صفحة 1
بحث تخرج بعنوان: الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ومنهجه الفقهي
إشراف: الشيخ/ أحمد بن جابر بن علي المسكري
إعداد: الطالب/ محمد بن أحمد بن حمد الخليلي
1424هـ / 2003م
معهد العلوم الشرعية - وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عُمان
تراجم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
بحث تخرج بعنوان :-
الإمام محمد بن عبدالله الخليلي
ومنهجه الفقهي
إشراف الشيخ / أحمد بن جابر بن علي المسكري
إعداد الطالب/ محمد بن أحمد بن حمد الخليلي
1424هـ 2003 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل في سيرة السابقين عبرة للمعتبرين وحثنا على النظر في تاريخ المتقدمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وعلى أصحابه وتابعيه إلى يوم الدين كانوا قدوة لنا لنهج الطريق المستقيم .
أما بعد ،،، فإن الناظر في سيرة أعلامنا السابقين يجد لهم دوراً بارزاً وفضلاً عظيما تتجلى آثاره إلى وقتنا الحاضر بل وقد تستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها وذلك بمآثرهم التي كانت ولا تزال مصباحاً يزيل الظلام فهم سخروا أنفسهم وأموالهم بل وأرواحهم لإنقاذ هذه الأمة وجبر عوارها .
فعلينا أن نسير على خطاهم ونقتفي آثارهم وذلك لا يكون إلا بدراسة تاريخهم وسيرتهم دراسة متأنية وأخذ الدروس والعبر منها لأنه من المعلوم أن رقي الأمم وعلوها مرتبط بتراثها وماضيها فأي أمة لا تعيش ماضيها تفقد حاضرها فلهذا قال أحد العلماء البناة في التاريخ ( فإنه لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الإقتداء بالصالحين ويرشد على طريقة المتقين لأن فيه ذكر أخبار من مضى من صالح وطالح فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه إلى اقتفاء آثارهم وإذا سمع أخبار الطالحين أشفقت نفسه أن يكون من جملتهم فتراه بذلك يقتفي آثار من صلح ويتجنب أحوال من طلح فيجاهد نفسه حق الجهاد فيستحق بذلك من الله العون والتوفيق لقوله عز من قائل ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ) (1) (2) .
وكما يقول الشاعر في الحث على اقتفاء سير الصالحين : ... ...
__________
(1) العنكبوت الآية 69
(2) الشيخ نور الدين السالمي تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان – مكتبة الاستقامة ط2 ص 4 (1/1)
صفحة 2
تشبهوا إن لم تكون مثلهم ... ... ... إن التشبه بالكرام فلاح
ومن هؤلاء الكرام الأفذاذ الإمام العلامة التقي / محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي رحمه الله ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته .
وقد سبقني في الكتابة عن هذا الإمام الجليل عدد من الكتاب والباحثين ولكن مع ذلك دفعني إلى الكتابة عنه وجود كثير من المعلومات لم تدون بعد توجد متناثرة في ذاكرة بعض كبار السن وأخشى بموتهم موت تلك الدرر معهم .
ولصلتي بهذا الإمام يتأكد الأمر بحقي وهذا جهد مقل مني أرجو من الله أن يوفقني لما فيه الخير إنه سميع مجيب .
أما بالنسبة للمشكلات والصعوبات التي قابلتني فلله الحمد أن الأمور سارت بشكل جيد ولم تصادفني صعوبات كثيرة إلا ما كان من بحث عن أمثلة معينة كأمثلة على حزم الإمام فقد سألت عدد من الأشخاص فيجيبوني بكلام عام وبلا ذكر أمثلة .
وأيضا بعض الأحاديث لم أجد لها تخريجا .
وكان منهجي في البحث تجنب أو عدم الإكثار من القصص المذكورة في الكتب فلا خوف عليها من الفقدان فحاولت إخراج القصص من رؤوس الرجال وتثبيتها في هذه الأوراق وقد أجد ندرة في بعضها .
وكان تقسيمي للبحث كالتالي .
مقدمة
الفصل الأول : الإمام الخليلي .
وينقسم إلى ثلاثة مباحث .
المبحث الأول : حياة الإمام .
وينقسم إلى عدة مطالب
المطلب الأول : اسمه ونسبه .
المطلب الثاني : ولادته ونشأته .
المطلب الثالث : دور الإمام في المجتمع قبل الإمامة .
المطلب الرابع : دور الإمام في المجتمع أيام إمامة الإمام سالم .
المطلب الخامس : بيعته .
المطلب السادس : أعماله في إمامته .
المطلب السابع : وفاته .
المبحث الثاني : صفات الإمام .
وينقسم إلى عدة مطالب يسبقها تمهيد .
المطلب الأول : سياسة الإمام .
المطلب الثاني : علاقات الإمام .
المطلب الثالث : حزم الإمام وحذره .
المطلب الرابع : شجاعة الإمام .
المطلب الخامس : أمر الإمام بالمعروف ونهيه عن المنكر .
المطلب السادس : حلم الإمام . (1/2)
صفحة 3
المطلب السابع :زهد الإمام .
المطلب الثامن : كرم الإمام .
المطلب التاسع : تواضع الإمام .
المطلب العاشر : عبادة الإمام :
المطلب الحادي عشر : كرامات الإمام .
المبحث الثالث : حياته العلمية .
وينقسم إلى عدة مطالب يسبقها تمهيد.
المطلب الأول : جهده في طلب العلم .
المطلب الثاني : مناقشته للمسائل .
المطلب الثالث : شيوخه .
المطلب الرابع : تلامذته.
المطلب الخامس : مكانته العلمية .
المطلب السادس : آثاره العلمية .
الفصل الثاني : المنهج الفقهي .
المبحث الأول : الاستقلالية في الفتوى .
المبحث الثاني : الاستدلال بالأدلة .
المبحث الثالث : مناقشة المسائل .
المبحث الرابع : ترجيح الأقوال .
المبحث الخامس : تغير الاجتهاد .
المبحث السادس : الاعتماد على القواعد الأصولية .
المبحث السابع : حكاية الخلاف . ...
المبحث الثامن : الإطالة والاختصار في المسائل .
المبحث التاسع : الأخذ بأقوال غيره من العلماء .
وأسال الله العون والتوفيق والتسديد هو ولي ذلك والقادر عليه .
الفصل الأول : الإمام الخليلي .
وينقسم إلى ثلاثة مباحث .
المبحث الأول : حياة الإمام .
وينقسم إلى عدة مطالب
المطلب الأول : اسمه ونسبه .
المطلب الثاني : ولادته ونشأته .
المطلب الثالث : دور الإمام في المجتمع قبل الإمامة .
المطلب الرابع : دور الإمام في المجتمع أيام إمامة الإمام سالم .
المطلب الخامس : بيعته .
المطلب السادس : أعماله في إمامته .
المطلب السابع : وفاته .
المطلب الأول :-
اسم الإمام الخليلي ونسبه :- (1/3)
صفحة 4
... هو الإمام العلامة المحقق محمد بن عبدالله بن العلامة المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح من نسل الإمام الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد ابن الإمام الخليل بن العلامة شاذان ابن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي نسبه إلى خروص بن شاري بن اليحمد (1) .
... هذا هو المشهور الذي يذكره المؤرخون ولكن لسيدي الوالد رأي في ذلك إذ بين الإمامين الخليل بن شاذان والصلت بن مالك وقت طويل فبيعة الإمام الخليل كانت في سنة أربع مائة وسبعة للهجرة (2) ووفاته في أربع مائة وخمسة وعشرون للهجرة (3) وبيعة الإمام الصلت في سنة مائتان وسبع وثلاثون للهجرة (4) ووفاته في مائتين وخمسة وسبعون (5) .
فبين وفاتهما مائة وخمسون سنة فالأقرب أن يكون الأمام الصلت جد جد الإمام الخليل ويكون اسمه الخليل بن شاذان بن الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك ولكن سقط الاسم للتكرار كما أن شاذان بن الصلت انقطعت أخباره بعد فتنة عزل الإمام الصلت فيحتمل أن يكون قد قتل فيها ولهذا ًيستبعد أن يكون الإمام الخليل ابنه مباشرة.
... هذا ومن الملاحظ أن كثيرا من الناس ينسبون أحياناً الشخص للجد مباشرة ولا يذكرون اسم الأب ، فالإمام الخليلي نفسه عندما كان صغيراً يقول أن اسمه محمد بن سعيد فينسب نفسه لجده لما لجده من فضل وعلم ويكثر سقوط بعض الأسماء في النسب خاصة عند التكرار .
... وأما أسرة الإمام فهي أشهر من أن تعرف فأبوه كان من أهل الزعامة والقيادة مع أخذ حظه من العلم وعم الإمام كان من أكبر علماء زمانه وكان مرد الفتوى إليه أما جده فهو العلامة المحقق سعيد بن خلفان الذي كان المحرك الرئيس لإمامة الإمام عزان بن قيس .
__________
(1) الشيخ / محمد بن عبدالله السالمي نهضة الأعيان بحرية أهل عمان – دار الجيل بيروت ص 287 ، 288 .
(2) تحفة الأعيان ص 295 .
(3) المرجع السابق ص303
(4) المرجع السابق ص164 .
(5) المرجع السابق ص196 . (1/4)
صفحة 5
سلسة من صالح فمصلحٍ ... فعالم فعامل فمرتضى
فمؤمن فحاكم فعادلٍ ... فراشدٍ فمرشدٍ فمقتفى
سلسلة ليس لها إرادة ... إلا إرادة الحكيم كيف شا
إلى أن قال :-
ويحي على مالكها وصلتها ... شاذانها خليها العدل الرضى
ويحي على سعيدها وهو على ... منصة الحق ضياء ابن جلا
وإن ذكرت أحمداً وصنوه ... نشرت للتاريخ أسطار البها
وإن ذكرت بعدهم محمداً ... ذكرت للدهر الحسام والندى (1)
وعموماً فإن هذه القبيلة أنجبت عددا كبيراً من الأئمة وأهل العلم حتى قيل ( لو انتسبت الإمامة لقالت خروصية ) .
... وذكر الشيخ أبو بشير ثلاثة وعشرين إماماً من بني خروص وهذا الكم يدل على أنهم حازوا العدد الأكبر من أئمة عمان (2) .
وكان أول إمام من بني خروص الإمام الوارث بن كعب الخروصي بويع بالإمامة سنة مائة وخمس وسبعون للهجرة ـ
وتوفي في سنة مائة واثنين وتسعين للهجرة وهو ثاني إمام على عمان (3) .
وآخر أئمة بني خروص هو الإمام محمد بن عبدالله الخليلي الخروصي بويع بالإمامة سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وثلاثون للهجرة وتوفي سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وسبعون للهجرة (4) .
وهؤلاء الأئمة ينطبق عليهم قول أبي مسلم - رحمه الله - :-
أئمة حفظ الدين الحنيف بهم ... من يوم قيل لدين الله أديان
صيد سراة أباة الضيم أسد شرى ... شمس العزائم أواهون رهبان
سفن النجاة هداة الناس قادتهم ... طهر السرائر للإسلام حيطان (5)
المطلب الثاني :-
مولده ونشأته :-
ذكر صاحب النهضة عن الإمام الخليلي بأنه ولد في سمائل ولكن الظاهر أنه ولد في محرم .
__________
(1) الأديب عبدالله بن علي الخليلي وحي العقبرية الطبعة الثانية ص129 – 133 .
(2) نهضة الأعيان ص 60- 61
(3) تحفة الأعيان ص112- 119 .
(4) نهضة الأعيان ص 301 – 390 .
(5) الشيخ ناصر بن سالم الرواحي ، ديوان أبي مسلم طبع سنة 1406 ص 302 . (1/5)
صفحة 6
يقول سيدي الوالد: إنه وجد رسالة من الإمام إلى أهل محرم قال فيها في حديثه عن محرم هي أول أرض مس جلدي ترابها فهذا دليل على أنه ولد بمحرم وهذا الذي يقوله أهل محرم.
وكان ميلاده كما في النهضة عام ألف ومائتين وتسعة وتسعين للهجرة وإن كان هناك من يقول إن ولادته كانت عام ألف ومائتين وخمسة وتسعين للهجرة إلا أن الأول أظهر وذلك لبعض الأدلة منها :-
أن الشيخ عبدالله صالح الحارثي عندما مر على سمائل وهو متجه إلى مسقط عام ألف وثلاثمائة وأثني عشر للهجرة كان الإمام صغير السن والإمام بنفسه يحكي عن صغر سنه في ذلك الحين فكان سنه على التقدير الصحيح ثلاث عشرة سنة وأما التقدير الثاني فسنه سبع عشرة سنة فيكون في مرحلة الشباب ولهذا استبعدوا (1) .
أما نشأة الإمام الخليلي فقد نشأ وترعرع في كنف أبيه الوالد عبدالله بن سعيد (2) وكان يتنقل بين محرم وسمائل كما أنه ذهب إلى الشرقية لطلب العلم وبقي تنقله بين محرم وسمائل حتى بويع بالإمامة بل حتى بعد بيعته كان يقيم أحياناً في محرم وأحياناً في سمائل (3) .
المطلب الثالث :-
دور الإمام في المجتمع قبل الإمامة :-
كان الإمام منذ نشأته يخطو خطى سلفنا الصالح ويرسم نهجهم فكانت له مكانة في نفوس الناس فكانوا يجلونه ويرفعوا من قدره .
وأورد هنا قصة وقعت للإمام في صلحه بين الناس إذ كانوا يحكموه في ما يصدر بينهم من خلاف.
__________
(1) مقابلة مع سيدي الولد أجراها خليل بن أحمد الخليلي .
(2) شاعر وأديب نشأ في كنف أبيه العلامة سعيد بن خلفان سكن علاية سمائل وكان يتنقل بينها وبين وقرية محرم من وادي بني رواحة وكان زعيما لبني رواحة خرج من سمائل بعد دخول الإمام سالم لها قتل في بلدة الخابورة من منطقة الباطنة سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وثلاثين للهجرة وهو في وسط العقد السادس ـ
(3) المرجع السابق بالإضافة إلى نهضة الأعيان ص 287 . (1/6)
صفحة 7
كان مرة في بلدة القريتين في أحد المساجد وتقدم له متخاصمان في قضية من القضايا فبعد سماعه منهما قال لأحدهما أنت تحتاج إلى قيد فرد بأسلوب فيه تكبر من يقيدني كأنه لا يستطيع أحد تقييده فجاء الجواب سريعاً ولكن لم يكن من عند الإمام إذ سقطت حجرة من السقف على رأس المتكبر وجرى دمه فقال الإمام للحاضرين : أخرجوه من المسجد كي لا يصيب المسجد دمه مع العلم أن المسجد مبني من الجص (1) .
فسبحان الله المسجد مبني من الجص فكيف تسقط حجرة بمفردها وعلى رأس ذلك الشخص فقط وفي تلك اللحظة بعد تكبره على الإمام ولكن الله يختص بعض عباده بما شاء وكان ذلك أبلغ للمتكبر وللحاضرين من أي قول أو فعل قد يفعله الإمام وهذه إحدى كرامات الإمام.
وفي فترة تعلم الإمام بالقابل أرسله المشايخ إلى بدية يصلح بين طرفين اختصما وكان يرأس أحد الطرفين عامر بن سعيد وهلال بن سعيد الحجريان وكان هلال حاضراً وقت الصلح وطلب منه الإمام التنازل لخصمه في بعض الأمور فرفض فلما حضر عامر طلب منه الإمام ما طلبه من أخيه فقال : يقصدكم ولد الخليل بن شاذان فيسألكم في شيء فترونه ؟ يتم كل ما تريد ولو تقطع الرؤوس فشكره الإمام على ذلك وقال تطلب الحاجات من أهلها (2) .
