صفحة 1
الكتاب: قضايا الإصلاح الاجتماعي في مقالات جريدة الأمَّة لأبي اليقظان (1934 - 1938)
المؤلف: محمَّد أَحْمَد جَهْلان
دار النشر: جمعية التراث ، ومؤسَّسة الشيخ أبي اليقظان
البلد: الجزائر
تاريخ الطبع: ذو الحجة 1434هـ / أكتوبر 2013م
الطبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[أصل الكتاب دراسة أكاديمية بعنوان " البعد الاجتماعي في المقالة الإصلاحية الجزائرية من خلال جريدة الأمَّة لأبي اليقظان (1934 - 1938) " أنجزها الباحث سنة 1996 استكمالا لمتطلبات الليسانس، مِن كلية الآداب بجامعة الجزائر]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الذِّكرَى الأربعُون
لوفَاة الصحافي الشَّيخِ إِبْرَاهِيمْبَن عِيسَى حَمْدِي أبوُ اليَقْظانْ
قضايا الإصلاح الاجتماعي
في مقالات جريدة الأمَّةلأبي اليقظان
(1934ـ 1938)
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف: أ. محمَّد أَحْمَدْ جَهْلان
إشرَاف الشَّيخ الدُّكتور محمَّدْ بَن سْمِينَة
نشر جمعية التراث
و مؤسَّسة الشيخ أبي اليقظان (1/1)
صفحة 2
أصل الكتاب:
دراسة أكاديمية بعنوان: البعد الاجتماعي في المقالة الإصلاحية الجزائرية من خلال جريدة الأمَّة لأبي اليقظان (1934ــ 1938). أنجزها الباحث سنة 1996، استكمالا لمتطلبات الليسانس، بإشراف الدكتور المرحوم محمد بن سمينة، ونال بها الباحث درجة مشرف جدَّا من كلية الآداب بجامعة الجزائر.
تأليف:
أ/محمد بن أحمد جهلان
إشراف:
د/محمد بن سمينة
الطبعة الأولى
ذو الحجة 1434هـ / أكتوبر2013م
موقع الناشر على الأنترنت:
www .Tourath . org
الإيداع القانوني: (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
مقدِّمة الطبعة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله متمِّ النِّعم، والصلاة على رسول خير الأُمم، وخير من تسعى به قدم، محمَّد ح وعلى آله وصحبه ومن به اهتدى وأتمَّ.
أمَّا بعد؛ فإنَّالشيخ إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان كان رجلا فردًا في زمانه، فذًّا في مواقفه، صلدًا في معاركه، والمتأمِّل لسيرة هذا الرجل العظيم يدرك بوضوح بأنَّه عاش من أجل رسالة وغاية سامية، وعمل بكل ما أتيح له من وسائل من أجل مشروع كبير رهن له حياته، إنه بناء الشخصيةالجزائرية العربيَّة المسلمة، شخصية الإنسان القوي المعتزِّ بهويته، الثابت في عقيدته، ضدَّ تيارات التنصير والتجهيل والتغريب التي ما فتئ المستعمر يحاول إغراق الجزائريين فيها.
هذه أربعون عامًا تمرُّ على رحيل هذا الرجل، وما زالت سفن الباحثين تمخرُ عُباب أثاره، وتستكشف من غورها كنوز أفكاره وأسراره، فهو جمُّ المناقب متعدِّد المواهب؛ عالم بالشريعة الإسلامية ورائدٌ من روَّاد الحركة الإصلاحيَّة في الجزائر والعالم الإسلامي، أديبٌ وشاعر حسَّاس يتَّقد غيرةً على دينه ووطنه، ومؤرِّخ يسجِّل بنظره البعيد وفكره السديد أدقَّ جزئيات مجتمعه وأمَّته، فخلَّف بمذكراته وصحُفه وكتُبه تاريخًا حافلا (1/5)
صفحة 6
بالأحداث والأخبار، وهو إلى ذلك ناقدٌ اجتماعي وسياسيٌّ محنَّك أدرك علل مجتمعه فانبرى لعلاجها، ومجاهدٌ باسل صنديد، كافح من أجل حرِّية وطنه وبذل في سبيله من نفسه وماله، وهو قبل كل هذا وذلك، صحفيٌّمقتدر، فلُقِّب وله ذلك «بشيخ الصحافة الجزائرية»، قدَّم بين يدي جهادهالصحفيِّالكبير الذي اتصل اثنتي عشْرة سنةًكاملةًثمان صحفٍ كانالمستعمرُ يُسقطها الواحدةُ تِلْو الأخرى في ساحات الشهادة والجهاد.
إنَّ صحُف الشيخ أبي اليقظان التي غطَّت مرحلة ما بين الحربين العالميتين (1926 - 1938) هي في الحقيقة مصدرٌ تاريخي لا غنى عنه لكلِّ باحث جادٍّ في تاريخ الأمَّة العربية الإسلامية بعامَّة وتاريخ الجزائر بخاصَّة، وبتاريخ ميزاب بوجه أخص، في مرحلة من أخطر مراحل نهضتها واستعادة وعيها الحضاري، فكُلِّل هذا الوعي وهذه النهضة في الجزائر بعد عهد قريب بالثورةالتحريرية المظفَّرة التي دحرت المستعمر وطهَّرت من رجسه هذه الربوع الزكية.
ولقد تبوَّأت صحيفة "الأمَّة" الصادرة بين 1934 و1938 مكانة سامقة بين صحف الشيخ أبي اليقظان، ليس لأنَّها أطول صحفه عمرًا وأكثرها أعدادًا فحسب، بل ولأنها تغطِّي فترة حسَّاسة من تاريخ الحركة الوطنية الإصلاحية وهي فترة الثلاثينيات؛ حيث تشكلت الجمعيات وتأسَّست النوادي وازدهرت (1/6)
صفحة 7
فنون الكتابة، ونزل المصلحون إلى ميدان الدعوة والجهاد، فتبلورت أفكارُهم واتَّضحت معالم طريقهم القويم، متمثلين قول عزَّ من قائل ژ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا ?? عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) ژ [هود: 88]، فبدأت جهودُهم في تلك العهود تؤتي ثمارها في وعي الشعب الجزائريِّ نضجًا ثقافيًّا، وحسًّا وطنيًّا، وشعورًا قويًّا بالهوية والانتماء.
لقد كان اتِّصالي الأوَّلُ بصُحف الشيخ أبي اليقظان وأنا طالب لم أعتِّب العشرين بعد، وكان الفضل في هذا الاتصال الحميم -الذي ما يزال معقودًا إلى اليوم- يعود لأستاذنا الشيخ الدكتور محمد بن صالح ناصر الذي كلأنا برعايته العلمية، وكان يفتح لنا بيته في العاصمة الجزائر كلما زار الجزائر في العطل بعد سفره إلى سلطنة عُمان في مطلع التسعينيات، فكانت تجمعنا عنده جلسات علمية وأدبية رائقة، وكانالتوجُّه لدراسة صحف الشيخ أبي اليقظان من بنات أفكاره ومن ثمرات توجيهاته، فقمنا بتسجيل بحث الليسانس من معهد الآداب بجامعة الجزائر خلال السنة الجامعية (1415 - 1416هـ/ 1995 - 1996م)، بعنوان أكاديمي طويل: «البعدُ الاجتماعيُّ في المقالة الصحفية الإصلاحية الجزائرية، من خلال جريدة الأمَّة لأبي اليقظان 1934 - 1938»، وقد نال العمل تقدير اللجنة وحصل على ملاحظة درجة «مشرِّف جدًّا»، والحمد لله من قبل ومن بعد. (1/7)
صفحة 8
وحلَّت الذكرى الأربعون لوفاة الشيخ أبي اليقظان ... فألحَّ علي بعض الأساتذة الأفاضل في طباعة هذه الدراسة، وصادف أن طلب مني المشرفون على مؤسَّسة الشيخ أبي اليقظان الفتيَّة ذلك ليصدر بمناسبة الاحتفالية المحضَّرة لهذه الذكرى، تردَّدت بادئ الأمر لبعد عهدي بمعطيات الدراسة التي انقضى عليها ما يناهز عقدين من الزمن، ولكونالبحث باكورة طالبٍ ما يزال يتلمَّس مواقع أقدامه في سلم البحث العلمي، ومع ذلك رأيت طباعتها شعورًا بضرورة تعريفالخلف بجهاد السلف من الكتَّاب والأدباء المصلحين، وإخلاصهم في محاولة إصلاح أمًّتهم فخطُّوا بأقلامهم أجمل آيات الكفاح والنضال، ولإطلاع شباب اليوم على سيرة مشايخَورجال يحسبهم الجاهل بمنأى عن واقع الأمَّة وقضياها، بينما كانت لهم في صفحات الجرائد معاركُ وبطولات، وصَوْلاتٌ وجوْلات، وتخطوا بأفكارهم حدود المكان والزمان، وسَلَكَتْهُم في عِداد المشاهير من النبغاء والبلغاء والفرسان.
وبعد الذي تقدَّم، أرى واجبًا علي تنبيه القارئ العزيز إلى جملة من النقاط المهمَّة، قبل مباشرته قراءة هذا الكتاب، أوجزها فيما يلي:
1 - أساسُ البحث-كما أسلفت- مذكرةٌ جامعية، وكنت في إعدادها مقيَّدا بعنصري الوقت (سنة واحدة) وعدد الصفحات المحدَّد في الأعراف الجامعية، فلذلك قد يجد القارئ قصورًا -وليس تقصيرًا- في الإحاطة (1/8)
صفحة 9
ببعض الحقائق والمعلومات والمعطيات التي تبدَّت لنا بعد ذلك الوقت. ولم أعمد إلى إقحامها في متن الكتاب ولم أتصرف في معطيات البحث إلا بما اقتضته الضرورة من تصويبِ خطأٍ، أو تعديل تاريخٍ، أو إضافة معلومةٍمهمَّة موجزة في الهامش.
2 - أُنجز البحث في فترة نحسبُها من أحلك فترات الجزائر العصيبة ما بعد الاستقلال (1995 - 1996)، فكان ذلك عائقًا أمام طالب مبتدئ في الوصول إلى أرشيف الصحُف لدى الجهات الحكومية والخاصَّة، داخل الوطن وخارجه، وأمام محدوديَّة الإمكانيات، إذ لا تصوير رقميًّا آنذاك ولا كمبيوتر ولا أنترنت ... تمكنَّا من جمع مائة وثلاثة عشر عددًا من الجريدة من أصل مائة وسبعين هي أعداد الأمَّة، فأنجزنا البحث بالاعتماد عليها. ولقد يسَّر الله لنا بعد بضع سنوات جمع أعداد الأمَّة كلِّها من مصادر ومناطق متعدِّدة، وكذا أعدادٍ معتبرة من صحف الشيخ الأخرى، فقمنا بتصويرها وفهرستها، وإيداعها لدى جمعية التراث لتكون تحت تصرف الباحثين والدارسين.
3 - البحثُفي الأساس دراسةٌ أدبية، وليس في العلوم الاجتماعية أو الصحافة والإعلام، لذلك كان مطلوبًا منا قبل دراسة القضايا الاجتماعية في المقالات الصحفية الوقوف على الحالة الأدبية في الجزائر والمستوى الثقافي وحالة الصحافة وتأثرها بالنهضة الإصلاحية، ولقد (1/9)
صفحة 10
أبقيتُ هذا الفصل في الكتاب لما رأيت فيه من الفائدة للقارئ لوضعه في السياق الثقافي والأدبي السائد في تلك الفترة، وليدرك المستوى الثقافي والفكري الذي كانت تتمتَّع به أقلام الكتَّاب في ذلك الوقت.
4 - هيكل البحث كان مُرفقا بفصل أخير متعلِّق بالدراسة النقدية الأسلوبية لمقالاتالأمَّة، رأيت الاستغناء عنه لتعلُّقه أكثر بجانب التحليل الأكاديمي للنصوص الأدبية، إذ لم تعُد هذه القضيَّة هي بؤرة اهتمامنا في هذا الكتاب، بل أردنا التركيز أكثر على مواقف كتَّاب "الأمَّة" من القضايا الاجتماعية التي اعترضتهم، بغضِّ النظر عن المستوى الفني أو الإبداعي والجمالي لهذه المقالات. ولعلَّالتعرُّض للجانب الإبداعي الفني لتلك المقالات وتناولها بدراسة أدبية فنِّية نقدية سيكون موضوع دراسة أخرى مستقلَّة إن شاء الله.
أرجو أن يجد القارئ لهذا الجهد المتواضع فائدة ومُتعة، وأن يكوِّن صورة ولو جزئية عن اهتمامات كتاب الحركة الإصلاحية في الجزائر، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والحمد لله ربِّ العالمين.
أ. محمد بن أحمد جهلان
غرداية، الأحد 26 شوال 1434هـ
الموافق 01 سبتمبر 2013م (1/10)
صفحة 11
مقدمة
لا زلتُ ومنذ كنت فتى يافعا في صفوف الكشَّافة الإسلامية الجزائرية مُعجبًا بالجهد العظيم الذي بذله أستاذنا الدكتور محمَّد صالح ناصر في كشف النقاب عن شخصية الشيخ أبي اليقظان للأجيال المتأخِّرة، فكان يصوَّر لنا مُربِّيا وقائدًا وزعيمًا، حتى إنَّ أحد أفواج كشافة الحياة بالقرارة حمل وما يزال اسمه. ولعل وفاء الدكتور ناصر لشيخه أبي اليقظان كان حافزه لتقديم صُحف أبي اليقظان الثمانيةوكشف أغوارها للقارئ الجزائري، فكان بجهده المشكور قد أنار بكلِّ صفحة من جرائده صفحةً هامَّة من تاريخ الجزائر الحافل، وكانت مؤلَّفاته: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، «الصحُف العربية الجزائرية»، «المقالة الصحفية الجزائرية» من أهمِّ المصادر التي فتحت ليَ الطريق لإنجاز هذا البحث المتواضع.
ورأيت مواصلةً لمسار الدكتور ناصر في التقصي والبحث في تاريخ صحف أبي اليقظان، وبناءً على توجيهاته ونتائجه، بأن أخصَّ إحدى جرائد الشيخ بالدراسة، وهذا كان أمل الدكتور ناصر حين قام بتأليف «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، أن يهتمَّ باحثون بالتعمُّق في صحُف أبي اليقظان تلك، وأن تُفرَد كلَّ واحدة منها ببحثٍ خاصٍّ، فيسلَّط الضوء على أفكارها، (1/11)
صفحة 12
وتَعامُل كتَّابها مع أحداث تلك الفترة. ومن هنا كان اختياري لصحيفة "الأمَّة" [1934 - 1938]. كما أنَّ ثمَّة قناعة ذاتيَّة جعلتني أركِّز على الجانب المتمثِّل في قضايا الإصلاح الاجتماعي في مقالاتها، لأنَّه فيما أحسب هو الجانب البارز والمميِّز لصحف تلك الفترة.
أ- البواعث:
غير أنَّ السبب المباشر الذي دفعني إلى اختيار هذا العنوان «البعد الاجتماعي في المقالة الإصلاحية الجزائرية من خلال جريدة "الأمَّة" لأبي اليقظان (1934 - 1938)» (1)، فهو تأثُّري بتلك الروج الغيريَّة الإصلاحية الإسلامية التي كان يتَّسم بها كتَّاب تلك الحقبة الحرجة من
__________
(1) ـ سبقت الإشارة إلى أن هذا هو عنوان الدراسة الأكاديمية المنجزة سنة 1996م، إذ اقتضى منَّا أن يكون العنوان دقيقًا ومحيطًا وملمًّا بكل جزئيات الدراسة ومحاورها، وقد رأينا تعديل العنوان إلى الصيغة التي هو عليها الآن انسجاما مع طبيعة الكتاب وغايته.
كما تجدر الإشارة إلى أنَّ بداية صدور "الأمَّة" كان سنة 1933م، فقد صدر العدد الأول في 8 سبتمبر 1933، ولكن السلطات الاستعمارية أجهضته، وأوقفت صدور الجريدة سنة كاملة ليصدر العدد الثاني في 25 سبتمبر 1934، وبذلك اعتبرنا الميلاد الحقيقي للجريدة وبدايتها الفعلية سنة 1934 وليس 1933. (1/12)
صفحة 13
تاريخ الجزائر، خاصَّة وأنَّ هذه الروح قد خَفَت وهجُها اليوم وأضحى مجتمعنا أحوج ما يكون إلى أدباء مصلحين يكتبون مقالات صحفية تهدف أوَّل ما تهدف إلى استكشاف أمراض الأمَّة وإيجاد العلاج واللقاح، لإصلاح أحوالها وتغيير طباعها، وإيصالها إلى وعي ذاتها الحضارية، وعلى فهم بواعث النهضة وأسس الرشاد، فقد تحوَّلت صحف اليوم - إلا ما نذر - إلى مجرد نشرات إخبارية تكرِّس سطوة الواقع المظلم وتجعله -بكثرة ترديده- مألوفا مقبولا مستساغا لدى الجمهور! استجابة لهذا الباعث وتجسيدًا لهذا التصوُّر، الذي أرجو أن لا أكون فيه مخطئًا، قمتُ بهذا البحث المتواضع.
ب - منهج البحث:
أودُّ قبل التعرُّض إلى المنهج الذي اتَّخذه البحث وسار عليه، أن أوضِّح بعض الأمور الضرورية المتعلِّقة -خاصَّة- بالعنوان، ثمَّ بالفترة الزمنية التي يُعنى بها البحث. فقد اخترتُ صحيفة "الأمَّة" دون صحف الشيخ أبي اليقظان الأخرى لعاملين رئيسين: أوَّلا: الفترة الزمنية التي غطَّتها صحيفة "الأمَّة" (أربع سنوات صدر خلالها 170 عددًا)، مِمَّا جعلها تتميَّز بطول النفس، والتعرض لعددٍ لا بأس به من الأحداث، هذا مقارنة بجرائد الشيخ الأخرى التي يتفاوت عمرها بين (119عددًا) لـ "وادي ميزاب" و (عدد واحد) لـ "ميزاب". (1/13)
صفحة 14
ثانيًا: وهو السبب الرئيسي لاختيارنا "الأمَّة"، ويتمثَّل في طبيعة الفترة الحاسمة من تاريخ الجزائر والتي كانت تصدر فيها هذه الجريدة [1934 - 1938]، حيث وضحت أفكار الإصلاح، ورسخت في أذهان الكتَّاب المصلحين، واحتدم الصراع الفكري في قضايا المجتمع والدين والاستعمار ... ، فكانت "الأمَّة" من أبرز الصحف الإصلاحية أسلوبًا وأفكارًا وأهدافًا.
أمَّا التركيز على «قضايا الإصلاح الاجتماعي» والتعبير عنها بهذه اللفظ في العنوان، فلأنَّ القضايا الاجتماعية لم تكن تُخصُّ بمقالات علمية مجرَّدة كما نجده الآن في الدراسات الأكاديمية الجامعية، وإنَّما نستشفُّ هذه الظواهر الاجتماعيةمن خلال النظرة الإصلاحية الشاملة لجميع مناحي الحياة دنيا وأخرى، فلا نجد تمييزاً على سبيل المثال بين الإصلاح العقدي والاجتماعي لدى كثير من الكتَّاب، لما من تأثيرٍ واضح للعقيدة على تصرُّفات الأفراد وسلوكهم، كما أننا بالمقابل نجد بعض الكتَّاب - خاصَّة السياسيِّين ممن ينتسبون إلى ما يعرف بالتيار الوطني- مقالات يتعرَّضون فيها إلى بعض الظواهر لكن بنظرة تختلف عن نظرة الكتَّاب المصلحين، لذلك كان التخصيص في العنوان لتحديد (1/14)
صفحة 15
المقصود. وبما أنَّ "الأمَّة" كانت تنشر مقالات لكتَّاب جزائريين وغير جزائريين، مثل "الشاذلي خزنة دار" من تونس، و"محمَّد القرِّي" من المغرب، حيث كانا مراسلَين جادَّين دائمين لـ"الأمَّة"، والشيخ الإمام "محمد بن عبد الله الخليلي" من سلطنة عُمان، و"سليمان الباروني باشا" من ليبيا ... إلاَّ أنَّ البحث مقتصرٌ على إنتاج الكتَّاب الجزائريين تحديدًا، فإنِّي عمدتُ إلى استبعاد مقالاتهم -رغم قيمتها وأثرها- لأنَّني ركَّزت على قضايا الإصلاح في المجتمع الجزائري بالذات، ومن خلال ما كتبه الجزائريُّونعن مجتمعهم.
أمَّا المنهج الذي سار عليه البحث فإنَّ هذا الأخير لم يتقيَّد بمنهجٍ واحدٍ؛ تاريخي أو وصفي أو تحليلي أو استقرائي ... وإنَّما كان يتأرجح بين هذه المناهج، ويوفِّق بينها حسب الموضوع المعالج؛ فكان في التعرُّض إلى تطوُّر النثر الجزائري ونشأة فن المقال فيه، وكذا في تفصيل حياة الشيخ أبي اليقظان وجهادهالصحفيِّ، يعتمد المنهج التاريخي؛ فهو الأنسب للتعرُّض لهذه الأحداث، كما لجأت إليه في دراسة القضية الاجتماعية في المقالات وفق تطورها الزمني وذلك وفقا للأسبقية في تاريخ الصدور. (1/15)
صفحة 16
وقد اعتمدت تحليل بعض المقالات المنتقاة في كلِّ مبحث، فألجأنا ذلك إلى استعمال منهج تحليلي واستقرائي، بحيث كنت أجمع المقالات المكتوبة في نفس الموضوع، ثمَّ أنتقي التي أجدها أكثر إحاطة وأعمق فكرة وأكثر تركيزًا، كما اكتفيتُ بالوصف في بعض المقالات بخاصَّة تلك التي تُعنى بتحليل الأوضاع الاجتماعية السائدة في تلك الفترة، دون اللجوء إلى تحليلها لإمكانية استنباط المعنى منها مباشرة.
ج - هيكل البحث وخطَّته:
يحتوي البحث بعد هذه المقدمة على مدخل تمهيدي، ثمَّ مبحثين؛ يحتوي الأول على مطلبين، والثاني على ستَّة مطالب، ثمَّ خاتمة. وقد خصَّصتالمدخل التمهيدي للحديث عن النهضة الأدبية بالجزائر وعوامل قيامها بشكل عام، ثمَّ لتطوُّر النثر في هذا الأدب، وبوجه خاص ظهور فنِّ المقالة فيه. أمَّا الفصل الأوَّل فإنِّي قد ركَّزت الحديث في مبحثه الأوَّل على المقالة الصحفيَّة في النثر الجزائري الحديث، نشأةً ومراحلَ واتجاهاتٍ وأعلامًا، وتعرَّضتُ فيه لفنِّ المقال من بداية ظهوره إلى اكتمال صورته وعمق فكرته واتجاهاته المختلفة في ظلِّ الحركة الإصلاحية، بفضل الكتَّاب والأدباء المصلحين. ثمَّ خصَّصتُالمطلب الثاني في المبحث الأوَّل للتعريف (1/16)
صفحة 17
بالشيخ أبي اليقظان وجهاده الصحفي، ثمَّ ركزت الحديث على صحيفة "الأمَّة"، نشأةً وكتَّابًا واهتماماتٍ. أمَّا المبحث الثاني فهو عمدة الدراسة ولبُّها فقد تعرَّضت فيه إلى البعد الاجتماعي الذي استخلصته من مقالات "الأمَّة"، فكان مقسَّمًا إلى مطالب ستَّة رتَّبتها حسب الأهميَّة الاجتماعية والحضارية لكلٍّ منها:
فكان المطلب الأوَّل بعنوان: «إصلاح العقيدة ومقاومة مظاهر التزمُّت والجمود». والمطلب الثاني: «محاربةُ النعرات الطائفية ونزعات الفرنسة والإدماج»؛ وتعرَّضت في المطلب الثالث لقضية الجهل وآثاره وسُبل مكافحته، ثمَّ اهتمام "الأمَّة" بالتعليم العربي الأصيل، فكان بعنوان: «مكافحة الجهل ونشر التعليم العربي الإسلامي». والمطلب الرابع خصَّصته لاعتناء الكتَّاب بقضية الأخلاق، ومعالجة بعض الآفات الاجتماعية المنتشرة في تلك الفترة، فكان المطلب بعنوان: «الأخلاق والآفات الاجتماعية». ثمَّ خصَّصت جانبًا للأثر الذي تتركه العبادات في الأفراد والمجتمعات، كالصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... فكان بذلك عنوان المطلب الخامس: «الأثر الاجتماعي للعبادات»، تعرَّضت فيه لاهتمام الكتاب بالشباب وإصلاحه، واهتمامهم بالفتاةأوالمرأة المسلمة ودورها في المجتمع. (1/17)
صفحة 18
وكنتُ ملتزمًا في كلِّ هذه المطالب تقديم الأهمِّ فالمهمِّ، لا من ناحية القضايا المطروحة والأسبقية الزمنية فحسب، بل وحتَّى من ناحية الأفكار الواضحة على غير الواضحة، ومقالات الكتَّاب الأعلام على مقالات الكتَّاب المبتدئين، إذا لم يكن فيها تفاوت من ناحية جِدَّة الأفكار وجدِّية الطرح.
ثمَّ ذيَّلتُ هذين المبحثين بخاتمة عالجت فيها خلاصة البحث ونتائجه التي نمت وتطوَّرت مع كلِّ مبحث وكلِّ عنوان من هذين الفصلين.
د - الصعوبات:
إنَّ أيَّ بحث لا يخلو أن تعترض طريقه بعض العقبات، ولا أحبُّ أن أفصِّل الحديث عن تلك الصعوبات التي عانيتُها في جمع أعداد الأمَّة طوال ما يجاوز ثمانية أشهر كاملة من البحث والتنقُّل؛ بين المكتبة الوطنية والمكتبة الجامعية التي لا تملك - وللأسف - أيَّ عددٍ ورقي من هذه الصحيفة، وبين المكتبات الخاصَّة بوادي ميزاب لأخرج منها بعد التنقيب والبحث بنتائج هزيلة، أو بأيدي فارغة في كثير من الأحيان. وللأمانة أشير إلى أنَّ المكتبة الوطنية تمتلك نُسَخ "الأمَّة" كاملة مصوَّرة على أشرطة ( Micro Filme) منذ العهد الاستعماري، اطَّلعتُ عليها (1/18)
صفحة 19
فوجدت أنَّها - وللأسف دائمًا - غير مقروءة لسوء حالة الأجهزة وتلف الأفلام لقِدَمها، بحيث تتقصَّف في يد الباحث وتنكسر نتيجة سوء الحفظ والصيانة، لدرجة يستحيل معها إقامة أيِّ بحث في الموضوع. أقول لن أفصِّل الحديث عن هذه الصعوبات لأنَّها أضحت بعض واقعنا، وواقع الصحافة العربية الجزائرية من إهمال وضياع.
فقد كانت هذه الصعوبات التي واجهتني في مرحلة جمع المادَّة، وبعد أن تحصَّلتُ على أكبر عددٍ من "الأمَّة" (113 عددًا من أصل 170) اضطررت إلى الاكتفاء بها واعتمادها في البحث لضيق الوقت، فوجدتُ نفسي أمام صعوبات من نوعٍ آخر، وتتمثَّل غالبًا في صعوبة توزيع المقالات وتبويبها حسب اهتماماتها بالقضايا الاجتماعية، وصعوبة أخرى تكمن في اكتشاف البعد الاجتماعي من ذلك العدد الضخم من المقالات (ما يزيد عن سبعين مقالاً في موضوع البحث). ومنشأ هذه الصعوبات راجع إلى طبيعة المقالات نفسها؛ إذ غالبًا ما يحتوي المقال الواحد على أفكار متعدِّدة ومواضيع متداخلة؛ في الدين والسياسة والاجتماع، فكان استخراج البعد الاجتماعي منها كثيرًا ما تطلَّب منِّي الجهد والعناء والقراءات المتكرِّرة، وفي مثل هذه الحالة كنت أكتشف (1/19)
صفحة 20
المقال الذي يحمل أبعادًا اجتماعية حسب عنوانه أو الاتجاه الغالب عليه، والقضايا الرئيسية التي ركَّز عليها الكاتب دون غيرها، وأعدِل عن كثيرٍ من المقالات التي لا أجد البعد الاجتماعي فيها واضحًا.
هـ - الإشراف:
على الرغم من هذه الصعوبات المذكورة، فإنَّ البحث تخطَّاها في دأبٍ وصبرٍ، وأعترف بالفضل في ذلك لأستاذي الكريم: الشيخ محمَّد بن سمينة، الذي تكرَّم بالإشراف على هذا العمل، وكان لي طوال فترة البحث أستاذًا موجِّهًا، ومراقبًا طيِّبًا في كلِّ مراحله، وسأظلُّ مدينًا، لا إلى إرشاداته العلمية القيِّمة حول البحث فحسب، وإنَّما لتلك الصورة التي قدَّمها لي بخُلُقه العليِّ وبسلوكه العملي، مثالاً حيًّا لما ينبغي أن تكون عليه علاقة الأستاذ بالطالب من خلُقٍ رفيع وحسن معاملة، ولتلك الملاحظات التاريخية والقيم الإسلامية الأصيلة التي أودعها في نفسي خلال فترة الدراسة أو البحث، فهي لديَّ أعزُّ من كلِّ رعاية وآثر من كلَّ إرشادٍ وتوجيه (1).
__________
(1) ـ انتقل الشيخ الدكتور محمد بن سمينة إلى رحمة الله، يوم الأربعاء: 04/ 05/1430هـ الموافق: 29/ 04/2009م. (1/20)
صفحة 21
و- كلمة شكر:
أرى من الواجب ومن باب ردِّ الجميل، أن أنوِّه بالذين مهَّدوا لي الطريق لإنجاز هذا البحث، ومدُّوا ليَ يدَ العون من قريب أو بعيد؛ وأخصُّ من هؤلاء بالدعاء أستاذي الدكتور محمَّد بن صالح ناصر الذي كان بالنسبة لي الملهم لاختيار الموضوع، والمشرف الآخر بفضل مؤلَّفاته وجهوده ونصائحه، رغم بُعده بسلطنة عُمان (1). كما سأظلُّ معترفًا بالجميل لأولئك الذين هدَوني للحصول على أعداد "الأمَّة" وكانوا لي خير معينٍ ومرشدٍ، وأذكر منهم الأستاذ الدكتور عيسى وموسى محمَّد بن عيسى عميد المكتبة الوطنية (2)، والأستاذ محمد بن موسى بابا عمِّي (3) الأمين العام لجمعية التراث، الذي لم يبخل عليَّ بإرشاداته ونصائحه وتشجيعه طيلة فترة البحث.
__________
(1) ـ كان قد انتقل في تلك السنوات للتدريس في معهد العلوم الشرعية (معهد القضاء الشرعي سابقا) بسلطنة عمان من 1991 إلى 2002م.
(2) ـ سابقا، والدكتور حاليا مدير كلية المنار (مركز الجزائر)، وعضو المجمع الجزائري للغة العربية.
(3) ـ الدكتور حاليا مدير معهد المناهج بالجزائر، وباحث في مركز "أكاديميا" للدراسات الفكرية والبحث العلمي بإسطنبول، تركيا. (1/21)
صفحة 22
إلى هؤلاء جميعًا، وإلى غيرهم، أقدِّم شكري العميق واعترافي بفضلهم اعترافًا متَّصلاً.
محمدبن أحمدجهلان
الجزائر: يوم الجمعة 07جمادى الأولى 1416هـ.
الموافق: 20 سبتمبر 1996م. (1/22)
صفحة 23
مدخل تمهيدي:
النهضة الأدبية بالجزائر
وظهور المقالة الصحفية (1/23)
صفحة 24
[صفحة بيضاء] (1/24)
صفحة 25
مدخل تمهيدي
النهضة الأدبيَّة بالجزائر
و ظهور المقالة الصحفيَّة
إنَّ الدارس للأدب الجزائري يقف أمام آراء مختلفة للباحثين حول تحديد زمنيٍّ دقيق لتاريخ قيام النهضة الأدبية في الجزائر؛ فأرجعها بعضهم إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونذكر من بينهم الدكتور أبو القاسم سعد الله، والدكتور عبد الله الركيبي؛ إذ يذهب هذا الأخير إلى اعتبار سنة (1870) بداية لنهضة الشعر، بينما يرى أنَّ سنة (1830) -تاريخ احتلال فرنسا للجزائر- هي السنة المناسبة لقيام نهضة النثر (1).
أمَّا الدكتور عبد الملك مرتاض فقد ذهب في تحديد تاريخ نهضة النثر في الأدب الجزائري إلى سنة (1931)، ويعلِّل لرأيه هذا بتحديده الزمني لبحثه «فنون النثر في الأدب الجزائري» فيقول: «يعالج مرحلة النهضة الوطنية في الجزائر، وهي تبدأ ببداية ظهور العلماء سنة إحدى وثلاثين
__________
(1) ـ يُنظر: عبد الله ركيبي: «تطوُّر النثر الجزائري الحديث: (1830 - 1974)»، المؤسَّسة الوطنية للنشر والتوزيع، مطبعة القلم، تونس. 1983. (1/25)
صفحة 26
وتسعمائة وألف» (1). كما يرى آخرون بأنَّ النهضة الأدبية عمومًا ونهضة النثر بوجه خاصٍّ لا يمكن أن تسبق في الظهور مطلع القرن العشرين؛ ولهذا الرأي - حسب رأينا - نصيب أوفر من الصحَّة، إذ إنَّ قيام نهضة أدبية يتطلَّب توفُّر شروط وعوامل معيَّنة؛ كانتشار الطباعة، والصحف العربية التي فتحت أبوابها للكتَّاب والمبدعين، كذا عودة العلماء المصلحين من المشرق ليزرعوا أسُس الثقافة العربية الأصيلة في نفوس أبناء الشعب الجزائري، والذي ما فتئ يحاول الاطلاع على ما وصل إليه أبناء أمَّته في المشرق والمغرب من نهضة أدبيَّة وفكرية عن طريق الجرائد والمجلاَّت، رغم ما فرضته الإدارة الاستعمارية من مضايقات وحدود وقيود ...
وإذا أمعنَّا النظر في هذه الآراء - وهي على أيِّ حال متقاربة - انتهينا إلى الرأي الأرجح، وهو الذي يميل إلى تحديد فترة قيام النهضة شعرًا ونثرًا بالعقدين الأوَّلين من القرن العشرين (2)، وما يكون قد سبق هذه الفترة يمكن اعتباره إرهاصًا وتمهيدًا لهذه النهضة.
__________
(1) ـ عبد الملك مرتاض: «فنون النثر الأدبي في الجزائر (1931 - 1954)»، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر. 1983. ص: 2.
(2) ـ يُنظر: محمَّد ناصر: «الشعر الجزائري الحديث؛ اتجاهاته وخصائصه الفنية (1925 - 1962)»، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان. ط1. 1985. ص: 30 وما بعدها. (1/26)
صفحة 27
وإذا تعرَّضتُ في هذا الفصل إلى الأسباب العامَّة، والظروف الخاصَّة التي ساعدت على قيام النهضة الأدبيَّة، فليس ذلك إلاَّ من قبيل وضع البحث في إطاره الزَّمني، لنتبيَّن الوضعية الأدبيَّة العامَّة في تلك الفترة، وماكان لي إيرادها بإيجاز إلاَّ خوفًا من الاستطراد والخروج عن جوهر البحث، وما سوى ذلك من تفاصيل وجزئيات، فسنتركها للرَّاغب في التَّوسُّع والاستزادة يلتمسها من المصادر المعتمدة (1).
أ ـ عوامل قيام النهضة الأدبية بالجزائر:
إنَّ قيام نهضة فكرية وأدبية بالجزائر كان -كما أشرنا سابقًا- نتيجة لتوفُّر عوامل معيَّنة، سنحاول أن نوجز بعضها في النقاط التالية:
__________
(1) ـ يُنظر عبد الله ركيبي: «الشعر الديني الجزائري الحديث»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط1، 1981، ص 33 إلى 42. عبد الملك مرتاض: «فنون النثر الأدبي في الجزائرالحديث»، الفصل الثاني «نهضة الأدب المعاصر في الجزائر (1925 - 1954)»، الشركة الجزائرية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983،ص 17 وما بعدها. ويُنظر: أبو القاسم سعد الله: «دراسات في الأدب الجزائري الحديث»، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائري، الجزائر،1985، ص 17 وما بعدها. ويُنظر: محمَّد ناصر: «الشعر الجزائري الحديث»، ص 30 وما بعدها. (1/27)
صفحة 28
1 - عودة العلماء المسلمين من المشرق:
مقتنعين بضرورة الإصلاح، وبثِّ روح اليقظة في نفس الشعب الذي ظلَّ يرزح تحت نير الاستعمار والجهل والفقر والتخلُّف والخرافات ... فكان أوَّل ما قاموا به، نشر العلم الأصيل بأرجاء الوطن وتخليص الدين القويم من الخرافات والبدع والمنكرات التي ألصقها الجهلَة به، فقد اتَّخذ ابن باديس بعد عودته من تونسمن المسجد الأخضر بقسنطينة منبرًا لنشر العلم والمعرفة، وقام بنفس العمل إخوانه المصلحون، أمثال المشايخ: الطيب العقبي، محمد البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي، والعربي التبسِّي، والإمام إبراهيم بن عمر بيُّوض رائد الإصلاح في الجنوب الجزائري، والشيخ أبي اليقظان ... ، وعلى أيدي هذه الثلَّة من العلماء المصلحين فُتحت مدارس حرَّة في ربوع الوطن تدرِّس القرآن الكريم، والسنَّة الشريفة، وعلوم اللُّغة وفنونها، وبعض العلومالوضعيَّة، مقاومة بذلك تيَّار التغريب الذي كانت الإدارة الفرنسية قد أمعنت في إغراق الجزائريين فيه، كما أسَّس العلماء نوادي أدبيَّة وفكرية وجد فيها الشباب منبرًا لتفجير طاقاته الأدبية، بعد أن تأثَّر بفكرة الإصلاح واتَّخذها عقيدة وشريعة (1).
__________
(1) ـ نذكر من بين هذه المدارس والمعاهد: مدرسة تهذيب البنين والبنات بتبسَّة، ومعهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، ومعهد الحياة بالقرارة الذي ناهز التسعين عاما في تخريج الطلبة والعلماء وما يزال يواصل أداء رسالته إلى اليوم. ومن بين أبرز النوادي الدبية والفكرية نذكر: نادي الترقِّي بالعاصمة الذي تأسَّس سنة 1927، ونادي النَّهضة 1932، ونادي التقدُّم 1935 بالبليدة. يُنظر للتفاصيل: أبو القاسم سعد الله: «دراسات في الأدب الجزائري الحديث». ص: 116 - 117. (1/28)
صفحة 29
2 - انتشار الطباعة وظهور الصحافة العربية:
شهدت العقود الثلاثة الأولى من هذا القرن تطوُّر الطباعة العربية، بعد أن كانت وسيلة في يد المستعمر تخدم أغراضه بإصدار بعض الجرائد والكتب. فتأسَّست المطبعة الإسلامية في العشرينيات بقسنطينة، وكانت قد تأسَّست من قبل المطبعة الثعالبية لصاحبها "رُدُوسي قدُّور بن مراد التركي" بالعاصمة سنة 1896م، ثمَّ تأسَّست بالعاصمة كذلك المطبعة العربية للشَّيخ أبي اليقظان إبراهيم عام 1931م. وكان لهذه المطابع وغيرها الفضل في إبراز نتاج الكتَّاب الجزائريين من شعرٍ ونثرٍ، وتشجيع الشباب على التأليف، خاصَّة بعد ظهور الصحافة العربية الإصلاحية فاتَّخذها العلماء المصلحون «لسانهم المعبِّر عن آلامهم وآمالهم، فصدرت "الإقدام" للأمير خالد سنة 1920» (1)، وقبلها
__________
(1) ـ عرفت الجزائر في الربع الأوَّل من القرن العشرين من الصحف والمجلات العربية ما لم تعرفه الجزائر في فترة حكم الحزب الواحد بعد الاستقلال، بالرغم سياسات القمع والغلق والمتابعة التي انتهجتها السلطات الاستعمارية. ولقد سجل الدكتور محمَّد ناصر صدور ما يناهز تسعين صحيفة ومجلة عربية في ذلك العهد. انظر لمزيد من التفاصيل محمَّد ناصر: «الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954»، نشر ألفا ديزاين، الجزائر، ط2 مزيدة ومنقحة، 1427هـ/ 2006م. (1/29)
صفحة 30
كانت قد صدرت مجلة "الجزائر" لعمر راسم سنة 1908، والفاروق لعمر بن قدور الجزائري سنة 1913 "ذو الفقار" سنة لعمر راسم سنة 1919، ثمَّ توالت الجرائد في الصدور؛ فكانت "صدى الصحراء" لأحمد بن العابد العقبي، و"المنتقد"و"الشهاب" للشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1925،و"الحق" لعلي بن موسى العقبي و"وادي ميزاب" للشيخ أبي اليقظان سنة 1926، وكان بعدها صدور "البرق" للشيخ محمد السعيد الزاهري و"الإصلاح" للشيخ الطيب العقبي سنة 1927 (1). وراحت هذه الصحف وغيرها تؤدِّي رسالتها الإصلاحية رغم سياسة الخنق والتضييق التي انتهجتها الإدارة الفرنسية تجاه كلِّ ما تشتمُّ منه رائحة الإسلام، والاعتناء باللغة العربية، وتحارب كلَّ ما يساعد على إنهاض الشعب وتحريره.
__________
(1) ـ محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية؛ نشأتها. تطوُّرها. أعلامها. من 1903 إلى 1931»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر. 1978. مج1، ص: 45. (1/30)
صفحة 31
3 - أثر النهضة الأدبية والفكرية بالمشرق:
لا بدَّ عند الحديث عن عوامل قيام النهضة الأدبية والفكريَّة بالجزائر من الإشارة إلى المؤثِّر الخارجي المتمثِّل في مراكز نشر العلم بالمشرق العربي وتونس والمغرب، فقد كان لجامع الزيتونة أثره الواضح في النهضة الفكرية والأدبيَّة عن طريق احتضانه للبعثات التعليمية. وقد ترأَّس الشيخ أبو اليقظان إبراهيم أوَّل بعثة من هذه البعثات إلى تونس سنة 1914م، كما كان لجامع القرويين بفاس شيءٌ من هذا الأثر. والمؤثِّر الكبير الذي لا ينبغي إهماله، هو ظهور الحركات الإسلامية الحديثة بالمشرق العربي بما لها من آراء وتأثيرات معتدلة أو متطرفة: كالوهَّابية (1)، والأفغانية (2)، والعبدوية (3)
__________
(1) ـ نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب (و:1115هـ/1703م- ت:1206/ 1791م) حركة تميَّزت في منطلقها بمحاربة البدع كإقامة الأضرحة في أماكن العبادة، له كتاب «التوحيد وكشف الشبهات» يُنظر: محمَّد فريد وجدي: «دائرة معارف القرن العشرين»، دار المعارف للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. الطبعة الثالثة. سنة 1971م، مج 10، ص: 771.
