صفحة 1
بحث: محاولة بسيطة لدراسة الفقه الإباضي مقارنة مع غيره من المذاهب المشهورة
الباحث: الحاج أحمد بن حمو كروم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرّحمان الرّحيم
محاولة بسيطة لدراسة الفقه الإباضي مقارنة مع غيره من المذاهب المشهورة حسب الإمكان
مقدّمة للتعريف بالفقه:
قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةً لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إَذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم}، وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالاِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا} وقال: {وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقُونَ لاَ يَفْقَهُونَ}
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من أراد الله به خيرا فقّهه في الدّين وألهمه رشده «يحسن بنا ونحن نحاول دراسة الفقه أن نلمّ على بعض معناه لغة واصطلاحا حتّى نكون على بصيرة ممّا نزاول.
فالفقه حسبما عرّفه السّالمي رحمه الله هو الفهم الدقيق كما قال شمس الأصول:
والفقه وضعا فهم ما به خفا ... واستعملوه علما وعرفا
فقيل علم النفس ما لها وما ... يلزمها فعلا وتركا فاعلما
أمّا في كتب اللغة مثل المنجد ولسان العرب فعرّفوه مطلق الفهم إلاّ أنّ المنجد عرّفه أيضا الذّكاء والفطنة ومن عرّفه بالفهم الدّقيق أخذ من استعماله كما تشير الآيات السابقة فقوله: ''لهم قلوب لا يفقهون بها'' أي لا يستحضرون في أذهانهم ما خفي في الكون من دلائل عظمة الله والمنافقون لا يدركون ما خفي من لطف الله في الرّزق من خزائنه الواسعة فكلّ ذلك يحتاج إلى تدقيق النّظر.
أمّا الفقه في الاصطلاح فقد عرّفه السالمي كما في الأبيات السّابقة بأنّه علم النّفس ما لها وما عليها من عبادات ومعاملات وترك معاصي وعرّفه في الأصول عبد الوهاب خلاف هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستفادة من الأدلّة التّفصيلية كما عرّفه غيره بأنّه معرفة أحكام أفعال العباد العملية التّطبيقية وهذه الأحكام خمس: (1/1)
صفحة 2
وقد شرع الله تلك الأحكام على يد رسول الله في أصول الشريعة وهي القرآن والسنّة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله وسّنتي «أمّا الإجماع وهو ثالث الأدلّة فهو مستقى منهما، وقد اعتنى الصحابة بأخذ ذلك عنه كما أخذها عنهم التابعون واعتبروا ذلك فرضا عليهم حسبما تصرّح الآية الأولى وهو مدوّن على نوعين ما نزل في القرآن بصورة معجزة وما جاء أحاديث قدسية وما بيّنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في السنّة بأقواله وأفعاله ممّا نزل مجملا فتكوّن من كلّ ذلك علم الفقه.
وقد اختصّ بعض الصحابة بجوانب منه حسبما أشار إلى ذلك رسول الله في قوله:» أقضاكم علي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، أفرضكم زيد، أقرؤكم أبي «كما أنّ هناك من كان فقهه عام كأبي بكر وعمر وعبد الله بن عمر وابن مسعود وابن عباس فإليك تفصيل عنهم وعن التّابعين حسبما ذكرهم مؤرخون وعلماء من الإباضية وغيرهم تعميما للفائدة.
1 - الإمام السالمي: قال ذكر من أخذ عنهم أهل عمان دينهم الصحيح فذكر من الصحابة كثيرين منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبد الرّحمان بن عوف وعمار بن ياسر وحرقوص بن زهير. (1/2)
صفحة 3
ثمّ عبد الله بن وهب الراسبي قال هؤلاء كما ذكرهم أبو المؤثر وذكر من التّابعين فروة بن نوفل الأشجعي ووداع بن حوثر ثمّ قريب وزحاف ثمّ عروة وأخوه أبو بلال مرداس الذين استشهدوا في سبيل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ثمّ عبد الله بن إباض وجابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك وأبو عبيدة مسلم وأبو نوح صالح الدهان وعبد الله بن يحي طالب الحقّ وأبو حمزة المختار ثمّ الربيع بن حبيب فقد ذكر فقهاء المذهب وهو قريب ممّن ذكرهم صاحب الطبقات فلا نطيل بإعادتهم وزاد صاحب الطبقات سلسلة الفقهاء إلى زمنه وهم حملة العلم إلى المشرق محبوب بن الرحيل ومنير بن النير بشير بن المنذر موسى بن أبي جابر وحملة العلم إلى المغرب أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري أبو داود القبلي، إسماعيل بن ذرار الغدامسي، عاصم السدراتي، عبد الرحمان بن رستم، وابنه عبد الوهاب، وابنه أفلح ومن أهل جبل نفوسة أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني وعمروس بن فتح وأبان بن وسيم وأبو منصور إلياس ووائل بن أيوب وقد ذكر مع كلّ طبقة كثير وذكر أيضا أبا مهدي النفوسي ومحمّد بن يانس وحسنون بن أيوب وأبا مسور وأبا الخطاب وسيل وأبا القاسم مخلد وأبا خزر يغلى وأبا نوح سعيد وسليمان بن زرقون وأبا زكريا فيصل بن أبي مسور وأبا عبد الله محمّد بن بكر ومن معه من تلاميذه الذين تأسّست عليهم الحلقة وهم زكرياء بن فيصل ويونس ويحي بن زكريا وابن أبي عبد الله أحمد أبا العباس ثمّ ذكر علماء الغار الذين ألّفوا الديوان وأبا سليمان داود وأبا زيد عبد الرّحمان ابن المعلّى وأيوب بن إسماعيل ثمّ أبا عمّار عبد الكافي وأبا يعقوب يوسف بن إبراهيم هؤلاء هم الذين تسلسل فيهم الفقه ومن بعدهم تسلسل فيمن أخذ عنهم من وارجلان ومزاب مثل الشيخ يحي بن صالح والشّيخ عبد العزيز والشيخ الحاج امحمّد اطفيش والشيخ إبراهيم بن بكر والشيخ يوسف إلى أن وصل إلينا طاهرا نقيا فهو أمانة بين أيدينا فلنبلّغها. (1/3)
صفحة 4
وما ذكره غير الإباضية ما ذكره صاحب دائرة المعارف القرن العشرين فذكر من الصحابة الخلفاء الأربعة وعبد الرحمان بن عوف ومعاذ وعمار وابن مسعود وزيد بن ثابت وسلمان الفارسي وأبا موسى الأشعري.
وذكر من أشتهر من التّابعين وهم سعيد بن المسيب وسليمان بن ياسر والقاسم بن محمّد وسالم بن عبد الله وعروة بن الزبير ومالك بن أنس وأصحابه وغيرهم كثير ممّن سيذكرون.
وذكر أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام من تقدّم من الصحابة.
ثمّ قال إنّ الفقه انتقل إلى الموالي في التابعين لسببين أحدها ذكره بن خلدون وهو ميل العرب إلى البداوة فلا يشتغلون بتدوين العلم ولمّا دخل في الإسلام غير العرب احتيج لتدوينه وتدوين قواعده فكان ذلك في الموالي من غير العرب.
والسبب الآخر هو أنّ علماء الصحابة وفقهاءهم كانت لهم موالي يلازمونهم فأخذوا عنهم خاصة من أنسوا منه ذكاء فانتشر الفقه في الموالي ومنهم غالب فقهاء الأمصار ففي مكّة عطاء بن رباح وعكرمة مولى ابن عباس وفقيه البصرة محمّد بن سيرين والحسن البصري وأبو عبيدة وكلّهم موالي وجابر رحمه الله وهو عريي أصيل وفقيه اليمن طاوس وفقيه اليمامة يحي بن كثير وفقيه البصرة النخعي وفقيه أهل الشام مكحول وفقيه خرسان عطاء الخرساني إلاّ المدينة ففقيهها قرشي وهو سعيد بن المسيب.
ومن كتاب الفقه الإسلامي وأدلّته للدكتور وهبة الزحيلي ذكر عن نشأة الفقه وانتشاره في الصّحابة ما ذكره غيره من التابعين كذلك لكن أخذت منه ما ذكر من خصائص الفقه باختصار وتصرف.
خصائص الفقه الإسلامي:
خصائص الفقه الإسلامي كثيرة منها ما يلي: (1/4)
صفحة 5
1 - أنّه مستمدّ من الوحي الإلهي فليس فيه لبشر اختيار إلاّ ما يستنبطه منه أو من السنّة التي هي عن وحي فكلّ فتوى لابدّ أن تنبني عليه أوعلى قاعدة منه عامة أو خاصّة فقد انتهى أمره في زمن النبي لمّا نزل قوله تعالى: {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وأتمَمتُ عَليكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلامَ دِينًا}.
2 - شموله كلّ متطلّبات الحياة وهي ثلاث علاقات:
أ- علاقة الإنسان بربّه وتحتوي على التوحيد والعبادات وترك المنهيات واستحضار خشية الله في كلّ عمل سرا أو علانية.
ب- علاقته بنفسه بتنظيم حياته واكتسابه وسيرته بين إفراط وتفريط واعتدال في طلب الحقوق والعفّة والأخلاق الفاضلة.
جـ- علاقته بالنّاس وتحتوي على المعاملات المالية والأسرية والقضاء.
كما يحتوي الإسلام أو الفقه على جميع جوانب الحياة وهي كما يلي:
أحكام المعاملات المالية من بيع وشراء وإجارة وشركات ورهن ومقايضة وعلى الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ورضاع ونفقة وميراث.
الأحكام المدنية من قضاء في منازعات الأفراد وتعديتهم وردّ المتعدّي وإيصال الحقوق.
الأحكام الجنائية ممّا يترتّب على الجرائم من حدود وقصاص.
الأحكام الدستورية للخلافة الإسلامية وما تنبني عليه ومسؤولياتها.
الأحكام الدولية وهي علاقة الخلافة بغيرها من غير المسلمين.
الأخلاق من آداب عامّة وخاصّة مع الأفراد والجماعات والتحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرّذائل.
3 - اتّصافه بالصفة الدينية تحليلا وتحريما ممّا يجعل الفعل معتبرا إمّا دنيويا أو أخرويا كالعبادات والمنهيات أو التعديات أو الجنايات في الإجزاء وعدمه وثبوت الثواب، وعدمه وفي التعديات الضمان أو القصاص وعقوبة الآخرة، وفي الجنايات الحدود وعقاب الآخرة إن لم يتخلص الفاعل، وإمّا أخرويا فقط وهو اقتراف مناه بين العبد وربّه أو ترك فرائض كذلك أو اعتقادات خفية بينه وبين الله ممّا فيه ثواب أو عقاب. (1/5)
صفحة 6
وقد يكون دنيويا فقط وهو القضاء حسب الظاهر والواقع خلافه ولا بيان أو أعمال صدرت عن خطأ ففيها الضمان ولا إثم.
وما يلحظ أيضا أنّ النزعة الدينية في الفقه تجعل للفاعل شعورا خاصا يجعله يؤدّي عمله عن طواعية واقتناع لا كالقانون تحت خوف.
4 - ارتباط الفقه بالأخلاق ففي كلّ حكم فقهي جانب من مراعاة الأخلاق الفاضلة ممّا ظهر أثره في شرع العبادة ففي كلّ منها تكوين للفرد المسلم لتكوين مجتمع نظيف مترابط فقي الصّلاة مثلا نظافة الظاهر والباطن وفي الصوم ترويض النّفس على الانقياد للعقل سرا وعلانية وفي الزّكاة تكافؤ المجتمع وتعاونه وفي الحجّ انصراف إلى الله وإظهار لعظمة الإسلام وفي الحقوق الوفاء ومقابلة الإحسان بإحسان وتمتين الروابط وفي العقود المالية والأسرية تحمّل المسؤولية وضمان الحقوق ... الخ.
وفي المحرّمات تنقية المجتمع من الأمراض الحسّية والمعنوية بما حدّد لها من عقوبات دنيوية وأخروية.
ثمّ إنّ ارتباط الفقه بالدين والأخلاق يجعل الممتثل يفعل ذلك عن طواعية ووازع ديني وخلقي.
5 - الجزاء أخروي ودنيوي ذلك يجعل الفاعل يراقب نفسه من غير حراسة من خارج سواء مع نفسه أو مع النّاس والباعث على ذلك الإيمان بالجزاء من ناحية، وإنّ أعماله مسجّلة من ناحية أخرى، وسيحاسب.
6 - النزعة الجماعية بمعنى أنّ الفقه يراعي الجانب الفردي والجماعي معا لكن إذا تعارضت مصلحة الفرد مع الجماعة قدّمت مصلحة الجماعة كما يراعى أخفّ الضررين ذلك ما يلاحظ في جميع أحكام الفرد والجماعة في العبادات والمعاملات.
مثال مراعاة الجماعة تحريم الرّبا والاحتكار وإضرار الطرقات وإقامة الحدود ووجوب الوفاء بالعقود.
ومن تقييد حقّ الفرد تحديد طاعة الزوج أو الحاكم أو الوالدين إن أمروا بمعصية وتقيّد الوصية بالثلث.
وترك الأراضي المفتوحة بيد أهلها مع أداء الخراج، وتشريع الشفعة للجار والشريك إلى غير ذلك. (1/6)
صفحة 7
7 - الفقه صالح للبقاء والتطبيق إذ هناك مبادئ لا تتغيّر كأصول المعاملات من وجوب الوفاء وتحريم الظلم، والمحافظة على الحقوق وضمان الأضر ومنه ما يقبل التغيير ممّا فيه مراعاة المصالح العامّة والخاصّة فذلك قابل للتّغيير حسب الظّروف الزمانية والمكانية كالنفقات والعقود والاتّفاقات ما لم تصادم النّص مع مراعاة القواعد العامّة للفقه.
8 - العمل بالفقه واجب إلزامي فعلى العالم المجتهد أن يستنبط الأحكام وعلى المقلّد اتّباع ما أفتى به عملا بقوله تعالى: {فَاسأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لا َتَعْلَمُونَ} وليس للإنسان دخل فيما حكم به الشرع سواء كان سهلا أم صعبا على فرد أو جماعة {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم} ويقول {وَمَنْ لَمْ يَحكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فلا يجوز إنكار الأحكام ولا الملاحظة عليها بكونها قاسية أو غير صالحة مثلا إذ هي من حكيم خبير {وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلاَ مُومِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرسُلُهُ أَمرًا أَن تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم} فعلى الأمّة اعتباره وتقنينه حتّى يسود العمل به ويكون في متناول الخاص والعام.
لم أجد من أو لم أعلم من دون لفقهاء المذاهب.
لمحة عن فقهاء المذاهب المشهورة.
ذكر الزحيلي أئمّة المذاهب المشهورة فأنا أسوقها كما ذكرها ثمّ ألاحظ عليه أغلاطه فهي كما يلي:
قال إنّ أئمّة المذاهب الفقهية هم المجتهدون الذين لهم ملكة استنباط الأحكام، وقد وجدوا في عصر الصحابة فذكر مذهب عائشة وعبد الله بن عمر وابن مسعود وغيرهم ممّن تقدّم ثمّ في عصر التابعين كذلك قال إنّ أكثر تلك المذاهب لم يبق إلاّ في بطون الكتب.
قال في أوّل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرّابع هو الدّور الذهبي للاجتهاد وذكر بعض من لمعت مذاهبهم ثمّ انقرضوا ثمّ تطرّق إلى المذاهب الموجودة وهم: (1/7)
صفحة 8
1 - أبو حنيفة النعمان بن ثابت 80 - 150 مؤسّس المذهب الحنفي قال عاصر أوج الدولتين الأموية والعباسية وهو من أتباع التّابعين، لقي أنس بن مالك وأخذ عنه» طلب العلم فريضة على كلّ مسلم «وهو إمام أهل الرأي وفقيه أهل العراق ذكر ممّن أخذ عنهم إبراهيم النخعي وتوسّع في القياس والاستحسان وأصول مذهبه الكتاب والسنّة.
وأخذ عنه كثيرون أشهر من ذكره أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الكوفي.
2 - مالك بن أنس مؤسّس المذهب المالكي 93 - 179 هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة فقها وحديثا بعد التابعين مات في عهد الرشيد بالمدينة عاصر الدولتين الأموية والعباسية ذكر ممّن أخذ عنهم عبد الرحمان بن هرمز ونافع مولى بن عمر وله كتاب الموطأ في الحديث بنى مذهبه على عشرين من الأدلة خمسة من القرآن، وخمسة من السنّة، والبقية من الإجماع والقياس.
وأشهر من أخذ عنه عبد الرحمان بن القاسم وأبو محمّد عبد الله بن وهب وذكر له تلاميذ من كثير من الأقطار الإسلامية.
3 - محمّد بن إدريس الشافعي: 150 - 204 هو محمّد بن إدريس الشافعي القرشي المطلبي ولد يوم وفاة أبي حنيفة ومات بمصر.
قال كان مجتهدا مستقلا إماما في الفقه والحديث وأصول مذهبه الكتاب والسنّة ثمّ الإجماع ثمّ القياس ولم يأخذ بأقوال الصحابة.
قال وقد كثر تلاميذه بالعراق ومصر وأشهر تلاميذه يوسف بن يحي البوطي إسماعيل بن يحي المزني.
4 - أحمد بن حنبل الشيباني 164 - 241 وولد ببغداد وتفقّه على الشافعي ثمّ أصبح مجتهدا مستقلا واكب على السنّة يحفظها ويجمعها وهي أكثر ما يعتمد عليه وقد امتحن في فتنة خلق القرآن بالضرب والسجن وأشهر تلاميذه ابنه صالح وأخوه عبد الله. (1/8)
صفحة 9
5 - أبو سليمان داود الشهور بالظاهري 202 - 270 قال هو شيخ الظاهر وواضع المذهب الظاهري وأساس مذهبه العمل بظاهر القرآن والسنّة ما دام لم يقم دليل على إرادة غير الظاهر ويأخذ بالإجماع عند عدم النّص، أشهر من روّج مذهبه علي بن سعيد بن حزم.
6 - زيد بن علي زين العابدين المتوفّى 122 قال هو إمام الشيعة الزيدية قال يعدّ مذهبا خامسا بعد الأئمة الأربعة كان إماما في عصره في الفقه وعلوم القرآن وله أقدم كتاب فقهي هو المجموع في الفقه وله أراء خاصّة منها رضاه على الخليفتين أبي بكر وعمر خلافا لما عليه الشيعة كما أنّه معتدل في كثير من آرائه الخلافية.
7 - أبو جعفر بن الحسن مؤسّس مذهب الإمامية الجعفرية من الشيعة وهم القائلون بالاثنى عشر إماما معصوما وهو المؤسّس الحقيقي لفقه الشيعة وهم يعتمدون بعد القرآن على الأحاديث المروية عن أئمتهم توفي سنة 290.
8 - عبد الله بن أباض المتوفى عام 80 قال هو مؤسّس المذهب الإباضي والإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية رأيا وتفكيرا فهم لا يرون مخالفيهم من المسلمين مشركين، وإنّما كفّار نعمة ويحرّمون دماء مخالفيهم في السّر لا في العلانية ودارهم دار توحيد إلاّ معسكر السلطان، ولا يحل ّمن غنائم مخالفيهم إلاّ الخيل والسّلاح وما فيه قوّة في الحرب وتجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتّوارث معهم وقال ويسمّون من أجل خروجهم عن جماعة المسلمين (خوامس) لخروجهم عن المذاهب الأربعة. (1/9)
صفحة 10
وإلى أن قال ومصادر فقههم الكتاب والسنّة والإجماع والقياس إلاّ أنّ المراد بالإجماع عندهم هو إجماع طائفتهم ولا يأخذون بالسنّة المعارضة للقرآن ومن مخالفاتهم إنكارهم الرجم للزاني المحصن لأنّه لا يتبعض بالنسبة للعبيد، ولأنّهم لا يأخذون بفعل الرسول لمعارضته للقرآن وقولهم بجواز الوصية للوارث عملا بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدكُمُ المَوتَ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ للوالِدينِ والاقرَبِينَ} ويقولون بتخليد العاصي في النّار لأنّ الإيمان عندهم قول وعمل، وهم الآن يرفضون نسبتهم للخوارج.
الملاحظات على ما قاله في الإباضية:
لي على ما أورده في شأن الإباضية ملاحظات أهمّها ما يلي:
1 - قوله أنّ الإباضية أقرب إلى جماعة المسلمين فلم لا يقول إنّهم من جماعة المسلمين ما دام أنّه يقول أنّهم يعتمدون على الكتاب والسنّة والإجماع نفس ما يعتمد عليه غيرهم.
فلم يعتبر هذا مسلما وهذا قريب منه هل هناك حجّة من كتاب الله أو سنّة رسول الله تعتبر أنّ المذاهب الأربعة هم الأصل في التّشريع مع أنّهم مختلفون مع بعضهم اختلافا كبيرا كاختلاف غيرهم معهم ومع أنّ المذهب الإباضي ما يتّفق معهم أكثر ممّا يختلف أسئلة تفرض نفسها ولا جواب ممّا يحيّر.
ولم يعدّ المذهب الإباضي خامسا من أيّ شيء مصدر الترتيب هل من زمن الظهور فالمذهب الإباضي أقدم وإمامه الحقيقي هو جابر عاصر الصحابة وأخذ عنهم ما لم يعاصرهم أيّ مذهب من الأربعة إذ حياته ما بين 21 - 93 فما الحجة؟ (1/10)
صفحة 11
وقد نسب إلى المذهب ما ليس فيه ممّا يدلّ على أنّه يتكلّم عن شيء يجهله وذلك لا يليق بعالم مثله فنسب إليهم عدم اعتبار الرجم وكتاب العقيدة يقول ''والسنّة أخرجوا منها وجوها كثيرة أخرجوا منها أربعة الاستنجاء والاختتان والوتر والرجم''، وأيّ كتاب يراجعه من كتب الفقه يجد فيه من الحدود الرّجم للمحصن مع تفصيل الإحصان قال في ''الورد البسام'' للشيخ عبد العزيز الثميني فصل سنّ في الرجم أن يحفر للرّجل إلى سرّته وللمرأة إلى صدرها ويعقد عليها خمارها ويرجمان بالحجارة إلى الموت اهـ ص145.
وفي فقه جابر للأستاذ يحي بكوش تفصيل واسع حول الرّجم والإحصان ص530 - 532.
كما نسب إليهم العمل بإثبات الوصية للوارث عملا بالآية وذلك غلط محض فكتب الفقه الإباضي كلّها تعمل بقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -:» إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حق حقّه ألا لا وصيّة لوارث «فقه جابر 571 وذكر فيه أنّ جابرا يوجبها للقريب غير الوارث من روايات غير الإباضية عنه وذكر في الجامع الصحيح أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا وصية لوارث ولا يرث القاتل مقتوله عمدا كان القتل أم خطأ «.
وفي قوله إنّ الإجماع المعتبر هو إجماع طائفتهم فهو غير حقيقة فإنّ الإجماع عندهم ما عرفه السّالمي بقوله في شرح شمس الأصول: ''الإجماع هو اتّفاق علماء العصر على حكم الحادثة الشرعية من غير تقييد'' وكما قال القطب رحمه الله في شامل الأصل والفرع ''الإجماع اتّفاق من وجد في عصر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من مجتهدين لم يوجد غيرهم من أهل ملّة الإسلام على اعتقاد أو قول أو فعل فلم يقيّده بأهل المذهب.
الحكم
تعريفه، أنواعه، أحكامه.
أ- تعريفه. (1/11)
صفحة 12
الحكم إثر خطاب الله المتعلّق بأفعال العباد على وجه الإيجاب أو التّخيير أو الوضع فالصّلاة مثلا حكمها الوجوب لقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللّيلِ} فوضع النص الوقت شرطا لتمامها وصحّتها وكلاهما أثر لذلك الخطاب.
ب- أنواعه: كما مرّ نرى أنّ الحكم قسمان وضعي وتكليفي.
1 - التكليفي: له أقسام باعتبارات ثلاث:
أ- باعتبار المقصود من شرعه فهو إمّا دنيوي وإمّا أخروي، فالدنيوي قسمان صحيح وهو ما ترتّب عليه أثر الحكم، مثاله: إباحة التصرّف في المبيع بعد تمام البيع، وإباحة استمتاع كلّ من الزوجين بعد تمام عقد النكاح، أمّا الفاسد فما لا يترتّب عليه شيء من ذلك لمانع أو اختلال شرط، أمّا الأخروي فهو ما يعتبر فيه الأجزاء والثواب أو العقاب وهو نوعان عزيمة ورخصة.
أ- العزيمة: وهو ما فرض أوّلا مع مراعاة الاستطاعة وهو خمسة أنواع:
1 - ما كان مطلوبا فعله طلبا جازما وهو الفرض أو الواجب وهو: ما في فعله ثواب وفي تركه عقاب.
2 - ما كان مطلوبا تركه طلبا جازما وهو الحرام ما في فعله عقاب وفي تركه بالنّية ثواب.
3 - ما كان مطلوبا فعله طلبا غير جازم وهو المناوب ما في فعله ثواب وليس في تركه عقاب.
4 - ما كان مطلوبا تركه طلبا غير جازم وهو المكروه ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب.
5 - ما ليس مطلوبا فعله ولا تركه وهو المباح ما ليس في فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب إلاّ بالنّية.
وينقسم الواجب والفرض إلى مطلوبا فعله من كلّ مكلّف وهو الفرض العيني أو المطلوب فعله على سبيل الكفاية إذا قام به البعض أجزى عن الباقين وهو الفرض الكفائي.
وينقسم أيضا إلى فرض معيّن لا يجزي سواه كالصّلوات الخمس وصوم شهر رمضان وإلى فرض غير معيّن بل بتخيير بين أشياء يجز واحد منها كخصال الكفّارة والفدية في الإحرام للمريض. (1/12)
صفحة 13
أمّا الحرام فينقسم إلى محرّم باستمرار وإلى محرّم مؤقت كالصّيد في الحرم ووقت الإحرام والأكل والجماع في نهار رمضان.
أمّا المندوب فينقسم إلى سنّة مؤكّدة وتاركها خسيس المنزلة كسنّة المغرب وصلاة العيد وإلى غير مؤكّدة كالضحى وصوم عاشوراء.
ب- الرخصة: وهي ما فرض ثانيا مع مراعاة أعذار العباد وهي أربعة:
1 - رخصة واجب أخذها مثل ترك الصلاة والصوم والطواف للحائض والنفساء والتقصير في السفر لمن يعتبره رخصة، وما فيه تنجية النفس من الهلاك كأكل الميتة للمضطر، والإفطار في رمضان كذلك، والتيمّم لمن يضرّه استعمال الماء فالله يقول {وَلاَ تُلقُوا بِأيدِيكُمُ إِلَى التَّهلُكَة}.
2 - رخصة مخيّر فيها وفي تركها فضل كالنطق بموجب كفر، وكلمة الحقّ عند الجائر أو الظلمة.
3 - رخصة مخيّر بين فعلها وتركها كتحمّل مشقّة في عبادة ما والإفطار في السّفر في رمضان.
4 - رخصة مجازا وهو ما خفّف الله علينا من شرع من قبلنا كالصّلاة في أيّ مكان تصحّ فيه الصّلاة وقبول التوبة.
ب- الحكم الوضعي:
وهو ما لم يشرع لذاته بل وضع لغيره وهو أربعة:
1 - السّبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم كالقرابة للميراث.
2 - الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كالطهارة للصّلاة والطواف، والنّية لصحّة العبادات.
3 - الركن وهو الجانب القوي من الشّيء الذي لا يتمّ إلاّ به كالركوع في الصّلاة، وإذن الولي في عقد النكاح.
4 - المانع وهو ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود كالرّق في الميراث والأبوّة في القصاص.
وتنقسم الأحكام الشرعية قسمين.
عبادات وهي ما فيها تحسين علاقات الإنسان بربّه وأداء شكر نعمه فضلا عمّا فيها من تهذيب النفس للانقياد التّام لأوامر الله وهي نوعان: (1/13)
صفحة 14
ما لا حقّ للعبد فيها كالصّلاة والصّوم والحج والنّذر واليمين وما لها جهتان حق لله وحق لمخلوق كالزّكاة ونفقة الأزواج وحقّ الوالدين والأقارب والجار واليتيم والمملوك وغيرها ويدخل تحت العبادات ترك المحرّمات.
2 - أحكام المعاملات وهي مشروعة لتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع كعقود البيع والإجارات والكراء وسائر التصرّفات المالية أو الاجتماعية ولها فروع.
- الأحوال الشخصية ممّا فيه أحكام عقد النكاح وأنواع الفرقة والعدّة والرّضاع والحضانة والنّفقات وثبوت النسب والميراث.
2 - الأحكام المدنية ممّا فيه معاملات النّاس المادّية ومبادلاتهم من بيع وإجارة وكراء ورهن وشركات ومداينة ذلك لتنظيم حقوقهم المالية وحفظها.
3 - الأحكام الجنائية وهي ما يتعلّق بتعدّي الأفراد على بعضهم وتمكينهم من القصاص أو الأرش أو العقوبات الزاجرة عن ذلك وغير ذلك من أحكام المرافعات والقضاء وعلاقات الدول.
فالحاكم في كلّ ذلك هو الشرع والباعث على التنفيذ الشّعور الديني والوازع الأخلاقي.
الفرق بين القانون والشريعة.
من تعريف القانون والشريعة يتبيّن الفرق بينهما كما يتبيّن من خصائص كل منهما:
فالشّريعة الإسلامية حسبما عرفها الأستاذ علي علي منصور في كتابه ''المدخل للعلوم القانونية والشريعة الإسلامية'' بأنّها قواعد نزلت من الله بواسطة الرسل لتنظيم علاقة الإنسان بربّه وواجبه نحو نفسه، وعلاقاته مع النّاس، في جميع جوانب الحياة.
فهم يعتقدون أنّها نزلت من الله، وهم ملزمون بطاعتها اهـ. فالباعث على تنفيذ الشريعة وازع ديني يتناول ثلاث جوانب:
1 - الرّجاء في ثواب عاجل ما يجده المسلم من راحة ضمير وصحّة وسعادة في التزامه بامتثال الأوامر واجتناب النّواهي. وما يأمله من ثواب الله ورضوانه في الآخرة. (1/14)
صفحة 15
2 - الخوف من عقاب عاجل حسّي ممّا فيه حد أو ما للمخالفات الشرعية من أثر في الصّحة والمال أو معنوي من انحطاط وسقوط في المجتمع وما يتوقّعه من عقاب الله عاجلا أو آجلا في الآخرة لما استقرّ في قلبه من تسجيل أعماله للجزاء.
3 - الوفاء لله بالشعور بمنّه وفضله ونعمه وأنّ عمله يستوجبه إحسان الله.
والباعث على التنفيد أيضا ما شرّع من الحدود والقصاص لضمان الأمن والسّلام.
وتختصّ الشريعة أنّها من لدن حكيم خبير فالخير والنفع فيها مضمون والرّادع عن الشّر يجعله مستحيلا أو كالمستحيل. وتختصّ بالمحاسبة في السّر والعلانية والجزاء فيها لله ويمكن إلغاؤه حسب تصرّف العبد من رياء مبطل للثواب وتوبة مبطلة للعقوبة فالمخالفة فيها مكشوفة سرا أو علانية.
أمّا القانون فهو مجموع قواعد تنظّم حياة الأفراد ونشاطهم في جماعة ما، تنظيما يحقّق الخير للفرد ويكفل التقدّم للجماعة.
ويجب على الكافّة احترامه طوعا أو بإرغام من السّلطة.
فالقانون وضع بشري ضروري لحياة الفرد والجماعة إذ الإنسان مدني بالطبع ولتستقرّ معيشته لا بدّ أن يعمل ليعيش فله حقّ الحياة والتملّك والانتفاع حسب مستطاعه.
لكن لا بدّ أن يتنازل عن بعض رغباته حتّى يشغل باقيها في أمن وسلام وقد لا يخضع الإنسان لذلك حينئذ يتدخّل القانون.
ويختصّ القانون بأنّه وضع بشري يصيب ويخطئ فلا ضمان فيه لأثره من الخير أو النّفع.
والباعث على تنفيذه خوف مادّي صرف فتمكن مخالفته في غيبة عن المراقبة ولا يحاسب القانون إلاّ على الأعمال الظاهرة، ولا ينظر إلى النوايا إلاّ في حالات خاصّة لها دلائل ظاهرية تحمله على اعتبارها.
والفرق الأكبر شعور المنفذ للشريعة أنّه ملزم بتنفيذها من الله والقانون أنّه ملزم بقوّة قد يعترف وقد لا يعترف.
الباب الأوّل
الطهارات أنواعها وأحكامها
الأدلة: (1/15)
صفحة 16
قال الله تعالى: {لَقَد منَّ اللهُ عَلى المُومنِينَ إذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِنَ اَنفُسِهِم يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُم الكِتَابَ وَالحِكمَةَ} الخ.
وقال: {وَالذِينَ هُم للزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}، وقال: {وَنفسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا قَد اَفلَحَ مَن زَكَّاهَا}، وقال: {فَاعتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَتقرَبُوهُنَّ حَتَّى يطهُرنَ فَإِذَا تَطَهَّرنَ فَاتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمَرَكُمُ اللهُ}.
وقال {لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَطَّهَرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهرِينَ}.
وقال: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر والرِجْسَ فَاهجُر}، وقال: {وَطَهِّر بَيتِيَ للطَّائِفينَ}
وقال: {ونُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحيِيَ بِهِ بَلدَةً مَيتًا}.
وقال: {وَإنْ كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَرُوا}
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» الطهور شطر الإيمان «
مقدمة
إذا ظهر على المكلّف علامة من علامات البلوغ وهي ست فأوّل واجب يتوجّه إليه فهو معرفة الله وما يتبعها من خصال التوحيد ثمّ إنّ أوّل عبادة تعرض له الصّلاة ولا تتمّ إلاّ بطهارة فسنأتي ببحث شامل في ذلك إن شاء الله ويشتمل على سبعة فصول وفي كلّ فصل مباحث ونأتي في هذا الباب بثلاثة فصول:
الفصل الأوّل الطهارة.
وفيها أربع مباحث:
1 - تعريفها وأهمّيتها،
2 - موجبها،
3 - أنواع المطهّرات،
4 - أنواع المياه.
المبحث الأوّل تعريفها وأهمّيتها.
الطّهارة في اللّغة النّظافة والخلوص من الأوساخ والأدناس الحسّية والمعنوية والتّطهير معالجة ذلك أمّا في اصطلاح الشرع فهي صفة تثبت لمصوفها صحّة العبادة به أو فيه أو عليه من بدن وثوب ومكان وكلّ التّعاريف المختلفة تحوم حول هذا.
والطهارة نوعان: حسّية ومعنوية. (1/16)
صفحة 17
فالمعنوية: هي ما تشير إليه غالب الآيات المتقدّمة، وقد اعتبرها الله سبحانه في أوّل ما كلّف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما اعتبر أنّ رسالته لأجل ذلك فهو مبعوث لصقل ما علق بقلوب أهل الجاهلية من أذران الشرك والاعتقادات الفاسدة بما يتلوه عليهم من آيات كتاب الله التي توجّههم إلى إدراك وحدانية الله تعالى حتّى تصير إلى فطرتها الأصلية بعد الضّلال، فإذا طهر القلب وامتلأ بالإيمان انعكس في صفائه نور العلم والتّقوى والخشوع وما يجعله ويبعثه على تنقية نفسه من الرّذائل وتحليتها بالفضائل، وكان ذلك باعثا للقيام بواجبه نحو ربّه ونفسه والنّاس.
فالصّبي في أوّل أمره مخلوق على الفطرة فإذا عني به بقيت نفسه طاهرة نقيّة، إذ نفس الإنسان يتعاورها عاملان، وتجذبها غريزتان الخير والشّر، ويقوّي كلاّ منهما عوامل خارجية تحتاج إلى قوّة مميّزة لإدراك نتائج كلّ منهما، والله وهب للإنسان عقلا وفكرا وفهما يستطيع بها تخليص نفسه وتزكيتها من دنس الرذائل، والعيوب وتحليتها بالفضائل والكمال، وعلى ذلك يتوقّف نجاحه أو خسارته {قَد اَفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا}
والعناية بطهارة الظاهر تبعث على العناية بتطهير الباطن إذ الأخلاق عادات، فمن شأن المسلم أن يعتني ويوالف نفسه العناية بالطهارتين حتّى يقف بين يدي ربّه في عبادته نقيا باطنا وظاهرا فمن صفات المسلم المفلح الزّكاة.
أمّا الطهارة الحسّية فهي نوعان:
1 - طهارة من الأنجاس وتكون في البدن والثوب والمكان فلا تصحّ الصّلاة إلاّ بها إذ النجاسة صفة قائمة بالشيء تمنع من الصّلاة به أو فيه أو عليه فهي الشرط الأساسي لصحّة الصّلاة.
وذلك بإزالة البول والغائط وأنواع النّجاسات.
2 - طهارة من الأحداث وهي نوعان صغرى وهي الوضوء وكبرى وهي غسل البدن للجنابة أو الحيض أو النّفاس أو غسل الميّت ولكليهما بدل وهو التيمّم.
أهمّيتها: (1/17)
صفحة 18
للطهارة أهمّية كبرى في الإسلام سواء كانت حقيقة كطهارة البدن والثوب والمكان أم حكمية وهي الوضوء والغسل.
فبما أنّ الصّلاة تتكرّر في اليوم خمس مرّات وهي العلاقة الدائمة بين العبد وربّه فمن المناسب أن يقف أمامه على أكمل وجه تعظيما لله إذ النجاسة أو الحدث ممّا يستقذر وجوده حسّيا أو معنويا، وذلك مخل بتعظيم الله كما هو مناف لمبدأ النظافة خاصّة عند الاختلاط بالأماكن العامّة فلا يحسن أن يشم ولا أن يرى من المسلم إلاّ رائحة طيّبة ومظهر نظيف، وتعتبر النظافة من الوقاية والوقاية خير من العلاج، والإسلام إذ يعتني بالنظافة يريد من المسلم أن يكون نقيا حسّا ومعنا حرصا على الصفاء والنّقاء فهو مثل أعلى للزينة، والنظافة والحفاظ على الصّحة والعامّة حفاظا على المجتمع من انتشار الأمراض والأوبئة والضعف والهزال إذ غسل الأعضاء يزيل ما علِق بها من غبار وأذران وأوساخ في أوقات متكرّرة من اليوم كفيل بحماية البدن من أيّ تلوّث وقد امتدح الله المتطهّرين إذ يقول: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الثوَّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ} فقد أثنى على الطهارة المعنوية، وهي التخلّص من الذنوب بالتوبة والطّهارة الحسّية كما مدح الرّاغبين في الطهارة وجعلهم أهلا لبيت الله يقول: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَطَّهَرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهرِينَ}. وكما قال - صلى الله عليه وسلم - لجماعة من أصحابه:» إنّكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتّى تكونوا كأنّكم شامة في النّاس فإنّ الله لا يحبّ الفحش ولا التفحّش «رواه أحمد وأبو داود.
المبحث الثاني: موجبات الطهارة
تجب الطهارة بإجماع الأمّة لأربعة أنواع من العبادة بصور مختلفة حسب كلّ عبادة وهي كما يلي:
الصّلاة للبدن والثياب والمكان كما ستأتي مفصّلة.
الطواف كذلك
الصوم بالطهارة من الجنابة والحيض والنّفاس فلا يصحّ معها. (1/18)
صفحة 19
دخول المسجد وقراءة القرآن فلا يجوز مع جنابة أو حيض أو نفاس إلاّ لعذر.
فتجب الطهارة لكلّ هذه العبادات على كلّ مكلّف حسب استطاعته والمكلّف هو من ظهرت فيه علامة من علامات البلوغ وهي نوعان:
- ما يشترك فيه الذكور والإناث وهي ثلاث:
أ- الاحتلام وهو خروج المني وهو ماء غليظ أبيض يخرج من الفرج وله رائحة كرائحة الطلع.
ب- النبات: وهو نبات الشّعر بالعانة جوانب الفرج من ثلاث شعرات فأكثر.
ج- السنون فيه خلاف فقيل بلوغ الذكر أربعة عشر سنة والأنثى ثلاث عشر سنة وقيل خمس عشر وقيل سبع عشر لكليهما والصحيح الأوّل.
- ما يختصّ بالإناث وهو الحيض دم خثر أسود يخرج من فرج اليافعة وهي الداخلة في السنة التاسعة إلى سنّ الإياس ستون من غير ولادة أو مرض أو علّة، والنّفاس وهو دم يخرج مع الولادة أقلّه عشرة وأقصاه أربعون، الحمل وهو ظهور الولد في بطنها.
فإذا ظهر في المكلّف إحدى هذه العلامات اعتبر مكلّفا إذ هي دليل على كمال عقله لتحمّل التكليف يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الاَطفَالُ مِنكُم الحُلُمَ فَليَستَاذِنُوا كَمَا استَاذَنَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِم} وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» رفع القلم عن أمّتي عن الصّبي حتّى يبلغ وعن المجنون حتّى يفيق وعن النّائم حتّى يستيقظ «وما ورد في السنّة من أخذ الجزية على من كان له نبات الشعر ومقدار السنين عندنا هو ثلاثة عشر للأنثى ولو بيوم وللذكر أربعة عشر.
ويشترط لوجوب الطهارة مع البلوغ ثمانية شروط:
1 - العقل فلا يجب ولا يصحّ مع الجنون شيء.
2 - إمكان الطهارة فلا تجب على حائض ولا نفساء حتّى تطهر أو يتمّ انتظار.
3 - دخول الوقت لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُمُ إِلَى الصَّلاَة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم} الخ.
فالآية تفيد وجوب الطّهارة مع دخول الوقت وقيل عند وقوع الحدث خلاف فمن خرج إلى سفر قبل دخول الوقت لا يعتبر مفرّطا إن لم يجد الماء. (1/19)
صفحة 20
4 - حضور البال فليس على النّاسي طهارة.
5 - النّوم فلا شيء على النّائم حتّى يستيقظ وعليهما القضاء إن فات الوقت.
6 - وجود الماء إذ لا تمدّن إلاّ به وإلاّ فالتيمّم بالتراب أو ما يصحّ به وإن لم يوجد ففي ذلك خلاف سيأتي.
7 - القدرة فمن عجز لثقل مرض فلا عليه لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسعَهَا}
8 - الإسلام إذ لا يصحّ من المشرك شيء ولا يؤمر بقضاء بعد إسلامه.
المبحث الثالث أنواع المطهرات.
ممّا لا شكّ فيه وممّا تقدّم نرى أنّ كثيرا من العبادات لا يتمّ إلاّ مع طهارة أي إزالة الأحداث والنّجاسات فما هي أنواع المطهّرات؟
يتّفق جميع علماء الأمّة أنّ أصل الطهارة يكون بالماء لقوله تعالى: {وَهُوَ الذِي أرسَلَ الرِّيَاحَ نُشُرًا بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحيِيَ بِهِ بَلدَةً مَيتًا ونَسقِيَهُ ممَّا خَلَقْنَا أَنعَامًا} الخ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:» الماء طهور لا ينجسه إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته «والطهور بالضّم المطهّر وقد اختلف العلماء هل يوجد مطهّر غير الماء فالإباضية والحنفية يعتبرون غير الماء مطهّرات وهي خمسة عشر مختلفة في كيفية تطهيرها وهي:
كلّ مائع غير دسم، والمسح والتراب والزمن والرّيح والنّار والتتريب والدّلك والاستحالة وتكرارا المشي والتقوير والرشح والدباغ والذكاة، ويعتبر المالكية والشافعية بعض هذه الأشياء مطهرا.
كيفية التطهير:
تختلف كيفية التطهير باختلاف المطهّر وهي كما يلي:
الماء التطهير بالماء ثلاث: الغسل والنضح فقط أو بعد الفرك فالغسل صبّ الماء مع العرك لكلّ ما يصلح فيه من بدن أو ثياب أو آنية أو غيرها ويتمّ ذلك مع زوال النّجس من غير نظر إلى عدد بل حدّه الطمأنينة مع النقاء على الصحيح.
كما يزيل الماء الحدث إن كان مطلقا أمّا في غيرها فيمكن ولو مضافا أو متغيّرا ما دام طاهرا. (1/20)
صفحة 21
أمّا النضح ففي بول الرّضيع ذكرا أو أنثى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لمّا سئل عن بول الرضيع» ينضح بول الذكر ويغسل بول الجارية «وفي حديث آخر بال صبي في حجره فنضحه بالماء فيغسل بول الجارية حسبما في الحديث أمّا النضح مع الفرك فهو في المني إذ روى أنّ عائشة كانت إذا وقع مني في ثوب رسول الله تفركه إذا يبس ثمّ تنضحه بالماء.
وجاءت امرأة إلى رسول الله فسألته عن المرأة إذا وقع في ثوبها دم الحيض فقال:» إذا أصاب ثوب إحداكنّ دم حيضة فلتعركه ثمّ تنضحه بالماء «قال في الإيضاح وكذا كلّ نجس يضعف غسله وهو رطب مثل النطفة والقيء والغائط فإنّه يترك حتّى ييبس فيفرك ثمّ ينضح بالماء فذلك أسهل لإزالة عينه وكذا ذكر ذلك في المني للحنفية وقيل إنّ هذه الأشياء تغسل لقوله - عليه السلام -:» المني والمذي والودي ودم الحيض والنّفاس نجس لا يصلّى بثوب وقع فيه حتّى يغسل ويزول أثره «قال في الإيضاح فقد علّق الطهارة بزوال الأثر لا غير أمّا سائر المائعات غير الماء فيصحّ إزالة النجاسات منه ما لم يكن غليظا دسما حيث علّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطهارة بزوال الأثر فيكفي ما أزاله ذكر ذلك في شرح النيل على قول الأصل ''يزال النجس بالماء الطاهر المطلق إجماعا'' ويزال وفاقا لبعض (وخلافا) لآخرين (بغيره) أي بغير الماء من المائعات واشترط مالك والشافعي الماء المطلق لإزالة النجاسة (والأصحّ زاوله بكلّ مائع طاهر في معنى الماء) أمّا أن يريد بمعنى الماء في الإزالة فيكون قيدا بماء البقول والخل واللّبن ونحوها كالريق واحترازا من نحو الزيت والسمن فيكون تصريحا ممّا هو شديد اللزوجة ثمّ ذكر ما في المسألة من خلاف إلى أن يقول والأصح الطهارة مطلقا لأنّ القصد زوال النجس فبكلّ ما زال به يجوز التطهير. (1/21)
صفحة 22
وما يلاحظ أنّ إزالة النجاسة بما له حرمة فيه نظر إذ لا يجوز تنجيسه فلا يجوز استعماله وإن كان مجزيا في إزالة النجاسة كالخل واللّبن وقد ذكره في شرح النيل في معرض الكلام عليها.
3 - مطلق المسح.
وهو الذي يزول به أثر النجاسة يصحّ في كلّ جسد أملس حديد وزجاج وبدن غير يد أو رجل مشقوقة أو فرج حسبما ذكر في الإيضاح والنيل وشرحه فنصّ النيل قال ''واطرد المسح في بدن غير فرج أو قدم مشقوقة'' زاد في الشرح أو ما فيه شعر قيل وتطهر الرجل بالمشي إذا زال الأثر وتلت الرجل الأرض وتطهر الرجل لباسها كذلك زاد في الأصل ''وفيما لا ينشف نجسا إن دخله''.
وقال في الإيضاح والمسح عندهم يطهر جميع الأبدان إلاّ الفروج وكذا جميع الحيوان صغيرها وكبيرها يطهرها المسح وكذا الحديد والرصاص وبالجملة كلّ شيء لا ينشف نجسا.
ومثل ما تقدّم ذكره في كتاب الفقه ودليله ونسبه إلى الحنفية ودليله أنّ الصحابة كانوا يقاتلون بسيوفهم ويمسحونها بالتراب ودليل صاحب الإيضاح قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا وطئ الأذى أحدكم بخفّيه فطهرهما التراب «
ولا حدّ في المسح المزيل إلاّ النقاء وقيل لا بدّ من ثلاث ولو زال الأثر بدونه قياسا على الاستجمار وما يزول بالمسح فم الصبي إذا تقيّأ مسح بليقة من جانب إلى آخر إلى سبع وقيل إلى ثلاث يبدأ مرّة من جانب ومرّة من آخر.
4 - التراب: فهو للصوف أو الشعر النجس يدرّ عليها ويضرب بعصا إلى أن ينزل ويعاد سبع مرّات في سبع أماكن حسبما ذكره في النيل قال ''ويترب صوف ميتة بيضاء وبغيرها كجبس لا بطين لازق بالذّر عليه والضرب في الأرض وتجديد الأمكنة والعصي سبعا '' هو مثل ذلك في الإيضاح وما يطهر بالتتريب ما تنجس بشيء دسم أو هو دسم فيطهر بإزالة ما فيه من دسومة بتراب ثمّ يغسل كشعر امرأة أو نحوه كما يزيل التراب كلّ دسومة نجسة من كلّ جسد أملس كما تقدّم في المسح قياسا على ما ذكر في الخفّ إذا تنجّس. (1/22)
صفحة 23
5 - الزمن: فهو مطهّر للأرض وما تولّد منها بمروره إذا لم يبق للنجاسة أثر والأصل فيه ما ذكر في الإيضاح من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّ الأرض لا تحمل خبث بني آدم «ولذلك لم يحد لها عند بعض فقال الأرض ما لم ير عليها أثر النجس يحكم بطهارتها وقال آخرون لا يحكم بطهارتها حتّى يمرّ عليها زمان قال وهو عندي أصحّ وذكر في ذلك خلافا إلى أن قال واستعملوا خمسة عشر يوما لما لا تصيبه الشمس والريح في الشتاء داخلا وخارجا سبعة وسبعة لما تصيبه وثلاثة خارجا وسبعة داخلا صيفا وثلاثة خارجا ومثل ذلك في النيل وشرحه.
وذكر ذلك في الفقه ودليله وسمّاه جفافا ونسبه للحنفية خاصّة.
6 - الريح: في معنى مرور الزمن من الأرض والنباتات إذا مرّ عليها ولم يبق أثر النجاسة.
7 - النّار: فهي مزيلة للنجاسة من كلّ ما يتحمّلها بظهور حرارتها وزوال أثر النجاسة قال في النيل وكلّ ما يذهب النجس يطهر ومن ثمّ قالوا: النّار أقوى من الشّمس والريح في إزالة عينه ممّا يتحمّلها قال في الشرح كالأرض والفخار بأن يحمى قدر ما لا يطيق مسّه باليد.
8 - الدلك: وهو إزالة الأثر بمجرّد حكّه حتّى يزول ويتمّ ذلك في آلات العمل فيتمّ زوال النجس منها باستعمالها أو احتكاكها مع بعضها فإذا لم يظهر للنجس أثر طهرت ذكره في الفقه ودليله وهو داخل في معنى المسح عندنا.
9 - الاستحالة: بأن يتغيّر النجس إلى شيء آخر كما في البقول حيث يستحيل ما تسمّد به إلى فاكهة أو بقل فليس هناك من الأمّة من يحرّمها أو ينجسها.
10 - الرشح: فيصحّ لكلّ إناء من خشب أو فخار إذا ارتوى بنجس فيصبّ الماء فيه يوما وليلة ثمّ يترك فارغا ثمّ يملأ كذلك ثلاثا أمّا الجلد والبساط فيطهرهما الرشح بأن يوضع فيهما الماء حتّى يظهر أثره خارجا. (1/23)
صفحة 24
11 - الدباغ: ويصحّ في الجلود وإن من ميتة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» دباغ الأديم طهارته «، ولقوله» أيّما إيهاب دبغ فقد طهر «والدباغ ما يمنعه من الفساد ويجعله صالحا للاستعمال من نحو تمر أو قشر رمان أو نحوها فالتطهير بالدباغ متّفق عليه عندنا والحنفية وقد بسط الكلام عليه في الإيضاح وشرح النيل.
12 - التقوير أي إزالة موضع النجاسة ممّا يمكن كسمن وعسل ودقيق وأصله أنّ النبي سئل عن سمن وقعت فيه فأرة فقال ألقوها وما حولها، فإذا بال صبي أو دابّة على دقيق نزع ما وصل إليه وطهر الباقي وذلك أمر معقول أمّا إذا كان المائع غير جامد أهرق إن كان قليلا كما سيأتي ذكره في شرح النيل.
13 - النزح للبئر المتنجّس بالميتة: فيزال النجس ثمّ ينزح منها أربعون دلوا للسنّة وأصل ذلك فتيا الصحابة في نزح ماء بئر زمزم عندما سقط زنجي فيها حسبما ذكر في الفقه ودليله وهو أمر متّفق عليه ومذكور في النيل وشرحه كما ذكر كيفية النزح وذلك إذا سقط فيها حيوان ومات أو لحم خنزير فإنّه ينزع ويغرف ما تغيّر من مائها ثمّ ينزح منها أربعون وقيل خمسون بمتوسط دلائها ولا بدّ من تمام العدد مع تفصيلات يظهر أنّها اجتهادية.
14 - الذكاة الشرعية: تعتبر مطهّرة للحيوان المباح أكله بعد غسل مذبحه فيحكم بطهارة لحمه وما كان داخل جسده إلاّ ما هو مضر كالمرارة قال في شرح النيل عند ذكر الدّم والعلقة وما فيها من خلاف قال إلاّ دم القلب وما يتّصل به بعد الذبح فالصحيح عندي طهارته وذكر في الفقه ودليله قال أمّا الحيوان المأكول لحمه فيطهر بالذبح جميع أجزائه إلاّ الدّم المسفوح باتّفاق المذاهب، والدّم المسفوح هو ما خرج من الذبح فيما يظهر.
15 - دخول الماء وخروجه: فهو كالماء الجاري كحوض يدخل الماء إليه ويخرج فهو طاهر حسبما ذكره في النيل قال والحوض إن كان يمدّ إليه ويخرج منه طاهر قال في الشرح إلاّ إن ظهر أثر النجس في موضع.
المبحث الرابع أنواع المياه. (1/24)
صفحة 25
المياه ثلاثة أنواع مطلق طهور وطاهر غير مطهّر ومتنجّس.
1 - المطلق الطهور: وهو الباقي على أوصاف خلقته أو ما يطلق عليه اسم ماء بلا قيد كما عرّفه في النيل والإيضاح فهو مطهّر من النجاسات رافع للحدث بإجماع قال في النيل: ''يرفع الحدث وحكم الخبث بالمطلق وهو الباقي على أوصاف خلقته وإن جمع من ندى أو ذاب بعد جمود أو كان سؤر بهيمة لا يتنجّس سؤرها أو يستقذر أو حائض أو جنب أو فضلة طهارتهما'' زاد في الشرح أي من غير اعتبار مكان فلكلّ ماء مكان كالبحر والبئر والعين والسماء كماء المطر فخرج ماء الورد أو الزهر وماء النيلة لكن لرفع الحدث إذ لا يرفعه إلاّ المطلق قال في الأصل ''أو كثيرا خلط بنجس لم يغيّر وصفا منه'' وقال في الإيضاح المياه ثلاث مضاف إلى مكان قائم فيه مثل ماء الأمطار وماء العيون والآبار وماء البحار فقد أجمع العلماء أنّ هذه المياه تزيل النجس وترفع الأحداث وإضافتها إلى المكان لا يخرجها عن حدّ الإطلاق والدليل على هذا قوله تعالى: {وَأَنزَلنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُورًا} إلاّ قولا شاذا في ماء البحر لا يرفع الحدث إلى أن قال والصحيح أنّه يرفع الحدث لما روي من طريق بن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله قال: ''إنّا لنركب في أرمات لنا في البحر وتحضرنا الصّلاة وليس معنا ماء أفنتوضّأ بماء البحر'' فقال - صلى الله عليه وسلم -:» هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته «وقال في الفقه ودليله النوع الأوّل الماء الطهور المطلق هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره، ما دام باقيا على أصل الخلقة فلم يتغيّر أحد أوصافه الثلاثة (اللّون والطّعم والرّائحة) أو تغيّر بشيء لم يسلب طهارته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي ولم يكن مستعملا مثل ماء المطر والأودية والعيون والآبار والأنهار والبحار وماء الثلج والبرد ونحوها من كلّ ماء عذب أو مالح، إلى أن استدلّ بالآية المتقدّمة والحديث. (1/25)
صفحة 26
2 - الماء المتغيّر، أو الطاهر غير المطهّر لكن لا مطلقا فعدم تطهيره بالنسبة للأحداث أمّا النّجاسات فهو مزيل لها إجماعا وهو نوعان:
أ- متغيّر بمتولّد منه كطحلب أو بطول مكثه أو معا بأرضه كملح وزنيخ فهذا مختلف فيه فقيل رافع للحدث مزيل للنّجاسة وقيل لا يرفع الحدث.
ب- متغيّر بخارج منه وهو نوعان متغيّر بناجس فلا يصحّ منه تطهير متغيّر بطاهر وهو نوعان:
- متغيّر بما ألقي فيه عن غير قصد كأوراق الأشجار أو ما تحمل الرياح فالصّحيح أنّه لا يرفع الحدث.
- مغيّر بواقع فيه عن قصد كزعفران وصبغ وقطران فهذا لا يرفع الحدث.
قال في النيل عند ذكر المتغيّر أو بمطروح فيه كزنيخ أو كبريت أو بجريه عليهما، والأصح السلب بالواقع فيه عن قصد إن غيّر لونا أو طعما أو ريحا كورق الشجر وبسر النخل إن وقع في بئر ولو طاهرا وبالأوراق والأرواث النجسة، وفي الطهارة أقوال ثالثها السلب بها إن وجد غيرها وجوّز إن غيّرت طعما وريحا لا لونا، وإن تغيّر بمخالط ينفك عنه غالبا كزعفران وريحان فثالثها المختار السلب بالكثير.
ملاحظة: إذا قال ثالثها فمعناه الجواز؟ مطلقا والمنع مطلقا.
والثالث ما ذكره وهو نفس ما ذكر في حاشية الإيضاح وذكر في الفقه ودليله قال الحنفية تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد ما لم يكن التغيّر عن طبخ فغيّر أحد أوصافه أو كلّها كالتراب والأوراق وبقيت فيه رقته وكذا الزعفران واللّبن أو الصابون أو الاشنان ما دام رقيقا.
وذكر عن المالكية ما يقرب من ذلك.
وقال والخلاصة إن خالط الماء شيء طاهر ولم يغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فهو ماء مطلق طهور مطهّر، وإن غيّر أحد أوصافه فهو طاهر عند المالكية والحنابلة والشافعية غير مطهّر وعند الحنفية طاهر مطهّر ما لم يطبخ أو يغلب على أجزائه.
والصحيح عندنا أنّ ذلك طاهر غير مطهّر للأحداث.
أمّا النجاسات فهو مطهّر ومزيل لها إجماعا. (1/26)
صفحة 27
3 - الماء المتنجّس: إذا تحقّقت نجاسته فهو غير مطهّر ولا رافع للحدث إجماعا وإنّما الخلاف متى يعتبر نجسا أو غير نجس وهو أنواع أهمّها ما يلي:
الرّاكد القليل إن سقط فيه نجس ولم يغيّر فهو نجس عندنا قال في النيل: والرّاكد ولو كثيرا إن تنجّس قيل نجس وإن لم يغيّر وصفا منه وقيل إن ورد على النجس طاهر لا إن ورد عليه، والمختار في حدّ الكثير قدر قلّتين بمعتاد رفعها لخادم.
قال وحكم على الجاري المنقطع من أوّله إن حمل بعرة بالجاري إن لم يغلب عليه النّجس فلا يفسد.
كالكثير إن حرّك من طرف لم يصل إلى الآخر.
والصّحيح أنّ الكثير لا ينجس إن لم يتغيّر لقوله - عليه السلام -:» الماء طهور لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته «وهو ما صحّحه في الإيضاح ثمّ ذكر الخلاف في ذلك بناء على الخلاف في رواية الحديث إذ روي أيضا» إلاّ ما غيّر لونه وطعمه ورائحته «فإن تغيّر أحد أوصافه فقط لا ينجس ثمّ هل القليل والكثير سواء فمنهم من اعتبر ذلك في الكثير لا في القليل لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا كان الماء قدر قلّتين لا يحتمل خبثا «بمعنى أنّ ما كان أقل من قلّتين يحتمل الخبث وإن لم يغيّر وما كان أكثر فحتّى يتغيّر وذلك هو المختار حسبما ذكر في النيل والإيضاح.
ب- الماء الجاري: أمّا الماء الجاري فلا ينجس إلاّ إذا ظهر عليه أثر النجاسة باتّفاق والخلف في الجاري المنقطع من أوّله والصحيح اعتباره جار كما ذكر في النيل وقال في الإيضاح:''أمّا الجاري فلا بأس به ما لم تغلب عليه النجاسة وإذا كان الماء يجري وانقطع من أوّله وآخر وبقي يجري في وسطه فهو جار إن حمل بعرة شاة لا يفسد من النجاسة إلاّ ما غلب عليه، وقال: والبئر إن وقع فيه النجس إن كان يجري ماؤه تحت الأرض فلا بأس به وإلاّ فقولان.
وقد تقدّم نجاستها بالميتة وحكمها.
جـ- سؤر البهائم والسّباع ونحوها.
السؤر هو بقيّة الشراب والطّعام وهو خمسة أنواع: (1/27)
صفحة 28
أ- سؤر الإنسان: فهو نوعان: سؤر الآدمي طاهر إن كان مسلما غير رضيع ولا أقلف ولا مشرك ولا جلال.
أمّا المشرك فلقوله تعالى: {إِنَّّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ} وأمّا الرضيع فلما يحتمل من تقيّئه، وأمّا الأقلف فربّما قاسوه على المشرك لتركه ما يعتبر به مسلما وأما الجلال فهو ما عاش بنجس ثلاثة أيّام لم يخلطه بطاهر سواء كان إنسانا أو حيوانا أو أكل ميتة أو دما أو لحم خنزير أو شرب خمرا فلا يحلّ سؤر الآدمي أربعين يوما إن فعل ذلك.
ب- سؤر البهائم: وهي ثلاثة أنواع، وهي سؤر بهائم أليفة كالحمر والأنعام والمكلب من السباع أو الطير للصيد فسؤرها طاهر باتّفاق، ما لم ير عليها نجاسة وهو ما ذكره بوضوح في الإيضاح والنيل.
ج- سؤر السباع: وهي ما له ناب أو مخلب ويعدوا ويساور فإن شربت من قليل أقلّ من قلّتين تنجس لقوله - عليه السلام -:» إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبعا أولاهنّ وأخرهنّ بتراب «فدلّ على أنّ سؤره نجس أمّا غسله سبعا فعلّلوه بما هو محتمل من كونه به كلب أمّا غيره فيكفي في غسله ثلاث مرّات.
أمّا إذا كان الماء أكثر من قلّتين فهو كثير لا ينجس ولو شربت منه لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لمّا سئل عن السّباع ترد الحياض فقال لها ما شربت ولكم ما غبر «ولقوله:» إذا كان الماء قدر قلّتين لم يحتمل خبثا «.
ويستثنى من السباع الهرّ لما ورد أنّ النّبي أصغى له الإناء ليشرب ثمّ توضّأ منه فعجبت عائشة فقال إنّه من الطوّافين والطوّافات عليكم.
د- سؤر الأفعى ونحوها: من مستقدرات الهوام فقيل نجس وقيل مستقدر بسم.
