صفحة 1
بحث تخرج: عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة) لعبد العزيز محمد
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان.
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية .
معهد العلوم الشرعية .
بحث تخرج بعنوان:
عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة)
إعداد الطالب:
عبد العزيز صالح محمد الغاني
السنة الدراسية الجامعية: 1425 - 1426هـ/ 2004- 2005 م
إهداء
إلى روح جدي المرحوم: محمد زنجنا الذي بعث فيّ روح الإقبال على العلم.
إلى والديّ العزيزين الذين ربياني صغيرا على حب العلم والإقدام كثيرا.
وإلى كل من علّمني حرفا صرت له عبدا.
أهدي ثمرة جهدي.
عبد العزيز
بسم الله الرحمن الرحيم
خلاصة البحث
عالمية الدعوة الإسلامية (دراسة مقارنة)
منهجية البحث:
أولا: تتبعت الآيات التي تحمل كلمة الدعوة أو فيما معناها في القرآن الكريم.
ثانيا: استشهدت على بعض الأحاديث الدالة على عالمية الدعوة.
ثالثا: رجعت إلى بعض التفاسير منها: الطبري وابن كثير والقرطبي؛ لكي أرى تفسير العلماء في الآيات التي أوردتها في البحث.
رابعا: استعنت بلسان العرب والمحيط؛ لشرح بعض الألفاظ الغامضة.
خامسا: اطلعت على بعض كتب السيرة النبوية؛ لأستشف بعض المواقف التي تتحدث عن عالمية الدعوة.
النتائج:
1. أن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية للناس جميعا.
2. وأن النصوص في القرآن الكريم تفيد مسألتين فيما يتعلق بعالمية الدعوة الإسلامية:
المسألة الأولى: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مازال في مكة أمر بتبليغ الدعوة عالميا، وليس أدل على ذلك من أن الدعوة اتخذت سبيلها إلى الحبشة، وغفار، ودوس، ونجران، وغيرها من البلاد خارج الجزيرة العربية.
المسألة الثانية: أن القرآن نص في آيات عدة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث للعالمين نذيرا.
3. وقد أبرزت المبادئ الذاتية الأصيلة في الدعوة الإسلامية التي ترشحها لتكون دعوة عالمية، وإلى بيان الواقع التاريخي لهذه العالمية، ثم موقف العدو منها، وبيان ما يجب علينا في هذه الأيام حيال هذه الدعوة. (1/1)
صفحة 2
4. وأوردت النصوص الإنجيلية تدل على العالمية المسيحية ومناقشة هذه الأدلة والرد عليها، ويؤكد المؤرخون على عدم ثبوتها، وعدم انسجامها مع الأناجيل، كما أن العقل يسعفها في الاستدلال، والإسلام يؤكد أن المسيحية خاصة ببني إسرائيل.
5. وقد أتيت ببعض النصوص الدالة على شهادة الأنبياء السابقين على عالمية الدعوة الإسلامية، وأن رسالة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.
هذه هي أهم النتائج التي توصلت إليها، وقد توخيت السهولة في التعبير الذي آمل أن يلائم الأذواق المختلفة وعنيت ببيان مواضع الآيات من سورها وبتخريج الأحاديث النبوية بقدر المستطاع، وبيان المصادر التي استقيت منها المعلومات ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
كما عنيت برد الشبه الواردة على النصوص والمطاعن الموجهة إلى الدعوة في عالميتها وعمومها، وبإظهار الجوانب المشرقة لمبادئ الإسلام، بالإشارة إلى التشريعات الأخرى في رفق يبرهن على سماحة الدين الإسلامي وسموه.
عبد العزيز صالح محمد
02- جمادى الأولى-1426هـ
09- يونيو- 2005م
مسقط – سلطنة عمان.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الذي خاطبه ربه فكان من جملة خطابه إياه: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف:158]، {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28].
وبعد:
فقد اقتضت حكمة الله - عز وجل - أن يكون كل نبي ممهدا لسبيل من يأتي من بعده من الأنبياء والمرسلين، حيث إن جوهر الرسالة واحد، وإن بدا خلاف في الوسائل وتفاصيل المنهج، قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13]. (1/2)
صفحة 3
وكان حتما مقضيا أن تكون الرسالة الخاتمة مهيمنة على ما سبقها من الرسالات، مؤمنة ومصدقة بما سبقها من الرسالات ومن سبقها من الأنبياء والمرسلين {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285]، ورسالة هذا شأنها، وبها ختمت رسالات السماء إلى الأرض لابد من اشتمالها على المنهج الخاتم الذي يقدم للبشرية كلها على اختلاف ألوانها وأجناسها الطريق السليم غير ذي عوج.
فكانت أن شاءت إرادة رب هذا الكون أن يكون الإسلام الحنيف في آخر صورة له، وعلى هذا النحو الذي اختتم به منهج السماء إلى أهل الأرض حيث أصبح الإسلام علما على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - دينا لأهل الأرض أجمعين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وبهذا تكون عالمية الرسول وعالمية الدعوة الإسلامية أساس الأساس في أصول الإسلام، ولذا حفل القرآن الكريم بكثير من آي العالمية من حيث معايير الملاءمة وأساليب المناسبة لحركة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ومن حيث ضرورة البلاغ عن الله لكل الناس في شتى بقاع الأرض مهما تباينت ألوانهم، واختلفت ألسنتهم وتناءت أوطانهم {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}، {وما هو إلا ذكر للعالمين}، {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}، فلم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعرب الجزيرة فقط وإنما هو رسول رب العالمين.
وهذه واحدة من خمس فضل بها على غيره، وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم - : (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة(.
وفي عالمية الرسالة والرسول، وعالمية الدعوة الإسلامية أقدم هذا البحث من منظور القرآن الكريم والسنة المشرفة، وما قدم من جهود التبليغ والدعوة فيما باشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه أو كلف به أحدا من صحابته - رضي الله عنهم - . (1/3)
صفحة 4
وقد قسمت البحث إلى قسمين: قسم يخص عالمية الدعوة الإسلامية، وقسم يخص عالمية الرسول والرسالة.
وقد اشتمل هذا البحث على أربعة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: تحدثت فيه عن تعريف العالمية، وقد قسمه إلى مباحث ثلاثة:
المبحث الأول: عن معنى العالمية في اللغة والاصطلاح.
المبحث الثاني: عن الأدلة على عالمية الدعوة في القرآن والسنة والإجماع.
المبحث الثالث: عن شهادة الأنبياء السابقين على عالمية الدعوة الإسلامية.
أما الفصل الثاني: فتكلمت فيه عن عالمية الرسول والرسالة، وقسمته إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عن عالمية المرسل والرسالة.
المبحث الثاني: عن عالمية الدعوة من جانب العقل والفكر.
المبحث الثالث: عن عالمية الدعوة من جانب المكان والزمان.
الفصل الثالث: تحدثت فيه عن دور الهجرة في عالمية الدعوة، وقسمته إلى ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: عن حقيقة الهجرة.
المبحث الثاني: عن الهجرة إلى الحبشة.
المبحث الثالث: عن موقف النجاشي من المهاجرين.
الفصل الرابع: تكلمت فيه عن عالمية الدعوة النصرانية، وقسمته إلى مباحث ثلاثة.
المبحث الأول: عن الدعوة إلى أن المسيحية رسالة عالمية.
المبحث الثاني: أدلة النصارى في العالمية.
المبحث الثالث: مناقشة الأدلة في الأناجيل والعقل والرد عليها.
تلك دعائم البحث، وإني لأحمد الله تعالى الذي وفقني لإكمال هذا البحث، ثم أشكر القائمين على أمر معهد العلوم الشرعية، وأشكر كل من أعانني بنصيحة أو مشورة أو بتشجيع معنوي، وأخص بالشكر مشرفي على هذا البحث الدكتور عداب الحمش الذي مد لي يد العون في كل مطلب مني، والشيخ سلطان بن منصور الحبسي الذي قام بالإشراف عليه إلى نهايته، وجزاهم الله خيرا على هذه الجهود المبذولة المشكورة المقدرة، وذلك عملا بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من لا يشكر الناس لا يشكر الله(، وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.
تمهيد (1/4)
صفحة 5
مفهوم الدعوة الإسلامية وضرورتها وحكم القيام بها
أولا: تعريف الدعوة الإسلامية.
(أ): ورودها في القرآن الكريم:
وردت مادة الدعوة في القرآن الكريم مائتين واثنتي عشرة مرة، وتعددت صيغها وعباراتها وأساليبها، ودارت مادتها على ست وسبعين صيغة (1) ، فقد جاءت فعلا ماضيا كما في قوله تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه} [آل عمران: 38]، وقوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} [فصلت: 33].
وجاءت فعلا مضارعا كما في قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108].
وجاءت فعل أمر كما في قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125].
وجاءت اسما كما في قوله تعالى: {وداعيا إلى الله بإذنه} [الأحزاب: 46].
(ب): مفهومها في اللغة:
إن المتتبع للآيات التي وردت فيها في القرآن الكريم أو السنة النبوية، يجد أنها تندرج تحت معان متعددة منها:
1. النداء أو الابتهال والسؤال وطلب الخير: يقال دعا فلان فلانا، إذا ناداه، ودعوت الرجل إذا صحت به واستدعيته، والاسم: الدعوة، واسم الفاعل، الداعية: الذي يدعو إلى دين أو فكرة «الهاء للمبالغة»، والدعاية: الدعوة إلى مذهب أو رأي بالكتابة والخطابة ونحوهما (2) .
__________
(1) _ معجم ألفاظ القرآن الكريم: لمحمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار الريان.
(2) _ المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وغيره، (د: ط،ت، المكتبة الإسلامية)، مادة: دعا، 1/287؛ لسان العرب: ابن منظور، (د: ط،ت، دار صادر- بيروت)، مادة دعا، ص: 286. (1/5)
صفحة 6
وجاء في مختار الصحاح مادة دعا: «الدعوة إلى الطعام: يقال كنا في دعوة فلان أو مدعاة فلان، والمراد بهما الدعاء إلى الطعام وهمما مصدران...، ودعاه صاح به» (1) ، «ودعوت الله أدعوه دعاء، أي: أبتهل إليه بالسؤال وأرغب فيما عنده من الخير» (2) ، وفي القاموس المحيط: «الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى، يقال: دعا دعاء ودعوى وتداعوا عليه تجمعوا، ودعاه ساقه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - داع الله، ولفظ الداعي يطلق على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويطلق أيضا على كل من يقوم بالدعوة إلى الله - عز وجل - فيقال: دعاه إلى الدين وإلى مذهب حثه على اعتقاده وساقه إليه، ويطلق على داعي الجهاد، فيقال: دعاه إلى القتال، وكذلك أطلق اللفظ على المؤذن إذ هو في الأذان يدعو إلى الصلاة، والاسم الدعوة والدعاوة» (3)
2. الدعاء إلى الشيء: بمعنى الحث على قصده.
3. الدعاء إلى قضية يراد إثباتها أو الدفاع عنها، سواء كانت حقا أو باطلا.
4. المحاولة القولية أو الفعلية والعملية لإمالة الناس إلى مذهب أو نحلة» (4)
قال ابن فارس: «الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد وهو: أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك» (5) .
عليه يمكننا أن نقول: إن المعنى الأصلي لهذه الكلمة: الدعاء والنداء والسؤال والتجمع والاستغاثة والحث والطلب.
(ج) مفهوم الدعوة في الاصطلاح:
__________
(1) _ مختار الصحاح: محمد الرازي، (دار عامر)، مادة: دعا، ص: 205.
(2) _ معجم مقاييس اللغة: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (ت: 395هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، مادة: دعا، 2/281.
(3) _ القاموس المحيط: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (ت: 817هـ)، (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، 4/329.
(4) _ المصباح المنير: أحمد بن محمد بن علي الفيومي، (مكتبة لبنان)، مادة: دعا، ص 74.
(5) _ معجم مقاييس اللغة، 2/279. (1/6)
صفحة 7
إن مفهوم الدعوة الإسلامية في اصطلاح علماء الدعوة لا يختلف كثيرا عن مفهومه في اللغة، وها هي بعض المفاهيم للدعوة:
1. الدعوة الإسلامية مصطلح يقصد به: بيان الحق وإبلاغه بهدف إشراك الناس في خير الإسلام نفسه، فدعوة الإسلام أو الدعوة إلى الله هي دعوة الحق قال تعالى: {له دعوة الحق} [الرعد: 14]، وقد فسرت دعوة الحق بكلمة الشهادة والتوحيد، أي: شهادة أن لا إله إلا الله، يقول - عز وجل - {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} [غافر: 42].
2. مفهومها كعلم له قواعده وأصوله ومناهجه:
وهذا المفهوم يركز على موضوع الدعوة كمنهج إسلامي عام يشمل كافة تعاليم الإسلام، وهذا الذي عناه الدكتور غلوش في تعريفه للدعوة بأنها: «العلم الذي به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق» (1)
وما ذكره الشيخ الغزالي في تعريفه بأنها:
«برنامج كامل يضم في أطوائه جميع المعارف التي يحتاج إليها الناس ليبصروا الغاية من محياهم، وليستكشفوا معالم الطريق التي يجمعهم راشدين» (2)
أو هي: «قيام من عنده أهلية النصح الرشيد، والتوجيه السديد من المسلمين في كل زمان ومكان، بترغيب الناس في الإسلام اعتقادا ومنهجا، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة» (3)
ولقد ذكر الدكتور الواعي تعريفا لعله يكون جامعا لموضوع الدعوة حيث قال في تعريفها هي:
«
__________
(1) _ الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها: د. أحمد غلوش، طبعة دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص: 10.
(2) _ دراسات في الدعوة والدعاة (مع الله): محمد الغزالي، ص: 17.
(3) _ الدعوة إلى الله تعالى: د. أبو المجد نوفل، ص: 18. (1/7)
صفحة 8
الدعوة إلى توحيد الله والإقرار بالشهادتين وتنفيذ منهج الله في الأرض قولا وعملا كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ليكون الدين كله لله، فهي إذا: دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ودعوة المسلمين إلى تنفيذ الإسلام والعمل به على إقامة شرعه ومنهجه في الأرض، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليفوز الناس بسعادة العاجل والآجل» (1) .
وهناك تعريف آخر للدعوة اصطلاحا وهو: الحث على فعل الخير واجتناب الشر واتباع الحق ونبذ الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2) .
3. تعريفها من جانب ماهيتها:
هي: «هداية الناس إلى ربهم ونقلهم من ظلمات الشرك والجهالة وطغيان المادة والشهوة, وفوضى النظم والتشريعات إلى أنوار التوحيد والمعرفة الروحية النقية، واتباع أقوم السبل التي تحقق الحياة الطيبة في مختلف نواحيها» (3)
ويشارك الدكتور نوفل في هذا التعريف كل من الدكتور: رؤوف شلبي حين قال الدعوة هي:
«نقل الأمة من محيط إلى محيط» (4) .
والشيخ الراوي حين يقول:
«إنها دين الله الذي ارتضاه للعالمين تمكينا لخلافتهم، وتيسيرا لضرورتهم، ووفاء بحقوقهم، ورعاية لشؤونهم، وحماية لوحدتهم، وتكريما لإنسانيتهم، وإشاعة للحق والعدل فيما بينهم، وهي الضوابط الكاملة للسلوك الإنساني، وتقرير الحقوق والواجبات، وهي قبل ذلك وبعده: الاعتراف بالخالق، والبر بالمخلوق» (5) .
__________
(1) _ الدعوة إلى الله: للدكتور توفيق الواعي، ص: 19.
(2) _ قواعد الدعوة الإسلامية: الشريف حمدان راجح المهدي الهجاري ، ص: 21.
(3) _ الدعوة إلى الله تعالى، ص: 05.
(4) _ الدعوة الإسلامية في عهدها المكي: د. رؤوف شلبي، (دار العلم- الكويت)، ص: 32.
(5) _ الدعوة الإسلامية دعوة عالمية: د. محمد الراوي، ص: 40. (1/8)
صفحة 9
والذي أميل إليه وأرجحه تعريف الشيخ الغزالي، حيث أني أراه جامعا مانعا شاملا لأركان الدعوة فقد جاء الركن الأول وهو الداعي بصفاته المؤهلة له في قوله: قيام من له أهلية النصح والتوجيه من المسلمين.