(2) ـ نسبة إلى جمال الدين الأفغاني، ولد بأسعد أباد بأفغانستان (1254هـ/ 1897م)، حُكم عليه بالجلاء من الأستانة إلى مصر سنة 1281هـ، ونفاه بعد ذلك الخديوي توفيق من مصر سنة 1296هـ، لحركته النشيطة في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، فجال بين بلدان أوروبا وإيران، ومن لندن قصد الأستانة وبقي بها حتَّى توفِّي سنة (1314هـ/ 1897م). يُنظر: م. س، ص: 163. ويُنظر: المهدي البوعبدلي: «دور جمال الدين الأفغاني في يقظة الشرق ونهضة المسلمين»، مجلَّة الأصالة، ع: 44، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر. أفريل 1977، ص: 28.
(3) ـ نسبة إلى محمَّد عبده (و:1849/ ت: 1905م)، ولد في دلتا مصر. من العلماء المعاصرين الدعاة إلى الإصلاح. تلميذ الشيخ جمال الدين الأفغاني ومؤازرُه. اعتُبر محمَّد عبده من أكبر دعاة النهضة والإصلاح في العصر الحديث. يُنظر: عبد الكريمبوصفصاف: «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطوُّر الحركة الوطنية الجزائرية 1931 - 1940»، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر. ط1. 1981، ص: 54. (1/31)
صفحة 32
كانت هذه كلُّها حركات تجد أفكارها صدىً واسعًا في الشعوبالعربية في المشرق والمغرب، خاصة عن طريق مجلَّة "العروة الوثقى" التي أصدرها الشيخان الأفغاني وعبدُه، و"المنار" (1) للشيخ محمد رشيد رضا (2).
__________
(1) ـ "العروة والوثقى" بدأت الصدور بباريس في (13/ 03/1884). "المنار" بدأت الصدور بتاريخ (15/ 03/1898).
(2) ـ محمد رشيد رضا: و:1865/ ت:1935م، ولد في "القلمون"بلبنان. من علماء الإسلام الأفذاذ، تلميذ الشيخ محمَّد عبده. عُرف بالدعوة إلى الإصلاح، ونشر تفسيره للقرآن "المنار" على منهج أستاذه محمَّد عبده يُنظر: بوصفصاف عبد الكريم: «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ... »، ص: 54. (1/32)
صفحة 33
«فإنَّ الأقلام الرفيعة التي كانت تدبِّج المقالات الرائعة على أعمدة "العروة الوثقى"، و"المنار"، و"المؤيِّد"، و"اللواء" قدَّمت للمعجبين بها في الجزائر أمثلة حيَّة في الأفكار والأساليب، راحوا يقلِّدونها، ويتأثَّرون بخطواتها ... » (1).
هنا يجدر بي أن أشير إلى أنَّ هذه الصحف المشرقية الراقية كان لها من رفعة المكانة، وعظمة الشأن في نفوس القرَّاء الجزائريين فكثر طلبهم عليها وحرصهم على مطالعتها فكان بعضهم يسميها «تحائف الشرق» (2)، وهذا جعلها تضاهي في كثير من الأحيان مكانة الصحف الوطنية؛ ولعلَّ هذا يفسِّر بقاء
__________
(1) ـ محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، ج1، ص: 32.
(2) ـ جاء في رسالة الكاتب سعيد بن بالحاج شريفي من ميزاب إلى أبي اليقظان في العاصمة يطلب منه إتحافه بالصحف المشرقية: « ... إنَّني بقيتُ وحيدًا محتاجًا إلى المؤانسة، وإلى من يُطرفني بالأشياء، ويشاركني في السرَّاء والضرَّاء، محتاجًا إلى ما عندَكُم من تحائف الشرق، غير «الرسالة» أو «كلُّ شيء»، فلا تظنَّ أنَّنا نستغني عنها ونزهد فيها، فإنَّ رغبتنا منها هي هي، ولا يأتينا من تونس غير تينك المجلَّتين بالفلوس العزيز ... إنَّنا نترقَّب بريد اليوم بفارغ صبر، مساكين نحن مساكين، ومن أولى منَّا بالعطف والرثاء؟». رسالة مؤرَّخة بـ 25 شوَّال 1354 هـ جانفي 1936. يُنظرمحمَّد ناصر: «من رسائل الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان»،مجلَّة الحياة، ع09، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، رمضان 1426هـ/ نوفمبر 2005م. ص: 128. (1/33)
صفحة 34
أعداد كثيرة من هذه الصحف والمجلاَّت المشرقية محفوظة في المكتبات الخاصَّة في شمال البلاد وجنوبها، بينما قد لا نجد فيها مثل هذه الأعداد من الصحف الوطنية.
كانت هذه العوامل مجتمعة، وغيرها، لم يتَّسع المجال لذكرها، أسبابًا مباشرة لقيام النهضة الفكرية والأدبية عمومًا، ونهضة النثر بوجه خاصٍّ. وإذا كان لنهضة الكتابة الأدبية هذه العوامل والمسبِّبات، فما هي المراحل التي مرَّ بها النثر الفني منذ قيام النهضة إلى الفترة التي يعنى بها هذا البحث؟
ب ـ تطوُّر النثر الفني الجزائري الحديث:
إنَّ المتتبِّع لتطوُّر حركة النثر الفني في الجزائر يجد أنَّها قد مرَّت - منذ قيام النهضة الأدبية في أوائل هذا القرن، حتى قيام الحرب العالمية الثانية- بمرحلتين بارزتين يمكن إيجازهما في ما يلي:
1 - مرحلةالتقليد:
وتمتدُّ جذورها إلى ما قبل النهضة الأدبية، ويمكننا أن نميزها بالعقود الثلاثة الأخيرة من القرن (19م) إلى بداية الحرب الأولى. كانت الكتابة الفنيَّة في هذه الفترة مثقلة بالتنميق اللفظي المتكلَّف، والإكثار من المحسنات (1/34)
صفحة 35
البديعيَّة، كما كان النثر محدودًا في مضامينه لا يتعدَّى القضايا الدينية والتعليميَّة. وهذا لم يمنع ظهور طبقة من الكتاب اقتربت بعض الشيء من المجتمع واحتكَّت بالواقع، من بينهم: عبد القادر المجَّاوي (1848/ 1914)، والشيخ محمَّد بن شنب (1869/ 1930)، والشيخ عمر بن قدُّور (1886/ 1930)، وفي هذه المرحلة بدا تأثُّر الكتاب الجزائريين بالتراث الأدبي القديم واضحا أسلوبا ومضامين (1).
2 - مرحلة الانتقال والنهضة:
وهي التي دامت فترة ما بين الحربين، وفيها عرف النثرُ نهضته الفعليَّة بفضل تطوُّر عوامل النهضة وجهود حركة الإصلاح، فبرز كتَّاب الخطبة والمقالة أمثال المشايخ: ابن باديس والطيب العقبي والإبراهيمي وأبي اليقظان، وغيرهم من علماء الحركة الإصلاحية وأدبائها الذين أثروا النثر الأدبي بتعرُّضهم لقضايا الدين والمجتمع والسياسة، وما شهدت هذه المرحلة ظهور بعض الكتابات متحرِّرة في أسلوبها من التكلُّف والإثقال والتنميق، وذلك بالحرص في أغلب الأحيان على تطويع اللغة للتعبير عن الفكرة الواقعية: اجتماعية كانت أم دينية أم سياسية ...
__________
(1) _يُنظر: عبد الملك مرتاض: «فنون النثر الأدبي في الجزائر»، الفصل الأول. (1/35)
صفحة 36
والبحث يعني بمرحلة النهضة والانتقال هذه، إذ إنَّ الفنون النثرية-والأدب عموما- قد عرف بعد هذه الفترة تطورًا ملحوظا، وبرزت أنواع كتابية جديدة مثل القصة والأقصوصة والمسرحية والخاطرة، وغيرها من الفنون النثرية الحديثة.
ومرحلة النهضة تعتبر مرحلة حاسمة في تاريخ النثر الفني في الأدب الجزائري، وفيها تمكَّن الأديب من وعي ذاته، وآمن بضرورة إيقاظ شعبه وأمته، وبين طيَّات هذه النهضة كانت تنمو بذور الرفض، والإقناع بأنَّ الإدارة الفرنسية غريبة عن الشعب الجزائري المسلم، وأنَّ ما أصاب مجتمعه من تخلُّف في شتى الميادين أمرٌ خطير يجب التنبُّه له، واقتراح الحلول المناسبة له في ضوءٍ من الكتاب والسنة النبوية الشريفة.
ج ـ ظهور المقالةالصحفيةفي النثر الجزائري الحديث:
إنَّ تطور الحياة الفكرية والأدبية بالجزائر أوجد أنواعا أدبية حديثة (1) تتماشى مع تطوُّر المجتمع، ورُقي مستوى أبنائه الثقافي، فنجد أنَّ قيام النهضة
__________
(1) _ تجدر الإشارة إلى أنَّ الأدب الجزائري قد عرف أنواعًا أدبية قديمة مثل: فن الترسُّل، والخطابة، والمقامة، وأدب الرحلة. وآثرت عدم التعرُّض إليها خوفا من الاستطراد والابتعاد عن جوهر البحث، وللاطلاع عليها يُنظر: عبد الله ركيبي: «تطور النثر الجزائري الحديث»، ص:11 وما بعدها. (1/36)
صفحة 37
الفكرية والأدبية، والاتصال بالثقافة المشرقية، ووعي الشعب الجزائري ذاته، وحتمية إصلاح واقعه، كلها عوامل اجتمعت لتدفع بالكاتب الجزائري إلى إبداع أنواع أدبية جديدة، مثل القصة والرواية والمسرحية وغيرها.
ولعلَّ أبرز وأوَّل هذه الأنواع الحديثة ظهورا في الساحة الأدبية، فن المقال أو المقالة؛ إذ كان ظهوره مرتبطا بظهور الصحافة العربية وتطوُّره منوطا بتطورها وتعقُّد الأحداث التي شهدها المجتمع الجزائري والأمة العربية بوجه عام.
ولعلِّيَ لا أكون مجانبا للصواب إن قلت بأنَّ المقالة الصحفية قد غدت أصدق وثيقة وأبلغ صورة في رسم الواقع المعيش بالجزائر في الفترة الممتدة بين الحرب العالمية الأولى واندلاع ثورة التحرير الجزائرية. وظلَّت خير وسيلة عبَّر بها الكاتب المتمكِّن أو المبتدئ عن أفكاره، ومواقفه إزاء ذاته ومجتمعه.
وإذا كان للمقال هذا الدور البارز في تصوير حالة المجتمع الجزائري وهذه الأهمية الثقافية والتاريخية، فقد كان للمقال القصصي - بشكل خاص- دور عظيم كذلك في انطلاق الكتابة في آفاق أدبيَّة أرحب. «وقد لعب المقال القصصي دورا بارزًا في الحياة الأدبية فقد ساهم في التمهيد لتطوُّر القصة الفنية فيما بعد ... » (1).
__________
(1) _ م. س، ص: 168. (1/37)
صفحة 38
كما كان تنوُّع الآراء والأفكار، واختلاف المشارب الثقافية للكتَّاب الجزائريين قد أوجد في كتابة المقال اتجاهات مختلفة، فإن هذه الاتجاهات تتَّحد وتتوحَّد حول القضية الواقعية الجزائرية، والواقع الإسلامي العربي بوجه عام. ويبدو أنه من الضروري قبل التعرُّض إلى أبرز هذه الاتجاهات، أن أستعرض المراحل التي مرَّت بها المقالة الصحفية في النثر الجزائري الحديث، من خلال استعراض ظروف نشأتها ومراحلها وأبرز أعلامها، لنخلص إلى الاتجاهات الكبرى التي عرفتها، ثم ارتأيت أن أعقد قسما لأحد أبرز كتَّاب المقال في الفترة التي يُعنَى بها البحث ألا وهو المجاهد: أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى (1)، وأتعرض لصحافته ولجريدة "الأمة" بوجه خاص، هذا ما سنُفصِّل الحديث فيه في الصفحات الآتية.
__________
(1) _ يُنظر: تفاصيل عن حياة الشيخ أبي اليقظان وجهاده، في القسم الخاص به من البحث. (1/38)
صفحة 39
المبحث الأول:
المقالة الصحفية في النثر الجزائري
وفي صحيفة الأمَّة لأبي اليقظان (1/39)
صفحة 40
[صفحة بيضاء] (1/40)
صفحة 41
المطلب الأول
المقالة الصحفية في النثر الجزائري الحديث (1)
1. نشأتها:
إن المقالة في الأدب الجزائري لم تختلف عن المقالة في المشرق من حيث النشأة، فإنها لم تعرف منشأ غير الصحافة. بيد أنَّ المقال الصحفي شهد تأخرًا في الظهور يقارب النصف قرن من ظهور الصحافة بالجزائر، فقد كانت صحف مثل "المبشر الحكومية" (1847/ 1927)، و"الجزائري" التي صدرت سنة (1900) تخدم أغراض المستعمر بشكل واضح مباشر، فكانت مخلصة لخططه تنشر القرارات والمراسيم والأخبار التي تكرس الهيمنة الاستعمارية وتدور في فلكها.
ويعود الفضل في ظهور المقالة في الصحف العربية الجزائرية إلى تأثير الصحف المشرقية الرائدة مثل: "العروة الوثقى" و"المنار" وغيرهما في القرَّاء الجزائريين المعجبين بآراء وأفكار كتَّابها، وأساليبهم المتميِّزة في الكتابة.
ورغم المضايقات وأحكام المصادرة التي عرفتها الصحافة الجزائرية من قِبَل السلطات الاستعمارية الحاكمة، زيادة على العقبات الفنية كندرة
__________
(1) _ يُنظر: محمَّد ناصر: «المقالةالصحفية الجزائرية»، مج1، لمزيد من التفاصيل. (1/41)
صفحة 42
وسائل الطباعة العربية، وضعف التمويل، ... فقد «واصلت الصحف الصدور وقدمت الضحايا، وحفظت شرف الكلمة، كانت تخرج أحيانا بيضاء الأنهر، وسقط كتَّابها تحت المحاكمات، ولكنها استطاعت أن تردَّ على كل ادِّعاء وترُدَّ كل عدوان» (1).
وقد أرجع عبد الملك مرتاض ظهور فن المقالة في الجزائر إلى عوامل ثلاثة:
«1 - انتشار الصحافة العربية في الجزائر.
2 - حبُّ التعبير عن الرأي الذي نشأ عن الوعي الثقافي.
3 - الصراع الفكري بين المثقفين» (2).
ولعلَّنا نستطيع أن نضيف عاملا بارزا حفز على نشأة المقالة الصحفية وعلى بقائها، وهو استماتة الكتَّاب الجزائريين في سبيل تبليغ أفكارهم، ومقاومة الأميَّة المتفشية في أوساط الشعب والقضاء على نفوذ رجال الطرق المتزمِّتين. فإن هذه الأهداف الإصلاحية أخذت من العلماء والكتَّاب الجهد الجهيد، وضحَّى من أجلها أصحاب الصحف العربية: «ولعل مأساة جرائد أبي
__________
(1) _ أنور الجندي: «الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا»، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965، ص: 193.
(2) _ عبد الملك مرتاض: «فنون النثر الأدبي في الجزائر»، ص: 85. (1/42)
صفحة 43
اليقظان الثمانية التي تساقطت مستشهدة الواحدة تلو الأخرى في مدَّة لا تزيد عبن ثلاث عشرة سنة من أروع أمثلة الجهاد الصحفي في الجزائر، ومن أعجب مواقف التحدي والمقاومة» (1).
تلك هي الظروف القاسية والوضعية الحرجة التي عرف فيها فن المقال ظهوره ونشأته، وما كابدته الصحافة العربية - التي أنجبت فن المقال - من خنقٍ ماديٍّ ومعنويٍّ من قبل السلطة الاستعمارية الحاكمة. فإذا عرفنا هذا أمكننا أن نتبيَّن المراحل التي مرَّت بها المقالة الصحفية الجزائرية، فيمكن أن نقسمها إلى مراحل ثلاث.
2. مراحلها (حتى نهاية فترة البحث):
أ- المرحلة الأولى: (1903/ 1914):
في هذه المرحلة نشأ فن المقال في الأدب الجزائري الحديث مرتبطا بظهور الصحافة، كما أسلفنا الذكر. وما سبق هذه الفترة من كتابات نثرية فإنه لا يرقى إلى مستوى هذا الفن، لعدم توفُّر خصائص المقالة، وظروف كتابة المقالة بوجه عام. وقد حدَّدتُ هذه المرحلة بسنة (1903) لارتباط هذا
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، ص: 49. (1/43)
صفحة 44
التاريخ بظهور صحيفة "المغرب" التي نحسبها أولى الصحف العربية التي نشرت مقالات النخبة المثقفة من الجزائريين لتنوير الرأي العام الإسلامي الجزائري والعام، وهي التي وضعت بين يدي الشيخ محمد عبده حين زار الجزائر وقال بأنها: «نافعة للجزائريين المحرومين من الصحف الوطنية العربية التي تعرِّفهم بعض أحوال الناس، وشؤون الاجتماع، فنتمنى لها دوام القصد والرواج» (1).
وقد حاول كتَّاب المقال في هذه المرحلة الاقتراب في التعبير من بعض مظاهر الواقع الجديد، غير أنها ظلت من ناحية الأسلوب واللغة شديدة الاتصال بالطابع التقليدي القديم. وأخذ الكتاب في هذه الفترة في إثراء بعض الصحف العربية الأولى بمقالاتهم ومحاولاتهم الأدبية. ونذكر من بين هذه الصحف: صحيفة "الجزائر" [1908] التي حملت شعار «الجزائر للجزائريين» و"ذو الفقار" [1913 - 1914] لعمر راسم (2)، ونحسب أنَّ
__________
(1) _محمَّد ناصر: «الصحف العربية الجزائرية»، ص: 29، 30، نقلا عن مقال بدون ذكر المؤلف: النهضة العربية بالجزائر ... مجلة كلية الآداب، جامعة الجزائر، ع1. 1964، ص: 60.
(2) _لتفاصيل وافية عن هذه الصحف، يُنظر: محمَّد ناصر: «الصحف العربية الجزائرية». (1/44)
صفحة 45
عمر راسم كان من أبرز كتَّاب المقال في هذه الفترة حيث كان يطرِّز بمقالاته النارية صحيفته هذه "ذو الفقار" باسم مستعار هو «أبو منصور الصنهاجي»، فجابه من خلالها أفكار المشعوذين، ويسعى إلى إصلاح المجتمع. فقد اعتبر الشيخ محمد عبده مثالا ورمزا يُقتدى، ونجده يقول في افتتاحية العدد الأول من جريدته هذه: «"ذو الفقار" جريدة عبدويَّة إصلاحية، وإنها لا تخرج عن الطريقة التي خطَّها لها رجال الإصلاح المخلصون ... » (1).
كما ظهر في هذه المرحلة كتَّاب آخرون أثروا الصحافة العربية بمقالاتهم نذكر منهم صاحب "الفاروق" عمر بن قدُّور الجزائري (2) الذي لم يختلف عن عمر راسم في رسالته الإصلاحية، وأسلوبه الهادف، «وجاء قلم عمر بن قدُّور من أبرز الأقلام في هذا الميدان الإصلاحي. ( ... ) ولم نر كاتبا جزائريا عني عنايته بمشاكل المسلمين» (3).
ونجد من الكتَّاب أيضا عبد الحميد بن محمد بن باديس (1889 - 1940)، ومبارك بن محمد الميلي (1897 - 1945)، ومحمد السعيد
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، ص: 49.
(2) _م. ن، ص78. ويُنظر: جريدة «ذو الفقار» ع 1، (16/ 10/1913).
(3) _م. ن. (1/45)
صفحة 46
السنوسي الزاهري (1899 - 1956)، ومحمد الأمين العمودي (1890 - 1957)، والطيب بن محمد العقبي (1880 - 1960)، ومحمد العابد الجَلاَّلي (1890 - 1967) وغيرهم. وعلى أيدي هؤلاء الكتَّاب شهد فنُّ المقال بعض التطور، خاصَّة بعد اطِّلاعهم على نماذج من الكتابات المشرقيَّة، دينية كانت أم أدبية أم سياسيَّة.
كما أنَّ انتشار الطرقيَّة بالجزائر وتردِّي الأوضاع الاجتماعية بتأثير الاستعمار شكلت دفعًا جديداللكتاب لينشروا مقالاتهم ويضمِّنوها أفكارهم لعلاج هذه الآفات، والمشاكل «وكانت "الفاروق": تفتح صدرها لمقالات علماء السنَّة ليحاربوا بها الاتجاهات المضادَّة الأخرى التي وجدت من جريدة "كوكب إفريقيا" مجالا للنشر» (1)، فكان ذلك الصراع بين الأفكار والاتجاهات ميزة إيجابية تمخَّض عنها تطوُّر كتابة المقال أسلوبًا ومضامين، ويمكن أن نلمس هذا الصراع بصورة أكثر جلاءً أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى وهذا ما سنعالجه في هذه المرحلة الثانية.
__________
(1) _م. س، ص:80. (1/46)
صفحة 47
ب ـ المرحلة الثانية: (1914/ 1925):
لقد اعتمدت اعتبار الحرب العالمية الأولى حدثا فاصلا في تاريخ تطوُّر فنِّ المقال الصحفي بالجزائر، فقد تمخَّضت عن مجتمع جديد، وأفرزت أيامها القاسية جيلين من المثقَّفين؛ جيل تخرَّج من المدارس الفرنسية ذات الثقافة والتوجه الغربي، وجيل آخر تخرَّج في المعاهد العربيَّة كالزيتونة والجامع الأزهر والقرويين والكتاتيب والزوايا وهي في الغالب ذات إسلامي عربي، وبين هؤلاء وأولئك المثقفين - الذين كانوا على تباين منازعهم ومشاربهم قلة قليلة- نجد مجتمعا أحنى ظهره الجهل والفقر والتخلف وقساوة المحتل الفرنسي ... ، وفي ظلِّ هذه المتناقضات برزت المقالة الصحفيَّة العربيَّة لتصلح ذلك الواقع وتبثَّ في الشعب روح اليقظة والنهوض، فجاءت مقالات الكتَّاب حارَّة تدافع عن الدين الصحيح، باعتباره الهدف الأسمى لِكُلِّ منطلق. غير أنَّ هذه الاستفاقة - إن صحَّ التعبير - لم ترُق لعين المستعمر، فقامت السلطات الحاكمة بمنع إصدار الصحف العربيَّة منعا باتًّا، وكان هذا القرار كَلْكلاً أناخ به المستعمر على المقال الصحفي الجزائري طيلة أربع سنوات كاملة (1915 - 1919) (1)
__________
(1) _يُنظر: م. س، (قسم الصحافة العربيَّة الجزائرية والاستعمار الفرنسي)، ص: 42. (1/47)
صفحة 48
وبمجرد صدور قانون (04/فيفري/1919) الذي يسمح بحريَّة محدودة في التعبير الصحفي أصدر عبد الحفيظ بن الهاشمي جريدة "النجاح" في السنة نفسها (1919)، وأصدر محمَّد بن بكير التَّاجر جريدته "الصديق"، وكذا الأمير خالد جريدته "الإقدام" سنة (1920) (1).
ويأتي الأمير خالد في طليعة كتَّاب هَذِه المرحلة، إذ على الرغم من غلبة الاتجاه السياسي في كتاباته فإنَّه لم ينس أبدًا ضرورة إصلاح المجتمع والكفاح من أجل نهضة الأمَّة الجزائرية وتحرُّرها. كما واصل الكتَّاب أمثال عمر بن قدُّور الجزائري وغيره من كتاب مرحلة ما قبل الحرب الكبرى كتابة المقال بطريقة اِتسمت خاصَّة بالرصانة في البحث، إذ لم تعُد هجوما عنيفًا أو تناولاً عاما أو وصفًا أدبيًا، كما كان عند ابن الخمَّار؛ فقد بدأ الكتَّاب محاولة فكريةً جادَّة تهدف إلى تغيير الواقع، وإنقاذ الأمَّة، وإصلاح المجتمع.
ج ـ المرحلة الثالثة: (1925/ 1938):
لقد حدَّدتُ بداية هَذِهِ المرحلة بسنة (1925)، ولعلها السنة المناسبة لذلك، اعتبارًا لما ازدان به صدر الصحافة العربيَّة من صحف صنعت حدثًا
__________
(1) _يُنظر: محمَّد ناصر: «الصحف العربية الجزائرية»، ص233، لمزيد من التفاصيل حول صدور هذه الصحف وغيرها. (1/48)
صفحة 49
جديدا وتحوُّلاً بالغا في تطوُّر فن المقال بالجزائر. لقد ظهرت في هَذِهِ السنة (1925) جريدتا: "المنتقد" و"الشهاب" للشيخ عبد الحميد ابن باديس، وكانتا من أعظم الصحف وأكثرها ثراءً، كما ظهرت "الجزائر" لمحمَّد السعيد الزاهري، و"صدى الصحراء" لأحمد بن العابد العقبي، وشهد هذا التاريخ ميلاد جيل جديد من كتَّاب المقالة يحمل أفكارًا وآراء جديدة؛ أفكار تشرَّبت روح اليقظة والنهوض. ومنذ أن انبثق فجر الحركة الإصلاحية على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس، ومن آزره من الشبَّان المصلحين، فإنَّ هَذِهِ الأفكار قد تجلَّت على صفحات هَذِهِ الجرائد الرائدة أمثال "المنتقد" و"الشهاب"، وما تبعهما من صحف الشيخ أبي اليقظان الثمانية وغيرها؛ فإنَّ هَذِهِ الصحف المتشبِّعة بالفكرة الإصلاحية الوطنيَّة قد فتحت بابًا جديدا أمام كتَّاب المقال، ينشرون من خلالها أفكارهم الثائرة، وعواطفهم الذاتيَّة والجماعيَّة.
إنَّ كثرة الصحف الصادرة في هَذِهِ الفترة - رغم قرارات التوقيف والمصادرة المجحفة - قد شكَّلت أحد العوامل المهمَّة في تحريض الكتَّاب والمبدعين على إثارة النقاشات والمناظرات ونشر الأفكار والقضايا على بسلط الجدل والتمحيص. وكانت الصحيفة العربيَّة آنذاك تجد مؤازرة ودعمًا معنويًا خاصًّا من الصحف الأخرى، «لأجل هذا نجد أنَّ الدعوة إلى الإكثار من الجرائد العربيَّة ونصرتها ماديًّا وأدبيًّا عنصر مهمٌّ في المقالات الصادرة في (1/49)
صفحة 50
هَذِهِ الفترة، بل كثير ما نرى الجرائد العربيَّة في الجزائر تتبادل التهاني كلَّما انضمَّت إلى أسرة الصحافة جريدة جديدة» (1).
وقد اشتهر في هَذِهِ الفترة عدد من الكتَّاب الشباب إضافة إلى العلماء المصلحين أمثال ابن باديس، والإبراهيمي، والعقبي، وأبي اليقظان وغيرهم، فإنَّنا نكشف: محمَّد العابد الجلاَّلي (1890 - 1967)، وأحمد توفيق المدني (1899 - ؟)، ورمضان حمود (1906 - 1929)، وسليمان بن يحيى بوجناح المعروف بالفرقد (1905 - 1988)، ومفدي زكرياء (1908 - 1979)، وغيرهم ممَّن تأثروا بالفكرة الإصلاحيَّة وتشربوا الثقافة العربيَّة الأصيلة فجاءت مقالاتهم نموذجا في جودة السبك وحسن الإشارة والقصد في الأسلوب، ولعلَّ ما ذهب إليه الدكتور محمَّد ناصر في تفسيره للاتجاه العام للمقالة الصحفيَّة الجزائرية بين (1920/ 1931) ما يؤكِّد هذه الفكرة «( ... ) وإذا بسنة 1925 تشهد ميلاد الصحافة تحت زعامة ابن باديس، وإذا بالأقلام الشابة المتفتِّحة تتجمَّع في موكب حيوي نشيط حول جريدة "المنتقد" ثمَّ "الشهاب"، وإذا بالأهواء المتضاربة تتوحَّد في طريق واحد ( ... ) تنادي بالإصلاح الديني والاجتماعي ( ... ) ثمَّ كان هذا التوالد
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية».مج2، ص: 75. (1/50)
صفحة 51
المتكاثر الذي شهدته سنوات (1925 - 1927) يشد من أزر هذه الدعوة ويسند ظهرها متمثِّلا في هَذِهِ المقالات الرائعة التي تعالت من بين أعمدة "صدى الصحراء"، و"وادي ميزاب"، و"الإصلاح"، و"البرق" ... » (1).
فظهور الحركة الإصلاحية أوجد جوًّا أدبيًّا وفكريا متميِّزا ومجالا راقيا تتبارى فيه أقلام الكتَّاب، إذ إنَّ المقالة الصحفيَّة في هَذِهِ الفترة: «قد تحوَّلت بفضل الشباب إلى مقالات ناضجة، فكرة وأسلوبا، وإن التطور الهائل الذي أحرزته في هَذِهِ الفترة القصيرة التي لم تتجاوز عشر سنوات أو بالتدقيق خمس سنوات لا يعادله ذلك التطور الذي حاولته طوال السبعين سنة الماضية» (2).
3 - اتجاهاتها:
لقد عرفت المقالة الصحفية في النثر الجزائري الحديث اتجاهات تتميز أغلبها بالالتصاق الشديد بالواقع؛ ولعلنا نستطيع تمييز هَذِهِ الاتجاهات وإيجازها في الأنواع التالية:
__________
(1) _م. س، ص: 144.
(2) _م. ن، ص: 141. (1/51)
صفحة 52
أ -في الاتجاه الديني:
لا يصعب على متتبِّع إنتاج الكتَّاب الصحفي أن يلاحظ اهتمامهم الفائق بالموضوعات والقضايا المتصلة بالدين، كيف وقد سخَّر المستعمر جهوده للقضاء على مقوِّمات هذا الشعب الروحيَّة؛ من دين وجنسيَّة وقوميَّة. فهبَّ الكتَّاب يذودون عن الإسلام ويندِّدون بإجراءات المستعمر؛ من غلق المدارس القرآنية، وانتهاك حرمة الدين من جهة، وبمقاومة بعض الطرقوالتيارات المشوهة لسماحة الإسلام والتي كثيرا ما استغلَّها المستعمر أداة طيِّعة لإثارة الفتن والنعرات والخلافات بين الجزائريين. كما نجد قلب الكاتب يخفق «( ... ) لِكُلِّ ما يمتُّ إلى الإسلام بصلة جليلة وحقيرة، من التفجُّع لفقدان المصلح الزعيم إلى التحسُّر من عدوان المبشر والمستعمر، متطلِّعا إلى الإسلام وواقعه حيث يكون .. في الجزائر وطنه الصغير، أو في البلاد الإسلاميَّة وطنه الكبير .. » (1).
عالجت المقالات الصحفية الجزائريَّة معظم القضايا الوطنية والقومية. وقد كان لتطور هذه القضايا وتعقُّدها أثرها الإيجابي في تطور الكتابة
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 1980م، ص: 127. (1/52)
صفحة 53
الصحفية في هذا المجال، فنجدها عالجت موضوعات مختلفة مثل قضية التجنيد الإجباري، والتمثيل النيابي، والتجنيس، كما تطرَّقت إلى فضائح السياسة الاستعمارية ومؤامراتها ضدَّ الأهالي. وتطوُّر هذا التصدي والمجابهة إلى تكوُّن وعي وطني يناهض الاحتلال ويدعو إلى التحرُّر والثورة.
وهذا أبو اليقظان يعبِّر عن ذلك الوعي في وقت مبكر إذ قال في مقال صدر له سنة 1926 بعنوان (ماهي الحرية الحقَّة؟): «هي أن يكون للأمَّة الحق في حكم نفسها بنفسها بما يقتضيه الشرع والقانون، داخل حدودها الطبيعية، بإدارة شؤونها وخارجها، وبتمثيل نفسها لدى الأمم الأخرى. الأمة التي هذا شأنها تسمى حرَّة، والتي لم تكن كذلك تعدُّ مقيَّدة مستعبَدة، ولا تكون حرَّة مستعبَدة في آن واحد، لأنَّ الحرية جزءٌ برأسه لا يتجزأ؛ فإمَّا أن يكون كلُّه، وإما أن يذهب كلُّه، وهي بطبيعتها تؤخذ ولا تعطى شأن الشيء الغالي الثمين» (1).
ب _ في الاتجاه الإصلاحي الاجتماعي:
يرجع ظهور هذا النوع من المقال في الصحافة العربيَّة إلى أوائل القرن العشرين، وتميَّزت معالمه بدقة أكثر بظهور الحركة الإصلاحية سنة (1925)
__________
(1) _ أبو اليقظان إبراهيم: «ماهي الحرية الحقَّة؟»، "وادي ميزاب" ع. 26 (1/ 4/1927). (1/53)
صفحة 54
ومن المعلوم لدى متتبِّع الحركة الإصلاحية بالجزائر أنَّ الحركة كانت تهدف إلى الإصلاح الداخلي أوَّلاً وقبل كلِّ شيء، متمثلة شعارًايقوم على أساس قرآني هو قوله تعالى: ژ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ژ، وقوله: ژ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ژ [العنكبوت: 69]، والقول المأثور عن الإمام مالك بن أنس: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أولها» (1). كما أنَّ «حالةالجزائري الاجتماعيَّة لم تكن تقلُّ فظاعة أو سوءًا من حالته الدينيَّة فإنَّه كان أشلاء ممزَّقة تنتهبه مخالب الجهل، والفقر والمرض» (2).
والحق إنَّ المقالة الصحفية الجزائريَّة قد عُنيت بموضوع الإصلاح الاجتماعي عناية فائقة وأهميَّة كبرى يشهد لها هذا الاهتمام وتلك العناية ما تركته بين أيدينا من فيض غزير في عدد المقالات، وإنتاج خصبٍ في الأفكار، لا يفوقه من حيث الكمِّية إِلاَّ ما قدَّمته لنا في الاتجاه الديني. وفي
__________
(1) _هذا القول اتخذه محمد البشير الإبراهيمي عنوانًا لمقال صحفي، يُنظر: «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي»، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1997م، ج4، ص: 93.
(2) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، ص: 203، بتصرف. (1/54)
صفحة 55
هذا الاتجاه نجد المقالات الكثيرة التي كتبت من قبل أنصار الحركة الإصلاحيَّة في مقاومة والخرافات والبدع المشوهة للعقيدة، وكل ما يمسُّ بشخصية الإنسان العربي المسلم كما نجد المقالات التي تعنى بالحياة الاجتماعية وغيرها، تتَّسم بعد ظهور الحركة الإصلاحية خاصَّة بالدقَّة في الطرح، والتحليل المتأني الذي يرتكز على العقل في أسلوب أدبي متطور (1).
كما أنَّنا نجد اتجاهات أخرى في فنِّ كتابة المقال؛ كالمقالات التي تكتب في الجانب الاقتصادي مثلا، بيد أنَّها لم تشهد ظهورا بارزا إلا بعد ظهور الحركة الإصلاحية، فقد كانت الموارد الاقتصادية في الجزائر تحت رحمة المستعمر واحتكار اليهود لعالم التجارة، فما كان من الشعب الجزائري من يلجأ غير فلاحة بسيطة ومحاولات تجارية مُضنية، فجاءت أغلب المقالات تحرِّض على الاهتمام بهذه المجالات وتطويرها.
كما ظهر المقال الأدبي والنقدي؛ غير أن هذين النوعين الأخيرين لم يعرفا تطورًا كبيرًا وازدهارًا بالمقارنة مع ما حظي به المقال في الاتجاهات
__________
(1) _ يمكن أن يتَّضح لنا هذا في الفصل الذي نعالج فيه مواضيع القضايا الاجتماعية في مقالات صحيفة "الأمَّة". (1/55)
صفحة 56
الرئيسية السابقة. ولعلَّ السبب في عدم التفات الكتَّاب إلى هذا النوع من الكتابة هو اندماج هؤلاء الكتَّاب في قضايا الواقع الوطني بآلامه وآماله. وتمَّ للمقالة الأدبيَّة بعض التطور بعد الحرب الثانية على يد الأدباء الشباب أمثال: أحمد رضا حوحو (1910 - 1956)، والبشير العلوي الطولقيوغيرهما. أمَّا المقالة النقدية فهي نادرة في النثر الجزائري، وما عرف من نقد أدبيٍّ في تلك الفترة لا يتعدَّى حدود الانطباع الذاتي والنقد الذوقي، وإنَّما تطور هذا النوع بخاصة بعد الاستقلال. (1/56)
صفحة 57
المطلب الثاني
أبو اليقظان الصحافي، وجريدتُه الأمَّة
1. من هو أبو اليقظان؟ (1):
اسمه الحقيقي: حمدي إبراهيم بن عيسى، أما كنيته «أبو اليقظان» فقد اقتبسها من الإمام الرستمي الخامس «أبي اليقظان محمَّد بن أفلح» (2) لإعجابه الشديد بشخصيته وشجاعته. ولد أبو اليقظان بمدينة القرارة جنوب الجزائر يوم: 29صفر1306هـ، 25نوفمبر 1888م. زاول تعلُّمه الابتدائي في مسقط رأسه القرارة، إذ استظهر القرآن على يد الشيخ الحاج إبراهيم بن كاسي (؟؟؟؟ -1921)، ودرس في معهدَي الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي (1858 - 1921) والشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى الأبريكي (1857 - 1911)،
__________
(1) _انظر لتفاصيل أكثر، جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية، مدخل إلى التاريخ والفكر الإباضي من خلال تراجم لأكثر من ألف علم من أعلام المغرب الإسلامي، منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر»، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، ط1، 1420هـ/ 1999م، مج2، ص: 52.
(2) _ أبو اليقظان محمَّد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم (ت: 281هـ)، بعد 27 سنة من الحكم. يُنظر: ابن الصغير: «أخبار الأئمَّة الرستميين، القرن الثالث الهجري»، تحقيق وتعليق: محمَّد ناصر وإبراهيم بحَّاز، المطبوعات الجميلة، الجزائر 1986، ص: 77. (1/57)
صفحة 58
وبعد رحلة قادته صغيرا إلى باتنة للعمل في التجارة، قرر العودة إلى مجالس العلم حيث انتقل سنة (1325هـ/ 1907م) إلى بني يسجن ليستأنف تعلُّمه على يد «قطب الأيمَّة» الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (1818 - 1914)، ورافقه في الدراسة على الشيخ اطفيش كل من: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن امحمداطفيش (1886 - 1965) والشيخ سليمان بن عبد الله الباروني باشا النفوسي الليبي (1870 - 1940)، والشيخ إبراهيم بن بكير حفار (1890 - 1954)، وغيرهم.
وبعد أن نال من شيخه علما غزيرا، انتقل إلى تونس سنة (1330هـ/1912م) ليتمَّ تعليمه العالي في جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونيَّة، حيث مكث بينهما من ديسمبر (1912) إلى سنة (1915)، ونهل فيهما من العلم على يد أساتذة كبار أمثال الطاهر بن عاشور والأستاذ الزعيم عبد العزيز الثعالبي. وفي تونس تحمَّل أبو اليقظان مسؤوليَّة الإشراف على أوَّل بعثة علميَّة جزائرية إلى الخارج سنة (1914). انضمَّ إلى الحزب الدستوري التونسي بعد تأسيسه عام (1917) بزعامة عبد العزيز الثعالبي وبمشاركة صديقه أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش وأحمد توفيق المدني (1889 - 1983)، عاد إلى الجزائر ليقف بجانب الأستاذ المصلح الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض (1899 - 1981) في بداية مراحل حركته الإصلاحية فعمل على (1/58)
صفحة 59
تطوير معهد الحياة وكان قبل ذلك قد أنشأ سنة 1915 دارا للتعليم بالقرارة تجمع بين المنهجين التقليدي والمعاصر. استقر في الجزائر العاصمة لينشئ بها صحافة عربية وطنية، منذ أكتوبر (1926) حتى أوت (1938) أصدر خلالها ثماني جرائد وطنية إسلامية باللغة العربية، وأنشأ المطبعة العربيَّة بالجزائر العاصمة سنة (1931)، وفي هذه السنة تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لينخرط فيها فكان نائب أمين مالِها، ودام في إدارة الجمعية حتى (1936) ليتفرغ بعد ذلك للعمل الصحفي. عُيِّن في السنة نفسها عضوا في الجمعية العلميَّة والخيرية «جمعية الحياة» بالقرارة برئاسة الشيخ بيُّوض.
أصيب بالشلل النصفي سنة (1376هـ/ 1957م) وقارعه طويلا إلى أن توفَّاه الله بالقرارة يوم الجمعة 25صفر1393 هـ، 30 مارس1973م.
ترك الشيخ أبو اليقظان بالإضافة إلى صحفه الثمانية السابق ذكرها عددا كبيرا من المؤلفات ناهز ستين عنوانا في فنون مختلفة بين كتاب وبحث ورسالة منها ما رأى نور الطباعة وكثير منها ما يزال مخطوطا. نذكر من بين هذه الآثار:
1 - «سلَّم الاستقامة»، كتاب مدرسي في الفقه، مطبوع في سبعة أجزاء.
2 - «سليمان باشا الباروني في أطوار حياته»، مطبوع في جزأين.
3 - (1/59)
صفحة 60
«ديوان أبي اليقظان»، في جزأين، وطبع مرتين.
4 - «فتح نوافذ القرآن»، مطبوع.
5 - «ملحق سير الشماخي» مخطوط في ثلاثة أجزاء.
