صفحة 1
بحث: فعالية ذِكر الله في دوام رباط الزوجية
الباحث: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
[قدم في إطار اليوم الدراسي لشعبة العلوم الإسلامية حول: الدورات التأهيلية للمقبلين على الزواج . الاثنين 07 مارس 2016]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) فعالية ذكر الله في دوام رباط الزوجية
ابن ادريسو مصطفى
أستاذ: بجامعة غرداية
قدم في إطار اليوم الدراسي لشعبة العلوم الإسلامية حول: الدورات التأهيلية للمقبلين على الزواج.
الاثنين 07 مارس 2016
الخطة
المطلب الأول: أساسيات في الزواج
1 - الزواج سنة كونية
2 - دعامات الزواج
المطلب الثاني: أثر الذكر على رباط الزوجية:
1 - الزواج والانشغال عن ذكر الله
2 - الزواج آية من آيات الله تعالى
أ- التقيد بشرع الله
ب- استحضار ذكر الله في كل حين
ج- تجنب المعصية (1/1)
صفحة 2
المطلب الأول: أساسيات في الزواج
1 - الزواج سنة كونية:
خلق الله تعالى الكَوْن وجعل فيه سُنَنًا متنوعة، ومن هذه السنن، سُنَّة الزواج بين المخلوقات والكائنات: قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (يس: 36)، وقال أيضا: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات: 49).
- فالحيوانات أزواج: يؤكده قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الأنعام: 143).
- والنبات أزواج: من قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الرعد: 3).
وقولِه تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} (طه: 53).
وقولِه تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} (الشعراء: 7).
- وخلق الله الإنسان أيضا من زوجين كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1)، وقولِه تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} (النجم: 45). وفي التزاوج البشري سنت نظم وقوانين تحميه وتضبطه، ومن هنا يأتي السؤالين التاليين: فبما يتثبت هذا الزواج؟ وما هي دِعاماته وأسُسه؟
2 - دعامات الزواج:
أسس الزواج متعددة، لعل أهمَّها:
أ- عقد الزواج: بموجب توفر شروط في العقد بين الطرفين: إيجاب وقبول، وولي وشهود، يجتمع الذكرٌ والأنثى، ويرتبطان بارتباط وثيق لم يكونا من قبل ملزَمين به، وقد سماه الله بالميثاق الغليظ. يقول تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 28). [الفقهاء]
ب- النية الطيبة للمعاشرة بين الطرفين: بعد عقد النكاح تترُك المرأة أبويها وإخوانَها وسائرَ أهلها، وتنتقلُ إلى صُحبةِ رجلٍ غريب عنها، تفضي إليه ويفضي إليها، تقاسمه السراء والضراء وتكون زوجةً له، ويكون زوجًا لها تسكُن إليه ويسكُن إليها، ويكون بينهما من المودَّة والرحمة ما هو أقوى من كلِّ ما يكون بين ذوي القُربَى.
وبعد عقد النكاح يصير الشاب مسؤولا عن رعاية عائلته وما ينجب من أولاد، ويتحمل مسؤولية عبادتهم لله؛ فيأمرهم بالصلاة والزكاة وسائر العبادات، وينهاهم عن الفحشاء والمنكر، يقول تعالى: (1/2)
صفحة 3
{وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، (طه: 132). ويقول أيضا: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ}، (التحريم: 6). [الحقوق]
ج- الذِّكر: الذكر قوت الأرواح، وهداية العقول، وتبصرة النفوس، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده –عمرو بن العاص-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ" (1).
وذكر الله مَطردة للشيطان: حيث وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ خناس، فهو يفسد على الإنسان حياته، لكنه يخنس ويبتعد عنه بمجرد أن يذكر الله أو يتعوذ فيقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، يقول تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (الأعراف: 200). [العقيدة]
ولذلك فإن للذكر أهميةً أساسيةً في الارتباط بين الزةجين، وهو ما سنفصله في المطلب الموالي.
__________
(1) سنن أبي داود: باب في جامع النكاح، حديث 2162. (برنامج الشاملة). (1/3)
صفحة 4
المطلب الثاني: أثر الذكر على الرباط الزوجية:
1 - الزواج والانشغال عن ذكر الله:
حذر الله الإنسانَ المسلم من الانشغال بملذّات الدنيا وشهواتها عن ذكر الله، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِي اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، فيفسر الإمام ابن كثير الآية بقوله: "يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك ومخبرًا لهم بأنه من التَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتِها عما خُلِقَ له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة" (1).
أما القرطبي فيرى أن الآية السابقة تحذر المؤمنين من أخلاق المنافقين المنشغلين عن ذكر الله، بمعنى منشغلين: "عن الحج والزكاة. وقيل: عن قراءة القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقيل: عن الصلوات الخمس؛ قاله الضحاك.
