صفحة 1
الكتاب: معالم الجيل الواعد
المؤلف: أحمد الخليلي
الناشر: [د. نا.]
المطبعة: بالمطابع العالمية، روي، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: 2001م.
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع. ولم تراجع موافقته]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) معالم الجيل الواعد
محاضرة لسماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة للناشر
رقم الإيداع:28/ 2001
طبع بالمطابع العالمية روي سلطنة عمان ت:7715771 (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه الشرفاء.
أما بعد:
فإنه مما لا ريب فيه بأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحمل في ثنايا أحكامه البلسم الشافي لأدواء البشرية، لأنه تنزيل من حكيم حميد، العالم بما يصلحهم وينفعهم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. (1)
__________
(1) - تبارك / 14. (1/5)
صفحة 6
ولقد جاءت الدلائل في القرآن الكريم وفي سنة النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم موضحة عظمة الإسلام ووجوب الاستمساك به لأنه أساس الاستخلاف والتمكين في الأرض.
ومن هذا المنطلق جاءت اعترافات أعداء الإسلام بما لهذا الدين من دور فاعل في دفع عجلة الحضارة، وصرحوا بإفلاس جميع النظم البشرية لكونها من صنع عقول البشر القاصرة.
لذلك كان لزاماً على الأمة الإسلامية إذا أرادت العزة والنصر أن تعود لهذا الدين، وأن تتمسك بتعاليمه حق التمسك، وأن تعتز به حق الاعتزاز، وأن تفارق عادات أعدائها الدنيئة، وأن تحذر تقليدهم وموالاتهم لأنهم يضمرون لهذا الدين وأهله كل الشر، ويودون القضاء عليه بشتى الوسائل والسبل. (1/6)
صفحة 7
والأمانة ملقاة على عاتق الشباب الذين ناط الله بهم مسؤولية تحمل أعباء هذه الدعوة، ولن يتأتى ذلك إلا بالإخلاص والصبر والتضحية، وتجنب جميع عوامل الفساد: كالترف والكسل والدعة، فإن ذلك مؤذن بتقويض بنيان الأمة، وإذا قام الشباب بدورهم المنوط بهم كان لهذه الأمة النصر والعزة والتمكين.
أخي القارئ الكريم:
حول " معالم للجيل الواعد " يأتي هذا الكتيب الذي هو عبارة عن محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
حفظه الله، لينير للسالكين دربهم، ويضع يديك على معالم الطريق حتى تسير على نور من ربك، فإليك هذا النبع الفياض الذي يروي ظمأك بمشيئة الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
مقدمة
الحمد لله ذي القوة المتين الذي وعد بتأييد عباده المؤمنين، وتوعد بخذلان أعدائه الكافرين، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه لا حد لغايته ولا أمد لنهايته، العز كل العز في طاعته والذل كل الذل في معصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعد وتوعد وهو صادق فيما وعد به وتوعد، سبحانه له الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله بلغ رسالة ربه وأدى أمانته وجمع شتات هذه الأمة ووحد كلمتها وألف بين القلوب المتنافرة وجمع بين الفئات المتدابرة على كلمة سواء. وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. (1/9)
صفحة 10
أما بعد:
فالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته. أحييكم بهذه التحية الإيمانية الإسلامية تحية أهل الجنة وتحية الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين {سلام قولاً من رب رحيم}. (1)
وأهنئ نفسي وأهنئكم بهذا الاجتماع الحاشد في هذا الجامع العريق (2) وفي هذه الليلة المباركة في ظلال الإسلام؛ دين الله تعالى الحق الذي رفع الله به من كان منخفضاً وأعز به من كان ذليلاً.
فالحمد لله على هذا اللقاء، والحمد لله أولاً وآخراً على نعمة الإسلام الذي يؤلف ولا ينفر، ويجمع ولا يشتت، ويوحد ولا يفرق.
__________
(1) - يس / 58.
(2) أصله محاضرة ألقاها سماحة الشيخ الخليلي في أحد جوامع السلطنة. (1/10)
صفحة 11
وعد الله بالتمكين للمؤمنين
هذا؛ وإن من تأمل كتاب الله سبحانه وتعالى وجد في ثنايا ما أنزله سبحانه على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم البشرى لهذه الأمة، التي منّ الله عليها بأن بعث فيها رسولاً كريماً، وأنزل عليه ذكراً حكيما، وهداه به صراطاً مستقيما، فإن الله سبحانه جمع شتات هذه الأمة بعد ضياع وتفرق وتمزق، فكانت بإذن الله سبحانه أمة قوية، عزيزة، وقد وعد الله سبحانه أن يظهر دينها على كل دين، وأن يعلي كلمتها على كل كلمة وأن يستخلفها في الأرض كما استخلف الصالحين من قبل من الأمم السابقة، يقول سبحانه: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد (1/11)
صفحة 12
خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (1) ويقول سبحانه: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} (2) ويقول عز من قائل: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (3) ويقول عزوجل: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} (4) وقد وقع ذلك فيما سبق من تاريخ هذه الأمة، حيث أظهر الله سبحانه وتعالى دينه على الدين كله واستخلف هذه الأمة، في الأرض وعلت كلمتها بين الناس، وقادت الأمم بسلاسل الحق، والدعوة، إلى مسالك
__________
(1) - النور / 55
(2) - الصف / 9
(3) - الحج / 40 - 41
(4) - الصافات / 171 - 173. (1/12)
صفحة 13
الرشد، فأخذت بزمام قافلة البشرية إلى طريق الخير والسعادة، فتبوأت الإنسانية في ظل الحكم الإسلامي النظيف مبوأ خير، ذاقت فيه نعمة هذه الحياة، وعرفت معنى الحرية والمساواة بين الناس.