6 - «أفذاذ الإباضية» و «فذات الإباضية» ما يزالان مخطوطان.
7 - «الإباضية في شمال إفريقيا» مخطوط.
8 - «خلاصة تاريخ الإباضية» مخطوط.
9 - «عنوان الدراية فيما يتعلق بأحوال القرارة» مخطوط في تاريخ القرارة.
10 - «الإسلام ونظام المساجد في وادي ميزاب» مخطوط
11 - «نعيم المرأة الميزابية في وادي ميزاب»، مخطوط
وغيرها من الرسائل والبحوث بالإضافة إلى «مذكراته» الخاصة التي سجل فيها كثيرا من جزئيات حياته الخاصة والعامة ونظراته لأحوال عصره بتفصيل دقيق عجيب (1).
2.
__________
(1) _لمزيد من آثار الشيخ أبي اليقظان، وكذا تفاصيل أخرى عن حياته، يُنظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، مج2، ص: 52 - 57. (1/60)
صفحة 61
أبو اليقظان والصحافة:
إذا بدأنا الحديث عن جهاد أبي اليقظان الصحفي، نجد أنفسنا مضطرِّين على الحديث عن الفترة التي شغلتها صحافته المجاهدة، فإنَّها تغطي مرحلة ما بين الحربين العالميتين (1926 - 1938) وهي «تعدُّ من أهم المصادر التي لا يمكن للباحث الجاد أن يستغني عنها، ففي طيِّها شهادة حيَّة لفترة هي من أغنى فترات تاريخنا صمودًا ومقاومة وحصيلتها مادَّة غنيَّة متنوِّعة عن الحياة الجزائريَّة آنئذ في جميع مجالاتها الإنسانية دينًا، واجتماعًا، وثقافة، وسياسة، واقتصادًا» (1).
وبالمقابل لِهذِه الفترة الحافلة بالأحداث، فإن جهاد أبي اليقظان لا يقلُّ أن يكون أحد هذه الأحداث البارزة، وإلاَّ فكيف نُفسِّر مجالدته طيلة ثلاث عشرة سنة تفنَّن المستعمر خلالها في خلق فُرص التضييق والاستجواب والمصادرة، «وأيَّة عزيمة صادقة وإيمان راسخ برسالة الصحافة فتطبع له جريدة في تونس وتوزَّع في الجزائر؟ أيَّة نظرة نافذة كانت تعيش في أوائل هذا القرن فكريا ما تعيشه اليوم وبعد نصف قرن واقعًا ملموسًا» (2).
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 7.
(2) _ صالح خرفي: «صفحات من الجزائر»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1974. ص: 95. (1/61)
صفحة 62
ولعلَّنا نستطيع تبيين دواعي دخول أبي اليقظان ميدان الصحافة في هاتين النقطتين:
أوَّلاً: معارضتُه الشديدة لِلتُّهم الملفَّقة التي أُلصِقت بالبعثة العلميَّة التي كان يرأسُها أثناء مقامه في تونس، والتي ظهر تأثيرُها على الطلبة وعامَّة أهليهم بالجزائر.
ثانيا: وهو السبب المباشر الذي دفع بأبي اليقظان أن يؤسِّس جريدة بنفسه، فإنَّه القانون الجائر الذي أصدرته السلطات الفرنسية عام (1925) والذي ألزمت بموجبه سكَّان الجنوب التجنيد الإجباريَّ، والذي أثار ضجة واسعة في الصحف الجزائريَّة آنذاك "الشهاب" و"المنتقد" و"النجاح".
فكانت "وادي ميزاب" الأسبوعية أولى صحف أبي اليقظان، ظهرت في ظروف قاسية تعود في معظمها إلى الصعوبات الجمَّة والواقع المرير الذي تعيشه الصحافة الوطنية في الجزائر، وقد اضطرَّ «معها أبو اليقظان إلى تحمُّل المشاق المهولة لطبع جريدته هَذِه بتونس، وهو أمر يبعث على الإعجاب والتقدير حقًّا، فليس من السهل أن يتحمَّل فردٌ مسؤولية جريدة تطبع بتونس وجمهورها ومحرِّروها بالجزائر على أن تصدر في موعدها المحدَّد لها من (1/62)
صفحة 63
كلِّ أسبوع بدون تخلُّفٍ مدَّة ستة وعشرين شهرا أُصدِرت خلالها (119) عددًا» (1).
هكذا كانت بداية جهاد أبي اليقظان الصحفي، والذي دام ثلاث عشرة سنة صادر له الاستعمار خلالها ثماني جرائد، تساقطت كلَّها في ميدان الشرف.
وهذا ترتيب صحفه وفق تاريخ الصدور والتعطيل (2):
اسم الجريدة ... تاريخ الصدور ... تاريخ التعطيل ... مجموع الأعداد
1 - وادي ميزاب ... 1أكتوبر1926 ... 18 جانفي1929 ... 119
2 - ميزاب ... 25 جانفي 1930 ... /
3 - المغرب ... 29ماي 1930 ... مارس 1931 ... 38
4 - النور ... 15 سبتمبر1931 ... ماي 1933 ... 78
5 - البستان ... 27 ماي 1933 ... جويلية 1933 ... 10
6 - النبراس ... 21 جويلية 1933 ... أوت 1933 ... 06
7 - الأمة ... 08 سبتمبر 1933 ... جوان 1938 ... 170
8 - الفرقان ... 05 جويلية 1938 ... أوت 1938
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 179.
(2) _ هذا الجدول مستخلص من المصدر السابق: ص: 26، 27. (1/63)
صفحة 64
فهذه الصحف الثمانية «الموؤودة» حملت معاناة كاتب وصحفيمصلح طيلة ثلاث عشرة سنة من الجهاد، وعندما تأكَّد لديه - والحرب العالمية الثانية على الأبواب- بأنه يستحيل عليه مواصلة السير في هذا السبيل دون أن يخفِّف من لهجته، أو يغيِّر من مواقفه فضَّل أن يضع القلم الصحفي نزيها نظيفا ويتَّجه للجهاد في جبهات أخرى؛ كالتعليم والتأليف والوعظ والإرشاد وكتابة الشعر، ولم يحزَّ في نفسه أن يخرج من هذه المعركة وعبءٌ من الديون المادِّية يثقل كاهله (1) إيمانا منه بأنَّ حصيلة جهاده المعنوية والروحية أعظم أجرًا وأثرًا من النفع المادي الزائل.
واختيارنا لصحيفة "الأمة" دون غيرها للدراسة في هذا البحث ليس انتقاصا من القيمة الأدبية والفكرية للصحف اليقظانية الأخرى. فإنها كلها كانت أقمارا تنير سماء الصحافة آنذاك، وإنَّما كان ذلك الاختيار لعوامل سبق ذكرها في المقدِّمة، فبالإضافة إلى المدة الطويلة الإصلاحية -نسبيا- والتي عمَّرتها الجريدة، والفترة الزمانيَّة الحاسمة التي كانت تصدر فيها، فإنِّي أعتبر «الأمَّة» من أبرز الصحف الإصلاحيَّة الشديدة في أسلوبها، العميقة في أفكارها، تترجم بصدق طبيعة تلك الفترة من تاريخ الجزائر اجتماعًا وسياسةًواقتصادًا. كما فتحت أعمدتها للكتَّاب العلماء والشباب يعبِّرون من خلالها عن آلامهم وآمالهم.
3. صحيفة الأمَّة [1933 - 1938]:
أ: ظروف نشأتها:
لقد صدر العدد الأوَّل من جريدة "الأمة"يوم الجمعة 11 جمادى الأولى سنة 1352هـ، الثامن من سبتمبر 1933م. وكما يبدو فإن الأمَّة ليست إلاَّ امتدادا لجريدة «النبراس» التي «اغتالها» يد المستعمر في شهر أوت من السنة نفسها. ودليل هذا الامتداد أنَّ
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 297. (1/64)
صفحة 65
أبا اليقظان قد نشر بدل المقال الافتتاحي مقالاً عاديا بعنوان: «التعاون الاجتماعي وآثاره في الأمم والجماعات» (1)، وهو الحلقة السابعة لمقال نُشرت حلقاته السابقة في جريدة "النبراس" المصادرة» (2) لكن حياة العدد الأول كانت في قبضة المستعمر فكتم أنفاسه في مهده، ليدوم توقُّف "الأمَّة"عن الصدور سنة كاملة. وقد حاول أبو اليقظان أن يتَّخذ هذا التعطيل سببا وعذرًا كافيا لاعتزاله الصحافة،
__________
(1) _ الأمَّة: ع1، (8/ 9/33).
(2) _أبو اليقظان: «الأمة تعود بعد الاحتجاب»، الأمَّة ع2، (25/ 09/34). (1/65)
صفحة 66
غير أنَّ إلحاح القارئ الجزائري عليه بالعودة إلى ساحة الجهاد جعله يعدل عن رأيه، فنجده يقول: «حتى أخذوا يجرِّدوننا من أثواب المعاذير ويلحُّون علينا في ضغط كبير، أن نبرز إلى ميدان العمل، رغم الضحايا التي بدلناها في هذا السبيل، وحيث لم نجد بدًّا من تلبية نداء الرأي العام الأهلي من جهة، وحيث أننا -من جهة أخرى- قد شعرنا إلى أقصى حدٍّ بمسيس الحاجة لخدمة الدين والأمَّة والبلاد» (1).
ب: أبرز كتَّابها (2):
لقد فتحت جريدة الأمَّة أبوابها لأقلام الكتاب الجزائريين، وشجَّعتهم على مواصلة الكتابة إليها فيما يخدم الدين والوطن. كما قيَّد الله للجريدة رجالا مصلحين وعلماء وقفوا أنفسهم لهذه الغاية السامية، فكانوا كتَّابا دائمين تطرِّز الجريدة ثوبها بمقالاتهم؛ ونذكر منهم الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر المعروف "بالبكري" (1901 - 1986)، وبهذا اللقب كان يوقع مقالاته، والشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيُّوض (1899 - 1981) زعيم الحركة الإصلاحية بجنوب الجزائر، وذراعه الأيمن الشيخ المربي سعيد بن بالحاج شريفي الشيخ عدُّون
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 259.
(2) _تجد في آخر هذا الكتاب ملحقًا بتراجم لأحوالي ثلاثين كاتبا من أبرز كتاب الأمَّة. (1/66)
صفحة 67
(1902 - 2004)، وكل هؤلاء كانوا يكاتبون الجريدة من ميزاب. وكان الشيخ أبو اليقظان -صاحب الجريدة ومحررها- أكثر الكتَّاب إنتاجًا، إذا غالبا ما كانت مقالاته افتتاحيات لأعداد جرائده.
وفتحت الأمَّة أعمدتها لكتَّاب مشهورين كثيرين من روَّاد الحركة الإصلاحية والوطنية، نذكر منهم: الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940) من قسنطينة، والشيخ محمد العيد آل خليفة (1904 - 1979)، ومحمد السعيد السنوسي الزاهري (1899 - 1956) من بسكرة، ومبارك بن محمد الميلي (1897 - 1945) من الميلية، وأبو يعلى محمد الزواوي (1878 - 1952) من بلاد القبائل، ومبارك بن محمد جلواح العبَّاسي (1908 - 1943)، ومصالي الحاج (1898 - 1947)، وفرحات عباس (1899 - 1985) من العاصمة الجزائر، وأبو الحسن علي بن صالح (1906 - 1994) ومفدي زكريا (1908 - 1977) من غرداية، وغيرهم من جهات الوطن شرقا وغربا شمالا وجنوبا.
كما كانت "الأمَّة"منبرا حرًّا لكثير من الكتَّاب والأدباء والزعماء من أرجاء الوطن العربي والإسلامي، أمثال: الشيخ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي من عُمان (1882 - 1955)، والزعيم سليمان الباروني باشا (1870 - 1940) من ليبيا، وشكيب أرسلان (1869 - 1946) من الشام، والمكي بن (1/67)
صفحة 68
إدريس العمراوي من المغرب، ومحمد الشاذلي خزندار (1881 - 1954) من تونس. كما نشرت لمحمد حسين هيكل (1888 - 1956) ومصطفى صادق الرافعي (1880 - 1937) من مصر، وغير هؤلاء من أعلام المشرق والمغرب.
وزيادة على مقالات هؤلاء الكتاب كانت الأمَّة كثيرًا ما تنقل مقالات من الصحف المشرقية الرائدة تعميمًا للفائدة وإيصالا لروح الثقافة العربيَّة الموحَّدة إلى الشعب الجزائري، ومن هذه الصحف نجد: "الزهرة" من تونس، و"الفتح" و"الأهرام" و"الرسالة"من مصر، و"الفلق" من زنجبار (تانزانيا)، وأم القرى و"صوت الحجاز" من الحجاز.
ج: اهتماماتها:
هَذِه كانت الأمَّة في نشأتها وهؤلاء هم الكتَّاب الذين أسهموا في استمرار حياتها. أمَّا اهتماماتها فإنَّنا «بالرجوع إلى أعدادها المائة والسبعين، يتبيَّن لنا بوضوح كيف كانت عنايتها شديدة بكلِّ ميادين الحياة الوطنية والعربية والدولية، وكيف كان اهتمامها منصبًّا على كلِّ ما يهمُّ الفرد العربي المسلم دينا، واجتماعا، وثقافة، وسياسة، واقتصادا .. وكيف كان (1/68)
صفحة 69
استحواذ تطورات القضية الجزائرية ومشاكلها عليها لا يَقِلُّ حرارة وانشغالا عن قضايا الوطن العربي والإسلامي، ومشاكله» (1).
ويمكننا أن نلخِّص اهتمامات صحيفة الأمَّة في نقاط هي: القضايا الوطنية، القضايا العربيَّة، القضايا الدولية، قضايا الفكر والثقافة (2).
ولعل من أبرز الاهتمامات والمقاصد التي أنشئت من أجلها جريدة الأمَّة هي معالجة القضايا الاجتماعية، وعنوان أول مقال افتتاحي في أول عدد من الجريدة دليل واضح على هيمنة هذا التوجه (3). وعلى العموم فإن «من الواضح للمطَّلِع على فهرس جريدة الأمَّة أنَّ الموضوع الذي كان يستحوذ على اهتمامات الجريدة، ويشغل الحيِّز الأكبر من صفحاتها، إنما هو موضوع "بناء الشخصية العربيَّة المسلمة"» (4) هذا الاهتمام بالجانب الغيري في الحياة الأدبية والمادية، إنَّما هو مستمَدٌّ من
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 260 - 261.
(2) _ يُنظر: م. ن، ص261 وما بعدها، لمزيد من التفاصيل.
(3) _ المقال لأبي اليقظان بعنوان: «التعاون الاجتماعي وأثره في الأمم والجماعات»، الأمة، ع1، (08/ 09/33).
(4) _ محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 261. (1/69)
صفحة 70
فلسفة الكتَّاب في فهم الحياة الاجتماعية نفسها، وعلاقة هَذِه الحياة بالأدب والمبادئ الإسلامية التي قامت عليها حركة الإصلاح في الجزائر، وفي العالم الإسلامي عامَّة. (1/70)
صفحة 71
المبحث الثاني:
المقالة الإصلاحية في "الأمَّة"
وقضايا المجتمع الجزائري (1/71)
صفحة 72
[صفحة بيضاء] (1/72)
صفحة 73
المطلب الأول:
الأدب والأوضاع الاجتماعية
1 ـ الأدب وعلاقته بالمجتمع:
«إذا كان الأدب -كما يقال- تعبيرًا عن الحياة وسيلته اللُّغة، إلاَّ أنَّه لا يقدِّم لنا صورًا فوتوغرافية أو فعلا حرفيا لتلك الحياة لكنَّه يعبِّر عنها ويفسِّرها أو ينقدها أو ينقل إلينا فهم الأديب للحياة ( ... ) ومن هنا نستطيع أن نقول: إنَّ الأديب الحقيقي هو الأديب الذي يتَّخذ موقفًا عقائديًا أو فكريا من المجتمع، ويؤثر في ذلك المجتمع ... » (1).
إذا نحن انطلقنا من هذه العبارة، وحاولنا إسقاطها على كتاب الحركة الإصلاحيَّة وعلى أدبهم؛ فإننا نجد أنهم أحسن من تمثَّلها، فهم يعتمدون معتقدا فكريا معيَّنًا ثم يشخِّصون من خلاله مشاكل المجتمع وسلبياته واحتياجاته، والأسلوب الأمثل لحركته الشاملة، بشكل صحيح موافق لذلك المبدأ أو المعتقد.
__________
(1) _نجيب الكيلاني: «علاقة الأديب بالمجتمع والحياة»، مجلَّة الجامعة الإسلامية ”بالمدينة المنورة“ ع62، السنة16، (ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية عام 1404هـ). (1/73)
صفحة 74
ومن هنا كانت «العلاقة بين الكاتب والمجتمع، والمعتقد، علاقة ديناميكية، فالكاتب يتأثر ويؤثر، والمجتمع يتلقَّى ويتفاعل ويعطي، والعقيدة تغذي الوجدان والفكر لدى الأدباء من جانب، وأفراد المجتمع من جانب آخر» (1).
إنَّ الاهتمام البالغ بالقضايا الاجتماعية في المقالة الصحفية في مرحلة الإصلاح نابع -حسب نظري- لا من تردِّي الواقع الاجتماعي بشكل فظيع فحسب؛ وإنما لتَمَكُّن أفكار جديدة في عقول هؤلاء الكتَّاب؛ أفكار ترتكز على معتقد ديني وفلسفي، يعتمد إصلاح شتى شؤون الحياة بإصلاح النفس أولا. فكان الدافع الديني المتأصِّل في نفوس الجزائريين سببًا لنهضة شاملة، وبذرة آتت ثمارها بإذن ربِّها في شكل ثورة على المستعمر الصليبي الحاقد.
2 ـ الأوضاع الاجتماعية بالجزائر:
يصعب في الحقيقة الفصل بين الحالة الاجتماعية وغيرها من الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في العهد الاستعماري، فبعد الاحتلال تدهور كلُّ شيء في الجزائر، وأصبحت وضعية الشعب الجزائري -
__________
(1) _محمَّد ناصر: «خصائص الأدب الإسلامي»، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السِّيب، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1993. (1/74)
صفحة 75
الذي أصبح يطلق عليه ”الأهالي“ ( Les indigènes)- مأساوية؛ فقد ظهرت ملامح التصعلك لتدهور الأحوال الاقتصادية خاصَّة، فقد استولى المستعمر على أراضي الفلاحين، وظهرت جيوش من العاطلين والمشرَّدين، وأصبح الفقر يلازم الناس في كلِّ بيت. أَضِف إلى هذه الصورة المزرية، تغطرس اليهود الذين تمكَّنوا من احتكار مقاليد التجارة والصناعة، ففرضوا على المسلمين قروضهم الربويَّة الفاحشة، زد إلى ذلك كلِّه عنصرية الفرنسيِّين وتسلُّطهم في التعامل اليومي مع الجزائريين؛ من سخرية واستهتار واستبداد واضطهاد، وإخضاع الجزائريين إلى المحاكم الردعية وفق قانون الأهالي، وإطلاق المراسيم والقرارات الجائرة كالتي تعرف بمنشورات «شارل جونار» الذي استباح كل الحدود والضوابط، ورخص للحاكم صلاحيات مطلقة في التعامل مع شعب ”من الدرجة الثانية“.
وفي الجانب الآخر من الحياة الاجتماعية بالجزائر أثناء الاحتلال، كانت البدع التي كرستها بعض الطرقالدينية متفشِّية؛ فكانت تقام في الولائم والمآتم طقوس لا تَمُتُّ للإسلام بصِلة، من تبرُّك بالأموات وتمسُّح بقبورهمإلى جلسات التخليص من الجن ومداواة العقم ... ، وقد اضطُرَّ كثير من العائلات إلى رهن البيوت أو بيعها لإقامة هذه (الشعائر) (1/75)
صفحة 76
المحرَّمة دينًا وعقلاً، والمستساغة في تلك الفترة، لتفشِّي الجهل والفقر والتخلُّف (1).
أمَّا على المستوى التربوي فقد «اعتمدت السلطة الاستعمارية سياسة تربوية يسهل على المتأمِّل في خطَّتها وأساليبها أن يدرك أبعادها؛ فالتفقير والإرهاب في نظر السلطة يُضعِف الشعب ويشغله عن الواقع السياسي والاقتصادي، والتجهيل ومحاربة التعليم الإسلامي يسهِّل عمليَّة التجنيس والتنصير، وفرض اللغة الفرنسيَّة يُمكِّن من بثِّ فلسفة الاستعمار ويحافظ على مصالحه» (2).
لقد كان التعليم الموجه للجزائريين في المدارس الحكومية تعليمًا مأساويًّا، فهو يرمي إلى طمس حقائق الدين واللغة والتاريخ، ويهدف إلى تَشويه الشخصية واضطراب النفس، وتدمير العقل، وقتل روح التفكير والمبادرة. وحيث كان الجو السائد في التعليم ازدواجيًّا، فقد أدَّى ذلك إلى
__________
(1) _يُنظر مالك بن نبي: «مذكِّرات شاهد القرن، الطالب»، دار الفكر، بيروت، 1969.
(2) _ علي علواش: «حركة ابن باديس التربوية وأهدافها الإصلاحيَّة»، رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة، دائرة الفلسفة، معهد العلوم الاجتماعية، جامعة الجزائر، سنة 1983 - 1984 (مرقون)، ص: 39. (1/76)
صفحة 77
إفراز نموذج غريب عن المجتمع؛ أفراد يقفون حائرين بين قيم الحضارة الإسلامية المتأصِّلة في نفوسهم، ولكنهم يجدون في واقعهم أثرًا لها، وقيم ومظاهر أخرى غربيَّة ومغريات المدنيَّة الأوروبيَّة التي لا ترغب في انتمائهم إليها. بل يقف هذا النموذج من المتعلمين بين الإيمان والإلحاد، ويواجه الواقع في خضوع وضبابيَّة عقليَّة، فلا هو وطنيٌّ مخلص لوطنه، ولا هو قادر على الانسلاخ منه وارتداء ثقافة وفكر ووطنية المستعمر المغتصب.
وكان نتيجة ذلك أن تدهور المستوى الأخلاقي لدى أبناء الجزائريِّين، فقد تفشَّت عادة إدمان الكحول، واختفت روح التضامن الاجتماعي، ولم يبق للشباب رغبة إلاَّ الحصول على بعض منصب للعمل في ظلِّ الاستعمار وبأيَّة وسيلة.
هذه كانت الأوضاع الاجتماعيَّة بالجزائر في الفترة الاستعمارية، وما كان يشهده الشعب الجزائري من ظلم وطغيان. فكيف تلقَّت الإدارة الفرنسيَّة جهود العلماء الإصلاحيَّة وحركيَّتهم الإعلامية على صفحات الجرائد، وقاعات المدارس، ونوادي الجمعيات؟ وما كان موقفها منهم؟ وما كانت تصرُّفاتها لتغيير ومعالجة هذا الوضع المأساوي؟
لقد سجَّل فرحات عبَّاس في مقال له نُشِر مُترجَما في مجلة "الشهاب": «إن الإدارة المحلِّية كانت تعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بتوجيه (1/77)
صفحة 78
الاتهام إلى المصلحين والزعماء والوطنيِّين، وتصفهم بالانتماء إلى الوهَّابية، أو الشيوعيَّة، وذلك لصرفها الأنظار عن الأوضاع الاجتماعيَّة المتردية» (1)
هذا النص على قصره يعطينا صورة واضحة عن السياسة المتسلطة التي لم تتغير منذ القديم ... إنها تشويه صورة العاملين المخلصين، وإلصاق تهم الغلو والتشدد والرجعية ومعاداة الآخرين ... فتم تصوير المصلحين الوطنيين بأنهم يجسدون برامج فكرية خطيرة على واقع الوطن والأمة، وحاولوا تكريس هذا الشعور بواسطة أدواتهم الإعلامية؛ بصحفهم الرسمية أو باستغلال صحف الجزائريين من أتباع بعض الطرق الصوفية وضعاف النفوس، وإغرائهم بالدعم المادي والمعنوي ليكونوا أداة هدم لأي مشروع يوقظ الشعب ويعرفه بحقوقه وعيوبه وأمراضه ومآسيه.
في هذا الجو الاجتماعي الاستعماري الخانق، ظهرت الصحف الإصلاحية العربية، وحاولت مقاومة الزوابع السامة المميتة التي كان يثيرها المستعمر وزعانفه، وفي مثل هذه الظروف الاجتماعية المتردية ظهرت صحيفة الأمة، لتحمل على عاتقها إصلاح المجتمع ومداواة جراحه المادية والفكرية.
__________
(1) _ فرحات عبَّاس: "مجلة الشهاب"، ج6، (غرة محرم 1352هـ /ماي 1993م). (1/78)
صفحة 79
المطلب الثاني:
القضايا الاجتماعية في مقالات جريدة الأمَّة
توطئة:
قبل التعرض للقضايا الاجتماعية التي عني بها كتَّاب جريدة ”الأمة“خلال فترة صدورها (1934 - 1938)، أجدني مرغما أن أسجل ملاحظة مهمَّة تميزَت بها تلك المقالات، وخاصية رئيسية ربَّما هي التي رسمت لفن المقال الاجتماعي في ”الأمَّة“ طريقه الخاص وعلامته المميزة؛ وتتلخص هذه الملاحظة في انطلاق أغلب الكتَّاب -إن لم أقل جميعهم- في تقصِّي الحالات والقضايا الاجتماعية من مبدأعقدي ديني، ويظهر هذا الشعور العميق بأحقِّية الاهتمام بالعقيدة وتزكية النفوس من الشوائب والعادات البالية والبدع واضحا في شتى المقالات، سواء تلك التي تُعنى بإصلاح الفرد أو الجماعة؛ فترشدها إلى حقيقة الدين وعلاقته بشؤون الحياة، أم تلك التي تُعنى بالتربية والتعليم؛ فتبرز ضرورة إقامة تعليم إسلامي عربي صحيح، أم تلك التي تُعنى بالأخلاق والآفات الاجتماعية؛ فتعرض الآفات وتعالجها من منظور ديني أوَّلاً، ثم من منظور أخلاقي واجتماعي ثانيا، وكذا بالنسبة للمقالات التي تهتمُّ بالشباب والمرأة؛ فتبرز رأي الدين في قضاياها ... وهكذا (1/79)
صفحة 80
دواليك في مختلف القضايا؛ إذ نجد ذلك الحس الديني يَسِمُ تلك المقالات بسمة مميزة، ولعل ذلك الحس الديني القوي هو الذي دفع بأحد رواد كتابة المقال إلى أن يُقِرَّ بأنَّ كل من لا يعتمد الدين أساسا في الإصلاح مهما كان نوعه، فإنَّ هذا لا يصلح أن يقود حركة إصلاحية جادَّة؛ يقول الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون): «والواقع الملموس ينادي: أن لا صلاح لآخِر هذه الأمَّة إلا بما صَلُح به أوَّلها، فكل مصلح دينيًا كان أو سياسيا، اجتماعيا كان أو اقتصاديا لم يتشبَّع بهذا المبدأ القويم، ولم يكن إصلاحه على مقتضاه وسنَّته وجب أن يُطرَد من ميدان الإصلاح، ويضرب بإصلاحه عرض الحائط» (1).
لقد كان الشعور الدينيُّ حاضرًا، واليقينُ بعلاقته بمختلف قضايا المجتمع متجذِّرا في كلِّ المقالات الإصلاحية باختلاف اهتماماتها، وتباين قضاياها، إلى حدٍّ يصعب معه إقامة حواجز واضحة بين الإصلاح الديني؛ الذي يهتم بقضايا العقيدة والجمود والتزمُّت والنعرات المذهبية، وبين إصلاح المجتمع -الذي يُعتبَر الدين أحد أسس قيامه- بإصلاح العلاقات بين أفراده، وإصلاح
__________
(1) _سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «يجب أن يكون الدين أساس كلِّ إصلاح»: "الأمة" ع103، (29/ 12/1936). (1/80)
صفحة 81
التعليم، وإصلاح النشء ... ، فللدِّين علاقة وطيدة بقضايا المجتمع، يشكِّل معها وحدة متينة يصعب التطرُّق إلى جانب منها دون الإلمام بالجانب الآخر. (1/81)
صفحة 82
أ ـ إصلاح العقيدة ومقاومة مظاهر التزمُّت والجمود:
«إنَّ أعظم نكبة تُنكَب بها الأمَّة أن تُصاب في عقولها فتتوقَّف عن أداء وظيفتها من التمييز بين النافع والضار والحق والباطل ( ... ) تستسمن ذا ورم وتستورم ذا سمن. وما أعظم بلاء هذه الأمَّة وما أشدَّ محنتها وما أشقَّ مهمةً يضطلع بها مرشدوها ومصلحوها .. إنَّ ذلك من عزم الأمور» (1). هذه كانت بعض جمل صدَّر بها الشيخ سعيد شريفي إحدى مقالاته، مُنوِّها بقيمة العقل في اتخاذ القرارات الصائبة، ذلك العقل الذي استغلَّه بعض المتزمتين أو مُدَّعي التصوف - والتصوف الحقيقي منهم بريء- فسُلِبوا نعمة التفكير بعقولهم ورأوا من يعمل عقله ويوظف فكره ويجتهد في ما فيه صلاح العباد مهددًا لمكانتهم وسلطانهم لدى أتباعهم من البسطاء والغافلين، فانبروا لينشروا سمومهم في نفوس الشعب الجزائري ويَحُولوا بينه وبين علمائه المصلحين. إن اهتمام الكتَّاب المصلحين بالدين الصحيح وتزكيته من الخرافات والبدع والشوائب والضلالات قد فاق اهتمامهم بغيرها من القضايا، بل ونجد آثار هذا الشعور الدينيِّ مرتسمة في شتى المقالات. ولا
__________
(1) _سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «من هم حماة الدين ومن هم الخاذلوه؟»: "الأمَّة" ع39، (27/ 08/1935). (1/82)
صفحة 83
عجب أن يكون لهذه القضايا نصيبها الأوفر من العناية، فالحالة الدينية بالجزائر لم تكن أحسن من الحالة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، خاصة وأن عوامل كثيرة تضافرت لإضعاف هذا الجانب المهم في نفسية المسلم الجزائري؛ هذا الجانب هو عقيدته الصحيحة وتمسُّكه بالدين.
وكان أكثر من تصدَّى لزعزعة عقيدة المسلمين، الاستعمار الفرنسي الذي لا يعدو أن يكون في سطوته الفكرية إلا امتدادا للحملات الصليبية على بلاد الإسلام؛ وإنما صرَّح هؤلاء بأن دخولهم الجزائر إنما هو ليحوِّلوا أرضًا عربية مسلمة إلى مستعمرة لاتينية مسيحية (1).
وكان العامل الآخر الذي عُنيت به الصحافة العربية الإصلاحية هو واقع الجزائريين أنفسهم «إذ كانت تنتابهم ثلاث طوائف تتصارع من أجل السيطرة على عواطف الأمَّة وكسبها إلى جانبها: مشايخ الطرق يستحوذون على ألباب العامة الساذجة ( ... ) ويخدِّرون أعصابها بخرافات عصر الانحطاط. بعض الشباب المثقَّف بالفرنسية يدعون الأمة إلى تقليد الغربيين في إعجاب شديد ( ... ) رجال الدين الرسميون يبثُّون الدعاية
__________
(1) _يُنظر: محمَّد ناصر: «المقالة الصحفيَّة الجزائرية»، مج1، ص: 69. (1/83)
صفحة 84
للسلطات الحاكمة على المنابر التي اشتروها بالولاء والتبعيَّة المطلقة للمستعمر» (1).
ولعلي أستطيع أن أضيف طائفة رابعة لا تقل شأنا عن سابقاتها طائفة أعيت المصلحين، ووقفت حجر عثرة في سبيل التمكين للعقيدة الصحيحة في الأمَّة؛ ألا وهي طائفة العلماء الجامدين والمتزمِّتين الذين سُلِبوا نعمة التفكير أو مُنحوها في غير محلِّها، علماء يحسبون أنهم أهل علم ومعرفة، وأهل تقوى وورع، وإنهم لطريق الآخرة سالكون وعلى أثر السلف الصالح مهتدون، وإن غيرهم أهل بدع وضلالات. ويستوقفني في هذا الباب الكاتب سعيد شريفي (الشيخ عدون) الذي سخَّر عصارة فكره ومداد قلمه للتصدِّي لهذه الآفة التي أصابت المجتمع، نجده يصف بعض مظاهر التزمُّت والجمود في إحدى مقالاته فيقول: «( ... ) فماذا عسى أن يكون موقف العاميِّ الذي لا يبدئ ولا يعيد أمام عالم من هذا النوع يستدلُّ على إثبات مدَّعاه بنصوص يحرِّفها عن مواضعها ( ... ) بمثل قولهم: لا حظَّ للنظر مع وجود الأثر -سلِّم تسْلَم- لم يترك الأولون للآخرين
__________
(1) _م. س، ص: 71. (1/84)
صفحة 85
مقالا- الخ الخ ( ... ) بأمثال هذه المخدرات التي خدَّروا بها عقولهم جاءوا ليحملوا عامَّة المسلمين عليها ... » (1).
يتعرض الكاتب في هذا المقال إلى تلك العقول التي يحملها بعض الجامدين، إذ لا يؤيدون يقظة المجتمع واستفاقته من غفلته وتصحيح فكره وعقيدته، بل كانوا يعمدون إلى التأثير في العامَّة باسم الدين، والتحكُّم في عقولهم باللُّجوء إلى بعض الأقاويل التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ مثل تحريم الكلام بالتلفون، واستعمال السبُّورة في التعليم، وكذا التعليم المدرسيَّ بدعوى أنه يفصل الناس عن التعلُّق بالمساجد ودروس الوعظ والإرشاد. وكذا تحريم بعض العلوم مثل الرياضة والمنطق وقراءة الجرائد مهما كان توجهها فهي عندهم من لغو الحديث وملهاة للناس عن أمور دينهم ... إلى غير ذلك من الادعاءات. وكان لها - وللأسف - الأثر الكبير في نفوس العامة الأميَّة المطيعة، وآثارها السلبية في تأخير حركة الإصلاح والنهضة بشكل عام.
__________
(1) _سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «من منطقهم تعرفهم، جمود العلماء وأثره في نفوس العامَّة»، ”الأمَّة“، ع71، (21/ 04/1936). (1/85)
صفحة 86
والكاتب -لسعة صدره، وتدبُّره الأمور - لا يحمِّل العاميَّ المسكين مسؤولية الاستجابة لهذه العقول الجامدة، كما لا يحمِّل أولئك الجامدين هذا الذنب الذي هو نتاج تراكم تاريخيٍّ وحضاريٍّ طويل. بل حمَّل العلماء المصلحين المسؤولية كاملة لأنهم هم العمدة والمرجع الخير في عملية التبليغ والدعاية إلى الحق. فإذا قصَّر هؤلاء في أداء مهامهم ورضوا بالاستكانة والانطواء وجد غيرهم الفرصة والجو المناسب لنشر أفكارهم، وبسط سيطرتهم.
لكن العلماء في حقيقة الأمر لم يهنوا ولم يضعفوا في وجه هذه التيارات المضلِّلة، بل سعوا جهدهم في إرشاد العامَّة وتنوير عقولها، ونشر العلم النافع بأحدث طرق، «هبَّ هؤلاء المصلحون الفطاحل للتهذيب والإفادة، وتأسيس المدارس التي بها رقيُّ الأمة، وتكوين النشء المشيد بالحياة والإسلام والعروبة، وبث العلم الصحيح في الأوساط الجزائرية ( ... ) فصار والحمد لله - إلا ما قلَّ - تشعر بوطنيتهاوقوميتها وتدين لله بالدين الخالص، وتقدِّس لغة قرآنها، وتذود عن حياضها بكلِّ قواها، بعد ما كانت لا تعيرها نظرة سليمة سيما والدوائر (1/86)
صفحة 87
الحكوميَّة لها محاربة، وتسعى ولا تزال تسعى ... » (1). ولم يكن تعريض هذا الكاتب بالاستعمار الفرنسي وموقفه من الإصلاح بدون قصد وتدبُّر؛ ولكنه اتِّهام مقصود وتعبيرٌ عن الواقع عينه، واقع وضعت طلاسمه سياسة حكوميَّة استعمارية فاسدة.
«وكتب الشيخ العقبي مقالات عديدة في جريدة "المنتقد" و"الشهاب" للشيخ بن باديس. وكانت مقالات للشيخ كلُّها دعوة إلى الإصلاح، والدفاع عن الإسلام، وفي الهجوم على الطرقيَّة الضالة التي تشلُّ الأمَّة وتفسد سمعة الدين. وهي المواضيع التي يكتب فيها كلُّ المصلحين في ذلك الوقت لشدَّة حاجة الجزائر إليها» (2).
لقد كان تعريض المصلحين بالجامدين بغير انقطاع، ومحاولة ردِّهم إلى صفِّ الحقِّ دون توانٍ ولا هوادة، فقد كانوا يستغلُّون المناسبات التي تبرز فيها مآثر الإصلاح: من إقامة احتفال، أو فتح مدرسة، أو إنشاء جمعيَّة
__________
(1) _ عبد الحفيظ الثعالبي (تلميذ): «فضل العلماء المصلحين على الأمَّة الجزائرية»: ”الأمَّة“، ع152، (25/ 01/1938).
(2) _ محمَّد علي دبُّوز: «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»، المطبعة العربيَّة، الجزائر، ط1، (1391 هـ/ 1971م)، ج2، ص:111. (1/87)
صفحة 88
خيرية إصلاحيَّة، ليُبرِزوا تخاذل الجامدين والمتزمِّتين الذين عوضًا من أن تكون جهودهم يدًا تُمَدُّ إلى الصالح العام وخدمة المجتمع؛ كانت عاملا معرقِلا وناشرا للوساوس والأحقاد.
وهذا الشيخ أبو اليقظان في إحدى افتتاحياته يقدح في بعض المعارضين لحركة الإصلاح ويبرز عيوبهم في مقال طويل عنونه بـ «موتوا بغيظكم: يا من يطلبون الموت والناس يطلبون ”الحياة“ ... !» بمناسبة إنشاء ”جمعية الحياة“ بالقرارة (1). فقسَّم المقال إلى فقرات، كان يستهلُّ كلَّ فقرة منها بعبارة: «يا للخزي ويا للعار!»، ومنها قوله: «يا للخزي وياللعار! فبينما إخوانكم في القرارة وهم قائمون على قدم وساق ينشدون الحياة بتأسيس ”جمعية الحياة“ إذ بكم تجهدون أنفسكم وتبذلون أموالكم في طلب الموت ... ! ( ... ) فموتوا أنتم بغيظكم، وليهنؤوا هم بالحياة ( ... ) وبعد؛ فيا هؤلاء تعالوا نعلِّمكم كيف تحاربون خصومكم - ولا غضاضة - إن أردتم أن تحاربوهم فليس ذلك بإغلاق مؤسَّساتهم من جرائد ومدارس ونوادي وجمعيات؛ فإنَّما ذلك سلاح العَجَزة والأطفال، ولكن حاربوهم بإنشاء ما هو خير
__________
(1) _سُمِّيت بهذا الاسم ”الحياة“ في 16/جمادى الأولى/1356هـ، 24/جويلية/1937. يُنظر: م. س، ص255، لمزيد من التفاصيل حول تاريخ هذه الجمعية وأعلامها. (1/88)
صفحة 89
منها فقط، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاقبعوا في كسور بيوتكم مع أحلاسكم ( ... ) واتركوا الحياة لأهل ”الحياة“» (1).
وفي المقال يشيد كاتبه بفضل جمعية العلماء المسلمين وجهودهم، وأثر دار الحديث بتلمسان (2) في تعليم الدين الصحيح واللغة العربيَّة ليخلص إلى الحكمة من إنشاء ”جمعية الحياة“ التي ضمَّت الحسنيَيْن فكانت جمعية خيريَّة أدارت مدرسة ”الحياة“ الابتدائية، ومعهد ”الحياة“ الثانوي، حيث كان أوَّل معهد ثانوي حرٍّ في الجزائر تأسَّس سنة (1925)، وكشافة ”الحياة“ بعد ذلك سنة (1943)، فكانت حركة اجتماعية رائدة تنشد الحياة في ظلِّ الإصلاح والتحرُّر والرقي إلى اليوم.
ولعلي لا أكون مجانبا للصواب إن قلت بأنَّ الكاتب: سعيد شريفي (الشيخ عدُّون)، كان من أعظم كتَّاب الأمَّة اهتماما بهذا الجانب من
__________
(1) _ أبو اليقظان: «موتوا بغيظكم يا من يطلبون الموت والناس يطلبون ”الحياة“»، ”الأمَّة“، ع142، (02/ 11/1937).
(2) _مدرسة لتحفيظ القرآن أسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي سنة 1937. لعبت دورا كبيرا في الحركة الإصلاحية والوطنية وخرجت عددا كبيرا من الأيمة والمرشدين والقادة والمجاهدين، هي ما تزال تؤدي رسالتها إلى اليوم تحت إشراف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. (1/89)
صفحة 90
الإصلاح الاجتماعي، وإصلاح العقيدة، وتمكين الفكرة الإسلامية الصحيحة في عقول الأمة - بميزاب على وجه الخصوص –فقد كان مرابطا في ميزاب مساعدا شيخه الإمام بيوض إبراهيم بن عمر في جهاده التربوي والوطني، فكان خبيرا بأدواء المجتمع وعلله ومعضلاته.
ولعلَّ من المفيد أن نشير إلى تلك السلسلة المتتابعة من المقالات التي كتبها في مقارعة بعض من أعلنوا العداء للحركة الإصلاحية أو ما تطلق عليهم الجريدة أحيانا «المحافظين» المعارضين لمنهج الشيخ بيوض في الدعوة والتعليم، إنَّها مقالاته التي حملت عنوان: «مواقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح بميزاب» حيث تميَّزت بطول النفس، (إذ بلغت عشرة أجزاء كاملة) نشرها بين (ديسمبر 1935 ومارس 1936)، زيادة على الدقَّة والتركيز وعمق التحليل. ولعلَّ عرض فكرة عامَّة عن هذه المقالات قد يرسم لنا صورة عن الطبيعة والأسس التي كانت تتعامل بها الحركة الإصلاحية - في مجال العقيدة خاصَّة - مع فئات المجتمع بصفة عامَّة وفئة المعارضين والمتردِّدين بوجه خاص.
