صفحة 1
الكتاب: عنوس الفتيات وفتاوى نسائية لأحمد الخليلي مشكلة العُنوس
محاضرة وفتاوى(1) للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بعث فينا رسولا كريما، وأنزل عليه ذِكرا حكيما، فهدانا به صراطا مستقيما، أحمده تعالى بما هو له أهل مِن الحمد وأُثني عليه، وأستغفره مِن جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكّل عليه، مَن يهده الله فلا مضِل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبدُه ورسوله، أَرسلَه الله بالهدى ودِين الحقّ لِيُظهِره على الدِّين كلِّه ولو كَرِه المشركون، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أما بعد: فالسلام عليكم-أيها المؤمنون والمؤمنات-جميعا ورحمة الله وبركاته، أُحيِّي الجميعَ بهذه التحية الطيبة المبارَكَة، وأُشارِك الحاضرين والحاضرات الفرحة التي تَغمُرُ كلَّ مَن يُؤمِنُ بالله واليوم الآخِر مِن رِجال ونساء بهذه البراعم الناشئة مِن فتياتِ الإيمان اللواتي يَتغذَّيْن بالقرآنِ الكريم، كتابِ الله الخالد، الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بيْن يديه ولا مِن خلفِه، تنزيلٌ مِن حكيم حميد.
__________
(1) -هذه المادة العلمية-والتي أصلها في شريط سمعي بصوت الشيخ، نشرته تسجيلات " مشارق الأنوار " بعُمان، تحت عنوان: " عُنوس الفتيات، وفتاوى نسائية "-ألقاها الشيخ على جمع مِن الفتيات بولاية سمائل بعُمان. (1/1)
صفحة 2
ولا ريب أنّ تنشئةَ الناشئة على حفظِ كتابِ الله وفهمِه ودراستِه واتباعِ أوامرِه والازدجارِ عن نواهيه مِن أعظمِ الأشياء التي تَجعَلُ الأمّة أمّةَ خيْر، وتَجعل مستقبَلَها بمشيئة الله - سبحانه وتعالى - خيْرا وسلاما، فإنّ القرآنَ الكريم هو مطلعُ كلِّ هداية، ومشرِق كلِّ معرفة، ومصدرُ كلِّ خيْر، ومنبعُ كلِّ فضيلة، أنزلَه الله - سبحانه وتعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - على فترةٍ مِن الرسلِ وانقطاعٍ مِن الوحي، بعدما استبَدَّتْ بالناسِ الأهواء، وتفرّقَتْ بهم السُّبُل، وعادَ الإنسانُ في هذه الحياة الدنيا أَشْبَهَ بِالسَّبُعِ الضّارِي، يَعدُو على أخيهِ الإنسان، غيْرَ مبالٍ بِحرمة، وتَبدَّلَت المقاييسُ وانقلَبَت الموازين، فعادَت الفضيلةُ رذيلةً والرذيلةُ فضيلة، والخيْرُ شرّا والشرُّ خيْرا، والحقُّ باطِلا والباطِلُ حقّا، ذلك لأنه عُبِدَ غيْرُ الله - سبحانه وتعالى - ، وعندما يُعبَدُ غيْرُ الله تَتبدَّلُ المقاييس كلُّها، وتَنقَلِبُ الموازينُ بِأَسْرِها، فلا يَعودُ الإنسان على بيِّنةٍ مِن الأمرِ وبصيرةٍ مِن الحق، فجاء هذا القرآنُ الكريم إلى هذه الإنسانية المتفرِّقَة فلَمْلَمَ شَتاتَها، وجَمَعَ كلمتَها، وأَلَّفَ بيْن قلوبِ المتنافِرَة، وجَمَعَ بيْن فئاتِها المتدابِرَة، وأَعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، أقام الناس جميعا على سواءِ الصراط، عَرَّفَ الإنسان مبدأَه ومصيرَه، وعَرَّفَه ما يَجِبُ عليه في هذه الحياة التي هي بيْن المبدإِ والمصير، عَرَّفَه-أوّلاً-حقَّ مُبدِئِه - سبحانه وتعالى - ، وأنه لم يَخرُج مِن العدَم تلقائيا، وأنّ الله - سبحانه وتعالى - هو الذي خَلَقَه، وصَوَّرَه، وأَنعَمَ عليه بِالنِّعَمِ الظاهِرة والباطِنة، وعَرَّفَه-أيضا-بالمصِير، وأنّ حياتَه ليست هذه الحياةَ القصِيرةَ فحسْب، بل هناك حياة أَطْوَل، يُجزَى فيها كلُّ إنسانٍ فيها بِما قَدَّمَ في هذه الدنيا خيْرا كان أو شرا، فحَلَّ (1/2)
صفحة 3
بِذلك كلَّ لُغْز مِن ألغازِ هذه الحياة، وعَرَّفَ الإنسانَ بِأسْرارِ الوجود، وَوَصَلَ هذا الإنسان بِالكونِ الواسِعِ الأرجاء، المترامِي الأطراف، الذي تُسَبِّحُ كلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِه بِحمدِ الله سبحانه، وتَسجُدُ خاضعةً لِجلالِه وكبريائِه.
و-كما قيل قديما-لا يُسعِدُ آخِر هذه الأمّة إلا ما أَسعَدَ أوّلَها ولا يُصلِحُها إلا ما أَصلَحَ أوّلَها .. هذه الأمّة صَلحَت أوّلاً بالقرآنِ الكريم، واستقامتْ أوضاعُها بهذا النورِ الرباني، الذي غَمَرَ هذه النفوس بمشيئةِ الله - سبحانه وتعالى - ، فطوى منها سِجَافَ ظلُماتِ الطبْع، وعندما انحرفتْ هذه الأمّة عن القرآن سَقطتْ في هذه الهُوّة السحيقة التي تَردَّتْ إليها، ولا يَنتَشِلُها مِن ذلك إلا القرآنُ الكريم، فإذن العودة إلى هذا القرآن وتربيةُ الناشئة عليه مِن ذكورٍ وإناث السبيل الأوْحَد لانتِشالِ هذه الأمّة مِن ضياعِها، وجمعِ كلمتِها بعد شتاتِها، فالقرآنُ الكريم هو حَبْلُ الله المتِين، وهو نورُه المبِين، وهو الذِّكْر الحكيم، وهو الصراطُ المستقيم، وهو مَأدبةُ الله - سبحانه وتعالى - بَسَطَها لِعبادِه، فمَن أَخَذَ بِحظٍّ وافِر مِن تعاليمِه أَخَذَ بِحظٍّ وافِرٍ مِن مَأدبةِ الله - سبحانه وتعالى - ، لِذلك كانت القلوب المؤمِنة تَغمُرُها الفرْحة بِهذه المشاهَدَة الطيِّبة وبِما سَمِعناهُ في هذا الوقتِ الطيِّب في هذه الأمسيةِ المبارَكَة مِن ذِكْرٍ حكيمٍ يُتْلَى على الألسُن، ومِن كلماتٍ إيمانية تَنبُعُ مِن كتابِ الله، الذي لا يأتيهِ الباطل مِن بيْن يديْه ولا مِن خلفِه، فهنيئا لِلجميع بِذلك كلِّه. (1/3)
صفحة 4
هذا، ولا ريب أننا عندما نعودُ إلى وصفِ القرآنِ لِلقرآن نَجِد أنّ الله - سبحانه وتعالى - وَصَفَ هذا القرآنَ بِأقْدسِ الأوصاف، فهو تعالى وصفَه بأنه نور .. يقول الله - سبحانه وتعالى - : { ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } (1) [ سورة النساء، من الآية: 174 ]، ووصفَه بأنه روح ونور في قوله: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ سورة الشورى، الآية: 52 ]، فجدير-إذن-بالأمّة أن تَحيَى بهذه الروح، وأن تَقتَبِسَ مِن هذا النور لِتشُقَّ طريقَها آمِنةً مطمئِنّة حتى تَنتَهِيَ إلى لقاءِ الله-تعالى-في مقعدِ صِدْقٍ عندَ ملِيكٍ مُقتدِر بِجِوارِ النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رَفِيقا، وجديرٌ بِأيِّ مسلِم وبأيّةِ مسلِمة أن يَجعلا كتابَ الله - سبحانه وتعالى - نصْبَ أَعْيُنِهِما وبيْن أَيدِيهِما، لا يَصْدُرَانِ إلا عنه في جميعِ تصرّفاتِهما وأعمالِهما، وهكذا كان السلَف الصالح بمشيئة الله - سبحانه وتعالى - ، فإذا بذلِك السلَف يَشُقُّ طرِيقَه إلى الخيْر، ويَسُودُ العالَمين، فالأمّة الإسلامية كانت مِن حيثُ العَدَد ومِن حيثُ العُدَد أمّةً قليلةَ العَدَد والعُدَد ولكنّ الله - سبحانه وتعالى - استَخْلَفَها في الأرض بِنورِ القرآن وبِقُوَّةِ القرآن وبِهدايةِ القرآن عندما كانت تُطبِّق هذا القرآنَ الكريم ولا تُفرِّطُ في شيءٍ مِن تعاليمِه ولا تَستخِفُّ بأيِّ شيءٍ مِن أوامرِه ونواهيه بحيثُ تُفرِّقُ بيْن أمْر وآخَر فتَجعلُ هذا مِن الجوهريات وهذا مِن
__________
(1) - { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } [ سورة النساء، الآية: 174 ]. (1/4)
صفحة 5
الشكليات، كما فَعَلَ أهلُ الكتاب الذين عمِلوا بِبعضِ ما أُنزِلَ إليهم وأَعرَضوا عن بعض، فقال الله-تعالى-فيهم: { ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 85 ]، ثم بيّنَ جزاءَ ذلك، بقوله: { ... فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } [ سورة البقرة، من الآية: 85 ](1)، وهكذا هذه الأمّة عندما تتجنّبُ بعضَ أوامرِ القرآن وتأخذُ ببعضِها وتُفرِّقُ بيْن ما تَزعُمُه جوهريا وما تَزعُمُه شكليا مِن هذا الدِّين الحنيف فإنّ ذلك ولا ريب يُفضِي بها إلى الخزيِ في الدنيا وإلى العذابِ في الآخِرة: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
__________
(1) - { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مّعْرِضُونَ - وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ - ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [ سورة البقرة، الآيات: 83-85 ]. (1/5)
صفحة 6
وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا } [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ].
هذا، ولا ريب أنّ هذه الأمّة تَتمكّن مِن حَلِّ جميعِ مشكلاتِها والوصولِ إلى الحلِّ الأَعْدَلِ في كلِّ أمْر عندَما تَعتَصِمُ بِكتابِ الله وتَستَلْهِمُ منه النور وتَستَلْهِمُ منه البيان وتَستَلْهِمُ منه البيان وتَستَمِدُّ منه الأحكام، فكتابُ الله فيه حَلٌّ لِكلِّ مشكلةٍ مِن مشكلاتِ الإنسانية، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - يَصفُه بأنه ما فَرَّطَ فيه مِن شيء: { ... مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ... } [ سورة الأنعام، من الآية: 38 ](1)، فإذن على هذه الأمّة أن تَرجِعَ إلى القرآنِ الكريم لاستخراجِ الحلول لِلمشكِلاتِ المتعدِّدَة التي تَنُوءُ بها وكذلك سُنّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنها في حقيقتِها امتِدادٌ لِلقرآن، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو أَعلَمُ الناسِ بِمقاصِدِ التنزِيلِ ومَسالِكِ التأوِيل، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أُنزِلَ عليه الكتابُ مِن قِبَلِ الله - سبحانه وتعالى - وبُيِّنَ له تبيِينا وَوُكِلَ إليه أن يَبَيِّنَ لِلناسِ مُجمَلاتِه وأن يُوضِحَ لهم مُبهَماتِه، فالله - سبحانه وتعالى - يقول: { ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ... } [ سورة النحل، من الآية: 44 ].