ولا ريب أن ما عصف بهذه الأمة من عواصف، إنما كان بسبب خروجها عن المسلك السوي الذي سار عليه سلفها الصالح، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، وقد كان بسبب ذلك ما أصاب هذه الإنسانية من بوار وشتات وتمزق، فالحضارات المتنوعة التي واجهتها هذه الإنسانية؛ وهي متنكبة سواء الصراط، ما عادت على هذه الإنسانية إلا بالويلات والدمار، ولا ريب أن الليل المظلم عندما يحلولك فإنه يؤذن بانبلاج الفجر، وهذه هي سنة الله تعالى التي لا تتبدل، ولذلك كان الأمل قوياً في أن يعيد الله سبحانه وتعالى إلى هذه الأمة مكانتها (1/13)
صفحة 14
بين الأمم، وأن يبوئها مبوأ صدق، وأن يضفي على حياتها كل نعمة من النعم التي أضفاها على الأمم السابقة التي اتبعت الصراط السوي ولم تتنكب في سلوكها عنه، وهذا أمر يفرض علينا ديننا الحنيف أن نؤمن به، فإن الله سبحانه وتعالى بعث عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم مبشراً.
بشرات النبوة بانتشار الإسلام
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتفاءل بظهور الحق عندما تشتد الأزمات وعندما تضيق حلقات الأمور حتى تكاد النفوس أن تزهق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إبان ذلك يبشر هذه الأمة بخير، وهذا أمر يعرفه كل من درس سيرته صلى الله عليه وسلم وعرف مواقفه، فهو صلوات الله وسلامه عليه عندما خرج مهاجراً من مكة المكرمة التي هي داره وقراره؛ فلفظته بسبب دعوته إلى الحق؛ وتنكر له أهلها، وعندما (1/14)
صفحة 15
خرج مهاجراً إلى المدينة المنورة وتعرض، له سراقة في الطريق وكان ما وقع من أمره صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، لم ينس وعد الله الصادق فقد كان ينظر إلى وعده سبحانه وتعالى بإيمان النبوة الصادقة، ولذلك قال لسراقة وهو مول ظهره راجعاً نحو مكة المكرمة: ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى)) (1) إن هذا المنطق هو منطق النبوة الخالدة والرسالة الصادقة، فإنه صلى الله عليه وسلم لو كان يخلد إلى أوضاع البشرية وطبائعها كان أحرى به في ذلك الوقت أن يضيق صدره وأن يشتد عليه الأمر حتى أنه تكاد أنفاسه تختنق، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان مطمئناً إلى وعد الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر وقع فعلاً إذ لم يمض على ذلك الوقت إلا نحو عقدين من السنين أو أقل حتى فتح الله سبحانه وتعالى للمسلمين مدائن
__________
(1) - رواه ابن كثير في البداية والنهاية، وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ج7 ص18، والقاضي عياض في كتاب الشفا ج1 ص674. (1/15)
صفحة 16
كسرى، وجيء بتاجه وسواريه وخزائنه إلى أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه، فدعى بسراقة وألبسه تاج كسرى وسواريه تصديقاً لوعد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
وكذلك عندما اشتدت الأزمة بالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عندما رماهم العرب بأفلاذ أكبادهم، وشددوا الحصار عليهم في المدينة المنورة في واقعة الخندق المشهورة ورأى المسلمون بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسوروا البلاد بخندق يحوطها ويمنع العدو أن يقتحم عليها وعليهم، وذلك بإشارة من سلمان الفارسي رضي الله عنه، في ذلك الوقت عندما كان المسلمون يحفرون الخندق اعترضتهم صخرة لم يستطع المسلمون تفتيتها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المطرقة التي كانوا يطرقونها بها، فضربها ضربة ولمع شعاع فقال إثر ذلك: ((الله أكبر فتحت لأمتي ممالك الروم كأني أنظر إلى قصور الشام))، ثم ضرب ثانية، وشع شعاع فقال صلوات الله (1/16)
صفحة 17
وسلامه عليه: ((الله أكبر فتحت لأمتي ممالك كسرى كأني أنظر إلى قصور المدائن)). (1)
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعات الأزمات وأوقات الحرج والشدة يستبشر بوعد الله المتين الذي لا يتبدل {لا تبديل لوعد الله}.