ومن جهة بعد الإمام عن النزاعات القبلية وترفعه عنها أذكر بعض ما قام به في هذا المجال.
كانت عمان قبل الإمامة تموج في صراعات قبلية يأكل فيها القوي الضعيف وكان العمانيون يتناحرون فيما بينهم ومع كل هذا كان الإمام أبعد ما يكون من الدخول أو الاشتراك في تلك الصراعات الجاهلية.
__________
(1) مقابلة مع الشيخ / يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/9/ 2002م والجص مادة مثل الإسمنت يستعملها أهل عمان في البنيان وهي أقوى من الإسمنت .
(2) الشيخ سعيد بن حمد الحارثي اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب ص 260 ،261 . (1/7)
صفحة 8
فعندما أراد بنو رواحة الهجوم على الخرماء (1) لقتال العوامر ذهبوا إلى الإمام الخليلي لأخذ سلاحه ليستعينوا به على القتال فتذكر في ذلك روايتان الأولى أنه أفسد سلاحه لكي لا يستعملوه في قتال المسلمين فتركوا السلاح وذهبوا.
والثانية أنهم أخذوا السلاح وأصلحوه واستعملوه في القتال وعندما انتهت المعركة جاء ليعيدوا السلاح للإمام فرفض أخذه وقال : لا آخذ سلاحاً تلطخ بدماء المسلمين مع أن الحرب كانت جاهلية من كلا الطرفين (2) .
هنا ننظر إلى تصرف الإمام مع أنه من زعماء أحد الطرفين المتنازعين إلا أنه رفض مساعدتهم في الباطل مع أن تلك الفترة كانت فترة حرجة وكانت النزاعات القبلية ديدن الكل فنرى بعض العلماء لا يخلون من تلك النزعات مع ما هم فيه من العلم لظروف تلك الأيام ولكن الإمام كان أرفع قدراً وأعلى منزلة من الدخول في تلك الفتن.
ومن أعمال الإمام قبل الإمامة قصة الحبوس مع بني رواحة فقد صارت خلافات بين الحبوس وبعض الطوائف التابعة لهم وهم بني شبيب فتضايقوا من الحبوس والتجؤوا إلى بني رواحة لحمايتهم ودخلوا في حلفهم فصار لزاما على بني رواحة حمايتهم من أعداءهم فنشبت معركة بسبب هذا بين الحبوس وبني رواحة ولكن الدائرة كانت على بني رواحة واستغرب بنو رواحة من نتائج المعركة فلم يكونوا يتوقعون ذلك إذ كانوا يرون أنفسهم أقوى شوكة من الحبوس.
__________
(1) قرية تابعة لولاية إزكي بالمنطقة الداخلية بعمان
(2) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/9/ 2002م (1/8)
صفحة 9
فما كان من الوالد عبدالله بن سعيد إلا أن أرسل ابنه الإمام لقيادة المعركة إذ كان الوالد عبدالله زعيم بني رواحة وكان قائد المعركة الوالد علي بن عبدالله (1) فرفض الإمام الذهاب لكونها حرب جاهلية وبعد إصرار أبيه وافق على أن تنفذ كل أوامره فذهب الإمام وفور وصوله أمر بني رواحة بالنزول من مقابضهم فقالوا له : عندما كنا في مقابضنا لم نستطع فعل شيء وأنت تأمرنا بالنزول فأصر عليهم فلم يجدوا بدا من النزول .
فأرسل الإمام إلى الحبوس يطلبهم للصلح أو التحاكم للشرع إذ يرجعوا إلى الشيخ السالمي فما كان منهم إلا أن ردوا رداً ساخراً وقالوا لما هزمتم طلبتم الصلح أو التحاكم نحن لا نعرف الشرع نعرف التفق (2) فنحن اليوم هنا ونصبح غداً في محرم وبعدها في سمائل فلما رفضوا الصلح والانصياع إلى الشرع وأصروا على بغيهم قال الإمام : الآن حل قتالهم فالأمر تحول إلى الجهاد وليس معركة قبلية ونوى به الجهاد واجتثاث البغي إذ قامت عليهم الحجة وثبت بغيهم .
وشتان بين معركة لمصالح قبلية وجهاد لإعلاء كلمة الله إذ دارت الحرب على الحبوس وهزموا هزيمة ساحقة واضطروا إلى طلب الصلح (3) .
فالإمام لم يقاتل لما كانت الحرب قبلية ورفض الاشتراك فيها ولكن لما صارت شرعية قاتل لنصرة الحق .
المطلب الرابع :-
أعمال الإمام أيام الإمام سالم :-
__________
(1) أخ الإمام غير خليص في نفس سنه ولد بعده بستة أشهر عاش أول عمره في سمائل ثم خرج منها مع والده وعاش أخر حياته في بوشر إلا أن توفي في زمن الإمام الخليلي في شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة واثنين وستين للهجرة .
(2) البندقية
(3) مقابلة لي مع سيدي الوالد بتاريخ 4شعبان 1423هـ بالإضافة إلى مقابلة لعبد الله بن عامر العيسري مع سيدي الوالد . (1/9)
صفحة 10
كان الإمام الخليلي من الناس المقربين من الإمام سالم (1) إذ كان من أكبر مستشاريه وكان ترد القضايا إليه يعول عليه الإمام سالم في كثير من الأمور ومن أمثلة ذلك :-
تخويل الإمام سالم له في القضية التي كانت بين النواصر وبني هناءة إذ اختلفت الأحكام في هذه القضية فذهب الإمام محمد إليهم ونظر في القضية ثم فصل فيها بأمر من الإمام سالم (2) .
فالإمام سالم ينظر إلى الإمام محمد بأنه من أكبر العلماء ولهذا رد القضية له لما اختلف العلماء فيها وأخذ برأيه فيها
ومن أعماله أيضاً أن الإمام سالم أرسله لينصح أحد الزعماء من مخالفة الإمام سالم فذهب الإمام الخليلي للزعيم ونصح وأشار إليه أن يذهب معه إلى الإمام سالم فيعتذر إليه فقال الزعيم : إن الإمام سيقيدني فقال الإمام الخليلي أنا أضمن لك أن لا يقيدك فلما وصلا إلى الإمام سالم أمر أن يقيد الزعيم فقال له الإمام الخليلي أنا أعطيته الأمان فقال الإمام سالم : لا أمان لك بدون الإمام فغضب الإمام الخليلي وخرج عازماً الرجوع فقيل للإمام سالم : إن الشيخ الخليلي غاضب وسيسافر قال لا ترضوه سيرضيه دينه فلما خرج لام نفسه وقال هذا من الشيطان يريدان التفريق بيننا ورجع للإمام فأخبر الإمام سالم بذلك قال : ألم أقل لكم إنه سيعود (3) .
فالإمام وإن كان حز في نفسه أن الإمام سالم لم يعتبر جواره إلى أنه تمسك بالحق وطرد وساوس الشيطان الذي كان يحاول أن ينزغ بينهم وعاد إلى الحق .
__________
(1) الإمام سالم بن راشد الخروصي ولد ببلدة القارح من أعمال ولاية السويق سنة ألف وثلاثمائة وواحد للهجرة ذهب إلى القابل مع الإمام السالمي لطلب العلم وبقي معه إلى أن بويع بالإمامة سنة ألف وثلاثمائة وواحد وثلاثين في تنوف وعمل على نشر العدل وتوسيع رقعة الإمامة إلى أن توفي شهيداً سنة ألف وثلاثمائة وثمان وثلاثين للهجرة .
(2) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 4 شعبان 1423هـ
(3) اللؤلؤ الرطب ص 179 ، 180 . (1/10)
صفحة 11
المطلب الخامس :-
بيعته :-
عندما كان الإمام سالم بن راشد متوجهاً إلى الشرقية وقف للمبيت ببلدة خضراء بني دفاع وكان يحرسه رجل اسمه سعيد بن بشير وكان من شجعان الرجال إلا أن النعاس غلبه وبينما هو نائم أطلق أعرابي تعيس الحظ يقال له سطين ولد التويلي (1) النار على الإمام فسقط شهيداً.
... وكان الاتفاق أن يلتقي الإمام محمد بالإمام سالم صباحاً ويذهبا معاً إلى الشرقية فجاء الرسول للإمام محمد ليلاً وهو في محرم وأخبره خبر استشهاد الإمام سالم فأراد الإمام الخليلي الذهاب إلى الخضراء ليلاً ولكن أصحابه منعوه وقالوا له أن البلد بها فتنة ونذهب صباحاً وعندما ذهبوا في الفجر وجدوا الإمام سالم قد دفن.
... بعدها توجه الإمام الخليلي إلى الشرقية والتقى هنالك بالمشايخ وأرادوا عقد الإمامة لأحدهم إلا أن سلطان بن منصور الغفيلي قال لهم : عندي شور بدوي ( أي رأي ) اسمعوه ثم الأمر إليكم إن بايعتم الإمام هنا ثم ذهبتم إلى نزوى لن يعجب شركاءكم هناك وسيقولون هذه إمامة هناوية فالأفضل أن تبايعوا الإمام هناك فاستحسنوا رأيه.
__________
(1) نهضة الأعيان ص235 (1/11)
صفحة 12
... وفي جوف عمان كانت هناك تحركات من طرف ثان لبيعة إمام قام بها بنو هناءة والشيخ أبو زيد (1) والشيخ سليمان بن حمير (2) والشيخ إبراهيم بن سعيد (3) ومن معه من العبريين ، وأخذوا في النقاش على تعيين أحد العلماء ورفض الإمام الخليلي قبول البيعة.
__________
(1) عبد الله بن محمد بن رزيق بن سالم الريامي ولد عام ألف وثلاث مائة وواحد للهجرة وتعلم مع الإمام السالمي في القابل وأنشأ مدرسة في إزكي في مسجد أبي الحواري تولى القضاء في إزكي ثم في بهلا وبقي بها إلى أن وافته المنية عام ألف وثلاث مائة وأربعة وستين للهجرة
(2) أمير الجبل الأخضر وزعيم بني ريام بويع الإمام الخليلي وهو ابن أربعة عشر سنة خرج إلى السعودية بعد سقوط إمامة الإمام غالب وعاش بها عاد أخر حياته وتوفي في عمان سنة ألف وأربع مائة وثماني عشر للهجرة عن أربعة وتسعين عاما .
(3) من مواليد ولاية الحمراء بالمنطقة الداخلية بعمان ولد في السابع من رجب سنة ألف وثلاثمائة وأربع عشر للهجرة حفض القرآن وهو ابن خمس سنين تتلمذ على يد عدد كبير من العلماء منهم النور السالمي كان عاملا للإمامين الخروصي والخليلي وتولى منصب الإفتاء في عهد السلطان قابوس توفي في حادث سير بالوطية بمحافظة مسقط سنة ألف وتسع مائة وخمس وسبعون للميلاد (1/12)
صفحة 13
فاجتمع المشايخ في نزوى بحضور الإمام محمد والشيخ عيسى (1) لكن الشيخ سليمان بن حمير لم يحضر إلا أنه أرسل إليه الشيخ المالكي (2) فقال للشيخ إن رأيه رأي المشايخ وكلمته كلمتهم.
ولكن أحد المشايخ رفض مبايعة أي أحد سوى الإمام الخليلي فعندها توجه الشيخ عيسى إلى الإمام الخليلي وقال له : إن هذا الأمر لا يحتمله غيرك فبقي الأمام رافضاً للأمر فأصر عليه المشايخ وبعد إصراره على الرفض تكلم الشيخ العبري قائلاً : إن المشايخ قد اجتمعوا اليوم وان افترقوا فلن يجتمعوا مرة وستتحمل إثم هذا ، فهنا سكت الإمام وأعلن الشيخ عيسى أن البيعة تكون بالجامع (3) .
يقول صاحب النهضة " في ضحى اليوم الثالث عشر من يوم الجمعة من شهر ذي القعدة من سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف اجتمع العلماء والأعيان وأرباب الحل والعقد بجامع نزوى وأجمعوا على مبايعة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي " (4) ، وما كانت بيعتهم له إلا لعلمهم أنه أفضل الموجودين وأعلمهم بعمان وكان ممن بايعوا الإمام :-
أولهم :- الشيخ العلامة رئيس القضاة أبو مالك عامر بن خميس المالكي .
__________
(1) عيسى بن صالح بن علي الحارثي ولد سنة ألف ومائتين وتسعين للهجرة زعيم الحرث ناصر الإمامين الخروصي والخليلي وتوفي سنة ألف وثلاث مائة وخمس وستين للهجرة .
(2) الشيخ عامر بن خميس المالكي ولد بوادي بني خالد سنة ألف ومائتين وثمانين للهجرة تقريبا تتلمذ على يد الإمام السالمي وكان عاملا للإمامين الخروصي والخليلي وكان عالم عمان بعد الإمام السالمي توفي سنة ألف وثلاث مائة وست وأربعين للهجرة
(3) مقابله أجراها خليل بن أحمد مع سيدي الوالد ( ذكرت سابقاً ) .
(4) نهضة الأعيان ص 301 (1/13)
صفحة 14
ثم الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري ) (1) ( الذي أدرك الإمامين عزان بن قيس وسالم بن راشد
ثم الشيخ العلامة الزاهد أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي .
ثم الشيخ عيسى بن صالح الحارثي
ثم الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي (2) .
ثم توالى العلماء والأمراء والخاصة والعامة وبعد البيعة خطب العلامة أبو مالك في الناس بهذه المناسبة ثم خطب الشيخ أبو زيد في العسكر وهكذا تمت البيعة.
المطلب السادس :-
أعماله أيام في إمامته :-
...
كان الإمام الخليلي كغيره من الأئمة لم يقعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع الفتنة ولكن معاهدة السيب حدت من انتشار حدود الدولة وتوسعها الذي كان من أهم الأعمال التي قام بها سلفه الإمام سالم بن راشد الخروصي إذا كان من بنودها أن يكف كل طرف عن الهجوم على الطرف الثاني .
واذكر هنا بعضاً من الأعمال التي قام بها إمامنا الخليلي بعد بيعته على وجه الاختصار :-
الأعمال العسكرية :-
حدث في أيام الإمام فتن تتمثل بتمرد بعض المناطق وشق عصا الطاعة وخروجها على الإمام نذكر بعضها بإيجاز.
- كبح فتنة الرستاق :-
... وذلك أنه لما استشهد الإمام الخروصي كر السيد أحمد بن إبراهيم على الرستاق التي كانت عرش آبائه لينتزعها من يد الإمام مستعيناً على ذلك بالشيخ ناصر بن راشد الغافري أمير خفدي .
__________
(1) ولد في بلدة الحمراء سنة ألف ومائتين واثنان وخمسين للهجرة وهو شيخ النور السالمي وتوفي سنة ألف وثلاثمائة وستن وأربعين .
(2) أحد كبار العلماء كان عاملاً للأئمة الثلاثة أول من أطلق النار من جيش الإمام سالم في فتحهم لنزوى ولد سنة ألف وثلاث مائة وخمس للهجرة وتوفي شهيداً بعد سقوط إمامة الإمام غالب في شهر شوال عام ألف وثلاثمائة وسبعة وثمانين للهجرة . (1/14)
صفحة 15
فتوجه الإمام إليه وعسكر بجيشه في بلدة العوابي وأرسل أحمد بن حامد الرواحي إلى أحمد بن إبراهيم لعله يقنعه على ترك التمرد على الإمام ولكنه رفض الانصياع لمطلب الإمام فرجع الرواحي إلى الإمام بما حدث فما كان من الإمام إلا أن طلب من الشيخ عيسى بن صالح مخاطبة الغافري ليترك نصرة أحمد بن إبراهيم فخاطبه بذلك ولكونهما يعدان في التقسيم القبلي من نفس الحلف استجاب الغافري لطلب الشيخ وترك نصرة أحمد بن إبراهيم فلم يجد الأخير بد من الرجوع والانصياع لأمر الإمام.
