صفحة 1
الكتاب: صوت المنبر
تأليف: فضيلة الشيخ/ محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
الحلقة: الثالثة
تخريج الأحاديث، الفهرسة، والتنسيق الفني:
قاسم بن عمر حاج امحمد
عبد الله بن موسى ابن عيسى
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) صوت المنبر
تأليف فضيلة الشيخ
محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
الحلقة الثالثة
تخريج الأحاديث، الفهرسة، والتنسيق الفني:
قاسم بن عمر حاج امحمد
عبد الله بن موسى ابن عيسى
شكر وامتنان
إنّ الإنسان -مهما عظُم شانه- قليل بنفسه كثير بإخوانه، فما أسعد الإنسان الذي يستكثر من خلاّنه، بحسن أخلاقه وطيب معشره وجليل إحسانه، فكم من طموحات تملأ جوانحي فلا تجد في واقع الحياة لها إنجازاً وتحقيقاً إلاّ بمساعدة وإسناد من الأصدقاء والأوفياء، وكم لديّ من تسجيلات في مختلف المواضيع تنتظر اليد الحانية لترى نور الحياة؟، وعسى الله يتيح لها في مستقبل الأيّام ذلك الحضن الحنون، ولا عليّ إن بقيت حيّاً أو اخترمتني المنون.
وهذه الحلقة الثالثة من كتاب "صوت المنبر" كان لها الحظّ السّعيد أن تلتحق بأختيها الحلقة الأولى والثانية، فتبرز للقرّاء الكرام بفضل مساعدة إخوة لنا أجلاّء، أمدّونا بعونهم المادّي والأدبي، زادهم الله كرماً وفضلاً، وبارك مسعاهم وزكّاهم شهامةً ونُبلاً، فإلى هؤلاء وإلى عضُديّ في الرّقن والتّخريج والتّنسيق الأستاذين: حاج امحمد قاسم بن عمر، وابن عيسى عبد الله بن موسى، أقدّم شكري وامتناني، راجياً من المولى الكريم لهم دوام الصّحّة والعافية وحسن التّوفيق والسّداد.
المؤلّف
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدمة
سبحانك اللّهم يا ذا الجلال والإكرام، سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/1)
صفحة 2
فها أنا ذا أعود إليك -أيها القارئ الكريم- لأحمل إليك الباقة الثّالثة من مجموعات "صوت المنبر"، وأنا على كامل الثّقة بأنك ترتقبها بشغف وشوق لتضمّها إلى رفيقتيها الأولى والثّانية، وهي كلّها تتكامل في حسن منظرها وطيب أريجها، وقد تنوّعت هي الأخرى في مواضعها وعناوينها إحياءً لمناسبات وطنية ودينية، ومعالجةً لقضايا وطنية أو عالمية، أو تحليلاً لمشاكل اجتماعية.
ولست بمدّعٍ العصمة في الطّرح ولا المثالية في الأداء، بيد أنّني مرتاح الضّمير مطمئنّ البال بأنني قد أخلصت في النّصح والإرشاد، وصَدَقْتُ القول في الدّعوة والتّبليغ عن قناعة تامّة وإيمان صادق بما أتصوّره وأعتقده، وأنا أؤمن بأنّ كلّ كلام يحتمل الخطأ والصّواب إلاّ حديث الصّادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.
ولا شك -أيها القارئ الكريم- أنّك ستتناول هذه الباقة بتدبّر وتمحيص، وأنت محترم في رأيك ومشكور على نقدك وملاحظاتك، وحسبي بما أقدّمه بين يديك أنّه قد صدر من قلب مخلصٍ، ونفس مليئة بحبّ الخير لكلّ نفس مؤمنة تلتقي معها في حظيرة الإيمان، ولكلّ نفس تؤثر الكرامة الإنسانية على ما سواها من متاع الدّنيا وزينتها، غير مغرورة بفتنة الأموال والأولاد.
فقد شَغَلْتُ منبر المسجد الجامع في مدينة العطفاء قرابة أربعين سنة، داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في صبر وأناة، لم يُثْنِنِِي عن ذلك حرّ الصّيف ولا قرّ الشّتاء، ولم يستفزّني قدح ولا ثناء، إذ وثقت صلتي بالله وحده، وجفوت الوسطاء، وأنا ما أزال -بفضل الله- أواصل مسيرتي الدّعوية حتى اليوم متّزن الخطا، متناغم الصّوت مع الجماهير المؤمنة، في تجاوب حيّ وتفاعل عميق. (1/2)
صفحة 3
وهذه الباقة مع مثيلاتها هي بعض الجَنْي من تلك الرّوضة الفيحاء، يتضوّع شذاها فينعش النّفس ويطمئن الخاطر، وهي تتفيّأ ظلال القرآن والسّنة، وتقتبس من أقوال الحكماء وخواطرهم ما يزيد الرؤى وضوحاً والحقائق جلاءً وبياناً.
فصلوات الجُمَع هي المحطات الأسبوعية لتجمّع المؤمنين في رحاب بيوت الله، وقد نفضوا غبار الأيام وأزاحوا عن كواهلهم أثقال الشّواغل، وتوجهوا إلى مصلاّهم في زينة وطهر لمناجاة الملك العلاّم، في مظهر ملائكيّ تزيده المحبّة في الله روعة وجلالاً، وتغمر النّفوس إشراقا وإقبالا.
وفي ذلكم الجوّ الخاشع المهيب تستعدّ المدارك لحسن التّلقي والإصغاء، وتحتدم المشاعر والأحاسيس فتنتشي حماساً وازدهاءً، فإذا التّجاوب الرّوحاني يفعل فعله في النّفوس، فتفيض صفاء وطهرا، وتلهج الألسنة حمدا لله وشكرا، إذ استراحت من لأواء الحياة وأوصابها، لتعيد الكرّة بعزم جديد، وأمل هنيءٍ سعيد، وسعي رشيد.
فاللهَ أسأل أن يجعل من هذه الباقة الجديدة من صوت المنبر موردا عذبا للظمآن، وخير زاد يدّخره الرّيان، وقبسا من هدي الله يستضيء به عباد الرّحمن.
العطف يوم الجمعة: 13 جمادى الثانية 1427هـ الموافق ليوم 16 جوان 2006م
الشيخ محمد سعيد كعباش
زيارة أوّل بيت وضع للناس
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الكعبة أوّل بيت وضع للناس، وجعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بخالص الحبّ وبالغ الإحساس؛ نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، وهو الدّعوة المستجابة لإبراهيم، حين رفع قواعد هذا البيت من الأساس، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد: (1/3)
صفحة 4
فيا أمة الإسلام، لاشكّ أن أمّتنا الإسلامية تتشرّف بأنّها خير أمّة أُخْرِجت للنّاس، كلّما تَحَقَّقَ في واقع حياتها ذلكم الثّالوث المبارك الذي شهد له ربّ العزة وارتضاه مقوّما أساسيا لهوّيتها فقال جلّ من قائل: {تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران:110).
فإذا كان لكلّ أمّة منطلق في أصول حضارتها، فإنّ القرآن الكريم -وهو الكتاب المقدّس لهذه الأمّة- لم يُعِر اهتماما للأصول العرقية في تصنيف الأمم والأجناس، بل ربط منطلق هذه الأمة بأقدس بقعة على وجه الأرض، وعلى يدي رسول كريم هو صفيّ الله وخليله، سيّدنا إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء في موكب الإيمان والتّوحيد.
فأيّة عاطفة نبيلة تجيش في صدر هذا الوالد الحنون، وهو يتحرّك بأمر الله لرفع قواعد بيته؟، وأيّ أمل كان يراوده، وهو يرى امتداد ذرّيته في ولده إسماعيل؟، إنّها شعلة الإيمان الخالص تتّقِد لتضيء تلك الأرجاء، وتزيح عنها ظلمات الكفر والشّرك، وأمل القلب الكبير يطفح رحمة وحنانا على الذّرية والأعقاب، مهما استقامت أو تعثّرت، لأن الله توّاب رحيم.
ومن تلك الرّحمة الواسعة يستمدّ الوالد الخاشع الضّارع رجاءه في دعائه: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ (ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ (إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة:127 - 128 - 129). (1/4)
صفحة 5
ثمّ لا يطمئنّ بظروفهم المعيشية مستقبلا، إلاّ أن يطلب لهم من الله كفالة من رزق ورواقا من أمن واستقرار، لا لزينة الحياة ومتاعها، ولكن لحسن عبادة الله وإقامة الصّلاة: {رَّبَّنَآ إِنِّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلَ اَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم:37).
ومن حقّ الأولاد على والديهم طلب الهداية والصّلاح لهم من الله تعالى في كلّ حالة، لأنّ في ذلك سكنا لهم وإيناسا، وقد أمر الله رسوله بذلك في قوله: {خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُ (إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة:103). كما دعا إبراهيم لذرّيته فقال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (البقرة:128).
فبالله لهذا القلب الكبير كيف كان يتجاوب مع حقيقة الوجود ذكرا وشكرا لربّه الواحد الأحد، وهو يلهج بذلكم الدّعاء النّديّ في بقعة جدباء يسترزق لها ربَّ الموت والحياة، ليضمن لها البقاء ويوفّر لها الأمن والرّخاء، في ظلال الإيمان والعبادة.
أيّها المؤمنون، لنتأمل ذلك الرّبط في الآية الكريمة بين جدب الوادي وإقامة الصّلاة التي هي المرتكز في عبادة الله، فهل البطون الخاوية تقوى على عبادة الله؟، وهل النّفوس الخائفة تتفرغ لذكر الله؟. ولذا كان توفير الأمن والغذاء من أَوْلى انشغالات هذا الوالد الحنون لضمان مستقبل أولاده، غير أنّ ذلك يكون بالقدر الذي لا يُطْغِي ولا يُلْهِي. ولا يتحقّق ذلك إلاّ في الوادي الجديب، حيث لا تتجاوز زينة الحياة الحدود المعقولة، فتفضي بالنّاس إلى الطّغيان والكفران. (1/5)
صفحة 6
ومن حكمته تعالى أن يربط مصدر الرّزق برفرفة أفئدة النّاس وهوّتها إلى البيت وأهله من كل أنحاء المعمورة كلّما حلّت الأشهر الحرم. فسبحان الله ربّ هذا البيت الذي أطعم أهله من جوع وآمنهم من خوف.
لقد استجاب الله دعوة إبراهيم، فأعلى شأنه في العالمين، إذ جعل في ذرّيته النّبوءة والكتاب، وارتضى دينه الإسلامي منهجا لحياة خلقه إلى يوم يُبْعثون. فطوبى للأبناء البررة الذين وفّوا بعهد الأبوّة الرّحيمة، فأقاموا الصّلاة وعبدوا الله مخلصين له الدّين، وكانوا حقّا من المؤمنين يردّدون دعاء أبيهم في ضراعة وخشوع: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُومِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (إبراهيم:40 - 41).
الخطبة الثّانية
حمدا لله العليّ الكبير، يدبّر الأمر كيف يشاء وهو العليم القدير، نشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله القائل: (حجوّا قبل أن لا تحجّوا (1)، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أمة الإسلام، أيُّنا لا يهفو قلبه لزيارة بيت الله الحرام؟، وأيُّنا لا يتحرّق شوقا إلى تلك الأماكن المقدسة، وهو يرى مواكب الحجّاج تتأهّب للرحلة المباركة، يحدوها الرّجاء المكين في مغفرة الله ورضوانه، ويهزّها الشّوق إلى الطّواف بالبيت العتيق والسّعي بين الصّفا والمروة والوقوف بعرفات، وزيارة قبر الرّسول، والقيام بكل المناسك التي تتمّ بها فريضة الحجّ والعمرة؟.
__________
(1) 1 - رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة، كتاب الحج، باب المواقيت، حديث 2444؛ ورواه البيهقي من حديث علي، كتاب الحج، باب ما يستحب من تعجيل الحج إذا قدر عليه، حديث 8175، ومن حديث أبي هريرة، حديث 8178. (1/6)
صفحة 7
حقّا، إنّها لأَيامٌ خالدة ولحظات هنيئة، تلك التي ييسّر الله فيها الأسباب لأحد عباده، فيكون ضمن وفود الرّحمان لزيارة بيته المعمور، وليس له من القصد إلاّ أن يعظّم شعائر الله ويقدّس حرماته، ويتزوّد بخير زاد من التّقوى والإيمان، وهو يعيش بكل جوانحه تلك المتعة الرّوحية حيثما تجوّل في تلك المناسك، مُستلهِما إيّاها تلك الذّكريات الخالدة لجدّه إبراهيم. ورسول الله مع صحابته يمسح عنها غبار النّسيان، ويطهّرها من رجس الأوثان، ثم يبقيها حيّة نابضة على مرّ الزّمان ويقول لأمته: (خذوا عني مناسككم (1).
فيا أيّها الحجاج الميامي، أنتم مقبلون على أمر عظيم في قيامكم بهذا الرّكن الذي تستكملون به صرح دينكم، فلا يغرّنكم الشّيطان إنّه لكم عدوّ مبين. وحذار أن تقصّروا في ما هو من تمام حجّكم وعمرتكم عن عجز أو جهل، والله يقول: {فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل:43).
وفقكم الله إلى ذكره وحسن عبادته، وكلأكم بحفظه ورعايته في الحلّ والتّرحال، وحباكم من فضله خير العقبى وحسن المآل، والحمد لله ربّ العالمين.
الدّين والوطن متكاملان في الذّكريات
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي ارتضى لنا الإسلام دينا، وجعل الوطن لذويه حرزا أمينا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله القائل: (حبّ الوطن من الإيمان (2)، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان، أما بعد:
__________
(1) 1 - رواه البيهقي بهذا اللفظ في السنن من حديث جابر، باب جماع أبواب الحج والعمرة، حديث 8955، ورواه مسلم بلفظ "لتأخذوا مناسككم"، من حديث جابر أيضا، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، حديث 2373.
(2) 1 - نقل العجلوني في كشف الخفاء عن الصاغاني قال: لم أقف عليه ومعناه صحيح ... (1/ 413). (1/7)
صفحة 8
فيا أيها الإخوة المؤمنون، نحن في زمن اختلطت فيه كثير من المفاهيم بحكم التّقليد للقويّ الغالب، فانساقت الشّعوب المغلوبة على أمرها إلى استيراد كثير من النّظم والآداب التي لا تتفق مع أصول حضارتها، ولا تنسجم مع تقاليدها وأعرافها.
ومن تلك الحقائق التي ما تزال الشّعوب الضّعيفة تتلمّس طريقها في تحديد مفاهيمها حقيقة الدّين والوطن: أهما متكاملان أم متناقضان؟.
فإذا طغى قوم وغرّتهم الحياة الدّنيا فقالوا: ما لله للهِ، وما لقيصر لقيصر، فإن ربّ الخلق يقول: {إِنَّ الاَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف:128). ويقول: {وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمُ (أَنِ اتَّقُواْ اللهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً حَمِيداً، وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} (النساء:131 - 132).
ورسول الله -وهو قدوتنا وإمامنا- لم يخلط بين الحقيقتين عندما ترك وطنه مهاجرا إلى الله فارّا بدينه إلى المدينة المنوّرة، وهو يقول في لوعة وأسى عندما كان خارج مكة: (أما إنّي تركتك وأنتِ أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أنّ قومَكِ أخرجوني ما خرجت (1) أو كما قال.
ذلك لأنّ دين الله لابدّ له من حرز أمين يتنامى فيه، ويجد أسباب الظّهور والقوة والتّمكين. وعندما تَنِدُّ الأمّ عن وليدها -وتلك حالة مَرَضِيّة خطيرة- فلا بدّ للمولود من حاضنة توفّر له أسباب الحياة لينطلق سليما معافى.
__________
(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، أول كتاب المناسك، حديث 1742، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (1/8)
صفحة 9
ولنستمع إلى أحد روّاد النّهضة الجزائرية يخاطب شباب الجزائر ويبصّرهم بهذه الحقيقة الوجودية، وهو يتمثّلهم في خاطره النّموذج الأعلى للشباب المحمّدي إذ يقول: "أتمثّله مقداما على العظائم في غير تهوّر، ومحجاما عن الصّغائر في غير جبن، مقدّرا موقع الرِّجل قبل الخَطْو، جاعلا أوّل الفكر آخر العمل، أتمثّله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كلّ عربّي أخاً له أخوّة الدّم، وكلّ مسلم أخاً له أخوّة الدّين، وكلّ بشر أخاً له أخوّة الإنسانية، ثم يعطي لكل أخوّة حقّها فضلاً أو عدلاً.
أتمثّله مقدّما لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدّين جوهرا والوطن صدفا، وهو غوّاص عليهما يصطادهما معا، ولكنه يعرف الفرق بين القيمتين، فإن أخطأ في التّقدير خسر مرتين" (1).
أيها الإخوة المؤمنون، لقد دارت دورة الفلك لتتعانق ذكريات دينية ووطنية، ذكرى يوم عاشوراء المبارك وذكرى يوم 08 ماي سنة 1945.
لقد استقبلنا عاما هجريّا جديدا رجونا أن يكون طالعه على ديننا ووطننا مباركاً سعيداً، واحتفلنا أمس بيوم عاشوراء، وهو من أيام الله المشهودة، روى فيه ابن عباس - رضي الله عنهم - ا قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟، قالوا: يوم صالح نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوّهم، فصامه موسى، فقال - عليه السلام -: (أنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. (2)
__________
(1) 1 - هو الشّيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائرية. أنظر: البشير الإراهيمي، عيون البصائر، نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص 593 - 594.
(2) 2 - رواه البخاري في الصحيح، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، حديث 1921. (1/9)
صفحة 10
وكما روي في الأثر أنّه اليوم الذي تاب الله فيه على أبينا آدم، واستوت فيه على الجوديّ سفينة نوح - عليه السلام -. وأيّا كانت هذه الرّوايات، فإن الثّابت من سنّة رسول الله أنّه كان يُعظّمه ويأمر فيه بالتّوسعة على العيال، فقد رُوي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - عليه السلام - قال: (من وسّع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته (1) 3).
والأيام كلّها خلق لله يصرّف فيها الأقدار كيف يشاء، وليست بأيام لآدم ولا نوح، ولا هي لموسى وعيسى ومحمد ولا لغيرهم من الأنبياء والمرسلين، وكلّ ما فيها من تاريخ وما رُتِّب لها من فضل، فإنما يرجع إلى أحداث شهدتها في مسار الرّكب البشري، يقول المولى تبارك وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} (التّوبة:36). فإذا كان في اختلاف اللّيل والنّهار، وتعاقب الأيام واللّيالي عبرة لأولى الألباب، فإن ما نأخذه من يوم عاشوراء وغيره من أيام الله، إنما هو دفعة جديدة إلى الأمام، ووقفة فاحصة نحو الماضي لنحاسب أنفسنا، ونقوّم المعوجّ من سلوكنا حتى ننطلق بخطى ثابتة إلى المستقبل الأفضل.
والله تعالى -إذ خلقنا وهو يعلم ضعفنا- فتح لنا باب الرّجاء في عفوه ومغفرته، وأمرنا أن نلجأ إلى ساحات كرمه وجوده فقال جلّ من قائل: {وَمَنْ يَّعْمَلْ سُوءاً اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ’ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} (النساء:110).
__________
(1) 3 - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث جابر وغيره، حديث 3632 - 3633 - 3634. (1/10)
صفحة 11
ومع غفران الله ورحمته يتحقّق العيش الرّغيد والأمن والاستقرار، وعْد الله لا يخلف الله وعده، ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون، وهو القائل في محكم كتابه الكريم: {أَلَر، كِتَابٌ اُحْكِمَتَ آيَاتُهُ’ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، اَلَّا تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً اِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً وَيُوتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ’ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} (هود:1 - 2 - 3). فردّدوا الدّعاء الذي قال عنه الرّسول هو سيّد الاستغفار: (اللّهم أنت ربّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت (1).
ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
الخطبة الثّانية
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظّالمين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيا أبناء الجزائر المجاهدة، يا من صرختم في منطلق ثورتكم بـ"الله أكبر"، تعيش بلادنا اليوم أفجع ذكرى في تاريخها البطولي والجهادي، ذكرى يوم 08 ماي لسنة 1945، ذكرى التّضحية والفداء، وذكرى النَّخْوَة والإباء، لقد مرّ عليها في عمر الزّمان ثلاث وخمسون سنة، وما تزال فواجعها عميقة الجراح في جسم الأمة، وموعد ذكراها مثيرا للأشجان مُسِيحا للدموع، وحسبكم بخمسة وأربعين ألفا من الشّهداء قدّموا أرواحهم الزّكية قرباناً على مذبح الحرية والكرامة.
__________
(1) 1 - رواه البخاري من حديث شداد بن أوس، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، حديث 5972. (1/11)
صفحة 12
ولكنه على وطأة وقعه في نفوسنا فإنه سيظلّ في تاريخ شعبنا منارا للفخر والسّؤدد، لأنه الإرهاص المبارك واللّقاح الخصب لثورتنا المجيدة، يومٌ يقول عنه الشّيخ البشير: "يوم مظلم الجوانب بالظّلم، مطرّز الحواشي بالدّماء المطلولة، مقشعرّ الأرض من بطش الأقوياء، مبتهج السّماء بأرواح الشّهداء، خلعت شمسه طبيعتها فلا حياة ولا نور، وخرج شهره عن طاعة الرّبيع فلا ثمر ولا نور، وغبنت حقيقته عند الأقلام فلا تصوير ولا تدوين.
تستحسن العقول قتل القاتل، وتؤيدها الشّرائع فتحكم بقتل القاتل، ولكن الاستعمار العاتي يتحدّى العقول لأنه عدوّها، والشّرائع لأنها عدوّه، فلا يقوم إلا على قتل غير القاتل، ويغلو في التّألّه الطّاغي فيتحدّى خالق العقول ومنزّل الشّرائع، وينسخ حكم الله بحكمه، ورحمة الله بقسوته، فيقتل الشّيوخ والزّمنى والأطفال ... لك الويل أيها الاستعمار، أهذا جزاء من استنجدته في ساعة العسرة فأنجدك، واستصرخته حين أيقنت بالعدم فأوجدك؟، أهذا جزاء من كان يسهر وأبناؤك نيام، ويجوع أهله وأهلك بِطَان؟، ويثبت في العواصف التي تطير فيها نفوس أبنائك شعاعا؟.
أَيُشَرِّفُك أن ينقلب الجزائريّ من ميدان القتال إلى أهله بعد أن شاركك في النّصر لا في الغنيمة، ولعلّ فرحك بانتصارك مُسَاوٍ لفرحه بالسّلامة، فيجد الأب قتيلا، والأمّ مجنونة من الفزع، والدّار مهدومة أو محرّقة، والغلّة متلفة، والعرض منتهكا، والمال نهبا مقسّما، والصّغار هائمين في العراء؟.
يا يوم!، لك في نفوسنا السّمة التي لا تُمْحى، والذّكرى التي لا تُنسى، فكن من أيّة سنة شئت، فأنت يوم الثامن ماي وكفى. وكلّ ما لك علينا من ديْن أن نُحْيِي ذكراك، وكلّ ما علينا لك من واجب أن ندوّن تاريخك في الطّروس، لئلاَّ يمسحه النّسيان من النّفوس"اه (1).
__________
(1) 1 - البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص 369 - 372. (1/12)
صفحة 13
فَلأترككم -أيها الإخوة- مع بلاغة هذا المقطع الأدبّي الرّائع، تتجاوبون معه في اتّعاظ واعتبار، فطوبى لنفس تَذَّكر بصروف الأقدار وتقلّب اللّيل والنّهار.
اللّهم ألهمنا الرّشد والسّداد، واحفظنا من الشّرّ والفساد. اللهم يا خالق الأثمار من الأشجار، ويا مقلّب اللّيل والنّهار، اكف عنا شرّ الأشرار وكيد الفجّار ووساوس الأفكار، وشرّ ما يختلف بين اللّيل والنّهار، إنك أنت الواحد القهار، والحمد لله رب العالمين.
اللهُ وملائكته يصلّون على النّبي وأمّته
الخطبة الأولى
حمدا لله الذي بعث في الأمّيين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل: (من صلّى عليّ صلاة لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما صلّى عليّ، فليقلل عبد من ذلك أو ليكثر (1)، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، لقد وردت في سورة الأحزاب آيتان تحملان البشرى والرّحمة وترفعان قدر رسول الله وأمته في العالمََََََين العلويّ والسّفليّ فضلا من الله ونعمة، وتشريفا وتكريما لخير أمّة أخرجت للناس.
الأولى هي قوله تعالى: {اِنَّ اللهَ وَمَلآَئِكَتَهُ’ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (56).
والثّانية هي قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ اللهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ’ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُومِنِينَ رَحِيماً، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ’ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمُ (أَجْراً كَرِيماً} (42 - 45).
__________
(1) 1 - رواه أحمد من حديث عامر بن ربيعة، مسند المكيين، حديث 15444. (1/13)
صفحة 14
تأمّلتُ هاتين الآيتين الكريمتين بقلب يغمره الوجد وهو في إشراق وإقبال لاستدرار نفحات عيد الميلاد، واستنزال الرّحمات من ربّ العباد.
لا يعرف الوجد إلا من يكابده ولا الصّبابة إلا من يعانيها
فكم لله من نفحات يتعرّض لها المؤمن، وكم له من رحمات لا يتجافاها إلا محروم!.
وسورة الأحزاب -كشأنها من السّور المدنية- قد اشتملت على كثير من الأحكام التّشريعية والآداب الاجتماعية لتنظيم الجماعة المسلمة وإلغاء بعض العادات الجاهلية كالتّبنّي والظّهار، كما تعرّضت لأخبارٍ في السّيرة النّبوية عن غزوة الأحزاب وبني قريظة وإرجاف المنافقين في المدينة قصد إذاية الرّسول بما أشاعوه من أقوال حول زواجه بامرأة متبنّاه زيد بن حارثة. فنزلت آياتها للرّدّ عليهم وتهديدهم بأسوأ العواقب، قال تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلاً، مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} (الأحزاب:60 - 61).
في ذلك الجوّ المأفون بالدّعايات المغرضة، يحرّض الله المؤمنين على التّمسّك بما شرعه الله والاعتزاز بولاية رسول الله، ويذكّرهم بنعمة الله عليهم في انتصارهم على أعدائهم من الأحزاب، ومن ظاهروهم من أهل الكتاب. فتنزّلت هذه الآية الكريمة تشريفا وتعظيما لمقام الرّسول فقال جلّ من قائل: {اِنَّ اللهَ وَمَلآَئِكَتَهُ’ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (الأحزاب:56). (1/14)
صفحة 15
فيا للتشريف ويا للتعظيم!، ويالها من تربية إلهية عالية، تتجلّى في ذلك التّمهيد للأمر بالصّلاة والتّسليم على رسول الله، تمهيدا يجعل المؤمنين في ذلّة وحياء وفي عجز وقصور أمام صلاة الله وملائكته على رسوله، فيكون ذلك أدعى لتنافسهم وسباقهم في الصّلاة والتّسليم عليه.
يُعَقِّبُ أحد المفسّرين على هذه الآية فيقول: "وصلاة الله على النّبي ذِكْرُهُ بالثّناء في الملأ الأعلى، وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى، ويالها من مرتبة سَنِيَّة حيث تردّد جنبات الوجود ثناء الله على نبيّه، ويشرق به الكون كلّه وتتجاوب به أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثّناء الأزلي القديم الأبديّ الباقي. وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النّعمة وهذا التّكريم. وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العليّ وتسليمه؟ وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم؟، إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه، وأن يَصِلَهُم عن هذا الطّريق بالأفق العلويّ الكريم الأزليّ القديم" (1).
فكيف يؤدّي المؤمنون هذا الواجب في حق رسول الله؟، وما هي كيفية هذه الصّلاة المطلوبة؟.
إذا عرفنا أن الدّعاء من معاني الصّلاة لغويّا، فقد رُوي أنه لما نزلت هذه الآية سأل الصّحابة النّبي عن كيفية هذه الصّلاة فقالوا: يا رسول الله: هذا السّلام عليك قد عرفناه، فكيف نصلّي عليك؟، فقال رسول الله: قولوا: (اللّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليّت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد (2).
وهناك روايات بزيادات أخرى فيها ذكرٌ لأزواجه وذرّيته، والحديث مرويّ في الصّحاح والسّنن والمسانيد بصيغ متقاربة المعنى.
__________
(1) 1 - سيّد قطب، في ظلال القرآن، 22/ 38.
(2) 1 - روى البخاري نحوه من حديث كعب بن عجرة، كتب الدعوات، باب الصلاة على النبي، حديث 6022. (1/15)
صفحة 16
والتّسليم الذي عرفه الصّحابة هو المعروف بتحية الإسلام بين المسلمين، وبما ثبت في صيغة التّشهّد: "السّلام عليك أيها النّبي ورحمة الله وبركاته". وقد ثبتت أحاديث كثيرة في فضل الصّلاة والسّلام على رسول الله، منها الحديث المتقدم، ومنها ما رواه أحمد والنّسائي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله جاء ذات يومٍ والسّرور أو البِشر يُرَى في وجهه فقالوا: يا رسول الله: إننا لنرى السّرور أو البشرى في وجهك فقال: (أتاني الملك فقال: يا محمد، أمَا يُرضيك أنّ ربّك عزّ وجلّ يقول: إنه لا يُصَلِّي عليك أحد من أمّتك إلا صلّيت عليه عشرا، ولا يسلّم عليك أحد من أمّتك إلاّ سلّمت عليه عشرا (1).
__________
(1) 2 - رواه النسائي في السنن الصغرى من حديث عبد الله بن أبي طلحة، كتاب السهو، باب فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم، حديث 1274، ورواه أحمد من حديثه أيضا، مسند المدنيين، حديث 16111. (1/16)
صفحة 17
قلت: بلى أيها المؤمنون، إذا كان الإكثار من الصّلاة والسّلام على رسول الله بمنزلة هذا الفضل عند الله في الأوقات والأماكن العادية، فكيف به في الأوقات والأماكن المختارة؟. وفي هذا المعنى أيضا وردت أحاديث تشيد بفضل الصّلاة والسّلام على رسول الله في يوم الجمعة، وعند زيارة قبر الرّسول وبعد النّداء للصّلاة ... إلخ. فقد روى أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجة عن أوس بن أوس الثّقفي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: (من أفضل أيامكم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النّفخة، وفيه الصّعقة، فأكثروا عليّ من الصّلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ. قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت (1)؟ قال: إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (2). صدق رسول الله.
جعلني الله وإياكم من الذّاكرين الشّاكرين، الموقّرين لرسول الله والمصلّين عليه في كل حين.
الخطبة الثّانية
تبارك الذي سبّحت له الكائنات، وتجاوبت أصداء تسابيحه في الأرض والسّماوات، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، والصّلاة والسّلام على أفضل مولود في الوجود سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد:
__________
(1) 1 - (أي بليت).
(2) 2 - رواه أبو داود من حديث أوس، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، حديث 914؛ ورواه ابن ماجة من حديثه أيضا، كتاب إقامة الصلاة، باب في فضل الجمعة، حديث 1088. وهو صحيح. (1/17)
صفحة 18
فيا أمّة الإسلام، وماذا عن الآية الثّانية من سورة الأحزاب في قوله تعالى: {هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ’ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (43)، إنها تحمل نفس البشرى للأمة المحمّدية، إن هي اجتهدت في حمد الله والتّسبيح له. والصّلاة من الله لعباده تعني الثّناء عليهم في الملأ الأعلى، وأمره تعالى بتوجيه رحمته لهم في الدّنيا والآخرة، ومن الملائكة دعاؤهم للمؤمنين والاستغفار لهم، إنّه الجزاء الأوفى بأفضل من جنسه، وإلاّ فما قيمة ذكرنا وتسبيحنا أزاء رحمة الله وفضله علينا؟، وما قيمة ذلك الجهد الذي نقدّمه لعبادة ربّنا حتى نستحقّ عليه ذلك التّكريم؟، إنّها خزائن رحمة الله وعطاؤه الذي لا ينفد، وهو خير المعطين، وأكرم المسؤولين.
وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهم - ا أنه قال: لما نزل {اِنَّ اللهَ وَمَلآَئِكَتَهُ’ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ ... } قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصّة وليس لنا فيه شيء، فأنزل الله تعالى: {هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُه ... }. وقد عظمت منّة الله في نفس أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيرا إلا أشركنا فيه.
نعم!، إنّها العناية الرّبّانية بهذه الأمة، صانها على عينيه وأصبغها بصِبغته لتحمل مشعل الهدى والنّور، وتركّز راية التّوحيد في أرجاء المعمورة. ألا إنها لمنّة عظيمة أن يُشرِكنا الله في هذا الفضل الذي حباه رسوله، ونحن لا نستطيع أن نجاريه في مضمار الطّاعات والقربات، ولا أن نسابقه في مجال التّضحيات. (1/18)
صفحة 19
فطوبى لمن عظمت في نفسه هذه المنّة فوفّى لها حقّها شكراً لله وذكراً، وويل لمن أعرض عن ذكر الله جحوداً وكفراً، وربّ العزة يقول: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى، وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ’ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه:123 - 124).
ومن حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لأن أقول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشّمس (
وفي رواية أخرى زاد: (ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم (1)، وهنّ الباقيات الصّالحات.
فاللّهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلمّ بها شعثنا، وتردّ بها الفتن عنا، وتصلح بها ديننا، وتحفظ بها غائبنا، وترفع بها شاهدنا، وتزكّي بها أعمالنا، وتبيّض بها وجوهنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كل سوء. اللّهم اجعلنا هداة مهتدين، لا ضالّين ولا مضلّين، حربا لأعدائك وسلما لأوليائك، نحبّ بحبّك من أطاعك من خلقك، ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
الإسلام ومشكلة الفقر
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونصلّي ونسلّم على أشرف خلق الله سيّدنا محمد القائل: (كاد الفقر أن يكون كفرا (2). صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، وعلى التّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
__________
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، حديث 4990.
(2) 1 - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس، رقم 6336. (1/19)
صفحة 20
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنّ الفقر ظاهرة اجتماعية لازمت المسيرة البشرية منذ أن عرف النّاس الحياة الاجتماعية، ووضعوا معايير للتمايز والتّفاضل الاجتماعي، فكان فيهم حاكم ومحكوم وسيّد ومَسُود، وجليل وحقير، وغنّي وفقير. إلى غير ذلك من الصّفات التي اتخذوها ذريعة للتحكّم والتّسلّط ووسيلة للاستعلاء والاستغلال، وأحيانا يتخذونها مبرّرا للصراع والاقتتال.
ولذا فإنّ الرّسول الكريم لم يُبْعِد الفرق بين شرور الكفر والفقر ومفاسدهما، لأن التّعبير بـ"كاد" يدلّ على المقاربة، فإذا جاء الإسلام لمحاربة الكفر فهو بالتّبع يحارب الفقر بطرق إيجابية حكيمة، وهو وإن لم يجتثث جذور هاتين الآفتين من المجتمعات البشرية تماما، فقد خفّف من حدّتهما وقلّص من ويلاتهما. ذلك لأنّ الخالق الحكيم قد جعل من ذلك الاختلاف الطّبيعي في خلقه وسيلة للتّعارف والتّكامل والتّآزر، وإن اتخذها النّاس ذريعة للتّخالف والتّنافر. ففي مجال الخلق والإيجاد يقول تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:118 - 119). وقال في مجال الرّزق: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} (النحل:71). وقال في سورة الزّخرف: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (32). (1/20)
صفحة 21
إذًا، فظاهرة الفقر لا يمكن أن تزول، لأن طبيعة الحياة كما سنّها خالقها تقضي أن يكون بين النّاس ضعيف وعاجز، وأرملة ويتيم، ومريض ومعوّق، كما تقضي من جهة أخرى أن يكون فيهم خامل وكسول، ومن هو كَلّ على مولاه. ولكنّ الذي يصعّد من حدّة أزمة الفقر في مجتمع ما هو اختلال موازين العدالة الاجتماعية في نظام الحكم وأعراف النّاس، حتى أصبحت معالجة أزمة الفقر من أكبر المشاكل التي تواجه الحكومات.
والإسلام -وهو دين العدل والمساواة والوسطية- عالج هذه الظّاهرة بحكمة وأناة، فلم يتعسّف على أصحاب الأموال لِيَكْبِت طموحاتهم ويبتزّ أموالهم، ولم يُغْرِ الفقراء بالتّلصّص على الأغنياء والتّحامل عليهم بالحقد والضغينة، بل وضع الضّوابط للشَّرَه المالي حتىّ لا يُكْتَسب بغير الحلال، واعتبر كلّ ضروب الثّروات أنها أموال الله استخلف فيها الإنسان، ليستثمرها ويصرفها في ما يحقّق المصالح العامّة ويوفّر ضرورات الخلائق، فقال جلّ من قائل: {ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمُ (أَجْرٌ كَبِيرٌ} (الحديد:7).
وقضى الإسلام بتشريعاته العادلة أن تتوزع الثّروات وتتداول حتىّ لا تبقى حِكرا على أحد أو جماعة، ومنع كلّ ضروب الاستغلال في المجال الاقتصادي، فحرّم الرّبا وضروب القمار، ومنع الغشّ والاحتكار، ونهى عن كلّ تعامل غير مضبوط في نوعه أو عدده أو ملكيته، وحرّض المؤمنين أن يأكلوا من طعام أيديهم جهد المستطاع، وحمّل أولياء الأمور مسؤولية توزيع الثّروات العامّة بين النّاس بالعدل، مع ضمان تكافؤ الفرص لهم في العمل. (1/21)
صفحة 22
أيها الإخوة المؤمنون، حين تتحرّك عجلة الاقتصاد في هذا الجوّ المتّزن، فإن النّاس يُقبلون على العمل والارتزاق بثقة وأمان، كلٌّ ينال حظَّه من الرّزق وِفق ما قسم الله له وهو شاكر قانع، لا يطغى بالكثير، ولا يسخط بالقليل، لأنه يؤمن بقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (هود:6).
ومتى كان مُرتكَز الإنسان في أحاسيسه وشعوره على الإيمان الصّادق والثّقة في مولاه، فإن متاع الدّنيا يهون في عينيه، ويجد في نفسه السّكينة، وفي قلبه حلاوة الإيمان والتّقى. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من أراد الله به خيرا جعل غناه في قلبه، وتُقاه في نفسه، ومن أراد به شرّا جعل فقره بين عينيه (1).
ومع كلّ هذه الإجراءات الموضوعية، فإن هناك من يتعثّر حظُّه في صحّته أو في رزقه أو في أسرته، أو بما نشأ عليه من ميوعة ودلال. والإسلام لم يهمل جانب هؤلاء في تشريعاته الحكيمة، بل ضمن لهم من الحقوق الاجتماعية ما يخفّف من معاناتهم، ويجعلهم يعيشون مكرّمين في أحضان المجتمع غير منبوذين ولا مهمّشين. فجعل من ركن الزّكاة ومن أنواع الصّدقات والكفّارات موردا لا يَنْضَبُ مَعِينُه لتوفير ضرورات هؤلاء الأصناف، غير ممنون عليهم من أحد، إذ هي حقّ لله في تلك الأموال، وعلى إمام المسلمين مسؤولية إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه بغير منّ ولا أذى.
__________
(1) 1 - روى الترمذي نحوه من حديث أنس، كتاب الذبائح، أبواب صفة القيامة، حديث 2501. (1/22)
صفحة 23
ونصوص القرآن والسّنة حافلة بالتّحريض على الصّدقة وآدابها للآخذ والمعطي، ثم الإشادة بمنافعها العاجلة والآجلة. وكلّما كانت الصّدقة من كرائم الأموال وأطاييبها كان أجرها مضاعفا عند الله فقال تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران:92). وقال رسول الله - عليه السلام -: (ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة من كسب طيّب -ولا يقبل الله إلا طيّبًا- إلاّ كان الله آخذها بيمينه، فَيُرْبِيها كما يُرْبِي أحدكم فَصِيلَهُ، حتى تبلغ الثّمرةُ مِثل "أُحُدٍ" (1).
وهل بعد هذا التّشريع الحكيم يُتَّهَمُ ديننا بأنه دين تخلّف ورجعية وجمود؟، أو أنّه دين ظلم وتعسّف وصراع طبقي؟. كلا! بل هو ظلم الإنسان المتحضّر اليوم، وهو يقيم الحواجز ويصطنع الفوارق ويرفع الشّعارات الزّائفة للترييم والتّضليل، ويتشيّع للذين قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل.
أما آن الأوان للإنسانية المعذّبّة أن تنقاد لحكم الله، وللبغاة المتعجرفين أن يفيئوا إلى أمر الله!. وهل ينتظرون إلاّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟. والله يحذّرنا من سخطه وعذابه فيقول: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ اِنَّ أَخْذَهُ (أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود:102).
الخطبة الثّانية
الحمد لله الذي يقبل التّوبة عن عباده ويعفو عن السّيئات، وهو يُرْبِي ويقبل الصّدقات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
__________
(1) 1 - رواه ابن حبان في الصحيح، كتاب الزكاة، باب صدقة التطوع، حديث 3385. ورواه مسلم وأصحاب السنن وأحمد بألفاظ قريبة. (1/23)
صفحة 24
فيا من تكرّمتم بأموالكم في وجوه البرّ والإحسان، تلتمسون بذلك ما عند الله من المثوبة والغفران، احذروا من المنّ والأذى، فإن ذلك يحبط الأعمال ويبطل الصّدقات وينمّ عن ضعف في الإيمان ونقص في المروءة والكرم. قال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَى كَالذِي يُنفِقُ مَالَهُ’ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُومِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ} (البقرة:264).
وتفاديا من الوقوع في هذه النقيصة فإن الله الغنيّ القدير قد وازن بين فضيلة إخفاء الصّدقات وإظهارها فقال جلّ من قائل: {اِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُوتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَنُكَفِّر عَنكُمْ مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة:271).
فلكلّ من الإخفاء والإظهار دوافع ومقاصد، ولكلّ منهما منافع ومفاسد، حدّدها الفقهاء في الموسوعات الفقهية، وهي كلّها ترتكز على مراعاة اختلاف الدّواعي والأشخاص وتحكيم الظّروف والأحوال، فينبغي على المتصدّق أن يتجرّد عن كلّ ما من شأنه أن يهين كرامة المتصدّق عليه أو يقصد بصدقته منفعة عاجلة، فإنّ في النّاس المتعفّف الأبيّ، وفيهم المتحيّل الدّنيء، وهذا عنترة وهو الجاهليّ الفظّ يفخر بعفافه وشهامته فيقول:
ولقد أبيت على الطّوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
ولإسداء المعروف للناس وسائله الحكمية نعتمد فيها على معرفة طبائعهم ودراسة أوضاعهم والإطلاع على الظّروف المتحكّمة والأعراف السّائدة، يقول زهير الحكيم:
ومن يصنع المعروف في غير أهله يكن حمده ذمّا عليه ويندم (1/24)
صفحة 25
نفعني الله وإيّاكم بهدي القرآن، وجعلنا من أهل البرّ والإحسان، ووقانا شرور أنفسنا ومكائد الشّيطان. اللّهم إنا نسألك البرّ والتّقوى والعمل بما ترضى، ونسألك اللّهم الصّحة في الجسد، والصّلاح في الولد، والأمن في البلد، والسّعة في الأرزاق والوداعة في الأخلاق يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
في موكب الهدى والنّور
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله رحمة للعالمين، وأتمّ به نوره وأظهره على الدّين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله الصّادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، نحن على مشارف إحياء ذكرى عيد ميلاد رسولنا الأعظم سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، هذه الذّكرى الغالية تتجدّد علينا كلّ سنة كلّما حلّ شهر ربيع الأول، وهو الشّهر المبارك الذي قدّره الله ظرفا زمنيا لميلاد النّور والهدى. وكم لساعات الميلاد من بهجة وسرور لدى أفراد الأسرة! وكم لها من تحضيرات وإعدادات لتحتضن المولود الجديد، وتستقبل بها وفود الزّائرين من قريب أو بعيد!، يحدو بها الأمل وتهزّها البشرى بأن يكون المولود طالع سعد ومَعْقَد يُمْن وبركة على الأسرة كلّها. (1/25)
صفحة 26
ولا يعدو المولود الجديد أن يكون بشرا عاديا تجري عليه سنن الحياة وفق ما كتب الله له من يسر أو عسر، ومن نجاح أو خيبة، فكيف بأفضل مولود في الوجود؟، اهتزت لميلاده الأرض والسّماوات، واستبشرت به كل الكائنات، وقال في شأنه ربّ العزة: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُومِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:128). وقال مخاطبا أهل الكتاب: {يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ، قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ’ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ (إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة:15 - 16).
إن ميلاد الرّسل الكرام وفق اختيار الله للشخص أو اختياره للظرف الزّماني والمكاني أو لأقوام معيّنين، ليس حدثا عاديا يجري في الحياة حسب الوتيرة المعتادة، بل هو تقدير قدسيّ واختيار إلهيّ، له تدبيراته وضوابطه وحكمته في علم الله الأزلي، تتحدّد معالمه وآثاره في المسار البشريّ من منطلقه مع أبينا ءادم - عليه السلام - إلى خاتم النّبيّين محمد - صلى الله عليه وسلم -. ذلك لأن الله تعالى، وإن أَقْدَرَ هذا الإنسان وزوّده بطاقات عقلية لتدبير شؤون حياته، فهو لا يستطيع مهما بلغ من التّمدّن والرّقيّ أن يستغني بعقله عن هداية السّماء. (1/26)
صفحة 27
ففي عِلْمِنا المُشَاهَد وفي واقعنا المعيش يبدو أن العقل البشريّ قد بلغ شأوا بعيدا في التّقدم العلميّ والتّكنولوجي، وهو الآن يخترق الآفاق ليعرف بعض أسرار الكون، ومع ذلك فسيظل الخلاف عميقا وواسعا بين أولئك العلماء، بل يكون -أحيانا- متناقضا في التّقديرات وإعطاء الحكم للحقائق والأشياء، فكيف يستطيع البشر أن يعتمدوا على هذا العقل وحده في كشف ما وراء المادة، وما يعّبر عنه القرآن بعالم الغيب، وهو أوسع آفاقا وأدقّ أسرارا؟.
وقد أعطى القرآن مثالا على ذلك العجز عندما سأل اليهود رسول الله عن سرّ الرّوح سؤال تعجيز وإعنات، فجاء الرّدّ الإلهي الفاصل بقوله تعالى في سورة الإسراء: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85).
وفي نسق التّقرير لهذه الحقيقة الوجودية الغالبة على طبيعة البشر يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الرّوم: {وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ’ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (6 - 7).
إذن، لابدّ للنّاس من صفوة بشرية يختارها الله تعالى ويبعثها لهم لتبيّن الحق، وتكشف الحقيقة الغيبية بوحي من عالم الغيب والشّهادة، وبذلك تتجلّى رحمة الله بخلقه، ويتأكد لهم فضله وعدله، فلا يَدَعُهُم للحيرة والزّيغ والضّلال، ولا يحاسبهم إلا وفق ما أنزله على أولئك الأفذاذ من الرّجال. (1/27)
صفحة 28
أيها الإخوة المؤمنون، إذا كان أولئك الرّسل الكرام كالكواكب المنبثّة على صفحة السّماء تزدان بها وتضيء حيّزا محدودا في أفقها، فإنّ محمدا خاتم النّبيين قد بزغت شمسه على الأرض كلّها فانجلت بها الظّلمات، وتضاءلت بوهجها النّيّرات، قال تبارك وتعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ اِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً اِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} (الأحزاب:45 - 46).
لقد جاء محمد - عليه السلام - بنور القرآن فقال جلّ من قائل: {قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (المائدة:15). وقال: {اِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء:9). فما هي الحكمة الإلهية في غلق أبواب السّماوات واعتبار رسالة محمد - عليه السلام - خاتمة الرّسالات؟، وما سرّ هيمنة القرآن على الكتب المنزّلة قبله؟.
يقول أحد الدّعاة الإسلاميين في الإجابة على هذا السّؤال: "وكان محمد - عليه السلام - الرّسول الذي طلع صُبْحُه على الكون، فأنار به وأوضح ما كان مبهما أو غامضا في أرجائه. كلّ الرّسالات التي سبقت الرّسالة الأخيرة كانت رسالات محلية ومؤقتة، فلأولئك المرسلين أماكن معيّنة يعملون داخل نطاقها، ولرسالتهم أعمار محدّدة تنتهي بعدها، ولا توجد رسالة تشمل الزّمان كلّه إلا رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن هذا الإنسان الجليل هو الذي وضعه ربّه في محراب الإمامة العامّة لخلق الله في كل عصر وفي كل مصر، وأغنى برسالته عن أن يجيء بعده أحد".
ثم يقول: "لقد انتهت الهدايات كلّها في هذا القرآن الكريم، وأودعت في صحائفه كل الأشفية والأدوية التي تصحّ بها الإنسانية ما بقيت الأرض ومن عليها، فلا حاجة إلى هدي بعد ذلك" (1).
__________
(1) 1 - من خطب الإمام محمد الغزالي، 1/ 53 - 54. (1/28)
صفحة 29
أيها الإخوة المؤمنون، إذا كان اليهود والنّصارى كَبُرَ عليهم أن يكون القرآن بتلك المنزلة عند الله حفظا ورعاية، وشمولية وهيمنة، فلأنه جاء مصدّقا لما بين يديه من الكتاب، وفاصلا في ما اختلف فيه أهله، ومبيّنا لما كانوا يخفونه من الحق والصّواب. يقول تعالى: {يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} (المائدة:15). ويقول في سورة النّمل: {اِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرآئيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وَإِنَّهُ’ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} (76 - 78).
ثم إنّ كتاباً مقدّساً بنى مبادئه وأحكامه على منطق العقل ودعا أهله إلى البحث والنّظر العلمي، وكشف أسرار الوجود في الأنفس والآفاق لجدير بالخلود والصّلاحية لكل زمان ومكان، وتلك هي المعجزة الخالدة لهذا القرآن ولهذا النّبيّ الخاتم الذي أمضى حياته الفذّة داعيا إلى الله بأقواله وأفعاله وصفاته ليجسّد في واقع الحياة وفي حياة البشر ما جعله الخالق العظيم هو المقصد الأسمى للخليقة حين قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56).
فاتقوا الله -عباد الله-: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج:77). والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثّانية (1/29)
صفحة 30
تبارك ربنا وتعالى، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهين العزيز الجبّار المتكبّر، ندعوه بأسمائه الحسنى، ونضرع إليه بما هو أهل له من الحمد والثّناء، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله، بزغ فجر ميلاده بالهدى والنّور، وتفجّرت على يديه ينابيع الحق والعدل والخير، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:
فإنّ أقسى ما عرفته البشرية من متاعب ومشاقٍّ قد تولّد عن الصّراعات والفتن المتتالية، اغتصابا لأموال لم تعرف العدل في التّوزيع، أو تركيزا لسلطة خوفا من أن تتلاشى وتضيع، أو استردادا لحق مقدّس مشروع. وفي ذلك المعترك الحيويّ الموّار تُزْهَق أرواح، وتُنْتَهك أعراض، وتُبَاح حقوق شرعها ربّ العباد للناس، وأقرّتها قوانين وأعراف تواضع عليها البشر لتكون الفيصل العادل في أقضيتهم ونزاعاتهم. غير أنّ شياطين الإنس والجنّ ما فتئوا يستفزّون ويفتنون ويسعّرون الضّغائن والأحقاد، فيتدافع النّاس إلى الشّرّ والفساد.
وحين يُثْخِن النّاس أنفسهم جراحا، ويغيب العقل وتصمّ الآذان عن سماع صوت الحكمة والصّواب يجلجل صوت الحق من لدن الحكيم الخبير: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ’ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:208 - 209). (1/30)
صفحة 31
ثم يقيم الحجّة على أهل الكتاب، وقد أخذ عليهم الميثاق من قبلنا فيقول: {يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ، قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ’ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ (إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة:15 - 16).
فلكم تاهت البشرية وهي تتلمّس طريقها إلى السّلام! فها هو النّداء الإلهيّ الرّحيم، يدلّنا على الطّريق ويضع المعالم الواضحة عليه حتى لا نضلّ ولا نشقى.
أما آن لنا -نحن أبناء الشّعب الجزائري- أن ننصاع لذلك النّداء القدسيّ، وقد شربنا كأس الآلام والعذاب حتى الثّمالة، فها هي الذّكرى السّادسة والثّلاثون لاستقلالنا الوطني تعاودنا بكل ما ترمز إليه من معاني البطولة والفداء، لتذكيرنا مرّة أخرى بعهد الشّهداء، وبنعمة الله علينا في تحقيق النّصر والانعتاق، ألا يجدر بنا -وهي تصادف في هذه السّنة ذكرى ميلاد رسولنا- ألا يجدر بنا أن نستلهم اليوم من ثراته الخالد ومن سيرته العطرة ما نصحّح به مسارنا في مسلك السّلم والهناء والاستقرار، كما استلهمناه أمس في مقارعة أعدائنا بالحديد والنّار؟. فليس ذلك على همّتنا بعزيز، إذا صحّ منّا العزم وصدقت النّوايا.
فاللّهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل رشدنا، وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور واهدنا سبل السّلام، يا ذا الجلال والإكرام، والحمد لله ربّ العالمين.
شريعة الله هي مرجعيّة المسلم
الخطبة الأولى (1/31)
صفحة 32
الحمد لله الذي ركّز أحكام شريعته بكتابه المبين، وبسنة رسوله الأمين، وارتضاها لخلقه منهج حياة إلى يوم الدّين. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: لقد كان من فيض نعمة الله على هذه الأمة الإسلامية أن أكمل دينها وارتضى الإسلام دستورا لها ما دامت السّماوات والأرض، وجعل القرآن مرجعية لذلك الدّستور، لا تلتبس به الألسنة ولا تزيغ به الأهواء، لأن الله حافظه وراعيه، ورسول الله مبيّن لأسراره ومعانيه. فلم يحظ كتاب مقدّس بمثل ما حظي به القرآن من العناية والرّعاية حفظا ودراية وتبليغا، لقد كان الميثاق الأعظم للمسلمين أيام عزّتهم وسؤددهم، إليه يدعون، وبه يحكمون ويعدلون، كما أمر الله بذلك رسوله في قوله: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَكُمُ (أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنُ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمُ (أَنْ يَّفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ اَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة:48 - 50). (1/32)
صفحة 33
تجيء هذه الآيات الكريمات في سورة المائدة بعد التّنويه بشأن التّوراة والإنجيل وما فيهما من هداية ونور لأتباعهما لو أنّهم لم يخونوا بالتّحريف والتّبديل. تجيء بعد ذلك للتنويه بشأن القرآن، وتأكيد مصداقيته وهيمنته، لأنه يصدّق بما جاء في الكتب المتقدمة، ويؤمن بما جاء به موسى وعيسى، ثم هو يكشف ما وقع فيه اليهود والنّصارى من تحريف الكَلِم عن مواضعه، فكان القرآن هو الكتاب الحامل للدّين الأخير المرتضى من الله لخلقه أجمعين. وبالتّالي يبقى هو المرجع النّهائي في كلّ خلاف يقع بين أتباع الدّيانات السّماوية كلها، أو بين أتباع هذا الدّين الأخير. ومن ثمّ كان للقرآن معنى الهيمنة أي المحافظة والمراقبة لبيان وجه الحق في الكتب المتقدمة، ولكشف ما طرأ عليها من تحريف أو نسيان.
ويعجب المرء لذلك التّأكيد الإلهي في أمره لرسوله أن يحكم بما أنزل الله إليه، ولذلك التّحذير الشّديد من الوقوع في فتنة أهواء النّاس، ممّا يوحي بضخامة المسؤولية في التّبليغ والإرشاد، كما يصوّر مدى مكر اليهود وكيدهم في مجال الدّعاية والإغراء، فهم لا يألون جهدا في التّحيّل والمراوغة، بل حتى بالمساومة والمزايدة -أحيانا- في دين الله.
والنّاس منذ وجدوا على ظهر الأرض، واختلفوا في طبقاتهم الاجتماعية، قد درجوا على التّملّق والزّلفى لمن فوقهم، للإغضاء عن تطبيق بعض القوانين أو الأحكام، أو تأويل نصوصها وفق الرّغبات والشّهوات. غير أن رسول الله في مسار دعوته كان الحريص على المؤمنين في معاملتهم بالحسنى، حتىّ لا يفتنهم عن دينهم عرض من الدّنيا، ولكنّه لا يجامل أحدا في حقّ، ولا يساومه في دين الله. (1/33)
صفحة 34
فإذا عرفنا أن اليهود -حسبما تذكره روايات أسباب التّنزيل- قد عرضوا على الرّسول أن يؤمنوا به، إن هو تسامح معهم في بعض الأحكام وفق ما يشتهون، علمنا فائدة هذا الأسلوب من الإرشاد الإلهيّ لرسوله بصيغتي الأمر والنّهي: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة:48). فلا مساومة في دين الله مهما كانت الملابسات والاعتبارات، فما هي علّة ذلك التّأكيد للرسول أن يحكم بما أنزل الله في شريعته؟.
إنّه تقدير الله الأزلّي وحكمته البالغة أن يختلف النّاس في مشاربهم وتوجّهاتهم، وفقا لاختلاف بيئاتهم وأحوالهم، فناسب أن يشرّع الله لكلّ أمّة ما يناسبها من الأحكام العملية التّطبيقية.
وإذا كانت أصول الدّين في العقيدة ومكارم الأخلاق متّفقة، فإن لكلّ رسول شرعته ومنهاجه في إصلاح أوضاع النّاس وإرشادهم حتى يتدرّجوا مع أقوامهم في سلّم الحضارة والتّمدّن على حسب استعداداتهم الفطرية: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَكُمُ (أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة:48). (1/34)
صفحة 35
أيها الإخوة المؤمنون: هذه هي سنة الله في خلقه: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:118 - 119). غير أنّ المؤمن الكيّس هو ذلك الذي لا يغترّ بواقع النّاس، ولا تستخفّه متناقضات الحياة الدّنيا، لأنه يؤمن أنها معبر للحياة الأخرى، وإنّها محكّ للابتلاء والاختبار. {وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ} (المائدة:48). فهو يبادر إلى الخيرات، وينافس في مجال المبرّآت لأنها الذّخر الباقي ليوم الجزاء. ومهما اختلف النّاس أو اقتتلوا بسبب اختلافهم، فإن الفصل النّهائي بالحق والعدل لا يتمّ إلاّ في المحكمة الإلهية عندما يقوم النّاس لربّ العالمين. يقول رسول الله: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (1)
فما هو واقع المسلمين اليوم من هذه التّوجيهات الإلهية؟. إنّ أهل الكتاب قد ضلوّا عن سواء السّبيل، فأضلّونا بجاهليتهم العمياء، ونحن نتبع سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وما نزال نعاني من التّيه والضّلال بما كسبت أيدينا بعد أن تولّينا عن كتاب ربّنا وفسقنا عن هدي رسولنا: {فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ اَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (المائدة:49).
__________
(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك من حديث شداد بن أوس، حديث 7639، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (4/ 280)، ورواه الترمذي من حديثه أيضا، رقم 2459، وقال: حديث حسن (4/ 638). (1/35)
صفحة 36
وأمام الجاهلية الطّاغية يتهاوى المهزومون حين تساورهم الشّكوك، ويلحّ عليهم الواقع المعيش، فيركنون إلى الذين ظلموا ويرضون بحكم الجاهلية -حتى وهم مؤمنون بعدالة حكم الله-، ولكنّه إيمان غير يقيني، لا فعالية له في ضمير المسلم، بل هو إيمان ادعائي لا تنهض عليه دعوة ولا يقوم عليه بنيان. لأنّ الإيمان اليقيني هو الذي يدفع المؤمن إلى تجسيد ما يؤمن به في واقع الحياة مهما تطلّب ذلك من التّضحيات: {وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة:50). فاللّهم هب لنا حلاوة الإيمان وبرد اليقين غير ضالّين ولا مضلّين.
الخطبة الثّانية
الحمد لله العليّ العظيم، الهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:
فيا أمة الإسلام: لنستمع إلى هذه القاعدة العامّة التي وضعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتمحيص الأحكام الشّرعية إذ يقول: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ (. (1) فقد اعتبرها العلماء أصلا من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الدّين، ذلك لأنّ الأدلة الشّرعية تعتمد في مرجعيتها على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الإجماع والقياس والاستدلال، إلى غير ذلك ممّا هو مفصّل في أصول الفقه.
فإذا كان المصدر الأساسّي -وهو القرآن الكريم- قد تولّى الله حفظه على مرّ السّنين، فلم يستطع أعداء الإسلام أن يعبثوا بنصوصه، كما فعلوا بالتّوراة والإنجيل، فإن السّنة النّبوية -وهي البيان لما في القرآن- قد تعرضت لألوان من الوضع والتّزييف والكذب على رسول الله، تعصّبا لمذهب، أو خدمة لسياسة ما، أو ادّعاء لنبوءة، أو إسنادا لتأويل فاسد.
__________
(1) 1 - رواه مسلم من حديث عائشة، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، حديث 3345 (1/36)
صفحة 37
ولرسول الله تنبّؤات لما تكون عليه أمّته من بعده، فهو في هذا الحديث وأشباهه يضع المعيار الدّقيق للأحكام الشّرعية في صيانة مصادرها من كل دسّ أو تشويه. يقول الإمام السّالمي في شرح هذا الحديث: قوله (ليس عليه أمرنا (أي غير موافق لأمر الشّرع، وهذا يشمل جميع البدع المحرّمة كأخذ المكوس، والمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، دون الجائزة الرّاجعة إلى أصل شرعي كالاشتغال بعلم العربية المتوقف عليه فهم الكتاب والسّنة، فإنّ هذا قد يصير واجبا في حقّ بعض النّاس، وكذلك الأحوال المندوبة كاتخاذ الرّباطات والمراصد للعدوّ، وكذلك ما يرجع إلى عادات النّاس من أمور المطاعم والمشارب والملابس، فإنّه يختلف باختلاف الأحوال والأمكنة، ولكلّ قوم عادتهم ما لم تُفْضِ إلى التّشبه بأحوال المشركين، ومن تشبّه بقوم فهو منهم" (1).
لقد أخذ قوم أمثال هذه الأحاديث على إطلاقها فذهبوا يحرّمون ما أحلّ الله، واعتبروا كلّ ما لم يفعله الرّسول بدعة دونما تفريق بين أنواع الأحكام الشّرعية ولا معرفة بمقاصدها وتحديد عللها، فكثر بذلك اللّغط والادّعاء، ووقع النّاس في فتنة عمياء، أدّت في كثير من الأقطار الإسلامية إلى اعتداءات تجريحا وتكفيرا باللّسان، أو استظهارا بالسّلاح على المخالفين، واستحلالا لدمائهم وأموالهم وأعراضهم.
__________
(1) 1 - عبد الله بن حميد السالمي، شرح مسند الربيع بن حبيب، 1/ 86. (1/37)
صفحة 38
وفي مثل هذه الأوضاع المربكة من الافتيات على دين الله، ما هو المحكّ أو المعيار الذي وضعه رسول الله لتمحيص الأحكام الشّرعية؟. إنّه كتاب الله كما قال عنه رسول الله (فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضلّه الله (. (1) كما ثبت عنه أنه قال: (إذا اختلفتم في ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعنّي، وما خالفه فليس عنّي (. (2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وغفل عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها (. (3)
وملاك ذلك كلّه هو قوله تعالى في سورة الحشر: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7). وقال في سورة النّور: {فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنَ اَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ اَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ} (63).
فهل آن للمسلمين أن يفيقوا من سباتهم فيعودون إلى أصول شريعتهم، ويبنون نهضتهم على قيمها ومبادئها، ويتخذون من كتاب ربهم ومن سنة نبيّهم مرجعية لدساتيرهم ومواثيقهم، أم على قلوب أقفالها؟.
{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}.
__________
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث الحارث الأعور عن علي، كتاب الذبائح، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن، حديث 2967، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.
(2) 2 - رواه الربيع بن حبيب في المسند.
(3) 3 - رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي ثعلبة، رقم 589. (1/38)
صفحة 39
اللّهم أرنا الحق حقّا، وارزقنا اتّباعه واتّباع أهله، وحبّه وحبّ أهله، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه واجتناب أهله، وبغضه وبغض أهله، وأعذنا من أن يشتبه علينا أمر ديننا فنتبع فيه هوانا بغير هدى منك يا أرحم الرّاحمين.
الرّحمة المهداة
(ذكرى المولد النّبويّ الشّريف لسنة 1420هـ/ 1999م)
الخطبة الأولى
تبارك الذي أحسن كلّ شيء خلقه ثم هدى، أحاط علمه بملكوته فأحصى كلّ شيء عددا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله الرّحمة المهداة والنّعمة المسداة، فطوبى لمن أراد بهم ربهّم رشدا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من اهتدى بهديهم واقتدى، أمّا بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: ليس من العفوية في تدبير الله أن يقدّر ميلاد رسوله في ربيع الشّهور، وبالضّبط في اللّيلة الثّانية عشرة منه عند منفلق الصّبح، فإنّ في تقدير هذا المعلم الزّمني إيحاءات ورموزا يجب أن نحاول فكّها والتّعمّق في فهمها، فعقيدتنا الإسلامية وإن كانت في أغلب أصولها تنبني على الإيمان بالغيب فليس معنى ذلك أن نتجرّد عن واقعنا الماديّ، أو أن نغمض أعيننا عن عالمنا المشاهد، فكما أنّ ذواتنا ذات تركيب مزدوج من مادّة وروح، فكذلك هذا العالم الفسيح الذي يمور من حولنا تزدوج فيه الشّهادة والغيب، ولا يحيط بعلمهما إلا الخالق العظيم.
{هُوَ اللهُ الذِي لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (الحشر:22). (1/39)
صفحة 40
ففي الرّبيع الزّمنيّ تتفتّق بذور الحياة، فتدبّ حركة النّماء والإزهار في جسم الطّبيعة بعد البيات الشّتويّ المؤقت، فإذا بها تكتسي حلّة زاهية وتتربّع على عرشها عروسا مزيّنة تتهيّأ للإثمار والإنجاب، ودورة الزّمن اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السّماوات والأرض، ترمز لها الأيام التي خلت من شهر ربيع الأول، كما يرمز الشّهر كلّه لربيع الحياة الرّوحية تفتّق عنها ميلاد الرّسول لسطوع شمسه على العالم تتوهّج بنور الهداية وتبعث دفء السّلم والأمان. فسبحان المدبّر الحكيم، وتبارك الله أحسن الخالقين إذ بدّد الظّلمات المادية بنور الشّمس، وبدّد الظّلمات الرّوحية والنّفسية بالنّور المحمّدي الوهّاج، فقال ممتنّا علينا بهذين النّورين: {تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} (الفرقان:61). {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً اِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} (الأحزاب:45 - 46).
