صفحة 1
الكتاب: صرخات على مسرح المجتمع
تأليف: فضيلة الشيخ/ محمد إبراهيم سعيد "كعباش" (بلدية العطف - ولاية غرداية - الجزائر)
تخريج الأحاديث، الفهرسة، والتنسيق الفني:
د. قاسم بن عمر حاج امحمد
أ. عبد الله بن ح موسى ابن عيسى
سنة النشر: 1437هـ / 2016م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) صرخات
على مسرح المجتمع
تأليف فضيلة الشيخ:
محمد إبراهيم سعيد "كعباش"
بلدية العطف - ولاية غرداية - الجزائر.
تخريج الأحاديث، الفهرسة، والتنسيق الفني:
د. قاسم بن عمر حاج امحمد
أ. عبد الله بن ح موسى ابن عيسى
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
1437هـ/2016م
إهداء
إلى أولئك الأفذاذ الذين وقفوا معي في الملمّات، وقدموا من جهودهم وتضحياتهم ما كفى لمجابهة التحدّيات، رفاق الدّرب وزملاء الكفاح والنّضال، من أبناء العطف الأماجد، ومن الأصدقاء الأوفياء المرابطين في ثغور القرى الأخرى من منطقة وادي ميزاب دعوة إلى الله أو عملا دؤوبا في المجالات الاجتماعية، أو أداء لأمانة التّاريخ والأجيال.
إلى أولئك الأبطال المغاوير، أقدّم هذه الصّيحات التي كنت أرفعها على مسرح المجتمع استنهاضا للهمم، أو تخليدا للذكريات، وكنت أجد في نفوسهم الكبيرة رجع صداها وفي مغانيهم وقع خطاها.
المؤلّف
تقديم
بقلم فضيلة الأستاذ: محمد بن حاج بكير الحاج ابراهيم
مرشد وخطيب بالمسجد العتيق -العطف-
الحمد لله الذي نوّر بهدايته قلوب العارفين، وأقام على الصراط المستقيم أقدام السالكين، وأشهد أن لا إله إلا الله العلي القدير، وأشهد أنّ سيّدنا محمداً عبده ورسوله، سيد المرسلين وإمام المتّقين، وقائد المهتدين، اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى: {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصّلت:33). (1/1)
صفحة 2
لا أشرف ولا أعظم من أن يكون المرء المؤمن في هذه الحياة داعية إلى الله تعالى عاملا صابرا راجيا ثواب عمله عند الله، وكان رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - القدوة، فقد كانت حياته كلها دعوة إلى الله، من أجل هداية الناس إلى عبادة الله وحده، وإصلاح النفوس، فتحلّى بالصبر والثبات رغم كل العقبات التي اعترضته في مسيرته المباركة من إذاية وإغراء ومساومة، وهو الذي قال لعمه لما شعر بضعف بدر منه في نصرته: «يا عمّ، لو وُضِعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت الأمر حتى يُظهره الله أو أَهْلَك» (1).
وقد سار على هذا النهج النبوي في الدعوة والإصلاح رجال سخّروا حياتهم وأوقاتهم وجهودهم لنصرة دين الله وإصلاح مجتمعاتهم، {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23). ومن هؤلاء الأفذاذ العاملين شيخنا الجليل محمد بن إبراهيم سعيد كعباش، ابن العطفاء، وابن الجزائر، الذي سخّر حياته ووظف جهده وعلمه لمدة تزيد عن نصف قرن من الزمن في الدعوة إلى الله نصحا وإرشادا وتأليفا وتعليما، وكان تفسيره لكتاب الله عز وجل (نفحات الرحمن في رياض القرآن) واسطة العقد في ذلك الجهد المبارك.
وبين أيدينا اليوم هذا الإصدار الجديد لشيخنا الجليل (صرخات على مسرح المجتمع)، في طبعته الثانية المزيدة والمنقحة، الذي يحوي في طياته كلمات الشيخ وخطبه في مختلف المناسبات المحلية والوطنية، في أسلوب شيق، وعبارة سهلة، ومعاني عميقة.
__________
(1) - أخرجه ابن إسحاق في المغازي: 1/ 284. (1/2)
صفحة 3
إنّ هذا الكتاب يمثل عصارة جهد فكري ثري، ينم عن أصالة وتمسك بالقيم والثوابت، ورؤية متفتحة مواكبة لتطورات العصر، وحرقة وعزيمة صادقة في إصلاح المجتمع وخدمة الأمة الإسلامية، تترجمها عبارة العنوان التي اختارها المؤلف لكتابه، وهو في آن واحد وثيقة تاريخية حيّة، وثّقت أحداثا ومناسبات، متعددة المجالات، كان الشيخ حاضرا فيها بالكلمة المسؤولة والإضافة النافعة والنقد المعتدل والتوجيه السديد.
أيها القراء الأعزاء، يسعدنا أن نقدم إليكم هذا الجهد العلمي الرصين، ليكون بعون الله حافزا لنا جميعا للاستفادة والاعتبار والاقتداء برجال أخلصوا جهادهم لله عز وجل. تقبل الله من شيخنا عمله، وجعله ثقلا في موازينه يوم يلقاه، وبارك في أنفاسه وعمره، والحمد لله رب العالمين.
العطف: يوم الخميس 16 جمادى الأولى 1437 ه
25 فيفري 2016م
مقدمة
حمدا لله الذي خلق الإنسان وعلّمه البيان، وجعل معيار قدره محفوظا بين القلب واللّسان. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله الذي أوتي جوامع الكلم وقال: «إنّ من البيان لسحرا» (1)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ذوي الرّفعة والشّأن، وبعد:
__________
(1) - رواه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب النكاح، باب الخطبة، حديث 5146: 7/ 19. (1/3)
صفحة 4
فيسعدني -أيها القارئ الكريم- أن أنسّق لك هذه الباقة من الخطب والأحاديث التي دوّت بها ساحاتنا الاجتماعية في مختلف المناسبات، أو حملتها أمواج الأثير إلى مختلف أرجاء الوطن. وهي تعبّر عن رأي يجد له قناعة مكينة لدى شريحة كبرى من مجتمعنا المدني، أو تجسّد موقفا تمليه الظّروف المرحلية التي تعجّ بها السّاحة الوطنية. ولا أقول عنها كما قيل في مثيلاتها: إنها صيحة في واد أو نفخة في رماد، لأن المخاطبين بها قد شبّوا عن الطّوق، وهم على حظ مقبول من النّضج السّياسي والوعي الحضاري والحسّ المدني. غير أنّ الإنسان مهما بلغ في ذلك من مكانة مرموقة فقد يعثر به الحظّ وتعاكسه الأيام في مختلف طموحاته، فيحتاج في مواقفه المرتبكة إلى من يسدّد خطوه ويشدّ أزره. فإذا كان رسل الله -وهم جند الله المنصورون- هم في حاجة إلى مثل ذلك التّثبيت والتّسديد، فما بال البشر العاديين في سعيهم الدّؤوب وكفاحهم المرير؟. (1/4)
صفحة 5
ولست مدّعيا فصاحة سحبان ولا ذكاء إياس ولا حكمة زهير، ولكن حسبي بهذه المحاولة المتواضعة أنني توخيّت النّصح الأمين والكلمة الصّادقة والوفاء لعهد الله في الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، رجاء أن أكون -بعون الله- في زمرة الصّادقين المفلحين. ويضاف هذا المجهود في مساري الدّعوي إلى ذلك المجهود الذي بذلته على منبر المسجد الجامع في مدينة العطف لمدة نصف قرن تفسيرًا لكتاب الله وشرحا لحديث رسول الله، أو خطبا على منبر الجمعة، والتي أتممت منها ثلاث حلقات في كتاب (صوت المنبر) سعيا مني لإعطاء صورة ناصعة جذابة للإسلام الصّحيح من مصدريه المقدسين: كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. في وقت تشعبت فيه المسالك، وتعدّدت الأصوات على المنابر وارتبك الجمهور المسلم بين مختلف الاتجاهات وتنافر الأصوات، وكل يدّعي أنه يملك وحده الحقيقة، وخطته في الإصلاح هي أمثل طريقة. وربّ العزة -تبارك وتعالى- قد فصل بحكمه في هذه القضية الإنسانية الخطيرة إذ قال جلّ من قائل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُّعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الاَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِيسَ المِهَادُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} (سورة البقرة: 204 - 207). (1/5)
صفحة 6
وعند اختلال الموازين، وانقلاب المفاهيم واحتدام الصّراعات تتأكد مسؤولية الدّعاة إلى الخير المهتدين بهدي الله في النّصح والإرشاد، والتّذكير بتبعة الأمانة، أمانة الدّين والوطن، وهذا المجهود المتواضع يندرج في هذا القصد النّبيل والغاية المثلى، وقد اتخذت لكل خطبة أو حديث عنوانا مناسبا ومهدت له بذكر التّاريخ والمناسبىة.
ونظر لتعدد المناسبات وتنوّع المواقف فقد قسّمت محتوى الكتاب إلى الأقسام التالية:
أ) - القسم الاجتماعي: وهو يضم المواضيع الاجتماعية، دعوة إلى عمل خيري، أو إشادة بإنجازه، أو تنديدا بظاهرة غير منسجمة مع الأعراف والتّقاليد المتعارف عليها في المجتمع.
ب) - القسم الثّقافي: يخلّد المهرجانات والنّشاطات الثّقافية بكل أنواعها، ويعرّف بالهيئات التي قامت بها.
جـ) - قسم المراثي والتّعازي: يحفظ ما قيل في مراسيم الجنائز لشخصيات مرموقة محليّا ووطنيا.
د) - قسم التّهاني: إما في أعراس جماعية أو فردية أو لهيئة حققت خدمة نافعة للصالح العام.
هـ) - القسم السّياسي والإداري: يخصّ استقبال الشّخصيات السّياسية والإدارية محليّا ووطنيا، كما يخلد أحداثا ذات طابع سياسي أو إداري.
وتأتي بعد ذلك الخاتمة المؤطرة لكل المواضيع المقدمة، كما تنسق باقة الزهور أشكالها وألوانها في شكل بديع يسرّ النّاظرين، ويعزي بأريحية الدارسين. والله أسأل أن ينفع به الأجيال، ويوفقنا جميعا بخير العقبى وخير المآل.
الشيخ محمد سعيد كعباش
العطف: يوم الإربعاء 08 جمادى الأولى 1437ه، الموافق لـ17 فيفري 2016م
القسم الاجتماعي
التتويج السعيد، لولدي أحمد سعيد.
كان ذلك يوم الخميس 13 شعبان- 1403هـ الموافق لـ 26 ماس 1983م في عرس جماعي كانت وليمته الكبرى بساحة مدرسة النّهضة العامرة حضرها حشد كبير من المواطنين والضّيوف المدعوين. (1/6)
صفحة 7
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونصلي ونسلّم على من هدانا للإيمان وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا، سيّدنا محمد وعلى آله وصحابته الأطهار الذين هداهم الله وأيّدهم بنصره وكفى بربّك هاديا ونصيرا.
أما بعد: شيوخنا الأفاضل، إخوتنا الأعزاء، أبناءنا البررة، ضيوفنا الكرام، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. ماذا عساني أن أقول في هذا المحفل الكريم الذي لا يمكن فيه للألسنة أن تؤدي دورها في الإبانة والإفصاح عمّا يختلج في النّفوس ويعتلج في الخواطر. ذلك لأن العواطف في لحظات تألقها وإشراقات أنوارها، لا يمكن للقوالب اللّفظية أن تحتويها، ولا لغيرها من وسائل التّعبير أن تحيط بها، لأنها من شفافية الرّوح، لا من إفرازات البدن التي تخضع لضوابط الزّمان والمكان.
فسبحان الذي أبدع الإنسان على هذه الصّورة المثلى، ثم هداه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملأ الأعلى تكريما لإنسانيته. ولعلّي لا أكون مبالغا إذا شبهت هذا اللّقاء السّعيد بلقاء أهل الجنة، وقد حفّت بهم ملائكة الرّحمن، يسلّمون عليهم من كل باب، وهم في بحبوحة النّعيم وفي رحمات الله ورضوانه. فما السّرّ في مثل هذه اللّحظات التي تتألق -أحيانا- في حياة الإنسان الصّاخبة تألّق النّجوم في ليالي الشّتاء؟، ألا إن السّرّ كل السّرّ هو ما كشفه خالق الإنسان عندما وصف أصحاب الجنة وهم في نعيمهم يتقلبون، فقال جلّ من قائل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ اِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (الحجر:47 - 48). (1/7)
صفحة 8
نعم! لقد تمثل فيكم بحقّ هذا الوصف الإلهي -أيها الإخوة- وقد جئتم إلى هذا المكان الطّاهر المفعم بالسّرور والبهجة وليس فيكم -بفضل الله- نفس جريحة تشكو الإساءة والعدوان، ولا قلب كسير تتناوشه وخزات الأحقاد والأضغان، ولا جئتم لمتاع من الدّنيا تزيّنه المطامع ويغري به الشّيطان، بل قدمتم إلينا والوفاء والإخلاص حاديكم، والمحبة والأخوة في الله أغلى مساعيكم ومنتهى أمانيكم، فهذه الوجوه النيّرة، وهذه القسمات الوضيئة، وتلكم الابتسامات الهنيئة، والأعناق المشرئبة، والأيدي المتصافحة، والشفاه النّديّة بعبارات التّقدير والامتنان، كلها ترجمان لما في الصّدور وتشخيص لما تنطوي عليه النّفوس والسّرائر. ولا أبلغ من وصف أمير الشّعراء لأمثال هذه اللّقاءات الأخوية، وقد حفّت به هالة من أصدقائه فقال:
وحيّا الله فتيانا سماحا ... كسوا عطفي من فخر ثيابَا
ملائكة إذا حفّوك يوما ... أحبّك كل من تلقى وهابَا
وإن حملتك أيديهم بحورا ... بلغت على أكّفهم السّحابَا
أيها الإخوة الأعزاء، لعلّ لسحر المكان وإيحاءاته ما يذكي المشاعر ويرهف الأحاسيس، ويحرّك ما في أغوار النّفوس من معاني النّبل والطّهر، فتتألق حينا في شحنات متوهجة لا يصدّها حاجز، ولا تلفّها حدود الزّمان والمكان. فليس من قبيل الصّدف ولا لمحض الضّرورة في سعة هذا المكان أن يكون لقاؤنا بهذه المناسبة السّعيدة، في هذه المؤسسة العتيدة، مدرسة النّهضة ببلدة العطف، ذلك لأن لاختيار الإنسان معنى في التذكرة والاعتبار، والله تعالى -وهو الغني الحميد- يخلق ما يشاء ويختار. (1/8)
صفحة 9
أجل! فإن هذا المكان قد أسّس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، ليكون محضنا للأطفال الصّغار يترددون إليه ليل نهار ليتفقهوا في الدّين، فتنطلق حناجرهم بذكر الله، وتأتلف قلوبهم على هدى الله، وتثبت أقدامهم على نهج رسول الله، رجاء أن يكونوا من حزب الله أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولنا الفخر العظيم أن كنا من روّاده الأوائل قضينا فيه زهرة العمر، والإخلاص رائدنا ورضى الله مبتغانا، ونحن نزجي صفوف الأجيال المتلاحقة، ونحدو بها إلى حظائر الإيمان والتّقوى ومناهج البرّ والاستقامة، في عمل متواصل دؤوب. فكل لبنة في صرح هذه المؤسسة العتيدة، بل كل ذرة من ترابها لتؤوب صباح مساء مع الحناجر المنطلقة بذكر الله، والمردّدة لآيات الله وأحاديث رسوله كأنها تسابيح الملائكة أو أهازيج أهل الجنة. فأنّى للحقد والغلّ أن يجدا سبيلهما إلى تلك القلوب الطّاهرة، وأنّى للشيطان أن يجد منفذا في حنايا هذا البناء الشّامخ الذي ضمّنا اليوم بين أحضانه، لنحتفل بوضع لبنات في صرح هذا المجتمع الكريم، الذي يشد بنيانه هدى الله، وتتراصف لبناته على كلمة الله، وتتوّج أزواجه على ذكر الله.
وهل في الدّنيا سعادة توازي هذه اللحظات التي يتجرّد فيها الإنسان عن واقعيته المادية بكل ما فيها من شرَهٍ وطمع، وأنانية وغرور وكبرياء، فينكشف له الغطاء، ويخترق الحجب المادية الكثيفة ليسبح في ملكوت الله حيث لا نصب ولا لغوب، ولا حسيب ولا نسيب، وإنما هو الودّ المتبادل والسّرور الفياض، يضفي على النّفوس الطمأنينة والرّضى، ويغمر القلوب حبّا ويقينا. (1/9)
صفحة 10
أيها الإخوة الأعزاء، لندع القلوب والأرواح تتناجى باللّغة التي لا يشوبها رياء، ولا تخضع لمقاييس الفصحاء والبلغاء. ولذا فإني لا أبادلكم ثناء بثناء، فإن ذلك يفسد ما في النّفوس من صفاء، ولكني أبقيكم لما عند الله من الجزاء، وأرفع أكفّ الضّراعة إلى الله بصالح الدّعاء، أن يجعل الله جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، وتفرقنا تفرقا مباركا معصوما، وأن لا يجعل فينا ولا من معنا شقيا ولا محروما.
نسألك اللّهم يا مقلّب القلوب أن تؤلف قلوبنا على الإيمان وأن تجمع صفوفنا على ما فيه رضاك. {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74). {رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنَ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الأحقاف:15).
شكر الله سعيكم، وبارك في أعمالكم، وبلّغكم ما تتمنونه في كل عزيز لديكم، وكلأكم بحفظه ورعايته في حلّكم وترحالكم فقد قلدتمونا بمشاركتكم هذه مننا لا تنسى.
نرجو من الله العليّ القدير أن ينسئ في الآجال ويبارك في الأعمار، وأن يوفقنا ويثبت خطانا على صراطه المستقيم حتى نكون عند حسن ظنكم، ونوفّي ببعض ما علينا من حقكم، إنه مولانا ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
مع وفد الرّحمن إلى البقاع المقدّسة.
في يوم 20 ذو القعدة 1404هـ الموافق لـ 16 أوت 1984م انطلقت وفود الحجيج من مطار "مفدي زكرياء" بغرداية وقد شيعهم وفد من الهيئة الدّينية مع ناظر الشّؤون الدّينية فألقيت فيهم هذه الكلمة. (1/10)
صفحة 11
نحمدك اللّهم يا من جعلت البيت مثابة للناس وأمنا، وجعلت أفئدة النّاس تهوي إلى حرمه الآمن، ووفقت رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لأداء ما افترضته عليهم راجين منك المثوبة والغفران. ونصلّي ونسلّم على سيدنا محمد، خير من لبّى دعوة أبيه إبراهيم، فطاف وسعى وحجّ واعتمر، ونادى في أمته: «خذوا عني مناسككم». (1)
أما بعد: فيا أيها الأخوة المؤمنون، وفود الرّحمن وحجّاج بيت الله الحرام، بعد قليل ستحلّقون في الأجواء، ملبّين نداء ربّكم إلى حيث الأمن والرّحمة والرّضوان، في رحاب البيت العتيق وظلال الرّوضة الشّريفة، تغادرون الأهل والأوطان، والأحبة والخلاّن، وفي نفوسكم تحتدم لواعج الفراق تنمّ عنها الزّفرات والعبرات، إذ تتركون هذه الجموع الغفيرة من أهليكم وذويكم، يلوّحون إليكم بالأيدي، ويتابعون تحرّكاتكم بعيون شاخصة وأعناق مشرئبّة، وقلوب ملؤها الإخلاص والوفاء، وألسنة تلهج بالدّعاء الصّالح أن يكلأكم الله بحفظه ورعايته في الحلّ والتّرحال وأن يوفّقكم لأداء مناسككم على أكمل وجه وأتمّ صورة كما شرعه الله، وأن يلهمكم الصّبر على تحمّل مشاق الرّحلة، ويحفظكم من وعثاء السّفر وسوء المنقلب، حتى ترجعوا إلينا -بإذن الله- سالمين غانمين كيوم ولدتكم أمّهاتكم، مغفوري الذّنوب موفوري الكرامة.
ولئن عزّ عليكم أن تفارقوا أوطانكم وأهليكم فإنكم منذ هذه اللّحظات ستجدون الدّعة والطّمأنينة في كنف من هو أعزّ من الأهل والأوطان، خالق الأكوان ربّ العالمين، مجيب الدّاعين، ومجير المضطرّين، ففرّوا إليه بكل حرارة وإخلاص، وألحّوا في الدّعاء إليه بدون كلل ولا ملل، واطلبوا منه ما تشاؤون، فإن خزائنه لا تنفذ، وأبوابه مفتّحة لكلّ عبد منيب.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب الحج، باب استلام الحجر الأسود حين تقدم مكة أول ما يطوف، ويرمل ثلاثا، حديث 1603. ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، حديث 230، 1261. (1/11)
صفحة 12
أيها الإخوة المؤمنون، خير ما نوصيكم به أن تكونوا أولا أوفياء لبلادكم، وأنتم جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي الذي تتوافد أجناسه من كل حدب وصوب إلى تلكم البقاع المقدسة، وهم سفراء لأوطانهم وأقوامهم في ذلكم المؤتمر العظيم، فكونوا أنتم لبلادكم رسل خير ورحمة، وسفراء برّ وإحسان، تتمثل في أشخاصكم الصّورة الرّائعة لبطولة الجزائر وشهامتها وعزتها وكرامتها، ويتمثل في سلوككم وتصرّفاتكم ما تمتاز به من حكمة وأناة، وحيوية ونشاط وانضباط ونظام.
ثم إياكم أن تشذّوا عن الجماعة فإن الذّئب يأكل من الغنم القاصية، ولا تنتظم الرّحلات إلا بالنّظام والطّاعة وحسن الانقياد لمن سبقتهم التّجربة، وليكن أمركم شورى بينكم في الحلّ والتّرحال، والتزموا الصّبر والأناة في معاشرتكم، فإنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ، وتزوّدوا فإن خير الزّاد التّقوى، وعلى الله قصد السّبيل.
ومن حقنا عليكم أن تذكرونا بدعواتكم الصّالحة في الحرم الآمن وعند الرّوضة الشّريفة، وفي كل المزارات، أن يحفظ الله هذا الوطن، ويوفّر له أسباب الرّقيّ والازدهار، والأمن والاستقرار، وأن يوفق كل أبنائه المخلصين ويسدّد خطاهم في كل ما يعود بالخير على البلاد والعباد.
والحمد لله ربّ العالمين.
في موكب الهدى والنّور.
في ليلة المولد النّبوي الشّريف من يوم الثّلاثاء 11 ربيع الأول 1405هـ الموافق لـ 04 ديسمبر 1984م، انتظم حفل ديني بالمسجد الجامع في بلدية العطف ولاية غرداية، حضره حشد كبير من المواطنين وقد أخذ المسجد زينته بقلائد المصابيح الكهربائية والأعلام الوطنية، احتفاء بهذه الذكرى الغالية، وتكريما لأعضاء المجلس التّنسيقي للولاية من إطارات حزبية وإدارية بمعية فضيلة الشّيخ محمد الصّالح ابن عتيق عضو المجلس الإسلامي الأعلى، وقد اختاروا مسجد العطف لمشاركتهم في إحياء هذه الذّكرى. وبعد نشيد التّرْحاب ألقيت هذه الكلمة. (1/12)
صفحة 13
نحمدك اللّهم يامن تفردّت بالعظمة والجلال، وسبّح لك ما في السّماوات وما في الأرض، وانتهت إليك العزة والكمال. تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ونصلّي ونسلّم على سيّد الأنام، محمد بن عبد الله خاتم النبيين والرّسل الكرام، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين.
أمّا بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، حضرات السّادة الأجلاء، أعضاء مجلس التّنسيق الولائي، شيوخنا الأفاضل، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. إنه لمن دواعي التّوفيق والرّشاد، أن تشرفوا بيوت الله بهذه الزّيارة الكريمة في أغلى مناسبة وأجلّ ذكرى هي بمثابة الرّوح للجسد، والنّور للعين، والماء للحياة. فبإذن الله ارتفعت هذه البيوت، وبذكره تركزت منائرها شامخة، تَبُثّ نداء الحق في العالمين، يدوّي مجلجلا في الأصائل والأبكار أن: "لا إله إلا الله، محمّد رسول الله"، فتخفق له قلوب الملايين من المؤمنين، وترتجف له فرائص الطّغاة المتعجرفين: {يُرِيدُونَ أَنْ يُّطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللهُ إِلآَّ أَنْ يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التّوبة:32). ففي رحاب هذا البيت المعمور نستقبلكم في هالة من هذه الأنوار المتلألئة، والأصوات الصّدّاحة النّدية بمدح الرّسول الكريم، وقد اهتزت لميلاده الأرض والسّماوات، وعمّت بشائره كل الكائنات، فانزلوا على اليمن مكرّمين وحلّوا على الرّحب مبجّلين، وتربّعوا على عرش القلوب، وهي مشرقة بنور ربّها.
وأيّ مهد أروح للنّفس وآنس للقلب من مكان باركته إرادة الله، يذكر فيه اسم الله، وتحفّه ملائكة الله، وزائروه في ضيافة الله، تقف وراء جدرانه حدود الزّمان والمكان، مما اصطنعته يد الإنسان، وتنتصب على أرضيته محطة الاتصال بملكوت الرّحمن. فليطمئن بكم المقام ولا تتعجلوا الرّحيل، فأنتم في وليمة الرّسول وفي حضرة الله العزيز الجليل. (1/13)
صفحة 14
فليس عجيبا في عهد الحرية والاستقلال، أن يحتضن المواطنون بين صفوفهم في شتى المناسبات أبناءهم من أولياء أمورهم، يبادلونهم حبّا بحبّ، وتقديرا بتقدير، ومشورة بمشورة. ذلك لأن ثورتنا المجيدة قد قلبت الأوضاع وصحّحت المفاهيم، فلم يعد وجود لتلكم الألقاب الفخمة والحواجز المصطنعة التي أقامها الاستعمار بين الشّعب وجلاّديه، فأصبح النّاس -بحمد الله- مواطنين إخوة، لا رعايا ولا سوقة، وأصبحت طليعتهم ولاة ورؤساء لا ملوكا ولا أمراء، إذ لا يعرف ديننا في مسار تاريخه ذلكم الانفصام الذي عرفته أوروبا بين رجال الدّين ورجال السّياسة. فسيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه من بعده كانوا أئمة في بيوت الله، وقادة جيوش في ميادين الوغى، ورعاة أمناء في دواوين الدّولة، وهكذا يجب أن يكون أبناء الثّورة، كما كان رسول الله في مقام الأسوة، مهيب الطّلعة في حبّ وإجلال، مطاع الأمر في كل الظّروف والأحوال.
وإننا لنبارك فيكم هذه اللّفتة الكريمة، ونقدر هذه المبادرة الطّيّبة التي إن دلّت على شيء فإنها تدلّ على كرم النّفس وطيب الأرومة، واعتزاز بمقومات الشّخصية الوطنية، وأصالتها العريقة في المجد والمكرمات. جازاكم الله عنا خيرا، وأبقاكم للدّين والوطن ذخرا. (1/14)
صفحة 15
أيها الإخوة المواطنون، إن احتفالنا بميلاد رسولنا الأعظم هو احتفال بوهج الحق في سناه، وبطهر الخلق في عظيم خصاله وسجاياه، وبذروة المجد في رفعته وعلاه. فأنّى للبشر أن يستوعبوا جوانب العظمة في شخصية رسول الله، وعظمته من عظمة الله، وقد جعله الله المثل الأعلى للإنسان الكامل، وأضفى عليه من صفات العظمة -وهو المنفرد بها- ما تنزلّت به الآيات البيّنات فقال جلّ من قائل: {وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النّساء:113). وقال: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:3،4). فمهما مدح المادحون، وتفنّن في إطرائه الواصفون، فسيظل محمد نقطة الحسن، وبؤرة الكمال الإنساني، وعروة الفضائل والمكرمات، وقمة الكرامات والمعجزات.
تبارك الله ما أبلغ حكمته وأعظم شأنه، حين قدر أن يكون مهبط وحيه ذلكم البلد الممحل، وأهل رسوله أولئكم القوم السّذج الفطريون، ومحضن رسالته هذا الأمّي اليتيم الفقير، ليكون ذلك أدعى للإعجاز والاقتدار، وأنه تعالى يخلق ما يشاء ويختار. وحتى لا تشتبه على الناس حقائق الوجود من ظواهر الأشياء، ولا تلتبس عليهم واقعية الأرض من مثالية السّماء.
أيها الإخوة المؤمنون: لتكن هذه الذّكرى العظيمة الحافز القويّ لنا لمزيد من النّشاط البناء والعمل الدّؤوب لتحقيق الرّخاء والازدهار، ولتكن لنا من رسول الله إسوة حسنة في استكمال أصالتنا، واستئصال رواسب الاستعمار، نقيم مجتمعنا على أساس من البرّ والتّراحم والتّعاون، ونستلهم أحكام ديننا على مبدأ التّناصح والتّضامن. (1/15)
صفحة 16
ويوم تثوب الشّعوب الإسلامية إلى رشدها، وتتوب منيبة إلى ربّها، وتنصاع لأمر الله في كتابه، وتتخذ من رسول الله قدوة في سننه وآدابه، فيومئذ لا يرضى المسلمون بالمنزلة الدّنيا، ولا يقتنعون بالعيش الدّون والأكل من الفتات، بل يتبوؤون مقامهم الأسمى بين الشّعوب والأجناس، لأن الله تعالى جعلهم خير أمّة أخرجت للناس.
اللّهم يا مقلّب القلوب، ويا مفرّج الكروب، ويا غافر الذّنب وقابل التّوب، نسألك أن تثبت أقدامنا على صراطك المستقيم، وأن تلهم المسلمين رشدهم إلى ما يحقق لهم العزة والعيش الكريم، وأن تحفظ الوطن الإسلامي من كل معتد أثيم، وأن تغمرنا جميعا برحمتك ورضوانك، فإنك أنت البرّ الرّحيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.
في تأبين الشّيخ البكريّ.
أقيم حفل مهيب لتأبين الشّيخ بكلي عبد الرّحمن في الذّكرى الأربعين لوفاته. وكان ليوم الخميس 23 رجب 1406هـ الموافق لـ 03 مارس 1986م، بالمسجد الجامع في مدينة العطف ولاية غرداية، حيث ألقيت هذه الكلمات.
نحمد الله حق حمده، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونصلّي ونسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين وإمام المهتدين سيّدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: (1/16)
صفحة 17
فيا أيها الإخوة المؤمنون، ليس من غرضنا في إحياء هذه الذّكرى أن نجدّد المصاب فنثير بذلك كوامن الحزن بعد أن اطمأنت النّفوس لقضاء الله، وسكنت لواعج الحسرة، فما ذلك من شأن المؤمن، ولا كانت هذه المظاهر من تقاليد الإسلام. ولكننا إذ نؤبّن شيخنا المرحوم العلاّمة بكلي عبد الرّحمن، فإننا نريد بذلك أن نستجلي -معاشر الأحياء- معاني الإخلاص والتّقى، ومثال التّضحية والوفاء، ونبرز للأجيال من خلال حياته العامرة، ثمرات الجدّ والمثابرة، وفعالية الإرادة والعزيمة، ونتائج الصّبر والثّبات، في صنع النّفوس العظيمة وتكوين الهمم العالية. وكل قصد من هذه المظاهر لا يهدف إلى هذه الغاية النّبيلة فالإسلام منه براء، وكل ما قال فيه أنه لهو وهراء؛ لأن الله تعالى هو وحده المتفرّد بالعظمة والكبرياء: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنَ اَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} (غافر: 15).
فهؤلاء المصطفون الأخيار من الرّسل والأنبياء، أو ورثتهم من العلماء، جعلهم الله فينا محلا للقدوة الحسنة لما أوتوه من الحكمة والسّداد، ولما يدعون إليه من الهدى والرّشاد، فلا ينبغي في شأنهم أن نتجاوز هذه الغاية من التّأسّي والاقتداء، حتى لا نكون من الذين قال الله فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمُ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ} (التّوبة:31). لأنّ المسلمين في فترة ما من تاريخهم، وبإيحاءات من أعدائهم قد شغفوا بهذه المظاهر، فجعلوا من أئمتهم وشيوخهم وصلحائهم قرناء لله يحبونهم كحبّ الله، ويتخذون من زواياهم وأضرحتهم أماكن مقدسة تشدّ إليها الرّحال، وتلتمس عندها البركات، كما تخصّص لها النّذر وتعقد إليها الزّيارات. (1/17)
صفحة 18
فما أحوجنا اليوم -وقد صحونا من غفوتنا- أن نتحرّر من كلّ ما من شأنه أن يحرّك عواطف الحنين إلى تلك العهود المظلمة، سيما لدى جماهيرنا غير الواعية. وتلك هي التّربية الحكيمة التي انتهجها رسول الله في انطلاقة دعوته، وأصحابه حديثو عهد بالكفر، حينما حرّم عليهم زيارة المقابر، تلك التّربية المثلى التي جعلت الفاروق عمر - رضي الله عنه - لا تطاوعه نفسه لتقبيل الحجر الأسود لولا أن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
أيها الإخوة المؤمنون، لتكن أعمالنا تعبيرا عن هذه المقاصد النّبيلة، نصدر فيها عن روح الإيمان الخالص، ونستلهم من حياة علمائنا ما ينير لنا الطّريق غير مفرطين ولا مفرّطين. وإلا فهم عند الله رفيعو الدّرجات، قد أعطوا كل ما عندهم من فضل وأفنوا أعمارهم لتكون كلمة الله هي العليا، وهم في ذلك لا يستخفهم الطّمع، ولا يستهويهم الجاه، ولا تستميلهم حظوظ الدّنيا ومفاتنها. ولذا فهم لا يطربون للمدح والثّناء، ولا يغضبون للذم والهجاء، وناهيكم شرفا وفضلا لأهل العلم أن الله تعالى ثلّث بهم بعد أن بدأ بنفسه وثنّى بالملائكة فقال: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِماَم بِالْقِسْطِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (التوبة:18). (1/18)
صفحة 19
أيها المؤمنون: ليس من قبيل الصّدفة أن نختار هذا المكان الطّاهر في بيت الله المعمور لتأبين شيخنا، لأننا نريد بذلك أن نرمز إلى صنوية الدّين والعلم في مسار تاريخ أمتنا حتى لا تحيد عن طريقة أجيالنا الصّاعدة، فيحاولون -في تقليد لأعدائنا- أن يفصموا بينهما محرّفين بذلك المقولة المشهورة: "العلم لا وطن له". نعم، فنحن لا نماري في هذا المبدأ، وقد روي عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اطلبوا العلم ولو بالصّين» (1). ولكننا إذا سلمنا بأن العلم لا وطن له، فإن العالِم لا بدّ له من وطن يكون مجالا لنشر علمه، ومرتكزا لإبداعه ونشاطه الذّهني تأثرا وتأثيرا وأخذا وعطاء، وإلا فهو بوق ومزمار وملتقى لكل تيار. يصدق فيه المثل الذي ضربه الله لهذا النّوع من العلماء في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثَ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَالِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف: 175 - 176).
__________
(1) - رواه البيهقي، شعب الإيمان، رقم 1543، من حديث أنس، وقال: حديث متنه مشهور وإسناده ضعيف. 3/ 194. (1/19)
صفحة 20
فيا أيها الجيل المتعلّم، ويا أيها العلماء البارزون، حذار من المغالطة والخداع. فهؤلاء شيوخكم الأجلاء قد سلكوا نهج الرّاشدين، والتمسوا بجهادهم عزّ الوطن والدّين، لم ينخدعوا للدعاية البرّاقة، ولم يتورّطوا في سفاهة ولا حماقة، وكتّاب مأجورين سخّروا أقلامهم للإضلال والاستخفاف بالدّين: {أُوْلَئِكَ الذِينَ اَشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} (البقرة:16).
أيها الشّيخ الجليل: ماذا يغنيك المدح والإطراء، وقد صرت إلى دار الجزاء؟ قرير العين في جوار ربّ العزة والكبرياء. مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصّديقين والشّهداء. وهل لدينا من إكرام لأمثالك غير صالح الدّعاء، أن يجعلك الله من المقربين في الرّوح والرّيحان وجنة النّعيم، وأن يبقى ذكرك في الأجيال مثالا للسّلوك القويم والخلق العظيم؟، وأن يأخذ بأيدينا إلى اقتفاء سنة نبينا وانتهاج آثار أسلافنا الصّالحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
دار الجماعة رمز للوحدة.
بعد اكتمال مرافق دار الجماعة ببلدية العطف على مشارف روضة الشّيخ بلحاج، أقامت اللّجنة المشرفة على الإنجاز حفلا تدشينيا حضره العزابة وأعيان البلد. وذلك ليوم 13 شوال 1403هـ الموافق لـ 23 جويلية 1983م ألقيت فيه هذه الكلمات. (1/20)
صفحة 21
نحمدك اللّهم شرّفتنا بعزة الإيمان، وأمرتنا بالبرّ والإحسان. ونصلي ونسلّم على إمام المرسلين سيّدنا محمد وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، لي الشّرف العظيم أن أقف مرة ثانية على جنبات هذا الصّرح الشّامخ، لأعلن باسم ربّ العرش العظيم عن افتتاح هذه المؤسسة المباركة العتيدة التي أسسّت على تقوى من الله ورضوان، وقامت على شرف القصد ونبل الغاية، وقد دشّنا الجزء الأول منها في فاتح ربيع الأول من سنة 1403هـ الموافق لأواخر ديسمبر 1982م. فناسب ذلك اليوم شهر ميلاد رسولنا الأعظم الذي بفضل بعثته عرفت البشرية هذا الفيض العميم من أنواع المعارف والفنون، وألوان النّشاطات والأنظمة.
وها نحن اليوم نجتمع -بتوفيق الله- لنكمل تدشين ما أنجز من المرافق الباقية، وقد بلغت أشدّها واستوت على عرشها زاهية تختال تيها ودلالا، وتزدهي زينة وجمالا، وتبهر العيون روعة وجلالا.
إنها ثمرة التّضحية والعمل الدّؤوب الذي لا يفلّ من عزائم الرّجال، والجزاء الأوفى للنفوس التي لا تبخل بنفائس المدّخرات وكرائم الأموال، وستبقى -بإذن الله- مكرمة للعاملين ومفخرة للأجيال. (1/21)
صفحة 22
نحتفل بهذا الحدث العظيم، وقد أظلّنا شهر البركات، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان. أليس ذلك من دلائل الإخلاص والتّوفيق، وآيات الصّدق والوفاء؟. إذ قدّر الله أن يتم تدشين الجزء الأول في شهر ميلاد الرّسول، وها نحن نكمل التّدشين النّهائي في طلائع شهر اليمن والبركات. فلا عجب في ذلك فقد نبتت هذه الدّار في روضة الهداة الصّالحين من أئمتنا الغرّ الميامين، وترعرعت في كنف بيوت الله الطّاهرة، وتولّى رعايتها سراة بلدتنا العامرة (1) أقامها الله بيننا مقام مريم العذراء، أصيلة الطّهر والنّقاء، سليلة الصّلاح والتّقوى، مكفولة الأرزاق، وحاضنة السّراة الأسياد، ووثيقة المجد من الآباء للأبناء والأحفاد.
أيها الإخوة الكرام، ليس كثيرا أن ننفق من أموالنا وجهودنا لإعلاء هذه المؤسسات العتيدة. فهي -لعمري- ملاك أمرنا، ومرتكز بقائنا ووجودنا، ومعقد آمالنا وطموحنا. ولعلّ في تسميتها "دار الجماعة" ما يرمز إلى هذه المعاني النّبيلة، من الوحدة في الغاية والهدف، والائتلاف على التآرز والتّناصر، والتّآخي في الله، والتّعاون على البرّ والتّقوى. ففي هذا الإطار النّبيل يُحدّد نظامها الدّاخلي على أساس من الشّورى ومراعاة الصّالح العام، وستتلى عليكم بنوده فقرة ففقرة ليتعهّد كل منا على احترامه والتزام تطبيقه، حتى نعطي لهذه المؤسسة حقها من الرّعاية والصّيانة، وفعالية الاستفادة والانتفاع. ففي أرجائها تتجاوب أصداء جماهيرنا، وعلى جنباتها تلتحم عناصر مجتمعنا، وتتوثق أواصر عائلاتنا وعشائرنا، فيبارك الله جمعنا ويلهمنا رشدنا، ويسدّد خطانا، ويردّ عنا كيد الكائدين وشرور الحاسدين.
__________
(1) - إشارة إلى تشكيلة اللّجنة المشرفة على الإنجاز، إذ تتكوّن من بعض أعضاء الهيئة الدّينية وبعض الأعيان. (1/22)
صفحة 23
أيها الإخوة الكرام، لعلّ الكثير منكم لا يعرف من كان وراء هذا المشروع العظيم من إخواننا العاملين المخلصين، الذين لم يدّخروا وسعا في توفير وسائل إنجازه من الإمكانيات البشرية والمادية، ولم يضيقوا ذرعا بما عانوه من صدود البخلاء وشكوك المتخاذلين.
فحسب الذين لم تعرفوهم أن ينالوا شرف الجنديّ المجهول، فهم لا ينتظرون منكم إكليلا من زهور أو وقفة إجلال، بل كلّ ما يرجونه منكم أن يجدوا فيكم دوما النّفوس الكريمة، والأكفّ السخيّة، والألسن الدّاعية بالرّحمة والثّواب للعاملين المخلصين.
ويجدر بي في هذا المهرجان الخالد أن أردّد مع شاعر الثّورة المغفور له مفدي زكرياء هذه الأبيات التي ألقاها في تدشين دار الطلبة بقسنطينة، إذ يقول:
يا مهرجانا بأهل الله مزدهرا ... الله أكبر، هذا اليوم مشهود
اليوم يا ناس يوم البعث واستبقوا ... للصالحات فما في الخير تحديد
يا جيرة الله مدّوا للعطاء يدا ... يا جيرة الله في سبل العلا جودوا
يا جيرة الله لبوّا صوت أمتكم ... يا جيرة الله عن أوطانكم ذودوا
من يشتري الخلد إن الله بائعه ... فاستبشروا واسرعوا فالبيع محدود ... ذ
والرّبح يا ناس مضمون ومدّخر ... في مصرف الله لا في البنك مرصود
إن تبذلوا المال في الجلّى يردّ لكم ... الخير بالخير مزروع ومحصود ... ذ
إن تبخلوا فمعاني البخل أربعة ... جهل وفقر وتعذيب وتشريد ... ذ
من يكنز المال لم يسعد به وطنا ... ويلُمّه فهو في الأموات معدود ... ذ
جودوا به قبل أن تكوى الجباه به ... المال يفنى ويبقى الفضل والجود
ذ
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، والحمد لله ربّ العالمين.
في تكريم حفظة القرآن. (1/23)
صفحة 24
في ليلة السّادس والعشرين من شهر رمضان المعظم 1409هـ الموافق لـ 03 مارس 1989م أقامت مديرية الشّؤون الدّينية لولاية غرداية، حفل تكريم للفائزين في مسابقة حفظ القرآن الكريم في المسجد الجامع بالعطف. وعددهم اثنى عشر طالبا من غرداية والقرارة ومتليلي وسبسب وقد حضر الحفل أعضاء المجلس التّنسيقي للولاية والسّلطات المحلية، وحشد كبير من المواطنين، فألقيت هذه الكلمة في مستهلّ الحفل.
نحمدك اللّهم يا من أنرت بصائرنا بالإيمان، وهديتنا سبل رشدنا بنور القرآن، وأكرمتنا بالمغفرة والرّضوان واليمن والبركات في شهر رمضان، ونصلّي ونسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد القائل: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (1)، وعلى آله وصحبه أولى الفضل والمحبة والرّضوان. أما بعد:
فيا حماة الدّين والوطن، سعادة السّيد الوالي، حضرات السّادة أعضاء مجلس التّنسيق الولائي، والإخوة المشرفين على الشّؤون الدّينية من مسؤولين وأئمة، حضرات المسؤولين المحليين، أيها الأخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. فأي مسعى هو أرضى عند الله من سعي المؤمنين إلى بيوته؟ وأي مقصد هو أشرف من خدمة كتاب الله وإعلاء كلمته؟ ففي رحاب هذا البيت المعمور نرحّب بمقدمكم الميمون، تحفّكم ملائكة الله، وتغمركم رحماته، ونحن جميعا في مأدبة الرّحمن مكرّمين، إخوانا على سرر متقابلين.
__________
(1) - رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، حديث 5027: 6/ 192. (1/24)
صفحة 25
وإنه لمن الشّرف والفخر والاعتزاز أن تحظى قريتنا الآمنة باحتضان هذه التّظاهرة المباركة لتكريم أبنائنا النّاجحين في مسابقات حفظ كتاب الله وقواعد ترتيله غضّا طريّا كما بلّغه رسول الله، وكما جلجل به الرّوح الأمين أول مرة في غار حراء، وفي ليلة من هذا الشّهر المبارك هي خير من ألف شهر. فسبحانك اللّهم يا ذا الجلال والإكرام، لك الحمد ولك الشّكر، إذ أرسلت إلينا رسولا يتلو علينا آياتك، ويعلّمنا الكتاب والحكمة، ويخرجنا من الظّلمات إلى النّور. ثم تعهّدت كتابك بالحفظ والرّعاية، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أيها الإخوة المؤمنون، إنها لمبادرة طيّبة مثل هذه التّظاهرات التي تستحثّ همم شبابنا لحفظ كتاب الله وإتقان علومه، ولديهم -بحمد الله- مؤهلات قيمة، واستعدادات قويّة لحمل هذه الأمانة عبر الأجيال، وإن ناءت بحملها الأرض والسّماوات والجبال، سيما ونحن في عصر استحوذت فيه على النّفوس شهوة الجاه والمال. فطوبى لكم -أيها الأبناء- بهذه المنّة التي حباكم الله بها، إذ اندرجتم في زمرة حملة كتاب الله، وانسكبت في قلوبكم هذه الأنوار الرّبانية، وقد وجدت من طيّب نشأتكم وصفاء أرواحكم مرتعا خصيبا لاستقرار بذورها التي نرجو لها منكم مزيدا من التّعهّد والرّعاية لتؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها. (1/25)
صفحة 26
وبشرى لكل وليّ مربّيا أو مسؤولا، لا يألو جهده في خدمة كتاب الله ونشر تعاليمه، والالتزام بحدوده وتوجيهاته فهو كما قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي عنه: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم. لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنّ حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا} (الجن: 1 - 2). من قال به صدق، ومن عمل به رشد ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (1).
أيها الإخوة المؤمنون، إن أمتنا الإسلامية تمرّ اليوم بفترة عصيبة في مسيرتها التّاريخية، وهي تتلمّس طريقها نحو عزتها وكرامتها لتحقيق خيريتها في العالمين، كما أراد لها خالقها يوم أن دوّت آيات هذا الكتاب المبين، ليعلنها على مسمع الدّنيا شهادة تكريم وتشريف من لدن العزيز الحكيم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران:110).
__________
(1) - رواه الترمذي، باب ما جاء في فضل القرآن، حديث 2906: 5/ 172، من حديث علي بن أبي طالب. وقد روي نحوه موقوفا بسند أصحّ عن ابن مسعود: البيهقي، شعب الإيمان، حديث 1832: 3/ 372. (1/26)
صفحة 27
فإذا كنا بالأمس شادهين في غمرة الضّعف والوهن، حائرين في صدمة المصائب والمحن، ولم تتحدّد بعد معالم الطّريق، ولا استطعنا أن نميّز بين العدوّ والصّديق، فقد أصبحنا اليوم -بحمد الله- كاملي الوعي، موفوري الصّحة والعافية، وقد انقشعت غيوم الشّكوك والأوهام عن آفاق مستقبلنا، وتجلّت للناس أجمعين مقومات نهضتنا، واجتمعت كلمتنا على ثوابت شخصيتنا، فهيهات هيهات أن نرضى عن الإسلام بديلا، ولا عن لغته ومنهاجه تحويلا. فليخطّط أعداؤنا كيف يشاؤون، وليتربصوا بنا حيثما يريدون، فإن المارد الذي ظنوا أنّهم سدّوا عليه في القمقم السّحريّ قد انفلت من إساره، وهو اليوم -بإذن الله- يستضيئ بنوره ليعود موفور الكرامة إلى داره، وليس إلا كتاب الله دليله في مساره. {إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُومِنِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء:9). {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (النّساء:174).
اللّهم إنا نسألك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وقائدنا وسائقنا إلى جنة النّعيم يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان تأبين الشّيخ الحاج إبراهيم "?رادي" (1/27)
صفحة 28
أقيم حفل تأبين لفقيد العطفاء الشّيخ الحاج إبراهيم بن يحي الحاج أيوب "?رادي" 08 شوال 1410هـ الموافق لـ 03 مارس 1990م. نسقته جمعية النّهضة ليوم كامل، ودعت إليه الجمعيات الثّقافية "بوادي ميزاب" ووارجلان، وكثيرا من أصدقائه ومعارفه. فاجتمع لهذا المهرجان حشد عظيم من المدعوّين وفي مقدمتهم السّلطات المحلّية وبعض الدّكاترة والأساتذة، منهم الإخوة: "أبو القاسم سعد الله، محمد لعساكر، عبد الرّزاق ?سوم، محمد النّاصر، فحبّرت هذه الكلمات ليلقيها رئيس الجمعية السّيد سماوي الحاج عيسى بن إبراهيم في افتتاح الحفل مرحّبا بالضّيوف في رحاب المسجد الجامع، أما أنا فقد ألقيت محاضرة في حياة الأخ الفقيد.
الحمد لله الكبير المتعالي، ذي العظمة والجلال، بارئ الخلق ومقدّر الآجال، سبحانه الحيّ القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه، نجوم الهدى ومصابيح الظّلماء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، ويا سراة الأمة الأماجد، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا.
لنا الشّرف العظيم أن نستقبلكم في رحاب هذا البيت المعمور الذي تتنزّل عليه الرّحمات، وتحفّه الملائكة وقد لبّيتم دعوتنا، وتكرّمتم بحضوركم إلى هذه التّظاهرة الجليلة الخاشعة التي أقمناها وفاء لرّوح أخ لنا عزيز كريم، كان بالأمس القريب إلى جانبنا يرفع لواء الجهاد، ويتفانى في إعلاء كلمة الله بالرّأي الحصيف، والكلمة الصّادقة، والعمل الدّؤوب فقيدنا المرحوم الشّيخ الحاج إبراهيم بن يحي الحاج أيوب "?رادي" هذا الأخ الكريم الذي يحمل له كل منا في جوانحه أطيب الذّكريات وأصدق العواطف وأنبل الأحاسيس، لما كان يتمتع به -رحمه الله- من دماثة الأخلاق ولطافة المعشر، وطهارة النّفس وسموّ الرّوح. (1/28)
صفحة 29
وما هذا الإقبال على مهرجان تأبينه في مثل هذا الحشد الكريم والموكب الجليل إلا دليل على الحبّ والتّقدير الذي يكنّه كل منا لروحه الطّاهرة، واعتراف بفضل مقامه وجهاده في الحفاظ على مقوّمات هذا المجتمع الفاضل. فأهلا ومرحبا بكم في ربوع العطفاء، فأنتم بين أحضان الأمّ الرّؤوم لقرى وادي ميزاب، تقرّ عينها بوجوهكم النّيّرة وطلعتكم الكريمة، وتجد في شهودكم عزاء لمصابها في أعزّ أبنائها البررة. فجازاكم الله عنا خيرا، وحباكم بالرّوح والرّيحان، وأكرمكم في جنة الخلد ونعيم الرّضوان.
فباسم هيئات البلدة عامّة، وإدارة جمعية النهضة خاصّة نحيّيكم ونشكركم على هذه الاستجابة التلقائية لواجب الأخوّة في الله. وهذه إحدى الفضائل التي منّ الله بها على المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم. ولن يخذل الله أمّة تصافت قلوبها على محبة الله، وزكت نفوسها بنور الله، ووجدت هداها في الاعتصام بحبل الله. وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا. ثبّت الله خطانا على نهج الرّشاد، وألهمنا رشدنا في المعاش والمعاد، إنه مولانا ونعم النّصير، والحمد لله ربّ العالمين.
في موكب جمعية الإرشاد والإصلاح.
عقدت جمعية الإرشاد والإصلاح في الملعب البلدي بغرداية تجمّعا شعبيّا يوم الخميس 27 ربيع الثّاني 1411هـ الموافق لـ 15 نوفمبر 1990م. في نطاق الإعلام بمبادئ الجمعية وأهدافها للجماهير. وكان الوفد يضمّ أعضاء المكتب الوطني للجمعية وبعض الدّعاة المشاهير فألقيت في الجمع الحاشد هذه الكلمات.
الحمد لله العلي القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، يدبّر الأمر كيف يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. نحمده حمد المخلصين الأوفياء، ونستعين به ونستغفره ونتوب إليه ونحن بين الخوف والرّجاء. ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد سيّد الخلق وخاتم الرّسل والأنبياء وعلى آله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم البعض والجزاء. أما بعد: (1/29)
صفحة 30
فيا أيها الوفد الكريم، ويا أيها الإخوة المؤمنون، طبتم وطاب مسعاكم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. ها أنتم أولاء تحلّون في هذه الرّبوع العامرة والأشواق تهزّها إلى لقياكم، وتفدون على هذه الجموع الكريمة الطّاهرة والحنين يشدّها إلى مرآكم، وحتى السّماء باركت مقدمكم الميمون فجادت بغيثها المريع ليطهّر القلوب ويذهب عنها رجز الشّيطان. فأهلا ومرحبا بمقدمكم الميمون، انزلوا على بركة الله مكرّمين، فهذه دياركم وأنتم الأهلون.
أيها الإخوة الأعزاء، ليس عجيبا أن تتكرّر عليكم الدّعوات لمثل هذه التّجمّعات في ظل الشّفافية والدّيمقراطية، وليس غريبا أن يخطئ بعضنا في التّقدير، وقد تشعبّت أمامه المسالك، وتعدّدت المشارب وامتزجت الأصوات (1) ولكننا -نحن المسلمين- لا يسعنا أن نبقى حائرين، ولا يجوز لنا أن نظل حيارى تائهين، وبين أيدينا هدى ربّ العالمين، يحدّد لنا مواطن الاستجابة للدعوة ويضع لها شروطها وموازينها فيقول جلّ من قائل: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} (الأنفال: 24 - 25).
__________
(1) - يشير الخطيب إلى جنوح بعض أبناء منطقة "وادي ميزاب" إلى الأحزاب المتطرّفة في اليمين أو اليسار. وقد أصبحوا منتمين إليها، إما إيمانا وقناعة، أو استخذاء وطمعا. (1/30)
صفحة 31
فالاستجابة التّلقائية من جموع المؤمنين لا تكون إلا لله ولرسوله، لأنها دعوة إلى الحياة المثلى، حياة العزة والكرامة، حياة الصّلاح والتّقوى، حياة الوسطية والاعتدال، حياة تضمن لنا السّعادة والرّضى وحسن المآل. فكل صوت يرفع عقيرته بهذه الدعوة المخلصة فنحن له منصتون، وكل نداء يلتزم في دعوته هدى الله ورسوله بالحكمة والموعظة الحسنة فنحن له مستجيبون. لأننا -بحمد الله- في أحضان الإسلام درجنا، وعلى منهجه الصّحيح تربيّنا.
ولكم تعرّضت هذه المنطقة العزيزة من وطننا المفدّى لأساليب المسخ والتّشويه، واحتوشتها من كل جانب شرور التّفسّخ والانحلال، ولكنها -والحمد لله- كالذّهب الأصيل، لا تزيدها المصائب إلا نقاء وصفاء، وكالجبال الرّواسي، لا تزيدها العواصف والأعاصير إلا صمودا وشموخا.
ألا فليخسأ الحاقدون على الإسلام، لأننا لا نبغي عنه بديلا من يوم أن اختار أسلافنا هذه المنطقة الطّيّبة منتجعا لمستقرّهم ومثواهم، بعيدا عن الصّراعات والفتن، وكذا فليهنأ الدّعاة إلى الله والعاملون لنصرة الإسلام أننا في صميم معركته الخالدة بالأمس القريب والبعيد واليوم وغدًا لم نخفر له ذمّة ولم ننكث له عهدا. فمرحى بدعوة ترشد وتصلح، وتزجي الصّفوف على هدي القرآن، وتربط القلوب على محبة الرّحمن، وطوبى لمن استجاب وهو يستشرف بحبوحة الرّضوان، ويرجو ما عند الله من المثوبة والغفران. (1/31)
صفحة 32
فيا أمة الإسلام! لقد تأذّن ربّ العزة ليقيّضنّ لهذا الدّين من يضمن له عزّته وبقاءه ولو كره الكافرون، ويجدّد دعوته في العالمين ولو تألّب عليه الطّغاة المستبدّون فقال جلّ من قائل: {يُرِيدُونَ أَنْ يُّطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللهُ إِلآَّ أَنْ يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التّوبة: 32 - 33). فها قد تحققت الصّحوة المباركة ونهض العملاق، ودوّت صرخته الرّبانية في الآفاق، فهيهات هيهات أن يخفت دويّها لغو الأبواق، لأنها صرخة الحق المبين، تستمدّ قوّتها من سلطان ربّ العالمين.
ولئن بقي المتخاذلون في ريبهم يترددون، فإن من الأمة الإسلامية جنودا لا تهيبهم سيّاط الجلاّدين، ولا تستفزّهم دسائس الماكرين، ولا تستخفّهم نزوات الطّامعين، لأنهم تخرّجوا من مدرسة محمد رسول الله، اتخذوه قدوتهم وارتضوه قائدهم، فهم يردّدون معه كلما ضاقت بهم السّبل وألحت عليهم الضّغوط والتّحدّيات، يردّدون: «يا عم، لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت الأمر حتى يظهره الله أو أهلك» (1).
فقد شهد التّاريخ لهؤلاء الرّوّاد الأبطال أنهم: {مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23).
فإذا تحققت للأمة الإسلامية هذه القيادة الرّشيدة والتحمت صفوفها على الوفاء والإخلاص لدين الله، فإن الاستجابة من طرف الجماهير والتزامها بالسّمع والطّاعة سوف تهزّ عروش الطّغاة، وتدكّ صروح الزّيغ والضّلال.
__________
(1) - أخرجه ابن إسحاق في المغازي: 1/ 284. (1/32)
صفحة 33
ألا فلتسيروا على بركة الله في نهج الصّالحين، ورائدكم محمد وصحبه، {أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح:29). فإن هذه الجموع المؤمنة متلهّفة إلى من يسدّد خطاها على طريق الوحدة والوئام، ويزيح ما ران على قلوبها من الخرافات والأوهام، وهي لا تسلس قيادها إلا لمن يدعوها باسم الإيمان والإسلام.
أيها الإخوة الأعزاء، لقد آن الأوان أن تتلاحم الصّفوف على أخوّة الإيمان، وتتصافى القلوب على محبّة الرّحمن. فهذا نداء رسول الله يهيب بكم من حظيرة القدس أن لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} (الحديد:16).
فها هي دعوة الإرشاد والإصلاح تلقي إليكم بفلذات أكبادها فأروهم من حرارة هذا اللّقاء المبارك صدقا في النوايا ونبلا في المقاصد، وطهرا في المظهر والمخبر، وإخلاصا ووفاء في المنشط والمكره.
فإن التزمتم بذلك -ولا أخالكم مقصرين- فسوف يمنّ الله علينا بلطفه ورحمته في هذه الرّبوع الأمينة، فيأنس الشّرود وتندمل الجراح وتسكن العواطف الجموحة.
ففرّوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون يخز أعداءكم، ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، والله تعالى ينادينا في محكم كتابه الكريم: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، فَإِن زَلَلْتُمْ مِّنم بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 208 - 209).
اللّهم ألّف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا وألهمنا سبل رشدنا، ووفقنا لصالح أعمالنا، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
أخلاقيات الدّعوة إلى الله (1/33)
صفحة 34
هذا حديث ديني سجّلته للتلفزة الوطنية بطلب من مديرية الثّقافة لوزارة الشّؤون الدّينية، وذلك عند حضوري في الملتقى الرّابع والعشرين للفكر الإسلامي الذي انعقد في العاصمة لمدة ثلاثة أيام من 11 إلى 15 جمادى الأولى 1411هـ الموافق لـ 28 نوفمبر إلى 02 ديسمبر 1990م. تحت شعار: "الاقتصاد الإسلامي والتّنمية الشّاملة" وقد بثت التّلفزة الوطنية هذا الحديث يوم الجمعة 13 جمادى الأولى 1411هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 1990م قبل النّشرة المسائية للأخبار.
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظّالمين، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، اللّهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنه لممّا يثلج صدر المؤمن ويبعث في نفسه الأمل، أن يشاهد السّاحة الوطنيّة في هذه الأيام تتحرّك في إطار التّوجّه الإسلامي وتقيم النّدوات واللّقاءات لتبادل الآراء ودراسة مختلف القضايا والمشاكل التي تشغل بال المسلم وتقضّ مضجعه، وهو يعيش تحدّيات خطيرة تذكرّه بتلك الحقبة الأليمة من تاريخه، إذ يواجه اليوم بشكل أعنف القوى الصّليبية الحاقدة والصّهيونية الماكرة ومن يدور في فلكهما من المتخاذلين.
ومن حكمة الله العلي القدير ورحمته بهذه الأمة أن يتفجّر هذا الوعيّ الدّينيّ المبارك في كيانها ليواجه تلك التّحديّات بما تتطلّبها من الحصانة الذّاتية المرتكزة على المقومات الأصيلة التي يعتزّ بها هذا الشّعب الكريم. وكل مواكب لهذا النّشاط الإسلامي المبارك لا يسعه إلا أن يتمنّى له النّجاح في المسعى، والسّداد والتّوفيق حتى يصل إلى غايته المنشودة بإذن الله. (1/34)
صفحة 35
ولا يتأتى ذلك للمسيرة الإسلامية إلا أن تجعل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوتها الحسنة ومثالها الأسمى. وقد عرفت الدّعوة بقيادته الحكيمة فترتين متمايزتين في أوضاعهما، تتطلب كل منهما معطيات خاصّة في التّخطيط ومنهجية في السّلوك.
أولاهما: فترة الإعداد والتّكوين، اهتم فيها رسول الله بتكوين النّخبة من أصحابه الأوائل الخلّص الذين هم بمنزلة الرّكائز والأركان الني ينهض عليها بناء الصّرح الإسلامي بكلّ مقوّماته الأساسية التي جاء بها الدّين الجديد ليطبقها في واقع النّاس.
وهذا الجيل المتميّز من الرّعيل الأوّل لم يكن بمنجاة عن البيئة الجاهلية تأثرا وتأثيرا يختلف عمقها من شخص إلى آخر حسب طور سنّه ومركزه الاجتماعي. ولكن رسول الله استطاع بعظيم أخلاقه وحسن تربيته أن يجعل من هؤلاء الأفذاذ قمما لا تدانى في الإخلاص والوفاء والتّضحية بكل ما يملكون لنصرة الدّعوة الجديدة والتّمكين لها. وتنتظم هذه الفترة ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة، عرف فيها الرّسول وأصحابه ألوانا من المضايقات والتّحدّيات، وتحملّوا فيها ضروبا من الدّسائس والمكايد بصبر وثبات. ولم يكن المولى تبارك وتعالى قد أذن لهم بالانتصار لأنفسهم فقال جلّ من قائل: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} (النّساء:77). (1/35)
صفحة 36
وإذا تدبّرنا سور القرآن التي نزلت في هذه الفترة فإننا نجدها تركّز على غرس العقيدة الصّحيحة في النّفوس بكلّ مبادئها وأسسها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتدعو إلى إحسان الصّلة بالخالق العظيم بإقام الصّلاة والإحسان إلى خلق الله بالصّدقة والزّكاة دونما تفصيل في الأحكام أو تقنين للأنظمة. حتى إذا اكتملت العدة الرّوحية وقد صهرتها المحن ومحصتها الشّدائد، وأصبح الرّجل منهم في قيمته المعنوية بعشرة رجال، أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة المنوّرة، وقد قدّر أن تكون محضنا للدّولة الإسلامية النّاشئة، فقال جلّ من قائل: {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللهُ} (الحج:39 - 40).
وبذلك انتقل الرّسول وأصحابه إلى الفترة الثّانية، وهي مرحلة التّغيير وبناء الدّولة الإسلامية التي ينمو بين أحضانها المجتمع المسلم بكلّ مقوّماته التي تتركز على أنّ الحاكمية لله وحده، وأنّ الحكم لا ينبني إلا على شرعة العدل وتوجيهاته الحكيمة. تلكم أيها المؤمنون هي الخطوط العريضة لمسار الدّعوة الإسلامية في مرحلتها الإعدادية والتّغييرية.
فإذا ما جئنا لنقارن وضعية الأمة الإسلامية اليوم بذلكم الماضي المثالي المجيد، فإننا نجد طبيعة الصّراع لا تختلف كثيرا، بناء على المقولة المعروفة "التّاريخ يعيد نفسه"، فأعداء الأمس هم أعداء اليوم مع تطوير الأساليب وفخامة الإمكانيات، وتوجيهات القرآن تحذّرنا من الاغترار والتّهاون فيقول تعالى في كثير من السّور المدنية موّجها ومحذّرا:
أ- {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمُ إِنِ اِسْتَطَاعُواْ} (البقرة:217). (1/36)
صفحة 37
ب- {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} (آل عمران:100).
جـ- {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُم عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} (آل عمران:149).
د- {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ} (المائدة:51).
فهل الدّعوة الإسلامية قد استكملت عدتها اليوم في الإعداد والتّربية لجماهيرنا الشّعبية بصفة عامة، وللنخبة المختارة بصفة خاصّة؟، وهل بلغت من الوعي والنّضج ما يؤهّلها لتنتقل بها إلى مرحلة التّغيير؟.
والإجابة المقنعة لهذا السّؤال لا نلتمسه في الأقوال والدعاوي والمظاهر الشّكلية للأشخاص والمجموعات بقدر ما يجب أن نعرضه على الصّفحة النّاصعة من سيرة رسول الله وأصحابه، وهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم يستخفون بدينهم، أو هم يتحمّلون العذاب في رمضاء مكّة والسيّاط على ظهورهم، أو هم محاصرون في شعب مكّة لثلاث سنوات يكادون يموتون جوعا، أو هم يهاجرون إلى الحبشة لاجئين وأعداؤهم يلاحقونهم ويطاردونهم؟.
كل ذلك، وليس لهم بدّ من الصّبر والانتظار، لمزيد من التّشكّل والانصهار في بوتقة الدّين الجديد، وهم في ذلك الموقف الرّهيب لا يتعجّلون قطف الثّمرة ولا هم يستحسرون. والله تعالى يقول لرسوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (الأحقاف:35). ويقول: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمُ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرّعد:40). (1/37)
صفحة 38
قلت: يجب على الدّعاة إلى الله أن يتأسّوا في عملهم الدّعوي الدّؤوب برسول الله وصحبه، انطلاقا من إخلاص العمل لله وابتغاء مرضاته في كل موقف يقفونه، أو خطة يضعونها، أو مسعى يأخذون فيه، وهم يزجون الصّفوف المؤمنة لتحقيق التّغيير المنشود في المجتمع المسلم. ولينتهجوا النّهج الصّحيح، وهم يحاولون تحقيق الأماني التي تتعلّق بها جماهيرنا وهي تلقي بمقاليدها في أيديهم، إيمانا منها بنبل القصد وشرف الغاية. وحذار حذار من بنيّات الطّريق حيث يترصّدنا الشّيطان وأولياؤه لينحرف بنا عن طريق الجادّة، إذ يغوينا بالزّعامة ويؤجّج في نفوسنا حبّ المحمدة والظّهور أو الحصول على المنافع العاجلة. ولنضع أيدينا على صدورنا، ولنراقب الله في تصرّفاتنا لنحر الجواب على السّؤال المطروح آنفا، هل استكملنا حقا عدّتنا في الإعداد والتّربية؟.
ولعلّ من أولويات وسائل ذلك الإعداد أن يكون إيماننا ويقيننا في ربّنا متمكّنا راسخا لا شبهة فيه، وآية ذلك أن يكون حبّنا لبعضنا البعض منبثقا عن ذلك الحبّ الإلهي المكين الذي تذوب فيه الحساسيات المصطنعة، والفوارق التي وضعناها بأيدينا، ولم نجن منها إلا التّمزق والتّشتت وبالتّالي أصبحنا نعيش في دوّامة من الصّراعات والمهاترات التي تهدّد وحدتنا وتفرّق جهودنا. وكل دعوة لا تهدف إلى تكتيل الجهود وتوحيد الصّفوف، ولا تبرهن في السّاحة الوطنية على مدى فعاليتها في هذا المجال، فإنما هي دعوة قصارى ما نقول عنها أنها صرخة في واد أو نفخة في رماد، سوف تصاب بخيبة أمل -لا قدر الله- لأن ضمير الشّعب ناقد بصير سوف يعرف المصلح من المفسد ويميز الخبيث من الطّيّب. وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
أملنا في الله وطيد أن يرشد المخلصين من أبناء هذه الأمة إلى توحيد صفوفهم وتكتيل جهودهم والعمل بإخلاص لتكون كلمة الله هي العليا. (1/38)
صفحة 39
أدعو جميع المؤمنين إلى ما دعاهم الله إليه في محكم كتابه الكريم: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال:24). {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، فَإِن زَلَلْتُمْ مِّنم بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:208 - 209).
فها قد قامت حجة الله علينا، فهل نحن مستعدّون لأن نتصالح مع الله بحق في تركيز صلتنا به إيمانا صادقا ويقينا راسخا، لا تخلخله نوازع النّفس ولا تنال منه وساوس الشّيطان، ثم نتصالح مع أنفسنا فلا نغويها بالأماني الكاذبة ولا ندسيّها بالغرور والعجب والرّياء والنّفاق، وبالتّالي نتصالح مع بعضنا البعض، إذ قضى علينا ربنا بأخوّة الدّين ومحبّة الإيمان. فإن نحن قدرنا على ذلك -ولا إخالنا عاجزين- فسوف يحق الله الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، غفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
يوم ألقيت عصا التّرحال.
أسّس مديرو المدارس الأساسية جمعية معتمدة تتكفّل برعاية حقوقهم والتّعبير عن رغباتهم وكان يرأسها على مستوى ولاية غرداية الأستاذ محمد بن عيسى فخار.
أقامت الجمعية حفل تكريم على شرف الزّملاء المتقاعدين في بلديات غرداية، بنورة، العطف. وتمّ ذلك في إكمالية العطف ليوم 12 جمادى الأولى 1412هـ الموافق لـ 19 ديسمبر 1991م. فألقيت في الحفل هذا الخطاب.
حمدًا لله العليّ الكبير يمدّ في الآجال ويبارك في الأعمار، سبحانه هو الله الواحد القهار. نحمده حق حمده، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله إمام المصطفين الأخيار صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأبرار، أما بعد: (1/39)
صفحة 40
فيا صفوة الأجيال، ويا قدوة الأمة في موكب الجهاد والنّضال، الأخ الكريم السّيد مدير المؤسسة، زملائي وأحبائي، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
إنه لمن الصّعوبة بمكان أن يقف الإنسان مثل هذا الموقف المحرج الدّقيق، في هالة من زملاء المهنة ورفاق الدّرب. والكلّ يتحرّق إشفاقا ويتحسّر كمدا على فراق صاحبه، في قهر من سنن الحياة، وقرار من الأنظمة التي تواضع عليها النّاس في حياتهم المهنية وأنظمتهم الاجتماعية.
نعم! أيها الأحبة، لقد لقيت بلقياكم هذه شبابي وفتوّتي، أيام كنت في غمرة النّشاط والبذل والعطاء، وأنا لا أشعر بالخيط الأبيض يمزّق سواد شعري ليحرمني لذة الوصال ويؤذن بالفراق والرّحيل، وقد صدق أمير الشّعراء حين صوّر اللّحظات الهنيئة كيف تمرّ عجالا فقال:
ما العمر إلا ليلة ... كان الصّباح لها جبينه
ذ
فكيف لا يرتجف فؤادي، ولا تختلج مشاعري لموكب جمع الأحبّة والأصدقاء على حين غفلة من الدّهر، وحرّك الأشواق والحنين إلى لقاء ملائكيّ بكل ما فيه من معاني النّبل والطّهر؛ فإذا بالذّكريات تطالعني من كل حدب وصوّب، وإذا بي أتصفّح الوجوه وأقرأ على أسرّتها معاني الصّداقة والحبّ، فتهزّني الأشواق ولا أملك لها ردّا. وقديما قال عمر بن أبي ربيعة:
وذو الشّوق القديم وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
ذ
أيها الأحبة الكرام، لقد طوّقتم جيدي بمنة لا تنسى وكافيتموني بجميل لا يفنى، وبوّأتموني مقعدا خشيت أن أكون دون منزلته، وشرفتموني بقدر أرجو أن يرفعني الله تعالى إلى مرتبته لأكون عند حسن الظّن. وإني لا أقارضكم شكرا بشكر وثناء بثناء، لأن ذلك يفسد ما في القلوب من إخلاص ووفاء، ولا هو من شيمة الأصدقاء الأوفياء. ولكني في هذا الموقف المشهود أدعو الله تعالى بما دعا به الصّديق - رضي الله عنه -: اللّهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. (1/40)
صفحة 41
وكأني بكل واحد منكم تلحّ عليه الخواطر، فيستعرض المشاهد والأطوار في مسيرته المهنية، على ما فيها من تقلّبات ومن متناقضات أحيانا فيودّ لو يطوى الزّمان طيّا، ويقفز لمرحلة التّقاعد جريا.
ولا غرابة في ذلك، فإن الإنسان خلق من عجل، تستحثه خطى الأماني إلى غايته إن سار على مهل، ولكن تذكّروا -أيها الإخوة- حكمة من قال: كل من سار على الدّرب وصل.
أمعلّمي الوادي وساسة نشئه ... والطّابعين شبابه المأمولا
والحاملين إذا دعوا ليعلّموا ... عبء الأمانة فادحا مسؤولا
إني لأعذركم وأحسب عبئكم ... من بين أعباء الرّجال ثقيلا
نعم! أيها الأحبة: إنها أمانة وعبء ثقيل، هذا الذي قصم كثيرا من الظّهور، التي استخفّها التّطاول وركبها الغرور، حين ظنت العملية التّربوية مجالا للراحة ومضغ الكلام، أو منصبا لاستدرار الأموال وجمع الحطام. فخانهم العزم في الخطوات الأولى لسوء الفهم والتّقدير، وتخلّفوا عن القافلة وهي تغذّ السّير.
وهكذا تكون النّتائج وخيمة إذا وسّد الأمر لغير أهله وتنذر بسوء المصير. فاربأوا بأنفسكم -أيها الإخوة- أن يكون في صفكم هؤلاء المتخاذلون لأنهم لا يألونكم خبالا، ولا يصلحون لحمل هذه الأمانة وقد ساءوا مثالا.
وإذا المعلّم لم يكن عدلا مشى ... روح العدالة في الشّباب ضئيلا ... ذ
وإذا المعلّم ساء لحظ بصيرة ... جاءت على يده البصائر حولا
فهو الذي يبني الطّباع قويمة ... وهو الذي يبني النّفوس عدولا
نعم! فإن الأجيال التي تربّونها لهي وحدها الكنز الغالي بين أيديكم وفي عهدتكم. تفتقون مواهبهم وتصقلون طباعهم، وتهذبون نفوسهم، ثم تدفعون بهم في كل الميادين رجالا أقوياء يصولون ويجولون، ويبنون ويعمرّون، وينشرون الطّهر والفضيلة، ويحققون الرفاه والازدهار، بالإصلاح والتّغيير المنشود، قائمين بالقسط موفّين بالعهود. (1/41)
صفحة 42
فمن غيركم يستطيع تحقيق هذه المعجزة في الأجيال؟؟ أهم السّاسة المتنافسون على المناصب والمقاعد؟ أو الشّيوخ المنزوون في البيوت والمعابد؟ كلاّ! بل أنتم السّاسة المرشدون، والقادة الحقيقيون إن عرفتهم كيف تسلكون السبيل بهذه الأجيال الحائرة، وتزجون الصّفوف في هذه المعركة الدّائرة، لأن بلادنا أصبحت في منعرج خطير تتقاذفها التّيارات، وتتناوشها التّحديات، ولا تكاد تهتدي إلى سبيل الخلاص، إذ تشعبّت عليها المسالك وتهافتت الأصوات حتى صمّت الآذان، والكلّ يدّعي أنه المنقذ لسفينة الأمّة إلى برّ الأمان.
ألا فلتقدّروا أيها الإخوة موقفكم التّاريخي من هذه الأجيال الصّاعدة، فإنها أمانة بين أيديكم، وهي وحدها معقد الآمال لهذا الوطن الجريح، وهو اليوم يستصرخ ويصيح، أن تمدوا له العون والمساعدة وترشدوه إلى الطّريق الصّحيح.
ولا يتحقق ذلك إلا بجيل جديد لم يتلوّث بالرّواسب المتعفّنة ولم تخالطه الشّوائب المسمومة، إذ كفلتموه باللّبن الصّافي، وطعّمتموه بالمصل الشّافي، وحصنتموه بالمناعة الرّوحية، إن غاص في البحر لا يغرق، أو ألقي به في اللّهب لا يحرق.
تلكم هي مهمّتكم النّبيلة ومسؤوليتكم الشّريفة، وحسبكم من الأجيال أن تكونوا من صانعي الرّجال، وحسبكم عند الله أن يثيبكم بالرّضوان وحسن المآل.
وأختم كلمتي هذه بتجديد الشّكر والثّناء لكم على هذه اللّفتة الكريمة، وأنا أردّد مع أمير الشّعراء هذه الأبيات التي وجّهها لمحبيّه، في دعوته من منفاه إلى وطنه وذويه، قال:
وحيّا الله فتيانا سماحا ... كسوْا عطفيّ من فخر ثيابا
ملائكة إذا حفّوك يوما ... أحبّك كل من تلقى وهابا
وإن حملتك أيديهم بحورا ... بلغت على أكفّهم السحابا
تلقّوني بكل أغرّ زاهٍ ... كأن على أسرّته شهابا
ترى الإيمان مؤتلقا عليه ... ونور العلم والكرم اللّبابا
والحمد لله رب العالمين
مشروع الرّحمة في غرداية. (1/42)
صفحة 43
قامت جمعية الأعضاء المنتخبين القدامى لسهل "وادي ميزاب" لولاية غرداية، قامت بمبادرة جمع التّبرعات من المواطنين لشراء آلات صناعية لتصفية الدّم للمصابين بمرضى الكلى. وذلك بتنسيق مع المجلس الشعبي الولائي ومديرية الصّحة. وقد كلّفت من طرف رئيس الجمعية الأخ السّيد: باباز الحاج عيسى رئيس بلدية غرداية، كلّفني بتنشيط التّجمّع الذي تمّ بقاعة المداولات ببلدية غرداية عشية يوم الاثنين 03 شعبان 1413هـ الموافق لـ 25 جانفي 1993م. بحضور شخصيات بارزة وعدد من المسؤولين والإطارات، فألقيت هذه الكلمات.
الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة فقال جلّ من قائل: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم:7). ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد القائل: «كلّكم عيال الله، وخيركم أنفعكم لعياله» (1)، اللّهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، مسؤولين وإطارات ومواطنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، نحمده تعالى أن أتاح لنا هذه الفرصة المباركة لندبّر أمرنا ونجمع رأينا على ما فيه صلاح معاشنا ومعادنا، ونحن في ظروف أحوج ما نكون فيها إلى مثل هذه اللّقاءات في مثل هذا المستوى من سراة المجتمع ومفكّريه، سعيا منا إلى وحدة الصّفّ وضمّ الجهود، وإلى التّعاون والتّآزر في ما يعود على مجتمعنا بالنّفع العميم والخير الجزيل.
__________
(1) - رواه البيهقي من حديث أنس بن مالك، شعب الإيمان، حديث 7045: 9/ 521. (1/43)
صفحة 44
وإنها لمبادرة طيّبة سوف يكون لباعثها ومنسقها أطيّب الذّكر في الأجيال، وأجزل الأجر والثّواب عند الله الكبير المتعالي. فما أحوجنا -أيها السّادة- إلى تلقين أجيالنا الصّاعدة أمثال هذه النّشاطات الخيرية التي تدعو إلى البرّ والإحسان، وتبقى على روابط الأخوّة والمحبّة بين أفراد المجتمع المسلم كما وصفه الله تعالى في قوله: {أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح:29). وكما وصفه نبي الرّحمة في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى» (1).
أجل، فإن لهذا المجتمع الطّيّب الكريم عادات وتقاليد عريقة في مجالات البرّ والإحسان، وفي مواقف التآزر والتّضامن تنبني قواعدها على أسس الدّين الحنيف تسابقا في الخيرات، وطلبا لما عند الله من الحسنات والقربات. وتزيدها فعالية ونماء تلك الظّروف القاسية التي واكبت حياة المنطقة منذ نشأتها إلى يوم النّاس هذا. غير أن عامل التطوّر والرّقيّ الاجتماعي، مع الاضطراب الثّقافي الذي تعيشه الأجيال الحاضرة، جعلت تلك الجذوة تخبو رويدا رويدا تحت ركام من الاتكالية واللامبالاة، ونخشى من وراء ذلك أن تنسى أجيالنا ذلك التّراث الحضاري الأصيل حتى لا يبقى له أثر في النّفوس -لا قدر الله- فها هي الظّروف القاسية والأزمات الخانقة تهزّنا من جديد، وتستحثّ هممنا مرة أخرى لنعود إلى أصول تربيتنا وحضارتنا في تركيز روح التّضامن والتّعاون في السّرّاء والضّرّاء؛ وذلك بالاعتماد على أنفسنا وتوظيف بعض إمكانياتنا المادّية والبشرية في بعض مجالات البناء والتّجهيز.
__________
(1) - صحيح مسلم، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم 2586: 4/ 1999. (1/44)
صفحة 45
وليس في سعينا هذا من غضاضة ولا لمساعداتنا منّة، في وقت نحاول فيه أن نصحّح تصوّرنا لمفهوم الدّولة ومؤسساتها، من سيادة الطّليعة الآمرة النّاهية، إلى السّيادة الشّعبية النّاضجة الواعية.
أيها الإخوة الأجلاء، لكم كان سرورنا عظيما ونحن نشاهد إعلامنا الوطني يفتح صفحة جديدة في برامجه للإشادة بالتّضامن الشّعبيّ في مختلف شُعبه ومجالاته، سيما ما يكون الهدف منه التّخفيف من آلام البائسين، والتّكفّل بشؤون الضّعاف العاجزين، من ديار الرّحمة إلى المنشآت الصّحيّة وبعض تجهيزاتها إلى غير ذلك من أعمال البرّ والإحسان. فنحن وإن درجنا على مثل تلك الأعمال في تنظيمنا الاجتماعي فلا يعني ذلك أننا قد سددنا كل الثّغرات وكفينا جميع الاحتياجات فإن المسؤولية الاجتماعية تلحّ علينا في هذه الظّروف القاسية أن نستزيد من المبّرات، ونكثف جهودنا في التّضامن والتّكافل والمسارعة في الخيرات. (1/45)
صفحة 46
وها هي جمعيتكم الفتية لأعضاء سهل وادي ميزاب في المجالس الشّعبية تدعوكم إلى هذه المبادرة الكريمة لجلب آلات الكلية الصّناعية التي أصبحت ضرورية لمنشآتنا الصّحية في ولايتنا بعد أن ارتفع عدد المصابين بهذا المرض، وهم يعانون كثيرا في الانتقال إلى حيث تتوفّر هذه الآلة في الولايات الأخرى. ولا شك أننا إذا أنجزنا هذه المبرّة -بعون الله- نكون قد أسدينا خدمة جلّى لهؤلاء الإخوة المرضى، وخففنا عنهم كثيرا من المعاناة والأوجاع، وبالتّالي أدخلنا الفرحة والسّرور على أهليهم وأطفالهم، وكم في ذلك من الأجر والثّواب، لأن إدخال السّرور وإنعاش الأمل في نفوس المكروبين البائسين لهو أفضل قربة يتقرّب بها المسلم إلى الله ليلتمس رضاه. والله تعالى يقول في الحديث القدسي: «ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ» (1)، ويقول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: «من فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة» (2).
أيها الإخوة، إنّ تحقيق هذا المشروع لا يقتصر على بذل الأموال، ولكنه يتطلب مجهودات أخرى إلى جانب ذلك من التّوعية والتّحسيس، ومن الرّأي والمشورة والاتصالات المختلفة في الدّاخل والخارج، فكل من ساهم بجهد في هذا المجال فله أجره عنه الله والذّكر الطيّب عند الناس، فإن الأهمّ هو هذا التّعاون الأخوي في سبيل البرّ والإحسان، وتلك النّية الصّادقة والقصد النّبيل في خدمة الصّالح العام، وفي ذلك التّعاطف والتّراحم كما أمر به الإسلام.
__________
(1) - رواه الترمذي من حديث أبي الدرداء، أبواب الجهاد، باب ما جاء في الاستفتاح بصعاليك المسلمين، حديث 1702، وقال: حسن صحيح: 4/ 206.
(2) - رواه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث 2442: 3/ 128. (1/46)
صفحة 47
فنهيب بكم -أيها الإخوة- أن تستجيبوا لداعي الخير، وأن تكونوا عند حسن ظن إخوة لكم كانوا وما يزالون في طليعة هذا المجتمع، يدبّرون أمره، ويسهرون على أمنه وراحته، وقد أقامهم الله في هذا المقام باختياركم ورضاكم، فلم يبخلوا بجهد ولم يقصّروا في واجب مكّنتهم الظّروف من تحقيقه. فإن الذي يدعونكم إليه ليس من الكماليات التي تفتننا بالتّرف والبذخ، أو تطغينا بالرّفاهية والنعماء، بل هو من الضّرورات الملّحة التي لا تقلّ في حياة المواطن عن قيمة المطعم والملبس والمأوى. {سَارِعُواْ إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 133 - 134).
ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا، والحمد لله رب العالمين.
عند ذكر الصّالحين تنزل الرّحمة.
أقام قدماء القرارة حفلا تأبينيا في ذكرى وفاة الشّيخ الإمام، وذكرى ختمه لتفسير القرآن الكريم، وذلك بمناسبة صدور أول جزء من تفسيره الذي قام بإعداده وتنسيقه الأستاذ: عيسى بن محمد بن بابه ابن الشيخ، وكنت ضمن وفد قدماء العطف في يوم الخميس 26 شعبان 1413هـ الموافق لـ 18 فبراير 1993م. فألقيت في المسجد هذا الخطاب.
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأبرار، وبعد: (1/47)
صفحة 48
فيا أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. نجتمع اليوم في هذا البيت المعمور لنستلهم ذكرى عزيزة علينا، ذكرى وفاة إمامنا الجليل الشّيخ الحاج إبراهيم بن عمر بيوض وذكرى ختمه لتفسير القرآن الكريم. ولئن كانت مثل هذه الذّكريات المجيدة تثير أشجاننا حين تعود علينا في موعدها الزّمنيّ من كل عام، فإنها تغذّي في ضمائرنا روح النّخوة والاعتزاز بقيمنا ورموزنا وتقوي في نفوسنا دوافع الغيرة والحماس على مقدّرات مجتمعنا ومقوّمات منهجه المتميز بأصالته الرّبّانية وتربيته المحمّدية.
وإذا فاتك التفات إلى الما ... ضي فقد غاب عنك وجه التّأسّي
اثنتي عشرة سنة انطوت من عمر الزّمان حين لبّى إمامنا نداء ربّه والتحق بالرّفيق الأعلى، إذ وسّدناه مثواه الأخير في يوم مكفهرّ الجنبات، كئيب بأنين الزّفرات وصبيب العبرات، ولم يكن عزاؤنا فيه إلا أن يكون قبره -بإذن الله- روضة من رياض الجنّة، وأنه مع الذين أنعم الله من النّبيئين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا. وقد ورد في الأثر: أن ألسنة الخلق أقلام الباري. فحسبه شرفًا وخلودًا أن يشهد له القاصي والدّاني بالفضل العميم والخير الجزيل، والعلم الأصيل، والذّكر الجميل، وما أبلغ قول أبي تمام في أمثاله من العظماء:
ألا في سبيل الله من عطّلت له ... فجاج سبيل الله وانثغر الثغر
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذّكر (1/48)
صفحة 49
أجل -أيها الإخوة الأجلاء- إننا لا نستعيد الذّكرى للتحسّر والبكاء، فليس ذلك شأن المؤمن الذي يذعن للقضاء، ولكننا تداعينا إلى هذا المكان الطّاهر بمسجد القرارة العامر لنرد الماء من مورده الصّافي، ونستطبّ لأمراضنا بالبلسم الشّافي، فإن للأمكنة المعمورة معانيها وإيحاءاتها، وللشخصيات الوقورة قدرها وجلالها. ففي رحاب هذا البيت المعمور دوّت صيحات الإمام بالعلم والإرشاد، يتفيّأ بعمّاره ظلال القرآن، ويرتع ببنيه في رياض السّنة. وفي جنباته فجّر للإصلاح ينبوع الحياة لترتوي منه الأجيال، وتتزوّد بزاد العلم والتّقوى، ثم يقذف بهم في ميادين الحياة كأمثل ما يكون عليه الفضلاء من الرّجال. فمَن منكم أيّهذا الجيل لم يقتبس من نوره، ولم يتعلّم السّرى على كواكبه وبدوره؟؟ ولئن فني جثمانه الطّاهر في ذرّات التّراب، فإن روحه الخالدة ترفّ علينا ما بقينا أوفياء لهذا المحراب، إنها تطالعنا من كل الزّوايا في هذا المكان الطّاهر، بل إنها مستكنّة في كل ذرّة منه تسبّح بحمد الله، وتثني عليه بما هو أهل له، إذ حباها من فضله، وأيّدها بعونه ونصره، وعصمها من النّاس فاستطاعت في رحلة عمرها الدّنيوية أن تبني هذا المجتمع الرّبّاني الفاضل، وتضع للمسيرة الإصلاحية معالم طريقها على نهج الله في إطاره الصّحيح الكامل. وقد جعلها الله منقذا لمجتمعنا في فترة من الجهل والرّكود. وعلى حيرة من التّحجّر والجمود.
فسبحان المدبّر الحكيم كيف يحي الموات، ويمنّ على من يشاء من عباده بالكفاءات والقدرات، فتجتمع في الفرد الواحد خصائص الأمة ليصبح في نهضتها معقد الآمال، تتغيّر على يده الأوضاع وتستصلح الأحوال. فكم لإمامنا من صولات وجولات في مقارعة الضّلالات والأوهام، وفي مجابهة الظّلمة اللّئام، لا تلين عريكته في مقاومة البغي والطّغيان، ولا يطيش حلمه حين يقعقع له بالشّنآن. (1/49)
صفحة 50
يقول عنه صاحبه في الكفاح المرحوم الشّيخ بكلي عبد الرّحمن: "إن صحّ أن المروءة هي مجموعة آداب نفسانية ومواهب إنسانية، فالشّيخ بيوض -إذن- مروءة تمشي على رجلين. حباه الله بشتى المواهب: حباه بعقل سليم ملهم يسعده في كلّ موقف، وبعلم واسع لا تكدّره الدّلاء، ولا يدرك غوره، صاف معينه صفاء الشّريعة، عذب فراته عذوبة الحق والصّدق، وبحافظة قويّة هي عدّته في استحضار الحقائق، وسلاحه في مقارعة خصوم الحق، وبذكاء وقاد دقيق الملاحظة، لا تفوته اللّمحة، ولا تندّ عنه شاردة، وحاسة فنّية هي معياره في تقييم الأشياء، ولسان ذرب فصيح يستمدّ مدده من فيض الحكمة، يقرنه المعنى البعيد بلفظ موجز، ويستنزل الخصم العنيد من عليائه بأسلوب معجز".
إلى أن يقول -رحمه الله-: "وإخلاص تشرق أنواره على أعماله فتكسوها مسحة السّداد، وتطبعها بطابع الرّشاد ... خصائص اجتمعت واتحدت، ومواهب ائتلفت وتألّفت في شخص الأستاذ الجليل، فجعلت منه وحيد أمته وعبقريّ ميزاب في عهده".
أيها الإخوة الكرام، هذا تقريض رجل كان في صدارة الإصلاح، وعلى منبر التّعليم والإرشاد لما يربو عن سبعين سنة، واكب فيها حياة الإمام جنبا إلى جنب في الدّعوة إلى الله ونصرة الحق بإخلاص وتفان، وكفى شرفا وفخرا للإنسان، شهادة الخلاّن والأقران.
فإذا اعتبرنا النّصف الأول من هذا القرن باعثا لعودة الوعي في هذا المجتمع، وفترة انبعاث وتجديد على يد هؤلاء الأفذاذ، ثم تلتها فترة التّركيز والتّأصيل وهم ما يزالون بين ظهرانينا يسدّدون ويقاربون حتى اشتدّ ساعدنا وشبنا عن الطّوق، فها هو ذا القرن يكاد يختفي في أغوار الزّمن وقد التقم في بطنه خيرة رجالنا، فهل نحن على درّبهم سائرون، ولعهدهم راعون؟. (1/50)
صفحة 51
فلا شك أن الصّرح الذي بنوه لم تبق فيه ثلمة، وقد رجعوا إلى ربّهم وهم على خلائفهم مطمئنون، بأنهم على آثارهم يهرعون. فلنستنطق الأحداث -أيها الإخوة- ولنقيّم الأوضاع لنعرف مدى الحصانة التي يتمتّع بها جسم الإصلاح، وهل جهاز مناعته ما يزال حصينا أمام عفونة الفيروسات الضّارّة؟. ولا شك أن بيئتنا الطّاهرة أصبحت كغيرها من البيئات تعاني من التّلوّث ما لا تستطيع أن تغالب أدرانه إلا بعد جهد جهيد وتخطيط جديد، ولا تقوى على مقاومتها إلا بعزم من حديد. ونخشى إن نحن غفلنا أو تواكلنا أن تتسرّب إلينا العدوى من قريب أو بعيد.
فيا سراة الإصلاح ويا حماة عرينه، إن الوفاء للشّيخ الإمام لا يتحقق بتنميق الأحاديث وتنسيق الخطب والكلمات، أو برفع الشّعارات وتعليق اللافتات للإشادة بأمجاده لأن حبّه في سويداء قلوبنا وذكراه العطرة ملء جوانحنا. بل لا يكون وفاؤنا له إلا بالمصابرة والمرابطة في اقتفاء آثار جهاده، ومتابعة المسيرة إلى أهدافها السّامية وفق ملته واعتقاده. فكل خيانة للأمانة، وكل إخلال بوتيرة المنهج في العمل البنّاء، فإنها تستحق لعنة الأجيال، وتعرّض وحدتنا للتفكّك والانحلال، فلتكونوا إصلاحيين أو لا تكونوا.
كونوا حائطا لا صدع فيه ... وصفّا لا يرقّع بالكسالى
ذ (1/51)
صفحة 52
أيها الإخوة، في اعتقادي أن الفكرة التي تنادي بأن لا إصلاح ولا جمود خطة ماكرة تهدف إلى خلخلة جذورنا وتحريف مسيرتنا نحو الأفضل والأمثل. فكيف نسوّغ بربّكم هذه الفكرة التي ما جنينا منها إلا تردّدا في المواقف وميوعة في اتخاذ القرارات. ولست بهذا أدعو إلى التنابذ والخصام بين الإخوة، وإنما أرجو أن لا نقبل المساومة في المبادئ والقيم التي تربيّنا عليها، وعاهدنا إمامنا على الوفاء بها. فنحن وإن كنا من دعاة التّسامح والوفاق فإننا ننبذ في أيّ عمل وحدويّ كل أساليب المراوغة والنّفاق. فحسبنا في تعاوننا لصالح الجماعة ووحدتنا المرجوّة ذلك القدر المشترك من الغيرة والوفاء لتراثنا الحضاريّ. أما الطّرق والأساليب فيعذر بعضنا بعضا في ما نختلف فيه وقد قال الحيكم: اختلاف الرّأي لا يفسد للودّ قضية.
فحذار حذار -أيها الإخوة- من بنيات الطّريق، فإن المعالم واضحة والغاية محدّدة، فما علينا إلا أن نؤمّن السّير بخطى ثابتة ومركزة حتى نأمن العثار.
لكأني بالنّفس المطمئنة والرّوح الخالدة لشيخنا الإمام ثاويا في جوار ربّه تنادينا: أن اتقوا الله وسيروا على نهج الصّالحين، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27 - 30). فإن خلائفك بعون الله هم على نهجك سائرون، ولعهدك راعون. وما ذلك النّهج إلا شرع الله الذي أجليت أسراره ومقاصده، وما العهد إلا طاعة الله ورسوله، نعلي ونصون قرآنه ونعمر مساجده. فرحم الله إمامنا وسلكه في الخالدين، مع الأنبياء والصّديقين والشّهداء والصّالحين.
وأخيرًا أردّد مع الشّاعر الفحل أبي تمام هذه الأبيات:
سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر ... ذ (1/52)
صفحة 53
وكيف احتمالي للغيوث صنيعة ... بإسقائها قبرا وفي لحده البحر ... مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ثوى في الثّرى من كان يحيا به الثّرى ... ويغمر صرف الدّهر نائله الغمر
عليك سلام الله وقفا فإنني ... رأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
والحمد لله ربّ العالمين
في ذكرى الجهاد والنّضال
بالحقّ يُعرف الرّجال.
بمناسبة ذكرى الاستقلال وعيد الشّباب لسنتي 1414هـ / 1993م. أقامت جمعية الرّعاية الاجتماعية وإدماج الشّباب مهرجانا لإبداعات الشّباب بالمركز الثّقافي لبلدية العطف بولاية غرداية. عرضت فيه أنواعا من الإنجازات والابتكارات والبحوث العلمية كانت محلّ إعجاب وتقدير من طرف المواطنين وعلى رأسهم السّلطات الرّسمية من البلدية والدّائرة والولاية. وبهذه المناسبة الوطنية الخالدة قررت قسمة المجاهدين تكريم بعض أعضائها بتقليد أوسمة لهم من نوع "المقاوم" وكنت ضمن المختارين لذلك مع أمين القسمة الأخ السّيد بابعمر جلمام مسعود بن الحاج عمر، فألقيت هذه الكلمات.
حمدًا لله العليّ القدير، يمتّعنا متاعا حسنا ويؤتي كل ذي فضل فضله وهو الحكيم الخبير. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله إمام المجاهدين، وأثبتهم في مواطن البأس وأوفاهم إخلاصا لربّ العالمين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد:
فيا أيها الإخوة الأعزاء، ويا رفاق الكفاح والنّضال، إن الإنسان الحرّ الأبيّ يعزّ عليه أن يتعاظم أمام رفاق له أكفّاء، لم يكن له من فضل عليهم في مجال المكرمات بل هم فيه سواء. وقد شاءت حكمة الله أن تلزّهم في قرن ليواجهوا بصبر وثبات ضروبا من المصائب والمحن، إذ استجابوا لنداء الدّين والوطن، قياما بالواجب المقدّس لا بطرا ولا رياء، ولا طلبا لمنفعة أو جزاء. وإن الواحد منا على أتمّ (1/53)
صفحة 54
خجل أن يتقلّد هذا الوسام خشية أن يركبه الزّهو والغرور، وذلك -لعمري- مفسدة لما في الصّدور. فكل واحد منا اليوم لسان حاله يردّد مع الشّاعر العربي إيليا أبو ماضي في حشمة وحياء:
من أنا؟، ما صنعت؟، كي تعصبوا ... بالتّاج رأسي؟، وأي شأن شأني؟ ... ذ
لا افتخار لنحلة وجدت حقلا ... فعادت من زهرة بالمجاني
إن أكن فرقدا فأنتم سمائي ... أو هزارا فأنتم بستاني
أي بدع أن أخرج الحقل للنا ... س صنوف النّبات في نيسان
أنا ما عشت سوف أذكر بالشّكر ... جميل الرّفاق والإخوان
وإذا متّ في غد فسيأتيكم ثنا ... ئي من عالم الأكفان
أجل! أيها الإخوة الأعزاء إن أكن فرقدا فأنتم سمائي. وهل نحن في مهمة النّضال والكفاح، إلا كموسى وأخيه هارون؟، صنوان لرسالة واحدة، وساعدان تعاضدا بأمر الله لمجابهة طاغوت فرعون وقومه، وقد وعدهما الله بالنّصر والغلبة فقال جلّ من قائل مطمئنا رسوله موسى - عليه السلام -: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِئَايَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} (القصص:35). ولقد صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
ونحن لا نملك أمام هذا التّشريف والتّكريم إلا أن نقول لكم في تواضع واحترام، ما قاله الصّديق لرفاقه الكرام: "اللّهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون".
إخواني الأعزاء، في مثل هذا اليوم الأغرّ من تاريخ وطننا المفدّى، ونحن نحيي هذه الذّكرى الغالية ذكرى الاستقلال الوطني، والذي يتزامن مع عيد الشّباب، لا يجب أن تنسينا مظاهر الزّينة والفرح، ولا أن تسكرنا نشوة البهجة والمرح، فنغضي من حق أولئك الذين سبقونا بالإيمان، واستظهروا علينا بالتّضحية والنّداء، إذ حباهم الله بالشّهادة وبقينا نحن أحياء؛ وما تستوي الحياة الأبدية في بحبوحة من رضوان الله وحياة الاختبار والابتلاء. (1/54)
صفحة 55
ولله درّ الشّاعر الجزائري المرحوم الشّيخ محمد العيد آل خليفة عندما قال:
لم أجد في الرّجال أعلى وساما ... من شهيد مخضّب بالدّماء
إن ذكرى الشّهيد أرفع من أن ... ترفعوها بالصّخرة الصّمّاء
فأقيموا لهم تماثيل عزّ ... في قلوب ثورية الأهواء
واخلفوهم بالصّدق في خدمة ... الشّعب وفي أهلهم وفي الأبناء
إنهم قادة الفيالق في الزّحف لخوض المعارك الحمراء
إنهم رادة البطولة في النّصر وعزّ الحمى ورفع اللّواء
إنهم أوفُوا العهود فهل أنتم لميثاقهم من الأوفياء؟؟.
نعم -أيها الإخوة الأعزاء- إنه لسؤال محيّر يتردّد في خاطر كل مخلص غيور على هذا الوطن، وهو يجتاز محنة قاسية، لا يكشف غمّها إلا الله العليّ القدير القائل: {أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ أَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ} (النّمل:62).
أي والله، ما كان لهذا الوطن الجريح ليصبح في هذه المعاناة القاسية، لو أننا تذكّرنا آلام الأمس ودموعه بين الحديد والنّار، أو انتصرنا للشّهيد وهو يسقط في ميدان الشّرف والخفار. ولكننا تقاعسنا وطغت علينا شهوات نفوسنا فخسنا بالعهود واكتفينا بالتّفنّن في رفع الشّعارات وتنميق الأحاديث والوعود فضاعت البلاد وشقي العباد، واحتار العقلاء في تلمّسهم لسبل الرّشاد. والله تعالى يقول: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشّورى:30). ويقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الرّوم:41). (1/55)
صفحة 56
أيها الإخوة، لا شك أن الذي نعانيه اليوم هو من عند أنفسنا: {ذَالِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال:53). ولقد أدركنا مدى تقصيرنا في الحفاظ على الأمانة والوفاء بعهد الشّهداء، لا انتقاصًا من قدرهم في نفوسنا، أو حطّا من كرامتهم في ضمير الشّعب، ولكن لغلبة الجهالة وسوء التّقدير، وفقداننا للشّعور بالذّنب ووخز الضّمير.
ومهما يكن من أمر واقعنا اليوم، فنحن -الجيل المخضرم- لا نعرف الإحباط والقنوط، ولا تستفزنا الأحداث، ولا يضيق ذرعنا عند الأزمات. بل لنا من قوّة إيماننا بالله والوفاء للوطن ما يعصمنا من الخيبة والفشل.
ففي هذه الأجيال الصّاعدة معقد آمالنا ومناط رجائنا إن نحن أحسنّا ترشيدها وتوجيهها. وفي مثل هذه المناسبات الوطنية مجال واسع للتذكير والإرشاد، فما على جيل نوفمبر إلا أن يسمع النّداء، ويبلّغ الأمانة بكل إخلاص ووفاء.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أردّد مع الشّيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله- نداءه الوفيّ إلى شباب الجزائر ذلكم النّداء الذي يفيض حبّا وإخلاصا لأبناء وطنه وكأنه اليوم معنا يعيش معاناة شعبه إذ يقول: "أتمثّله متساميا إلى معالي الحياة، متقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب وشهامة الفؤاد ونشاط الجوارح.
أتمثله مقداما على العظائم من غير تهوّر، محجاما عن الصّغائر من غير جبن، مقدّرا موقع الرّجل قبل الخطو، جاعلا أوّل الفكر آخر العمل.
أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود. يرى كل عربيّ أخًا له أخوّة الدّم، وكل مسلم أخًا له أخوة الدّين، وكل بشر أخًا له أخوّة الإنسانية، ثم يعطي لكل أخوّة حقّها فضلا أو عدلا.
أتمثّله حلف عمل لا حلف بطالة، وحِلس معمل لا حلس مقهى، وبطل أعمال لا ماضغ أقوال، ومرتاد حقيقة لا رائد خيال. (1/56)
صفحة 57
أتمثله مقبلا على العلم والمعرفة ليعمل الخير والنّفع، إقبال النّحل على الأزهار والثّمار لتصنع الشّهد والشّمع. مقبلا على الارتزاق إقبال النّمل تجدّ لتجد، وتدّخر لتفتخر. ولا تبالي -ما دامت دائبة- أن ترجع مرّة منجحة ومرّة خائبة.
أتمثله مقدّما لدينه على وطنه، ولوطنه قبل شخصه يرى الدّين جوهرا والوطن صدفا، وهو غوّاص عليهما، يصطادهما معا، ولكنه يعرف الفرق بين القيمتين، فإن أخطأ في التّقدير خسر مرتين.
أتمثّله بانيا للوطنية على خمس، كما بني الدّين على خمس: الشّباب آفة الشّباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال لا تدرك بغير الأعمال، والخيال أوّله لذة وآخره خبال. والأوطان لا تخدم باتباع خطوات الشّيطان". (1)
يا شباب الجزائر، كونوا هكذا أو لا تكونوا. فلأترككم -أيها الإخوة- تتأملون جمال هذه الفقرات الرّائعة في شكلها ومضمونها، والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله ربّ العالمين.
في المهرجان الموءود.
أعدت قيادة الكشافة الإسلامية الجزائرية على المستوى الوطني بالتّنسيق مع القيادة الولائية بغرداية وعلى رأسها الأستاذ سبعي أحمد أعدّت مهرجانا وطنيا لإحياء الذّكرى الخامسة عشرة لوفاة الشّيخ الإمام الحاج إبراهيم بن عمر بيوض في قاعة "ابن خلدون" بالعاصمة. وذلك في الأيام: 15 - 16 - 17 صفر 1417 الموافقة لأيام 1 - 2 - 3 جويلية 1996. وبعد ارتحال الإخوة والمشائخ إلى المشاركة في المهرجان، ونظرا لظروف طارئة وأوضاع قاهرة تقرر إرجاء المهرجان إلى موعد آخر. وكنت قد حضّرت هذه الكلمة لإلقائها في المهرجان:
__________
(1) - عيون البصائر: 2/ 586. (1/57)
صفحة 58
الحمد لله الذي يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، كتب المجد والخلود لأوليائه الصّالحين. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله إمام المتقين وخاتم الأنبياء والمرسلين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، طبتم وطاب مسعاكم، رعاكم الله في متقلبّكم ومثواكم، لئن كان اختلاف اللّيل والنّهار بما يحملانه من مفاجآت تنسينا حتى أنفسنا -أحيانا- وزحمة الحياة لا تدع لنا فرصة الالتفات إلى الماضي إلا لماما، فإن في مسالك الطّريق لحياة الإنسان معالم لا يمكن تجافيها أو التّغاضي عنها، وإلا لكان التّيه والضّلال، ومع التّمادي على ذلك يكون الفناء والزّوال. يقول تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ اَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} (الحج:48). وما إحياء ذكريات العلماء والتّذكير بمآثرهم وأمجادهم إلا وقفة من تلك الوقفات العظمى للتأمّل والاعتبار، وتزويد الذّاكرة بأغلى الصّور وأروع الآثار. يقول أمير الشّعراء:
وإذا فاتك التفات إلى الماضي ... فقد غاب عنك وجه التّأسّي
أيها الإخوة الكرام: إننا تداعينا اليوم لنقف مليّا أمام معلم رمز في تاريخ هذا الوطن المفدى. إنه شيخنا الإمام العلامة الحاج إبراهيم بن عمر بيوض -رحمه الله- ذلك الذي شاءت قدرة الله أن يكون في عداد الأفذاذ من علماء هذه الأمة ممن صنعهم الله على عينيه، فأنبتهم نباتا حسنا وصبغهم بصبغته وآتاهم من علمه وحكمته، ليكوّن منهم جهاز المناعة في جسم هذه الأمة، وقد أحاطت به جراثيم الوباء لتنفذ إليه من كل باب، يوم أن عثر بها الحظ فوقعت فريسة للذّئاب والكلاب. (1/58)
صفحة 59
ولا شك أن هؤلاء العلماء الأعلام، تصدق في وجودهم تنبؤات الرّسول حين قال: «سيبعث الله على رأس كل قرن من يجدد لهذا الدّين أمره» (1)، أو كما قال.
أوَليس من عجيب تدبير الله وعظيم لطفه بهذه الأمة الطّيّبة، أن يهيئ أسباب نهضتها، ويقدّر لها عودة الوعي الحضاريّ في أوائل هذا القرن على يد هؤلاء الأعلام في الشّمال والجنوب؟، وقد ظن العدوّ الغشوم أنه قد استكمل محو المقوّمات الشّخصية الجزائرية، وركّز حضارته وثقافته المسيحية، حين تعجرف واستكبر، وطبّل وزمّر لمرور ذكرى المائة عام من عمر الاحتلال؟ وما كان يدري يومها أن كمال الفرح والبطر، وعجرفة الزّهو والاختيال هي بداية التّخلخل وأذان بالفناء والزّوال. يقول المولى تبارك وتعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:44 - 45). وهكذا تجاوبت أصداء هذه النّهضة المباركة وتكاملت نشاطاتها في كل جهات القطر، وهي تنتهج الإصلاح الدّيني والاجتماعي بتعليم النّاشئة وإرشاد الجمهور، وتحدو بموكبه على هدي الله وسنة رسوله، وسيرة السّلف الصّالح سمتا وسلوكا وقدوة صالحة.
__________
(1) - رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، حديث 4291: 4/ 109. (1/59)
صفحة 60
وما من دعوة تركّزت دعائمها على قيادة رشيدة حكيمة وقاعدة وفيّة كريمة، وسخّرت لنشاطها من القيم والمبادئ ما ينبع من أصالة شخصيتها إلا وكتب لها النّجاح في تحقيق أهدافها ومراميها مهما تألّب ضدّها الحاقدون وأعرض عنها الجامدون المتقوقعون. لقد اتخذ هؤلاء الأفذاذ من رسل الله مثلهم الأعلى في الصّبر والعزيمة والثّبات، وهم مؤمنون أشدّ الإيمان بصدق ما يدعون إليه، موقنون بنصر الله، بعد ما تبيّن لهم أنهم على نهج الله سائرون، ولشروط نصره حائزون إذ يقول تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصّافات:171 - 173). ويقول: {وَمَنْ يَّتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ} (المائدة:56).
أيها الإخوة، ليس بدعا لأمة في أيام ذهولها وضمورها الحضاريّ أن تذهل عن بعض رموز مجدها مختارة أو مكرهة، لأن الحالات المرضية في فرد أو جماعة لا تستقيم معها معايير التّقييم لأصول طبيعتها وحقيقة معدنها.
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقمِ
ذ
والله تعالى وهو أعلم بمن خلق يقول: {لَيْسَ عَلَى الاَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} (الفتح:17). فيا ما كُذّب المرسلون، ويا ما أوذوا في سبيل دعوتهم، ويا ما عذّب روّاد الإصلاح والنّهضات وأوذوا في أشخاصهم وتراثهم، ولكن أنّى للأدخنة أن تحجب نور الشّمس، وأنّى للغثاء أن يصدّ هدير السّيل: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَرْضِ} (الرّعد:17). (1/60)
صفحة 61
فالشّيخ الإمام بيوض -رحمه الله- في شخصيته الفذة وجهاده المرير، لم يندّ عن هذه القاعدة في حياة الأمم، بما تعرّض إليه من أنواع الإذاية والمكر، ومن الإجحاف والتّنكّر في حياته وبعد مماته. ولقد علم الذين جفوْه وشاقّوه أنهم أمام طود لا تزعزعه الأعاصير والأنواء، وخضمّ لا تكّدره الدّلاء. ويعلمون أن ما قالوه عنه ويقولون إنما هو لغو وباطل. وهل الإمام بيوض أعزّ على الله من رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - حين أوحى الله يسليّه ويقول: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام: 33). وهل أحاديث الشّيخ الإمام في مسيرة دعوته أصدق وأبلغ من القرآن الكريم حين تنادى الكفار للإعراض عنه في ما حكى الله عنهم بقوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصّلت:26). فماذا بعد ذلك التّكذيب والتّهريج؟. إنه النّصر والفتح والغلبة بإذن الله. فإذا كانت للحالات المرضية هذه فتراتها ووسائلها من العلاج حين يقيّض الله لها من الأطباء المهرة من يتمّ على أيديهم الشّفاء -بإذن الله- فإننا نعتقد أن أمتنا أصبحت تتماثل للشّفاء، وأن منعشات العافية أخذت تدبّ في أوصالها، لأنها بفضل الله، وإن أوهنتها أوجاع الدّاء، وتجرّعت مرارة الدّواء، فإنها لم تفقد الأمل ولم تقطع حبل الرّجاء.
أيها اليائس مت قبل الممات ... وإذا شئت حياة فالرّجا
لا يضق ذرعك عند الأزمات ... إن هي اشتدت وأمّل فرجا (1/61)
صفحة 62
فلا عجب أن ينزغ الشّيطان حينا بين الإخوة عندما تستحوذ عليهم الظّنون، فيتلاءمون، وقد يلجّون في ذلك ويتصارعون. وعلى قدر مضاضة الظّلم بين ذوي القربى ومرارة التّلاحي والقسوة بينهم، فإنه عندما يسكت الغضب في النفوس، تثوب إلى رشدها وتصحو من غفوتها، فإذا هي نادمة على ما فرط، وإذا هي جامعة لما انفرط.
ولقد كان الشّيخ الإمام في بني قومه كيوسف في إخوته حين أجمعوا على إذايته حسدا وظلما، وجاؤوا على قميصه بدم كذب بعد أن سوّلت لهم أنفسهم أمرا، غير أن العناية الإلهية قد أعدّته بذلك لأمر عظيم، إذ يصبح على خزائن الأرض هو الحفيظ العليم. والنّفس العظيمة في قمة مجدها لا تحمل الحقد الدّفين، ولا تغترّ بالعظمة والجاه والكبرياء. فماذا كان من يوسف حين جاءه إخوته عفاة يسترفدون؟؟ إنه السّماحة والحلم، والشّوق والحنين إلى ذوي القربى حين كشف لهم عن حقيقته وهو يتساءلون: {قَالُوا أَ. نَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَنْ يَّتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُوا تَاللهِ لَقَدَ ـ اثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف: 90 - 92).
لقد كان الشّيخ الإمام أيام محنته ذلك الشّهم العظيم صبورا محتسبا أمره لله مقلّب القلوب وكاشف الكروب حتى رأى من التّقدير والإجلال، ومن العدل والاعتراف والإنصاف في مهرجان ختم القرآن ما قرّت به عينه وطابت نفسه وهو يدنو من اللّقاء السّعيد في جوار ربّه. (1/62)
صفحة 63
وها نحن في الذّكرى الخامسة عشرة من وفاته جئنا لنجلي السّتار مرة أخرى ونضيئ الأنوار على مسرح الأحداث لتكريم شخصيته الكريمة، وتعطير ذكره بمآثره العظيمة. ولقيادة الكشافة الإسلامية الجزائرية فخر السّبق والمبادرة، ولإطاراتها على مختلف المستويات فضل السّعي والتنسيق والإعداد، أبقاهم الله لنا فخرا، وللوطن ذخرا. ويوم يعتز الشّعب الكريم برموز أمجاده، ويفخر بقادته وروّاده، فسوف يهتدي إلى سرّ البقاء والوجود، ويحظى بنعيم العزة والخلود، رحم الله الشّيخ الإمام، وطيّب مثواه في دار السّلام، والحمد لله ربّ العالمين.
في تأسيس مسجد قصر الحمرايات
(القصر الجديد ببلدية العطف).
في يوم الثّلاثاء 20 شعبان 1417 الموافق لـ ـ31 جويلية 1996. وفي غمرة مهرجان ذكرى الألفية لمدينة العطف، حضرت السّلطات الولائية إلى منطقة القصر الجديد "بالحمرايات" حيث كان العزابة ينتظرون بزيّهم العرفي، وقد استجابوا للدعوات الموجهة إليهم للمشاركة في وضع الحجر الأساسي لمسجد القرية الجديدة، وهو أول بناء يقوم وسط الرّبوة المخصصة لدور السّكن جريا على سنة الآباء والأجداد. وكان على رأس العزابة فضيلة الشّيخ عدون بن بالحاج شريفي وكان لجمهورنا حضور مكثف هناك. وبعد تلاوة خواتم القرآن الكريم ألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي رفع من شأن بيوته، سبحانه المتفرّد في ملكوته، ونصلي ونسلّم على من اتخذ من المسجد منارة للهدى، ومحطة اتصال بين الأرض والسّماء، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين، وبعد: (1/63)
صفحة 64
مشائخنا الأجلاء، جناب السّيد الوالي، ضيوفنا الكرام، أية قربة هي أعظم عند الله شأنا، وأية مكرمة هي أجلّ قدرا عند النّاس من تشييد بيوت الله وعمارتها بكل ما من شأنه أن يحفظ قواعد الدّين ويرفع كلمة الله؟، إنه لمن حسن طالع هذا القصر الجديد ومن بركات حظه أن تكون نواة عمارته هو بيت الله الذي يؤسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، إذ تحضره مثل هذه الوجوه النّيرّة، والشّخصيات الخيّرة ممن يعتبرون بحق حماة للدّين والفضيلة ودعاة لأخوّة الدّين ووحدة الوطن.
إنها للحظة مثيرة للعواطف الجيّاشة في قلوب المؤمنين، ولقطة تاريخية غالية سوف تبقى مخلدة عبر القرون، إذ التحمت فيها السّلطة الرّوحية بالسّلطة المدنية يحدوهما الإخلاص للدّين والوطن وتدفعهما أطيب الأماني وأزكى الآمال، في المستقبل الموعود للأجيال.
أيها السّادة، لكأني بالشّيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي -رحمه الله- حاضرا بيننا تباركنا روحه الطّاهرة، إذ نضع حجر الأساس لبناء بيت الله كما وضعه من ألف عام في العدوة الأخرى من الوادي ويدعو الله معنا أن يبارك هذه النّبتة الطّيّبة حتى تغدو -بحول الله- دوحة وارفة الظّلال، تسبّح بحمد ربّها في الغدوّ والآصال، وتضرب جذورها في الزّمان والمكان، وتنشر من أريج ذكرى هذا التّأسيس كلما توالى الحدثان. ولا يسعنا في هذه اللّحظة المباركة إلا أن ندعو المولى بدعاء الخليل، وهو يرفع قواعد البيت مع ولده إسماعيل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 127 - 128).
فطوبى لكم في الخالدين، وسلام عليكم في عباد الله الصّالحين وأبقى عملكم لسان صدق في الآخرين، والحمد لله ربّ العالمين.
وقفة مع العام الجديد لسنة 1992م. (1/64)
صفحة 65
كانت السّاحة الوطنية تعجّ بالأحداث في غمرة التحوّلات الكبرى التي عاشتها بلادنا بعد دستور 1989م. لتدخل عهد التعدّدية الحزبية، وتمارس التّجربة الدّيمقراطية، فأعددت هذا الحديث ليبث على التّلفزة الوطنية، في سلسلة الأحاديث لوزارة الشّؤون الدّينية. ليوم 27 جمادى الثانية 1412 الموافق ليوم 03 يناير 1992م.
الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، نحمده تعالى على نعمه التي لا تحصى عدّا، حمد من لا يستنكف أن يكون لله عبدا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس: الصّحة والفراغ» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين وبعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، يسعدني في مطلع العام الجديد لسنة 1992م أن أتقدم بالتّهاني الحارّة إلى كل المواطنين داخل تراب وطننا العزيز أو خارجه، وإلى الإخوة الأشقاء في مغربنا الكبير وفي أرجاء الوطن العربي والإسلاميّ، داعيا المولى تبارك وتعالى أن يجعل طالعه ميمونا علينا يحمل في طيّاته كل خير، ويفيض علينا يمنا وبركة، ويبشر بالعزّ والتّمكين والنّصر لأوليائه حيثما كانوا، ويفتح باب الأمل والرّجاء لدعاة الأمن والسّلام في ربوع العالمين.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب الرقاق، باب لا عيش إلا عيش الآخرة، حديث 6412: 8/ 88. (1/65)
صفحة 66
أيها الإخوة، إن خير ما نلتمس فيه هدينا كتاب الله وسنة رسوله، ونحن نطوي صفحة من أعمارنا تتوارى في أغوار الزّمان بكل ما فيها من شدة ورخاء، أو عسر ويسر. وما هذه المعالم الزّمنية التي نقف عندها إلا محطات استراحة في رحلة أعمارنا من بدايتها إلى نهايتها، نلتقط فيها أنفاسنا من وعثاء السّفر، ونسدّد فيها خطانا إلى حسن المصير. وحتى نتفادى بنيات الطّريق، ونلتزم السّير على الجادّة إلى ما نصبو إليه من الخير والسّعادة لأمتنا. فلنستمع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا النّصح الأمين وهو يقول في إحدى خطبه المنبرية: «أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن العبد بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل به، وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشّبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدّنيا من دار، إلا الجنة والنّار». (1)
__________
(1) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، من حديث الحسن البصري، رقم 10097: 13/ 153. (1/66)
صفحة 67
نعم! إنهما الخوف والرّجاء في ضمير المؤمن يعتورانه وهو يقطع هذه الرّحلة من عمره، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل به. فقد زوّد الله الإنسان بكل ما يجتاح إليه من أجهزة وأعضاء، ومن طاقة وحيوية، ومن عقل وإرادة واختيار، وجعل الأرض مهادا لحياته، ذلولا لحركاته وسكناته، واستخلفه في عمارتها، وفتنه بالشّرّ والخير، ثم أنار له سبيل النّجاة حتى لا يضلّ ولا يشقى. وهكذا يتحرك موكب الحياة، ويغذّ السّير في إطار النّواميس الطّبيعية التي وضعها الخالق وقدّرها تقديرا، ويهتزّ على حداء الهداة المرشدين، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. فالكلّ قد سار على قدر الله، والكلّ قد حقق بكسبه ما اختاره وتمناه. وتنتهي دورة الاختبار والامتحان في الأجل المقدّر حتى يمضي، وليس إلا الله تعالى مقدّرا لعلامة الجزاء، ومقرّرا لإجازة القبول والرّضى، أو عقوبة الرّفض والسّخط. وفي لحظة الاستراحة الزّمنية على محطّات الطّريق، تمتدّ الرّؤية إلى آفاق المستقبل، وتتحفّز الطّموحات إلى بريق الأماني العاجلة في تهيّب وإشفاق مما تخبّئه الغيوب، لأن طبيعة الحياة لا تعرف التّوقف أو العثار، وتحقيق الأماني يضرّ به التّردّد والانتظار. وفي حركة المسيرة ومواكبة القافلة، تستنفذ الطّاقات وتتناقص الأزواد وتتآكل الأجهزة. فلا بدّ إذن من وثيقة ضمان وعقد تأمين للطوارئ والمفاجآت. (1/67)
صفحة 68
فلنستمع مرة أخرى إلى رسول الله -وهو الرائد الصّادق والحادي الأمين- ينصحنا بما يضمن لنا النّجاة في مسيرتنا ويؤمّن العاقبة، إنه يربّى فينا الرّوح الاستعدادية لمفاجآت القدر، وينمّي في نفوسنا الوعي الكامل بتصاريف الزّمان، ثم يوقظ فينا الحسّ الادّخاري في مجالات تصرفاتنا وتدبير شؤون حياتنا، لنأخذ من أنفسنا لأنفسنا، ومن دنيانا لآخرتنا، ومن الشّبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات. ويا ما أروع التّعبير بكلمة النّفس التي تعني في حياة الإنسان كل الجوانب الرّوحية التي ميّز الله بها هذا المخلوق العجيب، ليكون في قمّة الكائنات على ظهر الأرض يسخّرها كيف يشاء لخدمته ومنفعته، ويشرّفه بها ليكون محطا لأمانته. فهذه النّفس هي نفخة من روح الله في هذا الجسد الفاني، وهي سرّ من أسرار الخليقة جعلها الله تعالى محطّ الإلهام للفجور والتّقوى، على قدر مجهود الإنسان في تزكيتها أو تدسيتها فقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشّمس:7 - 10).