وقال الحسن: جميع الفرائض؛ كأنه قال عن طاعة الله.
وقيل: هو خطاب للمنافقين؛ أي آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب.
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي من يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} " (2).
ويبين الطاهر بن عاشور سبب تخصيص الله الأموال والأولاد فيقول: "خص الأموالَ والأولادَ بتوجه النهي عن الاشتغال بها اشتغالاً يلهي عن ذكر الله، لأن الأموال مما يكثر إقبالُ الناس على إنمائها والتفكير في اكتسابها بحيث تكون أوقات الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد"، ثم استطرد قائلا: "وأما ذِكر الأولاد فهو إدماج لأن الاشتغال بالأولاد والشفقة عليهم وتدبير شؤونهم وقضاء الأوقات في التأنس بهم من شأنه أن ينسي عن تذكر أمر الله ونهيه في أوقات كثيرة، فالشغل بهذين أكثرُ من الشغل بغيرهما" (3).
والملاحظ في هذه التفاسير وغيرها أنها لم تَخرج عن تحديد أن الأموال والأولاد هم الذين يشغلون عن ذكر الله، مما يستدعي طرح سؤال يتناسب مع موضوع عرضنا:
هل الزوجة تشغل زوجها عن ذكر الله، وهل الزوج يشغل زوجته عن ذكر الله؟
ويأتي هذا السؤال الذي يبدو أن الجواب عنه متضمن في ما ذكره الله في الآية من الاقتصار على بعض أفراد العائلة وهم الأولاد، لكن المتأمل في اختيار الله لألفاظه سيطرح إشكالا مفاده، ما الحكمة من
__________
(1) تفسير ابن كثير: 8/ 133. (برنامج الشاملة).
(2) الجامع لأحكام القرآن: 18/ 129. (برنامج الشاملة).
(3) التحرير والتنوير: 28/ 251. (برنامج الشاملة). (1/4)
صفحة 5
عدم إيراد الله تعالى للزوج والزوجة ضمن الملهين عن ذكر الله؟ وهل من حكمة يمكن استنباطها من الآية في الاقتصار على الأموال والأولاد دون الأزواج؟
الجواب والله أعلم، أن الأموال والأولاد حبهما ذاتي في الإنسان، من خلال تحسس غريزة حب التملك، ورغبة استعطاف الأبوين لأولادهما، فلذلك عدَّ الله هذين الأمرين مما يلهيان عن ذكر الله تعالى، أما تعلق المرء بزوجه فهو استحداث لعلاقة جديدة لا يوجد فيها ما يوطدها ذاتيا، ولا ما يلزم الطرفين بالتقيد بها، ولذلك فهي علاقة غيرُ قوية عند تجردها، وأكثر من ذلك فهي في حاجة ماسة إلى عوامل أخرى خارجية عن إطار الزوجين لتثبيت المحبة والمودة بينهما، وباعتبار أن هذا الرباط هو علاقة روحية ونفسية بين طرفين مختلفين تماما عن بعضهما، فلا بد إيجاد متعلق يوطدها، ولا يكون إلا الله تعالى مؤلف القلوب ومقلبها، ومن هنا فلا بد من استحضار الله تعالى في كل حركة وسكون بين الزوجين وإلا خرجت العلاقة عن إطارها الصحيح، وشطت عن المستقر الذي حدده الله لأن تترعرع فيه، وبهذا يفسر –والله أعلم- سببُ عدم إدراج الله الزوجين ضمن من يشغل عن ذكر الله، على أساس أن هذه العلاقة لا تُطرح خارج دائرة معية الله، ومما يطمئن النفس على هذا البيان، أن المتتبع لآيات كلام الله تعالى لا يجد أن الله سمى هذه العلاقة فتنة، بخلاف ما فعل مع الأموال والأولاد في آيتين من القرآن، وهما:
- (سورة الأنفال: 28) , {وَاعْلَمُوا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
- (سورة التغابن: 15)، {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
ولعل ما يوضح أن العلاقة الزوجية لا يصح أن تتنفس بعيدا عن ذكر الله كونُها علاقةٌ نفسيةٌ بين غريبين لا يحق لهما الارتباط ببعضهما إلا باستحضار مقصد تحقيق سنة الله الكونية، ولأجل نيل رضاه تعالى، من خلال تحصين النفس عن الحرام، وطلب إحسان الزوجين لبعضهما في اليسر، والصبر على اختلافات بعضهما في العسر والمكره. وكل هذا يزيدنا تأكيدا أن سر النجاح في الحياة الزوجية هو ذكر الله أناء الليل وأطراف النهار، ويوضح أن العلاقة الزوجية لا تستقيم دون الرجوع إلى استشعار محاسبة الله في كل فعل وقول بين الزوجين، وأن أساس العلاقة الموجودة بين اثنين هو الطلب الملح من الله لتثبيت أواصر المحبة والمودة بين الطرفين مصداقا لقوله تعالى:
{وَمِنَ ـ ايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21). (1/5)
صفحة 6
2 - الزواج آية من آيات الله تعالى:
بالزواج يحقق الإنسان آية من آياته العظيمة في الكون، وبه يحقق رسالة الاستخلاف واستمرار النوع الإنساني، ولتحقيق هذه المعاني الطيبة وغيرها، ينبغي لكل راغب في الزواج، وعلى كل متزوج أن يطرح هذه الأسئلة على نفسه:
- هل علاقتي الزوجية منبنية على طاعة الله؟
- هل أستحضر ذكر الله في حياتي الزوجية؛ سواء في البيت، أم الفراش، أم في تربية الأولاد؟ ..