هـ- سؤر الجلاّلة: وهي ما تقدّم ذكره فسؤرها نجس حسب مقدار نجاستها فالإبل أربعون والبقر عشرون والشاة عشرة والنعامة ستة والدجاجة ثلاث.
وما ذكرته مذكور بتفصيل في الإيضاح والنيل. (1/28)
صفحة 29
جـ- الماء المستعمل: هو ما انفصل عن أعضاء الوضوء أو الجنابة فهو لا يصحّ لطهارة الأحداث، إذا كان قليلا أو اختلط بماء قليل أمّا إذا كان في كثير بحيث لا يطهر فلا بأس قال في النيل ولا يرفع الحدث وإن أزال الخبث بمضاف لم يتغيّر وصفا منه، ولا بمستعمل بان عن عضو في وضوء.
الفصل الثاني الأعيان الطاهرة
من القواعد العامّة الأصل في الأشياء الطهارة إلاّ ما ثبتت نجاسته والأصل في ذلك قول رسول الله:» إنّ الشيطان ليأتي أحدكم فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفنّ حتّى يسمع صوتا أو يشمّ ريحا «فهو دليل لبقاء الأشياء على أصلها وهي بالنسبة للطاهر وغيره أربع:
إنسان وحيوان ونبات وجماد ففي المسألة أربع مباحث:
المبحث الأوّل: الإنسان
الإنسان نوعان مسلم ومشرك.
أمّا المسلم فهو طاهر حيا أو ميتا هو وما علق به من بلل كلعاب ومخاط وعرق ولبن إن كان أنثى ولو جنبا أو حائض أو نفساء إن كان بالغا غير أقلف ولا جلال.
أمّا المشرك ففيه خلاف فقيل هو طاهر سواء كان كتابيا أو غير كتابي أعطى الجزية أو لم يعطها وقيل المشرك غير الكتابي نجس لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشرِكُونَ نَجَسٌ} فقيل نجاسة حسّية فهو نجس وقيل معنوية أمّا الصّبي فالأصل طهارته ما لم ير عليه نجس إلاّ إذا كان رضيعا وكذا ما خرج من ميّت من بلل فليس بطاهر إذ الميتة ولو من إنسان فهي نجسة لقوله - عليه السلام -:» ما قطع من حي فهو ميتة «
المبحث الثاني: الحيوان
الحيوان من حيث مكانه نوعان برّي وبحري:
فالحيوان البحري طاهر حيا وميّتا لقوله - عليه السلام -:» أحلّت لكم ميتتان ودمان فالميتتان السّمك والجراد «وكذا كلّ ما خرج منه من بلل أمّا البرّي فهو أنواع أهمّها ما يلي:
أ- جميع الحيوانات الأليفة غير السّباع من أنعام ودواب فهي طاهرة هي وما اتّصل بها من شعر أو بلل غير بول وعذرة من لبن وعرق ومخاط ولعاب ورجيع بهائم مجترة، ما لم تكن جلالة. (1/29)
صفحة 30
ب- الطيور فهي طاهرة هي وبيضها إلاّ إذا كانت ذوات مخلب أو جلالة وإن أكلت النّجاسة.
جـ- ما ذكّي من الحيوان المباح أكله فهو بعد الذكاة طاهر هو وجميع أجزائه وبلله إلاّ ما المرارة من الخلاف.
د- السّباع وهي كلّ ذي ناب من السّباع وذي مخلب من الطير ففيها خلاف والصحيح نجاستها كما ذكر في النيل وشرحه بعد أن قال وسباع الطير والوحش هل هي مباح أو محرّم أو مكروه أقوال وما علق بها فهو في حكمها.
هـ- ما حرم أكله كالخنزير فجميع أجزائه حرام إلاّ الشعر فهو طاهر إن كان حيا وفي الكلب خلاف والصحيح نجاسته مع بلله لحديث غسل إناء ولغ فيه سبعا.
و- ما ليس له دم من الحيوانات البرّية فهو طاهر حيا كذباب وخنفساء وجعل ما لم ير على كلّ ما تقدّم نجاسة.
المبحث الثالث النبات
ليس في النبات نجس ولو كان مخذّرا فهو حرام طاهر ما لم تظهر عليه نجاسة.
المبحث الرابع الجمادات
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا «فبناء على هذا فالجمادات كلّها طاهرة من أرض وتراب وحجر ومعادن، وكذا ما استحال إلى جماد كخمر صار طرطارا ولو كان مخذّرا وكذا كلّ المياه أو المائعات إلاّ ما كان مسكرا فهو نجس على خلاف.
الفصل الثالث النّجاسات وأعيانها وأنواعها
النجاسة صفة قائمة بالشّيء مانعة من الصّلاة به أو فيه أو عليه وإزالتها التطهير ولها أربع مباحث.
المبحث الأوّل:
أعيانها المتّفق عليها حسبما ذكره في النيل والإيضاح أربعة:
أ- الميتة وهي كلّ حيوان برّي ذي دم زالت حياته بغير تذكية شرعية فخرج الحيوان البحري لقوله - عليه السلام -:» أحلّت لكم ميتتان ودمان الميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحان «فالميتة وما تولّد منها وما خلطت فيه نجس لقوله تعالى: {قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّم عَلَى طَاعِمٍ يَطعمهُ إلاَّ أنْ يَكُون مَيتَةً أَو دَمًا مَسفُوحًا أو لَحمَ خِنزِيرٍ، فَإِنَّهُ رِجسٌ} الخ. (1/30)
صفحة 31
ب- الدّم المسفوح من برّي والمسفوح ما خرج من مكانه بنفسه والخلف فيما خرج بغيره.
جـ- لحم الخنزير فهو نجس للآية هو وجميع بلله وأجزائه غير شعره ففيه خلاف.
د- أخبثا آدمي من بول وغائط فهما نجسان باتّفاق المذاهب قال في النيل وأعيانها المتّفق عليها أربعة الميتة ووصفها بما تقدّم ولحم خنزير مطلقا ودم مسفوح من برّي وأخبثا آدمي، زاد في الشرح بحث حول ميتة ودم البحري حسبما في الصّورة.
وذكر أعيانها المتّفق عليها في الإيضاح وهي الأربعة المتقدّمة، واستثنى ما لا دم فيه واستشهد بقوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فامغلوه ثمّ أخرجوه «قال وفي الأثر معلوم أنّ بعضه يموت من ذلك ولم يقل أنّه أفسد طعاما أو شرابا وليست لذلك علّة إلاّ أنّه لا دم فيه وكذا كلّ ما لا دم فيه مثل العقرب والزنبور والخنفساء والجعل هذا ما هو متّفق عليه عندنا.
أمّا عند غيرنا فذكر تسعا وهي الأربعة المتقدّمة الخمر، القيح وهو دم فاسد (وعندنا طاهر)، المذي والودي، والمني الجزء المقطوع من الي.
المبحث الثاني
المختلف فيه من أنواعها نحوا من عشرة:
أ- الخمر حرام نجسة لقوله تعالى: {إِنّمَا الْخَمْرُ وَالمَيسِرُ والاَنْصَابُ والاَزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ} فهو نجس عند أكثر العلماء قال في النيل وخمر عند الأكثر.
ب- ما يعيش في بر وبحر فهل ميتته نجسة ففيها خلاف والصحيح أنّه إذا مات في برّ فهو نجس وإذا مات في بحر فهو طاهر كما قال في النيل وقيل إن مات في ماء ما يعيش في بر وبحر كضفدع لا يفسده زاد في الشرح ولا يفسد ما وقع فيه بعد لأنّ موته في الماء ذكاته وإن مات في طعام أفسده، زاد في الشرح وأفسد ما وقع فيه وإن مات في غير ماء ولا طعام فهل هو طاهر ... نجس قولان. (1/31)
صفحة 32
جـ- السباع كالكلب والوحوش البرّية ووحوش الطير فهل هي طاهرة أم نجسة بناء على ما فيها من خلاف حرمتها أو حلّيتها وكراهتها فحكمها حكم ذلك قال في النيل وسباع الطير والوحش هل هي محرّمة أو مباحة أو مكروهة أقوال قال ذلك في معرض النجاسات.
د- أجزاء الميتة من عظم وظفر وقرن فقيل نجسة وقيل طاهرة وهو الصحيح أمّا المخّ والصّديد والشّحم منها فكالدّم حسبما ذكر في النيل.
هـ- دم البرغوث والحلمة والقرد ففيه خلاف لعموم البلوى به فقيل هو في حكم الدّم وقيل في حكم الكبد والصحيح أنّه ممّا يعفى عنه.
و- دم الشهيد فقل طاهر لما روي عن النّبي قال في شأنهم» زمّلوهم في ثيابهم فإنّهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما «ذكره من المختلف فيه في النيل وقال في الشرح والصّحيح نجاسته ودفنه به ليبعث به ولطهارته في حقّه.
ز- المني والمذي والودي فقيل نجسة لذاتها وقيل طاهرة نجست لمرورها من محلّ البول فمن قال بطهارتها قال إنّها إذا خرجت ثلاث مرّات طهر ما بعدها والصحيح النجاسة قال في النيل والصحيح تنجيس المني والمذي والودي قال في الشرح لذاتها أو لمرور فعله فإذا نزلت أربع مرّات فالرابعة وما بعدها طاهرة.
حـ- الماء الخارج من تحت الجلد والصّديد فقيل نجس والصّحيح الطهارة ما لم يكن الغالب دما كما قال في النيل وشرحه.
ومثل ذلك مذكور في الإيضاح.
وذكر في الفقه ودليله نحوا ممّا تقدّم بخلاف بين المذاهب في تنجيسها وعدمه.
المبحث الثالث حكم النجاسة (1/32)
صفحة 33
حكم النجاسة وجوب إزالتها من بدن المصلّي وثوبه ومكان صلاته والخلف هل على الفور، أو إلى دخول الوقت وهو الصحيح والمستحبّ الإسراع بذلك لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الثَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} قال في النيل وإزالتها التطهير وهو لازم للمصلّي من بدنه وثوبه ومكان صلاته قال ويسع جهل ذلك ما لم يدخل وقتها ويجب غسل مطعوم عند إرادة أكله إن نجس وكلّ إناء تنجّس وإن بكونه من ذمي احتيج إليه واستحسن التعجيل بإزالتها وإن بمسح عند تعذّر الماء، وكرّه النّوم مع نجاسة في ثوب أو بدن أو فراش، وأشدّها الجنابة لما روي أنّ الأرواح تنتهي للعرش فتسجد لخالقها وتردّ روح الجنب من باب السماء، ولزم الإخبار بالنجس عند بيع المتنجّس وإلاّ كان غشا إلاّ ما لا قعد فيه النجاسة وإن من إنسان أو بهيمة إلى أن قال إن لم تكن كطنفسة وشكال بهيمة واشبور ومغسل وميلغ كلب أو قاع آنية عيال وليقة حجام ومحاجمه ومشرطته وقصرية دباغ ونحوها.
وشدّد فيمن نجّس مسجد أو طعاما بعمد قال في الشرح ولا تشديد على من جعله على جرح نجس للمداواة.
المبحث الرابع كيفية التنجيس
لا يحكم بنجاسة طاهر لاقا نجسا إلاّ إذا كانا مبلولين أو أحدهما إن ظهر أثرها في الطاهر.
وإن كان الطاهر يابسا والناجس مبلولا تنجس بمجرّد اللّمس، أمّا إذا كان العكس فحتّى يبتلّ النّجس ويتحلّل هذا ما فصّله في النيل والإيضاح قال في النيل يحكم بنجاسة طاهر لاقى نجسا وظهر أثره فيه بأن كانا مبلولين أو النجس، وإن كان الطاهر فلا ينجس قيل ما جبد النجس من المبلول وهذا في البطيئة الانحلال، وإن تنجّست بالسريعة كبول وماء نجس تنجّست ثمّ ذكر تفصيلا في كيفية التّنجيس.
الفصل الرابع آداب قضاء الحاجة والاستنجاء
المبحث الأوّل: آداب قضاء الحاجة (1/33)
صفحة 34
ممّا هو طبيعي لكلّ البشر بل لكلّ حيوان إخراج فضلات الطعام والشراب، وسائر الإفرازات الجسمية، فتلك نعمة من الله من ناحية التخلّص منها كما أنّها دليل على خضوع الإنسان لله وقدرته ومشيئته قال تعالى: {وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ} فليس من شأن الإنسان الكبر والتعاظم إذ هي خصائص لله وقد جعل الشرع لذلك آدابا مأخوذة من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله ذكر في الجامع الصحيح فيما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط «قال جابر فسألت عن ذلك ابن عباس فقال ذلك في الصّحاري أمّا في البيوت فلا بأس، لأنّه قد يكون بين النّاس وبين القبلة حيال هو الجدار.
وقال روى أبو عبيدة عن جابر عن عبد الله بن عمر قال دخلت على حفصة فرأيت رسول الله جالسا بين لبنتين يقضي حاجته مستقبلا بيت المقدس مستدبرا القبلة.
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال:» نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البول والغائط في الأحجرة وقال إنّها مساكن إخوانكم الجن «وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ من آدابه إذا أراد قضاء الحاجة لا يكشف إزاره حتّى يقرب من الأرض فقد مرّ عليه رجل وهو يريد قضاء الحاجة فسلّم عليه فلم يردّ. هذه بعض أدلة على آداب قضاء الحاجة وهي أربعة أنواع:
أ- ما كان للتستّر فسنّ لذلك الإبعاد والاستتار وراء ما لا يرى وهو ما كان يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ب- التحفّظ من انتشار النجاسة سنّ لذلك أن لا يستقبل الرّيح وأن يقصد مكانا سهلا ليّنا حتّى لا يردّ إليه شرر البول، ولا يشتغل عند قضائها ولو بردّ سلام.
ج- مراعاة ما له حرمة فلا يستقبل قبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط
مبحث الاستجمار (1/34)
صفحة 35
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» أنا لكم مثل الوالد أعلّمكم أمر دينكم «وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار ونهى عن الرّوث والرمة وهي العظام الخ الجامع الصحيح ج1 ص136.
وقال ابن مسعود فيما رواه أبو عبيدة عن جابر قال كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتّى إذا أراد قضاء الحاجة قال ايتني بالأحجار، فأتيته بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين ورمى الروثة، قال جابر سمعت ناسا من أصحاب رسول الله يقولون إنّما نهى رسول الله عن الروثة لأنّها طعام إخوانكم الجن ج1 ص136.
الاستجمار واجب وهو إزالة البول والغائط ونحوها من محلّهما بالحجارة وهو مذكور في كامل كتب الحديث كنيل الأوطار والبخاري وغيرهما والجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب رحمه الله.
وهو الأصل قبل الاستنجاء بالماء فهذه المسألة ممّا كثر فيها الخلاف فأنا أورد فيها بحثا لكلّ ما ورد فيها رفعا للّبس فأقول:
من المسائل التي ظهر فيها خلاف مستمر مبني على العادة المألوفة من غير نظر إلى أصله في الشرع وأصله وكيفيته والمقصود منه.
وكانت المسألة في أوّل أمرها لم تحدث أيّ نزاع، لكن بحكم اختلاط الشباب بالثكنات والجامعات وغيرها وقد عمّت الصّحوة وأصبحوا يعتنون بالطاهرة والصّلاة ظهر أمرها إذ وجدوا أنفسهم بين من يرى وجوب الاستجمار بالأحجار أو نحوها قبل الاستنجاء وهم الإباضية ومن نحى نحوهم ممّن اعتبر النظافة، وبين من يرى أو اعتاد الغسل بعد قضاء الحاجة مباشرة بناء على ما ثبت عنده من السنّة، فالأوّل يرى أنّه لا تتمّ الطّهارة من غير استجمار حيث أنّ البول لا ينقطع، ولما يرى من عدم العناية حيث أنّ القدر المأخوذ من الماء في كثير من الأحيان لا يحقّق الطهارة. (1/35)
صفحة 36
فوردت عليّ في ذلك أسئلة كثيرة إذ أصبح كلّ يخطّئ الآخر فرأيت أن آتي بكلّ ما ورد في الموضوع من الطرفين وللعاقل والمحتاط الاختيار لما هو أحوط وأصوب لتحقّق الطهارة التي هي الشرط الأساسي للصّلاة.
الاستجمار عند الإباضية:
الإباضية يوجبون الاستجمار بالحجارة أو نحوها ممّا هو طاهر منقّ غير ذي حرمة، ثمّ الاستنجاء بالماء بعدها ولا يكفي أحدهما عن الآخر إذا ثبت فرض كلّ منهما على حدة.
قال في النيل: وليستطب بيسراه إلاّ من عذر بما عده من كحجر أو عود وكلّ جامد طاهر منق لا بذي حرمة وبحشيش مطلقا ولا بعظم ولا برجيع وإن لبهيمة وليبالغ في التنقية مع الإيتار قال في الشرح الإيتار الإتيان بالوتر إن نقّى ثلاثة أو خمسة أو سبعة وجوبا وإن جاوز الوتر وأنقى قبل وصول الآخر أتمّه والصحيح جواز الشفع إلى أن قال والظاهر لا حدّ له، ولا يجزي الماء بدون الحجارة إلاّ إن عدمت هي وما معها، وأجازه المخالفون وكثير من المشارقة ولا تجزي الحجارة لتواجد الماء عندنا وعند الأكثر اهـ ج1 ص172 - 173.
قال في شامل الأصل والفرع للقطب رحمه الله ويستنجي الدّبر بثلاث أشياء طاهرة مزيلة يابسة لا حرمة لها أو بسبع وجاز بغير ذلك من إيتار والوتر هو السنّة لا الشفع ولو جاز والحدّ الإنقاء فإن حصل بالشفع زاد للوتر زيادة في الاطمئنان فيصل به الوتر والقبل كالدّبر في ذلك كما علمت. (1/36)
صفحة 37
وقال في نهاية الباب ولا يبرأ من بال ولم يستجمر لاحتمال أنّه لا يتبعه وكذا إن استنجى من حينه إلاّ إن صرّح أنّه يتبعه فقيل يبرأ منه وقيل حتّى يخرج الوقت أو يصلّي بذلك إلى أن قال ومن استبرأ بالسلت أو بالنتر أو التنحنح، أو بالمكث حتّى انقطع صحّ استنجاؤه بالماء ولو لم يستنج قبله بالحجارة، ومن كان في الماء فليستبر قدر ما ينقطع البول سواء بال فيه أو خارجا، هذا ما يقول أصحابنا المشارقة ونحن نقول لا بدّ من تقديم الحجارة لأنّه - صلى الله عليه وسلم - يقدّمها وكذا أهل قبا والصحابة وينبغي السّلت ثلاثا كلّ سلتة بنثرة اهـ ج1 ص186 - 188.
قال في المدونة الكبرى لأبي غانم الخرساني، وكان علي وعائشة يقولون وكان من قبلكم يبعرون وأنتم تلطون لطا فلذلك كانوا يكتفون عن الماء بالحجارة، والصّواب غير هذا، فإنّه - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يستنجون بالماء وبالحجارة قبله، ولا يكتفون بالحجارة إلاّ قبل نزول قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ الْمُطهِّرِينَ} اهـ ج1 ص40. (1/37)
صفحة 38
فنرى أنّ الإباضية يرون أنّ الحجارة هي الأصل لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث في كامل كتب السنّة من الأمر بالاستنجاء بالحجارة كما في الحديث في أوّل الباب عن أبي هريرة وعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن مسعود ولما ورد من سؤال النبي لأهل قبا بعد نزول الآية السابقة عن الطهارة التي مدحهم الله بها فقالوا كنّا نمر بالماء على مواضع الحجارة، وفي رواية كنّا نتبع الحجارة الماء، وقد وضح ذلك القطب بما فصّل في الشامل وبما ذكر عن المشارقة أنّهم كانوا يسلتون قبل الاستنجاء ممّا يدلّ على أنّ البول لا ينقطع بمرّة فكيف يصحّ التطهير، وبما ذكر من البراءة ممّن لا يستبري ويؤيّد ذلك حديث القبرين عن ابن عباس أنّ رسول الله مرّ بقبرين فقال:» هذان القبران يعذبان وما يعذبان في كبير، أحدهما كان لا يستبري من البول، أمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة بين النّاس «ذكره في الإيضاح ج1 ص98 وقال رواه الجماعة بلفظ آخر وذكر في نيل الأوطار وسيأتي ج1 ص105 هذا من جانب النصوص أمّا من جانب الاجتهاد ومراعاة مقاصد الشرع فهو ما ذكره صاحب كتاب يسألونك في الدين والحياة أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر قال مجيبا لسؤال هذا نصّه: ''يرى بعض الأطباء أنّ الاستنجاء بالماء عن طريق اليد بعد التبرّز يعرّض المستنجي لمرض (الدوسنتراريا) ويعدي الآخرين، وينصح بأن يستعمل النّاس أوراق النظافة الخاصّة بالمراحيض في الاستنجاء فهل يرضى الإسلام من ذلك؟ وهل يمكن الجمع بين استعمال ورق المراحيض المنظّف وما ورد في الشريعة من أحكام الاستنجاء؟ (1/38)
صفحة 39
الجواب: الدين الإسلامي دين أهداف ومقاصد لا دين نصوص ومظاهر فقط ونستطيع أن نفهم من روحه العامّة أنّه لا يمنع الاستنجاء بورق النظافة الخاص بالمراحيض إذا كان هذا الورق يؤدّي إلى اقتلاع النجاسة وإزالتها لأنّ المقصود من الاستنجاء هو تطهير مخرج النجاسة وقطع الأذى عنه بالممكن الصّالح من وسائل التّطهير، وكلمة الاستنجاء نفسها مأخوذة من اللّغة من قوله نجوت الشيء أي قطعته فكأنّ المستنجي يقطع الأذى عن نفسه ويمحوه.
والاستنجاء شرعا سنّة مؤكّدة مطلقا يكره تركها، وتجب في بعض الأحيان كما هو مفصّل في كتب الفقه، وأصل ما ورد فيه استعمال الماء أو الحجارة واستعمال الحجارة هو المعروف بالاستجمار وفي ذلك ورد الحديث الشريف» من استجمر فليوتر ومن توضأ فليستنثر «فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج وقد قال الفقهاء إنّ مثل الحجر كلّ ما في معناه من كلّ عين طاهرة يكون منقّيا لا قيمة له مثل التراب والخرق والمدر والقطن والصوف بشرط أن يكون منقّيا، ثمّ ساق فقرة لتفصيل ما تقدّم وكيفية الاستنجاء. (1/39)
صفحة 40
وقال ولعلّك حينما تقرأ أنّ الفقهاء يشترطون في الاستنجاء تطهير اليد وإزالة الرائحة تزداد إيمانا بأنّهم يدركون وثيق الصّلة بين الدين والطّب قال وما لنا نذهب بعيدا والسلف الصالح قد افتوا في المسألة بما هو أصرح من هذا فقالوا إنّ معنى الحجارة الصّالح للاستنجاء هو كلّ طاهر جامد قالع غير محرّم، وذكروا لهذا الجامد أصنافا منها الورق بشرط أن يكون رخيصا وأن لا يكون فيه كتابة''. ثمّ ذكر تفصيلا فقهيا فيما لا يجوز الاستجمار به وقال: ''أخيرا يمكننا بعد هذا الإيضاح أن نفهم أنّ الإسلام لا يمنع من استعمال الورق الرخيص في الاستنجاء عند وجود المرض أو الخوف من العدوى، وعندي أنّه يحسن أن نجمع بين الحسنيين، أن نستعمل الورق لإزالة جرم النجاسة وأن نثني بتأكيد تطهير محلّ النجاسة من لونها أو بقاياها الدقيقة بالماء عن طريق استعمال الخرطوش أو النفاثة المائية فنكون قد أرضينا الشرع والطب معا'' اهـ ج2 ص16.
نقلته كما هو ما عدا ما هو تكرار لما فيه من فائدة استعمال الورق وردّا على من يرى أنّ ذلك تقليد للأوروبيين مع أنّه وإن سلّمنا التقليد فهو فيما أخذوا عن المسلمين من مبادئ الإسلام.
الاستجمار عند غير الإباضية:
الاستجمار عند غير الإباضية مشروع لما ورد فيه من أحاديث على مشروعيته إلاّ أنّ الخلاف هل هو واجب أو مستحبّ أو هو أولى أو يجمع بينهما.
فقد اتّفق الجميع على استحسان الجمع بين الماء والأحجار أو ما يقوم مقامها من كلّ جامد منق طاهر غير ذي حرمة وإليك ما ورد عنهم فيه: (1/40)
صفحة 41
قال في نيل الأوطار للشوكاني في باب نهي المتخلّي عن استقبال القبلة عن أبي هريرة عن رسول الله قال:» إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها «، رواه أحمد ومسلم وفي رواية الخمسة إلاّ الترمذي قال:» إنّما أنا لكم مثل الوالد أعلّمكم أمر دينكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه «وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى الروثة والرمة قال في البحث والشرح بعد بحث في أمر القبلة وفي الحديث أيضا دلالة على أنّه يجب الاستنجاء بثلاثة أحجار ولا يجوز الاستنجاء بدون الثلاثة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وأمّا بأكثر فلا بأس لأنّه أدخل في الإنقاء وقد ذهب أحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن رهويه وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء وأنّه يجب أن يكون بثلاثة أحجار وثلاث مسحات قالوا والأفضل بستّة للدّبر والقبل قالوا وتجب الزيادة إذا لم يحصل الإنقاء وذهب مالك وداود إلى واجب الإنقاء وإن حصل بواحد أجزى، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وذهب العترة وأبو حنيفة أنّه ليس بواجب قالوا لا دليل على الوجوب كذا في البحر وفيه أنّه قد ثبت الأمر بالاستجمار والنهي عن تركه، بل النّهي عن الاستجمار بدون ثلاثة أحجار فكيف يقال لا دليل على الوجوب؟ اهـ ج1 ص90. (1/41)
صفحة 42
وذكر في باب وجوب الاستنجاء بالحجر والماء قال: عن عائشة - رضي الله عنه - ا أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنّها تجزي عنه «رواه أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّ بقبرين فقال:» إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستبري من البول، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة بين النّاس «رواه الجماعة ثمّ شرح ذلك شرحا وافيا مبيّنا أنّ الاستبراء واجب وأشار إلى ما ذكر سابقا من الخلاف اهـ ج1 ص106 قال في فقه السنّة للسيّد سابق في معرض آداب قضاء حاجة الإنسان:
أوّلا: أن يزيل ما علق بالسبيلين من النجاسة وجوبا بالحجر وما في معناه من كلّ جامد طاهر قالع للنجاسة ليس له حرمة أو يزيلها بالماء فقط أو بهما معا لحديث عائشة أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنّها تجزيه «رواه أحمد والنسائي وأبو داود وعن أنس بن مالك قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل الخلا فأحمل له أنا وغلام نحوي ماء وعنزة فيستنجي بالماء'' متّفق عليه ثمّ ساق حديث القبرين المتقدّم اهـ ج1 ص32.
قال في الفقه وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي من جامعة دمشق، قال في تعريف الاستجمار هو إزالة النّجس بالأحجار ونحوها مأخوذ من الجمرات، والاستبراء طلب البراءة حتّى يتيقّن من زاول الأثر والاستنقاء طلب النقاوة وهو أن يدلك المقعد بالأحجار أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء.
وكلّ هذه الوسائل للتطهير من النّجاسة ولا يجوز الشروع في الوضوء حتّى يطمئن المرء من زوال الأثر. (1/42)
صفحة 43
ثانيا: حكم الاستجمار قال أمّا حكم الاستجمار فقال الحنفية أنّه في الأحوال العادية ما لم تتجاوز النجاسة المخرج سنّة مؤكّدة للرجال والنساء لمواظبة النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولقوله:» من استجمر فليوتر «ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، فإن تجاوزت المخرج فيجب إزالتها بالماء.
وقال الجمهور غيرهم يجب الاستنجاء والاستجمار من كلّ خارج معتاد من السّبيلين كالبول والغائط والمني والودي والمذي لقوله تعالى: {وَالرِّجزَ فَاهجُر} وهو يعمّ كلّ مكان ومحل من ثوب أو بدن ولأنّ الاستنجاء بالماء هو الأصل في إزالة النجاسة ولقوله - عليه السلام -:» إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار فإنّها تجزيه «وقوله:» لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار «، رواه مسلم.
ثمّ ذكر الاستبراء قال وعبارة المالكية والحنابلة والشّافعية يكون الاستبراء بالسلت والنثر الخفيفين ثلاثا الخ اهـ ج1 ص193.
خلاصة القول:
ممّا تقدّم نجد أنّ المقصود واحد هو أنّ الأمّة كلّها متّفقة على وجوب إزالة النجاسة، ويختلفون في الكيفية حسبما ورد في الأحاديث في ذلك.
1 - أحاديث ذكرت الاستجمار وهي كثيرة ذكرنا منها نحو ست من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمله بالأحجار من ثلاثة فصاعدا.
وقاس العلماء عليها كلّ طاهر منق غير ذي حرمة وذلك معقول إذ ما هو مقصود هو إزالة النجاسة فبأيّ شيء حصلت كفى. (1/43)
صفحة 44
2 - حديث واحد في الاستنجاء بالماء وليس نصا إذ ربّما استنجاؤه بالماء بعد الحجارة لما ثبت من طلبه للحجارة عند قصده للخلاء وأمره بذلك حسبما ذكر في حديث ابن مسعود وعائشة وأبي هريرة ممّا يدلّ على مواظبته للاستجمار، ولم يكن الماء معروفا إلاّ بعد نزول آية أهل قباء فلو كان معروفا ما سألهم، إذ ذكروا له ما هو معروف فلم يقتنع حتّى ذكروا الاستنجاء لذلك يعتبر الإباضية الاستنجاء بعد الاستجمار واجبان ولا يكفي أحدهما عن الآخر ثمّ أنّ مدح الله لشيء يستوجب وجوبه عند بعض أهل الأصول فقد ذكر كثير من أهل التفاسير أنّ آية {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَطَّهَرُوا} نزلت في أهل قبا فسألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا نتبع الماء بالحجارة فقال هو ذاك فتمسّكوا به والأمر للوجوب فهو مذكور في التيسير للقطب اطفيش رحمه الله ج2 ص1020 قال روي عن طلحة وغيره وجابر وأنس بن مالك أنّ الآية لمّا نزلت سأل أهل قباء قال يا معشر الأنصار وقد وقف عليهم قال:» أمومنون أنتم فسكتوا ثمّ قال أمؤمنون أنتم فسكتوا فقال عمر مؤمنون وأنا معهم يا رسول الله قال أتصبرون على الضرّاء قالوا نعم قال أترضون بالقضاء قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء قالوا نعم قال مؤمنون وربّ الكعبة ثمّ قال إنّ الله قد أثنى عليكم خيرا فما هذا الطهور الذي تصنعون قالوا كنّا نتبع الغائط الأحجار الثّلاثة ثمّ نتبع الحجارة الماء قال هو ذاك فتمسّكوا به «وذكره في المنار ج11 ص144 كما ذكره الفخر الرازي في التّفسير الكبير ج16 ص196 كلّ هذا يفيد كان المفروض أوّلا الاستجمار ثمّ الاستنجاء بعد نزول الآية والدليل الحديث المتقدّم في قوله فإنّها تجزيك وإذا رأينا حديث الاستنجاء بالماء مباشرة فلا بدّ من مراعاة ما ذكر من شروط الاستنجاء من النثر والسّلت حتّى يتيقّن من زوال النجس وانقطاع البول فإنّه لا ينقطع فمن صبّ الماء عليه بلا نثر ولا سلت لا تتمّ له الطهارة. (1/44)
صفحة 45
فإذا عرضنا ذلك على واقع النّاس نجد أنّ الغالب لا يراعيه بل نرى أنّ أحدهم يذهب للخلا ويأخذ معه علبة صغيرة من الماء فكيف يتحقّق بها إزالة البول والغائط.
لذلك نرى وننصح نشر التوعية في أوساط العامّة بمراعاة شروط الاستجمار والاستنجاء بالنثر والسّلت والإنقاء أو الجمع بين الحجارة والماء فذلك أضمن لحصول الطهارة.
إذ هي الشرط الأساسي لتمام الصّلاة والرّسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:» لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن بجسده نجاسة «
ثمّ مراعاة مقصد الشريعة من الوضوء وإزالة النجاسة أن يقف العبد أمام ربّه كامل النّظافة طيّب الرّائحة {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}.وكلّ ذلك حرصا على نظافة المسلم في بدنه وثيابه وبالتالي في مجتمعه هذا ما تيسّر وبالله التوفيق.
مبحث الاستنجاء:
الاستنجاء لغة إزالة النجو وهو ما علق بمحلّ البول والغائط واصطلاحا إزالة البول والغائط من محلّهما بالماء وهو فرض عندنا لما ورد من إقرار النبي لأهل قباء عند نزول قوله تعالى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَطَّهَرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَهِّرِينَ} فقيل مدح الله لعمل يستوجب وجوبه.
كيفيته:
وكيفيته أن يبدأ بمخرج البول ثمّ البيضتين ثمّ ما بين البابين ثمّ مخرج الغائط مع استرخاء بإمهال إلى أن يجد خشونة بعد لين مع طمأنينة بالنقاء ولا حدّ للعرك على الصحيح إلاّ النّقاء من غير وسواس ذلك ما وصفه به في النيل وشرحه ج1 ص87.
ويصحّ الاستنجاء بكلّ ماء طاهر وإن مضافا غير دسم ولو من بقول إلاّ أنّه لا يتعمّد غسل النجاسة بما له حرمة وإن أزال النجس.
آدابه:
من آدابه الاستتار والاستنجاء باليسرى إلاّ من عذر ثمّ يغسل يده بعد التمام وليحذر من انتشار النجس. (1/45)
صفحة 46
قال في النيل فرض الاستنجاء بالماء وإن مضافا إلى قائم فيه كالبحر أو خارج منه كالبقول، وواقع فيه كصبغ أو غيره، لا بماء اختلط بودك امتنع زواله أو طبخ فيه طعام قيل ولو مالحا فقط، ولا بماء سبخة إن أثّر في الجسد، وجوّز بمكدر يلتصق التراب معه باليد عند استعماله لا في وضوء ولا براكد قلّ ولا بماء بئر لا تجري وجوّز وكذا عين لا تجري ولا تنشف، ولا يزداد ماؤها ولا يخرج منه ولو قليلا، ولا بماء المشركين، ولا بماء ولغ فيه ذو ناب غير هر، أو ذو مخلب، أو كحيّة، ولا بمشمس صيفا في إناء مكشوف، ولا بالحرام، فإن فعل أجزا ولزمه غرم القيمة لربه، ولا بماء الغدران إن قلّ وأتنع الأخذ منها بإناء، أو جعل بجانبه مستحم، ولا بماء بطون البهائم، ولا بماء السنّة إن وجد غيره ولا بماء يعطى في الحقوق لمن لا يأخذها، وبماء اضطرّ إليه ولا بما باشره كمجدوم أو مجدور إن خيف منه ضرر، وليتيمّم من لم يجد غير ما ذكر، وصحّ إزالة حكم الخبث بغالب ما ذكر وكفر تارك الاستنجاء عمدا مع خروج الوقت.
فصل في صفة الاستنجاء
ندب لمستيقظ من نوم اللّيل غسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء ولو طاهرتين، ثمّ يأخذ في الاستنجاء مقدما لمخرج البول ثمّ يفيض الماء على يده ثلاثا بعد تعميم الذّكر، ثمّ يمنى بيضتيه ثمّ يسراهما ثمّ يجمعهما مع الذكر ثمّ يفيض الماء كذلك ثمّ ما بين البابين ثمّ مخرج الغائط من فوق بابه متسفّلا بلا مجاوزة، مع استرخاء بإمهال يبتدأ بسعة ويختم بضيق إلى أن يجد خشونة بعد لين مع طمأنينة بالنقاء ثمّ يفيض الماء كذلك، وإن جامع بدأ من السرّة احتياطا اهـ ج1 ص86 - 100. (1/46)
صفحة 47
قال في الإيضاح الاستنجاء بالماء فرض لازم على من فرضت عليه الصّلاة ما لم يكن مانع من ذلك والدليل على فرضيته ما روي عن النبي - عليه السلام - لأهل قباء وساق ما تقدّم من سؤالهم بعد الآية وجوابهم وقال: فلحق بالوجوب، وفي الأصول إن كلّ شيء أقر عليه أمّته وتركهم وفعلوه وكان ذلك عندهم واجبا أو ندبا أو مباحا فهو سنّة.
الفصل الخامس سنن الفطرة والسواك
سنن الفطرة أي الخلقة الأصلية أو الوجه الأمثل للإنسان:
من مزايا الإسلام العناية بنظافة الظاهر والباطن خاصّة وقت اتّجاه الإنسان لعبادة ربّه فيكون على أكمل نظافة وأحسن هندام قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فقيل الزينة اللّباس وقيل هو على أصله ومن ذلك رعاية سنن الفطرة حسبما رويت عن رسول الله أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة قال:» سنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنن في الإنسان خمس في الرأس وخمس في الجسد فاللّواتي في الرأس فرق الشّعر وقصّ الشارب والسّواك والمضمضة والاستنشاق، واللّواتي في الجسد نتف الإبطين وتقليم الأظافر، وحلق شعر العانة والختان والاستنجاء «الجامع الصّحيح ج3 ص556.
الحديث رواه الجماعة بلفظ» الفطر خمس الاستحداد والختان ونتف الإبط وقصّ الشارب وتقليم الأظافر «فقه السنّة ج1 ص34.
فهذه السّنن قيل واجبة والصحيح أنّها مستحبّة إلاّ إذا طالت وشوّهت وهي كما يأتي:
1 - الختان: (1/47)
صفحة 48
الختان سنّة واجبة لا يعتبر الإنسان مسلما إلاّ بها وإلاّ فلا تصحّ إمامته ولا قضاؤه ولا شهادته وينجس سؤره قال في شامل الأصل والفرع ويجب الختن على المكلّف لأنّه من سنن إبراهيم - عليه السلام -، ولا ينبغي تأخيره عن السّنة السابعة إلى الثامنة وقال وكلّ بالغ لم يختتن أبدى عورته ولا يهلك حتّى يخرج وقت الصّلاة أو يطلع فجر الصوم ولم يختتن بلا عذر اهـ ج1 ص99 - 100. والختان قطع الجلدة التي تغطّي الحشفة للرجال أمّا النساء قطع شيء من الجلدة التي تغطّي الفرج ويسمّى خفاظا وهو على الرجال واجب وللنساء مكرمة. اهـ جامع الصحيح الحاشية ج3 ص599.
قال في نيل الأوطار عن أبي هريرة قال إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال اختتن إبراهيم - عليه السلام - خليل الرحمان بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقادوم قال متّفق عليه وذكر الواجب من ذلك وهو قطع القلفة كلّها وأقل ما يجزي وهو قطع غالبها مع خلاف قال والقادوم بضمّ الدّال آلة النّجارة وقيل اسم المكان وهو مكان بالشام ذكره في القاموس وساق الحديث لبيان أن لا حدّ في الختان والصحيح ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ختن الحسن والحسين في اليوم السابع قال وهو مذهب الجمهور وليس بواجب في حال الصغر وللشافعية وجه
أنّه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل عشر سنين وفيه بحث واسع في الخلاف بين المذاهب اهـ ج1 ص127.
أمّا عندنا في المذهب فيجب قبل البلوغ لما يترتّب على البالغ الأقلف من أحكام.
2 - فرق الشعر:
قال في حاشية السالمي على الجامع الصحيح فرق الشعر أي تمييز بعضه عن بعض حتّى قال وهو واجب إذا زاد على قدر القبضتين وساق كلاما للإيضاح فيه شدّة اهـ ج3 ص557.
ولا حدّ في طوله ولا قصره على الصّحيح وإنّما الواجب فرقه قال في الإيضاح في باب نواقض الصّلاة قال روي عن طريق بن عباس أنّه قال - عليه السلام -:» لا يصلّي أحدكم وهو عاقص شعره خلف قفاه «. (1/48)
صفحة 49
وإن عقص شعره أعاد صلاته لهذا الحديث وكذا إن عقده أمامه وسواء في هذا الرجل والمرأة لأنّ السنّة أن يفرّقوا شعرهما وهو من سنن إبراهيم - عليه السلام - وساق حديث أبي عبيدة السابق ثمّ قال وأمّا فرق الشعر فإنّه يحذر اختلاط شعر الناصية وإن جاوز ثلاث شعرات من ناحية الناصية أعاد صلاته وكذا إذا كان الشعر مقدار أربعة أصابع إلى ما فوق وهو عندي أقلّ ما يفرق وروى ابن عباس سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعر رأسها عند الغسل اهـ ج1 ص681.
أمّا من ناحية ترك الشعر وحفّه فالمأمور في الحديث تركه كلّه أو حفّه كلّه فقد نهي عن حفّ بعضه وترك بعضه.
أمّا ما نلاحظه الآن أنّ هناك من يرغب في ترك شعره ويبرّر عمله بفعل النّبي - صلى الله عليه وسلم - فالنظر في ذلك لنيّة الفاعل فهل نيّته اتّباع السنّة كلا لا أظن وإنّما هو تقليد لشباب العصر المقلّد لشباب أوروبا فلمّا أصبح الشعر شعار الفسّاق والملحدين من أوروبا وغيرها يجمل إن لم نقل يجب على المسلم مخالفتهم فالله يقول: {وَلاَ تَركُنُوا إِلَى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمُسَّكُمُ النَّار} والرّكون أدنى ميل، وللباطن تأثير في الظاهر والرسول كثيرا ما يأمر بمخالفة اليهود والمجوس فيقول:» قصّوا الشارب واعفوا عن اللّحى خالفوا اليهود «وفي رواية:» خالفوا المجوس «نيل الأوطار ج1 ص129 قال رواه مسلم.
3 - قصّ الشارب:
هو من سنن إبراهيم - عليه السلام - وحدّه إذا طال حتّى دخل الفم لا تصحّ به الصّلاة وهو مأمور به من السنّة كما في الحديث المتقدّم، فالسنّة قصّه لا حفّه إذ حفّه من فعل المجوس وقد أمر بمخالفتهم في ذلك كما أنّه يمكن أن يكون مجمع عفونات فقصّه من باب النظافة. (1/49)
صفحة 50
قال في الشامل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» قصّوا الشوارب واعفوا اللّحى فإنّ الملائكة تقرب من القاري وتنفر منه إن طال شاربه، وليعتَدن أحدكم قصّ شاربه وتنظيف عنقفته فإنّهما مكان الملكين منه «أي مكان نظرهما لأمر يعلمه الله أو لاعتنائهما بتنظيفهما قال تعالى: {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد} إلى أن قال وقيل يقصّ في كلّ أربعين، وقال وأمّا الشّعر بجانبهما فلا يجوز عندي تركه حتّى يطول فهو كسائر شعر الشّارب حتّى راسيت عن أبي أمامة قال:
قلنا يا رسول الله إنّ أهل الكتاب يقصّون عناتينهم ويتركون سبالهم فقال:» قصّوا سبالكم ووفّر عناتينكم وخالفوا أهل الكتاب «والعناتين اللّحى اهـ ج1 ص97.
4 - السّواك:
السّواك سنّة مرّغب فيها على الصّحيح لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ وضوء وعند كلّ صلاة «ذكره في وفاء الضمانة من مستحبّات الوضوء وقال وقالت عائشة: كنّا نضع لرسول الله سواكه ووضوءه فيقوم فيتخلّى ثمّ يستاك ويتوضّأ اهـ ج1 ص78.
5 - المضمضة والاستنشاق:
هما سنّتان في الوضوء، فريضتان في الغسل إذ اعتبر من الأعضاء الظاهرة ذكر ذلك في الإيضاح وهو أن يضع الماء في فيه ثمّ يمضمضه ويمجّه ويستنشق الماء بخياشيمه ثمّ يستنثره بيسراه قيل بمرّتين وقيل بمرّة وهو ما فعله إلى أن قال وروي عن عمر أنّه قال سألت رسول الله عن الوضوء فقال:» ما من أحد يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق إلاّ خرجت خطاياه من فيه وخياشيمه «فهما أيضا من كمال النظافة لزوال بخار الفم وأوساخ الأنف ليكون بوضوئه أمام ربّه على أكمل هندام.
6 - نتف الإبط: (1/50)
صفحة 51
لما يكمن في شعره من رائحة كريهة لا يحسن بالمسلم تركها وهو سنّة قال في الإيضاح: وأمّا نتف الإبطين فحدّه إذا ألصق ذراعه وخرج شعره من إبطيه فلا تجوز به الصّلاة على هذا الحال لأنّه خرج من موضعه اهـ ج1 ص682. وذكره في الجامع الصحيح في الحاشية قال هو سنّة وفي تركه على المعتاد تشديد ويبدأ باليمين وجاز حلقه لمن لا يقوى على النتف.
7 - حلق العانة:
وهو من سنن إبراهيم ومن النظافة الباطنة ممّا يدلّ على الذّوق الحسن وزوال ما يمكن أن يعلق به من الأوساخ والنجاسات وما يتبعها من عفونة وأمراض قال في الإيضاح وحدّه أن يلوى على الإصبع فلا تجوز به الصّلاة اهـ ج1 ص682 وقال في الشامل: وينتف شعر الإبط أو يحلق أو يقص إذا خرج من العضد وقيل إذا أدار على الإصبع وقيل في كلّ أربعين يوما كالعانة وهي ما حول الفرجين ممّا ينقض الوضوء مسّه وعنه - صلى الله عليه وسلم -:» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع عانته أكثر من أربعين يوما «قال فإن صحّ هذا فمعناه الاعتناء بتهذيب المؤمن لا إخراجه من الإيمان، واستحبّ بعضهم إزالة شعرها في كلّ شهر إلى أن قال وهي بالحلق ومن أجاز النتف والقص قياسا إذ المقصود النظافة بأيّ شيء حصلت اهـ ص99.
8 - قصّ الأظافر:
وهو سنّة ونظافة كذلك ناهيك بما هو أحوج للإنسان لتناول طعامه وشرابه وأكثر مصالحه لنفسه ولغيره فهو أحقّ بالاعتناء قال في الشامل في نفس الصفحة: ويقصّ الظفر أو يقطع، والسنّة القصّ فهو أولى إذا طال من أعلى لحم الأصبع مسبحة اليمنى فإبهامها فوسطها فبنصرها فخنصرها بما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بمسبحته اليمنى وختم بالإبهام وبخنصره اليسرى إلى الإبهام فإن صحّ حمل عليها الرجلان ولم يصلنا في ذلك شيء عنه اهـ، قال في الإيضاح نفس الصفحة السابقة: أمّا الأظافر إذا جاوزت رؤوس الأصابع لم تجز بها الصّلاة اهـ.
9 - الاستنجاء: (1/51)
صفحة 52
وهو إزالة النجاسة من محلّ البول والغائط وهو أهم أنواع النظافة لما يتكرّر من قضاء الحاجة ونزول الفضلات، وقد تقدّم بتبيانه في فصله الخاص.
10 - الاستنشاق: وقد تقدّم.
الفصل السادس
الوضوء وأنواعه وأحكامه
الوضوء من فرائض الصّلاة وفيه تسع مباحث.
المبحث الأوّل: تعريفه وحكمه: ففيه مطلبان
المطلب الأوّل:
تعريفه: الوضوء بضمّ الواو في اللغة حسبما ذكره في شرح النيل النقاوة والنظافة والبريق.
وفي الاصطلاح غسل أعضاء مخصوصة بالنّية للعبادة والوَضوء بفتح الواو ما يتوضّأ به من الماء.
المطلب الثاني:
حكمه: يختلف حكم الوضوء باختلاف المقصود به فهو إمّا فرض أو مندوب أو سنّة أو مكروه أو مباح أو محرّم ففيه ستّة محاور:
المحور الأوّل: الفرض: قال في النيل وشرحه: فرض الوضوء لصلاة الفرض والجنازة إن تعيّنت قال في الشرح على مصلّيها بأن لم يوجد غيره أو وجد معه من لا يحسنها أو انتدب لها بالسبق فإنّ الفرض يتأدّى به (أي يعتبر فعله أداء لها) ومن كرّرها بعده فقد تنفّل وإن لم يكن له عذر وتيمّم لا تجزي لا له ولا لم يلي خلفه بتيمّم اهـ بتصرّف.
(ولطواف العمرة ولطواف الإفاضة) قال في الشرح الواجبة اهـ قال في غيره: إذ الطواف صلاة أبيح فيها قليل من الكلام.
المحور الثاني: المسنون: سنّ الوضوء لصلاة السّنن وطواف الوداع ومسّ المصحف ولنوم بجنابة قال في الشرح: ولا إثم على من نام بلا وضوء والمراد وضوء كوضوء الصّلاة، حتّى تصعد روحه وهو متوّضئ وكذا إن توفّي لكن وضوء النوم بجنابة يقتصر على الاستنجاء والمضمضة والاستنشاق. (1/52)
صفحة 53
المحور الثالث: المندوب: وندب للنوم مطلقا وللقراءة والدّعاء وسجود التّلاوة وقيل فرض وندب لكلّ صلاة ولو لم ينتقض لقوله - عليه السلام -:» لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالوضوء عند كلّ صلاة ومع كلّ وضوء سواك «رواه أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة مسّ الكتب الشرعية وللنّوم بطهارة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا أتيت مضجعك فتوضّأ وضوءك للصّلاة «الخ.
للجنب قبل غسل الجنابة للأكل والشرب ومعاودة الجماع لما روي عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه يفعل ذلك رواه أحمد ومسلم ويلتحق كلّ هذا أيضا بالمسنون وكذا بعد غسل ميّت وحمله وبعد لمس يد أجنبية.
وخروج من خلاف وبعد ثوران الغضب لأنّ الوضوء يطفئه فقد روى أحمد عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -:» إذا غضب أحدكم فليتوضّأ لقراءة القرآن ودراسة العلم وإملائه للآذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو لزواج وزيارة رسول الله وللوقوف بعرفات وللسّعي بين الصّفا والمروة اهـ. الأكثر من الزحيلي وهو موافق.
المحور الرابع: المباح: قال في النيل وشرحه وأبيح لكلّ مخوف كركوب البحر والرقية بكتابة أسماء الله أو ذكرها على المريض وللدخول على الظلمة ومباشرة ما هو مباح كالتجارة.
المحور الخامس: المكروه: كإعادة وضوء قبل الصّلاة وهو متوضّأ إذ هو إسراف أو وسواس لا معنى له.
المحور السّادس: الحرام: إذا فعله لمباشرة سحر أو شعوذة بغير أسماء الله من رقية أو بماء مغصوب وغالب ما تقدّ متّفق عليه.
المبحث الثاني: مشروعيته: الوضوء مشروع بالكتاب والسنّة:
فالكتاب قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وَأيْدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ وامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم وأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَيْنِ}. [المائدة: 06]. (1/53)
صفحة 54
ومن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه «رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وقال في الجامع الصحيح: أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلاّ بالكفّ عن محارم الله «وما رواه أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتّى يتوضّأ «ذكره في الحاشية وكذا ما يأتي من أحاديث في فضله.
المبحث الثالث فضله:
ورد في فضل الوضوء أحاديث كثير ة منها:
ما رواه أبو عبيدة عن جابر عن أنس بن مالك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدّرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد «الخ.
رواه أيضاً مالك ومسلم والتِّرمذي وقال - صلى الله عليه وسلم -:» من توضّأ على طهر كتب اللّه له عشر حسنات «وما رواه أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة عن رسول الله قال:» إذا توضّأ العبد المسلم وغسل وجهه خرج من وجهه كلّ خطيئة نظر إليها بعينيه، وإذا غسل يديه خرج به كل خطيئة بطشها بهما، كذلك حتّى خرج نقيًّا من الذُّنوب «علّق عليه في الحاشية يحتمل المراد بالمسلم الموفي أو المقِرّ بالإسلام مع التَّوبة ومنها حديث ورود أصحاب النبي وإخوانه على الحوض وأنَّه يعرفهم بالغرّة والتحجيل من أثر الوضوء والصّلاة
المبحث الرابع كيفيته:
كيفية الوضوء مأخوذة من عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكره الزحيلي فيما رواه أبو هريرة عند مسلم قال في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه توضّأ فغسل وجهه ويديه فأسبغ الوضوء وغسل يده اليمنى إلى العضد ثمّ اليسرى حتّى أشرع العضد. (1/54)
صفحة 55
وذكر صفته عن عثمان بن عفّان أنّه دعا بإناء فأفرغ على كفّيه ثلاث مرات فغسلهما ثمّ أدخل يديه في الإناء فَمضمَض واستنثر ثلاثا، ثمّ غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثُمَّ مسح برأسه، ثُمَّ غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثُمّ قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضّأ نحو وضوءي هذا قال ذكره في نيل الأوطار.
وفي الجامع الصّحيح أبو عبيدة عن جابر عن ابن عبّاس عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه:» توضّأ مرة فقال هذا وضوء لا تقبل الصّلاة إلاّ به، ثمّ توضّأ اثنتين اثنتين فقال من ضاعف ضاعف الله له، ثمّ توضّأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوءي ووضوء الأنبياء من قبلي «.
ذكر في الحاشية هل تكرر المسحات وصحّح عدمها قال: قال أصبحنا من المغاربة وكثير من قومنا أنَّ المسح لا يكرّر اهـ ج1ص145.
المبحث الخامس فرائضه:
فرائض الوضوء المتّفق عليها ست وهي كما ذكرها في النيل وشرحه:
أ- النِّية وهي العزم بالقلب على أداء الواجب امتثالاً لأمر الله ورجاء الثواب لقوله - عليه السلام -:» إنّما الأعمال بالنّيات «متّفق عليه.
ب- الماء المطلق وهو ما تقدّم في ذكر المياه ولا يصحُّ إلاّ به لأنّه غير معقول المعنى.
جـ- غسل الوجه باستيعاب وحده من منبت الشعر المعتاد لمنتهى الذقن طولا ومن الأذن عرضا.
د- غسل اليدين إلى المرفقين حسبما ذُكر في صفة وضوء رسول الله بدخلوهما.
هـ- مسح الرأس قيل كلُّه و الصحيح بعضه وهو ثلاث شعرات بثلاث أصابع فأكثر.
و- غسل الرِّجلين إلى الكعبين بدخولهما وهي الأعضاء المذكورة في الآية السّابقة ومن العلماء من اعتبر البسملة والصحيح أنّها سنّة.
المبحث السادس سننه:
سنن الوضوء مأخوذة من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمله وهي ست:
أ- غسل اليدين إلى الرسغين.
ب- المضمضة والاستنشاق.
جـ- تخليل اللّحية والأصابع.
د- مسح ظاهر الأذنين وباطنهما.
هـ- التثليت والترتيب.
و- التسمية (1/55)
صفحة 56
والفرق بين ما هو سنة وما هو فرض أنّ الفرض يعيد تاركه أما السنّة فلا إلاّ أن تعمّد.
المبحث السابع مندوباته:
مندوبات الوضوء ثمانية حسبما ذكرها في النيل وشرحه وهي:
أ- ترتيب المسنون على المفروض: بأن ينوي بالغسل الأول الفرض.
ب- السّواك قبله: لما تقدّم من ترغيب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه.
جـ- التّوضي باليمين.
د- المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير صائم.
هـ- الابتداء من مقدّم الرّأس: قال في الشرح الأنسب من أعلاه للمسح.
و- تقليل صب الماء: لما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بمد رواه أحمد.
ز- الذّكر والدُّعاء في أثنائه.
حـ- الاشتغال به مع حضور البال: قال في شرح النيل وهذه كلُّها سنن إلاّ أنّها غير مؤكّدة وهي مستحبّة وذكر الزحيلي مثل ذلك مع اختلاف بين المذاهب في اعتبارها.
المبحث الثامن مكروهاته:
مكروهات الوضوء عشرة حسْبما ذكرت في النيل وشرحه وغيره من مثل القواعد والذهب الخالص والإيضاح وهي:
أ- الإكثار من صبّ الماء: إذ اعتبره النّبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ولو كنت على نهر ومن ذلك الزّيادة على الثلاث في المغسول وعلى المرة في الممسوح.
ب- الوضوء في محل الخلاء: لما يتوقع من طيران النجاسة ولشرف الوضوء.
جـ- الكلام بغير الذِّكر إلاّ لما لا بدّ منه أو أمر مهم.
د- الاقتصار على المرة لغير العالم: إذ ربّما لا يستوعب العضو بالغسل.
هـ- الوضوء من المشمس في إناء مكشوف: لما يتوقع من ضرر.
و- استعمال آنية الذهب والفضة أو النحاس: لما فيه من مظهر إسراف.
ز- التوضي عريانا وإن بخلوة أو ظلمة مراعاة للحرمة.
حـ- التوضي بمضاف لم يتغير.
ط- المسح بمنديل أو نحوه بعده، ولو ثوب الصّلاة لما ذكر في الجامع أنّ النبي أوتي له به فردّه أو ليبقى أثر الوضوء لما ورد من التحجيل يوم القيامة.
ي- لطم الوجه بالماء ونفض اليدين بعد الغسل.
المبحث التاسع نواقضه: (1/56)
صفحة 57
يعتبر الوضوء رفعا للأحداث وتلك الأحداث هي نواقضه وهي عشرة أنواع:
أ- خارج من مخرجي إنسان: البول والغائط والمني والمذي والودي والرِّيح والدابة ودم استحاضة وطهر من امرأة.
ب- ما خرج من مخرجيه: كقيء وقلس ورعاف ودم بفم غلب بزاقاً.
جـ- قلع شعر أو ظفر وجلد حي من أصل وإن بلا دم: أمّا الظفر والجلد الميّت فلا نقض به على الصحيح.
د- النوم الثقيل: وإن مع جلوس بأن لا يشعر بمن مسّه وبالخفيف إن كان باضطجاع.
هـ- بكلّ ما يغيّب العقل من جنون أو سكر أو إغماء وسواء السكر حرام أو حلال.
و- كلّ كلام محرّم: مثل الغيبة والنميمة واليمين الفاجرة والكذب لما روي عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -:» خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ويهدمن الأعمال هدمًا: الغيبة والنميمة واليمين الفاجرة والكذب عن عمد والنظرة بشهوة «ذكره في القواعد فكلّ كلام محرّم ينقض الوضوء وكذا النطق بعذرة أو عورة بأقبح اسم أو شتم بهما.
ويجوز من الكلام المحرم ما تقية أو تعريض لخروج من حرج.
ز- النظر بشهوة: ولو لحجر ونظر غير وجه وكف أجنبية أو كتاب سِرّ أو في بيوت الغير تجسسا ولعورة من رجل أو امرأة لا لمعالجة بلا شهوة ولما بين سرّة وركبة أمة أو رجل.
حـ- لمس بدن أجنبية أو عورة رجل أو امرأة: ولو من نفسه أو زوجة أو سرية واختلف في مسّ العانة وما حول الفرجين وذلك بباطن كف أما بغيره ففيه خلاف صحيح عدمه وذلك لقوله - عليه السلام -:» من مسّ ذكره فليتوضّأ «وروي مثل ذلك في المرأة إذا مسّت فرجها الحديثان رواهما أبو عبيدة وأحمد وبلمس الميتة مطلقا وقيل إن كانت رطبة خاصّة ميتة حيوان.
ط- بسماع محرم: كغيبة أو نميمة أو غناء محرم أو باطل ونياح.
ي- القهقهة في الصّلاة: وتنتقض معه وهو ضحك بصوت ظاهر ولا يضرّ تبسّم.
أحكام عامة في الوضوء:
للوضوء أحكام عامة منها:
أ- يجب على المتوضي أن تستمر نيته عنده فلا يصرفها إلى قصد تبرّد أو نظافة. (1/57)
صفحة 58
ب- يستحبّ أن يدعو بالدعوات المأثورة التي تناسب كلّ عضو فيقول:
عند غسل وجهه: ''اللّهم بيِّض وجهي بنورك يوم تبيِّض وجوه المسلمين وأعوذ بك أن تسوّد وجهي يوم تسوّد وجوه الكافرين والكافرات''.
وعند غسل اليد اليمنى: ''اللّهم إني أسألك أن تعطيني كتابي من يميني وتحاسبني حساباً يسيرا''.
وعند اليسرى: ''اللّهم إنّي أعوذ بك أن تعطيني كتابي من يساري أو من وراء ظهري''.
وعند مسح الرّأس: ''اللهمّ حرّم شعري وبشري على النّار وأظلّني بظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلاّ ظلّك''.
وعند غسل الرجل اليمنى: ''اللّهم ثبّت قدمي على الصّراط والحقّ والدّين يوم تثبّت أقدام المسلمين والمسلمات''.
وعند الرجل اليسرى: ''اللهمّ إنّي أعوذ بك أن تزلّ قدمي يوم تزلّ أقدام الكافرين والكافرات.
وعند مسح الأذنين: ''اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه''.
وفي المضمضة والاستنشاق: ''اللّهم اشممني روائح الجنّة وأطعمني من ثمارها''.
وفي الأخير ''اللهم اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهرين''.
جـ- يراعي الاستيعاب: عند غسل الأعضاء وفي المضمضة يدخل أصبعه في فمه مارا بأضراسه العليا يمينا راجعا من أضراسه وأسنانه السفلى وعند الاستنشاق يدخل أصبعه في أنفه زيادة في النقاوة.
د- يصحّ أن يصلّي أو يقوم بأي عبادة بوضوء مالم ينتقض.
الفصل السابع
الاغتسال وأنواعه وأحكامه
الاغتسال في اللّغة معالجة الغَسل وهو بالفتح إفاضة الماء مع الدّلك والغُسل بالضم ما يغسل به والغِسل بالكسر ما يستعان به من أشنان وصابون ونحوهما كما في الزحيلي.
والبحث على سبعة مباحث.
المبحث الأول مشروعيته:
شرع الغسل بأنواعه بالكتاب والسنّة أمّا الكتاب ففيه نوعان: (1/58)
صفحة 59
الغسل من الجنابة في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُم جُنُبًا فَاطَهَّرُوا} [المائدة: 6]، والثاني الغسل من الحيض في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [البقرة: 222].
أمّا السنّة فقوله - صلى الله عليه وسلم - في الغسل من الجنابة أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو عبيدة عن جابر ابن عباس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» الوضوء من المذي والغسل من المني «ذكره في نيل الأوطار وقال رواه أحمد ابن ماجه وما روي أنّ جابرا سأل عائشة هل كان رسول الله يغتسل من جماع ولم ينزل قالت كان يفعل ذلك ويغتسل كما روي عنه أنّه كان يغتسل ويأمر بالغسل للجمعة وكثير من العبادات كما سيأتي.
المبحث الثاني حكمه وأنواعه:
حكم الغسل يختلف باختلاف أنواعه باعتبار المقصود منه وهو ثلاث ففيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول الفرض: الاغتسال المفروض ثلاث:
أ- غسل من الجنابة وهو إفاضة الماء وتعميم الجسد به مع العرك بيد أو نحوه ويكفي نزول الماء بغزارة وكذا تموجه بشدّة بنية رفع الحدث.
ب- الغسل من الحيض والنفاس.
جـ- غسل الميت.
وغسل الجنابة والحيض والنفاس فرض لصلاة الفرض والصوم والطواف والقراءة ومس المصحف والمكث بالمسجد، وهو ما تفيده الآيتان السابقتان فلا يصح صوم ولا صلاة ولا طواف بلا طهارة منهما وإن نافلة.