لقد ظهرت في الأمَّة حركة إصلاحيَّة تعمل تحت تأثير الحوادث وضغط الظروف وتتحرَّك بخطًى بطيئة ولكن ثابتة. و «للأمة إزاء هذه الحركة مواقف متباينة: (1/90)
صفحة 91
أوَّلاً: موقف المؤيِّدين: لرجال الإصلاح المشاركين لهم فيما يقومون به من مساعي ومشاريع ( ... ).
ثانيا: موقف المعارضين: وهم طائفة من أنصاف العلماء وأرباعهم ( ... ) وطائفة من الجهلة والمتعصِّبين الذين ليسوا من العلم في قبيل ولا دبير، وإنَّما دعاهم إلى معارضة الإصلاح تعصُّبهم لكُلِّ قديم وجمودهم على ما نشؤوا عليه وألفته طبايعهم من تقاليد وعادات بالية ( ... )» (1). فقد انقسم هؤلاء المعارضون للحركة الإصلاحيَّة - بحسب الباعث - إلى قسمين: قسم يعارضون جهلا منهم بحقيقة ما يدعو إليه المصلحون فظنوا فيهم الظن السيء، وقسم يعارض الإصلاح جحودًا واستكبارًا، وهم يعلمون موقنين أنَّه الحقُّ الذي لا ريب فيه، ولكن مناصبهم ومصالحهم ومكانتهم الاجتماعية المزيفة حالت دون إذعانهم للحق وتواضعهم له.
ويختلف موقف المصلحين إزاء هذين القسمين اختلافا تقتضيه الظروف والمناسبات، أمَّا موقفهم إزاء المعارضين الجاهلين فهو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان المقاصد من إصلاح المعتقد وتحرير
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «موقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح بميزاب»، ”الأمَّة“، ع55، (17/ 12/1935). (1/91)
صفحة 92
العقل، وإزالة ما علق به من أوهام شوَّهت الحقائق وغيَّرت مجرى الفهم. أمَّا موقفهم إزاء القسم الثاني وهم المعارضون جحودًا واستكبارًا عن الحقِّ بعدما تبيَّن، «المنحرفون عن الجادة عن قصد وعمد، فلا يختلف في أوَّل الأمر عن الموقف الأوَّل بلطف وجدال بالحسنى ( ... ) حتَّى إذا برزوا بالعناد وظهروا بالمكابرة ولاذوا بالإصرار على باطلهم ( ... ) تغيَّر الموقف وأصبح سلبيًا بعد أن كان إيجابيا، هنالك بعد أن يقيموا عليهم الحجَّة ( ... ) يهملون أمرهم ويمرُّون على لغوهم معرضين، لا يقيمون لهم وزنًا ولا يلقون لهم سمعًا، هنالك يعودون إلى مراكزهم من قيادة قافلة الإصلاح، يواصلون سيرهم ويؤدُّون مهمتهم من غير التفات إلى ذئب يعوي أو كلب ينبح ( ... )» (1).
ثالثا: موقف العامَّة: لقد عرفنا مِمَّا سبق موقفين للأمَّة والمجتمع إزاء حركة الإصلاح الاجتماعيِّ: موقف المؤيِّدين وموقف المعارضين بقسميه، ونجد الكاتب يُقِرُّ موقفًا ثالثًا ألا وهو موقف العامَّة، إذ أنَّ العامَّة عامَّة في كلِّ زمان ومكان، من خصائص هذه الفئة: ضعف التفكير، وعقم
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «هل يجب أن يكون موقف المصلحين إزاء المعارضين غير هذا؟»، ”الأمَّة“، ع37، (13/ 08/1935). (1/92)
صفحة 93
التدبُّر، وقلَّة التبصُّر، غير أنَّها إذا أتيح لها مصلحون وهداة مرشدون سلكوا بها طريق الصلاح والسداد، كانت منهم قوَّة عظمى تؤيِّد الإصلاح وتفيد المجتمع، وإذا بُليت برؤساء جهلة، ودعاة مغرضين - كما كان الحال بالجزائر آنذاك - أوردوها الهلاك، وكانت أداة إفسادٍ ودمار، ومعول هدم وتخريب.
والكاتب يحمِّل العلماء والمصلحين مسؤولية الدعاية إلى أهدافهم، ونشر تعاليم دينهم بين العامَّة، وتأثير حركتهم في تكوين رأي عامٍّ شاملمؤيِّد لفكرة الإصلاح؛ وهذا لن يتأتَّى إلا بالشجاعة الأدبية، وحسن السيرة، وقوَّة الإرادة، والتحام الصفوف بين المصلحين وعامَّة الناس (1).
رابعًا: موقف المرتابين والمتردِّدين: أمَّا الموقف الرابع من مواقف المجتمع إزاء حركة الإصلاح -بميزاب خاصَّة- فهو موقف المرتابين والمتردِّدين، فقد ركَّز الكاتب على هذه الفئة جهده وتحليله؛ حيث خصَّها بسبع مقالات كاملة من بين عشرة في الموضوع، ومن هذه المقالات نخلص
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «موقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح بميزاب»، ”الأمَّة“، ع56، (24/ 12/1935). (1/93)
صفحة 94
إلى أنَّ موقف المرتابين أو المتردِّدين الشاكِّين من جدوى عمليَّة الإصلاح ينقسم بدوره إلى قسمين:
1. من يرى في الإصلاح مهلكةً للإنسان، وإلقاء بالأيد إلى التهلكة، ومواجهة الصِّعاب والاعتداءات، ومعاكسة الظروف القاهرة التي فرضتها السلطات الاستعمارية؛ بمعنى أن إظهار اليقظة والإصلاح وانتقاد الأوضاع والثورة سيجلب أنظار المستعمر فيسلط العقوبات والغرامات والتنكيل بأبناء الأمة.
2. من يرى أنَّ الإصلاح يتطرَّق لمواضيع ومسائل لا تستسيغها أفهام العامَّة القاصرة، ولا تقبلها عقولهم. وقد ردَّ على الموقفين ردًّا مقنعا مفصَّلا، بأن «ليس في الخطَّة التي يسلكها المصلحون في أعمالهم من درء المفاسد وجلب المصالح ما يصحُّ أن يقال فيه إلقاء بالأيد إلى التهلكة» (1). ثمَّ إنَّ هؤلاء المتردِّدين لم يعطوا بديلا عن هذه الحركة الإصلاحية؛ وهل يكون البديل مماطلة الأيَّام،
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «موقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح بميزاب»، ”الأمَّة“، ع66، (03/ 03/1936). (1/94)
صفحة 95
وتسويف الحوادث؟ أم الانزواء في البيوت، أخذا بمبدإ القائلين: «هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت، والرضا بالقوت إلى الموت». أو قول الشاعر:
لُذْ بالخمول وعُذْ بالذُّل مُعتصمًا ... بالله تنجُ إذَا أُولوا النُّهى سَلِمُوا
أو قول آخر:
أنِستُ بوَحدَتي ولزمتُ بيتي ... فَدَامُ الأُنسُ ونَمَا السُّرُورُ
ولستُ بسائلٍ مَا دُمتُ حَيًّا ... أسارَ الجُنْدُ أم رَكِبَ الأميرُ (1)
بل لم يبق لهؤلاء الخاملين سبيل بين السبيلين؛ إمَّا أن ينتموا إلى حزب المصلحين ويشاركوهم في السرَّاء والضرَّاء، وإما أن يعتزلوهم ويتبرَّؤوا منهم، ويلتمسوا الحقَّ من غير سبيله، فيكونوا كمن يلتمس في الماء جذوة النار.
لقد كانت هذه إذن مواقف رئيسة، تلقَّى بها المجتمع حركة الإصلاح: موقف المؤيِّدين، وموقف المعارضين، وموقف العامَّة، وموقف المرتابين والمتردِّدين. وقد تعرَّض الكاتب بالشرح لكلِّ موقف شرحا
__________
(1) _البيتان من قصيدة مشهورة للقاضي الجرجاني، يُنظر: م. س. (1/95)
صفحة 96
ملائما، وبيَّن موقف المصلحين منها جميعا، وردَّة فعلهم خاصَّة تجاه الفئة أو الموقف الأخير «لأنهم بيت القصيد من هذا الموضوع، ولأجلهم طرقناه، وإنَّما جعلناه موضع اهتمامنا وتناولنا لهم بالكلام ( ... ) لأنهم الثغرة التي يؤتى بها الإصلاح من قِبلها، والناحية التي يتسرَّب منها الوهن إلى الحركة» (1).
تلك إذن كانت مواقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح الدينيِّ والاجتماعيِّ -بميزاب خاصَّة- وهذا لا يمنع أن تكون مواقف يتَّصَف بها جلُّ أبناء القطر الجزائريِّ كافَّة، وإنما خصَّص الكاتب منطقة ميزاب من قبيل الإلمام بالواقع وإدراك حيثياته، فأهل مكة أدرى بشعابها، ومن قبيل الآية: ژ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) ژ [الشعراء: 214]، ولعلَّ الدراسة المستفيضة للواقع الاجتماعيِّ بميزاب جعلته يعتبره نموذجا وصورة تنطبق على سائر القطر الجزائريِّ، ودليل ذلك أنَّه دعا في آخر هذه السلسلة إلى تكاتف الصفوف ووحدة المسلمين، مصلحيهم وعامَّتهم، عالمهم وجاهلهم، وأنَّ الاختلاف سنَّة الله في الوجود، وبه يتميَّز الحقُّ من الباطل، والخبيث
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «موقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح بميزاب»، ”الأمَّة“، ع68، (31/ 03/1936). (1/96)
صفحة 97
من الطيِّب، ويبرز الرأي الأصوب من الرأي الخطل. فأورد في آخر هذه السلسلة من المقالات البيت القائل:
تموتُ القِوَى إِنْ لَم تَكُنْ في تَبايُنٍ ... وَيَحيِينَ مَا دَامَ التَّبَايُنُ بَاقِيَا (1).
هذه إذن كانت بعض جهود الكتَّاب في مجال إصلاح العقيدة، وتحرير الفكر من الخرافات والأوهام، يمكن أن نلمس في مقالاتها عمق الأفكار، وحسن التحليل والاتِّصاف «بالرصانة في البحث، فلم تعد هجومًا عنيفًا كما كانت عليه قبل الحرب العالميَّة، فقد بدأ الكتَّاب محاولة فكريَّة جادَّة في الوصول إلى الحلول المناسبة التي تنقذ أمَّتهم مِمَّا هي فيه من انحلال وفوضى» (2).
فمظاهر التزمُّت والجمود في ميدان العقيدة والدين قابلتها حركة إصلاحيَّة عارمة، تريد تغيير الواقع، وتمكين العقيدة الصحيحة في نفوس الأمَّة؛ عقيدة نقيَّة كما أرادها الله لعباده، خالصة من الضلالات والخرافات والعادات البالية
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «موقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح بميزاب»، ”الأمَّة“، ع68، (31/ 03/1936).
(2) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفيَّة الجزائريَّة»، مج1، ص: 106. (1/97)
صفحة 98
التي أصبحت تعد جزءا من الدين، وما كان موقف المصلحين أمام هؤلاء المتزمتين الجامدين إلا التزام قوله تعالى: ژ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ژژ وَإِنْ تَوَلَّوْا ک ک ک کگ گ گگ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ژ [البقرة: 137، 138]. (1/98)
صفحة 99
ب ـ محاربة النعرات الطائفية ونزعات الفرنسة والإدماج:
1 - النعرات الطائفيَّة:
في مجال بناء الشخصية الوطنية العربية الإسلامية كان على جريدة ”الأمة“أن تعالج النواحي السلبية بصراحة وصدق؛ فكانت تقف من الدعوات ذات الطابع العنصري أو الطائفي أو الجهوي أو القبلي موقفا حازما، تقاومها بعنف، وتشهِّر بها صراحة وتردُّ على ما يُكتَب في هذا الشأن، وقد استغل المستعمر طبيعة التكوين الاجتماعي في الجزائر من طوائف ومذاهب وقبائل عرب وأمازيغ فكان يأتي الصفوف الجزائرية المتراصة من نقطة الضعف هذه.
لقد رأينا في بداية هذا الباب أنَّ الحالة الاجتماعية بالجزائر قبيل حركة الإصلاح قد شهدت تدهورا كبيرا موازيا لذلك التدهور في مجالات السياسة والاقتصاد والأخلاق والعلم، وأنَّ العلاقات الاجتماعيَّة بين أفراد المجتمع الجزائري كانت تُبنى على أساسٍ ونُظمٍ قديمة؛ كالعشيرة والقبيلة والطوائف والمذاهب، وإذا سلَّمنا بأنَّ أغلب المجتمعات قد مرَّت بهذه المرحلة من النظم الاجتماعيَّة، فإن هذه العلائق قد استُغلَّت من قبل (1/99)
صفحة 100
المستعمر الفرنسي، ليطبِّق سياسة - فرِّق تَسُد - بين الجماعات والطوائف، بل وبين الأفراد أنفسهم.
وقد علمنا أنَّ طائفة اليهود كانت ذات إمكانات كبيرة في ميادين الاقتصاد؛ تجارةً، وزراعةً، وصناعةً فإن هؤلاء اليهود موالاة منهم للإدارة الفرنسية وجدوا أنَّ من صالحهم أن لا تقوم أيَّ حركة تهدف إلى بثِّ نوع من النهضة الاقتصادية بين المسلمين الجزائريين، فراحوا - دونما هوادة - يدسُّون الدسائس للتجار المسلمين - من ميزاب على وجه خاص - الذين كان لهم بفضل جهودهم المضنية رحلات وحركات تجارية إسلامية المبدأ والتعامل في كثير من مدن القطر الجزائري، ممَّا أثار حقد التجار اليهود الذين قامت حركاتهم على الابتزاز والاحتكار والمعاملات الربوية، وشعروا بأنَّأولئك الميزابيين قد يشكلون طرفا منازعا ومنافسا قويا في السوق، فلمَّا قامت حوادث قسنطينة في أوت من سنة (1934) إثر اعتداء يهوديٍّ على حرمة وقدسيَّة أحد المساجد بطريقة أثارت المسلمين بالبلدة، وقيام ردَّات الفعل بين الطرفين، وكان موقف الميزابيين في مدن الشمال وموقف (1/100)
صفحة 101
الجزائريين بعامَّة من تلك الأحداث موقف الراشد الحكيم (1) ... عقب تلك الأحداث - التي شهدت صدًى واسعا داخل القطر الجزائري وخارجه - اعتداءات كثيرة لليهود على وحدة المسلمين وسير مصالحهم، فقد أوعزوا إلى بعض النفوس الضعيفة من الإعلاميين والتجار بأن أغروها ”بالأصفر الرنَّان“ لنشر إشاعة مرجفة لمقاطعة التجَّار الميزابيين، في قسنطينة خصوصا وفي كل المدن الجزائرية، بدعوى أنَّهم يرفعون الأسعار ويحتكرون البضاعة، ولا يتسامحون مع الزبائن في صغيرة كانت أم كبيرة، فانتشرت هذه الدعاوى انتشار النار في الهشيم، ولقي التجار الميزابيون من جرائها عنتا وظلما كبيرًا ... فما من كان الكتاب المنصفين من الشرق والغرب، وكذا كُتَّاب ”الأمة“ وهي الواجهة التي يعرف بها حقُّ المحقِّ وباطل المبطل، إلاَّ أن كتبوا مقالات عديدة في الموضوع، منها ما كتبه الشيخ أبو اليقظان بعنوان: «اليهود يبخِّرون بالفلفل» فإنَّه أبان الأهواء على حقيقتها، ونزع الأقنعة عن الوجوه، إذ أن الكاتب خلص إلى أنَّ تصرُّف اليهود هذا لا يقصد من ورائه زعزعة اقتصاد الميزابيين -الذي بني على التجارة في الأساس - فحسب، وإنَّما ترجى من ورائه غاية أخبث وأخطر وهي نشر الخلافات، وإيقاد نار الفتنة بين الشعب الجزائري، فقال الكاتب محذِّرًا: «حذار، حذار أيها المسلمون من استغلال اليهود لحسن نيتكم، ولشدَّة حاجتكم، واختلاف منازعكم، فيضرب بعضكم بعضًا، ويركب بعضكم رقاب بعض، فيرقص اليهود على مصائبكم ومناحاتكم سرورًا وطربًا، ويضحكوا شماتةً وسخرية على بَلهكم وغفلتكم.
نحن على يقين أنَّ اليهود، ولا سيما يهود قسنطينة منهم، لن يهدأ لهم بال، ويلذَّ لهم عيش، إلا عندما يرونكم تخرِّبون بيوتكم بأيديكم، مبدَّدي الشمل، مفرَّقي الكلمة مهدَّمي
__________
(1) _يُنظر: أبو اليقظان: «العبرة من حوادث قسنطينة»، ”الأمَّة“، ع2، (25/ 09/1934). (1/101)
صفحة 102
الشرف، مُداسي الكرامة. ولبلوغهم هذه الغاية السافلة تراهم هذه الأيام يبخِّرون بين المسلمين بالفلفل ... ! وسيسمع العالم الإسلامي ما يتصاعد من مسلمي الجزائر من الحكَّة والسعال إذا لم يفتحوا عيونهم للمؤامرات التي تُدَسُّ لهم في طيِّ الخفاء، ويتداركوا أمرهم بكلِّ صدق وإخلاص وصفاء» (1).
__________
(1) _ أبو اليقظان: «اليهود يبخِّرون بالفلفل»، ”الأمَّة“، ع08، (06/ 11/1934). (1/102)
صفحة 103
بهذا وقف أبو اليقظان بقلمه أمام هذه المؤامرات المدسوسة، ففضحها بطريقة يقظة وحِسٍّ ديني ووطني ذكيٍّ، وتمكَّن الشعب الجزائري الذي وقف بالمرصاد من إخماد هذه الفتن في مهدها ولم تنطلِ عليه حيلة اليهود.
إذا ابتُلي الشعب الجزائري بطائفة اليهود الذين أشاعوا فيه الدعايات والأباطيل، ونشروا الفساد في الأخلاق والمعاملات، وتمكَّنت الأمَّة من دحضها والقضاء عليها، فإن الشعب قد ابتُلي بفئة أخطر من هؤلاء؛ فئة نابعة من الشعب الجزائري نفسه لكنَّها مسيَّرة كالدُّمى من قبل جهات تخدم مصالحها وتسعى إلى إيقاظ الفتنة وزرع الفوضى، بناء على ادِّعاءات طائفيَّة ومذهبية لا تقوم في الأساس على شيء من الصحَّة والحقِّ، ومنها «أسطورة إخواننا في الدين» ذلك المقال الذي نشرته جريدة «الليالي» الانتقاديَّة التي تصدر بالجزائر، للشيخ علي بن سعد، فانبرى الشيخ محمد السعيد الزاهري العضو في إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للرد عليه ردا محكما متينا نشرته جريدة الأمة ورد فيه: «نشرت جريدة الليالي الانتقادية ( ... ) مقالا كلُّه فتنة وانتهاك للحقيقة والواقع، فضلا عن كونه طعنا صريحا وتهجُّمًا قبيحا غير شريف على بني ميزاب (1/103)
صفحة 104
”إخواننا في الدين“ وإخواننا في الوطن واللغة والتاريخ، تربطنا بهم جميع الروابط والصلات» (1).
في الوقت الذي أخذت تبدو فيه ثمرات الدعاة المرشدين ونتائج جهاد العاملين في توحيد كلمة المسلمين وإنعاش الأخوة الإسلامية بين سكَّان الجزائر عامَّة، وبين المالكية والإباضية خاصَّة ( ... ) في الوقت الذي مسَّت فيه حاجة العربية والإسلام إلى هذه الأخوة الإسلامية العامَّة (2)، في هذا الوقت نفسه يبزغ هذا المقال الذي ملأه صاحبه سبابا مقذعا، واتهامات باطلة، أمضاه صاحبه باسم ”زعفان“ (3)، وتجدر الإشارة إلى أنَّ ”الأمَّة“ قد خصَّصت عددها الثمانين بكلِّ صفحاته لتردَّ على هذا المقال الذي «أثار غضب الوطنيين المخلصين الذين رأوا في هذا المقال دسيسة جديدة حيكت ضدَّ الشعب الجزائري، تريد ضرب وحدته الوطنية في الصميم.
__________
(1) _ محمَّد السعيد الزاهري: «صرخة غضبان في وجه ”زعفان“ حول أسطورة إخواننا في الدين»، ”الأمَّة“، ع80، (23/ 06/1936).
(2) _م. س، (مقتطف بتصرف: تقديم الشيخ أبو اليقظان لمقال الشيخ السعيد الزاهري السابق ذكره).
(3) _زعفان: كلمة مستعملة في العامية الجزائرية بمعنى: غضبان. (1/104)
صفحة 105
ومن أبرز تلك الردود الموضوعيَّة النزيهة، ردٌّ مفحم كتبه محمَّد السعيد الزاهري نقض به كلَّ ما جاء في مقال "الليالي" من أكاذيب» (1).
وأجد نفسي مدعوًّا إلى عرض تلك الدعاوى التي جاءت في مقال ”زعفان“ والتي ردَّ عليها الشيخ الزاهري، وغيره من كتَّاب ”الأمَّة“، مبيِّنين الواقع والحقَّ الذي لا ينكره أحد من الناس، ونظَّم الزاهري ردَّه في شكل نقاط هي:
أولا- «من هم المستعمرون؟» (2):
حيث كان ”زعفان“ قد اتَّهم الإباضية الميزابيين بأنهم مستعمرون، «أمَّا أنَّ إخواننا الميزابيين مستعمرون فهو مُنكر من القول وزورٌ، وكيف نصفهم بالمستعمرين وهم منَّا وإلينا؟؟ ( ... ) وكيف نسمِّيهم مستعمرين وهم ليس لهم بنوك ومصارف ماليَّة كبرى ولا شركة ”ترام“ ( ... ) ولا غير ذلك من مشاريع الاستعمار والمالية العليا؛ وغاية ما هنالك أنهم تجار من الدرجة الثالثة والدرجة الرابعة، يكسبون أرزاقهم وأرزاق أطفالهم وأهليهم من هذا
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 264.
(2) _يُنظر: محمَّد السعيد الزاهري: «صرخة غضبان في وجه زعفان حول أسطورة إخواننا في الدين»، لمزيد تحليلٍ لهذه النقاط. (1/105)
صفحة 106
الوجه الحلال، فإذا كان فيهم من كسب ما نسميه مالا كثيرا بعرق الجبين وكدِّ اليمين، فإن كثيرًا منهم قد ضاعت أرزاقهم في هذه السنوات الثلاث الأخيرة، قد أكلها إخوانهم وعملاؤهم من المالكية، وما أنت بواجد في الجزائر من أقصاها إلى أقصاها ولا تاجرا واحدًا من الميزابيين إلاَّ وقد أكله إخوانه المالكية مآت الآلاف، ومع هذا فبنوا ميزاب يقابلون كل ذلك بالصبر والجميل، ولا يحملون حقدا على إخوانهم الذين أكلوا أموالهم، بل يدعون الله أن يفرِّج عليهم هذه الأزمة الخانقة التي أهلكت الزرع والضرع» (1).
ثانيا- «أصحيح أنَّ بني ميزاب مجرَّدون من كلِّ عاطفة إنسانية؟»:
لقد تجرَّأ ”زعفان“ بأنَّ وصف الإباضية الميزابيين بأنَّهم لا يتَّصفون بأيِّ عاطفة إنسانيَّة من رحمة وإغاثة وصدقة وخير ... «فزعم -وزعمه باطل- أنهم لم يعينوا مُعوِزا ولا أغاثوا بائسا ولا أعطوا سائلا، وهذا غير صحيح ( ... ) ورأيت أنا من يتصدَّق في صبيحة كل يوم جمعة ببضعة أرطال من الخبز واللحم ويهدي هذه الصدقة الجارية إلى والديه المرحومين، وهم على
__________
(1) _م. س. (1/106)
صفحة 107
كل حال أكثر المسلمين صدقة وإحسانا. ( ... ) ولقد رأيت بعيني في وادي ميزاب جيشا من المتسوِّلين المالكية يقفون على أبواب منازل الإباضية، فيترنَّمون بأنغام عربية وبربريَّة هي في غاية العذوبة، فيتناولون مقابل ذلك تبرُّعات جمَّة وصدقات كثيرة» (1)، فأيُّ ادِّعاء ادَّعاه هذا الـ”زعفان“ إن كان شأن إباضيَّة ميزاب هكذاا!!
ثالثا- «أصحيح أنَّ بني ميزاب لم يشاركوا قطُّ في الحركات الإصلاحيَّة؟»:
لقد أفاض الشيخ الزاهري في ذكر أعمال وجهود العلماء المصلحين بميزاب، وعدَّد أدوار أسماء كثيرة بقليل أو كثير في دفع حركة الإصلاح وتطوُّرها في ميزاب خاصة، وفي كافة أرجاء الوطن، وذكر منهم: الشيخ أبي اليقظان، والشيخ الثميني (2)، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم
__________
(1) _م. س.
(2) _ عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني، الملقب بضياء الدين: (و:1130هـ/1718م- ت: السبت 11 رجب 1223هـ/1808م)، من علماء بني يسجن بميزاب، من أوائل المصلحين بالمنطقة، له مؤلَّفات عديدة في الفقه والعقيدة، وعلم الكلام، وحتى في الفلك ... ترك مكتبة ثريَّة تعرف اليوم باسم مكتبة الاستقامة. يُنظر: «معجم أعلام الإباضية»، مج3، ص: 532 - 536. (1/107)
صفحة 108
اطفيش (1)، والشاعر مفدي زكرياء (2)، وغيرهم ممَّن يطول المقام لذكر أعمالهم وجهودهم في ميدان الإصلاح ونشر راية الدين والعلم والأخلاق.
رابعا- «ماذا كان موقفنا إزاء مشاريعهم؟»:
لقد أسَّس إباضيَّة ميزاب مدارس وجمعيات في ميزاب وفي الشمال، وحرَّروا صحفًا كبَّدتهم أموالا عظامًا، فما كان موقف المجتمع الجزائري من هذه الجهود؟ وهل أعان المجتمع أحدًا من هؤلاء المجاهدين ليطلبوا الإعانة بالمثل؟ يتساءل الشيخ الزاهري: «وماذا يقول ”زعفان“، هل عاون مدرسة من مدارسهم أو مشروعًا آخر من مشاريعهم بفرنك واحد؟، حتَّى يتسنَّى له أن يقول فيهم ما ليس فيهم حقًّا كان أو باطلا» (3).
خامسا- «أصحيح أنَّ بني ميزاب وقفوا موقف المتفرِّج في الميدان السياسي؟»:
__________
(1) _ إبراهيم بن امحمَّد بن إبراهيم بن يوسف اطفيَّش (أبو إسحاق)، تنظر ترجمته في ملحق «تراجم أبرز كتاب الأمَّة» في آخر الكتاب.
(2) _ زكرياء بن سليمان بن يحيى بن الشيخ سليمان آل الشيخ الشهير بـ (مفدي زكرياء)، تنظر ترجمته في ملحق «تراجم أبرز كتاب الأمَّة» في آخر الكتاب.
(3) _محمَّد السعيد الزاهري: «صرخة غضبان في وجه ”زعفان“ حول أسطورة إخواننا في الدين»، ”الأمَّة“، ع80، (23/ 06/1936). (1/108)
صفحة 109
وأمَّا في الميدان السياسي فقد جال فيه إباضيَّة ميزاب جولات، وجاهدوا جهادًا لم يكن لغيرهم، وعنوا بالقضيَّة السياسية الوطنية عنايتهم بقضايا المسلمين السياسية في الوطن العربيِّ الواسع، وإلا فكيف نفسِّر جهاد الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش من أجل القضيَّة التونسيَّة، فنفي من تونس إلى مصر بسبب حركته السياسية الدؤوبة، فكان «نفي النفي إثبات» (1) لمكانته وجهوده العظيمة، وعدَّد الزاهري الأسماء كذلك في هذا الميدان أمثال: المجاهد العظيم الشيخ صالح بن يحيى (2) والشيخ سليمان باشا
__________
(1) _ أصدرت فرنسا ضدَّه حكم الإبعاد عن تونس إلى مصر، في فيفري 1923، فكان نفيه فيه من الخير للجزائر أكثر مِمَّا فيه من الشرِّ، إذ وجد في مصر بدل المنفى وطنًا آخر يجاهد فيه، فكان (نفي النفي إثبات). يُنظر: ديوان أبو اليقظان، تحقيق محمَّد ناصر، نشر جمعية التراث، ط2، (1989)، ج1، ص104، ويُنظر: «معجم أعلام الإباضية»، مج2، ص: 44 - 48.
(2) _ صالح بن يحيى بن سليمان بن عيسى آل الشيخ: (ت: 1367هـ/ 5 جانفي 1948) من رجالات يسجن، كان يتَّقد حيوية ثورية ووطنيَّة، يعتبر العضد الأكبر للزعيم الوطني التونسي الشيخ عبد العزيز الثعالبي فكان صالح بن يحيى عضو اللجنة التنفيذية بالحزب الدستوري التونسي. تجوَّل في منطقة ميزاب وجمع مبلغ 130 ألف فرنك فرنسي سنة (1920) باسم دستوري أهل تونس ومديره الشيخ الثعالبي. وللإشارة فإن شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء هو ابن أخته وأحد تلامذته. يُنظر: «معجم أعلام الإباضيَّة»، مج3، ص: 486 - 489. (1/109)
صفحة 110
الباروني (1) وغيرهم مِمَّن لا يسعنا المقام - أيضا - لذكر أعمالهم الجليلة داخل وخارج الوطن.
كانت هذه نقاط وضعها الشيخ محمَّد السعيد الزاهري في ردِّه المفحم على مقال ”زعفان“ هذا، فقد شمل صفحتي العدد تقريبا، بينما خُصِّص باقي العدد لمقالات أربعة أخرى في الموضوع نفسه، ولا يسع المجال ذكر تفاصيلها كلِّها، بَيْد أنَّها تدور في سياق مقال الشيخ الزاهري ولا تحيد عنه من حيث مهاجمة مقال ”زعفان“ والدعوة إلى وحدة الشعب الجزائري ونبذ النعرات الطائفيَّة والفتن المذهبية، وهذه المقالات هي:
1 - «من عبث بعرض أخيه عبثت بعرضه الأقلام». إمضاء (نغران).
2 - «إليك يا سي الزعفان الحمقان ما يزيل عنك الزعاف». إمضاء (زعلان).
3 - «على رسلك يا سي الزعفان فإنَّ العرب بالباب». إمضاء (جسَّاس)، للشيخ محمَّد السعيد الزاهري كذلك.
4 - «خرقة الليالي». إمضاء (مسلم زيِّ الزفت) (2).
__________
(1) _ سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني (باشا).تنظر ترجمته في ملحق «تراجم أبرز كتاب الأمَّة» في آخر الكتاب.
(2) _تُنظر:”الأمَّة“، ع80، (23/ 06/1936). (1/110)
صفحة 111
وراح الكتَّاب في هذه المقالات يردُّون التهم الباطلة، والأقاويل المغرضة التي لا تمسُّ كرامة إباضيَّة ميزاب فحسب، بل إلى فئة وجزء لا ينفصل من جسم المجتمع الجزائري الذي وحَّده الإسلام، إرادةً في بثِّ روح الشقاق والخلاف بين طبقاته وطوائفه المختلفة، ولكن هؤلاء المغرضين لم يرضوا إلا بالصيد في المياه العكرة، ويتصدَّوا إلى كلِّ حركة اجتماعيَّة بهدف نقضها والإطاحة بها، بدافع فردي أحيانًا أو نزعة قبليَّة طائفية أحيانا أخرى، وبإغراءات استعمارية في غالب الأحيان.
ومن هذه التصرُّفات المشينة أن يطعن بعض أذناب الاستعمار أو الحاقدين على حركة الإصلاح والنهضة بأن يحاولوا الإطاحة ببعض النظم الاجتماعيَّة الصالحة والمفيدة بمجرَّد أن يروا شخصا ممثِّلا لمؤسَّسة اجتماعية يفسد في ذلك النظام، أو تلك المؤسَّسة الاجتماعية فـ «ليس الأمر كما يزعمون ففساد الأشخاص لا يدلُّ على فساد المؤسسات، الأشخاص تفنى والمؤسسات تبقى!» (1). فإذا رأى الناس من بعض المتعلمين تهتكا واستهتارا في الفجور والفساد قالوا: إن نبع الشر وأصل الفساد إنَّما هو العلم
__________
(1) _ عنوان لمقال الشيخ أبي اليقظان: ”الأمَّة“، ع154، (09/ 02/1938). (1/111)
صفحة 112
والمدارس، ولمقاومته يجب مقاطعة المدارس الحديثة وإفشاء روح الجهل والأمية بين الناس!!
ومن هذا القبيل كذلك، ذلك السور المنيع والنظام البديع الذي حاول بعض المغرضين هدمه ”نظام أو هيأة العزَّابة بوادي ميزاب“ (1)، «وهيأة العزَّابة هي الهيئة العليا في البلد على الإطلاق، لها النفوذ الروحي على المجتمع الإباضي، والسلطة المطلقة على كل ما له علاقة بالدين. أو هي بعبارة
__________
(1) _”نظام العزَّابة“، أو ”هيئة العزَّابة“، أو ”حلقة العزابة“، أو ”مجلس العزابة“، مصطلحات تستعمل في المراجع مترادفات، وهي في أصلها تمثل مراحل تطور النظام. نظام العزابة: هيئة تقوم مقام إمامة الظهور في مسالك الكتمان عند إباضية المغرب. أوَّل من أنشأ هذا النظام هو أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي سنة 409هـ /؟؟ م في بلدة أعْمَرْ في وادي ريغ بالجنوب الجزائري (قرب مدينة تقُّرت حاليا). ومن مهام نظام العزابة حاليا: العناية بشؤون المجتمع الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، رعاية المساجد بناء وتسييرا، الإشراف على الأوقاف، التكفّل بالتعليم، مراقبة السوق وفق ضوابط الحسبة، تجسيد الولاية والبراءة.
يُنظر للتفاصيل، مجموعة من الباحثين: «معجم مصطلحات الإباضية»، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1429هـ/ 2008م، ج2، ص: 702، 703. (1/112)
صفحة 113
أوجز: الهيأة الشرعية الحاكمة القائمة مقام الإمامة العظمى في مرحلة الكتمان» (1).
وأعضاء هذه المؤسسة ليسوا من الملائكة بل بشر غير معصومين، والبشر يخطئون ويصيبون، وإذا بدر من بين قادة هذه الهيأة رجل خالف الحقَّ، وحاد عن جادَّة الصواب، فلا يجوز لأحد أن يقدح في النظام أصلا. فأفعال وتصرفات بعض العزابة لا تؤكد بالضرورة فساد النظام بكامله، وإنَّما يتحمَّل كلُّ شخص مسؤوليته أمام الله أوَّلاً، ثم أمام نفسه والمجتمع ثانيًا.
اغتنم أعداء الإصلاح وبعض أذناب المستعمر الحاقدين هذه التصرفات الفردية الشاذة للطعن في المؤسَّسة ككل، فدعوا إلى معاداة التعليم الحر الحديث لوجود معلمين فاسدين، ومعاداة إنشاء الجمعيات لوجود بعض الأشخاص فيها لا يمثلونها - أحيانا - أحسن تمثيل، وهكذا ...
غير أن أبا اليقظان يحمِّل كلَّ فرد من أعضاء هذه المؤسسة مسؤولية الإساءة إلى سمعة المؤسسة والهيأة والأمة بشكل عام، لأن هذه التصرفات قد تكون سببا لإعراض عامَّة الناس عن قادتهم، وانصرافهم إلى من
__________
(1) _محمَّد ناصر: «حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي»، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، سنة1989، ص: 12. (1/113)
صفحة 114
يغويهم في أمر دينهم، ويضلهم عن أمر دنياهم. وقد وافق رأي أبي اليقظان قول الشيخ محمَّد عبده: «الإسلام محجوب بالمسلمين»، فحجب أهل الإسلام بأعمالهم وتصرفاتهم الدنيئة مزايا الإسلام الحقيقية عن غيرهم فأخذوا على الإسلام تلك النظرة الناقصة والمشوهة (1).
2 - نزعات الفرنسة والإدماج:
وإذا تصدى كتَّاب الأمَّة إلى كلِّ ما يمس بقوام المجتمع المسلم، وفضحوا ما يُخطَّط له في الخفاء لهدم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، فإنَّ وحدة المسلمين داخل القطر وخارجه كانت شغلهم الشاغل، وأي خطر يهدِّد هذه الوحدة، ويجعل الجزائريين فريسة سهلة في يد المستعمر كدعاة الإدماج والفرنسة كان يجد ردًّا عنيفًا ورفضًا قاطعًا.
أمَّا الشيخ أبو اليقظان فقد كتب مقالا رائعا، يصوِّر فيه الحالة الاقتصادية المتردِّية التي تعيشها الجزائر وأثره على الحياة الاجتماعية، «فعوض أن تتألف القلوب على درء هذه الأخطار، وتتعانق النفوس على
__________
(1) _يُنظر: أبو اليقظان: «ليس الأمر كما يزعمون ففساد الأشخاص لا يدلُّ على فساد الأشخاص تفنى والمؤسسات تبقى!» ”الأمَّة“، ع154، (09/ 02/1938). (1/114)
صفحة 115
تخفيف هذه الويلات ( ... ) نرى ونحس وجوها كالحة، وجباها مقطبة وألسنا معقدة ( ... ) وهل نكون معشر المسلمين وحالنا كما وصفنا إلاَّ كحال قطعان من الأغنام في ليلة مظلمة فاجَأَتْها قطعان من الذئاب تعوي من كل جهة ... » (1).
فهذه دعوة صريحة للوحدة الإسلامية من شيخ عالم خبَرَ الحياة وخبرَتْه الحياة، وأحسَّ ما بالمسلمين من ضعف ووَهَن، ووجدَ أنَّ الحل هو في الوحدة والعودة إلى كتاب الله، وخشوع القلوب لذكره، فاختتم المقال بالآية ژ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ژ [الحديد: 16]، فإذا اجتمعوا على كتاب الله وهديه فإنه يعصمهم من النِّزاعات والاختلافات العصبية ويهديهم إلى الوحدة المنشودة ژ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ ? ? ? ? وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ چ چ چ چ ... أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ژ [آل عمران: 102، 103].
وممَّا يفرِّق وحدة المسلمين ويرميهم في بؤرة الشقاء والنِّزاع، وبالتالي الإذعان إلى المستعمر، والانصياع إليه كقوة مسيطرة، دعوات الفرنسة
__________
(1) _ أبو اليقظان: «ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم»: ”الأمَّة“، ع42، (17/ 09/1935). (1/115)
صفحة 116
والتجنيس «وقد حاربت الجريدة كلَّ نزعات الفرنسة والمسخ، والإدماج ... » (1) وكان لها موقف عظيم يتسم بالوعي العميق وبُعد النظر حين سافر وفد منبثق من المؤتمر الإسلامي الجزائري يحمل مطالب الجزائريين إلى باريس سنة (1936) يعرضها على الحكومة الفرنسية، فكُتِب بالبند العريض مع عناوين العدد: «حذار من الانحدار في هوة الإدماج!!»، فيه دعوة ملحاح إلى التزام الحذر في مثل هذه المواقف «ففي مثل هذه الظروف تظهر الحنكة وقيم الرجال من أشباه الرجال» (2)، وكان لمقال آخر نشر في ”الأمة“ بعنوان «زأرة من عرين!» أثرا عميقا في كُتَّاب تلك الفترة، والمقال أرسله ”أحد حماة الإسلام“-كما أسمته ”الأمة“- وعرض فيه كاتبه ”الفاروقي“ (3) بالتفصيل فكرة الإدماج ومخاطرها على الشخصية الجزائرية العربية المسلمة. وقال ”الفاروقي“فيما قاله: « ... لابدَّ ثمَّ لابد أن تسعَوا وتجتهدوا في إحداث شيءٍ يحفظ الدين والقومية، وتدعوا إلى ذلك جميع طبقات الأمَّة على اختلاف نحلهم لعلهم تجمعهم كلمة "دين
__________
(1) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 265.
(2) _ أبو اليقظان: «حذار من الانحدار في هوة الإدماج»: ع82، (21/ 06/1936).
(3) _ هو إمضاء صاحب المقال ولم أعثر على اسمه الحقيقي. (1/116)
صفحة 117
ووطن". ولقطع دابر المفسدين أرى أوَّل واجبٍ محاربةُ التجنيس والمتجنسين؛ لأنهما رأس الفساد» (1). ثم حلل الكاتب في فقرات أهم المطالب التي يرى ضرورة الاعتناء بها لدرء هذا الخطر الجسيم، نوجزها فيما يلي:
أ. منع الدعوة المسيحية [أي التبشير] في البلاد الجزائرية المسلمة (كلها عربية أو بربرية).
ب. منع الخمر عن المسلمين والفحش، كما في تونس والمغرب.
ج. ارتباطنا دينا وسياسة بتونس والمغرب لأننا جزء من الشمال الإفريقي الإسلامي.
د. احترام أرباب ديانتنا ومعاملتهم بمرتبة متساوية مع أرباب الديانة المسيحية، في الاحترام والتعظيم والحرية والراتب.
ه. أن يكون لجمعية العلماء المسلمين قولا فاصلا وحازما في المسألة (2).
__________
(1) _ الفاروقي: «زأرة من عرين!»، ”الأمَّة“، ع78، (09/ 06/1936).