فالفلاح أو الخيبة طوع إرادتك أيها الإنسان في أخذك بوسائل التّزكية أو التّدسية لهذه النفس، وهي منفصلة عن جسدك -لا محالة- يوم تنقضي أنفاسك على ظهر هذا الكوكب راجعة إلى ربّها، فلتأخذ منها ما يجعلها مطمئنة راضية مرضية في جوار باريها. (1/68)
صفحة 69
وحين تزكو منك هذه النّفس، وتستقرّ على المنهج السّويّ، فإنها لكفيلة بتسخير طاقة جوارحك إلى ما يكفل لك الحياة الطّيّبة في العاجلة باعتدال واتزان في العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، وأنت تطوي مراحل عمرك مركّز الخطى، مأمون الوصول إلى الغاية؛ بفضل ما كنت قد ادّخرته لأيام ضعفك وعجزك. ثم ما تزوّدت به للحياة الأبدية من صلاح وتقوى. وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة النّحل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (97). هداني الله وإياكم لخير العقبى وحسن المآب.
أيها الأعزاء، ما كانت الحياة الدّنيا يوما بساطا من حرير، ولا فراشا من ورود حتى نريدها نحن زينة ومتاعا، بل هي المخبر الدّقيق الذي تحلّل فيه طبائع النّفوس، والمحط الذي تمحّص فيه قدرات النّاس. يقول المولى تبارك وتعالى: {أَلَمِّ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 1 - 3). (1/69)
صفحة 70
ومن تمام فضل الله علينا أن أرانا سبيل الرّشد، ودعانا إلى ما فيه حياتنا الفضلى، كما أن من تمام عدله أن وضع لهذه الحياة سننا لا تتخلّف، من أخذ بها والتزم بقوانينها نال بغيته واهتدى إلى مراده، ومن تنكّب عنها تردّى في ضلاله وفساده. وفي كلتا الحالتين لنا من نفوسنا رضى واطمئنان أو لوم وعتاب في استزادتنا من الخير، أو إقلاعنا عن الشّرّ. وكل لحظة بقيت من عمرنا فهي عرضة لهذه أو تلك من أحوالنا النّفسية. فما علينا إلا أن ننصت لهاجس هذه النّفس لنتبيّن موقع خطونا في طريق الحياة، ونعرف مقدار حظنا من نعمائها ولأوائها. فلنجتهد ما دام لنا في العمر فسحة لتدارك النّقص، فما بعد الموت من مستعتب. يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الأنعام: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَو يَاتِيَ رَبُّكَ أوْ يَاتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَمْ تَكُنَ ـامَنتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (158).
أيها المستمع الكريم: هب أنك من المحظوظين في توفير مسكن محترم يليق بمقامك الأسمى، وتفنّنت في زينته ومتاعه كما تشاء حسب هواك، ليكون مستقرك ومثواك، فهل عرفت أنك في الحقيقة مكتر لا صاحب دار، وهل نسيت أو تناسيت أن الآخرة هي دار القرار، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وحيث لا مستقر إلا الجنة أو النّار؟، وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة القصص: {وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنم بَعْدِهِمُ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} (58). تلك هي الحقيقة الأبدية التي أقسم عليها رسول الله وهو يحدّد معالم الطّريق للسالكين، راجعين إلى ربّ العالمين. (1/70)
صفحة 71
أيها الشّعب الكريم، لقد أجهدتك وعثاء الرّحلة وأنت تلتمس طريقك إلى منهج الله في شوق وحنين، وتواصل مسيرتك في عزيمة وتصميم، فاجعل كتاب الله وسنة رسوله دليلك لبلوغ غايتك، وإخلاص العمل لله زادك في تركيز دعوتك. فلا تستخفنك الأماني العاجلة، وحذار من بنيات الطّريق في مسيرة القافلة، وهذا رسول الله ينصحنا بحسن التّدبير، ويوصينا بالرّفق في معالجة الأمور فيقول: «إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» (1). ويقول: «لن يشادّ الدّين أحد إلاّ غلبه» (2).
فعلينا جميعا أن ندرس بوعي وعمق طبيعة المعركة التي نخوضها، ونلمّ بكل الظّروف التي تلابسها في الدّاخل والخارج، حتى نواجهها بما تتطلبّها من الحنكة السّياسية ومن التعبئة المادية والمعنوية اللازمة. ولا يعوزنا ذلك -بفضل الله- إذا ما خلصت النّوايا وتضافرت الجهود وصدقت العزائم.
فإن تجربتنا الرّائدة في الدّيمقراطية قد أفرزت كثيرا من النّقائص، وأظهرت كثيرا من الفتوق في صفوف شعبنا يجب أن لا يستهين بها أولو الأمر. ولنا في غزوة أحد خير مثال لما ينجرّ عن اضطراب الصّفوف وعدم التّجاوب مع الأوامر القيادية. لأن أعداءنا لا يألون جهدا في السّخرية والاشمئزاز، ولا يكفّون عن المناوشة والاستفزاز حتى يجرّوا بلادنا -لا قدر الله- إلى التّآكل الدّاخليّ والانشطار الذّاتي. وفي مثل هذه المواقف الحرجة يقول ربنا تبارك وتعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا اِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120).
__________
(1) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من حديث محمد بن المنكدر مرسلا، حديث 3602: 5/ 395.
(2) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، حديث 39: 1/ 16. (1/71)
صفحة 72
أيها الشّعب الكريم، ما أحوجنا في هذا الظّرف العصيب إلى الصّبر والأناة. الصّبر على أهوائنا ورغباتنا، والصّبر على الضّائقة الاقتصادية، والصّبر على مكايد الأعداء وخذلان الأصدقاء، فلنتق الله في نفوسنا وأهلينا، ولنراقب الله في تصرّفاتنا، ولنتوجّه إليه جميعا بالدّعاء، أن يكفينا شرّ البلاء ودرك القضاء، وشماتة الأعداء، إنه مولانا ونعم النّصير، والحمد لله ربّ العالمين.
في ليلة الهدى والنّور
أقامت الولاية في قاعة المحاضرات بغرداية حفلا دينيا بمناسبة ليلة ليوم 26 رمضان 1419هـ الموافق ليوم 15 جانفي 1999م. حضرها حشد كبير من الأئمة ومن الإطارات. كرّم فيه الفائزون في مسابقة شهر رمضان لحفظ القرآن ومعرفة أحكام تلاوته، كما كرّم فيه بعض المعلمين القدامى لتحفيظ القرآن على مستوى الولاية، وكان لي الشرف أن ألقيت فيه هذه الكلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان:1 - 2).
نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (1)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين.
أما بعد: جناب السّيد والي ولاية غرداية، حضرات السّادة الأئمة والمربين، أيها الأبناء الأعزاء، أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. وتقبل الله صيامكم وقيامكم بمزيد من الأجر والثّواب، وسلككم في أواخر هذا الشّهر المبارك في عداد العتقاء من النّار.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث عثمان، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، حديث 5027: 6/ 192. (1/72)
صفحة 73
لقد تداعينا اليوم جميعا إلى مأدبة الرّحمن، وتفيّأنا ظلال القرآن، في يوم نرجو أن نصادف فيه ليلة القدر، ونحظى بما فيها من عظيم الأجر، جئنا لنبارك مجهود العاملين المخلصين لنشر كتاب الله تعليما وتلقينا، وتلاوة وترتيلا، وتبيانا لأسراره ومعانيه، ومجاهدة لتطبيق تعاليمه وأحكامه. إنها -والله- لسنة حميدة أن نتخذ من شهر الصّيام مجالا لمنافسة القرّاء، وفرصة لتحفيزهم إلى مزيد من الجهد والعطاء، وإنه لفخر عظيم أن نرى أولياء أمورنا يولون لكتاب الله ما يستحقه من الاهتمام والتّقدير، وذلك باستكثار حامليه وتكريمهم بما يجعلهم يتنافسون، وإلى الفوز يطمحون، وفي مرضاة الله راغبون.
كيف لا، وكتاب الله هو الهدى والنّور الذي أنقذ العالمين من ظلمات الجهل والضّلالة، وحرّر الإنسان من ربقة الخرافات والأوهام، وحطّم عروش الطّواغيت التي كانت تعبد من دون الله، ونشر ألوية العدل والسّلام حيثما بلغ هديه. قال الله تبارك وتعالى: {وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ أَلآَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الاُمُورُ} (الشّورى: 52 - 53).
وقال جلّ من قائل: {قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة: 15 - 16). (1/73)
صفحة 74
ولنستمع إلى رسول الله، وهو يستشفّ حجب الغيب لما تصير إليه أحوال أمته فيقول: «سوف تكون فتن كقطع اللّيل المظلم، قلنا: ما المخرج منها يا رسول الله؟، قال: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين والذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا} (الجن:1). من علم علمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (1).
ذلكم هو القرآن العظيم -أيها الإخوة المؤمنون- نحتفل اليوم بذكرى نزوله، ونتشرف بتكريم حملته، فنرجو أن يكون أبناؤنا على مستوى هذا التّكريم طهرا وصلاحا، واستقامة على هدي الله وسنة رسوله. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلقه القرآن كما قالت أمّنا عائشة - رضي الله عنه - ا. فيا لسعادة من اقتدى برسول الله فزكت نفسه واستقام خلقه، وجعل من رسول الله وصحابته الكرام مثله الأعلى في فهم كتاب الله واستلهام أسراره، والتّجاوب مع روحه وتوجيهاته، تطبيقا والتزاما، وتعظيما واحتراما. إذ ليس المقصود من القرآن مجرّد تلاوته لالتماس البركة -وهو مبارك حقا- ولكن بركته الكبرى في تدبّر معانيه ومعرفة مقاصده، ثم تحقيقها في مجالات الحياة الفردية والاجتماعية امتثالا لقوله تعالى: {كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الاَلْبَابِ} (ص:29).
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 26. (1/74)
صفحة 75
فيا أمة القرآن، ويا أتباع محمد - عليه السلام - لقد تطهرت نفوسكم بشهر الصّيام، وتزوّدتم فيه بخير زاد من الصّلاح والتّقوى، وتعرضّتم لنفحات الله في لياليه بالتّهجّد والقيام، فأروا الله من نفوسكم ما تستزيدون به من رضاه ورحمته في باقي الأيام، مجاهدة للنفس الأمّارة بالسّوء ومغالبة لفتنة الأموال والأولاد، ومصابرة لتحرشات السّفهاء وتحديات الأعداء، ومرابطة في مواقع الدّعوة إلى نصرة الدّين وعزة الوطن. ويا معشر القراء، لقد حباكم الله هذا الكنز الثّمين فعضوا عليه بالنّواجذ، وآتوا حقه بتبليغه وتمكين هديه في حياة الجماهير. عسى ربنا تعالى أن يلهمنا سبل رشدنا، ويوفقنا لصالح أعمالنا، ويخرجنا من الظّلمات إلى النّور، ويهدينا سبل السّلام. إنه حبل الله المتين وصراطه المستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله. لقد سبقتم به سبقا بعيدا، فلا تكونن من الإمّعات ولا تفتننّكم عنه ما تسمعونه من التّرهات. سدّد الله خطاكم وهداكم للتي هي أقوم، وأبقاكم جنودا لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ويسعدني أن أنتهز هذه الفرصة المباركة لأقدم لكل الحاضرين تهاني الحارة بالعيد السّعيد، أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية باليمن والبركات، وعلى وطننا المفدّى بالعزة والأمن والاستقرار، إنه مولانا ونعم النّصير، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان الوقاية من الآفات الاجتماعية.
أقامت جمعية الرّعاية الاجتماعية وإدماج الشّباب بالتّنسيق مع فوج الكشافة الإسلامية للنهضة، ومجموعة الفنّ والأدب الإسلاميّ والطّلبة الجامعين أقامت أياما دراسية لمدة ثلاثة أيام من21/ 06/1999م إلى 24/ 06/1999م. فألقيت هذه الكلمة عشية افتتاح المهرجان في السّوق الدّاخلي للبلدة، وقد حضرته السّلطات المحلية وسراة البلدة من العزابة والأعيان وحشد كبير من المواطنين. (1/75)
صفحة 76
الحمد لله الذي بذكره تتمّ الصّالحات، وبنور وجهه أشرقت الظّلمات وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فيا أيها الجمع المبارك الكريم، مسؤولين ومواطنين، غلمانا وشبابا وكهولا، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
لقد تداعينا إلى هذا النشاط الاجتماعي لنضع أيدينا على مكامن الدّاء وبؤر الجراثيم التي تشيّع المنكرات أو ما نسمّيه اليوم بالآفات الاجتماعية، إذ استجبنا مخلصين لفتية أطهار أبرار، زادهم الله هدى وأنار بصيرتهم، فعزّ عليهم ما يشاهدون عليه بعضا من مواطنيهم رجالا ونساء، أطفالا وشبابا وكهولا وقد فتكت بهم المنكرات، فارتموا في السّفاهة والغواية واستحوذ عليهم الشّيطان. ولا أضرّ على المجتمعات البشرية مثل المنكرات والفواحش، إنها المعول الهدّام، بل هي الموت الزّؤام الذي يأتي على بذور الحياة الفطرية السليمة فلا يبقي ولا يذر، إذ تتعرّض الأموال للاستلاب، والأعراض للانتهاك، والحقوق للضياع، وبالتالي لا يذوق المجتمع طعم الرّاحة ولا يتنسّم نسمات الأمن والاستقرار. وصدق أمير الشّعراء حين قال:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مأتما وعويلا
فما تجدي المساكن نزيّنها؟ وما تجدي الأجنة ننسّقها؟ وما تجدي المراكب الفخمة نتفنّن في اقتنائها؟، والمجرمون السّفهاء يجوسون خلال الدّيار، ويزرعون في تربتها الطيّبة الدناءة والعار؟. ونحن لا نملك سوى الشّكوى والتّذمّر، أو الانتقاص والتّجريح لأولى الأمر حتى كاد يصدق فينا قول الذي قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطّاعم الكاسي (1/76)
صفحة 77
أيها السّادة الكرام، إن الحكماء يقولون: "ما حك جلدك مثل ظفرك، فتولّ أنت جميع أمرك". فها هي صيحة الصّريخ تدعوك لأخذ الحيطة والحذر، وتضع يديك على مواطن الخطر، فلا تضع أصابعك في آذانك ولا تتخلّ عن واجبك في تدبير شأنك.
ولقد عني ديننا الحنيف عناية كبيرة بمحاربة المنكرات واستئصال جذورها من المجتمع بعد أن رسم دوائر الخير والصّلاح، وبيّن دلائل الفوز والفلاح، وتدرّج بالنّاس من الحياة الفردية الضّيقة إلى الحياة الجماعية المتكاملة التي تبنى على التّعاون والمحبّة والألفة، حتى إذا تحقق في واقع النّاس المجتمع الفاضل بتنفيذ أحكام الله وانتهاج صراطه المستقيم، أحاطه بسياج من المتابعة والمراقبة، وتعهّده بالنّصح والتّذكير، فقال جلّ من قائل بعد تأكيده على الوحدة والاعتصام بحبل الله: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104).
وهل هذه الدّعوة التي استجبنا لها إلا من هذه الأمة الخيّرة التي نرجو من الله العليّ القدير أن يتحقق لها الفوز والفلاح؟. وهل الخيرية التي تمتاز بها أمة الإسلام في مقاييس القرآن الكريم إلا السعي المخلص في تحقيق هذا الواجب الاجتماعي من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟. فلنستمع إلى ربّ العزة كيف أشاد بذلك في قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران:110). (1/77)
صفحة 78
ورسول الإسلام - عليه السلام -، وهو قدوتنا في النّصح والإرشاد، وهو الرّؤوف الرّحيم بالمؤمنين، قد وضع لتغيير المنكر مراتب وفق طاقة الإيمان في قلوب النّاس، والشّعور بالمسؤولية الاجتماعية فقال: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (1). وبين المرتبة الأولى في التّغيير باليد والمرتبة الدّنيا في التّغيير بالقلب يتصنّف النّاس ويتحدّد مصير المجتمع. وفي كل مرتبة تختلف المسؤولية من أحد لآخر وفق منزلته عند الله وعند النّاس، وشتان بين تغيير وتغيير في التأثير والفعالية وقد ورد في الأثر: "يزع الله بالسّلطان ما لا يزعه بالقرآن". وليس وراء المرتبة الدنيا نصيب من الإيمان لدعيّ هزيل، وليس للأمة إلى نجاتها من سبيل.
ألا فلينظر أحدنا اليوم في أية مرتبة هو، قبل أن يشرف على التّيه والضّياع -لا قدر الله- فإن لله تعالى في خلقه سننا لا تتخلف، وهو القائل في محكم كتابه الكريم: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنَ اَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكُرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} (الطّلاق:8 - 9). وهو القائل: {اِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النّور:19).
ومرة أخرى نبارك هذه المبادرة الطّيبة ونرجو لمنظميها كل التّوفيق والنّجاح، وللذين استجابوا لدعوتهم كل الخير والصّلاح. اللّهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الرّاشدين، والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) - رواه مسلم من حديث أبي سعيد، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، حديث 49: 1/ 69. (1/78)
صفحة 79
في الملتقى الأول لفكر الإمام الشّيخ بيوض.
انعقد في القرارة بدار عشيرة "أولاد علاهم" الملتقى الأول لفكر الإمام الشّيخ بيوض إبراهيم بن عمر ليومي 08 و09 محرم 1421 الموافق ليومي 13 و14 أفريل 2000م. شارك فيه كثير من الدكاترة والأساتذة بأحاديث ومحاضرات وخطب وقصائد. وكنت ضمن المشاركين فيه بهذا الخطاب في الفترة الصّباحية ليوم الجمعة 14 أفريل 2000م، وبالله التّوفيق.
تبارك الذي جعل في السّماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل اللّيل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله القائل: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (1). والقائل: «موت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسدّ» (2). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم الدّين. وبعد:
__________
(1) - رواه الترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث 2685: 5/ 48.
(2) - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي الدرداء، حديث 1576: 3/ 223. (1/79)
صفحة 80
مشائخنا الأجلاء، أساتذتنا الفضلاء، إخواني الأعزاء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. ها هي ذي ذكرى وفاة الشّيخ الإمام بيوض رحمه الله تعود إلينا بعد عشرين حجة، فتثير أشجاننا حين تعود علينا في موعدها الزّمني من كل عام، تعود علينا ونحن أزاء الوفاء بحقها غير مرتاحين، أكنا لها من الأوفياء، أم أننا ببعض حقها بخلاء؟. فقد انطوت عشرون سنة من عمر الزّمان، حين لبّى إمامنا نداء ربّه والتحق بالرّفيق الأعلى مكرّم الوفادة رفيع الدّرجات -بإذن الله- ولا شك أن له في قلوبنا الحبّ الذي لا يبلى، وفي أوساط مجتمعنا الذّكر الذي لا ينسى، وذلك أضعف الإيمان، وأقلّ ما يتحمّله المستضعفون من الرّجال والنساء والولدان. وإلا فأيّ جدوى لاستعادة الذّكرى إذا نحن أغضينا على القذى، واقتنعنا بالصّور الباهتة لشيوخنا ورموزنا؟. وماذا يحققه الرّجاء والأماني حين نتخلّى عن مواقعنا وننطوي على نفوسنا نلوم الدهر، ونلعن الخيانة والغدر؟.
أصارحكم -أيها الإخوة- بأنني أحمل في حنايا صدري غمّا لا أجد متنفّسا في حديث أنمّقه ولا في سطور أحبّرها كلما مرت بذاكرتي أحداث المهرجان الموءود في عاصمة البلاد، وأنا أتمثل في هذه الحالة النّفسية الكئيبة بقول شاعر المهجر إيليا أبي الماضي:
ألا ليت قلبا بين جنبيّ داميا ... أصاب سلو أو أصاب الأمانيا
أجَنّ الأسى حتى إذا ضاق بالأسى ... تدفق من عيني أحمر قانيا
تهيج بي الذّكرى البروق ضواحكا ... وتغرى بي الوجد الطّيور شواديا ... ذ
يشق على الإنسان خدع فؤاده ... وإن خادع الدّنيا وداجى المداجيا
تمرّ اللّيالي ليلة إثر ليلة ... وأحزان قلبي باقيات كما هيّا (1/80)
صفحة 81
أجل -أيها الإخوة- لقد غصّت كلماتي في حنجرتي يومها لهول الفاجعة، ولم يكتب لها أن تتلقاها الأسماع، إذ انفضّ الجمع وانسحب المحبّون والأشياع. واسمحوا لي -أيها الإخوة- إن ردّدت على مسامعكم بعض الفقرات التي حبّرتها من ذوب فؤادي قبل خمس سنوات، لأنني أعتقد أن الذي كنت أتوقعه لبلادي وقومي من عودة الوعي ويقظة الضّمير قد بدأ يتحقق -بفضل الله- ونرجو منه المزيد.
قلت: أيّها الإخوة الكرام، إننا تداعينا اليوم لنقف مليّا أمام معلم رمز في تاريخ هذا الوطن المفدّى، إنه شيخنا وإمامنا العلامة الحاج إبراهيم بن عمر بيوض -رحمه الله- ذلك الذي شاءت قدرة الله تعالى أن يكون في عداد الأفذاذ من علماء هذه الأمة، ممن صنعهم الله على عينيه، فأنبتهم نباتا حسنا، وصبغهم بصبغته، وآتاهم من علمه وحكمته، ليكوّن منهم جهاز المناعة في جسم هذه الأمة، وقد أحاطت به جراثيم الوباء لتنفذ إليه من كل باب، ولا شك أن هؤلاء العلماء الأعلام تصدق في وجودهم تنبّؤات الرّسول حين قال: «سيبعث الله على رأس كل قرن من يجدّد لهذا الدّين أمره» (1). أو كما قال.
وليس بدعا لأمة في أيام محنتها أن تذهل عن بعض رموزها مختارة أو مكرهة، لأن الحالات المرضية في فرد أو جماعة لا تستقيم معها معايير التّقييم لأصول طبيعتها وحقيقة معدنها، فالشّيخ الإمام بيوض -رحمه الله- لم يندّ عن هذه القاعدة في حياة الأمم، بما تعرّض إليه من أنواع الإذاية والمكر ومن الإجحاف والتّنكّر في حياته وبعد مماته.
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 53. (1/81)
صفحة 82
فإذا كانت لحالة المرض هذه فتراتها، وكان لها وسائلها من العلاج، حين يقيّض الله لها من الأطباء المهرة من يتمّ على أيديهم الشّفاء -بإذن الله- فإننا نعتقد أن أمتنا أصبحت تتماثل للشّفاء، وأن منعشات العافية أخذت تدبّ في أوصالها. لأنها ... -بفضل الله- وإن أوهنتها أوجاع الدّاء وتجرّعت مرارة الدّواء، فإنها لم تفقد الأمل ولم تقطع حبل الرّجاء.
أيها الإخوة الأعزاء، ذلك ما قلته يومئذ، ولكنه بقي حبيس السّطور، واختنق تنهّدات وزفرات في حنايا الصّدور. فهل آن الأوان لهذا العفريت أن ينطلق، ولصوت الحق أن يجد المنبر الحرّ ليرفع عقيرته بالنّداء، وليكشف الحقيقة بدون نفاق ولا رياء؟ خمس سنوات تمرّ بحلوها ومرّها، عاش فيها هذا الشّعب الكريم أحداثا رهيبة، وشاهد في مجالات ثقافته وسياسته أطوارا عجيبة.
فكم من شجيّ مكظوم ابتسم له الدّهر فانتعش وصاح!، وكم من سميّ مهموم شكر الشّعب سعيه فذهبت جهوده أدراج الرّياح!، وكم من رمز للثورة وضليع في البناء والتّشييد أصبح اليوم محلاّ للشك والارتياب، ومخوّن متروك ردّ إليه الاعتبار واستقبل بالتّرحاب!. إنها المفارقات العجيبة يحار في فهمها اللّبيب، ويصبح منها الحليم في شكّ مريب. ولكننا بفضل الله لا نقنط من رحمة الله، ولا نرتاب في عزة وطننا ونخوة شعبنا.
لكم وددنا أن يكون هذا الفاصل الزّمني لوفاة الشّيخ الإمام، والذي يقدّر بعقدين من الزّمن وددناه أن يكون محكّا قويما لمعادن الرّجال، وميزانا طريسا لتقييم الجهود والأعمال، ومنارا هاديا لمسيرة الأجيال، ومحطة استشفاء تستردّ فيها النّفوس عافيتها بما تتعلّمه من مفاجآت الأقدار، وما تتعظ به من تقلبات اللّيل والنّهار. (1/82)
صفحة 83
أيها الإخوة الكرام، إنه ليحزنني في مقامي هذا أن أتغنّى بأمجاد الشّيخ الإمام لأناس كانوا من صنع يديه، وفي مغان كانت مربع طفولته وشيخوخته فهم وإن تناسوا يوما ذكره في زحمة الحياة ولأوائها، فلا يستطيعون أن يجحدوا فضل الأبّوة الكريمة، ولا أدنى من ذلك في حقوق الأرحام. أجل، إنه ليحزنني أن تُحيا ذكرى الإمام في مستوى هذا الإطار الضّيّق -على ما له في نفسي من تقدير واحترام- بينما يقتضي منا الوفاء بحقه أن نوسّع من هذا الفضاء، ونمدّ أصواتنا لتنطلق في كل الأرجاء، غير آبهين بما يفتعله حسّاده من لغو وهراء، فإن الشّيخ الإمام لم يعش للقرارة ولا لميزاب وحدهما، بل حمل هموم وطنه وعاش آلام شعبه وأمّته في الجزائر وفي الوطن العربيّ والإسلامي، كما يقرّ بذلك الأساتذة والباحثون المخلصون الذين تناولوا جوانب من شخصيته الفذة بالنّقد والتّحليل.
وبعدُ، فهل من نهاية لهذا التّعتيم والتّضليل؟. أم ما نزال على حال ما عبّر عنه أمير الشّعراء حين قال:
أحرام على بلابله الدّو ... ح حلال للطير من كل جنس
كلا، -أيها السّادة الكرام- إننا كما لا نخادع أنفسنا، فإننا لا نرضى أن يخادعنا أحد ليحطّ من كرامتنا أو ينتقص من رموزنا، أو يساومنا في أصالتنا ومقوّمات شخصيتنا، فلنتق صفعة التّاريخ ولعنة الأجيال، إن نحن رضينا بالدّون في مقامنا، أو بالدنية في شرفنا وديننا، فإن الوفاء للشيخ الإمام لا يتحقق بتنميق الأحاديث، ولا بتنسيق الخطب والمحاضرات، لأن حبّه في سويداء قلوبنا، وذكراه العطرة ملء جوانحنا. بل لا يكون وفاؤنا له إلا بالمصابرة والمرابطة في اقتناء آثار جهاده ومتابعة المسيرة الإصلاحية وفق المعالم التي رسمها على الطّريق جمعا بين الأصالة والعصرنة، وتكاملا بين العلم والدّين، وتسامحا بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وتجاوبا واحتراما بين القمة والقاعدة. (1/83)
صفحة 84
فكل إخلال بهذا التّوازن، وكل فيروس يشوّش هذه المعادلة، فإنه يلقي بنا -لا قدر الله- إلى متاهات أخرى لا أدلاء فيها، ولا مسالك للنّجاة.
أيها الإخوة الكرام، أعذروني إن تأثرت في الخطاب أو عبّرت بشيء من الأسى والاكتئاب، لأنني بحكم تربيتي على يد الشّيخ الإمام -رحمه الله- ضنين بكرامة هذا الشّعب أن تداس، وبرموزه أن يكونوا أضحوكة بين النّاس. وإن تعجب فعجب أن نسمع في مثل هذه الظّروف التي ما نزال فيها نتنفّس في جوّ معَفّر الأديم، وننطوي من جراء الفتنة العمياء على غيظ كظيم، من العجيب أن نسمع من بعض مثقفينا وإطاراتنا بأن بني ميزاب خوارج، ويلزوننا في قرن واحد مع الغلاة المتطرفين البائدين من الذين يكفّرون مخالفيهم ويستحلّون دماءهم وأموالهم.
أفي مثل هذه الظّروف من الوئام المدني والمصالحة الوطنية نسمع هذه النّغمة النّشاز، ونحاول ان نلقنها للأجيال الصّاعدة في مدارسنا؟. بينما يتغنى شاعرنا الشّعبي البسيط الأخ رابح درياسة -لا فضّ فوه- ويقول: "أنت تقول لي شرقي، أنت تقولي غربي، وأنت تقول لي قبلي وأنت تقول لي بحريّ، وأنا نقولّك: أنا جزائريّ".
فلله درّ هؤلاء النّاس المغرضين،. ألم يعلموا -هداهم الله- أن الشّيخ الإمام بيوض كان ممن ركّز نفوذ جمعية العلماء الجزائريين، وعلى رأسها الإمام الرّمز الشّيخ ابن باديس -رحمه الله- والذي نعتزّ بذكراه في يوم العلم.
ألم يعلموا أنهما صنوان في الإصلاح الدّيني والاجتماعي وفي إعداد الرّجال، ليوم الكريهة والنزال؟. ألم يعلموا أن شاعر الثّورة مفدي زكرياء -رحمه الله- هو الذي ألهب الحماس بأناشيده وقصائده في صفوف حزب الشّعب أيام الكفاح السّياسّي والثّوريّ. إننا أبناء هذا الوادي الأمين لا عيب فينا –بفضل الله- غير أننا عميّة عن الباطل أعيننا بطيئة عن الشّر أرجلنا، فاللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون. (1/84)
صفحة 85
فيا سراة هذا الوطن ويا حماة عرينه، يا من حرّرتم ترابه من دنس الكفر، وعاهدتم الشّهداء على الوفاء والمثابرة والتواصي بالحق والتواصي بالصّبر، إن أمانة التّاريخ في أعناقكم فلا تخونوها، وعزة الوطن رهن مسؤوليتكم فلا تدنّسوها.
ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، والحمد لله ربّ العالمين.
في حفل تكريم الأستاذ أوراغ أحمد بن عمر.
نظمت مكتبة "الصّفاء" للشيخ محمد علي دبوز في "بريان" حفل تكريم للأستاذ السّيد: باحمد بن عمر أوراغ دعت إليه سراة الإصلاح من قرى وادي ميزاب. وشارك فيه جمع من الأدباء قدماء البعثة البيوضية في القرارة وتونس وقد جلّل الحفل حضور كل من الشّيخين الوقورين: الشّيخ عدون والشّيخ بنوح مصباح وكنت ضمن الخطباء على رأس وفد العطف. وتمّ الحفل بدار أولاد "بلفع" ليوم الجمعة 01 صفر 1421 الموافق ليوم 05 ماي 2000م. وهذه هي الكلمة الملقاة في الحفل.
حمدا لله الذي يؤلف بين القلوب، ويلطف بعباده فيكشف السّوء ويفرّج الكروب. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله خير من ائتلف الأعداء وقرّب الأصحاب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتّابعين هداهم إلى يوم الحساب وبعد:
مشائخنا الأجلاء، ويا معشر الرّفاق والزّملاء، أيها الجمع الكريم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، يا معشر آل بريان الفضلاء، مرحى بهذا التّكريم النّديّ لرجل شهم كريم غيور على أهله وقومه، رجل عركته السّنون وحنكته التّجارب، وعجمت عوده تقلبات الدّهر فذاق منه الحلو والمرّ، وجنى من روضه الشّوك والورد، فما نكث العهد، وما وهنت عزيمته وما استكان. ألا وهو الشّهم الهمام السّيد: الحاج أحمد بن عمر أوراغ. بارك الله في أنفاسه وأبقاه ذخرا وفخرا للأجيال. (1/85)
صفحة 86
دعوتمونا يا آل بريان لهذه المكرمة، فجئنا إليكم مستبشرين شاكرين، لأن المحتفل به جدير بأن نأتي إليه ولو حبوا، لما نكنّ له في صدورنا من محبة وتقدير. لأننا -نحن الجيل المخضرم- مدينون له في تكويننا وتربيتنا، وكانت لشخصيته الفذّة القوية آثارها العميقة في مكوّناتنا وقدراتنا التي أمدتنا بتلك الطّاقات الفعّالة التي خضنا بها غمار الحياة، في عزيمة وثبات. وتبوّأنا بها مكانتنا في مقام المسؤولية بيقين وإيمان. لقد كان القلب النّابض والرّائد الأمين في مسيرة الإصلاح إلى جانب رفاقه الأوفياء، رعاية للمؤسسات الدّينية والتّعليمية والخيرية لهذا البلد وتحسيسا وتوعية لجمهوره الكريم، وتزجية لصفوف الأجيال على نهج السّلف الصّالح لنشر الفضيلة، وتركيز القيم الأخلاقية النّبيلة، وهو لا يألو جهدا في توحيد الكلمة وضمّ الجهود وإزالة كل عائق يعكّر صفو العلاقات الاجتماعية بين أبناء البلدة كلها مهما كانت مشاربهم وتوجّهاتهم. وهو يتمتّع برصيد من الثّقة والاحترام في مختلف الهيئات والتّجمّعات توفّر له أسباب النّجاح في استئناس النّفوس الشّرودة، وتطويع الطّبائع العنودة. وإني لأجد في وصف شاعر المهجر إيليا أبي الماضي للرجل الكريم أصدق تعبير ينطبق على المحتفل به إذ يقول:
قالوا: ألا تصف الكريم ... لنا فقلت على البديه
إنّ الكريم لكالرّبيع تحبّـ ... ـه للحسن فيه
وتهشّ عند لقائه ... ويغيب عنك فتشتهيه
لا يرتضي أبدا لصاحبـ ... ـه الذي لا يرتضيه
وإذا اللّيالي ساعفته ... لا يضلّ ولا يتيه
وتراه يبسم هازئا ... في غمرة الخطب الكريه
وإذا تحرّق حاسدو ... ه بكى ورقّ لحاسديه
كالورد ينفع بالشّذى ... حتى أنوف السّارقيه (1/86)
صفحة 87
نعم!، أيها الأخ الكريم، ها أنت كذلك يجلّلك وقار الشِّيب وترتسم على غضون محيّاك تباريح السّنين. وحولك رفاق الدّرب يكرّمونك ويشيدون بمزاياك ومفاخرك، وأبناء بررة تقرّبهم إليك عواطف الأبوّة الرّحيمة، وهذا الجمهور الكريم يقرّ بالفضل لذويه ويعترف بالجميل، ويبوّئك في صدره المقام الجليل. فطوبى لمن لهجت له ألسن الخلائق بالخير، وخلّد وجوده بحسن الذّكر، وحسبك تشريفا وتكريما بعد رضى الله أن تنال رضى والديك ورضى شيخنا الإمام الحاج إبراهيم بيوض -رحمه الله- وأنت ترعى أبناءه على حسن توجيهه وإرشاده، وتواكب خطواته في نضاله وجهاده، حتى آخر خطوة في حياته. فما خنت له عهدا، ولا آثرت عليه مالا ولا وُلدا. وتلك هي مناقب الأفذاذ من الرجال تعوزنا اليوم، وقد كثرت الزّعامات وتعدّدت المسالك فتمزقت الوحدة وتاهت الأجيال.
وإن الأبناء المخلصين لهذا الوطن الجريح لتقطر قلوبهم دما وهم يعيشون هذه الفتنة العمياء، ويرون كيف عبث النّاس بالقيم السّمحاء، وتنكّروا لمبادئ الدّين، وخانوا عهود الشّهداء. وتراب هذا البلد الأمين كغيره في كل أرجاء الوطن معجون بدمائهم الزّكية. وما تزال آثارهم الخالدة في كل حدب وصوب شاهدة على التّضحية والفداء.
فسبحان الله كيف تتغيّر الطّباع، وكيف تنحرف المفاهيم وتتقلّب الأوضاع؟. ومهما تقس الشّدائد وتتوال المصائب علينا فإنها بما كسبت أيدينا وحصاد ما زرعنا: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (يونس:44) (1/87)
صفحة 88
وهل نخادع أنفسنا -نحن الجيل المخضرم- ونبرّئ ذمتنا مما يعانيه الوطن، لأن الأحداث قد تجاوزتنا وعنفوان عمرنا قد ولّى؟ فنغضي على القذى ونستسلم للرزايا والرّدى؟. كلاّ أيها الإخوة، فإن الوفاء يقتضي منا ألا نستبقي من جهودنا ولا نحقّر من المعروف شيئا بالنّصح الهادئ والكلمة الطيّبة وأن تلقى أخاك بوجه طلق، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فما أحوج المواطنين اليوم إلى هذه المؤاساة. وقد بلغت القلوب الحناجر، وتضخّم حجم المأساة.
أيها الأخ الكريم، إنّ هذا المجتمع الفاضل ليشهد لك باليد الطّولى في هذا المضمار، وأنت في المجامع تسدّد وتقارب، وتستأنس النّفوس الجموحة حتى تثوب إلى رشدها، وتروّض الطّبائع الشّحيحة حتى تستجيب للقيام بواجبها.
فها أنت اليوم تتربّع على عرش القلوب معزّزا مكرّما، مرتاح الضّمير ومطمئن البال بثمرات جهودك وجني غرسك، وذلك هو الكنز الذي لا يفنى والتراث الذي لا يبلى. فعش قرير العين مبارك الأنفاس، موفور الكرامة مرفوع الرّأس، وأنت رائد الجيل، وحاديه في مسار موكبه الجليل. وسلام عليك يوم ولدت ويوم تموت، ويوم تبعث حيّا. وشكرا لهذه النّفوس الطّيّبة الحافظة للذّمم والرّاعية للجميل. وإن لكم -يا آل بريان- في أمّ القرى رحما موصولة ومحبّة غامرة، فتقبّلوا منا هذه العواطف النّبيلة، أبقاكم الله في عزة وكرامة، ورمزا للنبل والكرم والشّهامة، والحمد لله ربّ العالمين.
في زيارة سعادة السّفير العماني. (1/88)
صفحة 89
في يوم الإربعاء 03 محرم 1422 الموافق يوم 28 مارس 2001م. زار بلدتنا سعادة سفير عمان في الجزائر الأخ السّيد: أحمد بن النّاصر المحرزي مع مستشاره، وكلاهما من إخواننا الإباضية في سلطنة عمان. وذلك في إطار زيارته الخاصة لمنطقة "وادي ميزاب" لأول مرة، ودليله في هذه الزّيارة هو الأخ السّيد موسى المال الحاج عمر، وقد استقبله العزابة وجمهور المصلين في المسجد الجامع. وبعد أداء فريضة المغرب ألقيت هذه الكلمة للترحيب والاستقبال.
الحمد لله الذي أعزّنا بالإسلام وهدانا بالقرآن وجعلنا من أهل الحق والاستقامة. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم القيامة. وبعد:
سعادة الأخ السفير لسلطنة عمان والوفد المرافق له، حضرات الإخوة العزابة، أيها الإخوة المواطنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا.
نرحّب بكم في هذا البيت المعمور مثابة المؤمنين ومعلق قلوبهم في الأصائل والأبكار لمناجاة الله وتلاوة ذكره الحكيم. نرحّب بكم وأنتم محفوفون برعاية الله مكرّمون في حمى الله، تغمركم النّفحات وتتنزل عليكم الرّحمات.
فزيارتكم لهذا البيت لدليل على أصالة الأرومة وكرم المحتد، وتعبير على تعظيمكم لشعائر الله واعتزازكم بالأخوّة في الله، فها هو هذا الجمهور الكريم من عمّار بيت الله، يمتنّ لشرف لقياكم ويهتز لحظوته بمرءاكم، لأنكم سفير إخوة لنا تجمعنا بهم وشائج الدّين، وتصلنا بهم على بعد الدّار معابر التّاريخ والحضارة، وكنوز الثّقافة والتّراث. فتربّعوا على عرش القلوب، فإنها نعم المحضن للمعزّز المحبوب. (1/89)
صفحة 90
سعادة السّفير، لعلّ السّير أضناكم وأنتم تدلفون في دروب هذه القرية الوديعة لتصلوا إلى قمّة ربوتها حيث يتربّع هذا البيت المعمور، ويجثم على صخورها منذ ما يزيد عن عشرة قرون، حين ارتاد مجرى هذا الوادي الأمين الدّاعية الإمام الشّيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي رحمه الله مع مجموعة من طلبته وقطيع من أغنامه في أوائل القرن الخامس الهجريّ وكان الرّائد الأمين للأسر التي استقرت بالمنطقة، إذ وجدت فيها المنتجع الحيويّ والملاذ الأمين. وفي هذا المسجد بالذّات طبّق نظام حلقة العزابة بعد أن أكمل تصميمه وأرسى قواعده في منطقة "وادي ريغ".
ومنذ تلك الانطلاقة المباركة ما يزال هذا النّظام العتيد حصنا منيعا لأمانة الدّين ودليلا أمينا لقافلة المجتمع، ومسلكا مأمونا لمواكب الأجيال. يعلو من مئذنته صوت الحق مجلجلا بالغدوّ والأصال، وتتردّد في جنباته تسابيح الأدعية والصّلوات، وتراتيل آيات الله البيّنات فكل لبنة في هذا الصّرح العتيد، بل كل ذرة من ترابه الطّاهر لتلهج بذكر الله، وتؤوّب مع الحناجر المتبتلة إلى الله، وإن صوت الحق ليحدو بالأجيال من هذا المنبر ويشعّ نورا من هذا المحراب داعيا إلى الله في حكمة وأناة، ينبّه الغافل ويستأنس الشّرود، حتى تخشع القلوب لذكر الله، وتنقاد الجوارح لطاعة الله. (1/90)
صفحة 91
وما يزال المؤمنون على مختلف طبقاتهم -وبالأخص عنصر الشّباب بما تشاهدون- يجدون في رحاب بيوت الله البلسم الشّافي لأدوائهم والحلّ النّاجع لمشاكلهم، والرّباط المتين لصفوفهم. وقد وجدوا فيها مصداقية قول رسول الله في ما بشر به عمّار بيوت الله في قوله: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (1) وصدق رسول الله.
سعادة السّفير، لعلكم تلاحظون حداثة البناء ومظاهر التّجديد في أجزاء هذا البيت كلها بحيث لم يبق فيه ما يدلّ على مخلفات القرون العشرة المذكورة؟. أي نعم، كان بودّنا أن نبقي على شيء من بنائه القديم شاهدا على صفحات خالدة للعمل الإسلامّي الدّؤوب طيلة تلك الفترة، ولكننا إذ لم نجد فيه مجالا للترقيع والتّرميم أتينا على بنيانه من القواعد وجددنا بناءه سنة 1960م.
وعندما ضاق بعمّاره أضفنا إليه مساحات أخرى من الجهة الشّرقية والغربية. ومع التّوسّع العمراني الكبير الذي شهدته البلدة على ضفّتي الوادي أنشأنا خمس مصليات تابعة لهذا المسجد الجامع. وكلها اليوم تؤدي وظيفتها الدّينية على أكمل وجه -بفضل الله- وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.
وكل هذه المصليات تخضع في تسييرها لهذا المسجد الجامع المركزي تقوم عليها حلقة العزابة في تجاوب وتكامل وانسجام في أداء الوظائف الدّينية الرّتيبة، وفي القيام بالمهامّ الاجتماعية التي ما تزال الحلقة -بعون الله- تدبّر شؤونها وتدير دفّتها في حوار وتشاور مع الهيئات العرفية الأخرى.
وما يزال جمهورنا -بحمد الله- مسجديّ المشرب ربّاني التّوجّه لا يكاد يندّ عن ذلك شرود رغم تهافت الأصوات عليه، وتشعّب المسالك أمام ناظريه.
__________
(1) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب العلم، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، حديث 2699: 4/ 2074. (1/91)
صفحة 92
نرجو من الله العليّ القدير أن يديم علينا هذه النّعمة، وأن يجنّبنا مواطن الزّلل، وأن يهدينا سبل رشدنا ويوفقنا لصالح أعمالنا.
سعادة السّيد السّفير، نشكر لكم هذه الالتفاتة الكريمة بهذه الزّيارة المباركة التي نرجو من الله أن يجعلها ميمونة في مطلع السّنة الهجرية الجديدة 1422هـ، ونحن جميعا متمتعون بأنعم الله الضّافية ودوام الصّحة والعافية، متفائلين خيرا بما تحمله في طيّاتها من أقدار، سائلين الله القويّ العزيز أن يلطف بعباده، وأن يقينا مصارع السّوء، ويحفظنا من مكايد الشّيطان وأعوانه، وفقكم الله في مهمّتكم النّبيلة سفير خير وبشير سعد لبلدكم في وطنكم المفدّى.
ورجاؤنا الوطيد من سيادتكم أن تبلغوا أحرّ تهانينا وأطيب تمنياتنا لجلالة السّلطان قابوس حفظه الله ورعاه، ولكل أبناء الشّعب العماني الشّقيق، زاده الله عزّا ومجدا في ظلال الرّعاية الإلهية، والأخوّة الإسلامية رعاكم الله في حلّكم وترحالكم، وأبقاكم للنبل والشّهامة ذخرا، ولتواصل الأجيال فخرا. وحباكم الله من لدنه مغفرة وأجرا، والحمد لله ربّ العالمين.
إيه يا حمرايات.
نسقت البلدية مع مجلس الأعيان ومساندة العزابة نسّقوا لتظاهرة جماعية تغطي منطقة "الحمرايات" رجاء إعطاء دفع لتنميتها وتوظيفها عمرانيا وسكنيا فتجمّع حشد غفير من جمهورنا هنالك في حدود العاشرة ليوم الخميس 12 شوال 1422 الموافق لـ 27 ديسمبر 2001م. وبعد التّجوال في بنايات القصر والاستماع إلى بيانات التّصاميم مع السّيد الوالي وأعوانه. تليت خواتيم القرآن والأدعية. ثم استمع الجمهور إلى كلمات من طرف السّيد رئيس المجلس البلدي والسّيد الوالي. وإلى كلمة باسم العزابة والأعيان ألقيتها جاء فيها ما يلي: (1/92)
صفحة 93
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات، وبنور وجهه أشرقت الظّلمات، وبأمره قامت الأرض والسّماوات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله القائل: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:
__________
(1) - رواه أحمد في المسند، من حديث أنس بن مالك، حديث 12981: 20/ 296. (1/93)
صفحة 94
جناب السّيد الوالي وأعوانه، حضرات الإخوة المسؤولين في كل المستويات، أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. ما أعظم العبرة في تقلّب اللّيل والنّهار، وما أجلّ حكمة الواحد القهار، إذ جعل لخلقه الأرض ذلولا، وأمرهم بالسّير في مناكبها للارتزاق وجعل لهم من سهولها وجبالها مهادا للسكن والإعمار فقال جلّ من قائل: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنم بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الاَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعَنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنَ اَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثًا وَمَتَاعًا اِلَى حِينٍ، وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَالِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (النّحل: 80 - 81). فانظروا حواليكم -أيها الإخوة- وقلبّوا الطّرف في هذه الرّوابي وتلكم الوهاد، تجدوا بديع صنع الله تقديرا وإتقانا، وتستشفّوا من ثناياها حكمة الوجود وسرّ البقاء كما قدّره الله إلى حين. وليتساءل كل منا كم من الأحقاب والأزمان وهذه الرّقعة من الأرض الطّيّبة تنتظر يد الإنسان لتحرّك فيها دبيب الحياة، وتطلق فيها أدوات العمران لتحوّلها إلى قصور وجنات!. فيا لعظمة الله كيف يخلق ما يشاء ويختار؟. (1/94)
صفحة 95
فمن منا -أيها السّادة- كان يظن قبل خمس سنوات أن يساوم أحد شبرا من هذا القفر اليباب؟ أو يزاحم في أحجارها الأفاعي والضّباب؟. ولكنه الحظ السّعيد لهذه الرّقعة التي سبّحت بحمد ربّها إذ اختارها لتكون مربعا لابن آدم يبني عليها ويشيد، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يبدي ويعيد. وهل تذكرون كيف كانت الانطلاقة السّعيدة في هذا المكان قبل خمس سنوات، وكيف توحّدت إرادتنا سلطة وشعبا في توسيع رقعة عمراننا صوب هذا الشّطر من تراب بلديتنا الفتية، ونحن نضع الحجر الأساسّي لنواة هذا القصر بدءا ببيت الله كما درج عليه أسلافنا -رحمهم الله- قبل ألف عام في تعمير هذا الوادي الأمين؟.
فها هي تلكم الإرادة تجسّدت في هذا المجمّع السّكني الذي يكاد يستكمل مرافقه الحيوية، وتتحرّك فيه دورة الحياة في عافية وانسجام -بحول الله- فيندرج في سلك الوتيرة العمرانية درّة غالية في جيد هذا الوادي الأمين. وسوف تنتظم درر أخرى على وتيرته عبر الأجيال والسّنين.
أيها الإخوة الأعزاء، لسنا ممن يكتفي بالإشادة بأمجاد الماضي، ولا ممن يبكي على الأطلال، ولكننا -بفضل الله- ممن قال فيهم الشّاعر:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبـ ... ـني ونفعل مثلما فعلوا
وصدق الذي قال:
فخير النّاس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسبا جديدا
نعم أيها السّادة، لقد انطلقت عجلة التّطوّر وسارت قافلة التّنمية في هذه الرّبوع بخطى مركزة وتوجّه مدروس. فطوبى لمن ساير الرّكب وساهم بما يستطيعه من جهد في إنجاح المشروع، ولم يتردّد في الإقدام ليصبح من بناة هذا القصر الجديد، بل أصمّ أذنيه لمن يثبط العزائم ويتهيّب من الحواجز والسّدود، فإن التّاريخ لا يرجع القهقرى، وعند انفلاق الصّبح يحمد القوم السّرى. (1/95)
صفحة 96
إيه يا قصر الحمرايات! ... ها نحن عدنا إليك والعود أحمد، لنماذج حمرتك الفطرية بالأخضر والأزرق والأصفر وبكل لون زاه يرصّع جبينك ويطرّز حواشيك فتختال عروسا تسبي النّاظرين، وتعزي بطلعتها العاشقين. فيا لسعادة من يفوز بها ويقدّم المهر الثّمين.
أيها الإخوة، لم يكن أجدادنا بلهاء عندما اختاروا لقراهم تلك الرّوابي العاليات، وتركوا ضفاف الوادي للزرع والنّبات، ولئن ظن بعضنا أنهم فعلوا ذلك طلبا لوسائل الأمن وتحصينات الدّفاع، فإنهم إلى جانب ذلك قد احتاطوا للسيول الجارفة، والفيضانات المدمّرة المتلفة، إذ عانوا من ويلاتها، وهم يعلمون أن الوادي يحنّ إلى مجراه ولو بعد قرون، وعندما تثور حفيظته فإنه لا تثنيه الحواجز والسّدود، ولا يقاومه الإسمنت والحديد، وعند باب الوادي بالعاصمة الخبر اليقين. فكم من جنات وارفة الظّلال وديار عالية الأسوار، آوت أسرا قرّت بها عينا إلى حين فجرفها السّيل العرم وأصبحت أثرا بعد عين.
فيا أيها السّادة الكرام، البدار البدار، فلا تتركن العروس يطول بها الانتظار، فتخذلها الأيام ويتحرّش بها تقلّب اللّيل والنّهار، سارعوا إلى إعداد عش الزّوجية، إذ أصبحتم مسؤولين على إشهاركم للعرس بهذه الوليمة الجماعية ولات حين انتكاس، بعد أن شهد الله على قرانكم وشهد عليه الملائكة والنّاس.
{رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَدًا} (الكهف:10).
فاللّهم أعنّا ولا تعن علينا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا إنك على كل شيء قدير، وأنت ناصرنا ومولانا فنعم المولى ونعم النّصير، والحمد لله ربّ العالمين.
مرحى بالإمام أحمد الخليلي. (1/96)
صفحة 97
زار الإمام أحمد الخليلي مفتى السّلطنة العمانية. زار قرى "وادي ميزاب" مع وفد من مرافقيه الأساتذة. وقد أعطى لكل قرية حقها من الضّيافة وما تخلل ذلك من دروسه القيمة في المساجد. وقد زار العطف مساء يوم السبت 16 محرم 1423 الموافق لـ 30 مارس 2002م. وألقى درسا قيّما في المسجد الجامع، فرحبت به وألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله ربّ المشرقين وربّ المغربين، مبدع الكون وبارئ الثّقلين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فضيلة العلاّمة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي السّلطنة العمانية العامرة، حضرات الإخوة المرافقين له، حضرات الإخوة العزابة وأعيان البلد الفضلاء، أيها الإخوة المواطنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
إنه لمن دواعي الحظ السّعيد وأمارات التّوفيق للبلدة عامّة، ولهذا البيت المعمور خاصّة أن نحظى بلقياكم -أيها الوفد الكريم- ولو لسويعات معدودة نختطفها -ولا نكاد- من برنامج زيارتكم لهذه المنطقة الطّيّبة، وهذا الجمهور الكريم مشرئبّ الأعناق إلى مراءكم الجليل وطلعتكم المهيبة، وهي تتلألأ بالأنوار الرّبانية ويجلّلها وقار الإيمان والتّقوى.
ونحن نحتضنكم مكرمين بين رحاب هذا البيت المعمور الذي أسّس على تقوى من الله ورضوان قبل ما يزيد عن ألف عام منذ أن وطئت أقدام الدّاعية الإباضي الشّيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي تربة هذا الوادي الأمين ليكون منتجعا للأسر الإباضية النازحة من هنا وهناك وليركّز فيه نظام حلقة العزابة الذي ما يزال -بفضل الله- يقوم بدوره الفعّال في تأطير المجتمع وإرشاده ليحافظ على تماسكه واستمراريته إلى يوم النّاس هذا. (1/97)
صفحة 98
فها هي أمّ القرى تتيه زهوا وفخرا بخيرة أبناء عمان، إذ تألقتم في جبينها دررا غالية قلما يجود بها الزّمان، فتربّعوا على عرش القلوب فأنتم في السّويداء، وافترشوا العيون والمهج فأنتم الأحبة الأعزاء، فإذا كان هذا الجمهور الكريم قد نعم بعضه بطلعتكم خلال العقد الثّامن من القرن العشرين، ولم يشف له يومئذ غليل، فكيف به اليوم ولم ينعم بحضوركم إلا بالقليل؟. فاتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم أيها الشّيخ الجليل.
فضيلة الشيخ، إن هذا البيت المعمور على عراقته في التأسيس، وحداثته في البناء والتّشييد هو المسجد الجامع في المدينة، ترتبط به مصليات أخرى استحدثت في الأحياء السكنية الجديدة تامّة التنسيق بينها، موحّدة المنهج في التّسيير والوعظ والإرشاد، حفاظا على وحدة جماعتنا، ودرءا لكل النتوءات والطّفيليات التي أصبحت تتحدّى تربيتنا وتعرقل الخطو السّليم لمسيرتنا.
ولذا كان من الضّروريّ اليوم مثل هذا التّواصل بيننا وبين مشائخنا بين المشرق والمغرب كما كان عليه سلفنا الصّالح رضوان الله عليهم. ولست بحاجة إلى الإعراب لكم عن هذه العاطفة النّبيلة، فإن بريق العيون وقسمات الوجوه في هذا الحشد الكريم لهي أصدق تعبير على ما نكنّه لكم من إجلال وتقدير.
ونحن منشرحو الصدر بالبركات العمانية في شخصكم الكريم فخورون بالعزة السّلطانية من خلال وفادتكم الموفقة إلى بلدكم الثّاني -الجزائر المجاهدة- جئتم إليها هداة للخير والصّلاح. دعاة إلى المحبة والبرّ، حماة للدّين والفضيلة.
فجازاكم الله عن الدّين والوطن خيرا، وأبقاكم للأجيال ذخرا وفخرا، كلأكم الله بحفظه ورعايته في الحلّ والتّرحال.
فباسمكم جميعا –أيها المواطنون- أقدّم أحرّ تحياتي وأغلى تمنياتي إلى فضيلة الشّيخ ورفاقه، ونحن مرهفو الآذان إلى سماع نصائحه قائلا ما قاله الشّاعر:
وجدتُ فيهم مكان القول ذا سعة ... فإن وجدتَ لسانا قائلا فقُل
نِعم اللّبنة في صرح هذا المجتمع. (1/98)
صفحة 99
قامت جماعتنا ببلدة "سطيف" بإنجاز المراحل الأولى من مرّكب الجماعة حيث حصلوا على أرضية هناك حسنة الموقع على الطّريق الوطني للشرق، فدعوا كثيرا من المشائخ لحضور تدشين القسم الذي أنجزوه -أي المصلّى ومرافقه- وذلك ليوم الجمعة 18 شعبان 1423 الموافق لـ 25 أكتوبر 2002م. وقد هيأت هذه الكلمة بالمناسبة ولكنني لم أحضر الحفل مع الإخوة المشاركين. ضرورة وجودي في العاصمة للفحوص الطّيّبة التي انطلقت مواعيدها ليوم 26 أكتوبر وقد بعثت بنسخة من هذه الكلمة لرئيس الجماعة هناك.
الحمد لله وليّ المتقين، ومدّخر أجر المحسنين، ومبارك عمل العاملين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله الصّادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها المجمع الكريم، من كل مستجيب لله، متنافس في محبته ورضاه. لقد تنادينا لهذه المكرمة لنبارك هذا الجهد الجماعيّ لإنجاز هذا المركّب العظيم بمدينة سطيف بكل ما يضمّه من مرافق تتكامل كلها لرفع كلمة الله وإرساء دعائم دينه، وضمّ صفوف أوليائه، وتوحيد توجّههم على هدي الله وسنة رسوله ونهج السّلف الصّالح في التّواؤم بين العقيدة والشّريعة، إيمانا راسخا، وعملا صالحا، وسلوكا نظيفا. لا يفرقون بين ما كان لله وما كان لقيصر، لأن الله أشدّ حبّا إليهم، وسلطانه على نفوسهم أعظم وأكبر. (1/99)
صفحة 100
أجل، أيها الإخوة الأعزاء، إن الغيورين من أبناء هذا المجتمع الكريم ليهتزون فرحا وسرورا ويترنحون نخوة واعتزازا، كلما دعا داعي البذل والسّخاء إنجاز مشروع تتحصّن به الفضيلة، وينتعش في رحابه الإيمان، وتتردّد في جنباته آيات القرآن، ويجد الطّمأنينة في كنفه عباد الرّحمن. تلكم هي أشرف مقاصده في ترتيب الأولويات وإن كان لا يغفل ولا يبخل عن زوّاره توفير الوسائل لمتطلبات الحياة. لأن هذا المسلك القويم هو الذي نصح به القرآن، وأرشد إليه أصحاب الأموال والأعمال. عندما قال على لسان الذين أوتوا العلم وهم يوجّهون نصحهم لقارون: {وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الاَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:77).
فحاشاكم -أيها الإخوة- أن تكونوا من صنف "قارون" في سماع تلك النّصيحة، وما جرّ إليه إعراضه عنها من عار وفضيحة. فالله الذي فضل خلقه بعضهم على بعض في الرّزق يرشدنا إلى القصد والاعتدال، في تداول الأرزاق والأموال، بحيث لا تشغلنا ولا تفتننا عن ذكر الله، لأن وراء ذلك الكساد والبوار، وما يتبع ذلك من الإحباط والخسار. إن ما نبذله في إنجاز أمثال هذه المشاريع الخيرية، لهو الضريبة العادلة التي نؤمّن بها على أموالنا وعلى حياتنا وعلى مستقبل أولادنا وأهلينا، إذ هي القلعة الحصينة التي تصدّ عنهم غارات الأعداء، وتقيهم من شرور العواصف والأنواء، وهي المصل الحيويّ الذي يقويّ في أجسامهم جهاز المناعة لمغالبة جراثيم الأدواء. (1/100)
صفحة 101
أي والله، أيها الإخوة الكرام، فما استطعنا صمودا أمام قوارع الزّمن، وتماسكا في غمرة الفتن، بل ظهورا على تحديّات المسخ والانحلال وتوازنا في زحمة الاضطراب والاختلال، ما استطعنا أن نكون كذلك إلا بمثل هذا النّظام العرفيّ العتيد، الذي وضعه أسلافنا -رحمهم الله- وهم يتخلّون عن قصورهم وجناتهم مما كانوا يملكون في شمال البلاد وهم أسياد، فارّين بدينهم وكرامتهم إلى مناطق الجنوب. ولو أنهم درجوا على ما كانوا عليه من التّرف والنّعيم، ووجدوا من طبيعة المكان ما يساعدهم على الانغماس في الشّهوات، والافتتان بزخارف الدّنيا كشأننا نحن اليوم، هل كانوا يتركون لنا هذا الخير العميم، مما تتمتع به أجيالنا من هذه المؤسسات العرفية؟.
كلا والله، إنهم انتهجوا في حياتهم -رحمهم الله- تلك الحكمة التي تقول: "غرسوا فأكلنا وغرسنا فيأكلون". فهل تعي أجيالنا اليوم هذا البعد الاجتماعي، فتعمل مخلصة للمحافظة على الأمانة وضمان البقاء والاستمرارية؟. ذلك ما نرجوه ونتمناه. ولكن التّسلسل الزّمنيّ قد تبتر إحدى حلقاته بتصرّف فاسد وإن يكن غير مقصود، أو بسعي مدبّر وراءه شيطان مريد. -وكم للشياطين من قرناء- وفي كلتا الحالتين يكون هذا العمل غلولا محرّما في ديننا يقول تعالى: {وَمَنْ يَّغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (آل عمران:161). (1/101)
صفحة 102
فأيّ عار وأية لعنة تاريخية تنتظر من يفعل ذلك؟ فحذار ثم حذار ثمّ حذار من هذه التّصرفات التي توصم بالخيانة، وتنمّ عن الأنانية المقيتة. فلهذه المشاريع نظمها الجماعية، ولها إطارها الرّسمّي في نظارة الشّؤون الدّينية. فالتسيير الجماعيّ يقتضي تبادل الرّأي بكل حرية واختيار، ويستلزم المصداقية والشّفافية في اتخاذ القرار، وأما الإطار الرّسميّ فيتحتّم أزاءه الامتثال والانضباط، وكل من تطاول عن هذين الأمرين فهو كلب ينبح خلف الدّار، ولصّ يدخل الدّار من وراء الأسوار. فأربأ بكم أيها المسيّرون لهذا المركّب المبارك أن تكونوا من هؤلاء، وقد رشحتكم الجماعة لتتحمّلوا هذه الأعباء.
إني لأهنئكم بهذا الإنجاز العظيم باسمي وباسم جماهيرنا في العطف، بكل هيئات مجتمعها راجيا من المولى تبارك وتعالى حسن الجزاء، لكل من ساهم في تحقيق المشروع من قريب أو بعيد، وحسن التّوفيق والنّجاح لمسيّريه، بأن يمسكوا على الأمور بقبضة من حديد. كما أرجو للزائرين والمقيمين كل الرّاحة والأمن والطمأنينة في كنف هذا الصّرح المشيد، والحمد لله ربّ العالمين.
في ذكرى المولد النّبوي.
كنت قد أعددت هذه الكلمة في الدّار البيضاء لألقيها أمام وفد السّلطات المحلّية، بعد أن قرّرت إحياء ذكرى المولد لهذه السنة 1426هـ / 2005م في المسجد العتيق، وعندما قررت نقل ذلك إلى مسجد أبي بكر الصّديق في حيّ "مرماد" بغرداية، عدّلت بعض التّعابير ليلقيها الأستاذ الحاج إبراهيم محمد نيابة عني، ثم إن الابن أحمد سعيد يتولّى تسلّم جائزة التّكريم الخاصّة بي حسب المقرّر.
الحمد لله الكبير المتعالي، سبحانه ذي العزة والجلال، نشكره ونستعين به ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/102)
صفحة 103
جناب السّيد الوالي والوفد المرافق له من المسؤولين والإطارات، حضرات الإخوة المؤمنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، لقد تداعينا جميعا إلى هذا البيت العامر لإحياء هذه اللّيلة المباركة -ليلة المولد الشّريف- بتكريم ثلة من الشّباب المحمّدي، آثر السّباق في حلبة القرآن الكريم حفظا وتجويدا وتفسيرا. إنها لسنّة حسنة تشفى صدور المؤمنين ومكرمة حميدة تزجى صفوف الأجيال على نهج الصّالحين. ونحن إذ نبارك هذا اللّقاء السّعيد نقدّم تهانينا الخالصة لأبنائنا الفائزين وتشكراتنا الحارة لكل من ساهم في إنجاح هذه التّظاهرة من الأولياء والمسؤولين.
أيها المحفل الكريم، إنّ لذكرى المولد النّبويّ الشّريف لهزة في نفوسنا، ومنزلة عظمى في ذكريات أمجادنا، كيف لا؟ وقد بشرت به كل الكائنات، واهتزّ به عرش الرّحمن، وأشرقت بأنواره الأرض والسّماوات.
ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزّمان تبسّم وثناء
الرّوح والملأ الملائك حوله ... للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي ... والمنتهى والسّدرة العصماء
فإذا كان لأهل الكتاب أن ينتحبوا على وفاة حبرهم الأعظم، ويضفون عليه تلك الحرمة والقداسة وهو بشر عادي من رهطهم وقبيلهم، فكيف لا يليق بنا نحن المسلمين أن نحتفل ونفاخر بمولد رسولنا الأعظم وقد اجتباه الله لرسالته مبعوثا إلى النّاس أجمعين. وشهد له بالفضل العميم والخلق العظيم، وإنه لمن المفارقات العجيبة ان نسمع أصواتا تنادي بأن الاحتفال بالمولد النّبويّ الشّريف بدعة لم تكن في الرّعيل الأول من سلفنا الصّالح، حتى لكأننا في منزلتهم من الورع والتّقى، وفي مرتبتهم من الإخلاص والوفاء. فيا أيها هذا النّاس، أين نحن اليوم من مقامات أولئك الأفذاذ؟، وما قيمة كثرة أعدادنا وقد أصبحنا كما تنبّأ رسولنا كالغثاء؟ فإن قعد بنا الزّمان وعثر بنا الحظ، فلا أقلّ من أن نتعزّى بماضينا لنستلهمه في ارتياد آفاق مستقبلنا. (1/103)
صفحة 104
وإذا فاتك التفات إلى الما ... ضي فقد غاب عنك وجه التأسّي
وإلاّ، من قال بربّكم إن الأمم العظيمة هي التي تتنكّر لماضيها وأصالتها؟، ومن قال: إن الانتساب لغير آبائنا هو عنوان الفخار والمجد؟، كلاّ، إنها إيحاءات من أعدائنا لتقويض أركاننا وخلخلة جذورنا لقلع شجرتنا من تربة الحضارة البشرية بغيا وحسدا.
أيها الإخوة المؤمنون، أيّنا لا تهزه مثل هذه المواقف، وهو يشاهد هذه الأفواج من أبناء المسلمين، وكلهم فتوّة ونشاط وإقبال، ينعشون الآمال، ويثيرون في النّفوس كوامن الغيرة والنّخوة للذوذ عن الحمى والحفاظ على مقومات شخصيتنا دينا ولغة وتاريخا وأعرافا وعادات. وما تناوش الأعداء لنا اليوم إلا تفجير لطاقاتنا ودفع لها بكسر الحواجز والحدود، لبلوغ الأعزّ من الغد المنشود: {وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ} (آل عمران:139). فإن ساءتنا أحوالنا اليوم وشكونا تصاريف الزّمان، ونحن نتلمّس طريقنا نحو المجد والسّؤدد، ونتعجّل بلوغ المقصد، فإن ذلك من طبع الإنسان العجول، ومن سنن الحياة التي لا تعرف التّبديل والتّحويل.
لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدّم
فإذا كان الشّعور بالنّقص هو أول درجة في الكمال كما يقول الحكماء، فحسبنا من واقعنا مثل هذا الشّعور الذي يحفزنا إلى التّجديد والإصلاح وإلى المداواة وضمد الجراح. وذلك بتقييم ذواتنا وكشف ما تنطوي عليه من العيوب، ثم تعهّدها بالصّقل والتّهذيب امتثالا لقوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم:6)، ولا تعوزنا الوسائل في ذلك إن خلصت النّوايا وصحت العزائم، ففي كتابنا العزيز وفي هدي رسولنا الكريم عن كل نصح غناء، فأين حكمة البشر من حكمة السّماء؟. يقول المولى تبارك وتعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} (المؤمنون:71). (1/104)
صفحة 105
أيها المحفل الكريم، لا يسعني في هذا المقام وأنا أعاني من العجز والضّعف إلا أن أعتذر إلى حضراتكم عن الحضور بشخصي، وقد قلدتموني من التّشريف والتّكريم، وباركتم جهدي في خدمة كتاب الله وإعلاء كلمته نصحا وإرشادا، وتزجية لصفوف الأجيال على نهج الصّالحين. فالفضل في ذلك لله وحده وهو الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى. فأرجو من الله العلي القدير أن أكون على مستوى ثقتكم بي عزيمة وإخلاصا ووفاء، شكر الله سعيكم وأثابكم إحسانا بإحسان، وحباكم بالمغفرة والرّضوان، وزادكم إخلاصا في خدمة دينه، وصبرا وثباتا في رعاية شؤون خلقه بما يحقق لهم الرّفاه والازدهار والأمن والاستقرار. أبقاكم الله للأجيال فخرا وللدين والوطن ذخرا.
مرحى بمؤتمر "لا إله إلاّ الله" في العطفاء
لسنة 1426هـ-2005م.
لقد تمّ انعقاده ليوم الاثنين 15 ربيع الثّاني 1426 الموافق لـ 23 ماي 2005م. في مركز الغاسلات فحبّرت كلمات للتّرحيب بالزّائرات تلقيها نيابة عني البنت "ماما خاخة" بالتّنسيق مع الأخت بكلي بابه سعيدة بنت محمد.
الحمد لله الذي بذكره تتمّ الصّالحات، وبنور وجهه أشرقت الظّلمات، وسبّحت بحمده الأرض والسّماوات، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/105)
صفحة 106
فيا أيها المجمع الكريم من أمهاتنا وأخواتنا ومن لبّى دعوتنا من جميع المؤمنات، أحيّيكن بتحية الإسلام، وأولى هذا الجمع المبارك ما يستحقه من التّقدير والاحترام، فأكرم به من جمع يجلّله نداء "لا إله إلا الله" وتستحوذ على نشاطه الدّعوة إلى الله، فمرحبا بالأخوات الزّائرات، ومرحى بأمهاتنا العزيزات. فما أسرع دورة الزّمن لعقد هذه الملتقيات مرة أخرى في كل سنة للتّشاور وتنسيق الجهود مع التّقييم الشّامل لمسيرتنا خلال عام بكامله عشنا فيه واقعنا بكل ما تخلّله من متناقضات وبكل ما حمله إلينا من أحزان أو مسرّات. فها نحن نلتقي مرة أخرى لنلتقط أنفاسنا ونعبّئ طاقتنا لمواصلة السير -بعون الله- فأستسمحكن أيتها الأخوات الفضليات أن آخذ من وقتكن العزيز هذه الدّقائق المعدودات في الحديث إليكن أصالة عن نفسي ونيابة عن والدي العزيز الشّيخ سعيد محمد "كعباش"، نفع الله به الإسلام والمسلمين، وأمدّ في أنفاسه لخدمة الوطن والدّين.
لا شك أننا نعيش في زمن قال عنه رسول الله: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (1). نعم، إنه زمن التّهافت على زينة الدّنيا ومتاعها، سكر النّاس بخمرتها فلا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، تهافتت عليهم الأصوات وتشعّبت بهم المسالك، وتنازع عليهم الأدعياء من كل متفيقه في الدّين يتطاول إلى مقامات العلماء، أو متخوّض في السّياسة يبتغي مكانة بين الزّعماء. وما مجتمعنا عن هذا الواقع ببعيد، فقد احتوشته تلك الهزات، فعاش من جرائها بعض الأحداث والاضطرابات.
ولسنا بدعا من البشر أمام سنن الله في خلقه فقد غيّرنا ما بأنفسنا فغيّر الله ما كنا ننعم به من أمن واستقرار، ومن رخاء وازدهار: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (يونس:44).
__________
(1) - رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك، أبواب الفتن، حديث 2260: 4/ 526. (1/106)
صفحة 107
أيها المجمع الكريم، قد تهزّنا عبارات المدح والثّناء بأننا مجتمع فاضل وأصيل كما نسمع ذلك كثيرا من إخوتنا الزائرين لمنطقتنا، وكما سمعنا ذلك مؤخرا على جهاز الإرسال من أحد العلماء المسلمين الجزائريين، وليس في ذلك ما يعيب، ونرجو أن نكون عند حسن الظّن من طرف إخواننا هؤلاء، ولكننا نحن أعلم بواقعنا، وأعرف بمشاكلنا الدّاخلية، فإن كنا ما نزال نتمتع -بفضل الله- برصيد حضاريّ مرموق، وبمستوى مرضيّ من التّربية الدّينية المثلى، فلا ندّعي أبدا بأننا على المستوى المطلوب وفق ما يرانا عليه غيرنا، ولسنا بأرفع مكانا ولا بأزكى نفسا من أبي بكر الصّديق - رضي الله عنه - حين قال: "اللّهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون".
فحذار ثم حذار أن نغترّ فيأخذنا العجز والتّواكل، أو نركن إلى اللامبالاة والخمول، فإن الحياة لا ترحم وسنن الله لا تتخلف، فإن السّمعة الطّيّبة التي ما زلنا نتمتع بها هي من صنع آبائنا وأجدادنا، وثمرة لجهودهم في حماية الطّهر والفضيلة وتنشئة هذا المجتمع على ما يرضي الله ورسوله، فقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إذ جاهدوا في الله حق جهاده فأيّدهم الله بنصره وحباهم من فضله وبوأهم مبوّأ صدق بين الأنام، على قلة في العدد وشحّ في المال والحُطام. فأين نحن اليوم من ذلك العهد الذّهبيّ الممتاز؟، وهل حافظنا على ذلك الرّصيد الثمين وعلى ذلك التّراث المكين؟، فإذا توخينا الصّراحة في الطّرح وحكمنا الموضوعية في التّقييم فإننا -ولا شك- سوف تصدمنا النّتائج فتتزعزع آمالنا وتهتز مشاعرنا،
ونعيب زماننا والعيب فينا ... وليس لزماننا عيب سوانا (1/107)
صفحة 108
أيتها الأخوات الفضليات، مهما يكن من واقعنا المرير فلا ينبغي أن نركن إلى القنوط واليأس: {إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87). فإنّ لله ألطافا بخلقه تجلّ عن الأسباب التي نتخذها، وإن له لنفحات يجب أن نعرف كيف نستنزلها.
وإن لمثل هذه اللقاءات المباركة مقاما محمودا عند الله، إذ تحفّها ملائكة الرّحمن وتغمرها الرّحمات بما يتمّ فيها من التّذكير بالإرشادات الإلهية، ومن التّوجّهات المخلصة للحضرة القدسية، بقلوب مفعمة بحبّ الله ورسوله، ونفوس ضارعة متبتلة لجلال الله وعظمته ترجو مغفرته وتخاف عذابه. شدّت رحالها من كل صوب فرارا إلى الله واستجابة لدعوته، وطمعا في جوده وكرمه أن يردّ عنا كيد الشّياطين ويعصمنا من الشّقاق والفتنة في الدّين، وأن يلهمنا رشدنا ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه الخير والصّلاح في معاشنا ومعادنا.
فاللّهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، وتفرقنا تفرقا مباركا معصوما، اللهم لا تجعل فينا معاشر المسلمين والمسلمات شقيا ولا محروما. اللهم اختم بالصّالحات آجالنا، وتمّم بالتوفيق والنّجاح أعمالنا، وحقق بفضلك وجودك آمالنا يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
في ختام التّربّص القرآني بمجمّع الجاوة
لسنة 1427هـ-2006م.
بعثت بهذه الكلمة ليلقيها نيابة عني الأستاذ: سعيد إبراهيم بن أمحمد "كعباش" وكان ضمن المستظهرين في هذه السنة حفيدنا: سعيد الأمين بن نور الدّين. بعثتها من "الجلفة" حيث أقضي فترة راحة واستجمام.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الحيّ القيوم ذو الجلال والإكرام، ونصلي ونسلم على سيّد الأنام سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم الدّين أما بعد: (1/108)
صفحة 109
حضرات المشائخ الأجلاء والأساتذة الفضلاء أبنائي الطّلبة الأعزاء، أيها المحفل الكريم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، يقول العاملون المجدّون: "عند الصّباح يحمد القوم السّرى"، وأنتم أيها المدلجون في رحاب الذّكر الحكيم تستهدون بنوره، وتتنافسون للحصول على كنزه الثّمين ودرّه المكنون، ها قد حققتم المنى وأدركتم الغاية، وقد استوت سفينة رحلتكم على الجوديّ وعين الله ترعاها، وكان باسم الله مجراها ومرساها وما منكم إلا مؤمن مخلص سوف ترتكز عليه دعوة الإيمان، وتقوم على جهاده شريعة القرآن. ولا شك أنكم -بحول الله- النّبتة الطّيّبة في تربة هذا المجتمع الفاضل، تربو بكم الفضيلة وتزهو رياض الدّين، وقد باركتكم عناية السّماء، فمنكم من بلغ المقصود وحقق الأمل، ومنكم من لا يزال يواصل مشواره وكل من سار على الدّرب وصل، فإياكم والنّكوص على الأعقاب، فالمغبون من يرتضي من الرّحلة بالإياب.
أيها المجمع الفاضل، أية سعادة تساوي ما أنتم فيه من الصّفاء والمودة والأنس وأيّ عيش هنئ يوازي ما عشتموه في أيام معدودات من إدمان الحفظ والدّرس؟.
يا بني الدّرس من تمنّى اللّيالي ... كلياليكم تمنّى المحالا
ليلة بعد ليلة بعد أخرى ... وليالي الهنا تمرّ عجالا
أي -والله- إنها للحظات قلّما يجود الدّهر بمثلها، وأنتم لا همّ لكم إلا التّحصيل، ولا شغل لكم إلا ما تولون لكتاب الله من الحفظ والتّرتيل. {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} (النّساء:73). وحسبي أنني أعيش معكم بروحي ووجداني، وأتقصّى أخباركم باللّيل والنّهار، فأسمع منها ما يريح الخاطر ويثلج الصّدر، فلله الفضل والمنة، وله الحمد والثّناء، إذ حباكم برعايته، وغمركم بالسّعادة والهناء، (1/109)
صفحة 110
وإن أنس لا أنسى أولئك الجنود المجهولين من أساتذة كرام وأعوان أوفياء، لم يبخلوا بما عندهم من الجهد والنّشاط في حسن تأطيركم وتوفير أسباب الرّاحة لكم، ومن حولهم رجال محسنون، يمدّون المشروع بكل ما يتطلبه من الوسائل والإمكانيات، وهم يريدون بذلك وجه الله بخدمة كتابه ونصرة دينه.
فإليكم أبنائي الطّلبة أوجّه تهاني الحارة لكل من استظهر وحقق المأمول، وأبسط أملي ودعائي لكل من لا يزال على الطّريق راجيا له البلوغ والوصول.
وإليكم أيها المربّون المخلصون والمنفقون المحسنون ألحّ في رجائي أن تدوموا على العهد رافعين لواء الحق والفضيلة، ثابتين على نهج الهدى والرّشاد. مسترخصين في سبيل الله كل متاع الدّنيا لأنه إلى نفاد: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} (النّحل:96). وحسبكم من أبناء بلدتكم ذلكم المجهود الجبّار الذي يبذلونه في هذا التّربّص، وحسبكم فخرا عند الله وعند النّاس قيام ذلك الصّرح العتيد من "المجمّع القرآني" الذي كنتم فيه اللّبنات الصّلبة المتماسكة، والأركان العالية المتينة.
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
وأخيرا أجدّد شكري وامتناني لكل الإخوة المشاركين من قريب أو بعيد، وأدعو الله لهم بالقبول وحسن المتوبة. وموعدنا -بحول الله- في ليلة السّابع والعشرين من شهر رمضان المعظم لتكتمل فرحتنا بتتويج أبنائنا المستظهرين، ومباركة اللاحقين المنتظرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
حفل التّتويج للطلبة المستظهرين.
لقد تمّ في المسجد الجامع بالعطف لليلة السّابع والعشرين من شهر رمضان المعظم 26 ربيع الثّاني 1427 الموافق لـ 19 أكتوبر 2006م. وكان ضمن المتوجين حفيدنا سعيد الأمين بن نور الدين. فألقيت هذه الكلمة شكرا لله وتشجيعا للأولياء والأبناء. (1/110)
صفحة 111
الحمد لله الذي يمنّ على من يشاء من عباده فيؤتيه العلم والحكمة، ويلطف بخلائقه بما يتيح لهم من فرص المغفرة والرّحمة، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، نصح الأمة وكشف الغمة وعبد ربّه حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد:
حضرات المشائخ أعضاء حلقة العزابة، أيها الإخوة المؤمنون، أولياء وأبناء، ويا من أنتم مكرمون على مائدة الرّحمن في شهر رمضان صوما بالنّهار وقياما باللّيل، وتقربا إلى الله بتلاوة القرآن: أحسنوا الظّن بالله في حسن القبول ونعيم الرّضوان، فها نحن نعيش أواخر اللّيالي المباركات وأرواحنا مفعمة بالإشراقات الرّبانية، ونفوسنا متلهفة إلى البيانات النّبوية، بأن يكون آخر هذا الشهر المبارك عتقا من النّار، فاللّهم لا تخيّب رجاءنا فيك وأنت العفوّ الكريم، فتب علينا إنك أنت التّوابّ الرّحيم، واهدنا إلى الحق وإلى الطّريق المستقيم، ونجّنا من النّار ومن عذاب الجحيم، وأدخلنا برحمتك جنة النّعيم.
أيها الإخوة المؤمنون، لعلّ أفضل ما ندّخره عند الله من الباقيات الصّالحات هو هذا الفوج من أبنائنا المستظهرين لكتاب الله ذكورا وإناثا، إذ حبتهم العناية الإلهية بهذا الكنز العظيم من كتابه الكريم فاحتضنوه في صدورهم مشكاة من نور الله، وتلقّوه مددا من روح الله يندرجون به في عداد جنده الذي يقوم -بعونه- على حراسة حماه وخدمة دينه بكل طاقته وقواه.
وفي تتويجهم في هذه اللّيلة المباركة، السّابعة والعشرين من شهر رمضان المعظم، وفي هذا المكان الطّاهر من بيت الله العامر، وأمام هذا المشهد الكريم من المؤمنين والمؤمنات، في كل هذه المظاهر الكريمة تعظيم لما عظمه الله من إنزال كتابه، وتكريم وتشجيع لحفظته من أبناء هذه البلدة الطّيّبة، ومباركة وتهنئة لأوليائهم إذ حباهم الله بالذّرية الصّالحة، تقرّ بها أعينهم وتكون للمتقين إماما. (1/111)
صفحة 112
فطوبى لكل وليّ اختار لولده هذا التّوجّه السّديد، وزوّده بكل ما يتطلبه كتاب الله من الجهد والتّركيز، ومن التّفرّغ والاهتمام مما توفره لهم مؤسساتنا للتعليم الدّيني الحرّ سيما المجمّع القرآني، وهو إحدى المآثر التي تفخر بها بلدتنا الطّيّبة، والتي تكون لها نعم الذّخر عند الله وحسن الذّكر والفخر عند النّاس.
وأحمد الله تعالى أن جعل لي حظا مع هؤلاء الأولياء المحظوظين، إذ كان بعض أحفادي في عداد المستظهرين، فاللّهم زدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، فهنيئا لنا جميعا مرة أخرى، فأعظم بها من منة، وأكرم بها من بشرى.
أيها الأبناء الأعزاء، إن تتويجكم في هذا المكان الطّاهر، وبهذا الحائك الرّمز للطهر والصّلاح والتّقوى، لهو خير شارة لانضمامكم إلى حزب الله، وهو البطاقة الرّسمية التي تستظهرون بها أمام رفاقكم من الشّباب بأنكم محمديّو الهوية، ربّانيو السّلوك، قائمون على بيوت الله بما يرفع شأنها، ويحيي دورها في إعلاء كلمة الله وتأطير هذا المجتمع الطّاهر دعوة إلى الخير، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، فأنتم الخلائف الأوفياء لحمل أمانة الدّين، والإخلاص لربّ العالمين، فكونوا عند حسن الظّن، فنحن نربأ بكم أن تكونوا من الخوالف القاعدين.
أيها الإخوة المؤمنون، من بربكم لا يتفاءل خيرا بمستقبل مجتمعنا، وهو يرى هؤلاء الشّباب كيف يتنافسون في حفظ كتاب الله، وكيف يتداولون الإمامة في صلاة التّراويح بحسن ترتيل وأداء تخشع له القلوب وتدمع العيون، ويرى تلكم الجماهير المؤمنة تركض إلى بيوت الله زرافات ووحدانا متبتلة خاشعة ترجو رحمة ربّها وتلوذ بحماه، تهلّل وتكبّر وتلهج بذكر الله في الغدوّ والآصال. (1/112)
صفحة 113
حقا إنها لمظاهر إيمانية تثلج الصّدر ومكاسب تبعث على التّفاؤل والأمل، بأن الله تعالى قدر لهذا الدّين أن ينهض من كبوته ويستفيق من غفوته، وهو الآن يتمطّى متحديّا في صحوته، كما تنبأ بذلك رسول الله وسوف يتدفق -بحول الله- كالسّيل الجارف يدكّ المعاقل والحصون، ويظهر على الدّين كله ولو كره الكافرون، {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف:21).
فلا يملك الدّعاة المخلصون وحماة الدّين والفضيلة ممن يحملون هموم مجتمعاتهم، لا يملكون أزاء هذه الظّاهرة الصّحية إلا أن يحمدوا سراهم وقد انبلج الصّبح المنير، وأن يواصلوا مشوارهم وإن أجهدهم المسير.
فإن كان في الخوافي قوة للقوادم فإن هؤلاء الشّباب المحمّدي هم معقد الآمال ومناط الرّجاء، وهم المدد القوي في مسيرة الدّعوة، وهم النّموذج الحيّ لشبابنا في مجال المحاكاة والقدوة.
فاللّهم إننا نقدمهم بين يديك ذخرا، ونبقيهم من بعدنا في الأجيال فخرا، يعلون لنا مجدا ويرفعون لنا ذكرا. {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74). {رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنَ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الأحقاف:15).
فاللّهم أعد علينا شهر رمضان وقد التأم شمل المسلمين وتحققت وحدتهم في نصرة الدّين، وزلزل الأرض تحت أقدام أعدائهم وقد رجعوا خائبين، آمين.
مرحى بالمركز الجديد لمكتب "آل العطف". (1/113)
صفحة 114
لقد كانت لي فرصة الذّهاب إلى العاصمة لفحوص طبيّة عامة، وكان أعضاء مكتب "ءال العطف" بالعاصمة -أي في حيّ حاميز- قد برمجوا لتدشينه في يوم الجمعة 25 شوال 1427 الموافق لـ 17 نوفمبر 2006م. فعزموا عليّ أن أشاركهم تلك الفرحة فأعددت للمناسبة هذه الكلمة.
الحمد لله الذي جعلنا إخوة في الإيمان، ووفقنا لأن نكون دعاة للخير وقدوة في البرّ والإحسان، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل على لسان ربّه: «طوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل لمن خلقته للشرّ وأجريت الشرّ على يديه» (1)، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أبها الحضور الكريم، نهنئ أنفسنا جميعا بتدشين هذا المعلم الاجتماعي الأنيق، ونشكر الله تعالى على السّداد والتّوفيق.
فكم من فكرة صالحة تخامر النّفوس الخيّرة برهة من الزّمن، وتلحّ على إبرازها إلى الوجود حتى تجد لها منبتا طيّبًا، فإذا بإرادة أهل الخير تتجه صوب تنفيذها، ويريد الله تعالى أن يبرّ قسمهم ويحقق مسعاهم، فإذا الأماني تتجسّد واقعا ملموسا، وإذا الطّموحات تفضي إلى غاياتها النّبيلة، وذلك ما تداعينا لأجله اليوم حامدين الخطوات الزّكية لتلبية الدعوة شاكرين لله عونه في إنجاز هذا المعلم الذي تحقق على يد الأخ الفاضل السّيد: بكلي مصطفى بن حاجو.
__________
(1) - أخرجه ابن شاهين في شرح السنّة عن أبي أمامة. (1/114)
صفحة 115
فعلى بركة الله وباسمه الأعظم ندشنه ونعلن انطلاقته عبر مسارنا الاجتماعي ليضمّ الجهود ويسدّد الخطى على نهج الحق والاستقامة تثبيتا لأبنائنا الأوفياء المخلصين ليزدادوا إيمانا ويقينا بمقومات شخصيتهم، واعتزازا بخصوصياتهم العرفية والحضارية، واستئناسًا لمن شرد منهم في خضمّ الحياة الكبرى؛ فلا يكادون يلتفتون ولا هم يستصرخون. وقد أصبحت هذه المراكز ضرورية بما تمتاز به من حسن الموقع، ومن التّجهيزات الحديثة، ومن وسائل الرّاحة والدّعة. بحيث لا يكون لنا مبرّر للتخلّف أو التخلّي، أو تعليل للتّسويف واللامبالاة.
أيها الإخوة: إذا كان أجدادنا -رحمهم الله- قد تركوا لنا رصيدا محمودا من التّقاليد والأعراف، ومؤسسات خيرية بما أوصوا به من الأوقاف، وطوّعوها للظّروف السّائدة في أزمانهم فلا أقلّ -بالنسبة إلينا- نحن الأخلاف من أن نحافظ على تراثهم. بل ننسج على منوالهم في البذل والعطاء، ونوظف ما لدينا من الوسائل التّكنولوجية الحديثة في مسايرة الرّكب الحضاريّ وتيسير وسائل الاتصال بأفراد جماعاتنا، سيما في هذه الدّائرة الحضارية للجزائر الكبرى، فأنتم -أيها الإخوة المسؤولون- في مكتب "آل العطف" بالعاصمة بمثابة القلب النّابض في جسم جماعاتنا حيثما تواجدوا في الشّرق أو في الغرب أو في الوسط، فعلى قدر نشاطكم وتجاوبكم وتعاونكم في تحمّل هذه المسؤولية يكون رفاقكم في الجماعات الأخرى محاكاة وتقليدا كما قال الإمام البوصيرّي في هذا المعنى:
وإذا حلّت الهداية قلبا ... نشطت في العبادة الأعضاء (1/115)
صفحة 116
ولقد مضى زمن ليس بالبعيد، هنا في العاصمة وفي الشّرق الجزائريّ كان لأسلافنا فيه القدح المعلّى في تدبير شؤون الجماعة إن في مشاكلها الدّاخلية أو أزاء السّلطات المحلية، وما منهم إلا الذّكيّ النّبيه، والألمعيّ الزّكيّ لا يكبو جواده في الرّهان، ولا يقعقع له بالشّنآن، فاربأوا بأنفسكم -أيها الإخوة- وأنتم الآن على مسرح الأحداث أن يقال فيكم كما قال جرير للفرزدق:
لئن فخرت بآباء ذوي شرف ... لقد صدقت ولكن بيسما ولدوا
بل الأجدر بنا جميعا أن نتمثل بقول معروف الرّصافيّ:
وخير النّاس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسبا جديدا
ولئن كانت ظروف الحياة قد تعقدت، ومعطيات الحضارة قد توسّعت، وأطل علينا شبح العولمة فلا تنسوا ما أصبحتم تنعمون به مما لم يتوفّر لأجدادكم أبدا ويتمثل ذلك في:
أولاً: نعمة الحرية والاستقلال الوطني، فلا قيد ولا كبت للطّاقات والحريات، ولا امتياز لدخيل يحتكر الموارد والثّروات.
ثانيًا: نعمة العلم والمعرفة، فما منكم إلا ضليع في معارف العصر، أو متخصّص في فن من فنون المعرفة بشهاداتها المختلفة.
ثالثًا: نعمة الاتصالات والوسائل المعلوماتية التي تضع العالم بين أيديكم، ومفاتيح خزائنه طوع أيمانكم، فسبحان ميسّر الأسباب وهادي الإنسان إلى فتح مغاليق الأبواب، وهو يمتن علينا بقوله: {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15).
فأين كان أجدادكم مما أنتم عليه اليوم؟. اللّهم إلا ما كانوا يمتازون به من قوة العزيمة والإرادة إذ هي العنصر البشريّ الفعّال، في ترشيد المساعي ونجاح الأعمال، ولا إخالكم -أيها الإخوة- تفقدون هذا العنصر الهامّ، لأن نجاح كل واحد منكم في مشروعه الخاصّ لهو الدّليل القاطع على ما يتوفر عليه من العزيمة والإرادة وصدق المتبني حين قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم (1/116)
صفحة 117
وتعظم في عين الصّغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
فها هي ذي المكارم تهيب بكم فلا تخذلوها وها هي ذي العظائم تراودكم فلا تتمانعوا عنها وقد أشارت إليكم الأصابع بالخير فلا تبخلوا بما ءاتاكم الله من فضله لأنه كما قال زهير:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
وهل يرضيكم أن تتناقل عليكم الأجيال أو يسجّل عليكم التّاريخ أنكم أضعتم الأمانة وأن سنة التّواصل والاستخلاف ماتت على أيديكم؟، فحذار من لعنة التّاريخ والأجيال فإن الخزي في الحياة الدّنيا لا تمحوه الأموال.
فكونوا عند حسن ظن النّاس بكم، سدّد الله خطاكم وزكّى مسعاكم وأبقاكم للمكارم ذخرا ولبلادكم ووطنكم عزا وفخرا.
ولسوف تأتينا أخباركم ولو كنا تحت الثّرى لأن الحبّ والولاء الذي يربط بيننا لا يتقلص ولا يبلى، والحمد لله ربّ العالمين.
في حفل تكريم حفظة القرآن وخاتميه
في مدارسنا الحرة للجزائر الكبرى "بمركب العالية".
لقد تمّ هذا الحفل بمركب العالية ليوم الجمعة 03 ذو القعدة 1427 الموافق لـ 24 نوفمبر 2006م. وكان من ضمنهم حفيدنا: سعيد الأمين بن نور الدّين وقد كرّم الحفظة بشهادة تقديرية وبجهاز "كومبيوتر" لكل واحد منهم وعددهم اثني عشر حافظا أربعة ذكور وثمان إناث. ألقيت في الجموع هذه الكلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان:1 - 2). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/117)
صفحة 118
حضرات المشائخ والأساتذة الأجلاء، حضرات الإخوة الفضلاء، والأبناء الأعزاء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، إنه لمن دواعي السّرور والاعتزاز وبواعث التّوفيق والرّشاد أن أحضر معكم هذه التّظاهرة المباركة في هذا المكان المبارك، وقد تداعينا لتكريم ثلة من أبنائنا -حفظة القرآن وخاتميه- فطبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، فأيّ تكريم هو أعظم قدرا عند الله وعند النّاس من تكريم حفظة القرآن من بعد ما بذلوه من جهد مشكور في استيعاب سوره وآياته حفظا وترتيلا، واحتضنوه في حنايا صدورهم مشكاة من نور الله وهّاجة لا يخشون لها ذبولا ولا أفولا.
فما أسعد حظي أن أقف بينكم مباركا ومهنئا. وقد واتتني هذه الفرصة الطّيّبة قبل أن أزمع رحيلا، فلا عجب في ذلك فإن أنفاسي متمازجة متصاعدة مع القرآن منذ نعومة أظفاري، ودقات قلبي متناغمة مع سوره وآياته على مسار رحلة عمري، وأرجو الله العليّ القدير أن يواكبني وأواكبه حتى آخر رمق من حياتي.
أيها الأبناء الأعزاء، مهما كرّمكم أساتذتكم وأولياؤكم، فإنهم لا يبلغون أن يوازوا بذلك ما يكون لكم عند الله من الثّواب والتّكريم، وأن ما يفعلونه هو من باب قولهم: "من لا يشكر النّاس لا يشكر الله"، فإن لكم عند الله الجزاء الأوفى وحسن العقبى، فكونوا عند مستوى تلك الكرامة وفاء بعهد الله أولاً، وأداء لحق كتابه تدبّرا وفهمًا وتجسيدًا لإرشاداته وتوجيهاته ثانيا، وبرّا وعرفانًا بالجميل لأساتذتكم وأوليائكم ثالثا. وتذكروا كلما مسّكم طائف من الشّيطان، أو وقعتم في غفلة أو نسيان، تذكروا داعي القرآن في صدوركم وأنه داعي الله: {يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة:16). وفقكم الله إلى ما فيه الخير والصّلاح، وحباكم مزيدا من التّوفيق والنّجاح. (1/118)
صفحة 119
أيها الإخوة أساتذة وأولياء، ما حفظ أبنائكم لكتاب الله وإجادة تلاوته ترتيلا وأداء إلا الخطوة الأولى في الوفاء بحق كتاب الله قمتم فيه بالفرض الكفائي على مجتمعنا الفاضل وعلى الأمة الإسلامية بصفة عامّة. فهناك خطوات أخرى هي-في رأينا- أهم وأولى بالعناية والاهتمام، ألا وهي مدارسة القرآن تدبّرا وفهما لنصوصه على اعتباره كائنا حيّا يتدفق حيوية وطاقة روحية إذا عرفنا كيف نحيا ونتجاوب معها، فإنها -ولا شك- ستحدث انقلابا في سلوكنا وتغييرا لأوضاعنا حتى نخرج من التّبعية المزرية ومن هيمنة القوى العالمية الكبرى على شعوبنا وعلى ثقافتنا ومقومات شخصيتنا، وتلك هي الغاية المطلوبة في خدمة كتاب الله لأنه تعالى يقول: {كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الاَلْبَابِ} (ص:29).
ولسنا بهذا الرّأي ننقص من حق الحفظ والتّلاوة والتّرتيل مما يحفظ تواتر النصّ المقدسّ، ولكننا نريدها خطوات أخرى نحن أحوج ما نكون إليها في هذا الزّمن النّكد الذي نعيشه من التّخلف والضمور الحضاريّ.
ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها، فلم يكن للرّعيل الأول الذين غيّروا مجرى التّاريخ، لم يكن لهم من طاقة ولا قوّة إلا هذا الكتاب المبين، إذ وسعوه تدبّرا وفهما وتعاملوا معه تجاوبا ووعيا، فغمرهم بفيوضه الرّوحانية وهزّهم بنفحاته الرّبانية، فهل نحن عاجزون اليوم على أن نسلك طريقهم في فهم كتاب الله؟، وقد وفّر لنا العلم من وسائل المعرفة ما لم يحلموا هم بعشر معشاره.
لا تتطلب إلا العزيمة والإرادة والتّخطيط الأمثل عسانا نكون من السّباقين في هذا المجال، ونكون في ذلك -بفضل الله- قدوة للأجيال، فإن المهمّ هو أن نخطو الخطوة الأولى على الطّريق الصّحيح والله يتولّى تسديد خطانا إلى ما فيه نبل القصد والغاية. (1/119)
صفحة 120
فما يزال رصيدنا من الأساتذة الأكفاء المتخصّصين في الشّريعة الإسلامية وفي علوم القرآن لا يزال رصيدنا ناقصا بالنّظر إلى عدد مراكزنا الدّينية في الجنوب والشّمال، وبالنّظر إلى حجم جماهيرنا هنا وهناك، بل حتى مشائخنا -بارك الله في أعمارهم- أصبحوا يتناقصون يوما بعد يوم وينتابهم العجز والشّيخوخة، فمن للفتوى، ومن للتوجيه الدّيني والوعي القرآني، إن نحن قصّرنا في مجال التّكوين والإعداد؟، وقد اعتبر الله ذلك من أوكد الواجبات وأقدس الجهاد فقال جلّ من قائل:
أ) - {وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104).
ب) - {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التّوبة:122).
أقول هذا وأنا ما أزال أركض على هذه الحلبة متثاقل الخطى لاهث الأنفاس، ولا أدري ما الله قاض لي في الأيام الباقية، أأنهي الأشواط أم أخرّ صريعا قبل الغاية النّهائية؟.
فاللّهم إنا نسألك حسن الخاتمة وجميل العاقبة واجعلنا ممن يحبّ لقاءك ويسعى لمرضاتك، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
في تجديد المكتب الإداريّ للنهضة.
لقد تمّ لقاء الجمعية العامة لتجديد مكتب النّهضة تمّ عشية يوم الأحد 11 ذو الحجة 1427 الموافق لـ 31 ديسمبر 2006م. في مكتبة النهضة حضره حوالي 150 مريد أغلبهم من الإطارات ومن سراة البلدة، فرأست الاجتماع وبعد تلاوة الخواتم ترحّما على رموز الجمعية ألقيت هذه الكلمة. (1/120)
صفحة 121
الحمد لله الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى نسأله تعالى أن يأتينا من لدنه رحمة ويهيئ لنا من أمرنا رشدًا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين أما بعد:
حضرات المشائخ والأساتذة، حضرات الإخوة سراة البلدة وإطاراتها، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، أهنئكم مرة أخرى بالعيد السّعيد –عيد الأضحى المبارك- وبالسّنة الميلادية الجديدة 2007م وأتمنى لكم جميعا حياة طيّبة وعمرا مديدا حافلا بالمبرات، سعيدا بأغلى المكرمات وأطيب التّمنيات نشكركم جميعا على تلبيتكم للدعوة واستجابتكم لداعي الوحدة والتّضامن، وقد آوانا هذا المكان المبارك لتبادل الرّأي والمشورة في ما يركز أركان جمعيتنا العتيدة -جمعية النّهضة- وهي تتطلب اليوم ركائز أخرى لتوسيع مرافقها وتمديد مجموعاتها وتحديث برامجها، وقد تضاعفت قوافل الأجيال، وتطورت أساليب التّربية والتّعليم، وناوشتها تحديات لا مناص لنا من مواجهتها، وكل تحجّر أو جمود على الأساليب العتيقة، أو اعتماد على أشخاص تجاوزتهم الأحداث، سوف لا تجني الجمعية من ورائها إلا ضحالة في المردود، وبعدا سحيقا عن الهدف المنشود لأن العملية التّربوية كالكائن الحيّ لا بدّ وأن تتعهّد بحسن الرّعاية والتّأطير، وبحسن التّغذية وضمان المناعة من الجراثيم الضّارّة.
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة ... جاءت على يده البصائر حولا ... ذ
وإذا المعلم لم يكن عدلا مشى ... روح العدالة في الشّباب ضئيلا (1/121)
صفحة 122
أيها الإخوة الكرام، كم من رجال أوفياء تداولوا مسؤولية الجمعية منذ تأسيسها سنة 1945م فما بخلوا بجهد في ترقيتها والنّهوض بأعبائها لتواكب التّطورات وتستوعب معدودات الأجيال ذكورا وإناثا حتى آلت إلى ما هي عليه اليوم -بفضل الله- كالشامة الغراء على جبين البلدة ترتيلا لذكر الله، وتأصيلا للطهر والفضيلة في مجتمعنا الأصيل، وتأطيرا وتوجيها لأبناء الجيل: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23). ولئن ذهب الرّجال وتتابعت حلقاتهم متماسكة في مضمار الجمعية مع تعاقب اللّيل والنّهار، فإن المؤسسة باقية –بفضل الله- إلى ما يشاء الله، وقد تحطمت على صخرتها كل التّحديات وتكسرت على شاطئها كل الأمواج، فهي قائمة كالطّود الأشمّ ساخرة من الأرزاء والأنواء، وعلى ثغرها رجال لا يقعقع لهم بالشنان ولا تكدّر بحرهم الدّلاء، غير أن الدّوام والبقاء لله، فسبحانه هو الحيّ القيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم.
كلّ يزول وينقضي أما الحمى ... فوديعة الآباء للأبناء (1/122)
صفحة 123
فإن الكثير منهم اليوم يشكو العجز والشّيخوخة ويعزّ عليه أن تضيع الأمانة على يديه، فلا بد من خلائف لهم يحملون المشعل ويواصلون المسيرة -بإذن الله- ونحن لا نعدم من إخوتنا وأبنائنا رجالا أكفاء أوفياء ممن ساروا معنا أشواطا في هذا المضمار قد عجمنا عودهم وخبرنا معدنهم، فما وجدنا فيهم إلا العزيمة والإرادة والتّبصّر بالأمور، والثّقة الكاملة بهم من طرف الجمهور، فهم اليوم أحق من تسند إليهم مقاليد الأمور، لأنهم في الواقع هم فرسان الميدان، وما نحن معهم إلا كالمشجعّين ليوم الرّهان، فقد دعوناهم ليسدّوا الثّغور التي أصبحنا لا نطيق نحن لها سدّا، ورجوناهم لتحمّل الأمانة وهم الصّادقون عهدا، فما استنكفوا ولا ترددوا ولا جنحوا إلى التّخلّف والاعتذار، لأنهم أدركوا واجبهم الاجتماعي واستحثهم الوازع الدّيني في طلب مرضاة الله، بما يتحقق على أيديهم من النّفع لخلق الله وهو القائل في الحديث القدسيّ: «طوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه» (1).
أيها الإخوة الأفاضل، لقد اجتهدنا في تعيين هؤلاء الخلائف لأن الظّروف لا تسمح لنا بالانتظار، سيما أعضاء المكتب الإداريّ الذي يمسك بدفة السّفينة حتى لا تجنح لذات اليمين وذات اليسار، ونحن في مجرى السّنة الدّراسية، والقانون يداهمنا للتجديد مع انطلاقة السّنة الجديدة، فلا بد من إكمال الإطار. ولا نخالكم -أيها الإخوة الكرام- إلا راضين عن هؤلاء الإخوة ممن سنسرد عليكم أسماءهم، ومن ثمّ تتمّ تزكيتهم من طرفكم حتى تضفي الشّرعية القانونية على تعيينهم، ونحن لكم من الشّاكرين، وبالثقة التي تولوننا واثقين، والمسؤولية -كما يقولون- تكليف لا تشريف، وحسب المكلّف بها أن لا يبخل بفضله لأنه كما قال زهير:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 98. (1/123)
صفحة 124
أقول هذا وأنا ضمن أولئك الذين أرهقهم العجز والشّيخوخة وأناخ عليهم الدّهر بكلكله، فلا أريد أن أكون عبئا ثقيلا على أبنائي البررة وقد علمناهم المقارعة والنّزال، حتى أصبحوا في الكمّل من الرّجال وفي مثل حالتي قريناي الإخوان: بكلي بابه أحمد بن حمو والحاج إسماعيل يحي بن حاج إبراهيم وغيرهم كثير من الرّفقاء العاجزين. ولقد صحبناكم جميعا في دارات هذا البلد الطّيّب وذقنا معكم حلو الحياة ومرّها، فما انسحابنا اليوم عن تنكّر أو جفاء، وإنما هي متاعب الحياة وتكاليفها وما أرهقتنا به من أعباء، والعذر عند كرام النّاس مقبول، ونحن مطمئنون لحسن ظنكم، وواقفون معكم إلى آخر رمق -بإذن الله-، وإليه يرجع الأمر كله.
أيها الإخوة الأعزاء، هذه جمعيتكم وأنتم أبناؤها وحماتها، قد استودعناكم أمانتها فلا تخسوا بالعهد، وقلّدناكم مسؤوليتها فلا تبخلوا عليها بما حباكم الله به من قوة وجهد.
وكونوا حائطا لا صدع فيه ... وصفا لا يرقّع بالكسالى
التّشكيلة الجديدة للجمعية.
الحاج عيسى محمد بن يحي ... رئيسا
الحاج إبراهيم محمد بن بكير ... نائبا
دادي حمو بالحاج بن صالح ... نائبا
بابا عدون محمد بن بكير ... نائبا
الحاج عيسى عمر بن إبراهيم ... نائبا
ابن أيوب أحمد بن محمد ... كاتبا
طالب باحمد صالح بن يحي ... مساعده
سماوي الحاج قاسم بن إسماعيل ... أمين مال
بكلي صالح بن محمد بن صالح ... نائبه
بكلي بالحاج بن حمو ... مستشار
سعيد بكير بن حاج عمر ... مستشار
عبد العزيز حمو بن محمد ... مستشار
بكلي بالحاج بن حمو ... رئيس لجنة التّربية
سعيد بكير بن حاج عمر ... رئيس لجنة التّكوين المهني
عبد العزيز حمو بن محمد ... رئيس لجنة الثّقافة
ولكل رئيس لجنة أن يعين من يراه كفئا لعضوية لجنته، مما يكون المجلس الإداري الموسّع للجمعية.
في مؤتمر "لا إله إلا الله" لسنة 1429هـ - 2008م.
انعقد في دار الجماعة بالعطف، وقد حبّرت هذه الكلمة لتلقيها نيابة عني ابنتنا سعيد زوليخاء "ماما خاخا" وقد أحسنت وأجادت. (1/124)
صفحة 125
الحمد لله الذي هدانا للإيمان، فنجتمع تحت شعار "لا إله إلا الله" لذكر الله وتلاوة القرآن، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فأدّى الأمانة ونصح الأمة، وعبد ربّه حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:
فيا معشر الأمّهات الصّالحات والأخوات الطّاهرات وكل الحاضرات الفاضلات من المقيمات والوافدات، السّلام عليكن جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، مرحبا بكن في أحضان بلدتنا الطّيّبة، وقد هزّها الشّوق للقياكن عزيزات مكرمات بعد أن دار الزّمان دورته، وقضى ربنا في ملكه بما شاء، فله الحمد والشّكر على قضائه، وله الفضل والمنة في حكمه وأمره.
وما هذا التّجمّع الكريم الدي قرّره أسلافنا ليكون دوريا في كل سنة إلا توثيق لأواصر القربى بيننا، وتنمية للمحبة في الله التي تجعلنا كالبنيان المرصوص في نصرة دينه وإعلاء كلمته، ومواجهة كل التّحديات التي تسعى لتمزيق وحدتنا وتشتيت شملنا، سواء منها ما يستفزنا من داخل مجتمعنا أو ما يتهددنا من خارجه.
وقد أدرك أسلافنا -رحمهم الله- ما للمجتمع النّسويّ من دور فعّال في تماسك المجتمع وصيانة الأسرة المسلمة من عوامل الميوعة والانحلال، فأسّسوا ذلك النّظام العرفي العتيد المتمثل في نظام حلقة العزابة وما يتبعها من هيآت عرفية سيما هيئة "الغاسلات" "تمسيردين" وما يضطلعن به من مهامّ اجتماعية بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والقيام على شؤون نسائنا في الحياة والموت.
وإلى هذا النّظام العتيد يرجع الفضل بعد الله في طهر هذا المجتمع وبقائه واستمراره لقرون خلت وإلى ما يشاء الله إذا ما حافظنا على هذا التّراث الحضاريّ الأصيل. (1/125)
صفحة 126
أيتها الفضليات الكريمات، إنّ علماء الاجتماع يصفون مجتمعنا بالمجتمع الرّصين المتين، وذلك لتماسك أسره وترابط أفرادها في السّرّاء والضّراء على أسس الدّين الحنيف، والالتزام بأحكامه في أداء الحقوق والقيام بالواجبات.
وللمرأة الزّوجة والأمّ دورها الفعال في المحيط العائلي، وهي الرّاعية الأمينة في بيت زوجها تحفظه في شرفه وماله، وهي الحاضنة لأولادها تنشئهم على محبة الله ورسوله، وتنمّي فيهم الحسّ الوطني والدّينيّ منذ نعومة أظفارهم، فلا يضلّون السّبيل، ولا يندون عن سربهم مهما كانت الصّعوبات والعراقيل.
والسّؤال المطروح اليوم: هل بقيت نساؤنا على ذلك المستوى الرّفيع من الوعي بمسؤوليتهن أمام الله وأمام المجتمع؟. أم عصفت بهن رياح التّغيير فأصبحن فريسات لكثير من التجاوزات الخطيرة، وسلوكات خبيثة تنمّ عن ضعف في الإيمان بالله واليوم الآخر، وانحطاط في التّربية المثلى التي يمتاز بها مجتمعنا، فلم يعد للحلال والحرام لدى كثير منهن أيّ اعتبار أمام الفتون بالموضات، وتقليد الكاسيات والعاريات ممن اعتبرهن الرّسول أكثر أهل النّار؟.
وقد ابتلانا الله في هذا الزّمان النّكد بالوسائل التّكنولوجية في الاتصال والمعلومات -وهي سلاح ذو حدّين- لا ينجو من شرها إلا ذو العقل الحصيف المتشبع بروح الدّين. فمَن لنا بذلك الزّاد الرّوحيّ المكين لنصون به أبناءنا وبناتنا من كيد الشّياطين؟.
ولا شك أن المسؤولية الكبرى تقع على أولياء الأمور، كلّ في إطار مسؤوليته لدى الرّجال والنّساء، ولهيئة "الغاسلات" الحظّ الأوفى من هذه المسؤولية الاجتماعية، فليجاهدن في الله حق جهاده توجيها وإرشادا وليثبتن على نصرة الحق جدّا واجتهادًا حباهن الله صبرا ويقينا وسدادا.
والحمد لله ربّ العالمين.
الأبواب المفتوحة على النّهضة. (1/126)
صفحة 127
دامت لثلاثة أيام: 11 - 12 - 13 جوان 2008م. دشن خلالها المركز الجديد للتكوين المهني، وكنت غائبا في العاصمة للاستشفاء، فبعثت بهذه الكلمة تلقى نيابة عني.
الحمد لله وليّ المؤمنين، يؤيّدهم بنصره ويثبّتهم على الحق المبين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله الصّادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين. وبعد:
فإن جمعية النّهضة في بلدتنا الطّيّبة اسم على مسمّى، هي حاضنة الأجيال، وهي راعية للدّين والفضيلة، وحاملة للأمانة التي ناءت بحملها السّماوات والأرض والجبال، تأسست في منتصف القرن الماضي على أيدي رجال أوفياء، وتدرّجت في الفتوة قوة ونشاطا وعطاء عبر مسيرة القرن إلى نهايته، وها هي اليوم تواكب القرن الحادي والعشرين في شموخ وثبات، وهي تتفاعل مع التّطورات وتهزأ بكل التّحديات؛ لأن الله حاميها، وجمهور المريدين راعيها، مؤسساتها الشّامخة ملء العيون والبصائر، تصدع من ثناياها ءايات الله مدوّية ملء الحناجر، وهي الشّامة البيضاء على جبين مدينة الألف عام لا تبليها اللّيالي ولا تحيلها الأيام.
ولئن قيل اليوم: إنها فتحت أبوابها للناظرين؛ فإن مثل هذا الإعلان لا تطمئن له نفسي، وليس له مستساغ في ذوقي، لأن أمثالي من أبناء النهضة الغيورين هم الدّماء الزّكية التي تجري في كيانها، وهم الرّكائز المتينة في بنيانها، فما كانوا يوما خارج الأبواب حتى تفتح لهم، وما كانوا من وراء حجاب يحول بينها وبينهم. بل هم في البؤرة والسّويداء، وهم اللّحم والدّم والرّواء. وما تغلق الأبواب إلا على من أغلقها على نفسه عجزا وبخلا وتعاميا وجهلا، أو غيرة وحسدا وغلا، فلهؤلاء تفتح الأبواب علهم يتجرأون على الدّخول فيستفيدون، ويطّلعون على الحقائق فينصفون ويعترفون.
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم (1/127)
صفحة 128
أيها الإخوة الأفاضل، نحن واثقون أن الجميع سيدخل هذه الأبواب اعتزازا وفخرا، أو تأمّلا وذكرا، ورجاؤنا أن يكون للجميع مدخل صدق يجد فيه ضالته المنشودة لمعرفة الحقائق التّاريخية لأصالة بلاده، وإدراك التّضحيات الجسام لبناة هذا الصّرح العتيد من الذين جاهدوا في الله حق جهاده. وبذلك تتواصل الأجيال وتتأصّل مفاخرها في ذاكرة التّاريخ، إذ لا خير في حاضر اجثت أصوله عن الماضي، ولا في مستقبل لا ينطلق من حاضر واضح المعالم مستنير الرؤى.
ليكن دخولكم -أيها الإخوة- دخول الأبرار في أبواب النّعيم بقلوب مخمومة ونفوس مطمئنة، تستقبلكم الملائكة الأطهار بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتبشركم بالمقام الأمين متمثلين بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزّمرة:73). إنكم ستجدون ما يثلج صدوركم من قوافل الأجيال تترى في مواكب مباركة تحدو بالدّين والفضيلة، وعليها روّاد ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصّابرين، وستجدون عيّنات من نشاطهم في مجال التّربية والتّعليم وفي مجال التّوجيه والتّأطير، جنودا يتحركون داخل الحصون والأسوار وحراسا يواصلون الليل بالنّهار. هم العدة وهم القدوة وهم معقد الآمال، وعليهم المعوّل في صناعة الرّجال.
قم للمعلم وفّه التّبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أشرف أو أجل من الذي ... يبني وينشئ أنفسنا وعقولا؟
فاللّهم أنت واهب الحكمة لمن تشاء، ومكرم هذا الإنسان بما علمته لآدم من الأسماء، افتح علينا أبواب رحمتك، واهدنا سبل رشدنا وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفقنا لما تحبه وترضاه في السّرّ والعلن. الدّار البيضاء يوم 03 جمادى الثّانية 1429هـ الموافق لـ 08 جوان 2008م.
في تدشين المجمّع القرآني للبنات. (1/128)
صفحة 129
جرت فعالياته ليوم الأحد: 03 رجب 1429هـ الموافق لـ 06 جويلية 2008م. في حيّ "سيدي إبراهيم" حضره العزابة وبعض الأعيان والإطارات، وبعد تلاوة سورة الفتح والخواتم ألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي يهدي من يشاء من عباده إلى الصّالحات وييسّر لهم الأسباب إلى الهدى وفعل الخيرات، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها المجمع المبارك من مشائخ وعزابة، وإطارات أجلاء ومواطنين فضلاء، آباء وأبناء، إنه من فضل الله علينا ومن حسن التّوفيق والسّداد أن نتداعى اليوم إلى رحاب هذه المؤسسة الجديدة، مؤسّسة المجمّع القرآني للبنات، وقد اكتمل صرحها وتمت مرافقها في أدق تصميم وأروع بناء وأبهى حلة مما عوّدتنا به مقاولة "آل خير النّاس" إنجازا وإتقانا لكثير من مؤسسات بلدتنا الطّيّبة، زادها الله عزّا وثباتا وتقدما وازدهارا، وكفاها شرّ الحاسدين وكيد الكائدين، لقد أرادت المقاولة أن تبقى هذه المؤسسة صدقة جارية يدّخر لها أجرها عند الله، ويخلّد ذكر مؤسستها في ذاكرة الأجيال، وهي تحتفي بكتاب الله وتتلو آياته في الغدوّ والأصال، إنها مبرّة وفخر لا يحققها إلا الفضلاء من الرّجال، أحسن الله مثوبتهم وادّخر ذلك في صالح الأعمال.
__________
(1) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث 1631: 3/ 1255. (1/129)
صفحة 130
ولعل من علامات التّوفيق لهذا الإنجاز العظيم أن يقوم في حرم معلم تاريخي عظيم أكسب العطفاء شهرة داخل المنطقة وخارجها، وأسبغ عليها مسحة من الإجلال والتّقدير بمدفن أحد شيوخنا الإجلاء والأولياء الصّلحاء مدفن الشّيخ إبراهيم بن منّاد رحمه الله، وقد أطبقت شهرته الآفاق، فسعى إلى زيارته كل متيّم مشتاق، وهو أحد شيوخنا الذين جرى نسب الدّين على أيديهم، وجاهدوا في الله حق جهاده حتى أتاهم اليقين، ولا شك أن روحه الخالدة سوف تنعم بتراتيل ذكر الله في رحاب هذه المؤسسة المباركة، لتغمر ما يقترفه الجهال من بدع وخرافات حول المدفن الطّهور، فطوبى لمن أمات بدعة وأحيا سنة من كل عبد شكور.
أيها الإخوة الفضلاء، باسم الله وعلى بركته نفتتح هذا المجمّع المبارك، راجين منه تعالى أن يوفق الطّاقم المسيّر إلى حسن التّنظيم والتّنسيق، والقيام على شؤون المتربصات لحفظ كتاب الله، أو للتدريب على الصّلاة، أو أيّ نشاط يفتق المواهب، ويقوّم السّلوك ويهذب الطّبائع ويأخذ بأيدي بناتنا إلى الطّريق الأقوم حتى يتحقق فيهن قول الله تبارك وتعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} (النّساء:34).
فقد أراد الفضلاء من هذا المجتمع أن لا يبقى مجتمعهم مهيض الجناح حين أنجزوا المجمّع القرآني للبنين، وتوالت منه أفواج المستظهرين لكتاب الله، بينما بقيت بناتنا مشتتة الجهود، وقد أبين أن لا يتخلفن عن الرّكب في خدمة كتاب الله، فها هو ذا مجمّعهن عالي الأركان، مؤسّس على تقوى من الله ورضوان. يفتح صدره لاحتضانهن في شوق وحنان، إنه الجناح الثاني لمجتمعنا يمكّنه من التّحليق والطّيران، وهكذا يفعل الإخلاص وتثمر النّوايا الصّادقة برّا وإحسانا لتركيز الخير والصّلاح وإعلاء كلمة الحق ونصرة دين الله. (1/130)
صفحة 131
فطوبى لمن تحققت ذخائر الخير وتفتحت أبوابه على يديه، وهو شاكر لنعمة الله عليه. {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (الصّافات:61). {وَفِي ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26).
فاللّهم إنا نسألك البرّ والتّقوى والعمل بما ترضى، اللّهم إننا نسعى لخدمة كتابك، والاستكثار من جندك، فأعنّا في مسعانا، وسدّد على نهجك المستقيم خطانا، اللّهم انشر علينا رحمتك، وأنزل علينا بركاتك، وأتمّ علينا نعمك، وألبسنا عافيتك، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما. والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الأحد 03 رجب 1429هـ الموافق لـ 06 جويلية 2008م.
"يا ليت قومي يعلمون".
إنها خواطر أسيفة سجلتها وأنا بعيد عن الدّار، بعد أن هاجت وماجت في أحداث الانتخابات المحلية ليوم 29 نوفمبر 2007م. حتى سارت بأخبارها الرّكبان، وقد نزغ بين أبنائها الشّيطان، فكانت هذه الكلمات مني متنفسّا لما أكابده من أسى وحسرة، وأنا في مسعاي لإصلاح الأوضاع كالقابض على الجمر، قلت:
كان يتحدث إليّ في إكبار وإعجاب، وهو الشّيخ الوقور (1)، قد ذرف على التّسعين، جاء إلى مركز "عمي سعيد" ليرأس اللّقاء الذي قرره عزابة "وادي ميزاب" للمعايدة في السّنة 1428هـ-2007م. قال لي بعد أن رحّب وبارك، إننا نغبطكم يا أهل العطف بما أنتم عليه من الوفاق والانسجام بين الهيئات العرفية في مجتمعكم، ولا شك أن لك اليد الطّولى في ذلك وأنت على رأس الحلقة مشهودا له بالحكمة والأناة، وبصدق العزيمة وحسن التّدبير.
