صفحة 1
بحث: مقارنة بين التصوّف والمدرسة الحرّة وأثرهما في تربيّة الشباب
الباحث: الحاج أحمد بن حمو كروم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنّبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسأنّ إلى يوم الدين.
إخوأنّي أخواتي الدكاترة:
آبائي المشائخ
رفاقي الأساتذة:
سيدي مدير الثقافة لولاية غرداية
سيدي مدير المركز الجامعي بغرداية
سيدي رئيس الجلسة العلمية
أبنائي الطلبة والطالبات
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
يسعدني أنّ أجيب دعوتكم الكريمة وأشارككم في هذه الجلسة العلمية التي تعالج موضوعا مهمّا بعنوانّ: التصوّف الإسلامي وأثره في البناء الاجتماعي.
وقد كلّفت أنّ أحدثكم عن:
التصوّف الإسلامي والبناء الحضاري للشباب
واخترت لكم:
مقارنة بين التصوّف والمدرسة الحرّة وأثرهما في تربيّة الشباب
لعرض هذا الموضوع اخترت الخطّة التالية: (1/1)
صفحة 2
المبحث الأول: تعريفات
1. التصوّف الإسلامي.
2. التربيّة.
3. الشباب.
المبحث الثأنّي: التصوّف والمدرسة الإباضية
المبحث الثالث: جذور المدرسة الحرّة في الجزائر
1 – المدرسة الحرّة قبل الاستعمار.
2 - المدرسة الحرّة في عهد الاستعمار.
3 - التعليم الحرّ بعد الاستقلال الوطني.
المبحث الرابع: التعليم الحرّ والزوايا ودورهما في المجتمع الجزائري:
1 - أوجه الشبه بين النظامين.
2 - التعليم الحرّ والزوايا وأثارهما في تربيّة الشباب.
ثم ختمت العرض بمقترحات وتوصيات وأرجو أنّ يوفّقني الله تعالى في هذا العرض وتجدون فيه فوائد جليلة ذات أبعاد حضاريّة عاليّة.
ولا تفوتني الفرصة أنّ أتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لجميع من بادر إلى تنظيم مثل هذا الملتقى من أجل التعارف والمعرفة والاعتراف بجهود العاملين في سبيل تطوير أساليب الفكر والتربيّة في المجتمع الجزائري – والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
بقلم: الحاج أحمد بن حمو كرّوم.
الاثنين 12 صفر 1432 هـ يوافقه 17 جأنّفي 2011م. (1/2)
صفحة 3
المطلب الأول: التصوّف الإسلامي.
في اللغة يقول القطب اطفيش رحمه الله:
التصوّف هو مأخوذ من الصفاء ففيه القلب المكأنّي إذ قدمت الواوعلى الفاء لأنّ أصله الصفوة، وهو مصف للقلب. وقيل: سمُّوا صوفية لصفاء أسرارهم وبقاء آثارهم ... وقيل: للُبْسهم الصوف لأنّه كأنّ لباس الأنّبياء والصالحين، وهذا لا قلب فيه.
وفي الاصطلاح قال الغزالي: «التصوّف تجريد القلب لله واحتقار ... ما سواه ... » (1).
وقيل: «التصوّف حمل النفس على الشدائد للريّ من شرف الموارد» (2).
والتصوّف عند الشيخ عبد العزيز الثميني هو إصلاح النفس بالمجاهدة نحو الأفضل فقال: «المتصوّف هو ذو النفس التي لا تأبى إلا العلو الأخروي، يرفعها بالمجاهدة من سفاسف الأمور، يجنح بها إلى معاليها من الأخلاق الحميدة» (3).
ويقول ابن خلدون: «والصوفيّة أصلها العكوف على العبادة وانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، وانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكأنّ ذلك عامّا في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن 2هـ وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختصّ المقبلون على العبادة باسم الصوفيّة والمتصوّفة» (4).