(2) _ينظر: م. ن. (1/117)
صفحة 118
وقد أثار هذا المقال بأسلوبه الخطابي التحليلي اهتمام الكتَّاب، فنشرت ”الأمة“ مقالا للشيخ أبي العباس أحمد بن الهاشمي التيجاني (1) بعنوان اختار له الآية الكريمة: ژ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ ? ? أَمْثَالَكُمْ (38) ژ [محمد: 47]، فما رأى الكاتب إلا أن يضمَّ صوته إلى صوت ”الفاروقي“، أداء للأمانة وتبرئة لذمته من مسؤولية السكوت؛ وبطبيعة مقام ومركز الشيخ رأى واجبا عليه أن يضع القضية على بساط الدين ويبين موقفه منها، ثمَّ مضى مستظهرًا الآيات التي تثبت ما ذهب إليه ليخلص من ذلك إلى «أنَّ دعاة التجنيس أينما توجهوا وأينما حلُّوا وارتحلوا وجدوا الآيات
__________
(1) _اسمه الحقيقي أحمد التيجاني، وقد وضع اسمه الشخصي (أحمد) بين اسم ابنه الأكبر المرحوم (عباس) وبين اسم ابنه الدكتور (الهاشمي) مؤسِّس جميعة ”القيم“ بالجزائر، هو أحد أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولكنه للأسف مجهول لدى كثير من الجزائريين. استقر التيجاني بالرباط المغربية منذ 1915، ونفته السلطات الاستعمارية منها إلى ”آسفي“ سنة 1936، ثم إلى ”مرَّاكش“. كان يساهم من المغرب بمقالاته في صحف جمعية العلماء ”الشهاب“و”البصائر“ وقبلها ”الإصلاح“ للطيب العقبي. انظر تفاصيل عن حياته سجلها ولده الدكتور الهاشمي التيجاني: جريدة الشروق اليومي (النسخة الإلكترونية): «جبهة التحرير تحرش ضدَّ ”جمعية القيم“ الفتية»، الحلقة الثالثة، العدد الصادر بتاريخ: 16/ 03/2013. (1/118)
صفحة 119
المحكمات سادَّة لكل سبيلفي وجوههم، اللهم إلا سبيل الاختيار بين أحد الشِّقَّين وإحدى الشيعتين» (1).
وبهذا اختار الكاتب لنفسه - ولمجتمعه المسلم إذ هو أحد أعضاء جمعية العلماء - خيار الثبات على طريق أمَّة أعدَّتها العناية الإلهية لتكون شاهدة على الناس، لا ليندمجوا في كل مظهر قوة تظاهر به الزمان أو السلطان!!.
ولقد كان المستعمر يتفنن في اختيار الوتر الذي يعزف عليه نغمه المشؤوم بالتفرقة والفتنة وزرع اليأس والفوضى بين الجزائريين، فتارة يختار وتر معاداة المصلحين وكيل التهم لهم لعزلهم عن عامة الشعب، وتارة يختار وتر الجهوية أو الطبقية أو الاختلاف بين الأهالي والمعمرين، وتارة يتسخدم التنوع المذهبي أو القبلي أو الطائفي لضرب الإسلام ووحدة المسلمين بالجزائر. ولقد تفطن المصلحون لهذه الدسائس وحذروا منها قومهم.
فنجد في ”الأمة“ مقالات عن التحذير من التفرقة العرقية بين العرب والأمازيغ؛ «كان أبناء الإسلام والعروبة من (الأمازيغ) يرابطون في الصفوف المتصدية للمؤامرات الاستعمارية، ويكافحون روادا في
__________
(1) _”الأمَّة“، ع81، (30/ 06/1936). (1/119)
صفحة 120
الحركات الإصلاحية، وكتَّابا وشعراء في الصحافة الوطنية، ومعلمين أحرارا في المدارس الحرة للحفاظ على العروبة والإسلام» (1). وضمانا لوحدة أبناء الأمَّة الجزائرية العربية المسلمة.
} - - {
__________
(1) _ صالح خرفي: في رحاب المغرب العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، (1985)، ص: 14، 15. (1/120)
صفحة 121
ج ـ محاربة الجهل ونشر التعليم العربي الإسلامي
1. محاربة الجهل:
«أرأيت الشجرة الكبيرة، وقد ذبلت أغصانها، وتناثرت أوراقها من شدَّة الظمأ، واشتاقت قطرة الماء التي هي أملُها الوحيد في الحياة، وهي الواقية لها من الموت؟ تلك هي أمَّة الجزائر، وذلك هو اشتياقها للتعليم، وذلك هو المثال الذي يصوِّر لك شدَّة اشتياقها للتعليم ... » (1).
هذه كلمات عبَّر بها الأستاذ المؤرخ أحمد توفيق المدني عن الحالة المزرية التي تدهور إليها مستوى التعليم في الجزائر، في فترة نجح فيها المستعمر الفرنسي في تطبيق سياسة التجهيل، «وتكشف لنا عن حقيقة التمدُّن والحضارة التي طالما تشدَّقت بها ”الأم الحنون“ وهي تضمُّ إلى حجرها جيشًا محرومًا من الأطفال المساكين الأميِّين بلغت الأمية فيها خمسةً وتسعين في المائة من مجموع سكانها ... » (2).
هذه كانت حالة الجزائر العلميَّة في تلك الفترة، في ظل سياسة التفقير والتجهيل وطمس التراث التي ألزمت الإدارة الاستعمارية نفسها تطبيقها.
__________
(1) _ أحمد توفيق المدني: «كتاب الجزائر»، المطبعة العربية، الجزائر، (1931)، ص: 293.
(2) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، مج2، ص: 7. (1/121)
صفحة 122
ولا غرابة أن يكون موضوع مكافحة الجهل والحرص على التعليم من أبرز الموضوعات التي استحوذت على كتاب المقالة الصحفية في جميع مراحلها. والقضيَّة التي فتحت لها الصحافة -باختلاف انتماءاتها وتوجهاتها- الباب الواسع والاهتمام المتزايد.
ولم تكن ”الأمة“ بدعا عن هذه الجرائد؛ فليس عجبا أن يحظى التعليم ومكافحة الجهل باهتمام الجريدة وكتَّابها خاصة لمَّا رأينا أنَّ نسبة المتعلمين في الجزائر نسبة ضئيلة تبعث على الحزن والأسى. ولذلك لاحظنا حرارة الدعوة إلى التعليم، حرارة لا تضاهيها إلا تلك المقالات التي كتبت في مجال إصلاح العقيدة والتمكين للدين في نفوس الجزائريين، فنجد أحد الأعداد الأولى من ”الأمة“ يضمُّ مقالا يعبِّر فيه صاحبه عن ألمه من الحالة الأسفية التي وصلت إليها بلده، ويعلي صرخة حادَّة في وجه الجهل الذي رأى فيه موتا للروح إذا كان في الجوع موتًاللجسد (1) «بأي صوت أصرخ، وبأي قلم أكتب، ومن أي منفذ أدخل إلى نفوس الذين يخافون من الجوع موت الجسد، ولا يخافون من الجهل موت الروح ( ... ) فبالجهل هُتِكت أعراضٌ، وبالجهل
__________
(1) _ أبو اليقظان «إذا كان في الجوع موت الجسد، ففي الجهل ممات الروح!»، ع04، (09/ 10/1934). (1/122)
صفحة 123
فسُدت أخلاق، وبالجهل بُدِّدت أموال. بالجهل دِيست كرامات، وبالجهل أُهِينت أديان، وبالجهل أُبيدت أمم، وبالجهل خربت بلاد! وأي أثر من آثار الجوع إزاء هذه الآثار الفضيحة من الجهل» (1).
إن الجهل أفيون الشعوب؛ بل وأفيون العقائد أيضًا، فإذا كان الفرد جاهلا تلقى تعاليم دينه على غير اقتناع وتدبُّر؛ هذا إذا كان قد تلقاها وعمل بها أصلا. ويرى الكاتب أنَّ الحديث عن الجهل ومخاطره أضحى مهزلة في هذا العصر الحديث « ... نكتب عن هذا ونحن نعلم أن أبناء الأمم الحيَّة كمصر وغيرها سوف يضحكون علينا، ويتعجَّبون من إفضائنا في بيان أضرار الجهل، وهم قد فرغوا منه منذ قرون! ولهم الحق أن يضحكوا، ولهم الحق أن يعجبوا، لأنَّ الكلام عن أضرار الجهل في هذا العصر الساطع بشموس العلوم كالكلام عن أضرار الظلام، فهذا قد يدركه حتى الصبيان!» (2).
غير أنَّه يرجع ليُقِرَّ بأنَّ وسطا كوسط ”الجزائر“المستعمرة المضطهدة، يلزم علماءه ومثقَّفيه وكتَّابه توعية العامَّة تجاه هذه الآفة العظيمة. ويضع بين أيدينا إحصاءات لنسب المتعلمين في الجزائر في تلك الفترة فنعلَم هول
__________
(1) _م. س.
(2) _م. ن. (1/123)
صفحة 124
الكارثة، وعظم المشكلة: «بين أمَّة تتركَّب من نحو ست 6 ملايين نسمة ولها من الأبناء المهملين الشُّرَّد نحو ثمانمائة ألف طفل، وليس لها في المدارس إلا نحو 60 ألفا [أي بنسبة 1% من عدد السكان]، بينما الأوروبيون الذين لا يتجاوز عددهم 913 ألف نسمة يبلغ أبناؤهم في المدارس زهاء 136000» (1).
إنَّ نسبة 60 ألف متعلم من بين 6 ملايين نسمة شبه جاهلة أو لم تعرف المدارس، لنسبة يندى لها الجبين، ويُرثى عليها هذا الشعب المسكين، وهذا الرقم يصوِّر من جهة أخرى مدى اهتمام المستعمر الفرنسي بتعليم رعاياه وأبنائه، وشتَّان بين النسبتين فلا غرابة أبدًا أن تُكتب المقالات الطوال ويحتدُّ الجدال ويقف الرجال لمكافحة هذا الوباء القاتل - الجهل - خاصَّة وأنَّ «الجزائر لا ينقصها الذكاء والفطنة كما يقولون، بل هي كغيرها تلد الرجال وتنجب الأحرار، ولكن ينقصها العلم الذي هو ملاك الحياة وقوام الإنسانية الكاملة ( ... )» (2).
2.
__________
(1) _م. ن.
(2) _ بلقاسم بن رواق: «هل في الإمكان إيجاد كلية دينية بالقطر الجزائري»، ”الأمَّة“، ع53، (03/ 12/1935). (1/124)
صفحة 125
نشر التعليم العربي الإسلامي:
لقد كانت أغلب هذه المقالات الصادرة في هذه الفترة من العشرينات وبداية الثلاثينات تصوِّر أفكار طبقة متنوِّرة تبحث جاهدة عن الخروج الذي يُفضِي بالأمَّة إلى نور العلم والمعرفة، وهي كذلك تُجسِّد تلك الحيرة المستبدَّة بهؤلاء المثقفين -على قِلَّتِهم- وهم يرَوْن أمَّتَهم تحت كَلْكَل الجهل والتخلُّف فيَقِفُون أمامها في حيرة، ولا يملكون القوَّة الفاعلة لتغيير الواقع ونجدة الأمَّة.
ومن هنا لاحظنا أنَّ المقالات التي تُعنى بالتعليم، تنقسم قسمين:
قسم يدور الحديث فيها عن هذه الحيرة التي ملَكَت المثقفين والعلماء من مكانة الجزائر في التعليم، وقسم تفطَّن إلى بعض الأساليب الحديثة، ورأى ضرورة تغيير تلك الأساليب القديمة بعد نقدها والإبقاء على الصالح منها؛ غير أننا نستطيع أن نحصر الأفكار الجوهرية التي حملتها المقالة الصحفية -عموما- ومقالات ”الأمَّة“-بوجه خاص- تجاه قضية التعليم في نقاط هي:
1 - وصف الحالة التعليمية المتدهورة.
2 - البحث عن أسباب تأخُّر الأمَّة في هذا المجال الحيوي.
3 - تحريض الأمة لتعمل بصفة جماعيَّة منظمة لإنقاذ الأجيال الصاعدة. (1/125)
صفحة 126
4 - نقد وتوجيه الأساليب العتيقة المتَّبعة في الكتاتيب والزوايا أو في المدارس الحكومية الفرنسية.
5 - دعوة حارَّة إلى تأسيس المدارس الحرَّة، وضرورة الوقوف أمام الغزو الفكري برفع مستوى الثقافة العربية والإسلامية» (1).
وإذا كان أبرز كتَّاب ”الأمَّة“ في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي هو الشيخ سعيد شريفي، فإن أبرزهم في قضية الاهتمام بالتعليم بلا منازع كان الشيخ أبو اليقظان. فكثيرًا ما كان يختار المناسبات التي يكون فيها الكلام عن العلم والتعليم أكثر تأثيرا، وأوقع على النفوس، فيفتتح أعداد ”الأمَّة“ بمقالات تعنى بالموضوع «موسم افتتاح السنة الدراسية، أو اختتامها إذا كانت تُطلَق على الافتتاح موسم البذر، كما تطلق على الاختتام موسم الحصاد» (2).
ففي مقال لأبي اليقظان نشر بالعدد الثالث من ”الأمَّة“، يستطرد فيه في تَعداد فضائل العلم واهتمام الأمم الحيَّة به، كما يُشيد بافتتاح العام
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية»، مج2،ص: 18.
(2) _محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، ص: 262. (1/126)
صفحة 127
الدراسي الجديد، ويعتبره الخطوة الأولى في سبيل المجد والكرامة: «في أول هذا الأسبوع تنصرم أيام الراحة الصيفية ويحلُّ فصل زراعة العقول ( ... ) في هذا اليوم فاز من فاز وخاب من خاب، في هذا اليوم وضعت الأمم النبيهةُ الحجر الأساسي لقَصْر الحياة، ووضعت الأمم الغافلة صفائح على قبر الممات، إن هذا اليوم فصل وما هو بالهزل» (1).
كما اهتمَّت ”الأمَّة“ بآخر السنة وامتحاناتها، فمضت تبثُّ النشاط وروح المثابرة في نفوس التلاميذ:
«من يجتهد يظفر بنيل مرامهطبعا، ويرق ذرى العلا وسناما
أمَّا النؤوم فكان خير حظوظهبحياته والأوهام والأحلاما
( ... ) شهر جوان ما أدراك ما شهر جوان؟ هو معرض لحقول العقول، ومضمار فسيح لتسابق الأفهام، هو مفترق الطرق، إمَّا إلى نعيم الرقِّي في سُلَّم الكمال، وإمَّا إلى جحيم التدلَّي في دركات الوبال» (2). فهذا اهتمام بشهر «الحصاد» (جوان) كما كان الاهتمام بشهر «البذر والزرع»
__________
(1) _ أبو اليقظان: «إلى رياض العلم والعرفان»، ”الأمَّة“، ع03، (12/ 10/1934).
(2) _ أبو اليقظان: «شهر الحصاد من أكتوبر إلى جوان»، ”الأمَّة“،ع30، (25/ 06/1935). (1/127)
صفحة 128
(سبتمبر) أو (أكتوبر)، وتحريض من الكتَّاب على طلب العلم والحرص عليه، وتدارك أخطاء الموسم السابق في الموسم الجديد، كما يتدارك الفلاح عوامل نقص غلَّتِه أو ضعف أشجاره في الموسم السابق، بالاعتناء بها أكثر في الموسم الجديد.
ثم يقول محرضا على بدل الجهود في تحصيل العلم وأن الخير كله دنيا وأخرى في العلم والشر كله دنيا وأخرى في الجهل: «وبعد فإن أردتم يا قوم عزًّا فاطلبوه من العلم، أو شرفا فاطلبوه من العلم، أو رفعة فاطلبوها من العلم، أو مالا فاطلبوه من العلم، فلا عزَّ مع الجهل ولا شرف مع الجهل ولا رفعة مع الجهل ولا مال مع الجهل ( ... ) بالعلم أصبح العبيد أحرارًا، وبالجهل أمسى الأحرار عبيدًا» (1).
كما نشر الشيخ شريفي سعيد مقالين طويلين (2)، عُني فيهما بالتعليم وما يلاقيه التلاميذ من ضغط اجتماعي قد يقطع عنهم مَعِين العلم والمعرفة وهم أزهار لم تتفتَّح بعدُ، ويفصح الكاتب عن كثير من الممارسات التي
__________
(1) _م. ن.
(2) _يُنظر: سعيد شريفي (الشيخ عدُّون):”الأمَّة“، «حول التعليم، ها هو موسم التعليم على الأبواب فماذا أعددنا له؟» ع90، 91. (1/128)
صفحة 129
تحارب العلم في أشخاصه المتعلِّمين والمعلِّمين، كأن يفصل الرجل أبناءه عن الدراسة بحُجَّة الفقر أوالحاجة إليهم في التجارة أو الزراعة، مع أنَّه قد يكون من المسرفين في كثير من الكماليات، أو أن تجد من هؤلاء الرجال «من يتظاهر بحب العلم والدعوة إليه بألسنتهم، فإذا كلَّفَهم وقتًا من أوقاتهم أو درهما من دراهمهم تنكَّروا له ووَلَّوا منه فرارًا إلى حيث لا يكلِّفهم غرامة في عزيزٍ لديهم، وإنَّ فيها من لا يرون العلم إلا مسائل فقهية جافَّة فيشتدُّ نكيرهم على من يفهمه على خلاف ما يفهمون، ويرون غير فهمهم مُنافيا للدين نابيا عنه!» (1).
وفي سبيل ترسيخ مدى أهمية الصبر والجدِّ في طلب العلم، لم تتردَّد ”الأمَّة“، في نقل نصٍّ طويل لإبراهيم عبد القادر المازني، (1889 - 1949) نقلا كاملا ضمن مقال كتبه أبو اليقظان بعنوان: «بعد انتهاء موسم الدراسة، ماذا يجب على أولياء التلاميذ إزاءهم ... !» (2)، ويروي هذا النص حادثة وقعت للمازني بُعَيد زواجه، بحيث اعتبرت حماته أنَّ الكتب
__________
(1) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون):”الأمَّة“، «حول التعليم، ها هو موسم التعليم على الأبواب فماذا أعددنا له؟» ع91، (15/ 09/1936).
(2) _”الأمَّة“، ع129، (13/ 07/1937). (1/129)
صفحة 130
أضْحَت ضرَّة لزوجته، لما لاحظته من اهتمامه بها، ومرافقتها إيَّاه في كل مكان وزمان. واتَّخذت ”الأمَّة“ هذه الحادثة والقصة الطريفة أداة للاعتبار، والتنويه بضرورة الصبر في طلب العلم، وامتلاك الإرادة القوية والتغلُّب على الشهوات إذا أراد الشباب أن يبلغ ما بلغه المازني وغيره في ذلك الوقت من شأن ومنزلة عظيمين.
لقد اجتمعت -كما يبدو - ظواهر اجتماعية متعدِّدة دفعت بالشباب إلى الانقطاع عن الدراسة في وقت مبكِّر، بإرادة منهم أو جبرًا من قبل أوليائهم وذويهم، كما عبر عن ذلك الشيخ عبد الرحمن بكلي قائلا بمرارة: «وإذا بأولئك الذين كانوا يُحلِّقون في سماء الأدب كالبلابل تَشْدُو على كل فَنَن تتسقَّط الأزهار وتنزل على كل غدير، أولئك الذين يحملون بين جنوبهم قلوبا رطبة بالأدب الغضِّ، ونفوسا صقَلَت مرآتَها الحكمة البالغة، وهذبت حواشيها الطرفة النادرة، وأذكت جذوة إحساسها العبرة اللاذعة، إذا بأولئك الذين كانت أمَّتُهم تنوط بهم عُرى الآمال بين المقصِّ والذراع، وبين الرطل والميزان، أو ما أَشْبَه ذلك» (1).
__________
(1) _بكلي عبد الرحمن بن عمر (البكري): «جناية المادة على الحياة الأدبية في أوساطنا» ”الأمَّة“، ع106، (13/ 01/1937). (1/130)
صفحة 131
أمَّا فرص العلم في المدارس الحكومية العالية فتكاد تكون معدومة؛ كما أنَّ تكاليف الأسفار ومزاولة الدراسة في البلاد العربية الأخرى، كتونس والقاهرة وغيرهما لم تكن إلا بِيَد من كان الحظُّ حليفه، وبشِقِّ الأنفس في أغلب الأحيان، «إنَّ الأخطار التي يتحمَّلها الطالب الجزائري عند طلبه للعلم ومسافراته لأحد مناهله الثلاث، لأَمْر جلَلٌ لَتنُوء بحمله شمم الجبال فضلا عن كواهل البشر ... » (1).
وفي هذا الجوِّ راح الكتَّاب يهتمُّون بمخرج آخر يَحْفَظ لأبناء الجزائريين نبْعَهم الذي لا ينضُب من العلم الصالح والأخلاق الرفيعة، والمعرفة السامية. إنه الاهتمام الشديد بالتعليم العربي الإسلامي الحر، غير أنَّ بعض الخاملين والمتواكلين يذهب إلى تعليل حالة الجزائر العلمية المتردِّية بسبب هذا الضعف المادِّي وحده، وهذا تعليل باردٌ يتكئ عليه أعداء العلم ودعاة الجهل، وهذا أبو اليقظان يدحض هذه الحجة التي لا تستند إلى دليل عقلي واقعي مقبول فيقول:
«أوَّلاً: فلأنَّ العلم إذا لوحظ في طلبه الضعف المادِّي على تسليم المدَّعى، فإن البقاء على الجهل إفلاس وخراب ( ... ).
__________
(1) _ بلقاسم بن سيدي أرواق: «هل في الإمكان إيجاد كلِّية دينية علمية بالقطر الجزائري؟» ”الأمَّة“، ع49، (15/ 11/1935). (1/131)
صفحة 132
ثانيا: فلأنَّ الضعف المدَّعى لم يمنع الزهَّاد في العلم من تبذير المصاريف في الكمالات والزوائد؛ مثل: التاي والقهوة والذهب والحرير واقتناء المزخرفات وإطلاق العنان للذائذ والشهوات.
أما ثالثا: فلأنَّ الضعيف الفقير إذا أَحسَّ حقيقة بضعفه وفقره فإنَّه يعمل جهده ويسعى بما لديه في تطلُّب أسباب القوَّة والغنى، ولو كلَّفه ذلك ما كلَّفه ( ... ) ليست المسألة مسألة ضعف ولكنها مسالة قوَّة الإيمان بثمرة الفلاحة والتجارة ... وضعف الإيمان بثمرة العلم، ومن يعرف المطلوب يحقر ما بذل.
وأمَّا رابعا: فإنه إنما نشأ فيهم ذلك الوهم لظنهم أنَّ العلم ليس من أسباب الوفرة والغنى وإنما هو شعار البؤس والشقاء ... » (1).
فالفقر والحاجة لم يكونا أبدا مدعاة للانصراف عن العلم، بل قد يكون العلم سببا في غنى الإنسان إذا استغلَّه فيما يعود عليه بالفائدة، التاجر العالم (المتعلِّم) يعرف مقتضيات مهنته وطرق تعامله مع الناس بالحسنى، فيكسب أفئدتهم، والفلاح العالم بشؤون أرضه وغلاله وطرق تسويقها
__________
(1) _ أبو اليقظان: ”الأمَّة“، «الصفُّ الأمامي؛ أين تُقاس رغبة الأمَّة في العلم والتعليم» ع72، (29/ 04/1936). (1/132)
صفحة 133
أفضل وخير من الفلاح الجاهل في كلِّ شيء، والعامل العالم خير وأوفر أجرا من العالم الجاهل بلا نكران، فخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشرُّ الدنيا والآخرة مع الجهل.
ويرى ”البكري“ (1) أنَّ سبب شقاء الجزائريين وإعراضهم عن الحياة الأدبية والعلمية هو: طغيان حب المادة والسعي وراءها بتلبية شهوات النفس على حساب الروح التي تبقى ظمأى من قطرة علم أو ومضة حكمة أو معرفة. ويُجمِل الحالة العلمية المتردِّية بالجزائر في أسباب جعلت عاقبتها التردِّي في دركات الجهل والجري وراء الشهوات والمادِّيات، كتب البكري مقالا بعنوان واضح صريح «جناية المادَّة على الحياة الأدبية في أوساطنا»، جاء فيه: « ... إنَّ من رأى الأمَّة الجزائرية ورأى انغماسها في المادِّيات واندفاعها وراء تيارها متسكعة في واد تيه بعد تيه ( ... ) تراءت له وخامة عاقبتها إن لم تتدارك أمرها وتستفق من سكرتها. ( ... ) وقد ساعدها في ذلك:
1 - فقر الوطن واستسلامهم أمامه.
2 - نزارة مواردهم لجهلهم بسنن الغنى.
3 -
__________
(1) _وهي كنية للشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي. تنظر ترجمته في ملحق «تراجم أبرز كتاب الأمَّة» في آخر الكتاب. (1/133)
صفحة 134
قلَّة الدعاة إلى الحياة الأدبيَّة في هذه الظروف الأخيرة» (1).
إذا كان هذا هو حال المتعلِّمين من أبناء الجزائريين -مع قلَّتهم- من تذبذب ومشاكل وعدم استقرار وانقطاع، فإن التعليم وأساليبه لم تكن بأحسن حال من ذلك، فقد سبق وأن رأينا أنَّ نصيب المدارس الحكوميَّة في تخريج الإطارات النافعة والأصيلة الثقافة كنصيب كثبان الصحراء من ماء المطر، للصعوبات الجمَّة التي تقف حائلا أمام نيل التلميذ والطالب أعلى الدرجات العلمية من هذه المدارس والمعاهد، خاصة وإذا علمنا أنَّ نظرة الجزائريين لِهَذِه المدارس تتميَّز في أغلبها بالاعتقاد بأنَّ العلم واللُّغة اللذين يُتعلَّمان في هذه المدارس لا يخدم الشخصية الجزائرية العربية المسلمة، وهذا الاعتقاد له ما يدعمه، فطبيعة العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر فرضت على الشعب النفور من كل ما يمتُّ للمستعمر بصِلَة، بَيْد أنَّ هذه النظرة ما لبثت أن تغيرت عندما آمن المواطن الجزائري بضرورة تعلُّم لغة العدوِّ المستعمر -بما أنه المتمسِّك بزمام الإدارة والحكم والوظيف- فلاحظنا الدعوة المُلِحَّة إلى عدم الاكتفاء بالتعليم العربي الإسلامي الحر الذي تقوم به الجمعيات الأهلية
__________
(1) _بكلي عبد الرحمن بن عمر (البكري): «جناية المادة على حياتنا الأدبية في أوساطنا» ”الأمَّة“، ع106، (19/ 01/1937). (1/134)
صفحة 135
والكتاتيب وبعض الزوايا، بل ضرورة الإقبال على مدارس الحكومة الفرنسية، والدعاية المستمرَّة لتعلُّم لغة الحاكم.
غير أنَّ الملاحظ في الفترة الممتدَّة بين بداية الثلاثينات والحرب الثانية، أنَّ الدعوة إلى التمَدرُسلم تعد قاصرة على التعليمين التقليدي والحكومي، بل أصبحت أكثر عمقا وجدِّية فكانت دعوة إلى ابتكار مناهج تعليمية عربية إسلامية أصيلة، ودعوة إلى إنشاء مدارس وطنية حديثة تنافس مدارس المستعمر وتحافظ على مكتسبات التعليم الديني التقليدي، فكانت هذه الدعوة بمثابة «استنفار وطني لعمل جماعي منظَّم لإنقاذ الشخصية العربية المسلمة، بنشر المدارس الحرَّة في أنحاء القطر الجزائري بأسلوب حديث، ومناهج متطوِّرة، تُكوِّن جيلا مثقَّفا صالحا للدنيا والدين» (1).
وفي منتصف الثلاثينات كانت الدعوة إلى إقامة المدارس الحرَّة في أشدِّها، إذ لم تكن أساليب التدريس العقيمة متوقِّفة على الكتاتيب والزوايا وحدها، بل وكانت الأساليب والمناهج المقرَّرة في المدارس الحكوميَّة الفرنسية تزيد الطين بلَّة، فلا تقل خطرًا على الناشئة الجزائرية من تلك الكتاتيب
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، مج2، ص: 31. (1/135)
صفحة 136
والزوايا. ويبدو أنَّ الظروف في تلك الفترة قد أصبحت مُواتِيَة أكثر من أي وقت لإقامة مثل هذه المدارس الحرَّة لتكوُّنِ جيلٍ من المصلحين العلماء والشباب، ولتعمُّق الفكرة الإصلاحية بالزمن والمِراس.
وممَّن دعا إلى إقامة هذه المدارس أو الكلِّيات الحرَّة بالجزائر نجد كاتبا نَشَر سلسلة مقالات في الموضوع بـ: ”الأمَّة“ كان يُعنوِنها بـ: «هل في الإمكان إيجاد كليَّة دينية علمية بالقطر الجزائري» (1)، وهو الكاتب: بلقاسم بن سيدي أرواق (2)، حيث جاء في أحد الأعداد ردُّه على بعض من يشكِّكون في إمكانية قيام مثل هذه المعاهد وفعالياتها، «إنَّ الجزائر لا ينقصها الذكاء والفطنة كما يقولون، بل هي كغيرها تلد الرجال وتُنجب الأحرارَ، ولكن ينقصُها العلم الذي هو مَلاَك الحياة وقَوامُ الإنسانيَّة الكاملة ( ... ) وإن
__________
(1) _”الأمَّة“، الأعداد: 106، (49 – 51 - 53).
(2) _لم أعثر على ترجمة لهذا الكاتب في المصادر التي توصَّلْتُ إليها، غير أنَّ الأستاذ المشرف أمدَّني مشكورا بمعلومات عنه: «هو أحد أعضاء جمعية العلماء، نشر مقالاته بـ ”الشهاب“، هو من (طولقة) من بسكرة، وكان منذ عهدٍ قريبٍ إمام مسجد بالعاصمة (قرب السيدة الإفريقية)».
ولقد عثرت -أثناء إعداد هذا الكتاب للطبع- على دراسة مركَّزة عن الشيخ ومنهجه الإصلاحي؛ (تنظر ترجمته في ملحق «تراجم أبرز كتاب الأمَّة» في آخر الكتاب). (1/136)
صفحة 137
كنت أعتقد أنَّ هناك من لا يعجبه قولنا، ويرى هذا المشروع بعيدا جدًّا، وربما تقوَّل علينا قولا، وأعاب أفكارنا، ولعله يعترِض علينا ( ... ) ونجيب السائل بأنَّ الجهود التي أَوْجدَتْ جمعية العلماء بعد أن لم تكن هي قادرة كذلك على إيجاد الكليَّة المطلوبة ورفع منار العلم وتأييد أبنائه، خصوصا وقد وُجد أساسها الأولي قائما على يدي أستاذنا بل وأستاذ الجزائر كلها الشيخ عبد الحميد بن باديس ( ... ) ونحن لا نريد اليوم إلا ترقية هذه المؤسسة العظيمة، والتقدُّم بها، شيئا فشيئا إلى أن تصير كلية كبرى تحفظ ما لنا من مجد وتنشر لواء العلم على القلوب الميتة وتبعث في شبابنا روحا علمية إسلامية ... » (1).
فإقامة معهد أو كلية علمية عظمى بالجزائر - شأنجامع القرويين والزيتونة والأزهر - ليس أمرًا مستحيلا في نظر الكاتب، خاصة بعد ظهور عدد لا بأس به من التجارب التربوية والمدارس الحرَّة والمعاهد في أرجاء القطر شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، ينهل فيها أبناء الجزائر من العلم في نبوغ كامن وقلوب تسع الدنيا، على أيادي رجال علماء مفكرين مُصلِحين، فما
__________
(1) _ بلقاسم بن سيدي أرواق: «هل في الإمكان إيجاد كلِّية دينية علمية بالقطر الجزائري؟» ”الأمَّة“، ع53، (03/ 12/1935). (1/137)
صفحة 138
على هؤلاء إلا ضمُّ الجهود وتوحيد الصفوف واستخلاص العبر من التجارب السابقة.
وقد نشرت "الأمة" مقالات متسلسلة لأحد الكتَّاب (1) تهتمُّ بجانب مهم في القضيَّة التعليمية ألا وهو تكوين المعلِّم نفسه، وتجديد أساليبه التعليميَّة، فقد كانت «مدارس الحكومة الفرنسية تُخرِّج طلَبةً مُنحرِفي الأخلاق، متجردين من القوميَّة والدين، أو الزوايا الطرقيَّة التي تُنشِئ جيلا كسولاً، خامل الحركة، بَلِيد الإحساس، أو الكتاتيب القرآنية التي يقتصر التعليم فيها عادة على حفظ القرآن وحده حفظا ببَّغاويًّا ليس من ورائه طائل لأنَّ هذا الحفظ لا يَصحَبُه الفهم الصحيح، أو الدراسة اللغوية السليمة» (2) وبقي على المدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الإصلاحية أن تغيِّر من هذه الأساليب جميعا إذ أنَّها قد غدت لا تصلح أن تُخرِّج إنسانا سليمَ التفكير، رَضِيَّ الأخلاق.
__________
(1) _الكاتب أمضى بعض مقالاته باسم «الدرديري» ولم أعثر على ترجمة لهذا الكاتب الذي يتَّسِم قلمه بعمق الفكرة وحسن السبك، ويبدو من مضامين مقالاته أنه من مصر.
(2) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفيَّة الجزائرية»، مج2، ص: 27. (1/138)
صفحة 139
وبعد أن يستعرض الكاتب في مقالَيْه حالة المتعلِّمين ومعلِّميهم بالجزائر، يصوغ نقاطا وخطوات مهمَّة يرى واجب مراعاتها لإصلاح النشء الحديث، وإعداد المتعلمين للعمل لأداء الواجب، وأرى من حسن الاعتبار أن أَعرِض هذه النقاط التي استفادت منها المدارس الحرَّة في تكوين مبادئ وأساليب للتعليم الصحيح:
«1.يُعلم تفسير القرآن والحديث الشريف في جميع أدوار الدراسة الدينية والعامَّة ( ... ).
2.يجب أن يتَّصِل الأستاذ بتلاميذه اتِّصالا روحيًّا غير هذا الاتصال المادِّي، بأن يجتمع بهم في أوقات غير أوقات الدراسة حتى يَتعرَّف فيهم مواضع الضعف فيصلحها.
3.يجب أن تكون هناك رقابة عليا على الأساتذة والطلبة لمعرفة سلوك كلًّ منهم ( ... ).
4.حملُ الطلبة والأساتذة على أن يعملوا بما يعلمون، وأن تكون هناك رقابة متبادلة بين المعلم والتلميذ؛ وأن يجزل الثواب لمن أحسن ويشدد العقاب على من أساء.
5.أن يُدرَّس برنامج المدارس الابتدائية في الأزهر، زيادة على برنامجهم (1/139)
صفحة 140
الديني، حتى تتوحَّد الثقافة وتتقارب الذهنيات والأفكار بين أبناء الأمَّة المتعلِّمين .. » (1).
من هذه النقاط نلمس حِسَّ الكاتب التجديدي على مستويات عدَّة:
أوَّلاً: في النظرة إلى المادة التعليميَّة: فبدلا من تحفيظ القرآن وحشو العقول دون تدبُّر أو فهم، فقد دعا إلى تعليم تفاسير القرآن للناشئة حتَّى يَستنْكِهوا دقائق القرآن الكريم وترتسم في نفوسهم، كما تُدرَّس السنة الشريفة أو -فقه السنة- بوجه خاص، فلا تكون الأحاديث النبويَّة مجرَّد شعارات وكلمات جوفاء بل نبراسا يُقتدَى في الحياة. وهذا ما دفع بالكاتب أن يطلب فرض الرقابة بين الأساتذة والطلبة فيراقب بعضهم بعضا في سلوكهم وأخلاقهم.
ثانيا: على مستوى علاقة الطالب بأستاذه: وفي هذا فهم ينبني على قاعدة نفسية مهمَّة تتمثَّل في حسن التفاهم بين التلميذ ومعلِّمه، وتجسيد الاتِّصال الروحي بينهما؛ وذلك بأن يجتمع المعلم بتلاميذه خارج أوقات الدراسة. وهذه الطريقة تُعتبَر -نسبيا- من أحدث الوسائل النفسية
__________
(1) _الدرديري: «العلم والعلماء». ”الأمَّة“، ع32، (09/ 07/1935). (1/140)
صفحة 141
للتقريب بين التلميذ ومعلِّمه بأن يخوض الجميع في مواضيع غير مواضيع الدراسة، فيكشف المعلِّم مواطن فطنة وذكاء تلميذه وميوله واهتماماته. كما يكتشف التلميذ شخصيَّة مُعلِّمه ونظرته للحياة المبنيَّة على التجربة والخبرة المكتسبة. وهذه الطريقة لم تعرف التجسيد في تلك الزوايا والكتاتيب القديمة، ولا في المدارس الحكومية الفرنسيَّة أثرًا، بينما نجد نماذج مشرقة منه في مدارس الحركة الإصلاحية، ففي معهد الحياة كانت علاقة الأستاذ بالتلاميذ لا تنقطع بانتهاء أوقات الدراسة، بل تستمر لكامل اليوم .. ينقل الشيخ محمد علي دبوز صورا مشرفة عن جو الصفاء والنشاط والمحبة في معهد الحياة الذي كان فيه الشيخ بيوض مثالا رائعا عن علاقة الأستاذ بتلاميذه، يقول: «وكان الشيخ بيوض وثيق الصلة بتلاميذه، يقضي معهم معظم الوقت، وكان يحبُّهم ويأنس بهم، ويتمنى أن لا يفارقوه. وإذا غاب أحدهم قلق لغيابه، وسأل عنه. وكان يتنزَّل إلى مستواهم فيشاركهم وجدانهم، ويداعبهم، ويرفِّه عنهم، ويعاملهم معاملة الأصدقاء المقرَّبين!» (1).
__________
(1) _محمد علي دبُّوز: «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»،المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1389هـ/ 1969م، ج3، ص: 58. (1/141)
صفحة 142
ثالثا: على مستوى الأساليب والمقرَّرات: فإن الكاتب قد لمس ضعف الأساليب والمقرَّرات الدراسية وعقمها في كثير من الأحيان. ورأى من الضرورة إدراج بعض العلوم الدنيويَّة من علوم القرآن والسنَّة، وعلوم اللغة العربية. وإذ لم تتوفَّر بالجزائر برامج ومقرَّرات مختصَّة متمكِّنة، فقد دعا إلى تدريس البرامج المنتهجة والمطبقة في جامع الأزهر، ويبدو من المقال أن اختيار برنامج الأزهر الدراسي كان من ورائه غاية أبعد وأعمق من كون هذا البرنامج هو الأفْيَدوالأنجع-لما قد بلغته مصر من نهضة فكرية وأدبية في تلك الفترة- إذ أنَّ هدف الكاتب الأسمى هو تكوين مستوى ثقافي علمي ووعي عربي موحَّد بين أبناء الأقطار العربيَّة، وشامل لذهنيات وأفكار أبناء الأمة المتعلِّمين، ولا يكون هناك فارق كما هو حاصل اليوم، إذ كلُّ فريق يُنكِر ما للآخر من فضل وكرامة (1).
إن انتقاء العلماء المصلحين للمناهج التدريسية والمقررات السنوية لم يكن مجرَّد اقتباس من دول ومعاهد عربية وأجنبية، وإنما كان هذا الاختيار يتناسق في الأساس مع تكوين الشخصية الجزائرية العربية
__________
(1) _يُنظر: الدرديري: «العلم والعلماء». ”الأمَّة“، ع32، (09/ 07/1935). (1/142)
صفحة 143
المسلمة ومميزاتها المحلية الخاصَّة. وهذا ما بيَّنه الشيخ أبو اليقظان حين قال: «وإذا كان لكُلِّ أمَّة أن تُكيِّف مناهج التعليم حسب غاياتها منه، فما هي الكيفية التي يجب أن نُكيِّف بها مناهجنا في التعليم نحن المسلمين في شمال إفريقيا؟ إنها لا شك أن تكون وِفق ضرورياتنا وحاجتنا لا وفق ضروريات غيرنا وحاجته» (1).
ثم يَعرِض العلوم التي يحتاج إليها أبناء الجزائر بشكل مُجمَل حسب الأولويات «نحن في حاجة إلى تعلُّم أمور ديننا وشريعتنا، في حاجة إلى تعلُّم لغتنا وأدبنا، في حاجة إلى تعلُّم تاريخنا وجغرافيتنا، في حاجة إلى تعلم لغة حكومتنا وأدبها وتاريخها وجغرافيتها، في حاجة إلى تكوين رجال اختصاصيين في التعليم، في الطب، في المحاماة، في الاقتصاد، إلخ» (2).
لقد اتَّسمَت أفكار كتَّاب ”الأمَّة“ حول قضية التعليم ومحاربة الجهل بالتقارب والانسجام، وتوحَّدتْ بتوحُّد الهدف، فقد آمَن هؤلاء الكتَّاب بأن التعليم هو أجلُّ وسيلة لبعث الشخصية العربية الإسلامية الجزائرية،
__________
(1) _ أبو اليقظان: «قبل أن نأخذ في التعليم يجب أن نَنْتَبِه لآفاته وجوائحه الماحقة» ”الأمَّة“، ع16، (01/ 01/1935).
(2) _م. س. (1/143)
صفحة 144
وأداة ناجعة لا غنى عنها لإنقاذ النشء من الغزو الفكري الذي تشنُّه مدارس الحكومة الاستعمارية. وأرى أن أختِم هذا المبحث بفقرات مهمة لخَّص بها الدكتور محمد ناصر، حديثه عن التعليم في الجزائر.
«أصبحت الدعوة إلى التعليم دعوة لها أصولها وفلسفتها، وأهدافها البعيدة، وبات الكتَّاب في هذه المرحلة -وأكثرهم من رواد الحركة الإصلاحية- يهدفون إلى إعطاء محتوى محسوس للثقافة العربية الإسلامية في الجزائر، وجعل الشباب الجزائري مؤمنا بأصالته الحضاريَّة، مؤكِّدين في الوقت نفسه بأنَّ الثقافة الفرنسية وحدها، ستَفْصِلُهم عن ماضيهم، وتُجرِّدهم من مقوِّماتهم، وأنَّ شخصيتهم لن تُبنَى أبدا في مدارس الحكومة، لاسيما وأن هؤلاء الرواد قد وجدوا الشباب الجزائري مُمزَّقا بين تعليمين عقيمين: أحدهما يدعو إلى التحجُّر والجمود، وهو تعليم الزوايا المنحرفة والكتاتيب العتيقة، والآخر يعمل على الانحلال والذوبان، وهو التعليم المتفرنج المادِّي الذي تبثُّ سمومه المدارس الفرنسية» (1).