خطورة تخلي الأمة الإسلامية عن أماكن القيادة:
في هذه العصور الأخيرة وقع ما وقع لهذه الإنسانية عندما تنكبت سواء الصراط، والأمة الإسلامية كانت من بين هذه الإنسانية الحائرة التعيسة، بسبب عدم قيامها بأمر الله سبحانه وتعالى وعدم اضطلاعها بأمانة الحق، لأن هذه الأمة ليست على
__________
(1) - رواه أحمد. (1/17)
صفحة 18
شيء حتى تقيم موازين القسط، إذ الله تبارك وتعالى هيأها لأن تكون أمة قائدة رائدة تأخذ بزمام قافلة الإنسانية إلى الخير والسعادة، وتقيم حكم الحق في الإنسانية، وتتبوأ ما بين هذه الإنسانية مكان الإمامة والزعامة، وتكون أمة مُتبَعة مؤثرة، ولكن عندما تنكبت سواء الصراط أصيبت أيضاً فيمن أصيب، وكانت من ضمن قافلة الإنسانية التي اقتادتها الجاهلية الحديثة إلى الدمار والخزي والعياذ بالله، فحل بها ما حل، ولذلك انقسمت على نفسها فكان منها من يولي وجهه شطر الشرق خاضعاً للشيوعية، ومنهم من يولي وجهه شطر الغرب خاضعاً الرأسمالية وأصبح الناس في حيرة من أمرهم وضلال من سعيهم، وأخذت الآن هذه الغيوم بمشيئة الله سبحانه تتكشف لتنجلي الحقيقة للناس، وليبصروا ما يجهلونه من قبل. (1/18)
صفحة 19
اعترافات خصوم الإسلام
وإذا بالإسلام رغم محاربته الشديدة من قبل أعدائه هو أنشودة الناس، ويعلقون الأمل الكبيرعليه بأن ينقذ هذه الإنسانية الحائرة، ولا أدل على ذلك من تهاوي مبادئ الكفر، وسقوط أركان الضلالة، وتكشف عوار تلكم المبادئ التي آمن بها الناس ردحاً من الزمن، فقبل فترة من الوقت كان الناس كثيراً ما يعولون على الشيوعية، ويظنونها المنقذ لهم من ورطات هذه الحياة، ويرون فيها الحل الأمثل، حتى إن من كان يتنكر للشيوعية يسمى فيما بينهم رجعياً، وإذا بأئمة هذه الشيوعية بأنفسهم يكفرون بها، ويصمون من يتمسك بها بالرجعية، فقبل بضع سنين تحدث (جورباتشوف) إلى قناة تلفزيونية بريطانية، وأجاب عن سؤال طرح عليه عن وضع الشيوعية في الصين وفي فيتنام؛ هل يمكن أن يستمر؟ فأجاب: (كلا؛ لأنها ميتة والميت لا (1/19)
صفحة 20
بقاء له) فسئل عن البديل؛ فقال: (لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديمقراطية، وإنما هو في نظام آخر، فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة)، ويومها قلت: بأن النظام الآخر الذي يشير إليه إنما هو نظام الإسلام، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك نظام غير الإسلام؛ يفي بحاجات البشر ويحل مشكلاتهم، ويجمع شتاتهم، ويأخذ بأيديهم إلى ما يصبون إليه من خير، بعد هذه المعاناة الشديدة من الشر الذي كابدوه ردحاً من الزمن، ولم تمض سنوات قليلة حتى تحدث شيوعي راديكالي يعتبر من أعنت الشيوعيين وأشدهم ضراوة وهو "كاسترو" عن صلاح الإسلام. وقال: "لم يبق أمام الناس إلا المنهج القرآني ".
فبما أن العالم يتطلع إلى هذا المنهج وإلى ما فيه من حلول لمشكلاتهم، فإن هذه المسؤولية إنما هي مسؤولية هذه الأمة أمة (1/20)
صفحة 21
الإسلام التي اختارها الله سبحانه وتعالى لأن تكون شهيدة على جميع الأمم ورائدة في الحق، تستمسك بأمر ال، له وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقيم حدود ال، له وتنفذ أحكامه وتجسد تعاليمه، فالله سبحانه وتعالى بين ميزة هذه الأمة، فقد أخبر أنها شهيدة على الأمم {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} (1) ويقول سبحانه وتعالى مبيناً سبب نيل هذه الأمة هذا الشرف العظيم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (2).
وهذا يعني أن هذه الأمة لا يمكن أن تسعد ويسعد الناس بسببها إلا عندما تعود إلى أصالتها وتتمسك بخصائصها، ولا
__________
(1) سورة البقرة / 143
(2) آل عمران / 110 (1/21)
صفحة 22
تفرط في شيء من واجباتها، والسلف الصالح عندما شقوا طريقهم إلى الأمام، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، وأكتسحوا كل ما وقف أمامهم، إنما وصلوا إلى هذه الغايات البعيدة بسبب عزيمتهم الإيمانية الصادقة وعدم تفريطهم في شيء من أوامر الله سبحانه، فقد صدقوا الله فصدقهم الله ونصروه فنصرهم، ونصرة الله سبحانه وتعالى بينها كيف تكون عندما قال عزوجل: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (1).