ودخل الإمام إلى الرستاق بدون سفك للدماء وهذا ما كان يطمح له الإمام من المحافظة على دماء المسلمين (1) .
- حادثة نخل :-
... عندما تمكن خلفان بن ثنيان من نخل كشر عن أنيابه فقد كان أظهر سابقا التزامه بمنهج الله وانكشف على حقيقته إذ أكل أموال الناس بالباطل واستولى على الأوقاف كما أنه قتل بعض الصالحين من نخل فنصحه عامل الإمام الشيخ محمد بن سالم الرقيشي فلم ينتصح فأرسل الرقيشي إلى الإمام فأرسل الإمام لخلفان ناصحاً فلم يستجب له فأرسل الإمام إليه سيف بن حمود الرواحي ومعه بعض معاونيه فالتقوا بعامل الإمام فذهبوا مجلس خلفان بن ثنيان وقتلوه هناك فثار أعوانه وحاصروا سرية الإمام.
... بلغ الإمام الخبر فأرسل إليهم جيشه وفك الحصار وخلص له البلاد وكان ذلك بأشهر الحج من عام ألف وثلاثمائة وواحد وأربعين للهجرة (2) .
- قيام الإمام على عبري :-
__________
(1) نهضة الأعيان ص 306 – 307 .
(2) نهضة الأعيان ص 316 – 318 . (1/15)
صفحة 16
... بعد مقتل أمير عبري الشيخ سلطان بن راشد اليعقوبي وبعض أبنائه ومواليه على أيدي المناذرة ومن عاونهم وقعت فتنة في عبري إذ اجتمع حلف الغافرية وفي مقدمتهم بنو كلبان وهجموا على السليف بلد المناذرة فقتلوا ونهبوا وكان هذا في سنة ألف وثلاث مائة وثلاث وأربعين للهجرة (1) فطلبوا من الإمام النصرة فأرسل إليهم سرية بها أعيان الدولة مثل الشيخ عيسى بن صالح والشيخ سليمان بن حمير وغيرهم ولكن عند وصولهم رفض أمير عبري دخولهم وحاولوا إقناعه عدة مرات إلا أنه أصر على موقفه فأرسلوا إلى الإمام بالخبر، ما كان من الإمام إلا أن جهز سرية خرج على رأسها بنفسه بعد سماع الخبر وعند وصوله إلى عبري رأى الشيخ ياسر المجعلي (2) أن يخاطب أمير عبري لعله يقبل التخلي عن رأبه فخاطبه فقبل التخلي عن الإمارة لما رآه من ضعفه وقوة الإمام ، وكان تخليه مقابل أن لا يسأل عن ما مضى.
وبعد تولى الإمام زمام الأمر في عبري ظهرت بوادر الخلاف في رفض بني غافر تسليم حصنهم لوالي الإمام الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري وقالوا نبقى نحن هنا عسكراً لكم.
أصر الإمام على أن تكون جميع الحصون خاضعة له بما فيها حصن بني غافر إلا أنهم أصروا على رأيهم يساندهم بعض الزعماء الذين تعصبوا معهم تعصبا قبليا.
وعند رجوع الإمام إلى بهلا اعتذر الإمام إلى مشائخ العلم عن تولي الإمامة فحاولوا إقناعه إلا أنه رفض فقال له الشيخ المالكي إن اعتزاله فتنة فقبل الرجوع ولكن بشرط أن يستمع الكل لأوامره فيرجع بنو غافر عن رأيهم فلم يجدوا بداً من تسليم حصنهم للإمام (3) .
__________
(1) نهضة الأعيان ص326 .
(2) زعيم قبيلة الجنبة من بلدة عز من المنطقة الداخلية بعمان .
(3) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/9/ 2002م . (1/16)
صفحة 17
وسألت سيدي الوالد عن سبب طلب الإمام للاعتزال قال : إنه رأى في الأمر انحيازاً إذ يأخذ حصن أحد الأطراف ويترك حصن الطرف الآخر فالأمر ليس فيه عدل فإما أن يقوم بالإمامة على أكمل وجه أو يتركها (1) .
- حرب الطو :-
... في شهر صفر من عام ألف وثلاثمائة واثنين وستين للهجرة خرج الإمام على رأس جيشه لحرب بلدة الطو دفعه إلى ذلك قيام بعض اللصوص والغوغاء من بني جابر بسرقة أموال الناس وسفك دمائهم وغرتهم حصانة الطو ووقوعها بين الجبال وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله ولكن ما إن تقدم أبو خليل من الطو حتى تفرق اللصوص وصاروا بين قتيل وأسير وشريد إذ مكن الله الإمام منهم وانتهى أمرهم (2) .
- حرب السليف :-
... بعد تولي الشيخ الرقيشي على عبري تمرد المناذرة عليه وأخذ يرسل إليهم فيتمردوا على مطالبه ، ولا يحضروا عند طلبه لهم ، وبلغ الأمر بأحدهم إلى أن وضع رسالة الشيخ على البندقية وأطلق عليها النار فحكم الشيخ ببغيهم واستأذن الإمام في حربهم فقام عليهم وأسقط إمارتهم وشتت شملهم .
... وبعد ذلك تقدم أهل السليف إلى الإمام بشكوى ضد الشيخ الرقيشي على حربه لهم وما فعله بديارهم وكان الناطق بلسانهم الإمام غالب فأحضر الشيخ الرقيشي للنظر فيما قام به ،وبعد النظر في القضية وإثبات الشيخ الرقيشي صحة ما قام به بالكتاب والسنة حكم الإمام بأن ما قام به الشيخ الرقيشي هو عين الصواب وضمن من بيت المال بعض ما أتلف من طريق الخطأ (3) .
معاهدة السيب :-
__________
(1) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 4 شعبان 1423هـ الموافق له 12/8/ 2002م .
(2) نهضة الأعيان ص 373 .
(3) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي أجراها خليل بن أحمد الخليلي . (1/17)
صفحة 18
بعد الضغط على إمامة عمان في الداخل وقطع الطرق عليها ورفع الجمارك إلى 50% ضاق الأمر ذراعاً بالعمانيين فهم يعتمدون أساساً على تصدير التمور وممره الوحيد عن طريق مسقط وما يقع تحت يدها من بلدان فعمد الإنجليز إلى هذا التصرف للضغط على الإمامة وإجبارها على المعاهدة وإيقاف زحفها إلى بقية البلدان .
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن وفاة بعض رموز الدولة مثل الشيخ حمير بن ناصر النبهاني (1) كان له أثر في نفوس العمانيين فأنصار الإمامة الذين كان لهم الفضل الأكبر في قيامها انتقل عدد منهم إلى الدار الآخرة وضعفت جذوة الحماس في نفوس العمانيين لمواصلة الجهاد من أجل طرد الإنجليز كلياً وما وجدوه من ضعف في نفوسهم كل ذلك جعل الإمام يقبل بتوقيع اتفاقية مع الإنجليز وسلطان مسقط وهي ما عرفه بمعاهدة السيب.
أرسل الإمام وفداً إلى مسقط يتكون من الشيخ / عيسى بن صالح الحارثي والشيخ سعيد بن ناصر الكندي وبعض العلماء لتمثيل الإمام وكان يمثل السلطان المستر ونكيت واستمر الاجتماع لمدة يومين كاملين ثم خرجوا بالاتفاق في التاسع من محرم سنة ألف وثلاث مائة وتسع وثلاثين للهجرة (2) .
وهذا نص معاهدة السيب
بسم الله الرحمن الرحيم
__________
(1) كان من أقوى أركان دولة الإمام سالم ولد عام ألف وماتين وواحد وتسعين للهجرة كان زعيم بني ريام وعاش حياته بعد بيعته للإمام سالم مناصراً له توفي في يوم السابع من جمادى الثاني عام ألف وثلاثمائة وثمانية وثلاثين للهجرة ودفن بتنوف.
(2) نهضة الأعيان ص308 ، بالإضافة إلى عمان الديمقراطية الإسلامية ، د حسن غباش دار الجديد ص 293 - 296. (1/18)
صفحة 19
لقد عقد الصلح التالي بين الموقعين أدناه وهم حكومة السلطان تيمور بن فيصل والشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي عاملاً باسم الشعب العماني بوساطة السيد وينغيت الوكيل السياسي وقنصل بريطانيا العظمى في مسقط المخول من قبل حكومته التدخل بينهما كوسيط ، من الشروط المدرجة أدناه أربعة تتعلق بحكومة السلطان وأربعة بالشعب العماني .
أما الشروط المتعلقة بالشعب العماني فهي :-
أولاً :- يستقطع مبلغ 5 % على الأكثر من البضائع المصدرة من عمان والموردة إلى مسقط ومطرح وصور أو إحدى مدن الساحل مهما كان نوعها.
ثانياً :- يتمتع جميع العمانيين بالأمن والحرية في جميع مدن الساحل .
ثالثاً :- ترفع جميع القيود المفروضة على الدخول إلى مسقط ومطرح أو إلى أي من مدن الساحل أو على حرية الخروج منها .
رابعاً :- لن تعطي حكومة السلطان حق اللجوء إلى أي مجرم يحاول الفرار من العدالة العمانية وستسلم إلى العمانيين كل مجرم يطلب منها تسليمه ولن تتدخل في شؤونهم الداخلية.
أما الشروط الأربعة العائدة لحكومة السلطان فهي :-
أولاً :- يتعايش جميع المشايخ وجميع القبائل في سلام مع حكومة السلطان ويتعهدون بألا يهاجموا مدن الساحل وبألا يتدخلوا في شؤون حكومة السلطان .
ثانياً :- يتمتع بالحرية جميع أولئك الذين يدخلون عمان لغايات مشروعة أو لإجراء عمليات تجارية ولا يخضعون لأي حصر في النشاطات التجارية ويتمتعون بالأمان.
ثالثاً :- تطرد عمان كل مجرم أو شرير يحاول اللجوء لديها ولا تمنحه حق اللجوء .
رابعاً :- تدرس الطلبات التي يقدمها التجار وغيرهم ضد بعض العمانيين ويفصل فيها على أساس العدل ووفق شريعة الإسلام.
... كُتب ووقع في مدينة السيب في 11 / محرم لعام 1339 للهجرية الموافق 25 أيلول (سبتمبر) 1920 م .
بصفتي مساعداً لإمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي أصرح بأنني قبلت الشروط المذكورة أعلاه بموجب تصريح من إمام المسلمين . (1/19)
صفحة 20
حرر بخط يديهما عيسى بن صالح وسليمان بن حمير
وقد أرسلت نسخه لإبرامها من الإمام وأعيدت إلى وينغيت في 7 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1920م مع الملاحظة التالية من الإمام :-
" صادقت على ما قام به الشيخ عيسى بن صالح باسمي في موضوع هذه الترتيبات " .
صُدّق من إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي بخط يده .
وبعد إتمام المعاهدة أعيد الجمارك إلى نسبة 5% وهي النسبة المعتادة وهدأة الأمور بين الطرفين وكانت حد فاصل بين الحكومتين ولم تقع أي حروب بين الطرفين في زمن الإمام الخليلي إلى أن جاء الإمام غالب ووقعت الفتنة المعروفة .
- صلح الإمام بين القبائل .
فتنة بين بني هناءة وبني شكيل
... وفي زمن الإمام الخليلي ثارت فتنة بين بني هناءة وبني شكيل وكانتا قبيلتين متجاورتين وكطبائع العرب كان يندر أن تعيش قبيلتان متجاورتان بدون نزاع وخصومات فتحرك الإمام لإخماد الفتنة وإطفاء لهيبها وبقية الإشكالية في بيت الزامة (1) فحكم الشيخ الرقيشي بهدم بيت الزامة ووافقه الإمام ولكن هذا الحكم لم يلق قبولاً من بني هناءة وبعد تحركات من بني هناءة لثني الإمام عن هذا الحكم خاطبوا المشايخ في ذلك فقال المشايخ للإمام والمتحدث الشيخ الرقيشي قد سبقك الإمام سالم ولم يهدم بيت الزامة وهدمه قد يؤدي إلى فتنة أعظم .
وقال الشيخ سفيان يبقى الحكم ومتى استعاد المسلمون قوتهم نفذ أما الآن فمن الصعب تنفيذه ، فعدل الإمام عن تنفيذ الحكم.
... وفي هذا عهد السلطان قابوس تجدد النزاع بين القبيلتين فأمرت حكومته بهدم بيت الزامة وأرسلت كتيبة من الجيش فهدمته (2) .
قضية فلج بو منخرين.
__________
(1) هو حصن بني هناءة في منطقة الغافات ويبعد عن مسقط حوالي 240 كيلومتر وكان الفلج الذي يغذي بلاد بني شكيل يمر من تحت البيت فيلقي بني هناءة الأوساخ عليه وكان هذا يؤذي بني شكيل ولهذا حكم الإمام بهدمه .
(2) مقابلة مع الشيخ / خالد بن مهنا البطاشي أجراها خليل بن أحمد . (1/20)
صفحة 21
... ووقع خلاف بن الحرث والمساكرة في فلج بو منخرين وحاول الشيخ عيسى الصلح ولم يتم له الأمر ، إذ كان زعيم إحدى القبيلتين ، فما كان من الإمام إلى أن أتى بنفسه وسعى كلا الطرفين لإضافته ولكنه رفض ونزل على بني إسماعيل وأنهى الله على يده النزاع .
المطلب السابع :-
وفاته :-
...
وبعد حياة قضاها إمامنا مجاهداً لنصرة الحق أحيا فيها السنن وأمات فيها البدع انتقلت روحه الكريمة إلى بارئها تاركة الحزن والأسى على فراق أبي خليل.
... ذكر صاحب الحقيقة عن وفاته فقال " في يوم تسع وعشرين من شعبان سنة ألف وثلاث مائة وثلاث وسبعين للهجرة ونحن نتجرع مضض الأسى من موت فقيد الحق والدين والعروبة والدنا الرضي إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي وترانا ونحن نحل من على عنقه عقد الإمامة التي حلها الله عنه بالموت ... " (1) .
... وقال صاحب النهضة واصفاً له " ذابت نفسه حياءً من الله عز وجل فأذابت من حولها وخشعت للحي القيوم فخشعت جوارح من يجالسها ... كانت وفاته بنزوى ودفن بها بين قبري الإمامين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف وكانت مدة إمامته أربع وثلاثين سنة و تسعة أشهر وسبعة عشر يوماً .
إن المروءة والسماحة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج (2)
هكذا قضى أمامنا الخليلي نسأل الله تعالى أن يسكنه فسيح جناته وأن يجمعنا به في دار الخلد.
المبحث الثاني : صفات الإمام .
وينقسم إلى عدة مطالب يسبقها تمهيد .
المطلب الأول : سياسة الإمام .
المطلب الثاني : علاقات الإمام .
المطلب الثالث : حزم الإمام وحذره .
المطلب الرابع : شجاعة الإمام .
المطلب الخامس : أمر الإمام بالمعروف ونهيه عن المنكر .
المطلب السادس : حلم الإمام .
المطلب السابع :زهد الإمام .
المطلب الثامن : كرم الإمام .
المطلب التاسع : تواضع الإمام .