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفيَّة الجزائرية»، مج2، ص: 32. (1/144)
صفحة 145
لقد حرص العلماء المصلحون على الاعتماد على النفس في رسم مستقبل أبناء الأمَّة، وذلك بتشييد المدارس الحرة التي تنتهج الأساليب الحديثة في التعليم والمقررات الناجعة، والمتلائمة مع طبيعة الشخصية الجزائرية. (1/145)
صفحة 146
د ـ الأخلاق والآفات الاجتماعيَّة
استعمل المستعمر الفرنسي في سبيل تحقيق أطماعه التوسُّعية سلاحين خطيرين: غزو مادِّي؛ يعتمد على الإبادة الجماعية لأبناء الأرض، بالتفقير والتجهيل والسماح بانتشار الأمراض والأوبئة وتردي أوضاعهم المعيشية ... ، وغزو آخر معنوي فكري يعتمد على بثِّ سموم المدنية الغربية من إشاعة للموبقات وجراثيم المسخ والانحلال وفنون الغواية والشذوذ ... ، ولم تكن أساليبه في غزو النفوس تَقِلُّ فظاعة و جُرْمًا عن أساليبه في غزو الأرض والبلاد، وتمكَّنت الإدارة الفرنسية بحسِّها الماكر من تخدير الشعب لمدَّة طويلة، بما استحدَثَتْه من قاعات الغواية، وما فتحت من حانات في كل قرية ومدينة، فقد كان يسهل على الرجل الحصول على ترخيص بإقامة مثل هذه البُؤَر، بينما لا يقدر المصلح - إلا بشق النفس-على فتح جمعية أو مدرسة أو نادٍ أدبيٍّ أو علميٍّ.
ومن الأمانة العلميِّة للتاريخ أن نُقِر بأنَّ: «مقاومة المقالة الصحفية الجزائرية للآفات الاجتماعية تبدو ضعيفة كمًّا وكيفًا إذا ما قِيسَت باهتمامها بالمواضيع الأخرى، فنحن نجد أغلب الكتَّاب الذين حاربوا الخمر (1/146)
صفحة 147
أو الدعارة أو القمار، يلجؤون إلى إحدى طريقتين في عرض أفكارهم، إمَّا أن يتناولوا الموضوع تناولاً عامًّا بحيث يحشرون في مقال واحد دراسة هذه الآفات جميعًا، وإمَّا أن يكتفوا باللَّمحة السريعة أو الإشارة العابرة» (1). غير أننا لا نعدم وجود بعض المقالات التي تصدَّت لواقع الجزائر الأخلاقي، ومنها مقال رائع في حلقتين للشيخ أبي اليقظان، كان في الأصل قد نشره كافتتاحية للعدد (119) والأخير من جريدة "وادي ميزاب" المصادرة، وأعاد نشره بـ: ”الأمَّة“ بمناسبة مرور (119) عددا منها، وهو بعنوان: "أمات الرجال أم رُفِع القرآن؟! "، والمطَّلِع على المقال يحسُّ منذ قراءة العنوان بتلك الروح الاستنكارية على الحالة الأخلاقية المتردِّية بالجزائر وبلاد الإسلام بوجه عام، فهؤلاء أبناء المسلمين يلتحقون بالكلِّيات الغربية والمعاهد العليا ثمَّ يتخرَّجون منها وهم يلعنون الإسلام ويتبرؤون من القرآن، ويسخرون من التاريخ وعظماء الإسلام وأزياء الإسلام ولغة الإسلام، وفي مقابل ذلك يخِرُّون سُجَّدا أمام تعاليم نابليون، وشكسبير وروسو، ويَتغذَّوْن بأدب فولتير، وفيكتور هيجو ... (2)، ثم
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفيَّة الجزائرية»، مج1، ص: 214.
(2) _يُنظر: أبو اليقظان: «أمات الرجال أم رفع القرآن؟!» ”الأمَّة“، ع119، (27/ 04/1937). (1/147)
صفحة 148
ينتقد التعاليم الفاسدة التي حلَّت بالمجتمع الجزائري، وأنَّ تلك التعاليم الفاسدة في العالم «هي التي مهَّدت الطريق لمصطفى كمال وأشياعه للانقضاض على الإسلام وهدم بنيانه في الأمة التركيَّة الماجدة ( ... ) تلك التعاليم الفاسدة هي التي فتحت للمرأة في مصر وسوريا وحتَّى في تونس باب التمرُّد على الإسلام، وخَلْع حجاب الحياء منه، حتَّى أصبحت تدعو فوق منابر جمعياتها أخواتها في العالم الإسلامي إلى الاحتذاء بحذوها ... » (1).
عندما نقرأ مقال الشيخ أبي اليقظان الذي نشره في حلقتين، نشعر بنبرة الأسى والحزن على حال الأمَّة الجزائرية من تردي الأخلاق وتقليد الفرنجة والأوروبيين، حتى أنك تجده يشكو بمرارة كيف أن اللغة العربية لا تكاد تسمع من يتخاطب بها في القطارات ووسائل النقل أو في المقاهي والحارات .. وإنَّا نعتبر هذا المقال وثيقة تاريخية وشهادة حقيقية عن أوضاع الأمة الأخلاقية والثقافية، وصرخة مدوية لاستنهاض الهمم وبعث الضمائر لتغيير هذا الواقع المخزي.
__________
(1) _ أبو اليقظان: «أمات الرجال أم رفع القرآن؟!» (الحلقة الثانية)، ”الأمَّة“، ع120، (04/ 05/1937). (1/148)
صفحة 149
وحينما نقف على وصف بعض المقالات لانتشار الميسر والخمور مثلا، نذهل لتلك الحالة الأسيفة التي كان يعيشها المجتمع الجزائري، ونُنصِف أبا اليقظان في لهجته الاستنكارية المتألِّمة في المقال المذكور آنفا (أمات الرجال أم رُفِع القرآن)، فقد بلغ السيل الزبى، ولم يَعُد للمجتمع منجى من التردِّي في بؤر الإثم والضلال والانحطاط بغير التصدِّي لهذه الآفات الخطيرة.
وممَّا كتبه في موضوع الأخلاقكذلك، مقالٌ عالج فيه قضيَّة (الميسر) أو القمار التي وجدت الجوَّ المناسب لانتشارها انتشار النار في الهشيم، فأصبحت أمرًا معروفا مألوفا في المقاهي والحانات ودور الغواية وبعض الأماكن المشبوهة، فعرض لهذه الآفة في أسلوب بديع وكأنه طبيب يَصِف مرضًا ألمَّ بإنسان ليُبيِّن آثاره ومخلَّفاته على الدين ثم على الأخلاق وعلى المال والاقتصاد العام، وبالتالي آثاره الخطيرة على المجتمع والأمَّة بوجه عام (1).
__________
(1) _ انظر أبو اليقظان: «الميسر وآثاره السيئة على الأفراد والجماعات»، ”الأمَّة“، ع31، (02/ 07/1935). (1/149)
صفحة 150
أما أثر الميسر على الدين: فإن المدمن على هذه الآفة يبذل كلَّ ما لديه للغلبة على صاحبه فتستدرجه العلمانيَّةإلى أن ينسى نفسه، وواجبه الديني، فلا ذِكْر حينها لله ولا صلاة ولا عبادة.
أمَّا أثرها على الأخلاق: فقد أصبح من البديهي ما يجرُّه القمار من الرذائل الفاسدة أن يحُطَّ بمستوى الأخلاق إلى أسفل دركاته بين المدمنين لارتيادهم أماكن ممارستها، ولا تخلو هذه الأماكن -في الغالب- من فحش وفجور وموبقات.
أما آثارها على المال والاقتصاد: فذلك ما لا يحتاج إلى دليل. وإذا كانت هذه الآثار تُصِيب الفرد في نفسه ودينه وماله، فإن الفرد هو أساس الأسرة، والأسرة أساس المجتمع، إذا فَسَد الفردُ فسَد المجتمع حتمًا، وهَوَى به في دركات الجهل والتخلُّف والانحطاط.
ويقدم أبو اليقظان صورة دقيقة للمبتلين بهذه الآفة فيقول: «وما مثلهم في الواقع إلاَّ كمثل السِّنوْر والمِبرَد، يلحسه بلسانه فيجد فيه من اللذَّة ما يحمله على الزيادة، ولا يعلم أن تلك اللذة ما هي إلا دمُ حياته يسيل مع لسانه فلا يلبث أن يذهب اللسان فيسقط ميِّتا» (1).
__________
(1) _م. س. (1/150)
صفحة 151
وما منَع المسلمين من التخلُّص من هذه الآفة وانتشارها بشكل مريع يستفز كل عاقل إلاَّ مكائد المستعمِر وتحريضه لمثل هذه الموبقات مع أنَّ قول الله تعالى يُدوِّي في الآذان منذ قرون: ژ ? الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ پ پ پ پ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي ? ? ? ? ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) ژ [المائدة: 90، 91]، وهل ما كان يعيشه المجتمع الجزائريمن العداوة والبغضاء إلاَّ بسبب مكائد الشيطان؟ فصدَّه عن ذِكر الله بالخمر والميسر وغيرهما من الموبقات، فهل نحن منتهون؟.
وإنَّ اهتمام كتَّاب ”الأمَّة“ بالميسر وأضراره ومُخلَّفاته قابَله اهتمام بآفة أخرى من هذه الآفات المبيدة للعقل والمال والدين، ألا وهي آفة (شرب الخمر)، فقد انتشرت الخمور بكيفيَّةٍ فاحشة لا تتصوَّر، فأطلقت السلطات الاستعمارية العنان لهذه المادة السامَّة القاتلة بصورة مروِّعة بدون أن تجد من المسؤولين على شؤون الجزائريين أي ضابط يُذكَر (1)، فإن الحانات وقاعات الشرب كانت تَكتظُّ بالبُسطاء من الناس والدهماء
__________
(1) _ أبو اليقظان: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، ”الأمَّة“، ع165، (03/ 05/1938). (1/151)
صفحة 152
الذين لجؤوا إليها قهرًا لسلطان عقولهم وهدرًا لثمين أموالهم، في وقت هُم فيه أحوج الأمم والجماعات إلى العقل والمال. ولو حرص الناس على تنقية نفوسهم من الرجس حرصهم على تنقية أجسامهم ودورهم من الأدران المادية لَوفَّروا للبلاد عقولها وأخلاقها وأموالها شيئا كبيرًا، ولكن «هل بعد خراب البصرة من صلاح؟».
تَجدُر الإشارة إلى أنَّ ”الأمَّة“-زيادة على اهتمامها بهذه الآفات العامَّة الخطيرة- قد اعتنت ببعض الأخلاق النفسية الفرديَّة كمواضيع: الغرور، والأنانية والقنوط واليأس، والتسرُّع في إطلاق الأحكام السلبية دون تثبُّت الحق من الباطل (1) ... وغيرها من الطبائع النفسية المشينة التي تبسط ظلالها -لا على فرد وحده- بل وعلى محيطه ومجتمعه كذلك.
غير أنِّي لن أتعرَّض إلى تفاصيل هذه الجزئيات فقد تعرَّضت لها أغلب الصحف قبل وبعد النهضة، والحق أنَّ أغلب مقالات ”الأمَّة“ في هذا الموضوع باستثناء مقالات الشيخين أبي اليقظان وسعيد شريفي الذي كان آنذاك أستاذ مادَّة الأخلاق بمعهد الحياة، فكانت من ناحية معالجتها
__________
(1) _يُنظر: أبو اليقظان: «الأنانية وحبُّ الذات»، ”الأمَّة“، ع09، (13/ 11/1934). (1/152)
صفحة 153
تقف في السطحيات المعروفة كأن تصف هذه الطبائع وتُبيِّن أضرارها، غير أنها لا تجرؤ على النفاذ إلى الأسباب والعلل التي دفعت بالفرد والمجتمع إلى الاتِّصاف بها.
وكما وقف كتَّاب ”الأمَّة“ من جهة على هذه الطبائع والأخلاق الانهزامية، فدعوا إلى معالجتها أو القضاء عليها، فإنهم وقفوا من بعض الأخلاق الإيجابية موقف المحرِّض والداعي إلى امتثالها والالتزام بها، ومن هذه الأخلاق والصفات: تنمية الشعور بالمسؤولية، والعمل بأفكار العلماء الصالحة، والمشاورة في أمور الدين والدنيا، والدعوة إلى الحقِّ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... (1) وغيرها من القضايا التي لا يستقيم حال المسلم -وكذا المجتمع- إلاَّ بالأخذ بها، والحرص على إتيانها
__________
(1) _ انظر مثلا مقالات أبي اليقظان التالية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جندان من جنود الله»، ع105، (12/ 01/1937). «ما رأيك»، ”الأمَّة“، 32، (09/ 07/1935). «إذا ضَعُف الشعور بالمسؤولية في النفسيَّة العامَّة فمِن أين تنتظم الأمور وتستقيم الأحوال»، ”الأمَّة“، ع155، (22/ 02/1938).وكذا: مقال سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «ليس في الحقِّ تنازلٌ أو هوادة، الحقُّ أَحَقُّ أن يُتَّبَع!»، ”الأمَّة“،ع105، (12/ 01/1937). (1/153)
صفحة 154
كالحرص على العبادة ... فالدعوة إلى الحقِّ والأمر والنهي، وطاعة أولي الأمر أمور لا يَتمُّ إيمان المرء إلاَّ بها، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، فإذا كان لهذه الأخلاق مكانتها المهمَّة من العبادات ومن صلاح المجتمع، فهل نجد لبعض العبادات أثرا اجتماعيا؟ وإن كان، فما مدى تعرُّض كتَّاب ”الأمَّة“لها؟. (1/154)
صفحة 155
هـ ـالأثر الاجتماعي للعبادات
إنَّ الإسلام لا يعدُّ العبادة فيه مجرَّد إقامة الشعائر، إنما هي الحياة كلها خاضعة لشريعة الله متوجِّها بكُلِّ نشاط فيها إلى الله، ومن ثَمَّ يعدُّ كل خدمة اجتماعية وكلُّ عمل من أعمال الخير فيه عبادة (1)؛فقد قال رسول اللهح: «من آوى يتيمًا لله وقام به احتسابا لله وقع أجره على الله والله لا يضيع أجر من أحسن عملا» (2)، وقال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» (3).
__________
(1) _ سيد قطب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، دار الشروق، مصر، ط7، 1981م. ص: 15.
(2) _الربيع بن حبيب الأزدي البصري: «الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب»، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، مكتبة الاستقامة، مسقط، (د. ت. ن)، ج2، ص: 181.
(3) _البخاري، محمد بن إسماعيل: «الجامع الصحيح المسند من حديث الرسول وسننه وأيامه»، تح/ محب الدين الخطيب، نشر المكتبة السلفية، القاهرة، ط1، 1400هـ. رقم الحديث: 6006. ورواه مسلم بزيادة: «وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يُفطر». مسلم بن الحجَّاج بن مسلم: «صحيح مسلم»، تح/ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ط1، 1374هـ. رقم الحديث: 2982. (1/155)
صفحة 156
والحقُّ أنَّ العبادة في الإسلام إن لم يكن لها أثرٌ على الفرد وعلى جماعة المسلمين، فإنَّها تكون -في أفضل حالاتها- ناقصة مبتورة. ومن هنا نبَعَتْ قيمة العبادة في تكوين شخصية الإنسان المسلم والمجتمع المسلم، ولم تكن ”الأمَّة“ بمعزل عن الاهتمام بهذه القضية، خاصة وأنَّ أغلب الصحف الإصلاحية قد أَوْلت هذا الجانب عناية بالغة، فإذا لم تظهر آثار العبادة على شعور الفرد والأمَّة انتفت العبادة وهلك الفرد وتفكَّك المجتمع.
ومن بين هذه الآثار الاجتماعية التي من المفترض أن تَظهَر على المجتمع بأدائه حقَّ العبادات: «أثرالصوم في النفوس والجماعات» (1)، إذ أنَّ للصوم تأثيرا على النفس؛ فإذا جاع الجوف وكُبِح الفرج وقُيِّدت الأهواء انصاعت النفس لحكم العقل ووازع الرُّشد، فسارت في جادَّة الاستقامة تابعة لا متبوعة، كما أنَّ للصوم تأثيرا على الأخلاق: فإن صام الإنسان شهر رمضان وتَحكَّم في زمام نفسه، ليس في غرائز البطن والفرج فحسب، وإنما في أخلاقه ومعاملاته وتفكيره ... فإنَّ هذه المثابرة وهذا الصبر سيروِّضان نفسه طيلة العام على التمسُّك بهذه الأخلاق، فالصوم جُنَّة أو كما قال رسول
__________
(1) _يُنظر: أبو اليقظان: «المستشفى العالمي لسائر الأسقام المادية والمعنوية في الحاضر والآتي»، ”الأمَّة“، ع54، (10/ 12/1935). (1/156)
صفحة 157
اللهح، وهو القائل: «مناستطاعمنكمالبًاءةفليتزوجفإنهأغضللبصروأحصنللفرجومنلميستطعمنكمفعليهبالصومفإنهلهوجاء» (1)، أي رادِعٌ وواقٍ من الموبقات والفواحش.
وإذا كان للصوم هذه الآثار في الفرد وأخلاقه «فلا شكَّ إذا كان المجتمع مركَّبا من هذا الفرد أن تغمره هو أيضا، فيصبح مجتمعًا صحيح البنية، نَيِّر العقل، زكيَّ النفس، موفور الملكات، كريم الأخلاق، وهناك حدِّث عن السعادة ولا حرج» (2)، فحرص الكاتب على الاهتمام بهذه العبادة يحفظ للفرد المسلم شخصيته وبالتالي شخصية وهويَّة المجتمع الفاضل المبنيِّ على أساسٍ من حُسن المعاملة واتِّقاء الآثام والموبقات، وكثير من الآفات الأخلاقية الاجتماعية الخطيرة.
ويستوقفني مقال آخر يُبيِّن «أثر عبادة الزكاة» وبذل المال في تكوين مجتمع تسود فيه العدالة الاجتماعية، «والزكاة حقُّ المال، وهي عبادة من
__________
(1) _ رواه أبو داوود في سننه، أبو داوود، سليمان بن الأشعث: «سُنَن أبي داوود»، تح/ عزت عبيد الدعاس، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1389هـ. رقم الحديث: 2046.
(2) _ أبو اليقظان: «المستشفى العالمي لسائر الأسقام المادية والمعنوية في الحاضر والآتي»، ”الأمَّة“، ع54، (10/ 12/1935). (1/157)
صفحة 158
ناحية، وواجبٌ اجتماعيٌّ من ناحية أخرى فإذا جرينا على نظرية الإسلام في العبادات والاجتماعيات، قلنا: إنَّها واجب اجتماعي تعبُّدي» (1)، والكاتب في هذا المقال يُظهِر شدَّة لهجته للذين يتقاعسون في أداء هذا الواجب الديني الذي لا يكتمل إيمان المرء بل وإسلامه إلاَّ بالقيام به على أحسن وجه. فيقول: «ونقف من الغنيِّ مثل هذا الموقف، فإن وجدنا في ماله حقًّا معلوما للسائل والمحروم، وللنائبات النازلة على الأمَّة وللمشاريع الخيريَّة، كان جديرًا باحترامنا حريًّا بكُلِّ احترام [كذا] وتقدير واعتبار، وإن لم نجد له أثرًا في كل ذلك، وكان بماله شحيحا يَكنِزُه ولا ينفقه في سبيل الله كان مَرمى احتقارٍ وازدراءٍ ومَصبَّ اللَّعنات» (2).
فالإسلام يكره أن تكون الفوارق بين أفراد الأمَّة بحيث تعيش منها جماعة في مستوى التَّرف والغنى الفاحش، وتعيش جماعةٌ أخرى في مستوى الشظف والفقر المذقع، بله أن تتجاوز الشظف إلى الحرمان والجوع والعري؛ فهذه أمَّة غير مسلمة، ومجتمع لا يصلح لأن يكون مثالا لحضارة راقية. كما
__________
(1) _ سيد قطب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، ص: 151.
(2) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «إنما الرجال بأعمالهم لا بما يملكون من وسائل العمل»، ”الأمَّة“،ع96، (27/ 10/1936). (1/158)
صفحة 159
يَكره الإسلام أن يكون المال دولة بين الأغنياء في المجتمع، في حين لا تجد الكثرة ما تنفق لقوت يومها، فتظهر الطبقيَّة ويحتدِم الصراع بين فئات المجتمع، بينما وجود الأموال في أيدي أكبر عدد منها يجعل هذه الأموال تُستغلُّ بأحسن الوجوه، فيتحسَّن مستوى العيش لأفراد المجتمع ككل، وبذلك تدور عجلة الحياة ويكثر الإنتاج.
والكاتب في مقاله لا يقتصر على الأثر الاجتماعي للزكاة، بل ويعمِّم الرأي على جميع الوسائل والإمكانيات المادِّية والمعنوية التي تتوفَّر للإنسان؛ إذ عليه أن يستغلَّها فيما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع والفائدة، «ليس للوسائل قيمةٌ ولا اعتبارٌ إلاَّ بحسب ما تؤدِّي إليه، ويترتَّب عليها من المقاصد، والوسائل المجرَّدة عن المقاصد عبثٌ محضٌ ولغوٌ باطل ( ... )، إنَّ العلم والمال والجاه والشهرة مثلا؛ وسائل صالحة لها قيمتها ولكن لا لذاتها بل لما يترتَّب عليها من المقاصد الشريفة ... » (1)، فهذه كلها نِعَم منَّ الله بها على عبده، وإذا لم يكن لها أثرا خيِّرًا في نفسه ومجتمعه فإنها تغدو نِقَما، وفي أحكام الإسلام ما يُغني عن غير الإسلام.
__________
(1) _م. س. (1/159)
صفحة 160
ومن الأمور الشديدة الصلة بالعبادات؛ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فقد استرعى انتباهي مقال للشيخ أبي اليقظان يهتمُّ فيه مبدأً وظاهرة اجتماعية منبثقة من صميم الدين الإسلامي، ألا وهي مبدأ «الولاية والبراءة»، «وجعل من توابع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحُب في الله للمحسنين المتَّقين، والبغض في الله للمسيئين المجرمين، هذا على سبيل الإجمال (ولاية الجملة وبراءة الجملة) ثمَّ جعل الحبَّ في الله لكُلِّ من ظهر منه الوفاء في الدين، والبغض في الله لكلِّ من ظهرت منه الخيانة في الدين، وهذا على سبيل التفصيل (ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص)» (1).
ناقش الشيخ أبو اليقظان في مقاله مبدأ الولاية والبراءة في الإسلام، وآثار تطبيقه والعمل به في المجتمع الإباضي في ميزاب خصوصا (2)، وتركيزه على أهمية هذا المبدأ نابع من اعتباره أحد النظم الاجتماعية التي ضمنت التماسك والتآزر للمجتمع الإسلامي قديما وحديثا، وما يزال المجتمع الإباضي
__________
(1) _يُنظر: أبو اليقظان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ”الأمَّة“،ع23، (05/ 03/1935).
(2) _يُنظر: م. ن، وانظر مقاله: «نظام أو هيأة العزَّابة بوادي ميزاب»، ”الأمَّة“، ع154، (09/ 02/1938). (1/160)
صفحة 161
في ميزاب يعتني به ويجسده بجميع أفراده وبإشراف هيئة العزابة، باعتبار هذا الأمر أصلا من أصول العقيدة الإسلامية عند الإباضية، مُستمَدّ من صميم القرآن، مثل قوله تعالى: ژک گ گ گ گ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) ژ [التوبة: 71]، ژ چ چ چ چ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ ژ ژ الْقُبُورِ (13) ژ [الممتحنة: 13]، وقوله ژ ? تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ پ پ ... پ پ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي ? ? ? ? مِنْهُ ژ [المجادلة: 22]، وسيرة السلف الصالح، كما قال الفاروق عمر بن الخطاب س: «من رأينا فيه خيرًا وقلنا فيه خيرًا وظنَنَّا فيه خيرًا تولَّيناه، ومن رأينا فيه شرًّا وقلنا فيه شرًّا وظننَّا فيه شرًّا تبرَّأنا منه» (1).
__________
(1) _محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: «المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي»، تح/ ياسر بن إبراهيم أبو تمام. دار الوطن للنشر، ط1، 1422هـ/ 2001م. مج7، ص: 3557. وانظر قريبا من هذا النص، الربيع بن حبيب «الجامع الصحيح»، ج2، ص: 183. (1/161)
صفحة 162
إنَّ العاصي في المجتمع الميزابي حيث يثبت عليه قطعيا أنه ارتكب كبيرة كمنع حقٍّ، أو تمرُّد على الجماعة، أو طعنٍ في الدين، أو ارتكاب فاحشة كترك صلاة وشرب خمر، أو تدخين أو قمار ... تناديه عشيرته وتنهاه، فإن امتثل فبه ونعم، وإلا رُفِع أمره إلى هيئة العزابة، فيقف الشيخ ليعلن البراءة من المذنب في المسجد بعد صلاة الجماعة، ويسمِّيه باسمه الكامل ويبيِّن جريمته فتقاطعه المدينة كلها حتى من أقرب الناس إليه، وبهذه يُحرَم المذنب من حقوقه المدنيَّة، ولا يخاطبه أحد ولا يَرُدُّ سلامه، ولا يباع له ولا يُشترى منه ... ، يطبَّق هذا الحكم على مرتكب شيءٍ مِمَّا سبق ذكره حاكما كان أم محكوما، ولا تُقبل توبته إلاَّ في المسجد وعند اكتظاظه بصفوف المصلِّين، وإذا مات قبل التوبة فإنَّ ”العزابة“ لا يغسِّلونه؛ وإنما يُحيلون ذلك إلى العوام (1).
«وقد تبرَّأ العزابة من موظَّفين كبار أقامتهم فرنسا وجرَّأتْهم على المسلمين، كبعض القضاة وبعض رؤساء البلديات، فلم يسعهم إلاَّ
__________
(1) _ لمزيد من التفاصيل حول هذا النظام المهم (الولاية والبراءة) وأثره في المجتمع الإباضي الميزابي في العصر الحديث، ينظر محمد علي دبوز: «نهضة الجزائر الحديثة»، ج1، ص209 وما بعدها. (1/162)
صفحة 163
التوبة» (1)، فهذا النظام الاجتماعي المبني على قواعد الإسلام وتعاليمه قد حفظ للمجتمع توازنه واستمراره وصموده في وجه التيارات الغربية الوافدة، والفضل يعود إلى تطبيق عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرديًّا وجماعيا بتنفيذ مبدأ الولاية والبراءة الخاصَّة والعامَّة، وما يدري الناس الذين جهلوا -أو تجاهلوا- ما للعبادات من أثر اجتماعي وبدائل عن كثير من النظم الدنيوية الجائزة «إن لدينا ما نعطيه للعالم البائس المكدود، الذي دفعته حضارته المادية الخاوية من الروح، إلى حربين عالميتين في ربع قرن من الزمان؛ والذي ما يزال يتخبَّط في طريقه إلى حرب ثالثة تُنذِر حضارتها كلها بالبوار» (2).
__________
(1) _محمَّد ناصر: «حلقة العزَّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي»، ص: 30.
(2) _ سيد قطب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، ص: 151. (1/163)
صفحة 164
و ـ العناية بالإنسان
لقد أولت الديانات السماوية الإنسان أهمية كبرى بما أنه أفضل الكائنات. وجاء الإسلام ليؤكد هذه الحقيقة فميَّز الإنسان عن سائر خلق الله بأن أمر الملائكة بالسجود له، ژ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) ژ [ص: 71، 72]، ولقوله تعالى: ژ ک ک ک ک گ گ گ گ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) ژ [الإسراء: 70].
من خلال هذا المنطلق القرآني فإنَّ ”الأمَّة“ قد اعتنت بالإنسان ذكرا وأنثى، فكان اهتمامها بالشباب المسلم الذي ما يلبث أن يصبح من رجال الأمَّة وقادتها، واعتنت بالفتاة التي ستصبح في يوم من الأيام امرأة صالحة راعية لبيتها ومجتمعها وأمتها. واعتناء الكتَّاب بهذين الصنفين هو اعتناء بالإنسان في أكمل صوره، والحق أن فيضًا غزيرًا من المقالات كتبت في هذا الصدد، ومن هذا ارتأيت اختيار الأنسب منها وتقسيمها إلى نوعين: الاهتمام بالشباب، ثمَّ بالفتاة والمرأة المسلمة.
أَوَّلاً: الاهتمام بالشباب:
أودُّ أن أشير في بداية حديثي عن هذا الجانب، أنَّه بتتبُّعي لأعداد (1/164)
صفحة 165
الأمَّة وجدت بين يديَّ ما يزيد عن عشر مقالات تتَّخذ من موضوع الشباب محورًا لها، ليس هذا فحسب بل وإنما نصادف ذِكر الشباب والاهتمام به في أغلب المقالات التي تعنى بإصلاح النشء أو التربية والتعليم، أو التي تصف حالة الأمَّة الاجتماعية، لذا وجدت نفسي - أمام محدودية فضاء الدراسة- مضطرًّا إلى التركيز على تلك المقالات العشر التي تدور حول الشباب أصلا لاتساع الموضوع وغزارة مادَّته.
استوقفتني سلسلة مقالات للشيخ أبي اليقظان تَعرَّض في جزئها الأول إلى حالة الشباب الجزائري المأساوية: «تنقل إن شئت في البلاد، وتغلغل في الأوساط، وامتزج بالجموع تر ما يستغيث منه الدين، ويخنق روح الفضيلة، ويُندي وجه المروءة، وينافي العقل الصحيح، ويباين الذوق السليم، فمن التهاون بالطهارة إلى ترك الصلاة، ومن لعب القمار إلى الإدمان على الخمور، إلى ارتكاب فواحش الزنى ( ... ) ومن تقليد الأجانب لا في علومهم وصناعتهم واختراعاتهم، ولكن في أزيائهم ومساخرهم التي ضجَّ عقلاؤهم منها ( ... ) إنَّ شبابًا هذا شأنُهم، وهذا دأبُهم، لهم -والله- منبعُ الخطر (1/165)
صفحة 166
ومسرَب الداء الوبيل على مصير الأمَّة والبلاد» (1).
تجاه هذه الحالة الأسيفة التي يعيشها الشباب يقف أبو اليقظان وقفة العالم المدقَّق والطبيب المعالج، فيصف مسارب الداء بشكل رصين حكيم، والتي رصد أسبابها في أربعة نقط:
1: الجهل الذي يعمُّ الأمَّة، ولا يعني بالجهل جهل العلم من قراءة وكتابة فحسب وإنما الجهل الحقيقي هو الجهل بتعاليم الدين وأوامره ونواهيه، فينشأ الشاب تنشئة فاسدة كالجنين المولود معلولا يكون متهيئًا لكل علَّة ومتعرضًا لكل فساد.
2: البيئة التي ينشأ فيها الشباب، فإذا كانت بيئة الشاب محافِظة ومتمسِّكة بكتاب الله وسنَّة رسوله حكان حظُّ الشاب من الصلاح كبيرًا، والعكس بالعكس.
3: الحرية المطلقة وفي ضمنها البطالة: فالشباب مرحلة يمرُّ بها الإنسان يشعر فيها بقوَّته واكتمال جسمه، وسطوة غرائزه فإذا لم تجد هذه الدوافع
__________
(1) _ أبو اليقظان: «أحسنوا رعاية الشبَّان أيها الرعاة فإن الخطر الوبيل يحبو من هناك!»، ”الأمَّة“،ع52، (26/ 11/1935). (1/166)
صفحة 167
مثبِّطات وموجِّهات، وتربية إسلامية صحيحة، واستغلالاً أمثلا فيما يعود بالنفع عليه وعلى غيره، هوَتْ بالشابِّ وأوردته موارد الهلاك.
4: الترف والفراغ أو ”المال والدلال“:فإذا استتبعالترف دلال الوالدين فحدِّث عن الفساد ولا حرج ... إن المال في يد الشباب كالبارود والذخائر الحربية في يد الثائر، فقد يقلب به نظام العمران، ويهلك به الحرث والنسل (1).
وفي هذه الحالة يُحمِّل الكاتب فئات المجتمع كلَّها مسؤولية رعاية الشباب: الأولياء والآباء ومن في معناهم من الوكلاء والأوصياء، ورؤساء الأسر والعشائر، والمعلمين والمدرِّسين، والخطباء والوعَّاظ والمرشدون، والعُرفاءُ، ورؤساء دكاكين التجارة والصناعة ... والمسؤولية الخطيرة يوجِّهها الكاتب إلى الحكومة التي تقود البلاد، «فإنا إذا وضعنا أمامنا حكومة ساهرة على قمع الفساد والتمرُّد على الأوضاع الدنيئة ( ... ) يظهر لنا مقدار التقصير الذي يبدو من رجال الحكومة هنا في هذا
__________
(1) _أبو اليقظان: «أحسنوا رعاية الشبَّان أيها الرعاة، فإن الخطر الوبيل يحبو من هناك» (الحلقة الثانية)، ”الأمَّة“،ع53، (03/ 12/1935). (1/167)
صفحة 168
الشأن، ومنه يُعلَم مقدار مسؤوليتهم في ذلك ولا يسعنا أن نشرح هذه النقطة أكثر من هذا، وفي هذا بلاغ لقوم يفقهون» (1).
وكأن الكاتب اتخذ -بحسِّه السياسي العميق-من الأولياء وكافة المسؤولين عن ضياع الشباب مداخل وذريعة ليخلص إلى المسؤول الأكبر، والسبب المباشر في تخلُّف الشباب وضياعهم، إنها الإدارة الفرنسية الاستعمارية، والورم الخطير الذي بات يهدد كيان المجتمع الجزائري، لما كانت تقيمه حكومته من تمييزٍ عنصري بين أبنائها وأبناء الجزائريين، وما أحدثته من آفات بين أبناء الأهالي: جهل وفقر وضياع أخلاقي، وتَردِّي علمي ... ، وما إلى ذلك، هذا ما يجعلنا نستشِفُّ من وراء أفكار الكاتب تلك، أفكارا خفيَّة أخرى تُقرَأ من بين السطور وتُطلُّ برؤوسها من حين لآخر؛ تهدف إلى فضح مخطَّطات المستعمر وأغراضه الخبيثة ولو بتقية وتستُّر.
ويستوقفني كاتب آخر يثبت ما ذهبنا إليه سابقا من أنَّ الجهل الحقيقي، ليس في عدم ارتقاء الإنسان في مدارج العلم، ونيله صنوف الشهادات، وإنما الجهل أن تعمى في الإنسان بصيرتُه، ويُحرم نور الله في
__________
(1) _م. س. (1/168)
صفحة 169
قلبه، وهذا الكاتب شاب غير أنَّه يتميَّز عن بقيَّة الشباب، كتب سلسلة مقالات نشرتها ”الأمَّة“ في أعداد متتابعة، يصف حالة الشباب الذين يحلو لهم الانكماش والانزواء في وقت عمَّت فيه المصائب والرزايا جميع أفراد الأمَّة، ويعاتبهم عتاب الأخ لأخيه الضال، بل ويعاتب نفسه معهم شعورًا بالمسؤولية التي حمَّلها إيَّاه سلفُه الصالح، فيقول:
«نَعُدُّ أنفسنا من العاملين الصادقين؟ فو الله لقد كان آباؤنا وأسلافُنا على غير ذلك! كانوا يعشقون ذلك الوطن المحبوب من صميم أفئدتهم على قحولة أرضه، وشظف عيشه، ( ... ) وأين نحن يا هؤلاء من أولئك الأسلاف الكرام؟ ( ... ) فإلى أين المفر أيها الشباب الكرام؟» (1).
غير أنَّ الكاتب موقن في قرارة نفسه أنَّ العتاب والاستجداء وحدهما لا يُجدِيان نفعا، وأنَّ تغيير الواقع لن يكون بالشعارات الجوفاء والتشدُّق بالخطب الرنَّانة، بل يرى «أنَّ ملاك الأمر كله في تأسيس جمعية للشباب تجمع بين جدرانها أشتات الشباب المتناثرين هنا وهناك، وتوحِّد صفوف الأدباء وحملة الأقلام من إخوان الصدق والصفاء، وتضمُّ قُواهم، وتنسِّق
__________
(1) _ أبو عامر قاسم: «نصيحة حُبٍّ وعتاب إلى الشباب المسلم»، ”الأمَّة“،ع75، (19/ 05/1936). (1/169)
صفحة 170
جهودهم لإنقاذ وطنهم من الهوَّة التي سقط فيها. ( ... ) ويبرهنوا للملأ أنَّ في السويداء رجالا، وأنَّ في العرين أشبالاً» (1).
إنَّ هذا الكاتب الشاب الذي يتَّقِد حيوية وحبًّا لوطنه أظهر إلى القرَّاء فكرة لرعاية الشباب يقرُّها العالم إلى يومنا هذا، وهي فكرة إقامة جمعيات تضمُّ هؤلاء الشباب وتشغل أوقات فراغهم بما يعود على المجتمع وعليهم بالنفع، وتُفتِّق مواهبهم الكامنة؛ فكرية كانت أم عملية أم فنيَّة، وفي هذا الجوِّ الجماعي يكتسب الشاب روح الأخوَّة وحسن المعاملة ودماثة الأخلاق، وحينما يكون الشباب بهذه الصفات فحدِّث عن صلاح المجتمع ورُقيِّه ولا حرج.
لقد سبق أن قلت: إنَّ هذا الكاتب الشاب كان شعلة متقدة من الحيوية والأفكار، وهذا ما دفع بالشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون) لأن يكتب مقالين متتابعين نوَّه فيهما بإرادة هذا الكاتب وآرائه الصائبة، بل ولتأثُّره بأسلوب الكاتب وفكره، بحَث واستفسر عمَّن يكون هذا الشاب، فكانت المفاجأة أنَّ هذا الشاب لم ينل من التعليم بالمدارس والمعاهد شيئا، وإنما نشأ عصاميًّا معتمدًا على نفسه! وكوَّن رصيده الأدبي والفكري بمطالعته
__________
(1) _م. س. (1/170)
صفحة 171
ومجالدته فأبدع وابتكر، ولم تفُت الشيخ هذه الفرصة -وهو أستاذ مادَّة الأخلاق- (1) أن يذكي نار الغيرة والمثابرة في نفوس الشباب المتعلِّمين، أو الذين آوَتْهُم المدارس والمعاهد طويلا ثمَّ انصرفوا عنها للتجارة وما إلى ذلك من أمور الدنيا، غير مبالين بأداء رسالة أُمَّتهم ومجتمعهم:
«هل تعلم أنَّ هذا الشاب الذي محضك النصح طويلا، وعاتبك مليًّا، ( ... ) لم يغش يوما مدرسة ما للتعليم كما غشيتها أنت سنين عديدة، ولم يتلقَّ دروسا في العربية، أو في علم الاجتماع، كما تلقَّيتها، أو أمثالها طول حياتك؛ هل تعلم أنه فيما كتب أستاذ نفسه وتلميذ عصاميَّته، وأنَّ له _ غير ما كتب _ آثارا في الإصلاح لا تنكر، وأعمالا في حقل الوطنية لا تُغمَر؛ ( ... ) فأين أنت أيها الغريم لوطنه وأمَّته المماطل في إبراء ذمَّته من هؤلاء البررة الأوفياء، فما هي نسبتك، وما هو موقفك إزاءهم؟ ... » (2).
إنَّ الأبلغ نصيحة، والأعمق أثرًا في النفس، النصيحةُ يسديها الشابُّ لأخيه الشابِّ، وأنَّ أحسن حلٍّ للمشاكل الاجتماعية أن يجد الشابُّ آذانًا
__________
(1) _ لقد كان سعيد شريفي (الشيخ عدُّون) أستاذ مادَّة الأخلاق بمعهد الحياة آنذاك.
(2) _ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون): «إلى الشباب الحيِّ، صرخة داوية يصرخ بها مثال الشباب فهل من مذَّكر، وهل من مجيب»، ”الأمَّة“،ع81، (30/ 06/1936). (1/171)
صفحة 172
من أترابه، خاصة وهذا الكاتب الشاب ينصح إخوانه المتعلِّمين ويلقي عليهم دروسا، وهم أحقُّ بإلقائها عليه، لكن هذا الكاتب الذي لم يَغْشَ المدرسة قط -لسوء حظِّه أو لحسنه- أضحى عبرة الشباب المتعلِّم وناصحهم لما فيه خيرهم وصلاحهم.
وعلى كل فقد أيقن كتَّاب ”الأمَّة“ أنه قد آن للشباب أن يعرف نفسه كمدينة تفتح أبوابها فيغزوها الشيطان والمستعمر الظالم، ليخرِّبها بالإلحاد والفجور والخمور ... ، وأنَّ المر كله بيد الشباب أنفسهم، فإذا تاقت أنفسهم على مدينة الحياة، فلا يجب أن تنفتح الأبواب عليها إلا بمفتاح الدين، وإذا كان لهم غرام بالحريَّة، فلن يجدوها إلا بتحرير النفوس من أَسْر اللذائذ والشهوات! (1).
ثانيًا: الاهتمامُ بالفتاة والمرأة:
أولت المقالة الصحفية بـ ”الأمَّة“ قضيَّة المرأة أو الفتاة عناية خاصَّة، ورغم أنها لا تفوق عنايتها بقضية الشباب مثلا، ولكن هذا التفاوت يزول إذا اعتبرنا اهتمام الكتَّاب بالشباب شاملٌ للجنسين، فالحالة
__________
(1) _ أبو اليقظان: «إلى الشباب المسلم، هل يستقيم للمسلم أمر في هذه الحياة بغير التمسُّك بالدين؟»، ”الأمَّة“،ع60، (23/ 10/1934). (1/172)
صفحة 173
التي كانت عليها الفتاة المسلمة الجزائريَّة لم تكن بأحسن من التي كان عليها الذكور. وارتأيت أن أعبِّر عن المرأة الجزائريَّة بالفتاة المسلمة لعوامل منها: أنَّ أغلب المقالات الصادرة في موضوع المرأة كانت تُعنى أوَّلا بالتعليم، وظاهرة التعليم تبدو أشدَّ ارتباطا بالفتاة من المرأة. ثم إنَّ المقالات التي تعنى بقضية الحجاب والتبرُّج والسفور كانت تركِّز على المرأة المسلمة الشابَّة أكثر من غيرها، إذ إنَّ الفتاة تعدُّ في هذه الفترة من عمرها أكثر قابليَّة للإغراءات ونداءات السفور والانحلال التي أطلقها المستعمر وأذنابه. وعلى كلٍّ فإن الفتاة هي أمٌّ بعد فترة، فإذا كان الاعتناء بالمرأة في الصغر بتربيتها وتعليمها ما يفيدها دينا ودنيا، ضمِنَّا عدم انحرافها وحسن تربيتها لأبنائها، فالغصن الأخضر الطريُّ يمكن ثنيه بينما يستعصي ذلك على الغصن الجاف اليابس.
