صفحة 1
الكتاب: وصايا للعروسين
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) وصايا ... للعروسين
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرحمن الرحيم (1/1)
صفحة 2
مقدّمة
الحياة السّويّة والطّبيعيّة، تحتاج إلى دعائم تقوم عليها، وتتطلّب شروطًا خاصّة، لتستوِيَ على سوقها؛ وتستقيم على أرض صلبة؛ لتؤدّي هذه الحياة وظائفها أحسن أداء .. من هذه الدّعائم، بل الأساس فيها ركنا الأسرة التي تقوم عليها هذه الوظائف، وهما الرّجل والمرأة أو الزّوجان ... بل إنّ اكتمال الأسرة، تكون بهما، إلى جانب الأولاد والبنات .. إذا غاب أحد هذه العناصر، أو حصل تقصير منها في القيام بالواجب المنوط بها .. اضطربت الأسرة واختلّ توازنها، خاصّة إذا غاب أحد الرّكنين الأساسيّين: الأب والأمّ، أو وقع خلل في أداء وظيفتهما ..
هذان الزّوجان (الأمّ والأب بعد فترة من الزّواج) يحتاجان إلى أن يتقيّدا بشروط .. هي قواعد يجب أن يعرفوها ويعوها جيّدًا ليقيما صرح العلاقة بينهما على بيّنة وعلى دراية وعلى علم يقيني، يقينهم الزّلل والخلل والملل ...
هذه العلاقة لتي تبنى على المودّة والرّحمة والسّكينة والثّقة المتبادلة .. هي التي تُؤَمِّنُ – بإذن الله – الاستقرار في الأسرة المكوّنة، وتضمن الاستمرار في الارتباط والتّعاون والتّآلف .. والعمل المثمر ثمارًا طيّبة، إن شاء الله تعالى.
من هذا المنطلق ولهذا الغرض قدّمنا في هذا الكتاب مجموعة نصائح ووصايا للمقبلين على عقد هذا الميثاق الغليظ، وربط هذه العلاقة الأبديّة بينهم ..
حاولنا أن تكون شاملة – قدر المستطاع - لمعظم ما يجب معرفته ووعيه في مسيرة الطّرفين، تمسّ الجوانب التي يجب الانتباه إليها ومراعاتها في العلاقة بينهما. (1/2)
صفحة 3
حتّى ولو كانت المناسبة زواج أقربائي: أخوين شقيقين، وبنت لي .. فهي موجّهة لكلّ من هو في طربقه لإحصان نفسه، وربط علاقة مع شريكِهِ في هذه الحياة الدّنيا الفانية، التي هي مطيّة وممرّ للحياة الأخروية الباقية ..
أصل هذا الكتاب وصيّتان أو كتيّبان، الأوّل بعنوان: أخي العريس، والثّاني: بنتي العروس .. وقد نشرا منفصلين في الطّبعة الأولى .. قمنا بجمعهما في هذه الطّبعة الثّانيّة لهما في هذا الكتاب، تحت عنوان: " وصايا للعروسين". بعد أن أضفنا فيهما بعض الزّيادات، وصحّحنا بعض الأخطاء، وعدّلنا في الأسلوب ...
نسأل الله أن يتقبّل منّا هذا العمل، الذي نحسبه في عداد الأعمال التي نسعى بها إلى تقديم نصائح وإرشادات للبناء والإعداد والتّكوين .. كما نسأله تعالى اأن يوفّق كلّ عاقدٍ العلاقةَ الزّوجيّة على أسس صحيحة، منبثقه ممّا جاء في القرآن الكريم والسّنّة النبويّة الشّريفة، وممّا يُرشَد إليه من نصائح الحكماء والمجرّبين والمخلصين .. نسأله أن تكون هذه العلاقة متينة ومثمرة، تؤتي أكلها الطّيّب بإذن ربّها؛ أعمالا صالحة وأولادًا بررة صالحين مصلجين ..
الجزائر يوم الأربعاء: 18 من شعبان ... 1437ه
25 ... من ماي ... 2016م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/3)
صفحة 4
أخي العروس. (1)
- إهداء ....
إلى أَخَوَيَّ الشقيقين ... مصطفى وعمَر
بمناسبة اقترانِهما بشريكتَيِ العمُر
وإلى كلِّ مَنْ رامَ عن الحرام غضَّ البَصَر
وبذاتِ ... الدِّين يَبْغِي ... الظَّفَر
أُهْدِي هذهِ الوصايا ... والدّرر.
محمد ...
__________
(1) - ألقيت هذه الكلمة في حفل الأناشيد الذي أقامته لجنة إحياء حفلات الأعراس لمدينة القرارة، ولاية غرداية، الجزائر. ليلا في عشيرة " البلات " بالقرارة .. بمناسبة زفاف أخويَّ الشّقيقين، عمر ومصطفى. يوم 05 من ذي القعدة 1407هـ/ 02 من جويليّة 1987م، (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
تمهيد
قال الله تعالى: {ومِنْ آياتهِ أن خلقّ لكُم منْ أنْفُسكم أَزْواجًا لتَسْكنُوا إليها وجعَل بينكم مودّة ورحمة إنَّ فِي ذلك لآيات لقوم يتَفَكَّرون} (الرُّوم/: 21).
وقال عزّ وجلّ: {نِساؤُكُمْ حرثٌ لكُمْ فاتُوا حرثَكُم أنَّى شِئْتُمْ وقدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ واتَّقُوا اللّه واعْلَمُوا أنّكُمْ ملاقُوهُ وبَشِّرِ المومنينَ} (البقرة/ 223).
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " الزّواج من سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي ".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: " يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزّوج، فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء ".
فالزّواج عقد شرعي وميثاق غليظ يرتبط بمقتضاه الرجل بالمرأة في علاقة دائمة لبناء أسرة، يسودها الوئام والوفاق والمحبّة.
ولهذا كان من أهداف الزّواج في الإسلام:
• إحصان الزّوجين وحفظهما من الوقوع في الحرام.
• حفظ الأنساب وإنجاب الأولاد.
• زرع الطّمأنينة، والسّكن النّفسي في القلوب، في جوٍّ وحياة، كلُّ ما فيها يبعث على القلق، ويسبب الضّجر، فيأتي الزّواج ليحفظ النّفس منهما .. (1/5)
صفحة 6
• تهيئة البيئة الطّاهرة والنّظيفة التي ينشأ فيها الأولاد، بين رعاية الأمومة وحنانها، وعناية الأبوّة وعطفها ...