واجب المسلمين في قيادة العالم
هذا ولئن كانت الإنسانية بأسرها مطالبة بأن تواجه التحديات المختلفة بإيمان وثبات، فإن ذلك يعني أن على هذه
__________
(1) الحج / 40، 41 (1/22)
صفحة 23
الإنسانية أن تتكيف وفق أمر الله سبحانه وتعالى، وأن تستخرج الحلول من كنوز كتابه الكريم الذي لا تنفد كنوزه ولا تنتهي حلوله، ولئن كان المسلمون هم الذين يسألون يوم القيامة عن وضع هذه الإنسانية الحائرة وعن الأخذ بيدها إلى سبل الخير، وهذه مسؤولية كل مسلم لا فرق بين صغير وكبير، فإن شباب هذه الأمة وهم الذين آتاهم الله سبحانه وتعالى الطاقات الحسية والمعنوية أكثر مسؤولية وأعظم خطراً في أن يتحملوا هذه المسؤولية بجدارة وصدق وأمانة. وكل أمة من الأمم تقاس في تقدمها وتأخرها ورقيها وانحطاطها بحسب وضع شبابها، وبقدر ما يكونون عليه من الخير والاستقامة والرشد والاستمساك بحبل الله المتين، والعض بالنواجذ على هدي كتابه الكريم، وانتهاج صراطه المستقيم تكون الأمة بخير، وعندما يكون الشباب بخلاف ذلك تكون الأمة والعياذ بالله أمة مهينة ذليلة حقيرة. (1/23)
صفحة 24
هذا، ولا ريب أن اضطلاع الشباب بهذه المسؤولية الكبرى والقيام من جانبهم بهذه الأمانة العظمى، أمر يستدعي أن يتهيأ له الشباب بالقيام بالواجبات، وذلك بتكيفه تكيفاً تاماً حسب أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم لتكون كل جزئية من جزئيات حياته تجسيداً لحكم الله الذي لا تبديل لأحكامه، وهذا أمر ليس بالهين؛ فإن مرحلة الشباب مرحلة نزوات والانحرافات بسبب أن الشيطان يحرص دائماً على أن يضل الشاب عن سواء الصراط، ولذلك عندما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر من بينهم شاباً نشأ في عبادة الله (1)، والنزعات فجدير بالشاب أن يعرف مسؤوليته وهو في هذه المرحلة، على أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن الإنسان كما يسأل عن عمره عامة يسأل عن شبابه بصفة خاصة، فهو عليه
__________
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم وغيرهم. (1/24)
صفحة 25
أفضل الصلاة والسلام يقول: ((لا تزول قدم ابن أدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه)) إلى آخر الحديث (1).
فعلى الشاب أن يدرك أن مسؤوليته -وهو في هذا الشباب- مسؤولية مضاعفة، وأنه يسأل عن شبابه بصفة خاصة، لأن الشباب هو ريعان هذا العمر وزهرته ونضارته وهو المرحلة الذهبية منه، ومع هذا كله فإن الشباب مستهدف من قبل أعداء الإسلام، ولا بد من أن يجتازها بإيمان صادق وعزيمة متوقدة وهمة عالية وثبات في المضي قدما في طريق الحق والاستقامة، وأعداء الإسلام أساليبهم متنوعة، فنحن نراهم كيف يتفقون على حرب هذا الدين وحرب اتباعه، ومحاولة الانحراف بشبابه مع انقسامهم
__________
(1) رواه الترمذي والدرامي. (1/25)
صفحة 26
على أنفسهم، فقبل فترة من الفترات كان هناك ثالوث خطير جداً؛ وهو الثالوث الصهيوني والصليبي والشيوعي، وإذا بالشيوعية تتساقط كما ذكرنا وقد بقيت الصليبية والصهيونية، ولكن هل انتهاء الشيوعية يعني انتهاء آثارها؟ فنحن عندما ننظر إلى وضع الناس اليوم نجد أن هناك ديداناً سامة تغذت بسموم الشيوعية، لأنها انفصلت عن جثتها المتعفنة النتنة، وأخذت تقيئ سمومها في وسط هذا العالم الإسلامي لأجل إغوائه باسم الحداثة، حتى يتنكب شباب الإسلام سواء الصراط، وينحرفوا عن منهج سلفهم الصالح ويقعدوا عما تقتضيه هممهم العالية من السعي إلى الخير.
هذا؛ بجانب الكثير من المغريات المتنوعة، فقبل كل شيء العقبة الكبرى هي عقبة الجهل، والجهل الذي أعنيه هو الجهل بالأمور الدينية والدنيوية، فإن هذه الأمة كما هو معلوم لكم (1/26)
صفحة 27
مرشحة بأن تقود الأمم، وأن تأخذ بناصية الإنسانية إلى سبيل الخير، ومن المعلوم أن هذه القيادة لا يمكن إلا أن تكون بمعرفة واسعة بالأمور السياسية والاجتماعية و الثقافية، وبجميع ما تقتضيه هذه الحياة الدنيا من الأخذ بأسباب القوة.