__________
(1) - أعني به الشّيخ: نوح مفنون محمد بن بنوح إمام بني يزقن. (1/131)
صفحة 132
كانت عباراته تفيض رقّة وصفاء وإخلاصا، تلقيتها برضى واطمئنان، لأنها كانت تعكس ما كان يعتلج في صدري من خواطر، كنت قد سجلتها في تقرير اصطحبته معي إلى المجلس ليكون مرتكز لمداخلتي باسم أهل العطف وقد عجبت بمواؤمة تلك الخواطر لما ورد في حديث الشّيخ، فتيقنت أنني لم أخطئ الصّواب، في ما تضمنه التّقرير من اللّوم والعتاب، ثم صادف أن كنت المتحدث الأول من الوفود المشاركة، فتحدثت بحماس وحرارة، والمستمعون كأن على رؤوسهم الطّير، فما انتهيت من الحديث إلا وقد انبرى أحد المتصدّرين للجلسة ليشكرني على صراحتي وليقترح أن نجعل التّقرير وثيقة عمل لتلك الجلسة، وأن يستنخ لتسلم كل حلقة نسخة منه.
وأيّا كانت آثار ذلك التّقرير في وضعية حلق العزابة في المساجد الإباضية، فإن بلدتنا الطّيّبة "العطفاء" كانت في معزل عن تلك المهاترات والتناقضات التي كانت تعيشها الحلق الأخرى، وهي كلها تتأجّج من الدّاخل غباء وسذاجة، أو عنادا ومشاحنة وقد لا تخلو من غدر وخيانة.
عاد الوفد العطفاوي إلى بلده يجرّ أذياله زهوا وفخرا لما وجّه إليهم من المدح والإطراء، ولم يدر في خلدهم قط أن تنطبق عليهم القاعدة التي تقول:
إذا تمّ شيء بدا نقصه ... ترقب زوالا إذا قيل تمّ
رحماك يا ربّ، هل يمتدّ بي العمر لأرى الجيل الذي أعددناه لمتابعة المسيرة في ظلال الوفاق والانسجام، وقد تربّع على عرش المسؤولية بعد أن انتظم السّير، ووضع الرّواد المعالم على الطّريق، وانسجمت أهازيج الحداة في تأطير القافلة وتوجيهها إلى الهدف المنشود؟. (1/132)
صفحة 133
أم أرى ذلك الجيل يخيس بالعهد، وينزلق في متاهات الانتهازية واصطياد الريوع العاجلة ولا يهمّه في تحقيق ذلك أن ينبذ المبادئ والقيم، ويركب موجة القبلية والعنصرية الضّيقة؟، فإذا بذلك الصّرح الشّامخ من الوفاق والوئام في مجتمعنا، والذي تطلب تشييده عقودا من الزّمن وجهودا مضنية من ذوي العزائم الصّادقة، إذا به ينهدّ في أيام وليال نكدة عاشتها بلدتنا الوديعة، وقد نعق فيها غراب البين، ودقت الانتخابات المحلّية بين أبنائها عطر منشم، وأصبح الكل يغنّي بليلاه، ويكشر أنيابه لنيل مبتغاه، فهاجت البلاد وماجت تحت سيل من المنابذات والشّتائم، وتلاحى القوم في الدّعاية إلى مختلف القوائم.
فأيّة صدمة تصيب الرّائد المعنّى وقد انفرط عقد القافلة وتململت في سيرها؟ وأية خسارة يجنيها من كسدت بضاعته وتفرّق عنه الزّبائن؟؟ وأين هي صرخاتي في مجلس "عمّي سعيد" وما اعتزازي بقوم إمّعات لا يجمعهم رأي سديد، ولا يضمهم أمر رشيد؟.
فيا ليت قومي يعلمون كيف كان غيرهم ينظر إليهم بنظرة الإعجاب والتّقدير، ويتمنون لو كانوا مثلهم في الوفاق والانسجام، أم أنهم قد سئموا حياة الهدوء والاستقرار، فهم توّاقون إلى الصّخب والمدافعة والنّفار؟.
وأيّا كان منهم الاختيار، فإني أنا الرّائد المعَنّى، لم أكذب أهلي قط على طول المسيرة، وما استبقيت مما عندي شيئا أتحسّر عليه في تزجية سفين المجتمع إلى برّ الأمان، وسواء عليّ أصلح الخلف أم فسد فبيدهم اليوم زمام الأمور، ولا أرجو منهم إلا حسن الأحدوثة، ومن الله حسن المصير.
الدّار البيضاء 04 ذو الحجة 1428هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 2007م.
يا دار مبناك بالطّهر مرصوص ومشدودا. (1/133)
صفحة 134
إنها كلمات ألقيتها في مهرجان الوفاء لتدشين مركز معهد الحياة الجديد وتأبين الشّيخ عدون بالقرارة والذي انعقد لأيام: 26 - 27 - 28 شوال 1429هـ الموافق لأيام 26 - 27 - 28 أكتوبر 2008م. ألقيتها أصالة عن نفسي ونيابة عن أعضاء مجلس "عمّي سعيد" الموقّر.
الحمد لله الذي تتمّ بذكره الصّالحات، وقامت بأمره الأرض والسّماوات، وأشرقت بنور وجهه الظّلمات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
حضرات مشائخنا الأجلاء، وسراة الأمة الفضلاء، مسؤولين وإطارات وأولياء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم، وزكّى الله بحسن الرّضى والقبول مسعاكم.
لقد دعانا تاريخنا المجيد مرة أخرى إلى وقفة الاعتزاز والافتخار، إذ تعززت مسيرتنا الإصلاحية بهذا المشروع العظيم، معهد الحياة وداخليته في ثوبهما الجديد، يتجاوران ويتكاملان كما تتكامل الأعضاء في الجسد الواحد في دورة الحياة وصراع البقاء، فحللنا مستجيبين لذلكم النّداء الكريم، يستحثنا الإخلاص والوفاء وتستفزنا النّخوة والعزة، ويهزنا الشّوق إلى مغنى الذّكريات السّعيدة في أحضان معهد الحياة ودار البعثة، وهما صنوان للمجد في هذه البلدة الطّيّبة، ففي أفقها المبارك كان مطلعنا السّعيد، وعلى كواكبها تعلمنا السّرى، فكم لوطننا العزيز من وقفات خالدة في مثل تلكم المعالم الجبارة، وهو في عهد الاستعمار يستبين طريق العزة والكرامة، ويسخّر أطواق النّجاة لأبنائه البررة في مؤسسات تربوية حرة عتيدة، خلّد ذكراها شعراؤنا وأدباؤنا.
فلئن قال الشّاعر الخالد محمد العيد ءال خليفة في تدشين دار الحديث بتلمسان.
تخذنا الدّين في الدّنيا شعارا ... وما كالدّين في الدّنيا شعار
لنا للعلم تثويب وحفز ... وتنقيب وكشف وابتكار
وفي دار الحديث رياض علم ... عليها نضرة ولها اخضرار (1/134)
صفحة 135
فإن قال ذلك في الثّلاثينيات من القرن الماضي أفلا يحق لنا اليوم في جنوب البلاد الأغرّ أن نردّد ونقول معه وقد أعاد التّاريخ نفسه.
وفي دار الحياة رياض علم ... عليها نضرة ولها اخضرار
بدت منها ثمار طيّبات ... شهيّات فأرضتنا الثّمار
على طلابها ومعلّميها ... من البركات ديمات ثِرار ... ذ
وطاب جنابها الحاني قرارا ... لهم ما طاب في الخلد القرار
أي نعم، ما أشبه اللّيلة بالبارحة، فمهما تغيّرت الأوضاع، وتطورت المفاهيم، فإن الإنسان المؤمن لا يحيد عن قيمة ومبادئه، لأنها من وحي السّماء، لحمتها القرآن العظيم وسداها السنة المطهرة.
وإن أنسى، لا أنسى تلكم الصّرخات المدوّية لشاعر الثّورة مفدي زكرياء عند تدشين دار الطّلبة لمعهد ابن باديس في قسنطينة وهو يقول في قصيدته الخالدة:
يا دار أنت على التّقوى مؤسّسة ... مبناك بالطّهر مرصوص ومشدود
يا دار حمّلت آمال البلاد ففي ... أحشائك اليوم أبطال صناديد
فهل نستطيع الحديث عن دار الحياة بأبلغ مما قاله هؤلاء وهي قبس من نفس المشكاة. وهل ابن باديس وبيوض وعدون والبشير، وأضرابهم من العلماء الأجلاء إلا منحة ربانية لهذا الشّعب الكريم سلكوا به سبيل الهدى والرّشاد، وانقذوه من ظلمات الجهل والشّرّ والفساد، وأعدّوه للملحمة الكبرى، فاندكت بها صروح الطّواغيت والاستبداد. إنهم الرّبانين المهرة سخرتهم العناية الإلهية لتزجية سفين مجتمعنا الفاضل إلى برّ الأمان. (1/135)
صفحة 136
أيها الإخوة الأفاضل، هل من العفوية أن يختار مشائخ القرارة مثل هذا المكان بالذّات، في ساحات هذه المقبرة الطّاهرة التي تأوي رفات الآباء والأجداد، اختاروه مأرزا لهذا المشروع العظيم، ومغرسا لأجنحته ومرافقه؟. كلا، فإن للبلدة متسعا للبناء والإعمار، ولكنهم اختاروا هذا المكان لما يضمّ في جنباته من المعالم والآثار، هي أنفع للأجيال في الاعتبار، وأدعى للتدبّر والأذكار، فكم من أبطال سقوا بدمائهم هذا الثّرى، وكم من أجيال أفنت حياتها لبعث الحياة في هذه الرّقعة الطّيّبة من أرض جزائرنا الحبيبة، وكم من سيّد في قومه حدا بموكبهم فسلك بهم طريق النّجاة، وبوأهم منازل العز والمكرمات. وما هذه المشاريع المباركة إلا جنى غرسهم، نخلد بها ذكراهم ونرعى بها عهودهم ولله درّ شاعر الثّورة عندما قال:
يا دار حمّلت آمال البلاد ففي ... أحشائك اليوم أبطال صناديد
أجل -أيها الإخوان- مَن منا لا يذكر جهاد الشّيخ الإمام بيوض، ومن منا لا يذكر إخلاص وجهاد الشّيخ عدون -رحمهما الله- في تأسيس معهد الحياة، ورعاية البعثة العلمية، سيما في تلكم الأيام الحالكات من الاستعمار البغيض؟؟ ... لقد كانا بمثابة موسى وهارون تآزرا وتكاملا في مصارعة أعتى عدوّ جثا على صدر مجتمعنا عدوّ الجهل المميت، واجهاه بعزم وثبات حتى انجلى ظلامه، وأشرق صباح العلم وانفتقت أكمامه على هذه الثّمار اليانعات، حبانا الله بها شبعا وريّا.
ومن منا لا يذكر تفاني السّيد الهمام عمنا الحاج عمر بن بكير على إنجاز المشروع ومتابعته للأشغال حتى مراحل نهايتها ولم تكحل عيناه برؤية البناء وقد استوى على سوقه وتهيأ لاحتضان أهله وبنيه؟ فليس المهم أن يرى العامل ثمرة جهاده ولكن الأهمّ أن تتكامل جهود الأجيال على قاعدة: "غرسوا فأكلنا وغرسنا فيأكلون". (1/136)
صفحة 137
فكأني بهم في قبورهم يتململون فرحا وسرورا وهم يتحسّسون وقع أقدامنا على أجنحة هذا المشروع العظيم، ويسمعون أصوات دعاتنا على هذا المنبر الكريم، ولسان حالهم يقول:
كم بين طيات العصور الخالية ... عظة لأبناء العصور الآتية
عبر اللّيالي كالليالي جمّة ... لكنما النزر القلوب الواعية
الدّهر يفنينا ونحسب أنه ... يفني بنا أيامه ولياليه
إن الحياة قصيدة أبياتها ... أعمارنا والموت فيها القافية
فرحم الله تلك الأبدان وأسكنها فسيح الجنان. ولا شك أننا من الواعين لتلك العظات التي تنطق بها هذه المنجزات، وأننا مدركون لما تنتظره منا من الواجبات.
فيا ربوع القرارة الشّماء، ماذا يتقلب اليوم في مغانيك من معاني العزّ والفخار؟ وماذا يشّع في ثناياك من أنوار؟ وأنت تحتضنين في شوق وحنان هذه الحشود الطّيّبة من محيّيك ومريديك الأخيار. جاؤوا ليشاركوك بإخلاص ووفاء في مهرجانك الميمون لافتتاح هذا المعلم الرّمز الذي هو بحق منبع للحياة، حياة الخلود والبقاء القائمة على الهداية الرّبانية ووحي السّماء.
فلا تلوموني -أيها الأصدقاء- إن برّح بي الشّوق والتّحنان لمربع شبابي، وقد كنت الطّائر الطّروب بين أسرابه، تطالعني الذّكريات السّعيدة من كل حيّ في مغانيه، بل وتناغيني كل ذرة في ترابه. واليوم وقد أخنت أصلابي وطأة السّنين، فليس لي إلا أن أردّد مع الشّاعر:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبى ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك، ولكن خلّ عينيك تدمعا
وهل للمتيم الولهان إلا الدّموع والحسرات، وعندما يجود الدّهر بلحظة من وصال، فتلك -لعمري- منة لا تقدر بأية قيمة من متاع ولا مال. (1/137)
صفحة 138
وإنه لمن الشّرف لي في هذه المناسبة العظيمة أن أقوم مباركا ومهنئا أصالة عن نفسي وبلدي العطفاء ونيابة عن إخواني أعضاء مجلس "عمّي سعيد" الموقر وهم يحملون في حناياهم كل إعزاز وتقدير لعميدهم الشّيخ عدون -رحمه الله-، أنوب عنهم في التّعبير عن وقفتهم الخاشعة في الذّكرى التّأبينية له سائلين الله له المغفرة والرّضوان إلى جوار الذين أنعم الله عليهم من النّبيئين والصّديقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا. ثم هم يباركون هذا المشروع المبارك، ويرجون له كل توفيق ونجاح، وأن يبقى منارا للهدى والخير والصّلاح، ومفتاحا للفوز والفلاح، والحمد لله رب العالمين.
خواطر الثّمانين
لملتقى "لا إله إلا الله" لسنتي: 1430هـ - 2009م.
أقيم هذا الملتقى في دار الجماعة ليوم الاثنين: 01 جمادى الثّانية 1430هـ الموافق ليوم: 25 مايو 2009م. وقد حضرته الوفود من القرى الخمس إذ كان ملتقى العطف هو الأخير في سلسلة اللّقاءات التي تمت في مختلف القرى.
حرّرت بالمناسبة هذه الكلمة لتلقيها في الملتقى ابنتي سعيد زوليخاء نيابة عني. وعنونتها بعنوان: "خواطر الثّمانين" لبلوغي -بفضل الله- ذلك السّن أي في شهر أبريل 2009م.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نحمده حق حمده ونشكره على نعمه وآلائه راجين مغفرته ورضاه.
نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن اتبع هداه، أما بعد:
فيا أيها الجمع المبارك، ويا أيتها الأخوات المؤمنات، شكر الله سعيكن، وبارك جمعكن وتبوأتن من الجنة منزلا. (1/138)
صفحة 139
فكم يشرفني ويسعدني أن يكون لي في هذا المنبر الممتاز صوت ينفذ إلى شغاف القلوب فيوقظ الضّمائر ويهزّ المشاعر لتتجاوب مع التّوجيهات الرّشيدة والمواعظ الصّادقة من بناتنا وأخواتنا المرشدات، وهن يعالجن مختلف القضايا التي يعيشها مجتمعنا الذي تتنازعه مختلف الأفكار والاتجاهات وتواجهه كثير من التّحديات، وفي ضجيج الأصوات وتداخل المسالك والاتجاهات يصعب التّفريق بين الصّحيح والزّائف، وتنطمس معالم الطّريق الأقوم على السّالكين، فلا يستبينه إلا من عصم الله. وهذا رسولنا الكريم يحذّر أمته من مثل تلك الأحوال التي تنتابها في مسيرتها من حين لآخر فيقول: «ستكون فتن كقطع اللّيل المظلم، فقال الأصحاب: فما المخرج منها يا رسول الله؟. فقال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، وهو نور الله المتين وصراطه المستقيم». (1)، أو كما ورد في حديثه المشهور.
أيتها الأخوات المؤمنات، إنّنا نحمد الله تعالى أن أبقى بين أيدينا كتابه العظيم وحفظه من كل شيطان رحيم، نتلوه غضّا طريّا كما أنزل على قلب رسول الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وإنه لمما يشرح الصّدور ويحيي الأمل في النّفوس المؤمنة أن نرى ذلك الإقبال العظيم من طرف أبناء مجتمعنا ذكورا وإناثا كبارا وصغارا على حفظ كتاب الله وحسن أداء تلاوته كما أمر الله ورسوله، وإننا لنتفاءل خيرا من تلك النّهضة المباركة، لأنها أولى الخطوات في يقظة الوعي الدّينيّ لدى جماهيرنا سوف يعقبها -بإذن الله- خطوات أخرى نحو التّدبّر الواعي لآيات كتاب الله والتّجاوب مع إرشاداته الرّبانية، ثم التّطبيق لأحكامه في واقع حياتنا منهجًا وسلوكًا امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه.
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 26. (1/139)
صفحة 140
فإذا كان واقع المسلمين اليوم قد شابه كثير من الخروقات الضّالة والانحرافات الباطلة من آثار الغزو الفكري والتّقليد الأعمى للحضارات الفاجرة الغالبة اليوم، فإن حكم الله الثّابت الرّاسخ من كتاب الله وسنة رسوله يضع لنا موازين القسط ويحدّد معايير الحق الذي قامت عليه السّماوات والأرض، وتحمّل الإنسان لأجل ذلك أمانة التّكليف ليكون خليفة الله في الأرض إصلاحًا وتعميرا وخشية لله ربّ العالمين.
وإدراكا منهم لتلك الأمانة العظمى فإن مشائخنا -رحمهم الله- أقاموا مجتمعنا على أسس الدّين الحنيف من خلال مؤسساتنا الاجتماعية متكاملة ومتعاونة في تأطير عناصر مجتمعنا الفاضل من قمته إلى قاعدته، وما حلقة العزابة وهيئة "تمسيردين" إلا العمود الفقريّ لتلك المؤسسات كلّها ما تزال -بفضل الله- تقوم بدورها الإرشاديّ والتّوجيهي قدر المستطاع نرجو لها مزيدا من النّشاط والفعالية لمواجهة كل التّحديات والتّغلب على كل الصّعوبات فنحن نعيش في زمن يقول عنه رسول الله: «يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر» (1) بانتشار الفتنة واحتدام الشّهوات. فما أحوج المسلمين اليوم إلى ما يجمع شتاتهم ويوحّد صفوفهم، ولا يتأتى ذلك إلا بأن تتفق منابرهم على صوت الحق المستمدّ من كتاب الله وسنة رسوله كما كان عليه منبر رسول الله في المدينة المنوّرة وهو موصول بالملإ الأعلى لإكمال دين الله وإتمام نعمته على المسلمين.
ولكننا اليوم -وبكل أسف- أصبح الحديث الدّيني مزيجا من الإيحاءات السّياسية والمهاترات المذهبية، بل والأساطير التي ما أنزل الله بها من سلطان، تروج لها الفضائيات ومختلف وسائل الاتصالات، وأكثرها لغو وباطل إلا من رحم الله وصدق أمير الشّعراء حين قال:
وإذا أتى الإرشاد من سبب الهوى ... ومن الغرور فسمّه التّضليلا
وقال:
وإذا أراد الله إشقاء القرى ... جعل الهداة دعاة شقاق
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 91. (1/140)
صفحة 141
فأعيذ بالله مرشداتنا الفضليات أن يكنّ من ذلك النّوع، فإن المسؤولية التّاريخية كبيرة عند الله وعند النّاس، وتعظم المسؤولية أكثر إذا كانت المرشدة تستدلّ بآيات الله وتفسّرها، فيجب أن تعتمد في ذلك على إحدى التّفاسير المشهورة ولا تقول في كتاب الله برأيها وهي غير مؤهّلة لذلك.
هذه هي بعض الخواطر التي أردت الإفصاح عنها في هذا المجمع المبارك، ولعل الله لا يكتب لي أن أقول مثلها في التّجمّعات المقبلة، ولله عاقبة الأمور، عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الاثنين: 09 جمادى الثّانية 1430هـ الموافق لـ 25 ماي 2009م.
مرحى بالشّيخ أحمد بن حمد الخليلي.
قام فضيلة الشّيخ بزيارة إلى الجزائر للمشاركة في اليومين الدّراسيين العلميين لتخليد جهاد الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم أطفيش وفكره في بني يزقن من إعداد جمعية الشّيخ أبي إسحاق بغرداية. فمكت بعده لأسبوع زار فيها مختلف القرى مرشدا ومفتيا.
وقد حظيت العطف بزيارته الميمونة يوم 13 ربيع الثّاني 1431هـ الموافق ليوم: 29 مارس 2010م. فاستقبلناه في المسجد العتيق عند الضّحى وقد غصّ المسجد بحضور الإخوة فألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء وجعلهم بدورا نيّرات تتجلّى بهم غياهيب الظّلماء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله الرّحمة المسداة وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء، وبعد:
فضيلة شيخنا الجليل العلامة أحمد بن حمد الخليلي، حضرات المشائخ والأعيان والضّيوف الكرام، أيها الإخوة المواطنون، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/141)
صفحة 142
إنه لمن فضل الله علينا ودلائل التّوفيق والإكرام أن نحظى بلقياكم -أيها الوفد الكريم- في هذا البيت المعمور ولو لسويعات خاطفة من برنامج زيارتكم الميمونة لهذه المنطقة الطّيّبة من بلدكم الثّاني -الجزائر المجاهدة- فأنتم الدّرة الغالية، في عقد الدّول الشّقيقة لها وأنتم الغرّة البيضاء على جبين أشقائنا وأحبابنا، فأهلا وسهلا ومرحبا بكم في أحضان بلدتكم وبين أهليكم وذويكم.
وهذا جمهورنا الكريم يهزه الشّوق إلى لقياكم وتغمره الفرحة بمشاهدة طلعتكم المهيبة، تتلألأ بالأنوار الرّبانية ويجلّلها وقار الإيمان والتّقوى، وأنتم في رحاب هذا البيت المعمور الذي دوّى فيه صوت الحق، وترعرعت بين أحضانه مجالس الذّكر وحفته ملائكة الله مما يزيد على ألف عام منذ أن وطئت أقدام الدّاعية الموهوب الإمام الشّيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي هذا الوادي الأمين وارتضاه منتجعا لأسر أهل الحق والاستقامة النّازحة من وارجلان وسدراته ثم ركّز نظام الحلقة الذي ما يزال -بفضل الله- يضطلع بدوره التّوجيهي والإرشاديّ لتأطير المجتمع وتحصينه من عوامل التّفكك والانهيار.
وهذا المسجد الجامع على ما عرف في هياكله من تجديد وتحديث له عراقته التّاريخية في التّأسيس على تقوى من الله ورضوان مع انطلاقة هذه القرية الطّيّبة "تاجنينت" أمّ القرى الميزابية صانها الله ورعاها من أحداث اللّيالي وغوائل الزّمان، وترتبط بهذا المسجد الجامع مصليات أخرى مثبتة في الأحياء السكنية الجديدة، وهي مع الجامع المركزي في أتمّ تنسيق في التّسيير ووحدة المنبر في التّوجيه والإرشاد حفاظا على تماسك جماعتنا ودرءا لكل النّتوءات والطفيليات التي أصبحت تتحدّى تربتنا، وتناوش أعرافنا وتقاليدنا.
وها أنتم اليوم بزيارتكم المباركة تحققون التّواصل بين المشرق والمغرب كما كان عليه سلفنا الصّالح -رضوان الله عليهم-. (1/142)
صفحة 143
فكم نحن فخورون بمواقفكم الجريئة في إزالة اللّبس وطرح الأوهام الباطلة عن الرّكام التّاريخيّ الذي جثم على صدر أهل الحق والاستقامة بالبيان المبين والحجة الدّامغة، فأصبح لمذهبنا صوت مسموع ولتراثنا مقام مرموق، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.
ولا نزال وإياكم ثابتين على توجّهنا السّليم ومنهجنا القويم، لا تستفزنا تحرشات المغرضين، ولا تثبط عزائمنا نكسات المتخاذلين، زادكم الله صبرا ويقينا، وأبقاكم لحماية الدّين حصنا حصينا.
ولكم منا -فضيلة الشّيخ- كامل التّقدير والاحترام، وجزيل الشّكر على ما أوليتمونا بهذه الزّيارة من بالغ الاعتناء والاهتمام، أقامكم الله بيننا مقام الإمام جابر بن زيد وأئمتنا الكرام، والحمد لله رب العالين.
العطف يوم الاثنين: 13 ربيع الثّاني 1431هـ الموافق ليوم 29 مارس 2010م.
افتتاح الإرسال الأثيري من المسجد العتيق.
تقرر إعداد الإرسال الأثيري وتقويته في المسجد العتيق لينشغل كل صباح لمدة ساعتين من التّاسع إلى الحادية عشرة لبث دروس مختلفة المواضيع يقوم على انتقائها واختيارها الأستاذ الحاج أيوب محمد "قرادي" في تنسيق مع لجنة التنسيق التّابعة لحلقة المسجد العتيق، على أن يفتتح هذا الإرسال ليوم الجمعة: 10 ربيع الأول 1433هـ الموافق ليوم: 03 فبراير 2012م. وتقرر أن أتشرف بإلقاء كلمة الافتتاح جاء فيها ما يلي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/143)
صفحة 144
أيها الإخوة المؤمنون، أيتها الأخوات المؤمنات: السّلام عليكم جميعًا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب مقامكم وتبوّأتم من الجنة منزلا وبعد: فباسم الله تعالى وبعونه وتوفيقه نفتتح هذا البرنامج الإرشاديّ عبر الإرسال الأثيري من المسجد العتيق ليغطي ساعتين من وقتكم الثّمين كل صبيحة بحول الله. ونحن واثقون بأن هذا البرنامج المقدّم سوف ينال رضاكم ويلبيّ طموحاتكم في الاستزادة من فنون الثّقافة والمعرفة، ويجيب عن الكثير من أسئلتكم التي تشغل بالكم إن في مجال الأحكام الشّرعية أو الانشغالات الاجتماعية، وسوف نجتهد -بعون الله- في حسن الانتقاء والاختيار للمواضيع التي يتضمنها البرنامج والتي يعالجها أساتذة أكفاء ومشائخ أجلاء ممن عرفتموهم من قبل، أو من ستعرفونهم من خلال حديثهم إليكم، ولا شك أن الجميع يتمتع بصدق القول وصفاء السّريرة، ونظافة السّلوك والاخلاص في الطّرح والأداء ممن يصدق فيهم قوله تعالى: {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33).
أيها الإخوة المؤمنون، أيتها الأخوات المؤمنات، إن شرّ ما ابتلينا به في هذه الظّروف العصيبة التي يمرّ بها العالم الإسلامي -ونحن جزء لا يتجزأ منه- تهافت الأصوات على المنابر وعلى وسائل الإعلام المختلفة ممن هبّ ودبّ حتى فتن النّاس في دينهم وأصيبوا في معتقدهم وشككوا في مقدساتهم وحتى أصبح الكثير من الدّعاة إلى الله الأوفياء يرون أننا نعيش فتنة المسيح الدّجال كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحرّضنا أن نلتمس المخرج في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. (1/144)
صفحة 145
غير أنه من المؤسف ومن سخرية الأقدار أن يتطاول بعض المغرورين من أبنائنا على هذا الكتاب العظيم فيقولون فيه من غير علم، ويتخذون منه مصيدة لبعض السّذج البسطاء من الرّجال والنّساء والأطفال يستغلونهم لتكثير سوادهم والتّرويج لفكرتهم المتطرفة الخاطئة. فنرجو -أيها الإخوة المؤمنون- أن تصمّوا آذانكم عن تلكم الأصوات الشّاذة والدّعايات التي تحاول المساس بمقدساتكم وفتنتكم في دينكم، فنحن لا نرتاب أبدا في ما نحن عليه من هدي كتاب الله وسنة رسوله، ومن السّير على نهج سلفنا الصّالح -أهل الحق والاستقامة- الذين تركوا لنا هذا التّراث الخالد، والذي تمتدّ جذوره الطّيّبة إلى عهد رسول الله وصحابته الأبرار، والذي هو خير القرون بشهادة ربّ العالمين، وهو يطمئننا ويمتن علينا قبل وفاة رسوله بإتمام نعمته علينا وإكمال ديننا فأنزل في كتابه الكريم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة:3). (1/145)
صفحة 146
ويقول رسولنا الأعظم في خطبته بحجة الوداع: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها» (1)، ويقول: «لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (2). فإذا جاء سفيه يدّعي لنا بأننا غير مهتدين على شرع الله كما أمر، وأنّ الحقّ في ما يراه هو لأنه أوعى منا وأحسن تدبّرا لكتاب الله، فإننا نحذر منه ونعوذ بالله من شرّه وفتنته، ولطالما امتحن المسلمون في دينهم بأمثال هؤلاء الأدعياء المغرورين حتى في العصر الذّهبيّ للإسلام بعد وفاة الرّسول مباشرة من أمثال مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسيّ وغيرهم كثير. فلا عجب أن تمرّ بنا هذه الزّوبعة في عقر ديارنا لتختبر صمودنا وثباتنا، فسوف لا تجد -بعون الله- إلا الجبال الرّواسي والقلاع الحصينة، والنّفوس المؤمنة المطمئنة على طريق الحق والاستقامة، والمشبعة بنور الإيمان واليقين وبالعزة والكرامة. فليتحمّل كل واحد منا مسؤوليته، وليحصّن حمى أسرته وأولاده حتى لا تنتشر العدوى ويعمّ البلاء. فاللّهم يا فاطر السّماوات والأرض، ويا عالم الغيب والشّهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون، اللّهم اكف عنا شر الأشرار وكيد الفجار، ووساوس الأفكار وشرّ ما يختلف بين اللّيل والنّهار إنك أنت الواحد القهار يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الجمعة 10 ربيع الأول 1433هـ الموافق لـ 03 فبراير 2012م.
في مؤتمر "لا إله إلا الله" 1433هـ-2012م.
انعقدت في بلدية العطف ليوم الاثنين 14 رجب 1433هـ الموافق ليوم: 04 جوان 2012م بدار الجماعة حيث ألقت ابنتنا سعيد زوليخاء "ماما خاخة" هذه الكلمات نياية عني وقد أجادت في حسن الإلقاء وأثّرت في الجموع الحاضرة.
__________
(1) - رواه ابن ماجة من حديث العرباض بن سارية، كتاب الإيمان، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث 43: 1/ 16.
(2) – رواه البخاري من حديث جرير، كتب العلم، باب الانصات للعلماء، حديث 121: 1/ 35. (1/146)
صفحة 147
الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، نحمده تعالى على نعمة الحياة، وعلى نعمة الصّحة، وعلى نعمة الهداية، ونشكره أن متعنا بالعيش في قرية مطمئنة آمنة، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من اتبع هداهم إلى يوم الدّين. أما بعد:
فيا أيتها الأمهات المؤمنات الطّاهرات، ويا أيتها الأخوات الفضليات، والبنات الواعيات المثقفات، السّلام عليكن جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
يشرفني أن أهنئكن على إتمام لقاءاتكن المباركة لمؤتمرات: "لا إله إلا الله" والتي تتوّج اليوم في بلدتنا الطّيّبة بهذا اللّقاء المبارك الذي نرجو من ورائه الخير الكثير لمجتمعنا الفاضل بما يتمّ فيه من التّوجيهات والإرشادات الهادفة المخلصة التي تهفو لها النّفوس وتنشرح لها القلوب: {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصّلت:33). ولا شك أن كل حاضرة منكن في هذا اللّقاء قد جاءت بنية خالصة ورغبة صادقة لمشاركة أخواتها المؤمنات في هذه التّظاهرة المباركة لإحياء تراثنا الخالد وتدعيم قيمنا الرّوحية المرتكزة على نهج الله القويم وسنة رسوله الكريم، ومن أعظمها التّعاون على البرّ والتّقوى والتّشاور الجماعيّ في كل ما يعود على مجتمعنا وعلى الأمة الإسلامية باليمن والبركة. (1/147)
صفحة 148
أيتها الأخوات المؤمنات، إن خير ما نتواصى به في هذه الفترة العصيبة التي يعيشها مجتمعنا، وقد أصبح في بحبوحة من العيش الرّغيد والرّفاهية المفرطة بما فتح الله عليه من الأرزاق، وبما أغدق عليه من أنواع النِعم حتى اتخمت البطون، واحتدمت الرّغبات والشّهوات وكدنا ننتهي إلى حدّ البطر والتّرف، وما يتولّد عن ذلك من ظواهر خطيرة على مصير المجتمع، إن خير ما نتواصى به هو أن نربّي أنفسنا وأولادنا على شكر النّعمة وأداء حقها، وذلك بمعرفة فضل المنعم وتقديره حق قدره إيمانا وعقيدة صحيحة في وحدانيته وربوبيته، واستقامة على نهجه كما أمرنا لأنه هو البارئ الخالق والمنعم الرّازق وهو يعدنا إن شكرناه حق الشّكر بدوام النّعمة والزّيادة فيها.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمُ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم:7). وهل ترضى الأمهات المؤمنات والزّوجات الصّالحات أن يتحمّلن أوزار أزواجهن وهم يطعمون أهليهم لقمة الحرام استجابة لكثرة مطالبهن وتلبية لأنواع رغباتهن، وهل ترضى المؤمنات الصّادقات أن يبتلى أولادهن بارتكاب السّرقات وتناول المخدرات وترك الصّلاة وإتباع الشّهوات؟.
والمرأة أمام هذه الانحرافات هي المسؤولة في المقام الأول في دار زوجها كما حدث بذلك رسول الله، وكان من جملة تنبؤاته - صلى الله عليه وسلم - في ما يحدث لأمته في آخر الزّمان أنه قال: «سيأتي زمان يكون ضياع دين المرء على يد أهله»، فقالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟، فقال: يكلّفونه ما لا يطيق فيدخل مداخل يضيع فيها دينه» (1) أو كما قال.
أليست هذه هي حالتنا اليوم؟. فقد قرع الوعاظ والمرشدون ناقوس الخطر وكدنا ينطبق علينا المثل الذي ضربه الله لمثل هذه الأوضاع، إذ قال جلّ من قائل:
__________
(1) - الحديث: (1/148)
صفحة 149
أ) - {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتَ ـامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النّحل:112).
ب) - {وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنم بَعْدِهِمُ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} (القصص:58).
أنصبر على الجوع والخوف إن عوقبنا بهما -لا قدر الله-؟، ألا نتعظ بما نشاهده كل يوم عبر شاشات التّلفزة من تلك المظاهر المأساوية بما يعانيه كثير من أشقائنا وأصدقائنا؟، أليسوا مسلمين مثلنا، ولكنهم فرّطوا وقصّروا؟ فنحن وإن كنّا نرجو السّلامة والعافية لبلادنا لسنا بمعزل عن تلكم المصائب والشّدائد التي هي ابتلاء من ربّنا تبارك وتعالى وهو القائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155). فرحم الله زمانا كانت تقول فيه المرأة الصّالحة لزوجها: نصبر على الفقر والجوع ولا نصبر على النّار، والعياذ بالله، وهي في حسن تدبيرها وفي الإشفاق على زوجها يصدق فيها المثل الشّعبيّ القائل: "الرّجل ساقية والمرأة جابية". ولكننا اليوم ابتلينا بالبذخ والتّرف غير آبهين لمفاجآت الدّهر ولا بقوارع الزّمان، وسنن الله لا تتخلف عندما يحكم على قوم بزوال نعمته وحلول نقمته وما هي من الظّالمين ببعيد. (1/149)
صفحة 150
فلنتب إلى الله جميعا -أيها المؤمنون- مما نحن عليه من الإسراف والتّبذير، ولنحذر من الوقوع في حبائل الشّيطان كما حذرنا من ذلك ربنا إذ قال: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، اِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} ... (الإسراء: 26 - 27). فإن لم نتعظ بكلام الله وهو أصدق الحديث فلا أقل من أن نتعظ بغيرنا، ففي ذلك عبرة لأولى الأبصار.
فاللهم قنا نوائب الزّمان، ومكايد الشّيطان، وسطوات السلطان، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بذنوب غيرنا ولا بما كسبت أيدينا ولا بما فعل السّفهاء منا إنك على كل شيء قدير. ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثّمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر، متعنا الله جميعا بالصّحة والعافية ورزقنا الشّكر على نعمه الضّافية، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الاثنين 14 رجب 1433هـ الموافق ليوم 04 جوان 2012م.
في زيارة فضيلة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي.
بمناسبة مشاركته في ملتقى الفقه الإسلاميّ في دورته العشرين بمدينة "وهران" قدم الشّيخ أحمد بن حمد الخليليّ إلى "وادي ميزاب" في زيارات التّعهدية وقد نسّق مكتب "عمي سعيد" برنامج تلك الزّيارة لتغطي مختلف القرى وبعض الجماعات فخصّص يوم الإربعاء 03 ذو القعدة 1433هـ الموافق ليوم: 13 سبتمبر 2012م. خصّص للعطف يرأس فيها جلسة مغلقة مع أعضاء مكتب "عمّي سعيد" في المجمّع القرآني "بالجاوة" ثم يتناول وجبة الغذاء مع أعضاء من حلقة العزابة ومجلس الأعيان ورؤساء العشائر في دار عشيرة "أولاد الحجاج". وبعد افتتاح الجلسة في "المجمّع" ألقيت هذه الكلمة. (1/150)
صفحة 151
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، وجعلهم بدورا نيّرات تنجلي بهم غياهب الظّلماء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله سيّد المرسلين وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء وبعد:
فضيلة شيخنا الجليل العلامّة أحمد بن حمد الخليلي والوفد المرافق له من المشائخ الأجلاء، حضرات أعضاء مكتب عمّي سعيد والمشائخ الفضلاء، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
إذا كان الشّاعر البحتريّ قد أبدع في وصف الشّوق وحرارة اللّقاء عندما قال:
ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
أُيِّدْت من فصل الخطاب بخطبة ... تُنبي عن الحق المبين وتخبر
فنحن -يا فضيلة الشّيخ- لا يقلّ شوقنا لطلعتكم الزّكية عن ذلكم المنبر المتيّم الولهان، سيما وقد شرّفتم هذه المؤسسة الفتية بأول زيارة وهي تتهيأ لاحتضان فلذات أكبادنا من طلاب الأقسام الثّانوية في نظام داخلي كامل التّنسيق بديع التّأطير وهي في أصل تأسيسها قد خصّصت لتحفيظ القرآن وحسن أدائه بقواعد التّجويد وعلى سنن بعض القراءات وتحمل اسم: "المجمّع القرآني للبنين".
وإنه لمن توفيق الله ومن حسن حظ هذه المؤسّسة أن تشرفوها بهذه الزّيارة الميمونة قبل بدء انطلاقها في الموسم الدّراسيّ الجديد، فأهلا وسهلا ومرحبا بكم بين أهليكم وذويكم. (1/151)
صفحة 152
فضيلة الشّيخ، لكم كان اعتزازنا عظيما بنشاطكم الدّؤوب ومشاركتكم الفعّالة في كل ملتقيات الفكر الإسلاميّ حيثما انعقدت في أرجاء العالم الإسلاميّ، وأنتم لسان صدق لأهل الحق والاستقامة تجلون بوفاء وإخلاص ما ران على أفكار مخالفيهم من شبه باطلة وأوهام سخيفة روّجت لها أبواق السّياسة الماكرة ولا تزال تجد لها أصداء في كثير من الأوساط بكل أسف، وقد تسّربت إلى مجتمعنا بعض تلك النّتوءات والظّواهر على أيدي بعض الأغرار من أولادنا مما أصبح يتهددنا من الدّاخل إن لم نتداركه باليقظة والحذر.
ولا شك أنكم مثلنا في القلق والحيرة بما تسمعونه من تلك الظّواهر، ونحن لم نأل جهدا في تضييق الخناق عليها بحكمة وأناة، غير أن الحظوظ النّفسية في حبّ الظّهور والطّموح إلى الزّعامات والحصول على بعض المنافع والامتيازات قد يستعصي معها الحلّ إذ يفسح المجال للمراوغة والنّفاق.
فإذا كان المثل يقول: "زامر الحيّ لا يطرب" فإن لشخصيتكم الفذة المقام الرّفيع في أوساط جماهيرنا ولصوتكم النّديّ رنين السّحر في آذان مثقفينا، ولبيانكم المقنع أثره البليغ في نفوس الشّاكيّن المترددين، وأنتم الدّعاة الأوفياء والحداة الأدلاء على نهج الحق والاستقامة والحماة الأكفاء لهذا النهج الرّبّاني الذي نعتقد بحق أنه هدى الله المبين، والمحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول ربّ العالمين.
فوثّقوا -فضيلة الشّيخ- حبال التّوصل بمزيد من الزّيارات، وتعهّدوا أوضاعنا بما تتكرمون به علينا من التّوجيهات والإرشادات.
فالله أعطاك المحبّة في الورى ... وحباك بالفضل الذي لا ينكر
ولأنت أملأ للعيون لديهم ... وأجلّ قدرا في الصّدور وأكبر
والسّلام عليكم ورحمة الله.
المجمع القرآني للبنين يوم الإربعاء 03 ذو القعدة 1433هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2012م.
في زيارة فضيلة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي للعطف. (1/152)
صفحة 153
كان ذلك يوم الثلاثاء 01 محرم 1435هـ الموافق ليوم: 05 نوفمبر 2013م. وقد عرّج على "وادي ميزاب" كعادته بعد مشاركته في إحياء الذّكرى الأربعين لوفاة عميد الصّحافة الجزائرية الشّيخ أبي اليقظان، ويرافقه وفد هام من الدّكاترة العمانيين وأقيم الحفل في دار الإمام بالعاصمة تحت ّإشراف وزارة الشّؤون الدّينية وقد ألقى درسا قيما في المسجد الجامع فسّر فيه سورة "العصر" بين المغرب والعشاء فرحبت به، وقلت:
الحمد لله الذي صان العهود بأفذاذ الرّجال، وجعلهم مناط الفخر ومعقد الآمال، نشهد أن لا إله إلا الله الكبير المتعالي، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأكرمين، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم الدّين أما بعد:
فضيلة شيخنا الكريم الرّمز الوفيّ والدّاعية المخلص الحجة لأهل الحق والاستقامة شيخنا الفاضل السّيد أحمد بن حمد الخليلي والوفد المرافق له -حفظهم الله-. حضرات جمهورنا الكريم عمّار بيوت الله، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
إنه لمن دواعي التّوفيق وبوادر الخير على هذا المجتمع الفاضل أن نحظى بهذه الزّيارة الكريمة من فضيلتكم ونحن نستقبل السّنة الهجرية الجديدة لسنة 1435ه. ونتمنى أن يكون ذلك إرهاصا لما تنطوي عليه من يمن وبركة، وما تخبئه من كنوز الخيرات وفيوض الرّحمات -إن شاء الله- جعل الله طلعتكم سعدا ومقدمكم بهجة وسرورا، فأهلا وسهلا ومرحبا بكم في ربوعنا وأنتم الأكرمون الأعزاء، ومن شغاف قلوبنا في السّويداء. (1/153)
صفحة 154
فضيلة شيخنا الكريم، نحن ممتنون لكم بهذه الزيارات الحميمة التي تطلعون من خلالها على واقعنا وأحوالنا وفيها ما يسرّ وما يسيء ولا تعوزكم الفطنة والخبرة في تبيّن مواطن الخلل ومكامن الدّاء لتقديم الوصفات العلاجية وتقديم النّصح والإرشاد، وأكثرنا مفتون بزخرف الدّنيا ومتاعها ولا يتحرّى الحلال والحرام في كسبه وسعيه، ولم يعد للوازع الدّينيّ والرّادع الإيماني في النّفوس ذلك الأثر الفعال الذي كان يمنع ويحصّن ويقوم حارسا أمينا على طهر المجتمع ومناعته. رحم الله زمانا كانت فيه الولاية والبراءة الشّخصية أقوى سلاح يشهره المسجد أمام العصاة المنحرفين، ويكون النّاس أزاءها متضامنين فلا يسع العاصي إلا التّوبة والإنابة والعودة إلى جادّة الصّواب، وليت الوازع السّلطاني اليوم يملأ ذلك الفراغ فيرتدع السّفهاء ويقصر المغامرون.
أيها الإخوة الأعزاء، لئن اجتمع لدينا في هذه الأيام عيدان: العيد الدّيني بفاتح محرم، والعيد الوطني بفاتح نوفمبر، فحذار حذار أن نخطئ التّقدير لقيمة العيدين في وعينا وإحساسنا وما الدّين والوطن إلا صنوان للمجد والعظمة وتوأمان للعزّ والكرامة، لأن جوهرة الدّين لا تنمو ولا تصان إلا في صدقة الوطن تمدّها بعناصر الزّينة والنّفاسة. وتحفظها من عوامل التفسخ والذوبان، فللدين معاقله وحماته، وللوطن بناته وسراته. وهم في خدمة الصّالح العام أعوان، وفي صرح المجد دعائم وأركان.
فيا فضيلة شيخنا، لئن شعرت قافلتنا بشيء من الفتور والملل، وأحسّت بشيء من التّعب والكلل، فأنتم الحادي الموهوب والدّليل الخبير لتنشيط سيرها وتفعيل طاقتها لمواصلة السّير وتأطيرها في الاتجاه الصّحيح، فلا يضيرها بعد ذلك أن ترهبها الكلاب، ولا أن تواجهها المطبات والصعاب.
وما نيل المطالب بالتمنيّ ... ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا
متعكم الله بموفور الصّحة والهناء، وحباكم بطول العمر لنشر هدي السّماء، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان ختم التفسير. (1/154)
صفحة 155
هذا هو نصّ الخطاب الذي أعددته لمهرجان ختم القرآن المقرّر ليوم السبت 21 جمادى الثانية 1436هـ الموافق لـ 11 أبريل 2015م.
الحمد لله الذي خلق السّماوات والأرض وجعل الظّلمات والنّور، كرّم بني آدم ووفق الصّالحين منهم إلى عزم الأمور، ونزّل من القرآن ما فيه موعظة وشفاء لما في الصّدور، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين فبلغ الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأكرمين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين، أما بعد:
معالي الأخ الوزير للشؤون الدّينية والأوقاف ومساعديه الأفاضل، جناب السّيد والي ولاية غرداية وأعوانه الأكرمين، حضرات الإخوة المحترمين أعضاء حلقات العزابة والأئمة الفضلاء، حضرات الإخوة الدّكاترة والأساتذة ورجال الفكر العلماء الأوفياء، حضرات الإخوة المنتخبين في كل المستويات، أيها الإخوة الحضور من مختلف هيئات هذا المجتمع الفاضل، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا إن شاء الله. أشكركم جزيل الشّكر على كرم استجابتكم للدعوة إلى مائدة الرّحمن، وهي تحمل إليكم فخورة معتزة هذا العنوان: "مهرجان ختم تفسير القرآن". وأي مسلم يؤمن بالله ورسوله، لا يهتز قلبه ولا يرتعش كيانه لجلال القرآن وقدسيته مهما تزينت له الدّنيا وتألبت عليه وساوس الشّيطان، فإذا كان الجبل الجلمود يتصدّع من خشية الله لو أنزل عليه القرآن، فكيف بذلك التأثير الرّوحاني على هذا الإنسان؟. إنه المعجزة الخالدة التي توازي في قدرها وعظمتها خلق السّماوات والأرض، واستحق الخالق بهما الحمد والثّناء فقال عزّ من قائل:
أ) - {الْحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلونَ} (الأنعام:1). (1/155)
صفحة 156
ب) - {الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} (الكهف:1).
أيها الإخوة الأفاضل، إنكم بهذه الاستجابة الكريمة، وبهذا الإقبال التّلقائي المخلص، قد عبرتم على ما في قلوبكم من تعظيم وإجلال لكتاب الله، وعكستم على أرض الواقع ما في جوانحكم من أمل ورجاء في نشر هداية القرآن وتمكين دستوره من أسباب العزة والسّلطان، لدحر الشّر والفساد وكبت البغي والطّغيان، تقبل الله نواياكم ووفق مسعاكم وسدّد خطاكم إلى مزيد من الخير والصّلاح وإلى منازل القربى بالتّقى والفلاح.
لقد قلدتم شخصي الضّعيف بالمنن التي لا تنسى، والبرّ الذي لا يبلى، وأنا الشفوق الخجول أمام أشخاصكم الكريمة، عساني أن لا أكون على حسن ظنكم بي أو وفق تطلعاتكم لما تنتظرون مني، ولكن كرمكم أوسع لي، وحلمكم أرفق بي وحسبي أنكم ترضون من الجذع ما أعطاكم، ولكم الشّكر والفضل في ما أرضاكم، وعزائي في ذلك أنني كابدت واجتهدت واستخرت الله عند بدء المشوار فانشرحت. وما كنت أدّعي غزارة العلم، ولا تفوقا في التّحليل والفهم، بل كثيرا ما أبقى متهيّبا متقزما أمام أمهات التّفاسير قديما وحديثا، فينتابني الشّعور بأنني اجترأت وغامرت، إذ ساميت الفهم العوالي في شحّ من العتاد، وعدم كفاية من الزّاد، ولكني بحكم تجربتي الشّاقة، وبثقتي العظمى في عون الله وتوفيقه تبيّن لي أن هناك سرّا إلهيا لا يخضع لما تواضع عليه الخلق ولا تحكمه قوانين الزّمان والمكان، فأحسّ بذلك السّرّ يسري في كياني كلما جلست على المنبر وغمرتني نفحات بيت الله، فإذا بالفيوض الرّبانية تتدافع أمواجها لتشق الطّريق أمامي لأبلغ الغاية المنشودة وأنضد الدّرر الفريدة:
لا يعرف الوجد إلا من يكابده ... ولا الصّبابة إلا من يعانيها (1/156)
صفحة 157
فلا عجب في هذا الأمر، لأن القرآن روح من أمر الله يهدي به من يشاء من عباده فطوبى لعبد أنار الله بصيرته وشرح صدره لنوره: {يَآ - أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَالِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس:57 - 58).
أيها الإخوة الأعزاء، مهما احتفلنا بحاضرنا واحتفينا بمستقبل أجيالنا، فإننا لا نسدل الأستار على ماضينا المجيد، ولا نهيل التّراب على تراثنا الخالد في قريب أو بعيد، وما تاهت الأجيال إلا بعدم وصلها وتعهّدها بالتّماسك لحلقات الزّمان، مثل السّفينة في أمواج عاتية بلا ربّان. فمن منا في هذا المهرجان الكريم لا يذكر علماء الجزائر العظام ممن قاوموا الظّلم وتحدّوا الاستعمار الغاشم ليحافظوا على مقوّمات هذه الأمة تحت راية القرآن والإسلام، فبعد أيام نستقبل يوم العلم، وما أدراك ما يوم العلم؟. ذكرى أولئك الأفذاذ من الرّجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه الشّيخ الإمام ابن باديس ورفقائه الأوفياء في شمال البلاد وجنوبه، وما ذكرى ختم القرآن للشيخ الإمام بيوض عنا ببعيد، ومن قبله الشّيخ الإمام القطب الحاج محمد أطفيش رحمهم الله أجمعين. وكلهم فسّر القرآن وربّى الأجيال وتحمّل الأعباء الثقال، اللّهم اجعلنا على دربهم سائرين، ولآثارهم مقتدين.
اللّهم اختم لنا بالإسلام وعلمنا القرآن واجعلنا من أمة سيّدنا محمد عليه الصّلاة والسّلام، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين، اللّهم إنا نسألك بكل اسم هو لك سميّت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا وذهاب همومنا وغمومنا وقائدنا وسائقنا إلى جنة النّعيم يا أرحم الرّاحمين. (1/157)
صفحة 158
اللّهم إن الشّيطان اللّعين قد جلب بخيله ورَجله في هذا الوادي الأمين، ودقّ بين أبنائه عطر منشم، فأدلهم ليل الفتنة حتى أذابت الشحم، وأكلت اللّحم، وأنقت العظم في وقت عزّ فيه النّصير، وغشي البصير، واحتار اللّبيب الخبير لرتق الفتق ورأب الصّدع، وليس إلا التدافع والصّراع، فأصبحت الأرواح والأموال من أرخص المتاع، فاللّهم يا غياث المستغيثين، ويا كاشف الضّرّ عن البائسين، أغدق علينا من سحائب لطفك ما تأسو به الجراح، وتعيد الثقة والسّكينة للقلوب والأرواح، وتقيّض للإخوة المتلاحين من يسعى بينهم بالوفاق والإصلاح.
اللّهم إن وطننا الجزائر وأوطان المسلمين تناوشها الأعداء في كل حين، ويتحلب ريقهم لما تملكه من كنز ثمين، اللّهم من أراد بنا شرّا فأشغله في أمره واحفظنا من مكره ودمّره في حرزه ووكره، اللّهم احفظ ولاة أمورنا ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد وطهّر بطانتهم من عفونات الشّر والفساد، وسدّد خطاهم في طريق الهدى والرّشاد، اللّهم احفظ شعبنا من غوائل الزّمان ومكائد الشّيطان ومن الخوف والجوع والحرمان، اللّهم اهد شبابنا وحصن إيمانهم ودينهم بالزّواج الشّرعيّ الموفق الميسور.
اللّهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، واحفظ غائبنا في ظلمات البرّ والبحر، اللّهم تقبل سعي كل من شاركنا في إنجاح هذا المهرجان ولو بالوجه الطّلق والكلمة الطّيبة، اللّهم اغفر ذنوبهم وحقق آمالهم واختم بالصّالحات أعمالهم، واحفظهم في حلّهم وترحالهم، اللّهم تقبل منا ومنهم، واجمع بيننا وبينهم في دار الخلد وفي جنة النّعيم، مع أوليائك الذين أنعمت اللّهم عليهم من النّبيين والصّديقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
عند تكريمي في الولاية. (1/158)
صفحة 159
{تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان:1 - 2). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وما يعز عليه إعنات أمته وقد وسعها بشفقته ورحمته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
جناب السّيد الوالي وأعوانه الأكرمين، حضرات المشائخ والأئمة والإطارات إخواني الفضلاء، السّلام عليكم جميعًا ورحمة الله تعالى وبركاته.
إنها لحظات طيّبة كريمة هذه التي شرفتنا بالحضور إلى هذا المكان الموقّر المحترم وهو يحتضن ولاة أمورنا، ويجسّد مقام السّلطة وطاقم القيادة الرّشيدة لمجتمعنا وإنها لحظوة ممتازة حبانا الله بها، إذ دعينا للتكريم والمجازة، ونحن لا ندري أكنا بحق أكفاء لذلك في معيار التقييم والتّقدير، أم هو الحظ واليمن والسّعد تباركنا به عناية السّماء، ولا نقول عندها إلا ما قاله أبو بكر الصّديق: "اللّهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". فاللّهم تقبل هذه المكرمة من القائمين بها، واجعلها سببا لتأزر والتآلف والتّعاون على تركيز المحبة والإخاء، ونبذ التّنافر والجفاء.
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس (1/159)
صفحة 160
نعم، إن لمثل هذه المواقف الخيرة والمبادرات الطّيبة أثرها البليغ في النّفوس، سيما إذا أتت من وليّ أمر مسؤول يعرف كيف يسترضي الأليف الودود ويستأنس العنيف الشرود، في ظروف بالغة الحساسية بالتنابذ والتنافر، وليس ذلك بدعا في طبائع النّاس، وهم لا يكادون ينفكون من شرّ الوسواس الخناس، وكان من لطف الله بخلقه أن يقيّض لهم من عباده المخلصين من يهديهم إلى الرّشد، ويطهّر قلوبهم من عفونات الغلّ والحقد، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده، ومرحى بهذه اللفتة الكريمة من رجال كرماء. وأنتم -أيها الرّفاق المكرّمون- أي شعور تحسّون به وأنتم تكرّمون في تظاهرة رسمية تحمل أكثر من معنى وترمي إلى غايات سامية لا تغيب عن إدراككم المتميز؟ فإنكم لستم كغيركم من جمهور المواطنين سذاجة وتسيّبا ولا مبالاة بل أنتم روّاد أدلاّء تحدون المواكب والقوافل على طريق الخير والصّلاح، والرّائد لا يكذب أهله وإن واجهته المتاعب والصّعوبات، فكونوا رسل خير وسلام ودعاة برّ وإحسان واحذروا بنيات الطّريق، فإن التّاريخ لا يرحم، وسنن الله لا تتخلف، وللناس تقديرات وأحكام وألسنة وأقلام، فارتفعوا إلى منازل النابهين الأوفياء وسدّدوا وقاربوا، فلات تردّد ولا إهمال ولات انتظار، فإنّ في عهدتكم مصير الأجيال، وإن لله رجالا إذا أرادوا أراد، وصدق الذي قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصّغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
ولا إخالكم -أيها الإخوة- إلا من أولي العزم جرأة وإقداما، وكل إحجام أو تقاعس من أمثالكم يعدّ في معيار الشهامة والنّبل حراما، وكلّنا في الهمّ شرق، ولا يدعونا إلى ما نقوله إلا الإخلاص والصّدق والله على ما نقوله شهيد، والحمد لله رب العالمين.
العطف يوم الثلاثاء 01 شعبان 1436هـ 03 ماي 2015م
في ندوة "بريان" الفقهية. (1/160)
صفحة 161
بدعوة من الأخ الفاضل الأستاذ: دادي عدون الحاج عمر. رئيس المجلس الشّعبي الولائي بغرداية بدعوته لي على أن أشارك في افتتاح النّدوة لسنة 1437 هـ/ 2015م لخصوصية الظّرف في المنطقة وتشجيع المشاركين، فلبيت الدّعوة وانتقلت معه إلى بريان وسعدت بلقاء الإخوان، وقد فتح النّدوة الشّيخ باش عادل الحاج بكير بكلمة تقديرية مباركة وترحيبا، فألقيت هذه الكلمة.
تبارك الذي له ما في السّماوات وما في الأرض وله العزة والكبرياء، وقد قال في محكم كتابه الكريم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ} (فاطر:28). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «العلماء ورثة الأنبياء» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأتقياء الصّلحاء وعلى من اتبع هداهم إلى يوم الحساب والجزاء وبعد:
فيا أيها المشائخ الفضلاء والرفاق الأوفياء، أهنئكم ونفسي أولاً بحلول السّنة الهجرية الجديدة 1437 هـ راجيا من الله العليّ القدير أن يهلّها علينا وعلى الأمّة الإسلامية جميعًا باليمن والبركة وبالأمن والسّلام وأن يمتعنا جميعا بموفور الصّحة والعافية، ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه الخير والصّلاح للبلاد والعباد، وأهنئكم ثانيا بافتتاح ندوتكم المباركة العامرة، وقد جمعنا الله في مدارجها على سرر متقابلين، وكلنا ثقة وأمل أن يفتح الله من أنوار حكمته ويفيض علينا من فيوض علمه ما ينير به بصائرنا ويشرح صدورنا ويلهمنا رشدنا إلى فك ألغاز المشاكل والقضايا المعروضة علينا، ويا ما أكثرها في هذا العصر النّكد من بعدما وهن الإيمان بما ران على القلوب من أرجاس الآثام، وانطمست على السالكين حدود الحلال والحرام، واحتار النّاس في ما يروّجه من الفتاوي المتعالمون والمتفيقهون من السّذج والعوام. نعم، أيها الإخوة المحترمون،
__________
(1) - رواه الترمذي من حديث أبي الدرداء، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة، حديث 2682: 5/ 48. (1/161)
صفحة 162
إني لأعذركم وأحسب عبئكم ... من بين أعباء الرّجال ثقيلا
فإذا كان أمثال أبي بكر الصّديق - رضي الله عنه - يتحرج أن يقول في كتاب الله برأيه وقد عاش العصر الذّهبيّ لدين الله بصحبته لرسول الله، فما لنا نحن، وقد أصبح القرآن مهجورًا، وكثير من أبنائنا وقومنا لا يخفون عن سنة نبيئه نفورا، وعلى قدر انبهات المعالم الشّرعية وتعقد المشاكل المعاصرة بما يستجدّ من القضايا سيما في مجال المعاملات المالية على قدر ما يتطلب التّحقيق العلمي من الاجتهاد وتدقيق النّظر، مما قد يفوق مقدور الفرد الواحد مهما تضلّع في البحوث الشّرعية وتبحّر في مقاصدها وأسرارها، ولذلك كان لمثل هذه النّدوات الجماعية فعاليتها ونتائجها المضمونة -بعون الله- في إصابة كبد الصّواب وفي السّداد والتّوفيق في تحرير الجواب، مصداقًا لما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن تجتمع أمتي على الضّلالة» (1). وأراكم في التزامكم الدّؤوب بعقد ندواتكم هذه، قد رفعتم عن الأمّة مسؤولية الفرض الكفائي في القيام بواجب البيان لما أنزل الله لعباده، وفي الدّعوة إلى منهج الله ورسوله في غير ما تعنيف ولا إكراه، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير، {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33).
__________
(1) - رواه الطبراني في المعجم الأوسط من حديث ابن عمر، حديث 13623: 12/ 447. (1/162)
صفحة 163
أيها الإخوة الفضلاء، كثيرا ما كنا نتأسّف عن فقدان التّمثيل لبلدة العطف -غالبًا- في مجمعكم هذا المبارك، ويشهد الله أن ذلك لم يكن منا عن جفاء ولا انتقاص، ولكن لظروف وأحوال ما لنا عنها من مناص، وأقول ذلك بالنّسبة إلى شخصي الضّعيف ثم إلى من معي من الأبناء والرّفاق، ولكن عزاؤنا في ذلك أنهم يشاركون في ندوتنا الخاصّة بالبلدة، ويبذلون معنا جهدا محترمًا في الاجتهاد والبحث، سيما ونحن نستقبل أسئلة المستفتين من مختلف قرى ميزاب ومن الشّمال، فنرجو أن نكون متكاملين متعاونين في هذه المهمة الثّقيلة، ولا شك أن لجان الفتوى هنا أو هناك يجب أن تصبح هي المرجعية الصّادقة المثلى توجيها أو إرشادا دينيا على منابر مساجدنا إذ ليس من الضّروريّ أن يكون كل واعظ أو مرشد متضلعا في أحكام الشّريعة ملمّا بمقاصدها وأسرارها ولكن حسبه أن يستنير بتوجيهات العارفين في ما أشكل عليه من بعض القضايا المستجدة، كما على لجنة الفتوى هي الأخرى أن لا تستغني عن الخبراء والمختصين بل حتى عن الحقوقيين للاطلاع على القوانين الوضعية المعمول بها اليوم.
وفي الختام أجدّد لكم شكري وامتناني على دعوتكم لي لحضور هذه الانطلاقة المباركة لندوتكم، وأعتبر ذلك شرفًا لي وتشجيعا لي لمواصلة المشوار إلى آخر رمق من حياتي في الدّعوة إلى الله وخدمة دينه وكتابه، وفقني الله لأكون في حسن ظنكم بي وعلى المستوى المطلوب لتحقيق الغاية المنشودة، جازاكم الله عني خيرًا، وأبقاكم ذخرا وفخرا للدين والوطن.
العطف يوم 07 محرم 1437هـ 21 أكتوبر 2015م.
مرحى بالدكتور الشّيخ فرحات الجعبيري في العطفاء. (1/163)
صفحة 164
زار الدكتور الجعبيري وادي ميزاب لمدة يومين تفقد، بعض المؤسسات التّربوية كمعهد الإصلاح ومعهد عمي سعيد، تم التقى ببعض أعضاء مجلس عمي سعيد ببني يز?ـن، وكانت نهاية جولته في بلدة العطف ليوم الاثنين 03 ربيع الأول 1437هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 2015م حيث ألقى درسًا مفيدًا في مسجد الجامع بين المغرب والعشاء فألقيت هذه الكلمات ترحيبا بمقدمه الميمون.
نحمدك اللهم يا من تفرّدت بالعظمة والكبرياء، واصطفيت من النّاس الرّسل والأنبياء، وهديت إلى مقام خشيتك العلماء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أدّى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الحساب والجزاء وبعد:
فضيلة شيخنا المحترم الدّكتور فرحات الجعبيري، أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلاً، ما أسعد بلدتنا بهذا اللّقاء السّعيد، وما أعظم شوق هذا المنبر المبارك في هذا البيت المعمور لنبرات صوتكم النّديّ وقد حظي به من زمان حتى ليصدق فيه قول البحتريّ:
ولو أن مشتاقا تكلّف ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
أجل إنها تراكمات الأحداث، وتقلبات اللّيل والنّهار تناوشنا وتعاكس أمانينا ولا تهادننا إلا في فلتات من الفرص والمناسبات، فنردّد متفائلين مع الذي قال:
وقد يجمع الله المشتيتن بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
ولسوف يكون هذا اللّقاء -بإذن الله- لقاء الأبرار في نعيم الخلد على سرر متقابلين، فتربّعوا على عرش القلوب فأنتم في سويدائها، وأنعشوا نفوسنا بحلو حديثكم فقد تهافتت عليها الأصوات حتى كادت تفقد الوعي في صخبها وضوضائها. (1/164)
صفحة 165
فضيلة شيخنا المحترم، عرفنا في شخصكم الكريم التقى والورع وكمال الغيرة والإخلاص والوفاء لمنهج أهل الحق والاستقامة، إذ جلوتم حقيقته لطلابكم ومريديكم، ووضّحتم بعده الحضاري لطلاّب الحقيقة في إنصاف وإذعان للحق في بيئة تعرّضت للمسخ والتّضليل عن مقوماتها الأصيلة، فما استكنتم وما وهنتم لما أصابكم في سبيل الله، بل ظللتم ترابطون وتصابرون حتى انقشع ظلام اللّيل وأشرقت تباشير الصّباح، فها أنتم تشدّون الرّحال إلى ربوع وادينا في أمن واطمئنان من بعدما دق الشّيطان عطر منشم بين قاطنيه وسارت بأنبائه الرّكبان:
لحاها الله أنباء توالت ... يكذبها اللّبيب وهي صدق
لقد قدّرها الله مصائب علينا ونحن نعلم أنها مما كسبت أيدينا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:117). ونحن لا ننازع الله في قضائه وقدره لأنه لطيف لما يشاء وهو العليم الخبير. فإذا كان على المريض أن يصارح الطّبيب بعلاته حتى يصف له الدّواء الشّافي، فأنتم -ولاشك- ذلكم النّطاسيّ الخبير الذي نلتمس عنده العلاج في ثقة واطمئنان، فجودوا علينا مما علّمكم الله وأنيروا الدّرب للسالك والحيران، سدد الله خطاكم، وحفظكم في متقلبكم ومثواكم، والحمد لله ربّ العالمين.
القسم الثقافي
تكريم فضيلة الشّيخ البكري.
أقامت جمعية "الفتح" ببلدية بريان حفل تكريم لفضيلة الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلي بمناسبة صدور كتابه الثّاني "فتاوي البكريّ" وكان ذلك في المسجد الجامع يوم 04 محرم 1404هـ الموافق ليوم: 14 أكتوبر 1983م. وقد شارك في هذا الحفل ثلة من عزابة قرى "وادي ميزاب" ومن أعيانه فألقيت هذه الكلمات. (1/165)
صفحة 166
نحمدك اللّهم يا من تفرّدت بالعظمة والكبرياء، وأحطت بكل شيء علمًا، فلا يعزب عنك مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء كرّمت هذا الإنسان إذ أسجدت له الملائكة، وقد علمّت آدم الأسماء، وجعلت العلماء ورثة الأنبياء. ونصلّي ونسلّم على من بوّأ العلماء منزلة الشّهداء، سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ومصابيح الظّلماء. أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. لسنا في حاجة اليوم إلى من يلقّن لنا أن العلم أشرف مبتغى وأعزّ مطلب لسعادتي الدّنيا والآخرة، ذلك أننا -نحن المسلمين- حتى في ضمورنا الحضاري نستلهم هذه الآيات البيّنات: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ} (الزمر:9). {يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11). {وَقُلْ رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه:114). {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122). (1/166)
صفحة 167
وإننا لا نختلف اليوم أنّ أسباب القوة والعزّة والتّمكين، ووسائل الرّقي والازدهار لا يملكها إلا العالمون، وأن لا مكان لجاهل في حياتنا العصرية. غير أن الذي تتفاوت فيه الأفهام، وتتعدّد فيه المسالك هو تحديد المفهوم الحقيقي للعلم من جهة، ومن هو الشّخص الذي يستحق أن نضفي عليه صفة العالم؟؟ فإذا كان لبعض الكلمات العامّة أطوار متعدّدة في مسارها التّاريخي تنداح دائرة مفهومها وتضيق حسب مقتضيات الزّمان والمكان، ووفق تطلعات الإنسان وآفاق تفكيره، فإن كلمة العلم والعالم في ربوعنا قد عرفت هي الأخرى هذه الظّاهرة التي ضبط موازينها علماء فقه اللغة. فمنذ أزمنة قريبة حصرنا مفهوم العلم في علوم الدّين: أصوله وفروعه، واعتبرنا العالم ذلك الإنسان الذي يتحدث في الحلال والحرام، ويحفظ من غريب المتون في التّفاريع الفقهية وغيرها الشيء الكبير، ثم نظرنا إلى الفروع العلمية الأخرى نظرة ارتياب واعتبرنا الخائضين فيها من السّفهاء المفتونين. وكان للعهد الاستعماري إيحاءاته الماكرة، ومؤامراته الخبيثة في تركيز هذا الاتجاه واستبقاء ذلك المناخ.
غير أن سنة الله في التّطوير والتّجديد، وتأرجح الإنسان ما بين الإبداع والتّقليد وتعلقه بالقديم أو افتتانه بالجديد، كل ذلك مكّن هذه الأمة من النّهوض والإقدام، إذ عاد إليها الوعي، فاستجمعت قواها وعزمت أمرها على صيحات روّاد النّهضة الأعلام، من مشائخنا الأجلة الكرام، الذين أعادوا للدّين جدّته، ووفّروا للعلم قوته وفتوّته. فما منهم من أحد نكص على عقبيه أمام المواجهات، ولا فترت همته أزاء التحدّيات. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا. (1/167)
صفحة 168
أيها الإخوة المؤمنون، ها نحن اليوم نجني ثمرة أولئك الرّجال الأفذاذ الذين حدوا بركب العلم والثّقافة في بلادنا فقطعوا به أشواطا بعيدة، وبخطوات عملاقة تخطت الحواجز وعبرت الجسور وصارعت التّيارات، فلم يذهلها تعداد الألوان، ولا ارتبكت أمام الاختيارات. فإذا بأجيالنا الصّاعدة تقتحم آفاق العلم الواسعة، وتشق سجف الجهل والعمى بأنواره السّاطعة، وإذا ببلادنا تنعم بهذا الفيض العميم، كما قال شاعرنا الحكيم:
إذا ارتوت البلاد بفيض علم ... فعاجز أهلها يمسي قديرا
ويقوى من يعيش بها ضعيفا ... ويغنى من يعيش بها فقيرا
وما تناديْنا اليوم لهذا اللّقاء المبارك في هذا المكان الطّاهر إلا لنحمد مولانا الجليل، ونشكره على جزيل نعمه وفيض كرمه، إذا ألهمنا الرّشد والسّداد، وأنعم علينا بهؤلاء الأفذاذ الذين شقوا لنا الطّريق، ووضعوا المعالم، وركّزوا أسس هذه الانطلاقة العظمى بنور أبصارهم وعصارة أمخاخهم، ودماء عروقهم. وما شيخنا الجليل عبد الرّحمن بكلي إلا علَم من هؤلاء الأعلام الذين تفتخر بهم الجزائر وتدين لهم بالحبّ والوفاء، لأنها كانت لهم نعم الأمّ وكانوا لها أبرّ الأبناء. ذلك لأنهم صابروا ورابطوا في ثغورها أيام المحن والشّدائد، وحافظوا على تراثها ومقوماتها فلم تنل من شرف مجدها المصائب والشّدائد، في فترة قلّ فيها النّاصرون، وقعد عن نجدتها القانطون.
شيخنا الجليل، لقد واكبت هذا القرن في كل مراحله وأطواره، وعايشته في فواجعه وبشائره، وها أنتما اليوم ذرفتما على التّسعين، ولا إخالكما إلا مترافقيْن والمحامد؟؟ وأية مكرمة تنتظرها منا وقد حباك المولى منها ما يسلكك في عداد الخالدين؟ أنكرّمك لصدور الكتاب الثّاني من فتاويك؟؟ أم أنك ذرفت على التّسعين، ولم تزل منهلا للطلاب وملاذا للمستفتين؟؟ (1/168)
صفحة 169
وهل ننسى جهودك المضنية في إنهاض هذا المجتمع، وتطعيمه بعناصر القوّة والفتوّة، وتركيز خطاه على صراط الله القويم؟ فلكم ردّدت الجبال صوتك الدّاعي إلى الله من فوق منبر بيته فاهتزت له قلوب الجماهير، ولانت جوارحها لكلمة الحق المبين، كما ارتعدت له فرائص الطّغاة المتعجرفين!
وكم لك من مواقف خالدة في نشر الفضيلة وصيانة الطّهر والعفاف أيام كان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر جريمة لا تغتفر، وأسلوب النّفاق والمداهنة ذريعة للغلبة والظّفر.
شيخنا الجليل، كل ما في هذا البلد يعظم لك قدرا، وكل صغيرا أو كبير يخلد لك فيه ذكرا، وما عند الله هو خير وأعظم أجرا. أنظر حواليك تجد الوجوه تعلوها البشائر، والنّفوس تهتز غبطة وسرورا، والقلوب تطفح حبّا وولاء أن حظيت بيوم تكريمك، ونعمت بطلعة محيّاك وأنت في هذا المهرجان واسطة العقد، وبغية القصد.
وكل ما نرجوه لك عند الله هو حسن المثوبة والغفران، وخير القبول والرّضوان، مع دوام الصّحة والعافية، في نعم الله الضّافية.
أيها الإخوة الكرام، إن تكريمنا لشيخنا لا يتمّ بتنسيق الحفل ولا بتعداد المزايا في خطب أو كلمات تقال، وإنما يكون بتبليغنا هذه الأمانة إلى الأجيال: أمانة العلم الصّحيح الذي يركّز دعائم الخير، ويرسي قواعد الصّلاح والتّقوى، ويخدم مصالح الدّين والدّنيا، لتكون كلمة الله هي العليا.
فها هي ذي المعالم واضحة، وها هي القافلة على الطّريق السّويّ. فحذار حذار من الزّيغ والانحراف وإياكم من هواجس الأهواء، وإيحاءات ذوي الطّمع من عشاق ذواتهم ودعاة العنصريات والقبليات.
الوئام الوئام، فإن الوقت جادّ ولات حين خصام. فلنخمد كل صوت يدعو إلى التّفرقة مهما يكن قائله، ولنبارك كل عمل تتجلى فيه وحدتنا، ولا يعنينا من هو فاعله لأن الرّجال يعرفون بالحق، ومخطئ من يعرف الحق بالرّجال، وما أشقى الأمة إذا سادها الدّاعون إلى الشّقاق استبقاء لنفوذ موهوم وجاه مزعوم. (1/169)
صفحة 170
وإذا أراد الله إشقاء القرى ... جعل الهداة بها دعاة شقاق
فلنتق الله في تصرفاتنا وأعمالنا، ولنذكر قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً اُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُم فِي الاَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ} (آل عمران:77).
وأنت يا شيخنا الجليل! لقد كرّست حياتك لهذه البلاد وما استبقيت شيئا، وكنت مذ حللت بها برّا وفيّا. أو لا تذكر الأمّ الحنون التي أنشأتك غلاما زكيّا؟؟ لقد برّح بها الشّوق، فتكرّم بوصلك قبل نفاذ الزّاد: {إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ} (القصص:85) (1). وفقنا الله جميعا إلى سبل الخير والرّشاد.
افتتاح المتوسطة ببلدية العطف.
تمّ ذلك في الموسم الدّراسي: 83/ 1984م وقد تهيأت منها في الإنجاز المجموعة التّربوية والمجموعة الإدارية، فتعينت مديرا لها انتقالا من متوسطة بني يزقن. وأول تظاهرة ثقافية أحيتها المؤسسة هي الاحتفال بالمولد النّبوي الشّريف حضره جمع غفير من أولياء التّلاميذ ليوم 13 ربيع الأول 1403هـ الموافق ليوم: 20 ديسمبر 1983م حيث ألقيت فيه هذه الكلمة.
نحمدك اللّهم يا من هديتنا لنور الإيمان، ومننت علينا ببعثة رسولك عليه الصّلاة والسّلام، فكنّا من أمة القرآن، ونصلّي ونسلّم على من جعلت رسالته خاتمة الأديان، وأبقيت شريعته صالحة لكل زمان ومكان، سيّدنا محمد وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان. أما بعد:
__________
(1) - يقصد الخطيب بالأمّ مدينة العطف مسقط رأس الشّيخ ومربع طفولته ويرجوه العودة إليها. (1/170)
صفحة 171
فيا أيها الجمع المبارك الكريم من مسؤولين وأولياء وأساتذة وتلاميذ، سلام من الله عليكم ورحمة منه وبركات. إنه لمن دواعي الاعتزاز والفخر، ومن آيات الشّكر والثّناء لله تعالى أن نجتمع في هذه المؤسسة الفتية بهذه المناسبة السّعيدة، إحياء للذّكرى الخالدة، ذكرى ميلاد رسولنا الأعظم، صلوات الله عليه وسلّم. ونعتقد أنه لمن دلائل التّوفيق وأمارات الهدى والرّشاد أن تكون أولى تظاهراتنا الثّقافية بعد افتتاح المؤسسة هي هذه الذّكرى بالذّات. ذلك أننا موقنون أن العلم والدّين صنوان يتفرعان من أصل واحد، ويستهدفان غاية واحدة، هي البلوغ بهذا الإنسان إلى المستوى اللائق به من الكمالات التي أودعها الله في أصل فطرته، بأن جعله مخلوقا تجتمع فيه الخصائص الأرضية بماديتها وشهواتها، والكمالات السّماوية بأنوارها وروحانيتها.
ألا ترى كيف جمع الله تعالى هذين الأساسين في بناء الكيان الإنساني فقال جلّ من قائل: {ذَالِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الاِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} (السّجدة:6 - 9).
وجريا على هذا السّنن الإلهي، فإننا في هذه المؤسسات نربّي قبل أن نعلّم، ونهذّب قبل أن ندرّب، ونسعى جهد المستطاع إلى تكوين الفرد الصّالح القويّ بدنا وعقلا وروحا، إيمانا منا بأن المجتمع الصّالح لا يتماسك صرحه إلا باللبنات القوية المتماسكة. (1/171)
صفحة 172
غير أن هذه المسؤولية لا تنحصر في محيط المؤسسة التّربوية بكل أجهزتها ومرافقها، ولا يتأتى لها وحدها أن تستكمل الجوانب التّهذيبية والتّربوية لهذه النّاشئة ما لم تجد منكم -أيها الأولياء- السّند القويّ، والمساعد اليقظ النّبيه في توفير الجوّ الملائم والمناخ الطّيّب في هالة من الرّقابة الحازمة والتّأطير المحكم.
واسمحوا لي بأن أقول لكم بأننا ما نزال نعاني مع تلاميذنا نقصا كبيرا في كثير من تصرفاتهم وسلوكهم العامّ ذلك بأنهم مردوا على الفوضى وقلة الانضباط في مرحلة طويلة من دراستهم. ولعلّ الكثير من الأولياء فيكم يفاجؤون اليوم من بعض الإجراءات النّظامية التي لم يألفوها من قبل، بينما هي أمور ضرورية يستدعيها الحزم والصّرامة في التّسيير، لتقويم كثير من الاعوجاج وتصحيح المسيرة التّربوية لضمان نجاح أكبر وفعالية أشدّ، سيما ونحن مقبلون -بحول الله- على تطبيق المدرسة الأساسية في طورها الثّالث، الذي يعني التّعليم المتوسط.
فنهيب بكم -أيها الأولياء- أن تقفوا إلى جانبنا بمساعدتكم وحسن تجاوبكم مع أنظمة المؤسسة قلبا وقالبا. وكل تقصير في هذا المجال، أو عجز يفضي إلى اللامبالاة والتّواكل فإننا نجنيه حسرة وندامة عندما نتلقى نتائج أولادنا غير مسرّة ولا مرضية.
وأخيرا نشكركم جزيل الشّكر على حسن تلبيتكم لدعوتنا في هذه التّظاهرة المتواضعة، راجين منكم أن تتقبلوا ما يقدم إليكم من أبنائكم على ما فيه من ضعف أو نقص آملين بأن تتلو هذه الخطوات خطوات أخرى أشدّ تركيزا وأوفى مجالا.
وإننا لنخصّ بالذّكر والثّناء أعضاء مكتب جمعية أولياء التّلاميذ، الذين لم يألوا جهدا في مساعدتنا لتلافي كثير من السّلبيات التي يمكن أن تؤثر في الانطلاقة الأولى لمؤسستنا الفتية، متمنّين لهم كل النّجاح والتّوفيق في مهمتهم المباركة، وأرجو للجميع حسن المثوبة وتحقيق الأماني، والحمد لله ربّ العالمين.
في يوم العلم. (1/172)
صفحة 173
أقيم حفل كبير لإحياء ذكرى يوم العلم في قاعة "سينما ميزاب" بغرداية لإجراء المسابقة الأخيرة بين المتوسطات، وكان لمجموعات من تلاميذ المدارس نشاط ثقافي بهذه المناسبة التي حضرها جمع غفير من الأولياء والمسؤولين وذلك ليوم 14 رجب 1404هـ الموافق ليوم: 16 أفريل 1984م حيث ألقيت فيه هذه الكلمة.
نحمدك اللّهم يا من كرّمت هذا الإنسان، فعلمته البيان وهديته بنور القرآن. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد:
فيا أيها الإخوة الكرام، مسؤولين وأولياء وأساتذة، ويا معشر الأبناء النّجباء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، إن للأمم والشّعوب أياما خالدة هي بمثابة المحفّز النّشيط للتعلّق بالمجد، والحادي الطّروب لمواصلة السّير حثيثا، تستحثّ الهمم وتذكي العزائم كلما نال بالأمة الجهد واعتورها فتور.
وما يوم العلم الذي جئنا اليوم لنحيي ذكراه إلا تاج تلك الأيام المباركة، وغرّة في جبين أمتنا التي عرفت كيف تنجب أبطالها وزعماءها وتتعهّدهم بحسن التّربية والرّعاية، وتغمرهم بفيض حنانها وحبّها، حتى إذا أكملوا عدّتهم وبلغوا أشدّهم قذفت بهم إلى ميادين العزّ والشّرف، وأذكت في نفوسهم الغيرة والحماس للسّباق في حلبات المجد والفخار، فيغدو النّصر حليفهم والفوز طوع يمينهم. وعندما يدركون مبتغاهم تسلكهم في عداد الخالدين فلا تنسى لهم ودّا، ولا تخفر لهم عهدا. (1/173)
صفحة 174
وما الإمام ابن باديس -رحمه الله- إلا علم من أولئك الأعلام الذين بادلوا أمتهم حبّا بحب ووفاء بوفاء، وقد أخرجته العناية الإلهية إلى نور الوجود في أواخر القرن الماضي، فعاش واقع شعبه وأحسّ بآلامه صبيّا طاهرا ثم غلاما زكيّا فشابا طموحا، لم تبطره النّعمة التي غمرته بها أسرته، بل آثر الطّريق الصّعب والعيش الخشن حين عقد عزمه على إنقاذ شعبه من ظلمات الجهل الذي لا تحيا عليه جماعة ولا يقوم عليه بنيان، فشدّ رحاله إلى تونس لينهل من حياض جامع الزّيتونة، ويستكمل عدته من العلوم والمعارف، وقد وهبه الله ذكاء وفطنة، وألهمه الحكمة في العمل والسّداد في الرّأي، فخاض معركة الإصلاح الدّيني والاجتماعي لا ترهبه سياط الاستعمار، ولا تلين له قناة أمام المتعصّبين من أبناء شعبه ممن لفهم ظلام الجهل والخرافات واستحوذت عليهم أباطيل التّقاليد والعادات.
فظل يجاهد بلسانه وقلمه مستلهما ما في كتاب الله وسنة رسوله من توجيهات. وكان له في كل منبر صوت، وفي كل محفل موقف، لا يخاف في الله لومة لائم.
وقد أصاب من حكمته كل فرد، واستمعت لنصحه كل الفئات، والتفّت حوله جماعة من رفاقه العلماء في جمعيتهم الفتية سنة 1931م. فتجاوبت أصداء هذه الحركة الإصلاحية في شرق البلاد وغربها، وفي شمالها وجنوبها، ورسخت في جذور الشّعب شجرتها المباركة. فها نحن أولاء نجني ثمراتها عزّا وكرامة لشعبنا المفدّى، ومعرفة وثقافة لنشئنا الصّاعد.
فإذا كنا حقا نريد أن نحتفل بيوم العلم، ونخلّد فيه ذكرى أولئك الأماجد الأبرار، فما علينا إلا أن نتخلّق بالأخلاق الفاضلة التي عرفوا بها، وننتهج النّهج الذي سلكوه في تركيز أصالتنا وبعث تراثنا المجيد.
ولا يتأتى لنا ذلك إلا بالجدّ والاجتهاد والعمل الدّؤوب، والصّرامة في الإنجاز والتّنفيذ، حتى نكون أوفياء لمبادئ ثورتنا المباركة التي من أولاها وأعظمها "ديموقراطية التّعليم" وتوسيع قاعدته لكل أبناء الشّعب. (1/174)
صفحة 175
فأي امرئ يستطيع أن ينكر ما حققته بلادنا في نشر العلم والثّقافة، حتى أصبحت لدينا هذه الجيوش الجرّارة من أبنائنا الطّلبة على كل المستويات التّعليمية، وكان لنا في كل الأحياء مدارس، وفي كل بلدية متوسطات، وفي كل حاضرة ثانويات، ونكاد نعمّم الجامعات والمعاهد العليا في كل الولايات.
وذلك من فضل الله علينا جزاء التّضحيات الغالية التي قدّمها شهداؤنا الأبرار ويقدّمها المخلصون من أبناء هذا الوطن المفدّى، تطبيقا لتوجيهات كتابنا العزيز الذي ما فتئ يردّد على مسمع الدّنيا: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ، خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ، الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:1 - 5).
فنم قرير العين -يا ابن باديس- وأنت في جوار ربّك تنعم بالرّوح والرّيحان. فإن صيحاتك المدويّة لم تذهب أدراج الرّياح عندما كنت تنادي:
يا نشء أنت رجاؤنا ... وبك الصّباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها ... وخض الخطوب ولا تهب
فها قد انبثق الصّبح وسطعت شمس الحرية وانطلق النشأ الصّاعد في كل الميادين يصول ويجول، ويأخذ عدّته للحياة المثلى والمستقبل الأفضل بخطوات ثابتة وأمل فيّاض.
وسوف يبلغ المأمول -بحول الله- ما دام يعتز بأمجاده ويستمسك بأصالته، ويوفّي بعهود شهدائه الأبرار، ويأخذ بتوجيهات علمائه الأحرار.
وأنتم، أيها الأولياء والمسؤولون، ارتفعوا إلى المستوى المطلوب في تحمّل عبء الأمانة، واتقوا الله في أولادكم بحسن التّربية والرّعاية، وإدمان المراقبة والتّوجيه، فإن جهود المؤسسات التّربوية لا تغني شيئا إذا لم تجد منكم العون والمساعدة.
سيما ونحن آخذون في تعميم المدرسة الأساسية التي لا تكون لها الفعالية المطلوبة والنّتائج المرجوّة إلا إذا تظافرت الجهود وتجاوبت كل المجالات التّربوية لتأطير الطفل الجزائري داخل الأسرة، وفي أحضان المدرسة ومجالات المجتمع بأكملها. (1/175)
صفحة 176
وبذلك نستطيع أن نحقق الأهداف المرسومة لهذه المنظومة التّربوية التي تضمن للمدرسة الجزائرية الفعالية والاستقرار. حقق الله المنى وبلغ الآمال، وأبقاكم ذخرا للأجيال.
والحمد لله رب العالمين.
في الذّكرى الثّلاثين لاندلاع الثّورة.
أحيا تلاميذ المتوسطة بالعطف الذّكرى الثّلاثين لاندلاع الثّورة المباركة، فقاموا بنشاطات متنوعة دعي لها أولياؤهم، ليوم 30 محرم 1405هـ الموافق ليوم: 25 أكتوبر 1984م فحضر منهم حشد كبير. فافتتحت الحفل بهذه الكلمات.
تبارك الذي جعل في السّماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل اللّيل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا. والصّلاة والسّلام على من أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا، وعلى آله وأصحابه الذين نصروا الله ورسوله فكان الله لهم عونا ونصيرا. أما بعد:
فيا أيها الإخوة الكرام، أولياء أساتذة وتلاميذ، طبتم وطاب مسعاكم وهداكم الله إلى خيري الدّنيا والآخرة، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/176)
صفحة 177
فها نحن اليوم نقف وقفة إجلال وإكبار، وقد استكملت مسيرتنا المباركة عقدها الثّالث، لنستلهم أحداث ذلكم اليوم المشهود من فاتح نوفمبر سنة أربع وخمسين وتسعمئة وألف، يوم شاءت إرادة الله أن يمنّ على المستضعفين في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، فانطلقت النّفوس المؤمنة من أبناء هذا الشّعب المفدّى لتتحدّى الطّغيان وتكسر الأغلال، وتشق طريق العزة والكرامة والحريّة للأجيال. نستلهم ذلك فتنحني جباهنا لتلكم الأرواح الزّكيّة التي رفرفت في ملكوت الله تهفو إلى لقاء ربّها، وقد خرجت من بيوتها مهاجرة إلى الله ورسوله، مجاهدة تحت لوائهما لدحر أعداء الله وإعلاء كلمته، وتطهير أرض الإسلام من الدّنس والعار، طالبة إحدى الحسنيين: الاستشهاد أو الانتصار، إيمانا منها بأن الله تعالى لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وأن الحريّة لا تسقى شجرتها إلا بالدّماء الزّكية، وأنها درّة غالية في بحر الوجود يغوص عليها الإنسان ولا يعطاها هدّية.
نحني جباهنا إجلالا وإكبارا لأولئك الأسد المعاميد من أبطال غرة نوفمبر، وقد سجّلوا في تاريخ البطولة والفداء أروع الصّفحات وسلكهم الله في سجلّ الخالدين، وما فتئ رفاتهم الطّاهر يتضوّع مسكا، ويتألق نورا في كل شبر من وطننا المفدّى، يوحي للأجيال بالنّخوة والإباء، ويهتف بها أن تواصل المسيرة في نهج التّشييد والبناء، وتحقيق الازدهار والرّخاء، وأن تبقى لشهدائها الأبرار على العهد والوفاء. تلكم هي الإيحاءات التي يجب أن نعيها بعمق ونحن نقف على رأس هذه الذّكرى الغالية، الذّكرى الثّلاثين لثورة نوفمبر الخالدة، وتلكم هي الصّرخات التي يجب أن ننصت إليها في خشوع وإجلال، إنصات من يريد بحق أن يذكر ويعتبر، ويعمل بجدّ وثبات ليساهم بجهده اليوم في إعلاء صرح هذا الوطن العزيز حتى يتبوّأ مقعده في مصافّ الأمم الرّاقية يخطّط فينجز، ويقرّر فينفّذ، ويطمح فلا يألو جهدا في بلوغ الغاية وإدراك الهدف. (1/177)
صفحة 178
أيها الإخوة الأجلاء، أيها الأبناء الأعزّاء، إذا حقّ لنا أن نحتفل بالذّكرى الثّلاثين، فلا يعزب عن أذهاننا ما في ذلك من معان وأبعاد، وما يفرضه التّاريخ من مراحل تطوى وأخرى تتجدّد، ومن مواكب أجيال تترى في ساحات الأحداث، وتتسابق في حلبة الوجود والبقاء، وهي في ذلك قد تكون متفطنة واعية، أو غافلة ساهية. غير أن عجلة الزّمان لا تتوقف، ودارات المكان تتماسك حلقاتها وتنداح دوائرها يوما بعد يوم إلى المصير المشترك الذي قدّره الله تعالى للإنسانية جمعاء، والله من وراء كل ذلك محيط، لا تتغيّر سننه في خلقه مهما زيّنت لهم الأرض وظنوا أنهم قادرون عليها.
فإذا قدّر لنا -نحن الأحياء- أن نقف وقفة تأمّل واعتبار في معلم من معالم الطّريق، ونحن نغذّ السّير إلى الغاية التي قدرت لنا، فيجب علينا أن نتبيّن مواقع خطونا، ونقدّر الزّاد الذي بين أيدينا لمواصلة الطّريق حتى لا تنقطع بنا السّبل أو تزلّ بنا الأقدام. فأين نحن اليوم من جيل نوفمبر؟، سواء منهم من قضى نحبه أو من ينتظر؟ فإن ثلاثين عاما في حياة الجيل هي الحلقة الكاملة في سلسلة المجتمع البشري، وهي الفترة الزّمنية الضّرورية التي تتطلبها مسرحية الحياة في فصولها ومشاهدها المختلفة.
لقد بلغتم شأو زمنكم يا جيل نوفمبر. ففي ذمة الله الكريم تلكم الأرواح الزّكية من طلائع التّحرير والانعتاق، وعلى العهد والوفاء لله والوطن من بقي منهم من الرّفاق. وأنتم يا سليل جيل نوفمبر، ها هي الذّكرى الغالية لأسلافكم العظام تنتصب اليوم منارا تسيرون على نوره مهتدين، وقد آمنكم الله من خوف، وأطعمكم من جوع، وألبسكم حلل العزّ والفخار، فحرام عليكم أن تضلوا الطّريق، أو أن تتولّوا عنه مدبرين. فإن جراح العهد البائد لم تندمل بعد، وأن رواسبه لعميقة الجذور، فلا تقنعوا بالهيّن اليسير، فإن ذلك يميت روح الثّورة في النّفوس. ولا تتركوا الخلل في الصّفوف، فإن الذّئاب تتربّص، والعدوّ لا ينام عن ثأر. (1/178)
صفحة 179
فلتكن هذه النّشاطات التي نقوم بها في مناسبة هذه الذّكرى الغالية تعبيرا صادقا عما يجب أن نكون عليه وقد حملنا الأمانة، وتجسيدا لما تنطوي عليه نفوسنا من غالي الآمال وأشرف الأماني لمستقبل وطننا المفدّى. ففي مجالات العمل وميادين النّشاط يتبيّن المخلص من غيره: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التّوبة:105). وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
في الذّكرى الخامسة والعشرين للاستقلال الوطني.
تلاحمت ذكرى يوم العلم بالذّكرى الخامسة والعشرين للاستقلال الوطني. أقيم في مدرج المدرسة الأساسية ببلدة العطف حفل عظيم بالمناسبة حضرته السّلطات المحلية والأولياء وأفواج من تلاميذ الملحقات، فألقيت في آخر الحفل هذه الكلمات: وذلك ليوم 16 شعبان 1407هـ الموافق ليوم: 15 أبريل 1987م.
نحمدك اللّهم يا من نوّرت عقولنا بوحيك المبين، وأرسلت بالحق رسولك رحمة للعالمين، وأمرته أن يصدع فينا بما أمرته وأنت أحكم الحاكمين، وقضيت في كتابك بهذا الحكم المبين: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (الزمر:9)، اللّهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين. وبعد: (1/179)
صفحة 180
إخواني الأجلاء، أساتذة ومسؤولين وأولياء، أبنائي الأعزاء، يشرفني أن أقف موقفي هذا باسمكم جميعا لأعبّر عن خالص تشكراتنا وعظيم امتناننا لكل من لبّى دعوتنا للمشاركة في هذه التّظاهرة الحيّة الكريمة، إذ يحتفل فيها أبناؤنا بأغلى ذكرى يعتزون بها، وهم صنع أيديها وغراس تربتها الطّيّبة ذكرى يوم العلم الأغرّ. ولئن درجنا في السّنين الماضية على إقامة هذه التّظاهرة الثّقافية في مثل هذه المناسبة الخالدة، فإنها في هذه السّنة السّابعة والثّمانين بعد التّسعمائة والألف تكتسي أهمية بالغة، بما تحمله من شارات الفخر والاعتزاز وهي الدّرة الغالية في مهرجانات الذّكرى الخامسة والعشرين للاستقلال الوطني.
وإنه لجدير بنا -أيها السّادة الكرام- أن نقف هذه الوقفة التّأملية الفاحصة، لنستعرض منجزاتنا العظيمة في مجالات البناء والتّشييد، ونقدّر موقع خطونا بعد مسيرة استنفذت من عمر الأجيال ربع قرن. فإذا كان العلم والتّربية هما الدّعامتان الأساسيتان في نهضات الشّعوب، فإن الأمة التي تعطي الأولوية لهذا المجال وتسخّر له الشّطر الكبير من إمكانياتها البشرية والمادية لهي الأمة التي تستحق الخلود، ويضمن لها العزّ والتّمكين. وما نرى أمتنا الجزائرية -والحمد لله- إلا آخذه بهذه الأسباب، سائرة على هذا النهج القويم.
وما هذه المؤسسات التّربوية بكل ما سخّر لها من إمكانيات وهذه الأجيال المتلاحقة بكل ما تزخر به من طاقات، إلا دليل قاطع على أن أمتنا -بفضل الله- تسير على الطّريق الصّحيح، لتصل إلى ما تأمله في عزم وطموح.
إخواني الأعزاء، إن أمجادنا التّاريخية غنية عن التّعريف، وإن أصالتنا العربية الإسلامية قد استعصت عن التّحريف والتّزييف، ولم يكن رائد هذه النهضة المباركة وزملاؤه من العلماء، لم يكن مقتاتا دعيّا، ولا مجازفا غويّا، حين رفع عقيرته بالنّداء الخالد:
شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله ... أو قال مات فقد كذب (1/180)
صفحة 181
أو رام إدماجا له ... رام المحال من الطّلب
لقد أرسلها صرخة مدويّة في ليل معتكر الدّياجي، مطرّز الحواشي بالدّماء والدّموع. ولم تكن صرخة في واد أو نفخة في رماد كما ظنها المستعمرون، والإمعات المنخذلون، بل وجدت مستقرّها في النّفوس الأبية، ومستودعها في القلوب الزّكية، التي أمعنت فيها الشّدائد احتداما واشتعالا، حتى تفجّرت ليوم الخلاص جهادا وتضحية ونضالا.
فها نحن أولاء بعد ربع قرن من الزّمن، نستجمع أنفاسنا ونشحذ عزائمنا لمواصلة المسيرة، لا يثنينا عن قصدنا لغوب ولا نصب، إيمانا منا بأن الرّاحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التّعب. وفقنا الله جميعا إلى خير الأعمال، وأخذ بأيدينا إلى مزيد من الجدّ والنّشاط في تحقيق الآمال، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان شاعر الثّورة.
أقام فرع الشّبيبة الجزائرية لبني يز?ـن أسبوعه الثّقافي التّاسع تحت شعار: الذكرى العاشرة لوفاة شاعر الثّورة مفدي زكرياء. حضره جمع غفير وفي طليعته إطارات عليا من السّلطات المحلية والوطنية، وكثير من أساتذة الجامعة رفاق الشّاعر على درب الجهاد والنّضال. وقد خصّص يوم الجمعة 02 صفر 1408هـ الموافق ليوم: 25 سبتمبر 1987م. خصّص هذا اليوم للعطفاء، لما للشاعر فيها من الرّفاق والأصدقاء. فأعدت قاعة الحفلات ورواقها بالمدرسة الأساسية بالعطف، لإقامة جزء من نشاط المهرجان. وبصفتي مديرا للمؤسسة استقبلت الوفود وألقيت في مستهلّ الحفل هذه الكلمات. (1/181)
صفحة 182
نحمدك اللّهم يا من خلقت الإنسان وعلّمته البيان، وألهمته رشده بإنزال القرءان، ونصلّي ونسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، هدانا للإيمان، وأنقذنا من ظلمات الجهل، وحرّرنا من البغي والطّغيان، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان، وبعد: حضرات الإخوة المسؤولين على كل المستويات، حضرات الأساتذة المحترمين والضّيوف الأكرمين: طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
باسم السّلطات المحلية لمدينة العطف، وهيئاتها الاجتماعية، وجماهيرها الشّعبية، أرحّب بكم في هذه القرية الوديعة، وفي هذه المؤسسة الفتية، وحماة ثقافته الأصيلة، وروّاد فكره المتفتّح الطّموح. فانزلوا على الرّحب والسّعة، وتربّعوا على عرش القلوب فإنها في غمرة من الزهو والفرح لطلعتكم الميمونة، وفي رفرف من اليمن والسّعد لمقدمكم الكريم.
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا ... فدوسوا عليها لا تدوسوا على التّرب
وقمنا وللآذان منا إصاخة ... إليكم فهاتوا من حديثكم العذب
أيها الإخوة الكرام، إذا كانت العطفاء اليوم قريرة العين باستقبال هذه الوجوه النيّرة، فإنها مدينة في ذلك لفرع الشّبيبة الجزائرية في بني يز?ـن الذي كان له الفضل في إتاحة هذه الفرصة الطّيّبة لقريتنا، سيما عندما خصّصوا لها يوم الجمعة بالذّات، عيدا في السّماء وعيدا في الأرض، وعيدا من أعياد المسلمين والمسلمات. نشكرهم على هذه اللّفتة الكريمة، ونرجو لهم كل التّوفيق والنّجاح لأسبوعهم الثّقافي الذي نسقوه تحت شعار: "مفدي زكرياء شاعر الثّورة والنّضال". (1/182)
صفحة 183
هذا الشّاعر الفحل الذي أقرّ بعبقريته المشرقان، وغنّت بأشعاره جماهيرنا من شيوخ وشباب وولدان، إذ صاغ قصائده بذوب مهجته تشعّ نارا ونورا، وهو يحدو بها ركب الوطنية منذ انطلاقته في العشرينيات حتى الثّورة التّحريرية العارمة، ثم واكب ثورة البناء والتّشييد، وتوّج أعماله الفنية بإلياذته الخالدة التي تعتبر بحق نموذجا رائعا في الشّعر الملحمي، قصر عن شأوه شعراؤنا القدامى والمحدثون. فحسبه اليوم شرفا وفخرا أن يستقطب اهتمامات كثير من الدّارسين والباحثين في المشرق والمغرب، وأن يلقب عن جدارة بشاعر الثّورة والنّضال. وليس من غرضي في هذه العجالة أن أتطرّق إلى بيان الخصائص والميزات الفنية التي امتاز بها شاعرنا، ولا إلى الأغراض التي ندب إليها شعره، فذلك ما سوف نستمتع به في مختلف النّشاطات المبرمجة لهذا الأسبوع. ولكنني أغتنم هذه الفرصة السّعيدة لأقول لكل شبابنا الجزائري، وهو يتغنّى بأمجاد هذا الشّاعر الكبير، ويستلهم معاني العزّ والفخر من إنتاجه الجزل القويّ، أقول له: هكذا كونوا أو لا تكونوا. كن مثل مفدي في شهامته وإبائه، في غيرته وتفانيه في حبّ الوطن، في إقدامه وشجاعته، في نظرته المثلى إلى الوطن والدّين واللّغة والتّاريخ، في دعوته الصّادقة إلى الوحدة والتّآخي وإلى الوحدة والتّكامل في إطار المغرب الكبير وهو يقول:
إن الجزائر في الغرام وتونسا ... والمغرب الأقصى خلقن سواء (1/183)
صفحة 184
ثم في أمانيه الجامحة لكل ما يحقق العزة والكرامة للوطن الإسلامي الأكبر. لقد وهب حياته لهذه المبادئ السّامية والنّاس عنه معرضون، والمخذولون منه يضحكون، فلم يثن من عزمه ذلك، إيمانا منه أن الحقائق باقية وإن غشيت عنه الأبصار، وأن التّاريخ ينفي عنه الزّيف كما تنفي الخبث النّار. فيا شاعر الخلد، نم قرير العين إلى جوار ربّك، فإن الجيل الذي حدوت به في الملمات لا يسلمك أبدا، وإن الوطن الذي شدوت به في الفخر والمكرمات لا يخفر لك عهدا، ولا يضيع لك ودّا، ولا ينسى لك يدا. والسّلام عليكم ورحمة الله، والحمد لله ربّ العالمين.
تكريم المتقاعدين، من قطاع التّربية والتّكوين.
أقامت مديرية التّربية لولاية غرداية بمناسبة يوم العلم 16 أفريل 1994م الموافق ليوم: 05 ذو القعدة 1414ه أقامت حفل تكريم للمتقاعدين من الطّاقم التّربويّ والإداريّ وكانوا قرابة المائة، رجالاً ونساء. من الذين تقاعدوا في العشرية الأخيرة 1984/ 1994م. وكنت من ضمن هؤلاء. أقيم الحفل في قاعة المداولات لبلدية غرداية حضرته السّلطات المحلية والولائية ومديرو المؤسسات التّربوية. فقدمت لكل متقاعد هدية رمزية هي عبارة عن شهادة تقديرية بزخرفة بديعة في إطار زجاجي يحمل الصّورة الشّخصية للمتقاعد، مع مصحف للقرآن الكريم على قراءة الإمام ورش، وكتاب: المعجم الموضوعي لآيات القرآن الكريم، فألقيت في الحفل هذه الكلمات.
حمدًا لله الذي قسّم الأرزاق وقدّر الآجال، ووضع في خلقه سننا لتواصل الأجيال. نحمده حقّ حمده، ونستزيد من عونه وتوفيقه ورشده، سبحانه هو المنعم الكريم، والودود الرّحيم، ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد قدوة المربّين وإمام المرشدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:
فيا أيها الأحبة الأجلاء والزّملاء الفضلاء: السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/184)
صفحة 185
إنه لمن المواقف المحرجة، تلك التي يصبح فيها المرء في هالة من رفاقه يحفّون به كالملائكة الأطهار، وهم يخصّونه بالتّكريم، ويحتفون به إذا انتهى في مسيرة دربه إلى حيث تقضي عليه ظروف المهنة أن يلقي عصا التّرحال، بعد ما أخنت عليه السنون، ودبّ في أوصاله الضّعف والهزال. وأشدّ منها على قلب العاشق الولهان أن يؤذن له بالفراق ويحرم من لذة الوصال. إنها لمواقف تخرس فيها الألسن ويترك المجال لنجوى القلوب وخطرات النّفوس.
وكأني بكل واحد منا في موقفه هذا يردّد مع الشّاعر المهجري إيليا أبي الماضي هذه الأبيات اللّطيفة:
ما لقلبي يلجّ في الخفقان ... لا أنا عاشق ولا أنا جاني
أبتغي أن أقول شيئا فيعصيني ... لساني، والسحر تحت لساني
أنا كالطائر الذي اندفق ... السحر عليه فغص بالألحان
غلبتني عواطف الصّحب حتى ... صرت في حاجة إلى ترجمان
من أنا ما صنعت حتى تعصبوا ... بالتاج رأسي وأي شأن شأني
أنا من روضكم قطعت أزاهيري ... ومن بحركم غرفت جماني
إن أكن فرقدا فأنتم سمائي ... أو هزارا فأنتم بستاني
نعم، أيها الإخوة الكرام، والله لكأننا بلقياكم هذه قد لقينا شبابنا أيام كنا في غمرة النّشاط والبذل والعطاء؛ فما شعرنا بالسّنين كيف توالت، ولا أحسسنا بالتّعب والعناء، لأننا أحببنا العمل الذي هيأنا الله إليه في مجال التّربية والتّعليم، والتزمنا بأخلاقيات المهنة انضباطا وسلوكا لنكون قدوة للأجيال، إيمانا منا بثقل الأمانة في تكوين الرّجال، وأن العمل التّربويّ ليس مجالا لمتاع الدّنيا ولا لتأثيل الأموال. وكنا ننظر إلى تلامذتنا أنهم الكنز الغالي والمعدن النّفيس الذي نتعهده بالصقل والتّهذيب وبالتّزكية والنّماء، لأنهم النّبتة الطّيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء. ولا نخالكم -أيها الزّملاء الكرام- إلا وأنتم على هذا الدّرب سائرون، وفي نشاطكم دائبون، ولعهد الله والوطن راعون، سدّد الله خطاكم، وحباكم الصّبر والثّبات واليقين. (1/185)
صفحة 186
أيها الأحبة الكرام، لقد طوّقتم أجيادنا منّة لا تفنى، وحبوتمونا كرامة لا تنسى وشرفا لا يبلى. نرجو من الله العليّ القدير أن يوفقنا لنكون أهلا لذلك. ونحن في هذا الموقف المحرج لا نقارضكم ثناء بثناء، لأن ذلك يفسد ما في النّفوس من مودّة وصفاء، لكننا نعدّكم في مصافّ الأحبّة الأوفياء، ونزوّدكم بصالح الدّعاء أن يمتعنا الله جميعا في ما بقي من أعمارنا بالصّحة في الجسد، والصّلاح في الأهل والولد، والأمن والعافية في البلد، والسّعة في الأرزاق والوداعة في الأخلاق إنه مولانا ونعم النّصير.
في المهرجان الثّقافي للجامعيين.
يوم 05 ربيع الأول 1417هـ الموافق ليوم: 25 جويلية 1996م تمّ لقائي مع أعضاء مكتب الطّلبة الجامعيين لمدينة العطف وفي مقدمتهم الابنان: بكلي صالح بن بكير، ودادي حمو عمر بن يحي وذلك للتنسيق والتّشاور في تطبيق برنامج نشاطهم الثّقافي والفني والرّياضي الذي ينطلق بعد المولد النّبوي الشّريف. والواقع أن هذا اللّقاء كان استدراكا منهم لتقصيرهم في التّشاور مع الأعيان والعزابة. إذ كانوا قد انطلقوا في الإعداد، بإثبات الملصقات على الجدران، وتوزيع مطويات البرنامج قبل اتصالهم بنا. فوجهت إليهم عتابا لطيفا في الموضوع. ثم وعدتهم بحضوري عند انطلاقة المهرجان حيث ألقيت هذه الكلمات
حمدا لله العليّ الكبير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أدّبه ربّه فأحسن تأديبه فكان مثالا للخلق العظيم، وكان النّموذج الأعلى للإنسان الكامل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: (1/186)
صفحة 187
فإنه ليسعدني ويشرفني أن أكون من الذين استجابوا لحضور انطلاقة هذه التّظاهرة الثّقافية والفنية مما نسقه طلبتنا الجامعيّون، حرصا منهم على معرفة بعض من واقع النّاس في المجتمع الذي درجوا في أحضانه، ورضعوا من لبانه، وعاشوا في تقاليده وعاداته، ونعموا بعطفه وحنانه، واستفادوا من فضائل برّه وإحسانه. وإنني إذ أشكرهم على هذه الالتفاتة الكريمة، وأبارك مجهوداتهم الكبيرة في الإعداد والتّنسيق فلا يمنعني ذلك من النّظرة الفاحصة والنّقد البناء لما عساهم يتعثّرون فيه عند المواؤمة بين المثالية التي تكرسّها في أذهانهم حياتهم الدّراسية، وبين الواقع المعيش من النّاس وهم في معترك الحياة يتدافعون ويتنافسون. ولقد كانت لي مثلهم تلك الآمال العراض في تحويل مرارة الواقع إلى حلاوة المثالية، وظننت أن المسافة بينهما لا تستعصي عن الجادّ الطّموح، غير أن طبيعة العمران البشري فوق ما كنت أتصوّره، وتغيير أوضاع النّاس ليس بالأمر اليسير. وهؤلاء رسل الله هم قدوتنا في هذا المجال. والله تعالى يقول لرسوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمُ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} (يونس:46).
واسمحوا لي -أيها الأبناء- أن أنقل إليكم في هذا المجال أقوال أحد الرّوّاد الفطاحل في النّهضة الجزائرية المباركة الشّيخ البشير الإبراهيمي، وهو يحدو بركب الطّلاب بما هو الحكمة وفصل الخطاب إذ يقول: "إنكم يا أبناءنا مناط آمالنا ومستودع أمانينا. نعدّكم لحمل الأمانة وهي ثقيلة، ولاستحقاق الإرث وهو ذو تبعات وذو تكاليف، وننتظر منكم ما ينتظره المدلج في الظّلام من تباشير الصّبح. (1/187)
صفحة 188
يا أبناءنا، إن الحياة قسمان: حياة علمية وحياة عملية. وإن ثانية منهما تنبئ عن الأولى قوة وضعفا، وإنتاجا وعقما. وإنكم لا تكونون أقوياء في العمل إلا إذا كنتم أقوياء في العلم، ولا تكونون أقوياء في العلم إلا إذا انقطعتم له ووقفتم عليه الوقت كله. إن العلم لا يعطي القياد إلا لمن مهره السّهاد، وصرف إليه أعنّة الاجتهاد. لا تقطعوا الفاضل من أوقاتكم في ذرع الأزقة إلا بمقدار ما تستعيدون به النّشاط البدني، ولا في الجلوس في المقاهي إلا بقدر ما تدفعون به الملل والرّكود، ولا في قراءة الجرائد إلا بقدر ما تطلعون به على الحوادث الكبرى وتصلون به مجاري التاريخ.
يا أبناءنا: اتركوا المناقشات الحزبية والخلافات السّياسية لأهلها المضطلعين بها المنقطعين لها. ودعوا كل قافلة تسير في طريقها، وكل حامل لأمانة من أمانات الوطن مضطلعا بحملها قائما بعهده فيها، حتى تنتهي تلك الأمانات بطبيعتها إلى جيلكم، فتأخذونها بقوة واستحقاق. واعلموا أن كل من يدعوكم إلى ذلك إنما يدعوكم ليضلّكم عن سبيل العلم فهو مضلّ، وكل مضلّ مضرّ؛ أو ليتكثر بكم فهو غاشّ، وكل غاش ممقوت؛ أو ليلهيكم بما لا تحسنون عمّا تحسنون، فهو ماكر، وكل ماكر ممكور به. إن من يريد أن يتكثّر بكم لا يتكثر إلا ليقلّلكم، ولا يتقوى بكم حسّا إلا على حساب إضعافكم معنى. فالحذر الحذر؛ فإن الوطن يرجو أن يبني بكم جيلا قويّ الأسر، شديد العزائم، سديد الآراء، متين العلم، متماسك الأجزاء؛ يدفع عنه هذه الفوضى السّائدة من الآراء، وهذا الفتور البادي على الأعمال، وهذا الخمول المخيّم على الأفكار، وهذا الاضطراب المستحكم في الحياة، وهذا الخلاف المستمرّ على السّفاسف. فإذا جاريتم هذه الأهواء المتباينة، واستجبتم لهذه الأصوات المتناحرة، ضيّعتم على الوطن جيلا وزدتم في بلائه ومحنته وأطلتم مدّة المرض بتأخير العلاج. (1/188)
صفحة 189
لا يعذِلْكم في حبّ الوطن إلا ظالم، ولا يصرفكم عن إتقان وسائل النّفع له إلا أظلم منه. أنتم اليوم جنود العلم فاستعدّوا لتكونوا غدا جنود العمل.
إننا نعلم أنكم تنطوون في أيام الطّلب على خيالات وأماني من الرّاحة ورفاهية العيش، وعلى آمال فسيحة في المستقبل يوم تنتقلون إلى العمل، وتنتقلون إلى أهليكم تحملون الشّهادات والألقاب. وإن هذا هو منشأ القلق والاضطراب في نفوس الكثيرين من إخوانكم الذين يزاولون التّعليم الآن. فادفعوا عنكم هذه الخيالات، ووطنوا النّفوس على أنكم من البلاء والمجهدة في الحياة العملية أضعاف ما تلقون منهما في الحياة العلمية. لا أقول لكم هذا تهويلا، ولكن أقوله ترويضا، ومن وطن نفسه على المكروه هانت عليه الشّدائد، ووجد كل شيء ضاحكا جميلا محبوبا، ومن تخيّل الرّاحة وحكّم أخيلتها في نفسه، ثم كذّبته الآمال كان بين عذابين: أمضهما كذب المخيلة" (1).
أيها الأبناء، هذه صيحة أمينة من خيرة الرّوّاد، فهل تنفذ منكم إلى سويداء الفؤاد، أم هي صيحة في واد؟، فحذار أن تنكسر في جيلكم حلقة الاتصال، فتحقّ عليكم لعنة التّاريخ والأجيال!. وإن لكم من رصيدكم الحضاري ما تفخرون به إن عرفتموه حق المعرفة، فهو حاديكم إلى المكرمات، ورائدكم في اختراق الآفاق المستقبلية إن استلهمتم منه فنون الحياة، والحمد لله رب العالمين.
في افتتاح مهرجان ألفية العطف.
في يوم مشهود احتشدت له الجماهير من مدينة العطف ومن القرى الأخرى، وقد أخذت المدينة زينتها لتحتضن مختلف الوفود المدعّوة لهذه المناسبة التّاريخية الخالدة. وفي مقدمة الموكب معالي السّيد وزير التّربية الوطنية سليمان الشّيخ نجل شاعر الثّورة مفدي زكرياء، والسّيد معالي وزير الاتصال والثّقافة ميهوب ميهوبي والوفد المرافق لهما ثم وفد قطر الشّقيق يتقدّمه أحد أمراء قطر بصحبته بعض رجال الأعمال.
__________
(1) - عيون البصائر: جزء 02. (1/189)
صفحة 190
احتشد الكل في ساحة السّوق، وقد نسقت أبهى تنسيق تتصدرها منصّة لنشاط البلابل الرّستمية، والضّيوف يأخذون مقاعدهم على الأرائك المرتبة أمام المنصة ومن ورائهم جماعة العزابة وأعيان البلد والجمهور يقف في هالة بديعة تملأ فراغ السّاحة حتى أروقة الأقواس الدّائرة بها.
بعد الافتتاح الرّسمي ألقيت في الجموع هذا الخطاب ليوم 17 شعبان 1417هـ الموافق ليوم: 28 ديسمبر 1997م:
الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، ذرأنا في الأرض وقدّر الآجال والأعمار، سبحانه هو الله الواحد القهّار، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأطهار وبعد:
سعادة الإخوة الوزراء، معالي السّيد الأمير ومرافقيه، جناب السّيد الوالي ومرافقوه من المسؤولين والمدراء، ضيوفنا الكرام، أيها الإخوة المواطنون السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
على الرّحب حلّوا أجمعين على الرّحب ... فأنتم كرامٌ في حمى الله والشّعب
طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى ... وسرتم إلينا كالسّحائب في الجدب
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا ... فدوسوا عليها، لا تدوسوا على التّرب (1/190)
صفحة 191
فها ذي مدينة العطفاء تعانقكم وتحتضنكم احتضان الأمّ الرّؤوم لأبنائها البررة الأعزاء، تتحرق شوقا إلى لقياكم، وتهتزّ نشوى فرحا بمرآكم، وهي معتزة فخورة بحضوركم في مهرجان ذكراها الألفية، ومباركتكم لمسيرتها التّاريخية بين أحضان هذا الوادي الأمين، الدّرة الغالية على تاج هذا الوطن الحبيب. وهل أوسع من قلوب الوالدين عطفا وحنانا؟ وهل أنعم من أحضان الأمهات راحة واطمئنانا لفلذات الأكباد؟؟ فلتتبوأوا منها حنايا الصّدور، وأقيموا مكرّمين، إنها بلدة طيّبة ورب غفور. وحسبها طيّبة ونبلا أن تعمر عشرة قرون، بمجد أثيل وشرف مصون، وذلك من فضل الله عليها، وإلا فما قيمة ألف عام في عمر الكون: {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (الحج:47).
إخواني الأعزاء، إذا كان بعض النّاس يستعجلون الشّرّ ويجرّون الدّمار لديارهم بسوء أخلاقهم، فإن الدّيار التي تصمد أمام الضّوائق والأزمات، وتواجه كل التّحدّيات، هي تلك التي يتمتع أبناؤها بمتانة الأخلاق وحسن الطّباع يقول تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:117).
إنه لجدير بالعطفاء أن تعتز بأبنائها وتفخر بهم في مجال المكرمات، إذ عاشوا لصلاحها وعمرانها طيلة هذه الفترة من الزّمن. فنرجو -وهم يحتفلون بهذه الذّكرى الغالية- أن يواصلوا المشوار، بحبّ لقريتهم ووطنهم أعظم وأمكن، وأن يستشرفوا المستقبل بعزيمة أقوى وأشدّ، لأن هذه الوقفة التّاريخية الخالدة للعبرة والتّأسي قد وضعتهم في محكّ التّمحيص والاختبار، وعرفهم القاصي والدّاني في مجالات العزّ والفخار. والمثل يقول: يا ويح من أشارت إليه الأصابع ولو بالخير. ويقول الشّاعر الحكيم:
وخير النّاس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسبا جديدا
تراه إذا ادّعى في النّاس فخرا ... تقيم له مكارمه الشّهودا
ذ (1/191)
صفحة 192
وإن لهم من مآثر قريتهم الوديعة مجدا تليدا، ومن أمجادا وطنهم عزّا مكينا، فليربأوا بأنفسهم من أن يخيسوا بالعهد أو ينكصوا على أعقابهم مدبرين: {وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُومِنِينَ} (المنافقون:8).
أيها الإخوة الأعزاء، لئن استطاع الاستعمار البغيض أن يشوّه معالم حضارتنا الأصيلة في بعض حواضرنا، أو يفتننا في هوّية شخصيتنا بثالوثها المبارك: الإسلام والعروبة والأمازيغية، فإن هذه المنطقة الغالية من وطننا المفدّى قد ضربت أروع المثل في الصّمود والتّحدّي، إذ بقيت مأرزا لذلك الثّالوث لا تبغي عنه بديلا، ولا عرفت عن وجهته تحويلا. تنشئ على مبادئه أبناءها جيلا بعد جيل، وترسي بناءها على قواعده في كل مسلك وسبيل.
فلتستنطقوا كل ذرّة من هذا التّراب تجدوا فيه خير دليل. وما إقامة مثل هذه التّظّاهرات الوطنية إلا لتكون مجالات للتأمل والتّفكير، إذ تجسّد من أمجادنا ومآثرنا ما تتحقق به عودة الوعي ويقظة الضّمير، فما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الشّحنة الرّوحية لينتعش الأمل في النّفوس، فتنعم ببرد الرّاحة والاطمئنان، وتسعد بدفء الأمن والسّلام تحت راية وحدة الوطن وأخوّة الدّين والإيمان! فطوبى لكل من جعله الله مغلاقا للشّرّ مفتاحا للخير، من كل أخ مسؤول يوفّر لهذه الغاية أسبابها، وكل مواطن يلبّي داعية الخير، ويساند أصحابها وهكذا.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصّغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
فقد كانت هذه الذّكرى الغالية حلما يراودنا، ويعتمل في أعماقنا ولا يكاد يجد متنفّسا. وها هو اليوم حقيقة ماثلة نعيشها بكل جوانحنا، وإرادة مجسّدة نباركها بقلوبنا ونساندها بجوارحنا، ومن حولنا رجال لا ترهبهم المعضلات، ولا تثنيهم الصّعوبات، أنعشوا في النّفوس الأمل، ودفعوا جميع المواطنين إلى العمل، وتعهدّوهم بالمتابعة الميدانية بدون كلل ولا ملل. يقول الشّاعر الحماسي: (1/192)
صفحة 193
متى تملك القلب الذكيّ وصارما ... وأنفا حميّا تجتنبك المخارم
وما الصارم الذي نملكه في تحقيق هذا الحلم إلا صرامة مسؤولينا وعلى رأسهم السّيد الوالي، وهم يدبّرون شؤوننا في حكمة وأناة.
سعادة الإخوة الوزراء، جناب السّيد الوالي، نشكر لكم بعمق وحرارة هذه الالتفاتة الكريمة، ولا ننسى فضلكم علينا وأنتم الشّامة البيضاء في جبين هذا المهرجان، ورعاة هذه التّظاهرة العظيمة سار بذكرها الرّكبان.
وكل ما نملكه لكم هو عواطفنا النّبيلة ودعاؤنا الصّالح أن يمدّكم الله بعونه ويرعاكم في كنفه، وأن يبقيكم للدّين والوطن ذخرا، ولجزائرنا الحبيبة فخرا، والحمد لله ربّ العالمين.
في اختتام مهرجان ذكرى الألفية.