- هل أتحسس أن سبب الاضطراب في علاقتي الزوجية يعود إلى ارتكاب معصية، وسوء عبادة الله تعالى؟ وسيكون الجواب على هذه الأسئلة ضمن العناوين الفرعية التالية:
أ- التقيد بشرع الله:
الزواج أو التحضير له، بداية من اختيار شريك الحياة واستحضار مراسيم إقامته، ينبغي أن تتقيد كلُّها بشرع الله تعالى، حتى يستجاب دعاءُ المودة والرحمة بين الطرفين، وعلى الطرفين اعتبارُه من سنن الله تعالى الكونية، وليس عادة جرى عليها الناس، أو اختيارا أملته الضرورة الاجتماعية خروجا عن الانعزالية، وفكا لعقدة العزوبية، التي ينظر إليها المجتمع بمنظار النقص والاستغراب.
بل على المتزوجين الإيمان أن الزواج طاعة لله وعبودية له، وامتثال لسنة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعن أنس رضي الله عنه، أن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش.
فحمد الرسول ص الله وأثنى عليه. فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأُفطِر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (1).
وعليه فالتقيد بالضوابط الشرعية مما يثبت أواصر المحبة بين الزوجين، والإخلال بها، بداية من إقامة علاقة حب وغرام قبل الزواج، والحديث الثنائي الذي يثير الغريزة بين الشابين، والسير معا في حديقة أو طريق لأجل التعرف على عقلية الطرفين، والحديث المسترسل عبر وسائل الاتصال المعاصرة؛ من فايسبوك والهواتف، كلها ينبغي للمرء أن يسأل العلماء الثقات ويتحرى فتاوى العلماء قبل اقترافها والوقوع فيها، خشية أن يكون اقترب حراما، فلا يستجاب لدعائه في توطيد المحبة مع محبوبه، لأن المؤمن يعتقد أن المحبة ينزلها الله بين المحبوبين، ومتيقن أن الله لا يستجيب طلب عبده ما لم يستجب هو لأمر الله، من باب قوله
__________
(1) مسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، حديث: 2566. (برنامج الشاملة). (1/6)
صفحة 7
تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي، فَلْيَسْتِجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186).
وينبغي على المتزوجين أن يتقيدا بالشرع في كل معاملاتهما، فلا يحق لهما أن يرتادا أماكن اللهو والحفلات طلبا للترويح عن النفس، وتوددا لبعضهما.
ب- استحضار ذكر الله في كل حين:
قيد يبدو الأمر غريبا في وهلته الأولى، كيف للإنسان أن يكون ذاكرا لأدعية الله في كل حركاته وسكناته؟ وكيف العمل في المواطن التي يكون فيها الزوجان في حالة من الشبق أو بحال لا يمكنهما فيه التفكير بغير الاهتمام بعفلهما؟ لكن حينما نشرح معنى ذكر الله تعالى ستزول الحيرة بإذن الله.
إن ذكر الله يستعمل في معنيين؛ حقيقي ومجازي، فالحقيقي هو ذكر الله باللسان، كالصلاة، وتلاوة القرآن، والتسبيح لله بأدعية مأثورة، أما معناه المجازي فيقصد به التذكر بالعقل، والتدبر في أسماء الله الحسنى، وهذا الذكر الثاني لا يتطلب من المرء إلا استشعارُ عبوديتِه لله في كل حين، وأن الله هو الذي سيمده بنجاحه، وأنه هو الذي سيحقق له بغيتَه، وأنه هو الذي سيدخل السرور بينه وبين حبه، ومن هنا ينبغي استحضارُ النيةِ لله تعالى في كل أمر يرغب المرء فعلَه.