لقد اهتمَّ كتَّاب ”الأمَّة“بتعليم الفتاة، ولاحظنا تلك النَّزعة الإصلاحية السائدة في بداية الثلاثينات تشتدُّ وتعارض تلك الاتجاهات الفكرية التي أخذت تدفع الفتاة إلى المدارس الفرنسيَّة من وجوب تعليم البنت بها إسوة بالأوروبيات؛ فتصبح النظريات الداعية إلى وجوب التعليم العربي الإسلامي للمرأة هدفًا قوميًّا وطنيًا هو: «المحافظة القويَّة على مقوِّمات الشخصية (1/173)
صفحة 174
الجزائرية الذاتية كَردِّ فعل لدعوة بعض المتفرنسين بوجوب تثقيفها ثقافة فرنسية غربية» (1).
وفي هذا الصدد يصادفنا كاتب من مدينة بسكرة (2)، نشر مقالين متسلسلين بـ”الأمَّة“ يتساءل عن الفائدة المرجوَّة من تعليم الفتاة الجزائرية من جرَّاء التقليد الأعمى لما يفعله المعمِّرون الفرنسيون «فكل عمل رأينا الأجانب تفعله تجدنا نتسابق إليه، فالسعيد من يحصله ويناله، رأيناهم يُقرئون بناتهم الفرنسية -هم لهم الحق لأنها لغتهم- فقلَّدناهم كذلك تقليدًا أعمى من غير ما نفكر أو نسأل ما هي ثمرة مرغوبنا من تعليمهن إياها ... » (3)، ثمَّ يبيِّن الكاتب بعد أن أُعلِن صراحة رفضه لهذا التعليم الغربي، أنَّ أصناف الجزائريات ثلاثة: «بنت متعلمة تعليمًا فرنسيا، وبنتٌ جاهلة؛ لا فرق بينها وبين البهائم، وبنت متعلمة تعليمًا إسلاميًّا» (4).
__________
(1) _محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية»، مج1، ص:241.
(2) _ أمضى هذا الكاتب مقاليه بـ "الفتى الزياني من بسكرة" ولم أعثر في المصادر على ترجمة لهذا الكاتب.
(3) _ الفتى الزياني: «ما هي الثمرة المرغوبة، والفائدة المطلوبة من تعليم البنت المسلمة الفرنسية»، ”الأمة“، ع53، (03/ 12/1935).
(4) _م. ن. (1/174)
صفحة 175
أما الصنف الأوَّل: فإنهنَّ اللواتي تعلمن بالمدارس الحكومية الفرنسية ما لا علاقة له بدينهنَّ ومجتمعهن وحضارتهن، فتكون بالتالي قد حاربت الإسلام من ناحيتين: الجهل بالإسلام وتعاليمه وآدابه وعلومه وطرق التربية على ضوئه ومنهاجه. ومن ناحية أخرى: اكتسابها لتعاليم أجنبية لا تَمُتُّ إلى تكوينها الحضاري بصِلة، فتجرُّها إلى الضلال والهلاك، وفي أحسن الحالات فإنَّها لا تتمكَّن من إنشاء أسرة إسلامية، وتربية أبناء تربية دينية كاملة.
أمَّا الصنف الثاني: وهن اللواتي لم يتلقَّين تعليمًا قَطُّ: فقد خالفن الإسلام في ناحية واحدة منه، وهو جهلهن بتعاليم دينهن وعلومه، ولا يخفى ما للجهل من عواقب وخيمة. غير أنَّ هناك جهل دون جهل، فالمرأة الجاهلة بمعنى غير المتعلمة ليست كالمرأة الأمية ولكنها نالت تربية إسلامية صالحة واكتسبت من المجتمع المسلم والبيت المسلم الكثير من الأخلاق والتربية فهذه أمية وليست جاهلة، وقد تلد للأمَّة أبناء يحفظون الأمانة، وأجيال يعرفون أصلهم وقوميتهم وأمتهم -مثلما كان عليه العجائز والجدَّات من اليقين- فإنَّ هذه المرأة الجاهلة باعتبار خير من العالمة المتفرنسة المتشبِّعة بذاك الفكر الاستعماري، فهي تلد للجزائر أبناء لا يعرفونها أصلا، ولا يشعرون بما يشعر به الوطنيون الصادقون. (1/175)
صفحة 176
أمّا الصنف الثالث: الذي تناوله الكاتب: فهو الذي أشار إليه بأنهنَّ اللواتي تَلقَّيْن تعليمًا إسلاميًّا معاصرًا يحفظ كرامتهنَّ ويميِّز شخصيتهن ومكانتهن في المجتمع بما يرضاه الله ورسولهحللفتاة المسلمة، لا بما يخططه المستعمر ويرمي إليه، وهذا الصنف هو أحسن الأصناف كما يرى كاتب المقال، «لأنها أخطت تعاليم دينها الحقة، وبأخذها لها أخذها لرضوان الله المقتضي قبولها ومثوبتها وكرامتها وتعلُّقها بكمالها وسعادتها» (1). ولقد عبر الشيخ عبد الحميد بن باديس عن هذه الغاية وهذا النوع من التعليم المنشود في مقال نشره بـ"الشهاب" في شهر نوفمبر من عام (1929) قائلا: « ... فعلينا أن نعلمها كلَّ ما تحتاج إليه للقيام بوظيفتها، وتربيتها على الأخلاق النسوية التي تكون بها المرأة امرأة، لا نِصْف رجل، ونصف امرأة، فالتي تلد لنا رجلا يطير خير من التي تطير بنفسها!» (2).
فإذا أنجبت الأمُّ أبناء يحرسون الدين ويفهمون تعاليمه فهما جيدا، ويعرفون حياتهم الأدبية والاجتماعية والمادية، كانوا بذلك أعضاء صالحين في المجتمع، ينفعون أنفسهم وأهليهم وجميع المسلمين «فكذلك البنت إذا
__________
(1) _م. س.
(2) _ابن باديس، عبد الحميد: «المرأة»، مجلة الشهاب، ج5، م7،1929. ص:150 (1/176)
صفحة 177
أخذت ما أخذه الابن فإنها تعرف حظَّها وحظَّ زوجها وعشيرتها وجيرانها ( ... )، وما يجب فعله وتتأكَّد معرفته تكون من السباقات فيه ... » (1).
ثمَّ إنَّ الكاتب أشار إلى قضية خطيرة كان المستعمر بواسطتها ينخر كيان المجتمع النسوي الجزائري، وهي ظاهرة تعلم الفتيات والنساء طرق النسج والخياطة وغزل الصوف، وما إلى ذلك من الأعمال لدى الراهبات الفرنسيات ( Les Sœurs)، وقد يبدو من الظاهر أن لا خطر على البنات المسلمات من تلقِّي تلك الحِرف والصناعات اليدوية المفيدة، «لكن هل تعليمهن قاصر على خدمة الصوف، أم يتعدَّى إلى إدخال كثير من السموم في عقيدتهنَّ؟». لم يُجِب الكاتب على هذا الافتراض، غير أنه يُفهَم ضمنيا أنَّ هذا التعليم لا يخلو من خطر "دَسِّ السم في الدسم"، فإنَّ هؤلاء الراهبات وُجِدن بالجزائر لنشر رسالة دينهن المسيحي، واغتنام فرصة انجذاب المسلمات الجزائريات إليهن يغدو أمرًا بديهيًّا واضحًا. وفي هذا خطر عظيم لا على تفكير الفتاة وعقيدتها فحسب، وإنما على الأسرة والمجتمع والمحيط بشكل عام، وما منع هؤلاء الأولياء والآباء من دفع بناتهم إلى التعلُّم لدى سيِّدات مسلمات قانتات مُصلحات؟ خاصَّة وإنَّ لهؤلاء النفع العميم في تكوين شخصية الفتاة
__________
(1) _م. س. (1/177)
صفحة 178
وأخلاقها، فعمليات الغزل والخياطة وصناعة السجَّاد مثلا كانت -وكما نعلم- دائما تُرفَق بأهازيج دينية وترنيمات رفيعة وتسابيح تُذكِي في الفتيات جذوة الدين، وتربطهن بأصالتهن وقيم حضارتهن الإسلامية العريقة، فالكاتب في مقاله يقر بحق المرأة في العمل والاسترزاق والكسب، فهذا قد كفله الإسلام وفق ضوابط وأطر، ولكنه لم يُغفل وظيفتها الرئيسية وحقَّها الغريزي، وهو: رعاية الأبناء وحفظ الأسرة.
هكذا كان اعتناء كتَّاب ”الأمَّة“ بقضيَّة الشباب والفتاة المسلمة، تربية وتعليما ورعاية؛ لأنَّ بناء مجتمع متماسك متآزر إنما توضع أسسه الأولى بإنشاء جيل من الشباب الطاهر الصالح، والمؤمن بقضيَّة أمَّته ورسالته في الوجود، ليثبت وجوده الحضاري، ويحقِّق قول الله عزَّ وجلَّ فيه:
ژ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ?ژ [آل عمران: 110]. (1/178)
صفحة 179
الخاتمة
إلى هنا نكون قد حاولنا تقديم صورة مختصرة عن القضايا الاجتماعية التي عالجها كتَّاب ”الأمَّة“ بأعدادها المائة والسبعين، فكانت بذلك معبِّرة عن آمال وآلام شعبٍعربي مسلم، لا في الجزائر فحسب؛ بل في الوطن العربي الإسلامي أيضا، وكرَّست جهدها العظيم لمعالجة قضايا المجتمع، فقد كان الأمل يراود كتابها في أن يَرَوْا في هذا القطر الجزائري العزيز مجتمعًا مسجديًّاصالحًا مُصلحا، عاملاً مُتعلِّمًا. ولعلَّ مواصفات ”الأمَّة“ المتميِّزة هذه، هي التي جعلت المصلح العظيم الشيخ: عبد الحميد بن باديس يشيِّعها- حين أجهزت عليها السلطات الاستعمارية- بالكلمات الآتية:
«جريدة ”الأمَّة“ خلف جرائد عدَّة، كلُّها استشهدت في سبيل واجبها، والأستاذ أبو اليقظان في كلِّ مرَّة يتحمَّل من أضرار مالية وأدبيَّة، ويعود للجهاد، وقد عطلت جريدة ”الأمَّة“ مثل أخواتها، فضمَّت وساما جديدا إلى صدر الأستاذ ... » (1).
__________
(1) _ابن باديس، عبد الحميد، «الأمَّة»، مجلة الشهاب، ج3، م14، (5/ 7/1938)، ص: 152. (1/179)
صفحة 180
هكذا كانت ”الأمَّة“ في جهادها كما رآها الشيخ ابن باديس، ولعلنا بعد ما سبق نخلص إلى بعض النتائج التي نوجزها في النقاط الآتية:
1. لقد اهتمَّ كتَّاب ”الأمَّة“بأهمِّ القضايا الاجتماعية وأبرزها، فتعرَّضوا لإصلاح العقيدة؛ وهي أوَّل ما ينبغي إصلاحه لإصلاح المجتمع، وقد آمنوا بأنَّ خير الدنيا والآخرة مع العلم، وأنَّ شرَّ الدنيا والآخرة مع الجهل، فاهتموا بجانب التعليم العربي الأصيل، ثم أوثقوا عرى الوحدة والإخاء بين المسلمين، لا في الجزائر فحسب، بل في الأمَّة الإسلاميَّة كافَّة، بدعوتهم إلى القضاء على الآفات الاجتماعية والنعرات الطائفيَّة والمذهبيَّة، وتوحيد الصفوف في وجه المستعمر الغاصب.
وكان من الضروري لبناء الأمَّة الجزائرية العربيَّة المسلمة تربية أجيال الشباب تربية صحيحة تجعلهم رجالا صالحين دينا ودنيا.
وحَسَبُ”الأمَّة“، أنَّها اعتنت بهذه العناصر من المجتمع -أو لفتت انتباه كتَّابها- فكانت من الصحف البارزة في معالجتها والتعرُّض لها.
2. من بين كتَّاب ”الأمَّة“، جَذَب اهتمام الباحث كاتبان عظيمان، وهما: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى (صاحب الجريدة)، المصلح الغيور والصحفي الثائر، ولقد لُقِّب -وله الحقُّ في ذلك-بشيخ
3. (1/180)
صفحة 181
الصحافة الجزائرية. كما اكتشف البحث كاتبا آخر، وهو من بين كتَّاب ”الأمَّة” القلائل الذين هم على قيد الحياة، إنه الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) (1)، وأحسب أنَّ هذا الكاتب كان أحد دعائم ”الأمَّة“ في كتابة مقالاتها، حيث اتَّسمت مقالاته بطول النفس، وحُسن السبك، وأصالة اللغة ودِقَّتها. وكان مصلحًا غيورا، ومجاهدا باسلا صنديدًا، يسعى بفكره ونفسه وماله في المحافظة على «المجتمع المسجدي» الذي قامت من أجله حركة الإصلاح في شمال القطر وجنوبه. ومن باب الإنصاف أتمنَّى أن يَخُصَّ باحثون آخرون هذا الكاتب والمصلح العظيم بعناية أكثر، بأن تجمع مقالاته الصحفية -على كثرتها وأهميتها- وتُخصَّ بدراسة تحلَّل فيها أفكاره وآراؤه، فإنه يكون أجدى وأوفى لبعض حقِّ هذا الأستاذ الجليل (2).
4.
__________
(1) _هذا الكلام كتبناه سنة 1996، ولقد سبقت الإشارة إلى أن الشيخ تُوفِّي رحمه الله في سحر يوم الثلاثاء 19 رمضان 1425هـ/2نوفمبر 2004 م، عن 106سنة. (تنظر ترجمته في ملحق «تراجم أبرز كتَّاب الأمَّة» في آخر الكتاب).
(2) _كان من توفيق الله لنا أن جمعنا معظم مشاركات الكاتب الصحفية في جرائد الشيخ أبي اليقظان وقد ناهزت مائة وعشرين مقالا وقصيدتين شعريتين، وأنجزنا دراسة عنها بعنوان: «الشيخ عدُّون والكتابة الصحفية، مدخل إلى مقالاته في صحف أبي اليقظان»، يُنظر: مجلة الحياة، دورية محكَّمة يصدرها معهد الحياة وجمعية التراث، القرارة، غرداية، ع09، رمضان 1426هـ/ نوفمبر 2005م. ص: 117 وما بعدها. كما أشرفنا على بحث ليسانس لطالبات من كلية الآداب بجامعة غرداية بعنوان: «الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) أديبًا وشاعرًا»، إعداد: بطاش سليمة، خنيفر آمال، بن رمضان نعيمة. وتمت مناقشتها خلال السنة الجامعية 2010 - 2011م. (1/181)
صفحة 182
بعد اطلاعي على المقالات التي حملت أبعادًا اجتماعيَّة بـ”الأمَّة“، خلُصت إلى ملاحظة كنت قد أشرت إليها في بداية الفصل الذي يُعنى بالبعد الاجتماعي، وهي:
أنَّ هذه المقالات كانت في أغلبها -بل كلُّها- تعالج القضايا الاجتماعيَّة على ضوء تعاليم الشريعة الإسلاميَّة؛ بعَرْض تلك القضايا على كتاب الله وسنَّة رسولهح، فنجدها تضفي على المقال صبغة روحية تحدِّد معالم فكر إسلامي، ومنهج سارت عليه حركة الإصلاح آنذاك، ولذلك قُلت حينها: إنَّ هذه المقالات -ولا شكَّ- كانت قائمة على أساس فكري أصيل متين، وأنَّ معالجة القضايا الاجتماعية لم تكن مبنيَّة على آراء غربية أو فلسفات خيالية عشوائيَّة وافدة، وإنما على أُسسٍ أرادها (1/182)
صفحة 183
الله لأمَّته وعباده، أُسُسٍ توافق تكوين الشخصية العربية المسلمة، وتصلح لكلِّ زمان ومكان.
إنَّ اعتماد كتَّاب ”الأمَّة“-واتفاقهم الطبيعي التلقائي- على إصلاح المجتمع بقِيَم الإسلام الخالدة، صوَّرت في نفسي أثرًا لما كان عليه مجتمع الصحابة، وما قبل انحطاط الأمَّة الإسلامية من تناصح وإخاء، فكان ذلك الأثر حافزًا لاكتشاف ما ينبغي أن تكون عليه علاقة المثقفين بأفراد المجتمع اليوم، لأخلص في الأخير إلى ذلك المبدأ المشهور الذي كان شعار الحركة الإصلاحيَّة، وهو قول مالك بن أنس: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلا بما صلح به أولَّها»، وهل صلح أوَّل هذه الأمَّة إلا بكتاب الله وسنَّة رسوله الكريم؟ ... وهل لنا من صلاح بغيرهما؟.
وبعد فإني آمل أن يكون هذا البحث المتواضع قد حقَّق الغرض منه -أو بعضه على الأقل- وحسبي أنَّني قد فتحت الطريق بالتعرُّض إلى إحدى الصحف الجزائرية الإصلاحيَّة الخالدة، وأن يقوم باحثون آخرون بالتعمق في دراسة هذه المجلات والصحف، ومحاولة تحليل مقالاتها تحليلا علميا واستكناه أسرارها، ففيها مِمَّا يثري رصيدنا الثقافي والتاريخي والاجتماعي والسياسي والفكري الشيء الكثير. (1/183)
صفحة 184
وبعد؛ فإن كنت قد أصبت في عملي المتواضع هذا فمِن الله وفضله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله نسال أن يثيبنا أجري الاجتهاد والإصابة، إنه سميع مجيب.
القرارة: 12 جمادى الأولى 1416هـ
الموافق لـ: 26 سبتمبر 1996م (1/184)
صفحة 185
تراجم لأبرز كتّاب الأمَّة (1) (2)
1. إبراهيم بن امحمد اطفيَّش (أبو إسحاق)
(و: 1305هـ / 1886م ــ ت: 20 شعبان 1385 هـ / 26 ديسمبر 1965م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: اطفيش)
عالم من بني يسجن بميزاب، أخذ العلم عن عمِّه قطب الأيمَّة. سافر إلى تونس ليستزيد من العلوم العقلية، وتحمل مع رفيق دراسته أبو اليقظان مسؤولية الإشراف على البعثة العلمية الميزابية سنة 1914. اقتحم ميدان السياسة فكان من أساطين حزب الدستور التونسي. أصدرت فرنسا ضدَّه حكم الإبعاد عن تونس في فيفري 1342هـ / 1923م، إلى القاهرة، فاستقرَّ بها حتى وفاته. أصدر في مصر مجلَّة «المنهاج» بين سنة 1925 و1930م. وقام بتأليف وتحقيق وطباعة عدد كبير من كتب التاريخ والفقه الإباضي. سجل نشاطه في جمعية الشبَّان المسلمين، إذ كان بينه
__________
(1) _تراجم مختصرة لأبرز كتاب صحيفة الأمَّة من الجزائريين وغيرهم، استقيت كثيرا منها من «معجم أعلام الإباضية». حاولت التركيز على الكتاب المكثرين المواظبين، ولم أورد تراجم بعض الذين كانت لهم مشاركة واحدة أو اثنتين، أو لأعلام الجزائر المعروفين لدى العامِّ والخاصِّ، أمثال المشايخ: عبد الحميد بن باديس، والعربي التبسي، ومبارك الميلي، ومحمد العيد آل خليفة، ومصالي الحاج، وفرحات عباس ... فتراجمهم مبثوثة في كثير من المصادر والمراجع.
(2) _تم ترتيب الأسماء ترتيبا ألفبائيا. (1/185)
صفحة 186
وبين الشهيد حسن البنا علاقات وطيدة. أَسندت إليه وزارة الأوقاف مهمَّة الإشراف على الأوقاف الإباضية بمصر. ربطته علاقات وطيدة مع الداعية محبِّ الدين الخطيب، وكذا الشهيد سيد قطب، والعلاَّمة محمد رشيد رضا، والشهيد حسن البنا، وغيرهم كثير من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر. اختاره الإمام غالب ابن علي العماني، ممثّلاً رسمياً لعرض قضية عُمان في هيئة الأمم المتحدة. وافاه أجله إثر عملية في الكلى، ودفن بمقبرة المغرب الكبير بالقاهرة حذو صهره الشيخ قاسم بن سعيد الشمَّاخي. (جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج2، ص: 44 - 48) إبراهيم بن صالح باباحمُّو، (أَعْزَامْ)
(و: 1311هـ/ 1893م ــ ت: 22 شوال 1384هـ/ 22 فيفري 1965م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: أعزام)
2. عالم ومؤرِّخ من وارجلان (ورقلة). ولد بتونس، وتتلمذ بوارجلان، انتقل إلى ميزاب وأخذ العلم عن الشيخ الحاج صالح بن عمر لَعْلِي ببني يسجن، وعن الحاج عمر بن يحيى بالقرارة. اِشتغل بالتدريس وكان مغرمًا بالمطالعة؛ حتَّى لُقِّب بـ"أَعْزَامْ"، ويعني بالبربرية القراءة. ألَّف كتاب: «غصن البان في تاريخ وارجلان». وله عدَّة رسائل منها: «الفرق بين الإباضية والخوارج»، ومقالات صحفية في جرائد أبي اليقظان إبراهيم وغيرها. كان الناطق باسم إباضية وارجلان لدى الحكومة الفرنسية.
(المصدر: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج2، ص: 31 - 32)
1. (1/186)
صفحة 187
إبراهيم بن عمر بيُّوض (و: 11 ذو الحجة 1313هـ / 21 أفريل 1899م - ت: الأربعاء 8 ربيع الأوَّل 1401هـ/ 14 جانفي 1981م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: إياس/ بيوض/ بيوض إبراهيم)
من أشهر أعلام وادي ميزاب في العصر الحديث، ولد بالقرارة، واستظهر القرآن قبل سنِّ البلوغ. أخذ مبادئ الفقه والعربية عن مشايخ منهم الحاج عمر بن يحيى، وكان ينوبه عند غيابه في تدريس البلاغة والمنطق. ثم خلفه في رئاسة الحركة العلمية والنهضة الإصلاحية بعد وفاته سنة 1921. عين بعد سنة عضوا في حلقة العزابة ثم شيخا للتدريس والوعظ بالمسجد، وانتخب حوالي 1940م رئيسا للحلقة. أسس في يوم 18 شوال 1343هـ/ 21 ماي 1925م معهدا سمَّاه معهد الشباب، للتعليم الثانوي، وهو المعروف بمعهد الحياة إلى يومنا هذا. في غرَّة محرَّم سنة 1353هـ/ ماي 1953م افتتح درس تفسير القرآن الكريم من فاتحته، واختتمه يوم 25 ربيع الثاني 1400هـ/ 12 فيفري 1980م. شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، وانتخب عضوا في إدارتها. أسس في سنة 1937م جمعية الحياة بالقرارة، رائدة النهضة العلمية الإصلاحية بالجنوب الجزائري. وكانت له مشاركة فعَّالة بمقالات نارية في الصحافة الوطنية. دخل معترك السياسة، وعارض بشدة مشروع فصل الصحراء عن الشمال. بعد اندلاع الثورة كان محور النشاط بميزاب بعامَّة والقرارة بخاصة، يديره مباشرة بنفسه، وبواسطة أبنائه الشباب من تلاميذه. وفي 19 مارس 1962م، عيِّن عضوا في اللجنة التنفيذية المؤقَّتة، وأسندت إليه مهمَّة الشؤون الثقافية إلى يوم تسليم السلطة لأوَّل حكومة جزائرية في سبتمبر 1962م. بعث في سنة 1963م نشاط مجلس عمِّي سعيد (الهيئة العليا لمجالس عزَّابة وادي ميزاب (1/187)
صفحة 188
ووارجلان) فانتخب رئيسا له إلى يوم وفاته. ترك آثارا جليلة يتعذر حصرها في هذه الأسطر. وتوفي عمر يناهز 83 سنة، كما أبِّن بحفل عظيم يوم الجمعة 21 جمادى الأولى 1401هـ/ 27 مارس 1981م.
(المصدر: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج2، ص: 36 - 42)
1. أبو يعلى الزواويالسعيد بن محمد الشريف بن العربي
(و~: 1279هـ/ 1862م - ت: 8 رمضان 1371هـ- 4 جوان 1952م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: أبو يعلى الزواوي)
ولد في قرية ”إغيلنزكري“، من ناحية ”عزازقة“ بمنطقة القبائل الكبرى، وكُنَّي بالزواوي نسبة إلى المنطقة التي ينتمي إليها أصلا وهي بلاد زواوة. أخذ مبادئ العلوم في قريته وحفظ القرآن الكريم في الثانية عشر، والتحق بزاوية ”الأيلولي“ ومنها تخرج. أكثر الشيخ من التنقل والترحال بين تونس ومصر وفرنسا والشام، واتصل في هذه البلاد بالأعلام والزعماء أمثال محمد رشيد رضا في مصر، وشكيب أرسلان في الشام، وساهم بمقالاته في بعض الصحف والمجلاٌت الشامية فكتب في جريدة ”المقتبس“ http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86&action=edit&redlink=1 و”البرهان“ و”ثمرات العقول“، وفي المجلات المصرية كـ”المؤيد“و”المجلة السلفية“. رجع إلى الجزائر سنة 1920م، واستقر في العاصمة وتولَّى إمامة جامع ”سيدي رمضان“ بالقصبة بصفة رسمية. ونشر في جريدة ”النجاح“وفي ”مجلة الشهاب“ وفي ”الإصلاح“ في صحيفة ”صدى الصحراء“، و”الأمَّة“. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الموضع أن المقالات التي أمضاها (الفتى الزواوي) ليست للشيخ أبي يعلى كما توهم بعض، وإنما الفتى هو «باعزيز بن عمر» (1/188)
صفحة 189
(المتوفى سنة 1977م عن عمر يناهز 71 سنة) وهو أحد تلاميذ الشيخ ابن باديس. كان أبو يعلى عضوًا نشيطا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعيٌن رئيسا للجمعية العمومية المكلٌفة بوضع القانون الأساسي للجمعية. وكان الشيخ الطيب العقبي يلقبه «بشيخ الشباب وشاب الشيوخ».
(المصدر: أبي عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري: «أضواء على حياة الشيخ أبي يعلى الزواويالجزائري». موقع ملتقى أهل الحديث) ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=191502)
1. أحمد بن يحيى بكلي
(ولد: 1328 – 1910هـ / توفي: 1401هـ-1980م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: أحمد بن الحاج يحيى)
ولد في مدينة العطف (ولاية غرداية)، وفيها توفي. عاش في الجزائر. تلقى معارفه الأولى في الكتاب بمدينة العطف، ثم بالمدرسة القرآنية الأهلية في تونس (العاصمة) فجامع الزيتونة والمعهد الخلدوني. عمل معلمًا في مدرسة النهضة بمدينة العطف، ثم في مدرسة الهداية بالجزائر (العاصمة). كان نائب رئيس مجلس إدارة مدرسة النهضة بمدينة العطف. عضو في حلقة عزابة مسجد العطف. أسس جريدة «بدر السعادة» الأدبية. أسهم في ثورة التحرير الجزائرية ماديًا وأدبيًا. نشرت له عدة قصائد في جرائد أبي اليقظان: وادي ميزاب والنور والمغرب والأمَّة.
(المصدر: معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين)
( http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=365).
1. (1/189)
صفحة 190
أرزقي الشرفاوي الأزهري
(و: 1302هـ/ 1880م- ت: الأربعاء 11 محرم 1364هـ/ 27 ديسمبر 1944م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: محمد الرزقيالشرفاوي/ محمد الرزقيالشرفاوي الأزهري)
اسمه الكامل: محمد الرزقي بن محمد وعلي الشرفاوي الأزهري، ولد بقرية ”شرفاء بهلول“ التي ينسب إليها، وهي قريبة من مدينة ”عزازقة“، بولاية تيزي وزو، (الجزائر). أخذ مبادئ العلوم وحفظ القرآن الكريم في الزوايا المنتشرة القريبة من مسقط رأسه. التحق بالمدرسة الثعالبية بالعاصمة طالبا لدى الشيخ عبد القادر المجاوي. وفي سنة 1910سافر إلى مصر طلبا للعلم على ظهر باخرة معدة لنقل الحيوانات في رحلة كاد أن يهلك فيها. انتسب إلى الأزهر وقضى فيه قرابة أربعة عشر سنة دون أن يقرأ رسالة واحدة من الرسائل التي وردت عليه من الجزائر. و لم يفتح رزمة الرسائل التي اجتمعت لديه إلا عندما أنهى دراسته وأحرز على الشهادة العالمية سنة 1921. تزوَّج الشيخ الشرفاوي في مصر وزاول التدريس في الأزهر مدة أحدى عشرة سنة. ثم عاد إلى الجزائر سنة 1933، فانضمَّ إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين معلما ومربِّيا، فكان يؤدي واجبه الإصلاحي والدعوي بقوة وحزم في المناطق الريفية المحرومة من بلاد القبائل. كافح الشرفاوي الاستعمار الفرنسي الذي قال عنه: «إن الاستعمار مرضٌ عضالٌ لا دواء له إلا استئصالهُ، وقد يصعبُ على من تعوَّد عليه أن يسمع أنَّ هذا المرض العضال سيزول و تشفى منه الجزائر، ولكن من يعش منكم سيرى». ألف الشيخ كتبًا عديدة في اللغة والأدب والتاريخ. وكان ينشر مقالاته في الصحف المصرية والجزائرية، كالصديق والبصائر والثبات والأمَّة لأبي اليقظان التي كتب فيها سلسلة من المقالات في الإصلاح الديني تحت عنوان: «كيف يكون العالم الديني». توفي بعد زوال يوم الأربعاء 11 محرم 1364 هـ، ودفن بجوار بيته بمسقط رأسه بشرفاء بهلول.
(المصدر: محمد الصالح الصديق: «الشيخ الرزقيالشرفاوي حياة وآثار، شهادات ومواقف». نشر دار الأمَّة، ط1، 1998م)
1. (1/190)
صفحة 191
بكير بن سليمان ناصر
(و: 19 ربيع الثاني 1323هـ/ 1904 - ت: 1356هـ/ 1 أفريل 1937م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: رستمي بكير)
من الأدباء الأعلام الشباب بالقرارة، كان نجيبا ذكيا، دخل الكتَّاب وحفظ القرآن الكريم، ثمَّ تلقَّى مبادئ العلوم على يد الشيخ عبد الله أبو العلا، وبعدها انتقل إلى مدرسة الشيخ أبي اليقظان إبَّان الحرب العالمية الأولى 1915م. وفي سنة 1917م التحق بالمدرسة الرسمية المعروفة باسم: «المكتب الفرنسي»، إِلاَّ أنَّه غادره بعد سنة، والتحق بالبعثة الميزابية الثانية بتونس، فدرس في مدرسة السلام، وفي المدرسة القرآنية الأهلية، وفي المدرسة الخلدونية. كان في تونس ملازما للمشايخ يأخذ عنهم مباشرة، أمثال: الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ محمَّد بن صالح الثميني. كان رئيس تحرير مجلَّة خطية بالبعثة الميزابية، عرفت باسم: «البرق»، شارك فيها ألمع الأدباء، منهم مفدي زكرياء، ورمضان حمود. له أشعار ومقالات كثيرة منشورة في جرائد الشيخ أبي اليقظان بإمضاء «رستمي بكير» أو «بكير بن سليمان» أو «بكير بن الحاج سليمان». أنهكه مرض السلِّ، واختضره الموت ببسكرة وهو في زهرة الشباب ولما يجاوز الثالثة والثلاثين من العمر.
(المصدر: معجم أعلام الإباضية، مج2، ص: 187، 188)
1. بلقاسم بن ارواق
(و: 1909م - ت: الأحد 1 ذو الحجة 1413هـ/ 23 ماي 1993م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: بلقاسم بن أرواق/ بلقاسم بن سيدي أرواق/ بلقاسم بن أرواق بن محبوب)
من مواليد سنة 1909 [أي كان في السادسة والعشرين حينما نشر مقالاته في جريدة الأمَّة]، درس على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس بالجامع الأخضر ودرَّس فيه، وعمل (1/191)
صفحة 192
في جريدة الشهاب في فترة الثلاثينيات وشارك فيها بقلمه كما شارك في عدد من الصحف الإصلاحية ومنها صحف أبي اليقظان واشتهر بمقالاته النارية ضد الطرقية ومكافحة الزردات والوعدات والتبرك بالقبور ... ، كما اهتم بقضايا التعليم وإصلاح العقول وإنشاء المدارس والكليات الإسلامية. ولقوَّة نفسه وكفاءته وأهليَّته اختارته إدارة "الشِّهاب" نائبًا متجوِّلاً لها. وعين كتابا عاما للجنة الدعاية بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. انتقل مدرِّسا في مدارس جمعية العلماء شرقا وغربا: ”برباشة“و”سيدي بلعباس“و”مغنية“ ... واستقر به المقام في العاصمة، حيث عين مديرًا لمدرسة الشبيبة الإسلامية إبان الثورة، ثم إمامًا ومدرِّسا بمسجد خالد بن الوليد ومسجد الشهداء بحي السيدة الإفريقية بعد الاستقلال. توفي يوم 23 ماي 1993، ودفن في مقبرة سيدي بنور بأعالي العاصمة.
(المصدر: أبو محمّد سمير سمراد: «الشّيخ بلقاسم بن ارْوَاق؛ سيرتُهُ ومنهجُهُ الإصلاحيّ. ويليهِ: الزّردةُ رأسُ كلِّ شرٍّ ... فاجتبُوها أيُّها المسلمون، بيان من الكاتب العامّ للجنةِ الدِّعاية: الشّيخ بلقاسم بن ارْوَاق»، نشر دار الفضيلة، الجزائر، ط1، 1429هـ/ 2008م).
1. بنوح بن أحمد مصباح
(و: 1329هـ/ 1909م- ت: صبيحة الأربعاء 19 ربيع الثاني 1427هـ/ 17 ماي 2006م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: نوح)
من مواليد بلدة غرداية، دخل الكتاب بمسقط رأسه ثم سافر به أخوه الأكبر الحاج مسعود إلى ”برج بوعريرج“، فأدخله إحدى زوايا التي تشتغل بتحفيظ القرآن الكريم وهو حدث لم يتجاوز السادسة من عمره. في أوائل العشرينياتعين والده (1/192)
صفحة 193
قاضيا في قسنطينة فانتقل معه إلى هناك، واستظهر كتاب الله العزيز، وتلقى مبادئ الدين ولغة الضاد على يدالشيخ محمد الشريف وعمره آنذاك أربع عشرة ثم التحق بمعهد الإمام عبد الحميد ابن باديس. عاد إلى مسقط رأسه ليستزيد من العلم على أيدي مشايخ قريته، وبعد زواجه سنة 1927م التحق بالبعثة العلمية الميزابية بجامع الزيتونة في تونس ليتتلمذ على يد علمائها خمس سنين، وكان في الوقت نفسه يزاول دروسا ليلية في المدرسة الخلدونية. في 1932م انقطع مكرها عن الخضراء آيبا إلى مسقط رأسه ليعين عضوا بحلقة العزابة المسجد العتيق وليتفرغ لخدمة المجتمع ينشر الوعي في الأمة بدروسه القيمة وأسوته الحسنة. ونظرا لظروف ذلك الزمان قرر الرجوع إلى تونس ليرأس نخبة من طلبة البعثة العلمية الإصلاحية يرعى شؤونهم، من سنة1934م إلى سنة 1940م. عاد إلى ميزاب لينخرط سنة 1942م عضوا في إدارة جمعية الإصلاح، وساهم بفعالية في جهود تأسيس مدرسة الإصلاح بقسمها الثانوي الذي خرج عددا كبيرا من أفذاذ غرداية وعلمائها. وفي أوائل 1946 انتخب أمينًا لجمعية الإصلاح وظل كذلك إلى أخريات حياته. تفرغ للدعوة والإرشاد بالمسجد العتيق، لم يدخر جهدا في محاولة إصلاح أوضاع المجتمع. من تراثه الفكري المكتوب مقالات في جرائد الشيخ أبي اليقظان وخطب الجمعة ألقاها بمنبر المسجد العتيق في نحو خمس كراريس وقد رأت النور في كتاب مطبوع.
(المصدر: إلياس بن بعمور: «الشيخ بنوح بن أحمد مصباح مسيرة قرن من الجهاد». ”مدونة إلياس“ على الأنترنت) ( http://makalty.blogspot.com/2011/ 09/blog-post_22.html) (1/193)
صفحة 194
حمُّو بن عمر، سليمان بوعَصْبَانَةالشهير بـ «لقمان»
(ت: 15 محرم 1385هـ / ماي 1965م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: لقمان)
أديب ومجاهد، ولد بالقرارة؛ من أوائل خرِّيجي معهد الحياة البارزين. له تجارة بميزاب وبالعاصمة. مؤسِّس ”جريدة الشباب“ التي تصدرها جمعية الشباب التابعة لمعهد الحياة، وسمَّاها «القرارية»، فكان كاتباً للجريدة، وصاحب مقالات عديدة؛ وله مقالات في جرائد أبي اليقظان، وجرائد ابن باديس تدل على سعة معارفه، ومقدرته في الكتابة والتأليف. وهو إلى ذلك سياسيٌّ بارز، شارك في الثورة، وكان ممَّن ساند الشيخ إبراهيم بيوض في رفض مشروع فصل الصحراء عن الشمال، وفي المنجزات الإصلاحية الأخرى. أوَّل من تولَّى رئاسة بلدية القرارة بعد الاستقلال، وكان إلى ذلك رئيسا لعشيرة البلات. لقِّب بلقمان الحكيم لـ «روحه المرحة، وشخصيته الجذَّابة، وفكره الثاقب».
(جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، مج2، ص: 256 - 257)
1. زكرياء بن سليمان بن يحيى بن الشيخ سليمان، آل الشيخ الشهير بـ «مفدي زكرياء»
(و: جمادى الأولى 1326هـ / جويلية 1908م - ت: 2 رمضان 1397هـ / 17 أوت 1977م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: فتى ميزاب/ مفدي زكريا)
شاعر الثورة الجزائريَّة. ومن ألمع أقطاب الأدب الجزائري والعربي في العصر الحديث. ولد في بني يسجن بميزاب، أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه، ثم واصل دراسته وأتمَّ حفظ القرآن الكريم بمدينة عنابة. وفي سنة 1343هـ/1924م انتقل إلى تونس ضمن بعثة علمية طلاَّبية ميزابية، تفتَّقت مواهبه الأدبية والسياسية هناك، (1/194)
صفحة 195
باحتكاكه بأعلامِ وروادِ أمثال: الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، وأبي إسحاق إبراهيم اطفيش، وعمِّه الشيخ صالح ابن يحيى، وزعيم الحزب الدستوري التونسي عبد العزيز الثعالبي وغيرهم. وفي 1926م رجع إلى الجزائر، وشارك بدور فعَّال في الحركة الوطنية، فانضمَّ إلى حزب نجم شمال إفريفيا، ونظم نشيده الرسمي عام 1936م، تولَّى رئاسة تحرير جريدة ”الشعب“ لسان حال حزب الشعب الذي كان من أعضائه. مارس التجارة بالعاصمة في بداية الثورة وساهم فيها بماله وقلمه وقد ذاق بسبب عمله الثوري السجن والتعذيب بين سنة 1935و1937م، وبين سنة 1956و1959م، وفرَّ من السجن إلى المغرب ثمَّ إلى تونس. ثمَّ رجع إلى الجزائر بعد الاِستقلال؛ ولكن لم يستقر به المقام في بلده نظرًا للمضايقات التي تعرَّض لها، فاختار المغرب وتونس مسرحا لنشاطاته. ترك تراثا أدبيا ضخما منه ما لم ير النور بعدُ، ومنها «النشيد الوطني الجزائري»، و «إلياذة الجزائر» في ألف بيت وعدَّة دواوين شعرية وأعمال نثرية لم ينشر أغلبها بعد. توفِّي بتونس في شهر رَمَضَان المعظَّم سنة 1397هـ/1977م، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه ببني يسجن بميزاب- الجزائر.
(جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج2، ص: 328 - 332)
1. زهير الزاهري، لزهر بن محمد الأخضر بن محمد الصغير الحسني اللياني (بو زاهر)
(و: 1326هـ/ 1908م - ت:1420هـ/ 1999م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: زهير الزاهري)
إمام خطيب مدرِّس شاعر باحث في التاريخ. ولد بقرية ليانة من قرى الزاب الشرقي بولاية بسكرة، ونشأ فيها متعلما ثم واصل تعلمه بخنقة سيدي ناجي وببسكرة (1/195)
صفحة 196
سنة 1927. في العام الموالي شد الرحال إلى جامع الزيتونة بتونس الذي لبث فيه عامين. عاد سنة 1930 إلى قسنطينة حيث أخذ العلم عن الإمام عبد الحميد بن باديس. عين إماما بجامع مدينة ”القل“ سنة 1942م، وفي آخر العقد الخامس تولى نفس الوظيفة بجامع مدينة ”قالمة“ لمدة سبع سنوات. في عهد الاستقلال عمل في إدارة الشؤون الدينية سنتين ثم تمّ تعيينه أستاذا بثانوية القديس أوغسطين ثم ثانوية ”مبارك الميلي“ كلتاهما في مدينة عنابة. في سنة 1973 م أحيل على التقاعد ليصبح مراسلا في المركز الوطني للدراسات التاريخية. كان كثير المشاركة بمحاضراته وتعقيباته في الملتقيات المهتمة بالتاريخ، حتى لقبه الأستاذ ”مولود قاسم نايت بلقاسم“ «بعميد الملتقيات الوطنية». ترك الشيخ الزاهري آثارًا أكثرها مخطوط، تتمثل في محاضرات تاريخية تزيد على الخمسين، وقصائد شعرية تربو على العشرين. يضاف إلى ذلك عدد لا بأس به من المقالات والقصائد الشعرية المنشورة في صحف ومجلات جزائرية، مثل صحف أبي اليقظان، والشهاب، والنجاح والبرق، ومجلة صوت المسجد، ومجلة التاريخ. كما ترك عملين مخطوطين هما «معجم أعلام الأدارسة في العالم الإسلامي»، و «تاريخ الكشافة» يتناول فيه تاريخ الكشافة الإسلامية في عهد الاحتلال الفرنسي، ودورها الثقافي والنضالي.
