صفحة 1
الكتاب: وأعدوا لهم لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] " وأعدوا لهم "
محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وبكل فضل على عباده جدير،أحمده سبحانه بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله وسلم تسليماً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،،،
فالسلام عليكم أيها الإخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته،،،
أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة في هذا اللقاء الأول في هذا الفصل الدراسي، بعدما انقطعت لقاءاتنا بسبب اختبارات الطلبة وبسبب شهر رمضان الكريم والعطلة ما بين الفصلين الدراسيين. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا في هذا اللقاء وفي غيره بأن يهدينا للهدى وأن يوفقنا للخير وأن يصرف عنا الشر، وأن يبصّرنا بالحق وأن يعيننا على اتباعه، وأن يباعد بيننا وبين الباطل، إنه تبارك وتعالى بالإجابة جدير وهو على كل شيء قدير. (1/1)
صفحة 2
هذا، وقد كان تسلسل هذه الدروس في الأيام السابقة في بيان أهلية الإسلام لقيادة العالم، هذا العالم الذي يعاني ما يعانيه من الاضطراب، والذي تذوق ألواناً من الظلم وتجرع غصصه وكابد مشقته وواجه ما واجه من الصعاب بسبب انحرافه عن المنهج السوي وبعده عن الفطرة التي فطر الله سبحانه البشر عليها. وقد وصلنا في معرض الحديث في الأيام السابقة إلى الحديث حول الحقوق المتبادلة بين الجنس البشري، لأن هذه الحقوق هي رباطٌ بين فئات البشر، إذ لم تشرع لطائفة على طائفة فحسب، وإنما شُرعت متبادلة بين الناس، فكل جانبين متقابلين لكلٍ منهما على الآخر من الحقوق مثل الذي عليهم لذلك الجانب.
وكنت أفكر في الاستطراد في الحديث حول الأمثلة التي أردت ذكرها ولم أستوعبها فيما تقدم من الدروس من هذه الحقوق المشروعة المتبادلة بين أطراف الناس، ولكن رأيت في هذا الدرس – ولعل ذلك أيضاً يستتبع الحديث في الدروس الآتية في نفس هذا الموضوع – أن ما تشهده الساحة الدولية في هذه الأيام من صراع، وما يجري في هذا العالم من الاستعداد للحرب أمرٌ يستدعي التوقف عنده، فإن هذا الاستعداد للحرب إنما هو تحت شعار دفع العدوان ومكافحة الإرهاب، مع أن تأجيج هذه الحرب نفسه يُعد إرهاباً ويعد عدواناً.فيتبين من خلال ما يجري كيف يستعلي القوي على الضعيف وكيف انقلبت موازين الحياة في هذه الدنيا بسبب تمكن القوي من ناصية الضعيف وبسبب فقدان الوازع الديني. (1/2)
صفحة 3
وهنا يتجلى للإنسان أن البشرية بحاجة إلى الإسلام الذي يغذي الضمير الإنساني بالعطف والمودة ويدعو إلى الإحسان فيما بين الناس. ويتجلى الفارق الكبير بين الحروب التي تُشن من قبل هذه القوى المستعلية في الأرض المستكبرة فيها وبين ما شُرع في الإسلام من حرب، فالفارق كبير جدا بين هذه وتلك. الإسلام عندما يدعو إلى المحاربة فإنما يدعو إلى ذلك من أجل إحقاق الحق ومن أجل دفع العدوان، ومن أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؛ فليس فيما يُشرع في الإسلام من حرب تمكينٌ لقوة لأن تستعلي في الأرض ضد القوى الأخرى وعلى حسابها من أجل مجرد التمكن، وإنما ذلك من أجل إحقاق الحق، فالله سبحانه وتعالى يدعو إلى العدل حتى في مواجهة العدو ومقاتلته، ويدعو إلى عدم التعدي، فهو سبحانه وتعالى يقول: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ". هنا يقف العقل البشري مشدوهاً أمام هذا التوجيه الرباني لهذه الجماعة المسلمة بأن تلتزم العدل وأن تسير على النهج السوي في هذه المواقف الحساسة التي تهيج فيها العواطف وتشتد فيها الحمية، فلا مجال لأن يحتكم الإنسان إلى عواطفه ولأن ينساق وراء حميته، وإنما عليه أن يضع بين يديه ميزان القسط بحيث لا يُقدم على شيء ولا يُحجم عنه إلا ببينةِ من ربه سبحانه وتعالى. والله سبحانه قبل كل شيء قال: " وقاتلوا في سبيل الله "، المقاتلة إنما تكون في سبيل الله لا تكون في سبيل البشر، لا لأجل تمكين طائفة من الناس ضد الطوائف الأخرى، لا لأجل الاستعلاء في هذه الأرض، كيف والله سبحانه وتعالى يعد بالجنة عباده الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً. (1/3)
صفحة 4
المقاتلة في الإسلام لا تكون إلا في سبيل الله، من أجل إحقاق الحق، من أجل رفع الظلم، من أجل إنارة السبيل للبشر حتى يصلوا إلى خيرهم في الدنيا وخيرهم في الآخرة. ثم من الذي يُقاتَل؟ إن الذي يُقاتل هو الذي يُقاتِل " الذين يقاتلونكم ". وبجانب ذلك يدعو الله سبحانه وتعالى إلى عدم العدوان " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "، يأمر عباده المؤمنين ألا يعتدوا في مقتاتلتهم لأعدائهم الكافرين، وذلك أمر في منتهى الإنصاف وفي منتهى العدالة.