عوامل انتصار الأمة الإسلامية
ليس من المعقول أن يكل المسلمون أمور دنياهم إلى أعدائهم، الدنيا أحقر من أن تكون غاية ولكنها أكبر أيضاً من أن تهدر، لأنها الوسيلة إلى الدار الآخرة، فلذلك يجب على المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة فيها، والله سبحانه وتعالى يبين لنا ذلك عندما يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (1) وهذه القوة التي تعد تختلف باختلاف الأزمان، قد تكون قوة ما صالحة في
__________
(1) الأنفال / 60 (1/27)
صفحة 28
عصر وهي ليست كذلك في عصر آخر فالناس حتى في العصور الماضية القريبة لا يمكن أن يتكافؤا عندما بعضهم يتسلح بالخناجر والسيوف والآخرون يتسلحون بالبنادق والمدافع، فكيف مع هذه الآلات المبتكرة الحديثة التي لا تبقي ولا تذر؟ فالمسلمون مطالبون بأن يكونوا على معرفة بشؤون الحياة الدنيا حتى لا يكونوا عالة على أعدائهم في شيء، فالله سبحانه وتعالى يبين لنا أنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً، فهو من ناحية يدعونا إلى الزهد في هذه الحياة الدنيا بحيث لا نقدمها على الحياة الآخرة ولا تكون لنا غاية، وذلك واضح في قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} (1) وقوله عز
__________
(1) الإسراء / 18 - 19 (1/28)
صفحة 29
من قائل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} (1) وكذلك عندما يضرب لنا الأمثال الكثيرة التي تبين لنا حقارة هذه الدنيا كما في قوله سبحانه وتعالى: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا} (2).
وكذلك كما هو في قوله سبحانه وتعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها
__________
(1) هود / 15 - 16
(2) الكهف / 45 - 46 (1/29)
صفحة 30
أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (1) وقوله عز من قائل: {أعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (2) ولكن بجانب هذا كله نجد الآيات الكثيرة التي تدعونا إلى الأخذ بأسباب القوة في هذه الحياة، والتي تدل على امتنان الله سبحانه وتعالى بما آتانا فيها من خير، لنسخر هذا الخير للوصول إلى الآخرة بسلوك الطريق المفضية إلى ذلك، فالله سبحانه وتعالى يقول: {هو الذي خلق لكم ما
__________
(1) - يونس / 24، 25
(2) - الحديد / 20 (1/30)
صفحة 31
في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم} (1) ويقول عز من قائل: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} (2) فعندما ندرك أن الله سبحانه وتعالى خلق لنا ما في الأرض جميعاً، وأنه سخر لنا ما في السموات وما في الأرض علينا أن نستغل هذا الخير، ولكن لنسخره للآخرة، لتكون الدنيا وسيلة لنا لا غاية، فالشباب المسلم مطالب بأن يتزود من علم هذه الحياة الدنيا ما يتمكن به من الاستقلال عن خصومه، حتى لا يكون عالة على عليهم في أمر دنياه، فنحن بحاجة إلى كل هذه المهارات في حياتنا الدنيا، فنحن بحاجة إلى الطبيب المسلم الحاذق، وإلى المهندس المسلم البارع، وإلى الطيار المسلم الخبير، وإلى صاحب المصنع الماهر، الذي تبز مهارته مهارات الآخرين،
__________
(1) البقرة / 29
(2) - الجاثية / 13 (1/31)
صفحة 32
ويتفوق بها ليتولى مكان القيادة فيما بينهم، نحن بحاجة إلى ذلك كله، ونحن بجانب هذا أيضاً بحاجة إلى الكثير من المهارات الدينية، حتى يكون الشباب متسلحين بعلوم الدين بحيث يتمكنون بهذا التسلح من شق طريق هذه الحياة بأمان، حتى لا ينحرفوا عن سواء الصراط، وهذا ما يقتضيه أمر الله تبارك وتعالى لعباده بأن يتعلموا أمور دينهم، فالله سبحانه يقول: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (1).
خطورة تقليد أعداء الإسلام
وإن من أسباب تنكب الشباب سواء الصراط أن يقلدوا
__________
(1) - التوبة / 122 (1/32)
صفحة 33
دينهم الرجال، وأن لا ينظروا في أمر دينهم نظرة الفاحص الراغب في النجاة، الذي يهمه أن يلقى الله تبارك وتعالى يوم القيامة وهو نظيف طاهر من جميع الأدران، وهو مستمسك كل الاستمساك بحبله المتين.
ومن الخطورة بمكان أن يقلدوا دينهم كل أحد، فهناك الكثير من أهل العلم والمعرفة من لم تسكن خشية الله تبارك وتعالى قلبه، هؤلاء إنما يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فهم وإن أوتوا ما أوتوا من علم الجدل والمناقشات ومن ضروب الفنون التي تبهر الناس، ليسوا من الله تبارك وتعالى في شيء وجدير بالمسلم أن لا يقلدهم أمر دينه، إنما على الشباب أن ينظر من يقلده أمر دينه.