وما محمد في زمرة رسل الله الكرام إلاّ هذه الشّمس السّاطعة، تجمّعت فيها أشعتهم الوضّاءة، فكان ذلك التّركيب النّورانيّ العجيب، مصدر الحياة ومستودع أسرارها. يقول الإمام البوصيريّ في هذا المعنى.
وكلّ آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتّصلت من نوره بهم
وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غَرْفاً من البحر أو رشفاً من الدّيم (1/40)
صفحة 41
إنّه موكب الهداية السّماوية يحدو بقافلة البشرية ويرسم لها معالم الطّريق اللاّحب حتى لا تضلّ ولا تشقى. قال تعالى: {وَإِن مِّنُ اُمَّةٍ اِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر:24). وقال: {رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً، لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً} (النساء:165 - 166).
أيها الإخوة المؤمنون: ليست ظاهرة الوحي بمنكورة عند العرب، إذ عرفوها من خلال أهل الكتاب، وليس محمد بدعا من الرّسل في اصطفاء الله له من البشر، غير أن هؤلاء الأميّين ما شاققوا رسول الله لحِطَّةٍ في نسبه، ولا لصفة دنيئة في أخلاقه وسلوكه، ولكن شاققوه لسوء تقديرٍ في صنوف الرّجال، وسوء تحديد لمعايير الخصال. وكان من طبيعة المجتمع المكيّ "الأرستقراطي" أن يجعل المال والجاه مقياس العظمة، فما لمحمد بن عبد الله وخبر السّماء الذي يدّعيه وهو اليتيم الفقير؟، وما حجّته في ادّعاء الرّسالة، وهو لا يمتاز عنهم في البشرية بشروى نقير؟.
جاء الرّدّ الإلهي الحاسم على هاتين الشّبهتين إذ قال جلّ من قائل: حكاية عن الكفار:
أ) - {وَقَالُواْ لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (الزّخرف:31 - 32). (1/41)
صفحة 42
ب) - {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُّومِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً، قُل لَّوْ كَانَ فِي الاَرْضِ مَلآَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} (الإسراء:94 - 95).
فالوحي والنّبوءة هبة ومنزلة لا ينالها الإنسان بجهده ولا بحيلته، بل هي منّة من الله يختار لها من يشاء من عباده، قال تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاَتِهِ} (الأنعام:124).
وقال: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (الحج:75).
وقد وضّحت الآية الكريمة {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ}، وضّحت حكمة الله في تفاوت المواهب والحظوظ بين البشر ليتكامل النّاس في حياتهم الاجتماعية، والكلّ ميسّر لما خلق له، والكل في ورشة الحياة كادح لاكتساب رزقه من خلال خدمة الآخرين كما قال أبو العلاء المعريّ:
النّاس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وهذا التّدبير الحكيم لشؤون الخلق هو من مظاهر رحمة الله الواسعة، غير أن لتلك الرّحمة أقساما تتفاوت قيمتها عند الله، لا بمعيار الدّنيا وزخرفها، ولكن بالقيم الرّوحية والمثل العليا: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، فما منزلة محمد في أقسام رحمة ربه؟
إنّه القمّة السّاميّة التي لا تُسَامَى، والرّحمة المهداة التي لا تُدَانَى، نقطة حُسْنٍ حيّرت الأفهام وأعيت الأقلام.
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... في القرب والبعد منه غير منفحم
فإن فضل رسول الله ليس له ... حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... و أنه خير خلق الله كلّهم (1/42)
صفحة 43
إنّ ما عرفه الأميّون عن رسل الله السّابقين أنهم بشر معروفون في أقوامهم، غير أنّ الله أعطى لكل واحد منهم معجزة مادية خارقة للعادة تسنده وتؤيده في دعوته، فما بال محمّد لم يُؤْتَ بأيّة من مثل تلك الخوارق؟. إذن فما هو بنبيّ حقًّا، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قوله. قال تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلآَ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} (القصص:48).
فعلى رِسْلِكُم -أيها المستكبرون- فإنّ الله تعالى قادر على أن ينزّل آية، ولكنّ حكمته اقتضت أن تكون معجزة الرّسول الخاتم ممّا يتناسب مع المستوى الفكريّ والحضاريّ الذي بلغته الإنسانية، معجزة لا تفقد مصداقيتها أمام الكشوفات العلمية والمنجزات التّكنولوجية التي قدّر الله للإنسان أن يبلغها بالبحث والتّجريب الماديّ في مسرح الأرض والسّماوات، إنّها معجزة القرآن العظيم، وهو يتحدّى الثّقلين أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. هذا القرآن الذي لم يتحمّلوا حتى مجرّد سماعه لسحر بيانه: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26). (1/43)
صفحة 44
وهكذا تنهار تلك الحجّة من أساسها وخسر هنالك الكافرون، وهم يستمعون إلى قوله تعالى مقرّعا إيّاهم: {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ’ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِأَياتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ، وَقَالُواْ لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ، اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ (أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ} (العنكبوت:48 - 51).
فطوبى لمن آمن بالقرآن واهتدى بهديه، فهو التراث الخالد الذي تركه رسول الله لأمّته. ربنا آمنّا بما أنزلت واتبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين.
الخطبة الثّانية
الحمد لله الذي اصطفى لنا الدّين وجعلنا مسلمين، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الصّادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد:
فمن رحمة الله على أمّة الإسلام أن بعث فيها هذا الرّسول الكريم ليصحّح في العالمين معنى التّديّن عقيدة وسلوكا، بعد أن أصبح في الدّيانات الأخرى زهدا ورهبانية وتقشّفا، أو تصوّرات فاسدة في معنى الألوهية والرّبوبية، وتأويلات معقّدة لا يسيغها منطق ولا عقل، فقال جلّ من قائل في مهمّة الرّسول الخاتم: {يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمُ (إِصْرَهُمْ وَالاَغْلالَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف:157). (1/44)
صفحة 45
لقد اتّسم دينه القويم بطابع اليسر ورفع الحرج، كما تميّز بواقعيته في معالجة مشاكل الحياة، ودراسة قضايا الخلق وما يطرأ عليها من عوامل التّغيير والتّحديد، كل ذلك في وسطية واعتدال ومراعاة المتطلبات المادية والرّوحية.
والرّسول المبلّغ عن الله هو القدوة لأمته في كل ذلك، لا يشذّ في بشريته ولا يتألّه في رسالته، ويقول لأمته: (إني امرؤ أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني (. (1)
ومهما طرأ من انحراف في تصوّر مفهوم التّديّن قديما وحديثا، فإن الله تعالى قد أسّس القواعد المتينة وأحكم أطر الحلال والحرام لحقيقة دينه المرتضى منه تعالى لجميع خلقه إلى قيام السّاعة، إذ جعل من رسوله الكريم المرجعية الشّرعية لترسيم الأحكام ومعرفة الحلال والحرام، فقال جلّ من قائل:
أ) - {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7).
ب) - {قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران:31).
ج) - {مَّنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (النساء:80).
فليس بعد إكمال ديننا وإتمام نعمة الله علينا من مزيد كما قال ابن عباس - رضي الله عنهم - ا فلا مجال لأية فلسفة من الشّرق أو الغرب تفسد علينا ديننا بضروب من الممارسات التّصوّفية، تميت حركية ديننا وتقضي على فعاليته في تحريك دواليب الحياة وتنظيمها، وفي تزجية الأجيال وترشيدها.
اللّهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل اللّهم حياتنا زيادة في كل خير، ومماتنا سلامة لنا من كل شرّ يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
في عيد الوئام الوطنيّ
__________
(1) - الحديث: (1/45)
صفحة 46
تعود ذكرى عيد الاستقلال لسنة 1999، وبلادنا تشهد تحوّلات جذرية، بعد انتخاب رئيس الجمهورية الأخ عبد العزيز بوتفليقة، وتزامنت الذّكرى مع مناقشة قانون الوئام الوطني في المجلس الوطني الشّعبي ومع الإعداد للمؤتمر الإفريقي للقمة الذي ينعقد في بلادنا، فخصصت لهذه المناسبة السّعيدة هذا الخطاب لصلاة الجمعة.
الخطبة الأولى
الحمد لله فاطر السّماوات والأرض ومقلّب اللّيل والنّهار، وجاعل آياته عبرة لأولى الأبصار، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه من المهاجرين والأنصار، والذين اتّبعوهم بإحسان إلى يوم تشخص فيه الأبصار، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: عشنا خلال هذا الأسبوع ذكرى عيد الاستقلال الوطني لسبع وثلاثين حجّة خلت من عمر أمتنا الفتية في ظل الحرية والانعتاق، وقد وقف شعبنا الكريم في هذا المعلم الزّمني وقفة رجاء وأمل، إذ تعاوده هذه الذّكرى الغالية وهو يشيم بوادر الانفراج للأزمة الوطنية، ويعيش أحداث الوئام الوطني بكل جوانحه، وقد أثخنته الجراح وبرّحت به الآلام. ومن آيات عظمته وشهامته أن يبقى شامخا كالطود الأشمّ، هازئا بالأنواء والأعاصير، متجلّدا أمام الشّامتين، ممّن يرتقبون له سوء المصير. فليس غريبا أن ينزغ الشّيطان بين الإخوة، فيتشاكسون ويتنافرون -وذلك من سنن الحياة وصراع البقاء-، غير أنّ ديننا الحنيف علّمنا كيف نعفو ونتسامح، وكيف تتوافق ونتصالح، ألم يرشدنا ربنا تبارك وتعالى في هذا الشّأن، وقد خلع علينا صفة الإيمان فقال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن:14)؟. (1/46)
صفحة 47
وهذا رسولنا الكريم يضرب لنا أروع الأمثال في كرم الأخلاق وعظيم الخصال حين قال لأولئك الذين ناصبوه العداء: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء»، وقد مكّنه الله من رقابهم ينتظرون الجزاء. وهكذا مواقف الرّجال العظماء. وما قصة يوسف - عليه السلام - مع إخوته إلا صورة ناصعة للسياسة الحكيمة في تدبير شؤون الملك، والتي ترحم وتشفق، وتجمع ولا تفرّق، حين قال لهم: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف:92).
وكم لله تعالى من الألطاف الخفية، مهما عظم الكرب واشتدت البلية!، والمعدن النّفيس لا تزيده النّار إلا صفاء ونقاء، فها هي النّفوس تثوب إلى رشدها، وها هي صيحات البرّ والإحسان ومناشدة الصّفح والغفران ترغم أنف الشّيطان، وتغيظ الشّامتين المتربّصين: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ’ بَعْدَ حِينٍ} (ص:88)
أيها الإخوة المؤمنون: تعاودنا هذه الذّكرى الغالية وتراودنا الآمال بأنّنا إلى الوفاق ساعون، وإلى الوئام سائرون. ولا ترضى بالشّقاق والنّفاق إلاّ النّفوس الدّنيئة التي تصطاد في الماء العكر، وتجد في أسواق الغشّ والخديعة مغنما لتكتنز الأموال وتحتكر، ولكنّ هذا الشّعب الكريم والواعي بمسؤوليته يقف اليوم لهم بالمرصاد، وقد هداه الله سبل رشده، إذ أعطى القوس باريها، واستودع الأمانة راعيها، وهو اليوم جدير بالبهجة والسّرور في عيده الوطني تراوده البشائر، في ظل العزّ والكرامة للجزائر، وحريّ أن ينفكّ من عقدته ويتحدّى من يتربّصون به الدّوائر، فقد أعلنها على مسمع الدّنيا صرخة سلم وأمان، وصاغها لأصحاب الأعمال وثيقة عهد وضمان، فلا مستعتب اليوم لمتردّد أو جبان. (1/47)
صفحة 48
أيها الإخوة المؤمنون: يقول المولى تبارك وتعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ’ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، فإن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:208 - 209).
ويرشد رسوله عند اضطراب حبل الأمن ومواجهة الأعداء بحزم فيقول: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ’ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنفال:61).
وأصل السّلم في المعنى اللّغويّ التّسليم والانقياد، فيطلق على الصّلح والسّلام وعلى دين الإسلام. وقد جاء هذا النّداء الإيمانيّ بعد أن بيّن الله تعالى في ما سبق من سياق الآيات أن النّاس على فريقين في الصّلاح والفساد، فريق يسعى في الأرض بالفساد ويهلك الحرث والنّسل، وفريق يبغي بعمله رضوان الله وطاعته، فأرشدنا بهذه الآية إلى أن يكون شأن المؤمنين الوفاق والوئام، لا التنابذ والخصام. (1/48)
صفحة 49
يقول أحد المفسرين في معنى هذه الآية الكريمة: "إنّها دعوة للمؤمنين باسم الإيمان، بهذا الوصف المحبّب إليهم، والذي يميّزهم ويقودهم، ويصلهم بالله الذي يدعوهم، دعوة للذين آمنوا أن يدخلوا في السّلم كافة. وأوّل مفاهيم هذه الدّعوة أن يستسلم المؤمنون بكلّياتهم لله في ذوات أنفسهم، وفي الصّغير والكبير من أمرهم، أن يستسلموا الاستسلام الذي لا تبقى معه بقيّة ناشرة من تصوّر أو شعور، ومن نيّة أو عمل، ومن رغبة أو رهبة لا تخضع لله، ولا ترضى بحكمه وقضاه. استسلام الطّاعة الواثقة المطمئنة الرّاضية، الاستسلام لليد التي تقود خطاهم، وهم واثقون أنها تريد بهم الخير والنّصح والرّشاد، وهم مطمئنون إلى الطّريق والمصير في الدّنيا والآخرة". إلى أن يقول: "والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كلّه سلم وكلّه سلام، عالم كلّه ثقة واطمئنان، وكلّه رضى واستقرار. لا حيرة وقلق ولا شرود ولا ضلال. سلام مع النّفس والضّمير، سلام مع العقل والمنطق، سلام مع النّاس والأحياء، سلام مع الوجود كلّه ومع كل موجود، سلام يرفّ في حنايا السّريرة، وسلام يظلّل الحياة والمجتمع، سلام في الأرض وسلام في السّماء". انتهى. (1)
نعم -أيها المؤمنون-، لقد دفع الشّعب ثمن هذا السّلم غاليا، وغاص لاقتناص جواهره في بحر من دماء ودموع، وعرف كيف يقتنص عزته وكرامته من براثين الوحوش الضّارية، فهو وإن أصابه بعض العثار في مساره فحاشاه أن يرتدّ أو يخون.
__________
(1) - ظلال القرءان: ج02 / ص132 - 133. (1/49)
صفحة 50
وها قد تداعى أبناء هذا الوطن الحبيب إلى الوفاق والوئام، وتنادوا للأمن والسّلام، وهم بَالِغُوا ذلك إن شاء الله، فحذار أن يتخلّف أحدنا عن الرّكب أو أن يشرد عن القافلة، فإن الذّئب يأكل من الغنم القاصية، ولنسأل الله جميعا العفو والعافية، وبذلك يحقّ لنا أن نحتفل بعيد الاستقلال الوطني الذي نرجو أن يكون طالعه ميمونا على شعبنا المفدّى، وأن تكلّل مساعي المخلصين من أبناء هذا الوطن بالفوز والنّجاح، وما ذلك على الله بعزيز، ولا على همّة الرّجال الأوفياء ببعيد.
الخطبة الثّانية
الحمد لله الذي يوفّي الصّابرين أجرهم بغير حساب، يذلّل الصّعاب للعاملين المخلصين وييسّر الأسباب. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وسلم وعلى الآل والأصحاب.
وبعد: فإن لإدماج عيد الشّباب بعيد الاستقلال مغزى عظيما في تدبير شؤون أمّتنا وفي تأصيل مقومات شخصيتها، ذلك لأن الشّباب هم عماد نهضتها ومعقد آمالها إن هي احتضنتهم بحنان ونشأتهم على نصرة الدّين ومحبّة الأوطان، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابا وصفهم ربّ العزة بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، ففي ظلال الرّحمة تنتعش بذور المحبّة والوئام، وتتنامى أسباب الثّقة والاحترام فتتوثق الرّوابط الاجتماعية، وتصان الحقوق المتبادلة بين الأنام.
وقد وصف الله رسوله بالرّأفة والرّحمة فقال جلّ من قائل: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُومِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:128).
فيا شباب الأمة، ويا حماة عرينها: لقد دعا داعي الحفيظة والجدّ، ونادى منادي العزة والكرامة، فلا تردّد في الاستجابة، فإن التّردّد خسّة ومهانة، والتّخلف خيانة، ولتتمثلوا بشاعر الثّورة مفدي زكرياء، وهو يدلي بعهده لبلاده ويقول:
وطني بروحي أفتديك ومهجتي ... ودمي الشّريف مبرة ووفاء (1/50)
صفحة 51
عهد عليّ مدى الحياة مقدّس يذكي عروقي نخوة وإباء
وإذا الفتى لم يَرْعَ عهد بلاده فأقم عليه مأتما وعزاء
حسبي فخارا في الحياة بأنني أغدو على وطني العزيز فداء
فها هي بلادكم تقيم اليوم أفراح البشائر، وتتهيأ لاستقبال ضيوفها الكرام في قمّتهم للتآزر والتّناصر، فكونوا بحقّ شباب الجزائر، جزائر العزة والكرامة، جزائر البطولة والشّهامة، جزائر الأبطال والشّهداء، جزائر التّضحية والفداء، فلا تستفزّنّكم مواقف المتطرفين، ولا تغوينّكم وعود الانتهازيين، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَرْضِ} (الرعد:17).
ففي الناس مُذْ خُلِقوا فريقان: فريق هدى، وفريق حقّت عليهم الضّلالة. فاتقوا الله وكونوا مع الصّادقين، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
اللّهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، ووفقنا لصالح أعمالنا، واهدنا سبل السّلام، وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وجنبّنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والحمد الله رب العالمين.
التّجارة التي لن تبور
الحمد لله الذي خلقنا من ضعف، ثم جعل لنا بعد ضعف قوة، وربط بين قلوب المؤمنين بالمودة والأخوّة. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمىّ. (1)، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/51)
صفحة 52
فيا أيها الإخوة المؤمنون: لقد قضت حكمة الله أن يصوّر هذا الإنسان في أحسن صورة وأكملها، وأن يزوّده بكلّ ما يوفّر له القيام بسدّ ضروراته الحيوية بسهولة ويسر، وذلك بتكامل قواه البدنية والنّفسية والعقلية، تكاملا يجعل منه إنسانا سويّا متأهّلا لأن يكون خليفة الله في الأرض إصلاحا وتعميرا، ونصرة للحق وتمكينا للعدل. ولكن هذا الإنسان مهما حظي بتلك المؤهّلات، فسيبقى ضعيفا عاجزا أمام تحدّيات الطّبيعة وتكاليف الحياة، إن هو آثر الانعزالية وأخلد إلى الفردية المقيتة.
ذلك لأنّ الإنسان مدنّي بطبعه كما يقوله الحكماء، لا يتوفّر له ما يريد إلاّ بالمجهود الجماعيّ، ولا يجد السّكينة والاطمئنان إلا في كنف جماعته وفي حمى سربه، كما صوّر رسول الله المجتمع المسلم الفاضل بالجسد الواحد، كل فرد فيه له مقامه المعلوم ووظيفته المناسبة. فمنذ بدء الخليقة والحكماء يحلمون بالمدينة الفاضلة، ويرسمون لها التّصاميم المطلوبة، ويضعون لها الأنظمة المناسبة، ولكن ذلك بقي حلما جميلا يدغدغ خيال أولئك الحكماء، ولم يستطيعوا تجسيده في الواقع المعيش. حتى جاء الإسلام بتعاليمه الحكيمة، التي تتجاوب مع الفطرة السّليمة التي فطر الله النّاس عليها، فاستطاع رسول الله، بعون من ربه، واستجابة من أصحابه، أن يحقق ذلك الحلم في الواقع المعيش، غطّى تلك الفترة الذّهبية من حياة الرّسول وأصحابه، وقد امتنّ الله عليه بقوله: {هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ (إِنَّهُ’ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:62 - 63). (1/52)
صفحة 53
والله أثبت ضعف الإنسان -وهو أعلم بمن خلق- فقال جلّ من قائل في سورة النّساء: {وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفاً} (28). ولكنّه في كثير من إرشاداته يدعو إلى التّضامن والاعتصام بحبل الله، ويأمر بالتّعاون على البرّ والتّقوى، كما يندّد بالتّنازع والتّفرّق فيقول جلّ وعلا: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران:103). ويقول في سورة الأنفال: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (46).
فجعل تعالى من الاعتصام بحبل الله والاستقامة على صراطه مع الصّبر والمصابرة في تحقيق ذلك، أعظم وسيلة للوحدة والتّضامن، وأمتن رابطة للوفاق والانسجام.
فما أسعد أمّة تلوذ بركن ربّها محتمية به في العسر واليسر، مستعينة به في المنشط والمكره، إذ تصبح كما مثلها الرّسول كالجسد السّليم تتداعى أعضاؤه في الآلام والآمال.
أيها الإخوة المؤمنون: ذلك ما حاوله أجدادنا في مسيرتهم الطّويلة الشّاقة في تأصيل مقوّمات المجتمع الفاضل وفق مواصفات كتاب الله وسنة رسولهن فأرادوه لأبنائهم وأحفادهم مجتمعا ربّانيا سُدَاه بيت الله، ولحُْمَتُه المؤسسات الخيرية التي تنشر البرّ والإحسان، وتضمن بقاء المجتمع واستمراريته على مرّ الزّمان، وقد ناوشته في مسيرته الألفية منذ عهد الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي (1) أزمات، وضايقته تحديات من الدّاخل والخارج، فما وهن لما أصابه في سبيل الله وما استكان، ولا زهد في مقومات شخصيته ببريق الدّنيا ومغرياتها، ولا فرّط في خصوصياته تحت أيّ ضغط أو تأثير، حتى انتهت إلينا أمانته كاملة سليمة. فهل نحن محافظون عليها حتى نسلّمها للأجيال كما تسلّمناها نقية طاهرة؟.
__________
(1) - هو الإمام الإباضي الذي أسّس حلقة العزابة في العطف عند تأسيسها سنة 409هـ (1/53)
صفحة 54
قد يقول قائل: إنّ سنن الحياة وطبيعة العمران البشري يقتضي التّطوّر والتّغيير، فكيف نريد لأنظمتنا أن تبقى متحجّرة على نمط وحد من حياة ترجع إلى القرون الوسطى؟.
وهو اعتراض وجيه معقول، غير أن أيّ نظام مهما تكن أصوله الحضارية وأسسه التّربوية، وتصوّراته الإيديولوجية، لابدّ أن يكون له ثوابت ومتغيّرات، والنّظام الإسلامي الذي نحن من نتاجه وفي صلب مقوّماته، لم يشذّ عن هذه القاعدة الاجتماعية الأصليّة. فما كان مشائخنا -رحمهم الله- من دعاة التّحجّر والتّقوقع، ولا هم من غلاة الزّهد والتّقشف، بل توخّوا طريق الوسطية والاعتدال في حياتهم الفردية والاجتماعية، كما وصف الله الأمّة الإسلامية، وكما جسّدها رسول الله في مجتمع الصّحابة -رضوان الله عليهم-
ونحن إذ ندعوكم إلى المحافظة على وديعة هذا المجتمع الفاضل، إنما نقصد بذلك ثوابت شخصيته المتميّزة، والمتمثّلة ماديا في هذه المؤسسات المادية المتعدّدة، ومعنويا في تلكم السّلوكات الاجتماعية الفاضلة من التّراحم والتّضامن، ومن الإيثار ونكران الذّات أمام المصلحة العامّة للمجتمع المسلم.
أيها الإخوة الكرام: لكَم نحن مشفقون على هذه الوديعة أن تضيع!. وعلى هذا الرّصيد الحضاريّ أن يتبدّد في تهافت الأفكار المتطرّفة الدّخيلة التي تلقّفها بعض أبنائنا دونما وعي ولا تمحيص، وكم نحن مندهشون أمام بعض الخروقات والنتوءات التي تبرز من حين لآخر في أوساطنا، وهي تمدّ أذرعها كالسّرطان القاتل، وتنفث سمومها كالحية الرّقطاء، ونحن نفتقر إلى أسباب الوقاية، بل وتعوزنا وسائل العلاج!. فما حيلتنا اليوم في تدارك الأمر؟. وهل نملك قوارب النّجاة وأحزمة الأمن بين هذه الأمواج العاتية؟. (1/54)
صفحة 55
فليس ثمّت إجابة موضوعية على مثل هذه التّساؤلات المحرجة إلا من خلال قناعاتنا الذّاتية، وإرادتنا الجماعية على مبدإ قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الأنفال:53).
وأدهى من هذا الواقع المرير أن يتبلّد فينا الوعي الجماعيّ، ويتخدّر الحسّ المدنيّ، فلا يشعر أغلبنا بالخطر الدّاهم، ولا يتنبّه للخطب الجسيم، فإن نحن وضعنا أصابعنا على آذاننا أمام صوت الصّريخ، فتلك هي الطّامّة الكبرى -لا قدّر الله-.
فأربأ بكم -أيها الإخوة المؤمنون- أن تكونوا من القانطين البائسين من روْح الله، عسانا نكون من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
الخطبة الثّانية
الحمد لله الذي اصطفى له الدّين، وما جعل علينا في الدّين من حرج، ووعد المتقين أن يكون لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل همّ فرجا. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدّا عبده ورسوله القائل: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا (. (1) صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين أما بعد: فيقول المولى تبارك وتعالى: {اِنَّ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمُ (أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ’ غَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر:29 - 30).
أيها الإخوة المؤمنون: هذه هي الوصفة الإلهية لتلكم الأمراض الاجتماعية القاتلة التي تهدّد كيان المجتمعات، يصف الله فيها الدّواء الشّافي، إن توفّرت للمريض الشّروط الصّحية اللازمة وهي:
__________
(1) - الحديث: (1/55)
صفحة 56
أ) - تحسين العلاقة بين المجتمع المسلم وبين ربّه من خلال تلاوة آياته البيّنات التي هي شفاء ورحمة للمؤمنين، ثم أداء حقّ الخالق بالمناجاة الخاشعة في الصّلاة وفق الصّورة الكاملة التي أقرّها الشّرع الحنيف. وحين يؤدي حقّ المعبود كما أمر الله فإنه تعالى سينشر رحمته بين عباده إخاء ومودّة، وتضامنا وتعاونا على البرّ والتّقوى، وذلك بوقاية الأنفس من الشّحّ والبخل والتيسير للحسنى، والاستشراف بإنفاق الأموال سرّا وعلانية إلى ما عند الله من الأجر والثّواب، لأن ذلك خير وأبقى. إنها تجارة لن تبور، لأنّ أرصدتها في بنوك الله يربيها ويدّخرها مصونة لسوق القيامة وبورصة الحشر، والله لا تضيع عنده الودائع، ولا يبخس النّاس أشياءهم. وهل من جهاد أنتم مطالبون به اليوم لمؤساتكم غير جهاد الأموال؟،
فلنستمع مرة أخرى إلى قول ربّنا، وهو يعدنا بالنّصر والفتح المبين: {يآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ هَلَ اَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ اَلِيمٍ، تُومِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ} (الصف:10 - 13). (1/56)
صفحة 57
إنها سلعة الله الغالية، تؤمِّن لكم النّجاة من عذاب أليم، وتضمن لكم النّصر والفلاح في الدّنيا، وجنّة الخلد والرّضوان في الأخرى، إنهّا السّوق المفتوحة لكلّ تاجر يحمل بطاقة الإيمان بالله والرّسول. فهلمّوا جميعا للربح المضمون والرّواج المكفول في جوار الله وفي ظلال عونه: {وَمَنْ يَّبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم} (محمد:38).
اللّهم إنّا نعوذ بك من الهمّ والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدّين وقهر الرّجال.
اللّهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا يستجاب لها.
اللّهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسّلامة من كل إثم، والغنيمة من كل برّ.
والحمد لله ربّ العالمين
إنّ خير الزّاد التّقوى
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، هدانا إلى الإيمان وشرّفنا بالقرآن، وأمرنا أن نتزوّد لرحلة الوجود فقال: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (البقرة:197).
نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمّدا عبده ورسوله خير أبناء آدم وحواء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/57)
صفحة 58
فيا أيها الإخوة المؤمنون، رحلة الوجود قدر محتوم تتمّ وفق ما قدّره الله من آجال لكلّ واحد منا، قد يرتبط فيها الإنسان بمصدر الوجود فيعبد ربّه ويشكر نعماءه، وقد ينفصم ويتيه فيتخذ من دون الله شركاء قال تعالى: {هَلَ اَتَى عَلَى الاِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً، اِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً، اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} (الإنسان:1 - 3).
ولكلّ رحلة زاد يمسك على الإنسان حياته وينجيه من المهالك ويخفّف عنه مشاق الطّريق، ولكن فعالية ذلك الزّاد تكون وفق مكوّناته المادية والمعنوية، وهي تعتمد على مدى قدرة الإنسان في أخذه بهذه وتلك، وحسن مزجه بين عناصرها في اتزان واعتدال. وفي هذا المعنى يقول تبارك وتعالى في ثنايا أحكام الحجّ من سورة البقرة يقول: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ} (197).
والحجّ رحلة شاقة لها مناسكها وضوابطها في مواقيتها الزّمانية والمكانية، وهي تتطلب جهدا بدنيا وماليا، وتقيّم المؤمن في طبعه سلوكيا وأخلاقيا، ونلاحظ أن هذا الإرشاد الإلهي جاء بعد قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ... (البقرة:197). ذلك في جانب التّخلّي عن كلّ ما يعكّر صفو الرّحلة من جدال وملاحاة، والتّجافي عن كل ما ينافي حالة التّجرّد لله تعالى من فسوق أو عصيان. (1/58)
صفحة 59
ثم يأتي التّحلّي بصفات الكمال النّسبي بما يناسب ذلك الموقف من أنواع الخير -وما أكثر أبوابه وأعظم خزائنه-، وحسب المؤمن بذلك جزاءً عند الله أن يعلم الله ما يفعله من خير، ويثيبه عليه أضعافا مضاعفة، حيث يضاعف الأجر، ويوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب.
ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن سرّ ذلك الإرشاد الإلهي في التّزوّد لهذه الرّحلة، ونحن نعلم أن الإنسان مدفوع بغريزته لأن يفعل ذلك حبّا في البقاء، وحرصا على نجاح المسعى. لأن الآية الكريمة تدعو إلى توفير الزّاد بنوعيه مع الإيحاء بتغليب الزّاد الرّوحي لأنه خير زاد.
ولكنّ هذا الأشكال سوف يتلاشى إذا علمنا سبب النّزول، فقد ورد في التّفسير المنقول أنّ جماعة من أهل اليمن كانوا يخرجون من ديارهم إلى الحجّ وليس معهم زاد ويقولون: نحن متوكّلون على الله. أنحجّ بيت الله ولا يطعمنا؟.
ومثل هذا الفهم الخاطئ لمعنى التّوكل على الله قديما وحديثا، هو الذي أوقع الكثير من المسلمين في مهاوي التّخلّف والضّياع.
ألا فليعتبر شباب "الخروج والتّبليغ" بهذه الحادثة، وليستمعوا إلى إرشاد الله، وقد سبقهم في تحريف معنى التّوكل على الله هؤلاء القوم فنهاهم الله عن ذلك.
يقول أحد المفسّرين في التّعقيب على هذه الآية: "وهذا القول فوق مخالفته لطبيعة الإسلام التي تأمر باتخاذ العدّة الواقعية في الوقت الذي يتوجّه فيه القلب إلى الله ويعتمد عليه كلّ الاعتماد، يحمل كذلك رائحة الامتنان على الله بأنهم يحجون بيته فعليه أن يطعمهم" (1)، فإذا كان التّخلّي عن الزّاد لا يجوز في الرّحلة إلى البقاع المقدسة، فما بال الرّحلات إلى غيرها من بقاع العالم.
__________
(1) 1 - سيد قطب، في ظلال القرآن، 2/ 117. (1/59)
صفحة 60
ومن البديهيّ أن يكون ما يتركه الحاجّ لإنفاق عائلته ذهابا وإيابا من جملة الزّاد المطلوب في الآية الكريمة، وديننا بحمد الله دين الوسطية والاعتدال، ودين الواقعية والمعقولية، فلا بد من الموازنة بين مطالب الجسد ومطالب الرّوح، ولا بدّ من الوفاء بحق الله وحق النّفس وحق العباد: "إن لربّك عليك حقا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعط كل ذي حق حقه".
وفي تعريف التّقوى لغة وشرعا جاء ما يلي: التّقوى في الأصل جعل النّفس في وقاية مما تخاف. يقال: اتقى فلان بكذا، إذا جعله وقاية لنفسه. ولذلك قيل: التّقوى من الاتّقاء، وهو طلب السّلامة بما يحجز عن المخافة. والتّقوى في اصطلاح الشّرع والعقل هي: حفظ النّفس عمّا يشينها ويعرّضها للملام أو العذاب، وذلك بترك أسباب السّخط و العقوبة، وفعل الفرائض المنجية المؤدية إلى النّعيم والثّواب، وإنما يكمل ذلك ويتمّ بترك بعض المباحات.
