صفحة 1
الكتاب: منهج الشيخ بيوض في الدعوة والإصلاح لبوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدّمة
تتطوّر الحياة، وتتغيّر الأحوال، وتتبدّل الأمور... فتتطلّب من الإنسان مواكبتها، والتّصرّف معها بحذق ولباقة وذكاء، وقد تدعوه إلى تغيير منهجه في التّعامل مع ما ينتج عن ذلك، وقد تجبره على مراجعة أساليبه في الحياة كلّها. بل قد تدفع به إلى إعادة النّظر في طرق التّوجيه والمواجهة والمعالجة، وبخاصّة حين تنتشر المفاسد، وتغزو الأفكار الدّخيلة، وتكثر التّيارات المتباينة المتناقضة المدمّرة، وحين بهجر النّاس عاداتهم وتقاليدهم. وحين يبتعد النّشء عن أصوله ومبادئه. وحين يبدّل المجتمع أنماط حياته إلى ما لا ينسجم مع قواعده وشخصيته، وحين ينبهر الشّباب بمدنيّة غيرهم، ويحتقر ما عنده من رصيد حضاريّ وإرث فكريّ. وحين يتفشّى الجهل ، وتستفحل الأمّية، وحين يتخلّى الموجّهون والدّعاة عن واجبهم، أو يخطئون الطّريق في عملهم، وحين يتفصّى المخطّطون والمبرمجون عن مسؤوليتهم الدّينيّة والتّربويّة والتّاريخيّة، أو ينحرفون بها عن سواء السّبيل، أو يسيئون تسييرها و توظيفها، أو يكونون مقصّرين أو قاصرين عن القيام بالواجب نحوها، إمّا لمعوّق فكري، أو قصور تربوي، أو نقص في التّخطيط، ،أو عدم الاهتداء إلى الكشف عن المؤثّرات الحضاريّة، أو العجز عن التّوصّل إلى إدراك طرق استشراف المستقبل أو استشفافه...
هنا تظهر الحاجة ملحّة إلى تدارك الأمر، وإصلاح الخلل, والتّفكير في إيجاد حلول لكلّ ذلك. وقد تأتي الحلول من عرض خبرات الذين قدّموا عصارة فكرهم، وسلافة تجاربهم، تكون نبراسا يستضاء به، ومنارات يهتدى بها، ومنهجا يعتمد عليه. (1/1)
صفحة 2
نحن في هذه الصّفحات نقوم بعرض تجربة أحد روّاد الإصلاح، وأفكار أحد أساطين الدّعوة في العصر الحديث، ومنهج أحد أقطاب الفكر التّربوي في القرن العشرين، الذين أسهموا إسهاما كبيرا في تطوير العمل التّربوي، ودفعوا بعجلة الدّعوة والإصلاح خطوات كبيرة في الطّريق الصّحيح. إنّه العلاّمة فضيلة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – ( 1316 – 1401هـ / 1999 – 1981م ) الذي قال عنه أحد تلاميذه: الشّيخ محمد بن إبراهبم سعيد ( كعباش ): " لقد كان – رحمه الله – رمزا لحركة علميّة إصلاحيّة، تأصّلت جذورها في أرض طيّبة، زها نبتها، ونما زرعها، وآتت أكلها كلّ حين بإذن ربّها ، بعد أن روّاها بعصارة عقله وحشاشة قلبه، وتعهّدها بالصّون والرّعاية؛ حتّى استوت شجرتها على سوقها." (1)
وذكر عنه تلميذه الآخر إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب ( القرادي ) ( ت 1409هـ / 1989م ): " ... ويصدع بأفكار جديدة في فهم الإسلام، ولا يعتمد في ذلك على مؤسّسة، ولا يأوي إلى ركن شديد، إنّه الإيمان يا شباب! الإيمان والاعتماد على الله والثّقة بالنّفس، وكلّ هذه قوّات تصنع الأعاجيب ... فإذا استعر ... ضنا شريط حياته، وما أنجزه من أعمال في مختلف الميادين، فإنّنا نستطيع أن نقدّر قيمة الرّجل الواحد، كيف يستطيع أن يغيّر مجرى التّاريخ؛ بفضل العزيمة والإيمان، وتخلّقه بالأخلاق الإسلاميّة." (2)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، حديث الشّيخ الإمام ردّا على بعض الشّبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشّيخ محمّد إبراهيم سعيد (
كعباش )، نشر جمعية النّهضة، العطف ( غرداية )، الجزائر، سنة: 1992م، ص: 83.
(2) - في رحاب القرآن, نشر جمعية التّراث، العطف ( غرداية )، الجزائر، سنة: 1989م، ص:143. (1/2)
صفحة 3
شخصيةٌ بهذه المواصفات العالية، المالكة لتجربة بهذا القدر من الأهميّة، جدير بأن تعرض خبراتها، وتنشر آراؤها، عسى أن تكون فيها إجابات لكثير من التّساؤلات في مجال التّربية، ولعلّها تقدّم حلولا لكثير من المشكلات التّربوية التي يتخبّط فيها النّاس،وتعطي دروسا للدّعاة والمربّين؛ ليعرفوا كيف يخطّون لأنفسهم مناهج يسيرون عليها في حياتهم العمليّة.
لقد اخترنا لهذه الدّراسة عنوان "منهج الشّيخ بيّوض في الدّعوة والإصلاح" أبرزنا من خلالها أساليب الشّيخ في التّربية والتّوجيه والإعداد والتّكوين، ووسائله في الدّعوة والإصلاح، وعرضنا أفكاره، وملاحظاته في هذا المجال. وبما أنّ المنهج هو الطّريق، و" هو الخطّة والتّخطيط لإعداد شيء ما، أساسه التّفكير، أو طريقة كسب المعرفة." (1) وبما أنّ المنهج تصنعه مكوّنات ثقافيّة خاصّة، وتبلوره ظروف معيّنة، ويعتمد في تنفيذه على وسائل محدّدة، تكون قنوات للتّوصيل، التي يطلبها المنهج نفسه، بحسب المراحل التي تمرّ بها الدّعوة، وبحسب الملابسات التي يكون عليها الإصلاح، وبما أنّ الهدف من هذه الدّراسة هو إفادة من يسير في هذا الطّريق, فقد توسّعنا في الحديث عن منهج الشّيخ بيّوض، فسمحنا لأنفسنا بالحديث عن بعض المحطّات في حياته؛ بما يوضّح منهجه، ويعين القارئ على إدراك، طبيعته، حتّى نزيل الغموض والإبهام عن حقيقة هذا المنهج، ونرفع الإيهام عمّن لم يعرف البيئة التي تحرّك فيها الشّيخ بيّوض، ولم يفهم المنطلقات التي انطلق منها في عمله، وعمّن لم يدرك الأهداف التي كان يرمي إلى بلوغها، ولم يستوعب الأساليب التي كان يسلكها... وليُتَعرّف على الأفكار التي كان ينادي بها، والآراء التي كان يصدح بها.
__________
(1) - الدّكتور محمد صالح ناصر، منهج الدّعوة عند الإباضية, نشر مكتبة الاستقامة ، مسقط، سلطنة عمان/ سنة: 1418هـ/ 1997م، ص: 15. (1/3)
صفحة 4
وقد عرضنا مفهومه للدّعوة والإصلاح، بعد أن ذكرنا المفهوم العام لهما، والمواصفات أو الخصائص والشّروط المطلوبة في الدّاعية والمصلح. وقد وجدنا مفهوم الدّعوة والإصلاح شيئا واحدا في منهج الشّيخ بيّوض. وحدّدنا منطلقاته والأولويات التي وضعها نصب عينيه، وعدّدنا مميّزاته التي تميّز بها، وذكرنا شيئا عن حياته العلميّة، وفترة تعلّمه، وأحصينا بعض الكتب التي درَسها على أساتذته، والتي قرأها بنفسه، من دون الاستعانة بأحد. وأشرنا إلى تعليمه، وذكرنا بعض الكتب درّسها، والنّتائج التي تحقّقت، أو حصلت؛ فكان كلّ ذلك من أسباب تكوّنه؛ ممّا كان له الأثر الكبير في حياته العمليّة.
ثمّ تكلّمنا عن الهياكل التي سخّرها لتطبيق منهجه، وحلّلنا نظرته إلى العمل المؤسّساتي، وفلسفته في في ذلك؛ ممّا كان له دور كبير في نجاحه في ميدان الإصلاح والدّعوة والتّوجيه والإرشاد. وخصّصنا مبحثا للمسجد الرّكيزةِ الأساسِ في نشاط الشّيخ بيّوض، وفصّلنا بعض القول في طبيعة دروسه، التي تمكّن من خلالها أن يجعل المسجد جامعة مفتوحة، يفيد منها كلّ من يؤمّه، بل لقد استطاع أن يردّ للمسجد مكانته ودوره الرّيادي.
وبما أنّ الشّيخ مصلح مربٍّ في الدّرجة الأولى، وأنّ هذا البحث أصلا قصد به تقديم مساعدة للمربّين والمرشدين والموجّهين؛ لمواجهة التّحدّيات في عالم يتغيّر كلّ لحظة، وفي مختلف المجالات، فلقد خصّصنا مبحثا للتّربية والتّعليم في منهج الشّيخ: تنظيرا وممارسة، وأردفناه بمبحث عن الشّباب المعنيّين بالعمليّة التّربويّة والإصلاح، الشّباب عمدة الأمّة وذخرها، كشفنا عن مكانة الشّباب في منهج الشّيخ بيّوض. ثمّ أنهينا هذه المحاولة في رصد هذا المنهج بخاتمة لخّصت النّتائج، وعيّنت المقصد من هذه الدّراسة. وفٌّقنا الله إلى ما يحبّه ويرضاه، إنّه نعم المولى ونعم النّصير.
نزوى يوم الإثنين : 06 من ربيع الأوّل 1425هـ
26 من إبريل 2004م (1/4)
صفحة 5
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
معنى الإصلاح
إذا تأمّلنا في المعاني التي تحملها كلمة " الإصلاح " لغة، نجدها تدور حول ما يأتي :
ما يقابل الفساد ( الصّلاح )، والإفساد ( الإصلاح )، الإحسان، السّلم، الصّواب، الإتيان بالخير. وأصلح الشّيء بعد فساده: أقامه. وأصلح الدّابة: أحسن إليها فصلحت. وفي التّهذيب، تقول: أصلحتُ إلى الدّابة، إذا أحسنتَ إليها.
قال الرّاغب الأصفهاني: الصّلاح ضدّ الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن الكريم تارة بالفساد، وتارة بالسّيّئة. قال تعالى: { خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا } (1) ، { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } (2) ... والصّلح يختصّ بإزالة النّفار بين النّاس، كما قال تعالى: { أن يصلحا بينهما صلحا } (3) وقوله: { إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } (4) " وإصلاح الله تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إيّاه صالحا، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون له بالصّلاح " (5)
__________
(1) - سورة التّوبة، الآية: 102
(2) - سورة الأعراف، الآية: 56.
(3) - سورة النّساء، الآية: 128.
(4) - سورة الحجرات، الآية: 10.
(5) - ينظر الرّاغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق وضبط محمد خليل عيتاني، ط1، دار المعرفة، بيروت، لبنان، سنة 1415هـ / 1998م،
ص: 289. ينظر أيضا الدّكتور حمد بن ناصر بن عبد الرّحمن العمّار، نصوص الدّعوة في القرآن الكريم, دراسة تأصيليّة, ط1، مركز الدّراسات
والإعلام / دار إشبيليا, الرّياض, سنة: 1418هـ/ 1997:. ص: 30, 31. ينظر هذه المعاني وهذه الشّروح لسان العرب لابن منظور ، مج 4،
دار المعارف، القاهرة، ( د. ت) ص: 2479. ومحتار الصّحاح للرّازي، ص: 367.والقاموس المحيط للفيروزابادي مج1، ص: 473...وتنظر آيات
الإصلاح وشروحها والمعاني والدّروس الدّعويّة المستنبطة منها، كتاب : نصوص الدّعوة في القرآن الكريم. ص: 151 – 172. (1/5)
صفحة 6
أمّا معنى الإصلاح اصطلاحا فيمكن استنتاجه من بعض ما ورد في القرآن الكريم، وممّا أفصح عنه من أراد تغيير حال النّاس من السّيّئ إلى الحسن؛ بإقامة أمرهم المعوجّ، كما قال شعيب عليه السّلام لقومه: { إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب } (1) أفصح شعيب عن حقيقة الإصلاح، وعن طبيعة عمله كفرد جاء ليغيّر حال من كلّف بهدايتهم، وتحسين حياتهم، يصلحها بالعدل والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر, يصلحهم بالنّصح لهم، ووعظهم؛ كي يغيّروا سلوكهم المعوجّ، ويكفّوا عن السّيرة غير الحسنة التي يسيرونها, وفي هذا العمل يتمثّل الإصلاح. قال الدّكتور وهبة الزّحيلي مفسّرا هذه الآية: " حسم شعيب عليه السّلام أطماع الكفّار، سواء في العقيدة أو في التّعامل, وأعلن ثباته على مبدئه بقوله ( إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت ) ، أي ما أريد إلاّ فعل الصّلاح، وإزالة الفساد، وهو أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة. ولم يتزحزح عن موقفه في توحيد الله تعالى." (2) .
__________
(1) - سورة يوسف, الآية: 88.
(2) - الدّكتور وهبة الزّحيلي، التّفسير المنير في العقيدة والشّريعة والمنهج، ط2 ج11،12، دار الفكر، دمشق، دار الفكر المعاصر، بيروت، سنة : 1418
هـ/1998م، ص: 134.ينظر أيضا الألوسي، وكتابه روح المعاني، مج6، ص: 315. (1/6)
صفحة 7
من خلال ما صرّح به سيّدنا شعيب، وما أعلنه لقومه، نقف على أنّ الإصلاح يعني تغيير ما يكون فاسدا، وتقويم ما كان معوجّا، وهداية الضّالين إلى الطّريق الأقوم، بما توحي به الفطرة السّليمة، وما يدعو إليه العقل، وتهدي إليه المبادئ... قال التّهانوي: الصّلاح هو سلوك طريق الهدى. وقيل هو استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل والشّرع. والصّالح هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى." (1)
معنى الدّعوة
لكلمة الدّعوة لغة معانٍ كثيرة، تدور كلّها حول الطّلب والسّؤال والنّداء، والاستغاثة والعبادة والدّعاء، والمناداة والتّجمّع والاستمالة والسَّوق إلى الشّيء، والجرّ إلى الأمر، والرّغبة إلى الله... (2) الأصل في مدلول الدّعوة أن يعتمد على البيان والكلام، كما ذكر ذلك صاحب " معجم مقاييس اللّغة "، إذ قال: " دعو: الدّال والعين والحرف المعتلّ أصل واحد، وهو أن تميل الشّيء إليك يصوت وكلام يكون منك." (3) قال الله تعالى: { ويا قوم مالي أدعوكم إلى النّجاة وتدعونني إلى النّار } (4) . الآية تشير إلى الدّعوة إلى اتّباع منهج الله؛ بمحاولة إمالة النّاس إلى شرع الله ودينه.
__________
(1) - نصوص الدّعوة في القرآن الكريم، ص: 31. تقلا عن محمد عليّ الفاروقي التّهانوي و كتابه : كشّاف اصطلاحات الفنون،ج4، تحقيق الدّكتور
لطفي عبد البديع، ص: 217.
(2) - ينظر ابن منظور، لسان العرب، مج2، ص: 1385 ـ 1389. ونصوص الدّعوة في القرآن الكريم. ص: 11 ـ 15.
(3) - أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريّا، معجم مقاييس اللّغة، ط1، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، سنة: 1422هـ/2001م، ص: 337.
(4) - سورة غافر، الآية: 41. (1/7)
صفحة 8
يقول الدّكتور محمد ناصر: " فإنّ كلمة (دعوة ) تفيد لغويّا المحاولات القوليّة والفعليّة من أجل تحقيق هدف أو عمل. ومن المعلوم أنّ الأقوال لها ثقلها وصعوبتها ؛ لأنّ فيها المناداة والطّلب والإلحاح، وفيها الجهد والعمل." (1)
أمّا اصطلاحا فإنّ كلمة ( دعوة ) تحمل دلالات كثيرة، أي هي من الألفاظ المشتركة التي يتحدّد معناها ومدلولها من السّياق الذي ترد فيه. فهي حين تطلق يراد بها الإسلام والإيمان بالله وما يتّصل به، ممّا يدخل في العقيدة، والرّسالة، كما تحمل معنى التّبليغ ونشر الإسلام وبيانه للنّاس...
في الحقيقة إنّ هذه الدّلالات كلّها تتكامل وتتآزر لتؤدّي كلّ دلالة منها ما تدلّ عليه الأخرى، وتنوب عنها, فالذي يدعو هو ينشر الإسلام ويبلّغه للنّاس، والذي يدعو هو ينادي إلى الخير والمعروف، وينهى عن الشّرّ والمنكر والذي يدعو هو يهدي إلى العقيدة الصّحيحة التي يراها هكذا. والذي يدعو هو يبيّن للنّاس الطّريق الصّحيح، ويبيّن لهم ويفصّل فيما يحمله إليهم، والذي يدعو هو يحمل رسالة ويوضّحها للنّاس... (2)
إذا تأمّلنا الأقوال التي أوردها العلماء في دلالات الدّعوة في الاصطلاح نجدها تدور حول المعاني الآتية: الدّعوة إلى الله، طاعة الرّسل فيما جاءت به من عند الله تبارك وتعالى, إنقاذ النّاس من ضلالة أو شرّ, تحذيرهم من عواقب وخيمة؛ نتيجة اقتراف ما لا يجوز ولا يحلّ، حثّ النّاس على فعل الخير، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر, حثّ النّاس على الخير، والأخذ بهم إلى طريق الرّشد, قال تعالى: { قل أوحي إليّ أنّه استمع تفر من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرّشد فآمنّا به ولن نشرك بربّنا أحدا } (3)
__________
(1) - منهج الدّعوة عند الإباضيّة، ص: 16ز
(2) - ينظر هذه الدّلالات كتاب نصوص الدّعوة في القرآن الكريم، ص: 15 ـ 20. منهج الدّعوة عند الإباضية، ص: 18 ـ 20.
(3) - سورة الجنّ، الآيتان: 1 ، 2. (1/8)
صفحة 9
من التّعريفات التي قدّمت للدّعوة قولهم: " إنّ الدّعوة إلى الله عمليّة إحياء لنظام ما؛ لتنتقل الأمّة بها من محيط إلى محيط " (1)
" إنّ الدّعوة إلى الله تبليغ الإسلام للنّاس، وتعليمه إيّاهم، وتطبيقه في واقع الحياة." (2)
" إنّ الدّعوة إلى الله: العلم الذي به تعرف كافّة المحاولات الفنّيّة المتعدّدة إلى تبليغ النّاس بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق." (3)
" إنّ الدّعوة إلى الله فنّ يبحث في الكيفيات المناسبة التي نجذب بها الآخرين إلى الإسلام، أو يحافظ على دينهم بواسطتها." (4)
" إنّ الدّعوة إلى الله إبلاغ النّاس دعوة الإسلام في كلّ زمان ومكان بالأساليب والوسائل التي تتناسب مع أحوال المدعوّين." (5)
إذا تأمّلنا في هذه التّعريفات التي اخترناها من بين تعربفات كثيرة أوردها الدّكتور حمد بن ناصر العمّار في كتابه " نصوص الدّعوة في القرآن الكريم " نجد أنّ مدلول الدّعوة اصطلاحا يحمل – تقريبا - المعاني نفسها التي تشي بها لغةً؛ لهذا نجد بعض المدلولات تكرّرت في الجانبين. ممّا يدلّ على الارتباط الكبير بين ما تدلّ عليه اللّفظة نظريّا و الممارسة في الواقع.
__________
(1) - نصوص الدّعوة في القرآن الكريم, ص: 17. نقلا عن رؤوف شلبي، الدّعوة الإسلامية في عهدها المكّي: مناهجها وغاياتها, ص: 32.
(2) - المرجع السّابق نفسه. نقلا عن الدّكتور محمد أبو الفتح البيانوني، المدخل إلى علن الدّعوة، ص: 17.
(3) - المرجع السّابق نفسه. نقلا عن الدّكنور أحمد أحمد غلّوش، الدّعوة الإسلاميّة: أصولها ووسائلها, ص: 10. ومحمد سعيد البارودي، الدّعوة والدّاعية
في ضوء سورة الفرقان, ص: 24.
(4) - المرجع السّابق، ص: 18.. نقلا عن الدّكتور عبد الله الشّاذلي, الدّعوة والإنسان, ص: 39.
(5) - المرجع السّابق نفسه. نقلا عن عليّ بن صالح المرشد، مستلزمات الدّعوة في العصر الحاضر, ص: 21 (1/9)
صفحة 10
كما أنّ هذه التّعريفات بيّنت لنا أنّ أصول الدّعوة أربعة : الدّاعي والمدعوّ والموضوع والوسائل. يجب الاهتمام بهذه الأضلاع التي تكوّن البناء المربّع ، الذي تتكامل لتكوّن هيكل الدّعوة. وهي تسير وتتحرّك متلاحمة ومتماسكة. كلّ إخلال بأحدها يصم العمليّة بالقصور، وبعدم تحقيق الهدف.
تشير هذه التّعريفات أيضا إلى الشّمولية في عمل الدّعوة: زمانا ومكانا، ومساحة، وسعة من تعنيهم وتشملهم. وتركّز على العلم الذي يجب أن يتوفّر عليه من ينشط في مجال الدّعوة. وتُبِينُ عن دور الدّعوة الحيوي والتّنظيمي . وهو ما يساعد على الإفادة من الجهد المبذول، وضمان الوصول إلى الهدف بقوّة وثقة....
حين نستحضر هذه الدّلالات التي ذكرناها، ممّا استنبطناه من التّعريفات السّابقة، وحين نعي هذه المعاني التي تتضمّنها، ونفقه أهميّة ما تشتمل عليه، ونقدّر العواقب التي تنتج عنها؛ حين تؤدّى الدّعوة كما يجب، وتمارس كما ينبغي ، أي حين نقف على هذه المعاني التي أشرنا إليها... ندرك جلال العمل الذي نقوم به، ونحن نمارس الدّعوة إلى الله، وندرك التّقصير الذي يصدر منّا؛ حين نتخلّف عن القيام بهذا الواجب، بالصّورة التي أشارت إليه هذه التّعريفات، المتمثّل في سوء فهم حقيقة الدّعوة، أو ممارستها بغير الطّرق السّليمة... من هنا بجب أن يفقه الدّاعية رسالته جيّدا، ويعرف ما ينتظره من عمل جادّ منظّم مقعّد على قواعد صحيحة. (1/10)
صفحة 11
المعنى الذي نأخذ به في هذه الدّراسة، ونركّز عليه، ونبسط القول فيما يدعو إليه، ويدلّ عليه هو: أنّ الدّعوة عمليّة نشر الإسلام ، وتبليغه؛ لأنّ هدفنا هو بيان وسائل تبليغ دين الله للنّاس، وعرض تجربة الشّيخ إبراهيم بيّوض في ميدان الإصلاح والدّعوة، وتقديم القواعد التي اعتمدها في هذا العمل، والأسس التي ارتكز عليها في تقديم الإسلام صافيا من شوائب البدع والخرافات، بعيدا عن الفهم القاصر أو الضّيّق أو الخاطئ أو المغرض للإسلام، ممّا أدّى إلى التّهاون في تطبيقه في الحياة العامّة. وشاملا لمجالات الحياة المختلفة. وبما يعين على بلوغ الهدف الأسنى والأسمى وهو رضا الله، مع التّنبيه إلى نواحي التّقصير والقصور في ميدان الدّعوة ، كما بينّتها مسيرة الشّيخ بيّوض الدّعويّة والإصلاحيّة, وكشفت عنها أقواله وتصريحاته.
خصائص الدّاعية والشّروط المطلوبة فيه
كما ذكرنا سابقا تحدّث العلماء كثيرا عن حقيقة الدّعوة، وقدّموا تعريفات متعدّدة، حرصوا من خلال ذلك على بيان حدودها؛ انطلاقا ممّا جاء في القرآن الكريم والسّنّة النّبوية، واستيحاء ممّا مارسوه وفقهوه في الميدان. قال محمد محمود عبد الله عن الدّعوة: " هي فيض السّماء، ودرب الأنبياء، ونهج الأصفياء. سمتها تنبيه الغافلين وتذكير النّاسين، وتعليم الجاهلين. وواجب الدّاعي أن يتحلّى بالحكمة ونور البصيرة والبصر، ورجاحة العقل ورقائق القلب، مع رهافة الحسّ، وسرعة الإدراك. زاده مكارم الأخلاق، كساؤه الرّحمة والحكمة، منطقه عذب المذاق, سمته سمت الأوفياء, تحت قاعدة: المؤمن كيّس فطن." (1)
__________
(1) - محمد محمود عبد الله، كيف تكون داعيا ناجحا، ط1، مكتبة المقدسي للنّشر والتّوزيع، القاهرة, ة1419هـ/1998م، ص: 9. (1/11)
صفحة 12
هذا التّعريف يجعل مهمّة الدّاعية خطيرة وشاقّة؛ إذ يطلب من الشّخص الذي يدخل ميدان الدّعوة التّمتّع بصفات خَلقيّة وخُلقية غاية في الأهميّة. منها التّحلّي بالأخلاق الفاضلة، واكتساب مهارات هائلة في طرق الممارسة، والتّمسّك بعادات في الحياة، ترقى به إلى مستوى خطورة المهمّة التي يقوم بها، وتتناسب مع شرف الهدف الذي يسير نحوه، ويتلاءم مع قداسة أو سموّ الدّين الذي يدعو إليه؛ لأنّ الدّعاة " قائمون على تذكير الأمّة بعهد الله عزّ وجلّ، وتجديد البيعة لرسول الله الخاتم محمد صلّى الله عليه وسلّم، فيصلحون كلّ فاسد، ويقوّمون كلّ معوجّ؛ نصحا وإرشادا وإقناعا، لأنّ الدّعوة إلى الله تعالى عظيمة، لا ينهض بتبعاتها إلاّ أكفاؤها من الرّجال المخلصين, وتتحدّد ملامح هؤلاء الدّعاة مع تمثّل معنى النّصيحة نفسها، وكيف أنّها تعبير عن مجموعة من القيم التي تتطلّب دعاة فيهم من النّصيحة معانيها وأبعادها. " (1)
تضمّنت هذه الفقرة إشارة مهمّة، على الدّاعية أن ينتبه إليها؛ ليعيَ خطورة ما يقدم عليه. هذه الإشارة تخصّ جوهر عمله ولبّه، وتُبين عن القاعدة التي يرتكز عليها نشاطه، وتعتمد عليها تحرّكاته. هذه الإشارة هي النّصيحة؛ لأنّ عمل الدّاعية كلّه نصيحة. حين يأمر أو ينهى أو يدعو، أو ينبّه أو يرشد أو يرغّب، أو يصلح أو يهدي... هو يقوم بتقديم النّصيحة. وحتّى يكون ناصحا أمينا يبلّغ رسالة ربّه كاملة غير منقوصة، يجب أن يكون واضحا في عمله، مخلصا في نشاطه.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 6. (1/12)
صفحة 13
باستعراض المعاني التي تدلّ عليها كلمة " النّصيحة " نقف على أهميّة هذه الإشارة في الفقرة المذكورة. فمن معانيها: إرادة الخير للغير، الإخلاص في العمل، النّقاء، الصّفاء، الوضوح، الصّدق، الطّهارة. كما أنّ النّصيحة تحمل معاني: الخصب، النّماء، النّضارة، الشّبع، الارتواء... (1) فإذا جاء الحديث النّبوي الشّريف ليقول: الدّين النّصيحة، ويتقدّم الصّحابة ليسألوا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: لمن النّصيحة ؟؟ ويجيب عليه الصّلاة والسّلام: لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم. فلكي يثبّت هذه المعاني ، التي هي حقيقة الإسلام في مجموعها. وما دامت الدّعوة هي تبليغ هذا الدّين ونشره بين النّاس كافّة، فإنّ النّصيحة لا تعدو أن تكون دعوة. فلينتبه الغافلون إلى هذه الحقيقة، وليعِ القائمون على العمل الدّعوي هذه الإشارة.
يعلّق الأستاذ محمد محمود عبد الله على مضمون النّصيحة ودلالاتها، الني تجعل منها دعوة، على الدّعاة فقهها، والعمل على تجسيدها في واقع ممارساتهم لها: " ومن عظيم تدبير الخالق سبحانه وتعالى أن تحتوي كلمة (نصيحة) على هذه المعاني الجليلة والمشاعر النّبيلة، حتّى يكون الدّاعية على بيّنة من أمره، فلا يسعى إلى الهيجاء بغير أسلحتها، من الإخلاص والصّدق والحكمة والوضوح والمرونة والحيويّة والخصوبة. وحتّى تكون الأمّة على مستوى مسؤوليتها، وهي تدعو إلى الله تعالى." (2)
لا شكّ أنّ الأستاذ قد وضع الدّاعية في حدود مسؤوليته، وهو يبيّن له حقيقة عمله، بتحديده بعض المواصفات التي يجب أن تتوفّر فيه، ويصطبغ بها عمله. هذه المسؤولية تتّضح أو تتمثّل في وعي طبيعة عمله، وفقه الدّلالات التي تشي بها الصّفة التي يتزيّا بها: الدّاعية النّاصح.
__________
(1) - ينظر كيف تكون داعيا ناجحا، ص: 6 ـ 8. ونصوص الدّعوة في القرآن الكريم، ص: 24 ـ 26.
(2) - كيف تكون داعيا ناجحا, ص: 7. (1/13)
صفحة 14
ثمّ يقول الأستاذ محمد محمود عبد الله: " وكما قالوا إذا كان الإسلام نظاما عاما وشاملا، ينفذ بقوانينه إلى شتّى مرافق الحياة، فإنّ العاملين تحت رايته يتخصّصون في اتّجاهاته ليجمعهم في النّهاية طريقه المستقيم، طريق الذين أنعم الله عليهم من عشّاق الفضيلة، وروّاد الحقيقة، وطالبي الإصلاح، وهو طريق أهداه سبحانه وتعالى من ارتضاه. ويتجدّد الأمل في حفز الهمم، وتشتدّ الحاجة إلى مزيد من العناية بالدّعوة وإعداد رجالها بأحدث ما في العصر من ذخيرة العلوم والمعارف؛ لأنّ السّلاح بِضاربِه, ويتحقّق التّفوّق بجودة السّلاح. والدّعوة ميدان , ورجالها جنود مجاهدون, والجهاد عُدَّة وإعداد، يحقّقان غاية الأمّة ازدهارا وإسعادا. " (1)
إذن إنّ الدّعوة تحتاج إلى رجال أكفاء، وجنود أقوياء، متسلّحين بأجدى الأسلحة، وأحسن العتاد، وأفضل العدّة، وقد أشار إلى بعض منها الأستاذ محمد محمود عبد الله. من هنا حرص المنظّرون للدّعوة، والماضون في مضمارها أن يحدّدوا مواصفات الدّاعية الذي يقوم بهذه الرّسالة الشّاقّة الشّريفة، واجتهدوا في ذكر شروط العمل الدّعوي.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 7, 8. (1/14)
صفحة 15
إنّ عمل الدّاعية كبير ممتدّ، وطريقه طويل غير ممهّد، هو ليس سهلا وهيّنا، ولا منعّما ليّنا. فالدّاعية يتعامل مع النّفس البشريّة، التي تحتاج في كثير من الأحيان إلى تغيير مسارها، وتحويل اتّجاهها، وتعديل سلوكها...لتسير في الصّراط المستقيم، وتتحرّك في الطّريق القويم. هذا يطلب من الدّاعية جهدا كبيرا، وعملا كثيرا؛ لأنّه يقوم بعمليّة بناء، يختلف عن أنواع البناء الأخرى. يقول الدّكتور عدنان عليّ رضا النّحوي: " إنّ بناء عمارة مهما عظمت، قد يكون سهلا، ولكنّ بناء الإنسان وتربيته أمر أجلّ , فتلك مهمّة أشهر وسنوات، وهذه مهمّة عمر ممتدّ طويل. وهكذا يرعى منهاجُ الله النّفسَ الإنسانيّة، يربّيها ويبنيها بناء مستمرّا، مع كلّ حركة وكلّ نشاط. والدّعوة الإسلاميّة بعملها هذا تبني أجيالا، وتصنع أمّة, أجيالا فريدة، وأمّة وسطا. " (1)
إنّ هذا العمل يتطلّب صبرا ومصابرة، وتحمّلا وإعدادا كبيرا في الدّرجة الأولى، واستعدادا جيّدا: علميّا وتربويّا ونفسيّا واجتماعيّا. يقول عدنان النّحوي: " ونلاحظ كذلك أنّ الدّاعية يمرّ بثلاث مراحل: مرحلة البناء والإعداد والتّزوّد بالزّاد الضّروري الرّئيس، ومرحلة النّزول إلى الميدان لدراسة واقعه، من خلال الزّاد الذي يحمله, ومرحلة الانطلاق والعمل والتّنفيذ، مستكملا الزّاد لينمو مع الممارسة الإيمانيّة، ومستكملا عناصر العمل والتّنفيذ. " (2)
__________
(1) - الدّكتور عدنان عليّ رضا النّحوي، النّظرية العامّة للدّعوة الإسلاميّة: نهج الدّعوة وخطّة التّربية والبناء, ط3، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، سنة:
1417هـ/ 1997، ص: 156.
(2) - المرجع السّابق، ص: 64. (1/15)
صفحة 16
ملاحظات قيّمة، وتنبيهات مهمّة يقدّمها الدّكتور عدنان للدّعاة، الذين يبتغون من عملهم أن ينتج، ويطمعون في غرسهم أن يثمر. إنّ عمل الدّاعية يتطلّب منه الحرص على التّزوّد من المعرفة العلميّة والمعرفة الواقعيّة لأحوال النّاس، ولما يجري في الكون. فإنّ ذلك يمكّنه أن يفيد في عمَلِه الذين يتعامل معهم ويدعوهم. ويعينه على معرفة ما يجري في زواياهم وحناياهم، ويقف على ما يحتاجون إليه،أوّلا بأوّل، يعرف كيف يعيشون، كيف يفكّرون...
ويكون له إلى جانب ذلك الزّادَ الذي به يلبّي مطالبهم ويسدّ حاجاتهم؛ لإنعاش حياتهم، أو تغيير ما هو في حاجة إلى تغيير, أو إصلاح ما يطلب إصلاحا، أو تزويدهم بما يرفع من ثقافتهم: " فإنّ الثّقافة الحيّة والتّأمّل الواعي في مسار الحياة هو الجانب الفكري، إلى جانب الأسلحة الإيمانيّة. " (1) ويقول الدّكتور يوسف القرضاوي: " والدّعوة عطاء وإنفاق، ومن لم يكن عنده علم ولا ثقافة كيف يعطي غيره، وفاقد الشّيء لا يعطيه، ومن لا يملك النّصاب لا يزكّي. " (2)
إنّ اكتساب الدّاعية الثّقافة الواسعة، والتّمرّس على أساليب التّربية أساسيات في عمله، ومتطلّبات، لا غنى له عنها. بل إنّ ابن القيّم يذهب بعيدا، حين يطلب من الفقيه ( الذي هو داعية بعمله )، ويقول: " يلزم الفقيه أن بعرف الواجب والواقع ليحسن تطبيق الواجب على الواقع. والمراد بالواجب أحكام الشّريعة، الواجب عليه استخدامها, والمراد بالواقع أحوال النّاس الواقعيّة، كما هي في حدّ ذاتها. " (3)
__________
(1) - الدّكتور محمود محمد عمارة، الخطابة في موكب الدّعوة، ط1، دار الخير للطّباعة والنّشر والتّوزيع, بيروت، دمشق. سنة: 1413هـ/1993م، ص:
93.
(2) - المرحع السّابق نفسه. نقلا عن كتاب : ثقافة الدّاعية للدّكتور يوسف القرضاوي، ص: 7.
(3) - الخطابة في موكب الدّعوة, ص: 136. (1/16)
صفحة 17
إنّ ثقافة الأحكام تسير جنبا إلى جنب مع ثقافة الواقع، إذا أريد للدّعوة أن تؤتي أكلها، وتحقّق رسالة الإسلام، ومقاصد الشّريعة. وثقافة الواقع ركزّ عليها الممارسون للعمل في حقل الدّعوة إلى الله؛ لما رأوه من ضرورتها في الميدان، ولما لها من أثر في مسيرة الدّعوة،التي تكشف عن الحركيّة التي يتميّز بها الإسلام، ولإيمانهم بأنّ الفقه الحركي هو الذي يحقّق مرونة الشّريعة، ويؤكّد كونه صالحا لكلّ زمان ومكان.يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض: " ... على العلماء أن يجولوا في جميع الأقطار، وأن يدرسوا الكون في جميع أحواله ومظاهره. إنّ الله حثّنا على هذا في القرآن العظيم، فقال: { قل سيروا في الأرض فانظروا } (1) . لا أحبّ القعود والتّكمّش والجمود. تحرّك وامشِ , وسِرْ في كلّ طريق. وانزل إلى كلّ ميدان. لا تغْشَ دور الفحش والخنا والقمار, ولا تحاول حراما. أمّا المواطن الحلال كلّها فاذهب إليها، وانظر واعتبر. منظر واحد تتأمّل فيه خير من ألف درس نظري بين الجدران. " (2)
يحتاج الدّاعية إلى ثقافة وفكر وأساليب تربويّة متنوّعة جيّدة، تتناسب وتستجيب لطبيعة عمله المعقّد؛ إذ انّه يخاطب ويعلّم ويدعو طبقات المجتمع ، بمختلف ما تحمل كلّ طبقة من ثقافة ووعي وإدراك، ويتعامل مع مختلف الأمزجة والميول والرّغبات والنّزعات. كما أنّه مطالب بالتّأثير في كلّ الفئات، ممّن هو في أوّل العمر إلى من بلغ من الكبر عتيّا. كلّ أولئك يفرضون على الدّاعية متابعتهم, والاستمرار معهم: إرشادا وتوجيها ورعاية وحضانة... في كلّ آن ومكان وأوان، وهو ما يسمّى بالتّربية مدى الحياة.
__________
(1) -سورة النّمل، الآية: 69.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 102. (1/17)
صفحة 18
هؤلاء يجب أن يتأثّروا بالدّاعية المثقّف، الحاذق لأساليب التّربية، العارف لحقيقة عمله. يقول الأستاذ محمد محمود عبد الله: " ولا شكّ في أنّ قوّة الدّاعية العلميّة والثّقافيّة هي سرّ إقناعه وتأثيره في مدعوّيه، وهي أيضا سرّ تأثّرهم به في أقواله وأفعاله، وحسن الإصغاء إليه، والأخذ بما يقوله، وهي أعلى مراتب النّجاح في الدّاعية. " (1)
يقول الشّيخ محمد الغزال ( ت 1416هـ/ 1996م ): "إنّ الدّاعية المسلم في عصرنا هذا يجب أن يكون ذا ثروة طائلة من الثّقافة الإسلاميّة والإنسانيّة، بمعنى أن يكون عارفا للكتاب والسّنة والفقه الإسلامي والحضارة الإسلاميّة. وفي الوقت نفسه يجب أن يكون ملمّا بالتّاريخ الإنساني وعلوم الكون والحياة والثّقافات الإنسانيّة المعاصرة التي تتّصل بشتّى المذاهب والفلسفات. " (2)
__________
(1) - كيف تكون داعيا ناجحا. ص: 41.
(2) - الدّكتور يوسف القرضاوي، الشّبخ الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن، ط1، دار الشّروق، القاهرة، بيروت، 1420هـ/2000م، ص: 59. (1/18)
صفحة 19
على الدّاعية أن يتحلّى بالصّبر، ولا يتأذّى بما يلحقه من تصرّفات النّاس، بخاصّة الذين يشكّكون في قدرته على مواصلة عمله في ظلّ التّحدّيات أو العقبات التي تثبّط عزيمته؛ حين يُوَاجَهُ بأنّ الوقت والظّرف لا يساعدان على تحقيق أيةّ نتيجة ، في ظلّ فساد البيئة والنّاس والعباد. " كثيرا ما يقف الضّالون في وجه الدّعاة إلى الله عزّ وجلّ، يقولون لهم: إنّ ما تدعون إليه ضرب من الخيال، لا يمكن أن يتحقّق في الواقع، أنتم تدعون إلى أمور عفا عليها الزّمن، ونسيها النّاس أو كادوا، فينبغي أن ترضوا بما هو دون ذلك، وأن تراجعوا آراءكم واجتهاداتكم. وأمام ضغوط الواقع القائم، وأمام العقبات الحقيقية والوهميّة في وجه تحقيق الإسلام، وأمام طول الطّريق، قد يستجيب بعض الدّعاة ويتأثّر، ويبدأ في إعادة النّظر في فهمه للإسلام، وفيما يقوله الخصوم." (1)
__________
(1) - سلمان بن فهد العودة، من أخلاق الدّاعية، مطبعة سفير، الرّياض، 1411هـ، ص: 21. (1/19)
صفحة 20
إنّ الصّبر سلاح الدّاعية، الذي يحميه من الوقوع في حبائل من يصدّه عن طريقه في الدّعوة إلى الله، ويثنيه عن المضيّ في سيبله لتغيير المنكر وإصلاح المجتمع، فليعِ الدّاعية هذه الملاحظة، وليفقه جيّدا هذا التّوجيه، فلا يستسلم للواقع الموبوء الملوّث بالفيروسات التي تقتل المبادرات، وتحبط العزائم، وتسلم إلى الهزائم, وتصدّ عن الصّراط السويّ. والله تبارك وتعالى يقول لهذا الدّاعية ولغيره: { فاصبر إنّ وعد الله حقّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون } (1) ويقول: { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا } (2) حتّى ولو كان الخطاب موجّها إلى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ الكلام يعني كلّ داعية، لأنّ الله وجه الحديث إلى النّبيّ، وهو في مقام الدّعوة، لهذا فإنّه يعني كلّ من يسير في خطّ الرّسول صلّى عليه الصّلاة والسّلام, مادام يواصل مشوار الدّعوة إلى الله، أو يسير في مضمار الدّعوة الإسلاميّة.
__________
(1) - سورة الرّوم، الآية: 60.
(2) - سورة المزمّل، الآية: 10. (1/20)
صفحة 21
على الدّاعية أن يعرف ويتأكّد ويضع نصب عينيه أنّ حياة النّاس متغيّرة متجدّدة، تخضع للطّوارئ، وتتميّز بالمفاجآت. وبدركَ جيّدا أنّ ساحات حياة النّاس معرّضة ومفتوحة لحدوث مسائل، واستحداث قضايا، وبروز مشاكل؛ تماشيا مع تطوّر الحياة، وسيرورة الكون. لذا على الدّاعية أن يستعدّ لمواجهة هذه الأوضاع، ومعالجة هذه الأحوال. بل عليه أن يتحسّس ما سيحدث، وما سيطرأ في الحياة؛ بناء على ما يعايشه مع من يحتكّ بهم، وينشط وسطهم، ويختلط بهم؛ حتّى يخطّط لمسيرته الدّعويّة، ويهيّء لمشواره التّربوي الجوّ المناسب، ويعدّ الوسائل النّاجعة لعمله. يقول عبد البديع صقر عن الدّاعية: " ... ومطلوب من كلّ داعية أن يكون متجاوبا مع جمهوره تماما؛ لأنّه واحد منهم، وإذا عرض لأمر جديد، فإنّ عليه أن يتصوّر ما سيتحرّك في نفوس السّامعين من الاعتراضات والتّساؤلات فيه، وأن يُضمِّن حديثه جوابا عليها..." (1)
إنّ ذلك يحصل إذا كان الدّاعية مداوما الاتّصال بجمهوره، ومحتكّا ومطّلعا وعارفا للأفكار التي تدور في السّاحة التي ينشط فيها. وداريا للتّحوّلات التي تحدث في الوسط الذي يتحرّك فيه. ومتعرّفا على مفاتيح التّحويل فيها، إن رأى ضرورة التّغيير.