وبين المدعوين في قوله: "بترغيب الناس"، وهو لفظ شامل للمدعوين من المسلمين وغيرهم، وللعامة والخاصة، والعلماء والجهلة، وهو ما يتناسب مع عالمية الدعوة، وأنها جاءت لكل الناس.
وبين مادة الدعوة في قوله: "في الإسلام اعتقادا ومنهجا"، حيث إن الإسلام عقيدة وشريعة.
وبين منهج الدعوة وطرقه العامة من وسائل وأساليب في قوله: "بطرق مخصوصة".
ضرورة الدعوة:
بدأ الصراع بين الحق والباطل، منذ وجد الإنسان على ظهر الأرض، وحاجة البشر إلى من ينقذهم من الضلالة، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ويدلهم على طريق الهداية، فكان أن بعث الله أنبياءه ورسله تترى لهذا الغرض، من لدن نوح إلى آخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وكان هؤلاء الرسل الكرام يواجهون ذلك الصراع الرهيب بين ما جاءوا به من الحق، وبين الباطل وأعوانه ممن أغواهم الشيطان، وكانوا صابرين على الحق، متحملين الأذى، واقفين في وجه الصراع الذي هو امتداد صراع آدم مع الشيطان.
وعندما بعث الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الأنبياء خاتما لهم بالدين الإسلامي، وأنزل عليه آخر كتبه.
جاء القرآن الكريم كتاب دعوة، حاملا بين دفتيه ما يتعلق بها من حيث موضوعها وهو الإسلام ونشره، وما بالتبليغ من وسائل وأساليب، فقد جمع القرآن الكريم بين (مبادئ الإسلام) من عقائد وعبادات ومعاملات، كما تضمن أساليب ووسائل تبليغ الدعوة القولية والعملية. (1/9)
صفحة 10
فالقرآن الكريم يأمر بالدعوة، ويرغب فيها بآكد الأساليب، مما يدل على أن الله تعالى أوجب على هذه الأمة الدعوة إلى دين الله وهو الإسلام، وقد تضمن القرآن الكريم عددا من الآيات الدالة على ذلك مثل قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}.[آل عمران: 104].
وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110].
فقد جعل الله تعالى لهذه الأمة شرف القيام بالدعوة إلى الله، وفرض عليهم تبليغ الإسلام للعالمين في كل زمان ومكان؛ لأن دعوة الإسلام شاملة للعالمين جميعا، ورحمة بهم.
قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].
الأمور الحتمية السابقة تبين أن الدعوة إلى الله - عز وجل - واجبة على مجموع الأمة الإسلامية، فكل مسلم ومسلمة بالغ عاقل ذكرا كان أو أنثى مكلف بهذا الواجب، لا يختص به العلماء دون غيرهم؛ لأنه واجب على الجميع.
يقول ابن تيمية: (وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة وهو الذي يسميه العلماء فرض كفاية، إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين، وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم بالدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره سقط عنه، وما عجز عنه لم يطالبه به (1) (.
حكم تبليغ الدعوة:
الأصل في حكم تبليغ الدعوة وجوب ذلك على كل مسلم ومسلمة؛ لورود الأمر في القرآن الكريم بالحث على الدعوة إلى الله، أي دينه، والحث على عبادته وحده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى مدح هذه الأمة وشرفها على غيرها من الأمم، بالقيام بهذا الأمر العظيم، قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ...} [آل عمران: 110].
وندبهم إلى هذا العمل الجليل في قوله - عز وجل - : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104].
__________
(1) _ فتاوى ابن تيمية: 15/95-96. (1/10)
صفحة 11
فأصل وجوب ذلك على العموم إلا أنه اختص به العلماء، ورجال الدعوة، لمعرفتهم بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه، نظرا لسعة علمهم به ومعرفتهم لجزئياته (1) .
ولقد تتابعت النصوص النبوية الشريفة؛ لتأكد فرضية الدعوة إلى الله - عز وجل - على الأمة الإسلامية في كل وقت وحين، فقد قال - عليه السلام - : (ليبلغ الشاهد منكم الغائب( (2) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم( (3) ، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس من وراء ذلك الإيمان حبة من خردل( (4) .
فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تُجمع على أن تبليغ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كل مسلم بمقتضى الإيمان بالله - عز وجل - ، وهنا يبرز سؤال: هل تبليغ الدعوة فرض عين يلزم جميع أفراد الأمة؟ أم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقي؟
__________
(1) – أصول الدعوة: د. عبد الكريم زيدان، ص: 300.
(2) _ أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب رب مبلغ أوعى من سامع، 1/158، ح رقم 67.
(3) _ أخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 4/69، ح رقم 2176.
(4) _ أخرجه مسلم في الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، 2/35، ح رقم 80، ط دار الحديث. (1/11)
صفحة 12
الحقيقة أن العلماء قد اختلفوا في هذا الحكم بين قائل بأنها فرض عين، وأنها فرض كفاية، وهذا الاختلاف يرجع إلى آيات جاءت في الأمر بالدعوة إلى الله واختلاف العلماء في تفسيرها، وخاصة قوله - عز وجل - : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104]، فقد قال الفخر الرازي في تفسير الآية قولان:
الأول: أن من في (منكم) للتبيين، بدليل أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من الأمة في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110].
وأوجبت السنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مكلف، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه؛ وعلى هذا فمعنى الآية كونوا دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر.
الثاني: أن من في (منكم) للتبعيض، ومعناه أن في القوم من لا يقدر على الدعوة مثل النساء والعجزة، فيكون هذا الأمر مختصا بالعلماء، والدليل على ذلك أن الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم له، والجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر، وهذا يؤدي إلى الغلط وقلب الحقائق، فثبت من هذا أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة ومعنى الآية على ذلك: ليقم بذلك بعضكم. (1)
وقد قال ابن حزم مثله ولكنه مال إلى الرأي الأول. (2)
__________
(1) _ مفاتيح الغيب: 8/376-377.
(2) _ الفصل في الملل والأهواء والنحل: ط دار السلام، 4/132. (1/12)
صفحة 13
والرأي الذي أميل إليه هو الرأي الأول القائل: بأن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر كل مسلم بتغيير المنكر: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان( (1) ، فكل المسلمين مطالبين بالدعوة إلى الله - عز وجل - كل على قدر معرفته وقدرته.
الفصل الأول: عالمية الدعوة الإسلامية.
المبحث الأول: معنى العالمية في اللغة والاصطلاح.
العالمية لغة:
العالمية بفتح اللام مصدر صناعي (2) ، والعالمية ترجع إلى كلمة عالم (بفتح اللام).
فعله: علم من باب ضرب ونصر أو من العلم بالتحريك، فعله عَلِمَ من باب فرح وكلاهما بمعنى السمة والعلامة، وعالم بفتح اللام في الأصل: اسم لما يعلم به، أي اسم الآلة للعلم، كخاتم فإنه اسم لما يختم به، وطابع فإنه اسم لما يطبع به.
فالأول اسم لآلة الختم، والثاني اسم لآلة الطبع، قال الزجاج: «العالم لا واحد له من لفظه وهو جمع أشياء مختلفة وجمعه عالمون» (3) .
العالمية اصطلاحا:
من خلال هذا العرض يتضح أن العالمية تعني: توجيه دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كلهم على مختلف أجناسهم وقومياتهم ولغاتهم وأوطانهم، فلقد جاء ليخاطب الناس كافة ويمد بيده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، لا تصده عن هذا الهدف حواجز عرقية أو مذهبية أو طبقية أو جنسية أو جغرافية، يؤيد هذا قوله تعالى: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158].
اختلف العلماء في معنى المراد من كلمة عالم على أقوال نورد منها:
__________
(1) _ أخرجه مسلم في الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، 1/69، ح رقم 78.
(2) _ المصدر الصناعي: هو أن يزاد على اللفظ ياء مشددة وتاء ثابتة كالحرية والمدنية.
(3) _ لسان العرب لابن منظور، 2/421. (1/13)
صفحة 14
1. قال قتادة: «العالمون جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واحد له من لفظه» (1) .
2. قال الزجاج: «العالم كل ما خلفه الله في الدنيا والآخرة» (2) .
3. قال ابن عباس: «العالم: الجن والإنس» واستدل بقوله تعالى: {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 01]، ولم يكن نذيرا للبهائم (3) ، ويؤيد كلام ابن عباس ما قاله الفراء وأبو عبيد من أن: «العالم: عبارة عمن يعقل وهم أربعة: أمم الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم؛ لأن هذا الجمع جمع لما يعقل» (4) .
4. قال ابن سيده: «لا يجمع شيء على فاعل بالواو والنون غيره على أن يكون من جملة الألفاظ الملحقة بالجمع المذكر السالم» (5)
وذكر صاحب تاج العروس أن لفظ العالم: «يطلق على كل جنس وعلى مجموعها، إلا أنه موضوع للمجموع» (6)
ومن ثم يتضح أن دعوته - صلى الله عليه وسلم - مكلف بها الإنسان والجن من العقلاء فقط بدليل عرض القرآن عليهما وتقرير القرآن الكريم لاستجابة بعض الثقلين من عدم استجابة البعض الآخر والآيات على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} [الرحمن: 31].
وقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130].
__________
(1) _ الجامع لأحكام القرآن الكريم: أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (ت: 671 هـ)، (د: ت، ط:3، دار الكتب المصرية)، 1/138.
(2) _ فتح القدير: لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت: 125هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت: لبنان)، 1/21.
(3) _ الجامع لأحكام القرآن، 1/138.
(4) _ المصدر نفسه، 1/138.
(5) _ لسان العرب لابن منظور (مادة: علم)، 12/421.
(6) _ تاج العروس: الشيخ محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، (دار إحياء التراث العربي- بيروت)، 2/407. (1/14)
صفحة 15
من خلال هذه الآيات يتضح أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث للعالمين الإنس والجن، وذلك لخطاب الله تعالى لهم في الآيات، وكما قال تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 01].
المبحث الثاني: الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية من الكتاب والسنة النبوية والإجماع:
أولا: القرآن الكريم:
الآيات الدالة على عالمية الدعوة:
هناك آيات كثيرة وردت في كتاب الله العزيز تثبت عالمية الدعوة الإسلامية أورد منها:
1. قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].
2. قال تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} [يوسف: 104].
3. قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 01]
4. قال تعالى: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158].
5. قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28].
وجه الاستدلال من هذه الآيات:
(أ)- أن لفظ «العالمين» جمع معرف بـ (أل)، وهو من صيغ العموم التي يندرج تحتها كل ما خلقه الله تعالى إلا ما أخرجه دليل، أو وردت قرينة تصرفه عن عمومه.
ومن ثم نرى جمهرة من المفسرين يجمعون على أن القرآن ذكر للعالمين، أي عظة وذكرى للإنس والجن والعقلاء، بل ولكل المخلوقات.
ويقول البعض الآخر أي ما هذا القرآن إلا موعظة وتذكرة للخلق أجمعين.
(ب)- أن لفظ «الناس» اسم جامع لجنس الناس؛ لأن اللام الداخلة عليه للجنس، فهي تشتمل أفراد الجنس، ويسمى هذا بالاستغراق الحقيقي، ومن ثم يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - مطالبا بإنذار الناس جميعا، وتبشيرهم بالثواب الذي أعده الله للطائعين، والعقاب الذي توعد به العاصين، وعلى هذا تكون الدعوة إلى الله تعالى شاملة ومستغرقة لكل فرد من أفراد الناس حقيقة، ويدخل تحتها (1/15)
صفحة 16
يقول صاحب كتاب الفتوحات الإلهية: «الناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويرادفه أناس، جمع إنسان أو إنس، وهو حقيقة في الآدميين ويطلق على الجن مجازا» (1) .
(ج)- أن لفظ «كافة» اسم فاعل بمعنى عامة، وهي حال من الناس أو من الكاف في أرسلناك وكل لفظ منهما يدل على العموم.
ومن ثم تكون رسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس جميعا.
ثانيا: السنة النبوية الشريفة:
1. أخرج البخاري بسنده من حديث طويل كانت بين أبي بكر وعمر - رضي الله عنه - عنهما محاورة فأغضب أبو بكر وعمر ...إلخ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» (2) ، وكل الشاهد في الفقرة الأخيرة منه التي تؤكد على عالمية الدعوة الإسلامية بإرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للناس جميعا.
__________
(1) _ الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين: سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل (ت: 1204هـ)، (د: ط،ت، دار إحياء التراث العربي- بيروت)، 1/16.
(2) _ أخرجه البخاري في كتاب التفسير (الرحمن الرحيم)، باب ({قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}، ح رقم 4364، 4/1751. (1/16)
صفحة 17
2. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من أمة يهودي ولا نصراني ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (1) ، ففي هذا الحديث ما يؤكد أن دعوته - صلى الله عليه وسلم - عالمية، وأنها ناسخة لما قبلها من الشرائع، إذ لا ينفع المرء إيمانه بموسى ولا إيمانه بعيسى ولا بأحد من الأنبياء السابقين إذا لم يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد توعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في من سمع به ولم يؤمن برسالته، ولم يوقن أنه خاتم النبيين، ومبعوث إلى الخلق أجمعين بنار جهنم والعياذ بالله.
3. روى الإمام أحمد بسنده مرفوعا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، بعثت إلى الأحمر والأسود، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا فأيمُّا رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته» (2) .
وفي رواية: «وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (3)
__________
(1) _ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط2، 1/69-70.
(2) _ مسند الإمام أحمد بن حنبل (164- 241هـ)، (د: ت، ط. جديدة، دار إحياء التراث العربي- بيروت)، ط2، بيروت، لبنان، 3/304.
(3) _ صحيح مسلم: كتاب المساجد، 5/5. (1/17)
صفحة 18
4. أخرج الإمام أحمد عن تميم الدارمي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر (1) ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر(.
قال تميم قد عرفت ذلك في أهل بيتي: لقد أصاب من أسلم منهم الخير والترف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية» (2) .
ففي هذه الأحاديث ما يؤكد - صلى الله عليه وسلم - عالمية دعوته وأنه أرسل إلى الناس كافة، لا فرق بين أحمرهم وأبيضهم، فمن سمع بدعوته ولم يؤمن به مهما كان محبا للدين الذي عليه فمصيره جهنم والعياذ بالله.
هذه بعض الأدلة من الكتاب والسنة النبوية المطهرة على عالمية الدعوة الإسلامية، وهناك إجماع للأمة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأئمة المسلمين وعامتهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى الإنس والجن جميعا.
وإذا كانت نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة أكدت وقررت عالمية الدعوة الإسلامية وختم النبوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا نبي بعده، بقي لي أن أوضح ذلك من خلال إجماع علماء الأمة.
ثالثا: إجماع علماء الأمة على عالمية الدعوة الإسلامية.
__________
(1) _ المدر: الطين اللزج المتماسك، والقطعة منه مدرة، وأهل المدر: سكان البيوت المبنية، خلاف البدو: سكان الخيام، والوبر: صوف الإبل والأرانب ونحوها، وأهل الوبر: أهل البادية؛ لأنهم يتخذون بيوتهم من الوبر.
(2) _ أخرجه أحمد في مسنده، 4/103. (1/18)
صفحة 19
يعتمد علماء الأمة في تقرير هذه الحقيقة على ما جاء بصريح الكتاب والسنة، وأنها حقيقة لا يشك فيها مسلم؛ لأن الشك فيها شك في القرآن والسنة، ومنكر هذه الحقيقة كافر باتفاق آراء العلماء؛ لأنه أنكر أصلا من أصول الدين ومعلوما من الدين بالضرورة؛ ولمخالفته صريح القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ومن ثم كانت أقوال العلماء على النحو الآتي:
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا...} [المائدة: 03]:
«هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل الله تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم _ صلوات الله وسلامه عليه _؛ لهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف» (1) .