وقد أطلق بادئ الأمر لفظ الصوفيّ والمتصوّف مرادفا للزهد والعابد والفقير، لأنّ لبس الصوف في ذلك الوقت هو مظهر للفقر والزهد، ثم صار التصوّف فيما بعد يدلّ على التطهّر والتقشّف، والابتعاد عن مغريات الحياة الدنيا والتحلّي بالأخلاق الفاضلة والفضائل، وتجنب المزالق، والقيام بالواجبات الشرعيّة من الصلاة والصوم والحج ومعرفة الله وشكره وحمده، والتضرّع إليه في كل وقت، بالإضافة إلى الخلوة لممارسة العبادة والنشاط الروحي وكل ذلك من أجل التنامي والوصول إلى الدرجة العليا في القربى إلى الله ونيل رضاه (5).
وعلى هذا يكون التصوّف هو ممارسات إيمانيّة وأخلاقية للدوام على إصلاح النفس والقلب والسموّ بهما نحو المراتب العليا في الدنيا والآخرة ...
ومقر الصوفية اليوم هو الزاوية وهي عبارة عن مجمع خيري يقوم عليه شيخ لتدريس الطلبة وإيوائهم، وإيواء الأضياف القادمين لزيارة الشيخ والأنّفاق عليهم ويرعاهم، فيه مدرسة ومصلى ومأوى.
وقد شاهدت مقر الزاوية التيجانيّة في عين ماضي، ومقرها في تيماسين بمدينة تيقرت، وزاوية الشيخ محمد بن لكبير في أدرار، والزاوية الدرقاوية البلقايدية بوهران، ووجدتها زوايا للعلم والدين، جديرة بالاقتداء بها لما دخلها من تطوير يناسب العصر يستقطب الشباب المسلم، لتأطيرهم وتوجيههم في كل ما يصلح نفوسهم وقلوبهم نحو الأمثل والأكمل.
كما زرت بعض الزوايا للضيافة في دولة المغرب، ووجدتها جاهزة بكل ما يستفيد منه ابن السبيل من إيواء وإطعام وفراش ودفء في أي وقت يدخلها ليلا أو نهارا.
كما شاهدت في المغرب والشام زوايا للتوجيه والإرشاد والتدريس يمارس المريدون في قسم منها شطحات بالدفوف وأذكار ومدائح نبوية وابتهالات لإحياء احتفالات المولد النبوي الشريف.
__________
(1) اطفيش: شرح النيل ج 17 ص 707
(2) م. س. ص 708
(3) م. س. ص 717
(4) ابن خلدون: المقدمة ج1 ص 512
(5) عبد العزيز شهبي: الزوايا الصوفية ص 96 (1/3)
صفحة 4
المطلب الثأنّي: تعريف التربيّة
في اللغة: التربيّة كلمة مشتقة من كلمة "ربّى" أي نشّأ ونمّى ومنه قوله تعالى:" وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) " سورة الإسراء، " قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) " سورة الشعراء 18.
وفي الاصطلاح: هي مساعدة الفرد على تحقيق ذاته حتى يبلغ أقصى كمالاته المادية والروحية في إطار المجتمع الذي يعيش فيه.
وهناك من يرى أنّ التربيّة هي أنّ ننشّئ الفرد قوي البدن حسن الخلق، صحيح التفكير، محبا لوطنه، معتزا بقوميته، مدركا واجباته، مزوّدا بالمعلومات التي يحتاج إليها في حياته.
وهناك من يعرف التربيّة قائلا:" هي عمل واع وهادف يقوم به فرد بالغ بهدف بناء فرد آخر وتغييره (1).
وهي ترادف معنى التأديب التي يمارسها الوالد على أبنائه والمعلم على تلاميذه في المنزل والكتاب، قال صلى الله عليه وسلّم: " ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن " (2).
وهي ترادف أيضا مصطلح التهذيب والتزكية التي تعني التطهير للنفس البشرية من كل ما يدنّسها من الصفات الدنيئة إلى الطباع الحميدة.