ثم إننا نجد أن الله سبحانه وتعالى في معرض هذه الآيات التي تدعو إلى القتال يأمر عباده بأن يلتزموا التقوى " واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين "، فليس للإنسان أن يتصرف وفق هواه وكما تملي عليه عاطفته وحميته، وإنما يتصرف وفق أمر الله سبحانه وتعالى، ذلك لأن الله سبحانه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، يقول الله سبحانه وتعالى : " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط "، فقد أنزل الله سبحانه وتعالى الكتاب على الرسل بعدما قرن رسالته بالبينات وأنزل معهم الميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط، لأجل أن يقوم الناس بالعدل، لأجل أن لا يكون هنالك انحراف، لأجل أن لا يكون هنالك حيفٌ وجور من قبل الناس، فالنهي عن العدوان لا ريب أنه أمر دقيقُ جداً يحاسب فيه الإنسان نفسه بنفسه. الإنسان مأمورٌ أن لا يندفع وراء حميته حتى تقوده إلى العدوان على عدوه، إنما يلتزم الحق. هذا هو منهج الإسلام في معاملة الآخرين. النبي صلى الله عليه وسلم ضرب أروع الأمثال في ذلك، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام نهى عن قتل الشيوخ وعن قتل النساء وعن قتل الأطفال وعن قتل الرهبان الذين اعتزلوا في صوامعهم وأن يتركوا وما حبسوا أنفسهم عليه، ونهى عن قطع الشجر وعن عقر الدابة إلا لأجل مأكلة، أما لأجل الإفساد فلا، لا يُباح الإفساد في الأرض. (1/4)
صفحة 5
ولنقف ذلك إلى ما يجري الآن في هذا العالم من إبادة الأخضر واليابس، وإتلاف الطارف والتليد، وإهلاك الحرث والنسل. هذه الحروب التي تُشن بدعوى المحافظة على السلام وبدعوى دفع العدوان، بدعوى مكافحة الإرهاب، أين الفارق ما بين وضع هذه الحروب وتلك؟! ناهيكم بما جرى في الحربين العالميتين الكبريين من إتلاف الأنفس، حتى قيل بأن المصابين في الحرب العالمية الأولى كانوا واحداً وعشرين مليوناً والذين قُتلوا سبعة ملايين، بينما في الحرب العالمية الثانية الذين أصيبوا بلغوا خمسين مليوناً، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، إنما كان ذلك أمراً يكلف -بجانب إتلاف هذه الأرواح وإهلاك هذه القطعان من البشر- مالاً عظيماً، ففي الحرب العالمية الأولى كان قتل النفس الواحدة يكلف عشرة آلاف من الجنيهات. فكم من أموالِ أُتلفت؟!! وكم من أموال أبيدت من أجل إرضاء هذه النزوة النفسية ومن أجل حب الاستعلاء في الأرض والتمكن فيها. كم أهلكت أمم لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحروب ولم يكن لها أية إرادة في تمكن طائفة ضد طائفة أخرى وإنما ذلك أمرٌ اقتضته سياسة هذه الحروب المدمرة التي لا تبقي ولا تذر؟؟!! وهل كان هنالك ربح؟!! لا ريب أن النتائج تكشف ذلك، فدول الأحلاف التي خرجت منتصرة وظافرة حسب الأمر انقلبت الموازين ضدها فإذا هي تتنقص سلطاتها في أطراف الأرض شيئاً فشيئاً بعدما انتهت هذه الحرب، وما ذلك إلا من آيات الله سبحانه وتعالى التي تكشف للناس أن الظلم وإن استمراه الإنسان عاقبته وخيمة وشره وبيل. (1/5)
صفحة 6
لو قسنا ذلك إلى ما جرى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدنا الفارق الكبير. الحروب التي استمرت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم منذ السنة الثانية من هجرته عليه أفضل الصلاة والسلام وإلى انتهاء حياته عليه أفضل الصلاة والسلام في هذه الدنيا لم تصل ضحاياها إلى ألف إنسان، مع أن هذه الحروب التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت نتائجها خيراً تجنيه الإنسانية إلى قيام الساعة. في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم استقر الإسلام في جزيرة العرب وسادها الإسلام من أقصاها إلى أقصاها، ونعِم العرب الذين كانوا مشتتين أوزاعاً، والذين كانوا متقاطعين متدابرين بالتآلف والترابط والتواد، ثم بعد ذلك تكونت منهم أمة تسيح في هذه الأرض الواسعة لتنشر الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتنشر في الناس مبادئ الحق وتحمل الناس على التراحم والتعاطف والتواد، فكان أولئك خير أمة أخرجت للناس، وترتب على ذلك ما ترتب من القضاء على القوى التي كانت مستكبرة في الأرض متألهة فيها، تسخر الجماهير الكادحة من أجل راحة الحاكم وحده أو من أجل راحته وراحة مجموعة قليلة من البشر من حوله الذين ينعمون برفده ويتفيأون ظله، فإذا بهذه الإنسانية تتذوق معنى العدل ومعنى الراحة وتعرف معنى المساواة وتعرف قيمتها، تدرك قيمة الإنسان في هذه الأرض. (1/6)