__________
(1) - عبد البديع صقر, كيف ندعو النّاس، ط10، النّاشر مكتبة وهبة، القاهرة، ستة: 1410هـ1990م، ص: 38. (1/21)
صفحة 22
على الدّاعية أن يعرف أنّ عمله يصطدم بقضايا كثيرة، ومشكلات عظيمة، تعرقل نشاطه، أو تصعّب مهمّته. قد تؤوب به أو تؤول إلى الفشل، إذا لم يحسن التّعامل معها بحذق ومهارة ورويّة, ولم يتمكّن من معرفة طبيعة هذه القضايا، وأسباب بروزها وانتشارها، والنّتائج التي تترتّب عليها. هذه المشكلات هي: 1 – اضطراب الممارسة الإيمانيّة في الواقع البشري. 2 – غياب دراسة الواقع، وعدم وعيه من خلال منهاج الله. 3 – هجر الكثير من النّاس لمنهاج الله: قرآنا وسنّة ولغة عربيّة. 4 – الخلل في التّصوّر لقضيّة الإيمان والتّوحيد. (1)
إذا وعى الدّاعية هذه القضايا، وفقه حقيقة هذه المشكلات، ونظر وفكّر وقدّر، واعتبر وقرّر، فإنّه يعرف طبيعة عمله، ويدرك حقيقة ما سيقوم به؛ فيخطّط على أساس هذه المعرفة، ويؤسّس حركته أو تحرّكه على قواعد صحيحة، وأسس متينة. ثمّ يتيقّن أنّ عمله لا يقف عند تمكين المسلم من فقه أمور دينه، إنّما يتعدّى ذلك إلى " توجيهه نحو استخدام طاقاته، وتنمية أفكاره وقدراته؛ للاستفادة منها في حياته العمليّة. " (2)
عليه أن يحرص على تنمية روح العمل في الشّباب، وتفهيمهم أنّ نشاطهم وعلاقتهم بربّهم، وتطبيق أوامره، تتجاوز الفهم القاصر لمعنى العبادة المحدود؛ بفهم الدّين والإتيان بأركانه المحدِّدة لمعنى الإسلام، إلى الأخذ بما في العصر من أحدث أساليب العلوم والرّقيّ والتّطوّر، بما لا يتعارض مع ما شَرَعَ الله.
__________
(1) - النّظريّة العامّة للدّعوة الإسلاميّة: نهج الدّعوة، ص: 59, 60.
(2) - كيف ندعو النّاس، ص: 44. (1/22)
صفحة 23
إنّ دعوة الدّاعية مدعوّيه : " ترتقي إلى إرشادهم إلى شتّى أنواع المعارف في العلوم الدّنيويّة والدّينيّة، بما ينمّي المهارات والقدرات، فيتحقّق ازدهار المجتمع المسلم ورقيّه وتطوّره... حتّى لا تتخلّف الأمّة بتخلّف أبنائها عن ركب الحضارة العالميّة في الأمم غير المسلمة، والتي تتطوّر وتنمو فيها العلوم والابتكارات والاختراعات ، بطريقة أبهرت العقول، وحار معها الفكر، مع مراعاة أنّ الإسلام دين ودنيا، صالح لكلّ زمان ومكان، ليس مجمّدا ولا منغلقا، ولا بعيدا عن مقتضيات الحياة الضّرورية اللاّزمة لأفراده ومجتمعه، فيلزمه العالم المخترع، والمبتكر والطّبيب البارع، والمهتدي المتطوّر، والمفكّر والباحث في شتّى مجالات الحياة. " (1)
هذه لفتة مهمّة، تبصّر الدّاعية بدوره الكبير في تقديم الإسلام تقديما صحيحا، ونفي سمة التخلّف عنه، و استغلال التّشريعات الإسلاميّة أحسن استغلال، واستثمار الطّاقات البشريّة الكامنة للرّفع من مستوى أفراد الأمّة، بدل اللّجوء إلى الغير في تأمين سبل العيش، ووسائل الحياة، كما هو حاصل اليوم. وهو ما سببّ التّبعيّة للأجنبيّ، وزرع خلال اليأس والانهزام، والشّعور بالنّقص والاتّكالية في أبنائنا، فاستغللنا أبشع استغلال، وسحقنا سحقا، أفقدت ناشئتنا الثّقة في أصولها ، وشكّكت في إمكاناتنا ومقدّراتنا، فرسخت عند بعضهم فكرة عدم ضرورة البقاء مرتبطين بهذه الأصول، ولزوم الانتماء إلى هذه الثّقافة التي لا تصلح أن تواكب التّطوّرات والمتغيّرات...
__________
(1) - كيف تكون داعيا ناجحا، ص: 43، 44. (1/23)
صفحة 24
إنّ دور الدّاعية مهمّ جدّا في هذا المجال، وفي هذه النّقطة، إنّه دور التّثبيت والتّصحيح والتّغيير والتّأصيل والتّوجيه والتّوعية... فحين يقوم بذلك فهو يسهم في وضع المدعوّين في الطّريق الأقوم والسّبيل الأسلم. مع ملاحظة توجيههم إلى التّعامل مع هذه العناصر الجديدة، والثّقافة الأخرى تعاملا لا يفصلهم عن أصولهم، ولا يذيبهم في عناصر ما يأخذونه من الحضارة العالميّة؛ حتّى لا ينصهروا في بوتقة العولمة، من دون أن تبقى لهم خصوصيّتهم.
على الدّاعية أن يجدّد الأمل في النّفوس، ويحفّز الهمم في الإقدام على الله عزّ وجلّ؛ بالإتيان بجميل الطّاعات وحسن العبادات؛ ببعث الثّقة في النّفوس، وزرع الرّجاء والخوف في القلوب.
عليه كما يقول الأستاذ محمد محمود عبد الله أن يرتقي بالدّعوة " من روتين الوظيفة إلى سموّ الرّسالة. فهناك فرق بين من يقوم بوظيفة بهدف الكسب للتّعايش وبين من يقوم بوظيفة يؤدّيها على أكمل وجه، يطلب الأجر فيها من الله عزّ وجلّ، والدّعوة إلى الله تعالى هي أقدس عمل، الأجر عليه من الله عزّ شأنه، فتلك رسالة الأنبياء. " (1)
هذه مجموعة من الواجبات التي يجب على الدّاعية أن يرعاها، وهي غيض من فيض. (2) ينتبه إليها وهو يمارس الدّعوة إلى الله. فصّلنا القول فيها في الصّفحات السّابقة، نجملها فيما يأتي:
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 51.
(2) - لمزيد من معرفة هذه الشّروط والواجبات ينظر الدّكتور يوسف القرضاوي، الشّيخ الغزالي كما عرفته، ص: 59 – 61. و ص: 87 – 108. (1/24)
صفحة 25
التّركيز على العقيدة، تنمية الحسّ الاجتماعي، والاهتمام بالجانب التّربوي، المتابعة والاستمرار والمداومة, فهم الواقع الذي يُتَحرّك فيه، ودراسة البيئة التي يُدْرَج فيها؛ بالحرص على فهم المجتمع بمكوّناته وعناصره وخصوصيّته. مسايرة الأحداث، معرفة المستجدّات، التّمتّع بثقافة واسعة ومتنوّعة، العمل بمنهجيّة مدروسة على تكوين الشّباب تكوينا متكاملا، تراعى فيه جميع الجوانب والأبعاد المتعلّقة بشخصيّته، والأهداف المرجوّة والمنتظرة منه في المستقبل, السّهر على مساعدة النّشء على تمييز ذاته وهويّته من بين الهوّيات الأخرى. تحديد منهج التّحرّك، ونهج التّغيير. وضوح طريقة العمل. اتّخاذ الوسائل والأطر المناسبة للتّحرّك والظّروف والمواقف، التّمتّع بالصّفات الخلقيّة: مثل رحابة الصّدر والثّقة والإقناع وحسن التّقدير والصّبر والرّوية، وعدم استعجال النّتائج، والإبقاء على باب الأمل مفتوحا، الصّلابة في المبادئ والمرونة في التّطبيق. الإفادة من تجارب الغير.
بعد هذا العرض نتساءل عن مفهوم الشّيخ بيّوض للدّعوة والإصلاح ؟
مفهوم الإصلاح والدّعوة عند الشّيخ بيّوض
إنّ الإصلاح والدّعوة عند الشّيخ بيّوض - عند الممارسة – شيء واحد أو مفهوم واحد؛ لأنّه يرى أنّه حين يمارس الدّعوة، هو يقوم بعمليّة إصلاح ما فسد، وردّ النّفوس إلى الطّريق الصّواب، والتّغيير نحو الأحسن، حين يفعل ذلك، أي يصلح، هو يدعو إلى الله، وإلى السّير في نهجه، والرّجوع إلى صراطه المستقيم. لذا نجد الحديث يدور عنده حول هذين المصطلحين، وهما يعنيان شيئا واحدا، وإن كان استعمال كلمة الإصلاح وما اشتقّ منها هو الغالب. بحكم كون الشّيخ بيّوض مربّيا، عمد إلى إصلاح ما كان يراه غير مستقيم في سير النّاس وحياتهم؛ اعتقادا واجتماعا واقتصادا، وثقافة وتربيّة وسياسة... (1/25)
صفحة 26
كما أنّ مفهوم الشّيخ للإصلاح أن يكون شاملا، يمسّ كلّ جوانب حياة المؤمن؛ فيجعل منه فردا قويّا في إيمانه، عزيزا في نفسه، متماسكا في شخصيّته، قادرا على خوض معترك الحياة بقوّة وثقة، عصيّا على أعدائه، أبيّا في سلوكه، كميّا في حركته، يمثّل الإسلام في قوّته وشموليّته.
ندرك هذا المفهوم، ونقرأ هذا التّوجّه، ونستنتج هذه النّظرة، ونأخذ هذا التّحديد من خلال تصريحاته، التي يعلن فيها أنّ الإصلاح يجب أن يكون شاملا، والعمل يجب أن يمسّ كلّ الميادين. خاطب رفقاءه في حزب الإصلاح في إبّان نشاطه الإصلاحي، وفي أوج معاركه مع خصوم الإصلاح والتّطوير والتّغيير، فقال: " إخواني الفضلاء ! ولم يكن عملي خاصّا بميدان العلم، ولكن يتناول جميع نواحي الأمّة. وظيفتي غسل العار عن الأمّة، وتطهيرها من أدناسها، بشباب صالح مثقّف بالثّقافة الصّحيحة، أكفاء لكلّ ما يسند إليهم." (1)
ممّا يثبت أنّ الإصلاح عند الشّيخ يجب أن يمسّ كلّ جانب من حياة المسلم؛ لكون الدّين كلاّ لا يتجزّأ، وأنّ ما يناله من سوء أو نقص في جزء منه، يؤثّر على الكلّ، ما يُظهِر ذلك تأكيدُه على أنّه يغتنم كلّ فرصة متاحة، ويهتبل كلّ مناسبة ممكنة، ويطرق كلّ باب، ويخاطب كلّ مجتمع...أي هو يلجأ إلى أيّة وسيلة تسهم في تعميم الإصلاح وشموليّته لكلّ جوانب حياة المسلم, بقول: " ... ونحن واثقون بالنّجاح والنّصر النّهائي، نصلح كلّ مجلس، وندخل كلّ محكمة، ونتبوّأ كلّ منصب، ونقضي على كلّ فساد، فيعمّ الإصلاح جميع الهيئات والمؤسّسات. عهود قطعناها على أنفسنا، وسنحقّقها في القريب بإذن الله، لا يصدّنا عن غايتنا المتمسّكون بمناصبهم، والمشرفون عليها." (2)
__________
(1) - محمد عليّ دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة ( الجزائر )، سنة 1400هـ/ 1980م، ص: 106.
(2) - المصدر نفسه. (1/26)
صفحة 27
يكرّر الشّيخ بيّوض هذا التّصريح كثيرا، كلّما وجد الفرصة؛ ليثبّت المفهوم الحقيقي للإصلاح في النّفوس، ويفهم النّاس والعاملين في الحقل الدّعوي بخاصّة ضرورة تبنّي هذا المفهوم. وكلّما جاءت مناسبة كان يبيّن خطأ تصرّفات المعارضين للإصلاح، ويكشف عن خطل رأيهم المخالف لمعنى شموليّة الإصلاح. قال الشّيخ: " إنّني أسلك كلّ طريق، وأدخل كلّ باب، لا يحرّمه الدّين، ما دام فيه مصلحة ديني وأمّتي، وأخدم أمّتي، وأنافح عن حقوقها، وأجلب إليها النّفع بكلّ الوسائل المشروعة. لولا هذا السّعي في طرق عدّة في الدّفاع وجلب المنافع، لوجد أعداء الإصلاح والأمّة فرصتهم للقضاء علينا." (1)
هذه النّظرة إلى العمل الإصلاحي والدّعوي هو الذي يضمن السّير الصّحيح، والممارسة المقبولة التي تنتج نتاجا حسنا، بما تحقّقه من الأهداف المرجوّة من الإصلاح. يقول الأستاذ عبد المجيد النّجار عن الشّمول في العمل الإصلاحي : " من شأنه أن يكسب تجربة الإصلاح توازنا وتكاملا، يؤمّن معهما إهمال جانب من جوانب الفساد ، يمكن أن يستشري ويتضخّم، فيأتي بالنّقض على سائر الجوانب الأخرى التي تحقّق فيها الإصلاح. وكم من تجربة إصلاحيّة كان مآلها الفشل، بسبب اقتصارها على معالجة جانب وحيد من الواقع، وإهمالها لسائر الجوانب الأخرى." (2)
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 109.
(2) - نور الدّين سوكحال، الشّيخ بيّوض إبراهيم ومنهجه في الإصلاح، رسالة الماجستير ( مخطوطة )، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، معهد
أصول الدّين، قسم الدّعوة والإعلام, قسنطينة ( الجزائر )، ص: 191. نقلا عن عبد المجيد النّجّار، وكتابه: تجربة التّغيير في حركة المهدي بن
تومرت, ص: 109. (1/27)
صفحة 28
هذا ما سجّله الدّارسون لحركة الشّيخ بيّوض، فقد تميّزت عن غيرها من الحركات، الني لم تتمكّن من إحراز نجاح كبير، بسبب إغفال هذه النّقطة: الشّموليّة في الدّعوة والإصلاح، أو عدم التّمكّن من الالتزام ذلك لأسباب. يقول نور الدّين سوكحال: " كما تميّزت هذه الحركة بالشّمول، فقد قوّمت الواقع تقوينا شاملا،ولم تكتفِ بلفت النّظر إلى جانب من جوانبه،كما كان الشّأن بالنّسبة لبعض الحركات الإصلاحيّة ، التي ركّزت في تقويها على حالة المجتمعات التي تحرّكت فيها، في السّياسة أو في العقيدة. وهذا التّقويم الشّامل دفع الحركة إلى تحديد بديل شامل لإحداث إصلاح شامل في كافة المجالات." (1)
__________
(1) - المرجع نفسه. (1/28)
صفحة 29
هذا الفهم للإصلاح والدّعوة وتطبيق الشّيخ بيّوض له في الميدان، أثار حفيظة الجامدين والمتنطّعين، الذين لم يفهموا حقيقة الدّعوة، ولم يعوا معنى الإصلاح، ولم يدركوا طبيعة الدّين وما يدعو إليه. لهذا قدّم نصيحة للدّعاة، بيّن لهم فيها مسلك المعارضين، ووضّح لهم الطّريق السّليم، الذي يساعدهم على تعميم الإصلاح والدّعوة بين النّاس. قال الشّيخ بيّوض: " ... من طبيعة الدّعوة أن تجيب طائفة وتبقى أخرى، لا نترك الدّعوة إلى الله خوفا من أن يفترق النّاس. أنترك المدارس والجمعيات والنّوادي وهذه الحفلات خوف الافتراق والشّقاق ؟! ذلك هو الضّلال البعيد... من الحمق بمكان أن نترك الدّعوة إلى الإصلاح حتّى يفهم النّاس, إنّهم لا يفهمون إلاّ بالدّعوة. والدّعوة من طبيعتها أن تقابل بالقبول أو الرّفض. سنّة الله في خلقه، كثير من الصّحابة الكرام كانوا يوم بدر مشركين، حاربوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لو استطاعوا لقتلوه، ولمّا فتحت مكّة كانوا في جنب الرّسول، يفدونه بأنفسهم. وهكذا دعوة الإصلاح والمصلحين، يكون صاحب الفكرة الإصلاحيّة وحده أوّل الأمر، ويكون أقرب النّاس إليه عدوّا له، يناصبه العداء والحرب، ثمّ يصبح هؤلاء، حتّى إذا فهموا وشرح الله صدورهم للإصلاح أشدّ النّاس تحمّسا ونصرة له، حنّى إنّهم ليغلون فيه, نكبح جماحهم، ونأمرهم بالأناة والاعتدال. ذلك ما بلوناه وجرّبناه في دعوتنا." (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 95. (1/29)
صفحة 30
يجد الشّيخ في سيرة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ومسيرة الدّعوة الإسلاميّة أحسن مجال لتزويد الدّعاة بالزّاد الذي يغذّي حركتهم، وخير نور يضيء طريقهم، ويمدّهم بالطّاقة والقوّة للمضيّ والإقدام، من دون خوف أو وهن. قال وهو يقارن بين سير الإصلاح في المنطقة التي ينشط فيها ودعوة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: " يبدأ الإصلاح دائما في كلّ أمّة ضعيفا، كما بدأ الدّين، فلا غرو أن يصاب الإصلاح في أوّل أمره بما أصيب به الدّين. لابدّ أن يمتحن بما امتحن به الدّين، وأن يصاب دعاة الإصلاح يما أصيب به دعاة الدّين.
شهد رسولنا عليه الصّلاة والسّلام بدرا بأصحابه وهم قليلون، كما عرفتم، ثمّ بعد أمد قصير آل أمره إلى قوّة لا تغلب، إلى اندفاع لا يردّ, إلى تدفّق لا يصدّ, ولم يزل في زيادة ونموّ، حتّى بلغ مداه. كذلك الإصلاح عندنا سيندفع اندفاع الإسلام، ويتدفّق تدفّقه حتّى يبلغ غايته... فلنسلك طريقنا في الإصلاح، وفي الدّعوة إلى الله مطمئنّين، واثقين بنصر الله، لا مرتابين ولا ناكصين. هذا ما يجب علينا في طريق الإصلاح. ونحن نسير بخطى حثيثة نحو الغاية، ونحن مؤمنون ببلوغها، متيقّنون باجتياز العراقيل، ودكّ العقبات. يجب أن يكون رسولنا الأعظم عليه السّلام وصحابته الأوّلون وبلال بن رباح (1)
__________
(1) - كان الشّيخ بيّوض يعلّق على مسرحيّة ( بلال بن رباح ) للشّاعر الجزائري : محمد العيد آل خليفة ( 1904 – 1979م ) التي قام بأدائها طلبة
معهد الحياة في مدينة العطف، بالجزائر.. وقد ركّز الشّيخ في تعليقه على معاني الصّمود والتّحدّي والثّبات. وأخذ منها درسا وعبرة في انتقال المسلمين
من حال الضّعف والذّلّة والشّقاء والقلّة... إلى حال القوّة والعزّة والنّعيم والكثرة...؛ بفضل الصّبر والثّبات... ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر, ج4،
ص: 122 – 124. (1/30)
صفحة 31
مثلنا العليا، نحذو حذوهم، ونقتدي بهم، ونقبس العبرة من نضالهم في سبيل الإسلام، ونتأسّى بهم في جهادهم المرير الطّويل. " (1)
كان الشّيخ بيّوض حريصا على إمداد الدّعوة والإصلاح بوقود يزيدها اتّقادا وتوهّجا؛ لتستمرّ في العمل والعطاء، وتمضي في سبيلها قدما إلى الأمام، من دون يأس أو قنوط، ومن دون النّظر إلى ما يوضع في الطّريق من عقبات، وما يكون فيها من صعوبات، إذا كان الهدف واضحا، والغاية مرسومة، والنّيّة في العمل حاضرة...
وقد عمد إلى ربط عمل المصلحين بعمل رسول الله وصحابته، وعدّه امتدادا له، وشفعه بتجربته هو وأترابه؛ ليبعث الثّقة في نفوس هؤلاء الدّعاة، ويمدّهم بالقوّة المعنويّة والدّعم النّفسي، ولينبّههم بعد ذلك إلى أنّ طريق الإصلاح لا يكون دائما بالورود مفروشا، ولكن يظلّ دوما بالأشواك محفوفا ومربوشا.
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصّبرا
وانتهى إلى أنّ النّصر حليفهم، فوعد الله لن يتخلّف, قال تعالى: { إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد } (2)
ليزيد لطريق الدّعوة رسما، وليضيف لمعالم الإصلاح وسما، ويحدّد ملامح العمل الدّعوي والإصلاحي ، حرص أن يشدّ الدّعاة إلى المنبع الذي يفيض عليهم ما يقوّي فيهم العزائم، ويشحذ الهمم، ويبعد عنهم أسباب الهزائم، فقال: " لأمر ما وحكم كثيرة بعث الله رسولنا محمّدا عليه السّلام وحيدا ضعيفا، وأنشأه يتيما فقيرا، ذلك ليتأسّى به الدّعاة في كلّ زمان ومكان. ولو بعث وهو غنيّ قويّ لزعم النّاس أنّه انتصر بغناه، واعتزّ بأبويه. ولو بعث في جيش عرمرم لقالوا إنّه انتصر بالكثرة. ولكن أراد الله أن يبعثه وحيدا يتيما فقيرا؛ ليكون أسوة للمهتدين بهديه.
__________
(1) -المصدر السّايق، ص: 123، 124.
(2) - سورة غافر، الآية: 51. (1/31)
صفحة 32
إنّنا نستمدّ نحن من هذا النّبع النّبوي، فرسولنا الأعظم هو قدوتنا في الإصلاح، وهو إمامنا في العمل؛ لذلك سرنا قدما والحمد لله، رغم الصّعوبات والعقبات الكثيرة والأهوال التي تعترضنا..." (1)
ما أروع أن يُربَط المرءُ بأمجاده! وما أحسن أن يستثمر الدّاعية في عمله تجارب أسلافه، في استبيان الطّريق القويم والصّراط المستقيم, وفي استنتاج قواعد العمل! وما أبدع أن يوفّق الدّاعية في الوقوف على نقط القوّة في عمل الغابرين؛ ليوجّه بها نشاط الحاضرين! ليبعثوا الثّقة في أنفسهم، ويطمئنّوا إلى سلامة النّهج الذي يسيرون فيه؛ ما دامت فيهم النّيّة الحسنة، والحرص الشّديد على مواصلة العمل الدّعوي والإصلاحي، والرّغبة الملحّة في بلوغ الأهداف المرسومة. قال الشّيخ بيّوض: " ... فما تضيرنا نقنقة الضّفادع، أو طنين الذّباب... ولتطمئنّ قلوبكم بأنّ للحقّ أنصارا مهما تطاول البغاة، وفرحوا بما عندهم من الجاه: { ...ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويّ عزيز } (2)
بيّن للنّاشئة التي يأمل منها دورا كبيرا في مجال الدّعوة والإصلاح أنهّ هو نفسه تعرّض لإعراض النّاس عن دعوته، واستشهد بما ذكره الله تبارك وتعالى عن نوح وما قاساه من قومه. لكنّه صبر كما صبر نوح عليه السّلام (3) : "ذلك هو مثلي في المعارضين للإصلاح، الذي أدعو إليه, وجمع شمل الأمّة الذي نعمل له. ومع هذا فإنّي ما شكوت ضجرا ولا تعبا، ولا يتطرّق اليأس إلى قلبي، إنّني ماضٍ في طريقي صابرا محتسبا. أعرف كلّ المعرفة، وأوقن كلّ اليقين أنّ النّتيجة الحسنة والعاقبة الحميدة للإصلاح والمصلحين." (4)
__________
(1) -أعلام الإصلاح في الجزائر, ج4، ص: 124.
(2) - سورة الحجّ، الآية: 40. الشّيخ إبراهيم بيّوض، حديث الشّيخ الإمام ردّا على بعض الشّبهات والأوهام, الحلقة الأولى، ص: 33.
(3) - تنظر الآيات: 5 – 10 من سورة نوح.
(4) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 94. (1/32)
صفحة 33
هذه التّوجيهات المهمّة التي أراد الشّيخ بيّوض بها أن يوضّح للدّعاة طبيعة العمل الدّعوي، ويبيّن للنّاس حقيقة العمل الإصلاحي، مستمدةّ من سيرة خير الرّسل، وخاتم النّبيّين, وما أدراك ما هذه السّيرة! وما أروعها وأجلّها من مسيرة! ومستقاة من هذا النّبع القرآني، ومن جهاد الأنبياء والمرسلين ، وما أحسنها دروس وعبر جليلة.
هذا هو مفهوم الشّيخ بيّوض الحقيقي والصّحيح للعمل الإصلاحي. دروس عالية، ونصائح غالية يقدّمها للدّعاة، تنفعهم في مسيرتهم، وتشجّعهم على المضيّ في عملهم الدّعوي بكلّ ثقة وقوّة، وتضع خطواتهم في الطّريق الصّحيح، وتدفع بهم إلى العمل برؤية واضحة، وتخطيط سليم، ودراية بالعواقب، ومعرفة طبيعة العمل. يصدر كلّ ذلك من تجارب السّابقين في ميدان الدّعوة والإصلاح، بداية من تجربة الأنبياء والرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وانتهاء بتجربة الشّيخ بيّوض نفسه.
ما أحوج دعاتنا اليوم إلى مثل هذه التّوجيهات، وهذه التّجارب وهذه الدّروس! وهم يتحرّكون في عالم، كلّ ما فيه تغيّر، وكلّ ما فيه يُيْئِس الدّاعية في المضيّ في طريق الدّعوة. تعترضه معيقات داخليّة وأخرى خارجيّة، وتقف أمامه متغيّرات تفقد النّاس الحماسة الدّينيّة، والارتباط بأصولهم. إنّ هذه النّصائح وهذه التّجارب تبعث الأمل في نفوس الدّعاة والعاملين في الحقل الإسلامي؛ ليستعملوا عقولهم في أثناء العمل، ويلتزموا الحكمة في أثناء تحرّكهم، ويستوضحوا الرّؤية في أثناء نشاطهم، ويستلهموا القدوة في أثناء دعوتهم، ويستمدّوا القوّة في أثناء إصلاحهم... (1/33)
صفحة 34
يشير إليهم الشّيخ بيّوض أيضا : " أنّ النّجاح في الإصلاح والنّهضة يتطلّبان طول النّفس والصّبر والمصابرة والرّويّة، ويحذّرهم من اليأس والقنوط،؛ لأنّ الأعداء يوصلون النّاس إلى هذه النّتيجة، حين يشعرونهم بعدم جدوى مواصلة الجهاد، ويقنعونهم بأنّ الأوضاع ستبقى على حالها, مهما تكن محاولاتهم..." (1) قال الشّيخ بيّوض: " إخواني وأبنائي! هذا يوم كنت أراه بعيدا، وإن كنت أتيقّن أنّي واصل إليه لا محالة، كنت متيقّنا كلّ اليقين بأنّ هذا اليوم العظيم سيأتي، ونسعد كلّ السّعادة به، وإن أنكره الجاهلون، واعتقد استحالته من لا يقدّر أعمال الرّجال قدرها. أنكره من لا يعرف أنّ الأعمال وإن كانت فرديّة قليلة، ولكن إذا قارنها الإخلاص لتأتي بالعجائب والمدهشات..." (2)
__________
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، سنة: 1412عـ/ 1991م، ص: 23. ينظر أعلام
الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 77.
(2) -أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 114. (1/34)
صفحة 35
كما نبّه الشّيخ بيّوض الدّعاة الشّباب بخاصّة إلى أمر مهمّ، يسهم في إنجاح الدّعوة، وهو العمل على كسب ثقة المخاطبين والمدعوّين، والحرص على إقناعهم؛حتّى يثمر عملهم ثمرا يانعا، ويأتي غرسهم غلالا جيّدة. قال: " أريد من كلّ واحد منكم أن يكون ذا مكانة عند قومه، وذا مقام في المركز الذي يعمل فيه،يتمتّع بثقة تامّة لدى معارفه ومعاشريه وجمهور النّاس؛حتّى يستطيع أن يؤثّر فيهم، ويوجّههم الوجهة التي يريد، وإن لم يفهموا حقيقة ما يدعو إليه, فإنّ الدّاعي لا يعتمد أبدا على الإقناع بالحجّة والبرهان في كلّ وقت، إنّما يعتمد أكثر على الثّقة، والثّقة والحجّة هما الدّعامتان القويّتان لقيادة الأمّة، فإذا حصلتم على هذا مع ما بينكم من الرّوابط والصّلات، أمكننا أن نقول إنّنا فد أنشأنا أمّة، لا جيلا. " (1)
__________
(1) - محمد عليّ دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، سنة: 1969م، ص: 207، 208. (1/35)
صفحة 36
إلى جانب الثّقة لابدّ أن يقترن عمل الدّعاة بالإخلاص، إنّه من الأسباب الكبيرة في النّجاح. إخلاص العمل لله، والنّصيحة ( التي هي مظهر من مظاهر الإخلاص ) لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم؛ إذ الإخلاص سرّ من أسرار التّوفيق في العمل، وركن مهمّ فيه, فالمرء بالعمل القليل الذي يحفّه الإخلاص يحقّق نجاحا كبيرا؛ لأنّ فيه البركة والنّماء. وهو كما قيل يخالط القليل من العمل فينمّيه. قال الشيخ بيّوض: " في الإخلاص والعمل لله غناء عن كلّ قوّة، فيه الغناء عن كثرة العدد وقوّة المدد. إنّ في الإخلاص والعمل لله وحده لا شريك له لسرّا وقوّة عظمى، لا يدركها إلاّ المخلصون، إلاّ من جرّب وعمل لله في إخلاص ونيّة حسنة، يعمل أعمالا قليلة فيرى النّتائج الباهرة التي ما خطرت له ببال. يكون في طريق جهاده وحيدا مطارَدا مضطهدا، يفرّ عنه النّاس، فإذا بعد عمل قليل يقوم به في إخلاص ولله، يرى الأمّة تقبل عليه تجيب دعونه، وتناصره وتؤيّده، وتفديه بالنّفس والنّفيس." (1)
إذن فالشّيخ بيّوض يطلب من الدّعاة التّحلّي بالصّبر والمصابرة والحكمة في التّحرّك، وطول النّفس في العمل، وكسب ثقة المدعوّين، والظّفر بالقوّة التي تدعم التّحرّك، والحصول على الحجّة، التي تسند الأقوال والأفعال. فإنّ كلّ ذلك هو ما يمثّل الإسلام الحقيقي.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 114. (1/36)
صفحة 37
ثمّ بيّن للشّباب السّائر في طريق الدّعوة والإصلاح جانبا آخر من جوانب العمل الدّعوي والإصلاحي، وهو يتحدّث عن مجال الدّعوة الحقيقيّة للمربّين، وهو يدخل في مفهوم التّغيير نحو الأحسن: " فليكن شغلهم الشّاغل كيف يتوصّلون إلى تكوين تلك الضّمائر الحيّة والقلوب السّليمة في نفوس الأجيال الصّاعدة، ويجعلون نصب أعينهم معنى الآية الكريمة { ...من يهدِ الله فهو المهتدِ ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا } (1) وذلك باستنفار جهودهم في الأخذ بوسائل التّربية الحديثة ومناهجها الصّحيحة، ثمّ يطلبون التّوفيق والهداية من الله ليزكّي أعمالهم، ويثمر جهودهم، إِنْ في بيوت الله للدّعاة والمرشدين، أو في المؤسّسات التّربويّة والمعاهد العلميّة للأساتذة والمربّين." (2)
هذا هو مفهوم الشّيخ بيّوض للإصلاح، وهذه هي نظرته للعمل الدّعوي والإصلاحي، شموليّة في التّحرّك، عمل في كلّ الميادين، واهتمام بكلّ الجوانب، تخطيط سديد ووضع منهج محكم، وتقدير جيّد لطبيعة العمل، صبر ومصابرة وطول نفس في الميدان، عدم استعجال النّتائج، عدم اليأس والقنوط والتّولّي عن الزّحف لأدنى مشكلة تبرز، أو الانسحاب من المضمار لأبسط عقبة تنشز. تغيير نحو الأحسن، اقتداء بالسّلف، استلهام للتّجارب السّابقة، إفادة من الوسائل المتاحة، والأنظمة الجديدة، ثقة في الله وفي الإمكانات الشّخصيّة، تيقّن النّصر من الله، والتّأكّد من النّجاح إذا صاحب العمل نيّة خالصة، إقدام في غير تهوّر وعنف، ومرونة في التّحرّك من تخاذل أو ضعف. هذا هو العمل الحقيقي الذي ينتظر منه الخير الكثير، وهذا هو المفهوم الصّحيح للعمل الدّعوي والإصلاحي، وقد سار الشّيخ على هذا الهدي في دعوته، وكان له كثير مما أراد، وممّا سطّر والحمد لله.
عوامل تكوّن الشّيخ بيّوض
__________
(1) - سورة الكهف، الآية: 17.
(2) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 25. (1/37)
صفحة 38
إنّ مفهوم الإصلاح والدّعوة، الذي نقرؤه في تصريحات الشّيخ بيّوض، والذي نلمسه ونراه مجسّدا في الميدان, وفي نشاطه وعمله الإصلاحي والدّعوي، وفي النّجاح الكبير الذي حقّقه، والذي تشهد عليه المؤسّسات التي أنشأها، والهياكل التي بناها، وتفصح عنه ثمار غرسه: من تلاميذ رضعوا من لبان أفكاره، وتخرّجوا على تعليمه وتربيته، ويُبين عنه ما أحدثه من تغيير في المجتمع، في فكره وعاداته وسلوكه... يجعل الباحث يتساءل عن أسباب هذا النّجاح؟ وعن المنهج الذي كان يسلكه في حياته؟
في الصّفحات الآتية نحاول الوقوف على طبيعة تكوّنه، والقراءات التي كان يقرؤها، والجوّ الذي نشأ فيه وترعرع، والظّروف التي تقلّب فيها؛ لنعرف العوامل التي دفعت به إلى طريق الإصلاح. فإنّ الكشف عن ذلك يفيد الدّاعية في معرفة إحدى المحطّات التي يجب عليه أن يقف عندها، ويحرص على الاستنارة بها؛ لينجح في عمله داعيةً إلى الله، ولتنكشف له كثير من الأسرار في حياة الشّيخ بيّوض المصلح المربّي. هذه بعض هذه الإشارات إلى ذلك: (1/38)
صفحة 39
1 – إنّ مشائخ الشّيخ بيّوض الحاج محمد بن الحاج يوسف بهون وعلي والحاج إبراهيم الأبريكي ( ت 1329هـ/ 1911م ) والحاج عمر بن يحي ( ت 1339هـ/ 1921م ) لمسوا فيه حبّه الشّديد للتّعلّم، وشغفه في التّحصيل، واكتشفوا فيه المؤهّلات الفطرية؛ من ذكاء وقوّة حافظة، والثّقة في النّفس، وحبّ العمل والمثابرة، وتفرّسوا فيه مستقبل الأمّة، وأمل المجتمع في النّهوض والتّقدّم، فاعتنوا به، وخصّوه برعاية خاصّة. فكان ذلك من أسباب سير الفتى في الطّريق الصّحيح في التّكوين والإعداد يقول محمد عليّ دبّوز: " وكان الشّيخ ( أي محمد بن الحاج يوسف بهون وعلي ) يزداد حبّا لإبراهيم على الأيّام، بما يرى من حبّه الشّديد له والتّعلّم، ولما يشاهد من نبوغه القويّ واستعداده العظيم للعلم، ولما يعرف عن نيّة والده الحسنة فيه أن يكون للعلم والدّين والإصلاح، فعلّق فيه آماله الكبيرة، وخصّه بمزيد من رعايته، وكان إذا أوقف التّعليم في الكُتَّاب لبعض الضّرورات، يخصّ إبراهيم بوقت في كلّ يوم في الصّباح والمساء، فيستظهر لوحه، ويكتبه ويحفظه، ولا يتعطّل كالتّلاميذ." (1) وكان الاهتمام ذاته، والصّنيع نفسه يصدران من أستاذَيْ الشّيخ بيّوض: الشّيخ الحاج عمر بن يحي، والشّيخ الحاج إبراهيم الأبريكي (2)
__________
(1) - محمد عليّ دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، سنة: 1396هـ/1976م، ص: 89.
(2) - ينظر المصدر السّابق، ص: 118، 187...وفي رحاب القرآن ( الكلمات التي ألقيت في مهرجان ختم الشّيخ بيّوض للقرآن, والتي ألقيت في حفل
تأبينه ) نشر جمعية التّراث، العطف، غرداية( الجزائر ) سنة: 1989م. ص: 78، 79. (1/39)
صفحة 40
2 – إحضار مشايخه له في المجالس الخاصّة؛ لاهتمانهم به، وهو فتى طموح، وتلميذ ذكيّ، وطالب مجدّ وشخص موهوب. وكانوا يعلّقون عليه آمالا عراضا، ومستقبلا زاهرا زاهيا للأمّة. كانوا يعتنون اعتناء كبيرا بتكوينه؛ لذا كانوا يحضرونه في المجالس الخاصّة لمناقشة القضايا الاجتماعيّة والسّياسيّة، والتّداول في شؤون الأمّة، وهو فتى صغير، لم يبلغ سنّ العشرين. وكانوا يهدفون من ذلك إلى أن يفتحوا عينيه على عظائم الأمور، ويدرّبوه على مناقشة المسائل الكبيرة، وحلّ المشاكل الصّعبة، والبثّ في القضايا المهمّة؛ لأنّهم كانوا يعدّونه لتحمّل المسؤولية...
كان الشّيخ يذكر بكلّ فخر واعنزاز ووفاء هذه المرحلة، وهذا التّوجّه من مشايخه. لقد أفاد كثيرا من حضور هذه المجالس، ممّا كان له انعكاس خطير على حياته المستقبليّة؛ إذ جعلت منه مصلحا كبيرا ، وداعية ناجحا. تحدّث عن سفره الأوّل إلى الجزائر العاصمة سنة 1918م، وحضوره مجالس، كانت تضمّ بعض الوجهاء والأعيان وأعلام الإصلاح، وذكر أنّه كان يشارك بآرائه في القضايا المعروضة. قال الشّيخ: " ومن أسفاري الأولى المهمّة سفري مع الشّيخ الحاج بكير العنق ( ت 1934م ) إلى بلاد الشّمال،ولم أخرج قبل من دائرة الصّحراء. وقد أفادتني هذه الرّحلة الأولى إلى بلاد الشّمال كثيرا، وكانت صلتي وثيقة بالشّيخ الحاج بكير العنق، وكنّا في صراع سياسيّ كبير في القرارة وميزاب (1) في هذا العهد, وكان الشّيخ بكير العنق تفرّس في ّ ما تفرّس، فقصد تثقيفي بهذا السّفر، وتمريني على الكفاح." (2)
__________
(1) - إحدى مدن وادي ميزاب بجنوب الجزائر، مسقط رأس الشّيخ إبراهيم بيّوض. ومركز نشاطه، ومنطلقه منها. تأسّست سنة: 1040هـ/ 1631م
وميزاب: منطقة في الجنوب الجزائري، نسبة إلى وادي ميزاب، الذي تأسّست حوله قوى نسبت إليه، وهو يبعد عن العاصمة ( الجزائر) بحوالي 600
كلم.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2, ص: 173. (1/40)
صفحة 41
ثمّ ذكر الشّيخ مشاركته في المجالس التي كانت تعقد في الجزائر العاصمة، التي كان يحضرها الأعيان وسراة القوم: " حضرت أنا كلّ هذه المجالس، وأدليت برأيي فيها، وأصغوا إليّ باهتمام، واستفدت منها فوائد كثيرة. " (1)
أشار محمد عليّ دبّوز إلى المعارك التي كان يخوضها المصلحون في القرارة ضدّ الفساد السّياسي والاجتماعي، وبيّن أنّ الشّيخ بيّوض أفاد منها كثيرا؛ لأنّه كان يشهد المجالس التي كانت تتداول فبها هذه المسائل والقضايا: "... وكانت القيادة في هذا الميدان للشّيخ بكير العنق وصاحبيه (2) وحضر إبراهيم مجالس القيادة السّريّة، وصار من أعضائها، فازداد معرفة لنفسيّة المفسدين والمستعمرين، وكيدهم للأمّة والوطن، وربّاه شيخه تربية اجتماعيّة قويّة، وهيّأه لقيادة الإصلاح. وكان الفضل الأكبر في تربية إبراهيم الاجتماعيّة القويّة للشّيخ الحاج عمر بن يحي رحمه الله، وللشّيخ بكير العنق." (3)
إنّ هذه اللّفتة من المشايخ مهمّة جدّا، وهذا السّلوك منهم مفيد فائدة كبيرة في تكوين الدّعاة والمصلحين، ومن يتولّى قيادة الأمّة، وتسيير شؤون الرّعيّة؛ إذ يدرّب تدريبا عمليّا، ويؤخذ بيده إلى مواطن التّكوّن الحقيقي، وتُفْتَحُ عيناه على أمور غاية في الخطورة، فيتدرّب فكره على المناقشة للقضايا، والتّحليل الواقعي للمسائل، وإيجاد الحلول العمليّة للمشاكل المعروضة ... ويعرف حقيقة ما يستقبله في حياته العمليّة، ويتهيّأ نفسيّا وتربويّا واجتماعيّا لخوض معترك الحياة بقوّة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 174.
(2) - هما الحاج عمر بن يحي، وباسعيد بن عدّون.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2 ص: 151. (1/41)
صفحة 42
هذا ما كان عليه الشّيخ بيّوض، فقد كان اهتمام مشايخه به، وإحضارهم له إلى تلك المجالس والمنتديات وتلك المداولات مفيدا جدّا في تكوّنه، وقد انعكس إيجابا على أدائه وعمله؛ حين أصبح رجلا قياديّا، وموجّها رائدا، قال الشّيخ بيّوض: " ... والمهمّ هنا هو أنّ ما أثر عليّ، ونفعني جدّا هو حضور هذه الاجتماعات للمصلحين... هذه المجالس الإصلاحيّة التي أحضرها كانت تناقش فيها كلّ مشاكل البلد، وتشرح فيها سياسته، فعرفت مالم أكن أعرف من أسرار المجتمع والإصلاح، فثقف عقلي ما أسمع وأرى، وعلّمني أساليب النّضال، وأرهف حدّي له، وربّاني تربية اجتماعيّة ممتازة، وكانت هذه المجالسُ وخدمةُ الشّيخ وملازمتُه مدرسةً عظمى لي، استفدت منها ما لا أجده في الكتب... " (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 152، 153.وقد أفاض الشّيخ بيّوض كثيرا في هذه النّقطة المهمّة في تكوّنه، تراجع بقيّة الصّفحات، وص: 180 وما
بعدها، المصدر نفسه. (1/42)
صفحة 43
أطنب الشّيخ بيّوض كثيرا في تسجيل هذا الفضل لأساتذته عليه، في تربيته الاجتماعيّة بخاصّة، فضلِ حضوره مجالس الكبار الخاصّة، وشهوده الصّراع الذي اشترك فيه المصلحون، وشارك فيه هو أيضا. فتكوّن وتثقّف، وأعدّ نفسه لِمهام الرّجال الكبار، ولأمور السّادة العظام، ويذكر بخاصّة شيخه الحاج عمر بن يحي (1) قال الشّيخ بيّوض: " ... وابتدأت أتدخّل شيئا فشيئا في مداولات الإصلاح منذ صغري، ثمّ أصبحت أشاركهم في الحديث، وأدلي برأيي في المفاوضات، وأنا في الخامسة عشر من عمري، ويتقبّلون منّي، ويسمعون آرائي، هذا الذي ربّاني تربية اجتماعيّة ممتازة ..." (2) " وكنت قبل هذا أحضر مجالس والدي في دارنا, فأسمع من والدي وأصدقائه المصلحين أخبار هذا الصّراع بين المصلحين والمفسدين، وأرى خصومات هؤلاء في مجالس جدّي السّيّد كاسي حاكم القرارة (3) فعلمت من ذلك الشّيء الكثير، ثقف عقلي، وأثّر في نفسي. ولكنّ الشّيء الذي أثّر فِيّ أكثر هي المجالس التي تعقد في دار الشّيخ الحاج عمر بن يحي، وكنت أنا خادم الشّيخ في داره الخاصّة، كلّفني بهذا من أوّل يوم دخلت معهده؛ لما يريد من تربيتي تربية اجتماعيّة، نفعتني كثيرا..." (4)
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 182.
(2) -المصدر السّابق، ص: 153.
(3) - ينظر المصدر السّابق، ص: 182.