ولا يختلف اثنان في أنّ مصطلح التربيّة هو مصطلح قديم قدم الإنسان لأنّها مطلوبة أساسا لتنظيم حياة الفرد والجماعة في جميع أطوارها الخاصة والعامة، إلاّ أنّه ورد عبر القرون بمصطلحات مغايرة عن هذا المصطلح مثل الأخلاق والنصيحة والموعظة والتذكير وغيرها.
وقد اختص الصوفيّة بمصطلح «تزكية النفس» وهي تعني تربيّة القلب والنفس على الأخلاق الحميدة والعبادات الصحيحة، لقوله تعالى: «هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ, ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (2)». (3) حتى أكد الله تعالى ذلك بصيغة المدح في قوله «قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14)» سورة الأعلى.
ومن أجل هذا اهتم بها البشر فحوّلوا هذه الممارسات الإنسانّية الضرورية إلى علم قائم بذاته يدرس في الجامعات والمعاهد المتخصصة، والتخرج فيه بدراسات عالية وبحوث معمقة.
المطلب الثالث: تعريف الشباب
في اللغة: الشباب من شبّّ يشبّ شبيبة، والاسم الشبيبة ويجمع على الشباب وهو الفتاء والحداثة.
وفي الاصطلاح: الشباب هو مرحلة القوة من عمر الإنسانّ بعد الطفولة وقبل الكهولة، وهي من السنّ العاشرة إلى السنّ الأربعين (10 - 40)، مرحلة التكوين الجسمي والنضج العقلي للإنسان، أي من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الرشد، وقد ورد الاهتمام بهذه المرحلة من عمر الإنسان في القرآن والسنّة، قال الله تعالى: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً " سورة الأحقاف)، وقال أيضا عن أصحاب الكهف:" إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ـ امَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ " (سورة الكهف).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنّه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فأنّه له وجاء " (أبوداود).
وقال أيضا: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلاّ ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل ... " (الربيع / البخاري ومسلم)، وقال أيضا:" لا تزول قدما ابن آدام يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنّفقه وماذا عمل فيما علم" الترمذي.
__________
(1) - د. داود بورقيبة: منهاج التربيّة المثالية ص 3 - 4.
(2) - رواه الترمذي عن عمروبن سعيد بن العاص.
(3) سورة الجمعة (1/4)
صفحة 5
وهذه المرحلة من العمر تجتمع فيه غرائز الأنّسأنّ تدفع به إلى القيام بجميع هوى النفس المادية والمعنوية تلح عليه ذلك إلحاحا ذكورا كانّوا أو إنّاثا، فمن كبح جماح نفسه ونهى النفس عن الهوى كان شابا صالحا، ولذلك اختاره الله تعالى مع السبعة الذين يظلهم بظله يوم القيامة، وأما إذا أطلق العنانّ لنفسه، ترتع في الموبقات والمعاصي ولم يتب منها فإنّ الله سائله عن شبابه فيما أبلاه ويحاسبه على ذلك حسابا عسيرا.
المبحث الثأنّي: التصوّف والمدرسة الإباضية.
بعدما تتبعت مصادر المدرسة الإباضية في التربيّة والشريعة لم أجد لمصطلح التصوّف حضورا بالمعاني التي وردت في كتب التصوّف، رغم أنّنا نجد بعض هذه المصادر قد كتبت عن التصوّف بل حاولت أن تأتي بنسج جديد لهذا المصطلح الشائع في الحواضر العلمية منذ القرن الثاني الهجري، وأذكر منها:
1 - كتاب تبيين أفعال العباد للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت:504هـ) إبن مؤسس حلقة العزابة ...
2 - كتاب قناطر الخيرات للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت:750) الذي يعتبر اختصارا لكتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت:505هـ).
3 - كتاب قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للشيخ جميل بن خميس السعدي (ق:11هـ) ج 10 منه خصص فيه الباب الخامس والعشرين في شيء من التصوّف وصفات النفس من معأنّي علم الحقيقة (82 صفحة).