صفحة 7
وفوق ذلك كله نعمة الهداية، هداية الإنسان، بعدما كان الإنسان لا يعرف الغاية التي خُلق من أجلها، لا يعرف من أين جاء ولا إلى أين ينتهي وماذا عليه أن يعمل بين مبتدئه ومنتهاه، أدرك الإنسان أن الله تبارك وتعالى هو فاطر هذا الكون وأنه هو الذي استخلف الإنسان في هذه الأرض وأن الإنسان ينوء بأوزار هذه الخلافة وأنه مسؤولٌ عن عمارة هذه الأرض مسؤولٌ عما يجري فيها ومطالب بأن يحتكم إلى ميزان الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى وأن يقوم بالقسط في هذه الأرض، لا تدفعه حمية إلى أن ينتصر ممن هو بريءٌ وغير مستوجبِ للانتصار منه، ولا يدفعه أيضاً حبه لأحد من الناس إلى أن يتهاون في أمره، إنما يضع الناس جميعاً في ميزان واحد. ثم بجانب ذلك ظلت هذه المبادئ الحقة مع الأعاصير الهوجاء التي هبت في البلاد الإسلامية نتيجة انحراف المسلمين أنفسهم عن الصراط السوي، لكنها ظلت واضحة بينة، فمبادئ الحق ظلت مناراتها شاهقة يهتدي بها من قدر الله سبحانه وتعالى له الاهتداء إلى الحق. فالفارق إذن فارقٌ كبير ما بين ما شرعه الله سبحانه وتعالى من جهاد وقتال وبين ما تضرمه هذه الأحقاد من سعير هذه الحروب التي لا تبقي ولا تذر، ويتبين بهذا حاجة الإنسان في هذا العصر إلى الإسلام. (1/7)
صفحة 8
على أن الاستعداد للحرب قبل الحرب العالمية الأولى وما بينها وبين الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب العالمية الثانية أمرٌ لا يقاس بمقياس، فإنتاج الأسلحة المدمرة التي لا تبقي ولا تذر كم كلف من أموال؟!! مع أن هؤلاء يعترفون بأنفسهم بأن جماعاتٍ من البشر تكابد الويلات الآن في الدنيا بسبب المجاعة، بسبب سوء الأحوال التي تعاني منها. أليس هؤلاء لو أحسنوا التصرف وأنفقوا في هذه الأموال عمارة هذه الأرض واستصلاحها من أجل أن تعطي خيراتها لكان في ذلك ما يرفه هذه الإنسانية في العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه. كم من أموالٍ أُتلفت من أجل هذه الأسلحة المدمرة، من أجل إنتاج القنبلة الذرية، من أجل إنتاج الأسلحة الجرثومية، التي لا تبقي ولا تذر. واستمر التطور، تطور إنشاء هذه الأسلحة، إلى وقت قريب حتى صارت الأسلحة المدمرة الموجودة في أيدي هذه القوى المستعلية في الأرض تكفي لتدمير هذه الأرض بأسرها من أقصاها إلى أقصاها عدة مرات. هذا مما يدعو الإنسان إلى التفكر ،ويدعو الإنسان إلى الاعتبار، ويدعو الإنسان إلى الإيقان بأن الإنسانية لا تنعم إلا في ظل الإسلام الحق، دين الله تبارك وتعالى، الذي يرسخ في هذه النفوس مبادئ الخير ويعرفها بواجباتها فيما بينها ويمنعها عن العدوان والظلم ويرتفع بها عن حب العلو والاستكبار والفساد في هذه الأرض. (1/8)
صفحة 9
ولا ريب أن العالم الغربي، بل العالم المادي شرقيه وغربيه، قطع شوطاَ كبيراً في التقدم العلمي، ولكن هل كانت تنامي الأخلاق موازيا لتنامي العلم والمعرفة؟ يذكر بعض فلاسفة الغرب أنفسهم أن كلما تقدم العلم وتقدمت القوة في بلاد الغرب كان ذلك على حساب الدين والأخلاق.فالانحدار في الخلق والانحدار في التدين كان بقدر الرقي في مدارج العلم والارتفاع في مدارج القوة. وهذا أمرٌ خطيرٌ جداً فإن الدين هو صمّام الأمان لهذا الإنسان، إذ الإنسان بدون دين لا قيمة له، وقد أفلس العالم الغربي كما هو معلوم في الناحية الدينية، وفي الناحية الخلقية. وحسبنا أن نذكر شهادة لأحد هؤلاء الغربيين أنفسهم وهو المستر جولد الذي كان رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن قبل عقود كثيرة من السنين، وذلك أنه قال بأنه كان أمام خمسة عشر من الطلبة فيهم الذكران وفيهم الإناث، فسألهم: من منكم مسيحي بأي معنى من معاني هذه الكلمة؟(يعني بذلك أنه لا يلزم أن يكون من ينتمي إلى هذا الدين الذي يُنسب زوراً إلى المسيح عليه السلام هو ملتزم بقيمه وتعاليمه وإنما هي في مجرد الانتماء إليه )، فكان الجواب أنه لم يجب بنعم من هؤلاء العشرين إلا ثلاثة ..كان أمام عشرين طالباً وطالبة..سألهم هذا السؤال وما أجاب بنعم منهم إلا ثلاثة، وسبعة قالوا بأنهم لم يخطر ببالهم هذا السؤال بعد، وعشرة قالوا بأنهم رافضون لما يسمى بالدين.. (1/9)
