صفحة 1
الكتاب: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض أعمالي في الثورة ووثائق وطنية أخرى
جمع وإعداد وتعليق: محمد صالح ناصر
الناشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الثانية
تاريخ النشر: شعبان 1437هـ / ماي 2016م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
أعمالي في الثورة
ووثائق وطنية أخرى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
جمع وإعداد وتعليق
الدكتور محمد صالح ناصر
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
شعبان 1437هـ/ ماي 2016م (1/1)
صفحة 2
نشر جمعية التراث
القرارة ـ غرداية ـ الجزائر
صندوق بريد 19 - القرارة - غرداية
هاتف فاكس:29262258 (213) +
Tourath@gmail.com
جمعية التراث، 2016
ردمك:8 - 03 - 553 - 9931 - 978
الإيداع القانوني: السداسي الأول، 2016
- - - - - -
المؤسسة الوطنية للفنون المطبيعة
الهاتف: 0021323965611
فاكس: 0021323965618
عنوانالكتاب
أعمالي في الثورة
- - -
تأليف
فضيلة الإمام الشيخ
إبراهيم بن عمر بيوض
- - -
جمع وإعداد وتعليق
الدكتور محمد صالح ناصر
- - -
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
شعبان 1437هـ
ماي 2016م
إعداد ومتابعة
عبدالرحمن بن عيسى الشيخ بالحاج
- - - - - -
?
- - - - - -
موقع الناشر على الأنترنت www.Tourath.org (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
*/* (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
غير خاف على كل متتبع للحركة السياسية والثقافية والاجتماعية بوادي ميزاب-ولاسيما هذه السنوات الأخيرة - هذا التحول المخيف في العلاقة بين المتساكنين الجزائريين بوادي ميزاب، فقد أشعل بعض المغرضين من زبانية الحزب العتيد نار الفتنة من جديد، وقد حاولوا ذلك مرارًا وتكرارًا منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. ولم تكن القرارة بحكم موقعها الاجتماعي والثقافي والإصلاحي بمنأى عن هذه الفتنة التي اندلع لهيبها حرقًا ونهبًا وقتلًا سنة 2015، وهي فتنة لم تعهدها القرارة المشهورة بأمنها وسكونها وعافيتها من قبل قط، ولولا لطف الله، ويقظة رجال مخلصين وطنيين، ولولا يقظة رجال الأمن، وأعيان البلدة؛ من مثقفين وشباب متحمس غيور على وطنه لآلت الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.
في هذا الإطار الحريص على إبداء الحقائق التاريخية بالوثائق الشاهدة التي لا ترد ولا تنقض، تجيء هذه الطبعة الثانية من كتاب الإمام الشَّيخ بيُّوض "أعمالي في الثورة"، وقد حرصنا على أنْ ننشر بعض التحقيقات والتقارير التي كتبها وطنيون مخلصون، وهي كلها تلقي الضوء على ما خفي أو تُنوسِي عمدًا من تلك الأحداث المؤلمة التي شهدتها القرارة وما تزال، فإنَّ مَنْ يرغب في فهم جذور الفتنة الأخيرة بوادي ميزاب (1/5)
صفحة 6
عليه أنْ يعود إلى ما بعد الاستقلال، حين كان الحكم المطلق بيد ثلة من المفتنين من مسؤولي قسمات الحزب "المجاهدين".
والكتاب موجه أساسًا إلى كل جزائري صميم مخلص يسعى إلى معرفة الحقيقة دون تعصب أو انحياز، ودون تزييف أو تحريف، أتعلَّق ذلك بمرحلة النضال السياسي الجزائري في الثلاثينات أم تعلق بمرحلة الثورة التحريرية في الخمسينات، فإنَّ تاريخ الأعلام جزء أصيل من تاريخ الأوطان، فإنَّ الذاكرة التاريخية واعية حافظة، ولأبنائنا الشباب من الجيل الذي لم يعايش تلك الحقبة أنْ يعود إلى تلك الوثائق تأملًا ودراسةً، حتى لا يُستلَب ولا يُزوَّر تاريخ آبائه وأجداده، وحتى يعتزَّ بماضيه ليكون له دافعًا قويًّا لبناء حاضره الوطني في ظلال الأمن والاستقرار، والعمل الجري لمصلحة الجزائر أبدًا، والله ولي التوفيق.
الجزائر، الأبيار في: 05/ 01/2016
محمد صالح ناصر (1/7)
صفحة 7
مقدمة الطبعة الأولى
في يوم 14 جانفي 1989م حلَّت الذكرى التاسعة لوفاة الإمام الشَّيخ بيُّوض إبراهيم (رحمه الله)، ومرَّت مثل سابقاتها دون احتفاء أو تذكُّر، ولم يكن هذا الموقف التنكري تجاه الإمام الشَّيخ بيُّوض غريبًا أو عجيبًا، فقد تعودنا ذلك وأكثر منه. ولكن الذي يحز في النفس حقّاً أنْ يتطاول بعض الأقزام - الذين ما زالت عقد العنصرية والعصبية القبلية والطائفية مترسبة في أعماقهم - إلى سمعة الشَّيخ استنقاصًا من جهاده، وتشكيكًا في وطنيته وابتلائه. هذا الإمام الذي أفنى حياته ليجسد على أرض الواقع اليومي الشعار الخالد: الإسلام دينًا، العربية لغةً، الجزائر وطنًا. فكان يناور السلطات الاستعمارية حيناً ويجابهها أحيانا أخرى حين كان الجنوب يخضع لحكم عسكري غاشم. فلُوحِق هو وتلامذته وأنصاره، وفرضَت عليه الإقامة الجبرية، وحُوصِر بالمراقبة الشديدة، وهان ذلك كله لأنَّ هدفه في الحياة أنْ يبني للجزائر من أبنائها من يحمي شخصيتها وأصالتها من الذوبان والانحلال. وبفضل جهاده الطويل، وتفانيه القاسي المرير، زرع أبناءه في طول الجزائر وعرضها يبثُّون في المدارس والجامعات اليوم أهدافه ومبادئه، وينشرون في الأجيال الصاعدة آراءه وأفكاره. (1/8)
صفحة 8
وكبر على الحاسدين أنْ يروا هذا العملاق يملأ عليهم سمع الزمان وبصره، فراحوا ينبشون الماضي علَّهم يجدون فيه ما يؤيِّد نواياهم السيئة، ويخدم أغراضهم السلطوية المتعفنة انتقامًا منه لأنَّه وقف أمام مساعيهم العنصرية التي حاولوا فرضها على وادي ميزاب من جويلية 1962م حتى أكتوبر 1988م، مستغلين كرسي الحزب أسوأ استغلال، مطبقين على أهالي المنطقة أبشع صور الإرهاب الفكري، مستعينين بمن على شاكلتهم من الشرطة والدرك، وحوادث 1964م، و1975م، و1989م بالقرارة، و1985م بغرداية لن ينساها التاريخ، وستبقى في ذاكرة الشعب أخاديد حمراء عن أبشع صور الإهانة والتعذيب، والتفرقة العنصرية.
والواقع أنَّ ظاهرة النيل من الزعماء والقادة والعظماء معروفة في تاريخ البشرية يوم عصى إبليس ربه بدافع الحقد والحسد من آدم أب البشرية، وما لنا نذهب بعيدًا وتاريخنا الجزائري مليء بمثل هذه الصور البشعة، إذ طالما قرأنا مثل هذه الافتراءات في حق الأمير عبد القادر، والشَّيخ ابن باديس، والطيِّب العقبي، وتوفيق المدني، ومفدي زكرياء، ولم يسلم من هذه الافتراءات حتى الشهداء الذين سقطوا في ميدان الشرف والجهاد، ولا داعي لذكر الأمثلة فإنَّ القائمة طويلة وما تزال مفتوحة!! (1/9)
صفحة 9
وها هم اليوم وبعد تسع سنوات من انتقال الشَّيخ إلى رحمة الله، يسوِّدون تقاريرهم تحت ستار منظمة المجاهدين، ويتحركون في الظلام ينسجون المؤامرات، ويفتعلون الصراع بين المتساكنين في منطقة وادي ميزاب لأنَّهم ألفوا الاصطياد في الماء العكر، ولأنَّ الإصلاحات الرشيدة التي تشهدها البلاد اليوم ستقضي لا محالة على مصالحهم وامتيازاتهم - ولكنَّهم لم يعدموا متنفَّسًا - وهكذا راحوا يستغلون عهد الديموقراطيَّة والشفافيَّة ليطلقوا العنان لمقاريض ألسنتهم وأقلامهم وقد كانت بالأمسخرساء عجماء، فقادوا حملة مغرضة حاقدة للنيْل من سمعة الإمام الشَّيخ بيُّوض يترأسهم بعض العصاة من تلامذته الذين بحثوا عن الزعامة بكل وسيلة فلم يصلوا إليها، وخاطبوا وُدَّ الكرسي في كل انتخاب فجفاهم الشعب وازورَّ عنهم، وعندما أوحشتهم الطريق اصطحبوا مَنْ يماثلهم حقدًا وحسدًا من بعض أدعياء الجهاد والنضال، فراحوا يسوِّدون تقاريرهمولم يتفطَّنوا وهم يكتبون - لأنَّ الحقد أعمى أبصارهم وبصائرهم-إلى أنَّتقريرهم الولائي المنسوب إلى منظمة المجاهدين بولاية غرداية يحمل تناقضات مريعة. فقد ورد في هذا التقرير وثيقة استندوا إليها وهي عبارة عن تقرير عن الوضع السياسي لمنطقة غرداية سنة 1950م، وقد صدر عن الحاكم الفرنسي للمنطقة آنذاك وجاء فيه ما يلي بالحرف الواحد: "إنَّ نشاط الحكومة والإدارة (1/10)
صفحة 10
(الفرنسيّة) وجد نفسه مرة أخرى مُعرْقلًا، وهذا بسبب المعارضة السياسيَّة لحزب الانتصار للحريات الديمقراطيَّة، ولكن بصفة أخص بسبب النشاط المكثف الذي يقوم به الحزب الوطني الإصلاحي بزعامة الشَّيخ بيُّوض ".
ونحن نتساءل هنا كيف غابت هذه الشهادة الوطنيَّة في حقالشَّيخ بيُّوض عن أولئك، وهم يعرفون أنَّ الوطنيَّة الحقيقيَّة هي تلك التي كانت تجابه الاستعمار بقوة في كل الميادين حين كان شبح مجزرة ماي 1945م ماثلًا بين أعين الجزائريّين؟
ما الذي يدفع الشَّيخ بيُّوض إلى التخلي عن دوره الوطني القيادي الذي قام به سنة 1950م وهو يرى أفكاره تتحقَّق - تلك التي طالما صدع بها خطابة وكتابة - في ظلالثورةالتحريريَّة المسلحة سنة 1954م؟
ما الذي يدفعهم إلى نكران شهادة الرئيس يوسف بن خدَّه التي أقرَّ فيها بالدور العظيم الذي قام به الشَّيخ بيُّوض في جمع كلمة الميزابيِّين حول العمل الثوري؟ تُراهم هل سينكرون أيضا شهادة جريدة المجاهد الناطق الرَّسمي للثَّورة التحريريَّة في مقالها الذي نشرناه في هذا الكتاب، وقد جاء دليلًا قاطعًا مؤيدًا لما جاء من معلومات في مذكرات الشَّيخ بيُّوض عن دوره المشرف في فضح مؤامرة فصل الصحراء عن الشمال؟ قد يُقال إنَّ (1/11)
صفحة 11
ذلك المقال لم يذكر الشَّيخ بيُّوض بالاسم، ونحن نقول: ومن كان الزَّعيم الرُّوحي والسِّياسي آنذاك للميزابيِّين غير الشَّيخ بيُّوض؟ وشهادة ابن خدَّه مؤيدة لذلك، والدرس الذي ألقاه الشَّيخ بيُّوض سنة 1962م بالقرارة عن فتنة وارجلان في الجموع الشعبيَّة الغفيرة، وأرسِل إلى كل جهات القطر لفضح المؤامرة الاستعماريَّة التي تبغي إشعال الفتنة بين الإباضيَّة والمالكيَّة ما يزال موجودًا وكأنّه يلقى في حينه؟!
والعجيب في الأمر حقًّا أنَّ بعض المتزعِّمين لهذه الحملة اليوم كانوا بالأمس - والشعب الجزائري، وأهالي منطقة ميزاب يتعرَّضون لحملات التَّفتيش، والقهر، والسجن، والتعذيب - كانوا هم في ذلك الوقت بالذَّات يختبئون في ضايات (المحيقن)، و (حاسي لفحل)، أو كانوا متوارين عن الأنظار يَحمِيهم الشعب الأعزل في غابات غرداية، والعطف، والقرارة، وبريان ودورها.
هؤلاء الأدعياء اليوم لم يملكوا الشجاعة لنشر أكاذيبهم عندما كان الشَّيخ بيُّوض حيَّا يرزق بينهم، اللَّهم إلَّا إنْ كانت تقارير سرِّيَّة في جنح الظَّلام، بل إنَّ مِنْ بين هؤلاء مَنْ كان يتبرَّك بزيارة الشيخ الإمام، ويتشرَّف بدعوته إلى حفلات الزَّواج تشريفًا وتعظيمًا، ومنهم مَنْ كان يُشيد به أمام الملأ في المناسبات والاحتفالات، ولكنَّ النفاق لا وجه (1/12)
صفحة 12
له، والحسد لا منطق له، فمن ساءت نواياه كثرت خطاياه، ولا دواء له إلَّا أنْ نكِل أمرَه لله فهو الذي يحاسبه ويتولاه.
وجمعيَّة التُّراث إيمانًا منها بأنَّ التَّاريخ لا يُغيِّره تقرير أو مقال، وحرصًا منها على وضع الوثائق التاريخيَّة بين أيدي المواطنين ليطَّلعوا عليها بأنفسهم، وليحكموا بعد ذلك لها أو عليها، نظرًا لكل ذلك فإنَّها رأت بمناسبة الذكرى التاسعة لوفاة الإمام الشَّيخ بيُّوض أنْ تنشر هذا الكتاب الذي يحتوي على الوثائق التالية:
1 ــ أعمالي في الثورة بالصحراء والتلِّ، وقد كتبه الشَّيخ بيُّوض سنة 1964م بعد مضايقات تعرَّض لها في نفسه، وماله، وعرضه، مِنْ بعض خربي الذمَّة من عشَّاق الزَّعامة والرِّئاسة، ونحن نُقدِّمها هنا لأوَّل مرة خدمةً للتَّاريخ حتى لا يعبث به العابثون، ويشوِّهه المتزعمون، وقد ظلَّت طوال حياة الشَّيخ ضمن أوراقه الخاصَّة؛ لأنَّه لم ينو أنْ يستظهر بها شهادةً عن جهاده كما فعل الكثيرون غيره، إذ لم يكن يخطر بباله قط وهو يناور غلاة الاستعمار في دسيستهم لفصل الصحراء عن الشمال، أو هو يترأس خلايا العمل الثَّوري في القرارة، والوادي، والعاصمة، أنْ يكون عمله ذاك مطيَّة لمنصب، أو جاه، أو نفوذ، وقد آمن فيكل مراحل حياته أنَّ الجهاد الحقيقي هو إعداد الأجيال المسلمة للوطن (1/13)
صفحة 13
المفدى، ذلك هو العمل الخالد الذي لا يزول بزوال الرجال، ولا يحتاج إلى شهادة جهاد أو نضال.
لقد كان ذلك إيمانه الذي لا يتزعزع حتى وهو يتعرض لأبشع أنواع الإهانة، والعذاب، والنفي، فقد كان (رحمه الله) يعمل تحت ظل راية الإسلام، ولغة القرآن، والوحدة الوطنيَّة، مسترخصا في سبيل ذلك النَّفس والنَّفيس، معرِّضًا نفسه للسجن والعذاب، وفقد كل ما يملك من متاع الدنيا حتى الدار التي يملكها لسكناه، والنخيْلات التي ورثها أو اشتراها لم تسلم من سطو اللصوص الرسميين تحت ستار التأميم، والثورة الزراعيَّة، وما أشبه من قرارات عهد الارتجال والاستغلال.
2 ــ مقال مهم صدر بجريدة المجاهد؛ اللسان الرسمي للثَّورة التحريريَّة في جانفي 1962م عن مناورات الاستعمار في فصل الصحراء عن الشمال، ومع المقال الأصل الذي صدر به وهو بالفرنسيَّةحتى يقارن القارئ الكريم بين ما جاء من حقائق رسميَّة في هذا المقال وما جاء من معلومات في مذكِّرات الشَّيخ بيُّوض.
3 ــ تحليل وتعليق بعض المجاهدين لما جاء من تهم في حقالشَّيخ بيُّوض في التقرير الصادر عن منظمة المجاهدين حول أحداث الثورةالتحريريَّة بولاية غرداية، لفترة ما بين 1959م - 1962م. (1/14)
صفحة 14
4 ــ تقرير الوفد الرسمي الموفد من وزارة الأوقاف لرد الاعتبار للشَّيخ بيُّوض إثر ما تعرَّض له من اضطهاد تحت تأثير مساعي منسق قسمة الحزب بالقرارة، وبه شهادة العلماء الموفدين بالمكانة الاجتماعيَّة، والعلميَّة، والسياسيَّة للشَّيخ في سبتمبر 1967م.
5 ــ شهادة الرَّئيس يوسف بن خدَّه عن جهاد الشَّيخ بيُّوض، ومشاركته الفعَّالة في العمل الثَّوري ولاسيما في الشمال.
6 ــ رسالة بخط يد الإمام الشَّيخ عبد الحميد بن باديس مؤرَّخة بـ 28 محرَّم 1350هـ، موافق 14 جوان 1931م، تُوضِّح مكانة الشَّيخ بيُّوض رائد الحركة الإصلاحيَّة بالجنوب لدى إمام الحركة الإصلاحيَّة الجزائريَّة، ودوره الريادي في توحيد الأمة الجزائريَّة.
7 ــقرار وزارة التَّربية والتَّكوين المتضمن تسمية مؤسَّسة التعليم الثانوي الجديدة بالقرارة باسم الشَّيخ بيُّوض تقديرًا وتشريفًا وتكريمًا، هذه التسمية التي أزعجت بعض الزعانف، واتخذها بعض النكرات-وقوفا أمامها -طريقًا للشهرة ولو على حساب قيم الجهاد والدين. (1/15)
صفحة 15
وبعد فهل يكون في هذه الحقائق التاريخيَّة رادع لأولئك المغرضين الحاقدين الذين ما فتئوا يعملون دون هوادة لتلطيخ سمعة الشَّيخ التي يأبى الله إلَّا أنْ تخلد ناصعةً بيضاء؟
هل يتذكرون أنَّ الجزائر في صراعها من أجل حياة أفضل أشدَّ ما تكون إلى تضافر الجهود من أجل وحدة الهدف، وتراص الصفوف، والبرهنة بالأعمال الجادَّة في ميادين الاجتماع، والاقتصاد، والسمو بالفرد الجزائري في مجالات الدين، والتربية، والثقافة؟
أولا يكفيهم خزيًا أنْ يقدِّم الناس أمام الله أعمالهم الصَّالحة ويحاسبهم هم على أقوالهم السيِّئة، ألا فليعلم هؤلاء (المخربشون) في هذه الجريدة أو تلك، وهؤلاء الناعقون في هذه الدمنة أو تلك أنَّ عصر الأصنام قد انهار مع انهيار الشيوعيَّة والإلحاد، وأنَّ عصر الحزب الواحد، والرأي الواحد، والكرسي الواحد، قد طوَّحت به الصحوة الإسلاميَّة في مهب الريح العاصف، وأنَّ الدسائس، والمؤامرات لتمزيق وحدة الشعب لن تنطلي على الشعب الجزائري الذي ظلَّ أبدا يُؤمِن بأنَّ خَلاصَه الوحيد في التمسك بالثوابت التي ضحى من أجلها الملايين من الشهداء عبر تاريخ كفاحه الطويل. (1/16)
صفحة 16
أما الشَّيخ بيُّوض فقد مضى وترك من ورائه البراهين الصادقة، والدلائل الحية الناطقة على تفانيه وجهاده، فعليهم هم -إنْ كانوا يعقلون- أنْ يلتمسوا الجهاد والنضال في غير شمس المقاهي، وفخفخة النياشين، والكراسي.
والله ولي العاملين المخلصين
الجزائر في 21/ 1 / 1990م
د / محمد ناصر (1/17)
صفحة 17
نبذة مختصرةعنحياةفضيلةالأستاذالإمام:
الشَّيخ بيُّوض إبراهيمبنعمر
ــ ولد رحمه الله يوم 11 ذي الحجة 1313هـ، 21 أفريل 1899م بمدينة القرارة من وادي ميزاب جنوب الجزائر، وكان والده من أعيان الإصلاح في البلد.
ــ دخل المدرسة القرآنيَّة في سنٍّ مبكِّرة، فاستظهر القرآن سنة 1911م وعمره 12سنة، ودخل حلقة (إيروان)؛ أي حفَّاظ القرآن.
ــ أخذ مبادئ الفقه، والعربية عن مشايخه؛ الحاج إبراهيم البريكي، أبو العلا عبد الله بن إبراهيم، والشيخ الحاج عمر بن يحيى.
ــ كان محضيًّا عند شيخه الحاج عمر، فلازمه باعتباره رأس النَّهضة الإصلاحيَّة، فكان يخدمه ويحضر جلسات أعيان البلدة عنده، فكان ذلك المدرسة الاجتماعيَّة التي تكوَّن فيها.
ــ نبغ بذكائه وحافظته، وذلاقة لسانه العربي الفصيح، فناب شيخه في تدريس البلاغة والمنطق خاصَّة في بعض رحلاته العلميَّة إلى وارجلان.
ــ بعد الحرب العالميَّة الأولى أُخِذَ غصبا للخدمة العسكريَّة الإجباريَّة، فانتشل من براثن فرنسا انتشالًا بمساعي مضنيةٍ شاقَّةٍ، وفور رجوعه مباشرة بدأ مصارعته للاستعمار بكتابة رسائل احتجاج عن إرغام (1/18)
صفحة 18
النّاس على التّجنيد الإجباري، فقاوم هذا التَّجنيد الإجباري مع بعض الوطنيِّين، حتى استصدروا قانونًا جديدًا بإلغاء الحكم والتَّجنيد العسكريِّ على وادي ميزاب.
ــ في سنة 1921م بعد وباءٍ كبيرٍ ذهب بمعظم أعيان البلد منهم والده، وشيخه، خلَف شيخه الحاج عمر بن يحيى في رئاسةِ وتبنِّي الحركة العلميَّة، ثم النهضة الإصلاحيَّة بالتبع.
ــ في سنة 1922م دخل عضوًا؛ وهو أصغر عضو يدخل حلقة العزَّابة الهيئة العليا بالمسجد المشرفة على الشؤون الدينيَّة، والاجتماعيَّة في البلد، وما فتئ أنْ عُيِّن شيخًا للتَّدريس والوعظ بالمسجد، ثم انتخِب حوالي سنة 1940م رئيسًا لمجلس العزَّابة.
ــ في يوم 18 شوال 1343هـ، 21 ماي 1925م أسَّس مع رجال الإصلاح بالقرارة معهد الحياة للتعليم الثانوي، مركِّزًا على الثقافة الإسلاميَّة والعربيَّة، والعلوم المعاصرة، وسمَّاه (معهد الشباب)، شعاره "الدِّين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الوطن قبل مصلحة الفرد".
ــ في سنة 1931 م افتتح درس الحديث من "فتح الباري، شرح صحيح البخاري"، واختتمه بحفلٍ علميٍّ بهيجٍ سنة 1945م، وكانت تحضره كل الطبقات بالمسجد. (1/19)
صفحة 19
ــ في غرة محرم سنة 1353هـ، ماي 1935م بعد أنْ أتم تفسير جزء عمَّ افتتح درس تفسير القرآن الكريم من فاتحته، واختتمه يوم 25 ربيع الثاني سنة 1400هـ، 12 فيفري 1980م. وأقيم له مهرجان عظيم شهده مختلف السلطات الإداريَّة، والحزبيَّة من مختلف المستويات، كما حضره حشدٌ كبيرٌ من الأئمَّة والعلماء من كافَّة أنحاء القطر.
ــ في سنة 1931م شارك في تأسيس جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريين وصياغة قانونها الأساسي، وانتخِب عضوًا في إدارتها الأولى، فأسندَت إليه أمانة نيابة أمين مالها.
ــ في سنة 1937م أسَّس مع رجال الإصلاح بالقرارة جمعيَّة الحياة؛ رائدة النهضة العلميَّة الإصلاحيَّة بالجنوب.
ــ كانت له مشاركةٌ فعَّالة بمقالات ناريَّة في الصحافة الوطنيَّة اليقظانيَّة، وخلاصة أفكاره: دعوة إلى الوحدة الوطنيَّة، وتمسك بالمقومات الشخصية، واستنفار عام من أجل مستقبلٍ أفضلٍ في إطار الدين الإسلامي، واللغة العربيَّة لغة القرآن الكريم، كما كانت له كذلك اهتمامات بأحداث العالم الإسلاميِّ، والعربيِّ. (1/20)
صفحة 20
ــ في سنة 1940م حكِم عليه بالإقامة الجبريَّة داخل القرارة لا يغادرها لمدة أربع سنوات، كوَّن خلالها أجيالًا من رجالات الأمة الحاليِّين، فأصبح منهم العلماء، والأدباء في كامل القطر الجزائري.
ــ في سنة 1948م كان من بين الأربعة الممضين على برقيَّات ورسائل التأييد باسم اللجنة الجزائريَّة الفلسطينيَّة لقضيَّة فلسطين في الجامعة العربية، وكان عضوًا في لجنة إغاثة فلسطين.
ــ دخل معترك الحياة السياسيَّة الحاسمة بعد خروجه من الإقامة الجبرية، وبعد نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية، فطالب بإلحاق الصحراء بالجزائر مناهضًا مشروع الدستور المزعوم الذي منحته السلطات الفرنسيَّة للجزائر سنة 1947م.
ــ تحت تأثير الإلحاح الشعبي بوادي ميزاب قبِل أنْ يكون ممثله في المجلس الجزائري، فانتخب بالأغلبيَّة الساحقة يوم 20 أفريل 1948م، وأُعيدَ انتخابه في سنة 1951م، وكان الصوت المدوي الذي طالما قاوم الحكم العسكري، ودافع عن المؤسسات العربيَّة والإسلاميَّة في الجزائر لاسيما في الجنوب.
ــ من فاتح نوفمبر 1954م إلى 19 مارس 1962م كان محور جميع النَّشاط الثوري بميزاب عامَّة والقرارة خاصَّة، يديره مباشرة بنفسه (1/21)
صفحة 21
وبواسطة أبنائه الشباب من تلاميذه، بما في ذلك استقبال وإيواء جنود وضبَّاط جيش التحرير، وجمع السلاح والتموين، وإيصال ذلك إلى مختلف مراكز الثورة في الجبال الشرقيَّة، والشماليَّة.
ــ كان خلال الثورة الجزائريَّة على اتصال وثيقٍ بالمراسلات السريَّة بينه وبين جبهة التحرير الوطني، والحكومة المؤقتة للجمهوريَّة الجزائريَّة في المهجر.
ــ وقد أصرَّ على البقاء داخل القطر الجزائري رغم التهديد الاستعماري، إيمانًا منه بأنَّ الكفاح لا يقتصر على رفع السلاح وحده، وإنَّما يتكامل ببناء النفوس وإعدادها لتحمل الرسالة في المستقبل.
وموقفه التاريخي إبَّان مؤامرة فصل الصحراء عن الشمال يعرفه المتتبِّعون لتطورات الأحداث آنذاك، ولعل الأمانة التاريخيَّة والوفاء للعاملين ستدفع بعض النزهاء ذات يوم لإظهار هذه الجوانب التي يجهلها الكثيرون (1).
ــ في 19 مارس 1962م بعد إيقاف القتال نتيجة مفاوضات إيفيان عيِّن عضوًا في اللجنة التنفيذيَّة المؤقتة تقديرًا لكفاءته ووظيفته،
__________
(1) - ينظر كتابنا: الشيح بيُّوض مصلحًا وزعيمًا الطبعة الثالثة، ففيه وثائق مهمة تُنْشر لأول مرة. (1/22)
صفحة 22
وأُسنِدت إليه مهمَّة الشؤون الثقافيَّة إلى يوم تسليم السلطة لأوَّل حكومة جزائريَّة في سبتمبر 1962م.
ــ في سنة 1963م بعث مجلس عمي سعيد الهيئة العليا لعزابة مساجد وادي ميزاب، فانتخب رئيسًا له إلى يوم وفاته.
ــ في غرة محرم 1391هـ، 1971م أحْيى فريضة صلاة الجمعة في ظل الحكومة والدولة الجزائريَّة، وقد تُرِكَتْ هذه الفريضة بميزاب إبَّان الاستعمار الفرنسي.
ــ في السبعينيات اعتمدته وزارة الشؤون الدينيَّة في إصدار الفتوى بالعمل بالحساب الفلكي في إثبات المواسم الدينيَّة، وفي اعتبار ميقات الحجاج بالطائرة باعتبار المطار الذي ينزلون فيه في الحجاز.
ــ من تراثه الأدبي والفكري: تفسيرٌ مسجَّلٌ لأكثر من نصف القرآن، ومئات من الأشرطة لدروسٍ قيِّمة لمناسبات دينيَّة، واجتماعيَّة، وسياسيَّة، وفتاوى على أسئلة فقهيَّة، وعلميَّة، ورسائل، ومقالات.
ــ من ثمار جهاده الإصلاحي: أجيالٌ من الرجال؛ على رأسهم خلفه رائد النهضة الإصلاحيَّة حاليا شريفي سعيد (الشَّيخ عدُّون)، وأضرابه من مئات المشايخ، والأساتذة، والدكاترة، وكبار الموظفين من مختلف المستويات في مصالح الدَّولة الجزائريَّة، من إدارة، وحزب، (1/23)
صفحة 23
وجيش، وتعليم بجميع مراحله، وإنشاء عشرات المدارس للتعليم الديني داخل البلاد وخارجها، على مستوى العالم العربيِّ والإسلاميِّ.
ــ دعائم نهضته الإصلاحية: القرآن والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين من بعدهم.
ــ منابر نشر رسالته: المسجد أولًا، ثم التعليم بالمعهد ثانيًا، ثم المجتمع الخارجي العام ثالثًا.
ــ ختمت أنفاسه الطيبة، وحياته الحافلة بالجهاد على الساعة السادسة مساء من يوم الأربعاء 8 ربيع الأول 1401هـ، 14 جانفي 1981م، عن عمر يناهز 83 سنة، وشيِّع جثمانه في موكبٍ حاشدٍ خاشعٍ حضره نخبة من مسؤولي الدَّولة؛ من بينهم خمسة من الوزراء العاملين آنذاك، وذلك صبيحة يوم الجمعة 10 ربيع الأوّل 1401هـ، 16 جانفي 1981م. كما أُبِّن بحفلٍ عظيمٍيوم الجمعة 21 جمادى الأولى 1401هـ، 27 مارس 1981م.
تغمَّد الله الفقيد برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه.
ــ وإبرازًا لمكانة الشيخ العلميَّة والوطنيَّة نُورِد فقرةً من برقيَّة رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد في مناسبة حفل مهرجان القرآن، يوم 22/ 5 / 1980م. (1/24)
صفحة 24
" ... وإنَّ الجهاد الكبير الذي بذله فضيلة الإمام الشَّيخ بيُّوض خلال خمسين عامًا في تفسير كتاب الله لهو جهد يعتزُّ به كل جزائري يؤمن بالإسلام دينا ودولة، ومقوِّمًا رئيسيا من المقومات الشخصيَّة الجزائريَّة، أما مآثر الإمام الشَّيخ بيُّوض فكثيرة، وجهوده في سبيل الدين والوطن جديرة بكل تقدير ... ". (1/25)
صفحة 25
أعمالي في الثورة
باختصار في الجزائر والتل
1 ــ نشبت الثورة وأنا بالجزائر، فمنذ ظهرت وخرجت إلى الشعب وأنا على اتصال دائم بإخواني جماعة بني ميزاب، نعمل جميعا على جمع المال، وإيجاد أماكن الإيواء، ومراكز البريد والاتصال، وشراء قماش الكاكي، والنعال، والألبسة العسكريَّة، وغير ذلك من أول الثورة إلى الاستقلال كلما سنحت لي فرصة الإقامة بالعاصمة.
2 ــ لي اتصالٌ وثيقٌ بالسيد الحاج أيوب إبراهيم بن بلحاج من أول الثورة إلى يوم أُلقِيَ القبض عليه، وكنت أُعِينُه وأؤيده في كل ما قام به من أعمال جليلة، وفي داره اجتمعت وتعرَّفت بالأخ رباح الأخضر، وعرض علينا إبراهيم يومئذ ما هيأه من لباس.
3 ــ كنت على اتصالٍ وتأييدٍ وإعانةٍ ومشورةٍ للسيد اسماوي الحاج اسماعيل في كل ما قام به هو وإخوته في دكانهم نهج (دكتور ترولار) من أعمالٍ عظيمة الأهميَّة، وكنت لهم المحرض الأكبر، لكنهم كانوا كغيرهم من الإخوان يحرصون على كتم اسمي محافظةً عليَّ، ولم أتخل عنهم لحظة إلى آخر يوم. (1/26)
صفحة 26
4 ــ شهدت مع بعض إخواني فيهم الشَّيخ ابن يوسف، ومفدي زكرياء عرض أوَّل شريط تلحين للنشيد الوطني لاختباره أمام المرحوم عبَّان رمضان، والسيد بن خدَّه، وربَّاح الأخضر، وكان الشريط قد سجِّل بدار طلبتنا بتونس، كما سجِّل معه في نفس الشريط نشيد بعثتنا، وأظن في أوائل سنة 1956م.
5 ــ في أيام "سالي ببيليك" التي نقلت إليها جوًّا على طائرةٍ عسكريَّةٍ كنت على اتصالٍ دائمٍ وعملٍ مستمرٍّ مع إخواني المناضلين ليل نهار، وممَّن اتصلت بهم يومئذ وديغول في الجزائر الأخ المناضل أحمد فخار نائب العامل في شرشال، وكان من العاملين المخلصين.
6 ــ شاركت في وضع عدَّة تقارير في شرح الحالة بالجزائر كانت تُرسَل إلى الحكومة بتونس، وكان الرد يأتينا بالشكر والامتنان.
7 ــ كنت أمرُّ ببعض البلاد التي فيها أقارب، أو مصالح في التل، فأُحرِّض أهلها على العمل الجدِّي لإنجاح الثورة، وكان أكثر العاملين فيها من تلامذتي الذين عرفت فيهم روح الوطنيَّة، ومن إخواني الذين ربَّتهم على الوطنيَّة دروسي العامة، وخاصة البليدة، والعلمة، وباتنة التي شاركت في كثير من أعمالها في مناسبات، واتخذنا مراكز للإيواء، وأخرى للبريد، وأحكمت الصلة بين أبنائنا وبين مسؤول الجبهة الذي (1/27)
صفحة 27
يدفع له المال ... إلخ، وكانوا كلهم يصدرون عن رأيي، ومَنْ تقاعس منهم عن دفع واجبه الثَّوري رفعوا أمره إليَّ لأعزِّره وأجبره.
8 ــ جاءني وفد من بريكة يشكون تلدد أحد التجَّار، وقد كانوا قد دفعوا عنه أقسامًا عديدةً إبقاءً عليه، فناديته وعزَّرته وأرغمته على الدفع، ومثل ذلك وفود أخرى تستشير وتستعين فيما عسر عليها، فلا أبخل عليها بكل ما أستطيع من رأيٍ ومعرفةٍ لإنجاح الثورة.
9 ــ كان أحد تجارنا بسطيف وهو بوسحابة عمر عنده كاميون نقل، وكان يعمل مع المناضل محمد الطاهر قائد الثورة في نقل المؤونة، والجند والسلع وغير ذلك، وكان يأتيني في كل شهرٍ مرة أو مرتين يشكو متابعة الجند الفرنسيِّين له، فأحرِّضه على التمادي في عمله، وأدعو الله له بالحفظ، وكلما جاء أبلغني سلام محمَّد الطَّاهر فأرد عليه مثله حتى استشهد محمد الطاهر، وانتقل الأخ إلى ميزاب في الأيام الأخيرة للثَّورة.
10 ــ عملت كثيرا أيام الثورة الأولى مع الريحاني، وكان يُحدِّثنا عن ذهابه إلى الأوراس ورجوعه واجتماعه بالمجاهدين، وأنَّكل ما جمعناه يوصله إلى أوراس وكنا نصدِّقه، ولم يكن في أيام الثورة الأولى فرق بين حزب وحزب، العمل لإنجاح الثورة وكفى، وما ندري بنيَّته والله يتولى أمره إنْ كان قد خدعنا.
11 ــ كنت على اتصالٍ وثيقٍ بالمناضل الأخ داودي محمد الذي يعمل في إحدى ضواحي الجزائر، ويسكن بديار جمعة، وبالأخ المناضل يعفو إبراهيم الساكن بالقليعة، يأتياني بكتب وأردُّ عليهما عن الولاية الرابعة، وأُحرِّضهم على العمل إلى النصر. (1/28)
صفحة 28
أعمالي في الثورة بالصحراء
وميزاب على الخصوص
1 ــبدأ العمل الثوري في جهتنا بميزاب في أواخر 55 بصورة بسيطة تتلخص في قدوم بعض التجَّار من الذين اعتادوا التجارة في الحبوب، والكسوة، والحيوانات بهذه الجهة، يشترون الأسلحة سرًّا وينقلونها إلى بسكرة على طريق تقرت، أو طريق أولاد جلال، فلم يكن عملنا يومئذ إلا تيسير عملهم؛ بتحريض مَنْ عرفنا عنده سلاحًا ليبيعه لهم إعانة للثَّورة - ولم يكونوا يومئذ يطلبون السلاح تبرُّعًا - وخرج بهذه الطّريقة أكثر ما كان في جهتنا من سلاح.
2 ــ في أواسط السنة قدم علينا جغابة محمد بواسطة أولاد الخبزي من بسكرة فاتصلت به، كما اتصل به إخوان آخرون، وتعاهدنا على العمل معا، وذهب ليستقر في متليلي التي يتَّخذها مركزًا، كما قال ولم يلفت قدومه الأنظار لأنَّه أتى في زيٍّ مدنيٍّ كأعرابيٍّ من البادية.
3 ــ أرسلت معه يوم سفره أحد قدماء تلامذتي فأراه مركزًا في الصحراء بوسط الطريق بين غرداية والقرارة فيه برج حكومي، وحارس بعائلته، وبئر ماء، وعرَّفه بالحارس وقال هذا أصلح مركزللاتصالات (1/29)
صفحة 29
فسرَّ به غاية السرور، وتعهَّد الحارس بالعمل وأنْ يكون صندوق بريد تشد الحاجة إليه في وسط الصحراء، وعندما ينظم العمل.
4 ــ كنا نرسل الإعانات إليه في متليلي فتصله، ولم نكن نتسلم وصلا لقوة الثقة.
5 ــ في هذه الأثناء جاءنا السيد الغزال الحاج سليمان بن عبد القادر الساكن بالدَّلَّاعة بين الأغواط والقرارة من طرف السيد زيَّان قائد الثورة بالصحراء، وكلفنا بتنظيم خليَّة للعمل لبني ميزاب، وأخرى لإخواننا العرب، وجعلني أنا المسؤول عن خليِّة بني ميزاب، والسيد الحاج سلامة مسؤول عن خليَّة العرب، وقد رأينا في هذا إصلاحًا لضمان كتم السر.
6 ــ قام كل منَّا بما وجب عليه، فأسَّست أنا جماعة من إخوان الصَّفاء جلُّهم من قدماء تلامذتي، فقاموا بما عهد إليهم به من أعمالٍ إلى ما بعد الاستقلال، فمنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا.
7 ــ جمع السيد الحاج سليمان ذخيرة ومؤونة وأعطيته منظارًا مكبّرًا عندي من أحسن المناظر ألماني الصنع، وقلت هذا هديَّة إلى سي زيَّاني ولم أكن أملك سلاحًا، وكان الجنود يومئذ يفضُّلون المنظار على قطعة سلاح أو عدَّة قطع. وكان عازمًا على حمل السلاح في (كاميون) (1/30)
صفحة 30
تمرٍ اشتراه، لكنَّه أحسَّ بأنَّ رجال الدّرك الفرنسي ارتابوا في أمره، فترك السلاح والمنظار عند صديق له ثقة، وخرج بالتَّمر فقط، وما سار قليلًا حتى لحقه الدرك وأفرغوا (الكاميون) فلم يجدوا غير التمر فخلُّوا سبيله، ثم أخرج السلاح بعد سكون الطَّلب.
8 ــ بعد مدُّة قليلة مات السيد زيَّان واعتُقِل الحاج سليمان، فوقع شيء من الارتباك في العمل معها، كل يدَّعي أنَّ ميزاب ملحق بولايتها، وكان إخواننا من مناضلي الأغواط يطلبون العمل معهم، وكان بعض من الولاية الخامسة جاءوا على طريق أفلو يطلبون الاتصال بهم والعمل معهم.
مرَّت على ميزاب فترة عصيبة يعمل فيها لجهات مختلفة فتفرَّقت جهوده، هو يقوم بواجبه مع كل جهةٍ حسب استطاعته، ولم تستقر الأوضاع إلَّا بعد جهودٍوكتاباتٍ واتصالاتٍ يطول شرحها، وأكثر أخبارها عند الشَّيخ بن يوسف سليمان بن الحاج داود.
9 ــ كذلك نظمت خلايا في برَّيان، وغرداية، والعطف، وكنَّا على اتصال دائم بالهاتف الرَّمزي، وبالاجتماعات هنا وهناكمرةكل أسبوع، وكان العمل منظَّمًا في ميزاب تحت إشرافي، وكنَّا على اتصال بإخوان الأغواط بواسطة الأخ البليدي صالح وكان بيننا انسجام تام. (1/31)
صفحة 31
10 ــ في خريف 56 بعد أنْ تبلورت الجبهة وتولَّى الحرَّاس الولاية استقرَّ جيش نظامي للجبهة تابع للحرَّاس في برَّيان تحت قيادة (قَنْتَار) وكان تحته سائر منطقة ميزاب، فأرسل إلى كل جهة نائبًا عنه، وأرسل إلى القرارة الجندي عثمان.
11 ــ جاء الجندي عثمان إلى القرارة في أواخر أكتوبر 1956م ومعه كتاب من محمَّد قنتار، فآويته وأسكنته ومعه الجندي السيد رابح الأبيض، فأحكمت الصِّلة بينه وبين أعيان خليَّتنا، فكنَّا نأتيه ونسهر معه وكان اثنان من خليَّة إخواننا العرب يأتيانه عندنا، فيشرع في جمع الأسلحة والذَّخيرة وهو التقاط في الحقيقة لأنَّ أكثر السلاح خرج قبل قدومه كما أشير إليه من قبل.
12 ــ كنت أنقله من دار إلى دار كلما قضى أياما في دار وخفنا الافتضاح نقلناه إلى دار أخرى، ولم يكن إيجاد سكن للجند أمرًا ميسورًا بل كان من أشدِّ ما لقيناه من العنت، فإنَّكل مَنْ طلبته أنْيُسكِن جنودًا في داره جفَّ ريقه في فمه خوفًا، ويُفضِّل أنْ يعطيك ولو قيمة الدار تبرعًا على أنْ تعفيه من السكن والأمر جد خطير، ومع ذلك كنت أُلِحّ وأُرغِّب وأُلزِم وأَضمَن وأَتحمَّل كل شيء حتى أحصل على منزل، وهكذا سكن نحو خمس ديار من يوم نزوله إلى يوم 31 جانفي 1957م يوم الكارثة. (1/32)
صفحة 32
13 ــ جَنَّدْت جماعة من قدماء تلامذتي لخدمة عثمان وصاحبه والوجوه التي تأتيهم خفية من الخارج، كما قامت نساؤنا بما يجب من إعداد الطعام، وأبناؤنا بنقله من مكان إلى مكان.