__________
(1) - { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ سورة يوسف، الآية: 111 ]. (1/6)
صفحة 7
ومِن المشكِلات التي يَنُوءُ بها مجتمعُنا هذا والمجتمعات الإسلامية الأخرى في هذا العالَم نتيجةَ التعقِيدات التي أَفْرَزَتْها الحضارةُ المعاصِرَة مُشكِلَة أُرِيدَ مِنِّي أن أَتَحدَّثَ عنها في هذا المكان وهي مشكِلةُ عُنوس الفتيات، وهذه مشكِلة تُؤَرِّق كلَّ مَن يَنظُرُ إلى الأمورِ نظرةَ تأمّل، ويُفكِّرُ في عواقِبِها، فإنّ عواقِبَ ذلك عواقِب وَخِيمَة إن لم تُتَدارَك هذه المشكِلة بِالحَل.
ولا ريب أنّ الحلول لا يمكِن أن يَتوصَّلَ إليها الإنسان إلا بعدَما يُفكِّرُ في أسبابِ هذه المشكلات، ولهذه المشكِلة أسبابٌ متعدِّدَة، مِن بيْن هذه الأسباب حُبُّ المادّة، والجَشَع الذي اتَّصَفَتْ به نفوسُ كثيرٍ مِن الآباء، فهم يُرِيدُونَ الإِثْرَاءَ مِن وراءِ تزويجِ بناتِهم، وهو أَمْرٌ يَترفَّعُ عنه كلُّ ذِي عَقْلٍ سلِيم، وكلُّ حُرٍّ كريم، كيف والإنسانُ دائما يَسْعَى إلى ستْرِ عَوْرَتِه، والمحافظةِ على سَلامةِ عِرْضِه، ولا ريْب أنّ هذا الجَشَع يُؤدِّي إلى خِلافِ ذلك. (1/7)
صفحة 8
على أنّ الصَّدُقَات التي فَرَضَها الله - سبحانه وتعالى - لِلنساءِ على الرِّجال عندَ الزواج ليْستْ مِن أَجْلِ الإِثْراءِ وليْستْ حقّا لِغيْرِ النساءِ وَحْدَهُن، فإنّ الله-تبارك وتعالى-يقول: { وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ... } [ سورة النساء، من الآية: 4 ](1)، ولم يقل: " وآتوا آباء النساء " أو " آتوا أولياء النساء صدقاتهم "، فإنّ هذه النِّحْلَة إنما هي نِحْلَةٌ لِلنساءِ وَحْدَهُن، ولِذلك أَباحَ الله - سبحانه وتعالى - عندَ سَماحِهِن بِشيءٍ مِن الصّداق وتنازُلِهِنَّ عنه أن يَأكُلَه الرَّجُل هنِيئا مرِيئا في هذه الحالة .. في حالةِ طِيبَةِ النّفس والرِّضى التّام مِن قِبَلِ المرأة.
ومِنَ المعلوم أنّ وَفْرَةَ الصّداق ليْستْ دلِيلا على قيمةِ المرأةِ المتزوِّجة ولا دلِيلا على عُلُوِّ قَدْرِها بيْن الناس، إذ الصَّدُقَات إنما هي رُمُوزٌ لِلتَّفْرِقَةِ بيْن الحلالِ والحرامِ فحسْب، وليْستْ هي مقياسا لِقِيمةِ النساءِ وعُلُوِّ أَقْدَارِهِنَّ أو انحِطاطِها، كيف وبناتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - كانتْ مُهُورُهُنَّ أَيْسَر المُهُور، وقد تَزَوَّجَ نفسُه - صلى الله عليه وسلم - بِأَيْسَرِ الصَّدُقَات، فمِن هنا يَجِب على المؤمِن أن يَقْتَدِيَ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بِحيثُ يُزَوِّج بِأَيْسَرِ الصّداق لِئَلاَّ يُفْضِيَ الحِرصُ على الإِثْرَاءِ بِسبَبِ صَداقِ البنات إلى انتهاكِ العِرْضِ وإلى فسادِ الأحوال.
__________
(1) - { وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } [ سورة النساء، الآية: 4 ]. (1/8)
صفحة 9
إنّ المؤمِن الذي يَخشَى الله - سبحانه وتعالى - ويَتَّقِيه يَحرِصُ كلَّ الحرص على سلامةِ عِرضِه، ولا يَكون ذلك إلا بِالمسارَعَة إلى تَزوِيجِ ولِيَّتِه بِالكُفْءِ عندَما يأتِي مِن دُونِ أن يَشتَرِطَ كثرةَ الصّداق أو يَشتَرِطَ أيَّ مَصالِحَ مادية التي يَنظُرُها الناس إليها في هذه الأيام نظرةً أَوْلَوِية، فإنّ هذه الأمورَ كلَّها لا قيمةَ لَها عندَ الله - سبحانه وتعالى - .
ومِن ناحيةٍ أخرى فإنّ دخولَ الناس في مَداخِلِ التَّرَف والحرصَ على المباهاة مِمّا يُؤدِّي إلى ذلك كلِّه .. الناسُ يَنظُرون إلى المظاهِرِ المادية نظرةَ تقدِيرٍ ونظرةَ إِجلال، وهذا الذي جَعَلَ كثيرا مِن الناس يَتَعَقَّدُون ويُحْجِمُون عن الزواج بِسبَبِ هذه النظرة التي سادَتْ في أوساطِ الناس، فالإنسانُ الذي ليْس له يُسْرٌ كافٍ لِما تَتَطَلَّبُه حياةُ التَّرَف لا يُرَحَّبُ به عندَما يَتَقَدَّمُ إلى الخِطْبَة بل يُشترَط على المتقدِّم الكثير الكثير .. يُشتَرَط عليه أن يُوَفِّرَ المسكَنَ اللاّئِق الذي يَتَلاَءَمُ مع ذَوْقِ العَصْر ويَشتَرَطُ عليه الأثاث الفاخِر وتُشتَرَطُ عليه السيارةُ الفاخِرَة ويُشتَرَط عليه الكثير الكثير مِن أمثالِ ذلك، وكذلِك النفقات التي تُصاحِب الزفاف كثيرا ما تُؤدِّي بِالناسِ إلى الإرْهاق والاستِدانة والكثيرِ الكثير مِن المشكِلات الاجتماعية المتعدِّدَة. (1/9)
صفحة 10
وهذه الأمور يَجِبُ أن يُنظَرَ إليها نظرةَ إِصلاح، فإنه-قبلَ كلِّ شيء-يُنهَى عن الإسراف، والله - سبحانه وتعالى - شَدَّدَ في أمرِ الإسراف، وجَعَلَ المبذِّرِين مِن إخوانِ الشياطين: { ... وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } [ سورة الإسراء، من الآية: 26 والآية: 27 ](1)، ولئن كان الإسلام يَأمُرُ في أمورِ الخيْرِ بِالقصْد فكيف يَأمُرُ بِالإسراف الذي يَتنافَى مع قِيَمِ الإسلام ويَتنافَى مع أهدافِ الإسلامِ وتعاليمِه السَّمْحَة.
الإسلامُ دِينُ يُسْر .. لم يَأتِ بِالتَّعْقِيدِ بِحالٍ مِن الأحوال، ولا يَنظُرُ إلى الناس إلا بِمقياسِ التقوى .. لا بِمقياسِ الأموال ولا بِمقياس المَراتِب ولا بِمقياسِ المَناصِب ولا بِأيِّ مِقياسٍ آخَر .. يَقولُ الله - سبحانه وتعالى - : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [ سورة الحجرات، الآية: 13 ]، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يَقول: ( إذا أتاكم مَن تَرْضَوْن دِينَه وخُلُقَه فزَوِّجُوه، إلاّ تَفعَلوه تَكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ).
__________
(1) - { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } [ سورة الإسراء، الآيتان: 26-27 ]. (1/10)
صفحة 11
وهناك-أيضا-مِن المشكلات التي تُؤدِّي إلى عُنوس الفتيات العزوف مِن قِبَلِ الشباب ومِن قِبَلِ الفتيات عن الزواج مدّة طويلة مِن أَجْلِ إِكمالِ الدراسة-كما يُقال-أو مِن أَجْلِ تأمينِ المستقبَل مع أنّ المستقبَل بِيَدِ الله .. ليْس المستقبَل بِيَدِ الذَّكَر ولا بِيَدِ الأنثى ولا بِيَدِ أحَدٍ مِن خَلْقِ الله - سبحانه وتعالى - .. إنّ المستقبَلَ بِيَدِ الله، والأرزاقُ كلُّها مِن الله - سبحانه وتعالى - ، ولن يَصِلَ الإنسانُ إلا ما كُتِبَ له مِن رِزق، أما ما لم يُكتَب له فلا يمكِن بِأيِّ حالٍ مِن الأحوال أن يَصِلَ إليه، على أنّ ذلك ناجِم مِن تقليدِ الآخَرين الذين يَقِيسُونَ الأمورَ كلَّها بِالمقايِيسِ المادية ولا يُفكِّرونَ في أنّ هذا الكوْن مُدبَّرٌ بِمشيئة الله سبحانه وأنّ الرِّزقَ بِيَدِ الله - عز وجل - : { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ سورة فاطر، الآية: 2 ] .. { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [ سورة هود، الآية: 6 ].