صفحة 10
معنى ذلك أن نسبة الذين ينتمون إلى الدين وينتسبون إليه لا تتجاوز الخمسة عشر بالمئة 15%، وأن الذين يعلنون رفضه وعدم قبوله هم خمسون في المئة 50%، وأن الذين لم يدر ببالهم هذا السؤال قط هم خمسة وثلاثون في المئة 35%، مع أن ذلك كان – كما قلت – قبل عقود من الزمان، كما يعترفون هم بأنفسهم، كان التقدم في مجال القوة وفي مجال العلم على حساب الدين والأخلاق، فبقدر هذا التقدم يكون التأخر في الدين والخلق، ولا ريب أنهم قطعوا أشواطاً بعيدة في مضمار السباق في العلم ، مضمار السباق في القوة، في خلال هذه الفترة، وحسبكم ما تشاهدونه الآن من منتجات العلم، وهذه كلها جاءت باعترافهم بأنفسهم على حساب الدين والخلق. ثم هناك أيضاً شهادة من رجل مسلم بعدما كان على غير الإسلام، وكان من هؤلاء الناس أنفسهم، وهو الأستاذ محمد أسد الألماني المسلم، فإنه ذكر بأن العالم الغربي ما عاد له إله يعبده إلا التقدم المادي، وأن معابد هذا الدين الذي عكف عليه من جديد هو المصارف والمتاجر والمصانع ودور السينما ودور البغاء وغير هذا مما يجري في هذا المجرى ويدور حول هذا المحور، وأن الكهنة ورجال الدين في هذه المعابد هم المتفوقون في المجالات العلمية وفي الابتكارات ونجوم السينما ونجوم الدعارة كما يسمون المفسدين والمفسدات بالنجوم، هؤلاء هم رجال الدين وهم الكهنة في هذه المعابد.هذا هو الوضع في بلاد الغرب. (1/10)
صفحة 11
فإذن من خلال هذا كله يتبين أن العالم بحاجة إلى هذا الإسلام. ومن المعلوم أن هذا التقدم العلمي الأمة المسلمة هي بحاجة إليه وهي بحاجة إلى أن تدفع بشبابها إلى الأمام، لكن على أن يكون التقدم في المجال العلمي موازياً للتقدم في الأخلاق والفضائل التي تُستمد من الدين، وأن يكون رسوخ العقيدة أيضاً موازياً لهذا التقدم العلمي. الأمة المسلمة مطالبة بأن لا تكون ذنباً للآخرين، وإنما هي مطالبة بأن تأخذ بزمام قافلة البشرية إلى سبيل الخير، بحيث تقود ولا تنقاد وتؤثر ولا تتأثر وتدعو فيُستجاب لها لا أن تستجيب لكل داعِ ولا أن تتأثر بكل نزعة ولا أن يستفزها كل بريقِ يلوح لها، إنما هي مطالبة بأن تكون مؤثرة على غيرها. ولا ريب أن القوي يؤثر على الضعيف، والقوة يجب أن تكون قوة روحية وقوة مادية. مما يُؤسف له أن المسلمين في بلاد الإسلام وخارج بلاد الإسلام يكفيهم في الناحية العلمية أن يرددوا النظريات التي يتلقونها من الآخرين، وأن يكتفوا بتجارب الآخرين لا أن يقوموا بأنفسهم بتجاربهم وأن يقوموا بأنفسهم بتصويب النظريات الفاشلة الباطلة. هذا مما يُؤسف له كثيراً. وهذا يعني أنه لا بد من إيجاد طموح في نفوس المسلمين إلى السباق في مضمار العلم ومضمار الحياة نفسها بكل ما تتطلبه هذه الحياة، مع المحافظة على قيم الدين ومع عدم التفريط في الأخلاق التي هي نابعةٌ من كتاب ربهم ومن سنة نبيهم محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. (1/11)
صفحة 12
قرأت قبل أيام على كتاب يذكر مؤلفه، وهو طبيب، بأنه كان في زيارة إلى اليابان، وكان يرافقه أحد مواطني اليابان في جولاته في أنحاء اليابان، وذكر له مرافقه أن له ابناً لا يتجاوز الثلاثة عشر من عمره ولكنه مع ذلك مغرمٌ بعلم الفلك. فالتقى هذا الطبيب بهذا الابن، ابن الياباني، وإذا به يمتلك بنفسه مرصداً في مزرعة يراقب من خلال هذا المرصد النجوم ويرصد حركاتها ويُنبئ عما توصل إليه بنفسه من الاكتشاف. هذا الطموح في فتىً لم يصل إلى سن البلوغ على أكثر التقدير أو أنه شارف سن البلوغ، بينما نحن عندنا الذين يدرسون هذه الناحية ويعتنون بهذه العلوم يكتفون بما يُلقى إليهم من قبل الآخرين من غير أن يحاولوا الاكتشاف بأنفسهم. هذا أمرٌ يدعو إلى الحسرة. فإذن الأمة المسلمة مُطالبة بأن تؤثر بخلقها مع كونها قوية، قوية بعقيدتها وقوية بفضائلها وأخلاقها، وقوية باستمساكها بحبل ربها، وقوية أيضاً بالأسباب المادية التي تدفع بها إلى الأمام. ما الذي يدعوها إلى التخلف وراء الآخرين؟!!