وإلى هذا أشار الحديث الشّريف الذي يقول: (الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من النّاس، فمن اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع الشّبهات وقع في الحرام، كالرّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب (. (1)
وفي هذا الحديث ما يفيد أن تمام التّقوى المشار إليه بقوله: (اتقى الشّبهات (مرتبط بطهارة القلب ونظافته من الوساوس والهواجس، ومن سيّء المشاعر وخبيث المخاطر، ولا شكّ أن هذه الطّهارة هي أمّ مكارم الأخلاق وأصل الفضائل". (2)
__________
(1) 1 - رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث 3097.
(2) 2 - الدكتور الشرباصي، موسوعة أخلاق القرآن،1/ 202 وما بعدها. (1/60)
صفحة 61
ولقد أشاد القرآن بهذا الخلق العظيم وحثّ عليه عشرات المرات بأساليب مختلفة، كما أعطى ملامح عن صفات أهل التّقوى، وما يتحقّق لهم من خير وبركات في مساعيهم وهم يواجهون صنوفا من المتاعب والمصائب. فلا تثبط من عزائمهم ولا تضعف من إيمانهم إلى آخر نَفَسٍ من حياتهم فيتوفاهم الله مسلمين أوفياء. وتلك منزلة عليا لخواصّ المتقين، وهي ميسورة لمن دونهم إذا حالفهم التّوفيق. يقول المولى تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} (الأنفال:29).
والتّقوى تتفاوت قيمتها عند الله، ويختلف أثرها بين إنسان وآخر بحسب الدّوافع النّفسية والتّوجّهات الرّوحية. والله تعالى يدعونا إلى استشراف المراتب العليا في هذه الصّفة فيقول: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران:102).
ولعلّ الملفت للنظر في موقع هذه الآية الكريمة أنها جاءت بعد تحذير المؤمنين من فتنة أهل الكتاب، وهي صراع لا ينقطع وعداوة لا تزول، مما يستلزم الثّبات والصّبر لصيانة الجماعة المسلمة من التّشرذم والانحلال.
ولا يتأتّى ذلك إلا بتقوى الله حق التّقوى، وبالأخوّة الصّادقة في الله، حتى تواجه تبعات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والدّعوة إلى الخير لتحقق بذلك وصف الخيرية لهذه الأمة كما أرادها الله تعالى أن تكون.
وإذا تحققت هذه التّقوى في عباد الله المؤمنين، فإنّ الله تعالى يعدهم بالخير الجزيل في العاجل والآجل، وكم من آيات في القرآن الكريم أبرزت تلك الثّمرات العظيمة التي يجنيها المؤمن المتقي!. نورد البعض منها على سبيل المثال لا الحصر، يقول تعالى:
أ) - {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأعراف:35) (1/61)
صفحة 62
ب) - {فَاصْبِرِ اِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود:49).
وفي مواجهة بعض المتاعب التي يلاقيها الإنسان في حياته الأسرية، ومع خصومه بصفة عامة يقول تعالى:
أ) - {وَمَنْ يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ’ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} (الطلاق:2 - 3).
ب) - {وَمَنْ يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ’ مِنَ اَمْرِهِ يُسْراً} (الطلاق:4).
ج) - {وَمَنْ يَّتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ (أَجْراً} (الطلاق:5). ... وقال في شأن الأعداء:
{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً اِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120).
{فَاتَّقُواْ اللهَ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ} (المائدة:100)، {سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران:133).
الخطبة الثّانية
الحمد لله الذي يصطفي من الملائكة رسلا ومن النّاس، وهب لمن يشاء من فضله بلا حدود ولا قياس. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أمّة الإسلام، لا شكّ أنّ أنبياء الله ورسله هم أفضل من تزيّن بالتّقوى لكمال معرفتهم بالله والوفاء بحقه، ثم يأتي من دونهم من الصّديقين والشّهداء وأولياء الله الصّالحين. (1/62)
صفحة 63
فبينما كنت أتلو سورة مريم مع الجماعة استوقفني وصف الله لنبيئه يحيى - عليه السلام - في قوله تعالى: {وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً، وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} (مريم:12 - 14). فقد كان يحيى استجابة لدعوة أبيه زكرياء النبي العجوز، وهو يشكو إلى ربّه عقمه، ويخشى الموالي على تراث آبائه وأجداده في شريعة التّوراة: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمَ اَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَّرَآئي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} (مريم:4 - 6).
فيا فرحتاه، لقد جاءته البشرى من ربّه، إذ استجاب الله دعاءه فرزقه ذلك الولد الرّضي، إنه يحيى النبي الوريث الذي يرجوه لمتابعة مسيرة الإيمان وتنفيذ شريعة الله، وقد زوّده الله بمؤهلات ليحمل ذلك العبْء الثّقيل، فأتاه الحكمة صبيا، وهي لا تأتي للإنسان إلاّ بعد النّضج العقلي والسموّ النّفسيّ.
ولحسن سياسة النّاس أتاه الله الحنان هبة لَدُّنِّية لا تربّص فيها ولا تدريب، كما طهّر قلبه من دباغ السّوء، فهو لا يحقد ولا يخون، وهو في كل ذلك موصول بربّه بحبال التّقوى، لا تندّ به خواطر السّوء ولا تجمح به شهوة السّلطة، فيخيس بحق الله أو حق والديه. (1/63)
صفحة 64
ومن بديع إعجاز القرآن في هذه الآية الكريمة أن يقابل الصّفات الإيجابية في يحيى - عليه السلام - وهي التّقى وبرّ الوالدين، يقابلها بالصّفات السّلبية من الجبروت والعصيان. ذلك لأنّ مقام السّلطة الذي بوّأه الله يحيى - عليه السلام - ربما يكون مدعاة لبعض التّقصير في سياسة النّاس أو الانشغال عن ذكر الله. وحاشا لأنبياء الله ورسله أن يفعلوا ذلك وهم الصّفوة والقدوة، وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا.
اللّهم زوّدنا بزاد التّقوى، اللّهم ثبّت رجاءك في قلوبنا حتى لا نرجو ولا ندعو ولا نخاف أحدا سواك. اللّهم قنا نوائب الزّمان، ومكائد الشّيطان وسطوات السّلطان. اللّهم إنا نسألك رحمة من عندك تزكيّ بها أعمالنا، وتلمّ بها شعثنا، وتبيّض بها وجوهنا وتردّ بها عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللّهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، واحفظ غائبنا، واختم بالصّالحات أعمالنا، ووفقنا لما تحبّه وترضاه، يا خير المعطين، ويا أكرم المسؤولين، والحمد لله ربّ العالمين.
الدّخول المدرسيّ لسنة 2000/ 2001م
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها، وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة ورزقنا من الطّيّبات، واعتبر المال والبنين زينة الحياة الدّنيا، ولكنّه جعل خير الثّواب والأمل في الباقيات الصّالحات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلّت قدرته وعظمت منّته علينا بما أغدقه من فيوض الرّحمات. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله خير المربّين وأعظمهم في مصداقية المنهج ونبل المقاصد والغايات، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/64)
صفحة 65
فيا أيها الإخوة المؤمنون، لقد انتهت أيّام الرّاحة والاستجمام ومرّت فترتها بكلّ ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وها هي أيام الجدّ والعمل والمثابرة تقبل علينا ملوّحة بسياطها لتزجّ بنا في معتركها أيّا كان استعدادنا لمواجهة تبعاتها وتكاليفها، غير آبهة بما تفاجئنا به الأقدار، ولا مقدّرة لما يتحمّله كل واحد منا في هذا المشوار، لأنها لا تتخلّى عن منطق الحياة، وهو لا يقوم إلا على الحركية والتّفاعلية، ولا يعرف إلا الدّوام والاستمرارية.
وما دمنا نتحرك في إطار الزّمان والمكان، فإن الكيّس منّا هو ذلك الذي يعرف طبيعة وجودهما، ويَسْتَكْنِهُ دقائق أدائهما عند كلّ معاكسة أو تحدّ، لأنّهما من قوة الخالق التي لا تُقْهَر. فسبحان مقلّب اللّيل والنّهار، ومسخّر الجبال والأنهار والبحار، ومدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض، سبحانه هو الله الواحد القهار.
أيها الإخوة، أيّ هَمٍّ أشدّ وطأة على نفوسنا في هذه الحياة من هموم سياسة الأولاد والعيال؟، سيما وقد كَثُرُوا بعد قلّة، وصَحَّت أبدانهم بعد علّة، وحكمة الله بالغة الأثر في تدبير شؤون الخلق إذ أقامت بين الكثرة والقلة وبين القوة والضّعف معادلة لا تكاد تتخلّف، وعلى الإنسان أن يتدخّل بجهده وكسبه ليقيم التّوازن بين أطراف تلك المعادلة. وكلّ تقصير أو عجز فسوف يتولّد عنه الخلل الاجتماعي الذي يعصف -أحيانا- بالمجتمعات البشرية، حين تصبح الكثرة غثائية لا خير فيها كما تنبّأ بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال عن كثرة عدد أمته عندما يخترمها الضّعف والوهن: (بل أنتم كثرة، ولكنكم كغثاء السّيل (. (1)
__________
(1) 1 - رواه أبو داود من حديث ثوبان، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، حديث 3805. ورواه أحمد من حديثه أيضا، مسند الأنصار، حديث 21900. (1/65)
صفحة 66
ولاشك أن الجميع يلمس التّحسّن الذي طرأ على أوضاعنا المعيشية مما نتج عنه تلك الحشود الهائلة من بنين وبنات، ضاقت بهم البيوت، وعجّت بهم الطّرقات والسّاحات، وتلك نعمة نحمد الله عليها، ولكن القليل منا هو ذلك الذي يشفق ويقدّر ما لتلك النّعمة من تبعات، وما تستوجبه من جهود وتضحيات.
ولذلك لفت القرآن أنظارنا إلى هذه الظّاهرة الاجتماعية فامتنّ الله بها على المؤمنين وقال: {وَاذْكُرُواْ إِذَ اَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الاَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الأنفال:26). وبعد تذكيرهم بهذه النّعمة حذّرهم من خيانة الأمانات ومن فتنة الأموال والأولاد فقال جلّ من قائل: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ (أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنفال:27 - 28). (1/66)
صفحة 67
وهذا شعيب - عليه السلام - يشفق على قومه بما أصبحوا عليه من الطّغيان والفساد وقد زيّنت لهم الأرض فاسترزقوا بالحرام وتجبّروا على الأنام، وحاول شعيب أن يُلِين عَرِيكَتهم ويذكّرهم بما كانوا عليه من القلّة والضّعف لعلّهم يذكرون آلاء الله فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ’ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمُ (إِن كُنتُم مُّومِنِينَ} (الأعراف:85). {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنَ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (الأعراف:86).
وصدق الله العظيم إذ يقول: {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (العلق:6 - 7).
نعم، ذلك هو شأن الإنسان عندما لا تخالط قلبه بشاشة الإيمان. فليتفقد كل واحد منّا طاقته الإيمانية في نفسه، لأنها الجهاز المعنويّ للمناعة والحصانة، فإن الله تعالى عندما يخاطب المؤمنين يستجيش عاطفة إيمانهم كلّما تعلّق التّشريع بأمر ذي بال لصالح الدّين والدّنيا، فيتكرّر النّداء بـ"يا أيها الذين ءامنوا" وبصيغة الجمع حتى يكرّس المسؤولية التّضامنية بين المسلمين في تطبيق تلك الإرشادات، وفي التّذكير بنعمة الأولاد وتحمّل مسؤوليتهم تأتي مثل هذه النّداءات القرآنية:
أ) - {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم:6).
ب) - {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمُ (أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المنافقون:9). (1/67)
صفحة 68
ج) - {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} (التّغابن:14).
د) - {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ (أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنفال:27 - 28).
ومن فضل الله علينا في هذا العصر أن خفّت مسؤولية الوالدين نحو أولادهم فأصبحت موزّعة بين البيت والمدرسة، بل هناك تنظيمات مدنية أخرى قد تحمّلت قسطا وافرا في التّأطير والتّدعيم. ولكن مهما تكن فعالية تلك المؤسسات، فإن الأسرة والبيت سيبقيان الرّكيزة الأولى في كل عملية تربوية تهدف إلى التّغيير والإصلاح، وتؤمّن للأمة أسباب الخير والفلاح:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيّب الأعراق
أيها الإخوة المؤمنون، تفحّصوا من حواليكم الأوضاع السّائدة في حيّزنا المكاني الذي نعيش فيه، فسوف تجدون تربة نَكِدَة تمازجها كثير من عناصر الشّرّ والفساد، وجوّا مغبرّا بذرّات الهواء الملوّث، وأشعّة باهتة لا تكاد تغني الطّبيعة بعناصر الحياة الطّيّبة الطّاهرة، فإذا كنّا نحن وأولادنا نتحرّك في ثنايا ذلك المكان، وتتنفّس مضطرين في مثل ذلك الجوّ، فلا مناص لنا من اتخاذ أسباب الوقاية، وانتقاء الوسائل الكفيلة بالحدّ من انتشار العدوى واستفحال المرض. وهي لا تعوزنا إذا توفّرت لدينا النّوايا المخلصة والعزائم الصّادقة.
على أن سنن الحياة قد علّمتنا أن لا نركن إلى القنوط واليأس إذا رأينا بعض الضحايا منّا قد داهمهم المرض أو ظهرت عليهم بعض أعراضه، إذ لا مفرّ من ذلك، غير أنّ الواجب يقتضي منّا أن تتكثّف جهودنا في توفير وسائل الإسعاف للمصابين، ووسائل الحماية للمعافين. فهل نحن على المستوى المطلوب في هذا المجال الاجتماعي التّضامني؟. (1/68)
صفحة 69
كلّنا يعرف الجواب على هذا السّؤال، إذا كنا نعيش واقعنا بضمائر يقظة وقلوب واعية، وإلا فلات ساعة غفلة ولات ساعة جهل!.
ونحن من موقعنا الإرشاديّ نعلنها صرخة مدوّية، بأن الخرق يكاد يتسع على الرّاقع، وأنّ أغلبنا يكاد يستسلم للأمر الواقع، وأنّ القيم التي يمتاز بها مجتمعنا أصبحت في مهبّ الريّح إن لم نوّطد ركائزها بعزم وصلابة، وما تلك الرّكائز إلا هذه التّنظيمات العرفية التي هي من أصالة تراثنا، وهي اللّبنات المتينة التي تشدّ صرح مجتمعنا وتقيه شرّ الأنواء والأعاصير. فليراجع كلّ واحد منّا نفسه وليضع يده على صدره ليتبيّن مقدار مساهمته في ترسيخ تنظيماتنا العرفية وتدعيم مؤسساتها. وكل تقصير أو عجز في هذا المجال وكلّ شحّ أو بخل بالجهد أو الجاه والمال، إنما هو خيانة للأمانة وخذلان للجماعة، وخرق في سفينة المجتمع يعرّضها -لا قدر الله- للغرق والهلاك.
فليحذر المتخاذلون الوانون أن تصيبهم قوارع الدّهر وتلحقهم لعنة الأجيال. فها هي طبول العمل والكفاح تدقّ، وها هي جحافل الأجيال تتحرك، فلنكن لها روّادا أوفياء وحداة أمناء.
اللّهم إنا نسألك البرّ والتّقوى والعمل بما ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.
الخطبة الثّانية
نحمدك اللّهم يا من خلقتنا ورزقتنا من الطّيبات، وفضلتنا على كثير من المخلوقات، سبحانك أنت المدبّر الحكيم، وأنت وليّنا فاغفر لنا واهدنا إلى صراطك المستقيم. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله القائل: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى لما يطلب (1)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
__________
(1) 1 - روى الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء، أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث 2730. ورواه أحمد باللفظ المذكور من حديث صفوان بن عسال، مسند الكوفيين، حديث 17822. (1/69)
صفحة 70
فيا شباب الإسلام، ويا أبناء الأمة الأبرار، غدا -بحول الله- تحتضنكم المؤسسات التّربوية بحبّ وحنان، وقد هزّها الشّوق إلى لقياكم، وستجدون في أحضانها كل أسباب الطّمأنينة والهناء، وتحبوكم بكلّ ما لديها من وسائل التّربية والتّعليم، وتلقّن لكم مبادئ الخلق الرّفيع، ومن أعزّها وأغلاها حبّ العمل وإتقانه كما أمر به الإسلام، وأملاه القرار الرّسميّ لوزارة التّربية الوطنية، حتى يكون المنطلق المتفائل لمسيرة شعبنا في هذه السّنة الأولى من الألفية الثّالثة، والتي نرجو أن يكون طالعها ميمونا على وطننا وعلى الأمة الإسلامية جمعاء.
وما أُوتِيَت الشّعوب المتخلّفة إلاّ من التّواني في العمل والرّداءة في التّسيير، فاستعدّوا أيها الأبناء -رعاكم الله- فقد دقت ساعة الجدّ والعمل، وانفضوا عنكم غبار العجز والكسل، وسيروا على بركة الله مزودّين بالعزم والأمل، متأكدين أنّ كلّ من سار على الدّرب وصل، والتمسوا بطلبكم للعلم رضى الله في نبل القصد وشرف الغاية، أن تصبحوا -بحول الله- حماة للدين والوطن هداة مهتدين، قرّة أعين لوالديكم ومربّيكم، أئمة للمتقين.
فهذا رسول الله يبشرنا بأن الملأ الأعلى يدعون لطالب العلم أن ييسّر الله له الأسباب، ويذلّل الصّعاب، ويفتح له من أسرار العلوم مغاليق الأبواب فلا تستغنوا -أيها الأبناء- بما عندكم من العلم عن صالح الدّعاء، فإن الله هو الغنيّ وأنتم الفقراء، ولا تتمرّدوا على أساتذتكم ومربّيكم، فإنهم هم آباؤكم الأوفياء. بادلوهم حبّا بحبّ ووفاء بوفاء، وبرّوهم في كلّ ما يأمرونكم به، لأنهم لا يريدون لكم إلا الخير والهناء.
ربّ اجعلني مقيم الصّلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعائي، ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين. يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله رب العالمين. (1/70)
صفحة 71
نظرة الإسلام إلى الحياتين: الدّنيا والأخرى
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل لنا الأرض مهادا، وقدّر فيها من الأقوات ما يكفل الرّزق لكل من يدبّ على ظهرها فقال تعالى ممتنّا علينا: {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن شرّ ما ابْتُلِيَ به المسلمون، وكان سببا في ضمورهم الحضاريّ وتخلّفهم الثّقافي والفكريّ هو سوء فهمهم لفلسفة الحياة في الإسلام وازدواجيتها بين الحياة الدّنيا والحياة الأخرى. وبالتّالي أخطأوا في تقديرهم لحقيقة الحياتين كما بيّنها القرآن الكريم والسّنة المطهّرة.
ونتيجة لسوء الفهم والتّقدير فقدوا ذلك التّوازن الذي كان عليه السّلف الصّالح من هذه الأمة في أخذهم بالأسباب المادية والرّوحية وسعيهم للحياتين بوسطية واعتدال قائمة على أساس المقولة الأثرية: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".
وبين هذين الموقفين يعيش المتطرّفون على طرفي نقيض: بين المادية الملحدة، والرّهبانية المميتة. فتتصارع الفكرتان، إذ يقوم لكل منهما أتباع وأشياع وتسخّر لهما الوسائل الدّعائية والمغريات السّخيّة، وكل فريق بما لديهم فرحون، وفي تحقيق أهدافهم مستهترون. (1/71)
صفحة 72
وبين هؤلاء وهؤلاء يرتكز موقف الإسلام على الوسطية والاعتدال على قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار". ومصداقا لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُو أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} ... (البقرة:143). ونجد القرآن الكريم يحذّر في كثير من نصوصه من أن ينخدع المؤمنون بمفاتن الدّنيا وزينتها ويعتبرها متاعا قليلا ومتاع الغرور، فيرسم لفنائها صورا بليغة ويضرب لتقلّب أحوالها أمثالا هي في غاية الدّقة التّعبيرية والتّصوير الفنيّ الممتاز، فلنستمع إليه تعالى يقول في محكم كتابه الكريم:
أ) - {اِعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الاَمْوَالِ وَالاَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ اَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ’ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد:20).
ب) - {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالاَنعَامُ حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس:24). (1/72)
صفحة 73
وأزاء هاتين الآيتين الكريمتين يأتي الإرشاد الإلهي لما يجب أن يستشرفه المؤمن من الحياة الباقية بطلب رضوان الله ومغفرته والسّعي الحثيث لتحقيق ذلك بالإيمان الصّحيح والعمل الصّالح، فيقول جلّ شأنه بعد الآية الأولى: {سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أُعِدَّتْ لِلذِينَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد:21).
ويقول بعد الآية الثّانية: {وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (يونس:25).
وإلى جانب النّصوص القرآنية نجد السّنة المطهرة لم تهمل هذا الجانب من التّنبيه لحقيقة الدّنيا وكيف يجب أن يكون موقف المؤمن منها. ففي السّيرة العملية لرسول الله نلاحظ ذلك الحذر من زخرف الدّنيا ومتاعها، على ما أفاء الله عليه من كنوزها ومغانمها. إذ لم تتغيّر قطّ وتيرة حياته في عسر أو يسر وفي شدة أو رخاء، بل عاش -عليه الصلاة والسّلام- عيشة الفقير المسكين حتى اضطرّ -كما أمره الله- إلى ذلك الموقف التّخييري لأزواجه -رضوان الله عليهن- في الرّضى بصحبة رسول الله والقناعة بما أتاه الله، أو تسريحهن بالحسنى إن هنّ جَفَوْنَ ذلك، كما وضحته آية الأحزاب في قوله تعالى:
{يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَالدَّارَ الاَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:28 - 29). (1/73)
صفحة 74
فما كان لمحمّد أن تغريه زينة الدّنيا أو أن تلهيه شواغلها عن أداء مهمّته الدّعوية، والقيام بشؤون أمته الفتية، وهو يخرجها -بعون الله- خير أمة في التعبئة الرّوحية والصّلاح الاجتماعي كما أرادها الله، وكيف تفتنه الدّنيا ومولاه تبارك وتعالى يرشده إلى المنهج القويم في تعامله مع النّاس، وفي اختبار توجّهه في واقع حياتهم فيقول له تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ’ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الكهف:28).
ثم هو في مجال القدوة والإرشاد لا ينفكّ عن ذلك الإطار من القناعة والكفاف فيقول للرجل الذي سأله: يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبّني الله وأحبّني النّاس فقال له: (ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد في ما عند النّاس يحبّك النّاس (. (1) ثم ينصح ابن عمر فيقول له: (كن في الدّنيا كالغريب أو عابر سبيل (. (2)
ولنا أن نتساءل: هل يمكن لكل النّاس أن يكون لهم مثل هذا التّوجّه لحياة الرّسول المثالية؟ وهل خلق الإنسان ليكون بليد الإحساس منقبض النّفس، فاقد الرّغبة في متاع الدّنيا وزينتها؟، وهل خلقه الله وسخّر له ما في السّماوات وما في الأرض ليعيش غريبا بين خيراتها وأرزاقها؟.
كلاّ -أيها الإخوة المؤمنون-، فإنّ الله الذي حذّرنا من فتنة الدّنيا هو الذي أودع فينا غريزة حبّ البقاء، وجعل من سنن الحياة وحركيّتها أن يكون الصّراع بين الأحياء، وداول الأيام بين النّاس ما بين السّرّاء والضّرّاء، وقدّر للإنسان أن يحيا في محكّ الاختبار والابتلاء.
__________
(1) 1 - رواه الحاكم من حديث سهل بن سعد، كتاب الرّقاق، حديث 7985، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(2) 2 - رواه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب الرّقاق، باب قول النبي "كن في الدنيا كأنك غريب"، حديث 6079. (1/74)
صفحة 75
فإذا كانت تلك هي فطرة الإنسان بطبعه وميوله فإن التّعادلية في حياته تقيّض الأخذ بيده في المجالات الرّوحية حتى لا يضلّ ولا يشقى. يقول المولى تبارك وتعالى في تشخيص واقع حياة الإنسان:
أ) - {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالاَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ’ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران:14).
ب) - {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ اَمَلاً} (الكهف:46).
ج) - {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} (الأعراف:10).
وللجمال والزّينة ميل وانجذاب في النّفس لا مندوحة منه للإنسان، كما أن للتّمكين في الأرض وسائل ومؤهّلات، فما يمكن للذوق السّليم أن يتجافى الزّينة والجمال، ولا يمكن للإنسان الهزيل أن يمكّن له في الأرض. ولذا توالت الإرشادات الإلهية للأخذ بالأسباب، والضّرب في أرض الله للكسب والارتزاق والإنفاق على العيال، في قصد واعتدال، بل والتّمتع بزينة الله التي أخرج لعبادته والطّيّبات من الرّزق فقال تعالى:
أ) - {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِ إِن كُنتُمُ (إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172).
ب) - {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (الأعراف:32). (1/75)
صفحة 76
أيها الإخوة المؤمنون، أين من هذه التّوجيهات الرّبانية ما أحدثه بعض المتأثرين بالفلسفات الفارسية أو الهندية القديمة، فنادوا بالزّهد والتّقشف في الدّنيا مما يسمّى في التّراث الإسلامّي بـ"التّصوّف"؟، فإن هذا المنهج التّربويّ المستحدث في تراث الإسلام لم يسلم من التّناقضات والانزلاقات أصبحت شرّا ووبالا على حياة المسلمين، وذلك لاختلاف من مارسوه في تغليب بعضهم للجانب العاطفي الوجدانيّ حتى وقعوا في متاهات الشّوق والتّواجد في استرضاء المحبوب، أو تغليب بعضهم للجانب السّلوكي، فلم يشتطّوا في تعذيب أجسادهم وحرمانها من المتع والطّيّبات، أما الطّرقية التي انتشرت أيام الضّمور الحضاريّ للمسلمين، وكذا بعض الأفكار التي يروّج لها أعداء الإسلام اليوم كجماعة أهل الدّعوة والتّبليغ أو جماعة التيئيس والإحباط، فبينها وبين أصول التّصوّف القديمة بون شاسع، لأن القدامى لم يكتفوا بمجرّد التّقليد والتّبعية لغيرهم، بل أخذوا الفكرة من مصادرها وطبعوها بطابعهم الإسلامي الخاصّ عن علم ودراية، وإن لم يسلموا من الانزلاق في بعض المخالفات.
وما أروع ما قاله أحد الدّعاة الإسلاميين في تشخيص تلك الظّاهرة قال: "عند التّأمّل وجدت التراث الصّوفيّ يشبه منجما مليئا بنفائس كثيرة وبتراب كثير وغثاء كثير، وإن الذي يدخل هذا المنجم قد يكون غبيّا فلا يخرج إلا بققف من التّراب، وقد يكون ذكيّا فيستطيع أن يستخرج بعض النّفائس وينتفع بها".
فمن لكم -أيها الشّباب المسلم- بمثل ذلك الذّكاء الوقاد؟، ومن لكم بمثل تلك الذّخيرة العلمية التي كانت للأسلاف والأجداد؟، فإن استغلال منجم الذّهب يحتاج إلى كثير من الجهد الفكريّ والبدني والتّزوّد بالآليات الضّرورية لتأمين الحياة وضمان الاستغلال الأمثل.
هداني الله وإياكم لأقوم طريق، وحبانا جميعا بالهداية والتّوفيق.
الخطبة الثّانية (1/76)
صفحة 77
الحمد لله الذي متّعنا بزينة الحياة، وأذن لنا أن نتمتع بالطّيّبات، وجعل المتعة الحلال من أنواع الصّدقات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
إذا كان لنا من قدوة -نحن المسلمين- في تحديد موقفنا من الحياتين: الدّنيا والأخرى، فهي في سيرة الأنبياء والمرسلين، وفي طليعتهم خاتم الأنبياء والمرسلين، فما كان هؤلاء -وهم صفوة خلق الله- معرضين عن متع الحياة ولذاتها على ما تحمّلوه من هموم وأثقال لتبليغ رسالات الله، فكلّهم قد عاش بكدّ يمينه بحرفة أو تجارة أو رعي، وما كانوا عزوفين عن الزّوج والولد في رهبانية مميتة، يقول الله في شأنهم: {وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمُ (أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} (الرعد:38)
ويقول الرّسول لأولئك المترهّبين المتزهدين: (إني امرؤ أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني (. (1)
إن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم، وكلّه زِقُّ عسل كما وصفه الرّسول. وإنّي لتشدّني إلى كثير من آياته كثير من التّأملات تفتح لي آفاقا من التّفكير والتّملّي بحسن بلاغته وإرشاداته، ففي موضوع حديثنا تلوت قصة قارون من سورة القصص، وهو بطل أحداثها يشخّص أسوأ مثال للطغيان المادّي بالبغي على قومه مدفوعا بالغرور معتزّا بحيلته في جمع ذلك المال.
وقد وجد من قومه من ينصحه ويكفكف من غلوائه قائلين له: {لاَ تَفْرَحْ اِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الاَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:76 - 77).
__________
(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 54. (1/77)
صفحة 78
وهل أعظم من هذا الإرشاد الرّباني في ما يجب على المؤمن من توخّي القصد والاعتدال أزاء شهوة المال جمعا له، أو شغفا بحبّه، أو إنفاقا له وانتفاعا به؟ إنها التّعادلية المطلوبة من المسلم في موقفه من الحياتين وفق هذا المنهج الإلهي القويم الذي لا حرمان فيه من أطايب الحياة، ولا مغالاة فيه بالانغماس الكليّ في أمواج ملذاتها وشهواتها.
جعلني الله وإياكم من الشّاكرين لأنعم الله ومن المستديمين لها بحسن الطّاعة، والإجلال لعظمته وسلطانه، اللّهم أعزّ الإسلام والمسلمين ومكّن لدينك في ربوع العالمين.
اللّهم -نحن نحيي الذّكرى التّاسعة والثّلاثين لاستقلال شعبنا- اللّهم فرّج عن وطننا الجريح ما يعانيه من هموم وأحزان، ومن تشتّت وخذلان، اللّهم إن الكرب قد اشتدّ على عبادك، ولا ملجأ منك إلا إليك، فاكشف عنا السّوء، وانشر علينا رحمتك وألبسنا عافيتك وأنت أرحم الرّاحمين، وأنت ربّ المستضعفين، اللّهم إنا نعوذ بك من درك البلاء، وعضال الدّاء، ومن شماتة الأعداء، فلا تؤاخذنا بذنوبنا، ولا بذنوب غيرنا، ولا بما كسبت أيدينا ولا بما فعل السّفهاء منا إنك على كل شيء قدير، والحمد لله ربّ العالمين.
واستعينوا بالصّبر والصّلاة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الإنسان من ضعف، وجعل ذلك من خصائصه فقال تعالى: {وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفاً} (النساء:28). نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد: (1/78)
صفحة 79
فيا أيها الإخوة المؤمنون، كم في القرآن الكريم من تقرير لصفات هذا الإنسان تتناول جوانبه المادية والنّفسية والاجتماعية!، وتبيّن واقع الحياة من حوله، ووضعيته في مواجهة ذلك الواقع يسرا وعسرا، أو حزنا وسرورا، واعتدالا أو تطرّفا وعزورا، وهو في كل أحواله لا يكاد يفارقه ذلك الضّعف الذي وصفه الله به إلا أن يستنير بنور العقل، ويتسلّح بسلاح الإيمان، ويتزوّد بزاد التّقوى.
والقرآن الكريم إذ يكشف طبيعة الإنسان لا يتناوله مجرّدا عن بيئته الزّمانية والمكانية، أو بالأحرى لا يفصله عن محيط الحياة الصّاخب الموّار؛ على اعتباره في قمّة الأحياء خَلْقًا وتَسْوِيَة وهداية من ربّ الخلائق ليكون خليفة الله في الأرض. فهو على ضعفه خُلِقَ في كَبَدٍ، وهو في مسار حياته يكدح إلى ربّه كدحا، شغله الله بالعمل، وألهاه بالأمل، وحمّله أعباء الأمانة فحمل. تلك الأمانة العظمى التي ناءت بحملها السّماوات والأرض والجبال، وأشفقت من أعبائها الثّقال.
لقد انطلق هذا الإنسان على وجه الأرض، إذ جعلها الله مهادا لحياته، وجعلها ذلولا تنقاد لرغباته وتطلّعاته، معطاء تستجيب لشهواته، ولكن لا تنال خيراتها إلا بعناء ومشقّة، ولا يتحقّق وصالها إلا بعد تمنّع ودلال. انطلق الإنسان بأمر الله يتلمّس طريقه على فجاج الأرض ومناكبها لإثبات أهليته في إعمارها وإصلاحها، وهو يقتحم المخاطر ويغالب الأهوال، إن في الأحراش والأدغال، أو في المغاور والجبال، أو على لجج البحر ومجاري الأنهار، وكلها مسخّرة له من لدن الكبير المتعالي. فلا عجب أن تتركّز في نفسه صفة الهلع كما وصفه القرآن، لأنّ ذلك أحوط لصراع البقاء، وأدعى لليقظة والانتباه إلى خطر الأعداء. (1/79)
صفحة 80
تلكم هي نظرة الإسلام إلى الإنسان والحياة: ضعف فطريّ في الإنسان، وأهلية للغلبة والتّمكّن في الأرض، ثم قساوة في الحياة ومتاعب وأعباء. فما حيلة هذا الإنسان بين هاتين الطّبيعتين المتضادتين؟. وما هو المسلك القويم الذي يوصله إلى برّ الأمان، ويوفّر له الرّضى والاطمئنان، ويزوّده بالطّاقة الكافية لمغالبة الأهوال ودرء الشّرور والأحزان؟.