• تقوية الرّوابط الاجتماعية بين أفراد الأمّة الإسلاميّة عن طريق الأسر المتصاهرة.
• الشّعور بالمسؤوليّة، الذي يكون في نفس المتزوّج، وهو ما يدفع إلى العمل ومحاربة البطالة، ثَمََّالإسهام في الرّفع من اقتصاد الأمّة والقضاء على الفراغ، وما ينجم عنه من آفات ومعضلات ..
لتحقيق هذه الأهداف وغيرها, يجب على الزّوجين المرتبطين بعقد - هو الميثاق الغليظ - التّعهُّد والالتزام بتطبيق ما أمر به الله، وأوجبته السّنّةُ الشَّريفة.
نكتفي – في هذه العجالة – بسرد بعض ما يجب على الزّوْج مراعاته والعمل به، وذلك بإيجاز شديد، تاركين التّفصيل لذكاء الرّجل العروس وثقافته وتفتُّح ذهنه، الذي هو من مميّزات شباب اليوم.
أخي الكريم!!
• عليك بتقوى الله، واستصحاب خشيته في كلِّ عمل تقوم به؛ حتّى يحفظك ويعينك على أداء واجباتك، وبلوغ أهدافك، ويجعلك من الفائزين الفالحين يوم القيامة بإذنه وتوفيقه ..
• احرص على إرضاء والديك، وإعطائهما حقوقَهما، وعدم الاستخفاف بعلاقتك بهما؛ بمجرّد ارتباطك بزوجٍ، وشعورك بالاستقلالية في المسؤوليّة والرّأي والتّدبير؛ قال الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: " من أمسى مُرضيا لوالديه أصبح (1/6)
صفحة 7
له بابٌ مفتوحًا إلى الجنّة، ومن أمسى مُسخطا لهما أصبح له بابٌ مفتوحا إلى النّار ".
• اعْلم أنَّ الحياة كفاح وجهاد وعمل متواصل، وأنَّها لا تخلو من مشاكل وعراقيل، وهي بذلك لا تصفو لإنسان مهما يكن هذا الإنسان، ولذا فهي تتطلّب الصّبر وقوّة التّحمُّل، واستعمال الحكمة والعقل في تسيير شؤونهما وتدبير أمورها.
يقول الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان (ت 1993ه/ 1973م):
إنّما الدّنيا جهادٌ من يَنَمْ ... يوْمهُ، داسَتْهُ أَقْدامُ الرّزايا
فزواجك أيُّها العروس معناه ارتباطك بامرأة قد تختلف عنك اختلافا كبيرا أو بسيطا في بعض الطِّباع، أو في بعض النَّواحي، وقد لا يَسُرُّك منها خلقٌ أو طبع، فعليك بالعمل على إزالة ما يعكِّرُ الصَّفوَ، ويكدِّرُ العلاقة الزّوجيّة، بأناتك وحلمك، وتحلّيك بالصَّبر الجميل ..
كما قد تجد من زوجِك ميلا إلى أمِّها، وحنينا للجوِّ الذي نشأت فيه منذ صباها. وقد لا تنسجم مع الجوِّ الجديد الذي تلقاك فيه، وقد لا تجد فيها ما كانت تنتظره منها، أو ما كنت ترجوه أو تطلبُه ...
كلّ هذا أمر طَبَعي، وهو ما يحصل لكلِّ إنسان – ذكرا كان أو أنثى – وذلك في أوّل علاقة تربط شخصين .. فلا تقلق ولا تضجر، ولا تَعُدَّ ذلك نقصا في شريكة حياتك، ولا خيبة أمل لَحِقتك، ولا استخفافا بك وبوالديك وأسرتك؛ بل اعلم وافهم أن ذلك أثر لنقلة كبيرة وجذريّة حصلت للمرأة؛ نتيجة انتقالها من جوٍّ إلى جوٍّ آخر .. (1/7)
صفحة 8
تأكِّد أن تلافي كلِّ ذلك هو من مسؤوليّتك؛ بصفتك زوجًا له القوامة على المرأة والدّرجة عليها، ورجلاً، آتاه الله عقلا متميِّزًا عنِ الأنثى، وحكمة وحنكة، لا تملكهما شريكة حياتك ...
بعملك وصبرك وحكمتك وتربيّتك، تستطيع أن تطوِّعَ هذه المرأة حسب رغبتك، وتجعلها تحقِّق ما تأمله. فمثل زوجِك - في هذه الحالة - مثل الشِّجرة التي كانت في تربة، بدت فيها مزدهرة خضرة نضرة، ثمَّ نقلت إلى تربة أو مكان آخر، لابدّ أن تمرَّ في الأيَّام الأولى بحالة من الذُّبول وعدم الانسجام مع المكان الجديد الذي غرست فيه، لكن بفضل رعاية الفلّاح لها، وسقيها وعدم الغفلة عنها ... تألف تلك التُّربة، فتزدهر وتورق من جديد فتؤتي ثمارها بإذن الله.
• اعلم أنَّ زوجك لا تزال حديثة التَّجربة، فهي في حاجة إلى إرشادك وتوجيهات أهلك ووالديك، فلا تكثر من التقاط أخطائها، ولا تسرف في الملاحظة عليها، ولا تحقد عليها لمجرَّد خطأ بسيط ترتكبه، وحاول أن تقدِّم لها هذه الملاحظات في لين ولطف، واظْهَرْ أمامها مخلصا يبغي تعليمها، لا حاقدا يَبْغِي عليها، ويُكِنُّ لها البغض والكراهيّة، ويظهر الغيرة منها .. ولا تطلب المثاليّة منها في كلِّ شيء، لأنّك أنتَ نفسك لا تكون كاملا، مهما تحاول أن تكون كذلك ..
• يجب أن تعيش أفراحَ زوجك وأحزانها، فلا تكن أنانيًّا معها ... وتعاون معها في بناء عشِّ الزّوجيّة، واعمل على بعث الثِّقة في نفسها، وإشعارها بأنّها قادرة أن تنجز لك ما تريد .. وشاورها في بعض شؤونك، (1/8)
صفحة 9
وأطْلعْها على بعض أسرارك، التي تعزِّزُ مركزك؛ زَوْجًا قوّامًا ومسيّرًا في البيت، ولا تنقص من مكانتك؛ رجلاً له دورُه في الأسرة، ومكانُه في المجتمع، فبذلك تظفران بالحياة السَّعيدة إن شاء الله .. بهذا السّلوك تتجنَّبان كثيرا من المشاكل التي يُسبِّبُها غياب هذا الانسجام وهذا التّعاون .. داخل عشِّ الزّوجيّة ..