ويقول الدكتور نظمي لوقا:
«للرسالة الإسلامية خصوصية هي إتمام ما سبق، ومتابعة البشر في أطوار نضجهم بما يناسبهم من الهداية والصلاح، فما هي الخصوصية التي يمكن أن تكون موضوع رسالة جديدة بعد رسالة الإسلام؟
لقد تمت فكرة التوحيد، وتم خطاب العقل وتم البلاغ إلى الناس كافة، أحمرهم وأسودهم وتمت كرامة الإنسان وصلته بربه وبدنياه، وتركت لهم مصالحهم المرسلة يعالجونها على ذلك الأساس حسبما يُستَجَدُّ لهم من الأمور، فكل رسالة بعد ذلك قول معاد، ليس فيه جديد يستفاد» (2) .
ويقول الدكتور محمد يوسف:
«
__________
(1) _ تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت: 774هـ)، د: ط،ت، دار إحياء الكتب العربية- القاهرة)، 2/13.
(2) _ محمد الرسالة والرسول: 93. (1/19)
صفحة 20
والإسلام هو خاتم الرسالات الإلهية من السماء إلى الأرض، ومن أجل هذا وجب أن يكون دينا عالميا للناس جميعا، وأن يكون في طبيعة هذه الرسالة ما يجعلها حقا صالحة للإنسانية في عصر وجيل وزمان، وأن يكون أيضا في شخصية الرسول وسجاياه وخلقه ما يجعله الرسول المصطفى لعباد الله جميعا، فيجد كل إنسان فيه مثله الأعلى الذي يرى اصطناعه لنفسه؛ ليكون دليله في الحياة ومنارته التي يهتدي بها» (1) .
ويقول الشيخ محمد الغزالي:
«وختم النبوة تقرير لهذه العالمية، فإن القارات الخمس إلى قيام الساعة لن يطرقها من السماء طارق، ولن يجيئها من عند الله رسول، وسيبقى كتاب الله وحده صوت السماء بين الناس إلى أن يحشروا للحساب فيقال لهم: {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} [الروم: 56].
إن الصباح العريض الذي بزغ مع رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - سوف يظل وحده النور الذي يغمر العالم ويملأ الأفق إلى أن يأذن الله بانتهاء الحياة والأحياء (2) ».
وهذه بعض أقوال علماء الأمة تؤكد عالمية الدعوة الإسلامية.
وهنا يبرز سؤال لابد من طرحه، ثم أجيب عليه بتوفيق الله تعالى وهو:
لماذا كانت الدعوة الإسلامية عالمية؟ وكانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي الخاتمة؟
وللجواب على هذا نعود إلى ما قاله الشيخ يوسف القرضاوي:
(
__________
(1) _ الإسلام وحاجة الإنسانية إليه: د. محمد يوسف موسى، ص: 52.
(2) _ الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر: محمد الغزالي، ص: 169. (1/20)
صفحة 21
إن الناظر بثاقب بصره وبصيرته يجد أن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية لأنها صالحة لكل زمان ومكان، مستوعبة لكل شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والحربية ... إلى غير ذلك مما يهم أمر الفرد والمجتمع ويصلح شأنه في دينه ودنياه إذ هي الرسالة التي امتدت طولا حتى شملت آباد الزمان، وامتدت عرضا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة» (1) .
المبحث الثالث: شهادة الكتب السماوية على عالمية الدعوة الإسلامية.
من خلال استقراء النصوص المتعلقة بالوحي الإلهي والمقررة لرسالات السابقين، اتضح أن كل رسالة سماوية كانت تُمهِّد للاحقتها، فرسل الله _ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين _ يصدِّق بعضهم بعضا،ويمهِّد السابق منهم للاحق حسبما رسم الحق جل في علاه منهج الدعوة إليه وحده مسارها، إلى أن ختمت الدعوات بتلك الدعوة العالمية التي شهد بفضل تعاليمها وصلاحيتها وشمولها وثبات مناهجها وتشريعاتها القاصي والداني، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 52].
ومن ثم فقد نطقت كتب السابقين بشهادات عديدة على عالمية الرسالة، سواء ورد ذلك في كتبهم أو تضمنته آيات القرآن الكريم.
أولا: ما ورد في القرآن الكريم من شهادة الأنبياء السابقين:
قال تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين. أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 196-197].
أي قد بشرت به كتب الأولين وصدقته، وهو لما نزل طبق ما أخبرت صدقها، بل جاء بالحق وصدق المرسلين (2) ، وقد عرفه أهل تلك الكتب بنعوته الموصوفة عندهم.
__________
(1) _ الخصائص العامة للإسلام: د. يوسف القرضاوي، ص: 99.
(2) _ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، (د: ط،ت، عالم الكتب)، 5/264. (1/21)
صفحة 22
هذا وقد أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء أنهم إن تزامنوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنوا به، ويتركوا شرعهم لشرعه، ويدعوا معه إلى دينه، إذ هو الدين الخاتم، والرسالة العالمية التي لا تعقبها رسالة، قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 18].
كما أنه - صلى الله عليه وسلم - دعوة أبيه إبراهيم وبشارة أخيه عيسى، ورؤيا أمه آمنة، فلقد ورد في الحديث:
عن العرباض بن سارية (1) - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور أضاء لها منه قصور الشام» (2)
فلقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة، حيث قال الله تعالى على لسان خليله إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129].
فلقد لاقت دعوة سيدنا إبراهيم قبولا من الله حيث إنها وافقت قدر الله في السماء ببعثته نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
أما عن بشرى عيسى - عليه السلام - قال تعالى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 06].
أما عن رؤيا أمه آمنة، فقد ذكر البيهقي في دلائل النبوة:
«
__________
(1) _ هو العرباض بن سارية السليمي، كنيته أو نجيح، كان من أهل الصفة، ونزل حمص، مات سنة 75.
(2) _ أخرجه الهيثمي في موارد الظمآن: كتاب علامات النبوة رآه - صلى الله عليه وسلم - ، باب في أول أمره، ح رقم 2093، 1/512. (1/22)
صفحة 23
وكانت آمنة بنت وهب تحدث أنها حين حملت بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وقال: فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة والإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض» (1) .
ويؤكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الحقيقة تأكيدا قاطعا أعني حقيقة ذكره في الكتب السابقة.
ويجمع ذلك كله ويزيده قول الله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157].
وناسب أن يأتي بعدها مباشرة قوله تعالى: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158]؛ لتدل على عالمية الدعوة الإسلامية.
هذا وقد وردت آيات كثيرة من القرآن الكريم تؤكد مدى معرفة الأمم السابقة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل قال بعضهم ومعرفتي لمحمد أشد، لما هو منعوت به في كتبهم، موصوف وصفا دقيقا عندهم حتى تمنوا إرساله ليؤمنوا به، قال تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 79].
{الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146].
__________
(1) _ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب في شرف أصله وطهارة مولده - صلى الله عليه وسلم - ، ح رقم 1388، 2/136. (1/23)
صفحة 24
بل يزداد الأمر وضوحا حينما نجد أن القرآن الكريم ذكر أن الكتب السماوية السالفة ذكرت بعض أوصاف صحابته - صلى الله عليه وسلم - وهل يذكر الابن إلا مشفوعا بذكر أبيه، وكذا الصاحب مقترنا دائما بذكر من صحبه، قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح: 29].
هذا جانب مما ورد عن ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته في القرآن الكريم على لسان الأنبياء والمرسلين، ولسان أهل العلم واليقين.
أما ما ورد في كتب السابقين بشأنه - صلى الله عليه وسلم - وشأن البشارة بنبوته وعموم رسالته فكثير وكثير نكتفي منه بما يلي:
ثانيا: ما ورد من بشارات في الكتب السابقة:
(أ) – بشارات العهد القديم (1) :
بشارة التوراة:
1- أعلن موسى _ عليه السلام _ بشارته بنبي مرتقب عظيم الشأن يأتي في آخر الزمان، قال موسى: «قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبيا من وسط أخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي» (2) .
__________
(1) _ وهو مدار إيمان اليهود، ويؤمن المسيحيون به كتمهيد للجديد، وهو مجموع الأسفار والكتب التي يعظمها اليهود والمسيحيون، مما كتب بعد موسى - عليه السلام - . (إنجيل يوحنا في الميزان، د ط، دار الأرقم، القاهرة،د ت، ص 21).
(2) _ سفر التثنية: 17-18، إصحاح: 19. (1/24)
صفحة 25
فالله يقول لموسى سوف أبعث رسولا من بني إخوتهم مثلك أي من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل (يعقوب) _ عليه السلام _ لأن جدهم إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، وقوله مثلك أي صاحب شريعة مثلك يا موسى، أوليس الذي بعثه الله وجعل كلامه في فيه هو محمد - صلى الله عليه وسلم - الأمي الذي كان لا يقرأ ولا يكتب، وقال له ربه حينما كان ينزل عليه جبريل بالوحي {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 16-19].
فلقد أوحى الله إليه كما ورد بالبشارة كلاما _ قرآنا _ مرتلا فبلغه الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما سمعه، دون تحريف أو تبديل، ومن وُجِدَ من بني إسرائيل عليه أن يتبعه ويترك شريعته لشريعته، ومن لم يفعل ذلك فإن الله لاشك معذبه (1) .
ومن ثم تؤكد الآيات القرآنية مع نص التوراة أن المعنى يجعل كلام الله في فيه هو محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا وجه الدلالة بتلك البشارة، علما بأن كثيرا من نصوص التوراة تؤكد هذا المعنى.
2- وهناك بشارة ثانية واضحة المعالم تؤكد أن المبعوث إلى الناس كافة سيخرج من أرض فاران وسيتبعه خلق كثير، قال موسى: «وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء (2) ، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم، فأحبه الشعب جميع قديسيه في يدك وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك» (3) . (4) .
__________
(1) _ كتاب 6. إظهار الحق: الشيخ رحمت الله الهندي.
(2) _ سيناء: الجبل الذي عليه كلم موسى الرب، في العليقة المشتعلة، والذي عليه أرسل الله وحيه إلى شعبه، ويسمى أيضا جبل حوريب. (معجم البلدان: لياقوت بن عبد الله الحموي (ت 626هـ)، د ط، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت، ص 107).
(3) _ سفر التثنية: 1:33، إجماح 3.
(4) _ معاني الألفاظ:
1. ... الرب: كلمة معربة عن العبرية تعني السيد والمعلم.
2. ... جاء: المراد ظهور ملاك الرب على نبيه وتلقينه كلام الله والمقصود جبريل عليه السلام.
3. ... أشرق: المراد تجلية الشريعة وتوضيحها (انظر متى 5: 17-48).
4. ... تلألأ: المراد قمة البيان والهيمنة، ودليل ذلك قوله تعالى: {وأزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 48].
5. ... وأشرق لهم من سعير: أي أرض فلسطين إذ هي موطن الأنبياء، ومهبط الوحي.
6. ... جبل فاران: هي بادية الشام وتشمل أرض الحجاز. (1/25)
صفحة 26
هذا وآيات القرآن الكريم تؤكد ما جاء في التوراة بشأن بعثة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وامتلاكه زمام الأمر، إذ هو النبي الخاتم ورسالته رسالة عامة.
قال تعالى: {والتين والزيتون وطور سينين. وهذا البلد الأمين} [التين: 1-3].
يقول الشيخ حسنين مخلوف في تفسيره: «أقسم الله تعالى ببقاع مباركة عظيمة ظهر فيها الخير والبركة بسكنى الأنبياء، فـ «التين والزيتون» مجاز عن منابتهما بالأرض المباركة، وفيها مهاجر إبراهيم، ومولد عيسى ومسكنه _ عليه السلام _، و«طور سينين» الجبل الذي كلم الله عليه موسى _ عليه السلام _، و«البلد الأمين» مكة المشرفة التي فيها البيت المعظم، وفيها ولد وبعث أشرف الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - » (1) .
انظر إلى هذا الترابط العجيب بين الزمن الذي نزلت فيه تلك الرسالات، كأن الحق جل في علاه يريد أن يثبت حقيقة لا مرية فيها وهي: أن كل نبي كان يمهد للاحقه، فلما أراد الحق - عز وجل - ختم الرسالات بالرسالة العالمية؛ جمع موطن معظم الرسل وأقسم بتلك المخلوقات لينبه الأذهان إلى أن الرسول الخاتم ستصل رسالته إلى تلك الأماكن، بل ستتعداها إلى ربوع العالم كله، وسيصل نورها ما بلغ الليل والنهار.
(ب) _ تنبؤات أشعيا (2) النبي - عليه السلام - :
لقد تنبأ أشعياء النبي عن ذات الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفاته ورسالته، فها هو يخبر عن ربه قائلا:
«
__________
(1) _ صفوة البيان لمعاني القرآن: 813.
(2) _ هو النبي أشعيا بن آموص، من أنبياء بني إسرائيل، وقد عاش في مملكة يهوذا، وقد أورد في كتابه: قصص الأنبياء، ص520 قصة النبي أشعيا، وقال عنه: (إنه ممن بشر بعيسى وبمحمد _ عليهم السلام _(. (1/26)
صفحة 27
هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرَّت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته، قصبه مرضوضة لا يقصف، وقتيله خامدة لا يطفئ إلا الأمان، يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، تنتظر الجزائر (1) شريعته» (2) .
وهو يؤكد في هذا النص مدى عظمة خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومدى حب الله له، ومدى ذيوع صيته وبلوغ رسالته لكل العالم.
ثم يذكر نبوءة أخرى يؤكد فيها مدى حفظ الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وجعله نورا لجميع الأمم فيه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفتح به العيون.
يقول أشعياء: «أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأمسك بيدك، وأحفظك، وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم؛ لتفتح عيون العمى؛ لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة» (3) .
أليس هذا هو معنى قوله تعالى مخاطبا أهل الكتاب: {يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 15-16].
إن كل نبوة صادقة لم تصل إليها يد البشر بالتحريف لها شاهد صدق ودليل حق من القرآن الكريم، وصدق ربنا إذ يقول: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة: 48].
__________
(1) _ الجزائر: هي جمع جزيرة، وتجمع على جزر.
(2) _ أشعياء 42: 1-4.
(3) _ أشعياء 42: 6-7. (1/27)
صفحة 28
ولو ذهبنا نستقصي ما ذكر في بشارات ونبوءات في كتب السابقين مما لم يصبها التحريف؛ لضاق بنا المقام، ولا احتجنا في سردها إلى مجلدات عظام، ولذلك أكتفي بما ذكر وأختم البشارات ببشارة دَانْيَالْ (1) ، الذي ذكر فيها أمورا عدة كلها تؤكد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتذكر صفاته الخِلقية والخُلقية، كما تؤكد ختمه للرسالات، وعموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - ، يقول دانيال واصفا لليهود محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأمّته: «إن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبيا ومنزل عليهم كتابا، ومملكهم رقابكم، يقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال قيدار (2) في جماعات الشعوب، معهم الملائكة على خيل بيض، فيحيطوا بكم، وتكون عاقبتكم النار، نعوذ بالله من النار» (3) .
ثم يمضي دانيال قائلا:
«
__________
(1) _ دانيال: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، نشأ في مدينة أورشليم _ القدس _، وكان معاصرا لأرمياء، ولما هاجم بُخْتَ نصَّر على مملكة يهوذا وحطمها سنة 587 (ق م)، أخذ خلقا كثيرا من أهلها سبايا، وكان ممن أخذ معه النبي دانيال. (دراسات في اليهودية والمسيحية: لمحمد ضياء الرحمن الأعظمي، د ط، مكتبة الرشد، الرياض، د ت، ص 171).
(2) _ قيدار: أولاد إسماعيل، وقد انتشروا في الأرض واستولوا على الشام والجزيرة ومصر والعراق، وقد تواترت الآثار أن الملائكة كانت تنزل على الخيل الأبيض، كما نزلت يوم بدر والأحزاب. (عالمية الدعوة في الفترة المكية: لعماد محمد عمارة، د ط، مكتبة عباد الرحمن، الرياض، د ت، ص 66).