هذه المشكِلة-إذن-يَجِب على الكل أن يَنظُرُوا إليها نظرةَ إِمْعان ونظرةَ تقدِيرٍ لها وسَعْيٍ إلى حَلِّها، فلَربما تَسْعَى الواحِدة إلى أن تُتِمَّ تَعلِيمَها-كما يُقال-وإلى أن تُحرِزَ أكبَرَ الشهادات فإذا بها عندئِذ تَفوتُها قافلةُ الزواج، ويُعرِضُ عنها الآخَرون، وحينئِذٍ تَتَقَطَّعُ نفسُها حسْرة عندَما تَرَى مَن هي دُونَها في السِّن قد تَزَوَّجَتْ ورَزَقَها الله - سبحانه وتعالى - الذرية. (1/11)
صفحة 12
وهناك-أيضا-مِن المشكِلات التي أَثَّرَتْ على هذا المجتمَع الحَمَلات الإعلامية مِن المُتَأَثِّرِين والمُتَأَثِّرَات بِالأفكارِ المستورَدَةِ الدَّخِيلَة في المجتمَع الإسلامي، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - أَنزَلَ كتابَه الكرِيم-كما قلنا [ ص3 ]-فيه الحَل لِكلِّ مشكِلة والعِلاج لِكلِّ مُعضِلَة، وقد امتَنَّ الله - سبحانه وتعالى - على عبادِه بأن خَلَقَ لهم مِن أنفسهم أزواجا لِيَسكنوا إليها .. يَقول - سبحانه وتعالى - : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ سورة الروم، الآية: 21 ]، والله - سبحانه وتعالى - يَمُنُّ على عبادِه بِالأزواجِ وبِالذرية: { وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ... } [ سورة النحل، من الآية: 72 ]، والنفسُ-بطبيعة الحال-تَمِيل إلى أن تَكون لها ذرية، لأنّ بقاءَ الإنسانِ في هذه الحياةِ بقاءٌ مَحدُود وكلُّ أحَد يَرَى وجودَه يَمتَدُّ في وجودِ ذريتِه، والذي يُعدَمُ الذرية يَنقَطِعُ وجودُه بِوفاتِه، إذ لا يَبقَى له عَقِبٌ يُذكَرُ به، فمِن هنا كان الحِرص مِن قِبَلِ الذكورِ ومِن قِبَلِ الإناث على الذرية أمْرا فِطْرِيا، والذي يُخالِفُ ذلك إنما يُعاكِسُ الفِطْرَة. (1/12)
صفحة 13
والله - سبحانه وتعالى - عَلِمَ مِن عبادِه ما لم يَعلَموا مِن أنفسِهِم وقد أَدرَكَ - سبحانه وتعالى - أنّ العِباد هم بِحاجة إلى تُحَلَّ مُشكِلاتُهم ومِن بيْنِ هذه المشكِلات هذه المشكِلة العوِيصة .. المشكِلة الاجتماعية الكبيرة .. مشكِلة عُنوس الفتيات أو عُنوس النساء عندما تَكبر هاته الفتيات وتَكون في أعمارِ النساءِ المُتقدِّماتِ في السِّن، وهي مشكِلةٌ لا يُستهانُ بها، فلِذلك شَرَعَ الله - سبحانه وتعالى - ما شَرَعَ مِن إباحةِ تَعدُّدِ الزوْجاتِ بِنَصِّ الكتابِ العزيز، عندما قال - سبحانه وتعالى - : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ... } [ سورة النساء، من الآية: 3 ] .. لا ريْب أنّ الإسلام عندَما أَباحَ ذلِك لم يُطلِق الأمر هكذا بِحيثُ يُرخِي الزِّمامَ لِكلِّ أحَدٍ يَتصرّفُ كما يَشاء وإنما اشتَرَطَ العَدْل، وقال: { ... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ... } .. ولكن مع تَحَرِّي العَدْل.
أَمرُ تَعدُّدِ الزوجات يَدخُلُ في حَلِّ هذه المشكِلة العوِيصَة، وقد أَدرَكَتْ بعضُ النساء الغَرْبِيات هذا الأمْر وتَحَدَّثْنَ عن ذلك ومِلْنَ إلى هذا الأمْر لأَجْلِ حَلِّ هذه المشكِلة. (1/13)
صفحة 14
على أنّ المجتمَعات التي مُنِعَ فيها تَعدُّدُ الزوْجات .. إلى أيِّ حدٍّ وَصَلَ الأمْرُ بِالناسِ هناك ؟! لقدْ وَصَلَ بِالناسِ الأمْرُ إلى الفساد الذي لم يَقِفْ عندَ حَد، وتَعَدَّدَ اللُّقَطَاء وكَثُرَ الأولاد الذين ليْس لهم أبٌ شَرْعِي، وكَثُرَت المَلاجِئ لِهؤلاءِ الأولاد الذين يُرَبَّوْن تربيةً غيْر فِطْرِية، لأنهم لا يُرَبَّوْن مِن قِبَلِ أُم ولا مِن قِبَلِ أَبٍ شَرْعِي يَرْعَى هؤلاءِ الأولاد ويَحْنُو عليهم، ولِذلك يَنشَؤُون شاذِّين عن الفطرة مُتَنَكِّرِين لِمُجتمَعِهِم، ويَكونُون دائما سببا لِلجرِيمة وسببا لِلإرهابِ في مُجتمَعاتِهِم، لأنهم يَنقُمُون على ذلك المجتمَع الذي نَشَؤُوا فيه بِحيثُ لم يَكونوا على الفِطْرَة .. لم يَنشَؤُوا بيْن أُمٍّ حانِيَة وبيْن أَبٍ راعٍ يَرْعَى كلٌّ منهما مصالِحَهُم.
وهذه المشكِلة دَبَّتْ إلى المجتمَع الإسلامي نتيجةَ التَّأَثُّر بِالحَمَلات الإعلامية مِن قِبَلِ الغَرْبِيين، ونتيجةَ التَّأَثُّر بِسلوكياتِ الآخَرين والتقليدِ الأعمى الذي أُشْرِبَتْه نفوسُ كثيرٍ مِن الناسِ في هذه المجتمعات الإسلامية.
ولا ريْب أنّ المرأة تَحرِصُ دائما على ألاّ يُشارِكَها أحَدٌ في شرِيكِ حياتِها، وذلك أمْرٌ فِطْرِي، وهو مَطْلَبٌ لا تُلامُ عليه ولكن عليها أن تُفَكِّر في بناتِ جنسِها .. هل الأوْلى لِبناتِ جنسِها أن يَنشَأْن على الرذيلةِ والفحشاء .. هل الأوْلى أن يَكبِتْنَ أنفسَهنّ وأن يُغالِبْنَ الفِطْرة حتى يُؤدِّيَ الأمْر إما إلى أمراضٍ نفسِية وعَصَبِية وإما إلى الانفِجار الذي تَتلاشَى معه القِيَم وتَتَحَطَّم معه الأخلاق .. لا ريْب أنّ كلَّ واحدة تُدرِك أنّ الرِّضى بِما حَكَمَ الله - سبحانه وتعالى - به مع التَّقيُّدِ بِقيودِ الشريعة في العَدْلِ بيْن النساء أَمْرٌ فيه حَلٌّ لِهذه المشكِلة مِن وُجوهٍ مُتعدِّدَة. (1/14)
صفحة 15
هذا مع الكثير الكثير مِن المشكِلات الأخرى التي سَبَّبَتْ عُنوسَ الفتيات، فإذن مِن كلِّ ذلك يَجِبُ على الناسِ أن يَتعاوَنوا على البِر والتقوى، ويَجِب على الذكورِ والنساء أن يُحَكِّمُوا أَمْرَ الله - سبحانه وتعالى - وألاّ يَرْضَوْا بِشَرْعِ الله - سبحانه وتعالى - بدِيلا.
وقبلَ كلِّ شيء على الكلِّ أن يَسْعَى إلى مُقاومةِ التَّرَف المُهلِك الذي لا يُبقِي ولا يَذَر، فإنّ التَّرَف هو الذي يُؤدِّي إلى هذه المخاطِر .. التَّرَف هو الذي يُؤدِّي إلى تَعقِيدِ هذه الحياة تَعقِيدا لا يَقِف عندَ حَد، فالله - سبحانه وتعالى - ما ذَكَرَ التَّرَف إلا مَقرُونا بِالشَّرِّ في كتابِه - عز وجل - ، فقد ذَكَرَه مَقرُونا بِعذابِ الآخِرة في مواضِع .. منها قوله سبحانه في أصحابِ الشِّمَال: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } [ سورة الواقعة، الآية: 45 ](1)، وذَكَرَه مَقرُونا بِعذابِ الدنيا، في قولِه: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } [ سورة المؤمنون، الآية: 64 ](2)، وقولِه سبحانه: { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ - لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } [ سورة الأنبياء، الآيات: 11-13 ](3)
__________
(1) - { وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ - فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ - وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ - لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ - إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } [ سورة الواقعة، الآيات: 41-45 ].
(2) - { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ - لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ } [ سورة المؤمنون، الآيتان: 64-65 ].
(3) - { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ - لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ - قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ - فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } [ سورة الأنبياء، الآيات: 11-15 ]. (1/15)
صفحة 16
، وذَكَرَه مَقرُونا بِعمومِ العذابِ الذي يُصِيبُ الناس جميعا، عندَما قال: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } [ سورة الإسراء، الآية: 16 ]، وذَكَرَه مَقرُونا بِتكذِيبِ المُرسَلِين في مَواضِع، منها قولُه: { وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } [ سورة المؤمنون، الآية: 33 ]، وقولُه: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [ سورة سبأ، الآية: 34 ]، وذَكَرَه-أيضا-مَقرُونا بِمعارَضَة المُصلِحِين والوقوفِ في وَجْهِ الإصلاح، كما في قولِه - سبحانه وتعالى - : { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ ... } [ سورة هود، من الآية: 116 ](1).
__________
(1) - { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ - وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [ سورة هود، الآيات: 116-117 ]. (1/16)
صفحة 17
ولا ريْب أنّ حياةَ التَّرَف هي التي تُؤدِّي إلى تَعقِيدِ شؤونِ الحياةِ كلِّها ومِن بيْنِها الزواج، فلِذلِك يَجِبُ على الناسِ أن يَقْنَعُوا، فإنّ الدنيا دارٌ زائِلَة والحياةُ الآخِرة هي حياةُ البقاءِ والخلُود، وما هذه الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغُرور، فالاستِكثار مِن مُتَعِ هذه الحياةِ الدنيا والحِرْص على مُباهاةِ الآخَرِين ولو كان ذلِك على حِسابِ القِيَم والفضائِل والأخلاق يُؤدِّي-بِطبيعةِ الحال-إلى تَعقِيدِ هذه الحياة، ويُؤدِّي إلى الانغِماسِ في المَهالِكِ والخَطَر، فمِن هنا يَجِبُ أن يُنَشَّأَ هذا النَّشء على الزّهد وعلى القناعة وعلى الرغبة فيما عندَ الله: { ... وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ... } [ سورة القصص، من الآية: 60؛ سورة الشورى، من الآية: 36 ].
وأخيرا نسألُ الله - سبحانه وتعالى - أن يُلهِمَنا الرُّشْد، وأن يُعلِّمَنا ما لم نَعلَم، وأن يُفَهِّمَنا ما لم نَفهَم، وأن يَهدِيَنا إلى الطرِيقِ الأَقْوَم، إنه على كلِّ شيءٍ قدِير، وبِالإجابةِ جدِير، نِعم الموْلى ونِعم النصِير، وصلّى الله وسلّم على سيّدِنا محمّد وعلى آلِه وصحبِه أجمعِين.
والآن نَفتَح المجال لِلإجابةِ على الأسئلةِ الوارِدَةِ إن شاء الله.