14 ــ كان أوَّل عمل قُمْت به بعد نزول عثمان بأربعة أو خمسة أيام أنْ آتيه بقائد البلدة ليدخل في النظام، ويتعهَّد بالعمل، ويكتم السِّرَّ، ويُضلِّل الفرنسيِّين إنْ اشتمَّ منهم رائحةً. قلت لعثمان إنَّني لا أظن أنَّ هناك مَنْ يتَّصل برجال الدَّرك أو الجند مباشرة، وإذا كان شيء فربَّما يكون بواسطة القائد، فالرأي أنْ أتصل به وأخبره صراحة بوجودك ونأخذ عليه العهد، وهكذا نعمل مطمئنِّين لأنَّ عملنا مستمر وليس عمل يوم أو أسبوع، تردَّد أولًا خوف أنْ يشي به فضمنت له وطمأنته، فذَهبْت إلى القائد أفاتحه لأوَّل مرة في قضيَّة الثورة، وأفهمته وجوب العمل عليه كوطني، وأقنعته بوجوب الاجتماع بالجندي الممثل للجيش والجبهة ومعاهدته، فقبل، فجمعتهم في بيتي حول مكتبي ونحن أربعة عثمان، رابح، القائد، أنا، فقطع العهد على نفسه بيمين مغلَّظة أنْ يعمل مخلصًا للثَّورة، وأنْ يكون لنا عينًا، وأنْ يُضلِّل رؤساءه ما استطاع، فشربنا الشّاي وأكلنا الحلوى ثم أخرج القائد من جيبه تفَّاحة فقسَّمها، ثم تبادلنا أطرافها فأكلناها توكيدًا للعهد فخرجنا نعمل مطمئنِّين. (1/33)
صفحة 33
15 ــ كان جندي الاتصال بين المركز في بريان والفرع في القرارة هو عمر بن علي بن العابد من سكَّان القرارة، وقد اتفقْت معه على طريقة محكمة للاتصال لأنَّه قد يترك الجند في دار ولا يعود إلَّا وهم قدانتقلوا إلى أخرى، والطريقة هي: أنني أجلس مرتين في اليوم في السوق صباحًا وعشية، فإذا جاء برسالة مر بي كسائر الناس وقال صباح الخير الشَّيخ، فأردُّ عليه ردا بسيطا كغيره، ثم يتنحَّى جانبًا بعيدًا يرقبني، وبعد نحو ربع ساعة أقوم فيتبعني من بعيد حتى أدخل الدار التي بها الحاجة فيدخلها بعدي بدون توقّف ولا استئذان، فيُبلِّغ ما أتى به ثم يُهيَّأ له ما يرده، وهكذا طوال مدة إقامتهم حتى استشهد رحمه الله.
16 ــ كنَّا نسعى بحكمة في التقاط الأسلحة والذخيرة وجمعها، وكان عثمان شابًّا عصبيًّا خفيفًا جدًّا، كان يحب الإسراع في العمل لغرضٍ في نفسه صرَّح لي به؛ وهو أنَّ هيأة الأمم ستجتمع قريبا وتقر استقلال الجزائر حالًا، وهو يطمع أنْ يكون ضابطًا ويتولَّى القيادة في ميزاب وطريقتنا البطيئة تعرضه ... إلخ وكان -وهو نازل عندنا- يخرج في بعض الليالي ويقول إنِّي لا أعود إلى غد أو ربما إلى بعد غد، فعلمنا أنَّه اتصل ببعض شباب صغار لا يستطيعون تحمل المسؤوليات ونخاف الافتضاح من جهتهم، فعاتَبتُه بمحضر بعض أعضاء الخليتين، وقلت له والله إنَّ الذين اتصلت بهم وكشفت لهم أمرك لو بقيت الثورة عامين (1/34)
صفحة 34
آخرين لبقينا متردِّدين في أنْ نُطلِعهم على شيء أو نطلب منهم شيئالأنَّنا أعلم منك بالناس، منهم مَنْ يُقرَض بالمقاريض ولا ينطق بكلمة، ومنهم مَنْ يُصفَع بصفعة واحدة وربما بنظرة شزراء فقط فينشر كل ما في قلبه، وقد عرَّضتنا وعرَّضت نفسك للبلاء نسأل الله أنْ يلطف بنا.
17 ــ في أواخر جانفي 57 ابتدأ أسبوع الإضراب فاشتدَّ كلب الفرنسيِّين، فكسروا أبواب الدكانين المغلقة، وسبُّوا وشتموا وهدَّدوا وتوعَّدوا فرأينا الحالة خطيرة، وفي دار من دورنا جنود وأربعة عشر سلاحا ناريًّا، ونحو 5000 (كرتوشة) من مختلف الأنواع، ونحو نصف قنطار بارود (نملي)، وقليل منه (عربي)، ففي صبيحة الثَّلاثين جانفي جَمعْت أعضاء الخليَّة وحرضتهم على التقاط أي سلاح من أي مكان، وقلت لهم نظرًا لخطورة الحالة لا ينبغي أنْ نترك ما حصلنا عليه من سلاح وذخيرة عندنا، بل يجب تحميله وإخراجه فرارًا به، فإذا جمعت كمية أخرى أخرجناها كذلك كما سبق، فقالوا كهم صواب، وفي الليل بعد صلاة العشاء أرسلت أربعة من الشباب قدماء التلاميذ إلى الدار فقاموا بالمهمة خير قيام ومعهم عثمان، ورابح وبعض الإخوان، فضبطوا كل شيء وجعلوه طرودا محكمة يسهل حملها بكل طريقة، ثم وضعوه جانبا ننظر في طريقة إخراجه، وخرج الشباب وتركوا الجنود والسلاح في الدار والكل آمن مطمئن حوالي الساعة 12 ليلا. وما كادت تدقُّ (1/35)
صفحة 35
الساعة الثالثة حتى كانت الطرقات كلها تسيل بالدبَّابات وحاملات الجنود و (الجيب) وغيرها، وما كاد الفجر يبزغ حتى تم تطويق المدينة ووضعت المصفَّحات، والمرايا المكبرة حتى على الجبال المطلة على البلدة، ثم شرعوا في جر المتهمين من ديارهم إلى السجن والتعذيب.
وكان من لطف الله أنْ أعمى أبصارهم عن الدارالتي بها الحاجة مع أنَّ مركزًا من مراكز المراقبة لا يبعد عن الدار إلَّا بنحو مائة متر أو تزيد. مرت بنا ساعات من أحلك ما مر بنا ولم نستطع الاقتراب من الدار لحمل الفطور والغذاء إلى الجنديين، وحوالي منتصف النهار علمنا أنَّ الجنديين خرجا متسلِّلين عند الفجر قبل أنْ يشعر بهما أحد ففرحنا لسلامتهما. بقيت قضيَّة الأسلحة تقضُّ مضجعي وكان اليوم يوم خميس 31 جانفي 57، وعند أذان المغرب من ليلة الجمعة دعوت أربعة من الشباب الجريء المخلص إلى المسجد وقلت لهم أرجو منكم الآن بعد صلاة المغرب بقليل بعد أنْ يعتكر الظَّلام أنْ تتسلَّلوا إلى الدار واحدًا واحدًا، يفتحها أولكم بلطف يترك الباب مفتوحا كأنَّه مغلق حتى يدرك أصحابه فتُخرِجوا السلاح إلى كثيب هناك في المقبرة غير بعيد عن الدار فتردموه فيه جيدا، أمَّا أنا فأدخل المسجد وأصلِّي وأدعو لكم بالستر والحفظ في هذه الليلة المباركة، وأريد منكم أنْ تلقوني عند خروجي من صلاة العشاء فتخبروني بأنَّكل شيء قد تمَّ، قوموا والله معكم. (1/36)
صفحة 36
تمَّ كل شيء والحمد لله، فما خرجت من صلاة العشاء حتى وجدتهم في انتظاري بباب المسجد فبشَّروني بنجاح العمليَّة والحمد لله، فدعوت لهم بالخير وسُرِرت وفَرَحت لأنَّالسلاح لو ضبط بالداروهي دار عشيرة ورؤساؤها طلبة ومعلِّمون لكانت كارثة على البلد كله، وعلى المدرسة والمسجد والمعهد والطلبة وهم دائما محلَّ تهمة، أمَّا إنْ ضبط في كثيبِ رمل فإنَّ الأمر هيِّن بل لا خطر فيه. ثم أُخرِج هذا السلاح بعد أيام حين سكن كل شيء، وأُرسِل إلى (وادي الرّطم) حيث توجد كوكبة من الجند والحمد لله.
18 ــ وقعت فترة ركود بعد سجن خليَّة إخواننا العرب بالقرارة وخليَّة بني ميزاب بغرداية، ثم تجدَّد النشاط بعد خروجهم من السجن، وتوالى ورود الجنود على البلد إلى يوم الاستقلال، وكانوا تارة ينزلون علينا وتارة ينزلون على إخواننا العرب، بَيْدَ أنَّ الانسجام تام بيننا، وكانت المهمَّة جمع الاشتراكات والتبرُّعات، وتكوين مجالس وأمور شكليَّة أخرى، وكانوا ينتقلون من دار إلى دار تارة في وسط البلد وتارة وسط الأجنَّة، وكنت أنا المشرف على كل شيء والمدير والمسيِّر لكل شيء، وكنت أجتمع بهم مرة بعد أخرى، أمَّا كثرة الاتصال بواسطة تلامذتي العاملين منهم المعلِّمون، ومنهم نوَّاب في البلدية، إلَّا إذا دعت حاجة ملحِّة فيدعوني للتفاهم فيها، وما نزلوا دارا إلَّا وأنا الذي قام بطلبها من صاحبها بإلحاح (1/37)
صفحة 37
وضمان، فإذا كانت دارا مسكونة طبخَتْ لهم ربَّة المنزل، وإنْ كانت غير مسكونة جعل لهم طبَّاخ خاص بهم في المحلِّ، وتارة ينقل الطَّعام من بعيد، وكل هذا بتدبيري ومشاركتي مع إخواني العاملين إلى يوم غادرت القرارة إلى الهيأة التَّنفيذيَّة في بومرداس بعد وقف إطلاق النار، وكان المناضلون الميزابيُّون في القرارة لا يحرِّكون ساكنا إلَّا بإذني واستشارتي.
19 ــ لما تكوَّنت البلديات في ميزاب وانتخب في القرارة أوَّل شيخ للبلديَّة السيد: حمُّودة بابه بن حمُّودة سَعيْت فجمعته أنا برئيس الجند الموجود يومئذ بالقرارة للتَّعاهد معه على العمل والإخلاص كما فعلت بالقائد، فكان عند حسن الظَّنِّ به.
20 ــ جاء المرحوم أحمد طالب لأوَّل مرة إلى القرارة فاجتمعت به مرتين: الأولى بدار أحد تلامذتي المناضل السيد لقمان حمو رئيس البلديَّة اليوم ومعه المساعد رابح الأبيض المسمَّى في الجيش على ما أذكر عز الدين، وأعطيته كتاب وزير الدَّاخليَّة الأخضر بن طوبال بختمه وإمضائه الذي أرسله إليَّ شكرا على تقريري، وذلك في شهر مارس 1961م رمضان 1379هـ.
ثم اجتمَعْت به في دار عشيرة (البلات) بعد عيد الفطر وكان معه رشيد الصَّايم وبعض الجنود، ومعي الشَّيخ ابن يوسف، ولقمان حمو، (1/38)
صفحة 38
فكان تبادل خطب بيننا، ووالله إنَّه لم يكن يخاطبنا في خطابه الطويل وجنوده صف من ورائه ونحن الثلاثة معه إلَّا بلفظ آبائنا يكرِّرها مرات في أوَّل كل مقطع من كلامه، ثم جلسنا وتحدثنا طويلا في شؤون الثورة، والنظام الواجب الاتباع.
كانت جلسة من أهم الجلسات، وحدَّثني بعض جنده أنَّه شكرني عندهم، وقال إنَّ الشهادة التي عنده من الوزير لا نملك مثلها، والجندي حاضر اليوم لأداء شهادته.
21 ــ حمَّلني الضَّابط أحمد طالب بعد ذلك بواسطة أحد جنوده تبليغ رسالة إلى يحيى محمَّد شيخ بلديَّة (يسجن) الذي لم يزل خارج النِّظام يأمره فيها بالدُّخول في الطَّاعة، والعمل للثَّورة وجوبًا وإلَّا لقي جزاء الخونة، فسافرت إلى (يسجن) وأبلغتها له بدار الأخ الكريم السيد الحاج محمد بن ادريسو، فقرأتها عليه بعد أنْ فتحها بنفسه لأنَّه لا يُحسِن العربيَّة الفصحى، فارتبك وخاف، بَيْد أنّي شجَّعته وأفهمْته أنَّ العمل عليه واجب، وبعد أيام بلغ خبر الرسالة رئيس الملحقة، والقائد العسكري الكولونيل فانسان، وما أدري بأيَّة طريقة، فأجرى لي بحث في شأنها فأجبت بأنَّي كلفت من طرف طالب أحمد ولا تسعني المخالفة، وهذا خير لي من أنْ يقتلني، ولولا لطف الله لكان ما لا تحمد عقباه. (1/39)
صفحة 39
22 ــ جاء سعيد عبادو بجنده بعد أحمد طالب وسكنوا عندنا أياما، فقمنا بهم أحسن قيام كسابقيه العديدين الذين نسيت أسماءهم وكثير منهم لا يقبلون حتى السؤال عن أسمائهم، كانت لي جلسات ممتعة مع سعيد عبادو.
23 ــ كانت جريدة المجاهد تأتيني من تونس بطريقة سرية منتظمة، فكنت أقرأها من ألفها إلى يائها وأعطيها لبعض كبار التَّلاميذ يقرؤونها ويردونها، ولم تكن تأتي لأحد غيري في هذه النَّواحي - على ما أعلم -فكانت أفضل هديَّة أقدِّمها للجند وخاصَّة المثقَّفين، فأعطيت نسخة لأحمد طالب، ونسخة أخرى لضابط آخر كان يسكن في دار (بوحجَّام)،وأعطيت نسختين لسعيد عبادو ولا يتصوَّر مقدار السُّرور الذي يغمرهم بهذه الهديَّة التي تُفيدهم وتسلِّيهم.
24 ــ كان دأبي أمر الإخوان وتحريضهم على الاعتناء بالجنود بكل كيفيَّة والتَّرفيه عنهم، وأُحرِّض بعض الطَّلبة على السَّمر معهم إيناسًا لهم، لأنَّني أُلاحِظ فيهم أحيانًا بعض السَّأم والملل، إذ يرون أنفسهمكأنهم مسجونون.
25 ــ سهرت بالعطف بدار سعيد الحاج صالح مع الضابط (محمَّد علي) وكاتبه (بن يوسف) وكان معنا المناضل (إسماعيل سماوي) (1/40)
صفحة 40
وبعض الإخوان، ودار الحديث حول العمل الثَّوري بميزاب، ولم نفترق إلَّا على الثانية بعد منتصف الليل، وفي الصباح هرب الترجمان الحربي بغرداية فقامت قيامة الإدارة، وسجن السيد (إسماعيل سماوي)، وكان بجانبي حين قبض عليه ونحن في زمرة المحجوزين في جهة، ولم يكونوا يعرفون شخصه حتى قال بعض أنَّه مع الشَّيخ بيُّوض، فجاءوني وقالوا أين صاحبك سماوي فقلت هو هذا فأخذوه، ولم يكن يسعني غير ذلك لأنَّ النَّاس جميعا يعرفونه ويرونه.
26 ــ كتبْت تقريرين مهمين في حالة الثورة بالصحراء، وقضيَّة محاولة فصلها عن الجزائر إلى السيد وزير الدَّاخليَّة (الأخضر بن طوبال)، واتصلت منه بكتابين هامَّين، لكنَّها كلها أُحرِقت مع وثائق أخرى ليلة نكبة القرارة الكبرى في 28 أكتوبر 1961م كما سيذكر بعد.
27 ــ لما نشرت جريدة (ليبيرسيون) الفرنسيَّة خبرًا مفاده أنَّ وفدًا من ميزاب قدم باريس يطلب إقامة جمهوريَّة صحراويَّة ... إلخ، وأذاعت الخبر بعض الإذاعات صادف أنِّي كنت بتقرت لبعض شؤوني الخاصَّة، فلم أشعر إلَّا والحاكم العسكري يدعوني فقابلت الضَّابط المكلف بالسياسة في مكتبه وقال: إنَّ عامل العمالة كلفهم أنْ يستطلعوا رأيي فيما نشر، فأنكرت بشدَّة وحماس هذه الفرية التي يراد بها خلق جوٍّ (1/41)
صفحة 41
من البلبلة والحيرة والتفرقة، وقلت بالحرف: إنَّني ممثل الأغلبيَّة الساحقة من بني ميزاب، وأنَّ فكرتنا في أنَّ ميزاب والصحراء جزء لا يتجزأ من الجزائر قديمة لم تتغيَّر ولن تتغيَّر، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السِّياسة الإداريَّة بين الجنوب والشمال لأنَّهما قطر واحد بخطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضدَّ الانفصاليِّين من فوق منبر المجلس الجزائري، حتى اضطرَّت الحكومة الفرنسيَّة إلى إرسال لجنة بحث إلى ميزاب، فكانت مظاهرات وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلت لجنة أخرى برلمانيَّة لنفس الغرض حيث لم تُرضِها النَّتيجة الأولى، فكانت النتيجة كذلك أنَّ ميزاب لا يريد بأي ثمن فصله عن الجزائر (1).
ثم أكَّدْت له أنَّه لا يوجد مطلقا أي وفد في باريس يتكلم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحد أنْ يجرؤ على التكلم باسمه إلَّا من اختارته الأمة بنفسها.
28 ــ ظهر على مسرح الحوادث (بن لونيس) في أواسط 57 على ما أذكره، فانتشر أمره في شمال الصحراء، وبدأ يمتد إلى سائر الجهات بمعونة السُّلطة الفرنسيَّة، فسمعنا بمحاولات اتخاذ مركز في ميزاب يتحكم به
__________
(1) - نشرت بعض هذه الوثائق في كتبانا: الشيخ بيُّوض مصلحًا وزعيمًا (الطبعة الثالثة). (1/42)
صفحة 42
في الجنوب، فاجتمع نخبة من المفكرين منا، ودرسنا القضيَّة واتفقنا على خطة محكمة نجحت والحمد لله، ذلك أنِّي أنا والشَّيخ (ابن يوسف) و (بودي) و (ناصري علي) ونحن رؤساء الحركة الثوريَّة يتصل كل واحد بأحد الحكام والإداريِّين المدنيِّين والعسكريِّين ونظهر لهم الولاء والإخلاص ثم نقول: إنَّ ميزاب لم يزل محفوظا لم تصله جنود الجبهة، وإنَّكم إذا سمحتم (لابن لونيس) بالقدوم والتمركز فيه فإنَّ الجبهة تتبعه لا محالة، فيشتد البلاء وتعظم الفتنة ... إلخ، فاقتنعوا وراقت لهم الفكرة بصورة غريبة، فكتبوا إلى رؤسائهم فقبلوا الأمر، وصُدَّابن لونيس عن ميزاب.
29 ــ في 1 جانفي 58 بعد طلوع الشَّمس والحفل قائم في ساحة النَّوادر أمام مكتب الدَّرك قدمت سيَّارة من الصحراء لجند بن لونيس رافعة علمه، فما أنْ بلغني خبرها حتى بعثت إلى رئيس الدَّرك بمن أخبره وأذكره بحديثي معه في الموضوع سابقا، فأسرع في امتطاء سيَّارته (الجيب)، فأدركهم وألزمهم الرجوع من حيث أتوا أمام النَّاس، وحجر عليهم العودة إلى هذه البلدة وإلَّا زجَّ بهم فيالسجن، ولم يمهلهم إلَّا قدر ما أخذوا حاجتهم من البنزين، فكفانا الله شرهم.
30 ــ دعاني مرة (حمزة بوبكر) رئيس المجلس العمَّالي للاجتماع به في الأغواط فلقيته بدار الأخ بليدي صالح، وتحدَّثت معه رأسا لرأس (1/43)
صفحة 43
حول قضيَّة الصحراء، وكان في حديثه غموض ولف ودوران، فصارحته بالحقيقة التي لا محيد عنها أنَّنا جزائريُّون ومصيرنا هو مصير الجزائر وكفىلا نبغي بذلك بديلا مهما كان الثمن، وعلمت أنَّه اجتمع بنوَّاب آخرين لكنَّني لم أعلم ما دار بينهم، فعدت أدراجي لميزاب وتركته بالأغواط.
31 ــ في ربيع وصيف 60 كثرت الاجتماعات والحديث والتَّناجي عن فصل الصحراء بين الحكام الإداريِّين؛ عسكريِّين ومدنيِّين، وبين بعض النواب والأعيان لكنَّها سريَّة متكتِّمة، فاشتدَّ خوفي من جعلنا أمام الأمر الواقع، فاكتريت سيَّارة من القرارة هي سيَّارة الأخ الحاج صالح الخياط، وذهبت إلى ورقلة ثم إلى دار القائد (العيد) الذي أثق بوطنيَّته، فوصلت الدار الثانية بعد الزوال، فقيل لي إنَّه نائم، فقلت أيقظوه فالأمر مستعجل، فقام إليَّ فحدَّثته عن خطورة الوضع في قضيَّة فصل الصحراء، فعاهدني على أنَّه معي وبجانبي ضدَّ الفصل وقال: قل ما شئت واكتب ما شئت فإنِّي أمضيه بدون تردُّد، وأخبرته أنِّي ذاهب إلى الشَّيخ (أحمد التيجاني) حالًا لنفس الغرض، فلويت عنان السَّيارة من ورقلة إلى زاوية (تماسين)، فكلمت الشَّيخ (حفظه الله) فأجاب بما أجاب به القائد العيد، وتعاهدنا ثلاثتنا على التصلب في موقفنا ولو كلفنا حياتنا، وعلى إفساد مناورات الانفصاليِّين، ثم قلت للشَّيخ: إنِّي لا أعلم طبائع نواب (وادي سوف) إذ لم تسبق لي سابقة عشرة بهم فهل (1/44)
صفحة 44
ترى فيهم مَنْ ندخله في حلفنا الثلاثي فقال: لا ثقة لي في أحد منهم، فقلت إذن دعهم وشأنهم فأنت تمثِّل (وادي اريغ)،والعيد يمثِّل (ورقلة)، وأنا أمثِّل (ميزاب)، وإذا وقفت هذه ضدَّ الفصل فإنَّه لن يتمَّ قطعا، ثم عُدتُ أدراجي إلى القرارة فنمت مطمئنَّ البال والحمد لله.
32 ــ في خريف 60انعقدت دورة المجلس العمَّالي في ورقلة، وفي يوم من أيامها أعلن الرئيس حمزة بوبكر أنَّ جلسة المساء تكون سرِّيَّة، فاجتمع النوابكلهم مسلمون وفرنسيُّون في الساعة المعيَّنة، فافتح الكلام وأخبر عن اجتماعه بالجنرال ديغول وما جرى بينهما من حديث حول الصحراء وفصلها وأطال في ذلك، ثم طلب رأي النواب فوجموا ساعة فالتفت إلى (قاضي قمار) فقال ما رأيك يا شيخ قاضي، فقال إنَّني موظَّف لا أستطيع أنْ أتكلم، ثم التفت إلى الشَّيخ أحمد التيجاني فتكلم بكلام حسن شرح فيه باختصار خطورة الموقف، وأنَّه لا ضمان ولا أمان من تطوَّرات الأحوال، وضرب المثل بقضيَّة سلطان المغرب و (ابن عرفة) وما آل إليه أمر المغرب ... إلخ، ثم التفت إليَّ وقال ما رأيك يا شيخ: فقلت دعني الأخير فانصرف عني وتكلم آخرون كلاما مضطربا ملتويا خاليا من الفائدة، ثم قال الرئيس هل من طالب للكلام؟ فلم يجبه أحد، فالتفت إليَّ وقال الكلمة لك، فوقفت وكل من سبقني تكلم جالسًا وتكلمت بكلام فيه شيء من الطُّول، وإنِّي ألخِّصه فيما يلي، (1/45)
صفحة 45
سيِّدي الرئيس: إنَّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت ينظر في ميزانيَّة العمالة، فاختصاصنا لا يخرج عن دائرة المكاتب، والمياه، والطُّرقات، والمواصلات، وما أشبهها من الماديَّات، نبني ما نبني ونصلح ما يحتاج إلى إصلاح، ولا حقَّ لنا مطلقًا في التكلم باسم الأمة في أمر سياسيٍّ هامٍّ خطيرٍ الحق فيه للأمَّة بأسرها، ثم من جهة أخرى سيِّدي الرئيس: إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرنا في سياستنا في هذه البلاد فلم تستشرنا يوم قطعت الصحراء وجعلت لها نظام التراب الجنوبي ... إلخ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشمال سمتها أحوازًا ممتزجة، فهي تصل وتفصل وتتحكَّم كما تريد، بل أكثر من هذا كنَّا نطلب أشياء من حقِّنا ونرفع أصواتنا بها فلا تسمعنا حتى في تطبيق قوانين سنتها هي، ولا يخفاكم مواقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستوره ... إلخ، فإذا أرادت فرنسا اليوم أنْ تستشير فلتستشر صاحب الحق وهو الشعب الجزائري كله، ثم مددت يدي فأخذت ورقة صغيرة كانت على المكتب أماميفرفعتها بين أصابعي ومددت يدي إلى أعلى وقلت: لا أنت أيها الرئيس ولا أنا ولا أحد من النواب يملك أكثر من بطاقة استفتاء قدر هذه الورقة يلقيها في الصندوق يوم الاستفتاء، هذا كلامي والسَّلام عليكم. فصفَّق النوابكلهم، ونادوا هذا هو كلامنا جميعا، وأخفق الاجتماع (1/46)
صفحة 46
وخرجنا، وتراكم النواب عليَّ يثُنُون ويشكرون لإنقاذي للموقف، وكانت هذه ضربة قاضية للفصل والانفصاليِّين.
33 ــ 7 ديسمبر 60 أصدر (ديغول) أمره بفصل الصحراء عن الجزائر وربطها رأسا بفرنسا، فقام العامل ونوُّابه والحكام العسكريُّون بحمل النواب وشيوخ البلديات على إرسال برقيات شكر وامتنان على ذلك للجنرال، فأرسلت برقيات -على ما يقال- من بعض الجهات، أمَّا في ميزاب فإنَّ نائب العامل حاول بكل جهده حمل شيوخ البلديات على ذلك فامتنعوا، فجعل يلقاهم فرادى ليفرِّق بينهم، فأصرُّوا إلَّا شيخ مدينة يسجن فقد ضعف أمامه، وأنعم له بتحرير برقية فخرج وحرَّر برقيَّة، ولكن كان له بالمرصاد رجال مصلحون يرقبونه فأحاطوا به ومنعوه من إرسالها، ثم إنَّ نائب العامل رفع الأمر إلى العامل وكان يومئذ (سيوترون) فدعى العامل شيوخ المدن كلهم إلى مكتبه بورقلة يوم 11 ديسمبر عشيَّة ليحملهم على الإبراق، فاتَّفقت معهم بصفتي نائبا عماليا وهم مغتبطون بذلك لاعتمادهم على تأييدي لهم، اجتمعنا كلنا عشيَّة في ورقلة وكان العامل غائبًا في تقرت، فقيل لنا انتظروه فإنَّه يعود آخر النَّهار وكان البرد شديدا، واليوم مطيرا، وبينما نحن كذلك نتداول في الأمروندرس موقفنا مع العامل إذا بالأنباء تصل من العاصمة عن نشوب ثورة في (بلكور)، وأنَّ الإحصاء الأوَّل للقتلى بلغ خمسين فعظم علينا الأمر، ثم سألنا عن (1/47)
صفحة 47
رجوع العامل من تقرت فقيل لنا إنَّه سيدخل متأخّرًا، وهنا ألهمني الله تبارك وتعالى حيلة كانت مباركة ناجحة، فقلت للشيوخ: أما أنتم فعودوا حالا إلى مدنكم واتركوني وحدي أقابل العامل باسمكم، وأقول له: إنَّه لما بلغتنا أنباء ثورة (بلكور) الخطيرة، وعلمنا أنَّ خبرها سينتشر قطعا في جميع الجهات ولنا أبناؤها في (بلكور)، فإنَّنا قرَّرنا العودة إلى مراكزنا للمراقبة في هذه الليلة فلا ينبغي في مثل هذه الحالة أنْ يغيب مسئول عن مركز عمله، وأنَّنا تركنا الشَّيخ بيُّوض ليقابلكم نيابة عنَّا وهو نائبنا. هكذا تمَّت الحيلة وتخلَّصت من ضعف بعضهم، وألقيْت كل شيء على كاهلي. انتظرت العامل إلى العاشرة والنصف فذهبْت إليه صحبة مسيو (أربلان) شيخ مدينة ورقلة، فقصصت عليه الخبر فسرَّ واغتبط بموقفنا واعتبره حزما، ثمدخلنا صلب الموضوع فقال: والبرقيات، فتناقشنا فيها طويلا واحتدَّ النقاش في بعض الأوقات، وكان مما كبر على العامل -حسب قوله-كيف أنَّ البلاد كلها أبرقت شكرًا وتأييدًا إلَّا ميزاب وحده. وأخيرًا وبإعانة مسيو (أربلان) - والحق يقال-اقتنع العامل برأينا وعذرنا، وهكذا لم يبرق ميزاب مطلقًا برقيات قبول ربط الصحراء بفرنسا رأسا.
34 ــ كانت لي في السَّنتين الأخيرتين قبل الاستقلال على الخصوص اتصالات ببعض الشَّخصيَّات الفرنسيَّة؛ مدنيَّة، وعسكريَّة، والكل بطلب منهم يستطلعون رأيي في قضيَّة الصحراء، وكانت أساليبهم (1/48)
صفحة 48
مختلفة جدا في عرض القضيَّة، وهي طلب الرأي وفي طريقة محاولة إقناعي بفائدة انفصال الصحراء عن الجزائر، وارتباطها بفرنسا وجعلها جمهوريَّة مستقلَّة تحميها فرنسا وتحتضنها إلى غير ذلك، ومن الغريب أنَّهم مجمعون على أنَّ بني ميزاب إذا لم يقبلوا ذلك فإنَّ شيئا من ذلك لا يتم، فقبولهم ضروري، ووجودهم ضمن هذه الجمهوريَّة هو ضمان وجودها وبقائها، ولوَّحوا بإمكان إقرار الميزابيِّين في فرنسا للتجار، وتكوين جسر جوي بين فرنسا وميزاب إلى آخر المغريات، لكنَّهم كانوا يجدون منِّي عودا صلبا لا يلين، وإنما يحاورهم بالمعقول والمنطق، ومن أقوى ما اعتمدت عليه هو أنَّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنَّ عروق اقتصاده ضاربة في كل بقعة من بقاع أرض الجزائر منذ قرون قبل أنْ تقدموا أنتم إلى هذه البلاد، وأنَّه مدين للجزائر في بقائه وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطبيعة القاسية في بلاده ولا يزال، فلن يستطيع الميزابي أنْ يرى نفسه يوما ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم -لا قدَّر الله- فإنَّه هو يوم القضاء المبرم على بني ميزاب، بهذا المنطق كنْت أدفع محاولاتهم فيرجعوا بخفَّي حنين والحمد لله.
35 ــ كنت أؤدِّي واجباتي الاشتراكيَّة بانتظام سواء في الجزائر حيث كانت حانوت صغيرة لبيع المواد الغذائية ثم قبض على العامل فيها وسجن وعذِّب، ولم تطل حياته بعد خروجه من السجن، أو في القرارة (1/49)
صفحة 49
محل إقامتي، أو في (تقرت) حيث يوجد لي دكان لبيع المواد الغذائيَّة، لكن الأوراق كلها أحرقت مع الوثائق ليلة كارثة القرارة 28 أكتوبر ولم تبق إلَّا وصولات 62 الأخيرة في (تقرت).
36 ــ كنت طوال أيامالثورة كما كنت قبلها من أوَّل عمري مجتهدا بكل ما أوتيته من قوة في نشر التعليم الإسلامي العربي بمختلف درجاته الابتدائي والثانوي، وكنت أخرِّج كل سنة فوجًا من المثقَّفين أعتقد أنَّ ذلك أجَلَّ خدمة أقدِّمها للجزائر الجديدة، وكنت أداري الفرنسيِّين وأنافقهم بمختلف الأساليب لأدفع أذاهم عن المدارس وعن الطلبة، ولقيت في ذلك من العنت الشَّيء الكبير، وهم يعتقدون أنَّ الطَّلبة كلهم أعداء لفرنسا.
37 ــ قبض على بعض الطلبة لأعمال ثوريَّة، فسعيت بمختلف الوسائل حتى أفرج عنهم وقد تكرر هذا مرات.
38 ــ قبض على أفراد من شبابنا الثَّوري في باتنة، فقمت بما استطعته من أسفار وأعمال حتى أفرِج عنهم.
39 ــ كثر تردُّد جنود الثورة سنة 61 على القرارة خاصة أحمد طالب وبعض ضبَّاطه وتوالى اتصالنا بهم، ونشطت الحركة بصورة خاصَّة، فشمَّ الفرنسيُّون رائحتهم لكنَّهم لم يقبضوا على شيء رغم (1/50)
صفحة 50
المحاولات المتكرِّرة، فحنقوا ثم زادهم حنقا يأسهم من جهتي في قضيَّة الصحراء، وقال بعضهم لبعض: إنَّ سياسة فلان معنا كلها خداع، وإنَّ بلاء ميزاب كله من (القرارة)، فمكروا بالقرارة مكرا لم تشهده قرية في الصحراء على الإطلاق. ففي يوم 28 أكتوبر 1961م طوَّقوا البلدة بالجنود والدبَّابات والمصفحات، ثم أخرجوا الرجال كلهم إلى نحو ميلين من البلدة وطوَّقوهم بالأسلاك ثلاثة أيام وليلتين، وأباحوا البلدة بجنودهم الليلة الأولى، وللحركيِّين الليلة الثَّانية، فسلبوا ونهبوا وهتكوا الأعراض وانتهكوا الحرمات، وأخرجوني أنا من السلك آخر اليوم الأول مخادعة، وقالوا ضمان الناس أنْ لا يصيب عائلاتهم سوء، فكان الأمر على العكس من ذلك، وكان حظِّي من هذه الكارثة كبيرا إذ هجم على داري أفواج من الجند يخرج فوج ويدخل آخر، وفتَّشوا قسما من المنزل في الليل، ثم بات منهم في الدار نيف وعشرون وكانت جميع وثائقي عند زوجتي أرجو أنْ لا يقربوها، وفي الفجر قمنا لصلاة الفجر ولا زال الجند يغطُّون في نوم فتنبَّه بعضهم فقال: ما هذا؟ فقلت نسخِّن الماء لصلاة الصبح ونهيِّئ لكم قهوة، فأشعلت الزَّوجة في الوثائق النار مع الحطب فأكلت كل شيء، ثم قاموا ففتَّشوا ما بقي من المنزل وسرقوا متاعًا ومصوغًا، وما كادوا يخرجونحتى هجم فوج آخر فأخبروهم أنْ قد كفوهم المؤونة، وكان عدد الجند المسرح على البلدة ألفا وخمسمائة بتصريح رئيسهم. (1/51)
صفحة 51
40 ــ كانوا قد قبضوا بين القرارة وبرَّيان على سعيد عبادو، والمساعد رابح الأبيض بعد خروجهم من القرارة قبل استشهاد أحمد طالب في مليكة بنحو يومين، فأتوا بالمساعد رابح الأبيض ووضعوه فيخيمة وأمروا جميع الرجال بالمرور أمامه فمن أشار إليه اعتقلوه، وهكذا اعتقلوا رجالا من خيرة الرجال العاملين وزجوا بهم في السجن، فأفرِج عنهم بعد شهور، ثم اجتمع رجالنا المسجونون برابح الأبيض في السجن فاعتذر لهم -وكانوا عملوا معه- بأنَّ العذاب الذي لقيه اضطره إلى أنْ يذكر بعض الأسماء، لكنه قد أحسن صنعا بتركه آخرين وبحمايته للمدرسة والشَّيخ، فعفوا عنه وعذروه.
41 ــ أما أنا فقد وقع نزاع شديد -كما حدَّثني به ضابط صديق- بين العسكريِّين والمدنيِّين على اعتقالي وتدخل العامل والقائد العام في الجزائر في الأمر، وأخيرا تدخلت عناية الله فحفظتني ولله الحمد والمنّة.
42 ــ ألحَّ عليَّ جماعة من إخواني سنة 57 بالهرب إلى تونس، وهيأواكل الوسائل لذلك فامتنعت، وقلت: إنَّ في الخارج مَنْ يعمل للجزائر ويجب أنْ يبقى في الداخل مَنْ يعمل كذلك، وأنا أرى أني قائم بأعمال مفيدة جدا للجزائر في حقل الثورة وحقل العلم، ولا مسوغ لي للهرب مطلقا، ثم إنِّي أعتقد أنَّني إذا خرجت من الجزائر فلن تُبقِي - والله- فرنسا (1/52)
صفحة 52
على مدرسة من مدارسنا في ميزاب وفي التل ولا على المعهد، فقدِّروا هذه الخسارة الكبرى، وفي مقابلة هذا إنكم تعلمون بمناورتي للفرنسيِّين وبتوفيق الله أحمي هذه المؤسسة التي تُخرِّج في كل سنة فوجا من رجال جزائر الغد، وهكذا أقنعتهم بوجوب البقاء في حماية الله.
ولما تأسست الحكومة الأولى للجمهوريَّة الجزائريَّة بتونس، وشرعت فرنسا في التقاط النخبة المثقَّفة من الجزائريِّين والقضاء عليهم، قلق الإخوان وجاءوني كأوَّل مرة، ثم جاء اتصالنا من تونس يحمل توصيات من بعض رجال الحكومة الجزائريَّة ومن بعض الأصدقاء ومن أبنائنا الطلبة وخاصة منهم العاملين في دوائر الحكومة، مفادها وجوب مغادرة الشَّيخ بيُّوض للقطر الجزائري في أقرب وقت ممكن، فإنَّ الخوف عليه شديد، واسمه يلاك في الألسنة كثيرا.
ألحَّ الإخوان عليَّ كثيرا في تنفيذ الأمر وقالوا كل شيء مهيأ فلا تهتم بشيء فأجبتهم: اعلموا أمَّا إنْ كانت حكومتنا تحتاجني لعمل ما لسدِّ فراغ مثلا لا يسده غيري فهذا واجب عليَّ وسأُلبِّي النداء وأزمُّ حقائبي من الآن، وأمَّا إنْ كان لمجرَّد الخوف عليَّ فأخرج فارًّا لأمكث في تونس أو في المغرب مع عشرات آلاف اللاجئين الذين هم كلٌّ على الحكومة فإنِّي لا أرتضي لنفسي هذه المنزلة، فمكثي هنا وعملي هنا ومشاركتي (1/53)
صفحة 53
إخواني الجزائريِّين سراهم وضراهم خير ليفي الدنيا والأخرى، وأنا غير راض عن كثيرين ممن فروا وهم الآن يتسكعون في شوارع تونس أو الرباط أو يتاجرون، وفي رأيي لو بقوا معنا هنا لكان خيرا لنا ولهم، ثم إنَّ تركي لهذه المؤسسات التي هي ممَّا تعتز به الجزائر وتفخر به وتنتفع به يعرِّضها إلى خطر محقق، ولي بالله ثقة أنْ يحميَني ويحفظني برعايته وعنايته، ثم توجَّهت إلى (اتصال) تونس فطلبت منه الجواب، فقال: إنَّ الذين حرصوا على ذهابك إلى تونس إنَّما قصدهم حمايتك وإنقاذك من الخطر المحدق والبقاء عليك، فشكرْت لهم اهتمامهم بي وخوفهم عليَّ، ثم قلت: اتركوني في حماية الله، وهكذا بقيت إلى اليوم سالما، وربحت من مكثي بالجزائر ربحًا وفيرًا لا هو درهم ولا دينار، وإنَّما هو العدد العديد من الشباب المثقَّف بالعربيَّة المتربِّي بالإسلام وكفى بهذا ربحًا.
43 ــ كانت هذه الصحراء الواسعة بين (بوكحيل) و (مسعد) من الجوف، و (تقرت) و (الزّاب) من القبلة، و (أولاد جلال) من الشَّرق، و (ميزاب) من الغرب، كانت مسرحا للجنود المتنقِّلين بين هذه الجهات والمتمركزين في بعض نقط منها، وكانت خالية لا حرس فيها، ولا نقط ماء إلَّا قليلا جدا، وكانت القرارة مسقط رأسي ومسكني أقرب المراكز الهامَّة إلى ممرَّات الجند، فصارت القرارة لعدِّة سنوات في الثورة مركز تموين بالغذاء والماء والمتاع واللِّباس، بواسطة قبائل البدو الضَّاربة حول القرارة من (1/54)
صفحة 54
(أولاد نايل) وغيرهم، تنقَل على الإبل وعلى (الكاميونات)، وكان تلامذتي وأصهاري المعروفون بأولاد الإمام؛ عبد الحميد أوجانة عبد العزيز، وإخوته سليمان، بكير، محمَّد، أصحاب أفران لخدمة الجبس والجير، ولهم (كاميونات) لنقل الحجارة والحصبة والحطب من البادية للخدمات البلديَّة، فسخَّروها كلها لنقل المؤن والماء إلى الصحراء لمنازل البدو البعيدة، وسقي الأغنام التي لا مورد لها إلَّا ما ينقل إليها من القرارة على أحواض الماء (سيتيرن)، أو يأتي على ظهر (كاميون)، والحقيقة أنَّ أكثر ذلك يقصد به تموين الجند. وكانوا ينقلون الجند كذلك عند دخولهم وخروجهم إلى البلد، وينزلونهم بمنازلهم بأمري وتحريضي. شعرت الإدارة الفرنسيَّة العسكريَّة بهذا فضيَّقت الحصار على التجَّار، واشترطت عليهم شروطًا ثقيلةً في بيع مواد الغذاء للعرب، وشدَّدت الأمر على أصحاب (الكاميونات) في النَّقل. اشترطت على كل عربي يريد شيئا من تمر أو بر أو شعير أو قهوة أو سكر أو شاي أو غير ذلك، أنْ يأتي ببطاقة رسميَّة من حاكم دائرته بأسماء أفراد عائلته وعددهم وغير ذلك، فاشتدَّ الأمر علينا أياما، لكن الله تبارك وتعالى لطف بنا، فاتَّخذْت علاقة مع رئيس الدَّرك وسخَّره الله لي -وكان المكلف بتطبيق هذه التَّدابير- فكلمته في الأمر بما يناسب ويؤثِّر عليه فأرخى العنان للتجَّار، وقال لي: كل مَنْ جاء على يدك من العرب أعطيه ما طلب بدون قيد ولا شرط، فكان العرب يأتوني أفواجًا فأذْهَب إليه بنفسي بأوراق (1/55)
صفحة 55
مطالبهم فيمضيها غير سائل عن المقدار، ولا عن عدد أفراد العائلة، ولا غير ذلك إلى يوم الاستقلال، وأمر هذا مشهور معلوم عند الخاص والعام، وقد قال لي مرة الضابط الترجمان (اقروسي) المكلف بالشُّؤون السياسيِّة وهو يبحثني: إنَّنا نعلم أنَّ بين القرارة وبين (بوكحيل) طريقًا معبَّدًا (روت كود روني) للتَّموين، فقلت له لا علم لي بما تقول، وأنَّ لديك جندًا يتجولون في الصحراء فليقبضوا على المهرِّبين، أمَّا أنا فعلمي أنَّ ما يدخل القرارة من مؤن لا يكاد يكفي أهلها، فسكت وأمَّن رئيس الدرك على كلامي.
44 ــ قبض رجال الدَّرك على معلِّم شابٍّ من عرش (أولاد نايل) يعلِّم صبيانهم القرآن في محضرة في مضاربهم التي تبعد عن البلدة بنحو 2 كيلومتر، ومعه معلِّم فقيه شيخ كبير يسمَّى (الدَّاودي) ولا يزال معلِّما إلى اليوم، أمَّا الشّاب فاسمه (سعيد) وكاتب خلية للجبهة فوشى به بعض حسَّاده، فما شعرت إلَّا وقد قرَّرت الإدارة نفيه وزميله إلى الجلفة لأنَّ أوراقهم منها، فجاءني أعيان أولاد نايل يبكون ضياع أولادهم، فسَعيْت لهم وأُفرِج عن السَّجين، وأُذِن له في الإقامة والتَّعليم تحت كفالتي والحمد لله.
45 ــ في سبتمبر 1960م وكرد فعل لموقفنا من قضيَّة فصل الصحراء أشعل المستعمرون وأذنابهم من الانفصاليِّين فتنة عمياء بين بني (1/56)
صفحة 56
ميزاب والعرب بتحريض بعض أوباش العرب في (ورقلة) على السّطو على دكاكين الميزابيِّين وممتلكاتهم وبساتينهم، فأثاروا غوغاء العامَّة ممَّن لا خلاق لهم، فقتلوا وجرحوا وسلبوا ونهبوا وأشعلوا النار، وأفسدوا غلل النَّخيل، وكانت فتنة عمياء لم يشهد لها مثيل منذ قرون، وبدا دخَّانهم يظهر في غير (ورقلة)، فكان الفرنسيُّون يقولون -وقد رفع إليهم أنَّهم أصحاب السلطان - انظروا هذا ما سيفعله بكم العرب بعد الاستقلال إذا تخلَّينا عنكم، إنَّهم سيبدؤون بنا، ويثنُّون باليهود، ويثلِّثون بكم، أنتم لا تفهمون ولا تفيقون من سباتكم، وتصرون على البقاء معهم، إلخ ...
هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ظنَّ الفرنسيُّون أنَّ هذه أنجع وسيلة لحمل الميزابيِّين على قبول فكرة فصل الصحراء، لكنِّي وحدي بفضل الله أَفسدْت عليهم خطتهم. فكان من لطف الله أنْكان أول قتيل من ضحايا الفتنة شاب من القرارة كان معه أهله في ورقلة لمعالجتها في المستشفى، وتلك أوَّل زيارة له في عمره لورقلة، فأُوتي بجثَّته إلى القرارة ليُدفَن فيها، فانتهزت هذه الفرصة فدعوت السكان كلهم رجالًا ونساءً، عربًا وبني ميزاب لشهود الجنازة، وأغلقَت جميع الدكاكين أبوابها، ونُصبَت في مصلَّى الجنائز مكبرات الصوت، وأعدَّت أكثر من عشر مسجِّلات، وحضر عدة آلاف، وأَلقيْت أوَّل درس على الجنازة دام (1/57)
صفحة 57
أكثر من ساعة، ثم بثانٍ في اليوم الثَّاني، ثم بثالث، وكان الجمع يزداد كثرة كل يوم.
ولا أستطيع في هذه العجالة أنْ أُلخّص ثلاثة دروس (1) استغرقت عدَّة ساعات، وكل تلخيص لها يفقدها روعتها إذ هي من أروع ما فتح الله عليَّ من وعظ وإرشاد، بيْد أنّي أشير إلى أنَّي نزلت فيها بصواعق محرقة على هؤلاء المجرمين الذين هم-كما صرَّحْت به- أعداء للجزائر، وأعداء لاستقلال الجزائر، وأنَّهم بعملهم هذا يُعطُون حجَّة للذين يقولون إنَّ الجزائر منحطَّة متأخرة، وأهلها همج ولم يصلوا بعد إلى درجة استحقاق الاستقلال، وإنَّهم إذا استقلوا أكل بعضهم بعضا وما في معنى هذا، ثم أطنبت في أخوَّة المؤمنين وفسَّرت جميع ما جاء في ذلك من سورة الحجرات، مستشهدا بالأحاديث النبويَّة، وأقوال السَّلف الصَّالح في ذلك.
وقد ماتت الفتنة في مهدها، وخمدت نارها بفضل هذه الدُّروس التي انتشرت في أيام قليلة في جميع جهات القطر، فأرسلت الأشرطة إلى كل جهة، وأُذيعَت الدروس في كل قرية من قرى ميزاب، ونقلها الناس في أشرطة أخرى، ينقلها البعض عن البعض، وبلغت إلى تقرت،
__________
(1) - هذه الدروس لا تزال في مكتبة معهد الحياة لمن شاء سماعها. (1/58)
صفحة 58
وبسكرة، وباتنة، وبريكة، والأوراس، وسُمعَت الدروس في وسط سجن بسكرة، ثم نُشرَت في الجهات الغربية، كذلك في كامل عمالة الجزائر، وعمالة وهران، وكانت تبلغني أصداء الشكر عليها من كل مكان، وهكذا بفضلها سقِط في أيدي الذين دبَّروا المؤامرة، فانمحت ضغائن القلوب، وتوثَّقت عرى الصَّداقة بأشد ممَّا كانت عليه، فاشتدَّ حنق الانفصاليِّين عليَّ، وبدت آثار ذلك عليهم، لكن الله تبارك وتعالى تولَّاني بحفظه ورعايته، فله الحمد والمنَّة والشكر على كل حال.
انتهى ما كتبه الشَّيخ بيُّوض بخط يده تحت عنوان:
"أعمالي في الثورة" (1/59)
صفحة 59
مناورات في الصحراء (1)
كان يوم 5 جويلية 1961م من الأيام الحاسمة في تاريخ الكفاح ضد الاستعمار، ففي ذلك اليوم برهن الشعب الجزائري على أنَّه يقف وقفةً واحدةً من الشمال إلى الجنوب ضد محاولات التقسيم والتجزئة والبتر التي كان الاستعمار الفرنسي يحاول إقرارها في الأذهان تمهيدًا لتطبيقها في الواقع.
نذكر بهذه الحقيقة في هذا الوقت بالذات لأنَّ ما يجري الآن في الجزائر يُعد امتدادا لما كان يجري في الصيف الماضي.
في الصيف الماضي كانت الحكومة الفرنسيَّة، وأوساطها الرسمية والشبيهة بالرسمية، هي التي تتبنَّى تعمد تقسيم الجزائر في الشمال، وبتر صحرائها في الجنوب، وبذلت في ذلك السبيل جهودا كبيرة ومناورات لا تحصى.
والآن تعود المنظَّمة السريَّة -التي هي الوجه الآخر للاستعمار، الوجه غير المقنع- إلى تنظيم عمليَّات وحشية بلغت أقصى حدود الفظاعة من أجل إقرار التقسيم في العاصمة، وفي وهران، تمهيدًا لإقراره في
__________
(1) - المجاهد، العدد: 113،22/ 01 / 1962م. (1/60)
صفحة 60
الشمال والجنوب. ورغم اختلاف أساليب باريس والمنظَّمة السريَّة في السير نحو الهدف، ورغم اختلاف الحسابات الخاصة بينها، فإنَّ الهدف واحد وحساباتهم كلها تلتقي عند نقطة واحدة بالنسبة إلينا وهي محاولة حرماننا من أجزاء هامة من ترابنا الوطني.
وهذا الامتداد لفكرة التَّقسيم من مشاريع باريس الرَّسمية في الصيف الماضي، إلى عمليَّات المنظمة السريَّة الآن تؤكده محاولات أخرى جرت في الخفاء تشعر بأنَّ الأجهزة الرَّسمية للاستعمار الفرنسي ما تزال تواصل مناوراتها حول الصحراء.
ومن بين الأعوان الذين يُسخِّرهم الاستعمار لخدمة أغراضه بهذه المناورات يُوجَد المسمَّى حمزة بوبكر المعروف باتصالاته بالأوساط المالية الاستعماريَّة.
وفي الأيام الماضية فقط أجرى حمزة بوبكر محادثة طويلة مع رئيس الحكومة الفرنسيَّة ديبري حول الصحراء.
والواقع أنَّ نشاط حمزة بوبكر في خدمة هذه القضيَّة من قضايا الاستعمار بالذات يرجع إلى سنة 1959م عندما وضعت بعض الأوساط الفرنسيَّة مشروعا لبتر الجنوب تحت عنوان -الجمهوريَّة الصَّحراويَّة المستقلَّة- وهو مشروع أقِيم على نفس الأساس الذي أقام (1/61)
صفحة 61
عليه الاستعمار البلجيكي مشروعه الذي أدى إلى انفصال كاطنغا، وكلف حمزة بوبكر بالحصول على تأييد الشَّخصيَّات المحليَّة للمشروع.
واجتمع حمزة بوبكر فعلا بالشَّخصيَّات الصَّحراويَّة مرة أولى في بلدة الأغواط، ثم اجتمع مرة ثانية أثناء مأدبة في سانت أوجين من ضواحي العاصمة، لكنّ الشَّخصيَّات الصَّحراويَّة رغم كل ما بذله حمزة بوبكر لها من وعود، ورغم كل ما لوح به من تهديدات، رفضت المشروع، وعارضت بقوة كل محاولة لتجزئة الوطن.
فما كان من حمزة بوبكر إلَّا أنْ ألقى القبض على أحد تلك الشَّخصيَّات-واحد من رؤساء الزَّاوية التجانيَّة - وطلب من الحكومة الفرنسيّة أنْ تعينه بصفة مباشرة على ترسيم فكرة فصل الصحراء.
واستجابت الحكومة الفرنسيَّة لدعوته، وتحرَّك ديبري بنفسه، وزار الصحراء، وجاءت في أعقابه بعثة حكوميَّة أخرى ترأَّسها غيشار ممثل الجنرال دي غول.
لكن لا ديبري، ولا غيشار نجح في مهمَّته، لقد كان الفشل نصيبهما جميعا.
ولئن بدأت بعض الأوساط الماليَّة الفرنسيَّة تيأس من نجاح المشروع فإنَّ حمزة بوبكر وبعض أسياده الاستعماريِّين لم ييأسوا. (1/62)
صفحة 62
وعاد بوبكرمرة أخرى إلى تنظيم اجتماع جديد بـ 54 شخصيَّة من شخصيَّات الصحراء في أفريل 1961م مع فارق واحد هذه المرة، هو أنَّ حمزة بوبكر اضطرَّ لجمع هذه الشَّخصيَّات أنْ يستعين بالبوليس الفرنسي كي يجبرها على الحضور: فقد كان يعلم أنَّها لن تعود إلى تلبية ندائه بعد ما عرفت نواياه، وتمَّ الاجتماع في بيت والي الواحات بورقلة، وانتهى إلى فشل مثل سابقه.
والملاحظ أنَّ هذا الاجتماع الأخير تمَّ في الوقت الذي كانت تتواصل فيه الاستعدادات لمفاوضات إيفيان.
بعد هذا الفشل فكَّر الاستعمار في استعمال وسيلة أخرى، وسيلة نعثر فيها على واحدة من نقط اللقاء بين الحكومة الفرنسيَّة والمنظَّمة السريَّة حول هذه القضيَّة بالذات؛ قضيَّة الصحراء.
وهي وسيلة ذات وجهين أو مرحلتين، وجهها الأول، أو مرحلتها الأولى: تتمثَّل في استعمال الضغط المالي على كل التجَّار الصَّحراويِّين المستقرِّين في الشمال، وتولَّى الإشراف على العمليَّة مدير بنك الجزائر -وهو صديق شخصي للجنرال شال وأحد الشخصيات التي موَّلت تمرُّد 22 أفريل، مثلما موَّلت بعد ذلك المنظَّمة السريَّة- وتتمثلالعملية في تهديد التجَّار بالإفلاس، ثم إعلان إفلاسهم. ومن بين أعوان مدير بنك الجزائر في هذه (1/63)
صفحة 63
العمليَّة يوجد المسمَّى طوبيانا من البنك الشعبي، والمحامي غازون (1)، وصدرت الأوامر إلى المحاكم أنْ تحكم بإفلاس التجَّار الصَّحراويِّين المستقرِّين في الشمال، وعلى الأخص أبناء وادي ميزاب، وفي الوقت كانت البنوك ترفض تغطية مصاريفهم، وإعطائهم التسهيلات العاديَّة، وتطالبهم بتسديد الدُّيون في الحال.
والوجه الثَّاني للعمليَّة، أو مرحلتها الثَّانية: يتمثَّل في تحطيم متاجر التجَّار المذكورين بقنابل البلاستيك، وفعلا فقد حطَّم البلاستيك أكثر من تسعين متجرًا من متاجر الصَّحراويِّين في العاصمة.
هذا ما وقع في العاصمة.
أمَّا في الجنوب فقد عمدت الإدارة الاستعماريَّة إلى القمع المباشر: أكثر من 1500عامل من العمَّال البتروليِّين في جهة ورقلة نُقِلوا إلى المحتشدات الموجودة في الشمال.
وفي يوم 5 سبتمبر عمدت السُّلطات الفرنسيَّة إلى أسلوب من أساليبها المفضوحة، وجَّهت جمعا من جنود الحركة إلى مسجد ورقلة،
__________
(1) - كان نصيب التجار الميزابيِّين من هذه الجرائم فظيعا، إذ أحرقت منظمة O.A.S حوالي مائة دكان، واغتيل شباب بريء في وضح النهار انتقاما من موقف الميزابيِّين الذين رفضوا فصل الصحراء عن الشمال. (1/64)
صفحة 64
فداسوا حرمته، ومزَّقوا المصاحف القرآنية، والكتب الموجودة في مكتبته، وأشاعوا بأنَّ العمليَّة ارتكبها جمع من أبناء وادي ميزاب، لكن الجزائريِّين تفطَّنوا للمناورة، وعرفوا الحقيقة (1).
ثم عمد رئيس بلدة ورقلة إلى سجن كل الشخصيات الصحراوية وانتزع منها أملاكها.
لكن القمع المباشر فشل بدوره.
ورغم ذلك فلم ييأس حمزة بوبكر؛ لأنَّ الاستعمار لا يريد أنْ ييأس.
في 4 ديسمبر الماضي قام حمزة بوبكر بزيارة إلى النيجر.
وقبل أنْ نحدِّثك عن موضوع الزيارة - الذي لا شك أنَّك عرفته-يجب أنْ تعرف من كان في صحبته. لقد كان مصحوبا بالوزير السَّابق ماكس لوجون، ووالي البوليس السابق بايلو، والمحامي بياجي.
__________
(1) - قتل ضحية هذا الحدث شخص من القرارة هو سليمان بوعصبانه بكير بن أحمد، كان في زيارة إلى ورقلة للمعالجة. وعن قتله ألقى الشيخ بيُّوض درسه المشهور الذي ما زال مسجلا إلى اليوم يفضح فيه المؤامرة، ويدعو إلى وحدة الصف. أنظر أعمالي في الثورة لتفاصيل أكثر. (1/65)
صفحة 65
وفي هذه الصَّفحة تكشف أيضا عن نقطة أخرى من نقط اللقاء بين المنظَّمة السريَّة والحكومة الفرنسيَّة.
فماكس لوجون كان له ضلع في تدعيم صفوف المتطرفين بالجزائر عندما كان وزيرا للصَّحراء، خصوصا بعد أنْ تزوَّج ابنة أحد كبار المعمِّرين.
وبايلو معروف باتِّصالاته مع الأوساط الفاشية، والحالمين بالانتقام لهتلر والنَّازيَّة.
وبياجي يعدُّ من مهرِّجي المنظَّمة السريَّة، وأحد الذين عملوا على بعث الفاشيَّة منذ 1956م.
ذهب حمزة بوبكر إلى النِّيجر في صحبة هؤلاء، وحاول أنْ يتحدَّث بوصفه "ممثلا" لسكَّان الصحراء مع رئيس النِّيجر، السيد حماني ديوري، وحاول أنْ يستميله لتأييد المشروع القديم "الجمهوريَّة الصَّحراويَّة المستقلَّة"، لكن الرئيس حماني ديوري واجهه برفض صارم، وقال فيما قال له "لن أعين أبدا على خلق كاطنغا صحراويَّة".
وعاد حمزة بوبكر يحمل إلى الحكومة الفرنسيَّة أنباء خيبة المسعى الجديد، بينما تكفَّل بياجي، وبايلو بإبلاغ أوساط المنظَّمة السريَّة في الجزائر، وباريس تفاصيل فشل المسعى. (1/66)
صفحة 66
إنَّ موقف النِّيجر هذا يؤكِّد أنَّ الدول الإفريقيَّة التي استقلَّت في كنف "المجموعة"، وفي ظروف تهدف إلى استخدامها ضدَّ الجزائر من طرف الاستعمار الفرنسي. موقف النِّيجر يؤكِّد أنَّ هذه الدول أدركت مصلحتها الحقيقيَّة، وأصبحت تعرف - تحت ضغط التيار الشعبي-أنَّالاستعمار إنَّما يريد أنْ يجعلها أداة لفصل الصحراء عن الجزائرحتى يتمكن من احتكار ثرواتها، والتصدق بالفتات على الدول التي تكوَّنت، إلا أنَّ الدول الإفريقية الناشئة رفضت من أجل التَّضامن الإفريقي، فأعلنت تأييدها لمطالب الثورة، وجزائريَّة الصحراء تأييدا كاملا، وهي الآن بصدد مقاومة "المنظَّمة المشتركة للمناطق الصَّحراويَّة" والدَّعوة إلى الخروج منها، حتى لا تتمكَّن من الاستمرار في خدمة الاستعمار باسم الأفارقة.
إنَّ موقف النِّيجر، وفشل محاولات حمزة بوبكر، تسجل هزيمة الاستعمار في معركة ربع الساعة الأخيرة التي أجراها بالصحراء، في نفس الوقت الذي كان يجري فيه الاتصالات مع حكومة الثورة. (1/67)
صفحة 67
من مذكرات المناضل الوطني بوعروة بابا بن إبراهيم
كان هذا الوطني المخلص من أعزِّ أصدقاء الشَّيخ بيُّوض، ومن أقرب خلصائه إليه، شهد عن قرب الكثير من تطورات الحركة الإصلاحيَّة، والأحداث السياسيَّة بمنطقة وادي ميزاب، وهو إلى جانب هذا يملك ثقافة مزدوجة عالية تسمح له بالاطِّلاع على ما يجري هنا وهناك من بقاع العالم مواكبا ومحلِّلا. لذا فإنَّنا رأينا الاستشهاد بجزء من مذكراته ولا سيما ما تعلق منها بقضيّة (فصل الصحراء عن الشمال)، وإنَّنا نعد القارئ الكريم بنشر هذه المذكرات كاملة إن شاء الله.
محمد ناصر
كان ما يُسمَّى بتراب الجنوب منطقة منعزلة عن شمال الجزائر، يُدير دفة الحكم فيها حكام عسكريون بلا شفقة ولا رحمة لكونها متخلِّفة مادِّيا وأدبيًّا وصحيًّا، وسكانها في سبات عميق، فقيَّض الله لها رجالا أخلصوا دينهم لله رغم تلك الظروف الصعبة، أمثال الإمام القطب الشَّيخ الحاج امحمَّد بن يوسف اطفيَّش رحمه الله رحمة واسعة، الذي ترك ثروة علميَّة تكاد تكون فريدة في العالم الإسلامي في ذلك الحين، وأخرج للإسلام والمسلمين نخبة من العلماء العاملين المخلصين رغم معاكسات ومشاكسات الاستعمار وأذنابه من الجاهلين، وكان من (1/68)
صفحة 68
جملتهم المرحوم الشَّيخ الحاج عمر بن يحيى الذي تتلمذ عليه، وعلى الشَّيخ أبي بكر بن الحاج مسعود بابا حمد شيخ وإمام مسجد غرداية، الذي انتقل إلى رحمة الله يوم 27 جويلية 1907م.
والشَّيخ الحاج عمر بن يحيى هو أستاذ ومربي الشَّيخ الإمام الحاج إبراهيم بن عمر بيُّوض تغمده الله برحمته الواسعة، فأخذ من يده مشعل العلم عن جدارة واستحقاق، وحارب البدع والخرافات، وأخرج للأمَّة الجزائريَّة رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدَّلوا تبديلا، وقام بمقاومة الاستعمار الفرنسي الغاشم ولا سيَّما العسكري المتجبِّر بكياسة ودهاء وسياسة.
وبعد أنْ أتمَّ إعداد رجال المستقبل دينيًّا وخلقيًّا، تصدَّى لخوض غمار محاربة الاستعمار في ميدان السياسة، فاستدعته لجنة الإصلاحات الإسلاميَّة بالجزائر والتي شكَّلها إذ ذلك الجنرال دي غول، وقدَّم لها تقريره المشهور المؤرخ يوم الثالث جانفي سنة 1944م، وفيه شكر تلك اللجنة على الأخذ بعين الاعتبار شكاية الأمة الجزائريَّة المسلمة لمنحها الحقوق الثَّابتة لها، ولخَّص مطلبه في جملة واحدة وهي: تكون الواجبات مساوية للحقوق، وعبَّر بقوله: الأمة الجزائريَّة مسلمة. (1/69)
صفحة 69
وبعد ذلك طلب من الوزير المفوَّض الوالي العام على القطر الجزائري شرح المطالب والإصلاحات التي تصبو إليها الأمة الميزابيَّة "وهذا هو تعبير الوالي العامّ"، فقدَّم له تقريره المؤرخ يوم 24 أفريل سنة 1946م، وتتلخَّص تلك المطالب فيما يلي:
أوّلًا من الوجهة الإداريَّة: تكون كل قرية من القرى السبع بلديَّة تامَّة تتمتَّع بجميع حقوق البلديات التامة.
ثانيًا الوجهة القضائيَّة: إعادة مجلس الاستئناف الميزابي المسمى بمجلس عمي سعيد، وتخول للقضاة حق التوثيق في جميع الرسوم، وإصدار الأحكام في الأحوال الشخصيَّة، وفي جميع المسائل الماليَّة والمعاملات، والمواثيق وغيرها، من غير حدٍّ ولا قيدٍ ولا شرطٍ.
ثالثًا من الوجهة الإداريَّة الفرنسيَّة: فإنَّنا نطلب إلغاء الحكم العسكري.
رابعًا من الوجهة الاقتصاديَّة: يجب أنْ تقوم سياستها على اعتبار البلاد ملكا خاصًّا لأهلها، لهم وحدهم حق التصرف فيها، والحريَّة التامة أفرادا وجماعات، ولهم حق التمتع بجميع حقوقها، فإذا أنشئت عيون مثلا يجب أنْ تكون من مال الأمة وملكًا للأمَّة أفرادا وشركات وبلديات، لا يتحكم فيها أجنبي مطلقا، ولا تعطى أي شيء من أي أراضي ميزاب (1/70)
صفحة 70
لفرد أو جماعة أو شركة كائنة ما كانت إلَّا بموافقة المجلس العام، ومجلس بلديَّة تلك الجهة، مع الاحتفاظ بجميع الحقوق.
وأخيرًا يقول التقريرالذي قدمته جميع الهيئات، وجل الجماعات المحليَّة بغرداية والقرى السبع بوادي ميزاب إلى لجنة الإصلاحات البرلمانيَّة في مارس 1951م ما يلي:
لقد تتبَّعنا بكامل العناية تطوُّر قضيَّتنا في جميع أطوارها منذ (30) ثلاثين سنة، وقد كنَّا نراقب بفارغ صبر تحقيق أمانينا؛ وهي ضمُّ ميزاب للشَّمال ولا سيما بعد الحوادث التالية:
أوّلًا: صدور القانون الأساسي للجزائر يوم 20/ 09 / 1947م الذي ينص في مادته الخمسين بإزالة الحكم العسكري عن أراضي الجنوب وضمها للشمال، وذلك بفضل نائبنا المحترم الشَّيخ بيُّوض وموافقة المجلس الجزائري، وكذلك بتوسطه لدى الدَّوائر العليا الحكوميَّة بالجزائر حتى حقق رغبتها، وذلك في دورتي 1948، 1951م، وقد قام بما يجب في ذلك الحين أحسن قيام.
ولتوضيح ذلك العمل من قبل الشَّيخ بيُّوض رحمه الله ورضي عنه (1) نقول إنَّه عندما قدَّم تقريره الأوَّل إلى لجنة الإصلاحات
__________
(1) - ينظر كتابنا: الشيخ بيُّوض مصلحًا وزعيمًا، الطبعة الثالثة، ففيه وثائق عن هذا الموقف. (1/71)
صفحة 71
الإسلاميَّة تكلم بصفته الدينيَّة وعبَّر فيها بقوله شكاية الأمة الجزائريَّة المسلمة. وفي تقريره الثَّاني قدَّمه إلى الوزير المفوَّض الوالي العام باسم سكَّان ميزاب خاصَّة، وباسم سكَّان تراب الجنوب العسكري. وأخيرا يتَّضح من التقرير بأنَّالشَّيخ بيُّوض رحمه الله قد تحقَّقت أمنيته، ونال مسعاه في إزالة الحكم العسكري عن كامل تراب الجنوب، حيث قدَّم مطلبه في الشأن يوم 24 أفريل سنة 1946م، وصدر قرار إزالة الحكم العسكري يوم 20 سبتمبر 1947م، أي بعد مضي ستة عشر شهرًا من طلبه.
أما عن التَّقسيم الجديد للصَّحراء فهو كما يلي:
ــ القسم الغربي منها يكون تابعا لعمالة وهران، والقسم الشَّرقي تابعا لعمالة قسنطينة، والقسم الأوسط تابعا لعمالة الجزائر، وبذلك وقع ارتباط منطقة ميزاب بالجزائر رأسًا حسبما رغب فيه الشَّيخ بيُّوض رحمه الله.
وقبل الانتقال إلى زيارة سوستال لغرداية يجب علينا دراسة تسلسل الأحداث السابقة، حيث تقلَّد الجنرال دي غول منصب رئاسة الجمهوريَّة بفرنسا يوم 21 ديسمبر 1958، وعين أثناء ذلك ميشال دوبري في منصب الوزير الأوَّل، وعندها توجَّه إلى الجزائر لمدة خمسة أيام من (1/72)
صفحة 72
الثامن إلى الثاني عشر فيفري 1959م لدراسة أوضاع الحالة في الجزائر في عين المكان، وعند رجوعه تكلم أمام المجلس الوطني بفرنسا حول القضيَّة الجزائريَّة حيث صرَّح قائلا: "إنَّ من الضَّروريِّ المساواة الحقيقيَّة لحقوق الجزائريِّين".
وفي اليوم الثاني عشر من شهر جوان من تلك السَّنة قام جاك سوستال بزيارة ميزاب لمدَّة أربعة أيام لدراسة أوضاع الصحراء، فاستقبله سكَّان وأعضاء الهيئات الممثلة للنَّاحية في الملعب البلدي وذلك عشيَّة يوم الجمعة، وفي عشيَّة يوم السَّبت اجتمع في سوق غرداية بالممثلين والسكَّان، وبعد التَّرحيب بمقدمه من طرف رئيس بلديَّة غرداية وأجابه على مخاطبة الوزير المفوَّض المذكور في يوم الأحد 14 جوان، طلب مقابلة الشَّيخ بيُّوض في مكتب الوالي إذ ذلك الميسيو بيشوف Béchof، وعند اجتماعهما صرَّح له قائلا: قبل قدومي لزيارة ميزاب درست جميع التَّقارير المقدَّمة من طرفكم عن قضيَّة الصحراء، وعلى ضوئها من تنفيذ إلغاء الحكم العسكري على ترابها، وعوَّضناه بالحكم المدني، وجعلنا من قراكم السَّبع بلديات تتمتع بجميع حقوق البلديات ابتداء من انتخابات يوم 08 مارس 1959م، وقسَّمنا الصحراء إلى عمالتين: عمالة الواحات، وعمالة السَّاورة، أمَّا عن الإصلاحات الأخرى فستأخذ مجراها. فأجابه الشَّيخ بيُّوض قائلا: " إنِّي أشكرك على هذه الزيارة لتطَّلع في عين المكان على حالة هذه (1/73)
صفحة 73
المنطقة، وأردف قائلا: عندما اقترحت إلحاق ميزاب بالجزائر رأسا، أَخذْت بعين الاعتبار كون الغالبيَّة العظمى من سكَّان ميزاب كانت وجهتهم نحو الشمال في جميع عمليَّاتهم التجاريَّة، ومعاملاتهم الأخرى، وحركاتهم الدينيَّة والماديَّة والأدبيَّة؛ كالمساجد، والمقابر، والمحاكم الشَّرعيَّة، وليس لها شيء من ذلك في الجنوب. فأجابه الوزير المفوَّض بقوله: سوف نرى nous vérrons، وبذلك تمَّت تلك المقابلة.
وبعد ذلك تناولنا وجبة غذاء في دار المرحوم صالح بابكر، ومعهما ناصر علي، وبوعروة بابا، فقصَّ علينا ما جرى بينه وبين الوزير المفوَّض، وقال أحمد الله على توفيقه في الجواب، وبعد ذلك أخذ نصيبه من الرَّاحة.
وفي الغد من ذلك قدم إلى مكتب الجمعيَّة؛ جمعيَّة الإصلاح الأستاذ المرحوم يحيى حوَّاش سائلا عن نتيجة المقابلة التي جرت بين الشَّيخ بيُّوض وسوستال لينقله إلى أصحابه، فأجبته قائلا: إنَّك تعرف طبيعة الطَّلبة فإنَّهم مولعون بالزرادي والمشاوي!!
وهذا الحديث يجرُّنا إلى قضيَّة فصل الصحراءالتي هي قضيَّة حياة أو موت لاستعمار فرنسا وهي تدرك ذلك غاية الإدراك، كما أنَّ السَّعي لإبقائها متَّصلة بأمِّ الوطن الجزائر هي مفتاح النَّصر لتحرير الوطن ولا ريب في ذلك. (1/74)
صفحة 74
فوقعت أثناء ذلك مناورات ومساومات ومؤامرات من طرف الحكومة الفرنسيَّة ولا سيما غلاة الاستعمار من أبنائها في الجزائر، فوقع إذكاء نارها على يد العسكريِّين ببطشهم وجبروتهم وكبريائهم، وبأطماع بعض ضعفاء العقول وأذناب الاستعمار، ومن أبناء هذا الوطن، وألاعيب سياسة دي غول الدَّاهية المخططة بدقَّة وصرامة، فطلب ذلك الجنرال المحنَّك دراسة ملفالصحراء رفقة صديقه الحميم ومستشاره المخلص الميسيو أوليفي قيشار Olivier Guichar الذي نجح في تنصيبه رئيسا لجمهوريَّة فرنسا، كما وجه وزيره الأول ميشال دوبري Michel Debré إلى الجزائر لدراسة أوضاعها عامَّة وأوضاع الصحراء خاصة، وبعد ذلك قام جاك سوستال بزيارة ميزاب لدراسة أوضاعها وعلاقتها بالصحراء، وأجرى المقابلة المذكورة مع الشَّيخ بيُّوض رحمه الله.
وفي يوم 22 جويلية سنة 1959م أجرى الجنرال دي غول تحريرًا في وزارته وعيَّن لوي جوكس Louis Jox كاتب دولة في مكتب الوزير الأوَّل، فاختص بدراسة القضيَّة الجزائريَّة خاصَّة وبفصل الصحراء عامَّة، فوقع تقديم ذلك الملف إلى مستشار دي غول أوليفي قيشار، وكلفه بحل معضلة الصحراء بعد الاتصال بجاك سوستال في الجزائر. (1/75)
صفحة 75
فرأى من الأنسب له أنْ يتَّصل في الصحراء مع مَنْ يستحق المفاوضة وهم أقلية، وكان من جملتهم الشَّيخ بيُّوض رحمه الله الذي لعب دورًا مهما في تلك القضيَّة منذ الأربعينات. فقدِم إلى غرداية وتمَّت مقابلته مع الشَّيخ، وهذا ما حكاه لنا بعد رجوعه من تلك المقابلة التَّاريخيَّة رحمه الله. وقع الاجتماع بمكتب رئيس الدائرة الميسيو كلانكلاش برفقة رئيس بلديَّة غرداية المرحوم ناصري علي، فتوجَّهوا جميعا إلى محطَّة الهاتف هيرزيان المنصوبة فوق جبل بوزقزة، فقال الميسيو قيشار مخاطبا الشَّيخ بيُّوض: "إنِّي مبعوث إليك من طرف رئيس الجمهوريَّة الجنرال دي غول للمفاوضة معك في شأن مستقبل الصحراء واستقلالها، فهي تملك الموارد الضَّخمة من الغاز والبترول، وهي متاخمة لموريطانيا الجمهوريَّة الإسلاميَّة المستقلَّة، وبذلك تكون جارة وصديقة لها ونحن في عونكم جميعا، وأخبرُك بأنَّ الجنرال دي غول خط هاتفه مفتوح في الإليزي ينتظر الجواب، وبعد صمت رهيب دام بضعة دقائق، نظر الشَّيخ بيُّوض إلى الميسيو قيشار وخاطبه قائلا: هل من حقِّي تقرير مصير شعب كامل؟ فأجابه: نعم فقال له هذا حق من حقوق الشعب، ولذلك فمن الحكمة يجب استفتاء شعبي في الشّأن! وبذلك تمَّ ذلك اللقاء بيننا. وهذا هو تعليقه حول هذا اللقاء، وأَشهَد أنِّي قد قمت بواجبي أمام الله، وأرضيت ضميري، وأحمد الله وأشكره على توفيقه، وأردف قائلا: "لتعلموا بأنَّه يستقبلنا ويستقبل (1/76)
صفحة 76
شعبنا أزمات وأزمات، فلنتحمَّلها بصبر وشجاعة، ومن بعد ذلك إنْ شاء الله يأتي النّصر والفرج". وبعد أيام من ذلك اللقاء توصَّل الشَّيخ بيُّوض باستدعاء من طرف المجلس العمالي بورقلة وفي جدول أعماله: "بحث مسائل متفرَّقة أو مختلفة، فقدم إلى غرداية متوجِّها إلى ورقلة، وقال لنا يجب سبق الحوادث، حيث يخطر ببالي إثارة مسألة الصحراء وفصلها، وبعد رجوعه من ذلك الاجتماع قصَّ لنا ما دار فيه بالتَّفصيل، والأدوار التي قام بها قبل انعقاد تلك الجلسة، وهذا هو مجمل ما حكاه".بمجرَّد الوصول إلى مدينة ورقلة أجريت مقابلة مع صديقي القائد العيد، وأخبرته بما جرى لي مع قيشار عن فصل الصحراء، وطلبت منه رأيه في الشأن؟ فقال هذا مستحيل! فقلت له ما العمل؟ فقال الرأي من عندك، فأجبته قائلا: إذا أثيرت هذه المسألة يجب أنْ تكون كلمتنا متَّفقة وهو الرَّفض، فقال: إنِّي موافق، فقدَّم الشَّيخ بيُّوض نسخة من القرآن الكريم فأقسما فوقها معا على الرَّفض، وبعدها أردف الشَّيخ بيُّوض قائلا: يجب أنْ تكون لنا الأغلبيَّة عند التصويت، ولذلك يجبإشعار النَّائب زبيدي الأمين ممثل (كوينين) بهذا الاتفاق لينضمَّ معنا، فقال القائد العيد يجب التوجه حالا إلى تقرت لمقابلة الشَّيخ أحمد التيجاني لإشعاره بالقضيَّة ويطلب منه. تمَّ استدعاء زبيدي الأمين للحضور معنا والانضمام إلى رأينا فتمَّ ذلك، فوقع إحضار المصحف الشَّريف والقسم عليه من الجميع، (1/77)
صفحة 77
وبعد ذلك رجع الشَّيخ بيُّوض ورفيقه القائد العيد إلى ورقلة وهو يتململ حيث لا يدري بما سيتمخض به ذلك الاجتماع.
وعند افتتاح الجلسة من طرف رئيس المجلس السيد الشيخ بوبكر بن حمزة النائب العام على دائرة متليلي تقدم باقتراح مسألة فصل الصحراء، فوقع وُجوم تام من طرف الحاضرين، وصار كل واحد منهم ينتظر الجواب، فقام الشَّيخ بيُّوض وأخذ الكلمة قائلا: إنَّ مهمَّة هذا المجلس هو بحث المسائل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وليس من صلاحيَّاته التدخُّل في المسائل السياسيَّة كفصل الصحراء مثلًا، ولا يتأتَّى ذلك إلَّا باستفتاء شعبي! وبعد ذلك خرج من مقعده وتبعته الأغلبيَّة وبقي الباقي، وبعد ذلك رفعت الجلسة، وانحلَّت المشكلة والحمد لله ربّ العالمين. هذا ما حكاه لنا الشَّيخ بيُّوض رحمه الله، وقدَّمت هذه الشهادة التاريخيَّة إحقاقًا للحق، وإخبارا بالواقع حسبما علمناه وسمعناه، وكفى بالله شهيدا.
وصرنا بعد ذلك نرقب سير الأحداث حيث كنا نترقَّب ردَّ فعل الاستعمار العنيف.
فبدأ بإشعال نار الفتنة بمدينة وارجلان حيث تلقَّى في مجلسها العمَّالي درسا سياسيًّا لم يكن يخطر على بال أمام الشعب، فحرَّك أذنابه وأشعلوها بين أبناء الشعب الواحد فتنة طائفيَّة، ونعرة دينيَّة دامت قرابة (1/78)
صفحة 78
شهر، وجرت فيها حوادث قتل وجرح ونهب دكاكين الميزابيِّين وإحراق مخازنهم وإتلاف أجنَّتهم من رعاع القوم وغوغائهم، وامتدَّ لهيبها إلى مدينة المنيعة، وصار سماسرة السوء ممن لا خلاق لهم، يسعون بالدعاية إلى تعميمها إلى جميع أرجاء الصحراء وشمال الجزائر معا، لولا لطف الله، والتدخل الحازم من طرف أعضاء جبهة التَّحرير الوطني في المنطقة وخارجها، حيث تبرأوا من ذلك الصَّنيع الشَّنيع والذي أُلصِق بهم، تشفّيا من أعوان الاستعمار ليبعدوهم عن الشعب.
أما في غرداية فقد كلف الاستعمار أحبابه من الحركة الوطنيَّة المزعومة بتنفيذ المؤامرات لينتقموا من موقف الشَّيخ بيُّوض مع صديق الجنرال دي غول قيشار بغرداية بمحضر رئيس بلديتها ناصر علي، وجرت تلك الحادثة الدنيئة المؤلمة في أواخر شهر سبتمبر من خريف سنة 1960م في أجنة غرداية، وفي ساحة بُنيَ عليها حاليًّا ماجل يعمر بالماء العذب الحلو أقامه سبيلا آل باجلمان ويُعرَف عندنا إلى الآن بساحة الشُّهداء، حيث استشهد فيها رميًا بالرصاص من طرف الأجانب المذكورين أذناب الاستعمار، والقتلى هم: أولًا علوط إبراهيم بن سليمان، ثانيًا عطفاوي محمد بن باعيسى، ثالثًافخار محمد باباحمد، رابعًا أوبكه حمّو بن عمر وجدوه راكبا فوق حماره وخلفه زوجته، فأنزلوه من حماره وتركوا زوجته، فرجعت إلى دارها، (1/79)
صفحة 79
وعند وصولها سمعت طلقات نارية. واختاروا لتنفيذ جريمتهم المنكرة عند صلاة المغرب ومجموع الناس في المساجد، فسمع دوي تلك الطلقات المرحوم بابكر قاسم بن صالح الذي كان قائدا آنذاك على فوج الإصلاح بالكشافة الجزائريَّة ومن رجال الإسعاف، فهرع إلى الوادي فوجد أربع جثث ملقاة على الأرض مدرجة بدمائها، فأسبل تلك الجثث مما يستلزمه الميِّت، وبعد ذلك قدمت سيارة جيب عسكريَّة من القصر عبر الوادي فنقلت الشهداء إلى المستشفى للمعاينة حسب قولهم، وفي الحقيقة كان ذلك لإخفاء معالم الجريمة، وإلقاء الرعب في قلوب السكَّان، وبعد ذلك دفنوا جميعا في مقبرة الشَّيخ باعيسى العلواني رحمهم الله ورضي الله عنهم! وذلك بدون ذنب ولا جريمة اقترفوها، وتلك هي أعمال الاستعمار، وقد نجى بلطف الله من تلك المجزرة في ذلك اليوم الابن كركاشة صالح بن باحمد عندما التقى به المجرمون، قالوا: هذا صبي لا يلزم مسه c’est un gosse il ne faut pas l’y toucher.
وبعد دفن أولئك الشهداء أشاع أبواق الاستعمار بأنَّ تلك المجزرة قام بها أعضاء جبهة التَّحرير الوطني، وذلك ليبعدوا الشعب عنه، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. (1/80)
صفحة 80
أمَّا ما جرى من الأحداث في مدن القرارة خصوصا، وبرَّيان، وغيرها من قرى وادي ميزاب فحدث عن البحر ولا حرج، وتقاريرهم شاهدة على ذلك.
أمَّا في مدن التل في شمال الجزائر فإنَّ أصحاب الحركة الوطنيَّة المزعومة، أشارت بأصابع الاتِّهام إلى الميزابيِّين الموجودين في الشمال، وكشفت عن أسرارهم إلى المنظَّمة السريَّة الإرهابيَّة بالجزائر، وأخبرتهم بأنَّالشَّيخ بيُّوض هو الذي تسبَّب في إبقاء الصحراء مرتبطة بالجزائر، وقام بإحباط جميع المخطَّطات المرسومة لفصل الصحراء عن الجزائر، وأنَّ مفدي زكرياء الميزابي هو الذي قام بصياغة النَّشيد الوطني الجزائري، والذي تسمعونه في الأقطار الإسلاميَّة الشّرقيَّة يُتلَى جهارًا نهارًا ويُتلَى هنا سرِّيًّا، كما أنَّ المسمَّى اسماوي إسماعيل بن محمَّد الذي له متجر في نهج طرولار فقد التحق بأعضاء جبهة التَّحرير الوطني بتونس كما أعلن به صوت الجزائر في إذاعته بتونس، وأخيرًا فإنَّ محال التجَّار الميزابيِّين هي مخابئ للقاء السرِّي لأعضاء جبهة التَّحرير بالعاصمة، وهي موضع أسرارهم، ومنها يصدر موعد الاتصال فيما بينهم، ومكامن أسلحتهم، ويقع كل ذلك بكامل السريَّة بدون أنْ يشعر به أحد، ولذلك يجب تشديد الرَّقابة عليهم ومضايقتهم والحذر كل الحذر من هؤلاء القوم، هذا ما حكاه لنا الشَّيخ بيُّوض رحمه الله بعد جولة قام بها إلى الجزائر وهو متأثِّر أشدَّالتأثر (1/81)
صفحة 81
بما جرى وما يجري حولنا من هؤلاء وأولئك، ونتيجة لتلك التَّحرُّشات والاستفزازات الدَّنيئة قامت قيامة عصابة الحركة السريَّة الهدَّامة على إلقاء القنابل الحارقة على محلَّاتهم لإتلافها بما فيها، ومَنْ فيها، وشدَّدت عليهم الرقابة، وضايقتهم في تحركاتهم، وأرغمت بعضهم على غلق محلات تجارتهم، ونجا كثير منهم بأرواحهم إلى قرى ميزاب، وعمت بطالتهم وبطالة عمُّالهم، واشتدَّت ملاحقتهم لأداء مغارمهم وتسديد ديونهم المترتِّبة على حركات تجارتهم المشلولة، أمَّا عن الذين أمَّنوا على تجارتهم أو سيَّاراتهم أو حافلاتهم أو شاحناتهم المحروقة، فإنَّ شركات التَّأمين لم تعترف لهم بحقوقهم مدَّعية بأنَّنا في حالة الطَّوارئ ويا للعجب!!
ولبيان ذلك فإنَّ أمامنا تقريرا قدَّمته الغرفة التجاريَّة والصناعيَّة بغرداية، نلخص منها ما تعريبه هو الآتي:
أوّلاً: إنَّ المحال التجاريَّة والمخازن التي أغلقت لأصحابها من سكان وادي ميزاب في جميع مدنالتل بلغ عددها سبعة عشر وأربعمائة 417.
ثانيا: عدد أرباب العمل الذين شلَّت حركتهم 524. عدد الصنَّاع والعمال المحرومين من الشغل 1500 عاملا.
ثالثا: قيمة السلع المنهوبة من المخازن 6.267.029.00.
رابعا: قيمة السلع المعرضة للفساد 10.769.500.00. (1/82)
صفحة 82
خامسا: قيمة أجهزة وإقامة المحال التجاريَّة المحروقة 7.500.000.00.
سادسا: قيمة أجهزة غير صالحة للاستعمال 15.000.000.00.
سابعا: قيمة التدهور والفساد في المحال التجاريَّة 12.000.000.00.
ثامنا: مجموع قيمة الخسارة المالية 51.536.529.00.
أي مجموع واحد وخمسون مليونا وخمسمائة وستة وثلاثين ألفا وخمسمائة وتسعة وعشرين فرنكا جديدًا، أضف إلى ذلك الدُّيون المترتِّبة بذمَّة الزُّبناء تعطلت عن التسديد، تلك هي الحالة الماديَّة. أمَّا عن السُّجون والتعذيب والتَّشريد وبطالة العمَّال فذلك علمه عند الله، وما عند الله خير وأبقى.
ولمعالجة تلك الأوضاع المؤلمة طلب ذلك التقريرإعطاء مهلة marataire لأولئك التجَّار المنكوبين، وذلك القرار رقم 55.032 الصادر عن المجلس الجزائري المصادق عليه بقرار يوم 30 جويلية سنة 1965م القاضي بتحمُّل جميع الخسائر النَّاجمة نحو الأشخاص والممتلكات من جرَّاء الحوادث الجارية حاليا في تراب الجزائر على عاتق الجزائر. (1/83)
صفحة 83
نص الخطاب الذي ألقاه الشَّيخ بيُّوض
-ممثلا لميزاب- أمام لجنة النواب الفرنسيِّين سنة 1951م، عن طلب الميزابيِّين ربط وادي ميزاب بالشمال ورفض الانفصال، وقد نقلناه حرفيًّا عن نص بخطالشَّيخ بيُّوض (أنظر الوثائق) (1).
سادتي النواب المحترمون!
إنَّني باسم الأمة الميزابيَّة التي أتشرَّف بتمثيلها في المجلس الجزائري وباسمي الخاص، أرحِّب بمقدمكم وأتمنَّى لكم سفرًا مباركًا وأوبةً حميدةً سعيدةً.
وأرجو أنْ تتمكَّنوا في رحلتكم هذه من الاطلاع على حاجات ميزاب فتعينوا هذا الوطن الصَّغير ذا التاريخ المجيد على تحقيق آماله في تحقيق ارتباطه بعمالة الجزائر.
أيها السادة الكرام: لا نُخفي عنكم اندهاشنا العظيم ممَّا رأيناه في مشروع مسيو (فولبي) الكبير من اقتطاع ميزاب من الجزائر وضمِّه إلى الصحراءالتي تنوون جعلها مستعمرة مستقلة مرتبطة رأسا بفرنسا، وآداب اللياقة تقتضينا أنْ نتكلم عن ميزاب خاصَّة.