إن القرآن الكريم -وهو يكشف طبيعة الإنسان- لم يتركه يتخبّط في حيرته وتناوشه الوساوس والأوهام، بل بيّن له وسائل الوقاية من تفشّي الأدواء. وأولى مرتكزاته في ذلك أن يتصل الإنسان بمصدر الوجود ربّ العرش العظيم، وتتجاوب روحه مع الكائنات تسبّح بحمد ربها في إذعان وإجلال. وهو إذ يفعل ذلك يكون منسجما مع فطرته، موفّيا بعهد الله الأزلي في الإقرار بوحدانيته والالتزام بطاعته وعبادته.
غير أن المرتكز الإيماني -على ماله من أثر في تكييف طبيعة الإنسان- فإنّه يبقى ضعيف الفعالية ما لم يكن له من سلوك الإنسان ظهير في واقع الحياة خلقا كريما وعملا صالحا، وعلاقة طيّبة مع الله والنّاس. ولذلك عني الإسلام بالجانب السّلوكي في الإنسان فجعله متكاملا مع الجانب الإعتقاديّ لا تكاد نصوص القرآن تفصل أحدهما عن الآخر، ثم رتّب على ذلك ما يعود على الإنسان نفسه من نفع وخير في الدّنيا والآخرة ييسّر الله له أسبابهما فقال جلّ من قائل:
أ) - {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ اَوُ انثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ’ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ (أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل:97).
ب) - {فَأَمَّا مَنَ اَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ’ لِلْيُسْرَى} (الليل:5 - 7). (1/80)
صفحة 81
أيها الإخوة المؤمنون، إذا كانت أمانة التّكليف لهذا الإنسان بذلك الوزن الثّقيل، وقد أبت السّماوات والأرض والجبال أن يحملنها، فما الذي يزوّد الإنسان بالطّاقة الضّرورية التي تجعله من دون سائر الكائنات قادرا على تحمّلها والقيام بتبعاتها؟.
فلنستمع إليه تعالى يخاطب أمّتين تحمّلتا في مسار التّاريخ البشريّ أعباء التّوحيد ورسالة الإسلام بمفهومه الشّامل كما وصّى به إبراهيم بنيه ويعقوب في سورة البقرة: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} (132). فقال تعالى مخاطبا أمة بني إسرائيل:
{وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمُ (إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:45 - 46).
وقال مخاطبا الأمة المحمدية بنفس الإرشاد والتّوجيه: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153).
فما أحوج الأمّة في مسار تاريخها الطّويل إلى هذا الزّاد الرّوحيّ الفعّال لمغالبة الأمراض الاجتماعية التي تنتابها في مسارها الدّعوي، حتى لا تفقد فعاليتها أو تضيّع أمانتها في شهادتها على النّاس بعد شهادة الرّسول عليها كما حكم الله لها بذلك. فإن الدّعوة إلى الحق والسّير في طريق الله يقتضي قوّة وشجاعة والتزاما، فلا بدّ من سند متين، ولا بدّ من دليل ومعين. فإن الطّريق شاقّ والحمل الثّقيل يقصم الظّهر.
والاستعانة بالصّبر والصّلاة استعانة بأعظم خلق وأفضل عبادة يزوّدان المؤمن بالمدد الرّوحانيّ المطلوب.
أ) - فالصّبر -كما يصفه علماء الأخلاق- هو حبس النّفس على ما تكره، بحيث تحتمل المكروه بنوع من الرّضى والاختيار والتّسليم. وهذا النّوع من الصّبر يحصل للمؤمن بتذكر وعد الله ووعيده واستحضار عظمته وهيبته، والإيمان بقدره خيره وشرّه. (1/81)
صفحة 82
ب) - والاستعانة بالصّلاة لا يتحقّق مفعولها إلا إذا استكمل المؤمن شروطها وآدابها إذ ترفرف روحه في حظيرة الملإ الأعلى فتنبهت زخارف الدّنيا أمام عينيه، ويحسّ ببرد الرّضى واليقين. وكان رسول الله يفزع إلى الصّلاة كلما حَزَبَهُ أمر ويقول في شأنها: (وجعلت قرة عيني في الصّلاة (. (1)
وبما أن هاتين الخصلتين ليستا على درجة واحدة في واقع حياة النّاس، فقد أعقب الله تعالى على ذلك الأمر بقوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمُ (إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:45 - 46).
ومهما يكن مرجع الضّمير في قوله "وإنها لكبيرة" في احتمالات المفسّرين، فإن المأمورات الشّرعية مفردة أو مجموعة تكون شاقة على النّفس. قال الله تعالى لرسوله ولكل مستمع للقرآن:
أ) - {وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه:132).
ب) - {رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} (مريم:65).
وليس الخشوع هنا خاصّا بعبادة الصّلاة، بل هو أعمّ من ذلك عندما يصبح عادة متأصّلة في نفس المؤمن تصاحبه في كلّ أنواع العبادات ولو في تلك التي يخدم بها دنياه. ثم بيّن الله داعية الخشوع بأنه الاعتقاد الجازم بالرّجوع إلى الله وملاقاته ليوم الحساب. وهذا هو مفرق الطّريق بين أصناف المؤمنين التزاما ووقوفا عند حدود الله، أو تهاونا وتقصيرا في جنب الله.
وحتىّ تكون للصلاة تلك الفعالية في سلوك المؤمن فقد أضفى القرآن عليها ثلاث صفات تتكامل في جعلها سورا منيعا وملاذا حصينا لصاحبها وهي:
أ) - الخشوع: جعله الله ملاك أمرها وبمثابة الرّوح للجسد فقال: {قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ، الذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون:1 - 2).
__________
(1) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث أنس بن مالك، مسند بني هاشم، حديث 13811. (1/82)
صفحة 83
ب) - الدّيمومة في ليل أو نهار تصاحب المؤمن في نشاطه وحركته مدى حياته، وفي كل الأحوال التي يكون عليها. قال تعالى: {اِلاَّ الْمُصَلِّينَ، الذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} (المعارج:22 - 23).
ج) - المحافظة عليها على الهيئة الشّرعية المطلوبة قال جلّ من قائل: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ} (البقرة:238). وقال: {وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (المؤمنون:9).
تلكم هي الصّفات التي ركّز القرآن عليها في هذه الفريضة التي هي عماد الدّين، وهي أوّل ما يسأل عنه العبد يوم القيامة. فاللّهم اجعلنا من المتبتّلين الخاشعين، نسبّح بحمدك طويلا، ونذكرك بكرة وأصيلا.
الخطبة الثّانية
تبارك الذي دانت لعظمته الكائنات، وسبّحت بحمده الأرض والسّماوات، نحمده حقّ حمده ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين وبعد:
فقد تكرّر الأمر بالاستعانة بالصّبر والصّلاة مرتين: في سياق الخطاب لبني إسرائيل، وفي سياق الخطاب للمسلمين. غير أن التّعقيب الإلهي على كلّ منهما جاء مختلفا. ففي الأول قال تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمُ (إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:45 - 46). وقال في الثّاني: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153). (1/83)
صفحة 84
وقد حاول المفسّرون التّنظير بين الآيتين وبيان النّكتة في اختلاف التّعقيبين، فقال أحدهم في تعليقه على قوله تعالى في الآية الثّانية: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. قال: "قد تقدم القول في نظير هذه الآية عند قوله تعالى: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} إلا أنا نقول هنا إن الله تعالى قال لبني إسرائيل: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} علما منه بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال. وقال هنالك: {اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}، ولم يذكر مثل هذا هنا. وفي هذا إيماء إلى أن المسلمين قد يسّر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك وزاد هنا فقال: {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. فبشّرهم بأنهم ممن يمتثل هذا الأمر، ويعدّ لذلك فمن زمرة الصّابرين". (1)
__________
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير. (1/84)
صفحة 85
ونقول: لعلّ اختلاف التّعقيبين في الآيتين الكريمتين يشير -والله أعلم- إلى اختلاف وضعية الأمتين: الإسرائيلية والإسلامية، حين وجّه الله النّداء إلى كل واحدة منها ذلك الإرشاد. فإن بني إسرائيل ما يزالون حينها في التّيه يعانون من رواسب الاضطهاد الفرعونيّ ضعفا في الشّخصية وخورا في العزيمة، وتعنّتا وعنادا مع سيدنا موسى - عليه السلام -، فلم يتحقق لهم الاستقرار في الأرض إلا بعد وفاته. وبالتّالي كانوا فاقدين لتلك الطّاقة التي تجعلهم قادرين على تحمّل تبعات الدّعوة والرّسالة. أمّا الأمّة الإسلامية فقد كمل إعدادها في مكة، وأصبحت بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة راسخة القدم في الإيمان بالله ورسوله، فولاذية العزيمة والإرادة لمواجهة كل التّحدّيات وتحمّل كل الأعباء التي يتطلّبها قيام كيانها الممتاز في أرض الواقع كما يريده الله ورسوله، علما بأن هذه الآية: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153). نزلت قبل شهرين من غزوة بدر الكبرى، وشتان بين الوضعيتين، وصدق الذي قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فهل يتعظ المسلمون بصفحات تاريخهم الخالدة؟، وهل يعون آيات كتابهم الرّاشدة؟.
اللّهم إليك نشكو قساوة قلوبنا فألنها، وطول آمالنا فحققها، وكثرة ذنوبنا فاغفرها فنعم المشكوّ أنت، ارحم ضعفنا وارحم تضرّعنا، وأعطنا لمسكنتنا، ولا تحرمنا لقلة شكرنا. اللّهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءهم في كل مسلك وسبيل. اللّهم من أراد بنا شرّا فاردد كيده في نحره، وأشغله عنا بسوء أمره. اللّهم إن هذا الوطن الجريح يعاني من وطأة السّنين، وشرور الظّالمين اللّهم اكشف عنه السّوء، وانشر عليه رحمتك وعافيتك. ووفق المخلصين من أبنائه إلى تضميد جراحه بإصلاح ما فسد، ورتق ما انفتق، وجبر ما انكسر إنك على كل شيء قدير، وأنت بعبادك خبير بصير، والحمد لله ربّ العالمين. (1/85)
صفحة 86
الهجرة وعاشوراء من أيام الله الغرّاء
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أعزّ جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أحاطه الله برعايته، إذ ردّ عنه كيد أعدائه يوم هجرته فقال عزّ من قائل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال:30). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن بين حدث الهجرة ويوم عاشوراء لصلة وثقى في مسار الدّعوات السّماوية، وتشابها في عناية الله برسله بالحفظ والنّصر والتّأييد. فكلاهما من أيام الله الخالدة، عرفت فيهما الدّعوة المحمدية والدّعوة الموسوية منعرجا حاسما ومعلما بارزا يفصل بين عهدين متميّزين، يتّسم أحدهما بالمصابرة والمجاهدة لعدوّ جبّار عنيد، وينفتح الآخر للتحرّر والانعتاق، وللتأسيس والتّنظيم والتّشييد.
فإذا كانت الدّعوة الإسلامية قد اتخذت من حادث الهجرة منطلقا لتاريخها الحضاريّ -وهي محقّة في ذلك- لما نتج عن الهجرة من المغنم والانتصارات، فإن الأمّة الموسوية قد اعتبرت يوم عاشوراء عيدا لها، إذ نجّى الله فيه موسى وقومه من جبروت فرعون حين أغرقه وجنوده في اليمّ، وصار هذا اليوم من أيام الله التي أمر الله موسى أن يذكّر بها قومه فقال جلّ من قائل: {وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَآ أَنَ اَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَييَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (إبراهيم:5). (1/86)
صفحة 87
ومن ثمّ كان حريّا برسول الإسلام أن يبادر أصحابه بصيام يوم عاشوراء ويقول عن اليهود: (نحن أولى منهم بموسى (. (1) فيا للعظمة، ويا للحكمة في اتخاذ هذا القرار. لا تملّقا لليهود، ولكن تعظيما لما عظّمه الخالق المعبود.
أيها الإخوة المؤمنون، لا شكّ أنّ رسل الله على تفاوت درجتهم وفضلهم لهم مرجعيتهم الواحدة عند الملإ الأعلى، من موردها يستقون، ومن مشكاتها يقتبسون. وليس من الصّدفة في علم الله وتقديره أن يختار شهر محرّم الحرام ظرفا زمنيا لهذين الحدثين العظيمين. ذلك لما بين الرّسولين الكريمين محمد وموسى عليهما السّلام ولقومهما من وشيجة القربى أولا، ومن تماثل في ضخامة الأمانة وشرف الرّسالة ثانيا. فكلاهما من أولي العزم، وكلاهما عانى من ويلات الطّغيان والظّلم. يقول المولى تبارك: {اِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} (المزمل:15 - 16).
__________
(1) 1 - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، حديث 1921. (1/87)
صفحة 88
لقد ذكر المولى لكليهما موقفا بطوليا تتجلّى فيه قوة العزيمة واليقين الرّاسخ في قدرة الله وعظمته والثّقة المطلقة في إنجاز وعده ونصرة عبده، بعد أن استنفذت الحيل البشرية، وعجزت القوة المادية عن درء الخطر في مواجهة العدوّ. فلنستمع إليه تعالى ممتنّا على أصحاب محمد بما أحاط به رسوله من رعاية في أصعب الأزمات وأخطر المواقف، ذكّرهم الله بذلك حتى لا يتقاعسوا عن الجهاد في سبيل الله فقال جلّ من قائل: {اِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ’ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ’ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40).
فأيّة قوة روحية كان الرّسول يتمتع بها؟، وأيّة سكينة كانت تملأ قلبه الكبير أمام خطر يقول عنه صاحبه الصّدّيق: "لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه". ولكن القلب الشّريف الموصول بالقدرة الرّبانية يقول لصاحبه في سكينة وطمأنينة: {لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا}.
لقد تعطّلت حيل البشر وعجزت وسائلهم، وانطوت صفحة الزّمان والمكان، فليس في السّاحة إلاّ جنود الرّحمن درعا للصّاحِِبَين، ودحرا للمتكبّرين المتعجرفين: {فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ’ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ’ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
في تلكم اللّحظات الحرجة التي ضاق بها صبرا أبو بكر خوفا على صاحبه يقول له رسول الله مهدّئا مطمئنًا في ثقة ويقين بالله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». (1/88)
صفحة 89
ولا يقلّ حادث سراقة بن مالك روعة وجلالا عن قصة الغار، تتجلّى فيهما قدرة العزيز الجبّار. وهكذا تنتهي الرّحلة الشّريفة إلى المدينة المنوّرة في أروع استقبال وترحاب من طرف الأنصار.
ولنَطْوِ صفحة الزّمان إلى الماضي السّحيق، ولنستنطق معالم المكان على ضفاف النّيل العريق، حيث ترعرع موسى - عليه السلام - في قصر فرعون وتفتّقت مواهبه في أحضان مملكته، عين الله ترعاه لينشأ قويّا أمينا، ويشاهد ما يعانيه قومه بنو إسرائيل من طغيان فرعون وملأه، وقد اصطنع الله موسى لنفسه واصطفاه لرسالته حين تحمّل الأمانة، وتصدّى كما أمره الله لملك تجاوز كل حدود الجبروت والطّغيان، حتى تألّه على النّاس، ونازع ربّه في الكبرياء والسّلطان، فكان ما كان بينه وبين موسى بما قصّه علينا القرآن.
وأزفت ساعة التّحرّر والانعتاق بعد أن بلغ طغيان فرعون مداه بصَلْبِ السّحرة وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وهم يجيبونه في تحدّ وإصرار: {لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَّغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُومِنِينَ} (الشعراء:50 - 51).
فيا لمعجزة الإيمان كيف ينير البصائر ويملأ القلوب يقينا وثباتا، فإذا بكلّ ما في الأرض من علوّ وزهو وغرور، تافه وزهيد وحقير.
وتوالت الألطاف الربّانية لموسى، وتتابعت آيات صدقه وحظوته عند الله، حتى أذن له بالرّحيل مع قومه. فيا لروعة المشهد في مواجهة الحق للباطل!.
إنها الهجرة إلى الله واللّياذ بحصنه الحصين، كان فيها موسى رائدا لقومه المستضعفين، لتفضي الرّحلة إلى مشهد مثير حين وقعوا بين فكّي الأسد بين أمواج البحر وجنود فرعون. وظنّ القوم أنهم -لا محالة- مهلكون، إذ قالوا لموسى إنّا لمدركون. (1/89)
صفحة 90
وفي تلكم اللّحظات الحرجة، والموت يكشّر عن أنيابه، لا يشكّ موسى أبدا في وعد ربّه فيرسلها صيحة مدوّية في قومه الحيارى المنهكين: {كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء:62). هكذا في توكيد وتصميم لا يزعزعه الهول، ولا يستفزّه الكرب، فإذا بالقدرة الإلهية تحوّل البحر إلى طريق يَبَسٍ لموسى وقومه وينفتح لهم طريق النّجاة، ثم تُطْبَق الأمواج على فرعون وجنوده فلا فوت ولا حياة.
يقول المولى تبارك وتعالى في تقرير هذا المشهد المثير: {فَلَمَّا تَرَآءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلآَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الاَخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ (أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ} (الشعراء:61 - 66).
أيها الإخوة المؤمنون، هل أدركتم بهذه الآيات البيّنات روابط الصّلة بين الحدثين العظيمين؟، وهل تحقّقتم من ألطاف الله وعنايته بالرّسولين الكريمين؟، وهل لمستم فيهما معجزة الإيمان وقوة اليقين؟.
نعم، إنها القوة الإلهية التي تدكّ الحصون وتقلع الجبال وتشق البحار، لقد تَرَكَاهَا صيحات خالدة على مسمع الأجيال، تردّدها النّصوص المقدسة متحدية كل الظّروف والأحوال: {لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا}. {كَلآَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ}. فهل يعيها اليوم الحاقدون المبغضون؟. فيحكّمونها في ما هم فيه يختلفون، وهل يفقهها المريدون والأتباع، ليكفّوا عن التّناحر والصّراع؟.
تلكم المعيّة المقدّسة لا تجابه بالصّواريخ ولا بالذّرّة، ولا تغالبها التّكتلات والأحلاف. وقد انتصر بها الآباء والأسلاف، فأين منها اليوم الأبناء والأخلاف؟. (1/90)
صفحة 91
ولنستمع إلى ربّ العزة يعقّب على هذا الحدث العظيم: {اِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّومِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الشعراء:8 - 9).
فاللّهم فاطر السّماوات والأرض، عالم الغيب والشّهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون، والحمد لله ربّ العالمين.
الخطبة الثّانية
الحمد لله غافر الذّنب وقابل التّوب شديد العقاب ذي الطّول، لا إله إلا هو إليه المصير، ونصلّي ونسلم على البشير النّذير سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإنّ ما يدعو للتأمّل في الحدثين العظيمين أن الرّسولين الكريمين لم يخرقا قانون السّببية عندما وعد الله أن يعصمهما من النّاس. فهذا محمد - عليه السلام - قد رتّب لرحلته كلّ الوسائل الماديّة المتاحة للاستخفاء والتّستّر والحيطة، واستنفد كلّ طاقته لتجنّب كيد الأعداء، إن في خروجه من الدّار، أو اختفائه في الغار، وتَعَهُّدِ ذات النّطاقين له بالزّاد والأخبار، وتعقّب الرّاعي لها بأغنامه لمحو الآثار، ثم سلوكه لطريق غير مألوفة إلى ديار الأنصار. وبعد ذلك تأتي عناية الله وحمايته لعبده شاهدة على ألطاف العزيز الجبّار. (1/91)
صفحة 92
كما أن موسى - عليه السلام - لم يتحرّك إلا بأمر ربّه وقد أخذ موكب قومه ما يكفيه من الأزواد، ولو شاء الله لأهلك فرعون في قصره حتى لا يطارد موسى في رحلته، ولكن الله أنبأه بأنهّم متبعون، ليخرج أعداءه من جنّات وعيون ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، فقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اِسْرِ بِعِبَادِيَ إِنَّكُمْ مُّتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلآَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرآئيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} (الشعراء:52 - 60).
وعندما وقع موسى في الضّيق والكرب، وتدخلت القدرة الإلهية جعلت من ضرب البحر بالعصا وسيلة لانفلاقه، وما العصا في يد موسى إلا أداة للقدرة الإلهية الخارقة، وإن كانت في مظهرها عودا من خشب يقول عنها موسى إجابة لسؤال ربّه عنها -وهو أعلم بها-: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}!. (طه:17 - 18).
أيها الإخوة المؤمنون، فأين من هذه التّوجيهات الرّبانية أولئك الذين يدّعون التّوكل على الله فيهملون الأسباب، حتى لكأنهم عند الله أحظى من رسله وأنبيائه؟، وفي حادث الهجرة وعاشوراء عبرة لأولى الأبصار.
فاللّهم رب العزة والجبروت طهّر مقدّسات المسلمين من أرجاس الكفار والمنافقين، وأيّد جندك بالصّبر والثّبات واليقين، ومكّنهم من النّصر المبين.
اللّهم إليك نشكو ضعف قوّتنا وقلّة حيلتنا وهواننا على النّاس، أنت ربّنا وربّ المستضعفين. (1/92)
صفحة 93
اللّهم اجعل هذه السّنة الجديدة ميمونة الطّالع على المسلمين وأئمتهم ونحسا وحربا على أعدائهم بين العالمين. اللّهم صُنْ مقدّساتنا في الحرمين الشّريفين، وفي بيت المقدس من فلسطين. اللّهم رحمتك نرجو ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، آمين، والحمد الله رب العالمين.
من وحي عيد الأضحى المبارك
(لسنة: 1423ه/ 2003م.)
الخطبة الأولى
الله أكبر -خمس مرات-، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. الحمد لله الذي أقسم بالفجر واللّيالي العشر، وجعل ليلة القدر هي خير من ألف شهر، وخصّص للأمة الإسلامية يومين مباركين للهناء والزّينة ومضاعفة الأجر، هما عيد الفطر وعيد النّحر. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته الأطهار، وعلى من اتبع هداهم من المؤمنين الأبرار. وبعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، ففي هذا اليوم الأغرّ اليوم العاشر من ذي الحجة، يستقبل المسلمون عيدهم الأكبر، وهو جدير بهذا الوصف لأن الله تعالى سمّاه في كتابه العزيز بيوم الحجّ الأكبر. فإنّ ما يكتنفه من المناسك هو من أعظم أركان الحجّ كيوم عرفة، ورمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة. نستقبله ونحن مطمئنون في أوطاننا مغمورون بنعم الله الضّافية، وقد خرحنا نجأر إلى الله في هذا البراح المفتوح لقبة السّماء والمتوهّج (1) بأشعة الشّمس، والمجلّل برهبة الموت، وقبور من سبقونا بالإيمان، تذكّرنا بالوعد الحق وتحذّرنا من الغفلة والنّسيان، وتحدو بنا إلى حظائر المغفرة والرّضوان. حقّا إنه لمنظر جليل يجسّد معنى الأخوّة في الله وحقيقة العبودية لله، ويقوّي عوامل التّأطير الجماعي والتّركيز الخلقي في بناء الأمة ونهضتها.
__________
(1) 1 - كان من المقرّر أن نخرج إلى الصّلاة في مصلى الأعياد بناحية "با عبد الله بن يحيى" غير أن قساوة البرد حالت دون ذلك. (1/93)
صفحة 94
وهناك في الأماكن المقدسة حركة دؤوبة وسعي مشكور للحجاج الميامين وهم ضيوف الرّحمن، ينهلون من موارد وحيه وهداه، ولا يشبعون من موائد ضيافته وقراه. ولئن كانوا يتقلّبون على مسرح المقدّسات الإسلامية ملبّين مهللين، تطالعهم الذّكريات من كل منسك وقفوا عنده كما بيّنها رسول الله، فإننا -نحن المقيمين- لا تعوزنا تلك الاستشرافات الرّوحية التي نتملّى بها آثار تلك الذّكريات، ونستلهم بها معاني تلك الإيحاءات، وذلك إذا تجردّنا من التّقليد الأعمى، وتحرّرنا من قيود الإلف والعادة، ونحن نؤدّي هذه السّنن التي أحكم الإسلام وضعها، وبيّن الرّسول مقاصدها إرشادا وتطبيقا وهو يقول لصحابته: (خذوا عنّي مناسككم (1).
أيها الإخوة المؤمنون، ليست الأعياد في الإسلام مظهرا ماديّا للزينة والأكل والشّرب، بل إنها قبل ذلك معلم زمنيّ للتقييم الذّاتي والتّركيز الجماعي في مسيرة الأمّة، يربطها بماضيها ويرشدها في حاضرها، ويستحثّ خطاها لبناء مستقبلها. فبالنسبة للماضي فإن ما يرتبط بعيد الأضحى من الذّكريات هو تلكم الصّرخة المدوّية الحاسمة يوم تلقاها المسلمون في السّنة التّاسعة للهجرة عندما تنزلت سورة "التّوبة". وقد انتُزِعت البسملة من مفتتحها لتحسم الموقف مع خصوم الإسلام، وقد كان الاختيار في الإيمان وعدمه حين اعتمدت الدّعوة أسلوب الحوار والإقناع بالأدلة والبراهين، وقد تنزّل قوله تعالى في سورة الكهف: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} (29). وقوله في سورة الإسراء: {وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ’ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً، قُلَ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُومِنُواْ} (106 - 107).
__________
(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 12. (1/94)
صفحة 95
غير أن الخصوم أخطأوا حين ظنوا أن الحرية ضعف، وأن المرونة والسّماحة ميوعة، وميل إلى الرّاحة والدّعة. فقد أمهلت السّورة أولئك الذين أصرّوا على الكفر والوقوف أمام الدّعوة بالصدّ، وبالتّحدّي ونقض العهد. أمهلتهم أربعة أشهر ليراجعوا موقفهم، وإلاّ فلا مجال معهم للمراوغة والمداهنة. فكان ذلكم النّداء الإلهي الحاسم: {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُواْ فِي الاَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} (التوبة:1 - 2).
إنّه لموقف حاسم أعطى للإسلام القوة والدّفع ووضع حدّا للمهاترات السّياسية، والتّلاعبات بالعهود والمواثيق. والله الغيور على دينه يعلم ما يبيّته الأعداء من المكايد والدّسائس، وما ينطوون عليه من النّوايا الخبيثة، فنجد مثل هذه التّساؤلات الاستنكارية تتكرّر في السّورة الكريمة من مثل قوله تعالى:
أ- {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمُ (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:7).
ب) - {كَيْفَ وَإِنْ يَّظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمُ (إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} (التوبة:8)
ج) - {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمُ (أَوَّلَ مَرَّةٍ اَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ} (13). (1/95)
صفحة 96
والله المدبّر لشؤون خلقه، والمقدّر لأرزاقهم، لا يجعل من الأزمات الاقتصادية التي تنجرّ عن تلكم المصادمات عائقا عن المواجهة والإقدام، ولا مانعا من الحرب والاصطدام. بل يعلنها تطهيرا أبديا للمسجد الحرام ولمقدسات الإسلام فيقول تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ اِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:28).
لقد كان ذلكم الإعلان الجريء إرهاصا لكمال البناء الإسلامي وإتمام نعمة الدّين في السّنة العاشرة للهجرة يوم وقف الرّسول في حجة الوداع ليعلن على مسمع الدّنيا الدّستور الخالد لأمّته في خطبته الشّهيرة، وقد يئس المشركون من التّمادي في الكفر والعناد، ويبشر الله بالعزة والتّمكين للدولة الإسلامية النّاشئة، وبرضاه التّامّ على تحمّلها لأمانة الدّين فقال عزّ من قائل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة:3).
وبعد: فإن هذه الذّكريات هي بعض ما يوحي به عيدنا الأكبر، تبعث في نفوسنا النّخوة والإباء، وتثير في قلوبنا بواعث المجد والعزّة والعظمة. فهل نحن واعون لها؟، معتزون بإيحاءاتها لندرك بذلك عظمة ديننا، ومدى فعاليته في تكويننا وصيرورتنا. نرجو من الله التّوفيق والسّداد، والهداية والرّشاد.
الخطبة الثّانية
الله أكبر -ثلاث مرات-، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. سبحانه هو الله الواحد القهار، والغالب على أمره ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، وبعد: (1/96)
صفحة 97
فممّا جاء في خطبة الوداع قوله - عليه السلام -: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا أبدا كتاب الله وسنتي (1). (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (2). فأين نحن من ماضينا في حاضرنا اليوم؟.
لقد استأسد الأعداء وظهر الكفر علينا ولم يراع فينا إلاّ ولا ذمّة، حتى لكأنّي بالتّاريخ يعيد نفسه ليرجع بنا إلى عهد الجاهلية الأولى، فإذا كان الرّسول وأصحابه قد استطاعوا -بعون الله- أن يزيحوا ظلمات الكفر وينشروا نور الله في الآفاق، فمَن لنا نحن اليوم بتلك الشّخصية الفذة في شخص الرّسول لتجمع أمرنا وتلمّ شتاتنا، وقد أصبحنا اليوم أضيع من الأيتام في مأدبة اللّئام؟.
إنه السّؤال الذي ما يزال يحيّرنا، حتى لكأنّنا لا نقرأ كتاب الله، ولا نفقه توصيات رسول الله. فحسبنا من إرشاد الله قوله تعالى:
أ) - {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ، وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} ... (الأنفال:59 - 60).
ب) - {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ، وَالذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} (محمد:7 - 8).
وحسبنا من الرّسول ما تقدم من وصاياه، وهل بعد ذلك من حيرة؟، لقد بلغ بنا المرض مداه، وليس لنا إلا كتاب الله شفاء.
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ} (الإسراء:82). فإذا كانت لنا قابلية للاستشفاء -وذلك هو المظنون- فإننا سنتعافى -بإذن الله- مهما استحكمت الأزمات، وتوالت النّكبات.
__________
(1) 1 - روى نحوه الحاكم من حديث أبي هريرة، كتاب العلم، حديث 291.
(2) 2 - رواه البخاري من حديث جرير، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء، حديث 120 (1/97)
صفحة 98
أيها الإخوة المؤمنون، تلكم هي الإيحاءات الحسّاسة التي أردت أن أركّز عليها وأمتنا الإسلامية تجتاز اليوم أصعب الفترات في تاريخها إذ تداس كرامتها وتنتهك حرماتها ويناوشها الأعداء في عقر دارها. وليس لنا إلا أن نجأر إلى الله ليردّ عنا كيد الكائدين، وينجينا من القوم الكافرين: {أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ أَاِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ} (النمل:62).
وإلا ففي عيد الأضحى ذكريات أخرى غالية علينا، كذكرى التّضحية والفداء في قصة إبراهيم وولده إسماعيل، ونحن لا تخطئنا فيها التّذكرة والاعتبار، إذ نؤدّي ما أمرنا به من العبادة والنّحر، ومن الإحسان إلى الفقراء والمساكين، ومن التّغافر والتّزاور بين الأحبّاء والأقربين، أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية باليمن والبركات.
فاللّهم كن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، كن لنا وليا ونصيرا، يا نعم المولى ويا نعم النّصير، آمين والحمد لله ربّ العالمين. (1)
الدّخول الاجتماعي 2003/ 2004م
الخطبة الأولى
__________
(1) 1 - ملاحظة: جاءت هذه الخطبة على الأسلوب التّحسيسي الحماسيّ في الوقت الذي تدق فيه طبول الحرب لضرب العراق من طرف الولايات المتحدة وحلفائها، وهي تجمع حشودها وجيوشها في الخليج وفي تركيا، وتقوم بحرب نفسية إعلامية ضخمة لتوهين المسلمين حتى لا تكون لهم ردود فعل على ما تنوي القيام به. كفى الله شرّها وردّ كيدها في نحرها. ووافق العيد يوم الثّلاثاء 10 ذو الحجة 1423ه /11 فبراير 2003م. (1/98)
صفحة 99
الحمد لله الذي خلق فسوى ورزق، علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، نحمده تعالى حق حمده، ونستهديه ونستعيذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله كرّمه الله وشرفه إذ قال: {وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء:113). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن في اختلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولي الألباب، فبالأمس القريب خطّطنا لاستقبال العطلة الصّيفية وتفرّقت بنا السّبل لطلب الرّاحة والاستجمام، وتعدّدت وسائلنا في ذلك ما بين التّحكم والنّظام، أو التّطرف وانفلات الزّمام. ولكلّ فصل من فصول حياتنا نكهته وطعمه، ولكلّ منها مواقيته في مسار الزّمان. وها هي أيام الرّاحة والاستجمام قد ولّت بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، تتلوها أيام الجدّ والعمل والمثابرة مما اصطلحنا عليه "بالدّخول الاجتماعي" حتى لكأن عقد المجتمع قد انفرط، فأصبحنا خارج إطاره في العطلة الصّيفية، ثم عدنا لندخل أبوابه من جديد. ونحن لا ندري ما يكون في ثناياه من أحداث ومفاجآت نستدرّ فيها ألطاف الله ونستزيد.