الأمة المسلمة يجب عليها أن تعرف معنى قول الله تبارك وتعالى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة "، فإن الله تبارك وتعالى لم يبين هذه القوة التي نعدها لأعدائنا، وإنما أطلقها – سبحانه وتعالى – من غير أن يقيدها بشيء، فإذن كل ما يمكن أن يكون قوةً لهذه الأمة وأن يكون سبباً لنجاحها وسبباً لتأثيرها على غيرها يجب أن تأخذ به. وسائل القوة على اختلافها يجب عليها أن لا تفرّط فيها. (1/12)
صفحة 13
هذا، وإنه مما يجب أن لا يفوت مسلم من المسلمين أن التصور الصحيح في كل شيء هو أساسٌ للنجاح، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى عندما بعث رسله وأنزل كتبه بدأ أولاً بإبراز الصورة الصحيحة للعقيدة الحقة حتى لا تكون هنالك التباسات في نفوس الناس، فالتصور الصحيح لهذه الحياة ومعرفة ما يجب أن يكون وسيلةَ وما يجب أن يكون غاية كما أن التصور الصحيح لما يتبع هذه الحياة من مآلِ يؤول إليه الإنسان بحسب ما قدم في حياته هذه من خيرِ أو شر كل ذلك مما يجعل سلوك الإنسان سلوكاً سليماً. الله سبحانه وتعالى أرسل رسله جميعاً بدعوة التوحيد من أجل وصل هذه النفوس ببارئها تبارك وتعالى، ومن أجل إزالة الغبش الذي كثيراً ما حال بينها وبين إبصار الحقيقة فيما يتعلق بعالم الغيب. أرسل الله سبحانه وتعالى رسله بدعوة الحق، وأنزل كتبه بهذه الدعوة، أرسل رسله كما أخبر بنفسه بالبينات حتى يهلك من هلك على بينة ويحيى من حيّ على بينة، وقرن دعواتهم بالمعجزات، لأجل أن يكون الإنسان تصوره تصوراً بيناً، وأن لا يكون في ارتيابٍ من أمره فإن الشك يورث الحيرة في الأمر بحيث لا يدري الإنسان بما يأخذ عندما يشك في الأمر..لكن عندما يكون على بينة من أمره يزول اللبس من نفسه كما يزول الغبش عن بصره فيصبح هذا الإنسان عارفاً بما يأتي وما يذر. وهذا يعني أن الشباب المسلم يجب عليه قبل كل شيء أن يكون ذا تصورٍ سليم بحيث لا يكون في مريةٍ من أمره في أمر عقيدته بحيث تكون عقيدته عقيدة القرآن..والله تبارك وتعالى يدعو عباده في كتابه إلى التفكر..التفكر في ملكوت السماوات والأرض..ويصرّف آياته من أجل أن يعرفها، والله تبارك وتعالى يقول: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون "، ويقول سبحانه وتعالى : " يفصّل الآيات لقومٍ يتفكرون "، وجاء أيضاً " لقومٍ يعلمون "، و" لقومٍ يهتدون "..كل من ذلك من أجل أن تكون هذه العقيدة عقيدة واضحة. (1/13)
صفحة 14
ثم إنه – سبحانه وتعالى – عندما أنزل أحكامه أنزلها واضحةً بينة، فما أُجمل في الكتاب العزيز بينته سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما تكون هذه الأحكام مقرونةً بالعلل لأجل أن يحرص الإنسان أيضاً على استلهام الحكم من هذه الأحكام التي شرعها الله تبارك وتعالى. فعندما يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: " ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون " في معرض النهي عن عضل النساء يبين لنا أن كل ما يشرعه لنا من أحكام إنما يريد به سبحانه وتعالى لنا الطهر ويريد لنا به التزكية..على أن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كانت من أجل التعليم ومن أجل التزكية " هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين " .." لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين ". (1/14)
صفحة 15
ثم إن هذه العقيدة تصل الدنيا بالآخرة والعمل بالجزاء والمسير بالمصير، لأجل ذلك يكون تفكير الإنسان ليس محصوراً في هذا العالم المحدود أو في هذه المرحلة القصيرة في حياته التي تبدأ بالميلاد وتنتهي بالوفاة، إنما يكون تفكير الإنسان فيما وراء ذلك. فعندما يُقدِم على أمر..