__________
(1) - في مارس من سنة 1951م ألقي هذا الخطاب أمام جمهور الشعب في ساحة السوق بمدينة القرارة، وكنَّا صغارا شهود عيان هذه التظاهرة (محمد ناصر). (1/84)
صفحة 84
إنَّنا نحن الميزابيِّين جزائريون منحدرون من أصل جزائري، ولنا في قلب الجزائر الشماليَّة آثار عظيمة، وتاريخ مجيد، وذكريات لا تنسى، ومن ذا الذي ينسى الدولة الرستميَّة في (تيارت).
لكن تقلبات الدهر دفعتنا إلى هذه الزَّاوية من جنوب الجزائر على أبواب الصحراء، فاستوطنَّاها ولم تتقطَّع علاقاتنا بالشمال أبدا، كما أنَّها لم تتَّصل بالجنوب أبدا، ويستحيل أنْ تتغيَّر هذه الحالة فيما يستقبل من الزَّمان.
إنَّ حياتنا ومصادر عيشنا ومنابع اقتصادنا كلها في الشمال، فالميزابيُّون كلهم منذ ولادتهم متجهون إلى الشمال منذ أقدم العصور، تشهد بذلك الآلاف المؤلفة من أبناء ميزاب المنبثِّين في العمالات الجزائريَّة الثَّلاث لطلب الرزق بالتجارة، ولتغذية عائلاتهم التي تنتظر بفارغ صبر في ميزاب ما يبعثون به إليها، ولو انقطع مدد الشمال عن ميزاب يوما واحدا لمات أهله أو قرب، هذه حقيقة واضحة وضوح الشَّمس في وسط النَّهار ليس دونها سحاب، وفصل ميزاب عن منابع حياته وضمه إلى مستعمرة أخرى يحدث صعوبات عظيمة عديدة لا يستطاع تحملها مطلقا. (1/85)
صفحة 85
والخلاصة أنَّ رغبتنا أيها السَّادة هي ربط ميزاب بعمالة الجزائر نهائيًّا وإلحاقه بها إداريًّا.
ولقد أدركت الحكومة هذه الحقيقة، فوضعت مشروع تجديد نظام الأوطان الجنوبيَّة، وألحقت ميزاب بعمالة الجزائر.
كما أدركتها (المجالس العمالية)، و (المجلس الجزائري) فصادقت عليها بالإجماع، وفضلا عن كون هذا أمرا مشروعا معقولا فإنَّه رغبة الأغلبيَّة العظيمة الساحقة من السكان، ولقد قام بالدفاع عن هذه النظريَّة النائبان الشرعيان لهذا الوطن؛ نائب القسم الأوَّل الكومندان (أوهيرو) الاختصاصي الكبير في شؤون الصحراء، ونائب القسم الثَّاني الماثل بين أيديكم (بيُّوض إبراهيم).
وربَّما تطرق أسماعكم أصوات أخرى تخالف هذه الحقيقة، فلتعلموا سلفا أنَّها لا قيمة لها، سببها أغراض لا تخفى، واستفتاء حقيقي للشعب يثبت صحة ما قلنا. (1/86)
صفحة 86
تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى الموفد
من طرف السيد وزير الأوقاف والشؤون الدينيةإلى وادي ميزاب (1)
بعد أنْ اشتدَّت الأزمة وساد القلق في وادي ميزاب نتيجة لاستفزازات قام بها بعض المسؤولين عن الحزب هناك، وتكرر تدخل هؤلاء في المساجد والتعليم الديني والأوقاف، رأى وزير الأوقاف والشؤون الدينيَّة باتفاق مع السيد وزير الداخليَّة أنْ يوفد وفدا لتهدئة الخواطر، ومعالجة المشاكل بالتعاون مع السلطة المحليَّة.
فعيَّن السيد وزير الأوقاف وفدًا من أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى يتركَّب من السادة المشايخ: محمَّد خير الدِّين، مصطفى فخار، المهدي البوعبدلي، أحمد قصيبة، ونزولًا عند رغبة السيد وزير الداخليَّة تأجَّل سفر الوفد إلى أنْ يحضر السيد عامل الواحات لدى وزير الداخليَّة ليحيطه علما بهذا الوفد ومهمَّته. وفعلًا بعد اجتماع عامل الواحات بالسيد وزير الداخليَّة أعلم هذا الأخير السيد وزير الأوقاف بأنَّه هيأكل التراتيب اللازمة لسفر الوفد، فأذن السيد وزير الأوقاف للوفد بالسَّفر، وإنجاز المهمة.
__________
(1) - كان هذا في سبتمبر من سنة 1967م. (1/87)
صفحة 87
وفي صبيحة الأحد 17 سبتمبر 1967م سافر الوفد إلى غرداية، وكان أول عمل قاموا به هو زيارة نائب عامل العمالة في مقره، حيث قدَّموا إليه أوراق الاعتماد، ثم شرعوا في بسط مهمَّة وزارة الأوقاف فيما يتعلق بالشؤون الدينيَّة، وجرى الحديث حول بعض النقط والمشاكل التي كان السَّبب فيها تدخلات متكرِّرة من طرف مسؤولي قسمات الحزب، وهي كلها مسائل تخص الأوقاف والشؤون الدينيَّة، والمعاهد الدينيَّة، وبسط نائب العامل كذلك بعض المشاكل التي باشرها هو بنفسه أو عرضت عليه.
ثم رغب الوفد من نائب العامل أنْ يشعر عامل الواحات بوجود الوفد بغرداية، وأنْ يستطلع رأيه في كيفيَّة مباشرة العمل لإصلاح الوضع، وإحلال الهدوء في النُّفوس، وإزالة آثار القلق، هذا القلق الذي يخشى أنْ ينشر في الخارج بأنَّه اضطهاد لأقليَّة جزائريَّة ذات مذهب إسلامي تسكن أرض الجزائر منذ أكثر من اثني عشر قرنا، ولا يخفى ما يترتَّب على هذا من دعاية سيِّئة في الخارج ضدَّ الدَّولة الجزائريَّة الفتيَّة.
وبعد أنْ اتصل نائب العامل بالسيد عامل الواحات عين هذا الأخير موعدا للوفد يجتمع به في مقر العمالة بوارجلان (ورقلة)، فسافر الوفد في الحين إلى وارجلان حيث اجتمع بالسيد العامل في مكتبه مدَّة (1/88)
صفحة 88
تزيد على ثلاث ساعات، بسَّط الوفد أثناءها المهمَّة التي جاء من أجلها، ورغبة الوزارة في حل هذه المشاكل التي تعكر الجو، وتزيد في التوتُّر بين المتساكنين في هذه المنطقة من التراب الوطني.
ثم استعرض السيد عامل العمالة الحالة بكل صراحة ووضوح، وعدد المشاكل النَّاجمة عن هذا الوضع في هذه المنطقة، ومن أهّها ما قيل من أنَّالشَّيخ بيُّوض وقف مواقف تمس بالسيادة الجزائرية، ومنها بعض العادات والأنظمة الجارية في وادي ميزاب تتَّصل بالأمن الوطني، وأخرى تتصل بالعدلية. ثم قال السيد العامل إنَّني بصفتي ممثلا للحكومة الجزائريَّة لا أسمح بأنْ تمس السيادة الجزائرية في المسائل السياسيَّة، أمَّا ما يخصُّالمسائل الدينيَّة والتعليم الديني، وبعض العوائد الموروثة التي لا تتعارض مع السيادة الجزائريَّة فأنا لا أتدخَّل ولا أرضى أنْ يتدخَّل فيها، بل يجب احترامها ومراعاة عواطف أهلها، إذ نحن في حاجة إلى الاستقرار والتفاهم والإخاء بين سائر المواطنين؛ إباضيِّين كانوا أو مالكيِّين.
بعد هذا البيان شكر رئيس الوفد السيد العامل على أفكاره السديدة، وعلى تفهمه العميق للمشاكل التي في عمالته، وصرَّح بأنَّ كل (1/89)
صفحة 89
ما قاله وأوضحه السيد العامل متفق تماما مع مهمتنا ومع ما نعتقده خيرا لبلادنا وحكومتنا.
ثم أعلمنا السيد العامل بأنَّه يستدعي الشَّيخ بيُّوض من القرارة في الحال لعقد جلسة في الصباح يحضرها العامل، وقائد الناحية العسكريَّة الرابعة السيد عبد الغنى، والمحافظ الوطني للحزب، ووفد وزارة الأوقاف، وقال إنَّ هذه الجلسة بحضور هؤلاء المذكورين تعين على حل هذه المشاكل، ويعتبر حضور الوفد الديني شاهدا وحكما بين الإدارة وبين ما يشكو منه سكان وادي ميزاب.
وفي صباح الأربعاء 20 سبتمبر حضر الوفد بدار العمالة فوجد الشَّيخ بيُّوض قد سبقهم في جلسة خاصَّة مع السيد العاملثم أذن لنا فدخلنا، وبكل أسف لم يحضر قائد الناحية العسكرية، ولا المحافظ الوطني للحزب، فكانت الجلسة متركبة من السيد العامل، وأعضاء الوفد، والشَّيخ بيُّوض، ونائب عامل العمالة بغرداية.
افتتح الجلسة السيد العامل فوفى الموضوع حقه من البيان، وأكد أنَّ الإدارة لا تريد أنْ تتدخَّل في شؤون المساجد، ولا في شؤون التعليم الديني، ولا في النظام العائلي والاجتماعي الذي درج عليه سكان وادي ميزاب منذ قرون، ولا يمكن لأي مسؤول يقدِّر (1/90)
صفحة 90
مسؤوليَّته حق قدرها أنْ يتدخَّل في هذه الأمور الدينيَّة التي تنفع أهلها ولا تضر الدولة، غير أنَّنا لا نتسامح بأي وجه من الوجوه في كل ما يمس بالسيادة الجزائريَّة، وقد صادق الوفد على بيان السيد العامل، كما صادق عليه الشَّيخ بيُّوض أيضا.
ثمإنَّ حرص الوفد على معالجة المشكل من أساسه، وقطع دابر الفتنة، وإزالة كل شبهة أو التباس، جعل رئيس الوفد يطلب الكلمة ويتوجه إلى الشَّيخ بيُّوض قائلا: إنَّ المشاكل التي أثارتها هذه الأزمة والتي نشأت من تصرفات بعض المسؤولين في القسمات أو الاتحادية أو المحافظة للحزب قد تكرَّرت وطال أمدها، وأنَّ هؤلاء كانوا يكتبون في تقاريرهم العديدة أنَّ الميزابيِّين وعلى رأسهم الشَّيخ بيُّوض ينتهكون سيادة الدولة باتصالات مستمرة تقع بين الشَّيخ بيُّوض وبين بعض القناصل للدول الأجنبية كفرنسا، وأمريكا. ومن المسائل التي نسبوها إليكم اتخاذ شرطة محليَّة عوض شرطة الأمن الوطني، ومنها اتّخاذ محاكم للحكم بين المواطنين وفي هذا عدم اعتراف بالمحاكم الوطنية الرسميَّة، ومنها وجود بعثة أجنبيَّة من تلاميذ (عمان) يدرسون في معهد الحياة بالقرارة وفي هذا اتصال بدولة أجنبيَّة يتجاوز الحكومة، ومنها أنَّ مدارسكم تقبل هؤلاء الأجانب ولا تقبل أبناء الجزائر من المالكيَّة، هذه المشاكل يا حضرة الشَّيخ بيُّوض هي التي أقلقت المسؤولين في القمَّة، والتي اهتمَّت لها (1/91)
صفحة 91
وزارة الأوقاف، ووزارة الداخليَّة، فأوفدت هذا الوفد للاطلاع على الحقائق في عين مكانها، ولتصفية الجو أرجوك أيها الشَّيخ المحترم أنْ تجيبنا على هذه النقط كلها.
وهنا تكلم الشَّيخ بيُّوض فشكر الحكومة على اهتمامها بمشكل وادي ميزاب مع الحزب، وشكر الوفد على تجشمه المشاق، وعلى مساعيه الحميدة في سبيل إرجاع الحق إلى نصابه، وشكر السيد العامل على اغتنامه الفرصة لعقد هذه الجلسة بمحضر هذا الوفد، ثم استعرض الشَّيخ بيُّوض حياته وما قام به طيلة خمسين عاما من أعمال في ترسيخ العقيدة والمبادئ الإسلاميَّة الصحيحة، ونشر اللغة العربيَّة عن طريق المدارس بين أفراد الأمة، وبث روح الوطنيَّة الصادقة في نفوس الشباب، وذكر من جهة أخرى جهاده وحرصه على جعل وادي ميزاب قطعة لا تتجزَّأ من الوطن الجزائري، ومن أهم مواقفه في هذا الصَّدد موقفه الحازم أيام تأسيس المجلس الجزائري حين قام بعض الميزابيِّين يدعون إلى رفض النيابة في المجلس الجزائري لأنَّها تؤدي في زعمهم إلى القضاء على شخصيَّتهم، وعلى مميزاتهم إذا ما أدمج ميزاب في الجزائر، قال الشَّيخ بيُّوض: وفي تلك الظروف قرَّرْت أنْ أُرشِّح نفسي لذلك المجلس بدافع وطني، وبتحريض من أغلبيَّة سكان الوادي الذين أعلنوا أنهم لا يريدون العزلة والانفصال، (1/92)
صفحة 92
وأنَّهم يرتبطون بالشمال، وهذه مسألة مشهورة لا تحتاج إلى دليل أو طول بيان.
وفي أيام الكفاح الوطني لما عزمت فرنسا على عزل الجنوب عن الشمال أوفد الجنرال ديغول مسؤولا كبيرا ذكر الشَّيخ بيُّوض اسمه (1)، فجمع بعض الأعيان الميزابيِّين وقال لهم: إنَّ فرنسا ترغب منكم أنْ توافقوا على تأسيس جمهوريَّة صحراويَّة مستقلَّة على غرار جمهوريَّة موريتانيا وأنَّها تعدكم بالتأييد والحماية، وأَخبرَهم أنَّه مكلف أيضا بإبلاغ هذه الرغبة إلى بعض الشَّخصيَّات الصَّحراويَّة مثل الشَّيخ أحمد التيجاني، فأجابه أولئك الأعيان بأنَّهم سيدرسون الأمر ويجيبونه بعد حين. قال الشَّيخ بيُّوض: وفي الحين قمت بجولة في الصحراء واتَّصلت بالشَّيخ أحمد التيجاني، وببعض الشخصيَّات الصَّحراويَّة وقلت لهم: إنَّ ديننا وكرامتنا ووطنيَّتنا لا تسمح لنا مطلقا بأنْ ننفصل عن إخواننا الجزائريِّين في الشمال، وأنَّه من الخير لنا ولأبنائنا أنْ نربط مصيرنا بمصير الجزائر كلها، وهكذا استطعت أنْ أُقنعَهم، فقطعنا العهد على أنفسنا أنْ لا نقبل العرض الذي اقترحتهفرنسا، وأنْ نجيب كلنا بكلمة واحدة: إنَّنا نريد أنْ نكون دائما
__________
(1) - هذا المسؤول هو (أوليفيي قيشار). (1/93)
صفحة 93
جزائريِّين، ومصير الصحراء هو مصير الشمال الجزائري لا نقبل الانفصال عنها في أي حال من الأحوال.
أمَّا ما يتعلَّق بالمساجد في وادي ميزاب وأنظمتها في دروسها وتعليمها وأوقافها فهي داخلة في نطاق وزارة الأوقاف تتَّبع تعليماتها وإرشاداتها، وأنَّ ناظر الأوقاف بغرداية هو الواسطة بيننا وبين وزارة الأوقاف في هذا الميدان.
وأمَّا ما زعم من قضيَّة المحاكم الخاصَّة فلعل الذين كتبوا عنها يقصدون بذلك مجالسنا العائليَّة التي تسمَّى عندنا بالعشائر، والتي يجتمع أعيانها أحيانا لإصلاح ذات البين إذا ما شجر خلاف بين أبنائها، ولرعاية اليتامى والأرامل وإعانة فقرائها، وغير ذلك من أعمال البرّ والإحسان، وهو نظام اجتماعي ورثناه عن سلفنا الصالح وحافظنا عليه، وكان مثل هذا النظام موجودا في بعض مناطق الجزائر؛ كبلاد القبائل واندثر، وليس فيه أي مس بالعدالة أو بسيادة الدَّولة.
وأمَّا ما يتعلَّق بالأمن الوطني فليست لنا شرطة خاصَّة، وإنَّما هو نظام لنا منذ قرون عديدة يحرس بمقتضاه أفراد متطوعون داخل القرى ليلًا ونهارًا وبالتناوب، وذلك للمحافظة على عائلات الغائبين من أبناء ميزاب الذين قد تطول غيبتهم سنين في سبيل طلب الرزق وكسب قُوتِهم (1/94)
صفحة 94
وقوت عائلاتهم، وليس لهؤلاء الحرَّاس إلَّا مجرَّد المراقبة، فليس لهم أنْ يعاقبوا أحدًا بضرب أو سجن مثلا، وتفاديا لما عسى أنْ نُتَّهم به من مسٍّ بالنظام الوطني اتفقنا مع إدارة الأمن الوطني والسيد العامل على أنْ تُقدَّم قائمة بأسماء حرَّاس كل يوم وليلة إلى إدارة الأمن الوطني، ويمكن المشرفون على هذه الحراسة التطوعيَّة بطاقات خاصة تُثبِت هويَّتهم وعليها صورتهم وختم إدارة الأمن، وهؤلاء المشرفون هم المسؤولون لدى تلك الإدارة عن كل ما يتعلق بأمن القرية.
أمَّا ما قيل من منع أبناء المالكيَّة من التعليم في المدارس الإباضيَّة فهذا أمر لا أساس له من الصحَّة، فإنَّ في مدرسة القرارة مثلا ما يربو على مائة تلميذ من أبناء المالكية. وأمَّا ما يتعلَّق بالبعثة الأجنبيَّة التي تزاول تعلُّمها بمعهد القرارة فإنَّها من أبناء الطَّوائف الإباضيَّة في بعض البلدان الإسلامية، وقد اعتاد أمثال هؤلاء الطَّلبة أنْ يقدموا إلى ميزاب قبل الحرب العالميَّة الثَّانية طلبا للعلم والتفقه في المذهب الإباضي الذي لا يجدونه في بلدانهم، وبعد الاستقلال جاءت بعثة عمانيَّة لنفس الغرض وأكثر أفرادها من أبناء المشرَّدين في الجبال، وقد لجأوا إلينا للتعلم والتفقه في الدين، وكان دخولهم إلى الجزائر بالطرق القانونيَّة وبجوازات سفر رسميَّة، بل إنَّ وصولهم إلينا كان على يد ممثلهم في مكتب دولة عمان (1/95)
صفحة 95
بعاصمة الجزائر، وعلى يد اللجنة المركزيَّة للحزب بها، فليس في وجودهم بيننا أي تعد على القانون، أو أي مسّ بسيادة الدَّولة.
ثم أعلن الشَّيخ بيُّوض عن استنكاره الشديد للتهمة الخطيرة التي أُلصقَت به وهي اتَّصاله ببعض القناصل الأجنبيَّة، وصرَّح بصفة قطعيَّة وبكل تأكيد أنَّ هذا شيء لم يكن ولن يكون، وأنَّه ليس له أي اتصال بقنصليَّة أو سفارة أو صحافة أجنبيَّة، وأنَّه أعرف بقدره من أنْ يعرض نفسه لمثل هذه التهمة الباطلة، واحتجَّ احتجاجًا صارمًا على الدسائس التي تحاك ضده من طرف خصومه، وعلى هذه التهمة التي تُسِيء لدينه وشرفه ووطنيَّته، وتأسَّف أنْ تروَّج مثل هذه الإشاعات الزائفة على عقول بعض المسؤولين من الحكومة أو في الحزب.
بعد هذا أكد الشَّيخ بيُّوض للعامل وللوفد أنْ يكونوا على ثقة من أنَّه يُؤمِن بحق السيادة الجزائريَّة على الجميع، ولا يرضى مطلقًا أنْ تُمسَّ هذه السيادة في ميزاب أو غير ميزاب، كما يُؤمِن بأنَّ أبناء ميزاب أعضاء في العائلة الجزائريَّة الكبرى ويجب عليهم أنْ يشاركوا في بناء الدَّولة الجزائريَّة الناهضة، وقال: هؤلاء أبناؤنا الذين تخرَّجوا من مدارسنا منبثون في جميع مراكز الحكومة، وفي مختلف ميادين نشاطها وخاصَّة ميدان التعليم، يُؤدُّون واجبهم بكل أمانة وإخلاص، وأعرب الشَّيخ بيُّوض من (1/96)
صفحة 96
جهة أخرى للسَّيِّد العامل عن استعداده الكامل لتقديم يد المساعدة لمعالجة كل مشكل يعترض الإدارة المحليَّة، فما عليها إلَّا أنْ تدعوه لتجده عند طلبها، يسعى معها في سبيل الصالح العام كمواطن مخلص لدينه وشعبه ووطنه، وهذه الطَّريقة في علاج المشاكل أفضل للحكومة، وأسلم للجميع من سماع الإشاعات المغرضة، والتهم الباطلة.
وأخيرا انتهت الجلسة التي دامت نحو ست ساعات بكلمة من السيد العامل شكر فيها الحاضرين على روح الصراحة، والصدق التي أبدوها طوال الجلسة، وأَشهَد الوفد مرة أخرى على ما جرى من أحاديث، وحسن تفهم للمشاكل بين الإدارة وبين الشَّيخ بيُّوض، وعلى النتائج الحسنة التي حصل عليها الجميع في هذه الجلسة.
وبعد انتهائنا من الاجتماع ودعنا عامل العمالة بعد أنْ استأذنه رئيس الوفد في زيارة القرارة فأذن له. وفي الغد زرنا القرارة، وبعدها سائر قرى وادي ميزاب بصحبة الشَّيخ بيُّوض، وكنَّا نتفقَّد المساجد والمدارس سواء منها الإباضيَّة أو المالكيَّة، ونُلقِي فيها الدروس والأحاديث، ونجتمع برجال الدين من علماء وأئمَّة وحملة قرآن، ونتذاكر معهم في الشؤون الدينيَّةالتي تخص وزارة الأوقاف، وعقدنا اجتماعات مع الهيئاتالدينيَّة من كلتا الطَّائفتين، وكانت مواضيع دروسنا وأحاديثنا تدور كلها حول النقط (1/97)
صفحة 97
التالية: الدعوة إلى التآخي والتعاون بين الطائفتين المتساكنتين في وادي ميزاب، التصريح بوجوب احترام السيادة الجزائريَّة التي لا نرضى أنْ تُمسّ بأيحال من الأحوال، وبأنَّكل ما يتعلَّق بالمساجد والشؤون الدينيَّة فهو منضو تحت وزارة الأوقاف، أمَّا ممارسة الشعائر الدينيَّة، والعادات العائليَّة، والمحافظة على الاجتماعيات التي من شأنها أنْ تُعينَ على تربية الشعب وتكوين المجتمع الصالح فليس لأي سلطة أنْ تتدخَّل فيها، بل يجب أنْ تُصان وتحترم كما بقيت محترمة منذ قرون عديدة.
تلك هي الدَّعوة التي دعونا بها في المساجد والمدارس وفي كل اجتماع حضرناه وعلى مسمع من الطَّائفتين، وكان الناس في كل مكان يستمعون إلينا باهتمام بالغ، ويُعلِنون عن تمسكهم بسيادة دولتهم والعمل لصالح البلاد والعباد.
وفي يوم الجمعة 22 سبتمبر بينما كنا في المسجد الكبير ببريان، وبعد أنْ ألقى ممثل الهيئة الدينيَّةكلمة الترحيب تقدَّم ممثل البلديَّة فألقى باسم البلديَّة والحزب كلمة رحب فيها بالوفد، وأعلن عن استعداده للعمل في سبيل إصلاح حالة المواطنين، وفي العشيَّة اتصل بنا وفد من مناضلي بلدة بريان وعلى رأسهم شيخ بلديَّتها، ودار الحديث في الّزل بغرداية حول المشاكل وطرق معالجتها، وعلى وجوب التعاون بين المواطنين، ومحاولة (1/98)
صفحة 98
إيجاد حلول ترضي الطَّرفين، وتجنب كل ما من شأنه أنْ يثير القلق والاضطراب في النفوس، الأمر الذي يُعِين الدولة على إقرار الهناء والوئام وإشاعة روح الأخوَّة الإسلاميَّة التي يجب أنْ تسود هذا الوطن.
وفي يوم السبت قصدنا مدينة الأغواط في طريق رجوعنا إلى الجزائر، وقضينا بها يوما زرنا خلاله المدرسة والمسجد، وأَلقيْنا بها دروسا قيَّمة كان لها صداها الحسن في نفوس المواطنين. ولا يفوتني أنْ أعلم السيد وزير الأوقاف أنَّكل ما ألقيناه من الدروس والأحاديث، وما ألقاه الإخوان في وادي ميزاب من خطب الترحاب أو الدروس قد سجِّل في أشرطة محفوظة؟ وإنَّما كان ذلك اتقاء للتأويلات الباطلة، وتزييف الحقائق من طرف بعض المغرضين الذين عجزوا عن البناء فاستسهلوا الهدم.
ولم يبق لنا الآن إلَّا أنْ نختم تقريرنا هذا بكلمة موجزة عن رأي الوفد في زيارته لوادي ميزاب وعن المهمَّة التيكلف بها.
لقد ثبت لدينا بعد الاطلاع والدَّرس أنَّ أغلب ما أُثِير هنالك من المشاكل والمنازعات إنَّما كان منشؤها أمور شخصيَّة، وحزازات نفسيَّة هي من مخلفات الماضي، وهي أيضا نتيجة لتصرفات بعض المنتسبين (1/99)
صفحة 99
للحزب الذين يريدون باسمه أنْ يستولوا على كل نفوذ في وادي ميزاب بما في ذلك النفوذ الديني.
وبدعوى تطبيق ما يدعو إليه الحزب أرادوا القضاء على العادات والشَّعائر الدينيَّة السائدة هناك، فهم مثلا يدعون إلى تجمعات النساء، وتشكيل هيئات لها، وإلى تجمعات الشَّبيبة وصرفها عما هي فيه الشيء الذي تأباه عوائدهم المتأصِّلة، وتقاليدهم الإسلاميَّة الصحيحة، لأنَّ النساء عندهم لا يجتمعن إلَّا في ديارهن أو في المساجد، وأبناؤهم لا يقضون غالب أوقاتهم إلَّا في المدارس، أو في المحاضر المتَّصلة بالمساجد، حيث ينكبُّون على حفظ القرآن، وتعلم شعائرهم الدينيَّة، وثبت لدينا أنَّ في تصرفات بعض أولئك المسؤولين كثيرا من الغطرسة وعدم تقدير للعواقب، وهذا مما بعَّد أولئك السكان عن الميادين التي يدعونهم إليها، ولو كانت للإخوان المسؤولين في القسمات مرونة ولياقة وتفهم للوضع الموجود في ميزاب، ولو عرفوا خاصة كيف يستخلصون ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، لما وُجدَت هذه المشاكل التي كادت أنْ تؤدِّي إلى ما لا تحمد عقباه، لولا ما تقابل به استفزازاتهم تلك من تعقُّل ورزانة من طرف سكان وادي ميزاب. وممَّا زاد الطين بلة السلوك الشخصي اللاأخلاقي الذي يتسم به بعض أولئك المسؤولين، والذي يحول بينهم وبين الاندماج في أوساط كانت ولا تزال مبنيَّة على تقدير الأخلاق الفاضلة والمثُل (1/100)
صفحة 100
الإسلاميَّة العليا، ونرجو أنْ نكون بمهمَّتنا هذه قد أعنَّا على تحسين الوضع هناك، فقد لمسنا آثار الاستبشار، وعلامات الرضا بادية على سحنات الوجوه، وعلى ألسنة الخطباء.
أمَّا ما يتعلق برأينا في سكان الوادي أنفسهم فقد ثبت لدينا بعد اطلاعنا على نظمهم الدينيَّة والاجتماعيَّة التي شاهدناها بعد دراستنا لطرق تعليمهم ووسائل تربية ناشئتهم، أنَّ إخواننا الميزابيِّين جماعة صالحة في دينها ودنياها، محافظة على عاداتها الصَّالحة التي لا تتنافى والرقي الحضاري في حدود التعاليم الإسلاميَّة، وتأكَّدنا - ممَّا سمعناه من تصريحاتهم على لسان رؤسائهم الدينيِّين - أنَّهم لا يفكِّرون مطلقا، ولا يقبلون بحال الانفصال عن الجزائر، أو الامتياز في شؤونهم السياسيَّة عن بقية إخوانهم الجزائريِّين، ولا يوجد فيهم فردا أو هيأة تفكِّر في المساس بالسيادة الجزائرية كما يدَّعي خصومهم، ولم نر في تتبعنا لمختلف ميادين نشاطهم وآرائهم ومعتقداتهم أي فوارق تفصلهم عن الشعب الجزائري اللهم إلَّا بعض العادات الموروثة المتعلقة بالتربية العائليَّة، أو النظام المتبع عندهم في ممارسة عباداتهم، ودراسة مذهبهم الإباضي المشهور بتاريخه المجيد، والذي هو مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة. (1/101)
صفحة 101
والوفد يرجو من السيد وزير الأوقاف أنْ يتدخَّل لدى الدوائر الحكوميَّة والحزبيَّة لتواصل رعايتها وتعهدها لهذه المنطقة حتى يقضي نهائيا على ما عساه أنْ ينشأ من المشاكل والصعوبات.
والله يوفقنا إلى ما فيه الخير والسداد.
هذا التقريريحمل إمضاء: رئيس الوفد محمَّد خير الدين. (1/102)
صفحة 102
رد نخبة من مجاهدي القرارة على ما جاء من
افتراء في التقرير الولائي للمجاهدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
والصّلاة والسّلام على رسول الله
سيادة الأخ المحترم
وفَّقنا الله وإيَّاكم. السَّلام عليكم ورحمة الله، ومع أخلص التحيات الأخويَّة وبعد:
فنحن الممضين أسفله - نخبة من مجاهدي قسمات منظَّمة المجاهدين، ومن ضمن مناضلي قسمات حزب جبهة التَّحرير الوطني، ومن أعضاء المجالس البلديَّة الثوريَّة إبَّان الحرب التحريريَّة- نرفع إليكم هذا التقرير الذي يعكس الامتعاض والقلق الذي ساد الرأي العام في هذه الأوساط من ولاية غرداية منذ يوم 9 أكتوبر 1986م، إذ أصدرت أمانة المجاهدين بولاية غرداية تقريرًا عن العمل الثوري بالمنطقة في فترة ما بين 1959م و1962مأقل ما يمكن أنْ يقال عنه أنَّه تقرير لم تتحر فيه ذكر الحقائق بنزاهة وتجرد كما حرصت عليه السلطات الرسمية الثوريَّة على مستوى الحزب والدَّولة. (1/103)
صفحة 103
ففي الوقت الذي توالت فيه تعليمات رئاسة الجمهوريَّة وأمانة الحزب ملحة على النزاهة وتحري الحقائق في كتابة تاريخ الثورة بكل تجرد عن التحيزات والانتماءات الجهويَّة أو الطائفيَّة، فضلا عن الحزازات والأغراض أو المصالح الشخصيَّة ليبقى وثيقة تاريخيَّة ناصعة بيضاء للأجيال الصَّاعدة، تعتز بها في تمجيد أسلاف هذه الأمة، وتبني عليها مستقبلها، وفي الوقت الذي تشكل فيه المجلس الوطني الأعلى لكتابة هذا التّاريخ ليُستَقصى من مختلف مصادرها، وليتحرَّى في تحقيق الحقائق والوثائق والمستندات التاريخيَّة قبل بثها ونشرها، وفي الوقت الذي تطلَّعت مطامح المواطنين إلى كشف بعض الجوانب التي ظلَّت مغمورة طيلة عشرات السنين من الجهاد الخفي.
في هذا الوقت وبعد كل تلك التوصيَّات والتعليمات الأكيدة إذا بالمواطنين يفاجؤون بمنشور يوزَّع على أبناء المدارس والمؤسَّسات التربويَّة والتكنولوجيَّة، المتوسطة والثانويَّة، فضلا عمَّا فوق ذلك من المستويات، يوزَّع بين أوساط الشباب على يد بعض عناصر - متسترة أحيانا، ومتبجِحة أحيانا-وتجنِّد لذلك مجهودات مكثفة بما في ذلك تخصيص سيارة لتوزيعه من مؤسسة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، ويحمل المنشور العنوان التالي: (1/104)
صفحة 104
حزب جبهة التحرير الوطني المنظمة الوطنية للمجاهدين
تقريرحول أحداث الثورةالتحريريَّة بولاية غرداية للفترة ما بين 1959م و1962م، المصادق عليه في الندوة الولائيَّة الثَّالثة بتاريخ 9 أكتوبر 1986م.
والتقرير عبارة عن كتاب يقع في حوالي (111) مائة واحد عشرة صفحة من الحجم المتوسط؛ منها (4) أربع صفحات كمقدمة ومدخل، و (50) خمسين صفحة في القسم الأول منه تحت عنوان (الأحداث السياسيَّة)، تتخلَّلها (15) خمس عشرة صفحة مدرجة كصور ووثائق عربيَّة وفرنسيَّة، وبعدها (42) اثنان وأربعون صفحة تحت عنوان (الأحداث العسكريَّة).
سيادة الأخ المحترم: إنَّ أقلَّ ما يمكن أنْ يقال عن إصدار هذا التقرير ونشره بذلك الشكل.
أوَّلًا: إنَّه عمل غير نظامي أو سابق لأوانه، إذ أنَّ تاريخ الثورة لا يُعتبَر ملكًا خاصًّا، ولا حقًّا شخصيًّا لشخص معيَّن، أو لطائفة معيَّنة، أو جهة خاصَّة، بل هو مكسب من مكاسب الثورة، وحق لكافَّة الشعب الجزائري البطل، وعليه فالمفروض أنْ لا يصدر هذا التقرير، ولا يُنشَر إلَّا بعد أنْ يُصبَّ في مجموع تاريخ الثورة، ويحقق وينقَّح، ويتحرَّى فيه (1/105)
صفحة 105
الحقائق ومستنداتها من الوثائق أو شهود عيان، ثم يُصدَر الكل كوثيقة تاريخيَّة شاملة لجميع الأعمال الثوريَّة في مختلف مجالاتها السياسيَّة والعسكريَّة، وفي مختلف جهات التراب الوطني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الحدود الغربيَّة إلى الحدود الشرقيَّة، على أنَّالتراب الوطني والعمل الثوري كله وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة والتفتيت والتمييز بأي اعتبار من اعتبارات التمايز الجهوي أو الطائفي.
ثانيًا: إنَّ الذين جمعوا مواد هذا التقرير، أو الذين كتبوه وحرَّروا صيغته، والذين حضروا قراءته والمصادقة عليه باستثناء قلة قليلة منهم ممن أبدوا ملاحظاتهم عليه ولم تؤخذ بعين الاعتبار، أمَّا الآخرون فإمَّا أنَّهم كانوا إبَّان الثورة بعيدين عن الثورة، أو على الأقل لم يعيشوا هذه المنطقة التي يكتبون عنها، وإمَّا أنَّهم كتبوه وحرَّروه متأثرين بعوامل نفسيَّة خاصة نتيجة انتماء جهوي أو طائفي، وإمَّا أنَّهم كتبوه تحت ضغوط شديدة من عناصر أو جهات معيَّنة خاصَّة، وكل هذه السلبيَّات ظننا وما زلنا نظن الظن الحسن في المسؤولين الحقيقيِّين المعنيِّين، إنَّنا قد تجاوزناها وترفَّع عنها الرجال العاملون المخلصون للثَّورة ولمصلحة الوطن العليا المتمثِّلة في وحدة الأمة في حاضرها ومستقبلها، لتحقيق أهدافها ومطامحها في المستقبل القريب والبعيد. (1/106)
صفحة 106
سيادة الأخ المحترم: إنَّ وراء هذا التقرير خلفيَّات ترجع إلى ماض بعيد، وتهدف إلى مستقبل بعيد كذلك، أمَّا خلفيَّاته الماضية فترجع إلى ما قبل الحركة الوطنيَّة السياسيَّة والإصلاحيَّة الدينيَّةالتي قام بها زعماء الإصلاح - شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا- لإحباط مساعي الاستعمار، الاستدمار الفرنسي البغيض الذي حاول بكل إمكانيَّاته السياسيَّة والعسكريَّة والتعليميَّة أنْ يعمِّق الشقَّة بين المواطنين في الجزائر وخارج الجزائر من كل بلاد احتلَّتها بسياسة فرِّق تسد، فأحدث الفوارق الجهويَّة بين شرق وغرب، وشمال وجنوب، وغذَّى هذه الفوارق العرقيَّة بين عرب وبربر - واستغل خاصة الفوارق الطائفيَّة الدينيَّة، فأوقد نار الفتنة بين كل هذه الفئات لولا يقظة رجال العلم والسياسة المصلحين- خاصة الإمامان: الشَّيخ عبد الحميد بن باديس وأعوانه، والشَّيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر وإخوانه الذين وقفوا بالمرصاد لهذه التفرقات، فأحبطوها بمجهود خمسين سنة أو تزيد من الجهاد، حتى أتت أكلها بالوحدة الوطنيَّة الصامدة الثَّابتة القائمة على الأصالة الحقيقية للجزائر (الإسلام ديننا، العربيَّة لغتنا، والجزائر وطننا)،فتحطَّمت على صخرتها وصلابتها وصمودها جميع القوى الأطلسيَّة وغيرها أيام الحرب التحريريَّة، وإذا ببعض أولئك الذين نشروا ذلك التقرير أرادوا أنْ يبعثوا هذه التفرقات من جديد، وقد جعلوا مظهرا لها الحوادث المؤلمة الدَّامية (1/107)
صفحة 107
التي جرت سنة 1975م بالقرارة، وتكرَّرت بصفة أبشع ليلة 17 رمضان 1985م بغرداية.
أمَّا خلفيَّات التقريرالتي ترمي إلى مستقبل بعيد أيضا فهي عوامل تنازع البقاء، وحب السيطرة والتسلُّط، وإقصاء العناصر المخلصة العاملة بكل صراحة ونزاهة وكفاءة والتزام لبناء مستقبل هذه الدولة الفتيَّة، إقصاءها عن كل مجالات العمل السياسي والإداري، أو التربوي، أو الاقتصادي، ليخلو الجو للعابثين بمقومات الثورة ومكتسباتها، فيخبون ويضعون، مستغلين ذلك لمصالح خاصة شخصيَّة جهويَّة أو طائفيَّة، وللوصول إلى كل ذلك وصم التقرير أعيان المنطقة - معظمهم بالسلبيَّة في الثورة، بل بالتَّعامل مع العدو ضدَّالثورة- خاصَّة زعيم المنطقة ورمزها وممثلها الإمام الشَّيخ بيُّوض، حتى إذا ما لصقت به الوصمة تلطَّخ بها كل أتباعه من رجال الإصلاح الحاليِّين العاملين، وبالتَّبع يجب أنْ يقصوا عن العمل من كل مجالات الأنشطة الحيويَّة -في الدَّولة- شرقا وغربا، وذلك ما تجلَّى بوضوح في حرمان كثير من المجاهدين من عضويَّة المنظَّمة، وبطاقات الجهاد والتَّسبيل، وإقصاء خيرة المجاهدين والمناضلين إبَّان حرب التحرير -أقصوا اليوم عن منظَّمة الحزب، وحرموا صفة النضال وبطاقته- وحرموا أيضا ما يترتَّب عن ذلك من حقوق ومؤهلات. (1/108)
صفحة 108
سيادة الأخ المحترم: إنَّنا إذ نكتب لكم هذا التقريركعرض حال لما نريد عرضه من الحقائق، لا نريد بذلك تصويب وتبرير خطأ من أخطأ، ولا إبطال صواب من أصاب، وإنَّما نريد أنْ نفرق بين خطأ وصواب، فشتَّان بين ما يراه البعض خطأ ظاهريًّا لكنه في حقيقة الأمر عين الصَّواب والحكمة، وبين ما يراه البعض حسنًا ظاهريًّا ولكنه ينطوي في باطنه على دغل وخبث دفين.
إنَّه لا يسلم من الهفوات والأخطاء إلَّا القاعدون عن العمل كما يقول كثير من الحكماء العاملين قديمًا وحديثًا، وكم من زعيم في تاريخ الدول والمنظَّمات والحركات، لو أخذت حياته من أوَّلها إلى آخرها، ونوقشت بالنَّقير والقطمير لوجدت له أخطاء وأخطاء، وقد يكون البعض منها خطيرًا وفادحًا، ولكنه يشفع له إخلاصه ومقصده، وقديما قيل: (كفى بالمرء نبلًا أنْ تعدَّ معائبه)، ولعلَّ من بين أولئك الزعماء العاملين المخلصين الزَّعيم الأمير عبد القادر وما انتهى إليه جهاده وثورته، وغيره كثيرون من زعماء الإصلاح في الجزائر وغيرها، وما انتهى إليه جهادهم الإصلاحي، وإنَّ أمة تتنكر لفضل رجالها العاملين بغض الطرف عن الهفوات أمة جديرة بالموت، إذ لا تجد من يتصدى لخدمتها وإحيائها. (1/109)
صفحة 109
سيادة الأخ المحترم: إنَّالشَّيخ بيُّوض لو أجري في شأنه استفتاء على كل من عرفه أو سمع عنه منذ طفولته ونعومة أظفاره وهو تلميذ وطالب في مجالس العلم إلى أنْ وُسِّد التراب في قبره لما قال عنه أحد أنَّه وقف موقفًا واحدًا قط ضد مصلحة الدين والعربيَّة والوطن، مادام شعاره الذي أقام عليه حركته الإصلاحيَّة الدينيَّة والعلميَّة، وأسَّس عليها معهده معهد الحياة منذ أسسه سنة 1925م؛ يُعلِن الدين والخلق قبل الثَّقافة، ومصلحة الوطن قبل مصلحة الفرد، فعاش على هذا الشعار طيلة حياته ومات عليه، وأنشأ تلاميذه عليه، ومعهده على ذلك، وما زالوا عاملين بمقتضاه إلى اليوم.
لقد بدأ الشَّيخ بيُّوض حياته الوطنيَّة وجهاده دينيًّا وعلميًّا، وإصلاحه اجتماعيًّا وسياسيًّا قبيل الحرب العالميَّة الأولى وذلك سنة 1912م -إبَّان حرب البلقان بمواكبة ومسايرة الأحداث- شأنه في ذلك وهو في مقتبل عمره وأَوليَّات حياته شأن الإمام القطب الشَّيخ اطفيَّش وهو في أخريات حياته، واستمرَّ على ذلك الدَّرب وتلك المسيرة يعمل في الخفاء حتى صدع به فيما كتب بعد الحرب العالميَّة الأولى سنة 1918 - 1919م في مقاومة التجنيد الإجباري، ومنع تنفيذه على المواطنين المسلمين، إذ لا يسوغ لهم دينيًّا ولا وطنيًّا أنْ يتجنَّدوا في جيش العدو الفرنسي، فيدفع بهم لحرب إخوانهم المسلمين والعرب في الشَّرق (1/110)
صفحة 110
والغرب، وخاض معركة ساخنة كلاميَّة وكتابة في رسائلوجرائد محليَّة وخارجيَّة حتى كسب المعركة، فاستصدر قرار الإعفاء من الخدمة العسكريَّة الإجباريَّة.
وخاض معركة أخرى ضدَّقانون التَّجنيس وتطبيقه على المسلمين، وما يستتبع ذلك من إجراءات حكميَّة غير إسلاميَّة على المسلمين في شؤونهم الدينيَّة خاصَّة الأحوال الشَّخصيَّة منها، ونظام أو قانون الأسرة آنذاك بما في ذلك الزَّواج والطلاق وتبعيَّة الأولاد والتوارث، فقال الشَّيخ ورفاقه: "الحياة بعد اليوم حرام"، فقام بمعيَّة إخوانه العلماء المسلمين بكل ما في وسعهم لإبطال ذلك القانون.
وكان الشَّيخ بيُّوض من المؤسسين الأوائل لجمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين سنة 1931م التي جاءت كردِّ فعل وجوابٍ عمليّ عن الذكرى المائة للاحتلال الفرنسي، لإحباط دعاوَى ومزاعم فرنسا أنَّها قد نجحت في تحويل الجزائر إلى مقاطعة فرنسيَّة دينًا ولغةً، وشعبًا وسلطةً، وترابًا وإدارةً، وعادات وتقاليد، وآلامًا وآمالًا، وإنَّ محاضر جلسات الجمعيَّة شاهدة للأعضاء المؤسِّسين بالعضويَّة الرَّسمية لإدارة جمعيَّة العلماء، وتوزيع المهام عليهم آنذاك. (1/111)
صفحة 111
ولعل الشَّيخ بيُّوض من أول مَنْ نكب من أعضاء جمعيَّة العلماء بما سلِّط عليه من عقوبة حكميَّة إثر حضوره الاجتماع المنعقد بدعوى أنه مسافر سفرة، أو رحل رحلة غير قانونيَّة، فأصدر عليه الحكم بعقوبة ماليَّة باهظة آنذاك، ثممع عقوبة الإقامة الجبريَّة بين جدران أسوار قريته القرارة لمدة أربع سنوات (1)، وكم كتبت الجرائد والمجلَّات بالعربيَّة وبالفرنسيَّة آنذاك عن الشَّيخ بيُّوض أنَّه ثائر الصحراء، وأنَّه أخطر عدو-بل هو رقم واحد- لفرنسا ووجودها بالجزائر.