(3) _ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ابن تيمية، 3/331. (1/28)
صفحة 29
سألت الله وتضرعت إليه أن يبين لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم، ويبعث فيهم الأنبياء، أو يجعل ذلك في غيرهم؟ فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال: السلام عليك يا دانيال إن الله يقول: إن بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي،عبدوا من دوني آلهة أخرى، وصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومن الصدق إلى الكذب، فسلطت عليهم بُخْتَ نصَّر (1) فقتل رجالهم، وسبى ذراريهم، وهدم مساجدهم، وحرق كتبهم، وكذلك فعل من بعده بهم وأنا غير راض عنهم، ولا مقيلهم عثرات، فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول، وأختم ذلك عليهم باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملاكي وبشرها، وأوحى إلى ذلك النبي، وأعلمه الأسماء وأزينه بالتقوى، وأجعل البر شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها أسري به إلي، وأرقيه من سماء إلى سماء حتى يعلو فأدنيه، وأسلم عليه وأوحي إليه، ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظا لما استودع، صادقا فيما أخبر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسن، لافظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن عاداه، يدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذبونه ويؤذونه».
__________
(1) _ بخت نصر: كان ملكا للكلدانيين، وهو الذي سلط على بني إسرائيل لما قتلوا يحيى - عليه السلام - ، فأذاقهم الخسف والعذاب. (المنجد في اللغة والإعلام: د م، د ط، دار الشرق، بيروت، د ت، ص 571). (1/29)
صفحة 30
يقول ابن تيمية: «ثم سرد دانيال قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا، ثم قال: وهذه البشارة عند اليهود والنصارى يقرؤونها، ويقولون: لم يظهر صاحبها بعد» (1) .
إنه الحقد الدفين الذي يضمره أهل الكتاب الذين رأوا الحق واضحا أمامهم لكنهم لم يبصروه، فلقد حجب الله بصيرتهم عن مشاهدة نوره، وحجب عقولهم عن الحكم المنصف على الرسالة الخاتمة حتى أنكروا الشمس في وضح النهار، إلا من عصمه الله منهم فاعترفوا بنبوته ورسالته تصريحا وتلميحا كما سيتضح بعد قليل.
ثالثا:بشارات اليهود قبل البعثة وبعدها:
ولقد ورد في سبب نزول قوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89].
قال ابن عباس كان يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت بهذا الدعاء وقالت: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كفروا به، فأنزل الله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}، أي:بك يا محمد إلى قوله تعالى: {فلعنة الله على الكافرين} (2) .
وقال السيدي: «كانت العرب تمر بيهود فتلقي اليهود منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة أن يبعثه الله فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - كفروا به حسدًا، قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل» (3) .
__________
(1) _ الجواب الصحيح، 3/331، سفر دانيال: 4-3.
(2) _ أسباب النزول: لأبي الحسن النيسابوري، د ط، دار الكتاب العربي، بيروت، د ت، ص 35.
(3) _ أسباب النزول: أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت: 768هـ)، (د: ط،ت، دار الكتاب العربي)، ص:19. (1/30)
صفحة 31
روى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناده عن محمد بن سلمة، قال: «لم يكرر في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له: يوشع فسمعته يقول: _ وإني لغلام في إزار _ قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثم أشار بيده إلى بيت الله الحرام بمكة، فمن أدركه فليصدقه، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدا وبغيا» (1) .
كما روى أبو نعيم: «كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتبهم ويعلمون الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلى المدينة، فلما ظهر حسدوا وبغوا وأنكروا» (2) .
كما كان علماء النصارى يعرفونه - صلى الله عليه وسلم - بأوصافه التي ذكر بها في الإنجيل، وكانوا يترقبون مولده، فلما علم البعض منهم بمولده، حاولوا أن يتيقنوا منه عن طريق الرؤية الفعلية له ليطابقوا أوصافه بما هو لديهم في كتبهم.
يروي ابن هشام:
«أن نفرا من النصارى رأوه _ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أمه حليمة حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقبلوه، ثم قالوا لها:
لنأخذ هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا فإن هذا الغلام كائن له شأن نحن نعرفه» (3) .
وما قصة بحيرا الراهب ونسطورا علينا ببعيد فشهرتهما تغني عن سرد أحداثهما.
روى أبو نعيم:
«حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوق بصرى فباع سلعته التي أخرج بها واشترى فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعته فقال له الرجل: احلف باللات والعزى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما حلفت بها قط، وإني لأمرُّ بهما فأعرض عنهما»
فقال الرجل: القول قولك.
__________
(1) _ دلائل النبوة: لأبي نعيم (ت 430)، د ط، دار عالم الكتب، د ت، 1/55.
(2) _ البداية والنهاية: ابن كثير (ت: 774هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت)، 2/309.
(3) _ السيرة النبوية: ابن هشام، (د: ط،ت، مؤسسة علوم القرآن)، 1/167. (1/31)
صفحة 32
ثم قال لميسرة: _ وخلا به _ «يا ميسرة هذا نبي والذي نفسي بيده إنه لهو هو، ويجده أحبارنا منعوتا في كتبهم» (1) ، وكان هذا الرجل من علماء النصارى يدعى: «نسطورا»، ولما علمت خديجة _ رضي الله عنها _ بهذه الواقعة من ميسرة قصت ذلك لورقة ابن نوفل، قال لها: «لئن كان حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه» (2) .
يقول الماوردي مؤكدا هذه الحقيقة التي لا مراء فيها: «إن جماعة من النصارى قدموا من الشام تجارا إلى مكة، فنزلوا بين الصفا والمروة فرأوه وهو ابن سبع سنين، فعرفه بعضهم بصفته في كتبهم فقال له: من أنت، وابن من أنت؟
فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
فقال له: من رب هذه الجبال؟
فقال: الله ربها لا شريك له.
فقال له النصراني: فهل له رب غيره؟
فقال: لا تشككني في الله، ما له شريك ولا ضد.
فقال بالتوحيد في صغره، وأفصح النصراني بخبره، وأنذر بنبوته» (3) .
ويذكر صاحب السيرة الحلبية ما رواه بعض الكهان من تأكيده لنبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة.
يقول عمرو بن معد يكرب - رضي الله عنه - : «والله لقد علمت أن محمدا رسول الله قبل أن يبعث.
فقيل له: وكيف ذاك؟
قال: فزعنا إلى كاهن لنا في أمر نزل بنا، فقال الكاهن: أقسم بالسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الأدراج، والريح ذات الهجاج، إن هذا إلا أج (4) ولقاح ذي نتاج
قالوا وما نتاجه ؟ قال نتاجه ظهور نبي صادق بكتاب ناطق وحسام فالق.
قالوا: وأين يظهر، وإلى ماذا يدعو؟
قال: يظهر بصلاح، ويدعو إلى فلاح، ويعطل القداح، وينهى عن الراح والسفاح، وعن كل أمر قباح.
قالوا: من هو؟
__________
(1) _ دلائل النبوة: أبي نعيم، (ت: 430هـ)، (د: ط،ت، عالم الكتب)، 1/54.
(2) _ السيرة النبوية لابن هشام، 1/191.
(3) _ أعلام النبوة: الماوردي، 105.
(4) _ أج: أي نجم ملتهب ويقصد به ظهور نجم ميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - . (1/32)
صفحة 33
قال من ولد الشيخ الأكرم حافر زمزم، وعزه سرمد، وخصمه مكمد» (1) .
وهكذا لو ذهبنا نستقصي كل ما ذكره علماء اليهود والنصارى وأحبارهم ورهبانهم لضاق بنا المقام، ولو أضفنا إلى ذلك شهادات الملوك والعظماء من أمثال كسرى وقيصر وهرقل والنجاشي وغيرهم في شتى مناحي الحياة شرقا وغربا؛ لاحتجنا إلى أسفار طوال، ولو انتقلنا بعد ذلك إلى ما ذكره عامة الناس في الجزيرة العربية، وفي أرض الحبشة وفارس وبلاد الهند وما وراء ذلك من بلدان العالم آنذاك، فلقد كان هؤلاء وأولئك يذكرون البشارات والإرهاصات التي كانوا يسمعونها من الرهبان والكهان وعلماء أهل الكتاب؛ لاحتجنا في سرد ذلك إلى مجلدات، لكنها الحقيقة التي تؤكد أن العالم كله كان يمهد نفسه لاستقبال رسالة عالمية، على يد رسول مرتقب، بل تحقق ظهوره فعلا مما لا يشك فيه عالم أو غيره، ومع هذه الحقائق وتلك الشهادات العالمية لما جاءهم ما عرفوا أنكروا وقالوا كما قال القرآن الكريم: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31].
إلى هذا الحد وصل بكم الحقد والحسد؟ نعم، أليسوا هم المعترفين لعبد الله بن سلام أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه من خيرهم، وهو سيدهم وأعلمهم وابن سيدهم، فلما علموا أنه دخل الإسلام أنكروا شهادتهم وغيروها.
(ج) بشارات العهد الجديد (2) :
1- البشارة بنزع الملك من بني إسرائيل للعرب:
جاء في إنجيل متى: «قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون، هو ذا قد صار رأس الزاوية من قِبل الرب، كان هذا عجيب في أعيننا.
__________
(1) _ السيرة الحلبية: علي برهان الدين الحلبي (975- 1044هـ)، (د: ط،ت، دار إحياء التراث العربي- بيروت)، 1/187.
(2) _ العهد الجديد: هو ما كان من الكتاب بعد ميلاد المسيح، ولا يؤمن اليهود بشيء منه. (1/33)
صفحة 34
لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي الأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط عليه يسحقه» (1) .
فهذا الحجر الذي يقصده عيسى - عليه السلام - هو الزاوية من البناء أو اللبنة التي عبر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الذي ورد في صحيح البخاري ومسلم وكتب السنن.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (2) .
وإن المتأمل بدقة إلى هذا النص الذي ساقه عيسى - عليه السلام - يجده مطابقا تماما لما جاء في نص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكأنهما يخرجان من مشكاة واحدة.
قال ابن القيم: «وتأمل قوله «المسيح» في البشارة الأخرى: ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤون صار رأسا للزاوية، كيف تجده مطابقا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة منها فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها ويقولون هلا وضعت تلك اللبنة؟ فكنت أنا تلك اللبنة (3) .
وتأمل قول المسيح في هذه البشارة: إن ذلك عجيب في أعيننا».
وتأمل قوله في نفس البشارة: «إن ملكوت الله سيؤخذ منكم ويعطي لأمة تعمل بأثماره ...».
__________
(1) _ إنجيل متى: إصحاح 21-42-44.
(2) _ سبق تخريجه.
(3) _ هداية الحيارى: ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت)، ص: 381. (1/34)
صفحة 35
أليس مطابقا لقوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105]، فالصالحون هم الذين يطبقون حلاله وحرامه ليستفيدوا بالثمرات ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ...} [النور: 55].
كما وردت نصوص عديدة في إنجيل متى تؤكد أن رسالة عيسى موقوتة بزمن محدد وأن الأمة الخاتمة هي التي ستحكم العالم من المشارق إلى المغارب.
جاء في الفارق بين المخلوق والخالق ما نصه: «أيها المسيحي إذا أنصفت تحكم بأن هؤلاء الذين سيأتون من مشارق الأرض ومغاربها هم الأمة المحمدية لأنكم مخاطبون حاضرون إذ ذاك، والمسيح سلام الله عليه يخبر عن قوم سيأتون في مستقبل الزمن» (1) .
وجاء في إنجيل يوحنا (2) : «قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجيل ولا أورشليم تسجدون لله» (3) .
أولا يدل هذا الاعتراف الصريح من عيسى نبي الله على أن الإسلام سيتجه نحو بيت الله الحرام بمكة، حيث قبلة المسلمين أصحاب الدين الجديد وسيجمعون بين بيت المقدس وبين قلب العالم _ مكة _؛ ليثبتوا للعالم كله أن دينهم ليس محليا أو موقوتا بزمان، ولكنه دين الله الخالد الذي يجمع بين المشارق والمغارب.
أليست هذه بشارة من عيسى _ عليه السلام _ عن تحول القبلة من بيت المقدس إلى مكة؟
__________
(1) _ الفارق بين المخلوق والخالق: 54.
(2) _ يوحنا: كان يوحنا واحدا من كبار الحواريين الإثني عشر، وأبوه من السابقين الأولين إلى المسيحية، ومن كبار دعوتها، وكان المسيح يحبه ويسميه الحواري الحبيب، وينسب إليه أحد الأناجيل الأربع، ويقال: إنه ألفه عام 90م.
(3) _ إنجيل يوحنا: الإصحاح الرابع، 20-24. (1/35)
صفحة 36
أليس هذا تأكيدا لقوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينَّك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144].
(د) البشارة بنبيٍّ يوحى إليه بآيات الإعجاز العلمي:
جاء في إنجيل يوحنا:
«متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية» (1) .
أليست نصوص القرآن تؤكد هذا النص وتقويه، فروح الحق هو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - المؤيد من قبل ربه بالحق الذي جاء بفضائل الأعمال، ولا يتكلم من نفسه، بل يتلقى الوحي من ربه:
{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]، أليس هو المؤيد بمعجزات باهرات؟ أليس هو الذي أخبر عن أمور غيبية تحقق منها الكثير وما زال العالم يستقبل كل يوم جديدا في عالم الإعجاز العلمي في شتى المجالات.
__________
(1) _ إنجيل يوحنا: 13:16. (1/36)
صفحة 37
ومن ثم فإننا نخاطب الغرب ولا سيما القائمين منهم على أمور الدين اليهودي أو المسيحي نقول لهم: ارفعوا وصايتكم عن الدين وأظهروا الأسرار التي تحتفظون بها مما هو مدون في بعض النسخ الأصلية عندكم في التوراة والإنجيل؛ لتعدوا أنفسكم باتباع الحق، ويسعد معتنقو تلك الديانات معكم بروح ونور اليقين، فها هو البروفيسور أليسون بالمر (رئيس اللجنة التنظيمية للمؤتمر المئوي للجمعية الجيولوجية الأمريكية)، الذي حضر المؤتمر الطبي الإسلامي الدولي عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، المنعقد بجامعة الدول العربية بالقاهرة في الفترة من (22-26 سبتمبر 1985م)، وكانت المفاجأة السارة المبهرة أن نطق بالشهادتين أمام شيخ الأزهر ووزير الأوقاف ومندوب رئيس الجمهورية، وقال: «إن القرآن الكريم لا ريب هو كلام الله»، ثم تلا قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12-14]، وقوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} [السجدة: 7-9].
وصرح قائلا على رؤوس الأشهاد: «إن العلماء قد قضوا سنوات مضنية من البحوث عن نشأة الجنين في رحم الأم، كيف تدب فيه الحياة.
ولقد انبهرت بالقرآن حينما سمعت لتلاوة الشيخ: عبد المجيد الزنداني لهذه الآيات، ثم قرأتها في تدبر، ثم قال: «إن القرآن الكريم سبق العلم الحديث في هذا المضمار العلمي، ومن ثم فإن القرآن هو كلام الله حقا وأن محمدا رسول الله حقا، ثم أعلن إسلامه وتبرأ من كل دين يغاير دين الله» (1) .
__________
(1) _ محاضرات في مقارنة الأديان: إبراهيم خليل، ص: 119-120. (1/37)
صفحة 38
وصدق الله العظيم إذ يقول: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53].
حقا إنه القرآن المعجز الذي ما زال بكرا ينبئ كل يوم عن جديد في عالم الكونيات والغيبيات التي ادخرها الحق - عز وجل - في هذا الكتاب المعجز أليس هذا معنى قول المسيح - عليه السلام - ذاك روح الحق ويخبرهم بأمور آتية.
فهل يعقل القوم هذه النصوص وأمثالها ويعترفون بأنه كلام الله الذي صدقته كتبهم وبشرت به قبل نزوله وبشرت برسول الله قبل بعثته وصدق الله إذ يقول: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 41-42].
هذا ولو ذهبنا نستقصي كل البشارات الواردة في العهد الجديد لضاق بنا المقام، ويكفي أن الأناجيل صرحت في كثير من نصوصها أن الحواريين أنفسهم كانوا نفعيين (1) ، فلم يكونوا مستعدين لتلقي الوحي عن عيسى - عليه السلام - وتبليغه على الوجه الأكمل، ومن ثم فلابد من إرسال خاتم الأنبياء ليتحمل بلاغ الرسالة العالمية، ويمكث وحي الله مع أمته إلى آخر الزمان؛ لأن أمته صدورهم قرآن يحفظونه في السطور وفي الصدور.