(المصدر: عبد الحليم صيد: «زهير الزاهري بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لوفاته» مجلة أصوات الشمال. 28 - 11 - 2012) ( http://www.aswat-elchamal.com/ar/?p=98&a=30533).
( وانظر: فوزي مصمودي: «الأديب الباحث عميد الملتقيات الوطنية الشيخ زهير الزاهري الليانيصفحات من حياته ونضاله ومواقفه وآثاره». نشر دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة الجزائر، ط1، 2004).
1. (1/196)
صفحة 197
سعيد بن بالحاج بن عدُّون بن عمر، شريفي الشهير بـ «الشيخ عدُّون»
(و: 1319هـ/الخميس 1902م - ت: سحر الثلاثاء 19 رمضان 1425هـ /02 نوفمبر 2004م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: سعيد)
الشيخ الجليل، والأستاذ المربي. من أعلام القرارة. زاول تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه. تيتَّم وهو ابن عشر سنين واضطر إلى السفر إلى سريانة بولاية باتنة ليشتغل في التجارة. عاد في سنة 1915 إلى مجالس العلم بالقرارة. وفي سنة 1920 التحق بمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى (نور القلب)، وبعد وفاة شيخه وقف بجانب رفيقه الإمام الشيخ بيُّوض في حركته الإصلاحية العلمية بالقرارة، فأسَّس معه معهد الحياة سنة 1925، وعينه الشيخ بيُّوض مديرًا للمعهد وبقي كذلك حتى وفاته. شارك في جلِّ صحف أبي اليقظان بقلم سيال وفكر ثاقب وأسلوب طلي، وخَلَف أبا اليقظان في إدارة جريدة الأمَّة لمدة سنة كاملة بين 1936 و1937. شارك في تأسيس جمعية الحياة سنة 1937. وبعد وفاة الشيخ بيُّوض سنة 1981صار رئيسا لها ولمؤسساتها وزعيما لحركة الإصلاح حتى وفاته. كان من المؤسِّسين لأوَّل فرع للكشافة الإسلامية بالقرارة سنة 1943، ولجمعية قدماء التلاميذ سنة 1948. ورئيسا لجمعية التراث منذ 1989 حتى وفاته. عيِّن رئيسًا لمجلس باعبد الرحمن الكرثي، ورئيسا لمجلس عمِّي سعيد خلفا للشيخ عبد الرحمن بكلي ولم يزل إلى آخر عمره. وضع سنة 2003 الحجر الأساس لبناء معهد الحياة وداخلية الحياة الجديدين بحضور رئيس الجمهورية. وفي سنة 2004 تم تكريمه بالجزائر العاصمة وأسندت إليه الرئاسة الشرفية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. خلَّف الشيخ أكثر من مائة مقالة في الصحافة الجزائرية، وعشرات المقالات في جريدة ”الشباب“ بمعهد الحياة. تخرَّج على يده آلاف الطلبة سدُّوا المناصب العليا في مختلف المجالات داخل الوطن وخارجه.
(المصدر: «الشيخ عدون في سطور» مجلة الحياة، نشر جمعية التراث، ع10، 1427 - 2006. ص: 183 - 188)
1. (1/197)
صفحة 198
سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني (باشا)
(و: 1287هـ / 1870م - ت: 23 ربيع الأول 1359هـ / 1940م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: الباروني/ سليمان الباروني/ سليمان باشا الباروني/ سليمان باشا الطرابلسي)
زعيم من زعماء النهضة العربية الإِسلاَمِيَّة الحديثة. ولد بـ”جادو“ في جبل نفوسة بليبيا. أخذ مبادئ العلوم عن أبيه الشيخ عبد الله الباروني، وفي سنة 1887م انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، ثمَّ في عام 1892م انتقل إلى مصر حيث درس بالأزهر الشريف. عاد إلى موطنه 1895م ومنه سافر إلى ميزاب ليلتحق بمعهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببلدة يسجن، والتقى هناك بالعالميْن البارزيْن: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش نزيل مصر، والشيخ أبو اليقظان إبراهيم رائد الصحافة الجزائرية. عاد إلى ليبيا فحارب الاستعمار الإيطالي محاربة لا هوادة فيها، وعمل تكوين جيش إسلامي موحَّد (من العرب والبربر ومن المالكية والإباضية) يواجه غزو إيطاليا سنة 1911م. أنشأ هو وبعض المجاهدين الجمهورية الطرابلسية ومجلسها الشوري عام 1918م، ويذكر أنَّه عيِّن رئيسا لهذه الجمهورية. كان عضوًا في مجلس المبعوثان بإسطنبول تركيا، وحصل على لقب الباشا. تمكن خلال فترة إقامته بعُمان من القضاء على العداوة التي كانت بين الإمام محمد بن عبد الله الخليلي والسلطان تيمور. خلف آثار تعبِّر وحدها عن عبقرية هذا الرجل في مختلف ميادين الحياة السياسية، والاِجتماعية، والثقافية؛ فقد أسَّس جريدة «الأسد الإسلامي» في مصر، في سنة 1906م، كما أنشأ جريدة «الباروني» باسطمبول مخصَّصة للقضية الليبية عام 1913م. ونشر في جرائد كبرى مصرية وجزائرية، وخاصَّة في جرائد أبي اليقظان الوطنية، فله فيها مقالات نارية وحوارات ساخنة مع أمير البيان شكيب أرسلان، حول قضايا العالم الإسلامي في عصره. زار مختلف بقاع العالم العربي الإسلامي، واستقبله بعض ملوكه: كسلطان العثمانيين، وشريف مكَّة، وخديوي مصر، وسلطان عُمان، وملك العراق .. وفي العراق عالج حمَّى الملاريا واستقرَّ به عاما، ثمَّ توجَّه إلى بُمْبَاي ( Bombay) بالهند، وهو ابن الاثنتين والسبعين سنة للمداواة، ولكن المنية وافته، فدفن فيها.
(المصدر: معجم أعلام الإباضية، مج3، ص: 426 - 432)
1. (1/198)
صفحة 199
عبد الرحمن بن عمر بن عيسى، بكلِّيالشهير بـ «البِكرِي»
(و: 1319هـ/الخميس 3 أكتوبر 1901م - ت: مساء الاثنين 3 جمادى الأولى 1406هـ/13 جانفي 1986م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: البكري/ عبد الرحمن بن عمر)
عالم جليل، ولد بالعطف، وعُرف بالبكري نسبة إلى أبي بكر الصديق الذي ينهي نسبه إليه. حفظ القرآن الكريم واستظهره في مقتبل العمر، درس علوم اللغة والشريعة بمسقط رأسه؛ ثمَّ انتقل إلى عاصمة الجزائر للاستزادة من اللغة الفرنسية. انتقل إلى تونس في أواخر سنة 1922م، والتحق بالبعثة العلميَّة الميزابية التي كان يشرف عليها الشيخ أبو اليقظان إبراهيم، ودرس في جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونية، وكان ما بين سنة 1923م و 1929م مُساعداً للشيخ أبي اليقظان في رعاية البعثة العلمية الميزابية بتونس. عاد إلى العطف ورشح لمنصب القضاء بها. وعند تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م حضر الشيخ الجلسة التأسيسية، وعيِّن عضواً في لجنة صياغة قانونها الأساسي. وفي ماي 1934م عيِّن عضوا في حلقة العزَّابة بالعطف. مارس التجارة عدَّة سنوات، ومع ذلك كان نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، سيما ما يتعلَّق بتعريب المهمِّ من المقالات (1/199)
صفحة 200
التي تصدر في الصحف الفرنسية بالجزائر وبفرنسا لتضلُّعه في اللسانين؛ وقد نشرت له العديد من المقالات، وكانت ممضاة باسم: «البكري». في سنة 1939م ترك ميدان التجارة نهائيا وانتقل إلى بريان، ليتفرَّغ للتعليم والوعظ، وعين عضوا في حلقة عزَّابة بريان، ثمَّ رئيسا للحلقة. شارك في تأسيس جمعية النهضة بالعطف سنة 1945م وعيِّن رئيسا شرفيا لها. ثمَّ أسَّس بمشاركة إخوانه في بريان جمعية الفتح للإشراف على الحركة العلمية بها. شارك مشاركة فعَّالة في العمل السياسي والتنظيمي إبان الثورة، فألقي عليه القبض عام 1957م، هو ورفيقه الشهيد باسليمان إبراهيم لمنوَّر، الذي قتل تحت سياط التعذيب. بعد الاستقلال عيِّن عضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى، وعضوا في لجنة الإفتاء التابعة لهذا المجلس. وفي سنة 1966م تولَّى رئاسة مجلس عمِّي سعيد بعد أن عجز الشيخ بيُّوض إبراهيم عن حضور جلساته في أخريات أيَّامه. خلَّف الشيخ تراثا ضخمًا مكونا من عشرات الكتب والرسائل والفتاوى والقصائد والمقالات والخطب طبع كثير منها وكثير لم يطبع بعد. كما ترك مكتبة ثرية بالمخطوطات والمطبوعات النفيسة، وهي حاليا في مسقط رأسه العطف.
(معجم أعلام الإباضية، مج3، ص: 521 - 529)
1. عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن محمد السلطاني القنطري
(و: 1ربيع الأول 1320هـ/ 08 جوان 1902 - ت: 1 جمادى الثانية 1404هـ - 04 مارس 1984م)
(توقيعه في جريدة الأمة: القنطري/ عبد اللطيف القنطري/ عبد اللطيف بن علي)
عبد اللطيف سلطاني، من أعلام الفكر والأدب في الجزائر. ولد بقرية القنطرة في بسكرة، درس في الزيتونة وحصل على شهادة التحصيل. عاد إلى الجزائر واشتغل مدرِّسا في عدد من مدارس جمعية العلماء في ”القرارم“و”القنطرة“ببسكرة. نشر مقالاته في عدد من الصحف (1/200)
صفحة 201
الإصلاحية. نشر في جريدة ”الأمة“ سنة 1937 سلسلة من ستة مقالات بعنوان «لو أنَّ ذات سوار لطمتني». التحق بالتدريس في معهد الشيخ ابن باديس مع عبد القادر الياجوري وعبد الرحمن شيبان، ثم ناظرا لهذا المعهد. اختارته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لمنصب مدير مركز العاصمة سنة 1951 فعاون الرئيس في مهمَّات الأعمال، وكان أمينًا للمال في جمعية العلماء. اعتقلته السلطات الاستعمارية وسجن ستَّة مرَّات قبل وإبان الثورة لنشاطه وجهاده، وبعد الاستقلال سنة 1962 عين خطيبًا بجامع ”كتشاوة“ وتنقل بين عدد من المساجد في العاصمة. أنكر التوجه الاشتراكي للحكم في الجزائر، فألف كتابه «المزدكية هي أصل الاشتراكية». واعتقل بعد أحداث الجامعة المركزية سنة 1982 بتهمة «توزيع منشورات معادية للدولة»، وحكم عليه بالإقامة الجبرية في بيته بالعاصمة وبقي فيها حتى وفاته في 4 مارس 1984. وقامت صحيفة الشروق الجزائرية بنشر مذكراته بعد سبع عشرين سنة من وفاته.
(المصدر: عبد اللطيف سلطاني: «مذكرات» نشرتها جريدة الشروق اليومي في 12 حلقة أولها في 1 رمضان 1432 - 1 أوت 2011، وآخرها: في 13رمضان 1432 - 13 أوت 2011)
1. علي بن صالح أبو الحسن
(و: 1324هـ/ 1906م - ت: الثلاثاء 25 محرم 1409هـ/ 06 سبتمبر 1989م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: أبو الحسن/ علي بن صالح/ أبو الحسن علي بن صالح)
شاعر ومربِّي، ولد بالقرارة. حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ مُحَمَّد الطرابلسي، وهو لا يتجاوز سنَّ الثانية عشرة. التحق بالبعثة الميزابية الثانية بتونس التي يرأسها الشيخ أبو اليقظان إبراهيم، فتابع دراسته في مدرسة السلام، ثمَّ في المدرسة الخلدونية، وأخيرا بجامع الزيتونة. (1/201)
صفحة 202
غير أنَّه قاطع دراسته لظروف اجتماعية، وعاد إلى بلاده، فواظب على حلقات العلم؛ ثمَّ انتدب للتدريس في مدينة بسكرة. وفيها كوَّن جمعية خيرية، وفتح مدرسة حرَّة، ولم يكمل مشواره التعليمي بها، بل عاد إلى القرارة ثانية، وساهم في حمل مشعل التعليم بالمدرسة الرسمية عند نشأتها. لاحقه الاستعمار بإلحاح، وكان ذلك سببا لعدم استقراره، فاشتغل في كلٍّ من مدارس: بسكرة، والقرارة، وغليزان، وغرداية، والأغواط، ومليكة، وسوق أهراس. اعتقل في الأربعينيات، ولم يطلق سراحه إلاَّ قبيل اندلاع الثورة التحريرية في 1954م، ولمَّا تكوَّنت الولاية السادسة كان من الأوائل الذين التحقوا بجبل (بوكحيل) قرب بوسعادة، وله في العمل الثوري مواقف مشرِّفة. له اتصالات ولقاءات مع رجال الفكر أمثال: الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ الطيب العقبي، والشاعر محمَّد العيد آل خليفة. وكان من المواظبين والمساهمين في نشاطات نادي الترقِّي بالعاصمة. نشر قصائده الشعرية في جرائد أبي اليقظان وغيرها. خلف ديوانين مطبوعين، وكثيرا من الأعمال الشعرية والنثرية التي لم تر النور بعد.
(المصدر: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج3، ص: 613 - 614)
1. عمر بن إبراهيم، العنق
(و~: 1300هـ / 1882م - ت: 1375هـ / 1956م).
(توقيعه في جريدة الأمَّة: أبو حفص)
من أعلام التربية والإصلاح. ولد بمدينة القرارة. درس على يد الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي، وعلى يد القطب اطفيش ببني يسجن سنة 1315هـ/1897م. اشتغل بالتجارة في تبسة ثم في ”تقرت“. أسهم في تأسيس الجمعيَّة الصدِّيقيَّة في تبسَّة، سنة (1/202)
صفحة 203
1331هـ/ 1913م. في سنة 1332هـ / 1914م رافق الشيخ سليمان باشا الباروني لتعزية آل الشيخ اطفيَّش، في وفاة أستاذهما القطب. وكان ضلعًا مساعدًا للبارونيِّ في تأسيس البعثة العلميَّة الميزابيَّة بتونس. التحق في نفس الحقبة بجامع الزيتونة، وبالمدرسة الخلدونية. يقول عنه أبو اليقظان: « ... هو الذي كان يراسلني وأراسله بالجرائد ... وقد ابتكرها هو، فراسلني بجريدته: "الرحيق المختوم"، وراسلته بجريدتي: قوت الأرواح"». كان عضوا فعَّالا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وعضوا في حلقة العزَّابة بالقرارة. توفِّي بالحرَّاش، في جانفي 1956م.
(ملاحظة: العنق: بقاف مثلثة)
(المصدر: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج3، ص: 628 - 630).
1. عمر بن عيسى بن ابراهيم، الحاج امحمَّد
(و: 1302هـ / 1884م ــ ت: 1393هـ / 29 ديسمبر 1973م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: عمر بن عيسى / عمر بن عيسى بن إبراهيم)
من مواليد مدينة العطف بميزاب، بها حفظ القرآن الكريم وأخذ مبادئ العلوم. كان تاجراً بالحراش، وباحتكاكه بالشخصيات البارزة اكتسب شجاعة أدبية وثقافة اجتماعية وسياسية، ممَّا جعله يساهم في حركة الأمير خالد الوطنية، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إذ سافر سنة 1939م إلى فرنسا، رفقة الوفد الذي ترأَّسه الشيخ عبد الحميد بن باديس. وكان مفوَّض الأمَّة الميزابية للدفاع عن حقوقهم تجاه فرنسا، وخاصَّة في قضية التجنيد الإجباري. ألقي عليه القبض بسبب إغرار بعض المسؤولين به، عندما ألقي عليهم القبض إثر معركة بنواحي البيض، فقضى ما يناهز (1/203)
صفحة 204
سنتين في سجون الاحتلال. ترك بعض المؤلفات وإسهامات كثيرة في جرائد المغرب والنور والأمَّة لأبي اليقظان.
(المصدر: معجم أعلام الإباضية، مج3، ص: 647 - 649)
1. عيسى بن عبد الله، أبو العُلا
(ت: 1417هـ / 1997م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: أبو العلا/ عيسى بن عبد الله)
من مثقَّفي القرارة بميزاب، تتلمذ بمعهد الحياة، ثمَّ سافر إلى تونس ضمن البعثة الميزابية، ليستزيد من المعارف، ثمَّ واصل دراسته بمعهد الحياة في السنوات الأولى من تأسيسه. عاش بمدينة (باتنة) بالجزائر، ثمَّ عمل تاجرًا (بتقرت) جنوب شرق الجزائر. عُرف بالمطالعة، فكان يقضي أكثر أوقاته في بيته بين الكتب والقراطيس والكراريس. وهو من الكتَّاب في صحافة أبي اليقظان، وله «ديوان شعر» مخطوط.
(المصدر: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج3، ص: 686 - 687)
1. عيسى بن يحيى، تَعْمُوتْ
(ت: 26 جمادى الثانية 1403هـ / 9 أفريل 1983م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: عيسى تعموت)
من مدينة القرارة بميزاب، تلقَّى علمه في مسقط رأسه، وتتلمذ على الشيخ الحاجعمر بن يحيى، والشيخ أبي اليقظان رائد الصحافة الجزائريَّة. لحزمه وإخلاصه، اختاره الشيخ أبو (1/204)
صفحة 205
اليقظان ليساعده في إصدار جرائده الثمانية، بداية من سنة 1927م وله مشاركات في الأمة وغيرها. وأصدر الشيخ أبو اليقظان جريدة «المغرب» عام 1930م باسم ”عيسى تَعْمُوتْ“، وكذلك جريدة «البستان»، تقيَّةً من كيد الإدارة الفرنسية التي لاحقت جرائده الواحدة تلو الأخرى. وكان عيسى تعموت نشيطاً مع أبي اليقظان في جمع الاشتراكات للجرائد والإشراف على طبعها وتوزيعها بالجزائر.
(المصدر: «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب، مج3، ص: 697)
1. مبارك بن محمد جلواح العباسي
(و: 1326/ 1908م - ت: 1326/ 1943م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: جلواح العباسي/ مبارك جلواح/ مبارك جلواح العباسي/ مبارك بن محمد جلواح العباسي)
ولد في قلعة بني عباس بمنطقة سطيف (الجزائر). قرأ القرآن الكريم على والده، ودرس على يديه العلوم الدينية واللغوية. أُجبر على الالتحاق بالجيش الفرنسي لأداء خدمته العسكرية في المغرب (1928). كما أنه اتصل بابن باديس ودرس على يديه. بعد انتهاء خدمته العسكرية انضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأرسلته إلى فرنسا للترويج لمبادئها والتعريف بقضايا وطنه. أشرف على أنشطة جمعية التهذيب التي تأسسَّت في فرنسا (سنة 1936). كان كاتبًا عامًا للقلمالعربي بجمعية «أخوة أقبو» بفرنسا. لقه قصائد ومقالات كثيرة نشرتها صحف عصره، خاصة جريدة ”الأمَّة“، ومجلة ”الشهاب“، وجريدة ”الإصلاح“، وجريدة ”البصائر“ في أعداد مختلفة، بين 1935و1940. ظل في باريس حتى وفاته غريقًا في نهر السين؛ وثمة شكوك حول أسباب غرقه، يقول بعض أبنائه: بعد أن سجنته السلطات (1/205)
صفحة 206
الاستعمارية الفرنسية لفترة في سجن (ساموري) بباريس أطلقت سراحه، وأرسلت من قام باغتياله وإلقائه في النهر السين، وترويج إشاعة بانتحاره. والحقيقة أنه حين رُمِيَ لم يكن قد مات، بل أسُعِف إلى المستشفى وهو حيّ، ثم مات في المستشفى.
(المصدر: محمد جلواح: «جلواح الجزائر». مجلة العربي. الكويت. ع583، جوان 2006. وانظر: معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين)
( http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=5570
1. محمد السعيد الزاهري بن البشير بن علي بن ناجي
(و: 1317هـ/ 1899م - ت: 1376 - 1956م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: جسَّاس/ محمد السعيد الزاهري)
الأديب الشاعر والصحافي المربِّي. ولدببلدة ”ليانة“بالزاب الشرقي، ولاية بسكرة. حفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم في بلدته على يدي كوكبة من علماء الأسرة الزاهرية. التحق بدروس الإمام عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة، انتقل بعدها إلى جامع الزيتونة بتونسفمكث به أربعة أعوام، نال في نهايتها شهادة التطويع (العالمية). سنة 1925 عاد إلى الجزائر واستقر بالعاصمة. كان من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريينسنة 1931، وأحد الأعضاء الفاعلين في مجلسها الإداري، وانتقل مدرسا مربِّيا بين ”الجزائر“و”الأغواط“ ثم ”تلمسان“و”وهران“بالغرب الجزائري فكان ممثلا للجمعية هناك، داعية مصلحاً، ومعلما مربياً، وصحفياً حرا، وأديبا ملتزماً. في أواخر الثلاثينات من القرن العشرين قل نشاطه في جمعية العلماء وبدأ يميل أكثر إلى النشاط السياسي. نشر الشيخ الزاهري في العديد من الصحف الجزائرية منها: ”المنتقد“، و”الشهاب“، و”النور“، و”الأمَّة“، و”الإصلاح“، و”البصائر“. كما (1/206)
صفحة 207
اشترك مع الشيخ الطيب العقبي في رئاسة الجرائد الثلاث الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين: ”السنة“، و”الشريعة“، و”الصراط“.ولم يكتف الزاهري بالكتابة في الصحف السابقة، بل خاض تجربة ثرية في عالم الصحافة وذلك بإصدار مجموعة من الصحف، وهي: ”الجزائر“سنة 1925، و”البرق“سنة 1927،و”الوفاق“سنة 1938، و”المغرب العربي“سنة 1947. كان الزاهري يوقع مقالاته بأسماء مستعارة متعدِّدة، منها: (الراصد، والرقيب، وجسَّاس، وتأبَّط شرًّا). توفي في الجزائر العاصمة عن سبعة وخمسين سنة.
(المصدر: معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين)
( http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=5785)
وانظر: (محمد بن سمينة: «من أعلام الجزائر محمد السعيد الزاهري». جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ع 406، [23 - 30 شعبان 1429هـ - 25 أوت 1 سبتمبر 2008])
1. محمد الشاذلي بن محمد المنجي بن مصطفى خزندار
(و: 1881م - ت: 1954م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: محمد الشاذلي خزندار)
شاعر تونسي، ولد بالقرب من مدينة ”تونس“ لواحدة من أسر المماليك. نشأ في بلاط تونس، وولي فيه بعض الأعمال. سلك طريق المعارضة السياسية ضد الاحتلال الفرنسي، يعد شعره سجلا للوقائع التي خاضها الشعب التونسي من أجل استقلاله، واشتهر بشعره الذي غذى به روح الحركة الوطنية وناهض به الدعوة إلى التجنيس. عدَّه الناقد التونسي الهادي العبيدي «أوَّل شاعر جدد في الشعر (1/207)
صفحة 208
التونسي»، ولما بويع شوقي بالإمارة في مصر كان الشاذلي خزندار قد بويع بالإمارة في تونس. كان مراسلا لصحف أبي اليقظان. له في جريدة ”الأمَّة“ قصيدة بعنوان: «إنما الحجر الأساس هو التآزر».
(المصدر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الأنترنت) (جريدة الأمَّة. ع9، 13 - 11 - 1934)
1. محمد بن أحمد القرِّي
(و: الأربعاء 4 رمضان 1317هـ / 05 جانفي 1900م- ت: الأربعاء 4 شوال 1356هـ / 6 ديسمبر 1937م)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: ابن الشعب/ محمد القرِّي)
فقيه وشاعر وأديب ومجاهد مغربي، ولد في بلدة بني قرَّة بـ”تاونات“ القريبة من مدينة ”فاس“. تلقى مبادئ العربية على يد والده، فحصَّل جانبًاكبيرًا من العلوم منذ نعومة أظفاره. التحق بجامعة القرويين فأخذعن جماعة من علمائها، حتى حصل على شهادة العالمية. عمل معلمًابالمدرسة”الناصرية“. ثم بمدرسة ”أبي مدين“ وبعدها انتقل للتدريسفي جامعة القرويين وكان من رفقاء الزعيم المغربي الكبير محمد علال الفاسي الفهري. من رواد الكتابة المسرحية بالمغرب، نظم الشعر الملتزم، ونشر أعماله الشعرية والنثرية في صحف مغربية مثل ”المغرب الجديد“و”إظهار الحق“، و”الوحدة المغربية“. كما كانت له مشاركات غزيرة في صحف أبي اليقظان بالجزائر، وله في الأمَّة وحدها خمسة عشرة مقالة بتوقيع ”ابن الشعب“. يعدّ أدبه جزءًا من شخصيته الإصلاحيةالنضالية، وعلامة على حياته التي وهبهالتحرير بلاده من الاستعمار الفرنسي، وتحريرمجتمعه من الخرافات والبدع. (1/208)
صفحة 209
انخرط فيسلك العمل الوطني مناضلاً لتحرير بلاده، حتى استشهد تحت التعذيب في سجن”كلميمة“غرب مدينة ”الراشدية“.
(المصدر: محمد بن عبد العزيز الدباغ: «الفقيه محمد القرِّي، شاعر الالتزام»، مجلة دعوة الحق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ع232. صفر 1404هـ/ نوفمبر 1983م). (انظر مشاركاته في صحيفة الأمَّة لأبي اليقظان، بداية من ع: 01 إلى ع: 83).
1. محمد بن بلقاسم بن المحبوب الطولقي
(و: 1324هـ/ 1906م - ت: 1408م/ 1987)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: محمد بن بلقاسم بن محبوب)
ولد في قرية فرفار بطولقة ولاية بسكرة (الجزائر). عاش حياته بين الجزائر وتونس. بدأ حفظ القرآن الكريم في بلدته وأتّمه في مدينة أولاد جلال سنة 1920، ثم قصد تونس ملتحقًا بجامع الزيتونة سنة 1923 ومتقدمًا لامتحان التطويع بها عام 1930. حصل على شهادة التدريس والكتابة (الإنشاء). عاد إلى الجزائر ليباشر مهمَّة الإصلاح والتعليم، ولينضم إلى جمعية العلماء منذ تأسيسها سنة 1931، ورئيسًا لشعبتها بمدينة طولقة ونواحيها، وقد أسس مدرسة بمسقط رأسه فكان معلمًا ومديرًا لها بداية من 1932. وفي سنة 1944 اختاره أهل بلدته شيخًا للقيام بشؤونهم لدى السلطة الفرنسية، وظل في المنصب حتى استقالته سنة 1952 لينخرط في العمل الثوري عضوًا في المنظمة السرية ( OS) بداية من 1955 حتى الاستقلال. وفي سنة 1963 عمل نائبًا مفتشًا لوزارة الأوقاف في النصف الشرقي من صحراء الجزائر. ثم إمامًا وخطيبًا في مدينة طولقة بداية من (1/209)
صفحة 210
1968. له مجموع شعري من القصائد المطبوعة والمخطوطة، وعددا من القصص القصيرة والخواطر والخطب الدينية والاجتماعية. وكتب مقالات نشرت له في جريدة الأمَّة وغيرها من الصحف الإصلاحية.
(المصدر: معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين)
( http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=6127)
1. محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي
(و: 1299هـ - ت: 29 شعبان 1373هـ/ 1954)
(توقيعه في جريدة الأمَّة: الإمام الخليلي/ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي)
من أشهر أئمة عُمان، ولد بسمائل، وأقام بنزوى. تولى الإمامة سنة 1919م بترشيح من علماء الأمَّة آنئذ وعلى رأسهم رئيس قضاة الإمامة عامر بن خميس المالكي، والعالم ماجد بن خميس العبري. عرف عنه سعة العلم، و حب الخير، و حسن السيرة. له تلامذة كثيرون حملوا عنه العلم، و أصبحوا ذوي شهرة و مكانة في عمان من بعده، ومنهم من تولى التدريس والقضاء والأمور السياسية الأخرى. من أبرز ما قام به في عهده التوقيع على معاهدة السيب بتاريخ 25 سبتمبر 1920م مع السلطان تيمور بن فيصل. حاول بكل ما أوتي من جهد، بمؤازرة العلماء، أن يبسط نفوذ الإمامة على عمان كلها، ولكن دسائس الإنجليز كانت أنجح. تعتبر إمامته (1919 - 1953م) من انجح الإمامات في تاريخ عمان. وبانتهائها انتهت الإمامة كمؤسَّسة وكنظام سياسي، وبقيت تجربة عربية إسلامية على كل حال. أثر عنه كتاب (1/210)
صفحة 211
في الأجوبة الفقهية، نشر بعد وفاته بعنوان "الفتح الجليل في أجوبة الإمام أبي خليل". كما أن له مراسلات مع بعض الملوك كالملك عبدالعزيز وبعض أعلام ميزاب.
(المصدر: محمد ناصر، وسلطان الشيباني: «معجم أعلام الإباضية، من القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر، قسم المشرق»، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1427هـ/ 2006م. ص: 412 - 413)
1. محمد علي الطاهر بن عارف، أبو الحسن
(و: 1896م - ت: 3 شعبان 1394هـ/ 22 أوت 1974م).
(توقيعه في جريدة الأمَّة: محمَّد علي الطاهر)
أديب وصحفي فلسطيني مشهور، لم يدخل المدارس قط في حياته، وجل ما تعلمه جاء من الكُتّاب الذي ألحقه به والديه في مدينة ”يافا“ حيث نشأ. هاجر إلى مصر متخفِّيا في مراكب الصيادين سنة 1912. تعرض للسجن من قبل السلطات البريطانية في مصر بسبب تحركاته المناوئة لاحتلال فلسطين. أنشأ مكتب الاستعلامات العربي الفلسطيني، وأسَّس اللجنة الفلسطينية في مصر عام 1921. وفي سنة 1924 فتح مكتبًا بالقاهرة سماه «دار الشورى» وكان وجهة للزعماء الوطنيين والرؤساء والسفراء والأدباء والصحفيين من مصر والبلاد العربية. وفي شهر أكتوبر من ذات السنة أصدر جريدة ”الشورى“ لنصرة القضية الفلسطينية وقضايا التحرر في العالم. نشر عدَّة مقالات في صحيفة ”الأمَّة“ لأبي اليقظان وفي كثير من الصحف العربية. وللتحايل على سلطات الرقابة البريطانية كان يُصدر جريدة (1/211)
صفحة 212
الشورى أحياناً بأسماء أخرى منها ”المنهاج“و”الناس“و”الجديد“و”الشباب“ و”العليم المصري“، ويذكر أنَّ الشيخ ”أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري“ أعطاه حقَّ الامتياز التام على جريدته ”المنهاج“ ليصدرها باسمه وينشر فيها ما يشاء فترة من الزمن، وفاء للصداقة المتينة التي تربطهما، وتشجيعا له للدفاع عن القضية الفلسطينية. لتفادي المتابعات والحضر كان محمد علي الطاهر يُغلّف جرائده بصفحات من جرائد القاهرة الصادرة بلغات أجنبية ويرسلها إلى عدد غير قليل من الدول، حتى قيل وقتها: «إنَّ الشمس لا تغرب عن شيئين: الإمبراطورية البريطانية والجريدة التي يصدرها محمد علي الطاهر». ساءت علاقته بعبد الناصر فغادر القاهرة إلى دمشق مطلع أفريل 1955 ولم يعد إليها بعد هذا التاريخ، ومن دمشق إلى بيروت سنة 1957، وظل هناك حتى وفاته يوم 22 أوت 1974.
(المصدر: كتاب ”نبذة ذاتية“ يمكن تحميله من موقع «محمد علي الطاهر» على الأنترنت):
( http://www.eltaher.org/biography/arabic/biography_index_ar.html (1/212)
صفحة 213
المصادر والمراجع
*- القرآن الكريم (برواية حفص)
المصادر:
1) أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي: جريدة ”الأمَّة“ [1934 - 1938] الأعداد:
2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 22 - 23 - 24 - 25 - 27 - 28 - 29 - 30 - 31 - 32 - 34 - 35 - 36 - 37 - 38 - 39 - 40 - 42 - 47 - 48 - 49 - 50 - 51 - 52 - 53 - 54 - 55 - 56 - 61 - 65 - 68 - 69 - 71 - 72 - 75 - 76 - 77 - 78 - 80 - 81 - 82 - 83 - 84 - 85 - 86 - 88 - 89 - 90 - 91 - 93 - 95 - 96 - 98 - 103 - 105 - 106 - 108 - 113 - 115 - 117 - 118 - 119 - 120 - 121 - 122 - 123 - 125 - 126 - 127 - 128 - 129 - 132 - 134 - 135 - 144 - 145 - 146 - 148 - 151 - 152 - 154 - 155 - 156 - 157 - 158 - 159 - 160 - 161 - 162 - 163 - 164 - 165 - 166 - 167 - 168 - 169 - 170. (مجموع: 113 عددا).
2) أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي: «ديوان أبي اليقظان»، تحقيق: د. محمَّد ناصر، نشر جمعية التراث، ط2، (1989).
3) محمَّد ناصر: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 1980م.
4) محمَّد ناصر: «الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1939»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 1980.
5) محمَّد ناصر: «الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954»، نشر ألفا ديزاين، الجزائر، ط2 مزيدة ومنقحة، 1427هـ/ 2006م.
6) (1/213)
صفحة 214
محمَّد ناصر: «المقالة الصحفية الجزائرية؛ نشأتها. تطوُّرها. أعلامها. من 1903 إلى 1931»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر. 1978.
المراجع:
7) ابن الصغير: «أخبار الأئمَّة الرستميين، القرن الثالث الهجري»، تحقيق وتعليق: د. محمَّد ناصر والأستاذ إبراهيم بحَّاز، المطبوعات الجميلة، الجزائر 1986.
8) أبو القاسم سعد الله: «دراسات في الأدب الجزائري الحديث»، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائري، الجزائر،1985.
9) أحمد توفيق المدني: «كتاب الجزائر»، المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1931م.
10) أنور الجندي: «الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا»، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965.
11) جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية، مدخل إلى التاريخ والفكر الإباضي من خلال تراجم لأكثر من ألف علم من أعلام المغرب الإسلامي، منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر»، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، ط1، 1420هـ/ 1999م.
12) الربيع بن حبيب الأزدي البصري: «الجامع الصحيح مسند الإمام الرَّبيع بن حبيب»، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، مكتبة الاستقامة، مسقط، (د. ت. ن).
13) (1/214)
صفحة 215
سليمان بن الأشعث، أبو داوود: «سنن أبي داوود»، تح/ عزت عبيد الدعاس، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1389هـ.
14) سمير سمراد، أبو محمّد: «الشّيخ بلقاسم بن ارْوَاق؛ سيرتُهُ ومنهجُهُ الإصلاحيّ. ويليهِ: الزّردةُ رأسُ كلِّ شرٍّ ... فاجتبُوها أيُّها المسلمون، بيان من الكاتب العامّ للجنةِ الدِّعاية: الشّيخ بلقاسم بن ارْوَاق»، نشر دار الفضيلة، الجزائر، ط1، 1429هـ/ 2008م.
15) سيد قطب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، دار الشروق، مصر، ط7، 1981م.
16) صالح خرفي: «في رحاب المغرب العربي»، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1،1985.
17) صالح خرفي: صفحات من الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1974.
18) عبد الكريم بوصفصاف: «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطوُّر الحركة الوطنية الجزائرية 1931 - 1940»، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر، ط1، 1981.
19) عبد الله ركيبي: «الشعر الديني الجزائري الحديث»، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط1، 1981.
20) (1/215)
صفحة 216
عبد الله ركيبي: «تطوُّر النثر الجزائري الحديث: (1830 - 1974)»، المؤسَّسة الوطنية للنشر والتوزيع، مطبعة القلم، تونس، 1983.
21) عبد الملك مرتاض: «فنون النثر الأدبي في الجزائر (1931 - 1954)»، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983.
22) علي علواش: «حركة ابن باديس التربوية وأهدافها الإصلاحيَّة»، رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة، دائرة الفلسفة، معهد العلوم الاجتماعية، جامعة الجزائر، سنة 1983 - 1984 (مرقون).
23) فرحات عبَّاس: "الشهاب"، ج6، (غرة محرم 1352هـ /ماي 1993م).
24) مالك بن نبي: «مذكِّرات شاهد القرن، الطالب»، دار الفكر، بيروت، 1969.
25) مجموعة من الباحثين: «معجم مصطلحات الإباضية»، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، ط1، 1429هـ/ 2008م.
26) محمد البشير الإبراهيمي: «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي»، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1997م.
27) محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: «المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي»، تح/ ياسر بن إبراهيم أبو تمام. دار الوطن للنشر، ط1، 1422هـ/ 2001م.
28) (1/216)
صفحة 217
محمد بن إسماعيل البخاري: «الجامع الصحيح المسند من حديث الرسول وسننه وأيامه»، تح/ محب الدين الخطيب، نشر المكتبة السلفية، القاهرة، ط1، 1400هـ.
29) محمد علي دبُّوز: «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»،المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1389هـ/ 1969م0
30) محمَّد فريد وجدي: «دائرة معارف القرن العشرين»، دار المعارف للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. الطبعة الثالثة. سنة 1971م.
31) محمَّد ناصر: «الشعر الجزائري الحديث؛ اتجاهاته وخصائصه الفنية (1925 - 1962)»، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان. ط1. 1985.
32) محمَّد ناصر: «حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي»، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، سنة1989.
33) محمد ناصر: «خصائص الأدب الإسلامي»، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السِّيب، سلطنة عُمان، ط1، 1993.
34) مسلم بن الحجَّاج بن مسلم: «صحيح مسلم»، تح/ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ط1، 1374هـ.
مقالات الصحف والمجلات:
35) أبو اليقظان إبراهيم: «ماهي الحرية الحقَّة؟»، "وادي ميزاب" ع. 26 (1/ 4/1927).
36) (1/217)
صفحة 218
عبد الحميد ابن باديس: «الأمَّة»، مجلة الشهاب، م14،ج3، (5/ 7/1938).
37) عبد الحميد ابن باديس: «المرأة»، مجلة الشهاب، م7، ج5، (؟ /؟ /1929).
38) محمد ناصر: «من رسائل الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان». مجلة الحياة. ع09، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، رمضان 1426هـ/ نوفمبر 2005م.
39) المهدي البوعبدلي: «دور جمال الدين الأفغاني في يقظة الشرق ونهضة المسلمين»، مجلَّة الأصالة، ع: 44، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر. أفريل 1977.
40) نجيب الكيلاني: «علاقة الأديب بالمجتمع والحياة»، مجلَّة الجامعة الإسلامية ”بالمدينة المنورة“ ع62، السنة16، (ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية عام 1404هـ).
41) الهاشمي التيجاني: جريدة الشروق اليومي (النسخة الإلكترونية): «جبهة التحرير تحرش ضدَّ ”جمعية القيم“ الفتية»، الحلقة الثالثة، العدد الصادر بتاريخ: 16/ 03/2013. (1/218)
صفحة 219
فهرس المحتويات
مقدمة الطبعة الأولى 5
المقدمة 11
مدخل تمهيدي:
النهضة الأدبية بالجزائر
وظهور المقالة الصحفية 23
أ- عوامل قيام النهضة الأدبية بالجزائر: 27
ب- تطور النثر الفني الجزائري الحديث: 34
ج- ظهور المقالةالصحفية في النثر الجزائري الحديث: 36
المبحث الأول:
المقالة الصحفية في النثر الجزائري
وفي صحيفة ”الأمَّة“ لأبي اليقظان 39
المطلب الأول: المقالة الصحفية في النثر الجزائري الحديث 41
1 - نشأتها: 41
2 - مراحلها (حتى نهاية فترة البحث): 43
أ- المرحلة الأولى: (1903/ 1914): 43
ب- المرحلة الثانية: (1914/ 1925): 47 (1/219)
صفحة 220
أ- المرحلة الأولى: (1925/ 1938): 48
3 - اتجاهاتها (في مجال اختصاص البحث): 51
أ- في الاتجاه الديني: 52
ب- في الاتجاه الإصلاحي الاجتماعي: 53
المطلب الثاني: أبو اليقظان الصحافي، وجريدته الأمَّة: 57
1 - من هو أبو اليقظان؟ 57
2 - أبو اليقظان والصَّحافة: 61
3 - صحيفة ”الأمَّة“ [1933 - 1938]: 65
أ-ظروف نشأتها: 65
ب- أبرز كتَّابها: 66
ج- اهتماماتها: 68
المبحث الثاني
المقالة الإصلاحية في جريدة الأمَّة
وقضايا المجتمع الجزائري: 71
المطلب الأول: الأدب والأوضاع الاجتماعية: 73
1 - الأدب وعلاقته بالمجتمع: 73
2 - الأوضاع الاجتماعية بالجزائر: 74
المطلب الثاني: القضايا الاجتماعية في مقالات جريدة”الأمَّة“: 79 (1/220)
صفحة 221
توطئة: 79
أ- إصلاح العقيدة ومقاومة مظاهر التزمُّت والجمود: 82
ب- محاربة النعرات الطائفية، ونزعات الفرنسة والإدماج: 99
1 - النعرات الطائفية: 99
2 - نزعات الفرنسة والإدماج: 114
ج- محاربة الجهل ونشر التعليم العربي الإسلامي: 121
1 - محاربة الجهل: 121
2 - نشر التعليم العربي الإسلامي: 125
د- الأخلاق والآفات الاجتماعية: 146
هـ- الأثر الاجتماعي للعبادات: 155
و- العناية بالإنسان: 164
1 - الاهتمام بالشباب: 164
2 - الاهتمام بالفتاة والمرأة: 172
الخاتمة 179
ملحق: تراجم لأبرز كتاب الأمَّة 185
المصادر والمراجع 213
فهرس المحتويات 219 (1/221)
صفحة 222
تم بحمد الله
لتقديم ملاحظاتكم واستفساراتكم،
نرجو التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني:
Djehlanem@yahoo.fr
المؤلف أ. محمدأحمدجهلان (1/222)