سيادة الأخ الكريم جاء مشروع- ديغول- بدستور الجزائر المزعوم إثر الحرب العالميَّة الثانية، فحاولت فرنسا برئاسة - ديغول- فصل الصحراء عن الجزائر عن التل خاصَّة ملحقة غرداية– ميزاب- فوقف الشَّيخ بيُّوض ومن معه من تلاميذه ومساعديه في ذلك وقفة ثابتة، وخاضوا معركة حاسمة كلاميَّة بالرسائل والكتابات على الدوريَّات والأسفار القريبة والبعيدة إلى قلب فرنسا - باريس- واستنزلت لجنة برلمانيَّة أولى، ثم ثانية للتحقُّق في الشأن على عين المكان، وجسِّ النَّبض واستطلاع رأي المواطنين، فقوبلتا بمظاهرات شعبيَّة صاخبة، وبلافتات معلنة صريحة أن لا فصل بين الشمال والجنوب، أو بين الصحراء والتل،
__________
(1) - بعد قيام الحرب العالمية الثانية. (1/112)
صفحة 112
وأنْ لا ستار ولا جدار حديدي بين الشمال والجنوب، ولا بين الصحراء والتل، وأنَّ ميزاب جزء لا يتجزَّأ من الجزائر، ونحن المشاركين في المظاهرات ما زلنا نذكر ذلك اليوم المشهود سنة 1947م حتى رضخت السلطات الفرنسيَّة وأذنابها المناوئون للشَّيخ بيُّوض وأعوانه من رجال الإصلاح في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب - رضخوا لمطامحنا الوحدويَّة في وحدة التراب الوطني خاصَّة الملحقات الجنوب للتل في الشمال - بمنحها حق المشاركة في الانتخابات، واختيار ممثل في المجلس الجزائري المنتخب سنة 1948م.
لقد كانت عضوية الشَّيخ بيُّوض في المجلس الجزائري دعمًا قويًّا وتعزيزًا للحركة الوطنيَّة في مختلف المجالات بما في ذلك مقاومة بعض أنماط الاحتكار لفائدة بعض الشركات الاحتكاريَّة الفرنسيَّة لثروات الوطن الجوفيَّة الباطنيَّة، أو الخارجيَّة الظَّاهريَّة، مثل شركة احتكار المياه الجوفيَّة لصحراء الجزائر ( Régie) وغيرها كثير، وكذلك كان وجوده في المجلس الجزائري دعمًا لانتصار وانتشار التعليم العربي الديني، وتعميمه قدر الإمكان بواسطة المدارس والمعاهد التَّابعة لجمعيَّة العلماء في الشمال والجنوب، وفي الشَّرق والغرب، للمحافظة على الأصالة الجزائريَّة الإسلاميَّة العربيَّة. (1/113)
صفحة 113
سيادة الأخ المحترم: ما إنْ اندلعت الثورةالتحريريَّة المباركة الكبرى سنة 1954م، وبعد أنْ أصدرت جبهة التَّحرير الوطني الجزائري نداءها لنوَّاب وأعضاء المجلس بالاستقالة وسحب عضويَّتهم منه حتى كان الشَّيخ بيُّوض من الأوائل الذين انسحبوا واستقالوا من عضويَّة المجلس.
وفي سنة 1955م انعقدت جلسة بالقرارة تحت رئاسة الشَّيخ بيُّوض حضرها نخبة قليلة من أعضائه وتلاميذه، نخصُّ بالذكر منهم: الشَّيخ أبا اليقظان، ولقمان حمُّو، وقاسم بن الحاج النَّاصر، وبكير بن مسعود، والشَّيخ عدُّون، والشَّيخ حمُّو المرموري، والرَّاعي قاسم بن عمر، ودُعِينا نحن ثلّة من طلبة بعثة تونس أخص بالذكر المرحوم المناضل: الشَّيخ أحمد محمَّد بن عمر، والشَّيخ بالحاج محمَّد لنقصَّ عليهم أصداء الثورة في الخارجخاصة تونس، وبعد أنْ قصصنا عليهم بعض ندائها وتجاوبها مع الثورة بتونس وأحداث المغرب، قال الشَّيخ بيُّوض ما نصه بالحرف تقريبا: إنَّ انفجار الثورة بنيِّف وثلاثين حادثًا عبر كامل الجزائر شرقا وغربا في يوم واحد وفي ساعات ودقائق موحَّدة أو متقاربة يدل على أنَّها ثورة منظَّمة منسَّقة وليست مجرَّد انتفاضة عفويَّة عشوائيَّة، وليست كما عبَّر عنها الاستعمار أنَّها ثورة البطون الجائعة، والأجسام العارية لسعها البرد، كلا وإنَّ حوادث 20 أوت 1955م، وإنَّ مواكبتها لحوادث تونس والمغرب، وقبل ذلك حوادث مصر، كل ذلك يدلُّ دلالة واضحة على أنَّ هذه الثورة ليست (1/114)
صفحة 114
كسابقتها من الثَّورات، وأنَّها ستنتصر لا محالة، ولابد طال الزمان أو قصر، وإنَّ الجزائر في طريق الاستقلال وستستقل ونحن في الجزائر ومن الجزائر كما سبق أنْ قلناه سنة 1947م وطبَّقناه أو طبِّق علينا سنة 1948م، وعليه يتعيَّن علينا المشاركة في الثورة بما لدينا، غير أنَّه يجب أنْ تكون هذه المشاركة بحكمةٍ وبكثير من التكتم والحذر حتى لا نجرَّ على العمل الثوري بهذه المنطقة الجرداء المعزولة خطرا ممَّن لا يرحمنا ولا يرقب فينا ولا في مومن إلا ولا ذمَّة من الأعداء الفرنسيِّين وأعوانهم العائشين في ظلهم، وكذلك أنتم الطلبة عليكم أنْ تساهموا بما في وسعكم دون أنْ تخلوا بواجبكم الدراسي، ومهمَّتكم التي أوفدتم لها وهي التكوين العلمي قبل كل شيء، كونوا كما يقول المثل: "يعوم العوَّام وما ينسى كساتو"، ثم استوثق من الجميع باليمين على كتم هذه الجلسة وما قيل فيها، وليعمل العامل في صمت وبصفته الشخصيَّة، ويتحمَّل مسؤوليَّته، لا يعرفه أحد، ولا يعرف أحدًا.
هذا ما كان في شهر سبتمبر 1955م، أمَّا ما عدا تلك الجلسة فقد كتب الشَّيخ بيُّوض عن نفسه تقريرًا عن نشاطه وعمله الثَّوري تحت عنوان (أعمالي في الثورة بالصحراء وميزاب على الخصوص)، وهذه لقطات منه ببعض اختصار وتصرُّف مع التعليق على بعض ما جاء فيه: (1/115)
صفحة 115
1 ــ بدأ العمل الثَّوري في جهتنا بميزاب في أواخر 1955م بصورة بسيطة تتلخص في قدوم بعض التجار من الذين اعتادوا التجارة في الحبوب والكسوة والحيوانات بهذه الجهة، يجمعون الأسلحة سرًّا وينقلونها إلى بسكرة على طريق تقرت، وأولاد جلال، فلم يكن عملنا يومئذ إلَّا تيسير عملهم بتحريض مَنْ عرفنا عنده سلاحًا، نُرغِّبه أنْ يُعطيَه إعانة للثَّورة، وخرج بهذه الطَّريقة أكثر ما كان في جهتنا من سلاح. اهـ.
إنَّكل مَنْ تأمل هذه الفقرة يرى مدى ما فيها من هضم النَّفس في العمل مع ما في هذا العمل من إخلاص ودعم للثَّورة، إذ ليس هناك شيء آنذاك أفيد للثَّورة من قطعة سلاح يعطيها المواطن من عنده، أو يدل عليها ويرغِّب صاحبها في إعطائها لرجال الثورة، وهذا تصديق لكلامه الذي كان قد قاله في الجلسة السريَّة آنفة الذكر في سبتمبر 1955م، ثمقال الشَّيخ:
2 ــ في أواسط السَّنة قدم علينا الأخ جغابة محمَّد بواسطة الإخوان أولاد السيد خبزي عيسى من بسكرة، فاتَّصلْت بالأخ جغابة، كما اتَّصلَ به إخوان آخرون من تلاميذي وأعضادي، وتعاهدنا جميعا على العمل معا، وذهب ليستقرَّ في متليلي، وأَرسلْت معه يوم سفره أحد قدماء تلامذتي (لقمان حمو بن عمر) كمرافق ورائد له، فأراه مركزًا في الصحراء بوسط (1/116)
صفحة 116
الطريق بين غرداية والقرارة يسمَّى (وادي النّساء) حيث يوجد برج حصين، وبئر ماء، وحارس بعائلته فعرَّفه بالحارس، وقال: هذا أصلح مركز للاتصالات، وتعهَّد الحارس بالعمل وأنْ يكون صندوق بريدنا مع رجال الثورة، وكنَّا نُرسِل الإعانات تباعًا إلى السيد جغابة محمَّد إلى متليلي فتصله ولم نَتسلَّم أو (نطلب منه أيوصل لقوَّة الثقة فيه، وفي الواسطة بيننا وبينه).
3 ــ وفي هذه الأثناء جاء الأخ السيد (الغزال الحاج سليمان بن عبد القادر) الساكن بدلاعة بين الأغواط والقرارة موفدا من طرف الأخ زيَّان قائد الثورة بالصحراء، وكلفني أنا شخصيًّا بتنظيم خليَّة من بني ميزاب هنا في القرارة للعمل الثَّوري، وجعلني أنا المسؤول عليها، فشكَّلْتها وتوزَّعنا العمل مع الخليَّة التي كان يرأسها السيد (الحاج سلامة) -كل يعمل على حدة (لضمان كتم السر) - فانتظم خليتنا جماعة من الإخوان المخلصين وجلهم من قدماء تلاميذي، فقاموا بما عهد إليهم من أعمال؛ جمع ما بقي من الأسلحة، وإيواء الجنود، وحمل الأموال والتموين إلى ما بعد الاستقلال، فمنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدَّلوا تبديلا. اهـ.
وإنَّ من أخلص العاملين الذين قضوا نحبهم المرحوم الراعي قاسم بن عمر، ولقمان حمو بن عمر، ومن المخلصين الذين ما زالوا على قيد الحياة (1/117)
صفحة 117
وما بدَّلوا تبديلا الشَّيخ شريفي سعيد، والشَّيخ دحمان سعيد بن عبد الله، والزيت محمَّد، واقدورة محمَّد، والمجاهد العائب محمَّد، وبسيس قاسم (1).
ثم قال الشَّيخ:
4 ــ جَمعْنا للسيد الحاج سليمان الغزال أسلحة وذخيرة ومؤونة، وأعطيته منظارًا مكبِّرا كان عندي - ألماني الصنع- وقلت هذا هديَّة منِّي إلى الأخ (سي زيَّان)، ولم أكن أملك سلاحا قط، وكانوا يومئذ يفرحون بذلك المنظار المكبر، ويعتبرونه بمثابة القطعة من السلاح، وأحيانا أهم من عدة قطع.
5 ــ مرت علينا في ميزاب فترة عصيبة كنا نعمل فيها لجهات مختلفة، فتفرَّقت مجهوداتنا بين بسكرة والأغواط والولاية الخامسة، كل يدعينا لجهته ويفضِّل العمل معنا كمصدر للتموين والعتاد والذَّخيرة، ونحن نقوم بواجبنا مع كل جهة حسب استطاعتنا، وقمتُ بتنظيم خلايا في كل من بريان، ومن أبرز العاملين بها الأخ أوراغ أحمد، وفي غرداية وعلى رأسها المرحوم بابكر الشَّيخ صالح وهي أوسع خليَّة وأهمها وأخطرها شأنًا نظرًا لموقعها الاستراتيجي – غرداية- مع خطورة تمركز القوات الفرنسيَّة والنظام العسكري بها، فاختير لها عناصر ذات مستوى عال من الوعي والجدوالنَّشاط مع
__________
(1) -لم يبق من هؤلاء المذكورين في الأحياء اليوم سوى الشيخ محمد العايب (حفظه الله). (1/118)
صفحة 118
الإخلاص للعمل الثَّوري، والنَّزاهة والالتزام به في تكتُّم وسريَّة، وكان من أبرز العناصر فيها المرحوم الشَّيخ صالح بابكر، وادّاود عمر بن صالح، والسيد بوعروة بابه ثامر إبراهيم، والسيد ناصري علي بن عمر، والأستاذ فخَّار حمُّو، ومعهم رمضان إبراهيم من الأعضاء المساعدين، ولكن هذا الأخير -بكل أسف قد اضطرت الخليَّة إلى فصله، والتظاهر أمامه بترك العمل المنظَّم الجماعي لأنَّه بمجرد أنْامتحن وابتلي بصفعة واحدة من أعوان السلطات الفرنسيَّة أثناء استجوابه، وقد اعتقل بوشاية من محمَّد بن عمر- فإنَّه بمجرَّد تلك الصَّفعة الأولى أصبح عينًا لأعوان السلطة والجيش الفرنسي، ورائدًا لهم يتنقَّلون به ويتنقَّل بهم من دار إلى دار متتبِّعًا جميع ديار أعضاء الخليَّة، ولذلك وبواسطته تمَّ إلقاء القبض على نحو سبعين مناضلًا من خيار العاملين المخلصين للثَّورة، فأطلِق سراح بعضهم واعتقِل معظمهم، ولمَّا خرجوا من المعتقل وأريد إعادة تنظيم الخليَّة للعمل اقتضت الحكمة أنْ يُقصَى، أو أنْ يُستغنى عن رمضان إبراهيم، فتظاهر أمامه جميع الحاضرين في الجلسة المنعقدة برئاسة الشَّيخ بيُّوض بدار الشَّيخ صالح بابكر بالغابة سنة 1958م، تظاهروا بترك العمل الجماعي وحلِّ الخليَّة، وعلى كل واحد أنْ يتحمَّل مسؤوليَّة نفسه في العمل أو ترك العمل مع مَنْ يبدو له من رجال الثورة، ذلك لتعمية الأخبار والنشاط عن ضعاف الإيمان (1/119)
صفحة 119
والقلوب الذين لا يتحملون الصبر عند البلاء، والمحنة والشِّدَّة مثل رمضان إبراهيم وأضرابه (1).
وفي العطف ومن أبرزهم في العمل أولاد الحاج امحمَّد سماوي، والشَّيخ سليمان، والحاج أيوب إبراهيم، وكنا على اتصال دائم بالهاتف الرمزي، وبالاجتماعات المنتظمة كل أسبوع هنا وهناك، وكان العمل منظَّما في ميزاب كله تحت إشرافي وتوجيهاتي، وكان اتصالنا بالإخوان قادة الثورة بجهة الأغواط بواسطة الأخ -البليدي صالح- وفي بسكرة بواسطة -أولاد الخبزي-. اهـ.
سيادة الأخ إنَّ هذا الذي قاله أو كتبه الشَّيخ هو ما يقر ويعترف به كل الذين ما زالوا على قيد الحياة من المجاهدين والمناضلين الميزابيِّين العاملين في ميزاب أو خارج ميزاب من مدينة باتنة وبريكة، من الولاية الأولى (ولاية أوراس)، وفي مدينة قسنطينة، والعاصمة الجزائر بصفة خاصَّة.
__________
(1) (-يلحظ القارئ الكريم هنا ترفع الشيخ بيُّوض عن ذكرها في مذكراته، ولعله ذكرها في بعض مجالسه، أو في كتابات أخرى. (م. ن). (1/120)
صفحة 120
ثم قال الشَّيخ:
وفي خريف 1956م بعد مؤتمر الصومام تولى الأخسي الحوَّاسقيادة الولاية، واستقرجيش نظامي (جيش التحرير الوطني) في بريان تحت قيادة السيد-قنتار- تابع للقائد سي الحوَّاس وكان تحت مسؤوليَّته سائر منطقة ميزاب، فأرسل نوَّابا عنه إلى كل جهة، وأرسل إلينا في القرارة الجندي -الأخ عثمان- أواخر أكتوبر 1956م حاملًا كتابًا من الأخ قنتار، فآويْته وأسكنْته ومعه الجندي السيد الأخ - رابح الأبيض- فأحكمت الصلة بينه وبين أعضاء خليَّتنا، فكنا نأتيه ليلًا ونسمر معه، فجمعنا له ما تبقَّى في البلد من أسلحة وذخيرة مما نعلمه لأنَّ أكثره قد خرج قبل قدومه، وكنَّا ننقله من دار إلى دار خوفًا عليه من الافتضاح، وكنْت أنا شخصيا أُقنِع أصحاب المحال والديار وأُرغِّبهم وأحيانا أُلِحّ عليهم وأُلزِمهم وأضمن لهم أنْ يُسلِّموا المنزل لإيواء رجال الثورة من الجنود، وأَتحمَّل عنهمكلمسؤوليَّة، فمددت إقامة الأخ عثمان ومن معه إلى يوم 31 جانفي 1957م يوم الكارثة، وجنَّدْت جماعة من قدماء تلامذتي لخدمة عثمان وصاحبه والوفود التي تأتيهم خفية، كما تجنَّدت نساءنا للقيام بما يجب من إعداد الطعام، وأبناؤنا الصغار لنقله من مكان إلى مكان. (1/121)
صفحة 121
وأنَّ أوَّل ما قمتُ به من خدمة للثَّورة بعد نزول الأخ عثمان، أنْ آتيته بقائد البلد آنذاك ليدخل في النظام، وليتعهَّد بالعمل للثَّورة ويكتم السر، ويُضلِّل مسؤوليه الفرنسيِّين إذا اشتمَّ منهم رائحة أو بوادر المس بالعمل الثَّوري، وقلْت للأخ عثمان: إنَّهذا أضمن لعملنا حتى نعمل مطمئنِّين لأنَّ عملنا مستمر، وليس عمل يوم أو أسبوع، ولا شهر ولا سنة. فذهبْت إلى القائد أفاتحه لأوَّل مرة في قضيَّة الثورة وأفهمْته بحقيقتها، وأقنعْته بوجوب العمل لها ومعها وبصفته كمواطن، كما أقنعْته أيضا بوجوب الاجتماع بالأخ عثمان ممثل جبهة التَّحرير الوطني وجيش التَّحرير، ومعاهدته علىلإخلاص للثَّورة فقبل ذلك، فجمعتهم في بيتي وعلى مكتبي فقطع العهد على نفسه بيمين مغلَّظة على المصحف الشَّريف على أنْ يعمل مخلصًا للثَّورة، وأنْيكون لنا عينًا، وأنْ يُضلِّل رؤساءه ما استطاع. اهـ.
أيها الإخوة المسؤولون هل يُعتبَر هذا خيانة من الشَّيخ بيُّوض، أو تعاملًا مع السلطة الفرنسيَّة وممثليها إذ أفضى بسرالثورة إلى قائد البلاد؟ وهل يُعتبَر ذلك القائد - بعد ذلك التعهد الوثيق بالعمل للثَّورة - هل يُعتبَر عميلًا للعدو كما فهمه البعض من الذين نشروا التقريرالمشار إليه الصادر عن بعض عناصر ادَّعت لنفسها الجهاد، وانضوت تحت منظَّمة المجاهدين، وأرادت أنْ تحتكر جهاد المنظَّمة كلها على نفسها؟؟ (1/122)
صفحة 122
ثم قال الشَّيخ:
كان جنديالاتصال بين مراكز القيادة لجيش التَّحرير بريانوبيننا نحن في القرارة هو الأخ-عمر بن علي بن العابد- من سكان القرارة، وكان اتصاله بي شخصيا، فكنْت أجلس لاستقباله المتوقَّع مرتين في اليوم -صباحا ومساء- في السوق أمام محلِّي الخاص، على أنْ يمر مجرد مرور فيُحيِّي بالسَّلام وينصرف، وبعد بضع دقائق أقوم إليه ثم يتبعني إلى حيث مقر الأخ عثمان وصحبه - حسب التنقلات- فأدخل الدار التي بها الحاجة فيدخلها بدون توقف ولا استئذان، فيبلِّغ ما أتى به، ثم يهيَّأ له ما يردُّه من جواب أو غيره. أمَّا أسبوع الإضراب العام لمناسبة إدراج قضيَّة الجزائر ومناقشتها في الدورة الخاصَّة الاستثنائيَّة لهيئة الأمم المتحدة فقد ساهمت البلدة كلها في الإضراب وبأمْري أنا وتوجيهي، فجنَّ جنون الفرنسيِّين واشتدَّ كلبهم، فكسَّروا معظم أبواب الدكاكين والمحلَّات المغلقة، وسبوا وشتموا وهدَّدوا وتوعَّدوا، وصادف أنَّ دارا من دور عشائرنا قد حجزناها كمقر لجنود جيش التَّحرير في تلك المناسبة، وجمعْنا لهم فيها أربع عشرة قطعة سلاح ناريَّة، ونحو خمسة ألاف خرطوشة من مختلف الأنواع والعيارات، ونحو نصف قنطار بارود، وضُبطَت ضبطًا محكمًا في طرود محكمةً ليَسهُل حملها بأيسر الطرق إلى أية جهة، ووُضِع جانب الدار للنَّظر في (1/123)
صفحة 123
طريقة إخراجه وإيصاله إلى مركز الثورة، وتمَّكل ذلك حوالي الساعة الثَّانية عشرة ليلًا، وبقي السلاح والجنود في الدار آمنين مطمئنِّين.
وما كادت الساعة الثالثة من صبيحة يوم الخميس 31 جانفي 1957م حتى كانت الطرقات كلها تميد وتسيل بالدبَّابات والمصفَّحات، وحاملات الجنود والجيب وغيرها، وما كاد الفجر يبزغ حتى تمَّ تطويق المدينة -دورًا وبساتين- ووُضعَت المصفَّحات والمرايا المكبِّرة على الجبال القريبة المطلَّة والمشرفة على البلدة، ثم شرعوا في اعتقال المتَّهمين وإخراجهم من دورهم ومحلَّاتهم وجرَّهم إلى التعذيب والسجون، وكان من لطف الله -أنْ تفطَّن الجنود الموجودون في الدار الأخ عثمان ومن معه- لما طرأ، فتسلَّلوا خفية قبل وضوح الفجر، فنجوا بأنفسهم وفرحنا لسلامتهم قبل كل شيء، أمَّا إخلاء الدار من الأسلحة والذخيرة الحربيَّة فقد تمَّ ذلك بعملٍ فدائيٍّ حقًّا، قام به أربعة من خيار أبنائي الشباب الجريء المخلص، دعوتهم عند آذان المغرب من نفس اليوم 31 جانفي 1957م، وكلفْتهم أنْ يُخرِجوا ما في الدار من سلاح وعتاد وذخيرة بعد أنْ يعتكر الليل-بين المغرب والعشاء - ويدفنوه مؤقَّتا في كثيب رمل بالمقبرة قرب الدارونظَّمْت لهم العمل، ودعوت الله بالحفظ والرعاية إذ أنَّ مركز المراقبة للجيش الفرنسي على بعد مائة متر أو أقل من الدار. (1/124)
صفحة 124
وما إنْ خرجت من صلاة العشاء بعد حوالي ساعة حتى وجدتهم في انتظاري بباب المسجد، فبشَّروني بنجاح العمليَّة وتمامها والحمد لله، فدعوْت الله لهم بالخير لأنَّالسلاح لو ضُبطَ بالدار وهي دار عشيرة، رؤساؤها طلبة ومعلِّمون ومديرون بالمدارس والمعهد لكانت كارثة على البلد كله بما فيه المدارس والمساجد والمعهد والطَّلبة والتَّلاميذ ودور إدارات العشائر، وهم دائمًا محلَّ تهمة بالعمل الثَّوري وهو الواقع، وفي القضاء على كل ذلك قضاء على الثورة ونشاطها في هذه المنطقة وهو أخوف ما نخافه، وأحرص ما نحرص على الحفاظ عليه.
أيها الأخ الكريم: ماذا يُعتبَر هذا في نظر العقلاء المنصفين في تقسيم أعمال الثورة؟ هل يُعتبَر مشاركة وإخلاصا للثَّورة، أم يُعتبَر تقاعسًا عنها وتعاملًا مع العدو وتواطؤًا معه كما يراه بعض الذين حرصوا على توزيع ذلك التقرير؟ ثم قال الشَّيخ:
لمَّا تكوَّنت البلديات المدنيَّة -في ميزاب- ولأول مرة بعد الحكم العسكري لملحقات الجنوب، وانتخب في القرارة أول شيخ للبلديَّة السيد حمُّودة بابه بن حمُّودة، سعيْت فجمعته أنا برئيس جند جيش التَّحرير يومئذ بالقرارة للتَّعاهد معه على العمل والإخلاص للثَّورة كما فعلت بالقائد قبله، فكان عند حسن الظن به. اهـ. (1/125)
صفحة 125
سيادة الأخ الكريم: هذا ما اعتبره أولئك الذين وزَّعوا ذلك التقرير وحرصوا عليه للنَّيل من الشَّيخ بيُّوض وأعوانه، فاعتبروا ذلك تعاملًا مع العدو، وتواطؤًا ضدَّالثورة، وتقاعسًا وتقاعدًا وتثبيطًا عن العمل لها، فهل هو كذلك في القيم الثوريَّة وأساليب العمل الحكيم لها؟؟؟
ثم قال الشَّيخ: جاء المرحوم الطَّالبي أحمد لأوَّل مرة إلى القرارة وكنْت من أوَّل مَنْ التقى به فاجتمعت به مرَّتين، الأولى: بدار أحد تلامذتي المناضلين السيد لقمان حمُّو -أوَّل رئيس بلديَّة بعد الاستقلال- ومعه المساعد الأخ -رابح الأبيض- المسمَّى في الثورة الأخ عز الدِّين- فأعطيْت للأخ الطَّالبي كتابًا لوزير الداخليَّة في الحكومة المؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة الأخ -الأخضر بن طوبال- بختمه وإمضائه، وكان قد أرسله إليَّ شكرًا وجوابًا على تقريرٍ لي كنْت قد أرسلْت به إليه وإلى الحكومة المؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة عن سير الأحداث وارتفاع معنويَّات المواطنين داخل الوطن كله وخاصَّة في الصحراء، وذلك في رمضان مارس 1961 (1). اهـ.
__________
(1) - أشهد أنا محمد صالح ناصر أني كتبت بعض هذه الرسائل شهادة ألقى بها الله، وكنت حينها أطالع وأكتب للشيخ لضعف بصره. (م. ن). (1/126)
صفحة 126
نقول نحن بعض الذين يحرِّرون هذا التقرير-وقد كنَّاطلبة ولاجئين آنذاك في تونس- إنَّنا شهود عيان على هذه المراسلات التي كانت متبادلة بين الشَّيخ بيُّوض من هنا ميزاب وبين الحكومة المؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة في تونس بواسطة الاتصال المتردد بين الجزائر وتونس - بصفته تاجرًا -السيد الواهج الحاج يحيى بنحمو لإبلاغها إلى مكاتب الحكومة المؤقَّتة والحزب بنهج الدَّبَّاغين، والمنزه ما بين البلفدير آريانه ونهج الصادقيَّة وغيرها. كما يشهد بذلك السادة الإخوة أعضاء شركة عمر بن بكير ومَنْ معه بباب عزُّون الجزائر، إذ كانوا عادة هم الواسطة بين الواهج الحاج يحيى من بريان، والشَّيخ بيُّوض من القرارة.
ثم قال الشَّيخ: ثم اجتمعت بالأخ الشَّهيد الطَّالبي أحمد المرة الثانية بدار عشيرة البلات بعد عيد الفطر وكان معه الأخ رشيد الصَّائم وبعض الجنود، واصطحبْت معي الأخوين الشَّيخ ابن يوسف، ولقمان حمُّو، فكان بيننا وبين ضبَّاط جيش التَّحرير تبادل خطب، ووالله ما كان الأخ رشيد الصَّائم (1) يخاطبنا في خطابه الطَّويل -وجنوده صف من ورائه ونحن الثلاثة معهوالعلم الجزائري يرفرف علينا- لم يكن يخاطبنا إلَّا بلفظ آباءنا، يكرِّرها مرارًا في أوَّل كل مقطع من كلامه، ثم جلسنا وتحدَّثنا طويلا في
__________
(1) - أشهد أني حملت رسالة بخط اليد من رشيد الصائم بالعطف إلى رئيس بلدية القرارة بابه بن حمودة، تشهد بالتعاون وحسن التنظيم كما ذكر ذلك الشيخ في مذكراته. (م. ن). (1/127)
صفحة 127
شؤون الثورةوالنظام الواجب اتِّباعه في العمل لها لإنجاحها، فكانت جلسة من أهمِّ وأروع الجلسات. وحدَّثني بعض جنده - وقال لي شخصيًّا -إنَّه أعجب وأثنى خيرا على عملي وقال: والله إنَّ الشَّهادةالتي عنده من الوزير والحكومة المؤقَّتة لا نملك مثلها، والجندي حاضر اليوم لأداء شهادته. اهـ
ترى ماذا يقول الذين حرصوا على توزيع ونشر ذلك التقريرفي الأوساط الشعبيَّة ليُوهِموا السُّلطات أنَّالشَّيخ بيُّوض كان عميلًا لفرنسا ضدَّالثورة، وأنَّه لم يعمل في صفِّها، ويُعرقِل العاملين لها، ويَصد أو يُثبِّط أتباعه وتلاميذه عن العمل الثَّوري؟ ثم قال الشَّيخ:
جاء الأخ سعيد عبادو بجنده مع الأخ الشَّهيد- الطَّالبي أحمد- واستقرُّوا عندنا أياما، فقمْنا بهم أحسن قيام كسابقيهم العديدين الذين نسيت أسماءهم، وكثير منهم لا يقبلون ولو مجرَّد سؤال عن أسمائهم ولعل الحكمة تقتضي ذلك، فلا مؤاخذة ولا امتنان فذلك مجرَّد واجب ديني ووطني، وكانت لي جلسات ممتعة مع الأخ السيد سعيد عبادو فقدَّمت فيما قدَّمت له نسختين من جريدة المجاهد، كما قدَّمت نسخة أخرى للأخ الطَّالبي أحمد، وأخرى لأخ ضابط آخر كان يسكن بدار الأخ بوحجَّام عيسى، ولا يتصور مقدار السُّرور الذي غمرهم بهذه الهدايا التي تفيدهم وتسلِّيهم، وكانت هذه الجريدة - المجاهد -تأتيني من تونس بطريقة سريَّة. فكنْت (1/128)
صفحة 128
أقرأها من ألفها إلى يائهاوأُعطِيها لبعض كبار تلامذتي الموثوق بهم يقرؤونها ويردُّونها إليَّ، ولم تكن تأتي لأحد غيري في هذه النَّواحي على ما أعلم. اهـ.
نقول نحن بعض شهود عيان أنَّ وصولها إليه كان عن طريق السَّفير الحامل للمراسلات بينه وبين الحكومة المؤقَّتة كما، أنَّ البعض منا قد أهدى إلى الشَّيخ بيُّوض أعدادًا من جريدة مصريَّة نشرت في أعداد متسلسلة منها استطلاعها وتحقيقها القيِّم عن الثورة وأحداثها داخل الجزائر وفي جهات القتال تحت عنوان (غزَّة في خطِّالنار)، فاغتبط الشَّيخ بذلك أيَّما اغتباط أنْ تصل إليه هذه الهديَّة على أيدي بعض تلاميذه، كما سر سرورًا بالغًا لما أخبِرأنَّ أبناءه وتلامذته بالبعثة التونسيَّة هم الذين أنشدوا -ولأوَّل مرة- النَّشيد الوطني الحالي (قسما) أتحفهم به صاحبه -مفدي زكريَّاء - وطلب الشَّيخ بيُّوض منه نسخة مكتوبة أو مسجَّلة فقالوا: خشينا من تفتيش الحقائب في الحدود، فقال: هلَّا حملتموه في الحقائب المغلقة التي لا تفتح في الحدود ويعني رؤوسهم بالحفظ.
ومن عجائب وغرائب أمر بعض أولئك الذين حرصوا على نشر وتوزيع ذلك التقريرأنْ يعتبروا الشَّيخ بيُّوض - بعد كل ذلك - متعاملًا مع العدو، ومتقاعسًا عن الثورة، ومثبّطًا تلاميذه وأتباعه عن العمل الثَّوري، كما اعتبروا صاحب النَّشيد الوطني -مفدي زكريَّاء بعد ما قاله عن (1/129)
صفحة 129
الثورة خاصَّة والجزائر عامة في إلياذته وغيرها - اعتبروه عميلًا خائنًا للثَّورة ومبادئها، فمنعوا أبناءه وأسرته من إقامة حفل أدبيٍّ تأبينًا له بعد وفاته. إنَّ هذا لشيء عجيب ولا أعجب منه إلَّا ما قيل عن الشَّيخ بيُّوض بعد خمسين سنة من جهاد بطوليفي مجال الإصلاح الديني والعلمي والاجتماعي والوطني والثَّوري.
ثم قال الشَّيخ بيُّوض:
كتبْت تقريرين مهمين عن حالة الثورة في الصحراء وقضيَّة محاولة فصلها عن التل إلى السيد وزير الدَّاخليَّة في الحكومة المؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة الأخ السيد الأخضر بن طوبال، واتصلْت منه بكتابين هامين كجواب عن التقريرين، ولكنها كلها -وبكل أسف- أحرقَت مع جملة وثائقي الهامَّة ليلة نكبة القرارة الكبرى يوم 28 أكتوبر 1961م.
لمَّا نشرت جريدة (ليبيراسيون) الفرنسيَّة خبرًا مفاده أنَّ وفدًا من ميزاب قدم باريس يطلب إقامة جمهوريَّة صحراويَّة، وأذاعت الخبر بعض الجرائد والإذاعات، لم أشْعُر إلَّا والحاكم العسكري يدعوني، فقابلني الضَّابط المكلف بالشؤون السياسيَّة في مكتبه، وقال: إنَّ عامل العمالة كلفهم أنْ يستطلعوا رأيي فيما نُشِر، فكان جوابي أنْ نكرْت بكل شدة وحماس هذه الفرية التي يراد بها خلق جوٍّ من البلبلةوالحيرة والتفرقة، وقلت بالحرف: (1/130)
صفحة 130
إنَّني ممثل الأغلبيَّة الساحقة من بني ميزاب، وأنَّ فكرتنا في أنَّ ميزاب والصحراء جزء لا يتجزأ من الجزائر قديمة لم تتغير ولن تتغير، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السياسة الإداريَّة بين الشمال والجنوب، وبين الصحراءوالتل لأنَّهما قطر واحد، وذلك في خطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدُّستور الجزائري سنة 1948م، ودافعت عن الفكرة ضدالانفصاليِّين -من أبناء الشمال والجنوب- من فوق منبر المجلس الجزائري، حتىضطرَّت الحكومة الفرنسيَّة إلى إرسال لجنة برلمانيَّة إلى ميزاب لجس النَّبض واستطلاع الرأي العام، فكانت مظاهرات وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلَت لجنة أخرى برلمانيَّة لنفس الغرض حيث لم تُرضِها نتيجة اللجنة الأولى، فكانت نتيجة تصويت الأغلبيَّة الساحقة - لا- أي ضدَّ فصل الصحراء عن التل بعد استفتاء سنة 1947م.
وأنَّ ميزاب لا يرضى ولا يريد بأيِّ ثمنٍ فصله عن الشمال، ثم أكدتُ له أنَّه لا يوجد مطلقا أي وفد في باريس يتكلم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحد - أيا كان- أنْيتجرأ على التكلم باسم الأمة إلَّا مَنْ اختارته الأمة لنفسها. اهـ. (1/131)
صفحة 131
نقول نحن- الممضيين- إنَّ تلك المظاهرات التي أشار إليها الشَّيخ بيُّوض هي التي سبق أنْ أشرنا إليها، وأنَّنا شهود عيان عشناها وشاركنا فيها سنة 1947م (1).
ثم قال الشَّيخ:
دعاني مرة حمزة بوبكر رئيس المجلس العمَّالي لولاية الواحات سابقالاجتماع به في الأغواط، فلقيته بدار السيد الأخ البليدي صالح بن الحاج محمَّد، وجذبني للحديث معه في قضيَّة الصحراء وفصلها عن التل، وكان في حديثه غموضٌ ولفٌّ ودورانٌ، فصارحته بالحقيقة التي لا محيد عنها، وأنَّنا جزائريُّون ومصيرنا هو مصير الجزائر وكفى، لا نبغي بذلك بديلا مهما كان الثَّمن وعدًا أو وعيدًا. اهـ.
نقول ومن غريب أمر بعض الذين حرصوا على نشر ذلك التقريرأنْ يلمحوا فيه وكادوا يصرحون أنَّ أهالي منطقة - غرداية-وبني ميزاب خاصَّة-وقد كانوا بالإجماع على رأي ممثلهم الشَّيخ بيُّوض في ربط الشمال بالجنوب، والصحراءبالتل، ورفض وإبطال كل محاولة لفصلهما -أصبح هؤلاء في نظر بعض أولئك الناشرين للتقرير أقل وطنيَّة، وعملا
__________
(1) - وقعت مظاهرات أخرى في مارس من سنة 1951م، وسنة 1952م، كما بيَّنا ذلك بالوثائق المصورة. (م. ن). (1/132)
صفحة 132
ثوريا، وأكثر عمالة للعدو من ذلك الداعي وأتباعه ممن ألح على تجزئة الوطن، وفصل جنوبه عن شماله.
ثم قال الشَّيخ بيُّوض:
وفي ربيع وصيف 1960م بعد انفصالي عن حمزة بوبكر لاختلاف وجهة نظري عن رأيه في قضيَّة الصحراء، كثرت الاجتماعات والأحاديث والاتصالات والتَّناجي عن فصل الصحراء بين الحكام الإداريِّين -عسكريِّين ومدنيِّين- وبين بعض النواب في المجلس العمَّالي وخاصة الرَّئيس، ولكنَّها كانت على غاية من السريَّة والتكتم، فاشتدَّ خوفي من جعلنا أمام الأمر الواقع، فاكتريت سيارة من القرارة إلى ورقلة قاصدًا دار القائد العيد فوصلتها على الساعة الثانية من قيلولة الصيف بورقلة، فوجدته نائمًافألححت على إيقاظه، فاستقبلني فحدثْته عن خطورة الوضع في قضيَّة فصلالصحراء، وأنَّه ليس في صالحنا بل هو خطر علينا أبناء الصحراء، وعلى القضيَّة العامَّة، وعلى الوطن كله، فعاهدني على أنَّه معي وبجانبي ضدَّ الفصل، وقال: قل ما شئت واكتب ما شئت فإنِّي أُمضِيه بدون تردد، فشكرته على استقباله في ذلك الوقت وعلى موقفه وتأييده، وأخبرته أنِّي ذاهب إلى الشَّيخ أحمد التيجاني، فأدرت مقود السيارة من ورقلة إلى تماسين - ناحية تقرت- فكلمت الشَّيخ أحمد حفظه الله فأجاب بما (1/133)
صفحة 133
أجاب به القائد العيد وأوكد، فتعاهدنا ثلاثتنا على التصلب في موقفنا ولو كلفنا حياتنا، وعلى إفساد وإحباط مناورات الانفصاليِّين، موقنين أنَّه إذا وقف أهل ميزاب وأهل ورقلة وأهل وادي أريغ ضدَّ الفصل فإنَّه لن يتمَّ قطعا. اهـ.
قال بعض الذين نشروا التقريرالآنف الذكر إذا كانت تلك وطنيَّة الشَّيخ بيُّوض، وتلك مواقفه منقضيَّة الصحراء ضد مخططات العدو الفرنسيِّ، فلماذا أبقت عليه السلطة الفرنسيَّة ولم تعتقله ولم تضايقه ولم تزج به في السجن أو في معتقل أو لم تتسلَّط عليه اليد الحمراء فتغتاله؟؟؟
قلنا عجبًا لهذا الفهم السقيم والسخيف، وهذا التقييم المغرض لقيم الرجال وأعمالهم، لو كان بقاء الجزائري في الجزائر وقت الثورة عاملًا في مجال عمله من غير سجن أو اعتقال دليلًا على الخيانة والعمالة لكان معظم الشعب الجزائري -إنْ لم يكن كله بجميع فئاته ومستوياته واختصاصاته- خونة وعملاء لأنَّ الأغلبيَّة من الجزائريِّين والجزائريَّات بقوا داخل الجزائر كل في مجال عمله؛ المزارع في مزرعته، والصَّانع في صناعته، والتَّاجر في متجره، والمعلم والمدرس في مؤسَّسته، والطَّلبة في مدارسهم ومعاهدهم، والعمَّال في ميادين عملهم، والموظَّفين في وظائفهم، وأنَّ اللَّاجئين خارج الجزائر والمستشهدين وإنْ بلغوا مليونا ونصفا وأزيد باعتبار اللاجئين فإنَّهم (1/134)
صفحة 134
أقلية بالنسبة لمن بقي داخل الجزائر، وهل من الحكمة أنْ يغادر البلاد كل مَنْ استطاع مغادرتها من أجل وعيد أو تهديد؟ فمَنْ للثورة وتموينها، ومَنْ للفدائِيّين وإيوائهم، ومَنْ للمسبلين وإعانتهم، ومَنْ لتوعية الجماهير العزَّل، ومَنْ لإعداد إطارات المستقبل وإيوائهم، ومَنْ للمخابرات السريَّة لكشف مؤامرات وتحركات العدو، ومَنْ، ومَنْ، ومَنْ؟؟؟
وعليه فليصحح بعض أولئك الذين نشروا التقريرووزعوه مفاهيمهم للرجال وأعمالهم، وليذكروا أنَّهم هم أنفسهم لم يستشهدوا ولم يخرجوا من الجزائر، بل لعلَّ البعض منهم كان في خدمة المصالح الفرنسيَّة سرًّا أو علنًا.
ثم قال الشَّيخ بيُّوض:
في خريف 1960م انعقدت دورة المجلس العمالي في ورقلة، وأعلن الرَّئيس حمزة بوبكر عن جلسة من الجلسات أن ستكون سرية مغلقة، فاجتمع النواب كلهم مسلمون وفرنسيُّون في ظروف مشددة، فافتتح الرئيس الجلسة والكلام، وقصَّ خبر اجتماعه بالرئيس الفرنسي -الجنرال ديغول- وما جرى بينهما من حديث حول الصحراء وفصلها وأطال في ذلك، ثم طلب رأي النواب فوجموا ساعة، فالتفت إلى قاضي قمار ناحية وادي سوف فقال: ما رأيك يا شيخ القاضي، فقال: إنِّي (1/135)
صفحة 135
موظَّف لا أستطيع أنْ أتكلم، ثم التفت إلى الشَّيخ أحمد التيجاني، فتكلم بكلام حسن شرح فيه باختصار خطورة الموقف، وأنَّه لا ضمان لنا ولا أمان من تطوَّرات الأحوال، وضرب المثل بقصَّة المغرب والسُّلطان محمَّد الخامس، وقضيَّة ابن عرفة وما آل إليه أمر المغرب.
ثم التفت الرئيس إليَّ وقال ما رأيك يا شيخ بيُّوض، فقلت: دعني الأخير، فانصرف عنِّي وتكلم آخرون كلامًا مضطربًا ملتويًا خاليًا من الفائدة، ثم قال الرَّئيس: هل من طالب للكلام؟ فلم يجبه أحد، فالتفت إليَّ وقال الكلمة لك، فوقفت -كل مَنْ سبق تكلم جالسًا-وتكلمت بكلام فيه شيء من الطول هذا ملخَّصه. وكان ملخَّص رأيه ممَّا قص بعضه، وكتَب بعضَه في تقريره، أنْ قال:
أمَّا ارتباط الصحراء بالتل، وجنوب الجزائر بشمالها فقد ناديْت منذ سنة 1947م بفكرة أنَّ الصحراءجزء لا يتجزَّأ عن الجزائر، وأنَّ مصيرها واحد ومصالحهما مشتركة لا تقوم إحداهما بدون الأخرى، وما كنْت لأنقض اليوم ما قلْته ودافعْت عنه منذ ثلاثة عشر عامًا، على أنَّ هذا الأمر - سيدي الرئيس- لا يقرِّره شخص معيَّن ولا هيئة معيَّنة، إنَّما يقرره الذي يهمه الأمر أولا وبالذات وهم المواطنون، أمَّا مجلسنا هذا حضرات النواب فمجلس اقتصادي بحت ينظر في ميزانيَّة العمالة، (1/136)
صفحة 136
فاختصاصه لا يخرج عن دائرة ونطاق المكاتب والمصحات والطرقات والمدارس والمواصلات وما أشبه من الماديَّات، نبني ما نبني، ونصلح ما نصلح ممَّا يحتاج إلى إصلاح، ولا حقَّ لنا مطلقا في التكلم باسم الأمة في أمر سياسي هام مصيري وخطير، الحق فيه للأمة بأسرها.