فتذكر صفات الله تعالى أنه الرحيم، والودود، والفتاح، واللطيف بعبده الأواب، سيجعله من الذاكرين، والمنيبين لله تعالى، وبالتالي فسيعتقد أن حياته الزوجية ليست من صنع أفكاره، ولا من جهوده الخاصة، وإنما هي فضل من الله تعالى الذي يرعاها أولا وآخرا، وما تلك التقنيات التي يكتسبها المرء من خبرات السابقين، والمهارات التي يتدرب عليها الزوجان إلا للاستئناس بها بعد تذكر أن الله هو الفاعل الأول في الأحداث، وكمثال واقعي في استحضار ذكر الله في كل حين: نقترح على الزوج –أو الزوجة- أن يستجمع نفسَه في ثانية أو أقل قبل أن يُحدث زوجته بكلام معسول، أو قبل أن يقدم لها هدية تفرحها، فيعتقد أن الله هو الذي سيفتح السرور بينه وزوجته، وهو الذي سيبعد التشنج الواقع بينهما، ثم يقدم ما عنده، وبهذا يكون قد حقق العبودية لله فعلا، وجعل حياته لله، واستحضر ذكر الله في فعله وقوله، ولذلك يقال: "من عمّر قلبه بدوام الذكر حسنت عشرته".
بعد هذا التفصيل يسهل علينا فهم ما علمنا رسول الله قولَه من أحاديث مأثورة تعين في توطيد أواصر المحبة، ولو كان المرء في الفراش، فعن ابن عباس ض، يبلُغ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو أن أحدكم إذا أتى (1/7)
صفحة 8
أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فقضي بينهما ولدٌ لم يضرُّهُ" (1).
ج- تجنب المعصية:
للمعصية أثر كبير على أواصر المحبة بين الزوجين، وغالبا ما يغفل الزوجان عن السبب الأول في تدهور العلاقة بينهما، فنجدهما يبحثان في الأسباب المادية، ويستنجدان باستشارات زائفة، ويستعينان بالعرافين والعرافات عند تعقد إيجاد حلول ناجحة لرأب صدع العلاقة بين الطريفين، في حين أن الإشكال الأكبر قد يكمن في كون علاقتهما بنيت على أساس سيء، أو أن بيت أسرتهما عشش فيه الشيطان، فلا يكاد يخرج منها هنيهة إلا عاد لأجل ما فيها من استحلال لحرمات الله، وعدم مجاهدة أفراد العائلة أنفسهم على طاعة الله في السراء والضراء، وبخاصة حينما تصدر من أحد الزوجين.
ولنا أسوة وموعظة جليلة في قصة آدم عليه السلام مع زوجته، حيث أعلمنا الله أنهما لما أكلا من الشجرة الممنوعة عليهما، بدت لهما سوأتهما، وحرما نعيم الجنة، يقول الله تعالى: {وَقُلْنَا يَآ ءَادَمُ اسْكُنَ اَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. (البقرة: 35، 36).
فالله نهى آدم وزوجه عن القرب من الشجرة، وهذا النهي عن القرب أبلغ من النهي عن ذات الشيء، ويدخل في باب البعد عن موارد الشبهات، من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" (2). وفعلهما أورثهما مشقة وعناء تكبداه بالإنزال إلى الأرض، وبهذا تقاس أغلب المعاناة الزوجية.
وبناء على قصة آدم عليه السلام فإنه بات من الضروري على الزوجين ترك مواطن الشبهات، والسعي الحثيث إلى التوبة والابتعاد عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ذلك أن العاصي لله بفعل أو قول يعد معرضا عن ذكر الله ومغضبا لربه عز وجل، وغير خاش لعقاب الله تعالى.
فتنبها أيها الزوجان من أن كل معصية لا بد لها من أثر سيء على حياتكما واستقراركما، فإذا تحسستما تغيرا في العلاقة بينكما، فأسرعا حالا إلى تحسين أمركما بربكما، وهو الغفور الرحيم، لمن تاب إليه ورجع نادما عن عصيانه، واحرصا على طاعة الله عوض معصيته حتى تعيشا حياة طيبة ملؤها الهناء والسعادة عوض حياة الشقاء، يقول تعالى: {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}، (طه: 124). نسأل الله أن يجعلنا ممن يلتزم بذكر الله في السراء والضراء، وأن يجعلنا ممن يطيع الله فيستجاب دعاءه، يا أرحم الراحمين.
__________
(1) البخاري: كتاب الوضوء، باب التسمية على كل حال وعند الوقاع، حديث: 140. (برنامج الشاملة).
(2) مسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث: 3081. (برنامج الشاملة). (1/8)