يقول المسيح لحوارييه: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، أنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد روح الحق» (2) .
فرد بطرس قائلا: «ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يكون لنا؟» (3) .
إنهم يطلبون منه الأجر على حفظ الوصايا، لكن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلبون الأجر من الله، ويبتغون الفضل منه وحده {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} [الفتح: 29].
__________
(1) _ النفعي: المنتحل مذهب النفعية، والنفعية: مذهب من يطالبون المنفعة المجردة.
(2) _ يوحنا 14: 15-17.
(3) _ متى: 19-27. (1/38)
صفحة 39
الفصل الثاني: عالمية الرسول والرسالة.
المبحث الأول: عالمية المرسل والرسالة:
أولا: عالمية الدعوة من جانب المرسل.
إن المرسل بها هو رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - المبعوث رحمة للناس كافة بشيرا ونذيرا.
شخصية تحمل عالمية الدعوة:
إن من السنن التي وضعها الله لعباده أنه يصطفي منهم رسلا يرسلهم إلى عباده ليبلغوهم وحي السماء الذي ينزل عليهم بواسطة ملك الوحي قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير} [الحج: 75].
لكن اختيار الرسل كيف يتم؟
يتم على مرحلتين: مرحلة تهيئة وتأهيل، ومرحلة تكليف وإبلاغ (1) ، وكلتاهما تحتاجان إلى علم وخبرة وقدوة وبصيرة نافذة.
وحينما يود الباحث الحديث عن شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ناحية الاصطفاء والاختيار؛ يجد نفسه أمام بحر زاخر من البيان والإيضاح لجوانب تلك الشخصية المؤهلة، لتحمل الدعوة عالميا، وليس إقليميا وذلك قبل مولده وبعثته - صلى الله عليه وسلم - .
وبالرجوع إلى كتب السنة والتاريخ والسير؛ نجد كثيرا من الآثار التي تشير إلى تشريف الله تعالى باصطفاء نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وكونه أول الأنبياء خلقا (2) .
فقد روى ابن إسحاق عن قتادة مرسلا قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وكنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث»» (3) .
ويعلق الشيخ الصالحي الشامي على هذا الحديث بقوله: «وقد يكون المراد بالخلق هنا: التقدير دون الإيجاب، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير، لاحقة في الوجود» (4) .
__________
(1) _ الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها، ص: 114.
(2) _ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: محمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت: 942هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت)، 1/89.
(3) _ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (د: ط،ت، دار بيروت)، 1/ 319.
(4) _ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، 1/ 91. (1/39)
صفحة 40
أما من ناحية النشأة والمولد، والبيئة التي تربى فيها، ومدى عناية الله له ورعايته إياه، وهو ما زال ينتقل في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية، فأمر مشهور ومشهود به لدى علماء الأمة وعقلائها.
ولا أدل على ذلك مما روي عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» (1) .
ويقول العباس - رضي الله عنه - : « بلغ النبي بعض ما يقول الناس، فصعد على المنبر فقال: «من أنا»؟ قالوا: أنت رسول الله، قال، «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» (2) .
والمتتبع لسلسلة نسبه - صلى الله عليه وسلم - ؛ يجد أن الله قد حفظ نسبه من كل شائبة، فكل من كان يحمل نطفته - صلى الله عليه وسلم - في صلبه؛ كان الله يحفظه من دنس الجاهلية، وتلك إرادة الله في آبائه، إذا تأصل في نفوسهم الفهم الديني الصحيح، وعبادة الله وحده، قال تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 28].
يقول بعض العلماء: «إن الكلمة الواردة _ أي الواردة في الآية _ والباقية في صلب كل من يحمل نطفته هي قوله تعالى: {لا إله إلا الله}، وبذلك فسرها مجاهد وقتادة، وغيرهما، وقد بقيت هذه الكلمة، فلا يزال في ذريته من يقولها، ويوحد الله، ويدعو إلى توحيده» (3)
الأدلة على عالميته - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنة:
هناك آيات وأحاديث كثيرة وردت في الكتاب والسنة تثبت عالمية الرسول - صلى الله عليه وسلم - نوجزها فيما يلي:
__________
(1) _ رواه: مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، 4/1782.
(2) _ رواه: الترمذي في صحيحه، كتاب المناقب، باب فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال حديث حسن، 5/ 584.
(3) _ تفسير: ابن كثير، 7/212. (1/40)
صفحة 41
1. قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].
2. قال تعال: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 01].
3. قال تعالى: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158].
4. قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28].
5. قال تعالى: {ألم كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم: 01].
وجه الاستدلال بهذه الآيات:
أن لفظ العالمين جمع معرف بـ (أل)، وهو من صيغ العموم التي تندرج تحتها كل ما خلق الله تعالى إلا ما أخرجه دليل، أو وردت قرينة تصرفه عن عمومه.
ومن ثم نرى جمهرة من المفسرين يجمعون على أن القرآن ذكر للعالمين أي عظة وذكرى للإنس والجن والعقلاء.
ويقول البعض الآخر أي ما هذا إلا موعظة وتذكرة للخلق أجمعين.
وقوله تعالى: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}، يقول ابن كثير في تفسيرها: «يقول الله تعالى لنبيه ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - يا محمد قل {يأيها الناس} وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، {إني رسول الله إليكم جميعا}، أي جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته - صلى الله عليه وسلم - ، أنه خاتم النبيين مبعوث للناس كافة» (1) .
وأما قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}، قال الإمام الطبري: «يقول الله تعالى: {وما أرسلناك} يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرا لمن أطاعك، ونذيرا لمن كذبك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر» (2) .
__________
(1) _ تفسير ابن كثير: دار الفكر بيروت، 2/265.
(2) _ تفسير الطبري: دار الفكر بيروت، 22/96. (1/41)
صفحة 42
ويقول ابن كثير في تفسيره: «يقول الله تعالى لعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - : {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}، أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تعالى: {قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}» (1) .
الأحاديث النبوية الدالة على عالميته - صلى الله عليه وسلم - :
1. منها قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام أحمد بسنده مرفوعا؛ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، بعثت إلى الأحمر والأسود، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته» (2) .
وفي رواية: «وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (3) .
2. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (4) .
ففي هذه الأحاديث ما يؤكد - صلى الله عليه وسلم - عالمية دعوته وأنه أرسل إلى الناس كافة، لا فرق بين أحمرهم وأبيضهم، فمن سمع بدعوته ولم يؤمن به مهما كان محبا للدين الذي عليه؛ فمصيره جهنم والعياذ بالله.
وهكذا اتضح أن إيمان النجاشي من أقوى الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية؛ لأن بإيمانه آمن بطارقته وقساوسته من حوله، ومن ثم فقد دخل الإسلام بعض الحبشة من أوسع أبوابها.
__________
(1) _ تفسير ابن كثير: د ط، دار المعرفة، بيروت، د ت، 3/546.
(2) _ مسند الإمام أحمد، الطبعة الثانية، بيروت، 3/304.
(3) _ صحيح: مسلم بشرح النووي، كتاب المساجد، 5/5.
(4) _ صحيح: مسلم، كتاب الإيمان، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط 2، بيروت، 1/34. (1/42)
صفحة 43
وبما أن هذه الميزة للدعوة كانت مصاحبة لبدئها، مقرونة بحياتها منذ مهدها لا تنفك عنها، فلقد جنَّد الله لها من يكون أداة لذيوعها وانتشارها، وكتب الله لها القوة والاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 09].
ثانيا: عالمية الدعوة من جانب الرسالة:
بعد أن وقفنا آنفا على حقيقة المرسل، وأنه خاتم المرسلين، نود أن نقف على حقيقة الرسالة التي جاء بها، وهل تصلح أن تكون عالمية أم لا؟
وقبل الحديث عن عالميتها، أود أن أذكر حيثيات الحكم التي ذكرها العلماء وحدودها، بالمواصفات التي تتصف بها الرسالة العالمية، أو الخصائص وهي:
1. أن تكون وافية بحاجات المجتمع ومتطلبات الحياة في كل زمان ومكان.
2. أن تكون أنظمتها صالحة لشؤون الحياة محققة لمصالح الناس.
3. ألا تصادم نصوصها الحقائق العلمية الثابتة. (1)
لكنها لا تنحصر في هذه فحسب، بل تندرج تحتها خصائص عدة وهي: الربانية، الإنسانية، الشمول، الوسطية، الواقعية، الوضوح، الثبات، التطور.
المبحث الثاني: عالمية الدعوة من جانب العقل والفكر:
__________
(1) _ الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، ص: 56؛ وخصائص الدعوة الإسلامية: محمد أمين حسن، ص: 169. (بتصرف يسير). (1/43)
صفحة 44
إن الإسلام لم يهمل العقل، ولم يعطل وظيفته، ولم يقهره بخارقة لا مجال له فيها إلا الإذعان، بل أنه جعل له دوره، ووضع له نهجه، وخاطبه بمجالاته وقضاياه، ودعاه إلى التفكر والتدبر بدلائل الهداية وبواعث الإيمان؛ ليرفع عن الفطرة ركام الإلف والعادة والبلادة، وركام الشهوات المضلة، ويخاطبه بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مفرداته، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه، فإذا وصل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات، لم يعد أمامه إلا التسليم بها، فهو مؤمن، أو عدم التسليم بها، فهو كافر، وليس هو حكما في صحتها أو بطلانها، وليس هو مأذونا في قبولها أو رفضها» (1) .
ومع أنه دين العقل، لكنه لم يترك العنان له في إصدار الأحكام، بعيدا عن وحي السماء، حتى لا يضل ويشقى؛ لأن الإنسان بعقله _ بعيدا عن منهج الله _ قاصر في إدراك كل الحقائق، وأوجه قصوره متعددة (2) ، «ومن ثم فإن الإسلام قد جاء بما يكمل الفطرة، ويأخذ بيد العقل، ولم يأت بما يصادم الفطرة أو يناقض العقل، فما أحست به الفطرة من غموض؛ جاء فبينه أحسن بيان، وما اهتدى إليه العقل في إجمال واشتباه؛ جاء ففصله أحسن التفصيل، ومحا عنه الاشتباه، ونفى أوهام العقل وأغاليط الحس، ووضح الغاية ورسم الطريق» (3) .
وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى حول ذكر العقل ومشتقاته، في صيغ فعلية، ما يقرب من خمسين مرة، وقد جاءت هذه الصيغ بمعاني العلم والمعرفة والإدراك والفهم والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، وضبط النفس وكبح جماحها ...، إلى غير ذلك مما تحتمله معاني الآيات.
__________
(1) _ في ظلال القرآن: سيد قطب، (ط. جديدة، دار العلم- جدة)، ص: 806.
(2) _ نبوة محمد: د. فاضل السامري، ص: 40-45.
(3) _ دعوة الفطرة: د. محي الدين أبو هلالة، ص: 60. (1/44)
صفحة 45
ومن ثم جاء القرآن الكريم؛ ليكرم العقل ويطلقه من القيود التي كان مكبلا بها في الماضي السحيق، وأمره أن ينظر ويتفكر ويتبصر ويعي، ودفعه إلى النظر في الكون الفسيح أمامه، والتفكر في عظيم مخلوقات الله، وذم قوما يلغون عقولهم ويعطلونها عن التفكير، قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22].، وقال سبحانه: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179].
وهكذا نرى حكم الله قاطعا {أولئك كالأنعام بل هم أضل} لماذا؟ لأن الأنعام لم تنل من وسائل المعرفة والإدراك مثل ما نال الإنسان، ومن ثم فإذا أغفل الإنسان تلك الملكات، ولا سيما العقل المؤدي إلى نور القلب والبصيرة؛ حوسب على الغفلة وعدم التبصر والمعرفة، وأدى ذلك إلى خسرانه في الدنيا والآخرة.
وليس أدل على ذلك مما صنعه قادة الفكر المسيحي الذين سيطروا على السواد الأعظم من معتنقي هذا الدين المحرف بقولهم: «أطفئ مصباح عقلك، واعتقد وأنت أعمى» (1) .
إنها دعوة جادة لإعمال العقل والفكر، وصولا إلى وجود الخالق - عز وجل - ، ولقد اتسمت «بالطابع العلمي منذ أول آية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء {اقرأ} (2) ،
__________
(1) _ حركة التنصيرية وآثارها في المجتمع الإفريقي: خالد تميم إبراهيم باه (بحث تخرج، معهد العلوم الشرعية، 2003م مطبوع، ص 32).
(2) _ القراءة هنا رمز لكل عمل نافع يقوم به الإنسان، وإنما خص القراءة بالذكر؛ لأنها نقطة الانطلاق للإنسان ومفتاح رقيه؛ ولأن العمل في الإسلام يجب أن يقوم على العلم، والعلم مفتاحه القراءة.
وأمر الإنسان بالقراءة معناه: قدرته على أن يفعل، وقدرته على أن يترك أيضا، وهذا يعني إثبات مسؤوليته، ودور إرادته. (انظر الخصائص العامة: يوسف القرضاوي، ص: 67). (1/45)
صفحة 46
دعوة آمرة إلى الثقافة، إلى العلم، إلى الفكر، إلى البحث المستفيض في ملكوت الله في السماوات والأرض، في الجبال، في النفس، في كل ما خلق الله - سبحانه وتعالى - من كائنات صغرت أم كبرت» (1) .
إنها دعوة ذات نظرة شمولية إلى الكون، والإنسان، والحياة، وما قبل الحياة، وما بعدها.
إنها دعوة إلى التصور الكامل الذي يبدأ من الحقيقة الإلهية التي يصدر عنها الوجود كله، ثم تسير مع هذا الوجود في كل صوره وأشكاله وكائناته وموجوداته؛ ليتمكن الإنسان من الوقوف على تلك الحقيقة وهي: «أن الإسلام قضى _عن طريق العلم التام بوجود الله تعالى ووحدانيته _ على الوثنية الجاهلية بكل ما طوي فيها من كهانة وسحر وشعوذة وخرافة، وبذلك ارتقى بعقل الإنسان، إذ خلصه من الحماقات والترهات، وقد مضى يحتكم إليه في معرفة الكائن الأعلى الذي أنشأ الكون ودبر نظامه، داعيا إياه إلى أن يتأمل في ملكوت السماوات والأرض، فإن من يمعن النظر في هذا الملكوت ونظامه؛ يعرف أنه لم يخلق عبثا، وأن له صانعا سوّى فيه كل شيء وقدره» (2) .
{إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164].
{إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: 190-191].
{أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185].
«
__________
(1) _ القرآن والنبي: عبد الحليم محمود، ص: 179.
(2) _ تاريخ الأدب العربي: د. شوقي ضيف، (د: ط،ت، دار المعارف- مصر)، ص: 15. (بتصرف). (1/46)
صفحة 47
والمتدبر لآيات القرآن الكريم وسوره، يجدانها دعوة مستفيضة مطردة إلى الإيمان بوجود الله تعالى عن طريق إعمال العقل، والتفكر في مخلوقاته، وصولا إلى معرفة صفاته وأفعاله وقدرته التامة كبيرة وصغيرة، والقرآن الكريم لم يجعل وجود الله تعالى موضع الاحتمال أو الفرض، أو الأخذ والرد أو القبول والرفض، بل كل آياته يقينية ثابتة، تؤكد وجوده وتثبت قدرته، وأنه على كل شيء قدير.
والاستدلال بالآيات الكونية وغيرها لا يقصد بها نفي طرف في قضية لها طرفان ليثبت الطرف الآخر، وإنما القصد من هذه الاستدلالات توجيه المدارك العقلية والمشاعر الوجدانية إلى جلال سلطانه، وعظمة تدبيره» (1) .
ومن ثم فالقرآن دائما يدعو كل مسلم «أن يستغل عقله فيما خلق له من التدبر، فيتأمل وينظر ويحكم، لا عن عقائد موروثة، بل عن دليل ناطق، وشهادة صحيحة، ومن ثم كانت المعرفة المستبصرة ركنا أساسيا في الإسلام، فمن أسلم عن غير فهم وتبصر؛ كان إسلامه منقوصا، إذ الإسلام الصحيح يقوم على الفهم والإقناع، لا على التقليد والمحاكاة للآباء والأسلاف» (2) .