ثم من جهة أخرى -سيدي الرَّئيس- إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرنا في سياستها في هذه البلاد، فلم تستشرنا يوم قطعت الصحراء وجعلت لها نظام التراب الخاص، ولمتستشرنا يوم نقلت أجزاء من الشمال سمَّتها أحوازًا ممتزجةً، فهي تصل وتفصل، وتتحكَّم كما تريد، بل أكثر من ذلك -كنَّا وما زلنا- نطلب أشياء من حقِّنا ونرفع أصواتنا بها فلا تسمعها حتى في تطبيق قوانين سنَّتها هي، ولا تخفي عنكم مواقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستوره، فإذا أرادت فرنسا اليوم أنْ تستشيرنا فلتستشر صاحب الحق وهو الشعب الجزائري كله، وهو وحده صاحب الحق في هذا. ثم أخذْت ورقةً صغيرةً ورفعتها بين أصابعي وقلت: لا أنت أيها الرئيس ولا أنا ولا أحد النواب هنا يملك أكثر من بطاقة استفتاء قدر هذه الورقة يُلقِيها في الصندوق يوم الاستفتاء بنعم أو بلا، هذا كلامي إليكم والسَّلام عليكم. فصفَّق النوابكلهم ونادوا هذا كلامنا جميعا، وانفضَّ الاجتماع وخرجنا، وتراكم النواب عليَّ يثنون ويشكرون لإنقاذ الموقف، فكانت هذه الكلمة في تلك الجلسة ضربة قاضية على الفصل والانفصاليِّين. اهـ. (1/137)
صفحة 137
ترى ماذا يقول أولئك الذين نشروا تقرير 9 أكتوبر 1986م وحرصوا على توزيعه -في هذا الموقف الذي لا يقفه إلَّا الند في وجه الند كما وقفته الحكومة المؤقَّتة وجبهة التَّحرير- بواسطة ممثليها في هيئة الأمم المتَّحدة، أو بواسطة مفاوضيها في كل من مفاوضات (مولان)، (لوقران)، (جنيف)، (وايفيرون) الأولى والثَّانية، إلى نهايتها باتفاقيات (ايفيان) تحت جماعة دوليَّة، أنْ يدلي المتكلمون والمفاوضون برأيهم بكل حرية مع ضمان أمنهم وسلامتهم.
ثم قال الشَّيخ بيُّوض في تقريره:
في 7 ديسمبر1960م أصدر -ديغول- أمره بفصل الصحراءعن الجزائر وربطها بفرنسا رأسًا تحت عنوان مزعوم -بالجمهوريَّة الصَّحراويَّة الجزائريَّة -فقام العامل ونوابه والحكام العسكريُّون بحمل نواب مجالس العمالات ورؤساء الدوائر وشيوخ البلديات على إرسال برقيَّات تأييدٍ وشكرٍ وامتنانٍ على ذلك إلى الجنرال -ديغول - أمَّا في ميزاب فإنَّ نائب العامل حاول بكل جهده حمل شيوخ البلديات على ذلك فامتنعوا، فجعل يلقاهم فرادى ليفرِّق بينهم فأصرُّوا، فرفع نائب العامل أمرهم إلى رئيسه العامل فدعاهم كلهم إلى مكتبه إلى ورقلة يوم 11 ديسمبر عشيَّة ليحملهم على الإبراق، فارتأيت أنْ أصاحبهم إلى الوالي وسأسبقهم إلى ورقلة، (1/138)
صفحة 138
وليطلبوا حضوري معهم في اجتماعهم بالعامل باعتباري نائبا عماليا عن دائرتهم، فاغتبطوا بالرأي والفكرة، وفعلًا وقع ذلك فوجدنا العامل غائبا في تقرت، وأثناء ذلك وردت أنباء حوادث (بلكور) ومظاهراته وضحاياها، فأمرت شيوخ البلدياتبالانصراف إلى مراكزهم لحفظ النظام والأمن، وفي نفس الوقت وفي نفسي قصد التخلص من بعض ضعفائهم> أمام الوالي، وطمأنتهم أنَّني سألقاه باسمهم، فانصرفوا فعلًا وانتظرت أنا الواليحتىلساعة العاشرة والنصف ليلا، فذهبْت صحبة شيخ مدينة ورقلة (المسيو اربلان)، قصصت على الوالي الخبر فسرَّ واغتبط لهذا الموقف، واعتبره حزمًا وحكمةً، ثم دخل صلب الموضوع فقال: والبرقيَّات؟ فتناقشنا فيها طويلًا، واحتدَّ النقاش في بعض الأوقات، وكان ممَّا كبر في نفس العامل وصرَّح به قائلًا حسب قوله: كيف أنَّ البلاد كلها أبرقت شكرًا وتأييدًا إلَّا ميزاب وحده، وأخيرا وبإعانة -المسيو اربلان-شيخ مدينة ورقلة،- والحق يقال - اقتنع العامل برأينا وعذرنا، فلم يبرق ميزاب مطلقًا ببرقيَّة لقبول ربط الصحراء بفرنسا رأسًا. اهـ.
قلنا: عجبا لبعض أولئك الذين نشروا التقرير وحرصوا على توزيعه أنْ يقلبوا كل الحقائق ويعتبروا الشَّيخ بيُّوض وأنصاره من دعاة فصل الصحراء عن التل، ومن دعاة ربطها بفرنسا رأسًا، ويضعوا ذلك في (1/139)
صفحة 139
مثالب الشَّيخ بيُّوض ونقائصه أو نقائضه حتى يجرِّدوه من صفة الوطنيَّة، ويصموه بوصمة العمالة والخيانة، وعرقلة الثورة ومعاكستها، ومعارضة مواقفها وتثبيط مؤيِّديها.
ثم قال الشَّيخ بيُّوض:
نشطت الحركة الثوريَّة بالقرارة والعمل لها خاصَّة مع الأخ الطَّالبي أحمد وبعض ضبَّاطه، فاشتمَّ الفرنسيُّون أخبار ذلك، لكنَّهم لم يقبضوا على شيء رغم المحاولات والحملات المتكرِّرة منهم، فحنقوا على القرارة وزادهم حنقا يأسهم من جهتي في قضيَّة فصلالصحراء، وقال بعضهم لبعض- وقد بلغني من مصدر وثيق- إنَّ سياسة الشَّيخ بيُّوض معنا كلها خداع، وأنَّه مع الثورة مائة في المائة، وأنَّ بلاء ميزاب كلها من القرارة.
فمكروا بالقرارة مكرًا لم تشهده قرية في الصحراء على الإطلاق وذلك يوم 28 أكتوبر 1961م، إذ جاؤوا بالملازم -الأخ رابح الأبيض- وآخرين معه فجاءوا بهم إلى القرارة متنكِّرين، ووضعوهم مختبئين في غرائر داخل خيمة مغلقة يطل من كوَّة، ثم طوَّقوا البلدة كلها بالجنود والدَّبَّابات والمصفَّحات، ثم أخرجوا الرجال كلهم من المدينة إلى نحو ميلين خارج البلدة وطوَّقوهم بالأسلاك الشَّائكة ثلاثة أيام وليلتين، وأباحوا البلدة كبلد (1/140)
صفحة 140
مفتوح لجندهم الليلة الأولى، وللحركيِّين الليلة الثَّانية بكل ما ومَنِ فيها، فسلبوا ونهبوا وهتكوا الأعراض وانتهكوا الحرمات، وأخرجوني أنا من السلك وكنْت من جملة المحاصرين فيه إلى آخر اليوم الأوَّل، أخرجوني مخادعة وقالوا: طمئِن النَّاس أنْ لا يصيب عائلاتهم سوء، فكان الأمر على العكس من ذلك، وكان حظِّي من هذه الكارثة وهذه النكبة كغيري إذ هجم على داري أفواج من الجند يخرج فوج ويدخل فوج آخر، وفتَّشوا قسمًا من المنزل في الليل، ثم بات منهم في الدار نيف وعشرون جنديًّا، وكانت جميع وثائقي عند زوجتي رجاء أنْ لا يقربوها، وفي الفجر قمنا لصلاة الفجر وما زال الجند يغطُّون في نومهم فانتبه بعضهم فقال ما هذا؟ فقلت: نسخِّن الماء للصَّلاة ونهيِّئ لكم القهوة، فأشعلت الزَّوجة النار في كل الوثائق مع الحطب فأكلت الناركل شيء، ثم قام الجند بتفتيش ما بقي من المنزل وسرقوا متاعا ومصوغا، وما كادوا يخرجون حتى هجم فوج آخر فأخبروهم أنَّهم قد كفوهم المؤونة. وكان عدد الجند المسرَّح على البلدة ألفا وخمسمائة جندي مدجَّجين بالسلاح بتصريح رئيسهم، وتتبَّعوا البلدة دارًا دارًا، أمَّا بقيَّة الرجال في المحتشد المحاصر بالأسلاك الشَّائكة فقد عرِضوا جميعًا واحدًا واحدًا على الملازم الأخ رابح الأبيض ومَنْ معه في مخبئهم، فمن أشاروا إليه اعتقل، وهكذا اعتقل خيرة الرجال العاملين في النَّشاط الثَّوري في البلدة وزجَّ بهم للسجن بعد التعذيب مثل الشَّيخ دحمان سعيد بن عبد الله، (1/141)
صفحة 141
والزِّيت محمَّد، واقدورة محمَّد، ومع كل ذلك لم يُعترَف لهم إلى اليوم بالجهاد ولا بالنضال، بل سُحبَت منهم بطاقاتهم سحبًا في عهد بعض أولئك الذين نشروا التقريرووزَّعوه، وقد اجتمع أولئك المناضلون المعتقلون في السجن مع الأخ الملازم رابح الأبيض، وقد عمل معهم وعملوا معه، فاعتذر لهم بأنَّ العذاب الذي لقيه عند الاستنطاق اضطرَّه إلى أنْ يذكر بعض الأسماء، لكنَّه قد ترك آخرين مثل الشَّيخ، ومديري المدارس والمعهد لحماية العمل الثَّوري في تلك المؤسَّسات من العشائر والمسجد ومؤسسات التعليم.
أمَّا أنا فقد وقع في شأني نزاعٌ شديدٌ كما حدَّثني ضابط رسميٌّ بين العسكريِّين والمدنيِّين على اعتقالي، ولكن العناية الإلهيَّة الرَّبَّانيَّة كانت معي بالحفظ والعناية ولله الحمد والشّكر.
فماذا يقول أولئك الذين كتبواالتقريرونشروه بسرعة وحرصوا على توزيعه وتعميمه على الأوساط، ماذا يقولون عن هذه النَّكبة للشَّيخ وبلدته وقومه تبعا له، أهذه عمالة لفرنسا، أم خيانة للثَّورة والقضيَّة الوطنيَّة؟؟!
منذ سنة 1957م والبعض يلحُّون عليَّ في الخروج إلى تونس أو إلى المغرب لأنجو بنفسي، ولكنِّي كنْت أقنعُهم أنَّ ذلك ليس في صالح الثورة، بل يعود بالأضرار التي لا تقدَّر ولا تُحمَد عقباها على العمل الثَّوري (1/142)
صفحة 142
والإصلاحي، وعلى القائمين لذلك هنا في هذه المنطقة وفي الجزائر بصفة عامة، وأنَّ العمل للثَّورة في داخل البلاد أفيَد وأهم من العمل في الخارج اللهم إلَّا مَنْ اضطرَّ اضطرارًا، أو اقتضاه العمل حتمًا خارج الجزائر.
ولمَّا تأسست الحكومة المؤقَّتة الأولى للجمهوريَّة الجزائريَّة بتونس، وشرعت السلطة الاستعماريَّة الفرنسيَّة في التقاط النُّخبة المثقَّفة من الجزائريِّين والقضاء عليهم بمختلف الوسائل والطرق كل الإخوان تخوَّفوا عليَّوجاءوني كما جاءوني مرارًا من قبل، ثم جاء سفير اتصالاتنا بتونس السيد الواهج الحاج يحيى يحمل توصيات من الحكومة المؤقَّتة الجزائريَّة، ومن بعض الأصدقاء مثل السيد عبَّاس التركي، ومن أبنائنا اللبة في بعثة تونس وخاصَّة منهم العاملين في دوائر ومصالح الحكومة المؤقَّتة مثل الأستاذ العساكر محمَّد مفادها التَّحذير من كيد الفرنسيِّين ومكرهم، فألحَّ الإخوان عليَّ كثيرًا في تنفيذ المقترح، وقالوا كل شيء مهيأ وجاهز ولا تهتمَّ بشيء، وأنَّ جيش التَّحرير على استعداد أنْ يوصلك إلى قلب تونس في أمن وسلام.
فأجبتهم قائلًا:
اعلموا وافهموا واقتنعوا بما أنا مقتنع به، أنَّه إذا كانت حكومتنا تحتاجني لعمل ما أقوم به وأسد فراغًا ممَّا لا يقوم به غيري فأنا مستعد (1/143)
صفحة 143
وحاضر، وهذا واجب عليَّ فسألبِّي النداء وأحزِم حقائبي من الآن، وأمَّا إنْ كان خروجي من الجزائر لمجرَّد الخوف عليَّ فأغادرها فارا بنفسي لأمكث في تونس أو في المغرب مع عشرات آلاف اللاجئين الذين أصبحوا كلا على حكومتنا أو على الحكومات المضيفة التُّونسيَّة أو المغربيَّة، فإنَّني لا أرتضي لنفسي هذه المنزلة، فمكثي هنا وعملي هنا تحت رعاية الله، ومشاركتي إخواني الجزائريِّين سرَّاءهم وضرَّاءهم في الدَّاخل خير لي في الدنيا والآخرة، وأنا غير راض عن كثير ممَّن فروا وهم الآن يتسكَّعون في شوارع تونس والرباط، أو يتاجرون وينعمون بخيرات البلدين، وفي رأيي أنَّهم لو بقوا هنا معنا لكان خيرا لنا ولهم، ولي ثقة بالله أنْ يحميَني ويحفظَني برعايته وعنايته، ثم توجَّهت لسفير اتصالاتي بتونس فطلبْت منه الجواب، فقال:
إنَّ الذين حرصوا على ذهابك إلى تونس إنَّما قصدهم حمايتك وإنقاذك من الخطر المحدق إبقاءً عليك. فشكرت لهم اهتمامهم بي وحرصهم عليَّ، ثم قلْت: اتركوني في حماية الله ورعايته. اهـ.
قلنا وإنَّ معظم الذين عاشوا وقاموا بتلك المحاولات ما زالوا على قيد الحياة كشهود عيان. (1/144)
صفحة 144
ويختتم الشَّيخ تقريره بموقفه من حوادث سبتمبر 1960م، إذ أشعل المستعمرون وأذنابهم الانفصاليون فتنة عمياء بين المالكيَّة والإباضيَّة بورقلة خاصَّة الميزابيِّين بها، بتحريض بعض الأوباش في ورقلة على السَّطو على دكاكين الميزابيِّين وممتلكاتهم وبساتينهم، فقاموا بذلك وتبعهم الغوغاء ممَّن لا خلاق لهم، فقتلوا وجرحوا وسلبوا ونهبوا وأشعلوا النار وأفسدوا غلل النَّخيل، فكانت فتنة عمياء هوجاء لم يشهد لها مثيل منذ قرون] بكل أسف بعد الاستقلال بسنة 1975م، وفي صيف 1985م، وبمرأى ومسمع بعض أولئك الذين نشروا التقرير 9 أكتوبر 1986م، (ولعلَّ البعض منهم بقي متفرِّجًا على مسرح الأحداث أو مغتبطا بها) [،فقال الفرنسيُّون على جهة التشفِّي وقد رفع الأمر إليهم، وهم أصحاب السلطة آنذاك: انظروا هذا ما سيفعل بكم بعد الاستقلال إذا تخلَّينا عنكم، فإنهم سيبدؤون بنا ويُثنّون باليهود ويثلِّثون بكم، وأنَّكم لا تفهمون ولا تفيقون من سباتكم، وتُصرون على البقاء معهم بربط الصحراء بالتل، ولا ترفضون الانفصال والاستقلال بأنفسكم إلخ.
هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا. ظنَّ الفرنسيُّون وأعوانهم الانفصاليون أنَّ هذه أنجع وسيلة لحمل الميزابيِّين الإباضيِّين على قبول فكرة فصل الصحراء عن التل، ولكن وحدي - بحمد الله وفضله - أفسدْت عليهم خطَّتهم، فكان من لطف الله وقضائه أنْ كان (1/145)
صفحة 145
أول قتيل وضحايا الفتنة شاب من القرارة كان مع أهله في ورقلة للعلاج في المستشفى،- وتلك أول زيارة له في عمره لورقلة-فأوتي بجثته إلى القرارة ليُدفَن فيها، فانتهزت الفرصة فدعوت السكان كلهم رجالًا ونساءً - إباضيَّة ومالكيَّة لشهود الجنازة، وأغلقت جميع الأسواق والدَّكاكين والمحلات، ونصبَت في مصلَّى الجنائز مكبِّرات الصوت، وأعدت أكثر من عشر مسجِّلات على ندرتها آنذاك - وحضر عدة آلاف، فألقيْت أوَّل درس على الجنازة دام أكثر من ساعة، ثم درسا ثانيًا في اليوم الثَّاني، ثم درسًا ثالثًا في اليوم الثَّالث -وكان بالسوق- وكان الجمع يزدادكل يوم كثرة، وقد استغرقت تلك الدروس الثلاثة عدة ساعات مما يتعذر تلخيصها في هذه العجالة من التقرير، وكل تلخيص لها يفقدها روعتها، إذ هي من أروع ما فتح الله به عليَّ من وعظ وإرشاد، بيْد أنِّي أشير إلى أنِّي نزلْت فيها بصواعق محرقة على الفرنسيِّين وأذنابهم الانفصاليِّين، أولئك المجرمين الذين هم كما صرحت به أعداء للجزائر، وأعداء للاستقلال، وأنَّهم بعملهم هذا يعطون حجَّة للذين يقولون إنَّ الجزائر منحطة متأخرة، وأهلها همج ولم يصلوا بعد إلى درجة استحقاق الاستقلال، وأنَّهم إذا استقالوا أكل بعضهم بعضا، ثم أطنبْت في أخوَّة المؤمنين، وفسَّرت جميع ما ورد في ذلك في سورة الحجرات، مستشهدًا بما يؤيِّد ويؤكِّد ذلك من الأحداث والأحاديث النبوية وأقوال السَّلف الصَّالح من هذه الأمة في (1/146)
صفحة 146
ذلك، ومن تمَّ ماتت الفتنة في مهدها والحمد لله، وخمدت نارها بفضل تلك الدروس التي انتشرت في أيام قليلة في جميع جهات القطر الجزائري.
[نقول نحن - بعض الذين أمضوا هذا التقرير-في خارج القطر إذ وصلت إلينا وإلى الحكومة المؤقَّتة بتونس فاستمع لها]، فأرسلت الأشرطة إلى كل جهة، وأذيعَت في كل قريةٍ من قرى ميزاب وغير ميزاب، وفي ورقلة، ونقلها الناس في مسجلاتهم الخاصة ينقلها البعض عن البعض، وبعثته إلى تقرت وبسكرة، وإلى داخل سجونها، وإلى باتنة والأوراسوقسنطينة، ثم إلى الوسط- الجزائر العاصمة وضواحيها - وإلى عاصمة الغرب وهران، وكانت تبلغني أصداؤها شكرًا عليها من كل مكان (خاصَّة من الحكومة المؤقَّتة بتونس)، وهكذا بفضل الله وبتلك الدروس سقِط في أيدي الذين دبَّروا المؤامرَة، فالتحمت القلوب، وتوثَّقت عرى الصَّداقة، والأخوَّة والتعاون والمودَّة كأشد ما تكون عليه بين المواطنين الإباضيَّة والمالكيَّة المتساكنين منذ قرون في هذه المنطقة، فاشتدَّ حنق الانفصاليِّين عليَّ، وبدت آثار ذلك عليهم، لكن الله تبارك وتعالى تولَّاني بحفظه ورعايته فله الحمد والمنة والشكر على كل حال. اهـ.
نقول وهاهم بعض أولئك الذين حرصوا على نشر تقرير 9 أكتوبر 1986م وجدوا في توزيعه وتعميمه، قد أنكروا كل هذا الواقع، وزيَّفوا (1/147)
صفحة 147
تلك الحقائق ليعيدوا الفتنة من جديد، ويُوقدُوا نار العداوة والبغضاء بين المواطنين المتساكنين بذلك التقريرالحاقد المزيف المغرض ولمَّا تندمل بعد جروح حوادث 1975م، وحوادث رمضان 1405هـ -جوان 1985م رغم حرص المخلصين من المسؤولين على إشاعة الألفة بين جميع المواطنين، وإبعاد عوامل التفرقة مهما كانت بواعثها ودواعيها، والحث على كتابة تاريخ الثورة كتابةً نقيةً تبقِيه أبيض ناصعًا، ليبقى للأجيال مفخرةً لهم ولأبنائهم.
وإنَّنا نحن الممضين لهذا التقرير نقول: إنَّ تلك المواقف التي ذكر الشَّيخ بعضها في تقريره وعقَّبنا عليها بما شهدناه ونشهد به كشهود عيان عشنا واقعه، وذلك ما حقَّقته الأيام فيما بعد بأمد قريب، إذ عُيِّن الشَّيخ بيُّوض -وباقتراح من الحكومة المؤقَّتة-بروشي نوار - بومرداس - لفترة ما بين 19 مارس 1962م بعد إيقاف القتال إلى تسليم السلطة بعد الاستفتاء والاستقلال، فهل كان ذلك التَّعيين عفويًّا أم حتميًّا جبريًّاعلى الحكومة المؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة، وعلى جبهة التَّحرير؟؟؟
وهل عجزت الثورة بما لها من مجلس وطني للثَّورة، ومن لجنة التَّنسيق والتَّنفيذ، ثم حكومة مؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة بما لها من نفوذ، وكذا إطارات جيش التَّحرير من جنود ورجال أمن وفدائيِّين ومسبَّلين، وكذا إطارات جبهة التَّحرير، ووسائل الإعلام، هل عجزت وهل يمكن (1/148)
صفحة 148
أنْ تعجز عن تصفية الحساب للشَّيخ بيُّوض لو تحقَّقت تباطؤه عن مناصرة الثورة والعمل لها، فضلًا عن عرقلة العاملين لها، وفضلًا عن معارضة لها وعمالة للفرنسيِّين، أو خيانة للثَّورة والقضيَّة الوطنيَّة، أفتعْجَز الثورة عنه وقد اغتالت - الشكالي- في قلب باريس إلى جانب رئيس الحكومة الفرنسيَّة، واغتالت - قروجي-الطَّاغية في شارع مشلي سابقا في وضح النَّهار؟؟ وأخيرًا كيف كانت خاتمة حياة الشَّيخ بيُّوض في الجزائر المستقلَّة بعد الاستقلال؟
بعيْد انتهاء مهامه كقائم مقام وزير التربية والتعليم والثقافة باللجنة التنفيذيَّة المؤقَّتة، إذ انتظمت السنة الدراسيَّة الأولى للاستقلال 1962 - 1963م، وتمَّ تسليم السلطة للحكومة الجزائريَّة التي وفدت من الخارج واستقرَّت بالجزائر - تفرَّغ الشَّيخ بيُّوض للوعظ في المسجد، وتدريس التَّفسير، فإذا ببعض السعاة بالوشاية؛ ومنهم البعض ممَّن نشروا أو وزعوا تقرير 9 أكتوبر -قاموا بكل ما في إمكانياتهم الرسمية وغير الرسمية لإيقافه من الوعظ والتدريس والتَّفسير وسعوا لدى الرئيس الأول -وحسبه ما آل إليه أمره اليوم-بتأميم ممتلكات الشَّيخ بيُّوض واعتقاله، وفعلًا تمَّكل ذلك، إذ اعتقل وزجَّ به في السجن وأمِّمت ممتلكاتهحتى دار سكناه الخاصَّة، كما اعتقل معه المجاهد (لقمان حمُّو) وهو أوَّل من آوى رجال جيش التَّحرير في بيته، ولكن بفضل الله وبفضل الرِّجال المخلصين تمَّت (1/149)
صفحة 149
المساعي لإطلاق سراحهما والإفراج عنهما، فخرج الشَّيخ من محنتهوقد سمَّاها منحة بعد حوالي ثمانين يوما-والحمد لله-فقد سجل التَّاريخوأثبتت الأيام مدى إخلاص أو خيانة ذلك الرئيس الأول وأشياعه الذين ما زالت طائفة منهم إلى اليوم من أولئك الذين ساهموا في نشر التقرير وحرصوا على توزيعه بما فيه من زيف الحقائق، قصد إثارة الشغب والقلاقل - على شاكلة زعيمهم السابقالرئيس الأوَّل - ومواقفه اليوم لا تخفى ضد المصلحة العامَّة للوطن؟
وأخيرًا لقد كان أحسن ما ختمت به حياة الشَّيخ بيُّوض ثلاثة مشاهد أكرمه الله بها في الدُّنيا والآخرة خير وأبقى، وذلك مهرجان القرآن الذي نظِّم له لمناسبة ختمه تفسير القرآن يوم 12 فيفري 1980م، وأقيم له مهرجان التكريم يوم 23 ماي 1980م وقد حضره عليَّة القوم والنخبة الوطنيَّة الصافية من الجزائر وخارج الجزائر، وعلى رأس الجميع ممثل رئيس الجمهوريَّة الأمين العام للحزب الحالي سيادة الرئيسالشادلي بن جديد، وقد قدَّم التهنئة باسمه الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم المستشار لدى الرئاسة، ومعه نخبة من الوزراء، ورجال العلم، وكبار المسؤولين في الحزب والجيش والدَّولة على المستوى الأعلى؛ المحلي والوطني. (1/150)
صفحة 150
ثانيها: موكب تشييع جنازته رحمه الله يوم الجمعة 16جانفي 1981م، وقد حضر الموكب الجنائزي نخبة من الوزراء وكبار الموظَّفين والمسؤولين المدنيِّين والعسكريِّين من مختلف المستويات المحليَّة والوطنيَّة على رداءة الطَّقس، علاوة على مئات البرقيَّات الواردة بالتعزية على رأسها برقيَّة التعزية من رئيس الجمهوريَّة.
ثالثها: حفل التأبين الذي أقيم له بعد حوالي ثمانين يومًا من وفاته، وقد حضره ما لا يقل-إنْ لم يزد- على من حضروا الموكب الجنائزي من داخل الجزائر وخارجها من الأقطار الصديقة والشقيقة؛ تونس وليبيا.
أفيُعقَل في عرفالعقلاء أولي الألباب أنْ تقام هذه المهرجانات الضخمة على ذلك النطاق والمستوى متتابعة ومتتابعة هكذا في بحر سنة واحدة لرجل يتَّهم في دينه أو وطنيَّته؟؟ اللَّهمَّ لا. فإنَّ رجال الحزب والدولة أوعى بواجبهم، وأعلم بقيم الرجال، وأبعد أنْ يُضحوا بالقيم الوطنيَّة والدينيَّة والعلميَّة والإصلاحيَّة من أجل شخص معيَّن مهما كان هو أو بطانته لو لم يكن هو في حدِّ ذاته رمزًا ومظهرًا لتلك المثل العليا في الدين والخلق والعلم والوطنيَّة الصَّادقة الأصيلة البعيدة عن كل تصنع أو تكلف. وعليه فإنَّ هذا الشَّيخ رحمه الله لذو خلق عظيم في دينه وعلمه وخدمة المصلحة العامَّة للوطن في مختلف المجالات والمستويات. (1/151)
صفحة 151
لذا فإنَّنا نحن المجاهدين والمناضلين الممضيين آخر هذا التقرير (*) نرجو - من جميع السلطات المعنيَّة بكتابة تاريخ الثورة خاصَّة وزارة المجاهدين، والمنظمة الوطنيَّة للمجاهدين - أنْ توقف ذلك التقرير الصادر يوم 9 أكتوبر 1986م عن ولاية غرداية، وتمنع نشره وتوزيعه، وتصادر منه ما يمكن مصادرته حتى يراجع ويصحَّح أخطاؤه والحقائق المزيَّفة فيه، ويتبنَّى المجلس الوطني الأعلى لكتابة تاريخ الثورة تحقيقه، فتعاد صياغته صيغة تجمع ولا تفرِّق، وتؤلِّف ولا تنفّر بين المواطنين المتساكنين، وتُوحِّد ولا تشتِّت صفوف المجاهدين والمناضلين، وتزرع بذور الأخوَّة والمودَّة بدلًا من زرع العداوة والشّقاق بين المواطنين في منطقة ما من الوطن، سواء بين الأجيال المتعايشة حاليًّا، أو الأجيال الصَّاعدة في المستقبل.
أمَّا ما أدرج في التقرير المذكور من ملحقات وصور ملتقطة من هنا وهناك فليس لها من مدلول إلَّا كما يكون من مدلول لكثير من الصور الملتقطة لكثير من رجال الدَّولة من ملوك ورؤساء ووزراء وزعماء مع أعدائهم في بعض مناسبات التزاور أو اللقاءات الرسمية الضروريَّة الحتميَّة، مثل الصور الملتقطة أثناء المفاوضات لأعضاء الحكومة المؤقَّتة مع أعضاء الوفد الفرنسي للتفاوض، والصور الملتقطة لبعض الوزراء والرؤساء العرب والمسلمين مع الرئيس الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني أو السُّوفياتي، وغيرهم كثيرين رغم العداوة المستحكمة، والحقد الدفين في قلوب أولئك (1/152)
صفحة 152
الرؤساء ضد الجزائر وشقيقاتها من الدول النامية المستضعفة، ولكن مع ذلك فإنَّ تلك الصور لتلك اللقاءات لا تدل من قريب أو بعيد عن أي تعاطف أو تواطئ من أولئك الوزراء أو الرؤساء مع عدوهم الألد الحقود.
وهلَّا وُضعَت إلى جانب تلك الصُّور المزعومة أو الملفقة من هنا وهناك الصور التذكاريَّة التاريخيَّة للشَّيخ بيُّوض، والعقيد محمَّد شعباني قائد الولاية السَّادسة وقد خصَّباستقبالٍ وحفلٍ كريمٍ، وتجوَّل في كلأجنحة المعهدوالمسجد الذي يحتضنه تكريمًا وتشريفًا. فهل يتصوَّر في حق قائد الولاية وما أدراك من قائد الولاية السَّادسة أنْ يكون من الغفلة أو قلَّة المعرفة والاطلاع بحقيقة الشَّيخ بيُّوض حتى يؤدِّي له تلك الزيارة مجاملةً له على عمالته؟ أو تنكرًا منه لمبادئ الثورة وقيمها.
وقد يكون من نافلة القول أنْ ننوِّه بالأجيال والإطارات التي كوَّنها الشَّيخ بيُّوض تكوينًا دينيًّا ووطنيًّا مؤصَّلا على الأصالة الجزائريَّة الإسلاميَّة العربيَّة، فنبتت وانتشرت بتوجيهه في كلمجالات العملالوطني سياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا وعلميًّا واجتماعيًّا، في مختلف الجهات من القطر وخارجه أيضا، من أعلى منابر الجامعة العربيَّة، والمجامع اللغويَّة للأمة العربيَّة، إلى رؤساء بلديَّات وما بين ذلك، فضلًا عمَّا دون ذلك. (1/153)
صفحة 153
أفبعد هذا يسجَّل تقرير 9 أكتوبر 1986م الصادر عن منظَّمة المجاهدين بولاية غرداية أنَّالشَّيخ بيُّوض وتلاميذه وأعوانه من رجال الإصلاح لم يعملوا للجزائر الثائرة ولا للجزائر المستقلة؟؟؟
هذا ما لا يرضى عاقل منصف للثَّورة وتاريخها وعوامل نجاحها وانتصارها أنْ يسجل في تاريخ أحد الرجال الممهدين لها والمسايرين لها، وقد أبلى بلاءً حسنًا في تحقيق أهدافها في الوحدة الوطنيَّة القوميَّة والترابيَّة دينيًّاوسياسيًّا، لضمان الاستقلالالإداري والسياسي والعسكريوالاقتصادي والثقافي، وليقضي علىكل مظاهر الغزو الأجنبيمهما كان نوعهوشكلهومظهره، ومهما كانت بواعثه وأهدافه ظاهرة أو خفيَّة.ژوقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ژ.
وختاما وقبل أنْ نضع توقيعاتنا (1) تصديقًا لكل ما ورد في هذا التقرير من حقائق ووقائع عشناها كشهود عيان، وعلمنا بما علمنا منها إبَّان وقوعها، إذ كان الشَّيخ يُطلِعنا -نحن الخاصَّة من ثقاته - على أغلب ما يقوم به أو يجرى له، فإنَّنا نُقرُّ عن أنفسنا ونُسجِّل للتاريخ أنَّ معظم ما قمنا به -إنْ لم يكن كل ما قمنا
__________
(1) - لم تورد التوقيعات إذ لا حاجة لذلك، وقد كتب التقرير نيابة عن المجاهدين والمناضلين الأستاذ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، بالقرارة في 17/ 11/1986. (1/154)
صفحة 154
به - من نشاط ثوري مع رجال جيش التحرير العسكريِّين أو مع رجال جبهة التحرير السياسيِّين، إنَّما قمنا بذلك بإرشادات وتوجيهات الشَّيخ بيُّوض، وقد اقتنعنا بذلك من بداية الثورة، وهتفنا وتغنَّينا بها قبل ذلك، إذ كان متصلًا اتصالًا وثيقًا ومباشرًا بالحركات الإصلاحيَّة، ورجال الثورة في الداخل وفي الخارج، وعلى مستوى قرى ميزاب وخارجها، والله على ما نقول شهيد. (1/155)
صفحة 155
تقرير أعضاء لجنة اليقظة حول أحداث
القرارة الواقعة في أواخر سبتمبر 1989م
السيد الوالي المحترم بولاية غرداية
وفقنا الله وإياه لما فيه خير الدين والوطن، السَّلام عليكم ورحمة الله. وبعد فنحن أعضاء لجنة اليقظة للأحياء بمدينة القرارة، لنا الشَّرف منذ شرَّفتمونا أو كلفتمونا بالمشاركة والسَّهر على إقرار الأمن واستتباب النظام بالمدينة بعد الأيام العصيبة التي مرَّت بالقرارة، وكادت أنْ تأتي وتقضي على الأخضر واليابس من المكتسبات العامَّة والخاصَّة؛ الماديَّة والأدبيَّة التي تُعتَبر حصيلة الجد والاجتهاد، والجهاد الرُّوحي الذي قام به أعيان وزعماء الإصلاح بالبلد منذ عشرات السنين، ولكن بفضل الله ولطفه، وبفضل المجهودات المتضافرة والمنسقة بين السلطات المختصة الإداريَّة والحزبيَّة والعسكريَّة والنيابيَّة، وبين السلطات الروحيَّة الدينيَّة والتَّربويَّة، وتحت إشراف سيادتكم أنتم ومساعديكم تمَّت السَّيطرة على الأحداث بإيقاف الشَّغب، وإقرار الأمن والسِّلم، والحمد لله.
سيادة الوالي: إنَّنا وقد حظينا بهذه المقابلة معكم فإنَّنا نقدِّم إليكم - بكل صراحة وموضوعيَّة- تشكراتنا من جهة على ما بذلتموه، وتمنياتنا وتمنيات الجماهير الواعية لما ستبذلونه من مجهودات لتحقيق ما وعدتموه (1/156)
صفحة 156
والتزمتهم به من إقرار الحقِّ في نصابه، بتطبيق القانون بصفتكم رجل القانون كما تعهَّدتم وأقسمتم عليه.
ومن جهة أخرى فإنَّنا نبلِّغ إليكم المشاعر والأحاسيس الجماهيريَّة للمواطنين عن هويَّة هذه الأحداث وأسبابها القريبة والبعيدة التي لا ترجع لمجرد تعليق لافتة لاسم مؤسَّسة من المؤسسات التربويَّة، وإنَّما جذورها أعمق من ذلك إذ ترجع إلى ما يزيد على خمس وعشرين سنة من الأحداث المستفزة من بعض عناصر الشغب، والمواقف السلبيَّة لبعض السلطات الماضية الضَّعيفة أو المتوانية بل والمتواطئة على عرقلة تطبيق القانون، وذلك في الأحداث التالية:
1 ــ نكبة القرارة سنة 1964م، وقد هتكت حرمات بعض المحلَّات الخاصَّة والعامَّة، وهضمت حريَّة المواطنين في عقد جمعيَّة عامَّة بصفة رسميَّة لجمعيَّة قدماء التلاميذ الرسميَّة القانونيَّة، فضرب على القرارة شبه حصار بالقوات تجوب الشوارع والأزقَّة، وتفتِّش السَّيارات، وتطارد الأشخاص داخل المدينة وخارجها، ولم تسلم من ذلك حتى المساجد.
2 ــ اضطهاد فرقة اليقظة والحراسة في البلد سنة 1964م، وهي فرقة مأذون لها بصفة رسميَّة من قبل، فنالت من الاضطهاد والتعذيب ما أفقد بعض الحرَّاس بعض حواسهم بصفة دائمة مؤبَّدة، منهم مَنْ قضى (1/157)
صفحة 157
نحبه، ومنهم مَنْ ينتظر، وذلك على مرأى ومسمع وعلم جميع المواطنين دون أنْ تتَّخذ السلطات المعنيَّة آنذاك أي موقف يذكر إزاء الظَّالم، لتجفيف دموع المظلومين وجبر ضررهم.
3 ــ تأميم أملاك الشَّيخ بيُّوض إبراهيم-مربِّي الأجيال- بقرار ارتجالي من بعض السلطات المحليَّة، وما أنْ انتهى القرار إلى الدوائر العليا حتى أرجعت إليه معظم ممتلكاته.
4 ــ اعتقال الشَّيخ بيُّوض وسجنه ثمانين يومًا، وأثر ذلك في نفوس المواطنين لولا وعي بعض السلطات العليا التي أطلقت سراحه كزعيم من زعماء الوطن الجزائري، والعربي والإسلامي.
5 ــ إيقافه عن درس التَّفسير للقرآن لولا أنْقيّض الله نخبة من ذوي الوعي الديني والوطني، فأذِنوا له باستئناف الدرس تحت إشراف وبحضور نخبة من العلماء على المستوى الوطني.
6 ــ التصفية الجماعيَّة للمناضلين والمجاهدين الإباضيِّين سنة 1968م عندما أعلن عن الانخراط، وتجديد الانخراط في حزب جبهة التَّحرير الوطني، وتمَّ إحكام إغلاق أبواب الحزب في وجه النخبة المثقفة الواعية والمناضلة من الشباب الإباضي. (1/158)
صفحة 158
7 ــ استفزاز الرأي العام من طرف بعض المسؤولين السَّابقين عند مناسبة كل انتخاب للهيئات التمثيليَّة النيابيَّة، إذ يصدرون قوائم المرشحين المزدوجة مصبوغة بصبغة التحيز المذهبي السَّافر تحيُّزًا عكسيًّا، فبينما يمثِّل الإباضيَّة ثلثي سكَّان المنطقة أو أكثر، فإذا بالقوائم تصدر عكسيَّة؛ ثلثا أعضائها يمثِّلون الأقلِّية ولا يمنح للأغلبيَّة إلَّا ثلث الأعضاء أو أقل، إلى درجة حرمانهم من حريَّة وحقِّ الاختيار بين المرشحين.
8 ــ التصرُّفات العشوائيَّة التعسفيَّة في تطبيق قانون الثورة الزراعيَّة على أساس تصفية الحسابات بين بعض المسؤولين الحزبيِّين المحليِّين، ونخبة المؤمنين الإباضيِّين، مخترقين في ذلك قانون الثورة الزراعيَّة نفسه، فضلًا عن حقوق الملكيَّة شرعًا وقانونًا.
9 ــ حوادث 1975م بالقرارة بكل ما فيها من عوامل وأسباب ومقدمات ونتائج وخلفيَّات ومضاعفات في نفوس الشباب، ولم تتَّخذ السلطات المحليَّة آنذاك أيَّموقفٍ لإرجاع الحقِّ إلى نصابه، وتطبيق القانون بكل نزاهة وعدالة على المستحقِّين، ولعلَّ أحكام بعض السلطات آنذاك عكست الوقائع، وشوَّهت الحقائق.
10 ــالتقرير الأسود الذي نشرته اتحاديَّة المجاهدين بغرداية متوخِّية فيه تزييف كثير من الحقائق التاريخيَّة لكفاح المنطقة في الثورةالتحريريَّة، (1/159)
صفحة 159
فنسبت الجهاد لبعض مَنْ لم يكن شيئًا مذكورًا في الثورة بل كان ضدِّها، كما سلبت وَصْف الجهاد وأضْفت وَصْف الخيانة على مَنْ كان المركز الأوَّل والمسيِّر الحكيم للنَّشاط والعمل الثَّوري والكفاح التَّحريري في مختلف مجالاته؛ السياسي والعسكري.
11 ــ تنكُّر أغلب ذوي المسؤوليَّات والسلطات المحليَّة السابقة لأمجاد هذه المنطقة وكأنَّها وليدة اليوم، أو ما زال أهاليها في العدم، والتاريخ يُثبِت توالي واستمرار أمجادها ألف سنة وتزيد، فلم تسم عليهم بل ألغيَت تسميات كانت لهم من قبل، مثل القطب الشَّيخ اطفيَّش، والدكتور قضّي بكير، ومثل الشَّيخ عبد العزيز الثميني، والشَّيخ صالح بابكر، وإبراهيم بن بكير، والشَّيخ بالحاج، والحاج إبراهيم البريكي، والشَّيخ صالح بن يحيى مثلا، وغيرهم كثيرون.
12 ــ إزالة بعض اللوحات الفنيَّة رسمت لبعض شخصيَّات علميَّة عملاقة على مستوى الجزائر وخارجها، تمثِّل صورها ونبذة عن تاريخها وكفاحها العلمي والأدبي، زينت بها بعض المؤسَّسات التربويَّة؛ كمؤسَّسة ابن خلدون، توعية للتلاميذ بأمجادهم الوطنيَّة، فأُزِيحت عن أنظارهم بعد أنْ تعشَّقوها، وأخفيَت ولا يعلم مصيرها إلَّا الله والقائمون بإزالتها من مديري المؤسَّسة. (1/160)
صفحة 160
13 ــ حوادث غرداية سنة 1985م، وقد حاول بعض المشاغبين نقل شرارتها إلى القرارة لولا يقظة القائمين بتوعية المواطنين على مستوى المساجد والمدارس والعشائر والأعراس، وقد تمثَّلت فيهم معاني الأخوَّة والوحدة في الدين والوطن، فحالوا دون أي تجاوب مع حوادث غرداية متحكِّمين في الجماهير، وانتصروا على المشاغبين الذين بقوا من ذلك التاريخ إلى اليوم يتربَّصون الدوائر والكرة على القرارة. ولمَّا رأوا السلطات المحليَّة آنذاك متغافلة عن المشاغبين المتسبِّبين بل متسامحة معهم، وربَّما قد قلبت الأوضاع في حقِّ البعض، فأصبح الحقّ باطلًا والباطل حقًّا، واعتبر المظلوم ظالما زج به في السجون شهورًا وأعوامًا، وغدا الظَّالم مظلومًا أطلق سراحه يسرح ويمرح في الأزقَّة والشَّوارع، يأكل الطَّعام ويمشي في الأسواق مستفزًّا لمشاعر المواطنين، وهنا أعاد التاريخ نفسه، فتشجَّع العناصر المشاغبون بالقرارة اليوم على القيام بما قاموا به أسوة ببطانتهم، وامتثالًا لتوصيَّات أو توجيهات قد يكونون تلقَّوها من زملائهم أمثالهم في غرداية، محرِّضين لهم على ما قاموا به (1).
سيادة الوالي: إنَّنا نرفع إليكم هذاالتقرير المختصر في هذه النقط، وإنَّها لقليل من كثير، إنَّما نرفعه إليكم لما وضعتم فينا ووضعنا فيكم من ثقة
__________
(1) - وذلك ما وقع من فتنة عمياء؛ حرقًا وقتلًا ونهبًا، في رمضان من 1436هـ، الموافق لجويلية 2015م. (م. ن). (1/161)
صفحة 161
-وفق تصريحكم- أنَّكم رجل القانون تطبِّقونه على كل مَنْ استحقَّ أنْ يطبَّق عليه مهما كان مقامه، أو درجته في المواطنة أو الوظيف ولو على أنفسكم كما قلتم، وأنَّكم ستدرسون الموضوع بكل جدِّيَّة وعناية للتَّعرُّف على الأسباب والبواعث الحقيقيَّة على الشَّغب، فتقصُّوا عليها لإقرار الأمن الحقيقي، والسِّلم الدائم في المنطقة.