المطلب العاشر : عبادة الإمام :
__________
(1) الشيخ الأديب عبدالله بن علي الخليلي الحقيقة ، ص116 مخطوطة .
(2) نهضة الأعيان ص 390 - 391 . (1/21)
صفحة 22
المطلب الحادي عشر : كرامات الإمام .
تمهيد :-
صفات الإمام الخليلي :-
...
لا نستطيع هنا حصر صفات الإمام الخليلي فهو أشهر من نار على علم فقد كان صاحب أخلاق حميدة وصفات نبيلة فكان من رفعة أخلاقه حليم يعفو عن من أساء إليه ولا ينتقم لنفسه وكان ينظر إلى محل قدميه وكان لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله فهناك يغضب غضب الليث الغيور على محارم الله لا يحقر أحداً ولا يحرم سائلاً يقبل الهدايا ويكرم الضيفان يقوده الطفل من يده فيتبعه إلى حيث يريد.
ذكر صاحب النهضة واصفاً له فيما معناه أنه لا يأنف من أحد فيقضي حاجتهم فقد كان قبل توليه المنصب في رغد العيش إلا أنه بذل ما في يده لخدمة الإسلام لا يرد لسائلين كأنما عناه القائل :-
ولم لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله (1)
وقال ابن أخيه في وصفه " كان هذا الإمام لا ينام إلا نزراً ولا يأكل إلا يسراً ولا يقول إلا حقاً ولا يرسل بصره إلا فيما لا بد منه " (2) كما وصف خلافته بأنها خلافة الخلفاء الراشدين.
وصفه الشيخ سعيد بن حمد بأنه نور يمشي على الأرض إذا تكلم لا تريده أن يسكت وإذا نظرت إليه لا تريد أن ترفع عينك عنه جعل الله له في القلوب محبة قال عنه الشيخ محمد السالمي أن هؤلاء محبتهم بالطبع من يراهم يحبهم (3) .
المطلب الأول :-
سياسة الإمام الخليلي :-
__________
(1) نهضة الأعيان ص 289 .
(2) الحقيقة ص 97 .
(3) مقابله مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي بتاريخ 21 ذو القعدة 1423هـ الموافق له 24/1/ 2003م . (1/22)
صفحة 23
كان الإمام الخليلي يتمتع بحنكة سياسية وخبرة كبيرة في التعامل مع الأحداث فقد صقلته حياته في الزعامة مع أبيه وعيشه مع عمه ومع شيخه الشيخ السالمي (1) .لذلك إذا نظرنا في تصرفاته في بعض الحوادث نجد دقة نظر الإمام وأذكر هنا بعض الحوادث :-
كان الإمام الخليلي من طبعه إذا وجد في شخص شيء وأراد تغييره أو وقع موقف من عدة أشخاص لا يواجههم بما يريد وإنما يذكر قصة أو أمر آخر يفهم منه المستمع قصد الإمام ومن هذا الباب أذكر حادثة حدثت بينه وبين أحد الشيوخ إذ كان في مجلسه وبجانبه أحد العلماء مع أن الإمام كان في نفسه شيء على ذلك العالم ولكن عندما دخل أحد الشيوخ وتوسط بين الإمام والعالم لم يرق ذلك للإمام فقطع حديثه وقال كان الوالد سعيد بن خلفان يتقدم على الإمام عزان في المجلس ويقول :- " أريكم فضل العلم أريكم فضل العلم " (2) .
فالإمام أراد إيصال هذه الرسالة للشيخ بأن لا يتقدم أهل العلم ولكن بأسلوب غير مباشر.
وقصة آخر بينه وبين أحد عماله إذ طرد العامل من البلد التي كان فيها فجاء للإمام وأخذ يحدث الإمام عن القيام على ذلك البلد لاستعادتها والإمام لا يجيبه حتى تكلم طويلاً فقال الإمام كان رجل معه زوجتان إحداهما شابة والأخرى عجوز وهو أخمط الشعر فكان إذا نام مع الشابة أخذت من لحيته الشعر الأبيض وإذا نام مع العجوز أخذت الشعر الأسود حتى صار بلا لحيه .
__________
(1) ولد ببلدة الحوقين من أعمال الرستاق سنة ألف ومائتين وست وثمانين للهجرة وأخذ علومه الأولية منها ثم انتقل أخيرا إلى الشرقية مع شيخه الشيخ صالح بن علي ، تولى منصب رئاسة العلماء في بلده وتوفي سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين للهجرة وله عدة مؤلفات .
(2) اللؤلؤ الرطب ص 161 . (1/23)
صفحة 24
ثم تكلم العامل طويلاً والإمام يذكر عدة قصص من هذا الباب حتى تعب العامل وخرج (1) ، وهذه القصة أو القصص منطبقة على ذلك العامل إذ كان يتعامل مع الإمام بوجه ومع غيره بوجه آخر فلم يحصل له لا هذا ولا ذلك .
كان الإمام يداري أهل الزعامة فهو يعرف طبائعهم وأحوالهم ويعرف ما يعجبهم وما يسخطهم وكانت أوضاع الدولة صعبة فهي تقوم على المشيخات القبلية فلو استعمل أسلوب المواجهة لنفر الزعماء منه فلا يجد من يتكئ عليه لإقامة الدولة هذا إن لم يتعدوا حدود الله أما إن وصل الأمر إلى تعدٍ من الزعماء فهنا يوقفهم عند حدهم.
وأذكر على مداراته للزعماء أن أحد الزعماء جاء في يوم من الأيام إلى نزوى ونزل في مسجد السنود المعروف فيها فأرسل رسولاً إلى الإمام يخبره أن الزعيم في هذا المسجد ويطلب من الإمام أن يأتي من القلعة إلى المسجد ليلاقي الزعيم به وعند وصول الرسول إلى الإمام وإخباره إياه بما أرسل به غضب الحاضرون من تصرف هذا الزعيم ونظروا إلى هذا التصرف بأنه تطاول على الإمام وتعدٍ من هذا الزعيم وكان ينبغي أن يأتي بنفسه وكان في نظرهم تكبر منه وأخذوا يتكلمون بهذا وكان الإمام يتحدث للناس من حوله فلم يقطع حديثه ولم يلتفت لما يدور بين الحاضرين من حديث وبعد فراغه قال لأحد خدامه جهزوا قهوه واشتروا من حلوة بني نصير ولا قونا بها في مسجد السنود وكان من عادة الإمام أحياناً أن يصلي العصر في مسجد السنود فجعلها تلك الصلاة ولاقى الزعيم وجلس معه وصليا معاً فارتاح بال الزعيم من موافقة الإمام له ولم يضر ذلك الإمام بشيء (2) .
__________
(1) المرجع السابق ص 173.
(2) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي أجراها خليل بن أحمد الخليلي . (1/24)
صفحة 25
وكان الإمام حتى إذا عاقب أحد الشيوخ أو الزعماء فهو مع عدم تساهله في عقابه بما يستحق إلا أنه يعامله بإحسان فيما يخصه هو – أي الإمام - ومن ذلك ما ذكره أحد الزعماء أن الإمام سجنه لأمر وقع فيه وحين أرادوا إدخاله السجن كان معه سلاحه فأراد العسكر أخذه منه ولكنه رفض فقال الإمام أدخلوه ومعه سلاحه إكراماً للزعيم وشجاعته وكان الإمام يمر على السجن يرى المساجين ويزور هذا الزعيم والزعيم سلاحه بيده فحدثته نفسه أن يقتل الإمام ويستولي على الحصن إلا أنه راجع نفسه وقال لعله لا يهنأ بالعيش بعد هذا وذلك بأن لا يتم له ما أراد فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة (1) .
هذا بالنسبة لمداراة الزعماء أما الشدة عليهم إن خرجوا عن حدودهم فهنا يوقفهم عند حدهم ومثال على ذلك في أحد الأيام كان الإمام في مجلسه ينظر في أحوال الناس وحوائجهم وفي ذلك الوقت دخل عليه اثنان من زعماء عمان يجرون معهم جيشاً ضخماً بكامل سلاحهم المعتاد يتكون حوالي من خمسمائة رجل وكان الزعيمان من أكبر الزعماء ولهما من الهيبة ما يمنع غيرهما من مخالفتهما ولكن هيبة الحق أكبر.
وبعد جلوسهما مع الأمام وسؤاله لهما عن أخبارهما تكلم أحدهما عن أحد رجال الدولة وأن الزعيمين لا يريانه مناسباً لهذا المنصب وكان ذلك لضغائن بين الزعيمين من جهة والمسؤول في الدولة من جهة أخرى.
فقال لهما الإمام لقد رأى المتعلمين فيه الكفاءة ولن نقره أن رأينا فيه ما يعيبه ولكن الزعيمان لم يقنعهما كلام الإمام فعاودا الكلام مرة أخرى فقال لهما الإمام نحن وضعناه هنا فإن كان عندكم ما يطعن فيه فوضحا لنا الأمر لنكون على بينة فيما نفعل فلم يقتنعا بما قال الإمام فلا شيء ينقد على العامل إلا للخلافات بينهم وعاودوا الكلام وقالوا لن نخرج إلا بعد عزل العامل.
__________
(1) اللؤلؤ الرطب ص 168 . (1/25)
صفحة 26
فهنا غير الإمام جلسته وبدأت الحمرة تصعد على وجهه فقال لهما بغضب المسلمون ليسوا عاجزين عنكم وأشتد عليهما بالكلام وظهر أولئك العمالقة كأصغر أقزام ولم يستطيعا أن ينبزا ببنت شفه وأخذ أحدهما يرتعش إلى درجة أن أضراسه أخذت تصطك ببعضها لما رآه من شدة الإمام ولم تنفعهما تلك القوة التي اصطحباها معهما فالإمام لم يلتفت إليها فهو لا يخاف في الحق لومة لائم وخرجا من عند الإمام ناكسين رؤوسهم بخفي حنين (1) .
وحدث خلاف بين أحد عمال الإمام في إحدى المناطق وبعض الزعماء هناك وصارت شدة بينهم حتى أنهم ضربوا أخ العامل فاستدعى الإمام عامله وعاتبه على ما بدر منه فأعلن العامل توبته عن كل ما فعله فأعاده الإمام إلى مكانه فجاءه بعض الزعماء الذين وقع بينهم وبين العامل الخلاف وقالوا للإمام لا نرضى أن يبقى هذا العامل في بلدنا إلا أن الإمام رفض نقله وقال لهم الإمام إن كنتم تنقدون فقولوا لنا ما تنقدونه منه قالوا نحن لا نريده فقال لهم الأمر ليس متروكاً لكم فقالوا له إن لم تنقله سنأخذه بالقوة قال لهم افعلوا ما استطعتم فأرسل الإمام إلى عامله أن يستعد لمواجهتهم وقال له أنه بقربك القبائل المناصرة والمسلمون معك .
ولكنهم رأوا أن لا طاقة لهم بمواجهة الإمام فرجعوا عن عزمهم (2) .
المطلب الثاني :-
علاقاته :-
كان الإمام كغيره من الأئمة أو الحكام يجب أن يهتم بالعلاقات الداخلية والخارجية في البلد ولهذا كان له مراسلات مع كثير من الحكام والمسؤولين ومن الناحية العملية كان الإمام مرجع الإباضية في عصره ولهذا كان له علاقات علمية مع غيره من علماء عصره .
وأبدأ أولاً بالعلاقات السياسية .
__________
(1) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي أجراها خليل الخليلي .
(2) شريط القاضي حمود بن عبدالله الراشدي لقاء مع طلبة الشيخ حمود الصوافي بسناو . (1/26)
صفحة 27
أولاً :- مراسلة سلاطين مسقط فقد وقعت كثير من المراسلات بينه وبينهم ومن أمثلة ذلك أن البغاة من أهل الطو كانوا يغيرون على الباطنة فأرسل السلطان سعيد بن تيمور إلى الإمام أن هؤلاء من رعاياك وقد آذونا فتصرف معهم فما كان من الإمام إلا أن قاتلهم وأوقفهم عند حدهم (1) .
واتفاق الإمام مع السلطان على حرب بن جلوي في البريمي دليل على علاقته بالسلطان وتعاونهم في قتال العدو المشترك (2) .
وكان للإمام علاقات بحكام آل سعود فكان يراسلهم في القضايا التي تخص الحجاج العمانيين وبيت الرباط كما أنه أرسل إليهم الشيخ سليمان باشا الباروني للتوسط بينهم وبين الأشراف أثناء تقاتلهم على الحجاز (3) .
وكان الإمام يراسل القنصل البريطاني وأرسل رسالة إلى القائم بالأعمال البريطاني في البحرين ومن ضمنها ما حمله الشيخ صالح بن عيسى إلى القائم بالأعمال في البحرين وكتب رسالة إلى محمد نجيب وكان أول رئيس لجمهورية مصر حتى أن محمد نجيب قدر رسالة الإمام وقربها من وجهه عند استلمها والذي حملها الشيخ صالح بن عيسى (4) .
وأما المراسلات الفقهية فكثيرة وكثير منها وبين المغاربة ومن الأمثلة على ذلك لما وقع الخلاف بينهم في الأخذ بخبر الهاتف والبرق في هلال رمضان وشوال واشتد الأمر بينهم وأرسلوا للإمام فأجابهم على تساؤلهم في رسالة موجهة إلى المغاربة ونصحهم أن لا يختلفوا وأن يوحدوا كلمتهم (5) .
ومجيء الشيخ مشعان من السعودية ومجالسته للإمام دليل على علاقة الإمام بغيره من العلماء (6) .
المطلب الثالث :-
حزم الإمام وحذره :-
__________
(1) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي .
(2) اللؤلؤ الرطب .
(3) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 10 / محرم 1424هـ الموافق له 11/3/ 2003م .
(4) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 10 / محرم 1424هـ .
(5) تجد رسالة الإمام بنصها في الملاحق .
(6) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي بتاريخ 26 ذو الحجة 1423هـ . (1/27)
صفحة 28
كان الإمام الخليلي حازماً في الأمور ويتصرف بحذر إن رأى في أمرٍ ما خطورة على الدولة أو على المسلمين .
وقد ذكرت في سياسة الإمام كيف كان يعاقب المخطئين ولو كانوا من أعيان الدولة فقد سجن الإمام بعضهم وهذا من الحزم في عدم ترك الناس وشأنهم يصنعون ما يحلوا لهم وإلا لفسدت الأمور .
وأذكر هنا كيف كان حزم الإمام مع من يشتبه فيهم أنهم عيون نتربص بالدولة وتحاول معرفة أسرارها .
ومن أمثلة ذلك أن رجلاً بحرانياً كان دائم التجوال في أرجاء الإمامة فيذهب إلى نزوى وبهلا وسمائل ويذهب إلى الشرقية ، ولكن مع كثرة تجواله لم يلتق بالإمام فهو يحاذر في فترة وجوده بنزوى أن يلتقي بالإمام إلا أنه التقى في يوم بالشيخ إبراهيم بن سعيد العبري ، وقال له الشيخ إني ذاهب للإمام فتعال معي وحاول الرجل التخلص إلا أن الشيخ أصر عليه فلما ذهبا إلى القلعة ورآه الإمام فلم يقل شيئاً في ذلك الوقت إلا أنه سأل عنه فقيل له أنه نزل ضيفاً على أحد أولاد صباحيه فأرسل للمضيف أن ضيفك إن طلعت عليه الشمس في نزوى فدمه هدر ، فما كان من الرجل إلا أن لم أمتعته وغادر نزوى مباشرة (1) .