4 - كتاب شرح النيل وشفاء العليل للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332/ 1914) الذي خصص خاتمة الكتاب في جزء 17 منه موضوع التصوّف شرحا لما كتبه الشيخ عبد العزيز الثميني في النيل (ت: 1223/ 1808) في 40 صفحة،
وجميع هؤلاء المؤلفين يتفقون مع الصوفيّة في الدعوة إلى الزهد في الدنيا والتوبة من المعاصي ووجوب الاهتمام بأمور المسلمين، وعدم الركون إلى الظلم والفساد، حتى تسمو النفس إلى المراتب العليا من الرضى والقبول عند الله تعالى.
كما أنّها تدعو إلى الإقبال على تطهير القلب وتزكية النفس بالأخلاق الحميدة والعقيدة الإسلامية الصحيحة، وبعضهم يعلن صراحة الرفض التام للممارسات الصوفية أثناء عملية تزكية النفس من التواجد والشطحات على وقع الدفوف وغير الدفوف.
كما أنّها تدعو إلى الكرم والتعاون على البر والتقوى والإحسان إلى الفقراء والمساكين وابن السبيل من أهل العلم وغيرهم.
ولا يتم التصوّف إلا بالإقبال على التعليم الديني من فقه الشريعة وعلوم القرآن والتفسير والحديث والعقيدة والتاريخ واللغة العربية بالتدريج وحفظ المتون، أمام شيخ الحلقة العلمية في الزاوية.
والزاوية في مصطلح هذه الحلقات الإباضية هي الحبس، كما ورد في معجم مصطلحات الإباضية، وهذا الحبس الصغير هو خروج التلميذ إلى خارج حلقة العزّابة للتأديب والزجر على مخالفة يقوم بها بعض صغار التلاميذ (1).
المبحث الثالث: جذور المدرسة الحرّة في الجزائر
المطلب الأول: المدرسة الحرّة قبل الاستعمار
التعليم الحرّ (2) أو المدرسة الحرّة هو نظام تربوي أهلي في الجزائر، تطور عن نظام التربيّة في الجماعات الإباضية في البصرة منذ نشأة المذهب الإباضي في العراق على يد التابعي الجليل الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني رحمه الله (ت:93هـ) في القرن الأول الهجري، ثم خَلَفه أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي في غار له في البصرة بعيدا عن أعين الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي إلى أنّ توفي سنة 145 هـ، وقد تخرج في معهده حملة العلم إلى المشرق وهم: الربيع بن حبيب – وأبو سفيان محبوب بن الرحيل – وأبو جابر موسى بن أبي جابر الأزكوي – وأبو المنذر بشير بن المنذر النزوي والمنير بن النير الجعلانّي – ومحمد بن المعلي الكندي.
وحملة العلم إلى المغرب وهم:
__________
(1) جمعية التراث: معجم مصطلحات الإباضية ج 1 ص 454
(2) جمعية التراث: معجم مصطلحات الإباضية ج 2 ص 726 (1/5)
صفحة 6
عبد الرحمن بن رستم الفارسي، إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وعاصم السدراتي، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (1)، هؤلاء الذين كوّنوا مدارس علمية في أقطارهم خلال القرن الثاني الهجري وهي التي نشرت التربيّة والتعليم في الدولة الرستمية إلى حين سقوطها سنة 296 هـ؛
ثم واصلت المسيرة مع مشايخ سدراتة ووارجلان، خلال القرن الرابع الهجري حتى غدت هذه الحلقات الملجأ الوحيد والمرجع الأول للعلم والفتوى في مدن الإباضية وغيرها بشمال إفريقيا.
حلقة العزابة:
ثم تطور هذا النظام إلى حلقة العزابة التي أسسها الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطّائي النفوسي، في غار تينيسلي في بليدة اعمر قرب تقرت سنة 409 هـ / 1019 مـ، وقد نظّمها تنظيما محكما بإدارة رشيدة يشرف عليها الشيخ ويديرها العرفاء، وهي تضمّ ثلاثة أنّواع من الطلبة: طلبة القرآن وطلبة فنون العلم والعاجزون.