المبحث الثالث: عالمية الدعوة من جانب الزمان والمكان:
إن من خصائص الدعوة الإسلامية أنها شاملة لكل زمان ومكان، وسيكون الحديث من هذا الجانب في هذا المبحث على النحو التالي:
1. صلاحيتها لكل زمان.
2. صلاحيتها لكل مكان.
أولا: صلاحيتها لكل زمان:
__________
(1) _ القرآن العظيم: لمحمد الصادق عرجون، ص: 14.
(2) _ تاريخ الأدب العربي، 2/16. (1/47)
صفحة 48
إن الدعوة الإسلامية للناس كافة، لذا فهي ليست قاصرة على عهد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو زمن صحابته (الخلافة الراشدة) وما بعدها من عهد الصحابة في القرن الأول الهجري، أو التابعين من بعدهم، بل هي ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ذلك لأن هذه الدعوة الإسلامية لهذا الإنسان في أي زمان ، منذ انطلاقها على يدي البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهكذا حيث تؤكد الآيات المباركة على أن هذا الدين يهدف إلى سعادة الإنسان مهما كان، وفي أي زمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فإذا نظرت إلى أحكام هذا الدين نجدها ثابتة قوية صالحة لكل زمان، فالحلال هو الحلال، لا يمكن أن يكون حراما، والحرام هو الحرام، فالخمر والميسر والربا والزنا وأكل أموال الناس بالباطل، هي كما نزلت على صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - في مكة أو المدينة ثابتة باقية حتى هذا الزمان وما بعده _ أيضا _، لا تتغير ولا تتبدل، فما كان بينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين من خلال الآيات القرآنية أو الأحاديث من أحكام دينية، باقية ما بقي الليل والنهار، وصالحة لكل زمان. (1/48)
صفحة 49
فالدعوة التي أتت للأبيض والأسود، والعربي والعجمي، والكبير والصغير، والغني والفقير، والذكر والأنثى في عهد النبوة، هي كذلك في هذا العصر وما بعده، لم تتغير سماتها وأهدافها ومعانيها، بل كأنها تتنزل الآن، وهذه خاصية الجدة في الشريعة الإسلامية، بحيث يجد فيها المتأمل هذه الصفة، أي كأنها أنزلت لحل قضايا هذا العصر، وهذا ما لم يكن في غيرها من الدعوات على الإطلاق، القديم منها والحديث، وهذا لن يكون أبدا؛ لأن الدعوة الإسلامية ربانية المصدر، والدعوات الأخرى من نتاج البشر العاجز المحدود القدرة والتفكير، يضاف إلى هذا ما يجده الإنسان فيها من توافق لمقتضيات العصر، فما نسمعه من نداءات من إنسان أوربا وأمريكا اليوم لتطبيق شرع الله الذي أتى به دين الإسلام لإنقاذ إنسان اليوم مما هو فيه من ويلات، وتتابع هذه النداءات من كل جهات العالم، وفي هذا الوقت بالذات من الأدلة القاطعة التي تبرهن على حاجة أهل هذا الزمان إلى دعوة الإسلام، ولقد وقف العقلاء في شرق العالم وغربه ينادون لإنقاذ البشرية المعذبة مما هي فيه، ويؤكدون على أن هذا لن يكون إلا بالإسلام، دين الله الذي ارتضاه للناس كافة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]
الشواهد الدالة على صلاحيتها لكل زمان:
1. إن مما يؤكد على صلاحية الدعوة الإسلامية لكل زمان من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19].
2. فكل نبي دعا قومه باسم الإسلام قال تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78]، وقال - سبحانه وتعالى - : {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132].
3. وقال - عز وجل - في شأن موسى عليه السلام: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84]. (1/49)
صفحة 50
4. وقال - عز وجل - في شأن أتباع عيسى عليه السلام: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111].
ثانيا: صلاحيتها لكل مكان:
صحيح أن دعوة الإسلام بدأت من بلاد العرب، لكنها كانت _ وما زالت _ للناس كافة، وحتى بلاد العرب كانت مجتمعات متفرقة، لكل مجتمع قبلي منها عاداته وتقاليده ومميزاته التي ينفرد بها عن غيره، فالمجتمع المكي حيث قبيلة قريش وقبيلة خزاعة وغيرهما، ومجتمع الطائف القريب من مكة المتميز أيضا بخصائصه حيث قبيلتي هوازن وثقيف، حتى مجتمع المدينة كان يضم عدة قبائل، بمعنى أن ميلاد العرب مهد الإسلام لم تكن على نمط واحد في الحياة والعادات والتقاليد، ولو أنهم يجتمعون في العروبة؛ لذا نجد دعوة الإسلام كتب لها القبول والاستمرار في هذه البلاد وما حولها، حتى البلاد الأخرى التي وصلت إليها هذه الدعوة سواء في القرن الأول وما بعده من عصور الفتوحات، وهذا راجع إلى أن هذه الدعوة تملك الكثير من المميزات والمصالح التي تكفل لهذا الإنسان الحياة الطيبة الهانئة، ولقد رأينا كيف تلقفتها الأمم في عهد الفتوحات واحتضنتها؛ لأنها وجدت فيها ضالتها؛ لأنها كانت تعيش تحت القهر والبطش وسيطرة الإنسان على أخيه الإنسان: عهد الظلم والتسلط والاسترقاق في ظل تلك الحكومات الظالمة في ذلك الزمان، وهذه الدعوة أتت لتحرير الإنسان من رق واستعباد أخيه الإنسان، وإنقاذه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد - سبحانه وتعالى - ، وهذا يقرب كل منصف من أمم الأرض غير المسلمة؛ لذا نجد الكثير من المؤلفات التي كتب فيها هذا الفكر، واعترف فيها مؤلفوها بالحضارة الإسلامية وكيف حققت للإنسانية المستوى الرفيع من الحياة الكريمة في ظل عدل وسماحة دين الإسلام الذي أتى للناس جميعا، بل ما زال الكتاب المنصفون يكتبون حتى الآن عن صلاحية هذا الدين ورفعة شأن أتباعه إلى درجة لم تعرفها البشرية من قبل (1/50)
صفحة 51
بحمايته لجميع ما يتعلق بهذا الإنسان، ومما يجدر ذكره أن صلاحية الدعوة الإسلامية لكل حكاية تظهر في ملاءمتها للفطر السليمة، وموافقتها للعقول الصحيحة، وصلاحها في جميع مجالات الحياة المختلفة وأثرها الطيب في دنيا الناس من خلال ما أتت به من تشريعات توافق هذا الإنسان في أي مكان كان، وهذا ليس بمستغرب كما ذكرنا سابقا على الدين الذي ارتضاه رب العالمين لعباده.
والشواهد على صلاحيتها لكل مكان كثيرة منها:
1. دعوة يوسف - عليه السلام - صاحبيه في السجن، قال - سبحانه وتعالى - : {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 39-40].
2. الحوار الذي أمر به الله تعالى مع أهل الكتاب فقال - عز وجل - : {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64].
3. ومما أمر به الإسلام ودعا إليه مبدأ الشورى المطبق في كثير من الأماكن، قال تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]، وقال - سبحانه وتعالى - : {وأمرهم شورى بينهم} [ الشورى: 38].
الفصل الثالث: الهجرة ودورها في عالمية الدعوة الإسلامية.
للهجرة إلى الحبشة دور كبير في عالمية الدعوة، إذ بهذه الهجرة المباركة انتقلت الدعوة الإسلامية من الجزيرة العربية إلى إفريقيا، واعتنقت القبائل غير العرب الإسلام، وهي أيضا سبب ذيوع الإسلام في بعض البلدان غير العربية.
وقد قسمت هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حقيقة الهجرة.
(أ) الهجرة لغة: (1/51)
صفحة 52
الهجرة في اللغة: مشتقة من الهَجْر وهو خلاف الوصل، ويقال: هَجَر أخاه إذا صرفه وقطع كلامه، من الهِجْران وهو إظهار العداوة وقطع السلام والكلام.
وقد غلب استعمال الهجرة على ترك الوطن ومفارقته إلى موضع آخر، أو الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية. (1)
(ب) الهجرة في اصطلاح الفقهاء:
(الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام ونحو ذلك، مأخوذة من هجر الوطن وتركه(. (2)
وقيل: (مفارقة بلد إلى غيره، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية(. (3)
وقد ذكر العلامة ابن دقيق العيد: أن اسم الهجرة يقع على أمور منها:
- الهجرة الأولى: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة _ رضوان الله عليهم _.
- الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة
- الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لتعلم الشرائع ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم.
- الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع إلى مكة.
- الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه. (4)
والذي يهمنا من هذه الأنواع النوع الأول من تقسيم ابن دقيق وهي: الهجرة إلى الحبشة وما بعدها، وهي الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن والأمان.
المبحث الثاني: الهجرة إلى الحبشة:
في السنة الخامسة للبعثة في شهر رجب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابته الأجلاء بالهجرة إلى أرض الحبشة؛ لما رآه من صنوف العذاب ووابل التنكيل والاضطهاد.
قال ابن إسحاق:
(
__________
(1) _ المفردات: الراغب الأصفهاني، ص: 782.
(2) _ التعريفات: علي بن محمد بن علي الجرجاني الحنفي (ت: 816هـ)، ص: 134.
(3) _ المصباح المنير، 2/78.
(4) _ إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ابن دقيق العيد (ت: 702هـ)، (د: ط،ت، دار الكتاب العربي- بيروت)، 1/11. (1/52)
صفحة 53
فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل لكم فرجا ما أنتم، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة في الإسلام(. (1)
فكان أول وفد خرج من الصحابة إلى أرض الحبشة مكونا من اثني عشر رجلا وأربع نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قال فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام(. (2)
كيفية الهجرة:
(فلقد تمت في غاية من السرية والكتمان، فكان المهاجرون يتسللون فرادى وجماعات حتى لا تتعرض لهم قريش بسوء، وإذا بهم ييممون وجوههم شطر البحر حيث ميناء شعيبة، وتداركتهم عناية الرحمن، فجند الله لهم سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، وبلغت بهم إلى شاطئ البحر حيث الملك العادل النجاشي(. (3)
ما يستفاد من هذه الهجرة:
إن هذه الهجرة تحمل معها أدلة عديدة على عالمية الدعوة الإسلامية من الممكن أن أوجزها في صورة نتائج:
الأولى: حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نشر الدعوة التي جاء بها، مع حرصه الشديد على من آمن به، وتلقينهم تعاليمهم الإسلام والسماح لهم بتبليغ الرسالة أينما حلوا أو ارتحلوا.
__________
(1) _ السيرة النبوية لابن هشام، 1/315.
(2) _ مختصر سيرة الرسول: الشيخ النجدي، ص: 92.
(3) _ زاد المعاد في هدي خير العباد: ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، (د: ط،ت، دار الباز- مكة المكرمة)، 2/ 44، وانظر الرحيق المختوم: الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، (د: ط،ت، دار العلم- بيروت)، ص: 90. (1/53)
صفحة 54
الثانية: تفاني الصحابة - رضي الله عنهم - في نشر الدعوة الإسلامية والذود عنها، حتى لاقوا في سبيل ذلك صنوفا من العذاب، والحرص الشديد منهم على تبليغ الدعوة الإسلامية قولا وسلوكا.
الثالثة: الحكم الصائب من النجاشي على الصحابة وما جاؤوا به من تعاليم الإسلام، ومدى توفيق الله إياه في عدم تسليم الصحابة للمرسلين من قبل كفار قريش.
الرابعة: الاعتراف التام من النجاشي بتعاليم الإسلام ومطابقتها لما جاء به المسيح _ عليه السلام _.
الخامسة: اعتراف القساوسة والرهبان بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تعاليم تتوافق مع ما جاء به عيسى _ عليه السلام _، ومطابقتهم ما سمعوه من القرآن لما معهم من الإنجيل واعتراف بعضهم بنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
كل هذه الدلائل وغيرها تؤكد عالمية الدعوة الإسلامية.
يضاف إلى ذلك علم مشركي قريش بصدق رسول الله وحقيقة الرسالة، وتيقن البعض منهم بذلك، لكنه العناد والاستمرار في الجدل العقيم خوفا من السلطة الزمنية التي في أيديهم، كيف تنتقل إلى غيرهم؟، ذلك مبلغهم من العلم الذي ورثوه من الأجيال السالفة، فما كان موقفهم من هجرة الصحابة الأوائل إلى الحبشة؟
موقف مشركي قريش من المهاجرين:
قال ابن إسحاق: (فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، وائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي فيردهم عليهم، ليفتنوهم في دينهم، ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وآمنوا فيها، فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته (1) ، ثم بعثوهما إليه فيهم(. (2)
__________
(1) _ بطارقته: حراسه وقواده.
(2) _ السيرة النبوية لابن هشام، 1/225. (1/54)
صفحة 55
تعقيب: إن مبادرة قريش لإرسال رسولين لاستعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة؛ تدل على إدراكها لخطورة الموقف إذا ما حصل المسلمون على مأوى لهم يأمنون فيه، والحبشة نصرانية وملكها عرف بالعدل، وهي قريبة من مكة ولو انتشر الإسلام فيها؛ لآذن بانتشاره وذيوعه في كثير من البقاع، ولشكل ذلك خطرا على قريش في المستقبل، وهم الذين يتمنون أن تكون السيادة في أيديهم، فإذا شقت الدعوة الجديدة طريقها وقريت؛ فلن يتمكنوا من الوقوف أمامها، ومن ثم فقد آلمهم وصولهم إلى الحبشة.
هذه لفتة من حادثة الهجرة إلى الحبشة.
اللفتة الثانية: أنه مما يبعث على العجب والافتخار في آن واحد؛ أن المهاجرين مستضعفون لكنهم على مبدإ الإسلام متضامنون، فعندما سألهم النجاشي عن عقيدتهم في عيسى عليه السلام، أجابوا بصراحة ووضوح: إنه عبد الله ورسوله، رغم مخالفة ذلك لعقيدة كثير من أهل الحبشة في عيسى عليه السلام، فلم يلجؤوا إلى مجاملة النجاشي أو الأساقفة الحاضرين، ولم يخافوا الرسولين فأحسن الله عاقبتهم وهيأ نفس النجاشي لحسن جوارهم {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128].
المبحث الثالث: موقف النجاشي من المهاجرين:
إن المتصفح لكتب السيرة يجد كثيرا من الشواهد التي تؤكد مدى حب النجاشي للمهاجرين وترحيبه وحرصه على حسن جوارهم، ومما يؤكد ذلك قوله لهم: (مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله فإنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه(. (1)
تأمين النجاشي الصحابة ووقوفه بجوارهم.
__________
(1) _ الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض بن موسى الأندلسي، (د: ط،ت، مؤسسة علوم القرآن- دمشق)، 1/197. (1/55)
صفحة 56
إن تأمين النجاشي الصحابة - رضي الله عنهم - وتمكينه إياهم من نشر تعاليم الإسلام وعدم تسليمهم للرسولين اللذين جاءا من قبل مشركي قريش؛ لمن أقوى الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية، ومدى حرص الحق جل في علاه على الإسلام وتذليل العقبات لانتشار نوره ووصوله إلى كل مكان، فلقد ولدت الدعوة الإسلامية في مكة وهي تحمل معها دعائم عالميتها، وها هي بمرور الأيام تثبت تلك الدعائم في نفوس المدعوين، وتزرع الأمل في قلوب الحيارى والبائسين، وحيث إنها دعوة عالمية؛ فلابد أن تحمل بين طياتها ما يؤمن مستقبلها وما يمهد لها الطريق للوصول إلى نفوس المدعوين، وليست أدل على ذلك من أن النجاشي حين استمع هو والرهبان والقساوسة إلى آيات القرآن الكريم اعترفوا بأنه كلام الله وفاضت أعينهم من الدمع، قال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} [المائدة: 82-84].