الفتاوى
س1: ما هو قولُكم فيما يُسمّى بِالخِطبَة ؟ وما معنى الخِطبة في الإسلام ؟ وهل ما يَحدُث اليوم مِن مَظاهِر الخطبة كلبْس الخاتِم وتَلْقِيم كلٍّ مِن الخطيبِ خطيبَتَه والعكس بِما يُسَمّى بـ " الكعك "، ما هو قولُكم في ذلِك ؟ (1/17)
صفحة 18
ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالَمين، وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، أما بعد: فقبلَ الدخول في صُلْبِ هذا الموضوع والإجابة على هذا السؤال أَوَدُّ أن أُقَدِّمَ بيْن يَدَيْ هذه الإجابة بِأنّ هذه الأمّة .. أمّةَ الإسلام أمّة لها كِيانُها ولها استِقلالُها في الفِكْر والعقيدة والتّصوُّر والعبادة والعادَة والسّلوك وفي كلِّ ما يَتعلّق بِشؤُونِ هذه الحياة .. على هذه الأمّة ألاّ تَتَأَثَّر بِما عندَ غيْرِها مِن الأمَم الأخرى، فإنها أمّةٌ ذاتٌ سِيادَة، وهي عليها أن تُحافِظَ على سِيادتِها .. يَجِبُ عليها أن تَكونَ قائِدةً لا مَقُودَة، ومُؤَثِّرَةً لا مُتَأَثِّرَة، وعزِيزةً لا ذلِيلة، وسائِدة لا مَسُودَة، فإنّ العِزّةَ لله ولِرسولِه ولِلمؤمِنين، وتَدخُلُ العادات في ضِمْنِ ذلك، فإنّ العادات التي تُسْتَوْرَد مِن قِبَلِ أعداءِ الإسلام .. مِن قِبَلِ الكفَرَة مِن اليَهود والنصارى والمَلاحِدة وسائِرِ الكَفَرَة .. هذه العادات يَجِبُ على الأمّة أن تُنَقِّيَ مجتمَعَها منها وألاّ تَسْتَمْسِكَ بها، ففيما سَلَكَه السلَفُ الصالِح ما يُغنِي عن ذلِك كلِّه. (1/18)
صفحة 19
لقَد حَذَّرَنا الله-تعالى-في كتابِه الكرِيم مِن مُوالاةِ أعدائِه .. يَقول وهو أَصْدَقُ القائلِين: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ سورة المائدة، الآية: 51 ]، ثم بَيَّنَ - سبحانه وتعالى - مَنشَأَ هذه الموالاة وهي مرض القلوب وهو ما يُعبَّرُ عنه في هذا العَصْر بِالمرضِ النفساني، إذ قال - عز وجل - : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } [ سورة المائدة، الآية: 52 ]، وفي هذا السياقِ نفسِه يأتِي التحذيرُ مِن الرِّدَّة في مَعرِض بيانِ أنه لو ارتَدَّ أحدٌ مِن هذه الأمّة فإنّ الله - سبحانه وتعالى - يُعَوِّضُ عنه بِمَن هو خيْرٌ منه، عندَما يَقولُ سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ سورة المائدة، الآية: 54 ]، وما ذلك إلا لأجْلِ الإشعارِ بأنّ الموالاة تُفضِي إلى الارتداد، فالموالاة هي التي تُؤدِّي إلى ارتِدادِ المسلِم عن الإسلام عندَما يُوالِي أعداءَ الله، إذ هذه الموالاة تَأخُذُ مِن دِينِه شيئا فشيئا فيَحرِصُ دائما على تَقلِيدِ غيْرِه مِن الكَفَرَة حتى يُفضِيَ به الأمرُ إلى الخروجِ مِن الدِّينِ نهائيا، فلذلِك في مَعرِضِ (1/19)
صفحة 20
التحذيرِ مِنَ الموالاة ذَكَرَ الله - سبحانه وتعالى - الرِّدَّة وحَذَّرَ منها وتَوَعَّدَ الذين يَرتَدُّون بِأنّ هذه الرِّدَّة لا تَنقُصُ مِن هذا الدِّينِ شيئا وأنّ الله يُعَوِّضُ عن كلِّ مَن ارتَدَّ مَن هو خيْرٌ منه، ثم يُبَيِّنُ الله-تبارك وتعالى-مَن تَجِبُ أن تَكونَ له مُوالاةُ المؤمِن، عندَما يَقولُ سبحانه: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [ سورة المائدة، الآية: 55 ]، ثم يُبَيِّنُ العاقبة، إذ يَقول: { وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ سورة المائدة، الآية: 56 ]، فإذن مُوالاةُ المؤمِن يَجِبُ أن تَكونَ لِلمؤمنين وحدَهم، ولئِن كانت المُوالاةُ مِن المؤمنين والمؤمنات إنما هي لِلمؤمنين والمؤمنات وحدَهم، كما يَقولُ سبحانه: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ... } [ سورة التوبة، من الآية: 71 ]، فإنه مِمّا يَجِبُ على المؤمِن أن يَحرِصَ دائما على ألاّ يَتَأَثَّرَ بِسلوكِ الآخَرين، لأنّ هذا التَّأَثُّر وهذا التقليدَ الأعمى ما هو إلا رمْزُ هذه الموالاة، فإنّ مِن شأْنِ الإنسانِ دائما أن يَحرِصَ على تقليدِ مَن يُحبُّه وعلى تقليدِ مَن يُوالِيه .. يُعجَبُ بغيْرِه فيَسعَى إلى تقليدِه شيئا فشيئا .. يُقلِّدُه في الكلام ويُقَلِّدُه في الأفعال حتى يَنتَهِيَ به الأمْرُ-والعياذُ بالله-إلى الخروجِ مِن الدِّينِ نهائيا. (1/20)
صفحة 21
ولا ريْب أنّ هذه الأمّة عندَما كانت أمّةً عزيزة .. أمّةً قوِية بِاستِمساكِها بِدِينِ الله - سبحانه وتعالى - كانت أمّةً مُؤَثِّرَةً ولم تكن أمّةً مُتَأَثِّرَة، فالأمّةُ الإسلامية أَثَّرَتْ في قلْبِ أوروبا بِمعتقداتِها وبِعاداتِها وبِعباداتِها، فكثيرٌ مِن الأمور التي كانت عندَ الأوروبيين انقَلَبَتْ إلى العكسِ بِتأثيرِ الأمّة الإسلامية، حتى أنّ مِن المؤرِّخين مَن يَقول بِأنّ حركة " لَوْثَر " الإصلاحية التي قام بها إنما كانت نتيجةَ التأثير الإسلامي، وكذلك وَصَلَ الأمْر في أوروبا في القَرْن الثالث الهجري الثامن الميلادي أنّ المجتمعات الغَرْبِية تَنَكَّرَتْ لِلتّماثِيل، حتى صَدَرَتْ مراسِيم بِتحريمِ هذه التماثيل مِن الأباطِرة، واعتُبِرَتْ هذه التماثيل مَظهَرا مِن مَظاهِرِ الوثنية في ذلك المجتمَع في ذلك العَصْر، وما ذلِك إلا بِسبَبِ التَّأَثُّرِ بِدِينِ الله - سبحانه وتعالى - وتَأثِيرِ هذه الأمّة على الغَرْبِيين في ذلك الوقت عندَما كانوا مُستمسِكِين حَقَّ الاستِمساك بِالكتابِ العزيز الذي لا يأتِيه الباطل مِن بيْنِ يديْه ولا مِن خلفِه، فمِن هنا يَجِبُ علينا أن نَكونَ دائما مُعْتَدِّينَ بِقِيَمِنا .. مُعْتَدِّينَ بِدِينِنا .. مُعْتَدِّينَ بِمواريثِنا الفِكرية .. مُعْتَدِّينَ بِمواريثِنا التأريخية مِن غيْرِ أن نُفَرِّطَ في شيءٍ مِن ذلك. (1/21)
صفحة 22
ومِن المعلوم أنّ تقليدَ الغَرْبِيين في تَوَافِهِ الأمور .. في مثلِ إِلْبَاسِ الرَّجُل الخاتَم لِلمرأة التي يُحِبُّها-بعدَ الخِطْبَة التي تَكونُ بيْنهما-في الخِنْصِر اليُسْرى وإِلْبَاس المرأة-أيضا-لِلرَّجُل الخاتَم في الخِنْصِر اليُسْرى مِن يدِه .. كلٌّ مِن ذلك إنما جاء مِنَ الغَرْب، وهذا مبني على خُرافَة وَهْمِية لا أساسَ لها مِن الصِّحّة، فالغَرْبِيون كانوا في عهودِ الرومان يَعتقِدون أنّ القلْب يَنْبُض في الخِنْصِر اليُسرى .. قلْب الرَّجُل وقلْب المرأة وكانوا يَعتقِدون أنّ المرأة إن أَلْبَسَت الرَّجُل في خِنْصِرِه خاتَما مِن حدِيد أَسَرَتْ قلبَه وإن أَلْبَسَها خاتَما مِن حدِيدٍ أَسَرَ قلبَها، ثم مع مُرورِ الزمَن تَطَوَّرَت العادَة مِن خاتَمِ الحدِيدِ إلى خاتَمِ الذهب، وعندَما جاءَتْنا أوروبا بِقَضِّها وقَضِيضِها وعَدِّها وعَدِيدِها ورَمَتْنا بِكلِّ عاداتِها السيِّئة ومفاسِدِ أخلاقِها تَأَثَّرْنا بِذلِك، وإذا بِالناسِ يُقلِّدُون الأوروبيين في هذه العادَة مع أنّ هذه خُرافَة لا أساسَ لها مِنَ الصِّحّة، فلو كان أَسْرُ القلْب بِمجرّد إِلْبَاسِ الخاتَم في الخِنْصِر لكان الأمْرُ يسِيرا جدا مع أنّ كثِيرا مِنَ الزواج الذي يَكونُ بهذه الطرِيقَة يَنتَهِي إلى الفشَلِ الذرِيع، وكثيرٌ مِن الزواج الذي لا يَكون بهذه الطريقة يَنعَمُ الزوجان فيه بِالاستقرار وبِالطمأنينة وبِالحياةِ الوادِعَةِ الآمِنة، فما بالنا نُقَلِّد الآخَرين هذا التقليدَ الأعمى ؟! (1/22)
صفحة 23
كذلك إِحضار الكعكة وإِلْقَام الرَّجُل لِخطيبَتِه وإِلْقامُها له .. هذه عادات لا تَمُتُّ بِصِلَة إلى دِينِنا الإسلامي الحنِيف .. هذه أُمور علينا أن نَتَوَقَّاها وأن نَحرِصَ على ما فيه عِزُّنا وكرامتُنا بِحيثُ نَكونُ دائما مُؤَثِّرِين لا مُتَأَثِّرِين، ولن نستطِيعَ أن نكون مُؤَثِّرِين إلا عندَما نعتَزُّ بِقِيَمِنا الفِكرية وبِقِيَمِنا التأريخية مِن غيْرِ أن نُفَرِّطَ في شيءٍ مِن ذلك.
هنا كلمات قد نَقلتُها في أكثَرَ مِن موضع وأرِيد أن أَنقُلَها هنا أمام هذا المجتمَع الإيماني مِن النساءِ المؤمناتِ والفتياتِ المؤمنات .. كلمات قالها أحَدُ الناس الذين تَرَبَّوْا فترةً مِن عُمرِهِم في بلادِ الغَرْب ولكن مع ذلك ظلُّوا مُعتَزِّين بِمواريثِهم الفِكرية والتأريخيةن وهو رَجُلٌ باكِسْتانِي .. الشاعِر محمّد إِقْبَال قال في كلمات له، وهذه الكلمات كما قلتُ أَكثَر مِن مرّة حَرِية بِأن تُكتَبَ بِماءِ الذهب .. يَقول : " إنّ المسلِم لم يُخلَق لِيَندِفَعَ مع التيار ويُسايِرَ الرَّكْبَ البَشَرِي حيث اتَّجَهَ وسَار بل خُلِقَ لِيُوجِّهَ العالَم والمجتمَع والمَدَنِية ويَفْرِضَ على البشرِية اتِّجاهَه ويُمْلِيَ عليها إِرادتَه، لأنه صاحِبُ الرسالةِ وصاحِبُ الحقِّ اليقِين، ولأنه المَسؤُول عن هذا العالَم وسَيْرِه واتِّجاهِه، فليس مَقامُه مقامَ التقليدِ والاتِّباع .. إنّ مقامَه مقامُ الإمامةِ والقيادة .. مقامُ الإرشادِ والتوجيه .. مقامُ الآمِر الناهِي، وإذا تَنَكَّرَ له الزمان وعصاه المجتمَع وانحرَفَ عن الجادّة لم يَكُن له أن يَخضَعَ ويَضَعَ أوْزارَه ويُسالِمَ الدَّهْر بل عليه أن يَثُورَ عليه ويُنازِلَه ويَظَلَّ في صِراعٍ معه وعِراك حتى يَقضِيَ الله في أَمْرِه .. إنّ الخضوعَ والاستكانةَ لِلأحوالِ القاسِرَةِ والأوضاعِ القاهِرَة والاعتِذارَ بِالقضاءِ والقَدَر مِن شأْنِ الضعفاءِ والأقزام، أما المؤمِن القوِي (1/23)
صفحة 24
فهو نفسُه قضاءُ الله الغالِب وقَدَرُه الذي لا يُرَد ".