• قدِّرْ جهود آبائك وأمّهاتك وأصدقائك، وكلّ من أسهم في إنجاح عرسك، واعلم أنّ كلَّ من قام بأيِّ عمل في هذا السَّبيل، إنَّما قام به إحياء لشعيرة الزَّواج، وأملُه أن يراك رجلا صالحا مصلحًا، يستفيد منك مجتمعك، وهو ما يجعل مسؤوليّتك نحو أمَّتِك عظيمة، ودَيْنَكَ في عنقك ثقيلا نحوها ..
فحذار أن تخيِّبَ هذا الأمل وهذا الرَّجاء، وتخون الأمانة؛ بانحراف يصدر منك – لا قدَّر الله – لأنَّ عقاب الله شديد، وسخطه قريب من كلِّ من لا يتحلّى بالوفاء لمن كان له دور في حيالته .. مهما يكن هذا الدّور، ولأنّه بعدم الالتزام بهذا الخلق يعدُّ خائنًا وتذكّر قوله عزّ وجلّ: { ... إنَّ اللهَ لا يُحبُّ منْ كانَ خوَّانًا أثيمًا} (النّساء/ 107) ومن لا يحبّه الله تعالى يكون في سخطه، وسخطُه يؤدّي إلى عواقب وخيمة ..
هذا بعض ما يجب عليك عملُه، إذا أردت الفوز بحياة زوجيَّة سعيدة – بإذن الله – تحت ظلِّ الإسلام وتوجيه السُّنَّة النّبويّة الشّريفة ..
أنزل الله الألفة والمحبّة بين قلوب الأزواج، ووطَّد العلاقة بين الأسر المتصاهرة. { ... رَبّنَا هبْ لنَا من أزواجِنَا وَذُريّاتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنا للمُتَّقين إمامًا} (الفرقان/ 74)، يا أرحم الرّاحمين. ... والسّلام عليكم.
القرارة يوم الخميس:05 ذي القعدة 1407ه/ 02 جويلية ... 1487م (1/9)
صفحة 10
أخوك: محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/10)
صفحة 11
بسم الله الرّحمن الرّحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله
بنتي العروس ... !! (1)
إهداء:
إلى كلّ بنت شريفة تتطلّع إلى الزّواج ... السّعيد
يكلؤه الربٌّ الرّحيم الغفور ذو العرش المجيد
تبغي حياة طافحةً بالمودّة والرّحمة والحبّ المديد
في ظلّ عش زوجيّة، تدْرُجُ فيها في طريق سديد
أهدي هذه الوصايا، وبها تأوي إلى ركن شديد
أرجو أن اكون بها، مَنْ وُصِفَ بالرّجل الرّشيد
يقبل عملَه من يوصفُ بالرّبِّ الرّؤوف الوَدود
محمّد ...
__________
(1) - هذه الوصايا كتبتها ووجّهتها إلى بنتي العزيزة يمينة، بمناسبة زفافها الميمون يوم السّبت: 17 من ربيع الأوّل 1419هـ/ 11 من جويليّة 1998م. بالقرارة .. طبعت بعنوان " بنتي العروس، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1426هـ/ 2005م. (1/11)
صفحة 12
تمهيد
إنَّ الأسرة هي الخليَّةُ الأساس لبناء المجتمع، والبيئة الأولى التي يترعرع فيها الأطفال، ويتخرَّج الرِّجالُ. وهي المسؤولةُ الأولَى فِي إعدادِ الأجيالِ، وتنشئتها لتندمجَ فِي المجتمعِ الكبيرِ.
عن دورها يقولُ علماءُ الاجتماعِ، كما يذكر الدّكتور حسن شحّاتة، في كتابه: " أدب الطّفل العربي، دراسات وبحوث:"فِي الأسرةِ يتلقَّى الطِّفلُ المفاهيمَ الخلقيّةَ؛، فيتعلَّم معنى الخيرِ والشَّرِّ، ومعنى القُبْحِ والجمالِ، كما يكتسبُ عادات كثيرة، تتحكَّم فِي سلوكِهِ فِي المستقبل، سواء من حيث المأكل والملبس، أو طرق التَّفكير، ومعالجة المشاكل، بل إنَّ مزاج الطَّفلِ يتكوَّن داخلَ الأسرة، وإنّ َ أكثر أمراض الطَّبع والأمراض الخلقيّة؛ كالأنانيَّة والفوضى وفقد الثِّقة بالنَّفس، وعدم الشُّعور بالمسؤوليّة، والرِّياء والنِّفاق ... ترجع أساسها إلَى حياة الطِّفل فِي البيت. وفِي الأسرة تنشأ عاطفة الحبّ: حبّ الوالدين، وحبّ الإخوة والأقارب. وفِي الأسرة وفِي نطاقها يوجِّه الإنسان هذه العاطفة توجيها سليمًا. ويسمو بها إلَى أرقى درجات العواطف الإنسانيّة. " (1/12)
صفحة 13
فِي الأسرة تنمو – أيضًا - قدرات الطّفل، وتتفتّح ملكاته. إنّها التّربة الخصبة التي ينبت فيها غرس الوالدين، إذا عملا بكلّ جدّية واهتمام على تربية الأبناء تربية صحيحة، والعكس لا قدّر الله، إن لو يحسنا التّربية، فإنّ الأسرة تكون وبالاً عليهم." يولد الإنسان على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه "
لهذه الأهميّة، ولهذا الدّور الخطير للأسرة، أولاها الإسلام اهتماما كبيرا، وهيّأ لها من أسباب البناء، ما هيّأ؛ لتؤدّي هذا الدّور الخطير، فأحاطها بأنظمة دقيقة وقوانين محكمة، وحصّنها ووقاها من عوامل المسخ والتّشويه والانحلال والتّفكّك ... بهذا الاهتمام ولهذه العناية عُدَّ الإسلام دين الأسرة ..