أيها الإخوة، تستعدّ سفينة المجتمع للإقلاع بسم الله مجراها ومرساها، وقد احتشدنا على متنها مع أهلينا، ونفوسنا طافحة بالآمال المشوبة بالإشفاق، وأبصارنا شاخصة إلى امتداد الآفاق، والإنسان موكول إلى حالته النّفسية، وهو يتحرّك في إطار الزّمان والمكان، يراهما وفق ما يكون عليه من سرور أو اكتئاب، ويلوّنهما بألوان هي انعكاس لما يغلب عليه من تفاؤل أو تشاؤم، ولا مرشد له في تلك الحيرة إلا نور الإيمان باللّياذ إلى الله والتّوكل عليه، والاطمئنان إلى قضائه وقدره. (1/99)
صفحة 100
فإذا كنا -نحن الكبار- يستفزنا الواقع أحيانا ونحن نتقلّب في حلوه ومرّه، ونتدافع في حلبة الحياة بين التّماسك والعثار في خطونا، فإننا نرى في أولادنا قرّة العين وسعادة النّفس، لأنهم فلذات أكبادنا وعماد ظهورنا، وهم الكنز الغالي الذي ندّخره لمفاجآت الدّهر، والعدة التي نوفرها لمواجهة أحوال العسر واليسر. وهم النّعمة التي حبانا الله بها، إذ كثرت من قلتنا، وقوّت من ضعفنا وعززت من شأننا. ولكن لنحذر أن تكون كثرتهم غثائية لا تعمر بك ناديا ولا تقطع واديا، فإن سياسة الأولاد والعيال من أثقل الواجبات على الإنسان، وأعظمها أثرا في حياة المجتمع.
وقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى تلك المسؤولية العظمى بعد أن ذكّر المؤمنين بنعمة تكثير عددهم، فربط بين الحفاظ على الأمانة وفتنة الأولاد فقال جلّ من قائل: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَاذْكُرُواْ إِذ اَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الاَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَّتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ (أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنفال:24 - 28). (1/100)
صفحة 101
وإن أولى ما نبني عليه كيانهم ونستنبت به لحومهم وعظامهم لقمة الحلال حتى نقيهم النّار، إذ هي جهاز المناعة الذي يحفظ الجسم من فتك الأمراض ويقيه من غوائل الضّعف والوهن، ومع الصّحة والعافية نأخذهم بحسن القدوة على نهج الصّالحات، ونرتفق بهم إذا مسّهم طائف من الشّيطان عملا بقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن:14).
وأنتم -أيها الأبناء- هل لكم ما تتذمّرون به في والديكم وأسركم، وأنتم تتنعّمون في بحبوحة فضلهم وإحسانهم؟، وتتقلّبون في مهاد المثالية بعيدين عن مشاكل الحياة ومتاعبها؟، وهل لكم من حق على هذا المجتمع الفاضل لم تستوفوه منه فتنقمون عليه؟، كلا!، فإن البارّ المنصف منكم لا يركبه الغرور ولا يطوّح به الجحود، وليس له من عذر في الإدبار والصدود، ونحن نربأ بكم جميعا أن تكونوا من الإمّعات المترددين، أو من العصاة الضّالّين.
أنظروا حواليكم وتفحّصوا مرابع طفولتكم ومراتع فتوّتكم وشبابكم، فماذا تجدون؟، هل تجدون إلا جهودا متكاملة لحسن رعايتكم وإرشادكم، وهل تجدون إلا حشدا من المؤسسات تحتضنكم للتعليم والتّثقيف، وهي تتحمّل عن البيت والأسرة كثيرا من الجهد والعناء في تربيتكم وإعدادكم، وما يزال هذا المجتمع الفاضل يمدّها بوسائل التّدعيم والبقاء، ويوفّر لها أسباب الفعالية والنّماء. وستبقى تلك المؤسسات إلى ما يشاء الله ركائز لمقومات تربيتنا ولبنات متينة تشدّ صرح مجتمعنا، وتقيه شرّ الأنواء والأعاصير، ما دمنا مؤمنين بضرورة وجودها، ساعين لضمان استمرارها وبقائها. (1/101)
صفحة 102
فليسائل كلّ منا نفسه وليضع يده على صدره ليتبيّن مقدار مساهمته في ترسيخ تنظيماتنا العرفية وتدعيم مؤسساتها، وكلّ تقصير أو عجز في هذا المجال، وكل شحّ أو بخل بالجهد أو الجاه والمال، إنما هو خيانة للأمانة، وخذلان للجماعة، وخرق خطير في سفينة المجتمع يعرّضها -لا قدر الله- للهلاك.
أيها الأبناء الأعزاء، كونوا بحقّ في زمرة الشّباب المحمّدي مثالا للجدّ والمثابرة، ورمزا للطّهر والاستقامة، حتى تنالوا بذلك حبّ الله وحبّ النّاس، واصبروا على عناء التّحصيل فإن العلم ممتنع شرود، لا ينال إلا بطول السّهر، وإدمان التّفكير والنّظر، واحتمال المعاناة والضجر. واستمعوا إلى أحد مشائخكم -أبي نصر رحمه الله- كيف ينظر إلى شباب الأمة، وكيف يستنهضه إلى عزائم الأمور فيقول:
أحب فتى ماضي العزائم حازما ... لدُنيا وأخرى عاملا بالتّشمّر
وأما أخو النّومات لا مرحبا ... به ولا بالجَثُوم الرّاكد المتدثّر
وهذا أحد روّاد النّهضة الجزائرية يخاطب شباب الجزائر، وهو يتمثّلهم في خاطره النّموذج الأعلى للشّباب المحمّدي إذ يقول:
"أتمثله مقداما على العظائم في غير تهوّر، محجاما عن الصّغائر في غير جبن، مقدّر موقع الرّجل قبل الخطو، جاعلا أوّل الفكر آخر العمل، أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربّي أخا له أخوّة الدّم، وكل مسلم أخا له أخوّة الدّين وكلّ بشر أخا له أخوّة الإنسانية، ثم يعطي لكل أخوّة حقها فضلا أو عدلا. أتمثله مقدّما لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدّين جوهرا، والوطن صَدَفًا، وهو غوّاص عليهما يصطادهما معا، ولكنّه يعرف الفرق بين القيمتين، فإن أخطأ في التّقدير، خسر مرتين. يا شباب الجزائر: هكذا كونوا أو لا تكونوا".
فيا شبابنا الأعزاء، يناديكم كل مخلص غيور ويردّد مع الكاتب. هكذا كونوا أو لا تكونوا.
الخطبة الثّانية
(بعض الفقرات مقتبسة من الخطبة الثّانية الملقاة في الدّخول المدرسيّ لموسم: 2001/ 2002) (1/102)
صفحة 103
نحمدك اللّهم يا من خلقتنا ورزقتنا من الطّيبات، وفضّلتنا على كثير من المخلوقات، سبحانك أنت المدبّر الحكيم، وأنت وليّنا فاغفر لنا واهدنا إلى صراطك المستقيم، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى لما يطلب (1)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا شباب الإسلام، ويا أبناء الأمة الأبرار، غدا -بحول الله- تحتضنكم المؤسسات التّربوية بحبّ وحنان، وقد هزّها الشّوق إلى لقياكم، وستجدون في أحضانها كل أسباب الطّمأنينة والهناء، وتحبوكم بكلّ ما لديها من وسائل التّعليم والتّثقيف، وتلقّن لكم مبادئ الخلق الرّفيع، ومن أعزّها وأغلاها حبّ العمل وإتقانه كما أمر به الإسلام.
وما أوتيت الشّعوب المتخلفة إلاّ من التّواني في العمل والرّداءة في التّسيير، فاستعدّوا أيها الأبناء -رعاكم الله- فقد دقت ساعة الجدّ والعمل، فانفضوا عنكم غبار العجز والكسل، وسيروا على بركة الله مزوّدين بالعزم والأمل، متأكدين أنّ كلّ من سار على الدّرب وصل. والتمسوا بطلبكم للعلم رضى الله في نبل القصد وشرف الغاية أن تصبحوا -بحول الله- حماة للدين والوطن هداة مهتدين، قرة أعين لوالديكم ومربّيكم، أئمة للمتقين.
__________
(1) 1 - روى الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء، أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث 2730. ورواه أحمد باللفظ المذكور من حديث صفوان بن عسال، مسند الكوفيين، حديث 17822. (1/103)
صفحة 104
فهذا رسول الله يبشّرنا بأن الملأ الأعلى يدعون لطالب العلم أن ييسّر الله له الأسباب، ويذلّل الصّعاب، ويفتح له من أسرار العلوم مغاليق الأبواب. فلا تستغنوا -أيها الأبناء- بما عندكم من العلم عن صالح الدّعاء، لأن الله هو الغنّي وأنتم الفقراء. ولا تتمرّدوا على أساتذتكم ومربيكم، فإنهم هم آباؤكم الأوفياء، بادلوهم حبّا بحبّ، ووفاء بوفاء، وبرّوهم في كلّ ما يأمرونكم به، لأنهم لا يريدون لكم إلا الخير والهناء. ...
يا بَنِي الدَّرْسِ من تمنّى ... اللّيالي كَلَيَالِيكُم تمنّى المُحالا
ليلةٌ بعد ليلةٍ بعد أخرى ... وليالي الهنا تمرّ عِجَالا
من يقم في الأمور بالجدّ يَهْنَا ... والشَّقَا للذين قاموا كسالى
أيها الطّفل لا تضيّع زمانا ... لست تَلْقَى كمثله أمثالا
ربما نِلْتَ ما يفوت، وهيهات ... إذا فاتك الصِّبَا أن تنالا
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إماما، والحمد لله ربّ العالمين.
في عرفات وقد وقفت لها لحجة 1424هـ/ 2004م
لقد منّ الله عليّ بأداء حجة ثالثة رفقة عائلتي وولدي سعيد أحمد، وعلى ما كنت أشكوه من الضّعف والوهن، فقد وفقني الله لأداء جميع المناسك بصفة طبيعية، ولم أضطرّ إلى الكرسيّ المتحرك إلاّ في رمي الجمرات في اليوم الثّالث من أيام التّشريق بعد أن انحسرت الزّحمة الكبرى. وقد أمّمت وفد حجيجنا لصلاتي الظّهر والعصر، فألقيت فيهم هذا الخطاب.
الحمد لله الذي هدانا للإيمان، نشكره ونثني عليه بما هو أهل له، ولا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونعتز بأن نكون في مقامنا هذا من وفود الرّحمن، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله خير من اعتمر وحجّ على إرشادات الله وهدي القرآن صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم إلى يوم الدّين بصدق وإحسان، وبعد: (1/104)
صفحة 105
فيا أيها الحجّاج الميامين، ها أنتم تؤدّون أعظم ركن في الحجّ بوقوفكم هذا من عرفات، فررتم إلى الله منيبين إليه وأنتم شُعثٌ غُبْرٌ، وقد تخليتم عن أوصاب الدّنيا وأوزارها واسترحتم من متاعبها ولأوائها، فتعرّضوا لنفحات الرّحمن مشوقين، فإنها طوع أمانيكم وملء جوانحكم في هذا الجوّ الملائكي الخاشع، حيث تتنزل الرّحمات وترفرف البركات. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الحجّ عرفة (. (1) {الْحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآَ أَنْ هَدَانَا اللهُ} (الأعراف:43). فلطالما راودت الأماني كلّ واحد منّا ليقف على هذا الصّعيد الطّاهر المبارك، وليكون في زمرة هذا الحشد العظيم من الخلائق الولهى إلى رضوان ربّها، وليندمج صوته اللاهج بذكر الله ضمن هذه الأصوات المتبتلة الشّجية، وهي تبكي خطاياها وتشكو إلى الله رزاياها. فها نحن بحضرة الملك القويّ العزيز، والرّبّ الرؤوف الرّحيم، والإله الحكيم العليم، يعلم سرّنا ونجوانا ويسمع تظلمنا وشكوانا، ويبصر متقلّبنا ومثوانا، فلنستفتح أبواب مقامه الأعلى بشواهد الإخلاص والتّقوى، فإنهّا نعم المفتاح لخزائنه الزاخرة، ونعم المستدرّ لفيوضه الغامرة: {فَادْعُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (غافر:14)، {لَنْ يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} (الحج:37).
__________
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، أبواب الحج عن رسول الله، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، حديث 871. (1/105)
صفحة 106
أيها الحجّاج الميامين، أيّكم تحمّل أعباء هذه الرّحلة المباركة، وليس في نيته أن يتطهّر من ذنوبه، وأن يغتسل من أدران عيونه؟، وأيّكم حظي بالمثول في هذه الحضرة الإلهية الكريمة، وهو لا يحسن الظّن بربّه، بأن يكون من المقبولين، وفي عداد عباده المكرّمين؟، وقد قيل في الأثر: "إن من أعظم الذّنوب أن يحضر الحاجّ عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له". وربنا تعالى كريم حليم ورحمته وسعت كل شيء، وليس من طبع المؤمن أن يقنط من رحمة الله مهما عظمت ذنوبه وتراكمت سيئاته. فإن وجودك -أيها الإنسان الظّلوم- ضمن هذا الحشد الكبير يزيح عنك خصوصيتك المعوجّة، فتذوب هنا شوائب الفسوق والعصيان، وتنمحي رواسب الجحود والكفران، فإذا الخلق مصهورون في بوتقة التّوبة والإنابة إلى الله، وقد لحم بينهم الإيمان وجلّلهم التّقوى، فلا مرفوض ولا مطرود، وذلك بقرار من الملك المعبود، وملائكته على ذلك شهود كما ثبت ذلك في الحديث الصّحيح. (1/106)
صفحة 107
ولنتأمّل -أيها الإخوة المؤمنون- هذه القصة المعبّرة التي تجسّد لنا ذلك الكرم الإلهيّ المطلق، فقد روي عن أحد الصّلحاء أنه قال: حججت سنة فلما كان ليلة عرفة نمت بمنى في مسجد "الخيف" فرأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السّماء عليهما ثياب خضر، فنادى أحدهما صاحبه: يا عبد الله، فقال الآخر: لبّيك. قال: أتدري كم حجّ بيت ربنا عزّ وجلّ في هذه السّنة؟ قال: لا أدري. قال: حجّ بيت ربّنا ستمائة ألف، أفتدري كم قبل منهم؟. قال: لا. قال: ستة أنفس. قال: ثم ارتفعا فغابا عنّي، فانتبهت فزعا واغتممت غمّا شديدا وأهمّني أمري. فقلت: إذا قبل حجّ ستة أنفس، فأين أكون أنا منها؟، فلما أَفَضْتُ من عرفة، قمت عند المشعر الحرام فجعلت أفكّر في كثرة الخلق وفي قلّة من قبل منهم. فحملني النّوم فإذا الشّخصان قد نزلا على هيئتهما، فنادى أحدهما صاحبه وأعاد الكلام بعينه. ثم قال: أتدري ما حكم ربنا عزّ وجلّ في هذه اللّيلة؟. قال: لا. قال: فإنه وَهَبَ لكلّ واحد من السّتة مائة ألف. قال: فانتبهت وبي من السّرور ما يجلّ عن الوصف". وبذلك تنتهي فصول هذه القصة المباركة.
فانظروا -أيها الإخوة المؤمنون- بركة الجماعة كيف يزكّيها ربنا ويضاعف مزاياها وينمّي خيراتها؟، فويل للشّاذّ الشّرود، وسُحْقًا للعاق العنود، ولا تنال الذّئاب إلاّ من الشّاة القاصية. (1/107)
صفحة 108
فليذكر الشّاذّون الانفصاليون مغزى هذه القصة، وليصطحبو عندما يسرحون بأفكارهم أو يدبّرون مواقفهم من الجماعة، حكمة الله في هذه العبادات الجماعية كيف ضاعف فيها الأجر، وأضفى عليها صنوفا من الشّأن والقدر. ولم يحصر الرّسول الحجّ في "عرفة" إلاّ لأنها تمثل الصّورة الصّغرى للمحشر يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، وقد جاؤوا إليه فرادى كما خلقهم أول مرّة: {فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} (المؤمنون:101). وليس لهم من تأشيرة لجواز الحضور والإقامة إلا ما ادّخروه من الإيمان الصّحيح والعمل الصّالح. وملائكة الله لا يحابون أحدا ولا يتملقونه لشرف ولا حسب، ولا يعذرونه للقب ولا منصب: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (غافر:17).
وهكذا نجد وراء كلّ منسك نؤديه في هذه العبادة المباركة معنى يتعلق بحياة المؤمن ومغزى يؤطّر توجّهه، ويثبّته على الخطّ المستقيم، فما علينا إلاّ أن نذعن لأحكام الله أولا، ثم نحاول أن نستخلص ما فيها من أهداف ومقاصد دونما مبالغة في التّأويل والتّفلسف، فكلّ الأركان في البناء الإسلامي المتماسك، إنمّا تهدف في مجموعها لترصيص صفوف المسلمين وتجميع شتاتهم ماديا وروحيا على مستوى كل الهيئات الاجتماعيّة.
فويل لكلّ من سعى للتفريق، وسُحْقًا لكلّ عمل أو موقف يتسبّب في خلخلة البناء الاجتماعي مهما كانت الدّوافع ومهما اختلقنا من معاذير، فلا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا.
فاللّهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، ووفقنا لصالح أعمالنا، واهدنا سبل رشدنا، وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وجنبنا الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن.
قسم الأدعية
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور، ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور. (1/108)
صفحة 109
نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد:
فشكرا لله وحمدا أن بلّغنا هذا الموقف المبارك، وقد تجرّدنا ولُذْنَا إلى ركنه الرّكين، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وله الكبرياء في السّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، ندعوه بما دعا به أولياؤه الصّالحون، فاللّهم اهدنا للهدى ووفقنا للتقوى، وعافنا في الآخرة والأولى، اللّهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. واجعل اللّهم حياتنا زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شرّ، واجعل اللّهم خير عمرنا آخره، وخير عملنا خواتمه، وخير أيامنا يوم لقائك وأنت راض عنا يا أرحم الرّاحمين. اللّهم إليك خرجنا وبفنائك أنخنا، وإيّاك أَمَّلْنا، وما عندك طلبنا، ورحمتك رجونا، ومن عذابك أشفقنا، ومن ذنوبنا إليك هربنا، ولبيتك الحرام حججنا، يا من يملك أمور العالمين، ويعلم ضمائر الصّامتين، ويحصي ألفاظ النّاطقين، يا من ليس له وزير يُؤْتى، ولا حاجب يُرْشى، يا من لا يزداد على السّؤال إلا كرما وجودا، ولا على كثرة الحوائج إلا تفضّلا وإحسانا، إنك جعلت لكل ضيف قِرًى، ونحن أضيافك فاجعل قِرَانَا منّك الجنة. اللّهم إنّ لكل وفد جائزة، ولكل جائزة كرامة، ولكل مسترحم منك رحمة، ولكلّ سائل عطية، ولكلّ راج ثوابا، ولكلّ ملتمس جزاء، ولكلّ راغب إليك زلفى، ولكلّ متوسّل إليك عفوا، وقد وفدنا إلى بيتك الحرام، ووقفنا هذه المشاعر العظام، وشهدنا هذه المشاهد الكرام، رجاء ما عندك فلا تخيّب رجاءنا فيك. (1/109)
صفحة 110
إلهنا تتابعت علينا نعمك حتى اطمأنت نفوسنا لآلائك، وأظهرت العبر حتى نطقت الصّوامت بحقك، وتظاهرت المنن حتى اعترف أولياؤك بالتّقصير عن حقك، وأظهرت الآيات حتى أفصحت السّماوات بأدلّتك، وقهرت بقوّتك المخلوقات حتى خضع كل شيء لعزتك، وعنت الوجوه لعظمتك، اللّهم قد جئناك مخبتين مستغفرين وببيتك مستنفعين، وبما جاء به من عندك مقرّين مخلصين، فاغفر بفضلك سوالف الإجرام، ولا تجعل حظنا أنقص حظ من دخل الإسلام. {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. (الأعراف:23). {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} (الأعراف:155 - 156). (1/110)
صفحة 111
اللّهم اسكب على صالح موتانا شآبيب الرّضوان وفيوض الرّحمات، واسلك بأحيائنا مسالك الصّلاح والتّقى ومناهج الهدايات، وحصّن مؤسساتنا بسياج من اليمن والبركات، وارزق اللّهم القائمين عليها مزيدا من الصّبر والثّبات، اللّهم إن عبادك المؤمنين يعانون من لأواء الحياة، ويمتحنون بأنواع من البلايا والنّكبات، فلا تجعلهم من القانطين، اللّهم ألهمهم رشدهم، واجمع شملهم، ودمّر أعداءهم، وأصلح أولياء أمورهم. اللّهم إن وطننا العزيز قد آلمته الجراح، وطال به الأمد في الأنين والنّواح، اللّهم أعد له عافيته، واكشف عنه السّوء ليعود كل مشرّد إلى بيته، ويأوي كل مفقود إلى سربه، ويأسو كل مجروح بثور جراحه. اللّهم إنها فتنة عمياء أذابت الشّحم وأكلت اللّحم، وهشمت العظم، يذكي ضرامها كلّ جبّار عنيد، وكلّ معتد أثيم، اللّهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، فأنت المهيمن العزيز الجبّار، أكف عنا شرّ الأشرار وكيد الفجّار ووساوس الأكفار وشرّ ما يختلف بين اللّيل والنّهار. اللّهم إن كثيرا من أقربائنا وإخواننا قد استوصونا بخير الدّعاء، وألحّوا علينا في الملتمس والرّجاء. اللّهم حقّق لهم رجاءهم واستجب دعاءهم ووفقهم إلى مرضاتك، مع الإذعان إلى حكمك وقضائك. ربنا إنّك تعلم ما نخفي وما نعلن، وأنت اللّطيف بعبادك، فالطف بنا في ما جرت به علينا من عندك المقادير. اللّهم لا تهلكنا وأنت علينا قدير. كن لنا وليّا ونصيرا يا نعم المولى ويا نعم النّصير، إنك على كل شيء قدير. اللّهم إنّنا نتقلّب في مهاد الرّاحة ونحن نؤدي مناسكنا في يسر وأمان، وحولنا جنود مجهولون يقومون على خدمتنا، ومسؤولون ينظمون شؤوننا. اللّهم سدّد خطاهم، وتقبّل مسعاهم، ومتعهم بالصّحة والهناء وحقق لهم كل رجاء، وأفض عليهم الرّحمات والبركات ليواصلوا المشوار ويواجهوا بصبر وثبات كل الصّعوبات، وبحكمة وأناة كل التّحدّيات. فإن خادم القوم سيّدهم، وعند الله الأجر والثّواب. (1/111)
صفحة 112
فاللّهم ألهم عبادك الصّلاح والرّشد، ووفّ العاملين منهم أجرهم بغير حساب. وطوبى لكل الحجاج الميامين وحسن مآب، والحمد لله ربّ العالمين.
في مؤتمر "لا إله إلا الله" لسنة 1425هـ- 2004م
انعقد في قريتنا ليوم الاثنين 04 ربيع الثّاني 1425ه الموافق لـ 24 ماي 2004م. وبالمناسبة جاءت إحدى مرشداتنا -الأخت- الحاج أمحمد شيخة بنت الحاج إبراهيم زواف حرم المرحوم الأستاذ: الحاج إسماعيل بن الحاج إبراهيم فطلبت مني إعداد كلمة تلقيها نيابة عني في المؤتمر، فأجبت طلبها شاكرا لها تلك المبادرة. وها هي الكلمة المطلوبة.
الحمد لله الذي أشرقت بنور وجهه الأرض والسّماوات، وقام عليه أمر الدّنيا والآخرة، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، الرّحمة المهداة والنّعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيتها الأخوات المؤمنات، طبتن وطاب ممشاكن وتبوّأتن من الجنة منزلا، نرحّب بمقدمكن الكريم إلى قريتنا الوديعة في آخر جولة لمؤتمراتكن عبر قرى "وادي ميزاب" فأهلا وسهلا، حباكن الله منه رحمة وفضلا، وبارك أعمالكن قولا وفعلا. (1/112)
صفحة 113
أيتها السيّدات الفضليات، لقد كان من توفيق الله لنا جميعا أن يحمل مؤتمرنا هذا جملة: "لا إله إلا الله"، اسما له وشعارا منذ زمن طويل من مسيرة مجتمعنا، والذين اختاروا له هذا العنوان من سلفنا الصّالح هم مدركون لمغزى ذلك تمام الإدراك وواعون لمدلوله في عقيدة المسلم وأثره على حياته وسلوكه. إنه شعار الوحدانية لله، وإفراده بالألوهية والرّبوبية، وهو مناط دعوة رسل الله لخلقه، ومبعث جهادهم وتضحيتهم في مسيرة الحياة البشرية جيلا بعد جيل، من لدن آدم - عليه السلام - إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد - عليه السلام -. فإذا اقتضت حكمة الله أن تختم الرّسالات السّماوية بهذا الدّين الحنيف -دين الإسلام- وقد أكمله الله وأتمّ نعمته علينا به، ونحن معتزون أن نكون من أتباعه، فإن رسولنا الكريم ترك لنا من تراثه الخالد ما لو تمسكنا به لن نضلّ ولن نشقى وهو القائل: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي (. (1) ويقول تعالى في محكم كتابه الكريم: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى، وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ’ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه:123 - 124).
__________
(1) 1 - روى نحوه الحاكم من حديث أبي هريرة، كتاب العلم، حديث 291. (1/113)
صفحة 114
أيتها الأخوات المؤمنات، لا شكّ أنّ أمّتنا الإسلامية تعيش اليوم وضعا عصيبا، وهي تتلقّى الضّربات تلو الأخرى من طرف أعدائها التّقليديين وأشياعهم من الإمّعات والمنافقين، ولم يكن ذلك بدعا في مسيرتها التّاريخية، فكم من فترات عاشتها أمتنا هي أشدّ وطئا وأبشع ظلما وعدوانا مما نحن عليه اليوم، ولكنّها خرجت منها -بفضل الله وعونه- منتصرة مرفوعة الرّأس ومعززة الجانب، وقد قيّض الله لها رجالا حكماء وقادة عظماء، سلكوا بها مسلك النّجاة، وجدّدوا ثقتها بنفسها لضمان البقاء ومواصلة الحياة، ولم تكن عدّتهم في مقارعة الأعداء ومواجهة التّحدّيات إلا إيمانهم الرّاسخ بالله واعتصامهم بحبله على نهج سلفهم الصّالح. فهل تنقصنا نحن هذه العدّة؟، وهل بلغنا حدّ اليأس والقنوط في ما نحن عليه من إحباط وخيبة أمل؟.
كلاّ وألف كلاّ، فما دام شعار "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" يهزّ كياننا ويملأ جوانحنا، وما دام كتاب الله يجلجل آياته في أسماعنا وتتلقّاه بتعظيم وإجلال أفئدتُنا، فإننا لن نستسلم للمصائب والرّزايا، ولن نغدو لمؤامرات الأعداء ضحايا، فالقرآن كما قال عنه رسول الله: (كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، وهو الصّراط المستقيم (. (1)
أيتها الأخوات المؤمنات، لكلّ واحدة منّا مسؤولية عظمى في تحمّل أمانة الدّين، ولنا في أمهات المؤمنين من أزواج رسول الله وأزواج صحابته الأكرمين خير مثال في الدّعوة إلى الله والجهاد في سبيل إعلاء كلمته، ونحن حاضنات الأجيال وصانعات المجد والعلا للرجال:
فالأمّ مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيّب الأعراق
__________
(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 46. (1/114)
صفحة 115
ونحن اليوم -بحمد لله- لا تُعْوِزُنا وسائل التّربية والتّعليم، ولا منابر الوعظ والإرشاد لرجالنا ونسائنا وأطفالنا، ففي مثل هذه التّجمعات المباركة في كلّ سنة نبحث قضايانا ونعرض مشاكلنا لنتخذ فيها قرارات حاسمة نلتزم كلّنا بتطبيقها في حياتنا الخاصّة والعامة، فإنّ أمة الرّسول لا تتّفق على ضلال، وروح الجماعة يرفض الانفرادية والانعزال، فما لنا إلا أن نخلص في التّشاور وتتّسع صدورنا للمناقشة والحوار. فلكلّ معضلة حلّ ومخرج إذا ما خلصت النّوايا وصحّت العزائم. فتعالين جميعا إلى حسن التّفكير وخير التّدبير، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا: {وَمَن اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33).
فإنّ الصّالحات منّا هنّ السّباقات إلى مجالات الخير والصّلاح، والقائمات بمبادرات البرّ والإحسان. ومجتمعاتنا الفاضلة مفتونة اليوم في مقوّمات دينها، ومستهدفة في تشويه تاريخها وأصالتها. وسوف لا تنال منها يد الدّهر ما دامت فيها المرأة المسلمة تقوم بدورها الاجتماعي والعائلي كاملا وفق منهج الله ورسوله، ومنهج سلفنا الصّالح في تركيز التّربية الدّينية والمحافظة على الطّهر والفضيلة، ومحاربة كلّ أنواع الانحرافات سيما في المجتمع النّسويّ باعتباره الرّكيزة المتينة في الأسرة والبيت. فصلاح المجتمع بصلاح الأسرة، وتلوّث النّهر لا يأتي إلاّ من الرّوافد التي تصبّ فيه.
فالبدار البدار -أيتها المؤمنات الصّالحات-، فلات ساعة تردّد أو تقصير، حفظكن الله ورعاكن وثبت أقدامكن على صراط الله المستقيم. وكلّل مساعيكن بالتّوفيق والنّجاح. فاللّهم إنا نسألك البرّ والتّقوى والعمل بما ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
شهر القرآن واليمن والبركات لسنة 1425هـ/2004م
(يوم الجمعة 01 ربيع الثّاني1425ه /21 ماي2004م.)
الخطبة الأولى (1/115)
صفحة 116
نحمدك اللّهمّ يا من جعلت أمّة الرّسول خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. نشهد أن لا إله إلا الله، ونلتمس بطاعته رضاه، ونصلي ونسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، نستقبل بشوق وإجلال شهر اليمن والبركات، وشهر الصّبر والعزم والثّبات، شهر رمضان المعظم، ويا له من ضيف كريم تواكبه ملائكة الرّحمة ويزدان فيه عرش الرّحمن، وتفتح بالنّفحات الرّبانية أبواب الجنان. فطوبى لمن وفّقه الله من عباده لحسن صيامه وقيامه، وخلصت نيته لعبادة الله في يقظته ومنامه، فحسب المؤمن من رحمة الله عليه أن يمتّعه بالصّحة والسّلامة، وأن ينعم عليه بالأمن والعافية، ويسلكه في عداد الهداة المهتدين. فكم من رفاق لنا صاموا رمضان الماضي، وقد رجعوا اليوم إلى ربّهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، وكم من سليم معافى تدهورت اليوم صحته فاضطرّ إلى أن يزن طعامه وشرابه، وينصاع لأمر طبيبه متحاشيا لومه وعتابه. وأمّا غوائل النّفس الأمّارة بالسّوء ومكائد الشّيطان فتلك فتنة نعوذ بالله من شرّها، ونستجير بالله من لظاها وحرّها. إذ نحن -أيها الإخوة المؤمنون- في زمن نَكِِدٍ قد استشرى فيه الفساد والشّرّ، وتطاول فيه العصيان والفسوق، حتى غدا فيه المرء -كما تنبأ بذلك رسول الله- يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، أو يصبح كافرا ويمسي مؤمنا، يبيع دينه بعَرض من الدّنيا.
إنها فتن كقطع اللّيل المظلم: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ’ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} (النور:40). فتن تنقطع فيها حيلة الخلق وتعجز وسائلهم كما قال تعالى: {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} (يس:43). (1/116)
صفحة 117
غير أن الله الرّحيم بعباده لا يغلق منافذ الأمل، ولا يُسْلِم القلوب إلى اليأس والقنوط، فهو يقول بعد ذلك: {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً اِلَى حِينٍ} (يس:44). ويقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً اِنَّهُ’ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53).
فما على المسرفين إلاّ أن يلتمسوا مَجَالِي تلك الرّحمة، ويتعرّضوا لنفحاتها، ويطلبوها من مظانّها ومن مستودعاتها في الزّمان والمكان، ولا شكّ أن هذا الشّهر المبارك في قمة تلك المجالي وأغنى تلك المستودعات.
فليس رمضان بِدْعًا من الشّهور في هيئته الزّمانية والمكانية، فقد عدّه الله من الشّهور الإثني عشر في كتاب الله يوم خلق السّماوات والأرض، غير أن الذي ميّزه وأعلى قدره هو نزول القرآن فيه نورا وهدى للعالمين، وما أدراك ما نزول القرآن؟، إنّه الرّحمة المسداة، ونور الله الذي يُجْلِي الظّلمات: {قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ’ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ (إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة:15 - 16)
فلا عجب أن يعتبره رسول الله هو المخرج الوحيد لأمّته عندما تلفّها ظلمات الشّرّ والفساد، وذلك عندما سأله الإمام عليّ -كرّم الله وجهه- عن المخرج من تلك الظّلمات فقال له: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله (. (1)
__________
(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 46. (1/117)
صفحة 118
أيها الإخوة المؤمنون، إذا كنّا نصوم شهر رمضان تعظيما لخالقنا وشكرا له على نعمة القرآن، فما هو حظنا في خدمة كتاب الله؟ وما هو منهجنا في اقتباس نوره والتماس رشده وهداه؟، لأنّ القرآن وإن كان مصدرا للنور والهداية كما أنزله الله، فإنّ أصناف الخلق أزاءه متفاوتون في حظهم من التّأثر والاستقبال. قال تعالى:
أ) - {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً} (الإسراء:82).