وهذا الرجل في كل تجواله بعمان لم ينقد أحد عليه شيئاً فكان يذهب مع الشيخ سليمان بن حمير والشيخ عيسى بن صالح ولم يشكوا منه إلا أن الشيخ عيسى نقد عليه أنه يلبس خاتم ذهب.
وفي أحد الزيارات طلب من الشيخ سليمان تزويده برسالة إلى الشيخ أبي زيد لرؤية حصن جبرين فلما ذهب للشيخ أبي زيد وأعطاه الرسالة كان الشيخ جالساً على جونيه فأدخل الرسالة تحت الجونية فانتظر الرجل حتى تعب فقال للشيخ أريد جواب الرسالة فقال له لا يوجد جواب " وأيه ولد قوم اشتل " أي أخرج من البلد فلم يملك إلا الخروج .
__________
(1) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 10 محرم 1424هـ . (1/28)
صفحة 29
فمع كثرة تجواله لم يجد معارضة إلا من الإمام والشيخ أبي زيد ولكن كما يقال " والمؤمن يرى بنور الله " فلعل هذين العلمين أحسا منه الخطورة فهو كان يعمل في القنصلية البريطانية فمن المتوقع أن يكون مرسلا من قبلهم (1) .
هذا بالنسبة لهذا الرجل ولكن كان يعامل كثيراً من الأجانب بلطف وعناية فقد ذهب إليه أطباء وغيرهم .
وأيضاً شك في أحد البريطانيين وهو ويلفرسيجر وكان يسمي نفسه مبارك بن لندن فأرسل إليه مجموعة من العسكر يمنعوه من الدخول إلى أراضي الإمامة وكان منهم حمد بن سالم الرواحي وقال لهم إن أصر على الدخول فأطلقوا عليه النار فلم يجد بداً من الرجوع ولم يحصل له ما أراد (2) .
المطلب الرابع :-
شجاعته :-
__________
(1) المرجع السابق .
(2) المرجع السابق . (1/29)
صفحة 30
كان الإمام أسد هصورا غير هياب في ساحات القتال فمن ما يدل على شجاعته أنه عندما دخل الإمام سالم بركاء لم يستطع جيش السلطان ردهم فلجأ السلطان للإنجليز لإخراج الإمام فأرسلوا بوارج حربية لقصف جيش الإمام ويقول من حظر أن الكل أسرعوا في الجري تفاديا للقصف إلا الإمام محمد لم يغير مشيه وبقي برباطة جأشه ولم ترعبه قذائف الأعداء (1) ، وأيضاً عندما أراد الإمام حرب الطو ذهب إليهم بجيشه وعندما وصل إلى قرب الجبال المحيطة بالطو وجدوا على رؤوسها أناس مسلحين فقال أصحاب الإمام للإمام توقف لأننا بين أعدائنا إلا أنه استمر في المسير غير عابئ بالرجال المرابطين أعالي الجبال وصعد الجبل فإذا بالمرابطين في أعالي الجبل من أنصار الإمام وكانوا ينتظرون قدومه (2) ، ومن دلائل شجاعة الإمام الخليلي في حادثة قتل سالم بن سويلم إذ كان أحد ولاة فيصل بن تركي وكان كثير البطش والتجبر ووقعة مشادة بينه وبين أحد السيابيين فأراد السيابي قتله فبينما كان سالم بن سويلم عائدا من الشرقية في موكب ضخم وكان الإمام في تلك الفترة يدرس مع الشيخ السالمي فصاحبهم في موكبهم لأنه كان ينوي الرجوع إلى سمائل وفي منطقة العق أطلق السيابيون النار على سالم فأردوه قتيلاً فسادت الفوضى في الموكب ونزل كلهم من راحلته إلا الإمام قال لهم من أرادوه قتلوه وانتهى الأمر (3) ، وحضور الإمام حالات تطبيق حكم الإعدام العلنية مع احتمال وجود أناس من نفس قبيلة المحكوم عليه وكان كل الناس يخرجون بأسلحتهم وهو غير مبال بهم فهذا دليل على شجاعته (4) .
__________
(1) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 4 شعبان 1423هـ الموافق 12/8/ 2002م
(2) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي بتاريخ 26 ذو الحجة 1423هـ .
(3) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22 / ذو الحجة 1423هـ
(4) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22 ذو الحجة 1423هـ (1/30)
صفحة 31
نعم لم يكن إمامنا هيابا وإنما مقداما في ساحات الوغى جعل سيرة الرسول أمام عينيه فجد في السير على خطاها شأنه في ذلك شأن غيره من الشراة ينطبق عليهم وصف أبي حمزة لأصحابه وأيضا قول أبي مسلم
مسومين لنصر الله أنفسهم ... أرواحهم في سبيل الله قربان (1)
المطلب الخامس :-
أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر :-
كان الإمام الخليلي لا يهنأ له بال ولا يقر له قرار إن رأى المنكر حتى يغيره ويقيم الحق ومن دلائل ذلك أته حضر يوماً لصلاة المغرب في غرفة الصلاة فلما أمر بالإقامة شم رائحة دخان فقال للمقيم اسكت من أين هذا الدخان ؟
قيل له من أحد الضيوف فهو يدخن ، فذهب للضيف وقال له إن المسلمين أكرموك وأدخلوك حصنهم وأنت لم تحترمهم وتعصي الله أخرج من الحصن وفي الصباح تهيأ للرحيل من البلد ثم أمر بإقامة الصلاة بعد أن غير المنكر (2) .
فنرى أن الإمام لم يرض بالمنكر وسارع في تغييره وهذه هي صفة المؤمنين إذ هم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما وصفهم الله تعالى بقوله "والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " (3) .
ومن قصص تغيير الإمام للمنكر أنه كتب إليه الشيخ سالم بن سليمان بن سالم الرواحي رسالة مفادها أن رجلا جاء إلى قرية محرم وقام يتعاطى الزار ويلعب الشعوذة وأخذ بعض الناس يلتفون حوله وهو يبث السموم فيهم .
__________
(1) ديوان أبي مسلم ص 302
(2) اللؤلؤ الرطب 166 .
(3) التوبة الآبة 71 (1/31)
صفحة 32
فما كان من الإمام بعد ما وصلت إليه الرسالة إلا أن أرسل رسالة إلى أهل محرم وضحت فيهم الغضبة العمرية التي ما خرجت إلا إرضاءً لرب الأرباب قال فيها بعد أن أهدى إليهم السلام " أما بعد فيا أهل محرم بلغني أن هناك رجلا جاء إلى البلد ويدعى أنه يحسب بل يكذب ويتعاطى الكهانة فأقول أما أن يخرج من تلك البلد وإلا فسوف نرسل إليه من يحمله إلينا مصفداً في الحديد وما لي أراكم يا أهل محرم تلمون كل ساقطة...." إلى آخر الكتاب (1) .
فلم يرتاح الإمام إلا بعد زوال المنكر وخروجه من البلد .
المطلب السادس :-
حلمه :-
كان الإمام الخليلي مضرب المثل في الحلم فكان يعفو عن من أساء إليه فمع تطاول كثير من الناس عليه كان لا يرد عليهم إلا بالخير مع كونه إمام المسلمين وهذا أكبر منصب في الدولة فلم يكن يلتفت إلى هذا بل لا يرى لنفسه ميزة على غيره وإليكم بعض النماذج على حلم الإمام.
هذه الحادثة تدل على حلم مع كرم أنه احضر له بكيس قروش من الرستاق فوضع الكيس عنده فقام له بعض الناس وقال له لي على الدولة كذا فأعطاه والثاني قال له نفس الكلام فأعطاه ثم تتابع الناس والإمام يعطيهم فلم تبق إلا ثلاثة قروش فقام الإمام ليدخل الحصن فتبعه أحد الناس وقال له أريد المال المتبقي فقال له الإمام إن أهلنا محتاجون إليها والشخص يقول وأنا محتاج لها وابتزها منه بالقوة واضطر الإمام للاتكاء على الجدار حتى لا يسقط فأخرج الرجل المال من يد الإمام وذهب والإمام مبتسم (2) فأي حلم أعظم من هذا وهل كان الناس يتجرءون أن يطلبوا بإلحاح ولو باللسان فقط مع غيره إلا أنهم كانوا يعرفون حلم الإمام .
ومن حلم الإمام ما يذكره الشيخ يحيى بن سفيان يقول كان جدي محمد يعمل مع الإمام في قلعة نزوى فإذا أراد أحد الدخول للقلعة لمناجاة الإمام يخبروا الشيخ محمد لكي يفتح لهم الباب.
__________
(1) موسى بن سالم الرواحي مذكرات عن حياة الإمام الخليلي .
(2) اللؤلؤ الرطب ص 163 . (1/32)
صفحة 33
وفي يوم من الأيام كان الإمام وكعادته بارزاً خارج القلعة وأراد الشيخ محمد الخروج لبعض الأعمال وأمر أحفاده الشيخ يحيى وأخوه أن لا يتركوا أحد يصعد للقلعة حتى يعود فهو يخشى أن يدخل أحد للقلعة وهو يضمر السوء فلهذا يريد أن يكون موجوداً وقت طلوع أي أحد للقلعة وكان بعض الناس يتربصوا خروج الشيخ محمد من القلعة ليطلبوا من الإمام أن يحادثوه على انفراد وفي تلك الفترة فترة خروج الشيخ محمد من القلعة طلب أحد الشيوخ محادثة الإمام فقال له الإمام حسنا سنذهب للقلعة فطلب منهم فتح الباب.
فيقول الشيخ يحيى بقيت في حيرة من أمري فمن هنا الإمام ينتظر ومن هنا أنا مأمور أن لا أفتح الباب لأي أحد فحاول تأخير الوقت والإمام ينتظر على باب القلعة والشيخ الذي عنده يطالب بفتح الباب بشدة حتى وصل الشيخ محمد ففتح الباب ودخلوا والإمام بدلاً من أن يغضب لأنهم تركوه ينتظر خارج الحصن أعطى الشيخ يحيى وأخوه قرشا لما رآه فيهما من حزم فأعجبه تصرفهما فهو يريد أن ينمي هذه الصفة في نفوسيهما (1) .
كما أن الإمام من حسن حلمه أن بعض الطلبة كانوا يأخذون الرطب من أمامه ليأكلوه والإمام في حاجة إليه ولكن مع جوع الإمام كان ينظر إليهم ويقدر حاجتهم ولا يقول لهم شيء ويدعهم تهنون بأكلهم (2) .
وفي يوم من الأيام جاء الإمام إلى حجرته ووجد شخصاً يسمى سديك يبحث في أغراض الإمام وأخذ التمرد والعسل وذهب به فلم يقل له الإمام أي شيء (3)
فمن منا نحن عامة الناس بغض النظر عن أصحاب الشأن يأكل غيره طعامه وهو في حالة جوع وحاجة للطعام ولا يقول لهم شيء ويدعهم يأكلون .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22 / ذو الحجة 1423هـ
(2) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/ ذو الحجة 1423هـ
(3) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/ 9/ 2002م (1/33)
صفحة 34
هذا عن حلمه أما إن غضب وكان يغضب لله فيصغر أمامه كل متكبر ويضعف أمامه كل عنيد متطاول وإليكم هذا المثال على ذلك.
فقد جاء إلى الإمام عشرون رجلاً أو ما يقارب هذا العدد فأخذوا ينتقدون على الإمام عدة نقاط والإمام يتلطف بهم وهم يزيدون غلظة معه ويتعالون عليه إلى أن غضب وكما يقال اتقوا شر الحليم إذا غضب .
فسألهم الإمام هل جئتم على نظر واحد أم لا؟ قالوا نعم قال لهم فلماذا الوشاية بينكم ثم بدأ بأولهم وكان من عماله فقال له إن هؤلاء يقولون عنك أنك ديوث وهذا كلامهم فإن كانوا ينكروا فلتحدثوا الآن وأخذ يوجه لكل منهم ما كان يقوله عنه أصحابه فأعطى كلاً منهم نصيبه فما وجدوا بداً إلا الخروج صاغرين (1) .
وكان كذلك يشتد على عماله إذا رأى منهم تهاون أو أن الأمر بلغ الغاية فكان يشتد أحياناً على بعض القضاة وعلى بعض الزعماء ومن ما يدل على ذلك أنه كتب إلى أحد عماله عتاباً شديداً جاء فيه ( أقسمن لأضعن العصا على ضلعك والقيد على رجلك ) (2) .
__________
(1) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 4 / شعبان 1423هـ
(2) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/ 9/ 2002م (1/34)
صفحة 35
وكان بعض الناس يتحدثون بأمور في حقيقتها سخرية بالإمام أو بالدولة وكان يجيبهم على قدر حديثهم ولا يشد عليهم ، ومن أمثلة ذلك أن أحد الزعماء جاء إلى قلعة نزوى ووجد الباب مفتوح فقال للإمام أنه من الإهمال وترك الحزم أن يترك الباب مفتوحاً وحقيقة كلامه استخفاف بفعل الإمام ولكن الإمام لم يشد عليه في الكلام وإنما أجابه بجواب يلجم فمه إذ قال له من أمن سيح الكدس قادر على تأمين قلعة نزوى يشير إلى أن ذلك الزعيم كان لا يستطيع المرور بسيح الكدس إلا ومعه جيشا كبيراً لانتشار قطاع الطرق فيه أما بعد قيام العدل قضي على قطاع الطرق إذ قتل الإمام الخليلي عدداً كبيراً منهم فالله تعالى حامي الدولة من كل شر (1) .
فجواب الإمام جمع بين الحلم وحسن الجواب .
المطلب السابع :-
زهد الإمام :-
كان الإمام الخليلي يسير على نهج الخلفاء الراشدين ويتبع طرقهم إذ لم يكن يفضل نفسه على بقية الناس في أي شيء كما أنه أنفق أمواله لنصرة الدولة .
بسيرة العمرين استلأموا وسطوا ... لشربة النهروان الكل عطشان (2)
وأذكر هنا بعض الأمثلة على زهد الإمام .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22 / ذو الحجة 1423هـ
(2) ديوان أبي مسلم ص302 (1/35)
صفحة 36
كان أحد الرجال ويلقب العلعال يعمل في توصيل الرسائل في ذلك الزمن فأرسله أحد الولاة إلى الإمام برسالة وقال له خذ أجرتك من الإمام فلما وصل إلى الإمام بالرسالة كان مع الإمام ستة قروش فأعطاه إياها وبعد انتهاء المجلس دخل الإمام إلى القلعة ( منزله في القلعة ) والعلعال لم تكفه الست قروش إذ وقع في نفسه أنه قطع مسافة كبيرة والأجرة التي حصل عليها أقل من الجهد الذي بذله بكثير فتسلل من مداخل الخدم حتى وصل إلى مكان الإمام وهو يحدث نفسه أنه سيجد الإمام وقد أحضر له الطعام الشهي وأنه سيشارك الإمام في طعامه ولكنه وجد الإمام يأكل تمر نغال وكان ذلك هو غذاء الإمام فلما رآه الإمام قال له ما سميت علعال إلا علعال ( العلعال طائر صغير يتحرك بخفة ) من أين أتيت قال العلعال اللهم رضيت (1) .
فكان يتوقع أن الإمام يخص بالطعام الشهي الجيد فلهذا ذهب إليه ليأخذ تكملة أجرته ففوجئ بإمام المسلمين يأكل طعام الفقراء وهذه سيرة سائر أئمتنا إذ كانوا لا يخصون أنفسهم عن غيرهم بأي شيئ
وذكر صاحب الحقيقة عنه بأنه مضرب المثل في الزهد والورع فإنه كان يتبلغ بالقليل من الزاد فكان لا يفطر إلا على التمر والقهوة (2) وقصص زهد الإمام كثيرة لا نستطيع حصرها ولا عدها .