من هذه النَّواحي التي اعتنى بتقنينها مرحلة ُ اقتران الرّجل بالمرأة؛ الأساس الأوّل فِي بناء الأسرة، ونقطة الانطلاق فِي مشوار الحياة التي تربط الطّرفين: الذّكر والأنثى برباط متين محكم غليظ. نحاول فِي هذه الصّفحات تقديم بعض التَّوجيهات للبنت العروس، مستنيرا بالشَّريعة الإسلاميّة.
قال الله تبارك وتعالى: {ومِنْ آياتهِ أن خلقّ لكُم منْ أنْفُسكم أَزْواجًا لتَسْكنُوا إليها وجعَل بينكم مودّة ورحمة إنَّ فِي ذلك لآيات لقوم يتَفَكَّرون} (الرُّوم/ 21) وقال تعالّى: {أُحِلَّ لكم لَيْلَةَ الصِّيام الرَّفَثُ إلَى نسائِكم هُنَّ لباس لكم وَأَنْتُم لباسٌ لهُنَّ ... } (البقرة/ 187).
هاتان الآيتان تقرِّران أنَّ المرأة آيةٌ من آيات الله، خلقها الله زوجًا، تعين الرَّجل على السَّكن؛ فتكون له الملاذَ والمأوَى والملجَأَ والمَفزع ... حين يعود (1/13)
صفحة 14
من عمَلِه اليومي مُتْعَبا مُرهقًا، مُنقبِضًا أحيانا، موتورًا أحيانًا أخرى. تلقاهُ زوجُهُ بِوَجْهٍِطلقٍ مبتسمٍ منشرحٍ، فيلقِي متاعِبَ يومهِ وراء ظهره، بل وينساها؛ فتهدأُ أعصابه، ويُخْلِدُ إلَى الرَّاحة والسَّكينة ..
إنَّ المرأةَ سكنٌ للرَّجل؛ فبهايروي ظَمأه الجنسي، فِي ظلال المحبَّة والمودَّة والطُّهر، فيسكن قلبه عن الحرامِ. الشَّيءُ نفسُه والنَّتبجة ذاتُها تحصُل عليهما الزَّوجُ الأنثى فِي ظلال الزَّوجيَّة؛ بما يمنحه لها زوجها من أسباب هذا السَّكن والرَّاحة النَّفسيّة. لذا وصف الله تبارك وتعالَى العلاقة بين الزّوجين بقوله: هو لباس لها، وهي لباس له .. في هذا المعنى قال شافع توفيق محمود: " فاللِّباس سِتْرٌ ووِقاية للإنسان، وكذا يكون الزَّوجُ وزوجته، فهما سِتْر كلِّ واحد منهما للآخر، وهما كذلك وِقايةٌ تُغنِي كلاًّ منهما عن الفاحشة والرَّذيلة، تمامًا كما يقِي الثَّوبُ لاَبِسَه من أذى الهَاجرة والزَّمهرير. وهما بعد ذلك كاللِّباسِ فِي تَفصيلِهِ على القدِّ، يلبسُه صاحبه فيستريح إليه، ويتحرَّك نشيطًا فِي محيطِه. فليس أبدَع من تصوير هذه المعانِي كلِّها فِي تشبيه واحدِ شامِلٍ عميق. " (1)
قال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم: " الدُّنيا متاع وخير متاعها المرأة الصَّالحة: احرصي – بنتي العزيزة - أن تكونِي هذه المرأة الصَّالحة، وهذا المتاع الصاَّلح؛ جتَّى تظفري بالسَّعادة الحقيقيّة. وذلك بالعمل بالوصايا التي أُقَدِّمها إليك ِ هدِيَّة في ليلة زفافك، الذي أطلب الله عزّ وجلّ أن يكون مباركًا
__________
(1) - شافع توفيق محمود، متعة العروس والزّواج الإسلامي السّعيد، دار الإيمان للطّبع والنّشر والتّوزيع، الإسكندريّة، 1988م، ص: 13. (1/14)
صفحة 15
ميمونًا. وهي موجّهة إلى كلّ بنت وأخت مسلمة، تطلب الحصانة، وتنشد السّعادة والرّاحة والسّكن .. كما أرجو أن تكون لها نورًا ونبراسًا في حياتها ..
# أساسيّات يجب مراعاتها
* الزَّواج ضرورة ماديّة نفسيّة، لا غِنًى عنه، ولا عوضَ له. من دونه تكون حياة الأفرادِ مضطربة؛ بسبب الخلل الذي يحدث فيها، وتكون المجتمعات غيرَ مستقِرَّة بالتّبع؛ نتيجة لذلك ..
* الزَّواج السَّعيد يعين الرَّجل والمرأة على العيش فِي جوٍّ أُسري دافئٍ. يضع فيه كلُّ واحدٍ منهما يده فِي يد الثَّانِي، ليُكَمِّلاَ بعضهما ويتكاملاَ؛ فيحدث الانسجام، ويتوفّر الوئام، وتسير حياتهما إلى الأمام، لتحقيق ما أمر الله به ربّ الأنام: {ولْتَكُنْ منكم أُمَّةٌ يدْعُونَ إلَى الخير ويأمرون بالمعْروفِ وينهَوْن عنِ المُنْكرِ وأولئِكَ هم المُفلِحُون} (آل عمران/ 104).
* إنَّ البيت المسلم الذي بُنِيَ وأسِّس على التَّقوى من أوَّل يومٍ، حقَّ على الله تبارك وتعالى أن يوفِّقَ رُكْنيهِ الأساسَين إلى ما يحِبُّهُ ويرضاه، وأنْ يرعاهما ويكلأَهما بعنايته؛ حتَّى يسعدا دنيا وأُخرى. فاحْرِصي – بنتي العزيزة- على تقوى الله حقَّ التَّقوى؛ لأنَّ ذلك يساعد على استقامة بيتكِ، بما فِي ذلك (1/15)
صفحة 16
أولادكِ، والعكس -لا قدَّر الله – أي انعدام التَّقوى يُؤّدِّي إلى خراب بيتكِ، والخسارة فِي الدَّارين.