وكذلك بجانب هذا هناك الكثير من الناس هم على جهل زائد، ولكنهم يتسورون أمور الدين ويتحدثون عنها تحدث العالم (1/33)
صفحة 34
المحقق الجامع بين المعقول والمنقول، كأنما أوتوا من العلم حظاً وافراً، وهؤلاء خطرهم كبير لأنهم يلبسون لباس العلم وهم على جهل شديد بالإسلام، والله تبارك وتعالى قرن التقول عليه بالإشراك عندما قال سبحانه: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (1).
ومن الخطر الكبير أن يحسن الظن بمن يلبس لبوس الإسلام من أجل الكيد له، وقد يكون بعض هؤلاء مجاهرين في وقت من الأوقات بالإلحاد، ثم بعد ذلك يتظاهرون بالرجوع إلى الإسلام، وإذا بهم يدسون سمومهم فيما بين المسلمين باسم الإسلام.
__________
(1) - الأعراف / 33 (1/34)
صفحة 35
وقبل فترة من الوقت سمعت عن أحد الأساتذة أنه يبدي إعجاباً بالغاً بأحد هؤلاء وكتاب له ظهر من جديد، ثم عندما التقيت به قال لي: ينبغي أن تقرأ هذا الكتاب فإنه كتاب جيد جداً، وعندما أخذت أقلب صفحات ذلك الكتاب رأيت فيه من الكيد للإسلام ما تقشعر منه الجلود، فمن ذلك أنه يجعل العبادة أمرا شكلياً، ومن استمسك بهذه العبادة من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك فإنما يستمسك بشكليات الإسلام وإنما العبادة الحقة التي يحض عليها الإسلام هو الحب، وهذا الحب هو للجميع لا فرق بين إنسان وآخر، هذا أمر هو من الخطورة بمكان، فإنه مع الأسف الشديد يؤدي والعياذ بالله إلى أن يجعل المسلم المؤمن والكافر في ميزانه سواء، بحيث يود الكافر كما يود المؤمن، والله تبارك وتعالى يقول: {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاء كم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا (1/35)
صفحة 36
بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون} (1).
ويقول تعالى: {يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} (2).
ويبين لنا سبحانه وتعالى أن موالاة المؤمن إنما هي محصورة في ربه وفي نبيه صلى الله عليه وسلم وفي إخوانه المؤمنين، يقول تعالى: {إنما وليكم
__________
(1) - الممتحنة / 1، 2
(2) - المائدة / 51، 52 (1/36)
صفحة 37
الله ورسوله والذين ءامنو الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (1).
ثم يبين عاقبة ذلك فيقول: {ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون} (2)، ويقول: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} (3).
هكذا تأتي هذه النصوص لتقطع الصلة بين المؤمنين والكافرين حتى لا يربط بين الجانبين جسر، ولا يوحد بين الطائفتين فكر، فكيف مع ذلك يجرأ أحد ينتسب إلى الإسلام بأن
__________
(1) - المائدة / 55
(2) - المائدة / 56
(3) - المجادلة / 22 (1/37)
صفحة 38
يقول: بأن الدين كله الحب، وأن هذا الحب هو لجميع الناس من غير فرق بين أحد وآخر؟.
وكيف بجانب ذلك أيضاً يتجاوز هذا الضلال المبين إلى تسفيه أمر الدين بحيث يجعل هذه العبادات التي فرضها الله، وجعلها صلة بينه وبين عباده، وبها تتمايز أحوال العباد وتختلف طبقاتهم، يجعلها بأسرها أموراً شكلية لا قيمة لها حسب زعمه في موازين الإسلام، إن هذا لهو الضلال المبين.
فمثل هذه الأفكار المنحرفة التي تقدم إلى الشباب باسم الإسلام من قوم يزعمون أنهم أصبحوا الآن أعلاما في الفكر الإسلامي، وأنهم أبصروا ما لم يبصره من قبلهم، مثل هذه الأفكار تدمر الأمة والعياذ بالله عندما تتلقى بالقبول، ثم بجانب هذا أيضاً أن الوصول إلى الغاية تحتاج إلى تضحيات جسام، (1/38)
صفحة 39
فأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم شدوا عزائمهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، لقد خرجوا في هذا الأرض وهم قلة قليلة بين تلكم الكثرة الكاثرة من الكفرة الذين كانوا يتحدونهم ويقفون في سبيلهم ويضعون العراقيل أمامهم، ويرفعون السدود لتحول بينهم وبين مبتغاهم، ولكنهم اقتحموا صهوة متون الأخطار وواجهوا أنواع التحديات ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الجبارين، وأنزلوا القياصرة والأكاسرة من عروشهم صاغرين، وأذاقوا الشعوب التي كانت محرومة من الأمن والاطمئنان والعدل والمساواة طعم الحرية والعدل والمساواة.