(4) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 152. (1/43)
صفحة 44
نتيجة هذا التّكوين المبكّر، بهذه الطّريقة المجدية أن صار الشّيخ بيّوض أحد أركان الإصلاح البارزين، وعمده الأساسيّن في القرارة؛ رغم صغر سنّه وحداثته. فليتأمّل المربّون والمكوّنون والمعدّون للدّعاة، كيف يفيدون من هذه التّجارب،ومن هذه الطّرق في التّكوين والإعداد. قال محمد عليّ دبوز: " وصار إبراهيم في هذا العهد وعمره عشرون عاما من أركان الإصلاح والكفاح في القرارة، يؤازر قائد الكفاح الشّيخ الحاج بكير العنق، ويخلفه في قيادته إذا غاب؛ وذلك بفضل تربية الشّيخ الحاج بكير العنق له تربية سياسيّة قويّة، وتربية الشّيخ الحاج عمر بن يحي له تربية اجتماعيّة ممتازة... (1) ورفع راية الإصلاح والكفاح مع مشايخه منذ شبابه الباكر، وعمره ستّ عشرة سنة، ثمّ رفعها بعدهم مع صحبه الميامين في الجنوب، يتقدّمهم ويقودهم في الكفاح ، فأقرّ الله به عين الوطن والدّين وعين الجزائر والمغرب العربي. " (2)
إنّ هذا التّكوين السّياسي والاجتماعي المبكّر، أفاد الشّيخ بيّوض فائدة كبيرة، فهو الذي جعله يخوض الميادين التي وجد فيها، أو تقدّم إليها بثقة كبيرة؛ وهو مزوّد بكفاية عالية، وعدّة معتبرة، تساعدانه على حذق أساليب التّسيير، وطرق المعالجة، ومعرفة اللّغة الدّبلوماسية، وإجادة الوسائل المطلوبة في المواجهة، ومهر السّبل النّاجعة في الدّعوة... (3)
3 – الكتب التي قرأها الشّيخ بيّوض
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 151 وما بعدها.
(2) - المصدر السّابق، ص: 185.
(3) - لمزيد من التّفاصيل ينظر كتابنا الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، مبحث :" التّكوين السّياسي للشّيخ بيّوض ونطوّره " ص: 31 ـ 56. (1/44)
صفحة 45
حين يتأمّل الباحث في مكانة الشّيخ بيّوض العلميّة، وكفايته العالية في مختلف المجالات العلميّة والتّربويّة، وفي ما كان له انعكاس إيجابي، ومردود مهمّ على أدائه في مجال الدّعوة والإصلاح، يلحّ عليه حبّ الاطّلاع، والرّغبة في الإفادة من سيرة الشّيخ بيّوض، واكتشاف سرّ نجاحه في عمله، أن يبحث في مسيرته التّحصيليّة والتّكوّنيّة.
بشيء من التّأمّل، وبقليل من النّظر يكتشف هذا الباحث أنّ ذلك راجع إلى طريقة تكوّنه، وبخاصّة ما أفاده من الكتب التي دَرَسها على أساتذته، والتي قرأها بنفسه، والتّنوّع في هذه الكتب، من حيث موضوعاتها ومجالاتها التي تمسّ أغلب الميادين التي يحتاج إليها الدّاعية والمصلح. ثمّ الكتب التي دَرَّسها، والتي أعانته على المزيد من كسب المعارف والثّقافة العامّة والخاصّة، وساعدته على إعداد تلاميذه، وتثقيف جمهوره الذي كان يؤمّ مجالسه.
إنّ الشّيخ بيّوض، إلى جانب اهتمام أساتذته به ورعايتهم له،كان هو شخصيّا مهتمّا بالتّحصيل، شغوفا بالتّعلّم والتّزوّد من المعارف، مزاحما العلماء، متزاحما على حلقات العلم، منكبّا على التّكوّن، منذ السّنّ المبكّرة في حياته، منوّعا في مطالعاته للكتب: بين الفقه والحديث وفروع الشّريعة الأخرى، والأدب واللّغة والتّاريخ والاجتماع, والتّربية والسّياسة والاقتصاد، مؤثرا الجيّدة الدّسمة منها، في المجالات التي يريد القراءة لها, والتي يحتاجها في حياته المستقبليّة، مواكبا لما ينشر في الدّوريات (1) ،
__________
(1) - قرأ كثيرا ممّا كان ينشر في الصّحافة التّونسيّة، وبخاصّة ما كان ينشر في الجرائد الآتية: الزّهرة، السّياسة، الصّواب، لسان الشّعب، مرشد الأمّة المنير
... وقد أفاد منها دروسا في السّياسة والاجتماع. كما قرأ كثيرا ممّا كانت تنشره جريدة " الفاروق " الجزائريّة,لعمر بن قدّور، التي دامت
بين 1913، 1915، وقد أفادته في السّياسة والوطنيّة. ومن جرائد مصر قرأ للمنار والهلال وغيرهما، كما قرأ لبعض الصّحف الفرنسية... ينظر
أعلام الإصلاح في الجزائر ج2، ص: 161، 162. (1/45)
صفحة 46
التي تمكّن من الحصول عليها، مستزيدا من المعارف، مواظبا على المطالعة... (1) إيمانا منه أنّ التّعلّم ليس له زمن محدّد، ولا غاية يتوقّف عندها، وواعٍ أنّ ما هو مُعَدّ له، وما ينتظره من عمل كبير، ونشاط ممتدّ في مجال الدّعوة والإصلاح، لا يسمح له بالتّوقّف عن القراءة، ولا الاكتفاء بالمحصّل عليه (2)
طالع الشّيخ بيّوض كتبا كثيرة، واطّلع على دراسات عديدة، وقرأ مقالات متعدّدة. بعضها قرأها مع وعلى أساتذته في أوقات الدّراسة، أو في لقاءات وندوات خارج حصص المدرسة والمعهد، مثل ما كان يحصل في ندوة القراءة، أو ندوة المطالعة، التي كان يعقدها الشّيخ الحاج عمر بن يحي مرّة كلّ أسبوع، يتحف فيها تلاميذه وإخوانه بما يستجدّ من كتب ومقالات؛ ممّا يدخل في مفهوم الثّقافة العامّة. ومنها ما كان يقرؤه وحده. (3)
__________
(1) - لم يترك المطالعة إلاّ ساعة قبل وفاته، تركها في السّاعة الخامسة مساء، وتوفيّ في السّاعة السّادسة منه.
(2) - ينظر مقالنا :" الشّيخ بيّوض ودوره في إثراء الفكر الإسلامي " جريدة عمان ( سلطنة عمان )، يوم: 2 من شعبان 1411هـ / 17 من فيفري
1991م. و" الشّيخ بيّوض ودوره في النّهضة الجزائرية الحديثة " جريدة الواحة، غرداية ( الجزائر )، عدد: 3، يوم 22 من جانفي 1991 . وكتابنا
" الشّيخ إبراهيم بيّوض المصلح المربّي " ، ط1، نشر مكتبة الجيل الواعد، مسقط( سلطنة عمان )، سنة 1425هـ/ 2004م، ص: 51 – 56.
(3) - عن جدوى هذه النّدوة في تكوين الشّيخ بيّوض، وأهمّيتها لأقطاب الإصلاح، ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 88، 158 ـ 162.
وعن أهمّ الكتب التي قرأها الشّيخ بيّوض، ينظر: المصدر السّابق، ص: 98، 99، 114، 119، 159، 160، 162، 167,170،186, 188
، 189...وأعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 129. (1/46)
صفحة 47
يقول الشّيخ بيّوض عن شغفه بالمطالعة وعن شيخه الأبريكي الذي يعترف بفضله عليه: " أرى أنّ الفضل الأكبر عليّ في حياتي لهذه الفترة، ولهذا المربّي العظيم شيخي الأبريكي رحمه الله، وهو الذي فتح ذهني، وخلق فِيّ نهََمًا وشغفا بالمطالعة والاعتماد على نفسي في الدّرس. " (1)
قرأ الشّيخ بيّوض كثيرا من الكتب، التي ساعدته على التّكوّن، ومنحته القوّة في العمل في الحقل الدّعوي والإصلاحي. فبالإضافة إلى الكتب الخاصّة بفروع الشّريعة: من عقيدة وفقه وحديث وتفسير وأصول... وكتب اللّغة العربيّة: من نحو وصرف وبلاغة واشتقاق, وكتب الأدب: من شعر ونثر... قرأ مجموعة من الكتب المكوّنة لشخصيّة الدّاعية والمصلح والمربّي، اعترف بتأثيرها فيه: كتب في الاجتماع وعلم النّفس والتّربية والسّياسة والحضارة...كثير من هذه الكتب قرأها قبل بلوغه سنّ العشرين، يقول الشّيخ بعد أن سرد مجموعة من الكتب التي قرأها بتركيز وإمعان: " هذه هي أهمّ الكتب التي قرأتها في الاجتماع والسّياسة من سنّ البلوغ إلى العشرين." (2)
إنّ هذا يشير إلى أهميّة الإعداد المبكّر ، الجادّ والمركّز لمن يريد أن يخوض ميدان الدّعوة والإصلاح, وهو ما يعطي الثّقة في نفس من أراد السّير في هذا الدّرب. هذه الكفاية وهذه الثّقة هي التي سمحت للشّيخ بيّوض أن يقحم نفسه في ميدان الإصلاح وهو صغير، ويتسلّم زمام الرّيادة والقيادة مبكّرا، بعد وفاة شيخه الحاج عمر بن يحي سنة: 1339هـ/ 1921م.
نشير إلى بعض هذه الكتب فيما يأتي:
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 119.
(2) - المصدر السّابق، ص: 160. (1/47)
صفحة 48
كتاب النّيل وشفاء العليل للشّبخ عبد العزيز الثّميني ( ت 1223هـ/ 1808م ) وجامع الشّمل في حديث خير الرّسل، وجامع الوضع والحاشية للشّيخ الحاج امحمد طفيش ( ت 1332عـ/ 1914م ) شرح الأجرّوميّة للشّيخ خالد الغبريني، وقطر النّدى، وشذور الذّهب لابن هشام الأنصاري، وشرح ابن عقيل والمكودي والأشمّوني لألفية ابن مالك، وفتوح الشّام للواقدي، والمعجزات اللاّمعة في معجزات الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وفتوح إفريقيا، وتاريخ الأستاذ الشّيخ محمد عبده ( 1323هـ/ 1905م ) للشّيخ رشيد رضا، وكتاب العروة الوثقى، وهو مجموعة المقالات التي نشرها الشّيخ جمال الدّين الأفغاني ( ت 1314هـ/ 1897م ) والشّيخ محمد عبده في جريدة " العروة الوثقى " ، التي أصدراها في باريس. التّمدّن الإسلامي لجرجي زيدان...
قال الشّيخ بيّوض وهو يتحدّث عن فترة تلمذته عل شيخه الأبريكي: " إنّ هذه الفترة في معهد شيخي الأبريكي رحمه الله هي التي كوّنتني من حيث الضّمير، وغرست فيّ الرّوح الدّينيّة المتّأصّلة، وتقدير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وحبّه وحبّ الصّحابة رضوان الله عليهم، والإعجاب ببطولتهم..." (1)
لرغبة الشّيخ بيّوض في القراءة للزّعماء والأبطال، ولمن يزيدون في شخصيته، ويبنون نفسه، ولحبّه الشّديد معرفة الكثير من الأعمال البطوليّة والمواقف الكبيرة، يتعلّم منها ما يفيد، اندفع يقرأ للزّعماء والكبراء في السّياسة والاجتماع؛ فتعلّم من مواقفهم، وأفاد من تجاربهم، وانتصح بتوجيهاتهم، وتثقّف من آرائهم ونظراتهم. وبخاصّة حين آنس من نفسه الرّغبة في خدمة مجتمعه، واكتشف في ذاته القدرة على السّير في هذا الطّريق؛ فدفعه ذلك للتّقدّم إلى الصّفوف الأماميّة لقيادة الأمّة، وهو ما يزال شابا يافعا، وفتى غضّ الإهاب...
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 119. (1/48)
صفحة 49
مثلا قرأ للشّيخ عبد الرّحمن الكواكبي كتابيه: طبائع الاستبداد، وأمّ القرى، قال الشّيخ بيّوض: ... وكنت أحفظ الكثير ممّا كتبه الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد، من كثرة قراءتي له، وإمعان النّظر فيه، وكنّا نقاسي الحكم العسكري الفرنسي وجبروته وظلمه، فوجدنا هذا الكتاب يعبّر عمّا في نفوسنا، وينفّس عن صدورنا المكظومة، ويصف ما نراه ونقاسيه، فكان إقبالنا عليه عظيما، وفهمنا له عميقا، وكذلك كتابه أمّ القرى." (1)
قرأ أيضا لمصطفى كامل، وبخاصّة تاريخه الذي جمعه أخوه فهمي كامل، وهو يقع في ثمانية أجزاء، تأثُّرُ الشّيخ بيّوض به كان كبيرا، وبخاصّة الجزأين السّابع والثّامن، اللّذين نشرا بقلم مصطفى كامل نفسه، وعنوانهما ( المسألة الشّرقيّة ). يقول الشّيخ: " قرأنا هذا الكتاب كلّه بأجزائه الثّمانية في ندوة القراءة،وأعدت أنا قراءَتها، فدرستها في إمعان وتدبّر، فأفادني فائدة عظمى، وزاد لحماسي للإصلاح والنّهضة تأجّجا، وعرفت من الجزء السّابع والثّامن من الكتاب أغراض المستعمرين الصّليبيين في العالم الإسلامي، ونواياهم الجهنّميّة للإسلام والمسلمين, وأطماعهم في الدّولة العثمانيّة، وعملهم للإجهاز عليها، وأفادني في باب السّياسة فائدة كبيرة، وأفاد ندوة القراءة كلّها فائدة مهمّة." (2)
يذكر الشّيخ بيّوض أيضا من بين الكتب التي قرأها وأفادته كثيرا في عمله النّهضوى والإصلاحي، مؤلّفات الشّيخ جوهري طنطاوي، منها الكتب الآتية: نظام العالم والأمم، و نهضة الأمّة وحياتها، وجواهر العلوم، وميزان الجواهر.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 160.
(2) - المصدر السّابق نفسه. (1/49)
صفحة 50
هذه الكتب وغيرها والدّوريات التي كان يقرأ فيها في سنّ مبكّرة من حياته العلميّة والتّكوينيّة، هي التي صقلت مواهبه، وفجرّت طاقاته الفطريّة، ونمّت قدراته الفكريّة، وثقّفت نفسه العصاميّة، ووجّهت حياته الاجتماعيّة، وهذّبت مسيرته السّياسيّة... فال الشّيخ بيّوض عن هذه الكتب: " لقد زادت في ثقافتي العقليّة وتربيتي الاجتماعيّة، وعرّفتني بأحوال العالم الإسلامي، ومقاصد المستعمرين الصّليبيّة فيه." (1)
علّق الأستاذ نور الدّين سوكحال على ذلك قائلا: " وممّا لا شك فيه أنّ هذه القراءات جعلت ثقافة الشّيخ بيّوض ثقافة مواكبة للعصر وتغيّراته السّريعة، ولولاها لكان يطغى على ثقافته الجانب التّراثي التّاريخي؛ ممّا يصعب عليه فهم مشكلات عصره، بله إيجاد الحلول لها. " (2)
إنّ للقراءات الأولى دورا مهمّا في تشكيل شخصيّة الدّاعية، وبلورة كيان المصلح، إنّها تسهم إسهاما كبيرا في توجيه حياتهما، ورسم الخطوط الأساسيّة لمنهجهما وعملهما في الميدان. سنقف على هذه الحقيقة، حين التّعرّض لمنهج الشّيخ بيّوض، وعرض عمله في ميدان الإصلاح والدّعوة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 158.
(2) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 10. (1/50)
صفحة 51
لابدّ من التّنبيه في هذا المقام إلى أنّ الشّيخ بيّوض رغم جلوسه إلى أساتذة، ودخوله مدارس، وأخذه مبادئ في المعارف، ومفاتيح العلوم على مشايخ، إلاّ انّه كان عصاميّ التّكوّن بما كان يقرؤه وحده من الكتب والمقالات، وما كان يعيد قراءته من الكنب التي كان يدرسها في المدارس التي كان يتعلّم فيها، أو ما كان يقرؤه في ندوة المطالعة؛ لما حباه الله من ذكاء حادّ، وإرادة وعزيمة في التّكوّن، ولما كان يشعر به من عدم تلبية ما كان يأخذه من معارف في حلقات الدّرس والمدارس النّظاميّة، عدم تلبية نهمه وإرواء ظمئه من العلم والمعرفة. قال إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب ( القرادي ): "... أريد أن ألفت كذلك أنظار الشّباب المؤمن إلى أنّ أستاذنا لم يخرج من القرارة لطلب العلم، ولم يلتحق بأيّ معهد من المعاهد (1) ولم يكن شيخه ذا علم غزير (2) بل نال كلّ ما ناله من علم بفضل جِدِّه ومثابرته، ساعده في ذلك ذكاء وقّاد، وحسّ مرهف، ونشاط قلّ أن يوجد في أمثاله من الأذكياء الموهوبين." (3)
نتساءل بعد ذلك عن الكتب التي درَّسها للطّلبة في معهده، أو شرحها وقدّمها للعامّة في مسجد القرارة، محاولة لبسط البحث والكشف عن منهجه في العمل والدّعوة والإصلاح.
4 – الكتب التي درَّسها
بما أنّ الإصلاح عند الشّيخ بيّوض يعني الشّمولية والتّعميم، اللّذين يمسّان كلّ الميادين، والدّعوة يجب أن تصل إلى كلّ شخص وفئة وكلّ مجال، وبما أن من وسائل ذلك التّثقيفِ والتّكوينِ والتّوعيةِ الكتبَ والمنشوراتِ، فقد حرص الشّيخ كلّ الحرص على أن يبني قاعدته على الكتب وسيلةً من وسائل الإعداد؛ فنوّع في هذه الكتب، بما يخدم كلّ هذه الجوانب، وبما يحقّق له أهدافه، ويسند منهجه.
__________
(1) - يعني خارج القرارة.
(2) - يعني شيخه الحاج عمر بن يحي.
(3) - في رحاب القرآن، ص: 142. (1/51)
صفحة 52
منذ البداية، وحين شبّ عن الطّوق، وطرّ شاربه، وجدناه بخطّ منهجه، ويشقّ طريقه في الإصلاح والدّعوة، بتدبير محكم، وفكر تربويّ متميّز، وبأسلوب منهجيّ جيّد، نابع من ثقته بنفسه، وبما يملك من رصيد معرفيّ، وكفاية تربويّة، وحنكة سياسيّة، ورؤية فاحصة، ونظرة بعيدة للمستقبل... فتولّى إنقاذ القرارة من الذّهول الذي أصابها؛ إثر وفاة شيخها الحاج عمر بن يحي، باعث النّهضة الإصلاحيّة في هذه المدينة، وناشر العلم فيها، وموجّه الطّلبة، وباني قاعدة التّكوّن فيهم...
خاف الشّيخ بيّوض أن تذهب جهود شيخه سدى، وعمله هباء منثورا؛ بافتراق الطّلبة عن معهد الحاج عمر، فنهض فيهم في جنازته، يشدّ من أزر الطّلبة، ويدفع عنهم الحزن الشّديد، وحرص أن يقنعهم بمواصلة الدّرب، والاستمرار في الدّراسة؛ حتّى لا ينفرط العقد، فقال من جملة ما قال: " ...إنّ الموت مكتوب على كلّ أحد، وإنّ الشّيخ له أجل محدود، وهذا أجله، وقد اختاره الله لجواره، ولكن اعلموا أيّها الطّلبة كبارا وصغارا، من مختلف الطّبقات أنّكم لم تفقدوا من الشّيخ إلاّ شخصه. فإنّ أيّام الحداد الثّلاثة تمرّ ليس فيها درس ولا قراءة، وبعد ذلك ترجع المياه إلى مجاريها، وكلّ شيء يرجع إلى ما كان فيه..." (1)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 72. (1/52)
صفحة 53
ربت الشّيخ على قلوب الطّلبة، وبعث فيهم الأمل، وشدّ على أيديهم، وواصل معهم الدّراسة في المعهد؛ وبذلك حمى هذه النّهضة من الانتكاسة، وحافظ على مكاسب شيخه. فتحمّل هو تدريس كبار الطّلبة، فاختار لهم الكتب التي رآها مفيدة ومناسبة لهم، قال الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " وكان الشّيخ بيّوض يدرّس في المعهد لكبار الطّلبة التّفسير في البيضاوي، والفقه في كتاب النّيل وأصول التّشريع والنّحو في ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل، والبلاغة والأخلاق للطّلبة الصّغار في كتاب عظة النّاشئين للغلايني." (1)
نشير إلى بعض الكتب التي أمضى في تدريسها سنوات عديدة، وكان لها أثر كبير في الأوساط العامّة والطّلبة بخاصّة. هذا التّوجّه من الشّيخ بيّوض يدخل ضمن منهجه في الدّعوة والإصلاح, وهو انتقاء الكتب، وانتقار زمن تدريسها، والعمد إلى الإطالة في مدّة تدريسها.
من هذه الكتب الأولى التي درّسها في بداية مشواره الإصلاحي والدّعوي، وأطال فيه كتاب " قناطر الخيرات " للشّيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي ( ت 750هـ/ 1349م ) كانت مدّة تدريسه ما بين 1923 و 1938م. هذا الكتاب الذي يهمّ العامّة والطّلبة والدّعاة معا. أي هو مفيد لكلّ النّاس؛ لهذا اختار الشّيخ بيّوض أن يكون تدريسه في مسجد القرارة.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 191. ينظر أيضا قي رحاب القرآن، ص: 73. (1/53)
صفحة 54
هو كتاب يقع في ثلاثة أجزاء، يشتمل على موضوعات أو أبواب: العقيدة وأركان الإسلام والحقوق الواجبة بين المسلمين والأخلاق والتّربية. قال عنه بابا واعمر خضير بن بكير: " كتاب قيّم في مقاصد التّشريع وفلسفة الأخلاق،ألّفه سنة 738هـ/1337م في ثلاثة مجلّدات ضخمة، ومجموع صفحاتها 1557. قسّمه الجيطالي إلى سبع عشرة قنطرة، إذ شبّه الفرائض بالقناطر التي يمكن للسّالك عليها العبور للوصول إلى السّعادة الأبديّة، وقد اجتهد في ترتيب القناطر ترتيبا محكما، معلّلا ذلك بحجج منطقيّة يراها." (1)
إنّ الكتاب يعدّ كتاب وعظ وإرشاد للعامّة، وكتاب دراسة للطّلبة في المعاهد، ومطالعة للعلماء،كما يرى محمد عليّ دبّوز (2) من هنا نقول إنّ الشّيخ بيّوض قد وفّق في اختيار الكتاب المناسب والوقت المناسب لتدريسه. اختاره لاشتماله على أهمّ ما يحتاجه المسلم في التّوجيه، ولتضمّنه أهمّ ما يلبّي حاجة الدّعاة في عملهم. اصطفاه لغزارة مادته وتنوّعها وأهميّتها، وأسلوبه الجيّد، وطريقته الحسنة في العرض والوعظ. (3)
إنّ الشّيخ بهذا الاختيار أراد أن يبني القواعد الأساسيّة في صرحه الإصلاحي والدّعوي والتّربوي. هذه نقطة مهمّة في منهج الدّعوة: الحرص على بناء القواعد، وإيجاد الأسس المتينة في العمل، وتوخّي الانطلاقة الصّحيحة والقويّة في التّحرّك.
__________
(1) - بابا واعمر خضير بن بكير، إسماعيل بن موسى الجيطال وآراؤه الكلامية،رسالة ماجستير ( مخطوطة )جامعة الجزائر، كليّة العلوم الإسلاميّة، قسم
العقائد والأديان، نخصّص أصول الدّين, السّنة الجامعيّة: 1421 ـ 1422هـ/ 2000 ـ 2001م ص: 57.
(2) - ينظر محمد عليّ دبّوز أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ط1، مطلعة البعث، قسنطينة، الجزائر، سنة: 1398هـ/ 1978م، ص: 109.
(3) - ينظر تعليق محمد علي دبّو ز, للمصدر السّابق نفسه. (1/54)
صفحة 55
لقد ظهرت آثار هذا الكتاب، وأسلوب الشّيخ بيّوض في عرضه على النّاس، وشرحه لهم؛ إذ أقبلوا على تصحيح كثير من الأخطاء التي وقعوا فيها في الدّين. قال الشّيخ بيّوض: " أعتقد أنّ أكبر سبب لتركيز فكرة الإصلاح في القرارة، أو كما يعبّر عنه اليوم الضّمير الدّيني، هذا الضّمير الذي تكوّن في جماهير القرارة، وكان له بعد ذلك أثر كبير في مناصرة الإصلاح، وفي البذل والتّضحية في سبيل الإصلاح. الفضل كلّه يرجع في هذا إلى درس المسجد في كتاب قناطر الخيرات، وإلى دروسي في المعهد في هذا الكتاب، وكانت العامّة تحضره أيضا. " (1)
ممّا درّسه الشّيخ متزامنا مع كتاب قناطر الخيرات، منظومة الشّيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي ( عاش في القرن السّابع الهجري/ الثّالث عشر الميلادي) في الأخلاق، المسمّاة بمخمّسة أبي نصر، ومنظومته البائيّة أيضا في الأخلاق وشرحها. (2) يقول الشّيخ بيّوض: " وهما من أحسن ما يعتمد عليه الواعظ في مواضع الأخلاق. " (3)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 115.
(2) - مطلع البائيّة : مناي من الدّنيا منادمة الكتب وقوت حلال طاب من أطيب الكسب
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 115.ينظر الطّريقة التي اتّبعها في تدريس المنظومة وشرحها المصدر نفسه. (1/55)
صفحة 56
الكتاب الآخر الذي درّسه الشّيخ بيّوض، ومكث فيه مدّة طويلة كناب" سير مشايخ المغرب" (سير الشّماخي) للشّيخ أحمد بن سعيد الشّماخي ( ت 928 هـ/ 1522م ) وذلك بعد انتهى من تدريس كتاب قناطر الخيرات. دام في ذلك أربع سنوات. هو كتاب تناول فيه مؤلّفه سيرة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الرّاشدين (1) والصّحابة والتّابعين وأئمّة المغرب الإسلامي, ولكنّ القسم الأكبر كان مخصّصا لمشايخ المغرب الإسلامي. قال محمد عليّ دبّوز معلّقا على اختيار الشّيخ بيّوض للكتاب: "... وهذا ما أراده الشّيخ بيّوض، أن تعرف العامّة ما يجب عليها من تاريخ الرّسول والصّحابة، وما هو لازم من تاريخ صلحاء المغرب، فإنّهم الإسوة الحسنة، فلابدّ من معرفتهم. وفي كتاب السّير تاريخ كثير للمغرب، سيّما الأحداث التّاريخيّة العظمى التي وقعت للأئمّة، وللمشايخ والزّعماء الذين تحدّث عنهم. فكان الشّيخ بيّوض يشرح تلك الأحداث التّاريخيّة، ويستخلص العبرة منها، وبحلّل شخصيات المشايخ، ويلفت النّظر إلى صلاحهم وأسبابه، وفي كتاب السّير فقه كثير فكان يشرحه. " (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 116.
(2) -المصدر السّابق، ص: 116. (1/56)
صفحة 57
إنّ تدريس هذا السّفر يندرج ضمن النّهج الذي اختطّه الشّيخ بيّوض لنفسه، وهو المضيّ في تطبيق ما سطّره في سبيل الإصلاح والإعداد والتّكوين.إنّه كان يسعى إلى اختيار الطّرق المثلى في ذلك، وانتقاء الوسائل الأنجع في السّير بخطّته إلى أبعد مدى. إنّ هذا يكشف عن جانب من منهجه في هذا الطّريق. يشرح محمد عليّ دبّوز ذلك ببيان الأهداف التي كان يرمي الشّيخ بيّوض إليها من تدريس التّاريخ بعامّة، وكتاب سير المشايخ بخاصّة: " إنّ غرض الشّيخ هو تربية العامّة وتهذيبها وتثقيفها بتاريخ الصّالحين؛ لأنّ التّاريخ سيّما تاريخ الرّسول والصّحابة وتاريخ المغرب من أحسن العلوم التي تثقّف العقل، ثمّ إنّه أكبر واعظ بالمحسوس الذي يتأثّر به الإنسان أكثر، وإيمانه به أقوى. وقد أكثر القرآن من ذكر القصص التّاريخي في أغلب سوره؛ لأنّ التّاريخ أحسن واعظ للإنسان، سيّما إذا كان تاريخ أجداده، وقع في أرضه، كسير مشايخ المغرب وتاريخ زمانهم المجيد. " (1)
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 116، 117. (1/57)
صفحة 58
هذا الذي قام به الشّيخ بيّوض هو ما كان ينبّه إليه الشّيخ محمد عليّ دبّوز دائما، وهو استبدال البيئة التّاريخيّة للنّاشئة بالبيئة الاجتماعية في التّربية (1) ، وذلك حين تعجز هذه الأخيرة عن إعداد النّشء وتربيته تربية صالحة،وتنشئته تنشئة سليمة. هذا ما قال به محمود محمد عمارة: " إنّ واجبنا أن نعرّف النّاس بما كان؛ ليواصلوا السّير إلى ما ينبغي أن يكون." (2) فالتّاريخ يساعد النّشء على معرفة الواجب، بواسطة إطلاعه على ما كان يقوم به الآباء والأجداد. ولهذا فإنّه كان من بين ما تطلّبه منهج الشّيخ بيّوض توظيفُ التّاريخ في الدّعوة والإصلاح والتّربية. هذا ما أكّد عليه محمود محمد عمارة بقوله: " فليفتح الخطيب لهؤلاء ( أي النّاس) كوّة يشمّون من خلالها عبير البطولة والفداء والوفاء، وليقطف لنا من تاريخنا الإسلامي زهرات يانعات ترطّب جفاف الحياة." (3)
__________
(1) - ينظر ما كتبه في مقدّمة كتابه " تاريخ المغرب الكبير، ج2 "
(2) - الخطابة في موكب الدّعوة، ص: 121.
(3) - المرجع السّابق، ص: 121, 122. (1/58)
صفحة 59
كتاب آخر مهمّ أثمر غرس شرح الشّيخ بيّوض له وتدريسه ثمارا طيّبة مفيدة، إنّه كتاب :" فتح الباري شرح صحيح البخاري " وقد شرحه الشّيخ ودرّسه ما بين ( 1350هـ - 1365هـ / 1931هـ/ 1945 م) بعد أن فرغ من تدريس كتاب مسند الرّبيع بن حبيب ( ت 170هـ/ 786م) مدّة خمس سنوات. ونحن حين نستنطق الفترة التي كان الشّيخ ( بيّوض ) يتصدّى فيها لشرح كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني وهي فترة ( 1931– 1945م) فإنّنا نجدها الفترة العصيبة التي مرّت بها الجزائر. فقد امتحنت فيها في دينها ولغتها وتاريخها وشخصيتها ومقوّماتها الأساسيّة بعامّة، حيث كثر الهجوم على الإسلام واللّغة العربيّة والتّاريخ الإسلامي، وعُرِضَت فيها مشروعات الانسلاخ من الدّين؛ كالاندماج والتّجنيس، وضيّق فيها على رجال الحركة الإصلاحيّة، وشدّد الخناق على الصّحافة الإصلاحيّة، وشجّع رجال الطّرق الذين كان أغلبهم لا يحفل بالسّنة النّبويّة، بل كان بعضهم يسهم في تنفيذ مخطّطات الاستعمار عن وعي أو من دون وعي.
وكان سبب كلّ ذلك هو الابتعاد عن السّنة، وتحكيم الهوى، أو الجهل في السّلوك؛ ممّا بات فيه لزاما على العلماء النّهوض لتدارك الأمر، واحتضان الشّباب ، والعناية بهم؛ لإفساد خطط المستعمر في هذا المجال، فكان من بين الوسائل النّاجعة التي كان يجب سلوكها وسيلة التّعليم، وكان تدريس كتاب صحيح البخاري من بين الوسائل المستعملة في التّوعية والتّوجيه (1)
__________
(1) - ينظر ما كتبناه في الموضوع مقالنا: " الشّيخ بيّوض شارح البخاري "جريدة العقيدة، قسنطينة (الجزائر)، يوم: 7 من ربيع الأوّل 1414هـ/ 25
من أوت 1993م وكتابنا " الشّيخ إبراهيم بيّوض المصلح المربّي، ص: 67 – 74. الاحتفال كان في فيفري 1946م, بينما الختم كان أواخر سنة
1945م. (1/59)
صفحة 60
إنّ اختيار الشّيخ بيّوض تدريس هذا الكتاب وشرحه، كان اختيارا منهجيّا، في مضمونه وتوقيته، وأهدافه. كان سبيلا لإحياء السّنة ومحاربة البدع، ومقاومة الجهل والتّخلّف والأميّة الدّينيّة، وتكوين النّشء وإعداده إعدادا سليما.
عن أثر هذا الكتاب في الأوساط العامّة، وفي نفوس الطّلبة بخاصّة يسجّل الشّيخ عدّون بن بالحاج ( شريفي ) ( مدير معهد الحياة ) ذلك في الكلمة التي ألقاها بمناسبة الاحتفال بختم شرح الشّيخ بيّوض هذا الكتاب سنة 1946م (1)
أنفس كتاب درّسه الشّيخ بيّوض، وأعطى له جهده ووقته، وبنى عليه قاعدته في التّنشئة والإعداد والتّوجيه والتّصحيح والتّغيير ... هو كتاب الله العزيز، الذي افتتح تفسيره في محرّم 1354هـ/ 1935م، واختتمه سنة 1400هـ/ 1980م. وكان قد فسّر قبل ذلك أجزاء من القرآن؛ اعتمادا على تفسير البيضاوي وحاشية الشّهاب للخفاجي (2) وفي أواخر العشرينيات فسّر جزء عمّ؛ اعتمادا على تفسير الشّيخ محمد عبده (3) كما اعتمد في تفسيره الجزء الأخير من القرآن ( حين شرع في تفسير القرآن كاملا ) على كتاب التّحرير والتّنوير للشّيخ الطّاهر بن عاشور (4)
اهتمام الشّيخ بيّوض بتفسير القرآن، وتكثيف جهوده له، واحتفاؤه به هذا الاحتفاء، والبقاء معه أكثر من خمسين سنة، بداية من سنة 1339هـ/ 1921م، وهي السّنة التي دخل فيها معترك الحياة العمليّة: الدّعويّة والإصلاحيّة، وانتهاء بسنة 1400عـ/1980م، ووفاته كانت 1401هـ/ 1981م. يبيّن احتفاءه بالقرآن، و بناء صرحه الدّعوي والإصلاحي على هذه الدّعامة، واستقاءَه من هذا المنبع الثّرّ الصّافي.
__________
(1) - ينظر كتابنا الشّيخ بيّوض المصلح المربّي، ص: 102 – 105.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 191, وفي رحاب القرآن، ص: 73.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 131. وفي رحاب الثرآن، ص: 73.
(4) - في رحاب القرآن، ص: 81. (1/60)
صفحة 61
إنّه كان يقوم بعرض المجتمع على القرآن؛ فيؤصّل فيه ما يتوافق معه، ويردّ ما ينافيه، ويصحّح ويبيّن ويوضّح... " ...اهتمامه بالتّفسير يرجع إلى أنّ الشّيخ يرى أنّ القرآن هو الذي يساعد على إصلاح المجتمع، وتهذيب النّفوس، وتقوية الإيمان، وتصحيح العقيدة، وتنمية العقول..." (1)
يقول الشّيخ بيّوض: " ... إنّ غرضي من تفسير القرآن هو تربية النّاس بالقرآن، وتثقيفهم ووعظهم، ومعالجة أمراض النّفوس كلّها بالقرآن، فإنّه شفاء لها كلّها... لهذا أركّز الحديث على معاني القرآن، واستخراج الأسرار من الآيات الكونيّة، التي ذكرها القرآن، والقصص الواردة فيه..." (2)
يقول نور الدّين سوكحال: " وسبب آخر دفع الشّيخ بيّوض إلى تفسير القرآن، وهو أنّ الظّرف الذي مرّت به الحركة الإصلاحيّة إبّان فترة الاحتلال الفرنسي فرض على علماء الإصلاح أن يكيّفوا خطابا خاصّا بهذه المرحلة، يمكّنهم من إيصال أفكارهم إلى الأمّة، من دون تمكين إدارة الاحتلال وأذنابها من وقف نشاطهم، فلم يجدوا أحسن من الخطاب القرآني." (3)
هذا ما بيّنه الشّيخ بيّوض وهو يفصح عن منهجه في العمل: " جعلت تفسير كتاب الله عمدتي في الدّعوة إلى الله، وكنّا حربا على الاستعمار، الذي يجنّد شبابنا جبرا، ويمنعنا من التّعليم الحرّ، ويعمل كلّ وسيلة للتّعطيل، وكنّا نداوره تارة، ونداريه تارة، وندافع تارة أخرى، ورأيت أنّ أنفع شيء لذلك هو كتاب الله، فشرعت في التّفسير." (4)
__________
(1) - الشّبخ إبراهيم بيّوض المصلح المربّي، ص: 55.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 129.
(3) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 89.
(4) - الشّيخ إبراهيم بيّوض، نفسير سورة الإسراء، ط1، دار النّهضة للنّشر والتّوزيع، سلطنة عمان، سنة: 1413هـ/ 1992م، ص: 33. وفي رحاب
القرآن، ص: 74، 75. (1/61)
صفحة 62
إلى جانب هذه الكتب شرح كتاب النّيل وشفاء العليل للشّيخ عبد العزيز الثّميني. وكتاب طلعة الشّمس في أصول الفقه، وجوهر النّظام وأنوار العقول للشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي (ت 1332هـ/ 1914م ). وكناب حاشية الوضع، والذّهب الخالص للشّيخ الحاج امحمد طفيش. ودلائل الإعجاز في البلاغة لعبد القاهر الجرجاني. ومغني اللّبيب في النّحو لابن هشام الأنصاري. وكناب الأمالي لأبي عليّ القالي والحماسة لأبي تمّام. وجواهر الأدب لأحمد الهاشمي وكتاب السّلم في المنطق لعبد الرّحمن الأخضري وغيرها من الكتب ، التي أعانته على تطوير معارفه، وترسيخ ما أخذه من مبادئ... وكان له ذلك عونا على المضيّ في مسيرته الدّعويّة والإصلاحيّة يقوّة وثقة وكفاية عالية. وقد أشار الأستاذ عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج إلى هذه النّتيجة بقوله: "... شرحه لكتاب طلعة الشّمس في الأصول للعلاّمة نور الدّين عبد الله بن حميّد السّالمي العماني، الشّيء الذي يمكّنه من معرفة استنباط الأحكام. شرحه لكتاب النّيل وشفاء العليل في الفقه للشّيخ ضياء الدّين عبد العزيز الثّميني، ممّا يمكّنه من الاطّلاع على مختلف أبواب الشّريعة الإسلاميّة. شرحه لكتاب مغني اللّبيب في النّحو، ممّا أعطاه ملكة ودربة على توظيف قواعدها في تفسيره لكتاب الله. شرحه لكتاب دلائل الإعجاز في البلاغة للشّيخ عبد القاهر الجرجاني، الذي بدأه سنة 1357هـ/ 1938م، واختتمه سنة 1362هـ/ 1943م، ممّا مكّنه من تذوّق أسرار القرآن البلاغيّة. شرحه لكتاب الأمالي في الأدب العربي لأبي عليّ القالي، وهو من أمّهات الأدب العربي، ابتدأ شرحه سنة 1353هـ/ 1934م، واختتمه 1365هـ/ 1945م. شرحه لكتاب السّلم في المنطق للشّيخ عبد الرّحمن الأخضري، ممّا كوّن فيع توظيف العقل المنطقي في تقبّل الأحكام وبثّها. " (1)
__________
(1) - تفسير سورة الإسراء، ص: 27، 28. (1/62)
صفحة 63
ذكرنا في هذه الصّفحات الكتب التي درّسها الشّيخ بيّوض في المرحلة الأولى من حياته العمليّة: الدّعويّة والإصلاحيّة (1) إنّ هذا يدلّ على التّخطيط السّليم، والنّهج القويم الذي اعتمده الشّيخ في التّنشئة والإعداد. فقد اختار كتبا مهمّة أساسيّة في بناء القواعد الأولى في التّكوين، كما أنّه نوّع في الموضوعات والمجالات التي يحتاجها المكوَّن والمدعوّ. وهو ما يجب أن يحرص عليه الدّاعية الذي يريد أن يبني النّفوس، ويكوّن الرّجال، وينشئ الأجيال. بمعنى آخر ينبغي أن يكون منهجه مؤسّسا على اختيار الأساليب النّاجحة والسّبل النّاجعة، حتّى يثمر غرسه، وينمو زرعه، وينبت عشبه، وتتفتّح الأكمام التي يسقيها، والبراعم التي يرعاها. تتفتّح عن زهور،تبعث الأريج في المحيط التي تتحرّك فيه، وتنفح النّاس بما ينعشهم ويحييهم...
هذه الخطوة أو الخطّة تحصل ممّن أعدّ نفسه إعدادا جيّدا، وأصبح له ما يعطي ويقدّم، ويعرف كيف يخطّط ويرسم، كما كان حظّ الشّيخ بيوض من ذلك، كوّن نفسه بالمطالعة، وهيّأها لهذا العمل الدّعوي والإصلاحي إعدادا حسنا، ثمّ تقدّم إلى الميدان، فكان له ما قرأه أيّام التّحصيل، وما درّسه لطلبته في حلقات الدّرس، وما شرحه لعامّة النّاس في المسجد... كان له كلّ ذلك زادا كبيرا ينفق منه،ومعينا ثرّا يعبّ منه، ويعلّ طلبته ومخاطبيه.
كما أنّ اختيار الشّيخ بيّوض لهذه الكتب في هذه المرحلة الحاسمة والعصيبة في تاريخ الجزائر والحركة الإصلاحيّة كان مناسبا، وبخاصّة وهو يسعى إلى بناء القواعد التي يقوم عليها صرح الإصلاح والدّعوة...إنّ ذلك يكشف عن جانب من منهج الشّيخ في الدّعوة والإصلاح، الذي يبدأ بالتّكوّن، ويتدعّم باختيار الأساليب المناسبة للعمل المؤسّس والممنهج.
__________
(1) - إلاّ القرآن الكريم فقد استمرّ في تفسيره إلى آخر حياته. (1/63)
صفحة 64
لقد ثمّن نور الدّين سوكحال مسلك الشّيخ بيّوض الدّعوي، بهذه الخطّة المحكمة التي تبنّاها في التّدريس من هذه الكتب التي ذكرناها: " ولقد استطاع الشّيخ بيّوض بدروسه في هذه الكتب أنّ يحوّل المسجد في القرارة إلى مركز إشعاع علمي بأتمّ معنى الكلمة، فأصبح المسجد بهذا النّشاط العلمي جامعة مفتوحة،يؤمّها كلّ النّاس." (1)
لأهمّية المطالعة الواسعة، والقراءة المستفيضة في إعداد الدّاعية، يعرض علينا الشّيخ بيّوض تجربته، وطريقه الذي سلكه؛ حتّى تمكّن من تعليم النّاس. ضرب مثلا بتفسيره، وكيف استطاع أن يحرز فيه نجاحا كبيرا؛ ليقدّم من خلاله نصيحة لمن يريد أن يسير في طريق الدّعوة، هذه الإشارة وهذه اللّفتة تدخل ضمن منهجه في الدّعوة. يقول الشّيخ: " وأعزو نجاحي في تفسير القرآن إلى الله تبارك وتعالى، الذي يوفّقني كثيرا، وأعزوه كذلك إلى حصيلتي من العلوم العربيّة، التي اعتنينا بها في معاهدنا، أيّام التّلمذة، وفي مدرستي ( معهد الحياة )، الذي درّست فيه مدّة طويلة العلوم العربيّة، فازددت لها إتقانا. إنّ هذه الذّخيرة في العلوم العربيّة هي النّافعة لي في التّفسير. ومن فقدها يتعثّر، لا يستطيع أن يسلك في الطّريق بيسر...
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 93. ينظر أيضا الدّكتور محمد ناصر، حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي. مكتبة
الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان, سنة: 1410هـ/ 1989م، ص: 20. (1/64)
صفحة 65
فبالنّحو والصّرف والبلاغة خدم أوائلنا القرآن. وهي حقّا أدوات التّفسير، ومن أُوتِيَها وأوتي فهما وذكاء، يستطيع السّير في التّفسير على فرس سابق، لا على حمار أدبر. إنّ تجربتي دلّت على ذلك. وكذلك دراسة الأدب العربي البليغ وحفظ الكثير منه شعرا ونثرا، ممّا يجب على من يريد التّمكّن من العربيّة؛ ليستطيع الوعظ والخطابة وتفسير القرآن. وهذا ما وفّقني الله إليه، فقرأت الكثير من الأدب، وحفظت منه الكثير، سيّما شواهد النّحو والصّرف والبلاغة في الكتب القديمة، التي درسناها على مشايخنا رحمهم الله..." (1)
ما أغلى هذه التّجربة! وما أبدع هذا الإرشاد! وما أحسن أن يفيد المرء ممّن سبقه في الميدان! إنّ ما أشار إليه الشّيخ بيّوض هو ما يجب على كلّ من يسير في ميدان الدّعوة أن بوجّه إليه اهتمامه، إذا أراد أن يشقّ طريقه في العمل بقوّة. فما ذكره الشّيخ يمثّل جزءا من المنهج الذي سار على هديه في عمله. وهو أيضا مندرج في خطّته لتنبيه الشّباب إلى ما يجب عليهم. كلا الأمرين يمثّلان منهج الشّيخ في الدّعوة والإصلاح.