وهي مدرسة ذات قسم داخلي لإيواء الطلبة وتتحرك في الأقطار الإباضية خلال فصول السنة في رحلات علمية.
نظام العزابة:
وفي منتصف القرن 6هـ حول الشيخ أبو عمّار عبد الكافي الوارجلاني، هذه الهيئة إلى نظام العزّابة وهو نظام يعنى بتسيير شؤون الإباضية في شمال إفريقيا ومقره المسجد، مع بقاء نظام التعليم الحرّ وتحوله إلى المحضرة بجوار المسجد لجميع التلاميذ والعامة من أجل محو الأمية وحفظ القرانّ الكريم والشريعة.
حلقة إروانّ:
وأما حملة كتاب الله فلهم مقرهم الخاص بهم بجوار المسجد يعرف بدار إروأنّ.
و" إيرو" كلمة أمازيغية تعني حافظ القرآن الكريم، الذي يشتغل بحفظ المتون الشعرية والنثرية في العقيدة والفقه والأخلاق، وكان للشيخ عمي سعيد بن علي الجربي دور فعال في تطوير هذا النظام خلال القرن العاشر الهجري في مدينة غرداية وضواحيها.
كما كان للعلماء حلقات علم في المنازل، وكلها فرعية خاصة بالنسبة لحلقة إروأنّ العامة في المسجد الجامع في البلدة.
حلقة تمسيريدين:
هي مجموعة المرشدات المشرفات على المجتمع النسوي بالتنسيق والتعاون مع حلقة العزابة، والكلمة مشتقّة من الكلمة الأمازيغية " تمسيرت " وهي تعني الغاسلة للموتى من النساء والأطفال.
وقد أسس هذا النظام منذ تأسيس نظام حلقة العزابة في القرن الخامس الهجري، ولا تزال هذه المرشدات يقمن بدورهن من تعليم الصلاة وإرشاد النساء في الأفراح والأتراح ومقراتهن في البلدة ورعاية قرارات حلقة العزابة في المجتمع النسوي بوادي مزاب.
__________
(1) م. ن. ج 1ص 307 (1/6)
صفحة 7
المطلب الثأنّي: المدرسة الحرّة في عهد الإستعمار:
ولا يزال هذا النظام التربوي يواصل رسالته النيلة لنشر الوعي الديني والاجتماعي إلى أنّ دخل الإستعمار في الجزائر وفرض نظام التعليم الفرنسي في الأوساط الجزائرية، ولكنه لم ينافس التعليم الحرّ ولم يستغن عنه الأهالي، فبادر أهل المنطقة إلى تطوير التعليم الحرّ وأنشأ له المدارس التابعة للمساجد وأطّروه بجمعيات خيرية نذكر منها:
مدرسة المسجد بغرداية.
جمعية الإصلاح بغرداية 1928.
جمعية النهضة بمدينة العطف 1945.
جمعية النصر بمليكة العليا 1960.
جمعية النور ببنورة 1945.
جمعية الثبات ببنورة.
والمدرسة الجابرية القرآنية ببني يز?ن1946.
ومدرسة مسجد أبي سالم بالعطف.
وجمعية الحياة بالقرارة 1937.
جمعية الفتح ببريان.
وجمعية الوفاق وارجلان.
وقد تفرعت عنها معاهد عليا لتعليم الشريعة مثل:
المعهد الجابري ببني يزقن، ومعهد الحياة بالقرارة، ومعهد القطب اطفيش.
حيث ساهمت بفعالية في مقاومة الاستعمار والمحافظة على مقومات الشخصية الوطنية.
مميزات ومبادئ المدرسة الحرّة:
وهذا النوع من التعليم بالنسبة لوادي مزاب له خصوصياته التي تميزه عن التعليم العام منها:
1 - تدريس القرآن الكريم كمادة أساسية.