في يوم الخميس 22 شعبان 1417هـ الموافق ليوم: 02 جانفي 1997م كان جمهور العطف مع ضيوفهم الكرام على موعد لحفل الاختتام في ساحة السّوق بعد صلاة العصر. وما تزال السّاحة على تنسيقها وزينتها، والبلابل الرّستمية تضفي على الحفل بنغماتها جمالا ورونقا. وقد وزّعت الجوائز على المستحقين لها من كل مواطن أو هيئة أو جمعية شاركت بإخلاص لإنجاح المهرجان. فألقيت الكلمة الختامية باسم كل مواطني البلدة وهيئاتها.
الحمد لله ميسّر الأسباب ومذلّل الصّعاب، ما كان أعظم نعمته علينا، إنه هو العزيز الوّهاب. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله والأصحاب وبعد: جناب السّيد الوالي، ضيوفنا الكرام، أيها الملأ الكريم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/193)
صفحة 194
ها قد حققنا المنى وبلغنا الغاية من إحياء هذه الذّكرى -بفضل الله- وعند الصّبح يحمد القوم السّرى، فكم أعددنا لهذه الرّحلة من زاد، وكم استنهضنا الهمم للإعداد لها في كل ناد، والنّاس أزاءها بين تردّد وإشفاق، وبين حماس واستعداد، ولكن كيف أنتم من واقع أحداثها اليوم؟ وكيف تقيمون حصيلتها أيها القوم؟، لا شك أنه لا يستطيع عاقل أن يجحد الذي كان، ولا أن ينكر منصف عظمة هذا المهرجان. غير أن بعض النّفوس تتهيّب الإقدام إذ تبقى حبيسة الوساوس والأوهام، وصدق المتنبي حين قال:
كل ما لم يكن من الصّعب ... في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
أجل! لقد كان هذا المهرجان بمثابة المحك لمعرفة أخلاق الرّجال، عرك النّفوس ليجلي معادنها، ونحمد الله أن ذلك القليل من الزّيف قد جلته نار التّجربة، ونقاه التّمحيص الميداني، فإذا بجمهورنا الكريم يستجيب لنداء الواجب، وإذا بشبابنا يتجنّد غير متردّد ولا هائب فيسجّل في هذه الوقفة التّاريخية أروع الصّفحات. فلا عجب، فإن الشّباب أبو المعجزات كما قال الشّاعر إليا أبو ماضي في شأنهم:
فيا فرح القلب بالنّاشئين ... ففي هؤلاء جمال الحياة
هم الزّهر في الأرض إذ لا زهور ... وشهب إذا الشّهب مستخفيات
إذا أنا أكبرت شأن الشّباب ... فإن الشّباب أبو المعجزات ... ذ
حصون البلاد وأسوارها ... إذا نام حرّاسها والحماة
غدٌ لهم وغدٌ فيهم ... فيا أمس فاخر بما هو آت
ويا حبذا الأمهات اللّواتي ... يلدن النّوابغ والنّابغات (1/194)
صفحة 195
وإذا أثنيت على الشّباب فلست بمقلّل من شأن الطّبقات الأخرى من جمهورنا الكريم. فالكلّ قد تجاوب مع الحدث وعاشه بجوانحه وجوارحه حتى لكأن العطفاء في رفرف من الخلد صفّدت عنه الشّياطين، وبنورها إخوان على سرر متقابلين. وتلك -لعمري- إحدى خصائص أهل هذا البلد الطّيّب الأمين، صدْق في المودّة، ولطافة في المعشر، وإكرام للضيف، وإحسان للخلائق كلها. نرجو من مواطنينا أن يحافظوا عليها ويزيدوها ترسيخا وتمكينا، لأنها من أخلاق الإسلام، وهي القيم الخالدة على مدى الأيام: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} (النّحل:96).
أيها الإخوة المواطنون، إن لعظائم الأمور دواعي وأسبابا، وللمكرمات أهلا وأصحابا. والمولى تبارك وتعالى يؤقت لكل حدث موعده، ويؤهل لتحقيقه من يشاء من عباده، فطوبى لعبد جعله الله للخير وأجرى الخير على يديه. فأنتم المحظوظون -أيها الإخوة- بتحقيق هذه المبرة في تاريخ بلدكم بأن أبرزتم للناس مآثره وأمجاده في ماضيه وحاضره، فلا تقتنعوا بما بين أيديكم، لأن القنوع في مجالات الخير ربما ركبه الغرور فيركن إلى الخمول والفتور. وصدق الذي قال:
شباب قنّع لا خير فيهم ... وبورك في الشّباب الطّامحينا
فسوف تكرّ السّنون على هذه الأرض الطّيّبة؛ وتتعاقب الأجيال فتتحدث بمفخرة هذه الذّكرى، وتتخذها معلما رائدا في طريق مسيرتها، فسلام لكم وطوبى لكم في البدء والختام لهذا المهرجان، وهنيئا لكم بميلاد هذا العام الجديد، الذي نرجو أن يكون بشيرا بالهناء والعيش الرّغيد، وأن يكون طالعه ميمونا في ما نتمناه لشعبنا من الأمن والعافية والعز المكين. (1/195)
صفحة 196
وأنتم يا جناب السّيد الوالي (1) وأنتم أيها المسؤولون من سراة هذا البلد، ماذا عساه نقول لكم؟، وقد قيدتم أعناقنا بمنن لا تنسى وفضل لا يبلى. وماذا نقدمه إليكم في هذا الموقف الجليل غير هذه الأدعية الصّالحة أن يوفقكم الله لمزيد من صالح الأعمال، وأن يشدّ أزركم بالمخلصين من الأعوان والأوفياء من الرّجال. فقد تكرمتم بالنّفيس والغال، وضحّيتم بالرّأي والجهد وسخّرتم الأموال حتى تغدو العطفاء عروسا غالية في عرسها تسبي عيون النّاظرين، وتغري نفوس الوافدين. فجازاكم الله عنا أحسن الجزاء، وأنتم من قلوبنا في السّويداء. وسوف لا تنال من إجلالنا لكم ومحبتنا عوادي الزّمان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ اللّهم إنا نسألك حسن الخاتمة وجميل العاقبة، ونسألك اللّهم العفو والعافية، اللّهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، وتفرّقنا تفرقا مباركا معصوما، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
عتاب ونصح.
قدم هذا الرّدّ إلى مجلّة "الوحدة" التي يصدرها المكتب الوطني للشبيبة الجزائرية، بعد نشرها لمقال بعنوان "حقيقة أحداث بريان" وهو مشحون بأكاذيب وترهات ضدّ بني ميزاب لإضرام نار الفتنة أكثر. ولكن إدارة المجلة تعمّدت عدم نشره، مما يدلّ على مدى تورّطها في أحداث "بريان" المشؤومة. وهذا نصّ الرّد:
__________
(1) - هو السّيد: عثماني مختار الذي كان له الفضل في توفير الأسباب لإحياء هذه الذّكرى في كل مراحلها. (1/196)
صفحة 197
طالعتنا مجلّة "الوحدة" في عددها رقم: 476 الصّادر بتاريخ 09 أوت 1990م. ببيان تحت عنوان: "حقيقة أحداث بريان" ممضى عن أعيان ومشائخ المالكية ببريان. ففاجأتني طروحاته للمشكل النّكد الذي هزّ المنطقة وحيّر القاصي والدّاني، وولغ في حمأته العدوّ والصّديق، وبالأخصّ في الجزء التّمهيديّ من البيان الذي تناول فيه الكاتب خلفيات الصّراع في المنطقة من منطلق تصوراته وخلفياته الذّهنية. ولست أريد أن أجاري الكاتب في تلك الخلفيات لأناقشه بأسلوب العاطفة المذهبية أو العرقية، لأن ذلك لا يؤدي إلا لمزيد من المهاترات التي تؤجّج نار الفتنة، وتعمّق هوّة الصّراع، ولأنني مشفق على نفسي من وعيد الفتنة، غيور على ديني ووطني، أن ينال من شرفهما عدوّ متربّص أو متزعّم خؤون. ولذلك اخترت أن يكون تعليقي على البيان في شكل عتاب ونصح، وتحاشيت إضافة وصف المالكية للمشائخ والأعيان في العنوان. وإن اضطررت إلى ذكر الإباضية والمالكية في حديثي هذا فلأجل التّوضيح والبيان للقارئ الكريم، إذ ليس لهما في ذهني -بحمد الله- أية خلفيات ولا شبهات. غير أني سوف أنطلق في حديثي بصفتي من أبناء المنطقة الذين عاشوا تلك المعاناة الأليمة في أشكالها المختلفة أيام الاستعمار البغيض، وفي مرحلة الثّورة التّحريرية، ثم الاستقلال الوطني بكل أطواره إلى يوم النّاس هذا.
وأنا إذ أوضّح وأبيّن فإنني لا أستقي معلوماتي من رواة يكذبون أو يصدقون، ولا من هيئات تتجرّد أو تتعصّب، ولا من وثائق تنصف أو تتحيّز. بل أنطلق من واقع عشته لما يزيد عن نصف قرن كنت فيه ولا أزال في صميم الأوضاع وحلبة المواقف مربّيا للأجيال، وناصحا أمينا للجماهير. وشتان بيني كصحفي يدلي بتقريره من ميدان المعركة، وبين الذي يستند فيه إلى وكالات الأنباء ورواة الأخبار فأقول: (1/197)
صفحة 198
أوّلا: ليس في الخلفية العقائدية ما يشين بالإباضية أو المالكية أو غيرهما من المذاهب الإسلامية ما دام الكلّ يؤمن بالله ربّا وبالإسلام دينا وبالقران إماما وبالكعبة قبلة وبسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيئا ورسولا ويعتمد في أحكام فقهه على كتاب الله وسنّة رسوله، غير أن الصّراع السّياسيّ قديما وحديثا هو وحده الذي مزق الأمّة الإسلامية وجعلها شيعا وأحزابا تتصارع على متاع الدّنيا، وتطلب السّيطرة والغلبة بكل الوسائل الممكنة دونما تقيّد بأخلاقيات الدّين.
وما وصفنا بالخارجية على غير حقيقتنا التّاريخية وتصوراتنا الدّينية إلا إحدى تلك الوسائل الخسيسة التي سخّرت ضدّنا لمحاربة آرائنا التّحررية، وتحدّينا لأنظمة البغي والطّغيان. وها هي رياح الصّحوة الإسلامية المباركة تعفّى على آثار تلك العهود الكئيبة، إذ يحاول الباحثون المنصفون أن يصحّحوا تلك الأخطاء التّاريخية التي يجب علينا -كمسلمين- أن نبني حكمنا فيها على قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (البقرة:134). (1/198)
صفحة 199
ثانيا: اعتمد الكاتب في الأمثلة التي ساقها للخلفية العنصرية، اعتمد تطبيق المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت. إما عن جهل بالتاريخ ووقائعه، أو لقصد التّمويه والتّزوير. ولولا وجوب التّوضيح لتنوير الرّأي العامّ لما أبحت لنفسي أن تتسفّل إلى ذلك الحضيض بذكر إشاعات وأوهام كان يروّجها الاستعمار وأعوانه تطبيقا لسياسة فرق تسد. ولطالما عانى الميزابيون حيثما تقلبوا في البلاد بناء على تلك الأوهام، من أساليب التّحقير والإهانة لمجرّد أنهم ملتزمون بالسّمت الإسلامي في لباسهم ولحاهم. وعندما حمدنا الله بعودة الوعي الإسلاميّ لجماهير شعبنا، وأخذت تلك الظّواهر البغيضة تختفي وتزول، جاء من يعيدنا إلى تلك العهود المظلمة بالنّبش على تلك الافتراءات وخلق الشّبهات. وإلا فإن التّاريخ يشهد والواقع المعيش اليوم يسجّل أن لا أساس من الصّحة إطلاقا لما أورده الكاتب في تلك الأمثلة التي ساقها في الخلفية العنصرية، علما بأن المواقف التي يمكن أن تتخذ عند العقلاء النّزهاء ذريعة ولا سندا للحكم على المجموع. وقد علّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يجب أن نكون عدولا في أحكامنا عندما قال: «إن أعظم الناس عند الله فرية رجل هجا رجلا، فهجا القبيلة بأسرها». (1)
__________
(1) - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث عائشة، حديث 4742: 7/ 105. (1/199)
صفحة 200
وليسمح لي القارئ الكريم أن أقدّم إليه في هذا المضمار أمثلة من تجربتي الخاصّة، وهي نموذج لمئات المثقفين أمثالي من الميزابيين، سواء منهم المقيمون في المنطقة أو المنبثون في أرجاء البلاد، ممن نشأوا في أحضان الإصلاح الدّيني والاجتماعي الذي عاشته المنطقة منذ العشرينيات، إذ رضعنا لبان المعرفة في معاهد المنطقة وفي الجامع الزّيتوني بتونس، فلم نشعر يوما بغرابة، ولا وجدنا غضاضة في دراستنا على أساتذة مالكيين وحنفيين، ونحن نتلقى عنهم أحكام الفقه على المذهبين، ولا أحسسنا بنفور إلى جانب الطّلاب هنا أو هناك. بل احتضنت معاهدنا في المنطقة مئات من الطّلاب المالكيين، ودرسوا سويًا إلى جانب رفاقهم الإباضيين دونما تفرقة بين الواحد والآخر، ولا تمييز في الحقوق والواجبات، بل ولا إعنات لأحدهم في احترام الفوارق الفرعية للمذهبين حين يرفع هذا ويسدل ذاك.
فكيف يصدّق عاقل نزيه أن يمنع المؤمن أخاه المؤمن من بناء مسجد أو إتيانه لذكر الله.
وقد اعترف الكاتب نفسه أن تلك الظّاهرة -على فرض صحتها تاريخيا- أخذت تزول بعد الثّلاثينات، فهلاّ كلّف نفسه أن يسأل كبار الأعراش من المالكيين القدامى الذين استقروا في المنطقة من أمد بعيد، عن المساجد الخاصّة بهم في كل قرية، وعن الأراضي المخصّصة لهم لدفن أمواتهم، مَن وهبها أو باعها لهم غير الميزابيين، ومن أعانهم على رفع أركانها وأسوارها سواهم؟. (1/200)
صفحة 201
على أن هذه الإعانات من المحسنين الميزابيين لا تقتصر على مساجد المنطقة، بل تعمّ سائر المؤسسات الخيرية في كل أنحاء القطر. والشّواهد التّاريخية في هذا المجال أكثر من أن تحصى، والوثائق الرّسمية من عقود وشهادات ورخص إدارية تدحض تلك الشّبهات. ولولا خشية الرّياء لذكرنا الأشخاص والمبالغ المقدمة. أما قضية الأذان، وما أثير حولها قديما من مهاترات، فحسب جمهورنا الكريم دليلا على بطلان شبهتها ما يشاهده واقعيا في كل قرية أو مدينة يتواجد فيها الميزابيون ويتخذون لهم فيها مسجدا أنهم لا يبنون له مئذنة، ولا هم يؤذنون حتى في السّطوح اكتفاء بالأذان العامّ لتلك المدينة أو القرية، وحبذا لو طبق المسلمون هذه السّنة الحميدة، لوفّروا على أنفسهم كثيرا من الجهد المالي والبشري، ولتحاشوا كثيرا من التّناقضات والمهاترات.
وكم حزّ في نفسي ذلك الحكم القاسي بإضفاء النّظرة الاستعلائية وإتهام الميزابيين بعنصرية التّعامل، وأنانية التّبادل المنفعي بالأخصّ عندما يقصد بهذا الحكم أبناء بريان الذين ضربوا أروع المثل في التّفاهم والانسجام وحسن الجوار مع متساكنيهم، وذلك لفطرتهم السليمة وطبعهم اللّيّن وعشرتهم اللّطيفة. ولا أدلّ على ذلك من الوضعية السّكنية المتداخلة في أحياء المدينة للطائفتين، والعلائق الاقتصادية المتشابكة بمختلف أنواعها، بل وحتى بأواصر القربى والمصاهرة، ولا يجحد بذلك إلا كل ختار كفور. وبعد هذا هل يكون القارئ الكريم بحاجة إلى التّدليل على النّشاط الاقتصاديّ للميزابيين في كل أنحاء القطر، وعلى أمانتهم وصدقهم في التّعامل إلا من شذّ منهم في القليل النّادر؟.
وليس يصحّ في الأفهام شيء ... إذ احتاج النّهار إلى دليل
ودع عنك حكاية الأموات، وما نسج الكاتب حولها من التّرهات التي لا يصدّقها عاقل، ولا يردّدها أحد يحترم نفسه، لأنه ما في الموت من شماتة، وليس وراءه من مستعتب. (1/201)
صفحة 202
ثالثا: إن أخطر فرية تعمّدها الكاتب في الخلفية السّياسية -كما يتصوّرها في فهمه العليل- هي تلك الادعاءات التي نسبها إلى التّنظيم العزابيّ الإباضي حين اعتبره تنظيما سياسيّا خطيرا يشكل دولة تحت دولة -على حدّ تعبيره- ويدّعي أن هذا التّنظيم يطبّق في حق المالكية سياسة "فرّق تسد" ... إلخ.
ليتخلّص الكاتب من التّمهيد بتلك المقدمات الوهمية إلى اعتبار الصّراع الدّائر في المنطقة بأنه صراع بين المالكية والإباضية، حتى يستجيش بذلك عاطفة الإخوة المالكية خارج المنطقة بالزّور والبهتان، مطبقا في خطته ما نعاه هو على التّنظيم العزابيّ الإباضي من سياسة "فرّق تسد" بل مثيرا بذلك أسوأ النّعرات الجاهلية التي جاء الإسلام لمحاربتها، حين لمّح الكاتب بمكر وخبث إلى مقولة ابن خلدون؟.
وهنا يتساءل المرء في حسرة وأسى: أين هو الشّعور الدّينيّ؟ أو على الأقلّ الحسّ الوطني من كل هذه التّرهات والاستفزازات؟. وكيف يسوغ لمؤمن يعتقد أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور أن يتخذ من أولئك الصّالحين الأبرار من أئمتنا المجتهدين الذين جرى نسب الدّين على أيديهم، وقد استقوه من ينابيعه الصّافية من كتاب الله وسنة رسوله، كيف يسوغ أن نتخذ من أسماء هؤلاء ذرائع للتمزق والخلاف؟، ووسائل للتهييج والإغراء والإفتان؟. (1/202)
صفحة 203
ولولا رجاء دحض هذه الشّبهة لما علقت على هذه الخلفية التي أعتبرها أسفه ما ورد في البيان. ذلك لأن التّنظيم العزابي الإباضيّ، ما كان يوما في تاريخه الماضي أو الحاضر تنظيما سياسيًا بالمفهوم العصريّ الذي يغلب عليه الطّابع الميكيافيلي ويفصله عن روح الدّين وأخلاقياته، بل هو تنظيم اجتماعي محض يعنى بكل ما يضمن للمسلمين التزامهم وتطبيقهم للآداب الإسلامية، وفق ما أمرت به الشّريعة المطهّرة في حياتهم اليومية وسلوكهم الاجتماعي. وذلك بإذكاء الشّعور الدّيني، وإنماء الحسّ الإيماني في جانبيه الاعتقادي والعملي عن رضى وقناعة تطبيقا لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104). وهل يلام ربّ الأسرة إذا اجتهد في تربية أولاده وتنشئتهم على النهج القويم؟.
وما ذلك التّنظيم إلا أدنى وسيلة ترتكز على السّلطة الرّوحية في تنفيذ أحكام الشّريعة والحفاظ على تقاليد المجتمع وآدابه الإسلامية، عندما يفقد المسلمون السّلطة السّياسية الزّاجرة التي تحمي بيضة الدّين.
ولم تكن تلك السّلطة بأيدي العزابة، بل كانت بأيدي شيوخ القبائل وأعوانهم في التّاريخ القديم وعند القياد والباشغوات أيام الاستعمار البغيض. وليس الإباضية بمعزل عن المالكية في ذلك التّنظيم. ويا ما تعرّض العزابة للاضطهاد السّياسّي في تلك العهود الكئيبة! ... فأين ما ادّعاه البيان من احتكار الإباضية للحكم والنّفوذ السّياسّي في المنطقة على يد العزابة؟. (1/203)
صفحة 204
وحرصا منا على توضيح هذه الإشكالية من خلال الواقع المعيش اليوم نقول: إن الواقع السّياسّي والإداريّ اليوم في المنطقة يفنّد ذلك الادّعاء من أساسه. فمنذ الاستقلال الوطني، لم يعرف المواطنون في غرداية واليا ولا محافظا سياسيا، ولا مسؤولا عن الأمن إباضيًا، بل ولا حتى رئيس مصلحة في أبسط مستوياتها إلا ما قلّ وندر، ونحن إذ نبيّن ذلك لا نقصد به التّنديد على السّلطة المركزية لهذا الاختيار.
ولولا إرادة التّنوير للرأي العامّ بكشف الحقائق لما تعرضنا لهذه النّقطة وإلاّ فنحن لا نجد أية غضاضة في ذلك ما دام الكلّ جزائريين قد أهّلتهم كفاءتهم لتلك المسؤولية. وأما اتهامنا بالعرقية فباطل وهراء، إذ الجمهور الجزائريّ الكريم يعرف مدى تشبّتنا بالعروبة والإسلام حتى أولئك الذي ينزعون إلى العرقية.
وبعد، فلعلّ ما أوردته من الأدلّة والبيانات يعطي انطباعا صحيحا للقارئ الكريم على الواقع المعيش في المنطقة. فلا يسعه بعد ذلك إلا أن يردّ الحق إلى نصابه، ويعرف الحق لأربابه، فلا تستخفّه بعد ذلك أقاويل المغرضين، حتى لا يقع في حبائل الفتنة حين يحاول موقدوها أن يعطوا لها الطّابع المذهبيّ لتعمّ بلواها، ولا ينتفع من ذلك إلا أعداء الدّين والوطن. وإلا فبأيّ مبرّر نعلّل أحداثها الدّامية؟ وما هي الحجج الصّادقة لنتبيّن الظّالم من المظلوم عندما ندلي بها أمام المحكمة الإلهية إن كنا مؤمنين بها حقا؟، وكيف يحاسبنا ربّنا عن الأرواح التي أزهقت والأموال التي أتلفت، والنّفوس التي روّعت؟.
فلم تبق إلا وساوس الشّيطان وأعوانه ممن لا يراعون في إخوانهم في الدّين إلاّ ولا ذمّة. ألا فلنتق الله في عباده المؤمنين، وقد حكم علينا بأخوّة الدّين، وقضى علينا بالصّحبة والجوار فحرام علينا أن نخرّب بيوتنا بأيدينا، ونكون عبرة لأولى الأبصار. (1/204)
صفحة 205
ومرّة أخرى أهيب بأبناء المنطقة من شيوخ وشباب، وبكل مسلم غيور على دينه ووطنه أن نتصالح جميعا مع الله أوّلا حتى يذهب عنا نخوة الجاهلية، ومع أنفسنا -ثانيا- حتى تثوب إلى رشدها، ومع عباد الله حتى يسلموا من ألسنتنا وأيدينا، سيما في هذه الظّروف العصيبة التي تعصف فيها البلايا من كل جانب، وأعداء الإسلام يجلبون علينا بخيلهم ورجلهم، فإن لم نفعل فلا أمن لنا ولا استقرار، وما للظالمين من أنصار.
وأخيرا أدعوكم -يا أبناء وطني- إلى ما دعاكم الله إليه: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، فَإِن زَلَلْتُمْ مِّنم بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 208 - 209).
اللّهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، ولا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا بما فعل السّفهاء منا إنك على كل شيء قدير، إنك أنت مولانا ونعم النّصير.
العطف يوم: يوم 23 سبتمبر 1990م.
مرحى بالمجلس الأعلى للتربية.
بمناسبة انعقاد هذا المجلس الموقر في إحدى دوراته بمقرّ ولاية غرداية في يومين متتاليين تحت إشراف رئيسه السّيد عمر صخري وبالتنسيق مع السّيد الوالي الأخ عثماني مختار. بهذه المناسبة الطّيّبة زار الوفد مدينة العطف لمعاينة الثّانوية الجديدة وتدشينها وذلك ليوم الاثنين 16 رجب 1418هـ الموافق ليوم: 17 نوفمبر 1997م. وكنت ضمن المستقبلين للوفد أمام الثّانوية. وعند تناولهم للتمر والحليب ألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، أما بعد: (1/205)
صفحة 206
معالي السّادة الوزراء والوفد الكريم المرافق، جناب السّيد الوالي ومساعديه، الأخ السّيد رئيس المجلس الولائي، حضرات الأخوة المسؤولين والمواطنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب مسعاكم، ورعاكم الله في متقلبكم ومثواكم.
ها هي مدينة الألف عام، أمّ القرى وسليلة المجد والكرم تستقبلكم بشوق وتحنان، وتحتضنكم بحبّ ووفاء في هذه المؤسسة التّربوية الشّامخة الزّاهية وأنتم روّاد العلم والتّربية في هذا الوطن الحبيب؛ وأمله الوطيد في تزجية صفوف ناشئته إلى مراتب العظماء ومصافّ الأمم الرّاقية.
وإن اختيار هذه المؤسسة بالذّات لاستقبالكم في تراب بلديتنا الفتية له دلالته الخاصّة في تاريخ هذا البلد الطيّب الوديع. ذلك لأن الرّائد الأول الذي حمل مشعل العلم إلى هذه الديار من ألف عام مضى، وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي -رحمه الله- كان يعقد حلقته العلمية مع طلبته في هذا المكان بالذّات، وقد أقام أبناء البلد هذا المصلّى العريق تخليدا لاسمه وذكراه، وما أجدر بهذه المؤسسة أن تحمل اسمه إن شاء الله.
فها أنتم أولاء تنزلون حيث نزل، وتلقون من أحفاده كل الإجلال والتّقدير، وقد أعاد التّاريخ نفسه والعود أحمد -بإذن الله- فانزلوا في سويداء القلوب مكرّمين، وانعموا بالمقام الهنيء في هذا الوادي الأمين.
أيها الإخوة الأعزاء، جناب السّيد الوالي، لسنا نغالي إذا اعتبرنا هذه المؤسسة في قمة المنجزات التي حققتها ولايتنا الفتية، وأنها أثمن هدية حبتنا بها وزارة التّربية الوطنية. ذلك لأنها المحضن الحنون لفلذات أكبادنا، والمأرز الأمين لهم من عوامل التّفسّخ والانحلال، وسفاهات التّسيّب والإهمال.
فلطالما عانى طلابنا وتجشموا الصّعاب في تنقلهم بكرة وعشيّا إلى مؤسسات هناك خارج تراب البلدية، على شحّ في وسائل التّنقّل، وعزلة تامّة في فترات السّيول والأمطار. (1/206)
صفحة 207
فيا بشراهم اليوم بهذه المؤسسة العتيدة، وما أجدرهم بتحقيق مزيد من الفوز والنّجاح بعد أن كانوا السّبّاقين للمراتب الحميدة.
أيها الإخوة الأعزاء، لقد أضاف هذا البلد بمقدمكم الميمون لبنة غالية في صرح سؤدده وفخره بعد احتفاله بذكرى ألفيته، واستقباله الحارّ لفخامة رئيس الجمهورية، وقيامه بواجبه الوطني في الانتخابات المختلفة بإقبال وأمل فيّاض، أن يرفع الله عن هذا الوطن الجريح كابوس محنته ويكشف عنه السّوء، وقد أتمّ صرح مؤسساته الشّرعية ووقف صامدا شامخا أمام التّحديات الدّاخلية والخارجية، وبرهن مرّة أخرى للعالم أجمع أنه ذلك العملاق الذي تسري في كيانه روح نوفمبر، وتدفعه إلى مزيد من التّضحيات صرخة الشّهداء.
فها أنتم أولاء سليل أولئك الأماجد الأشاوس تأخذون المشعل لتبدّدوا سجف الظّلام الذي يحجب النّور على طريق مسيرتنا المظفرة. وأي ظلام أفتك بالشّعوب من ظلام الجهل والتّخلف؟، وصدق أمير الشّعراء حين قال:
إني نظرت إلى الشّعوب فلم أجد ... كالجهل داءً للشعوب مبيدا
الجهل لا يلد الحياة مواته ... إلا كما تلد الرّمام الدّودا
لم يخل من صور الحياة، وإنما ... أخطاه عنصره فمات وليدا
نعم أيها الإخوة، إن مجلسكم الموقّر -المجلس الأعلى للتّربية- هو المحضن الآمن لرعاية وليد استقلالنا الوطني، إذ لا يجد في غيره ذلك الحنان الأبويّ وتلك العاطفة الفطرية الرّحيمة التي توفّر له أسباب النّماء حتى يبلغ أشدّه. فقد ناوشته كثير من الأمراض، وتنفّس في جوّ لم يصف من شوائب التّلوّث. فأنتم الأساة الحكماء، وأنتم الآباء الرّحماء، وأنتم بحق قادة الشّعوب العظماء.
وإن شعبنا الكريم لينتظر منكم ما يشفي الصّدور ويطمئن الأسرة الجزائرية على مستقبل أبنائها في منظومة تربوية رشيدة تجمع بين الأصالة والعصرنة، وتزاوج بين مطالب الرّوح والجسد في تكوين الرّجل الجزائريّ السّليم. وفقكم الله إلى الرّأي السّديد والقرار الرّشيد. (1/207)
صفحة 208
فباسمي وباسم الهيئة الدّينية الموقرة، ومن خلالها كل الهيئات الاجتماعية لهذا البلد الطيّب أقدّم إليكم أغلى التّهاني وأطيب التّمنيات. راجين لكم طيّب المقام بيننا، والتّوفيق والنّجاح في الأعمال، والحفظ والسّلامة في الحلّ والتّرحال، والسّلام عليكم ورحمة الله.
أصلحوا أخطاء التّاريخ أيها المسؤولون.
لقد صدر عن مديرية التّكوين التّابعة لوزارة التّربية الوطنية كتيب يحمل عنوان: التّكوين الخاصّ بأساتذة المدرسة الأساسية -الطّور الثالث- في إطار الجهاز المؤقت -تكوين عن بعد- في مادة "التّاريخ" حيث قرّر المؤلفون أن الإباضية "خوارج" ولزوهم في قرن واحد مع الفرق الأخرى المتطرفة، ليستروح القارئ من خلال عرض أفكارهم ومبادئهم أنهم ضالون خارجون عن جادّة الدّين.
وقد عظم هذا الأمر على أساتذتنا ومشائخنا، فكتبت ردود مقنعة لمديرية التّكوين، غير أن أعضاء مجلس "عمي سعيد" رأوا من الأفيد أن يوجهوا تقريرا إلى السّيد وزير التّربية مباشرة يحتجّون فيه على صدور مثل هذا الكتاب الذي تنجرّ عنه مشاكل وتعسفات ضد جماعتنا. فتكفّلت بإعداد ذلك التّقرير ليعرض على المجلس في جلسته المنعقدة يوم الخميس 03 ذو الحجة 1420هـ الموافق ليوم: 09 مارس 2000م.
وبعد إمضاء الشّيخ عدون عقبه يبعث إلى الوزارة المعنية، ونسخة منه إلى رئاسة الجمهورية مرفقة برسالة إلى الرئيس. وجاء في التّقرير:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أعضاء مجلس عمي سعيد ... إلى معالي السّيد وزير التربية الوطنية
الهيئة العليا لعزابة وادي ميزاب ووارجلان ... الجزائر
ولاية غرداية
معالي السّيد الوزير: (1/208)
صفحة 209
تحياتنا الطّيّبة لكم، وفقكم الله وأعانكم في مهمّتكم النّبيلة، وبعد: فنحن -أعضاء مجلس عمي سعيد- المجتمعين في المقرّ الرّسمّي للمجلس ببلدة غرداية ليوم الخميس03 ذو الحجة 1420هـ الموافق ليوم: 09 مارس 2000م. قد منينا بصدمة كبرى لما نشرته مديرية التكوين التّابعة لقطاعكم في كتيب يحمل عنوان: "التكوين الخاصّ بأساتذة المدرسة الأساسية، الطّور الثّالث"، في إطار الجهاز المؤقت -تكوين عن بعد- في مادة التّاريخ، الإرسال الأول في جويلية 1999م. ويقرّر هذا المؤلف أن الإباضية خوارج، ومن خلال عرضه لأفكارهم يستشفّ القارئ المضامين التّالية:
أ) - الابتداع في الدّين والخروج عن جادّته.
ب) - تكفير المخالفين لهم في الرّأي واستحلال دمائهم وأموالهم.
جـ) - الخروج والتمرّد على السّلطة الحاكمة وقتالها لأنها باغية.
وبدون أي تحقيق علمّي وموضوعي يُلزّ الإباضية في قرن واحد مع الخوراج الغلاة، من الأزارقة والصّفرية والنّجدات في تكفير مخالفيهم واستحلال دمائهم وأموالهم، بينما واقعهم التّاريخي قديما وحديثا يشهد على خلاف ذلك، لو كلّف المؤلفون أنفسهم عناء البحث والتّمحيص في مصادر الإباضية ومصادر غيرهم ممن توخّوا المنهجية العلمية والأمانة التّاريخية وهي متوفرة وفي متناول أيدي الجميع.
معالي السّيد الوزير، ليس من غرضنا في هذا البيان المختصر أن نتصدّى للردّ عما ورد في الكتاب المذكور من آراء وأحكام، فلذلك مجالاته ورجاله المختصّون ولا شك أن المديرية قد تلقت بعضا من تلك الرّدود. ولكننا وبصفتنا حماة للفضيلة، ورعاة لبيوت الله عمارة وإرشادا، ونحن حريصون على تركيز الأخوّة الدّينية والوحدة الوطنية، نعبّر لكم بصدق وإخلاص عما منينا به من خيبة وإحباط، ذلك لأن هذا الخطأ الفادح لم يصدر عن جهة غير مسؤولة، بل صدر عن قطاع رسمي حسّاس، يعتبر في قمة الصّرح الوطني بتكوين الأجيال. (1/209)
صفحة 210
وكيف لا نتخوّف ولا نشفق ونحن نسمع هذه النّغمة النّشاز ضدّنا، والتي لم نسمعها بذلك الطّرح العجيب حتى في عهد الاستعمار البغيض، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى رأب الصّدع ولَمِّ الشّتات وتضميد الجراح وقد أثخنتها الفتنة العمياء، إذ تنادى أبناء الوطن الأوفياء، وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهورية الأخ عبد العزيز بوتفليقة وفقه الله وأعانه، تنادوا جميعا إلى الوئام المدنيّ والمصالحة الوطنية.
معالى السّيد الوزير، إذا كان في التّاريخ عبرة لأولى الألباب، وأعظمها تلك التي تبيّن للأجيال أسباب القوة وأسباب الضّعف في حياة الأمم، فإنه يكون من الخطأ الفادح أن نكرّس أسباب الفرقة، ونقدح زناد الإحن والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، بتأجيج المهاترات السّياسية والصّراعات المذهبية-وقانا الله شرّها- وإننا بهذا البيان الجماعي لعزابة وادي ميزاب ووارجلان، نحمّلكم المسؤولية التّاريخية أمام الله وأمام الوطن والأجيال، في كل ما يمكن أن ينجرّ عن مشروع ذلك الكتاب إن أصبح في متناول المؤسسات التّربوية.
فباسم الله الواحد القهار، وباسم شهدائنا الأبرار وباسم الوطن المفدّى وأبنائه الأحرار، وباسم مجلسنا الوقور -عمي سعيد- الذي يعدّ مفخرة للجزائر في المعرفة والثّقافة، باسم هؤلاء جميعا نهيب بكم -سيادة الوزير- أن تدرأوا الخطر المتوقع من نشر هذا الكتاب، وتنصفوا الحقائق التّاريخية أزاء جماعتنا التي تعتز بأصالتها الوطنية الجزائرية.
ونحن واثقون كل الثّقة من حسّكم الدّيني والوطني والإنساني وفقكم الله وسدّد خطاكم، وأبقاكم ذخرا للدّين والوطن والأجيال. والسّلام عليكم ورحمة الله.
رئيس المجلس: شريفي سعيد.
نسخة إلى:
- السّيد: فخامة رئيس الجمهورية.
- السّيد: رئيس الحكومة.
- السّيد: وزير الشّؤون الدّينية.
الرسالة المرفقة.
بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أعضاء مجلس عمي سعيد ... إلى فخامة السّيد: (1/210)
صفحة 211
الهيئة العليا لعزابة ... رئيس الجمهورية الجزائرية
وادي ميزاب ووارجلان ... الأخ عبد العزيز بوتفليقة
فخامة السّيد الرّئيس:
تحياتنا الخالصة لكم ودعواتنا الصّالحة -حفظكم الله ورعاكم- وبعد: فيسعدنا -نحن أعضاء مجلس عمّي سعيد- الهيئة العليا لعزابة وادي ميزاب ووارجلان. ونحن مجتمعون في المركز الرّسمّي للمجلس في غرداية ليوم الخميس03 ذو الحجة 1420هـ الموافق ليوم: 09 مارس 2000م.
يسعدنا أن نوّجه إلى فخامتكم نسخة من التّقرير الذي وجّهناه إلى معالي السّيد وزير التّربية الوطنية في شأن مشروع الكتاب الصّادر عن مديرية التّكوين لأساتذة التّعليم الأساسّي، محتجّين فيه على الاتهامات التي ألصقت بجماعتنا -الإباضية- ظلما وافتراء، إذ أقحمنا المؤلفون ضمن فرق الخوارج الغلاة الضّالة ممن يكفرون مخالفيهم ويستحلّون دماءهم وأموالهم. والأدهى من ذلك أن تلقن تلك الأفكار الخاطئة المغرضة لأبنائنا في المدارس تكريسا للفتنة وتمزيقا للوحدة الوطنية.
فخامة السّيد الرّئيس: نحن على ثقة تامّة بحكمتكم وحسن تدبيركم لشؤون البلاد، وبإخلاصكم وتفانيكم لإطفاء نار الفتنة وترسيخ الوحدة الوطنية.
ومن موقفنا الجماعيّ هذا نجأر إلى الله بالدّعوات الصّالحة لكم أن يحفظكم ويثبت خطاكم. وأملنا فيكم وطيد أن ترشدوا المصالح المعنية في وزارة التّربية الوطنية لتصحيح ذلك الخطأ وإنصاف واقعنا التّاريخي ماضيا وحاضرا. وإنا لنحتكم إليكم في ذلك –وأنتم القاضي الأول في البلاد- راجين منكم القول الفصل والحكم النّزيه-نصركم الله ووفقكم- والسلام عليكم ورحمة الله.
رئيس المجلس: شريفي سعيد عدون
في ذكرى الإمام البكريّ. (1/211)
صفحة 212
كان ذلك في الأيام الدّراسية الثّلاثة: 07 - 08 - 09 محرّم 1423 الموافقة للأيام: 21 - 22 - 23 - مارس 2002م رافقني بعض الإخوة إلى "بريان" صبيحة يوم الخميس 07 محرم 1423هـ الموافق ليوم: 21 مارس 2002م. لنشارك في افتتاح مهرجان الشّيخ البكري، وقد توسّط فضيلة الشّيخ عدون منصة الشّرف كما التحق السّيد والي الولاية الأخ بوضياف عبد المالك. ورئيس المجلس الشّعبي الولائي الأخ السّيد فخار محمد. وقد نسّق هذا المهرجان تحت رعاية السّيد وزير الشّؤون الدّينية والأوقاف الشّيخ عبد الله غلام الله.
ولم تكن هذه الكلمة مبرمجة. ولكن الأخ عبد الوهاب أرادها أن تكون مع كلمة الشّيخ عدون. لأن المحاضرة التي أعددتها لم يبرمج إلقاؤها في المهرجان. نظرا لكثرة المحاضرات. ولكنها سوف تدرج ضمن الكتاب الذي سوف يصدر في هذا الشّأن.
تبارك الذي جعل في السّماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل اللّيل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وهو الذي يصطفي من عباده من يشاء، ويزيدهم بإضافتهم إليه شرفًا وتقديرًا، نحمده تعالى ونستنزل رحمته لمن سبقونا بالإيمان ونصلّي ونسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
مشائخنا الأجلاء، إخوتنا الفضلاء، مسؤولين وأساتذة وأبناء، لقد تداعينا من كل حدب وصوب إلى هذه البلدة الطّيّبة لنشارك بفخر واعتزاز في هذا المهرجان الكبير لإحياء ذكرى رمز من رموز العروبة والإسلام في وطننا المفدّى. ذكرى الشّيخ البكريّ -طيّب الله ثراه- وكفى بلدة "ريّان" فخرا وشرفا أن تحتضن رفاته الطّاهر، كما تحتضن الصّدفة الجوهرة الثمينة، فليستبق الغوّاصون إلى استخراجها من الأعماق، فهي كما براها خالقها تنتظر الجلاء والانعتاق. (1/212)
صفحة 213
إنها لأيام مشهودة في تاريخ الأمم، تلكم التي تخصّص لتخليد رموزها وإبراز مآثرهم والإشادة بمجهوداتهم، ليكونوا عبرة للأجيال، ومعالم نيّرة على درب الكفاح والنّضال.
أيها الإخوة الكرام، كم من مواقف تكريم وقفتها على مسرح هذه البلدة الطّيّبة وفاء بحق أحد روّادها في النّهضة الإصلاحية، وكم من صيحات ردّدتها للإشادة بأحد أبنائها البررة دون منّ أو رياء، واليوم أجدني عييّ اللّسان مضطرب الجنان خائر الأركان أمام الطّود الأشمّ، لا أقوى على التّسلّق إلى قمته، إلا بحبل من الله أو حبل من النّاس، فاللّهم امددني بالقوة والعزم، وأنتم الحبل من النّاس -أيها العلماء والأدباء- فلتسخّروا جهودكم وآلياتكم للصّعود إلى القمة، وأنتم أهل العزيمة والهمّة. فكم في هذا الطّود من كنز ثمين، وكم في ثناياه من ذخر دفين، فلتنبشوا على مدّخراته، واكشفوا عن جواهره لترصّعوا بها جبين تراثنا هدى للبصائر وزينة للأبصار.
وما الشّيخ -البكري- رحمه الله إلا من أولئك الرّوّاد الأعلام الذين شقّوا لنا الطّريق ووضعوا المعالم، وركّزوا الإنطلاقة العلمية في هذه الرّبوع الطّاهرة بنور أبصارهم وعصارة أمخاخهم ودماء عروقهم. فها هي ذي المعالم واضحة، وها هي القافلة على الطّريق السّويّ. ومواكب الأجيال تترى منعمّة بفيوض العلم والمعرفة مؤطرة بمؤسساتهما العتيدة. فلله ما ضحّى به أولئك الأفذاذ من الرّجال، ولله ما تركوه من منجزات للأجيال. إنها لأمانة عظمى يجب أن نتقي الله فيها حتى لا تتعرض للزيغ والانحراف، أو للتسيّب والإهمال. فلا شكّ أن الصّرح الذي بنوه لم تبق فيه ثلمة، وقد رجعوا إلى ربّهم وهم على خلائفهم مطمئنون، بأنهم على آثارهم مقتدون. (1/213)
صفحة 214
فلنستنطق الأحداث -أيها الإخوة- ولنقيّم أوضاعنا اليوم لنعرف مدى الحصانة التي يتمتع بها جسم مجتمعنا، وهل جهاز مناعته ما يزال حصينا أمام عفونة الفيروسات الضّارّة؟. ولا شكّ أن بيئتنا الطّاهرة أصبحت كغيرها تعاني من التلوّث البيئي ما لا تستطيع أن تغالب أدرانه إلا بعد جهد جهيد، وتخطيط جديد، ولا تقوى على مقاومتها إلا بعزم من حديد.
أيها الإخوة الكرام، إن الوفاء لأئمتنا ومشائخنا لا يتحقق بتنميق الأحاديث وتنسيق الخطب والكلمات، أو برفع الشّعارات وتعليق اللافتات للإشادة بأمجادهم لأن حبّهم في سويداء القلوب، وذكراهم العطرة لا تمحوها الأيام والخطوب. بل لا يكون وفاؤنا لهم إلا بالمصابرة والمرابطة في اقتفاء آثار جهادهم، ومتابعة المسيرة إلى أهدافها السّامية، وكل إخلال بوتيرة المنهج التّربويّ والإصلاحي في العمل البنّاء، يكون خيانة للأمانة تستحق لعنة الأجيال، وتعرّض وحدتنا للتفكّك والانحلال. فلتكونوا أخلافا أوفياء أولا تكونوا.
وأنت أيها الشّيخ الجليل، لكأني بروحك الطّاهرة ترفرف على هذا المهرجان مطمئنة إلى جوار ربّها، وتبارك هذه المبادرة وتنادينا أن اتقوا الله وسيروا على نهج الصّالحين، وتشدّ من عزمنا في النّائبات بما جاءت به الآيات: {وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ} (آل عمران:139). وها أنا ذا في مقامي هذا ألتفت إلى الماضي القريب وأنت شاهد على القرن، لأذكّر أجيال القرن الحادي والعشرين ببعض مواقفك الخالدة، تأسّيا ببعض مفاخرك ومآثرك، علّهم يتشبّهون إن لم يكونوا أمثالكم. (1/214)
صفحة 215
فإن كنت أمثل اليوم جمهور بلدتك -وهي لك الأمّ الحنون- وفي قمة هرم مجتمعها حلقة العزابة، فإنني لا أنسى ذلك اليوم المشهود الذي كنت فيه الوسيط الوفيّ لدى الأسلاف من عزابتنا الكرام لينخرط الفوج الأول في سلك الحلقة سنة 1958م لتطعيمها بدم شابّ جديد، دفعا لوتيرة الإصلاح والتّغيير، وتماشيا مع مقتضيات العصرنة والتّطوير.
فأية قوة استطعت أن تدخل بها تلك القلعة الحصينة؟، إنها النية الصّادقة والقصد النّبيل، حزت بهما الرّضى والقبول. وإن أنس لا أنسى مسعاك الخيّر في أوائل الاستقلال الوطني، إذ توليت إصلاح ذات البين لحلقتي المسجدين، بعد نفور وملاحاة استمرت لما يقرب من عقدين، ذاقت قريتنا فيهما الأمرّين. فقد كنت الوسيط الوفي في السّفارة الرّشيدة، والأريب الذّكيّ في المساعي الحميدة. وكنا نرتقب النتائج في حذر وإشفاق، إلى أن رتق الفتق وتمّ الوفاق.
فرحم الله تلك النّفوس، وأسكنها جنان الفردوس. فقد التأم الجرح وتماثل جسم مجتمعنا للشفاء، وكنت النطاسيّ الخبير في تشخيص الدّاء ووصف الدّواء، ولا تزال وثيقة الصّلح التي حررتها بيدك المباركة شاهدة لك بالخير والبركات، وكل تال لها يستنزل لك من الله الرّحمات. ولئن عمّت البلاد أنوار بدرك السّاطع، فإن العطفاء تعتز بأن كان في أفقها مطلعك، وخلال ديارها مربعك. وهي في اعتزازها تتمثل بقول المتنبّي:
كالشّمس في كبد السّماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... جودا ويبعث للبعيد سحائبا
فنم إلى جوار ربّك قرير العين، منعّما مع الصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، والحمد لله ربّ العالمين.
أهلا بأساطين التّربية والتّعليم. (1/215)
صفحة 216
عقدوا ملتقى للمذاكرة وتبادل المعلومات المستجدّة في تدريس مادة "الرّياضيات" أساتذة ومفتشين ومعهم بعض الأساتذة الفرنسيين. وقد جمعهم المركز الجهوي لديوان الامتحانات والمسابقات بغرداية في نحو ثمانين أستاذا.
نسّقت لهم زيارة ليلية إلى العطف نظمت البلدية تظاهرتها ليوم الإربعاء 08 رمضان المعظم 1423هـ الموافق ليوم: 13 نوفمبر 2002م. استقبلهم أعضاء إدارة النّهضة وبعض الأعيان والأساتذة في فناء المدرسة. بأناشيد وكلمات التّرحاب والتّعريف بالمؤسسة ثم زاروا المتحف البلديّ على مدخل البلدة. وفي دار "أولاد باكة" أقيم حفل شاي على شرفهم في تنسيق بديع حيث ألقيت فيهم هذه الكلمات باسم الهيئات الاجتماعية للبلدة. وذلك بعد كلمة التّرحاب من طرف البلدية، فقلت:
الحمد لله الذي خلق الإنسان علّمه البيان، وقدّر حياته في إطار الزّمان والمكان، فجعل الشّمس والقمر بحسبان، سبحانه وحده لا شريك له، جلّت قدرته وعظم سلطانه. ونصلّي ونسلم على سيّدنا محمد وهو المعتز بأنه بعث مربيّا ومعلما. وارض اللّهم عن آله وصحابته الأطهار، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: حضرات الإخوة الكرام: رفقاء الدّرب وزملاء المهنة، مفتشين وأساتذة، حضرات الإخوة المسؤولين: السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، تقبل الله صيامكم، وبارك مسعاكم ورعاكم في متقلّبكم ومثواكم.
ما أسعد مدينة الألف عام -العطفاء الوديعة- أن تستقبلكم بين أحضانها مبتهجة فخورة، وأنتم الصّفوة المختارة من الأبناء الأوفياء لهذا الشّعب الكريم، والنّخبة الممتازة في مجالات التّربية والتّعليم. تستقبلكم بحنان الأمّ الرّؤوم، وتحتضنكم بحرارة المتيم الولهان، إيمانا منها بتكريم الرّحمن لذوي العلم والعرفان. إذ قال جلّ من قائل: {يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11). وإحساسا منها بعاطفة أمير الشّعراء حين قال: (1/216)
صفحة 217
قم للمعلم وفّه التّبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي ... يبني وينشئ أنفسا وعقولا؟.
نعم-أيها الإخوة- أي النّاس أولى بالتّبجيل والتّقدير، وأحظى منزلة عند الله والنّاس من الرّسل الكرام، وأنتم ورثتهم؟. وأيّ مهمّة هي أنبل وأشرف من مهمّة تربية الرّجال، وتزجية صفوف الأجيال؟.
فاسألوا بذلك خبيرا أمامكم أخنت عليه السّنون، وقد ألقى عصا التّرحال، بعد مسيرة أربعين سنة في هذا المجال، ولئن نالت من أمثالنا وطأة السّنين، فكأننا -والله- بحسن لقياكم هذه قد لقينا شبابنا، أيام كنا في غمرة النّشاط والعطاء، فما شعرنا بالسّنين كيف توالت، ولا أحسسنا بالتّعب والعناء، لأننا أحببنا العمل الذي هيّأنا الله له في مجال التّربية والتّعليم، والتزمنا بأخلاقيات المهنة انضباطا وسلوكا لنكون قدوة للأجيال، ورضى وقناعة بما قسم الله لنا من حظوظ الحياة، لأننا نؤمن بأن العمل التّربويّ ليس مجالا لمتاع الدّنيا ولا لتأثيل الأموال. بل كنا ننظر إلى طلابنا بأنهم الكنز الغالي والمعدن النّفيس الذي نتعهّده بالصقل والتّهذيب، ثم ندّخره للمستقبل البعيد والقريب.
ولا نخالكم -أيها الزّملاء الكرام- إلا وأنتم على هذا الدّرب سائرون، وفي نشاطكم دائبون، ولعهد الله والوطن راعون. سدّد الله خطاكم، وحباكم الصّبر والثّبات واليقين.
أيها الأحبة الأعزاء، إن في الصّدر لخطرات وفي النّفس تأمّلات أستسمحكم أن أدلي لكم عن بعضها، وإن كنت أعتقد أن الأحداث قد تجاوزتني، وأن ظروف اليوم غير ظروف الأمس. غير أن بعض الحقائق تبقى ثابتة راسخة مهما حاول النّاس تحريفها أو تزييفها. اسمحوا لي أن أقول لكم قولة إنصاف وتقدير بأنكم أنتم -أيها الزّملاء- قادة الشّعوب بحق. وقد أخطأ من يظن بأن هذه القيادة تنعقد على أرائك البرلمانات، أو في كواليس الإدارات، أو هي بيد الجيش في عنابر الثكنات. (1/217)
صفحة 218
كلا والله، بل إن زمام تلك القيادة بأيديكم لا ينازعكم فيها أحد، مهما تطاول في التّعاظم والادعاء. إنها في أقسام المدارس والمعاهد وفي مدارج الجامعات، وفي مجالات البحث والتّنقيب في المكتبات والمختبرات، وبين أيديكم ثمرات الأسر والنّتاج الطّيّب لهذا المجتمع يزكو وينمو وتتدافع أفواجه أمواجا هادرة هي النّبض الحيويّ لحياة البحر ومستودع خيراته.
ولا شك أنكم أهل لهذه الأمانة، وفي مستوى هذه الآمال.
فكونوا حائطا لا صدع فيه ... وصفا لا يرقّع بالكسالى
فباسمي وباسم الهيئة الدّينية الموقرة، ومن خلالها كل الهيئات الاجتماعية لهذا البلد الطّيّب أقدم لكم أغلى التّهاني وأطيب التّمنيات راجين لكم طيب المقام، والتّوفيق والنّجاح في الأعمال، والحفظ والسّلامة في الحلّ والتّرحال، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان الشّيخ أبي اليقظان بالقرارة.
نسقت جمعية الحياة بتعاون مع بلدية القرارة مهرجانا لإحياء الذّكرى الثّلاثين للشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان. دعيت إليه كوكبة من الأساتذة والدّكاترة، فشاركت فيه بهذه الكلمة التي ألقيتها بعد افتتاح المهرجان ليوم الخميس 27 مارس 2003م وقد رافقني بعض الإخوة وفدا عن العطف.
الحمد لله الذي ينير البصائر ويؤتي الحكمة من يشاء، ومن غيرته على دينه أن جعل العلماء ورثة الأنبياء. وشهد لهم بالهداية والتّوفيق فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ} (فاطر:28). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ومصابيح الظّلماء، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم الحساب والجزاء، أما بعد: (1/218)
صفحة 219
فيا أيها الإخوة المؤمنون، مشائخ وأساتذة وأدباء، أيها المواطنون الفضلاء، السّلام عليكم جمعيا ورحمة الله تعالى وبركاته. لقد اعترتني هزّة لا تخلو من حيرة وتساؤل، وأنا أتسلّم الإخبار بإقامة هذه التّظاهرة التي تذكّرنا برمز من رموزنا بعد ثلاثين عامًا من الغفلة والنّسيان والمتمثل في شخصية المرحوم الحاج إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان. ولكني سرعان ما ثبت إلى رشدي بعد أن استنطقت الواقع المعيش في وطننا عامّة، وفي منطقتنا خاصّة، لأتفحّص وضعية الثّقافة وحظّها من العناية والحرص، وتشجيع ذويها في مجال الإنتاج والإبداع. إذ وجدت -مثل الغيورين عليها- إهمالا وإسفافا، وتضييقا وإعناتا يخنق الأنفاس، ورعش الأيدي فلا تكاد تتصالح مع اليراع والقرطاس. لأن الثّقافة مثل الكائن الحيّ لا تكون لها صحتها ونضارتها إلا في البيئة النّقية التي تتوفر على وسائل النّماء والازدهار، وتتاح لها فرص الانطلاق والانتشار.
وإلا فخبّروني بربكم أيّ قيمة اليوم في مجتمعنا للأديب الأريب؟، وأيّ مكانة للعالم الحصيف أزاء الأصناف البشرية الأخرى ممن يحسن النّفاق والرّوغان ويتقن اللّفّ والدّوران، ويخوض مع الخائضين في كل ميدان؟، ألا ما أشقى المجتمعات التي تحابي الغش والرّداءة، وتجفوا لإبداع والإتقان!.
أيها الإخوة الكرام، شكرا وألف شكر للذين قاموا بهذه المبادرة الطّيّبة، فأنعشوا الأمل، وأنصفوا التاريخ، تذكيرا برموزه، وإحياء لتراث رجالاته. لأن الذّاكرة التّاريخية مهما علتها ركامات النّسيان، أو احتوشتها إبرة التّخذير فإنها تنتبه وتستفيق لألطف مسّ يجسّها، وأخفّ مسح يصقلها، فإذا بها تكشف المكنوز وتبشّ للطّالبين. (1/219)
صفحة 220
فها نحن بأزاء علم من الأعلام ونجم من نجوم تراثنا، تسامى في عليائه فلا يكاد يظهر للأبصار، لأن أرقى الكواكب ما استبان ضئيلا، إنّه شيخ الصّحافة المرحوم الحاج إبراهيم أبو اليقظان، فإذا كان القرن الماضي محطّة الانطلاق للنهضة العلمية والفكرية في العالم العربيّ والإسلاميّ عامّة، وفي وطننا العزيز خاصّة، فإن الشّيخ أبا اليقظان يعدّ في طليعة الفرسان، انطلاقا في حلبة ذلك السّباق، حكمة ورأيا وشجاعة وإقداما. لقد تحدّى الظّروف الصّعبة في تلك الحقبة التّاريخية والمستعمر الخؤون يتنمّر ويستأسد في مغربنا الكبير، ويعتبر الجزائر مقاطعة من مقاطعات الوطن الأمّ يفصلها البحر المتوسط، كما يفصل نهر "السّين" بين شطري باريس. وكانت الصّحافة العربية أعزّ من الكبريت الأحمر، بل هي العفريت الذي لا يفكّ إساره من القمقم إلا وهو مسخ من الرّطانة والتشويه، ولا تجد مجالا للإبقاء على الرّمق إلا في الكتاتيب والزّوايا بين المعلّم والفقيه. لقد كان جهاد الكلمة يومئذ أشدّ إحراقا من الشّهب على شياطين الاستعمار، وأمضى اختراقا من الرّصاص على قلوب الجبابرة الأشرار. فما طأطأ الشيخ رأسه أمام استجوابه في كل مرّة من طرف الجلاّدين، ولا فلّت عزيمته مصادرة مختلف العناوين، وهو يجدّدها في كل مرة إلى حين.
لقد شغف حبّا بالصّحافة حتى أصبحت قوام حياته مثل الهواء والماء. والإنسان إذا هام حبّا بشيء فهو لا يبالي بما يلحقه في تحقيق مراده من إرهاق وإعياء. فلنستمع إليه يتغنّى بها ويقول:
إن الصّحافة للشعوب حياة ... والشّعب من غير اللّسان موات
فهي اللّسان المفصح الذّلق الذي ... ببيانه تتدارك الغايات
وهي الوسيلة للسّعادة والهنا ... وإلى الفضائل والعلا مرقاة
هي معرض الأعمال برهان على ... مقداره، بل إنها المرآة (1/220)
صفحة 221
حقا، لقد قدّم لهذا المنبر الحرّ عصارة فكره وحشاشة روحه دونما يأس ولا قنوط، ولا كسل ولا ملل في سبيل بلاده التي أشربها حبّا لا تزحزحه التّحدّيات، ولا تنال منه المغريات، ولا تحدّ من أفقه ضيّق التّصوّرات وهو يعبّر عن ذلك ويقول:
إن خلت شمسا قلت: بلادي ... أو طلّ بدر قلت: بلادي
أو لاح نجم قلت: بلادي ... أضناني حبي لبنت الكرام
ذ
وهو يرى كل بلد عربّي مسلم وطنا له لا تعزله الحدود، يعيش واقعه سرورا واستبشارا بمنجزاته وانتصاراته، أو ألما وتحسّرا لضوائقه وانكساراته. وقد شاءت حكمة الله أن يواكب كل التّطوّرات الكبرى خلال القرن الماضي ليصبح أحد الحداة المرموقين في موكب الإصلاح والتّغيير، على ما في الطّريق من أشواك وخنادق لعرقلة السّير. فآثر أن يكون في صميم الحركة الوطنية تأسيسا ودعاية وتنظيما إن في الحركة الدّستورية بتونس أو في جمعية العلماء بالجزائر، فلا عجب أن يرصده المستعمر الخؤون أيام نشاط الحركة الوطنية، قبل الحرب العالمية الثّانية وخلالها. وكم هو شديد على الأحرار أن لا يجدوا متنفّسا لما يعتلج في نفوسهم من العواطف والمشاعر. فكم كانت أنات الشّيخ أليمة عندما كمّت الأفواه ورصدت المنابر الحرّة بمواقف وقرارات رسمية يتفنّن الاستعمار في كل مرّة ويتعلّل في إصدارها فلنستمع إليه يتذمّر من تلك الوضعية ويقول:
فلقد غدونا في زمان من يرم ... فيه الكلام يكن من السّفهاء
ويعدّ رفع الصّوت فيه تظلّما ... هو من أخسّ كبائر الفحشاء
ويحاكم القلم البريء به لما ... يبدي من الإبداع في الإنشاء
إلى أن يقول:
حقا لكلّ جزائريّ عاقل ... مرّ البكا بمناحة البلواء
هذي صحافته لسان بلاده ... ماتا شهيدة عزّة وعلاء
وبموتها موت الجزائر تابع ... قطعا بدون تجاهل ومراء (1/221)
صفحة 222
لقد أرسلها شيخ الصّحافة صرخات مدوّية على مسرح الأحداث، فلم تذهب مع الرّيح في واد، ولكنها زعزعت العمد والأوتاد، إرهاصا للثورة التّحريرية المباركة، التي قوّضت أركان الظّلم واقتلعت جذور الفساد. -فيا بشراه- لقد تحقق لبلاده المجد الذي طالما تغنّى به في كتاباته وأشعاره، رغم ما تعرّض إليه من الأزمات والضّوائق جعلته يخرّ صريعا مشلول النّصف خلال الثّورة، وقد حزّ في نفسه أن يبقى كالأسد الجريح يئن على وقع الأحداث ولا يستطيع حراكا. ولا يجد لذلك متنفّسا إلا أن يقول:
ألا يا ترى كيف الحياة ولي بها ... من الجسم شقّ واحد متداع
تحّطم من وقع الصّراع وكم غدا ... سنادا لصمصام الصّراع يراعى
ألا في سبيل الله مصرعه الذي ... أحيط بألطاف وحسن متاع
نعم! ... أيها الشّيخ الوقور. لقد صدقت في انطباعاتك استسلاما ورضى بقضاء الله وقدره، واحتسابا لما عنده من الأجر، في ما قدمته من جهد وما كابدته من صبر. فقد كنت تردّد على مسامعنا تلك العبارات، كلما زرناك في مختلف المناسبات. إذ تشكر الله على ما قدّره لك. وتحمده بإخلاص على حسن لطفه، إذ أبقى لك يدا تكتب وعينا تبصر فتقول لنا: حمدا لله فقد أخذ مني القليل وأبقى الكثير: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ اِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف:100). وحسبك من فضل الله ومنّته عليك أن أمدّ في حياتك حتى رأيت عجوز الاستعمار، يدحرها الثّوار الأحرار، فتزمّ الحقائب وتولّى إلى ما وراء البحار. ويرتفع العلم المفدّى بنجمته وهلاله، رمزا للسيادة والمجد والفخار، ولم تتمالك إلا أن تقول:
حيّ مجد الجزائر العربية ... في الأصيل بساحة البلدية
مهرجان ترنحت منه روض ... والقرارة كالعروس زهية ... ذ
نكّسوا العالم المثلث فيه ... عن رباها فراح للأبدية
وغدا علم الجزائر خفّا ... قا بها، وهو آية الوطنية (1/222)
صفحة 223
أجل -أيها الشّيخ الجليل-، وأنت من عالم الغيب في ظل ظليل، يناجيك الأبناء والأحفاد، والقرارة العروس في ذكراك على ميعاد. فنم قرير العين فأنت في سويداء كل فؤاد، وذكرك خالد على مرّ الأزمان والآباء. فطوبى لك طوبى في جوار ربّ العباد، والحمد لله ربّ العالمين.
مرحبا بوفد المجلس الأعلى للغة العربية.
رتبت ثانوية أبي عبد الله محمد بن بكر في المرتبة الثّالثة على المستوى الوطني في نسبة النّجاح لشهادة "البكالوريا" لسنة 2001/ 2002. فقرر المجلس الأعلى للغة العربية تكريم خمس عشرة مؤسّسة في الإطار الوطني، من ضمنها مؤسّسة العطف. فأوفد رئيس المجلس الدّكتور: محمد العربي ولد خليفة أوفد كلاّ من الأستاذين: محمد عيسى وموسى وحسين بهلول لتمثيل المجلس في ذلك التّكريم الذي تمّ في مدرج الثّانوية، وكنت ضمن الحاضرين ضمن السّلطات المحلية وبعض الأعيان والإطارات فألقيت في الجمع هذه الكلمة.
حمدا لله اللّطيف الكريم، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وحباه بأفضل تكريم. سبحانه وحده لا شريك له، ونشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله. شهد الله بأنه على خلق عظيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته بأفضل الصّلاة وأزكى التّسليم وبعد:
حضرات الإخوة الفضلاء أعضاء وفد المجلس الأعلى للغة العربية، حضرات الإخوة المسؤولين على اختلاف مستوياتهم، أحبائي الأساتذة والطّلبة، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
لا شك أننا فخورون جميعا أن تشرفنا بهذه الوقفة التّاريخية الممتازة، إذ تداعينا إلى هذه المؤسسة الفتية، وهي تقبع في بطن هذا الوادي الأمين، كما تقبع الدّرة في بطن الصّدفة لتشكل عناصر تكوينها في الوجود الثّمين، وكم للخليقة من أسرار لا يجلّيها إلا ذو العقل الحصيف، ولا يدبّر أمرها إلا الخلاق العليم. وهو الذي يسخّر الأسباب لخلائقه في مجالات الوجود نموّا وازدهارا، وخصبا وعطاء، أو تقلّصا واندثارا وعقما وفناء. (1/223)
صفحة 224
والإنسان -وهو الكائن الممتاز- تجري عليه سنن الحياة في أعلى صورها وأوج تعقيداتها. ومهما تطوّرت نظم الحياة، ومهما ارتقت في سلّم الحضارات فسيبقى هذا الإنسان هو القطب المحوريّ في دواليبها، وهو الطّاقة الفعّالة التي تحركها. وهل في غير هذه المؤسسات العتيدة يجد الإنسان المحضن الهنيء والفضاء النقيّ لتفتيق مواهبه وتنمية قدراته؟.
أيها الإخوة الأعزاء، إنّ مقدمكم لهذه المؤسسة على شطّ المزار وبعد المسافة لأجل تكريمها لهو الشّرف العظيم لها، وشارات فخر واعتزاز ترصّعون بها صدرها، لتبقى شاهدة على حسن الأرومة وأصالة النّشأة وحسن التّربية وجدّية العمل. ومثل هذه المبادرات الطّيّبة من الجهات الوصية تعطي دفعا قويّا لهذا النّوع من المؤسسات للحفاظ على مستواها، بل للمزيد من الجهد والعطاء، ومتابعة الصّعود في سلّم الارتقاء. سيما وبلادنا تمرّ بأصعب التّجارب، وتتلمّس طريقها في اختيار أنجع الوسائل لإصلاح منظومتها التّربوية. وليس ذلك بالأمر الهيّن، في ظروف تهافتت فيها الأصوات وتشعبت المسالك، فما يدري اللّبيب أيها تقود إلى النّجاة، وأيّها تؤدّي إلى المهالك؟.
ومن أعراض الصّحة والعافية -إن شاء الله- في مجتمعنا أن يصبح أولو الأمر فيه يتجرؤون أن يقولوا للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت. لأن الإغضاء على الرداءة والعفن مهما كانت مبرّراته، فإنه يؤدّي إلى تفشّي الأوبئة واستفحال الأدواء. وقد لا نجد لها الكفاية من المصحّات والأطباء. وتلك هي الدّاهية الدّهياء.
فلا يسعنا -أيها الإخوة الكرام- إلا أن نبارك خطواتكم، ونشكركم جزيل الشّكر على هذه الالتفاتة الكريمة، فقد طوّقتم جيد بلدتنا منّة لا تنسى وبرّا لا يبلى. فجازاكم الله عنا كل خير. طبتم وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلاً. (1/224)
صفحة 225
وأنتم -يا أبناء هذه المؤسسة العتيدة- لقد أصبحتم شامة في جبين وطننا المفدّى، بما قدمتموه من جهد وعطاء. والحكمة تقول: ويل لمن أشارت إليه الأصابع ولو بالخير. فما ظنكم بأنفسكم اليوم؟، فهل تقدّرون لهذا التّكريم قدره فتضاعفون مجهودكم لإنماء هذا القدر والشّرف لمؤسستكم؟. أم شباب قنّع يفتنه الشّكر والإطراء، ويفتّر من عزيمته المدح والثّناء؟.
فأعيذكم بالله أن تنزلوا بعد الصّعود، أو أن تجنحوا إلى الانكماش والرّكود. ولا شك أن ما حصلتم عليه من التّكريم كان لكم جزاء وفاقا ونصرا مؤزّرا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.
نرجو لكم دوام التّوفيق والنّجاح، ولإخوتنا الوافدين حسن السّلامة والإياب، ومن الله جزيل الأجر والثّواب، والحمد لله ربّ العالمين.
في ملتقى "تيسير التّفسير".
أقامت الجمعية الثقافية القطبية ببني يزقن ملتقى "تيسير التّفسير" تكريما للشيخ الحاج إبراهيم بن محمد طلاي ومساعديه. إذ أتمّوا إخراج تيسير التّفسير لقطب الأئمة في سبعة عشر مجلدا في إخراج أنيق. دعي لهذا الملتقى جمع من الدّكاترة المحاضرين، كما دعيت إليه السّلطات المحلية وعلى رأسها السّيد والي غرداية الأخ "بوضياف عبد المالك" فحضرت حلقات العزابة وعلى رأسها فضيلة الشّيخ عدون، وكلفت أن ألقي كلمة باسم مجلس "عمّي سعيد" وذلك ليوم الخميس 13 شعبان 1424هـ الموافق لـ 09 أكتوبر 2003 في دار "آل خالد" وفيما يلي الكلمة التي ألقيتها:
الحمد لله الذي يمنّ على من يشاء من عباده، ليكونوا منارا للعلم وحماة للدين، وينير بصائرهم على نهج الحق المبين، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله الرّحمة المهداة للعالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتّابعين هداهم إلى يوم الدّين. أما بعد: (1/225)
صفحة 226
فضيلة الشّيخ عدون حفظه الله، معالي السّيد والي الولاية، حضرات المشائخ الأجلاء، وسراة المجتمع الفضلاء، إخواني المواطنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
تداعينا إلى هذا الملتقى الكريم "ملتقى تيسير التّفسير"، وما أدراك ما تيسير التّفسير؟، ذلكم الكنز الثّمين الذي أدركته عناية الله، فنبشت عنه أيد أمينة ونفضت عنه غبار السّنين، وجلت عنه طفيليات التّحريف والتّشويه في الطّباعة القديمة، فأصبح تحفة للناظرين، وموردا نقيا مأمونا للدارسين، وجوهرة غالية تضاف إلى عقد الشّريعة الثّمين. فحق للأسرة العلمية وللهيئات الدّينية أن تحتفي بهذا الحدث الكبير، وتعقد للتنويه به مثل هذا الملتقى الميمون. وأيّ حدث هو أعظم عند أهل الإيمان والتّقوى من خدمة كتاب الله وتيسير الإفادة به حفظا وإتقانا لتلاوته، وفهما وتدبّرا لمعانيه، وسعيا لتطبيق إرشاداته وتوجيهاته، وتوسيعا لدائرة مريديه وأنصاره، {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33). (1/226)
صفحة 227
أيها الإخوة الكرام، لعلّ البعض منا يضيق صدره بما يمكر به الأعداء، ويطوّح به اليأس حتى يظن أن لا مطمع في انبعاث أمتنا ولا رجاء، ثم يزداد حنقا بامتداد الظّلماء وتوالي النّكبات بحيث يلفّه الوهم فلا يرى بصيصا من أمل، ولا يجد من هذا النفق الطّويل مخرجا، غير أن الله الغيور على دينه يقيّض له رجالا عظماء لا يرهبون شوكة الأعداء، ولا يتيهون مهما تراكمت الظّلمات واشتدّت الأنواء، لأنهم بنور الله يبصرون، وعلى ربّهم يتوكلون. فقد كان قطب الأئمّة صاحب التّيسير -رحمه الله- واحدا من تلكم الأطواد الشّامخة تكسّرت على جلموده كل الطّواغيت ورصدت على ثغور حماه كل العفاريت، فلمع نجما ساطعا في أفق هذا الوادي الأمين، يهدي السّالكين، ويشيع الأمل في نفوس الحائرين. كان حقا نجمة قطبية في الفلك الدوّار يترصّدها كل من رام الاهتداء إلى الطّريق القويم، في ليل بهيم من ظلمات الجهل والخرافات، يزيده وطأة تدابير المستعمر الغشوم.
لك الله يا أمة الإسلام، فمهما توالت النّكبات، فلا خوف عليك في أهليك وبنيك ما دام الله راعيك، والقرآن حاديك، وروح القدس دليلك ومؤاسيك. فلا عجب فأنت خير أمّة أخرجت للناس، فاثبتي وصابري ورابطي فما عليك من بأس. (1/227)
صفحة 228
أيها الإخوة الأعزاء، نحن مدينون في هذا اللّقاء الميمون، ونحن إخوة في الله متحابّون، وبمقوّمات أصالتنا معتزون، نحن مدينون للجمعية القطبية التي قامت بهذه المبادرة الطّيّبة لتكريم أخ لنا عزيز كان له الفضل في إخراج "تيسير التّفسير" في حلته الجديدة، أصيلة الكيان رشيقة القوام تفيض نورا وبهاء، وتعلو سنى وسناء. إنه رفيقنا الكريم الشّيخ طلاي الحاج إبراهيم بن محمد، أبقاه الله ذخرا للدين والوطن وفخرا للجيل، يقتبس من مشكاته ويستقي من مورده السّلسبيل. وقد حباه الله صبرا ويقينا في التّحقيق والإخراج، فجلا كنوزا كانت مطمورة في الخزائن والأدراج، وشكرا للأساتذة الذين كانوا من حوله يشدّون أزره ويعضدون جهده، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا، بما يثري المكتبة الإسلامية وينمّي ثقافتها. فكم من كنوز غالية تنتظر الإفراج عنها لفضاء الحياة، وكم من ذخائر تشكو من التّضييق والاحتكار، وتتشوق متلهّفة إلى ضوء النّهار، وإنا لنرجو ملحّين من كل من له يد على هذه الكنوز والذّخائر أن يفسح المجال للدّارسين والباحثين لأن التّمادي في غلق الأبواب يعدّ خيانة لحق الوطن وتضييعا لأمانة الدّين.
أيها الإخوة الكرام، يشرفني أن أقدم التّهاني المخلصة إلى منسّقي هذا الملتقى، ومن خلالهم إلى فضيلة الشّيخ طلاي الحاج إبراهيم وإلى كل مساعديه. أقدّمها خالصة مخلصة باسم أعضاء مجلس "عمّي سعيد" الهيئة العليا لعزابة "وادي ميزاب ووارجلان" وعلى رأسها فضيلة الشّيخ عدون أمدّ الله أنفاسه وأعلى مقامه. راجين من المولى الكريم أن يحفظ جمعنا ويسدّد خطانا على النّهج القويم، وأن يحفظ وطننا ويرعى أمتنا الإسلامية ويوفر لها أسباب التّوفيق والرّشاد حتى تخرج من محنتها قوية مظفرة، ويخضد شوكة أعدائها من الصهاينة وأعوانهم الكفرة الفجرة. إنه تعالى وليّنا وناصرنا وهو نعم المولى ونعم النّصير، والحمد لله ربّ العالمين.
في انطلاق فرع التّكوين الشّبه الطّبيّ. (1/228)
صفحة 229
كان ذلك في صبيحة يوم السّبت 15 شعبان 1424هـ الموافق لـ 11 أكتوبر 2003 في أقسام "باهيمان" إذ حضر المدعوّون من السّلطات المحلية والطّاقم الإداريّ والتّربويّ للفرع وجمع من الأولياء في قاعة أحد الأقسام. بينما الطّالبات يجلسن في القسم الآخر الموصول بالمسمّع. وبعد كلمة التّرحيب من طرف مدير الفرع الأخ: الحاج عيسى الحاج داود بن الحاج عيسى. ألقيت هذه الكلمة باسم جمعية النّهضة.
الحمد لله مصرّف الأقدار ومقلّب اللّيل والنّهار، نشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله خير المربّين وإمام المهتدين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد:
حضرات الإخوة المسؤولين حضرات الأساتذة الفضلاء، إخواني الأعزاء، بناتي الكريمات، فها نحن عدنا والعود أحمد، عدنا إلى هذا المكان الأمين، وإلى هذه المؤسسة التي شهدت يوما تلك الانطلاقة المباركة في تكوين الشّبه الطّبيّ. فهي وإن كانت يومئذ خطوات متأنية في هذا الدّرب إلا أنها قد أبرزت فوجا رائدا من بناتنا في هذا المضمار، هن اليوم في مجالات أعمالهن رمزا للاعتزاز والفخار، جدّية وكفاءة في العمل، ونظافة وطهرا في السّلوك، وحسن لياقة في المعاملة والاستقبال. ولئن قدّر الله لتلك الخطوات أن تقف لفترة من الزّمن، فإن لكل مسيرة مراحل تختلف فيها أنواع السّير تبعا لما يتوفّر لذلك من اليسر والعسر.
وتلك سنة الحياة تفرض قوانينها على النّاس، فلا يملكون أزاءها إلا التّأقلم مع الواقع، بعد دراسة الأسباب والدّوافع. فنحمد الله العليّ القدير، أن أعان ذوي الغيرة والشّهامة من إخوتنا وأبنائنا فتحصّلوا على الشّرعة القانونية للمشروع. وها هو اليوم يستأنف سيره -بعون الله- ويتحدّى كل العراقيل والمثبطات. (1/229)
صفحة 230
وأملنا في هذا الفوج الثّاني من بناتنا أن يكون في مستوى الآمال المنشودة لهذا التّكوين. التزاما بالبرنامج المسطّر لفترة سنتين، واستيعابا لكل المعلومات الضّرورية لسدّ الفراغ الذي تشكوه المؤسسات الصّحية في مجال المتابعة وخدمة المرضى. وإنها لمسؤولية عظمى، لا تتحملها إلا النّفوس المتشبّعة بالرّوح الوطنية والمتفانية في خدمة الصّالح العامّ.
وما أوقع بلادنا في الأزمة الخانقة التي تعيشها اليوم إلا تفشي روح اللامبالاة والهروب إلى الأمام وسياسة النّعامة في مواجهة المشاكل والأزمات. واليوم وقد أخذ شعبنا بتماثل للشّفاء -بفضل الله- وطور النقاهة يحتاج إلى فترة تتعافى فيه أجهزة الجسم حتى يستردّ قوته ومناعته. وعليكم المعوّل -أيهذا الجيل- في كل إصلاح أو تغيير بتطلبه الوضع الرّاهن. وهو يستلزم طاقات شابّة كفأة وآليات متطوّرة حديثة تناسب التّقدم الحضاريّ الغالب في عالم اليوم.
من يسعد الأوطان غير بنيها ... وينيلها الآمال غير ذويها؟
فإياكم والنّكوص على الأعقاب. فإن سلامة القافلة مرهونة بصدق روّادها ونشاط حداتها وشجاعة رعاتها، واعتقادنا أن هذه العناصر كلها متوفرة بين أيديكم. فما عليكم إلا الالتزام بالجدّ والنّشاط وبحسن السّلوك والانضباط.
أيها الإخوة: يشرفني من مقامي هذا في جمعية النهضة بالعطف أن أعبّر لكم عن خالص شكرنا وامتناننا لكلّ من ساهم من قريب أو بعيد في إعطاء الدّفع من جديد لهذه القافلة حتى تصل إلى هدفها المنشود، والجمعية إذ تتمنّى للطاقم الإداريّ والتّربويّ كل التّوفيق والسّداد تجدّد لكم عزمها مرة أخرى أن توفّر لكم كل ما يساعدكم على حسن القيام بمهمّتكم النّبيلة، وتبارك مسعاكم وتواكب خطواتكم في هذا المضمار.
أبقاكم الله ذخرا للدّين والوطن. وفخرا للأجيال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ} (التّوبة:105)، والحمد لله ربّ العالمين.
مرحى بأساطين المعرفة. (1/230)
صفحة 231
استقبلت البلدية وفدا كبيرا من المفتشين والمديرين والأساتذة من القطاع التّربوي لولايات الجنوب، وقد عقدوا لقاء تكوينيا لمدة يومين في مركز الدّيوان للامتحانات والمسابقات بغرداية حضره مديرون سامون في وزارة التّربية. وقد عقدوا خلال ذلك زيارة إلى "العطفاء" ليوم الخميس 25 رمضان 1424هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2003 زاروا خلالها مدرسة النهضة، وتجوّلوا في جنباتها، وقدمت لهم شروحات من طرف الأساتذة، ثم نسقت لهم البلدية حفلا تكريميا في القاعة الكبرى للمكتبة الجديدة. حضرها كل أعضاء البلدية وأعضاء إدارة النّهضة. فألقيت عليهم هذه الكلمة.
الحمد لله ربّ العالمين الذي شرف الأمة الإسلامية بشهر رمضان، إذ اختاره ظرفا زمنيا مباركا لبدء نزول القرآن، وخصّه بفيض من الرّحمات والبركات، تغمر الأرض والسّماوات، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، خير من صام وقام، وتهجّد لربّه حتى تورّمت قدماه. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
جناب السّيد الأمين العام لوزارة التّربية الوطنية، جناب السّيد الوالي، الأخ السّيد رئيس المجلس الشّعبي الولائي، السّيد رئيس الدّائرة، الأخ المحترم السّيد مدير التّربية، جناب المحترم النّائب في المجلس الشّعبيّ الولائي، ومدير فرع الدّيوان الجهويّ للامتحانات والمسابقات، الأخ الكريم السّيد رئيس البلدية، حضرات المشائخ الأجلاء والرّفاق الفضلاء، مفتشين ومديرين وأساتذة، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، تقبل الله صيامكم وقيامكم، وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
نتشرف بمقدمكم، ونشكركم على اختياركم لمدينة الألف عام مزارا مفضلا في كل مرة لأمثالكم من إطاراتنا الوفية، وهي تحتضنكم أمّا حنونا لأولادها البررة ممن هم فلذات الأكباد وقرة الأعين، فأهلا وسهلا ومرحبا: (1/231)
صفحة 232
طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى ... وسرتم إلينا كالسحائب في الجدب
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا ... فدوسوا عليها لا تدوسوا على التّرب
أيها الإخوة الأعزاء: اسمحوا لي أن أعتذر إليكم عن هذا الصّوت المتهدّج وهذه اليد المرتعشة فقد أناخ عليّ الدّهر واشتعل الرّأس شيبا، فسلوت إلا عن صرير القلم وحفيف القرطاس، وخلوت إلا عن الرّفاق أمثالكم من زملاء الدّرب وأخلاء المهنة، وقديما قال عمر بن أبي ربيعة:
وذو الشّوق القديم وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
فنحن -الجيل المخضرم- قد علمتنا اللّيالي كيف نحافظ على كنوز أمجادنا، ونعتز بمفاخر تراثنا مهما تطورت الأوضاع، وتغيّرت في النّاس الطّباع. لأننا لا نساوم في المبادئ والقيم، ولا نبذّل من توجّهنا ومن قناعاتنا في شباب أو كهولة، ولا في شيخوخة أو هرم.
ونرجو أن نكون ممن أثنى الله عليهم بقوله تعالى: {مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23).
لكأنني بلسان حالنا يردّد مع أمير الشّعراء قوله:
فمن يغتر بالدّنيا فإني ... لبست بها وأبليت الثّيابا
جنيت بروضها وردا وشوكا ... وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما ... ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا ... صحيح العلم والأدب اللّبابا
ولا كرمت إلا وجه حرّ ... يقلد قومه المنن الرغابا (1/232)
صفحة 233
نعم -أيها الرّفاق الأعزاء- هل تملكون من البضاعة غير العلم الصّحيح والأدب اللّباب؟. وهل غيركم كرماء أحرار؟. يقلدون أمتهم العز والكرامة والفخار؟. كلا وألف كلا!، فلا يصدنكم عما أنتم فيه من التّضحية والجهاد حطام الدّنيا وزينتها وهي تخلب الأبصار، ولا يستفزنكم جحود أو صدود إن تنكرت لكم الأقدار، فلستم بأعزّ على الله من رسله وقد مضوا كلهم على محك الاختبار، لأن ما حباكم به المولى لا يقوم بالدّرهم والدّينار. وإن حظكم في الخلق -لو تعلمون- عظيم. إنه الحكمة والعلم: {وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة:269). وهل لا ترضون أن يفضلكم الله بهما، ويذهب غيركم بمتاع من الدّنيا قليل؟.
لقد انشرحت صدورنا أن نلتم بعض حقوقكم بما أعلنت عنه الوزارة الوصية في هذه الأيام، وما ضاع حق وراءه طالب، ولكننا ننصح لكم بما نصح به العمال أمير الشّعراء إذ قال:
أطلبوا الحق برفق ... واجعلوا الواجب دأبا
واستقيموا بفتح الله ... لكم بابا فبابا
نعم، ما أثقله من واجب يتقرر به مصير الأمة، ويتعلق به مستقبل الأجيال. إنها الأمانة التي أبت أن تحملها السّماوات والأرض والجبال، فطوبى لكل عاقل يوائم بين الحق والواجب، ويوازن في ما بين ذلك من المراتب، فهنيئا لكم على هذا المكسب الهنيء.
أيها الإخوة الأعزاء، يشرفني مرة أخرى أن أجدّد إليكم التّهاني والتّشكرات، وأقدم إليكم أغلى التّحيات وأطيب التّمنيات باسمي وباسم جمعية النّهضة وباسم البلدية التي خصّصتموها بهذه الزّيارة الكريمة وهي تتشرف أن تستقبلكم في هذا المرفق الأنيق من مكتبة النّهضة العامرة. حفظكم الله في الحلّ والتّرحال، وأبقاكم فخرا للدّين والوطن، وذخرا للأجيال.
افتتاحية العدد لمجلة "خريجات" مدرسة النهضة
بعنوان: "النّموذج الذي ننشده من بناتنا". (1/233)
صفحة 234
لقد تلقيت ببالغ السّرور والامتنان من نادي "خريجات مدرسة النّهضة" تلقيت التهنئة بإصدار الجزء الأول من كتاب التّفسير "نفحات الرّحمن في رياض القرآن" وأنا إذ أشعر بالسّعادة والرّضى لا يسعني إلا أن أقدّم جزيل تشكراتي لجماعة الخريجات من بناتنا، وأرجو لهن مزيدا من التّوفيق والنّجاح والطّموح إلى معالي الأمور في خدمة الدّين والمجتمع، وهن الرّائدات الأمينات في هذا المجال، ويتعلّق بهن كبير الآمال أبقاهن الله لسان صدق للمدرسة ومفخرة للأجيال.
وبمناسبة صدور المجلة الفصلية للخريجات أجد موضوع "المرأة الصّالحة التي ننشدها" يلحّ عليّ أن أقول فيه كلمة مختصرة توضح معالم الطّريق أمام بناتنا الرّاشدات وهن أمّهات المستقبل، ونموذج للنّساء الصّالحات بإذن الله.
لا شكّ أن الأمور بمقاصدها، وأن المساعي لا تقيّم إلا بنتائجها مهما تنوعّت أشكالها وتضخّم حجمها، فهذه جمعية النّهضة الفتية لا تألو جهدا في تكثيف مساعيها وتطوير وسائلها في مجال التّربية والتّعليم منذ عقود من الزّمن. وقد تحدّت كل الأعراف والتّقاليد في تعليم البنت وتكوينها، وسخّرت لذلك كل ما في وسعها لرفع مستواها بما يؤهّلها لتحمّل مسؤوليتها زوجة وأمّا وحاضنة للأجيال. ونحن من خلال جمعيتنا الفتية: أساتذة ومربّين، نتساءل ويتساءل معنا جمهورنا الكريم: ما هو النّموذج الذي ننشده من بناتنا؟. (1/234)
صفحة 235
لقد تعدّدت تلك النّماذج اليوم في المجتمعات البشرية حتى ليصعب على العاقل أن يحسن الفرز والاختيار، ويتيه في ضبط المقاييس والمعايير، فالمرأة ريحانة يتضوّع منها المسك والعطر، أو شيطانة تنطوي على الشّر والغدر. فمهما اجتهد العلماء والمرشدون في تبيان معايير المرأة الصّالحة، والاهتداء إلى طرق تربيتها وإصلاحها، فإنهم لا يبلغون شأو الإرشاد الرّبّانيّ في القرآن الحكيم، ولا الهدي النّبويّ الكريم. فكم في القرآن من أحكام وإرشادات تبيّن حقوق المرأة وواجباتها، وتضع حولها سياجا من الفضيلة والطّهر، وتواكبها في مسيرة حياتها زوجة وأمّا، وقد أزاحت عن طريقها أشواك الجاهلية، وفرشت مهادها بالورد والرّيحان، وزيّنتها بحليّ الهداية والإيمان.
فنجد القرآن يضفي على النّساء المؤمنات من صفات الصّلاح والتّقوى ما جعلهن بحق شقائق الرّجال فقال عزّ من قائل: {اِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب:35). (1/235)
صفحة 236
وهذه الأوصاف قد جمعت من أصول البرّ والتّقوى، ومن مقوّمات الكمال الإنساني ما يرتقي بالمرأة المؤمنة إلى مصافّ أمهات المؤمنين من أزواج رسول الله في سياق إرشادهن وتثبيتهن على مقوّمات شرف النّبوءة وجلالها وقدسيتها عند الله والنّاس بأن يكون النّموذج الأعلى للنساء الفضليات فقال تعالى: {يَا نِسَآءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ اِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} (الأحزاب:32).
وإذ نؤمن بأن الله يخلق ما يشاء ويختار فنحن لا ينتابنا شك أبدا في مصداقية تلك المعايير وفعالية تلك الأوصاف إذا ما تحققت في المرأة، فأيّ معيار غيره نتخذه للبنت الخريجة من الشّريعة الإسلامية؟. وأية أوصاف نطلبها منها، وهي الحاملة لكتاب الله والمشبعة بهدي رسول الله؟. إذن لا نبتغي لها غير ما يريده الله ورسوله: {وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلاَ مُومِنَةٍ اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا اَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنَ اَمْرِهِمْ} (الأجزاب:36).
أيتها الخريجة المؤمنة، لقد أصبحت -بفضل الله- في زمرة الهداة المهتدين، وسوف تخوضين معترك الحياة، وربما اصطدمت بواقع لم تكوني تتصوّرين ما فيه من سوء ورداءة. وربما تهيّأت للخوض في معالجة أدوائه، والسّعي في إصلاح أوضاعه، فعليك أن تتذكّري وعيد الله لمن علّمه وكتم علمه. وهداه فلم يأخذ بيد غيره. فما استطال الباطل إلا بخفوت صوت الحق، وما استفحل الشّرّ إلا بالتّقصير في الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. (1/236)
صفحة 237
فما يزال مجتمعنا النّسويّ حبيس عادات وتقاليد لا يناسب ما أصبحنا فيه من التطوّر الدّاهم، ولا يواجه برشد ما أقحمنا فيه من التّحدّي الغاشم. وكتاب الله خير هاد للتي هي أقوم، وخير دليل في ليل الفتن المظلم. كما أجاب بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليّا كرم الله وجهه عندما قال له: «ستكون فتن كاللّيل المظلم. فقال عليّ: فما المخرج منها يا رسول الله؟. فقال: كتاب الله. فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضّله الله». (1)
فها أنت حاملة لكتاب الله مستنيرة بهديه فكوني على مستوى الأماني المنوطة بك هادية رشيدة كما كانت أمّهات المؤمنين، حصنا حصينا للفضيلة والدّين، وإماما للمتقين.
وقفة مع المديرين والمربّين.
عقد جمع من مديري المؤسسات التّربوية لولايتي وارجلان وغرداية عقدوا زيارة خاطفة للعطف. بعد إتمام ملتقاهم في غرداية تحت إشراف السّيد المفتش العامّ للإدارة والتّكوين. وذلك عصر يوم الثلاثاء 03 محرم 1425هـ الموافق ليوم 24 فبراير 2004م. إذ استقبلناهم في قاعة مكتبة النّهضة في حفل بسيط بحضور بعض من أعضاء إدارة النّهضة. فألقيت فيهم هذه الكلمة:
الحمد لله الذي يصطفي من الملائكة رسلا ومن النّاس، وسخّر لتعليم الإنسان القلم والقرطاس، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، خير البريئة وأزكاها خلقا وأعلاها منزلة عند الله وعند النّاس صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد:
فمرحى بأساطين المعرفة وروّاد الأجيال، فلسنا بمجافين للحقيقة إذا دعوناكم برسل العلم والتّثقيف، فأنتم بحق جديرون بهذا الوصف وإن غمط حقكم بعض النّاس، وأخطأوا في تقدير القياس، فهذا أمير الشّعراء قد نطق بالحق وأنصف الحقيقة حين قال:
__________
(1) - تقدّم تخريجه: ص 26. (1/237)
صفحة 238
قم للمعلّم وفّه التّبجيلا ... كاد المعلّم أن يكون رسولا
حلّوا كراما بيننا فنحن لكم من المخلصين الأوفياء، إذ شربنا من الكأس الذي اخترتموه وأكلنا من المائدة التي قسم الله بها لكم. فنحن وإياكم نتعاور الحظ المقسوم، ونواجه المصير المشترك المحتوم. وما الإنسان في واقع حياته إلا ما يكون عليه في حالته النّفسية من رضى واطمئنان، أو قلق واضطراب مهما أحاطت به وسائل التّرف والنّعيم، وتوفرت له أسباب البهجة والسّرور.
ولا شك أن لكل واحد منا خواطر وأحاسيس إذ يقيّم نتاجه في المسيرة الوطنية، ويتبيّن موقعه في ورشة البناء والتّشييد فيجد حشدا من أبناء وطنه في صفّ البناة المجدّين، وفي طليعة الحداة الرّائدين، فتأخذه النّشوة أن كان من بناة مجدهم. تلك -أيها الإخوة الأعزاء- المنّة الغالية التي يفخر بها المربّي، والنّعمة الكبرى التي لا تدانيها بهرجة الجاه والمال، ولا تطالها فتنة الدّنيا مهما تنافستها الأجيال. وقديما قال أحد العارفين: لو يعلم الأغنياء ما نحن عليه من رضى واطمئنان لجالدونا عليه بالسّيوف. وحسبكم من شرف المهنة أن تكون من صفات الخالق وصفات رسوله الكريم.
سبحانك اللّهمّ خير معلّم ... علمت بالقلم القرون الأولى
{الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْءَانَ، خَلَقَ الاِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (الرحمان: 1 - 4). وقال: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} (البقرة:31). (1/238)
صفحة 239
أيها الإخوة الأعزاء: خير ما نخصّصكم به من التّقدير والتّبجيل، هو أن نستقبلكم في هذا المعلم الممتاز من مرافق مؤسسة النهضة العامرة. هذا المكان الأثير لطلابنا وأساتذتنا حيث يجدون الرّاحة والاطمئنان وهم يرتعون في خمائله، وينشقون باقات فاخرة من وروده وزهوره، وتقف شواغل الدّنيا وراء جدرانه وغرفه، فليس إلا التّركيز والتّحصيل، وليس إلا التّحقيق والتّسجيل. نستقبلكم في أحضان هذه المكتبة العامرة وأنتم جزء من كيانها، وعنصر فعّال في نشاطها وحيويتها، نشكركم على حسن الانتقاء لمرابع زيارتكم الكريمة، ونقدّر فيكم تلكم العواطف النّبيلة نحونا، والأرواح جنود مجنّدة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. جعل الله أرواحنا متآلفة في حبّه، وقلوبنا متلاحمة في طلب رضاه.
نهنّئكم بهذه الزّيارة الميمونة، ونهنئ أنفسنا جميعا بالسّنة الهجرية الجديدة راجين منه تعالى أن يجعل طالعها ميمونا مباركا على وطننا الحبيب، وعلى الأمّة الإسلامية جمعاء، ونحن جميعا متمتعون بأنعم الله الضّافية، ودوام الصّحة والعافية سدّد الله خطاكم، ووفقكم في مسعاكم، وكلأكم برعايته في متقلبكم ومثواكم، والحمد لله ربّ العالمين.
تدشين المدرسة الجديدة لأبي سالم.
أقامت لذلك حلقة العزابة لأبي سالم حفلا متنوّع النّشاطات دعت إليه أعضاء الحلقة للمسجد العتيق وأعضاء مجلس الأعيان والمعلمين وبعض الإطارات، كما دعوا مريديهم من القرى الأخرى ممن يشرف على التّعليم القرآني والدّيني في الكتاتيب التّابعة للمساجد في ميزاب. وألقيت في الحفل كلمة باسم العزابة وكل هيئات البلدة وذلك ليوم الخميس 21 ربيع الثّاني 1425هـ الموافق لـ 10 جوان 2004م، هذا نصّها: (1/239)
صفحة 240
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، تبارك الذي جعل في السّماء بروجا، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل اللّيل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله بعثه الله إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
حضرات المشائخ، وأعضاء حلقات العزابة، أيها الإخوة المؤمنون: يقول أمير الشّعراء أحمد شوقي:
وإذا فاتك التفات إلى الـ ... ماضي فقد غاب عنك وجه التّأسّي
وأنا إذ ألتفت اليوم إلى الماضي القريب خلال العقد الثّالث من القرن الماضي، أجدني منشرح الصّدر مشدود الذّاكرة إلى مرابع الطّفولة ومراتع الصّبا في حيّ "بو سالم" بأعالي قريتنا الوديعة. وكنت ذلك الصّبّي السّاذج بين أقرانه ولداته، نتلهّى طورا في لعب بريئ، ونقضي جلّ أوقاتنا في الأصائل والأبكار، منثنية أصلابنا على لوحاتنا الخشبية، عالية أصواتنا بتكرار حصتنا من الذّكر الحكيم، ولا يكاد أحدنا ينفلت عن نظرات الشّيخ الوقور الشّيخ الحاج إبراهيم محمد بن بهون، وويل لللاّهين العابثين من زمجرة صوته وقرع عصاه. إنها الذّكريات التي تحرّك فينا الأشجان، ولا نملك حين تعود إلينا إلا أن نقول مع الشّاعر الولهان:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا (1/240)
صفحة 241
نعم، إنها الانطلاقة البريئة لكل واحد منا -نحن الجيل المخضرم- لمرحلة العمر، فهي وإن بدت لأجيال اليوم عقيمة متخلفة في المجال التّربويّ والمعرفي، فنحن نعتبرها الأساس المتين والرّكيزة الكبرى في تكوين شخصيتنا وقيام وجودنا. فكم تقلبت الأيام والليالي ببني الإنسان، وكم تغيّرت الأوضاع وتطوّرت المفاهيم!. وكم فتن النّاس في مقوّمات أصالتهم حتى صاروا إمّعات يهيمون في كل واد، وينخدعون لكل صائح أو مناد. ولكن الذين رضعوا لبان أمّهاتهم نقية طبيعية هم في مناعة من كل داء، وفي حصانة من شرّ الوباء، وهم لا يزالون الدّرع الواقي والسّياج المنيع لهذا المجتمع الطّاهر.
ولسنا بقولنا هذا ننتقص من حصيلة الأجيال الحاضرة في العلوم والتّكنولوجيا، فما من شك أنهم بذلك محظوظون، وأننا لتفوّقهم مغتبطون، غير أننا نخاف عليهم من بنيات الطّريق، وعدم الفرز بين العدوّ والصّديق، أو جنوحهم -أحيانا- إلى التّهوّر والتّطرّف محاكاة وتقليدا، أو مبادرة من عند أنفسهم تحديثا وتجديدا.
فعلى رسلك -أيهذا الجيل- فأنت وإن خلقت لزمان غير زماننا، فلا يعني ذلك أبدا أن تقوّض المعالم وتكسر الحواجز والسّدود، فشرّ النّاس من أزورّ للماضي وتنكّر للجدود. يقول الرّصافي:
فشرّ العالمين ذوو خمول ... إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا ... ذ
وخير النّاس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسبا جديدا
فلكم علينا -أيها الأبناء- أن نسلّم لكم المشعل ناصعا وهّاجا، وأنتم في الحلبة تستعدّون وتتأهّبون، وعليكم لنا حفظ الجميل وحسن الإنصاف في حبّ وانسجام بين أبوّة شفوقة رحيمة، وبنوّة صالحة مستقيمة. وبذلك وحده يتحقق تواصل الأجيال، وما نرجوه لمجتمعنا من خير الحاضر وحسن المآل. (1/241)
صفحة 242
أيها الإخوة الأعزاء، لا تتحقق هذه الأهداف الغالية بالدّعاوي والتّمنيات، ولا بكثرة الشّكاوي والمهاترات، لأن ذلك سلاح العاجز الكسلان. وقد جاء في الأثر: "إذا أراد الله بقوم شرّا سلط عليهم الجدل، ومنعهم من العمل"، لأن تكوين الرّجال وتزجية صفوف الأجيال تتطلب جهودا وتضحيات، وتعتمد اليوم على هياكل ومؤسسات، تتوفّر فيها الوسائل والإمكانيات. ومجتمعنا قد أدرك ذلك منذ زمن بعيد، فلم يأل جهدا في البناء والتّشييد، ولا في حسن التّدبير والتسيير، سيما في مجال التّربية والتّعليم. وقد واكب التطوّر والتّجديد الذي عرفه هذا القطاع الحيويّ. فأسّس الجمعيات وبني المدارس ومارس النّشاطات الثّقافية المختلفة لتوجيه الشّباب وتأطيره، معتمدا على نفسه في التّكاليف والنّفقات، إيمانا منه بأن الجهد الذّاتي والاعتماد على النّفس هما سرّ النّجاح في الحياة.
وها قد تداعينا اليوم لتدشين مجمّع مدرسة "أبي سالم" في حلّتها الجديدة، وموقعها الطّيّب المناسب، من بعد ما تناولتها يد التّحديث والتّطوير، وطعّمت بدماء جديدة نقية، لتقوم بمهمتها التّربوية النّبيلة على ما تمليه التّطوّرات المستجدّة في هذا القطاع الحيويّ الهامّ. إذ لم تعد الطّرق التّقليدية المألوفة على عهدنا -نحن الجيل المخضرم-، لم تعدّ تلبّي رغبات الأجيال الحاضرة من أبناء القرن الحادي والعشرين. أبناء الكوميوتر وشبكة الأنترنيت وغزو الفضاء.
ونحن إذ نحيّي القائمين على تسيير شؤون هذه المؤسسة المباركة، ونرجو لهم مزيدا من التّوفيق والنّجاح، فإننا نهيب بهم أن لا يترددوا في الاقتباس النّافع من كل تجربة أثبتت فعاليتها في المجال التّربويّ، وأن لا يقصّروا في ترقية مستواهم وتنمية مكاسبهم الثّقافية والتّربوية، جاعلين من أنفسهم القدوة الصّالحة لأبنائهم التّلاميذ في السّلوك والأخلاق الحميدة.
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة ... جاءت على يده البصائر حولا (1/242)
صفحة 243
وإذا المعلم لم يكن عدلا مشى ... روح العدالة في الشّباب ضئيلا
أيها المجتمع الكريم، ما كان ليد الدّهر أن تنال من شرفك وأصالتك ما دامت هذه المؤسسات قلاعا منيعة لرعاية الناشئة وتحصينها، وما كان للسفهاء منا ليجدوا في أوساطنا فضاء لخبثهم ودسائسهم ما دمنا نعتني بالمعلمين والمربين، ونكرّمهم بما يستحقون من التّشجيعات الأدبية والمادية، وقد قيل:
إن المعلم والطّبيب كلاهما ... لا يحسنان إذا هما لم يكرما
فنحن لا نستطيع أن نجعل من المعلّم غنيا ثريّا مهما بذلنا له من الأجر، ولكن حسبه أن يشعر بالكرامة والعزة بين مواطنيه، وبالاحترام والتّقدير من طلابه وذويه، فإن المعلّم الأصيل لا تستفزه المطامع، ولا تغويه المصالح والمنافع، لأن المال لا يغني لديه فتيلا، وهو لا يرضى عن المعرفة بديلا. وحسبه من بهجة الدّنيا وزينتها أن يكون حاديًا للأجيال، وعاملا ماهرا في صناعة العقول وتكوين الرّجال.
أرأيت أشرف أو أجلّ من الذي ... يبني وينشئ أنفسا وعقولا
أيها الإخوة الكرام، إن الخير الذي نرجوه من قيام هذه المؤسسات أعظم من أن نحصيه عدّا، وإن آمالنا وطموحاتنا في مضاعفة مردودها لكبيرة جدّا. فليشهد التّاريخ ولتسجّل الأجيال أننا لم ندّخر وسعا في خدمة هذا المجتمع، ولم نبخل بأيّ جهد في ترقية هذا البلد، والحفاظ على تراثه الخالد ومقوّماته الأصيلة. فهنيئا لنا بهذا الإنجاز المبارك الذي يغدو -بحول الله- جوهرة غالية تنضاف إلى العقد الثّمين، حلية للأبصار، وشارة للمجد والفخار. (1/243)
صفحة 244
ويشرفني أن أكون لسان صدق لكل الهيئات الاجتماعية في البلد سيما لحلقة العزابة الموقرة في التّعبير عن فرحتنا وتهانينا وتشكراتنا لمن أقاموا هذه التّظاهرة خدمة للعلم والمعرفة، واحتراما وتقديرا لأساطينهما على مختلف مستوياتهم. والله نسأل أن يكلل مساعينا بالنّجاح، ويثبت أقدامنا على نهج الهدى والفلاح. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
مرحى بالخرّيجات من التّكوين الشّبه الطّبيّ.
أقامت مؤسّسة المرحوم "بافضل محمد" للتكوين الشّبه الطّبيّ، وهي تحت مظلة جمعية النّهضة بالعطف، أقامت يوم الخميس 28 ربيع الثّاني 1425هـ الموافق لـ 17 جوان 2004م. أقامت حفل تكريم للخريجات من الفوج الأول بعد حصولهن على الشّهادة المهنية الرّسمية لسلك "عون التّمريض" وعددهن حوالي خمس عشرة بنتا من مختلف قرى "ميزاب" وقد حضر مسؤولو القطاع الصحيّ لولاية الأغواط كما حضر أولياء الخريجات وبعض أعضاء إدارة النّهضة والطّاقم التّربويّ للشبه الطّبيّ وعلى رأسهم مدير المؤسّسة الأخ الحاج عيسى داود بن الحاج عيسى. فألقيت هذه الكلمة باسم النّهضة.
الحمد لله اللّطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القويّ العزيز -سبحانه- هو الغنيّ له ما في السّماوات وما في الأرض نستغفره ونستجديه ونستزيد من رحماته، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله معلّم البشرية وحاديها إلى صراط الله المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين. أما بعد:
حضرات الإخوة المسؤولين في القطاع الصحيّ بولاية الأغواط، زملائي الأساتذة والدّكاترة، أيها الأولياء الكرام، بناتي الكريمات، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/244)
صفحة 245
بالأمس القريب من أواسط شعبان لسنة 1424هـ وأوائل أكتوبر لسنة 2003م وقفنا معا وقفة تعهّد والتزام لفتح الموسم الدّراسيّ لتكوين الشّبه الطّبيّ بعد تعثره لفترة من الوقت في انتظار الحصول على الاعتماد الرّسميّ، بعد أن قطع شوطا مباركا في تكوين الطّلائع الأولى من بناتنا اللائي كن الرّائدات في هذا المجال وشرّفننا بسلوكهن النّظيف في ممارسة عملهن بالمؤسسات الصّحية.
وها نحن اليوم جئنا لتكريمهن مرة أخرى بعد حصولهن على الشّهادات المهنية الرّسمية في التّمريض وتوابعه. إنه لشرف عظيم وفخر كبير لمؤسسة المرحوم "بافضل محمد" في تكوين الشّبه الطّبيّ. ونحن إذ نبارك هذه الخّطوة الجريئة نرجو لهؤلاء المتخرجات كل النّجاح والتّوفيق في مسيرة عملهن الإنسانيّ النّبيل، ونعبّر بحضورنا هذا على مدى سرورنا وابتهاجنا بتخرّج هذا الفوج الرّائد، والذي تتلوه -بعون الله- أفواج أخرى لا تقلّ عنه تكوينا ولا تخفّ وزنا ما دام لدينا العزائم الصّادقة والنّوايا المخلصة، وما دمنا نحافظ على هذا الإطار التّربويّ الممتاز.
إننا لنهنئ أنفسنا أوّلا ونهنئ المتخرجات بهذا النّجاح الباهر كما نهنئ أولياءهن الكرام، إذ كانوا السّند القويّ لنا في نجاح هذه المبادرة. ويا ما أسعد العامل الكادح عندما يحصد جنا غرسه ويتمتع بثمار جهده. {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنَ اَحْسَنَ عَمَلاً} (الكهف:30). وما الإنسان في حياته إلا ذلك العامل الكادح، يسخّر كل ما وفره الله له من الأسباب ويقدم لنجاح مسعاه كل ما يملكه من جهد ونصب وبعد ذلك يدعو ربّه ليفتح له مغاليق الأبواب ويذلّل الصّعاب.
وما نيل المطالب بالتمنّي ... ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا
أيها الإخوة الأعزاء، بالأمس متعنا الله ببركات السّماء، وأغدق علينا غيثه المريع رحمة منه وفضلا، لقد كان وابلا مدرارا، ولو شاء ربّك لجعله أكثر أذى وأعظم خسارا. (1/245)
صفحة 246
ولكن الله لطيف بعباده يثيب بالحسنى ويعفو عن السّيئات، ولعلّ ذلك يكون فأل خير لهذا الفوج المبارك الذي نرجو أن يعمّ نفعه البلاد والعباد، مثل هذا الغيث الذي سوف يعقبه -بإذن الله- الخير والنّماء، ويتحقق على يديه لمرضانا كشف الضّرّ وتخفيف العناء.
تلكم -أيها الإخوة- هي أمانينا الغالية من شق هذا الطّريق الوعر وأنتم أدرى بمطبّاته ودروبه، في بيئة تحافظ على شرفها ودينها وتحذر من الطفرة المشبوهة ومن الرأي الفطر في معالجة مثل هذه القضايا الحسّاسة.
ومرة أخرى نهيب ببناتنا المتخرجات أن يقدمّن لمجتمعنا الفاضل كل نفع بخلقهن الرّفيع. فتلك هي الأمانة العظمى التي حملنها بشجاعة ورزانة وفقهن الله إلى حسن القصد وشرف الغاية.
أيها الإخوة، إنه ليشرفني أن أقدم باسم جمعية النّهضة أغلى التّهاني وأطيب التّمنيات لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذا المسعى وتحقيق هذه الأمنية، وستبقى على العهد وفية بالتزاماتها أزاء هذا المشروع. ولن تنال من عزمها وعثاء الطّريق، ولن تثنيها شماتة عدوّ ولا عتاب صديق.
فاللّهم إنا نسألك البرّ والتّقوى والعمل بما ترضى، اللّهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، كن لنا وليّا ونصيرا، يا نعم المولى، ويا نعم النّصير، إنك على كل شيء قدير.
والحمد لله ربّ العالمين.
مرحى بوفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
أقامت شعبة الجمعية بولاية غرداية حفل تكريم لرئيس الجمعية فضيلة الشّيخ عبد الرّحمن شيبان وبعض أعضاء مكتبها الوطني الأساتذة: عثمان آمقران، محمد الهادي الحسني. وذلك ليوم الخميس 26 ربيع الأول 1426هـ الموافق لـ 05 ماي 2005م. في قاعة الولاية للمحاضرات، ألقيت فيها هذه الكلمة باسم مجلس "عمي سعيد". (1/246)
صفحة 247
الحمد لله الغنيّ الوهّاب، مدبّر الأمور وميسّر الأسباب، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله مهذب القرائح ومحرّر الألباب، صلى الله عليه وعلى الآل والأصحاب، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم النّشور والحساب، أما بعد:
جناب السّيد الوالي، جناب السّيد رئيس المجلس الشّعبيّ الولائي، فضيلة الشّيخ الوقور السّيد عبد الرّحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حضرات الإخوة المشائخ والإطارات والأساتذة، حضرات الحضور الكرام، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. فما أعظم هذه المناسبة السّعيدة، وولايتنا الفتية تستقبلكم بين أحضانها بحبّ ووفاء، وأنتم في هالتكم الجليلة، رعاة للدّين وحماة للفضيلة، ولا أجد من عبارات التّقدير والاحترام لشخصيتكم الكريمة أنسب ولا أصدق مما قاله الشّاعر المرحوم محمد العيد آل خليفة في استقبال وفد من العلماء والأدباء منذ عقود:
على الرّحب حلّوا أجمعين على الرّحب ... فأنتم ضيوف في حمى الله والشّعب
طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى ... وسرتم إلينا كالسّحائب في الجدب
جحاجحة العرب القرائح واللغى ... فأهلا وسهلا للجحاجحة العرب
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا ... فدوسوا عليها لا تدوسوا على التّرب
وقمنا وللآذان منا إصاخة ... إليكم فهاتوا من حديثكم العذب
نعم، -أيها الإخوة-، فأنتم أحق من تبسط له القلوب والأعين، وترهف إلى حديثكم الآذان وتشرئب الأعناق، ذلك لأنه حديث موارده القرآن والسّنة، ومسار به جوهر قضايانا في مقوّمات شخصيتنا وركائز هوية مجتمعنا. إذ أننا ... -بكل أسف- ما نزال نتلمّس طريقنا إلى الوفاق والإجماع على ذلك، وسط ركام من الشّك والارتياب وتدافع في الإقدام والإحجام حتى لكأننا شعب نزل من المريخ، فتلقفته أمواج البحر فلا منقذ ولا صريخ. (1/247)
صفحة 248
وليس لنا إلا الصّراحة والوضوح علاجا لمثل هذه المعضلات التي نعتبرها من رواسب الاستعمار البغيض ومن آثاره المدمّرة لثوابت أصالتنا وتراث تاريخيا، ولا مأرز لها عند الشّدة والضّيق إلا أمثال جمعيتكم العتيدة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وما ذكرى يوم العلم عنا ببعيدة، وقد رسمنا لها في ذاكرة الأجيال رغم الجحود والإنكار من الإمّعات المتخاذلين. رسمنا أروع صورة للإمام ابن باديس ورفاقه -رحمهم الله- وهم يركزون أسس هويتنا بإعلانهم التّاريخي للثالوث المبارك: الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا. مما كان له إلهام لثورتنا المجيدة وهي تعلن بيان أول نوفمبر 1954م. فلا -وربّك- لن يبيد ما سطرته دماء الشّهداء، ولن يحيد الشّعب عن مبدئه الأصيل مهما ناوشته مكائد الأعداء، لأنه ميثاق مقدّس لا تتنازعه الأهواء، ولا تعبث به أيدي السّفهاء، وشعبنا أبيّ لا يذلّ ولا يهون، ومن طبعه الوفاء، فلا يغدر ولا يخون.
فليقصر الغاوون، فإن الله غالب على أمره، يملي للظالمين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
وبعد، فيا أيها المحفل الكريم، يطيب لي مرة أخرى أن أبارك جمعكم، وأهنئكم على هذا التّكريم المخلص، أصالة عن نفسي ونيابة عن أعضاء مجلس "عمي سعيد" الموقّر (الهيئة العليا لعزابة وادي ميزاب ووارجلان) وهو الصّنو الكريم لجمعيتكم العتيدة في خدمة الدّين وإعلاء كلمة الله في هذه الدّيار الطّيّبة فنعم المكرّمون أنتم باسم جلالة الله وفي حمى هذا الشّعب الكريم بقيادته وجمهوره وأنتم منه كالجوهرة في صدفتها لا تزيدها إلا نفاسة ولمعانا، وكحشاشة الرّوح في جسدها لا يزداد منها إلا مناعة وحصانة. (1/248)
صفحة 249
فلا تخوّفنّكم وعثاء الطّريق، فإن الرّائد لا يكذب أهله مهما طالت به المسيرة، وإن لكم في رسول الله وصحبه إسوة حسنة في المثابرة والمجاهدة: {وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ} (آل عمران:139). ورحم الله المتنبي إذ قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
سدّد الله خطاكم وكلأكم برعايته في الحلّ والتّرحال، والسّلام عليكم ورحمة الله.
العطف: يوم الخميس 26 ربيع الأول 1426هـ الموافق ليوم 05 ماي 2005م.
من أجلك يا شباب.
طلب مني فوج النّهضة للكشافة الإسلامية في العطف أن أكتب له افتتاحية لمجلة يعدّها الفوج لمناسبة إحياء الذّكرى السّتين والذّكرى العشرين، الأولى لتأسيس الفوج والثّانية لانبعاثه سنة 1975م. وقد خصّص الفوج لتلك التّظاهرة أيام: 02 - 03 - 04 من جويلية 2005م. فكتبت هذه الكلمات.
يقول شاعر المهجر "إيليا أبو الماض" في شأن الشّباب:
إذا أنا أكبرت شأن الشّباب ... فإن الشّباب أبو المعجزات
هم الزّهر في الأرض إذ لا زهور ... وشهب إذا الشّهب مستخفيات
حصون البلاد وأسوارها ... إذا نام حرّاسها والحماة
غد لهم وغد فيهم ... فيا أمس فاخر بما هو ءات
تلكم هي النّظرة المثلى لعنصر الشّباب ومنزلته في حياة الأمم والشّعوب، يحمل همّها كل غيور على وطنه، ويقتنع بها كل محب ّلأبناء جيله يريد لهم المجد والسؤدد، ويتمنّى لهم الخير والصّلاح. ولكن مرحلة الشّباب حسّاسة صعبة المراس في التّأقلم مع متطلبات البيئة وإفرازات الواقع؛ لأن القوة -أحيانا- تعمي وتصمّ فتكسر الحواجز والسّدود، وتستعصي على الضّوابط والقيود. (1/249)
صفحة 250
فلا بدّ -إذن- من أطر وأنظمة للترويض والتّدريب، ومن وسائل وآليات لللتثقيف والتّهذيب. وما المدرسة الكشفية إلا إحدى تلك الوسائل والآليات. فإن الرّائد العالميّ في وضع النّظام الكشفي "روبر بادن باول" كان ثاقب النّظرة عالي الهمّة في اهتمامه بتلك الشّريحة من المجتمع، ليرتفع بها إلى مستوى طموحات رجال الإصلاح والتّغيير، فاستغل تلك الطّاقات في ما يعود على مجتمعاتها بالنّفع والخير. ومن شأن الأفكار العظيمة والحركات الهادفة الحكيمة، إذا اقتنعت بها النّفوس الأبية، أن تجد لها صداها في صفوف المريدين والأتباع وتنتشر فكرتها في كل الرّبوع والأصقاع. ذلك ما حققه الرّائد: "بادن باول" في أوائل القرن العشرين انطلاقا من بلاده: "انجلترا" وانتشارا بعد ذلك في ربوع العالمين.
ولم تكن جزائرنا الحبيبة بمنأى عن تلك الحركة العالمية. ولئن كان الاستعمار البغيض يومئذ يحاول خنق أنفاسها وتكبيلها بالقيود، فإن روح المقاومة في أبنائها أبت إلا أن تبتهل تلك الفرصة للقيام بكلّ نشاط ينمّي قدرات شبابها بدنيا ونفسيا وخلقيا، مما كانت تسمح به قوانين المستعمر الخؤون، فوجدت في أنواع الرّياضات -سيما في كرة القدم- متنفّسا تعبّر فيها عن طموحاتها وآمالها. وكان النّظام الكشفي هو الملاذ الأمين والمنبت الطّيّب لزرع الرّوح الوطنية في نفوس الشّباب، ولتفجر بركانا هائجا أمام قوات الاستعمار في حوادث 08 ماي سنة 1945م والتي كانت بمثابة إرهاصات صادقة للثورة التّحريرية في نوفمبر 1954م. (1/250)
صفحة 251
وهل كان من الممكن أن تبقى الفكرة الكشفية حكرا على الحواضر الكبرى في الشّمال، فلا تسري حركتها في الأرياف والبوادي؟، كلا، فإن الواقع التّاريخيّ قد سجّل بفخر واعتزاز تلك المبادرة الشّجاعة التي قام بها أبناء السّهوب والجنوب الجزائري على الرّغم من الحكم العسكري المستبدّ الغاشم، فقد تتابعت الجمعيات الكشفية في هذه المناطق مواكبة للتعليم العصريّ بها حتى حصلت على اعتمادها الرّسميّ بعد الحرب العالمية الثانية.
يقول الشّيخ عدون -رحمه الله- في كتابه: (معهد الحياة نشأته وتطوّره) يقول: "يعمل المعهد لتخريج التّلميذ رجلا كاملا في رجولته، مثقفا في عقله، مهذّبا في نفسه، قويّا في بدنه. ولكي يضمن له هذه القوى فكّر مسيّروه في الأعمال الكشفية التي تحقق في التّلميذ ما يصبو إليه من كمال، فأحدثوا فرقا كشفية سنة 1363هـ/1943م. والحرب العالمية الكبرى حامية الوطيس، فكانوا يدرّبونه على أعمال الكشف بصورة غير منتظمة، ثم جاءت جمعية القدماء سنة 1367هـ/1947م فأسّست جمعية باسم "كشافة الجنوب" في نفس السّنة وانتخبت لها إدارة تسيّرها وتشرف على أعمالها". (1)
إنني أذكر باعتزاز وفخر أنني كنت أحد المتربصين في المخيّم التّدريبيّ الذي أقامه المعهد في السنة المذكورة خارج القرارة. وكان يقوم على تنشيطه القائد الكشفيّ الفرنسيّ "جون مايير" واستمر لأربعة أيام تدربنا خلالها على مختلف الأنشطة الكشفية، فأصبح أغلب المتربصين بعد ذلك قادة للكشافة في مختلف قرى ميزاب. ومن أولئك القادة الشّيخ الحاج أيوب إبراهيم بن يحي -قرادي- ويعتبر بحق المؤسّس الأول لفوج النّهضة بالعطف سنة 1948م. عندما استقرّ في البلد مديرا لمدرسة النهضة.
__________
(1) - معهد الحياة نشأته وتطوّره: ص 82 - 83. (1/251)
صفحة 252
كنت ورفاقي في المخيّم التّربّصي لا نألو جهدا في أن نكون في الصّف الأول لكل الاختبارات التي كانت تجرى علينا. وقد أوتي مدربنا الفرنسيّ من الحنكة والدّهاء ما جعلنا نتجاوب معه في وقت قصير حبّب إلينا العمل الكشفيّ وقوّى فيه عزائمنا. ومن توجيهاته القيّمة لنا في ختام المخيّم، ونحن في صفوف منتظمة أمامه أنه قال لنا محفّزا ومشجعا: إن نملة وقعت في زجاجة مملوءة ماء، فأخذت تغالب الموت لتخرج من عنق الزّجاجة، فكلما صعدت بعض الشّيء سقطت إلى سطح الماء داخل الزّجاجة ولكنها في المرة التّسعين استطاعت أن تنجو بصعودها وخروجها من عنق الزّجاجة. فحاولوا أنتم أن تكون لكم إرادة تلك النّملة في خوض غمار الحياة والنّجاح فيها.
تلكم هي النّصيحة التي أسديها بدوري إليكم أيها الشّباب وأنتم تنعمون اليوم بمنظمتكم الكشفية في ظل الاستقلال الوطني وتتمتعون بمختلف الوسائل التي سخرتها من أجلكم.
وليتني بقيت شابا في مثل قوتكم ونشاطكم وأنا أستذكر هذه الذّكريات السّعيدة من أيام شبابي. ولم يبق منها إلا حلو الأحلام وجميل الصّور والأطياف ولسان حالي يقول مع الشّاعر:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبى ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
العطف يوم الجمعة 17 جمادى الأولى 1426هـ الموافق ليوم 24 جوان 2005م.
حفل تكريم بلدي.