المطلب الثاني المسنون:
سنّ الغسل مطلقا بلا جنابة للجمعة والعيدين والإحرام ودخول مكة والحجامة بتأكيد واستحب للوقوف بعرفات والمزدلفة وغسل الميت والاستحاضة عند انقطاع الدم ذلك ما ذكره في النيل وشرحه ج1 ص177 - 178.
المطلب الثالث المباح: يباح الغسل بل يستحب للتنظيف وحضور المجامع والرقيا بما هو مباح.
المبحث الثالث موجبه: موجب الاغتسال أربعة أحداث: (1/59)
صفحة 60
أ- خروج المني: وهو ماء غليظ أبيض له رائحة كرائحة الطلع يندفق من الفرج مع اللّذة والخلف فيما إذا انفصل من مجاريه بلذّة ثمّ خرج بدونها فهل يلزم بذلك غسل الصحيح نعم لما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» الوضوء من المذي والغسل من المني «تقدم فيجب الغسل بخروجه مهما كان سبب خروجه بجماع أو معالجة أو حلم لما روي عن أمّ سلمة أنّها سألت النّبي أمّ سليم فقالت يا رسول اللّه إنّ الله لا يستحي من الحقّ فهل على المرأة غسل إذا احتلمت قال:» نعم إن رأت الماء «فقالت أمّ سلمة: أوَ تحتلم المرأة فقال:» تَربت يداك فبم يشبهها ولدها «، نيل الأوطار قال رواه الشيخان بألفاظ وذكره في الجامع الصحيح.
ب- التقاء الختانين: والمراد دخول الحشفة في الفرج فذلك موجب للغسل لما رواه عن الحديث المتقدّم عن عائشة - رضي الله عنه - ا قالت أيضا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:» إذا قعد الرجل بين شعبيها وجب الغسل «وفي رواية» ثمّ جهدها «وعند مسلم قال:» إذا قعد بين شعبيها ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل «اهـ الجامع ص136.
جـ- الطهارة من الحيض أو النفاس: لما روي عن عائشة - رضي الله عنه - ا قالت: لا تطهر المرأة من حيضها حتّى ترى القصّة البيضاء، رواه أبو داوود فإذا رأت المرأة القصّة البيضاء اغتسلت وكذا إذا أتمت أيام حيضها بالانتظار أو اعتادت الجفوف.
قال في النيل وشرحه: أجمعوا على وجوب الطهارة من حيض ووطء وإن بلا إنزال أو به وباحتلام ولو لامرأة على الصحيح، والخلف في أي وطء يجب به التطهير ورجح بالتقاء الختانين ولو بميت أو بهيمة.
وصحّ بغيوب الحشفة أو قدرها ولو ملفوفا أو مع سكر أو إغماء أو جنون بعد إفاقة وهل موجبه خروج المني لوجود لذته قولان.
أمّا المذي وهو رقيق كاللّعاب فلا يجب به إلاّ الوضوء بعد غسله وكذا الوذي وهو ماء غليظ أصفر يخرج قبل البول أو بعده لمن طالت عزوبته. (1/60)
صفحة 61
المبحث الرابع كيفية الغسل:
من أراد الغسل من الجنابة وقد خرج منه مني فليستبر ببول قبل الغسل لعلّه بقي شيء وإن لم يفعل فإنّه يجب أن ينظر لعلّه يخرج منه شيء بعد ذلك ويعيد الغسل ثمّ بعد الاستنجاء وإزالة النجاسات ينوي رفع الحدث عنه من جنابة أو امرأة من حيض أو نفاس ثمّ يغسل يديه ثلاثا ثمّ يفيض الماء على رأسه ثلاث حتيات ثمّ المضمضة والاستنشاق ثمّ يبدأ في الغسل من رأسه مستوعبا جميع جسده مع قصد لمغابن الجسد ذلك ما ذكره في النيل وشرحه مقدّما الوضوء عليه قال والأحسن تأخيره ذلك ما يشير إليه ما رواه أبو عبيدة عن جابر عن عائشة - رضي الله عنه - ا قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثلاثا ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصلاة ثمّ يدخل أصابعه في الماء ويخلّل أصول أصابعه ثمّ يصبّ الماء على رأسه ثلاثاً ثمّ يفيض الماء على جسده كلّه وهذا بعد الاستنجاء اهـ.
وفيه أيضا حديث عن ابن عباس قال - صلى الله عليه وسلم -:» تحت كلّ شعرة جنابة فانقوا البشرة وبلّوا الشعر «قال رواه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجة.
المبحث الخامس فرائضه:
فرائض الاغتسال ست حسبما ذكرها في النيل وشرحه قال وفرض الواجب النّية عند التلبّس به، واستمرار حكمها فيه وتعميم الجسد بالقصد، قال في الشرح أي إلى مغابن الجسد، وإمرار اليد أو نائبها، قال كعود أو حجر بالماء المطلق والموالاة مع الذكر، قال في الشرح والقدرة كما لا تجب مع النسيان والمضمضة والاستنشاق، قال في الشرح وقيل سنّتان كالوضوء ووجه كونهما فرض في الاغتسال أنّ الاغتسال مأمور به في القرآن بلا ذكر للأعضاء فعلما عموم الفم والأنف لأنّه يصلهما الماء بلا مشقة الخ اهـ ج1 ص130.
المبحث السادس سننه. ومكروهاته: (1/61)
صفحة 62
سنن الاغتسال كما ذكرها في النيل أيضا سبع: تخليل اللحية والأصابع وغسل اليدين أوّلا، والوضوء قبله، وإفاضة الماء على الرأس ثلاثا، والسواك والتسمية يشير إليها الحديث المتقدّم.
المبحث السابع مندوباته:
مندوباته التعجيل به قبل كلّ شيء والذكر في أوّله وأثنائه (وفيه نظر) ومكروهاته التنكيس والإكثار من صبّ الماء والكلام فيه.
قال في النيل وشرحه وهلك تاركه عمدا مع خروج الوقت بلا مانع قال ولا يلزم المرأة به نقض الظفائر، ولا يغتفر في إبقاء الأقل وصحّ الرجوع إليه وإن بمسحه من ماء عضو آخر.
الفصل الثامن
التّيمم وأحكامه
التيمّم لغة القصد مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُون}.
أمّا في الشرع فهو طهارة ترابية حكمية تستعمل عند فقد الماء أو العجز عن استعماله والبحث فيه على ست مباحث:
المبحث الأوّل مشروعيته وحكمه: شرع التيمم بالكتاب والسنّة:
فالكتاب قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُم مَرضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكم مِنَ الغَائِطِ أَو لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم مِنهُ} [المائدة: 6].
ومن السنّة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا «رواه أبو عبيدة عن ابن عباس ومسلم عن أبي حذيفة وهو متفق عليه وما ذكره أبو عبيدة عن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند رجوعه من غزوة بني المصطلق لفقده عقدا لعائشة فباتوا على غير ماء فنزلت آية التيمم.
وحكم التيمم الإباحة إذا ثبت العذر المبيح له قال في النيل وشرحه أبيح التيمم لمريض ومسافر عدم ماء بإجماع، والخلف في حاضر عدمه هل يتيمّم إن خاف فوت الوقت ويصلي أو يطلبه وإن فات قولان. (1/62)
صفحة 63
قال في الشرح بعد أن خاف فوت باشتغال بجلب الماء أو تسخينه أو تبريده ويصلّي بلا إعادة بعد خلاف لمن قال يعيد ويغتسل للجنابة بعد الصّلاة وقد تيمّم لها قال رجّحوا الثاني لوجود الماء والقدرة عليه.
قال والمريض المباح له التيمم هو كلّ مضني واهي الأعضاء عاجز عن تناول الماء أو خاف زيادة مرض أو تأخّر برء أو كان جريحا أو مجروبا أو مجدورا أو ذا دماميل أو علّة يتضرّر بها، والسالم بعض أعضائه مخاطب بها والفرض لازم قال في الشرح ويكفي ظنّه وخوفه ولو للميذ في البحر أو غيره وقال الشافعي إن كان طبيبا وإلاّ رجع لطبيب حاذق قال ويتيمّم إن كانت لحيته تنتف أو حاجبه أو شفار عينيه بالماء والخلف في العليل هل يمسح بالماء على الجبائر وعليه العمل أو يغسل السالم ويتيمّم للعليل أقوال وساق في الشرح أقوالا أخرى والصحيح أنّه يتيمّم للعليل ويغسل الصحيح.
قال في الأصل وكالوضوء الغسل وإن تنجّس العليل يتيمّم له وغسل الصحيح وجواز التيمم للكل إذ صحة الوضوء زوال النجس وقد تعذّر وكذا ممنوع من استنجاء كسلس واسترسال بول أو جوف أو جرح لا ينقطع بتيمّم، وجاز لمسافر في مباح عن فقد ماء أو ما يتناوله به أو حال دونه سبع أو عدو أو بعد مفوّت للوقت أو كان معه ما لا يكفي إلاّ لشربه أو دوابه أو لا يجده إلاّ بالثمن الكثير.
وهل هو عزيمة أو رخصة لا يباح لمسافر في معصية وهو الصحيح فيجب القضاء على من تيمّم بذلك اهـ ج1 ص372 - 377.
المبحث الثاني الحكمة من مشروعيته: (1/63)
صفحة 64
التيمم قيل أمر تعبدي لم تدرك حكمته ذكر ذلك في المنار بعض الحكم من شرعه فإليك شيئا من ذلك باختصار يرى جمهور العلماء أنّ التيمّم أمر تعبّدي لا حكمة له إلاّ الإذعان والخضوع لأمر الله وذلك أنّ لأكثر العبادات منافع ظاهرة لفاعليها ومنها الوضوء والغسل من النظافة فإذا هي فعلت لأجل فائدتها البدنية أو النفسية ولم يقصد بها الإذعان وطاعة الشارع لم تكن عبادة ولذلك كان تحقيق أنّ النّية واجبة في العبادة كلّها فالحكمة العليا للتيمّم هي أن يأتي المكلف عند الصّلاة بتمثيل بعض عمل الوضوء ليشير به إلى أنّه إذا فاته الوضوء والغسل لا يفوته ما فيه من معنى الطاعة فالتيمّم رمز لما في الطهارة المتروكة للضرورة من معنى الطاعة التي هي المقصود في طهارة النفس.
ثانيا حكمة عالية وهي ما في تمثيل عمل النظافة والطهارة بالإشارة من معنى الثبات والمواظبة فمن اعتاد ذلك سهل عليه إتقان العمل وترى مثل ذلك واضحا جليا في نظام الجندية فيما يقيمونه من حراسة مشدّدة ولو في وقت السّلم ليعتادوها لوقت العسرة والخوف.
وكذا العمال في الورشات ممّا لهم من أعمال لضمان المداومة اهـ ج5 ص131.
قال في النيل وحكمته اللطف بالأمّة والجمع لها في عبادتها بين ما هو مبدأ إيجادها وسبب حياتها قال في الشرح وهو التراب والماء للوضوء.
المبحث الثالث فروض التيمم وسننه:
ذكر في النيل فروضه فقال:
وفروضه النّية وطلب الماء قبله وضربة للوجه وأخرى لليدين إلى الرسغين والموالاة وعموم الوجه بالمسح كالكفين بالصعيد الطاهر، وسننه تقديم مسح الوجه وتجديده للكفين ونفض ما تعلّق بها برفق والتسمية. (1/64)
صفحة 65
ذكر في المنار محل التيمم فقال الوجه والكفين وذكر حديث عمّار حيث لزمته الجنابة فتمرّغ في التراب فلما قال ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» يكفيك هكذا وهكذا «قال عمّار فضرب بكفّيه الأرض ونفخ فيها ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه، وذكر رواية أخرى عن أسلع بأنّه ضرب ضربة ومسح بها وجهه ثمّ ضرب أخرى فمسح بها يديه وذكر في الجامع روايتين عن عمّار في ذلك.
المبحث الرابع شروط التيمم:
شروط التيمم نوعان شروط وجوب وهي:
كما ذكرها في النيل كغيره البلوغ والعقل والإسلام وكون المكلّف ذكرا لا ناسيا ولا مانع له من حيض أو نفاس.
وشروط صحته دخول الوقت وثبوت العذر فلا يصحّ قبل الوقت قال في النيل وشرحه ودخول الوقت من شرطه على الأصح وقيل لا كالوضوء قال في الشرح لأنّه رخصة للمضطر وليس الإنسان قبل الوقت مضطراً وهذا الخلاف مثاره هل هو رافع للحدث أو مبيح للعبادة.
فعلى الأوّل فهل جائز أوّل الوقت أو بعده خلافا لمختار لمن تيقن عدم الماء أوّله قال في الشرح والصحيح عندي أنّه رافع وأنّه لا يجوز قبل الوقت لأنّه لفقد الماء أو عدم القدرة ولا يصدق عليه ذلك قبل الوقت اهـ. بناء على هذا فمن تيمّم في الوقت يستطيع أن يصلّي به ما شاء ما لم ينتقض، ولا يعيد الغسل أو الوضوء عند وجود الماء.
ويقوّي ذلك ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر كما في الجامع:» الصعيد الطاهر يكفيك إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فامسس به بدنك «.
وفي المسألة توضيح في فتوى الشيخ بيوض والشيخ بكلي عبد الرحمان فقد اعتبروا أنّه رافع فقال إذا تيمم شخص لجنابة وصلّى به فرضا أو نافلة لا يعيد الغسل بعد ذلك إذا جاء الماء فقد ارتفعت.
المبحث الخامس كيفية التيمم وعن ماذا يكون بدلاً منه:
وردت كيفية التيمم في الحديث عن رسول الله بيانا لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأَيْدِيكُم مِنْهُ} (1/65)
صفحة 66
بأن وضع يديه على التراب ونفخ فيهما ثمّ مسح بهما وجهه ثمّ وضعهما مرّة ثانية ومسح بهما يديه ظاهراً فباطنا ذكر الحديث في الجامع كما تقدّم وعلّق عليه القطب رحمه الله في شرح النيل قال لعلّ الضربة الواحدة لقصد التعليم أنّ ذلك كاف.
إذ في مكان آخر ذكر ضربتين قال في الأصل: يعمّم الوجه بتيمم من أعلاه بلا ساتر بلا عذر وإن بتنكيس ومن أذن لأذن بالكفين بتفريق الأصابع عند الوضع في الصعيد بعمد مع تسمية كالوضوء ونفض عند رفع لوجه. وإمرار اليسرى على ظاهر اليمنى لبنانها من صغراها مخللا بينها معمّماً للكف ثمّ اليسرى كذلك وصحّ وإن ملفوفين لعذر أو مع قطع إحداهما بصحيحة وإن على باطن ذراع وإن حزتا سقط.
قال في النيل وأجمعوا أنّه بدل من الصغرى والخلف في الكبرى فعندنا كالصغرى قال في الشرح وهي الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس وقال فهي عندنا وأكثر الأمّة أنّه بدل من الصغرى والكبرى وروي عن الشافعي أنّه لا تيمّم للجنب بل الوضوء فقط على أن ّالملامسة مسّ المرأة لا الجماع وليس كذلك وعن بعض أنّ الإجماع منعقد على أنّ المحدث والمجنب يتيمّمان.
إلى أن قال ويتيمم للميّت وأنواع الاغتسال المستحب عند عدم القدرة باتفاق ومن قدر فليغتسل أو ليترك اهـ.
وعلى الجنب العاجز عن الغسل ووضوء تيمم الاستنجاء وجنابة وآخر لوضوء وقيل لكل تيمّم وجوّز واحد للثلاثة وصحّ الأول اهـ ج1 ص363 - 365.
الباب الثاني
الصلاة وأنواعها وأحكامها
الفصل الأول
تعريفها، مشروعيتها، الحكمة من مشروعيتها، حكمها، فضلها، وعيد تاركها، ففيها خمس مباحث:
المبحث الأول تعريفها ومشروعيتها: الصّلاة في اللّغة الدعاء
قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَوَاتُكَ سَكَنٌ لَهُم} [التوبة: 103] أي ادع لهم، أمّا في اصطلاح الشرع فهي عبادة بدنية ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم ذلك ما عرّفت به في النيل وشرحه. (1/66)
صفحة 67
قال صاحب النيل هي من أركان الدين وفرضت على من بلغ وصحّ عقله إجماعا خمس، قال في الشرح الركن هو الجانب القوي من الشيء والدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات اهـ شرح النيل ج2 ص6.
وعرّفت أيضا بأنّها قربة ذات إحرام وتسليم وسجود لتشمل صلاة الجنازة وسجود التلاوة.
المبحث الثاني الحكمة من مشروعيتها:
أعظم فرض شرعه الله بعد التوحيد هو الصّلاة لما فيها من حكم بليغة لتربية الفرد السليم وهي كما يلي:
أ- إنّها شرعت لاتّصال العبد بربّه كلّ يوم خمس مرّات، ليقرّ بعبادته ويسأله العون والتوفيق في مقاصده الدنيوية والأخروية من غير واسطة.
ب- عقد الصّلة بين العبد وربه مع لذّة مناجاته والتماس الأمن والسلامة فيتربّى بذلك الوازع الديني ليقوى على مجابهة عوائق الشهوات.
جـ- فيها تربية النفس على تمام الانقياد لله لما فيها من أعمال غير ظاهرة المغزى فتتكون فيه ملكة الطّاعة والامتثال في سائر العبادات.
د- العناية بها يحمل الإنسان على ترك ما يبطل ثوابها من المعاصي وذلك مصداقا لقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَر} [العنكبوت: 45] فوقوف الإنسان بين يدي ربّه يذكّره بواجبه نحوه من الطاعة وترك العصيان.
هـ- الطمأنينة النفسية وراحتها بالإقبال على الله كلّما اشتدّ أمر عليه وهو أمر طبيعي في الإنسان من قديم كلّما اشتدّ عليه أمر حزب إلى الصلاة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» حبّب إليّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة «رواه أحمد.
المبحث الثالث حكمها ووعيد تاركها: (1/67)
صفحة 68
الصلاة فرض على كلّ بالغ عاقل سواء ذكرا أو أنثى وقد فرضت في السنة الحادية عشر من البعثة ليلة الإسراء على القول المشهور ودليل فرضها من القرآن كثير ومنه قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُوتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} {ا} [البيّنة: 5]، وقوله: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَت عَلَى المُومِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا}، وقال رسول الله:» بني الإسلام على خمس: على أن يوحّد الله تعالى، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا «وقال:» الصّلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الإيمان «كلا الحديثين متفق عليه.
فالصلاة ركن من أركان الإسلام والغرض منه الصلوات الخمس، والخلاف في الوتر والصحيح أنّه سنّة لقوله - عليه السلام - في حجة الوداع:» صلّوا خمسكم وصوموا شهركم. الخ «متفق عليه وقال:» خمس صلوات فرضهنّ الله على العبد بين اليوم واللّيلة فمن أتى بهن تامّة لم ينقص منهنّ شيئا كان حقا على الله أن يدخله الجنة «رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والربيع القناطر ج1 ص351.
فضل الصّلاة: (1/68)
صفحة 69
ورد في فضل الصلاة أحاديث كثيرة فهي الصلة بين العبد وربه كما تقدّم، كما تكون سببا لغفران الذنوب مصداقا لقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَات يُذْهِبنَ السَيّئَاتِ} وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من صلّى الصلوات الخمس لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم ّركوعها وسجودها، صعدت وهي بيضاء مسفرة تقول حفظك الله كما حفظتني ... «الوضع ص91، وقال أيضا في نفس الصفحة:» مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب غمر يمر بباب أحدكم فيقتحم فيه كلّ يوم خمس مرات فما ترون من ذلك أيبقى من درنه شيء «قالوا لا شيء قال:» فإنّ الصلوات الخمس تذهبن الذنوب كما يذهب الماء الدرن «، وقال:» الصلاة نور والصدقة ضياء والقرآن حجة لك أو عليك «، ففضل الصلاة ظاهر والمحافظة عليها تطهير للنفس من النّفاق وتذكّر لله كما ظهر فضلها فيما سبق من حكمة مشروعيته.
وعيد تاركها: (1/69)
صفحة 70
من أعظم الكبائر ترك الصلاة فذلك قطع الصلة بين العبد وربه ويعدّ ذلك نسيانا منه لله، وفتحا لباب الشيطان وتسلطه قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكرِ الرَّحمَانِ نُقَيِّض لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإِنَّهُم لَيَصُدُّونَهُم عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» ليس بين العبد والكفر إلاّ تركه الصّلاة «وقال:» الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الإيمان «، وقال:» لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له الخ «الجامع الصحيح في الحاشية الحديثان رواهما الجماعة إلاّ البخاري. فتارك الصلاة يعتبر كافرا قال معناه أن ّالعبد إذا ترك الصلاة دخل في الكفر فالكلام مساق مساق الشرط إذ العرب تقول ما بيني وبينك تمام المدة قال هذا معروف من لغتهم فلا إشكال في الحديث ثمّ أفاض الكلام في بحث طويل حول معنى الحديث اهـ الجامع ج1 ص451، قال القطب رحمه الله في الشامل لا يعذر تارك الصلاة من أحاط به حريق أو هدم أو غرق يصلّي كما أمكنه حتّى الإيماء والتّكبير، ولا ماش لا يستطيع وقوفا ومن تركها مع ذلك فهو هالك يلزمه ما يلزم تاركها في غير ذلك لكن يدرأ عنه الحدّ عندي للشبهة بخلاف تاركها في غير ذلك فإنّه يقتل إلاّ إن تاب قبل القتل وقال عمر يستتاب ثلاثا كل يوم مرة فإن لم يتب قتل إلى أن قال وقتل تارك الصلاة عندنا قتل حدّ لا قتل كفر، واختلف قومنا ثمّ ساق خلافا وبحثا قيما في الاحتجاج على كفر تاركها كفر نعمة اهـ ج2 ص189.
الفصل الثاني
شروطها وأركانها
المبحث الأول شروطها: شروط الصلاة نوعان: شروط وجوب وشروط صحة: (1/70)
صفحة 71
1 - شروط الوجوب: شروط وجوب الصلاة: البلوغ والعقل والإسلام على خلاف هل المشركون مخاطبون بفروع الشريعة وهو الصحيح بدليل قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّْينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُوتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} فهم مأمورون بالصلاة والزكاة ومن أسباب دخول النار ترك الصلاة وعلى هذا فالإسلام شرط صحة لا شرط وجوب فلا شرط لوجوب الصلاة إلاّ البلوغ والعقل، كما تقدم من قول صاحب النيل فرضت على من بلغ وصحّ عقله إجماعا خمس.
2 - شروط صحة: وهي:
1 - الطهارة وقد تقدّمت بتفصيل
2 - الوقت.
3 - اللّباس.
4 - المكان.
5 - الاستقبال.
6 - الإتيان بأركانها تامّة وسيأتي تفصيلها بحول الله.
المطلب الأول دخول الوقت:
قال الله تعالى: {فَإِذَا اطمَأْنَنْتُم فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُومِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا} من شروط صحّة الصّلاة دخول الوقت، فلا تصحّ قبله إجماعا قال أبو نصر رحمه الله:
ومن كان صلى قبل وقت فإنّه ... يعيد ولو صلّى بألف على طهر
وذلك لقاعدة أنّ اليقين لا يزيله إلاّ اليقين فما دمنا من دخول وقت الشيء الموقت لا يجوز الإتيان به لأنّ الأمر في الصلاة مقيّد بالوقت فلا بدّ من مراعاته كما قال السالمي والأمر يأتي مقيّدا وقد يأتي بلا قيد، فإن قيّد ورد.
فاعتبر القيد الذي عليه ذل ... واحكم عليه بالذي فيه نزل (1/71)
صفحة 72
ودخول الوقت شرط لصحّة الصلاة فكما لا يجوز قبله لا يجوز تأخيرها فمن أخّرها عن وقتها من غير عذر كفر ولزمته الكفارة قال في حاشية الإيضاح وفي السير قال أبو سفيان أفتى الربيع لامرأة سألت والدتي وكانت تحت الربيع عمّن اشتغل عن الظهر إلى العصر قال تعتق رقبة قالت: لا يجد قال: تصوم شهرين اهـ الإيضاح ج1 ص376.
أوقات الصلاة:
قال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، وقال: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَات يُذْهِبْنَ السَيِّئَات ذَلِكَ ذِكْرًى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]، فالصلاة لها أوقات خاصّة لكلّ من الصلوات الخمس فأوّل الظهر الزّوال وهو ميلان الشمس إلى جهة المغيب وآخره صيرورة ظل كلّ شيء مثله بعد قدر الزوال، وهو أوّل العصر وآخره غيوب قرن من الشمس، وأوّل المغرب استكمال غيوب الشمس بعدم تميز المغيب وآخره، غيوب الشفق الأحمر وهو أوّل العشاء وآخره منتصف الليل وقيل طلوع الفجر وأوّل الصبح طلوع الفجر الصادق المستطيل وآخره طلوع قرن من الشمس ذلك ما اتّفق عليه غالب الفقهاء قال في النيل أوّل الظهر الزوال ويدلّ أيضا على وقته استقبال المرء القبلة وغض يمناه فإن لم يرى الشمس صلاه وقطعها من السماء الأكثر، ويدلّ على العصر استقبال القبلة وضرب الشمس العظم الذي قدّام الأذن شتاء والذي وراءه صيفا وذكر علامات أخرى في كلّ شهر بقياس الأقدام، (1) وقيل الظهر والعصر مشتركتان كالمغرب والعشاء من غيوب الشفق الأحمر وقيل الأبيض وقيل غير موسع قال في الشرح وعلى عدم الاشتراك فمن آخر الأوّل إلى وقت الثانية عمدا كفر ولزمته الكفارة اهـ شرح النيل ج2 ص18.
__________
(1) - قدم كلّ شيء سُبعه أي سبع قامته بأقدامه هو. (1/72)
صفحة 73
ويدلّ أيضا على المغرب طلوع الليل وتعرّضه للمشرق بعدم تميز المغيب ووجود ضوء النّار ببيت والعشاء من غيوب الشفق الأحمر لثلث اللّيل، وقيل لنصفه وقيل لطلوع الفجر والفجر من طلوع الصادق لطلوع الشمس وأوّل الوقت أفضل، واستحسن الإبراد للظهر في الحر بالتأخير وتعجيله شتاء وتأخير العتمة مطلقا.
والدليل على هذه الأوقات كلها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله قال في الإيضاح وروي أنّ رجلا أتى النّبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الأوقات فأمره أن يصلّي معهم فصلّى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر حين زالت الشمس، ثمّ صلّى به العصر حين ذهب وقت الظهر، ثمّ صلّى به المغرب حين غابت الشمس، ثمّ صلّى به العتمة حين غاب الشفق، ثمّ صلّّى به الفجر حين انفجر الفجر، وفي اليوم التالي صلّى به الظهر حين أبرد وكاد وقت الظهر يفوت وصلّى به العصر قبل غروب الشمس، وصلّى به المغرب قبل أن يغيب الشفق وصلّى به العتمة قبل ثلث اللّيل، وصلى به الفجر قبل أن تطلع الشمس ثمّ قال للسّائل:» الصلاة ما بين الوقتين «. وقد ذكر قبل حديث جبريل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه وصلّى به في أول الوقت وآخره كما فعل مع الأعرابي الإيضاح ج2 ص387.
ونفس ما ذكره ''الإيضاح'' ذكره ''فقه السنّة'' وساق حديث جبريل عن جابر بن عبد الله.
وقال في شأن الإبراد بالظهر هو ما رواه أنس بن مالك قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتدّ البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتدّ الحر أبرد بالصّلاة قال رواه البخاري أمّا حديث الإيضاح فقال في الحاشية رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ومثل ذلك بتفصيل واسع ذكره في الفقه وأدلته للزحيلي اهـ.
القول في الأفضل للصلاة أوّل الوقت أو آخره: (1/73)
صفحة 74
اختلف العلماء إذا كان الوقت موسعا ما هو الأفضل في أداء الصّلاة وغالب العلماء يستحبّون الصلاة في أوّل وقتها لقوله - عليه السلام -:» أوّل الوقت رضوان الله، ووسطه رحمة الله، وآخره عفو الله «رواه الدارقطني وأفضل الأعمال الصّلاة في أوّل وقتها وفاء الضمانة ج1 ص102.
والمستحبّ عند غالبهم كذلك الإبراد بالظهر لقوله - عليه السلام -:» أبردوا بالظهر فإنّ الحرّ من فيح جهنّم «وذلك صيفا ويستحبّ تعجيله شتاء لما روي عن أنس عند البخاري قال: كان رسول الله إذا اشتدّ البرد بكّر بالظهر، وإذا اشتدّ الحرّ أبرد بالصلاة.
والمستحب أيضا تعجيل المغرب لما قاله - عليه السلام -:» لا تزال أمّتي على خير أو قال على الفطرة ما لم يؤخّروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم «روى الحديثين أبو داوود في نصب الراية.
والمستحبّ أيضا تأخير العتمة لما روي عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بتأخير العتمة إلى ثلثا الليل أو نصفه «.
والمستحبّ في الفجر لبعضهم الأسفار بالفجر لحديث رواه في ذلك عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -:» أسفروا بالفجر فإنّه أعظم للأجر «قال رواه سبعة من الصحابة وذكره الترمذي وصحّحه نيل الأوطار ج1 ص206.
كلّ ما ذكرته فهو مذكور بتفصيل واسع في شامل الأصل ج2 ص16 - 17 كما ذكره كذلك في الفقه ودليله: 1/ 512 وما يؤيّد ما عليه أهل الوطن من تأخير الظهر ما ذكره القطب في الشامل من أنّ ذلك سائغ في نفس الصفحة، وفي الفقه ودليله قال: لمن الأفضل على المشهور تأخير الظهر لربع القامة بعد ظل الزوال بمقدار ذراع لمن ينتظر الجماعة أو لتكثيرها لتحصيل فضل الجماعة اهـ من صفحة 512 - 514.
واختلفوا هل المعتبر في الأداء أوّل الوقت أو وسطه والصحيح عندنا أنّ الوقت كلّه وقت أداء قال في حاشية الإيضاح ج1 ص377: (1/74)
صفحة 75
فائدة: الصحيح أنّ جميع وقته وقت أداء، وقال بعض الوجوب يختص بأوّل الوقت فإن أخّره كان قضاء، وقال بعض مختص بآخره فإن قدّم فنفل يجزي عن الفرض اهـ.
الأوقات المنهي فيها عن الصّلاة:
الأوقات المنهي فيها عن الصّلاة خمس: ثلاث لا تصح الصّلاة فيها مطلقا لا فرضا ولا نافلة ولا قضاء اثنتان فيها خلاف أمّا الثلاثة فهي عند الطلوع والغروب والتوسط للشمس قال في الإيضاح: الأوقات المنهي فيها عن الصّلاة خمس وهي: عند طلوع الشمس حتّى يتكامل طلوعها، وترتفع قليلا، قيامها حتّى تزول، وعند غروبها حتّى يتكامل غروبها، وبعد صلاة الصبح حتّى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتّى تغرب والدليل على هذا ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصّلاة في ثلاثة أوقات: عند قيام الشمس حتّى تزول وعند غروبها حتّى يتمّ وعند طلوعها حتّى يتكامل طلوعها وترتفع قليلاً قال في الحاشية متفق عليه من حديث أبي هريرة قال واستثنى بعضهم عصر يومه وفجر يومه لقوله - عليه السلام -:» من أدرك من العصر ركعة فقد أدركه «
إلى أن قال ولما روي أنّه - عليه السلام - قال:» لا صلاة بعد صلاة العصر حتّى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتّى تطلع الشمس «قال في التعليق متّفق عليه من حديث أبي سعيد واستثنى بعضهم الفريضة أن تقضى بعد صلاة العصر إذا نسيها لقوله - عليه السلام -:» من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها فذلك وقتها «ولم يخصّص وقتا دون وقت الحديث متفق عليه.
قال وحمل بعضهم النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح عن صلاة النافلة ويعضد هذا القول أنّه قال - عليه السلام -:» بعد كل صلاة ركعتان إلاّ الفجر والعصر «متفق عليه. (1/75)
صفحة 76
قال أمّا الصّلاة لسبب مثل الميّت والزلزلة وصلاة الكسوف فلا ينهى ويعضد هذا ما روي عن بعض الصحابة أنّه قال:» نهانا رسول الله أن نصلي في ثلاثة أوقات وأن نقبر موتانا عند قيام الشمس، وعند غروبها وعند طلوعها «رواه مسلم عن عقبة بن عامر قال فظاهر هذا الحديث يدلّ أنّما سوى الأوقات يقبر فيها الميّت اهـ الإيضاح ج1 ص391 - 392.
المطلب الثاني الآذان:
مما يتّصل بدخول الوقت الآذان إذ هو إعلام النّاس بأوّل الوقت، فإليك بيانه حسبما يلي:
تعريفه، مشروعيته، كيفيته، حكمه، سننه، مكروهاته.
1 - تعريفه: عرّفه في الإيضاح قال: الآذان في اللّغة الإعلام ومنه {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الاَكْبَرِ} [التوبة: 2]، وفي الاصطلاح إعلام بدخول وقت الصّلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة.
2 - مشروعيته وفضله: الآذان مشروع بالكتاب والسنّة فمن الكتاب قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللهِ} ومن السنّة أحاديث كثيرة منها قوله لرجلين:» إذا حضرت الصّلاة فأذّنا وأقيما وليؤمّكما أفضلكما «رواه البخاري قال في الإيضاح سنّة أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في المساجد، وعند حضور الجماعة. (1/76)
صفحة 77
وشرّع حين شرعت صلاة الجماعة فكان النّاس يأتونها وتفوتهم أحيانا فهمّهم ذلك فاجتمعوا وتفاوضوا فيما يعلمُون النّاس بالصّلاة فأشار بعضهم بالناقوس فقاموا على استعماله وكانت رؤيا عبد الله بن زيد وذلك ما أخبر به رسول الله أنّه رءاه في المنام قال:» رأيت رجلا له ثوبان أخضران يحمل ناقوسا فقلت بكم يبيع الناقوس فقال ما تصنعون به فقلت ندعو به للصّلاة قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك فقلت بلى فقال: قل الله أكبر الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أنّ محمدا رسول الله مرتين، حي على الصّلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر مرتين، لا إله إلاّ الله مرتين «فقام هنيهة فقام فزاد: قد قامت الصّلاة مرتين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:» رؤيا حقّ قم علّمها بلالا فهو أندى منك صوتا «قال فعند علمائنا الآذان مثنى والإقامة مثنى لما روي عن طريق أبي سعيد الخذري أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول المؤذّن والآذان مثنى والإقامة مثنى «الحديثان رواهما الترمذي والثاني معه أبو داوود ورواه أيضا أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد وقال في الحاشية هو في الصحيحين اهـ الايضاح ج1 ص297.
ملاحظة: رواية الأحاديث ليست مما ذكر في أصل الإيضاح بل من خارج. (1/77)
صفحة 78
فضله: فضل الآذان مذكور في أحاديث كثيرة منها قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري قال قال لرجل:» إنّي أراك تحبّ الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذّنت للصلاة فارفع صوتك بالآذان فإنّه لا يسمع صوت المؤذّن جن ولا إنس ولا شيء إلاّ شهد له يوم القيامة «الجامع الصحيح ج1 ص248 وقال أبو هريرة قال رسول الله:» لو يعلم النّاس ما في الآذان والصف الأوّل ثمّ لم يجدوا إلاّ أن يستهمّوا عليه لاستهمّوا، ولو يعلموا ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلموا ما في العتمة والصباح لأتوها ولو حبوا «، رواه البخاري فقه السنة ج1 ص94.
الحديثان الأوّلان في الشامل والفقه ودليله وذهب بعض المفسرين ومنهم القطب رحمه الله أنّ قوله تعالى:
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَملَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسلِمِينَ} [فصلت: 32] نزلت في المؤذنين، وبالجملة فالآذان فيه فضل كبير حتّى قال سيدنا عمر: ''لو كنت مؤذنا لكمل أمري''. (1/78)
صفحة 79
كيفيته: كيفية الآذان مأخوذة من فعل مؤذني رسول الله وهم أربعة قال في الشامل قد كان لرسول الله أربع مؤذنين وهم بلال ولم يؤذن لغيره أبو محذورة أوس الجمحي، سعد بن عائدة، وعمر بن أمّ مكتوم وهو أعمى وقال وكان بلال لا يرجع الآذان ويفرد الإقامة، قال وذلك عندنا مثنى إلاّ التكبير فمربع ومثنى كسائر الآذان عند بعض أصحابنا ويدلّ للأوّل رواية صاحب الرؤيا سمع قائلا الله أكبر الله أكبر مرتين فإذا ذكر الجملة مرتين كان الحاصل أربع قال وتربيع التكبير مذهب الشافعي وأبي حنيفة أوّلا وآخرا كما ذهب إليه بعضنا ومذهب بعضنا والمالكية تثنيته أوّلا وآخرا ومذهب مالك إفراد لا إله إلا الله آخرا اهـ ج2 ص9 وفيه تفصيل أكثر فيقوم المؤذّن مستقبلا القبلة، ويرفع صوته وإذا وصل حي على الصلاة لوى يمينا ولوى شمالا بحي على الفلاح وهو ما روي من عمل بلال الشامل ويندب إتباعه فيما يقول، جميعاً وقيل إلاّ في حي على الصّلاة فيقول أفلح من أجاب وفي حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلاّ بالله ذكر الخلاف في حاشية السالمي على الجامع ج1 ص248، وفي الفقه ودليله ج1 ص553 وفي فقه السنّة ج1 ص97.
شروطه: يشترط في الآذان أوّل الوقت إلاّ في الصبح فأذان قبله وآخر عنده قال في الإيضاح أجمع النّاس أنّه لا يجوز الآذان قبل الوقت إلاّ لصلاة الصبح لما روي أنّه - عليه السلام - قال:» إنّ بلالا يؤذن بليل يوقض نائمكم ويرجع غائبكم فكلوا واشربوا حتّى يؤذن ابن أمّ مكتوم «قال في التعليق متفق عليه عن طريق عائشة وابن عمر قال بعد ولهذا الحديث اشترط بعض النّاس في صلاة الصبح خاصة آذان قبله وآخر بعده اهـ ص400. (1/79)
صفحة 80
ويشترط للآذان الطهارة واستقبال القبلة ورفع الصوت وقيل ويصح ولو من غير طهارة وأن يكون بالعربية والترتيب وأن يكون من شخص واحد فإن عجز أو منع أعاد غيره وأن يكون مسلما بالغا عاقلا رجلا لا امرأة إذ لا يجوز للمرأة رفع الصوت وأن لا يكون بالغا أقلف ولا خنثى مشكل. الإيضاح والفقه ودليله وفقه السنّة وذكر غالب تلك الشروط في النيل وشرحه ش ج2 ص27 - 28.
حكمه: قال في النيل وشرحه سنّ الآذان في المساجد وعند حضور الجماعة وعلى الكفاية وقيل فرض ولا على فذ كنساء آذان ولا إقامة عليهنّ وقيل يؤمرن بها إلى أشهد أنّ محمّدا رسول الله.
وندب كون المؤذّن أمينا حافظا للأوقات فقيها ورع لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» المؤذّنون أمناء والأئمة ضمناء «.
فيجب أن يكون المؤذّن أمينا لما يتعلّق بآذانه من أحكام الصوم والإفطار والعدد والمصالح الكثيرة خاصّة الصّلاة وأداؤهما.
سننه:
يسنّ في الآذان الجهر بالصوت لما فيه من فضل ولاختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلالا لارتفاع صوته وأن يؤذّن قائما على مكان مرتفع لما ذكر عبد الله من صفات الآذان وأقرّها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يستقبل القبلة وفي حيّ على الصّلاة يلتفت يمينا وفي حيّ على الفلاح يسارا.
مكروهاته:
يكره أن يكون على غير طهارة مع خلاف في ذلك خاصّة الجنابة وأن يؤذّن قاعدا أو منكسا حسب إشارة الإيضاح وتصريح الفقه ودليله، وقال في النيل وشرحه: وكره إمام مسجد وقال ولا يؤذّن متعدّد بمسجد واحد ولا واحد بعد آخر ولا يؤذن بغيم إن لم يتبيّن اهـ. ج2 ص27 - 28.
الإقامة: (1/80)
صفحة 81
الإقامة في اللغة نصب الشّيء على قامته وشرعا أقوال تعلن الشروع في الصّلاة وهي كالآذان يزداد فيها حيّ على الفلاح قد قامت الصّلاة وهي سنّة واجبة للصّلاة في الوقت ولو لمعيدها وتجزي إقامة واحد للجماعة ولو لم يصلّ معهم ومن تركها عمدا أعاد صلاته، قال في النيل وشرحه: الإقامة سنّة كالآذان بل هي آكد ويقيمها الفرد لنفسه إن صلّى بوقت ومن أوجبها ألزم تاركها الإعادة ومن فسدت عليه بوقت فأعادها في الوقت أقام، وإن دخلها بإكمال ثمّ انتقضت أعادها بدونها، قال وحكمها في الطهارة كالصّلاة.
المطلب الثاني: اللّباس:
قال الله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ذكر كثير من المفسّرين والفقهاء أنّ المراد بها الثياب وستر العورة في الصّلاة ونسبوا القول إلى ابن عبّاس، فمن شروط صحّة الصّلاة ستر العورة ولمّا كان ذلك يتأتّى بالثياب كان عنوانه اللّباس والكلام فيه على أربعة جوانب:
أ- ما تصحّ به الصّلاة:
فتصحّ بالثوب الطّاهر السّاتر للعورة والصّدر والظهر بأيّ نوع من أنواع الثّياب ولو من جلود صالحة.
ب- نوعه: (1/81)
صفحة 82
أن يكون صفيقا غير شفّاف ولا واسع تظهر العورة من جوانبه والمستحبّ الأبيض لقوله - عليه السلام -:» عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفّنوا فيها موتاكم فإنّها خير ثيابكم «وهو متّفق عليه، قال في الإيضاح: تجوز الصّلاة بجميع الثياب المعمولة من صوف أو قطن أو كتّان أو وبر أو شعر لقوله - عز وجل -: {وَمِن أَصوَافِهَا وَأَوبَارِهَا وَأشْعَارِهَا أثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين} [النحل: 80] وذكر الحديث المتقدّم قال أخرجه الحاكم والبيهقي وابن حبّان من طريق ابن عباس وقال وتجوز الصّلاة بجميع المعمول من نبات الأبيض إذا ستر كما تجوز الصّلاة عليه قال ولباس الرِّجل كلّه من خف وقرق غير أنّ المسلمين كانوا يخلعون نعالهم عند دخول المسجد وذلك عندي احتياطا أن يكون أصابها أذى وتعظيما لحرمة المسجد ويؤيّد هذا قوله تعالى لموسى: {وَاخلَعْ نَعلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِي المُقَدَّسِ طُوَى}
ما لا تصحّ به الصّلاة: (1/82)
صفحة 83
لا تجوز الصّلاة بالحرير ولا الإبريسم وهو نوع منه للرجل وكذا ما طرّز بذهب لما روي أنّه - عليه السلام -: أخذ قطعة من حرير وقطعة من ذهب فقال:» هذان محرّمان على رجال أمّتي ومحلّلان لنسائها «متّفق عليه، قال وقال بعضهم لا بأس بمقدار أوقية من حرير إن لم يمس جسد المصلّي إذ روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - أجاز موضع أصبعين متّفق عليه، قال وكذا النحاس والذهب والفضة والحديد والرّصاص عندهم لا تجوز به إن مسّ الجسد والدليل ما روي عن أبي عبيدة قال بلغني عن رسول الله أنّه نهى عن الإنك والشبه رواه أحمد قال وأمّا للنساء فلا بأس أن يصلّين بالذهب والحرير لما تقدّم من الحديث قال وكذا لا تجوز الصّلاة بالجلود مدبوغة أو غير مدبوغة إن وجد غيرها إلاّ الفرو فهي شبيهة بالثياب وهي داخلة في عموم آية {خُذُوا زِينَتَكُم} قال وكذا لا يصلّى في ثوب فيها تصاوير لحديث أبي سعيد قال اشترت عائشة نمرقة بها تصاوير فلمّا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف بالباب قالت فلمّا رأيت الكراهة فقالت تبت إلى الله ورسوله إذا أذنبت قال:» ما بال هذه النمرقة «قالت اشتريتها لك فقال:» أما علمت أنّ أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال أحيوا ما صوّرتم وقال إنّ البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة «كلاهما متفق عليه ثمّ ذكر خلافا في المسألة وصحّح القول الأوّل قال: وكذا لا يصلّى بثوب لا يستر البدن وعورة المصلّي لا تجوز الصّلاة به، وقال وكذا ثياب مشرك حتّى تغسل وكذا ما فيه شعرهم وشعر خنزير قال والمرأة مثل الرجل غير أنّ المرأة كلّها عورة ما خلا الوجه والكفّين فعلى هذا القول لا تصحّ صلاتها إذا خرج منها غير الوجه والكفّين، اهـ الإيضاح ج1 ص416 - 421، قال في النيل وشرحه ورخّص لها أن تصلّي بما تقعد به بين نساء أو مع محرم ولا لباس إن صلّت بلا خمار في بيتها وتقلّد عنقها بخيط والأمَة ليست كالحرّة اهـ شرح النّيل ج2 ص47. (1/83)
صفحة 84
صفات اللّباس:
اللّباس الذي تصحّ به كلّما كان أستر فيصلّى بقميص ضيّق الكمّين ولو وحده إذ شوهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك قال في النيل ندب لرجل أن يوشح من إبطه أو صرّته بطرف ثوب أو جبّة أو قميص وسروال قال وتصحّ الصّلاة بدونه ونهي عن الصمّاء وهو لبس الرجل ثوبه وشدّه على يديه وبدنه وتجلّله بلا رفع فلا يسهل معه إيصال الأعضاء أو رمي طرف الإزار على عاتق فتنكشف به عورته طويلان وعن السدل والاحتباء وذكر وصفهما إلى أن قال ولباس رأس إن لم تثقب وسط عمامة أو شاشية يصلّى به مع تلح بعمامة وتغطية وسط الرأس وهل يعيد إن صلّى بلا تلح قولان وكذا إن صلّى بشاشية خارجة من عمامة الخ. اهـ شرح النيل ج2 ص52 - 54.
ونحوا ممّا ذكره بتفصيل في الفقه ودليله مراعيا ستر العورة وذكر الثياب المنهي عنها والجائزة للمرأة والرجل نحوا ممّا ذكر الإيضاح ج 1 ص76 - 91.
ماذا على من لم يجد:
يصلّي المعذور الذي لم يجد ما تقدّم بما أمكنه من قال في النّيل وشرحه: يصلّي بثوب وإن نجسا أو حريرا أو كذهب إن لم يوجد سوى ذلك بلا إعادة إن وجد ولو في الوقت، والنّجس أولى من الحرير وهو قبل الذّهب، قال في الشرح لأنّ الحرير منهي عنه لذاته والنجس لعارض قال في الأصل وقيل عكسه ثمّ ذكر أولويات في النجاسات وقال والنّجس أقلّه أولى من المتنجّس كلّه قال وهذا إن لم يضيّع كمسافر خرج بطاهر فنجس حيث لا يغسله قبل خروج الوقت أو عجز عن طاهر أو مريض نجس ثوبه أو فراشه وعجز عن التنقل فلا يعيده، ومن سلب من ثيابه صلّى بتستّر ولو بنبات أو حجر أو يدفن نفسه بتراب ويصلّي قاعدا وإن وجد ماء صلّى فيه قائما بإيماء.
ويصلّي قاعدا ذو علّة كدم أو بول لا يردّه لف فالطهارة مع القعود أولى اهـ شرح النيل ج2 ص63 - 65.
المطلب الرابع: مكان الصّلاة
من شروط صحةّ الصّلاة اعتبار المكان الذي تصحّ فيه وهو أن يكون طاهرا تمكن فيه الصّلاة فالأماكن نوعان: (1/84)
صفحة 85
ما تصحّ الصّلاة وما لا تصحّ وكلّ منهما نوعان:
1 - ما تصحّ الصّلاة عليه: ما قال رسول الله - عليه السلام -:» جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا «مذكور في غالب كتب الحديث وتصحّ الصّلاة على الأرض وما أنبتت بشرط أن تكون طاهرة مستوية تمكن الصّلاة عليها من غير اضطراب وعلى كلّ معدن إن فرش عليه إذ لا تصحّ الصّلاة إذا مسّ المعدن الجسد لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وقد تقدّم في الثياب.
2 - ما لا تصحّ عليه روى ابن عبّاس عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا صلاة في مقبرة ولا مجزرة ولا في معاطن الإبل ولا في قارعة الطريق «رواه عبد بن حميد والترمذي عن طريق زيد بن هبيرة وذكر في الجامع الصحيح وقال في الحاشية ذكر في الحديث أربعة مواضع وزاد في حديث ابن عمر عند الترمذي ثلاثة فقال: نهى رسول الله أن يصلّى في سبعة مواضع في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمّام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله وبعده ذكر حديث النهي عن الصّلاة بالإنك والشبه اهـ الحاشية ج1 ص440 - 442.
بناء على ما تقدّم فالمكان الذي لا يصلّى عليه نوعان نجس أو متّصل بنجاسة أو طاهر منهي عن الصّلاة فيه كحمّام إذ هو مظنّة التعرّي أو معدن منهي عن مباشرته البدن أو ليس من الأرض وما أنبتت أو حرام على الرجل كحرير. (1/85)
صفحة 86
قال في النيل وشرحه سنّتي الصّلاة على الأرض وما أنبتت إن لم تكن مقبرة ولو استأصلت أو مجزرة أو معطن إبل أو حمام أو كنيسة أو ظهر كعبة أو محلا نجسا أو فراشا كذلك، وبقارعة الطريق قال في الشرح وجازت بجانب لا يضر إلى أن قال ولا يصلّى على متنجّس ولو باطنا اتّصل بمصل إن كان يمسّه أو ما اتّصل به ككونه فوقه أو تحته ولو بعيدا قدر قامة وقيل لا يضرّ قدر ثلاثة أذرع ولو أمامه، وفي مغصوبة لغاصبها قولان ويصلّى على نبات وشجر وسرير أمكنت عليه، وكرهت على طعام لم يفرش عليه حصير وكرهت على فساد بمعدن لم يفرش عليه ولو ملحا أو زرنيخا، قال وما لا يصلّى به لا يصلّى عليه، وهل كلّ ما يصلّى به يصلّى عليه أو خاص بالأرض وما أنبتت قولان قال في الشرح (فائدة) في الديوان جازت الصّلاة على السقوف كلّها إلاّ ما كان منجوسا أو كان النجس في أساس الحائط الذي عليه السقف أو وسطه أو نجس من أسفله، وقيل تصح ما لم يمس النجس.
وكرهت فوق مسجد وأمامه بقرب وبين عمده وداخل محرابه بلا إعادة اهـ ج2 ص65 - 72 وكلّ ذلك مذكور وبتفصيل في الإيضاح ج1 ص433 - 439 أمّا الزحيلي فلم يذكر في مكان الصّلاة إلاّ المكان النجس فأجاز الصّلاة إن فرش عليه بل على فراش نجس لم يمس نجاسته قال: ''الصّلاة على بساط عليه نجاسة فإن صلّى على الموضع النجس فلا تصح صلاته بالاتّفاق لأنّه ملاق للنجاسة ووضع العضو على النجاسة بمنزلة حملها وإن صلّى على موضع طاهر صحّت صلاته اتّفاقا ولو كان البساط صغيرا في الأصح عند الحنفية.
ب- الصّلاة على موضع نجس بحائل إن فرش على الأرض النجسة شيئا وصلّى عليه جاز بالاتفاق لأنّه غير مباشر للنّجاسة ولا حامل لها اهـ ج1 577 فنرى أنّ في ذلك تساهل عظيم وأساس الصّلاة الطهارة وقد مضى على ذلك من تساهل في كلّ الباب. (1/86)
صفحة 87
وتجوز الصّلاة على الدابّة إذا كانت الأرض وحلة بماء وطين ذلك ما روي عن جابر بن زيد بناء على ما روي عن يعلى بن أمية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى لي مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل فصلّى رسول الله على راحلته وأصحابه على دوابّهم يؤمّون إيماء الخ فقه جابر ص177.
المطلب الرابع: الاستقبال
من شروط صحّة الصّلاة الاستقبال إلى الكعبة لقوله تعالى: {وَمِن حَيثُ خَرَجتَ فَوَلِّ وَجهَكَ شَطْرَ المَسجِدِ الحَرَام وَحَيثُ مَا كُنتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطرَهُ} الخ الآية [البقرة: 150].
قال في النيل وشرحه تصحّ باستقبال القبلة ولزم العلم به عند حضور وقتها ولاستقبال القبلة أحكام أهمّها ما يلي:
أ- استقبال الكعبة نفسها لحاضرها فلا بدّ من استقبال جزء منها قال في الإيضاح إذا كانت حاضرة فالواجب عينها اهـ ج1 ص441.
ب- من لم ير الكعبة ولو كان بمكّة صلّى إلى جهتها بوجه وبدنه في جميع الصّلاة أو بوجهه عند تكبيرة الإحرام إن تعذّر كراكب يصلّي حيث توجّه مركوبه، قال في النيل وشرحه وصحّ تنقل على راحلة لا لقبلة بعد إحرام إليها.
جـ- العلم بوجوب ذلك والتوجّه إليها بنيّة استقبالها في رجاء وخوف.
د- معرفة جهتها وهي عندنا من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتدال، ويستدلّ عليها بقبور المسلمين، وبقلب العقرب ويجعل بنات النعش على كتفه الأيسر ذلك ما ذكره في النيل وشرحه ج2 ص78 - 79.
هـ- المتحيّر يجتهد ويصلّي ويأخذ بقول من أرشده مسلما وإن غير أمين ويتحوّل وإن فيها بقول المرشد ومن خالف الأمين أعادها، ولا يقلّد أحد المتحيّرين الآخر بل يصلّي كلّ حسب اجتهاده وكذا الأعمى إن لم يجد مرشدا كلّ ذلك في النيل وشرحه ج2 ص80 - 81. (1/87)
صفحة 88
و- الصّلاة على ظهر الكعبة أو داخلها لا صلاة على ظهر الكعبة إذ لا قبلة للمصلّي عليها كما قال جابر من المصلّي على ظهر الكعبة لا قبلة له، وللحديث المتقدّم ولا على ظهر الكعبة، أمّا داخلها ففي المذهب خلاف وصحّح جوازه النفل فيها ذكر ذلك بتفصيل في شرح النيل ج2 ص67 وفيها قال وأجاز مالك النفل عليها ومذهب أبي حنيفة جواز الصّلاة إن بقي من ظهرها شيء وقال في المدونة عن مالك لا يصلّى فيها ولا في الحجر فريضة ولا ركعة الطواف وأجاز النفل اهـ نفس الصفحة.
المطلب الخامس العلم بوجوبها وكيفية امتثالها:
من شروط صحّة الصّلاة العلم بوجوبها وكيفية امتثالها فحين تخرج وقتها يكفر بالتّرك لها عمدا لجهله يكفر بالجهل قال في النيل وشرحه وتصحّ كغيرها ويثاب عليها بالعلم بوجوبها وشخصها ووقتها عند حضورها وبوجوب الثواب عليها وبكيفية امتثالها وهو العمل كما أمر به راجيا به ثواب الله خائفا بتركها عقابه، قال في الشرح شخصها أي ظهرا أو عصرا ولا يلزم أن يعرف اسمها ويكفيه أن يعرف أنّه وجب عليه في وقت كذا أن يصلّي كذا ركعة وإن فعلها ولم يعلم أنّها فرض أجزته ولا ثواب له وقيل لا تجزيه والأوّل في التبيين والثاني هو الصحيح اهـ ج2 ص10. وتفصيل كلّ ذلك في الإيضاح ج1 ص373 - 374 وهذا الشرط مأخوذ من وجوب العلم على المكلّف بأن يعلم واجبه نحو ربّه لقوله - عليه السلام - في الحديث المشهور:» طلب العلم فريضة على كلّ مسلم «.
المطلب السادس: الإتيان بجميع أركانها تامّة:
من شروط صحّة الصّلاة إقامتها الإتيان بجميع أركانها من فرائض وسنن فهي نوعان:
1 - الفرائض وهي ثمان:
وهي نوعان ركن ومتمّم فالركن هو الجانب القوي من الشّيء ما لا يكمل الشيء إلاّ به والمتمّم ما لا يستغني عنه وهي النّية والتوجّه والاستعاذة أمّا الأركان فهي القيام والركوع والسّجود والقعود وتكبيرة الإحرام والقراءة والتسليم وإليك بيانها بالتفصيل: (1/88)
صفحة 89
أ- النيّة: وهي من فرائض الصّلاة وهي لغة القصد وشرعا العزم بالقلب على أداء الواجب امتثالا للأمر وقصدا لمرضاته وثوابه ولها أحكام:
1 - حكمها: فهي فرض للصّلاة وغيرها من العبادات لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِِصِينَ لهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيوتُوا الزَّكَاةَ} [البيّنة: 5]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال: قال رسول الله:» الأعمال بالنّيات ولكلّ امرئ ما نوى «حاشية الجامع ص11 ورواه غيره وهو في غالب كتب الحديث من عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -.
وأصل النّية في القلب واستحبّ الإباضية وغيرهم التلفّظ بها استحضارا للذهن فالتلفّظ بها مندوب عندنا وعند الحنفية والشافعية والحنابلة كما ذكره في الفقه ودليله وهي ممّا استحسنه أهل مزاب لاستحضار المعاني التي يجب على المصلي استحضارها من معرفة نوع الصّلاة وعدد ركعاتها فرضا أوسنّة أو قضاء ناويا الاستقبال بها راجيا ثواب الله خائفا من عقابه الخ.
وهو ما أشار إليه في النيل ج2 ص11.
ومكانها أوّل الصّلاة قبل تكبيرة الإحرام ومن صلّى بلا نيّة فلا ثواب له ولا تصحّ صلاته إذ هي فرض.
وتختلف باختلاف نوع الصّلاة، فلا بدّ أن ينوي نوع الصّلاة أداء أو قضاء أو فرضا أو سنّة أو نافلة، فذا أو مع جماعة.
2 - التوجيه: وهو من فرائض الصّلاة وقيل سنّة مؤكّدة وهو الصحيح قال في الإيضاح سنّ التّوجيه بتأكيد وهو: ''سبحانك اللهمّ وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك'' والدّليل ما روي أنّ النبي إذا قام للصّلاة قال: ''سبحانك اللهمّ'' الخ قال في التعليق رواه أبو داود والدارقطني عن عائشة وللخمسة مثله عن أبي سعيد وقال قوم التوجيه فرض لقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} والصحيح عندي أنّه ليس بفرض اهـ ج1 ص463. (1/89)
صفحة 90
وقال في النيل وشرحه وندب ضمّ توجيه إبراهيم - عليه السلام - وهو: ''إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين'' قال في الشرح والصحيح أنّ توجيه إبراهيم قبله، وكذا قال: و {رَبِّ إنِّي ظَلَمتُ نَفسِي فَاغفِر لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنتَ} قال ومن وجّه قبل تقديم الإمام أعاده أو حدث آخر وهو كالإقامة في الطهارة، قال وإن وجّه لعصر وتذكّر أنّه لم يصلّ ظهرا أعاده اهـ شرح النيل ج2 ص111 - 116.
وذكر الزحيلي التوجيه وسمّاه دعاء الاستفتاح وفيه خلاف بين المذاهب:
قال يكره دعاء الاستفتاح عند المالكية.
وقال يسنّ دعاء الاستفتاح عند الجمهور بعد التحريمة في الركعة الأولى وهو الراجح لدي وله صيغ كثيرة المختار منها عند الحنفية ''سبحانك اللهمّ'' الخ وساق الحديث المذكور والمختار عند الشافعية ''إنّي وجّهت وجهي'' قال وأجاز أحمد الاستفتاح بغيره اهـ الفقه ودليله ج1 ص689 - 690. (1/90)
صفحة 91
3 - الاستعاذة: الاستعاذة مشروعة لقراءة القرآن في الصّلاة وغيرها قال في النيل وشرحه الاستعاذة سنّة وقيل فرض، وتعاد الصّلاة بتركها وقيل نذب فلا وإن نسيت قيلت قبل القراءة من الركعة الثانية، قال في الشرح (وقيل فرض) وهو الصحيح عندي لقراءة القرآن في الصّلاة وغيرها قال في الأصل وهي معجمة ومن جهر بها أعاد صلاته ومحلّها قبل الإحرام أو بعد قولان وهي ''أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ'' وورد في لفظها غير ذلك والصحيح هذا وهو ما ذكر أنّ النبي يقوله وهو ما علّمه الله في قوله: {وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} وذكر الزحيلي الاستعاذة فذكر أنّ المالكية يكرهونه وقال الشافعية والحنابلة يسنّ قبل القراءة وذكر الخلاف في لفظه ثمّ قال ثمّ يقول: بسم الله الرّحمان الرّحيم سرا عند الحنفية والحنابلة جهرا عند الشافعية، ونحن الإباضية نعتبرها آية من كلّ سورة سرًّا مع السّر جهرا مع الجهر.
2 - أركان الصّلاة:
أركان الصّلاة كلّها فرض بإجماع ما خلا إحدى جلستي التشهّد فسنأتي بها على الترتيب وهي سبع:
أ- تكبيرة الإحرام: وهي فرض لدخول الصّلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» مفتاح الصّلاة الطهور وتحريمها التّكبير وتحليلها التّسليم «قال في تعليق الإيضاح متّفق عليه قال في الإيضاح: إذا أقام المصلّي الصّلاة واستقبل القبلة ونوى الصّلاة أحرم لها وقال: ''الله أكبر'' وهي تكبيرة الإحرام وتكبيرة الاستفتاح واستدلّ بالحديث المتقدّم وهي فريضة لقوله تعالى: {يَا أَيُّها المُدَثِّرُ قُمْ فَأنذِر ورَبَّكَ فَكَبِّرْ} وإن قال الله أعظم أو أجل أو أعز أجزى ذلك اهـ ج2 ص467. (1/91)
صفحة 92
قال في شرح النيل: عند قول الأصل (ويجزي الله أعظم وأجل) قال أو نحو ذلك ممّا يدلّ على العظمة عندنا وعند أبي حنيفة، وقال مالك وابن بركة لا يجوز إلاّ ''الله أكبر'' لعدم التوقّف وذكر في الأصل خلاف في الله عليم ونحوه قال ومن تعمّد فيها لحنا أعاد الصّلاة وإلاّ فقولان وصحّ بالعربية على المختار وبوجوب الموالات وترتيب اللّفظين قال وندب لامرأة أن تسمع أذنيها وللفذّ بأزيد وإن أسرّ بها أو إمام وإن في سر أعادها اهـ شرح النيل ج2. 126 - 130.
ب- القيام: القيام من أركان الصّلاة وفرائضها للقادر أمّا العاجز فيأتي الكلام عليه في صلاة المريض وصفته أن يقوم ناصبا قامته تاركا أعضاءه كما خلقها الله غير مباعد بين رجليه ولا ضاما لهما للرّجل وهو فرض لقوله تعالى: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} قال في النيل وشرحه وجب على قادر قيام باعتدال بلا مباعدة بين الرجلين بأكثر من قصبة أو قدر أربعة أصابع بلا تخالف بتقديم وتأخير مضر واستناد لحائط، وندب ردّ بصره لمحلّ سجوده بلا التفات يمينا وشمالا وأماما وفسدت إن رأى من خلفه، أو رفع بصره نحو السّماء، وقال ولا يفتح فاه ولا يغلقها بعد قراءة، ولا يغمض عينيه، ولا يحدّ بهما نظرا وندب لامرأة انخفاض واستتار وإلصاق يديها بجسدها اهـ ج2 ص95 - 98.