2 - اللغة الرسمية للتدريس هي اللغة العربية.
3 - تدريس الفقه الإسلامي وفق اختيارات علماء المذهب الإباضي.
4 - تدريس التاريخ الإسلامي مع التركيز على مراحل تاريخ المذهب الإباضي.
5 - ترسيخ مبادئ العقيدة الإسلامية.
6 - الابتعاد عن اختلاط الجنسين في مراحل التعليم.
7 - الاعتماد على التربيّة والأخلاق الحميدة قبل التعليم والتكوين.
8 - تنشئة الأجيال وفق النمط الاجتماعي بوادي مزاب.
9 - تعليم الحرّف اليدوية للأبناء والبنات حتى يعفوا عن السؤال.
10 - المحافظة على التراث الإسلامي وإعادة نشره. (1/7)
صفحة 8
تموينه:
يتم تموين هذه المؤسسات الحرّة من ثلاثة موارد أساسية وهي.
1 - الاشتراكات السنوية لكل فرد.
2 - تبرعات المحسنين والأوقاف.
3 - تخصيص نسبة من ريع بعض الحركات التجارية لصالح التعليم الحرّ.
أهداف التعليم الحرّ:
في الحقيقة لا توجد أهداف عامة جامعة مضبوطة بين مدارس التعليم الحرّ بوادي مزاب وإنّما هي ما يستخلص من أهداف الجمعيات والمساجد التي تشرف على هذه المدارس، ولعل بعض هذه الأهداف مبادئ وبعض هذه المبادئ أهداف والفرق بين المبدأ والهدف هو أنّ المبدأ لا يتغير مهما تغير الإطار المشرف على المؤسسة، وأما الهدف فإنّه يمكن أنّ يكون ظرفيا، وبعد أنّ يتحقق يتغير العمل إلى تحقيق هدف آخر.
أهداف عامة:
نذكر من الأهداف ما يلي:
1 - تبليغ الرسالة المحمدية للناشئة.
2 - تحفيظ القرآن الكريم.
3 - تحصين الأجيال بالعقيدة والأخلاق الحميدة وغرس حب الوطن في نفوسهم.
4 - تدريس المذهب الإباضي وتاريخه مع التاريخ الإسلامي.
5 - تكوين المربين المرشدين للتأطير الاجتماعي والتواصل الحضاري.
6 - تربيّة البنت وتعليمها ما لتكون أما صالحة وربة بيت ناجحة.
المطلب الثالث: التعليم الحرّ بعد الاستقلال الوطني:
وبعد استرجاع السيادة الوطنية تقلص التعليم الحرّ في وادي مزاب في جانب الذكور فأصبح تعليما دينيا مكملا للتعليم الرسمي إلى نهاية المرحلة المتوسطة ولا يزال.
وأما من انّضم إلى المعاهد الحرّة فإنّه يستغني عن التعليم الرسمي لاشتمال نظام التعليم فيها على جميع مواد التعليم الرسمي والحرّ.
تعليم البنت:
ولكن التعليم الحرّ في وادي مزاب تخصص في تعليم البنت وتطور إلى أحسن ما يتطلبه تكوين بنت المستقبل الواعد من جميع العلوم الدينية والكونية والمهنية منذ فجر الاستقلال وأصبح عدد البنات في المدرسة الحرّة بمختلف أطوارها 12366 خلال هذه السنة الدراسية 2010/ 2011 م.
أهداف تعليم البنت: (1/8)
صفحة 9
1. تنشئة فتيات ذوات سلوك إسلامي أصيل.
2. تكوين الفتاة على العقيدة الصحيحة.
3. إعداد نساء صالحات للتربيّة والإصلاح الاجتماعي.
4. تكوين فتيات مهتمات بالبحث العلمي والمطالعة السليمة.
5. إعداد فتيات ماهرات في الفنون اليدوية للاكتفاء الذاتي.
6. تكوين فتيات ذات غيرة على المجتمع.