وذكر صاحب اللؤلؤ الرطب بعضاً منها ومن ما ذكره :-
__________
(1) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي .
(2) الحقيقة ص 97. (1/36)
صفحة 37
في أيام الغلاء شح الأرز في عمان وكان أكثر اعتماد الناس على التمر والسمك أو اللحم وذلك أيام الحرب العالمية الثانية ، وكان أكل الإمام مثل أكل العسكر لا يزيد عليهم بشيء فأشفقت عليه زوجته وكانت امرأة ثرية فاشترت له من مالها جونية أرز واخفتها عن الأبصار فطبخت له ذات يوم منها فلما أحضرته إليه قال لها : من أين لك بهذا : قال له اشتريته من مالي لما أشفقت عليك مما تأكله فأردت أن تأكل شيئاً آخر أنفع لجسمك قال : لا آكل إلا ما يأكله الناس فإما أن تطعمي الجميع أو ترفعيه عني فاضطرت إلى رفعه وما أكل الإمام إلا ما يأكله العسكر (1) .
وما أشبه هذه القصة بقصة عمر بن الخطاب إذ كان يخاطب معدته في عام الرمادة قائلاً قرقعي أو لا تقرقعي لن تشبعي قبل بطون المسلمين .
هكذا كانت سيرة إمامنا الرضي سيرة عمرية ما كان يفضل نفسه على رعيته بأي شيء.
المطلب الثامن :-
كرم الإمام :-
مما لا شك فيه أن سيرة إمامنا الخليلي كانت سيرة الأنبياء والرسل فكان يقتفي كل آثارهم ويمشي على نهجهم ، فأثر ذلك في كل صفات الإمام وكل أفعاله ومنها الكرم فقد كان سخي النفس يبذل كل ما في يده ابتغاء مرضات الله ، فقد كان قبل الإمامة من أثرى الناس ولكن ما إن تولى مقاليد الإمامة حتى أنفق كل أمواله لعز الإسلام والمسلمين والأمثلة على ذلك كثيرة جداً منها ما كان قبل الإمامة حين أرسل إلى الشيخ السالمي ما كان محتاجا إليه من مؤن وذكرت هذه الحادثة في شيوخ الإمام .
ومن الأمثلة الأخرى أن الإمام كان يصادف بعض الفقراء فيقولون له أنهم لا لباس لهم يستتروا به فيقول فيطلب منهم أن يتبعوه حتى باب القلعة فيعطيهم لباسه الذي عليه ويطلع القلعة وهو باللباس الداخلي (الإزار والقميص) (2) .
__________
(1) اللؤلؤ الرطب 162 .
(2) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي بتاريخ 26 / ذي الحجة 1423هـ . (1/37)
صفحة 38
ومن أمثلة ذلك أنه أراد الذهاب إلى نزوى وكان في سمائل فباع بعض أمواله في سمائل بمبلغ خمسة وعشرين ألف قرش لرجل اسمه عزيز ، وترك المال معه فعلم الناس بذلك فتكاثروا على الإمام يطلبوا منه العطاء فكان يكتب لهم في أوراق إلى عزيز ليصرف لهم المال فأصبح بيت عزيز كخلية النحل من كثرة الناس فلم يكاد الإمام يخرج من سمائل إلا وكل الأموال موزعة في أيدي الناس (1) .
هكذا كان الإمام ينفق أمواله في وجوه الخير فلم يكن يخص بها نفسه وأهله فهذه السيرة لا توجد إلا في عصر صحابة رسول الله ومن سار على نهجهم وقليل ما هم فهذه كانت سيرة عمر بن الخطاب إذ لم يختص نفسه ولا أهله بأي ميزة بل إن الإمام كان يحاذر أن يكون وأهله في وضع أعلى من غيره ولهذا رفض أن يتميز على عسكره وطلبته في الطعام عندما أحضرته له زوجته .
المطلب التاسع :-
تواضعه :-
كان إمامنا الخليلي مدرسة لنا في التواضع فكان لا يرى لنفسه علواً أو منزلة فوق منزلة غيره مع ما تميز به من علم ومعرفة ومكانة كيف لا وهو إمام المسلمين وتوجد بعض النقاط تدل على تواضع الإمام في ذكر شيوخه وتلامذته فتعامله معهم ليدل على تواضعه وهنا أذكر نقاط أخرى تدل على ذلك .
__________
(1) المرجع السابق . (1/38)
صفحة 39
منهما ما يذكره الشيخ يحيى بن سفيان يقول : ذهب هو وأخويه للإمام برسالة من الشيخ سفيان وكان أخويه صغيرين ووجدوا الإمام مشغولاً بأمور الدولة فلما بلغه الشيخ يحيى الرسالة وأرادوا الانصراف قال لهم انتظروا فقد أراد الإمام إدخال السرور في نفس الأطفال فترك أعماله وأخذ يبحث لهم عن شيء يسليهم به فوجد قطعة حلوى للأطفال و المعروفة بالشاكليت ولكنه وجد واحدة فقط والأطفال اثنان فأحضر حصاة وأخذ يضرب الحلوى بها ليقسمهما بينهم فقال له أحدهما أعطني إياها ونحن نتصرف فرد عليه الإمام بلطف تريدها وحدك وأخوك ماذا نعطيه حتى قسمها وأعطى كلا منهما نصيبه (1) .
هكذا كان إمام المسلمين مع عظم مشاغله يهتم بالأطفال وإدخال السرور في نفوسهم ، وقريب من ذلك ما ذكره القاضي حمود الراشدي عندما كان مع الإمام واهتمام الإمام بهم فقد كانوا يوماً من الأيام جلوسا مع الإمام فأحضر لهم رطباً وكان يعطيهم الجيد منه ويقول لهم كلوا لعلكم تصلون إلى بلدكم ولم يبدأ القيض بعد (2) .
فانظر إلى أخلاق كيف يعامل صغار الطلبة فيؤثرهم على نفسه إذ يعطيهم أفضل الموجود ولم يكن بينه وبين أي منهم أية حواجز .
وإذا قرأ أحد فتاوى الإمام يجد من التواضع الشيء الكثير ففي فتاواه تراه يقول قال الشيخ سفيان كذا أو قال العلامة الرقيشي أو أجاب الشيخ عيسى فينقل فتاوى غيره مع أن أكثرهم كانوا من طلبته وبلا جدال أنه كان أعلم الجميع من من في زمانه وفي إحدى فتاواه ذكر قوله وقول القطب وقال للسائل إن كنت مقلداً فلا تقلدني قلد القطب مع أن الإمام لم يذهب إلى ذلك القول إلا لأنه رآه أقرب للصواب ومع ذلك لا يريد الناس أن يقلدوه والقطب له رأي آخر ولو أن رأي القطب لم يترجح لديه.
__________
(1) مقابلة مع يحيى بن سفيان بتاريخ 22/ ذو الحجة 1423هـ .
(2) شريط القاضي حمود بن عبدالله الراشدي . (1/39)
صفحة 40
وأنقل هنا أحد أجوبة الإمام الذي فيه دلاله على تواضعه وعدم إظهار ماله من قدم راسخة في العلم.
وسئل عن إمام الجماعة إذا أحس بالداخل هل له أن يزيد قراءة سورة أو أنه يتباطأ في الركوع والسجود لأجل الداخل لأنه إذا لم يزد قراءة ( أو ) (1) لم يتباطأ فلا يدرك الداخل ذلك الحد ، احتج المرخصون بقوله تعالى (( وتعاونوا على البر والتقوى )) (2) والمانعون بقوله (( ولا تبطلوا أعمالكم )) (3) .
الجواب / يا مالك أراك قد اطلعت على أقول العلماء وهم البحور الزاخرات فاشرب من عذب بحورهم ودع الجداول فمن قصد البحر استقل السواقي (4) .
لم يبد الإمام أي رأي في هذه المسألة وإنما كان جوابه في منتهى التواضع لما رأى اطلاع السائل على أدلة الأقوال فترك له المجال لينظر بنفسه .
المطلب العاشر :-
عبادة الإمام الخليلي وقيام الليل :-
كان الإمام الخليلي كثير العبادة والتهجد والتبتل فكان يقضي ليله قائماً ونهاره صائماً رجاءً في ثواب الله وخوفاً من عقابه وهذا ما شهد به كل من عايش الإمام أو خرج معه في أسفاره.
__________
(1) في الكتاب أم وأظنه خطأ وأن الصحيح أو .
(2) المائدة الآية 2
(4) فتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل محمد بن عبدالله الخليلي . ص 190 191 (1/40)
صفحة 41
ومن ضمن الوقائع التي تدل على هذا ما ذكره صاحب اللؤلؤ الرطب جاء فيه أن الإمام خرج ومعه ركب من مائة رجل خرجوا من سناو قاصدين نزوى حتى غربت الشمس فسأل أحد البدو المرافقين للإمام عن مبيته أين يكون فأجابه الإمام قدام وهذا الرجل هو سعيد بن راشد الجحافي وكانت العادة أن لا تترك ناقة الإمام تمشي وحدها وإنما تربط بناقة أخرى فربط سعيد هذا ناقة الإمام بناقته وسار بها فتركه الإمام ولم يقل له أن يقف حتى وصلوا فرق وقد بلغ بهم الإعياء مبلغاً عظيماً إذ وصل من المائة خمسة فقط والقوي منهم من يستطيع أنزال رحله عن ناقته وإلا ينام تحت ناقته على الأحجار من شدة التعب أما الإمام فإنه ذهب وتوضأ ثم توجه إلى القبلة وأحيا ليله متهجداً لله بين راكع وساجد حتى أذان الفجر (1) .
ويحكي الشيخ خالد بن مهنا البطاشي أنه خرج مع الإمام في أحد أسفاره وقطعوا مسافة طويلة على ظهور الإبل ووقفوا للمبيت بعد منتصف الليل وقد أجهدهم السفر وخارت قواهم من طول الطريق رموا أنفسهم في الأرض من شدة التعب أما الإمام فأخذ يصلي حتى بزوغ الفجر وقال أحد ممن صحب الإمام في سفره هذا معلقاً على شدة تعبهم " لو قال لي أحد صلي ركعتان وتدخل الجنة لقلت لا أستطيع ذلك " أما الإمام فإنه صلى إلى الفجر (2) .
وذكر القاضي مداد الهنائي أن الإمام كان يطيل القراءة في صلاة السحر حتى أنه يقرأ الكهف في ركعة واحدة (3) .
__________
(1) اللؤلؤ الرطب 164 .
(2) مقابله مع سيدي الوالد بتاريخ 27 ذو القعدة 1423هـ 30/1/ 2003م .
(3) مقابله مع القاضي مداد بن سعيد الهنائي بتاريخ 28/ذو القعدة 1423هـ الموافق 31/1/ 2003م (1/41)
صفحة 42
وذكر القاضي حمود الراشدي أن الإمام كان يختصر القرآة في صلاة القيام ولكنه يطيل في صلاة السحر وكانت توضع بعض الأطعمة في غرفة قريبة من مكان الصلاة فيتكاثر البعوض بشكل كبير وكانت أحجام البعوضة كبيرة وقرصتها مؤلمة يصفها القاضي حمود بأنها مثل قرصة الدبي وكان يؤذي المصلين في وقت الصلاة فقال أحدهم للإمام بأن البعوض يؤذينا ونحن نصلي (1) قال الإمام يا بني ما البعوض ونحن في مواقف يوم القيامة فكان الإمام من خشوعه لا يحس بشيء إن دخل في الصلاة ولا يؤثر عليه شيء في صلاته.
المطلب الحادي عشر :-
كرامات الإمام الخليلي :-
إن الله تعالى ينعم على بعض أوليائه بنعم ويمتازهم بمزايا إكراماً على تقواهم وورعهم وقربهم من الله.
وقد أكرم الله تعالى إمامنا الخليلي ببعض الكرامات نذكر منها هنا ما وقع له عند ذهابه لبديه في إحدى رحلاته .
ذهب الإمام لبديه في إحدى السنين لينظر أحوال الناس فاشتكى له الناس من الريح الشديدة حتى أن أحدهم لا يستطيع الخروج من المنزل إلا وهو مغطي لوجهه فقال الإمام نخرج نصلي .
فخرجوا للصلاة ودعا الإمام الله تعالى أن يرفع البلاء فسكنت الريح وارتاح الناس .
وفي نفس الرحلة اشتكى أهل بدية من الجراد إذ نزل على زرعهم بجيوش كالسحاب وأخذ يأكل الأخضر واليابس فأمرهم الإمام أن يحضروا بعض الجراد إليه وعند إحضارها كتب على أجنحتها أو دعا عليها وأخذ يطيرها من النافذة فطارت وتبعتها جيوش الجراد واستراحة منها البلاد.
__________
(1) شريط القاضي حمود بن عبدالله الراشدي لقاء مع طلبة الشيخ حمود الصوافي بسناو . (1/42)
صفحة 43
وعند عودة الإمام مر على بلدة محرم فاشتكى الناس من قلة المياه فأمرهم الإمام بالخروج للصلاة فخرجوا صباحاً وصلوا ودعا الإمام الله تعالى أن يأتي بالغيث وعند العصر وصل الوادي إلى المكان الذي وقف الإمام عليه للدعاء ثم تتابعت الأودية (1) .
ومن كرامات الإمام الخليلي أنه عند وفاته ولما شرع الحفارون يحفرون قبره تحدثوا عن ما وقع لهم بأنفسهم من شمهم للرائحة الطيبة المنبعثة من قبر الإمام هذا كان قبل دفن الإمام (2) .
ومنها أيضاً أنه بعد وفاة الإمام اجتمعت أمة عظيمة عند فلج الغنتق لغسل الإمام وكانت حرارة الشمس مرتفعة والنهار في شدته مع بعد المقبرة عن مكان الغسل فشغل ذلك تفكير الناس إذ كيف يحملون الإمام في هذه الحرارة ولكن بمجرد خروج الجنازة أضلت سحابة المشيعين حتى أوصلتهم المقبرة وبقيت حتى فرغوا من دفن الإمام .
كما تحدث الحفارون بأن شيئاً كأنه سراج كان يضيء لهم أثناء الحفر وكان حفرهم للقبر ليلة وفاة الإمام (3) .
وذكر القاضي حمود بن عبدالله الراشدي نقلاً عن الشيخ جابر بن علي المسكري يقول كان الإمام يصلي بنا وبينما هو يصلي أضاء النور في المحراب (4) وقال لي سيدي الوالد أن ذلك كان في بدية في صلاة المغرب كما أخبره أحد الحضور .
المبحث الثالث : حياته العلمية .
وينقسم إلى عدة مطالب يسبقها تمهيد .
المطلب الأول : جهده في طلب العلم .
المطلب الثاني : مناقشته للمسائل .
المطلب الثالث : شيوخه .
المطلب الرابع : تلامذته.
المطلب الخامس : مكانته العلمية .
المطلب السادس : آثاره العلمية .
تمهيد :-
رحلته في طلب العلم :-
__________
(1) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي أجراها خليل بن أحمد الخليلي بتاريخ 10 / رجب 1418هـ .
(2) مذكرات موسى بن سالم الرواحي .
(3) اللؤلؤ الرطب 179 .
(4) شريط للقاضي حمود بن عبدالله الراشدي . (1/43)
صفحة 44
نشأ الإمام في حجر أبيه الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي الذي رباه على معالي الأمور إذ كان صاحب رئاسة كما كان على درجة علمية واطلاع في الأمور الشرعية .