نظمته البلدية في العطف يوم الجمعة 25 رمضان 1426هـ الموافق لـ 28 أكتوبر 2005م. بمسجد "با عبد الله" في أذان العشاء مباشرة، لتكريم بعض الأئمة وبعض من حفظة القرآن من أبناء البلدة لجميع المتساكنين. وقد حضره حشد غفير من رجال ونساء. كما حضرته الهيئات الدّينية وأشرف عليه كل من رئيس الدّائرة الأخ محمد سعيد ابن ?ـامو والابن رئيس البلدية ابن يوسف إبراهيم بن داود وممثل مديرية الشّؤون الدّينية الأخ "بارود يوسف" فألقيت هذه الكلمة بعد توزيع الجوائز. (1/252)
صفحة 253
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (الفرقان:1). {وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنَ اَرَادَ أَن يَّذَّكَّرَ أَوَ اَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان:62). نحمده تعالى حق حمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» (1)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
جناب السّيد رئيس الدّائرة الأخ الكريم السّيد رئيس البلدية، حضرات الأئمة والمشائخ، أبنائي الطّلبة أيها المواطنون الأعزاء:، السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، تقبل الله صلاتكم وقيامكم بمزيد من الأجر والثّواب، وسلكنا جميعا في عداد العتقاء من النّار بفضله تعالى ومنّته. مرحبا بكم في رحاب بيت الله.
إنها لسنة حميدة وسعي مشكور أن تنظم بلديتنا الفتية مثل هذا الحفل الكريم في هذا المكان العامر وفي ليالي القدر والأجر تكريما للأئمة المتربصين وللطلبة المستظهرين لكتاب الله بمباركة الهيئات الدينية الموقرة، وحضور مسؤولينا الأجلاء جازى الله الجميع خير الجزاء. ومن أولى بالتّكريم والتّشجيع من هؤلاء المحظوظين الذين اختارتهم عناية الله أن يؤمّوا صفوف المؤمنين في ليالي الأجر والقدر، ويحيوا في بيوت الله مجالس الذّكر، قياما بالصّلاة والعبادة، وتلاوة لكتاب الله في حسن ترتيل وأداء، خاشعين لله أطهارا كملائكة السّماء.
__________
(1) - رواه مسلم من حديث جابر، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حديث 1218: 2/ 886. (1/253)
صفحة 254
نعم، إنهم لمحظوظون إذ جعلوا من صدورهم وعاء لكتاب الله، وأعطوا من جهودهم قسطا لعمارة بيوت الله، في زمن ضعفت فيه الغيرة على الدّين، وتهافت فيه النّاس على زينة الدّنيا ومتاعها مفتونين متكالبين، وأعداء الإسلام يحيطون بالأمة متربّصين، فطوبى لهؤلاء الأبناء إذ سلكتهم الأقدار في عداد الهداة الصّلحاء. فأصبحوا في مجتمعاتهم مناط الأمل ومعقد الرّجاء، وذلك من فضل الله عليهم وعلى ذويهم، فليستبشروا خيرا وليطلبوا من الله المزيد، فإنهم لعلى هدى وعلى صراط الله العزيز الحميد.
وإذا رأيت من الهلال نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
أيها الإخوة المؤمنون، أينا لا ينشرح صدره لمثل هذه المبادرة الطّيّبة؟. وأيّنا لا يبارك هذا التّدبير الحكيم من طرف بلديتنا، وهي تحبو برعايتها كل أبناء دارتها في شهر اليمن والبركات؟. برّا وإحسانا للمواطنين المعوزين، وتكريما وتشجيعا لحملة كتاب الله والأئمة المتربّصين؟.
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
إنها للفتة كريمة وسعي مشكور يشيع المحبّة والإخاء ويديم الألفة والوفاق في صفوف المواطنين، وينشر الأمن والطّمأنينة في ربوع بلديتنا الطّيّبة، وهي ما تزال -بفضل الله- رمزا للتكامل والانسجام، ومربعا للوحدة والوئام، يعترف لها بذلك القاصي والدّاني. في وقت ما فتئت فيه خفافيش الظّلام، تسعى للبلبلة وتكريس الخصام، من بعد ما رضي الشّعب بميثاق السّلم والمصالحة الوطنية. والله تعالى يقول في الحديث القدسي: «طوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل لمن خلقته للشرّ وأجريت الشّر على يديه» (1).
__________
(1) - تقدّم تخريجه: ص 98. (1/254)
صفحة 255
أما آن لنا أيها المؤمنون أن تخشع قلوبنا لذكر الله وما نزل من الحق؟. ونحن في هذه المصحّة الرّبانية من شهر رمضان، وقد تزوّدنا بزاد التّقوىّ، فتطهرت نفوسنا من أرجاس الحقد والكراهية، وتطعّمت ذواتنا بأمصال الحبّ والبرّ والإحسان، وأصبحنا في لياقة تامّة واستعداد كامل لمواصلة مسيرتنا في طريق الخير والصّلاح بما يعود على ديننا بالعزّ والتّمكين، وعلى وطننا المفدّى بالأمن والرّخاء والازدهار في كل الميادين.
إنها لأمان تهدهد كل النّفوس الغيورة ورجاءات تدغدغ القلوب الكبيرة. والله القاهر فوق عباده، والحكيم في تدبير شؤون خلقه هو وليّنا ونعم النّصير. ندعوه بالخير والفرج القريب، وكلّ من دعاه في هذه اللّيالي المباركة لا يخيب.
فاللّهم إننا نجأر إليك مخلصين فاغفر حوبنا، واكشف ضرّنا، وثبت أجرنا وشدّ أزرنا، وحقق على الأعداء نصرنا. اللّهم لا ملجأ منك إلا إليك، وقد تداعينا لتكريم حملة كتابك فجد علينا بالرّضى والقبول، ولم نأل جهدا في عمارة بيوتك فتقبل منا كل عمل تقربنا به إليك، وحقق لدينا كل مأمول، اللهم بارك في وحدتنا، وأدم الأمن والهناء لبلدتنا ووطننا، ووفق إلى الصّالحات ولاة أمورنا. واكف عنا يا إلهنا شرّ الأشرار وكيد الفجار ووساوس الأفكار، وشرّ ما يختلف بين اللّيل والنّهار، إنك أنت الواحد القهار.
وختاما انتهز هذه الفرصة المباركة لأقدم تهانينا الحارة لكل الحاضرين مسبقا بالعيد السّعيد، أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية جمعاء باليمن والبركات، ونحن جميعا متمتعون بأنعم الله الضّافية ودوام الصّحة والعافية. وكل عام ووطننا المفدّى بخير، والحمد لله ربّ العالمين.
في مهرجان الطّفولة السّعيدة. (1/255)
صفحة 256
أقامت جمعية "الطّفولة السّعيدة" تحت رعاية وزارة الثّقافة ووزارة التّربية الوطنية. أقامت ملتقى وطنيّا: "للطفل والكتاب" في بلدة العطف استمرت فعالياته لثلاثة أيام السّبت والأحد والاثنين: 25 - 26 - 27 مارس. فدعت إليه فوجا من الدكاترة المحاضرين الإخصائيين في تربية الطّفل وفي أدبه من القصص والرّواية. فحضر السّيد الوالي ووفد من ضيوف الجزائر هم من المحامين والموثقين كانوا قد عقدوا ندوتهم في العاصمة. وفي حفل الافتتاح بالقاعة المتعددة الخدمات للبلدية ألقيت هذه الكلمة التي كان لها صدى كبير في الحاضرين وذلك ليوم السّبت 25 مارس 2006.
الحمد لله الذي كرّمنا وفضّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا، وحبانا لتدبير شؤوننا أنفسا وعقولا. وسنّ لحياتنا سننا لا نستطيع عنها تحويلا. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أكرمْ به في العالمين مربيّا ورسولا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير البرايا وأكرمهم، أما بعد: (1/256)
صفحة 257
جناب السّيد الوالي، فضيلة السّيد رئيس المجلس الشّعبيّ الولائي، السّيد المدير المركزي لدى وزارة العدل، السّيدة الممثلة لوزارة الثّقافة، السادة مساعدي القضاء بالجزائر وفرنسا وبلجيكا وليبيا، السّادة ممثلي منظمة "اليونسيف"، السيد المستشار لدى رئيس الحكومة، السّادة النّواب بالمجلس الشّعبيّ الوطنيّ، السّيد النّائب العام لدى مجلس القضاء بغرداية، السّادة المديرين التّنفيذيين بالولاية، السّيد رئيس الدّائرة، والسّيد رئيس البلدية، أيها الجمهور الكريم: السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. لقد شرفتم بلدتنا الطّيّبة إذ تحضنكم بشوق وحنان، وأشرقتم في سماء هذه التّظاهرة المباركة بدورا نيّرة تزيّن الآفاق، وتغمر الفضاء بالتّوهّج والإشراق، طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، فأهلا وسهلا ومرحبا بكم مكرّمين طيّبين، فأنتم من القلوب في السّويداء، ومن النفوس في مقام الأحباء الأصفياء.
إن حضورنا -أيها السّادة- لهذه التّظاهرة التي نسّقتها جمعية الطّفولة السّعيدة لتكتسي أهمية كبرى، لما لها من أهداف سامية، ولما حققته هذه التّجربة الرّائدة في ترسيخ حبّ القراءة لدى أطفالنا منذ نعومة أظفارهم، حبّا لا تناوشه المغريات المنحطة مما تعجّ به بيئتنا من ملهيات لا تكاد تفارقنا ليلا أو نهارا، تغزونا في عقر ديارنا ولا نستطيع عنها فكاكا. بل نغدّيها -أحيانا- بأموالنا بدافع التّقليد والمحاكاة، لا بنظرة العقل السّديد، أو بالمنهج التّربويّ الرّشيد. فإذا كان الولد أعظم منحة من الله لوالديه، فهو الأمانة الثّقيلة التي يحاسب عليها عندما تنشر صحائفه بين يديه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل مولود يولد على الفطرة وأبواه ينصرانه أو يهوّدانه أو يمجسانه» (1).
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث 1358: 2/ 93. (1/257)
صفحة 258
فكل مسعى يعيننا على التّربية الرّشيدة، ويأخذ بأيدينا إلى أن نحقق لأولادنا الطّفولة السّعيدة. فنحن نفتح له صدورنا، ونتجاوب معه بكل جوارحنا، إذ نلمس آثاره في سلوك أطفالنا التزاما بالنّشاطات المبرمجة، وإقبالا على المراكز المعيّنة لكل فوج، وتنافسا بريئا في المسابقات والنّشاطات، لا تثنيهم عن ذلك شمس ولا زمهرير، ولا يصيبهم عجز ولا فتور. بل نراهم سعداء في غدوّهم ورواحهم. فكيف لا نسعد بمرآهم، وكيف لا نطيب نفسا بمسعاهم؟ وهم زهور بيوتنا وفلذات أكبادنا، وعماد ظهورنا؟ وهم منحة الخالق بين أيدينا؟ لا نجد طعم الحياة إلا في مناغاتهم ومراودتهم ولا نتحمّل لأواءها إلا لترضيتهم وإسعادهم.
وهل أقدس في الحياة البشرية عند الله وعند النّاس من أن تغدو والدا رحيما حنونا أو مربيّا حكيما تزجي قوافل الأجيال على طريق الخير والصّلاح، وتوفّر لها أسباب التّوفيق والنّجاح، وتعدّها حصنا حصينا للفضيلة والعلا، وملاذا أمينا للوطن والحمى؟، وهل أعظم أجرا عند الله وأجزل ثوابا من أن يهدي الله بك رجلا في زمن كثر فيه الغاوون وقلّ فيه النّاصحون؟.
فطوبى لكم -أيها المربون- وإن جحد حقكم الأكثرون، فأنتم بحق الأئمّة الأبرار، لا تقلّون منزلة عند الله من المصطفين الأخيار، لأنكم بناة لصروح العزة والمجد وحداة للمواكب البشرية على طريق الخير والرّشد. فواصلوا جهادكم بخطى ثابتة ولا تفتننّكم المثبطات والتّحديات، ولا تستفزنكم الأقاويل والدعايات: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَرْضِ} (الرّعد:17). سدّد الله خطاكم وثبت أقدامكم وألهمكم العزيمة والصّبر، وأجزل لكم الثّواب والأجر. (1/258)
صفحة 259
أيها المحفل الكريم، ما أروع أن نجد أولياء أمورنا بين جموعنا يشجعون هذه التّظاهرات الثّقافية الهادفة، وما أعظم جهودهم في كل ما يعود على شعبنا من الرّفاه والازدهار، ومن الأمن والاستقرار، نرجو لهم من الله الرّشد والسّداد، ومن جماهيرنا الكريمة كل الإخلاص والوفاء. عاشت جزائرنا مكرمة عزيزة شامخة الذّرى في المجد والعلا، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم السّبت 25 صفر 1427هـ الموافق ليوم 25 مارس 2006م.
في حفل الجوائز بالنهضة
للموسم الدراسي: 2005 - 2006م، والخاصّ بالبنات
الحمد لله الذي يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويضلّ ويهدي، بيده نواصينا، ماض فينا حكمه عدل فينا قضاؤه، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فيا أيها المجمع الكريم، حضرات أعضاء الحلقة الموقرة وأعضاء إدارة النّهضة، أيها الأولياء الفضلاء، أيتها الأمهات الفضليات، أيتها الطّالبات النّجيبات، حفظ الله جمعكم وبارك مسعاكم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
فقد آثرت في هذه التّظاهرة المتميّزة أن تكون كلمتي مكتوبة، لأنها أثبت في مواقف الارتباك، وأبقى لذاكرة التّاريخ والأجيال، إذ جاءت بعد زخم من التّكريمات أرادها الجمهور الكريم لشخصي الضّعيف، وأقامها في إخلاص ووفاء هنا وهناك دونما طلب مني ولا استشارة ولا طمع منهم في سلطة لي ولا جاه، ولكن اعترافا منهم بالفضل لذويه وحبّا في الله، وقد وجدتني محرجا وأنا أمام تلك الأضواء، ومشفقا على نفسي عساها أن لا تكون على ذلك المستوى، ولكن ما حيلتي أمام العواطف الجياشة لجمهورنا الكريم؟. إلا أن تتحقق لي في ذلك المقولة المأثورة: ألسنة الخلق أقلام الباري. فالحمد لله أوّلا وآخرا، والشّكر الجزيل لكل من شارك من قريب أو بعيد. (1/259)
صفحة 260
أيها الإخوة الأعزاء، ما هي العبرة التي نستخلصها من وراء تلكم التّظاهرات والنّشاطات؟ وما هذا الذي يدفع النّاس للإشادة بشخص أو بمجموعة من النّاس، ربما كانوا يعملون في الظّل فلا يرجون جزاء ولا شكورا؟. أهو وجاهتهم وعلمهم، أم هو مالهم وحسبهم، أم هي أشخاصهم وألقابهم؟. كلا وألف كلاّ، إنه الإخلاص في العمل، والوفاء بعهد الله، والرّغبة في الخير لجميع خلق الله، مهما كانت الظّروف والأحوال. ذلك ما يجعل السّير على صراط الله القويم سهلا ميسّرا، وإن كان محفوفا بالمكاره. والقعيد الوافي هو الذي يأمن الانزلاق والعثار، فيا أيها المربّون ويا جنود الخفاء، لا شك أن لكم من رصيد الإخلاص في عملكم والوفاء لبلدكم ما تستحقون به التّكريم والتّبجيل. فلم يكن أمير الشّعراء متملقا لكم حين قال:
قم للمعلّم وفّه التّبجيلا ... كاد المعلّم أن يكون رسولا
أرأيت أشرف أو أجل من الذي ... يبني وينشي أنفسنا وعقولا؟
وإني لأغبطكم في نشاطكم هذا وقد أناخ علي الدّهر بكلكله، فتنتعش الذّكريات في نفسي حين ألقاكم، ويشوّقني مرءاكم، فلا أعتبر متعة الحياة إلا في عملكم الدّؤوب وأنتم تزجون صفوف الأجيال على دروب العلا والمجد قادة أوفياء، ورعاة شرفاء، وحسبكم شرفا عند الله وعند الناس أن تكونوا بمنزلة الأنبياء. سدّد الله خطاكم ومنحكم الصّبر والثّبات. (1/260)
صفحة 261
أيها الزملاء الأوفياء، لقد طال بي المشوار في حلبة التعليم والإرشاد، فاكتسبت من الخبرة أروع زاد، ولا أزال أغدّ السّير وأنا على خطوات من يوم المعاد. فأرجو من الله حسن الخاتمة وجميل العاقبة. وإذا ما حاولت أن أفيدكم ببعض ما تزوّدت به في هذه الرّحلة الطّويلة، فهو أن تركّزوا في أنفسكم حبّ هذا البلد الذي احتضنكم في المهد، وحباكم بخيراته دونما منّ ولا كيد، وهو باق على حبّه وبرّه لكم حتى الثّواء في اللّحد. فواجبكم أولا أن تبادلوه حبّا بحبّ ووفاء بوفاء فإن ذلك يشحذ عزائمكم ويثبّت أقدامكم أمام المثبطات، ويذيقكم في مسار جهادكم متعة الحياة، فإن المحبوب مهما تدلّل وقسا، أو تظاهر بالجفاء، فإن قلب الحبيب يزداد به حبّا وولعا، ويحتمل في سبيل إرضائه كل تعب ووصب، فلم يخطئ الشّاعر حين قال:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة ... وقومي وإن ضنّوا عليّ كرامُ
قد يتنكر حسود، وقد يتردّد مرتاب -وتلك طبيعة البشر- فإياكم والنّكوص على الأعقاب لأن ذلك لا يوقف الفلك الدّوار، ولا يثني إرادة الواحد القهار: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف:21).
فلنستمع إلى تجربة أمير الشّعراء حين وَخَطَهُ الشّيب إذ يقول:
فمن يغتر بالدنيا فإني ... لبست بها فأبليت الثّيابا
جنيت بروضها وردا وشوكا ... وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما ... ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا ... صحيح العلم والأدب اللّبابا
ولا كرّمت إلا وجه حرّ ... يقلد قومه المنن الرغابا (1/261)
صفحة 262
نعم، وأنا بدوري أرجو أن يكون الذي حدث لي من التّكريم هو من هذا القبيل من تعظيم العلم والأدب اللّباب، والإشادة بوجه حرّ قلد قومه المنن الرّغابا، وطوبى لقوم تجمعهم المودّة والرّحمة، ويحدو بهم الإنصاف ومراعاة الجميل. ولا إخالكم -أيها الرّفاق الفضلاء- إلا سائرين على هذا الدرب، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وجمهورنا الكريم عينه بصيرة لا يخطئ في التّقدير، فهو لا يخيس لكم عهدا ولا ينكر لكم جهدا.
فامضوا على بركة الله صامدين ثابتين لا تغوينكم مفاتن الدّنيا، لأن ما أنتم عليه من الرّضى والقناعة هو أغنى من كل حظ، وأبقى لكم عند الله وعند النّاس ذخرا، وأغلى في مجال المكرمات فخرا، وها هي ثمرات جهودكم تشهد لكم بالإخلاص والوفاء، وتسجّل لكم أصدق شهادة بأنكم الأجلاء الفضلاء. نرجو لكم عطلة طيّبة تزيح عنكم وعثاء الطّريق، وعودة ميمونة، مكلّلة بالنّجاح والتّوفيق. كما نرجو لبلدتنا الطّيّبة ولجمهورنا الكريم دوام الصّحة والهناء، ومزيدا من الازدهار والأمن والرّخاء، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف: يوم الخميس 12 جمادى الأولى 1427هـ الموافق لـ 08 جوان 2006م.
في الملتقى الوطنيّ الأول حول فكر القائد الرّمز
الشّيخ حمو بن عمر فخار (1907م-2005م)
للأيام: 15 – 16 - 17 - 18 جمادى الثانية 1427هـ
الموافق لـ 11 - 12 - 13 - 14 جويلية 2006م.
الحمد لله الواحد القهار، يصرّف الأقدار ويقلّب اللّيل والنّهار، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله الحبيب المختار، وعلى آله وصحابته الأبرار ومن اتبع هداهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار أما بعد: (1/262)
صفحة 263
حضرات المشائخ وسراة المجتمع من الإطارات والأعيان، حضرات الإخوة المواطنين إخوة الدّين والإيمان، وأولي البرّ والإحسان. السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته حفظ الله جمعكم، وبارك مسعاكم، وجعل الجنة مثواكم. جئنا إلى هذا المكان العامر بنفوس خاشعة وعيون دامعة قد برّح بها الادّكار، وهزتها ذكريات الأحبة الأخيار بعدما غيبتهم الثّرى وصاروا إلى دار القرار.
ما أحمق الإنسان يسكن للمنى ... والموت يخطر حوله ويجول
يهوى الحياة كأنما هو خالد ... أبدا ويعلم أنه سيزول
لا تركنن إلى الحياة فإنها ... دنيا هلوك للرجال قتول
ذ
نعم أيها الإخوة، ذلك هو شأن الحياة نتعشقها على ما تناوشنا به من أكدار ومنغصات، ونتشبث بها على ما في طبعها من التّمنّع والانفلات ونأنس بالأهل والأولاد والأحباب غير آبهين لمفاجآت الأقدار. فكَم من عزيز علينا اختطفته يدا المنون ولا نملك له سراحا، وكم من رجال لهم مقام معلوم بيننا ملأوا الدّنيا مجدا وسؤددا، انتهى بهم الأجل فما خالفوا له موعدا!: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23). بل هم كما قال الله في أمثالهم: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146). (1/263)
صفحة 264
وما فقيدنا الشّيخ حمو بن عمر فخار إلاّ أحد هؤلاء الرّجال الأفذاذ ممن ركّزوا على مسرح الحياة وقفاتهم ودوّوا على مسمع الزّمان بصرخاتهم، تعليما وتربية، ونصحا وإرشادا، وحلاّ لمشاكل المواطنين، وإصلاحا لذات البين في هدوء ورزانة، لا يبتغي من وراء ذلك حظا ولا مكانة. وإنما هو النبل والشّهامة، وحبّ العزة والكرامة في الخير والإصلاح لكل أبناء جيله، وهو القدوة والرّمز تحققت في شخصه الكريم صفات القائد الممتاز وخصائص السيّد المطاع. ولقد عرفته في أحضان البعثة بالقرارة وخبرته في ميدان العمل المشترك بمختلف المجالس والملتقيات، وأعجبت بأسلوبه وبيانه من خلال أحاديثه ورسائله، وانتفعت كثيرا بنصائحه وإرشاداته عند مختلف المناسبات فما وجدت فيه إلا العبقريّ الفذّ والنّابغة الأريب، يتهيّبه الرّفيق البعيد، ويحبّه ويبجله الخلّ القريب، وإني لأتمثل في شخصه الكريم ما قاله إيليا أبو الماضي وهو يرثي صديقا له حميما فيقول:
سكت الذي راض الكلام وقاده ... حتى كأن لسانه مكبول
يا قائل الخطب الحسان كأنها ... لجمالها الإلهام والتنزيل
إن كان ذاك الوجه حجّبه الثرى ... للنّجم في كبد السّماء أفول
ليس الحمام بناقد لكنما ... قدر العظيم على العظيم دليل
نم تحرس الأملاك قبرك إنه ... فيه الوقار وحوله التّبجيل
فلكَم قطعت اللّيل خاف نجمه ... متهجّدا والسّاهرون قليل
مستنزلا عفو الإله على الورى ... حتى كأنك وحدك المسؤول
أنفقت عمرك في الإله مجاهدا ... أجر المجاهد في الإله جزيل (1/264)
صفحة 265
فيا جار الأبدية ويا نزيل الحضرة القدسية ويا رافلا في الحلل السندسية. أين أهل الدّنيا وولدانها من الولدان المخلدين، ومن الحور العين كأمثال اللؤلؤ المكنون؟، وأين المسكن المريح في جنبات الأرض من المساكن الطّيّبة في جنات عدن، وأين الأصحاب والخلان -وقد نزغ بينهم الشّيطان- من الخلاّن الطّيّبين وقد نزع الله ما في قلوبهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين، بل أين متع الدّنيا كلها من لذة الرّضوان في جوار الرّحمن؟. فلا شك أن لك من كل ذلك النّصيب الأوفى -بإذن الله-: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (الضحى:5).
فإذا كان المسؤول العظيم -كما قيل- يحمل هموم قومه حيّا وميّتا، فإننا نواسيك في مرقدك النّاعم، ونطمئنك في مثواك الكريم بأن الرّكب الذي كنت تحدوه ما يزال يغذّ السّير على طريق الصّلاح والهدى، وأن الموكب الذي كنت تقوده ما يزال متراصّ الصّفوف ثابت الخطى موحّد الاتجاه، لأنك جعلت الله دليلك في مسارك الشّاق الطّويل واتخذت من الرّسول الكريم قدوتك في سياسة الخلق رحمة ولينا وتواضعا في صبر جميل. فنم قرير العين، وانعم بالرّوح والرّيحان فسلام عليك يوم ولدت ويوم متّ، ويوم تبعث حيّا.
أيها الإخوة الأعزاء، لئن كان فقيدنا المرحوم الشّيخ حمو فخار رمزا من رموزنا وعلما من أعلامنا، طبع مسيرتنا بشارات المجد والسّؤدد، وحافظ على تراثنا الحضاريّ وزكاه بما يرفعه إلى مستوى التّحديات، حتى لا تنال منه النّوائب والعاديات، فإن استمرارية هذه الأمانة الثّقيلة هي اليوم على عواتقنا وتحت مسؤوليتنا، فهل نحن واثقون من أنفسنا بأننا جديرون بخلفة الأخيار، لنسير على الدّرب وتواصل المشوار؟، ذلك ما يجب أن نؤكده ونتعاهد عليه بمناسبة هذه التّظاهرة الكريمة، سدّد الله خطانا وهدانا سبل رشدنا. (1/265)
صفحة 266
وإنه ليشرفني في مقامي هذا أن أنوب عن نفسي وعن كل هيئاتنا العرفية في قرى الوادي على مختلف مستوياتها وأصعدتها في التّعبير عن أزكى عواطفنا وأغلى مشاعرنا نحو الفقيد وأسرته أولا، ونحو أسرته الواسعة في مدينة غرداية ونحو مجتمعه الكبير في وطنه المفدّى الجزائر وفي العالم العربّي والإسلاميّ قاطبة. فلم يكن -رحمه الله- ضيّق الأفق ولا حبيس مسقط رأسه، بل كان واسع الآفاق يرى كل جزائريّ أخا له في الدّين والوطن، وكل عربيّ مسلم أخا له في اللّغة والتّاريخ والدّين، وكل إنسان أخا له في الكرامة الإنسانية. تغمده الله بواسع رحماته، وأسكنه فسيح جناته وسلكه في عداد الخالدين، وجعلنا من بعده أئمة مهتدين، والحمد لله رب العالمين.
العطف يوم الثّلاثاء 15 جمادى الثانية 1427هـ الموافق لـ 11 جويلية 2006م.
في مهرجان معهد عمي سعيد.
أقامت إدارة معهد "عمّي سعيد" أياما دراسية علمية تحت عنوان: من الشّيخ عمّي سعيد بن عليّ الجربيّ تـ 927هـ/1521م إلى الشّيخ حمو بن موسى "عمّي سعيد" 1425هـ/2005م للأيام: 09 - 10 - 11 شوال 1427هـ الموافقة لـ 01 - 02 - 03 نوفمبر 2006م. دارت فعاليتها في مسجد "بابا سعد" الشّرقي بغرداية. وقد وجهت إليّ دعوة خاصة للمشاركة فحضرت حفل الافتتاح الرّسمي ليوم فاتح نوفمبر حضره الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي كما حضرته السّلطات الرّسمية وعلى رأسها السّيد الوالي فألقيت هذه الكلمة باسم مجلس عمي سعيد، وقد جلست من أول الحفل على المنصّة الشّرفية.
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نشكره تعالى ونستشرف رضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (1). صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين.
__________
(1) - تقدّم تخريجه: ص 24. (1/266)
صفحة 267
أما بعد: سماحة شيخنا الجليل السّيد أحمد بن حمد الخليليّ، جناب السّيد والي ولاية غرداية، سيدي رئيس المجلس الشّعبي الولائي، حضرات المشائخ أعضاء حلقات العزابة الأجلاء، والإخوة الفضلاء من أساتذة ومسؤولين وأولياء، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
يشرفني أن أقف بينكم موقفي هذا باسمي الخاصّ وباسم مجلس "عمّي سعيد" الموقّر لأقول مباركا ومهنئا: لقد اهتزت جنبات هذا المسجد العامر بلقياكم، وخفقت حنايا الصّدور بمرآكم. فما أروح على النّفوس هذه الملاقاة بسراة مجتمعنا في تجاوب وانسجام، وما أروع في العلائق البشرية هذا التّلاحم بين المحكومين والحكام!. لأنّه من تواضع لأخيه المسلم لم يزده الله إلا عزّا، جعلكم الله من قوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
أيها الإخوة الأعزاء، بأيّ من الحظوظ نهنئكم؟ وعلى أية نعمة نشكر الله تعالى؟، أعلى مغفرته ورحماته في شهر رمضان، وعتق رقابنا من النّيران؟، أم على فرحة العيد السّعيد وقد حصلنا فيه على الجائزة الكبرى؟. وبشر بنا في الملإ الأعلى ونعمت البشرى؟، أم على فخرنا واعتزازنا بالعيد الوطنيّ الخالد عيد أول نوفمبر رمز الحرية والانعتاق؟. أم على هذا المهرجان الكريم، احتفاء بالعلم وذويه، وتكريما لمسيرة هذه المؤسسة العتيدة "مؤسسة عمّي سعيد"، وهي تزجي صفوف الأجيال، وتحمى تراثنا من التسيّب والإهمال؟. بل هنيئا لنا جميعا بهذه الفضائل كلها، نسأل الله المزيد، وحسن التّوفيق والتّسديد. (1/267)
صفحة 268
أيها الإخوة، إنّ في الصّدر لخواطر تودّ الانفكاك من إسارها، إذ يأخذني الإشفاق وأنا أتقصّى الواقع المعيش، وأستنطق الممارسات اليومية لمجتمعنا بصفة عامّة، ولشبابنا بصفة خاصّة، يأخذني الإشفاق من تلكم التراكمات الرّديئة التي أخذت تلوث محيطنا وتكاد تخنق أنفاسنا بسمومها الفتاكة؛ لأنّ النّهر العظيم الدّافق بالمياه النقية الصّالحة سوف لا يحافظ على نقائه وصفائه إذا كانت روافده تمدّه بالمياه القذرة المتعفنة، وكلّ علاج سطحي لتلك القاذورات سوف لا تنفع في تطهير مياه النّهر. وفي ذلك الوباء المهلك -لا قدر الله-. فإذا كانت القاعدة الصّحية تقول: الوقاية خير من العلاج، فإن أمثال هذه المؤسسات العتيدة هي المراكز المعتمدة للوقاية إذا كان طاقمها على مستوى مسؤولياتهم النّبيلة، ونحن على يقين بأنهم على ذلك، جنود لله مرابطون على أشد الثّغور حساسية، وأعظمها مقاومة وأدومها يقظة وحراسة.
وإذا كانت عملية التّطعيم اليوم في المجال الصّحيّ من أنجع الوسائل في الوقاية من الأمراض القتالة، فما هو المصل الذي تعتمدونه أيها المربّون؟. وهذه الأجيال التي بين أيديكم قد تشعبّت عليهم المسالك، وتنافرت في آذانهم الأصوات، فما يدرون الصّوت السّويّ من النّاشز، فلا مناص -إذن- في العلاج من التّشخيص الذّكيّ، ومن الدّواء الزّكيّ.
فركّزوا -يا رعاكم الله- على تحصين القلوب بالعقيدة الصّحيحة، وبما يحقق القناعة الذاتية في طلابكم ليعتزوا بمقومات شخصيتهم الوطنية والدينية بحيث لا يكون انفصام بينهما، لأن جوهرة الدّين لا تزكو ولا تترعرع إلا في صدفة الوطن، فحذار من الخطأ في التّقدير، ومن التّقليد الأعمى لمن لا يريد لنا الخير. وما أوتيت أجيالنا الحاضرة إلا من قِبَل المتعالمين المتفيقهين.
وإذا أتى الإرشاد من سبب الهوى ... ومن الغرور فسمّه التّضليلا (1/268)
صفحة 269
فسدّدوا وقاربوا -أيها المربون- والله معكم ولن يتركم أعمالكم، فما يزال في أمر جهادكم متسع وفي الضّمائر الحية مزدجر.
وأنتم أيها المحسنون عليكم المعوّل في تدعيم هذه المؤسسات، فأنتم الشّرايين التي تبث الحياة في أوصالها، وأنتم السّند القويّ لتحقيق أهدافها وآمالها، فلا تبخلوا بما آتاكم الله من فضله. إذ ليس لك -أيها المؤمن- من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت. صدق رسول الله. وأختم كلمتي المتواضعة بما قاله شاعر المهجر في هذا الشّجن:
خذ ما استطعت من الدّنيا وأهلها ... ولكن تعلّم قليلا كيف تعطيها
كن وردة طيبها حتى لسارقها ... لا دمنة خبثها حتى لساقيها
أكان في الكون نور نستضيء به ... لولا السّماء طوت عنّا دراريها
أو كان في الأرض أزهار لها أرج ... لو كانت الأرض لا تبدي أفاحيها؟؟
إن كانت النّفس لا تبدو محاسنها ... في اليسر صار غناها من مخازيها
أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو التواب الرّحيم.
عاشت جزائرنا عزيزة مكرّمة. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
العطف يوم 09 شوال 1427هـ الموافق لـ 01 نوفمبر 2006م.
في ملتقى الشّيخ بكير أرشوم.
نسقت جمعية الفتح في بريان ملتقى الشّيخ بكير بن محمد أرشوم في الذّكرى العاشرة لوفاته تحت شعار: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف:108). وحددت لذلك ثلاثة أيام: ... 09 - 10 - 11 رجب 1428هـ الموافقة لأيام 24 - 25 - 26 جويلية 2007م وكنت في تلك الأيام متغيبا عن البلد، فاعتذرت عن الحضور، وشاركت بهذه الكلمة تقرأ نيابة عني. (1/269)
صفحة 270
الحمد لله الذي يجتبي من عباده من يشاء، وقد مكّن بين الخلق لهديه فجعل العلماء ورثة الأنبياء. نحمده تعالى حقّ حمده، ولا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة الفضلاء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. تمضي بنا الأيام وتتوالى السّنون، وتتراكض الأجيال على حلبة الحياة متهادية أو متنافسة، وكلها تنتهي إلى ما قدر لها من المصائر والآجال، والله من ورائهم محيط، عالم الغيب والشّهادة الكبير المتعال، وقد لا نحسّ -نحن البشر- بمواقع بعض الرّجال الممتازين بيننا إلا أن يتركوا فراغا قد لا نطيق له سدّا، لأن المعاصرة حجاب -كما يقولون- وكم من غفلة تنتابنا عن أداء حقوق بعض الأحبة والأصحاب، لا عن جفوة أو نفور، ولكن لتزاحم الواجبات، وشحّ في الفرص والأوقات.
ولعلنا -نحن الجيل المخضرم- من قدماء البعثة البيوضية في القرارة وفي تونس الخضراء ممن عانوا ذلك الواقع المؤسف، إذ توزعتنا مجالات الحياة المختلفة، وتنازعتنا مسالكها المتعدّدة، فلم يلو أحدنا على أحد إلا لمباركة وتهنئة، أو لمؤاساة وتعزية. وكم من صديق برّحت به النّوى وشطّ به المزار، فما ندري أحالفه الحظ أو ناوشته الأقدار وكم من رفيق تحمّل ما لا يطيق، فهو لا يوفّى حتى بحقوق نفسه، فكيف بغيرها من الحقوق؟. (1/270)
صفحة 271
فلا تعذلوني -أيها الإخوة الكرام- إذا صرّحت بأنني كنت على هذه الشّاكلة مع رفيقي الشّيخ بكير بن محمد أرشوم -رحمه الله- فمنذ أن فرقتنا تكاليف الحياة بعد زمالتنا في تونس الخضراء أصبح كلانا مربوطا بواجباته التّربوية والدّعوية لا يجد في برنامجه متنفسا لراحة أو استجمام، بله التّشاور والتّنسيق. لقد ترافقنا في مسار الدّراسة والتّحصيل فعرفت فيه الطّالب الأريب الطّموح والعصاميّ الفذّ، تلحّ عليه الآمال الكبيرة ليصبح ذات يوم في بلده محور النّشاط الدّعوي توجيها وإرشادا وفتوى وصدرا حنونا للناشئين، يحتضن أنيسهم، ويستأنس شرودهم حتى يفيئوا إلى الهدى والصّواب، فما قصر له باع في التّحصيل على ما يعانيه من فقدان البصر، إذ حباه الله ذاكرة قوية وحسّا مرهفا مع ذوق جمالي رفيع جمع به بين رونق الفن والأدب، ومتانة علوم الشّريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول. وهكذا وفقه الله إلى تحقيق ما كان يتمناه حتى أصبح في بلده الشّيخ الوقور له مقامه الممتاز بين رفاقه وطلابه، وله قدره الرّفيع بين أصدقائه وأحبابه.
أيها الشّيخ الوقور، لقد ظللت حارسا في ثغر معرّض لكثير من التناوشات البغيضة، وعشت مسدّدا ومقاربا في مجتمع لا تنام عنه أعين اللئام، وتهزه من حين لآخر تقلبات الأيام، فما زلت في مجاهدة ومصابرة حتى اختطفتك يد المنون، بكيفية لم تقع في حسبان ولا توقعتها الظّنون، إذ أدركك الموت وأنت مهاجر إلى الله ورسوله في البقاع المقدسة، لتحتضن جثمانك الطّاهر أقدس بقعة على وجه الأرض، فأية كرامة نريدها لك أعظم من هذه؟. إلا أن يسلكك مولاك في عداد أوليائه من الصّديقين والشّهداء والصّالحين. (1/271)
صفحة 272
لقد لبيّت نداء ربّك في خريف عمرك وأنت تتمنى حسن ذلك اللّقاء، فكنت به سعيدا إذ استرحت من لأواء الحياة وما تحمله من هموم وأرزاء. أما نحن فقد صدمنا في الصّميم، وفجعنا بالرزء الأليم، لأننا لم نحضر أنفسنا لتلك المفاجأة، ونحن ننتظر منك مزيدا من النّشاط والعطاء، بعد أن تعود إلينا من تلك الأماكن المقدسة مزوّدا بالبرّ والتّقوى، متوجّها بتاج القبول والرّضى. ولكنها حكمة الله تصرّف الأقدار كيف تشاء. فاللّهم إنا لا نسألك ردّ القضاء ولكن نسألك اللّطف فيه، فارحمنا من التّهاون والخذلان، ومن شرّ النّفوس ونزعات الشّيطان.
أيها الشّيخ الوقور، إن لك في هذا المجتمع البرّ الذي لا يبلى، وإن لك في الضّمائر والنّفوس الذّكر الذي لا ينسى. فإن مت بعيدا عن الدّيار، فإن روحك الطّاهرة ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال، وذكراك العطرة تجلّل هذه المعاني التي بذلت في بناء مجدها كل مرتخص وغال.
فنم قرير العين مطمئن البال، وقد جعل الله لك في قلوب عباده ودّا، وحباك في ذريتك صلاحا ورشدا، فنرجو لك من الله المزيد في جناته رضوانا وخلدا، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم 21 جمادى الثّانية 1428هـ الموافق لـ 06 جويلية 2007م.
في حفل تكريم.
أقامت عشيرة أولاد الحجاج للأستاذ الحاج عيسى محمد بن يحي حضره حشد كبير من رفاقه في الدّرب على مستوى الولاية ووزارة التّربية وحشد غفير من المواطنين في العطف ليوم السبت 25 ذو الحجة 1430هـ الموافق ليوم 12 ديسمبر 2009م كان لي فيه هذا الخطاب.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي كرّم بني آدم، وفضّلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، وجعل لحياتهم سننا لا محيد عنها ولا يجدون لها تحويلا. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من اتبع نهجه واهتدى إليه سبيلا. وبعد: (1/272)
صفحة 273
فيا أيها الجمع المبارك عزابة وأعيانا، ومسؤولين وإطارات ومواطنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا.
لقد تداعينا إلى هذا المكان المبارك استجابة لدعوة إخوتنا سراة عشيرة آل الحجاج الميامين، وذلك هو أدنى حقهم علينا من الإخوة الدّينية أولا، ومن وشائج القربى ثانيا، ومن أخوّة النّضال والكفاح لخدمة الدّين والوطن، بمحاربة الجهل والتّخلّف وإعداد النّشء الصّالح لمواصلة مسيرة البناء والتّشييد وتفعيل وتيرة التنمية في وطننا المفدّى إيمانا منا بأن الإنسان هو الطّاقة الدّافعة والمحرّك القويّ لعجلة التّنمية إن نحن أحسنّا إعداده وتربيته منذ نعومة أظفاره، وإن نحن أولينا الممتازين من أبنائنا الاهتمام الكافي والتّشجيع اللازم لاستغلال قدراتهم ومواهبهم. وليس هذا الحفل البهيج إلا نموذجا رائعا ولفتة كريمة إلى القيام بذلك الواجب الجماعي نحو أولئك الأفذاذ من أبناء هذا المجتمع الفاضل.
وها نحن نكرّم هذا الابن البارّ الأستاذ الحاج عيسى محمد بن يحي من بعدما اشتعل رأسه شيبا وألقى عصا التّرحال بعد مسيرة مضنية شاقة في مجال التّربية والتّعليم ولا أقول بعد ما أصبح متقاعدا خشية من فكاك هذا المشتق -كما يفعل البعض- إلى كلمتي "مت قاعدا"؛ لأن المحتفل به سوف لن يكون -بحول الله- من أولئك القانعين الميالين إلى الرّاحة والكسل بل يعتبر الإحالة على المعاش مجرد محطة في رحلة العمر يلتقط فيها أنفاسه ليتجه مجدّدا إلى ما يشبع طموحه في خدمة الصّالح العام متخففا من ضوابط الوظيفة وروتين الملفات.
لأن الوقوف انتحار ... والسّير طبع الحياة
وقال قال أمير الشّعراء:
شباب قنّع لا خير فيهم ... وبورك في الشّباب الطّامحينا (1/273)
صفحة 274
أيها المجمع الكريم، إن المرء الكريم النّفس والطّيّب الطّبع يستكثر من أصدقائه وأحبائه بلطافة معشره ولين جانبه مهما بلغ من علوّ المنزلة وحظوة الجاه لأن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه كما يقول المثل، ولقد ضرب أستاذنا أروع الأمثال في هذا الجانب، وأنا الآن أتوسّم فيه نوعا من هضم النّفس بل تغشاه مسحة من الخجل وهو يحاط بمثل هذه الهالة من التّكريم، وكأني بلسان حاله يقول مع الشّاعر إيليا أبي ماضي:
من أنا؟، ما صنعت؟، كي تعصبوا ... بالتّاج رأسي؟، وأي شأن شأني؟ ... ذ
لا افتخار لنحلة وجدت حقلا ... فعادت من زهرة بالمجاني
أنا من روضكم قطعت أزا ... هيري، ومن بحركم غرفت جماني
إن أكن فرقدا فأنتم سمائي ... أو هزارا فأنتم بستاني
أي بدع إن أخرج الحقل للنا ... س صنوف النبات من نسيان
نعم أيها الإخوة، إن الولد البارّ مهما تدرّج في مراتب المجد والعلا، ومهما تربّع على مقاعد العز والشّرف فإنه لا ينكر فضل والديه، ولا ينقص قدرهما؛ لأنه لا يبلغ شاوهما في التّضحية والإخلاص ولا يدانيهما في المودة والرّحمة، والولد من كسب والديه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن نحن أكرمنا هذا الولد كما أكرمنا أمثاله من الممتازين فإننا في الواقع نكرم أنفسنا لأن أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض كما قال الشّاعر.
فبوركت يا محمد في زمرة الرّجال الخالدين وحسبك من هذا الحفل البهيج بشارة شرف وفخر تغالب بها لأواء الحياة وتنسيك وطأة السّنين. وها أنت اليوم في منحدر العمر وما تزال فيك بقية من جهد فلا تقعدن عن مواصلة جهادك مهما ثقل ووعر مسلك الطّريق.
وكل من سار على الدّرب وصل، والكيّس الأريب لا يجد الرّاحة الكبرى إلا في الكدّ والعمل. (1/274)
صفحة 275
ويشرفني مرة أخرى أن أكون لسان صدق في التعبير عن أحرّ التّهاني وأطيب التمنيات من كل هيئات هذا المجتمع الفاضل وعن جميع أفراده الأوفياء، وهم يحملون بين جوانحهم أنبل العواطف تقديرا واحتراما لكل مخلص غيور من أبناء الوطن المفدّى ذوي النّفوس الكريمة والضّمائر الحية والقلوب المخمومة إيمانا وتقوى فلا طاب عيش الخائنين ولا نامت أعين الجبناء.
وفي الختام يطيب لي أن أقتطف من عيون الشّعر العربيّ هذه الأبيات لشاعر المهجر إيليا أبي ماضي من قصيد طويل بعنوان: "المجاهد" وهو يقول:
إن السّنين كثيرها كقليلها ... إن لم تزن صفحاتها الآثار
فاصرف عنانك في الشّباب إلى العلا ... برد الشّبيبة كالجمال مُعار
لا تقعدن عن الجهاد إلى غد ... فلقد يجيء غد وأنت غبار
ماذا يفيدك أن يكون لك الثّرى ... ولغيرك الآصال والأسحار
من ليس بفتح للنهار جفونه ... هيهات يكحل مقلتيه نهار ... أحبب بلادك مثل حب محمد ... حبّا به الإخلاص والإيثار
تظفر لرأسك من أزاهرها الرّبى ... تاجا وتهتف باسمك الأغوار
إياك ترمقها بمقلة تاجر ... إن اتجارك بالمواطن عار
ذ
فكونوا أيها الإخوة حماة للدين رعاة للطهر والفضيلة، أنصارا للحق قانتين حنفاء لله، والله معكم ولن يتركم اعمالكم، عاشت جزائرنا الحبيبة والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم السّبت 25 ذو الحجة 1430هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2009م.
تقديم لكتاب (حلقة العزابة)
لمؤلفه الأستاذ: السّعودي عيسى
ألف الأستاذ السّعودي عيسى بن سليمان عرضا موجزا لنظام حلقة العزابة في تأسيسها وهياكلها. فقد أهدى إليّ نسخة منه لأبدي ملاحظاتي عليه ولأنسق له مقدمة مناسبة ليقدمه إلى الطّبع. وهذه هي المقدمة المطلوبة. (1/275)
صفحة 276
الحمد لله الذي جعل من دفاع النّاس بعضهم لبعض سنة للبقاء ومنّ على المستضعفين في الأرض ليجعل منهم أئمّة وخلفاء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد: فإن الدّراسات الإسلامية سيما تلك التي تتعلق بالمدارس الفقهية وما تفرع عنها من مختلف المذاهب الإسلامية ما تزال لم تتجرّد عن النّظرة الضّيقة وعن العصبية المذهبية مما تراكم من عهود التّخلّف والضمور الحضاريّ، ولولا ما يقوم به بعض الدارسين الأحرار من مبادرات في إيجاد أصول التقارب بين المذاهب ومحاولة تمكين التّواصل بينها لحاق بنا القنوط واليأس.
ولعل المذهب الإباضي هو أكثر المذاهب الإسلامية تعرّضا للتهميش والتّشويه. وأتباعه ما يزالون محلّ إتهام بالبدعة والضّلال إما جهلا بأصول مذهبهم أو تقليدا لمناوئيهم ظلما وعدوانا. (1/276)
صفحة 277
وكثيرا ما يتساءل البعض عن سرّ وجود الإباضية حتى اليوم رغم ما عاشوه من مطاردة وملاحقة عبر مسار التّاريخ الإسلاميّ في المشرق والمغرب، سيما بعد انقراض الدولة الرّستمية في المغرب الأوسط على يد الفاطميين. وتختلف التّصورات والتّقديرات في الإجابة على هذا السّؤال ويبقى الواقع المعيش من وجود الإباضية حتى اليوم هو الجواب الشّافي مهما تعدّدت الاحتمالات، فما هو سرّ ذلك البقاء؟. إنه النّظام الاجتماعي المتماسك الحلقات والمتمثل في نظام حلقة العزابة وتوابعها من قمة الهرم إلى قاعدته. ذلك النّظام المتميّز الذي أبدعته عبقرية الدّاعية الإباضي الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النّفوسيّ رحمه الله، وذلك بالتّشاور مع مشائخه وطلابه، وهو ينتقل بهم من نفوسة إلى جربة إلى وادي ريغ إلى وارجلان. ثمّ في نهاية المطاف إلى وادي ميزاب. بدءا من قرية "تاجنينت" العطف في سنة 409هـ/ 1018م. وحسب هذا النّظام البديع فعالية وتمكنا أن يستمرّ ما يزيد عن ألف سنة تركيزا لقواعد المجتمع الميزابي وتثبيتا لأركانه رغم الأعاصير والأنواء، وقساوة الطّبيعة في رمضاء الصّحراء. فما هو هذا النّظام، وما هي الهيئات المرتبطة به وما دورها الاجتماعي؟. ذلك ما حاوله الأستاذ السّعوديّ عيسى بن سليمان أن يجيب عنه في عرض موجز لا يتطلب تفرغا للنظر والدّراسة ولا يأخذ وقتا طويلا للقراءة والاستيعاب. لأن هذا النّظام قد ركز على الجانب التّطبيقي في تأطير مجتمع كادت تعصف به الرّياح الهوج، وتتوارث الأجيال آليات تطبيقه دونما حاجة إلى توثيق وتدوين، ولكن تحديات التّطور التي تعرضت لها بلادنا وإفرازات التّهجين الثّقافي لدى الأجيال المعاصرة، جعلت بعض الأصوات تتهجّم على هذا النّظام وتحاول التهوين من شأنه وهي لا تملك عنه تصوّرا صحيحا ولا معرفة حقيقية لأصوله وفروعه، وإنما هو العداء التّقليديّ لكل عرف قديم، والافتتان بالشّعارات الجوفاء من كل توجّه سقيم. (1/277)
صفحة 278
وها هو الأستاذ السّعودي عيسى يبرز نظام الحلقة في حلته النّاصعة ليراها من كان يجهلها، وليستيقن منها من كان يعرفها، ولجميع القراء بعد ذلك أن يحكموا بالعدل والإنصاف. لأن الحكم على الشّيء فرع عن تصوّره كما يقول العلماء. وأيّا كان ذلك الحكم المنبني على التّصور الصّحيح، فإن الحقيقة سوف لا تبقى مغمورة في شباك الظّنون والارتياب، ولأستاذنا جزاء البحث والاجتهاد وله الأجر مرة أو مرتين أخطأ أو أصاب.
العطف يوم الجمعة 08 محرم 1431هـ الموافق لـ 25 ديسمبر 2009م.
في المهرجان المغاربيّ للطفل والكتاب.
أقامت جمعية "الطّفولة السّعيدة" مهرجانا دعت إليه دكاترة وأساتذة من دول المغرب العربي: الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا. كما دعت إليه جمعيات لرعاية الطّفولة. ونسقت هذا المهرجان تحت رعاية السّيد والي غرداية لثلاثة أيام: 23 - 24 - 25 مارس 2010م حضرت فعاليات حفل الافتتاح يوم الثّلاثاء 07 ربيع الثاني 1431هـ الموافق لـ 23 مارس 2010م. فألقيت هذه الكلمات.
الحمد لله الذي خلقنا من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله البشير والنذير والسّراج المنير. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين: أما بعد: (1/278)
صفحة 279
جناب السّيد الوالي ومساعديه الفضلاء، مشائخنا الأجلاء، حضرات الأخوة المسؤولين كل في مستواه ومقامه الكريم، ضيوفنا الكرام من دكاترة وأساتذة، أيها الجمع الكريم: السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، قبل أربع سنوات، وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر مارس بالذات من سنة 2006م وقفت على هذا المنبر، وفي هذه القاعة المتعددة الخدمات وقفت لأهنئ جمعية "الطّفولة السّعيدة" في افتتاح ملتقاها للطفل والكتاب، وما كنت آمل أن يمتدّ بي الأجل لأقف وقفة أخرى في افتتاح تظاهرة قد انداحت دائرتها لتشمل أقطار مغربنا الكبير، وتجسّد طموحات أطفالنا وهم رمز للبراءة والطّهر، وهم ريحانة بيوتنا وزينة حياتنا ومعقد آمالنا، نتحمّل في تربيتهم الأعباء الثّقال، ونبذل في سبيل ترضيتهم كل مرتخص وغال، فلله الحمد وله الفضل أولا وآخرا.
أيها الإخوة الأعزاء، لقد شرّفتم بلدتنا الطّيّبة بتلبيتكم لدعوتنا، وأشرقتم في سمائها نجوما سواطع وبدورا نيرات تثير الدّرب للسالكين، وتزيّن آفاقها للناظرين، فأهلا وسهلا ومرحبا بكم مكرّمين طيبين فأنتم من قلوبنا في السويداء، ومن مغانينا في مقام الأهل والأعزّاء.
ومما ضاعف سرورنا وأثلج صدورنا وأبهج خواطرنا في هذه التّظاهرة الطّيّبة أن نحظى بمشاركة أولياء أمورنا مباركين مشجعين، ونحن إذ نشكرهم جزيل الشّكر على هذه الالتفاتة الكريمة واللّمسة الحانية ندعو الله لهم بالتّوفيق والنّجاح في أعمالهم، وأن يجعل من أمرهم يسرا، وأن يبقيهم للدّين والوطن ذخرا.
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
فما أروع أن يتمّ التّجاوب والانسجام بين المسؤولين والمواطنين، وأن تعم الثّقة والاحترام بين صفوف العاملين فذلك -لعمري- أغلى وأعزّ ما يصبو إليه شعبنا الأمين. (1/279)
صفحة 280
أيها الحضور الكريم، إن مشاركتنا في هذه التّظاهرة المباركة لهي أكبر دليل على مدى اهتمامنا بتربية أولادنا ورعايتهم منذ نعومة أظفارهم لينشأوا -بعون الله- سويّي الخلقة والخلق محصّنين من جراثيم البيئات الموبوءة، فهم المنحة العظمى لنا من الخالق العظيم، وهم الأمانة الثّقيلة التي يحاسبنا عليها، وهم الذّكر الطيّب بعدنا إن نحن قمنا بواجبنا نحوهم، وإن جعلنا من أنفسنا قدوة لهم في الصّالحات وروّادا لهم في المكرمات.
وما الطّفولة السّعيدة إلاّ شعار لا يتجسّد في واقع حياتنا إلا بالجهد والتّضحيات، ومسايرة أطوار الطّفولة بما يجنيها الانحراف والانزلاق، لأن مسيرتنا الحضارية -نحن المسلمين- ما تزال تثاقل خطاها في وحل التّخلف والتّبعية، وأعداؤنا لا ينفكون عن عرقلة سيرنا بأنواع من المثبطات يحذقون تسخيرها ويتقنون في تنويعها وتكريس أفانينها والله من ورائهم محيط، وويل للظالمين، يوم يمنّ الله للمستضعفين في الأرض ويجعلهم الوارثين.
وأنتم أيها المربّون الأوفياء:
إني لأعذركم وأحسب عبئكم ... من بين أعباء الرّجال ثقيلا
فأنتم بحق ركائز المجد والعز عند الشّعوب لأنكم المرابطون في مؤسسات تكوين الرّجال، والرّواد الأوفياء لقوافل الأجيال، ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طعلت عليه الشّمس فطوبى لكم وإن جحد حقكم الأكثرون، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
فعلّم ما استطعت لعل جيلا ... سيأتي يحدث العجب العجابا
فكم صغير قوم علموه ... سما فحمى المسوّمة العرابا
وكان لقومه عزّا وفخرا ... ولو تركوه كان أذى وعابا
وإني لأعتز وأفخر أن كنت معلّما مثلكم أزجي صفوف الأجيال مخضرما بين عهدين: في غياهيب الاستعمار البغيض، وفي ظلال الحرية والاستقلال. واليوم وقد أناخ علي الدّهر بكلكله وألقيت عصا التّرحال يهزني الشّوق والحنين إلى تلكم العهود الزّاهية كلما عشت أمثال هذه التّظاهرات، ولكن سنة الحياة في معترك البقاء تقول لي: (1/280)
صفحة 281
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عنيك تدمعا
أيها الإخوة الأعزاء، يشرفني أن أكون لسان صدق لكل أبناء هذه البلدة الطّيّبة لأعبّر لكم عن خالص تشكراتنا وبالغ امتنانا وتقديرنا لمشاركتكم المخلصة وتشجيعاتكم الكريمة لإنجاح هذه التّظاهرة التي نتمنى أن تكون بادرة خير لوحدة مغربنا العربيّ الكبير، ففي أطفالنا معقد الآمال، لمدّ جسور الوحدة وشدّ حبال الوصال.
وأنتم أيها الضّيوف الكرام نتمنى لكم بيننا طيّب المقام، وأن يحفّكم الله برعايته في الحلّ والتّرحال، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
العطف يوم الثّلاثاء 07 ربيع الثّاني 1431هـ الموافق لـ 23 مارس 2010م.
حفل تكريم للشيخ الدهمة
أقيم هذا الحفل في مسجد "بدر" بثنية المخزن، حضره حشد كبير من الأساتذة والمواطنين كما حضره كل من الأخ الوزير: "ابن بادة" والسّيد الوالي، فبعثت بهذا الخطاب من "زلفانة" ألقاه نيابة عني الأستاذ: الحاج عيسى محمد بن يحي ليوم الأحد 27 محرم 1432هـ الموافق لـ 02 جانفي 2011م قلت فيه:
الحمد لله الذي كرّم بني آدم وفضّلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، إذ ميّزهم بنور العقل وهداهم بوحيه سبيلا. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله أكرم به معلّما وأعظم به رسولا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين وبعد: (1/281)
صفحة 282
فيا أيها الحضور الكرام، حاملي الأمانة التّربوية عبر الأجيال، والمتفرغين لصناعة الرجال، والحاملين في مهمتهم للأعباء الثقال، لقد تداعينا اليوم لنقف وقفة الإخلاص والوفاء، ونعبّر عما يختلج في صدورنا من أحاسيس المودة والإخاء، ومن آيات الإجلال والتّقدير لرفيق لنا في مسيرتنا التّربوية المظفّرة، لم يفلّ عزمه عناء السّير، ولم تدم قدميه وعثاء الطّريق حتى ألقى عصا التّرحال وقد بلغ من الكبر عتيا، ليقضي بقية حياته -بإذن الله- هنيء البال راضيا مرضيا، إنه رفيقنا الودود فضيلة الشّيخ الحاج الأخضر الدّهمة.
أيها الأخ الكريم: أيّ شعور ينتابك اليوم وأنت بين رفاقك ولداتك كالدّرة اليتيمة لا تجد مقامها المحمود إلا في هذه الدّرر التي تنتظم معها في العقد النّضيد، ولا تفتخر بوجودها إلا لإعلاء صرح السّؤدد والفخار، وتركيز أسس العزة والكرامة بنشر الفضيلة والطّهر لدى المواطنين بين الصّغار والكبار.
فقد شاءت الأقدار أن تجمع بيننا في مجال العمل التّربويّ سنون عددا، وما تزال بلادنا يومئذ تتلمّس طريقها في مجالات البناء والتّشييد، وتجلى عن مقومات شخصيتها الوطنية ما تراكم عليها من نفايات العهد الاستعماري البغيض، رافقتك فما عرفت فيك إلا الرّفيق الودود والمربيّ القدير والمناضل الغيور الذي عرف كيف يكتسب ثقة رفاقه، ومودة طلابه، وعرف كيف يحبّب إليهم لغتهم الوطنية، وكيف يعتزون بأصالتهم الدّينية والتّاريخية، وهو في ذلك يتخذ لهم من نفسه القدوة الصّالحة، ومن سلوكه الأسوة الحسنة حتى بادلوه حبّا بحبّ ووفاء بوفاء، وما منهم اليوم -بعون الله- إلا أستاذ قدير أو إطار شهير، أو مواطن صالح بصير بشؤون زمانه خبير. وهم الكنز الغالي لكل مربّ يمتدّ به الأجل ليرى ثمرة جهوده في الأجيال التي مرت بين يديه، فغداها بحشاشة عقله وروّاها بمعين علمه. (1/282)
صفحة 283
أيها الإخوة الأجلاء، لقد وفقتم في إقامة هذا الحفل التّكريمي لأخ لنا هو في السّويداء من قلوبنا وفي الحدقة من أبصارنا، نكرّمه بما هو من بضاعتنا من حلو الحديث وصدق العواطف ونبل النّوايا ولسان حالنا يقول مع القائل:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم يسعف الحال
فحسبنا أننا أنفقنا من خير ما نملك فلا لؤم علينا في ما لا نملكه من متاع الدّنيا، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى ما في قلوبكم.
أيها الأخ الكريم، لا شك أنك ما تزال ترتع في رياض القرآن لتستزيد من قطوفها الدّانية وتستمتع بخيراتها الغالية، وحولك عمار بيوت الله يكنّون لك كل تقدير واحترام، ويستمعون إلى نصحك وإرشادك بشغف واهتمام. فطوبى بعبد آتاه الله علما فهو يسعى لينتفع به بكرة وعشيا، فطوبى لك طوبى، وسلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيّا، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الجمعة 25 محرم 1432هـ الموافق لـ 31 ديسمبر 2010م.
في سماء العطفاء نجم أضاء.
إنه الابن الودود الدّكتور الحاج أمحمد قاسم بن الحاج عمر كرّم مع حفظة القرآن بالمسجد الجامع يوم السّابع والعشرين من شهر رمضان 27 رمضان 1432هـ الموافق لـ 27 أوت 2011م ثم كرمته عشيرته "أولاد الحجاج" يوم السّبت 05 شوال 1432هـ الموافق لـ 03 سبتمبر 2011م في حشد من أعضاء الحلقتين ومن الأعيان والإطارات وكنت ضمن المدعوين فألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي كرمنا بالإيمان، ونوّر بصائرنا بهدي القرآن، ووفقنا لإتمام شهر الصّيام، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله إمام المرسلين وسيّد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين. أما بعد: (1/283)
صفحة 284
فيا أيها الإخوة الكرام، هنيئا لنا جميعا بفرحة العيد، وطوبى لكلّ نفس مؤمنة تعرضت لنفحات الرحمن في أيّام الفضل والبركات، وتزوّدت بشحنات من البرّ والتّقوى، لمواصلة مشوارها في مسالك الحياة. وإنه لمن توفيق الله ورحمته على هذا المجتمع الفاضل أن تتعدّد فيه فرص التّكريم والاحتفاء بجنود الله من حملة كتابه، ومن الدّعاة إلى سبيله وعاظا مرشدين، وأئمّة قرّاء مؤهلين.
وها نحن تداعينا اليوم لنضيف لبنة ممتازة إلى صرح هذا البناء العتيد تتماسك بها أركانه، ويكتمل بها رونقه وبهاؤه، إنه حضورنا لهذا الحفل التّكريميّ للابن الودود الدّكتور: الحاج أمحمد الحاج قاسم بن الحاج عمر، هذا الجنديّ الغيور الذي شق طريقه إلى واحة شريعة الله يرتع في رياضها ويتفيأ ظلالها بعزم المكتشف الطّموح، وروح الباحث البصير، حتى نال مبتغاه وحقق ما يصبو إليه من معرفة بعض أسرار الشّريعة وإدراك مقاصدها.
فما أحوجنا اليوم إلى أمثاله ممن يجلون للجماهير المؤمنة حقائق الدّين النّاصعة، ويوضحون لهم مقاصد الشّرع الحنيف دونما مبالغة ولا تحريف. فقد خبرت معدنه النّفيس وهو ينسق معي تفسير: "نفحات الرّحمن، في رياض القرآن" لإعداده للطباعة، وساند رفاقه في لجنة الفتوى، فما وجدنا فيه إلا الوداعة في الأخلاق واللّطافة في المعشر، والنّفس الطّموحة إلى معالي الأمور، والشّغوفة بحب الخير، وإسداء المعروف لكل الخلق، ودعوتهم إلى حبّ الخير ونصرة الحق. فهنيئا لنا جميعا بتحقيق هذه الأمنية الغالية وتحصيل هذا المكسب العظيم. (1/284)
صفحة 285
فيا أيها المكرّم السّعيد، بأية مكرمة، وبأية حظوة عاد إليك هذا العيد؟. فإذا كانت ألسنة الخلق أقلام الباري -كما جاء في الأثر- فلا شك أن لك عند الله -بإذنه- قبولا ورضى وجزاء كما أنت عندنا إكراما واحتفاء وتقديرا. فما أثقل حمل الأمانة التي يعلقها الجمهور الكريم على مستقبلك وقد أصبحت شئت أم أبيت من دعاته المرموقين ومن حداته البارزين، فلات وقت تردّد وانتظار، فإن القافلة تواصل المشوار، ولست في مأمن من تحرشات الأشرار، فحذار التلكئ والتّهرّب فإن مقامك حيث أقامك الله، والموفق من النّاس هو الرّاضي بما قسم الله له في هذه الحياة.
وليس أضرّ على مصائر الشّعوب والأمم من أولئك الطّفيلين الذين تفرصهم على رقاب النّاس أساليب التّعسّف والظّلم. وتحميهم المصالح الآنية لأشخاص تعرّوا من كل الفضائل الإنسانية.
أيها الإخوة الكرام، لقد علت صرخاتي على مسرح هذا المجتمع حتى بحّ صوتي وكاد يتوارى في أغوار الزّمان، ولكل صوت خفوت مهما قرع الآذان وحرّك الأشجان، فما عليّ أيستجيب المستمعون أم يعرضون؟، ما دمت -بإذن الله- قد أخلصت النّصح وأقمت الحجة وأوضحت معالم الطّريق على نهج الصّالحين الأبرار. وعزائي إن تواريت عن الأنظار أن لي مثل هؤلاء الخلائف الأكفاء يرابطون على الثّغور، ويمسكون بحكمة وأناة زمام الأمور، ويواكبون الأحداث ويواجهون التّحديات بدون ملل ولا فتور. ومعاذ الله أن تضيع الأمانة بأيدينا من بعد ما أدمت أقدامنا وعثاء الطّريق وأخنت ظهورنا وطأة السّنين. وقد آن لنا -وقد أزف الرّحيل- أن نزم الحقائب ونتهيأ للوعة الفراق، راجعين إلى الله ليوم التّلاقي. فطوبى لكل عبد يتمتع بالحياة ولكنه يعرف أن سيموت، وقد أحبّ لقاء الله فأحيّ الله لقاءه. فاللّهم ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
في الملتقى الوطني لمآثر القطب. (1/285)
صفحة 286
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، نحمده تعالى أن جعلنا ممن اهتدى بهديهم واقتفى، ونصلّي ونسلّم علي سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى كل من أخلص لربّه ووفّى، أما بعد:
حضرات الإخوة الأفاضل، ما كنت أتوقع أنه ستكون لي فرصة الحديث في هذا المهرجان الممتاز الذي تسابق على منبره أساطين العلم والمعرفة، وتبارى على حلبة فرسان البلاغة والبيان، لإجلاء جوانب العظمة والعبقرية في شخصية القطب -رحمه الله- في هذا الملتقى الوطنيّ الأول الذي نظمته جامعة غرداية الفتية مشكورة على ذلك، ولقد سمعنا من حضرات الدّكاترة والأساتذة في هذا الموضوع ما يثلج الصّدر ويبهج الخاطر. فجازاهم الله خيرا، وأبقاهم للدّين والوطن دخرا. وإنني وإن قصر باعي صحيّا وفكريا عن مصاحبة رفاقي إلى قمة هذا الجبل الشّامخ للكشف عن طبيعته وخبايا أسراره، فإنني أقنع برفقة الدّليل الخبير الذي كان له الفضل في شق الطّريق إلى أغلى كنوز القطب المتمثل في كتابه: "تيسير التّفسير" فأجلاه للنّاظرين وقرّبه للدارسين، فأصبح جوهرة في المكتبة الإسلامية وشهادة صدق وفخر لأعلام الجزائر الميامين. إنه هذا الشّيخ الوقور المكرّم بيننا فضيلة الشّيخ الحاج إبراهيم بن محمد طلاي.
فلله المنة والفضل أن أمدّ الله في حياته داعيا إلى الله مكرسا حياته لخدمة كتاب الله وعمارة بيوته لنشر الطّهر والفضيلة. ونشكر لجامعة غرداية هذه المبادرة الطّيّبة وهذه اللفتة الكريمة في تخليد مآثر هؤلاء الرّجال الأفذاذ ممن كانوا حصونا حصينة لمقومات أمتنا وركائز الإصلاح والتّجديد في مسيرتها المباركة. فهنيئا لشيخنا هذا التّكريم السّعيد الذي سوف لا يزيده إلا طاقة وجهدا في نشاطه الدّؤوب وجهاده الحميد، فطوبى لقوم عرفوا قدر رجالهم الأخيار وشرفوا علماءهم الأبرار، وخلدوا مآثرهم بكل اعتزاز وافتخار. (1/286)
صفحة 287
فمن خلال أمثال هذه الملتقيات العلمية الهادفة لتجلية أصول ثقافتنا وتصفية منابعها من النفايات المتراكمة عليها سوف نطهّر بيئتنا -بحول الله- من كل الطّفيليات التي تحاول القضاء على ثوابتنا وطمس هويتنا وهيهات، فقد طلع الصّباح فأطفئ القنديلا وجاء السّيل العرم ليطهر المزابيلا. والله لطيف لما شاء إنه هو العليم الحكيم.
أيها الأخ الكريم، إنني وإياك في مثل هذا السّنّ المتقدم، وقد سرنا على الدّرب معا، وذقنا حلو الحياة ومرّها، وأنا في لحظات تكريمك أتمثل بقول أمير الشّعراء:
فمن يغترّ بالدّنيا فإني ... لبست بها فأبليت الثّيابا
جنيت بروضها وردا وشوكا ... وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما ... ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا ... صحيح العلم والأدب اللّبابا
ولا كرمت إلا وجه حرّ ... يقلد قومه المنن الرّغابا
دمت لدينك الدّاعية الأمين، ولوطنك الذخر الثّمين وبارك الله في حاتك وأمدّك بالصّبر واليقين. وأنتم -أيها الإخوة الأفاضل- طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، أكرمكم الله وأحسن مثواكم، فأنتم هالة الفخر والاعتزاز في هذا المهرجان الكريم، وأنتم مبعث الأمل ومعقد الرّجاء، بل طوق النّجاة في سفينة المجتمع وقاكم الله من كل سوء ومن شرّ ما يختلف بين الليل والنّهار فأنتم كما قال أمير الشعراء مرة أخرى:
ملائكة إذا حفوك يوما ... أحبك كل من تلقى وهابا
وإن حملتك أيديهم بحورا ... بلغت على أكفهم السّحابا
العطف يوم الإربعاء: 28 ذو القعدة 1432هـ الموافق لـ 26 أكتوبر 2011م.
في افتتاح المهرجان الدّولي للطفل والكتاب 1433هـ/ 2012م. (1/287)
صفحة 288
أقامت جمعية "الطّفولة السّعيدة" مهرجانا دوليًا للطفل والكتاب لمدة ثلاثة أيام من يوم السّبت 24 مارس 2012م إلى يوم الاثنين 26 مارس 2012م والدّول المشاركة هي: المغرب وتونس، الأردن، فلسطين، سوريا، لبنان، قطر، فرنسا، مالي. ودكاترة من جامعات الجزائر. ثم حفل الافتتاح في القاعة البلدية المتعددة الخدمات على التّاسعة صباحًا افتتحه رئيس الدّائرة لبنورة نيابة عن السّيد الوالي، فألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي خلقنا من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشرّكم من طال عمره وساء عمله» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد: جناب السّيد رئيس الدّائرة، والسّيد رئيس بلدية العطف، ضيوفنا الكرام من الدّول الشّقيقة والصّديقة، حضرات الإخوة الأفاضل، أعيان البلد وإطاراتنا ومسؤولنا في كل القطاعات: السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
__________
(1) - رواه البيهقي في السنن الكبرى، حديث 6525، ولفظه: عن أبي بكرة: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله. قيل: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره، وساء عمله»: 3/ 519. (1/288)
صفحة 289
لقد كانت لي وقفات في مثل هذه المناسبة من إقامة مهرجانات الطّفولة السّعيدة أحيّي وأبارك جهود العاملين من أبنائنا في تأطير هذا الحدث الكبير وتوسيع فعالياته من الدّوائر المحلية إلى الوطنية إلى المغاربية إلى الدّولية، مما ينمّ عن الشّعور المخلص والوعي النّاضج في تركيز معاني الطّفولة إلى أوسع حدودها واستيفاء حقوقها كما تقتضيه الفطرة السّليمة، لا كما تفرضه السّياسات العقيمة. وها أنا أقف مرة أخرى في انطلاقة هذه التّظاهرة المباركة وقفة الإكبار والإعجاب وأنا الشّيخ المعنّى في خريف العمر لا يكاد يبين، غير أن حصاد الذّكريات في مسيرتي المهنية لنصف قرن من الزّمن يستثيرني كلما قام للعلم والتّربية مهرجان، ويحي في نفسي الشّوق والتّحنان متمثلا يقول شاعر النّيل:
إني لتطربني الخلال كريمة ... طرب الغريب بأوبة وتلاق
ويهزّني ذكر المروءة والنّدى ... بين الشمائل هزة المشتاق
فأيّ الخلال أكرم من رعاية الطّفولة، وأية مروءة تدفع بأصحابها لتوفير المناخ الطّبيعي الهنئ لنموّها في أحضان العطف والحنان؛ وفي ظلال الأمن والاطمئنان وصدق أمير الشّعراء حين قال:
فعلّم ما استطعت لعل جيلا ... سيأتي يحدث العجب العجابا
فربّ صغير قوم علموه ... سما فحمى المشومة العرابا
وكان لقومه عزّا وفخرا ... ولو تركوه كان أذى وعابا
أيها الإخوة الأفاضل، أليس من أجلّ نعم الله على وطننا المفدّى أن نرى أطفالنا يسرحون ويمرحون وعلى وجوههم نضرة النّعيم، وعلى أجسادهم حلل الرّخاء والرّفاهية، وعلى ظهورهم محفظات الكتب والدفاتر يتهافتون على مختلف المؤسسات التّربوية صباح مساء؟، بينما تتقطع أكبادنا أسى وحزنا على أولئك الأطفال الذين يموتون جوعا أو يتشردون خارج أوطانهم هربا من أداة البغي والطّغيان، ولا يجدون غوثا إلا من منظمات حقوق الإنسان، فاللّهم لك الشّكر على جزيل نعمك وعظيم آلائك. اللّهم انهج بنا مناهج عبادك الصّالحين حتى نكون من الشّاكرين. (1/289)
صفحة 290
أيها الإخوة الأفاضل، لئن توزعتنا مسؤوليات الحياة وتفاوتت منزلتنا الاجتماعية وفق ما تقتضيه سنة الله في خلقه، ولكل منا منهجية في تدبير شؤون عمله وتحمّل مسؤوليته، فإن القاسم المشترك بيننا والذي لا يمكن أن تختلف فيه هو أننا كلنا آباء لأطفال أطهار أغرار هم أعظم منّة وأغلى هدية من الله إلينا، كما أنهم أثقل أمانة بين أيدينا استرعانا الله إياها لتنشئتهم على حبّ الله ورسوله ذرية بعضها من بعض، ولنجعل منهم مواطنين صالحين دعاة للخير والفضيلة وحماة للدين والوطن. وليس ذلك بالأمر السّهل اليسير في زمن تشعبت فيه المسالك، وتهافتت فيه الأصوات، واحتدمت فيه الصّراعات، فلا ملاذ لأطفالنا إلا مثل هذه التّظاهرات الهادفة، ولا منقذ لهم إلا مثل هذه النّشاطات الرّشيدة.
وإنني لأتفرّس سحنات هذه الوجوه النيّرة والبشر يعلوها وحنان الأبوّة يغمرها، والشّعور بالمسؤولية يستحثها، فأتفاءل خيرا بمستقبل أطفالنا وهم النّبتة الطّيّبة في وطننا المفدّى تنبت الخير والصّلاح، وتضمن الفوز والنّجاح. كيف لا وهم يشاهدون هذا المنظر البهيج من الوفاق والانسجام بين الحاكمين والمحكومين. ويعيشون مثل هذه اللّحظات من تلاحم كل الطّبقات الشّعبية وتكاملها في إقامة مهرجانهم الكبير. فشكرا لله أوّلا على التّوفيق والنّجاح وشكرا لكل الحاضرين من ضيوفنا الكرام ومن مسؤولينا الأفاضل ولجميع المواطنين الأعزاء حفظكم الله في الحلّ والتّرحال، وباركتكم عناية السّماء، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم السّبت 01 جمادى الأولى 1433هـ الموافق لـ 24 مارس 2012م.
كونوا حائطا لا صدع فيه. (1/290)
صفحة 291
طلب مني بعض قادة كشافتنا في العاصمة أن أكتب إليهم بعض الخواطر لتسجيلها في مقدمة المجلة التي هم بصدد إعدادها لتكون لسان الرّابطة الكشفية التي كونوها على مستوى العاصمة واختاروا أن أكون شخصية العدد الأول في تلك المجلة، وذلك من خلال الأستاذ: بهون مسعود بن يحي بمركب العالية فبعثت إليهم بهذه الكلمات.
الحمد لله الذي خلق الإنسان وجعل لحياته أطوارا، وحدّد لخلائقه الآجال والأعمار، نشهد أنا لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أكرم بهم عند الله والنّاس أخيارا، وبعد:
فمَن لي باسترجاع الذّكريات الخالدة لأزهى لحظة العمر يوم كنت طالبا في معهد الحياة بالقرارة أستقي من ينابيع العلم والمعرفة وأنا كالبلبل الغرّيد في أحضان الطّبيعة الغناء سعيدا بين أقرانه ولداته نتبادل المحبة والصّفاء ونتقاسم الآمال والآلام في السّرّاء والضّراء.
فإن أنس لا أنسى ذلك الحدث العظيم في سنة 1947م وقد تقرّرت لدى إدارة البعثة البيوضية وإدارة معهد الحياة إقامة مخيّم كشفي تربّصي للطلائع الأولى من أفواج الكشافة الإصلاحية في الجنوب، وكنت شابّا مندفع النّشاط فياض الطّموح وأنا ضمن أحد الأفواج الأربعة المتربصة تحت إشراف القائد الفرنسيّ القدير "جون مايير" وأعضاء الإدارتين من حوله يتدربون على النّظام الكشفي ويستوعبون مبادئها وقوانينها.
تلكم الأيام التّربصية قد هيأت التّربة الصّالحة والمناخ المناسب لتلكم النبتة المباركة التي نمت وترعرعت وامتدّت فروعها إلى مختلف قرى ميزاب. وكان لها الدّور الفعّال في تأطير الشّباب وتدريبهم على الاعتماد على النّفس في تحمّل مختلف المسؤوليات. وما النّظام الكشفي إلا صورة مصغرة للنّظام العسكريّ وهو الحصن الحصين والدّرع المتين لحماية الأوطان ورمز السّيادة تحت العلم الوطني الخفاق. (1/291)
صفحة 292
ولئن استقلت بلادنا الجزائر من الاستعمار البغيض بفضل الله وبفضل تضحية أبنائها الأوفياء وأصبح لها جيشها الوطنيّ العتيد فإنها لن تستغني أبدا عن النّظام الكشّفي؛ لأنه الرّديف الضّروريّ لجيشها؛ وهو بمثابة الخوافي التي تعطي القوة للقوادم في جناح الطّير. وقد وعى المسؤولون في بلادنا الحبيبة تلك الاستراتيجية حين سعوا لبعث الكشافة الإسلامية الجزائرية فأعادوا هيكلتها وفق متطلبات الأوضاع الجديدة للشباب الجزائريّ الذي أصبح يشكل الأغلبية في تركيبة المجتمع. وكان لكشافة الجنوب اليد الطّولى في التنظيم والتّنسيق شهد لها بذلك القادة المنصفون، ولا تزال حاضرة بنشاطها وأفواجها في كل المناسبات الوطنية، إن على المستوى المحلّي أو الجهويّ أو الوطنيّ. نرجو لها التّوفيق والثّبات والدّوام.
وإذا كان لي من نصيحة أقدّمها للقادة الكشفين النّاشئين باعتباري من الرّوّاد المؤسسين، وقد واكبت أحداث القرن الماضي بحلوها ومرّها فإنني أقول لأبنائي من جيل الاستقلال: أنتم اليوم في وضعية مريحة من حيث انفساح الآفاق أمامكم وانفتاح المجالات لتنظيم نشاطكم ووفرة الإمكانيات لتطوير مؤسساتكم لفرض وجودها وتفعيل مردودها بما يستجيب لمتطلبات الظّروف الرّاهنة، وعالمنا العربيّ بخاصّة يعاني مخاضا عسيرا في تحقيق عزته وكرامته واسترجاع أصالته ولباب تراثه، فأحسنوا التّخطيط وتبادلوا المشورة والرّأي الحكيم، وأحسنوا في التّنفيذ ولا تترددوا فإن فساد الرّأي أن تترددا.
وأخيرا أتمنى لكم مزيدا من التّوفيق والنّجاح. وأنصحكم بما قاله أمير الشّعراء:
كونوا حائطا لا صدع فيه ... وصفّا لا يرقّع بالكسالى
كما يطيب لي أن أتغنى مع شاعر المهجر إيليا أبي الماض معتزا بالشّباب إذ قال:
إذا أنا أكبرتُ شأن الشّباب ... فإن الشّباب أبو المعجزات
حصون البلاد وأسوارها ... إذا نام حرّاسها والحماةٌ
غدٌ لهم وغدٌ فيهم ... فيا أمس فاخر بما هو ءات (1/292)
صفحة 293
العطف يوم الخميس 05 ربيع الأول 1434هـ الموافق لـ 17 جانفي 2013م.
قسم المراثي والتّعازي
السّيد سماوي إسماعيل في ذمة الله.
لقد أصيب رحمه الله بخدوش في عظام الحوض إثر سقوطه على درج منزله ببلدية العطف مسقط رأسه، فلزم الفراش ممتدّا لعدة أيام، ثم نقل إلى مستشفى "مايو" العسكري بالعاصمة للعلاج، غير أن أجل الله إذا جاء لا يؤخّر، فلبّى نداء ربّه ليوم 05 جويلية 1983م. ونقل جثمانه الطّاهر إلى مسقط رأسه حيث دفن إلى جوار آبائه وأجداده في مقبرة "عمي حمو"، حضر جنازته حشد عظيم من أصدقائه ورفاقه في الكفاح التّحريري من قرى "وادي ميزاب" وشمال الوطن. فألقيت في الجموع هذه الكلمات:
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور، ونصلّي ونسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد القائل: «كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور». (1)
__________
(1) - رواه الترمذي من حديث ابن عمر، كتاب الزهد، باب ما جاء في قصر الأمل، حديث 2333: 4/ 567. (1/293)
صفحة 294
ما أغلى نصائحك يا رسول الله، وما أبصرك بطبائع النّفوس البشرية حين قدمت هذه النّصيحة لشاب في مقتبل العمر تراوده الدّنيا بمفاتنها، وتغريه النّفس الفتية بنزواتها وشهواتها. وما ذلكم الشّابّ المنصوح له إلا عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وقد امتلأ قلبه إيمانا ويقينا وحبّا لله ورسوله. فكان لهذه التّربية النّبوية ولهذا التّوجيه الكريم أثره البالغ في نفسه وفجّرت فيه ينابيع الصّلاح والتّقوى، فكان من خيرة الأصحاب زهدا وورعا وتفانيا في حبّ الرّسول وحرصا في اقتفاء خطواته وإتّباع سنته شبرًا بشبر وذراعا بذراع. ولقد خطط لحياته منهجا تحققت فيه هذه المعاني السّامية، وتبلورت فيه هذه التّربية النّبوية الصّادقة التي عبّر عنها بهذه الكلمات الخالدة حين قال: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" فسبحان الذي خلق هذا الإنسان، وأوسع له في الأمل، وغشاه بالغفلة والنّسيان، فإذا به يلتمس اللّذة والمتعة في ما هو في حقيقته متاعب ومصائب، وتأخذه روح الامتلاك والاستحواذ والأنانية لما هو في حقيقته ودائع وأمانات، ويحاول الإقامة والاستقرار في ما جاء إليه عابر سبيل.
هي الدّار ما الآمال إلا ودائع ... عليها وما اللّذات إلا مصائب
فلا تكتحل عيناك عنها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
فيا أيها العابث الولهان أقصر، فإن الأجل محدود، والأمل حبل ممدود، وأنت بباب الموت مرصود. فلا تفتننّك بهجة دار أنت تسكنها وما هي بمثواك، ولا يغويك مال ولا ولد يكون خصمك أمام مولاك. فمالك أيها المغرور تزهو بصحتك وفي بيتك سقيم ومعلول؟ ومالك تتطاول على النّاس بعلمك ومالك وأنت الظّالم الجهول؟ وتنتفش في مركوبك وأنت يوما على آلة حدباء محمول؟. (1/294)
صفحة 295
«كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور». ما أروع إرشادك يا رسول الله، وما أعظم تربيتك لأصحابك، تعلمهم كيف يكونون جنودا للحق وأنصارًا للدعوة، يضحّون بكل ما يملكون في سبيل عقيدتهم وإيمانهم، ويتسابقون إلى المبرات ليكونوا بحق حملة رسالة وقادة أمّة. فحقق الله على أيديهم عزّة هذا الدّين، ومكّن لهم في الأرض فأصبحوا سادة للعالمين. فطوبى لهم وحسن مآب، وإن في سيرتهم لعبرة وذكرى لأولي الألباب. فها هي ذي الحقائق النّاصعة تنكشف لأبصارنا، وهذه النّصائح النّبوية تقرع آذاننا، فهل نحن لها واعون، وبإرشادها منتصحون؟.
لقد فاجأنا القدر بوفاة أعز الأبناء وأبرّهم بوطنهم حبّا وإخلاصا، وتضحية وجهادا. فكان بحق ممن قال الله فيهم: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146). فمن منا في هذا الوادي وفي شمال الوطن لا يعرف من هو الحاج إسماعيل سماوي في كفاحه وجهاده وحبّه للخير والصّلاح، ودماثة أخلاقه وتواضعه، وتقاه وخشيته لله تعالى؟ .. في إيمان لا يشوبه رياء، وعزيمة لا يفلّ من حدّها الملل والإعياء، وإقدام لا يعتريه تردّد ولا خوف. وهو في كل ذلك مدفوع بعقيدة لا تتزعزع، ولا مطمح له بذلك في شيء من متاع الدّنيا، ولكن لتكون كلمة الله هي العليا. (1/295)
صفحة 296
أجل! لقد كان -رحمه الله- ملتزما بمبادئه، مخلصا في عقيدته: عرفته معركة الجزائر الكبرى بطلا مغوارا سخّر كل ما يملكه لفعاليتها ونجاحها، فما أرهبه السّجن والاعتقال، وما أفزعه التّعذيب والاغتيال، ولا ردّته السّدود والحواجز، بل راح يتحدّى الموت في كل مسلك وسبيل. حتى إذا قرّت عينه بتحرير الوطن، وطابت نفسه بأكاليل النّصر، لم يطمح إلى منصب وجاه، ولا أمتدّت عينه إلى متاع من الدّنيا يكون له جزاء على ما قدمه من تضحيات، لأنه نشأ على قول رسول الله: «إنّما الأعمال بالنّيات» (1).
وهكذا رجع إلى أرض الوطن بعد غربة مضنية، رجع إلى دكانه المتواضع، الذي كان أحد المعاقل السّريّة لأبطال الثّورة في معركة العاصمة. فأخذ يرأب من صدعه، ويلمّ من شعته، ويضمد من جراحه بوسائله الخاصّة غير مستجد ولا مستخذ لسماسرة الجاه والمناصب. ولعل من غريب المفارقات أن يعرف شبابنا عزة النّفس في فقيدنا -رحمه الله- إذا أبت نفسه العظيمة طلب البطاقة الرّسمية للمجاهدين -وهي له حق مشروع- ولم يحاول اكتسابها إلا مؤخّرا بعد إلحاح من رفاقه في الكفاح، واغتنمها المتربّصون والانتهازيون، وكثر فيها أدعياء النّضال والجهاد، حتى طابت نفسه لرجاء رفاقه الأوفياء، فاستكمل إعداد الوثائق وتقديم الطّلب. وما إن بشر بقبول الملفّ، حتى اخترمته يد المنون وحم به القضاء.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حديث 01: 1/ 06. (1/296)
صفحة 297
فيا لله ما أبلغ حكمتك، وما أعظم لطفك بعبادك يشاؤون وتشاء، ويرغبون فتختار وأنت الفعّال لما تريد، تحكم فلا معقّب لحكمك، وتقضي ولا رادّ لقضائك، آمنّا بعظمتك وقدرتك، ورضينا بقضائك وقدرك، فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا ولا بما فعل السّفهاء منا إنك أنت العليم الحكيم. فسلام عليك يا إسماعيل في محياك ومماتك، وطوبى لك -بإذن الله- في عليّين، مع الصّديقين والشّهداء والصّالحين. فإن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156). ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. فها هم إخوتك في الله جاؤوا من كل حدب وصوب، ليؤدوا بعض ما لك عليهم من ذمة لا تفنى وبرّ لا يبلى. فنم قرير العين، فإن مثواك هذه القلوب الطّافحة بالإيمان واليقين، وذكراك منقوشة في سجل الخالدين.
أيها الإخوة المؤمنون، جازاكم الله عنا خيرا وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا، عظم الله أجركم وأجزل ثوابكم، وألهمنا جميعا الصّبر والسّلوان، وألحق فقيدنا بجوار الخلد والرّضوان، والحمد لله ربّ العالمين.
شيخ البلد في ذمة الله.
في يوم الجمعة الأغرّ 05 ربيع الثّاني 1405هـ/ 28 ديسمبر 1984م التحق بالرّفيق الأعلى شيخ البلد فضيلة السّيد: يوسف بن بكير حمو علي عن عمر يناهز القرن بعد أن أقعده العجز والمرض أربع سنوات في الفراش. وقد شيّع جثمانه إلى روضة "الشّيخ بايوب أوقاسم" حيث تلاقت الوفود من كل حدب وصوب، وفي مقدمتها الهيئات الدّينية في وادي ميزاب ووارجلان، وبعد تمهيد مختصر لحياة الفقيد من طرف تلميذه المرحوم السّيد بهون علي الحاج حمودة بن الحاج بكير ألقيت في الحشد الكبير هذه الكلمات:
نحمدك اللّهم يا من تفردّت بالدّوام والبقاء، وجعلت لكلّ أجل كتابا، فلا معقّب لحكمك إذا ما حمّ القضاء، ونصلّي ونسلّم على أشرف الأنبياء، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداهم إلى يوم الجزاء. أما بعد: (1/297)
صفحة 298
فيا أيها الإخوة المؤمنون، مشائخنا الأعزاء، ضيوفنا الكرام:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
إنني في مثل هذا الموقف الرّهيب أستسمح لنفسي أن أردّد مع الشّاعر هذا البيت في مطلع كلامي، وأنا أحاول جاهدا أن أمسك بعنان الحديث، فتشرد عني العبارات وتغالبني العبرات فلا أكاد أبين.
نعم إن الخطب جلل والمصاب أليم، والرّزء جسيم وأي خطب أشدّ على الإنسان من الموت، فما باله إذا اختطف منك أعزّ النّاس وأسماهم مقامًا عندك فتلك -لعمري- قاصمة الظّهر والقارعة التي تزلزل القلوب وتحبس الأنفاس وتعقد الألسن، وتطوّح بالإنسان إلى متاهات الحيرة والأسى، لولا أن يتداركه لطف الله فيفزع إلى ركنه الرّكين، ويهرع إلى حرزه الأمين، ملتمسا في أكنافه حلاوة الإيمان وبرد اليقين.
أيها الإخوة المؤمنون، آمنا بالله وباليوم الآخر، وتيقّنا بأنّ الموت حق، وأننا ملاقو ربّنا بعد حين. فلم الحزن -أيها الإنسان- على ما أنت صائر إليه إذا طرق الموت بابك ليأخذ أقرباءك وأحبابك؟، كأنك من غوائله في منجاة، تراودك الآمال بطول الحياة، مغترا بقوة الفتوّة والأماني الكاذبة، وتختار العاجلة على الآجلة، كأنك في معزل عن القافلة، وهي تغذّ السّير إلى مصيرها المحتوم، حاملة أزوادها إلى يوم الوقت المعلوم. فليس المصاب في فقد آبائك وأولادك، وإنما هي في نوعية بضاعتك وأزوادك، لتعرضها في ذلك السّوق العظيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. (1/298)
صفحة 299
فها نحن نحمل على أكتافنا هذا الطّوّد الأشمّ العلاّمة الفاضل شيخنا يوسف بن بكير، لنودعه مثواه الأخير، إذ لبّى نداء ربّه بعد عرك من الزّمان، وابتلاء وامتحان، أظهر فيه من الصّبر وقوة الشكيمة ما بوّأه المقام الأسمى في المجد والمكرمات، وخولّه الرّتبة العليا في التّقى والصّالحات وأتاح له الفرصة للصّعود في مدارج العلم والعرفان، وهو يصارع منذ حداثة سنّه ذلكم الّثالوث البغيض: يتما وفقرا وفقدان بصر. فلم يثن ذلك من عزمه، ولا صدّه عن نبل قصده، وهو يرتحل إلى طلب العلم انطلاقا من العطفاء إلى بني يزقن في حلقة قطب الأئمة -رحمه الله- فإلى القرارة ثم إلى تونس الخضراء، لينهل من رياض الزّيتونة ويروي غلّة نفسه الطّموحة من مواردها العذبة.
وقد ترك عند علمائها صيتا ذائعا وذكرا محمودا لمسنا بعض آثاره وسمعنا بآذاننا بعض أخباره.
وعندما ملأ وطابه عاد أدراجه إلى بلده، وكانت يومئذ أحوج ما تكون إلى من يضيئ شموع العلم على ما أصاب ذبالتها من فتور، فإذا بالآمال تنتعش في نفس يعقوب، وقد جاء البشير بقميص يوسف شفاء للأبصار، وبلسما للنّفوس.
ومن يومها غدا حليف بيت الله يعلّم ويرشد، ويعظ ويفتي ولا يدّخر وسعا في نشر الفضيلة ومحاربة المنكر، وحبّ الخير للإسلام والمسلمين. وها هو اليوم ينام إلى جوار ربّه قرير العين مطمئن النّفس، وقد ترك بلاده في أسعد حال علما وعرفانا، وازدهارًا وعمرانًا، واستقرارًا ووحدةً وانسجامًا، وهو ما فتئ في أحرج الأوقات واشتداد أزمته الصّحية يسأل عن كل ما جدّ من الأحداث على الصّعيد المحلّي أو الوطني يُسَرّ ويتألم لآمالها وآلامها بنظر ثاقب وعقل حصيف.
وهي -لعمري- ميزة نفتقدها اليوم عند كثير من مواطنينا ومثقفينا على الخصوص. (1/299)
صفحة 300
فنم قرير العين أيها الشّيخ الوقور في تربة بلدتك الطيّبة وهي تحتضنك في حبّ وحنان، وأنت في جوار ربّك تنعم بالرّوح والرّيحان، انتظارا -بفضل الله- لجنة الرّضوان. {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27 - 30.
فها هم أبناؤك وأحفادك، وإخوانك ورفقاؤك، قد ساروا في موكبك بجلال وخشوع، وهم يسبّحون الله ويشكرونه راجين منه تعالى لك المغفرة والرّضوان، ولأهلك وذويك الصّبر والسّلوان. فحسبك حبّا وإخلاصا ووفاء لك أن تجتمع إليك هذه الخلائق لتشهد لك بالخير والفضل، في يوم مبارك هو عيد في الأرض وفي السّماء، وعيد من أعياد المسلمين والمسلمات.
فاللّهم إنا نسألك حسن الخاتمة وجميل العاقبة، ونسألك اللّهم العفو والعافية والمعافاة الدّائمة في الدّين والدّنيا والآخرة يا أرحم الرّاحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
أنتم السّابقون ونحن اللاحقون.
في يوم الاثنين 03 جمادى الأولى 1406هـ/ 13 يناير 1986م التّحق بالرّفيق الأعلى الشيخ الإمام بكلي عبد الرّحمن بن عمر عن عمر يناهز السّادسة والثمانين. ونظرا لتوافد الجموع من الشّمال وأطراف وادي ميزاب ووارجلان، فقد قرّر العزابة والمجلس العائلي أن تكون مراسيم الدّفن في "بريان" يوم الإربعاء 15 يناير 1986م. شارك في موكب الجنازة حشد كبير من أقربائه ورفاقه أبناء مدينة العطف، وباسم كل الهيئات الاجتماعية للعطفاء ألقيت هذه الكلمات:
سبحان الله الذي لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، بشر الصابرين بالهداية والرحمة إذا قالوا عند المصيبة: {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156). ونصلّي ونسلّم على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: (1/300)
صفحة 301
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن للموت هيبة وجلالا، ولفقدان الأحبة والأهل صدمة لا تطيق النفوس لها احتمالا، فكيف إذا كان الفقيد في مجال الصالحات والمكرمات قدوة ومثالا؟ إنه لرزء عظيم ومصاب جلل فجعنا به ونحن في زحمة الحياة لاغبون، وبمتاعها وزينتها لاهون، وعن مفاجآت الأقدار غافلون، ومن منا لا يعرف أن الموت مصبّحه أو ممسّيه، وأن اختلاف الليل والنهار من كل بعيد يدنيه، غير أننا نتوانى في الاستعداد للرحيل، متناسين أننا في الدنيا عابرو سبيل، فسبحان الذي خلق هذا الإنسان وأوسع له في الأمل، وألهاه بالعمل، وحمّله أعباء الأمانة فحمل، فإذا به يلتمس اللذة والمتعة في ما هو في حقيقته متاعب ومصائب، ويدّعي الملك لما هو في يديه ودائع وأمانات، ويطلب الإقامة والاستقرار، وليس بصاحب أهل ولا دار.
فيا أيها العابث الولهان أقصر فإن الأجل محدود، والأمل حبل ممدود، وأنت بباب الموت مرصود، فلا تفتننّك زينة أهل دار أنت تسكنها وماهي بمثواك، ولا يغوينّك مال أو ولد يكون خصمك أمام مولاك. فمالك أيها المغرور تزهو بصحتك وفي بيتك سقيم ومعلول، وتنتفش في مراكبك وأنت يوما على آلة حدباء محمول. {كَلآَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَن رَّاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} (سورة القيامة: 26 - 30). (1/301)
صفحة 302
أيها الإخوة المؤمنون: نشهد أن لا اله إلا الله، ونحمده ولا يحمد على مكروه سواه. ونستغفره ونستعيذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونلوذ به في النائبات راضخين لحكمه راضين بقدره. فهو الحليم الغفور، وهو الرحيم الودود ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد. ولئن أصابنا في أحبائنا وأعزائنا فهم إليه راجعون، وفي جواره يتنعمّون، وما هو بأعز علينا من رسول الله إذ قال له ربه: {إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (الزمر:30). وقال {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (سورة الأنبياء: 33 - 35).
أيّها الشيخ الجليل، ها قد لبّيت النداء وألقيت عصا الترحال، وانتهيت إلى الأمد الذي قدّره الله لك، وأنت ممتلئ الوفاض وفير الزاد إلى يوم المعاد، يشهد لك القاصي والداني بالخير والمكرمات، إذ عشت حياتك رفيق العلم والتقى والصالحات، وكنت أنّى حللت عظيم الشأن رفيع الدرجات،. لقد بارك الله في عمرك الذي أفنيته في تربية الأجيال وتكوين الرجال، وإعلاء كلمة الله في بيوت الله تعليما وإرشادا، وإنعاش تراثنا الإسلامي تأليفا وتحقيقا، بما ألهمك الله من الحكمة والسداد، ووهبك من أنواره اللّدنّية، فأسلست لك الأحكام قيادها، ولا يستغني عنه المنتهي. فماذا نزيده نحن لحصيلة عمرك الزّاخر بالمآثر والمحامد التي سلكتك في عداد الخالدين؟ وما المزيد الذي يطلبه من اتخذ نحو السّماء مرقاة؟ ومن هداية القرآن مشكاة؟، وهل يرجو من وراء ذلك غير ما رجاه الشّاعر من رسول الله عندما أنشد بين يديه:
بلغنا السماء مجدنا وجودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا (1/302)
صفحة 303
ثم قال: إلى الجنة بك يا رسول الله. نعم إلى الجنة بإذن الله أيها الشّيخ الجليل، وجميع هذه الخلائق تردّد في موكب جنازتك قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27 - 30).
أليس من دلائل التّوفيق وأمارات القبول، وأعاجيب عالم الغيب في تمازج الأرواح وتآلفها أن ترتفع روحك الطّاهرة إلى الملإ الأعلى في نفس اليوم من السّنة التي توفّي فيها الشّيخ الإمام -بيوض- رحمه الله. بلى! إنها عناية الله وإرادته التي شاءت أن تجرى آجال الصّالحين في مسالك الخلود وحظائر الرّضوان على نسق متشابه، وفي أوقات مباركات يستشفّها عباده، ويرونها شارة للقبول وحسن المآب. والأرواح جنود مجنّدة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. تآلفتما في الدّعوة إلى الله، وتآخيتما في محبة الله، فكنتما حليفي بيوته، وحماة شريعته، وحداة خلائقه في مركب الإيمان، وأخلاق القرآن، وصفوة الدّين وعزة الأوطان. فسلام عليكما في العالمين، وهنيئا لكما في علّيين، ومع الأنبياء والصّديقين والشّهداء والصّالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، إن في الله خلفا من كل فائت، وعزاء من كل مصاب. فاللّهم إنا نضرع إليك، ولا نقول إلا ما يرضيك، فألهمنا الصّبر والسّلوان، وأنعم علينا ببرد اليقين والاطمئنان، وعلى أمواتنا من المسلمين والمسلمات بالرّوح والرّيحان. (1/303)
صفحة 304
أيها الشّيخ الجليل، إنها لدعوات صالحات وكلم طيّب يصعد إلى ذي العرش المجيد، تزوّدك بها أمّ حنون (1) وإخوة أوفياء، لم يجدوا فيك إلا الولد الصّالح في المنشط والمكره، والحفيظ الأمين في السّرّاء والضّراء، ترعرعت في أحضانها غلاما زكيا، وحبتك بحنانها وعطفها شابّا قويّا، وما أسلمتك وقد بلغت من الكبر عتيا. فسلام عليك يوم ولدت ويوم متّ ويوم تبعث حيّا، والحمد لله ربّ العالمين.
يا كوكبا ما كان أقصر عمره!.
انتقل إلى رحمة الله المناضل الكبير الأخ بكلي الحاج يحي بن أحمد بن الحاج عمر بعد حادث مرور على طريق غرداية ووارجلان مع جماعة من رفاقه لحضور الملتقى الجهويّ للشبيبة الجزائرية ممثلا لمحافظة حزب جبهة التّحرير بغرداية وهو أحد أعضاء مكتبها، فتمّ الموكب الجنائزي في مصلّى الشّيخ با عبد الله مثوى ءابائه وأجداده شاركت فيه جميع السّلطات المحليّة في خشوع وإجلال وذلك يوم الجمعة 09 رجب 1406هـ/ 20 مارس 1986م فألقيت باسم البلدة هذه الكلمة:
سبحانك اللّهم يا ذا العرش المجيد، إنك أنت المبدئ والمعيد، وأنت الرّحيم الودود. رضينا بقضائك وقدرك وأنت الفعّال لما تريد. ونصلّي ونسلّم على أفضل موجود وأشرف مولود سيّدنا محمد القائل: «كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور» (2). صلّى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين.
ما أغلى نصيحتك يا رسول الله، وما أعرفك بطبائع النّفوس حين قدمت هذه النّصيحة للصّحابّي الجليل عبد الله بن عمر وهو شابّ في مقتبل العمر، تهدهده الأماني وتراوده الدّنيا بمفاتنها، وهو ربيب المجد والعزة والجاه، فكان لهذا التّوجيه الكريم أثره البالغ في نفسه صلاحًا وتقوى وزهدا وورعا وتفانيا في حبّ الله ورسوله.
__________
(1) - يقصد بالأم الحنون مسقط رأس الشّيخ بلدة العطف تاجنينت
(2) - تقدم تخريجه: ص 260. (1/304)
صفحة 305
فمن لنا بشباب ذلكم الرّعيل الأول الذي تدرّج في مهد النّبوءة وترعرع في مهبط الوحي! وأنّى لمثل شبابنا اليوم أن يتذكّر هادم اللّذات، وقد احتوشته الأماني واستحوذت عليه الرّغبات والشّهوات؟ فإن آمن بالموت فهو لا يرتقبه إلا للشيوخ والمرضى، وإن عاين القبور فقليلا ما يذكر أنها ستكون يوما مثواه، أما ما وراء الموت فشأنه غامض غريب ومداه بعيد. فيغتنم من اللّذات قبل الفوات وربما قال قائلهم: هيهات لما توعدون هيهات.
وإذا قيل لهم: كفكفوا عنكم هذه الغلواء، وادّخروا هذه القوّة لما هو أجدى وأسمى، وانتهجوا لحياتكم نهج الشّريعة الغراء، قالوا تلك -إذن- كرة خاسرة، أن نأخذ بتقاليد القرون الغابرة، ونحن في عصر الصّاروخ والطّائرة، والسّفن الفضائية وحرب النّجوم؟.
فعلى رسلكم -أيها الشّباب- فنحن لا نعيب عليكم الطّموح ولا نعتب عليكم التّطلع للمستقبل، فأنتم -ولا شك- عماد الأمة ومعقد آمالها، وبسواعدكم سوف تنجز -بحول الله- مخططاتها، وبهممكم وعزائمكم تحلّ مشاكلها وتخرج من أزماتها.
غير أننا نربأ بكم في اندفاعكم أن تتعدّوا حدود الله أو أن تلتمسوا الرّشد في غير هداه، فتخطئون التّقدير بين معنى الطّموح والجموح، والشّجاعة والتّهوّر، والحرية والفوضى، بل حتى بين قيمة الوطن وقداسة الدّين، في عهد اختلطت فيه المفاهيم، واضطربت الموازين، وزيّفت الحقائق، وجنّدت وسائل الإعلام العالمّي لتلبس الحق بالباطل، وتنذر النّاس بشرّ مستطير إن هم أعرضوا عن توجيهاتها، لتضرب الأمم المغلوبة على أمرها في أعزّ ما تملكه من فتوّة شبابها حتى يكونوا أحلاس الملاهي والحانات، يرتعون في بؤر الانحرافات، فتسّخرهم أعوانا لها للدّسائس والمؤامرات.
فحذار حذار -أيها الشّباب- من الغرور والفتون، فإن دينكم الحنيف يأمر بالاعتدال والاتزان، إذ يقول جلّ وعلا: {اللهُ الذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} (الشّورى:17). (1/305)
صفحة 306
ويقول: {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد:25).
فهذا الميزان الذي هو رمز لإحقاق الحق وإثبات العدل لا نلتمسه في مصانع أوروبا ولا أمريكا، ولا في أيّ بقعة من بقاع الأرض، لأن اليد البشرية الصّناع ترتعش مهما بلغت من الدّقة والمهارة، والنّفس البشرية تميل مهما خاضت في النّقاء والطّهارة. بل الميزان المشار إليه في الآية الكريمة مستودعه في السّماء، فهو نازل من عند الله مع الكتاب على المعتمدين في خلقه أولي الحكمة وفصل الخطاب.
أيها الإخوة المؤمنون، لئن تأسفنا لسوء حالنا فلا يعني ذلك أننا قانطون، ولا يقنط من رحمة ربّه إلا الضّالّون. بل هو الشّعور بالنّقص الذي يدفع صاحبه إلى طلب الكمال، وهو الاعتبار والإدكار من صروف الدّهر وتقلبات اللّيالي.
وإلاّ فما تعوزنا -والحمد لله- النّماذج العالية من صفوة الشّباب وخيرة الرّجال. ونحن نسعى دائبين لبناء نهضتنا، وتأصيل شخصيتنا، وتأثيل مجدنا.
فهذا أحد أبنائنا البررة، يفاجئنا القدر بوفاته، وهو في عنفوان شبابه، وإقبال على مسؤولياته بكل تفان وإخلاص، يتسم بالعقل والرّزانة، ويتحلّى بالصّبر والأناة ويجمع بين المعاصرة والأصالة، بثقافة مركزة متفتحة وتربية إسلامية مثلى تفيض طهرا وصفاء، وتتشخص في سلوكه استقامة وتواضعا وحياء.
أجل! لقد هزّتنا هذه الفاجعة الأليمة، وعظم علينا هذا الرّزء الجلل، ففزعنا إلى إيمانا وجأرنا إلى الله كاشف الضرّ ومعظّم الأجر، مردّدين تسابيح المؤمنين الصّابرين، {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156).
فانعم بجوار مولاك -يا يحيى- فهو خير لك من هذه الدّنيا. ولئن عزّ علينا فقدك، فنحن على يقين -بإذن الله- أنك واجد في حظيرة الخلد ما هو أثمن وأغلى من الأهل والولد، لأنك قدمت الثّمن وتزودّت للرّحيل. (1/306)
صفحة 307
فكفاك شرفا أنك لبيّت نداء ربّك كما يلبيه الشّهيد، وأنك أسلمت الرّوح في يوم مشهود، ونحن على تقواك وبرّك لمولاك شهود.
أيتها الأمة الثّكلى، ويا أيها الوالد المفجوع، لا تبكوه فإنه في رفرف من الرّضوان، واذكروا إذا آلمكم فراقه أنه في جوار الرّحمن، عسى الله أن يعظم لكم أجرا، ويرفع لكم به ذكرا، والله يوفّي الصّابرين أجرهم بغير حساب، والذين آمنوا وعملوا الصّالحات طوبى لهم وحسن مآب.
والحمد لله ربّ العالمين.
الخاتمة السّعيدة.
في يوم الثلاثاء الفاتح من ذي الحجة 1409هـ/ 04جويلية 1989م وافانا نعي أستاذنا الشّيخ الحاج أيوب الحاج إبراهيم بن يحي "?رادي" من البقاع المقدسة حيث وافاه أجله في سحر هذا اليوم وهو ينتظر صلاة الفجر في المسجد النّبوي الشّريف، بعد سكتة قلبية على ما حققه الأطباء، وقد أقيمت له صلاة الغائب في المسجد الجامع بالعطف، بعد صلاة العصر من يوم الإربعاء حضرته وفود كبيرة من قرى "وادي ميزاب" ووارجلان ومن سراة قومنا فألقيت في الجمع الحاشد بالمسجد هذه الكلمات.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه! خلق الإنسان في كبد فنعّمه وابتلاه، نحمده حمد الشّاكرين الصّابرين، ونتوب إليه ونستغفره من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلّي ونسلّم على خير من نعّمه الله فشكر، وابتلاه فصبر، سيّدنا محمد القائل عند موت ولده إبراهيم: «إنّ القلب ليخشع والعين لتدمع، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله» (1).
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أنس بن مالك، كتاب الجنائز، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا بك لمحزونون»، حديث 1303: 2/ 83. (1/307)
صفحة 308
أيها الإخوة المؤمنون، ما حبّنا لإبراهيم الـ?رادي -وهو ابن العطفاء البرّ الودود- بأمكن من حبّ رسول الله لولده الطيّب الفريد، ولا فجيعتنا فيه بأعظم من فجيعة صحابته حين ظنوا أن الشّمس قد انكسفت حزنا على وفاة إبراهيم. ولكنهم وإيانا نستلهم الرّشد من سيّد المرشدين، ونتأسّى بأحسن قدوة كما أمرنا ربّ العالمين، فلا نقول إلا ما يرضي الله: {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156). ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف:126) ..
لقد فقدت العطفاء اليوم فلذة من فلذات أكبادها، وهي لم تشف غليلها بعد من عطائه وإحسانه، وفجعت في علَم من أعلامها وهي لم ترتو بعد من علمه وعرفانه. فقد ودّعته مهاجرًا إلى الله ورسوله ليتزوّد بخير زاد، ثم يعود إليها كيوم ولدته أمّه ميمون الطّالع طيّب الميلاد. ولكنه ودّعها في خشية وإشفاق، محتسبا أنه الفراق إلى يوم التّلاقي، إذ بدا ذلك على نبرات صوته، وانسكاب عبراته وحرارة وداعه لكل أقربائه ومعارفه، ثم إلحاحه في التماس الدّعاء الصّالح واستنزال الرّحمات، وحرصه الشّديد في تقديم النّصائح والإرشادات، فلا عجب من المؤمن الوفيّ أن يستشرف ويتدبّر ويقدّر، لأنه بنور الله يبصر. فصبرا وعزاء للعطفاء، ورضوانا وسلاما على إبراهيم، ومرحى بقضاء الله وقدره، فقضاؤه الحق والعدل، وعطاؤه ومنعه الرّحمة والفضل. فاللّهم إنا نلوذ برحمتك وفضلك، ونفزع إلى رأفتك ولطفك، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، نسألك اللّهم اللّطف في القضاء، والصّبر عند البلاء، فاملأ قلوبنا ببرد اليقين، واشرح صدورنا بذكرك المبين، يا أرحم الرّاحمين. (1/308)
صفحة 309
وأنت يا أعزّ فقيد، ويا أوفى صاحب وأخلص رفيق!. ما الذي نتمناه لك عند الله أكثر مما حباك به؟، وقد غدوت جارا للحبيب الشّفيع، ودفين البقيع، مثوى الصّحابة الكرام، ومهبط النّور الذي رسم للعالمين سبل السّلام. فلولا أنك -بإذن الله- قد ذهبت إلى ربّك بقلب سليم وعمل صالح، لما كانت لك هذه الحظوة من فضل الله عليك، فقد كنت تحبّ لقاء الله فأحبّ الله لقاءك، إذ انطلقت من بيتك ملبيّا بعمق وحرارة حتى لكأنك ألهمت بأنك ذاهب إلى دار الخلد، لأن المولى -تبارك وتعالى- نظر إليك بعين الرّحمة لما كابدته في حجّك ذات مرة من خوف وهلع، حتى غامرت بحياتك في تسلق الأسوار، للانفلات من قبضة الحصار (1) فلم يثنك ذلك عن طلب المزيد، والله في تدبيره فعّال لما يريد. وهل نحاول أن نتعزّى ولو بوجود رفاتك في مقبرة الأجداد، وقد أصبح مثواك إلى جوار خير العباد؟. كلاّ، فليس رهطنا أعزّ علينا من الله، وقد اختار لك هذه العقبى وحباك حسن المآب.
فنم قرير العين في رحاب النّور ورفرف الرّضوان. فقد علّمت وأرشدت، وسدّدت وقاربت، وأخلصت في مواقفك ووفيّت، وعشت لأمتك وبلادك، قبل أن تكون لأهلك وأولادك.
__________
(1) - كان ذلك في حجه لسنة 1979م، وقد كان يتعبّد في الحرم عندما حاصره المتمردون واحتلوّه بمن فيه لأيام بقوة السّلاح، فوقعت أحداث دامية بينهم وبين الجيش السّعودي لفكّ الحصار ذهب ضحيتها كثير من الحجاج. (1/309)
صفحة 310
لقد أفنيت إلى جنبك زهرة العمر، ورافقتك في المسيرة الإصلاحية ما يقرب من نصف قرن طلاّبا في معهد الحياة، ومربين للأجيال، فما عهدت منك إلا الإخلاص والوفاء، والطّهارة والصّفاء، والاعتدال والاتزان في الشّدة والرّخاء، وفي المنشط والمكره، وفي الرّضى والغضب، والإقبال والإدبار. وتلك سجايا لا يتملّى بها إلا الأفذاذ من الرّجال الذين عركتهم المحن، ومحصتهم صروف الزّمن، واختارتهم العناية الإلهية لعملية التّغيير والإصلاح في المجتمعات البشرية. فسلام عليك يا إبراهيم يوم ولدت ويوم متّ ويوم تبعث حيًّا.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27 - 30).
وإني لأتمثل في هذا الموقف العصيب بما قاله أمير الشّعراء في رثاء رفيقه شاعر النّيل إذ يقول:
قد كنت أوثر أن تقول رثائي ... يا منصف الموتى من الأحياء
لكن سبقت، وكل طول سلامة ... قدَر، وكل منية بقضاء
الحق نادى فاستجبت، ولم تزل ... بالحق تحفل عند كل نداء
ماذا وراء الموت من سلوى ومن ... دعة، ومن كرم، ومن إغضاء
اشرح حقائق ما رأيت فلم تزل ... أهلا لشرح حقائق الأشياء
اليوم هادنت الحوادث، فاطّرح ... عبء السّنين وألق عبء الدّاء
خلفت في الدّنيا بيانا خالدا ... وتركت أجيالا من الأبناء
وغدا سيذكرك الزّمان ولم يزل ... للدّهر إنصاف وحسن جزاء (1/310)
صفحة 311
وأنتم أيتها الوفود الكريمة الطّيّبة من سراة الأمّة في كل المجالات. طبتم وطاب مسعاكم، وتبوّأتم من الجنة منزلا، لقد نزلتم علينا كالغيث المريع، يزيل علينا الغمّ وينبت الخير الجمّ، فكنتم البلسم الشّافي لجرحنا الأليم، واليد الحانية تأسونا في فجيعتنا وتشدّ أزرنا في هذا المصاب الجلل. فلا عدمناكم أحبّاء أوفياء، يفيضون علينا من عطفهم وبرّهم في شدّة الصّدمة وهول الموقف. فجازاكم الله عن الأخوة الإسلامية خيرًا، وأجزل ثوابكم على ما تقدمونه إلينا من مؤاساة وتعزية، وأبقاكم جميعا ذخرا للدين والوطن، وألهمنا وإياكم الصّبر والثّبات عند المصائب والمحن.
فاللّهم ارحم موتانا، ووفق لصالح الأعمال أحيانا، واحفظ غائبنا واشف مرضانا. اللّهم انشر علينا رحمتك، وأنزل علينا بركاتك، وأتمّ علينا نعمك، وألبسنا عافيتك وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، واهدنا سبل السّلام يا أرحم الرّاحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أقيم العزاء الختامي لمأتم الشّيخ سليمان بن الحاج داود ابن يوسف في المسجد الجامع ليوم الأحد 28 ذو القعدة 1412هـ/ 31 ماي 1992م. حضره بعض من سراة الإصلاح، وبعض المسؤولين من ولاية غرداية، وعلى رأسهم السّيد الوالي الأخ الشّريف خير الدّين، وبعد أدعية الختام ألقيت هذه الكلمات. (1/311)
صفحة 312
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا، وجعل لكل أجل كتابا لا تستطيع عنه الخلائق حولا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يوفّي الصّابرين أجرهم بغير حساب. ونصلي ونسلّم على سيّدنا محمد القائل: «الصّبر عند الصّدمة الأولى» (1). وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: سعادة السيد الوالي، حضرات ضيوفنا الكرام، أيّها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، ما أشدّ وقع المصيبة على النّفس الإنسانية الضّعيفة، وأشدّها وطأة مصيبة الموت، إذا استلبت منك عزيزا لديك من أصولك أو فروعك. إنه لخطب جلل ورزء عظيم، قد لا يقوى عليه أثبت النّاس قلبا وأشدّهم صبرًا ويقينًا، غير أن المولى تبارك وتعالى -وهو الرّؤوف بعباده- قد وهبنا حرارة الإيمان والإذعان لقضائه وقدره، مما يخفف عن النّفوس المؤمنة وقع المصيبة سيما عند الصّدمة الأولى كما قال رسول الله.
فبتلكم الشّحنة الدّافقة من الصّبر، وبذلكم الدّرع الواقي من الرّضى واليقين نتقي الممارسات الجاهلية ونحن نتلو قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد:22 - 23).
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أنس بن مالك، كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى، حديث 1302: 2/ 83. (1/312)
صفحة 313
ولعل كثيرا من النّاس -حتى وهم مؤمنون- قد يفتنون بمتاع الدّنيا وزخرفها، فيمتلكهم العجب والاختيال، ويركبهم الزّهو والغرور، وهم في غمرتهم ساهون، وعن هذه الحقيقة الإيمانية غافلون، فحسبهم تقريعا وتوبيخا حرمانهم من محبة الله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} (النّساء:36).
أيها الإخوة المؤمنون، لئن كان رزؤنا في فقدان شيخنا عظيما، فإن عزاءنا فيه أنه راجع إلى ربّه وقد أحبّ لقاءه وفاء بعهده وإخلاصا في عبادته، وعملا دؤوبا في نصرة دينه. فقد كان -رحمه الله- من روّاد الإصلاح الدّيني والاجتماعي في الوطن الجزائري بصفة عامّة، وفي هذه المنطقة المباركة بصفة خاصّة، لم يدّخر وسعا في المجال الدّعوي للعروبة والإسلام، إنشاءً للمؤسسات الخيرية، وإرشادا للجماعات الدّاعية إلى الخير والعاملة في مجالات البرّ والإحسان. وليس من العفوية أن يكون ختم مراسيم مأتمه في رحاب هذا البيت المعمور، على غير العادة الجارية لسواد النّاس، ذلك لأن الشّيخ -رحمه الله- عاش حياته رافعا لشأن هذا البيت حتى آخر رمق من حياته، لم تقعد به شيخوخته ولم يثنه عجزه عن التّردّد إليه، نرجو الله تعالى أن يجعله من السّبعة الذين يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه، كما حدّدهم الرّسول وقال عن أحد هؤلاء السّبعة: «ورجل تعلّق قلبه بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه» (1).
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الآذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، حديث 660: 1/ 132. (1/313)
صفحة 314
وحسبه ذخرا عند الله ومآبا حسنا هذه الجموع من المواطنين الحاضرة بصدق والسّاعية بإخلاص إلى المشاركة في هذا المصاب الجلل. تقبّل الله من الجميع هذا الإحساس النّبيل وهذا الشّعور الفياض، فما منا من أحد إلا وهو يرجو له المغفرة والرّضوان، لما كان يتمتع به من دماثة الأخلاق، ولطافة المعشر في أغلب حالاته إلا ما يكون لماما من الطّبيعة البشرية في بعض المواقف المتشنجة، فسبحان من تفرّد بالكمال المطلق. وخير ما نهديه إلى شيخنا -وهو في دار الجزاء- أن نسمح له في ما نزغ الشّيطان بيننا، قال تعالى: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التّغابن:14).
سيادة الأخ الوالي، الإخوة الضّيوف الكرام، لقد قلّدتمونا مننا لا تنسى، وتفضّلتم علينا ببرّ لا يبلى، بهذه المشاركة المخلصة التي إن دلّت على شيء، فإنها لا تدلّ إلاّ على شرف أرومتكم ونبل أخلاقكم وصدق معاملتكم وحسن سياستكم لمن وضعهم الله تحت مسؤوليتكم من أبناء هذا الشّعب الكريم. وتلك سجايا ما كان أحوجنا إليها، وبلادنا تجتاز مرحلة عصيبة في مسار سيادتها. زادكم الله رفعة وشأنا، وحبّا وتقديرًا لدى المواطنين، وسدّد خطاكم في كل ما تقومون به من خدمات جلّى لخير البلاد عامّة، ولهذه المنطقة خاصّة. ولا شك أن هذا التّجاوب العاطفي بينكم وبين القاعدة الشّعبية لهو أنجع وسيلة لزرع الطّمأنينة في النّفوس، واستئناس الشّرود، حتى يثوب إلى رشده. نرجو من الله العليّ القدير أن يرزقنا الصّبر والسّلوان، وأن يكفينا شرّ ما يختلف بين اللّيل والنّهار. وأن يكلأنا جميعا بحفظه ورعايته وهو الواحد القهار، والحمد لله ربّ العالمين.
رجل من جيل الإصلاح والتغيير. (1/314)
صفحة 315
في صبيحة يوم الأحد 27 ذو القعدة 1414هـ/ 08 ماي 1994م تمت مراسيم الجنازة لعمنا سعيد الحاج صالح في روضة الشّيخ "بايوب وقاسم" حضرها جمهور غفير من البلدة كما حضرها ممثلو العزابة لقرى وادي ميزاب ووارجلان) حسبما هو مفصّل في مذكرتي رقم 08 في الصّفحات 2044 - 2045 - 2046 - 2047) ألقيت في المصلّى هذا الخطاب:
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، خلق الإنسان في كبد فنعّمه وابتلاه، نحمده حمد الشّاكرين الصّابرين، ونتوب إليه ونستغفره ونستعيذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا، ونصلّي ونسلّم على خير من أنعم الله عليه فشكر، وابتلاه فصبر، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين وبعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنّ للموت هيبة وجلالا، ولفقدان الأحبّة صدمة لا تطيق النّفوس لها احتمالا، فكيف إذا كان الفقيد في مجال الصّالحات قدوة ومثالا؟.