خطورة الترف على الشباب المسلم
وهذا أمر يستدعى بطبيعة الحال على أن تكون من الشباب المعاصر تضحيات جسام، فالإخلاد إلى الراحة لا يؤدي إلى الغاية (1/39)
صفحة 40
المطلوبة، ولذلك يجب قبل كل شيء أن يتربى هذا الشباب تربية بعيدة عن الترف، فالترف هو الذي يهلك الأمم، وما هذا التقارب الذي نراه بين كلمتي "الترف" و "التلف" إلا دليل على ما بينهما من الترابط المعنوي والتآخي السببي، فإن الترف والعياذ بالله مؤد إلى التلف، فهو يؤدي إلى التلف في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فأنتم تقرأون قول الله تبارك وتعالى في أصحاب الشمال والعياذ بالله بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى ما ينتظرهم من العقاب الأليم {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} (1) فأول ما وصفهم به من أعمالهم التي يعملونها وأحوالهم التي كانوا عليها في هذه الدنيا أنهم كانوا مترفين.
وكذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يصف أحوال هؤلاء في
__________
(1) - الواقعة / 45 (1/40)
صفحة 41
الدنيا وما يصيبهم فيها من العذاب بسبب هذا الترف، فهو تعالى يقول: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً ءاخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون} (1)، ويقول تعالى: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجءرون لا تجءروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} (2).
ويبين لنا سبحانه أن هؤلاء المترفين هم السبب في شيوع العذاب بين الناس؛ عندما يتركون وشأنهم وفسادهم وإغراقهم في لهوهم وانحرافهم عن سواء الصراط فهو تعالى يقول: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (3)
__________
(1) - الأنبياء / 11 - 13
(2) - المؤمنون / 64 - 65
(3) - الإسراء / 16 (1/41)
صفحة 42
ويبين لنا سبحانه وتعالى أيضاً أن هؤلاء المترفين هم الذين وقفوا في وجوه المرسلين، فهم بسبب استمساكهم -بما فيه وعليه من الترف- يحرصون دائماً على ألا يفرطوا في ملذاتهم وشهواتهم، فيرون دعوات المرسلين تحول بينهم وبين ذلك، فلذلك يتحدونهم ويكذبون بها، يقول سبحانه وتعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذن لخاسرون} (1) ويقول سبحانه: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} (2) فهم مخلدون إلى أموالهم وأولادهم ويغترون بذلك، أن ذلك هو مقياس التفرقة بين الحق والباطل.
__________
(1) - المؤمنون / 33 - 34
(2) - سبأ / 34 - 35 (1/42)
صفحة 43
وكذلك يقول سبحانه: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون} (1).
وهكذا شأن هؤلاء المترفين يصرون على الاستمساك بالباطل، ويبين لنا سبحانه أن ذلك ليس بالنسبة إلى دعوات المرسلين فحسب بل هو أمر متكرر في تاريخ المصلحين، فالمصلحون يقف في وجوههم المترفون، يقول تبارك وتعالى:
{فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} (2) ولذلك يقفون في وجوه المصلحين كما يقفون في وجوه المرسلين.
__________
(1) - الزخرف / 23
(2) - هود / 116 (1/43)
صفحة 44
التربية الحقة للشباب المسلم
فلذلك يجب أن يتربى الشباب لا على الترف والإخلاد إلى الراحة، بل على مواجهة الشدائد وتحمل اللأواء ومكابدة المشاق، حتى يكون مهيأ لأن يتحمل كل شدة في سبيل أمر الله تبارك وتعالى عندما يواجهوا أعداء الإسلام.
هذا؛ ومن المعلوم أن قبل هذا كله وبعده، فإن الإيمان هو الأصل، ومن هنا تأتي التربية الإيمانية كرائد في هذا السبيل، فالشباب يجب أن ينشأوا على الإيمان بالله، والتعلق به سبحانه وتعالى، حتى يمتلك شغاف قلوبهم ويسيطر على أفكارهم ووجدانهم، كما يقتضي ذلك الإيمان الحق الذي كان عليه السلف، والذي يأتي عليه من بعد من سلك مسلكهم من الخلف، والذي دعت إليه آيات الكتاب العزيز والسنة النبوية (1/44)
صفحة 45
على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فالله تبارك وتعالى يصف المؤمنين بأوصاف في الكتاب {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق
كريم} (1).
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)) (2).
__________
(1) - الأنفال / 2 - 4
(2) - رواه مسلم والنسائي. (1/45)
صفحة 46
جهود أعداء الإسلام للصد عن سبيل الله
فالإيمان ليس إدعاء وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولذلك كان من الضرورة أن تكون التربية تجسد الإيمان الحق بحيث يدفع بهؤلاء الشباب دفعا إلى التضحية في سبيل الله سبحانه، ومن أجل أمر الله، ومن أجل الدعوة إليه.