لقد بكى النجاشي حين سمع سورة مريم حتى اخضلت لحيته وقال: (إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة( (1) ، وبكت أساقفته أيضا حين استمعوا إلى ما تلا عليهم، وقال للصحابة - رضي الله عنهم - :
(اذهبوا فأنتم آمنون، ما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم(. (2)
وهكذا اتضح أن إيمان النجاشي من أقوى الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية؛ لأن إيمانه آمن بطارقته والقساوسة من حوله، ومن ثم فقد دخل الإسلام الحبشة من أوسع أبوبها.
__________
(1) _ السيرة النبوية لابن هشام، 1/336.
(2) _ الكامل في التاريخ: ابن الأثير (ت: 630هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت، 2/81. (1/56)
صفحة 57
وبما أن هذه الميزة للدعوة كانت مصاحبة لبدنها مقرونة بحياتها منذ مهدها لا تنفك عنها، فلقد جند لله لها من يكون أداة لذيوعها وانتشارها، وكتب الله لها القوة والاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 09].
الهجرة إلى الحبشة مما يقوي الرأي أن الهجرة إلى الحبشة كانت أسلوبا من أساليب الدعوة في مرحلة عالميتها، وأن دخول النجاشي نفسه في الإسلام علامة من علامات أن عالمية الدعوة مصاحبة لبدئها لا تنفصل عنه أبدا.
قال النجاشي:
(يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون أشهد أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل( (1) .
النجاشي حبشي الجنسية، نصراني التدين، ليست بينه وبين الغرب صلة جامعة، ولا نسب في الديار، ولا علاقات فلماذا يؤمن؟
إنه أدرك الحقيقة التي غابت عن عقول كثير من الناس، وهل يحتاج النهار إلى دليل؟ كلا! لكن العين التي بها رمد قد تنكر ضوء الشمس كما ينكر الفم السقيم طعم الحلو.
- الثمرات التي جنتها الدعوة الإسلامية من الهجرة إلى الحبشة:
لقد هيأ الله تعالى طريقا ممهدا لانتشار الدعوة، وسلك النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الطريق بأساليب متنوعة منها: أسلوب تبليغ الدعوة عن طريق هجرة الصحابة - رضي الله عنهم - إلى الحبشة، ولقد أسفرت هذه الرحلة عما يلي:
1. إيمان النجاشي واعترافه بنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا يؤكد عالمية الدعوة الإسلامية.
__________
(1) _ السيرة الحلبية: 1/377. (1/57)
صفحة 58
2. حينما قرأ جعفر بن أبي طالب آيات من القرآن الكريم نتج عنه إيمان كثير من القساوسة والرهبان وتأثرهم بالقرآن وبكائهم حين سماعه، لمعرفتهم أنه كلام الله، وأن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، وتمنيهم أن يكونوا من الشاهدين الذين اعترفوا بنبوته وشهدوا بأنه حق، أو شهدوا مع أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة، واعترافهم بهذا؛ دليل قاطع على إيمانهم بما جاء به الإنجيل من أوصاف النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعوته المؤكدة من أنه خاتم الأنبياء وأن رسالته عالمية.
3. حينما أراد جعفر بن أبي طالب هو وأصحابه من المهاجرين العودة إلى مكة بعد وصول خبر إيمان المشركين، ودخول كثير منهم الإسلام؛ أرسل معهم النجاشي وفدا مكونا من سبعين رجلا، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، قرأ عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - سورة يس فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فنزلت آيات سورة المائدة. (1)
__________
(1) _ أسباب النزول: النيسابوري، ص: 149-150. (1/58)
صفحة 59
أما يدل هذا على عالمية الدعوة منذ مهدها، ولا سيما وأن المهاجرين إلى الحبشة كانوا مستضعفين، وكان الهدف من هجرتهم تأمين موقفهم ضد الاضطهاد الذي لاقوه في مكة، وقد تستفيد الدعوة في ذيوعها وانتشارها من أعدائها، فيحول الله وسائل صدهم ومعاول هدمهم إلى وسائل إيجابية صافية، ومنابع متدفقة، وروافد متعددة، فهم الذين أرسلوا الرسولين إلى النجاشي مما دفع النجاشي الوقوف على حقيقة أمر الصحابة وما جاءوا به، فلما تيقن من صدقهم آمن هو ومن معه دون تردد، ثم آمن الوفد الذي أرسل من قبل النجاشي وكانوا نصارى، وإيمانهم يؤكد حقيقة ر مراء فيها أن مصدر الدين واحد؛ إنه من عند الله المشرع، فلا شرع بعد شرعه، إنه الحاكم فلا حاكمية لغيره، كما يؤكد أن رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - رسالة عالمية عامة للناس جميعا، وأن كل ملة قبله بطلت بدعوته، وكل شريعة نسخت بشريعته، إذ هي جماع الخير كله، وعليها مدار سعادة الفرد في دينه ودنياه.
ومن ثم فمن بلغته تلك الدعوة العالمية ولم يؤمن بها، فقد عرض نفسه لعقاب الله تعالى، ورسم لنفسه طريقا لنار جهنم أعاذنا الله منها.
الفصل الرابع: تفنيد دعوى عالمية المسيحية.
المبحث الأول: الدعوة إلى أن المسيحية رسالة عالمية.
وكما هو معروف أن المسيحية دعوة سيدنا عيسى - عليه السلام - ، كغيرها من دعوات الأنبياء الذين أرسلوا إلى أقوامهم خاصة {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 04]، وقد سرد القرآن الكريم هذه الحقيقة في ذكر كل من موسى وعيسى حيث قال: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} [الصف: 05].
وقال في شأن عيسى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 06]، كما دلت بعض نصوص الإنجيل على أن دعوة سيدنا عيسى عليه السلام لبني إسرائيل فقط دون غيرهم منها: (1/59)
صفحة 60
1. جاءت النصوص في الإنجيل تدل دلالة واضحة على أن دعوة عيسى - عليه السلام - لبني إسرائيل فقط، وذكر ذلك متى في حديثه عن مولد عيسى - عليه السلام - فقال: (وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا؛ لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل(. (1)
2. كما جاء في إنجيل لوقا بخبر بشارة السيدة مريم، وأن رئاسته ستكون على بيت يعقوب منها: قال لها الملاك لا تخافي يا مريم؛ لأنك قد وجدت نعمة عند الله وها أنت ستجبلين وتلدين ابنا وتسميه يسوع، هذا يكون عظيما ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. (2)
3. كما أن المسيح - عليه السلام - لما أرسل أعلن أن دعوته قاصرة على بني إسرائيل، وجاء في متى أنه لما خرج إلى ضواحي صور وصيدا جاءت امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المريضة منها: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (3) ،
وهذه النصوص لا غموض فيها، وتؤكد كلها على أن دعوة السيد المسيح خاصة لبني إسرائيل، كما اخبر بذلك القرآن الكريم حيث قال: {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير} [آل عمران: 49].
المبحث الثاني: أدلة النصارى على عالمية رسالة المسيح:
ويستدل النصارى على عالمية الرسالة النصرانية من الأناجيل والرسالات منها:
1. ما جاء في إنجيل مرقص: (اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها(. (4)
2. جاء في إنجيل متى: (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس(. (5)
3. ما جاء في إنجيل لوقا: (وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدئا من أورشليم(. (6)
__________
(1) _ إنجيل متى: إصحاح2/1-6، رشدي.
(2) _ إنجيل لوقا: 1/30-31.
(3) _ إنجيل متى: 15/21-24.
(4) _ إنجيل مرقص: 16/15.
(5) _ إنجيل متى: 28-19.
(6) _ إنجيل لوقا: 24/47. (1/60)
صفحة 61
ومعنى الخليقة في الدليل الأول حسب قول شراح الأناجيل (الخليقة كلها) أي: لجميع الناس من كل الأجناس.
فهذه النصوص تدل صراحة على أن المسيح - عليه السلام - أمر تلاميذه الأبرار بأن يحملوا الدعوة النصرانية إلى جميع الأمم، وأن يبشروهم بمغفرة الخطايا والذنوب، والتوبة الدائمة عليهم، وإن لم يقم المسيح - عليه السلام - نفسه بدعوة الأمم الأخرى للنصرانية، ولكن التلاميذ يتحملون مسؤولية الرب وأمانته ليهدوا الشعوب للحق والنور المبين.
ولقد وردت نصوص عدة يصرح فيها "بولس الرسول" أن الدعوة المسيحية أصبحت عالمية، وأنها انتقلت من خصوصيتها لبني إسرائيل النصارى المحدثين، ففي رسالته إلى أهل رومية بالإصحاح الرابع يقول: (فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثا لعالم بل ببر الإيمان(. (1)
ويظهر ذلك جليا من رسالته إلى "أفسس" أيضا يقول: (لي أنا أصغر جميع القديسين أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم( (2) ، فكأنه خص من الوحي بهذه النعمة فليس لأحد من القديسين أن يبشر بهذه النعمة إلا هو وأتباعه، وهذا الأمر يتوجس منه ريبة لأن القديسين الذين يتكلم عنهم لهم الأسبقين في الدعوة النصرانية، فكيف يخفى عليهم أمر عقدي كهذا؟
يمكن للقارئ المتفحص للكتاب المقدس أن يستخلص العديد من النصوص الإنجيلية التي ترفض عالمية الدعوة النصرانية، وترد عليها ونذكر منها:
__________
(1) _ أعمال الرسل: 09/19-20.
(2) _ أفسس: 03/08 (1/61)
صفحة 62
1. تكثر في الأناجيل النصوص التي تدل بوضوح أن الدعوة المسيحية دعوة خاصة ببني إسرائيل، وأنه لا يصح دعوة غيرهم وفق تعاليم المسيح - عليه السلام - منها: ما جاء في وصية المسيح لتلاميذه أن يخص اليهود بالدعوة دون غيرهم قوله في إنجيل "متى": (إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة السامرين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالأحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة( (1) ، وأيضا ما جاء في نفس الإنجيل في قصة المرأة الكنعانية حين طلبت الشفاء من المسيح - عليه السلام - لابنتها فلم يلب طلبها، وحين توسل تلاميذه إليه لأجلها قال: (ما أرسلت إلى خراف بيت الضالة(. (2)
وقد يورد النصارى هذا الاستدلال بأن النصوص الدالة على العالمية قد بينت أن الأمر بالخصوصية كان لشدة الاهتمام ببني إسرائيل ليقوموا بعد ذلك بنشر الدعوة للعالمين، لكن هذا الاستدلال لا يتفق مع كثرة النصوص الإنجيلية والتوراتية التي تدل على خصوص الدعوة ببني إسرائيل دون غيرهم مع ندرة من النصوص التي تدعو إلى العالمية، وعلى ضعف النصوص الواردة في ذلك والتشكيك في ثبوتها، كما سنبين في الرد الثاني _ بإذن الله _.
2. لقد تطرق الشك في ثبوت نصوص العالمية منذ أمد، وانتقدت بشدة، ورفضت لعدم انسحابها مع نصوص الإنجيل وممن انتقدها صراحة المفسر للعهد الجديد "وليم باركلي" إذ يقول: (هناك حقيقة مثيرة في إنجيل مرقص وهي: أنه يتوقف في نسخته الأصلية في الإصحاح (16) إلى حد الفقرة الثامنة، أما الفقرات الباقية في الإصحاح نفسه من (09-20) فليست موجودة في أقدم النسخ، وأنها وجدت مؤخرا في نسخ أقل قيمة ومتأخرة في الترتيب الزمني، كما أن أسلوبها عن بقية الأناجيل حتى إنه يستحيل أن يكون كاتبها هو نفس كاتب الإنجيل(. (3)
__________
(1) _ إنجيل متى: 10/06-05.
(2) _ إنجيل متى: 15/24.
(3) _ تفسير العهد الجديد: وليم باركلي، ترجمة العش فيهم عزيز، دار الثقافة، ص: 14. (1/62)
صفحة 63
وبما أن إنجيل مرقص من أقدم الأناجيل والتي استسقى منها كل من متى ولوقا إنجيليهما واعتمد عليه؛ فإن تطرق الاحتمال ينسف هذه الأدلة، ويجعلها لا تقوى على الاستدلال بها لتطرق الاحتمال إليها.
المبحث الثالث: مناقشة الأدلة من الأناجيل والعقل والرد عليها:
يتطلب الرد على العالمية بالبراهين العقلية النظر الدقيق في النصوص الإنجيلية لاستخلاص حكم يقودنا إلى الصواب لتضارب الأدلة فيها، وحقيقة الأمر أن ظلال الأناجيل يمكن الاستنتاج منها العديد من الأدلة التي تقف في وجه العالمية وتعارضها ومنها:
1. يعترف النصارى أن الأناجيل ما هي إلا رؤى وأحلام تجلت لتلاميذ المسيح - عليه السلام - من بعد رحيله، فدونوها أثبتوها بعد مضي فترة طويلة من وفاته ورفعه، ولا يمكن أن تقوم عقيدة جازمة على رؤى وأحلام يتلاعب بها الشيطان ويصورها كيف يشاء، فالشك في أصل الأناجيل كفيل بأن يهدم أدلة العالمية ويقوض بنيانها. (1)
2. التثليث باسم الأب والابن وروح القدس متصف بالعالمية كما يظهر من كلام المسيح - عليه السلام - لتلاميذه، بالرغم من أن صيغة الثالوث لم تقرر إلا في نهاية الربع الأول من القرن الرابع الميلادي (2) ، وهذا يؤكد أن العالمية صيغة لنشر الثالوث النصراني، ولتسويقه بشكل سريع إلى جميع العالم، وأن خلفه دوافع يرجو "بولس الرسول" تحقيقها وقطع ثمارها.
3. لو كانت عقيدة عالمية الدعوة النصرانية مسلم بها، وثابتة لا جدال فيها؛ لما وجدنا العديد من الغربيين اليوم يشكك في العالمية وينقدها كما ذكرنا عن "وليم باركلي"، ومنهم أيضا "deanic" إذ يقول: (إن عيسى كان نبيا لمعاصريه من اليهود، ولم يحاول قط أن ينشئ فرعا خاصا من بين المعاصرين، أو ينشئ له كنيسة خاصة مغايرة لكنائس اليهود أو تعاليمهم(. (3)
__________
(1) _ الميزان: مرجع سابق، 288.
(2) _ المرجع السابق: 288.
(3) _ المسيحية: د. عبد الحليم محمود، (ط2، دار المعارف)، ص: 71. (1/63)
صفحة 64
والملاحظة من اختيار المسيح - عليه السلام - أن كلهم كان يهوديا، وأن وصياه لهم بدعوة اليهود خاصة كثيرة، كما أنه لم ينشئ كنيسة تميزه عن اليهود، وتخالف ما تعارف عليه اليهود من تعاليم الدين.
كل هذه الومضات تدل على أن المسيحية دعوة خاصة ببني إسرائيل دون غيرهم، وأن العالمية دعوة تكتنفها الشكوك والظنون.
وأيضا نجد أن النصوص القرآنية تؤكد من خلال الحوار الذي يقع بين موسى وعيسى عليهما السلام، أن المخاطب من قبلهما هم بنو إسرائيل دون غيرهم، ويتأيد ذلك في دعوة المسيح - عليه السلام - بقوله تعالى: {ورسولا إلى بني إسرائيل} [آل عمران: 19]، فكلمة رسولا مطلقة قيدت ببني إسرائيل دون سواهم، ولم يرد نص يشير إلى انصراف الدعوة لما عداهم، فكأنها محصورة فيهم فقط، وهذا في حقيقة الأمر يتأيد بنصوص الأناجيل والتوراة، فالمسيح - عليه السلام - يصرح أنه لم يأت ناقضا؛ وإنما متمما لشرع موسى - عليه السلام - ، ففي إنجيل متى يقول عنه: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل(، وموسى - عليه السلام - أرسل ليدعو بني إسرائيل كما جاء في التوراة أمر الرب لموسى في التثنية بقوله: (أمرنا موسى بالشريعة ميراثا لبني يعقوب(، وهذا ما طبقه المسيح - عليه السلام - ، فقد ركز دعوته فيهم كما إن الحواريين الذين ناصروا عيسى - عليه السلام - واتبعوه لم يكونوا إلا من تلاميذه اليهود الأذكياء وهم اثنا عشر، فلو كان الأمر يعم الأمم الأخرى لاختار عيسى - عليه السلام - من يستطيع أن يوصل الدعوة لغير اليهود، ولما نهى أتباعه كما تشير الأناجيل من دعوة غيرهم؛ ليؤكد عمليا أن الدعوة لا تقتصر عليهم، ولكن شيئا من ذلك لم يحصل! بل أريد تنظيم الحياة في المجتمع الإسرائيلي دون غيرهم، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14]. (1/64)
صفحة 65
فهذا التقسيم لم يشمل غير بني إسرائيل ولو كانت الدعوة عامة لذكر العموم ليشمل بني إسرائيل وغيرهم.