هذه أهمّ العوامل التي ساعدت الشّيخ بيّوض على التّكوّن: اعتناء مشايخه به، وإحضارهم له في مجالسهم الخاصّة وهو صغير؛ لغرض إعداده لقيادة الأمّة، ونوعية الكتب التي دَرَسَها على أساتذته، والتي قرأها وحده، وأهمّ المعارف التي ثقفها. ثمّ أهمّ الكتب التي درَّسها لطلبته ولعامّة النّاس...
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 129، 130. (1/65)
صفحة 66
إنّها أبرز المعالم في طريق التّكوين، يفيد منها من يريد أن يسير في طريق الدّعوة والإصلاح، وهي تندرج ضمن منهج الدّعوة والإصلاح . ركّزنا عليها، وحسبناها داخلة ضمن ما يجب الكشف عنه في الحديث عن منهج الشّيخ بيّوض في الدّعوة والإصلاح؛ لأنّها مهّدت الطّريق للشّيخ كي يقدّم هذا العمل الكبير، وكي يحدث هذا التّغيير العظيم في حياة النّاس، ومن ثمّ فإنّ من يريد السّير في هذا السّيل يجد التّجربة أمامه، ويلفي تفسيرا لكثير من الأسرار في نجاح الشّيخ بيّوض في نشاطه. وهو ما نعرضه في الصّفحات الآتية، بداية من تسجيل بعض الخصائص التي تميّز بها، عسى أن يسهم ذلك في الكشف عن منهجه، الذي كان له علاقة بما كان يملكه من مميّزات خاصة، أنتجت هذا المنهج. فما هي أهمّ هذه الخصائص؟؟
خصائص ومميّزات في شخصيّة الشّيخ بيّوض (1)
__________
(1) - يمكن معرفة هذه الخصائص ممّا كتبه الشّيخ محمد عليّ دبّوز في كنابيه: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3 ، وأعلام الإصلاح في الجزائر
بأجزائه الخمسة. وحديث الشّيخ الإمام، ص: 8 وما بعدها، وص: 83 وما بعدها والمجتمع المسجدي ، ص: 17 وما بعدها, والشّيخ حمّو بن
عمر فخّار، " كان حديثا حسنا، " مناقب القائد المربّي "، ص: 3 – 18. والدّكتور محمد ناصر،" الإمام الشّيخ بيّوض أديبا "، الملتقى الأوّل لفكر
الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض " ص: 128. وتفسير سورة الإسراء، ص: 26. ومحمد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّيخ إبراهيم بيّوض المصلح المربّي،
ص: 24 وما بعدها، ص: 57 وما بعدها، ص: 75 وما بعدها... (1/66)
صفحة 67
إنّ معرفة ما يتميّز به الشّيخ بيّوض من مؤهّلات فطرية، وخصائص مكتسبة، ومميّزات تنطوي عليها شخصيّته، يعين على فهم منطلقات الشّيخ في دعوته، ووعي قواعده في الإصلاح، والوقوف على طبيعة عمله، والكشف عن أهدافه الحقيقيّة. معرفة ذلك يقدّم للدّارس والباحث مفاتيح يفتح بها شخصيّة الشّيخ ليتعرّف عليها بعمق. والأهمّ من كلّ ذلك يضع يده على منهجه؛ ليعرف حقيقة مواقفه ونشاطه وتحرّكاته، وسرّ نجاحه في الدّعوة والإصلاح. ومن ثمّ يمكن للدّاعية أن يفيد من هذه السّيرة والمسيرة والتّجربة :
1 – هو يعمل بدافع الإيمان العميق الثّابت، ويتحرّك بهدي من العمل الصّحيح الرّكين ، ويجاهد بسلاح الكلمة الصّادقة المسؤولة على كلّ موقف يقفه ويتبنّاه، وعلى كلّ تحرّك يقوم به." (1)
2 – عمله ووعظه ودروسه وخطبه ومقالاته، وكلّ توجيهاته ومواقفه نابعة من القرآن الكريم والسّنة النّبويّة الشّريفة وسيرة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وتاريخ الصّحابة والسّلف الصّالح, من دون أن ينسى الاستقاء من الأدب العربي الأصيل، بكلّ فروعه... يربط بين كلّ ذلك وبين القضايا المعاصرة التي يعالجها، بعرضها على هذه المنابع، وبخاصّة القرآن والحديث؛ لهذا جاءت دروسه عالية المعاني، رفيعة الأسلوب، منسجمة مع المقام والنّاس المخاطبين والغاية التي يرمي الوصول إليها. يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " ... إنّ قوّة حفظ الشّيخ بيّوض للقرآن وفهمه، وكثرة محفوظه من الحديث النّبوي، وتاريخ الرّسول والصّحابة والأدب العربي البليغ: شعرا ونثرا، من أكبر أسباب العمق والرّوعة والجمال والجلال، التي تجدها في دروس وعظه وخطبه." (2)
__________
(1) -محمد ناصر بوحجام، الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي, ص: 13.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 88. (1/67)
صفحة 68
3 – يتمتّع بالأصالة في مبادئه، والتّفتّح في أفكاره، والدّعوة إلى التّمسّك بالمقوّمات الحقيقيّة للشّخصية، مع الإفادة من الجديد، والأخذ بالمفيد، من دون المساس بالأصول، والحرص على غرس خلُقُ ِمقت التّعصّب المذهبي والتّمييز الطّائفي.
4 – يعتدّ بنفسه ورأيه، واثقا بما يقول، مقتنعا بالمواقف التي يقفها. يقول الشيخ بيّوض: "...وقد حمّلت في شبابي الباكر وعمري أربعة وعشرون عاما فقط أثقل وظيفة في العزّابة حمّلت أعباء الإصلاح في هذا البلد. وأقول لا فخرا ولا تعاظما إنّني قبلت مشيخة المسجد وقيادة الإصلاح لأنّني لم أجد من يستطيع أن يقوم مقامي في هذين الثّغرين الخطيرين. وإلى الآن لا أجد من يرفع عنّي هذه الأعباء. وأملي الوحيد أن أجد من غرسي شبابا في المستقبل يكونون أنبغ منّي وأبرع، يسدّون هذه الثّغور الكبرى." (1)
إنّ هذا الشّعور نابع من إيمانه بالمبادئ التي ينطلق منها، أو يصدر عنها، ورسوخ قدمه في المعارف المختلفة، وقوّة تأمّله فيما يعرض أمامه، وحسن تقدير لما يقوم به، وبعد نظره إلى المستقبل، ونفاذ بصيرته في الأمور، وحدّة ذكائه، ورهافة حسّه، المنبعث من شعوره بالمسؤولية، وإيمانه بواجب العمل، و خوض التّجارب من أجل الإصلاح والتّغيير...فإنّ المصلح أو الدّاعية كما يقول محمد محمود عبد الله:" المثقّف ثقافة عالية في شتّى مجالات العلوم، وما يخصّ الدّنيا والدّين، يكون متمكّنا من إجابته، مقنعا للسّائل، ويقف على أرض صلبة، فإنّ الثّقة من النّفس منبعها القوّة العلميّة، وبالتّالي يتبعها قوّة الشّخصية التي هي دعامة التّأثير في المدعوّين؛ فتتحقّق الفائدة التي ينشدها الدّاعية، وهي القيمة أو المحصّلة المرجوّة من الدّعوة. وهي الهداية والإرشاد والإصلاح والتّقويم، يساوي مجتمعا إسلاميّا سعيدا." (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 249.
(2) - كيف تكون داعيا ناجحا. ص: 35. (1/68)
صفحة 69
في الحقيقة إنّ هذه الأمور قد تبدو للإنسان البسيط السّاذج غيرَ طبيعية، وقد يفسّرها تفسيرات خاطئة، ويعطي لها أبعادا سلبيّة؛ لأنّ ظاهرها يوحي بأنّها منافية للفطرة، ومتناقضة مع الأخلاق الإسلاميّة.
لكنّ الإنسان الذي يدرك دقّة عمل الدّاعية، وخطر نشاط المصلح، وطبيعة الدّعوة، وحقيقة الإصلاح وعلاقتهما بالظّروف، التي يتحرّك فيها الدّاعية والمصلح، والفئات التي يتعاملان معها، يدرك صواب ما كان يعتقده الشّيخ بيّوض الدّاعية المصلح، ويعي ويفهم أنّ صلاح الأمور لا يمكن أن يحصل إلاّ بفضل تلك الميزة؛ فإنّ ذلك يعطي العامل في هذا المجال الفرصة كي يُقْدِمَ ويتحرَّك, ويدفع عجلة التّغيير والتّطوير إلى الأمام. فإنّ النّاس ليسوا كلّهم في مستوى واحد من الإدراك والوعي والإخلاص وحسن التّخطيط. فهناك من النّاس من تسكت عنادَه وحردَه الأعمالُ المنجزةُ، وآخرون تقنعهم بصحّة ما يقوم به الدّاعية الحقائقُ على الأرض، وآخرون يزيل جهلَهم بالأمور اطّلاعُهم على ما ينجزه هؤلاء الدّعاة والمصلحون، أي يكون الزّمان كفيلا بتذليل الصّعوبات، وإزالة العقبات أمام سوء فهم النّاس لعمل الدّاعية والمصلح. وفي عمل الشّيخ ومواقفه أدلّة على ذلك. بعضها نقرؤها في هذه الصّفحات التي نحن في صدد تحريرها. (1/69)
صفحة 70
5 – حريص على تتبّع الأحداث وتطوّرها، وما يدور في العالم، بداية من محيطه الصّغير إلى العالم الكبير، يتتبّعها عن كثب، أو من خلال وسائل الإعلام المختلفة: المسموعة والمقروءة بخاصّة، أو بواسطة المراسلات، التي تتمّ مع إخوانه وزملائه وأبنائه... وبذلك كان يعيش عصره، وظلّ وفيّا له, وهو ما مكّنه من معرفة الواقع معرفة جيّدة، ومن ثمّ كان واقعيّا في المعالجة. قال سلمان بن فهد العودة " ...لابدّ أن يكون للدّاعية نافذة على الواقع، يدرك من خلالها أهمّ الأحداث المحيطة به, ويستطيع أن يكون مرشدا للنّاس إلى السّلوك الصّحيح حيالها." (1)
6 - يتمتّع بطول باع في الشّريعة الإسلاميّة، وبقدم راسخة في كثير من العلوم والمعارف. وقد اكتسب ذلك من كثرة قراءاته، ومطالعاته الدّائمة في الكتب والصّحف، وكثيرا ممّا ينزل الميدان من جديد. وهو بذلك يجدّد حياته، ويطوّر معارفه، ويواكب الحياة المتجدّدة المتغيّرة، التي تلفظ المتأخّر والمتخلّف عن مسايرتها، وغير المستعدّ لمواكبها بمعارفه المتجدّدة، وغير القادر على تلبية ما تفرزه من جديد في الأحداث والمواقف والأمور... يقول محمود محمد عمارة عن الخطيب، وهو داعية في عمله: " فإذا لم يجدّد الخطيب حياته بزاد متجدّد من المعرفة، يواكب به الحياة المتغيّرة، فسوف يكرّر نفسه دائما، ولن يحسّ النّاس بحاجة إليه، وبالتّالي سينصرفون عنه إلى غيره، ممّن يقدّرون الوظيقة قدرها." (2) هذا ما كان يتميّز به الشّيخ بيّوض: الاستزادة من المعارف، وتجديد نفسه بالمطالعة المستمرّة.
__________
(1) - سلمان ين فهد العودة، من أخلاق الدّاعية، ص: 65.
(2) - الخطابة في موكب الدّعوة،ص: 92. (1/70)
صفحة 71
7 – يتمتّع باليقين في نصر الله، وتوفيقه في الأعمال التي يقوم بها. إنّ هذا ديدن المؤمن وعقيدته، التي تمنحه دفعا قويّا لمواصلة السّير في درب الإصلاح، ومتابعة مسيرة الدّعوة، ويبعث فيه الثّقة. وهو ما يجب أن يكون عليه المصلح والدّاعية؛ فيقدم ولا يحجم، يصبر ولا يتجهّم, يقبل ولا يدبر، يأمل ولا يضجر, ما دام يعلم أنّه مخلص في عمله، صادق في قوله. قال الشّيخ بيّوض، وهو يوجّه خطابه إلى إخوانه المصلحين ورفقائه العاملين وأبنائه المجتهدين: " أنا دائما – والحمد لله – مطمئنّ القلب، متفائل بالمستقبل، واثق بحسن العاقبة. نصبر للظّالم، ونعرض عن الجاهل، حتّى نصل الغاية المطلوبة بإذن الله. هذا هو الطّريق الذي أسير فيه وألتزمه. أدعوكم إلى سلوكه معي. لا تسبّوا أحدا خالفكم، ولا تظلموا شخصا عارضكم، ولا تضجروا ولا تقلقوا، والله يعينكم وينصركم." (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 120. (1/71)
صفحة 72
قال أيضا: " إنّني أعلم ما انطوت عليه نفسي من إخلاص وصدق، وما أسأت قطّ ظنّا بربّي، ولا بنفسي. إنّني أعمل لإنهاض أمّتي لإخراجها من الظّلمات إلى النّور، وأوقن كلّ اليقين أنّ عملي لا يضيع، وأنّ ربِّي سيعلّم جاهلهم، ويرشد ضالّهم، وينير الطّريق للمحتارين. وهذا ظنّنا بالله يتحقّق، وهانحن نجني ثمار سعينا والحمد لله... فلم يبق بعد اليوم إلاّ مضاعفة العمل الجدّي في خدمة أمّتنا المنكوبة البائسة، إنّها أمّة كريمة منجب، ففي كلّ عصر تنجب أجيالا صالحة، كهذه التي أرى أمامي الآن، وقادة وأبطالا مخلصين، يرفعون لواء الجهاد والعمل لله. إنّها لن تموت وهؤلاء الذين أراهم أمامي ، هذه الجموع المثقّفة العاملة أبناؤها، ولن تهتك حرمة عرين هؤلاء أشباله، ولن تنكس راية، هؤلاء حماتها، لن ينال العدوّ منّا ما يريد، ولنا أمثال هؤلاء الجنود المدجّجين بالعلم الصّحيح، والخلق الإسلامي العظيم، والفكر النّاضج، والتّدبير المحكم إن شاء الله." (1)
بهذه الرّوح، وبهذا الإيمان، وبهذا اليقين بالله ونصره، والثّقة بالنّفس كان الشّيخ بيّوض يتلقّى الصّدمات، ويتجاوز المضايقات، التي كان يتعرّض لها في جهاده، يتلقّاها بقلب المؤمن التّقيّ المطمئنّ، الذي يوقن بنصر الله، الذي كتبه لعباده العاملين المخلصين: { إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد } (2) ويعرف أنّ الدّائرة تكون على الظّالمين، والعاقبة للمتّقين، فيستمرّ في عمله، وهو الدّعوة إلى الله، وإصلاح المجتمع، دأب المصلحين العاملين، والدّعاة المجاهدين، وشأن المؤمنين برسالتهم...
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 114، 115.
(2) - سورة غافر، الآية: 51. (1/72)
صفحة 73
8 – يتميّز بالصّلابة في المبادئ والتّمسّك الشّديد بالأصول، مع المرونة في العمل والدّبلوماسية في التّحرّك، واللّيونة في المعاملة (1) بعد فهم روح الشّريعة، ووعي مقاصدها. ينأى عن الجمود على حرفيّة النّصّ، بل كان يحرص على تطبيق الرّوح التي يحملها الأثر، مستصحبا قاعدة: يسّروا ولا تعسّروا، بشّروا ولا تنفّروا.
من ذلك توخّي الواقعيّة في تطبيق شرع الله، من دون المساس بجوهر الدّين، والتزام الأسلوب الأنسب، والطّريق الأليق في الدّعوة والإصلاح. ومن ذلك اختيار مناسبة الإعلان عن آرائه وأفكاره: زمانا ومكانا وفئات... وتصيّد الفرص المناسبة لنشر الدّعوة، والقيام بالإصلاح. وهو ما يدخل في مفهوم التّدرّج في الدّعوة.
__________
(1) - ينظر مثلا ما أخذه على الجامدين وسلوكهم الذي لا يحمل روح الإسلام، ولا يخدمه، بل يضرّ به ؛ بسبب عدم استعمال أسلوب اللّيونة والمرونة
لأخذ الحقّ، وتنفيذ المخطّطات, ينظر نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 199، 200. وهو القائل: " إنّ التّحجّر والجمود لا يدفعان
خطرا، وإنّ تجاهل الخطر الواقع لا يردّ بلاءه، ولا يصيّره غير واقع. إنّه سيل عارم لا نستطيع مجابهته، ولكنّنا نستطيع أن نداريه، وأن نصرفه أحسن
تصريف بحذق ومهارة وبراعة، إذا شعرنا به، وأعددنا له عدّته، فننتفع بخيره، ولا نصاب بشرّه، وتستضيء بنوره، ولا تحترق بناره. " المصدرالسّابق،
ص: 199. (1/73)
صفحة 74
من ذلك المهارة والحذق في مواجهة العواصف، وصدّ النّكبات وردّ المكائد. قال محمد سعيد (كعباش ) عن الشّيخ بيّوض: " شامَ – رحمه الله – في الأفق بوادر عاصفة هوجاء، تنذر بكسر أغصانها وفروعها، ولربّما تمادت في الثّورة والهيجان لتستأصلها من جذورها، فكان من همّه المكين وواجبه الأكيد أن يعرف كيف يواجه تلك العاصفة، حتّى يكسر من حدّتها في مرونة ودهاء، يتصرّف في مساعيه تصرّف الحاذق اللّبيب، ويترفّق في أحاديثه كأحسن ما يجب أن يكون عليه الخطيب." (1)
9 – يتميّز بالجرأة في قول الحقّ والإعلان عن مواقفه، والجهر برأيه، ومحاربة كلّ ما يخالف الشّرع والطّبع، فهو لا يتأخّر عن محاربة البدع، ومناهضة الفساد، بكلّ أنواعه: الدّيني، الاجتماعي، الثّقافي، السّياسي...يرسل قوارعه على المفسدين، ويشنّع بأعمالهم إذا اقتضى الأمر، بعد اتّباع جميع طرق الإقناع والتّوجيه والإرشاد، وإشهار سلاح البراءة في آخر المطاف، لا يخاف لومة لائم. لا يتأخّر عن الإصداع بالحقّ مهما يكلّفه من ثمن، إذا كان ذلك محسوبا في باب الجهاد والنّضال والدّعوة والإصلاح في سيبل إعلاء كلمة الله، وتعليم الأمّة، وتوحيد كلمتها، والتّأليف بين قلوبها، والتّغيير نحو الأحسن...كتشنيعه (وهو شاب صغير ) على العزّابة وقد حضروا عرسا ارتكبت فيه مناكر.حصل ذلك سنة 1918م. وكان صاحب العرس أحد أخواله. (2)
10 – يربط بين الفكر والعمل. قال نور الدّين سوكحال: " إنّ الشّيخ بيّوض جمع في عمله الإصلاحي بين الفكر والعمل، فقد كان عالما بالدّين: عقيدة وشريعة، ملتزما بمقتضيات هذا العلم في فكره وسلوكه, لكنّه لم يكتفِ بذلك، بل سعى ليجعل من هذا العلم واقعا في حياة مجتمعه، في ثقافته واجتماعه واقتصاده وسياسته, وكان يرى هذا المسعى واجبا دينيّا يأثم يتركه.
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 83، 84.
(2) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 181. (1/74)
صفحة 75
هذا الرّبط بين الفكر والعمل يمثّل درجة عالية من الوعي، بلغها الشّيخ بيّوض، وقصر عنها الكثير من العلماء، ممّن اكتفوا بالتّبحّر في علوم الشّريعة، دون أن يكون لعلمهم أثر اجتماعي يذكر، إلاّ مساهمات محدودة في تصحيح بعض التّصوّرات." (1)
إنّ الرّبط بين الفكر والعمل، أو بين التّنظير والواقع الذي تطبّق فيه هذه النّظريات أو الآراء مهمّ جدّا؛ لأنّه يدعو الدّاعية إلى أن يدرس الواقع، ويقترح لتغييره أو إقرار ما فيه بعد معايشته، ودراسته دراسة عن قرب. يقول سلمان بن فهد العودة: " إنّ المسلم قيّم على عصره، وشاهد عليه، فهو يعيش هموم المجتمع، ويدرك تيّارات الفكر واتّجاهات السّياسة، ويحرص على إيجاد الحلول الصّحيحة للوقائع الجديدة، وعلى مقاومة الانحرافات، بعد معرفة وإدراك جذورها, ولن يستطيع نقض مناهج الفكر الغربي من لا يعي جذورها وظروفها ومنطلقاتها. " (2)
11 – يتميز بإرادة التّغيير مع مراعاة المحافظة على الوحدة.
إنّ هذه المميّزات وغيرها التي لم نذكرها، تبيّن بجلاء، وتكشف بوضوح عن شخصية الشّيخ بيّوض، وتُبِينُ عن حقيقة عمله في حقل الدّعوة وميدان الإصلاح، وتقدّم صورة ناصعة عن دوره في العمل للتّمكين لدين الله في الأرض، وتبرز جهوده في إصلاح المجتمع وتطويره، وحمايته من التّردّي والانحراف عن شرع الله.
سرد هذه المقوّمات يسهم في معرفة منهج الشّيخ بيّوض في عمله وجهاده، ويعين الدّاعية والمصلح على اكتساب الخبرة في العمل الدّعوي؛ لأنّ هذه المعرفة مستقاة من الواقع ومن الميدان. لذا حرصنا على تقديم بعض هذه الخصائص والمميّزات؛ لمساعدة العاملين على ترشيد عملهم، ووضع الضّوابط لتحرّكاتهم ونشاطهم، والتّحلّي بالواقعيّة والمنطقيّة في كلّ ذلك.
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 190.
(2) - من أخلاق الدّاعية، ص: 64، 65. (1/75)
صفحة 76
هذه الخصائص أو المقوّمات، التي أكسبت الشّيخ بيّوض نجاحا كبيرا، معظمها هو ما يشترط في الدّاعية والمصلح . (1) هذه المقوّمات جعلت من الشّيخ بيّوض أهمّ شخصيّة إصلاحيّة – حسب نظري – في العصر الحديث، استطاعت التّأثير في المحيط الذي تتحرّك فيه، وفي كثير ممّن له صله به: منْزَعا أو مذهبا،أو نسبا أو بيئة...وفي كثير ممّن احتكّ به، أو اتّصل به بسبب أو وسيلة... لا يصل إلى مرتبته أيّ عالم أو مصلح أو داعية، وربمّا أقول لا يقربه أيّ مصلح في العصر الحديث. نقف على هذه الحقيقة، ونصل إلى هذه النّتيجة حين نتأمّل في هذه المقوّمات وما أنتجته في الميدان، ونقارنها بغيرها ممّا أفرزه عمل غيره في الواقع. بداية من معرفة منطلقات الشّيخ بيّوض في عمله، وسرد اهتماماته، وذكر الأولويات التي سطّرها في برنامج عمله. وهو ما نتناوله في المبحث الآتي.
منطلقات الشّيخ بيّوض وأولوياته في عمله
إنّ الشّيخ بيّوض وضع في حسبانه، وهو يمارس عمله الدّعوي والإصلاحي أساسيات وأولويات، انطلق إلى تحقيقها بتخطيط منهج محكم. فكان يصدر في عمله، ويكيّف نشاطه بما يضمن تجسيد هذه الأساسيات في الواقع. هذه الأولويات التي حرص على أن تؤسّس لعمله، كانت نابعة من دراسته للواقع، الذي يعيشه المجتمع، الذي يتحرّك فيه، وما يبديه هذا المجتمع من سلوك،وما يحمله من أفكار معيّنة، وعلاقة هذه الأفكار بالدّين: إيجابا وسلبا، وطبيعة هؤلاء الذين سيخاطبهم، وما يكتنف هذه البيئة من ظروف خاصّة، وملابسات معيّنة.
__________
(1) - ينظر " مقوّمات الدّاعي " كتاب: كيف تكون داعيا ناجحا، ص: 34 - 36. و " خصائص الدّاعية ومؤهّلاته عند اللغزالي " الشّبخ الغزالي كما عرفته، ص: 87 – 108. (1/76)
صفحة 77
هذه الأساسيات تنسجم مع أهدافه المرسومة مسبقا، التي كان يخطّط لتحقيقها، قال الشّيخ: " إنّني أعمل لإنهاض أمّتي لإخراجها من الظّلمات إلى النّور." (1) وقال: " إنّ غرضنا أن ننشئ لهذه الأمّة في طورها الجديد جيلا كامل العدّة والنّضال والكفاح في شتّى الميادين، فيحدث في الأمّة انقلابا كبيرا، ويدفع بها في خطوات واسعة إلى مطمحها الأسمى." (2) وقال: " وظيفتي غسل العار عن الأمّة،وتطهيرها من أدناسها بشباب صالح، مثقّف بالثّقافة الصّحيحة،أكفاء لكلّ ما يسند إليهم..." (3)
كشف الشّيخ بيّوض عن عمله وعن إصلاحه الشّامل في أوّ ل درس ألقاه في مسجد القرارة، بعد تولِّيه مشيخة المسجد: " ...كان أوّل درس للوعظ ألقاه الشّيخ بيّوض في مسجد القرارة الحاشد، فدعا فيه إلى إنشاء الشّركات الإسلامية لتعمير الوطن، وإلى التّعليم العصري العربي والفرنسي، وتولّي الوظائف الحكومية لمنفعة المسلمين، قد وقع في عام 1924م، بعد توليته مشيخة مسجد القرارة بشهور، وكان هذا الدّرس في ليلة عاشوراء، أو المولد النّبوي..." (4)
__________
(1) - أعلام الإصلاح قي الجزائر، ج4، ص: 114.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة ج3، ص: 197.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 106.
(4) - محمد عليّ دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج5, ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، سنة 1982م ، ص: 61. (1/77)
صفحة 78
إنّ الشّيخ بهذا يفصح عن طبيعة عمله، الذي يكون شاملا لكلّ الميادين، ومنطلقا من الحاجة التي يتطلّبها المجتمع. وهو حين وضع قدمه في هذا الطّريق الشّاقّ الطّويل، وحين أقحم نفسه في معترك هذه الحياة النّضاليّة، كان قد وضع نصب عينيه هدفا أساسيّا واحدا، هو تحرير البلاد من كلّ ما يمسّها في أصالتها ومقوّماتها، وما ينالها في جوهرها، فكانت كلّ الأساليب المقترحة، والخطط المتبنّاة، والهياكل المهيّأة...كانت كلّها مسخّرة لعمل وطنيّ عام شامل ومتواصل؛ لتحقيق الغاية المنشودة السّامية (1) وهي الرّقيّ بالمجتمع إلى سماء التّقدّم، وفضاء الازدهار، والخروج به من مجال التّيه ونفق الظّلام إلى ميدان الاستقرار وطريق الضّياء. لهذا قال لرفقائه في سبيل الإصلاح والسّائرين في طريق الدّعوة: " ...نحتاج إلى الرّأي السّديد، والعزيمة الصّادقة، والإرادة القويّة، والسّير المتواصل في الدّاخل والخارج ، في سكون وسرّ..." (2)
أدرك الشّيخ بيّوض منذ البداية أنّ ما يواجهه في حياته العمليّة من صعوبات، ومن مشاكل، كانت تصدر ممّن يحمل عقليّة، أعماها ظلام الجهل والأميّة، وتتسبّب فيها قيادات ضعيفة وغير مثقّفة؛ ممّا أفرز مفهومات خاطئة في الدّين، وتصوّرات غير صحيحة للحياة. قال إبراهيم الحاج أيّوب: " وكان الشّعب الذي نشأ فيه أستاذنا في مجموعه أميّا، لا يتعلّم أبناؤه إلاّ سورا من القرآن في المحاضر المتّصلة بالمساجد، ولكنّ هذا الشّعب كان إلى ذلك متديّنا حقّا، وملتزما بالأوامر والنّواهي، غير أنّه فهم الإسلام فهما سطحيّا، وغير سليم في كثير من الأوقات." (3)
__________
(1) - ينظر الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 85، 86.
(2) -أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 78.
(3) - في رحاب القرآن، ص: 140. (1/78)
صفحة 79
لهذا كان من أولويات عمله، ومن منهجيّة تحرّكه تغيير المفهومات، وتعديل التّصوّرات. قال نور الدّين سوكحال: " وقد أدرك الشّيخ بيّوض أنّه إذا أريد لحركة الإصلاح أن تنجح في مساعيها، فيجب أن تبدأ أوّلا بتغيير المفاهيم والتّصوّرات، وإصلاح المعتقدات الفاسدة، التي توجّه سيكولوجيّة المجتمع وقواه النّفسيّة, وتؤطّر سلوكاته, قبل التّطرّق بالإصلاح للجوانب الأخرى من النّظم الاجتماعيّة، والجوانب الماديّة لحياة المجتمع. فالمشكلة – في نظر الشّيخ بيّوض- في أساسها مشكلة فكريّة." (1) لذلك فإنّ حركته، كما يؤكّد أحد تلاميذه، الأستاذ الحاج أيّوب إبراهيم ( القرادي ): " كانت تهدف أساسا إلى تغيبر المفاهيم وتصحيح التّصوّرات، بدون أن يمسّ الأنظمة، وبدون أن يضعف نفوذ المساجد. ومن هنا كانت صعوبة مهمّته، تحتاج إلى صبر وأناة وثبات ومعاناة " (2)
إنّ الشّيخ بيّوض كان يؤمن إيمانا راسخا بضرورة التّغيير، ووجوب التّطوير، وأن يكمل اللاّحق ما بدأه السّابق؛ لأنّ في ذلك استجابة للفطرة، ومواكبة لسيرورة الحياة، التي لا تتوقّف. فبعد أن اعترف لمن سبقوه بالعمل والتّطوير والتّجديد، خاطبهم بأنّ ما قمتم به يحتاج إلى تطوير أيضا؛ مواصلة لجهودكم، وحفاظا على مكاسبكم: " قد عملتم ونحن في أصلاب آبائنا، ومهّدتم لنا السّبيل، وفتحتم لنا الأبواب، وأخذتم بأيدينا. إنّ سعادتكم اليوم أن تروا أبناءكم يقفون خطاكم في طريق الإصلاح، ويرفعون ما بنيتم. لقد أخذنا أمانة الإصلاح من أيديكم، فيجب أن نبلّغها أبناءنا أحسن ممّا أخذناها، وإلاّ كنّا عاقّين لآبائنا. " (3)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 63.
(2) - في رحاب القرآن، ص: 141.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 78. (1/79)
صفحة 80
إنّ الشّيخ بيّوض يحاول دائما تصحيح التّصوّرات؛ لأنّه اقتنع قناعة لا تشوبها شائبة أنّ مشكلته مع خصومه، ومعارضي إصلاحه، ومنكري عمله هي علّة في العقل، وقصور في التّصوّر، وضعف في الإدراك ... ولهذا قال موضّحا: "... طريقتنا الدّعوة إلى الله بالتي هي أحسن، إلى العلم الصّحيح، والإيمان الصّادق. والعلم والإيمان توأمان لا يتنافيان، ليس بين العلم الصّحيح والإيمان الصّحيح عداوة أبدا، نحن دعاة إلى هذين العنصرين، أعداء للإيمان الخرافي والعلم الفاسد، إن صحّ تسميتهما إيمانا وعلما..." (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 72، 73. (1/80)
صفحة 81
إنّ منهج الشّيخ بيّوض يقوم على التّغيير الجذريّ الشّامل، الذي يوطّد الحياة السّعيدة، والاستقرار؛ هو يحرص دوما على إزالة الأسباب التي تؤدّي إلى التّخلّف. (1) لقد لقي صعوبات جمّة في سبيل تطبيق منهجه، من هنا وجدناه يسلك أسلوب الأولويات في عمله. ممّا يؤكّد على أنّ تلك العقبات كانت السّبب في عرقلة النّهضة والسّير الحسن في وادي ميزاب، المنطقة التي كان يعيش فيها وينشط، وهو ما استلزم مضاعفة الجهد، ووضع خطّة محكمة لتنظيم العمل ووضع الأقدام في الطّريق الصّحيح. من ذلك تقديم الأولويات، ووضع أساسيات في العمل، قال الشّيخ بيّوض: " سار النّاس في هذه المدّة الطّويلة بخطوات مريضة عرجاء مقيّدة، فلو كانوا أحرارا لكان وادي ميزاب اليوم على غير ما هو عليه. يجب أن نعمل بجدّ حتّى نستدرك ما فاتنا، يجب مضاعفة السّير حتّى نطوي في مرحلة واحدة ما كنّا نسيره في مراحل. يجب وضع الخطط لإنشاء الجمعيات والمدارس والنّوادي، ويجب تغذيتها بالأموال والتّعاون المخلص والسّير الحثيث، إنّ سيل الإصلاح - والحمد لله – يندفع اندفاعا، وقد عمّ البلاد والقرى، وهو في سير مطّرد، حتّى يبلغ غايته، لم تبقَ اليوم مخاوف ولا حواجز، ولا مراعاة ظروف ولا خواطر. نحتاج إلى شيء من الشّجاعة مع حسن التّدبير، أمّا الأوهام والمخاوف، فيجب تصفية العقول منها( وأقدم إذا حقّ اللّقاء في الأوّل." (2)
__________
(1) - ينظر الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 66.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 77، 78. (1/81)
صفحة 82
واضح من هذا النّصّ عزم الشّيخ بيّوض على المضيّ في طريق الإصلاح بعزيمة وإرادة، والإصرار على حلّ المشاكل، وتحدّي الصّعوبات، مع مراعاة التّخطيط لهذا التّحرّك، وتنظيم السّير بإيجاد هياكل ينتظم فيها العمل. من جملة التّخطيط المحكم والتّدبير الأسلم معرفة الواقع، والوقوف على مواطن الخلل فيه، وتسجيل مواضع النّقص فيه، ووعي طبيعة هذا الخلل والنّقص، ثمّ البدء بإزالتهما بالطّرق السّليمة والمنهج المحكم؛ حتّى تكون الانطلاقة في التّغيير مؤسّسة على قواعد ثابتة. قال نور الدّين سوكحال: " إنّ منهج الإصلاح في أيّ حركة تهدف إلى تغيير واقع معيّن أو إصلاحه يتحدّد نتيجة لفهم الواقع المراد تغييره، بمعرفة مواطن الخلل فيه ومواطن الصّحة. وكلّما كان هذا الفهم مبنيّا على أسس من الموضوعية والدّقّة والوضوح كلّما كانت الحركة أكثر نجاحا في محاولاتها الإصلاحيّة أو التّغييريّة." (1)
__________
(1) -الشيخ إبراهبم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 28. (1/82)
صفحة 83
هذا الذي سجّله الباحث هو ما فعله الشّيخ بيّوض، وهو يشرع في عمله الإصلاحي. فقد درس الواقع الذي ساد المجتمع الجزائري دراسة معمّقة، مكّنته من معرفة مواقع الزّلل،ومواطن الخلل وطبيعتهما، ثمّ قام بمعالجتهما بما يليق من أساليب ووسائل، أسهمت في حسن التّغيير (1) وقد اتّخذ قوله تعالى: { ... إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم... } (2) قاعدة يصدر عنها في عمله الإصلاحي والدّعوي – كغيره من المصلحين – إذ هي الكفيلة – إذا اعتمدها كلّ من أراد تغيير الواقع إلى الأحسن – بتصحيح الخطأ، وإصلاح الخلل، وإزالة الزّلل، وتقويم المعوجّ، وإبعاد ما يعيق السّير الصّحيح. يقول محمد عليّ دبّوز عن هذه القاعدة: " هي دستور حزب الإصلاح في العمل، تغيير نفس الأمّة، بالقضاء على الفساد فيها، فَنُحلّ شدّة التّمسّك بالدّين مكان التّهاون به، وننشر العلم الصّحيح في الأمّة، فيُقضَى على جهلها, والخلق الإسلامي العظيم، فيُقضَى على الانحراف، فتتجدّد الأمّة، وتتغيّر نفوسها من ضعف وانحراف إلى قوّة وصلاح، فيحقّق الله كلّ أعمالها، ويرفع عنها الشّقاء، ويسعدها في الدّنيا، وفي الآخرة. هذا ما يعمل له حزب الإصلاح، ويجاهد فيه، إصلاح الأمّة، بالقضاء على كلّ أنواع الفساد والضّعف فيها." (3)
__________
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 28 – 62.
(2) - سورة الرّعد, الآية: 11.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 147، 148. (1/83)
صفحة 84
إنّ رسالة الدّاعية والمصلح الأولى هي التّغيير نحو الأحسن، والأولوية في هذا التّغير تتّجه نحو النّفس الإنسانيّة. فيها يجاهد المجاهدون، ويبلي الدّعاة البلاء الحسن, ويرابط المصلحون الرّباط الكبير. قيل: " ليست المشكلة في وصف الواقع وحسن تصويره، ولكنّ البراعة في تغييره إلى أفضل... فالأساس إذن هو تغيير النّفس الإنسانيّة، وعن طريقها تتمّ حركة تغيير المجتمعات، ومن ثمّ يتغيّر التّاريخ." (1) هذا الذي كان الشّيخ بيّوض يعنى به، ويجعله من أولويات عمله، بل الأساس في جهاده وإصلاحه.
كما كان الشّيخ بيّوض ينتقد الذين يتصدّون لقيادة الأمّة، ولا يكون لهم انّصال مباشر مستمرّ بالجماهير، يرى أنّ ذلك لا يؤدي إلاّ إلى الفشل والخيبة في ميدان الإصلاح؛ لأنّ أولئك تكون ثقافتهم نظريّة، لا صلة لها بالواقع المعيش، ومن ثمّ تكون معالجتهم للأمور غير واقعيّة، وتصدّيهم للتّغيير يكون غير مؤسّس، يخسرون ويخسر معهم المجتمع. قال الشّيخ: " يجلس كثير من النّاس الذين يدّعون الثّقافة تحت الجدران، لا يطلّعون على حوادث العالم وتقلّباته، ثمّ يتصدّرون لقيادة الأمّة، ويزعمون أنّهم يستطيعون إصلاحها. لا والله، هؤلاء خاملون، ذوو نظر قصير، ونفوس ضعيفة، لا يليقون للقيادة والإصلاح." (2)
__________
(1) - عبد البديع صقر، كيف ندعو النّاس، ص: 9.
(2) - أعلام الإ صلاح في الجزائر، ج4، ص: 102. (1/84)
صفحة 85
يرى الدّكتور محمود محمد عمارة أنّ هؤلاء من الصّنف الهاربين من الواقع المشاهد، الذين لا ينجحون في عملهم، ولا يفيدون الأمّة في شيء: " ...والخطباء الهاربون من واقع مشاهد، واقع يفجّر أسئلة في عقول النّاس، باحثة عن أجوبة مقنعة، ولا تهدأ حتّى تصل إلى قرار. هؤلاء الخطباء يديرون معاركهم الكلاميّة على صفحات الكتب، ولا يحقّقون نصرا إلاّ في أدمغتهم فقط، أمّا النّاس فهم في واد آخر، مشغولين بقضاياهم الملحّة، وأرضهم البكر التي لم يرتدها داعية ذكيّ جسور." (1)
من الأوليات التي رعاها الشّيخ بيّوض اهتماما كبيرا بيانه حقيقة الإصلاح الذي يقوده ويتبنّاه، وطبيعة العمل الذي يقوم به, ومن خلال تلك التّصريحات كان يكشف عن جوهر التّغيير الذي كان يهدف إليه. كان يجهد نفسه لتوضيح الرّؤية للشّاكين والمرتابين في عمله، ومن جهة أخرى كان يحرص على زرع الثّقة والقناعة في نفوس من يعمل معه, وبعث الأمل في قلوب من يدعوهم ويخاطبهم، ويناضل من أجل إصلاح أحوالهم، وتغيير مجرى حياتهم نحو الأحسن.
__________
(1) - الخطابة في موكب الدّعوة، ص: 122، 123. (1/85)
صفحة 86
هذه التّصريحات تندرج – في الحقيقة – في استراتيجية عمله، ومنهجيّة دعوته وإصلاحه. قال: " اليوم عرف خاصّة النّاس وعامّتهم، وعرفت الحكومة أنّ حزب الإصلاح كاسمه: إصلاح بأتمّ معنى الكلمة، لم يؤسّس إلاّ لإصلاح الأمّة، لإزالة الفساد المنتشر في الأمّة، يدعو إلى إنهاض الوطن بالعلم الصّحيح والعقل الكامل، والخلق العظيم، يدعو إلى تثقيف الشّباب وتهذيبه؛ لأنّ الشّباب هو مصدر القوّة والنّشاط والنّهوض، يدعو إلى توحيد الأمّة وإصلاح ذات البين، يمدّ يده إلى كلّ من يسير معه، وينضوي تحت لوائه، يدعو إلى حسن التّفاهم بين الحكّام والمحكومين، وبين جميع الطّوائف...حتّى جنينا ثمرة سعينا، وحمدنا غبّ سرانا. اليوم قد آمن الكافر، وصدّق المرتاب، وزالت الشّكوك والرّيب، فبدا وجه الإصلاح صافيا، لا ينطوي على دغل. الإصلاح كاسمه إصلاح لا غير." (1)
توضيح الرّؤى، وإزالة الشّكوك، والإفصاح عن الثّمار المجنيّة، والنّتائج المسجّلة، وإطلاع الرّأي العام على خطوات المسيرة... شيء مهمّ في مسيرة أيّة حركة، وأيّ منهج. إنّ ذلك يطمئن القلوب، ويمنح الفرصة للمرتاب كي يزيل رَيْبَهُ عمّا يبدو له ادّعاء ممّن يعلن أنّه يعمل وينشط. إنّ هذا داخل في منهجيّة التّحرّك واستراتيجيّة العمل.
هذا ما كان يكرّره الشّيخ بيّوض في مناسبات عديدة: " وأرجو أن يفهم بأعمالنا ودروسنا حقيقة الإصلاح، وما ندعو إليه من لم يفهم، ويهتدي الضّال. فلنأخذ بيد الضّال ولنفهمه بالحسنى، ولنعمل لتوحيد الأمّة بمثل هذه الاجتماعات وهذه الدّروس، ولنواظب على العمل، ولنصبر ولنحتمل؛ فبالصّبر والاحتمال وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وسنصل إلى أكثر من هذا بحول الله، سيفهم من لم يفهم، سينضمّ إلى العاملين لرفع كلمة الله، وفتح المدارس ومعاهد العلم لخدمة كتاب الله، وإحياء السّنن، وإطفاء البدع المضرّة..." (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 71.
(2) - المصدر السّابق، ص: 120. (1/86)
صفحة 87
هكذا كان اهتمامه في بداية جهاده ودعونه ودوما، التّركيز على توضيح حقيقة الإصلاح ومفهومه في عقول النّاس؛ لأنّ بعضهم لم يفهم ذلك، فعارضوه؛ تعنّتا أو جهلا، أو مغالطة، فكان لزاما بذل الجهد لتركيز حقيقته في النّفوس والعقول؛ لتذليل كثير من العقبات، وإزالة الحواجز، التي تعترض طريق دعوته وإصلاحه؛ لأنّ عمله كلّه إصلاح. (1) هذا منهج قويم، وخطوة سديدة في طريق العمل المخطّط، والتّحرّك المدروس، والبناء المؤسّس: توضيح الرّؤى، وتحديد المفهومات، وإزالة الغموض، وهو داخل في خطّة بناء الأساس.
بما أنّ المشكلة الرّئيسة التي يعانيها معظم المسلمين، وبخاصّة المبتدعون في الدّين، والجامدون على السّواء هي سوء فهم القرآن والسّنة، فإنّ الشّيخ بيّوض – على غرار إخوانه المصلحين – ركّز في منهجه على القرآن والسّنّة في الدّرجة الأولى. وهو ما دفعه إلى تفسير القرآن الكريم، وشرح مسند الرّبيع بن حبيب وفتح الباري شرح صحيح البخاري، في أوائل مشوار حياته العمليّة، وبداية عمله الدّعوي والإصلاحي.