أجل! إنه لرزء عظيم ومصاب جلل فجعت به العطفاء على مختلف تشكيلاتها الاجتماعية، وقد نعي إليها ابن من أبنائها البررة الأوفياء، وعلم من أعلامها الفضلاء، عمنا سعيد الحاج صالح بن الحاج امحمد. ومَن منّا -أيها الإخوة الكرام- يحتاج إلى تعريف هذا الرّجل الفاضل الذي لم يستبق شيئا من الفضل بما منّ الله به عليه إلاّ وتكرّم به لهذا المجتمع الطّيّب دونما كلل ولا فتور، ولم يدّخر وسعا في بناء صرح نهضته الإصلاحية وهو المخلص الغيور، وقد حباه الله من شدّة العزيمة وقوّة الشّكيمة في نصرة الحقّ ما جعله مهاب الجانب في تقدير وإجلال، مرشّحا لمكان القيادة دونما زهو أو اختيال، لا تأخذه في الله لومة لائم وهو ينصح أو يرشد، ولا تلهيه عن خدمة دين الله فتنة المال والولد. (1/315)
صفحة 316
نعم!، إن الخطب جلل والرّزء عظيم، لا تكاد العبارات تطاوعني -وأنا في هذا الموقف الرّهيب- وأيّ رزء أشدّ على الإنسان من مصيبة الموت وهي تفتك من بين يديك أعزّ النّاس وأسماهم مقاما عندك؟ فتلك -لعمري- هي القارعة التي تزلزل القلوب وتحبس الأنفاس وتعقد الألسن، وتطوّح بالإنسان إلى متاهات الحيرة والأسى لولا أن يتداركه لطف الله، فيفزع إلى ركنه الرّكين ملتمسا في أكنافه حلاوة الإيمان وبرد اليقين. وأنه لمن الخير لنا في هذا المقام أن نردّد مع رسول الله ذلكم الدّعاء المأثور الذي كان يردّده في جوف اللّيل وروحه الطّاهرة تسرح في ملكوت الله إذ يقول:
«اللّهم لك الحمد أنت نور السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيّوم السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت ربّ السّماوات والأرض ومن فيهن. أنت الحق وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق والنّار حق. اللّهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت. فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت. أنت إلهي لا إله إلا أنت» (1). سبحانك اللّهم أنت الحيّ القيوم، رضينا بقضائك فلا تجعلنا من القانطين، وآمنا بما أنزلت واتبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين، فاللّهم رحمتك نرجو ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب الجمعة، باب التهجد من الليل، حديث 1120: 2/ 48. (1/316)
صفحة 317
أيها الإخوة المؤمنون، أي منا لا يشهد في صلاته بأن الموت حق وأن البعث حق، فمالنا نصدم إذا طرق الموت أبوابنا؟، وما بالنا نتوانى في الاستعداد للرّحيل، متناسين أننا في هذه الدّنيا عابرو سبيل. فسبحان الذي خلق هذا الإنسان وأوسع له في الأمل، وألهاه بالعمل، وحمّله أعباء الأمانة فحمل. فإذا به يلتمس اللّذة والمتعة في ما هو في حقيقته متاعب ومصائب، ويدّعي الملك لما هو في يديه وديعة وأمانة، ويطلب الإقامة والاستقرار، وينسى أن الآخرة هي دار القرار. فيا أيها العابث أقصر فإن الأجل محدود، والأمل حبل ممدود، وأنت بباب الموت مرصود، فلا تفتنك زينة دار أنت تسكنها وما هي بمثواك، ولا يغوينك مال أو ولد يكون خصمك أمام مولاك.
أيها المؤمنون، يقول المولى تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُّومِنم بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التّغابن:11). ويقول: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الاَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (يونس:9). فاللّهم إننا آمنا بك وبرسولك فاهدنا سبل رشدنا، ووفقنا لصالح أعمالنا، وألهمنا الصّبر والسّلوان ولفقيدنا الرّحمة والرّضوان. إنه عبدك الصّالح الذي كرّس حياته لخدمة دينك ورفع قواعد بيتك كما أذنت أن ترفع، فاللّهم قد وعدت كل بَانِ بيت من بيوتك بقصر في الجنان، وإن وعدك الحق وأنت أرحم الرّاحمين، فارض عنه وأرضه وأنت أكرم الأكرمين وألحقه بأوليائك الصّالحين. ربّنا أفرغ علينا صبرا وتوفّنا مسلمين. (1/317)
صفحة 318
أيها الشّيخ الوقور، ها قد لبيّت النّداء وألقيت عصا التّرحال، وأنت -بإذن الله- ممتلئ الوفاض وفير الزّاد إلى يوم الميعاد، يشهد لك القاصي والداني بالخير والتّقى والصّلاح والرّشاد، لقد بارك الله في عمرك فأفنيته في خدمة دين الله برًّا وتقى وحبّا للخير وعملا دؤوبا تشهد له مآثرك في هذا البلد الطّيّب الذي أحببته فجددّت مفاخره ومآثره بكل إخلاص وتفان وكنت فيه مفتاحا لخزائن الخير، مغلاقا لخزائن الشّرّ. فنم قرير العين إلى جوار ربّك مع الذين أنعم الله عليهم من النّبيئين والصّديقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا، ولقد ثوى من قبلك في هذه التّربة الطّيّبة آباؤك الأمجاد، ما منهم من أحد إلا كان له في هذا البلد مقام محمود، وفي الأجيال ذكر طيّب، وفي ذاكرة التّاريخ سجلّ ذهبّي (1).
وخير الناس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسبا جديدا
تراه إذا ادعى في النّاس فخرا ... تقيم له مكارمه الشّهودا
طيّب الله ثراك وجعل الجنة مثواك، أيها الإخوة المؤمنون، نحن نعلم ما تكنّونه لفقيدنا من حبّ وتقدير، ونقدر ما يعتلج في نفوسكم من عواطف وأحاسيس، ففي حضوركم إلينا ومشاركتكم في هذا المصاب الجلل لأقوى برهان وأفصح تعبير على مدى إخلاصكم ووفائكم جازاكم الله عنا خيرا، طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، تقبل الله منكم هذه الخطوات وبلغكم ما تتمنونه، ولا أراكم مكروها في عزيز لديكم. فقد خففتم عنا ألم المصاب، عظم الله أجركم وأجزل لكم الثّواب. فإذا كان الوقت والظّرف لا يسمح لنا بإفساح المجال للتعبير عن أحاسيسكم فسوف تتاح لكم الفرصة -بحول الله- في الأيام التي نقررها للتأبين.
__________
(1) - يشير الخطيب إلى والد الفقيد عمنا سعيد الحاج امحمد قباض وإلى عمه شيخ المسجد العتيق عمنا سعيد الحاج مسعود بن إبراهيم وكلاهما مدفونان في مقبرة "بابا حمو". (1/318)
صفحة 319
ولي الشّرف العظيم أن أتقدم إليكم باسم أولاد الفقيد وأفراد أسرته جمعاء وباسم البلد أجمع، أتقدم إليكم بخالص الشّكر والامتنان لهذه المشاركة الحيّة، راجيا من المولى تبارك وتعالى أن يحفظكم ويرعاكم في الحلّ والتّرحال وأن يجعلكم في مصافّ المتحابّين في الله الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
وداعا أيها الشّاب الهمام.
في يوم محمّر الإهاب مطرّز الحواشي بالدّموع والآهات يوم الثلاثاء 14 رمضان 1415هـ/ 14 فيفري 1995م امتدت يد الغدر إلى الابن سعيد عبد الحفيظ بن محمد بن الحاج صالح فاغتالته بالعاصمة وهو ذاهب في سيارته صحبة أخيه امحمد إلى معهد ابن عكنون لإجراء الامتحان. نقل جثمانه الطّاهر في موكب رسميّ إلى العطف وجاءت وفود الطّلبة من رفاقه في المعهد والنّقابة إذ أن الشّهيد كان رئيسا لنقابة الاتحاد العام الطّلابي الحرّ. وقد امتلأ مصلّى "الشّيخ بايوب وقاسم"، إذ حضرت الإطارات الرّسمية للولاية وعلى رأسهم السّيد الوالي. أنظر تفاصيل ذلك في مذكرتي رقم 08 في الصّفحات 2265إلى 2268 ألقيت في الجموع هذا الكلمات.
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه، والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون من ضيوف كرام، مشائخ ومسؤولين وأساتذة وطلبة، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. خرجتم من دياركم محبة ووفاء لرفيق لكم استلّ من صفكم كما تستلّ المقلة من الأشفار، ولتشييع جثمانه تجشمتم الصّعاب وركبتم الأخطار وجئتم معزّين معظّمين الأجر لأهل هذه الدّيار. فلكم منا جزيل الشّكر والامتنان، ومن المولى تبارك وتعالى الرّحمة والمغفرة والرّضوان. (1/319)
صفحة 320
ولئن فجعنا في فلذة من فلذات أكبادنا، ورزئنا في معقد آمالنا وأعزّ ذخرنا، فإنا مؤمنون بأنّ لكلّ أجل كتابا، وأنّ الله يبتلينا بالشّرّ والخير فتنة، وأن الدّنيا متاع الغرور. ونحن إزاءها نتمثل بقول أمير الشّعراء:
فمن يغترّ بالدّنيا فإني ... لبست بها وأبليت الثّيابا
لها ضحك القيان إلى غبيّ ... ولي ضحك اللّبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا ... وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما ... ولم أر دون باب الله بابا
نعم! أيها المؤمنون رضينا بحكم الله ونحن نلوذ بباب الله وحصنه الحصين، ليكشف عنا الضّرّ، وهو القائل في محكم كتابه الكريم: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُّومِنم بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التّغابن:11). نعم!. إن كلّ مصيبة دون مصيبة الدّين والإيمان تهون، فاللّهم اهد قلوبنا للإيمان فإنه نعم السّند عند الشّدائد والضّوائق. ونعم المهدي يخفّف الآلام ويأسو الجراح. فمهما اختلف النّاس وتشعّبت بهم المسالك، ومهما تصارعت أهواؤهم حتى أوقعوا أنفسهم في المهالك، فإن الله تعالى هو القاهر فوق عباده، يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. (1/320)
صفحة 321
فاللّهم يا مالك الملك ويا علاّم الغيوب، لا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، فاللّهم ألهمنا سبل رشدنا، واهدنا سبل السّلام، وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللّهم رفقا بعبادك، فقد أذابت السّنون الشّحم وأكلت اللّحم، وأنقت العظم، وأنت اللّطيف لما تشاء، وأنت القويّ ونحن الضّعفاء فانشر علينا ألوية رحمتك، وأفض علينا من بركاتك، ونحن في شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنان من الهدى والفرقان. اللّهم إنا نتوب إليك من كل ذنب اقترفناه فكان وباله علينا، ونعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونستجير بك من وعثاء الحياة ولأوائها فلا تردّنا خائبين، وندعوك بحرارة وإخلاص فلا تجعلنا من القانطين. (1/321)
صفحة 322
أيها الإخوة، بهذه الابتهالات الضّارعة نودّع هذا الولد الطّاهر الأردان، هذه النّفس البريئة التي كانت تتهيّأ للسّفر إلى البقاع المقدسة في هذا الأسبوع مع والديه لأداء العمرة، على أمل العودة إلى أرض الوطن الحبيب ليزفّ إلى عروسه بعد العيد. ولكن إرادة الله شاءت غير ذلك فقدّر أن يلتحق بقوافل الشّهداء الأبرار وأن يزفّ إلى الأزواج المطهّرة في دار القرار. فهل نرجو له أرضى من ذلك وأسعد، وقد ثوى إلى جوار ربّه في دار الخلد. فحرام أن تبكيه الباكيات، أو أن تفجع فيه الأمهات والأخوات لأن الله تعالى أعزّ من كل حبيب وأحبّ لكل قلب منيب: {وَالذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة:165). إذ يجب على المؤمن الوفيّ أن يجعل حبّه للأشياء الفانية، بأزاء حبّ الله ورسوله في المنزلة الثانية؛ حتى وإن كانت نفسه التي بين جنبيه، وبذلك يجد حلاوة الإيمان وبرد اليقين، كما قال سيّد المرسلين: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النّار» (1). تغمّد الله فقيدنا برحماته وأسكنه فسيح جنانه، وألهم ذويه الصّبر والسّلوان إنا لله وإنا إليه راجعون.
أيها الإخوة، مرة أخرى وباسم أسرة آل سعيد خاصة وباسم بلدة العطف عامّة، أشكركم على هذه الالتفاتة الكريمة بمشاركتكم لنا في هذا المصاب، جازاكم الله عنا بجزيل الأجر والثّواب نرجو لكم مقاما طيّبا بيننا فأنتم نعم المواسون حفظكم الله ورعاكم في حلّكم وترحالكم. فقد قلدتم أعناقنا مننا لا تنسى، وطوّقتم أجيادنا مبرات لا تمحى. وهكذا نعتز بتقاليدنا الإسلامية السّمحاء، وبتعاوننا في السّرّاء والضّرّاء.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أنس، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، حديث 16: 1/ 12. (1/322)
صفحة 323
وكفى بهذا الموقف الكريم عبرة وذكرى لأولي الألباب إذ يلمسون بركات المحبة والإخاء، وكيف تشرق النّفوس المؤمنة بنور ربّها فتعيش لحظات الطّهر والصّفاء، عندما تتحرّر من كثافة الطّين لتتألق في أنوار السّماء، أبقاكم الله للدّين ذخرا، وللوطن عزّا وفخرا، والحمد لله ربّ العالمين.
الفجيعة الكبرى.
بعد الفجيعة الكبرى بمذبحة "بوتركفين" بناحية الأغواط، والتي ذهب ضحيتها كثير من إخوتنا خيانة وغدرا، وعلى رأسهم الشّهيد الشّيخ قشار بالحاج بن عدون. ومن أبناء العطف الإخوة الشّهداء حمودين يوسف بن داود، الحاج إبراهيم صالح بن إسماعيل، الحاج سعيد إبراهيم بن عمر. فكان لهم موكب جنائزي مهيب في مصلّى الشّيخ "بايوب أوقاسم" حضرته السّلطات الولائية وذلك يوم الإربعاء 25 جمادى الأولى 1417هـ / 09 أكتوبر 1996م. وكنت قد أمّمت الموكب ثم ألقيت في الجموع هذه الكلمة.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، تقدّست أسماؤه وعزّ علاه، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يغض ماؤها عذر (1/323)
صفحة 324
فيا لله كم لليالي الدّهر من مفاجآت!. وكم لقوارع الزّمان من عجائب ومفارقات!. وعجيب أمر هذا الإنسان كيف يغفل ويسهو، وكيف تدغدغه الأماني فيمرح ويلهو؟ حتى إذا مسته الضّراء وناوشته أحكام القضاء جزع وانهلع وانقلب إلى أهله يدعو ثبورا، ونسي أنه كان بفتنة الدّنيا مغرورا، كأن مولاه لم يقسم له في كتابه حيث قال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155 - 157). وحين قال: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَمِّ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:1 - 3).
رحماك يا ربّنا عدنا إليك فلا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. اللّهم إنا نؤمن بقضائك ونذعن لحكمك ونوقن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. ولكن ما حيلتنا وأنت مقلّب القلوب، يستهويها الفرح والسّرور إذا اطمأنت، ويعصرها الحزن والكمد إذا روّعت واستفزّت. وهذا رسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - في قوة إيمانه وثبات يقينه يفجع لموت ولده إبراهيم فيقول: «إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» (1).
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 272. (1/324)
صفحة 325
فهل نلام نحن في حزن على ما فجعنا به في فلذات أكبادنا؟ هؤلاء الفتية الأطهار، من المؤمنين الأبرار، ومن الجادّين العاملين في الحصول على لقمة العيش الحلال بكدّ اليمين وعرق الجبين، يسعون في أرض الله ليأكلوا من رزقه كما أمر الله، فإذا بيد الغدر تغتالهم ظلما وعدوانا، وإفسادا في الأرض بغيا وطغيانا. ونحن نشهد أن الموت حق، وأنه قدر محتوم لكل حيّ مهما آمن أو كفر، أو علا شأنه أو انحقر؛ كما نتيقن أن الموت واحد مهما تعددت أسبابه. فكم من جثث يحتضنها هذا التّراب من قديم الأزمان وفيها العالم والجهول، والنّابه والخمول، وفيهم السريّ والصّعلوك، والسّفيه والمجيد ومن مات حتف أنفه والشّهيد. والكلّ مصيره إلى الله العزيز الحميد.
وما جزعنا من شهيد يموت جهادا في سبيل الله والوطن فتلك منزلة عند الله لا تدانى، ومكرمة يتمناها عظام النّفوس ممن باع نفسه لله. ولكن أن تزهق أرواحنا بيد أبناء جلدتنا في الدّين والوطن والحسب والنّسب، فتلك مصيبة يعسر تحمّلها، وأزمة خانقة قد استعصى حلّها. فلا عجب أن يكون لها في نفوس الأحرار وقع أليم، عبّر عنه الشّاعر الجاهلي حين قال:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
أي نعم!. إنه لوقع شديد ومضاضة وغصّة تعبّر عنها سحنات هذه الوجوه الكئيبة. وفي النّفوس دويّ الحزن لا يهدأ سعاره ولا تنطفئ ناره إلا بإحقاق الحق ونصرة المظلوم، فلا نامت أعين الجبناء، ولا قرت بلابل البغاة السّفهاء. (1/325)
صفحة 326
أيها الإخوة المؤمنون: لعلّ الكثير من أبناء البلدة يتساءلون لم دفنت جثت هؤلاء الشّهداء في هذه المقبرة بالذّات، ولم نراع في مدفنهم مقابر الأسر حسب التّقاليد والعادات. فليعلم أبناؤنا وإخواننا أن ذلك لم يكن بعفوية ولا صدفة. بل هو مقصود من طرف العزابة وأولياء الشّهداء، لأن هذه المنطقة بالذّات منسوبة إلى أحد رموز البطولة والكفاح في هذا البلد الأمين وهو الشّيخ "بحيو موسى" رحمه الله الذي قاد المجاهدين من بني ميزاب للمشاركة في صدّ غارات الإسبان على جزيرة "جربة" إلى جانب قوات عروج وبارباروس، كما قاد العملية الفدائية المشهورة بمدينة الجزائر ضدّ الإسبان سنة 925هـ 1518م أيام خير الدّين باشا، وسوف لا يعجب إخوتنا من هذا القرار إذا ما علموا أن تاريخ هذا البلد يثبت مدفن أربعين شهيدا هنا في مقبرة الشّيخ "بابا حمو" -رحمه الله- ذهبوا دفاعا عن حرمة البلد أيام كان أجدادنا -رحمهم الله- يذودون عن حوضهم بسلاحهم في غياب السّلطة من أية دولة تحميهم. ولا يزال المسنّون يعرفونها بمقبرة "إمحراص" أي الشّهداء باللّغة المحلّية. وهل نختار لهذا الثّالوث المبارك من الشّهداء الأبرار مدفنا هو أطهر من جوار رفاقهم في الشّهادة؟ وهل نرجو لهم من ربّهم مبرّة ورضوانا فوق ما وعدهم به إذ يقول تعالى: {وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمُ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} (الحديد:19). فرحم الله تلك الأبدان وأسكنها فسيح الجنان، وألهمنا جميعا الصّبر والسّلوان.
أيها الإخوة الأعزاء، لئن كان الخطب جللاً والمصاب أليما فقد خففتم عنا بعض وخزه بهذه المشاركة المخلصة، وبهذا التّوجّه الحارّ إلى الله القويّ الجبّار أن يهلك الظّلمة وأعوانهم وأعوان أعوانهم: {أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ أَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ} (النّمل:62). (1/326)
صفحة 327
فعظم الله أجركم وأجزل ثوابكم، ولا أراكم مكروها في عزيز لديكم. وإن حضور أولياء أمرنا سعادة والي الولاية وكل مساعديه، إن حضورهم معنا في هذه الفاجعة الأليمة ليخفّف عنا وطأة المصاب.
ونحن متكلون على الله، فهو حسبنا ونعم الوكيل، نرجو منه تعالى اللّطف في القضاء والصّبر عند البلاء. ويقيننا في أولياء الأمور أنهم في أتمّ اليقظة لما يحاك ضدّ وطننا بصفة عامّة، وضدّ هذه المنطقة بصفة خاصّة. ولا شك أنهم يعالجون الأمور بحكمة وأناة، ويزجون سفين شعبنا إلى برّ الأمان والنّجاة.
شكر الله سعيكم، وكلأكم بالحفظ والرّعاية في الحلّ والتّرحال، ونحن لا ننسى هذه اللّفتة الكريمة التي تنمّ عن الإخلاص والوفاء وتعبّر عن الموّدة والإخاء. وتلك شيمة المسلمين في تعاونهم وتعاطفهم وتراحمهم في السّراء والضّراء، ربّنا أفرغ علينا صبرا وتوفّنا مسلمين، والحمد لله ربّ العالمين.
في تأبين الشّيخ قشار بالحاج.
بمناسبة الذّكرى السّنوية لوفاة الشّهيد: الشّيخ قشار بالحاج بن عدون في الفاجعة الأليمة لشهداء "بوتركفين" قرب مدينة الأغواط على الطّريق الوطني رقم 01 أقام عزابة "بنورة" حفل تأبين إكراما للشّيخ على ما قدّمه من جهود وتضحيات في الدّعوة إلى الله وخدمة الصّالح العامّ، فشاركت بهذه الكلمات، وذلك ليوم الخميس 28 جمادى الثّانية 1418هـ / 30 أكتوبر 1997م.
نحمدك اللّهم يا مدبّر الأمور ومصرّف الأقدار، جعلت في تقلّب اللّيل والنّهار عبرة لأولي الأبصار، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه المصطفين الأخيار، أما بعد،
فيا أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/327)
صفحة 328
إذا كان الله جلّ جلاله جعل اللّيل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكورا، فإن دؤوب تقلبهما في مسار الزّمان ينسي الإنسان ما تعرّض إليه من مصائب، وما تحمّله من متاعب، فقد اعتاد النّاس في حياتهم الفردية والاجتماعية أن يتركوا كثيرا من المعضلات التي تواجههم إلى عامل الزّمان، علّهم يهتدون إلى حلّها إذا ما توفّرت الأسباب وتذلّلت الصّعاب.
لقد تحرّشت بنا الذّكرى السّنوية لفجيعتنا في استشهاد الشّيخ قشار ورفاقه -رحمهم الله- في فجيعة "بوتركفين" فما أسرع توالي الأيام وكرّ اللّيالي! وما أشدّ وطأتها على النّفوس إن هي تشابهت في الآلام والأحزان وما أقساها إن لم يصحبها تغيير ولا تجديد!. (1/328)
صفحة 329
وليس من غرضنا -أيها السّادة- من إحياء هذه الذّكرى أن نبكي على الأطلال، أو نزيّن القبور بالزّهور، فنثير بذلك كوامن الحزن والأسى، فليس ذلك من شأن المؤمن، ولا كانت هذه المظاهر يوما من تقاليد الإسلام. ولكننا إذ جئنا لنؤبن شيخنا المرحوم قشار بالحاج بن عدون فإننا نقصد بذلك -معاشر الأحياء- أن نستخلص العبرة ونجدّد العهد بأن نسدّ الفراغ الذي تركه ونحافظ على الأمانة التي استودعنا إياها مجاهَدة ومرابَطة في عمارة بيوت الله. وتأطيرا وتوجيها لجمهورنا الكريم، وتنشئة صَالحة للأجيال الصّاعدة، وعملا مخلصا بنّاء لوحدة الصّفّ وتكريس جهود الجماعة. فقد كان -رحمه الله- مجاهدا مغوارا في هذه المجالات كلها، لا تخور عزيمته ولا تفتر إرادته ولا تلين قناته في ما يؤمن به من حق وما يعتقده من صواب. يسدّد ويقارب بين مختلف حساسيات المجتمع. لا يقعقع له بالشّنان، ولا تهيبه قوارع الزّمان، ولا تغويه مفاتن الصّولجان يصدق فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه» (1). فرحم الله الشّيخ ورفاقه وأسكنهم فسيح جنانه وأخذ ظالمهم أخذ عزيز مقتدر.
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أنس بن مالك، كتاب الصلح، باب الصلح في الدية، حديث 2703: 3/ 186. (1/329)
صفحة 330
أيها الإخوة المؤمنون: ليس من قبيل الصّدفة أن نختار لتأبين شيوخنا هذه الأمكنة العامرة من مؤسساتنا العامّة -وفي طليعتها بيوت الله- لأن ذلك أوفى بحقهم لما لهم من اليد الطّولى في تأسيسها وعمارتها، ولأننا نجسّد بهذا النّظام الاجتماعي الممتاز صنوية الدّين والعلم في مسار تاريخ أمتنا وفق ما تركه لنا رسول الله وخلفاؤه الرّاشدون، ذلك النّظام الذي يزاوج بين الدّنيا والدّين، ولا يعتبر السّياسة والاجتماع مناهضين لروحانية الدّين. فلم يسجّل عن أحد مشائخنا -بحمد الله- تصوفا ولا رهبانية، ولا زهدا أو اعتكافا في معابد لاتخاذها مزارات، واستغلالها موردا للرزق، وبؤرة لتكريس الجهالات والضّلالات.
فما بال بعض الأحفاد يحيدون عن سيرة الأسلاف والأجداد؟ ألأنهم في مجال العلم بكتاب الله وسنة رسوله أوسع علمًا وأدق فهما؟، أم أنه التّقليد الأعمى لما يروجّه أعداء الإسلام من الشّبهات والدّعايات، وما يبتدعونه من أنماط في السّلوكات، يشهد الرّاسخون في العلم أن الإسلام منه براء؟.
إننا اليوم -أيها السّادة- لم نؤتَ من عامتنا السّاذجة البسيطة. فهي -بحمد الله- مطواعة منصاعة للإرشاد الدّيني والتّوجيه الاجتماعي المخلص النّزيه، وإنما أوتينا من قبل طائفة من أبنائنا المثقفين احتوشتهم الأفكار المضللة وركبهم الغرور بما لديهم من بضاعة علمية ضحلة، خلخلت جذور تكوينهم الأصيل، فأصبحت لديهم القابلية لكل تحريف أو تبديل، دونما إدراك للمقاصد الدّنيئة والخلفيات الخبيثة ممّن يخطط لزعزعة استقرار هذه المجتمعات الفاضلة بالتّمكين لمثل تلك التّوجّهات الباطلة. (1/330)
صفحة 331
فيا أيها الجيل المتعلّم، ويا أيها المشائخ الأجلاء، حذار من خفافيش الظّلام، دعاة رهبنة الإسلام، دين الحركية والنّظام، دين الحضارة والعلم، دين الأخوّة والعدل والمساواة بين الأنام. فهؤلاء أسلافنا الأماجد قد سلكوا طريق الرّاشدين والْتمسوا بجهادهم عزّ الوطن والدّين، لم ينخدعوا للدّعايات البراقة ولم يتورّطوا في سفاهة أو حماقة. وما مصيبتنا في عالمنا الإسلامي اليوم إلا من علماء باعوا ذمتهم للأعداء المتربصين، وكتاب مأجورين سخّروا أقلامهم للإضلال والاستخفاف بالدّين: {أُوْلَئِكَ الذِينَ اَشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} (البقرة:16).
وأنت -أيها الشّيخ الجليل- ماذا يغنيك المدح والإطراء، وقد حباك الله مقعد صدق في منازل الشّهداء؟، وهل لنا من إكرام لأمثالك غير صالح الدّعاء أن يجعلك الله من المقربين في الرّوح والرّيحان وجنة النّعيم، وأن يبقي ذكرك في الأجيال مثالا للصّبر والثّبات، ورمزا للكفاح في نشر الفضيلة وتركيز الصّالحات. وأن يأخذ بأيدينا إلى اقتفاء سنة نبينا وانتهاج آثار أسلافنا الصّالحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
نعي إلينا الأخ الكريم السّيد: الأطرش إبراهيم بن عليّ يوم 13 ربيع الأول 1419هـ / 07 جويلية 1998م. فتكوّن وفد من زملائه القدماء في معهد الحياة وفي تونس وهم الإخوة: الكاتب، بكلي بابه الحاج أحمد، طالب يحي، سماوي صالح، سماوي أيوب، انتقل إلى بريان لحضور جنازته. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه. ألقيت هذه الكلمة باسم الهيئة الدّينية وكل هيئات البلدة، وقد مات الفقيد إثر نوبة قلبية أصابته وهو يرأس اجتماعا لعشيرته. (1/331)
صفحة 332
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله الرّحمة المهداة والنّعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن للموت جلالا وهيبة وإن لفقدان الأهل والأحبّة صدمة عنيفة في النّفوس، ولكن مهما عظم على المؤمن فقد عزيز لديه، فإن الله تعالى أحبّ إليه وأعزّ، فلا يسخط لقضائه ولا يأسى لحكمه.
لقد فُجعنا بوفاة أخ عزيز لدينا يحبّنا ونحبّه في الله الأخ الكريم السّيد: الأطرش الحاج إبراهيم بن عليّ، لقد ترافقنا في مسيرة الحياة أمدا طويلا، ونحن نقطع سهلها وحزنها، ونذوق حلوها ومرّها، بعد أن تزوّدنا معا بزاد العلم والمعرفة، وتطعّمنا بمصل الصّلاح والتّقوى، وسخرنا كثيرا من جهدنا لخدمة الصّالح العام. وها هي الأقدار تختطفه بعد أن ّأضناه المسير، وأنذره المرض بدنوّ المصير. فيا للفاجعةـ ويا لها من وقعها الأليم.
لكم كانت سعادتي غامرة بلقائه في أول هذا الأسبوع بالذّات في ربوع القرارة مهد زمالتنا المدرسية، وهو الضّحوك البشوش الخفيف الظّل كعادته، لا يرى عليه أثر المرض، ولا تبدو على وجهه أمارات الموت، وأنا أسأله على مزاجه وصحته، وما كان يدري -رحمه الله- أن قلبه العليل، كان في تلك اللّحظات يفسّر ما قاله أمير الشّعراء:
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان (1/332)
صفحة 333
إنا لله وإنا إليه راجعون، إن القلب ليخشع وإنا العين لتدمع، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون وعزاؤنا فيك أنك متّ على العهد والوفاء معتقدا راسخا في دينك، وعاملا دؤوبا مخلصا لخدمة وطنك وخلقا رفيعا في معاملة خلق الله وفي يديك الصّولجان وحبّا مكينا للأهل والخلاّن. طيّب الله ثراك، وجعل الجنة مآبك ومثواك، فنم قرير العين إلى جوار ربّك، ولك في قلوبنا الحبّ الذي لا يبلى، وفي نفوس هذا الشّعب الكريم الذّكر الذي لا ينسى.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27 - 30).
هذه هي العواطف النّبيلة التي نكنّها لك ونزفّها إليك وأنت بإذن الله في الرّوح والرّيحان وجنة النّعيم، ونحن في موكبك الجليل سفراء لأمّ القرى بكل هيئاتها الاجتماعية. فصبرا جميلاً -آل بريان- عظم لكم الأجر وأجزل لكم الثّواب، ومنّ عليكم جميعا بخير العقبى وحسن المآب.
الدّكتور صالح خرفي في ذمة الله.
هكذا يفاجئنا القدر مرة أخرى بوفاة الدّكتور صالح خرفي إثر نوبة قلبية مفاجئة، وهو في ديار الغربة بتونس الخضراء. فاهتزت لوفاته الأوساط الثّقافية في الجزائر، وفجعنا -نحن أصدقاءه- حتى بلغت القلوب الحناجر. وبعد استكمال الإجراءات لنقل جثمانه الطّاهر إلى الجزائر، فإلى مسقط رأسه بالقرارة. وانتظم حفل رهيب في مقبرة "بابهون" حيث فاضت الجماهير إلى مسجدها وساحاته من القرارة ومن مختلف قرى "وادي ميزاب" وفي مقدمتهم الموكب الرّسمّي لممثلي بعض الوزارات وممثلي المجلس الوطني ومجلس الأمة وإطارات ولاية غرداية. ومثل العطفاء وفد من رفاقه القدماء وهم الإخوة: الكاتب، بكلي بابه الحاج أحمد، الطالب يحي، سماوي أيوب، سماوي صالح. وذلك ليوم الجمعة: 08 شعبان 1419هـ الموافق لـ 27 نوفمبر 1998م. فألقيت باسم وفود "وادي ميزاب" وأعيانه هذه الكلمة: (1/333)
صفحة 334
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نستسلم لحكمه ونذعن لقضائه، ونلتمس بصبرنا واحتسابنا رضاه. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ومجتباه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، أعضاء الهيئة الدّينية الموقرة، جناب السّيد والي ولاية غرداية، حضرات الإخوة أعضاء مجلس الأمة والمجلس الوطني، حضرات الإخوة ممثلي الوزارات وممثلي المجالس الشّعبية وإطارات الولاية. السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
ولكن ما قولنا كذا ومعنا الصّبر والإيمان؟، وما فجيعتنا بهذه المصيبة وفي صدورنا هداية القرآن؟، تذكرنا بما يقوله عند المصيبة المهتدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، فاللّهم ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفّنا مسلمين، وثبت رجاءك في قلوبنا ولا تجعلنا من القانطين.
أيها الإخوة الأعزاء، لا شك أن كل واحد منكم يكنّ لفقيد الجزائر الدّكتور صالح خرفي حبّا مكينا، ويعتبره في مصافّ عظماء الرّجال، لما يتمتع به من حميد الخصال، ولما تركه من عظيم المآثر وجليل الأعمال، وكم لبناة المجد من متاعب وآلام!. وكم لرجال الفكر في أوساطنا من أكدار اللّيالي ومعاكسات الأيام! وهل يكون من مصادفات الأقدار أن يموت أدباؤنا وشعراؤنا بعيدين عن الدّيار؟. وأن تسكت نبضات قلوبهم فجأة فلا أنين ولا احتضار؟. إن ذلك -لعمري- عنوان الرّاحة الأبدية منة وفضلا من الله الواحد القهّار. وإنه لحكم الله ولا معقّب لحكمه، وإنها لضريبة المجد والذّكر، يدفعها النّابهون من خلقه. وصدق أمير الشّعراء حين قال:
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذّكر للإنسان عمر ثان (1/334)
صفحة 335
فيا صالح الذّكر ويا خالد الشّعر، ما كنا نشيم في طلعتك أمارات الموت وأنت في متقلّبك ومثواك تفيض حيوية ونشاطا، وقد وفقك الله فاستكملت مسيرة مسؤوليتك محترما مهيبا، وأردت أن تكمل فترة تقاعدك بحثا وتحقيقا لتغمر بفيض عطائك قريحة الأجيال، وكنت لهم بالأمس نعم المربّي والمرشد وتحمّلت في ذلك الأعباء الثّقال. ولئن طوّحت بك البعاد، وغدوت صدّاحا في مختلف النّوادي، فقد كنت بحق خير سفير للبلاد، تهيم بحبّها في كل واد، وتعلي مجدها بفصيح القول وبليغ الإنشاد، فأصبح الذين يعتقدون أننا صابئون يؤمنون بأننا في أصالتنا راسخون، وبمقوّمات شخصيتنا معتزّون.
فيا سليل المجد والفخار، ويا زين اللّذات والخلاّن، لك في قلوبنا الحبّ الذي لا يفنى، وفي نفوسنا القدر الذي لا يبلى، وفي ربوعنا الذّكر الذي لا ينسى. فإن غبت عنا بجسدك الطّاهر الزّكيّ، فإن روحك الخالدة ترفرف علينا في الغدوّ والآصال، وتذكي أشعارك في نفوسنا نخوة الإباء والشّمم، وترسّخ في ضمائرنا الحسّ الوطني بالمعنى الذي جسّدته على المنابر، بأنك لا تبايع إلا الله والجزائر، ذلك المعنى العميق الذي قال فيه أحد الحكماء: "الوطن مستودع المفاخر، وصوان المآثر، وخزانة الأعلاق والذّخائر. لكل متقن منها موقعه، ولا ينبو بصالح فيها موضعه، صحيفة الأخبار، وكتاب الأبرار، وسجلّ الهمم الكبار، أسماء المحسنين فيه مرفوعة، وأفعالهم مُثل للخلف منصوبة، وحروف بماء الذّهب مكتوبة. فإذا أتت السّنون، ودارت على الرّجال المنون، ولحقت بالمشايع الشّيع، وذهب المتبوع والتّبع، انفتح كتاب الوطن من نفسه، وإذا الحسنات ثمّ على الصّدق محصاة، فلا الحصاة درّة، ولا الدرّة حصاة، وإذا الرّجال يعظّمون إلى الأفعال، وإذا الوقائع قد نحت منها الأبطال، على قدر العمل يأتي الجزاء، وبقدر جمال الأثر يكون الثّناء". (1/335)
صفحة 336
فيا أيها الخّل الوفيّ، كم تغنيت بأمجاد هذا الوطن المفدّى!. وكم ألهبت حماس الجماهير بقصائدك الثّورية المدوّية!. وكم لهجت بأهازيج الحداء، على قوافل الأدباء، في شموخ وكبرياء!. وبعد أن حلقت في سماء الشّهرة والمجد، وأصبح لك المقام المحمود في كل سهل ونجد، لم تنس في أوج حظوتك مربع الطّفولة ومهد الصّبا، ولم تبخس حقوق الأرحام والأقرباء، وأنت تعتزّ بمعهد الحياة أفقا لمطلعك، إذ تعلمت على كواكبه السّرى واستويت على الجودّي في مربعه، ومن شواهد الإخلاص والوفاء أن يوارى جثمانك الطّاهر في ترابه الطّيّب الزّكيّ، وأن يشيّعه من الأهل والخلاّن كل مخلص وفيّ.
ويشرفني -أيها السّادة- أن أكون لسان صدق في تقديم التّعازي أصالة عن نفسي ونيابة عن الهيئات الدّينية لقرى "وادي ميزاب" ووارجلان وعن مجالس أعيانها. وإني إذ أرثيك بهذه الكلمات الشّجية أعبّر -أيضا- بصدق عن وفاء بلدة العطفاء التي كثيرا ما احتضنتك غلاما زكيّا برفقة أمّك الحنون عندما تتردّد عليها صلة للرّحم ووفاء بحق القرابة. والله يشهد أنك بادلتنا حبّا بحبّ ووفاء بوفاء، وحفظت لنا في قلبك المخموم كل مودّة وصفاء، فجازاك الله عنا وعن جميع أصدقائك خير الجزاء.
نم قرير العين إلى جوار ربّك مع الصّديقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27 - 30). وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
شهيد الواجب الوطني.
في يوم مهيب تلقيت نبأ استشهاد الابن خير الناس محمد بن مسعود بن الطالب إبراهيم. إذ سقط في ميدان الشّرف مع كوكبة من رفاقه الجنود وهم يقومون بتمشيط عسكريّ في جبال القبائل الكبرى، إذ باغتتهم جماعة إرهابية. (1/336)
صفحة 337
حمل جثمانه إلى مسقط رأسه -بالعطف- وفي مصلّى الشّيخ "بايوب وقاسم" شيّعه المواطنون في حشد مهيب، وذلك بحضور السّلطات المدنية والعسكرية بالولاية ليوم الإربعاء 27 رجب 1421هـ الموافق ليوم 25 أكتوبر 2000م. وبعد الصّلاة عليه ألقيت أمام الجمهور هذه الكلمة والتّابوت مسجّى بالعلم الوطني. وتقف خارج المصلّى كوكبة من الجنود لأداء التّحية العسكرية أمام قبره.
الحمد لله ذي العزة والجلال، مدبّر الأمور ومقدّر الآجال، سبحانه عالم الغيب والشّهادة الكبير المتعالي. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، جناب السّيد والي ولاية غرداية حضرات المسؤولين من مدنيين وعسكريين، ضيوفنا الأعزاء السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. قديما قال الشّاعر العربيّ:
لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدّم
إنها حكمة بالغة تصوّر الواقع البشري في تدافع النّاس وصراع الأجيال، نطق بها هذا الشّاعر الحكيم وهو يستمدّ حكمته من واقعه المعيش، حتى ذهب هو بنفسه ضحية الغدر والخيانة، وهو ما يزال في أوج عطائه الأدبيّ الرّائع، ذلكم هو أبو الطّيّب المتنبي القائل:
اللّيل والخيل والبيداء تعرفني ... والسّيف والرّمح والقرطاس والقلم (1/337)
صفحة 338
نعم -أيها الإخوة- إن الحياة صراع وكفاح كما قدّرها خالقها منذ النّشأة الأولى للخليقة يوم شهدت الأرض أول جريمة للقتل بين أخوين شقيقين: قابيل وهابيل، وقد استبدّت بقابيل حمّى الغيرة والحسد لأخيه التّقي الصّالح. وصدق الله مولانا العظيم إذ يقول: {وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة:251). فإذا كانت هذه الحقيقة الوجودية هي سنة الحياة في صراع البقاء، فإن الكيّس العاقل هو الذي يوطّن نفسه على مواجهة الطّوارئ مهما كانت قساوتها ويستعدّ لمدافعتها بكل الإمكانيات المتاحة مهما كانت المتاعب والتّضحيات.
وفي إطار تلك المفاجآت فقد فجعنا اليوم بسقوط هذا الشّابّ الوديع في ميدان الشّرف، إذ ذهب ضحية الغدر والخيانة مع كوكبة من رفاقه، وهم يؤدون واجبهم الوطنيّ بكل وفاء وإخلاص. وما هو بأول شهيد من أبناء هذه البلدة الوديعة قدمتهم قربانا لعزة الوطن وكرامته، ودعناهم بقلوب خاشعة وعيون دامعة، راضين بقضاء الله وقدره، وأديّنا حقوقهم في هذا المصلّى بالذّات، واحتضنت رفاتهم الزكيّ هذه المقبرة التي اشتهرت من قديم الزّمان بأنها: مقبرة الشّهداء، إذ تضمّ في أحشائها عشرات من شهداء الواجب الذين سقطوا دفاعا عن حمى البلد أيام كانت صحراؤنا لا تعرف سلطة الدّولة، ولا تملك حماية إلا ما يكون من التّحالف بين مختلف القبائل والأعراش.
أيها الإخوة المؤمنون، إن الموت دفاعا عن الحمى من أوكد الواجبات التي يجب على المواطنين أن يلقنوها لأبنائهم منذ نعومة أظفارهم في إطار التّربية الدّينية والوطنية امتثالا لقوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالاَخِرَةِ وَمَنْ يُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلَ اَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النّساء:74). (1/338)
صفحة 339
أيها الشّهيد المبرور، ماذا ينتظرك عند الله من الأجر العظيم، وقد ضحيّت بمهجتك لإنقاذ هذا الوطن الجريح من براثين الخوف والرّعب، وانتشاله من مهاوي الغدر والخيانة. فأنت محظوظ عند الله والنّاس، إذ حباك الله هذه الموتة الشّريفة، وأنت ما تزال في ربيع العمر طاهرا نقيّا، لم تدنّسك أوضار الدّنيا ولم تفتنك زخارف الحياة، حتى تزف عريسا مباركا ميمونا إلى الحور المقصورات في رفرف الخلد بجنة النّعيم -بإذن الله- فأين ذلك من نكد الدّنيا ومتاعبها لو قدر الله أن تعيش حتى تموت في فراشك حتف أنفك كما يموت الجبناء. فسيّان طعم الموت حين ينقضي الأجل، ومهما يكن السّبب، ولكن شتان بين نهاية ونهاية إذا حظي الإنسان بحسن القربى عند الله وحسن الذّكر بين النّاس وصدق الشّاعر حين قال:
إذا كنت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النّجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
أيها الضّيوف الكرام، أيها المواطنون الأعزاء، إن لكم في هذا الابن البارّ لعبرة ودروسا في الغيرة الوطنية وفي التّضحية والفداء، وإن لكم في حسن خاتمته لتسلية وعزاء، فعظم الله أجركم وأجزل ثوابكم في هذه المشاركة الجماعية التي خفّفت علينا المصاب وهوّنت البلاء.
وأنتم أيها الأولياء المفجوعون في فلذة كبدكم هوّنوا على أنفسكم من الحسرة والأسى، إذ لا مفرّ من حكم الله إذا حُمّ القضاء. فخير لكم من هذا الابن أجره عند الله لكم إذا احتسبتم وصبرتم فإن روحه الطّاهرة سوف تظل مردّدة على مسمع الزّمان بكل نخوة وإباء ما قاله شاعر الثّورة مفدي زكرياء:
وطني بروحي أفتديك ومهجتي ... ودمي الشّريف مبرة ووفاء
عهد عليّ مدى الحياة مقدّس ... يذكي عروقي نخوة وإباء
وإذا الفتى لم يرع عهد بلاده ... فأقم عليه مآتما وعزاء
حسبي فخارا في الحياة بأنني ... أغدو على وطني العزيز فداء
ذ
والحمد لله ربّ العالمين.
مؤاساة وعزاء. (1/339)
صفحة 340
أثناء عطلتي مع جماعة معلمي النّهضة في "وادي تليلات" بوهران. وكان معنا الأخ الفاضل الأستاذ الحاج إسماعيل يحي بن الحاج إبراهيم .. إذ نعيت إليه والدته في صبيحة يوم الإربعاء 26 ربيع الثّاني 1422هـ الموافق ليوم 18 جويلية 2001م. وقد استقلّ الطّائرة من حينها إلى غرداية لحضور مراسيم جنازتها عصر ذلك اليوم مرفوقا بالأخ الحاج إسماعيل محمد بن حاج إبراهيم والتحق به بَرّا يوم الخميس وفد عنّا يضمّ الإخوة: بكلي بابه أحمد بن حمو، سماوي أيوب بن حاج محمد، سماوي قاسم بن الحاج إسماعيل، الحاج امحمد بالحاج بن عدون لحضور حفل الاختتام، فبعثت معهم بهذه الكلمة لإلقائها في الحفل.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه راضين بحكمه وقضائه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
-فيا أيها الإخوة المؤمنون- فقد نعيت إلينا والدة رفيقنا العزيز الفاضل الأستاذ الحاج إسماعيل يحي بن الحاج إبراهيم، نعيت إلينا ونحن في مقرّ استجمامنا "بوادي تليلات" من ولاية وهران عند مؤسسة أخينا الفاضل السّيد الحاج إبراهيم عمر بن عيسى وأولاده.
وكان رفيقنا الأستاذ يحي واسطة عقدنا إيناسا وصحبة وإفادة، وما كنا في لحظات أنسنا وحبورنا غافلين عن طبيعة اللّيالي وأنها حبالى مثقلات يلدن كل عجيب، ولا ساهين عن حقيقة الدّنيا وأنها طبعت على كدر، غير أن إيماننا بربّنا وإذعاننا لقضائه وقدره جعلنا نواجه خبر الوفاة برباطة جأش ويقين، وفي حكمة وأناة أشعرنا رفيقنا بما حدث.
ولم يكن -بورك فيه- بأقلّ منا ثباتا ويقينا وهو يسمع الخبر المفاجئ ليرتحل من حينه إلى مسقط الرّأس، وقد استلّ من جماعتنا كما تستلّ المقلة من الأشفار، والأسى يعتصر قلوبنا ونحن راضون بحكم العزيز الجبّار. (1/340)
صفحة 341
أيها الأخ الكريم، ويا أبناء الفقيدة وذوي رحمها، لا تحزنوا ولا تبكوا عليها لأن احتسابكم أجرها عند الله هو خير لكم وأبقى، ولأن جوار ربّها والحسنى التي تنتظرها هي خير لها من فتنة الدّنيا وزينتها، وقد عمرت فيها بما لا مزيد عليه، وحسبها قدرا وذكرا طيّبا أن جعلكم الله لسان صدق لها، وحجة لها بين يدي ربّها، إذ نشّأتكم التنشئة الصّالحة فخرا في الأجيال وذخرا للدّين والوطن. تغمّدها الله بواسع رحماته، وأسكنها فسيح جنّاته، وأبقاكم بعدها رعاة للخير والفضيلة، وحماة للدّين، ورمزا للشهامة والرّجولة.
وإننا وفاء بحق الأخوّة والصّداقة أوفدنا إليكم ثلة من رفاقنا لمشاركتكم في مصابكم الجلل تعبيرا عن مدى تأثرنا بهذا الحدث الأليم، وعن كامل تقديرنا وإعزازنا لرفيقنا الكريم.
ولنا عظيم الثّقة في أبناء مجتمعنا الفاضل بأنهم لا يقصّرون في واجب المؤاساة والعزاء، ولا يتوانون في الوقوف إلى جانب إخوانهم الفضلاء. ومرة أخرى ترفرف أرواحنا على مجتمعكم الطّاهر في اللّقاء الختامي للمؤاساة والعزاء، متمنين لكم من الله المغفرة والرّضوان، والصّبر والسّلوان. فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، والحمد لله ربّ العالمين.
وكانت الكلمة مرفقة بقائمة أسماء المعلمين الذين هم ضمن الوفد وهم كالتّالي:
سعيد محمد بن إبراهيم ... سماوي أيوب بن حاج محمد
بكلي بابه أحمد بن حمو ... سماوي قاسم بن إسماعيل بن باحمد
الحاج إسماعيل يحي بن حاج إبراهيم ... بكلي صالح بن حاج محمد بن صالح ... ذ
عبد العزيز عمر بن حاج محمد ... حاج إسماعيل محمد بن حاج إبراهيم
الحاج امحمد بالحاج بن عدون ... حاج إبراهيم عمر بن عيسى
طالب باحمد صالح بن حاج يحي ... وجميع أولاده.
سماوي عمر بن باحمد
نجم هوى وكرم انطوى. (1/341)
صفحة 342
في يوم مهيب يوم الإربعاء 11 جمادى الأولى 1422هـ الموافق 01 أوت 2001م. شيعت جنازة الأخ السّيد: الحاج أيوب الحاج إبراهيم بن بالحاج ?رادي، إذ نقل جثمانه من سكناه في حيّ مراد رايس بالعاصمة إلى مقبرة العالية في رتل كبير من السّيارات وتمت مراسيم الجنازة في مسجد جماعتنا هناك وقد توافد أصدقاؤه وأقرباؤه ومعارفه من كل حدب وصوب. فأمّمت المصلّين وألقيت هذه الكلمة قبل حمل الجثمان إلى مثواه الأخير.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نحمده ونتوب إليه خاضعين لحكمه راضين بقضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، فقد رُزئت العطفاء اليوم في أحد أبنائها البررة بل رزئت الجزائر في أحد رموزها الأوفياء ممن فجرّوا ثورتها، وأسهموا بجدّ وفعالية في تركيز استقلالها وتنمية اقتصادها. لقد رزئنا في الشّهم الهمام والمجاهد الوفيّ الأخ الكريم السّيد: الحاج أيوب الحاج إبراهيم بن بالحاج ?رادي، وأينا لا يدين لهذا الأخ الكريم في كثير أو قليل من كرم أصيل وخلق نبيل ورأي حصيف، أو مؤازرة في رغبة طموحة ومؤاساة في عسر وشدّة؟ وقد سخّر ما فضّل الله عليه من حظوة وجاه ومال في خدمة الآخرين، ووسّع دائرة النّفع لكلّ من توسّم فيه الجدّ والمثابرة وأحسن الظّن في إخلاصه ووفائه.
وها هو هذا العصامي الفذّ يلقي عصا التّرحال بعد أن قطع مفاوز الدّنيا، واختلفت عليه محطاتها خضراء ناعمة، أو شاحبة قاتمة، وهو لا ينفكّ عن السّير، ولا تفتر عزيمته في يسر أو عسر، وكأن لسان حاله يردّد مع القائل:
ولو أننى أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنني أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي (1/342)
صفحة 343
أجل!. إن رزءنا فيه عظيم وإن الخطب لجلل إذ كان من خصائصه أنه يتولّى بنفسه تدبير شؤون مشروعاته على كثرتها وضخامتها، ويضطلع بكل دقائقها وخفاياها في صباح ومساء لا يصيبه كلل ولا ملل، ولا يرهقه جهد أو عمل. غير أن لكل أجل كتابا، ولكل رحلة نهاية، ولوجود الإنسان في حكم دين الله هدف وغاية. لقد عرف من دقات قلبه العليل أن الشّمس قد آذنت بالغروب، وأن رحلة العمر أوشكت على نهايتها. وكان يذكر لي في كل مرة أزوره فيها وهو يعاني من إرهاق الشّيخوخة، يذكر لي إذ أواسيه بأن محطة الثّمانين من العمر لا يجد فيها الإنسان إلا الرّهق والضّنا والعجز والعنا، أفلا يقنع الإنسان بما تمتع به في حياته من فتوّة وشباب، ومن زهو وإقبال، ونضارة وجمال؟. ثم يحمد الله حمد الرّضى والقناعة على ما حباه من نعمة وفضل ويرجو منه تعالى جميل العاقبة وحسن المآب.
فهو وإن لم ينس نصيبه من الدّنيا فقد أحسن إلى خلق الله كما أحسن الله إليه، وبنى لله بيتا يرجو أن يكون له نورا يسعى بين يديه، وكم من جريح واساه ومسح ما به من علل، وكم من محروم وجد عنده اليد الحانية والرّفد الكريم. وكل هؤلاء يثنون بالدّعوات الصّالحة له سوف تكون له عند الله خير زاد وذخرا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيها الإخوة المؤمنون، إذا كان لنا من عبرة في وفاة هذا الشّهم الهمام، فإننا نجد فيه ذلك العصاميّ الطّموح الذي تحدّى الفقر والحرمان، وقارع البغي والطّغيان أيام كان الجزائريّ المسكين مغلوبا على أمره، مقيّدا بالأصفاد، موصدة أمامه كل الأبواب ليس له حول ولا قوّة أمام المستعمر الغشوم الأمر الذي أثار فيه نخوة الإباء والشّمم، فلم يتردّد في استجابة النّداء الوطني يوم دقت طبول الثّورة وتداعي الأحرار إلى التّضحية والفداء. فلبّى داعي الجهاد وتمنّى أن يكون من الشّهداء. (1/343)
صفحة 344
وحين رفرفت ألوية النّصر وباركت الدّنيا الوليد الطيّب الزكيّ ءال على نفسه أن يواصل المشوار في مجالات البناء والتّشييد، وقد عجمت عوده المحن، وحنكته تصاريف الزّمن، فغدا مثالا للجدّ والمثابرة، آخذا بزمام المبادرة في مجال الاستثمار والتّصنيع، غير هيوب للعراقيل والمثبطّات ولا آبه حينها بالظّروف والمعطيات، بصيرا بشؤون زمانه، مقدرّا لمواقع خطوه في إصرار وعزيمة وفي نظرة للأمور حكيمة، لم يرض بالنّزر القليل لأنه يريد أن يكون دوحة فينانة يستظل بأفيائها كل من أرهقه السّير وطوّحت به المسافات في مباهجها ولأوائها وهو يتمثل بقول الشّاعر العربيّ:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وهل يرضى عظيم النّفس بالتّافه الدّون، وهل يلام من رام زهر النّجوم؟. بل حسب المرء من أحدوثة الذّكر وعظيم القدر أن ينعت بالخير والفضل في ما كسبت يداه، وأن يوسّع دائرة النّفع لخلق الله في عمله ومسعاه. ذلك بعض ما تحلّى به فقيدنا-رحمه الله- فهل نجد له من خلف يقتفي آثاره وخطاه؟. وإلا فإنه يحزّ في قلبنا أن نردّد مع الشّاعر قوله:
لعمرك ما الرّزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرّزية فقد شخص ... يموت بموته خلق كثير
أيها الإخوة المؤمنون، فلو أن الحياة تبقى لحيّ لكان رسول الله أولى بطول العمر، فسبحان الحيّ القيوّم إذ قال لرسوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (الزّمر:30). ولو أن المال يخلّد الإنسان لكان فقيدنا ممن يستبقي حياته بماله إلى أبد الآبدين. ولكن هيهات أن تتخلّف سنة الحياة والموت، وجلّ صاحب العزة والملكوت، وهو القاضي على خلقه بذلك حين قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ} (الرّحمن:26 - 27). {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (العنكبوت:57). (1/344)
صفحة 345
فيا مفرطا في آصاله أرفق، ويا مشتطا في دنياه أقصر، فإن الموت معقود بناصيتك هادما للذات والشّهوات، قاصما للآمال والرّغبات، فإن كنت مستشرفا للقاء الله، طالبا لرضاه فاعلم أن متاع الدّنيا قليل، وأن الآخرة هي دار القرار، وأن حسن العاقبة للمتقين الأبرار. فماذا يجديك المال والجاه؛ يوم تنكّس الرّؤوس وتنحني الجباه، وتخرس الألسن وتكمّم الأفواه يوم تشيب فيه الولدان، ويتجافى فيه الأصحاب والخلاّن، فإن كنت كيّسا حقا فخذ من شبابك لهرمك، ومن غناك لفقرك، ومن صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، فإن الحياة لا تصفو ولا توادع، إلا لتراوغ وتخادع، ولا تواصل إلا لتعرض وتمانع، فكن كالذي قال عنها بعد خبرة وتمحيص:
فمن يغترّ بالدّنيا فإني ... لبست بها وأبليت الثّيابا
لها ضحك القيان إلى غبيّ ... ولي ضحك اللّبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا ... وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما ... ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا ... صحيح العلم والكرم اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حرّ ... يقلّد قومه المنن الرّغابا
ويشهد الله تعالى أننا ما كرّمنا في هذا الفقيد المرحوم إلا المنن التي قلدّها قومه، وإلا التّضحيات التي قدّمها لوطنه، أما غير ذلك من حظوظ الدّنيا وحطامها فلا تساوي عند الله جناح بعوضة، وهي كما مثلها خالقها تعالى حين قال: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالاَنْعَامُ حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَالِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس:24). (1/345)
صفحة 346
فلينم فقيدنا قرير العين إلى جوار ربّه مزودّا بهذا الذّخر العميم الذي نرجو له عند الله حسن القبول بمزيد من الأجر والثّواب.
وأنتم -أيها الحضور الكريم- طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، فقد عزّيتم وواسيتم فخففتهم عنا وطأة المصاب، فنرجو لكم جميعا طيّب العيش وحسن المآب، والحمد لله ربّ العالمين.
رئيس حلقة العزّابة في ذمّة الله.
لبّى نداء ربّه الأخ الفاضل السّيد سماوي الحاج عيسى بن الحاج إبراهيم رئيس حلقة العزابة ورئيس جمعية النّهضة وذلك ليوم الجمعة 23 جمادى الأولى 1423هـ الموافق لـ 02 أوت 2002م. بعد أن قضّى فترة علاج في مستشفى غرداية وهو يعاني من مرض السّكّر وضغط الدّم، غير أن مراسيم جنازته تمت في مصلّى "عمي حمو" عشية يوم السّبت 24 جمادى الأولى 1423هـ الموافق لـ 03 أوت 2002م. ليحضر من كان غائبا من أولاده ورفاقه. حضر جنازته حشد غفير من مواطني العطف وممثلي حلقات العزابة في "وادي ميزاب ووارجلان" فألقيت هذه الكلمة التأبينية.
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، اللّهم صلّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/346)
صفحة 347
مشائخنا الفضلاء، حضرات الرّفاق أعضاء حلقات العزابة الموقرة، أيها الإخوة المؤمنون، إن لجلال الموت لهيبة في النّفوس مهما أوتيت من جلادة وصبر، وإن لفقد الأحبة لفجعة عند ذويهم مهما احتسبوا في مصيبتهم ما عند الله من الأجر، فقد رزئت العطفاء في أحد أبنائها البررة الأوفياء، وهو يتربّع على قمة مجتمعها شرفا ونبلا، إذ قدّم لها من جهده وتضحيته ما حباه لديها قدرا وفضلا، لفقد فقدنا رفيقا لنا عزيزا عمنا السّيد سماوي الحاج عيسى بن الحاج إبراهيم رئيس حلقة العزابة ورئيس جمعية النّهضة، وحسبكم من مقام هاتين المؤسستين في تركيز مقوّمات هذا المجتمع الفاضل دينا ولغة وتاريخا وأعرافا وتقاليد. إنهما الحصن الحصين، لا يرابط فيه إلا ذوو العزائم العظيمة والنّفوس الكبيرة، والنّوايا الصّادقة أمثال فقيدنا -رحمه الله-. (1/347)
صفحة 348
أجل -أيها الإخوة الكرام-، لقد صحبناه في رحلة العمر وخبرنا معدنه النّفيس، فلم نجد فيه إلا وداعة الأخلاق ولطافة المعشر، واهتماما بالغا بقضايا المجتمع، وحبّا مكينا لمقوّمات أصالته، غير ساه عن موقعه العتيد في هذا الوطن الكبير، عندما دعا داعي الجهاد للحرية والانعتاق، فلم يكن من المتخلفين القاعدين، ولا من الإمّعات المتخاذلين، حتى أصبح عضوا بارزا في اللّجنة الخماسية في المجلس الثّوري البلدي. وما كان في عهد البناء والتّشييد من الانتفاعيين الانتهازيين بل ظل يكدح بيمينه، ويكفل عائلته وأولاده بعرق جبينه، علما بأنه وحيد أبويه عائلا لأسرته في قناعة وكفاف، برّا بهما حتى آخر أنفاسهما حبّا ووفاء، مؤثرا البقاء إلى جانبهما في مسقط رأسه. لم يضرب في أرض الله كسبا وارتزاقا كغيره من خلاّنه، ولو شاء حطام الدّنيا لغدا من شطاره وفرسانه. ولم يتذمّر من مسؤوليته في حلقة العزابة، إذ تقلّدها في سنّ مبكّرة في الأربعينيات من القرن الماضي، حتى تفرغ لها في الثّمانينات بعد أن تقاعد عن العمل التّجاريّ. وكم من رفيق تقلّد المسؤولية بعده فلبّى نداء ربّه مأسوفا عليه، ولم يستنفد جهده في عمله النّبيل.
وشاء المولى أن يبارك في عمر فقيدنا حتى يصبح في قمة المسؤولية من سنين، وها هو ذا ينتهي إلى أجله المحتوم في جوار ربّه معززا مكرّما، مطمئن النّفس، إذ تمّ في عهدته تطعيم الحلقة بعناصر طيّبة صالحة من إخوانه وأبنائه وكلهم يكنّ له كل ودّ وتقدير، ولسان حالهم يقول:
إذا مات منا سيّد قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول (1/348)
صفحة 349
أيها الإخوة الكرام، إذ كان تعاقب الأجيال من سنة الحياة، وأن الآجال مقدّرة عند فاطر الأرض والسّماوات، فقد بات من واجب أولي الأمر فينا أن يمدّوا جسور التّواصل بين هذه الأجيال، بإعداد الخلائف الصّالحة، وتهيئة الأسباب لبث روح المسؤولية فيهم، والقضاء على النّزعة الاتكالية، والنّكسة الانهزامية التي بدأت تسري في أوساط شبابنا، وقد فتنتهم زينة الدّنيا واغتروا بمتاعها. ولعلّ القيام بهذا الواجب الدّينيّ والاجتماعي في إعداد الرّجال الأكفاء قد أصبح من أكبر التّحديات التي يواجهها سراة المجتمع وعقلاؤه نظرا لما نعانيه من العدوى في التّردّي الخلقي والاجتماعي. غير أن ذلك لا يمكن أن يثبط عزائمنا، أو أن يقضي على آمالنا في تركيز دعائم الطّهر والصّلاح في هذا المجتمع الفاضل وترسيخ أصالته وميزاته ما دام فينا: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23). فها نحن نودّع أحد هؤلاء الرّجال الصّادقين، بعد حياة حافلة بالمآثر والمكرمات، تكون له -بفضل الله- ذخرا عند الله، ونورا يسعى بين يديه وبأيمانه، ولسان صدق بين ذويه وأحبائه، فرحم الله فقيدنا وتغمّده برحماته، وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا جميعا الصّبر والسّلوان، فلا تبكه البواكي، إنه -إن شاء الله- في فردوس النّعيم وجنة الرّضوان. (1/349)
صفحة 350
فيا أيها الوافد إلى ربّه سعيدا بلقائه، لسوف يرضيك أن تنام إلى جوار آبائك وأجدادك، وأنت سليلهم في المجد والمكرمات، ويؤنسك في قبرك ما ادّخرته من الباقيات الصّالحات، وهؤلاء أبناؤك وإخوانك هم امتداد لذكرك الجميل، وتخليد لعملك الجليل. ولا أتجاوز قدري إذا تشرفت أن أكون تاليا لك في مقام المسؤولية، لأنك أنت الذي قلدتني إياها في حياتك تواضعا وإشفاقا إذ أدركك الوهن والضّعف، فتضيع الأمانة، ويتفرط عقد الحلقة -لا قدر الله- بيد أني أصبحت أنا الآخر على نفس الخشية والإشفاق، لما أنا فيه -أيضا- من الإعياء والإرهاق، ولكن ربّي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن ألوذ إلى الله، وأسأله ولكل رفاقي إطالة العمر في الطّاعة، والشّكر والقناعة، والموت بلا ذنب ولا تباعة.
أيها الإخوة المؤمنون، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، لقد أحسنتم المؤاساة والعزاء، وأخلصتم لفقيدنا الودّ والصّفاء، وخففتم عنا وطأة المصاب، فلكم عندنا جزيل الشّكر والثّناء، وعند الله حسن الثّواب والجزاء، وأنتم يا أبناء الفقيد ويا رفاقه الأوفياء:
كونوا حائطا لا صدع فيه ... وصفّا لا يرقع بالكسالى
فحذار من التّنابذ والتّدابر، فإن فقيدنا -رحمه الله- كان من دعاة الوفاق والتّناصر، ومن السّاعين لصلاح هذا المجتمع، في حكمة وصمت وأناة، بعيدا عن كل تهافت أو تهاتر، فلتكونوا خير خلف لخبر سلف. فقبيح بنا هوان الآباء والأجداد نعوذ بالله من شرور الأهواء، ومن شماتة الأعداء ودرك الشّقاء.
وأنتم أيها الوفود الكرام، وفقكم الله جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، وكلأكم بحفظه ورعايته، ولا أراكم مكروها في عزيز لديكم، وجعل الجنة مآبكم ومصيركم، والحمد لله ربّ العالمين.
إمام المسجد العتيق في ذمة الله. (1/350)
صفحة 351
توفي إلى رحمة الله إمام المسجد العتيق عمنا السيد: بكلي محمد بن الحاج محمد عن عمر قرن من الزّمان (1903م-2003م). كانت له جنازة مهيبة في مصلّى "با عبد الله" عصر يوم الأحد 15 ربيع الثّاني 1424هـ الموافق لـ 15 جوان 2003م فألقيت في الجموع المشاركة هذه الكلمة.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نحمده على كل حال راضين بقضائه، مهما عظم الخطب واشتدّ الكرب. ونشهد أن لا إله إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأخيار. أما بعد:
حضرات المشائخ والأئمّة، حضرات أعضاء حلقات العزابة الأجلاء، أيها الإخوة المواطنون، لقد رزئت العطفاء اليوم في أحد رموزها الأجلاء، إذ ودّعت رجلا شهما كريما، أمّ صفوف المؤمنين لما يقرب من نصف قرن. لا يكلّ ولا يملّ في عمارة بيت الله إلى أن أدركه العجز والوهن، وقد كملت فيه صفات المؤمن المتبتّل المخبت إلى الله خشية وتقى وحبّا لله ولرسوله. يصدق فيه قول من قال: "إنّه رجل لو لم يخف الله لم يعصه". ذلكم هو رفيقنا على منهج الله ورسوله عمنا السّيد بكلي محمد بن الحاج محمد. وقد بارك الله في عمره إذ عاش رفيق القرن الماضي، وتقلّب في حلو الدّنيا ومرّها. قنوعا بما قسم الله له من رزق كفاف، ولقمة حلال حتى أراه الله من أولاده البررة ما قرت به عينه، وحباه الله تعالى من حبّ جمهور المؤمنين وتقديرهم إياه ما يخلّد ذكره ويعلي منزلته عند الله، فألسنة الخلق أقلام الباري. (1/351)
صفحة 352
أيها الرّاحل الكريم، لا شك أنك في حسن مآبك إلى الله، وفي شرف مقامك، مع النّبيئين والصّديقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا، ونحن نشهد لك أنك عشت للخير والصّلاح والتّقوى. وعملت لإعلاء كلمة الله وتعظيم شعائره. وكنت مخموم القلب في معاملة رفاقك، كريم النّفس في نظرتك إلى جمهور المؤمنين، وأنت إمامهم في صلاتهم، تدعو الله في خشوع وبكاء فيؤمّنون، وتدعوهم إلى الخيرات فيستجيبون، كما استجبت أنت هيوبا لرفاقك في الحلقة منذ نصف قرن لتساعدهم في حمل أمانة الدّين، فبرهنت بسيرتك العطرة على أنك في مستوى الاختيار، فلا عجب في ذلك وأنت سليل المكرمات، راسخ القدم على درب الصّالحات.
لقد شاءت حكمة الله أن تفضّلت علي بزيارتك شخصيا في أيام مرض فنعمت بطلعتك وسعدت بلقياك، إذ تحدثت إليّ مليّا في مراجعة بعض الذّكريات السّعيدة، وما كنت أدري حينها أنها زيارة مودّع كريم لرفيق وفيّ يغالب المرض ويعاني من الانكماش والعزلة، لقد أحييت في نفسي الأمل، وأنا أقلب النّظر في جسمك الواهي وقد أخنت عليه السّنون، ولكنه يحمل نفسا مطمئنة وقلبا كبيرا، زادهما اليقين بالله وإجلال عظمته قوّة وصلابة، فاستقللت ما أنا فيه من المعاناة وكان لي من ذلك اللّقاء درس بليغ. وها أنت أسلمت الرّوح إلى باريها طيّبة سعيدة ترجو لقاء الله ومغفرته ورضوانه، فنم قرير العين إلى جوار ربّك منعّما بالرّوح والرّيحان. (1/352)
صفحة 353
وأنتم -أيها الجمع المبارك-، إنّ خير ما يطمئن فقيدنا في قبره هو أن نبقى أوفياء لبيوت الله صلاة وذكرا وإرشادا ورباطا في رحابها. لا تشغلنا الدّنيا ولا تلهينا أموالنا ولا أولادنا عن ذكر الله في عمارتها، تلكم هي الوصية الفعلية لإمامنا. نهيب بكم أن لا تتقاعسوا ولا تهنوا فكونوا أوفياء لها، والله معكم ولن يتركم أعمالكم. وفي الختام، نرجو من الله العليّ القدير أن يتغمّد فقيدنا برحماته الواسعة، وأن يرزقنا الصّبر والسّلوان في هذا المصاب الجلل، تقبل الله منكم جميعا هذه المشاركة المخلصة، فقد خففتم عنا وطأة المصاب، حفظكم الله في الحلّ والتّرحال، وحباكم خير العقبى وحسن المآل، والحمد لله ربّ العالمين.
الشّيخ عدّون في ذمّة الله.
كان ذلك يوم الثّلاثاء 19 رمضان 1425هـ الموافق ليوم 03 نوفمبر 2004م يوم فاضت روحه إلى باريها وتمت مراسيم جنازته ليوم الإربعاء 20 رمضان 1425هـ الموافق ليوم 04 نوفمبر 2004م في تجمّع مهيب بالمسجد الكبير في القرارة. بدأت المراسيم من صلاة ودفن وتأبين في حدود العاشرة والنّصف وانتهت في الثّانية بعد الزّوال ألقيت فيه كلمة تعزية باسم مجلس "عمي سعيد" والهيئات الدّينية التابعة له، وهي كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير وهو الله لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد: (1/353)
صفحة 354
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنه من لطف الله بهذه الجموع الحاشدة المفجوعة بوفاة إمامنا المفدّى الشّيخ شريفي سعيد بن بالحاج "الشّيخ عدّون" إنه من لطف الله بها أن تتداعى لمواجهة هذا الخطب الجلل وهي متحصّنة بخلق الصّبر الذي تنمّيه عبادة الصّوم، وليس من العفوية في إرادة الله وقدره جلّ وعلا أن يوقت له هذا اليوم المبارك من شهر رمضان المعظم يوم الفتح والنصر، لأن ذلك أدعى أن يكون للمؤمنين فتحا للأمل والرّضى بقضاء الله، ونصرا على اليأس والقنوط والاستسلام لغوائل الحزن والأسى.
أجل إن للموت لصدمة في نفوسنا، وإن لفقدان الأحبّة لهزّة في قلوبنا.
ولا ينبيك عن خلق اللّيالي ... كمن فقد الأحبّة والصّحابا
وقد فارق النّاس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
وإنما الصّبر عند الصّدمة الأولى كما قال رسول الله، فنحن وإن عظم الخطب وأشتدّ الرّزء بفقدان إمامنا فقد رضينا بقضاء الله. فلا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، نقول كما قال رسول الله في ولده إبراهيم: «إن القلب ليخشع وإن العين لتدمع، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» (1).
لقد كان الفقيد -رحمه الله- إمامنا وقدوتنا في الصّبر عند الملمّات، يشدّ من أزرنا ويقوّي عزيمتنا ويسدّد خطانا على نهج الصّالحات، وهو المرشد الأريب، والمربّي الخبيب، يشق بنا الطريق ويضع عليها المعالم وقد برّح به السّير حتى أدمى قدميه، فما ألقى عصا التّرحال، إلا عند محطّة الآجال، وها هو موته اليوم أوعظ لنا من حياته، إذ كتب الله لنا أن نكون من نعاته، ونحن نتمثل بنعي "أبي الماضي" لأحد عظماء بلاده "لبنان" إذ يقول:
ليس عمر الفتى وإن طال إلا ... ما حوته الحياة من مكرماته
يعظ النّابغ الخلائق حيّا ... إنما موته أجلّ عظاته
ما بكينا الرفات لمّا بكينا ... كم رفات في الأرض مثل رفاته
بل بكينا لأننا قد حرمنا ... بالمنون المزيد من ءاياته
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 272. (1/354)
صفحة 355
راعنا أن يزول عنا وأنّا ... لم نطق أن نطيل حبل حياته
قد أردنا حمل البشائر للعـ ... ــلم، فكنا لأهله من نعاته
كيف لا نبكيه وهو الأمّة في فيوض آياته ومكرماته؟. وكيف لا نأسى عليه وهو القمّة في أخلاقه وسماته؟.
أيدري النّعش أيّ فتى يواري ... وهذا القبر أيّ فتى يصون؟؟
فتى جمعت ضروب الحسن فيه ... وكانت فيه للحسنى فنون
فبعض صفاته ليث وبدر ... وبعض خلاله شمم ولين
فعلى رسلكم -أيها المصدومون الأقرباء-، وأقصروا -أيها المفجوعون الأوفياء-، فإنّ الموت حق، وإن كنّا نحن الأحياء كما قال الشّاعر:
نهوى الحياة كأنما هي نعمة ... وسوى الفواجع حبّها لا يثمر
ونظن ضحك الدّهر فاتحة الرّضى ... والدّهر يهزأ بالأنام ويسخر
فهل لي أن أذّكركم بقوله تعالى لرسوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء:34 - 35). (1/355)
صفحة 356
واسمحوا لي -أيها الإخوة- أن أناجي باسمكم جميعا روح الفقيد الخالدة فأقول: إن جزائرنا الحبيبة وهي تخلّد ذكرى شهدائها الأبرار في الذّكرى الخمسين لثورة الأحرار، لتندب حظها بفقدانك، وتأسى لغيابك عن مسرح وجودها والتحاقك بزمرة الخالدين من رفاقك وخلانك، وهي تقف اليوم موقف الذّكرى والاعتبار، وتتقلد شارات العزّ والفخار، لتجدّد العهد وتقيم العزم على الوفاء بعهود الخالدين من أبنائها ترسيخا لمبادئ ثورة "نوفمبر" الخالدة، وتركيزا لمقوّمات الهوية الوطنية، وتطبيقا للمناهج الدّيمقراطية، وتحقيقا للمصالحة الوطنية، فتلك هي أغلى أمانيك وطموحاتك، أذويت من أجلها زهرة العمر، وثابرت لتحقيقها حتى آخر خطوة إلى القبر. فنم قرير العين إلى جوار ربّك، وارجع إليه بنفس آمنة مطمئنة، فإن لهذا الوطن: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23). رحمك الله وطيّب ثراك، وجعل الجنة مثواك.
وبعد، فباسمي وباسم مجلس "عمي سعيد" وكلّ الهيئات الدّينية والعرفية التّابعة له يشرفني أن أرثي الفقيد بهذه الكلمات المتواضعة وأقدّم التّعازي الحارة إلى الأهل والأقرباء وإلى سكان القرارة جمعاء، ومن خلالهم لكل وفيّ يقدّر فضل الرّجال، وإلى كل المواطنين الأعزاء في كل أرجاء الوطن.
{رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف:126). وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الشّيخ حمو بن عمر فخار في ذمّة الله. (1/356)
صفحة 357
تلقينا نبأ وفاته -رحمه الله- يوم السّبت: 11 جمادى الأولى 1426هـ الموافق ليوم 18 جوان 2005م ونظرا لقدوم كثير من الوفود للمشاركة في مراسيم جنازته فقد قرّر مجمع الإصلاح في غرداية تأخير الجنازة إلى صبيحة يوم الغد الأحد 12 جمادى الأولى الموافق لـ 19 جوان في مقبرة باعيسى وعلوان "بحيّ مرماد" على السّادسة والنّصف صباحًا. وقد ذهب وفد كبير من العزابة والأعيان في العطف، وتكفلت بإلقاء كلمة باسم قدماء التّلاميذ وأعضاء مجلس "عمي سعيد" وكل الهيئات العرفية في المنطقة هذا نصّها:
الحمد لله الذي له العزة والملكوت، سبحانه هو القيّوم والحيّ الذي لا يموت. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فيا أيها المجمع الكريم، إخوة الإيمان وحماة الفضيلة والدّين، شاءت الأقدار أن يجمعنا -مرة أخرى- حدث جلل وخطب أليم، ونحن في زحمة الحياة ولأوائها لا يكاد أحدنا يلتفت إلى أحد، لا عن قطيعة وجفاء، ولكن لفتنة الدّنيا متناسين أنها اختبار وابتلاء. وقد قيل: إن المصائب يجمعن المصابينا. نعم!. ليس في هذا الجمع المهيب من لم يهزّه نعي أخ لنا في الجهاد والنّضال، ورفيق لنا على درب الإصلاح والتّجديد فضيلة الشّيخ الوقور السّيد الحاج حمو بن عمر فخار ذلكم الطّود الأشمّ الذي قارع الأعاصير والأنواء وواجه التّحديات في تصادم الأغراض وتنازع الأهواء، فما لانت له قناة، وما ولّى الأدبار في مواجهة الضّربات واحتدام النّزال. (1/357)
صفحة 358
لقد كان -رحمه الله- عصاميا في تكوينه العلمّي والثّقافيّ. طالبا أمام شيوخه الأجلاء، ورائدا لأقرانه وعشرائه في البعثة، وقدوة في الإخلاص والوفاء. ثم غدا أستاذا ومديرا مثاليا في تربية الأجيال، وإماما قديرا عرف كيف يزجي صفوف المؤمنين على صراط الله السّويّ بالصّادق الطّيّب من الأقوال وبالصّالح الخيّر من الأفعال، ومع هذا وذاك كان -رحمه الله- يؤمّن للمسيرة الإصلاحية مستقبلها بإعداد الخلائف وتكوين الصّفوة من الرّجال، ضمانا للاستمرارية والدّوام، وحفاظا على مقوّمات هذا المجتمع الفاضل أن تزلّ به الأقدام، أو تطيش بأهله الأحلام.
ذلكم -أيها الإخوة الكرام- هو هذا الذي جئنا لنحمل جثمانه الطّاهر على أكتافنا، ونودّعه لمثواه الأخير بقلوب خاشعة وعيون دامعة، ولا نقول إلا ما يرض الله: {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156). ونحن نتمثل بقول الشّاعر:
ما كنت أحسب قبل موتك أن أرى ... "رُضوى" على أيدي الرّجال يسير
فطيّب الله ثراه وأكرم مثواه.
أيها الإخوة الكرام، إننا لا ننازع الله في حكمه وقضائه، فله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرّضى، ونحن نؤمن بأن النّفس لا تموت إلا بعد أن تستوفي أجلها ورزقها وكلّ ما قدّر الله لها في حياتها ونتعزّى بقوله تعالى لرسوله:
أ) - {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} (الزّمر:31 - 30).
ب) - وقوله: {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء:34 - 35).
هي الدّار ما الآمال إلا ودائع ... عليها، وما اللّذات إلا مصائب
فلا تكتحل عيناك عنها بعَبرة ... على ذاهب منها، فإنك ذاهب (1/358)
صفحة 359
فالكلّ يؤمن بالموت، ويحسّ بالصّدمة عند فقدان الأحباء، ولكن القليل منا من يعتبر بتقلب اللّيل والنّهار، أو يؤمن بزوال الآمال وتقلّص الأعمار، وإلاّ فما السّرّ في هذا التّطاول والغرور؟ وما الدّافع لذلك التمرّد والنّفور؟. فعلى رسلك أيهذا المفتون، فكم من متودّد إليك، وهو يتربّص بك ريب المنون، وتأمل معي هذا الكلام الحكيم، لتعرف حقيقة وجودك، ومَا موقعك من الخالق وكونه العظيم.
كم قبل هذا الجيل ولّى جيلُ! ... ... هيهات ليس إلى البقاء سبيل
ضحك الشّباب من الكهول فأغرقوا ... واستيقظوا فإذا الشّباب كهول
نأتي ونمضي والزّمان مخلّد ... الصّبح صبح والأصيل أصيل
حرّ وقرّ يبليان جسومنا ... ليت الزّمان كما نحول يحول
إن التّحوّل في الجماد تقلّص ... في الحيّ موت، في النّبات ذبول
قف بالمقابر صامتا متأملّا ... كم غاب فيها صامت وسؤول
وسل الكواكب كم رأت من قبلنا ... أمما، وكم شهد النّجوم قبيل
تتبدّل الدّنيا تبدّل أهلها ... والله ليس لأمره تبديل
لم يعشق النّاس الفناء وإنما ... فوق البصائر والعقول سدول
أيها الإخوة المؤمنون، ويا أبناء الفقيد الأعزاء، ويا طلابه الأوفياء ورفاقه الأجلاء، ويا من عرفه من قريب أو بعيد، لا تحزنوا عليه، فإنّ له بين يديه من النّور والرّضوان -بإذن الله- خير له مما ترك وراءه من الأهل والخلاّن، ولا تبكوه فإنه في جوار ربّه قرير العين مطمئن النّفس راضيا مرضيا عنه في رفرف الخلد وجنة النّعيم.
وخير ما نمتعه به في روضة مرقده أن نبقى أوفياء لعهده، منفذين لوصاياه، حافظين لتراثه، مخلّدين لذكراه على فم الأزمان والأجيال رمزا للإصلاح، وإماما للخير والتّقى والصّلاح، سدّد الله خطانا، وألهمنا الرّشد والسّداد. {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف:126). (1/359)
صفحة 360
وأخيرا لي الشّرف العظيم أن أنوب عن رفاقي في جمعية قدماء التّلاميذ وأعضاء حلقات العزابة في مجلس "عمي سعيد" وعلى أعضاء الهيئات العرفية كلها في المنطقة، أنوب عن هؤلاء جميعا في تقديم تعازينا الحارة لأهل الفقيد نسبا وصهرا وروحا وولاء، سائلين الله العليّ القدير أن يعظم أجرهم ويجزل ثوابهم، وأن يلهمهم الصّبر والسّلوان.
فاللّهم اغفر لنا ولمن صلح من آبائنا وأمهاتنا ومشائخنا ولجميع المسلمين والمسلمات، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، وتفرقنا تفرّقا مباركا معصوما. اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا من معنا -معاشر المسلمين والمسلمات- شقيّا ولا محرومًا، آمين والحمد لله ربّ العالمين.
وفيها نعيدكم.
أقيم حفل تأبين في القرارة للأخ المرحوم تعموت إبراهيم بن محمد وكان رفيقنا في البعثة وفي التّعليم بمدرسة النّهضة في أوائل السّتينيات، ويمتاز -رحمه الله- بدماثة الأخلاق بساطة وتواضعا ووفاء لأصدقائه. بعثت بهذه الكلمة لتلقى نيابة عني وفاء بحقه وإنصافا لشخصه الكريم، إذ لم نخبر عن وفاته إطلاقا -إذن- لذهبنا للمشاركة.
سبحان المتفرّد بالبقاء، له ملك السّماوات والأرض وله فيهما الكبرياء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله أفضل الخلائق وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الحساب والجزاء، أما بعد: (1/360)
صفحة 361
فيا أيها المجمع الكريم، في هذه البلدة الطّيّبة التي لها في حنايا صدورنا الحبّ الذي لا يبلى، وفي أغوار نفوسنا الذّكريات التي لا تنسى، فكم من زميل لنا في حلقات الدّرس لا نخيس بعهده مهما امتدّت الأيام وشطّ به المزار، وكم من رفيق زانت به الصّحبة، وتوّطدت به المحبّة والألفة، وازدانت به مسيرتنا على درب المعرفة والتحصيل انتهى به أجله فتوارى عن الرّكب وبكاه الرّفاق، وتجرعوا بوفاته مرارة الفراق، وفقيدنا المرحوم تعموت إبراهيم بن أحمد هو من أولئك الأحبة الأعزاء ممن افتقدناهم ونحن نودّ لهم طول البقاء، ولكن الله يقضي في خلقه بما يشاء.
لقد عاش -رحمه الله- في الظّل قنوعا بما قسم الله له طيّب النّفس مخموم القلب، يخلص الودّ لرفاقه مهما ابتسمت لبعضهم فتنة الدّنيا فاغتروا لبسمتها في غباوة وعجرفة، وتحمّل عبء الأجيال تعليما وتثقيفا فلم يتعالم بشهادات حصل عليها، ولم يتعاظم برهطه وهو يشق طريقه في الحياة معتمدا على نفسه وعلى مولاه، راضيا بما قسم له وأعطاه. وإني لا أجد في تأبينه أروع مما قاله الشّاعر "إيليا أبي الماضي" في رفيق له يرثيه إلا أن أستبدل لفظ "لبنان" بميزاب في قوله:
ميزاب هذا من رياضك زهرة ... ذهبت كأنْ في الأرض لم تتضوّع
ميزاب هذا من سمائك كوكب ... غرّبته حتى انطوى في بلقع
ميزاب هذا من مروجك قطعة ... فيه بشاشة كل مرج ممرع
قل للبنفسج في سفوحك والرّبى ... ولّى شبيهك في الوداعة فاخشع
وامر طيورك أن تنوح على فتى ... قد كان يهواها وإن لم تسجع
قد عاش مثلك للمروءة والعلى ... متعفّفا كالزّاهد المتورّع
مترفّعا في قوله وفعاله ... غرى وهوى ولم يترفّع (1/361)
صفحة 362
نعم!. يا إبراهيم لقد عشت فينا ذلك المتعفّف الزّاهد المتورّع، وكنت لرفقاك في مجالسهم بخفة روحك ذلك الأريج المتضوّع، لا تستنكف أن تكون مثار نكتة تكون على أطراف اللّسان، أو دعابة تبعث الأنس بين الخلان، أما معروفك في الوفاء لرفاقك فوجه طلق وبسمة بريئة عند اللّقاء، ولسان صدق بالخير عند الغياب لا يشوبه نفاق ولا رياء. فطوبى لك وحسن مئاب حيّا وميتا. ولك في نفوسنا السّمة التي لا تمحى، والذّكرى التي لا تنسى، والمنزلة التي لا تدانى، فيا سعد قبر ضم رفاتك، ونعم ما ينتظرك من عقبى الدّار.
أيها المحفل الكريم، لكم الفضل والشّكر على هذه اللّفتة الكريمة، وعلى هذه المبادرة الطّيّبة، وهل أحبّ للأبناء من حنان الآباء وعطفهم، وهل أعزّ عليهم من حبّ نديّ وبرّ وفيّ تطيب بهما حياتهم في كنف الرّعاية الفطرية من آبائهم وذويهم. وجاء في الأثر: رحم الله والدا أعان ولده على برّه. (1/362)
صفحة 363
فمهما تنكر للحمى بعض الأبناء، ومهما ناوشتهم يد الزّمان وبرّحت بهم الغلواء، فإن المنبت الطيّب والمحتد الأصيل سوف ينفي عنهم الزّيف، ويأخذ بأيديهم في الانضمام إلى الصّف، فحذار حذار من صراع الأجيال، فشرّ الناس من هان عليه ذووه واستخف بالرّجال، لقد تعرضت جماعتنا عبر تاريخها الطّويل لتحديات أقسى مما هي عليه اليوم، بل لإبادات جماعية يوم لا وجود لدولة ولا سلطان، ولكنها -بلطف الله- عرفت كيف تستبقي لكيانها نفس الحياة، وتضمن لوجودها طوق النّجاة، واليوم وقد تجذرت أصولنا في هذه التّربة الطّيّبة من وطننا المفدّى وسارت بأنبائنا الرّكبان وتوفرت لدينا مقوّمات البقاء، أفيجمل بنا أن نخزى ونهون؟. كلا: {لَئِنَ اَكَلَهُ الذِّيبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اِنَّآ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} (يوسف:14). فاللّهم اجعلنا في كنفك الذي لا يرام، واحفظنا بعينك التي لا تنام، واكف عنا شرّ الأشرار وكيد الفجار ووساوس الأفكار وشرّ ما يختلف بين اللّيل والنّهار، إنك أنت الواحد القهّار، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الجمعة 28 ذو القعدة 1426هـ الموافق لـ 30 ديسمبر 2005م.
الطالب يحي الحاج إسماعيل في ذمة الله.
لقد وافاه أجله بعد مرض عضال تركه نضوا يتنزى ألما فاستراح منه ليوم الاثنين 21 ربيع الأول 1428هـ الموافق ليوم 09 أبريل 2007م وذلك في مستشفى ترشين بغرداية وأقيمت مراسيم جنازته عشية يوم الثّلاثاء 22 ربيع الأول / 10 أبريل حضرها جمهور غفير من البلدة وقرى وادي ميزاب ومتليلي في مصلّى "با عبد الله" ألقيت فيهم هذه الكلمة.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، سبحانه نضرع إليه في الملمات ولا نعبد إلا إياه. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: «الصّبر عند الصّدمة الأولى» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 275. (1/363)
صفحة 364
فقد يوطّن المؤمن نفسه على مواجهة المكاره وتحمّل الشّدائد مستعينا بالله راضيا بقضائه، فتهون المصيبة بعد الصّدمة الأولى، ثم تأخذ الحياة مجراها بكل ألوانها وأطيافها غير أن بعض المصائب أهون من بعض، وللنفس البشرية عزيمة وخور، وقوّة وضعف وفق ما تنطوي عليه من حبّ أو كره، ومن رضى أو سخط، والحبيب إلى النّفس مهما قسا وتمنّع، أو وصل وقطع، فإنه لا يفقد موقعه في حنايا الصّدر، ولا يملّ وجوده أبد الدّهر، ومن لك بمتعة الحياة في غياب الحبيب والصّاحب؟ وما إنسانيتك إن تخليت في حقهما عن الواجب؟.
ولا ينبيك عن خلق اللّيالي ... كمن فقد الأحبة والصّحابا
نعم -أيها الإخوة المؤمنون-، لقد فقدنا اليوم أعزّ رفيق ورزئنا في أكرم صديق. إنه أستاذنا ورفيقنا الكريم السّيد الحاج إسماعيل طالب يحي بن الحاج إبراهيم. هذا الرّجل العصاميّ الفذّ الذي ملأ الآفاق برّا وإحسانا، وغمر هذه الرّبوع الطيّبة حبّا وحنانا، يغذّيها بذوب مهجته، ويسقيها بدمه وعرقه لتتأصّل جذور دوحتها في أرضها المعطاء وتتفرع أغصانها في جوّ السّماء، فقد سعدت به غلاما يافعا، وصحبته شابا طموحًا واسترشدت به كهلا لبيبا، وتبركت به شيخا كبيرا. وها هي اليوم تحتضن رفاته زكيا طاهرا. فنحن وإن كنا نؤمن بسنة الحياة، ونصدق قول ربنا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (العنكبوت:57). إلا أننا لا نستطيع كبت مشاعرنا بأزاء هذا المصاب الجلل، ولا حبس دموعنا أن نضمّخ خدودنا بالبلل، فما نحن إلا بشر نغضب ونرضى، ونحزن ونسرّ.
فدعوني أيها الإخوة أن أسرّي على نفسي بما أنشده أمير الشّعراء في تأبين زعيم مصر الخالد مصطفى كامل إذ يقول:
يا خادم الإسلام أجر مجاهد ... في الله من خلد ومن رضوان
يا طاهر الغدوات والرّوحات ... والخطرات والأسرار والإعلان
هل قام قبلك في المدائن فاتحا ... غازٍ بغير مهنّد وسنان
يدعو إلى العلم الشّريف وعنده ... أن العلوم دعائم العمران (1/364)
صفحة 365
الله يشهد أن موتك بالحجا ... والجدّ والإقدام والعرفان
الخلق حولك خاشعون كعهدهم ... إذ ينصتون لخطبة وبيان
يزجون نعشك في السّناء وفي السّنا ... فكأنما في نعشك القمران
ومشى جلال الموت وهو حقيقة ... وجلالك المصدوق يلتقيان
شقت لمنظرك الجيوب عقائل ... وبكتك بالدّمع الهتون غوان
لو كان يحمل في الجوارح ميّت ... حملوك في الأسماع والأجفان
أجل، هو كذلك في نفوسنا فقيدنا يحيى، طبع كريم لا يشوبه رياء ولا نفاق، وعشرة لطيفة لا يشينها جفاء ولا غلظة، ووجه طلق لا يتجهم لطارئ ولا ينال من بشاشته إجحاف، احترمه القاصي والدّاني، وأحبّه القريب والبعيد. فلا عجب فهو سليل المكرمات، وهو ربيب الصّلاح والتقى في بيت جدّه المرحوم: الحاج إسماعيل طالب بكير وخلفه الحاج إسماعيل الحاج إبراهيم بن بكير، سلوني عنه فإنه قرين العمر ورفيق الدّرب لا يزورّ عني في عتاب، ولا يقبحني في حضور أو غياب، إنه إخلاص يمشي على رجلين، ووفاء لا يكدّره ما يشين. وجمهورنا الكريم قد خبر معدنه في السّراء والضّراء، وعجم عوده في يسر وعسر، فما وجد فيه إلا سلامة القلب ورحابة الصّدر، لا تكدر صفوه تقلبات اللّيالي، ولا تشوش خطوه بنيات الطّريق، لقد وهب لهذا البلد الطّيّب حبه المكين. فيذوب شمعة لينير الدّرب للسالكين، ويحترق عودا ليتضوع بخورا ينعش اللاهثين، فيعزّ عليه أن يرى الحمى يشكو رهقا، وهو يملك الغوث والإسعاف، ولا تسل عن غضبته المضرية إذا ما تعرّض حماه للتّعسف والإجحاف، حتى أننا نشفق عليه في بعض الموافق عساه يكون حرَضا أو يكون من الهالكين، وصدق الذي قال:
وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام (1/365)
صفحة 366
أيها المؤمنون، إننا لنكبر فيكم هذه المشاعر الفياضة، وقد تجشمتم الصّعاب، لتخففوا عنا وطأة المصاب، ولا يدفعكم إلى ذلك منفعة ذاتية ولا مغنم عاجل تعودون به إلى رحالكم إلا عظيم الأجر عند الله، بهذه المؤاساة الصّادقة لإخوة لكم انفرطت من عقدهم هذه الدّرة الغالية، ولبلدة طيّبة تكلى في فلذة كبدها مفجوعة باكية.
فجازاكم الله عنا أحسن الجزاء، ولكم منا جزيل الشّكر والثّناء، تغمّد الله فقيدنا برحماته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه في روح وريحان، وفي حظائر الخلد والرّضوان. {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156). {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف:126).
ولكم -أيها الأحباء- بورك في أعماركم، لكم أن تسألوا ما سرّ هذا الإقبال الجماهيري لوداع هذا الأخ الكريم؟، وما الذي جعل تلك القلوب الولهى تهفو إلى حضور جنازته، وهو كما نعرفه مواطن بسيط، لا تحيط به هالة من مال أو حظوة أو جاه، بل عاش للجهاد الأكبر ينافح عن الدّين والفضيلة، ويتودّد إلى الفقراء والمساكين ويتعهّد تلاميذه بحشاشة مهجته وعقله، وسعى للخير والصّلاح حيثما حلّ وارتحل، ويدلي بدلوه في كل مكرمة، يصدق فيه قول طرفة بن العبد:
إذا قيل يوما من فتى؟؟ خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
فيا إخوتنا ويا شباب الجزائر، هكذا كونوا أولا تكونوا.
لقد توارى عنا فقيدنا بجثمانه، ولكنه سيبقى مخلّدا في ذاكرة الأجيال وذاكرة التّاريخ رمزا للإخلاص والوفاء، ومثالا للتّضحية والفداء. وما الثّمانون التي قطعها من عمره إلا رزمة من المآثر والمفاخر، وذخيرة من المبرات والمكرمات.
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذّكر للإنسان عمر ثان
واصبر على نعم الحياة وبؤسها ... نعم الحياة وبؤسها سيّان
وصدق رسول الله إذ قال: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله» (1).
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 254. (1/366)
صفحة 367
اللّهم إنا نسألك التّوفيق لكل خير، والبعد عن كل شرّ، ونسألك إطالة العمر في الطّاعة، ونسألك الشّكر والقناعة، والموت بلا ذنب ولا تباعة، الحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الثّلاثاء 22 ربيع الأول 1428هـ الموافق لـ 10 أبريل 2007م.
وكيل مسجد القرارة في ذمّة الله.
لقد نعي إلينا يوم السّبت 02 صفر 1429هـ /09 فبراير 2008م وكيل مسجد القرارة وهو المرحوم الحاج عمر بن بكير بن حاج مسعود. فتكوّن وفد من العزابة وبعض الأعيان لحضور جنازته بالقرارة من غد. يوم الأحد 03 صفر/ 10 فبراير، وقد أعددت هذه الكلمة لإلقائها في الموكب الجنائزي.
الحمد لله مصرّف الأقدار ومقدّر الآجال. سبحانه وتعالى ذي العزة والجلال، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، لقد كان من فضل الله علينا أن يبلونا في أموالنا وأنفسنا حتى نذّكر ونعتبر، وأن يكدر صفونا ببعض المنغصات حتى لا نغفل ونغترر، سيما ونحن في زمن نكاد ننسى فيه حق أنفسنا بله حقوق غيرنا مما أمر الله به أن يوصل، ولكننا مهما فرقتنا زينة الدّنيا ولذة متاعها فإن المصائب يجمعن المصابينا، فليس أدهى على المرء ولا أقسى من فقدان الأحبة والرّفاق.
ولا ينبيك عن خلق اللّيالي ... كمن فقد الأحبة والصّحابا
أجل، ليس في هذا الجمع المهيب من لم يهزّه خبر وفاة أخ لنا على درب الإصلاح والجهاد، بل رفيق مثاليّ لم يغوه بريق المال على أن يسلّطه على هلكته في الحق، فلا نامت أعين الحاسدين، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمّها». (1)
__________
(1) - رواه البخاري من حديث ابن مسعود، كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه، حديث 1409: 2/ 108. (1/367)
صفحة 368
فأيّنا -أيها الإخوة- إذا زار القرارة أو قصد عمنا الحاج عمر بن بكير بن الحاج مسعود لا يجده مرابطا في ورشة يراقب أشغالها وينسّق مراحل إنجازها؟. وهو لا يكاد تحمله رجلاه بما أخنت عليه السّنون وتألبت عليه الأدواء. فها هي تلكم المؤسسات الخيرية من مساجد وغيرها عالية الأركان شامخة البنيان في كل أرجاء البلدة تشهد له بالخير والفضل، وتبقى له عنوان فخر واعتزاز على مرّ العصور والأجيال.
لقد كان رحمه الله نشاطا مثمرا وحركة دائبة في مسيرة عمره الطّويلة وهو يناهز القرن حتى لكأن أطوار الشّباب والكهولة والشّيخوخة تساوت عنده، فهو يكيّفها ويطوّعها لعزيمته وإرادته، فلا عجز ولا خمول، ولا فتور ولا وهن. ذلك لأن الإنسان رهين بقوته وبدوافعه النّفسية، والله لا يضيع أجر المحسنين، وهو يتولّى بالعون والتّوفيق عباده الصّالحين.
فإذا كان رسول الله قد وعد بقصر في الجنة لمن بنى لله مسجدا على قدر مفحص قطاة، فكم قصرا ينتظر فقيدنا في رفرف الخلد؟. وهذه بيوت الله في هذه البلدة الطّيّبة تشهد له بالجهد المضني والعمل الدّؤوب، فلا ينتهي من أحدها تشييدا وإعمارا حتى يقبل على آخر رفعا لقواعده وتركيزا لأركانه، فهل في أجيالنا الحاضرة من يصلح خلفا لهذا الرّجل الفذ، أم أن الوهن والضعف قد دبّ في أوصالنا فلم تعد الأرحام تنجب أمثاله؟. اللّهم إننا لا نيأس من روحك ولا نقنط من رحمتك فامنن علينا بالخلائف الصّالحة التي تصون حماك وتعمل لما فيه رضاك، وما الحياة الدّنيا إلا محكّ للقدرات والمواهب، ومجال للربح أو الخسارة يقول عنها أمير الشّعراء:
للمرء في الدّنيا وجمّ شؤونها ... ما يشاء من ربح ومن خسران
فهي الفضاء لراغب متطلّع ... وهي المضيق لمؤثر السّلوان (1/368)
صفحة 369
فيا سليل الكرم والفضل، ويا فقيد الشّهامة والنبل، لقد أدمت وعثاء الطّريق قدميك وأحنت صلبك وطأة السّنين، فألقيت عصا التّرحال، بعدما تزودت بأحمال ثقال، من المبرات وصالح الأعمال هي لك -بإذن الله- نور يسعى بين يديك وبأيمانك، فنم قرير العين في مثواك فإننا شاهدون لك بالخير وعلى الله حسن العقبى وخير المآب.
يا خادم الإسلام أجر مجاهد ... في الله من خلد ومن رضوان
الله يشهد أن موتك بالحجا ... والجدّ والإقدام والعرفان
أما بعد: فيا أيها الرّفاق الأوفياء، ويا سراة مجتمعنا الفضلاء، لكم منا أحرّ التّعازي في هذا المصاب الجلل أصالة عن أنفسنا ونيابة عن إخوانكم المرابطين في مختلف الثّغور والقائمين على مؤسساتنا العرفية على مختلف مستوياتها فعظم الله أجركم وأجزل ثوابكم وألهمنا جميعا الصّبر والسّلوان، ولفقيدنا المغفرة والرّضوان، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
الشيخ الحاج الناصر مرموري في ذمة الله.
لبّى نداء ربه بعد أن اشتد به المرض لمدة عشرة أيام قضاها في "عيادة الواحات" بغرداية، وذلك ليوم الأحد 11 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 15 ماي 2011م فأقيمت جنازته في مسقط رأسه بالقرارة في موكب حاشد بالمسجد الجامع وعلى رأسهم السلطات الولائية وسعادة وزير الشؤون الدينية الدكتور: عبد الله غلام الله، فألقيت في حفل التأبين هذه الكلمة باسم مجلس "عمّي سعيد" والهيئات العرفية لوادي ميزاب ووارجلان.
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، تفرّد بالبقاء وجلّ في علاه. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المؤمنون: من منا يجهل أنه سيموت ومن منا يريد الحياة مرتعا لا همّ فيه ولا نصب.
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صرفا من الأقذار والأكدار
ومكلّف الأيام ضدّ طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار (1/369)
صفحة 370
والله جلّ شأنه ينبهنا لهذه الحقيقة ويقول: {يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ} (الانشقاق:06).
ولكننا -وإن كنا نؤمن بهذه الحقيقة- فإننا نغفل وننسى، ومن فضل الله علينا أنه يذكرنا بصروف أقداره وهو اللطيف لما يشاء، وهو العليم الحكيم.
لقد فاجأنا القدر بوفاة أخ عزيز علينا بما حباه الله به من العلم والفضل ومن التقى والورع، وقف حياته للدعوة إلى الله تعليما وتربية للناشئة ووعظا وإرشادا لجماهير المسلمين في حكمة وأناة، وإفتاء لما يعترضهم من المشكلات. لا تغويه مفاتن الدنيا ولا يستهويه مدح ولا ثناء، إنه شيخنا الوقور ورفيقنا الودود السيد الحاج الناصر بن محمد مرموري.
فأي رزء أصيب به مجتمعنا الفاضل؟. وأي ثغر انكشف في تحصينات الأمة الإسلامية؟. إنه قضاء الله، وليس لنا إلا الرضى بقضائه، وليس أعز علينا من وجهه الكريم، ففي كنفه الأمن والطمأنينة، وفي جواره تهدأ النفوس الحزينة، وحسبنا عزاء أن تتوافد هذه الحشود العظيمة لتشييع جنازته لتستنزل عليه الرحمات وترجو له من الله حسن اللقاء ورفيع الدرجات.
علوّ في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
فمن منا -أيها الإخوة- لم يتبرك بطلعته وهو لا يتوانى عن مشاركة إخوانه في السّراء والضراء؟. ومن منا لا يلين قلبه لنصحه وإرشاده، وهو يستمدّ بآية من أنوار التنزيل ويقيم دعوته على نهج الله وهدي الرسول. ويجسّد بأخلاقه وسلوكه النموذج الأمثل للسلف الصالح في اتزان واعتدال.
ولم يقصر جهاده على القرارة وحدها -وهي أحق بجهده ومسعاه-، بل طاف في طول البلاد وعرضها يحكم الروابط ويقيم علاقات الأخوّة في الله وحسن التناصر في الدين. ويمدّ جسور المودة والإخاء بين المشرق والمغرب. لا تثنيه عن ذلك وعثاء الطريق، وهو اللبيب الحاذق في الموازنة بين الواجبات والحقوق. (1/370)
صفحة 371
أيها الإخوة الكرام، لقد ارتحل عنا هذا الرجل الفذ -وكلنا إلى الله راجعون- فهو بإذن الله في رفرف الخلد مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ولئن استوفى أجله الماديّ وفق ما حدّده الله فإن أجله الروحيّ سيبقى بيننا حيّا ممتدا في ذاكرتنا طيبا زكيا بحسن الذكر وشرف الأحدوثة.
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثان
فرحم الله فقيدنا وأسكنه فسيح جنانه، وغمره بفيوض رحماته ورضوانه. وألهمنا جميعا الصبر والسلوان، ولا أقول لأهله وذويه، لأننا كلنا من محبّيه ومريديه.
وإنه ليشرفني أن أقدّم أحرّ التعازي وأخلص المؤاساة في هذا المصاب الجلل لآل القرارة بالأخصّ إلى حلقة عزابتها التي تشرف الفقيد برئاستها عن جدارة واستحقاق، ولا يعوزها -بعون الله- خلف له لمواصلة المشوار.
كل يزول وينقضي أما الحمى ... فوديعة الآباء للأبناء
فباسمي واسم مجلس عمّي سعيد الموقر، وكل الهيئات العرفية بوادي ميزاب ووارجلان، أعزّيكم وأعظم لكم الأجر راجيا لكم من الله التوفيق والسداد، وعلى جميل صبركم الثواب الجزيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله ربّ العالمين.
يوم: الاثنين 12 جمادى الثاني 1432هـ الموافق لـ 16 ماي 2011م.
تأبين المرحوم عبد العزيز الحاج مسعود.
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللّهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد، (1/371)
صفحة 372
فيا أيها الإخوة المؤمنون، لقد أعتدنا أن نجيء إلى مصلّى الجنائز من حين إلى آخر كلما فاجأنا القدر في أحد أقربائنا وأحبائنا، ونحن لا نملك أن نوقف نشاط الحياة ولا أن نغيّر من سننها شيئا، وسواء علينا أجزعنا أم صبرنا ممّا يفجعنا به القدر فإن الله يقضي ولا معقب لحكمه، غير أن القليل منا من يتعظ بالموت وإن طرق بابه واقتحم حماه، ذلك لشدة حرصنا على الحياة وطول آمالنا في زينة الدّنيا ومتاعها، حتى غدا من أساليب اللّياقة وحقوق العشرة والصّداقة أن يتمنى أحدنا لأخيه المسلم الصّحة وطول العمر، وقد نغفل عن تمنّي الهداية والتّوفيق مع حسن الخاتمة وجميل العاقبة، والله ربنا خالق الموت والحياة، يحصر الغاية والقصد من ذلك في اختيارنا لجنس العمل بعد الابتلاء والاختبار، وهذا رسول الله يقرّر الفوز أو الخسران في طول العمر بنوعية العمل فيه بالحسنى أو السّوأى فقال - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، وويل لمن طال عمره وساء عمله» (1).
وها نحن أمام نموذجين رائعين ممن وفّقهما الله لحسن العمل ومتعهما بحسن الخاتمة وجميل العاقبة، فبالأمس ودعنا كوكبا من خيرة شبابنا جدّية وطموحًا وصبرًا وتحمّلا ودماثة أخلاق وحسن سلوك، وهو الدّكتور ابن أيوب محمد بن الحاج بكير، اختطفته يد المنون واستلّ من أقرانه ولداته كما تستملّ المقلة من الأشفار، وأيّنا لم يفاجأ بموته، ولم يعجب بإنجازاته على قصر عمره ومغالبته للمرض والوهن.
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 254. (1/372)
صفحة 373
واليوم جئنا لنحمل على أكتافنا جبلا شامخا امتدت به السّنون وناوشته تقلبات الأيام، فكرّس حياته لخدمة بيت الله، بإعلاء صوت الحق نداء للصلاة خمس مرات في اليوم، لا يثنيه حرّ ولا برد، ولا يقصّر في أداء واجبه لما يقرب من أربعين سنة، وماذا عسانا نرجوه للمؤذّن بأكثر مما بشره به رسول الله لدنياه وآخرته، من شهادة كل من يبلغه صوته بالخير والدّعاء له في الدنيا، وبحشره على كثبان المسك في الأخرى، إنه رفيق الدّرب عمنا السّيد عبد العزيز الحاج مسعود بن محمد، ركيزة المسجد العتيق وسادن مئذنته في إخلاص ووفاء، يصدق فيه حديث السّبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تعلّق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه» (1). فهو إلى آخر اللّحظات التي شعر فيها بالوهن والإعياء وأمّ أولاده تحاوله أن يرتاح فيجيبها: دعيني أموت في المسجد. ولم يلبث بعدها حتى لبّى نداء ربه، فرحم الله تلك الأبدان وأسكنها فسيج الجنان.
وأنتم -أيها الإخوة الأكارم- من أعضاء حلقات العزابة وغيرهم من الضّيوف الكرام، لقد خففتم عنا وطأة المصاب بمشاركتكم المخلصة، وقاسمتمونا أحزاننا فأحسسنا بحرارة المؤاساة وصدق العزاء. فجازاكم الله عنا خيرا، وبارك مسعاكم وبوّأكم من الجنة منزلا، ولا أراكم مكروها في عزيز لديكم، وحفظكم الله في حلكم وترحالكم، وألهمنا جميعًا الصّبر والسّلوان، وحبا فقيدنا المغفرة والرّضوان.
البلبل الغرّيد يغيب عن الوجود.
ونحن في غمرة الفرح في مهرجان ختم تفسير القرآن بالمسجد العتيق ببلدة الطف، إذ نُعي إلينا الأستاذ الفاضل الحاج صالح بن ابراهيم باجو، أي ليوم 22 جمادى الثانية 1436 ه، الموافق ليوم 11 أفريل 2015، فلم يقدّر أن نحضر جنازته، وبعد حوالي أسبوع أقام له معهد الحياة حفل تأبين فبعثت بهذه الكلمات ألقاها نيابة عنّي الأستاذ الشاعر الحاج عيسى الحاج صالح، إذ قلت فيها.
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 277. (1/373)
صفحة 374
سبحان ربي الأعلى الذي خلق فسوّى، والذي قدّر فهدى، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم احسن عملا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، خير من أنعم عليه فشكر، وأوذي فصبر، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فقد شاءت حكمة الله أن يتردّد نعي أخ لنا عزيز كريم في أجواء الأفراح بمهرجان ختم تفسير القرآن الكريم بالمسجد العتيق بالعطف، إنه الأستاذ الفاضل الحاج صالح بن إبراهيم باجو -رحمه الله-، الذي رافقنا بإخلاص ومحبّة ووفاء في فترة غير قصيرة من عمرنا، طالبا في معهد الحياة بالقرارة، وبربوع الخضراء، يتفيّأ معنا ظلال الزيتونة، ويرد من حياض المعرفة في شوق وإقبال، كما واكبناه في مسيرته المهنية حاديا للنشء، ورائدا للأجيال، فما عهدناه إلا ذلك الرائد الطّموحالذي عرف كيف يزجي الصفوف، ويشق الطريق إلى الهدف النبيل، ثابت الخطى على سواء السبيل، وما عرفناه إلا بلبلا غرّيدا، يهزّ بصوته الحنون شغاف القلوب، لتنطلق من إسار المتاعب والأشجان، وتتحرّر من ربقة الهموم والأحزان، ولا تسأل عن إثارته النخوة والحماس إذا تغنّى بأمجاد الشعوب والأوطان (1/374)
صفحة 375
إنّه -بحقّ- من الصفوة المختارة ممن ميّزهم الله بالحكمة والأناة وبالصلاح والرشد ليتصدّروا قوافل الإصلاح والتجديد في المجتمعات التي قدّر الله لها البقاء والاستمرار، وسخّر لها أسباب النّماء والازدهار، ممن لا تستفزّهم زخارف الدنيا ومظاهر الحظوة والرّفاه، ولا يتنافسون على تأثيل أموال، ولا كسب منصب أو جاه، بل يعملون بعيدا عن الأضواء، متوازنين في حالتي السّرّاء والضّرّاء، فلا شكّ أنّ هؤلاء الخالدون، وإن أهمل جانبهم المتكبّرون الغافلون. فيا صالح الخير، كم تفضّلت عليّ بالإطراء في شعرك الخالد، لا تملّقا ولامنّا، بل وفاء بحقّ الزمالة، وتوطيدا للأخوة في الله، وتشجيعا للسعي في خدمة الصالح العام بالدعوة إلى الله، وإرشاد خلق الله
وكنت أرجو من المولى العلي القدير أن يمدّ الله في أنفاسك حتى تقول رثائي، وتؤبّن رحلتي الأبدية، ولكن إرادة الله شاءت غير ذلك، فكنت السابق المقرّب -إن شاء الله-، ونحن في فترة عصيبة، لا يهنأ فيها إلا الأموات أمثالك ممن متّعهم الله بحسن الخاتمة وجميل العاقبة، ويصدق فينا نحن الأحياء ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه «(1). نعم إنه الواقع المرّ الذي نعيشه اليوم، نسأل الله العافية وحسن المآل. ونحن نشهد أنّك أفضيت إلى مولاك نقيّا تقيّا، ثقيل الموازين بالقربات والمبرّات، خالد الذّكر بين الأصدقاء والخلان، طيّب الأحدوثة على كلّ لسان، فنم قرير العين في رفرف الخلد، ونعيم الرضوان، وسلام عليك يوم ولدت ويوم متّ ويوم تبعث حيّاً، والحمد لله رب العالمين.
العطف يوم الجمعة 26 رجب 1436ه الموافق ليوم 15 ماي 2015م
قسم التّهاني
عرس جماعي ممتاز.
__________
(1) - رواه البخاري، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور، حديث 7115: 9/ 58. (1/375)
صفحة 376
في يوم الخميس 30 جمادى الأولى 1410هـ/ 28 ديسمبر 1989م تمّ التّتويج لواحد وعشرين عريسًا في دار الجماعة بالعطف، وكان من بينهم ابناي: سعيد نور الدّين وسعيد بالحاج، وبقية العرس يتوزعون على ستّ عشائر من العشائر السّبع في البلدة. وكان يوما ممتازا حضرته كثير من الوفود المدعوّة من قرى "وادي ميزاب" ومن سلك التّربية والتّعليم. وبعد التّتويج وكلمات الضّيوف ألقيت هذه الكلمات:
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربك قديرا، وحبانا بأزواجنا سكنا ومودة وطهرا، ونصلي ونسلم على خير العالمين شرفا وقدرا، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته من خير القرون وأعظمها أجرا وبعد:
فيا أيها المجمع المبارك من شيوخ أجلّاء، وضيوف أعزّاء، وإخوة أوفياء، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا، بأي وصف أستطيع أن أجسّد هذه الفرحة وهذا السرور الفيّاض الذي لا يملك فيه الإنسان وسيلة للتعبير بالكلمات المألوفة، وإن بلغ من الفصاحة والبيان منزلة عليا. ذلك لأن العواطف في لحظات تألقها وإشراقات أنوارها، لا يمكن أن تبقى حبيسة في القوالب اللّفظية، لأنّها تنطلق في المجالات العلوية لشفافية الروح التي لا تخضع لضوابط الزمان والمكان. فما أجد أليق وصفا لهذا المجمع الكريم، ولا أبلغ من كلام الله العظيم في وصف أهل الجنّة إذ يقول تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ -امِنِينَ، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ اِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (الحجر:45 - 48). (1/376)
صفحة 377
أجل أيها الإخوة الكرام، ما نراكم في إقبال نفوسكم وإشراقة أرواحكم، وابتسامات وجوهكم في هذا اللّقاء السعيد، إلا وقد تحقق فيكم -بفضل الله- هذا الوصف الإلهي الكريم، إذ لبّيتم دعوتنا وجئتم إلى المكان الطاهر، وليس يدفعكم إلى ذلك إلا الأخوّة في الله والوفاء للصحبة؛ والإخلاص حاديكم، ورضى الله أقصى أمانيكم، فما جئتم لمتاع من الدنيا قد استهواكم فينا، ولا لجاه أو حظوة تطلبونها لدينا، وتلك- لعمري- هي العروة التي لا تنفصم، والصلة التي هي أبقى من وشيجة الرحم، لأنّه ما كان لله دام واتّصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. ولذا فإني لا أقارضكم ثناء بثناء، لأن ذلك يفسد ما في النفوس من الإخلاص والوفاء. ولكنّي أقول مع الصديق - رضي الله عنه -: "اللّهمّ اجعلني فوق ما يظنّون، واغفر لي مالا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". ولا يسعني إلا أن أصافيكم بخالص الدعاء، وأرفع أكف الضراعة إلى رب العزّة والكبرياء، أن يجعل جمعنا جمعا مباركا مرحوما، وتفرّقنا تفرقا مباركا معصوما، وأن يؤلّف قلوبنا على الإيمان، ويجمع صفوفنا على هدي القرآن، وأن يحفظنا من المصائب والفتن، ويجبّنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
أيها الإخوة الأعزّاء: دعوني أردّد مع الصاحب بن عبّاد هذه الأبيات التي أراها تشخّص هذه اللّحظات السعيدة إذ يقول:
هذي المكارم والعلياء تفتخر ... بيوم مأثرة ساعاته غرر
يوم تبسّم عنه الدّهر واجتمعت ... له السّعود وأغضت دونه الغير
حتى كأنا نرى في كل ملتفت ... روضا تفتّح في أثنائه الزّهر
لما تجلّى عن الآمال مشرقة ... قال العلا بك أستعلي وأقتدر
وافي على غير ميعاد يبشّرنا ... بأن ستتبعه أمثاله الأخر
أهنى المسرات ما جاءت مفاجأة ... وما تناجي بها الألفاظ والفكر
لو أن بشرى لقتها بموردها ... لأقبلت نحوها الأرواح تبتدر (1/377)
صفحة 378
أجل! وأيّ مأثرة يجود بها الدّهر وتجتمع لها السعود وتشرق فيها الآمال، هي أغلى من ذلك اليوم الذي نرى فيه فلذات أكبادنا يتوّجون فيه بتاج الرجولة، بعدما درجوا في أحضاننا أطفالا وغلمانا يملؤون بيوتنا بشرا وسرورا في طهر الملائكة وبراءة العذراء وهم معقد الآمال وزينة الدنيا، نضحّي بكل ما نملكه في إسعادهم، ونبذل ما في وسعنا لتربيتهم وإرشادهم، ثم لا يرضينا منهم إلا أن يكونوا امتدادا لذكرنا في الصالحين، ولسان صدق في الآخرين. وهم كما قال أحد الحكماء: "عماد ظهرنا وثمر قلوبنا وقرّة أعيننا. بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا. فكن لهم أرضا ذليلة وسماء ظليلة. إن سألوك فأعطهم وإن استعتبوك فأعتبهم. لا تمنعهم رفدك، فيملوّا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطؤوا وفاتك".
أجل، أيها الأبناء العرس! ما نراكم اليوم إلا على الصفات المثلى التي نطق بها هذا الحكيم، ربائب الفضائل وسليلي المكرمات، نشأتم على فضائل الدين، وترعرعتم على الصالحات في حرز أمين. فما شكوتم -بفضل الله- جفاء ولا حرمانا، ولا افتقدتم في حضن والديكم عطفا ولا حنانا. وها أنتم اليوم بلغتم شأو المجد والفخار، وتبوّأتم منزلة الشهامة والنيل والمروءة، فاربأوا بأنفسكم أن ترتعوا مراتع الأشرار، أو أن تخدش كرامتكم بلوثة العار، فقد استنفدتم من هذا المجتمع الكريم كل حقوقكم في فضل غير ممنون، فلا تتّولوا عنه مدبرين، ولا يفتننّكم الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين. (1/378)
صفحة 379
وأنتم -أيها الآباء الكرام- اتقوا الله في أولادكم، واحذروا فتنتهم، وتدرّعوا في تربيتهم بالصّبر والأناة، وواجهوا شرودهم -أحيانا- بالعفو والصّفح والغفران امتثالا لقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التّغابن:14). استنزلوا رحمات السّماء بما تبذلونه من تضحيات، وكونوا لأولادكم في مقام القدوة على درب الصّالحات، حتى لا يملّوا قربكم ولا يكرهوا حياتكم. فقد جاء في الأثر: "رحم الله والدا أعان ولده على برّه". فحبّبوا إليهم التّقوى والإيمان، وأفيضوا عليهم من دعواتكم الصّالحة ولا تعينوا عليهم الشّيطان. وأنعشوا في نفوسهم الحسّ الوطني والاجتماعي بالإقناع والحوار، وبالتّشاور البناء، فإن تهافت الأصوات يكاد يصمّ آذانهم، وكثرة الأبواق توشك أن تفقدهم صوابهم. عسى الله أن يلهمنا رشدنا ويسدّد خطانا على النّهج السّويّ، لما فيه خير معاشنا ومعادنا: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74).
أيها الإخوة المؤمنون، شكر الله سعيكم، وبارك في أعماركم وبلّغكم ما تتمنونه في كل عزيز لديكم، وكلأكم بحفظه ورعايته في حلّكم وترحالكم. فقد قلدتمونا بمشاركتكم هذه مننا لا تنسى وفضلا لا يبلى، نرجو من الله العليّ القدير أن ينسئ في الآجال ويبارك الأعمار، ويثبّت خطانا على صراطه المستقيم حتى نكون عند حسن ظنكم، ونوفّي ببعض ما علينا من حقكم، إنه مولانا ونعم النّصير. والحمد لله ربّ العالمين. (1/379)
صفحة 380
ملاحظة: نفس الخطاب ألقيته في تتويج ولدنا سعيد عبد الرّحمن في عرس جماعي أيضا تمت مراسيمه في فناء مدرسة النّهضة العامرة بعد الزّوال حضره جمع كريم من المشائخ والزّملاء وحشد كبير من المواطنين في بلدة العطف. وذلك ليوم 11 ذو القعدة 1417ه-20 مارس 1997م، والحكيم عبد الرّحمن هو آخر أولادي ممن وفقني الله تعالى لإحصان دينهم وإكمال حقهم في التّربية والرّعاية، أبقاهم الله مثالا للصّلاح والتّقوى، وحباني وإياكم بخير العقبى.
رجل من زمرة الأمخاخ المهاجرة.