عندما يقدم على ذلك الأمر وهو حاسبٌ حسابه لما وراء هذه الحياة، يُقدم على كل أمر وهو حاسبٌ حسابه للجزاء الذي يتلقاه على ذلك الأمر، فيزن ذلك الأمر بالميزان الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسله من أجل أن يقوم الناس بالقسط. وعندما يُحجم عن أي أمر إنما يحجم أيضاً عنه ببينةٍ من ربه سبحانه وتعالى حتى يكون سلوكه سلوكاً يتلاءم مع هذا المعتقد الحق الذي يعتقد، وأن تكون أعماله كلها ترجمة لهذا الإيمان الراسخ في نفسه القار في قرارة قلبه وفي عقله ووجدانه وفي جميع أحاسيسه ومشاعره، إنما ذلك عندما يكون هذا المعتقد معتقداً راسخاً، وذلك ولا ريب يقتضي الإيمان بجميع ما أوجب الله تبارك وتعالى الإيمان به، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره إيماناً يتفاعل معه الإنسان تفاعلاً تاماً ويسوق هذه النفس إلى كل خيرٍ من خير الدنيا والآخرة أساسٌ لاستقرار الإنسان وأساسٌ لاستقامته في هذه الحياة وأساسٌ لاتباع النهج الصحيح، النهج الذي يؤدي به إلى السلامة في حياته الدنيا بسبب تعامله الحسن مع بني جنسه، ويؤدي به إلى سلامته في عقباه لأنه ينقلب بمشيئة الله وبوعده سبحانه وتعالى إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". (1/15)
صفحة 16
بهذا تكون معطيات الحضارة كلها معطياتٌ بناءة لأن الإنسان يستطيع أن يتحكم فيها، فبدلاً من أن يوجد أسباب الدمار لبني جنسه يوجد أسباب راحتهم وأسباب ترفيههم وأسباب استقرارهم وطمأنينتهم..وبدلاً من أن يوجد الرعب فيما بين البشر بحيث يكونون كسكان الغاب يرمق بعضهم إلى بعض بعداوة وبحب الانتقام، يوجد فيما بينهم المودة والوئام فتتلاحم فئات البشر وتتعاون على الخير والتقوى، وهكذا تؤثر هذه العقيدة أثرها البالغ. ولربما تساءل الإنسان عن الأوضاع التي مرت بالمسلمين وبالإنسانية في ظل بعض الأنظمة التي هي محسوبةٌ على الإسلام ، كيف وجد الإنسان فيها الظلم ووجد الإنسان فيها العلو والاستكبار في هذه الأرض من طبقة من الناس، فكيف مع ذلك يُقال بأن العالم يتطلّع إلى الإسلام؟!! والجواب على هذا السؤال أنه ولا ريب أنه عندما نقول بأن الإسلام فيه الحل لكل معضلة وفيه العلاج لكل مشكلة وفيه تبصيرٌ للإنسان من كل عمى وفيه راحةٌ له من كل تعب إنما نعني مبادئ الإسلام ونعني الصورة الإسلامية الصحيحة.. (1/16)
صفحة 17
هذه الصورة التي وُجدت في عهد النبوة ووجدت في عهد الخلافة الراشدة ووجدت في عهود الذين ساروا على هذا الدرب الصحيح، في عهود أهل الاستقامة على دين الله تبارك وتعالى الذين ما كان لهم همٌ في هذه الحياة إلا ما ذكره الله سبحانه وتعالى عندما وصف أولئك الذين ينصرون الله والذين يستحقون نصر الله كما قال سبحانه : " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيزٌ * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور *"، فالمسلمون الذين ساروا على النهج الصحيح هم الذين لا هَمَّ لهم في حياتهم هذه إلا أن تكون كلمة الله هي العليا وذلك بإقامة دينه في الأرض، وهذا إنما هو بإقام الصلاة وبإيتاء الزكاة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه نماذج ذكرها القرآن الكريم من إيجابيات هذا الدين التي يسعى إليها المسلمون المحقون، فالمسلم الحق لا يسعى من أجل الاستعلاء والتكبر في هذه الأرض لأنه يضع نصب عينيه وبين يديه جنةً عرضها السماوات والأرض، ويعلم أن هذه الدنيا كيفما غلت لا تساوي ذرةً من جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فكيف يكون همه من أجل هذه الدنيا مع أنها محدودة الأجل والحياة فيها حياة وهمية إذ لا يدري أي إنسان متى يُرزأ بنفسه في حياته هذه، إذ لا يدري الإنسان متى يفقد هذه الحياة..ثم ولو طالت هذه الحياة هي كما قلنا حياةٌ نسبية، حياة محدودةٌ جداً، فلا يفوّت الإنسان هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض.. (1/17)
صفحة 18
ولمن أُعدت هذه الجنة؟ يقول الله تبارك وتعالى : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين "، فالدار الآخرة التي هي الجنة التي وصفها الله تعالى بما وصفها به وذكر أنه أعدّها للمتقين وأن عرضها السماوات والأرض، هذه الجنة إنما هي للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً لأن هؤلاء هم المتقون، فهؤلاء دائماً يحرصون على الصلة بينهم وبين ربهم تبارك وتعالى، ومن أجل حرصهم على هذه الصلة وصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم إن مكنهم في الأرض لم يشتغلوا بالاستعلاء على الناس ولم يشتغلوا بالتكبر في هذه الأرض وإنما يشتغلون قبل كل شيء بإقام الصلاة، بهذه الصلة التي تصلهم بالله سبحانه وتعالى، لأن الصلاة صلة بين العبد وربه. والصلاة عبادة محضة هي بين العبد وربه سبحانه