وإنَّنا إذ نبلغ إليكم هذه الأحاسيس والمشاعر عن الجماهير، وقد استجابت للتوعية والتوجيه والتَّهدئة، فهدأت هدوء نسبيا-بمثابة هدوء ما قبل العاصفة- كما يقال، ونسأل الله أنْ لا تهبمرة أخرى، ولكنَّهم كلهم ينتظرون منكم تطبيق القانون، وتحقيق طموحاتهم في تمكينهم من حقِّهم الشَّرعي خاصَّة تشريف مؤسَّستهم الثَّانويَّة باسم مربِّيهم وأستاذهم وشيخهم وإمامهم ومعلِّمهم الأول في الحقل الوطني والسياسي، فضلًا عن المجال العلمي والديني، الزَّعيم الإمام الشَّيخ بيُّوض في وطنه وبلدته وعشيرته وبين أبنائه الروحيِّين وتلامذته ومريديه في الثورة وخارجها، وفي نطاق الولاية وخارج الولاية، وعلى مستوى الجزائر وخارج الجزائر، وإنَّهم لن يرضوا عن ذلك بديلًا مهما كانت التَّكاليف، ومهما كانت الموانع والاعتبارات، ما دامت التسمية رسميَّة قانونيَّة. وكيف يحال دون ذلك وقد شرَّفته السلطات الوطنيَّة من أولى درجات السلم الحزبي والإداري في البلديَّة والدائرة والولاية، إلى أعلى درجات المسؤوليَّات (1/162)
صفحة 162
على مستوى الحكومة ووزارتها ورئاستها، ومستوى أمانة الحزب، ورئاسة الجمهوريَّة، بتكريمه في حفل ختم التَّفسير لكتاب الله العزيز بمهرجان تاريخي عظيم تحت عنوان "في رحاب القرآن" سنة 1980م، وتجلَّى مثل ذلك التكريم أيضا وأكثر بمناسبة موكب تشييع جنازته في جانفي 1981م، وفي حفل تأبينه في ماي من نفس السَّنة، وقد خسرت فيه الجزائر والعالم الإسلامي زعيمًا من زعماء الإصلاح الديني والعلمي والاجتماعي والسياسي والوطني، حتى اعتبِر أخطر عدوٍّ لفرنسا وكيانها الاستعماري في الجزائر وخارجها.
إنَّنا إذ نبلِّغ هذا -وإنْ كنتم على علم من قبل- فكلنا آمال أنْ تكونوا في مستوى مسؤولياتكم وتعهداتكم في إقرار الأمن والسلم في المنطقة، بتطبيق القانون على ضوء تفهمكم لأوضاعها الاجتماعيَّة، ونحن على استعداد لمساعدتكم على ذلك مهما برهنتم للجماهير على صدق نواياكم، وتعهداتكم في أقرب فرصة ممكنة. وإلَّا فإنَّنا نخشى أنْ يأتي وقت لا قدَّر الله يفلت الزمام من أيدي الماسكين له بحكمة، فتنقلب جماهير الشباب وهي تغلي كالمرجل أو البركان إذا لم تر شيئًا من تحقيق مطامحها، فتشقَّ سبيلها بصفة عشوائيَّة تلقائيَّة لتقرير مصيرها بنفسها، في عهد الشفافيَّة والديمقراطيَّة وحريَّة الانتماء للتكتُّلات الحزبيَّة. (1/163)
صفحة 163
سيادة الوالي: نرجو أنْ لا يخيب ظننا وظن الجماهير فيكم، كما لا تريدون أنْ يخيب ظنكم فينا وفي الشرائح الشعبيَّة الواعية لمسؤوليَّاتها الدينيَّة والوطنيَّة.
ژوالذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين ژ.
التوقيع: أعضاء لجنة اليقظة
القرارة يوم 15 أكتوبر 1989م (1/164)
صفحة 164
هذا هو النص الأصلي عن المقاومة الجزائرية بالصحراء، وقد صدر باللغة الفرنسية في جريدة المجاهد اللسان الرسمي لجبهة التحرير الوطني في عددها الصادر في 16 جانفي 1962م.
AU SAHARAALGERIEN :
UNE RESISTANCEECULAIRE
La btte pour l’intégrité du territoire algérien s’est affirmée héroïquement depuis plus d’un siècle à travers l’histoire de la résistance nationale contre l’envahisseur étranger. Pendant plus de cent vingt années et encore aujourd’hui, le peuple algérien oppose avec la même volonté inébranlable son unité, aux colonialistes français, à leurs répressions, à leurs manœuvres, à leurs mensonges.
Les multiples manœuvres et menées impérialistes françaises qui visaient à amputer l’Algérie desa partie méridionale ont été déjouées. Le 5 juillet 1961, le peuple algérien, du Nord au Sud, s’est prononcé. (1/165)
صفحة 165
Mais d’autres manœuvres et d’autres complots colonialistes continuent à se tramer derrière des «conférences économiques» et autres opérations de confusion. Un traitre à la solde de l’administration française, Boubekeur un général français qui se dit député des sahariens Pigeot, s’agitent et défendent ouvertement les intérêts des colonialistes français. Après plus de sept années de combat, certains impérialistes, reprenant les thèses chères à M. Debré et autres spécialistes de l’opération «Katanga» en Algérie, rêvent toujours de diviser pour mieux régner.
Mais les Etats africains, indépendants, sont aujourd’hui conscients du machiavélisme des colonialistes français. Les Nations Unies ont reconnu le droit de l’Algérie à l’indépendance, dans l’intégrité de son territoire.
Il est utile de rappeler, à ce propos, la cristallisation de toutes les forces nationales dans la lutte contre le (1/166)
صفحة 166
colonialisme. L’unité du peuple et l’intégrité du territoire s’affirment comme les constantes de la Résistance
Nationale et les objectifs sacrés pour lesquels des millions de patriotes sont morts.
UNE RESISTANCE HEROIQUE
La participation de la population du Sahara algérien à la lutte contre l’envahisseur s’est manifestée dès le début de la conquête del’Algérie. En rejoignant les forces de l’émir Abdel Kader dont le Khalifat s’étendait à Biskra et dans les Zibans, les Ouled Sidi Cheikh, les Ouled Naïl et les autres habitants du Sud algérien ont apporté leur contribution à la défense de leur partie.
Une répression sanglante s’est abattue du nord au sud avec la même sauvagerie. Les Hamyan qui n’ont cessé de soutenir Abdel Kader, se soulèvent durant trois années de 1846 à 1849. (1/167)
صفحة 167
En 1852, une guerre d’extermination est livrée à plusieurs tribus du Sahara, notamment à Ouargla, Laghouat.
Pour continuer la conquête du Sahara, les colonialistes appliquent la technique «de la terre brulée», du pillage et des massacres.
«Quant aux destructions d’oasis sahariennes, elles furent systématiquement pratiquées pendant la période de pacification du Sud ... »
«En Algérie, les officiers qui les employaient ... déclaraient ne pouvoir amener autrement les dissidents à la soumission».
UN FRONT NATIONAL CONTRE L’ENVAHISSEUR
En 1860, créant un vaste front de résistance armée entre Djidjelli, Mila et le Sahara, les chaàmba et les (1/168)
صفحة 168
habitants du Touat s’insurgent. La répression s’accentue. Les points d’eau sahariens sont détruits ou pollués par les colonialistes qui visent à ruiner tout le commerce algérien. La pénétration armée dans le Sud avait essentiellement des buts stratégiques et mercantiles. Le ministre de la guerre de Louis Philippe, n’avait-il pas formulé dès 1847 ces visées:
«Le Sahara algérien, en d’autres termes, les territoires situés au-delà du Tell, devraient former une troisième catégorie (de régions administratives)».
En effet, le commerce algérien était alors florissant. Les Algériens avaient établi des liens continus entre Alger et les confins du Hoggar. Plusieurs lignes commerciales, de Bou-Saada et de Biskra étaient en relation directe avec les caravaniers Touaregs et principalement les Ahagger et les Ajjers, comme l’a décrit le français Daumas, dans son livre : «Le Sahara algérien» écrit en 1842. (1/169)
صفحة 169
LES VISEES IMPERIALISTES
C’est ainsi que, pour contrôler le commerce algérien et conquérir le reste du territoire algérien, les colonialistes multiplient leurs incursions dans le Sahara.
Des «missions» commerciales chargées d’espionner se suivent, encadrées par des colonnes françaises.
Mais partout, L’armée ennemie rencontre la Résistance saharienne.
Jusqu’en 1873, elle ne parvient guère à infléchir la volonté farouche des Algériens de s’opposer à la mainmise sur le Sahara et sur le commerce national.
Face aux menaces coloniales et à l’invasion étrangère, les Touaregs organisent aussi la résistance armée. Les Ajjers reçoivent des renforts et des armes d’une garnison turque de Tripolitaine qui vient combattre à leurs côtés dans leurs forteresses de Ghât. Plus tard, la colonne militaire française de Flatters est décimée, par les Ahaggar avec l’appui des (1/170)
صفحة 170
Chaâmba et des commerçants d’In-Salah. L’anéantissement de cette colonne démontrait l’unanimité de la résistance algérienne contre les colonisateurs.
Les Oasis du Touat, du Gourara et du Tidikelt continuent la guerre même après la chute d’In-Salah en 1899. Mais les manœuvres d’intimidation et les expéditions de l’ennemi font place au génocide du Touat en 1904 : les soldats français massacrent systématiquement toute cette population.
Le régime militaire est alors étendu à «tous les territoires algériens du Sud» pour opprimer et exploiter les Sahariens.
De nouveau, en 1916, comme dans les Aurès et pour les mêmes raisons, les Touaregs se soulèvent et refusent d’être incorporés dans les rangs français. Les troupes d’occupation sont obligées d’évacuer Djanet pour revenir plus tard avec des renforts, perpétrer les massacres de (1/171)
صفحة 171
1917. La résistance se prolonge de façon continue jusqu’à l’insurrection nationale de 1954.
VERS LA LIBERATION NATIONALE
Dès le début de la guerre de libération, les Sahariens ont prouvé leur attachement à la lutte armée, portant ainsi le combat libérateur à l’ensemble du territoire algérien. La foi qui les anime depuis plus de 7 ans n’a été entamée ni par les conditions de lutte très difficiles ni par les exactions et les crimes d’une puissante armée étrangère.
Le 2 juillet 1956, l’A.L.N attaque un poste au Sud de Béchar. Cette action fut réalisée avec l’aide d’une compagnie saharienne qui rejoint au grand complet les rangs de l’A.L.N. Après un violent combat, les Français se replient abandonnant plusieurs dizaines de morts, blessée et prisonniers ainsi qu’un important armement. (1/172)
صفحة 172
D’autres engagements ont lieu, comme celui du Merkela (9 oct. 1956) qui a couté 20 morts et 16 blessés à l’ennemi, celui de Taghirt (1 mai 1957) au cours duquel une compagnie de méharistes rejoint l’A.L.N.
C’est d’ailleurs à cette époque que le général Boucher De Crèvecœur, commandant de l’armée ennemie au Sahara, a dûavouer : les Méharistes nous lâchent, nous allons avoir à assurer la police du désert.
Le 14 juillet 1957, la centrale électrique de Laghouat est détruite.
Quelques mois plus tard, une bataille rangée se déroule autour de Hassi Sakka à proximité de Timimoune.
Cependant, l’appareil policier et militaire français s’est appesanti de plus en plus sauvagement sur les populations méridionales de l’Algérie. L’ennemi, conscient de la participation active des Algériens à la lutte nationale, a accentué «la mise en condition» des populations du Sud. (1/173)
صفحة 173
C’est ainsi que les C.A.S s’établissent au Sahara. Comme leurs homologues du Nord, les S.A.S, ils sont composés d’un encadrement militaire agissant directement sur la population.
La politique du «resserrement» et du «regroupement» est aussi appliquée à l’encontre des nomades algériens. Parqués dans «les points de resserrement», ils ont vu leurs troupeaux dépérir.
Malgré la répression, malgré les manœuvres colonialistes, la lutte continue. Le 20 février 1961, le commando A.L.N «Taghazi» inflige de lourdes pertes à l’ennemi. Le 5 juillet 1961, les consignes lancées par le G.P.R.A, sont reprises dans plusieurs centres du Sahara notamment à Laghouat et à Adrar. Quelques jours plus tard, non loin de Ghardaïa, un violent engagement oppose un détachement de l’A.L.N à des unités ennemies qui subissent de lourdes pertes. (1/174)
صفحة 174
Au cours de l’été 1961, l’ennemi est obligé une fois de plus, de déplacer les compagnies sahariennes du Hoggar à la suite de nombreuses désertions vers les groupes sahariens de l’A.L.N.
LES AGISSEMENTS DE BOUBAKER
Les colonialistes français n’ont pas cessé d’inspirer et de diriger des conspirations visant à amputer le Sahara du territoire algérien.
En juillet 1959, un projet de «République Saharienne Autonome» bâtie sur le principe qui permit plus tard à Tshombé au Congo, de mener à terme la sécession du Katanga __ fut présenté par le «Député des Oasis», Hamza Boubaker, à des notabilités sahariennes.
L’idée de ce qu’on appela en 1960, la «Congolisation de l’Afrique», revient donc aux colonialistes français et elle s’appliquait à l’Algérie. (1/175)
صفحة 175
Maître de cet immense réservoir d’énergie qu’est le Sahara, l’impérialisme français aurait perpétué sa domination économique et militaire, non seulement sur l’Algérie et le Maghreb, mais aussi sur la grande partie du continent africain correspondant à l’ancien empire colonial français. Il fallait d’abord convaincre les notables.
MANŒUVRES ET INTIMIDATION
C’est à Hamza Boubaker, agent des milieux financiers ultracolonialistes, que le gouvernement de Paris confia cette tâche. Au cours d’une réunion à Laghouat, puis d’un déjeuner à Saint-Eugène, dans la banlieue d’Alger, les chefs spirituels des populations sahariennes, firent connaître leur opposition systématique à toute tentative de mutilation du territoire national.
En réponse, Boubaker fit arrêter l’un des chefs de la «zaouïa Tidjania», et demanda l’aide du gouvernement (1/176)
صفحة 176
français qui se décida à intervenir directement lui-même, qui se déplaça, bientôt suivi d’une mission gouvernementale présidée par Guichard, représentant le général de Gaulle. Cette mission échoua.
Boubaker, cependant poursuivait son action et, une fois encore, en avril 1961, il réunit avec l’appui de la police et de l’armée française, 54 représentants de régions sahariennes. La réunion tenue dans la mission du préfet des Oasis à Ouargla, se termina par un fiasco pour ses organisateurs.
L’administration française employa alors ses méthodes traditionnelles de provocation et de chantage. Une opération d’envergure fut menée personnellement par le Gouvernement de la Banque d’Algérie, ami personnel du général Challe et «bienfaiteur» des organisations fascistes. Il s’agit, là encore, de réduire les commerçants d’origine saharienne, principalement lesMozabites, à la banqueroute. Le Gouverneur de la Banque d’Algérie, aidé par l’agent d’affaires Tubiana, de la Banque (1/177)
صفحة 177
Populaire, et l’avocat Gazon,ordonnèrent aux tribunaux de commerce de rendre des arrêts de faillite, contre les commerçants mozabites suspects de patriotisme, tandis que les banques leur refusaient les facilités habituelles en exigeant le remboursement immédiat de prêts.
Ceux que «l’opération banqueroute» ne toucha pas, furent victimes des plastiqueurs de l’O.A.S ; plus de 90 magasins d’Alger appartenant à des Sahariens furent détruits. L’activité commerciale de ces Algériens est, aujourd’hui pratiquement interrompue.
Les populations sahariennes ne se désarmèrent pas pour autant. Le nombre de fidayine dans le centre et la région d’Ouargla s’accrut, leurs actions, notamment en août 1961, s’accentuèrent et les manifestations d’attachement au Gouvernement Provisoire de la République Algérienne des ouvriers, des chantiers pétrolifères (Hassi-Messaoud, entre autres) se multiplièrent. (1/178)
صفحة 178
PROVOCATION ET REPRESSION
La première mesure prise par le Secrétaire général du département des Oasis, Abrial, et le commandant de la zone militaire, fut la déportation dans les camps du Nord de l’Algérie de 1500 ouvriers pétroliers de la région d’Ouargla.
Le recours à la provocation religieuse fut ensuite décidé. Le 5 septembre 1961, l’Administration coloniale dépêcha un groupe de harkis qui dévasta la mosquée d’Ouargla s’acharnant sur les livres saints et répandant la rumeur de ce saccage était l’œuvre des Mozabites. Mais, encore une fois, la vigilance des Sahariens déjoua la manœuvre.
Aujourd’hui la répression dirigée par Erdelin, beau-frère de la «députée» Sid-Cara et maire d’Ouargla __ est menée contre les populations de la région. Les chefs spirituels sahariens ont été emprisonnés avec plusieurs de leur compagnons, des commerçants expropriés et (1/179)
صفحة 179
déportés, tandis que que les exactions des harkis sont ouvertement soutenues et encouragées par l’armée et l’administration françaises. Les premières victimes de cette Répression sont évidemment les Sahariens que l’on voudrait voir désavouer leur gouvernement et le F.L.N.
Mais, malgré leurs défaites répétées, l’ancien ministre Max Lejeune, l’ex-préfet Baylot, le fasciste Biaggi, ont présenté, le 4 décembre, aux Nigériens, Boubaker, comme le «représentant des populations sahariennes». Les comparses ont tenté de relancer leur projet avorté de République Saharienne. Ce fut l’occasion pour le président Hamani Diori d’affirmer : «je n’aiderai jamais et en aucune façon, la création d’un Katanga saharien».
Là, comme ailleurs, les tentatives des colonialistes de mutiler le territoire national algérien sont vouées à l’échec. (1/180)
صفحة 180
ملحق
الوثائق التاريخية (1/181)
صفحة 181
[صورة] (1/182)
صفحة 182
[صورة] (1/183)
صفحة 183
[صورة] (1/184)
صفحة 184
[صورة] (1/185)
صفحة 185
[صورة] (1/186)
صفحة 186
[صورة] (1/187)
صفحة 187
[صورة] (1/188)
صفحة 188
[صورة] (1/189)
صفحة 189
[صورة] (1/190)
صفحة 190
[صورة] (1/191)
صفحة 191
[صورة] (1/192)
صفحة 192
[صورة] (1/193)
صفحة 193
[صورة] (1/194)
صفحة 194
أعمالي في الثورة للشيخ بيوض
هل كان الشيخ بيوض عميلا لفرنسا؟!
التاريخ لا يتجزأ. ما بين الحلم بالعودة إلى الماضي، والحلم بالانتقال إلى المستقبل هناك قضايا تستحق الكتابة.
وفي تاريخنا الحديث تفاصيل لقضايا كثيرة مخيبة للآمال وما بين زمن مضى وآخر سيأتي هناك من يكتب التاريخ كهدف ووسيلة لتحقيق المقاصد.
ونحن نحتفل بذكرى مظاهرات ديسمبر، تبقى كتابة تاريخ الثورة طي النسيان، ومن ثم العشرات من القضايا التي تبحث عن إجابة واستجابة لمنطق التاريخ. نعرض في موضوعنا هذا إحدى هاته القضايا التي أسالت الكثير من الحبر في منطقة يفترض أنْ يكون تاريخها مشرقا.
القضية تخص الشَّيخ بيُّوض رحمه الله والزوبعة التي أحدثها في أواسط مجاهدي الولاية السادسة، كتابه "أعمال في الثورة" الذي نشرته جمعية التراث.
بداية البحث عن الحقيقة كانت من خلال المؤتمر الثامن للمجاهدين حين رفعت لائحة تدين الكتاب، ووقتها اعتبرنا اللائحة شبيهة بمثيلاتها، لكن بعد مدة يظهر مقال مستوحى من كتاب "أعمالي في الثورة" بجريدة السلام وبإمضاء هيئة التحرير!! يمجد أعمال الشَّيخ بيُّوض، فكانت علامات (1/195)
صفحة 195
الاستفهام الأولى؛ جهة تدين وأخرى تمجد، وقبل ذلك كانت مجلة الوحدة قد نشرت رسالتين؛ الأولى بعنوان "زعيم" نصبوه عميلًا، والثانية بعنوان "عميل حولوه إلى زعيم" فأين الحقيقة؟ من هنا ولدت الرغبة في البحث، فكانت الزيارة الأولى إلى ولاية ورقلة وغرداية. وهذه المرة الكلمة للمجاهدين.
شريط الذكريات:
قد يكتب التاريخ في وقت لاحق ويُجيب عن الكثير من التساؤلات التي مازالت عالقة، وفي انتظار ذلك يطرح كتاب "أعمالي في الثورة" بعض القضايا التي لها وقع "مسكر" على منظمة المجاهدين بالمنطقة، وعلى نفوس مَنْ عاشوا أحداث الثورة آنذاك.
الكتاب من نشر جمعية التراث بالقرارة ولاية غرداية موطن الشَّيخ بيُّوض، وعنوانه يوحي للوهلة الأولى أنه عبارة عن مذكرات للشَّيخ خلال حرب التحرير، لكن المتصفح له سيجد أنَّ مذكرات الشَّيخ بيُّوض لا تتعدى 28 صفحةً من كتاب يحتوي على أكثر من 150 صفحة، وما عدا هذه المذكرات فإنَّ ما جاء فيه محاولات لإثبات صفة الجهاد في الثورة للشَّيخ بيُّوض، ويتعرض بالنقد للتقرير الولائي للمجاهدين الصادر في أكتوبر 1986م، وتقرير أيضا حول أحداث القرارة التي وقعت في نهاية سنة 1989م. (1/196)
صفحة 196
مذكرات الشَّيخ كما جاءت في الكتاب تروي فصول المقاومة في منطقة وادي ميزاب والأعمال التي كان يقوم بها الشَّيخ بيُّوض دعمًا للثورة ورجالها، من جمع للمال والسلاح، وتقديم المؤونة، واستقبال وإيواء جنود جيش التحرير الوطني، ومحاربة دعاة فصل الصحراء، كما تروي المذكرات أسماء الأشخاص الذين تعاون معهم الشيخ، وأيضا الخلايا الثورية التي نظمها بالمنطقة، وجهده المتواصل من أجل الوحدة الوطنية.
شريط الذكريات مجموعة من المواقف التي خاضها الشَّيخ بيُّوض إبَّان الكفاح المسلح في منطقة وادي ميزاب وباقي القطر الجزائري، وعرض للمحن والمصائب التي اجتازها الشيخ من أجل أنْ تنتصر الثورة، ويرسخ شعار "الجزائر وطننا، والعربية لغتنا، والإسلام ديننا".
كما يتناول الكتاب إلى جانب بعض الوثائق التاريخيَّة تقرير منظمة المجاهدين بالنقد، ويتهمها بتزوير للحقائق التاريخيَّة لأغراض شخصيَّة، ويخلص كاتب المقدمة إلى "أنَّ الشَّيخ بيُّوض قد مضى وترك وراءه البراهين الصادقة، والدلائل الحيَّة الناطقة على تفانيه وجهاده، فعليهم هم -إنْ كانوا يعقلون- أنْ يلتمسوا الجهاد والنضال في غير شمس المقاهي وفخفخة النياشين والكراسي". فهل هذه هي الحقيقة؟ (1/197)
صفحة 197
لائحة الإدانة:
قد نستطيع أنْ نتذكَّر الماضي ونستعيد شريط الأحداث التي جرت فيه، وقد نستطيع قراءة التاريخ كيفما نشاء، ولكنَّنا لا نستطيع جعل التاريخ وسيلة لتحقيق الأغراض الأشخاص والمصالح الذاتية. هذا يمكن تلخيص محتوى الجلسات العديدة التي جمعتنا ببعض مجاهدي ولاية غرداية.
نص اللائحة التي قدمت إلى المؤتمر الثامن للمجاهدين باسم قيادات ومجاهدي الولاية السادسة تتضمن تنديدا بكتاب "أعمالي في الثورة " نظرا لما يحمل في طياته - كما جاء في اللائحة-من تزوير للحقائق، واتهامات باطلة ومغرضة لتشويه التاريخ، والحط من قيمة المجاهدين، والمسّ من كرامتهم بسبب الحقائق التي سجلوها في كتاب تاريخ الثورة خاصة الفترة ما بين سنة 1958 - 1962م والمتعلقة بمواقف الشَّيخ بيُّوض إزاء ثورة التحرير الجزائريَّة، كما تضمنت اللائحة عدة أمثلة عن المواقف المشبوهة للشَّيخ بيُّوض نورد بعضا منها في هذا الموضوع مع بعض الوثائق التي تحصلنا عليها من العديد من الأشخاص.
1 - تقبُّله وتأييده لقانون 10جانفي 1957م القاضي بفصل الصحراء الجزائريَّة، وعلى سبيل الأمثلة فقد تتضمَّن هذا القانون خلق عدة مجالس مختلطة، ويوجد اسم الشَّيخ بيُّوض في إحداها. (1/198)
صفحة 198
2 - وجوده كعضو في لجنة السلامة العامة بالقرارة المنبثقة عن حركة 13ماي 58، هذه اللجنة تشكَّلت في 23 ماي من نفس السنة، ويرأسها قائد عسكري هو "ميرابو"، ويوجد اسم الشَّيخ بيُّوض على رأس منطقة غرداية.
3 - بعثه لبرقية تأييد وتآزر تحت رقم 2719 إلى الجنرال " SALAN" منشورة بجريدة" le journaie de Alger "
بتاريخ 25و26 ماي 1958م، ومحتوى هذه البرقية يقول: "باسم السكان، نحن إلى جنبكم لتبقى الجزائر والصحراء فرنسيتين، ونؤكِّد لكم عن كفاحنا التطوعي حتى النصر النهائي على الفلاقة، ونطالب بتأسيس حكومة صارمة ومستقلة ".
4 - حصوله على وسام الاستحقاق الصحراوي، ووسام جوقة الشرف برتبة فارس بموجب القرار المؤرخ في 22 أوت 1958م.
5 - رفضه لأوامر جبهة التحرير الوطنيَّة في مقاطعة الانتخابات النيابية لعام 1960م رغم أنَّ "ج. ت. و" اعتبرت كل مترشِّح خائن لوطنه في بيان لها، ولكن الشَّيخ بيُّوض ترشح لهذه الانتخابات، وبطاقة الترشيح تحمل رقم 13.
6 - رئاسته لإحدى لجان المجلس العمالي للواحات الذي تضمنها قانون 10/ 01/1957م والقاضي بفصل الصحراء عن باقي الجزائر. (1/199)
صفحة 199
هذه فقط بعض الأمثلة التي تثبِت ثورة الشَّيخ بيُّوض أثناء الكفاح المسلح، وإلى جانب هذه الأمثلة المدعمة بالوثائق كما جاءت في لائحة التنديد؛ فقد تحصَّلنا أيضا في عين المكان على وثائق أخرى لا يرقى إليها الشَّك، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الخلفيات التي أثيرت حول هذه القضية، خاصة بين جمعية التراث بالقرارة ومنظَّمة المجاهدين على مستوى ولاية غرداية، ومِنْ ثم كان السؤال عن خلفية الصراع، ولماذا تأخَّر إلى هذا الوقت؟ بمعنى لماذا لم يكن ذلك قبل وفاة الشَّيخ بيُّوض؟ فكانت الإجابات التالية نوردها دون تعليق.
زوبعة في فنجان:
ولاية غرداية متميزة في كل شيء؛ في موقعها الجغرافي الذي أهَّلها لأنْ تكون نقطة التقاء بين الشمال والجنوب، في وضعيتها الاجتماعية وعلاقاتها الإنسانية المنغلقة على نفسها، في فنِّها المعماري العريق، لكن ذلك كله لم يكن كافيا لأنْ تكون غرداية واحة متميزة، مما جعل وَهْم الصراعات الطائفية والمذهبيَّة التي ذهب ضحيتها الشباب يجعل من تلك المنطقة أكثر تميزا.
غرداية بالنظر إلى مكوناتها الاجتماعية لم تكن مستعمرة بل محمية فرنسية بفعل قانون 1853م، ومن هنا كان وقع الثورة التحريرية صعبا (1/200)
صفحة 200
في تلك المنطقة، وفي هذا الإطار تدخل شهادات الأمين العام لمنظمة المجاهدين بغرداية السيد "جبريت محمد" الذي يقول: "نحن الذين عشنا الثورة، نعرف أنَّ هناك خلفيات وراء هذا الكتاب الذي هو عبارة عن تهديم وتحطيم للشخصية الوطنيَّة، بما تضمنه من إهانة للمجاهدين ولفترة الاستقلال كلها، والهدف من الكتاب واضح وله جانب إيديولوجي وآخر اجتماعي، فالأول يتمثَّل في الارتكاز على أساس الشخصيَّة العشائريَّة؛ أي امتداد للدولة الرستميَّة، ولابد أنْ يأتي اليوم الذي تستعيد فيه دورها، أما الجانب الاجتماعي فيتمثَّل في كون مكونات الدولة موجودة في المجتمع الإباضي - وبعد أنْ يورد بعض الشواهد التي تثبت تورط الشَّيخ بيُّوض والتي سبق وأنْ ذكرنا البعض منها - يواصل ويقول: كتاب "أعمال في الثورة" محاولة لإيجاد مبرر للرَّد على التقرير الولائي للمجاهدين الذي لم يذكر الشَّيخ بيُّوض باعتباره زعيمًا روحيًّا للمجتمع الإباضي".
القطيعة قائمة في غرداية نتيجة صراع المذاهب، والشباب يتحدث بمرارة عن أحداث 1985م بغرداية، و1989م بالقرارة، و1990م ببريان، كما يتحدَّث بكل أسف عن قضية كتابة "غارداية" أو "غرداية"، كل ذلك من أجل مصالح طائفيَّة مذهبيَّة ضيِّقة. (1/201)
صفحة 201
ويُضِيف الآن صراع منظمة المجاهدين وجمعية التراث بالقرارة رصيدًا آخر لا ينتهي، فالسيد "باهرة الحاج محمد" يقول عن هذا الصراع: "إنَّنا كمجاهدين ننظر إلى الشَّيخ كعالم نعم، وأنَّنا لم نقل إنَّه خائن، ولكن ليس له الحق كمجاهد لأنَّه لم يشارك في الثورة، بل العكس كل الدلائل ضدَّه"، ثم لماذا لم يظهر هذا الكتاب قبل وفاته؟
لقد كان الشيخ إلى جانب فرنسا، وقد اتَّضح ذلك جليًّا عند قدوم "جاك سوستيل" إلى غرداية، حيث قال الشيخ على الساعة 3والنصف مساء: "لقد اهتزَّت ضمائرنا بالأفراح هزًّا، وسالت من عيوننا دموع المحبَّة سيلًا، فأهلًا وسهلًا بهذه الأقدام الطاهرة التي وضعت لأول مرة في حياة القرارة"، وهي أقدام السيد "جاك سوستيل" المقيم العام الفرنسي، ثم يواصل السيد "باهرة محمد" حديثه عن الخلفيات التي جعلت هذا الكتاب يرى النور وهي تتمثل - حسب رأيه- في نقطتين، الأولى تتمثَّل في ملتقى كتابة تاريخ الثورة المنعقد ببوسعادة في سنة 1987م حين حضر مجموعة من الإباضيِّين؛ من بينهم الحاج مسعود محمد، العايب، وتكلم هذا الأخير باسم بيُّوض مبررًا شهادة بن خدة، وبرقيَّة التعازي التي بعثها الرئيس الشاذلي بن جديد، وكلمة التأبين التي ألقاها السيد آيت مسعودان وكل ذلك لإثبات صفة الجهاد عند الشَّيخ بيُّوض، فطردته القاعة إلى الخارج طيلة أيام الملتقى. أما النقطة الثانية التي عجلت بظهور الكتاب، الأساتذة التابعين (1/202)
صفحة 202
لمدرسة الحياة الذين أعطوا دروسًا للشباب بأنَّ الشَّيخ بيُّوض هو أبو الثورة فقلنا كمجاهدين: إنَّ الشيخ عالم نعم ولكنَّه لم يكن مجاهدًا، مما أثار غضب الشباب الإباضي، وبدأت فكرة العنصريَّة والتعصُّب، ثم إنَّ المجلس البلدي الذي اجتمع في سنة 1983م واقترح تسميات لثانوية ومتوسطة جديدتين؛ الأولى باسم الشَّيخ بيُّوض، والثانية باسم "محمد دبوز"،بالنسبة للثانوية رفضت منظمة المجاهدين، أما اقتراح "محمد دبوز " فلم يُرفَض، وهو ما جعل المجلس البلدي يجمِّد العملية حتى وصول "سليمان الشيخ" إلى وزارة التربية لإعادة إحياء الاقتراح، والحصول على الموافقة المنشورة في الكتاب "أعمالي في الثورة"، لكنَّ منظمة المجاهدين أيضا تحصلت على قرار الإلغاء بعد ذلك، وهو مسجل تحت رقم 168/م ت 90.
إنَّ خلفية إصدار الكتاب كما يقول "باهرة محمد" هي أنَّ مصير الطائفة الإباضيَّة مرهون بمصير الشَّيخ بيُّوض، فإذا كان خائنا فكلهم خائنون!!. أما أمين قسمة المجاهدين بالقرارة السيد السايح براتخي يقول: "إنَّ اللائحة جاءت نتيجة لصدور الكتاب "أعمالي في الثورة" لأنَّه بالنسبة لنا كمجاهدين يُعتبَر هذا العمل تحريف وتزوير للحقائق التاريخية، فجمعية التراث ليس من اختصاصها كتابة التاريخ، ونحن كمجاهدين ندعو إلى عقد ندوة أو حوار لمناقشة ما جاء في هذا الكتاب. (1/203)
صفحة 203
قضية الشَّيخ في حد ذاته نقول "الله يرحمه" حيث كان محترما من الناحية العلميَّة من طرف جميع المجاهدين، وفي حياته كان أيضا محترمًا من طرف نفسه لم يتكلم أبدا عن مشاركته في الثورة. الثورة كان لها نظامها الخاص ومهيكلة، وإذا كان المرحوم قد عمل في الثوريَّة فلابد أنْ تكون له طريقة واضحة مسجَّلة في أحد المجالس الثوريَّة، أما عن الخلفيات التي تحدَّث عنها الكتاب فلا وجود لها أصلا في التنظيم الذي كان سائدًا.
إنَّ التاريخ هو ملك للشَّعب كله، ولا يمكن المساومة فيه أو التَّنازل عنه، وإذا كان الدخول في الثورة اختيار فالخيانة أيضا اختيار.
في مؤتمر الصومام وُضعَت قواعد وأسس جعلت من خلالها هيئة تترك أي شخص يعمل تحت لوائها، وفي بلدة القرارة مجلس خاص للإباضيِّين يحمل رقم 1167 لا يحمل اسم الشَّيخ، وهو ما يجعلنا نتأكَّد من وجود خلفيات ودوافع من إصدار هذا الكتاب، وراءها أقليَّة لم يكن لها الحظ في المشاركة في الثورة بسبب مواقف الشَّيخ بيُّوض الذي حكم عليهم من وجهة نظرهم بالخيانة، وهم الآن يريدون تغليط الشباب وإيهامه بالظُّلم من طرف هذه الثورة. إنَّنا نتأسف للتجريح الذي يتعرض له الشَّيخ اليوم، وما يمكن أنْ نقوله لهؤلاء المغرضين أعطونا الوثائق التي تُثبِت مشاركة (1/204)
صفحة 204
الشَّيخ في الثورة وفقًا للقانون، وسنعطيهم كل حقوقهم، وليفْهم الإخوة الإباضيُّون أنَّ القضية ليست قضية عنصرية.
أما السيد شوشان إبراهيم عضو مكتب القسمة فيقول: لم يرد اسمه في أي جهاز من الأجهزة التي استحدثتها الثورة آنذاك، يذكر في الكتاب أنَّه عمل مع سعيد عبادو، ومحمد جغابة، فعلا فقد اتَّصل بهم لكنَّه عرض المال مقابل المشاركة، ثم إنَّ السؤال المطروح هو كم جنَّد من شخص للثَّورة، ولماذا لم يتعرَّض للمضايقات مع أنَّ علماء جمعية العلماء أمثال البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي شاركوا في العلن؟
الحاج إبراهيم من جهته يرى أنَّ جماعة المزابيين يريدون أنْ تكون منطقة وادي ميزاب لهم وحدهم، ومن ثم استحواذهم على كل المناصب والسلطات وهذا شيء أستنكره، ولهذا فقضيَّة الشَّيخ بيُّوض يراد بها الوصول إلى أغراض شخصية، وعندما استنكرنا هذه الأعمال قالو لنا أنتم خونة مع العرب. لن نطلب أي شيء سوى إحضار ملف مرفق بثلاثة شهود عمل معهم الشَّيخ لإثبات صفة الجهاد ونحن دائما في الانتظار، ومن هنا فخلفية إصدار الكتاب تعود إلى التقرير الولائي للمجاهدين، وأيضا إلى كتاب الشيخ حمو عيسى الذي يتعرَّض بالسب وتقزيم المجاهدين، وهم من خلال ذلك يريدون تبييض الصفحة السوداء التي كرَّسها الشَّيخ خلال حرب التحرير. (1/205)
صفحة 205
وللدلالة على تزوير الحقائق ندعو إلى عقد حوار أوندوة مع الإخوة الإباضيِّين لمناقشة ما جاء فيه وإظهار الحق، لأنَّ التاريخ ليس ملكا لأحد، ولا يحتمل المساومة.
هذه فقط عيِّنة من بعض الشهادات التي تلقيناها في عين المكان من بعض المجاهدين المعنيِّين بالأمر، أوردناها بدون تعليق حول الخلفيات والزوبعة التي أثارها كتاب "أعمالي في الثورة " من نشر جمعية التراث.
وأخيرا:
هذه القضيَّة لا تشير إلى نهاية قريبة، والتاريخ ليس ملكا لأحد. وهذا الموضوع يدفع على التفكير بجدية لكتابة تاريخ الثورة دون الخضوع لأي اعتبارات شخصية.
إنَّ قيمة الديموقراطية كما يقال ليست في نيل حقوقك فقط، ولكن في سماحك للآخرين بأنْ يأخذوا حقوقهم منك أيضا.
تحقيق: فريد بن صخرية
الوحدة، العدد:494. من 12 إلى 19 ديسمبر 1990م. (1/206)
صفحة 206
[صورة] (1/207)
صفحة 207
[صورة] (1/208)
صفحة 208
[صورة] (1/209)
صفحة 209
الشَّيخ بيُّوض المفترى عليه
تبعا لما نشرته - الوحدة - في عددها الصادر بتاريخ 13/ 12/1990 تحت عنوان (هل كان الشَّيخ بيُّوض عميلاً لفرنسا) تلقَّينا هذا التعقيب من الدكتور محمد ناصر يرد فيه على المعلومات التي وردت ضمن التحقيق. ونحن إذ ننشر التعقيب كما ورد إلينا - ضمانًا لحق الرد - نتمنَّى أن يمتد النقاش إلى أطراف أخرى بنية التوضيح وتقديم الحقيقة.
طالعتنا مجلة الوحدة في عددها الصادر بتاريخ 13/ 12/1990 بتحقيق عنوانه "هل كان الشَّيخ بيُّوض عميلاً لفرنسا"؟! لكاتبه فريد بن صخرية، وهو أمر تشكر عليه المجلة ما دامت النية هي الوصول إلى الحقيقة دون تحيز أو حكم مسبق، ولكن ما جاء في التحقيق والطريقة التي صيغ بها خيّبت الآمال ولم يكن التحقيق على مستوى المسؤولية، إذ لم يُخْفِ المحقق انحيازه إلى طرف دون طرف آخر، ويستطيع القارئ البسيط أن يدرك ذلك من خلال العنوان المثير، ومن خلال التعليقات التي تداخل كلام المستجوبين من حين لآخر، وقد دلَّت الافتتاحيَّة على هذه النظرة متجسِّدة في هذه الجملة "وما بين زمن مضى وآخر سيأتي هناك من يكتب التاريخ كهدف (1/210)
صفحة 210
ووسيلة لتحقيق المقاصد" قال هذا تعليقا على كتاب "أعمالي في الثورة"، وتلمس ذلك بكيفيَّة أوضح من خلال العناوين الفرعية وكلُّها مكرسة لإظهار الكتاب وجمعية التراث التي نشرت الكتاب على أنَّها "تزوِّر الحقائق وتشوِّه التاريخ" - على حدِّ تعبيرهم - ونحن إذ نأسف لهذا الموقف المنحاز الذي ينظر إلى الصورة من زاوية مختارة وبعين واحدة فإنَّنا نسجل ما يلي:
- أوَّلاً: كنَّا نود أن يتحلَّى التحقيق بالموضوعيَّة وقد تحمَّل كاتبه مشقَّة الانتقال من الجزائر إلى غرداية سعيًا وراء الحقيقة، ولكنَّ الذي حدث في الميدان غير ما كان في النيَّة إذ لم يتصل الكاتب إلا بعيِّنة مختارة من المجاهدين يمثّلون طرفا في القضية، وأقول صراحة إنَّ من أبسط قواعد التحقيق الصحفي الاتصال بكل الأطراف ما دامت النزاهة وحسن النية، لِم لم يتصل بالمجاهدين الإباضيين؟ لِم لم يتصل بمسؤولي جمعية التراث ما دام الأمر يتعلق بها باعتبارها ناشرة الكتاب؟ لقد حدّث أولئك الذين استجوبهم عن خلفيات الكتاب ونوايا الجمعية التي نشرت الكتاب وذهبوا مع الاتهام والظن كلَّ مذهب، وبنوا على الافتراض وخبايا الصدور التي لا يعلم بها إلا الله حقائقَ. وهم بذلك يخطئون مرتين مرَّة لأنَّهم يحمِّلون الواقع ما لم يحتمل، ومرة لابتعادهم (1/211)
صفحة 211
- عن الموضوعة التي تفترض نقد ما جاء في الكتاب من شهادات ووثائق مما يشبهها أو يدحضها، أو على الأقل كان من الموضوعية أن يتصل المحقق بناشري الكتاب حتى يسمع عنهم ليحدثوه عن نواياهم الحقيقية وبذلك يرتقي التحقيق إلى مستوى المسؤولية.