ب) - {قُلْ هُوَ لِلذِينَ ءَامَنُواْ هُدىً وَشِفَآءٌ وَالذِينَ لاَ يُومِنُونَ فِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت:44).
قد نقول: إننا مؤمنون، وللقرآن في نفوسنا منزلة لا تُدَانى، إنّ أغلبنا لَكَذَلِك -بفضل الله-، ولكن ما بالنا اليوم، وما بال الكثير من المسلمين، لا يحرّك القرآن مشاعرهم؟ ولا تتجاوب أحاسيسهم لما فيه من الحق، فيعملون لتجسيده في واقع حياتهم سلوكاً قويماً، وأخلاقاً حميدةً، وخشيةً لله ترفع المؤمن إلى مصافّ الصّديقين والشّهداء والصّالحين؟.
فلنستمع إلى المولى -تبارك وتعالى- وهو يبيّن لنا الوسيلة المثلى والطّاقة المطلوبة للتجاوب مع القرآن الكريم، يقول تعالى:
أ) - {لَوَ اَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ’ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ} (الحشر:21).
ب) - ويقول: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ (إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (الزمر:23). (1/118)
صفحة 119
فكلتا الآيتين تركّزان على خشية الله، وقد شخّصتا قوّة تأثيرها على كلّ من الإنسان والجماد، فلا مبالغة في ذلك، فكلاهما خلق لله هو أعلم بتكوينهما وبطبيعتهما. فإذا كانت قوّة الجبل تتمثّل في تماسك كتلته المادية القاسية، فإن تصدّعها وتناثر أجزائها من خشية الله ليمثل منتهى الخضوع والإجلال لعظمة الله. والإنسان كائن حيّ مزدوج التّكوين، وجلده هو الدّرع الواقي لمادة جسده زوّده الخالق بقوة الإحساس ليقوم بمهمة الإنذار المبكّر لكلّ خطر يداهم الجسم، كما أنّ قلبه هو مستودع المشاعر والأحاسيس، ومركز القيادة والتّوجيه لحركية الجسم كله. وبين الإنذار المبكّر من المجموعة العصبية للجلد، والاستجابة التّلقائية لمركز القيادة القلبية، يأتي العطف بـ"ثم": {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ (إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (الزمر:23).
يأتي هذا العطف للدّلالة على الرُّتَبِيَّة الحتمية بين المقدمة والنّتيجة، وهي اللّين لذكر الله والإخبات لجلاله، فهذا -أيها الإخوة المؤمنون- هو ملاك الأمر في التّعامل مع القرآن. وذلكم هو الفضل العظيم الذي حباه الله لصحابة رسوله، وهو يتلون القرآن غضّا طريّا، وتتجاوب قلوبهم مع آياته سمعاً وطاعةً، وحبًّا وانقياداً، ولهم في ذلك سجلّ حافل، لا ينكره إلا غبيّ جاهل.
فهذا عمر -رضي الله عنه- خرج يعسّ بالمدينة ذات ليلة، فمرّ بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلّي، فوقف يستمع قراءته وهو يقرأ: {وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ... } (الطور:1 - 2). حتى بلغ إلى قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَّا لَهُ’ مِن دَافِعٍ} (الطور:7 - 8). قال عمر: قَسَمٌ وربّ الكعبة حَقٌّ، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليّا، ثم رجع إلى منزله فمكث شهرا يعوده النّاس ولا يدرون ما مرضه؟. (1/119)
صفحة 120
فهذا مَثَلٌ لرقّة القلب وشدّة إحساسه بخشية الله، لقد هزّه الوعيد الإلهي، واستهول ما عساه قد وقع فيه من أخطاء، فضاقت به الدّنيا وآثر أن يبتعد عن الأضواء.
فأين نحن من تلك الرّقة الخاشعة؟، ونحن لا يكاد أحدنا تخطئ مسامعه آيات القرآن في ليل أو نهار، وقلّما تهتزّ مشاعره لما يسمع، وبالتّالي يبقى حبيس إلفه وعاداته، وجليس شهواته ورغباته.
وهذا أحد أبطالنا "أبو حمزة الشّاري" رحمه الله يصف أصحابه كيف يتأثرون بسماع القرآن فيقول: " يا أهل مكة: تعيّرونني بأصحابي تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابا؟! نعم، شباب والله مكتهلون في شبابهم، عميّة عن الشّرّ أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في آناء اللّيل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النّار شهق كأن زفير جهنم في أذنيه. فقد وصلوا كَلاَل ليلهم بكَلاَلِ نهارهم، أَنْضَاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مُصْفَرَّة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصّيام وطول القيام، مستقلّون لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله ... ".
فيا شباب محمّد، ويا حماة الإسلام هكذا كونوا أو لا تكونوا ...
الخطبة الثّانية (1/120)
صفحة 121
بسم الله الرّحمن الرّحيم: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ القُرْءَانَ، خَلَقَ الاِنسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ}، نحمده تعالى حقّ حمده ولا نُحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونصلّي ونسلّم على نبينا المصطفى وحبيبنا المجتبى، وقد امتنّ الله عليه بأن آتاه القرءان فقال جلّ من قائل: {وَلَقَدَ اتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ، لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُومِنِينَ} (الحجر:87 - 88). صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين وبعد:
فما أجلّ حكمة الله، وهو يشرّع لنا فريضة الصّوم ويعظّمها بنزول القرآن، وما أروع ما درج عليه أسلافنا -رحمهم الله- إذ رتّبوا تلاوة القرآن في بيوت الله آناء اللّيل وأطراف النّهار طيلة شهر رمضان. ذلك لأن الصّائم أطوع ما يكون لتدبّر آيات القرآن والتّجاوب معها، وهو متلبّس بعبادة الصّوم تقرّبه إلى الله، وتعينه على خشيته وتقاه. فليغتنم كلّ واحد منّا هذه الفرصة، وليطرق أبواب السّماء، فإنها مُتْرَعَةٌ بالرّحمات، مُغْدَقَة بالبركات.
أيها الإخوة المؤمنون، إنّنا على ما أعددناه من إمكانيات مادية وتربوية لتحفيظ أولادنا القرآن، فإنّنا لنَسْتَقِلُّهَا أزاء ما يجب علينا أن نوفّره، لأن من خَطَبَ الحسناء لم يُغْلِه المهر. وإنّنا لنعتبر كلّ ولد لنا أو بنت استظهرت القرآن دُرَّةً غالية نُغْلِي ثمنها ونقدّر قيمتها ونصونها من الرّخص والابتذال. فمهما قيل أو يقال عنهم بأنهم يهملون مدارسة ما حفظوه في بيوت الله لانشغالهم بدراستهم -غالبا- فإن الصّدور التي حوت كتاب الله لجديرة بالتّقدير والتّشجيع، لأن الكنز الثّمين لا يفقد قيمته وإن بقي مطمورا لسنين. (1/121)
صفحة 122
ولا شكّ أن شهر رمضان المعظم هو المجال الذي يمكن أن نستغلّ فيه تلك الطّاقات، فما على جمهورنا الكريم إلاّ أن يتغاضى عمّا عساه أن يقع فيه أحدهم من أخطاء في ما يؤديه من الصّلوات الجماعية، فحسبهم أن يجتهدوا في الإعداد الجيّد لها، ولا يكلّف الله نفسا إلا وسعها، فسبحان الذي لا يسهو ولا ينسى.
وكل ما نرجوه لهؤلاء الأبناء أن يغتنموا مثل هذه الأوقات المباركة لترسيخ ما حفظوه -بعون الله- كما قال تعالى لرسوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى، إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ إِنَّهُ’ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} (الأعلى:6 - 7). وقال: {فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ’ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه:114).
فاللّهم ذكّرنا من القرآن ما نسيناه، وعلمنا منه ما جهلناه، واستعملنا في ما علمناه، وارزقنا حقّه وحقّ تلاوته وتأويله، والعلم والعمل به آناء اللّيل وأطراف النّهار، واجعله خالصا مخلصا لوجهك الكريم.
اللّهم بارك لنا في شهر رمضان، وأعنّا فيه على الصّلاة والصّيام والقيام، وعلى تلاوة القرآن. اللّهم أعذنا فيه من الشّيطان وهمزه ولمزه وغمومه ومكائده، ومن النّفس الأمّارة بالسّوء. {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} (الفرقان:74)، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
تأمّلات في آيات من سورة النّساء
الخطبة الأولى
بسم الله الرّحمن الرّحيم: {تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِى لِّيَكُونَ لِلْعَالمَِينَ نَذِيرًا} (الفرقان:1)، شرع من أحكامه ما يكفل به السّعادة لخلقه فأتقن الصّنع وأحسن التّدبير. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن اتّبع هداهم إلى يوم الدّين، أمّا بعد: (1/122)
صفحة 123
فيا أيها الإخوة المؤمنون، كم لي من وقفات على هذا المنبر الجليل، أدعوكم فيها إلى ما دعاكم إليه الله ورسوله لانتهاج نهج الصّالحين، والسّير على هدي الحق المبين. واليوم وقد بحّ صوتي وانحنى صلبي وأصبحت في "ثم" الأخيرة من قوله تعالى: {اللهُ الذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} (الروم:54). أصبحت لا أقوى على الجهر بالقول إذا ما استفزّتني ظاهرة لا يمكن السّكوت عنها، كما لا أقوى على الإغضاء عنها، وفي صدري نفَس يتردّد، وبين جوانحي حبّ ووفاء لهذا المجتمع الفاضل:
تعبت بأهله لوما وقبلي ... دعاة البرّ قد سئموا الخطابا (1/123)
صفحة 124
وها أنا ذا أقف أمامكم مرّة أخرى لأستصحبكم إلى التّأمّل معي في هذه الآيات البيّنات من سورة النّساء. يقول المولى تبارك وتعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذاَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً، اَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ (ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدُ امِرُواْ أَنْ يَّكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُّضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوِاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً، فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَ اَرَدْنَآ إلآَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً، اوْلَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً، وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوَ اَنَّهُمُ (إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً، فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} ... (59 - 65). صدق الله العظيم. (1/124)
صفحة 125
فإذا رجعنا إلى أسباب النّزول فإنّنا نجد الرّواة يوردون عدّة قضايا لمتقاضين لم يذعنوا لحكم رسول الله، منها أنّ يهوديّا ومنافقا تحاكما إلى رسول الله في قضية بينهما قضى فيها الرّسول لليهودي، فلم يرض المنافق بحكم رسول الله، إذ طلب من صاحبه التّحاكم إلى كعب بن الأشرف، وتذكر الرّواية أنهما فعلا كذلك مع أبي بكر. وعندما تحاكما أمام عمر - رضي الله عنه - وقد علم بحكم رسول الله وخليفته- كان حكمه أن يضرب عنق المنافق لرفضه حكم رسول الله، فنزلت الآيات.
وقال جبريل - عليه السلام -: إنّ عمر فرّق بين الحق والباطل. فسمّاه الرّسول بـ"الفاروق".
نجد في طليعة هذه الآيات الكريمات ذلك النّداء الإلهي النّديّ للمجتمع الإيماني يأمر فيه بطاعة الله والرّسول وولاة الأمور، ثم الاحتكام عند التّنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله. فالآية الكريمة تبيّن أصول الدّين وأحكام شريعته والأسس التي ترتكز عليها الحكومة الإسلامية في أنظمتها وقوانينها. وقبل هذه الآية يأمر الله المؤمنين بأداء الأمانات إلى أهلها وبالعدل في الحكم: {اِنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ (أَن تُوَدُّواْ الاَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (58). وذلك بعد ما بيّن لنا ما آلت إليه وضعية أهل الكتاب من التّحريف لنصوص كتبهم، وإيمانهم بالجبت والطّاغوت. (1/125)
صفحة 126
فالآية الكريمة تأمر بطاعة الله وطاعة الرّسول وأولى الأمر منّا، ونلاحظ تكرار فعل "أَطِيعُواْ" مع وجود حرف العطف، وذلك إظهارا للاهتمام وتأكيدا لطاعة الرّسول بأنها من طاعة الله، كما تصرّح بذلك الآية اللاحقة: {مَّنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ} (النساء:80). وفي قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ}، فطاعة الرّسول -إذن- مساوية لطاعة الله. ولذلك لا نجد التّكرار للفظ "أَطِيعُواْ" في غير هذه الآية من نظائرها في سور أخرى من القرآن الكريم كقوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} (الأنفال:20). وقوله أيضا في سورة الأنفال: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (46).
وقد اختلف العلماء في مفهومه من خليفة المسلمين إلى أبسط مسؤول ممن نسمّيهم اليوم بالسّلطات المحلية. وكان يُطلَق عليهم في ما مضى "أهل الحلّ والعقد"، وقد أمر الله بطاعتهم بعد أمره بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها، لأن هذين الأمرين هما قوام نظام الأمة في تناصح الأمراء والمواطنين وإنبات الثّقة بينهم. وتدلّ النّصوص الأخرى على تقييد طاعة أولى الأمر في ما هو خير أو معروف، لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد يحدث التّنازع في كثير من الأمور بين أفراد الأمة، أو بينها وبين ولاة أمورها -وذلك من سنن الله في خلقه- تختلف حدّته وآثاره على المجتمعات البشرية وفق أصول حضارتها ومستوى نضجها السّياسي والاجتماعي. ولذا أرشدت الآية الكريمة إلى طريقة فصل النّزاع فقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذاَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً}. (1/126)
صفحة 127
والضّمير في قوله {تَنَازَعْتُمْ} راجع للذين آمنوا، وهو شامل لكلّ من يمكن أن يقع التّنازع بينهم ما عدا رسول الله إذ قال تعالى عنه: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الاَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُّسْتَقِيمٍ} (الحج:67).
كما أن لفظ "شَيْءٍ" في حيّز الشّرط يفيد العموم، والمقصود به تعميم أنواع الحوادث التي يمكن أن يكون فيها خلاف. ومعلوم أنّه لا يتأتّى هذا التّحاكم إلى الله والرّسول من ذوي الرّأي والعلم والنّظر إلا بمراقبة الله تعالى في طلب الحق والرّكون إليه عند النّزاع والخلاف، ولذلك جيء لهذا التّحذير الإلهيّ في صيغة الشّرط الدّالة على كمال الإيمان: {إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذاَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً}.
نعم، إنّه خير لما فيه من النّفع لجماعة المسلمين في المحافظة على وحدة صفهم وجمع كلمتهم، فإذا كانت تلك هي مثالية الدّين -أي التّحاكم إلى الله ورسوله- فإنّ واقع كثير من النّاس بالأمس واليوم وإلى ما يشاء الله هو على غير ذلك، إذ يتحاكمون إلى الطّاغوت -والذي هو بمعنى الطّغيان الكبير- ممن يرغب عن الحق إلى الباطل. فقد رسم الله لهؤلاء صورة سوداء قاتمة، فهم إذ يصدّون عمّا أنزل الله فليس لهم من الإيمان إلا الزّعم الباطل، لأنّ قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} يدلّ على أنهم لا يقومون لذلك عن جهل ولا عن سوء تقدير، وإنّما هم على علم ويقين بما يفعلون. ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَقَدُ امِرُواْ أَنْ يَّكْفُرُواْ بِهِ}، إذ أن الأمر بعبادة الله والإيمان به، والكفر بالطّواغيت هو القاسم المشترك الذي تتفق عليه جميع الأديان. قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَن اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} (النحل:36). (1/127)
صفحة 128
وهم إذ يشيطن الشّيطان نفوسهم الخبيثة فهم في ضلال بعيد، عن إمكانية التّوبة والإنابة إلى الله، ثم لا يلبث النّص أن يصفهم بالنّفاق والمداجاة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوِاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}، ومن شأن النّفاق أن يسبّب الخور في العزيمة ويوهن نفس صاحبه فلا يثبت على موقف ولا يستقيم على حال واحد.
والمنافقون لا يعدمون تأويلا حين تنكشف حقيقتهم أو يحيق بهم غضب الله، فيلفّقون الأعذار ويموّهون الحقائق، ويحلفون على الكذب وهم يعلمون: {اوْلَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}، فهم لبروز حقيقتهم صاروا كالمشاهدين أمام النّاس، ويكشف الله عن حقيقتهم بأنّه يعلم ما في قلوبهم من المكر والكفر، ويأمر رسوله أن يعاملهم بثلاثة أحوال:
أ) - {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}: أي أمسك عن محاسنتهم ومخالطتهم، وقد يطلق الإعراض على عدم المؤاخذة بأن لا يهتك سترهم.
ب) - {وَعِظْهُمْ}: والوعظ يكون بالنّصح الهادئ لفعل الخير وترك الشّرّ بالكيفية التي تلين القلوب وتؤجّج المشاعر.
ج) - {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}: والقول البليغ هو الذي ينفذ إلى أعماق النّفوس بأسلوب التّرغيب والتّرهيب، فيساس قيادها إلى مسالك الخير والبرّ والإحسان. وقيل: إن معنى {فِي أَنفُسِهِمْ} أن يكون ذلك القول لهم في السّرّ، لأنّ إعلان النّصيحة تقريع وفضيحة. (1/128)
صفحة 129
أيها الإخوة المؤمنون، هل لهذا الصّنف من النّاس علاج؟، وهل لهم مسلك إلى التّوبة النّصوح؟، فلنستمع إلى قوله تعالى في آخر النّصّ: {وَلَوَ اَنَّهُمُ (إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً، فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}:
يلفت نظرنا قوله تعالى: {إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} فقد اعتبر الله الإعراض عما أنزل الله والتّحاكم إلى الطّاغوت ظلما للنفس يستوجب غضب الله، وقد تنجرّ عن ذلك مصائب لهؤلاء -كما تقدم- ومع ذلك الظّلم فإن الفرصة متاحة لهم للتوبة النّصوح -لو أنهم بادروا إليها- فجاؤوك أيها الرّسول تائبين من ذنبهم. وفي تحقيق تلك التّوبة يذكر الله استغفارهم المباشر لله واستغفار الرّسول لهم.
وهنا نتساءل: إذا كان استغفار الرّسول قد تأتّى لمن حضروا في وقت التّنزيل -لو أنهم فعلوا ذلك- فكيف يتأتّى للذين جاؤوا من بعده، وقد صدر منهم نفس الذّنب؟. (1/129)
صفحة 130
ولا شك أن باب التّوبة إلى الله يبقى مفتوحا للخلق ما لم يغرغر المذنب، ولصاحب المنار ملحظ في ذلك إذ يقول رحمه الله: "إنكم تعلمون أن مشاركة النّاس بعضهم لبعض في الدّعاء مسنونة، وأنّ من سنة الله تعالى أن يتقبّل من الجماعة بأسرع ممّا يتقبل من الواحد، فدعاء الجماعة أرجى للإجابة، وإن كان كلّ داع موعودا بالاستجابة. وحقيقة الدّعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى". إلى أن يقول: "وإنمّا كانت المشاركة في الدّعاء أرجى للقبول لأنّ الدّاعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه، أي أنّ ذنبه يكون هو السّبب في شعورهم وإحساسهم كلّهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والإتحاد المرضي عنده فكانت حاجته حاجتهم كلهم" (1).
وأخيرا يحدّد الله المفهوم الحقيقي للإيمان الصّحيح فهو لا يتمّ إلا بثلاث خصال:
أ) - أن يحكّم المؤمنون رسول الله فيما شجر بينهم، وتقوم سنة رسول مقام شخصه الكريم.
ب) - أن لا يجدوا في أنفسهم ضيقا يصرفهم عن تحكيمه أو هم يسخطون من حكمه بعد تحكيمه، إذ لا يحكم الرّسول إلا بميزان الحق الذي لا شبهة فيه.
ج) - الانقياد بالفعل لذلك الحكم بحيث ينفذه طوعا ولا يجد في نفسه غضاضة لذلك.
تلكم -أيها المؤمنون- بعض اللّمحات التي تطالعنا من خلال هذا النّصّ الكريم. فما هو حظنا نحن في تطبيق هذه الإرشادات الإلهية؟. ونحن تحتوشنا دسائس الطّغاة المتجبّرين وتناوشنا أعداء الإسلام التّقليديين؟.
ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب. اللّهم طهّر ألسنتنا من الرّياء، وقلوبنا من النّفاق وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
الخطبة الثّانية
الحمد لله مجيب الدّعوات، ومثبتّ القلوب على نهج الصّالحات. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:
__________
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار: 5/ 235. (1/130)
صفحة 131
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنّنا لا نزكّي أنفسنا على الله فندّعي الوقوف عند حدود الله والالتزام بأحكام شريعته الغرّاء، فلسنا بدعا من المجتمعات الإسلامية في ما أصابها من خمول وركود، ومن ضعف الوازع الدّيني وتهافت على بريق الحضارة المادية الخانقة. صحيح بأنّ مجتمعنا نبت على تربة الدّين الحنيف، وما يزال يتمتع برصيد كبير من تراثه الخالد، ولكن صراع البقاء بكلّ ما فيه من تناقضات قد أخذ يقرّح جسم مجتمعنا ببثور لا تندمل، ويترك آثارا نائية في مسار تاريخنا لا تضمحلّ.
فإذا أسقطنا مدلولات النّصّ السّابق على واقعنا، فإننا -ولا شك- نجد في صرخنا الشّامخ ثغرات تهدّد كياننا بتخلخل أسسه واهتزاز أركانه ما لم نتداركه بالتّرميم والتّركيز، فمن لنا بتلكم الطّاعة المثلى لله ورسوله، ولولاة أمورنا؟، فهذه مثلا مواثيق اتفاقياتنا الجماعية، وهي متركزة على الشّورى والتّعاون كما أمر الله، لا تكاد تحظى من كثيرنا بالوفاء والالتزام. وهؤلاء شبابنا -وقد أبطرتهم النّعم- لا يولون لآبائهم وشيوخهم ما يستحقون من التّقدير والإحترام، وتلك نساؤنا وشابّاتنا قد شغفن بأزياء الموضة والخلاف، وقلّ منهن الحياء والتّصوّن والاحتشام.
فرحم الله أسلافنا في ما وضعوه لهذا المجتمع من زواجر وضوابط هي كلّها مستمدّة من روح هذه الآيات البيّنات، إذ كانوا يتبّرأون من كل مجاهر بالكبائر أو مستخفّ بقرارات الجماعة، ثم لا يقبلون منه التّوبة والاستغفار إلاّ في إطار بيوت الله، ليستغفروا له جميعا في مشاركة وجدانية مخلصة تكون مظنة لاستجابة ذلك الدّعاء، وحافزا للمذنب في الإنابة إلى الله والاستقامة على نهج الصّلاح والتّقوى. وهل أصبحت اليوم تلك الأعراف والسّنن مجرّد ذكريات تجاوزها الزّمن، وعادات بالية غمرها طوفان التّطوّر وشابها الضّعف والوهن. (1/131)
صفحة 132
فيا ويح من ماتت على يده السّنن، فابتلاه الله بأنواع من المصائب والفتن، وصدق المرحوم مصطفى صادق الرّافعي حين جسّد هذا الواقع المرير فقال: "لقد رقّ الدّين في رجالنا ونسائنا، فهل كانت علامة ذلك إلا أن كلمة "حرام وحلال" قد تحوّلت عند أكثرهم وأكثرهن إلى "لائق وغير لائق"، ثمّ نزلت عند كثير من الشبان والفتيات إلى "معاقب عليه قانونا ومباح قانونا". ثم انحطّت عند السّواد والدّهماء إلى: "ممكن وغير ممكن". نعم إنها الحقيقة المرة، فانظروا -أيها الإخوة- أين نحن في مراتب هذا السّلم، بعد أن تدحرجنا من قمّة "الحلال والحرام".
اللّهم إليك نشكو قساوة قلوبنا فألنها، وطول آمالنا فحققها، وكثرة ذنوبنا فاغفرها، فنعم المشكوّ أنت، ارحم ضعفنا وتضرعنا وأعطنا لمسكنّتنا ولا تحرمنا لقلة شكرنا، وأغفر لنا ما قدمنا وأخرنا وأسررنا وأعلنّا وما أنت أعلم به منا، إنك على كل شيء قدير، اللّهم قنا نوائب الزّمان، ومكايد الشّيطان، وسطوات السّلطان، والحمد لله رب العالمين.
المواطن الجزائرّي والمصالحة الوطنية
(استفتاء 29 سبتمبر2005م)
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلقه ضعيفا في جسمه قويّا بعقله، ثم هداه السّبيل إمّا شاكرا وإمّا كفورا، نحمده تعالى حق حمده ولا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، سبحانه إنّه كان بعباده خبيرا بصيرا، ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه، والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، ما يزال هذا الإنسان في ناحيته المادّية والرّوحية، مجلى لعظمة الله وقدرته وحكمته، تنطوي ذاته الضّعيفة على أسرار الخليقة كلّها، يقول المولى تبارك وتعالى: {وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمُ (أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الذاريات:20 - 21). ويقول الشّاعر:
وتزعم أنّك جُرْمٌ صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر (1/132)
صفحة 133
وقد وصف القرآن هذا الإنسان بأنّه هلوع في حالتي السّراء والضّراء، ولا اتّزان له في سلوكه إلاّ إذا تسلّح بالإيمان والعمل الصّالح كما تفصح عنه آية المعارج في قوله تعالى: {إِنَّ الاِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، اِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، اِلاَّ الْمُصَلِّينَ}. (19 - 22).
ولقد قدّر الله أن نعيش في هذه الأيام الأخيرة كارثتين عظمتين، تجلت فيهما قوة الخالق وعجزت أمامها كلّ الوسائل البشرية في الحذر والحيطة أو في الغوث والنّجدة. ألا وهما إعصار "كاترينا" وأمواج "تسونامي"، ومن قبل عشنا نحن في وطننا الغالي زلزال شهر ماي من سنة 2003م. فكم كان لمثل تلك الظّواهر الطّبيعية من آثار مادية مدمّرة، ومن هزّات نفسية عنيفة ما تزال تجرّ أثقالها على كثير من سكان المعمورة. وتختلف نظرة النّاس لتلك الظّواهر ما بين المؤمنين المعتبرين، وبين المادّيين الملحدين فقال الأوّلون: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ (إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} (الحديد:22). وقال الآخرون كما قال أسلافهم من قبل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمُ (إِلاَّ يَظُنُّونَ} (الجاثية:24).
والله تعالى في عظيم سلطانه وواسع قدرته يقول: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَّبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمُ (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمُ (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} (الأنعام:65). (1/133)
صفحة 134
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَّبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُم}. (أعوذ بوجهك (. قال الله: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُم}. قال الرّسول: (أعوذ بوجهك (. وقال تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ}. قال رسول الله: (هاتان أهون أو أيسر (. (1)
يقول أحد المفسّرين معلّقا على هذا الحديث: "وإنما كانت هاتان أهون أو أيسر لأن المستعاذ منه قبلهما هو عذاب الاستئصال بإحدى الخصلتين الأوليين حتى لا يبقى من الأمّة أحد، وقد رفع الله ذلك عن أمة رسول الله" (2).
وقال أحد الدّعاة: "ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللّون من العذاب كلّما انحرفت عن منهج الله، وتركت لأهواء البشر ونزواتهم، وللشهوات والجهالة والضّعف والقصور" (3).
نعم!، تلكم هي المصائب التي تصيب النّاس بما كسبت أيديهم، وقد علمنا رسول الله في مثل تلك المحن أن نقول: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة، من أن يحلّ عليّ غضبك، أو ينزل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (.
__________
(1) 1 - رواه البخاري من حديث جابر بن عبد الله، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب في قول الله تعالى: أو يلبسكم شيعا، حديث 6922.
(2) 1 - المراغي، التفسير، 3/ 155.
(3) 2 - سيد قطب، في ظلال القرآن، 7/ 280. (1/134)
صفحة 135
أيها الإخوة المؤمنون، إنّ الفتنة شرّها مستطير، لا يستقيم معها عمران، ولا يثبت على تربتها بنيان، ولذلك حذّرنا الله منها بعد أن دعانا إلى الطّاعة والانضباط، ولزوم الجماعة ومداومة التّعاون والرّباط، فقال جلّ من قائل: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُواْْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال:24 - 25).
أجل إنّ الفتنة أشدّ من القتل كما وصفها القرآن الكريم، وهي تنجرّ عن الإحن والبغضاء في مجال العشرة والمخالطة، وعن التّعالي والكبرياء حين يتألّه النّاس بعضهم على بعض فيركبهم الغرور ويطوّح بهم منطق الغاب، فلا يتعاملون إلا بلغة الظّفر والنّاب.
ومن أغرب التّناقضات في هذا الإنسان أن يمتلكه الخوف والهلع أمام بأس الله ونقمته فلا يجد مفزعا إلا إليه ويلوذ بكنفه، حتىّ أولئك الذين كانوا بالأمس جبابرة عتاة ساخرين، إذا انكشف الضّرّ وانجلت الغمّة عادوا إلى ما كانوا عليه من البغي والطّغيان. وكم ندّد القرآن الكريم بذلك الموقف الشّائن، وعزاه إلى ضعف الوازع الدّيني معتقدا وسلوكا، فقال عزّ من قائل:
أ) - {فَلَمَّا جَآءَتهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ’ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمُ (إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} (غافر:83 - 85) (1/135)
صفحة 136
ب) - {قُلْ مَنْ يُّنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ’ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللهُ يُنجِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} (الأنعام:63 - 64).
ولم يهمل الإرشاد الإلهي معالجة تلك الظّاهرة الخطيرة في الإنسان فدعاه إلى الدّخول في السّلم والتّجافي عن وساوس الشّيطان، وذلك في إطار المجتمع الإيماني حيث تسود الأخوّة الدّينية والتّعاون والتّكافل فقال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ’ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (البقرة:208).
كما دعاه في العلائق الاجتماعية إلى العفو والصّفح، وإلى درء السّيّئة بالحسنة، ثم إلى التماس الصّلح وتحكيم الوسطاء الخيّرين إذا ما استعصى المشكل واحتدّت الخصومة. وإذا لم يكن من القصاص بدّ، فإن الشّريعة السّمحاء وضعت لذلك حكما عادلا لا يتعدّى الحدود إلى الجهالة والانتقام فقال تعالى:
أ) - {وَجَزَآؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ’ عَلَى اللهِ إِنَّهُ’ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، اِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} (الشورى:40 - 43)
ب) - {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} (النحل:126). (1/136)
صفحة 137
نعم، إنّها الدّعوة إلى التّسامح والرّحمة وهما في قمة الأخلاق الاجتماعية التي جسّدها نبيّ الرّحمة في واقع الحياة نظاما شرّعه دستور السّماء، وسلوكا بين الأصحاب، ومحا كلّ أثر للإحن والبغضاء، فكانوا بشهادة الله الأعزة الرّحماء فقال تعالى ممتنا على رسوله: {هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ (إِنَّهُ’ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:62 - 63).
ولكنّنا نجد هذا الإنسان ذاته، وهو الهلوع أمام بأس الله، نجده لا يولي اهتماما لما يتسبّب فيه هو من شرّ، وما يبديه من بطش وبأس على بني جنسه تسلّطا وبغيا، وهو في انتفاخه وغروره لا يأبه بما يلحق الآخرين من جرّاء تصرفاته الرّعناء، لا يردعه وازع من الأخلاق، بله أن يتذكر في جبروته قوة الباري الخلاّق، وصدق المولى إذ يقول: {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى} (العلق:6 - 7).
أيها الإخوة المؤمنون، لقد عرفت بلادنا ذلك النّوع من السّلوك المنحرف حين تاه شعبنا في متاهات التّحزب والتّشرذم، وحين فتح الله عليه أبواب الخيرات، وأغدق عليه ألوانا من النّعم والطّيّبات، حتى امتلأت البطون واحتدمت الشّهوات. وقديما قال الحكماء: "إن الهزيل إذا شبع مات".
نعم، إنه الموت الأدبي والخواء الرّوحي، وهو أنكى على حياة الأمم من المرض والوباء ومن كل أنواع البلاء، فلا أدلّ على ذلك من تجربتنا القاسية في العشرية السّوداء، ذلكم العهد المشؤوم الذي يندرج في أنواع البلايا التي يسلّطها الله على عباده تربية وتأديبا علّهم يزدجرون فقال تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} (الأنعام:65). (1/137)
صفحة 138
فإذا كان الأديب الجزائري الكبير البشير الإبراهيمي في تخليد ذكرى يوم 08 ماي 1945م يوم الفاجعة الكبرى في ظلّ الاستعمار البغيض قال: "يا يوم! لله دماء بريئة أريقت فيك، ولله أعراض طاهرة انتهكت فيك، ولله أموال محترمة استبيحت فيك، ولله يتامى فقدوا العائل الكافي فيك، ولله أيامى فقدن بعولتهن فيك. يا يوم! لك في نفوسنا السّمة التي لا تمحى، والذّكرى التي لا تنسى. فكن من أية سنة شئت فأنت يوم الثامن ماي وكفى. وكلّ ما لك علينا من ديْن أن نحيي ذكراك، وكلّ ما علينا لك من واجب أن ندوّن تاريخك في الطّروس، لئلا يمسحه النّسيان من النّفوس" (1).