والخِطبَةُ في الإسلام تأتِي مُيَسَّرَة .. ليس فيها شيءٌ مِن التعقِيدات، فبِما أنّ الله - سبحانه وتعالى - عَلِم مِن طبيعةِ عبادِه وإِمائِه أنّ المرأة تَتَأَثَّرُ عاطِفِيا أَكثَرَ مِن الرَّجُل جَعَلَ لِلرَّجُل الوِلايَةَ عليها، فجَعَلَ أَبَ المرأة-وجَعَلَ وَلِيها الأَقْرَب فالأَقْرَب عندَما يَكون الأب غيْر موجود-هو الذي يَرعَى مصالِحَها، وفي هذه الحالة عندَما يُرِيد الرَّجُل أن يَتَزَوَّجَ أيَّةَ امرأة .. عندَما يُرِيدُ الشّاب أن يَتَزَوَّجَ أيَّ فتاة يَتَقَدّم بِالخِطبةِ إلى وَلِيها، ومِمّا يُسَن أن يَراها أَوّلا-وهذه العادَة يَجِبُ أن تَكونَ في مجتمعاتِنا-بِحيثُ يُمَكِّنُ الولِي الخاطِب مِن أن يَرَى وَلِيَتَه بِحيثُ يَجتمِعان فيَرضَى بِها وتَرضَى بِه، حتى لا تَكونَ بعدَ ذلِك هنالِك مشكِلَة، والوَلِي هو الذي يَتَوَلَّى عَقْدَ الزواج .. هو الذي يَأمُرُ بِالعَقْد إن كان لا يَتَوَلاّه بِنفسِه ولكن مع رِضَى وَلِيَتِه بِحيثُ لا يجبرُها على أن تَتَزَوَّجَ مَن لا تَرضَى به زوْجا وعندَما يَتِمُّ الرِّضَى مِن قِبَلِها يَأْمُر الوَلِي ويَنْظُر بِمَن يَرْبِطُ وَلِيتَه، فإنّ الزواجَ-كما يُقال-هو رَبْطُ مَصِيرٍ بِمَصِير .. ليْس بِالأَمْرِ الهَيِّن، فهُو ليْس صُحْبَةَ يوْمٍ وليْلة وإنما هو صُحْبَة مُستَمِرّة في هذه الحياةِ الدنيا، فلِذلِك يَنبغِي لِلإنسانِ أن يَحرِصَ دائما على أن يَقْرِنَ وَلِيتَه بِالرَّجُل الصالِح البَرِّ التَّقِي الذي يَرضاه ويَرضَى سُلوكَه هُوَ والمؤمِنون وتَرضَى هِي أيضا بِالاقترانِ بِه؛ والله-تعالى-وَلِيّ التوفيق. (1/24)
صفحة 25
س2: ما رأيُكم في العادَة القائِمَة في السلطنة وهي حُضُور الزَّفَّافَة في وقت العُرْس ووقوفُها بِالباب قَبْلَ دُخول الزوج على زوجتِه لِتَطلُب منه المال ؟ مع عِلمِنا أنّ هذه العادة لم تَكُن مَوجودَة في عَصْر الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
ج: أما وقوفُها بِالباب ومنعُها الزوج مِنَ الدخول إلاّ أن تُعْطَى شيئا مِنَ المال فهذا لا يَجُوز.
وأما أن تَكونَ في البيت في مَعزِل عن مكانِ الزوْجيْن مِن أَجْلِ إِرشادِ الفتاة خصُوصا إن كانت لأوّل مرّة تَتَزَوَّج إلى ما يَترتَّبُ عليها بعدَ العِشْرَةِ الزوجية وما يَجِبُ عليها شرْعا فذلِك أمْرٌ لا بأْسَ به، فإنّ الفتاةَ هي بِحاجة إلى مَن يُرشِدُها ويَدلّها على الطرِيقِ الأَقْوَم؛ والله-تعالى-أعلم.
س3: ما حُكْمُ الإسلامِ في الطلاق الذي يَقَعُ دُونَ مُؤخّر الصّداق ؟ (1/25)
صفحة 26
ج: الصّداقُ حقٌّ لِلمرأةِ على الرَّجُل لا يَجُوزُ له أن يَرْزَأَها شيئا منه إلاّ بِطِيبِ خاطِرها، وليْس له أن يُعامِلَها معاملةً سيِّئة تُلْجِؤُها إلى أن تَحرِصَ على التَّفَلُّتِ منه بِمُسامَحتِه في شيءٍ مِن صداقِها الواجِبِ لها عليه، فإنّ ذلك مِمّا لا يَجُوز قَط .. يَقول الله سبحانه: { ... وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ... } [ سورة النساء، من الآية: 19 ](1)، ويَقولُ عَزّ مِن قائِل: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانا وَإِثْما مُّبِينا - وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } [ سورة النساء، الآيتان: 20-21 ]، ويَقول - سبحانه وتعالى - : { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا(2)
__________
(1) - { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } [ سورة النساء، الآية: 19 ].
(2) -قرأ الشيخ: " شَيْئًا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ " وهو سبق لسان؛ { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 229 ]. (1/26)
صفحة 27
إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 229 ]، فعلى أيّ حال لا يَجُوزُ لِلرَّجُل أن يُلجِئَ المرأة إلى أن تَفتَدِيَ منه بِشيء أو أن تُسْقِطَ عنه ما وَجَبَ عليه مِن مُؤخّر صداقِها، فإنّ ذلك-بِطبيعةِ الحال-يُعَدُّ ظلْما لها على أنّ الخُلْع ما جاز في الإسلام إلا عندَما تَكونُ المرأة كارِهَةً لِلرَّجُل وأن يَكونَ الرَّجُل غيْرَ مُقَصِّرٍ فيها ولكِنَّ الكراهِية جاءَتْ مِن قِبَلِه حتى خافتْ أن تَقَعَ في المَحظُور بِسبَبِ الكُرْهِ المُتَأَصِّلِ في نفسِها .. في هذه الحالة يَجُوزُ له أن يَأخُذ الفِدْيَة التي تَفْتَدِيها منه مِن أَجْلِ أن يُخَلِّيَ سبِيلَها، أما فيما عَدا ذلك فلا؛ والله-تعالى-أعلم.
س4: لدَى العُمانِيين عادَة أنه عندَما يَبلُغُ الطفل عامَه الأوّل يُقامُ له احتِفال يُسَمّى بـ " الحُول حُول "، ما قولُك في ذلِك ؟
ج: العادَة إن كانتْ غيْرَ مُستَمَدّة مِن قِبَلِ غيْرِ المسلِمِين ولم تَكُن هذه العادَة مُتَّبَعَة على أنها سُنّة مِن السّنَن التي تَتَأَكَّد المُحافَظَة عليها وإنما كانتْ إِظْهارا لِلبَهْجَة وشُكْرا لله-تبارك وتعالى-على النِّعمَة فلا أَرَى حَرَجا فيها، أما إن كانتْ تُعتَبَر سنّة مُتّبَعَة أو أنها تُعتَبَر مِن باب التقلِيد لِلآخَرين فلا ريْب أنّ ذلك لا يَجُوز؛ والله-تعالى-أعلم.
س5: هل قراءةُ " الوَهْبَة " في أيامِ العَزاء جائزة ؟ (1/27)
صفحة 28
ج: يَقول الله تبارك وتعالى: { ... كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } [ سورة الطور، من الآية: 21 ]، ويَقول: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } [ سورة النجم، الآيتان: 39-40 ]، فالإنسان لا يُوهَبُ عملَ غيْرِه .. نَعَم يُؤْجَرُ الإنسانُ على عملِ الخيْرِ إن كان سبَبا له، فعندما يَموتُ ابن آدَم-كما جاءَ في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - -يَنقَطِعُ عملُه إلاّ مِن ثلاث: صَدَقَةٍ جارِية أو عِلمٍ يُنتَفَعُ به أو ولدٍ صالِح يَدعُو له، أما أن يَعمَلَ أَحَدٌ مِن الناس عملا ويَهَبَه له فلا اللهم إلاّ الحج والعُمرة والصَّدَقَة، فقد ثَبَتَ أنّ الميّتَ يَنتَفِع بِذلِك، أما الحجُّ والعمرة فدليلُه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أجابَ الخَثْعَمِية بِقولِه عندَما سأَلَتْه في الحجِّ عن أبيها وقد كان حيّا ولكنه لا يَستطِيعُ الثُّبُوتَ على الراحِلَة: ( أَرَأَيْتِ أن لَو كان على أبِيكِ دَيْن فقَضَيْتِه، أَكانَ ذلِك مُجزِيا ؟ ) قالت: " نعم " قال: ( فَذَاكِ ذَاك )، وأما الصَّدَقَة فإنّ رَجُلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وسألَه عن أُمِّه بِأنها ماتتْ ويَرَى بِأنها لو كانتْ تَملِكُ مِن الأمْرِ شيئا لَتَصَدَّقَتْ، أَفَيَتَصَدَّقُ عنها ؟ فَأَمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّدَقَةِ عنها، وكذلك قضاءُ الصّيام إن كان واجِبا على الميّت، لِحدِيثِ عائشة-رضي الله تعالى عنها-عندَ الشيْخيْن: ( مَن مات وعليه صِيام صام عنه وَلِيه )؛ والله-تعالى-أعلم.
س6: هل يَجُوزُ لِلمرأة أن تَذهَب إلى التّسَوُّق ؟ وما هو المُستَحَب في هذه المسألة ؟ (1/28)
صفحة 29
ج: إن كانتْ تَختَلِط بِالرِّجال وتَحتَكُّ بهم فلا، وأما إن كانتْ تَعتَزِلُ الرِّجال وليْس هنالِك رَجُلٌ يَقوم بهذا الغَرَض وإنما هي مُحتاجَة إلى ذلِك فعليها في هذه الحالة أن تَحتَشِمَ أَيَّمَا احتِشام وأن تَتَجَنَّبَ الاختِلاطَ بِالرِّجال وأن تَتَجَنَّبَ الخَلْوَة بِحيثُ لا تَدْخُل المكان الذي يَكونُ فيه الأجنَبِي وهي تَخْتَلِي به؛ والله-تعالى-أعلم.