إنّه لا يجدي في تغيير هذه الوضعيّة، ويقضي على المعارضين للإصلاح والواقفين في وجه الدّعوة - جهلا أو تجاهلا – إلاّ كتاب الله: " إذا عرفوا معانيه، وأيقنوا أنّهم يخالفونه بأعمالهم، ويحاربونه بمحاربة الإصلاح الذي ينصر الدّين، وينهض بالمسلمين." (2)
__________
(1) - ينظر تعليق الشّيخ بيّوض على مسرحية " بلال بن رباح " التي مثّلها طلبة معهد الحياة في مدينة العطف ( إحدى مدن وادي ميزاب ) ففيه حديث
عن الإصلاح ومفهومه، وما يعترض طريق المصلحين، والنّتائج الحسنة التي يحصلون عليها بعد صبر وتحدٍّ وثبات في الميدان، وفيه بيان لكيفية تحوّل
حياتهم من رقّ إلى سيادة، ومن ذلّ إلى عزّ، ومن ضعف إلى قوّة، ومن قلّة إلى كثرة... ينظر كتاب أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 122 وما
بعدها.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3،، ص: 124. (1/87)
صفحة 88
قال الشّيخ بيّوض: " فلا تربية تنفع في إصلاح سلوك الإنسان، وتحقيق سلامة قلبه، إلاّ إذا كانت مبنية على كتاب الله وسنّة رسوله، فاملأ أيّها المربّي المسلم قلوب ناشئتك ما استطعت بجلال الله ومحبّته، والرّغبة في نعيمه ورضوانه، والخوف من عذابه ونقمته، وبغير ذلك لا تجدي أيّة فلسفة تربويّة لفلان أو علاّن ..." (1)
إنّ الشّيخ بيّوض بني أساس إصلاحه وتربيته على كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبهما استطاع أن يضع لبنائه الحجر الصّلب، واللّبنة المتينة، وأن يحقّق أهدافه التي رسمها، قال إبراهيم الحاج أيّوب: "... بهذا البيان السّاحر الذي يستمدّ من كتاب الله ومن الحديث النّبوي الشّّّّّّريف استطاع ( أي الشّيخ بيّوض ) أن يحدث انقلابا في مفاهيم وتصوّرات هذا المجتمع، ويصوغه صياغة جديدة سليمة، ويحقّق أعمالا جبّارة في ميدان العلم والاجتماع، وفي الميدان الاقتصادي والصّناعي على الأخصّ..." (2)
من خلال هذه التّصريحات يكشف الشّيخ بيّوض عن طبيعة عمله الإصلاحي، ويعلن عن خطّته في النّهوض بالأمّة، التي هي الإصلاح الشّامل، بالاعتماد على الشّباب المثقّف، واستعمال كلّ الوسائل المتاحة، واستغلال كلّ الفرص السّانحة، وطرق كلّ الأبواب ، والتّحلّي بطول النّفس؛ لأنّ العمل شاقّ، والطّريق طويل، والظّفر بتحقيق المؤمّل المنشود من الغايات عزيز المنال، ودون الوصول إلى الأهداف خرق القتاد، وتقطّع الأعناق، إنّه لذلك يقدّم النّموذج الأمثل للجهاد الإسلامي، والعمل السّياسي، والنّضال الوطني (3) والمنهج الأقوم في العمل والتّحرّك والتّغيير، كما ذكرنا في الصّفحات السّابقة.
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 22.
(2) - في رحاب القرآن, ص: 142.
(3) - ينظر كتاب الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص:16، 17. (1/88)
صفحة 89
بهذه القواعد الأساسيّة، وهذه المفهومات، وهذه الاهتمامات والأولويات التي وضعها نصب عينيه في بداية انطلاقته، وسطّرها في منهجه، سار في دعوته، وانطلق في إصلاحه، فنهض يعرض حالة المجتمع: يصحّح المفهومات الخاطئة، ويدعو إلى الأخذ بالأساليب السّليمة النّاجعة؛ للسّير في الحياة سيرا حسنا، بالابتعاد عمّا يشين هذه الحياة، ويسيء إلى الفطرة السّليمة. وأقدم يدعو إلى الإصلاح وإلى التّعليم العربي الدّيني، وإنشاء المدارس العصريّة، وإلى النّهوض بالتّجارة والفلاحة وغيرها. وراح يجبر ما كان يلاحظه من نقص في حياة النّاس، ويوفّر ما يتطلّبه الإصلاح الشّامل. (1) ثمّ يرجو الله أن يعينه على مواصلة العمل، وبذل مزيد من الجهد، حتّى يسير بالإصلاح قدما نحو الأحسن: "... ونرجو أن لا نخرج من هذه الدّنيا إلاّ ونترك الحالة على أحسن ما يكون، فانقلوا عنّا، وأخبروا به الأبناء وأبناء الأبناء." (2) قال أيضا: " إذا متّ ولم تكن القرارة كعبة التّربية والعلم بحقّ، ولم أترك في جامعنا الذي يجب أن ينتقل إليه التّعليم ثلاثين حلقة في جميع العلوم الحيّة الناّفعة الضّرورية لنا، لا ثلاثا فقط، كما هو في معهدي الآن، لا أكون قد عملت شيئا يستحقّ الذّكر." (3)
__________
(1) - ينظر تفصيلات أكثر كتاب أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 137 وما بعدها.
(2) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، المجتمع المسجدي، ط2، مكتبة أبي الشّعثاء، السّيب، سلطنة عمان، سنة 1411هـ/ 1990م، ص: 78.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 249. (1/89)
صفحة 90
كما كان من أولوياته تكوين شباب مثقّف ثقافة جيّدة صحيحة، بعيدة عن الخرافة والبدع، وعن الثّقافة المتفسّخة العرجاء؛ ليعتمد عليه في إصلاحه ودعوته. والمشاركة به في كلّ ما يمكنه المشاركة فيه؛ حرصا على ترسيخ حبّ العمل وتركيز حقيقته في النّفوس، وتثبيت فكرة الإصلاح. قال الشّيخ بيّوض: " لقد كنت في فجر حياتي العمليّة أقوم بواجبي في المدرسة خير قيام: مواظبة على الوقت، ومحافظة على النّظام وحسن اعتناء بالدّرس، ثمّ أخرج إلى ميدان المسجد والسّوق والعشيرة والميادين العامّة، والمشاكل الخاصّة، وأفضّ الخلافات ، وأحلّ المشاكل، وأصلح بين المتخاصمين، وأواسي كلّ ذي حاجة، مدفوعا بعاطفة حبّ الخير للنّاس، وعاطفة الشّفقة والرّحمة، التي أحسّ بها في نفسي قويّة، إلى حدّ لا أستطيع أن أقول معها( لا ) لمستغيث، أو مستعين، أو مستنجد في كلّ ما أستطيعه..." (1)
هكذا نرى أنّ اهتمامات الشّيخ بيّوض لتحقيق هذه الرّغبات، وهذه الأهداف كانت الإصلاح الشّامل، والاعتناء بالتّربية والتّعليم الاعتناء الكامل، وإقامة الهيئات والهياكل، التّعليم في المدارس، والتّكوين في المنشآت المكمّلة للمدارس، كالنّوادي الأدبيّة، والمؤسّسات التّربويّة والثّقافيّة المتعدّدة، وإحياء المناسبات الدّينيّة والوطنيّة والاجتماعيّة، والمواسم والأعياد، والوعظ والإرشاد في المساجد، وبخاصّة مسجد القرارة. فما هي هذه الهياكل؟ وكيف كان يستغلّها؟ وماذا أفادته في عمله ومنهجه؟
هياكل الدّعوة والإصلاح
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 207. (1/90)
صفحة 91
إنّ الشّيخ بيّوض آمن إيمانا لا مرية فيه ولا شكّ أنّ العمل ضمن المؤسّسات والهيئات والهياكل المنظّمة والأطر المحدّدة خير ما يؤدّي إلى النّجاح، ويضمن الاستمرارية؛ لأنّ ذلك يكفل التّعاون والتّكاثف، ويفسح المجال للشّورى، ويخفّف العبء والكلّ عمّن يعمل وينشط، ويساعد على ضبط الأمور، والتّقليل من الأخطاء، التي تنجم عن الانفراد بالعمل، والتّفرّد بالرّأي في اتّخاذ القرارات...وقد ظلّ في كلّ مراحل جهاده ودعوته يدعو إلى إنشاء الهيئات الدّينيّة، وإقامة المؤسّسات، وتأسيس الهياكل العلميّة؛ لبناء المجتمع المسجدي المتماسك. في هذا يقول نور الدّين سوكحال: " ونرى أنّه كلّما استطاعت الحركة الإصلاحيّة أن تعدّد مواقعها، كلّما كان لها نفوذ أكبر في المجتمع، وكلّما تمكّنت من المحافظة على مكتسباتها " (1) سجّل هذا الانطباع بعد أن درس حركة الشّيخ بيّوض الإصلاحيّة، ومنهجه في ذلك، وبخاصة أساليبه في نشاطه، القائم على العمل المؤسّساتي.
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 158. (1/91)
صفحة 92
إنّ الشّيخ التزم بالمحافظة على المؤسّسات التّربويّة والاجتماعيّة، التي وجدها أمامه، ودعا إلى تطويرها، وسعى إلى تأسيس غيرها حين دعت الضّرورة إلى ذلك. قال نور الدّين سوكحال: " كان الشّيخ بيّوض يدرك أنّ الهيئات الاجتماعيّة، التي تميّزت بها منطقة ميزاب، لا تستطيع لوحدها المحافظة على المجتمع، والدّفع به قدما في ركب الإصلاح، فدعا إلى تدعيمها؛ بالاستفادة من الأشكال التّنظيميّة الحديثة، مثل الجمعيات الثّقافيّة والاجتماعيّة." (1) لهذا فإنّ الشّيخ بيّوض لم يدعُ إلى الجمود وعدم الإفادة من تجارب الآخرين في تطوير العمل الدّعوي والإصلاحي، بل دعا إلى رفد الهيئات الموجودة بغيرها، قال: "... ولا نستنكف من الاستفادة والاقتباس من تجارب الآخرين في التّنظيم الاجتماعي." (2) أضاف قائلا: "... وإذا دعت الضّرورة يوما لبعض الإضافات أو التّعديلات الجزئية فيه ( أي النّظام الاجتماعي ) فإنّنا لا نتردّد في ذلك، ما وجدنا فيه خيرا ونفعا." (3)
__________
(1) - المرجع السّابق نفسه.
(2) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 63.
(3) - المصدر السّابق، ص: 50. (1/92)
صفحة 93
كان يناشد رفقاءه وأبناءه المحافظة على هذه المؤسّسات، وعدم الزّهد فيها، بدافع المدنيّة وتطوّر الحياة، مالم تكن هذه الهيئات غير قادرة على أداء واجباتها، أو فاقدة دورَها في الحياة، فقدا ناجما عن غير تقصير النّاس في توظيفها توظيفا حسنا، أو عن قصورهم في فهم دورها، ووظيفتها في حياتهم. قال الشّيخ بيّوض، وهو يعرض الهيئات والمؤسّسات التي تنظّم الحياة العامّة في منطقة وادي ميزاب، حاثا على المحافظة عليها؛ لأنّها هي التي بنت هذا المجتمع، وأسهمت في تماسكه، وكان يراها جزءا من كيان الأمّة، وضرورة حياة لمقوّمات المجتمع في التّربية (1) : "...على هذا بني مجتمعنا، وكذلك على المعهد ( معهد الحياة ) وتعليمه، والمدارس وبرامجها، والعشائر ونظامها، والمجالس العائليّة، هذه كلّها تعمل متعاونة. المسجد هو القمّة، هو الرّكيزة الوسطى للخيمة، وهي التي تمسك بها، ثمّ تأتي الرّكائز الأخرى على الجوانب. ومجتمعنا خيمة مبنيّة على كتاب الله، رأسها وركيزتها المسجد، تحتها هذه المؤسّسات: المعهد، المحاضر، المدارس، العشائر كذلك تتعاون مع المسجد...ما دام هذا النّظام موجودا فهو يحفظنا، ونحن لا نشكّ أنّ الله تعالى يردّ علينا كثيرا من البلاء..." (2)
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 32.
(2) - المجتمع المسجدي، ص: 72. (1/93)
صفحة 94
بل إنّ المسجد هو الذي يشرف على هذه المؤسّسات، ويهيمن عليها هيمنة رعاية واحتضان وتوجيه؛ لتوحيد الوجهة وتنظيم العمل، والمحافظة على الطّريقة الإسلاميّة، والمنهج الإسلامي. قال الدّكتور محمد ناصر وهو يتحدّث عن الجمعيات الخيريّة التي تأسّست في وادي ميزاب، وعن هيكلتها: " وقد أسّست هذه الجمعياتُ الخيريّةُ تحت رعاية المسجد كلَّ مؤسّساتها التّربويّة الأخرى: مدارس ابتدائيّة وثانويّة، مكتبات وداخليات وجمعيات ثقافيّة ونوادي، وضمنت للتّلاميذ والطّلبة الاستفادة منها مجانا، دون أيّ مقابل ماديّ؛ لأنّ ذلك يتكفّل به المتبرّعون المحسنون. " (1)
قال الشّيخ بيّوض: " إنّ هذا النّظام لا نرضى به بديلا. هذه المساجد، وهذه الختمات وهذه الجُمَع، وهذه المقابر وإيروان، المحاضر... (2)
__________
(1) - حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص: 32. ينظر أيضا ص: 43 – 45. ففيها حديث عن الهيئات التي تساعد المسجد في أداء
مهامّه، وعن هرميّة الهيكلة التي تميّز النّظام التي ينظّم العمل في وادي ميزاب، القمّة يمثّلها المسجد والعزّابة، ثمّ تأتي الهيئات الأخرى.، وبهذا يؤدي
المسجد دوره الدّيني داخل شرائح المجتمع. ...
(2) - المقابر: نوع من الأوقاف يؤدّيها أصحابها, وتوزّع في مواعيد محدّدة، في كلّ سنة. كانت هذه الصّدقات توزّع في المقابر، بعد أن يقام مجلس
قرآن, يحضره الكبير والصّغير. بعد ذلك أصبح المكان غير مشروط، يكون المسجد أو المقبرة...
إيروان: جمع "إِيرُو " أي الذي يرتوي العلم. وهي هيئة ينضمّ إليها من يستظهر القرآن. انضمام العضو إليها هو تشريف له، وتقدير لما يحمله في
صدره من كتاب الله، وإيروان يساعدون العزّابة في أداء مهامّهم الدّينيّة والاجتماعيّة. بل إنّ العزّابة يخُتَارون من هيئة إيروان.
المحاضر: هي ما يسمّى بالكتاتيب، هي تحضّر وتهيّئ التّلاميذ للدّخول إلى المدارس. وتكون مؤسّسة وموجودة بجوار المسجد. ميزتها أنّها يؤمّها كلّ من
يرغب في الذّهاب إليها، ممّن لم يبلغ سنّ الدّراسة، إلى من تقدّمت به السّنّ، فأصبح شيخا...لقد ذكر الشّيخ بيّوض شيئا عنها في كتابه المجتمع
المسجدي. ينظر ص: 65 وما بعدها.
العشائر: جمع عشيرة: هي العاقلة، كما تسمّى في الفقه الإسلامي، أو هي الأسرة الكبيرة، كما تعرف في المجتمع الميزابي. مهمّتها الأساسيّة مساعدة
الفقراء, ورعاية شؤون الأرامل والأيتام، وحلّ المشاكل الاجتماعيّة، والقيام بمهمّة التّربية والتّهذيب. فكلّ عشيرة أو مجلس الأسرة الكبرى في مدن
ميزاب يقوم بشؤون أفراده, بالتّنسيق مع مجالس العشائر الأخرى ، وبرعاية المسجد . لمزيد من التّفاصيل ينظر الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان ورسالته: "
الإسلام ونظام العشائر في وادي ميزاب". والشّيخ محمد عليّ دبّوز وكتابه: " نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج1 ". والشّيخ بيّوض ، المجتمع
المسجدي، ص: 79 – 95. وحديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 62، 63. والدّكتور موسى بن إبراهيم حريزي، " نظام العشائر في المجتمع
الميزابي نموذج مثالي لإصلاح المجتمعات " مجلّة الحياة، ع: 7،معهد الحياة ( القرارة، الجزائر ) رمضان 1424هـ /نوفمبر 2003م، ص: 107 –
136. (1/94)
صفحة 95
هذا الطّريق سيبقى، وسنظلّ عليه، والويل لمن هدمه." (1)
لقد أحرز المجتمع بهذا النّظام فوائد عظيمة، منها التّكافل الاجتماعي، الذي قضى على مظاهر البؤس والجهل والتّشرّد... يقول الشّيخ بيّوض إنّ وسيلتنا في ذلك : " هو هذا النّظام المسجدي من جهة، وذلك النّظام العشائري من جهة أخرى؛ لما بينهما من التّشاور والتّعاون على البرّ والتّقوى... (2)
إذا اعتمد الّشّيخ بيّوض على هذه المؤسّسات، فلأنّها أسهمت في تنفيذ منهجه، ومناهج رفقائه في الدّعوة والإصلاح. لقد سعى من خلال هذا النّظام إلى وضع ضوابط لتوجيه سلوك الأفراد؛ بما يحقّق فلسفة المجتمع, وبما يجعل مدعوّيه منضبطين بما يدعو إليه هو, ومن بعدها يتهيّأ لهؤلاء الانسجامُ مع نظام المجتمع. إنّ ذلك يعدّ خطوة مهمّة، وخطّة محكمة في منهج الإعداد والتّريبة والمحافظة على الكيان.بغير ذلك قد يعرّض المجتمع نفسه للخطر والذّوبان، ويقضي على كيانه.
العمل ضمن هذه المؤسّسات، وبهذا المنهج يساعد على حماية الشّخصيّة، والإبقاء على الخصوصيّة، مهما ينل المجتمع من تطوّر. بغير ذلك كما يقول مالك بن نبيّ ( ت 1973م): " يتحوّل التّطوّر إلى مجازفة، فأيّ خطأ بسيط يمكن أن يؤدّي إلى الانتحار، وإلى الوقوع في الهاوية، هاوية التّسوّل والإدمان والدّعارة والتّشرّد." (3)
__________
(1) - المجتمع المسجدي، ص: 78. ينظر أيضا ص: 126:، وحديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 50. وفي رحاب القرآن، ص: 141.
(2) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 62.
(3) -الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 131. نقلا عن : Malek Bennabi, l,invitation du M,zab, Revolution
274, Semaine du 20 au 26, . Mai 1968, p.p 24 Africaine,N (1/95)
صفحة 96
يضيف نور الدّين سوكحال أنّ من أهداف حركة الإصلاح من سلوك هذا المنهج: " امتلاك القدرة على تعبئة المجتمع بشرائحه المختلفة في عمليّة البناء، واستغلال هذه القدرة بعد ذلك للمحافظة على المنجزات في شتّى المجالات." (1) بصفة المجتمع القاعدة الأولى في صرح التّربية والتّعليم، الذي لا يمكن للمدارس أن تؤدّي عملها في غياب هذه القاعدة، كما يرى الشّيخ بيّوض. (2)
بالعمل المؤسّساتي يتمكّن الكثير من فئات المجتمع أن يشاركوا، ويسهموا في نشاطه. فهو الذي يوجد التّلاحم بين أفراده، ويحقّق التّواصل بين الأجيال، ويعدّها للمضيّ في طريق العمل المجدي والفاعل، ويضمن الاستمرار والدّيمومة في الحركة.
إنّ الشّيخ بيّوض اعتمد في إصلاحه ودعوته على المؤسّسات؛ فرابط في معهده مدرّسا معلّما مربّيا, معلّقا آمالا كبيرة على هذا المعقل، وعلى النّشء الذي يكوّنه فيه. وواظب على دروسه في المسجد واعظا مرشدا موجّها بشكل دوريّ، وفي دروس يوميّة. وكان الانضباط أحد أشكال أو مظاهر منهجه.قام بإنشاء جمعيّات ثقافيّة واجتماعيّة، ونوادٍ أدبيّة، وبارك ما أنشأه أبناؤه أو رفقاؤه، الذين جاهدوا معه وبجنبه. نشط في العشيرة، متحمّلا مع زملائه وأبنائه عبءَ التّكفّل بالفئات الاجتماعيّة: توجيها ومراقبة وحلاّ للمشاكل ورعاية للشّباب. عقد صلات حميمة وقويّة مع إخوانه وأبنائه الموجودين في المهاجر، والذين ينتظمون هم بدورهم في هياكل (3) تنظّم نشاطهم، وتحفظ كيانهم، وتبقيهم على علاقة بمساقط رؤوسهم.
__________
(1) - الشيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 131.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 147.
(3) - ينظر المجتمع المسجدي، ص: 128 وما بعدها. (1/96)
صفحة 97
لقد كان يقوم بزيارات إلى أماكن وجود أولئك، يتفقّد أحوالهم، ويحلّ مشاكلهم، ويتحسّس حاجاتهم، ويقوم فيهم واعظا مرشدا.قال متحدّثا عن هذا المجتمع الصّغير، الذي يمثّل صورة من المجتمع الكبير الموجود في مساقط الرّؤوس، وهو من بين المجالات التي كان الشّيخ بيّوض وغيره ينشطون فيها في دعوتهم: "... هذه الطّريقة بصفة مصغّرة اتّخذها آباؤنا في كلّ قرية وجدت فيها جماعة ميزابيّة. هذا من الأسباب التي حفظت وأعانت في تكوين هذا المجتمع. ولا يقع في مثل هذه الاجتماعات الختمات وتوزيع الصّدقات فقط، إنّما غالبا ما تلقى فيها كلمات نصح وإرشاد من أحد الحاضرين، أو من الطّلبة والعلماء الذين يسافرون من حين إلى حين..." (1) ثمّ قال: " ... هذه مجتمعات مصغّرة لهذا المجتمع الكبير في الوادي، فكلّها تخدمه وتعينه، وتربّي أولئك الأولاد على المسجد، فما تعلّمه في ذلك الموطن يجده في وادي ميزاب، حين يؤوب إليه، وما تعلّمه في الوادي يجده في المدينة، التي يسافر إليها، وهذا ما نشكر الله عليه..." (2) كان الشّيخ بيّوض بدوره يستغلّ هذه الهيكلة، ويقوم بدعوته حين يقصد إحدى هذه المدن، التي يوجد فيها هذا التّنظيم، فيرشد ويوجّه ويتفقّد. (3)
إنّ ميدان عمل الشّيخ بيّوض، وساحة دعوته، ومجال إصلاحه كلّ مكان يعينه ويمنحه الفرصة كي ينشط ويحقّق أهدافه، وينفّذ مشروعاته، وينجز أعماله. فإلى جانب الهياكل التي ذكرناها آنفا، كان يهتبل كلّ فرصة تسنح له، حين يكون وسط تجمّع من النّاس، ولو كان صغيرا، يستغلّ ذلك ليلقي درسا أو موعظة، يدعو إلى فكرة، أو ينشر سنّة، أو يحارب بدعة، أو يصحّح مفهوما، أو ينصح أو يقترح أمرا... إلاّ أنّ المسجد كان المكان المفضّل لديه في الدّعوة. فما هو مكانته في منهجه؟
المسجد في منهج الشّيخ بيّوض
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 130.
(2) - المصدر السّابق، ص: 131.
(3) - ينظر المصدر السّابق، ص: 133، 134. (1/97)
صفحة 98
إنّ المسجد هو المنارة التي يسترشد بها المؤمن في حياته، ومنه يستمدّ مقوّمات دينه، وفيه يعرف أصول دينه ومبادئه. إنّ المسجد يقدّم القواعد، التي يبني عليها المسلم حياته في مختلف مجالاتها، وهو الذي يشعّ على كلّ هيئات المجتمع أنوار الهداية والرّشاد، ومنه تأخذ كلّ تركيبات الأمّة أساليب العمل، ومناهج التّحرّك وطرق الانطلاق في الحياة.
إنّ للمسجد دوره الرّائد في التّوجيه والتّعليم والتّربية، هو الذي يوجّه المؤسّسات : البيت والمدرسة والنّادي، وكلّ هيئة اجتماعيّة وثقافيّة وفتيّة ورياضيّة واقتصاديّة... فليعٍ القائمون على المساجد والعاملين: دعاة ومرشدين، ويفقه عامّة النّاس أنّ للمسجد سلطانه على المجتمع، إذا أرادوا تطبيق شرع الله، وتوفير السّعادة في الدّارين، وإذا أقرّوا وفهموا أنّ الإسلام عقيدة ونظام حياة، ولن يضمن تطبيق ذلك سوى المسجد، كما كان عليه في عهد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم والصّحابة والتّابعين، وفي مختلف الحقب التي مرّ بها المسلمون، قبل أن يضعفوا؛ فغابت عنهم هذه الحقيقة. لقد كان المدرسة والمعهد والجامعة والثّكنة والنّادي، وكلّ ما يحتاج إليه المسلم في التّكوين والإعداد، أي كان ملاذَه وحصنَه الذي يأوي إليه ويتّجه، ويتطلّع لتنظيم شؤون معاشه، وترتيب أمور معاده.
إنّ " المسجد يربّي ويعلّم، ويسدّد ويصحّح مسيرة المسلمين، ويراقب حركة الحياة، ويرسم الخطّ الذي يجب أن يسير عليه المسلمون، الذي ينتظم في خطّ مستقيم، بين نقطتين: نقطة المبادئ، ونقطة الأهداف: { وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون } (1)
__________
(1) - سورة الأنعام، الآية: 153. (1/98)
صفحة 99
فالمسجد إذن هو ركيزة الإصلاح، وقطب الرّحى في عمليّة التّوجيه، ونقطة الانطلاق في تأسيس قواعد الحياة، التي ينبغي أن يحياها ويمارسها المسلم. (1) " لقد كان المسجد ساحة للعبادة، ومدرسة للعلماء، وندوة للأدب قال الشّيخ محمد الغزالي " وقد ارتبطت بفريضة الصّلاة وصفوفها أخلاق وفضائل أخرى، هي لباب الإسلام." (2) أي كان المسجد " حلقة الاتّصال التي يتمّ بها التّعاون والتّآلف، وتحت سقفه مارست الدّولة الإسلاميّة مختلف نشاطاتها في مجالات القضاء والإفتاء، كما كان المسجد موئلا للإغاثة والخدمة الصّحيّة والاجتماعيّة، ومنطلقا للجيوش، ودارا للضّيافة،يستقبل الوفود القادمة..." (3)
بهذا يتبيّن لنا أنّ المسجد هو العمود الأساس الذي ترتكز عليه الدّعوة الإسلاميّة، وهو الأسّ الذي يبني صرح الإسلام، وهو المكان الذي ينشر أنوار الهداية، ويطلق أشعّة الحياة، وبخاصّة إذا علمنا أنّ العلم كان ينتشر منه، كما يجب أن يظلّ منبعثا منه، وعلى ولاّة الأمور أن يحرصوا على الإبقاء على هذا الدّور؛ لتظلّ للمسجد رسالته المقدّسة، وليُضمَن تلقّي العلم والمعرفة الصّحيحة، ولتسكن في قلوب النّاس هيبة المسجد وروعته، وليرتبط النّاس بهذا المعقل، الذي فيه حياتهم ونجاتهم، ونعيمهم وسعادتهم.
__________
(1) - كيف تختار موضوعا للوعظ، ص: 11.
(2) - الخطابة في موكب الدّعوة، ص: 40.
(3) - المرجع السّايق نفسه. (1/99)
صفحة 100
إذا كان للمسجد هذا الدّور الخطير، وإذا كان ما عرضناه هو المفهوم الذي يجب أن يحمله المسلمون للمسجد، وبهذا العمق في معناه، وهذه العلاقة التي تكون بين المسجد والمجتمع، فكيف كانت نظرة الشّيخ بيّوض إليه؟ وكيف كان عمله في هذه الرّكيزة الأساسيّة في الإصلاح والدّعوة؟ وماذا حقّق بواسطته أو به، من خلال نشاطه فيه؟ وما هو مكان المسجد في منهجه الدّعوي والإصلاحي؟ (1)
إنّ الشّيخ يرى أنّ للمسجد دورا أساسيّا في تكوين المجتمع المسلم، كما أراده الله ورسوله، وبخاصّة حين ينتشر الفساد، وتقعد المؤسّسات الاجتماعيّة والتّربويّة والثّقافيّة ( كالأسرة والمدرسة والنّادي والجمعيّات...) عن القيام بواجبها: تقصيرا أو قصورا، كما هو حاصل في زماننا هذا. يقول الشّيخ بيّوض: "... مع فساد المجتمع الذي تعيش فيه ناشئتنا، لا توجد المدرسة النّاجحة في التّربية بالخصوص، فما تبنيه في الصّباح يهدمه البيت الفاسد في المساء؛ لهذا نجد سلفنا الصّالح رضوان الله عليهم سنّوا لنا سنّة الوعظ الدّائم للكبار في مساجدنا." (2)
__________
(1) - عن دور المسجد في الدّعوة في منهج الشّيخ بيّوض ينظر حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 25 - 27 ، 43 وما بعدها. والمجتمع
المسجدي، ص: 55، وما بعدها، والشّبخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 135 وما بعدها...
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ح4، ص: 147. (1/100)
صفحة 101
لقد حرص الشّيخ بيّوض على تكوين مجتمع مسجدي، يخاطبه في المسجد، ويدرّبه على التّوجّه إلى المسجد دائما، ويجعله مرتبطا بالمسجد في كلّ حركاته ونشاطه، وتنظيم شؤون حياته. وكان مصرّا أن تكون انطلاقة عمله في بداية تصدّره مهمّة التّوجيه من المسجد وتستمرّ؛ لما يكون لهذه الحركة من دور كبير في توجيه النّاس إلى رسم خطّ حياتهم رسما يكون المسجد هو الوجهة التي إليها ينطلقون، ومنها يتحرّكون، وعنها يصدرون. هذا ما فعله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين وصل المدينة مهاجرا. أوّل ما فعله بدأ ببناء المسجد؛ ليخطّ للمسلمين طريق حياتهم، الذي يبدأ بالمسجد، وينطلق منه: " ... لذا بدأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إقامة المجتمع الإسلامي في المدينة المنوّرة بعمارة المسجد؛ معلنا بذلك أنّه الرّكن الأوّل والدّعامة الأولى لقيام المجتمع الإسلامي، حتّى إذا تمّت عمارة المسجد وأقبل المسلمون إليه، شدّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم قلوب المسلمين في ظلّه إلى بعضها بنياط الأخوّة في الله، فكان لهم من المسجد خير ضمانة لذلك، وأعظم ملاذ من مشاغل الدّنيا وفتن الشّهوات والأهواء.
إنّنا عندما ندرك هذه الأهميّة للمسجد وهذه الوظيفة التّربويّة، التي لا يقوم بها إلاّ المسجد، نتصوّر مدى تقصيرنا في القيام بحقّ المسجد ومدى إهمالنا لشأنه." (1)
__________
(1) - المسجد ودوره في التّربية والتّوجيه، ص: 17، 18. (1/101)
صفحة 102
إنّ الشّيخ بيّوض يؤثر دائما أن يلقي دروسه في المسجد، حيثما حلّ أو ارتحل، لا يجد راحته وطمأنينته، حين يرشد أو يعظ إلاّ في المسجد. كما أنّه بهذا السّلوك يريد أن يوجّه أبناءه والمسلمين بعامّة، وبطريقة عمليّة إلى الارتباط بالمسجد. قال محمد عليّ دبوز: " لقد كان مسجديّا في نشأته، وفي كلّ أدوار جهاده. فالمسجد ممّا طبعه في نشأته بالصّلاح. والمسجد هو الميدان الأثير عنده للإصلاح. " (1) لقد صرّح بذلك مرّات عديدة؛ ليرسّخ في أذهان النّاس هذه الحقيقة، وليجنّد النّاس فيزدادوا ارتباطا بالمسجد؛ لما يجنونه من فوائد كثيرة ، حين يجعلون وجهتهم المسجد. قال: "... وما تزال بيوت الله هي مراكز التّجمّع للمؤمنين في أداء صلاة الجماعة. والله تعالى جعل العلماء ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في التّذكير والإرشاد، ولا أفضل لهذه الدّعوة من بيوت الله، التي اكتسبت هيمنتها وجلالها من جلال الله وعظمته؛ إذ أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وليس معنى ذلك أن نجمد على نصّ خطابيّ معيّن، لا تبديل فيه ولا تغيير، ولا أن يكون هذا التّذكير من شخص بذاته ليتحقّق ذلك التّأثير، بل لجوّ المسجد طهره وروحانيته، يضفيان على الكلام روعة وجلالا، فيكون له ذلك الأثر البليغ في النّفوس، بحيث لا يحصل ذلك الأثر إذا كان الشّخص نفسه يلقي ذلك الحديث في موضع آخر." (2)
كان من عمق منهج الشّيخ بيّوض أن جعل معهده ( معهد الحياة ) بجوار المسجد (3) ؛ ليقدّم بذلك نموذجا عمليّا لما يدعو إليه، وليضع بين أيدي النّاس _ بعد تجربة مارسها، ثمّ حصد منها وجنى ثمارا يانعة – دليلا ملموسا وواقعيّا لنظريّته، التي تقوم على عدم البعد أو الابتعاد عن المسجد، وبخاصّة في التّربية والتّعليم.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 84.
(2) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 45.
(3) - بعد أن كان في منزله سنوات - لظروف – انتقل به إلى جوار المسجد في القرارة. (1/102)
صفحة 103
إنّ هذا السّلوك يمنح النّاشئة فسحة كي تتعلّق قلوبهم بالمسجد،وينطبع مفهومه وآثاره في صدورهم. ووجودهم بجواره كلّ يوم، وفي ساعات تلقّي العلم، يسمح لنفوسهم أن تنشأ على هيبة المسجد وجلاله، وما يحمله من روح الإسلام؛ فتتهذّب وتتربّى على الأخلاق الفاضلة، وتتدرّب على التّطبيق العملي لما يأخذونه من علم ومعرفة فيه؛ حين يخرجون من قاعات الدّراسة ، ويدخلون رحاب المسجد، ليصلّوا ويقرؤوا القرآن، ليسمعوا دروسا في الوعظ، ليلتقوا بالمسلمين، الذين يؤمّون المسجد لأداء العبادات.
اقتنع الشّيخ بيّوض تمام الاقتناع بهذا المسلك، ولهذا جعله في صميم منهجه، وقد استشهد بقول للشّيخ محمد الغزالي: " لا خلاص لنا إلاّ أن نهتمّ بالمعاهد اهتمامنا بالمساجد، وأن نبني بجانب كلّ مسجد معهدا، ونبني بجانب كلّ معهد معبدا." (1)
علّق الشّيخ على هذه المقولة، معتزّا بما صنعه من زمان، ومعزّزا تجربته بما قاله الدّاعية المخلص الشّيخ محمد الغزالي، عن خبرة ودراية في جهاده الدّعوي. قال: " وقد سبقت لنا – بحمد الله – دعوات في هذا المجال منذ سنين، وهو ما طبّقناه عمليّا، بعد مجهودات جبّارة، فقامت هذه المؤسّسات العتيدة لمعهد الحياة بجانب المسجد صرحا شامخا للتّربية المحمّدية, ومنارا للإسلام, وتلك هي قناعتنا منذ أن خطونا الخطوات الأولى في الإصلاح الدّيني والاجتماعي, وهاهي دعوات المخلصين من أبناء الأمّة الإسلاميّة تردّد هذا النّداء، وتدعو لنفس الفكرة, وذلك لما يكون بين المؤسّستين من تلازم وتكامل في تحقيق الهدف المنشود من العمليّة التّربويّة, وهو تكوين الفرد الصّالح، الذي يحمل بين جنبيه ضميرا حيّا، وقلبا سليما." (2)
__________
(1) - حديث الشيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 25.
(2) - المصدر السّبابق نفسه. (1/103)
صفحة 104
إذن إنّ الشّيخ بيّوض مقتنع كلّ الاقتناع بإلحاق المؤسّسات التّعليميّة بجوار المسجد، إيمانا منه بالدّور التّربوي الذي ينهض به هذا التّوجّه، وإقامةً للدّليل على صلاحية هذا المسلك، الذي أثبتته التّجربة التي قام بها، وهو يتولّى أو يمارس عمله التّعليمي والتّربوي في معهد الحياة.
أضاف قائلا: " ولولا ضيق المجال الحيوي حول المساجد واتّساع دائرة العمران لآثرنا أن تكون المدارس الابتدائيّة هي الأخرى قريبة من المسجد. وهل أخطأ أسلافنا عندما أنشؤوا الكتاتيب القرآنيّة بجوار المساجد قديما ؟؟ كلاّ إنّهم يدركون بحسّهم الفطري السّليم مدى تأثير القدوة في الولد الصّغير، وهو يشاهد جموع المصلّين كيف يتطهّرون، وكيف يؤدّون صلواتهم جماعة، وكيف يستجيبون للنّداء وهم يهرعون إلى بيوت الله زرافات ووحدانا. " (1)
من النّاحية الاجتماعيّة فإنّ منهج الشّيخ بيّوض حرص على بثّ الوعي بين النّاس لتوطيد العلاقات الاجتماعيّة من خلال مؤسّسة المسجد، وذلك بفسح المجال للحديث عن الأمور الدّنيوية، والمصالح الخاصّة، وذلك تطبيقا لبعض ما ورد في قوله تعالى: { وابتغ فيما آتاك الله الدّار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدّنيا... } (2) على أن يكون ذلك في صحن المسجد، لا في مكان إقامة الصّلاة، أي في المحراب. إنّ هذا يشجّع النّاس على عمارة المسجد، حين يجد القاصدون المساجد أنّهم بذهابهم إليه يؤدّون الشّعائر الدّينيّة، ويضربون مواعيد في المساجد لمن يرغبون الالتقاء بهم، ويناقشون بعض شؤونهم وهم موجودون في بيت من بيوت الله. على أن يتمّ ذلك في احترام وأدب، ومراعاة لحرمة المساجد وآدابها.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 26.
(2) - سورة القصص، الآية: 77. (1/104)
صفحة 105
إنّ الشّيخ بهذا التّوجّه أو التّصرّف يبيّن للنّاس أن لا تعارض بين الدّين والدّنيا؛ ذلك أنّ المساجد لم تبنَ فقط لإقامة الشّعائر الدّينيّة، ودروس الوعظ والإرشاد، بل أيضا وجدت لمناقشة الأمور الدّنيويّة، فالإسلام جاء للدّين والدّنيا معا. قال الشّيخ بيّوض: " بعد أن بنى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مسجده بنى سيّدنا عمر بن الخطّاب براحا قرب المسجد –كما أظنّ – ليجتمع فيه النّاس، ويتكلّموا في أمور دنياهم. أنعم الله علينا بهذا الصّحن، وهو ابن المسجد... ذلك الصّحن مفيد مهمّ... لأنّه مجتمع النّاس كلّهم. يسرّنا أن يعقد الفلاّحون موعدا فيما بينهم في صحن المسجد، هذا خير ومهمّ جدّا... هذا التّواعد مهمّ، لعلّ أحدا يضلّكم ويقول لكم هذا غير مستحسن،كيف تعقدون موعدا للتّحدّث عن أمور الفلاحة والتّجارة ومشاغلكم في المسجد؟ لا !
هذا مهمّ واعد أخاك على باب المسجد، إمّا قبل الصّلاة أو بعدها. هذا من الأسباب التي تجرّ النّاس إلى الخير. والله تعالى قال في الحجّ: { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات... } (1) لم يمنعنا من العمل للدّنيا في طريق الآخرة، إنّما تكون النّيّة للعمل الأخروي، وتستفيد أثناء ذلك عملك الدّنيوي...ولهذا ترخّصنا – ومن الواجب علينا هذا – في تلك الجماعات التي تعقد تجمّعاتها في صحن المسجد، فلهم الحقّ، ويجوز لهم ما داموا في انتظار الصّلاة. إنّما يؤمرون ألاّ ينشغلوا باللّغو، بالكلام الباطل: غيبة ونميمة أو لغوا أو غناء... (2)
__________
(1) - سورة الحجّ، الآية: 28.
(2) - المجتمع المسجدي، ص: 59 – 61. ينظر أيضا حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: .26، 27. (1/105)
صفحة 106
إنّ منهج الشّيخ بيّوض في الدّعوة والإصلاح يقوم أساسا على توظيف المسجد، وجعله المحور في الحركة، والمورد في الانطلاقة، والمقود للمجتمع، والموئل في التّربية، والمهيمن على كلّ المؤسّسات العاملة الفاعلة. هذا هو سرّ نجاحه في عمله. قال الشّيخ عن المجتمع الذي فيه نشأ، وتحرّك وسطه ونشط: " ... وقد قلنا بأنّ عموده المسجد، وجوانبه المحاضر والعشائر والمدارس والعزّابة والعزّابات، وما قام به الغسّالات في أوساط النّساء من تربية وتهذيب ورقابة، وأمر ونهي وحراسة, كلّ هذا أسهم في المحافظة على المجتمع، الذي نتمنّى أن يديمه الله تعالى علينا، ويزيدنا ولا ينقصنا." (1)
إنّ ما ذكره الشّيخ بيّوض، وما طبّقه هو في منهجه هو ما كانت عليه الحياة العمليّة في وادي ميزاب، وهو ما أسّس عليه الدّعاة والوعّاظ عملهم، وهو ما نشأ عليه المجتمع الميزابي بعامّة. يقول محمد ناصر عن هندسة وادي ميزاب: " إنّ هذه الهندسة تعبير مادّي عن الارتباط المتلاحم بين المسجد الذي هو رمز الشّريعة الإسلاميّة وبين السّكان الذين يعترفون للمسجد الذي يدير دفّة أمورهم في جميع مناحي الحياة؛ وفق تعاليم الدّين الإسلامي، أتعلّق الأمرُ بالعبادات أم بالمعاملات، بالأحكام والدّماء أم بالصّلاة والزّكاة. هذا التّخطيط المحكم هو الذي بنى هذا المجتمع المتماسك كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضا. وهذا هو سرّ بقائه إلى اليوم على هذا النّحو الرّائع أمام التّيارات والعواصف، التي هبّت عليه من هنا وهناك. " (2)
__________
(1) - المجتمع المسجدي، ص: 126، 127, ينظر أيضا ص: 136.
(2) - حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص: 5. (1/106)
صفحة 107
بهذا يكون الشّيخ بيّوض قد بنى منهجه على أساس صحيح؛ حين التزم بالمسجد منطلقا لدعوته، ومنبرا لنشر أفكاره. وحين تمسّك به قائدا لمؤسّسات المجتمع، ومرجعا له في كلّ شؤون حياته...فإنّ هذه التّصريحات توضّح بجلاء أهميّة المسجد في مسيرة الشّيخ بيّوض الدّعوية، وتكشف عن تشبّثه بالإبقاء على المسجد رائدا ومعتمدا أوّل في العمل، والموجّه الأساس للمسيرة، ويجب أن يظلّ كذلك؛ لأنّ التّجربة أثبتت ذلك. قال نور الدّين سوكحال بعد أن عرض تجربة الشّيخ بيّوض، وتبنّيه لهذا المنهج: "... يمكننا القول إنّ الشّيخ بيّوض استطاع توظيف هذه المؤسّسة ( أي المسجد ) أحسن توظيف، عندما حرص على وصلها بمؤسّسات المجتمع الأخرى، وبذل جهودا ليحافظ على استقلاليتها، وجعل عمله فيها متّسما بالاستمرارية والتّجديد. (1)
أكّد هذا محمد عليّ دبّوز: " وكان منبر المسجد خيرا وبركة للإصلاح ، والشّيخ بيّوض. ولولاه ما استطاع الاتّصال بكلّ طبقات الأمّة؛ فيثقّفها بدين الله، وما تفتّحت له النّفوس التي تخشع وتتفتّح في بيوت الله بكلام الله أكثر." (2)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 96.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 84. عن أثر الشّيخ بيّوض ودوره في المجتمع - بفضل المسجد – ونجاحه في تكوينه: تعليما ومحاربة للبدع
والتّخلّف..ينظر المصدر نفسه، ص: 83، 84. والمجتمع المسجدي، ص: 55، 64. وحديث الشّيخ الإمام، الخلقة الأولى، ص: 25 – 27. و43.