فماذا يقوله الكاتب الكبير لو قدّر له أن يعش مأساتنا الوطنية لا ليوم واحد ولكن لعشر سنوات كاملة من الفواجع والمصائب، ولا على الاستعمار وجلاّديه، ولكن في ظل الاستقلال الوطني وعلى يد أبناء جلدتنا وفي حواضر الوطن وأريافه وبواديه؟؟.
إنها لمفارقات عجيبة تصدر من قوم أخطأهم السداد والتّوفيق، فأشفق عليهم العدوّ قبل الصّديق.
فيا أبناء الجزائر، إن الدّاهية التي أصابتنا قد أذابت الشّحْم، وأكلت اللّحم، وهشمت العظم، ونحمد الله تعالى أنّنا في أسوأ الحالات وفي أحلك الظّلمات لم نفقد الصّريخ المنقذ، ولم نستسلم لليأس والقنوط، ولم تنطفئ في نفوسنا جذوة الأمل في الوصول إلى برّ الأمان، وقد سخّر الله لسفينة مجتمعنا أمهر الرّبان، ليعلن علينا ميثاق السّلم والمصالحة الوطنية، في أدقّ الأحكام وأفصح بيان، وفي أوسع مشورة تكون فيها كلمة الشّعب هي فصل الخطاب، وفي يوم 29 سبتمبر ينتظر منه حسن الجواب.
الخطبة الثّانية
__________
(1) 1 - البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، 271 - 273. (1/138)
صفحة 139
الحمد لله مفرّج الكروب، ومذلّل الخطوب وكاشف الغيوب، سبحانه يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، اللّهم صلّ وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:
فيقول المولى تبارك وتعالى في شأن الدّنيا وفتنتها: {اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الاَمْوَالِ وَالاَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ اَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ’ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد:20).
تلكم هي النّظرة الواقعية للدّنيا ومتاعها في المثالية الإسلامية، والإرشاد الإلهي هو الميزان الطّريس لحقائق الأشياء مهما أخطأ النّاس في تقديرها، أو تطرّفوا في تصوّرها، وقديما قال الشّاعر الحكيم:
صحب النّاس قبلنا ذا الزّمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا
فتولّوا بغصّة كلّهم من ... ـه وإن سرّ بعضهم أحيانا
ربما تحسن الصّنيع ليا ومراد النّفوس أصغر من أن ... ليه، ولكن تكدّر الإحسانا
تتعادى فيه وأن تتفانى
نعم أيها الإخوة، من لنا بتلك النّفوس الحكيمة التي تنظر إلى الدّنيا بمنظار الإسلام الحق، فلا تتعادى لأخسّ الأشياء، ولا تتصارع ولا تتفانى على السّراب والهباء؟. (1/139)
صفحة 140
فقد دهانا من دهرنا ما دهانا، فهل من أثارة إيمان توقظنا من غفوتنا؟، وهل من نأمة عقل ترجعنا إلى الحكمة والصّواب؟. فإن كنّا قد ضللنا الطّريق وغلبت علينا شقوتنا، فقد لطف الله بنا اليوم إذ لملمنا أطراف شتاتنا وهدّأنا حدّة أعصابنا على نداء الصّريخ، وتراصّت جموعنا على قوارب النّجاة، لنبحر إلى برّ الأمان، وما الجودي الذي تستوي عليه سفينتنا -بحول الله- إلا يوم 29 سبتمبر 2005م، وهو منّا على خطوات، لنؤمّن لشعبنا حياة الأمن والاستقرار، فنقول "نعم" لمن يدعونا إلى السّلم والمصالحة الوطنية، ويعدنا بمعالجة المأساة الأليمة بما يأسو الجراح، ويكفكف الدّموع، وينصف ذوي الحقوق بما يردّ إليهم طمأنينتهم، ولا يفلت الظّالمين بما يستحقون من جزاء.
أيها المواطنون الأعزاء، كونوا جميعا في الموعد رجالا ونساء، فإن التّاريخ لا يرحم، فلا نامت أعين الجبناء، ولا استقامت حياة الوانين البخلاء، ومن هذا المنبر الحيّ الزّكيّ نقول لكل مواطن جزائريّ غيور:
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا ... لولا الشّعور النّاس كانوا كالدّمى
أحبب فيغدو الكوخ كنزا نيّرا ... وأبغض فيغدو الكون سجنا مظلما
والهُ بورد الرّوض عن أشواكه ... و انس العقارب إن رأيت الأنجما
ونقول لرئيس جمهوريتنا المفدّى:
يا من أتانا بالسّلام مبشرا ... هش الحمى لمّا دخلت إلى الحمى
وصفوك بالتّقوى وقالوا جهبذ ... علاّمة، ولقد وجدتك مثلما هي نشوة الرّوح ارتوت بعد الظّما
فإذا نطقت ففي الجوارح نشوة وإذا كتبت ففي الطّروس حدائق ... وشّى حواشيها اليراع ونمنما
وإذا وقفت على المنابر أوشكت ... أخشابها بالزّهو أن تتكلّما
هدانا الله وإياكم لما فيه الخير والصّلاح للبلاد والعباد. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهييّ لنا من أمرنا رشدا، فاللّهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل رشدنا، ووفقنا لصالح أعمالنا، وجنّبنا الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن، وآخر دعوانا أن الحمد الله ربّ العالمين. (1/140)
صفحة 141
نعمة الصّحّة والعافية
بسم الله الرّحمن الرّحيم، سبحانك اللّهم يا مدبّر الأمور، دبّر لنا أحسن التّدبير، وهوّن علينا كل أمر عسير، والطف بنا في ما جرت به علينا من عندك المقادير. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، اللّهم صلّ عليه وعلى آله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، نِعَم الله علينا كثيرة لا تحُصى، فمن بعد نعمة الخلق والإيجاد تأتي نعمة الصّحة وسلامة العقل والبدن من العاهات والأمراض. وكان من مقاصد الشّريعة العليا المحافظة على النّفس وعلى العقل، إذ تعدّدت الإرشادات الإلهية وتنوّعت الأحكام الشّرعية داعية إلى كل ما يوفّر للعقل سلامته وللبدن عافيته على اعتباره الصّدفة المصونة لجوهرة العقل في توهّجها وإشراقاتها، فتراوحت تلك الأحكام ما بين درء المفسدة أولا، وجلب المصلحة ثانيا.
أ) - ففي درء المفسدة وهي مقدَّمَة على جلب المصلحة نجد ذلك الزّخم من النّواهي تتضافر وتترابط سياجا منيعا يحفظ الجسم والعقل من غوائل الأمراض ويقيهما من سموم القاذورات المهلكات، وينأى بهما عن مسالك الفواحش والانحرافات، وجامع ذلك كلّه قوله تعالى:
أ) - {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ (إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة:195).
ب) - {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمُ (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29).
ويأتي في تفاريع ذلك نهيه تعالى عن أكل الميتة والدّم ولحم الخنزير، وما أهلّ به لغير الله، ونهيه عن الخمر والميسر وعن قتل النّفس بغير الحق، وعن الإسراف في الأكل والشّرب إذ قال جلّ من قائل: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ’ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف:31). (1/141)
صفحة 142
ولما كان النّوم من الضّروريات التي يتطلبها الجسم والعقل -ولا تزال ظاهرته من الأسرار المستعصية على العلماء- فقد جعلها الله تعالى من مجالي رحمته بخلقه ودلائل قدرته فقال: {اللهُ يَتَوَفَّى الاَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً اِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الزمر:42).
وقال: {قُلَ اَرَآيْتُمُ (إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً اِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنِ اِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَاتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (القصص:72).
وقال: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً، وَجَعَلْنَا اليْلَ لِبَاساً، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} (النبأ:9 - 11).
وهكذا نجد عناية الإسلام بالصّحة على اعتبارها الضّمان الأكيد لتحقيق المقاصد الأخرى من تحصيل العلم واكتساب المال وإنجاب الولد، والقيام بمتاعب الحياة وتبعات الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الشّؤون الدّينية والدّنيوية.
فإذا كانت الجبال الرّواسي وأطباق السّماوات والأرض قد أشفقن على حمل أمانة التّكليف، فكيف بالإنسان الضّعيف أن يقوى على حملها إذا كان متهالكا هزيلا. ولذا كانت الصّحة في نظر الإسلام هي رأس مال الإنسان وملاك حياته وأساس سعادته وهنائه، وكما يقول المثل: "الصّحة تاج على رؤوس الأصّحاء لا يراه إلا المرضى".
نعم أيها الإخوة، كم من شابّ قويّ فاره مغترّ بصحته يتهافت على المعاصي والانحرافات، ولا يأبه لتعاقب اللّيل والنّهار كيف يقرّبان كل بعيد ويبليان كل جديد، فتجده متهاترا لا يحذر من خطر، ولا يرعوي بنصيحة أو تنبيه، حتى يخترمه الموت في حادث، أو يفاجئه مرض وهو في سلوكه عابث. فلا يُرجى للإسلام عزّ ولا كرامة من الضّعاف المهازيل. (1/142)
صفحة 143
وهذا رسول الإسلام يتبرّأ من الغثائية الكاثرة، وقد قعد بها الوهن، تعلّقا بزينة الدّنيا وكراهية للموت، فأين منها ذلكم الرّعيل الأول من أصحاب رسول الله في شدّتهم وصلابتهم، وهم كما قال الله فيهم: {أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح:29). ما منهم إلا بطل مغوار، يطلب الشّهادة أو يحقق الانتصار.
فإذا كان المرض بلاء تعاني منه البشرية الآلام والأوجاع فإن الإرشادات القرآنية والنّبوية لم تغفل جانب الوقاية والعلاج ماديا ومعنويا. والإنسان المزدوج التّركيب في حاجة ماسّة إلى العلاج المادّي والنّفسي ففي العسل المصفّى شفاء، وفي الأكل من الطّيّبات صحة ونماء، وفي الماء الطهور نظافة ورواء، وفي بيوتنا سكن وهناء، وفي النّوم راحة وارتخاء.
ولا يقلّ العلاج الرّوحاني نفعا للإنسان، سيما عند اشتداد الأزمات وتعقد تكاليف الحياة، واضطراب أحوال المجتمعات، ففي تلاوة القرآن نور وشفاء، وفي الوضوء والغسل طهارة وضياء، وفي مختلف العبادات تقرّب إلى الله ومناجاة ودعاء، ذلك إلى جانب الاعتناء بأسباب الوقاية، فقد سنّ الإسلام ما يسمّى اليوم بالحجر الصّحّي احتياطا من العدوى فجاء الأمر النبويّ بعزل المرضى عن الأصحاء إذ جاء في الأثر: (إذا سمعتم الطّاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها (1). وقوله: (فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد (2).
وما النهي عن وطء المرأة في الحيض إلاّ نوع من الوقاية، إذ هو أذى ضارّ كما وصفه الله تعالى.
__________
(1) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث سعد بن أبي وقاص، حديث 1495، ورواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ قريبة.
(2) 2 - رواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة، مسند بني هاشم، حديث 9558. (1/143)
صفحة 144
وبعد الإرشادات الرّبانية، أفينحرف ساذج مغرور فيظن أنّ الإسلام زهد وتقشف، أو تماوت وترهّل، أو هو انطواء على النّفس فلا حيوية ولا أمل؟، فكيف ندرك القوة التي أمر الله بإعدادها لمجابهة الأعداء؟، وكيف نقتدي برسول الله وأصحابه وهم الرّحماء الأشداء؟.
فلا وربّك لا سبيل لعزّة المسلمين إلا بمحاربة الثّالوث البغيض من الفقر والجهل والمرض.
ولم يقصّر ديننا الحنيف في اتخاذ الوسائل التي تقضي على تلك العلل، فلو اتّبعنا ما رسمته من الأحكام في ذلك لوفرنا على أنفسنا كثيرا من الجهد والعناء، ولاختصرنا الطّريق إلى تحقيق ما نصبو إليه من العزة والكرامة والرّضاء.
وفقنا الله إلى ما فيه رضاه، وألهمنا رشدنا إلى خشيته وتقاه.
الخطبة الثّانية
الحمد لله علاّم الغيوب ومفرّج الكروب، نستغفره ونتوب إليه، ونلوذ بحماه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، أما بعد:
فيا إخوة الإيمان، إن أقدار الله تجري على أعنتّها، فلا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه، وفي الصّبر على البلاء بلسم للنّفوس البائسة، إذ لا مناص من لأواء الحياة وتقلبات الدّهر.
تعب كلها الحياة فما أعجـ ... ب إلا من راغب في ازدياد
والله تعالى يعدّ نفوس المؤمنين للتحمّل والمصابرة والمرابطة فيقول: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الامُورِ} (آل عمران:186). (1/144)
صفحة 145
ولقد أوذي رسل الله كثيرا، وابتلاهم الله بمختلف البلايا والمصائب فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا. ورسول الإسلام هو قدوتنا إذا كنا حقا في صفّ أتباعه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21).
فالابتلاء في الأموال والأنفس شأن من شؤون الله، وسنة من سننه يصيب بها المؤمن والكافر، فهو للمؤمن تمحيص وتزكية، وللكافر تنكيل وإيلام. ويرشد الله أولياءه إلى العلاج النّاجح لمواجهة البلاء فيقول: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} (آل عمران:186). فالصّبر والتّقوى هما عدّة المؤمن، وليس مجرّد الانتساب والانتماء.
أيها الإخوة المؤمنون، يعيش شعبنا الكريم في هذه الأيام لحظات ترقب وانتظار، وفترة إشفاق وإزعاج بتوعّك صحة رئيسه -وما هو بخارج عن سنة الله في خلقه-، غير أن لكلّ منّا منزلته عند الله وعند النّاس، ورأس الجسد هو مركز القيادة للجسم ومصدر إمداداته بالطّاقة والحيوية، فأيّ توعّك فيه يتداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى.
فرئيسنا وإن جنّدت له وسائل العلاج ومستلزمات التّطبيب، فإن الهمّ الذي يحمله على شعبه يظلّ في نفسه هو الهاجس المقلق.
فإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
فخير ما نساعد به رئيسنا في الشّفاء، هو أن تبقى دائما عند حسن ظنّه بنا في الإخلاص والوفاء، وفي الانضباط والانقياد. فهذا هو الدّواء الرّوحاني النّاجع، والبلسم الشّافي النّافع إلى جانب الأدوية المادية الأخرى، خير ما نزوّده به عن ظهر غيب هو أن نرفع أكفّ الضّراعة إلى الله ونواصينا بيده أن يكلأ رئيسنا برعايته ويمدّه بالصّبر والرّضى في محنته، ويحيطه بأسباب البرء والشّفاء من علّته، حتى يرجع إلى وطننا المفدّى موفور الصّحة والعافية، ومغمورا بأنعم الله الضّافية. (1/145)
صفحة 146
اللّهم يا غياث المستغيثين، ويا كاشف الضّرّ عن البائسين، فرّج عنا كربتنا وزوّدنا بالصبر واليقين حتى نعلم أن ما أخطأنا لن يصيبنا وما أصابنا لن يخطئنا إيمانا بقدرك وإذعانا لقضائك.
اللّهم أنل كلّ مريض شفاء، ولكلّ ميّت مسلم مغفرة وحسن ثواب، وكل فقير كفاء، وكلّ مسلم مسافر أمنا وسلامة. وكلّ ساع إلى الخيرات عونا ورشدا. اللهّم أعزّ الإسلام والمسلمين. وأخذل أعداءهم في ربوع العالمين. واهد ولاة أمورهم إلى نصرة الحق وحماية الدّين، آمين والحمد لله ربّ العالمين.
مرحى بوفود الرحمن ...
(موسم الحج لسنة 1426ه/2005م)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير. تائبون، آيبون، عابدون، لربّنا حامدون، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، نحمدك اللهم يا سابغ النّعم، يا ذا الجلال والإكرام، ونصلّي ونسلّم على خير البريّة، منقذ البشريّة، وحاديها إلى الفوز والرّضوان في الحياة الأبدية، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - القائل: «الحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة» (1)، أمّا بعد:
__________
(1) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة، رقم 7349، 2/ 246. (1/146)
صفحة 147
فيا أيها الإخوة المؤمنون، أيّة بهجة تغمرنا، وأيّة سعادة تملأ جوانحنا، ونحن نستقبل هذا الوفد الكريم من آبائنا وأمّهاتنا، وإخوتنا وأخواتنا، وفد الله العظيم إلى بقاعه المقدّسة الطّاهرة، وقد آب إلى الوطن الحبيب، إلى الأهل والولد والأقرباء والأصدقاء، إلى العشّ الأمين، والسّرب المتيّم الولهان، عاد إلينا مزوّداً بالتّقوى، رافلاً في حلل الرّضوان، مشكوراً سعيه، مغفوراً ذنبه، مبروراً حجّه بإذن الله، نترسّم في قسماتهم علامات الطّهر، وتطالعنا سيما الرّضى واليقين، ونستروح من طلعتهم طيف الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته في حجّة الوداع، وهو يتقلّب في تلكم الأماكن الطّاهرة، مبيّنا فيها شعائر الله، ومحدّدا لأمّته مناسكها، ومردّدا على سمع الزّمان صرخته المدوّية: «تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبدا: كتاب الله وسنّتي، ألا هل بلّغت؟، اللّهم فاشهد» (1)
فبُشرى ومرحى بقدومكم الميمون، انزلوا على الرّحب والسّعة، طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنّة منزلا، فادخلوها بسلام آمنين، وتربّعوا على عرش القلوب فإنّها نعم القرار المكين، فهنيئاً لكم هنيئاً إذ بلغتم المقصود، وأدّيتم الواجب، وهُديتم إلى الطّيب من القول، وهُديتم إلى صراط العزيز الحميد، فبالأمس القريب ودّعناكم بقلوب وَجِلَة ونفوس مشفقة، وعيون شاخصة، وألسنة تَلْهَج بالدّعوات إلى الله أن يجعلكم في كنفه ويكلأكم بحفظه في الحلّ والتّرحال، ويمدّكم بعونه وتوفيقه، وأنتم تنطلقون لإتمام هذه الرّحلة الإلهية، وصيحاتكم بالتّلبية تشقّ عنان السّماء وتؤوب معها الجبال.
__________
(1) 1 - روى نحوه الحاكم من حديث أبي هريرة، كتاب العلم، حديث 291. (1/147)
صفحة 148
فهاأنتم أولاء تعودون كيوم ولدتكم أمهاتكم، وقد قضيتم تفثكم واطّوّفتم بالبيت العتيق، وسعيتم بين الصّفا والمروة، وجرأتم إلى الله في عرفات، ونبذتم الشّيطان برمي الجمرات، وسبحتم في الأنوار الرّوحانية وأنتم تتردّدون على مختلف المزارات، وهامت نفوسكم في نفحات الرّوضة الشّريفة، وتجرّدتم في كلّ ذلك عن الواقع الدّنيوي، لتعيشوا تلكم الأيّام المعدودات في رحاب الله وجلال النّبوءة وقداسة البيت المعمور، تستروحون فيه أطياف الخليل وولده إسماعيل، وهما يرفعان قواعد البيت، مستجيبين لأمر الله، داعين لذرّيتهما بكلّ خير: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَّكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَّنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إنَّكَ أَنتَ التّوّابُ الرَّحِيمُ}
أيّها الإخوة المؤمنون، لِتكن هذه الرّحلة المباركة مطمح كلّ مسلم يريد بحقّ أن يعرف عظمة دينه، ويعتزّ بأمجاد تاريخه، ويتذوّق حلاوة الإيمان وبرد اليقين، وقد خاب من اتّخذها وسيلة للاتّجار، أو ذريعة للتّطاول والافتخار، فإنّ الله تعالى طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، ويقول عزّ من قائل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 28 - 29). ويقول: {لَن يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} (الحج: 37). (1/148)
صفحة 149
وكأيّن من حاجّ ليس له من حجّه إلاّ النّصب والتّعب، إذا لم يكن من قصده تعظيم شعائر الله وإجلال حرماته، فلم يخفق له جنان، ولم تدمع له عين، ولم يهتز لجلال الموقف، لأنّه ذهب بروح السّائح الذي لم يتجرّد عن واقعه، وبنظرة التّاجر الذي لم يتخلّ عن مطامعه.
أيّها الوفد الكريم، إنّنا لنربأ بكم أن تكونوا من هؤلاء، ورجاؤنا في الله وطيد أنّكم رجعتم اليوم غيرَكم بالأمس، رجعتم في طهر الوليد، وإخلاص الخليل، وتضحية إسماعيل، وعزيمة سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الأكرمين، أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم.
فما أحوجنا -نحن المسلمين- في هذه الظّروف القاسية التي يمرّ بها العالم الإسلامي، ما أحوجنا إلى التّحلّي بهذا الوصف الإلهي الكريم، شدّة وغلظة على الكفّار والمنافقين، ورحمة ولين وتواضع للإخوة المؤمنين، ولا يتأتّى لنا ذلك إلاّ إذا طرحنا عبادة أنفسنا، ونبذنا عبادة الأشخاص والأهواء إلى عبادة الله الواحد القهّار، ويومئذ لا يبقى الإسلام منزوياً في المساجد، ولا ينحصر في المظاهر والشّعارات، بل ينطلق كالسّيل الجارف كعهده أيّام رسول الله وصحابته، يدكّ صروح الطّغيان، ويكتسح ممالك الشّيطان، وينشر الرّحمة والعدل في ربوع العالمين. ولقد أدرك أعداؤنا هذه الطّاقة الجبّارة في ديننا، فعملوا على كبتها بكلّ الوسائل، فهذا "جلادستون" الوزير البريطاني يُنادي في مجلس العموم: "لن يهدأ بال الأوربّيين ما دام للمسلمين أربعة: المصحف، والأزهر، واجتماع الجمعة، ووفد الله لحَرَمِه".
ومن لُطف الله بالمسلمين أنّهم ما يزالون يمتلكون هذه الوسائل الأربعة، فما عليهم إلاّ أن يُحسنوا استغلالها لكي تشتعل هذه الجِذوة المقدّسة في قلوبهم، جذوة الإيمان والإخلاص لله تعالى، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. (1/149)
صفحة 150
أيّها الإخوة المؤمنون، ليكن كلّ واحد منّا جنديا في موقعه، يمتاز بالرّوح العالية، ويمتلك الوسائل الكافية حتّى يؤدّي رسالته على الوجه الأكمل، فإنّ الوطن المفدّى لَيَهِيبُ بكلّ أبنائه المخلصين أن يكونوا صفًّا واحداً أمام تبِعات البناء والتّشييد، وعواصف التّحدّيات والتهديد.
وأخيرا، وفي هذا الجوّ الطّاهر النّقيّ، وملائكة الله تحفّنا، ورحماته تغمرنا، نرفع أكفّ الضّراعة إلى الله العليّ القدير أن يُنير بصائرنا، ويلهمنا سُبُل رشدنا، وأن يسدّد خطا العاملين المخلصين لخير هذا الوطن، وأن يأخذ بأيديهم إلى تحقيق كلّ ما يصبو إليه هذا الشّعب الكريم من الرّقيّ والازدهار، ومن العدالة والأمن والاستقرار، وأن يرفع لواء الإسلام عالياً في كلّ الآفاق، وأن يخضد شوكة الكفر والظّلم والنّفاق، وآخر دعوانا أنّ الحمد لله ربّ العالمين.
الخاتمة
حمدا لله في البدء والختام، وشكرا له على التّكريم والإنعام، وصلى الله على سيّد الأنام سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ومصابيح الظّلام، وبعد:
فها أنا ذا ألقي عصا التّرحال، وقد أضناني المسير وألّح عليّ الضّعف والوهن بعد جهد وعناء كبير، فاستأنست بك -أيها القاريء الكريم- طيلة رحلتي الكبيرة، ونعم الأنيس كنت لي بتجاوبك العاطفي معي، ووفائك في الإمتاع والإيناس.
ولا أدري بما يقضي الله في باقي الأيام، فلكلّ رحلة نهاية، ولكلّ قصد غاية. نرجو من الله تعالى أن تكون خاتمنا سعيدة، وغايتنا نافعة مفيدة. نصحا أمينا للأجيال، وصوتا مدوّيا يذكي العزائم ويحيي الضّمائر للقيام بجليل الأعمال، لترشيد الصفّ الإسلامي وتوثيق أواصر الجماعة استقامة على نهج الله، وإعلاء لكلمة الله، وجهادا في سبيل الله. (1/150)
صفحة 151
ومرة أخرى أستسمحك -أيها القارئ الكريم- من كلّ هفوة ندّت عن التّحكّم، أو خطأ يُتجاوز عنه، فإنّ الإنسان لا يجلّ عن الخطأ مهما حسن أداؤه، وحسبي بما عبّرت عنه أنّه نبع من حشاشة النّفس وسؤيداء القلب. وجلّ من لا يخطئ ولا يسهو.
فاللّهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه واتّباع أهله، وحبّه وحبّ أهله، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واجتناب أهله، وبغضه وبغض أهله، وأعذنا أن يشتبه علينا أمر ديننا فنتّبع فيه هوانا بغير هدى منك يا أرحم الرّاحمين، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
الفهارس
فهرس الأحاديث 176
فهرس الأبيات الشعرية 179
فهرس العناوين 182
فهرس الأحاديث
طرف الحديث ... الصّفحة
أتاني الملك فقال 23
إذا اختلفتم فيما جاءكم عنّي 46
إذا سمعتم الطاعون بأرض 165
اذهبوا فانتم الطّلقاء 57
ازهد في الدنيا يحبّك الله 87
أعوذ بنور وجهك 154
أما وإني تركتك وأنت أحبّ 14
إنّ عمر فرّق بين الحقّ والباطل 144
إنّ الله فرض فرائض 46
إنّ الملائكة لتضع أجنحتها ............................................. 82 - 120
أنا أحقّ بموسى منكم 15
إنّي امرؤ أصلّي وأنام .................................................... 54 - 91
بل أنتم كثرة 78
تركت فيكم ما إن تمسّكتم به ................................. 113 - 131 - 170
وجعلت قرّة عيني في الصلاة 97
حبّ الوطن من الإيمان 13
الحجّ المبرور 169
الحجّ عرفة 123
حجّوا قبل ألاّ تحجّوا 11
الحلال بيّن والحرام بيّن 72
خذوا عنّي مناسككم ................................................... 12 - 110
فرّ من المجذوم 165
فيه نبأ ما قبلكم .................................................. 46 - 132 - 136
كاد الفقر أن يكون كفراً 27
كن في الدّنيا كأنّك غريب 87
الكيّس من دان نفسه 43
لأن أقول سبحان الله 26
اللهم أنت ربّي 17
اللهم صلّ على محمد 23
لا ترجعوا بعدي كفّاراً 113 (1/151)
صفحة 152
ما ظنّك باثنين الله ثالثهما 103
ما من عبد مسلم 30
المؤمن للمؤمن كالبنيان 66
مثل المؤمنين في توادهم 62
من أراد الله به خيراً 29
من أفضل أيامكم الجمعة 24
من صلّى عليّ صلاة 20
من عمل عملا ليس عليه أمرنا 44
من وسّع على نفسه وأهله 15
نحن أولى بموسى منهم 102
هاتان أهون وأيسر 153
فهرس الأبيات الشعرية
صدر البيت ... الصّفحة
أحبب فيغدو الكوخ كنزا نيّرا 160
أحبّ فتى ماضي العزائم حازماً 119
وإذا الفتى لم يرع عهد بلاده 61
وإذا كتبت ففي الطّروس حدائق 160
فإذا نطقت ففي الجوارح نشوة 160
وإذا وقفت على المنابر أوشكت 160
أعيا الورى فهم معناه فلا يُرى 51
الأمّ مدرسة إذا أعددتها ................................................. 80 - 132
وأمّا أخو النّومات لا مرحباً 119
واله بورد الرّوض عن أشواكه 160
وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت 100
أيقظ شعورك بالمحبّة إن غفا 160
أيّها الطّفل لا تضيّع زمانا 122
ربّما تحسن الصّنيع لياليه 159
تعب كلّها الحياة فما 166
تعبت بأهله لوما وقبلي 142
ربّما نلت ما يفوت وهيهات 122
حسبي فخارا في الحياة بأنّني 61
صحب النّاس قبلنا ذا الزّمانا 159
عهد عليّ مدى الحياة مقدّس 61
فإذا كانت النفوس كبارا 167
فإنّ فضل رسول الله ليس له 51
فتولوا بغصّة كلّهم منه 159
فمبلغ العلم فيه أنّه بشر 51
وكلّ أي أتى الرّسل الكرام بها 49
وكلّهم من رسول الله ملتمس 49
لا يعرف الوجد إلاّ من يكابده 21
ولقد أبيت على الطوى وأظلّه 32
ليلة بعد ليلة بعد أخرى 122
ومراد النّفوس أصغر من 159
ومن يصنع المعروف في غير أهله 32
من يقم في الأمور بالجدّ يهنا 122
الناس للناس من بدو وحاضرة 51
وصفوك بالتّقوى وقالوا جهبذ 160
وطني بروحي أفتديك ومهجتي 61
يا بني الدّرس من تمنّى 122
يا من أتانا بالسّلام مبشّرا 160
وتزعم أنّك جرم صغير 152
فهرس العناوين
شكر وعرفان 03
مقدمة المؤلّف 05
زيارة أوّل بيت وُضع للناس 08 (1/152)
صفحة 153
الدّين الوطن متكاملان في الذّكريات 13
الله وملائكته يُصلّون على النّبي وأمّته 20
الإسلام ومشكلة الفقر 27
في موكب الهدى والنّور 33
شريعة الله هي مرجعيّة المسلم 40
الرّحمة المهداة 48
في عيد الوئام الوطني 56
التّجارة التي لن تبور 62
إنّ خير الزّاد التّقوى 69
الدّخول المدرسي لسنة 2000/ 2001 77
نظرة الإسلام إلى الحياتين: الدنيا والآخرة 84
واستعينوا بالصّبر والصّلاة 93
الهجرة وعاشوراء من أيّام الله الغرّاء 101
من وحي عيد الأضحى المبارك 109
الدّخول الاجتماعي لسنة 2003/ 2004 116
في عرفات وقد وقفت لها لحجّة 1424/ 2004 123
في مؤتمر "لا إله إلاّ الله" لسنة 1425/ 2004 130
شهر القرآن واليُمن والبركات لسنة 1425/ 2004 134
تأمّلات في آيات من سورة النّساء 142
المواطن الجزائري والمصالحة الوطنيّة 152
نعمة الصحة والعافية 162
مرحى بوفود الرحمن لسنة 1426/ 2005 169
الخاتمة 173
تعريف مختصر بالمؤلف
هو محمد بن إبراهيم سعيد المعروف بـ (كعباش)، من مواليد بلدية العطف ولاية غرداية، من الجمهورية الجزائرية، وآل سعيد فرع أصيل من عشيرة أولاد بكّة في بلدة العطف (تاجنينت).
أبصر نور الحياة خلال 1929م في حضن أبوين كريمين: سعيد ابراهيم بن باحمد، وبهون شيخة بنت الحاج محمد. تركه والده فقيراً يتيماً لا يزيد عمره عن سنتين، وليس معه إلا أختان، توفّيت إحداهما فأصبح وحيد أمّه وقرّة عين لها، فاعتنت بتربيته على حبِّ الله ورسوله وعلى حفظ كتاب الله في سنٍّ مبكّرة، وقد وهبه الله ذاكرة قويّة وذكاءً لامعاً، ولم يكن كتّاب قريته ليُقْنِع طموحه في التّعلم، فارتحل إلى معهد القرارة عند الإمام الشيخ بيّوض الحاج ابراهيم بن عمر، ثم إلى تونس الخضراء حيث درس العلوم العربية والشرعية في الجامع الزيتوني ودرس العلوم التطبيقية في المعهد الخلدوني. (1/153)
صفحة 154
بدأ العمل في مجال التربية والتعليم أستاذاً ومديراً في القطاع الدّيني الحرّ في فترة الإستعمار، ثم في القطاع العمومي بعد الإستقلال الوطني حتى تقاعده عن العمل سنة 1990م.
انتسب إلى الجامعة الجزائرية في أوائل السبعينيات فحصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي، وانخرط عضوا رسميّاً في حلقة العزابة للمسجد الجامع بالعطف في سنة 1958م، ثم عيّنته الحلقة إماماً ومرشداً في سنة 1970م، وهو ما يزال يقوم بمهمّته النّبيلة في الإصلاح الديني والاجتماعي نصحاً وإرشاداً وتجليةً لمعاني كتاب الله وسنّة رسوله على منبر المسجد، بعد أن حدا بصفوف الأجيال على مقاعد الدّراسة لما يقرب من أربعين سنة في مسيرة مهنية متواصلة لم تنقطع بفترة مرض أوانحراف عن الخط لوجهة أخرى، وذلك بفضل الله تعالى.
وقد أسهم المؤلف بقسط وافر من التّضحية والجهد في صفوف جبهة التحرير الوطني ويتشرّف بعضوية منظمة المجاهدين دون منّ ولا غرور، وهو متزوّج وأب لتسعة أولاد، وفّقه الله تعالى إلى مواصلة مسيرته في نصرة دينه وخدمة كتابه، وجعل عمله خالصاً مخلصاً لوجهه الكريم، آمين. (1/154)