س7: نرجُوا توضِيح ما يَجِب على المُعتَدّة-أو " التريكة "-فترةَ عِدّتِها. (1/29)
صفحة 30
ج: المُعتَدّة هي كغيْرِها مِن النساء لا فَرْق بيْنها وبيْن غيْرِها مِن النساء في جميع الأحكام فيما يَحِل ويَحرُم إلاّ في ثلاثِ حالات فقط، أما فيما عَدا هذه الحالات الثلاث فكلُّ ما يَحِلُّ لِغيْرِها يَحِلُّ لها وكلُّ ما يَحرُمُ على غيْرِها-أيضا-يَحْرُمُ عليها .. الحالاتُ الثلاث هي أنها تُمنَعُ مِن الطِّيب .. هذا في عِدّةِ الوفاة لا في عِدَّةِ الطّلاق .. تُمنَعُ مِن التَّطَيُّب وتُمنَعُ مِن الزينة .. الحالة الثانية أنها تُمنَعُ مِن الزينة، فليْس لها أن تَتَزَيَّن .. ليْس لها أن تَتَطَيَّب وليْس لها أن تَتَزَيَّن، والحالة الثالثة أنها تُمنَعُ مِن المَبِيت في غيْرِ بيْتِها على القولِ الراجِح، وإلاّ فهناكَ قوْلٌ آخَر رُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصحابة والتابعين وقال به جماعةٌ مِن العلماء ولكن هذا القول هو الصحيح وهو أنها تُمنَع، لأنّ الحديثَ الشرِيفَ يَدُلُّ عليه، فالأخذُ بِما دَلَّ عليه الحديثُ الشريفُ أوْلى .. تُمنَع مِن المبِيت أما أن تَخرُجَ في النهار مِن أَجْلِ حاجتِها مُستَتِرة فلا مانع مِن ذلك، كما لا تُمنَعُ في غيْرِ حالةِ العِدّة أن تَخرُجَ لِقضاءِ حاجتِها وهي مُستَتِرة، وكذلك جميعُ الأعمال التي يُمكِنُ أن تُزاوِلَها في أيامِ غيْرِ عِدّتِها يَجُوزُ لَها أن تُزاوِلَها في أيامِ العِدّة .. لا تُمنَعُ مِن أيِّ عملٍ مِن الأعمال، فما اعتادَهُ الناس مِن التّشدِيدِ البالِغ على المرأةِ عندَما تَكونُ مُعتَدّة بِحيثُ تُمنَعُ حتى مِن رُؤيةِ الأطفالِ في بعضِ المجتمَعات وتُمنَع مِن الخروج مِن حُجْرَتِها وتُمنَع مِن الخروجِ حتى إلى المستشفى وتُمنَع وتُمنَع .. هذه أُمُور لا أساسَ لَها في الشّرْع، فإنّ ذلك مِن الغُلُو في الدِّين، والله-تبارك وتعالى-حَذَّرَنا مِن الغُلُو في الدِّين وبَيَّنَ لنا ألاّ شَرْعَ إلا ما شَرَعَه سبحانه: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ (1/30)
صفحة 31
يَأْذَن بِهِ اللهُ ... } [ سورة الشورى، من الآية: 21 ]؛ والله-تعالى-أعلم.
س8: امرأة طُلِّقَتْ ولديْها طفل، كم فترة حضانة الطفل مع أُمِّه التي يُحَدِّدُها الشّرْع ؟ وكم مُدّة النفقة التي يُحَدِّدُها الشّرْع ؟
ج: أما الحضانة فبِحسْب ما تَكونُ المصلحة .. الطفل عندما يَكونُ بِحاجة إلى أُمِّه .. أُمُّه أوْلَى به ما لم تَتَزَوَّج، وبعدَ ذلك تُنظَر مصلحةُ الطفل فإن كانت مصلحتُه عند أبيه فأبوه أوْلى به على ألاّ تُحرَمَ أُمُّه مِن زيارتِه، لأنّ ذلك مِمّا يَدخُلُ في الإضرار، والله-تعالى-يَقول: { ... لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 233 ]، ويَقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ضَرَر ولا ضِرَار في الإسلام )، وعلى أيّ حال تُعتبَر-كما قلتُ-المصلحة .. تُعتبَر المصلحة عندما يَبلُغ الطفل إلى هذه المرحلة، نظرا إلى أنّ هدفَ الشارِع هو المصلحة، ومَقاصِدُ الشريعة مبنية على اعتبارِ المَصالح، وذَكَر بعضُ العلماء أنّ أَحَد العلماء الذين كانوا قضاةً في العهودِ السابِقة .. أحد هؤلاء اختَصَمَ إليه رَجُل وامرأة في ولدٍ لهما فخَيَّرَ القاضِي الولد بيْن الأبِ والأُم فاختارَ الأب فقالت الأُم: " سَلْهُ لماذا اختارَ أباه ولم يَخْتَرْنِي " فسألَه القاضي وقد كان القاضي عالِما: " لماذا اختَرْتَ أباك ولم تَخْتَر أُمَّك ؟ " قال: " لأنّ أُمّي تَحمِلُني إلى الكُتَّاب لأَتَعَلَّم والأب يَتْرُكُنِي أَلْعَب " قال له: " إذن إلْحَقْ بِأُمِّك فهي أوْلى بكَ منه "، لأنّ الأُم في هذه الحالة كانت حازِمة .. كانت تَسْعَى إلى مصلحة الولد .. تَحْمِلُه إلى الكُتَّاب لِيَتَعَلَّم، أما الأَب كان يُطْلِقُ له الحَبْلَ على الغارِب، فما كانت تربيةُ الأب تربيةً سليمة، لذلِك رأى هذا العالِم القاضِي بِأنْ يُلْحِقَ هذا الولد بِأُمّه مِن أَجْلِ مُراعاةِ المصلحة، (1/31)
صفحة 32
فالمصلحةُ هي المعتبَرة.
وأما النفقة فلا تَتَحَدَّد بِمقدارٍ مُعيَّن لأنها تَختلِف بِاختلافِ الزمانِ والمكان، فالنفقات بيْن اليومِ والأمْس أَصبحتْ تَختلِف اختِلافا كبيرا، لأنّ مُتطلَّبات الحياةِ تَغيّرَتْ .. كثيرٌ مِن مُتطلَّبات الحياة في وقتِنا هذا لم تَكُن مِن قبل .. هناك العلاج وهناك المُتطلَّبات الأخرى التي لابد مِن مُراعاتِها .. هذه الأمور ما كانتْ مِن قبل .. هناك وسيلة النقل إلى المدرسة .. هذه ما كانت مِن قبل، فإذن في مثلِ هذه الحالة لابد مِن أن تُراعَى الظروف وتُراعَى الأحوال ومع ذلك كلِّه النفقة تَجِب على الأب ما كان حقُّ الأُمِّ في الحضانةِ باقِيا؛ والله-تعالى-أعلم.
س9: جدّة أَرْضَعَتْ حفيدتَها-أي ابنةَ بنتِها-على حفيدِها .. أي ابن ابنِها، هل يَجُوز التّزاوُج بيْن إخوة هذيْن الرّضِيعَيْن ؟
ج: ما زِلْنا نُعانِي الكثير الكثير مِن المشكِلات الناجِمة عن الجهْل في أَمْرِ الرّضاع، ففِي كلِّ وقت تَنْجُمُ لنا مُشكِلة، ونَعوذُ بالله - سبحانه وتعالى - مِن هذه المشكِلاتِ وعواقِبِها .. هذه المشكِلات ما كانت إلا بِسببِ الجهْل وعدمِ وَعْيِ الناس وعدمِ إِدراكِهِم لِدِينِهِم ومعرفتِهِم بِما شَرَعَ الله - سبحانه وتعالى - لهم وعليهم، فلِذلك أَرَى لِزاما أن أَتَحَدَّث قبلَ الإجابة على هذه القضية بِعينِها .. أن أَتَحَدَّث ولو بِاختِصار عن مسائِلِ الرّضاع حتى يَكونَ الكلُّ على بيِّنةٍ مِن الأمْرِ وبصِيرةٍ مِن الحق .. هذا مع أنّني أَدْعُو إلى الحذَر مِن أن تُرضِعَ المرأةُ غيْرَ وَلَدِها إلا مع الإشهادِ على ذلك حتى لا يُؤدِّيَ الأمْر إلى اللّبْس ويُؤدِّيَ الأمر إلى الحُرمة ويُؤدِّيَ الأمْر إلى العواقِبِ التي لا تُحمَد، لِيَكونَ الناسُ على بيّنةٍ مِن أمْرهِم وبصيرةٍ مِمّا يَأتُون ويَذَرُون. (1/32)
صفحة 33
الله - سبحانه وتعالى - عندَما تَكَلَّم في كتابِه الكرِيم عن المُحرَّماتِ مِن النساء قال: { ... وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ ... } [ سورة النساء، من الآية: 23 ] .. ذَكَر الأمهات وذَكَر الأخوات، وسنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءتْ بِمزيدِ البيان وكما قلتُ مِن قبل [ ص3 ] بِأنّ السنّةَ النبوية على صاحبِها أفضلُ الصلاةِ والسّلام هي امتِدادٌ لِلكِتابِ العزيز، فإنّ الله-تبارك وتعالى-أَنزَلَ الكتابَ على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - واختَصَّه بِمزيدِ المعرفةِ بِأحكامِه وبِحلالِه وحرامِه، فهو عليه أفضلُ الصلاةِ والسّلام أَعْلَمُ الناسِ بِمَقاصِدِ التّنزِيلِ ومَسالِكِ التّأوِيل، لِذلِك قال الله-تعالى-له: { ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ... } [ سورة النحل، من الآية: 44 ]، ونَجِدُ في الكتابِ العزيز كثيرا مِن الأحكامِ العامّة خَصَّصَتْها السنّة النبوية على صاحبِها أفضلُ الصلاةِ والسّلام وكثيرا مِن الأحكامِ المُطلَقَة قَيَّدَتْها السنّة النبوية وكثيرا مِن الأحكامِ المُجمَلَة فَصَّلَتْها السنّة النبوية وكثيرا مِن الأحكام التي فيها شيءٌ مِن الاشتِباه .. رَفَعَتْ هذا الاشتباه السنّةُ النبوية على صاحبِها أفضلُ الصلاةِ والسّلام، فمِن هنا علينا أن نَرجِع إلى سنّتِه - صلى الله عليه وسلم - وألاّ نَقتَصِر على عُمومِيات القرآن الكريم، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُوتِيَ الكتابَ ومِثلَه معه، وليْس المراد بِالمِثل إلا السنّة على صاحبِها أفضلُ الصلاةِ والسّلام، فإذن السنّةُ النبوية بَيَّنَتْ أنّ الحكم لا يَنحَصِر في الأمهات والأخوات فحسْب، بل يَتَجَاوَزُ ذلك إلى كلِّ ما يَحرُمُ مِن الأنسابِ مِن قِبَلِ النّسَب .. أنسابِ الأُمِّ الوالِدَة وأنسابِ الأَب الوالِد .. كلٌّ مِن هذه الأنساب التي (1/33)
صفحة 34
تَحرُمُ مِن قِبَلِ هذين تَحْرُمُ أيضا مِن قِبَل الأُمِّ المرضِعَة ومِن قِبَلِ زوجِها صاحبِ اللّبَن الذي رَضَعَ منه الطفل .. جاء في مُسنَدِ الإمامِ الربيعِ بن حبيب-رحمه الله تعالى-عن أُمِّ المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى عنها-قالت: " إنّ أَفْلَحَ أَخَا أبِي القُعَيْس هو عمّي مِن الرضاعة استَأْذَنَ عَلَيّ فأَبَيْتُ أن آذَنَ له، فلما جاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرْتُه فقال: ( إئذَنِي له، فإنما الرضاعُ مثلُ النسب ) "(1)