الأستاذ محمد الحاج النّاصر الكبير، سبط قطب الأئمة الشّيخ أطفيش -رحمه الله- من الأفذاذ اللامعين في المجال الأدبيّ والفكريّ، من قدماء معهد الحياة بالقرارة، اكتسب خبرة كبرى بمختلف جولاته في أقطار المشرق والمغرب العربيين. كان عصامّي التّكوين، واسع الأفق في ثقافته، فصيح اللّسان جريئا في المواقف. بعد الاستقلال الوطني قضى سنتين في دار الفكر الإسلامي إلى جانب صديقه المرحوم الأستاذ الحاج أيوب الحاج إبراهيم ?ـرادي مديرا فنيا لمجلة الفكر الإسلامي التي وئدت في مهدها بيد الحزب الواحد يومئذ، مما أوقعه في مشاكسات حادّة مع مكتبه السّياسّي. فاضطر إلى الهجرة صوب المغرب الشّقيق حيث استقرّ به المقام وبنى بأمّ أولاده المغربية. بعد وفاة والدته زار مسقط رأسه ببني يز?ـن لتفقّد أحوال الأسرة. وكانت بين أسرتي أطفيش وآل سعيد علائق وطيدة منذ حياة القطب -رحمه الله- فزار الأستاذ مدينة العطف، فأقامت له إدارة النّهضة حفل استقبال مع نخبة من الأساتذة والأعيان. فجرى بيننا حديث ممتع تناولنا فيه بعض قضايا السّاعة وذلك يوم 20 شوال 1411هـ/ 05 ماي 1991م وقد ألقيت هذه الكلمات ترحيبا بمقدمه الميمون. (1/380)
صفحة 381
حمدا لله الغني الحميد، يدبّر الأمر كيف يشاء وهو الرّحيم الودود. ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد خير من هاجر من موطنه وهو لديه أحبّ ما في الوجود، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم مشهود، أما بعد:
فيا أيها الإخوة الكرام، ويا أستاذنا الفاضل، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظّنّ أن لا تلاقيا
ولله الأمر من قبل ومن بعد، نحمده على كل حال، عليه نتوكّل وإليه المآل. فمن منا كان يتوقع هذه الفرصة السّعيدة التي جمع الله فيها الأحبّة بعد طول فراق وضعف رجاء؟. ومن منا لا يجد في نفسه تلك الحلاوة التي أمعن في تعتيقها طول النّوى والهيام بالحبيب؟. تلك الحلاوة التي صورها البحتري بحسّه الرّهيف حين قال:
ولو عرف النّاس اللّقاء وحسنه ... لحبّب من أجل اللّقاء التّفرّق
أجل -أيها الحبيب الوفيّ- ما كان بعدك عنا قسرا لينسينا يومًا مقامك فينا طفلا تجلّله البراءة والطّهر والصّفاء، فغلاما يافعا تميّزه شارات الفطنة والذّكاء، فشابًّا طموحًا متحفزّا لبلوغ أعلى المراتب في مصافّ الخالدين النّبهاء. وما كان الجاحد الحسود لينقص من مقامك فينا أديبا رائدا في بلاغة التّعبير ودقة التّصوير، وحرّية التّفكير، وعالما جليلا هو سليل القطب في غزارة علمه وسعة أفقه، وسعيه الدّؤوب في النّقد والتّمحيص، والأخذ بالمنهجية العلمية البعيدة عن الهوى والانفعال.
ولئن طوحت بك البعاد، واضطرّك الدّهر إلى مفارقة الأهل والأوطان، فإن في تاريخ أشباهك من النّابهين لخير سلوى لقلبك الحزين، وأنت هناك من حين إلى حين، تناوشك الأشواق ويهفو بك الحنين، ومولانا تبارك وتعالى يقول: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة:216). (1/381)
صفحة 382
أجل أيها الأستاذ الجليل، لكأني بك في كل الأحوال تردّد مع المتنبّي قوله:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضا ... د وعوذ الجاني وغوث الطّريد
إن أكن معجبا فعجب عجيب ... لم يجد فوق نفسه من مزيد
أنا ترب النّدى وربّ القوافي ... وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمّة تداركها الله غر ... يب كصالح في ثمود
ومالي أثير هذه الشّجون وقد انطوت صفحتها؟، وكل أذى في سبيل الكرامة يهون، وقد يلين الدّهر ويحنو بعد أن يقسو ويخون. فلله الحمد على الشّدة والرّخاء وعلى العسر واليسر. فها قد يسرّك الله لليسرى، فلا تؤلمّنك الذّكرى، وأنت اليوم في مرابع طفولتك وصباك، وهي تحتضنك بتلك العاطفة الفطرية التي أودعها الله في قلوب الوالدين، وتنزلك في السّويداء مكانا لا تدنّسه مكايد الحاسدين.
ففي حنايا هذه المؤسسة العتيدة من مدرسة النّهضة العامرة تحف بك أرواح أحبتك من أولئك الذين بادلتهم حبّا بحبّ وصفاء بصفاء، وهم الآن -بإذن الله- في رفوف الرّضوان يسرّون بمقدمك ويبتهجون بطلعتك في مغناهم العامر، وهؤلاء أولادهم وأحفادهم خفّوا لاستقبالك بحفاوة وإكرام، وفاء لصلة القربى، وأداء لحق الأبوّة الفضلى. فأهل وسهلا ومرحبا بين أهليكم. طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. فأمتعونا بدرركم الغالية وزوّدونا بنصائحكم الثّمينة، فنحن أحوج ما نكون إليها في هذا الظّرف العصيب الذي تشابكت فيه المسالك، وتهافتت فيه الأصوات، حتى لا نكاد نميّز بين الخالص والزّائف وبين الطّيّب والخبيث. وقانا الله وإياكم المزالق والمهاوي وجنّبنا بنيّات الطّريق، وألهمنا الرّشد والسّداد، حفظكم الله تعالى في حلّكم وترحالكم، ومكّننا وإياكم من هذه الفرص السّعيدة، حتى تتعدّد الزّيارات وتتكّرر اللّقاءات إنه سميع مجيب، والحمد لله ربّ العالمين.
العائدان من قبة البرلمان. (1/382)
صفحة 383
في هذا اليوم الأغرّ 23 رمضان 1412ه- 28 مارس 1992م، أقامت البلدية حفل تكريم على شرف النّائبين الوطنيين الأخوين: بكلي عبد الوهاب بن الشّيخ عبد الرّحمن، وبهدّي الحاج صالح بن حمو في المركز الثّقافي البلدي بعد انقضاء مهمتهما. حضر الحفل الإخوة الممثلون للسلطات الولائية والمحلية مدنيا وعسكريًّا وجمع غفير من الأساتذة والعزابة وأعيان البلد. وبعد كلمات التّرحيب من طرف رئيس البلدية الأخ سعيد بكير بن الحاج عمر ألقيت هذه الكلمات.
الحمد لله المتفرّد بالدّوام والبقاء، المتميّز بالعظمة والكبرياء، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمد عبده ورسوله، خير من شرّع للأمة وساسها بالعدل والإحسان، وتركها على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الأعزاء، ساسة، ومسؤولين، ومواطنين، حيّاكم الله وبيّاكم، وتقبل منا جميعا ما تقربنا به إليه في هذا الشّهر المبارك من أنواع القربات صياما وصلاة وقياما ودعاء وابتهالا، وبوّأنا جميعا مبوّأ صدق عنده في عداد المقربين الصّالحين. إنها لفرصة سعيدة أن يضمّنا هذا المحفل الكريم على هذا النّسق المتميّز، إذ يلتقي فيه المواطن بالمسؤول في جوّ رائق هنيء تغمره المودّة والصّفاء، وتحفه ملائكة الرّحمة لما تفيض به القلوب من إخلاص ووفاء، وقد زكّاها الصّيام، ونقاها من شوائب الغرور والافتتان بمغريات الحظوظ الدّنيوية التي تفسد النّفوس وتعرّضها لنزغات الشّيطان. (1/383)
صفحة 384
ولئن كان الغرض من إقامة هذا الحفل المتواضع هو تكريم إخوة لنا في مقام المسؤولية قد أنهوا مهمتهم، فإننا لا نستطيع -مهما أوتينا من فصاحة وبيان- أن نوفيّ حقهم، لأن تكريم النّاس لبعضهم بعض لا يعدّ شيئا أمام تكريم الخالق لهذا الإنسان، إذ سوّاه ونفخ فيه من روحه وعلّمه ما لم يعلم، وسخّر له ما في السّماوات وما في الأرض فقال جلّ من قائل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70). فلله المنة والفضل على نعمه التي لا تحصى، وله الحمد والثّناء والعتبى حتى يرضى.
أيها الإخوة الأعزاء، إنّ من أوكد واجباتنا، والوفاء بحقوقنا أن ننزل النّاس منازلهم التي يستحقونها، وأن نعرف الفضل لذويه، وقد قيل: "من لا يشكر النّاس لا يشكر الله". وليس عبثا أن يهتمّ ديننا الحنيف ببيان تلك الحقوق المشروعة، فرتّبها وحدّدها وعيّن مستحقيها ثم ربطها بالشّعور الدّيني والوازع الإيماني، ليضفي عليها ذلك القدر من العواطف النّبيلة المنبثقة عن التّجاوب الوجداني بين أفراد المجتمع المسلم حتى يتحقق فيهم ذلك الوصف الإلهي الكريم لصحابة رسول الله: {أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح:29).
وليس من العفوية في كلام الله أن يجئ ذلك التّعقيب الإلهي بعد آية الحقوق العشرة من سورة النّساء في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمُ} (36). فقال: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} (النّساء:36). (1/384)
صفحة 385
ذلكم لأن خلق العجب والفخر والاختيال إذا استحوذ على القلوب المريضة، فإنها لا تعير لتلك الحقوق أدنى اهتمام، وبالتّالي فهي لا تميز الخبيث من الطيّب ولا اللّئام من الكرام. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فنحن لا نقصّر في معروف مهما بدا لبعض النّاس حقيرا، ولا ننثني عن البرّ والإحسان مهما تطاول المتطاولون عجبا وغرورا، لأننا على الشّهامة والمروءة درجنا، وعلى الأخلاق الدّينية الفاضلة تربينا.
فمرحى بإخوتنا الأعزاء، مرحى بنائبينا في المجلس الوطني الأخوين: بكلي عبد الوهاب، وبهدّي الحاج صالح. هنيئا لهما، وقد رست بهما سفينة الأمانة على برّ الأمان، بعد مصارعتهما لعاصفة هوجاء كادت تودي بسلامتها لولا لطف الله. (1)
فليس أروح على قلوب المخلصين الأوفياء من حسن القيام بالواجب في السّراء والضّراء. فقد أنضيتما عنكما ثوب المسؤولية وهّاجا نظيفا، وتبوأتما في نفوس المواطنين مقاما شريفا لما تمتازان به من دماثة الأخلاق ولطافة المعشر، وأنتما تبذلان أقصى الجهد في التّوعية والتّوجيه لربطهم بالأحداث الجارية، وإنعاش حسّهم الوطني، بتوضيح الرّؤية وتصحيح المفاهيم، حين تهافتت عليهم الأصوات، وتشعّبت بهم المسالك، فجازاكم الله عنا خيرا، وأبقاكم للدّين والوطن فخرا.
فهنيئا لكم ولنا جميعا بهذه المكرمة، وأبقاكم الله ذخرا لهذه الأجيال المفتقرة إلى من يأخذ بأيديها إلى معالم الطّريق الآمنة، ويسدّد خطاها في المسار الصّحيح لتحقيق العيشة الرّغيدة والحياة الفضلى، بعيدة عن الحيرة والقلق، مصونة من الطّيش والنّزق.
__________
(1) - إشارة إلى حلّ البرلمان من رئيس الجمهورية الأخ الشّاذلي ابن جديد يوم 04 جانفي 1992م. وذلك قبل انتهاء الفترة الشّرعية للمجلس إثر استقالته هو من رئاسة الجمهورية تحت وطأة الظّروف السّياسية المتأزّمة في البلاد. (1/385)
صفحة 386
أيها الإخوة، لا تقولوا إننا سلّمنا الوديعة إلى أهلها، ونفضنا أيدينا من غبار السّياسة وصخبها، لأنكم اليوم في مقام المشاهد النّاقد البصير، تتابعون فصول الرّواية عن كثب، وأنتم لديكم من الخبرة ما لا تخطئون التّقدير.
فنناشدكم الله بحق الأخوة أن لا تحرموا من نصحكم وإرشادكم كل من يطلب المعرفة، أو يستنير برأيكم في هذا الظّرف العصيب الذي تجتازه أمتنا.
نسأل الله لكم دوام الصّحة والعافية، ولكل مخلص غيور من أبناء هذا الوطن الحبيب.
يسّر الله لنا الأسباب، وكشف الغمة، وأزاح الهمّ والحزن، إنه كاشف الضرّ ومفرّج الكروب، ولدعاء البائسين سميع مجيب، والحمد لله ربّ العالمين.
من النّيابة إلى الوزارة.
تقلّد الأستاذ عبد الوهاب بكلي مسؤولية وزارة السّياحة والصّناعات التّقليدية في حكومة الأخ: عبد السّلام بلعيد. وفي عودته من مهرجان "تاغيت" في ولاية بشار عرّج على ولاية غرداية مرورا إلى العاصمة. وذلك ليوم 25 ربيع الثّاني 1413هـ-25 أكتوبر 1992م. استقبله أعيان البلد والسّلطات المحلية في المركز الثّقافي البلدي لمدينة العطف، بحضور كثير من الأساتذة وجمع من الشّباب فألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي يمنّ على من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، ونصلي ونسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
سعادة السّيد الوزير، حضرات الإخوة الأعزاء، مسؤولين ومواطنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، إذا كانت نعم الله علينا ضافية، وفضله عظيما، فإن الحديث بتلك النّعم واجب تقتضيه المروءة والنّبل، والإشادة بفضل الله زيادة في الكرم والفضل. (1/386)
صفحة 387
فبأي آلاء ربّنا نعتزّ ونشيد، وفي أي مجالات فضله نبدئ ونعيد؟ -كلاّ- فما نحن بقادرين على مقامات الشّكر والثّناء لأن الله تعالى هو الغني ونحن الفقراء، وهو القاهر فوق عباده ونحن العاجزون الضّعفاء فاللّهم رحمتك نرجو ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا تحرمنا لقلة شكرنا، إنك أنت الحليم الغفور، وأتمم تقصيرنا في حقك إنك على كل شيء قدير.
سعادة السّيد الوزير: بالأمس القريب تشرّفنا بتكريمك في هذا المكان بالذّات، وأنت النّائب الوطنيّ المحنّك القدير، وها نحن اليوم عدنا -والعود أحمد- لنكرّمك وأنت في مقام الوزير. نكرّمك بفخر واعتزاز ولسان حالنا يقول مع الشّاعر العربي:
بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ذ
وهل نرجو لك أعزّ مما رجاه القائل من رسول الله وهو يطلب منه الجنة؟ أي والله لأنت اليوم في طريقها مدلج، وإن لك في إخلاص عملك لربّك ووطنك ملاذا من كل موقف محرج. فلا تتهيّبنّ العوائق والعقبات، وتوكلّ على الله فهو نعم المولى ونعم النّصير. (1/387)
صفحة 388
أيها الأخ الكريم، ماذا نقول لك في هذا التّكريم المتواضع؟، وماذا نقدمه إليك من غير هذه الأدعية الصّالحة، أن يوفقك الله تعالى للصالح من الأعمال، وأن يشدّ أزرك بالمخلصين من الرّجال. فنحن وإياك في موقف الإكبار والتّقدير مثل ذلك الأعرابي التّائه في ظلمة البيداء، إذا أشرق عليه هلال السّماء، فاهتدى بنوره إلى طريق السّلامة والنّجاة، فرفع يديه إلى السّماء في نشوة وحبور وهو يقول: أأقول: نوّرك الله فقد نوّرك؟. أم أقول: رفعك الله فقد رفعك؟. ولكني أقول: أبقاك الله في علاك، وجعلني فداك. فثق -أيها الأخ الوزير- بأن هذه النّفوس الطّيّبة من رفاقك وإخوانك، بل كل مواطن في هذا البلد الأمين، ليكنّ لك في جوانح نفسه مثل هذا الحبّ المكين، ويعبّر بلسان حاله عن هذه التّمنيات الطّيّبة، ولا شك أنك تبادلهم حبّا بحبّ ووفاء بوفاء. أما عن تطلعات بلدنا ورغائب شعبنا -وأنت ولده البارّ- فأنت أدرى بالواقع منا، وسوف لا تبخل بجهد تقدمه لتأسو الجراح وتكشف الغمّ. وإننا نردّد في هذا المقام قول المتنبّي لسيف الدّولة:
وفي النّفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي جواب عندها وخطاب
والسّلام عليكم ورحمة الله
وفاءً بحق الزّمالة.
أقام الأخ الأستاذ عمر بن صالح داودي عرسا لنجله صالح في بنورة يوم الأربعاء 15 شعبان 1417 - 26 ديسمبر 1996، دعا إليه نخبة من رفاقه وزملائه في مهمّة التربية والتعليم ومن ضمنهم مديري التربية في كل الولايات، غرداية، الأغواط، ووارجلان وكثيرا من الأساتذة مع أعيان وادي ميزاب، فذهبت رفقة بعض الإخوة من العطف للمشاركة في الحفل وألقيت هذه الكلمات. (1/388)
صفحة 389
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا، ونصلّي ونسلّم على من بعث رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه من جاهدوا في الله جهادا كبيرا وبعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، مسؤولين ومواطنين: أحيّيكم بتحية الإسلام، وأناجيكم بعاطفة الوفاء والمحبّة، وأخاطبكم بلغة الأخوة الإيمانية التي جمعتنا على هذا الصّعيد النّقي الطّاهر، وبهذه المناسبة الطّيّبة السّعيدة. فما منا من أحد استجاب للدعوة الموجّهة إليه للمشاركة في هذا العرس المبارك تملّقا لصاحبه، ولا تزلّفا لأقربائه رجاء مصلحة يريدها، أو منفعة يرجو تحقيقها، وإنما جئنا وفاء لحق الأخوّة الصّادقة والصّحبة المكينة في أداء واجب وطني نبيل، والقيام بمسؤولية شاقة ولكنها شريفة وجليلة، تتمثل في تربية الأجيال.
أرأيت أشرف أو أجلّ من الذي ... يبني وينشئ أنفسا وعقولا
أجل! إننا في هذا الحشد المبارك، وقد تداعينا من كل الثّغور التي نرابط فيها، نشعر بذلك التّلاحم الوجداني والتّجاوب العاطفي نحو أخ لنا خبرنا مواقفه، ولمسنا فعاليته في أداء واجبه المهني على أكمل وجه دونما غرور ولا عجرفة أو تسيّب وإهمال الأستاذ الحاج عمر بن صالح داودي سدّد الله خطاه وبارك مسعاه. (1/389)
صفحة 390
أيها الأخ الكريم، انظر حواليك، وقلّب الطّرف في أسرّة هذه الوجوه النيّرة تجد نور الوفاء والمحبة مؤتلقا عليها، وبهجة الفرح والسّرور تفيض من حناياها، لتضفي على هذا المحفل الكريم ما يستحقّه من الأنس والحبور، وما يميّزه من التّكريم والتّقدير. فهل لك من الثّراء والجاه ما يجتذب هذه النّفوس لتهفو إلى موردك؟. أم أنت في القمة العليا من مناصب السّلطة تدفع النّاس إلى بابك لطلب موعدك؟ كلا! فما لحديث المنافع والمصالح من صدق، وما لأصحابها من عهد ولا ذمّة، بل هي الأخلاق الحميدة النّابعة من طيب العنصر، والمرتكزة على صفاء الإيمان، وصدق الوجدان وطهارة النّفس، فقد عرفنا فيك ذلك الشّهم الغيور على دينه وأصالته، المخلص لرفاقه وأبناء جلدته، المقبل على عمله بجديّة ونشاط، وأنت البصير بشؤون زمانك في حكمة وأناة، والعصامي في طموحه لأعلى الدرجات. فها أنت اليوم تكاد تستكمل مسيرة مهنتك بخطى ثابتة وعزم مكين، لم تفتنك المنافع العاجلة للتحيّز إلى فئة المتخلين، ولم تستهوك العروض السخيّة لترضى أن تكون مع الخوالف حين ألحّت عليك الحاجة وداهمك اليتم، وليس لك بعد الله إلا أن تعتمد على نفسك وأن تشمّر على ساعد الجدّ، في مهنة يعرف الناس جميعا أنّها لا توفّر زينة الدنيا ولا تؤثل مالا، ولكن حسبها شرفا وفخرا أنها تبني حضارة وتربي أجيالا، ولئن فاتك الصدر الحنون والقلب الرحيم من أبيك المرحوم صالح، فسوف لا تحرم وداعة البنوّة وحلاوة أنسها وحرارة حبّها من ولدك العريس صالح، وأنت ترى فيه وفي إخوته قرة عينك ونزهة خاطرك، ومنبع سعادتك وهنائك، داعيا الله بدعاء المؤمن الصالح: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74). (1/390)
صفحة 391
أيها الابن العريس، إن ما يحفك في عرسك هذا من الإكرام والتّبجيل، ليس له من الدّوافع والأسباب إلا هذا القدر الذي سمعته من الاحترام والتّقدير لجهود والدك في العمل التّربوي لأبناء هذا الوطن المفدّى. وأنت قد نلت منه حظك في تربيتك وتكوينك، وما زلت تنعم بفيض برّه وإحسانه، حتى وأنت تتوّج اليوم بتاج الرّجولة، لتتحمّل قسطك من المسؤولية في إطار الأسرة المصونة، فاعرف لهذا الموقف قدره، واحفظ على مدى الأيام ذكره، واشكر نعمة الله عليك وعلى والديك، فإن الشّكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنّعمة المفقودة، فقد هيّأ لك والدك مشروع مستقبلك، وبسطت لك يدا مما يمكنّك من النّجاح إن أنت أحسنت التّدبير وحذقت شؤون التّسيير. فحذار أن ترعى مع الهمل، أو تركن إلى العجز والكسل، لأن تضييع الفرص يورث الغصص، وخيبة الآمال، توهن من عزيمة الرّجال.
وهذه شريكة حياتك قد جمع بينكما الرّباط المقدّس وأخذت منك الميثاق الغليظ، فكن لها زوجا مثاليا في حسن العشرة وطهر العفة، في عشّ هنيء بفيض الرّحمة ودفء السّكن والألفة. ولا تنسى أنك الابن الأكبر في الأسرة لتكون السّاعد الأيمن لوالدك وقد أخذ يتدّرج في منحدر العمر، ولا يدري ما الله قاض في أجله. فامتثل لأمر الله في البرّ والإحسان، ولا ترغب بنفسك عن نفسه، فلطالما نسي الإنسان في هموم يومه تكاليف غده ومتاعب أمسه. ولا يفتننّك حبّ الزّوجة والولد، فتخيس بعهدك فيمن قضى الله بالإحسان إليهما وخفض الجناح لهما، والدّعاء لهما بالرّحمة والرّضوان. (1/391)
صفحة 392
ولا يسعني بعد هذا النّصح الأمين إلا أن أبارك لك بما بارك به رسول الله فأقول: «بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما بالخير» (1). وإنها لتهنئة مباركة معطرة بأنوار النّبوءة أزفّها إليك وإلى العائلات المتصاهرات باسمي وباسم كل المواطنين في بلدة العطف راجيا من المولى -تبارك وتعالى- أن يمنّ علينا بالعفو والعافية، وأن يبقينا جميعا في رواق من أمانه، وعلى بساط من رحمته وإحسانه.
اللّهم ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين والمؤمنات وأصلح ذات بينهم، وجنّبهم نوازغ الشّيطان ونزوة الشّهوات، إنك ذو العرش رفيع الدّرجات، والحمد لله ربّ العالمين.
في مدينة قصر شلالة.
استضافنا أعيان قصر شلالة وفي مقدمتهم الإخوة الحاج أحمد الصالحي، والأخ حنيشي قويدر المعروف بالحاج ?ـمو. وذلك للمشاركة في تدشين مسجد بنته أسرة الأخ الحاج ?ـمو تنفيذا لوصية والدهم ورغبة والدتهم في الوفاء بعهد زوجها. دعيت لهذه المناسبة عدة شخصيات من العاصمة وولاية تيهرت ومن ميزاب. وانطلق الحفل يوم الخميس 06 ربيع الأول 1416هـ/ 03 أوت 1995م على التّاسعة والنّصف في قاعة المسجد المذكور. وقد غصّ بالمدعوين من الضّيوف وأهل البلد. ألقيت فيه هذه الكلمة كما ألقى الشّيخ المرموري الحاج النّاصر درسا مؤثرا كان لهما الأثر العميق في نفوس أهل البلد احتراما وتقديرا وعرفانا بالجميل.
الحمد لله الذي أذن لبيوته أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، يخافون يومًا تتقلّب فيه القلوب والأبصار، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه هو الله الواحد القهّار، ونصلّي ونسلّم على عبده ورسوله المختار، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه الأبرار. وبعد:
__________
(1) - رواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة، حديث 8956: 14/ 517. (1/392)
صفحة 393
فيا أيها الإخوة المؤمنون، يقول المولى تبارك وتعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْعَصْرِ، إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، اِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (1 - 3).
لقد أقسم الله تعالى بالعصر، وأيّا كان اختلاف المفسّرين في المعنى المقصود بالعصر، فإن من المعاني التي تدلّ عليها هذه الكلمة هذا الزّمن الممتدّ من بدء الخليقة إلى نهايتها وهو يلفّ في طيّاته تاريخ البشرية كلها، وتتعاقب فيه الأجيال مسرعة إلى نهايتها، وفق الآجال التي قدّرها الله لها. فلينظر الإنسان حيّز عمره من هذا الزّمن المتطاول ماذا عساه يترك فيه من مآثر تخلّده، ومن أعمال صالحة يثبت بها وجوده على هذه الأرض التي نبت منها واستخلفه المولى عليها لاستدرار خيراتها وعمارتها، وإلا فقد حكم الله عليه بالخسران ما لم يتزوّد في رحلة عمره بالإيمان الصّحيح الذي ينعكس على سلوكه عملاً صالحًا وخلقًا قويمًا في حياته الشّخصية، وتعاونًا وتكاملاً مع بني جنسه في حياته الاجتماعية لنشر الخير والبرّ والإحسان، ونصرة الحق والعدل وفق ما شرعه الرّحمن. وليس للإنسان بهذه التّربية المثلى سوى منهج الله في ما شرعه من الأحكام، على ألسنة رسله الكرام.
فرسولنا الأعظم -وهو يؤدي مهمته الشّاقة في التّبليغ والنّصح والإرشاد- لم يترك لنا في مجال الدّعوة غير هذه البيوت التي أسّست من أول يوم على تقوى من الله ورضوان. ففي رحابها دوّت آيات الله مجلجلة ساطعة تشق غياهيب الظّلام من الجهل والخرافات والأوهام. وتسقي حياض النّفوس فتملأها حبّا ومرحمة بعد تنافر وخصام. وعلى منابرها دوّى صوت الحق يحدو بالمؤمنين إلى سبل السّلام. وبين عرصاتها تراصّت صفوفهم واتحدت وجهتهم لإعلاء كلمة الله، ومن ساحاتها وأفنيتها انعقدت ألويتهم لمحاربة أعداء الله. (1/393)
صفحة 394
تلكم -أيها المؤمنون- هي الوسيلة النّاجعة والمنهجية الفضلى التي ربّى بها رسول الله أصحابه، وهذا هو الميراث الخالد الذي تركه لأمته، يقف شامخا صامدا أمام كل التّحديات قديمًا وحديثًا، يستخفّ بالأنواء ويهزأ بالأعاصير. وحسبك من بيوت هي لله وحده وهو راعيها وحاميها!. وأيّما سعي يحاول فيه الإنسان الحطّ من كرامتها وقدسيتها فإن مصيره إلى الخيبة والخسران. يقول تعالى: {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُّذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَآ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمُ أَنْ يَّدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة:114).
فما أروع منظر المؤمنين، يسرعون خطوهم متسابقين إلى بيوت الله، وقد سمعوا نداء الحق -الله أكبر- فتصغر الدّنيا أمام أبصارهم بكل ما تحمله من زينة ومتاع، إذ يركضون إلى حيث السّكينة والوقار في جوار الرّحمن، بقلوب خاشعة وألسنة ذاكرة، ولا يجد الشّيطان منفذا إلى نفوسهم، وهو يقف مدحورا خلف جدران بيوت الله. فلنستمع إليه تعالى يشهد للمؤمنين بهذه المنّة إذ يقول: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَّكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التّوبة:18).
وهذا رسول الله في تصويره البليغ يرفع منزلة عمّار بيوت الله إلى منزلة المجاهدين المرابطين في ثغور الإسلام إذ يقول: «ألا أنبئنّكم بما يحطّ الخطايا ويرفع الدّرجات. قالوا: بلى يا رسول الله فقال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة. فذلكم الرّباط. قالها ثلاثا» (1).
__________
(1) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، حديث 241: 1/ 219. (1/394)
صفحة 395
أيها المؤمنون، ليس كثيرا في تعظيم شعائر الله أن نتجشم لها الصّعاب، ونركب لها الأخطار. وليس بدعا في تقاليد المسلمين أن يشدّوا الرّحال لتخليد مأثرة، أو الإشادة بمفخرة، يتحقق إنجازها في شرق البلاد أو غربها، لأن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب. فلا عجب أن تسعى هذه الجموع المؤمنة المتحابّة في الله لتلتقي في هذا المكان الطّاهر مباركة مهنئة صاحب هذا العمل المبرور في تشييد هذا البيت العامر، وتجهيزه بمثل هذه المرافق التي تستهوي قلوب المؤمنين وتحفزهم على عمارته بالذّكر والعبادة. فإن مثل هذه المبرات لا يحققها إلا من كملت فيه الصّفات المذكورة في الآية الكريمة: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَّكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التّوبة:18).
فطوبى لمن وفقه الله ووقاه شحّ نفسه ليقوم بمثل هذا العمل المبرور، وهل لنا -نحن المشاركين- من تهنئة أو تقدير أطيب وأغلى مما وعد به رسول الله من يبنى لله مسجدا إذ يقول: «من بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» (1).
فما لنا في هذا المقام إلا أن نؤمّن على هذا الدّعاء النّبوي الشّريف ونرفع أكف الضّراعة إلى الله أن يتقبل سعيه وأن يبارك عمره ويحفظ ماله ويصلح ذريته، كما نهنئ سكان قصر شلالة بهذا المشروع العظيم الذي يبقى مفخرة للأجيال، ومدرسة ربّانية لتكوين الرّجال.
فما داموا في سبيل الله متعاونين متحابين فإنه تعالى ينظر إليهم بعين الرّحمة ويرزقهم من حيث لا يحتسبون. ربّ اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من الثّمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
في التّدشين الأوّلي لمسجد "با عبد الله".
__________
(1) - رواه ابن حبان من حديث أبي ذر، حديث 1610: 4/ 490. (1/395)
صفحة 396
كان الأخ الحاج أيوب الحاج إبراهيم بن بلحاج الـ?رادي قد تأثر بمنظر التّدشين لقصر شلالة فعقد عزمه أن يتمّ التّدشين الأوّلي لمسجد "با عبد الله" بمناسبة عيد الميلاد النّبوي الشّريف 1416هـ/1995م. وبما أن الأشغال لم تتمّ بصفة نهائية، غير أن قاعات المصلّى كانت مهيأة وكذا الميضأة. وبعد التّشاور معنا طاوعناه نزولا عند رغبته الملحة، ولم نشأ أن نصدمه برفض مقترحه مراعاة لظروفه الصّحية إذ كان يشكو من النّوبات القلبية الحادّة. فتقرر أن يتمّ حفل التّدشين ليوم 09 ربيع الأول 1416هـ / 06 أغسطس 1995م في حفل بالمدائح الدّينية دعا إليه كل أصدقائه ومعارفه في مدينة قصر شلالة. فألقيت فيه هذا الخطاب.
الحمد لله الذي جعل من المساجد في الأرض بيوته، وشرف زائريها إذ دانوا لسلطانه وعظموا قدرته وجبروته، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما أعظم سلطانه وأوسع ملكوته. ونصلّي ونسلم على خير خلق الله سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الديّن، أما بعد: (1/396)
صفحة 397
فيا أيها الإخوة المؤمنون، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. في مثل هذا الشّهر المبارك من دورة الفلك الدّائب اهتز عرش الرّحمن وأشرقت السّماوات والأرض بميلاد النّور المحمّدي، وغشيت الرّحمة العلوية هذا الكوكب التّائه الحيران، وعلى ظهره سلالة الإنسان الذي كاد يضلّ السّبيل وتلفّه الظّلمات. فالعرب في جزيرتهم عاشوا حبيسي عادات وتقاليد باطلة، وأحلاس ثارات حامية؛ يأكل القويّ الضّعيف ويستبدّ بهم الجوع والخوف. وأهل الكتاب يعبثون بأحكام الله ويحرّفون الكلم عن مواضعه وهم في تدافع وصراع، وأغلب الحضارات ساد فيها الصّعاليك والرّعاع. فما في العالمين مكان لفضيلة إلا من رحم الله، وما للحق والعدل سلطة ولا جاه. ويعلم الذين أوتوا الكتاب من خلال النّصوص المقدسة التي بين أيديهم أن ساعة الخلاص قد أزفت، وأن ميلاد منقذ البشرية تلوح بشائره، وأن الله تعالى أرحم بعباده من أن يتركهم للتّيه والضّلال، وأغير على شرائعه من أن يسلمها للفناء والزّوال. فبشرى وسلام على العالمين، بميلاد سيّد المرسلين.
ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزّمان تبسّم وثناء
الرّوح والملأ الملائك حوله ... للدّين والدّنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي ... والمنتهى والسّدرة العصماء
ها قد عرفت البشرية طريقها إلى الله، واستبانت طريق الرّشد والصّلاح، وانطلق العملاق الإسلامي يهدّ عروش الطّواغيت، وينشر العدل ويدعو إلى الخير ويحمل مشعل العلم والعرفان، ويحرّر العقل البشري من قيود الأوهام والأباطيل، ومن استغلال الكهان والأحبار والرهبان. ويشرق نور الله ساطعا وهّاجا ينير الدّروب والمسالك، وتقتبس منه الشّعوب والممالك. وقد أكرم الله رسوله فقبضه إليه بعد أن أتمّ علينا نعمته وأكمل دينه، ورضيه لنا منهجا قويما وصراطا مستقيما. (1/397)
صفحة 398
نعم! قد ينسى النّاس فينتكسون إذا طال بهم الأمد؛ وقد يغشاهم الكفر والفسوق والعصيان، فيعيشون في شقاء ونكد. ولكن نور الله لا تطفئه الأفواه مهما كثرت، ومصادر طاقاته لا تنفكّ عن الأمداد مهما فترت. وما مصادر هذه الطّاقة الرّبّانية إلا بيوت الله في أرضه تشعّ أنوارها كالنّجوم تبدّد الظّلمات، وتنشر الحياة وهي تغالب جراثيم الفساد وتطهّر العفونات، وتجمع الشّمل وتلمّ الشّتات. وحسبكم من بيوت هي لله الواحد القهار، أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه ما دامت الأرض والسّماوات واختلاف اللّيل والنّهار. تنبعث من مآذنها كلمة الحق -الله أكبر- فتهزّ القلوب وتشحذ العزائم، وتزجي صفوف المؤمنين لاستجابة النّداء فلا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولا يستهويهم مال ولا ولد مهما كان حبّهم إياه، لأن الذين ءامنوا أشدّ حبّا لله.
أيها الإخوة الأعزاء، قد يشكو النّاس لأواء الحياة، وتضيق بهم سبل العيش في نقص من الأموال والأنفس والثّمرات، وقد ترقى بهم المأساة إلى فواجع الفتن والصّراعات، وتلك سنة الله في خلقه، غير أنه من عجيب الإرشاد في القرآن الكريم أن يجعل الله تعالى ذلك سببا في بقاء هذه البيوت ودوامها لضمان ذلك القدر من الزّاد الرّوحي الذي يكون بمثابة المصل المنعش لإنقاذ الجسم العليل. فقال جلّ من قائل: {وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:40). فما نالت بيوت العبادة ذلك القدر من القداسة والحرمة إلا لكونها المأرز الوحيد لعبادة الله وذكره حين ينشغل النّاس بفتنة الدّنيا ويصرعهم رحيق حبّها. (1/398)
صفحة 399
نعم، قد لا ينسى الإنسان ذكر ربّه حيثما حلّ وارتحل، وكيفما سكن وانشغل، غير أن الطّاقة المطلوبة لتوازن الإنسان في السّراء والضّراء والمنشط والمكره، لا يستمدّها بالقدر الكافي إلا من هذه المحطات الكبرى التي تزوّدها خزائن الله التي لا تنفذ، وتتعهّدها يد الله فلا تخشى عطبا ينتابها فتخمد. {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} (النّحل:96). ذلكم هو سرّ فضل الجماعة تحتضنها بيوت الله في خشوع وإجلال، وتطمئن نفوسهم في تضرّع وابتهال.
أيها الإخوة الأعزاء، ضيوفنا الكرام: جازى الله سعيكم خيرا، إذ لبّيتم دعوتنا يحدوكم الإخلاص والوفاء لإخوة لكم في الله تقاسمونهم فرحتهم الكبرى وهم يدخلون هذه المحطة الرّبّانية التي نرجو من الله العليّ القدير أن تكون رافدا من روافد الخير والصّلاح التي تصبّ في نهر هذا البلد الطّيّب، وأن يكون لمنجزها فضل الرّيادة والقدوة لأغنيائنا في تحقيق مثل هذه المشاريع الضّخمة التي يحتسب في إنجازها تعاقب الأجيال، وفي تحديث مرافقها متطلبات الظّروف والأحوال.
فإذا قال الحكماء: من بنى مدرسة فقد أغلق سجنا فنحن نقول: من بنى لله مسجدا فقد ركّز فضيلة وأشاع سلاما ووفّر أمنا لأن المساجد هي منبت المودّة والإخاء، ومضمار التّعاون على البرّ والتّقوى، وهي همزة الوصل بين الأرض والسّماء. يقول تعالى في حديث قدسي: «بيوتي في الأرض المساجد، وزوّاري عمّارها، فحُق على المزور أن يكرم زائره» (1). وإن كان في اعتقادنا أن لا واجب على الله، فإن وعده بتكريم زائريه هو من تمام عدله ورحمته.
__________
(1) - رواه البيهقي في شعب الإيمان، حديث 2682: 4/ 378. (1/399)
صفحة 400
فطوبى لمن وفقه الله إلى عمارة بيوته، وهي تعني كل ما يكفل لها أداء مهمتها على الوجه الأكمل من بناء وتشييد، وتطهير وتنظيف، وتعليم وتثقيف، وذكر وعبادة. فلا يسعني في هذا المقام الكريم إلا أن أقدم لكم -أيها الإخوة- جزيل الشّكر على حرارة مشاركتكم وحسن إقبالكم وعظيم فرحتكم. ولا نملك لكم في هذا المقام إلا خالص الدّعاء أن يتقبّل الله مسعاكم، وأن يجزل ثوابكم على ما تحملتموه من المشاق، وأن يرعاكم الله في الحلّ والتّرحال. ويوفقكم إلى خير العقبى وحسن المآل.
ولئن كان هذا البيت لم يستكمل بعد كل مرافقه الضّرورية وفق التّخطيط المقرر، فإن تعجلّنا في دخوله واجتماعنا اليوم في رحابه، إنما نقصد به اقتناص بركة هذه الأيام واللّيالي العامرة بإحياء ذكرى ميلاد رسول الله، وهو أشرف من بنى بيده المباركة مثل هذه البيوت وحرّض على عمارتها وشرّع حقوقها وآدابها. فلتكن هذه الانطلاقة المباركة إيذانا لإتمام الإنجاز، ومؤشرا لانطلاق العمارة.
وأنت يا صاحب المشروع، ما عسانا نقوله لك وأنت لا تنتظر منا شكورا ولا جزاء. أو ماذا نهدي إليك وقد بسط الله لك في الرّزق ما يشاء. فلا شك أن معاينتك للمشروع وقد أوشك على التّمام هي أغلى أمنية تراودك منذ زمان، وأنت تقدم إليه كل ما يتطلبه من رأي وجهد وأموال، وتقف شخصيا على تنفيذ مخططه لبنة لبنة وأقساما وأطباقا وها قد بلّغك الله ما تمنيته لتقدمه بين يدي الله صدقة وقربى ترجو بهما ما عند الله من المغفرة والرّضوان.
فهنيئا لك هذه المبرّة، وطوبى لك هذا الإحسان. ومرحى بهذا اليوم الأغرّ، إذا اجتمعت فيه هذه الوجوه النيّرة، وهذه الجموع الخيّرة، وهي تهنئ وتبارك بقلوب لا تكدّر صفاءها لوثة النّفاق والرّياء، وألسنة لا يشوب بيانهما لكنة الملق، جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، ووقانا شرّ الحاسدين، وأبقانا في صف أوليائه الصّالحين، آمين.
وفاء بحقّ الصّحبة. (1/400)
صفحة 401
تلبية لدعوة أسرة آل الزّغبة في بني يز?ـن للمشاركة في عرس نجل المرحوم السّيد: الزغبة الحاج يحي بن عيسى والمسمى الحاج إبراهيم بن الحاج يحي الزّغبة، ومعه ابن عمه الزّغبة الحاج إبراهيم بن يوسف، ذهب وفد من أعيان العطف يضمّ الإخوة: الحاج ابراهيم محمد، سعيد بكير، باسة صالح، الحاج امحمد بهون، سماوي الحاج قاسم المدير، ابن أيوب أحمد بن عبد الله والكاتب. وذلك ليوم الخميس 13 محرم 1420ه الموافق ليوم 29 أفريل 1999م فألقيت بالحجبة هذه الكلمة.
حمدا لله الكبير المتعالي، سبحانه ذي العزة والجلال، أعزّ الدّين ونصر الحق بالمخلصين من الرّجال. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل: «كلكم عيال الله وخيركم أنفعكم لعياله» (1). صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:
فيا أيها المجمع الكريم، إنها لفرصة سعيدة ومناسبة طيّبة هذه التي نلتقي فيها إخوانا على سرر متقابلين لنحيي سنة من سنن الكون جعلها الله تعالى وسيلة لعمارة الأرض، سنة الزّواج الشّرعي المؤسّس على الأركان التي شرعها الله وحرّض عليها الرّسول فقال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» (2). وليس أسعد للإنسان من أن يرى كل عزيز لديه قد بلغ مرتقى الرّجولة، واستحق بذلك الفخر بين ذويه والاعتزاز بين خلاّنه وأقرانه.
__________
(1) - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس، حديث 7046: 9/ 521.
(2) - رواه أبو داود من حديث معقل بن يسار، كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث 2050: 2/ 220. (1/401)
صفحة 402
وليس أرضى لضمير المسلم من أن يستجيب لدعوة أخيه يقاسمه أفراحه وأتراحه، مضاعفة للسرور وتخفيفا للأحزان. فها نحن جئنا إلى هذه الرّبوع الطّيّبة، تطالعنا الذّكريات من خلال ديارها ودروبها، ذكريات لرفاق لنا أوفياء، بادلناهم الحبّ والتّقدير، وقاسمناهم المشورة والتّدبير، وذقنا معهم حلو الحياة ومرّها، أيام كانت المسؤولية فيها مرتقى صعبا لا يغالبه إلا الصناديد من الرّجال، والقيام على المصالح العامّة ثقلا تنوء بحمله الجبال. ذلكم هو أخونا المرحوم السّيد الزّغبة الحاج يحي بن عيسى. لقد كان شهما غيورا يعمل في صمت ورزانة برأي حصيف وتدبير سديد. لا تستخفّه الحماقات ولا يقعقع له بالشّنان، إذ عركته الشّدائد والمصائب، وصهرت معدنه الوقائع والتّجارب.
ولئن ثوى إلى جوار ربّه مطمئنا في حظائر المغفرة والرّضوان -إن شاء الله- فإن روحه الطّاهرة ترفرف علينا مستبشرة بقران نجله ونجل ابن عمه: زغبة الحاج إبراهيم بن يحيى، زغبة الحاج إبراهيم بن يوسف. جعله الله قرانا مباركا ميمونا بالرّفاء والبنين، والحياة السّعيدة الهنيئة بين الزوجين. فطوبى لكما أيهما العريسان إذ يحفّ بكما المجد والفخار، ويلفّكما العزّ والشّرف في آبائكما وأسلافكما، وتلكما وديعة ثمينة تسلمتماها، فحذار حذار من تضييعها أو التّفريط فيها فإن التّاريخ لا يرحم، وعيون الشّامتين بالمرصاد. فهنيئا لكما وللعائلات المتصاهرات بهذا القران الميمون، بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما بالخير. (1/402)
صفحة 403
أيها الجمع الكريم!، إن الله تعالى يبارك مثل هذه التّظاهرات الشّعبية التي تجسّد التّضامن والتّكافل بين أفراد المجتمع، قياما بواجب القرابة والأرحام، وصيانة للشّرف ورعاية للذّمام، وتوثيقا لروابط الأخوّة الإيمانية التي هي أغلى مقوّمات المجتمع المسلم. هذا المجتمع الفاضل الذي لا ترسى قواعده إلا على الأسرة المسلمة الصّالحة المتماسكة، وهي بالتّالي لا تقوم إلا على أركان الزّواج الشّرعي الصّحيح النّظيف. وقد وعى أسلافنا -رحمهم الله- هذه الحقيقة الاجتماعية فأسّسوا حياتهم على قواعد الدّين وأقاموا أعرافهم على إرشاداته وتوجيهاته في توسّط واعتدال.
ولا نزال -بفضل الله- نثريها ونجدّدها بما لا يتعارض مع تعاليم الدّين، ولا يتنافر مع مقتضيات العصر. وإنها لمعادلة صعبة تتطلب منا حنكة في التّدبير، ولطافة في حسن التّسيير، حتى نضمن لها النّجاح والاستمرارية، لأن أبناءنا من الجيل الحاضر قد تشعّبت بهم المسالك، وتنافرت في مسامعهم الأصوات، وتهافتت بهم المشارب والتّوجّهات، فإن لم نأخذ بأيديهم بترفّق وكياسة، وننصح لهم بتلّطف وحسن سياسية شردوا عنا وأعرضوا، ثم تاهوا وضلّوا -لا قدر الله- فحذار من التّسيّب واللامبالاة. فكلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته. فلا أضرّ للمجتمعات البشرية من تشرّد الأبناء وبوار البنات، ولا أفتك بها من الفواحش وانتشار الآفات. وأحسن من معالجة الأدواء اتخاذ أسباب الوقايات. وفقنا الله جميعا إلى ما يحبّه ويرضاه، ووقانا من كل سوء. اللّهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، وتفرقنا تفرّقا مباركا معصوما. اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا من معنا معاشر المسلمين والمسلمات شقيًا ولا محروما، والحمد لله ربّ العالمين.
في حفل المغافرة لأئمة "وادي ميزاب". (1/403)
صفحة 404
باقتراح من مديرية الشّؤون الدّينية تقرّر اللّقاء التّغافري المعتاد لأئمة سهل "وادي ميزاب" بعد عصر يوم الخميس: 12 ذو الحجة 1423هـ الموافق لـ 13 فبراير 2003م إذ وفد المدعوون من جماعتنا وقومنا، وبعد الاستقبال على أروقة مسجد "با عبد الله" عند المدخل انتظم الحفل أمام المحراب في الرّدهة الوسطى، فألقيت في الجمع هذه الكلمة.
الحمد لله المؤلف بين القلوب، ومفرّج الكروب، نحمده حمد العارفين الشّاكرين، ونلوذ بعظمته لياذ القانتين المتوكلين. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، إمام العابدين، وقائد الغرّ المحجّلين. صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين.
أما بعد: جناب السّيد ممثل مدير الشّؤون الدّينية، حضرات المشائخ والأئمّة الفضلاء، حضرات الإخوة المواطنين الأعزاء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، نتقدم إلى حضراتكم بأغلى التّهاني وأطيّب التّمنيات بهذا العيد السّعيد -عيد الأضحى المبارك- راجين من المولى الكريم أن يعيده علينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات ونحن جميعا متمتعون بأنعم الله الضّافية ودوام الصّحة والعافية.
أيها الإخوة المؤمنون: لقد تداعينا إلى هذا اللّقاء الكريم للمعايدة والمغافرة، وقد أصبح ذلك عادة حسنة وسنة حميدة، هي من أطيب المبادرات التي قامت بها مديرية الشّؤون الدّينية، لولايتنا الفتية. نرجو الله أن يكون للسّابقين لها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لأن كل سعي يهدف إلى لمّ شمل المسلمين وتوحيد صفوفهم يعدّ من المقاصد الشّرعية العليا، وكل لقاء يتمّ تحت ظلال المحبّة في الله يعتبر من الواجبات الدّينية المثلى. (1/404)
صفحة 405
وهل أروع من هذا المنظر العجيب الذي تتألق فيه أنوار التّقوى على الوجوه؟. وتتوهّج فيه بركات الصّلاح على النّفوس؟. منظر ملائكي يرضي الله ورسوله، يصدق فيه ما عبّر عنه أمير الشّعراء عند لقائه بثلة من أصدقائه الأوفياء فقال:
ملائكة إذا حفّوك يوما ... أحبّك كل من تلقى وهابا
وإن حملتك أيديهم بحورا ... بلغت على أكفّهم السّحابا
ترى الإيمان مؤتلقا عليه ... ونور العلم والكرم اللّبابا
نعم -أيها المجمع الكريم- فما يصدّ الإنسان أن يرقى إلى مصافّ الملائكة في علاقته بالخالق، وفي علاقته بالخلق إلا أن تحتوشه الأوهام والظّنون، وإلا أن يكون له من الشّيطان قرين، فتتغلب عليه النّفس الأمّارة بالسّوء، فلا ينفكّ عما يسمّيه العلماء بدباغ السّوء، وبالتّالي تتغبّش رؤاه، ويكون ممن اتخذ إلهه هواه.
ألا ما أسعد النّفس المطمئنة المستنيرة بذكر الله وما أهنأ النّفس الموفقة إلى محبة خلق الله، وهل أتاكم نبأ ذلك الصّحابي الجليل الذي قال عنه رسول الله لأصحابه: «سيطلع عليكم رجل من أهل الجنة، قالها ثلاث مرات، فكان نفس الرّجل في المرات الثلاث، ثم كان ما كان بينه وبين عبد الله ابن عمر لمراقبة تصرفاته، فإذا به إنسان عاديّ بسيط، يكدح فلاّحا لكسب قوته، فلا يقوم اللّيل ولا يصوم النّهار، ولكن كان له قلب مخموم لا يحمل حقدا على أحد من المسلمين، فقال له ابن عمر: بهذا وصلت» (1).
__________
(1) - رواه أحمد في المسند من حديث أنس، حديث 12697: 3/ 166. (1/405)
صفحة 406
نعم أيها الإخوة المؤمنون، كلّ واحد منا يستطيع أن يصل ويحقق لنفسه هذه البشرى إذ يطهّر قلبه ويزكّي نفسه فيعيش هنيء البال مطمئن النّفس، ويمدّ لحياته في الدّنيا رواق الجنة قبل أن يتنعّم بها في الأخرى، أو لم يقل المولى تبارك وتعالى في أوصاف أهل الجنة: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ اِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (الحجر:47 - 48). (1/406)
صفحة 407
أيها الإخوة الأعزاء، لقد اختارتكم العناية الإلهية لتكونوا هداة مهديين، أمناء على دينه، وأئمة لخلقه من المؤمنين، ودعاة إلى الحق المبين، فلا تفتننكم زخارف الدّنيا، ولا يغوينكم الشّيطان لأنكم في جمهور الأمة، أنتم القدوة الحسنة في سلوك نهج رسول الله، وربنا تبارك وتعالى يرشده بقوله: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه:131). وقد ورد في الأثر: "حبّ الدّنيا رأس كل خطيئة" وهل يرضيكم أن يبوء النّاس بأوزارها وفتنتها، وترجعون أنتم إلى ربّكم بالمغفرة والرّضوان؟ وبالتّحية والتّكريم من ملائكة الرّحمن؟ ذلك ما نعتقده فيكم أيها الإخوة، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. ولسنا بحاجة في مقامنا هذا أن تتركوا من همومكم ولواعج إشفاقكم على ما يدبّره أعداء الإسلام لضرب مقدرات أمتنا، لأن ذلك غير خاف عنّا، إن في ماضي أمتنا أو حاضرها، ومولانا تبارك وتعالى ينبّهنا إلى ذلك فيقول: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمُ إِنِ اِسْتَطَاعُواْ} (البقرة:217). {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنم بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} (البقرة:109). (1/407)
صفحة 408
حقا إنه لظلم عظيم أن تعبّأ تلك الجهود وتساق تلك الحشود إلى قلب أمتنا ومستودع خيراتها، ونحن لا نملك اليوم من أمرنا شيئا يضمّد جراحنا ويشفي أمراضنا ويلمّ شعتنا لمواجهة تلك القوات العاتية، غير أننا واثقون بأن الله تعالى لا يسلمنا ما تمسّكنا بحبله المتين، ولا يخذلنا ما بقينا على هديه مستمسكين. وإنه مهما استحكمت الأزمات وتوالت التّحدّيات، وتحالفت ضدّنا كل التكتلات فإن الله تعالى هو أغير منا على دينه وعلى مقدساته، وهو يتهدّد المشركين بقوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الاَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} (التّوبة:1 - 2).
وكأني بالتّاريخ يعيد نفسه، بدءا بغزوات الرّسول، فاكتساح الجيوش الإسلامية لدولتي الفرس والرّوم. ثم انتصارها على التّتار في معركة "عين جالوت" وعلى الصّليبيين في معركة "حطين". ولئن غفت عيوننا وأغضينا على القذى بعض الوقت عن دسائس الأعداء، وغلبنا على أمرنا حين أصابتنا الضّربات في السّويداء، فحسب الجريح أن يتماثل للشّفاء، فإنه بعد ذلك لا ينام عن ثأر، ولا يتردّد عن المنازلة وحسن البلاء.
لقد آن الأوان أن ترتق فتوق الأمة وتلملم أوزاعها، فلا نسمح حتى في مجال التّسميات والأوصاف بذكر أسماء الدويلات المتناثرة في رقعة الأمّة الإسلامية. بل يجب علينا عند الانتماء والانتساب أن لا نرضى بغير الإسلام بديلا، نرضى بالله ربّا، وبالقران إماما، وبالكعبة قبلة، وبسيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيئا ورسولا.
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم (1/408)
صفحة 409
لقد تكتل أعداؤنا على باطلهم وظلمهم، فإلى متى نبقى على هذا التّشرذم والتّفكك، ونحن أهل الحق والعدل، يقول عنا القرآن: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران:110).
فيا أمة الإسلام: لقد أفاق العملاق من غفوته وزأر الأسد الهصور دفاعا عن عرينه. والله تعالى يعد بالرّحمة للمستضعفين إذا هم غيّروا ما بأنفسهم من الخوف والذلّ المهين وهو يقول: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمُ أَيمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص:5). هدانا الله وإياكم إلى ما فيه صلاح الدّنيا والدّين، وجعلنا وإياكم في عداد الاتقياء الصّالحين، وبارك في خطواتكم، وكلأكم برعايته في متقلبكم ومثواكم، وحباكم بالتّوفيق والنّجاح في جليل مسعاكم، والحمد لله ربّ العالمين.
في معايدة العزابة ببني يزقن.
اجتمع ممثلون عن حلقات العزابة بنسبة ستة أعضاء عن كل حلقة، اجتمعوا في مركز مجلس "عمي سعيد" ببني يز?ـن ليوم الخميس 08 شوال 1428هـ الموافق ليوم 19 أكتوبر 2007م وكان على رأس وفد بني يز?ـن الإمام المعمّر الشّيخ نوح مفنون محمد بن بنوح. وقد تعيّن متحدث عن كل وفد وصادف أن كنت أول المتحدثين، فألقيت هذه الكلمة الجريئة.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله مدبّر الأمور ومصرّف الأقدار سبحانه هو الله الواحد القهار، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، وعلى من اتبع هداهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وبعد: (1/409)
صفحة 410
حضرات المشائخ والإخوة الأجلاء، أعضاء الهيئات الدّينية الموقرة في قرى ميزاب ووارجلان، أحييّكم وأهنئكم بالعيد السّعيد، أعاده الله علينا باليمن والبركات، ونحن جميعا متمتعون بأنعم الله الضّافية ودوام الصّحة والعافية. أستسمحكم -أيها الإخوة- أن أبثّ إليكم بعض الخواطر التي أصبحت تؤرقني بعدما طويت بفضل الله خمسين حجة في صفوف الهيئة الدّينية الموقرة ببلدة العطف وعشت كل أطوارها مع عناصرها المختلفة من الشّيوخ الأجلاء، ومن الكهول النّشطاء، ولم يكن فيها يومئذ للشّباب إلا مقام محتشم هيوب، وشاءت الأقدار أن ترفعني إلى مقام المسؤولية على منبر المسجد توجيها وإرشادا وفتوى على رأس أعضاء ذوي كفاءة وجرأة، وقد وفقنا الله لتزجية سفين مجتمعنا إلى مجالات الاستقرار والتّوافق والانسجام ولا نزال -بعون الله- نولي هذا الجانب ما يستحقه من الاهتمام والالتزام.
ولعلكم -أيها الإخوة- تسألونني عن سرّ ذلك؟. إذ أن البعض من هيئاتنا في القرى الأخرى تفتقر إلى ذلك الجوّ التّعاوني والتّكامليّ سيما ما نسمعه من المهاترات الكلامية والإعلامية المؤسفة بين الإخوة هنا وهناك في هذه الآونة الأخيرة. (1/410)
صفحة 411
دعوني أجبكم عن السّؤال المطروح فأقول: لم يكن الطّريق مفروشا بالورود أمامنا في تقلّد تلك المسؤولية. إذ أن عملية التّغيير والإصلاح تتطلب حنكة وحكمة بالغة في المعالجة بحيث لا تستفز مشاعر العزة والنّخوة في النّفوس ولا توغر الصّدور بنوازغ الأوهام والظّنون. وقد كانت فكرة الامتياز الممنوحة في الحلقة للأربعة الكبار وعلى رأسها الشّيخ هي السّائدة حتى الآونة الأخيرة، ولا تزال هي العقبة الكؤود حتى اليوم في بعض الحلق، ولكننا أدركنا من خلال تجربتنا المتواضعة وإزاء التّطوّرات التي تعيشها منطقتنا، أدركنا أن فكرة الامتياز هذه لم تعد تصلح للأوضاع التي نعيشها، ولا تتجاوب مع الأفكار السّائدة اليوم في أوساط مجتمعنا التي يطغى عليها عنصر الشّباب، وليس هو بالعنصر السّاذج المطواع كما عرفه أسلافنا، بل هو عنصر مستوفز طموح، وعنصر متوثّب غلاّب.
إذن، فلا مناص من إضفاء المسؤولية على كافة الحلقة على قاعدة: وأمرهم شورى بينهم. سيما في المجالات العرفية والاجتماعية، وتبقى مرجعية الفتوى والإرشاد الدّينيّ لأهلها الأكفاء، فلا حق لأحد في النّقض مهما تكن منزلته في الأقدمية إذا ما توافقت أغلبية الحلقة على أمر ينبني على الرّأي والمشورة، وهل كارثة العالم اليوم في المحافل الأممية إلا من إعطاء حق النّقض للكبار المتعالين؟.
كلاّ -أيها الإخوة- فليس من الحكمة ولا من الصّواب أن نكون ضدّ التّيار الجارف، فنسوس جماهيرنا بعقلية الملكية المطلقة والاستبداد السّياسيّ العنيف، أقول هذا وأنا لا أستنقص ما بذله شيوخنا من جهد وإرهاق في تقلّد مسؤولياتهم التّاريخية على رئاسة الحلقات المختلفة، وقد نجحوا لأنهم وجدوا حولهم أعوانا ملتزمين، وجمهورا مطواعا لا ينازعهم في أمر ولا يرتاب في إخلاصهم وولائهم، فأين نحن اليوم من أولئك الأفذاذ الخلّص؟. (1/411)
صفحة 412
انظروا حواليكم بعين البصيرة فهل تجدون إلا جمهورا تناوشه الأفكار المتطرفة المتضاربة وشبابا متفيقهين متعالمين، أو باحثين حائرين، يلتمسون الحقيقة في ركام من الادعاءات والأباطيل، وهم لا يقتنعون بإيمان العجائز ولا يكادون يذعنون حتى للحجة والبرهان، -أحيانا- تحت وطأة التّقليد والمحاكاة، فهل من المعقول أن نسوقهم بالعصا أو نحكمهم بعزة فرعون؟.
إننا إن فعلنا ذلك سوف نخلع عن مؤسساتنا كل المصداقية التّاريخية والهيبة التي اكتسبتها عبر القرون الطّوال، وتبقى -لا قدر الله- كالرّسم الدارس أو كالأطلال. فاربأوا بأنفسكم -أيها الإخوة- أن تلحق بكم لعنة الأجيال.
وثمت شيء آخر أريد أن أنبّه إليه إخوتي، مما أعتبره عاملا أساسيا في نجاح مسيرتنا بالعطف وهو أننا مهما نكن فخورين بخصوصيتنا واستقلاليتنا في مؤسساتنا العرفية، فإننا لا نهمل الجانب النّظاميّ والسّلطويّ لبلدنا فخرا واعتزاز بالسّيادة الوطنية، واحتراما واعتبارا لهياكلها النّظامية، سيما نظارة الشّؤون الدّينية في كل ما توجّه به إلينا من التّعليمات -إن في مستواها الوطني أو الولائي- فلا تأخذنا في ذلك شنشنة الانفرادية والانعزالية في مؤسساتنا العرفية، بل نتعامل مع هذه الخصوصية المخوّلة لنا على قاعدة المثل الشّعبي الذي يقول: "أنا نقولّك سيدي وأنت أعرف قدرك" وعلى قاعدة الحكمة التي تقول: " لا تعاند مَن إذا قال فعل".
وإلا فقولوا لي -أيها الإخوة-: ما هي الشّرعية الشّعبية أو الحكومية التي تخوّل لنا أن نتصرف في شؤون المؤسسات العامة حتى لكأننا نتصرّف في ملكياتنا الخاصّة بدعوى أننا عزابة لهم السّلطة المطلقة في بيوت الله، واعتبار عمّارها ومريديها من جمهورنا الكريم مجرّد قصارى ليس لهم الحق في تصرف ولا تدبير؟. (1/412)
صفحة 413
إن هذه النّظرة المستعلية لم يبق لها مكان اليوم، بل لم يكن لها مكان من قبل في تاريخ الحكم الرّاشدي الممتاز، وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في هذا المنهج القويم: "لا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها".
بلى -أيها الإخوة- لا خير فينا إن لم نتحرّ الصّدق والرّشاد في أقوالنا وأفعالنا كمسؤولين على صيانة بيوت الله، ولا خير في جمهورنا إن هم عرفوا الحق فأنكروه، وتبيّنوا الصّدق فأعرضوا عنه.
ولا شك أن ما نشكوه من خلل في صفوفنا وما نعانيه من تعثر في مسيرتنا له أسبابه الموضوعية، لا بدّ لنا من معرفتها لتشخيص الدّاء أولاً، ثم التماس وسائل العلاج ولو أدّى الأمر لعملية جراحية لاستئصال جذور الدّاء، ولا نعدم في ذلك الإرادة الحازمة، ولا الوسائل الطّيّبة اللازمة.
فلنبادر قبل فوات الأوان، ولنأخذ احتياطاتنا وتأهباتنا قبل انفجار البركان، وإننا لا نحذّركم من خطر نحن عنه بنجوة، على الرّغم مما ذكرته لكم من توافق وانسجام عندنا، لأننا في زمن يقول عنه رسول الله: «يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره» (1).
ولئن حزّ في نفوسنا اليوم أن توجّه إلينا في الموضوع تلكم الرّسائل الجارحة الجريئة من هنا وهناك، فإن الشّكوى إذا لم تجد لها آذانا صاغية وضمائر منصفة فستتلوها -لا قدر الله- تحديات أخرى ربما لا نستطيع مواجهتها، وهي لا تراعي فينا إلا ولا ذمة، ولا تعقبها إلا الأحقاد والضّغائن، ولا تورثنا إلا التّمزق والتّشرذم: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:117).
__________
(1) - رواه النسائي في السنن الكبرى من حديث أبي هريرة، كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات في الكسب، حديث 4455: 7/ 243. (1/413)
صفحة 414
ولسنا بهذه الخواطر ممن ينكر على الشّباب وثبته أو يقبّح جرأته، فإن طبيعة الحياة لا تقبل ذلك ولا ترضاه، بل لا نطلب إلا حسن التّواصل بين الأجيال، وتحقيق التّكامل بين حنكة الشّيوخ وقوة الشّباب.
فنقول لأبنائنا ما قاله الأستاذ المنفلوطي مصطفى لطفي في وصيته الخالدة للشاب المسلم: "لا نستطيع أن ننكر عليكم -معشر الأبناء- أن شبابكم أعظم قوة ونشاطا، وأبعد همّة، وأقوى عزيمة من شيخوختنا، وأن أيدينا الشّاحبة المعروقة لم تستطع أن تصل إلى ما تصل إليه أيديكم الفتية المقتدرة، وأن آراءكم وأفكاركم وجميع تصوّراتكم وآمالكم التي تتكوّن بها شبوبتكم أكثر حدّة وحرارة، وأبعد غورا وعمقا من آرائنا وتصوراتنا. ولكن الذي ننكره عليكم، ونعتب عليكم فيه أشدّ العتب هو زرايتكم علينا، واحتقاركم لنا، ورميكم إيانا بالجمود مرة والخرف مرة أخرى كلما اختلفنا معكم.
كنا نعتقد أننا خير من آبائنا وأجدادنا وأوسع منهم علما، وأقوى إدراكا، وربما اعتقدنا في الكثير منهم -كما تعتقدون فينا اليوم- أنهم جاهلون أو مخترفون، إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم منزلة الأبوّة وكرامتها، فلا نلقبهم بلقب من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها، ولا نذكرهم في حضورهم أو في غيبتهم بكلمة سوء تنغص عليهم ما قدّر لهم أن يقضوه بيننا من أيام حياتهم.
ذلك ما نتضرّع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا وأجدادنا. وأذكروا أنه سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتى علينا وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم". (1)
فلتأمّلوا -أيها الإخوة- هذه الوصية الخالدة فإنها تعكس واقعنا المعيش، عسى ربنا أن يهدينا سبل رشدنا ويوفقنا لصالح أعمالنا، ويخرجنا من الظّلمات إلى النّور: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَدًا} (الكهف:10).
والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) - النظرات: 3/ 74 - 75. (1/414)
صفحة 415
العطف يوم الخميس 08 شوال 1428هـ الموافق ليوم 19 أكتوبر 2007م.
هنيئا لعضو مجلس الأمّة الأستاذ: محمد زكرياء.
في لقاء خاصّ عقده أعضاء مجلس "الكرتي" بالقرارة في دار الأخ الكريم السّيد: جهلان الحاج أحمد حضره كل الأعضاء عن القرى السّبع وترأسه الشّيخ الحاج النّاصر مرموري قصد تكريم الدّكتور محمد زكرياء لتعينيه من طرف الرّئيس بوتفليقة عضوا عن الكرتي في مجلس الأمة. كنت ضمن وفد العطفاء يوم الخميس 22 ذو القعدة 1429هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2008م فألقيت هذه الكلمة المكتوبة بعد الكلمات الشّفوية من بعض الأعضاء.
حمدا لله العلي القدير، حبانا بألطافه وأغدق علينا من نعمائه فهو مولانا ونعم النّصير، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إمام الهدى ومنار التقى صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد: إخواني الفضلاء أستسمحكم إن آثرت الكتابة على مجرّد الكلام الشّفويّ، فإني وجدت المناسبة أحق بأن تخلّد بروائع السّطور على صفحات التّاريخ لتستقرّ في ذاكرة الزّمان وتتلوها من بعدنا الأجيال. وإذا كان لي من قول في هذا المقام المحمود فإني لأحيّي أولاً هذه المجموعة الطّيّبة من أعضاء مجلس "الكرتي" إذ قاموا بهذه المبادرة المباركة بعقد هذا اللّقاء الكريم الممتاز لتهنئة وتكريم أحد أعضائه البارزين الذي أصبح بجدارة واستحقاق خير سفير لهم لدى مجلس الأمة الذي يرتبط به مصيرها في تشريع القوانين وسنّ الأنظمة. نشكر الله على هذه المنة العظمى، وهنيئا لنا جميعا ولأخينا الكريم الدّكتور محمد زكرياء فقد شرف القافلة حاديها، وأخذ القوس باريها، فسوف لا تضنيها -بعون الله- وعثاء الطّريق، ولا يخطئها السّداد والتّوفيق، فلتسر على بركة الله، فإن من سار على الدّرب وصل، ومن استعان بالله واستنار بهديه فلا يشقى ولا يضلّ. (1/415)
صفحة 416
أيها الإخوة الكرام، لا شك أنكم تشاطرونني في هذه الفرحة العارمة التي تهزّ كياني، وتبادلونني نفس المشاعر نحو هذا الأخ الكريم إذ نعتبر تعيينه في هذه المسؤولية الحساسة شرفا لنا جميعا، لما عرفناه في هذا الأخ الكريم من الوفاء والإخلاص، ومن الجدّ والمثابرة في مواكبة الأحداث بأناة وحكمة وتبصّر، ومواجهة التّحديات بجرأة وإقدام في سعي رشيد ونظر سديد، ولا إخالكم -أيها الإخوة- إلا واقفين معه في السّرّاء والضّرّاء، كعهدي بكم، بل بأشدّ من ذي قبل لأنه اليوم في قمرة القيادة يرى ويسمع ما نحن عنه غائبون.
أيها الأخ الكريم، لكم وددت أن أرسم بقلمي صورة تعكس بصدق ما يتمتع به شخصك الكريم من مزايا خلقية ممتازة، كنت أستشفّها خلال لقاءاتنا لخدمة الصّالح العام داخل المجلس وخارجه وأنا اليوم قد أناخ عليّ الدّهر بكلكله، فكم يعزّ عليّ أن أتخلّف عن الرّكب، ولكنها سنة الحياة لا تحابي أحدا وسبحان من تفرّد بالبقاء. ولله درّ الشّاعر "إيليا أبو الماضي" إذ صوّر كريم النّفس من الرّجال في شعره بصورة رائعة وجدتها تعينيني على المقصود، وإن لم تستوف ما أنت به مطبوع ومحمود، فقال:
قالوا: ألا تصف الكريم لنا؟؟ فقلت على البديهْ
إن الكريم لكالربيع تحبّه للحسن فيه
وتهش عند لقائه، وغيب عنك فتشتهيه
لا يرتضى أبدا لصاحبه الذي لا يرتضيه
وإذا اللّيالي ساعفته، لا يضلّ ولا يتيه
وتراه يبسم هازئا في غمرة الخطب الكريه
وإذا تحرّق حاسدوه بكى ورق لحاسديه
كالورد ينفح بالشّذى حتى أنوف السّارقيه
نعم -أيها الأخ الكريم- ها هي الأيام قد ساعفتك لتتبوّأ تلك المنزلة العليا، جعلك الله بدرا ساطعا يبدّد سجف الظّلام، وأبقاك لمجتمعنا رائدا صادقا لا يكذب أهله وإن كثر الرّخام، وكلأك بالحفظ والرّعاية ربّ الأنام، والسّلام عليكم.
العطف يوم الخميس 22 ذو القعدة 1429هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2008م.
في اللّقاء التّغافري بالعطف. (1/416)
صفحة 417
قررت جماعة من قدماء التّلاميذ ومن رفاقي في الدّرب قررت عقد لقاء تغافري بعد عيد الأضحى المبارك فتداعوا للاجتماع معي في العطف لصبيحة يوم الاثنين 13 ذو الحجة 1433هـ الموافق لـ 29 أكتوبر 2012م فتم اللقاء بهم في عشيرة أولاد باكة، وبعد تبادل التهاني والكلمات وبعد تناول الفطور ألقيت فيهم هذه الكلمة.
الحمد لله الذي تتمّ بذكره الصّالحات، وبنور وجهه تنجلي الظّلمات، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، عليه أزكى الصّلاة وأفضل التّحيات، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
حضرات المشائخ الأجلاء والأخوة الفضلاء، عزابة وأعيانا وإطارات، أيها الجمع المبارك، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
دعوني أجدّد لكم أغلى التّهاني وأطيب التمنيات بالعيد السّعيد في هذا اللّقاء الأخويّ الكريم لتنتظم دررها في هذا العقد النّضيد من كلماتكم الغالية وعباراتكم النّدية برحيق الإخلاص والوفاء والمتضوّعة بعبير المودّة والإخاء، فقد غمرتموني بلجة من عواطفكم المتأججة، وقيدتموني ببرّكم وإحسانكم بقيود لا أستطيع عنها فكاكا وصدق الذي قال: "ومن وجد الإحسان قيدًا تقيّدا". فما أصعب القيد ولو كان من حرير، فكم وددت أن أبقى طليق العنان، لأقتنص شوارد البيان فأبادلكم الشّكر والثّناء، وأوفي لكم ما تستحقونه من الجزاء ولا أجد في هذا النّسق التّكريمي أبلغ ولا أصدق مما قاله أمير الشّعراء وقد أحاطت به هالة من رفاقه الأوفياء فقال:
وحيّا الله فتيانا سماحا ... كسوا عطفي من فخر ثيابا
تلقوني بكل أغرّ زاه ... كأن على أسرّته شهابا
ترى الإيمان موتلقا عليه ... ونور العلم والكرم اللّبابا
ملائكة إذا حفوك يوما ... أحبك كل من تلقى وهابا
وإن حملتك أيديهم بحورا ... بلغت على أكفّهم السّحابا (1/417)
صفحة 418
أيها الإخوة الكرام، ما كنت أظن أن تمتدّ بي الأيام حتى تقوست أصلابي وارتعشت يداي وتغيّر مزاجي حين أصبحت رهين جرعات من الأدوية أتناولها صباح مساء، وأنا قعيد البيت لا تكاد رجلاي تقويان على حملي، ولست بهذا أنازع الله في قدره، ولا أسخط ما كتبه علي من أمره، فله الفضل والمنة على ما متعني به من صحة وطول عمر، وله الحمد والشّكر على ما قدّم وأخّر.
وها أنا ذا في خريف العمر أستعرض شريط الأحداث وأقلّب الصفحات إذ أراجع مختلف الملفات فأجد منها الطّيّب الذي يبهج الخاطر، وأجد السيء الدنيء وبودّي أن لا تبوح به الأيام، وأن يطمر مع مخلفات الرّكام، ولكن أنى لنا ذلك والتّاريخ لنا بالمرصاد لا يهادن ولا ينافق، وهو الخازن الأمين لمَلزمات الملفات والوثائق. وإني أحمد الله مرة أخرى إذ حمّلني من شؤون الحياة أثقلها، ومن الأمانات أعظمها إذ جعلني مربّي أجيال، ومرشدا للجماهير أحدو بهم على طريق الله تعليما وتوجيها وإرشادا، وقد جعلت من القرآن الحكيم أفق مطلعي ومن تفسيره مراحي ومرتعي، وأنا مع فتنة الدّنيا وزخرفها كما قال أمير الشّعراء:
فمن يغتر بالدّنيا فإني ... لبست بها فأبليت الثّيابا
لها ضحك القيان إلى غبيّ ... ولي ضحك اللّبيب إذا تعابى
جنيت بروضها وردا وشوكا ... وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أرَ غير حكم الله حكما ... ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا ... صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حرّ ... يقلّد قومه المنن الرّغابا
فإذا كان ذو الثّمانين قد سئم الحياة كما اشتكى زهير فما بال الذي يتدرّج إلى التّسعين إلا أن يتمنّى من الله حسن الخاتمة وجميل العاقبة، وأن ينسئ له الأنفاس حتى يتمّ -بعونه- تفسير سورة النّاس، وبعدها يقول كما قال الشّيخ الإمام بعد أن أتمّ الختم وبلغ المرام.
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدّي إن دهرك هازل (1/418)
صفحة 419
أجل، إننا لا نعتب على الدّهر إن تقلبت بنا الأيام، ولا نحمّله لوما إن فاجأنا بأضغاث أحلام لأننا نؤمن بالله وبحكمته تعالى في مداولة الأيام بين النّاس، والمؤمن المحتسب الوفي لا يعرف القنوط واليأس.
أيها الإخوة الأعزاء، من لي بدرر البيان لأحبّر لكم ما تستحقونه من الشّكر والثّناء، إذ تداعيتم لمثل هذا اللّقاء، ولا أدري أكنت حريّا يمثل هذه اللّفتة الكريمة، وجديرا بتكريم الرّفاق والأصدقاء ولكن ما حيلتي وقد أقحمتموني في هذا المسلك الوعر والمثل الشّعبي يقول: "الطّير الحرّ إيلا تقبض ما يتخبّط" ما حيلتي إلا أن أقول: "اللهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". فلا أبادلكم ثناء بثناء، لأن ذلك ليس من شأن الأعزاء، فأنتم من قلبي في السّويداء ومن نفسي في مقامات الجوزاء.
وأنتم يا سراة عشيرتي، ويا أبناء جلدتي في بلدي الطّيّب الأمين، لكم مني شواهد الأجلال والتّقدير في هذه الوقفة التّاريخية الكبرى، تقبل الله مسعاكم ورفع مقامكم في الدّنيا والأخرى. فقد طوقتم جيدي بالمنة التي لا تنسى، وخلعتم علي من ثياب الفخر والسّؤدد ما لا يحول ولا يبلى، فأرجو من الله العلي القدير أن يأخذ بيدي ويوفقني لأكون على ما تأملونه في المستوى، وأن يبقيكم ركائز للصّلاح والتّقوى، وخير مثال لمن سار على الصّراط السّوي ولمن اهتدى، والحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الاثنين 13 ذو الحجة 1433هـ الموافق لـ 29 أكتوبر 2012م.
القسم السّياسي
والإداري
مع الوفد الوزاري الأول للشؤون الدّينية. (1/419)
صفحة 420
زار معالي السّيد وزير الشّؤون الدّينية الأخ عبد الرّحمن شيبان زار دائرة غرداية مع وفد هام من مساعديه، فاستقبله أعضاء المجلس التّنسيقي لولاية الأغواط وذلك يوم 12 جمادى الثّانية 1404هـ/14 مارس 1984م فتفقد عدة مؤسسات دينية، وأقامت نظارة الشّؤون الدّينية يوما دراسيا في قاعة سينما ميزاب بحضور ممثلي الولايات: الأغواط، مسيلة، الجلفة، ووارجلان. واستقبل العزابة الموكب الوزاري في المسجد الجامع بمدينة العطف بحضور جمع من المواطنين فألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظّالمين، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
في رحاب هذا البيت المعمور نستقبلكم ونرحّب بكم وأنتم في حمى الله مكرّمون، وفي هذا الجوّ الطّاهر تحيّيكم ملائكة الرّحمن، وتغمركم نفحات النّعيم والرّضوان، أندى من كل لسان وأفصح من كل بيان. فلندع القلوب والأرواح تنعم كيف تشاء ببرد اليقين وحلاوة الإيمان، وقد تلاقت على محبة الله ورسوله، وتنادت لنصرة دينه وإعلاء كلمته برفع قواعد بيته وتزكية حزبه. ها أنتم أولاء تتجوّلون في جنبات هذا البيت الذي أسّس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، منذ أن انطلق نظام العزابة بهذه الرّبوع الطّيّبة على يد الشّيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي -رحمه الله- سنة 409ه. (1/420)
صفحة 421
وكان هذا المسجد بالذات هو المحضن الأول لهذا النظام الذي قامت عليه البيئة الاجتماعية في هذه الرقعة الطيبة من وطننا المفدّى. وكان بودّنا أن نبقي على بنائه القديم شاهدا على صفحات خالدة من العمل الإسلامي الدؤوب استمرّ عشرة قرون من الزمن. لكن العوامل الطبيعية لم تبق فيه مجالا للترقيع والترميم، فأتينا بنيانه من القواعد وجدّدناه سنة 1960م. وعندما ضاق بعمّاره أضفنا إليه مساحة أخرى من الجهة الشرقية، وأبقينا على محرابه حيث كان أملا في توسيعه من الجهة الغربية. وعلى هذه الزيادات فهو يضيق بعمّاره في المواسم وصلوات الجمع كما هو الشأن في كل مساجد الوطن. وذلك من فضل الله علينا جزاء التضحيات الغالية والجهود المضنية التي يبذلها المخلصون من أبناء وطننا العزيز في كل المستويات وفي مختلف المجالات لإبراز الشخصية الوطنيّة، وتركيز أصالتنا. ولوزارة الشؤون الدينيّة اليد الطولى والريادة في شق الطريق وتهيئة المناخ والحداء بركب الله ليأخذ مساره الصحيح في الدعوة إلى الله في غير ضعف ولا عنف امتثالا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «إنّما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (1). وقوله: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع وظهرا أبقى» (2).
__________
(1) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الجمعة، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يسروا ولا تعسروا»، حديث 6128: 8/ 30.
(2) - رواه البيهقي في السنن الكبرى من حديث عمرو بن العاص، حديث 4744: 3/ 28. (1/421)
صفحة 422
أيها الوفد الكريم: كل لبنة في هذا الصرح الشامخ، بل كل ذرة من ترابه الطاهر لتلهج بذكر الله في الغدوّ والآصال، تؤوّب مع الحناجر الذاكرة المتبتلة إلى الله، وإن صوت الحق ليجلجل من هذا المنبر داعيا إلى الله في حكمة وأناة، ينبّه الغافل ويستأنس الشرود حتى تلين القلوب لذكر الله، وتنقاد الجوارح لطاعة الله. وما يزال المؤمنون على مختلف طبقاتهم وبالأخصّ عنصر الشباب يجدون في رحاب بيوت الله البلسم الشافي لأدوائهم، والحل الموضوعي لمشاكلهم، والمسكّن الهادئ لقلقهم واضطرابهم فلا يكاد يشذّ عن الجماعة عنود، ولا يندّ عن القافلة شرود، مادام الوازع الديني حيّا في نفوسهم يطعّمها ويزوّدها بعناصر الفتوة وبالغذاء الروحي السليم.
وإن أخوف ما نخافه أن تضطرب موازين الحقّ، وتختل عناصر الوجود الإنساني في النفوس، فيفضي ذلك إلى ما لا تحمد عقباه باحتدام النزوات وطغيان الشهوات، فتقسو القلوب وتتعفّن الطبائع، فتتفشى الرذيلة وينمو الإجرام مما تعاني من ويلاته كثير من المجتمعات المعاصرة.
وتفاديا من الوقوع في هذه الحمأة الموبوءة فإننا نهيب بكم -معالي الوزير- أمام الله وأمام التاريخ والأجيال أن تكونوا لنا خير سند وأفصح ترجمان لدى مسؤولينا وولاة أمورنا لتعبئة الجهود وتضافرها وتكاملها في تعهّد المواطنين بالتوعية والإرشاد، وتأطير الشباب بما يصلحهم في دينهم ودنياهم، والضرب على أيدي المفسدين والمخرّبين، ومحاربة الآفات الاجتماعية في شتّى مظاهرها وأنواعها، وبالأخصّ المراقبة الصارمة لبرامج الإعلام الوطني، تطبيقا للمبادئ المثلى لثورتنا المباركة، لأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن. وبذلك وحده نستطيع أن نحقّق ما تصبو إليه بلادنا من رقيّ وازدهار، وعافية واستقرار. ثبّت الله خطاكم على النهج السويّ، وألهمنا الرشد والسداد لما فيه خير البلاد والعباد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في ظل التّعدّدية الحزبية. (1/422)
صفحة 423
من إفرازات الدّستور الجزائري المصادق عليه من طرف الشّعب يوم 23 فبراير 1989م إقرار التّعددية الحزبية في البلاد وإنهاء هيمنة الحزب الواحد، وبمقتضى ذلك انبثقت عدّة أحزاب متأرجحة بين اليمين واليسار، وبين الإسلامية واللائكية. ومنذئذ شهدت السّاحة الوطنية صراعات سياسية أدّت إلى مواجهات دموية، ثم إلى تعطيل الدّستور وتجميد مؤسساته. وذلك بعد الدّور الأول للانتخابات التّشريعية لسنة 1991م.
وعاشت بلدة العطف صراعا مريرا في الانتخابات المحلية، البلدية والولائية، في جوان 1990 لظهور قوائم منافسة لقائمة "الوحدة" الحرّة، والتي تحمل رقم 36 للمجلس البلدي ورقم 30 للولائي وكتب الله النّصر للقائمين المذكورتين بعد تعبئة الجماهير الشّعبية وقناعتها بحسن الاختيار ومصداقية المنهج. أقمنا في يوم 22 جوان 1990م مهرجانا شعبيا عظيما شكرا لله على ذلك النّصر المؤزّر، وتكريما لجهود العاملين الأوفياء الذين يرجع إليهم الفضل في ذلك. فألقيت هذه الكلمات. (1/423)
صفحة 424
اللّهم لك الحمد أنت نور السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت ربّ السّماوات والأرض ومن فيهن. أنت الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق والجنة حق، والنّار حق. اللّهم ربّنا لك الحمد كما خلقتنا ورزقتنا ولك الحمد بالهداية والتّوفيق. ولك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال، والصّحة والعافية. هديتنا وخبرتنا وفرجّت عنا، وعلمتنا وألهمتنا رشدنا، ومن كل ما سألناك ربّنا أعطيتنا. فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا طيّبًا مباركا فيه. لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا. لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت. أحمده سبحانه وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله ربّ العزة والكرم، مالك الملك يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. وأشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله أصدق الصّابرين وأفضل الشّاكرين، وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون. يقول المولى تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ نُوتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:145). وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} (البقرة:152).
يقول سيّد قطب -رحمه الله- في تفسير هذه الآية الكريمة: "يا للتفضّل الجليل الودود. الله جلّ جلاله يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئا لذكرهم له في عالمهم الّصغير. إن العبيد حين يذكرون ربّهم يذكرونه في هذه الأرض الصّغيرة، والله حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير، وهو الله العليّ الكبير. (1/424)
صفحة 425
أيّ تفضلّ وأيّ كرم؟ وأيّ فيض في السّماحة والجود؟ فاذكروني أذكركم، إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله الذي لا خازن لخزائنه ولا حاسب لعطاياه. الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فيّاض العطاء، إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ، ولا يعبّر عند شكره الحق إلا سجود القلب".
ثم يقول: " {وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}، والشّكر لله درجات تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته، وتنتهي بالتجرّد لشكره والقصد إلى هذا الشّكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان، وفي كل خفقة قلب، وفي كل خطرة جنان. والنّهي عن الكفر هنا إلماع إلى الغاية التي ينتهي إليها التّقصير في الذّكر والشّكر، وتحذير من النّقطة البعيدة التي ينتهي إليها هذا الخلط التّعيس -والعياذ بالله-" (1).
أيها الإخوة المؤمنون، شاءت حكمة الله في خلقه أن يفتنهم بالسّرّاء والضّراء، ويبلوهم بالشّر والخير ليمحّص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين، فإن الأقدار تمشي على أعنتها كما أراد لها خالقها، والنّاس في غمرتها ليس لهم من الأمر شيء. وإنما هم في تقلبهم من جملة الأسباب التي ربط الله بها سننه. فطوبى لمن خلقه الله للخير وأجرى الخير على يديه، وويل لمن خلقه للشرّ وأجرى الشّر على يديه.
وقد قدّر الله لمجتمعنا الطّاهر، هذا المجتمع الذي برهن بحقّ على أنه مجتمع مسجدي ربّاني يبصر بنور الله، ويتحرّك بهدى الله، قدّر الله له أن يمحّص بأقسى تجربة تمسّ كيانه وتهزّ أركانه، فأثبت -بفضل الله- مدى أصالته وجوهر معدنه، وتفانيه في حبّ الله ورسوله، والاعتزاز بالقيم الإسلامية الرّفيعة، والالتزام بأحكام الله وتوجيهاته الكريمة عن قناعة وحبّ وإخلاص.
__________
(1) - في ظلال القرآن: 2/ 172. (1/425)
صفحة 426
وها هو اليوم يجني ثواب جهده ونصبه فوزا وانتصارا، إذ خرج من محنة الاختبار أقوى ما يكون ثباتا وصبرا، وفوق ما يرجوه عزّا وفخرا. لأنه لا خوف على الأمة من عدوّ يتربّص بها من خارج حدودها فتأخذ منه حذرها وتجمع أمرها، ولكن الشّرّ كل الشّرّ من ريح تهبّ من داخل، فتضطرب الصّفوف ويختلط الحابل بالنّابل. وليس أخبث ولا أنكر على المجتمع من ظاهرة النّفاق، ولا أقسى على أولى الأمر فيه من مكرها ودسائسها، لأنها تجوس خلال الدّيار، بسند من حق العشير والجار، فكان الجزاء الإلهي لنا على قدر تلك الشّرور والأخطار.
فلا عجب أن تكون هذه الظّاهرة من أخطر ما ابتلي به ذلكم المجتمع المثالي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ واجهت الجماعة المسلمة بحزم وأناة. وقد شخص الله لرسوله أعراض هذا المرض الوبيل ليعرف كيف يعالجه ويستأصل شفته فقال تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً، مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب:61 - 62).
وهل نكون أيها المؤمنون أعزّ على الله من رسوله؟، فنطمع أن نزجي سفن مجتمعنا في بحر هادئ لا تصيبنا فيه رياح ولا أنواء: {أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} (البقرة:214).
كلا! فما نيل المطالب بالتمنّي ... ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا (1/426)
صفحة 427
أيها المؤمنون، لقد أحسنّا الظّن بربّنا، واجتهدنا في أن نعمل وفق ما يرضى به عنّا، ودبّرنا أمرنا بالشّورى كما أرشدنا، وفزعنا إليه قانتين خاشعين، ولم تستخفّنا الأماني ولا غرّنا بالله الغرور. بل ارتقبنا ثمرات أعمالنا ونحن بين الخوف والرّجاء، ولم نأمن بنيّات الطّريق في مسلكنا، ونحن نجتهد في أن نكون على الصّراط السّويّ لأننا نؤمن بتصاريف القضاء والقدر، ونكفر بالحتمية التي يدّعيها بعض البشر.
وها نحن اليوم -بحمد لله- في رفرف من الطّمأنينة والسّكينة وراحة البال، لأننا لم نستعن في قضاء حوائجنا بمعصية الله في جميع الأحوال، ولم نرض لإخواننا بالمهاترات الجدلية والتّجاوزات السّلوكية في ما يأخذون أو يدعون، فأرانا الله من سعينا رشدا، وحبانا بنصره ونحن له ذاكرون شاكرون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
أيها الإخوة المؤمنون، يقول المولى تعالى: {وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ نُوتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:145). ويقول: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمُم بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الزّمر:7). (1/427)
صفحة 428
يعرض الله لعباده في الآية الأولى ثوابين: عاجلا وآجلا، ووكل الخيار بينهما إلى إرادة الإنسان، والله تعالى يعطي لكل عبد ما تتعلق به همّته، غير أن جزاء الشّكر لا يترتب إلا لمريد الثّواب الباقي المدّخر عند الله، لأنه سوف يلتزم بحقيقة الشّكر التي تمثل في تقديس الله وإفراده بالعبودية والتزام طاعته وطلب رضاه، فمن وجد ذلك من نفسه إيمانا وعملا وسلوكا، فليحمد الله وليطلب المزيد، ومن وجد غير ذلك فليعلم أنه قد فرّط في جنب الله فلا يلومنّ إلا نفسه. فرجاءنا في الله أن نكون في مسعانا ممن يريد ثواب الآخرة، وإن كنا في هذه الرّحلة الدّنيوية نكدّ ونجتهد ونأخذ بأسبابها المعقولة والمشروعة. فعلى هذا المحكّ الرّبّاني تمتحن النّفوس وتمحصّ النّوايا، وتتميّز الهمم. فلتكن نوايانا مخلصة لله في كل ما نأخذ أو ندع، ولتكن هممنا مستشرفة لحبّ الخير والفضيلة، مسخرة لنصرة الحق ونشر البرّ والإحسان، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} (النّحل:96)، وهل أغلى في حياة الأمم وأبقى لعزتها من مكارم الأخلاق؟.
ومن تمام شكرنا لنعمة الله -أيها الإخوة- أن نلتزم في تصرفاتنا ومعاملاتنا لغيرنا ميزان العدل والإنصاف كما ترشد إليه الآية الثّانية: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الإسراء:15). فلا نأخذ النّاس بالظّنة في معاملاتنا إياهم، ولا نحمّلهم أوزار غيرهم، ولا نغلو في مواقفنا عندما نعدّد المساوئ والخطايا، لأننا لا نستطيع أن نأمن الشّطط في جموح العاطفة، ولا أن نتحاشى الانزلاق والجموح في هبوب العاصفة. فلنتدرع بالصّبر والأناة حتى لا تطوّح بنا نشوة النّصر، ولنلتزم في مواقفنا بهذه الحكمة التي جرت على لسان المتنبي حين قال:
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا ... مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى (1/428)
صفحة 429
ولنا في رسول الله إسوة حسنة في مواجهته لكلّ التّحدّيات، ومصابرته ومجاهدته عند احتدام الأزمات، حتى وسع النّاس حلمه وصبره، وعظم عند الله قدره وأجره. اللّهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسّلامة من كل إثم، والغنيمة من كل برّ، والفوز بالجنة والنّجاة من النّار. ربّا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
عند اتصال القمة بالقاعدة.
في يوم الأحد 17 رجب 1416هـ / 10 ديسمبر 1995م وفد إلى ولايتنا السّيد رئيس الحكومة الأخ مقداد سيفي مع بعض وزراء حكومته وجمع من ولاة الجنوب الشّرقي والأوسط. وفدوا في زيارة ميدانية لتفقّد أحوال المنطقة والاستماع إلى انشغالات المجمع المدنيّ في جلسة عملية بمركز الولاية. وقد دعي إليها أعيان ومشائخ الولاية وممثلو الحركة الجمعوية. وكنت قد كلفت من طرف منسقي برنامج الزّيارة أعضاء المندوبية للمجلس الولائي، كلّفت بإعداد كلمة التّرحيب باسم الأعيان والهيئات الدّينية. فكانت هذه الكلمة التي لم يكتب لها أن تلقى في الجلسة حسب البرنامج المسّطر الذي لم يحترم من طرف ممثلي الولاية، ولكن سلّمت نسخة منه إلى السّيد رئيس الحكومة حسبما أفادني به الأخ حني بكير بن موسى رئيس المندوبية.
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظّالمين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين. أما بعد:
سيادة رئيس الحكومة، السّادة الوزراء والولاة، حضرات المشائخ والأعيان الأجلاء، إخواني المواطنين، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
على الرّحب حلّوا أجمعين على الرّحب ... فأنتم كرامُ في حمى الله والشّعب
طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى ... وسرتم إلينا كالسّحائب في الجدب (1/429)
صفحة 430
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا ... فدوسوا عليها لا تدوسوا على التّرب
ليعذرني الشّاعر المرحوم محمد العيد ءال خليفة إن تصرفت في استبدال كلمة "ضيوف" بكلمة "كرام" ذلكم لأنكم في دياركم وبين أهليكم. وهل يجد الأولاد السّكن النفسّي المكين في غير بيوتهم وبين أهليهم؟؟ وهل أوسع من قلوب الوالدين عطفا وحنانا وأشدّ حبّا ورحمة لأولادهم؟ فلندع القلوب على فطرتها تتناجى بلغة الطّهر والصّفاء، وتتناغى على رفرف الإخلاص والوفاء. فكم نحن منتظرون لهذه الزّيارة العظيمة وكم نحن ممتنّون بهذه اللّفتة الكريمة، ولا يضيرنا أن جاءت متأخرة، ففي العود تسبق العرجاء كما يقول المثل. ثم إن زيارتكم هذه لها نكهة خاصّة متميّزة لأنها جاءت مع بزوغ فجر الأمل على هذا الشّعب الكريم، وقد انحلت عنه عقدة اليأس والإحباط، ونشط من عقال الحيرة والذّهول، إثر ذلكم الانتصار الباهر في الانتخابات الرّئاسية بعد أن وفقه الله تعالى إلى حسن التّقدير والاختيار، إذ وضع ثقته في شخصية الرّئيس زروال، الابن البارّ لجزائرنا الحبيبة، والبطل المغوار الذي أبلى البلاء الحسن في الظّروف العصيبة. كيف لا ولجماهيرنا حسّ الصّقور في مقارعة الأهوال، وشواظ النّار في اختبار معادن الرّجال. فهنيئا لشعبنا معتزا ومفتخرا، وهنيئا لرئيسنا مزكّى ومنتصرا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا. (1/430)
صفحة 431
سيادة الرئيس: لقد كنتم الرّائد الوفي في هذه الرّحلة الشّاقّة، إذ وضحتم للشعب معالم الطّريق الموصلة إلى برّ الأمان، وأعليتم صرختكم في كل ناد ليسمعها القاصي والداني، وعرفتم كيف تثيرون الأحاسيس لدى جماهيرنا حين تضربون على أشجى الألحان. وكم كان التّجاوب ورجع الصّدى قويّا من منطقتنا هذه الطّيّبة الوديعة حين أضفيتم طابع الرّوحانية عليها في إحدى كلماتكم! وقد أصبتم المحزّ ووفقتم في تقديركم كل التّوفيق. وها أنتم في أحضان هذه الرّبوع الطّيّبة في كل ذرة من ترابها، وفي كل طلعة من وجوه أبنائها، بل في كل نسمة من جوّها الدّافئ الحنون، تستروحون نفحات تلكم الرّوحانية، وتستلهمون معاني النّبل والشّهامة وسموّ الكرامة الإنسانية. ومع ذلك لسنا بدعا من البشر، فنحن لا نزكّي أنفسنا لأننا مقتنعون بأن الحياة نضال وكفاح وأن الله تعالى: {لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرّعد:11).
نحن نؤمن بالعصرنة والأخذ بأسبابها، ونرحّب بالإصلاح والتّغيير في كل المجالات الحيوية بعد الحفاظ على الثّوابت والمقومات الأساسية لشخصيتنا الأصلية، ولكننا نريدها نهضة متوازنة بين القيم الرّوحانية والمكتسبات المادية. فعلى قدر مباركتنا لوتيرة التّنمية في ولايتنا الفتية، والتي أفادنا السّيد الوالي بأن سيكون لها النّصيب الأوفى من برنامجكم الخاصّ بالجنوب الكبير، فعلى قدر مباركتنا لذلك فنحن مشفقون أن يطغى الجانب الماديّ على الجانب الرّوحاني، فتضيع بذلك تلك الخصائص المميزة للمنطقة، إن في جانبها الحضاريّ أو المعماريّ. (1/431)
صفحة 432
ولئن كانت السّلطة الدّينية لا تألو جهدا في الحفاظ على ذلك الرّصيد الحضاريّ المتميّز، وكان لها اليد الطّولى في إزجاء صفوف الجماهير فإن الحكمة تقول: "يزع الله بالسّلطان ما لا يزعه بالقرآن". والخوافي قوة للقوادم كما يقول الشّاعر. فإننا نرجو -سيادة الرئيس- تناسقا مكينا في هذا المضمار، بحسن المشورة وتبادل الحوار، ثم بالموضوعية والعقلانية في اتخاذ القرار.
سيادة الرّئيس، أيها الإخوة، إن الرّائد لا يكذب أهله، فنحن أعضاء الهيئات الدّينية في هذه المنطقة بما لنا من التّجاوب والتّفاعل مع الجماهير الشّعبية، ومن التّعاون والتّكامل مع السّلطات المدنية، نرى من مسؤوليتنا التّاريخية أن نرفع إليكم بعض الانشغالات التي تقضّ مضاجع هذا الجمهور الكريم، وهو مقتنع بأن قيادته جادة في تجسيد الشّعارات على ميدان الواقع فهو إن اشتهر بالجديّة والعمل، وبالاعتماد على النّفس فهو محدود الإمكانيات في ما تتطلبه كبرى الأشغال والإنجازات.
وتأتي قضية المياه في مقدمة الأوليات شربًا وريّا وصرفا وتكلفة سعر في بيئة يقترن اسمها في كل مناطق العالم بالقساوة والتّيه والفناء، غير أن ما حباها الله من كنوز في باطن أرضها تجعل منها جنات الفردوس إذا ما وجدت من أبنائها العزائم الصّادقة والأموال الوافية والسّواعد الفتية. أو ليس من عجائب التّقدير، على ما يحمله اسم الصّحراء من أوصاف الضّعة والتّحقير، أن يتساوى ثمن أرضها بأرض الشّمال في التّسعير؟ ذلكم هو اللّغز المحيّر لجماهيرنا لم تجد له حلاّ ولا فكاكا، وبالتّالي هو القيد الذي جمّد دورة الحياة في العروق فلا تستطيع حراكا. وقد رفع سراة المنطقة شكوانا في هاتين القضيتين الحساستين: الأرض والمياه إلى المصالح المعنية المركزية، غير أن الإجابة ما تزال رهينة بالبحث والدّراسة والوعود. فلا تدعونا -يرحمكم الله- في قاعة الانتظار، وقد دقّ الجرس لانطلاقة القطار. (1/432)
صفحة 433
هذا غيض من فيض مما يشغل بال جماهيرنا نترك فيه المجال لهذه الوجوه النّيرة للتّعبير عنها. ولا يسعنا إلا أن نجدّد لكم خالص شكرنا وأغلى تمنياتنا لكم وللوفود المرافقة لكم أن يرعاكم الله في الحلّ والتّرحال، ويسدّد خطاكم على النّهج القويم، ويوفقكم إلى التّدبير الحكيم.
في استقبال السّيد وزير الشّؤون الدّينية.
كان للسّيد وزير الشّؤون الدّينية الأخ أحمد مراني زيارة رسمية لولاية غرداية مرفوقا بطاقم من وزارته وعلى رأسهم مستشاره الأخ أحمد مورد من أبناء "بريان" أخذت هذه الزّيارة يومين كاملين تفقد فيها عدة مساجد في متليلي وغرداية وضاية ابن ضحوة والقرارة وبريان وزلفانة وأخيرا كان المسجد العتيق في العطف نهاية مطافه ليوم الاثنين 08 صفر 1417هـ / 24 جوان 1996م. على السّابعة مساء. وكان العزابة في استقبالهم على مدخل المسجد وأمام المحراب ألقيت هذه الكلمة.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد: معالي السّيد الوزير، فضيلة الأخ والي ولاية غرداية، حضرات السّادة الأفاضل من الإخوة المسؤولين والشّيوخ الأكارم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
في مغاني بلدة الألف عام، وفي رحاب هذا البيت المعمور نستقبلكم ونرحّب بكم، وأنتم مكرمون في حمى الله، تحفّكم ملائكة الرّحمن، وتغمركم نفحات النّعيم والرّضوان، أندى من كل لسان، وأفصح من كل بيان. فلندع القلوب والأرواح تنعم كيف تشاء ببرد اليقين وحلاوة الإيمان، وقد تلاقت على محبّة الله، وتنادت لإعلاء كلمته ونصرة دينه، برفع قواعد بيته وتزكية أوليائه وجنده. (1/433)
صفحة 434
ها أنتم أولاء تتجوّلون في جنبات هذا البيت الذي أسّس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، منذ انطلاقة نظام العزابة بهذه الرّبوع الطّيّبة على يد الدّاعية الشّيخ أبي بكر عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي -رحمه الله- دفين بليدة عمرو بدائرة "تو?رت" وذلك سنة 409ه. وكان هذا البيت بالذّات هو المحضن الأول لذلك النّظام المكين الذي قامت عليه البنية الاجتماعية في هذه الرّقعة من وطننا المفدّى. وكان بودّنا أن نبقي على بنائه القديم شاهدا على صفحات خالدة للعمل الإسلامي الدّؤوب استمر لعشرة قرون؛ ولكن عوامل الزّمن لن تبق فيه مجالا للتّرقيع والتّرميم، فأتينا بنيانه من القواعد، وجدّدنا بناءه سنة 1960م. وعندما ضاق بعماره أضفنا إليه مساحة من الجهة الشّرقية، وها نحن اليوم بصدد إتمام المساحة المضافة من الجهة الغربية، نرجو الله أن يوفقنا لإتمامها ليبقى معلمًا حضاريًا ومصدر إشعاع للأجيال.
ورغم هذه الزّيادات فهو يضيق بعمّاره في المواسم وصلوات الجمع كما هو الشّأن في كل مساجد الوطن. وذلك من فضل الله علينا جزاء التّضحيات الغالية والجهود المضنية التي يبذلها المخلصون من أبناء وطننا العزيز في كل المستويات وفي مختلف المجالات لإبراز الشّخصية وتركيز مقوّماتها الأساسية. ولوزارة الشّؤون الدّينية اليد الطّولى في تزجية الصّفوف والحداء بركب الله ليأخذ مساره الصّحيح في الدّعوة إلى الله في غير ضعف ولا عنف. امتثالا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النّحل:125). ولقوله - عليه السلام -: «إنّما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين» (1). وقوله: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع وظهرا أبقى» (2).
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 369.
(2) - تقدم تخريجه: ص 369. (1/434)
صفحة 435
أيها الوفد الكريم، إن عشرة قرون من الزّمن لاستمرار نظام ما لدليل قاطع على صلوحيته وفعاليته، وإن بلدتنا الطّيّبة لتعتز بهذه الميزة التّاريخية وتستعدّ لإحياء الذّكرى الألفية في نخوة وشمم. وقد وجدت من السّيد الوالي ومساعديه كل تشجيع وتأييد، ومن أعيانها وأبنائها المسؤولين كل حزم ومثابرة لإنجاح هذه التّظاهرة التي نتمنى لكم معالي الوزير وحضرات الوفد المرافق أن تكونوا ضيوفنا الشّرفيين في مختلف نشاطاتها -بحول الله- فإذا كان التّاريخ ذاكرة الشّعوب وخزانة أسرارها، فليس قصدنا من إحياء هذه الذّكرى أن نجترّ الماضي ونقتصر على التّغنّي بأمجاده، بل نريد بذلك أن نربط لأجيالنا حلقات الزّمن من الماضي والحاضر والمستقبل حفاظا على هذا التّراث الخالد أن يندثر، وإذكاء للعزائم حتى لا تتواكل وتدّثر. ورحم الله الرّصافي إذ يقول:
فهل إن كان حاضرنا شقيا ... نسود بكون ماضينا سعيدا
فشرّ العالمين ذوو خمول ... إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا
وخير النّاس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسبا جديدا
تراه إذا ادّعى في النّاس فخرا ... تقيم له مكارمه الشّهودا (1/435)
صفحة 436
أيها الإخوة المؤمنون، كل لبنة في هذا الصّرح الشّامخ، بل كل ذرة من ترابه الطّاهر لتلهج بذكر الله في الغدوّ والآصال، تؤوّب مع الحناجر الذّاكرة المتبتلة إلى الله، وإن صوت الحق ليجلجل من هذه المنابر الحيّة داعيا إلى الله في حكمة وأناة، ينبّه الغافل ويستأنس الشّرود، حتى تلين القلوب القاسية لذكر الله، وتنقاد الجوارح لطاعة الله. وما يزال المؤمنون على مختلف طبقاتهم -وبالأخصّ عنصر الشّباب- يجدون في رحاب بيوت الله البلسم الشّافي لأدوائهم، والحلّ الموضوعي لمشاكلهم، والمسكّن المهدّي لقلقهم واضطراباتهم. غير أننا -معالي الوزير- نقولها صراحة وبكل إخلاص: إنه يكاد الخرق يتسع على الرّاقع بالتّحلل الخلقي واستفحال الآفات الاجتماعية؛ لأن الواعظ المرشد يجب أن يقف إلى جانبه الرّاعي المسؤول حتى يمكن أن يتحقق المأمول وقديما قال الحكماء: "يزع الله بالسّلطان ما لا يزعه بالقرآن". فمن لنا بدرّة عمر لردع تحديّات السّفهاء الغاوين؟. وكيف نستطيع أن نوفّر لأمتنا الثّلاثية الخيرية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} ... (آل عمران:110). ومرة أخرى أقدم إليكم -معاشر السّادة- أغلى تشكراتنا وأطيب تمنياتنا على هذه اللّفتة الكريمة باسم كل الطّبقات الاجتماعية في هذا البلد الأمين وعلى مختلف مستوياتها، راجين لكم من الله التّوفيق والنّجاح، وأن يكلأكم بحفظه ورعايته في الحلّ والتّرحال، وحسن العقبى في الحال والمآل، والحمد لله ربّ العالمين.
في زيارة فخامة رئيس الجمهورية اليمين زروال. (1/436)
صفحة 437
كان حلما جميلا وأملا رائعا أن يتحدث جمهورنا الكريم عن زيارة فخامة رئيس الجمهورية السّيد: اليمين زروال لبلدتنا الطّيّبة الوديعة، ضمن زيارته لولاية غرداية، وأروع من ذلك أن تكون هذه الزّيارة هي الأولى من نوعها خارج عاصمة الوطن بعد الشّرعية الدّستورية به في مقام رئاسة الجمهورية. ولذلك مغزاه العظيم في نظر المحلّلين. ولذلك أثره البليغ في نفوس المحبّين والمبغضين. وقد حظيت بلدتنا بالزيارة الكريمة صنّفت في الدّرجة الأولى من حيث حرارة الاستقبال والتّنسيق والتّنظيم. وقد ألقيت أمام الوفد الرّئاسي بساحة السّوق، هذه الكلمة المختصرة عن خطاب كنت أعددته لهذه المناسبة العظيمة.
حمدًا لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فخامة السّيد رئيس الجمهورية، معالي السّادة الوزراء، حضرات الإخوة المسؤولين، أيها الإخوة المواطنون، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا.
إنه ليوم أغرّ ولحظات هنيئة، هذه التي ننعم فيها بلقياكم ونتشرف بمقدمكم الميمون. فهذه أمّ القرى -وهي ما تزال ترفل في حللها الزّهية، وتعيش ذكراها الألفية- تحتضنكم بشوق ومحبة غامرة، وهي باللّقاء السّعيد معتزة فاخرة. ومن علامات التّوفيق وتباشير الخير أن تنزل بركات السّماء على هذه الدّيار لتأخذ زينتها فرحا بمقدمكم الميمون. فأنتم -بفضل الله- موفّقون حين استفتحتم زياراتكم الشّرعية بولايتنا الفتية، جعله الله لكم فتحا مبينا تلقون به من شعبكم ما تقرّ به أعينكم، وأنتم تأسون جراحه، وتنعشون أمله، وتزجون سفينه إلى شاطئ النّجاة وبرّ الأمان. فإذا كانت إرادة الشّعب من إرادة الله، فإن الشّعب قد عبّر عن ثقته فيكم متيقنا أن الله تعالى مؤيّدكم وناصركم وكفى بالله وليّا وكفى بالله نصيرا. (1/437)
صفحة 438
فخامة سيدي الرّئيس، نشكركم على هذه اللّفتة الكريمة بزيارتكم لهذه المنطقة الطيّبة من وطننا المفدّى، وهي تزخر بالمآثر والمفاخر، وتحافظ على التّراث الأصيل لشعبنا الكريم، وفاء بعهد الله في دينه، وعهد الوطن في أصالته ومقوّمات شخصيته. ونحن اليوم نتفيأ ظلال مسؤوليتكم العظيمة، نرجو أن تكونوا لنا خير سند في المحافظة على هذا التّراث الخالد الذي طبقت شهرته الآفاق، ولعل التّجربة الرّائدة لولاياتنا هي النّموذج الصّالح لذلك في المجال المعماري، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.
سيّدي الرّئيس، يشرّفني باسم الهيئات الاجتماعية لهذا البلد الأمين أن أتقدم إليكم بأزكى التّحايا وأغلى الأماني، وأنتم منا في حنايا الصّدور وسؤيداء القلوب ونحن لعهد الله وعهدكم راعون، وإلى جانبكم واقفون. سدّد الله خطاكم وكلأكم بحفظه ورعايته في الظّعن والإقامة، وألبسكم لباس العزّ والعافية والسّلامة.
العطف يوم السبت 26 ذو الحجة 1417هـ الموافق لـ 03 ماي 1997م.
والكلمة قبل اختصارها كانت على النّحو الآتي:
الحمد لله الذي تفرّد بالعظمة والكبرياء، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأبرار. وبعد:
فخامة السّيد رئيس الجمهورية، معالي السّادة الوزراء، حضرات الإخوة المسؤولين، أيها الإخوة المواطنون، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. إنه ليوم أغرّ ولحظات سعيدة هنيئة، ومناسبة عظيمة، هذه التي ننعم فيها بلقياكم ونتشرّف فيها بمقدمكم الميمون، فهذه أمّ القرى بهذا الوادي الأمين تحتضنكم بشوق ومحبّة غامرة، وتهتز نشوى باللّقاء السّعيد وهي معتزة فاخرة. وما من أبنائها اليوم إلا مستبشر هنئ تهزّه البشرى ويراوده الأمل وهو ينعم بطلعتكم الكريمة، ويحظى بزيارتكم العظيمة مردّدا مع الشّاعر:
طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى ... وسرتم إلينا كالسحائب في الجدب (1/438)
صفحة 439
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا ... فدوسوا عليها لا تدوسوا على التّرب
نعم، أوليس من علامات التّوفيق وتباشير الخير لهذه الزّيارة الكريمة أن تنزل بركات السّماء على هذه الدّيار لتجدّد نضرتها وتأخذ زينتها فرحا بمقدمكم الميمون؟. أجل! أنتم بإذن الله موفقون حين استفتحتم زيارتكم الشّرعية بولايتنا الفتية، جعله الله لكم فتحا مبينا تلقون به من شعبكم ما تقرّ به أعينكم، وأنتم تأسون جراحه، وتنعشون أمله، وتزجون سفينه إلى شاطئ النّجاة وبرّ الأمان بحول الله تعالى. لقد برّحت الآلام بهذا الشّعب العظيم، وطوّحت به الأحزان حتى أبيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، وأنتم له قميص يوسف نورا وشفاء للأبصار، وبلسما للجراحات وترياقا للسّموم والأقذار، ولا يعوزكم صبر يوسف وحكمته لتجمعوا اليوم شمل الأسرة الجزائرية وأنتم على عرشها الرّاعي الأمين، وعلى خزائنها الحفيظ العليم.
فإذا كانت إرادة الشّعب من إرادة الله، فإن الشّعب قد عبّر عن إرادته فيكم متيقنا أن الله تعالى مؤيّدكم وناصركم في الملمات وكافيكم شرّ النّائبات، وهاديكم إلى سبل الخير والنّجاة، وكفى بربك هاديا ونصيرا.
فخامة السّيد رئيس الجمهورية، نشكركم جزيل الشّكر على هذه اللّفتة الكريمة بزيارة هذه المدينة الطيّبة، وهي ما تزال ترفل في حللها الزّاهية، وتعيش اللّحظات السّعيدة لذكراها الألفية الغالية. فكم هتفت جماهيرها بشخصكم الكريم رمزا للسّيادة الوطنية ومعقدا للآمال الغالية، أن يجد هذا الوطن الحبيب في برنامجكم الطّموح كل ما يتوق من هناء واستقرار، وما يتمناه من رخاء وازدهار. وإنا لنعلم أن المعاناة عسيرة، وأن طريق الخلاص محفوف بالأخطار، وأن الأعداء لا ينامون عن ثأر، ولكننا نؤمن بأن ثمن المجد غال، وأن المصائب محكّ الرّجال. (1/439)
صفحة 440
إن شعبا يملك مثل هذه القدرات والطّاقات لجدير بالبقاء والخلود، وهيهات أن بنال منه بعض العقوق والصّدود. ولعل هذه المنطقة الطّيّبة من وطننا الحبيب تجسّد بحق تلك المفاخر، وهي في مسيرتها التّاريخية ما تزال ... -بفضل الله- تحافظ على ميزات هذا الشّعب الكريم، وتخلّد مآثره في المكرمات، وفاء بعهد الله في دينه، ووفاء بعهد الوطن في أصالته ومقوّمات شخصيته. ونحن اليوم إذ نتفيأ ظلال مسؤوليتكم ونطمئن إلى سداد برنامجكم نرجو منكم -سيادة الرّئيس- أن تكونوا لنا سندا وعونا في المحافظة على هذا التّراث الخالد الذي طبقت شهرته الآفاق. والتّجربة الرّائدة لولايتنا في هذا المجال سوف تأتي بالنّتائج المرجوّة. وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.
سيدي الرّئيس، يشرفني باسم الهيئات الاجتماعية لهذا البلد الأمين أن أتقدم إليكم بأخلص التّشكرات وأزكى التّحايا وأغلى الأماني، وأنتم منا في حنايا الصّدور وسؤيداء القلوب ونحن لعهد الله وعهدكم راعون، وإلى جانبكم واقفون. سدّد الله خطاكم وكلأكم بحفظه ورعايته في الظّعن والإقامة، وألبسكم لباس الخير والعزّ والسّلامة. والحمد لله ربّ العالمين.
النّخبة المختارة.
في الانتخابات المحلية للمجالس البلدية والمجلس الولائي الجارية يوم 21 جمادى الثّانية 1418هـ الموافق ليوم 23 أكتوبر 1997م. وقد ترشحت هذه النّخبة المختارة من أبناء البلدة في قائمة حرّة اختارها أعيان البلد لتدخل حلبة السّباق مع الأحزاب الأخرى وهم كالتالي:
أ) - للمجلس البلدي:
دادي حمو بالحاج بن الحاج صالح ... الحاج امحمد إبراهيم بن يحي
بكلي أحمد بن عبد الرّحمن ... بهون علي محمد بن عمر
بابعمر تيازيت محمد بن إبراهيم ... عبد العزيز صالح بن محمد
عيسى نور الدّين بن أحمد
ب) - للمجلس الولائي: خير النّاس أحمد بن الحاج محمد. (1/440)
صفحة 441
وفي مهرجان شعبي كبير في ساحة السّوق لبلدية العطف، تجمع المواطنون بحماس فيّاض وأمل عظيم ليستمعوا إلى كلمات النّخبة المختارة لقائمة الألفية للأحرار، في إطار الحملة الرّسمية للانتخابات المحلية. يوم 17 جمادى الثّانية 1418هـ / 19 أكتوبر 1997م وقد ألقى هذه الكلمة نيابة عني وباسم الجماعة الابن عبد العزيز الحاج عمر بن الحاج محمد تجاوب معها الجمهور، وهو موقن بالنّصر المبين.
نحمدك اللّهم يا مدبّر الأمور ومفصّل الآيات، ونستعين بك يا ميسّر الأسباب ومذلّل العقبات. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، قدوتنا في الصّالحات، وأسوتنا في تحقيق المكرمات. اللّهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أولي الصّبر والعزمات أما بعد:
فيا أيها المجمع الكريم، ويا أبناء الأمة الأوفياء، طوبى لكم في مقامكم هذا إذ تبوّأتم عند الله مقعد صدق، ووقفتم لصالح هذا الشّعب الكريم موقف الحق، باستجابتكم لدعوتنا. هذه الدّعوة التي نؤمن أنها دعوة المخلصين الصّادقين، إذ تمثل بحق وحدة هذا المجتمع الفاضل، وتجسّد آماله وطموحه في مزيد من الرقيّ والازدهار، وتقدم بين أيديكم نخبة من الرّجال الأوفياء ممن عركتهم التّجارب ومحّصتهم معايير الاختبار، حتى نالوا من سراة هذا المجتمع الكريم شرف الانتقاء والاختبار، وهل أدّل على منهج الحق والوفاء في هذه الجماعة المباركة؟ وهل لنا من دليل على التّوفيق والسّداد هو أقوى من هذا المظهر البهيج الذي يرضي الله ورسوله، ويطمئن أرواح أسلافنا في قبورهم بأننا على نهجهم سائرون ولعهدهم راعون؟ وهل من حجة هي أنصع من هذا الحماس الفياض الذي حدا بهذه الجموع الغفيرة من المواطنين شيبا وشبابا، رجالا ونساء، وكلهم معتصم بحبل الله، متمسّك بوحدة الجماعة كما أمر الله؟ (1/441)
صفحة 442
فإذا كانت إرادة الشّعب من إرادة الله، فإن الله غالب على أمره، ولكن أكثر النّاس لا يعلمون، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير. لأن هذه النّخبة من الرّجال لم يطلبوا هذه المسؤولية طمعا في حظوة أو جاه، ولا جريا وراء منفعة عاجلة، ولا انتقاما من أحد لم يرضهم في مكسب أو مطلب، ولا تملقا لمغرور بجاه أو منصب، ولكنهم تقدموا استجابة لنداء الواجب حين زكتهم الجماعة لما يمتازون به من سداد في الرّأي وجدّية في العمل، واتزان في المواقف ووداعة في الأخلاق. وما منهم من أحد يجرّ ذيول الخيبة والفشل، أو ينطوي على حقد، أو يضمر شرّا لأحد. ولم يترشحوا لهذه المهمة إلا بعد تمحيص وانتقاء، بعيدا عن كل تحزّب أو انتماء، وعن أساليب التّهريج والادّعاء، وهم لا يدّعون لأنفسهم فضلا ولا امتيازا، لأنهم من صميم هذا الشّعب وإليه يعيشون آلامه وآماله، ويضحون من أجله في السّراء والضّراء، محبة ووفاء وإيمانا منهم بأن يد الله مع الجماعة، ولا يأكل الذّئب إلا من الغنم القاصية.
أيها المجمع الكريم، نحن واثقون بشعوركم الدّيني أولا ومطمئنون لحسّكم الوطني والاجتماعي ثانيا، بأنكم سوف تحسنون الاختيار لمن هو الأصلح والأفيد لبلديتنا الفتية وولايتنا العامرة الزّكية. فلا تستفزنّكم الدّعايات المغرضة، ولا تخدعنكم الشّعارات الخاوية.
فكل صوت منكم يعطى لغير مستحقيه إنما هو خنجر مسموم في صدر هذا المجتمع النّظيف، وثلمة خطيرة في صرحه العتيد. (1/442)
صفحة 443
أنتم مقبلون -بحول الله- بعد أيام للإدلاء بأصواتكم في صناديق الاقتراع، فحذار من التّخلف أو من الغفلة والانخداع، فلات ساعة حيرة ولا تردّد، واختاروا لأنفسكم ولبلدكم -أيها المواطنون- ما تسألون عنه أمام الله وأمام التّاريخ والأجيال. فإن التّاريخ لا يرحم. وكل خطأ في التّقدير أو عدم تبصّر في الأمور سيورث بلدنا -لا قدر الله- عواقب وخيمة ومتاعب جسيمة. فاربأوا بأنفسكم أن تكونوا من الغافلين أو الإمّعات المترددين. فإن أبناءكم المترشحين في قائمة الأحرار هم جديرون بهذا الوصف قلبا وقالبا، كهولا وشبابا مكتهلين، عركتهم ميادين الحياة، وبرهنوا -ولا يزالون- على كفاءتهم ونزاهتهم في ما تقلّدوه من المسؤوليات. وسوف لا يألون جهدا -إن منحتموهم ثقتكم- في خدمة هذا البلد الحبيب، وهو ما يزال يعاني من نقائص وفجوات في مختلف المجالات. فإن في البرنامج الطّموح الذي بين أيديكم مخطط مساعيهم، ومحطّ مبادراتهم، ومعقد آمالهم بصدق وإخلاص، وإرادة لا تقف أمامها المثبطات، ولا تنال من قوتها حدّة الأزمات.
أيها المواطنون، بتصويتكم على القائمة الحرّة تحققون حرية القرار، وتركزون استمرار مؤسساتكم العرفية العتيدة حتى لا تعصف بها رياح التّطوّر والتّغيير، لأن كل تطوّر لا يأخذ بعين الاعتبار أعرافنا وتقاليدنا إنما هو تهوّر يفضي -لا قدر الله- إلى التّآكل الدّاخلي، ثم إلى الاندثار والزّوال. فحذار من الاندفاع بغير بصيرة. وليقدّر كل منا موقع خطوه قبل أن يدلي بصوته، وليختر ما يرضي به الله ويرضي ضميره.