وتعالى. وبجانب ذلك يشتغلون أيضاً بإيتاء الزكاة، والزكاة أيضاً هي صلة بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى وهي أيضاً تواصلٌ بين العباد أنفسهم بسبب ما تخلفه هذه الزكاة من أثرٍ في نفوس دافعيها وفي نفوس آخذيها، فيكون بينهم التواد ويكون بينهم الرحمة ويكون بينهم التعاطف ويكون بينهم الإحسان. وبجانب ذلك أيضاً لا يستقيم إعوجاج هذه الحياة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ لاستقامة الناس على النهج السوي، إذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُذكر الغافل ويُقوّم المعوجّ ويُهدى الضال ويُرشد الحيران..فلذلك ذكر الله سبحانه وتعالى من صفات هؤلاء بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فهمهم من حياتهم هذه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الصنف من الناس لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإنما يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. (1/18)
صفحة 19
هذا الصنف من عباد الله سبحانه وتعالى لا يحرص على الاستعلاء والاستكبار في الأرض. ومن المعلوم أن التأريخ حافل بهذه النماذج – أي التأريخ الإسلامي - ..بهذه النماذج الحية التي سارت على النهج السوي والتي التزمت أمر الله تبارك وتعالى في جميع تصرفاتها وفي جميع أعمالها. عندما افتتح الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى – رحمه الله تعالى – بلاد اليمن ودخل صنعاء ووجد الأموال الكثيرة التي جُبيت من قبل أهل صنعاء، التي جباها عمال بني أمية من أهل صنعاء، لم يسل لعابه على تلك الأموال ولم يفتح عينه على شيء منها وما أراد أن يؤثر بها أصحابه الذين خرجوا كما يصفهم أبو حمزة – رحمه الله – بقوله: ( النفر الكثير منهم يتعاقبون على بعير واحد ويتعاونون لحافاً واحداً )، وإنما وزع هذه الأموال على أهل صنعاء لأنها جبيت منهم بغير حق فمآلها إليهم..
وطالب الحق في صنعا حكما..........بجعلها في أهلها واحتشما
لم يأخذن عند مضيق يومه.............شيئاً لنفسه ولا لقومه
تعففاً منهم ومن كمثلهم...............أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
كانوا يموتون على ما أبصروا..........من الهدى ما بدلوا وغيروا
كذلك الإمام أبو الخطاب في طرابلس عندما كان يحذر أصحابه – رحمه الله تعالى – من أن يأخذوا شيئاً من أموال الذين يقاتلونهم، وأجابه أحد من أصحابه بقوله: ( نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا )، فأجابه الإمام بقوله: ( إذن حقٌ على الله أن يكبّنا معهم في النار، فنكون كما قال الله تعالى: " كلما دخلت أمةٌ لعنت أختها " ). هكذا نزاهة المسلم الذي يخشى الله تبارك وتعالى ويتقيه، والذي يرجوا الدار الآخرة التي أعدت للمتقين والذي لا يريد علواً في الأرض ولا فساداً إنما يسعى دائماً من أجل إحقاق الحق ومن أجل القضاء على الباطل ومن أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى. (1/19)
صفحة 20
فالعالم عندما نقول بأنه يتطلع إلى الإسلام ويستشرف لدورة إسلامية تقلب موازين هذه الحياة من جديد فتعيد الحق إلى نصابه إنما يستشرف العالم لمثل هذا..فالفطرة البشرية تتطلع إلى هذا (...)،وتتطلع إلى هذا الاستقرار وتتطلع إلى هذه الطمأنينة، وإنما على المسلمين أنفسهم أن يكيفوا هذا الإسلام حتى تكون صورته واضحة في سلوكهم وتكون إيجابيته بادية على جميع تصرفاتهم وأعمالهم.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا للهدى وأن يوفقنا للتقوى وأن يعافينا في الآخرة والأولى، وأن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه، ونسأله سبحانه أن يبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد يُعز فيه أهل طاعته ويُذل فيه أهل معصيته ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر ويُحكم فيه شرعه ويُتبع فيه كتابه ويُقتدى فيه بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتُنفذ فيه أحكامه وتُقام فيه حدوده، إنه تعالى على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، " سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلامٌ على المرسلين * والحمد لله رب العالمين * ".