وما بعدها. (1/107)
صفحة 108
في الحقيقة إنّ الشّيخ بيّوض كان موفّقا توفيقا كبيرا في اختيار المجال الأنجع في الدّعوة، وهو المسجد، وقد تمكّن من خلال ممارسته العمل فيه، والإصدار من الرّوح التي يحملها،وتقديم حقيقة العمل المسجدي، الذي لا يقصر العمل في ردهات المسجد فقط، إنّما يتعدّى ذلك إلى مؤسّسات ومجالات أخرى، مع مراعاة ارتباطها به، والتزام من يتحرّك فيها بما يدعو إليه المسجد... تمكّن أن يعطي للمسجد هذا الدّور الكبير، كما يرشد إلى ذلك المنهج الإسلامي. ونجح في أن يبيّن للدّعاة المفهوم الحقيقي للمسجد، ويقدّم الدّليل التّطبيقي للعمل والنّشاط، بطريقة مخطّطة، منظّمة صادرة عن وعي ودراية لرسالة المسجد. (1/108)
صفحة 109
هذا ما أبانت عنه النّتائج التي لمسها كلّ من عاين المجتمع الذي تحرّك فيه الشّّيخ بيّوض، ووقف عليها كلّ من رافق الشّيخ في حركته ، وكلّ من درس مسيرته. يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز، وهو أحد طلبة الشّيخ بيّوض، وأحد الذين سجّلوا وكتبوا عن حياته بدقّة وتفصيل، وأحد الذين عاينوا وعايشوا نشاط الشّيخ عن كثب. قال عن أحد جوانب نشاط الشّيخ في المسجد، وهو دروسه فيه: " وتغلغلت دروس الشّيخ بيّوض في نفوس القرارة بفضل إقبال النّاس على المسجد: رجالا ونساء، وحضورهم تلك الدّروس، فملأتها بحبّ الخير, وطهّرتها من الأمراض الاجتماعيّة... وتكوّ ن في القرارة المجتمع الإسلامي الطّاهر الحيّ الطّموح بفضل دروس الوعظ الحيّ في المسجد. يقوم بهذا الشّيخ بيّوض ومن تقدّمه في مشيخة المسجد رحمهم الله. وأثّر هذا المجتمع المسجدي في القرارة في ناشئتها، فصاروا كآبائهم وأمّهاتهم مسجديّين، يملؤهم طهر المسجد، ويعمر أقطار نفوسهم منذ الطّفولة ما تجلجل به المئذنة والمحراب ( الله أكبر )... لولا هذه الدّروس في المسجد وغيره ما صلح مجتمع القرارة، فصار مجتمعا صالحا راقيا، قليل المشاكل، لا يفكّر ناسه إلاّ في العمل المنتج، وقد أسبغ الله عليه خيراته بفضل صلاحه... (1)
قال محمد ناصر: " وإلى الشّيخ بيّوض يعود الفضل الأكبر في بناء هذا المجتمع المسجدي، لا بدروسه العظيمة القيّمة فحسب، بل بنزوله إلى الميدان بخطّة عمليّة متكاملة، فقد استطاع أن يزرع في قلوب النّاس ووعيهم هيبة جليلة للمسجد، وحبّا وتأييدا لنظمه، واستعدادا قويّا للاستجابة السّريعة إلى كلّ ما يمليه المسجد، أو يدعو إليه: فعلا وتركا وإيرادا وإصدارا. (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 107، 108.
(2) - حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص: 23. ينظر أيضا، ص: 48، 49. (1/109)
صفحة 110
حين ينجح الدّاعية والمصلح في تحقيق هذا الهدف، وهو ربط المسلمين بمصدر التّوجيه الأصلي، وحين يغرس فيهم حبّ هذا المورد العذب، والمنهل الصّافي يكون فد وضع الحجر الأساس في البناء، وهيّأ الأرض الصّلبة التي يشمخ فوقها البنيان من دون الخوف عليه من الانهيار. هذا ما حرص الشّيخ بيّوض عليه في بداية مشوار حياته، والتزم به طول مدّة نشاطه، وفي فترات حياته الدّعويّة.
كلّ هذا يبيّن صحّة منهجه الذي سار عليه؛ فقد أصبح المسجد في القرارة مركز إشعاع علميّ، وجامعة مفتوحة لكّل من يؤمّه، وقائد النّاس في حياتهم اليوميّة: توجيها وتربية وإصلاحا... (1)
__________
(1) - يرجع إلى كتاب " المجتمع المسجدي " ويتأمّل ما ذكره الشّيخ بيّوض عن المجتمع المرتبط بالمسجد في حركاته ونشاطه وتفكيره وسلوكه وتخطيطه؛
ليعرف قيمة المسجد ودوره في توجيه المجتمع نحو الصّلاح والفلاح والنّجاة . وتتأمّل تجارب المجتمع الميزابي في هذا الاتّجاه أو التّوجّه، وكيف نجح
في إبقاء أبنائه على الجادّة والسّبيل القويم والصّراط المستقيم. ويتملّى في سلوك الشّيخ بيّوض ومنهجه في توظيف المسجد في نشر الدّعوة، وبثّ
الإصلاح، وعرض أفكاره، وتقديم آرائه، وتطبيق ما يدعو إليه، وتنفيذ ما يخطّطه... (1/110)
صفحة 111
الشّيخ بيّوض نفسه يشهد بهذا الأثر الكبير في نفوس النّاس بفضل المسجد وما يلقى فيه من دروس، وبخاصّة درس التّفسير: "وإنّني والحمد لله أحمد الله تبارك وتعالى على النّتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامّة، ولذلك اخترت المسجد ليكون معهدا للتّفسير، يحضره النّاس كلّهم: رجالا ونساء، شبابا وشيبا وكهولا، ومن فاته حضور درس التّفسير كأنّه خسر خسارة كبرى. والنّساء يتسابقن إلى صفّة النّساء، ولهنّ مكبّرات الصّوت ليسمعن. ويتسابق الرّجال إلى أماكنهم وكذلك الطّلبة يتسابقون ويجلسون على حسب درجاتهم في أماكنهم. والحمد لله رأينا من أثر كتاب الله في أمّتنا الشّيء الكثير، ولهذا فالأمّة اليوم ولله الحمد مستعدّة لتلبية كلّ طلب خيري." (1)
إذا كان هذا هو مكان المسجد في منهج الشّيخ بيّوض، وهذه هي قناعته في هذه الوسيلة النّاجعة في العمل الدّعوي، وإذا كانت معظم دروسه يلقيها في المسجد, فما هي طبيعتها؟ وما هو منهجه فيها؟
طبيعة دروس الشّيخ بيّوض ومنهجه فيها
إنّ الشّيخ بيّوض اتّخذ المسجد منطلق دعوته، وميدانا أساسا لعمله الإصلاحي، لذا حرص أن يقدّم فيه ما يرقى إلى قداسة المكان الذي يتحرّك فيه، ويسمو إلى المكانة التي يحتلّها في حياة المسلمين، ويصل به إلى الغاية التي أنيطت به، وذلك بتحسين طريقة الوعظ، والتّفنّن في أسلوب التّوجيه، والتّمرّس على طرق مخاطبة الفئات المختلفة، التي تؤمّ المسجد، والتّنويع في عرض الموضوعات التي تهمّ النّاس دنيا وأخرى. نحاول عرض هذه التّجربة في النّقط الآتية:
__________
(1) - في رحاب القرآن، ص: 80. (1/111)
صفحة 112
1 – إنّ الشّيخ وهو بدخل معترك الحياة العمليّة، ومجال الإصلاح والدّعوة والتّربية مبكّرا، وفي غمرة إحساسه بمسؤولية تعليم النّاس، وتربية النّشء... سلك مسلكا، يجمع بين تكوين نفسه وتعليم غيره، ثمّ اختار طريقة، تعِدُّ المرَبِّين أو المكوَّنين تكوينا سليما صحيحا. هذه الخطوة أو الطّريقة تتمثّل في الاعتماد في عمله على تدريس كتب بكاملها، سواء في معهده أم في المسجد، وكانت هذه الكتب شاملة لمختلف مجالات المعرفة.
2 – بعد المرحلة الأولى من عمله الإصلاحي والتّربوي عمد إلى أسلوب آخر، يقول عنه:" لمّا ختمت هذه الكتب المذكورة (1) للعامّة في المسجد، سلكت طريقة أخرى في الوعظ، وهي أنّني أختار آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة، وأختار مقطوعات أدبيّة أخلاقيّة، فأجعلها نواة الدّرس فأشرحها، فتثير من حافظتي ما يشاكلها ويتّصل بمعانيها، من آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة، وأدب عربي، وحوادث تاريخيّة وغير ذلك. وأتطرّق من تلك النّواة إلى الموضوع الاجتماعي الذي يشغل بال النّاس، فأشرحه الشّرح الوافي المستفيض، لا أتقيّد في نواة درسي بكتاب. وكنت أختار هذه النّواة لدروسي ممّا يمرّ عليّ في مطالعاتي الشّخصيّة... (2)
يلاحظ التّدرّج في المنهج الذي سلكه الشّيخ بيّوض في دروسه. فمن الاعتماد على كتب معيّنة محدّدة يدرّسها، ويحصر نظر المخاطبين فيها، التي أعانته على التمكّن من التكوّن، إلى فتح آفاق كبيرة لهؤلاء المخاطبين من خلال تزويدهم بمعلومات من مختلف الكتب، ومن خلال ما تختزنه ذاكرته.
__________
(1) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 108 وما بعدها.
(2) - المصدر السّابق، ص: 119. (1/112)
صفحة 113
هذا التّدرّج يقدّم صورة ونموذجا للوعّاظ الجدد أو الشّباب للإفادة منه، أو الاستئناس به في عملهم. وفي المرحلة التّالية يكشف عن كفايته العلميّة، ويبيّن كيف يقدّم الواعظ والدّاعي درسه لمخاطبيه؛ بحيث يشعر هؤلاء بقيمة هذا الواعظ العلميّة والتّربويّة، فيتعلّقون به، ويلتفّون حوله.
قال الشّيخ بيّوض عن طريقته بعد هذه المرحلة: "... إنّ درسي أذهب به في رأسي، وقد صرت لا أستحسن طريقة القراءة من كتاب والشّرح، كما كان في أوّل عهدي بالتّدريس في المسجد، إنّها طريقة ميّتة، القراءة من الكتاب وشرح ما فيه بعد ذلك. وقد يشرح الواعظ وعينه على الكتاب، لا يواجه الجمهور، أريد أن تكون عيني في أعين النّاس، إذا كنت أتكلّم، مستقيم القامة، متوجّها إلى النّاس، وعيونهم كلّها في عيني... (1)
3 – ممّا يدخل في منهج الشّيخ بيّوض الدّعوي أن يكون له في المسجد درسان عامّان، موجّهان لعامّة النّاس، وهو بذلك يسير في النّظام المعروف في مساجد وادي ميزاب منذ القديم. يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " إنّه نظام قديم في مساجد ميزاب، التي لا تخلو من الوعظ والإرشاد. فتلاوة القرآن الجماعيّة ودرس الوعظ واجب يوميّ، على العزّابة في المسجد، وعلى الطّلبة حفّاظ القرآن." (2)
إلقاء دروس يوميّة في المسجد يندرج ضمن المنهج الدّعوي، الذي يفرض أن تكون الدّعوة مستمرّة ودائمة، لا تنقطع يوما واحدا، ويدخل ضمن الأعمال الدّائمة التي بحبّها الله، ولو كانت قليلة، وهو ما يجعل صلة النّاس بربّهم دائمة ومتينة. هذا ما يتيح لهم التّعرّف على واجباتهم الدّينية والدّنيوية... هكذا يجب أن يكون المسجد في حياة المسلمين، وهكذا يجب أن يتعاملوا معه.
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 122، 123.
(2) - المصدر السّابق، ص: 111. (1/113)
صفحة 114
4 – ممّا يحسب في منهج الدّعوة، ودقّة التّنظيم وحسن الإفادة منها اختيار أوقات تقديم الدّروس للنّاس. يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " والوقت المقرّر لدروس الوعظ في مساجد ميزاب قد روعي فيه نشاط السّامعين، وفراغهم من الأعمال. إنّ أغلب الميزابيّين في القديم فلاّحون، فجُعِلَ درس المسجد في الأوقات التي يستطيعون فيها حضوره. وهذا هو نظامه: من آخر الخريف في شهر نوفمبر إلى وسط الرّبيع في الأسبوع الأوّل من أبريل بعد صلاة الفجر, ومن أبريل إلى نوفمبر بين الظّهر والعصر. هذه هي أوقات درس الوعظ في مساجد ميزاب. وهي أوقات درس الشّيخ بيّوض اليومي الأوّل، ويزيد درسا ثانيا يوميّا بعد صلاة العشاء. فدام على هذا النّظام نحو عشرين عاما، ثمّ اقتصر في الوعظ على درس التّفسير العظيم، الذي اختار له بعد صلاة العشاء مباشرة لسعة الوقت له, ونشاط السّامعين وفراغهم من أعمالهم...." (1)
اختيار أوقات الدّروس روعي فيه تفرّغ المخاطبين ونشاطهم، وملاءمة الظّروف لتلقّي هذه الدّروس, ولهذا اختلف وقت الدّرس من بعد صلاة الفجر إلى ما بين صلاتي الظّهر والعصر، حسب الفصول، إلى التزام وقت ما بعد صلاة العشاء كامل السّنة؛ لكون النّاس متفرّغين لسماع الدّرس في هذا الوقت، ممّا يتيح للشّيخ أن يطيل فيه, ويتمكّن من تبليغ أو توصيل ما يريده للحاضرين.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 111، 112. ينظر أيضا في رحاب القرآن، ص:: 75، 76. (1/114)
صفحة 115
5– ... ممّا يميّز منهج الشّيخ بيّوض الدّعوي استغلال المناسبات والأعياد والاحتفاء بها احتفاء خاصّا: تنويعا في الدّروس، وتركيزا على موضوعات من وحي المناسبة، واستغلالا لإقبال النّاس على المسجد، وتهيُّؤ نفوسهم للاستماع والتّقبّل والتّشبّع... فيملؤها الشّيخ بما يريد، ويذكّرها بواجباتها الشّرعيّة, ويحلّل مع الحاضرين شؤونهم الدّنيويّة... كمناسبة الأعياد ورمضان وغيرها، قال الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " إنّ دروس وعظه العادية ( أي الشّيخ بيّوض ) لا تقلّ عن ساعة، أمّا في الأعياد الإسلاميّة فدروسه فيها أطول، قد تزيد عن السّاعتين." (1)
كان يركّز كثيرا على مناسبات الأعراس والمآتم، وقد استطاع أن ينشر إصلاحه ودعوته فيها بشكل لافت للنّظر. كما كانت الحفلات واللّقاءات والاجتماعات مناسبة مهمّة للدّعوة والإصلاح (2) وكانت الأعياد والمواسم والولائم أيضا مجالات للدّعوة والإصلاح. (3)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3 ص: 90.
(2) - ينظر مثلا: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 67 – 191.
(3) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص:120 – 137. (1/115)
صفحة 116
كلّ ذلك يبيّن التّخطيط الجيّد الذي وضعه الشّيخ بيّوض لسير دروسه، ويكشف عن الاستغلال الأمثل المحكم للفرص والمناسبات، ويبرز الوعي التّام لرسالته الدّعويّة؛ بما يعود بالنّفع الكبير على المستمعين له، وعلى الذين يؤمّون المساجد. هذا ما يجب أن ينتبه إليه الدّعاة والوعّاظ والمرشدون؛ حتّى تؤتي دروسهم ومواعظهم أكلها وثمارها الطّيّبة، من ذلك عمارة المساجد. يقول الشّيخ بيّوض: " إنّ المواسم الإسلاميّة: عيد الفطر وعيد الأضحى، وليلة المولد النّبوي وليلة عاشوراء وليلة النّصف من شعبان وليالي رمضان كلّه. في هذه المواسم التي يمتلئ فيها المسجد أكثر، وشعور السّامعين في أعيادهم وفي شهر صومهم، يكون أقوى، أغتنم الفرصة فأجعل فيها دروسا خاصّة، تقوم على آية قرآنيّة، أو حديث نبويّ أختارهما، وقد تكون نواة الدّرس مقامة من المقامات التي ألّفت في الوعظ. قرأت في أعياد عديدة مقامات في الوعظ بليغة من أطواق الذّهب للزّمخشري ( ت 538هـ ) وأطباق الذّهب للأصفهاني، فكانت نواة لدروسي في الأعياد، أشرحها شرحا وافيا، ثمّ أخرج منها إلى مواضيع السّاعة المهمّة. وفي كلّ وقت حادث من الحوادث، ومشكلة اجتماعيّة، تشغل بال الأمّة، فتكون موضوع الدّرس. ومن تلك المشاكل التّهاون بشعيرة دينيّة، أو ارتكاب محرّم، أو التّمرّد على الدّين . وتستمرّ دروس الأعياد والمواسم أكثر من ساعة، تصل إلى السّاعتين أحيانا لأهمّية مواضيعها، وشوق الجمهور وشدّة إقباله على الدّرس" (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 120، 121. ينظر ما كتبه الشّيخ محمدد عليّ دبّوز عن دروس الشّيخ بيّوض في المواسم والأعياد المصدر نفسه ص: 120 –
123. (1/116)
صفحة 117
وفي رمضان تكون دروسٌ تتناسب مع هذا الموسم، وتتناغم مع الظّروف، التي يعيشها النّاس: كبارا وصغارا، فالقلوب تكون رقيقة، وأكثر استعدادا لقبول النّصيحة، وتلقّي العلم. فدروس الشّيخ تكون تعليما لمن لم يعلم، وتذكيرا لمن يدري، وزيادة في المعرفة لمن له نصيب من العلم والفقه...لهذا كانت في هذا الموسم كالآتي: دروس في فقه الصّيام، واجبات الصّوم وفلسفته ومفسداته..." ليتعلّم الأحداث الذين يبلغون في العام، من ذكور وإناث دينهم، والغائبون من الشّباب الذين يحضرون، وتذكير الكبار بما يسمعون." (1)
ثمّ دروس في الأخلاق؛ تزكية للفاضلة منها، وردّا ونعيا على الفاسدة منها. ثمّ كما قال الشّيخ بيّوض: " وفي دروس رمضان أعتني بالأسرة ومشاكلها، وأسباب صلاحها وهنائها، فأتحدّث عن حقوق الوالدين وحقوق الأبناء، وحقوق الأزواج وعلاقة الأصهار بأصهارهم، ومحاولتهم إفساد الزّوجة على زوجها، والعكس... وأعتني في دروس رمضان كلّ الاعتناء بالفواحش: الخمر والزّنا
والسّرقة والقمار وأكل الرّبا, وغير ذلك، وأشرحها شرحا فلسفيّا، وأبيّن مضارّها الكثيرة لمرتكبيها وللمجتمع..." (2)
يغلب على دروس الشّيخ بيّوض في رمضان الطّابع الأخلاقي، وإصلاح النّفوس، وتهذيب السّلوك، والحديث عن أسس بناء المجتمع. إنّ هذا هو عمل المصلح، ودور الدّاعية, يحرص على ما يبني، وما يبعد أسباب الهدم والتّدهور. كما قال أحمد شوقي:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوّم النّفس بالأخلاق تستقم
يقول الشّيخ بيّوض: "...هذه مواضيع دروس رمضان، أكثرها أخلاقيّة اجتماعيّة. إنّ رمضان أحسن موسم لإصلاح النّفوس؛ لأنّ كثيرا من الشّباب المغتربين يشهدون رمضان في القرارة، إمّا كلّه أو بعضه، وخصوصا في آخر رمضان لحضوره وحضور العيد في وطنهم. " (3)
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 121.
(2) - المصدر السّابق، ص: 122.
(3) - المصدر السّابق نفسه. (1/117)
صفحة 118
حقّق الشّيخ بيّوض نجاحا كبيرا بفضل اتّباعه هذا المنهج، وسلوكه هذا المسلك: استغلال المناسبات، وملئها بدروس خاصة، وتجديده في المسائل التي يعرضها؛ رغم تكريره للموضوعات، التي توحي بها المناسبات المتكرّرة. يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز:" ... وما يروعك في دروس الصّوم هو أنّ الشّيخ بيّوض، رغم تكراره في كلّ عام لموضوع الصّوم، فدروسه فيه دائما جديدة، تحتوي على معانٍ رائعة جديدة، لم يأت بها من قبل، وذلك أنّ الشّيخ يستلهم في دروسه العامّة جمهور القرارة، ويسايره في ترقِّيه، ويقدّم إليه في كلّ عام ما يليق بعقول العامّة والطّلبة، التي تترقّى رقيّا كبيرا، بفضل دروسه؛ لهذا يستعمل فكره الوقّاد، فيغوص إلى أعماق أبعد، فيستخرج للمستمعين ما يليق بهم، ويكون جديدا عندهم، لم يعرفوه." (1)
هذه اللّفتة المهمّة في عمل الشّيخ بيّوض، وهذا التّوجّه الحكيم منه يعزّز من أهمّية منهجه في العمل الدّعوي والتّربوي. فيا ليت وعّاظنا ومرشدينا ينتبهون إلى هذه النّقطة، ويعرفون كيف يستغلّون المناسبات، ويغتنمون الفرص، ويحسنون التّوجيه؛ فيختارون لكلّ مناسبة الدّروس أو الموضوعات الخاصّة بها، ويغتنمون مناسبة تهيّؤ النّفوس لتقبّل المواعظ والإرشادات، فيملؤونها بما يرونه مناسبا، ويزوّدونها بما يريدون. فبذلك يخدمون الدّعوة خدمة جليلة، ويؤتي عملهم الثّمار المرجوّة بإذن الله.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 117، 118. (1/118)
صفحة 119
هذه تجربة مهمّة، وتوجيه سديد من الشّيخ بيّوض يبيّن للواعظ، ويعرّفه من خلالها كيف يستغلّ منبر المسجد استغلالا مفيدا، حتّى تكون لدروسه فعالية؛ لأنّها تكون واقعيّة، ترتبط بحاضر النّاس واهتماماتهم، وتكون فيها جدّة، إذ تساير تطوّر الحياة وتجدّدها، وتكون متنوّعة في موضوعاتها وأساليبها ومصادرها، وتكون مشوّقة ومرغوبا فيها؛ لأنّها تمسّ شرائح كثيرة من المجتمع، ويجد الذين يقصدون المساجد - بكلّ فئاتهم – أنفسهم ممثّلين في دروس المنبر. وبذلك يعطي الواعظ بعدا كبيرا للعبادة، ويقدّم معنى أسمى للاحتفال بالمناسبات؛ إذ أنّه يستغلّها للتّذكير والدّعوة والتّوجيه. يقول الشّيخ بيّوض: " وفي دروسي الدّائمة في المسجد أيضا، وفي درس التّفسير أخرج بأسلوب حكيم إلى هذه المواضيع الاجتماعيّة (1) فأوفّيها حقّها. هذا يقع دائما، لا في دروس المواسم وحدها, كنت أطرق الحوادث الاجتماعيّة، التي تشغل بال الجمهور، فما يشتاق النّاس للسّماع فيه في أسبوع، غير ما يشتاقون إليه في أسبوع مضى. وكلّ موسم يكون الكلام عن قضيّة من القضايا التي تشغل بال الإصلاح والمصلحين، وكنت أخدم الإصلاح، وأركّز فكرته في النّفوس، في وسط الدّروس المستمرّة. " (2)
هذه الفقرة تتضمّن نقطا ثلاثا، توضّح منهج الشّيخ العام في الدّعوة، وتكشف عن منهحيّته في الوعظ:
1 – الرّبط بين موضوع الدّرس الرّئيس، الذي يلقيه على منبر المسجد والموضوعات الاجتماعيّة، التي تدور في المجتمع، ممّا يتّصل بحياة النّاس مباشرة. هذا يدلّ على العلاقة الكبيرة، التي تربط هذه الموضوعات؛ لأنّها تصدر من مشكاة واحدة، هي القرآن والسّنة، وتصبّ في هدف واحد، هو طلب مرضاة الله. وتوحي بهذا الانسجام الذي يجب أن يحسّ به الواعظ، الذي يكون بينه والموضوعات التي يعالجها.
__________
(1) - كان الشّيخ يشير إلى بعض الموضوعات التي كان يتناولها في دروسه، على سبيل التّمثيل.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 121. (1/119)
صفحة 120
2 – وجود هذا الخيط، الذي ينتظم عمل الشّيخ، فيوفّر هذه البؤرة التي تصهر أفكاره، وتُوجِد هذا المحور، الذي تدور حوله أعماله... إنّه الإصلاح الذي ملأ عليه حياته، وشغل باله، وشدّه إليه، فكان يسخّر كلّ ما يقوم به لأجل تثبيت ذلك الإصلاح في النّفوس ، وتوجيه كلّ الأعمال نحوه. إنّ هذا يُبِينُ عن منهجه بوضوح وجلاء.
3 – مراعاة ميول النّاس ورغباتهم، والاستجابة لتطلّعاتهم، وتقدير ما تطلبه نفوسهم، ويحتاجون إليه؛ ممّا يمكّنهم من التّفقّه في الدّين، وتعلّم ما ينقصهم. هذا من جملة المسؤولية الكبيرة، التي يتحمّلها الدّاعية، المتمثّلة في السّبق إلى توقّع ما يمكن أن يدور في أخلاد المستمعين إليه من اهتمامات, ويحاول هو أن يعرضها عليهم، أو يحدّثهم فيها: " ليشعر الذّين يقصدون المساجد، والذّين يستمعون إلى الوعّاظ في بيوت الله والحاضرون في حلقات الذّكر ومجالس العلم أنّه يهتمّ بهم، ويفكّر في أحوالهم، وينشغل بهم، وبما يتطلّعون إليه.
إنّ هذا " المعيار المقترح نابع من حرص الواعظ والخطيب على خدمة المجتمع، ومستقى من مسؤوليتهما الكبيرة, ورسالتهما الشّريفة...كما أنّ هذا المعيار المطلوب منبعث من فراسة المؤمن المخلص، الذي لا تخيب بإذن الله، فالمؤمن بنور الله يبصر." (1)
__________
(1) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، كبف تختار موضوعا للوعظ، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع ، السّيب، سلطنة عمان، سنة:
1424هـ/ 2003م، ص: 48.، 49. (1/120)
صفحة 121
6 – كان الشّيخ بيّوض يخصّص دروسا للعامّة, وأخرى يوجّهها للطّلبة، سواء في المسجد أم في معهده، حيث كان يركّز على بعض الكتب في تدريسه، ويعمّمها على كلّ طلبة المعهد، كما كان الشّان مع كتاب " شرح صحيح البخاري " الذي كان يفتتح كلّ طلبة معهد الحياة يومهم الدّراسي به، وبعد هذه الحصّة يلتحقون بحلقاتهم. وكما كان يصنع مع تفسير القرآن، بالرّغم من كونه موجّها إلى كلّ النّاس، لكنّه كان يخصّ يه طلبة العلم في الدّرجة الأولى، بدليل أنّ دروس التّفسير كثيرا ما كانت تتوقّف حين يكون الطّلبة في إجازة. بل كثيرا من دروسه في المسجد كان يتوجّه بها إلى طلبة العلم، الذين يراهم محطّ آماله، و مناط دعوته، ونتاج غرسه، حتّى إنّه مرّة ردّ على أحد العامّة الذي طلب من الشّيخ التّدريس باللّهجة المحلّية ( الميزابيّة ) وقال له إنّنا نأتي من بعيد لنحضر درسك، لكنّك تدرّس باللّغة العربية، وتتعمّق فيها، ونحن لا نسايرك فيها. أجابه الشّيخ: إنّني أقدّم دروسي للطّلبة في الدّرجة الأولى، فإذا كنت لا تستطيع أن تستوعب ذلك فلا تحضر.
ليس معنى هذا أنّ الشّيخ بيّوض ينحو هذا النّحو دائما، إنّما كان يسلك هذا المسلك حين يكون قاصدا توجيه الكلام للطّلبة في الدّرجة الأولى, كما قال مرّة:"...إنّ مقصدي من هذه الدّروس وغيرها مقصد الشّيخ محمد عبده، أن أخلق عقولا تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسا فيها طهر القرآن، وتلامذة مصلحين، يكونون جند القرآن." (1) إنّ الشّيخ بيّوض يتبنّى في وعظه وتدريسه الأسلوب المناسب والمنسجم مع هدفه من نشاطه ودعوته، ولهذا نجح في عمله، وحقّق نتائج مهمّة جدّا.
__________
(1) - الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراعيم بن عمر بيّوض، ص: 92. نقلا عن نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج2، ص: 30. (1/121)
صفحة 122
7 –كان يراعي مستوى المخاطبين ومداركهم، بالنّظر إلى الفئات المختلفة التي تؤمّ المسجد لتحضر دروسه، لذا كان يستعمل اللّغة العربيّة الفصحى واللّغة العربيّة الدّارجة واللّغة الميزابيّة، يدرّس باللّغات الثلاث في درس واحد، وقد يكتفي بإحداها، حسب المقام؛ مراعاة لمقتضى الحال. هذا من تمام كياسته وفطنته وحسن تدبيره.
إنّ هذا يدخل ضمن منهجه الدّعوي المحكم. قال الشّيخ محمد علي دبّوز: "... وكان متمكّنا في اللّغة العربيّة الفصيحة، بارعا في التّكلّم بها، وكذلك في الدّارجة: بربريّة وعربيّة، غير أنّ العربيّة الفصحى لتغلّبها عليه تمزج حديثه، إذا تكلّم بالدّارجة في بعض دروس وعظه، لإفهام العامّة، سيّما النّساء..." (1)
تقول الأستاذة الوزناجي نادية: " فالشّيخ بيّوض لم يفسّر القرآن مباهاة، بل قصد به إصلاح أمّة، وتربية جيل قرآنِيّ، وهذا ما يفسّر الثّلاثيّة اللّغويّة التي يخاطب بها المتلقّين، المتمثّلة في الفصحى والدّارجة والميزابيّة؛ لأنّ أغلب هؤلاء كانوا من العامّة، ولا يمكن بحال إصلاح أمّة إذا أهملنا أغلبها، وهم العامّة، وهم طبقات متفاوتة الثّقافات والمستويات" (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 86.
(2) - الوزناجي نادية، البعد الواقعي في التّفسير الشّفاهي - تفسير الشّبخ بيّوض نموذجا – مجلّة، معهد الحياة،ع4، القرارة ( الجزائر ) رمضان 1421
هـ/ ديسمبر، 2000م، ص: 147. (1/122)
صفحة 123
8 – كان الشّيخ بيّوض في كثير من دروسه يستوحي موضوع درسه ممّا يشاهده في المجلس الذي يكون فيه، فيختار آية قرآنيّة أو حديثا نبويّا أو بيتا شعريّا، أو مقولة مناسبة، فيشرح ذلك، ويعلّق عليه، وبذلك يكون لدرسه أثر كبير؛ حين يربط ما يقوله بما يحدث أمامه, ويلبّي للحاضرين ما ينتظرون منه. لقد تعوّد الشّيخ بيّوض أن يكون واقعيّا في عرضه ووعظه. إنّ ذلك داخل في منهجه. قال الشّيخ بيّوض: " أعزم على الكلام في المحافل، فلا أعدّ شيئا في نفسي أحيانا، ولا أعيّن موضوعا، ولكنّني أستلهم الظّروف، وأستغلّ ما يقع في الحفل، من آية قرآنيّة أو نشيد يقرأ وغير ذلك، فأجعله نواة كلامي، ولكنّني في كلّ درس وخطبة أعتمد على الله وأبدأ كلامي، فيسرع إلَيّ الموضوع اللاّئق، وتتفتّح لي فيه أبواب القول، وتنثال علَيّ العناصر والأدلّة والشّواهد، فأجد الموضوع الصّعب الملتوي طبقا مملوءا أمامي، أنتقي منه ما أشاء، وأشعر بالمعاني تنساب في نفسي انسياب السّاقية الملأى، ينحدر ماؤها من جبل..." (1)
الأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر مثالين دليلا على ما ذكرناه:
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 88، 89. (1/123)
صفحة 124
المثال الأوّل خطبته التي ألقاها في مدينة العطف سنة 1944م، كان قد استلهمها من مسرحيّة " بلال بن رباح " التي أدّاها طلبة معهد الحياة. فقد كانت كلمة الشّيخ بيّوض تعليقا على هذه المسرحيّة؛ إذ ربط بين أحداثها، وما حصل لبلال بن رباح، وما كان عليه الإصلاح آنذاك، الإصلاح الذي كان يقوده، ويقوم به. وقد مرّ هذا الإصلاح في بداية أمره بظروف صعبة، لكن سرعان ما حقّق انتصارات كبيرة ونجاحا باهرا، وهو بالضّبط ما حصل لبلال بن رباح. استغلّ الحدث فتكلّم عن الإصلاح؛ ليبعث الحماسة في النّفوس، ويزرع الثّقة في قلوب أصحابه ورفقائه وأبنائه، إذ هم في أمسّ الحاجة إلى ذلك في تلك الفترة الحرجة. ومن هذه التّعليقات كان يوجّه ويرشد، ويقدّم التّجارب، ويعرض الحقائق. (1)
المثال الثّّاني: درس أو محاضرة ألقاها الشّيخ بيّوض في مدينة " ضاية بن ضحوة " ( ولاية غرداية ) سنة 1944م. في الحفل الذي أقيم للشّيخ بيّوض والوفد المرافق له، طُلِبَ منه أن يلقي درسا، فاستوحى كلمته من المقام، إذ كان مجودّ القرآن في بداية الحفل قد اختار سورة الفتح، فقام الشّيخ بيّوض وحدّث الحاضرين بما فتح الله عليه، ممّا فتحت عليه سورة الفتح (2) ، وكعادته ربط بين ما حصل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كما حكت بعضا منه سورة الفتح، وما وقع له عليه السّلام من أذى واضطهاد وبين الواقع الذي يعيشه المصلحون من تنكيل وتعطيل لنشاطهم...
__________
(1) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 122, 123.
(2) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 160 – 166. (1/124)
صفحة 125
قال الشّيخ بيّوض: " قضى الله أن أختار هذه السّورة لتكون فاتحة هذا الدّرس، وإنّ فيها لمغزى كبيرا، لما ابتلي به العلماء المصلحون من محاربة ومصادرة ونفي وإبعاد، وحيلولة بينهم وبين الشّعوب أن يعلّموها، ويأخذوا بأيديها لما فيه صلاح الدّارين. ولحكمة غريبة أرشد الله المجوّد إلى هذه السّورة التي اتّخذ منها اللّيلة موضوع درسي..." (1)
بعد أن سرد شيئا ممّا تتضمّنه كلمة ( الفتح ) من دلالات، وما ذكره العلماء في حقيقة الفتح المقصود في السّورة، وعرض نبذة من الأذى التي لحق بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، وصبرهم على كلّ ذلك... ذكر النّتائج الكبيرة التي حصل عليها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون بعد ذلك، قال منبّها ومركّزا على وجوه الاعتبار والإفادة من هذه الشّذرات التّاريخيّة: " إخواني وأبنائي ! إنّ لنا في رسول الله إسوة حسنة، إنّ لنا فيه عبرة وذكرى. ألا ترون كيف أوذي من قومه، وكيف أخرج من بلده، وكيف عاد إليه معتمرا فأوصدت في وجهه الأبواب، وسدّت دونه الطّرق، فعاد أدراجه. ثمّ بعد زمن قليل عاد إليهم فاتحا غازيا، يقود جيشا عرمرما من أصحابه الغرّ الميامين، فأصبحت مكّة التي أخرجته طريدا، وأغلقت دونه أبوابها، أصبحت تحت قدميه، يتحكّم فيها تحكّم القويّ الجبّار، ويتصرّف فيها تصرّف المالك القادر في ملكه.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 161. (1/125)
صفحة 126
ألا ترون أيّها الإخوان أنّ الله يصنع بالعلماء المصلحين ما صنع بإمامهم الأعظم، محمد عليه السّلام. إنّ عاقبة المصلحين الصّابرين لن تكون إلاّ عاقبة إمامهم الأعظم، صلوات الله وسلامه عليه. إذا سدّت اليوم أبواب المساجد أمام العلماء المصلحين، بقرار من لا يرقب في الله إلاّ ولا ذمّة، وأقفلت في وجوههم أبواب المدن في المشارق والمغارب، فلتعلموا يقينا أنّ الأبواب ستنكسر، والسّدود ستتحطّم، وأنّ الدّين سينتصر، والعلم الصّحيح سينتشر، وسيدخل كلّ قرية، ويتسرّب إلى كلّ مكان. إنّ المساجد ستفتح أبوابها، وترحب منابرها بدعاة الإصلاح حملة الكتاب والسّنة... (1)
هذه الأشجان وهذه الأفكار وغيرها ممّا ورد في كلمة الشّيخ بيّوض استوحاها من الآيات التي افتتح بها المجوّد الحفل، ثمّ استرسل يربط بين واقع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، المصلح الدّاعي، المضطهد المضيّق عليه، والمنتصر في النّهاية، وواقع الحركة الإصلاحيّة التي عانت من القريب والبعيد، ثمّ حقّقت نصرا مهمّا، وستحقّق انتصارات أخرى كما كان للرّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنّ الله كما أورد ذلك الشّيخ بيّوض قال: { إنّهم لهم المنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون } (2) { ...ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويّ عزيز } (3)
9 – كان الشّيخ بيّوض لا يجد حرجا في قراءة بعض المقالات من المجلاّت والجرائد في المسجد. وفي بعض الأحيان يتّخذ هذه المقالات محور درسه. وهو ما كان يراه بعض الجامدين وقصيري النّظر ومحدودي الإدراك بدعة وضلالة وتدنيسا لحرمة المسجد.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 163، 164.
(2) - سورة الصّافات، الآيتان: 172، 173.
(3) - سورة الحجّ، الآية: 40. (1/126)
صفحة 127
إنّه بهذا السّلوك يقدّم نموذجا صحيحا للدّعوة، ويحارب الأفكار البالية، التي تقف أمام العمل الإصلاحي، والتّطوّر الذي يدعو إليه الإسلام، وتقتضيه الدّعوة. قال الشّيخ بيّوض: " ... وقرأت في المسجد في الثّلاثينيات مقالات من المجلاّت الاجتماعيّة الدّينيّة: مجلّة الفتح ومجلّة الزّهراء للشّيخ محبّ الدّين الخطيب، ومجلّة الرّسالة للزّيّات. قرأت منها في المسجد عدّة مقالات للأديب العبقري المسلم مصطفى صادق الرّافعي... وقرأت من مجلّة الرّسالة في يوم عيد في المسجد مقالة للأستاذ أحمد أمين ( الرّجولة في الإسلام ). هذه المقالات من هذه المجلاّت المصريّة وغيرها أشرحها كلّها للعامّة وأمزجها بالمواضيع الاجتماعيّة، التي تشغل بال جمهورنا، والتي يجب الحديث فيها في الدّروس الكبرى. وقرأت وشرحت في المسجد قصائد أخرى ومقالات أخرى لكتّاب معاصرين، تدافع عن فكرة الإسلام، وتهاجم الأمراض الاجتماعيّة، التي نشكوها. هذا كلّه في الثّلاثينيات والأربعينيات، وكان الجامدون ينكرون هذا. قراءة الأشعار والمجلاّت في المسجد. ولم أُبالِ بإنكارهم، لقد كنت أعتبر فائدة الجمهور وما يجب له، وما يجديه في دينه ودنياه أكثر." (1)
10 – كان يفتتح درسه دائما بدعاء الله أن يعينه في تقديمه على أحسن ما يرام، ويطلب توفيق الله له، وأن يفتح عليه فيه بما يعينه على أدائه أداء حسنا، وإفادة النّاس منه أحسن إفادة، كما كان يختتمه بالدّعاء المناسب لموضوع الدّرس.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 120. ينظر أيضا الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض ، ص: 92 – 94. (1/127)
صفحة 128
دعاؤه المأثور في افتتاح دروسه هو: " أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ سيّدنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم عبده ورسوله، اللّهم أكرمنا ينور الفهم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، اللّهم افتح علينا حكمتك، وانشر علينا رحمتك، ويسّر لنا من خزائن علمك، يا ذا الجلال والإكرام، وصلّ اللّهم وسلّم وبارك على سيّنا محمد خاتم النّبيين، وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين." (1)
بهذا المنهج المحكم الذي سلكه الشّيخ بيّوض في دروسه استطاع أن يحقّق كثيرا من أهدافه في الدّعوة والإصلاح. فأحدث في المجتمع القراري بخاصّة، والميزابي بعامّة انقلابا جذريّا نحو الأحسن والأصلح, يقول الدّكتور محمد ناصر: " إنّ هذا الانقلاب العظيم الذي تزعّمه الشّيخ بيّوض يعود إلى نهجه التّربوي الرّشيد، الذي يتّبعه في دروس تفسير القرآن الكريم، فقد كان ينتهج نهج العبدويّة، ويتّبع أسلوب عرض المجتمع على القرآن الكريم والسّنة النّبوية الشّريفة؛ عارضا مشاكله الاجتماعيّة اليوميّة، منطلقا من واقعه المعيش، بحصافة وبعد نظر عميقين... كان هناك المسجد، هذه المدرسة الاجتماعيّة، التي ينتسب إليها كلّ أفراد المجتمع، على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الفكريّة:، ذكرانا وإناثا، شيبا وشبّانا، أساتذة متضلّعين وتلامذة مبتدئين، وكلّ منهم يغرف من دروسه حسب موهبته واستعداده العقلي." (2)
إنّ الشّيخ بيّوض نجح في دروسه بخاصّة، وفي عمله بعامّة بهذه الأساليب المهمّة التي سلكها في وعظه وإرشاده. هذا النّجاح يرجع أيضا إلى درايته وكفايته العالية في مجال التّربية والتّعليم، اللّذين هما أسّ عمله ونشاطه. فما هي نظرته إليهما؟وكيف مارسهما في حياته العمليّة؟
التّربية والتّعليم في منهج الشّيخ بيّوض
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 88.
(2) - حلقة العزّابة ودزرها في بناء المجتمع المسجدي، ص: 20، 21. ينظر أيضا أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 86 – 95. (1/128)
صفحة 129
إنّ منهج الشّيخ بيّوض في الدّعوة والإصلاح نابع من فهم الواقع، الذي يعيشه، ومختطّ ممّا يحتاجه في مسيرته الدّعويّة والإصلاحيّة، ومقدود من الأهداف المسطّرة على المدى القريب والبعيد، وموضوع بما ينسجم مع طبيعة عمله، الذي يتطلّب الشّمولية في النّظرة، والواقعيّة في التّخطيط، وتوقّع أنواع المفاجآت والطّوارئ...
هداه كلّ ذلك إلى الوقوف على نقطة الارتكاز، وعلى بؤرة العمل، وبداية الانطلاق في التّحرّك. فوجد أنّ ذلك لن يكون إلاّ في التّعليم والتّفقيه والتّربية. فقد وصل إلى قناعة أو حقيقة، وهي أنّ سبب المشاكل التي يعانيها في عمله، وأنّ مصدر النّفور من النّهضة والإصلاح والتّطوير هو هذا الجهل والأميّة في الدّين والحياة. وعلم أنّ الصّراع الذي استعر أواره، واشتدّ لهيبه كان بين عقليّة متنوّرة بنور العلم، وعقليّة أعماها ظلام الجهل. فوضع لنفسه استيراتيجيّة محكمة، واتّخذ منهجا قويما، ساعده على وضع الأساس المتين لبناء المجتمع الفاضل. إنّها استيراتيجيّة التّعليم والتّكوين والتّثقيف؛ لأنّ التّعليم وسيلة مهمّة وناجعة لإزالة الغشاوة التي تمنع العيون من أن تبصر النّور. (1/129)
صفحة 130
قال الشّيخ بيّوض: " عرفنا من زمن بعيد أن لا إصلاح للوطن إلاّ بالعلم الصّحيح، فدرجنا في سبيله، وضحّينا فيه بكلّ عزيز... ألا يكفيكم أن نمدّكم بين وقت وآخر بفئات ثمّ فئات، متدرّعة بالعلم الصّحيح والخلق المتين والذّوق السّليم. لا نقبل علما بلا خلق، ولا علما بلا ذوق فنّي لابدّ منه... هذا ما نريده لشبابنا، ونغرسه بالتّربية الصّحيحة فيهم في مدارسنا ومعهدنا. وهذا ما لا يفهمه عنّا الجامدون، وكانت بسببه هذه الحرب العوان بيننا، فسبّوا وشتموا واعترضوا، وقابلونا بكلّ أذى، وقد وسعهم حلمنا، فلم نقابلهم بالمثل، لا بوشاية ولا بسعاية، ولا بسبّ ولعن، ولا بمنع عن الجولان، ولا بالحيلولة بين الآباء والأبناء. أعرضنا عن سخافاتهم وترّهاتهم، ومشينا قدما نحو غايتنا، عالمين أنّنا محقّقوها بإذن الله، لا محالة. وقد تحقّقت والحمد لله على فضله." (1)
هذه الفقرة تكشف عن الدّوافع التي دفعت الشّيخ بيّوض، ومن كان معه في الميدان أن يتّجه نحو التّعليم بقوّة؛ لتصحيح المسيرة، ووضع القاطرة في سكّتها الصّحيحة، وتأسيس الحجرَ اللّبنةَ في الصّرح الشّامخ، الذي يريد بناءه بعمله. ولهذا قال لإخوانه وأبنائه: " إخواني، أبنائي! يجب علينا الإقبال على العلم وخدمته خدمة صادقة. يجب أن نقلّل من خدمة البطون التي عمرت جميع أوقاتنا، وصرفت إليها جميع جهودنا، ونلتفت إلى خدمة الرّؤوس. فالبطن تكفيه تمرات تقيم أوده, أمّا غذاء العقل فهو ضروريّ لصاحبه، وفرض علينا لنهوض الأمّة، فيستلزم الحصولُ على المقدار الضّروري منه سنين من التّحصيل. يجب أن نضحّي بالرّوح، إنّ الرّوح غذاؤه وقوامه العلم الصّحيح. " (2)
__________
(1) -أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 72.
