولمة، بل لأن منهج الشورى هو منهج إسلامي أصيل، شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، حيث أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه عندما قال: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) آل عمران:159، والعجيب أن هذا الأمر الإلهي جاء بعد نتيجة سلبية حصلت من المشاورة، حيث دارت الدائرة على المسلمين وأصابهم من القرح ما أصابهم، بعد أن تغلب أصحاب الرأي القائل بمواجهة الأعداء المشركين خارج المدينة، وقد كان الرأي الآخر مواجهتهم داخل المدينة، وكان على هذا الرأي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه عليه السلام عمل بما أسفرت به الشورى، وإن كانت النتيجة مؤلمة، في هذه الظروف أمر الله تعالى أن يتخذ الشورى منهجا له فأنزل هذه الآية الكريم، لأن الخطأ في الموقف يجب أن لا يحمل على مصادرة المنهج الصحيح، والأمة ستتعلم من أخطائها في المواقف، أما عندما تحرم من المنهج الصحيح فإنها ستغيب أصلا عن المواقف، وستكون مجرد أعداد من البشر تساق بسياط الاستبداد والقهر والغلبة. (1/69)
صفحة 70
وعندما تكلم الله تعالى عن صنف الفائزين في الآخرة وهم المؤمنون جعل الشورى خاصية من خصائصهم، وأكد على أهميتها بأن ذكرها بين الصلاة والزكاة، بين هاتين الفريضتين اللتين تشكلان الركنين الثاني والثالث من أركان الإسلام، وهما غالبا ما يتلازم ذكرهما في القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه وتعالى: ((فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) الشورى:36-38، وفي هذه الآيات الكريمة دلالة واضحة على وجوب إقامة الشورى، وأن الأمة ملزمة بإقامتها. (1/70)
صفحة 71
وإقامة الشورى إن كانت أكيدة وضرورية في مجال الحكم، فهي أيضا مطلوبة في جميع مجالات الحياة، فالله تعالى ذكر التشاور في أمر عائلي؛ قد يبدو أمرا بسيطا وهو فطام الطفل الرضيع، لكن الله تعالى بيّن أن ذلك يتم عن تشاور وتراض بين والديه، يقول سبحانه وتعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) البقرة:233.
فإذن الشورى تبتدئ من أعلى نقطة وهي القيادة والحكم، حيث أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو النبي الموحى إليه أن يشاور أصحابه، وإلى أدنى نقطة في الأمور العائلية، مع التأكيد عليها بأنها خاصية من خصائص المؤمنين، تأتي ملتحمة مع الصلاة والزكاة؛ متوسطة بينهما.
فيجب على الأمة أن تضع مناهج تعمل على بث الوعي بين الأمة بأهمية الشورى وضرورتها، وتضع في هذه المناهج مقررات عملية تعلم أفراد الأمة وجماعاتها كيفية إدارة جوانب الحياة بمنهج الشورى، فتوجد الأمة مناهج في كيفية إدارة الحكم بالشورى، وكيفية إدارة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والخدمية بالشورى، وكيفية إدارة الحياة الزوجية والبيتية بالشورى، وكيفية التعامل مع الناس بهذا المنهج، وهكذا في سائر أمور الحياة. (1/71)
صفحة 72
ويبقى أن نذكر أن الله تعالى أمر بالشورى أمرا عاما، أما آلية الشورى وكيفيتها وتفصيلاتها فإنه جل وعلا جعلها مفتوحة، لكي تتناسب مع تغيرات الزمان والمكان، وحتى يكيّف الناس تطبيق الشورى وفق مقتضيات زمانهم وواقعهم، ولذلك عليهم أن يجروا الشورى في حياتهم ولا عذر لهم بتغير الزمان والمكان، لأن الشارع الحكيم لم يغلق علينا آلية وكيفية تطبيقها.
ولنا في تأريخنا الإسلامي تجربة طويلة امتدت لقرون، وهي وإن كانت محدودة المكان إلا أنه يمكن الاستفادة منها كثيرا، هذه التجربة قامت عندنا في عمان، فقد مارس العمانيون الشورى في حكمهم طويلا؛ منذ القرن الثاني الهجري وحتى القرن الرابع عشر الهجري، أي القرن العشرين الميلادي، وقد أشاد المفكرون والعلماء بهذه التجربة الرائدة، وأهم من كتب في ذلك الدكتور حسين غباش، حيث ألف مرجعا ضخما عن هذه التجربة الرائدة إسلاميا اسماه "عمان؛ الديمقراطية الإسلامية"، وهو بطبيعة الحال يقصد الشورى الإسلامية وليست الديمقراطية بمصطلحها الغربي، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإن كنا لا نرى استخدام مصطلح الديمقراطية لما يحمله من معاني نشأت في بيئة غير بيئتنا، ولأننا نفضل استخدام لفظ الشورى لأنه عربي قرآني ويحمل مضامين شرعية.
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يكتب لهذه الأمة أمل خير، ويجنبها مهاوي الردى، وأن يجعلنا من العالمين بكتابه العزيز وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خميس بن راشد العدوي
مسقط؛ سلطنة عمان
6/صفر/1424ه
8/إبريل/2003م
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
تم حفظ هذا الموضوع من كوكب المعرفة في 04.05.2006 11:43:36 (1/72)