- ثانيا: اعتمد التحقيق على وثائق وصور هي الوثائق والصور نفسها التي قدمها التقرير الولائي، فليس فيها شيء جديد على الإطلاق، وهذا من حقِّهم ولكنَّ الطريقة التي قدَّمت بها تلك الوثائق تدلُّ على المكر والاحتيال والتوريط، نأخذ مثلاً صورة الشيخ مع وزير الصحراء الفرنسي دون تعليق، والظروف التي أخذت فيها الصورة، فباعتبار الشيخ نائبًا، وباعتباره مسؤولاً، كان لا بدَّ أن يقف ذلك الموقف شاء أم أبى، وهو على كلِّ حال لا يدلُّ على التأييد السياسي كما يريد الإيحاء به ناشرو الصورة. وقد وقف المجاهدون أنفسهم مواقف مشابهة مع أشخاص لا يرتضون سياستهم بعد الاستقلال، فكيف بمن يواجه الحكم العسكري الفرنسي الغاشم زمن حرب التحرير؟؟
وبرقية المساندة المنقولة عن "جورنال دالجي" وهي جريدة استعمارية حاقدة تعمل مع المخابرات الفرنسية فهل يمكن اعتمادها قانونيًّا؟ أنتم لم (1/212)
صفحة 212
تقدِّموا لنا البرقية بإمضاء الشيخ نفسه، وحتَّى بافتراض وقوع ذلك فإنَّه ينبغي أن نبحث عن موقفه الحقيقيِّ من خلال شهادات قيادة جبهة التحرير وقد كذَّبت وفنَّدت بعبارات قويَّة أن يكون الشَّيخ بيُّوض من دعاة الصحراء الفرنسية، (انظر شهادة وزير الداخلية بن طوبال وشهادة الرئيس الأسبق بن خدة) أيُعقل أن يصدق المجاهدون شهادة الاستعمار ويكذِّبوا شهادة جبهة التحرير؟؟
ومن الوثائق المنشورة بطاقة عضويَّته في المجلس النيابي العام، والعجيب في الأمر هذا الحرص على اتِّخاذ وثيقة للإدانة وهي ليست كذلك على الإطلاق، لقد كان مع الشَّيخ بيُّوض في المجلس بشهادة جريدة المجاهد الصادرة في جانفي 1962، والعبرة ليست في وجوده في المجلس أو عدم وجوده، ولكن العبرة في الموقف من المبادئ، فربَّ فدائيٍّ في الداخل كان أفيد وأجدى على الثورة من مجاهد مختبئ طيلة سنوات التحرير وقلتم إن الشيخ خالف أوامر الجبهة، وكلُّ من عاصر الثورة يعرف أن الثورة لا تتسامح في القضايا المصيرية والخيانات الكبرى، فِلم لم تحكم عليه في الإبَّان حتَّى إذا (1/213)
صفحة 213
كانت سنة 1988 أي بعد ثلاثين سنة بالضبط فتحتم ملف الإدانة؟
إنَّ الذي ينقص وثائقكم أمر بسيط وهو أنَّها مجتزأة مبتسرة تتعامل مع التاريخ كما يتعامل تاركو الصلاة مع الآية الكريمة:ژويل للمصلِّين ژأين دراسة الحيثيات والظروف وشهادات الأشخاص والمذكرات والمقابلات، لماذا تنتقون من هذه الوثائق المزعومة ما يخدم أغراضكم فقط؟
إنَّ المجاهدين أولى الناس بمعرفة الوسائل التكتيكية الجهنمية التي كان الاستعمار يستخدمها لتوريط الوطنيين ولا سيما الزعماء منهم، والعجيب في الأمر أن هؤلاء الذين قدَّموا تلك الاتهامات بقدر تشبُّثهم بها وتقديمهم إيَّاها في كل مناسبة على أنها دلائل إدانة يرفضون شهادات إخوانهم المجاهدين، وبعضهم كانوا ضبَّاطًا في الجيش وبعضهم كانوا مسؤولين كبارًا، لماذا يرفض هؤلاء شهادات أمثال: بن خدة، وبن طوبال، وحمو عيسى النوري، ولمنوَّر سليمان، وخبزي أحمد، وبسيس قاسم، والعايب محمد، وبكلي أحمد، والحاج أيوب إبراهيم، ورفضوا من قبل شهادة المرحوم رباح لخضر، وبوعروة إبراهيم، وابن عيسى قاسم ... ، والقائمة طويلة، أيطعن في شهادة هؤلاء كونهم من تلاميذ الشَّيخ بيُّوض (1/214)
صفحة 214
أو أصدقائه، أم لأنَّهم فقط من بني قومه؟؟ أم لأنَّ بطاقة المجاهد سحبت منهم في عهد الظلم والإرهاب؟؟
ومن أبرز مظاهر التعسف رفضهم كل ما جاء في الكتاب هكذا بحكم تعميمي لأنَّه يزوِّر التاريخ. هل يفهم من كلامهم هذا أنَّ كلَّ ما جاء في الكتاب كذلك؟ إنَّ حكمهم يدلُّ دلالة قاطعة على ذلك، لماذا ترفضون مذكِّرات الشَّيخ بيُّوض التي كتبها في حياته وذكر لكم فيها الوقائع والأحداث وعين الأسماء والأشخاص، أيُعقل أن يلجأ مثل الشَّيخ بيُّوض إلى الافتراء والتزوير وهو من يشهد له بالتقوى والصلاح؟ أيُعقل أن يلجأ إلى هذا الأسلوب وهو الزعيم الروحي والعالم الجليل بشهادتكم؟ ألا يمنعه من ذلك القرآن الحي في صدره إيمانًا، وفي فمه تفسيرًا وتلاوة، وفي مشاريعه أعمالا وتوجيها؟ ما الذي يلجئه إلى هذا وهو الذي لم يتطلَّع قطُّ إلى كرسي أو منصب ولم يتهافت على الامتيازات تهافت بعضكم عليها؟! والواقع أن هذا الادعاء أسلوب آخر من أساليب تضليل الرأي العامّ، وتوهين الشباب وإيغار الصدور لإيقاد نار الفتنة! إنَّ من أبرز التمويه والتحريف تركيزهم على مواقف يعرف ظروفها الخاص والعام ما بين (1/215)
صفحة 215
سنة 1958 – 1962 فهل يعني هذا أنكم لا تريدون الحديث عن مواقف الشيخ ما بين 1954 – 1958 لأن الشهادات على جهادة مثبتة في الكتاب؟ وقد أدلى بها صانعو الأحداث في تلك المرحلة؟ عندما كان يعدُّ مع عبَّان رمضان ورفاقه خلايا الميزابيين في العاصمة؟
لِم لَم تتطرقوا إلى مواقفه الجهادية في مرحلة الإصلاح والكفاح السياسي منذ 1920 حتى سنة 1954 عندما كان يجاهد ضد الحكام العسكريين، وعندما فرضت عليه الإقامة الجبرية، وعندما كانت الصحافة الاستعمارية تنعته بالعدو رقم واحد لفرنسا؟ وعندما كانت جريدة "النجاح" تلاحقه بمقالاتها وعندما وقف أمام لجنة البحث البرلمانية سنة 1951 وأمام أعضاء المجلس الجزائري للدفاع بلسان عربي مبين عن فكرة ارتباط ميزاب الأبدي بالشمال وقد قدمنا لكم في الكتاب بعضا من هذه الوثائق فهل هي الأخرى مزوَّرة؟
لماذا لا تعترفون على الأقل بما قدَّمتموه بأنفسكم في التقرير الولائي من شهادات أولم يجئ في صفحة 57 من تقريركم تقرير باللغة الفرنسية قدَّمه الحاكم الفرنسي العام لغرداية عن الوضعية السياسية بالمنطقة وقال (1/216)
صفحة 216
فيها بالحرف الواحد: "إن الوضعية السياسية قلقة مضطربة بتأثير الحركة الإصلاحية التي يتزعَّمها الشَّيخ بيُّوض"، وللتذكير فإنَّ هذا تقرير سنوي عن الوضعية سنة 1950، أكاد أجزم أنَّكم لو تفطَّنتم إلى هذه الشهادة التي هي في صالح الشَّيخ بيُّوض لنزعتموها من تقريركم لأنَّها ليست في صالحكم ولا تخدم أغراضكم.
إنَّ من أبسط قواعد التاريخ عدم الفصل الحاسم بين أحداثه الزمنيَّة المتلاحقة لا سيما إذا كان بينها ارتباط عضوي، أي بلغة أخرى مبسطة ليفهمها براتخي السايح ومن لف لفه، لا يمكن التحدث عن الشَّيخ بيُّوض بداية من سنة كذا إلى كذا لماذا تختارون من جهاده الطويل الذي كان كلُّه صراعا من أجل الدين الإسلامي ولغة القرآن ووحدة التراب وقد تجاوز الخمسين عامًا، أقول لماذا تختارون أربع سنوات فقط 1958 – 1962 أهذه هي الموضوعية التاريخية التي تريدون إيصالها إلى الشباب البريء الصاعد؟؟
ومسايرة لكم في نعتكم المجحف المضلل فإننا نقدم لكم شهادة أحد صانعي الأحداث الثورية في تلك المرحلة بالذات لا أحسبكم هذه المرة (1/217)
صفحة 217
تستطيعون رفضها لأنَّها من وزير الداخلية للحكومة المؤقتة الجزائرية، وإن كذَّبتم فإن صاحبها ما زال حيًّا يرزق وسنوردها من أجل تقديم الحقيقة التاريخية للقارئ الكريم مع هذا المقال.
ثالثا: التناقض، كل عاقل ذكي دقيق الملاحظة يستطيع أن يتبيَّن التناقض المريع بين تصريحات المستجوبين فيقول باهرة محمد بالحرف الواحد: "إننا كمجاهدين ننظر إلى الشيخ كعالم نعم، وإننا لم نقل إنه خائن ولكن ليس له الحق كمجاهد، لأنَّه لم يشارك في الثورة بل بالعكس كل الدلائل ضده" إذا اعترف السيد باهرة محمد بأن المجاهدين لم يقولوا عن الشيخ بأنه خائن فباسم من كانت لائحة التنديد المزعومة التي اتهمت الشيخ صراحة بالخيانة؟ ثم هل يعقل منطقيا وواقعيا أن يكون المرء إما مجاهدا وإما خائنا ولا منزلة بين المنزلتين، لماذا لم يعترض وهو من مجاهدي القرارة ضد أولئك الذين رفضوا تسمية ثانوية القرارة باسم الشيخ بدعوى أنه خائن؟ أم أنَّ براتخي السايح، وجبريط محمد كانا يتكلمان باسمهما الخاص؟
وتناقض مريع آخر نلحظه في تصريحات براتخي السايح الذي فجر أحداث القرارة في أكتوبر 1989م وكان له فيها مسؤولية كبيرة (1/218)
صفحة 218
باعتباره مسؤولا لمنظمة المجاهدين بالقرارة.
يقول الدكتور براتخي: "إنَّ كتابة التاريخ ليس من اختصاص جمعية التراث" أيكون إذن من اختصاص سوق الفلاح وأنصاف المتعلمين؟ ويقول أيضا: "كان الشيخ محترما من الناحية العلمية من طرف جميع المجاهدين" تأمل أيها القارئ الكريم إنه يقول "جميع المجاهدين" فما الذي جعل السيد براتخي السايح يناقض اليوم ما جاء في رسالته أمس إلى السلطات المسؤولة بتاريخ 26/ 09/1989 التي يقول فيها بالحرف الواحد "في المدة الأخيرة برزت تحركات حول تسمية الثانوية الجديدة بالقرارة باسم بيوض إبراهيم" (لاحظ أخي القارئ حتى المشيخة سقطت هنا) ثم يقول: "نلفت انتباهكم إلى أن هذه التسمية باسم هذا الشخص الذي تعامل مع العدو وضد الثورة التحريرية نعتبرها إهانة للشعب الجزائري ... "
يا سبحان الله كيف يحترم المجاهدون جميعا شخصا خائنا كان يتعامل مع العدو ضد الثورة؟
إذا كان المجاهدون جميعًا يحترمون الشَّيخ بيُّوض لمكانته العلمية كما جاء على لسان جبريط، ورمضان، وباهرة، وبراتخي، لماذا يسترخصون (1/219)
صفحة 219
في حقِّه ثانوية في بلدية نائية. ولنفرض أنهم لا يرضون عنه ثوريا، فلماذا لا يعتبرونه عالمًا ويعطوه هذا الحق كما أعطوه لعلماء أمثاله أقل منه شأنا بل سموا مؤسسات بأسماء لم يخرجوا للجزائر تلميذا واحدًا ولم يحفظوا لأبنائها آية قرآنية واحدة.
أما تصريحات إبراهيم رمضان فقد بلغت درجة (عقيد) في التناقض والتذبذب يقول إنه لن يطلب شيئًا سوى ثلاثة يشهدون بأن الشَّيخ بيُّوض عمل معهم فيتكرم على الشيخ بصفة الجهاد ثم يقول: "والدلالة على تزوير الحقائق في الحقائق في الكتاب تدعو إلى عقد حوار مع الإخوة الإباضيين لمناقشة ما جاء في الكتاب"
يمكن أن نجيب إبراهيم رمضان بما يلي:
أولاً: إنَّ الشيخ ليس في حاجة إلى أن تتكرم عليه لا أنت ولا غيرك بشيء وقد أفضى إلى أكرم كريم وللآخرة خير وأبقى.
ثانيا: ما دمت تصر على أن الشيخ سوَّد صفحته طوال حرب التحرير فلماذا تحدد ذلك في مقالك بالشعب بسنة 1958 - 1962 هل بدأت (1/220)
صفحة 220
الثورة سنة 1958 وإذا كان هذا حكمك على الشيخ فهل يكفي لتبييض سبع سنوات من الخيانة ثلاثة شهور؟!
ثالثا: أنت تطلب عقد حوار مع الإباضية وكأنهم كلهم طرف وبذلك تضع نفسك أمام احتمالين لا ثالث لهما إمَّا أن يكون الإباضيون كلهم على خطأ وأنت وحدك على صواب، أو أن يكونوا على صواب وأنت المخطئ، وللعاقل وحده الموازنة والاستنباط.
رابعا: كيف تدعو إلى حوار تدعي أنه للوصول إلى الحقيقة وأنت تحكم مسبقا وبالحرف الواحد أن الغرض منه الدلالة على تزوير الحقائق فإذا كان هذا حكمك فما فائدة الحوار إذن؟
ومع ذلك فإننا نتقبل دعوتكم للحوار بشرط أن تضاف إلى جدول الأعمال نقطة هامة وهي أن تقدموا لنا قائمة الإنجازات التي حققتموها بعد الاستقلال إلى يومنا هذا ونحن بدورنا نقدم لكم إنجازات الشَّيخ بيُّوض.
والواقع أنَّ الدافع إلى هذه المواقف غير المسؤولة أسباب لا تمت (1/221)
صفحة 221
إلى الثورة أو العلم بصلة، لأنها مواقف عنصرية تعصبية وليس أدل على ذلك من نزعكم اسم الشهيد قضي بكير من مستشفى غرداية، ورفضكم تسمية المتوسطة باسم الشيخ اطفيش، وتلكؤكم في تسمية ثانوية باسم رمضان حمود، وسعيكم لرفض (الشاشية) الإسلامية البيضاء للكشافة وإلباسهم بدلا منها (البيري) اليهودي.
لقد زرعتم الحقد في قلوب الناشئة الصاعدة البريئة إلى حد بلغ بهم الأمر رفض تسمية المتوسطة باسم المؤرخ الكبير محمد علي دبوز الذي يشهد الجميع بعمله وكفاحه، بل وصل بكم التضليل إلى حد رفض بعض التلامذة قراءة النشيد الوطني لأن كاتب كلماته إباضي، انظروا إلى أي حد وصل بنا الإفلاس الخلقي، والفراغ الوطني، والجيل الصاعد هو الضحية أبدًا، ولولا خوف الإطالة لأتيت بمئات من الأمثلة التي تدين كلها هذه التصرفات التي كان من ورائها في أغلب الحالات سلطة الحزب الواحد، والتاريخ شاهد يقظ له ذاكرة واعية قد يصمت ولكنه لا ينسى، وقد لا ينشر ولكنه يسجل، فحاسبوا أنفسكم إذن قبل أن تحاسبوا.
وحتَّى لا أُتهم بأني أتعسف في حقكم وأنتم القدوة فإني أحيل القارئ (1/222)
صفحة 222
الكريم إلى تصريحات مسؤول منظمة المجاهدين بغرداية كما وردت في التحقيق الأخير، لَكَم ساءني والله أن يكون ذلك هو تفكير مسؤول أشرف منظمة فما كنت أتصور أن يبلغ به الحقد هذا المبلغ أو ينزل به إلى هذه الدركة، لقد اتضح الآن كما لم يتضح من قبل بأن الهدف من هذه الحملات كلها ليس هو شخص الإمام الشَّيخ بيُّوض بالذات، ولكن القوم الذي ينتمي إليهم الشَّيخ بيُّوض، أولم يقل هذا المسؤول بالحرف الواحد: "وإن هناك خلفيات وراء هذا الكتاب الذي هو عبارة عن تهديم وتحطيم للشخصية الوطنية بما تضمَّنه من إهانة للمجاهدين ولفترة الاستقلال كلها، والهدف من الكتاب واضح وله جانب أيديولوجي وآخر اجتماعي، فالأول يتمثل في الارتكاز على الشخصية العشائرية أي امتداد للدولة الرستمية، ولا بد أن يأتي اليوم الذي تستعيد فيه دورها، أما الجانب الاجتماعي يتمثل في كون مكونات الدولة موجودة في المجتمع ... ". أليس في هذه الأسطر المنتفضة حقدا وحسدا ما يتفجر بالعنصرية والطائفية التي لا تكتفي بالحاضر وإنما تتمدد كالأفعى لتصل إلى القرن الثالث الهجري لتجتث أوصال أول دولة جمهورية جزائرية يعتز بأمجادها كل جزائري مسلم وطني، إن الدولة الرستمية هي مفخرة كل جزائري وعلى رأسهم المجاهدون (1/223)
صفحة 223
الأوفياء، فِلم الخوف من أن تستمد الدولة الجزائرية العصرية من نظامها الشوري وعدالتها وازدهارها ورقيها مبادئ كانت ترتكز على الكتاب والسنة، وما الخوف من نظام اجتماعي حافظ على سيرة الأجداد يحتكم إلى المسجد ويسير تحت لوائه ولم يكن في تاريخه الطويل إلاَّ عامل تنظيم وتضامن وتماسك للمجتمع الجزائري؟ ألا تفسر تلك الأسطر كل الصراعات التي شهدتها المنطقة منذ الاستقلال؟ ألا تؤكد مرة أخرى مواقف العداء السافر التي كان صاحبها يمارسها ضد الإباضية منذ توليه منصبا ساميا في الحزب بورقلة حتى يومنا هذا؟ هكذا يطل الحسد والحقد بوجهه الأصفر ورأسه الأشمط من وراء تلك الأسطر مرة أخرى والفارق هذه المرة أنه لا يدين زعيما أو رجل دين بل يفرغ حقده على تاريخ أمة بأكملها، ويحاول التنكر لحضارة مشرفة ما زالت محط أنظار المؤرخين ودارسي الحضارات، والفارق أيضا أن العمل في عهد الإرهاب الفكري كان تمويها وتضليلا، أما الآن وقد سمحت الديمقراطية بالرأي الآخر فقد نزع القناع وظهر الممثل بوجهه الحقيقي ورأينا رأي العين من يحرك خيوط الدمى الراقصة (الأراجوز) وينكشف للعيان كما لم ينكشف من قبل من ينفخ في رماد فتنة ميزاب المبكية غرداية 1985، القرارة (1/224)
صفحة 224
1989، بريان 1990، التي يحاول إلصاقها بالشباب بدعوى القطيعة بين شباب الإباضية وغيرهم، وفي هذا من الإجحاف ما لا يخفى.
نريد أن يفهم إخواننا ممن لم يفهم بعد مغزى الجهاد على حقيقته، إن الجهاد الحقيقي من وجه نظر الإسلام عمل دائب في سبيل مصلحة البلاد والعباد، وإن رفع السلاح في وجه العدو وإخراجه من البلاد لا يتم الهدف منه إلاَّ بالبناء القائم على وحدة الصف وتآخي المواطنين، إنَّه يتجسد في بناء المدارس، المساجد، والنوادي ويتسامى في إعداد جيل قوي مؤمن بربه ووطنه ذلك هو الجهاد الحقيقي ولذلك سمَّاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجهاد الأكبر وهو عائد من جهاد أعداء الإسلام حتَّى يبين من خلال ذلك للمسلمين أن مرحلة البناء أصعب وأهم وجزاءها عند الله خير وأبقى.
إنَّ الشباب الجزائري يتطلع اليوم إلى مستقبل أفضل يبنيه بسواعده القوية وعلمه الغزير وتجاربه الأصيلة، إنه يرفض الوصاية الفكرية ويتمرد على الإقليميات الضيقة وقد شذبته وهذبته الصحوة الإسلامية، إنَّ انتفاضة أكتوبر 1988 علمته أبجديات البناء والجهاد من أجل رفع كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تحت شعار (1/225)
صفحة 225
ژإنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ژ وهذا الشباب بالذات ليس في حاجة اليوم لمن يقرأ له التاريخ ويفسر الأحداث، فباستطاعته وحده أن يميز بين من كان عامل تحطيم وتهديم للشخصية الوطنية كما يتهمنا السيد (جبريط) وبين من يبني امتدادا لرصيد حضاري قوي إنَّه يفرق جيدا بين من يحرق ويحطم لنزعة شيطانية أو لسلطة دنيوية، وبين من يجاهد من أجل أن تبقى كلمة الله هي العليا في كل مناحي الحياة الجزائرية اليومية.
د. محمد ناصر
الجزائر:23/ 12/1990
ملاحظة:
مع المقال
1. شهادة وزير الداخلية عبد الله بن طوبال.
2. شهادة الرئيس الأسبق ابن يوسف بن خدة. (1/226)
صفحة 226
[صورة] (1/227)
صفحة 227
[صورة] (1/228)
صفحة 228
أعمالي في الثورة
يبدو أنَّ كتاب الشَّيخ بيُّوض إبراهيم أحدث نوعا من الضجة عند بعض الأوساط، وعند حصولنا على نسخة من الكتاب لعرض محتوياته، وصلتنا رسالة توضيحية من المكتب الولائي لمنظمة المجاهدين بغرداية عن أمينها الولائي يُقدِّم توضيحًا حول الكتاب "أعمالي في الثورة".
ومن جهتنا ارتأينا أنْ نُقدِّم عرضا عاديًّا للكتاب مرفوقًا بنص التوضيح من باب بعث حوار ثقافي نزيه.
بادرت جمعية التراث لمدينة القرارة (ولاية غرداية) بنشر أول كتاب حول أعمال الإمام الشَّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، وبذلك أثرَت هذه الجمعية المكتبة الجزائرية بكتاب جديد يتضمَّن شهادات أحد زعماء منطقة ميزاب ليكشف عن حلقة تاريخ الجزائر.
"أعمالي في الثورة" هو عنوان الكتاب من تأليف الشَّيخ بيُّوض، يحمل في طياته دلائل ووقائع تأكيدية تبرِز دور منطقة بني ميزاب ونضالها ضد المستعمر أثناء ثورة التحرير الوطني، والكتاب في حقيقة الأمر وحسب استنتاجنا هو تحدي مباشر ورد قاطع على أولئك الذين نفوا مشاركة منطقة ميزاب في الثورة التحريرية. (1/229)
صفحة 229
الدكتور محمد ناصر الذي كتب مقدمة هذا الكتاب يؤكد ذلك بقوله: " ... الذي يحزُّ في النفس حقا أنْ يتطاول بعض الأقزام الذين مازالت عقد العنصريَّة والعصبيَّة القبليَّة والطائفيَّة مترسبَّة في أعماقهم إلى سمعة الشيخ استنقاصا من جهاده، وتشكيكا في وطنيَّته وابتلائه، هذا الإمام الذي أفنى حياته ليجسِّد على أرض الواقع اليوم الشعار الخالد، الإسلام دينا، العربية لغة، الجزائر وطنا ... ".
ويتساءل صاحب المقدمة قائلا: " ... كيف غابت هذه الشهادة الوطنيَّة في حق الشَّيخ بيُّوض عن أولئك وهم يعرفون أنَّ الوطنيَّة الحقيقية هي تلك التي كانت تجابه الاستعمار بقوة في كل الميادين حي كان شبح مجزرة ماي 1945م ماثلا بين أعين الجزائريِّين، ما الذي يدفع الشَّيخ بيُّوض إلى التخلِّي عن دوره الوطني القيادي الذي قام به سنة 1950م، وهو يرى أفكاره تتحقق في ظل الثورة التحريرية المسلحة سنة 1954 ... ".
يحتوي الكتاب على العديد من الوثائق التاريخية شكلت محاور الكتاب الأساسية.
أولا: أعمال الشَّيخ بيُّوض في الثورة بالصحراء والتل، وقد كتبه الإمام سنة 1964م، ونشرت في هذا الكتاب لأول مرة خدمة للتاريخ. (1/230)
صفحة 230
ثانيا: مقال صدر بجريدة المجاهد اللسان الرسمي للثورة التحريريَّة في جانفي 1962م عن مناورات الاستعمار في فصل الصحراء عن الشمال.
ثالثا: مذكرات وتعليق بعض المجاهدين لما جاء من تهم في حق الشَّيخ بيُّوض في التقرير الصادر عن منظمة المجاهدين حول أحداث الثورة التحريريَّة بولاية غرداية لفترة ما بين 1945 - 1962.
رابعا: تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى الموفد من وزارة الأوقاف إلى وادي ميزاب، وكان ذلك في سنة 1967م.
خامسا: شهادة يوسف بن خدة عن جهاد الشَّيخ بيُّوض ومشاركته الفعالة في العمل الثوري.
وللتعريف بالشَّيخ بيُّوض هذه نبذة مختصرة عن شخصيته وأعماله.
فهو من مواليد 21 أفريل 1899م بمدينة القرارة من وادي ميزاب، دخل المدرسة القرآنية في سن مبكر وبدأ في حفظ القرآن وعمره لا يتجاوز الـ 12 سنة، أخذ مبادئ الفقه واللغة العربية عن مشايخ وعلماء منهم الحاج إبراهيم البريكي، أبو العلا عبد الله بن إبراهيم، والشيخ الحاج عمر بن يحيى، وغيرهم. (1/231)
صفحة 231
في سنة 1925م أسس الشَّيخ بيُّوض معهد الحياة للتعليم الثانوي سماه: "معهد الشباب"، غايته منه كانت تتركز حول تعليم الثقافة الإسلاميَّة والعربيَّة، والعلوم المعاصرة.
وقد شارك عام 1921م في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث شارك في صياغة قانونها الأساسي، وانتخِب عضوا في إدارتها الأولى، فأسندَت إليه أمانة نيابة أمين مالها. وفي سنة 1937م أسس جمعية الحياة بالقرارة رائدة النهضة العلمية الإصلاحية بالجنوب. كانت له عدة كتابات ومقالات في الصحافة الوطنية آنذاك. كانت أفكاره تدعو إلى الوحدة الوطنية، والتمسك بالمقومات الشخصية الوطنية. وفي سنة 1940م حُكِم عليه بالإقامة الجبرية داخل القرارة لمدة 4 سنوات، وبعد خروجه دخل معترك الحياة السياسية.
بعد الحرب العالمية الثانية طالب بإلحاق الصحراء بالجزائر مناهضا مشروع الدستور المزعوم الذي منحته السلطات الفرنسية للجزائر سنة 1947م.
خلال ثورة التحرير 1954 - 1962 شكَّل الشَّيخ بيُّوض محورا لجميع نشاطات الثورة بمنطقة وادي ميزاب عموما، وكانت له اتصالات سرية مع جبهة التحرير الوطني، والحكومة المؤقتة للجمهوريَّة الجزائريَّة في المهجر. (1/232)
صفحة 232
بعد الاستقلال وفي فترة السبعينات اعتمدته وزارة الشؤون الدينية في إصدار الفتوى بالعمل بالحساب الفلكي في إثبات المواسم الدينية من تراثه الأدبي والفلكي.
تفسير مسجل لأكثر من نصف القرآن، ومئات الأشرطة لدروس وفتاوى على أسئلة فقهية وعلمية. كان يعتمد في نهضته الإصلاحية على القرآن والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالح من بعدهم. وتوفي يوم 14جانفي 1981م عن عمر يناهز 83 سنة.
عرض: سليم شيخاوي.
المساء الثقافي: الإثنين 19 ربيع الأول 1411هـ
الموافق لـ 08 أكتوبر 1990م (1/233)
صفحة 233
المكتب الولائي للمجاهدين بغرداية يوضح
لقد أثرَت جمعية التراث بالقرارة المكتبة الوطنية بكتاب تحت عنوان "أعمالي في الثورة" للمرحوم الشَّيخ بيُّوض إبراهيم، كتب مقدمته أحدالدكاترة المحترمين، بذلك تكون جمعية التراث بالقرارة قد أحسنت صنعا بتحملها مسؤولية نشر هذا الكتاب الذي طال انتظاره لكونه يشكِّل حلقة تاريخيَّة مفقودة يفتقدها إليها المجاهدون في إحصائهم لوقائع أحداث الثورة التحريريَّة، والمؤرخون في تدوين تاريخها.
لذا فإنَّ المكتب الولائي بغرداية ينوه بهذا الكتاب، ويدعو لمطالعته بالصبر والبصيرة، كما يدعو إلى مطالعة تقريري ولاية غرداية وملحقاتها التي تضمنت أحداث الثورة التحريريَّة في المجلات السياسية والعسكرية والإدارية فوق تراب الولاية من أوت 1956 إلى 1962. عندما تتوفر عناصر المقارنة بين ما قدمه المجاهدون في تسجيلاتهم وما قدمته جمعية التراث بالقرارة في كتابها المذكور حينها يتوصل القارئ الكريم إلى معرفة الحقيقة بنفسه، وهذا كل ما يتمناه المجاهدون.
على أمل التوصل إلى هذه الحقيقة فإنَّ المجاهدين يترفعون عن الرد على كل شتم وتهجم، وأساليب الاحتقار الواردة في هذا الكتاب لمصلحة الوطن والشعب. ... الأمين الولائي: م. جبريط. (1/234)
صفحة 234
[صورة] (1/235)
صفحة 235
كتاب أعمالي في الثورة بين الإنصاف والإجحاف
بعد اطلاعنا على البيان المنسوب إلى الولاية السادسة المنشور بجريدة الشعب، بتاريخ (1/ 11/1990)، نسجل ما يلي:
أولا: لم نفاجأ إطلاقا لهذا الاحتيال الذي اغتنم فرصة مؤتمر المجاهدين ليمرر هذا البيان المزعوم المنسوب كذبا إلى الولاية السادسة، لأنَّه لا يحمل أي توقيع من مجاهدي الولاية الذين نعرفهم ونعرف ماضيهم المشرف، ونتحدى هذا الشخص الذي يختبئ وراء البيان أنْ يأتينا بتوقيع واحد من مجاهدي الولاية السادسة الذين جاء ذكرهم في كتاب الشَّيخ بيُّوض "أعمالي في الثورة"، وبذلك يكون اتهامه للشيخ بالخيانة مستندًا إلى دليل.
ثانيا: نهيب بهذه المناسبة بأولئك المجاهدين الذين يعرفون أعمال الشَّيخ بيُّوض احتكاكا أو متابعة في الجزائر أو في تونس أنْ يدلوا بشهادتهم خدمة للتاريخ، وإحقاقا للحق، ونرجوهم ألا يكتفوا بما نسمعه عنهم من حين إلى آخر في كواليس الملتقيات والمناسبات من شهادات شفويَّة حتى يقطعوا الطريق أمام عبث العابثين وتخرص الخراصين، ولا حاجة إلى ذكر الأسماء حتى لا نحرج أحدا، والله سبحانه يقول: "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه". (1/236)
صفحة 236
ثالثا: نهيب بالقارئ الكريم الذي يسعى إلى الوصول إلى الحق بنفسه أنْ يقرأ الشهادات الواردة في كتاب "أعمالي في الثورة"، ويقف عند مقال جريدة المجاهد الصادر إبَّان الثورة في قضية فصل الصحراء عن الشمال، ليعرف إلى أي حد وصل التنكر للحقيقة، دافعا لأنْ ينكر هؤلاء اليوم صوت المجاهدين الرسمي وقد كان لسان حال كل مجاهد مخلص بالأمس؟
رابعا: نؤكد لمن كتب ذلك البيان أو أملاه أو وافق عليه أنَّ للإمام الشَّيخ بيُّوض رصيده الوطني الإسلامي الذي لا ينفذ عند الله وعند الناس، وأنَّ آثاره الباقية في كل أنحاء القطر الجزائري تشهد له بذلك، فلن يزعزعنا ما قيل وما سيقال من دعاة التفرقة والجهوية والتعصب والعصبية، فنحن أدرى بهذه الدمل الذي سيسيل منه القيح، وسنصل يوما ما إلى عصر أم القيح ليستريح جسد هذه الأمة المنهوك بالسهر والحمى.
أما الرد الذي كتبه إبراهيم رمضان منشورا في الشعب، بتاريخ 20/ 11 - 22/ 11، فإنَّنا نسجل عليه الملاحظات التالية:
أولا: إني لن أرد هنا على المهاترات الكلامية التي ملأ بها إبراهيم رمضان رده، ولن أقف إلا عندما يخدم الحقيقة التاريخية لأنَّها الأبقى، ولن أدفع إلا على ما يتعلق بي شخصيا، فالكتَّاب الذين هاجمهم رمضان (1/237)
صفحة 237
وجمعية التراث التي نالها من مدحه الكثير جديرون بالرد عن أنفسهم إنْ شاؤوا، فللكتَّاب أقلام، وللجمعية رئيس وأعضاء.
ثانيا: إنَّ فصول الكتاب ليست خارجة عن موضوعه كما زعمتَ، فكل وثيقة أو شهادات تدفع في صدور المتشككين، وتؤكِّد مواقف الشَّيخ بيُّوض البطولية في الميدان الوطني، فهل شهادة ابن خدة الرئيس الأسبق، والإمام ابن باديس، ومذكرات رفاق النضال، ومقال جريدة المجاهد إبَّان الثورة تعد في نظرك خروجًا عن الموضوع؟!
ثالثا: لم نذكر في الكتاب كله اسمكم لا تصريحًا ولا تلميحًا، وإذا كان لكم شك في علاقاتكم بما ذكر من الأحداث فذلك شأنكم، اللهم إلا ما جاء على لسان المرحوم بوعروة بابه حين ذكرهم بالاسم، ... كل هذه الثورة فيما يبدو، وما ذنبنا نحن وقد نقلنا ما جاء في المذكرات دون حذف أو تعديل أو تدخل عملا بالأمانة العلمية، فإنْ كان لكم رد على مذكرته فذلك حق من حقوقكم التي لا ينازعكم فيها أحد، ومجال التأليف والإعلام مفتوح في عهد الديمقراطية والحمد لله، وأنا مستعد لتقديم الوصية التي رغب فيها نشر هذه المذكرات المكتوبة بخط يده.
رابعا: لماذا تحاول يا شيخ أنْ تجرَّ المجاهدين إلى زوبعة في كأس وأنا لم أستنقص من حق المخلصين العاملين لوجه الله، وإنَّما عنيت أولئك الذين (1/238)
صفحة 238
وقفوا وما يزالون وراء الفتن التي تتجرع غصصها في وادي ميزاب وهي معروفة لدى الخاص والعام، وأعني بها بصفة خاصة وأحداث القرارة في أكتوبر من سنة 1989م التي كادت أنْ تؤدي إلى كارثة أهلية لولا تدخل العقلاء من المتساكنين.
وما تزال ثانوية الشَّيخ بيُّوض تنتظر اللافتة التي تحمل اسمه تطبيقا لقرار الوزارة المعنية، فمن يقف وراء تطبيق القرار أهُمُ الذين اتهموا الشَّيخ بيُّوض بالخيانة علنا، أم المجاهدين في المؤتمر الأخير، أم هم أناس يتسترون بالمناضلين والمجاهدين؟
خامسا: لا داعي للعزف على وتر إثارة حمية الشباب الإباضي أو غير الإباضي -كما جاء في ردكم - لأنَّ الذين اكتووا بنار تلك الفتن هم الشباب أنفسهم، فقد اتهِموا في رصيدهم الوطني، واغتيلت رموزهم في وضح النهار، وهمِّشوا عن الساحة الوطنية ثلاثين سنة في عقر دارهم، وهم الذين دفعوا ضريبة ذلك فتنا عمياء أزهقت الأرواح، وبدَّدت الأموال، ولولا الديمقراطية التي فسحت لهم مجال القول والعمل اليوم ما ارتفع للحق صوت، وما وضع للشر سوط.
سادسا: موقفكم من الشَّيخ بيُّوض اليوم أو أمس أو غد لا يهمني في شيء لأنَّه لا ينقِص من قيمة الشَّيخ أو يزيد في نظر المنصفين النزهاء أن (1/239)
صفحة 239
ترضوا عليه أو تسخطوا وقد أفضى إلى ربه، ولأنَّ ذلك منكم أقل ما يمكن أنْ يكون من تلميذ يدين لأستاذه بحق التربية وفضيلة التعليم، وعلى كل فإنَّ تطور موقفكم الأخير ولو كان جزئيا فهو دليل اعتراف وعلامة رشد، نرجو أنْ تمحي سيئات ما عاناه منكم حين كان حيا يرزق.
سابعا: إنَّ الأسئلة التي وجهتموها إليَّ عن نظام الثورة في غرداية لا تهمني ولا تعنيني في شيء، لأنَّها تعليق عما جاء في مذكرات المرحوم بوعروة بابه، فعليكم أنْ توجهوها إليه حيث ينام، ولا مانع أنْ يكون ذلك بكتاب كامل كما تنوون بل كما تهددون.
ثامنا: ليس في نيَّتي ولن يكون فيما يأتي من الأيام أنْ أهتمَّ بشخصكم لا بدافع ذاتيٍّ ولا بعامل خارجيٍّ، لا هجوما ولا دفاعا، حتى لا يقال: "استسمنت ذا ورم"، وليس من اهتمامات جمعية التراث فيما أعلم أنْ تهتمَّ بالأشخاص الذين لم يخلدهم التاريخ، ولن ندخل معكم ولا مع غيركم في مهاترات كلامية، فقد علَّمنا مشايخنا "إنَّ الوقت من ذهب"، غير أنَّنا نعلمكم بأنَّنا إنْ أهِنا في كرامتنا دافعنا بكل ما نستطيع لا يصدنا وعيد أو تهديد، والذي نعجب له حقًّا أنْ تثوروا كل هذه الثورة لمجرد كلام صدر في كتاب، وتسكتون وأنتم الإطار السامي والنائب البرلماني المحترم عندما تزهق الأرواح، وتحرق الدكاكين؟ (1/240)
صفحة 240
تاسعا: ينبغي أنْ تعلم يا شيخ وأنا أحترم شعرك الأبيض أنِّي لن أردَّ عليك بمثل أسلوبك، وإنما أريد أنْ أسِر في أذنك بشيء تصحيحًا لما جاء في كلامك: إنَّ نعمة الاستقلال التي ننعم بها اليوم والحمد لله ليست منحة منكم ولا من غيركم، إنَّما هي من فضل الله أولا، ثم بفضل الشعب الجزائري البطل عبر مراحل تاريخه الطويل منذ الاحتلال، فإنْ كان فضل لأحد بعد الله فإنَّه يكون للشهداء الذين هم عند ربهم يرزقون، وليس لمن هم في الفلات يتنعمون.
عاشرا وأخيرا: إنَّ هذا العبد الضعيف يشرفه أنَّه كان ذات يوم من سني الثورة المباركة يكتب ما يمليه عليه شيخه إبراهيم بيُّوض من رسائل إلى الحكومة المؤقتة ولا سيما في قضية فصل الصحراء عن الشمال، وكان يتابع وهو يافع لقاءات شيخه مع صانعي أمجاد الثورة في منطقة وادي ميزاب، ومع ذلك فإنَّه مستعد للحوار العلمي الهادئ عندما تتاح الفرصة لذلك دون رضوخ لتهديد أو وعيد، ودون عقدة استعلاء أو نقص، وهو يسألكم في الأخير عما جاء في آخر مقالكم عندما وجهتم إليَّ هذه الجملة التي تحمل روائح من عهد الإرهاب الفكري "من أضاع الفرص تجرع الغصص"، فهل هي تهديد لشخصه الضعيف أم هي توهين لجمعية التراث القوية؟ وبما أنَّكم ملأتم مقالكم شعرا فإني أهدي إليكم هذا البيت الذي قاله شاعر عربي في مثل هذا الموقف: (1/241)
صفحة 241
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنَّ بني عمك فيهم رماح
وفقنا الله وإياكم إلى وحدة الصف، وكلمة الحق، والسلام عليكم.
الدكتور: محمد ناصر.
العدد: 366. الخميس 20 جمادى الأولى 1411هـ
الموافق لـ 06 ديسمبر 1990م
أضواء. أسبوعية وطنية تأسست في 01 ديسمبر 1983. (1/242)
صفحة 242
[صورة] (1/243)
صفحة 243
DE L'ALGERIE REPUBLIQUEFRANCAISE
DIRECTION DES TERRITOIRES DU SUD
SERVICE DES AFFAIRES SAHARIENNES
ET DU
PERSONNEL MILLITAIRE
N°143 ... /SUD /2
NOTE
A Monsieur le directeur de cabinet civil
De M. le ministre, gouverneur général de l'Algérie
S/C. de monsieur le secrétaire général du gouvernement
-------------------------
OBJET: Déclaration de Cheick BAYOUD BRAHIM contre le commandant GAUTHIER
REFER: Sa note n° 4113/C.C du 25 avril 1949
En réponse à sa note citée en référence, j'ai l'honneur de faire connaitre à monsieur le directeur du (1/244)
صفحة 244
cabinet civil que la déclaration faites par le cheikh BAYOUD BRAHIM délègue du M'Zab à l'assemblée algérienne et son lieutenant BEN YOUSSEF SLIMENE, le BEN AL HADJ DAOUD 6 avril 1949 semblent être la préparation des élections qui doivent avoir au Mzab être en 1951.
Le délégué à l'assemblée algérienne de la circonscription du Mzab verra en effet son mandat expirer à cette époque. Il n'oublie pas qu'en 1948 il due sont succès d'une part à l'abstention volontaires des conservateurs, opposer a toutes participations du Mzab dans les questions de politique algérienne et qui voulurent ainsi marquer leur réprobation d'être incorpores à une circonscription électorale et d'autre part, au découpage des circonscriptions excluent du Mzab les centres CHAAMBAS de METLILI et d'El-Goléa qui ne lui auraient sans doute pas été favorables. (1/245)
صفحة 245
Les propositions faites alors au ministère de l'ingénieur pour le découpage des circonscriptions électorales du 2° collège prévoyaient que la circonscription de Ghardaïa.
Serait constituées par l'ensemble de cette commune, c'est-à-dire outre les sept villes du Mzab et les centres CHAAMBA de METLILI et el Goléa. Mais la création d'une circonscription spéciale au Mzab a été décidée par l'assemblée nationale en seconde. Lecture en 1948, sur l'intervention directe à paris des réformistes du Mzabsons que le gouvernement général ait été appelé à donner son avis sur les conséquences qui devaient en découler.
C’està mon sens regrettable car elle a provoqué la rupture des liens traditionnels qui unissaient sous l'Agides de la France des populations différentes : Mozabites,Chaambas, arabes agrégés et israélites, longtemps rivales et qui doivent cependant vivre au contact les unes des autres. Par ailleurs ce découpage rompt l'unité (1/246)
صفحة 246
géographique de la région. Mais le Cheick BAYOUD tient essentiellement à une mesure qui a assuré son élection. Il appréhende que METLILI et ALGOLEA soient rattachées à Ghardaïa comme il avait été proposé et pends les devants en agitant le spectre séparatiste P.P.A
en ce qui concerne les faits exposés par le cheikh BAYOUD:
I°/- il est exact que la majorité des suffrages exprimés à METLILI et même à EL- GOLEA est allée en avril 1948 aux partis séparatistes. Mais ceci est dûà l'active et habile propagande de dernière heure menée par des habituées manœuvres politiques venus du nord et aussi désintéressent que les candidats indépendants ont marqué pour une région très éloignés du centre de leur circonscription er ou ils n'étaient pas connus. Cependantles Chaambas ont toujours témoigné d'un parfait loyalisme et restent aujourd’hui encore. L’élément le plus (1/247)
صفحة 247
attaché à la France.Ils ont été surpris en avril 1948 ils se sont complètement repris pour les élections d'octobre suivant et nous pouvant d'être certains qu'ils ne seront plus dupés à l'avenir.
2°/- le KAID Abdelkader de METLILI a été suspendu de ses fonctions pendant un mois à compter du 9avril 1948 pour son attitude critiquable au moment des élections. C’est un avertissement que nous avons dû lui donner et il ne méritait pas une sanction plus sévère. Il avait été proposé à titre normale pour le grade de chevalier de la légion d'honneur en Novembre 1947, donc bien avant les élections et de promotion normale est sortie en Novembre 1948. C’est un bon chef musulman qui a eu un moment de défaillance et en a manifesté de vifs regrets.
3°/- la question de l'exploitation des eaux du Mzab intéresse évidemment ceux qui aspirent à jouer un rôle (1/248)
صفحة 248
prétendirent dans le pays, car la détenir revient à avoir enmain la vie économique de la région et par conséquent tenir a ca merci une très nombreuse clientèle. C’est la raison pour la quelle les forages a grand profondeur doivent toujours rester dans les mains de l'état.
4°/- le commandant GAUTHIER ne peut en aucune façon être soupçonné de donner un appui quelconque au P.P.A.pour qui connait cette officier supérieur, l'accusation du cheikh BAYOUD ne peut être prise que comme un trait d'humour.
5°/- l'aide qui pourrait être apporté aux trafiquants de denrées avec l’A.O.f. me parait quelque peu imaginaire, le service des douanes de Ghardaïa ayant la réputation d'être sévère dans son administration.
Le directeur des territoires du sud (1/249)
صفحة 249
[صورة] (1/250)
صفحة 250
[صورة] (1/251)
صفحة 251
[صورة] (1/252)
صفحة 252
محتويات الكتاب
مقدمة الطبعة الثانية ...................................... ... 05
مقدمة الطبعة الأولى ..................................... ... 07
نبذة مختصرة عن حياة الإمام الشَّيخ بيُّوض ............... ... 17
أعمالي في الثورة باختصار في الجزائر والتل ................. ... 25
أعمالي في الثورة بالصحراء وميزاب على الخصوص ......... ... 29
مناورات في الصحراء .................................... ... 60
من مذكرات المناضل الوطني بوعروة بابا بن إبراهيم ........ ... 68
الخطاب الذي ألقاه الشَّيخ بيُّوض أمام البرلمانيّين سنة 1951م في قضية إلحاق وادي ميزاب بالشمال رسميا ........ ... 84
تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى الموفد من طرف السيد وزير الأوقاف والشؤون الدينية إلى وادي ميزاب .... ... 87
رد نخبة من مجاهدي القرارة على ما جاء من افتراء في التقرير الولائي للمجاهدين ................................... ... 103 (1/253)
صفحة 253
تقرير أعضاء لجنة اليقظة حول أحداث القرارة الواقعة في أوائل أكتوبر 1989م ....................................... ... 156
النص الأصلي (بالفرنسية) لمقال المجاهد عن المقاومة الجزائرية في الصحراء ............................................... ... 165
ملحق الوثائق التاريخية .................................. ... 181
محتويات الكتاب ............................................. ... 253 (1/254)
صفحة 254
طبع بالمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية
وحدة الرغاية
2016 (1/255)