كما كان عم الإمام الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي (1) . من أعلم أهل زمانه وكان الإمام كثيراً ما يجلس إليه ويغترف من علمه وكان للشيخ أحمد بن سعيد أثر كبير على إمامنا الخليلي إذ نشأ على نفس منهجه وسار على خطاه وتأثر بشخصيته العملاقة.
وبعد ما جمع الإمام قدراً من المعرفة والاطلاع توجه إلى كعبة العلوم في تلك الفترة الشيخ السالمي وأكب على العلوم بكل جدٍ واجتهاد ففاق أقرانه وحاز على درجات السبق بينهم.
وقد ذكر الشيخ الشيبة في نهضته كما نقله عبدالله بن مبارك العبري أنه قرأ النحو على الشيخ محمد بن عامر الطيواني ويجالس الشيخ حمد بن عبيد (2) والشيخ عبيد بن فرحان (3) ويناظرهم الشيخ أبو وسيم حميد بن سليم الأزكوي (4) .
المطلب الأول :-
جهد الإمام في طلب العلم :-
...
لم يكن الإمام ليبلغ ما بلغه من مراتب علمية إلا بعزيمة كالجبال وهمة لا يقف أمامها شيء.
__________
(1) ولد في بلدة بوشر بمسقط عام 1280 هـ نشأ في كنف أبيه العلامة سعيد بن خلفان وتوفي واله وهو ابن سبع سنين تتلمذ على يد جهابذة عصره كالشيخ صالح بن علي وغيره وتتلمذ على يديه عدد من العلماء وله آثار فقهية توفي في الحادي عشر من ذي الحجة سنة ألف وثلاث مائة وأربع وعشرين للهجرة .
(2) أحد قضاة الإمام الخليلي وكان كفيف البصر
(3) يلقب بالبحر الأسود واشتغل بمنصب القضاء
(4) عبد الله بن مبارك العبري تحقيق فتح الجليل بحث تخرج غير منشور ص15. (1/44)
صفحة 45
ومن أمثلة عزيمته المتقدة في طلب العلم أنه جلس مرة على السراج في المسجد للمطالعة وبعد ما خرج الناس جاء المؤذن على رأسه فقال له الإمام : ماذا تريد ؟ قال أريد إطفاء السراج ، قال له الإمام : سأطفيه أنا، أريد أن أطلع قليلا، ً فذهب الرجل ونام وكانت اليلة من ليالي الشتاء، ثم قام للفجر وذهب المسجد ليؤذن فرأى الإمام مكانه ووقف الرجل على رأس الإمام ، فلما رآه قال له الإمام قلت لك أنا أكفيك إطفاء السراج فاذهب أنت ، قال الرجل : يا سيدي ذهبت أنا ونمت والآن جئت لأؤذن الفجر ، فقال الإمام ما شعرت بذهاب الليل ، ثم ترك الكتاب (1) .
المطلب الثاني :-
مناقشته للمسائل :-
لم يكن الإمام الخليلي ممن يسلمون كامل التسليم لمشايخهم ، ويأخذون كل آرائهم دون نقاش بل كان له رأيه المستقل وموقفه الخاص من المسائل ولا أدل على ذلك من مخالفته لشيوخه في بعض المسائل وتفرده ببعض الآراء الفقهية .
وهنا أذكر قصة حدثت بينه وبين عمه الشيخ أحمد بن سعيد .
__________
(1) مقابله مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي بتاريخ 21 ذي القعدة 1423هـ الموافق 24/ 1 / 2003م . (1/45)
صفحة 46
وقعت مسألة في زمن الشيخ أحمد بن سعيد وذلك أن رجلاً طلق زوجته ثم سافر في فترة العدة ، وفي المركب (1) أشهد جمعاً من الركاب على أنه راجعها وكان ذلك في فترة العدة ، ولكن لبعد المسافة وصعوبة التنقل تأخر وصول الخبر لها فوصل لها بعد العدة وقد تزوجت من رجل آخر فهي تعلم بالطلاق يقيناً ولا تعلم بالرجعة مع أنها واقعة وقوعاً صحيحاً ، وقد اختلف العلماء لمن تكون الزوجة قال الشيخ أحمد: إنها للزوج الثاني وكان الإمام عنده فقال له : في المسألة خلاف فقال الشيخ أحمد : المسألة بدون خلاف ، وبقي الإمام طوال الليل لم ينم وفي الصباح قدم الإمام لعمه الخلاف فقال الشيخ أحمد لم أكن أعلم أن في المسألة خلاف وكذلك والدي - الشيخ سعيد بن خلفان (2) - كان يقول أنها للثاني (3) .
فقد كان الشيخ أحمد يرى أنها خرجت من الأول بيقين وزواجها من الثاني بيقين واليقين لا يزول إلا باليقين.
وذكر القطب القولين وقال أن الصحيح أنها للأول للحديث " أيما امرأة تزوجها اثنان فهي للأول منهما (4) .
المطلب الثلث :-
شيوخه :-
...
لقد تتلمذ الإمام الخليلي على عدد كبير من العلماء ذكرت في رحلته العلمية عدد منهم ولكن أبرز من تعلم على يديه الإمام هم :-
- والده الشيخ عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي .
__________
(1) السفينة
(2) العلامة المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي في بوشر عام ألف ومائتين وواحد وثلاثين للهجرة وتوفي شهيداً عام ألف ومائتين وسبعة وثمانين للهجرة كان مرجع عصره وعلامة زمانه وكان رائداً للنهضة الإصلاحية في ذلك الوقت وكان المحرك الرئيس لدولة الإمام عزان بن قيس وقد اسهم في التأليف فبدأ تأليفه وهو ابن ستة عشر عاماً.
(3) مقابله مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي أجراها خليل بن أحمد الخليلي بتاريخ 10 / جمادى الآخرة 1417هـ .
(4) تحليل الشيخ سالم بن حمد .والحديث لم أجد له تخريجا وسألت سيدي الوالد عنه فقال أنه يحفظ أنه أثر لا حديث (1/46)
صفحة 47
- عمه الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي .
- العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي .
كان للإمامنا في تعامله مع أشياخه أسوة لكل الطلبة نذكر هنا بعض الأمثلة على ذلك .
أنه عندما كان في القابل نوى الصيام والاعتكاف في المسجد وفي وقت الضحى دخل عليه الشيخ السالمي وجلسوا يتذاكرون ثم قام الشيخ وقال للإمام هلم أبا عبدالله إلى البيت ولحب الإمام لمذاكرة الشيخ تناسى الاعتكاف وخرج معه إلى بيته وأحضر له الطعام فأكل ونوى بدل ذلك اليوم ولما وجد الفرصة دخل المعتكف ليبدل يومه فإذا بالشيخ يأتي مرة أخرى وحدث بينهما مثل ما حدث في المرة السابقة فلما أراد الشيخ الخروج والإمام معه أخبره أنه معتكف فتركه (1) .
... فنرى هنا كيف عامل الإمام شيخه إذ لم يخبره في البداية أنه معتكف نزولاً عند رغبة شيخه ففضل أن يعيد اعتكافه فليت طلبة العلم يقتفون أثر هؤلاء الأفذاذ .
... وأذكر هنا حادثة أخرى حصلت بين الإمام الخليلي والشيخ السالمي .
لما كان الشيخ السالمي في القابل كان الناس يتوافدون عليه وفي يوم من الأيام جاء عدد من الناس للإمام السالمي ولم يكن في بيته أي شيء من الطعام يكرمهم به فشغله هذا الأمر فأخذ يتنقل بين البيت والمسجد يفكر ماذا يفعل في هذا الموقف والإمام الخليلي يراقب حركته ،ومن فطنة الإمام الخليلي عرف ما يدور في ذهن شيخه فذهب إلى التجار في القابل وأمرهم أن يذهبوا بما يحتاجه الشيخ السالمي من طعام وتمر وغيره من المستلزمات الى منزل الشيخ ،ولمعرفة التجار بالإمام الخليلي وأنه شخص ميسور ومن ذوي الشأن في قومه فعلوا ما أمرهم به فهم يضمنون وفاء الإمام لحقهم وعاد الإمام إلى حلقة المسجد ودخل الشيخ السالمي إلى بيته مسروراً بعد أن انكشفت الكربة عنه (2) .
__________
(1) اللؤلؤ الرطب ص 134 .
(2) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي (1/47)
صفحة 48
فمثل هؤلاء التلاميذ هم من يفخر بهم شيوخهم فقد اجتمع فيهم احترام الشيخ مع الفطنة ودقة الملاحظة فعلينا أخذ الدروس من سيرة هؤلاء الأعلام ليبقوا قدوة لنا نستنير بها في حياتنا ونحاول بذل المجهود لنرتقي إلى إتباع تلك المنازل العلى .
وكان من أخلاقه مع شيوخه تعامله الحسن مع أبنائهم وهنا أذكر تعامله مع الشيخ محمد بن عبدالله السالمي وهو ابن شيخه نور الدين السالمي فمن معاملته الحسنة له أن الإمام نزل ضيفاً على أحد المشايخ وكان بين ذلك الشيخ والشيخ محمد حزازات فأراد أن يحرج الشيخ محمد أمام الإمام وكان من ضمن الحضور رجل بلوشي له حق على الشيخ محمد فحث ذلك الشيخ المضيف البلوشي ليقوم يطالب بحقه أمام الإمام وقام البلوشي فطالب بحقه وأظهر الصك فسأل الإمام الشيخ محمد عن الحق فقال له الحق علي ولكني معسر وليس بيدي وفاء فقال الإمام حسناً الحق ينتقل من ذمة محمد إلى ذمة محمد على أن تمهلني فأمهله ستة أشهر فصارت هذه شرف للشيخ محمد ولم تكن كما يريدون إحراجا للشيخ محمد .
ووقعت حادثة مشابهة مع شخص آخر بينه وبين الشيخ محمد حزازات فحث ذلك الرجل شخصا له دين على الشيخ أن يقوم ليطالب بحقه أمام الإمام فقال الإمام للشيخ محمد هل عليك الحق قال نعم ولكني معسر فقال الإمام لمن حث صاحبه الحق على الشكوى ضد الشيخ محمد أقرضنا لنفي الشيبة فأصيب بضربتين الأولى أن الإمام وفى عن الشيخ محمد والثانية أن المال أقترض من معه (1) .
وكان إذا حضر الشيخ محمد إلى نزوى يخرج الإمام إلى مسجد السنود ويحضر هناك القهوة استقبالاً للشيخ محمد وكذلك كان يفعل مع الشيخ عبدالله بن الإمام سالم إكراماً لأبيه الإمام سالم بن راشد الذي كان من زملاء الإمام محمد.
__________
(1) مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 4 شعبان 1423هـ 12 / 10 / 2002م . (1/48)
صفحة 49
ومن درجة حسن المعاملة التي كان يعامل بها الإمام الشيخ محمد كان الشيخ محمد يبكي عند ذكر الإمام بعد وفاته وحق له أن يبكي لما كان يلاقيه من حسن المعاملة (1)
فهذه أمثلة على معاملة الإمام التي يندر أن يجود الزمان بمثله وأدعو الله أن يكون ذلك قريبا.ً
المطلب الرابع :-
تلامذته :-
تلامذة الإمام الخليلي أكثر من أن تحصيهم هذه الوريقات فقد وصل عدد الطلاب مع الإمام إلى مئة وعشرين طالباً (2) .
وأذكر منهم هنا.
الشيخ خالد بن مهنا البطاشي
واسعمله الإمام في عدة أمور منها جبي الزكاة وقد تقضى الإمام سنة ألف وثلاث مائة وسبعين للهجرة في وادي الطائيين ثم انتقل إلى سمائل وتقضى للسلطان سعيد بن تيمور وأيضاً في عهد السلطان قابوس إلى أن تقاعد وهو حاليا في مسقط.
الشيخ / سفيان بن محمد الراشدي
هو الشيخ سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي ، ولد عام ألف وثلاث مائة وواحد وثلاثين للهجرة حفظ القرآن ولم يكمل السابعة ولازم الإمام وأخذ من علمه تولي القضاء في جعلان ، وله عدة مؤلفات توفي شهيداً في مسقط عام ألف وثلاث مائة وسبعة وسبعين للهجرة .
الإمام /غالب بن علي الهنائي
هو الإمام غالب بن علي بن هلال بن زاهر بن سعيد الهنائي " ينتمي إلى قبيلة بني هناءة ، تقضى للإمام الخليلي في الرستاق بويع بالإمامة سنة ألف وثلاث مائة وثلاث وسبعين للهجرة بعد وفاة الإمام الخليلي وبعد حربه من قبل الحكومة البريطانية انتقل إلى المملكة العربية السعودية وهو يعيش حالياً هناك .
الشيخ / سعيد بن ناصر بن عبدالله السيفي
__________
(1) مقابله مع سيدي الوالد بتاريخ 27 ذو القعدة 1423هـ الموافق 30/1/ 2003م .
(2) المرجع السابق . (1/49)
صفحة 50
قاضي في نزوى ولد سنة ألف ومائتين وثمان وستين للهجرة في بلدة سمد من ولاية نزوى حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين أخذ العلم عن مجموعة من العلماء وكان زاهداً كثير القيام لليل وساهم في الصلاح بين الإمام والسلطان توفي في العامرات سنة ألف وثلاث مائة وخمس وخمسين للهجرة .
وكان الإمام يقدر المتعلمين ويعطيهم عناية لا يعطيها لغيرهم ولا يرى لأحد منزلة فوق منزلتهم فكان يجالسهم ويرعاهم بنفسه والأمثلة على ذلك كثيرة .
... أراد الإمام يوماً من الأيام أن يذهب إلى سعال (1) وعلم طلبته فلما أراد الخروج وجدهم على الباب وعلم أنهم يريدون أن يخرجوا معه فقال لهم : ارجعوا وتعلموا فذلك خير لكم فلما رأى كرههم لذلك ذهب إلى حيث أراد وبعد رجوعه ذهب معهم وقال لهم إنا أكلنا دنجو وحلوى وتمر خلاص (2) وكان الناس آن ذاك في ضنك من العيش وأعطى أحدهم ثلاثة قروش وقال له أحضر حلوى ودنجو وأمر لآخر أن يذهب لبيته ويحضر تمر خلاص ففعلوا واحضروا الطعام واجتمعوا للأكل وجلس الإمام معهم كأنه يأكل وهو لا يأكل (3) .
هذه قصة واحدة ولنا فيها عبرة ودرس لكل شيخ وكل مدرس في معاملته لتلاميذه فهو لا يأكل لكي لا يأخذ شيء فينقص سهم طلابه .
... فهذه معاملة لا يعامل بها الأب ابنه وقد عامل الإمام بها تلامذته فهو بهذه المعاملة يربي تلامذته ليحببهم إلى العلم فيخرجوا لإضاءة المجتمع من ظلام الجهل إلى نور العلم .
وأذكر هنا حوادث أخرى للإمام الخليلي مع طلبته حيث وصفه القاضي / حمود بن عبدالله الراشدي أنه أبر بالطلبة من والدهم حيث كان يعالج المرضى منهم بنفسه فكان يقف بنفسه لعلاجهم.
__________
(1) أحدى حوائر نزوى
(2) الحلوى طعام حلو يستعمل في إكرام الضيف وتمر الخلاص أجود أنواع التمور
(3) اللؤلؤ الرطب ص 160 . (1/50)
صفحة 51
فإذا علم أن أحدهم مريض ولو كان الوقت متأخراً من الليل ينزل ليراهم ويعالجهم فمن الحوادث أن القاضي حمود بنفسه أصيب برمد وأخبر بعض الطلبة الإمام بذلك فوصف لهم الدواء فذهب الطلبة كزميلهم بالدواء وبعد استعماله شفي من المرض مباشرة بإذن الله (1) .