ومع هذا أيضاً لا بد من أن يكون هؤلاء الشباب على بينة بمكر أعدائهم وأساليبهم، وكيف يواجهون هؤلاء الأعداء سواء من الناحية المعنوية أو من الناحية المادية، فمن الناحية المادية كما ذكرنا عليهم أن يأخذوا بأسباب القوة كلها، ومن الناحية المعنوية عليهم أن يواجهوا مكر أعدائهم بالدعوة الحقة دعوة الصدق، فالتنصير الذي يقوم به الصليبيون يجب أن يعرى، وذلك بعد الفهم والدراسة لمكائد هؤلاء المنصرين، كيف (1/46)
صفحة 47
يريدون أن ينشروا مبادئ أنفسهم الآن أصبحوا لا يؤمنون بها، وما ذلك إلا من أجل اصطياد المؤمنين، ومن أجل الحيلولة بينهم وبين تأريخهم، فالمنصرون كل همهم في أن ينصرف المسلم عن الإسلام ولا يشغلهم بعد ذلك أن يكون على أي ملة أو على أي دين كما تحدث بذلك القس زويمر نفسه في مؤتمر القدس الذي انعقد في عام 1935 عندما قال: ((إن مهمة التبشير الذي ندبتكم من أجله الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين، فإن في ذلك هداية لهم وتكريماً، وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبهذا تكونون بأعمالكم هذه طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية)) ويذكر فيما (1/47)
صفحة 48
يذكره أنه من المهم أن يخرجوا جيلاً معنياً بالشهوات لا يهمه إلا أن يشبع شهوته، فإن تبوأ أسمى المناصب ففي سبيل الشهوات))، وكذلك بالنسبة إلى مكائد الصهيونية وما ينشرونه من أفكار خبيثة في الأمة الإسلامية من أجل تفتيت وحدتها وتفريق كلمتها و البعد بها عن أسباب عزتها وكرامتها.
يجب على الشباب أن يكونوا على بينة من ذلك، وأن يدرسوا ذلك دراسة مستفيضة، وأن يقوموا ببثه فيما بين الناس.
وكذلك بالنسبة إلى هؤلاء الحشرات الذين يسمون أنفسهم بالحداثيين، وما يقومون به من دعايات مغرية في أمة الإسلام من أجل الحيلولة بين هذه الأمة وبين أسباب الخير، فيها يجب على الشباب أن يكونوا على بينة من ذلك كله، وأن يعروا مكائد هؤلاء ويفضحوا مؤامراتهم. (1/48)
صفحة 49
الصبر سبب النصر
والدعوة إلى الله يجب أن تكون نصب عيني كل شاب مسلم، فإن الله تبارك وتعالى جعل الدعوة هي سبب رقي هذه الأمة وأخذها بأسباب القوة، والخير {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (1) وعليهم أن يصبروا من أجل إبلاغ هذه الدعوة إلى الناس فإن طريق الدعوة طريق وعر محفوف بالمكاره مليء بالمخاطر، فالله تبارك وتعالى يبين لنا ذلك من خلال أمره بالصبر في إبلاغ هذه الدعوة، فهو يقول فيما يحكيه عن لقمان في وصيته لأبنه {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (2)، ويقول سبحانه وتعالى مبيناً
__________
(1) - آل عمران / 110
(2) - لقمان / 17 (1/49)
صفحة 50
منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهاج أمته الذين يتبعون سبيله {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أن من المشركين} (1) ثم يتبع ذلك قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (2).
__________
(1) - يوسف / 108.
(2) - يوسف / 109 – 111. (1/50)
صفحة 51
وهناك الكثير من الحديث الذي يتعلق بهذه الجوانب، ولكن نظراً إلى ضيق الوقت لا يمكننا أن نتجاوز ما قلناه إلى غيره. (1/51)
صفحة 52
[صفحة بيضاء] (1/52)
صفحة 53
الخا تمة
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يقطع دابر أعدائه الكافرين.
اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمنا، وبذلنا عزاً، وبفقرنا عن، ى وبتشتتنا وحدة، وأجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. (1/53)
صفحة 54
اللهم إنا ضعفاء فقونا، وإنا أذلاء فأعزنا، وإنا فقراء فأغننا، اللهم أغننا بحلالك عن الحرام، وبطاعتك عن الأثام، وبك عمن سواك، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه شرعك، وتطبق فيه أحكامك، وتقام فيه حدودك وينتهج فيه صراطك، ويتبع فيه كتابك، ويقتدى فيه برسولك محمد صلى الله عليه وسلم.
إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/54)
صفحة 55
فهرس
م ... الموضوع ... الصفحة
1 ... تمهيد .................................... ... 5
2 ... مقدمة ................................... ... 11
3 ... وعد الله بالتمكين للمؤمنين ............... ... 13
4 ... بشرات النبوة بانتشار الإسلام ............... ... 16
5 ... خطورة تخلي الأمة الإسلامية عن مكان القيادة. ... 19
6 ... اعترافات خصوم الإسلام بإفلاس النظم البشرية. ... 21
7 ... واجب المسلمين في قيادة العالم ............... ... 24
8 ... عوامل انتصار الأمة الإسلامية .............. ... 29 (1/55)
صفحة 56
9 ... خطورة تقليد أعداء الإسلام ................. ... 34
10 ... خطورة الترف على الشباب المسلم .......... ... 41
11 ... التربية الحقة للشباب المسلم .................. ... 46
12 ... جهود أعداء الإسلام للصد عن سبيل الله ..... ... 48
13 ... الصبر سبب النصر .......................... ... 51
14 ... الخاتمة ....................................... ... 55
15 ... فهرس المواضيع ............................. ... 57
والله ولي التوفيق
تم بحمد الله (1/56)