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (26) الرَّضاع:
حديث رقم 523: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: إنَّ أفلح أخا أبي القُعيسِ-وهو عمي مِن الرضاعة-استأذَن عليَّ-وذلك بعد أن نزل الحجاب-فأبيتُ أن آذَنَ له فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه فقال: (إِئذَني لهُ، فإنَّ الرَّضاعَ مِثلُ النَّسبِ ). (1/34)
صفحة 35
، والحديثُ أخرجه الشيخان وغيرهما بزيادة، وهي: أنّ عائشةَ-رضي الله تعالى عنها-راجَعَت النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وقالت له: " يا رسول الله، أَرْضَعَتْني المرأة ولم يُرضِعْني الرَّجُل ! " فقال لها: ( إنه عَمُّكِ فلْيَلِج عليكِ )، وجاء-أيضا-في روايةٍ لِمسلِم: " وكان أبو القُعَيْس زوجَ المرأةِ التي أَرْضَعَت عائشة "، وجاء في روايةٍ لِمسلم-أيضا-أنّ أَفلحَ أخَا أبِي القُعَيْس عندَما استَأْذَنَ على عائشة قال لها: " إئذني لي، فإنني عمّكِ " فقالت له: " مِن أين صِرْتَ عمّي ؟! " فقال لها: " أَرْضَعَتْكِ امرأةُ أخي " فقالت له: " أَرْضَعَتْنِي امرأةُ أبِي القُعَيْس ولم يُرضِعْني أبو القُعَيْس "، ولكن مع ذلك هذه التَّعِلّة أَسْقَطَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَما قال لها: ( إنه عَمُّكِ فلْيَلِج عليكِ )، وتَأَيَّدَتْ هذه الرواية بكثيرٍ مِن الروايات .. مِن بيْنِها روايةٌ في المسندِ الصحيحِ(1)
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (26) الرَّضاع:
حديث رقم 524: أبو عبيدة عن جابر عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: كنتُ قاعدة أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمعتُ صوتَ إنسان يَستأذِن في بيت حفصة فقلتُ: " يا رسول الله، هذا رجلٌ يَستأذِن في بيتِك " فقال : " أُرَاهُ فُلانًا "-لعمّ حفصة مِن الرضاعة-فقلتُ: " يا رسول الله، لو كان عمّي فلان حيًّا دخل عليَّ ؟ "-لعمٍّ لها مِن الرضاعة-قال: " نَعمْ يَحرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِن النَّسب ". (1/35)
صفحة 36
أيضا وفي الصحيحين وغيْرِهما أنّ عائشةَ-رضي الله تعالى عنها-قالت: " بينما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي إذ سَمِعْتُ صوتَ رَجُل يَستأذِنُ في بيتِ حفصة فقلتُ له: ' يا رسول الله، هذا صوتُ رَجُل يَستأذِنُ في بيتِك ' فقال: ( أُرَاهُ فلانًا )-لِعَمِّ حفصةَ مِن الرضاع-فقلتُ له: ' يا رسولَ الله، لو كان عَمِّي فلانٌ حيًّا لَدَخَلَ عَلَي ؟! ' فقال: ( نَعم .. يَحرُم مِن الرَّضاع ما يَحرُم مِن النسَب ) "، وكذلك جاء في رواية الشيخين عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عُرِضَت عليه بنت عَمِّه حمزة فأجاب بأنها لا تَحِلّ له وقال: ( إنها ابنةُ أخِي مِن الرضاعة .. أَرْضَعَتْني وأباها ثُوَيْبَةُ الأَسْلَمِية )، وروى ذلك مسلم مِن روايةِ الإمامِ علي بن أبي طالب كَرَّمَ الله وجهَه، وجاء نحوُ ذلك في رواية أخرجها البخاري وأبو داؤود وغيْرُهما مِن طريقِ أُمِّ حبيبة-رضي الله تعالى عنها-أنها قالتْ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا رسولَ الله، هل لكَ في أختي ؟ " قال لها: ( ماذا ؟ ) قالت: " تَنكِحها " قال: ( أَوَتُحِبِّينَ ذلك ؟ ) قالت: " لستُ بِمُخْلِيَة، وأَحَبُّ مَنْ شَرَكَنِي في الخيْر إِلَيَّ أُختي "، فقال لها: ( إنَّها لا تَحِلّ لِي )، فقالتْ: " أَوَلَسْنَا نَسمَعُ أَنَّكَ تُريدُ أن تَنكِحَ بنتَ أبي سلمة ؟ " قال: ( بنتَ أُمِّ سلمة ؟! ) قالت له: " نعم " قال: ( لو لم تَكن رَبِيبتي في حِجْرِي لَمَا حَلَّتْ لي .. إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعة .. أَرضعَتْني وأباها ثُويْبَةُ الأَسْلَمِية، فلا تَعْرِضْن عَليّ أخواتِكنَّ ولا بناتِكنَّ ) .. مِن هذه الأحاديث وأمثالِها يَتَبَيَّن لنا أنّ حُرمة الرضاع كحُرمة نَسَب.
فالمرأة عندَما تُرضِع الطفل الذَّكَر يَكونُ ذلك الطفل الذَّكَر ولدا لِتلكَ المرأة، فهي-أي تلكَ المرضِعة-حرامٌ عليه، لأنها أُمُّه مِن الرضاع. (1/36)
صفحة 37
وأُمُّها حرامٌ عليه، لأنها جدّتُه مِن الرضاع.
وأخواتُها كلُّهنّ حرامٌ عليه، لأنهنّ خالاتُه مِن الرضاع.
وعمّاتُها-أي عمّاتُ المرضِعة-هنّ حرامٌ عليه، لأنهنّ عمّاتُ أُمِّه مِن الرضاع.
وخالاتُها-أي خالاتُ المرضِعة-هنّ حرامٌ عليه، لأنهنّ خالاتُ أُمِّه مِن الرضاع.
وبناتُها كلّهُن سواءً التي رَضَعَ معها أو التي كانت وُلِدَت قبلَ رضاعِه هو بِعشراتِ السّنِين أو التي تُولَد مِن بعدِ رضاعِه بعشراتِ السّنِين .. كلهُنّ حرامٌ عليه، لأنهنّ جميعا أخواتُه مِن الرّضاع.
بناتُ أبنائِها هنّ بناتُ إخوتِه مِن الرّضاع، فهُنّ حرامٌ عليه.
بناتُ بناتِها هنّ بناتُ أخواتِه مِن الرّضاع، فهُنّ حرامٌ عليه.
زَوْجُ المرأة صاحِبُ اللّبَن الذي رَضَعَ منه .. أي الذي كانتْ المرأةُ في عِصمتِه عندَما رَضَعَ منها أو كانتْ مُطَلَّقَة له أو كان مَيِّتا عنها ولم تَتَزَوَّج مِن بعد .. ذلِك الرَّجُل يَكونُ أبا لهذا الطفل الراضِع:
فأُمُّ ذلِك الرَّجُل هي جدّتُه مِن الرّضاع .. هي حرامٌ عليه.
وأخواتُ ذلِك الرَّجُل هنّ عمّاتُه مِن الرّضاع، فهُنّ حرامٌ عليه.
وبناتُه ولو مِن غيْرِ تلك المرأة هنّ حرامٌ عليه، لأنهنّ أخواتُه مِن الرّضاع.
وبناتُ أبنائِه هُنّ بناتُ إخوتِه مِن الرضاع ولو كان آباؤهُنّ-أي أولئك الأبناء-مِن غيْرِ تلكَ المرأةِ المرضِعة.
بناتُ بناتِه هُنّ بناتُ أخواتِه مِن الرّضاع، فهُنّ حرامٌ عليه.
وبِالجملة فكلُّ ما يَحرُمُ عليه مِن قِبَلِ أبيه الذي وَلَدَه ومِن قِبَلِ أُمِّه التي وَلَدَتْه .. تَحرُمُ هؤلاء جميعا عليه مِن قِبَلِ تلكَ المرأةِ المرضِعة ومِن قِبَلِ زَوْجِها صاحبِ اللّبَن.
لو كانت هذه الراضِعة طفلة .. أي امرأة أَرْضَعَتْ طفلة .. أنثى فهي ابنةٌ لهذه المرأة:
أبوها جدّها .. هي حرامٌ عليه.
إخوتُها هم أخوالُها .. هي حرامٌ عليهم. (1/37)
صفحة 38
أبناءُ تلكَ المرأة كلُّهم هم إخوةٌ لِتلكَ الطفلة الراضِعة، فهم حرامٌ عليها، وهي حرامٌ عليهم.
أبناءُ أبنائِها هم أبناءُ إخوتِها، فهي حرامٌ عليهم، وهم حرامٌ عليها.
أبناءُ بناتِها هم أبناءُ أخواتِها، فهي حرامٌ عليهم، وهم حرامٌ عليها .. كلُّ هؤلاء.
كذلك زوْج المرأة يَكونُ أباها مِن الرضاع، فهي حرامٌ عليه.
إخوتُه هم أعمامُها مِن الرضاع.
أبوه هو جدّها مِن الرضاع.
أبناؤه هم إخوتُها مِن الرضاع.
أبناءُ أبنائِه هم أبناءُ إخوتِها مِن الرضاع.
أبناءُ بناتِه هم أبناءُ أخواتِها مِن الرضاع .. هؤلاء كلّهُم يَحرُمُون عليها، وتَحرُم عليهم.
أما حسب هذه الصورة المذكورة في هذا السؤال [ ص13 ] فإنّ هذا الولد الذي أَرْضَعَتْه جدّتُه:
إن كانت الجدّة المرضِعة أُم أبيه يَحرُم عليه أن يَتَزَوَّج بِبَناتِ عمّاتِه وبناتِ أعمامِه، لأنهن بَناتُ إخوتِه وبناتُ أخواتِه مِن الرّضاع.
وإن كانت الجدّة هي أُم الأُم فيَحرُم عليه أن يَتَزَوّج بنات أخوالِه وبنات خالاتِه، لأنهنّ بناتُ إخوتِه وبناتُ أخواتِه مِن الرّضاع.
أما إخوتُه وسائرُ أولاد أخواله وخالاته أو أولاد أعمامه وعمّاته فلا يَنطبِقُ عليهم هذا الحكم، ويَجُوزُ التّزاوُجُ بينهم.
هو بِنفسِه-كما قلتُ-يَحرُمُ عليه أن يَتَزَوَّج إن كانت الجدّة المرضِعة أُمّ الأب .. يَحرُمُ عليه أن يَتَزَوَّج بِبَناتِ أعمامِه وعمّاتِه، وإن كانت الجدّة المرضِعة أُم الأُم يَحرُمُ عليه أن يَتَزَوَّج بِبَناتِ أخوالِه وخالاتِه، وأما إخوتُه وسائرُ أولاد عُمومتِه أو أولاد خؤولتِه فلا يَنطَبِقُ عليهم هذا الحكم.
س10: امرأة مُطلَّقَة ولديْها أولاد يُرِيد مُطلِّقُها أن يُخرِجَها مِن البيْت عِلما بِأنّ الزوْج يَعِيشُ في القِسم الثاني مِن البيت، ما الحكم في ذلك ؟ (1/38)
صفحة 39
ج: إن كانت لها حق الحضانة فهي أوْلى بِأن تبْقى مع أولادِها وترْعى مصالِحَهم وإنما تَحرُم عليهما الخلْوَة فلا يَختَلِي بها ولا تَختَلِي به؛ والله-تعالى-أعلم.
س11: عَوْدَة إلى مسائلِ الرّضاع .. امرأة أَرْضَعَتْ وَلَدَها الأصْغر على ابنةِ جارتِها، هل يَجُوز لِوَلَدِها الأكبَر أن يَتَزَوَّجَها ؟
ج: يَتزَوَّج تلك الابنة ؟
س: نعم.