ذكر في الإيضاح ذلك بتفصيل وعلّل ردّ النظر بمحلّ السجود بما روت عائشة - رضي الله عنه - ا قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الصّلاة لم يجاوز بنظره غير سجوده تخشّعا لله - عز وجل - وإذا فرغ خرّ راكعا)، واستدلّ على عدم الالتفات بما قال لعلي:» لا تنظر قبل وجهك ولا عن يمينك ولا عن شمالك «قال في التعليق على الحديث رواه مسلم والثاني رواه أبو داود والنسائي اهـ ج1 ص451.
جـ- القراءة: القراءة من فرائض الصّلاة إجماعا، لقوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} ولها أحكام:
أ- القدر المجزي منها: (1/92)
صفحة 93
قال في النيل وشرحه فرض فيها قراءة سورة مع الفاتحة بمحلّ الجهر وهو ما ذكره في الإيضاح وزاد قال لما روي عن أبي سعيد الخذري قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ فيا لصّلاة بفاتحة الكتاب وسورة، ومثل ذلك ما روي من طريق أبي هريرة قال رواه ابن ماجه قال وأقلّ السورة ثلاث آيات وقال آخرون تجزي آية منتظمة طويلة، وقال آخرون تجزي آية قصيرة والدليل على هذا ما روي عن عبادة الصّامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب فصاعدا «وأنّه أمر أعرابيا أن يقرأ في الصّلاة بفاتحة الكتاب وما تيسّر من القرآن، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال وإنّما عني
هذا في الأولين من المغرب والعشاء وفي صلاة الفجر، وكذا قال بعضهم في الركعتين من الأولى والعصر، غير أنّ الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله أن لا يقرأ في الركعتين من الأولى والعصر إلاّ بفاتحة الكتاب، والدّليل معهم إجماع النّاس أنّ صلاة الظهر والعصر لا جهر فيهما ورأينا كلّ ركعة لا يقرأ فيها إلاّ بفاتحة الكتاب يسرّ بها لا في ليل ولا نهار، ألا ترى إلى صلاة الجمعة وصلاة العيدين يجهر فيهما بالقراءة لأجل السورة ولو كان ذلك نهاراً ولذلك رجّح أصحابنا قول من لم يقرأ في الأوليين من الأولى والعصر إلاّ بفاتحة الكتاب.
أمّا الركعتان الأخيرتان من الظهر والعصر والعشاء والأخيرة من المغرب فإنّما يقرأ فيها بفاتحة الكتاب سراً والدليل أنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الصّلوات كلّها إلاّ بفاتحة الكتاب قال متفق عليه ثمّ ساق ما روي من قراءة النبي لسورة في الظهر والعصر والردّ والاحتجاج موجود ببسط في الشامل ج2 ص76 وكذا ذكر رفع اليدين والاحتجاج على ما نحن عليه ببسط ج2 ص63 - 65.
ب- كيفية القراءة: (1/93)
صفحة 94
قال في النيل أجمعوا أنّه يسرّ بالقراءة في ظهر وعصر وآخرة مغرب وأخريتين من العشاء، وأقلّه إسماع الأذن أو تقطيع الحروف بدونه وقيل إسماع الأذن والجهر إسماع الغير، وإن جهر بالفاتحة في موضع السّر أعاد صلاته، وفي إعادته إن قرأ سورة مع الفاتحة في ذلك قولان.
وكذا الخلاف إن أسرّ حيث يجهر، وإن وقف له حرف وردّده حتّى يجده ورخصّ المضي بالباقي، وإن وقف له من سورة فإن قرأ ثلاث آيات خيّر في الركوع والجواز وإن أحرم على سورة نواها ثمّ قرأ غيرها رجع إليها ما لم يفرغ ويجب التّرتيب في السور وإلاّ فسدت إن تعمّد ورجع معيد لقراءة ما خالف وإن قرأ القرآن بغير العربية فسدت.
ولا يضرُّ لحن من لم يمكنه تعلّم إن لم يبدّل معنى.
جـ- ما يراعى في القراءة:
يراعى في القراءة الترتيل. وأن يفصل بسكوت بين تمام الفاتحة والسورة وبين الختم والرّكوع وإن رأى فرجة بصف سدّها وهو يقرأ وكذا كلّ إصلاح فيها، وكذا كلّ شغل كتنقل من ريح أو مطر، ويقطعها لإصلاح ما ليس منها وكره التّنكيس بالسورة.
وإن أحرم على ما لا يتمّه في الوقت قرأ ما تيسّر قال ويزاد في الثانية من الفجر بسورة الإخلاص مع السورة، وإن نسيها رجع إليها ما لم يعظّم، وإن تعمّد تركها أو السورة إمام فلا بأس، اهـ النيل وشرحه ص143 - 145.
د- الركوع:
من أركان الصّلاة الركوع قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكُم} الخ [الحج: 77]
فهو من فرائض الصّلاة، وهو الانحناء بالظهر مع وضع راحتي اليدين على الفخذين محاذيا الركبتين قال في النيل وشرحه: فرض بعد القراءة الركوع بانحناء بتكبير ووضع راحة يديه على ركبتيه، مع تفريق الأصابع، وباعتدال بتسوية ظهر ورأس لا مصوبا به ولا بظهره، وإن جاوز رأسه ركبته أعاد. (1/94)
صفحة 95
هذا وصف الركوع كما وصفه في النيل وشرحه ج2 ص157 - 159، ذكر ذلك بتفصيل في الإيضاح وقال والدليل ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع قال:» الله أكبر ووضع يديه على ركبتيه وسوّى ظهره معتدلاً ولا يصوّب برأسه في ركوعه ولا يصوب بظهره من خلفه «قال متفق عليه، قال وكذا نهيه - صلى الله عليه وسلم -» أن يدبح الرّجل كما يدبح الحمام «وهو أن يطأطأ رأسه أخفض من ظهره، رواه ابن ماجه والدارقطني، وروى البيهقي عن جابر أنّه قال: إنّ النبي إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه. ثمّ ذكر مكروهات الركوع وساق حديث الأعرابي المسيء صلاته قال له النّبي - صلى الله عليه وسلم -» ثمّ اركَع حتّى تطمئِنّ رَاكعا «، اهـ الإيضاح ص494 ج1.
مكروهات الركوع:
مكروهات الركوع منها ما تبطل به وهي كما ذكر في النيل والإيضاح وإن أمسك يديه على خاصرته أو فخذيه أو تحت ركبتيه أو تدلّى بهما أو بواحدة أو مدّهما أمامه فسدت، قال وإن ضمّ أصابعه لم تفسد وتضم المرأة يديها ورجليها. ويقول في ركوعه ''سبحان ربي العظيم'' ثلاثا قال في النيل بلا نقض إن زاد أو نقص قال وكرهت الزيادة لإمام اهـ النيل وشرحه ج2 ص158.
الرفع منه:
الرفع من الركوع فرض وهو من أعمال الصّلاة التي فعلها النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر به الأعرابي قال:» ثمّ أرفع حتّى تعتدل قائما «قال في النيل وشرحه: ويرفع رأسه بـ''سمع الله لمن حمده'' باستواء ورجوع كلّ عضو في مكانه ويقول المأموم ''ربّنا ولك الحمد''، ولا ضير إن جمع بينهما، أو عكس وكره القولين بلا فساد وندب زيادة ''حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه''.
السجود: (1/95)
صفحة 96
السجود من أركان الصّلاة وهو والركوع مع مظهر من مظاهر الانقياد لله لذلك يقول الرسول - عليه السلام -:» أقرب ما يكون العبد من ربّه إذا كان ساجدا «وهو في اللّغة الخضوع والتدلّل وفي الشرع إلصاق الجبهة واليدين والرجلين والركبتين بالأرض خضوعا لله في الصّلاة وهو فرض بإجماع الأمّة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].
والسجود على سبعة أعضاء كما ذكر في النيل وشرحه قال: فرض السجود وأكمله وضع الجبهة والأنف بالأرض وتمكينها مع الركبتين وأصابع القدمين بالسقوط إليه مادا بتكبير مستغرقا ما بينهما بقصد أوّلا الركبتين ثمّ اليدين فالجبهة فالأنف ولا ضير إن سبق. وتجزي عنه بلا عكس وتقدم في الرفع ثمّ الأنف ثمّ اليدين ثمّ الركبتين ولا ضير إن لم يرتّب أو قدّم أو أخّر، ويفرج بين ركبتيه في السجود، قال في الشرح واختار بعضهم تقديم اليدين عن الركبتين في السجود قال والصحيح تقديم الركبتين روى البخاري ومسلم وأبو دود والترمذي أنّه - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه قال وقال سعد كنّا نضع اليدين قبل الركبتين فالسجود كغيره مأخوذ عمّا صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر ذلك بتوسع في الإيضاح وساق الحديث المتقدم وغيره ج1 ص505 - 506.
وأمّا في النيل وشرحه ففي ج2 ص165 - 167 وذكر في الإيضاح عن رسول الله قال:» أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكفِّت ثوبا ولا أعقص شعرا «. شامل الأصل ج2 ص93 عن عبد الله بن عباس فيه أيضا عن ابن عباس: إذا سجد العبد سجد معه سبعة أعضاء: اليدان والركبتان والقدمان والجبهة.
مكروهات السجود: (1/96)
صفحة 97
يكره في السجود كما ذكر في النيل وشرحه قال ولا يفرشح رجليه ولا يلصقهما ويضع يديه بين ركبتيه ورأسه ويضمّ أصابعه ويجافي عضديه ولا يفرش ذراعيه ولا يتورّك ولا يلصق صدره بالأرض قال ففي الشرح بلا فساد إن فرش أو ألصق أو تورّك وقيل تفسد لظاهر النّهي في الحديث قال في الأصل وفسدت إن لم يسجد على يديه وقد أمر بالسجود على سبعة وإن سجد بظاهر يديه أو وضعها على جانبهما أو وضعهما مع ركبتيه ففي الإعادة قولان قال في الشرح رجحت الإعادة، وكره على عمامة إن لم يمسّ الأرض بعض الجبهة اهـ ج2 ص176.
وذكر في الفقه وأدلّته للزحيلي قال: واتّفق العلماء على السجود الكامل على سبعة أعضاء، الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين لحديث ابن عباس أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء على الجبهة وأشار بيديه على أنفه واليدين والركبتين والقدمين قال ولا خلاف على أنّ السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنّه لا يجزي السجود على الأنف وحده ثمّ ذكر خلافا بين المذاهب في الاقتصار على الأنف والجبهة اهـ ج1 ص660.
قال في النيل وينهض كالمهر لقيام بلا تورك لغير عذر مادا بتكبير، وإن تعمّد ترك التسبيح كالتعظيم بطلت.
ما يعرض للساجد:
قال في النيل وشرحه وإن شمّ رائحة بول من محل السجود حوّل وجهه يمينا أو شمالا وإن شمّه به تأخر ومضى حتّى يفرغ وينظر فإن وجدها أعاد وندب لرجل مدّ جسده عند سجوده قدر ما يجد بلا ضرر، ويعيد الثاني دون الأوّل أو بعده اهـ ص171، ويقعد بين السجدتين واضعا يمنى رجليه على أخمص يسراه، قال في الإيضاح وأمّا صفة القعود فإذا قعد بين السجدتين فليقعد على رجليه وليكن اعتماده على رجله اليسرى، وليجعل بنان رجله اليمنى في أخمص اليسرى وليوصلها الأرض جميعا وإن جعل بنان اليسرى في أخمص اليمنى فلا بأس، الإيضاح ج1 ص516 - 517.
ثمّ يسجد ثانية ويسبح ثمّ ينهض كما تقدّم.
القعود: (1/97)
صفحة 98
القعود من أركان الصّلاة وقيل لا لقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا الله قِيَاماً وَقُعُودَا وَعَلَى جُنُوبِكُم} قال في النيل وشرحه فرض القعود للتشهّد وندب للرجل على رجليه جاعلا بنان يمناه على أخمص يسراه باعتماد عليهما، وإيصالهما الأرض ولا ضير إن عكس، أو وقف أحدهما وفرش الأخرى إذ هما أو ضمّهما إلى ناحية قال في الشرح لكن ردّهما إلى جهة اليمين مكروه.
الفصل الثالث
سنن الصّلاة
ما تقدّم بيانه هو فرض لا تصح الصّلاة إلاّ به فمن تركه عمداً أو نسياناً أعاد صلاته وفي الصّلاة سنن واجبة فمن تركها عن عمد أعاد صلاته، ومن تركها نسيانا أو سهواً فلا.
فكل أفعال الصّلاة فرض ما عدا إحدى جلستي التشهد، وجميع أقوالها سنّة ما عدا تكبيرة الإحرام والقراءة.
وسنن الصّلاة نوعان: أقوال وأفعال وكلاهما نوعان ما كان داخل الصّلاة وما كان خارجها:
المطلب الأول ما كان خارج الصّلاة:
السنن التي هي خارج الصّلاة ست:
أ- السواك: وقد تقدّم بيانه في سنن الفطرة فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ وضوء وكلّ صلاة «.
ب- التّوجيه: وقد تقدّم بيانه.
جـ- وضع السترة أمام المصلي: وفيها ثلاث مباحث: (1/98)
صفحة 99
المبحث الأول مشروعيتها: فقد شرعت من السنّة من عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله فقد روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا وإن لم يجد فعصا وإن لم يجد فليخطّ بيده خطا ثمّ لا يضرّه ما مرّ بين يديه «رواه أحمد وابن ماجه وأبو داوود، وروي أنّه - صلى الله عليه وسلم - غرز عنزة فصلّى إليها متّفق عليه من طريق ابن عمر بلفظ حربة (وهي العنزة) قال في الإيضاح بعدما أورد هذه الأدلة ولهذه الأخبار اختار بعضهم أن يجعل المصلي تلقاءه كالسيف والعصا ونحوه وقالوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو من فائدة فاستعمال ما أمر به أولى، لأنّ بعض ما يمرّ بين يدي المصلي يقطع الصّلاة، قال وإن لم يجد سترة خطّ أمامه اهـ ج1 ص446، فنرى أنّ السترة عنده مستحب أمّا صاحب النيل فقال وجب على مصل جعل كعصا أو سيف أمامه سترة إن لم يكن كجدار أو سارية وإلاّ خطّ بيده خطا قال في الشرح إذا تيقّن مجيء مفسد أو رجح حُمل على الوجوب في قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا ... «والأمر عندنا للوجوب لكن إن لم يجعل لا تفسد، إن لم يحدث ما يفسدها وفي القواعد أنّهم اتّفقوا على استحباب السترة اهـ ج2 ص81.
المبحث الثاني ما يعرض للمصلّي ووعيد المار بين يديه: (1/99)
صفحة 100
شدّد في المرور بين يدي المصلي فقد روي عن رسول الله فيما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر عن أبي سعيد الخذري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّ أحدكم إذا كان في الصّلاة فلا يدع أحدا يمرّ بين يديه وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان «وما رواه أبو عبيدة عن جابر رحمه الله عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال:» لو يعلم المار بين يدي المصلّي ما عليه لوقف في مكانه إلى الحشر «قال السالمي في الحاشية تفرّد به المصنف وهو حجّة إذ له في المعنى شواهد من غير طريق ابن عبّاس وذكره في الإيضاح وفي التعليق متّفق عليه واللفظ للبخاري وقال قوله لو يعلم ما عليه أي من الإثم ولعلّ إبهامه للدلالة على عظم ذلك وأنّه واصل إلى ما لا يقدر قدره مثل قوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} اهـ حاشية الجامع ج1 ص356 - 357. فالمرور بين يدي المصلّي مكروه وقيل حرام قال في النيل وشرحه وشدّد في المرور بين يدي مصل، وله دفع المار وإن بعنف إن لم يرجع قال في الشرح بأن يكفّر المار كفر نفاق إن تعمّد وإن مرّ أمام فذ أو إمام أو الصّف حتّى جاوز قفا الإمام قلت والمراد بالمرور في موضع سجوده وما دونه لأنّ ذلك هو الذي يمكن دفعه بلا انتقال وقيل فيما ردّت ثلاثة أدرع وفيه خلاف واسع اهـ ج2 ص92.
المبحث الثالث ما يفسده مروره:
يفسد الصّلاة ما مرّ أمام المصلّي مطلقا إن كان جنبا أو حائضا أو كلبا أو مشركا أو بالغ أقلف أو ميتة أو دم أو لحم خنزير أو قرد أو سبع إن لم يجعل سترة أو مرّ شيء من هذا بينه وبين السترة.
أو باستقبال نجاسة أو قبر أو وجه حيوان وبكلّ معبود باطل اهـ شرح النيل ج2 ص33.
الدعاء بعد الصّلاة: (1/100)
صفحة 101
الدعاء بعد الصّلاة مشروع وسنّة فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان إذا أتمّ الصّلاة استغفر ثلاثا وقال:» اللّهم يا سلام أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام «ذكره في الشامل قال: الوليد قلت للأوزاعي كيف الاستغفار قال تقول أستغفر الله أستغفر الله، قالت عائشة كان لا يمكث مستقبلا للقبلة إلاّ مقدار ما يقول:» اللهمّ أنت السّلام الخ «، قلت إنّما ذلك دعاء قبل السّلام أو حين لم يكثر التفقه يسرع الالتفات إلى المأمومين ليقيّم حالهم بالأمر والنّهي وإذا ثبت أنّه يدعو ثبت أنّ الدعاء مشروع فيقلّ أو يكثر وبهذا ونحوه يردّ على ابن القيم من الحنابلة إذ قال الدعاء بعد السّلام باستقبال من الإمام أو المأموم أو الفذ لم يكن من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلا ولا روي عنه بإسناد صحيح وساق إنكاره الدعاء ويردّ عنه أيضا ما روي عن أبي داود والنسائي وابن حبّان واللفظ للنسائي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا صلّيت الصبح فقل اللهمّ أجرني من النّار «ثمّ ذكر أحاديث كثيرة في إثبات الدعاء ومنها ما قاله لمعاذ:» يا معاذ إني أحبّك أفلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك «.
والاستقبال إلى النّاس ممّا ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه بعد تمام الصّلاة كأن يستقبل ويدعو تارة ويعظ النّاس أخرى فهو من السنّة.
المطلب الثاني ما كان داخل الصّلاة:
السنن في وسط الصّلاة نوعان أفعال وأقوال:
أ- الأفعال فهي ثلاث: (1/101)
صفحة 102
1 - النظر إلى موضع السجود: من غير التفات، فقد روت عائشة - رضي الله عنه - ا قالت: ''كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الصّلاة لم يجاوز بنظره غير سجوده تخشّعا لله - عز وجل - وإذا أفرغ خرّ راكعا'' رواه مسلم وكذا ما روي أنّه قال لعلّي كرّم الله وجهه:» لا تنظر قبل وجهك ولا عن يمينك ولا عن شمالك «رواه أبو داود والنسائي قال في الإيضاح وإن فعل فسدت صلاته قال ولا يرفع بصره نحو السّماء لقوله - عليه السلام -:» ما بالكم ترفعون أبصاركم في صلاتكم قبل السماء «، ثمّ اشتدّ عليهم فقال:» لتنتهنّ أو ليخطفنّ أبصاركم «رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق أنس بن مالك.
2 - الترتيب والترتيل في القرآن: أمّا الترتيب فقراءة السورة بعد الفاتحة لا قبلها وأمّا التّرتيل فلفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولقوله تعالى: {وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاَ} وقال في النيل وشرحه: وندب الترتيل عند الأكثر قال في الشرح وهو الإمهال في القراءة بحيث يتمكّن السامع من عدّ الحروف، وقيل بوجوبه وهو من التجويد إعطاء الحروف حقّها ومستحقّها وإن أخرج الحرف من مخارجها بسرعة كفى وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال:» إنّ الترتيل حفظ الوقوف وبيان الحرف «رواه أبو داود فإن كان لا يقف في محل الوقف فليس مرتّلا اهـ ج2 ص144.
جـ- الإسرار في موضع السر والجهر في موضع الجهر: قال في النيل وشرحه وأجمعوا أنّه يسرّ بالقراءة في ظهر وعصر وآخرة مغرب وآخرتين من العشاء، وقيل إنّما يجهر في الظهر والعصر بتكبير وأقلّه إسماع الأذن
والسر تقطيع الحروف بدونه وقيل إسماع الأذن والجهر إسماع الغير، وإن جهر بالفاتحة في موضع السر أعاد صلاته، وقيل يمضي بلا إعادة وكذا الخلف إن أسرّ حيث يجهر. اهـ ج2 ص139 - 141.
ومثل ذلك بتفصيل في الإيضاح. (1/102)
صفحة 103
د- السكتة: بيّن أعمال الصّلاة قال في النيل وشرحه: (ينبغي السّكوت بين الإحرام والقراءة وبين الختم والرّكوع، زاد في الشرح وإن استعاذ بعد الإحرام سكت بين الإحرام والاستعاذة والسّكوت قدر تنفّس أو بلع ريق وإن زاد أعاد) قال في الشرح وقيل إلاّ إن سكت قدر العمل المتّصل به إلاّ إن كانت الزيادة لعذر اهـ ج2 ص148.
فالسكوت بين كلّ عمل من أعمال الصّلاة سنّة وفائدته استحضار الذهن وإتمام العمل.
هـ- الاستدراك: وهو صلاة ما بقي من صلاة الإمام وقضاء ما فات بعد التّسليم، وهو مشروع باتّفاق الفقهاء قال في الجامع الصحيح: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:» إذا ثوب للصّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا فإنّ أحدكم في الصّلاة ما دام يعمد إلى الصّلاة «قال في الحاشية إذا ثوّب أي المؤذن للصّلاة دعا إليها والحديث متّفق عليه بالمعنى وإن اختلف بعض ألفاظه. اهـ الجامع ج1 ص321.
أ- أسبابه: قال في النيل وشرحه توصل بفوت إمام، أو بنوم أو سهو أو إصلاح فساد أو بعذر يصحّ معه البناء ونحو ذلك ممّا لا نقض به. اهـ ج2 ص299 فالأسباب خمسة يمكن الاستدراك معها ويكون توضيحها مع بيان الأنواع. (1/103)
صفحة 104
ب- كيفيته: اختلف في كيفية الدخول للاستدراك قال في الإيضاح ولا يدخل الرجل إلى الإمام إلاّ في القيام أو القعود، ولا يدخل إليه لا في ركوع ولا سجود والدليل ما روي أنّه قال - عليه السلام -:» من أدرك الركوع فقد أدرك الصّلاة «وقال بعض يدخل إليه في كلّ موضع من صلاته لا في ركوع أو سجود والدليل أنّه قال - عليه السلام -:» فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا «ولم يخص موضعا، وإن دخل إليه في القيام وقد فاته بقراءة الفاتحة فإنّه لا يقرأ ولكن عليه أن يسمع لقراءة الإمام وقال بعض يقرأها لقوله - عليه السلام -:» لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب «وساق خلاف واسع في ذلك ملخّصه أنّ المصلّي يصلّي ما أدرك ويقضي الباقي بعد بلا زيادة ولا نقصان وهو الصحيح اهـ ج1 ص590 - 591 كما أنّه لا يدخل عليه إلاّ وهو يعلم مكانه وقيل لا.
جـ- أنواعه: أنواع الاستدراك حسب أسبابه وكلّها يجب أن يراعي صلاة ما أدرك وقضاء ما فات وهو نوعان إمّا أن يفوته بعمل وإمّا بعملين وإليك صورة من كلّ حسب ما في النيل وشرحه قال:
الاستدراك وجهان الأوّل أن يفوته أوّلها أو وسطها أو آخرها، الثاني أوّلها وآخرها، أو أوّلها ووسطها، أو أوسطها وآخرها الأوّل أن يقصد إلى ما فاته ويستدركه ثمّ يسلّم كداخل فاتته ركعة أو ركعتان يصلّي ما أدرك فإذا سلّم الإمام قام بلا تكبير إلى أوّلها فيستدركه إلى محلّ دخل فيه ثمّ يسلّم وكذا إذا صلّى معه ركعتين من أوّلها وتشهّد ثمّ نام أو أحدث قبل أن يقوم بتكبير ولم ينتبه أو يتوضّأ حتّى فاته بركعة فأدرك معه الرابعة فإذا سلّم قام بتكبير التشهّد لاستدراك فائت، والثاني كداخل فاتته ركعة من أوّل وصلّى معه ركعة أو ركعتين ثمّ نام أو أحدث ولم ينتبه أو يتوضّأ حتّى سلّم فإنّه يبدأ من الأوّل ثمّ في الرابعة يقعد ويتشهّد ثمّ يسلّم وهكذا. اهـ ج2 ص307 - 309.
المطلب الثالث: الأقوال: (1/104)
صفحة 105
أقوال الصّلاة كلّها سنّة ما عدا تكبيرة الإحرام والتّكبير بعد التشهّد الأوّل والقراءة وهي خمس:
أ- التكبير عند الركوع والسّجود والرفع منه: فهو من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال:» صلّوا كما رأيتموني أصلّي «متّفق عليه قال في الإيضاح وإن هوى إلى الركوع فليركع بركبتيه وليضح راحتيه على ركبتيه وليفرق بين أصابعه والدليل ما روي أنّه - عليه السلام - إذا ركع قال:» الله أكبر «ووضع يديه على ركبتيه وسوّى ظهره، معتدلا متّفق عليه.
ب- ما يقال عند الرفع من الركوع: فالفذ والإمام يقول ''سمع الله لمن حمده'' والمأموم يقول ''ربّنا ولك الحمد'' قال في الإيضاح وإذا رفع رأسه من الركوع قال ''سمع الله لمن حمده'' حتّى يستوي قائما والدليل ما روي من طريق أبي هريرة قال إذا قال الإمام ''سمع الله لمن حمده'' قال من بعده ''ربّنا ولك الحمد'' فإنّ من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه، وقال هكذا سمعت رسول الله يقول، وإذا قال ''سمع الله لمن حمده'' و''ربّنا ولك الحمد'' وجمعهما صحّت صلاته الحديث متّفق عليه من طريق أنس اهـ. ج1 ص502 والحديث في الجامع الصحيح ج1 ص343.
جـ- قراءة التحيات: قال في الإيضاح وإذا ركع وسجد وقعد فليقرأ التحيات وهي سنّة مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يعلّم أصحابه التحيات كما يعلّمهم القرآن فهذا يدلّ على وجوب التحيات، وهي ''التحيات المباركات لله والصّلوات الطيّبات والسّلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله'' رواه مسلم وأبو داوود عن ابن عباس قال ثمّ يدعو لنفسه بما بدا له وذكر مثل ذلك في النيل وشرحه. (1/105)
صفحة 106
د- ما يقال في الركوع والسجود: قال في الإيضاح وإذا ركع الرجل واستوى في ركوعه فليعظّم الله وهو أن يقول: ''سبحان ربّي العظيم'' ثلاث مرّات والتعظيم في الركوع، والسّجود التسبيح أصلهما من التنزيل والدليل ما روى ابن عباس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا نزل عليه {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ} قال:» اجعلوها في ركوعكم «، ولمّا نزل عليه {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الاَعْلَى} قال:» اجعلوها في سجودكم «رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وذكره في الجامع الصحيح ج1 ص340 قال وأمّا عدد ما يجعل من التعظيم والتّسبيح فإنّهم اختلفوا فيه قال بعضهم المستحبّ ثلاث، وإن زاد فلا بأس وإن نقص فلا نقض اهـ ج1 ص199.
هـ- السّلام: السّلام بعد التحيات سنّة لقوله - عليه السلام - تحليلها التّسليم (1)
قال في النيل وشرحه سنّ التّسليم، وهو تحليل المحرم بالتكبير وفي إعادة منصرف منها بدونه لا لعذر قولان قال في الشرح وهو أن يقول: ''السّلام عليكم'' وقال الحكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك أي يقول: ''السّلام عليكم'' إلى جهة، ''السّلام عليكم'' إلى جهة.
وروى البيهقي عن ابن مسعود كان يقول السّلام عليكم ورحمة الله السّلام عليكم ورحمة الله وروى البيهقي عن عائشة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلّم في الصّلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى شقّه الأيمن قليلا فإذا سلّم عن يمينه سلّم عن يساره قال في الأصل وهل يعني به يمينا وشمالا الحفظة قال في الشرح فإنّه يصفح بسلام واحد يمينا وشمالا، وقيل يقول السّلام عليكم يمينا السّلام عليكم شمالا وكذا يفعل عمار وابن مسعود وضمام وهو رواية عن عثمان عن رسول الله والعمل به وهو الصحيح قال في الأصل ولا ضير إن سلّم لناحية فقط أو أمامه أو لم يحوّل وجهه اهـ ج2 ص201 - 203.
__________
(1) - السنّة يقولها الإنسان أينما ذكرها من صلاته. (1/106)
صفحة 107
قال في حاشية الجامع الصحيح على حديث:» تحريم الصّلاة التكبير وتحليلها التّسليم «يعني أنّه يحلّ بالتسليم ما كان حراما من الأعمال وهو دليل على أنّ التّسليم واجب كالتكبير وهو ركن وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتّابعين فمن بعدهم إلى وجوبه وهو قول المذهب قال ويؤخذ من الحديث أنّ التّسليم مرّة كما أنّ التّكبير مرّة فالمشروع تسليمة واحدة عندنا وبه قال ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة والحسن وابن سيرين وذكر غيرهم وبه كان العمل عند أهل المدينة وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي في أحد مذهبيه، وقيل المشروع تسليمتان وعليه أكثر قومنا وعليه كان ضمام وأجمع العلماء أنّ من اقتصر على تسليمة واحدة أجزته اهـ ج1 ص327.
وكلّ ما ذكر من السنن ذكره بتفصيل صاحب الفقه الإسلامي وأدلّته وفيه خلاف واسع بين المذاهب وغالبها متّفق عليه سواء ما كان داخل الصلاة أو خارجها.
المطلب الرابع السنن المختلف فيها:
السنن المختلف فيها نوعان: مختلف في أصل سنّيتها أو كيفيتها.
أ- مختلف في أصل سنّيتها وهي خمس: (1/107)
صفحة 108
أ- رفع اليدين عند الإحرام: لا يجوز عندنا رفع اليدين في أيّ جزء من أجزاء الصّلاة لحديث روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الجامع الصحيح: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» كأنّي بأقوام يأتون من بعدي يرفعون أيديهم في الصّلاة كأنّها أذناب خيل شمس «قال في الحاشية المشار إليهم في هذا الحديث قومنا فإنّهم هم الذين اختصّوا برفع أيديهم في الصّلاة حتّى نقل غير واحد منهم الإجماع على رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولم يتركه إلاّ النّادر فقد نقل عن مالك أنّه لا يستحبّه وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم، ونقل عن الزيدية أنّه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها قال والحقّ المنع لحديث الباب وروى مسلم وأبو داوود عن جابر بن سمرة قال خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:» ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصّلاة «وروى الحاكم في المدخل من حديث أنس من رفع يديه في الصّلاة فلا صلاة له، وروى قومنا أحاديث كثيرة في الرفع عن عدد من الصحابة فإن صحّت -ولا أراها تصحّ- فهي منسوخة بما ذكرنا ويمكن أنّه - صلى الله عليه وسلم - رفع لعذر مرّة واحدة كما قيل أنّه أراد أن يفضح المنافقين الذين علّقوا الأصنام. اهـ ج1 ص318.
وقد ذكر القطب في الشامل بحثا قيّما أتى فيه بأحاديث الرفع وردّ عليها كما تجد في الصورة.
ب- الضّم والتكبير عند كلّ رفع: فليس في المذهب شيء منها ولم يثبت ما فيها من أحاديث عندنا ولا عند المالكية والحنفية واستدلّوا بما روي عن ابن عمر كان رسول الله يرفع يديه إذا افتتح الصّلاة ثمّ لا يعود وبفعل ابن مسعود قال ألا أصلّي بكم صلاة رسول الله فصلّى فلم يرفع يديه إلاّ في أوّل أمره وقال أيضا صلّيت مع رسول الله ومع أبي بكر وعمر فلم يرفعوا إلاّ عند الاستفتاح أمّا عندنا فالرّد في الشامل. (1/108)
صفحة 109
جـ- تحريك الأصبع عند التشهّد: فلم يصح عندنا شيء من ذلك قال في الشامل كما لم يثبت عندنا تحريك الأصبع في التحيات وكذا قال محقّقوا المالكية وروى مسلم عن ابن عمر أنّه - صلى الله عليه وسلم - يعقد ثلاثا وخمسين يشير بالسبّابة يعني من اليمنى ثمّ ذكر أحاديث أخرى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرّكها أو يشير بها وقال ولم نعمل بها لأنّ في سنده مجاهيل ولم يقوّه أصل ولا حديث صحيح ولا قياس. اهـ ص123.
د- القنوت: وهو الدعاء في الصّلاة فلم يثبت عندنا في المذهب وقد استعمله بعض المذاهب قال في الشامل: قد كان سنّة ثمّ نسخ فمن قنت فسدت صلاته وصلاة من صلّى خلفه وقال العلاّمة أبو يعقوب يوسف: لا تفسد صلاة من صلّى خلف قانت قال وفي موطأ مالك أنّ ابن عمر كان لا يقنت في صلاة وروى أنّه بدعة إلى أن قال: قال الإمام أفلح بن عبد الوهاب رحمه الله روى مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه لم يقنت في صلاته ولا الخليفتين من بعده. ملاحظة ذكر ذلك في الجامع الصحيح ج4 ص7، قال روى الإمام أفلح قال أخبرني محمّد بن الحسن عن محمّد بن أبان القرشي عن حمّاد بن إبراهيم عن علقمة والأسود بن يزيد قالا: لم يقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح حتّى مات إلاّ إذا كان حارب المشركين وفيه عن الإمام أفلح عن محمّد بن الحسن عن هشام بن عبد الله الدستوائي عن قتادة عن أنس بن مالك أنّ رسول الله كان يقنت شهرا بعد الركوع الآخر يدعو على حي من أحياء العرب ثمّ تركه ولم يقنت قبله ولا بعده اهـ نفس الصفحة وذكر ذلك في الشامل بتفصيل واسع فارجع إليه ج2 ص157 ولم أجد من ذكره في غير الشامل. (1/109)
صفحة 110
هـ- قراءة البسملة في أوّل السور: قال في الإيضاح وقراءة البسملة في أوّل سورة واجبة في الصّلاة لوجوب فاتحة الكتاب لأنّه من السبع المثاني والدليل ما روي من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - قال: فاتحة الكتاب هي أمّ القرآن فاقرأها واقرأ فيها {بسم الله الرّحمان الرّحيم} وقال إنّها آية من كتاب الله، رواه الترمذي، قال الربيع قال أبو عبيدة وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل هذا، وقال بعض أهل العلم هي آية من القرآن على رأس كلّ سورة، ولذلك اختار أصحابنا رحمهم الله أن تجعل في أوّل كلّ سورة في الصّلاة ويدلّ على هذا ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقرأ {بسم الله الرّحمان الرّحيم} حتّى مات، وهي تقرأ عند أصحابنا سرّا مع السّر جهرا مع الجهر. اهـ ج2+1 ص430.
قال في ''الفقه الإسلامي ودليله'' قال المالكية يكره التعوّذ والبسملة قبل الفاتحة ودليلهم أنّ النبي وأبي بكر وعمر كانوا يفتحون الصّلاة بـ {الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين} وقال في الحنفية يتعوّذون في الركعة الأولى وقال الشافعية والحنابلة يسنّ التعوّذ سرّا في أوّل كلّ ركعة ثمّ {بسم الله الرّحمان الرّحيم} سرّا عند الحنفية والحنابلة وجهرا في الجهرية عند الشافعية. اهـ ج1 ص692.
وفي وفاء الضمانة أحاديث تؤيّد ما تقدّم من ج1 ص 152. (1/110)
صفحة 111
و- قول آمين بعد الفاتحة: قال ''صاحب الفقه الإسلامي ودليله'' التأمين قول المصلّي بعد الفاتحة آمين استحبّ بعد الانتهاء من الفاتحة وذلك عند الحنفية والمالكية سرّا وعند الشافعية والحنابلة سرّا في الصّلاة السرّية وجهرا فيما يجهر ويؤمّن المأموم مع تأمين إمامه، ودليلهم حديث أبي هريرة إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإنّه إن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدّم. اهـ ج1 ص693 فنرى أنّه ليس نصا إنّ ذلك في الصّلاة ولم أجد له ذكرا فما عندي من كتب الفقه قال في العقد الثمين للإمام السالمي جوابا لمن سأله عن ذلك، عندنا هو غير جائز وهو ناقض للصّلاة لأنّ جواز قولها منسوخ بنسخ الكلام في الصّلاة فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» إنّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين «ولا يقال إن سمع الله لمن حمد والتحيّات من ذلك إذ هي متّفق عليها وليس المختلف فيه كالمتّفق. اهـ ج2 ص91.
وأيضا ما ذكره ثبت عن رسول الله باتّفاق ومن أجازه لا يقول بوجوبه. (1/111)
صفحة 112
سجدة السّهو: بقي من السّنن سجدة السّهو وهي مشروعة لمن سها باتّفاق لكن الخلاف في محلّها هل هي قبل السّلام أو بعده قال في النيل وشرحه سنّ لسهو وإن تعدّد وإن لفذ سجدتان بعد التسليم، وهل يسبّح فيها كالصّلاة أو يستغفر ثمّ هل يسلّم ثمّ هل يسلّم بعد الرفع منها أوّلا، ويصلّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف يسجدهما إمام إن وهم وحده وإلاّ سجدوا معه وصحّح لمأموم إن وهم وحده وقيل الإمام رافع عنه وهما كالصّلاة بناء ونقضا وقيل محلّهما قبل السّلام وصحّح الأوّل وقيل إن لزمتا بنقص فقبله وإن كان بزيادة فبعده وقال في الشرح وإذا لم يكن سهو فلا يسجد بعد العصر والفجر وجاز بعد غيرهما وإن لم يسهو وكان الربيع يسجد ولو لم يسهو، ولعلّه بعد غيرهما أو مطلقا بناء منه على أنّ الغفلة عن بعض الصّلاة مسوّغ للسجود. اهـ ج2 ص403 - 405، وذكر في الإيضاح مثل ذلك بتفصيل قال والدليل على السجدتين بعد التسليم ما روي من ابن مسعود أنّه - رضي الله عنه - سجدهما بعد التسليم رواه البيهقي عن ذي اليدين والطبراني عن ابن عباس ومن طريق أبي هريرة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سلّم من ركعتين فقيل له: أقصرت الصّلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال:» كلّ ذلك لم يقع «، فقال ذو اليدين بل كلّ ذلك قد وقع، فقال النبي أحقا ما يقول: فقالوا نعم، فقام فأتمّ ما بقي من الصّلاة فسجد سجدتين بعد الصّلاة متّفق عليه، وذكره في الجامع حاشية السالمي ج1 ص367. وقال أيضا أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله قال:» إنّ أحدكم إذا قام للصّلاة أو يصلّي جاء الشيطان فلبس عليه صلاته حتّى لا يدري كم صلّى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين بعد أن يجلس «اهـ. (1/112)
صفحة 113
ج1 ص363، فنحن نرى ما عليه أهل الوطن من لزوم السجود بعد كلّ صلاة احتياطا ولو لم يعلم أنّه سهى فقد يسهو ولا ينتبه، قال ابن عباس: إن استطاع أحدكم أن يصلّي صلاة إلاّ ويسجد بعدها فليفعل فإن كان سهى فهي جبر لصلاته وإلاّ فهي إرغام للشيطان وفاء الضمانة. ج1 ص170.
ويقال في سجود السّهو كسجود الصّلاة وقيل ''ربّنا ولك الحمد'' ذكره في شرح النيل ج2 ص404، ومن كمالات الصّلاة الخشوع قال الله تعالى: {قَدْ أَفلَح المُومِنُونَ الذِينَ هُم فِي صَلاتِهِم خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1] والخشوع سكون الجوارح وحضور البال فلا يتمّ أجر الصّلاة إلاّ به.
وما يلحق بذلك أن لا يصلّي المصلّي وهو حاقن ببول أو غائط فذلك مشغل عن الصّلاة أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال فيما رواه عن ابن عباس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يصلّي أحدكم وهو زنّاء «قال: الزنّاء بتشديد النون يعني الحاقن وعن طريق ابن عباس قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلّي الرجل وهو يدافع الأخبثين، وحدّدوا ذلك بأن يكون مشغلا عن الصّلاة اهـ. الحاشية ج1 ص445.
وفرض عيني وهو خمسة أنواع: صلاة الحضر، وصلاة السفر، وصلاة المريض، وصلاة الخوف والمسايفة.
أ- صلاة الحضر:
وهي خمس صلوات بين اليوم والليلة فقد فرضت على كلّ بالغ عاقل وقد ورد فرضها مجملا في القرآن وفصّلها النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنّة فقال:» خمس صلوات فرضهنّ الله على العبد بين اليوم والليلة فمن جاء بهن تامّة لم ينقص منهنّ شيء استخفافا بحقهنّ فله عند الله عهد أن يدخله الجنّة «وقال في حجّة الوداع:» صلّوا خمسكم وصوموا شهركم «وقال:» من صلّى الصّلوات الخمس وأسبغ وضوءها وأتمّ ركوعها وسجودها صعدت وهي بيضاء مسفرة تقول حفظك الله كما حفظتني «. (1/113)
صفحة 114
والصّلوات الخمس هي الظّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر وقد فرضت كما قالت عائشة - رضي الله عنه - ا: في الحضر والسفر ركعتين ركعتين وأقرّت صلاة السفر وزيد في الحضر ركعتان ففي الظهر والعصر والعشاء أربع وفي المغرب ثلاث وفي الفجر ركعتان والأحاديث المتقدّمة مذكورة في كتاب الوضع ص92.
قال في الإيضاح: اعلم أنّ الصّلاة ركن من أركان الإسلام لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» بني الإسلام على خمس، على أن يوحّد الله تعالى، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، وحجّ بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا «.
ولما روي عن طريق ابن عباس:» الصّلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الإيمان «متّفق عليه.
فهي واجبة على كلّ بالغ عاقل إلى أن. أمّا الواجبات منها فإنّ العلماء أجمعوا على خمس صلوات واختلفوا في السادسة وهي الوتر قال بعضهم بوجوبها وألزموا تاركها الكفّارة وتعلّقوا بما روي أنّه - عليه السلام - قال:» إنّ الله زاد صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم ألا إنّها صلاة الوتر «رواه الخمسة إلاّ النسائي ويدلّ على هذا القول ما روي عن جابر الرجم والختان والاستنجاء والوتر سنن واجبات، وقال آخرون الوتر ليس بواجب ودليلهم ما روي أنّه قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل لمّا بعثه لليمن:» ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله فإن هم أجابوا فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات بين اليوم والليلة «وما روي أنّه قال في حجّة الوداع:» أيّها النّاس لا نبي بعدي ولا أمّة بعدكم فاعبدوا الله ربّكم، وصوموا شهركم، وصلّوا خمسكم الخ «فذلك دليل على أنّ الوتر ليس بواجب.
ب- صلاة السفر:
وهي صلاة ركعتين فيما كان رباعيا بعد مجاوزة أميال الوطن وسيأتي تفصيلها.
جـ- صلاة المريض وذي الأعذار: (1/114)
صفحة 115
ممّا هو معروف عند الفقهاء من صلّى كما أمكنه فلا إعادة عليه، وذلك بناء على قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسعَهَا} [البقرة: 286]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا أمرتكم فآتوا منه ما استطعتم «.
فالآية والحديث كلاهما يبيّن أنّ المكلّف إذا عجز عن فرض من فرائض الصّلاة فليأتي بما يستطيع قال في النيل: من بطلت إحدى رجليه أو يديه أو حزّت فليصلّي قاعدا بإيماء لانتفاء السجود على سبعة آراب وقيل يصلّي قائما بركوع وسجود ممكن، قال في الشرح وهو الصحيح عندي ولا يجوز عندي خلافه لأنّه أمره الله بالقيام في قوله: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} وقد أطلق القيام فهو مكلّف به إذا قدّر عليه بلا مشّقة ولو قطعت يداه معا أو رجل ويد لقوله - عليه السلام -:» إذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم «قال في الأصل ويصلّي عاجز عن قيام قاعدا إن قدر وإلاّ فمضطجع بإيماء وإن عجز عن ذلك كيّف في نفسه جميع أعمالها، وهل إن عجز يكبّر سبعا أم خمسا أو ستا أو أربعا أو كلّ التّكبير أقوال قال في الشرح مضطجعا على الإيماء مستقبلا القبلة بإيماء بركوع وسجود إلى جهة القبلة لا إلى صدره.
إلى أن قال أو أربعا وهو الراجح وذلك قياسا على صلاة الميّت قال في الأصل وإن عجز المريض عن إيماء وركوع وسجود مع اضطجاع رجع للتكبير وهو الأصح.
وهل يقعد قعود تشهّد، أو يوقف ركبتيه أو يوصل رجليه إن أمكنه ويفرج بينهما قولان ثمّ هل يومئ برأسه قاعدا للكلّ أو يسجد للأرض إن قدر خلاف.
قال في الشرح وهو الأصح لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمريض صلّى على الأرض:» إن استطعت وإلاّ فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك «متّفق عليه. (1/115)
صفحة 116
وهل يكيّف ما فوه بنفسه ما يعمل بلسانه، ما يعمل بجوارحه ما أمكنه أو حين رجع للتكييف كيف الكلّ قاعدا قولان، قال في الشرح وأولى أن يعمل ويقول فيفعل ما قدر وهو الصحيح ثمّ ذكر خلافا فيما إذا حدث له برأ ثمّ مرض انتقل في أعماله حسب برئه ومرضه ومثل ما تقدّم مذكور بتفصيل في الإيضاح. ج2 ص455.
قال: وراكب السفينة قيل يصلّي كمريض إن عجز عن قيام وركوع وسجود بما أمكنه ولا يضرّه استدبار بعد إحرام للقبلة وقيل كراكب الجمل. اهـ ج2 ص99 - 110.
وخلاصة القول لما تقدّم فليصلّي صاحب العذر كما أمكنه.
قال في الفقه ودليله اتّفق الفقهاء على أنّه يسقط القيام في الفرض والنافلة للعاجز عنه لحديث عمر أنّ ابن حطان وقد ذكره قبل قال كانت بي بواسر فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصّلاة فقال:» صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب «زاد النسائي» فإن لم تستطع فمستلقيا «قال رواه الجماعة قال فإن قدر على بعض القراءة قائما ولو آية لزمه بقدرها.
ويسقط القيام أيضا عند جمهور الفقهاء غير الشافعية للعريان فإنّه يصلّي قاعدا يإيماء إذا لم يجد ساترا يستر به عورته.
ومن حالات العجز المسقط حالات المداواة كمن يسيل جرحه أو مداواة العين استلقاء ومنها حالات سلس البول.
ثمّ ذكر خلافا كبيرا في حالات صلاة العاجز وكلّها مبنية على الاجتهاد في تطبيق الآية والأحاديث.
د- صلاة الخوف والمسايفة: (1/116)
صفحة 117
صلاة الخوف قد ذكرها الله بتفصيل فقال: {وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الاَرْضَ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَة إنْ خِفْتُم أَنْ يَفْتِنَكُم الذِينَ كَفَرُوا، إنَّ الكَافِرُينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُواً مُبِينًا، وَإذَا كُنْتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاَةَ، فلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ، فَإذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، ولْتَاتِ طَائِفةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَليُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَاْخُذُوا حِذرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} إلى قوله: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُومِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا} [النساء: 104] (1/117)
صفحة 118
فصلاة الخوف عند مواجهة العدو تقوم طائفة تواجه العدو ويقوم الإمام وراءهم وطائفة أخرى تصلّي معه ركعة ثمّ ينصرفوا لمواجهة العدو وهم سكوت وتصلّي معه الطائفة الأخرى ركعة فإذا سلّم الإمام سلّم الجميع هكذا وصفها الفقهاء، ذكر في الإيضاح صفتها واستدلّ بما رواه أبو عبيدة عن جابر قال: حدّثني جملة من أصحاب رسول الله أنّهم صلّوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ذات الرقاع فقال: (طائفة منهم صفّت طائفة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وطائفة واجهت العدو فصلّى بالذين وقفوا خلفه ركعة ثمّ ثبت قائما وأتمّوا الركعة الثانية لأنفسهم فانصرفوا وواجهوا العدو وجاءت طائفة أخرى فصلّى بهم ركعة ثمّ ثبت جالسا وأتمّوا الركعة الثانية ثمّ سلّم بهم جميعا) رواه مسلم وفي رواية أخرى نفس ما ذكرت في الصفة الأولى قال الربيع قال أبو عبيدة على هذا القول العمل عندنا أي الصفة الثانية في الحديث قال والصحيح أنّها ركعتان للإمام ولكلّ طائفة ركعة قال وإذا اشتدّ الخوف صلّوا كما أمكنهم كما قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] قال والخائف على دمه وماله يجوز له أن يقصر من الصّلاة على قدر ما وجد ويقصر من وظائفها ما لم يمكنه من الركوع أو السجود إلاّ التومي قائما أو التومي قاعدا أو راكبا إلى الاضطجاع إلى الجواز عليها بلسانه وله أن يقصر من صلاته على ما ذكرنا عند دفع المضار عن نفسه أو عن غيره. اهـ ج2 ص645 - 646.
قال في شرح النيل بعد أن ذكر صلاة الخوف حسب ما صحّح في الإيضاح أنّها بركعتين للإمام ولكلّ طائفة ركعة ولو في مغرب وإن اشتدّ صلّوا كما أمكنهم قال وظاهر حديث ابن عباس: إنّ الصّلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربع وفي السفر ركعتان وفي الخوف ركعة.
عدم صحّة غير ذلك لكن إنّ الركعة ترخيص فذلك صلاة المسايفة أي في وقت اشتداد الخوف يصلّي كما أمكنه ولو آل إلى التكبيرة.
الباب الرابع أقسام الصّلاة (1/118)
صفحة 119
للصّلاة ثلاثة أقسام فرض وسنّة ونافلة ففيه ثلاث مباحث:
المبحث الأوّل صلاة الفرض: صلاة الفرض نوعان: فرض كفائي وهو نوعان:
صلاة الجماعة وصلاة الجنازة (أنظر باب الحقوق)
صلاة الجماعة: وفيها أربع مطالب:
المطلب الأوّل: مشروعيتها: صلاة الجماعة فرضت على الكفاية قال في الإيضاح صلاة الجماعة فرض على الكفاية إذا قام بها البعض أجزت عن الباقين، والدليل ما روى أنس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» صلاة الجماعة خير من صلاة الفذّ بسبع وعشرين «متّفق عليه قال فكأنّه - عليه السلام - قال صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، والكمال إنّما هو شيء زائد. اهـ ج1 ص529 فنرى أنّهم اعتبروا هذا التفاضل فمن أتى بالمفضول فقد أدّى الواجب.
لكن ما ورد في فرض صلاة الجماعة يكاد يوجبها على الأعيان فقد قال أيضا لمّا افتقد عليا فأخبرته فاطمة أنّه بات يصلّي فلمّا طلع الفجر صلّى واضطجع فقال:» لو صلّى في الجماعة لكان أفضل «فنرى أنّه لم يأمره بإعادة الصّلاة قال في الإيضاح فهذا يدلّ أنّ صلاة المنفرد تامّة.
قال في وفاء الضمانة ج1 ص177 قال أبو هريرة سمعت رسول الله يقول:» من سمع النّداء فلم يمنعه من إجابته عذر لا تقبل صلاته «قيل ما العذر قال:» خوف أو مطر أو مرض «قال القطب معلّقا عليه ذلك حين ولي الأمر أهله، قال ابن مسعود - رضي الله عنه - إنّ رسول الله علّمنا سنن الهدى وإنّ من سنن الهدى صلاة الجماعة ولو صلّيتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنّة نبيئكم ولو تركتم سنّة نبيئكم لكفرتم فعلّق عليه القطب بما تقدّم اهـ. ومثل ذلك التّعليق في الإيضاح قال وهذا عندي في زمان النّاس فيه كلّهم صالحون والمسلمون هم الغالبون وعذر من كان في زمن الجورة في كلام طويل اهـ. ج1 ص532. (1/119)
صفحة 120
وقد شرعت بعد الهجرة بعد أن أسّس النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد وتمّ بناؤه وفي حكمها خلاف هل هي فرض عين حسبما تشير أدلّتها فقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثمّ آمر بالصّلاة فيؤذّن لها ثمّ آمر رجلا يؤمّ النّاس ثمّ أتخلّف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم أنّه يجد مرماتين أو عظما سمينا لشهد العشاء «، قال في الإيضاح يدلّ أنّ صلاة الجماعة فرض على الأعيان والحديث متّفق عليه ثمّ ساق حديث ابن أمّ مكتوم قال إنّه أعمى ولا قائد له قال:» أتسمع النداء «قال: نعم، قال:» فأجب «إلاّ أنّه علّله كما تقدّم بزمن الظهور وقيل فرض كفاية وهو صحيح وقد جرت السنّة وعمل الصحابة بذلك.
المطلب الثاني: فضل صلاة الجماعة:
في صلاة الجامعة فضل عظيم في الثواب والمجتمع، فقد شرعت لتأليف القلوب، وإمكان التعاون بين أفراد المجتمع، وفرصة لإمكان الوعظ والإرشاد فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:» سوّوا بين صفوفكم لئلا تختلف قلوبكم «وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص} [ ... : 1] وما هو واضح أنّ تكرار اجتماع النّاس يؤلّف ويقرّب بين القلوب لذلك رغّب رسول الله في حضور المساجد وانتظار الصّلاة فقال:» أولا أدلّكم عمّا يعلي الله به الدرجات ويمحو به الخطايا، إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة فذلكم الرباط «الجامع الصحيح الحاشية ج1 ص152، فقه السنّة ج1 ص37 قال رواه مالك والنسائي وابن ماجه. (1/120)
صفحة 121
أمّا من ناحية الثواب فقد روى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -:» الصّلاة في الجماعة خير من صلاة الفذّ بسبع وعشرين «حاشية الجامع قال الحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ج1 ص319، قال في الشامل روي عن رسول الله قال:» أتاني جبريل - عليه السلام - بعد الظهر وقال يا محمّد إنّ الله أهدى لك هديّتين لم يهدها لنبي قبلك وهي الوتر والخمس جماعة الخ «حديث طويل فيه مضاعفة الأجر بزيادة المصلّين. الشامل ج2 ص209.
المطلب الثالث: المعتبر في الإمام وأحكامه:
صلاة الجماعة تتمّ بإمام ومأموم من اثنين فصاعدا، واختيار الأئمّة حسبما ذكروا في الحديث قال في الإيضاح: ينبغي أن يكون إماما أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بسنّة رسول الله وأورعهم عن محارم الله وأكبرهم سنّا وأقدمهم هجرة وإسلاما فإن استووا في هذه الوجوه فليختاروا، وكذا المقيم أولى من المسافر والمغتسل أولى من المتيمّم، والبصير أولى من الأعمى والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم هجرة فإن استووا فأكبرهم سنًّا «رواه أحمد ومسلم وهو مذكور في الجامع الصحيح ج1 ص312.
وقال في حديث آخر:» إذا كنتما في غنمكما فأذّنا وأقيما وليؤمّكما أفضلكما «هذا هو الأحسن كما قال في الإيضاح ويجوز تقديم المفضول كما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - قدّم ابن أمّ مكتوم وكان أعمى رواه أحمد وأبو داوود وكذا صلاة المسافر بالمقيم من عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمر بمكّة فإذا صلّى اثنتين قال: ''أتمّوا صلاتكم فإنّنا قوم سفر'' متّفق عليه.
قال واختلف في صلاة العبيد فمن غلب جانب التكليف أجاز إمامتهم، اهـ الإيضاح ج1 ص536 - 538 وفيه تفصيل واسع حول تفضيل الأئمّة. (1/121)
صفحة 122
واختلف في صلاة الإمام قاعدا فهل تصحّ صلاته بالأصحّاء تعرّض لذلك صاحب الإيضاح فقال قال بعض بجواز إمامة القاعد واختلف كيف يصلّي من خلفه قال بعض يصلّون قعودا ولو كانوا صحيحين وهذا ما روي عن أنس بن مالك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا فصرع فجحش شقّه الأيمن فصلّى وهو جالس فصلّين وراءه جلوسا فلمّا انصرف قال:» إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا صلّى قائما فصلّوا قياما وإذا صلّى قاعدا فصلّوا قعودا، وإذا قال ''سمع الله لمن حمده'' ''فقولوا ربّنا ولك الحمد'' «متّفق عليه، قال جابر رحمه الله وإنّما يجوز هذا خلف أئمّة العدول وأمّا غيرهم فلا، وقيل يصلّون خلفه قياما والدليل ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - رأى إفاقة في مرضه الذي مات فيه فأتى إلى المسجد وأبو بكر يصلّي فصفّ عن يمين أبي بكر - رضي الله عنه - قاعدا فأتمّ بهم الصّلاة وهم قيام فيكون فعله ناسخا لقوله قال والنظر عندي يوجب أنّه لا تجوز صلاة القاعد بالقائم إلاّ إذا كان إمام عدل اهـ. ج1 ص539 - 540، وذكر مثل ذلك عن جابر وساق نفس الحديث في فقه جابر رحمه الله ص211.
وذكر الزحيلي في ''الفقه وأدلّته'' في حكم صلاة الجماعة خلافا بين المذاهب قال قال الحنفية والمالكية صلاة الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنّة مؤكّدة على غير ذوي الأعذار.
وقال الشافعية في الأصح المنصوص عليه الجماعة فرض كفاية على غير ذوي الأعذار وذكرهم بالتفصيل وقال الحنابلة الجماعة واجبة على الأعيان واستدلّ بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ} أمّا فضلها فذكر الأحاديث المتقدّمة وزاد ما روى عن عثمان قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنّما صلّى الليل كلّه «رواه الجماعة إلاّ البخاري اهـ ج2 ص149 - 151. (1/122)
صفحة 123
قال في الإيضاح كما لا تجوز صلاة المرأة بالنساء وقيل تجوز في النفل لحديث عائشة وأمّ سلمة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأمّ سلمة:» هلا صلّيت بهنّ «قالت أيصحّ ذلك؟ قال:» نعم، يكنّ عن يمينك وشمالك «رواه أبو داوود والدارقطني قال وعلى هذا تصلّي بهنّ النفل لا غير وتكون في وسطهنّ اهـ. ج1 ص540، وفي المقام أبحاث رأيت أن أصوّرها للفائدة.
واجبات الإمام:
قال في الإيضاح ولا ينبغي أن يتقدّم بنفسه إلاّ إن كان ممّن يستحقّ ذلك إن لم يكن معه من يقدّمه أو من كان إمام المنزل الذي اتّفقوا عليه لما روي أنّ سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أقام الصّلاة بقوم معه قال ليتقدّم أحد منكم فقالوا: سبحان الله ما كنّا لنتقدّم بك فقال: أكلّكم راض؟ قالوا: نعم، فلمّا صلّى أقبل عليهم فقال إنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:» ثلاثة يقومون إلى الصّلاة ولا تقبل صلاتهم امرأة قامت وزوجها عليها غضبان، والعبد الآبق، ورجل صلّى بقوم وهم له كارهون «حديث في وفاء الضمانة اهـ. الإيضاح ج1 ص544.
قال في الإيضاح لا ينبغي للإمام أن يتباطأ في الركوع والسجود وذلك إنّما للإمام ينبغي أن يرفق بمن يصلّي خلفه لأنّ فيهم الضعيف والمريض ومن له عذر لما روي عن أبي هريرة قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:» إذا صلّى أحدكم بالنّاس فليخفّف فإنّ فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وإذا صلّى لنفسه فليطل ما شاء «رواه الجماعة إلاّ ابن ماجه قال وكذا ألاّ يسرّ بالتّكبير لئلا يخبل النّاس في صلاتهم ولكن يسمعهم صوته احتسابا لله اهـ. الإيضاح ج1 ص214 - 219.
من لا تصحّ إمامته: (1/123)
صفحة 124
لا تصحّ إمامة المرأة لما تقدّم ولأنّ صوتها عورة ولا الصّبي على خلاف إذ هو غير مكلّف ولا تؤمن نجاسته ولا العبد ولا البالغ الأقلف، ولا الخنثى المشكّل، قال في شرح النيل: ويجوز صلاة الخنثى بمثله ولا خلف بالغ أقلف في غير الأيّام التي يعذر فيها، وقال وهل تجوز إمامة الصبي أو تمنع ورجّح وتجوز في السنّة والنّفل أو تجوز مطلقا قال إن لم يوجد من يحسن القراءة اهـ. ج2 ص214 - 219.
وجازت خلف كلّ بار وفاجر ما لم يدخل فيها ما يفسدها قال في النيل وشرحه: وصحّت خلف مخالف إن لم يدخل فيها ما يفسدها لا خلف منافق موافق، قال في الشرح والفرق أنّ ما نافق به المخالف عن ديانة كبراءته منّا واعتقاد الرؤية وما بديانة يعامل فيه كما رخّص بعض أن تأخذ ثمن خنزير من مشرك كالبائع له قال في الأصل وجوّز إن قدّمه غير المصلّي ومن قدّمه خالف سنّة السلف الصّالح إذ الأئمّة وفدنا إلى الله وخيف عليه تحمّل أوزار ما أفسد فيها اهـ.
أحكام المأمومين: (1/124)
صفحة 125
يجب على المأموم اتّباع الإمام في أقواله وأفعاله غير ''سمع الله لمن حمده'' فيقول بدلا منها ''ربّنا ولك الحمد'' وقد تقدّم ذلك في الركوع قال في الإيضاح أجمع العلماء أنّه يجب على المأموم أن يتبع الإمام في جميع أقواله وأفعاله لقوله - عليه السلام -:» إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به «رواه أحمد وأبو داوود والبخاري وهو مذكور في الجامع الصحيح إلاّ في قول ''سمع الله لمن حمده'' وفي جلوسه إذا صلّى جالسا قال وأمّا صفة الاتّباع فإنّه يكون فعله مقارنا لفعل الإمام أعني في التكبير والركوع والسجود والرفع منهما والدليل ما روي عن النبي قال:» إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا قرأ فانصتوا «متّفق عليه قال ومن سبق الإمام متعمّدا في التكبير أو الركوع أو السجود أو الرفع بطلت صلاته ومن نسي رجع للحدّ الذي خرج منه ليكون متّبعا الإمام وإن اصطحب معه في صلاته فإنّه يعيد وقيل لا يعيد وإنّما فاته أجر الجماعة قال وأمّا الركوع والسجود فيراعى فيه أوّله، وفيه أبحاث تركتها خوف التطويل.