7. إيجاد مرشدات للمجتمع النسوي.
8. إيجاد فتيات تستثمرن الأعراف الاجتماعية لصالح المرأة والأسرة في المستقبل.
9. تقويم سلوك البنت ومتابعتها دينيا وخلقيا.
10. تكوين فكر الطالبة وصقل مواهبها الأدبية وبناء شخصيتها العلمية.
المعاهد الحرّة بعد الاستقلال:
وبعد إنشاء معهد عمي سعيد سنة 1973م ومعهد الإصلاح سنة 1981م بعد معهد الحياة أصبحت هذه المعاهد الثلاثة تضم 2224 طالبا في مرحلة المتوسط والثانّوي والعالي خلال هذه السنة الدراسية 2010/ 2011.
وأما هيئة مجمع المدارس القرآنية خارج وادي مزاب فقد أصبح يعنى بتربيّة وتدريس أزيد من 6000 طالب وطالبة في مختلف مراحل التعليم بجميع مناطق الوطن الجزائري شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.
المبحث الرابع: التعليم الحرّ والزوايا ودورهما في المجتمع الجزائري:
لقد ترك هذان النظامان بصمات واضحة في السلوك الحضاري للمجتمع الجزائري نذكر منها:
المطلب الأول: أوجه الشبه بين النظامين:
1. يوجد كثير من أوجه الشبه بين نظام التعليم الحرّ والزوايا العلمية الصوفية في الجزائر نذكر منها ما يلي:
2. كلاهما يدرس القرآن والسنة وتاريخ السلف الصالح.
3. كلاهما يدرس الأخلاق الحميدة وتحارب الرذيلة.
4. كلاهما يشرف عليها مشايخ وأعلام في الشريعة.
5. كلاهما يلتزم بالزيّ الإسلامي الأصيل والحجاب الشرعي.
6. كلاهما يلازم المساجد ويحافظ على الشعائر الدينية.
7. كلاهما يلتزم التعليم المجاني للطلبة.
8. كلاهما يعود الناس على إكرام الطلبة ورعايتهم.
9. كلاهما يربي الأبناء على حب العلم واحترام العلماء.
10. كلاهما يقوي الروح الوطنية في نفوس الشباب.
11. كلاهما يدعوان إلى الاهتمام بأمور المسلمين.
12. كلاهما يضطلع بإعداد الخلف الصالح لمواصلة مسيرة التنوير الديني في المجتمع الجزائري.
المطلب الثأنّي: آثار التعليم الحرّ والزوايا في تربيّة الشباب. (1/9)
صفحة 10
بسبب نبل الأهداف وعمق نظام التعليم الحرّ ونظام الزوايا في الجزائر نجدهما قد شاركا بفعالية في مختلف مؤسسات الوطن العزيز وبرزت آثاره في الشباب كما يلي:
1 - تنمية الحس الوطني في الأجيال.
2 - تربيّة القلوب على خدمة الإسلام وأهله.
3 - تزكية نفوس الشباب بالأخلاق العالية.
4 - الاهتمام بالعمل ونبذ البطالة.
5 - رعاية الأمانة في العمل وكسب الحلال.
6 - حب الوطن والتفاني في مد يد المساعدة له
7 - تقديم مجاهدين أحرار لمحاربة الاستعمار.
8 - ترسيخ عقيدة الإسلام والتنافس على أخلاق القرأنّ.
9 - حفظ القرآن والسنة الصحيحة وتبليغها للناس.
10 - إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع.
11 - تدريب المسلم على البذل والسخاء لرعاية العلم والعلماء.
12 - تكوين إطارات دينية للمدارس القرآنية والمساجد.
13 - المحافظة على الشخصية الوطنية الإسلامية.
وبهذه الآثار العالية بين نظام التربيّة في المدارس الحرّة والزوايا نجد الهدف
واحد وهو إرضاء الله تعالى وإعلاء كلمة الله تعالى ورعاية أحبابه رغم أنّ بعض الوسائل تختلف وهي أمر طبيعي بين البشر لا إثم فيه ولا حرج.