(2) -المصدر السّابق، ص: 141. (1/130)
صفحة 131
إنّ هذا الاختيار صائب، وهذا التّوجّه حكيم، فبالعلم ترقى الأمم، وبه تزدهر، وتخرج من دوّامة التّخلّف، وبه تُحَلُّّ كثيرٌ من المشاكل الاجتماعيّة، لهذا فإنّ الاهتمام بالتّربية والتّعليم من أوكد واجبات الدّاعية، وأوّل ما يضعه في مخطّطه ومنهجه، وإلاّ فشل في أداء واجبه. يقول عبد البديع صقر: " التّعليم هو تقديم المعرفة للآخرين، والتّربية هي تدريب العقل والعاطفة وسائر الطّاقات الإنسانيّة على مسلك معيّن. ولا يستطيع الدّاعية أن يعمل خارج هذا النّطاق، فهو إمّا معلّم، وإمّا مربٍّ لجميع طبقات الأمّة بمعنى من المعاني." (1)
هذا ما كان يسير عليه الشّيخ بيّوض في عمله، وقد اقتنع بضرورة سلوك المنهج التّعليمي التّربوي لإصلاح الفساد، وتلافي السّلبيات،وتطوير المجتمع، قال يخاطب طلبته، ويحثّهم وينبّههم إلى الاشتغال بالتّحصيل العلمي قبل كلّ شيء: "... وكذلك أنتم الطّلبة عليكم أن تساهموا بما في وسعكم، دون أن تخلّوا بواجبكم الدّراسي، ومهمّتكم التي أوفدتم لها، وهي التّكوين العلمي قبل كلّ شيء." (2)
__________
(1) -كيف ندعو النّاس، ص: 89.
(2) - الشّيخ إبراهيم بيّوض، أعمالي في الثّورة، نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر، سنة: 1990م، ص: 99. (1/131)
صفحة 132
بل إنّ الشّيخ كان يذهب بعيدا حين يقرّر أنّ بناء المراكز العلميّة، وتشييد الصّروح الثّقافيّة مقدّمان على بناء الثّكنات العسكريّة في حماية الدّولة والأمّة من الأخطار الأجنبيّة؛ لأنّ العلم يجعل الأمّة قويّة متماسكة، قادرة على صدّ كلّ ما ينالها ويمسّها في عمقها وفي جوهرها. في حين قد تعجز الثّكنات والقلاع الحربيّة عن ذلك. والعلم مقدّم في الجهاد على حمل السّلاح، والثّاني في حاجة إلى الأوّل أكثر من حاجة الأوّل إلى الثّاني. يقول الشّيخ: " ...فإنّي وجدت العلم هو الدّعامة الأولى للإسلام والجهاد دعامة ثانيّة. وحاجة الجهاد إلى العلم أشدّ من حاجة العلم إلى الجهاد، ووجدت العلم الجناح الأيمن للإسلام، والجهاد الجناح الأيسر، وبهما معا طار إلى أعلى الذّرى. وقد كان النّبّيء صلّى الله عليه وسلّم معلّما قبل أن يكون محاربا. على أنّ العلم جهاد كلّ زمان وكلّ مكان، دون السّيف الذي له ظروف استثنائيّة خاصّة، يحكم العلم في تعيينها وتقدير ضرورتها...وما أظنّ بكم حاجة إلى بيان خطر العلم وقيمته في تشييد ركن الدّين، فإنّه من البدهيات. هذا في علم الدّين وما يخدمه من علوم اللّسان. وأمّا إذا نظرنا إلى علوم الطّبيعة والكيمياء والتّعدين وحرث الأرض والهندسة في مختلف أنواعها، وما إلى ذلك عند الأمم المتأهّلة بها، فإنّ الأمر أعظم من ذلك. فلا عاقل في مشرق الأرض أو مغربها يستطيع أن يقول اليوم إنّ بناء حصن وتشييد قلعة أنفع لأيّة أمّة أو دولة من يناء مدرسة، وتشييد مختبر. وما عمّرت القلاع، ولا دجّج الجنود إلاّ بمبتكرات العلماء. فثلّة من العلماء المنزوين في زوايا مخابرهم أنفع لأيّة أمّة أو دولة من ملايين الجنود، تحشد في القلاع، أو تساق إلى الثّغور." (1)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، فتاوى الإمام الشّيخ بيّوض، ط2، مكتبة أبي الشّعثاء، السّيب، سلطنة عمان، 1411هـ/ 1990م، ص: 223
– 225. (1/132)
صفحة 133
لقد حرص الشّيخ بيّوض على تربية النّشء تربية إسلاميّة صحيحة، وتكوين الشّباب تكوينا سليما، كان مهتمّا ببناء النّفوس، التي تقوى على المجابهة والفداء وحمل الرّسالة، وتكوين الرّجال الذين يقدرون على المرابطة في الثّغور، وتحمّل الأعباء الجسام، التي تنتظر كواهل قويّة، وسواعد مفتولة، وإعداد جنود أشدّاء أقوياء، مسلّحين بأجدى الأسلحة وأعتاها، على رأسها سلاح الإيمان واليقين . الإيمان بالرّسالة المنوطة بهم، والأهداف المرسومة، والإيمان بضرورة العمل على التّغيير نحو الأصلح، ومعرفة خطورة الوضع وضراوة المعركة. واليقين في الله ونصره، إذا خلصت النّيات، وصدقت الإرادات.
لقد آمن الشّيخ بيّوض أنّ التّعليم هو الذي يضع القواعد الأساسيّة لبناء المجتمع؛ لهذا أعطى له نفسه، وهام به، وصال وجال في رحابه، ورابط واعتكف في محرابه، قال: " وهوايتي ونشوتي الأخرى في التّدريس والتّقرير، إذ أنّ ألذّ ساعات حياتي هي وقت الدّرس، سواء كان تفسيرا أو غير تفسير. إذا انتظم الدّرس، وكنت موفّقا فيه، ووجدت في نفسي نشاطا، وأنّ الله تبارك وتعالى يمدّني، ووجدت أمامي طبقة من الطّلبة، أرى فيهم نجابة ولهفة، أذهانهم حاضرة، وعيونهم شاخصة إليَّ. إنّ ألذّ ساعات عمري هو هذا، درس موفّق ألقيه على هؤلاء. إنّني مغرم بالقراءة، أجد فيها نشوتي الكبرى، ولكنّ التّدريس أكثر، فهو في الدّرجة الأولى... إنّ في التّدريس فائدة المطالعة وزيادة. إنّ المرء يشعر فيه أنّه يؤدّي واجبا إلهيّا مقدّسا، فيشعر براحة الضّمير وغبطة النّفس، برضى الله." (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 196، 197. (1/133)
صفحة 134
إنّ هذه الاستيراتيجيّة تبنّتها كلّ حركة إصلاحيّة، وكلّ فئة تدعو إلى الله دعوة صحيحة، مبنية على أسس سليمة. بقول نور الدّين سوكحال: " وهذه النّتيجة التي توصّل إليها الشّيخ بيّوض كانت قدرا مشتركا بين كلّ الحركات الإصلاحيّة والتّغييريّة، التي ظهرت في العالم الإسلامي، بل وبين كثير من الحركات التّحرّريّة في شتّى بقاع العالم الإنساني، حيث كانت هذه الحركات تدرك أنّ التّعليم هو السّبيل المضمون للمحافظة على مقوّمات شخصية المجتمع، وتخليصه من القابليّة للاستعمار، وكانت تردّ على كلّ من يزعم أنّ سلوك هذا المنهج يستغرق وقتا طويلا بالكلمة التي قالها الفيلسوف الألماني ( فيخته FICHTE ) ولكن طول الوقت لتحقيق هذه الغاية يجب أن لا يحول دون اهتمامنا بها اهتماما كبيرا؛ لأنّ الغد أهمّ من اليوم، ولا سيّما أنّ زمام اليوم قد خرج من بين أيدينا، وما نملكه الآن هو الغد وحده، فيجب أن نبذل ما نستطيع لتحسين هذا الغد." (1)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 64. (1/134)
صفحة 135
بهذه الاستيراتيجيّة، وهذه النّظرة إلى طريقة الإصلاح نزل إلى ميدان التّعليم مبكّرا، وعمره سبع عشرة سنة، وهو ما يزال طالبا في معهد شيخه الحاج عمر بن يحي، فقد كان يعين شيخه في تدريس بعض الطّلبة في حلقات كلّفه بها أستاذه. ثمّ واصل التّعليم في هذا المعهد بعد وفاة شيخه سنة 1339هـ/ 1921م، حتّى استقلّ بمعهده ( معهد الحياة ) سنة 1343هـ/ 1925م، ورابط فيه، واستمرّ في أداء مهمّته ونشاطه التّربوي إلى جانب المسجد ومؤسّسات وميادين أخرى. (1) قال الأستاذ محمد بن إبراهيم سعيد ( كعباش ): " ولقد أيقن (أي الشّيخ بيّوض ) أنّ التّغيير المطلوب في المجال الاجتماعي يجب أن ينطلق أساسا من الفئة النّاشئة تربية وتعليما، فأسّس معهد الحياة سنة 1925م للتّعليم الثّانوي، مركّزا على الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، والتي طعّمت بعد ذلك بحصص للعلوم المعاصرة. " (2)
إنّ الشّيخ يركّز على النّاشئة، ويراها الأساس في منهج إصلاحه، لذا كان يعيرها اهتمامه الخاصّ، ويَعُدُّها القواعد التي يرتكز عليها في بناء صرحه، التي يسعى إلى تشييده.وكان يهتمّ - بخاصة - بتكوين نخبة مثقّفة، تحقّق أهداف المصلحين، وطموح الدّعاة؛ لأنّ ما كان يعيشه المجتمع الذي كان يتحرّك فيه الشّيخ بيّوض كان يشكو من علل كثيرة، دواؤها العلم، وأطبّاؤها الطّبقة المثقّفة المتعلّمة. وهو ما ألحّ عليه في بداية مشواره الإصلاحي أن يسعى إلى تكوين: " شباب متنوّرٍ متعلّم تعليما صحيحا، مُتَرَبٍّ تربية فاضلة، شديد التّمسّك بدينه ومقوّماته. إذ هؤلاء هم بذرة الإصلاح، بل ركنه الشّديد في كلّ عصر ومصر، وعليهم لا غير تبني الأمّة صرح مجدها متينا." (3)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 79، 80.
(2) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 8.
(3) - إبراهيم بيّوض، أبنائي الأعزّاء, جريدة الشّباب، معهد الحياة، ع: 64، ( 10 /02/ 1929 ). (1/135)
صفحة 136
بقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز مبرزا توجّه الشّيخ بيّوض، ومؤكّدا ما ذكره الشّيخ نفسه: "... ووضع قاعدة الإصلاح الكبرى لإصلاح المجتمع، وهي إنشاء الرّجال الصّالحين المصلحين العاملين. إنّ هذه هي الوسيلة الكبرى لإصلاح المجتمع ( التّربية والتّعليم ) إنّ نفعها أهمّ وأبقى... إنّ هذا ما قام به أعلام الإصلاح في الجزائر في معاهدهم، وقام به الشّيخ بيّوض، فأجدى على الأمّة الجدوى العظيمة... ولولا قيامهم بالتّربية والتّعليم في معاهدهم، فأنشؤوا الأجيال الصّالحة المصلحة من تلاميذهم لانحصرت أنوارهم في مشكاة، ونفعهم في زاوية ضيّقة، فلا يعمّ الإصلاح كلّ أنحاء الجزائر كما وقع، ولا ينطفئ حريق الفساد الذي قضوا عليه، لمّا هجمت عليه السّيول الكثيرة من كلّ النّواحي." (1)
هذا النّظرة أو هذا المسلك هو الخطوة الصّحيحة، وهو الحجر الأساس في بناء المجتمع، والمحافظة على مقوّماته, وما أوتيت الأمّة في جوهرها، ونخرت من داخلها، وضلّت الطّريق في التّربية، فجنت ثمارا خبيثة إلاّ حين أهملت هذا الجانب، وحين قصّرت أو تقاصرت عن إعداد منهج سليم، وبرامج خالية من الدّسّ والغشّ. وهو ما أنتج لنا عيّنات لا تقوى على تفهّم حقيقة ذاتها، ولا تقدر أن تميّز نفسها من بين الذّوات الأخرى، ومن ثمّ تفقد الحماسة والاعتزاز بشخصيتها، والدّفاع عنها، والعمل على الإصدار عن المبادئ التي تحكم هذه الشّخصية. إنّ هذه الاستيراتيجيّة تبنّتها كلّ حركة إصلاحيّة، وكلّ فئة تدعو إلى الله دعوة صحيحة، مبنية على أسس سليمة.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 80. (1/136)
صفحة 137
إنّ الشّيخ بيّوض كان يراهن في جهاده على العلم الصّحيح، ويناضل بالفئة المثقّفة؛ لهذا كان يدعو الأولياء إلى دفع أبنائهم إلى ميادين العلم دفعا، والتّضحية بهم في هذا المجال، وأن لا يسمعوا إلى أهواء نفوسهم، فيقطعونهم عن مدارج التّكوّن ومهاد التّعلّم. قال مخاطبا الآباء: " إنّ جهادنا ليس بسيف ولا سنان، ولا بالمدافع والقنابل، إنّما ببذل شيء يسير في سبيل العلم، بتضحية أبنائنا وتركهم في سبيل التّعلّم حتّى ينضجوا في العلم... ادفعوا أولادكم إلى المعاهد دفعا، أدخلوهم في المعاهد الابتدائيّة والثّانويّة والعليا، يعودوا إليكم علماء مسلّحين، رجالا أقوياء، يصلحون لكلّ ميدان. من منكم لا يودّ أن يرى ولده عالما مثقّفا، يدفع عن وطنه الكوارث، ويملؤه خيرات وبركات؟ إن كنتم تتمنّون ذلك حقّا فادفعوا بهم إلى ميدان العلم..." (1)
أكثر من هذا نبّه إلى نقطة مهمّة، قد يتسرّب منها خطر الانكفاف أو الزّهد في العلم أو التّعلّم، وهي اعتقاد بعض النّاس – لجهلهم – أنّ التّعلم لا يكون مسموحا به لكلّ النّاس، هو نصيب فئة معيّنة، أو حظّ بيئة خاصّة، أو موكول بتربة مخصّصة. إنّ ذلك كان من ضمن الأفكار البالية التي عطّلت مسيرة التّقدّم، وانطلت حيلتها على السّذّج من النّاس، فصدّقوها. قال الشّيخ بيّوض: " ... وفاتهم أنّ بذرة العلم إذا زرعت في نفس طيّبة أزهرت وأثمرت، وكلّ من تصدّى لطلب العلم أدرك بغيته، حسب اجتهاده ونيّته الحسنة في طلبه, وكلّ من سار على الدّرب وصل." (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 125.
(2) - المصدر السّابق، ص: 138. (1/137)
صفحة 138
سار في هذا النّهج، ولزمه، فاحتوى أبناءه، وأحاطهم بسياج من الرّعاية والوقاية من تسرّب فيروس الجهل إلى نفوسهم. انتقى لهم السّبل الأجدى في هذه الحصانة، وهو تقديم العلم الصّحيح لهم. انتقر لهم الطّرق السّليمة والمجدية في التّكوين، وبخاصّة في معهده. قال الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " وكان الشّيخ بيّوض يتبع أحسن المناهج في التّربية والتّعليم، ويقرّر لمعهده أحسن الكتب الدّراسيّة التي يجدها، ولا يتعصّب لكتاب، ولا يجمد على طريقة، فلذلك استمرّ معهد الحياة في التّطوّر والرّقيّ، وساير الإصلاح في أطواره، فكان لائقا مفيدا لنهضة الجزائر في كلّ مراحلها..." (1)
بيّن الشّيخ بيّوض طبيعة العلم الصّحيح الذي يقدّمه لأبنائه، وحقيقة التّربية السّوية التي ينشئ عليها ناشئته، ووضّح العلاقة التي تكون بين التّربية والتّعليم بقوله: " ... لأنّ تعليمنا ليس كالتّعليم المادّي الموجود في بلاد الدّنيا؛ حيث لا تكون هناك بين المعلّم والتّلميذ أيّة علاقة، فما على المعلّم إلاّ أن يلقّن معلومات، وبعد ذلك لا يهمّه منه شيء بعد خروجه من المدرسة، هل ذهب إلى المقهى ليقامر، أو إلى الحانة ليسكر، أو إلى مكان آخر ليفجر. بينما الواجب على المعلّم المسلم في الابتدائي والثّانوي والجامعي ألاّ تقتصر علاقته مع التّلميذ على هذا؛ لأنّ العلم يقصد به التّربية." (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ح3، ص: 82.
(2) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 108. (1/138)
صفحة 139
من هنا كان الشّيخ حريصا على تقديم نصائح للمربّين عن طبيعة عملهم، وما يجب عليهم التّركيز عليه حتّى يحقّق تعليمهم هدفه، وهو تربية النّشء تربية سليمة سوية: "... إلى الجهاد في هذا السّبيل، ندعوكم إلى تهذيب النّاشئة، وملئِها بالعقيدة الإسلاميّة الصّحيحة، وتسليحها بالأخلاق الإسلاميّة القويّة، وترقية عقولها بالعلوم النّافعة، وفي مقدّمتها وعلى رأسها العلوم الشّرعيّة والعربيّة، فهي عدّتنا، وهي غذاؤنا الضّروري." (1)
يلحّ الشّيخ بيّوض كثيرا على دعوة المربّين إلى إيلاء البعد العقدي اهتماما كبيرا في التّعليم والتّربية، وتزويد النّاشئة بنظرة واضحة وصحيحة عن القضايا الكبرى: الخالق، الكون، الإنسان، الحياة... وتقديم تصوّر أو نظرة الإسلام إليها؛ لأنّ من شأن ذلك أن يثبّت في النّفوس محبّة الله ورسوله، وهو ما يساعد على الالتزام يشرع الله وسنّة رسوله.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 125. (1/139)
صفحة 140
غياب هذا التّصوّر والقصور عن تبنّي هذه النّظرة المأخوذين من مصادر الشّريعة الأصيلة يؤدّي إلى خراب العالم، ودمار البشريّة. يستشهد الشّيخ بيّوض على هذا الإفلاس، وهذا التّدهور بالواقع الذي تعيشه أمم العالم، التي لا ترتبط بالقرآن والسّنة، سواء التي تخلّت عنهما، أم التي لا تؤمن بهما أصلا: " ...فأين أنتم يا أساطين التّربية الحديثة، ويا علماء النّفس من هذا العالم المتهتّك الخليع، إلحاد وفراغ روحي مهول، وخبث دنيء في النّفوس، وفساد متأصّل في السّلوك، وما يزال الوضع العالمي يتدهور من سيّئ إلى أسوأ في دركات البهيميّة." (1) يعلّل ذلك بقوله: " لأنّ هذه الفلسفات قد اطّرحت من أبحاثها وتحاليلها إرادة الله وهداية الرّسل، ولم يعيروا اهتماما للوحي والرّسالات السّماويّة، واغترّوا بالعلم الذي عندهم، كما قال الله في شأن أمثالهم { فلمّا جاءتهم رسلهم بالبيّنات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } (2)
إنّ الشّيخ بيّوض يرى أنّ تركيز العقيدة في قلوب النّاشئة هو أساس بناء الشّخصية الصّالحة، إلى جانب الأخلاق الإسلاميّة، التي هي السّلوك القويم، وتكوين الذّوق السّليم " ...وتكوين العقول السّليمة والأذواق السّليمة فيهم، فيكون حكمهم في كلّ الأمور صحيحا، واختيارهم حسنا. لابدّ من تربية الذّوق السّليم في الإنسان، إنّه عدّته في العمل، ومن أسباب نجاحه وسعادته. إنّ الله حفّنا بما لا يحصى من أنواع الجمال؛ ليكوِّن فينا الذّوق السّليم المرهف. ومن صحّ ذوقه أدرك الفروق الدّقيقة بين القبح والجمال، فيحبّ الجمال في كلّ مظاهره، وفي الأخلاق والأعمال، فيتّصف بها، ويأتيها، ويكره القبح في كلّ مظاهره وأشيائه، وفي الأخلاق والأعمال السّيّئة، فيتنزّه عنها.
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 22.
(2) - سورة غافر، الآية: 83. وحديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، س: 22. (1/140)
صفحة 141
من أسباب الاستقامة واللّطف في المعاملة والخلق الكريم هذا الذّوق السّليم،الذي نحرص على تكوينه في أبناء مدارسنا؛ ليدركوا جمال القرآن، و يعرفوا معجزة نبيّنا عليه السّلام في القرآن، ويعرفوا الجمال في أدبنا العربي، فيزدادوا حبّا وإكبارا للغتنا العربيّة، وإعزازا بها، ويدركوا الجمال في الفصاحة والبلاغة، فنستطيع التّأثير في نفوسهم بالفصاحة والبلاغة، ويتّصفوا بها؛ فيستطيعون التّأثير في غيرهم, ويصلون أغراضهم الكبرى في الأمّة. " (1)
ملاحظات مهمّة ودقيقة يقدّمها الشّيخ المربّي الحكيم لمن يريد تطبيق التّربية الصّحيحة، ولمن يبغي الوصول إلى هدفه بالطّرق السّليمة، وبالوسائل النّاجعة. إنّها تنبيهات مجرّب، صاحب ذوق رفيع، ومدرك لرسالة التّربية بعامّة، وضليع في التّربية الإسلامية بخاصّة. قدّم الشّيخ هذه النّظرات بطريقة منهجيّة، توخّت ترتيب العناصر، ووصل المقدّمات بالنّتائج، وربط الأفكار بالرّوح الإسلاميّة، وشدّ الخطوات بالأهداف المنشودة، وتوجيه الأنظار إلى الواقع وإفرازاته...كلّ ذلك ليقنع المخاطبين بأهمّية ما يدعو إليه. هذا من جملة الأسباب التي ساعدته على النّجاح في عمله، وما أبرز قيمة منهجه في الدّعوة والإصلاح، الذي يسعى إلى التّركيز على النّقط الأساسيّة في العمل التّربوي، وتطوير الأساليب بما يحقّق الغايات المرسومة.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 148. (1/141)
صفحة 142
الشّيخ بيّوض وهو يدعو إلى تطوير العمل التّربوي، وتصحيح مساره نبّه إلى نقطة جديرة بالالتفات إليها؛ للظّفر بالنّتائج العمليّة للعمل التّربوي والتّعليمي. عرّض بالطّريقة العقيمة التي يسلكها بعض المربّين والدّعاة في تلقين العقيدة أو تقديمها، فيغرقون النّشء، غضّ الإهاب، طريّ القلب، غرّ العقل... في مباحث من عالم الغيب، التي لا تتمكّن عقولهم من استيعابها وإدراكها، فلا يصل المربّي إلى هدفه، وهو الإفادة من هذه الدّروس في تربية الشّباب، بل ربّما قد تأتي طريقته بنتائج عكسيّة.
هو مهتمّ بالتّنبيه إلى معرفة كيفية عرض العقيدة؛ إذ أنّ الطريقة التي تقدّم بها إلى النّاشئة لا تحقّق نتائج عمليّة: " ويرى الشّيخ بيّوض أنّ من الأسباب التي أفقدت العقيدة الإسلاميّة فاعليتها في مجال التّربية الطّريقة التي كانت تطرق بها مباحثها، حيث يتمّ التّركيز على مسائل من عالم الغيب، قد لا يكون لها أي بعد عملي في حياة النّاس؛ لذلك كان من الواجب تصحيح هذا المنهج، والاكتفاء عند طرق مباحثها بما يدفع إلى الحركة، وينتج عملا." (1)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 69. . (1/142)
صفحة 143
إنّ الشّيخ بيّوض كان حريصا كلّ الحرص أن يتعلّم أبناؤه كلّ علم، يبني شخصيتهم، ويمنحهم العيش في انسجام مع متطلّبات الحياة المتغيّرة المتجدّدة، وأن يفيدوا من كلّ ما يتوصّل إليه العقل البشري. من ذلك ما يأتي به الغرب، شريطة التّشبّع بالثّقافة الإسلاميّة أوّلا، ثمّ العبّ بما تقذف به المدنيّة الغربيّة، بما لا يمسّ الأصول، ولا ينال المبادئ. قال الأستاذ إبراهيم الحاج أيّوب ( القرادي ): " فلئن كان أستاذنا - رحمه الله - يحثّ النّاشئة الإسلاميّة على اقتباس ما يحتاج إليه من علوم وتقنيات من الجامعات الأوروبيّة، فقد كان حريصا كلّ الحرص على أن نكون قبل ذلك متشبّعين بروح الدّين الإسلامي، مؤمنين بالله، معتزّين بديننا وأصالتنا الحضاريّة، فخورين يقيمنا العربيّة الإسلاميّة، وذلك لئلاّ يتأثّر أبناؤنا بما في الحضارة الأوروبيّة بشقّيها الماركسي والرّأسمالي من تدهور في القيم الأخلاقيّة، ومن سيطرة المادة عليها، على حساب القيم الرّوحية للإنسان. " (1)
__________
(1) - في رحاب القرآن، ص: 138، 139. (1/143)
صفحة 144
حين أراد الشّيخ بيّوض زيادة بيان حقيقة هذا التّوجّه، أي الاقتباس من ثقافة الغير، وأثر ذلك على شخصية الآخِذ أو المفيد منها، والكشفَ عن طريقة الإفادة من ذلك، قدّم تشبيها، يزيد الصّورة وضوحا، والفكرة اتّضاحا, نترك للأستاذ إبراهيم الحاج أيّوب سردها: " وكان دائما ( أي الشّيخ بيّوض ) يمثّل الرّجل الأصيل المؤمن القويّ الذي يريد الاستفادة من الغير بالشّجرة التي امتدّت عروقها في تربتها الأصيلة، تمتصّ منها الماء والغذاء، وبسقت فروعها، تستمدّ من الهواء والشّمس ما يساعدها على النّموّ والإنتاج؛ لتؤتي أكلها كلّ حين. إنّ هذه الشّجرة لو فرضنا أنّها اقتلعت واجتثّت من أرضها، فإنّ الشّمس والهواء ستعجّل بفنائها وموتها. وكان أخوف ما يخافه على الشّباب الذي نبعثه إلى الجامعات الأوروبيّة، وهو غير معقّم بعقيدته السّليمة أن يعتقد الكمال في الذّين تتلمذ لهم، فيعود بمعلومات وتقنيات، ولكن على حساب دينه وأخلاقه. هذا إن لم يذب في تلك المجتمعات المتحلّلة." (1)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 139. ينظر في هذا المعنى وهذه الرّوح مقال الشّيخ بيّوض ( أفلح )" عبرة وذكرى في الأزمة الوزارية الفرنسيّة الأخيرة "،
جريدة المغرب ( إبراهيم أبو اليقظان )، ع: 30، ( 23/ 12/ 1930 ) (1/144)
صفحة 145
إنّ الهواء والشّمس يفيدان الشّجرة نموّا وازدهارا متى كانت عروقها ممتدّة في الأرض، وهما يصوّحان بالفروع والغصون إذا كانت الشّجرة مقتلعة من جذورها، أو كانت الجذور غير ضاربة في أعماق الأرض، حينئذ لا يكون للشّجرة قرار، فتتضرّر أو تسقط، أو تتهالك وتتهاوى. فالعلوم المقتبسة من الجامعات الأوروبيّة، ومن المراكز المبثوثة في غير أرض الإسلام، أو التّربة الإسلاميّة ترفد الثّقافة التي يحملها النّشء، إذا كانت هذه الثّقافة قد ترسّخت في النّفوس وأشربتها القلوب. وتكون هذه العلوم خطرا عليها إذا كانت الثّقافة الأصيلة غير راسخة ، وغير مركّزة وثابتة في النّفوس. فيكون الشّباب الغضّ كمن يبني صرحه وبنيانه الشّاهق على الرّمل، أو على التّبن، سرعان ما يعمل فيه أقلّ الحريق، أو قليل من النّار فينهار. (1/145)
صفحة 146
اهتمّ الشّيخ بيّوض _ وهو يعلّم أبناءه ويربّيهم ويعدّهم ليعمروا الميادين الني ينشدها الإصلاح _ بالتّربية العقليّة والاجتماعيّة، وركّز على الجانب العملي فيهما. وعمل على تفتيق مواهبهم، ومنحهم الحريّة- في حدود المعقول – لتظهر شخصياتهم، ويقووا على تكوين أنفسهم؛ بما يؤهّلهم لمواصلة الجهاد، ومتابعة المسيرة بقوّة وثقة في النّفس. قال الشّيخ محمد عليّ دبّوز عن الشّيخ بيّوض وأترابه من مصلحي الجزائر: " هذا ما قام به الشّيخ بيّوض وزملاؤه أعلام الإصلاح في الجزائر من أنواع الإصلاح الكبرى:إصلاح التّربية والتّعليم، فعوّدوا طلبتهم استعمال عقولهم، ونهوهم عن التّقليد الأعمى، وأبرزوا شخصيّة كلّ طالب، وعوّدوه الاعتماد على النّفس والثّقة بها، وجعلوا الطّلبة أبناءهم وأصدقاءهم، يمتزجون بهم في حبّ وصفاء وحنان أغلب النّهار، فيعرفون مشاكلهم وعيوبهم، فيعالجونها في حكمة وبراعة، لا يكبتون الطّلبة بالغطرسة والاستبداد والعبوس، كما يفعل الجهلة من المعلّمين، يريدون من الطّالب أن يكون نون النّسوة متّصلة بأفعالهم لا تفارقها، وهي دائما في الأواخر, لا في الأوائل، وكظلّهم الذي يتبعهم من ورائهم، لا يفارقهم." (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 82، 83. ينظر أيضا أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 199. (1/146)
صفحة 147
في الحقيقة إنّ تبنّي الشّيخ بيّوض وزملائه أعلام الإصلاح هذا التّوجّه نابع من كونهم حريصين على تنشئة النّاشئة على ما يؤهّلهم لتمثيل الإسلام على حقيقته، وهو هادف إلى إعدادهم للقبام بشؤون الدّعوة الإسلاميّة أحسن قيام؛ هذا الدّين الذي يحلّ العقل محلاّ كبيرا، ويدعو إلى التّحرّك والعمل باصطحاب البراهين والأدلّة في هذا السّبيل. إنّ ذلك يقتضي تدريب النّشء على هذه الطّريقة منذ الصّغر. بقول جمال الدّين الأفغاني: " فهذا الدّين يطالب المتديّنين أن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم، وكلّما خاطب العقل، وكلّما حاكم إلى العقل، تنطق نصوصه بأنّ السّعادة من نتائج العقل والبصيرة، وأنّ الشّقاء والضّلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل وانطفاء نور البصيرة. فالعقل مشرق الإيمان، ومن تحوّل عنه فقد دابر الإيمان." (1)
من النّاحية الاجتماعيّة كان الشّيخ يربط بين أبنائه ومجتمعاتهم بصلة قويّة، تبدأ بالاحتكاك بها ومساعدتها على حلّ مشاكلها، ثم مشاركتهم اهتماماتها وهمومها؛ تدريبا لهم على العمل المستقبلي. في هذا الميدان زوّدهم بالنّصائح ، وأسّس لهم كشّافة الجنوب ليكون إطارا من أطر التّطبيق أو التّدريب على الحياة الاجتماعيّة. (2)
__________
(1) - الدّكتور محمد عمارة، التّقدّم والإصلاح بالتّنوير الغربي أم بالتّجديد الإسلامي، دار نهضة مصر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1998م، ص:
14، 15.
(2) - ينظر سعيد شريفي ( الشّيخ عدّون )، معهد الحياة نشأنه وتطوّره، ص: 83. والشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 134. (1/147)
صفحة 148
إلى جانب التّكوين الرّوحي والعقلي والاجتماعي، عمل الشّيخ بيّوض على تنمية قدرات النّشء الجسميّة، فاعتنى بالنّاحية الفيزيولوجيّة، التي تكمل الجوانب الأخرى في الشّباب، الذي يسعى إلى إعداده إعدادا يراعي فيه الشّمولية، التي هي من أهمّ شعاراته أو اهتماماته في التّكوين؛ لأنّه يريد تكوين جند قويّ جسما وروحا، قادر على تحمّل أعباء الحياة والقيام بواجب العمل الدّعوي والإصلاحي. وكان حريصا على ذلك حرصا شديدا، قال: " إنّه إذا جاز الخمول والضّعف في العواصم الغريقة في التّرف، الذي يضعف النّفوس، فلا يجوز في الصّحراء، في بيئتنا الميزابيّة الصّحراويّة القويّة. لقد قال أديب العربيّة مصطفى صادق الرّافعي في نشيده المشهور هذا البيت:
إنّما الإسلام في الصّحرا امتهد ليجئ كلّ مسلم أسد
القلب قويّ، والصّوت جهوري، والنّظر حادّ، والسّمع مرهف. هذه الخصال لا تكون إلاّ في الفضاء الواسع والصّحاري الممتدّة. على هذه الخصال الحميدة نربّي جند الأمّة. " (1)
هذه خطوات، وهذه إرشادات وتوجيهات يقدّمها الشّيخ بيّوض للمعلّمين والمربّين الذين يحملون الأمانة، والذين يؤمنون بهذه الرّسالة، ويريدون السّير إلى الهدف الأسمى، وهو إعداد نشء وشباب كفء متنوّر متعلّم، يسدّ الثّغور، ويملأ الرّباطات، ويعمر الميادين، ويتحمّل المسؤولية بقوّة وأمانة.
إنّ الشّيخ يريد أن يكوّن المسلم القويّ في كلّ جوانبه؛ يكون في مستوى المسؤولية التي ستناط به، وما إشارته إلى هذه الزّاوية في أبناء الصّحراء إلاّ دليل على اهتمامه بها. قد عمل على تنشئة أبنائه على ذلك،بما تقدّم به من نظريّات ونظرات، وما سطّره في منهجه من برامج، وما هيّأه من وسائل، طبّق بها ما دعا إليه. (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 103.
(2) - عن دور التّربية العقلية والجسمية ينظر كتاب المسجد ودوره في التّربية والتّوجيه, ص: 75، 76. (1/148)
صفحة 149
كان يربّي أبناءه على قوّة التّحمّل ويقظة الضّمير، والحرص والحزم والعزم، متمثّلا قول الشّيخ أبي نصر الملوشائي: أحبّ فتى ماضي العزيمة حازما لدنيا وأخرى عاملا بالتّشمّر
قال عن الذين ينتقدون عليه وعلى ما تتبنّاه مدارسه من أسلوب، يوجب على التّلاميذ النّهوض مبكّرا للدّراسة، ومضاعفة الجهد في مزاولة التّعلّم في مدرستين: الحكوميّة والخاصّة. بيّن لهم أنّ هذا هو الذي يكوّن الأسود، التي تحمي العُرُن، وتعدّ الكماة الذين يرابطون في الثّغور، وهو الذي يبني السّواعد المفتولة، التي تعتمد عليها الأمّة: " فعلى رسلكم يا أهل التّرف والنّعم، يا من أردتم أن تدلّلوا أولادكم، فلا تكلّفوهم النّهوض بحفظ كتاب الله مخافة أن تكلّ أذهانهم، فأين ما تدّعونه من بناء الجزائر الفتيّة؟؟ أو تبنيها سواعد من قال الشّاعر فيهم:
خطرات النّسيم تجرح خدّيـ ـه، ولمس الحرير يدمي بنانه
كلاّ وألف كلاّ ...إنّ الجزائر لا تبنيها إلاّ سواعد أمثال هؤلاء التّلاميذ، الذين تعوّدوا النّهوض باكرا؛ لأداء واجبهم الدّيني، ثمّ ينطلقون في الغلس عبر الشّوارع والدّروب يوقظون النّيام بحركتهم وجلبتهم، لا يثنيهم برد ولا زمهرير في إقبالهم على المدارس، تدوّي حناجرهم بكلام الله، وتنحني أصلابهم على مقاعد الدّرس في نشاط وإقبال...
أمثال هؤلاء الشّباب الذين نشؤوا على هذه التّربية الخشنة هم الذين تعتمد عليهم الجزائر في بناء اقتصادها وتركيز سيادتها...ومعاذ الله أن نتمنّى الشّرّ والخسار لأولاد المسلمين. فلعلّ فيهم من يرجى صلاحه ونفعه مستقبلا. وإلاّ لقلنا في شأن أولئك المدلّلين المترفين ما قاله الشّاعر الحطيئة للزبرقان بن بدر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي " (1)
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 38. (1/149)
صفحة 150
إنّ منهج الشّيخ بيّوض في العمل التّربوي اقتضى تطوير أدواته، وتجديد أساليبه؛ بما يحقّق الهدف، ويساير الزّمن، ويستجيب لمعطيات الواقع، ويتلاءم مع طموح الأمّة، ويرتبط بالمستقبل... فلم يدّخر جهدا في هذا السّبيل (1) فأصلح في المضمون والشّكل. فعمله هذا وتطويره وتجديده في طرق التّربية والتّعليم كان تطبيقا والتزاما بما كان يدعو إليه في دروسه وتوجيهاته، وفي كلّ مناسبة يتعرّض فيها للتّعليم، ولإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح. قال سنة 1944م: " لا نرضى في مدارسنا ومعاهدنا، وفي كلّ أعمالنا الأساليب العقيمة البطيئة، إنّنا في عصر الإتقان والسّرعة، أصبح النّاس يطيرون طيرانا، لا نرضى نحن أن نسير في التّعليم، وفي أنواع جهادنا كلّها على حمر هزيلة بطيئة دبرة، لا يليق بنا في التّربية أن نجمد على طرق ووسائل عقيمة بالية، أكل عليها الدّهر وشرب، هي من العصر الذي هرمت فيه أمّتنا ونامت، وكانت تلك الأساليب من أسباب ضعفها ونومها. إنّ ما نقطعه من المسافات البعيدة بالأساليب الحسنة في العمل في ساعة, لا يجوز أن نقضي في قطعها بالأساليب العقيمة البطيئة الأيّام الكثيرة والشّهور." (2)
__________
(1) - ينظر مبحث " إصلاح الشّيخ بيّوض وأعلام الإصلاح في الجزائر لمناهج التّربية والتّعليم " كتاب أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 80 – 83.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 143. (1/150)
صفحة 151
لقد أشاد بعض الدّارسين بهذه الخطوات التي خطاها الشّيخ بيّوض في مجال تطوير التّعليم، وبالقفزة النّوعية في هذا التّطوّر، الذي تجاوز الجانب الشّكلي إلى المضامين، مقارنة بما قام به المصلحون في الجزائر مثلا، الذي لم يتعدَّ " بعض الإصلاحات السّطحية، كإدخال الكراسي والمناضد ووسائل التّعليم الحديثة إلى مدارسهم، ولم يعلموا أنّ هذه وإن كانت خطوة أولى، فإنّ من السّذاجة الاكتفاء بها." (1)
أمّا عبد القادر جغلول فرأى أبعادا فكريّة كبيرة في تطوير الشّيخ بيّوض مناهج التّربية، وتجديد فلسفة تعليمه. قال: " لم تتغيّر أدوات العمل فقط، بل وتيرة التّعليم ( العطل السّنوية في تواريخ ثابتة )، وكذلك المضامين التّربوية ذاتها، لقد أضاف إبراهيم بيّوض إلى الدّروس الدّينية والفقهيّة الجغرافية والتّاريخ والأدب والرّياضيات، ولم يكن لهذا التّجديد الحاصل في العشرينيات قيمة أدواتيّة فقط، بل هو شحنة وضربة كبرى؛ لأنّه يقود إلى علاقة جديدة مع الغرب، غير مبنية على خضوع غاصب أو صابر، بل دمج هجومي لما يصنع قوّته." (2)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 110. ينظر أيضا مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص: 70.
(2) - عبد القادر جغلول، الاستعمار والصّراعات الثّقافية في الجزائر. ص: 50. والشّيخ بيّوض ومنهجه في الإصلاح، ص: 110. ينظر مالك بن نبي ، INVITATION DU M,ZAB, REVUE AFRICAINE , N 274. L, سجّل في هذا المقال ثمرات التّجديد . (1/151)
صفحة 152
يمكن لنا أن نقرّر إنّ الشّيخ بيّوض قد نجح نجاحا كبيرا في تحقيق كثير من الأهداف التي سطّرها لنفسه في مضمار التّربية؛ بفضل المنهج المحكم الذي اختطّه ، والتزم بتطبيقه بواسطة الهياكل التي سخّرها لذلك، ومن خلال الأفكار والنّظريّات التي صرّح بها، ونشرها في الأوساط. هذه التي كانت نابعة من فكر عظيم، متنوّر متّزن، وصادرة عن تجارب عميقة سويّة. من تلك الأهداف تكوين نخبة مثقّفة، جمعت في ثقافتها بين الأصالة والمعاصرة، والمحافظة على مقوّمات الشّخصيّة الإسلاميّة العربيّة، بما يثبِّت عروق هذه الشّجرة في الأرض. مع الإفادة من الثّقافات الأخرى؛ بما يمنح لها هواؤها وشمسها مزيدا من النّموّ والتّطوّر.
إنّ الشّيخ بيّوض نفسه سجّل بعض هذه النّتائج بقوله وهو يعتزّ بتكوينه نخبة مثقّفة: " وربحت بمكثي في الجزائر ربحا وفيرا، لا هو درهم ولا دينار، وإنّما هو العديد من الشّباب المثقّف بالعربية، المتربّي بالإسلام، وكفى بهذا ربحا." (1) وقال أيضا: " وهل كانت الجزائر المستقلّة تتمتّع بهذه الألوف المؤلّفة من الطّلبة والمعلّمين، بل حتّى من الجماهير التي تنطق بالعربيّة، وتعتزّ بالإسلام، لولا هذا النّوع من التّعليم الحرّ الذي حافظ على أصالة هذه الأمّة المغلوبة على أمرها في عهد الاستعمار البغيض." (2)
__________
(1) - الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 72.
(2) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 28، 29. (1/152)
صفحة 153
إنّ الشّيخ بيّوض يفخر بهذه النّتائج الباهرة التي حقّقها في مجال التّربية، ويزهو بهذا النّصر الكبير الذي أحرزه في المجتمع؛ بفضل منهجه المحكم الذي سار فيه طول حياته، وهو يرى أنّ هذا المكسب هو أهمّ ما ربحه في حياته، لا يدانيه أيّ مكسب آخر، مهما يكن. إنّه وقد أدرك أنّ الأزمة التي يعاني منها المجتمع هي أزمة فكريّة، ناتجة عن الجهل والأميّة بمفهومهما الواسع، فانتحى منحى التّعليم والتّربية, وسخّر لهما كلّ طاقاته، وهيّأ لهما كلّ ما هداه إليه فكره من وسائل، وضحّى من أجلها بكلّ ما يملك: فكرا وجهدا، وركّز أساسا على الشّباب: إعدادا وتثقيفا. وقد لمس هذه النّتيجة فقال عن نوع الشّباب الذي أعدّه ويعدّه، ووضّح الجوانب التي كان يركّز عليها في هذا الإعداد: "...قمت بتربية شباب للأمّة، يدين بالدّين الصّحيح، ويتعلّم العلم الصّحيح، ويشعر شعورا قويّا بالجمال في كلّ مظاهره المعنويّة والحسّية، ويتذوّق الفنّ الصحيح؛ يطرب للألحان الشجيّة، ويدرك الجمال في كلّ شيء، في الدّين، في العلم، في الخلق، في البيان، في المناظر، في الأصوات، في كلّ شيء، أربّي شبابا مثل تلاميذي الذين كانوا يسحرون عقولكم ببيانهم السّاحر، ويشنّفون أسماعكم بنغماتهم الشّجيّة. (1)
__________
(1) - كان الشّيخ بيّوض يعلّق على ما قدّمه أبناؤه من أشعار وكلمات، وما كانوا أنشدوه من أناشيد، ومسرحية أدّوها في حفل أقيم له في مدينة غرداية (
الجزائر ) سنة 1944م. وكان الشّيخ قد طرب لحسن الأداء والمستوى الرّفيع الذي وصلت إلية الحفلة, فحمد الله على ثمار غرسه، وعلى نتائج
جهده وجهاده في إعداد هذه النّاشئة. (1/153)
صفحة 154
هؤلاء نموذج للشّباب المثقّف الذي أكوّنه للأمّة، دارعا بخلق الإسلام والعقل الصّحيح. إنّ العناية بالتّربية الإسلاميّة الصّحيحة مع التّعليم الصّحيح بأحسن المناهج هو مبدئي منذ تصدّيت لمهمّة التّربية والتّعليم في معهد شيخي الحاج عمر بن يحي أوّلا، ثمّ في معهدي بعد ذلك... (1)
إذا كان هذا هو الشّباب الذي أعدّه الشّيخ بيّوض، فكيف كانت علاقته بهم؟ وكيف كان يعدّهم؟
الشّباب في منهج الشّيخ بيّوض
بناء إحدى قواعد العمل الإصلاحي والتّربوي يكون برعاية الشّباب، وفهم واقعهم، وشملهم بالمحبّة والعطف والحنان، والاقتراب منهم، وإحاطتهم بالإرشاد والتّوجيه، واستثمار طاقاتهم. هذا ما أولاه الشّيخ بيّوض عنايته، وشمله منهجُه. قال مخاطبا تلاميذَه أبناءَه: " أبنائي الأعزّاء إنّ سروري أكثر من كلّ سرور بميل بعضكم لبعض، والحبّ الشّديد الذي يربط بينكم، وإنّي لأعزو ذلك إلى أثر حبّي الذي أفضته عليكم، وأعزو إليه كلّ ما يستقبلكم من فوز ونجاح. " (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 100.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 197. ينظر أيضا أعلام الإصلاح في الجزائر, ج2، ص: 198، 199. (1/154)
صفحة 155
لشدّة حبّ الشّيخ بيّوض أبناءَه وطلبتَه اجتهد في إعدادهم وتكوينهم؛ ليكونوا خَدَمَةً لمجتمعاتهم، مَهَرَةً فيما يوكل إليهم، حَذَقَةً في إنقاذ الأمّة من براثن التّخلّف والجمود، والوصول بها إلى المراتب العالية، إلى مدارج الكمال. وذلك بعد أن يتكوّن كلّ واحد منهم، ممّا يؤهّله أن يتبوّأ منصبا مهمّا في المناصب السّامية، التي تمنحه القدرة على الاضطلاع بأعباء الأمّة، وسدّ الثغور والمرابطة فيها (1) قال الشّيخ بيّوض: " وإنّ غرضنا أن ننشئ لهذه الأمّة في طورها الجديد جيلا كامل العدّة للنّضال والكفاح في شتّى الميادين، فيحدث في الأمّة انقلابا كبيرا، ويدفع بها خطوات واسعة إلى مطمحها الأسمى، ولن نستطيع ذلك، ولن نبلغ غرضنا منه حتّى نضيف إلى تنوير العقول بالعلم، وتزكية النّفوس بالدّين التّأليف بين القلوب بالحبّ الرّاسخ والودّ المكين." (2)
بنى الشّيخ بيّوض على حبّه طلبتَه أبناءَه مسؤوليتَه في إعدادهم، وعوّل عليهم في إنقاذ مستقبل الأمّة، وبخاصّة وهو ينشد تغيير حياتها نحو الأحسن، والخروج بها من وحل الأمراض الاجتماعيّة ومرض الفساد وداء الجمود...لهذا قال لهؤلاء الشّباب: " أيّها الشّباب المتعلّمون! إنّ الدّولة دولتكم، وإنّ الدّور دوركم، وإنّ اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر النّاس على تحويل اتّجاه الأمّة إلى حيث تريدون، إنّكم الأئمّة، والأمّة لكم تبع، بل أنتم الأمّة لو عرفتم أقداركم." (3)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 152. ينظر أيضا حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 32.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 197.