وقال إن ركع الرجل مع إمامه أو تباطأ في ركوعه حتّى رجع إليه الإمام مرّة أخرى فسدت صلاته، وقال آخرون لا إعادة عليه ما لم يفته بعملين اهـ. ج1 ص569 - 571. (1/125)
صفحة 126
ومن واجبات المأمومين تسوية الصفوف وسدّ الخلل، قال في النيل وشرحه: وقد أمر بتسوية الصفوف وترصيصها، قال: وإن دخل رجل ولم يجد فرجة جرّ إليه آخر من صف وليساعده، وإن صلّى خلف صف وحده أعاد ويسدّ الفرجة تاليها وهو الأبعد عن الإمام، وإلاّ فسدت صلاته وإن كانت خلفه سدّها اللذان يليانها وجاز سدّها أمامه اهـ. ج2 ص230 - 235. قال في الإيضاح: وإن صلّى خلف الصف وحده أعاد والدليل ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلّي خلف الصف وحده فأمره بالإعادة رواه أحمد وابن ماجه ورواه الخمسة إلاّ النسائي وقال: وقد أمر رسول الله بتسوية الصفوف وترصيصها والدليل ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال وقد أقبل عليهم بوجهه:» سوّوا صفوفكم ثلاثا «ثمّ قال:» لتقومنّ صفوفكم أو يخالف الله بين قلوبكم «رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داوود ويجب أن يكون صفّ النساء خلف صفّ الرجال إن صلّين مع الجماعة وصلاتهنّ في بيوتهنّ أفضل اهـ. الإيضاح ص549 - 551.
أحكام عامّة في صلاة الجماعة:
لصلاة الجماعة أحكام عامّة أهمّها ما يلي:
أ- تنعقد الإمامة أو الجماعة من اثنين فصاعدا ويقف الواحد يمين الإمام قال في النيل وشرحه وسنّ للواحد أن يقوم عن يمينه وإن خالف أعاد ولرجلين أن يصطفّا خلفه وإن صلّى بواحد ثمّ دخل عليه ثان دفع الداخل الإمام للمحراب إن كان بمسجد وجرّ إليه صاحبه إن كان خارجه بعد أن يوجّه لا قبله ثمّ يصطفّ معه، وإن دفع أو جرّ بعد الإحرام أعاد، وإن اصطفّ رجلان يمينه تقدّمهما قليلا إلى أن قال واستحسن له أن يفرّج بينه وبين الصّف قدر ما يبلغ يده ولا ضير إن جاوز والصفوف قدر الصفوف بلا تضرّر.
والفضل في الأوّل ثمّ تاليه ثمّ كذلك وخلف الإمام أفضل ثمّ يمينه إلى ثلاثة ثمّ يسار حتّى يستووا ثمّ ينتقل اهـ. ج2 ص222 - 226.
ب- يكره للإمام أن يرتفع عن مكان المصلّين إلاّ لعذر ضيق. (1/126)
صفحة 127
جـ- من لا تصحّ إمامته: لا تصحّ إمامة الصّبي ولا المرأة برجال اتّفاقا وجازت بنساء في نافلة وتقف وسطهنّ كما في حديث عائشة وأمّ سلمة أنّ النبي قال لأمّ سلمة:» هلا صلّيت بهنّ «قالت أيصحّ ذلك قال:» نعم يكنّ عن يمينك وشمالك «رواه أبو داوود والنسائي. الإيضاح وقال أمّا أن تصلّي بالرجال فلا لقوله - عليه السلام -:» أخّروهنّ حيث أخرهنّ الله «متّفق عليه، ولا تصحّ صلاة المحدث أي من به نجاسة أو جنابة.
د- اتّحاد نيّة الإمام مع المأموم فلا تصحّ صلاة مفترض مع متنفّل وأصل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به «قال في النيل وشرحه، وشرط الاقتداء بإمام النيّة وكون المأموم غير منزل جنس صلاة الإمام عن جنس صلاته، كمتنفّل يؤمّ مفترضا، ولاتّحاد الفرض المؤتمّ به فلا يصلّي ظهرا خلف مصل عصرا أو غيره.
فمن صلّى ووجد جماعة تصلّي تلك الصّلاة صلّى معهم ونواها نافلة وسلّم بعد كلّ ركعتين وإن نوى قبل الدخول أن يقضي مضيعة أو منتقضة مضى مع الإمام فإن تذكّر أنّ عليه مثل تلك الصّلاة أجزته.
قال في الشرح وأجاز بعض أن يصلّي المأموم الثمانية الثانية مع الإمام وهي نافلة أثبتها أبو بكر وينويها أنّها الأولى في قيام رمضان وهي سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد صلّى سنّة خلف مصل نفلا وقيل ذلك جائز كما روي عن ابن مسعود أنّه يصلّي الفرض مع النبي ثمّ يؤمّ أهله في ذلك الفرض وقال بعد في الشرح عند قوله ظهرا خلف مصل عصرا أو عصرا خلف مصل ظهرا آخره اهـ. ج2 ص306 - 309.
ويجوز أن يصلّي المسافر خلف المقيم ويقول صلاتي صلاة الإمام لا حضرية ولا سفرية ذكر ذلك في شرح النيل. ج2 ص292. (1/127)
صفحة 128
هـ- لا تصلّي جماعتان في مسجد واحد وذلك اتّقاء للفتنة قال في الإيضاح ولا تجوز صلاة واحدة بإمامين باتّفاق أمّا إذا كان الإمام داخلا فلا بأس على من يصلّي إليه من خارج المسجد وإن حال بينهم وبين إمامهم طريق أو مزبلة أو معطن إبل أو مجزرة فلا يفعلوا فإنّ هذه الأشياء تقطع على المصلّي صلاته، قال ولا تصلّي جماعتان صلاة واحدة بمسجد واحد وذلك عندي لما يدخل عليهم من الخلاف ألا ترى إلى قوله - عليه السلام -:» إذا أقيمت الصّلاة فلا صلاة إلاّ «وإن فعلوا فلا يعيدون صلاتهم، وكذا إذا أحرم الإمام في مسجد فأتمّ الصّلاة خارجا فلا تصلّي الجماعة تلك الصّلاة فيها.
وكذلك لا يستحبّ أن يصلّي بجماعة موضع صلّت فيه أخرى تلك الصّلاة.
ولا بأس أن يصلّي بجماعات متفرّقات واحدة بعد أخرى في مسجد غير معمور مثل المساجد التي تكون على السواحل اهـ. ج1 ص563.
و- لا يصلّي منفرد بمكان أحرم فيه لصلاة الجماعة قال في الشامل ج2 ص233 وأصل المنع لجماعتين واحدة بعد أخرى أو في حال ومنع الفذّ من الصّلاة وحده حال صلاة الإمام دفعا الخلاف وأضرار الإمام.
ز- لا يجمع مسافرون صلاتهم بمسجد مقيمين، ولا جماعة حارة بمسجد أخرى إلاّ بإذنهم ويكفي إذن واحد من أهل المسجد غير عبد أو صبي ذكر ذلك في الإيضاح ج1 ص562 ومثل ذلك في النيل وشرحه. (1/128)
صفحة 129
حـ- ينبّه الإمام إن وقع له سهو قال في الإيضاح والأصل فيه ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال:» إذا عنى الرجل أمر في صلاته فسبّح «وما روي أنّه قال:» التسبيح للرجال والتصفيق للنساء «وذلك إذا غلط الإمام في القراءة في إجهار أو إسرار أو في قيام أو قعود فإنّ من كان خلفه في الصّف الذي يليه ينبّهه فإن لم ينتبه فإنّه ينبّه إلى ثلاث مرّات، وقال بعض ما لم ينتبه تركوه حتّى تنتقض صلاته فيمضون على صلاتهم فرادى فينبّهه في القراءة بما وقف له من حرف والدليل ما روي أنّ نافعا مولى ابن عمر قال: صلّى بنا عبد الله بن عمر صلاة المغرب فقرأ بسم الله الرحمان الرّحيم ثمّ حزّ عليه القرآن فقلت {إِذَا زُلزِلَتِ الاَرضُ} فقرأ واستمرّ ولم يعب عليّ شيئا، وأمّا في الإجهار في موضع السّر فبـ: {لاَ تَجهَرْ بِصَلاَتِكَ} وأمّا إن أسرّ فبـ: {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} وإن قام فبـ: {اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ} وفي القعود: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} وإن سلّم فبالتكبير وهم قعود وقيل ينبّهون ويقومون وقال بعض التنبيه في كلّ ذلك بسبحان الله وهو الذي ورد به الشرع للحديث المتقدّم وتنبيه النساء بالتصفيق وإن نام يحرّكوه على منبه الأيمن وإذا لم ينتبه تركوه حتّى تنتقض ويمضون فرادى اهـ. ج1 ص574 - 577.
ط- للإمام أن يستخلف للصّلاة من يتم بالناس إن أحدث بما يبني عليه وهو الرعاف والقيء والخدش قال في الإيضاح وإنّما يستخلف في ثلاثة أوجه: القيء والرعاف والخدش، روي من طريق ابن عباس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» القيء والرعاف والخدش لا ينقض الصّلاة «رواه الدارقطني وهو مذكور في حاشية الجامع ص171.
فإذا انفلت المصلّي بشيء منها توضّأ وبنى على صلاته كما في الحديث المذكور في الجامع وإن وصل ثوبه أو جسده شيء من ذلك غسله من بدنه وثوبه إن لم يجد غيره. (1/129)
صفحة 130
قال وإذا أراد أن يستخلف فإنّه يمدّ يده إلى الصّف الذي يليه وإن لم يجد استخلف من أيّ موضع ويجبده إلى الموضع الذي وقف فيه، وإن أبى استخلف غيره إلى ثلاث وإلاّ مضى وقيل ما لم يجد، وإن استخلف من لا تصحّ كامرأة أو طفل فإنّه تنتقض صلاته قال وإذا استخلف إماما أقدم على الهيئة التي استخلفه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود فيأخذ من حيث بلغ فيرفع رأسه من ركوع أو سجود ويتقدّم فيتمّ بهم اهـ. ج1 ص579 - 582، وفي المسألة أبحاث تركتها فلتطلب هناك.
ي- تجوز صلاة النافلة جماعة فقد فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حاشية الجامع للسالمي إنّما ترجم لها إشارة إلى الرّد على من منع الجماعة من قومنا وقد ورد فيها أحاديث صحيحة أورد المصنّف منها ثلاثة قال عن عثمان أنّه قال يا رسول الله: إنّ السّيول لتحول بيني وبين قومي فأحبّ أن تأتي بيتي فتصلّي في مكان اتّخذه مسجدا قال سنفعل فلمّا دخل قال أين تريد فأشرت إلى مكان فقام رسول الله فصففنا خلفه فصلّى بنا ركعتين رواه الشيخان وأحمد ثمّ قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال كانت جدّتي مسيكة صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما فأكل ثمّ قال:» قوموا أصلّي بكم «قال فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس فنطحته بماء فتقدّم رسول الله فصففت أنا والشيخ وراءه والعجوز وراءنا ورواه الدارقطني أيضا فهو دليل على صحّة الإمامة في النوافل ج1 ص298 وذكر في فقه السنّة ج1 ص205، قال أنس صلّيت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمّي أمّ سليم خلفنا اهـ. ففي الحديث جواز صلاة النافلة بالجماعة ومكان المرأة خلف الرجال ولو وحدها. (1/130)
صفحة 131
من صلّى ووجد الجماعة تصلّي فليصلّي معهم، واختلف في تلك الصّلاة هل تعتبر هي الفرض أو هي نافلة قال في الإيضاح وإن صلّى في بيته أو في المسجد منفردا ثمّ أصاب النّاس يصلّي تلك الصّلاة بالجماعة فليصلّ معهم، ويجعلها نافلة والدليل على هذا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس وفي مجلسه رجل يسمّى محجنا فأقيمت الصّلاة فقام فصلاّها فلمّا فرغ رأى محجنا في مجلسه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:» ما منعك أن تصلّي معنا ألست برجل مسلم «فقال: بلى يا رسول الله لكن قد صلّيت في أهلي فقال - صلى الله عليه وسلم -:» إذا جئت والنّاس يصلّون فصلّ معهم وإن كنت صلّيت في أهلك «وفي رواية» اجعل صلاتك سبحة «اهـ. ج1 ص534.
ممنوعات صلاة الجماعة: ممنوعات صلاة الجماعة نوعان:
1 - ما على الإمام:
أ- لا يجوز للإمام أن يرتفع على المأمومين، وإن ارتفع قدر ذراع فسدت صلاته قال في الإيضاح وإن ارتفع الإمام عن المأمومين قدر ذراع فسدت صلاته إلاّ إن كان معه منهم صف والدليل ما روي أنّ حذيفة صلّى بقوم على دكّان فجذبه سلمان وقال أوما علمت أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك؟ رواه أبو داوود قال وأظنّ أنّ تحديد الارتفاع بالذراع استحسان اهـ ج1 ص560.
ب- لا يطيل على النّاس لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» من صلّى بالنّاس فليخفّف ففيهم السقيم والضعيف والكبير وذا الحاجة «رواه الجماعة إلاّ ابن ماجه ولا ينبغي للإمام أن يسرّ بتكبير لئلا يخبل على النّاس صلاتهم ولا يحرم بفرجة في الصّف أو من لا تجوز صلاته كالنساء وحدهنّ أو بمحدث ولا يؤخّر صلاة عن وقتها إلاّ الظهر في الصيف والعتمة كما تقدّم في الأوقات لقوله - عليه السلام - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:» إنّكم ستدركون أئمّة من بعدي يؤخّرون الصّلاة عن وقتها فإذا أدركتم ذلك فاجعلوا صلاتكم معهم سبحة «حاشية الجامع ج1 ص316. (1/131)
صفحة 132
2 - ما على المأمومين:
أ- صلاة الرجال في صف بمحاذاة النساء فذلك لا يجوز قال في الإيضاح ويعيد إن أحرم بهنّ لا تجوز وكذا المرأة إن كانت في الصّف أو حاذا صف نساء صف رجال، ولا تجوز من الرجال خلف النساء لقوله - عليه السلام -:» خير صفوف الرجال المقدّم وخير صفوف النساء المؤخّر «اهـ. الإيضاح ج1 ص556، ويوافقنا المذاهب الأربعة في غالب ما تقدّم إلاّ فيما تقدّم من سنن الصّلاة المختلف فيها، وفيما تقدّم من حكم صلاة الجماعة أمّا فيمن هو أولى بالإمامة وفيما يقتدي به المأموم وما يرفع الإمام من سهو وقراءة الركعة الأولى فإنّه متّفق عليه، وكذا الاستدراك وما هو متّفق عليه أنّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد لكن يوجد بعض خلاف فيمن يباح له حضور المسجد وفي ارتباط صلاة الإمام بصلاة المأموم خلاف مثل ما عندنا والصحيح عندهم ارتباطها مثلنا، فتفسد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام خاصّة الجنابة، سواء حدثت أم سبقت فعندهم إذا سبق الحدث الصّلاة فسدت صلاة الإمام والمأموم معا أمّا إذا حدث النّاقض فسدت صلاته دون صلاتهم اهـ. كلّ ذلك من الفقه وأدلته بتصرف ج1.
ب- الفرض العيني: الفرض العيني هو الصّلوات الخمس وفيها أربعة مباحث:
المبحث الأول صلاة الحضر:
صلاة الحضر هي أداء الصّلوات الخمس تامّة من غير تقصير ولا جمع إلاّ لمسوغ أو عذر هي سبعة عشر ركعة: أربع للظهر أربع للعصر ثلاث للمغرب، أربع للعشاء ركعتان للفجر حسب قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» على المقيم سبعة عشر ركعة وعلى المسافر إحدى عشر ركعة «حاشية السالمي ج1ص268 فيجب على من كان مقيما في وطنه صلاة التمام إلاّ لخوف على نفسه أو ماله كما سيأتي أو لمرض كذلك.
ويجب أن تصلّى كلّ صلاة بوقتها ولا يجوز جمعها إلاّ لغيم أو مرض أو استحاضة أو استرسال نجاسة. (1/132)
صفحة 133
المبحث الثاني صلاة السفر: وسيأتي بيانها بتفصيل
المبحث الثالث صلاة الجمعة:
وهي صلاة ركعتين في وقت الظهر بالفاتحة والسورة في وقت الظهر ولها شروط لصحّتها ووجوبها وستأتي في مبحث خاص، وكذا صلاة ذوي الأعذار.
المبحث الثاني صلاة السنّة:
صلاة السنّة ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله أو أمر به وهي ثلاثة أنواع: سنّة مؤكّدة وسنّة رغّب فيها وسنّة غير مؤكّدة مستحبّة ففيها ثلاث مطالب:
المطلب الأول السنّة المؤكّدة: وهي التي واظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركها في حضر ولا سفر وهي أربع:
أ- صلاة الوتر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» إنّ الله قد زاد لكم صلاة سادسة هي خير لكم حمر النعم صلاة الوتر «وهي رواية عن جابر رحمه الله قال في النيل وشرحه سنّ الوتر بوجوب قال في الشرح وقيل بتأكيد وهو الصحيح، وقد تقدّم وهو ركعتان بعدها واحدة أو أربع إلى اثني عشر والمختار عندنا ثلاث حسبما ذكر في ''فقه جابر'' 215 والنيل ج2 ص500 والوضع ص126 وفي ''فقه السنّة'' الوتر سنّة مؤكّدة ورغّب فيه وعن علي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الوتر ليس بحتم قال الترمذي روي عن النبي الوتر بثلاثة عشر أو إحدى عشر إلى ثلاث ج1 ص164.
2 - صلاة ركعتين بعد صلاة المغرب: فهي سنّة مؤكّدة باتّفاق الفقهاء في كامل كتبهم وكذا ذكرها في النيل وشرحه.
3 - صلاة ركعتين قبل صلاة الصبح: قال في النيل وشرحه سنّ بتأكيد للفجر ركعتين بالفاتحة وسورة الكافرين في الأولى وبها والإخلاص ثلاثا في الثانية ولم يتركها - عليه السلام - لا في حضر ولا في سفر، وندب التخفيف فيها وصلاتها بالبيت والذهاب إلى المسجد قال وجازت صلاتهما ولو بعد الفجر. اهـ ج2 ص503 - 506.
4 - صلاة الجنازة وستأتي في حقوق الأموات إن شاء الله.
المطلب الثاني: السنن المرغّب فيها: السنن المرغّب فيها أربع (1/133)
صفحة 134
أ- صلاة العيدين: قال في النيل وشرحه سنّ بترغيب للعيدين ركعتين بتوجيه وإحرام وقراءة الفاتحة وسورة، الأولى بـ''سبّح'' والثانية بـ''الشمس وضحاها'' وتصلّى وإن باثنين إلى عشرة ويتمّ العدد ولو بالنساء إلى أن قال وهل يكبّر فيها بخمس أو بسبع أو تسع أو إحدى عشر أو ثلاثة عشر أقوال فإن كان بسبع كبّر بعد الإحرام أربعا وبعد القراءة في الثانية ثلاثا اهـ. ج2 ص529 - 535.
ب- قيام رمضان: قال في النيل وشرحه ندب قيام رمضان ورغّب فيه وقد صلاّه - عليه السلام - أربع تسليمات ثمّ زاد أبو بكر أربعا وزاد عمرا أربعا كذلك فمضت السنّة بذلك أن يصلّى أربعا وعشرين بثلاثة أئمّة ويروح بمن خلفه على أربع قدر ما يأتي بالباقيات الصّالحات لا بوجوب في كلّ قال في الشرح (ومضت السنّة) أي الطريقة المحمودة قال في الشرح وروى الشافعي القيام بعشرين ركعة كما روي عن عائشة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه يقيم بعشرين ركعة أربعا أربعا ويوتر بثلاث رواه مسلم والبخاري قال روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - صلّى ثمانية وزاد أبو بكر ثمانية، وزاد عمر ثمانية، متّفق عليه اهـ. ج2 ص516 - 518.
قال في الأصل وندب بعد العتمة وقبل الوتر ما لم يطلع الفجر، قال في الشرح وندب بعد العتمة وقبل الوتر ولا بأس كما قال عمّنا يحي الجناوني بصلاته قبل أي قبل العتمة أو بعد الوتر اهـ. ج2 ص520.
جـ- صلاة الضّحى: وهي سنّة مرغّبة قال في ''الوضع'' وقد ذكر في قوله تعالى: {يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِ وَالاِشْرَاق} [ص: 18] قال إنّها صلاة الضحى قال وعن جابر بن زيد عن أمّ هانئ بنت أبي طالب أنّها قالت صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الضحى في بيتي ثمانية ركعات ملتحقات في ثوب واحد يوم فتح مكّة ثمّ ذكر الخلاف فيها اهـ. ص132، وعن أبي ذر قال قال رسول الله:» من صلّى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين «نفس الصفحة. (1/134)
صفحة 135
د- تحيّة المسجد: قيل سنّة وقيل فرض لمن دخل المسجد في غير وقت الصّلاة قال في حاشية السالمي أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا دخل أحدكم المسجد فليصلّ ركعتين قبل أن يجلس «قال في الحاشية الحديث رواه الجماعة عن قتادة وقال فهي سنّة عندنا وعند الجمهور من قومنا واتّفق أئمّة الفتوى على أنّ الأمر في ذلك للندب وروى وجوبها عن أهل الظاهر اهـ. ج 1ص296.
ومن السنن المرغّب فيها ما كان لأسباب كصلاة الزلزلة وصلاة الكسف والخسف وصلاة الاستسقاء والاستخارة وهي مبسوطة في كامل كتب الفقه فلا نطيل بها.
المطلب الثالث السنن المستحبّة:
السّنن المستحبّة هي السّنن الرّواتب مع صلاة الفرض وهي ما ورد عن النبي يصليها أحيانا بعد الصّلاة أو قبلها ذكرها في الوضع فقال يستحب للمقيم أن يصلّي خمسين صلاة وذكر أربعا قبل الظهر وأربعا بعدها، وأربعا قبل العصر وأربعا قبل العشاء وسبعا بعدها ثمّ ذكر ما تقدّم من السّنن كلّها قال في حاشية الجامع الصحيح أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّي قبل الظهر ركعتين وبعد الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد صلاة العشاء ركعتين وكان لا يصلّي بعد الجمعة حتّى ينصرف النّاس فيصلّي ركعتين قال في الحاشية والحديث رواه قومنا عن ابن عمر قال وروته أيضا عائشة وفي رواية يصلّي أربع قال فيحمل على حالين تارة ركعتين وتارة أربعا اهـ. ص293.
فنرى أنّ النبي كان يصلّي غير الفرض ويرغّب في ذلك إذ الصّلاة ممّا يربط المسلم بربّه فيتربّى فيه الوازع الديني كما سيأتي في صلاة النافلة وذكر السنن الرواتب في ''فقه السنّة'' بتفصيل من ص153 إلى ص165.
المطلب الرابع صلاة النافلة: (1/135)
صفحة 136
قال الله تعالى: {تَتَجَافى جنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} [السجدة: 16 - 17].
وروي عن رسول الله في حديث قدسي قال الله تعالى:» مَا تَقَرّب إليَّ عبدِي بِشَيء أفضَل ممَّا افترضه علَيه، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتقرَّبُ إليَّ بالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبّهُ، فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذِي يَسْمَعُ بِه وَبَصَرَهُ الذِي يُبصِرُ بِه. وَلَئِن سأَلَنِي لَأُعطِيَنَّهُ وَلإنْ اسْتَعَاذني لأعِيذَنَّه} الأربعون النووية رواه الترمذي ''نوادر الأصول'' بلفظ آخر.
فكلّ ذلك ممّا يرغّب المسلم في تحصين صلاته وفرضه بالنافلة كما قال أبو نصر رحمه الله في رائيته:
ومن سنن الأشياخ من صالح الهدى ... تحصن فرض بالنوافل كالستر
فمن أدّى فرضه كاملا غير منقوص نال رضى الله، وحصل على المقام عنده ومن تطوّع خيرا فهو خير له فالنّوافل كلّ ما تقرب به لله تعالى من الصّلوات فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:» الصّلاة خير موضوع فمن شاء فليقلّل ومن شاء فليكثر «، ذكره في الإيضاح.
وتصحّ النافلة بالتيمم ولو مع وجود الماء وتصحّ قاعدا ولو لقادر وراكبا في كلّ وقت إلاّ في الأوقات المنهي فيها عن الصّلاة.
الباب الرابع الجنائز
الجنائز جمع جنازة وهي الميتة على النعش، وفي الاصطلاح هي ذكر ما على الأحياء من حقوق الأموات وما يتعلّق بها من أحكام وتشتمل على مقدّمة وأربعة فصول.
مقدمة
قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْس ذَائِقَة المَوْت، وَإنَّمَا تُوفَّونَ أُجُورَكُم يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ} [آل عمران: 185]. (1/136)
صفحة 137
وقال: {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُر نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدِِِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون، وَلاَ تَكُونُوا كَالذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُمُ أَنْفُسَهُم أُولَئِك هُم الفَاسِقُون} [الحشر: 19].
قبل الشروع في بيان حقّ الأموات على الأحياء يناسب ويحسن أن نذكر الأحياء بما ينتظرهم، وبما يجب عليهم من الاستعداد فالآية الأولى تشير إلى قضاء محتوم وحكم معلوم لا مفرّ منه وهو الممر لتحصيل جزاء الأعمال، فكأنّ الله يقول ذلك أمر مسلّم به ليس لأحد منه نجاة، وإنّما ذكره واعتباره لا لذاته وإنّما لما بعده وما يعقبه من استيفاء كلّ نفس لما قدّمت من خير أو شر وتشير إلى أنّنا في فرصة استعداد وامتحان، والنّاس إزاءه قسمان: جاد في عمله مستعد لغده ناجح في امتحانه فائز بالجائزة، ومتكاسل وغافل قد صنع شقاءه يبده، فالفوز نجاة من عذاب أليم دائم، واستمرار سعادة بالنعيم المقيم في رضوان من الله.
والآية الثانية توجيه وتذكير لذلك الاستعداد، فعلى المؤمن أن يفكّر في مصيره ومستقبله ويستعدّ لغده المحتوم، كما تحذّر من الغفلة والنسيان لما عليه من حقوق تلزمه شكرا لنعمة الله وأداء لحق عبادته، كما تحذّر من الاسترسال فيما يثير غضب الله من معاصيه فمن نسي ربّه نسي نفسه وإسعادها.
فمن المناسب ونحن مقبلون على دراسة حقوق الأموات أن نفكّر فيما أعددناه ليوم رحيلنا ووصول دورنا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني «.
الفصل الأوّل ما يراعى للميت عند احتضاره
قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ الله الذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِت فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِين وَيَفْعَل الله مَا يَشَاء} [إبراهيم: 27]. (1/137)
صفحة 138
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ الله ووجّهوهم للقبلة وأغمضوا أعينهم، فإنّ البصر يتبع الروح (1) «ذكر نحوه في الشامل فمن حضر ميّتا محتضرا يستحسن له أن يلقّن له الشهادة قبل خروج روحه للحديث المتقدّم، وأن يحسن غلق عينيه وفيه بعد خروج روحه، ويوجّه للقبلة لما روي أنّ فاطمة أوصت بذلك ومن السنّة قراءة سورة يسن لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» اقرؤوا على موتاكم سورة يسن «رواه أبو داود وصحّحه.
الفصل الثاني الغسل
للميت على الأحياء خمسة حقوق متّفق عليها من السنّة الواجبة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمله وهي الغسل والتّكفين، والصّلاة والدّفن فالغسل فرض كفاءي على من حضر الميت لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» اغسلوا موتاكم «متّفق عليه قال في النيل وشرحه: لزم حاضرا ميّتا غسله واحدة وهو فرض كفاية وندب ثلاثا: بماء قُراح في أوّلها وثانيها بماء وسدر، وثالثها بماء وكافور وفي المسألة أربع مباحث.
المبحث الأول من يلزم غسله:
يغسل كلّ مسلم موّحد قال في النيل وشرحه فالواجب غسل كلّ مسلم لا شهيد معركة بحرب، ويغسل إن تعدّاها حيا وقد غسل عمر بعد طعنه بثلاثة أيام أمّا شهيد المعركة فقال وينزع منه البرنس إن لم يعمّم عليه والقرق والنعال والخفّان والخاتم، ويزمّل في ثيابه، إلى أن قال: وكذا النفساء أي لا تغسل، قال وهل يعاد غسله إن أحدث قبل أن يدخل في كفنه ما أمكن أو إلى خمس والمختار أن يغسل حدثه ويتوضّأ له.
ويغسل كلّ من ولد حيًا وإن من يومه كما يقام بكلّ حقوقه.
المبحث الثالث الغاسلون:
يغسل الرجل برجال والمرأة بنساء قال في النيل وشرحه يغسل الرجل برجال والمرأة بنساء اتفاقا وهل تغسل المرأة مع رجال ليس فيهم زوجها من فوق ثوب كعكسه مطلقا أو يتيمّم لها كذلك وهو الصحيح، أو تغسل الرجل محرمته غير فرجه لا عكسه خلاف.
__________
(1) - وفاء الضمانة ج1. (1/138)
صفحة 139
والطفل ما لم يجاوز سبعا تغسله النساء اهـ. ج2 ص162 - 172 قال في الإيضاح بعد ما ساق ما تقدّم وقال قوم يتيمّم كلّ منهما لصاحبه لأنّ الغسل فيه وعوثة من مخافة الأنجاس، وسبب اختلافهم معارضة النهي لأمره في ذلك وذلك أنّ الرجال نهوا عن النظر إلى أبدان النساء، والنساء إلى أبدان الرجال وأمروا بغسل الموتى فمن غلب النهي أمر بالتيمّم ومن غلب الأمر أمر بالغسل من فوق ثوب قال والقول الأوّل عندي أصح اهـ. الإيضاح ج1 ص734.
وعدد الغاسلين من ثلاثة إلى خمس كما سيأتي وإلاّ تيمّم له وما تقدّم يتبيّن أنّ الرجل يغسل زوجته وأنّ المرأة تغسل زوجها إن لم يكن ما يكفي من رجال أو نساء وذلك لحديث عائشة حين قالت مرّة أمام رسول الله وارأساه فقال بل أنا وارأساه وقال:» ما ضرّك لو متّ فغسلتك وكفنتك «الخ رواه أحمد وابن ماجه.
المبحث الثالث كيفية الغسل:
قال في الإيضاح والميّت يغسله من الرجال خمسة وإن لم يكونوا فأربعة وإن لم يكونوا فثلاثة وأقل يتيمّم له لأنّ غسله لا يمكن، وقد روي أنّ النبي غسله الفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، كان يصبّ الماء عليه رواه ابن ماجه والبيهقي والحاكم قال والمستحبّ لمن يغسل الميّت أن يكون على طهارة، ويمسك الستر اثنان ويسكب الماء الثالث والرابع يمسك الميّت من خلفه ويوقف ركبتيه والخامس يغسله على حصير أو غيره ممّا يخرج الماء وإذا أراد غسله غسل يده ثمّ يلفّ يده فإن كان مدنفا فليأخذ في غسله من سرّته حتّى ينتهي إلى عورته فيغسلها كما يغسل لنفسه ويطهّرها كما أمكن من غير تفتيش فإذا استنجى له وضع الخرقة ثمّ يبدأ غسله من رأسه كما يغسل الجنابة لنفسه ويغسل ما بين السرّة والركبة بيد ملفوفة مع رفق في الغسل لئلاّ ينزع شعرا أو ظفرا، ويحسن أن يكون الغاسلون أمناء لما يجب من ستر ما يمكن أن يروا من عيب، ثمّ يتوضّأ له كما يتوضّأ لنفسه اهـ. الإيضاح بشيء من التصرّف ج1 ص737 - 739. (1/139)
صفحة 140
المبحث الرابع من لا يغسل:
يسقط غسل الميّت بخمسة أسباب:
أ- من تسقط حقوقه من مشرك وآبق وطاعن في الدّين ومانع حقا وامرأة ناشزة.
ب- الجريح إذا كان لا يرقى جرحه.
جـ- النفساء إذا ماتت بولادة أو سقط.
د- شهيد المعركة فقد قال في شأنهم:» زمّلوهم في ثيابهم فإنّهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما «مذكور بمعناه في الجامع.
هـ- من به نجاسة مسترسلة وكذا ما تقدّم من رجل تحضره نساء أو امرأة تحضرها رجال.
الفصل الثالث: تكفين الميّت:
تكفين الميّت فرض كفائي فيكفن كلّ مسلم ولد حيا قال في الإيضاح وتكفين الميّت فرض واجب على من حضره، وتكفينه في ثياب الكتان الطاهرة الجديدة وهي أولى لما روي عن ابن عباس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم كفّنوا فيها موتاكم فإنّها خير ثيابكم ولا تكفّنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب لأنّهما محرّمان على رجال أمّتي ومحلّلان لنسائها «رواه الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وقال أيضا لذلك كان الكتان الأبيض في الكفن أحبّ إلى الفقهاء وعنه - صلى الله عليه وسلم -:» إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنّهم يتزاورون «رواه الديالي والكفن من رأس مال الميّت قبل الديْن والوصية وإن لم يكن للميّت مال فليؤخذ من ورثته ما يكفن به كما يرثونه لأنّ ذلك عليهم حق في حياته وبعد مماته وإن لم يكن من أوليائه أحد فعلى من حضره ولو بجمعه أو على أن يأخذوه من مال الميّت ويستحبّ أن يكفن الميّت في وتر من الثياب واحد أو ثلاثة أو سبعة وروي عن طريق عائشة أنّ النبي كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، رواه الجماعة اهـ. الإيضاح ج1 ص734 - 741.
كيفية الكفن: (1/140)
صفحة 141
لم يرد في كيفية الكفن شيء مضبوط والظاهر أنّ المهم ستره فورد في الرجل تزميله في ثلاث أثواب، وفي المرأة خمسة وهو ما ذكر عن النبي أنّه أعطاه لمن يكفن بنته أمّ كلثوم فهي القميص والخمار وما يغطيها جميعا وذكر في الشامل أنّه يجعل له قميص من تحت إبطيه ثمّ يجلل عليه الكفن وير بـ 7 إبر النخل أو ير بـ7 وهو ما نفعله وذكر في الإيضاح أنواعا كثيرة.
المبحث الثالث الحمل:
قال في الإيضاح فإذا غسلوه وكفّنوه ووضعوه على النعش فليجعلوا عليه ثوبا يستره وإن كان في بيت فليخرجوا رأسه أوّلا ويقدّمونه حال السّير، إلى قبر أو إلى محل يصلّى فيه عليه فليكن سيرهم رفيقا لا يخبوا خبيب اليهود ولا دبيب النصارى وفي أثر أصحابنا وقيل يستحبّ أن يقال خلف الجنازة ''لا إله إلاّ الله الحي الذي لا يموت'' والفضل لمن حمل الجنازة المتقدّم والذي على اليمين وأمّا من يشيعه فالمتأخّر أفضل لأنّ الجنازة متبوعة لا تابعة وإذا مرّت الجنازة على شخص فليبقى على حاله وليقل ''هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله'' قال ولا يركب المشيّع الجنازة دابّة إذ عرض على رسول الله فرسا وهو في جنازة فرفضه وعند الرجوع عرض عليه حمار فركب وعلّل الأوّل أنّ الملائكة كانوا معهم يمشون ولا ينبغي للنساء أن يتبعن الجنازة لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى المرأة فأمرها أن ترجع ومن سنن الجنازة أن لا يتكلّم شخص في أمور الدنيا بعد تشييعها حتّى يفرغ منها، وأن لا يقعد حتّى تنزل عن عواتق الرجال الإيضاح 751.
الفصل الرابع الصّلاة على الميّت (1/141)
صفحة 142
الصّلاة على الميّت كسائر حقوقه فرض كفاية، قال في الإيضاح الصّلاة على الميّت من بعد غسله وتكفينه سنّة لقوله - عليه السلام -:» صلّوا على موتاكم «متّفق عليه، وفي حديث آخر:» الصّلاة على موتى أهل القبلة المقرّين بالله ورسوله واجبة «فكانت الصّلاة على الأموات بهذه الأحاديث واجبة وإن تركوها من غير عذر هلكوا قال إلاّ ما خصّته السنّة وسيأتي: قال ومن أراد أن يصلّي على الميّت يستقبل من الذكر رأسه ومن الأنثى صدرها قال وإن صلّت المرأة على الميّت تستقبل خلافا ما يستقبل الرّجال وقيل يستقبل الصّدر مطلقا لما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى على امرأة فاستقبل نحوا من وسطها وإن كان الأموات جماعة فإنّه يجوز أن يصلّى عليهم جميعا وقد روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى على شهداء أحد وكبّر أربع تكبيرات رواه البيهقي عن أبي هريرة وابن عباس وجابر، وإن كان فيهم نساء ورجال وأطفال وعبيد يقدّم الأفضل إلى جهة القبلة ثمّ الذي يليه وذلك أصحّ.
صفات الصّلاة على الميّت: (1/142)
صفحة 143
قال في الإيضاح وإذا أرادوا الصّلاة على الميّت وضعوه إلى القبلة ورأسه للمغرب أو على جنبه الأيمن ووجه للقبلة وإن لم يفعلوا وصلّوا على غير ذلك فلا إعادة، قال وبعد ذلك يوجّه من قام إلى صلاة الميّت توجيه الصّلاة وعن الربيع توجيه الجنازة ''سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله، وتعالى الله'' ثمّ يكبّر تكبيرة الإحرام ثمّ يستعيذ ويقرأ فاتحة الكتاب سرّا ثمّ يكبّر ثانية ثمّ يقرأ فاتحة الكتاب ثمّ يكبّر الثالثة ويحمد الله ويصلّي على رسوله ويستغفر لذنبه وللمؤمنين ويدعو بما فتح الله له قال وفي بعض الأثر يقول: ''اللهم إنّ هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك توفّيته وأبقيتنا بعده اللهمّ أبدل له دارا خيرا من داره وقرارا خيرا من قراره، واصعد روحه في أرواح الصّالحين واجمع بيننا وبينه في دار تبقى فيها الصحبة، ويذهب فيها النّصب واللغوب ثمّ يدعو لنفسه بما أراد ثمّ يكبّر الرّابعة ويسلّم تسليمة خفيفة وإن كان الميّت غير متولّى فالصّلاة واحدة إلاّ الدّعاء والاستغفار فإذا استغفرت لنفسك وللمؤمنين دعوت لنفسك وكبّرت الرابعة وتسلّم وإذا كان طفلا لمسلم تقول اللهم اجعله لنا فرطا وأجرا، ولا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ثمّ تكبّر الرابعة فالتسليم إلى أن قال وكان في تكبير الميّت خلاف فقال عمر إذا اجتمعتم اجتمع من بعدكم وإذا اختلفتم اختلفوا، فأجمع رأيهم على أربع تكبيرات وقال معيد بن عبد الله أجمع رأيهم كآخر صلاة صلاّها رسول الله فإذا هي أربع.
شروط صلاة الجنازة:
شروط صلاة الجنازة هي نفسها شروط صلاة الفرض فمن لا تصحّ منه صلاة الفرض لا تصحّ صلاة الجنازة كالمشرك والصبي والمجنون والمرأة والمحدث فلا تصحّ إلاّ بكامل الطهارة وكامل الشروط وقد ذكرها في الإيضاح والنيل بتفصيل هذا لمن يرفع فرضها أمّا سائر المصلّين فتصحّ ولو بتيمّم اهـ. الإيضاح باختصار ج1 ص758 - 763.
من لا يصلّى عليه:
أجمع أهل المذهب أنّه لا يصلّى على عشرة وهم: (1/143)
صفحة 144
أ- قاطع الطريق لسلب مال المسلمين.
ب- العبد الآبق.
جـ- القاعد على فراش حرام من له امرأة لا تحلّ له.
د- مانع الحق من نفقة أو من عدم توبة.
هـ- الطاعن في الدين.
و- من قتل نفسه أو غيره ظلما.
ز- مرجوم بلا توبة.
حـ- ملقيا نفسه في النار ليحرق.
ط- المرأة الناشزة.
ي- البالغ الأقلف بلا عذر ويختلف المذاهب في بعضها اهـ. النيل وشرحه ج2 ص616 - 619.
وفي المسألة خلاف هل لا يصلّى عليهم مطلقا أو يصلّى عليهم غير المنظور إليه وهو الصحيح لقوله - عليه السلام -:» صلّوا على كلّ بار وفاجر «رواه ابن حبان قال في شرح النيل قال الشيخ إسماعيل واختلفوا فيمن قتل في حدّ والمشهور ما ذكره المصنّف وقد ذكر أبو العباس أنّ استثناءهم جاء في السنّة ولم أطّلع على حديث في ذلك اهـ نفس الصفحة.
من هو أولى بالصّلاة وحقوق الميّت:
قال في النيل وشرحه أولى النّاس بالصّلاة على الميت أبوه ثمّ الزوج ثمّ الابن ثمّ الأخ ثمّ العمّ ثمّ الأقرب فالأقرب، ولا يصلّى عليه حتّى يستأذن وليّه ولو امرأة وكذا دفنه وقيل يقدّم القوم من رضوا به للصّلاة كغيرها وقيل الإمام الخ اهـ. ج2 ص624.
الفصل الخامس دفن الميّت
قال الله تعالى: {ولَقَد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحْرِ} [الإسراء: 70] فكرامة الله للإنسان دفن جسده بعد موته فلا يبقى عرضة لعبث الوحوش والطير كما قال - صلى الله عليه وسلم -:» كرامة الميّت دفنه «قال في الإيضاح من سنن الميّت غسله وكفنه والصّلاة عليه ودفنه وأصل ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الاَرْضَ كِفَاتًا اَحْيَاءً وَأمْوَاتًا} [المرسلات: 25] (الكفت: الضم مع التغطية) ثمّ ذكر أصل من علّم الإنسان أنّ أصل دفن الأموات من سورة المائدة في قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الاَرضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31]. (1/144)
صفحة 145
قال فعلى هذا فواجب على الأحياء حفر قبر لميّت ودفنه فيه، ما وجدوا لذلك سبيلا وإن تركوه من غير عذر هلكوا وفي المسألة ثلاث مباحث:
المبحث الأوّل: من يجب دفنه:
يجب دفن كلّ ميّت ولد حيا أو ميّتا لكن لا حرمة لمشرك وسقط، وأبعاض إنسان إن لم يكن فيها الرأس وإنّما تلزم حقوق المسلم كامل الجثة أو وجد غالبها.
المبحث الثاني: صفة القبر وحقوقه وأنواعه: القبر ثلاثة أنواع:
أ- قبر: وهو شق في الأرض يعمق لركبة أو حقو أو منكب بقياس طول الميّت قال في الإيضاح فهو إلى الركبة إن كان يمنعه من فساد أو إلى حقو أو إلى المنكب والدليل ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يحفر القبر فوق ثلاثة أذرع رواه الدارقطني.
ب- اللّحد: قال وإذا حفروا فليلحدوا واللّحد أولى من الضريح وهو أن يحفر للميّت إلى جانب قدر ما يوضع فيه للقبلة.
جـ- الضريح: وهو أن يحفر القبر واسعا ثمّ يحفر في وسطه قدر ما يوضع الميّت وكلّها جائزة.
المبحث الثالث: صفة الدفن:
إذا أتي بميّت إلى قبر وضعوه أمامه وأنزله فيه أقاربه قال في النيل وشرحه إذا أوتي بميّت إلى قبر فإنّ من جهة شرقه وضعوه أمامه وإن من قبلته وضع كذلك وهذا إن أمكنهم وإلاّ وضعوه في حريم قبر آخر وينزله في قبره اثنان أو ثلاثة من أوليائه وينزل رجلاه أوّلا فجنبه فرأسه وبابه من نحو رجليه، فإذا وضع فيه حلّ ما عقد على رأسه ورجليه وتركا لخيط مكانه وكشف عن عينه اليمنى وأولى بالأنثى إنزال محرمها ويلي عجزها إن كان واحدا وإلاّ فأمين.
ويستر على القبر وإن لذكر حتّى يوارى بتراب ويجعل له علامات من رأسه ورجليه فإن فضل التراب ردّ عليه كلّه، ويجعل عليه حجارة لتحرزه من كسبع ويحذر ما مسّته النّار.
قال في الشرح ووضع الخزف من بقيّة أفعال الجاهلية لا سند له في سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قال - صلى الله عليه وسلم -:» لا تجعلوا آخر زاد ميّتكم نارا «اهـ ج2 ص653 - 658. (1/145)
صفحة 146
المبحث الرابع: من تلزمه حقوقه بالأولى:
قال في النيل وشرحه ولزم ذلك الولي أو المدعو للإعانة، وعليه أن يجيب إن دعي ولا ينصرف قبل الفراغ إلاّ بإذن، وسادات العبيد كالأولياء إن حضروا وإلاّ على من حضر أو من اصطحب معه في سفر أو حضره مطلقا أو على أهل المنزل الذي مات فيه اهـ. ج2 ص663 - 665.
أحكام عامّة في الجنائز:
للجنائز أحكام عامّة نحوا من عشرة متفرّقة في النيل والإيضاح وهي كما يلي:
أ- ممّا يخرج من التركة من الكل كل مؤن تجهيز الميّت من كفن وبقعة ومصارف عامّة حتّى يوارى.
ب- أوّل ما يستقبل الغاسل من حق الميّت الاستجمار له بيد ملفوفة بعد أن يمرّ بيده على بطنه برفق ويزيل ما في مواضع النجاسة ويستمرّ ما دام الأثر فيما يستجمر به.
جـ- يجب على غاسلات المرأة فكّ شعر رأسها برفق قيل وتقليم الأظافر والصحيح لا.
د- المحرم يغسل ويكفّن في ثوبي إحرامه ولا يمس طيبا حسب قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلاّ في ثوبي إحرامه اللذين أحرم بهما فلا يمسّ طيبا ولا يخمر رأسه «رواه الجماعة.
هـ- الغريق يغسل والميّت في الباخرة يقام بتجهيزه وينزل في البحر ويربط إليه ما ينزله ولا يبقى على وجه الماء إلاّ إذا كان السّاحل قريبا ولا يفسد بتركه.
و- يستحسن أن يكون الكفن أبيضا جديدا أو غسيلا ممّا تجوز به الصّلاة وليس من حرير ولا فيه ذهب ولا نجس إلاّ لضرورة ولا بأس بالكفن من واحد فردا، وإن أوتي له بكفن فوجد قد كفن ردّ للورثة أو للفقراء.
ز- والقاتل لنفسه أو لغيره ظلما فإنّه لا يغسله المنظور إليه ويسار خلفه بالنهي عن المنكر أي خلف القاتل لنفسه والمقتول ظلما إنكارا للمنكر وتنفيرا من ذلك لكن قرّر مجلس عمي سعيد ترك ذلك وتعويضه بالنهي ثلاثا عند تحليق الجنازة وإعطاء درس في الشأن. (1/146)
صفحة 147
حـ- من عادة أهل الوطن الاستدارة على القبر بالخطى إن أمكن وهو يقرأ من أوّل يسن إلى {فَأَغْشَيْنَاهُم فَهُم لاَ يُبصِرُونَ} حجابا بالقبر ثمّ يجلس أحد العزّابة أو القائمين بالجنازة ويلقّن له جواب أسئلة الملائكة يناديه باسمه ثلاثا ثمّ يقول قل كما كنت في الدنيا الله ربّي ومحمّد النبي والإسلام ديني والقرآن إمامي والكعبة قبلتي والمسلمون إخواني والكافرون أعدائي.
ط- المقبرة من ثلاثة قبور فصاعدا ولها حرمتها ومن قبر بمكان فهو ملكه إلى سبع أراضين ولا يجوز نزعه ولا تحويله.
ي- إن وجدوا في القبر بعد حفره ماءا أو طينا أو دابّة أعادوا إلى ثلاث وإلاّ قالوا دعنا نعمل ما أمرنا واعمل ما أمرت ودفنوه كما هو ويستحبّ التعجيل بتجهيز الميّت ودفنه لقوله - عليه السلام -:» إنّي لأرى طلحة إلاّ قد حدث فيه الموت فاذنوني به وعجّلوا فإنّه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يحبس بين ظهري أهله «رواه أبو داوود وقال حديث غريب يؤيّده أحاديث الإسراع منها حديث علي قال يا علي ثلاث لا يؤخّرن:» الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا «أخرجه أحمد والترمذي.
فممّا ينبغي الإسراع بمواراة الميّت بعد تحقّق موته ويستدلّ عليه بعلامات منها توقّف تحرّك نبضه وعدم انعكاس الصور في عينيه وبرودة أطرافه إلاّ أنّه ينتظر بمن مات بدخان أو هدم من ساعة لأخرى غدا للتثبيت.
وممّا يستحسن أن يقرأ على الميّت سورة يسن لقوله - عليه السلام -:» اقرؤوا على موتاكم سورة يسن «رواه أبو داوود وابن حبان وصحّحه.
وممّا هو سنّة الصّلاة على الغائب فقد روي أنّ رسول الله نعى النجاشي لأصحابه يوم مات وقال قوموا لنصلّي على اصمحة فصفّف أصحابه وكبّر أربع تكبيرات قال في الشامل ثمّ إنّ الصّلاة على الغائب عن البلد مشروعة عندنا لحديث النجاشي والحديث رواه الشيخان. (1/147)
صفحة 148
وممّا هو جائز البكاء على الميّت من الرّحمة بشرط أن لا يقال ما لا يجوز وقد شوهد رسول الله يبكي عند موت ابنه إبراهيم وبنته فاطمة ذكر ذلك في الشامل قال وجاز البكاء غير نواح ولا قول محرّم. ج1 ص281.
ويعزّى آل الميّت في فقيدهم وهو من حقوق المسلم على أخيه إلاّ من مات في بغي أو فتنة ذكره في شرح النيل. ج2 ص67.
ومن آداب الجنازة إذا أنزل الميّت في قبره قالوا {مِنْهَا خَلَقْنَاكُم وَفِيهَا نُعِيدُكُم وَمِنْهَا نُخْرِجُكُم تَارَةً أُخْرَى} وإن كان وليا قال أيضا: ''باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله''.
ولا خلاف بين المذاهب في تجهيز الميّت والإسراع بذلك فقد ذكر الزحيلي صاحب ''الفقه الإسلامي'' كلّ ما تقدّم بتفصيل ولا خلاف إلاّ في بعض الكيفيات.
الباب الخامس الصّوم والاعتكاف
الفصل الأوّل الصّوم وأحكامه
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأوّل تعريفه وفضله وفوائده:
الصوم من أركان الإسلام الخمس وهو لغة الإمساك نقول صامت الريح أمسكت عن الجريان، وكما قال الشاعر خيل تصوم وخيل غير صائمة.
أمّا شرعا فهو الإمساك نهارا عن الأكل والشرب وجميع المفطرات بنيّة من اللّيل وهو ثلاثة أنواع فرض وسنّة ونافلة.
فضله وما فيه من ليلة القدر وأحداث: (1/148)
صفحة 149
فضل رمضان ظاهر لما ورد فيه من أحاديث كثيرة منها ما روي عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال:» قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيامه تطوّع، من تقرّب إلى الله فيه بخصلة من خصال البرّ كمن أدّى فريضة فيما سواه؛ وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وهو شهر المواساة يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كمن أعتق رقبة، وكان مغفرة لذنوبه، وكان له مثل أجره؛ وهو شهر أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار من خفّف فيه عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النّار؛ واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربّكم وخصلتان لا غنى لكم عنها، فاللّتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلاّ الله، وتستغفرونه لذنوبكم وأمّا اللّتان لا غنى لكم عنها فتسألونه الجنّة وتتعوّذون به من النّار؛ ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يضمأ بعدها حتّى يدخل الجنّة «رواه ابن خزيمة ورواه من طرق البيهقي والحديث مذكور في الوضع.
فنرى أنّ الحديث شامل لما في رمضان من زيادة أجر وثواب وأسباب مغفرة ومضاعفات أجر، ومن ذلك ما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه ولو علمتم ما في رمضان لتمنّيتم أن يكون سنة «الجامع الصحيح ج2 ص44، قال في الحاشية إيمانا تصديقا لما جاء فيه وقيل لثوابه والاحتساب طلب الثواب من الله وقال الحديث رواه الشيخان قال في الأصل ومن طريقه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك «قال في الحاشية الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري.
وفي الحديث زيادة:» فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به الجنة «اهـ ص146 - 147. (1/149)
صفحة 150
وقد ورد في فضل الصوم أحاديث كثيرة ممّا يدل على مزيّته في تربية الوازع الديني ومراقبة النّفس وما في ظاهره من الإخلاص وما خصّه الله به من فائض الأجر خاصّة ما ذكر في حديث سلمان، وما فيه إعداد المسلم للطاعة وتربيته على المراقبة وما فيه من تواصل المسلمين، وما فيه من غفران الذنوب وتضعيف الثواب.
ليلة القدر:
ممّا زاد لرمضان كرامة وفضلا اشتماله على ليلة القدر، وقد صرّح الله بفضلها في قوله: {لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن اَلفِ شَهرٍ} [القدر:] فممّا يستحبّ طلبها باستمرار العبادة في كامل الشّهر حيث أخفيت وقتها لحكمة قال في الجامع الصحيح أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأواسط من رمضان فاعتكف سنة ثمّ إذا كان إحدى وعشرين وهي اللّيلة التي يخرج منها من الاعتكاف غدوتها، قال:» من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر «وقد رأيت هذه اللّيلة ثمّ أنسيتها وقد رأيت أنّي أسجد في غدوتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كلّ وتر قال في الحاشية الحديث رواه مالك في الموطأ بنحو رواية المصنّف ورواه البخاري ومسلم وأحمد بأبسط منها ولما في هذه الليلة من فضل فقد سنّ أوائلنا في رمضان أورادا أي أنواعا من العبادات في كلّ ليلة لمصادفة الليلة ففي كلّ ليلة يقضون خمس صلوات كما يحيون اللّيالي بقيام رمضان جماعة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولرمضان ميزة خاصّة بعناية النّاس بعمارة المساجد لما في ذلك من فضل.
فالعمل فيها يثبت لصاحبها المصادف لها أكثر من ثواب ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، بشرط عدم إبطال ذلك بالرّياء أو المعاصي قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} [الكهف:].
أحداث هامّة برمضان: (1/150)
صفحة 151
ممّا زاد لرمضان فضلا ما فيه من أحداث هامّة منها نزول القرآن في ليلة القدر وهي ليلة العظمة والشرف فقيل نزل كاملا إلى بيت العزّة في سماء الدنيا وحقّ لذلك أن يحتفل به فهو دستور الله لعباده حسب لغة الوقت، أو رسالة هدايته لخير الدنيا والآخرة.
وقيل ابتدأ نزوله على رأي من يقول إنّ أوّل الوحي كان في رمضان وفيها يوم الفرقان في السابع عشر من رمضان حيث وقعت غزوة بدر الكبرى أعظم نصر للإسلام والمسلمين.
وفيه غزوة فتح مكّة حيث أتمّ الله نعمته على النبي بأعظم نصر حيث هدمت أصنام الكعبة، وتمّ انقياد قريش وطهّر الله حرمه من رجس الأصنام.
فوائده ومشروعيته:
شرع صوم رمضان وفرض بالكتاب والسنّة فالكتاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامَ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبلِكُمْ} إلى قوله {شَهرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنَ} والسنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا «رواه البخاري ومسلم.
فرض رمضان في العاشر من شعبان سنة اثنين من الهجرة بعد تحويل القبلة إلى الكعبة. الزحيلي ج2 ص578 وقد شرع لفوائد جمّة في الدين والأخلاق والصحّة والمجتمع.
فوائده الدينية: (1/151)
صفحة 152
فقد شرع لتربية الإنسان على التقوى فقد قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لتحصل التّقوى منكم والتقوى شعور نفساني بوجوب استحضار خشية الله في القلب واتّباع أوامره واجتناب نواهيه من اقتناع وإرادة فإذا صام المسلم رمضان صياما تاما مع مراقبة نفسه سرا وعلانية، حيث لا يقدم على معصية لما يشعر به من ملازمة الصّيام مدّة شهر أصبح ذلك ملكة فيه وتلك هي التقوى فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:» من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يترك طعامه وشرابه «.
الفائدة الأخلاقية:
فائدته من الناحية الأخلاقية أنّه يربّي المسلم على الصبر والعفّة والكرم والنظام فيظهر الصّبر جليا في منع رغباته من طعام وشراب ومستلذّات، والعفّة عمّا يحرم من نظر إلى محارم غيره وما يتبع ذلك، والكرم بتذكّر الجائع وبذل الصّدقات والنظام فلا يكاد المغيب يقرب إلاّ وترى النّاس زرافات ووحدانا في اتّجاه بيوتهم لتناول فطورهم ثمّ إقبالهم على المساجد للصّلاة كما أنّ كلّ ربّة بيت إلاّ وقد صفّت موائدها وهيّأت طعامها وما من عائلة إلاّ وقد التفّت حول مائدة طعامها وشرابها والنظام حيلة.
والفائدة الاجتماعية:
ما يبعث عليه رمضان من التعاطف بين الأغنياء والفقراء وما ينتشر من أنواع الوعظ والإرشاد بالمساجد وما يغتنمه المربّون من طرح مسائلهم على المجتمع للوعي وما في لياليه من توفّر الوقت للاجتماعات الهامّة لإصلاح المجتمع.
الفائدة الصحيّة:
تتمثّل في خلوّ البطن من الطعام والشراب فتخلو المعدّة من رواسب الطعام شهرا كاملا فيصفوا الدّم ويعتدل المزاج فتستقيم الصحّة ويصفو الذهن وينتظم التفكير و''العقل السّليم في الجسم السّليم'' وكلّ ذلك راجع إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -:» المعدة بيت الدّاء والحمية رأس كلّ دواء «.
المبحث الثاني: أنواع الصوم: (1/152)
صفحة 153
الصوم تعتريه الأحكام الخمس فهو خمسة أنواع: الصوم الفرض:
أ- الواجب: وهو نوعان لازم وملزم فاللاّزم هو صوم رمضان حيث ثبت فرضه كما تقدّم بالكتاب والسنّة.
والثاني الملزم وهو نوعان ملزم بسبب وهو كفّارة عن ذنب اقترف أو ألزمه المكلّف على نفسه بنذر وسيأتي بيانهما إن شاء الله، أمّا صوم رمضان فهو المقصود هنا بالدراسة.
ب- المندوب: وهو ما ورد الترغيب فيه من السنّة وهو كما يلي:
قال في الإيضاح اعلم أنّ الصّوم المندوب شروطه كشروط الفرض في النّية والإمساك عن المفطرات وجميع ما ينقض الصّوم.
وأمّا حكم الإفطار فليس على من قطع صوم التطوّع بعذر قضاء وأمّا من قطعه بغير عذر فعليه القضاء والدليل ما روي عن عائشة وحفصة كانتا صائمتين فأفطرتا فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -:» أبدلا يوما مكانه «رواه البيهقي.
وفي الأثر من أوجب على نفسه تطوّعا ثمّ فسد عليه لزمه بدله وأتى بحديث مثل المتقدّم عن عائشة أيضا.
إلى أن قال وبعض يوجب القضاء ولو على من أفطر بلا عذر وقال وعن بعض الله أعدل أن يواخذ أحدا بما لم يفرض عليه والدليل ما روي أنّ أمّ هاني قالت دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - بإناء من لبن فشرب وناولني فشربت وكانت صائمة قالت فقلت يا رسول الله، كنت صائمة وكرهت أن أردّ سؤرك، فقال:» إن كان من قضاء رمضان فاقض يوما مكانه، وإن كان من غير رمضان فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضه «رواه أحمد وأبو داوود اهـ ج2 ص211 - 212.
والأيّام المستحبّ صومها هي كما ذكر في الإيضاح فاخترت أن آتي بصورة منه لتعميم الفائدة.
جـ- الصّوم المحرّم: وهو ما حرّم باتّفاق وهو صوم العيدين.
د- المكروه: وهو صوم يوم الشّك وأيّام التّشريق وتجد صورة منها من الإيضاح.
هـ- المباح: أن يصوم الإنسان لغرض دنيوي كالصحّة أو لمن لم يجد الزواج في قوله - صلى الله عليه وسلم -:» ومن لم يجد فليصم فإنّ الصوم له وجاء «.
المبحث الثالث: ثبوت فرض الصّوم وثبوت الهلال: (1/153)
صفحة 154
يثبت فرض الصّوم على المكلّف كسائر العبادات فللصّوم شروط وجوب وهي البلوغ والعقل والصحّة والطهارة من الحيض والنّفاس للمرأة وثبوت الهلال.
قال في الإيضاح ولا يصحّ الصّوم إلاّ بعلم وعمل ونيّة وكذا سائر العبادات أمّا العلم فواجب على كلّ مكلّف إذا دخل رمضان أن يعلم بفرضه عليه، وأن يعلم بكيفية العمل، ويعلم بوجوب الثواب على العمل.
أمّا العلم بدخول الشهر فإنّه يحصل بثلاثة أشياء:
1 - الرؤية والشهادة واستكمال الشّهر ثلاثين لقوله - عليه السلام -:» صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين «رواه مسلم اهـ الإيضاح ج2 ص14.
وقال في الجامع الصحيح أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في رمضان:» لا تصوموا حتّى تروا الهلال ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له «وفي رواية أخرى» فأكملوا العدّة ثلاثين «قال في الحاشية الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر.
وقال قوله:» لا تصوموا ... «أي لا تأخذوا في الصّوم الواجب حتّى تروا الهلال أو تكملوا عدّة شعبان، وفي النهي عن ذلك نهي عن صوم يوم الشّك وقال ليس المراد تعليق الرؤية من الحديث تعليق الصّوم بالرؤية في حق كلّ أحد بل المراد بذلك الرؤية في الجملة اهـ. ج2 ص36 - 37.
وما يثبت به الهلال ثمانية أحوال الرؤية والتواتر وحكم الإمام العادل واستكمال الشهر ثلاثين فهذه توجب العلم والعمل معا.
وشهادة أمينين والأمين الواحد في الصوم ونداء السلطان والشهرة المستفيضة فهذه تجيز العمل ولا توجب علما وسيأتي دليل كلّ بحول الله فالأولى تفيد اليقين، والثانية تفيد الظّن وهي كافية للدخول في العبادة أمّا الخروج فيحتاج إلى يقين أو ما يقرب منه. (1/154)
صفحة 155
أ- الرؤية: قال في النيل وشرحه أمّا الرؤية فبمشاهدة الرائي بنفسه الهلال لزمه صومه ولو لم يشاهده غيره، ويفطر سرا إن شاهد شوالا ولو لوحده إذ لا يصدّق مدّع إباحة محرّم إلاّ ببيان ووقت اعتبار الرؤية الغروب فإن رأى الهلال بعدها فمن الغد اتّفاقا فإن رأى قبل الزوال خلف الشّمس فمن الماضية وإن بعدها فمن المقبلة وهو الأصحّ اهـ ج3 ص313 - 315.