ج: يُفهَم الجواب عن هذه المسألة مِمّا ذَكَرْناه، فبِما أنها أَرْضَعَتْ تلكَ الطفلة فهي ابنتُها .. تَحرُمُ على جميعِ أبنائِها ولو وُلِدُوا قبلَها بِعشراتِ السّنِين أو بعدَها بِعشراتِ السّنِين؛ والله-تعالى-أعلم.
س12: ما حُكم إِزالة شَعْر وَجْه المرأة ؟
ج: لا مانِع مِن ذلك .. لا مانِع مِن أن يُزالَ شَعْرُ وَجْهِ المرأة ما عدا النَّمْص المُحَرَّم، وهو إِزالَةُ شَعْر الحاجِبَيْن؛ والله-تعالى-أعلم.
س13: نَقَدْتُ على المعلِّمَة لبْسَها الضيِّق وشَعْرَها الخارِج فرَدَّتْ عَلَي: " ' مَن علَّمَني حرْفا صِرْتُ له عبدا ' واحتَرِمِي مَن هو أَكْبَر منكِ "، فهل غَلَطْتُ في حقِّها ؟
ج: لا بل غَلطَتْ هي، إذ استَنْكَفَتْ مِنَ الحق وأَبَتْ قبولَه، وعليها أن تَقْبَلَ الحق سواءً قالَه صغيرٌ أم كبير وسواءً قالَه قوِيّ أو ضعيف وسواءً قالَه ذَكَرٌ أم أنثى وسواءً قالَه قرِيبٌ أم بعيد .. بغيضٌ أم حبِيب، فإنّ الحقَّ مُقبولٌ مِمّن جاءَ به، والله-تبارك وتعالى-نَعَى على أولئك الذين يَأْبَوْن أن يَنقَادُوا لِلحَق .. يَقول: { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [ سورة البقرة، الآية: 206 ] .. هذا جزاءُ مَن رَفَضَ قبولَ الحق. (1/39)
صفحة 40
س14: هل تَجُوز المباعدة بيْن الوِلادات وذلِك بِالطّرُق العصْرِية وليس بِمنعٍ دائم وذلِك لِتَسْهُلَ تربيتُهم والعنايةُ بهم والإنفاقُ عليهم فبعضُ الناس معاشُهم ثمانون رِيالا فكيف تَكفِي زوْجا وزوْجة واثنا عشر وَلَدا وبِنْتا ولديْهم غُرفةٌ واحدة وقد نادى الإسلام بِالتّفرِيق في المضاجِع ؟!
ج: قضية المباعدة بيْن الوِلادات لا تأتي نتيجة الفقْر، أما إذا كان بِسببِ الفقْر فلا، لأنّ الله-تبارك وتعالى-قال: { ... نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ... } [ سورة الأنعام، من الآية: 151 ]، وقال: { ... نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ... } [ سورة الإسراء، من الآية: 31 ] .. مِن قِبَل الفقْر لا وأما إذا كانت المرأة تَتَحَمّل صُعُوبة نعم في هذه الحالة مِن أجْلِ الضّرورة على أن تَكونَ الوسائل الواقِيَة مِنَ الحمْل لا تَضُر بِصِحّةِ المرأة .. بِهذا الشّرْط فلا يُدفَع الشّيء المُضِر بِما هو أَضَر منه.
س15: هذا سُؤال طوِيل اختِصارُه أنّ امرأة اعتَرَفَ لها زَوْجُها بِالزّنا وتقول: هل أنا أَكون زَوْجته بعدَ هذه الإهانة .. بعدَ هذا الاكتِشاف الذي اكتشفتُه في حياتِه، هل أَكونُ زَوْجته في الشّرع ؟ وهل له حُقوق الزوجية .. أي الاحترام مع العشْرَة بِالحلال ؟ وشكرا .. الباحثة عن السعادة. (1/40)
صفحة 41
ج: بِئْسَ الرَّجُل هذا، فهو-قبلَ كلِّ شيء-وَقَعَ في أَمْرٍ مُحَرَّم بِالنّصوصِ القاطِعة يُؤدِّي إلى عذابِ الله تعالى، ويَتَنافى مع الصِّفات التي وَصَفَ الله - سبحانه وتعالى - بها عبادَه عندَما قال: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا - إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [ سورة الفرقان، الآيات: 68-70 ] .. أوَّلا وَقَعَ في الحرام، ثم بعدَ وقوعِه في الحرام لم يَسْتَتِر بِسِتْرِ الله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يَقول: ( مَن أصابَ شيئا مِن هذه القاذورات فليَسْتَتِر بِسِتْرِ الله، فإنّ مَن يُبْدِ لنا صفحتَه نُقِم عليه كتابَ الله )، واعترافُه أمام زوجتِه هدمٌ لِلحياةِ الزّوجية، فإن كان هذا الاعتراف تباهِيا أو تفاخُرا أو مِن أجْلِ إهانةِ تلك المرأة .. كَسَبَ مع ذلِك أَوْزارا فوق أوزارِه، فإنّ مَن باهَى بِمعصيةِ الله-تبارك وتعالى-تَضَاعَفَ عليه وِزْرُها، والمرأة عندَما يَعْتَرِفُ زَوْجُها اعتِرافا صرِيحا لها بِأنه زَنَى وتَكون مُصَدِّقَةً لها في هذا الاعتراف .. عندَما تُصَدِّقُه في هذا الاعتراف ولا يُكذِّبُ نفسَه .. لا يَعُودُ إلى نفسِه ويَقول بِأنّه كان كاذِبا بل يَسْتَمِرّ على اعترافِه هذا .. تَكونُ قد انفَصَلَتْ عنه، فهي تَحرُمُ عليه بِسببِ ذلك؛ والله-تعالى-أعلم.
س16: هل يَجُوز لِلرَّجُل أن يُطَلِّقَ زوجتَه مِن أَجْلِ الاختِلاف في العامل الرِّيزِيسِي لِفصائِلِ الدّم ومِن أَجْل أنه لا يُحبّها ولِسوءِ التّفاهم بيْنهم أو الاختِلاف في الثقافة العلمية وفارِق السّن ؟ (1/41)
صفحة 42
ج: ما شاء الله؛ هذه القضايا كلها مِن إفرازات الغَزْو الفِكْرِي في هذا العصْر.
على أيّ حال؛ الطلاق هو شيءٌ بغِيض، فهو انفِصالٌ بعدَ وِصال، وهو قطِيعة بعدَ اتّصال، فلذلك كان أَمْرا بغِيضا وإنما أباحه الله - سبحانه وتعالى - لئلا تَكونَ الحياةُ الزوجية جحيما لا يُطاق عندَما تَتَنَافَر طِباع الزوْجيْن.
فإن كان هذا الرَّجُل يَخشَى على نفسِه عندما يُمسِك هذه المرأة .. يَخشَى على نفسِه بِأن يَكرَهَها كرْها يُؤدِّي به إلى أن يَهْضِمَها ويَمنَعَها حَقَّها الشّرْعِي الواجِب عليه لها فالطلاقُ أوْلى في هذه الحالة مِن أَجْلِ عِلاجِ هذه المشكِلة، أما إن كان مِن الممكن تَدارُكُ ذلِك بِطرِيقةٍ أو بِأخرى ومعالجةُ هذه الأحوالِ النفسيةِ الطارِئة فإنّ الإمساكَ أوْلى .. الأوْلى ألاّ يُتَسَرَّعَ إلى الطلاق .. الله - سبحانه وتعالى - جَعَل هناك أنواعًا مِن العِلاج لِلمشكِلاتِ الزوْجِية المستَعْصِية تَفادِيا لِلطّلاق، ويُصار إلى الطّلاق بعدَما يَستعصِي العلاج مِن جميع الوجوه، فلَئِن كانت المشكِلة مِن المرأة وهي التي تَتَمَرَّدُ على زَوْجِها أَمَرَ الله - سبحانه وتعالى - الرِّجال بِأشياء عِلاجا لهذه المشكلة .. قال: { ... وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ... } [ سورة النساء، من الآية: 34 ] .. هكَذا أَمَرَ الله - سبحانه وتعالى - الرِّجال أن يُحاوِلُوا بِأنفسِهم أن يُعالِجُوا المشكِلة عندَما يَكونُ النُّشُوز مِن المرأة بِحيثُ أوَّلا-قبلَ كلِّ شيء-عليه أن يَعِظَها بِالكلِمة الهادِئة الهادِفة، فإن أَبَتْ ذلِك يَهجُرُها في المَضْجَع لَعَلَّ ذلِك يَجعلُها تَرْعَوِي، فإن أَصَرَّتْ على مَوقِفِها له أن يَضرِبَها ضرْبا غيْرَ مُبَرِّح وغيْرَ مُؤَثِّر، فإن أَصَرَّتْ على مَوْقِفِها أو كان (1/42)
صفحة 43
العصيانُ والتّمَرّد مِن قِبَلِه هو .. في هذه الحالة تَتَدَخَّل الأسْرَتان .. أسْرة الرَّجُل وأسْرة المرأة: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا ... } [ سورة النساء، من الآية: 35 ]، فعندَما تَكون القضية مُستعصِيَة تَتَدَخَّل الأسْرتان لعلّ الخِلاف يَنْحَسِم .. نعم عندَما يَكون الخِلاف لا يَنْحَسِم بِأيّ طرِيقٍ كان في هذه الحالة يَكونُ العِلاج الطّلاق .. يُتَفَادَى الطّلاق بِأيِّ شيءٍ كان حتى لا يَتَسَرَّعَ الناسُ إلى التّطلِيق، لِمَا يَتَرَتَّب على الطّلاق مِن الانفِصال ويَتَرَتَّب عليه مِن ضياع الذرية، لأنّ بقاءَ الحياةِ الزوْجية ضَمان لِتربيةِ الذرية مِن قِبَلِ الجانبيْن على الخيْر، فلا تَفْقِد الذرية رِعايةَ الأبِ ولا حَنانَ الأُم.
وإن كان ذلِك لأجْل تبايُنِ الثّقافة أو مِن أَجْل أي شيء مِن هذا القَبِيل .. إن كان لا يُفضِي ذلك إلى الكُرْه المُتَأَصِّل الذي يَهْضِمُ المرأةَ حقوقَها فلا يَنبَغِي له أن يُطَلِّقَها بِسبَبِ ذلك؛ والله-تعالى-أعلم.
س17: هل يَجُوز لِلمرأة في فترةِ عِدّتها المَبِيت خارِج بيتِ زوجِها في حالةِ المَرض أو الضّرورةِ القُصْوى ؟
ج: نعَم .. في حالة المرض لا مانِع مِن أن تُحمَل إلى المستشفى وتَبِيت في المستشفى، وكذلك في الضّروراتِ الأخرى التي لابد منها، فإنّ الضروراتِ تُقَدَّرُ بِقَدَرِها؛ والله-تعالى-أعلم. (1/43)
صفحة 44
ونَكتَفِي بِهذا القَدر نظرا إلى ضيق الوقت ولِما يَنتظِرنا مِن التزامات وطولِ الطرِيق بعدَ ذلك، ونَعتذِر إلى الأخوات والبنات عن عدم الإجابة على جميعِ هذه الأسئلة، فكلُّ سؤالٍ هو مُهِم وكلُّ سؤال تَنبغِي الإجابةُ عليه ولكن ضيق الوقت هو الذي يَحُول بيننا وبيْن أداءِ هذا الواجب؛ والله-تعالى-ولي التوفيق، وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- (1/44)