(3) - المصدر السّابق، ص: 205. (1/155)
صفحة 156
كان الشّيخ مهتمّا بإعداد شباب يقوم بخدمة بلده بنفسه، ويتولّى هو زمام أمره، لا غيره؛ لهذا كان يحرّض على التّكوّن والتّمكّن في كلّ ما يحتاجه الوطن، حتّى لا يلجأ إلى غيرهم، فأهل الوطن أولى بشؤونه من سواهم. قال الشّيخ بيّوض سنة 1948م: " وأمّا في الميدان الثّقافي فقد فتحت مدرسة في غرداية للصّناعات اليدويّة، وستفتح في شهر أكتوبر الآتي 48 مدرسة تجاريّة، ستتلوها بعد قليل مدرسة فلاحيّة، فهل من سداد الرّأي أن يتركها أبناء الوطن ليحتلّها غيرهم؟ وهل يتولّى إدارات الأعمال بعد اليوم غير المثقّفين؟ وهل يكون الإنتاج بغير علم؟ ثمّ إنّ طبيعة العمران تقتضي اختصاصيّين كثيرين في شتّى فنون العلم، فمن يكون هؤلاء في ميزاب في الغد القريب؟ إنّنا إن لم نندفع إلى العلم بقوّة، واعتناء عاد الأمر علينا وبالا، إنّنا نطلب أن يكون أمر بلادنا بأيدينا، فهل أعددنا له مدبّرين؟ وهيّأنا له مديرين؟ " (1)
إنّ الشّيخ بيّوض ينظر إلى موضوع التّكوين والإعداد بجدّ، ويستشرف مستقبل الأمّة بعين فاحصة، ويتهيّأ للمضيّ في طريق الإصلاح بتخطيط محكم، ويسير في هذا السّبيل بخطى ثابتة، وينظّر له، ويتوجّه نحو أهدافه بكلّ واقعيّة، ويخاطب أبناءه بكلّ صراحة. وهو في كلّ هذا يراهن بالنّشء الذي يعدّه، وكان فخورا بما بقوم به، متحلّيا بالثّقة الكاملة بما هو مقدم عليه؛ لهذا قال لطلبته سنة 1944م وهو يحدّد لهم طبيعة عمله، ويبيّن لهم ماذا يجب عليهم، وفي الوقت نفسه كان يردّ على الذين كانوا يقفون حجر عثرة في طريقه.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 201. (1/156)
صفحة 157
هذا الموقف يدخل ضمن ما يمكن تسميته تصحيح المفهومات أو توضيح الرّؤى؛ حتّى لا يتأثّر النّاس بالدّعاءات والاتّهامات التي سُرِّبت، ونشرت ضدّ إصلاحه: " بيّوض يعمل لحياة الدّين والأمّة، بتكوين الشّباب الصّالح المثقّف؛ لأنّهم حياة الدّين وعماد الأمّة، وقلبها النّابض بالحياة. وقد خدمت ديني وأمّتي بهذا الجيش من تلاميذي الذين خرجوا إلى الميدان، والذين لا يزالون في معهدنا في دور التّدريب، رجال متديّنون مثقّفون، يعرفون ما لهم وما عليهم، يعرفون حقّ ربّهم، وحقّ كتاب الله، وحقّ دينه، ونصحوا لله ولرسوله ولعامّة المسلمين وخاصّتهم، عقائدهم صحيحة، ونيّتهم صالحة، وعقولهم مستنيرة واسعة، يقرؤون جميع علوم الحياة الضّروريّة لهم، ويتزوّدون من العلوم الدّينيّة والدّنيويّة بما يزيدهم قوّة في التّمييز وسدادا في الرّأي ورسوخا في الفضيلة. لقد عملت لهذه الغاية التّربويّة السّاميّة وتوسّلت إليها بجميع الوسائل.
أعمل لتكوين شباب عملي، يتعلّم ليعمل، ويطبّق في المجتمع ما يعرفه، ويعرف بالمشاهدة الكثير ممّا يعلمه. لا أرضى من تلميذي أن يقتصر على قراءة دروسه ومطالعتها بين الجدران، وهو منزوٍ منكمش, لا يعرف من الحياة شيئا. أريد من تلاميذي أن يطبّقوا معلوماتهم في المجتمع الذي يسارعون لخدمته، ويختلطون به فيعرفونه حقّ المعرفة. فيستعدّون كلّ الاستعداد لمعالجة أمراضه. (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 101، 102. ينظر أيضا ص: 249. ونهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 205 – 208. (1/157)
صفحة 158
إنّ الشّيخ بيّوض أعطى ثقة كبيرة في الفتيان الذين كوّنهم، واعترف لهم بما يملكون من طاقات وإمكانات، تؤهّلهم كي يسهموا في التّغيير والتّطوير والتّوجيه، وحمل المسؤولية الكبيرة فيما أعدّهم الشّيخ لأجلها. وهم لا غيرهم القادرون على هذا العمل الكبير. لسان حاله يقول: أنتم المؤهّلون كي تسودوا وتقودوا. قال لهم: " أيّها الشّباب المثقّفون! لقد آن لكم أن تنزعوا قيادة الأمّة من أيدي الجهلة الأميّين، والطّلبة الجامدين، فكفانا ما جرّت علينا قيادتهم من بلايا ومحن: خمود في الفكر، وجمود في العمل، وأفن في الرّأي، وجهل مطبق بأساليب الحياة. لقد دفعوا بعربة الأمّة إلى الهاوية، فتداركوها وروح القدس معكم." (1)
عدّد الشّيخ بيّوض السّلبيات التي تركت الأمّة متأخّرة، وذكر أسباب ذلك. لهذا اتّجه نحو الشّباب، يعبّئه ويستنهضه، ويعدّه للمهمّات الأسمى، وللملّمات الكبرى. فقام يحثّه ويحرّضه على العمل على تلافي هذه النّقائص، التي نجمت بسبب الجهل والأميّة. فأصبح انتزاع قيادة الأمّة من هؤلاء الجهلة واجبا على هؤلاء الفتية، لسبب بسيط واضح، هو أنّهم متعلّمون مثقّفون. لسان حاله يقول:لقد علّمتكم وأعددتكم لتقوموا بهذه المهمّة، وتقودوا الدّعوة والإصلاح، ولتتصدّروا المنتديات، و تتصدّوا للتّرّهات.
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 205. (1/158)
صفحة 159
أكّد لهم ذلك بقوله: " لقد قضيتم في معاهد الدّراسة سنوات، تلقّيتم فيها ما أهّلكم للكفاح في ميادين الحياة، ثمّ قضيتم في هذه سنواتٍ، عركتكم فيها الأحداث وعركتموها، سيّما في سنوات الحرب الأخيرة، ثمّ جاءت معركة الانتخابات (1) التي كانت للنّاس فتنة، كشفت عن معادنهم، فأشعرتكم قيمتكم، وأظهرت للنّاس خطركم. إنّ الفضل في الفوز الذي أحرزه الإصلاح في الانتخابات يرجع أكثره إلى جهود الشّباب. لقد اشتدّت أعضادكم، واستدّت سواعدكم بعد النّصر الذي أحرزتموه في المعركة. أفلا تنتزعون الرّاية لتتولّوا القيادة المطلقة؟! ألا ليس لكم بعد اليوم من عذر ولا تعلّة. لئن كانت المسؤولية عليكم قيل الفتنة كبيرة، فإنّها اليوم أعظم وأكبر.
إنّه ليسرّني أن يتفطّن رجال منكم لهذه الحقيقة فيعملوا لجمع هذا المؤتمر؛ لينظروا في طريقة تحمّل هذه الأمانة العظمى." (2)
__________
(1) - انتخابات المجلس الجزائري سنة 1948م، الني فاز فيها الشّيخ بيّوض، ممثّلا لوادي ميزاب.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 205. (1/159)
صفحة 160
إنّ الشّباب اكتسب ثقة شيخه فيه؛ بما أظهره من روح عالية في تحمّل المسؤولية، وما أبداه من بطولة وشجاعة وذكاء في انتزاع النّصر ممّن كان المعرقل لمسيرة الإصلاح، جامدا أو فاسدا. والشّيخ نفسه يتحلّى بروح القائد المحنّك، والأب العطوف، والمربّي الحاني، فيقدّم وصفة نفسيّة ترفع من معنويات الفتية الذين آمنوا بواجبهم، فأمّنوا النّصر للإصلاح، وفي الوقت نفسه تمنحهم طاقة للاستمرار في هذا النّهج السّليم. وبهذه الوصفة يوقفهم على مسؤوليتهم الكبيرة التي دفعهم إليها ما قدّموه من تضحيات، سنحت وسمحت للإصلاح كي يتقدّم ويزحف إلى الأمام. وساقتهم إليها الكفايات الهائلة التي أظهروها في هذا السّبيل. وقد اعترف لهم بها مربّيهم وقائدهم ورائدهم، والرّائد لا يكذب أهله، فكان كلّ ما قاموا به هو البداية, أمّا النّهاية فلم تأتِ بعد. ( لقد اشتدّت أعضادكم، واستدّت سواعدكم بعد النّصر الذي أحرزتموه في المعركة... لئن كانت المسؤولية عليكم قبل الفتنة كبيرة، فإنّها اليوم أعظم وأكبر...)
لقد كان الشّيخ بيّوض دوما يدفع بأبنائه الذين كوّنهم، ووثق بإمكاناتهم، يدفع بهم إلى تحمّل المسؤولية، ويحارب فيهم الخوف والتّهرّب والتّهيّب، والتّخلّي عن القيام بالواجب. هذا التّوجّه كان من الأمور التي أولاها الشّيخ بيّوض اهتماما كبيرا. إنّها سياسة أو لبنة مهمّة في إعداد الشّباب علميّا وتربويّا ونفسيّا لتحمّل المسؤولية في النّهوض بالأمّة، وتجديد حياتها، وتطهيرها ممّا يعيقها، وما يضرّ بها، ويقعد عن التّقدّم. (1/160)
صفحة 161
نقدّم نموذجا أو مثالا على ذلك بفقرة من رسالة، أرسلها الشّيخ بيّوض إلى تلميذه الشّيخ حمّو بن عمر فخّار ( رئيس جمعية الإصلاح في غرداية حاليا) كان الأستاذ وجّهها لتلميذه حين قدّم إليه عذره عن عدم قدرته على تحمّل المسؤولية في بعض الأمور، وهو ما يزال في بداية حياته العمليّة: "... بيد أنّي ألاحظ في كتابك شكاة، تفنَّنت في عرضها، وفد سمعتها منك مشافهة مرّات، وأخوف ما أخافه أن لا تزال بها، ولا تزال بك حتّى تصبح خلقا متمكّنا، وفجيعة راسخة، فتصاب بذلك الدّاء الوبيل، الذي أصيب به كثير من المثقّفين وذوي الكفاءات، فخسروا أنفسهم، وخسرتهم أممهم. ذلك هو داء الخوف من تحمّل المسؤوليات، وتقلّد التّبعات، والفرار بكلّ وسيلة وطريقة من ميدانها.
ذلك الذي قعد برحال أيّ رجال عن تسنّم ذرى الكمال، وذلك الذي يعدّ في شرع الجهاد والتّضحية جبنا شائنا، وفرارا من الزّحف. فأعيذك بالله من هذا الدّاء الوبيل والخلق الشّائن. على أنّي من جهة أخرى أؤوّل عملك هذا وشكاتك والإمعان فيها بأنّها مناورات، تريد بها التّفصّي ما استطعت، حتّى إذا لم تجد سبيلا تقدّمت غير هيّاب ولا وجِل ، أليس كذلك؟ " (1)
__________
(1) - حمّو بن عمر فخّار، كان حديثا حسنا، نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر، ذو القعدة 1420هـ/ فيفري 2000م، ص: 73، 74. كتبت
الرّسالة في القرارة يوم 16 من رمضان 1362هـ/ 14 من سبتمبر 1943م. (1/161)
صفحة 162
الشّيخ حمّو فخّار ( التّلميذ ) نفسه قدّم لهذه الرّسالة التي رآها مهمّة للشّباب الذي ينتظر منه الكثير، وبخاصّة في مجال تحمّل المسؤولية، والتّقدّم إلى الميادين ، التي يجب التّقدّم إليها، من دون عقدة الخوف، ومن دون التّهرّب من القيام بالواجب: " ثمّ إليكم الرّسالة الثّالثة في خريف 1943، وهي مزيج من التّشجيع والتّقريع والتّثبيت والتّبكيت. وتحمل في طيّاتها أبلغ درس للشّباب الذي يتهرّب من تحمّل المسؤولية، ويتفصّى من تبعاتها. فارعوها انتباهكم، واجعلوا توجيهاتها نصب أعينكم." (1)
هذه الدّعوة إلى تحمّل المسؤولية دفعت الشّيخ بيّوض أن يقدّم لأبنائه مجموعة من التّوجيهات والإرشادات، تحفّز الشّباب المتكوّن إلى أن يكون له دور في الحياة العمليّة، وأن يكون تأثيره قويّا في المحيط الذي يكون فيه؛ لأنّه يرى في أبنائه امتدادا لأفكاره, ووسيلة لنشر الإصلاح، وبثّ الدّعوة، ونشدان الحياة الحقيقيّة، التي يسعى إلى تهيئتها للنّاس. قال لهم: " أريد من كلّ واحد منكم أن يكون له أثر في المركز الذي يوجد فيه، لا أريد أبدا أن يكون كميّة مهملة، تمرّ الشّهور والأعوام، ولا يحسّ له أثر، ولا يسمع له صوت، ولا يظهر له عمل." (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 72.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 206. (1/162)
صفحة 163
حرص الشّيخ بيّوض كلّ الحرص أن يعمل الشّباب المثقّف المكوّن على كسب ثقة النّاس، الذين يتعاملون معه، وذلك بالإخلاص في العمل، والإسهام في حلّ مشاكل النّاس، وتوفير جوّ الوئام والانسجام بين أفراد المجتمعات التي يكونون فيها، وسلوك طرق مجدية وليّنة في توجيه حياة النّاس: " كذلك أريد أن تكونوا ذوي كرم وأريحية وشمم وإباء وهمّة عالية. أحسنوا إلى من أساء إليكم، وارفقوا بالجهلة والأغبياء وضعفاء النّاس، وألينوا القول لهم، فإذا جدّ الجدّ فاغضبوا غضبة مضرية، لا تلين لكم فيها قناة، ولا يفلّ حدّ. إنّكم إذا فعلتم امتلكتم القلوب، وتحكّمتم في النّفوس، فسلس لكم قيادها." (1)
إنّ الشّيخ بيّوض يريد من أبنائه أن يتمثّلوا قول الشّاعر أبي ليلى، النّابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
وقول الشّاعر:
إذا قيل رفقا قال للحلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جهل
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 207. (1/163)
صفحة 164
إلى جانب اللّين، يجب أن تتوفّر في هؤلاء الشّباب الذين يقودون الأمّة، ويوجّهون النّاس ( وهم علماء الأمّة ومرشدوها في المستقبل ) تتوفّرَ الصّرامة، والأخذ بالقوّة ، وأن يظهروا الغضبة التي تحمي عزّة النّفس، وتصون كرامة الذّات، وتحقّق رفعة الدّين: " يجب أن يكون للعلماء بوادر تحمي علمهم، وتصون شرفهم. وفي بادرة النّبئ في الذين أهدر دمهم في غزوة الفتح درس لنا وعبرة، تعلّموا واحلموا، ولكن كونوا أعزّاء حازمين شجعانا، لا تهينوا علمكم، ولا تذلّوه، فما كان لعالم أن يهين نفسه، أو يذلّها, وليكن مع حلمكم الحليم بوادر تحمي صفوه. على هذه الأسس نريد أن ننشئ شبابا للأمّة الجزائريّة، متعلّما مثقّفا، نيّر العقل، ممتلئا بأخلاق الإسلام، رافع الرّأس، لامتلائه بالعزّة الإسلاميّة، واعتزازه بوطنه وأمّته الكريمة، يعرف ما له وما عليه، ترتكز أخلاقه على أساس الهدي النّبوي، هدي رسولنا الأعظم الذي قال الله فيه { وإنّك لعلى خلق عظيم } (1) وهدي أصحابه وأخلاقهم... " (2)
إنّ هذا السّلوك الذي يقدّم لكلّ مقام مقالا، ويلبس لكلّ حال لبوسها اللاّئق بها، السّلوك الذي توجّهه الحكمة والرّوية والأناة والنّظر الجيّد، يعزّز مكانة الشّباب في نفوس قومه:" أريد من كلّ واحد منكم أن يكون ذال مكانة عند قومه، وذا مقام في المركز الذي يعمل فيه، يتمتّع بثقة تامّة لدى معارفه ومعاشريه وجمهور النّاس، حتّى يستطيع أن يؤثّر فيهم، ويوجّههم الوجهة التي يريد، وإن لم يفهموا حقيقة ما يدعو إليه. " (3)
__________
(1) - سورة القلم، الآية: 4.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 165، 166.
(3) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 207، 208. (1/164)
صفحة 165
هذا الشّباب الذي يحرص الشّيخ بيّوض على إعداده ليقوم بما يقوم به العلماء والدّعاة المرشدون ينبّهه أن لا يركبه الغرور، وأن لا يحمله ما يملكه من علم، وما ينفحه به هو من عبارات التّقدير، وما يعلّقه عليه من آمال عراض...لا يحمله ذلك على التّنكّر لمن سبقه في الميدان، ولمن كان له فضل في إعداده وتكوينه. بل عليه أن يقدّر التّضحيات التي قدّموها، حتّى وصل إلى ما وصل إليه: " وكلّ ما نرجوه من أبنائنا وشبابنا هو أن يعرفوا الفضل لذويه، وأن يذكروا في نعمةِ جاههِم، ونضارة فتوَّتِهم، وحظوةِ مناصبِهم تلك الظّهورَ الحانية، والوجوهَ المتجعّدة، والقلوبَ الواجفة، والأيدي المرتعشةَ لأولئك الشّيوخ الذين كانوا لهم بالأمس نعم المهاد، يغمرونهم عطفا وحنانا، ويرضعونهم لبان التّقوى، ويفدونهم بالنّفس والنّفيس؛ رجاء أن يكونوا ممّن اهتدى. فليس أضرّ على الكريم من نكران الجميل، ولا أقسى في المكرمات من سفاهة ذي المحتد الأصيل." (1)
ما جاء في آخر الفقرة يدخل ضمن ظلم ذوي القربى، الذي قال عنه طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشدّ غضاضة على النّفس من وقع الحسام المهنّد
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 66. (1/165)
صفحة 166
إنّ التّوجيه الذي قدّمه الشّيخ بيّوض مهمّ، يندرج ضمن منهج إصلاح النّفوس التي قد يرين عليها شيء ممّا ينال شخصية من يعوّل عليه في الإصلاح والدّعوة والتّوجيه. فنكران الجميل ليس من خلق الإنسان السّويّ، ولا من شيم الرّجل الأبيّ. إنّ الوفاء والاعتراف بالفضل هو ما يريد الشّيخ بيّوض أن يربِّي وينشئ عليه أبناءه، قرّة عينيه وأمله. هذا الخلق النّبيل هو الذي يضمن التّواصل والارتباط بين الخلف والسّلف، بين السّابق واللاّحق، بين المبتدي والمقتدي. لذا قال لهؤلاء الشّباب: " فحذار حذار أيّها الشّباب أن تقطع حبل التّواصل بينك وبين شيوخك وكبارك؛ إذ يركبك الغرور، وتغويك نخوة الفتوّة بنكران الجميل، فإنّ الرّائد لا يكذب أهله. وما كان أئمّتك ليوقعوك بنصحهم في مهاوي الضّلالة، وما كانوا ليراهنوا أحدا على مستقبلك. هم يرابطون في هذه الثّغور؛ إيمانا منهم بثقل الأمانة في الحفاظ على الدّين والصّلاح والتّقوى." (1)
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 65. (1/166)
صفحة 167
سيرا في درب تكوين الشّباب تكوينا صحيحا، وإعدادهم إعدادا يؤهّلهم لتبوّؤ مقعد القيام بمسؤولية التّوجيه والإصلاح، حرص الشّيخ بيّوض على بناء شخصياتهم؛ كتدريبهم على التّمرّس على النّقد، وعلى التّمحيص والاستقلال بالرّأي، وعلى عرض الأعمال والأقوال على الموازين والمعايير؛ لأنّ ذلك هو ما سيعرض لهم في حياتهم العمليّة، ويتطلّب منهم تبنّي أفكار، وإصدار قرارات، واتّخاذ مواقف... كلّ هذا يحتاج إلى تدريب وتجريب. الفرصة مواتية في مرحلة التّكوّن والإعداد. قال الشّيخ بيّوض: " إخواني أبنائي! لا أرضى ممّن يكون معي أو ينصرني تقليدا، أريد أن يزن النّاس كلامي بميزان العقل الصّحيح الخالي من الأغراض، فإذا اقتنعوا بالحقّ أخذوه يقينا، وعملوا به، ودعوا إليه. وإذا أشكل عليهم الأمر استوضحوه، فإن وجدوا حقّا أخذوه، وحمدوا الله عليه, وإن وجدوا باطلا ضربوا به عرض الحائط." (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 87. (1/167)
صفحة 168
باستقراء بعض النّصوص للشّيخ بيّوض، التي وردت فيها عبارات وكلمات خاصّة، تكرّر بعضها مرارا، نقف على طبيعة عمل الشّيخ في تربية الشّباب، وتهيئتهم - وبكلّ صدق وبخطّة مدروسة – لخوض غمار الحياة بكلّ قوّة وثقة. من هذه العبارات: ( رجال صالحون أكفاء، عاملون، قادة أبطال مخلصون، الجموع المثقّفة العاملة، هؤلاء الجنود المدجّجون بالعلم الصّحيح والخلق الإسلامي العظيم، والفكر النّاضج، التّدبير المحكم، أجيال من المثقّفين الصّالحين، أجيال صالحة قوية، عزيزة النّفس، أعددناهم للجهاد الأكبر، في بناء وطننا المفدّى، حسن أخلاق, وقوّة إيمان، جند قويّ الشّكيمة، الخلق المتين، الذّوق السّليم، لا نقبل علما بلا خلق، ولا علما بلا ذوق فنّيّ، التّربية الصّحيحة, عقائد صحيحة، ونيّة حسنة، أعمال صالحة، عقول مستنيرة واسعة، قوّة في التّمييز، وسداد في الرّأي، رسوخ في الفضيلة، تكوين شباب عملي يتعلّم ليعمل، رصيد من التّربية الدّينية، الأخلاق الحميدة، قدوة صالحين...) (1)
__________
(1) - ينظر مثلا، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 199. وأعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 72، 101، 102، 114، 115، 152،.
وحديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 32، 65، 66... (1/168)
صفحة 169
لَخَّص لنا الشّيخ محمد عليّ دبّوز ما قام به الشّيخ بيّوض، وهو إعداد النّخبة المباركة، الني شدّت من أزره في عمله وجهاده، ودفعت بمسيرة الإصلاح إلى الأمام، وفي الاتّجاه الصّحيح قائلا: " وكان يربّي تلاميذه تربيّة استقلاليّة، يعوّدهم الاعتماد على النّفس في الدّراسة والأعمال، ويلقي عليهم من أثقال المعهد كلّ ما يستطيعون، فيتولّون هم إدارته وتنظيمه، ويكتفي هو بالإشراف العام عليه، وكان يستعين بنبغائهم في التّدريس، ويملؤهم بالثّقة بالنّفس، ويدفعهم إلى الميادين العمليّة؛ ليكونوا رؤساء، فامتلأت سريعا ميادين الإصلاح بقادة كثيرين من تلاميذه، فصفّق طربا، وفسح لهم في كلّ ميادين العمل، وشعر بأثقال الرّئاسة تخفّ عليه، لمّا حملها تلاميذه الرّؤساء، وارتاح ارتياح البازي في أعلى الجوّ، يصارع العواصف بكثرة أجنحته." (1)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 199. ينظر أيضا حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 9. (1/169)
صفحة 170
كثيرا ما كان الشّيخ بيّوض يصرّح أنّه فخور بهؤلاء الشّباب الذين كوّنهم، وصنعهم على عينه. وأنّه معتزّ بهم؛ لأنّهم سيعمرون الميادين الكثيرة التي تحتاجها الأمّة، ويسدّون الثّغور العديدة في المجتمع. لذا كان يصفهم بالجنود والآساد والأشبال والرّجال والأبطال... وهو بذلك يعبّر عن راحته واطمئنانه وسعادته لقيامه بواجبه، وإخلاصه في عمليّة الإعداد والتّكوين. قال عن أمّته: "... إنّها لن تموت وهؤلاء الذين أراهم أمامي، هذه الجموع المثقّفة العاملة أبناؤها، ولن تهتك حرمة عرين هؤلاء أشباله، ولن تنكّس راية هؤلاء حملتها، لن ينال العدوّ منّا ما يريد ولنا أمثال هؤلاء الجنود المدجّجين بالعلم الصّحيح، والخلق الإسلامي العظيم، والفكر النّاضج، والتّدبير المحكم إن شاء الله. لا أقول إنّنا بلغنا الغاية، وإنّما أقول إنّنا وطّدنا الأرجل في الطّريق، واستبانت الغاية، وإذا كانت دونها عقبات فإنّها لا تكون أشدّ ممّا مضى، فإمّا أن ننسفها، وإمّا أن نعتليها ونجتازها بفضل هؤلاء الجنود الذين أمامي، وأولئك الأبطال... (1)
قال عن الأبناء، الذين وقفوا إلى جانب شيخهم، فكانوا في مستوى الثّقة التي وضعها فيهم،، وأوفياء لما عهد إليهم، فكانوا قرّة عين له. قال وهو يردّ على مناوئيه، الذين كانوا يعيّرونه بأن الذين وقفوا معه، وناصروه، هم أبناؤه، الذين أنشأهم على طريقته، وخرّجهم على منهجه: "... يقولون نصره تلاميذه! فماذا تنقمون من هذا؟ نعم نصروني ولا فخر، فهل أعددتهم وتقدّمت بهم إلى الميدان ليخذلوني، ويفرّوا منه؟ كان الواجب أن أستريح فينوب عنّي أحد تلاميذي. إنّهم أبنائي الأعزّاء، وهم زينتي وعدّتي وعتادي، وهم مفخرتي. بهم أجول وأصول، وهم أجنحتي، بهم أحلّق في أجواز الفضاء ..." (2)
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 114، 115. ينظر أيضا، ص: 72، 102. وفي رحاب القرآن، ص: 138.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4،، ص: 152. (1/170)
صفحة 171
إنّ الشّيخ بيّوض جاهد وناضل وضحّى، وخطّط ونصح وأرشد، وتحمّل كلّ صعوبة، واحتمل العتاب واللّوم، والسّبّ والشّتم، وتحامل على نفسه وذلّلها لتعينه على الصّبر والمصابرة والمرابطة؛ لتسع كلّ مناوئ، وكلّ جاهل، وكلّ معارض، وكلّ قصير الإدراك والنّظر... فعل كلّ ذلك ليبني بناء شامخا، وصرحا عاليا، يكون النّشء هم أسّه وعماده، وظهره وسناده، ولم يثنه حرد الجاهل وعناده. استند في ذلك على منهج سليم، ونهج قويم، فكان له في النّهاية هؤلاء الفتية، الذين أصبحوا كما قال: " هم ذخيرتنا وفخرنا، وحجّتنا أمام الله وضمير التّاريخ؛ بأنّنا أعددناهم للجهاد الأكبر في بناء وطننا المفدّى، فيصبحوا جنودا، يمتازون بحسن أخلاقهم، وقوّة إيمانهم، ويتمتّعون بكلّ مقوّمات النّصر في معركة البناء والتّشييد. ولقد دفعنا بهم مزوّدين بصالح الدّعاء، ومغمورين باليمن والبركة، ليرابطوا في أشدّ الثّغور حساسية وأدعاها للتّنقية والاختبار في قطاع التّربية الوطنية، فكانوا – بفضل الله – القدوة الحسنة في إخلاص العمل وطيب المعشر، وثقة الأولياء والتّلاميذ، وتقدير المسؤولين... (1)
عدّد الشّيخ النّتائج الرّائعة الذي أفرزه منهجه التّربوي، وهو بذلك يقدّم للجزائر أغلى هديّة في بداية استقلالها عن الاستعمار الذي حاربه في دينه ولغته وشخصيته ومقوّماته...وفي الوقت نفسه حمد غبّ سراه، إذ بلغ بالوطن ذراه، بهذا النّهج الذي سلكه، إذ قدّم له رجالا يرابطون في أشدّ الثغور حساسيّة، وأدعاها للتّنقية والاختبار. وهو قطاع التّربية والتّعليم، الذي يحتاج من يلج محرابه أن يكون قويّ الإيمان، حسن الأخلاق، طيّب المعشر، عاملا بجدّ وإخلاص، حريصا على كسب ثقة الأولياء، مثابرا في الحصول على تقدير المسؤولين...
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام، الحلقة الأولى، ص: 65، 66. (1/171)
صفحة 172
هذه النّتائج الذي عدّدها الشّيخ بيّوض، هي أيضا توجيه إلى رجال الاستقلال أو العاملين في ظلّ الاستقلال ليحافظوا على تلك المكاسب، ويسيروا في هذا النّهج، ويواصلوا الدّرب. ويقتدوا ويقتفوا أثر هذه المسيرة ليفيدوا أنفسهم، ويفيدوا غيرهم.
الخاتمة
من خلال ما عرضناه يبرز لنا الشّيخ بيّوض داعيّا إلى الله قديرا، ومصلحا اجتماعيّا كبيرا، وقائدا للأمّة جديرا. ومربّيا للنّفوس كفئا، ومرشدا واعظا مقتدرا، ومعلّما مربّيا محنّكا. كما يبدو لنا دوره الكبير في المحافظة على المجتمع أصيلا في مبادئه، محتفظا بقوّماته العربيّة الإسلاميّة. وينكشف لنا فضله في تطويره في إطار الأصالة والمعاصرة. ويظهر لنا كيف بقيت أفكاره حيّة في النّفوس، وظلّت المؤسّسات التي أنشأها، أو أشرف على تأسيسها، أو باركها... ظلّت باقية، مستمرّة في العطاء، سائرة في التّطوّر. فكان من الرّجال الخالدين الذين لا تنقطع أعمالهم بوفاتهم. (1) تمثّل ذلك فيما تركه من ثروة هائلة من العلم، ورصيد كبير من الرّجال الذين أعدّهم وكوّنهم، وذخيرة ضخمة من التّجارب، ومنهج واضح ومحكم في المجال الدّعوي والإصلاحي، كان ويظلّ معينا ينهل منه من يريد السّير بسلامة في طريق العمل المنظّم المخطّط.
نسجّل فيما يأتي بعض النّتائج التي توصّلنا إليها بعد عرض منهج الشّيخ بيّوض في الدّعوة والإصلاح:
__________
(1) - ينظر الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح, ص: 127. (1/172)
صفحة 173
1 - منهج الشّيخ بيّوض في الدّعوة والإصلاح كان مبنيّا على أسس متينة محدّدة، ومشدودا إلى أهداف مرسومة واضحة، ومعتمدا على أساليب متنوّعة، تستجيب للظّروف، وتتقيّد بالمبادئ والأصول, وتتحرّك ضمن خطّة محكمة، تجمع بين الفكر والعمل، بين النّظري والتّطبيقي، تتوخّى المرونة في الممارسة، تنزع إلى فهم الواقع قبل التّحرّك ، وتعتمد التّقويم بعد الإنجاز. تنتقي الوسائل في التّطبيق، وتنتقر الطّرق في الممارسة, وتنحو منحى الرّبط بين الوسائل في النّشاط، بما يجعل العمل بتمّ بشكل منسجم فيما بينها، يسهّل لها الصّدور من مشكاة واحدة، والانطلاق من مصدر واحد، يرتبط بعضها ببعض. وقد أفرز ذلك منهجا يعتمد العمل الجماعي، المنضوي تحت المؤسّسات؛ ليكون أكثر فاعليّة، وأحسن مردودا، وأقلّ أخطاء.
2 – عملُ الشّيخ بيّوض وأضرابه من الدّعاة والمصلحين يبيّن أنّ الدّعوة عمل يوميّ، وممارسة مستمرّة، وخطى دائبة، ومنهج مسطّر، وطريقة مرسومة. وأنّ الإصلاح مفهوم شامل، لا يخصّ جانبا دون آخر. ولا يقتصر على زمن دون زمن, ولا يرتبط بمكان محدّد. ولا يكون حكرا على وسيلة معيّنة، ولا فئة مخصوصة...
3 – منهج الشّيخ بيّوض قائم على إعداد الرّجال، وتكوين النّفوس، وتهيئة النّشء، والاهتمام بالشّباب عمدة المستقبل، وذخيرة الأمّة، والقاعدة الأولى في العمل الدّعوي : إعدادا ورعاية وتوجيها... (1) ومعتمدٌ على تأسيس الجمعيّات والهيئات. ومبنيّ على توظيف المسجد: وسيلة أولى ورئيسة في العمل، وركيزة محوريّة في الدّعوة والإصلاح.
4 – التّربية والتّعليم هما الوسيلتان النّاجعتان في التّكوين، لهذا أعطى لهما الشّيخ كلّ وقته وجهده. وعرض من خلالهما تجاربه، وقدّم آراءه، ونفّذ مشروعاته، وأمضى خططه، وطبّق منهجه.
__________
(1) -ينظر كتابنا الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي, ص: 17 – 26. (1/173)
صفحة 174
5 – منهجه يتّخذ الواقع مصدرا في العمل، ويتوخّى الواقعيّة في التّخطيط، ويتبنّى التّنوّع في الوسائل، ومراعاة مقتضى الحال في الخطاب. وينحو منحي المرونة في الممارسة، مع اتّخاذ الأصول والمبادئ منطلقا في التّحرّك، ومصدرا في العمل. والتّطلّع إلى الإفادة من الجديد في ميدان العلم, والاستغناء بالحديث في مجال التّربية.
6 – منهجه يسير على قاعدة تكوين خلف بكون امتدادا لأفكار السّلف، وإضافة له، وتجديدا لآرائه وطرقه في التّكوين والتّوجيه؛ بما يضمن السّير في النّهج، وضمان الحياة للمنهج. وذلك بفسح المجال للشّباب ليشترك في العمل الميداني؛ كي يتدرّب على تحمّل المسؤولية، ويجرّب ويحاول ويختبر مواهبه، ويستثمر طاقاته، ويعدّ نفسه للحياة المستقبليّة بكلّ قوّة وثقة. مع توخّي الصّرامة والجدّية في كلّ ذلك.
المصادر والمراجع
أ – الكتب
1 – الأصفهاني، الرّاغب أبي القاسم الحسين بن محمد
المفردات في غريب القرآن، ضبط ومراجعة محمد خليل عيتاني، ط1، دار المعرفة للطّباعة والنّشر
والتّوزيع، بيروت، لبنان, 1418هـ/ 1998م.
2– بابا واعمر، خضير بن بكير
إسماعيل بن موسى الجيطالي وآراؤه الكلاميّة رسالة ماجستير ( مخطوطة )، جامعة الجزائر، كليّة
العلوم الإسلاميّة، قسم العقائد والأديان، تخصّص أصول الدّين, السّنة الجامعيّة: 1421 – 1422
هـ/ 2000 – 2001م
3- بيّوض، إبراهيم بن عمر ( الشّيخ )
أ - تفسير سورة الإسراء، ط1، النّاشر دارالنّهضة للنّشر والتّوزيع، سلطنة عمان.1412هـ/1992م
ب - أعمالي في الثّورة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية (الجزائر )، 1990م.
جـ المجتمع المسجدي ( إعداد وتنسيق محمد بن قاسم ناصر بوحجام )، ط 2، مكتبة أبي الشّعثاء،
السّيب، سلطنة عمان. 1411 هـ/ 1990م.
جـ فتاوي الإمام الشّيخ بيّوض، ط 2، مكتبة أبي الشّعثاء، السّيب، سلطنة عمان،1411هـ/
1990م (1/174)
صفحة 175
د - حديث الشّيخ الإمام ردّا على بعض الشّبهات والأوهام، الحلقة الأولى ( إعداد وتنسيق الشّيخ
محمد بن سعيد كعباش )، نشر جمعية النّهضة، العطف، غرداية ( الجزائر )، 1992م.
4 – ابن منظور، أبو الفضل جمال الدّين محمد مكرم.
لسان العرب، مج2، مج4، دار المعارف، القاهرة، ( د.ت )
5 – أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريّاء.
معجم مقاييس اللّغة، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، 1422هـ/ 2001م.
6 – جغلول، عبد القادر.
الاستعمار والصّراعات الثّقافيّة في الجزائر, ترجمة سليم قسطون، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1984.
7 – دبّوز، محمّد عليّ ( الشّيخ )
أ - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر, 1969م.
ب ـ أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر, 1396هـ/1976م.
جـ أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3 ، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1398هـ/ 1998م
د- أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ط1 ، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/ 1980م.
هـ أعلام الإصلاح في الجزائر، ج5 ، ط1 ، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1982م.
8 – الزّحيلي، وهبة ( الدّكتور )
التّفسير المنير في العقيدة والشّريعة والمنهج, ط 2، مج 11، 12، دار الفكر، دمشق, دار الفكر المعاصر، بيروت، 1418هـ/1998م.
9 - السّدلان، صالح بن غانم ( الدّكتور )
المسجد ودوره في التّربية والتّوجيه وعلاقته بالمؤسّسات الدّعويّة في المجتمع, ط1، النّاشر دار
بلنسيّة، الرّياض, 1415هـ/ 1994م.
10 - سوكحال، نور الدّين
الشّيخ إبراهيم بيّوض ومنهجه في الإصلاح، رسالة ماجستير، (مخطوطة )، جامعة الأمير عبد
القادر للعلوم الإسلاميّة، معهد أصول الدّين، قسم الإعلام, السّنة الجامعيّة: 1994/ 1995م.
11– صقر، عبد البديع
كيف ندعو النّاس، ط 10، الناّشر مكتبة وهبة، القاهرة، 1410هـ/ 1990م.
12– عبد الله، محمد محمود (1/175)
صفحة 176
كيف تكون داعيا ناجحا ؟، ط1، مكتبة القدسي للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1419هـ/ 1998م.
13– العمّار، حمد بن ناصر بن عبد الرّحمن ( الدّكتور )
نصوص الدّعوة في القرآن الكريم، دراسة تأصيسليّة, ط1، مركز الإعلام/دار إشبيليا للنّشر والتّوزيع،
الرّياض، 1418هـ.
14– عمارة، محمد ( الدّكتور )
التّقدّم والإصلاح بالتّنوير الغربي؟ أم بالتّجديد الإسلامي ؟؟ النّاشر دار نهضة مصر للطّباعة والنّشر
والتّوزيع، القاهرة، 1998م
15– عمارة، محمود محمد ( الدّكتور )
أ - الخطابة في موكب الدّعوة, ط1، دار الخير، 1413هـ/ 1993م.
ب – أصول الدّعوة من قصّة إبراهيم عليه السّلام, ط1، مكتبة الإيمان للنّشر والتّوزيع، المنصورة،
مصر، 1417هـ/ 1997م.
16– العودة, سلمان بن فهد
من أخلاق الدّاعية, مطبعة سفير، الرّياض، 1411هـ.
17– فخار، حمو بن عمر ( الشّيخ )
كان حديثا حسنا، مناقب القائد المربِّي الشّيخ بيّوض, نشر جمعيّة ا لتّراث، القرارة، غرداية ( الجزائر )
1420هـ/ 2000م –
18– القرضاوي، يوسف ( الدّكتور )
الشّيخ الغزالي كما عرفته ( رحلة نصف قرن )، ط1، دار الشّروق، القاهرة، بيروت، 1420هـ/
2000م.
19- ناصر بوحجام، محمد بن قاسم ( الدّّكتور )
أ - الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1412هـ/ 1992م.
ب – كيف تختار موضوعا للوعظ، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان.
1424هـ/ 2003م.
جـ الشّيخ إبراهيم بيّوض المصلح المربّي، ط1، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، 1425هـ/
2004م.
20– ناصر، محمد بن صالح ( الدّكتور )
أ - حلقة العزّابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي, مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة
عمان، 1990م.
ب - منهج الدّعوة عند الإباضيّة، نشر مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان,1418هـ/ 1997م.
21– النّحوي، عدنان عليّ رضا ( الدّكتور ) (1/176)
صفحة 177
النّظريّة العامّة للدّعوة الإسلاميّة: تهج الدّعوة وخطّة التّربية والبناء, ط 3 ، دار النّحوي للنّشر
والتّوزيع، الرّياض, 1417هـ/ 1997م.
22 - في رحاب القرآن ( مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم ) ( التّأبين) نشر جمعيّة التّراث،العطف،
غرداية ( الجزائر ) 1989م.
23 - الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، نشر جمعيّة الحياة, القرارة, غرداية
( الجزائر ) 2002 م.
ب - الدّوريات
1 – الحياة (معهد الحياة )، القرارة، غرداية ( الجزائر )، العدد السّابع، رمضان 1421هـ/ ديسمبر
2000م
2 – الشّباب ( معهد الحياة )، القرارة، غرداية ( الجزائر )، عدد: 64، ( 10/ 02/ 1929م ).
3 – العقيدة، قسنطينة، الجزائر، عدد يوم: 07/ 03/ 1414هـ 25/ 08/ 1993م.
4 – عمان، سلطنة عمان، عدد: 02/ 08/ 1411هـ 17 / 02 1991م.
محتويات الكتاب
مقدّمة
معنى الإصلاح
معنى الدّعوة
خصائص الدّاعية والشّروط المطلوبة فيه
مفهوم الإصلاح والدّعوة عند الشّيخ بيّوض
عوامل تكوّن الشّيخ بيّوض
خصائص ومميّزات في شخصيّة الشّيخ بيّوض
منطلقات الشّيخ بيّوض وأولويات عمله
هياكل الدّعوة والإصلاح
المسجد في منهج الشّيخ بيّوض
طبيعة دروس الشّيخ بيّوض ومنهجه فيها
التّربية والتّعليم في منهج الشّيخ بيّوض
الشّباب في منهج الشّيخ بيّوض
الخاتمة
المصادر والمراجع
محتويات الكتاب (1/177)