ب- الخبر: قال في النيل وشرحه أمّا الخبر فقد اتّفقوا إذا شهد عدلان أنّهما أبصرا الهلال فإنّه يصام بهما ويفطر وفي الصّوم بالواحد قولان قال في الشرح والصحيح لزومه وذلك عملا بأحاديث رسول الله تقليدا لا قياما بالحجّة وعمل بالدين بمنازعة بين الخصمين، وكذا يقال في العدلين، والمراد بالأحاديث ما روي أنّه صام بأعرابي وأنّه صام بأمة رواه النسائي اهـ ج3 ص317، قال في الإيضاح بناء على ما تقدّم وقد ذكر حديث الأعرابي جاء إلى رسول الله فقال أبصرت الهلال اللّيلة فقال:» أتشهد أن لا إله إلاّ الله «قال نعم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:» قم يا بلال فأذّن في النّاس فليصوموا «رواه الخمسة إلاّ أحمد عن عكرمة. (1/155)
صفحة 156
قال في النيل وشرحه والبلاد إن لم تختلف مطالعها كلّ الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض في الرؤية وقيل كلّ بلد ورؤيته ولو تقاربت، وإن بلغ الخبر حدّ التواتر لم يحتج لشهادة لإيجابه علما وعملا معا، ومن ثمّ جاز مشهور أهل الجملة في رؤية الهلال وفي الأميال والإياس والإمامة ما لم يسترابوا قال في الشرح على قول الأصل وقيل كلّ بلد ورؤيته وهو قول ابن عبّاس قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:» لكلّ قوم هلالهم «رواه مسلم وذلك شامل للصوم والإفطار والحج فلا يعيد أهل الحج إن رجعوا ووجدوا أهل بلدهم على غير رؤيتهم، وقال في التواتر وهو خبر جماعة عن جماعة لا يمكن اتّفاقهم على الكذب، وقال على قوله ومن ثمّ جاز مشهور أهل الجملة التي هي لا إله إلاّ الله لشبهه بالمتواتر في رؤية ثلاثة فأكثر إلى أن قال والحاكم الثقة إن قال ثمّ عندي المشهور أنّ الشهر يوم كذا قُبِل صوما أو إفطارا وكذا الأمين المقتدى به وإن قال هو والحاكم رأيت الهلال لم يقبل وحده إفطارا.
قال في الشرح تتمّة إن قال السلطان صحّ عندي هلال الصوم أو الإفطار أو الحج صدق ولو جائرا إن أعتيد صدقه وكذا إن نادى منادي اهـ. ج3 ص318 - 326.
جـ- الإكمال: قال في النيل وشرحه وأمّا الإكمال الموجب للعلم فقد أجمعوا أنّ العربي من تسعة وعشرين أو من ثلاثين. فإن غمّ وتعذّرت الرؤية وجب الإكمال وعرف اليوم الذي شكّ فيه أنّه من رمضان أو شعبان بيوم الشّك فهل حرم صومه وعصى صائمه أو كرّه أو مخيّر فيه أو هو أحوط أقوال وندب فيه الإمساك إلى رجوع الرعاة ضحى انتظارا للخبر. اهـ ج3 ص156 - 157.
وإن صام النّاس بخبر الواحد أكملوا ثلاثين بغير اليوم الذي صاموا به إلاّ إن ثبت الهلال. (1/156)
صفحة 157
وكلّ ما تقدّم فهو متّفق فيه من فرض رمضان ووجوب صومه واختلف في أنواعه فإليك أقوال المذاهب في ذلك قال في الفقه الإسلامي وأدلته أراء المذاهب في الصّوم قال الحنفية صوم التطوّع أنواع ثلاثة مسنون ومندوب ونفل فالمسنون ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فالمسنون يوم عاشوراء مع التاسع والمندوب ثلاثة أيّام من كلّ شهر وذكر ما تقدّم في الإيضاح.
وقال الحنفية أنواع الصوم اللاّزم ثلاثة عشر وهي رمضان والكفّارة للظّهار وللقتل وكفّارة يمين وإفطار رمضان بلا عذر ونذر وصوم اعتكاف وصوم نفل وقضاء رمضان وصوم القران والتمتّع في الحج وجزاء الصيد وفدية الحلق، ونذر مطلق.
وقال المالكية التطوّع ثلاثة كالحنفية
وقال الشافعية صوم التطوّع المؤكّد قسمان قسم لا يتكرّر وهو صوم الدهر وقسم يتكرّر وذكر غالب ما ذكر في الإيضاح.
قال النوع الثاني الصّوم الحرام:
1 - صيام المرأة نفلا بغير إذن زوجها باتّفاق.
2 - صوم يوم الشّك فيه خلاف ما بين من يكرّهه ومن يحرّمه.
صوم العيدين وأيّام التّشريق مكروه تحريما عند الحنفية محرّم لا يصحّ عند باقي الأئمّة الصّوم المكروه صوم الدهر وإفراد يوم الجمعة عند الجمهور ويحرم الأخيران عند الشافعية والراجح عند المالكية عدم كراهة صوم الدهر اهـ. بتصرّف ج2 ص585 - 592.
المبحث الرابع: شروط الصوم:
شروط الصّوم نوعان شروط وجوب وقد تقدّم وشروط صحّة وهي: الإسلام والنّية والطهارة من الحيض والنّفاس عندنا والإمساك نهارا عن كلّ مفطر وهو نوعان حسّي بإيصال شيء إلى الجوف عمدا من أيّ منفذ كان وبالجماع وإخراج المني مطلقا، ومعنوي باقتراف ما هو حرام قولا أو فعلا.
قال في النيل وشرحه وقد ذكر الشروط ضمن الكلام على الصوم: (1/157)
صفحة 158
وأمّا العمل فهو الصوم والمراد به الإمساك نهارا عن الأكل والشرب وكلّ مفطر يرد الجوف من أيّ منفذ كان وإن غير مغذ قال في الشرح ولو رجع من حينه أو فني فيه من أيّ منفذ بفتح الميم أي الذهاب والوصول إلى مطلق البطن لا بخصوص دخول المعدّة وإن غير مغذ كذهب وطين وعن بعض أهل الخلاف لا بأس ولا فطر بما وصل من غير الموضع المعتاد ولا يؤخذ به.
تخريج حديث: خمسة يفطرن الصائم ...
أمّا النيّة فهي شرط لصحّة كلّ العبادات ومنها الصوم ولقوله - عليه السلام -» لا صوم لمن لم يبيّت النيّة من اللّيل «رواه الخمسة ذكره في الإيضاح وقال واختلفوا في النّية فهل هي شرط فيه أم ركن قال بعضهم وهو الأصحّ لا يجوز صوم فرض ولا نفل ولا كفّارة إلاّ بالنّية وساق الحديث وقال هذا عموم يشمل كلّ صوم، وذكر في كتاب الدّعائم قال أبو محمّد من أهمل النيّة في الصّوم والصّلاة وسائر الفرائض ففعله باطل وإن أهمل في صوم رمضان فعليه القضاء والكفّارة إلى أن قال ووقت النيّة عند أصحابنا أنّ الوقت في ذلك قبل طلوع الفجر للحديث المتقدّم وقال بعض مخالفينا تجزي النيّة بعد الفجر في النافلة ولا تجزي في الفرض وقال أبو حنيفة تجزي النيّة بعد الفجر في الصّيام المتعلّق وجوبه بوقت معيّن مثل رمضان قال والقول الأوّل عندي الأصح وهو قول أصحابنا قال وأمّا كيفية النّية يقول قبل الفجر (غدا إن شاء الله أصبح صائما) الفريضة من شهر رمضان طاعة لله من طلوع الفجر إلى اللّيل إلى أن قال والمسافر إذا نوى صوم رمضان عن ظهاره لم يجزه عن ظهاره ولا عن فرضه وفي ذلك خلاف اهـ. ج2ص168 - 171.
أمّا الطهارة عن الحيض والنفاس فبإجماع لا يصح صوم حائض ولا نفساء قال معاذ - رضي الله عنه - قال: سألت عائشة ما بال الحائض تقضي الصوم دون الصّلاة قالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله فنؤمر بقضاء الصوم دون الصّلاة. رواه الجماعة فقه السنّة ج1ص74. (1/158)
صفحة 159
أمّا الطهارة من الجنابة ففيها خلاف قال في الجامع الصحيح: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من أصبح جنبا أصبح مفطرا «قال في الحاشية الحديث رواه مالك في الموطأ ورواه الشيخان وزاد (وفيه) وفي مسلم أنّ أبا هريرة لمّا سئل عن ذلك قال: سمعت عن الفضل أو أخبرني الفضل بن عباس وهو أعلم وعلى كلّ حال فهو ثابت الإسناد مشهور الصحّة كون هريرة لم يسمعه بل الفضل لا يضرّه لأنّ مرسلي الصحابي مقبول إجماعا قال قوله:» من أصبح جنبا أصبح مفطرا «أي يبطل صومه بذلك
فعليه البدل بلا كفّارة إن لم يكن متعمّدا وإن تعمّد فعليه الكفّارة كما في الحديث الآتي اهـ. ج2 ص20 - 21. ثمّ قال وقال: جمهور قومنا من أصبح جنبا فصومه صحيح ولا قضاء عليه وادّعى بعضهم الإجماع وقد تقدّم القول بضدّه واحتجّ هؤلاء بقول عائشة وأمّ سلمة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ويصوم رمضان، والجواب أنّ ذلك من خصائصه، لأنّ قوله عام وفعله خاص لا يتعدّاه إلى غيره إلاّ بوجوب الإتّباع فنحن نتبعه في جميع أحواله إلاّ ما خصّنا فيه بحكم وقوله:» من أصبح جنبا أصبح مفطرا «
حكم عام يشملنا وإيّاه وفعله مخصّص لهذا العموم فيبقى من عداه في هذا العموم اهـ. ج2 نفس الصفحة.
لكن من الغريب أن يصبح رسول الله مجنبا وقد صلّى الفجر فهل تصحّ الصّلاة بجنابة وهل يستقيم لهم ما يقولون إذن فذلك لا يمكن إذ لا بد أنّه يغتسل للصّلاة فتأمّل وعليه فلا يمكن أن يصبح جنبا، كما أنّه لا يجوز لشخص أن يصلّي بجنابة أمّا الإمساك عن المفطرات فهو ركن الصّوم الذي لا يصح ولا يتحقق إلاّ به.
المبحث الخامس من يباح له الإفطار: (1/159)
صفحة 160
قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَان الذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآن هُدى لِلْنَّاس وَبَيِّنَاتٍ مْنَ الهُدى وَالفُرْقُان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كَانَ مَرِيضا أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَرْ} [البقرة:185]. وقال في الآية السابقة: {وَعَلى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مَسَاكِين} [البقرة:184] فالآيتان تشيران إلى بعض من يعذر في الصوم وهم أربعة أنواع:
المطلب الأول من يجب عليه الإفطار والقضاء:
لا يجوز لمكلّف قدر الصّوم أن يترك الصّوم إلاّ إذا كان معذورا فمنهم من لا يجوز له الصّوم وهما:
1 - الحائض والنفساء حيث أنّهما على غير طهارة ولقول عائشة - رضي الله عنه - ا قال في وفاء الضمانة: أنّ معاذ قال: سألت عائشة ما بال الحائض تقضي الصّوم ولا تقضي الصّلاة فقالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله فيأمرنا بقضاء الصّوم دون الصّلاة وذكره في فقه السنّة وقال رواه الجماعة والنفساء كالحائض بإجماع فلا يصحّ منهما صوم وإن صامتا كفرتا ذكر ذلك في الإيضاح: وأمّا الصنف الذي يجب عليه الإفطار فهما الحائض والنفساء لما جاء فيهما عن رسول الله» بتفسيقهما إذا صامتا «متّفق عليه اهـ. ج2 ص197.
2 - المضطر يجوع أو نحوه من عطش أو دواء في حادث يجب عليهم الإفطار ولا يجوز لهم إهلاك أنفسهم فالله يقول: {وَلاَ تلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهلُكَة} [البقرة:195] كما تشير لذلك الآية السابقة: {وَعَلى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مَسَاكِين}. (1/160)
صفحة 161
3 - المكره من قبل جبار أو نحوه بضرب أو تهدد قتل أو مثلة فيجب عليه أن ينجي نفسه وهو داخل في الآية السابقة. هذا ما ذكره في النيل وشرحه قال: وجوز الأكل لمكره حاضر إن خاف قتلا أو مثلة أو سلب مال إن أدّى سلبه لتلفه، ولمضطر بعطش إن خاف ضرا بشرب ماء بلا سبق طعام أن يخلطه بعسل أو دقيق ويقضي ما أكل اهـ. ج3 ص364. وعلى كلّ هؤلاء القضاء لما أكلوا قال في الشرح ومن اضطرّ ولم يفطر أو هلك وحلّت آفة بجسده لذلك كفر.
المطلب الثاني من يجوز له الإفطار وعليه الإطعام والقضاء:
من عليه القضاء والإطعام الحامل والمرضع إذا خافتا ضرر ولدهما الحامل من مالها والمرضع من مال أب الولد. قال في النيل وشرحه وجاز الإفطار لحامل ومرضع إن خافتا ضياع ولدهما اتّفاقا قال في الشرح وإذا تيقّنتا ضياع الولد أفطرتا وجوبا ولزمهما إن أفطرتا إطعامٌ عن كلّ يوم أكلتاه ثمّ قضاؤه بعد وقيل عليهما القضاء فقط وهو قول الحنفية أمّا الحنابلة والشافعية
فيستوجبون الفدية (1) أمّا المالكية فعلى المرضع فقط.
المطلب الثالث من عليه القضاء دون الإطعام:
وهم المريض والمسافر وهو ما صرّحت به الآية فأمّا المريض فيباح له الإفطار قيل مطلقا وقيل مرض لا يطيق معه الصوم وهو الصحيح وذلك حسبما يظهر لخمسة أسباب هي من يشق عليه الصّوم، من يزيد مرضه بالصوم من يتأخّر برؤه من لا يطيق أكل ما يبلغه اللّيل، من يحتاج لأكل الدواء بالنّهار قال في الإيضاح اختلافهم في صفة المريض الذي يجوز له الإفطار، وسبب اختلافهم ظاهر اللّفظ والمعنى فظاهر اللّفظ كلّ من أطلق عليه اسم المريض، ومن اعتبر المعقول لم يبح الإفطار لكلّ مريض بل للمريض الذي يشقّ عليه الصوم وهذا القول عندي الأصح اهـ. ج 2ص177. أمّا المسافر ففيه أبحاث ومطالب.
المطلب الأول حدّ السفر ومقداره:
__________
(1) - الفدية: ما يعطى في مقابل تنجية. (1/161)
صفحة 162
وفي ذلك خلاف خلاصته من الإيضاح قال: والفطر في السفر رخصة لمن فعله والصوم أفضل لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184] واختلفوا في حدّ السفر فقيل السفر النائي من ثلاثة أيّام فصاعدا وقيل الخروج من الحوزة وسبب اختلافهم ما قيل في المريض وذلك لأنّ الله أباح الإفطار لأجل المشقّة فيراعى السفر الذي فيه المشقّة وردّ على من احتج عليه بالصّلاة إذ الصّلاة قصرها واجب في مجاوزة الأميال وذلك لأنّ المسافر إذا صام جاز صومه بإجماع والصحيح أنّ السفر يعتبر كغيره بمجرد خروج الأميال.
المطلب الثاني متى يفطر المسافر:
قال في الإيضاح واختلفوا متى يفطر المسافر قال وسبب الاختلاف ما تقدّم من اعتبار المشقّة ومطلق السفر وذكر أنّ رسول الله قال لأصحابه في سفر:» تقوّوا لعدوكم والفطر أقوى لكم «رواه أحمد وأبو داود قال أو يكون الفطر للمشقة فلا يجوز إلاّ في الحـ ل الذي تلحقه فيه وقد روي أنّ أبان بن وسيم برز من منزله للسفر النائي دون ستّة أميال في رمضان فأكل وقصر الصّلاة.
المطلب الثالث:
لابد من تبييت النيّة للمريض والمسافر على الإفطار قال ذلك في الإيضاح وقال وإنّما تصحّ منه النيّة إذا صار في حدّ السفر قبل طلوع الفجر، قال وإن أفطر المريض والمسافر بلا نيّة بدون أن يخافا على أنفسهما انهدم ما مضى من صومهما لأنّهما أصبحا على الصّوم فلا يبطلان عملهما لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] اهـ ج2 ص173 - 181.
وفي من نوى الإفطار ثمّ صام أو العكس أبحاث تطلب في الإيضاح.
المطلب الرابع من عليه الإطعام دون القضاء: (1/162)
صفحة 163
وهما الشيخ الهرم إذا كان لا يطيق الصّوم، والمريض الذي لا يرجى برؤه فيجوز لهما الإفطار والإطعام عن كلّ يوم أكلاه وهو ما صرّحت به الآية: {وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَام مَسَاكِين} أي سلبوا طاقته والهمزة للسلب، ومن دام مرضه إلى أن مات فلا شيء عليه حيث لم يتمكّن من القضاء.
المبحث السادس مفسدات الصوم وما يترتّب على مفسده
مفسدات الصوم: مفسدات الصّوم أربعة: إيراد شيء إلى الجوف عمدا زمان الصوم، الجماع، الإصباح بلا طهارة، فعل المعصية.
المطلب الأول: إيراد شيء إلى الجوف عمدا وهو نوعان: مباح ومحرّم
أوّلا- المباح: وهو ثلاث عمدا فمن أوصل إلى جوفه طعاما أو شرابا أو دواء أو أيّ شيء وإن غير مغذ عمدا انهدم صومه ولزمه كفّارتان مغلّظتان إحداهما لأكله في رمضان وهو معصية، الثانية لانتهاك حرمة رمضان إذا كان ذلك بغير عذر، وإن كان حراما فثلاث كفّارات مع انهدام أو تضييع فمن قام من نومه فأكل من غير أن ينظر للفجر فإذا هو أكل نهارا انهدم ما مضى من صومه وإن أكل أو شرب بنسيان فلا شيء عليه.
ثانيا- الجماع: فمن جامع زوجته في رمضان عمدا انهدم صومه ولزمته مغلّظتان وقيل واحدة لما ورد من أنّ رجلا أخبر رسول الله أنّه جامع في رمضان فألزمه كفّارة مغلّظة وإن جامع ناسيا فعليه بدل يومه.
ثالثا- الإصباح بلا طهارة: فمن أصبح جنبا أصبح مفطرا كما تقدّم فمن تعمّد انهدم صومه ما مضى وإن بنسيان أنّه في رمضان أو أنّه بجنابة أعاد يومه، وكذا من احتلم نهارا و ضيّع الغسل قدر ما يؤديه أبدل ما مضى.
رابعا- فعل المعصية: كمن تعمّد زنى أو إخراج مني أو نحو ذلك من المعاصي فينهدم صومه وتلزمه ثلاث كفّارات وقيل اثنان ومن أدام نظرا حتّى أمنى فانهدم أمّا إذا خرج منه بملاعبة زوجته فيومه ولا شيء على من كان منه إمناء من غير أي معالجة، وغالب هذه المسائل عن اجتهاد وكلّها مذكورة في النيل وشرحه ج3 ص399 - 417 مع خلاف واسع. (1/163)
صفحة 164
المبحث السابع القضاء:
أصل القضاء قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّة مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} فأوجب القضاء على من أفطر بعذر ومن أفطر بغير عذر فهو من باب أولى، فكل من أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر لزمه القضاء إلاّ من لا يمكن منه وهو الهرم أو من لا يرجى برؤه أو مات في مرضه وفيه ثلاث مطالب:
المطلب الأوّل كيفيته:
يشترط للقضاء التّتابع ولا يصحّ الفصل فيه إذا كان لرمضان واحد، أمّا لمتعدّد فلا بأس قال في النيل وشرحه شرط التّتابع في القضاء كالأداء لمريض ومسافر ولو وقع الإفطار بدونه في شهر إلى أن قال ولا يضرّ القضاء يوم النّحر أو رمضان آخر أو حيض أو نفاس وصحّ البناء معهما عند بعض وصحّحه في الشرح اهـ ج3 ص377 - 379.
المطلب الثاني هل يعذر فيه بإفطار:
قال في النيل وشرحه: إن أكل بجوع أو إكراه أو عطش فسد قضاؤه ولا يعذر فيه بما يعذر في رمضان
وقيل هو مثله إلاّ السّفر فإنّه لا يجد فيه ما يجد كما يجد في رمضان قال في الشرح وفي قاموس الشريعة رخص لأن لا ينهدم قضاؤه إلى أن قال ولا يضرّ القضاء الآكل نسيانا وأجاز قومنا الإفطار في القضاء بلا عذر مع البناء قال وإن قلت يدلّ على قولهم قوله - صلى الله عليه وسلم - حين شربت أمّ هاني اللّبن فقالت: إنّي صائمة لكن آثرت سؤرك فقال:» إن كان من رمضان فاقض يوما مكانه وإن كان من غيره فإن شئت فاقضه وإن شئت فلا تقضيه «ولم يأمرها بقضاء جميع ما قضته قلت يُحتمل أنّه لم يكن ذلك اليوم إلاّ أوّل يومها أو لم يكن عليها قضاء اهـ ج3 ص380.
المطلب الثالث من ضيّع القضاء:
يجب الإسراع في القضاء متى ما أمكن فمن ضيّع حتّى أدركه رمضان آخر صام الحاضر وأطعم عن الماضي عن كلّ يوم مسكينا لعلّه لا يتمكن من القضاء ثمّ يقضيه من بعد.
ومن احتضر وعليه قضاء يجب عليه الإيصاء به فيصومه عنه ورثته حسب ميراثهم، ولا ينصف اليوم فليصمه الأوّل أو الآخر. (1/164)
صفحة 165
وإن نقضه أحدهم نقض على الجميع ولزم الناقض، هذا ما ذكره في النيل وشرحه قال ومن عليه القضاء وقد ضّيعه قدر ما يصومه أوصى به فإنّه يصومه عنه ورثته ولهم أن يطعموا عن كلّ يوم مسكينا وإن اختلفوا أجبر وعلى واحد بقدر الإرث اهـ ج3 ص382 - 385.
ودليل صوم الوارث ما روي عن رسول الله قال أمر امرأة أتت تصوم عن أختها ماتت وعليها صيام ذكره في شرح النيل ص461 وقال أيضا عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» من مات وعليه صوم لم يقضه فليطعم عن كلّ يوم مسكينا نصف صاع من بر «الأوّل رواه أحمد والثاني رواه ابن ماجه.
المبحث الثامن سنن الصّوم ومكروهاته:
للنّبي - صلى الله عليه وسلم - في الصّوم سنن وآداب ممّا فعله أو أمر به وهي كثيرة منها قوله:» لا تزال أمّتي على خير ما عجلّوا الفطور وأخّروا السحور «رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس وقال في الحاشية الحديث رواه أحمد عن ابن ذر ج2 ص28.
الإفطار على خَلوف لما تقدّم في فضل رمضان» لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك «.
الدعاء عند الإفطار لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» للصّائم عند فطره دعوة لا ترد «رواه ابن ماجه من طريق ابن عمر.
وأن يكون الإفطار ممّا لم تمسّه النّار تينا أو تمرا قال الزحيلي: في ذلك تعجيل الفطور عند تيقّن المغيب سنّة وأن يكون رطب فتمر فحلو وأن يكون وتر الحديث لا تزال أمّتي على خير ما عجّلوا الفطور، والفطر قبل الصّلاة لفعله - صلى الله عليه وسلم - وهو ما رواه أنس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يفطر على رُطَبات قبل أن يصلّي فإن لم تكن فتمرات فإن لم تكن حسا حسوات ماء) قال: رواه أحمد والترمذي ورواه الخمسة إلاّ النسائي.
وذكر الدّعاء المأثور ''اللّهمّ لك صمت وبك آمنت وعليك توكّلت وعلى رزقك أفطرت''، ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله. (1/165)
صفحة 166
قال فقوله اللّهمّ لك صمت الخ رواه أبو داود مرسلا ورواه الدارقطني من طريق أنس وابن عباس اهـ. ج2 ص632، ومن السنّة قيام اللّيل في رمضان لما روي:» من صام رمضان وأقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه «وقد تقدّم.
المبحث التاسع أحكام عامّة في الصّوم:
للصّوم أحكام أورد بعضها لتمام الفائدة:
أ- مسألة ثبوت الهلال بالحساب الفلكي: فأقول أنّ الأصل الذي جرى عليه العمل واعتمده العلماء قديما من الإباضية وغيرهم خاصّة المالكية أن لا عمل بالحساب الفلكي وهو ما ذكر في شرح النيل ووفاء الضمانة وحي على الفلاح وسلك الدرر ''نظم اللّيل'' ومختصر خليل والخرشي وغيرهم.
أمّا الآن وقد ظهر إتقان الحساب الفلكي وثبت إصابته عن تجربة ولما في الحديث من الإشارة إليه حيث قال:» فإن غمّ عليكم فاقدروا له «فمن المستحسن جمعا للكلمة الجمع بين الرؤية وهي الأصل ومراعاة الحساب عند تعذّرها.
ب- إذا بلغ الصّبي وأفاق المجنون وأسلم المشرك في وسط رمضان فهل يقضي ما مضى؟
في ذلك خلاف قال في الإيضاح وأمّا إن أفاق في بعض الشّهر فإنّه يصوم ما أدرك واختلفوا هل يقضي ما مضى فقال بعض يقضي لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ} فمن شهد بعضا فقد شهده لأنّ الشَّهر كلَّه فريضة واحدة ومن قال كلّ يوم وحده لم يوجب عليه إلاّ صوم ما أدرك وقال بعد والصّبي إذا بلغ والمشرك إذا أسلم (1) في بعضه وذكر مثل ما ذكر في المجنون وقال في النيل وشرحه ولزم صبيا بلغ في بعضه ومشركا أسلم فيه قضاء ما ماض على المختار اهـ ج3 ص395 الإيضاح ج2 ص195.
__________
(1) 1 - الصّبي والمجنون والمشرك: يقضون ما لم يدركون لأنّ رمضان فريضة غير مجزأة. (1/166)
صفحة 167
يكره في رمضان الاستحمام والسباحة إلاّ لضرورة إزالة أوساخ أو عرق عاملٍ، واستغناء بذلك عن شرب لمن أجهده العطش وممّا هو نص في فساد رمضان ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:» خمسة يفطرن الصّائم وينقضن الوضوء ويهدمن الأعمال هدما: الغيبة والنميمة واليمين الفاجرة، والكذب عن عمد، والنظر بشهوة «ذكر ذلك في القواعد ووفاء الضمانة وقال هو من سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر سنده فقيس عليها سائر الكبائر.
اختلف في المغمى عليه فقيل هو كالنائم وقيل كالمجنون، فمن قال كالنائم ألزمه القضاء إذا دخل رمضان وهو صاح قال في الإيضاح: واختلفوا في المغمى عليه إذا أغمي عليه قبل شهر رمضان وأفاق بعده قال بعضهم حكمه حكم المجنون لا يقضي، وقال بعض يقضي لأنّه داخل في عموم {فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ} والمغمى عليه صحيح العقل كالنّائم أمّا إذا أغمي عليه في صباح رمضان فصومه صحيح على قول اهـ. ج2 ص196.
قال فيه أيضا الإغماء هل الإغماء مفسد فمن جعله مفسدا (1) ألزمه قضاء كلّ يوم أغمي فيه، ومن قال غير مفسد فلا يوجب عليه القضاء إلاّ إذا كان الإغماء قبل الفجر إلى الغروب اهـ. ج2ص196.
صوم يوم الشّك: قيل ممنوع وقيل مكروه وقيل مخيّر فيه ذلك ما ذكره في النيل وشرحه وقال في قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل وقد أجمع جمهور العلماء على أنّ ثبوت النهي عن صيام يوم الشكّ على أنّه من رمضان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:» لا تتقدّموا رمضان بيوم ولا بيومين إلاّ أن يوافق ذلك صوما كان أحدكم يصومه «متّفق عليه من حديث لأبي هريرة قال والمعمول به عند أصحابنا في يوم الشكّ الإمساك عن الطّعام حتّى ينتشر النّاس فإن صحّ أنّه من رمضان أتمّوه وإلاّ أفطروا، وعلى الجميع الإعادة اهـ. ج1 ص66.
__________
(1) 1 - فسد صومه: كلّ الصّيام ما مضى وما يأتي، نقض صومه: أي يومه فقط أو ما مضى. (1/167)
صفحة 168
المبحث التاسع بعض آراء المذاهب في الصّوم:
غالب ما تقدّم في الصّوم متّفق عليه وإنّما الخلاف موجود في كيفية ثبوت الهلال، وفي مفسدات الصّوم والإصباح بجنابة.
أمّا الإصباح بجنابة فقد تقدّم، وأمّا ثبوت الهلال فخلاصة ما ذكره الزحيلي قال: والخلاصة أنّ الحنفية يشترطون لإثبات هلال رمضان وشوال رؤية جمع عظيم من النّاس إذا كانت السّماء صحوا، وتكفي رؤية العدل الواحد في حال الغيم ونحوه، ولا بدّ عند المالكية من رؤية عدلين أو أكثر، وتكفي رؤية العدل عند من لا يهتمّ بالهلال، وتكفي رؤية العدل الواحد عند الشّافعية، ولا يكفي المستور عند الحنابلة، كما لا بدّ عند الحنابلة من عدلين لرؤية شوال، وتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة ولا تقبل عند الشافعية والمالكية اهـ ج2 ص604.
وحسب ما ذكر مفصّلا كلّهم يثبتون الهلال بالمشهور ويوجد خلاف في اختلاف المطالع مثل ما عندنا لما في ذلك من حديث ابن عباس عن رسول الله:» لكلّ قوم هلالهم «قال رواه الجماعة إلاّ البخاري وابن ماجه أمّا القياس فقول رسول الله:» صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته «يقتضي العمل بالرؤية وأجمع العلماء أنّه ليست رؤية كلّ شخص وهل تجزي رؤية بلد عن بلد وكلّهم متّفقون على أجزاء البلد القريب والخلاف في البعيد.
أمّا شروط الصّوم ففيها خلاف في شروط الصحّة، أمّا شروط الوجوب فكلّهم متّفق على ثلاث: البلوغ والعقل والاستطاعة واختلفوا في الإسلام هل هو شرط وجوب إذ المشركون مخاطبون بفروع الشريعة أو شرط صحّة فقط فالجمهور وغير الحنفيّة يعتبرونه شرط صحّة أمّا الحنفية فشرط وجوب أمّا شروط الصحّة ففيها خلاف وهي الحنفيّة ثلاثة أنواع شروط وجوب الإسلام والعقل والبلوغ والعلم بالوجوب لمن أسلم شروط وجوب الأداء وهي: الصحّة والخلو من الحيض والنّفاس أمّا صحّة الأداء وهي ثلاثة النيّة والطهارة من حيض ونفاس ومن مفسد للصّوم. (1/168)
صفحة 169
مجموع النوعين عند المالكية سبعة: الإسلام، البلوغ، العقل، الطهارة، الصحّة، الإقامة، النيّة، أمّا الشافعية فشروط الصحّة أربعة: الإسلام، العقل، البلوغ أو التّمييز عند الصّبي والنّقاء من حيض ونفاس وإمكان الصّوم.
أمّا الحنابلة: النيّة، الإسلام، العقل، الخلو من الحيض والنّفاس، اهـ. باختصار ج2ص610 - 621.
الفصل الثاني الاعتكاف
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأوّل تعريفه وحكمه:
الاعتكاف في اللّغة لزوم الشّيء قال الله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتَوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُم} [الأعراف:131] وقوله: {قَالُوا نَعبُدُ أَصْنَاما فَنَضَلُّ لَهَا عَاكِفِين} [الشعراء:71].
وفي الشرع لزوم المسجد للعبادة معزوما على دوامه يوما وليلة فأكثر وهو سنّة مندوب إليها قال في النيل وشرحه سنّ الاعتكاف وندب والأكثر منّا على لزوم الصوم فيه ومن ثمّ نذر شخص أن يعتكف ليلا لم يلزمه وجوز بدونه اهـ. ج3 ص449.
فالاعتكاف عبادة كان رسول الله يعتني بها خاصّة في رمضان فكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فهي ممّا يربّي الوازع الديني في القلب، وفيها فضل كبير خاصّة باللّيل عندما يختلي المسلم بربّه يتضرّع إليه بالعبادة والدعاء.
المبحث الثاني كيفيته ومدّته:
الاعتكاف في المسجد ويحسن أن يكون بمسجد تصلّى به الجماعة حتّى لا يضطر للخروج إليها، قال في النيل وشرحه: وكونه بمسجد يصلّى فيه بجماعة، واعتكاف المرأة ببيتها أفضل وصحّ بمسجد في ستر مع زوج أو ذي محرم وندب له أن لا يكون إلاّ ذاكرا أو قارءا أو مصلّيا أو نائما، إلى أن قال والصحيح لا يفسد بخروجه لما لا بدّ منه كحاجة الإنسان وطعام لا بدّ وإن لعياله وإتيان بيته لأكل أو شرب أو وضوء وحضور جنازة تعيّنت كأب أو ولد أو أخ أو زوجة إلى أن قال: وهل يصحّ بعشرة فأكثر أو بثلاثة كذلك قولان اهـ. ج3 ص440 - 447.
المبحث الثالث ما يفسده: (1/169)
صفحة 170
يفسد الاعتكاف بالجماع لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُم عَاكِفُون فِي المَسَاجِد تِلْكَ حُدُودُ الله} [البقرة:187] ويفسده خروج منه لغير ضرورة قال في النيل وشرحه: وفي فساده بحضور جنازة أو عيادة مريض قولان وصحّح ما تقدّم إلى أن قال وكلّ خروج مخيّر فيه مفسد، ولا يعمل دنيويا باختيار كبيع وشراء وليكن عمله وهمّته آخرته، إلى أن قال: ومن شروطه ترك الجماع، وإن بليل لا التقبيل ومن تعمّده لزمه البدل والكفّارة، على التخيير كرمضان ومن تعمّد أكلا أو شرابا أبدل اعتكاف ويومه إن نسي وكذا وطء به قيل وذكر في الشرح خلافا في الكفّارة فقيل ديناران والبدل وقيل رقبة والبدل وإن لم يجد فبدنة وإن لم يجد فعشرون صاعا اهـ. ج3 ص445 - 447.
الباب السادس
الزكاة ومشروعيتها وأحكامها
مقدمة حول مشروعية الزكاة:
قال الله تعالى: {وَالله فَضَّلَ بَعْضَكُم عَلى بعْض فِي الرّزْق فَمَا الذين فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزِقهم عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم فَهُم فِيه سَوَاء أفَبِنِعْمَة الله يَجْحَدُون} [النحل:71]. وقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مًعِيشَتَهُم فِي الحَياة الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعضَهُم فَوْقَ بَعْض دَرَجَاتٍ لِيَتّخِذَ بَعَضُهُم بَعْضا سُخْرِيا وَرَحْمَةُ رَبِّك خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون} [الزخرف:32] (1/170)
صفحة 171
اقتضت حكمة الله تعالى في الكون أن لا يعمر إلاّ بالأضداد فهناك قوي وضعيف، وغني وفقير، وحر وعبد، وذكر وأنثى، خير وشر ذلك لتظهر الميزة، ويستقيم النّظام، فلا بدّ لثبات الكون من موجب وسالب، فلو كان النّاس كلّهم سواء لما عمّرت الدنيا فلو كان النّاس كلّهم أقوياء لاستعر الحرب بينهم في من يسيطر ولو كانوا كلّهم ضعفاء ما استقام أمر على ضعف، فلا بدّ من قوي يسيّر وضعيف يسير، ولو كان النّاس كلّهم أغنياء لأنف أحدهم أن يعمل تحت إمرة الآخر، ولو كانوا كلّهم فقراء ما استقامت ولا قامت ما نرى من المشاريع الاقتصادية، التي عليها عمدة المعيشة والرّخاء بل جعل أغنياء بأموال وفقراء بسواعدهم، فهذا بماله وذاك بعمله فتمّت من تظافر جهودهما حياة الاقتصاد العالمي لكن بين الغني والفقير، والقوي والضّعيف طائفة أعاقتها الظروف عن الانخراط في سلك هؤلاء أو هؤلاء وهناك من العمال من لا يكفي ما يحصّله على سد مصاريفه اللاّزمة لمن يموّنه من أزواج وأولاد، وهناك أرامل ويتامى فقدوا من يعولهم، وهناك مرضى أقعدهم المرض عن العمل أو أسلمهم للفراش، وهناك معوّقون حال بينهم وبين العمل عوائقهم، فسبحان المدبّر الحكيم.
اعتبارا لكلّ ذلك صار لازما على كلّ الأديان أن تنظر لهؤلاء نظرة رحمة وإشفاق، فقررت الأديان عامّة والإسلام خاصّة ما يقوم بأود هؤلاء إمّا على سبيل الفرض أو التطوع. (1/171)
صفحة 172
لذلك كانت عناية الإسلام بالفقير واليتيم خاصّة وبإنفاق المال عامّة، ففي معرض الحقوق يقول: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشِرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالوالِدَيْن إِحْسَانًا وَبذِي القُرْبَى واليَتَامَى وَالمَسَاكِين} [النساء:36] وقال في سورة المدثّر وهي من أوّل ما نزل: {إلاَّ أَصْحَابَ اليَمِين فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُون عَن المُجْرِمِين مَا سَلَكَكُم فِي سَقَر قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ وَلَم نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِين} [المدثّر:45]، ويقول: {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُومِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 30] وفي المعارج من صفات المؤمن المعتدل: {وَالذِين فِي أَمْوَالِهِم حَقُّ مَعْلُوم لِلسَّائِل وَالمَحْرُوم} [المعارج:25] وقال في الترغيب للأنفاق: {يَأيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمُ أَمْوَالُكُم وَلاَ أَوْلاَدُكُم عَنْ ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَل ذَلِك فَأُولَئِك هُمُ الخَاسِرُون وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَنْ يَاتِي أَحَدَكُم المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أخَّرْتَنِي إِلَى أَجَل قَرِيب فَأصَدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِين} [المنافقون:] كلّ هذه الآيات وأمثالها كثير، ترغيب للأغنياء في تخصيص جزء من أموالهم لمن هو محتاج أو فقير، وذلك فرصة لاقتناء الأجر والثواب وفي ذلك إظهار لعاطفة التّراحم بين النّاس، وسبب للتّرابط بينهم فإذا أنفق الغني ماله ودعا له المحتاج استحكمت أواصر المحبّة بينهم وزال ما هو طبيعي من الحسد.
ففي الزكاة ترابط أخوي، وتكافل اجتماعي وقد شرعها وهو الحكيم الخبير لذلك وقد جعلها من شرائط الأمن والإيمان فقال: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وأتُوا الزَّكاَةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم} [التوبة:5]. فللزّكاة مباحث ستة:
المبحث الأوّل تعريفها وحكمها والحكمة من مشروعيتها ووعيد تاركها:
المطلب الأوّل تعريفها: (1/172)
صفحة 173
الزكاة في اللّغة النمو والزيادة فنقول زكا الزرع بمعنى زاد ونما ومنه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة:] فهي هنا تعني الطهارة ومن ذلك قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}. [الشمس:9] أي طهّرها وتستعمل بمعنى المدح في قوله: {وَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم} [النجم:32] أي لا تمدحوا ومنه تزكية الشهود أي نسبتهم إلى خلوّهم من الذنوب لتقبل شهادتهم، أمّا في الشرع فكلّ عرّفها حسب مؤدّاها لَخّصتُ من تلك التعاريف ما يلي: (هي إخراج جزء من المال جعله الله حقا في أموال أغنياء المسلمين يؤدونه في مقدار ووقت معلومين لتمتين الروابط فيما بينهم، واستقامة أحوال دولتهم).
المطلب الثاني حكمها (1):
الزّكاة من أركان الإسلام الخمس وقد فرضت في السنة الثانية من الهجرة في شهر شوال بعد فرض زكاة الفطر بالكتاب والسنّة وإجماع الصحابة، فالكتاب قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصّلاَة وَأتُوا الزَّكَاة وَاقْرِضُوا الله قَرْضا حَسَنا} [المزمّل:20]
أمّا السنّة فقوله - صلى الله عليه وسلم -:» بني الإسلام على خمس «إلى قوله:» وإيتاء الزكاة «تقدم وقوله في حجّة الوداع:» وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم «متّفق عليه. فالزكاة واجبة على الأحرار البلّغ العقلاء وفي أموال الصّبي والمجنون يدفعها عنه خليفته أو وكيله إذ هي حق في المال لا في الذمّة على الصحيح وهو قول المذهب وجمهور الصحابة قال في فقه جابر ص264. أجمع العلماء على وجوب الزكاة على المسلم الحرّ البالغ العاقل، ولكنّهم اختلفوا في مسائل منها زكاة مال الصّبي والمجنون.
__________
(1) 1 - فرض الحج وأركانه، 2. الإحرام ومواقيته وموانعه، 3. السّنن المؤكّدة في الحج، 4. مفسدات الحج وكفاراته. (1/173)
صفحة 174
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى وجوب الزكاة في مالها نقل ذلك عنه ابن قدامة والجيطالي وابن تيمية وروى أبو عبيدة أنّ جابر بن زيد سئل عن رجل ولي يتيم أيعطي زكاته قال: نعم، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن وجابر بن عبد الله، ومن الأئمّة ربيعة ومالك والشافعي واستدلّوا بالأدلة الآتية:
أ- عموم الأدلة من الكتاب والسنّة التي أوجبت الزّكاة في مال الأغنياء ولم تستثن الصّبي والمجنون.
ب- ما روي عن يوسف بن ماهيك أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» ابتغوا في مال اليتيم لا تذهبها أو تستهلكها الصدقة «
ج- ما روى الترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» من ولّي يتيما فليتاجر له ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة «قال واستندوا إلى شيء معقول وهو أنّ مقصود الزّكاة سدّ حاجة الفقير من مال الغني شكرا لله وتطهيرا للمال ومال الصّبي المجنون قابل للنفقات.
وذهب آخرون إلى عدم وجوب الزكاة في مال الصّبي والمجنون ومنهم الحسن البصري والنخعي وابن جبير وساق أدلّتهم وهي واهية اهـ. باختصار ونفس ما ذكره مع بعض توضيح مذكور في فقه الزكاة للقرضاوي ج1 ص108 - 111.
قال في النيل وشرحه: وفي لزومها مجنونا وعبدا وناقص الملك كمن له أو عليه دين خلاف مثاره هل هي عبادة كغيرها أو حقّ لمحتاج على غني والصحيح وجوبها على اليتيم والمجنون دون العبد إذ هو وماله لسيّده، ودون الذمي إذ عليه الجزية اهـ. ج3 ص8 - 10.
المطلب الثالث الحكمة من مشروعيتها:
الحكمة من مشروعية الزكاة منها ما تقدّم في المقدّمة أوّلا.
ثانيا- تصون المال وتحصنه من تطلّع الأعين وامتداد أيدي الآثمين قال - صلى الله عليه وسلم -:» حصّنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصّدقة «رواه الطبراني وأبو نعيم والخطيب عن ابن مسعود. (1/174)
صفحة 175
ثالثا- عون للفقير والمحتاجين تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل إن كانوا قادرين، وتساعدهم على ظروف العيش إن كانوا عاجزين فقد روي أنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إن عروا أوجاعهم أو جاعوا إلاّ بما صنع أغنياؤهم وأنّ الله سيحاسبهم حسابا شديدا أو يعذّبهم عذابا أليما رواه الطبراني وقال حديث ضعيف.
رابعا- تطهّر النفس من داء الشّح (1)، والبخل وتعود المؤمن البذل والسخاء كيلا يقتصر على الزكاة وإنّما يساهم بواجبه الاجتماعي.
خامسا- ما فيها من قيام دولة المسلمين عندما تكون الإمامة العظمى إذ هي مورد من موارد بيت المال.
سادسا- هي شكر لنعمة الله تستوجب الزيادة فقد قال الله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} وذلك تحقيق لزكاة المال بمعنى نموّها اهـ. الفقه الإسلامي وأدلّته ج2 ص732.
المطلب الرابع وعيد تاركها:
قال تعالى: {والذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّة وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَابِ أَلِيم يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُم وَجُنُوبُهُم وَظُهُورُهُم هَذا مَا كَنَزْتُم لِأَنْفُسِكُم فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون} [التوبة:35].
__________
(1) 1 - الشح: هو البخل المدقع وهو الذي يقع على الأهل ربّما ... البخل: منع المال عما تقتضيه المروءة مثل عدم دفع الزكاة. فالشح أقوى من البخل ... (1/175)
صفحة 176
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» مانع الزكاة يقتل «قال في الحاشية الحديث تفرّد به المصنّف والبخاري ومسلم معناه من حديث ابن عمر وأبي هريرة، وقال روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغنا أنّ أبا بكر قال: والله لو منعوا منّي عقالا لقاتلتهم عليه قال أبو عبيدة إذا منعها من إمام يستحق أخذها، قال في الحاشية الحديث أيضا رواه الجماعة مطولا عن أبي هريرة وساق الحديث وهو محاجة الصحابة لأبي بكر بحديث فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم، فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرّق بين الصّلاة والزّكاة، والزّكاة حقّ المال وفيه بحث كبير اهـ. حاشية الجامع ج2 ص71 - 73. وقال أيضا ص76 وعنه - عليه السلام - قال:» من كثر ماله ولم يزكّه جاء يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان، موكّل بعذابه حتّى يقضي الله بين النّاس «قال في الحاشية قولَه وعنه - عليه السلام - فهو من سند ابن عباس عند المصنف ورواه البخاري عن أبي هريرة وساق الحديث اهـ.
فهذه الأدلة ونحوها تفيدان من منع الزّكاة وقد تمّ عنده نصابها كان له نوعان من العذاب: أحدهما في الدنيا وهو القتل إذا منعها من الإمام إذ يعتبر باغيا، ثانيا عقاب في الآخرة يعذّب يوم القيامة ثمّ مأواه النّار كما تصرّح الآية: {فَوَيْلُ لِلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُم عَنْ صَلاَتِهِم سَاهُون ... الذِينَ هُمْ يُراءُون وَيَمْنَعُونَ المَاعُون} وقوله: {وَوَيْلُ لِلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَة هُمْ كَافِرُون} [فصلت:7] غالب هذه الأدلة مذكورة في الإيضاح والنيل وشرحه.
المبحث الثاني: شروط الزكاة:
للزكاة كسائر العبادات شروط وهي نوعان شروط الصحّة وشروط وجوب:
المطلب الأوّل شروط الوجوب:
شروط وجوب الزكاة بعد شروط العامّة صنفان:
أ- ما يحتاج للوقت وهو ما سوى الحبوب فشرطه دوران الحول واستقرار الملك. (1/176)
صفحة 177
ب- الحبوب الست فشرطه الإدراك فمن أدرك الحبّ في ملكه وجب عليه زكاته من حينه لقوله: {وَأتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِه} [الأنعام: 141] ويشتركان في كمال النصاب.
فأمّا استقرار الملك فهو ثبوت الشّيء بيد المالك وإمكان التصرف فيه، قال في النيل وشرحه: شرط فيها استقرار الملك فمن استقرّ النصاب في ملكه لزمه التوقيت، وهذا في غير النّقدين أمّا فيهما فيراعى فيهما الملك فقط، ولو كانا بذمّة الغير بقرض أو دين حل، ولا يزكّي على دين لم يحل أو كان على مفلس وسيأتي الكلام على الدّين. إلى أن قال فمن ملك ما لم يعلمه كإرث لم يطّلع عليه، فوقته من حين دخل ملكه، فإن كان طفلا أو مجنونا ثمّ بلغ فموجبها عليهما يقول وقتهما من حين ورثاه ومسقطها يقول من زمان التكلف، قال وإن فُرِض لمتزوجة عينٌ تتمّ فيه الزكاة ولم تمسّ هل تُوقت لها وتزكيها أو توقف، قولان مثاره هل تستحقّه بالمس أو بالعقد فإن مسّت وجب الصداق والتّوقيت، وإلاّ لزمها ردّ ما أخدت إن انفسخ النكاح، قال في الشرح: لكن إن لم يقع مسّ فرض لها نصف إلى أن قال: وإن فرض لها غلة لم تدرك حتّى مسّت زكّت الكلّ وإن أدركت قبل المسّ ففيه الخلاف والصّحيح الزكاة لمن أدركت في ملكه.
قال في الأصل: وكذا الخلف في الأجير بعشرين دينار فقيل لا يوقت لها حتّى يتمّ عمله، قال في الشرح: وهو مختار الديوان، وقيل إذا شرع استحقّها فيوقّت ولزمه إتمام العمل، وكذا آخذ وصيّة حج بأجرة فكلّ ذلك أمثلة اهـ. ج3 ص83 - 91.
أمّا إذا كان المال لا مالك له كأموال المساجد والأوقاف والصّدقات فلا زكاة فيها. (1/177)
صفحة 178
أمّا دوران الحول قال في الإيضاح: واستكمال الحول شرط في الزكاة زكاة الذهب والفضة والحيوان لقوله - عليه السلام - لمعاذ بن جبل حين بعثه لليمن:» انتظر بأرباب الأموال حولا ثمّ خذ منهم ما أمرتك به «متّفق عليه قال وقوله - عليه السلام -:» ليس في مال صدقة حتّى يحول عليها الحول «رواه أبو داود قال ففي هذا دليل أنّه لا تجب الزكاة في مال حتّى يحول عليه الحول وبه احتجّ من قال لا زكاة في الفائدة مع الأصل.
وأمّا من أوجبها احتجّ بقوله - عليه السلام - لمعاذ:» إذ زاد على المائتين درهما ففي الأربعين درهما درهم «متفق عليه. قال في النيل وشرحه: شرط في زكاة النقدين والأنعام استكمال الحول وهل الفائدة تابعة لأصلها فتزكّى معه وإن لم يحل عليها الحول أو يوقت لها بشرط دورانه خلاف قال في الشرح الثاني قول أبي بكر وعائشة - رضي الله عنه - ا والإمام عمر بن عبد العزيز وعلي وابن عمر والأوّل أصح.
قال وتفصيلها إمّا أن تردّ على النصاب فصاعدا وإمّا على أقل فإن كان الأوّل فمن جعلها تابعة فحولها حوله ومن جعلها مستقلّة اعتبر حولها والأوّل أصح لانضباطه اهـ. ج3 ص99 - 101.
ثمّ ذكر خلافا واسعا في ذلك فليراجع فيمن زال ما عنده ثمّ رجع أو أخرجه أو نحو ذلك. (1/178)
صفحة 179
قال في النيل وشرحه: ندب توقيت شهر معلوم بتقرب وقصد ونيّة ليعلم بذلك وقت ينتهي أداء ما وجب وكونه محرما أو رجبا أو رمضان فإن دخله مال في غيره أخرجه من ملكه بتوليج لغيره ثمّ يردّه عند آخر يوم من أحدها فيكون الشهر كلّه وقتا له فإذ استهلّ ما وقته عليه أداؤها حينئذ ولا يضيّع حتّى ينسلخ، وإن تلف ماله في شهر وقته لم يلزمه شيء لأنّه لم يضيّع. إلى أن قال وما ذكره عند الفقهاء وأمّا عند النظار فلا يجد عندهم التوقيت اليوم والشهر، ولكن الحال الذي دخل المال ملكه فيه فهي الوقت فبدوران الحول إلى ذلك الوقت يجب عليه الأداء قال ودعاهم لذلك قيل الخلف في تعجيل الصدقة قبل وقتها هل يمنع كالصّلاة أو يجوز إن لم يبق من السنة الأشهر أو ضعفه لاحتياج الفقراء وفي الحديث ما يدلّ على جوازه بأكثر من ذلك ولا رجوع فيه إن تلف المال قال في الشرح ويجوز كذلك ولو لحاجة الفقراء أو يجوز لحاجتهم إن مضت ثمانية أشهر وذكر خلافا واسعا وذكر الجواز مطلقا قال وهو قول أبي عبيدة وبعض الصحابة وفي الحديث الذي هو أنّه - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر لقبض الزّكاة فأتى العباس فمنعه فرجع فقال إنّ عمّك منع زكاة ماله فقال: إنّ عمي لم يمنعها، ولكن احتجنا إلى زكاته فعجّلنا زكاة عامين رواه أبو داود والترمذي والنسائي. قال وفي القناطر إن عجّل ومات المسكين قبل تمام الحول أو ارتد أو استغنى أو تلف مال المالك أو مات، فالمدفوع للمسكين ليس بزكاة، واسترجاعه غير ممكن إلاّ إذا قيّد الدفع بالارتجاع، قال الشارح والذي عندي أنّه يكفيه بذلك وقد دفعه كما يجوز اهـ. ج3 ص116 - 123.
المطلب الثاني شروط الصحّة:
شروط صحة الزكاة أربعة:
أ- النية: فيجب على المزكي أن يقصد بها أداء ما عليه من حقّ الله في ماله فلا تعطى هدية ولا مداراة ولا لقصد نفع لقوله - عليه السلام -:» إنّما الأعمال بالنّيات «الخ قد تقدم. (1/179)
صفحة 180
ب- الإسلام: فالمشرك لا يصح منه أيّ عمل لقوله تعالى: {الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيل الله أَضَلَّ أَعْمَالَهُم} [محمّد:1].
ج- أن يكون المعطى له ممّن يستحقّها وهو أحد الأصناف الثمانية كما سيأتي إن شاء الله.
د- الوقت: فوقت الحبوب الحصاد ووقت غيرها دوران الحول فلا تصحّ قبلها وقيل ذلك جائز كما تقدّم تفصيل ذلك من النيل وشرحه.
المبحث الثالث أنواع الزكاة:
الأنواع التي يجب فيها الزكاة باتّفاق الفقهاء خمسة وهي:
أ- الحبوب الستّة.
ب- النقدان وهما الذهب الفضة.
ج- الأنعام السائمة وهي الإبل والبقر والمعز والضأن.
د- أموال التجارة كلّ ما قصد بيعه من أصول أو عروض.
هـ- الركاز وهو معدن الذهب أو الفضة، والخلاف في الحلي وفيما سوى الحبوب الست وتجب في الخيل عند الحنفية ففي ذلك خمسة مطالب.
المطلب الأوّل زكاة الحبوب:
البحث في زكاة الحبوب على خمس جوانب:
أ- أنواعها: قال في الإيضاح أجمع العلماء على أنّ الزكاة تجب في أربعة أنواع من الحبوب، وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب؛ ونوعين من المعادن، وهما الذهب والفضة، واختلفوا فيما سوى ذلك من المعمول؛ وثلاثة من الحيوان وهي الإبل والبقر والغنم، وأمّا ما اختلفوا فيه من النبات فمنهم من لا يرى الزكاة إلاّ في تلك الأربعة. وبه قال سفيان الثوري ومنهم من قال: أنّ الزكاة في جميع المدخر المقتات وهو قول مالك، ومنهم من قال أنّ الزكاة في جميع ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش والحطب، وقال أصحابنا الزكاة في ستّة أشياء: التمر الزبيب، والحنطة والشعير، والذرة والسلت. (1/180)
صفحة 181
وسبب اختلافهم هو اختلافهم في تعلّق الزكاة بهذه الأصناف الأربعة هل هي لعينها أو لعلّة غيرها فمن قال لعينها قصر الوجوب عليها ومن عداه للمقتات عداها للمقتات ومن عمّم فقوله - صلى الله عليه وسلم -:» فيما سقت السّماء العُشر وما سقى بالدّوالي والغرَب نصف العشر «رواه أبو داود ورواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس في الجامع ولعموم قوله تعالى: {وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام:141].
والدليل على ما ذهب إليه أصحابنا أنّ الصدقة في ستّ ما روته جماعة من العلماء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» ليس في شيء من القطاني زكاة إلاّ في ست، التّمر والزّبيب، والبر والشعير، والذرة والسلت «قال والصحيح ما قاله أصحابنا لأنّ الزكاة إنّما ورد بها القرآن مجملا وتولّى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيانها، إلى أن قال وذلك أولى من القياس اهـ. ج2 ص9 - 13.
ب- نصابها: قال في الإيضاح أمّا من كم تجب فإنّها لا تجب فيما دون خمسة أوساق، والدليل على ذلك ما روي عن طريق ابن عباس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة «رواه أحمد ومسلم والنسائي، والوسق معروف عندهم ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، إلى أن قال وقال أبو حنيفة ليس في الحبوب ولا في الثمار نصاب وكذا قال عبد الله بن عبد العزيز من الإباضية، وحجّتهما عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -:» فيما سقت السّماء العشر «الخ ورد عليه بالحديث اهـ. ج2 ص14 - 15.
فنصاب الحبوب بكيل بلدنا مائة حثية بكيل يسجن. (1/181)
صفحة 182
جـ- المقدار الذي يخرج منها: فهو حسبما صرّح به الحديث المتقدّم عشر فيما سقي بالأمطار والعيون والأنهار أو كان بورا من غير عناء أمّا ما سقي بعناء أو دفع لسقيه ثمن فنصف العشر، قال في النيل وشرحه يجب فيما سقي من حب أو تمر أو نحوها بمطر أو عيون أو بهما العشر وفيما سقي بالدوالي والغرب نصفه، وهل فيما سقي بزجر وغيث على ما أسس أو ما أدرك أو بمقاسمة بنظر وهو المختار، وكذا إن كان لمتعدد بعضهم يسقيه بمعالجة وبعضهم بعيون وندب لمخرجها أن يسمي ثمّ يكيل لنفسه تسعا ويعزل عاشرا ويعطيها من غلّته لا غيرها للبركة إلى أن قال والخلف في القيمة والمنع أصح، وأجاز إعطاء كيل من جيد بدل رديء لا عكسه اهـ. ج3 ص28 - 33 وله أن يعطي من كلّ صنف مقداره.
د- يضم شعير لقمح لكمال النّصاب، كما يستتم شريك بسهم شريكه إن لم يتم في سهم أحدهم والعامل تابع لرب المال فتضمّ سهام لتمام النصاب ثمّ يخرج كلّ حسبما عنده، قال في النيل وشرحه العامل تابع لرب المال على قول من أجاز ذلك والمانع يقول العشر على رب البدر وللعامل عناؤه، إلى أن قال وكذا رجلان اشتركا حرثا إنصافا وجعلا البدر أثلاثا فقيل يقسمان ويعشران على ما اتّفقا وفي المسألة أبحاث اهـ. ج3 ص50 - 53.
هـ- لا يعتبر في النصاب ما استهلك للعمال أو للأكل وقت الحصاد قال في النيل وشرحه يحسب قيل كلّ ما أكل من حب أو تمر قبل حصاد وجداد (1) وقيل لا وجاز لربه أكل منه هو وعياله له ويتصدّق بلا سرف ويصل رحمه ويكرم ضيفه، ويعلف دابته بلا حساب ما لم يفرغ ولو أكله كلّه إلا إن ذهب في وقت قدر النصاب فأكثر فيزكّيه.
__________
(1) 1 - الدلو أصغر من القِرب ولكنّ البئر يستعمل فيه 4 دلاء: 2 من أمام و2 من وراء، ومثل هذا في المدينة المنوّرة إلى عام 62 حسبما شاهد الشيخ.
- الجداد القطع،
- العنب فيها زكاة مثل الزبيب ويعتبر الوزن. (1/182)
صفحة 183
وما وصل الأندار أو اجتمع منه ما تجب فيه فلا يأكل منه بعد ويحسب كلّ موجود ولو دقيقا أو عجينا، وجاز لخدمة ذلك أكل منه ما داموا في عملهم اهـ. ج3 ص41 - 43.
وإن تعدّدت غلله ففيه خلاف واسع فيما إذا لم يتم النصاب هل يضمّ أحدها للآخر أم لا والصحيح ضمّ ما كان في سنة واحدة ولو تفاوت نضجه.
المطلب الثاني زكاة النقدين:
النقدان هما الذهب والفضّة وقد تعلّقت الزكاة بهما إذ كانا هما النقود المستعملة في زمن الرسالة وبعدها بكثير، فهما العمدة في غالب معاملات النّاس والبحث حولهما يدور في ستّة جوانب:
أ- ثبوت الزكاة فيهما: ثبتت الزكاة في النقدين بالكتاب والسنّة والإجماع أمّا الكتاب فقوله تعالى: {وَالذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَومَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكوَى بِهَا جِبَاهُهُم وَجُنُوبُهُم وَظُهُورُهُمْ .. } [التوبة: 35] فشدّد الوعيد على عدم إنفاقها ووضّحت السنّة ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -:» ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي زكاتها إلاّ جعلت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلّما بردت أعيدت «رواه مسلم وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود كما بيّن مقدار نصابها» ليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة «رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عبّاس قال في الحاشية والحديث رواه أرباب السّنن بطرق متعدّدة ج2 ص54.
أمّا الإجماع فهو ما جرى به العمل في كامل أقطار المسلمين وبثبوت الزّكاة فيهما يثبت في ما استعمل عوضا عنهما وهي الأوراق المالية (العملة الحالية).
ب- نصابهما: نصاب الذهب والفضّة باتّفاق جميع المذاهب في الذهب عشرون مثقالا أو دينارا مسككا ونصاب الفضّة مائتا درهم وإنّما الخلاف في كيفية تقديره فقال في النيل وشرحه: (1/183)
صفحة 184
وجب في النقدين ربع العشر باستكمال النصاب وهو عشرون مثقالا ذهبا وخمس أواق فضّة، والمثقال وزن ثلاثة قراريط والقراط ثلاثون حبة من شعير ونقص من مسكّك ست حبات فيكون وزنه أربع وثمانون اهـ. ج3 ص66 وفي فقه الزكاة للقرضاوي بحث حول الأوراق المالية أخذت صورة منه لما فيها من تفصيل أمّا ما هو مقدّر عندنا بمزاب فالدينار أو المثقال أربع غرامات ونصف فذلك تسعون غراما وكلام فقه الزكاة أوفق في هذا العصر أي اعتبار الذهب في التّقدير إذ الفضّة أصبحت لا قيمة لها، أمّا نصاب الفضة فستّمائة غرام إذ وزن الدرهم ثلاث غرام.
قال في النيل وشرحه فنصاب الفضّة مائتا درهم فما زاد عليها أو على العشرين مثقال، ففي كلّ أربعين درهم درهم، وفي كلّ أربعة مثاقيل عشرُ مثقال قال في الشرح فإذا بلغت أربعين ففيها مثقال واحد ويدلّ لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:» وإذا زاد المال على مائتا درهم ففي كلّ أربعين درهما درهم «رواه مسلم والبخاري وقيس عليه الذهب اهـ. ج3 ص69 ويسمّى ذلك وقصا.
جـ- لا يستتم الشريك بسهم الشريك في النقدين بل يعتبر بلوغ النصاب في كلّ على حدة، قال في النيل وشرحه ولا يستتم شريك بسهم شريكه في العينين، ويضمّ ذهب لفضة كعكسه وهما جنس عندنا كما لك عشرة مثاقيل ومائة درهم دار عليها الحول قال وصفة الضمّ تنحصر في مسائل:
إحداها: أن يكون كلّ منهما غير قاصر فيعطي من كلّ منهما مقداره.
ثانيهما: أن يقصُر كلّ عنه فيصرف أحدهما للآخر فيوقت ويصرف لأيّهما يصلح للزكاة قال وكذا مالك مائة درهم وتسعة مثاقيل تساويها في الرواج. (1/184)
صفحة 185
ثالثها: أن يكمل النصاب في أحدهما دون الآخر، لزم التوقيت والخلف في القاصر هل يضمّ لكامل؟ فقيل يضمّ الثلاثين للعشرين إن كانت اهـ. ج3 ص76، قال في فقه الزكاة للقرضاوي إذا كانت هناك شركة تضمّ مجموعة من الأفراد بمقادير من نقود تبلغ بمجموعها النصاب لكن حصّة كلّ فرد لا تبلغ نصابا فهل تجب في مال الشركة؟ اختلفوا في ذلك فعند أبي حنيفة ومالك لا يجب على أحدهما وعند الشافعي أنّ المال المشترك حكمه حكم المال الواحد وسبب اختلافهم كما ذكر ابن رشد الإجمال في قوله - صلى الله عليه وسلم -:» ليس فيما دون خمس أواق صدقة «اهـ ج1 ص277.