* اعلمي أنَّ الإسلام أعطى القِوامة للرَّجلِ، والسِّيادة له فِي البيت، والقيادة لشؤونه. فهو المُخوَّلُ والمُخيَّر لتوجيه أعمال المنزلِ وتسييرهِ، كما شرع الله، ووفق ما أمر. فعليكِ طاعته وتنفيذ أوامره عن رضًى وقناعة، وراحة قلب وطمأنينة نفس، مسترشِدةً بقوله تعالى: {الرِّجال قّوَّامون على النِّساء بِما فَضَّلَ الله بعضَهم على بَعْضٍ وبما أنْفقوا من أموالهم فالصَّالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ... } (النِّساء/ 34)
الآية حدَّدت مسؤوليّة الرَّجل والمرأة، وبيَّنت حقَّهما، وميَّزت واجب كلَّ واحد منهما، كما أهدت ت بشرى سارّة للمرأة الصَّالحة المطيعة القانتة، التي تطيع الله فِي زوجها. احرصي ألاَّ تفوتكِ هذه الأفضال؛ حتَّى تكوني خير متاع الرَّجل فِي الدّنيا، فتظفري عند الله بالدَّرجات العليا ..
* اعلمي – بنتي العزيزة – وافقهي جيِّدا أنَّكِ حين تطيعين زوجكِ، فأنت تطيعين وتنفِّذين أمرًا، أوجبه الله ورسوله عليك. إنَّ هذه الاستجابة التَّلقائيَّة التي تحتسبين أجرها عند الله تجعل صدرك منشرحًا، ونفسك مطمئنَّة؛ بما تقومين به؛ رغم المشقَّة والعنت اللَّذين قد يلحقانك، لأنَّ تنفيذَ الأوامر والاستجابة للطَّلبات هما ممَّا يشقُّ على النَّفس القيام بهما، وإنَّ تقديم الخدمات للآخر ممَّا يُثْقِلُ الكاهِل. إلاَّ أنَّ الأجرَ يكون بقدر التَّعبِ، والثَّواب يكون بحسب النِّيَّة والقصد. (1/16)
صفحة 17
*ـ تأكَّدي أنَّ وظيفتك الأساسيّة هي رعاية بيت زوجك؛ من توفير أسباب السَّعادة له، وتربية الأبناء تربية إسلاميّة سويَّة، تُعنَى عناية جيِّدة بكلِّ جوانب التَّربية .. هذه هي مَهمَّتك الأولَى.
بعد القيام بها، أنجزي ما شئت من أعمال البرِّ والإحسان. عِي جيِّدًا أنَّ المرأةَ فِي الإسلام عليها مسؤوليّة، تختلف عن مسؤوليّة الرَّجل. هي نابعة من طبيعة تكوينها، كما خلقها الله وهيَّأها لتقوم بواجبات وأدوار، تكمِّل دور الرَّجل؛ ليكون التَّعاوُن والتَّآزر والتَّكاثُف سائدًا في البيت .. ؛. وفقًا لتوزيع المسؤوليّة بين الرَّجل والمرأة. فمسؤوليّة الأنثى تتعلَّق بالبيت والزَّوج والولد ... وللرّجل مسؤوليّاات أخرى .. إهمال أيِّ جانب من الجوانب المتعلّقة بالمراة يؤدِّي إلى عواقب وخيمة ..
عن حقوق الزّوج على المرأة قال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم: " لو كنت آمرًا أحدًا بالسُّجود لأحدٍ لأمرْتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها "
عن حقوق الأبناء قال تعالَى: {يا أيُّها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأَهليكم نارًا وقودها النَّاس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شِدادٌ لا يَعْصُون الله ما أَمَرَهُم ويَفْعلُون ما يُؤْمَرُون} (التَّحريم/ 6).
اعلمي أنَّ سوءَ التَّربية فِي المنزل ينعكس سلبًا على الأبناءَ، كما أنّ غياب الأب طويلاً عن البيت، وإهمال الأمِّ لأبْنائِها وبناتها وانشغال الأبَوَيْنِ بأمورهم الخاصَّة على حساب أمور أبنائهم ... كلُّ ذلك يؤّدِّي إلَى انحراف الأبناءِ وتخلخل الأسرة، ما ينتج عنهما خرابِ المجتمعِ وتدَهْورِ أحوال الأمَّةِ.
قال أحمد شوقِي: (1/17)
صفحة 18
ليس اليتيم مَنِ انتهى أبواه مَنْ ... همِّ الحياة ... وخلَّفاه ... ذليلا
فأصاب بالدُّنيا الحكيمة منهما ... وبحسن تربية الزَّمان بديلا
إنَّ اليتيم هو الذي تلقَى له ... أُمًّا تخلَّت أو أبًا مشغولا
* اسعَيْ إلى تكوين بيت إسلامي؛ بِحُسن التَّدبير وسلامة التَّفكير، وحذق التَّسيير، مجتهدةً فِي تطبيق أمر الله، والصُّدور فِي سلوكك فِي البيت عن مبادئ الشَّرع الحنبف؛ قرآنًا وسنّةً وسيرةَ السّلف الصّالح ...
* احرصي على تقوية الإيمان فِي قلوب أبنائك، وتَحبيبِهم له وتزيينِهِ في قلوبهِم .. وإشعارهم مراقبةَ الله فِي كلِّ حركاتهم وسكناتهم. علِّميهم أداء الواجبات الدِّينية أداء حسنًا، كما أمر الله ورسوله. عوِّديهم الاهتمام بالطَّهارة فِي كلِّ شيء، فِي المخبر والمظهرِ، فالطُّهر شطر الإيمان، فلا يُقبل أيُّ عمل من دون طهارة.
رغّبيهم في فعل الخيرات وتقديم الإحسان .. نشّئيهم على ترك المنكرات والابتعاد عن مواطن الشّبهات .. وكرّهيهم في الكفر والعصيان .. ليكونوا من الرّاشدين ..
ذكِّريهم بالآخرة والموت والقبر، والصِّراط والحشر، والبعث والحساب، والجزاء والعقاب، والجنَّة والنَّار ... جنِّبِي بيتك ما يُغضِب الله ورسوله. (1/18)
صفحة 19
* اعلمي أنَّ مكانك الذي تقضين فيه معظم وقتك هو بيتك، فلا تكثري من الخروج منه من دون مبرِّرٍ .. قال تعالّى: {وَقَرْنَ فِي بيوتكُنَّ ولاَ تبرّجن َتبرُّج الجاهليَّة الأولَى ... } (الأحزاب/ 33).