توصيات ومقترحات:
بعد هذا العرض المقتضب يسعدني أنّ أقترح على المنظمين ما يلي:
1 تكثيف رحلات علمية للشباب الجامعي لزيارة بعض المدارس الحرّة وبعض الزوايا العلمية.
2 تنظيم ملتقيات علمية وأيام دراسية بين الجامعة وبعض المعاهد الحرّة وبعض الزوايا العليا.
3 تنسيق الجهود بين الطلبة الجامعيين والمعاهد الحرّة والزوايا العلمية لتطوير نظام التعليم الديني في هذه المدارس والزوايا.
4 تبادل الخبرات بين إدارة الجامعة والمعاهد الحرّة والزوايا لتكوين أساتذة في اللغة العربية.
5 استقطاب خريجي الجامعات والزوايا والمعاهد للتدريس والإشراف العلمي بين الجامعات والزوايا والمعاهد الحرّة.
فهلمّوا أيّها الشباب الجامعي والمثقف لمواصلة مسيرة السلف الصالح بما يناسب عصرنا دون التنكر للجذور " إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ "
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
بقلم الحاج أحمد بن حمو كرّوم
الثلاثاء 13 صفر 1432هـ/18 جأنّفي 2011م (1/10)
صفحة 11
المراجع والمصادر:
1 - د. عبد العزيز شهبي =الزوايا والصوفية و العزابة والاحتلال الفرنسي في الجزائر، ط1،دار الغرب للنشر التوزيع، وهرأنّ،2007/ 1427.
2 - د. داود بورقيبة =منهاج التربيّة المثالية، ط1،المطبعة العربية، غرداية، 2005/ 1425.
3 - جميل بن خميس السعدي=قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ط1،دار جريدة عمأنّ، سلطنة عمأنّ 1983/ 1403،
4 - إسماعيل بن موسى الجيطالي =قناطر الخيرات، تحقيق السيد كسروي حسن وخلأنّ محمود عبد السميع ط1،دار الكتب العلمية، بيروت 2001/ 1422
5 - أمحمد بن يوسف أطفيش: كتاب شرح النيل وشفاء العليل، ط2،مكتبة الإرشاد جدة، المملكة العربية السعودية،1405/ 1985
يوسف بن إسماعيل النبهأنّي: الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير للسيوطي، تحقيق محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم، ط1،شركة دار الأرقم، بيروت
جمعية التراث: معجم مصطلحات الإباضية، ط1،مطابع النهضة، سلطنة عمأنّ،2008/ 1428
سماوي صالح: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بوادي ميزاب، ط1،المطبعة العربية غرداية 2007/ 1427
عوض خليفات: النظم الإجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقيا في مرحلة الكثمأنّ، ط 1،نشر مجدلاوي، الأردن.
10 - د. عبد الرحمأنّ عثمأنّ حجازي: تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي (ق 1 هـ- ق 10 هـ)،ط 1،المكتبة العصرية، بيروت،1421/ 2000
11 - عبد الرحمأنّ عثمأنّ حجازي: التربيّة الإسلامية في قيروأنّ في القرون الثلاثة الأولى، ط1،المكتبة القصرية، بيروت،1417/ 1997
12 - د. أبوالقاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج1وج3 وج4،ط1،دار الغرب الإسلامي،1418/ 1998 بيروت
13 - يوسف بن بكير الحاج سعيد: تاريخ بني ميزاب، ط2،الطبعة العربية، غرداية 1427/ 2006
14 - محمد حسن فضلاء: المسيرة الرائدة للتعليم العربي الحرّ بالجزائر، ط1،دار الأئمة،1999،الجزائر
15 - د. تركي رابح: التعليم القومي والشخصية الجزائرية، ط2،الشركة الجزائرية للنشر، الجزائر 1981.
16 - محمد علي الدبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج1،ط1،المطبعة التعاونية،1385/ 1965. (1/11)