والرد على هذه الأدلة:
1. والأمر بخصوصية دعوة المسيح - عليه السلام - ببني إسرائيل أمر مسلم به عند علماء المسلمين وعامتهم، وأن النصوص القرآنية تؤكد ذلك.
والأناجيل بعد الإضافات الجديدة والمشكك فيها تنفي العالمية أيضا، وتركز الدعوة وتحصرها على بني إسرائيل، ويتفق مع المسلمين عدد لا بأس به من العلماء الغربيين بأن الدعوة خاصة باليهود _ كما سبق ذكر بعضهم _، وهذا كله يؤكد خصوصية المسيحية وتقيدها باليهود بل الأصل الذي كانت عليه طوائف عديدة وكثيرة من المسيحيين في العهود الأولى كانت تؤكد خصوصية المسيحية ببني إسرائيل، وبالتالي أن النصوص التي استدل بها النصارى _ وهي أقدم _ على أن تبشير العالم فرض عليهم جاءت في إنجيل مرقص وإنجيل متى وإنجيل لوقا يعتمدان عليه رغم اختلاف تاريخ كتابة هذا الإنجيل، كما هو الشأن في بقية الأناجيل، ولا توجد نسخة من نسخها تتفق تمام الاتفاق كذلك خاتمتها غير متفق.
2. والإصحاح الأخير من إنجيل مرقص وهو رقم 16 ويتضمن على عشرين فقرة والفقرات من 09-20 فقرات غير شرعية في نظرة علماء المسيحية، ودخيلة في إنجيل مرقص أصلي، وكاتبها أيضا غير معروف.
الخاتمة
إنها لنعمة عظيمة أنعمها الله علي بأن وفقني على إكمال هذا البحث بعمق ودقة وبنظرة تحليلية لأكون على بصيرة من أمري، ويجدر بي قبل أن أطوي صفحات بحثي أن أقرر أهم النتائج التي توصلت إليها والحقائق التي وثقتها وهي كالتالي:
6. أن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية للناس جميعا.
7. وأن النصوص في القرآن الكريم تفيد مسألتين فيما يتعلق بعالمية الدعوة الإسلامية: (1/65)
صفحة 66
المسألة الأولى: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مازال في مكة أمر بتبليغ الدعوة عالميا، وليس أدل على ذلك من أن الدعوة اتخذت سبيلها إلى الحبشة، وغفار، ودوس، ونجران، وغيرها من البلاد خارج الجزيرة العربية.
المسألة الثانية: أن القرآن نص في آيات عدة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث للعالمين نذيرا.
8. وقد أبرزت المبادئ الذاتية الأصيلة في الدعوة الإسلامية التي ترشحها لتكون دعوة عالمية، وإلى بيان الواقع التاريخي لهذه العالمية، ثم موقف العدو منها، وبيان ما يجب علينا في هذه الأيام حيال هذه الدعوة.
9. وأوردت النصوص الإنجيلية تدل على العالمية المسيحية ومناقشة هذه الأدلة والرد عليها، ويؤكد المؤرخون على عدم ثبوتها، وعدم انسجامها مع الأناجيل، كما أن العقل يسعفها في الاستدلال، والإسلام يؤكد أن المسيحية خاصة ببني إسرائيل.
10. وقد أتيت ببعض النصوص الدالة على شهادة الأنبياء السابقين على عالمية الدعوة الإسلامية، وأن رسالة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.
هذه هي أهم النتائج التي توصلت إليها، وقد توخيت السهولة في التعبير الذي آمل أن يلائم الأذواق المختلفة وعنيت ببيان مواضع الآيات من سورها وبتخريج الأحاديث النبوية بقدر المستطاع، وبيان المصادر التي استقيت منها المعلومات ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
كما عنيت برد الشبه الواردة على النصوص والمطاعن الموجهة إلى الدعوة في عالميتها وعمومها، وبإظهار الجوانب المشرقة لمبادئ الإسلام، بالإشارة إلى التشريعات الأخرى في رفق يبرهن على سماحة الدين الإسلامي وسموه.
وإني أوصي إخواني الباحثين أن يهتموا بمجال الدعوة الإسلامية العالمية بشكل عام، كما أوصيهم بما يلي: (1/66)
صفحة 67
1. يجب أن يكون التشريع الإسلامي واقعا عمليا في حياتنا الخاصة والعامة، وفي عقيدتنا ومعاملاتنا وأخلاقنا، وآدابنا في الأسرة وفي المجتمع، وفي نظمنا الحكومية وعلاقاتنا الدوليةـ ذلك أن العمل بالدين أكبر دعاية له، ولو أردنا أن نعرض هذا الدين العالمي على الناس على أنه النموذج الكامل للتشريع لقيل لنا في صراحة وبكل بساطة: لو كان فيه خير لاتخذتموه أنتم نظاما لحياتكم.
إن الحال التي عليها المسلمون الآن من عدم تحكيم التشريع الإسلامي في سلوكهم ونظمهم، وشيوع ما يدل على نقاء دعوانا العريضة من صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان.
2. يجب علينا أن نبلغ الإسلام للعالم المتعطش إلى معرفة الدين الصحيح الذي يتناسب وتقدمه وحضارته، والذي ينظم الحياة ويحقق فيها الأمن والرخاء والسلام وهذا التبليغ فرض على كل مسلم بالقدر الذي يستطيعه، وفي الميدان الذي يحسن أن يجاهد فيه.
3. إعداد جهاز خاص للدعوة ينقل إلى العالم مبادئ الإسلام وبخاصة منها المبادئ العالمية الإنسانية العامة التي يشغل الناس بها في هذه الأيام، كالسلام والحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية والتكامل والتعاون والمحبة.
4. كما يحسن أن تكون هناك صحافة دينية عالمية تهتم بنشر محاسن الإسلام، تربط بين الشعوب الإسلامية بما تنشره من أخبارها ونتاج فكرها وتحرر باللغات الحية، بحيث تستطيع أن تجد لها قراء في أكثر بقاع في الأرض.
5. إنشاء مراكز إسلامية للدعوة في أنحاء العالم.
هذا هو أهم ما أراه للقيام بتعريف الناس بالدعوة الإسلامية العالمية على وجهها الصحيح ولننتهز فرصة تطلع الناس إلى دين عالمي وتفكيرهم في إقامة حكومة عالمية، وسعيهم لضم سكان الأرض تحت لواء تشريعات عامة تطبق على العالم كله.
ننتهز هذه الفرصة للدعوة إلى دين الإسلام الذي يحمل للناس كل ما يعملون.
حقق الله الآمال، ونصر العاملين لخدمة الإسلام وهيأ لنا من أمرنا رشدا إنه نعم المولى ونعم النصير. (1/67)
صفحة 68
وأخيرا أسأل الله أن أكون قد وفقت في استيعاب جوانب الموضوع، وعرضه بمنهجية وموضوعية، مع إقراري بأن النقص سمة بارزة للعمل البشري.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ابن دقيق العيد (ت: 702هـ)، (د: ط،ت، دار الكتاب العربي- بيروت).
3. أسباب النزول: أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت: 768هـ)، (د: ط،ت، دار الكتاب العربي).
4. الإسلام وحاجة الإنسانية إليه: د. محمد يوسف موسى.
5. أصول الدعوة: د. عبد الكريم زيدان.
6. إظهار الحق: الشيخ رحمت الله الهندي.
7. البداية والنهاية: ابن كثير (ت: 774هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت).
8. تاج العروس: الشيخ محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، (دار إحياء التراث العربي- بيروت).
9. تاريخ الأدب العربي: د. شوقي ضيف، (د: ط،ت، دار المعارف- مصر).
10. التعريفات: علي بن محمد بن علي الجرجاني الحنفي (ت: 816هـ).
11. تفسير العهد الجديد: وليم باركلي، دار الثقافة.
12. تفسير القرآن العظيم: أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت: 774هـ)، د: ط،ت، دار إحياء الكتب العربية- القاهرة).
13. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، (د: ط،ت، عالم الكتب).
14. الجامع الصحيح: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت: 225هـ)، ومعه فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: 752هـ).
15. الجامع الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: 261هـ).
16. الجامع لأحكام القرآن الكريم: أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (ت: 671 هـ)، (د: ت، ط:3، دار الكتب المصرية).
17. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ابن تيمية.
18. الحسبة في الإسلام: ابن تيمية، دار الفكر اللبناني.
19. الخصائص العامة للإسلام: د. يوسف القرضاوي. (1/68)
صفحة 69
20. دراسات في الدعوة والدعاة (مع الله): محمد الغزالي.
21. الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها: د. أحمد غلوش، طبعة دار الكتاب اللبناني، بيروت.
22. الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر: محمد الغزالي.
23. الدعوة الإسلامية دعوة عالمية: د. محمد الراوي.
24. الدعوة الإسلامية في عهدها المكي: د. رؤوف شلبي، (دار العلم- الكويت).
25. الدعوة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة: د. السيد السيد مصطفى أبو الجود، ط:1.
26. الدعوة إلى الله تعالى: د. أبو المجد نوفل.
27. الدعوة إلى الله تعالى: د. توفيق الواعي.
28. دعوة الفطرة: د. محي الدين أبو هلالة.
29. دلائل النبوة: أبي نعيم، (ت: 430هـ)، (د: ط،ت، عالم الكتب).
30. الرحيق المختوم: الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، (د: ط،ت، دار العلم- بيروت).
31. زاد المعاد في هدي خير العباد: ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، (د: ط،ت، دار الباز- مكة المكرمة).
32. سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: محمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت: 942هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت).
33. السيرة الحلبية: علي برهان الدين الحلبي (975- 1044هـ)، (د: ط،ت، دار إحياء التراث العربي- بيروت).
34. السيرة النبوية: ابن كثير (ت: 774هـ)، (د: ط،ت، دار إحياء التراث العربي- بيروت).
35. السيرة النبوية: ابن هشام، (د: ط،ت، مؤسسة علوم القرآن).
36. الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض بن موسى الأندلسي، (د: ط،ت، مؤسسة علوم القرآن- دمشق).
37. الطبقات الكبرى: ابن سعد، (د: ط،ت، دار بيروت).
38. عالمية الدعوة الإسلامية: أ.د. عماد محمد عمارة يس، (مكتبة عبد الرحمن).
39. فتح القدير: محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت: 125هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت: لبنان).
40. الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين: سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل (ت: 1204هـ)، (د: ط،ت، دار إحياء التراث العربي- بيروت). (1/69)
صفحة 70
41. في ظلال القرآن: سيد قطب، (ط. جديدة، دار العلم- جدة).
42. القاموس المحيط: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (ت: 817هـ)، (الهيئة المصرية العامة للكتاب).
43. القرآن العظيم: محمد الصادق عرجون.
44. القرآن والنبي: د. عبد الحليم محمود.
45. قواعد الدعوة الإسلامية: الشريف حمدان راجح المهدي الهجاري.
46. الكامل في التاريخ: ابن الأثير (ت: 630هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية- بيروت).
47. كتاب محاضرات في مقارنة الأديان: إبراهيم خليل.
48. كتاب ميزان العمل: محمد الغزالي.
49. لسان العرب: ابن منظور، (د: ط،ت، دار صادر- بيروت).
50. مختصر ابن كثير، اختصار وتحقيق: محمد علي الصابوني، (ط:7، 1402هـ- 1981م، دار القرآن الكريم- بيروت).
51. مختار الصحاح: محمد الرازي، (دار عامر).
52. مختصر سيرة الرسول: الشيخ النجدي.
53. مسند الإمام أحمد بن حنبل (164- 241هـ)، (د: ت، ط. جديدة، دار إحياء التراث العربي- بيروت).
54. المسيحية: د. عبد الحليم محمود، (ط2، دار المعارف).
55. مشكاة المصابيح للتبريزي.
56. المصباح المنير: أحمد بن محمد بن علي الفيومي، (مكتبة لبنان).
57. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي، (د: ط،ت، ريان).
58. معجم مقاييس اللغة: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء الرازي (ت: 395هـ)، تحـ: عبد السلام هارون.
59. المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وغيره، (د: ط،ت، المكتبة الإسلامية).
60. مفتاح دار السعادة: ابن القيم الجوزية (ت: 751هـ)، دار ابن عفان.
61. المفردات: الراغب الأصفهاني.
62. نبوة محمد: د. فاضل السامري.
63. هداية الحيارى: ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، (د: ط،ت، دار الكتب العلمية - بيروت).
فهرس المحتويات
الموضوع الصفحة
الإهداء...................................................................... ... 01
المقدمة....................................................................... ... 02 (1/70)
صفحة 71
التمهيد: مفهوم الدعوة الإسلامية وضرورتها وحكم القيام بها..................... ... 05
الفصل الأول: عالمية الدعوة الإسلامية........................................ ... 13
المبحث الأول: معنى العالمية في اللغة والاصطلاح......................13
المبحث الثاني: الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية
من الكتاب والسنة والإجماع....................... ... 15
أولا: القرآن الكريم........................................... ... 15
ثانيا: السنة النبوية الشريفة.................................... ... 16
ثالثا: إجماع علماء الأمة على عالمية الدعوة الإسلامية............ ... 17
المبحث الثالث: شهادة الكتب السماوية على عالمية الدعوة الإسلامية.. ... 20
أولا: ما ورد في القرآن الكريم من شهادة الأنبياء السابقين....... ... 20
ثانيا: ما ورد من بشارات في الكتب السابقة.................... ... 22
أ) – بشارات العهد القديم.............................. ... 22
ب) _ تنبؤات أشعيا النبي - عليه السلام - ........................... ... 24
ثالثا:بشارات اليهود قبل البعثة وبعدها......................... ... 27
ج) بشارات العهد الجديد............................... ... 31
د) البشارة بنبيٍّ يوحى إليه بآيات الإعجاز العلمي......... ... 32
الفصل الثاني: عالمية الرسول والرسالة...................................... ... 36
المبحث الأول: عالمية المرسل والرسالة................................ ... 36
أولا: عالمية الدعوة من جانب المرسل.........................36
الأدلة على عالميته - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنة....................... ... 37
الأحاديث النبوية الدالة على عالميته - صلى الله عليه وسلم - ......................... ... 39
ثانيا: عالمية الدعوة من جانب الرسالة..........................40
المبحث الثاني: عالمية الدعوة من جانب العقل والفكر............... ... 41 (1/71)
صفحة 72
المبحث الثالث: عالمية الدعوة من جانب الزمان والمكان.............. ... 45
أولا: صلاحيتها لكل زمان................................... ... 45
ثانيا: صلاحيتها لكل مكان................................... ... 48
الفصل الثالث: الهجرة ودورها في عالمية الدعوة الإسلامية.................... ... 48
المبحث الأول: حقيقة الهجرة...................................... ... 48
المبحث الثاني: الهجرة إلى الحبشة................................. ... 50
المبحث الثالث: موقف النجاشي من المهاجرين..................... ... 53
الثمرات التي جنتها الدعوة الإسلامية من الهجرة إلى الحبشة... ... 54
الفصل الرابع: تفنيد دعوى عالمية.......................................... ... 56
المبحث الأول: الدعوة إلى أن المسيحية رسالة عالمية.................. ... 56
المبحث الثاني: أدلة النصارى على عالمية رسالة المسيح.............. ... 58
المبحث الثالث: مناقشة الأدلة من الأناجيل والعقل والرد عليها....... ... 61
الرد على هذه الأدلة......................................... ... 62
الخاتمة.................................................................... ... 64
فهرس المصادر والمراجع.............................................. ... 67
فهرس المحتويات ..................................................... ... 71 (1/72)