# تنبيهات مهمَّة
*ـ اعلمي – بنتي العزيزة – أنَّك عشتِ فِي بيتٍ، نشأتِ فيه وَرُبِّيتِ، وفِي كنفِ والدَيكِ دَرَجْتِ. أخلصا لك الحبَّ وشملاكِ برعايتهما وحنانهما وعطفهما، وننشَّآكِ على طرقٍ معيَّنة، وعوَّداكِ عادات خاصَّة – لا تتنافَى مع شَرعِ الله طبعًا – أنت اليوم تنتقلين إلَى بيت، أهلُه غير أهلكِ، وعاداته قد تكون غير العادات التي تعوَّدتِ عليها .. (1/19)
صفحة 20
احرصي على التَّأقلمِ معها بحكمة وبالتَّدريجِ، فلا تنظري إلَى ما تعوَّدتِ عليه فِي بيت والدَيْكِ – ما لم تكن منافية للدِّينِ – لأنَّكِ ستقضين بقيَّةَ حياتكِ- إن شاء الله – فِي هذا البيت الجديد. فلابدّ أن تتعوّدي على عادات هذا المنزل .. يَّاك أن تغفلِي عن هذه النُّقطة أو الملاحظة .. !!
* حاولِ والداكِ وحرصا على تعليمك وتزويدك بما يجب عليك معرفته فِي أمور الدِّينِ وشؤونِ المنزلِ، وفِي الصِّناعات اليدويَّة وغيرها، لكنَّهما لم يتمكَّنا من بلوغ الغايةِ فِي ذلك. حاوِلِي إكمال ما نقُص؛ بمساعدة زوجِكِ. وتأكَّدِي أنَّه ينقُصُكِ الكثير ميّما يجب أن تتعلَّميهِ. والإنسان يظلُّ متعلِّمًا ما دام حيًّا يرزق، فهو يتعلَّم من المهدِ إلى اللَّحدِ، وطلب العلمِ فريضة على كلِّ مسلمٍ. " يرحم الله نساء الأنصار – كما ذكرت أُمُّنا عائشة رضوان الله عليها – لم يكن يمنعهُنَّ الحياءُ أن يتفقَّهن فِي الدَّينِ " (1)
للتَّزوُّدِ من المعارف لا تنسَيْ أنْ تخصِّصي وقتًا للمطالعةِ والمذاكرة. اقرئي الكتب التي تناولت شؤون المرأة بعامَّة، وسلوكها وأخلاقها بخاصًّة. اقرئي سير النَّساءِ المؤمنات الصًّالحات؛ لتكُنَّ لكِ إسْوة وقدوةً حسنة فِي حياتِكِ. واقرئي بعد ذلك كلَّ ما يضيف معلومات إلى رصيدك المعرفي، وما يفيدك في حياتك ..
* اعلمي أنَّ الحياة فيها الحلو والمرُّ، والفرح والتَّرح، واللَّين والخشونة، فيها الوُجد والحرمان، فيها الانطلاق والملل، الانقباض والانبساط ... وفِي الحياة
__________
(1) - ينظر أحمد أرزازي، إليك ابنتاه، ط1، مطبعة بان، برج الكيفان، الجزائر، 1414هـ/ 1993م، ص: 6. (1/20)
صفحة 21
الزَّوجيَّة – بخاصَّة – عقبات وصخور وحواجز، قد تعترض كلاًّ من الزَّوجينِ. سبيل تذليل ذلك هو الصَّبر والتَّحمُّل والاحتمال؛ لهذا يجب الانتباهُ إلَى أمرٍ مهمٍّ، وهو: إنَّ اعتقاد أحد الزَّوجينِ أنَّ على الطّرف الثّاني أن بوفِّر له السَّعادَةَ الكاملة، وأنَّ ارتباطه به لم يكن إلاَّ لأجلِ التَّخلُّصِ من كلِّ المتاعب، التي كان يعانِي منها قبل أن يحصل هذا الارتباط ... اعتقادُ ذلك خطأٌ كبير. بل إنَّ هذا الاعتقادَ هو سبب المتاعب والمشاكل النَّفسيّة؛ لأنَّه ينشُد الكمال فِي الإنسانِ، وهو أمرُ مستحيلُ. قال الشَّاعر:
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها ... كفى المرء نُبْلاً أن تعدَّ معايبه
لهذا - بنتي العزيزة – استعدِّي لهذه الحياة استعدادًا، بعينك على التَّصرُّفِ فِي كلِّ موقفٍ، وفِي كلِّ حالةٍ بما يليق به وبها. واعلمي أنَّ الشُّكر والصَّبر هما الكفيلان بإسعادك، وهما ما يجب أن يتَّصف بهما المؤمن، كما جاء فِي الحديث " عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحد ٍإلاَّ المؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا له "
جاء أعرابِيٌّ إلَى سيِّدنا عليٍّ – كرَّم الله وجهه – فقال له: إنَّ لِي إليك حاجةٌ، رفعتها إلَى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن قضيتَها لِي، حمدتُ الله وشكرتُك، وإن لم تقضِها لِي، حمدتُ الله وعذرتُك.
*ـ ضعي نصب عينيك أنَّ مسؤوليّة البيت كلّها تقع على عاتقك، احرصي أن تكوِنِي فِي مستوى هذه المسؤوليّة، قومِي بها أحسن قيامٍ، ولا (1/21)
صفحة 22
تلقِي بها على عاتق غيركِ، ولا ترمِي بها فِي مرمى ملعب سواكِ. احفظِي كلّ زوايا البيت وأركانه، وكونِي على علمٍ بكلّ ما فيه؛ ممَّا هو داخل تحت مسؤوليّتك وواجبك. كوني على علم بكلّ ذلك بدقّة، كما يعلم التّاجر ما في دكّانه جيّدًا؛ ليحسن مقابلة زبائنه، ويقدّم إليهم طلباتهم بمهارة المهنة. وكما يعلم المعلّم كلّ ما يدور فِي فصله، ويعيه جيّدًا، ويعلم كلّ ما يقوم به تلاميذه فيه؛ ليتمكّن من أداء عمله على أحسن ما يرام إنّ هذه المعرفة الجيّدة تساعدكِ على القيام بواجبك قيامًا حسنًا، أو على الأقلّ يكون مقبولاً ممّن يعيش معك فِي البيت ..