ولم يتعرّض لضمّ الذهب للفضّة ولا العكس (1).
د- مقدار ما يخرج منها: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» في الرقة ربع العشر «رواه أحمد والترمذي وأبو داود وقد تقدّم ما ذكره في النيل.
قال في الإيضاح والذي يجب في زكاة الذهب والفضّة ربع العشر والدليل قوله - عليه السلام -:» في الرقة ربع العشر «فالواجب في زكاة النقدين ربع العشر بإجماع ويقاس عليها زكاة الأوراق المالية ففيها ربع العشر أو 2 و ½ % اثنين ونصف بالمائة.
هـ- زكاة الحلي: في زكاة الحلي خلاف في الجملة فأجمع العلماء على وجوب الزكاة في الحلي المحرّم استعماله من آنية الذهب والفضّة لأنّها إسراف وكذا ما يتزيّن به الرجال من خواتم أو سلاسل واختلفوا في حلي النساء من الذهب والفضّة أمّا ما سواها من جواهر فلا زكاة فيها بإجماع وفي فقه جابر بحث اخترت أن آتي به وهو كاف حسبما عندنا من ثبوت الزكاة في الحلي وللقطب رحمه الله بحث في وفاء الضمانة ج1 ص329 - 330، أمّا فقه الزكاة ففيه بحث يؤيّد سقوط الزكاة في الحلي.
__________
(1) 1. يختصّ مذهبنا بضمّ الفضّة إلى الذهب، والشعير إلى القمح ولذلك لم يتعرّض لها القرضاوي. (1/185)
صفحة 186
و- هل يزكّى الحلي على ما جعل فيه؟ أو بالوزن أو القيمة؟ قال في النيل وشرحه فصل هل يزكّى الحلي على ما جعل فيه؟ أو قيمته أو على وزنه؟ كلّ سنة؟ أقوال وكذا مالك عشرين مثقالا رديئة ومائتي درهم مزيّفة هل يؤدّي زكاتها منها وإن مغشوشة أو لا تلزمه حتّى تكون الدراهم نقرة صافية والدنانير تبرا لا مغشوشا قولان قال في الشرح عند قول الأصل وعلى وزنه كلّ سنة وهو الصحيح لأنّ زكاة الذهب والفضّة لذاتهما إلى أن قال لكن يشكل بما يخالطه من غيره كنحاس ويقال قلّما خالطه كالقدر الذي لا تخلو منه الفضّة مثلا فلا ضير قال وروي أنّ امرأة دخلت على رسول الله وفي يدها سوار من ذهب فيه سبعون مثقالا فقالت أخرجوا الفريضة فأخرج مثقالا وثلاثة أرباع المثقال فيحتمل أنّه زكّاه على وزنه إلى أن قال: والعدل عندي إن كان الوزن أكثر يزكّى عليه لأنّه إذا تمّ النّصاب فكيف لا يزكّي بل يزكّي وإن كانت القيمة أقل، وإن كانت القيمة أكثر زكّا عليها إلى أن قال وليست التزكية تارة بالوزن وتارة بالقيمة بعيدا وفيه بحث قيّم واسع اهـ. ج3 ص80.
المطلب الثالث: زكاة الأنعام
زكاة الأنعام: الأنعام: جمع نعم وهي الحيوانات التي تتغذّى بالعشب وتجترّ والمقصود بها هنا الإبل والبقر والمعز والضأن ففيها ثلاثة محاور:
أ- زكاة الإبل والبقر والبحث فيها على ثلاث نواحي:
1 - ثبوت الزكاة فيها: فهي ثابتة بالسنّة لقوله - عليه السلام -:» ما من صاحب إبل وبقر لا يؤدّي زكاتها إلاّ أوتي بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، وكلّ ما مضى عليه آخره ردّت عليه أوّلها حتّى يحكم الله بين الخلائق في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة «رواه مسلم كما ثبت زكاتها بإجماع الصحابة وبما كتبه رسول الله وأرسله أبو بكر إلى البحرين وفيه تفصيل زكاة الإبل ذكره في الإيضاح رواه أبو داود وأورده صاحب فقه الزكاة عن النووي عن أنس قال في النيل وشرحه فرض في كلّ خمس من الإبل شاة وأورد التفاصيل. (1/186)
صفحة 187
2 - نصابها: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ليس فيما دون خمس دود صدقة «، رواه الدارقطني بل الجماعة فنصاب الإبل والبقر خمس أمّا في الإبل فمتّفق عليه وأما في البقر ففيه خلاف ذكر القطب رحمه الله في شرح النيل وصحّح ما عليه أهل المذهب وذكره القرضاوي في فقه الزكاة بتفصيل: والأظهر أنّه يرجح ما عليه المذاهب الأربعة من كون النصاب ثلاثين لكن يرى أنّ قياس البقر على الإبل أصوب ولولي الأمر العمل بما يرى صالحا ويحسب كلّ ما يصدق عليه الاسم ولو صغيرا أو معيبا كما يأتي في الغنم (1).
3 - ما يعطى: ما يعطى في الإبل متّفق عليه حسبما ذكر في النيل وشرحه وما ذكر في فقه الزكاة إذ التفصيل مذكور في الحديث لما بعث به لعمر ابن حزم في عامله على البحرين وذلك كما يلي:
في كلّ خمس من الإبل شاة إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض وجاز ابن لبن فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبن الخمس وأربعين وما زاد إلى ستين ففيه حقّة وإن زادت إلى خمس وسبعين ففيها جدعة وإن زادت إلى تسعين ففيها بنتا لبن، فإن زادت إلى مائة وعشرين ففيها حقتان وما زاد على ذلك ففي كلّ أربعين بنت لبن وفي كلّ خمسين حقّة والبقر مثل الإبل ففي كلّ خمسة شاة إلى خمس وعشرين ففيها حولية أي بقرة ذات سنة ثمّ ذات سنتين وهكذا كما تقدّم في الإبل.
ومن لم يجد أنثى في السّن المطلوب أعطى ذكرا في السّن الذي بعده وهذا التفصيل في النيل وشرحه ج3 ص210 وزاد ويستتمّ فيها الشريك بسهم الشريك وهما سيان في حكم الفائدة مع الغنم والمثال والنقص والثبوت ومن لزمته بنت لبن جاز بدلها حقا كابن لبن بدل بنت مخاض، وقال في البقر ويؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل غير أنّ أسنان البقر قصيرة فيعدّ لها من السنّين ما يعدل الإبل.
__________
(1) 1 - الغنم: هو الضّأن والمعز، حقّة: هي التي تحقّ للحمل في بطنها أو على ظهرها، لَبُن: ناقة فيها لبن، بنت مخاض: هي الحامل نفسها، الجدعة: القويّة. (1/187)
صفحة 188
فإن لم يجد المصدق في إبل أو بقر سن فريضته أخذ ما فوقه ورد الفضل عينا بقيمة والزكاة بالسنة القمرية اهـ ج3 ص215.
د- تجب الزكاة في إبل النماء السائمة لقوله - عليه السلام - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال:» ليس في الجارة ولا في الكُسَعة ولا في النُخَّة ولا في الجبهة صدقة «قال في الحاشية وإنّما قال ما عفي عن زكاته إشارة إلى حديث علي عند أحمد وأبو داود والترمذي قال قال رسول الله:» قد عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة «.
قال الربيع الجارّة الإبل التي تجرّ تذهب وتجيئ بقوت العيال والكسعة الحمير والنخة الرقيق وساق أحاديث أخرى تفيد ما تقدّم اهـ. ج2 ص69.
ب- زكاة الغنم: زكاة الغنم ثابت من السنّة وعمل الصحابة والبحث فيه على ثلاث محاور:
أ- نصابها: نصاب الغنم معز أو ضأنا أربعون بإجماع لقوله - عليه السلام -: فيما رواه ابن عباس عن طريق أبي عبيدة عن جابر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة وليس فيما دون ذود صدقة وليس فيما دون أربعين شاة صدقة وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة «قال في الحاشية للسالمي رحمه الله الحديث رواه أرباب السنن بطرق متعدّدة عن كثير من الصحابة ففي الحديث جميع أنواع النصاب.
قال في الإيضاح بعد ما ذكر النصاب والحديث ويُستتمّ هذا النصاب بكلّ ما يصدق عليه الاسم، سواء كان صحيحا أو عليلا أو مهزولا أو سمينا أو معيوبا، واختلفوا في صغار الغنم متى تعدّ مع الأمّهات قال بعضهم تعدّ ولو حملها الراعي، والدّليل على هذا ما روي عنه - عليه السلام -:» يعدّ صغارها وكبارها وتعدّ السخال والعجاجيل «رواه أبو داود والترمذي والنسائي. (1/188)
صفحة 189
وقال بعضهم لا نرى الشاة إلاّ إذا استغنت عن أمّها، إلى أن قال ويضمّ الضأن إلى المعز ويستكمل بها النّصاب لأنّهما جنس واحد، ويستتمّ الشريك بسهم شريكه، ويؤدّي كلّ منهما حسب حصّته وهو المفهوم من قوله - عليه السلام -:» ليس فيما دون أربعين شاة شيء «سواء كانت لمالك أو ملاك.
أمّا إذا كانت لملاك غير مشتركة وإنّما جمعها راع أو مَحلَب فليس بمأخوذ به عند أصحابنا لقوله - عليه السلام -:» وما كان من خليطين يتراددُ الفضل بينهما بالسويّة «اهـ. ج2 ص38 (1).
ب- ما يخرج منها: في زكاة الغنم تفصيل قال في النيل وشرحه:
__________
(1) 1 - الدّية للخطأ: 400 دينار في يومنا هذا وهي 36 مليون يوم الثلاثاء 19 - 09 - 1409هـ/25 - 04 - 1989م.
الأوقية: 40 درهم، الدّرهم: 5غ=200غ.
داد البعير: مشى بتؤدة.
ميزان 20 مثقال = 85 غرام ذهبا. (1/189)
صفحة 190
شرط في الغنم كالنقدين استقرار الملك والحول وكمال النصاب وهو أربعون شاة لا ما دونها وفيها شاة إلى عشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتين وواحدة ففيها ثلاث، وإن زادت إلى ثلاث مائة فإن زادت ففي كلّ مائة شاة ويتمّ النصاب بما يصدق عليه الاسم كما تقدّم اهـ. ج3 ص159 وقال في الإيضاح وإنّما يعطى في زكاة غنمه ذوات الأسنان: الثّنية من الضّأن إلى ما فوق، والرُّباعية من المعز إلى ما فوق، وهو أقلّ ما يجزي في الضحايا، والأصل في هذا ما روي عن أبي عبيدة قال بلغني عن رسول الله قال:» لا تأخذوا من أرباب الماشية سخلة ولا رُبا ولا أكولة ولا فحلا ولا شارفا، وذات هزال ولا ذات عوار «رواه مالك قال الربيع السخلة التي تتبع أمّها، وهي ترضع عليها، ولذلك قالوا لا يعطي إلاّ المسنّة وقال بعضهم جائز أن يعطي على الخرفان خروفا إن لم يكن غيرها وهذا أقوى في باب القياس وقال الربيع الرَّبا التي تربّي ولدها والأكولة شاة اللّحم اهـ. ج2 ص97 شارف: سقطت أنيابه، عوار: يقاس عليه كلّ معيب، ثمّ ذكر ما يراعيه السعاة في أخذ الزكاة فيأخذوا الوسط لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أرباب الأموال أن يعطوا الدّون كما نهى السّعاة أن يأخذوا كرائم الأموال رواه أبو داود نفس الصفحة.
جـ- والفائدة في الغنم تابعة لرأس المال في التوقيت والإخراج على الصحيح في قول صاحب النيل والإيضاح.
المطلب الرابع زكاة عروض التجارة:
زكاة عروض التجارة مجمع على وجوب الزكاة فيها والكلام فيها على ثلاث محاور:
أ- دليل الوجوب: لم يرد نص صريح في زكاة التجارة، وإنّما اعتبرها من أوجب فيها الزّكاة من العلماء مالا قصد به النماء فتجب فيه كما وجبت في النقود والأنعام وهو ما اعتمده صاحب الإيضاح في قوله: وزكاة عروض التجارة ثابتة عند علمائنا رحمهم الله لأنّه مال مقصود به النّماء والزيادة فأشبه الحرث والماشية، والذهب والفضّة لكنّهم اختلفوا كيف يزكّى اهـ. ج2 ص72. (1/190)
صفحة 191
وقال صاحب فقه الزكاة (القرضاوي): أباح الله للمسلمين أن يشتغلوا بالتجارة ويكسبوا منها بشرط أن لا يتجروا في سلعة محرّمة ولا يهملوا العنصر الأخلاقي في معاملاتهم من الأمانة والصّدق وقال يستند القول بوجوب الزكاة في عروض التجارة إلى ما يأتي (1):
أوّلا من القرآن: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبتُم وَمِمَّا أَخْرَجنَا لَكُم مِنَ الاَرضِ} [البقرة: 267].
وهو ما استدلّ به البخاري في باب زكاة الكسب وقال الطبري في تفسير الآية زكّوا من طيّب ما كسبتم وساق أقوال كثير من العلماء والمفسّرين.
ثانيا من السنّة: ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب كان رسول الله يأمرنا أن نخرج الزكاة ممّا نعدّ للبيع إلاّ أنّه ضعّف الحديث. وساق أحاديث أخرى عامّة.
ثالثا الإجماع: من الصحابة والتابعين فمن هدي الصحابة ما رواه أبو عبيدة بسنده عن عبد الله القاري من قبيلة القارة قال كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فكان إذا خرج جمع أموال التجار ثمّ حسبها شاهدَها وغائبها ثمّ أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب ثمّ ذكر كثيرا من أعمال التابعين.
__________
(1) 1 - يعتبر في التّقويم ثمن السلعة في زمن إخراج الزكاة.
النموّ للزرع، الزّيادة للأنعام، الفائدة للنّقود.
لا يعطى على مال زكاة مرّتين أي زكّيته مرّة عندما كان غنما فبعته لا تخرج زكاة تلك السّنة. (1/191)
صفحة 192
ب- كيف تزكّي عروض التجارة: قال في النيل وشرحه تزكّى العروض إن قصد بها تجر: وهل على ما جعل فيها من عين أو على قيمتها ما لم تنقص عمّا جعل فيها فإن نقصت فعلى ما جعل فيها، أو على قيمتها زادت أو نقصت؟ خلاف وتفصيل ذلك أنّ من قال على ما جعل فيها يؤدّي عليه ما لم يبع المتاع به وإن جعل في متاع لتجر أو أقرضه أو أسلمه أدّى على الأصل ومن قال على قيمتها زكّاها عليها، قال في الشرح على قول الأصل: (تزكّى العروض) وكذا الأصول المقصود بها التجر قال وهو المتاع وكلّ شيء سوى النقدين وسوى الأصل وفي إطلاقه على الحيوان خلاف والمراد هنا دخول الحيوان إن قصد به تجر إلى أن قال والأوّل قول الحسن البصري والثالث قول جابر بن زيد وهو الصحيح عندي لأنّها عروض للتّجر فيعتبر ما تسوّى به بالتجر لا ما جعل فيها من عين لعدم بقائه فإن نقصت عن النصاب فلا زكاة فيها، وإن بلغت نصابا لزمت الزكاة وهو المأخوذ به اهـ. ج3 ص130 - 131.
جـ- زكاة المقارض: قال في النيل وشرحه لا تلزم قيل مقارضا زكاة ولو كان في المال ربح، وهذا على من استأداه على ما جعل وهو لم يجعل وعلى قول من قوم فإن كان الربح فإن وجد في سهمه قدر النصاب وقّت له من حين التقويم وأدّى عنه من نفسه وقيل إذا اقتسم أدّى على السنين الماضية ورب المال على ما دفع وعلىلربح أيضا إذا بان بما أخبر به أنّه ربحه في كلّ سنة لأنّه أمينه اهـ. ج3 ص143.
واختلوا هل الرّبح تابع لنصاب الأصل وهو الصحيح وقيل يوقّت للربح وقته.
المطلب الخامس: زكاة الدّيْن:
في زكاة الدّين خلاف: هل يزكّيه صاحبه ويسقط المدين مطلقا أو إذا لم يكن على مفلس:
فالقول المختار حسبما ذكر في غالب كتب الفقه أنّه لا زكاة فيما كان على مفلس ولا يستطاع إخراج الحقّ منه أمّا إذا كان على غيرهما ففيه خمسة أقوال وهي كما يلي من فقه جابر ص254 قال: (1/192)
صفحة 193
قال أبو عبيدة عن بن سلام في كتابه الأموال أنّ في زكاة الدين إن كان من تجارة أو من غير تجارة خمسة أوجه:
القول الأوّل: أنّ زكاة الدّين تجب إذا كان على مليء أي إذا كان مرجوا لا غداء، وقد نسب هذا القول إلى جابر بن زيد بقوله حدّثنا حبيب بن أبي حبيب عن عمر بن هرم عن جابر بن زيد قال أي دين ترجوه فإنّه تؤدّي زكاته وهذا القول مروي عن الصحابة، مثل عمر وعثمان وابن عمر وجابر بن عبد الله، ووافقهم على ذلك من التابعين مجاهدُ وإبراهيمُ النخعي وميمونُ بن مهران.
القول الثاني: أنّ الدّين إذا كان غير مرجو فتأخّر زكاته حتّى يقبض ويزكّى بعد القبض على ما مضى وهو مذهب علي وابن عباس.
القول الثالث: أنّ الدّين لا يزكّى إذا قبض وإن أتت عليه سنون إلاّ زكاة واحدة وهو مذهب الحسن وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب مالك في الديون كلّها مرجو وغير مرجو.
القول الرابع: إنّ الزكاة تجب على الذي عليه الدّين وتسقط عن ربّ الدّين المالك له.
القول الخامس: إنّ الدّين لا تسقط الزّكاة عنه البتة، فلا تجب على واحد منهما، وهو قول عكرمة وعطاء، ومال أبو عبيدة إلى ترجيح الرأي الأوّل ونفس هذه الأقوال أو قريب منها ذكره القرضاوي بتفصيل وتعليل في فقه الزكاة ج1 ص186. والقول المرجوح حسب ما عندنا أنّ الدّائن يسقط ما عليه إذا حلّ أجله ويزكّيه من له، ومن قبض ما كان ميئوسا زكّاه من حينه.
المطلب السادس: مصارف الزكاة:
مصارف الزكاة محدّدة من الله تعالى في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَات للفُقَراءِ وَالمَسَاكِين وَالعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِين وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] البحث عن ذلك في أربعة محاور ومقدمة.
المقدمة: (1/193)
صفحة 194
لقد نزل أمر العبادات في الإسلام مجملا فصّله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنّته القولية أو العملية، لكن هناك جوانب تتعلّق بالمال والمال شقيق الروح {وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبََا جَمََا} [الفجر: 20]. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيد} [العاديات: 08]. أي المال والمال يستهوي العاقل فضلا عن السّفيه، فكانت عناية القرآن به أحكم، ولم يترك الله تعالى فيه الحكم لغيره، لما يعلم من مكانته في النّفوس، فخصّه بعناية خاصّة.
فنرى ما وسع في آية أحكام الدّين وتثبيته ما لم يوسع في غيره ولم يفوض أمر تقسيم الميراث لأحد بل حدّد لكلّ وارث ما يفرض له (1)، حسب قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حق حقّه ألا لا وصية لوارث «قال الزحيلي حديث متواتر رواه اثنا عشر صحابيا ج3 ص3 وذكر بعضه في الجامع الصحيح.
ومن ذلك تأكيده في حفظ مال اليتيم وما يجوز أخذه منه فقال: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَليَستَعفِف وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَاكُل بِالمَعرُوف} [النساء: 06] وقال: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَاءَ أَموَالكُمُ التِي جَعَلَ اللهُ لَكُم قِيَّمًا} [النساء: 05].
ومن الجدير بالعناية مصارف الزكاة وهي الحق الثابت في المال المتكرّر في حياة كلّ مسلم غني ما دامت الشريعة. فحدّد مصارفها على وجه الحصر بحيث لا يبقى لحاكم أو محكوم أيّ تصرّف فيها لذلك ما تشير إليه الآية السابقة فلو لم يحدّد أمرها لأصبحت مدخلا للأغراض وتغلّب الأهواء وتلك هي مصيبة المال {إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولاَدُكُم فِتنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ أَجرٌ عَظِيم} [التغابن: 15].
1 - الأصناف الذين تعطى لهم الزكاة نوعان:
أ- ما لا وجود له وهو المؤلّفة قلوبهم:
__________
(1) 1 - الحكمة من تقسيم أنصباء الميراث ذكره الله تعالى: {آبَاؤُكُم وَأَبنَاؤُكُم لاَ تَدرُونَ أَيُّهُم أَقرَبُ لَكُم نَفعًا} أي أنا الذي أعلم من هو أنفع لكم فتكلّفت تقسيم النصاب لكلّ واحد منهم. (1/194)
صفحة 195
وقد أبطله عمر - رضي الله عنه - لمّا جاؤوا يطلبون سهمهم قال: ''ذلك لمّا كان الإسلام جدع أمّا الآن فقد بزل'' قال في الإيضاح أمّا المؤلّفة قلوبهم قوم كان رسول الله يتآلفهم للإسلام إلى أن قال وقد أعطاهم رسول الله وأعطاهم أبو بكر ومنعهم عمر وساق ما تقدّم اهـ. ج2 ص112.
وكذا الرّقاب فهم المكاتبون عبد يشتري نفسه من سيّده فيعطى من الزكاة ليدفع ما عليه قال في الإيضاح أمّا الرّقاب فهم المكاتبون في قولنا الذي اعتمدنا عليه هم أحرار ولهم فرض الصدقة إذ ليس لعبد صدقة وهذا الصنف غير موجود إلاّ إذا جاء الجهاد وذلك بعيد.
ب- الممكن وجوده وهم الستّة الباقين:
1 - الغارمون: فهم من ترتّب عليه الدّين من غير إسراف ولا معصية فيعطى لهم لدفع ما عليهم قال في الإيضاح وهم من ركبه الدّين من غير فساد فعلى هذا يأخذ الرجل الصّدقة ليقضي بها ما كان عليه من الدّين سواء حلّ أجله أو لم يحل، وكذا ما عليه من تباعة تلزمه فيما بينه وبين الله، وكذا إذا أراد أن يحتاط لهذه الوجوه ويدلّ عل هذا ما روي عن سلمة بن صخر قال: ظاهرت من امرأتي إلى أن قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:» اذهب إلى عامل بني زريق فمره أن يدفع إليك صدقاتهم فاطعم منها ستّين مسكينا واستعن بسائرها على نفسك وعلى أهلك «رواه البيهقي وأبو داود اهـ. ج2 ص114، قال في النيل وشرحه والغارم هو المدين بلا سرف وفساد وإن لم يحل أجل الدّين أو كان لتباعة أو احتياط أو كفارة ولمحتاج لنكاح قال في الشرح ولو زوجتين أو أكثر قال هذا وفي ''التّاج'' الغارمون ضربان ضرب تحمل لإصلاح ذات البين كحامل لديّة قتيل، فيعطى ولو غنيا ومتحمّل مال فتنة وضرب تحمل لمصلحة نفسه يعطى بقدر ما يدفع دينه، وقيل الغارم من عليه دين لا يجد وفاءه ولا يقبل قوله إلاّ ببيان إلى أن قال ودخل في الغارم من ذهب ماله بجائحة قال أبو سعيد لا يعطى الغارم إذا كان ما لزمه ديّة قتل لا يجوز أو فساد اهـ. ج3 ص334. (1/195)
صفحة 196
وذكر في فقه الزكاة: والغارم في مذهب أبي حنيفة من عليه الدّين ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه وعند مالك والشافعي وأحمد الغارمون صنفان: غارم لمصلحة نفسه وغارم لمصلحة الجماعة:
النوع الأوّل: كأن يستدين في نفقة أو كسوة أو زواج أو علاج أو بناء الخ قال وأخصّ من ينطبق عليهم هذا الوصف أولئك الذين فاجأتهم الكوارث فاجتاحت أموالهم قال وفي الحديث قبيصة بن المخارق الذي رواه أحمد ومسلم أباح النبي لمن أصابته جائحة أن يسأل ولي الأمر حقّه من الزكاة حتّى يصيب قواما من عيش.
والزكاة بهذا تقوم بنوع من التّأمين الاجتماعي ضدّ الكوارث سبق كلّ ما عرفه العالم اهـ. ج2 ص622.
2 - ابن السبيل: وهو من انقطع عن أهله ولم يجد من يقرضه أو يداينه ولا مال له، فهو من مزايا الإسلام ومن فضائل الزكاة، حيث تعتبر فيه مجرّد الإنسانية ووصف ابن السبيل ذكره في الإيضاح والنيل وشرحه ولم يتعرّضوا لحاله من إسلام أو شرك أو براءة أو ولاية ولعلّ اعتبروا الحكم العام أن لا تعطى إلاّ لمتولّى.
ذكر صاحب فقه الزكاة في ذلك ما لعلّه يستأنس به: قال ابن السبيل عند جمهور العلماء كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد والسّبيل الطريق قال روى الطبري عن مجاهد قال لابن السبيل حق وإن كان غنيا إذا منقطعا به. قال وقد ذكر القرآن الكريم ابن السبيل في معرض العطف عليه والإحسان ثمان مرّات وذكر مواضعها، وقال إنّ عناية الإسلام بابن السّبيل المسافرين والغرباء والمنقطعين لهي عناية فذّة لا نظير لها في نظام من الأنظمة أو شريعة من الشرائع وهي لون من ألوان التكافل الاجتماعي فريد في بابه خاصّة في عصور لم تكن فيه ما يوجد من فنادق ومرافق للمسافرين وقبل ذلك قال هو تشريع لتشجيع السياحة التي يرغّب فيها القرآن لغرض الكسب أو العلم أو التدبّر في الكون اهـ. بتصرّف ج2 ص670 - 675، وذكر لإعطاء ابن السبيل شروطا معقولة هي ضمن ما ذكره أصحابنا: (1/196)
صفحة 197
أ- أن يكون محتاجا في ذلك الموضع إلى ما يوصله إلى أهله.
ب- أن يكون سفره في غير معصية كمسافر لقتل أو تجارة محرّمة فلا يعطى إلاّ إن تاب توبة نصوحا.
جـ- أن لا يجد من يقرضه (1) أو يداينه في ذلك الموضع في سبيل الله اعتبره في الإيضاح الغزاة في الجهاد وكذا في النيل وشرحه ولم يتعرّضوا في ذلك لغير الجهاد ومن العلماء المتأخّرين من يعتبر سبيل الله في كلّ ما فيه إعزاز دين الله كالتّعليم وطبع الكتب ونشرها كما في فتاوي الشيخ عبد الرحمان بكلّي وكذا عند غير المذهب فكلّهم متّفقون على أنّ سبيل الله هو الجهاد وما يحتاجه المجاهدون ومنعوا غير ذلك واعتبروا أن لا بدّ لها من قابض لكنّ العلماء المتأخّرون عمّموا سبيل الله في كلّ ما فيه إعزاز دين الله.
د- العاملون عليها: للعاملين عليها معنيان:
1 - من يجمعها من أصحاب الأموال ومن يفرّقها من إمام وعمّاله.
2 - المشتغلون بأمور المسلمين من أئمّة وقضاة وعمّال وحافظي أمن ونحوهم قال في الإيضاح وأمّا العاملون هم الذين يجبونها ولهم فيها حق ورأيت في بعض الكتب وروي عن القاسم أنّه لا يجوز أخذ الصّدقة لغني أصلا مجاهدا كان أو عاملا.
والذين أجازوها للعامل وإن كان غنيا أجازوها للقاضي ومن في معناه ممّن المنفعة بهم لعامّة المسلمين قال وسبب اختلافهم هل أصل العلّة في إيجاب الزكاة للأصناف المذكورين الحاجة فقط أو للحاجة والمنفعة العامّة، وفي أثر أصحابنا والعاملون يعطيهم على قدر عنائهم فهذا يدلّ على أنّهم نزّلوا العامل منزلة الأجير ولو كان غنيا ويدلّ عن هذا ما ذكر عن جابر بن زيد أن يجعل للعامل ما يقوته سنّة اهـ. ج2 ص112.
__________
(1) 1 - القرض: هي إعارة مالية لكلا الطّرفين لإرجاعها في أجل.
المداينة: ما كان أحد العوضين نقدا حاضرا والآخر لأجل. من قواعد الأصول الأحكام تابعة للأسماء. (1/197)
صفحة 198
وفي فقه الزكاة للقرضاوي اعتبر العاملين عليها الجامعين لها والموزّعين إذ ذلك متّفق عليه، وذكر شروطا للعامل، وما يعطى أن يكون على قدر عمله بتفصيل ثمّ قال: هل يقاس المشتغلون بمصلحة المسلمين على العاملين في الزكاة؟
ذكر ابن رشد أنّ الفقهاء الذين أجازوا الزكاة للعامل وإن كان غنيا أجازوها للقضاة ومن في معناهم من المنفعة عامّة للمسلمين وفي كتاب النيل وشرحه في فقه الإباضية أنّ الزكاة تعطى للعامل ومن كان بمعناه كقاض ووال ومفت ونحوهم ممّن اشتغل بأمر النّاس اهـ. ج2 ص593.
3 - الفقراء: الفقير المحتاج وفي تحديده خلاف واسع.
4 - المساكين: من أسكنته الحاجة وفي تحديده خلاف كالفقير فهل هو مثله أو أشدّ حالا؟
قال في النيل وشرحه أمّا الفقراء والمساكين فقيل سواء وقيل الفقير أحسن حالا وقيل عكسه قال في الشرح قيل سواء لكنّ الفقير من لا يسأل والمسكين من يسأل ويدلّ للقولين أنّه نسب للفقير مالا ونسب للمسكين كذلك أمّا المسكين فكقوله تعالى: {أَمَّا السَّفيِنَة فَكَانَت لِمَسَاكِين يَعْمَلُون فِي البَحْرِ} وأمّا الفقير فكقول الشاعر:
أمّا الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبدا (1)
__________
(1) 1. السّبد: المال. (1/198)
صفحة 199
ونفى المال عن المسكين في قوله: {أَو مِسْكِينََا ذَا مَتْرَبَة} أي ملتصقا بالتراب وكذا ينفي المال عن الفقير في كثير من كلامهم، فظهر أنّ كلا من المسكين والفقير يكون له مال ويكون لا مال له اهـ. ج3 ص219 ثمّ شرع يحدّد الغني ليكون سواه هو الفقير فقال هل الغني من له خمسين درهما؟ وليس بمدين ولا ذي عيال، أو من له مال يكفيه وعياله نفقة وكسوة ومؤونة حولا؟ أو من له النصاب ورجح غيره أنّه ربّما يكون ذا عيال لا يكفيه نصابه لحول، ومن ثمّ قيل لا تحلّ لحضاري له بيت يسكنه وخادم يخدمه ودابّة يركبها وجنان يأكل ثمارها وله قوت سنة وليس بمدين، ولا لبدوي له قوت سنة وغنم يحلبها وحمولة لثقله ودابّة وخادم، والخلف في قيمة ما ذكر هل تقوم مقامه قال في الشرح عند قوله من له خمسين درهما لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» الغني خمسون درهما أو عدلها ذهبا «رواه ابن ماجه وقد يقال: الغني الذي يحرم معه السؤال اهـ. ج3 ص223.
والمختار أنّ من له ما يكفيه وعياله لمدّة سنة لا يأخذ الزكاة ومن كان أقلّ فهو فقير.
المطلب السابع: من لا تعطى له الزكاة
قال في الإيضاح بعد وصف الفقير والمسكين لغة وأمّا الشرع فقد أجمعوا على أنّه لا تحلّ الصدقة لغني لما روي من طريق عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي، ولا لمتاثل مالا «رواه أبو عبيدة عن جابر وكذا رواه الخمسة بمعناه إلاّ ابن ماجه عن عبد الله بن عمر.
قال الربيع ذي مرّة سوي: القوي المحترف، والمتاثل: الجامع للمال. (1/199)
صفحة 200
وقال في النيل وشرحه ولا يعطي زكاة ماله لأبيه ولا لأمّه وجوّز لها إن كانت تحت زوج ولا لزوجته أو طفله وجاز لبالغ وإن بنتا وهل مطلقا أو إن أجازه قولان وصحّت إجازتها وهي جلب زوج لها وإن لم تبلغ ويعطيها لجدّه وجدّته ولأولاد بنيه إلى أن قال وبالجملة فالرجل يعطيها لكّل من لا تلزمه نفقته قال ولا تعطى لمن يموّنه غني كأب وزوجة وطفل ولا لمن يتقوّى بها على معصية الله ولو فقيرا والأكثر دفعها لمحتاج موافق وجوّزت لفقير لم يعلم منه خلاف المذهب اهـ. ج3 ص224 - 228.
المطلب الثامن: أحكام عامة في الزكاة: للزكاة أحكام عامّة
1 - وإذا تمّت التزكية على نصاب من أيّ نوع من أنواع الزكاة بقي الوقت قائما ما بقي ثلاثة من كلّ نوع مثلا إذا زكّى على أربعين شاة من غنم ثمّ نقص عن النصاب لا يتغيّر وقتها فإذا ملك نصابا بعد زكّى عليه في نفس الوقت.
2 - زكاة المعادن والركاز الخمس حسب قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري عن رسول الله قال:» جرح العجمي جبار والمعدن جبار والبئر جبار وفي الركاز الخمس «قال في الحاشية الحديث رواه الجماعة من طريق أبي هريرة وقال قوله جبار معناه هدر لا شيء فيه ثمّ قال إنّ المعدن يكون من الذهب والفضّة ومن اللؤلؤ والجواهر فإن كان من الذهب ففيه ربع العشر وفي اشتراط الحول والنصاب خلاف، والأصل في زكاته الإجماع وقوله تعالى: {أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبتُم وَمِمَّا أَخْرَجنَا لَكُم مِنَ الاَرضِ} والمعادن من ذلك وأيضا فهو داخل في حكم النقدين.
قال والركاز بكسر أوّله وهو مصدر بمعنى المركوز وهو المدفون والمراد ما كان من دفن الجاهلية ولهذا وجب فيه الخمس كالغنيمة اهـ. ج2 ص60 - 61. (1/200)
صفحة 201
3 - إذا كان الإمام أو نائبه فلا بدّ من دفع الزكاة له، وهو الذي يقوم بتوزيعها بإجماع العلماء لعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة وهو ما ذكر في النيل والإيضاح وفقه الزكاة ولما حصل من قتال أبي بكر للمانعين لها أمّا إذ لم يكن دفعها المزكّي بنفسه لمستحقيها قال في النيل وشرحه أمر الصدقة في الظهور إلى الإمام ولا يقسّم غني صدقته بنفسه وجاز إن أمره الإمام وهل يفرّق الثلث في كلّ بلد لفقرائه وإن مخالفين أو فاسقين ويأخذ الباقين لعزّ الدولة أو النصف قولان، وتدفع لعامله وإن فاسقا إن كان هو متولا وإلاّ فلا وإن أمينا إن لم يكن خوف، ومن دفعها لعامله تقية أعادها في المسلمين ومن كان مسلما بأرض حرب أدّى زكاته لفقير مسلم وجاعلها في بيت المال بريء منها إن أخبر الإمام بها ويعطي لكلّ صنف بالنّظر من الصلحاء اهـ. ج3 ص241.
4 - قال في النيل وشرحه وندب دفعه في كتمان لمن يسند إليه أمرهم ويختار لأمر لدينهم، وتبادافع زكاته له فهو كالإمام ولا يدفعها هو إلاّ لمتولاه وقيل لمتولّى صاحبها وإن دفعها صاحبها لأهلها أجزى اهـ. ج3، قال في الشرح وفي القواعد إذا عدم الإمام فعلى المسلمين أن يقيموا لأنفسهم حاكما أفضلهم ورعا وأكثرهم فقها وعلما يسندون إليه أمورهم من فتيا النوازل والأمر والنهي قالوا: ولا يأخذها إلاّ من أهل ولايته ويضعها في ذوي الحاجة من المتعلّمين منه ممّن لم يتطلّع له على كبيرة اهـ. ج3 ص249.
5 - جاز التوكيل واستخلاف على أخذ الزكاة أو دفعها.
قال في النيل وشرحه جاز لغني دفعها وإن بوكيل أو خليفة وندب اختيار أمين إن وجد، تبرأ إن وصلت مستحقها.
وصحّ التوكيل لموكل على دفعها أو لمتعدّد ولا يدفعها أحد دون الآخر إلاّ إن وكّله كلا على حدة اهـ. ج3 ص265.
الباب السابع
الحجّ والعمرة وأحكامهما (1/201)
صفحة 202
الأدلة: قال الله تعالى: {وَأتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَة للهِ} [البقرة: 196] وقال: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبيلا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العَالمِين} [آل عمران: 97] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» بني الإسلام على خمس: على أن يوحّد الله تعالى وإقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا «متّفق عليه.
الحج من أركان الإسلام الخمس وهو مشروع بالكتاب والسنّة والعمرة تابعة للحج باتّفاق العلماء والبحث فيهما إلى سبعة مباحث.
المبحث الأوّل: تعريف الحج وحكمه وفضله والحكمة من مشروعيته:
ففيه أربعة مطالب:
المطلب الأوّل تعريفه: الحجّ في اللّغة القصد وقيل القصد لمن تعظّم، وفي الشرع قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت معلوم ومكان معلوم وهو مشروع بالكتاب والسنّة كما تفيده الأدلة السابقة.
المطلب الثاني: حكمه: الحجّ واجب على البلّغ العقال إذا توفّرت شروطه مرّة في العمر، وفي نافلة الحج الأجر العظيم.
قال في الإيضاح الحجّ واجب بشروطه بإجماع الأمّة والكتاب والسنّة أمّا الكتاب فقوله تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبيلا} [آل عمران: 97]، تقدّم وقوله: {وَأتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَة للهِ} [البقرة: 196].
ففي هذه الآية دليل وجوب الحج والعمرة جميعا، وقال بعض العمرة نافلة، واحتجّوا بقراءة ابن مسعود وأتمّوا الحجَّ والعمرةُ للهِ بنصب الحج ورفع العمرة على أنّها مبتدأ والعامّة من العلماء أنّ الحج والعمرة فريضتان وهو المأخوذ به عند أصحابنا رحمهم الله وقال جابر بن زيد ليس الحج واجب إلاّ مرّة في العمر. (1/202)
صفحة 203
قال وأمّا الدليل من السنّة على وجوب الحج فهو الحديث المشهور وذكر الحديث المتقدّم، وما روي أنّه قال:» من وجد سبيلا إلى الحج ثمّ لم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا، وإن شاء فليمت ميتة جاهلية، وقد وجبت له النّار «رواه الترمذي بإسناد ضعيف فهذا دليل على وجوبه اهـ. ج2 ص228.
قال في الفقه ودليله الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام فرضه الله على المستطيع والعمرة مثله فهما أصلان عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرةَ للهِ} وهي سنّة عند المالكية والحنفية كما سنبيّن قال وقيل: تاريخ مشروعيته على الصحيح أنّ الحج فرض في السنة التاسعة وذكر الآية وهو رأي أكثر العلماء وأنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخر الحج بعد فرضه عاما واحد وإنّما أخّره للسّنة العاشرة لعذر وهو نزول الآية بعد فوات الأوان اهـ. ج3 ص9.
المطلب الثالث الحكمة من مشروعيته:
الحكمة من مشروعية الحج ظاهرة في تطبيقه ومظهره في ستّ محاور وهي كما يلي:
أ- أنّ الحجّ تمثيل لسفر الآخرة حيث أنّ الحاجّ يتجرّد من ثيابه في الإحرام فيذكّره ذلك بما يتزوّد به من ماله في الدنيا وهو الكفن كما يستوي في الإحرام كلّ النّاس على نمط واحد كاستوائهم في الحشر خاصّة في عرفات وهم يبتهلون إلى الله فلا ميزة بين غني وفقير ولا مالك ورعية، فيستلزم ذلك الاستعداد والتوبة والتنصّل.
ب- ما في الحجّ من إظهار العبودية لله بالطّواف حول كعبته والتضرّع إليه في الأماكن المقدّسة، وفي ذلك تربية الوازع الديني في القلب.
جـ- هو مظهر للمساواة وإخاء فلا فرق بين غني وفقير، ومالك ومملوك.
د- مظهر من قوّة الإسلام والمسلمين فهو مؤتمر سنوي عام تجتمع فيه المسلمون من جميع أقطار الأرض فيمكن أن يتبادلوا الآراء والنصائح والتوجيهات.
هـ- ما فيه من فضائل حيث يعتبر غسيل لذنوب التائب كما يأتي. (1/203)
صفحة 204
و- يعتبر شكرا لنعمة الله المتمثّلة في قوله تعالى: {وَلَقَد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقِنَاهُم مِنَ الطَيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُم عَلَى كَثِير مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا} [الإسراء:]
المطلب الرابع: فضله:
فضل الحج ماثل في قوله تعالى مخاطبا سيّدنا إبراهيم: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ فَجٍ عَمِيق لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيْذكُرُوا اسمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الانعَامِ} [الحج:]، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -:» من حجّ هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه «.
وقوله:» الحج المبرور ليس له ثواب إلاّ الجنّة «رواه الجماعة واختلف هل الحج أفضل أم الجهاد وذلك لما ورد من فضلهما في حديث رسول الله من بيان أفضل الأعمال فتارة فضل هذا وتارة هذا قال الزحيلي: سئل رسول الله أيّ هذه الأعمال أفضل قال:» إيمان بالله وبرسوله «قيل ثمّ ماذا؟ قال:» الجهاد في سبيل الله «فقيل ثمّ ماذا؟ قال:» حج مبرور «ومنها حديث الجماعة عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما والحج المبرور ليس له ثواب إلاّ الجنّة «قال الشوكاني وأحقّ ما قيل في الجمع بين الحديثين أنّ بيان الفضل يختلف باختلاف المخاطب اهـ. ج3 ص10، وذكر الحديثين في الجامع الصحيح. (1/204)
صفحة 205
المبحث الثاني: شروط الحج: شروط الحج قسمان شروط وجوب وشروط صحّة، أمّا شروط الوجوب قال في النيل وشرحه ويجب ببلوغ وعقل وإسلام وحرّية واستطاعة، وهل هي الزّاد والرّاحلة أو صحّة البدن أو مجموع ذلك أو هو مع أمان الطريق ومرافقة الأصحاب وهو المأخوذ به عندنا خلاف وذكر في الشرح أحاديث سئل فيها رسول الله عن الاستطاعة فتارة أجاب بالزّاد وتارة بالرّاحلة كما ذكر في الإيضاح أنّ رسول الله أنكر على من سار وحده وذكر في الشرح أنّه سئل ما السبيل؟ فقال:» زاد وراحلة «ثمّ ذكر حديث الختعمية التي قالت أنّ أبي أدركه الحج وهو شيخ لا يثبت على الراحلة أفأحجّ عنه قال:» أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضية؟ «قالت: نعم، قال:» فذلك كذلك «قال وعلى هذا فمن كان له مال يكفيه للحجّ بعث به من يقوم مقامه ولو كان مريضا اهـ. ج2 ص271 ط ق.
فنرى أنّ الاستطاعة محلّ اجتهاد فهي عندنا خمسة:
1 - الصحّة: فمن كان مريضا سقط عنه الحج حتّى يتمّ شفاءه عند حضور وقت الحج أو لا بدّ أن يرسل من يحجّ عنه ما دام مستطيعا في المال خلاف.
2 - الزاد: أي القدرة المالية وتشمل مؤونته عند الذهاب إلى الحج والرّجوع، ومؤونة من تحت نفقته إلى أن يعود.
3 - الراحلة: وهي عبارة عن المركوب أو ثمنه أو ثمن الكراء في كلّ تنقّلاته إلى أن يتم الحج سواء في الطريق أو الحج.
4 - الرفيق: خاصّة إذا كان السّفر بعيدا أو فيه مشقّة أمّا إذا كان قريبا أو مع رفقاء ولو لم يعقد الصّحبة معهم فهو واجب، كما هو الآن.
5 - أمان الطريق: إذ لا يتحقّق الوصول مع الخوف على نفسه أو ماله {وَلاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلَى التَّهلُكَة} ولو كان الخوف عليه خاصا به أرسل من يحج عنه كما فعل الإمام عبد الوهاب رحمه الله. (1/205)
صفحة 206
والخلاف فيما إذا فقد أحد هذه هل يعتبر صاحبه مستطيعا فيوصي أو يرسل من يحج عنه قال في شرح النيل عند قوله وهو المأخوذ به عندنا عند مشايخنا من إفريقيا وبالأوّل قال الحسن البصري وابن جبير الشافعي وابن حبيب من أصحاب مالك وبالثاني قال عكرمة والضحّاك ومالك وبعض أصحابنا وبالثالث قال بعض العمانيين وقال مشايخنا من الجبل وعمروس والإمام عبد الوهاب وابنه أفلح الزاد والراحلة وأمان الطريق وصحّة البدن وفيه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حرّم على الإنسان السّفر في حدّة والجواب أنّهم يقولون يوصي أو يحج من وجد الرفقة اهـ. ج2 ص272 ط ق.
والقدرة المالية فيها خلاف هل هي من الفاضل على قوت العيال مطلقا سواء كانت أصولا أو عروضا أم في المال فقط قال في النيل وشرحه والخلف في الزاد والراحلة هل هما في فضلة المال أو ولو من أصل يباع ويفضل عن مؤونة الأعيال قال في الشرح والصحيح عندي الثالث أي ولو من أصل يباع إذ لا وجه لاختصاص العروض ولا لكفاية غلة ما لم يبع من الأصول إذ القصد ما يتوصّل به وهو كما يتوصّل بقيمة العروض يتوصّل بقيمة الأصول إلى أن قال هذا ما ظهر لي ولا قائل بأنّه يبيع منزل سكناه إلاّ إن كثر ثمنه جدا ويمكن أن يشتري منزلا يكفيه ويبقى له ما يكفيه إلى رجوعه اهـ. ج2 ص273 ط ق.
قال في الأصل ومن له مال يكفي حجا حضر أ ونكاحا لخوف عنت حج قال في الشرح إن كان في أيّام الحج وإلاّ كان لا يصله تزوّج ولا حج عليه وقيل هو دين عليه يوصي به قال وفي التاج إن لزمه الحج وخاف العنت تزوّج بأقلّ صداق ويحج وإنّه إن اتّفق له أن تزوّج وحجّ بدأ بالحج وقيل يبدأ بأيّهما شاء اهـ. ج2 ص275 ط ق. (1/206)
صفحة 207
قال في أصل النيل وإن لزم امرأة حجّت مع زوج أو محرم إن وجد وإلاّ فمع ثقاة يمنعونها كأنفسهم وإن أرادت نفلا أو إعادة فمع زوج أو محرم فقط قال في الشرح هذا مذهبنا ومذهب الشافعي ومالك وقال أبو حنيفة كالحسن البصري والنخعي لا تحجّ إلاّ مع محرم أو زوج قال وفي التاج لا تخرج ولو إلى مكّة إلاّ مع ولي إلاّ إن لم تحجّ قط ولم تجد وليا فقد أجازوا لها أن تحجّ الفرض مع ثقاة معهم نساء وإن كانت ملية ولا ولي لها لم يلزمها الحج ويلزمها الإيصاء بالحج إلى أن قال وللزّوج منعها عن الخروج إلى الحج ولو فرضا وقيل عن النفل وهو الصحيح اهـ. ج2 ص275 ط ق.
قال في الفقه وأدلته شروط الحج إمّا عامّة فمنها ما هو شروط ووجوب وصحّة معا وأداء وهو الإسلام والعقل ومنها شرط الوجوب والإجزاء وهو البلوغ والحرّية ومنها ما هو شرط الوجوب فقط وهذه الشروط ما يلي:
1 - الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر وجوب مطالبة حال كفره لعدم أهليته فلو حجّ ثمّ أسلم يجب عليه حجّة الإسلام
2 - التكليف: أي البلوغ والعقل فلا يجب على الصغير والمجنون لأنّها غير مطالبين بالأحكام ولا يصحّ أيضا من المجنون لأنّه ليس أهلا للعبادة فلو حجّ ثمّ بلغ الصّبي وأفاق المجنون فعليهما حجة أخرى وما فعله الصّبي قبل البلوغ تطوّع ثمّ ساق كلاما طويلا عن حج الصبي: (1/207)
صفحة 208
3 - الحرّية: فلا يجب الحج على العبد لأنّه عبادة تطول مدّتها وتشترط لها الاستطاعة بالزّاد والرّاحلة ويضيّع حقوق سيّده فلن يجب عليه أمّا حكم الحج حال الصبى والعبودية قال وبناء على هذا الشرط وما قبله من حج غير بالغ فبلغ أو كان عبدا فعتق بعد انتهاء وقت عرفة فعليه الحج كما بيّننا للحديث:» أيّما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه فإن أدرك فعليه الحج أيّما مملوك حجّ به أهله فمات أجزأت عنه فإن أعتق فعليه الحج «قال رواه أحمد مرسلا ورواه الحاكم عن ابن عباس وقال حديث صحيح على شرط الشيخين وإن حدث البلوغ قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف وهما محرمان أجزاهما عند الشافعية الحنابلة لأنّ الواحد منهما أدرك الوقوف وهو حر بالغ ولم يجزهما عند المالكية والحنفية إذ يشترطان ذلك عند الإحرام.
4 - الاستطاعة البدنية والمالية والأمنية: الموجبة للحج وهي القدرة على الوصول إلى مكّة لقوله تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبيلا} [آل عمران: 97]، لكن للفقهاء بعض الاختلافات في حدود وجود الاستطاعة. (1/208)
صفحة 209
قال الاستطاعة عند الحنفية أنواع ثلاثة بدنية فلا حج على المريض المزمن والفالج والأعمى والشيخ الكبير والمحبوس والممنوع من قبل السلطان الجائر إلى أن قال وأمّا الاستطاعة المالية فهي ملك الزاد والراحلة وسيلة الركوب زائد ذلك عن حاجة مسكنه وما لا بدّ منه كالثياب أثاث المنزل والخادم وذكر للراحلة شروطا هي واضحة وأمّا الأمنية فهي أن يكون الطريق آمنا بغلبة السلامة ولو بالرشوة وأمن المرأة أن يكون معها أيضا محرم بالغ عاقل مأمون غير فاسق برحم أو صهرية أو زوج يحجّ بها بنفقتها وقال المالكية الاستطاعة هي إمكان وصول إلى مكّة بحسب العادة إمّا ماشيا أو راكبا ذهابا فقط ولا تعتبر الاستطاعة رجوعا إلاّ إذا لم يمكنه المقام بمكّة أو في أقرب بلد يمكنه أن يعيش فيه ثمّ ذكر الاستطاعة البدنية والمالية بوجود الزاد وما يقوم مقامه من صنعة لا تزري بصاحبها وتكفي حاجته قال وتتحقّق ولو بشيء يباع حتّى ولو صار فقيرا بعد حجّه أو ولو ترك أولاده للصدفة أو من تلزمه نفقته وأمان الطريق كغيره وكذا أمان المرأة وزاد أو رفقة مأمونة أمّا الشافعية للاستطاعة المباشرة بالنفس سبعة شروط.
أنواع الاستطاعة ثلاثة السابقة والباقي وجود الماء الكافي له ولدابّته مع علفها استطاعة أمن الطريق ولو ظنا على نفسه وماله، والسادس أمن المرأة كغيره أو نسوة ثقاة، السابع إمكان المسير مع مراعاة إمكان ما يكتسبه في الطريق إن كان المعتمد عليه اهـ. بتصرّف واختصار ج3 ص19 - 30.
أمّا شروط الصحّة فهي الإسلام إذ لا يصحّ من المشرك عبادة ومنها ترك الجماع في الحج فإن جامع فسد حجّه وعليه الحج من قابل ذكر ذلك في الإيضاح وقال ذلك لقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ} [البقرة: 187].
جـ- العقل: فلا يصحّ من المجنون أصلا لانتفاء النيّة. (1/209)
صفحة 210
د- البلوغ: فهو شرط وجوب كما تقدّم وشرط صحّة أيضا لما ورد في الحديث قال في النيل وشرحه ويعيد عبد بعد عتق وصبي بعد بلوغ قال في الشرح إن حجّ قبله وأطاق بعده ... وإن بلغ قبل الوقوف لم تلزمه الإعادة، وفي التاج إن أسلم المشرك وعتق العبد وأفاق المجنون عشيّة عرفة وقد بقي من النهار قدر ما يحرمون ويسبّحون ثلاثا قبل الغروب تمّ حجّهم إلى أن قال بعد أن ساق جواز حجّ الصّبي والصحيح الإعادة حتّى قيل إذا عتق العبد وبلغ الصّبي وأفاق المجنون وقد جاوز الميقات فعليهما أن يرجعا ويعيدا الإحرام قال - صلى الله عليه وسلم -:» أيّما صبي حجّ ثمّ بلغ الحدث فعليه حجّة أخرى، وأيّما أعرابي حجّ ثمّ هاجر فعليه أن يحجّ أخرى وأيّما عبد حجّ ثمّ عتق فعليه حجّة أخرى «قد تقدّم.
هـ- الحرّية: حسبما تقدّم شرح النيل ج2 ص276 ط ق.
المبحث الثالث: العمرة وأحكامها:
العمرة تابعة للحجّ وهي فريضة على الصحيح وفيها ثلاث مطالب:
المطلب الأوّل: حكمها وفضلها
العمرة واجبة على القول الصحيح بناءا على الآية في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرةَ للهِ} قال في قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل رحمه الله قال: اختلف النّاس في العمرة فقال قوم هي فريضة يحتجّ بالآية المذكورة ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا نزلت آية الحجّ قال:» باثنين الحج والعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة «رواه أحمد والترمذي من حديث جابر بن عبد الله وقال آخرون هي سنّة واحتجّوا بالأحاديث المعدود فيها فرائض الإسلام ولم يذكر فيها العمرة الخ اهـ. ج2 ص132.
وذكر في فقه جابر موضوع العمرة فأورده باختصار إذ هو شامل قال هل تجوز العمرة كلّ سنة اختلف النّاس في هذه المسألة، فروي عن الإمام جابر بن زيد قال لا تكرّر العمرة في السّنة نقله عنه الشيخ الجيطالي في مناسك الحج والقطب وهو قول الحسن وابن سيرين. (1/210)
صفحة 211
وذهب آخرون وهم الجمهور إلى غير ذلك فقال الحنابلة يجوز الاعتمار في السّنة مرارا ونقل ذلك عن علي وابن عباس غيرهم واستدلّوا بحديث عائشة أنّ النبي اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال رواه أبو داود ورجاله رجال صحاح وروي عن علي في كلّ شهر عمرة رواه البيهقي من طريق الشافعي بإسناد صحيح وأجاز آخرون العمرة في سائر العام إلاّ في أشهر الحجّ وهو قول الإباضية وروي ذلك عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب وروي عن مالك أنّ العمرة جائزة في كلّ وقت من السّنة إلاّ للحاجّ خاصّة في أيّام النحر اهـ. ص328.
ومن الإباضية من يرى أنّ العمرة جائزة في كلّ أيّام السّنة واحتجّوا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عمرات كلّها في ذي القعدة قال في شرح النيل ج2 ط ق ص271 ولا تكرّر في السّنة عند جابر وقيل تكرّر في السّنة كلّها إلاّ أشهر الحج وهو قول أصحابنا وقيل تكرّر في السّنة كلّها متى شاء ويدلّ لهذا أنّه لو دخل بعمرة مثلا في أشهر الحجّ ثمّ خرج لزمه الدخول بإحرام بحج أو عمرة أو بهما أو بها فقط اهـ.
قال في جوهر النظام للسالمي رحمه الله ص131 ج2.
مع كلّ عام عمرة كالحجّة ... وقيل بل تكرّرن في سنة
من عمرة لعمرة تكفّر ... ما بين ذاك والذنوب تغفر
معنى حديث في الربيع وردا ... يجوّزن في عامه التعدّدا
والأمر في الكتاب بالإتمام ... يستلزمن تكرارها في العام
فهذه الأدلة كلّها كما ترى تجيز تكرارها في سائر السّنة.
المطلب الثاني: كيفيتها:
العمرة عبارة عن أربعة أعمال:
1 - الإحرام:
أ- الإحرام من الميقات في أيّام الحج وحدها وهو التمتع فيلزم على صاحبها الهدي (شاة) حسب قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمرَةِ إِِلَى الحَجِّ فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ فَمَن لَم يَجِد فَصِيَّامُ ثَلاثَة أَيَّام فِي الحَجِّ وَسَبعَةٍ إِذَا رَجَعتُم} [البقرة: 196].
ب- الإحرام بالعمرة في غير أيّام الحجّ من الميقات فلا شيء على صاحبها. (1/211)
صفحة 212
جـ- الإحرام من مسجد عائشة أو أيّ مكان من خارج الحرم، للمفرد أو المكرّر للعمرة على قول الجواز.
2 - الطواف: بالبيت سبعة أشواط وسيأتي بيانه وصلاة ركعتين بعده.
3 - السعي بين الصفا والمروة: وسيأتي كذلك
4 - الحلق: وهو أفضل والتقصير بأن يأخذ من شعر رأسه.
المطلب الثالث أحكام الهدي:
الهدي ما يساق أو يشترى ليذبح في الحرم وهو نوعان:
أ- ما كان تطوّعا: يجوز الرجوع فيه ما لم يقلّد أو يشعر.
ب- الواجب: وهو خمسة أنواع:
1 - النذر: وهو أن يحلف إن فعل كذا أو إن لم يفعل كذا فعليه هدي فيجب الوفاء به وينحر ويتصدّق به في الحرم قال في القواعد هدي النذر وهو يجب باليمين وذكر ما تقدم قال أو أن ينذر بابنه أو عبده فعليه هدي فداء له.
2 - هدي المتمتع: وهو من أحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج وليس من أهل مكّة كما تصرّح الآية فعليه هدي شاة أو بقرة أو ناقة وكلّما كانت أكبر فهي أعظم أجرا، وأصل نحرها أو ذبحها في منى يوم النحر، وجاز قبله في أيّ مكان من الحرم، ذكر ذلك في شرح النيل ج2 ص397 ط ق.
وفي القواعد قال: وقال قوم يجوز نحر الهدي حيث صاحبه إلاّ هدي القرآن وجزاء الصّيد فلا ينحر إلاّ في الحرم، وبالجملة فالنحر بمنى بإجماع وفي العمرة بمكّة واحتجّوا بقول النبي:» فجاج مكّة كلّها منحر «رواه مالك قال بلغنا أنّ رسول الله قال بمنى» هذا المنحر وكلّ منى منحر، وكلّ فجاج مكّة منحر «إلى أن قال في التعليق والأولى بالنسبة للحاج أن يذبح بمنى وللمعتمر أن يذبح بالمروة لأنّها تحلّل كلّ منهما اهـ ج2 ص187.
جـ- هدي القران: وهو من قرن بين الحجّ والعمرة فعليه هدي لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه فعل ذلك في حجّة الوداع فروي عن حفصة قالت لرسول الله ما بال النّاس أحللوا بعمرة ولم تحل أنت قال:» إنّي لبنت رأسي وقلدت هديي فلا أحلّ حتّى أنحر «رواه الجماعة إلاّ الترمذي ذكر هذا في الإيضاح ج2 ص255. (1/212)
صفحة 213
د- هدي الفدية: لمن به مرض ألجأه إلى حلق رأسه أو لبس ثيابه في الإحرام ذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {فَمَّن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو بِهِ أَذى مِن رَأسِهِ فَفِديَةٌ مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ} [البقرة: 196]، ولأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من آذاه القمل عام الحديبة فقال:» صم ثلاثة أيّام، أو أطعم ستّة مساكين أو أنسك بشاة أيّ ذلك فعلت أجزاك «متّفق عليه اهـ. القواعد ج2 ص179 وموضع الذبح مختلف فيه حسبما ذكر في الإيضاح والقواعد فقيل يصحّ ذبحه في أيّ مكان وقيل في الحرم قياسا على الهدي.
هـ- جزاء الصيد: فيمن قتل صيدا في الحرم حسبما في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ مِنكُم هَديًا بَالِغَ الكَعبَةِ أَو كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ أو عَدلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95]، فمن قتل صيدا في الحرم حكم عليه عدلان ما يماثله من إبل أو بقر أو معز أو ضأن حسبما هو مفصّل في كتب الفقه، ويذبح الهدي في الحرم هذه هي أنواع الهدي جمعتها لمناسبة هدي التمتع.
4 - الحلق أو التقصير: فإذا أتمّ المعتمر السّعي بين حلق رأسه وهو أفضل لقوله - عليه السلام -:» رحم الله المحلّقين ثلاث مرّات وفي الرابعة قال والمقصّرين «هذه هي أركان العمرة.
المبحث الرابع: أركان الحج: أركان الحج جوانبه القوية وهي أربعة:
فالبحث فيها على أربعة مطالب:
المطلب الأوّل: الإحرم وأنواعه وأحكامه: الإحرام من أركان الحج التي لا يتمّ إلاّ بها وهو أن يلبس الحاج الرجل ثوبين أبيضين أو غسيلين إذا وصل الميقات قاصدا لحج أو العمرة فالبحث فيه على ثلاثة محاور.
المطلب الأوّل: مقدّمات الحج: (1/213)
صفحة 214
لمّا كان الحجّ تمثيلا لسفر الآخرة وباعثا على التفكير للاستعداد لها يحسن بمريد الحج أن يتهيّأ له كما يتهيّأ لآخرته قال في الإيضاح إذا أردت الخروج للحجّ فاقض ديونك وتخلّص من تبعاتك وكفّر عن أيمانك، وأوف بنذرك وصل أرحامك ووسّع من زادك ليتّسع خلقك وقد أمر الله بالتزوّد فقال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزّادِ التَّقوَى} [البقرة: 187] قال ولا تماكس في الكراء ولكن ساوم فإن غلا عليك فاتركه وقد قال تعالى: {وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ} وإذا أردت الخروج وقد تهيّأت راحلتك أو مركوبك فصلّ ركعتين في منزلك وقل: ''اللهمّ إنّك افترضت الحجّ وأمرت به فاجعلني من وفدك الذين رضيت وكتبت وسمّيت'' وأخلص النيّة ثمّ سلّم على أهلك وودّعهم وأظهر لهم الشّفقة، وإذا ركبت راحلتك فقل كما بلغنا عن رسول الله يقول: من طريق عمر أنّه كان إذا ركب راحلته وأراد السّفر كبّر ثلاثا وقال: ''سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون اللهمّ إنّي أسألك في سفري هذا البرّ والتقوى والعمل بما ترضى، اللهمّ هوّن علينا السّفر، واطو لنا الأرض اللهمّ أنت الصاحب في السّفر وأنت الخليفة في الأهل والمال والولد اللهمّ اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا'' رواه أحمد.
وإذا سرت فقل الحمد لله الذي حملنا في البرّ والبحر ورزقنا من الطيّبات وإذا نزلت منزلا فقل الحمد لله الذي بلغنا سالمين، اللهمّ ربّنا أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ''اللهمّ ارزقنا بركة منزلنا هذا واصرف عنّا شرّه'' وليكن تفكيره في سفره في الحجّ لا غير اهـ. ج2 ص240 - 243 وذكر نحوا من ذلك في النيل وشرحه.