وعهدنا بجمهورنا الكريم أنه مرهف الحسّ، دقيق الملاحظة، حادّ الذّكاء. ونحن على يقين أنه سوف يكون عند حسن الظّن، رفيع المستوى قويّ الشّكيمة، معتزا بأصالته، فخورا بأصول تربيته. موعدنا جميعا -بإذن الله- يوم الخميس، يوم فصل الخطاب. وفقنا الله إلى ما فيه خير العقبى وحسن المآب، والحمد لله ربّ العالمين.
إن ينصركم الله فلا غالب لكم. (1/443)
صفحة 444
في يوم مشهود أقيم حفل تكريم لأعضاء القائمة الحرة لبلدية العطف حضره العزابة وأعيان البلد وجمهور غفير من مختلف الهيئات الاجتماعية ومكاتب الجمعيات التي ساهمت من قريب أو بعيد في إنجاح العملية الانتخابية التي تمّت بسلام وجسّدت طموحات الجمهور الكريم. فحبّرت هذه الكلمة باسم الهيئة الدّينية ألقاها نيابة عني الأستاذ عبد العزيز الحاج عمر بن الحاج محمد. وذلك بدار الجماعة ليوم الخميس 05 رجب 1418هـ / 06 نوفمبر 1997م.
نحمدك اللّهم يا من هديتنا سبل الرّشاد، وأنرت بصائرنا بالتّوفيق والسّداد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداهم إلى يوم المعاد. وبعد:
فيا أيها الإخوة المواطنون، أعضاء الهيئة الدّينية الموقرة، وأعضاء مجلسنا البلديّ المزّكى، ويا سراة بلدتنا الطّيّبة شيوخًا وكهولاً وشبابًا، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
لقد تداعينا اليوم إلى هذا المكان الرّمز لوحدة الجماعة، والشّارة المباركة للإخاء والتّضامن وخدمة الصّالح العام. تداعينا لا لوليمة تصفّ لها الموائد لملأ البطون، ولا لتظاهرة شعبية بسيطة للتسلية والتّرفيه، ولكن تداعينا لرسم معلم تاريخي ممتاز في مسيرة شعبنا الكريم، وتركيز لبنة أساسية في صرح بلدنا الطّيّب العريق. لأنه لا خير في أناس لا تستفزّهم نخوة الإباء والشّمم في مواقف المروءة والرّجولة، ولا تحرّكهم عزة الحمى لمجالات التّضحية والبطولة.
فبالأمس القريب تجنّدنا لمواجهة تحديات تهدّد وحدتنا مزهوّة عنيدة، وهي مستهزئة ساخرة بمقوّماتنا الاجتماعية العتيدة، واجهناها بروح رياضية شريفة، بكل ما تستلزمه من كياسة ولباقة، وبالأساليب النّزيهة للتنافس الطّبيعي المشروع. واجهناها ونحن نؤمن بهذا الشّعار ونرفعه: (1/444)
صفحة 445
باسم الجماعة واسم شعب كامل ... لا باسم أحزاب ولا زعماء
كلّ يزول وينقضي، أما الحمى ... فوديعة الآباء للأبناء
ولم يكن لنا من سلاح في هذه المعركة إلا إيماننا الرّاسخ في الله تعالى أنه مؤيّدنا وناصرنا، اعتقادا بأننا من المخلصين لهذا البلد الأمين، ومن الأوفياء الصّادقين. وأنه هيهات أن تجتمع الأمة على ضلالة. وكان أسلافنا ومشائخنا -رحمهم الله- يقولون: ما رءاه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
وانطلاقا من هذه القناعة الاجتماعية الرّاسخة تحرّكنا لنجسّدها في الميدان: وحدة في التصوّر والتّوجّه، وتلاحما وانسجاما في الصّفوف، وسعيا دؤوبًا في التّنسيق والتّأطير، وتجميعًا واستنفارًا لكل مؤيّد ونصير. فهل كنّا بذلك مهرّجين متعجرفين؟ أو متقوقعين متعصّبين؟ كلاّ أيها الإخوة، إذ لم يُحص علينا -بفضل الله- تجاوز ولا خرق للقانون في الحملة الانتخابية، ولم يسجّل علينا أكل للحوم إخوتنا وأبنائنا ممن خالفونا في التّوجّه، أما النّصر فهو من عند الله ينصر من يشاء وهو القويّ العزيز.
أيها الإخوة الأعزاء، ليكن لنا عبرة ودروس من هذا الحدث العظيم، فهو المحك الحقيقي لاختبار مقوّماتنا الاجتماعية. فهي لا تزال -بحمد الله- ثابتة راسخة تتحدّى كل العواصف والأعاصير، فلْنعض عليها بالنّواجذ ولنزوّدها بالحصانة والمناعة، حتى نسلمها لأخلافنا سالمة نقيّة. (1/445)
صفحة 446
فهنيئا لنا جميعا بالنّصر المؤزّر، ولكن علينا أن ندرك جميعا أننا رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. فإن أبناءكم المختارين منكم أعيانا لهذا البلد الأمين، يشرّفهم أن يوجّهوا إليكم هذه التّهنئة الحارة المخلصة، ويسعدهم أن يخصّوا بالذّكر الطّاقم الخلف لبلديتنا الفتية، وفي مقدمتهم الأخ الفاضل السّيد: دادي حمو بالحاج بن الحاج صالح، كما يسعدهم أن يسجّلوا بمداد الفخر والاعتزاز ما قدّمه الطّاقم السّالف من أياد بيضاء ومجهودات جبّارة لبلدنا الحبيب، في ظروف قاسية ووقت عصيب، ورائدهم الوفيّ الأخ الفاضل السّيد: سعيد بكير بن الحاج عمر. فلهؤلاء وأولئك نقدم تشكراتنا وأمانينا ودعواتنا الصّالحة أن يمنّ الله عليهم بالرّضى والقبول، وأن يبارك خطواتهم في كلّ مسلك وسبيل، وسنبقى -بإذن الله- إلى جانبهم رعاة للحمى، حماة للحق والفضيلة، قدوة صالحة للجيل.
فيا سراة البلدة، ويا حماة عرينها، لقد سجّلتم بماء الذّهب في تاريخ بلدكم صفحة خالدة بحسن تدبيركم وإجماع أمركم، فتجاوبت الجماهير المخلصة معكم، تجاوبا تلقائيا، ينمّ عن مدى تعلقها بمؤسساتها العرفية العريقة. ولكن رياح التّطوّر والتّجديد سوف لا تدع لنا مجالا للحيرة والتّردّد، أو الاستخفاف بانعكاساتها. فإن الحكمة تقتضي منا أن لا نصدمها بعنف لأن ذلك يولّد التّطرّف لا محالة. بل علينا أن نطوّعها بلطف ولين، ونوجّهها برفق وأناة إلى ما يكون فيه صلاح البلاد والعباد؛ فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. (1/446)
صفحة 447
وأنتم -أيها الشّباب المتحفّز الغيور- حسبكم من الشّرف والفخر أن كرّستم مصداقية الرّأي الجماعي ونجاعة الشّورى الصّادقة في تدبير شؤون المسلمين كما أمرهم الله، وقد برهنتم بذلك مرة أخرى على وفائكم وإخلاصكم وحبّكم المكين لبلدتكم الطّيّبة وهي تنطلق في ألفيتها الثّانية بأقوى عزيمة لمحاربة الفوضى والتّخلف، وبنفس جديد لمسايرة ركب التّطوّر والتّنمية، بنظرة حصيفة وخطة مسؤولة واعية. وقد أراكم الله ما تحبّون، وحقق لكم ما تتمنّون. فتعهّدوا جذوة حماسكم بمزيد من اليقظة والحذر، لأن طريق العزة والكرامة محفوف بالمكاره. ثبت الله خطاكم على نهج المكرمات، وأيدكم بروح منه لمواجهة كل التّحديات.
اللّهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، وتفرّقنا تفرقا مباركا معصوما، اللّهم لا تجعل فينا ولا منا -معاشر المسلمين والمسلمات- شقيا ولا محروما. على الله توكلنا ربّنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظّالمين، ونجّنا برحمتك من القوم الكافرين، وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.
رجاء واستعطاف. (1/447)
صفحة 448
كانت الحوادث الأليمة في منطقة ميزاب في عقد الثّمانيات إرهاصا لتعفّن الأوضاع في الجزائر، والتي أفرزت حوادث 05 أكتوبر 1988م. تلك الحوادث الدّامية التي نتج عنها تعديل الدّستور لسنة 1989م. وبمقتضاه دخلت الجزائر في التّعددية الحزبية، وأخذت تتهيّأ للممارسة الدّيمقراطية في الحكم ولحرية السّوق في الاقتصاد والتّنمية. فنجم عن ذلك ما عرفته السّاحة الوطنية من مهاترات وصراعات في الانتخابات التّشريعية والمحلية بدءا من سنة 1990م ثم ما آلت إليه من تعليق تلك الانتخابات واستقالة الرّئيس الشّاذلي بن جديد، مرورا بالفترة المؤقتة لمجلس الدّولة حتى انتخاب الرّئيس اليامين زروال سنة 1994م، ثم قيام مؤسسات الدّولة في المجالس التّشريعية، المجلس الوطني ومجلس الأمة ثم الانتخابات المحليّة، للمجالس الولائية والبلدية، وفي غمرة المعاناة والآلام لمنطقة "وادي ميزاب" تكوّن وفد رسمّي برئاسة الشّيخ عدون ليرفع تقريرا ضافيا عن الأوضاع المتردية في ميزاب، إلى رئيس الجمهورية يومئذ: الأخ الشّاذلي بن جديد، ورئيس الحكومة الأخ مولود حمروش، وقد قابل الوفد الأخ وزير الدّاخلية محمدي في قصر الحكومة، وقد تكفلت بإعداد ذلك التّقرير فأمضاه عن جماعتنا الشّيخ عدون، وهذا نصّه:
فخامة السّيد رئيس الجمهورية الأخ الشّاذلي بن جديد حفظه الله ورعاه وسدّد خطاه، ورفع مقامه وأعزّ شأنه. السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:
فيشرفنا -نحن بني ميزاب- أن نرفع هذا التّقرير الذي يحمل إليكم آمالنا وتطلّعاتنا في رحاب الإصلاحات المباركة التي تعرفها البلاد، وفي ظل الشّفافية والوضوح والدّيمقراطية. كما يبث إليكم آلامنا مما نعانيه في كثير من أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية والسّياسية من جرّاء بعض التّصرّفات اللامسؤولة، والمواقف المتسفّلة المغرضة.
أ) - المدخل: (1/448)
صفحة 449
لم يكن هذا الجزء الغالي من الوطن في منطقة ميزاب بمعزل عن الأحداث الوطنية في شدة أو رخاء، وفي سرّاء أو ضرّاء، من يوم أن اتخذه أسلافنا مستقرا لحياتهم وموئلا لتجمّعهم واستقرارهم. ثم ظلوا في مسارهم التّاريخي الطّويل على تكامل وانسجام وتجاوب في الآمال والآلام مع بقية أجزاء الوطن الأخرى، وهم يبذلون أغلى التّضحيات للحفاظ على أصالتهم العربية الإسلامية، ويعانون من قساوة الطّبيعة ما جعلهم يعتمدون على أنفسهم، وهم يضربون في طول البلاد وعرضها طلبا للرزق، وتوفيرا لأدنى وسائل الحياة والعمران في هذه المنطقة ليجعلوا منها درّة في صحرائنا الغالية.
وظل هذا التّواصل التّاريخي والتّكامل الحضاريّ قائما ومستمرّا حتى في أحلك الظّروف من ويلات الاستعمار الفرنسي البغيض، وحكمه العسكريّ الجائر الذي حاول أن يفكك أجزاء الوطن بإثارته للنعرات الطّائفية، وإذكائه للنّخوة العرقية أو العصبية المذهبية. وقد أحكم قبضته على هذه المنطقة بالخصوص، على اعتبار أنها مخزن لتمويل الثّوار. حتى دعا داعي الجهاد للثورة التّحريرية الكبرى، فاستجابت لنداء الوطن، وكانت من المخلصين الأوفياء، كما برهنت على ذلك من قبل في كثير من المواقف ضدّ الغزاة الطّامعين.
ب) - في معركة التّحرير:
لكم كانت معاناتنا أليمة في معركة المصير، ونحن نستشف من خلالها كل عزة وكرامة لشعبنا الذي بذل في سبيلها أغلى التّضحيات، واسترخص من أجلها الحياة، وكان كثير من أبنائنا المخلصين إلى جانب رفاقهم في الجهاد والنّضال يقومون بواجبهم الوطني في إخلاص وتفان، ويؤدون مهمّتهم في اتزان وصمت، لا تستخفّهم المطامع ولا تندّ بهم الأهواء، ولا ينال من عزيمتهم الجلاّدون، وهم منبثون في كل أرجاء الوطن ملاذا للمجاهدين والفدائيين ومستودع أسرارهم، مما كان له الأثر الفعّال في تركيز العمل الثّوريّ في الحواضر والأرياف. (1/449)
صفحة 450
ولم تكن منطقة ميزاب على صعوبة موقعها بأقلّ حظا في ذلك المجهود النّضالي من خلال خلاياها ومجالسها السّرية التي ضمّت في تشكيلاتها صفوة أبناء المنطقة من الذين نشأوا في أحضان هذه البيئة الإسلامية الطّاهرة، وتعهّدتهم بحسن الرّعاية والإعداد لذلك اليوم الموعود، فما خفروا ذمّة ولا نكثوا بعهد، ولا هم يتطاولون اليوم في الادّعاء والامتنان، رجاء مغانم يأخذونها أو امتيازات يستفيدون منها. إذ أصبحوا غداة الاستقلال الوطني مواطنين بسطاء، وجنودا مجهولين لا يرجون إلا رضى الله ذي القوة والجلال، وإنصافا من التّاريخ والأجيال. وحسبهم إخلاصا ووفاء للوطن موقفهم المشرّف في قضية فصل الصّحراء عن الشّمال.
وإذا كانت رواسب العهد البائد من دواعي التّفرقة ما تزال مستكنّة في بعض النّفوس المريضة فقد عملنا جاهدين في التّخفيف من حدّتها وإزالة آثارها، بما توخيناه من حسن الجوار مع النّازحين إلى المنطقة من مختلف القبائل والأعراش، التي تختلف عنا في المنشأ والأعراف والتّقاليد. فأصبحوا معنا في نعماء الحياة وبأسائها شركاء متساوين في الحقوق متجاوزين عنهم في كثير من الواجبات، ائتلافًا واستئناسًا، حتى قاسمناهم حظوظ معايشنا وآويناهم في مدارسنا وأحللناهم من مرابعنا في أحسن المواقع لا تزلّفا ولا تملّقا، ولكن إيمانا منا بأخوّة الدّين والوطن، وإسعافًا ونجدة في تلك الحقبة العصيبة من المصائب والمحن، ونحن على يقين بنصر الله وعزة الوطن. إذ نسدّد ونقارب ونعفو ونصفح ونحكم الرّوابط لتوحيد الصّف والتّطلع إلى المستقبل السّعيد، بعد القضاء على نوازغ التّفرقة ودواعي التّنابذ والخصام. وظللنا على ذلك نصابر ونرابط حتى دقت طبول النّصر وارتفع العلم المفدّى بألوانه الزّهر، فغمرتنا فرحة الأعياد، ورجونا من وراء ذلك كل خير للبلاد والعباد.
جـ) - في ظل الاستقلال الوطني: (1/450)
صفحة 451
لم تكن نظرتنا إلى الاستقلال الوطنيّ نظرة ساذجة انتفاعية كما عند البعض، ولكنها نظرة واعية رصينة. تقدّر ما للاستقلال من ثمن، وتعرف ما للبناء والتّشييد من تبعات، وبالتّالي لم يكن موقفنا منه موقف الانتهازيّ الملهوف لاكتساب المغانم، واقتناص المناصب، والتّسابق نحو المسؤولية. بل ظللنا بعداء عن مجال الصّراعات والتّنابذ والمهاترات السّياسية التي تولّدت عن التسلّط والهيمنة من بعض الشّخصيات أو الجماعات التي لم يكن يهمّها إلا منافعها الذّاتية أو المصالح الطّائفية والجهوية.
وعلى الرّغم مما عرفه الوطن من خلل في التّسيير، ومن سوء تقدير في التّخطيط، وإهمال لحسن التّنسيق في مطلع الاستقلال، فإننا لم نفقد الثّقة يوما في القيادة المركزية، ولم نقدح في مشروعية المؤسسات الدّستورية ولا في أهمية قوانينها. إذ ألقينا بكل ما لدينا من ثقل، وسخّرنا كل ما لدينا من خبرة في المجال الاقتصادي لدفع عجلة التّنمية الوطنية إلى الأمام؛ حيث أقمنا في كثير من الحواضر بمختلف ولايات الوطن، وبالأخصّ في غرداية أنواعا من المؤسسات والمصانع لتساهم في توفير حاجيات المواطن، وتنافس في جودة الإنتاج الوطني وطموحه إلى دخول الأسواق العالمية. (1/451)
صفحة 452
ولم يثننا عن عزمنا ما لاقيناه من عراقيل ومثبّطات، ولا نأبه لما يثار حولنا من شبهات وادّعاءات، وما جوبهنا به من مكائد وتعسّفات، من أولئك الذين كانوا يتستّرون وراء شعارات جوفاء، أو يتقلدون شارات الجهاد والنّضال وهو منهم براء، وينصبون أنفسهم حماة للثّورة وأوصياء على الشّهداء؛ ولكن ضمائرهم خربة وأفئدتهم هواء، هؤلاء الذين كنّا مع المخلصين منهم بالأمس نعم الصفيّ والعشير ونعم المؤازر والنّصير، وقد جمعتنا المصائب والمحن، وصهرنا حبّ الوطن في بوتقة الكفاح والنّضال، فإذا بهم بعد الانعتاق والحرية والكرامة يجازوننا جزاء سنمّار، ويعتبروننا غرباء في ديارنا وهم أصحاب الدّار، وتولّوا وهم معرضون، ولجهادنا منكرون، ولجّوا في طغيانهم يعمهون.
وقد أصبح الحزب حكرا عليهم وأداة للتسلّط في أيديهم، ونشوة السّلطة تراودهم وتغويهم. وحسبهم خسّة ونذالة مسلسل الأحداث الدّامية الأليمة التي شهدتها المنطقة وهم لخيوطها ينسجون، وفي مكايدهم يتربّصون، بدءا من اعتقال الشّيخ بيوض إبراهيم ومصادرة أملاكه، ثم منعه من دروس الوعظ والإرشاد، ومحاولة إلغاء التّعليم الدّيني الذي نعتبره من أقدس واجباتنا، وفي صميم مقوّمات تكويننا وتربيتنا.
وأما أخطبوط الثّورة الزّراعية فقد ترك في جسم الأمة جروحا لا تنكأ وندوبا لا تنمحي، بما وقع في تطبيق أحكامها من تعسّفات وتجاوزات، لم تحسم الإدارة في بعض ملفاتها حتى اليوم. (1/452)
صفحة 453
ثم تتابع الأحداث المفجعة لضرب مؤسساتنا والنّيل من شرفنا وكرامتنا في أبشع الصّور من الظّلم والعدوان، تسلسلت حلقاتها في مخطط رهيب لتقويض السّلم الاجتماعي من أساسه في المنطقة، فبدأت أحداث 1975م في القرارة وميزاب، إذ جرّ كثير من المواطنين إلى مراكز التّعذيب حيث أهينوا في شرفهم وكرامتهم لمجرّد اتهامات هم منها براء، دبّرها وأحكم نسجها بعض السّفهاء. وناهيكم من فواجع 1985م في غرداية، وما وقع فيها من إحراق وتخريب وإزهاق للأرواح البريئة، وقد نجم فيها قرن الفتنة في أبشع صورها وأخبث دوافعها من التّفرقة العنصرية والعصبية المذهبية التي لم تعرفها المنطقة من قبل.
وبما أن الحزب ومنظماته طوع يد المخرّبين، فإن السّلطة المحلية حينئذ كانت لهم من الممالئين. فجابهنا كل ذلك بصبر وأناة حتى بادرت السّلطة المركزية تحت إشرافكم بالنّجدة لردّ الأمور إلى نصابها، فسعينا جاهدين لطمأنة النّفوس وضمد الجراح حين ألقي القبض على بعض المجرمين.
وما كادت النّفوس تثوب إلى رشدها حتى فوجئت بتبرئتهم وإطلاق سراحهم، بعد أن حكم على بعضهم بالإعدام. وقيل للناس: إنها موازين العدالة وأحكامها، فعليكم بالصّبر والأناة، حتى يعاد النّظر في الملفّ وتمحّص الأدلة والبيّنات. فانصاع المواطنون إلى حكم العدالة مرة أخرى وهم ينتظرون.
ثم تندلع حوادث 1989م في القرارة وعلى الوتيرة نفسها من الإحراق والتّخريب للمؤسسات الاقتصادية، لا لشيء إلا لقرار وزاريّ صدر بتسمية مؤسستين تربويتين باسم الإمام الشّيخ بيوض والشّيخ محمد علي الدّبوز، هاتين الشّخصيتين من أبناء المنطقة تفتخر بهما الجزائر والعالم الإسلاميّ في المجال العلمّي والثّقافي، يعتبر تعليق لافتتهما جريمة يقتصّ لها بإتلاف الأموال، وتخريب المؤسسات والاعتداء على الحرمات، كما فعل ذلك من قبل بلافتات أخرى لبعض شيوخنا ومجاهدينا في كل قرى ميزاب. فسكتت أجهزة الأمن عجزا أو تواطؤا. (1/453)
صفحة 454
والأدهى من ذلك أن تكون من وراء هذه الأحداث بعض العناصر من منظمة قدماء المجاهدين لولاية غرداية، وهي التي يرجى منها أن تكون داعية لوحدة الصّف، حامية لحقوق المواطنين وكرامتهم.
وها هي ذي الأحداث الدّامية في بريان بعد أن عبّر الشّعب عن إرادته في انتخابات 12 جوان 1990م وأقرت العدالة شرعيتها، جاءت لتضيف حلقة مفجعة في ذلك المسلسل الرّهيب، الذي يستهدف القضاء على الرّصيد التّاريخي والتّراث الحضاريّ للمنطقة، وذلك بتسليط طائفة على أخرى، وإذكاء النّعرات الطّائفية والمذهبية حتى لكأننا في القرون الوسطى، وحتى أصبحت المنطقة مثار حملة إعلامية مغرضة على المستوى المحلّي والعالميّ للنيل من سمعة وطننا المفدّى، والأعجب من ذلك أن ترتكب هذه الجرائم الأخيرة باسم الإسلام والجهاد المقدّس على أننا فرقة ضالّة في نظر بعض المتعصّبين فاستحلّوا دماءنا وأموالنا، ونادوا بالمقاطعة الاقتصادية والإدارية والمعنوية في المسيرة التي نظّمت يوم: 13 جوان 1990م في بريان.
تلكم هي أوضاعنا المؤسفة التي عشناها في ما يزيد عن ربع قرن من الاستقلال الوطني، نصابر فيها ونكافح، ونعتمد على أنفسنا في التّخفيف من حدّتها.
ونحن تراودنا الأماني بإصلاح الوضع في اتزان واعتدال، لأن ثقتنا كاملة في السّلطات العليا للبلاد، ولم نجأر بشكوانا هذه إلا بعد أن أطفح الكأس وبلغ السّيل الزّبى، إذ بدا لنا جليّا ضعف الجهاز الإداريّ والأمنيّ والقضائي المحليّ في ردع المشاغبين والتّحكّم في الأوضاع المتردية من بعد ما أحيطوا علما بمؤشراتها.
د) - أمل ورجاء:
فخامة الرّئيس!. يسعدنا أن نتقدم إلى جنابكم العالي بهذه الخواطر البائسة واللّواعج الكئيبة، ونحن نبارك مجهودكم الجبّار، ونكبر مواقفكم الجريئة في الخروج بالبلاد من الأزمة السّياسية التي عاشتها ومن الضّائقة الاقتصادية التي تمرّ بها، ونحن إذ نقدّر تفانيكم في المصلحة العليا للوطن. (1/454)
صفحة 455
نرجو أن يكون الدّستور الجديد، والإصلاحات الجارية فاتحة عهد جديد تجني منها البلاد كل رخاء وازدهار وأمن واستقرار، بعد زوال السّيطرة الفردية والمواقف المتعسّفة، والضّرب على أيدي المجرمين بيد من حديد حتى يعي المواطنون المفهوم الحقيقي للدّيمقراطية في أعلى مستواها وأشرف معناها.
واسمحوا لنا -سيادة الرّئيس- أن نطلب منكم بإلحاح الفصل العادل الواضح وفي أعلى المستويات في النّقاط التّالية، حتى لا تبقى مثار صراع ومساومات وتعتيم على المستوى المحلي.
- أوّلا: مكانة المذهب الإباضي ومقامه بين المذاهب المتواجدة في الجزائر بحثا وتحقيقا لتراثه، وتدريسا وتعريفا برجالاته، وأخذا بأحكام فقهه كلما تعلق الأمر بالشّؤون الدّينية.
- ثانيا: مساهمة الميزابيين في الثّورة التّحريرية على الخصوص، لرفع اللّبس ودحض كل المغالطات التي أصبحت بفعل التّحامل المغرض والتّعتيم المقصود تكاد ترسخ في أذهان البسطاء على أنها حقائق ثابتة لولا بعض التّصحيحات الأخيرة، وإعادة الاعتبار المحتشم لبعض الشّخصيات.
- ثالثا: مكانة علمائنا من روّاد الإصلاح ومن المجاهدين الذين حاول المغرضون تشويه سمعتهم والإقلال من شأنهم، وبالتّالي ضرب أبناء المنطقة والنّيل منهم في أعزّ رموزهم.
- رابعا: احترام التّقاليد والعادات، والحفاظ على التّراث المحلّي، حتى لا ندع المجال للمصطادين في الماء العكر من داخل الوطن أو خارجه لضرب الوحدة الوطنية بإحياء فكرة الأقليات العرقية أو المذهبية. (1/455)
صفحة 456
وأخيرا ندعو الله لكم بالتّوفيق والسّداد، وأن يكلأكم بحفظه ورعايته. ونتمنّى أن نلمس أثر هذه المجهودات في منطقتنا حزما ومصداقية في السّلطة وقوة تأثير في فعاليتها، وصدقا والتزاما في تطبيق التّعليمات واحترام القانون، لأن كل خلل في السّلم الاجتماعي الذي نسعى لتركيزه جميعا سيمسّ شرفنا وينال من سمعة بلادنا الغالية جزائرنا الحبيبة. ونحن الحريصون على رعاية مقوّمات شخصيتها والحفاظ على ثوابت أصالتها.
عاشت بلادنا عزيزة مكرمة، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
غرداية يوم 16 ذو الحجة 1410هـ الموافق لـ 09 جويلية 1990م.
عن الجماعة: الشّيخ عدون شريفي.
من نفحات القرآن الكريم
(أزمة الخليج وعبرة القصص القرآني).
كتبت هذا المقال وأزمة الخليج ما تزال تجرّ أذيالها، وكم عانيت من آلام الصّدمة، وأنا أتتبع الأحداث من خلال الشّاشة الصّغيرة وبعض الصّحف، وأعجب لتخاذل أهل الحق وتعاون أهل الباطل على باطلهم، ثم لا أجد بعض العزاء إلا في كلام الله وسنة رسوله أستبين بهما الطّريق في ظلمات الأهوال والمصائب وقد نشر المقال في جريدة "المساء". (1/456)
صفحة 457
لقد اختلف المحلّلون في تحديد أسباب أزمة الخليج وتوقّع نتائجها على الصّعيد الإسلاميّ والعالميّ. فمنهم المنصف الموضوعيّ في موقفه، لا يحكّم إلا منطق العقل وسنن الكون والحياة كما قدّرها خالقها، ومنهم المتعصّب الحاقد، يصنّف المقدمات حسبما يراها من منظور عاطفته وهواه، ليرتب عليها النّتائج التي قد خطّط لها كما يريد لها أن تكون. ومهما يكن من مواقف هؤلاء وأولئك، فإنه لا أحد غير الله يعلم عاقبة الأمور، وما السّاسة والقادة والخبراء، وما حولهم من المعدّات المادية والحشود البشرية إلا خلائق مسخرات بأمر الله وإرادته ليذلّ بها من يشاء ويعزّ من يشاء. ونحن -المؤمنين- نعتز برسالة القرآن وأنه الكتاب المقدّس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأنه المسلك الذي نلتمس فيه النّجاة عندما تكون فتن كقطع اللّيل المظلم، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله حين قال في شأن القرءان: «فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» إلى أن قال: «لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ» (1).
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 26. (1/457)
صفحة 458
ومن أنباء ما سبق، والتي عالجها القرءان بتفصيل وإسهاب، قصة قوم عاد مع رسولهم هود - عليه السلام - تلك القصة العجيبة التي نجد فيها كثيرا من الشّبه للوقائع التي تجرى اليوم في الخليج، ولعلّ من الموافقات العجيبة أن يكون هؤلاء القوم قد سكنوا نفس المنطقة في الرّبع الخالي بالأحقاف من شبه الجزيرة العربية، حيث يحكي القرآن عنهم أنهم أقاموا هناك حضارة عظيمة، لا نجد لها في القرءان وصفا مثيرا للعجب في الهيمنة والسّلطان إلا ذلك القدر الذي أضفاه الله على ملك سليمان. ففي سورة الشّعراء يرد ذلك الاستنكار الشّديد على لسان هود وهو يعظ قومه ليؤمنوا بالله وحده ويشكروا نعمه فلا يعبثون في الأرض ولا يبطشون بخلق الله فقال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ -ايَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُواْ الذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، اِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الشّعراء: 128 - 135). (1/458)
صفحة 459
إنه الكفران والجحود طغى على هؤلاء القوم، وإنه الغرور والكبرياء يركبان الإنسان وينفخان في رأسه حين لا يكون له وازع من دين أو خلق كريم. والإنسان هو الإنسان منذ بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يستطيع الفكاك عن طبيعته الترابية، ولا يملك التّخلّص عن المؤثرات البيئية، إن هي طاوعته بما يرضي رغائبه، ويذكي فيه نوازعه الحيوانية. وقد اعتنى القرآن الكريم بذكر تلك الأوصاف المعبّرة عن حالاته النّفسية المضطربة، وهو يتقلب بين السّرّاء والضّراء من مثل قوله تعالى في سورة العاديات: {اِنَّ الاِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَالِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (6 - 8). وقوله في سورة المعارج: {إِنَّ الاِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، اِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، اِلاَّ الْمُصَلِّينَ} (19 - 22). فلا عجب أن تأتي إجابة أولئك الطّغاة من قوم عاد، لتدلّ على مدى بغيهم وكفرهم بالله، مما جعلهم يستخفون بدعوة رسولهم حين أجابوه: {قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَآ إِلاَّ خُلُقُ الاَوَّلِينَ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} (الشّعراء:136 - 138) (1/459)
صفحة 460
وهكذا يفعل الطّغيان والجبروت بقوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، والله تعالى يملي لهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون. وحين يتردّى الإنسان إلى درك الحيوانية، فإن معاني الرّحمة والحنان تغيض في نفسه، ونوازع النّبل والكرم والإحسان لا يجد لها مذاقا في تصرفاته ومعاملاته، لأن الحيوانية قد ملكت عليه زمام أمره، فهو لا يتصرّف إلا من خلال إفرازاتها، ولا يحكم على الأشياء إلا بمقتضى إيحاءاتها، فليس إلا منطق القوة حجة وبرهانا، وليس إلا الإرهاب والبطش حكما وسلطانا. وهل ينتظر من قوم عاد غير هذا المنحى الوحشيّ بعد أن رفضوا الإيمان؟. فلنتأمّل مبلغ اغترارهم بالقوة في قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنَ اَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} (فصلت:15).
والاستكبار في الأرض كان وما يزال الباعث على كل أنواع الشّرور، وهو الوصف الذي ندّد الله به على إبليس حين أبى أن يسجد لآدم، فوجّه الله إليه هذا التّقريع: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} (ص:75). فالاستكبار نقيصة في كل الأحوال، وأشنعه ما كان بغير الحق، لأن الكبرياء من خصائص الألوهية. وحين يبلغ الاستكبار مداه في النّفوس وتسانده القوة والسّلطان، فإنها لا تخفّف من غلوائها، ولا تكفكف من غرورها، إلا أن تتألّه على النّاس وتعلو رقابهم ناسية أو متناسية بأن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة، وهو القاهر فوق عباده، يأخذهم أخذ عزيز مقتدر حين ينقطع العذر ويحمّ القضاء فأين هي تلك القوّة التي تطاولوا بها؟ وهل ترى لحضارتهم من باقية في تلك الرّبوع الخالية؟. إن هي إلا ثمانية أيام من ريح صرصر عاتية حتى أصبحوا أحاديث. (1/460)
صفحة 461
وبعد هذا البيان الإلهيّ الشّافي، في أخذ العبرة من القرون الخوالي، هل يبقى لدينا من شكّ في أن ما نعيشه اليوم من أزمة الخليج، إنها هي الدّورة التّاريخية تعيد نفسها، وأن البغي والطّغيان لا تستقيم عليهما أمور الحياة، وأن الإنسان يضلّ مسعاه إن حاد عن منهج الله، وهو تعالى عليم بمن خلق، قائِم بالقسط في تدبير ملكوته. فيقدّر للتحوّلات العظمى في التّاريخ ميقاتها يخلق أسبابها، فيدفع النّاس ليذيق بعضهم بأس بعض، فإذا الأوضاع تتغيّر، وإذا موازين القوى في العالم تضطرب وتتحوّل، فلا القويّ تجديه قوته وغناه، ولا الضّعيف المغمور تغلّ يداه. وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمُ أَيمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص:5).
ومن يدري مفاجآت الغيب في هذه الملحمة الفريدة من نوعها في التّاريخ البشري؟. فالله الذي دمّر حضارة عاد بالرّيح الصّرصر، والذي حمى بيته من أصحاب الفيل، بالطّير الأبابيل والذي ردّ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا في غزوة الأحزاب، قادر على أن يرسل مثلها أو أشدّ على هذه الأحلاف الطّاغية، وهي تحمل أنجاسها وأرجاسها إلى أشرف بقعة باركها الله وجعلها مثابة للناس وأمنا. وما الشّعب العراقي البطل في مغامرته ضدّ قوى الطّغيان، إلا من أولئك المستضعفين، إن هو استقام على منهج الله فإنه تعالى سيحبوه بالعزّ والتّمكين.
ومهما تكن التّضحيات غالية، ومهما تكن تقديرات المحلّلين لهذه الأزمة صائبة أو خاطئة فإننا لا نشكّ أن هذه المواجهة ستسفر -بإذن الله- عن رصيد عقائديّ إسلاميّ راسخ لدى شعوبنا العربية الإسلامية، سوف تدك صروح الطّواغيت، وتسفّه أحلام الإمبريالية والصّهيونية وتطهّر أرض الإسلام من أرجاس الكفر والنّفاق. {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:40).
في عيد النصر 19 مارس 1998م. (1/461)
صفحة 462
قررت السّلطات الولائية أن يقام مهرجان عيد النّصر على مستوى الولاية في تراب بلدية العطف ليوم كامل. تأخذ فيه البلدة زينتها، وتقام نشاطات ثقافية وفنية ورياضية، كما يدشن فيه السّيد الوالي ومساعدوه مرفوقا بأعيان البلد ومسؤوليه، يدشنون بعض المعالم التّاريخية في البلد ومختلف الأحياء، ويزورون المنشآت القاعدية، ثم يتناولون وجبة الغذاء في ساحة المدرسة. وبعد صلاة العصر، أقيم تجمّع ضخم في ساحة السّوق وكان ذلك ليوم الخميس 20 ذو القعدة 1418هـ الموافق ليوم 19 مارس 1998م. فألقيت فيه هذه الكلمة.
الحمد لله فاطر السّماوات ومقلّب اللّيل والنّهار، يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ويصرّف الأقدار. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أنار بهديه البصائر واسترشدت بنوره الأبصار. صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته الأبرار، أما بعد:
جناب السّيد الوالي، حضرات الإخوة المجاهدين الأشاوس، رموز التّضحية والفداء، والحاملين لأمانة التّاريخ والحافظين لعهود الشّهداء، أيها الشّعب الكريم، سلام طيّب مبارك، وتهنئة زكية بعيد النّصر. إنها لذكرى غالية نحييها اليوم في فخر واعتزاز.
ففي هذه الوقفة التّاريخية، وفي هذه البلدة الطّيّبة بالذّات، كان لمثل هذا اليوم من شهر 19 مارس لسنة 1962م ذكريات خالدة ومواقف مشهودة في ذاكرة هذا الشّعب الكريم، وقد تجنّد عن بكرة أبيه لاستقبال حشود من رفاقه في النّضال والجهاد، وهي تحتضن في حناياها قيادة جيش التّحرير الوطني في المنطقة الخامسة من الولاية السّادسة التّاريخية. وأصبح المجاهدون يتحركون في أزقتها ودروبها بدون تحفظ من أعين الرّقباء، وجماهيرنا تستبشر بمرآهم كأنهم ملائكة السّماء. (1/462)
صفحة 463
فأية بركة حفت العطفاء، وأيّ مقام بوّأها الله تعالى في منازل العظماء؟ وقد ارتفع العلم الوطني خفّاقا على مئذنتها وفي أرجاء واديها، إرهاصا لما يسفر عنه الاستفتاء؟، ذلك لأنها أصبحت منطقة محرّمة على جيش العدوّ وهو يجرّ أذيال الخيبة والفشل، ناكصا على عقبيه فاقدا للأمل.
أيها الشّعب الكريم، تذكّروا اليوم بكل فخر واعتزاز تلك المواقف التّاريخية التي سجّلتم بها أروع الصّفحات في تاريخ ثورتنا المجيدة، وقد آويتم أبطالها وافتديتموهم بأموالكم وأنفسكم، واحتضنتم جموع المواطنين الذين استجابوا لنداء قيادتهم فجاؤوا من كل حدب وصوب للتجمّع الشّعبّي في مدينة "الشّارف" تحت قيادة الولاية السّادسة التّاريخية.
اذكروا للأجيال الصّاعدة تلك الأيام العصيبة، إذ زاغت فيها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر في طوق رهيب لجنود العدوّ يجوس خلال الدّيار ويبتذل المقدّسات من بيوت الله ويهتك الأستار. ردّدوا أصداء تلك الخطب التي صرخ بها قادة الجيش، وهم يعدونكم بنصر مؤزر، ومستقبل أخضر وأزهر، وهي ما تزال تردّد أصدادها هذه الجبال والشّعاب وتستكنّ في موجات الأثير، وتعتلج في ضمير الوجود.
اذكروا كل ذلك -أيها الإخوة- فإن وطأة السّنين تكاد تنسينا، ومفاجآت الأقدار تكاد تصّمنا وتعمينا.
وإن تنس لا تنس يوم فصل الخطاب في الخامس من شهر جويلية سنة 1962م، يوم قال الشّعب "نعم" لجبهة التّحرير، في استفتاء تقرير المصير، فما أعظم فضل الله علينا وقد جمعتنا المصائب واعتصمنا بالصّبر والإيمان بالله نعم المولى ونعم النّصير.
وها هي اليوم تمرّ على تلك الذّكريات الغالية ستّ وثلاثون سنة، ونحن نركض لاهثين في حلبة البناء والتّشييد، ونجتهد في وتيرة التّنمية الوطنية نخطئ ونصيب، ونبدئ ونعيد. ويتربّص بنا أعداء الوطن ويتحرشون بنا في كل مسلك وسبيل، ولكن إرادة هذا الشّعب العظيم قد صهرتها المحن ومحّصتها الشّدائد. (1/463)
صفحة 464
فهيهات أن ينال الأعداء من عزيمته مهما استحكمت حلقات الأزمة، ما دام من حوله رجال مخلصون يدبّرون شؤونه، ومؤسسات عتيدة تجمع أمره، وجيش وفيّ يرعى ذماره، وأمن يقظ يحرس ليله ونهاره. لأن حياة الشّعوب والأمم لا تقاس بالشّهور والأعوام، ولكنها تقاس بالقرون والأجيال، والله من فوق ذلك يصرّف الأقدار ويدبّر الأحوال.
أيها الشّعب الكريم، حتى لا نبقى حبيس الشّعارات ماضغي الأقوال، فقد شاء مسؤولونا الإجلاء، وفي مقدمتهم المسؤول الأول السيد الوالي، شاؤوا أن يكون هذا اليوم الأغرّ من عيد النّصر متعدّد الجوانب. فهو -وإن كان نصرا على العدوّ الأكبر من الاستعمار الغاشم- فهو أيضا نصر على الثالوث البغيض: من الجهل والفقر والمرض. وذلك بتدشين الثانوية الجديدة، وقناة صرف المياه القذرة، ومشاريع الإعمار والاستصلاح في قصر "الحمرايات" وكاف الدّخان.
فمرحى بهذه المنجزات التي تبقى وحدها لسان صدق للرجال المخلصين، وشارات فخر في صدور الأوفياء العاملين. فهنيئا لنا جميعا بهذا اليوم المشهود، الذي نرجو فيه لمجاهدينا الأحرار الهناء والعمر المديد، ولشهدائنا الأبرار المجد والخلود، ولجمهوريتنا وشعبنا العزّ والتّمكين، ولولاة أمورنا جميعهم كل توفيق وسداد.
فيا شباب الجزائر، ويا سليل جيل نوفمبر، هذه هي وديعة آبائكم وأجدادكم صانوها بالدّماء والدّموع، وهذه هي أمانة التّاريخ صاغتها الأحداث بمهج الأبطال وأشلاء الشّهداء، فهل أنتم حاملوها بصدق وإخلاص وبتضحية وتفان؟، أم أنتم تاركوها لأعداء هذا الوطن في إهمال وتدابر وخذلان؟، فلات ساعة تردّد وحيرة، فإن البغاث قد استنسرت والذئاب قد استأسدت، وذاكرة التّاريخ لا ترحم. (1/464)
صفحة 465
فاربؤوا بأنفسكم أن تلاحقكم لعنة الأجيال بفراركم من الزّحف، وقد أزفت ساعة الجدّ، وتنادى الوطنيون الأحرار إلى التحدّي والصّمود. وما يوم النّصر الذي نحيي ذكراه اليوم إلا معلم زمني نستلهمه في تقويمنا الاجتماعيّ ومسارنا التّنمويّ، لنستخلص منه عبرة الأيام، لأنه كان رمزا للمودة والإخاء والوئام.
فهل تنفعنا هذه الذكرى فتذكي في عروقنا نخوة الإباء والشّمم مرة أخرى، وتطعّمنا بأمصال من الغيرة والحماس الوطني، لننزع عنا ثوب الخذلان والتّدابر والتّنافر، ونتحرر من هاجس الخوف، فنضمد الجراح ببلسم التناصح والتناصر؟، ذلك ما نرجوه منكم يا أبناء شعبنا المفدّى، وذلك ما نأمله منكم يا شباب الجزائر. فطوبى للأوفياء المخلصين، وتوبة وإنابة للتائهين المغرورين.
فلنتصالح -أيها الإخوة الكرام- مع الله ومع أنفسنا عسى ربنا أن يردّ عنا كيد الكائدين، ويقينا مصارع السّوء ونحن جميعا في حرزه الأمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.
طبتم وطاب مسعاكم لوزير الشّؤون الدّينية.
قام الأخ وزير الشّؤون الدّينية السّيد بو عبد الله غلام الله بزيارة إلى القرارة لحضور التّتويج الرّسمي لحفظة القرءان، كما جرت العادة بذلك في آخر كل سنة تربوية، فعرّج وفده الكريم على بلدة العطف لزيارة المسجد الجامع ومدرسة النّهضة وذلك ليوم 14 صفر 1419هـ الموافق ليوم 09 جوان 1998م. استقبله العزابة في رحاب المسجد العامر فألقيت هذه الكلمة.
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، اصطفى من الملائكة رسلا ومن النّاس وقال لرسوله: {اِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنُ امَّةٍ اِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر:24). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، جاءنا بالبيّنات وبالزّبر وبالكتاب المنير. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم النّشور. أما بعد: (1/465)
صفحة 466
معالي السّيد وزير الشّؤون الدّينية، جناب الأخ السّيد والي ولاية غرداية، أيها الإخوة المؤمنون، طبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلا. السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
لا أعزّ علينا ولا أشرف من بيت الله نستقبلكم فيه بشوق وإخلاص، وأنتم -بعد الله- حاموها وراعوها لتبقى عامرة بذكر الله، مرفوعة كما أذن الله.
نستقبلكم في هذا البيت المعمور الذي أسّس بنيانه من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، وقد ظل صوت الحق يعلو من مئذنته ومنبره لما يزيد عن ألف عام. فكل لبنة في صرحه، بل كل ذرة من ترابه تؤوّب بذكر الله في الغدوّ والآصال، ومحرابه في موكب الإيمان يزجي صفوف الأجيال، ويحدو بها لعبادة الكبير المتعالي، فأهلا وسهلا بكم حماة للدّين والفضيلة، رعاكم الله في متقلبكم ومثواكم، وحفظكم في الحلّ والتّرحال. (1/466)
صفحة 467
معالي السّيد الوزير، إن نشاطكم الدّؤوب في تفقد بيوت الله بكل أرجاء جمهوريتنا الفتية، وتعهّد القائمين عليها بالإرشاد والتّوجيه، ليعكس مدى اهتمام قيادتنا الرّشيدة بهذا الجانب الحسّاس من مقوّمات شعبنا لتركيز عناصر هويته الوطنية، وهو لا يبغي عنها بديلا ولا يرضى عنها تحويلا. وقد جئتم إلى هذه المنطقة الطّيّبة لتباركوا مهرجان القرآن وتكرّموا حافظيه من أبناء هذا الشّعب الكريم، إنها -والله- لخطوات مباركة ولفتة كريمة سجّلتم بها في الصّالحات والمكرمات أروع صفحة يرويها التّاريخ، ويدّخر لكم أجرها عند الله، وهي بالتّالي شحنة معنوية تزيدنا قوّة وعزيمة في خدمة كتاب الله، ونحن فخورون بأن يكون لبلدتنا الطّيّبة أبناء في تلكم المجموعة التي حظيت بتتويجكم في معهد الحياة، وهل في غير كتاب الله شفاء لأمراضنا ونور نهتدي به في ظلمات الحيرة والارتباك؟ وصدق مولانا العظيم إذ يقول: {قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة:15 - 16). (1/467)
صفحة 468
ومهما ناوشتنا دسائس الأعداء، ومهما فعل السّفهاء بنا، فإننا -بحمد الله- لم نفقد الرّجاء ولم نيأس من روح الله، وقد وجدنا في ركنه الرّكين، سكن الطمأنينة، وفي كتابه الكريم حلاوة الإيمان وبرد اليقين إيمانا بقوله تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا اِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120). فسوف لا تزيد هذه المحنة العابرة لشعبنا الكريم إلا عزيمة ومضاء في الحفاظ على كرامته وأصالته، ونخوة وإباء في التّمسّك بعزته وسيادته، ولله الحكمة البالغة في تدبير شؤون خلقه وهو القائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم} (محمد:31). فلنستخلص العبرة والدّروس من هذه المحنة حتى نعرف مكامن الدّاء، ولنعالجه بحكمة وأناة، ولا يعوزنا -بفضل الله- الطّبيب والدّواء.
واسمحوا لي -معالي الوزير- أن أقدم إليكم هذا الملخّص في تأسيس هذا المسجد ومراحل تطوّره ومجالات نشاطه؟.
فقد تأسّس مع النّواة الأولى لبلدة العطف أمّ القرى لوادي ميزاب، وذلك عندما أسّس الإمام الدّاعية الشّيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي أول حلقة للعزابة هنا في السّنة 409هـ الموافق لـ 1018م.
وبقي المسجد على شكله المعماريّ القديم إلى منتصف القرن العشرين بعد أن عبثت به عوامل الزّمان، ولم يعد فيه ترميم لبان، فأعيد بناؤه كلية في سنة 1960م، ثم أضيفت بعض التّوسيعات لقاعة الصّلاة من الشّرق والغرب، وترتبط به اليوم إشرافا وتسييرا خمسة مصليات منبتة في مختلف الأحياء لتقريب المسجد من المواطن.
وزيادة على دروس الوعظ والإرشاد، فإن المسجد يرعى كثيرا من الجمعيات الخيرية المعتمدة، تعمل في مجالات النّشاط التّعليمي والثّقافي والاجتماعي بتناسق وتكامل لتوعية الجمهور وتأطير الشّباب. (1/468)
صفحة 469
ونحمد الله تعالى أن غدت كل المساجد في هذه البلدة الطّيّبة تقوم بمهمّتها الدّعوية بالحكمة والموعظة الحسنة، متعاونة متكاملة لتوحيد صفوف المؤمنين بعيدا عن التّعصّب المذهبّي والنّعرات الطّائفية. مما حقق -بفضل الله- الانسجام والوئام بين المتساكنين.
ومرة أخرى نرجو لكم -معالي السّيد الوزير- كل التّوفيق والنّجاح في مهمتكم النّبيلة، وأن يكلأكم بحفظه في الحلّ والتّرحال، ويثيبكم بخير العقبى وحسن المآل، والحمد لله ربّ العالمين.
الوفد الوزاري بين أحضان النّهضة.
بعد زيارة المسجد الجامع انتقل الوفد الوزاريّ مباشرة إلى مدرسة النّهضة حيث تجوّل في مختلف مرافقها، وقد أعدت منصّة تعلوها صورة رئيس الجمهورية وصورة المرحوم الشّيخ الحاج إبراهيم الـ?رادي أول مدير للمدرسة، اصطف الوفد قبالة المنصة على أرائك وكراس فأدى فوج من التّلاميذ نشيد التّرحاب ثم ألقى الأخ المدير سماوي الحاج قاسم هذه الكلمة التي أعددتها من قبل على لسان جمعية النّهضة.
حمدا لله العلي القدير الذي قال في محكم كتابه الكريم: {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النّحل:78).
نحمده تعالى ونشكره، ونصلّي ونسلّم على معلّم البشرية، ومخرجها من الظّلمات إلى النّور، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين أما بعد: (1/469)
صفحة 470
معالي السّيد وزير الشّؤون الدّينية والوفد المرافق له، جناب السّيد والي ولاية غرداية، السّيد عضو مجلس الأمة وحضرات المسؤولين، أيها المجمع الكريم، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. إنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن نستقبلكم بين أحضان هذه المؤسسة العتيدة مدرسة النّهضة العامرةـ، وهي إحدى الرّكائز الثّقافية العريقة في هذه البلدة الطّيّبة، إذ كانت امتدادا للتعليم الدّيني العريق الذي رعته المساجد منذ أقدم العصور، ولا تزال تسانده وتشرف عليه، بعد أن تطوّر وتعصرن في هذا الشّكل من المدارس المنظمة الحديثة، تؤطره جمعية النّهضة الخيرية التي تأسست بصفة قانونية رسمية سنة 1945م. وأغلب أعضاء مجلسها الإداريّ هم أعضاء في حلقة العزابة وإروان.
ويشرفني -معالي السّيد الوزير- أن أقدم إليكم هذه البطاقة الفنية المتواضعة لمؤسستنا راجين من المولى الكريم التّوفيق والسّداد إلى مزيد من البذل والعطاء لصالح الأجيال الصّاعدة في تنشئتهم على ما يرضى الله ورسوله مواطنين نزهاء غيورين على الدّين والوطن.
شرعت جمعية النهضة في بناء نواة هذه المؤسسة سنة 1954م مع انطلاقة الثّورة المباركة، فأصبحت على مرّ الأيام إحدى معاقلها العتيدة. ثم أكملت الجمعية مرافق المدرسة على مراحل حسب إمكانياتها وتبعا لازدياد عدد التّلاميذ ذكور وإناثا. وهي اليوم تتوفّر على عشرين قسما تربوياّ تحتضن خمسة وثلاثين فوجا من البنات وتسعة عشر فوجًا من البنين. ولكل من الجنسين حصص خاصّة في أوقات متباينة، لتحفيظ القرءان، وتلقين مبادئ الفقه الإسلامي، في أوقات إضافية تعتبر تكميلا لما يتلقونه في المدرسة الرّسمية العامّة، أو تعليما موازيا للبرامج الرّسمية في التّعليم الأساسّي لأفواج من البنات خاصّة، أو تكوينا مهنيّا للمراهقات منهن، إعدادا للزوجات والأمّهات الصّالحات يتلقيّن تكوينهن في مدرسة خاصة تابعة للمدرسة الأمّ. (1/470)
صفحة 471
وفي مجال الثّقافة وتأطير الشّباب فتحت الجمعية مكتبة عصرية في الطّابق العلويّ تشتمل على مخزن للكتب وقاعة للمطالعة وإلقاء المحاضرات، وعقد النّدوات الثّقافية والفنية. كما أن للجمعية نشاطا كشفيا ورياضيا وفنيا، لكل منه مؤطرون أكفاء، وهم في أداء مهامّهم مخلصون أوفياء.
ومنذ سنة 89/ 1990م شرعت الجمعية في دروس محو الأمية للأمهات في أقسام مخصصة لهن بجوار المسجد تعرف إقبالا عظيما، إذ بلغ عددهن لهذه السّنة 320 ثلاثمائة وعشرين امرأة في اثني عشر فوجا. وللجمعية كثير من الخدمات الاجتماعية الأخرى كالحملات التّطوعية، والإشراف على ولائم الأعراس وتجمعات المآثم وإصلاح ذات البين ... الخ.
تلكم -أيها السّادة الكرام- جوانب من نشاط جمعية النّهضة، وهي لا تألوا جهدا في المجال التّربويّ والثّقافي والاجتماعي، خدمة للصالح العامّ، ومشاركة في البناء الوطني العتيد، وإنا لنرجو فوق ذلك المزيد. شكر الله سعيكم، وجازاكم عن الدّين والوطن خيرا، وأبقاكم للأجيال عزّا وفخرا.
عيد النّصر يعود.
أصبح الاحتفال بذكرى عيد النّصر في بلدية العطف سنة متبعة على مستولى الولاية تتزين فيها البلدة لتستقبل وفودا من المجاهدين، وتستقبل السّلطات الولائية وأعضاء المجالس المنتخبة، وتكون الذّكرى فرصة لتسمية بعض المؤسسات والسّاحات والشّوارع، كما تكون فرصة لدفع وتيرة التّنمية في البلدية، في المجال العمراني والفلاحي، ثم يعقد تجمّع شعبّي يلقي فيه المسؤولون كلماتهم وعلى رأسهم السّيد الوالي، وقد شاركت فيه بهذه الكلمة. (1/471)
صفحة 472
الحمد الله مدبّر الأمور ومقلّب اللّيل والنّهار، يصرّف أحداث الجديدين لتكون عبرة لأولي الأبصار. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل رواية عن ربّه: «وأوصاني أن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا» (1). صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأبرار وبعد:
جناب السّيد الوالي، حضرات الإخوة النّواب في مختلف المجالس الشّعبية، ضيوفنا الكرام، أيها الإخوة المواطنون: السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. قرّوا عينا في يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وهنيئا لكم بهذه المناسبة الطّيّبة السّعيدة، مناسبة عيد النّصر الذي أضحى بحق في مسار تاريخنا الثّوريّ، المعلم الزّمني المبارك لتخليد مآثر الأبطال، ومنطلق البشائر لإعلان الاستقلال اليوم التّاسع عشر من سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، وأي مواطن جزائريّ من الجيل المخضرم لا يتذكّر فرصة ذلك اليوم الأغرّ، وقد سكت دويّ الرّصاص ووضعت الحرب أوزارها، بعد أن ارتوت أرضنا الزّكية بدماء الشّهداء، وزكت تربتها برفات الضّحايا وأوزاع الأشلاء. فها هي حلقات الزّمن تتصل وتتوالى لسبع وثلاثين حجة، تتوالى على رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا، وها هو صوت شاعر الثّورة في ضمير الوجود يدوّي ويحدو بنا مرة أخرى.
نحن من أبطالنا ندفع جندا ... وعلى أشلائنا نصنع مجدا
وعلى أرواحنا نصعد خلدا ... وعلى هاماتنا نرفع بندا
جبهة التحرير أعطيناك عهدا ... وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
__________
(1) - رواه رزين من حديث أبي هريرة، انظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول: ص 3/ 28. (1/472)
صفحة 473
أيها الإخوة الأعزاء، تعود علينا هذه الذّكرى الغالية، ولها ميزة خاصة في هذه السّنة تضفي عليها نكهة التّفاؤل السّعيد والأمل الباسم يؤذنان بفرج قريب لشعبنا المعَنّى، ويبشّران بمستقبل بهيج لوطننا المفدّى؛ ذلك لأن موعد الذّكرى يتزامن مع معلميْن بارزين في حياة أمتنا ووطننا.
أ) - أولهما: فاتح ذي الحجة، الشّهر الحرام الحادي بمواكب المسلمين الحجاج إلى البقاع المقدّسة يهزّهم الشّوق والحنين إلى بيت الله ملبّين طائفين وعاكفين، ويتوافدون على الرّوضة الشّريفة زائرين متيممين، وهم يجأرون إلى الله أن يبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، ومن ضعفهم عزّا وتمكينا.
ب) - وثانيهما: الموعد الانتخابي للرئاسيات، ذلكم الحدث الوطنيّ الهامّ الذي يعتبره الخاصّ والعام المحكّ الأعظم لعبقرية هذا الشّعب العظيم، تمحّص فيه قدراته الذّاتية والاجتماعية، وتختبر فيه هياكله التّنظيمية لتجسيد قراره السّيّد وإسماع كلمته الحاسمة.
فهل تكون ذكرى عيد النّصر إرهاصا للفتح المبين كصلح الحديبية في تاريخ الرّسول وصحابته الأكرمين؟. ذلك ما يرجوه ويأمله كل مخلص غيور يحسن الرّبط بين حلقات الزّمن، ويجيد التّحليل والتّنظير ليتبيّن أسباب القوة والوهن. وتبقى أمانة الاختيار هي الحكم النّزيه والقرار العادل لتقرير مصير الأجيال، والتخفيف من وطأة القيود والأغلال. (1/473)
صفحة 474
أيها الإخوة المواطنون، إن في ذكرى عيد النّصر لآيات وإيحاءات لمن يعتبر، إذ ما يزال صانعو الحدث بين ظهرانينا يحدثوننا عن مآثر وأمجاد ثورتنا المباركة. وكم يعزّ عليهم أن يذهبوا وهم لا يجدون من يروي عنهم أحاديث البطولات والفداء، ويحفظ بصدق وإخلاص تراث الشّهداء. وما تراث إلاّ هذه الأرض الطّيّبة التي ضمّخت بزكي دمائهم، وعجنت تربتها بطيّب رفاتهم، فكيف بهم لو عادوا ووجدوا الحمى مستباحًا، والعرض منتهكا، وأرواح الأبرياء أرخص متاع، يشترى في أسواق الموت ويباع؟. إذن لتبرّأوا من الأبناء والأحفاد، ولطلبوا من الله لإنقاذ الوطن أن يعودوا للإستماتة والاستشهاد.
فيا أيها الشّعب الكريم، لا تقنط من رحمة الله، فليس لك بدونه من قوة ولا ناصر، فلكل أزمة منفرج ولكل ليل آخر. ورجاؤنا في الله وطيد بأنه لا يسلمنا ولا يخذلنا ما دام فينا رجال أوفياء لهم رأي سديد، وعزم من حديد، فهنيئا لك في عيد النّصر، وبالتّوفيق إن شاء الله يوم تحسن بصوتك الاختيار وتحسم الأمر، والحمد لله ربّ العالمين.
في الانتخابات الرّئاسية لسنة 1999م.
في سباق الفرسان للانتخابات الرّئاسية المسبقة لسنة 1999م بتاريخ 15 أبريل. برز في الحلبة سبعة مترشحين: الإخوة عبد العزيز بوتفليقة، مولود حمروش، مقداد سيفي، عبد الله جاب الله، طالب الإبراهيمي، يوسف الخطيب. كانت لكل واحد منهم جولات وزيارات دعائية في مختلف ولايات الوطن. وخصّ الأخ "بوتفليقة" ولاية غرداية بتغطية ممتازة كان للعطف منها حظ مرموق، استقبلته جماهيرها بحفاوة بالغة، فوجهت إليه هذه الرّسالة باسمي وباسم الهيئة الدّينية. وتمّ ذلك ليوم الثّلاثاء 13 ذو الحجة 1419ه الموافق ليوم 30 مارس 1999م جاء فيها ما يلي:
أخي العزيز، بوتفليقة عبد العزيز، حفظكم الله ورعاكم ووفّقكم في مسعاكم سلاما وتحيّة مباركة طيّبة وبعد: (1/474)
صفحة 475
فيشرفني باسمي وباسم الهيئة الدّينية لمدينة العطف أن أعبّر لكم عن خالص تمنّياتنا وصادق عواطفنا نحو شخصكم الكريم بمناسبة زيارتكم التّاريخية لبلدتنا الطّيّبة فأقول:
على الرّحب حلّوا أجمعين على الرّحب ... نزلتم كراما في حمى الله والشّعب
طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى ... وسرتم إلينا كالسّحائب في الجدب
أخي الكريم عبد العزيز: إذا كنتم تعتزّون أن تكونوا اسما على مسمّى عبدا للعزيز الجبّار -وذلك روح الإيمان- فأنتم سيّد كريم وصفيّ ودود في نفوس إخوة لكم أبرار، وقد هزّهم الشّوق إلى لقياكم، واشرأبّت أعناقهم إلى مرءاكم، والأرواح جنود مجنّدة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فها هي ذي مدينة الألف عام قد ألقت إليكم بفلذات أكبادها لتحتضنكم وأنتم منها في السّويداء، كما احتضنت من قبل فخامة الرّئيس زروال وهو نعم الرّائد، وأنتم اليوم من بعده نعم الوافد، ولعلّ الحظ السّعيد يلزّكما في قرَن واحد. والعطف كما شهد لها التّاريخ هي أمّ القرى، والأمّ بطبعها الحنون، لا تجفو ولا تخون، فلا عجب أن تقرّ بكم عينا وأنتم الابن البارّ، والأمل الباسم الذي خبّأته الأقدار، لينطلق في ضمير الشّعب مبدّدا ظلمة الشّك والإحتيار، ومسدّدا خطاه لحسن الانتقاء والاختيار. (1/475)
صفحة 476
أيها الأخ الكريم: نحن العزابة القائمين على بيوت الله نشيم في طلعتكم بوارق الفرج القريب لشعبنا المعَنّى لما نلمسه في برنامجكم الطّموح من صدق التّوجّه، وواقعية الطّرح، ودقة التّحليل، وأنكم -كما أعلنتم- لا تملكون العصمة والقداسة في ما تسعون إليه، وتلك هي الشّهادة المثلى لنصاعة الإيمان، والاستمساك بالعروة الوثقى كما أمر الرّحمن، ولنا الشّرف العظيم أننا نرابط في بيوت الله، ونحدو بموكب المؤمنين على نهج كتاب الله وسنة رسول الله، حفاظا على مقوّمات شخصيتنا، وتنشئة لأجيالنا على كرم الأخلاق وحميد الخصال. غير أن الانفتاح على مقتضيات العصر، ومواكبة التّطوّر العلميّ والتّكنولوجي مع مواجهة التّحدّيات المنجرّة عن ذلك، كل ذلك قد أخذ يفرز نتوءات خطيرة في مجتمعنا، ويعرّضه لهزّات عنيفة تزلّ فيها الأقدام وتطيش الأحلام، سيما في طبقة الشّباب، وهم عماد الوطن والدّين وحصنهما الحصين.
وفي مثل هذه الأوضاع المتردّية لابدّ من تطبيق الحكمة القائلة: "يزع الله بالسّلطان ما لا يزعه بالقرآن" فإذا ما مكّن الله لكم من هذه السّلطة -وأنتم بالغوها بإذن الله- فرجاؤنا فيكم وطيد أن تجدّدوا لهذا الدّين حرمته وهيبته في النّفوس، بترقية بيوت الله وصون منابرها من الأصوات النّابية، ومن الإمّعات الذين يخشون النّاس كخشية الله أو أشدّ خشية. فما أوتينا في جزائرنا الحبيبة إلا من هذا الثّغر الحسّاس الذي يوليه شعبنا المسلم كل احترام وتقدير. (1/476)
صفحة 477
أيها الأخ الكريم، دعواتنا الصّالحة لكم بالتّوفيق والنّجاح هي سندنا لكم في مسعاكم العظيم، أخذ الله بأيديكم وسخّر قلوب خلقه للالتفاف حول شخصكم الكريم وبرنامجكم الطّموح، وأن يمنّ عليكم ببطانة صدق وإخلاص من رفاقكم ومؤازريكم على درب الكفاح والنّضال، فعند الحفيظة والجدّ يختبر معدن الرّجال، شرح الله صدركم، ويسّر أمركم، وكلأكم بالرّعاية والحفظ في الحلّ والتّرحال، إنه مولانا ذو العزة والجلال والسّلام عليكم ورحمة الله.
عن إذن العزابة: سعيد محمد كعباش
في الاستفتاء لقانون الوئام المدنيّ.
تمّ الاستفتاء الشّعبّي على قانون الوئام المدنيّ من طرف السّيد رئيس الجمهورية الجزائرية الأخ عبد العزيز بوتفليقة وذلك ليوم الخميس 13 جمادى الثّانية 1420هـ الموافق ليوم 16 سبتمبر 1999م. فكانت النّتائج باهرة بقول: "نعم" نسبة 98.06% من أصوات النّاخبين. وبمناسبة هذا الحدث الوطنيّ التّاريخي العظيم كلّفني فضيلة الشّيخ عدون بكتابة رسالة تهنئة ودعاء باسم "عمي سعيد" لفخامة رئيس الجمهورية يصادق عليها المجلس ويمضيها الشّيخ عدون، فكتبت الرّسالة وجاء فيها ما يلي:
فخامة السّيد رئيس الجمهورية الجزائرية الأخ الكريم السّيد: عبد العزيز بوتفليقة، حفظكم الله ورعاكم، وزادكم عزّا وفخرا، وأبقاكم للدّين والوطن ذخرا، سلام الله عليكم وتحيّة منه وبركات. وبعد: (1/477)
صفحة 478
فيشرفنا نحن أعضاء مجلس عمّي سعيد الهيئة العليا لعزابة وادي ميزاب ووارجلان، يشرفنا أن نقدّم إلى جنابكم العالي أحرّ تهانينا وأطيب تمنياتنا للنّجاح الباهر الذي حققه شعبنا العظيم في الاستفتاء على قانون الوئام المدنيّ والمصالحة الوطنية، إذ أكّد لكم في يوم 16 سبتمبر 1999م بيعته الثّانية بكل وفاء وصدق، ورأى في شخصكم الكريم القائد المحنّك والمنقذ الأمين من براثن الأزمة الوطنية التي أذابت الشّحم، وأكلت اللّحم، وهشّمت العظم، وقد اختارتكم عناية الله ربّانا قديرا لسفينة شعبنا المفدّى التي أحاط بها الموج من كل مكان، وحاول السّفهاء خرقها ليغرقوا أهلها.
فها أنتم -بعون الله- تسلكون بها مسالك النّجاة لترسو -بحول الله- على برّ الأمان. فاللّهمّ بارك لرئيسنا هذه البيعة الشّعبية كما باركت بيعة الرّضوان، واجعل له من بعدها فتحا مبينا، يحطّم الأصنام ويخزي الطّواغيت.
فخامة السّيد رئيس الجمهورية، سيروا على بركة الله في طريق الحق والعدل، فمولانا تبارك وتعالى راعيكم، وروح القدس حاديكم، والشّعب قد انتعشت آماله على نبرات صوتكم، وتلمّس طريقه الصّحيح على وقع خطاكم، بعدما برّحت به الآلام، وطوّحت به الأحزان حتى أبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. جعلكم الله قميص يعقوب نورا وشفاء للأبصار، وبلسما للجراحات، وترياقا للسموم والأقذار. (1/478)
صفحة 479
وحباكم صبر يوسف وحلمه لتجمعوا شمل الأسرة الجزائرية، وأنتم اليوم على عرشها الرّاعي الأمين، وعلى خزائنها الحفيظ العليم، وقد أعلنتموها صرخة مدوّية، وعهدا صادقا غير مخفور، لكل مضلّل مغرور، كما أعلنها يوسف في إخوته: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف:92).وإننا لنعلم أن المعاناة عسيرة، وأن طريق الخلاص محفوف بالأخطار، وأن الأعداء لا ينامون عن ثأر، ولكننا نؤمن بألطاف العزيز الجبّار، وأن ثمن المجد غال، وأن المصائب محكّ الرّجال، فامضوا على بركة الله حاديا للأجيال.
فخامة السّيد الرّئيس، إننا من خلال هذه التّهاني وهذه الدّعوات نعبّر لكم أصدق تعبير عن المشاعر الصّادقة لآلاف المؤمنين المصلّين في بيوت الله وكلهم عواطف مشحونة بالحبّ والوفاء لشخصكم الكريم، وألسن داعية لكم بمزيد من التّوفيق والنّجاح، وأن يسدّد الله خطاكم، ويجعلكم في كنفه من كيد الكائدين وشرّ الحاسدين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.
رئيس المجلس: شريفي سعيد (الشّيخ عدون).
بمناسبة ترميم قصر العطف القديم.
حضر معالي وزير الدّاخلية الأخ يزيد زرهوني انطلاقة ترميم القصر القديم بالعطف في أوائل الخريف 2001م. وفي يوم الأحد 08 شوال 1422هـ الموافق ليوم 23 ديسمبر 2001م أعاد زيارته للبلدة لمعاينة ما تمّ إنجازه وهو مرفوق بكل من سفيري السّعودية وقطر. فاستقبل الأعيان الوفد الرّسميّ على مدخل المسجد الجامع بعد أذان المغرب مباشرة مرورا بوسط المدينة إلى مصلّى "عمّي حمو" فألقيت بالمناسبة هذه الكلمة: (1/479)
صفحة 480
سعادة الأخ الفاضل السّيد وزير الدّاخلية والوفد المرافق له، جناب السّيد الوالي وأعوانه الفضلاء، طبتم وطاب ممشاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. يتشرف بيت الله المعمور أن يستقبلكم في فخر واعتزاز وأن يحظى منكم بهذه الزّيارة العميقة المعنى والكريمة المسعى لدى قلوب عمّار بيت الله، ولدى جمهورنا الكريم، وإنه ليسعدنا أن نتقدم إليكم جميعا بأحرّ تهانينا وأطيب تمنياتنا، وأمتنا الإسلامية بين عيدين عظيمين: عيد الفطر المبارك في مسيرة ديننا وأصالتنا، وعيد رأس السّنة الميلادية عبر محطّات العالم بأسره، ونحن الأمة المختارة من المولى تبارك وتعالى في موكب البشرية قاطبة وهو القائل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران:110).
سيّدي الوزير: لقد تزيّنت بلدتنا الطّيّبة لمقدمكم الميمون، وقد ألبستموها حلل البهاء والجمال، فازدوجت فيها أسارير الأصالة بتقاسم العصرنة، وتمازج فيها وقار الشّيب بنضارة الجدّة والشّباب. ولا شكّ أن لكم اليد الطّولى في هذا البرنامج الطّموح على مستوى القيادة المركزية، وللسلطات المحلية -وعلى رأسها السّيد الوالي- شرف المبادرة والتّنفيذ، فها هي ذي المنجزات الميدانية تنطق بأبلغ تعبير، ولسان حالنا يفصح عما نكنّه لكم من احترام وتقدير. لأنه من لا يشكر النّاس لا يشكر الله. ونحن -سراة البلدة- ومن خلالهم كل جماهير شعبنا لا يسعنا في هذه الزّيارة الخاطفة إلا أن ندعو الله لكم بالحفظ والرّعاية في حلّكم وترحالكم، ونتمنى لكم التّوفيق والنّجاح في مسعاكم النبيل. وأن ييسّر لكم الأسباب، ويذلّل لكم الصّعاب في كل مسلك وسبيل. أبقاكم الله فخرا وذخرا للبلاد والعباد، والحمد لله ربّ العالمين.
في ذكرى أحداث 11 ديسمبر 1960م. (1/480)
صفحة 481
تقرر على مستوى ولاية غرداية إحياء ذكرى أحداث الحادي عشر من ديسمبر 1960م في بلدية العطف. فتكفلت ثانوية "أبي عبد الله الفرسطائي" تنسيق ذلك الحفل الذي حضرته السّلطات الولائية والمحلية وجمع من المجاهدين والأعيان، فألقيت بالمناسبة هذه الكلمة. وذلك ليوم الإربعاء 07 شوال 1423هـ الموافق ليوم 11 ديسمبر 2002م.
الحمد لله الذي جعل اختلاف اللّيل والنّهار مجالا لاستلهام الذّكريات، وأعطى الخيرية للباقيات الصّالحات. سبحانه هو الله الواحد القهّار، ونصّلي ونسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيّدنا محمد وعلى آله وصحابته الأخيار، وعلى من اتبع هداهم ليوم تشخص فيه الأبصار. أما بعد: فضيلة السّيد الأمين العام للولاية. السّيد عضو مجلس الأمة وأمين منظمة المجاهدين حضرات الإخوة المسؤولين، رفاقي المجاهدين، وأبنائي الأساتذة والطّلبة، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. (1/481)
صفحة 482
يشرفني أن أقدم إلى حضراتكم باسم قسمة المجاهدين في العطف، وباسم مسؤوليها ومواطنيها، أقدم إليكم أعزّ تهانينا وأطيب تمنياتنا بالعيد السّعيد، أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية جمعاء باليمن والبركات وبالعزة والتّمكين، فمرحبا بكم -أيها الوفد الكريم- في رحاب مدينة الألف عام، وبين أحضان هذه المؤسسة العتيدة، حاضنة الأجيال، ومعقد الطّموحات والآمال. ولئن وقفنا اليوم وقفة ادّكار واعتبار أمام ذكرى الحادي عشر من ديسمبر 1960م، فإن حضوركم معنا يزيدها تألقا ونخوة في نفوسنا، إذ ما يزال بيننا من صناع ذلكم الحدث المشهود بقية من المجاهدين الأشاوس، رموزا لعزتنا وكرامتنا ونماذج فخر واعتزاز لحريتنا وسيادتنا. نقف اليوم لنستلهم أحداث ذلكم اليوم المشهود، فنحني جباهنا لتلكم الأرواح الزّكية التي تحدّت الجلاّدين، وتدفقت كالموج الهادر تحطّم الحواجز وتقلب الموازين، فلئن كانت عزة نوفمبر إيذانا بالتّحرك والانطلاق، فإن أحداث الحادي عشر من ديسمبر هي المدد والعدّة لدفع المسيرة الثّورية إلى الحرية والانعتاق، فرحم الله تلكم الأرواح والأبدان، وأسكنها فسيح الجنان، فما فتئ رفاتها الزّكيّ يتضوّع مسكا ويتألق نورا في كل شبر من وطننا المفدّى، توحي للأجيال الصّاعدة بالنّخوة والإباء، وتهيب بها أن تواصل المسيرة على نهج المجاهدين والشّهداء، حبّا للوطن وتضحية وفداء. (1/482)
صفحة 483
أيها الإخوة الكرام، إذا حقّ لنا أن نحتفل بهذه الذّكرى الغالية فلا يعزب عن أذهاننا ما في ذلك من معان وأبعاد، وما يفرضه التّاريخ من مراحل تطوى وتتجدد، ومن مواكب أجيال تترى في ساحات الأحداث وتتعدّد، وهي تتسابق في حلبة الوجود والبقاء، وقد تتصارع لغلبة الجهالة والنّظرة الحمقاء. غير أن عجلة الزّمان لا تتوقف، ودارات المكان تتماسك حلقاتها طوعا أو كرها، وتنداح دوائرها يوما بعد يوم إلى المصير المشترك الذي قدّره الله تعالى للإنسانية جمعاء، وسنن الله في خلقه لا تتغيّر مهما ازيّنت لهم الأرض وظنوا أنهم قادرون عليها.
فأين نحن اليوم، ونحن نغذّ السّير إلى الغاية التي قدّرت لنا؟. فيجب علينا في مثل هذه المناسبات أن نقدر مواقع خطونا، ونقدّر الإمكانيات التي بين أيدينا لمواصلة الطّريق حتى لا تنقطع بنا السّبل أو تزلّ بنا الأقدام.
لهفي على جيل نوفمبر وعلى رديفه من جيل 11 ديسمبر. ففي ذمة الله تلكم الأرواح الزّكية، وعلى العهد والوفاء لله والوطن تلكم البقية الحيّة، وأنتم يا سليل تلك الأجيال، كيف أنتم أمام هذه الذّكريات العظام؟. وقد ألبستكم حلل العزّ والفخار، وطهرت أرضكم من دنس الخزي والعار؟، فحرام عليكم أن تضلّوا الطّريق وقد وضحت معالمه، أو أن تخونوا عهد الله وقد غمرتكم نعمه ومكارمه. وحذار من الذئاب المتربّصة، وهي تجوس خلال الدّيار، ومن الكلاب المتحرشة وهي تنبح من وراء البحار، فلتكن أمثال هذه الوقفات تعبيرا صادقا عما يجب أن نكون عليه من حبّ وإخلاص لوطننا المفدّى، وتجسيدا لطموحاتنا وآمالنا لغد أفضل ومستقبل أوعد وأوفى. طبتم وطاب ممشاكم، وأنتم في كنف الله مصونون، وبتوفيقه وفضله مغمورون، والحمد لله ربّ العالمين.
رفع انشغالات مجتمع إلى أولي الأمر. (1/483)
صفحة 484
وهذا التّقرير هو البديل الذي تمّ إعداده باسم مجلس الأعيان "الكرتي" عن التّقرير المزمع تقديمه إلى فخامة رئيس الجمهورية عند زيارته الأخيرة إلى ولاية غرداية ليوم الأربعاء 14 ربيع الأول 1422هـ الموافق ليوم 06 جوان 2001م. وبما أن ذلك لم يتمّ فقد أصبح التّقرير لا يستجيب للمعطيات الرّاهنة بعد الزّيارة الرّئاسية. فتقررت إعادة صياغته وحذف بعض النّقاط التي أنجزت بعد الزّيارة. على أن أتولّى تلك الصّياغة من جديد. وفعلا فقد أتممت ذلك، وبعثت بمسوّدته إلى الأخ الدّكتور محمد زكرياء، لأنه هو المكلّف بتجديد ذلك التّقرير من طرف مجلس الأعيان بعتثه إليه يوم الخميس 06 ربيع الثّاني 1422هـ الموافق ليوم 28 جوان 2001 م كما تكفّل الشّيخ عبد الحميد بكيفية إرساله، ولا أدري أتمّ ذلك أم بقي في درج الإهمال؟، ومهما يكن من الأمر فإنني أثبت للتاريخ نصّه كاملا في هذا السّجلّ كغيره مما أرسل من قبل.
بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس أعيان وادي ميزاب ... فخامة السّيد: رئيس الجمهورية
"با عبد الرحمان الكرتي" ... الأخ: عبد العزيز بوتفليقة
ولاية غرداية ... معالي السّادة الوزراء
فخامة السّيد الرّئيس
حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، وأبقاكم للأجيال فخرا، وللدين والوطن ذخرا. السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد: (1/484)
صفحة 485
لقد كان لنا الشّرف العظيم بزيارتكم التّاريخية لمنطقتنا أيام التّحضير للانتخابات الرّئاسية، إذ تركتم في نفوس المواطنين محبة غامرة لشخصكم الكريم، وأملا فيّاضا ببرنامجكم الطّموح، وكنتم أهلا لثقة شعبكم في ذروة المسؤولية على وطننا المفدّى، فتوالت الأيام واللّيالي، وتعاقبت الأحداث وأنتم تقارعونها بعزيمة وثبات، وتواجهونها بحكمة وأناة، والشّعب من ورائكم يتابع مساعيكم في أمل وإشفاق، ويصغي إلى أحاديثكم في تدبّر وإكبار. وأنتم ما ادّخرتم وسعا في خوض غمار المأساة الوطنية بكل تداعياتها لتشخيص الدّاء واختيار وصفة الدّواء. ومرّة أخرى شرّفتم منطقتنا بزيارتكم المباركة التي كانت كالغيث المريع طهّر القلوب وأثلج الصّدور وأنعش الأمل، إذ احتضنتكم الجماهير بفخر واعتزاز، وحظي السّراة باستقبالكم في إكبار وإجلال، واستمعوا إلى حديثكم وتوجيهاتكم بتفهّم وإمعان فجازاكم الله عنا أحسن الجزاء، وزادكم عزّا وعلاء.
فخامة السّيد الرّئيس، إننا بقدر اعتزازنا وفخرنا بهذه الزّيارة، وبما لها من وزن واعتبار في أوساطنا، فإننا نرجو أن تتجسّد آثارها في واقعنا المعيش، حفاظا على مقوّمات هذه المنطقة في إبعادها الحضارية والتّاريخية والمعنوية، وحماية لها من عوامل الفسخ والطّمس التي تناوشها بمختلف الأساليب، ويحيك خيوطها أعداء الجزائر في الدّاخل والخارج على اعتبارها قلعة منيعة للجزائرية الأصيلة، دينا وتاريخا ولغة وثقافة، وستظل كذلك -إن شاء الله- مفخرة للجزائر، ودرّة في صحرائنا الغالية. (1/485)
صفحة 486
فخامة السّيد الرّئيس، نحن نؤمن بثمن المجد، ونقدّر واجبات العزة والكرامة ونتوخّى الرّفق والموضوعية في الإفصاح عن الحقوق والمطالب. فإذا كانت معاناة سائر المواطنين الجزائريين ترجع في أغلبها إلى الجوانب الماديّة كثيرا ما تكون بما كسبت أيديهم، فإن معاناتها راجعة إلى أصول تربيتنا وقيم ثقافتنا عبر قرون طويلة ترسخت بها المبادئ السّامية والقيم الرّوحية التي طوّعت نفوسنا للسلوك النّظيف، وسددّت نظرتنا للحياة إيمانا بالدّين والوطن، واعتزازا بتوابثهما التي لا نرضى عنها بديلا. فما كان ذنبنا -في نظر المتطرفين- إلا أننا ننتمي إلى مدرسة من المدارس الفقهية العريقة والأصيلة في التّراث الإسلامي.
تلك المدرسة التي طالما عانت من الاضطهاد والإجحاف والتّهميش قديما وحديثا. وذنبنا الوحيد اليوم هو عدم الانسياق وراء من يدعو إلى التّطرّف الدّيني أو السّياسّي أو الثّقافيّ، وإلى الانحراف الاقتصادي أو الاجتماعي أو السّياسيّ. وقد أثبتت التّجارب نجاعة اختيارنا للقوائم الحرة في الانتخابات السّابقة. ونرجو أن يفسح لها المجال -مرة أخرى- في تعديل قانون الانتخابات.
وإننا -وإن كنا أمازيغيين تراثا ومحتدا لم نتنكّر قط لأصولنا وتراثنا- فإن اعتزازنا بلغة القرءان وتفانينا في خدمتها قديما وحديثا لا يحتاج إلى دليل، وليس لنا في ما سواها بديل. الأمر الذي أغضب الكثير ممن في قلوبهم مرض من دعاة اللائكية والتغريب. ثم إن الأنظمة العرفية التي يتمسّك بها مجتمعنا في التّضامن والتّكافل لرعاية الضّعفاء، ومؤاساة البؤساء، وحماية الطّهر والفضيلة في الأسرة، كل ذلك وغيره من المزايا الاجتماعية جعلت الكثير ينزعج ويغار علينا، ثم يدفعه الحسد إلى الإساءة والإذاية، مستغلاّ -أحيانا- منصبه ونفوذه. (1/486)
صفحة 487
وكثيرا ما عانت جماعتنا حيثما تواجدت من هذا التّصرّف اللامسؤول، سيما في منطقتنا، حتى أصبح من الأمثال الشّعبية عندنا، كلما تطاول أعوان الدّولة على مواطن أو أهانوه فيقال له: "لا تعجب من ذلك، فإنها قوانين غرداية". ولا أدلّ على ذلك من واقعنا المعيش مع بعض الإدارات المحلية، بما اصطلح عليه اليوم "بالإرهاب الإداريّ" غمطا للحقوق وتعسّفا في الإجراءات، وأكلا لأموال النّاس بالباطل رشاوي وجعالات، والأدهى من ذلك هو التهميش والإقصاء المتعمّد لإطاراتنا على ما يمتازون به من كفاءة وجدّية وإخلاص.
فخامة السّيد الرّئيس، هذه بعض التّظلمات التي نودّ أن نرفعها لفخامتكم -وهي لا تخفى عليكم- وقد تستعصي علينا معالجتها بالحلم والأناة. بل كل محاولة منا لمعالجتها تذكيرا بقانون، أو استعطافا لعون، يعتبرها الكثير من المغرضين عنصرية ورجعية أو أنانية، ولنا كامل الثّقة في السّلطات العليا للبلاد، بأنها حريصة على تكريس سلطة القانون، وأنها راعية وفية لجميع المواطنين، لا تفرق بين أحد منهم بجهة أو عرق أو لون.
وحاشا أن نزكّي أنفسنا، أو نغالي في تقدير شأننا إذا قلنا بأننا -والحمد لله- قد شغفنا حبّا لهذا الوطن، إذ فداه أجدادنا وفديناه بالمهج والأرواح غير ممتنين بما قدمناه من تضحيات، ولا مقايضين بذلك بعض المنافع والامتيازات، وقد سجّل التّاريخ ذلك بفخر واعتزاز.
وحسبنا شاهدا على ذلك أنه لم يسجّل عندنا أيّ خائن للثّورة التّحريرية، ولا أيّ إرهابيّ في الأزمة العشرية، وذلك بفضل العمل الدؤوب في تحصين الشّباب وتأطيره.
واسمحوا لنا -فخامة الرّئيس- أن نطلب منكم بإلحاح الفصل العادل وفي أعلى المستويات في النّقاط التّالية، حتى لا تبقى مثار صراع أو مساومات وتعتيم على المستوى المحليّ. (1/487)
صفحة 488
أ) - في المجال الدينيّ: الدّين هو ملاك الأمر كلّه بالنّسبة لحياتنا الاجتماعية، له الأولية المطلقة في أعرافنا وتقاليدنا، نوظفه كما فعل الرّسول - صلى الله عليه وسلم - في تربية النّاشئة منذ نعومة أظفارهم، وفي ترشيد مسيرة الجماهير بالنّصح الهادئ والقدوة الصّالحة، بعيدا عن الغوغائية والتّطرّف، بحيث أصبح للمنطقة طابع ممتاز في ذلك، كان محلّ احترام وتقدير ومباركة من طرف السّلطة العليا للبلاد ونودّ أن يكون النّموذج المحتذى في المناطق الأخرى. فنرجو مخلصين الاستبقاء على هذه الميزة، وذلك بتمكين القائمين على هذا المجال الحيويّ من الشّيوخ والعزابة والهيئات العرفية التّابعة لهم. تمكينهم من أداء واجبهم في المجال الإرشاديّ والدّعويّ تبليغا لأمانة الدّين وتعاليمه السّامية على اختلاف مدارسها الفقهية، بكل رفق وتسامح، بعيدا عن المساومات والإيديولوجيات المستوردة. ويطيب لنا أن نسجّل بشكر وامتنان مبادرتكم الطّيّبة -يا فخامة الرّئيس- في ردّ الاعتبار إلى بعض رموزنا من مشائخ وأدباء، بعد أن حاول بعض المغرضين تشويه سمعتهم والإقلال من شأنهم. وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا. (1/488)
صفحة 489
ب) - في المجال التّربية والثّقافة: تعتبر التّربية والثّقافة رافدين أساسيين يصبّان في نهر الدّين، إذ دعا الإسلام أول ما دعا إلى العلم والمعرفة، وجعل من مجالي قدرة الله أنه علّم الإنسان ما لم يعلم، فلا غرابة إن تمسّكنا بتعليمنا الدّينيّ الحرّ، يوم أن تقلصّت برامجه في التّعليم الرّسمّي العام. وكان من حكمة السّلطات العليا أن باركت هذا المسعى، وقدّرت فينا هذا المجهود الذّاتي الذي لا يهدف إلى تفرقة عنصرية أو إلى نعرة طائفية بقدر ما هو حماس وغيرة منا على مقوّمات الدّين الصّحيح وخدمة للغة القرءان ومقاومة لكل انحراف أو تفسّخ، ومن جهة أخرى تهيئة النّشء وتنشئته على الحسّ الدّيني والوطنيّ، ثم تعريفه بالمنهجية التّربوية للمدرسة الإباضية السّمحة المعتدلة، والتي تمتاز بأنها لم تغلق باب الاجتهاد في يوم من الأيام.
وخير دليل على ذلك موسوعاتها الفقهية التي بدأت ترى النّور بعد تهميشها والتّحامل عليها لعدة قرون، ومن السّلبيات التي نعانيها في هذا المجال ونرجو من السّلطات العليا أن تفصل فيها بما تراه صوابا:
أ) - الاعتراف بشهادات هذا التّعليم ومعادلتها رسميًا وأدنى حق في ذلك أن يعترف على الأقل بالشّهادات المدرسية لطالبيها تيسيرا لمهمة المسؤولين في التّربية الوطنية لإدماج الطّلبة في التّعليم الرّسمي.
ب) - ونظرا لما للأمازيغية من دور حيويّ في تعاملنا اليومّي. وما لها من رصيد حضاريّ وثقافيّ في كثير من مناطق البلاد، فإننا نرى أن إبرازها والاعتناء بها أمر مشروع لا يمكن الغضّ من شأنه كضرورة التّفتح على اللّغات الأجنبية لاكتساب المعرفة ومواكبة العصر.
جـ) - إعطاء المكانة اللائقة لتراث المذهب الإباضي بين المذاهب المتواجدة بالجزائر، بحثا وتحقيقا لتراثه، وتدريسا لفقهه، وتعريفا برجالاته، وأخذا بأحكامه الشّرعية كلما تعلق الأمر بالاجتهاد الشرعيّ. (1/489)
صفحة 490
د) - احترام التّقاليد والعادات، والمحافظة على التّراث المحليّ، سيما في الفنّ المعماريّ المعترف به عالميًا. حتى لا ندع المجال للمصطادين في الماء العكر من داخل الوطن أو خارجه، لضرب الوحدة الوطنية.
جـ) - بعض الانشغالات المختلفة:
أ) - للسياحة في وطننا مستقبل واعد، لها من مؤهلات المنطقة ما يجعلها متميزة ممتازة. ونريدها أن تكون ذات مستوى رفيع ونظيف، تحترم مشاعر السّكان وتراعي تقاليدهم وأعرافهم بعيدا عن مظاهر التّفسّخ والانحلال الخلقي. ولا يتأتى ذلك إلا بإسناد نشاطاتها إلى أيد أمينة تقدّر معنى الشّرف وتعار على الحرمات
ب) - عنصر الطّاقة والماء بالغ الأهمية في محيطنا القاسي الجافّ، وعلى قدر مباركتنا وشكرنا الحميم لمبادرتكم الحانية في تخفيض تسعيرة الطّاقة، فإن مشكل المياه ما يزال مطروحا بحدّة، إن في مجال تكلفة الماء الشّروب، أو صرف المياه القذرة.
فنرجو من فخامتكم التفاتة خاصة لهذا الجانب سواء برصد كميات أوسع في التّسعيرة المتداولة، أو اتخاذ تسعيرة جديدة، لأن ازدهار الواحات الجنوبية مرهونة بهذا العنصر الحيويّ.
جـ) - بالرّغم من المجهودات الجبّارة التي بذلها الأوائل في إنشاء واحاتنا الغناء، وقد توصّلوا إلى الاكتفاء الذّاتي في الغذاء، إلا أن التوسّع العمرانيّ العشوائي وغياب رقابة صارمة في التّقيّد بالمخططات العمرانية الرّسمية، قد بدأ يقضي على جزء هامّ من المساحات الخضراء وزاد للطين بلّة التعسّفات الممارسة في منطقتنا عند تطبيق الثّروة الزّراعية، وقد بدأ الأمل يدبّ في نفوس المواطنين بتوجّه كثير منهم إلى مجال الاستصلاح الزّراعي بفضل السّياسة التّحفيزية المتبعة أخيرا، والتي نرجو لها الدّوام والاستمرار، كما نرجو تسوية الأوضاع العقارية التي بقيت عالقة إلى اليوم. (1/490)
صفحة 491
د) - لا تخفى عليكم -سيادة الرّئيس- مشاكل الصّناعة في بلادنا سيما بعد تفتح السّوق للتجارة الحرّة وإفرازات العولمة، وعلى الرّغم من التّعقيدات التي واجهها المستثمرون في فترة الاقتصاد الموجّه فقد عرفت المنطقة ازدهارا صناعيا مرموقا كان مفخرة للجزائر، ولا تزال بعض الوحدات تشتكي من عدم تسوية أوضاعها العقارية إلى اليوم، كما تثقل كاهلها تسعيرة المياه، وتكلفة النّقل والعلاوات الخاصّة بالمنطقة. فالرّجاء منكم اعتماد إعفاء ضريبيّ خاصّ لتشجيع ومساندة المستثمرين.
فخامة السّيد الرّئيس، تلكم هي بعض انشغالاتنا نودّ إلفات سامي نظركم إليها. ونحن كلنا ثقة وأمل أن تجد صداها الإيجابي لديكم تدعيما للإرادات المخلصة، وتحفيزا على مواصلة الجهد الدّؤوب للنّهوض بالجزائر من كبوتها والمضيّ بها نحو العزة والكرامة.
سدّد الله خطاكم، وكلأكم بحفظه ورعايته، وزادكم صبرا وثباتا في إنقاذ البلاد، من شرّ الخائنين والحسّاد.
مرحى برئيس الجمهورية في ربوع العطفاء.
إنها للفتة كريمة من طرف رئيس الجمهورية الأخ الفاضل السّيد: عبد العزيز بوتفليقة، إذ خصّ بزيارته بلدية العطف، عندما قام بجولته عبر تراب ولاية غرداية، وقد برمجت له معاينة المجمّع القرآني في ضاية "الجاوة" حيث حضر جمع من حلقة العزابة، أعددت هذه الكلمة، لألقيها إن كنت حاضرا في البلد، أو يلقيها الأخ الحاج إسماعيل يحي عند غيابي.
الحمد لله علاّم الغيوب ومدبّر الأمور، له ما في السّماوات وما في الأرض وإليه المصير، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله البشير النّذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم النّشور. أما بعد: (1/491)
صفحة 492
فخامة السّيد رئيس الجمهورية الأخ الفاضل السّيد عبد العزيز بوتفليقة، سعادة أعضاء الوفد الموافق، جناب السّيد والي ولاية غرداية، الإخوة الفضلاء، أعضاء السّلطات المحلية، أيها الإخوة الحضور السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. فأية منّة أنعمها الله علينا في هذه البلدة الطّيّبة وهي تحتضنكم بحبّ وحنان؟، وأية بشرى تغمر نفوسنا ونحن نحظى بزيارتكم الكريمة في شكر وامتنان؟، إنها للفتة مباركة قلما يجود بها الزّمان، فمرحى بمقدمكم الميمون، وبشرى لنا بهذه الفرحة العظمى.
فها أنتم أمام هذا الصّرح العتيد "المجمّع القرآني" لأبناء الجيل الجديد، وقد أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ليصبح -بإذن الله- ثكنة لحملة كتاب الله ومعقلا لجنود الرّحمن، وما اختياركم لمعاينته -فخامة الرئيس- وما مباركتكم لأمثاله من المؤسسات ذات الطّابع العامّ إلا دليل على شرف أرومتكم وكرم محتدكم في الاعتزاز بمقوّمات الشّخصية الوطنية، وسعيكم الدّؤوب في ترسيخ أصولها وتركيز مبادئها، وتأمين مسالكها من النّتوءات والانزلاقات، زادكم الله هدى ورشدا وربط على قلبكم وثبت أقدامكم.
فخامة السّيد الرّئيس، لقد آذنت الأشغال بمزيد من الجهد والعطاء، لتبلغ شأوها في إتمام البناء، وجمهورنا الكريم لا يبخل بجهده وإن كان محدودا، وأجيالنا المتشوقة لحفظ كتاب الله تستعجلنا في ليل ونهار لتتفيأ ظلال هذا المجمّع عن قريب. ونحن على يقين أنه سوف يجد منكم اليد الحانية والقلب الأريب. ولسوف تحفظ ودّكم فيه كل لبنة على مرّ الدّهور، وتدعو لكم بالخير فيه كل الحناجر التّالية لذكر الله في الأصائل والإبكار. (1/492)
صفحة 493
سيّدي الرّئيس، لقد ظلت هذه المنطقة من بلديتنا قفرا يبابا منذ قرون من الزّمان فها هي اليوم تكتسي حلة زاهية بأجنتها الوارفة على غرار كثير من البقاع في أرض وطننا الحبيب، وذلك بفضل سياستكم الرّشيدة التي دأبت على درء الخوف والجوع، وقد أخذا على خناق هذا الوطن الجريح.
فمن ذا الذي يجحد أياديكم البيضاء في إنقاذ سفينة مجتمعنا من الغرق، وقد أحاطت به الأمواج من كل مكان، فكنتم لها ربّانا ماهرا في اكتشاف مسالك الطّريق إلى برّ النّجاة والأمان. وقد حباكم الله حنكة نوح، تواسون بالحكمة كل منكوب ومجروح، وإنها اليوم على مراسي الجودّي على خطوات، فلا تدعو زمامها وأنتم لها قادرون، حتى ينزل ركابها على سلام من الله وبركات.
أخي الرّئيس، لقد حللتم في كل ولايات وطننا غيثا مريعا اهتزت له الأرض وازّينت رباها، فأشرقت الآمال في النّفوس وأدركها هداها. ونحن هنا في الصّحراء ننتظر سحابكم الهتون، وكلنا إلى سنا برقه مشدودون، ولوابل غيثه ملهوفون. أبقاكم الله موردا للخير العميم، ورمزا للسداد والتّدبير الحكيم. نتمنى لكم مقاما طيّبا في ربوعنا، وأنتم في سويداء قلوبنا وحشاشىة نفوسنا، حفظكم الله في الحلّ والتّرحال، وحباكم بنصره في الحال والمآل.
عن حلقة العزابة بالعطف
سعيد محمد كعباش
ملاحظة: لقد ألغيت زيارة العطف اكتفاء بزيارة مشروع القرارة ولقائه للشيخ عدون هناك، وقد قدمت الكلمة لبروتوكول الرّئيس ونرجو أن تعرض عليه.
مرحى بعيد النّصر لسنة: 1427هـ- 2006م.
أقامت البلدية تظاهرة بمناسبة عيد النّصر ليوم 19 مارس 2006م الموافق ليوم 19 صفر 1427هـ فنظم الكشافة معرضا للصّور التّذكارية لمهرجانات 1962م ببلدة العطف وبمدينة "الشارف" في التّجمعات الشّعبية الكبرى التي نظمتها الولاية السّادسة التّاريخية. (1/493)
صفحة 494
حضر هذه التّظاهرة رئيس الدّائرة وبعض المدراء التنفيذيين من الولاية، كما حضرها المجاهدون من قسمة العطف، فوزعت شهادات رمزية باسم شهداء العطف بالمناسبة كما أزيح السّتار عن جدارية في "العرقوب" باسم الشّهيد مسعود خنيش فألقيت هذه الكلمة بالمناسبة.
الحمد لله علاّم الغيوب، ومفرّج الكروب، يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ويقلب اللّيل والنّهار. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأبرار، ومن اتبع هداهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار، أما بعد: فضيلة السّيد رئيس الدّائرة السّادة المدراء التّنفيذيين في الولاية السّيد رئيس البلدية، حضرات الإخوة المجاهدين أيها الجمع الكريم، تحيّة مباركة طيّبة وتهنئة زكية بعيد النّصر، يعود علينا ونحن جميعا متمتعون بأنعم الله الضّافية ودوام الصّحة والعافية. يعود علينا بعد أربع وأربعين حجة في ظل السّيادة الوطنية عشنا حلوها ومرّها، ووطننا المفدّى تتكسّر على صخره كل الأمواج العاتية، وشعبنا الكريم في نخوته وإبائه كالطّود الأشمّ لا تنال منه الأنواء ولا تستفزه الأعاصير.
ففي هذه الوقفة التّاريخية بهذه البلدة الطّيّبة، وفي هذه المدرسة العتيدة بالذّات كان لمثل هذا اليوم الأغرّ من 19 مارس لسنة 1962م ذكريات خالدة ومواقف مشهودة في ذاكرة هذا الشّعب الكريم وقد تجند المواطنون عن بكرة أبيهم للاحتفال بما أقامه جيش التّحرير الوطنيّ من مختلف التّظاهرات الشّعبية تجميعًا لكل أبناء المناطق للولاية السّادسة التّاريخية عبر صحرائنا الشّاسعة للاحتفال الشّعبي العظيم الذي أقامته في مدينة "الشّارف". وكان للعطفاء شرف الرّيادة لتلك الوفود العظيمة، وقد ارتفع العلم الوطني في أرجاء واديها إرهاصا لنجاح الاستفتاء على الاستقلال الوطني ليوم 05 جويلية 1962م. (1/494)
صفحة 495
أيها الإخوة الأعزاء، نتذكر ذلك اليوم بفخر واعتزاز، ونستلهم تلك الذّكرى التّاريخية الغالية في حاضرنا لنواصل المسيرة على درب العزة والكرامة، وفي ظل المصالحة الوطنية التي التزمنا بتكريسها وساندنا رئيسنا المفدّى على تحقيقها. ولئن كان هذا اليوم الأغرّ عيدا للنّصر على العدوّ الأكبر من الاستعمار الغاشم فهو -أيضا- عيد للنصر على الثّالوث البغيض من الجهل والفقر والمرض ببرامج الإصلاح والتّنمية التي نرجو لها كل التّوفيق والنّجاح، إن على المستوى الوطني أو على مستوى ولايتنا الفتية. وما يوم النصر الذي نحي اليوم ذكراه إلا معلم زمنيّ تستلهمه في تقويمنا الاجتماعي ومسارنا التّنمويّ لتستخلص الأجيال منه عبرة الأيام، ونتخذه رمزا للمودة والإخاء والوئام.
وإذا فاتك التفات إلى الماضي ... فقد غاب عنك وجه التّأسّي
فيا شباب الجزائر، ويا سليل جيل نوفمبر، هذه وديعة آبائكم وأجدادكم صانوها بالدّموع والدّماء، وهذه هي أمانة التّاريخ صاغتها الأحداث بمهج الأبطال وأشلاء الشّهداء، فهل أنتم حاملوها بصدق وإخلاص ووفاء؟. ذلكم ما نرجوه منكم كما نرجو لمجاهدينا الأحرار الهناء وطول البقاء، ولشهدائنا الأبرار المجد والخلود ولجمهوريتنا الفتية ولشعبنا العز والتّمكين ولولاة أمورنا جميعهم كل توفيق وسداد. فهنيئا لنا جميعا وكل عام ووطننا بخير، والحمد لله ربّ العالمين.
يوم الأحد 19 صفر 1427هـ الموافق لـ 19 مارس 2006م.
حفل استقبال وترحيب.
تمّ لكل من الأخوين: معالي وزير الشّؤون الدّينية والأوقاف الدّكتور: محمد عيسى وجناب السّيد والي ولاية غرداية: عبد الحكيم شاطر وذلك بمناسبة زيارتهما للبلدية العطف ليوم الأربعاء 20 شعبان 1435هـ الموافق لـ 18 جوان 2014م. لتدشين الفرع الجديد للمجمّع القرآني بالجاوة بحضور العزابة والأعيان والمنتخبين وممثلي المجتمع المدنيّ وكنت في استقبالهما وألقيت هذه الكلمة. (1/495)
صفحة 496
نحمدك اللهم يا من تفردّت بالعزة والجلال، ونلوذ إلى حماك في تقلبات اللّيل والنّهار فأنت الكبير المتعالي، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، خير الصّابرين والشّاكرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومع تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
معالي السّيد وزير الشّؤون الدّينية والأوقاف والوفد المرافق له، جناب السّيد والي ولاية غرداية ومساعديه، حضرات الإخوة العزابة والأئمة المحترمين، حضرات الإخوة المنتخبين وممثلي العشائر ومجالس الأعيان، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
مرحبا بمقدمكم الميمون إلى هذه البلدة الطّيّبة تاجنينت أم القرى، وأبناؤها سعداء لاستقبالكم في هذه المؤسّسة المباركة حاضنة حفظة القرآن وراعية صفوف الأجيال من جنود الرّحمن وعمّار بيوت الله، وأنتم موفقون في اختيارها محطة لزيارتكم الميمونة في جولتكم إلى هذه الدّيار، وهي في أمسّ الحاجة إلى من يأسو جراحها ويواسيها في فجيعتها التي أصابتها بأيديها في احتدام الجهل والحمية وفقدان المناعة الاجتماعية.
ولا شك أن اهتمام أمثالكم من المسؤولين الأوفياء بقضايا هذه المنطقة في أيام محنتها سوف يزيح الغشاوة عن الأبصار، ويطهّر النّفوس من شوائب الغلّ والظّلم والاحتقار، وأنتم المسؤولون على قطاع الشّؤون الدّينية، والدّين النّصيحة كما قال رسول الله، والدّين المعاملة المخلصة لخلق الله، فلتفعّلوا بتوجيهاتكم الرّشيدة الوازع الدّيني في النّفوس فقد ران عليها الشّر والفساد، ولا تهملوا الوازع السّلطاني إذا ما استشرى التّعنت والعناد. (1/496)
صفحة 497
أيها الإخوة الفضلاء، إن الأمن والعافية ضريبة يجب على المجتمع أن يصنفها في أولويات تكاليفه وفي طليعتها تربية الأولاد على الطّهر والفضيلة. وتنشئتهم منذ نعومة أظفارهم على أحكام الدّين الحنيف عقيدة وسلوكا، وذلك ما قامت لأجله مثل هذه المؤسسات المباركة للتّربية والتّعليم والتّأطير والمتابعة الجماعية ومراعاة القدوة الصّالحة لدى المربين والمؤطرين. وليس ذلك بالعمل الهيّن في زمن تطغى فيه الانفرادية والانتفاعية ويغيض فيه معين الرّحمة والمنفعة على الضعفاء والمعوزين وقد ورد في الحديث القدسيّ: «ابغوني ضعفاءكم» (1).
وإن من ألطاف الله على هذه البلدة الطّيّبة أن حفظها من شرور الفتنة، ونامت عنها أعين السّفهاء، ولعلّ لأمثال هذه المؤسسات فيها اليد الطّولى في نشر الوعي الاجتماعي وإنماء الحسّ المدنيّ في نفوس ساكنيها، فاتفقت كلمتهم وانسجم توجههم لتركيز الوفاق والوئام وتوطيد دعائم التّكامل والانسجام.
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
فالحمد لله أولا وآخرا على نعمة الهناء والعافية في ربوعنا وأنعم بمثل ذلك على إخوتنا وجيراننا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وما أجدرنا أن نردّد مع الشّاعر العربيّ قوله:
أيها اليائس مت قبل الممات ... وإذا شئت حياة فالرجا
لا يضق ذرعك عند الأزمات ... إن هي اشتدت وأمّل فرجا
فاللّهم إنا نرجو منك فرجا قريبا، ورحمة تزكي بها نفوسنا، وتطهر بها قلوبنا، وتلمّ بها شعثنا، وتجمع بها أمرنا، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الرّاحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
العطف يوم الإربعاء 20 شعبان 1435هـ الموافق لـ 18 جوان 2014م.
الخاتمة.
__________
(1) - تقدم تخريجه: ص 42. (1/497)
صفحة 498
لقد تمّ -بفضل الله- تنسيق هذه الباقة على مختلف زهورها وورودها، فهي وإن تعدّدت أشكالا وألوانا فإنها تسرّ العين وتشرح الصّدر -بإذن الله-؛ ذلك لأنني اقتطفتها من رياض المجتمع على اختلاف الفصول وتقلّب اللّيل والنّهار، ثم أضفيت عليها من حشاشة قلبي ونور بصيرتي ما يجعلها متناسقة منسجمة، حتى تبقى متزنة في كل المواقف التي تتقلب بين اليسر والعسر وبين السّراء والضّراء، وهي تدعو إلى استدامة النّعمة بالشّكر، وإلى مواجهة النّقمة بالصّبر.
ذلك ما أعتقد أنك سوف تلمسه -أيها القارئ الكريم- وأنت تقلّب صفحات هذا الكتاب، أو تتابع عناوينه، أو تطلع على المناسبة التي ألقيت فيها الكلمة. وإذا كنت ضليعا في أفانين الكلام وآليات أساليبه، فوجدت بعض الخلل في المبنى، أو بعض الغرابة في المعنى فلا تبخل عليّ بملاحظاتك القيّمة، وأنا لك من الشّاكرين، لأنه مهما يبلغ الإنسان من الدّقة في التّعبير، أو النّضج والسّداد في حسن العرض والتّقدير، فإن النّاقد بصير، واحتكاك الآراء، مع النّزاهة في الطّرح، لا يتولد عنه إلا كل خير.
وحسبي من هذا العمل المتواضع أنني أخلصت النّصح وكشفت الحقيقة، وسجّلت صفحات من تاريخ بلدي العزيز، في فترة عصيبة، كممّت فيها كثير من الأفواه، وغشّت كثيرا من العيون سحب من الأوهام والظّنون، لأننا في هذه الفترة من ضمور حضارتنا، وتلمّسنا لطريق النّجدة والخلاص، نعيش ذلك التّناقض العجيب والصّراع الرّهيب بين القوى المتدافعة في المجتمع، إما لصراع البقاء أو لطلب الحظوة والجاه، وقد أسندت فيه كثير من المهامّ الحسّاسىة إلى غير أهلها، فتولّد عن ذلك هذا الرّكام الذي يثقل كاهل وطننا العزيز ويجثم على صدره حتى كاد يختنق. وعند محاولة إرجاع الأمور إلى نصابها تطيش الأحلام وتزلّ الأقدام، ويزداد الضّعف والوهن ركاما على ركام. (1/498)
صفحة 499
ويبقى الإنسان، والإنسان وحده هو المادة الخام، وعلى أساس تشكيله وصنعه يتقرر مصير الشّعوب والحضارات. وقديما أدرك حكيم الصّين "كنفوشيوس" هذه القاعدة التّربوية الاجتماعية ووجد لها الوعاء المناسب حين قال: "وإني أعتقد أن على التّربية أن تعمل أكثر مما تعمل الآن للرّجل الفذّ. ويجب أن يكون هناك تربية، وتربية خلقية على الأخصّ لأحسن الطّلاب، حتى نخرج نوعا ممتازا من الرّجال كفيلا بقيادة البشر. رجالا يحرصون على إدراك الصدق، لا جمع المال والألقاب، يواجهون الحقائق بإخلاص، ولا يحوزونها بناء على حزبية أو مذهبية، لا يتملقون من يعلونهم، ولا يحتقرون من دونهم، بل يدركون بعطف مشكلات الآخرين، ولا يعاملون النّاس بغير ما يرضون أن يعاملوهم به".
فتأمّل -أيها القارئ الكريم- هذه التّوجيهات فسوف تجد موضع الخلل، وكيف يمكن أن يعالج بحكمة وأناة. ونحن نتمنى لوطننا المفدّى النّهوض من كبوته، ليستأنف مسيرته المظفرة في تركيز كرامته وعزته.
الشيخ سعيد محمد إبراهيم كعباش.
فهرس المواضيع
إهداء 03
تقديم 05
مقدمة 07
القسم الاجتماعي
التتويج السعيد، لولدي أحمد سعيد 11
مع وفد الرّحمن إلى البقاع المقدّسة 13
في موكب الهدى والنّور 15
في تأبين الشّيخ البكريّ 19
دار الجماعة رمز للوحدة 21
في تكريم حفظة القرآن 23
في مهرجان تأبين الشّيخ الحاج إبراهيم "?رادي" 27
في موكب جمعية الإرشاد والإصلاح 28
أخلاقيات الدّعوة إلى الله 32
يوم ألقيت عصا التّرحال 36
مشروع الرّحمة في غرداية 40
عند ذكر الصّالحين تنزل الرّحمة 43
في ذكرى الجهاد والنّضال (بالحق يعرف الرجال) 48
في المهرجان الموءود 52
في تأسيس مسجد قصر الحمرايات 56
وقفة مع العام الجديد لسنة 1992م 58
في ليلة الهدى والنّور 63
في مهرجان الوقاية من الآفات الاجتماعية 66
في الملتقى الأول لفكر الإمام الشّيخ بيوض 68
في حفل تكريم الأستاذ أوراغ أحمد بن عمر 74
في زيارة سعادة السّفير العماني 77 (1/499)
صفحة 500
إيه يا حمرايات 81
مرحى بالإمام أحمد الخليلي 83
نعم اللّبنة في صرح هذا المجتمع 85
في ذكرى المولد النّبوي 87
مرحى بمؤتمر "لا إله إلاّ الله" في العطفاء لسنة 1426هـ-2005م 89
في ختام التّربّص القرآني بمجمّع الجاوة لسنة 1427هـ-2006م 93
حفل التّتويج للطلبة المستظهرين 95
مرحى بالمركز الجديد لمكتب "آل العطف" 97
في حفل تكريم حفظة القرآن وخاتميه في مدارسنا الحرة للجزائر الكبرى 101
في تجديد المكتب الإداريّ للنهضة 104
في مؤتمر "لا إله إلا الله" لسنة 1429هـ - 2008م 108
الأبواب المفتوحة على النّهضة 110
في تدشين المجمّع القرآني للبنات 113
يا ليت قومي يعلمون 114
يا دار مبناك بالطّهر مرصوص ومشدودا 116
خواطر الثمانين لملتقى "لا إله إلا الله" لسنتي: 1430هـ - 2009م 120
مرحى بالشّيخ أحمد بن حمد الخليلي 123
افتتاح الإرسال الأثيري من المسجد العتيق 125
في مؤتمر "لا إله إلا الله" 1433هـ-2012م 128
في زيارة فضيلة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي 130
في زيارة فضيلة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي للعطف 133
في مهرجان ختم التفسير 134
عند تكريمي في الولاية 138
في ندوة "بريان" الفقهية 140
مرحى بالدكتور الشّيخ فرحات الجعبيري في العطفاء 142
القسم الثقافي
تكريم فضيلة الشّيخ البكري 146
افتتاح المتوسطة ببلدية العطف 150
في يوم العلم 152
في الذّكرى الثّلاثين لاندلاع الثّورة 155
في الذّكرى الخامسة والعشرين للاستقلال الوطني 157
في مهرجان شاعر الثّورة 159
تكريم المتقاعدين، من قطاع التّربية والتّكوين 161
في المهرجان الثّقافي للجامعيين 163
في افتتاح مهرجان ألفية العطف 166
في اختتام مهرجان ذكرى الألفية 169
عتاب ونصح 171
مرحى بالمجلس الأعلى للتربية 179
أصلحوا أخطاء التّاريخ أيها المسؤولون 181
في ذكرى الإمام البكريّ 185
أهلا بأساطين التّربية والتّعليم 188
في مهرجان الشّيخ أبي اليقظان بالقرارة 190 (1/500)
صفحة 501
مرحبا بوفد المجلس الأعلى للغة العربية 195
في ملتقى "تيسير التّفسير" 197
في انطلاق فرع التّكوين الشّبه الطّبيّ 200
مرحى بأساطين المعرفة 202
افتتاحية العدد لمجلة "خريجات" مدرسة النهضة 205
وقفة مع المديرين والمربّين 207
تدشين المدرسة الجديدة لأبي سالم 209
مرحى بالخرّيجات من التّكوين الشّبه الطّبيّ 213
مرحى بوفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 216
من أجلك يا شباب 218
حفل تكريم بلدي 220
في مهرجان الطّفولة السّعيدة 224
في حفل الجوائز بالنهضة للموسم الدراسي: 2005 - 2006م 227
في الملتقى الوطنيّ الأول حول فكر القائد الرّمز الشيخ حمو فخار 230
في مهرجان معهد عمي سعيد 233
في ملتقى الشّيخ بكير أرشوم 236
في حفل تكريم 239
تقديم لكتاب (حلقة العزابة) لمؤلفه الأستاذ السعودي عيسى 242
في المهرجان المغاربيّ للطفل والكتاب. 244
حفل تكريم للشيخ الدهمة 247
في سماء العطفاء نجم أضاء 249
في الملتقى الوطني لمآثر القطب 251
في افتتاح المهرجان الدّولي للطفل والكتاب 1433هـ/ 2012م 253
كونوا حائطا لا صدع فيه 255
قسم المراثي والتعازي
السّيد سماوي إسماعيل في ذمة الله 260
شيخ البلد في ذمة الله 263
أنتم السّابقون ونحن اللاحقون 266
يا كوكبا ما كان أقصر عمره!. 269
الخاتمة السّعيدة 272
إنا لله وإنا إليه راجعون 275
رجل من جيل الإصلاح والتغيير 278
وداعا أيها الشّاب الهمام 281
الفجيعة الكبرى 284
في تأبين الشّيخ قشار بالحاج 287
وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون 290
الدّكتور صالح خرفي في ذمة الله 292
شهيد الواجب الوطني 295
مؤاساة وعزاء 298
نجم هوى وكرم انطوى 300
رئيس حلقة العزّابة في ذمّة الله 304
إمام المسجد العتيق في ذمة الله 307
الشّيخ عدّون في ذمّة الله 309
الشّيخ حمو بن عمر فخار في ذمّة الله 312
وفيها نعيدكم 315
الطالب يحي الحاج إسماعيل في ذمة الله 317
وكيل مسجد القرارة في ذمّة الله 321 (2/1)
صفحة 502
الشيخ الحاج الناصر مرموري في ذمة الله 323
تأبين المرحوم عبد العزيز الحاج مسعود 326
البلبل الغرّيد يغيب عن الوجود 327
قسم التّهاني
عرس جماعي ممتاز 331
رجل من زمرة الأمخاخ المهاجرة 334
العائدان من قبة البرلمان 337
من النّيابة إلى الوزارة 340
وفاءً بحق الزّمالة 341
في مدينة قصر شلالة 343
في التّدشين الأوّلي لمسجد "با عبد الله" 347
وفاء بحقّ الصّحبة 351
في حفل المغافرة لأئمة "وادي ميزاب". 353
في معايدة العزابة ببني يزقن 357
هنيئا لعضو مجلس الأمّة الأستاذ: محمد زكرياء 362
في اللّقاء التّغافري بالعطف 364
القسم السياسي والإداري
مع الوفد الوزاري الأول للشؤون الدّينية 368
في ظل التّعدّدية الحزبية 370
عند اتصال القمة بالقاعدة 375
في استقبال السّيد وزير الشّؤون الدّينية 377
في زيارة فخامة رئيس الجمهورية اليمين زروال 381
النّخبة المختارة 384
إن ينصركم الله فلا غالب لكم 387
رجاء واستعطاف 390
من نفحات القرآن الكريم (أزمة الخليج وعبرة القصص القرآني) 398
في عيد النصر 19 مارس 1998م 401
طبتم وطاب مسعاكم لوزير الشّؤون الدّينية 405
الوفد الوزاري بين أحضان النّهضة 407
عيد النّصر يعود 409
في الانتخابات الرّئاسية لسنة 1999م 412
في الاستفتاء لقانون الوئام المدنيّ 414
بمناسبة ترميم قصر العطف القديم 415
في ذكرى أحداث 11 ديسمبر 1960م 416
رفع انشغالات مجتمع إلى أولي الأمر 418
مرحى برئيس الجمهورية في ربوع العطفاء 425
مرحى بعيد النّصر لسنة: 1427هـ- 2006م 427
حفل استقبال وترحيب 428
الخاتمة 431
فهرس المواضيع 433
تعريف مختصر بالمؤلف
هو محمد بن ابراهيم سعيد المعروف بـ (كعباش)، من مواليد بلدية العطف ولاية غرداية، من الجمهورية الجزائرية، وآل سعيد فرع أصيل من عشيرة أولاد بكّة في بلدة العطف (تاجنينت). (2/2)
صفحة 503
أبصر نور الحياة خلال 1929م في حضن أبوين كريمين: سعيد ابراهيم بن باحمد، وبهون شيخة بنت الحاج محمد. تركه والده فقيراً يتيماً لا يزيد عمره عن سنتين، وليس معه إلا أختان، توفّيت إحداهما فأصبح وحيد أمّه وقرّة عين لها، فاعتنت بتربيته على حبِّ الله ورسوله وعلى حفظ كتاب الله في سنٍّ مبكّرة، وقد وهبه الله ذاكرة قويّة وذكاءً لامعاً، ولم يكن كتّاب قريته ليُقْنِع طموحه في التّعلم، فارتحل إلى معهد القرارة عند الإمام الشيخ بيّوض الحاج ابراهيم بن عمر، ثم إلى تونس الخضراء حيث درس العلوم العربية والشرعية في الجامع الزيتوني ودرس العلوم التطبيقية في المعهد الخلدوني.
بدأ العمل في مجال التربية والتعليم أستاذاً ومديراً في القطاع الدّيني الحرّ في فترة الإستعمار، ثم في القطاع العمومي بعد الإستقلال الوطني حتى تقاعده عن العمل سنة 1990م.
انتسب إلى الجامعة الجزائرية في أوائل السبعينيات فحصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي، وانخرط عضوا رسميّاً في حلقة العزابة للمسجد الجامع بالعطف في سنة 1958م، ثم عيّنته الحلقة إماماً ومرشداً في سنة 1970م، وهو ما يزال يقوم بمهمّته النّبيلة في الإصلاح الديني والاجتماعي نصحاً وإرشاداً وتجليةً لمعاني كتاب الله وسنّة رسوله على منبر المسجد، بعد أن حدا بصفوف الأجيال على مقاعد الدّراسة لما يقرب من أربعين سنة في مسيرة مهنية متواصلة لم تنقطع بفترة مرض أوانحراف عن الخط لوجهة أخرى، وذلك بفضل الله تعالى.
وقد أسهم المؤلف بقسط وافر من التّضحية والجهد في صفوف جبهة التحرير الوطني ويتشرّف بعضوية منظمة المجاهدين دون منّ ولا غرور، وهو متزوّج وأب لتسعة أولاد، وفّقه الله تعالى إلى مواصلة مسيرته في نصرة دينه وخدمة كتابه، وجعل عمله خالصاً مخلصاً لوجهه الكريم، آمين. (2/3)
صفحة 504
حبى الله الشيخ كعباش يدا جادة مجتهدة في الكتابة والتأليف، حيث أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات عدة منها المطبوع ومنها المخطوط، وهي كالآتي:
- الأعمال المطبوعة:
- تفسير "نفحات الرحمن في رياض القرآن" في أربعة عشر مجلدا.
- صوت المنبر في ثلاثة أجزاء (هي مجموعة من خطب منبرية لصلاة الجمعة).
- حديث الشيخ الإمام في جزئين (تخريج لدروس ألقاها الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض).
- من أخلاق القرآن في ثلاث حلقات: (صفات عباد الرحمن)، و (الوصايا العشر ووصايا لقمان)، (تفسير سورة الحجرات والمجادلة).
- صرخات على مسرح المجتمع (مجموعة خطب وأحاديث في عدة مناسبات).
- مسابقة شهر رمضان (مجموعة أسئلة مع الأجوبة النموذجية).
- تاجنينت أم القرى الميزابية في ذكراها الألفية.
- جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح (تراجم لشخصيات إصلاحية في بلدة العطف).
- شرح الصدور لتفسير سورة النور.
- الدّر النظيم في فعاليات التدشين والتكريم (مجموعة الأحاديث والخطب التي قيلت في مناسبات التكريم أو التدشين لبعض المشاريع).
- رحلة العمر (ترجمة مفصلة لحياة الشيخ).
ومن المخطوط:
- حديث يوم الخميس في شرح مسند الإمام الربيع بن حبيب.
- النداء الربّاني للمجتمع الإيماني (تفسير لما ورد في القرآن من نداءات "يا أيها الذين آمنوا").
- المجموعة السنية من الرسائل الفنية.
- القول الوثيق في زيارة البيت العتيق.
- خطرات ومواجد شاعر (مجموعة من القصائد الشعرية).
- مجموعة محاضرات: ألقاها المؤلف في عدة مناسبات.
- المذكرات اليومية (عبارة عن 25 سجلّ يضمّ ما يزيد عن 6000 صفحة). (2/4)