* حاولِي القيام بما عليك من دون تضييع الوقت بالجلسات الفارغة، والمكوث طويلاً أمام التّلفاز، والاستماع كثيرًا إلى المذياع، والمشاهدة المفرطة لأشرطة الفيديو وغيرها ... ممّا يصرفكِ عن أداء واجبكِ الأساس من شؤون البيت ... فعليك واجبات، ولك أعمال، لا تسمح لك بتضييع الوقت .. والتّفريط في القيام بها ..
* تعوّدي على الاقتصاد فِي المعيشة وحسن التّدبير فِي مصروف البيت، ولا ترهقِي زوجك بالطّلبات التي تثقل كاهله، بل علبك أن تساعديه على الإنفاق عليك وعلى أفراد الأسرة بما يقدر عليه، قومي بما تستطيعين في هذا المجال. كونِي قنوعة، ولا تتطلّعي إلى الكماليّات، ولا تستمعي إلى شهوات نفسك:
والنّفس راغبةٌ، إذا رغَّبْتَهَا ... وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَُع (1/22)
صفحة 23
إنّ القناعة كنز ليس يفنى، يقول الشّاعر:
هي القناعةُ، فاطلبها تعِشْ ملكًا ... لو لم يكن لك إلاّ راحة البدن
انظر لمن ملك الدّنيا بأجمعها ... هل راحَ منها بغيرِ القطنِ والكفنِ
قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: إنِّي لأبغض أهل بيتٍ ينفقون رزق أيّام فِي يوم واحدٍ. فأنتِ بهذا التّصرّف الحسن تستأثرين بمحبّة زوجك، وتظفرين برضاه، وتحوزين على احترام من يعيش معكِ. وبعد ذلك تنالين رضا الله .. وهو الغاية الكبرى التي يسير نحوها كلّ مؤمن صادق مخلص لله دينه ..
# علاقتك بزوجك (1/23)
صفحة 24
* أوصى والد ابنته قائلاً: " بنيّتي!! اعلمي أنّ هناءَك مرتبط ارتباطًا متينًا بهناء زوجك؛ بحيث لا مهرب لأحدكما من أن يكون سبب سعادة الآخر، أو علّة شقائه. فاحذري أوّل نفور يحدث بينكِ وبين زوجك، فربَّما يتبعه نفور آخر، إلى ما لا نهاية له. ". (1)
* اعلمي – بنتي العزيزة – أنّ الزّوج الصّالحة بإمكانها أن تجعل زوجها رجلاً ناجحًا فِي أعماله، وبفطنتها وكياستها تدفعه إلى الصّلاح فالنّجاح فالفلاح، فكونِي هذه الزّوج الصّالحة.
* احرصي كلّ الحرص على إسعاد زوجك، بداية من الاجتهاد فِي طاعته وخدمته، وانتهاء بتوفير جوّ الرّاحة والطّمأنبنة والسّكن له، وعدم تنغيص حياته بكثرة الشّكاوى، ونقل كلّ ما يدور فِي البيت من مواقف وأخبار غير سارّة، تعكّر عليه حياته أو تزيده همًّا على همٍّ، أو تعبًا على تعبٍ، وخاصّة حين يكون قافلاً من عمله متعبًا مرهقًا مثقلاً ...
لك فِي قصّة الصّحابيّة الطّائعة الصّابرة " أمّ سليم " درس وعبرة. تقول القصّة: كان لأبِي طلحة زوجِ أمّ سليم رضي الله عنهما ابن مريض. وذات بوم خرج أبو طلحة، وتُوُفِّيَ الصّبيُّ، فلمّا رجع سأل عن حال ابنه المريض، فقالت له الأمّ: هو أسكن ما يكون، فاطمأنّ الأبُ، ثمّ قدّمت له العشاء، وهي تحاول ألاَّ تظهر أيّ حزن على ابنها المُتوَفَّى، ثمّ أصاب منها ما يصيب الرّجل من زوجه. بعد ذلك أرادت أن تخبره بموت ولده، لكن تلك
__________
(1) - أمل بنت عبد الرّحمن الخروصيّة، كيف تكسبين قلب زوجك، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1413هـ/ 1993م، ص: 60. (1/24)
صفحة 25
المرأة الحكيمة بدأت بمقدّمة رائعة، فقالت له، يا أبا طلحة، هل من حقّ أناس كانت عندهم أمانة لأُناس أن يجزعوا إذا أراد أصحاب الأمانة أخذَ أمانتهم؟ فأجابها: لا، فقالت له: إنّ ابنك فارق الحياة، والابن كان وديعة من عند الله فأخذها، فقال الزّوج: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثمّ ذهب ينظر إلى ابنه الميّت بصبر. وعندما أصبح أبو طلحة ذهب إلى رسول الله عليه وسلّم وأخبره بما حدث من أمّ سليم، فقال عليه الصّلاة والسلام: والذي بعثني بالحقّ، لقد جعل الله فِي رحمها طفلاً ذكرًا؛ جزاءً لصبرها على ولدها المتوفّى. (1)
* امنحي زوجك السّعادة، ولا تنسَيْ الجلوس معه فِي أوقات خاصّة. فلا تنشغلي عنه كليّة، بل اجعلي من بين شؤون البيت إعطاء وقت خاصّ لحديث القلب ونجوى الفؤاد؛ وبذلك تؤدّين أحد حقوق الزّوج عليك، وهو بدوره يشعر بالطّمأنينة والرّاحة والسّكن، فيمتلئ قلبه بك حبًّا، ويزداد منك قربًا ..
* قابليه بالابتسامة وبشاشة الوجه وانشراح القلب - بخاصّة حين يرجع من عمله، ويلج باب المنزل - لتدوم بينكما المودّة والرّحمة؛ فإنّه - كما قيل-: إنّ المودّة جسمٌ روحه بشاشة الوجه. قال حكيم: " العيش كلّه مقصور على الزّوج الهاشّة الباشّة الصّالحة والبارّة، والبلاء موكول بقرينة السّوء التي لا تسكن النّفس إلى معاشرتها ".
* إيّاك أن ترفعي نفسك عن زوجك؛ مهما أحسست فِي داخلك من مظاهر التّفوّقِ: من ذكاء وعلم وخلق، أو أيّة خليقة أخرى ... بل اكتمي
__________
(1) - موزة بنت سيف الدّغيشية، ... مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1414هـ/ 1993م، ص: 35، 36. (1/25)
صفحة 26
ذلك، وعوّضيه بشمائل أخرى: بالوفاء والإخلاص والعطف والحلم والطّاعة واللّطف ... ففي ذلك محافظة على قوامة زوجك وكرامته ومركزه؛ سيّدا في المنزل. وهو بدوره حين يلمس منك ذلك يقدّرك ويحترمك، ويُحلّك موقعا حسنًا في قلبه، فيعطف عليك ويشفق. وكلّ ذلك يكون ثمرة الحبّ الذي يكنّه لك ..