المطلب الثاني: الرّكن الأوّل الإحرام وأحكامه وأنواعه: (1/214)
صفحة 215
الإحرام في اللّغة الدخول في حرم الشيء كما نقول تكبيرة الإحرام أي الدّخول في حرم الصّلاة أمّا في الشرع فهو تجرّد الحاج عن المخيط عند إرادة الحجّ أو العمرة بأن يلبس ثوبين أبيضين جديدين أو غسيلين غير مخيطين إذا وصل الميقات مع النّية والتّلبية وله أحكام في أربعة محاور.
أ- فرائضه: أمّا بالنسبة للرجل فكشف الرّأس وظاهر القدمين والنيّة والتلبية مع الصفة المتقدمة أمّا المرأة فإحرامها من وجهها ويديها فقط ويصح لو بدون طهارة.
وهو بالنسبة للنّية والتّلبية ثلاث أنواع:
1 - التمتّع: وهو أفضل بأن ينوي الإحرام بالعمرة وحدها فإذا انتهى من السّعي حلق شعره أو قصّر منه فيحلّ ثمّ يجدّد الإحرام للحج.
2 - المفرد: وهو الذي ينوي ويلبّي في إحرامه بالحج خاصّة فيستمر في إحرامه إلى يوم النّحر بعد الرجوع من عرفات فإذا رمى جمرة العقبة أحلّ من إحرامه الحليل الأصغر ثمّ الأكبر بعد الطواف والسعي كما يأتي.
3 - القران: أن ينوي الإحرام بالحج والعمرة معا ويكون في إحلاله كما تقدّم في الإفراد ولكلّ منها أحكام:
ب- شروط الإحرام: قال في الإيضاح شرط الإحرام الزمان والمكان: وهو ما يسمّى مواقيت الحج: وهي أماكن معيّنة قال فالأصل في هذا ما روي عن أبي سعيد الخذري قال وقّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة أن يهلّوا (رفع الصوت بالتّلبية) من ذي الحليفة (1)
__________
(1) 1 - ذي الحلفية: 12كم عن المدينة وهو يسمى الآن بأبيار علي ويبعد عن مكّة 411كم. 29/ 05/89. (1/215)
صفحة 216
ولأهل الشام من الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق، رواه البخاري وهو مذكور بنفس السند في الجامع الصّحيح 2 ص159 ثمّ قال وقيل إنّ عمر وقّت لأهل العراق ذات عرق لأنّ البصرة إنّما فتحت في خلافته، ولا خلاف أنّه يلزم الإحرام من هذه على كلّ من مرّ من هذه المواقيت يريد الحجّ أو العمرة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا يجاوز الميقات إلاّ محرم «متّفق عليه وقيل لا يلزم الإحرام إلاّ لمريد الحج والعمرة وهذا كلّه لمن كان من غير أهل مكّة وإذا جاوز الميقات أحد ولم يحرم رجع للميقات وأحرم ولا شيء عليه وإذا خاف فوات الحاجّ أحرم من مكانه ولزمه دم، وذلك أنّ المواقيت سنّة إذ أنّ النبي وقّت لكلّ ناحية ومن سلك طريقهم يريد مكّة تلك المواقيت ومن أحرم من منزله أو أيّ موضع قبل الميقات لزمه إحرامه اهـ. باختصار ج2 ص243 - 245.
قال وأمّا الزّمان الذي هو شرط في الإحرام بالحج فالأصل فيه قوله تعالى: {الحجُّ أَشْهُرٌ مَعلُومَات} [البقرة: 197]، وقد اختلف الناس في أشهر الحجّ فقال قوم ثلاثة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة، فوجب أن يطلق على جميع أيّام الحج أصله إطلاقه شوال، وذي القعدة وعشرة أيّام من ذي الحجّة واحتجّوا أنّه تبقى على الحاج أعمال مثل الرمي بعد عرفة والحلق والبيات بمنى وكلّها في خاتم الحج وقال آخرون شهران وعشرة أيّام وبهذا يقول أصحابنا قال والدليل انقضاء الإحرام قبل تمام الثلاثة بانقضاء أفعاله اهـ. ج2 ص245 وذكر مثل ذلك في النيل وشرحه.
وذكر الزحيلي نحوا من ذلك ولا يوجد خلاف في مكان الميقات وأمّا الإحرام من قبل الميقات فاعتبره أفضل أمّا من تكرّر دخوله بعد دخوله بحجّة أو عمرة ففيه خلاف لمن ليس له ما يقتضي تكراره كالراعي والتاجر والبريد ونحوهم كما هو عندنا والصحيح أنّه لا لزوم (1).
جـ- موانع الإحرام: قال في الإيضاح موانع الإحرام خمس وهي: (1/216)
صفحة 217
لبس المخيط من الثياب مع تغطية الوجه استعمال الطيب، إلقاء التفث الجماع، الاصطياد ثمّ شرع في تفصيلها فقال: أمّا الأول فلقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ولا الأخفاف فإن لم يجد نعلا فليلبس خفين وليقطعهما من أسفل الكعبين «، قال» ولا يلبس المحرم شيئا من الثياب مسّه الورس أو الزعفران «متّفق عليه قال: وقاس العلماء على ما ذكر ما هو في معناه بأن لا يغطي المحرم رأسه ولا يلبس ما يشبه القميص من كلّ مطوق ولا بأس بالاستظلال ممّا لا يمس الرأس إلى أن قال ولا يحمل شيئا على رأسه لما جاء في الأثر إحرام الرجل من رأسه وإحرام المرأة في وجهها قال ولا يعقد على نفسه عقد خيط ولا ثوب ولا يتقلّد سيفا ولا قوسا ولا التعاويذ إلى أن قال: والمرأة في هذا تخالف الرجل، لأنّ المرأة تلبس في الإحرام ما كانت تلبس قبله، إلاّ ما كان فيه طيب وإلا البراقع وتغطية الوجه وكذا أيضا لا تلبس القفازين وعن عمر أنّه سمع رسول الله ينهى امرأة أن تلبس القفازين والنقاب وما مسّه من الثّياب الورس أو الزعفران متّفق عليه اهـ. الإيضاح ج2 ص263.
2 - الطيب: والأصل فيه الحديث المتقدّم وقد روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا عليه قميص ملطّخ بالزعفران فألقاه وأمره أن يخرجه من عليه رواه أحمد قال كذلك لا يشمّ الطيب ولا يتلذّذ به وإن اشتمّه متعمّدا فعليه دم وأمّا إن أكل طعاما فيه طيب فقد قالوا لا بأس عليه قال وكذا ينبغي أن يتّقي الطيب قبل أن يحرم، قال وكذا لا تلبس المرأة خزا ولا حريرا ولا تتزيّن ولا تكتحل وتنزع عنها حليّها إلاّ ما خافت أن ينكسر بنزعه ولأنّه من دواعي الجماع فنهي عنه كما نهي عن الرفث. (1/217)
صفحة 218
3 - إلقاء الثفت: وهو المعنى بقوله: {ثُمَّ لِيَقْضُوا ثَفْتَهم} [الحج:29] وهي حفّ الشارب، تقليم الأظافر، نتف الإبطين، حلق العانة، والأخذ من الشعر كأنّه خروج من الإحرام وذكر النهي عن غسل الرأس ثمّ روى عن ابن عباس إجازته وأنّ النبي فعله وقال والأحوط تركه لئلاّ ينزع شعرا قال وإن نتف شعرة فمسكينا وفي اثنتين مسكينان وفي الثلاث دم وكذا في الأظفار إلى أن قال: خرج كعب بن عجرة مع رسول الله يريد الحج فآداه القمل فأمره أن يحلق رأسه وقال:» صم ثلاثة أيّام أو أطعم ستة مساكين أو انسك بشاة «رواه الجماعة إلاّ الترمذي وقيل فيه نزل قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو بِهِ أَذى مِن رَأسِهِ فَفِديَةٌ مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُك} تقدّمت اهـ. الإيضاح 269.
4 - الجماع: والأصل فيه قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} قيل المقصود به الجماع وقيل المقدّمات والنّهي عن المقدمات أبلغ فالجماع أولى، قال في الإيضاح وقيل هو غشيان النساء والقبل والغمز إن تعرض لها بالفحش من الكلام ومن فعل أبطل حجّه كان إحرامه بحجّة أو عمرة أو هما سواء كان عمدا أو خطأ لعموم الآية وعليه بدله من عامه وإن لم يستطع فمن قابل وعليه الهدي كفّارة مع البدل، وقيل يتمّه كما هو وعليه البدل والهدي قال وعن جابر بن زيد رحمه الله قال وسمعت أنّ رجلا أصاب امرأته بذلك في عهد عمر - رضي الله عنه - فسئل عن ذلك فقال يقضيان حجّهما من قابل ويهديان ولا تحرم امرأته بذلك وقد سمعتها من نبيئكم هكذا رواه البيهقي اهـ. الإيضاح ج2 ص270.
ذكر في فقه جابر ص348 قال اتّفق العلماء أنّ المحرم يحرم عليه مجامعة زوجته وإن فعل ذلك فسد حجّه إن وقع بغيوب الحشفة، ولكنّهم اختلفوا فيما دون ذلك وفرّقوا بين حالة الإنزال وعدمه: (1/218)
صفحة 219
1 - إذا وقع الإنزال: فروي عن جابر بن زيد أنّ الحجّ لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إن أنزل إلاّ الجماع، وساق ما ذكر المحلى: أنّ رجلا وضع يده في موضع من امرأته ولم يرفعها حتّى أنزل فأرسلوا إلى جابر فرجع وقد أفتاه قال: استكتمني وهذا مذهب ابن حزم وحجّته عدم وجود لعن.
وقال الإباضية (ولا يتلذّذ بنظر إلى امرأة وإن زوجة أو سرية ولا يقبّلها ولا يمس ما تحت ثيابها فإن فعل ذبح شاة بمكّة وأجزاه حجّه إلاّ إن أنزل اهـ. أمّا إذا لم يقع الإنزال فاتّفق الفقهاء أنّه لا يفسد حجّه وقال الإباضية إن لم ينزل لزمه ذبح بمكّة وقالوا يلزم الدّم بكلّ ما حرّك الذّكر ويفسد حجّه بكلّ إنزال اهـ.
قال في الإيضاح واختلفوا في نكاح المحرم (أي الزواج) فقيل لا ينكح المحرم وينكح والدليل ما وري عن عثمان بن عفان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا ينكح المحرم ولا ينكح «رواه الجماعة إلاّ البخاري وقال بعضهم لا بأس بذلك ولا يدخل بها حتّى يحلّ قال الربيع قال ضمام بن السائب عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال أن ّالنبي - صلى الله عليه وسلم - تزوّج خالته ميمونة بنت الحارث وهو محرم رواه الجماعة إلاّ البخاري.
وقال وأمّا الفسوق فهو المعاصي فمن ركب شيئا ممّا نهى الله عنه فعليه الجزاء، وقيل هو السباب وأمّا الجدال المراء فمن فعل وما روى بالباطل يغضب أو يغضب صاحبه فعليه كفّارة ومن جادل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا كفّارة اهـ. (1/219)
صفحة 220
5 - الاصطياد: والأصل قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيكُم صَيْدُ البَرِّ مَا دُمتُم حُرُمًا} [المائدة: 95] ولا يأكل صيد بر وإن صاده غيره، وهو قول ابن عباس وبه أخذ أصحابنا إلى أن قال والدليل على ما عليه أصحابنا أنّ صيد البرّ حرام على المحرم ما روي من طريق ابن عباس قال: أهدى رجل إلى رسول الله حمار وحش وهو بالأبواء فردّه عليه فلمّا رأى الكراهة في وجهه قال لم نرده عليك إلاّ أنا حرم متّفق عليه قال ومن أكل فعليه قيمة ما أكل وإن صاده وقتله فعليه الجزاء لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثلِ مَا قَتَلَ مِنَ النّعَمِ} ومع هذا التخصيص أوجبوا الفداء في العمد والخطأ قال وهو الأشبه لأنّ الخطأ لا يزيل الضمان بل الإثم اهـ.
أمّا ما يضرّ من حيوان أو هوام فلا بأس بقتله في الإحرام وغيره قال ويجوز أن يقتل ما قاتله من السّباع لما روي من طريق عائشة قالت قال سول الله - صلى الله عليه وسلم -:» خمس ليس على المحرم في قتلهنّ من جناح الغراب والحدأة والفار والعقرب والكلب العقور «رواه أحمد.
إلى أن قال والذي يوجّه النظر عندي أنّ الضواري كلّها يقتلها لقوله - عليه السلام -:» اقتلوا كلّ مؤذ في الحلّ والحرم «رواه أبو داود والحديث الأوّل مذكور في الجامع الصحيح عن عائشة اهـ. الإيضاح من ص271 - 285 باختصار وكلّ ما تقدّم من موانع الإحرام مذكور في النيل وشرحه من ص321 - 333.
د- سنن الإحرام: سنّ للإحرام الاغتسال ويكفي الوضوء قال في النيل وشرحه سنّ اغتسال الإحرام وقيل فرض وجوّز الوضوء فقط قال في الشرح بعد استنجاء وإزالة الأنجاس وجوّز التيمّم مع القدرة وجوّز الإحرام بجنابة بلا صلاة والحاصل أنّه يجوز الإحرام بلا صلاة وأمّا الصّلاة بجنابة بلا تيمّم أو بتيمّم مع القدرة فلا تصحّ اهـ. ج2 ص297 ط ق.
المطلب الثالث: الطواف وأحكامه: (1/220)
صفحة 221
الطواف في اللغة الدوران حول الشيء ويقال طاف بمعنى ألمّ به {يَطُوفُ عَلَيهِم وِلدَانٌ} يدورون حولهم فطاف عليها نزل بها الشّر ليلا.
وفي الاصطلاح دوران الحاج حول الكعبة فرضا أو نفلا سبعة أشواط وهو من أركان الحجّ والعمرة فلا يتمّ أحدهما إلاّ به باتّفاق العلماء سوى الحنفية إذ هو عندهم من فروض الحج فالكلام فيه على ثلاث محاور:
أ- حكمه وكيفيته والحكمة من مشروعيته: فالطواف من أركان الحجّ الواجبة ولا يتمّ الحجّ إلاّ به قال في القواعد وقد أجمعوا على أنّه ركن من أركان الحجّ التي لا يتمّ إلاّ بها لقوله تعالى: {وَلَيَطَّوَفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ} [الحج: 69] ولا خلاف في ذلك من الكتاب والسنّة، وصفته أن يبدأ به من الحجر الأسود بعد أن يقبّله إن قدر ثمّ يجعل البيت على يساره ثمّ يمضي في الطواف على يمينه ويستلم الركن اليماني إن قدر عليه حتّى ينتهي إلى الحجر الأسود يفعل ذلك سبعة أشواط قال واختلفوا في الرمل في الطواف فذهب أكثر مخالفينا من فقهاء الأمصار إلى أنّه سنّة في الثلاث الأولى وزعموا أنّه ثابت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال أصحابنا الرمل في الطواف منسوخ وبه قال ابن عباس في حديث ابن الطفيل وذكروا ذلك عن قومه، فقال صدقوا وكذبوا فقالوا كيف؟ فقال صدقوا أنّ النبي فعله هو وأصحابه وكذبوا إذ جعلوه سنّة لا يجوز تركها وذكر أنّ فعل النبي ليريَ المشركين جلد أهل المدينة اهـ. ج2 ص150 والحكمة من مشروعيته أن يشعر الإنسان أنّه محتاج إلى ربّه يلود ببيته ويسأله حاجته وغفران ذنوبه اقتداء بالملائكة وقد جعل الله البيت المعمور في السماء لتتمّ توبتهم ممّا وقعوا فيه من الخطأ عندما أجابوا الله {أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا} ذُكر ذلك في النيل وشرحه والإيضاح والقواعد. (1/221)
صفحة 222
ب- فرائضه: فرائض الطواف ثلاث: 1. النيّة إذ لا يصحّ عمل بلا نيّة لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 05]، والطهارة من الأحداث والنّجاسات إذ هو صلاة قال في القواعد واختلفوا في جواز الطواف بلا طهارة بعد إجماعهم أنّها سنّة فقال أصحابنا لا يجزي بغير طهارة، لا عمدا ولا سهوا، وبه قال مالك والشافعي وقال آخرون يجزيه وعليه دم وروي ذلك عن أبي حنيفة قال واحتجّ أصحاب القول الأوّل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:» الطواف بالبيت صلاة لكن أحلّ الله فيه الكلام «علّق عليه قال نصّ الحديث عند الترمذي» الطواف حول البيت مثل الصّلاة إلاّ أنّكم تتكلّمون فيه «ولأمر الحائض أن تفعل كلّ شيء إلاّ الطواف حتّى تطهر اهـ. ج2 ص153.
جـ- لا بدّ أن يدخل الحجر ما بقي من بناء البيت في طوافه ولا يصحّ بدونه قال في القواعد واختلفوا فيمن سلك الحجر في طوافه فقيل يعيد طوافه كلّه وقيل يلغي ما دخل ويبني اهـ. وهو الصحيح.
3 - سننه: سنن الطواف أربع:
أ- تقبيل الحجر الأسود إن أمكن وإلاّ كبّر حياله ثلاثا (1).
__________
(1) 1 - الزّعم: قول بغير دليل، الإبضاع: إظهار الكتف الأيمن ورمي الثوب على الأيسر، البيت المعمور: في السماء السابعة، بيت العزّة: في السّماء الأولى نزل فيه القرآن جملة واحدة. (1/222)
صفحة 223
ب- استلام الركن اليماني: وكلاهما وردت فيه أحاديث ولم يذكر منها شيء لا في الإيضاح ولا في النيل وشرحه وذكر في الجامع الصحيح قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا يصنعها من أصحابك رأيتك لا تمسّ من الأركان إلاّ الركن اليماني، ورأيتك تلبس النعال السبتية ورأيتك تصبغ الصفرة الخ قال في الحاشية قوله رأيتك لا تمسّ من الأركان أي لا تستلم شيئا من أركان البيت إلاّ اليماني قال ولا ينافيه حديث سالم بن عبد الله عن أبيه قال لم أر النبي مسّ من البيت إلاّ الركنين اليمانيين لأنّ المراد بالأركان ما عدا الحجر فإنّ استلامه وتقبيله معلوم عندهم لا يتركه أحد اهـ. ج2 ص175 وقال في نيل الأوطار وعن ابن عمر سئل عن استلام الحجر فقال كان رسول الله يستلمه ويقبّله، عن نافع قال كان ابن عمر يستلم الحجر ويقبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله يفعله متّفق عليه اهـ. ج5 ص43.
جـ- ومن السنّة الدعاء والذكر أثناء الطواف قال في الإيضاح: وفي الأثر إذا أراد الطواف لاذ (1) بالبيت بقدر ما لا يقابل الباب ثمّ يأخذ في الطواف على يمينه ويقول عند ركن الحجر: ''الله أكبر ثلاثا اللّهم إنّي أسألك إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتّباعا لسنّتك وسنّة نبيئك محمّد - صلى الله عليه وسلم - '' ثمّ تمشي في الطّواف وأنت تقول: ''سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله''، وإذا فصلت الباب فقل: ''الله أكبر ثلاثا اللهمّ قنّعنا بما رزقتنا، وقنا شحّ أنفسنا واجعلنا من المفلحين'' ثمّ تمشي وأنت تقول: ''سبحان الله'' الخ الدعاء فإذا وصلت الميزاب فكبّر ثلاثا وقل: ''اللهمّ إنّي أسألك الرّاحة عند الموت والعفو عند الحساب والنجاة من العذاب''، ثمّ تمشي وأنت تقول الباقيات الصّالحات.
__________
(1) 2 - لاذ: تجنّب. (1/223)
صفحة 224
وإذا أتيت الركن اليماني فقل: ''الله أكبر ثلاثا اللهمّ ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار'' واستلم الركن إن قدرت ولا تؤذي أحدا وإذا وصلت ركن الحجر فكبّر بعد أن تستلمه إن قدرت وقل ''اللهمّ إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك'' الخ وافعل ذلك حتّى تتمّ سبعة أشواط وتكثر في طوافك من التحميد والتهليل والتكبير والدعاء.
د- تصلّي ركعتين خلف مقام إبراهيم - عليه السلام - فهي سنّة لا يتمّ الطّواف إلاّ بها.
المطلب الرابع: السّعي بين الصّفا والمروة:
السعي في اللّغة الجري ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا توّب للصّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون .. «وقد يقصد به مطلق السّير كما في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللهِ} [الجمعة:]، أي فسيروا إليها وفي الاصطلاح التردّد بين الصّفا والمروة سبعة أشواط للحجّ أو العمرة ولا نافلة فيها وهو من أركان الحجّ على الصحيح لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أَو اِعتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:» خذوا عنّي مناسككم «ولم يترك السّعي لا في حجّ ولا في عمرة فهما من مناسك الحج الذي لا يتمّ إلاّ به والكلام فيه على ثلاث محاور: (1/224)
صفحة 225
أ- حكمه: قال في القواعد المسألة الأولى حكمه: اختلف فيه فقال قوم هو فريضة وهو مروي عن عائشة - رضي الله عنه - ا وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق بن رهويه ومن لم يسع عند هؤلاء فلا حجّ له في عامه وعليه الحج من قابل وقال آخرون هو سنّة يلزم تاركه دم وبه قال أصحابنا وأهل الكوفة وهو مروي عن الحسن وقتادة وغيرهما واحتجّ من قال بوجوبه لما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسعى ويقول:» واسعوا فقد كتب عليكم السعي «رواه ابن ماجه والشافعي وأحمد قال في الإيضاح وجعل الله الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله أي من المناسك وهما سنّة واجبة معمول بها وقال بعض فريضة وروي عن عروة قال قلت لعائشة إنّ الله يقول: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أَو اِعتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، فما أرى على أحد أن لا يطوف بهما فقالت كلاّ لو كان الأمر كذلك لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف وإنّما نزلت في الأنصار كانوا يتحرّجون وقال في النيل وشرحه سنّ السعي بين الصّفا والمروة وقيل فرض قال في الشرح لا حجّ لتاركه وبه قالت عائشة الخ كما قال في الإيضاح قال وقيل تطوع لا فساد بتركه ولا دم وذلك أنّ الله تعالى قال: {لا جُنَاحَ} فهذا نفي الجناح إذ كانوا يطوفون بها في الجاهلية فخافوا أن لا يجوز في الإسلام فنزلت الآية رفعا للجناح المتوهّم إلى أن قال والدليل على وجوب السعي خارج الآية وهو أنّهه لم يحج النبي ولا أحد في زمانه ولم يعتمر بدون سعي اهـ. ج2 ص354 ط ق. (1/225)
صفحة 226
ب- كيفيته: هي كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد بدأ بالصّفا وختم بالمروة قال في النيل وشرحه: والدخول إليه من بين الأسطوانتين المذهّبتين من باب الصّفا والدعاء بـ''اللهمّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا'' وندب الصعود عليه قدر ما يقابل البيت بلا زيادة ومن عجز قام بأصلها كما في المروة والتكبير سبعا قائلا إثر السابعة ''كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ولا إله إلاّ الله حقا يقينا ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم'' ثمّ يقول: ''اللهمّ استعملنا لسنّة نبيئك محمّد - صلى الله عليه وسلم - واعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن'' ثلاثا وينحدر من الصفا قاصدا المروة قائلا ''اللهمّ اجعل هذا المشي كفّارة لكلّ مشي كرهته منّي''.
ويهرول بين العلمين قائلا: ''ربّ اغفر وارحم وتكرّم وتجاوز عمّا تعلم واهدنا الصّراط الأقوم إنّك أنت الأعزّ الأكرم وأنت الرّب وأنت الحكم'' فإذا انتهى من الهرولة عند العلم الموالي للمروة قال: ''ربّ نجّنا من النّار سراعا سالمين غانمين ولا تخزنا يوم الدين'' وينصرف قاصدا المروة ويصعد قدر ما يقابل البيت ويدعوا بما دعا على الصفا وهكذا حتّى يتمّ سبعة أشواط عند المروة ويدعو بما فتح الله عليه ويحلق رأسه وهو أفضل أو يقصر وبذلك يتحلّل من سعي العمرة أمّا الحج فقد تحلّل قبلُ التحليل الأصغر كما سيأتي وعند تمام السّعي يكون التحليل الأكبر كذلك اهـ. بزيادة بسيطة ج2 ص357. (1/226)
صفحة 227
جـ- سننه: من السنّة يدخل للسعي من باب الصفا ويقول: أبدأ بما بدأ الله به {إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} والهرولة وهي سنّة مؤكّدة يلزم بتركها دم قال في النيل وشرحه أصل السعي أنّ إبراهيم - عليه السلام - ترك صغيرا هناك مع أمّه فعطش فقامت تطلب له الماء متردّدة بين الصّفا والمروة حتّى أنبع الله زمزما تحت قدم ابنها فجعل من المناسك وسنّ إرمال (1) بين العلمين للرّجل والمرأة تسرع ولا ترمل وعدّ تاركا للفضل والسنّة من خرج لا من باب الصفا ولا يلزمه قيل شيء وندبت فيه الطهارة وجاز فيه الأكل وشراء ما لا بدّ منه من ماء للشرب، وإن عيي استراح بدون أن يقطع نيّة السعي ويستأنف قال والحلق سنّة وهو أفضل من التقصير، وإن قصّر أو حلق لنفسه جاز والأحسن بمحل غيره قال ويحرم المحل بالحج يوم التروية أمّا القارن فلا يحل اهـ. ج2 ص359 ط ق.
المطلب الخامس: الوقوف بعرفة: (2)
الوقوف بعرفات من أركان الحج بإجماع لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:» الحجّ عرفة فمن أردك من الشمس قدر ما يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله الله أكبر فقد أدرك الحج «متّفق عليه والكلام فيه على أربعة محاور.
مقدماته: وهي أربع:
أوّلا: الإحرام من بطحاء مكّة يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجّة والأحسن أن يكون من الحرم أي المسجد أو من مسجد الجن بأن يلبس ثياب الإحرام كما تقدّم وينوي الإحرام للحج.
يقول ''اللهمّ إنّي نويت الحجّ فتقبّله منّي وأعنيّ عليه لبّيك اللهمّ لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنّعمة لك لا شريك لك لبّيك بحجّة تمامها وبلاغها عليك يا الله''.
ثانيا: الذهاب لمنى وجمع الصّلوات الخمس بها أي بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وذلك سنّة.
__________
(1) 1 - الهرولة: ليست هي الرمل فالأوّل مع اهتزاز أمّا الثاني فهو شيء من الإسراع.
(2) 1 - لا يثبت الهلال في الحج بخبر الواحد. (1/227)
صفحة 228
ثالثا: المبيت بمنى فإذا نزل منى قال اللّهم إنّ هذه منى، وهي ممّا دللت عليه من المناسك، فمنّ علي فيها بما مننت على أوليائك وأصفيائك.
رابعا: الخروج منها إلى عرفات بعد طلوع الشمس وكلّ ذلك سنّة ذكره في النيل وشرحه باختصار ج2ص364.
ب- فرائضه: فرائضه النيّة والوقوف للدعاء في عرفات وهي ما بعد وادي عرفة إلى حدودها من المشرق إلى غروب الشمس وأقل ما يجزي ذكر الباقيات الصّالحات قبل الغروب، وأن يكون في اليوم التّاسع من ذي الحجّة.
ج- سننه: سننه الجمع بين الظهر والعصر قصرا والخطبة للإمام إن أمكن والإفاضة منه بعد غروب الشمس. (1/228)
صفحة 229
د- الحكمة من مشروعيته: شرع الوقوف بعرفات حتّى يكون مظهر قوّة الإسلام ومظهر للمساواة وليشعر الإنسان باحتياج إلى ربّه ويتضرّع إليه بالدّعاء فذلك مكانه فهناك يستشعر بأنّه واقف أمام سيّده ومولاه فليسأل ما شاء ويستحسن أن يقول عند نزوله بها اللّهم إنّ هذه عرفات فعرّفني فيها ما عرفت أولياءك وأهل طاعتك ويدعو بكلّ ما دعا قبل في الطواف والسعي سواء ما كان لدينا أو آخره ولا حد في ذلك وهو مقام التوبة والاستغفار، قال في الإيضاح وفي الأثر وأمّا من تعجّل إلى عرفات ليلة منى فقد أخطأ السنّة، ومن غدا إلى عرفات من منى قبل طلوع الشمس فلا كفّارة عليه وأمّا الدعاء في عرفات والذّكر لله سنّة بإجماع وهو شيء غير محدود وقد بلغنا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعرفات ثمّ خطب النّاس ورغّبهم ثمّ قال:» هذا مقام قد قمته وقامته الأنبياء من قبلي فأفضل ما قلته وقالته من قبلي'' لا اله إلاّ الله'' فأكثروا منها «فإنّه يغفر لقائلها، رواه أحمد والترمذي وقال أيضا:» الجنّة لمن تاب والمغفرة لمن وقف بعرفة «رواه أبو داود وأمّا الاغتسال بعرفة فمستحب وإن وقف على غير طهارة فوقوفه تام بإجماع والدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - للحائض أن تعمل أعمال الحجّ إلاّ الطواف وقد أمرها بالوقوف بعرفات على غير طهارة وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» عرفات كلّها موقف إلاّ بطن عرفة «رواه الدارقطني قال والدليل على أنّ الوقوف إلى غروب الشمس أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» إنّ أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال وإنّا لا ندفع من عرفات حتّى تغرب الشمس ويحلّ فطر الصّائم، وندفع من المزدلفة غدا إن شاء الله قبل طلوع الشمس وهدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان «رواه البيهقي وأبو داود قال: ومن وقف بعرفات قدر ما يقول الباقيات الصّالحات قبل (1/229)
صفحة 230
مغيب الشمس فقد أدرك الحجّ. متّفق عليه قال وإن غربت الشمس ولم يقف فاته الحجّ وقال بعضهم من وقف بعد ذلك ساعة من اللّيل ولحق مع النّاس صلاة الفجر بجمع فقد أدرك الحجّ لما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» من وقف بعرفات ساعة من ليل ولحق معنا صلاتنا هذه صلاة الفجر بجمع فقد أدرك الحجّ «رواه الخمسة اهـ. الإيضاح ج2 ص314. قال نفس الصفحة ومن نظر الشهر وحده ولم يعمل به فليقف يوم عرفة قال الزحيلي أجمع العلماء على أنّ الوقوف بعرفات هو الركن الأصلي للحج لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» الحجّ عرفة «وأنّه لا يتمّ إلاّ به فعلى من فاته الحج من قابل والهدي في قول أكثرهم، ومكان الوقوف عرفة وساق الحديث المتقدّم قال من غير تعيين موضع دون موضع قال وحدّ عرفة من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبل المقابل إلى ما يلي حوائط بني عامر.
قال يقف الحاج من حين زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر لقوله - عليه السلام -:» من شهد صلاتنا هذه الفجر ووقف معنا حتّى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك في ليل أو نهار فقد تمّ حجّه «رواه الخمسة عن عروة، فمن وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال لا يعتدّ بحجّه إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو جزء من ليلة النّحر قبل طلوع الفجر، وذكر فيمن مرّ بها ولم ينو خلاف.
ويجب عند الجمهور الحنفية والمالكية والحنابلة الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين اللّيل والنّهار، ولا دم على من دفع قبل الغروب عند الشافعية قال واتّفق العلماء على أنّه يكفي الوقوف ولو لحظة في جزء من أرض عرفة وإذا فات الوقوف فات الحج تلك السّنة ولا يمكن استدراكه لأنّ ركن الشيء ذاته اهـ. ج3 ص174 - 179 باختصار.
المبحث الخامس السّنن المؤكّدة في الحجّ:
سنن الحجّ نوعان:
أ- سنن مؤكّدة يلزم تاركها دم.
ب- سنن غير مؤكّدة صاحبها ترك الفضل، فالسنن المؤكّدة ست ففيها ست مطالب:
المطلب الأوّل: الإفاضة من عرفات بعد الغروب: (1/230)
صفحة 231
الإفاضة من عرفات بعد الغروب سنّة مؤكّدة يلزم بتركها دم عندنا وعند الجمهور كما تقدّم قال في الإيضاح أمّا الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس فهي سنّة والدليل ما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع من عرفات حين سقطت الشمس رواه أحمد وبلغنا عن جابر بن زيد سئل أسامة كيف كان يسير رسول الله في حجّة الوداع حين دفع؟ فقال: كان يسير العنَق فإذا وجد فرجة نط (1) متّفق عليه قال في النيل وشرحه والوقوف للغروب واجب ومن أفاض قبله لم يتم حجّه قال في الشرح خلافا لبعض قومنا إلى أن يرجع إليها وأدرك الوقوف قبله عندنا وعند مالك وعليه دم قال بعد ومن أفاض من عرفات قبل الغروب حجّه تام وعليه دم اهـ. ج2 ص370 - 371.
المطلب الثاني: المبيت بالمزدلفة:
__________
(1) 1 - نط: قفز وأسرع. العنق: السير المتوسّط. (1/231)
صفحة 232
المبيت بالمزدلفة من السّنن المؤكّدة يلزم بتركها دم قال في النيل وشرحه ثمّ امض من عرفات إلى المشعر الحرام وقل: اللهمّ إليك أفضت وإليك قصدت وما عندك أردت ومن عذابك أشفقت وندب الغسل للمزدلفة ثمّ قال يقول آت جمعا اللهمّ إنّ هذه جمعا فاجمع لي فيها جوامع الخير كلّها واصرف عنّي فيها جوامع الشّر كلّها وعرّفني فيها ما عرفت أولياءك وأهل طاعتك وليجتهد ليله بالدعاء لمّا قيل إنّ أبواب السماء لا تغلق تلك اللّيلة ولقوله تعالى: {اذكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشعَرِ الحَرَامِ} [البقرة: 198]، ويجمع فيها بين المغرب والعشاء ويبيت مع النّاس ويرفع منها سبعين حصاة كالبندقة أو الحذف ويغسلها ويصلّي عند طلوع الفجر ثمّ يقف عند المشعر الحرام ويدعو بما دعا به على الصفا ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمّ يفيض من جمع بالتّلبية ولزم من ترك المبيت بجمع دم وسمّي المشعر الحرم لإشعار الله المؤمنين أنّه حرام كمكّة قال والذّكر فيه سنّة وقيل فرض قال في الشرح وهو الصحيح لقوله تعالى: {واذكُرُوا اللهَ .. } ثمّ ينصرفوا إلى منى قبل طلوع الشمس بأن يقطع واد المحصر قبل طلوعها قال في فقه جابر ص350 واختلف في الوقت الأفضل للإفاضة فروي عن جابر قال يدفع النّاس من جمع حين ينظر النّاس والدواب أقدامهم.
نقل ذلك اطفيش في شرح النيل والسالمي في حاشية ج2 ص232 وكذا قال الشافعي وجمهور العلماء واستدلّوا بما جاء في حديث جابر الطويل أنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يزل واقفا حتّى أسفر جدا قبل أن تطلع الشمس رواه مسلم وأبو داود عن نافع عن ابن الزبير، قال ومن جهة أخرى فقد ورد القول بجواز الإفاضة في بقية من اللّيل لمن كان من الضّعفة واستدلّوا بحديث ابن عباس قال أنا ممّن قدم النبي ليلة المزدلفة في ضعفة أهله وحديث ابن عمر أنّ النبي أذن لضعفة النّاس من الإفاضة من المزدلفة اهـ. (1/232)
صفحة 233
المطلب الثالث: رمي الجمار (1):
من السّنن المؤكّدة رمي الجمار بمنى ويلزم بتركها دم حسبما يأتي وفي رمي الجمار أربع محاور:
أ- وقته ومعناه وحكمه:
فالجمار جمع جمرة وهي الحصاة الصغيرة وحكمه الوجوب باتّفاق جميع العلماء إذ اعتبره النبي - صلى الله عليه وسلم - من المناسك وقال:» خذوا عنّي مناسككم «عندما رمى جمرة العقبة تقدّم.
والحكمة من مشروعيتها إشعار الإنسان عداوة إبليس بفعل رمزي أو رمز لرمي الذنوب واقتداء بفعل سيّدنا إبراهيم عندما عرض له إبليس عندما عزم على تنفيذ أمر الله بذبح ولده فرماه ووقته نوعان:
1 - رمي جمرة العقبة: بعد طلوع الشمس يوم النحر وهو ما فعله رسول الله قال في القواعد وروى أهل العلم أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس ولم يرم غيرها وأجمعوا أنّ من رمى بعد الطّلوع إلى الزّوال رماها في وقتها واختلفوا في من رماها ليلا أو قبل الطلوع وقال قوم لا يجزيه وقال قوم يجزيه واحتج من قال لا يجزيه بما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لضعفة أهله ''لا ترموا جمرة العقبة حتّى تطلع الشمس'' وبفعله ذلك واحتجّ آخرون أنّه أرسل أمّ سلمة يوم النحر فرمت قبل الفجر اهـ. ج2 ص163، وذكر مثل ذلك في الإيضاح.
__________
(1) الجمار التي تمّ الرّمي بها لا يجوز الإعادة بها لأنّها كماء الوضوء المستعمل الذي لا يتوضّأ به مرّة أخرى. (1/233)
صفحة 234
2 - وبقية الجمرات: من الزوال بعد يوم النحر إلى الغروب قال في القواعد وإذا طاف الحاج طواف الزيارة وسعى فلينصرف إلى منى لرمي الجمار أيام التشريق. وأجمع العلماء أنّ جمرة العقبة إنّما ترمى يوم النحر دون غيرها وأنّ جملة ما يرميه الحاج في كلّ الجمرات سبعون حصاة سبع لجمرة العقبة وأنّ من رماها من حيث تيسّر من أسفل العقبة أو من أعلاها أوسطها كاف إلاّ أنّ المستحب أن يرميها من بطن الوادي وأجمعوا أنّه يعيد الرّمي إن لم تصل وأن يرمي في كلّ يوم من أيام التّشريق ثلاث جمرات بإحدى وعشرين حصاة كلّ جمرة بسبع. وأنّه يجوز أن يرمي يومين وينفر بعد الرّمي، لقوله تعالى: {فََمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْه} [البقرة:203].
ب- كيفية الرمي:
أمّا جمرة العقبة فقد تقدّم رميها وحدها يوم النحر من طلوع الشمس إلى الزوال وجاز نظرا للزحام الشديد إلى غروب الشمس، {وَلاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسا إلاّ وُسْعهَا، وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِكُمُ إلى التَّهْلُكَةِ} وينسحب هذا الحكم إلى كلّ الجمرات فيجوز تأخيرها إلى اللّيل قال في القواعد وأجمعوا أنّ سنّة رمي الجمار من الزوال وروي عن محمّد بن علي (من علماء عمان المعتبرين) أنّه قال رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها، واتّفق رأي الجمهور من العلماء أنّ من رمى قبل الزوال يعيد، وأنّ الرّمي لا يجوز باللّيل إلاّ للخائف ورخّص فيه أبو عبيدة وفيه بحث واسع حول وقت رمي الجمار.
قال وأنّ السنّة رمي الجمار أنّه يرمي الجمرة الأولى ويقف عندها ويدعوا ويرمي الثانية ثمّ يدعو ثمّ يرمي الثالثة ولا يقف عندها، ويكبّر عند كلّ حصيلة تكبيرة لما ثبت من هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
جـ- ما على من لم يرم الجمرات: (1/234)
صفحة 235
قال في القواعد وأجمع العلماء أنّ من لم يرم الجمرات حتّى غابت الشمس من آخر أيام التّشريق فلا يرميها بعد واختلفوا فيما عليه فقال قوم إن تركها كلّها أو بعضها أو واحدة منها فعليه دم روي هذا عن مالك، وقال آخرون إن تركها كلّها فعليه دم وإن ترك جمرة فصاعدا فعليه لكلّ جمرة إطعام مسكين ماخلا جمرة العقبة فعليه لتركها دم وهذا عن أبي حنيفة وقال قوم عليه في الحصاة مسكين إلى ثلاثة فعليه دم وبهذا يقول أصحابنا ووافقهم الشافعي اهـ. ج2 ص168.
ومثل ذلك قال في النيل وشرحه وقال أيضا وندب إعادة منكس.
د- يكون الرمي باليد مع ضبط الحصاة بلا واسطة ويجوز الرمي عن الغير من مريض أو عاجز لكبر فيبدأ الرامي عن نفسه أوّلا ثمّ عن غيره في كلّ جمرة، قال في شرح النيل وذكر الشيخ إسماعيل أمّا من أراد الرمي عن مريض لا يقدر قال بعض يأخذ اثنين وأربعين حصاة كلّ يوم ويرمي في كلّ جمرة بأربعة عشر يبدأ بنفسه وقيل يرمي كلّ الجمرات لنفسه ثمّ يعيدها لغيره اهـ. ج2 ص409 ط ق.
المطلب الرابع: المبيت بمنى وأعمال الحج فيه: قال في القواعد:
ولا يجوز لأحد أن يبيت ليالي منى في غيرها فإن فعل فعليه دم لكلّ ليلة إلاّ الرعاة فإنّه رخّص لهم النّبي - صلى الله عليه وسلم - في المبيت في غيرها ويصبحون ويرمون قال وإذا أراد الحاج أن ينفر في اليوم الثاني دفن ما بقي من الحصى في جمرة العقبة وإن لم يخرج من منى حتّى أدركه اللّيل لزمه القعود لليوم الثالث وذكر نحوا من ذلك في الإيضاح اهـ. ج2 ص169.
أعمال منى أيّام التشريق وترتيبها: (1/235)
صفحة 236
اختلف العلماء في أعمال منى وترتيبها أيّام التشريق فيذكرها في فقه جابر قال: هل يلزم من حلق قبل الذبح دم أو فديه؟ قال: يقوم الحاج يوم النحر بأربعة أعمال: الرمي ثمّ النحر أو الذبح ثمّ الحلق، ثمّ الطواف والسنّة ترتيبها هكذا وقد رتّبها النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك في حديث جابر، وروى أنس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى ثمّ نحر ثمّ حلق رواه أبو داوود وقد أجمع العلماء على هذا التّرتيب.
فإذا أخلّ المرء بترتيبها جاهلا بالسنّة أو ناسيا فلا شيء عليه في قول كثير من أهل العلم منهم الحسن والطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور وابن حزم.
وعمدتهم ما رواه مالك عن عبد الله بن عمر قال: وقف رسول الله للنّاس بمنى يسألونه فجاء رجل فقال يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال:» انحر ولا حرج «ثمّ جاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال:» ارم ولا حرج «فما سئل عن شيء إلاّ قال:» افعل ولا حرج «متّفق عليه.
وذهب مالك إلى أنّ من حلق قبل أن يرمي فعليه الفدية وعمدة مالك أنّ رسول الله حكم على من حلق قبل محلّه بالفدية مع ضرورة فكيف من غير ضرورة.
وقال جابر بن زيد من حلق قبل أن ينحر فعليه الفدية نقله عنه ابن حزم وقيل عند إذا فعل ذلك عامدا مخالفا للسنّة.
وذهب الإباضية إلى أنّ من حلق قبل الذبح فعليه دم ولعلّهم صرفوا الحديث الذي رواه الربيع مرسلا وهو حديث ابن عمر إلى أنّ تلك رخصة من النبي في ذلك اليوم.
وقال أبو حنيفة إن حلق قبل أن ينحر أو يرمي فعليه دم اهـ. ص359 وهو خلاصة لما في الإيضاح مفرقا.
المطلب الخامس: طواف الوداع:
طواف الوداع سنّة مؤكّدة يلزم من تركه دم إن لم يرجع إليه قبل ذهابه. (1/236)
صفحة 237
قال في القواعد طواف الوداع مشروع إذا لم يبق للحاج شغل، وعزم على الانصراف إلى وطنه وجهّز رحله فليكن آخر عهده بالبيت الطواف لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا ينفر أحدكم حتّى يكون آخر عمله الطواف بالبيت «متّفق عليه.
وكيفيته أن يطوف بالبيت سبعة أشواط ويركع ركعتين ويدنوا من البيت ويدعوا بما بدا له ويخرج ومن لم يودّع البيت فعليه دم عند أصحابنا قال في النيل وشرحه سنّ لمن أراد الانصراف من مكّة أن يأتي البيت ويطوف سبعا للوداع ولزم بتركه دم ثمّ يركع ثمّ يأتي زمزم ويشرب من مائها ويصبّ على رأسه ويقول ما قال عند العمرة ثمّ يرجع ويقوم بين الباب والحجر ويتعمّد بيمناه على أسكفة الباب ويقبض بيسراه على أستار الكعبة ثمّ يلزق بطنه بالجدار ويدعوا بما فتح الله له.
قال والمرأة في ذلك كالرّجل قيل وإن طافت ولم تركع فحاضت وانصرفت ثمّ وطئت فعليها دم قال في الشرح فإن حاضت أو نفست قبل الوداع أقامت حتّى تطهر أو تستحيض فيحكم لها بذلك اهـ. ج2 ص423 ط ق.
وذلك خلافا لما في حاشية السالمي رحمه الله على حديث:» أن لا وداع لحائض «قال أبو عبيدة: عن جابر بن زيد عن عائشة - رضي الله عنه - ا قالت قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنّ صفيّة بنت حيي قد حاضت قال لها:» لعلّها حابستنا ألم تكن قد طافت معكنّ بالبيت «قلت: بلى قال:» فاخرجن إذن «.
قال في الحاشية الحديث رواه المصنّف عن جابر بروايتين وقد رواه البخاري ومسلم وأحمد قال واستدلّ بالحديث على أمور منها وجوب طواف الزيارة للحائض وغيرها وقد أجمع العلماء أنّه من أركان الحج واستدلّ به أن لا لزوم لطواف الوداع على الحائض، وقال في آخر الباب أنّ طواف الوداع واجب وساق الحديث المتقدّم:» لا ينفر أحدكم .. «الخ فدلّ على وجوب طواف الوداع والقول بوجوبه هو مذهبنا ومذهب أكثر العلماء وذكر أنّه لا يجب على المريض اهـ. ج2 ص270 - 272.
المطلب السادس: ركعتا الطواف: (1/237)
صفحة 238
صلاة ركعتين بعد الطواف سنّة مؤكّدة يلزم بتركها دم قال في الإيضاح: وركعتان خلف مقام إبراهيم بعد الطواف سنّة من تركها فعليه دم وموضعها الحرم لأنّه إنّما أمر أن يركعهما بعد الطواف فقط وليس المقام شرطا وفي الأثر من ترك ركعتي الطواف حتّى خرج من المسجد فليركعهما ما دام في الحرم وإن أتى منزله فليهد شاة لقوله - عليه السلام -:» من طاف بالبيت وركع فله من الأجر كثير «رواه مسلم اهـ. ج2 ص352.
المبحث السادس: السنن غير مؤكّدة:
السنن غير المؤكّدة في الحجّ كثيرة أهمّها ما يلي وقد ذكرت متفرّقة فأوردها لمزيد التأسّي ليكمل حجه:
1 - الاغتسال وهو خمسة: للإحرام، ودخول مكّة، وللطواف، والسعي، والوقوف بعرفات.
2 - المبيت بمنى ليلة عرفة وجمع الصّلوات الخمس بها، والخروج منها بعد طلوع الشمس لعرفات، الخطبة للإمام بعرفات، الخروج من المزدلفة قبل طلوع الشمس، الطّواف للزيارة يوم النحر لا بعده الشرب من ماء زمزم بعد ركعتي الطواف دعاء الملتزم بعد طواف الوداع، استلام الركن والحجر.
المبحث السابع: مفسدات الحج:
مفسدات الحجّ نوعان ما يمكن جبره بدم ولا يمكن وهو نوعان ما يمكن استدراكه وما لا يمكن:
أ- ما يمكن جبره بدم وهو ترك شيء من السّنن المؤكدة إن لم يمكن تجديد كمن لم يحرم من الميقات فإن رجع إليه وأحرم فلا شيء عليه ومن ترك طواف الوداع ورجع وطاف فلا شيء عليه ومن لم يرم الجمرات في يوم فقيل له أن يرميها غدا ما دامت أيّام التّشريق قضاء.
ب- ثانيا ما لا يجبر بدم ويمكن استدراكه كمن جامع زوجته أو زنى أو استمنى وهو محرم فعليه الرجوع للميقات وتجديد الإحرام والفدية ببدنة فإن أدرك الوقف بعرفات تمّ حجّه. (1/238)
صفحة 239
وإن خرج ولم يطف للزيارة ورجع وطاف من عامه ولم يمس زوجته تمّ حجّه وإن مسّ قبل الطواف فعليه بدنة والحج من قابل لأنّ الحاج إذا رمى جمرة العقبة وذبح هديه وحلق رأسه فقد حلّ الإحلال الأصغر لبس المخيط والطيب فيبقى عليه ترك الجماع والصّيد حتّى يطوف طواف الزّيارة ويسعى بين الصفا والمروة.
وما لا يمكن استدراكه فهو الوقوف بعرفات فمن فاته الوقف قبل غروب شمس اليوم التاسع من ذي الحجّة أو لم يلحق صلاة الفجر بالمزدلفة على قول فاته الحج.
أمّا من أحصر بعدو أو مانع ما من إتمام الحج فقيل يهدي ويبقى على إحرامه بأن لا يمس نساء ولا صيدا إلى العام القابل وقيل يجعلها عمرة ويحلق ويحل ويجدّد الحج من قابل.
ومن مات قبل الوقوف فإن كان لم يفرّط عند لزوم الحج عليه فلا شيء عليه لقوله تعالى: {وَمَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهَاجِرا إِلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللهِ} [النساء: 100] أمّا إذا فرّط فعلى رفيقه أن ينظر من يتمّ له حجّه من ماله وإن وقف بعرفات فليتم له ما بقي بعد أن يؤدّي ما عليه لنفسه من رمي جمار وطواف زيارة.
ومن أغمي عليه قبل الوقوف ووقف كذلك ولم يفق إلاّ بعد الوقوف تمّ حجّه وليكمل ما بقي.
وكلّ ما ذكرته فهو بتفصيل واسع في الإيضاح وشرح النيل.
المبحث الثامن: أحكام عامّة في الحج:
للحج أحكام عامّة: أهمّها ما يلي:
1 - ترتيب أعمال الحج حسب تتابعها: (1/239)
صفحة 240
فالحاج إذا قدم من بلده وقد قام بمقدّمات الحج كما تقدّم فإذا وصل الميقات وكان قاصدا مكّة فيجب عليه الإحرام وذلك بأن يصلّي ركعتين إن لم يكن وقت صلاة الفرض ويحرم بعدها بأن ينوي الإحرام بالعمرة وهو أفضل فيقول اللّهم إنّي نويت العمرة فتقبّلها مني وأعنّي عليها ثمّ يقول لبّيك اللهّم لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله يقول ذلك في مكانه ثلاث مرّات ثمّ ينصرف وهو يلبّي، فكلّما صعد مرتفعا لبّى وكلّما هبط لبّى وكلّما تجدّد له أمر لبّى وكلّما سمع ملبّيا إلى أن يدخل مكّة لبّى ويقابل المسجد فإذا دخل المسجد قال عند الباب: ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.
وإذا أبصر الكعبة قال اللهمّ زد بيتك هذا شرفا وتعظيما وبرّا وتكريما ثمّ يلوذ بركن الحجر ويقول: اللهمّ إنّي نويت الطّواف للعمرة فتقبّله منّي وأعنّي عليه ثمّ يطوف كما تقدّم بأن يقبّل الحجر أو يستلمه أو يكبّر حياله ويشرع في الطواف إلى سبعة أشواط وإذا تمّ صلّى ركعتين خلف المقام أو أيّ مكان من المسجد ثمّ يدعوا ويقول اللهمّ يا ربّ البيت العتيق اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمّهاتنا من النّار اللهمّ حرّم شعري وبشرتي من النّار ويدعوا بما فتح الله له ثمّ يأتي زمزما ويشرب من مائها ويصبّ على رأسه ثمّ يقول اللهمّ اجعله لي شفاء من كلّ داء ثمّ ينصرف للسّعي من باب الصّفا ويقول إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله الخ الآية ويقول اللهمّ إنّي نويت السعي للعمرة فتقبّله منّي وأعنّي عليه، ويقف على الصفا حتّى يقابل البيت ويكبّر سبعا ويسعى كما تقدّم سبعة أشواط وإذا تمّ السعي حلق رأسه بمحل غيره ويحل من عمرته، وعليه هدي التمتع. (1/240)
صفحة 241
وفي اليوم الثامن من ذي الحجّة يجدّد إحرامه للحجّ من تحت الميزاب أو من أيّ مكان من مكّة وينصرف إلى منى فإذا زالت الشمس جمع فيها بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء وبات فيها.
فإذا طلعت الشمس غدا انصرف إلى عرفات فإذا وصلها قال اللهمّ إنّ هذه عرفات فعرّفني فيها ما عرفت أولياءك وأصفياءك وأهل طاعتك ثمّ إذا زالت الشمس جمع بين الظهر والعصر وقام يدعوا إلى الغروب فإذا غربت الشمس أفاض إلى مزدلفة يقول اللهمّ إليك أفضت وما عندك أردت فاقض نسكي وتقبّل منّي واغفر فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت وإذا وصل جمعاء جمع فيها بين المغرب والعشاء وذكر الله عند المشعر الحرام وبات فيها فإذا صلّى الصبح قام وذكر الله ودعا بما تيسّر له ثمّ يتوجّه إلى منى ويقطع وادي المحصر قبل طلوع الشمس وينصرف وهو يلبّي حتّى يبلغ جمرة العقبة فإذا طلعت الشمس رماها بسبع حصيات يقول عند كلّ حصاة بسم الله الله أكبر فإذا أتمّها قال اللهمّ إنّ هذه حصياتي وأنت أحصى لهنّ منّي فتقبّلها منّي واجعلها في الآخرة ذخرا لي.
ثمّ ينحر هديه إن كان معه هدي ثمّ يحلق رأسه ويقلّم أظافره ويحلق شعر عانته وينتف شعرا إبطه وذلك هو المراد بقوله تعالى: {ثُمَّ لِيَقضُوا ثَفَتَهُمْ} ثمّ يحلّ من إحرامه بأن يلبس ثيابه ويحلّ له ما كان ممنوعا إلاّ النساء والصيد.
ثمّ يتوجّه إلى مكّة ويطوف طواف الزيارة سبعة أشواط كما فعل في العمرة ويصلّي ركعتين بعده ويأتي زمزم ويشرب من مائها ويصبّ على رأسه ويدعوا ثمّ ينصرف للسعي من باب الصفا ويعمل كما تقدّم في سعي العمرة وإذا انتهى فد تمّ حجّه وحلّ له كلّ شيء ولا بأس أن يترك الطواف والسعي إلى ما بعد رجوعه فيصحّ ما لم يمت ذو الحجّة. (1/241)
صفحة 242
ثمّ يرجع إلى منى ويبيت فيها إذ المبيت سنّة مؤكّدة وبعد الزوال من اليوم الحادي عشر يرمي الجمرات الثلاث يبدأ بالصغرى التي تلي المشرق يرميها بسبع حصيات يسمّي ويكبّر عند كلّ حصاة ثمّ يدعوا بعدها ثمّ الثانية كذلك وهي الوسطة ثمّ جمرة العقبة وينصرف ولا يقف ويفعل بعد الزوال من اليوم الثاني عشر كذلك فإن شاء انصرف قبل أن تغيب الشمس وإن شاء بقي إلى اليوم الثالث حتّى يرمي الجمار بعد الزّوال، ووقت الرمي إلى غروب الشّمس وجاز إلى اللّيل كما تقدّم.
هذه هي أعمال الحجّ ولا يبقى عليه إلاّ طواف الوادع.
2 - كيفيات الإحرام:
كيفيات الإحرام ثلاث الأولى هي التمتّع كما تقدّم
الثانية الإفراد بأن يقول عند الإحرام اللهمّ إنّي نويت الحجّ فتقبّل منّي وأعنّي عليه لبّيك اللهمّ لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنّعمة لك لا شريك لك لبّيك لبّيك بحجّة تمامها وبلاغها عليك يا الله، وينصرف إلى مكّة ولا يطوف ولا يسعى فإن فعل رجعت عمرة ووجب عليه هدي التمتع فإذا كان يوم التروية انصرف إلى منى وبات فيها وفي اليوم التاسع يذهب إلى عرفات ويقف كما تقدّم ثمّ يفيض ويبيت بالمزدلفة ثمّ يأتي منى ويرمي جمرة العقبة ويحلّ من إحرامه حسبما تقدّم ثمّ يأتي مكّة ويطوف ويسعى وبعد أيّام منى يذهب إلى مسجد عائشة بالتنعيم ويحرم بالعمرة ويعمل أعمالها كما تقدّم.
3 - القارن (1):
يقول في نيته عند الإحرام اللهمّ إنّي نويت الإحرام للحجّ والعمرة فتقبّلهما منّي وأعنّي عليهما لبّيك اللهمّ لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك لا شريك لك لبّيك بحجّة وعمرة تمامهما وبلاغهما عليك يا الله.
__________
(1) 1. الذّهاب إلى مسجد عائشة تخرج من باب الصفا فتجد موقف للسيارات فتكريها لتوصلك إلى هناك 7 كلم بـ200 فرنك ورقم السيارة رقم 16 في حج عام 88/ 1408هـ. (1/242)
صفحة 243
فإذا وصل مكّة طاف وسعى للعمرة وإن شاء ترك الكلّ إلى الرجوع من عرفات فيطوف ويسعى لهما معا طوافا واحدا وإن شاء طوافين وباقي الأعمال كما تقدّم ويلزمه هدي.
3 - الحجّ عن الغير: قال في الإيضاح فمن كان عنده استطاعة مالية فإن لم يقدر أن يحجّ بنفسه استأجر من يحجّ عنه والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس قال: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه وجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشّق الآخر فقالت يا رسول الله إنّ فريضة الحجّ على العباد أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحجّ عنه قال:» أفرأيت إذا كان على أبيك دين فقضيتيه أفكنت قاضية «قالت: نعم فقال:» فذلك كذلك «رواه الخمسة.
إلى أن قال واختلف النّاس هل يحجّ أحد عن أحد؟ قال بعضهم لا يحجّ أحد عن أحد كما لا يصلّي ولا يصوم، والمعمول به عند أصحابنا أنّ الوصيّة بالصّوم والحج جائزة دون الصّلاة كما قدّمنا وفي الأثر أنّه يجوز أن يحجّ عمّن لا يستطيع لمرض أو كبر وذلك لما روي عن أنس بن مالك قال جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنّ أمّي عجوز لا تستطيع الركوب أفأحجّ عنها قال:» نعم «رواه أحمد كما روي أنّهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنحجّ عن آبائنا قال:» نعم حجّوا عنهم «متّفق عليه فمضت السنّة بذلك اهـ. ج2ص235.
وفي الحج عن الغير ثلاث شروط:
أ- أن يكون صاحب الحجّة غير قادر إمّا لعجز أو موت أو خوف.
ب- أن يكون من يأخذها قد حجّ عن نفسه واختلفوا هل يصحّ إذا كان لم يفرض عليه والصحيح الجواز.
ج- أن يكون أمينا وأجاز بعضهم غير الأمين بشرط أن يشهد على أعمالها.
وللحج عن الغير أحكام:
1 - يجوز أن تحجّ امرأة عن الرجل ويحجّ الرجل عن المرأة كما تنص الأحاديث. (1/243)
صفحة 244
2 - اختلف لمن يكون أجرها فقيل للمحجوج عنه والحاج له أجرته وقيل للحاج والمحجوج عنه أجر تلك النفقة والصحيح أنّ للجميع أجرها حتّى منفّذ الوصية لما روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -:» يدخل الجنّة ثلاثة بالحجّة أو الواحدة «رواه أبو دواد وابن ماجه، قال في الإيضاح ولا يكون الخارج بها إلاّ من بلد الميت أو من قبره والأصل في ذلك أن يكون الخارج بها من مكان يخرج منه صاحبها اهـ. الإيضاح ج2 ص236 وغيرها بتوسع.
د- الحج فرصة العمر فالحاج يسنّ ويحسن أن يراه غنيمة لجمع ما أمكن من ثواب والقيام بما أمكن من أعمال حسنة تكون تكفيرا لذنوبه: {إِنَّ الحسناتِ يُذهِبنَ السَيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكرَى للذَّاكِرينَ} [هود:114]
فلا يكون همّ الحاج ارتياد الأسواق أو اقتناء المشتريات والهدايا فقط بل يخصّص لذلك وقتا لا يشغله عن الصّلاة وقراءة القرآن والعبادة وصلاة الجماعة، مع من يحسن الطهارة ليطمئنّ على صلاته وقبولها.
هـ- زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة: ممّا أجمع المسلمون على استحسانه زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة اغتناما لفرصة وجودهم بالبلاد المقدسة ولها آداب بأن يذهب الحاج إليها باشتياق لزيارة المصطفى - عليه السلام - وذلك من باب الوفاء لرسول الرحمة من كرّس حياته لهداية أمّته متحمّلا في ذلك أعظم التضحيات والتحديات، كما لم يأل جهدا في تثقيف أمّته، وتزكية نفوسهم، ومعالجة أخلاقهم وصقل نفوسهم فأصبحوا خير أمّة أخرجت للنّاس.
فمن الوفاء ومقابلة الإحسان بالإحسان في أقلّ تقدير زيارة قبره للترحّم والصّلاة عليه. (1/244)
صفحة 245
فيستحسن لقاصد ذلك أن يغتسل ويلبس أحسن ثيابه ويتطيّب بما أمكن من عطر حلال فإذا دخل المسجد فليكن من باب السّلام، وليصلّ ركعتين تحيّة المسجد، ثمّ يتوجّه لقبر رسول الله ويقف أمامه خاشعا ويسلّم عليه قائلا السّلام عليك يا رسول الله، السّلام عليك يا حبيب الله يا خاتم النبيئين اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كمّا صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد ذلك ما علّمه النبي أصحابه للصّلاة عليه.
ثمّ يتوجّه قليلا على يمينه لقبر أبي بكر فيسلّم عليه قائلا السّلام عليك يا خليفة رسول الله يا سيّدنا أبي بكر يا ثاني اثنين في الغار ثمّ يقابل قبر سيّدنا عمر - رضي الله عنه - ويسلّم عليه قائلا: السّلام عليك يا سيّدنا عمر يا فاروق يا صاحب رسول الله.
ثمّ يدعوا الله لهم بالرّحمة اللهمّ أدخل عليهم روحا وريحانا منك وسلاما منّا ثمّ يتقدّم إلى مقام جبريل ويدعو راجيا من الله قبول دعائه من غير أن يتمسّح بشيء ممّا تفعله الجهال.
وممّا هو مستحسن زيارة قبور الشهداء بأُحُد والتّرحم عليهم للعبرة والعظة ثمّ مسجد قباء أوّل مسجد أسس على التّقوى في الإسلام ثمّ موقع الخندق للعبرة يصلّى في أحد مساجده كلّها مستحدثة ثمّ زيارة البقيع للتّرحم على من فيها من الصحابة وأمهات المؤمنين، وكلّ هذه الأعمال لم يرد فيها نص إنّما هي من باب الاستحسان.
خاتمة:
هكذا نأتي على آخر هذه الدّراسة المتواضعة حسب المستطاع، نرجو أن تكون لطلبتنا كسلّم يرتقون بها إلى ما هو أعلى وبالله التّوفيق.
بنورة 20 شوال يوافقه 25 ماي عام 1409هـ/1989م.
تمّ بحمد الله وعونه (1/245)