أسئلة يجيب عنها سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله:-
س1- الظاهر أن أحد السائلين ومن أهل الأدب ولذلك أراد أن يسأل بأسلوب أدبي، فسؤاله يقول: ما حيلة العمل الوديع بعالم..........الناس فيه ثعالبٌ وذئاب؟!!
وأقول إجابة على هذا السؤال أن الجواب إنما يكون في آيةٍ من كتاب الله، يقول الله تعالى : " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم "، وكفى.
يسأل أحد: هل سعي الدولة الإسلامية القائمة على شرع الله إلى تصنيع وامتلاك الأسلحة المتطورة الرادعة، الأسلحة النووية والكيميائية وغيرها، داخل في مفهوم قوله تعالى : " وأعدوا "؟
الجواب: (1/20)
صفحة 21
أولاً قبل كل شيء يجب أن يكون هنالك ميزان يزن به الإنسان كل ما يأتيه وما يذره. أولاً قبل كل شيء هذه الأموال إنما هي ملك الله تبارك وتعالى فلا تُتلف إلا فيما يرضي الله عز وجل، فعندما تُصنع هذه الأسلحة من أجل أن يكون امتلاكها أمراً رادعاً لأهل الظلم..أهل الكفر..أهل الفساد..أهل البغي والاستكبار لمنع عن العدوان فلا ريب أن ذلك مما يدخل في قوله تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة "، لا على قصد أن يُدمر بها البشر وأن يُهلك بها الحرث والنسل وأن يُقضى بها على الطارف والتليد كما فعل أولئك، وإن كان يمكن تفادي ذلك فلا ريب أن استخدام الأموال التي تستهلك في هذا التصنيع من أجل ما يعود بالخير على الأمة هو الواجب.
السائل يقول: إن الناظر لتداعيات المواقف – أي السياسية المعاصرة – ليلحظ أن الذين مكنوا للمستكبرين في الأرض وإذلال الشعوب بعض الفئات المحسوبة على الإسلام، هل هذا صحيح؟ وما تعليقكم على ذلك؟
الجواب:
لا ريب أن المسلمين لو لم يكن فيهم الانحراف عن المنهج الحق لما أُصيبوا بما أصيبوا به، ولكن في هذا تذكير للمسلمين لعلهم يثوبون ويعودون إلى رشدهم. والقوة التي يأمرنا الله تبارك وتعالى أن نأخذ بها هي ليست قوة مادية فحسب بل القوة الروحية هي سابقة، فقبل كل شيء محاسبة النفس ووصل هذه النفوس بالله، ثم بجانب ذلك التلاحم ما بين الأمة الإسلامية لأن الله عز وجل يقول : " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم "، فالذين يفرون أديم هذه الأمة ويقطعون أوصالها ويشتتون شملها وإن كانوا محسوبين على الإسلام هم أضر على الإسلام وأضر على المسلمين من أولئك الأعداء الصرحاء. (1/21)
صفحة 22
السائل يقول: نجد أن بعض الكُتّاب عندما يتحدثون عن فتح الإمام الصلت بن مالك لجزيرة سقطرى وإخراج النصارى منها يشبهونها بفتح عموريّة على يد المعتصم العباسي، فما وجه الشبه بينهما مع أن المعتصم عندما دخل عموريّة أهلك فيها الحرث والنسل وأحرقها على أهلها؟ وهل هنالك وجهٌ للشبه؟
رد سماحة الشيخ:
بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون الذي يضع نصب عينيه أنه يسعى بأن تكون كلمة الله هي العليا ومن أجل تمكين الإسلام ولأجل إبراز الصورة الصحيحة للإسلام كالذي يسعى من أجل الملك وإنما يجعل الإسلام ذريعة ووسيلة فقط لتحقيق مطالبه وأمانيّه من الاستعلاء في الأرض، فشتان بين هذا الصنف وهذا الصنف من الناس. إنما الإمام يكفي أنه – رحمه الله – كتب عهداً يكاد هذا العهد يكون حافلاً بفقه الجهاد في سبيل الله، بفقه الحرب، أو بالفقه العسكري... (1/22)