* اعلمي أنّ الوفاء هو الدّرع الصّلب الذي يحمي الحياة الزّوجية من التّصدّع والانهيار، اللّذين قد يصيبان هذه الحياة؛ نتيجة الظّروف التي تمرّ بها؛ لأنّ بعد فترة من الزّواج تبدأ العواطف فِي الهدوء، والوجدان فِي الاستقرار. وقد يبدو بعض التّباين فِي المواقف والاختلاف فِي الرّأي، وقد يشتدّ الأمر، ويصل إلى نقطة تبدو خطيرة، وما هي بالخطيرة، إذ أنّها نتيجة طبيعيّة للاحتكاك والالتقاء المستمرّ، والتّحرّك فِي محيط واحد، وبشكل روتيني أحيانًا، وتبادل الرّأي فِي المسائل المعروضة يوميًّا، واختلاف الرّؤى فِيها. والحياة الزّوجيّة خاصّة لا تخلو من مشاكل. لكنّ العشرة الطّيّبة والوفاء المتبادل بينكما كفيلان بأن يخفّفا وطأة هذه الحياة، ويديمَا الألفة والرّحمة والمودّة بينكما. فاحرصي على الوفاء، والتحلّي بالصّبر، وافقهي مسؤوليّتك، واحتسبي أجرك عند الله تفوزي – إن شاء الله – بالخير الكثير. قال سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: ليست كلُّ البيوت تبنى على المحبّة، وإنّما يتعاشر النّاس بالأخلاق ..
*ـ لا تغفلي عن نظافة جسمكِ، فإنّ نظافته يبعث فِي وجهك النّضارة والإشراقة، وهو ما يطلبه زوجك فيك، فيزداد بك تعلّقًا وقربًا .. (1/26)
صفحة 27
* لا تغفلي عن التّزيّن لزوجك بالزّينة الحلال، التي لا تخالف الدّين الحنيف؛ كوضع العطر ولبس الملابس الجميلة ...
* لا تفشِي أسرار زوجك، يجب أن تبقى فِي صدرك، وأن لا تخرج عن محيط غرفة سرّكما، لا يطّلع عليها أحد. حتّى أقرب النّاس إليك، كما لا يجوز أن تنقلي أسرار بيت زوجك وأهله خارجه. وبذلك تحافظين على مقامك عندهم، وحبّ زوجك لك .. قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: شرّ النّاس منزلة يوم القيامة الرّجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، ثمّ ينشر سرّها. (1)
* عاشري أهل زوجك العشرة الطّيّبة، وعامليهم المعاملة الحسنة. هذا الأمر مطلوب شرعًا. وهو ممّا يساعد على كسب محبّة زوجك لك: " فلا تنسَيْ أنّ هؤلاء هم أهل زوجك، وبالطّبع فإنّ كلّ إنسان يختلف عن غيره من النّاس فِي شخصيّته وفِي طباعه وفِي عاداته وتقاليده. والزّوجة العاقلة المتّزنة هي الزّوجة التي تستطيع أن تحكِّم عقلها، والتي لا تنسى أنّ إهانة أيّ فرد من أسرة زوجها، يعتبرها الزّوج إهانة موجّهة إليه شخصيًّا؛ ممّا يفسد الودّ مع الزّوج. لهذا يجب على الزّوجة الحكيمة أن تعيد النّظر فِي أسلوبها وتصرّفاتها مع أسرة زوجها، ممّا بزيد من حبّ زوجها لها؛ لأنّ كلّ تصرّف سليم أو غير سليم ينعكس من غير شكّ على تصرّفاته ... " (2)
__________
(1) - رواه مسلم.
(2) - يوسف سعد، كيف تسعدين زوجك، المركز العربي الحديث، القاهرة، (د. ت)، ص: 89. (1/27)
صفحة 28
* اعلمي أنّ الزّوج الصّالحة هي التي تحلّ مشاكلها مع زوجها، من دون تدخّل أحد من أفراد الأسرتين، وهو ما يجنّب ويمنع اتَساع هوَّة الخلاف، بل يمنح فرص التّآلف، ويساعد على الائتلاف، مهما يتّسع مجال الاختلاف ..
* اعلمي أخيرًا أنّ سعادتك الحقيقيّة فِي الدّنيا والآخرة هي فِي طاعة زوجك، قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: " إذا صلّت المرأة خمسها وحصّنت فرجها وأطاعت زوجها، وصامت شهرها، دخلت من أيّ باب من أبواب الجنّة شاءت." (1)
هذه بعض الوصايا العامّة، والإرشادات الضّروريّة، وهذه التّنبيهات الأساسيّة. التي تساعد على بناء الأسرة السّعيدة – إن شاء الله – تفصيلات ما يجب الالتزام به نتركها لما تكتسبينه من معارف، من خلال قراءاتك في الكتب وفي مجريات الأحداث وتداول الواقعات .. ثمّ لذكائك وخبرتك التي تكتسبينها بمرور الأيّام، وتعاقب المواقف والمشاهد ..
جعل الله زواجك زواجًا مباركًا ميمونًا، وأنزل الألفة والرّحمة والسّكينة بينك وزوجكِ، وأدام العشرة بين أهل بعلك وبينكِ، وبارك بينك وزوجكِ، وبارك لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير .. والحمد لله ربّ العالمين.
وفّقك الله إلى ما يحبّه ويرضاه وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه اأجمعين .. والسّلام عليكم.
القرارة بوم السّبت: 17 من ربيع الأوّل 1419هـ
__________
(1) - رواه الإمام أحمد والطّبراني. (1/28)
صفحة 29
11 من جويليّة ... 1998م
والدُكِ الذي يرجو لك كلَّ خير: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
المحتويات
مقدّمة
أخي العروس!!
تمهيد
أخي الكريم
بيتي العروس
تمهيد
أساسيّات يجب مراعاتها
تنبيهات مهمَّة
علاقتك بزوجك
المحتويات (1/29)