... وذكر الشيخ خالد عن الإمام واهتمامه بالطلبة أنه لم يكن منحصرا في العلم فقط بل كان يعلمهم العلم والرجولة فكان يحثهم على شراء السح والتدرب عليه يعطيهم مبالغ لهذا الأمر وكان الطلبة إذا خرجوا معه يخرجون بسلاحهم .
... وذكر الشيخ خالد أنه عندما ذهب إلى الحج التقى في السعودية بالشيخ مشعان ( الذي كان أحد قضاتها وجاء إلى عمان والتقى بالإمام الخليلي ) فكان الشيخ مشعان يعرفهم لبعض أصحابه هناك فيقول لهم هؤلاء أصحاب الإمام الخليلي السلاح في يد والكتاب في يد (2) .
... كما كان يعلمهم تحمل المسؤولية فيرسلهم في بعض الأعمال كجبي الزكاة مثلاً وغيرها من الأعمال (3) .
وكان الإمام مع ذلك يؤدب طلابه في بعض الحالات التي تستدعي ذلك ومن أمثلة ذلك أنه كان في تدريسه لطلبته يعتمد على أسلوب التعليم الذاتي فكان يطرح الأسئلة ويجعل الطلبة يجيبون عليها ففي مرة من المرات طرح سؤالاً على الطلبة للمناقشة فيه وطلب من كل واحد أن يكتب الجواب ويحضره إليه على حسب ما يحفظ في المسألة وبعد تجميعه للأوراق فند كل الآراء التي قال بها الطلبة وقال برأي يخالفها كلها فقال أحد بتعالم : هذا الجواب ما سمعنا به.
__________
(1) شريط للقاضي / حمود بن عبدالله الراشدي في لقاء له مع طلبة الشيخ حمود الصوافي بسناو .
(2) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي بتاريخ 26/ ذو الحجة 1323هـ .
(3) المرجع السابق . (1/51)
صفحة 52
فأخذه الإمام وضربه ثلاث ضربات وقال له تعلموا الأدب قبل أن تتعلموا العلم وقال تعلم العلم لا يكون بحشو الدماغ بالمسائل وإنما بمناقشة الأدلة ومعرفتها (1) فنرى هنا أسلوب التربية يحتاج إلى شدة ورخاء فالتدليل فقط يضيع الطلبة كما أن الشدة فقط تؤدي إلى نتيجة عكسية فهنا اجتمع الأمران في تربية إمامنا لتلامذته.
كان الإمام الخليلي من طبعه أنه إذا رأى نبوغاً من أحد تلامذته شجعه على ذلك بعبارات تعطيه مزيداً من العزم والهمة.
ومن أمثلة ذلك ما حدث بينه وبين الشيخ سفيان بن محمد الراشدي الذي كان أحد تلامذته النابغين إذ وجه إليه سؤلاً وكان في السؤال ناقشه المسائل التي تدل على معرفة واطلاع من السائل فجاوبه الإمام على مسألته ثم قال له " ولله أبوك يا سفيان " وذلك لأن الإمام أعجب بنقاش الشيخ سفيان للمسألة وأراد تشجيعه على مواصلة المنهج .
وحدثت حادثة مشابهة بينه وبين الشيخ سعود بن سليمان الكندي إذ عندما كان قاضياً ووالياً للإمام في سمائل إذا أخبروا عن حادث وقع في الجيلة فأمر الإمام مجموعة أن يذهبوا إلى الجيلة وكان من ضمنهم الشيخ سعود وكانت الطريق عبر عقبة بين سمائل والجيلة وكانوا صيام في نهار رمضان فأحسوا بتعب شديد فتمنى الشيخ سعود لو يجدوا غدير ماء وفعلاً وجدوا غدير ماء بعد العقبة وقال الشيخ سعود لأصحابه من كان منكم مسافراً فليفطر ومن كان موطناً فليستفت قلبه فإن كان يستطيع التحمل فلا يفطر وإلا فليفطر المسافرون فقط ففطر المسافرون.
وبلغ الإمام الخبر وعند عودة الشيخ سعود سأله الإمام أفطرتم قال له نعم قال الإمام ولكنكم كنتم على نية الصيام فمن أين لك أن تقول للصائمين أن يفطروا وهم لم يبيتوا النية من الليل.
__________
(1) مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي . (1/52)
صفحة 53
فرد الشيخ سعود للحديث " صام النبي – صلى الله عليه وسلم – وصام أصحابه حتى بلغوا الكديد فأفطر وأمر أصحابه بالإفطار " فظاهر الحديث أنهم لم يبيتوا نية الإفطار من الليل ولكنهم أفطروا لما رأوا المصلحة في ذلك وهم معذورون لأنهم مسافرون.
فقال له الإمام (( ليهنك العلم )) (1) .
قالها له الإمام تشجيعاً له لما رأى فيه من حسن الاستدلال
ومن القصص الطريفة التي حصلت للإمام مع طلبته أن الطلبة كانوا يقرأون عليه فأخذ شيوخ القبائل يتوافدون على الإمام ويريدون الجلوس قرب الإمام فيأخذوا أماكن الطلبة ويبعدونهم عن الإمام فعندما كثر الشيوخ ابتعد الطلبة كثيراً لدرجة أن الإمام لا يكاد يسمع قراءتهم فقالوا للإمام بذلك فقال حسنا من اليوم فصاعداً تخصص جهة اليمين للطلبة يجلسون فيها فهي لهم حتى البحر ولا يجلس فيها أحد من الشيوخ و تخصص جهة اليسار للشيوخ إلى البحر لا يجلس فيها أحد من الطلبة (2) .
المطلب الخامس :-
مكانة الإمام العلمية :-
كانت للإمام مكانته العلمية المرموقة فهو من العلماء المجتهدين المشهود له بسعة الإطلاع وغزارة العلم وكان من أعلم أهل زمانه.
وذكر صاحب النهضة عنه أنه أعلم أهل زمانه وأفضلهم ولم تؤخذ عليه شروط عند البيعة كما تؤخذ على الإمام الضعيف إذ كان يحضى بالثقة المطلقة ولم يخش منه على تقاليد الإمامة وكان أعلم الجماعة بل أعلم من العاقدين عليه (3) فكيف تؤخذ عليه الشروط على استشارة العاقدين وهو أعلم منهم بل هو عالم عصره .
__________
(1) مقابله مع سيدي الوالد بتاريخ 27 ذو القعدة 1423هـ الموافق له 30/1/ 2003م .
(2) المرجع السابق .
(3) نهضة الأعيان ص 301 . (1/53)
صفحة 54
ومما يدل على مكانة الإمام العلمية مناقشته لعمه الشيخ أحمد بن سعيد في مسألة المرأة المطلقة التي راجعها زوجها بدون علمها فتزوجت من غيره لمن تكون من الزوجين الأول أم الثاني والحادثة ذكرتها سابقاً أذكر هنا حادثة وقعة بينه وبين الشيخ نور الدين السالمي أخبرني سيدي الوالد نقلاً عن الشيخ طالب بن علي نقلاً عن والده أنه لما فتحت سمائل طنوا الزكاة أو أنهم عملوا عملاً آخر يقول لا أدري بالضبط والإمام لا يرى ما يراه الشيخ السالمي فذهب إليه وناقشه في هذه المسالة واستمر النقاش لوقت طويل وبعد طول النقاش خرج الإمام فقال الشيخ علي بن هلال للشيخ السالمي أطلتوا النقاش فرد الشيخ السالمي أتعبني هذا عالم كبير (1) .
وذكر القاضي مداد عن مكانة الإمام العلمية قائلاً أن كل العلماء في زمانه شاهدون على مكانته العلمية ومن ضمن من شهد له من غير العمانيين الشيخ مشعان وهو من قضاة السعودية وشهد بسعة علم الإمام وإلمامه بفنون كثيرة من العلم (2) .
__________
(1) مقابله مع سيدي الوالد بتاريخ 27 ذو القعدة 1432 هالموافق له 30 / 1 / 2003 م
(2) مقابله مع القاضي مداد بن سعيد الهنائي بتاريخ 29 / ذو القعدة 1423هـ الموافق له 31/1/ 2003م . (1/54)
صفحة 55
وذكر القاضي حمود الراشدي أن وفداً من علماء المغرب جاءوا إلى مسقط فزاروا علماء عمان والطلبة وبعد رجوعهم سألوا ماذا رأيتم قالوا رأينا العلماء الستة وهم الشيخ السالمي والشيخ عامر والشيخ ماجد والشيخ عيسى والشيخ الخليلي ولكن الخليلي أدهاهم وبقي هذا الكلام يذكر في المغرب ومرت الأيام وجاء الشيخ الباروني (1) إلى عمان وفي فترة وجود الشيخ الباروني وقعت حادثة في عمان إذ قال بعض الناس أن الإمام يقدم جماعته ويوضفهم ولا يوضف بقية القبائل معه فتحدث أحد الزعماء بانتقادٍ لتصرف الإمام فقال له الشيخ الباروني لا يصح هذا فالأفضل أن تجتمع بالإمام وتناقشه في الموضوع فذهب الزعيم والشيح الباروني للإمام وكان الشيخ الباروني يحدث الزعيم عن ما قاله أهل المغرب من علم الإمام ودهائه وقال له أيضا أن الإمام أدهى من رأيت وبعد اجتماع الزعيم بالإمام قال للإمام ينتقد عليك تقريب جماعتك عن غيرهم من القبائل أجابه الإمام هل أتممت ما عندك قال له نعم قال له هل في عنقك بيعة - هل هي باقية- قال نعم البيعة باقية قال له أنا سأعزل جماعتي ولكن بشرط أن تبقى معي وتترك زعامتك وجماعتك.
وهنا تدخل الشيخ الباروني وقال للإمام هذا الكلام سنتراجع فيه لاحقاً ثم ذهب الشيخ الباروني للإمام وقال له من مصلحة الدولة بقاء هذا الزعيم مع جماعته فهو يسد الثغور من تلك الجهة فقبل الإمام وسمح للزعيم بالعودة.
__________
(1) ولد عام ألف ومائتين وسبعة وثمانيين للهجرة في جبل نفوسة ليبيا وأخذ علومه المبدئية بها ثم انتقل إلى تونس وإلى الأزهر كان من أكبر قادة المجاهدين ضد الاستعمار الإيطالي لليبيا وكان له شأن في الدولة العثمانية جاء إلى عام سنة ألف وثلاث مائة واثنين وثلاثين للهجرة وعاش فيها إلى آخر حياته ذهب إلى الهند وتوفي بها سنة ألف وثلاث مائة وتسع وخمسين للهجرة . (1/55)
صفحة 56
وعند عودة الشيخ الباروني مع الزعيم قال له ألم أخبرك أن الإمام أدهى من رأيت وأني خشيت أن يقول لك الإمام ابق هنا فيلزمك البقاء وأنت لا تستطيع البقاء معه وتترك زعامتك وهذا لا تستطيعه فهنا تدخلت لتخليصك من أمر الإمام (1) .
وهناك حادثة أخرى تدل على مكانة الإمام العلمية وهي أن قطب الأئمة (2) أرسل له رسالة يطلب منه الإقرار له بأنه بلغ درجة الاجتهاد الثالثة وهو الاجتهاد المطلق وهذا نص الرسالة " بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد فسلام على العالم العامل محمد بن عبدالله الخليلي من كاتبه امحمد بن الحاج يوسف أطفيش المغربي قائلاً هذا جواب أسألك مع هذه الورقة ولا بد أن تصدقني عنك وتكتب إلى أن امحمد اطفيش مجتهد من الدرجة الثالثة وهي الاجتهاد المطلق ودعتني إلى ذلك حاجة مهمة والله عز وجل أعلى حاجة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (3) .
ولكن عند النظر في هذه الرسالة نجد فيها من الأمور الخافية التي لم تتضح لنا بعد وتبقى لغزاً أمامنا وهي :-
- لماذا وجه القطب الرسالة للإمام محمد ولم يوجهها إلى الشيخ السالمي مع أن الأخير كان عالم القطر العماني في ذلك الوقت والإمام تلميذه وكان الإمام في التاسعة والعشرين من عمره.
__________
(1) شريط القاضي / حمود بن الراشدي بالإضافة إلى مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي أجراها خليل بن أحمد الخليلي .
(2) هو محمد بن يوسف بن عيسى اطفيش يلقب بقطب الأئمة وأولف من لقبه بذلك ويعد من أشهر علماء الإباضية في العصر الحديث ولد عام ألف ومائتين وستة وثلاثين للهجرة وله عدة مؤلفات بلغت ثلاثمائة مؤلف وتوفي سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين للهجرة وله من العمر ست وتسعون سنة .
(3) إبراهيم بن محمد الشكيلي ، مدرسة الإمام الخليلي بحث تخرج ص 33 غير منشور . (1/56)
صفحة 57
- هل نظر القطب إلى المستقبل وأحس أن هذا الرجل سيكون له شأن ومكان مرموق في المستقبل ؟
- أم نظر إلى مكانة الأسرة وأن الإمام منها فشهادته لها أثر فجده المحقق الخليلي وكذلك كان سائر أجداده ؟.
وتبقى عدة تساؤلات لا نعرف لها جواباً .
وعموماً فإن مثل هذه الرسالة تدل على مكانة الإمام العلمية فلا يعرف العالم إلا العالم وهذه الرسالة وجوابها إن كان موجوداً شهادة الإمام بالعلم أكثر من كونها شهادة للقطب فالقطب مع سعة علمه التي لا تخفى على أحد يطلب شهادة من طالب من الطلبة والشهادة لا تطلب من أي أحد والعادة أن طالب الشهادة دون مستوى المطلوب منه وحتى الآن لم نعرف سر هذا اللغز.
المطلب السادس :-
آثاره العلمية :-
مما لا يخفى علينا جميعاً أن كل عالم على مر العصور لا بد أن يترك أثراً علمياً له وكذلك إمامنا الخليلي لا تزال آثاره باقية حتى الآن فمن أكبر آثاره العلمية تلامذته الذين تربوا على يديه وأنشأهم النشأة العلمية فصار زمام الأمر بيدهم إذ كان منهم قضاته وولاته وبقوا بعده إذ كثير من القضاة إلى وقت قريب كانوا من تلاميذ الإمام وأما بالنظر في الكتب والتأليف فإن إمامنا الخليلي لم يشتغل بهذا الأمر وأخبرني سيدي الوالد أن شيبة الحمد محمد السالمي أخبره أن الإمام الخليلي عندما كان طالباً في القابل مع الشيخ السالمي كتب رسالة علمية في أحد فنون العلم وجاء بها إلى شيخه السالمي ليريه إياها فقال له الشيخ السالمي لم يحن الوقت لهذا أهتم أولاً بتحصيل العلم فذهب الإمام وأتلف الرسالة وبعد ذلك حاول الشيخ السالمي في الإمام أن يكتب في الفنون العلمية ولكن الإمام لم يكتب شيئاً فندم الشيخ السالمي على موقفه مع الإمام وأنه لم يشجعه للكتابة من البداية (1) .
__________
(1) مقابله مع سيدي الوالد بتاريخ 27 ذو القعدة 1423هـ الموافق 30/1/ 2003م . (1/57)
صفحة 58
وترك الإمام فتاوى كثيرة جمع جزء كبير منها في كتاب فتح الجليل كما كانت له رسائل كثيرة وأحكام عدة ومسائل خالف فيها سابقيه منها ما ذكره الشيخ محمد السالمي في نهضته.
... ... " الأولى :- صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة في الجامع ، والأمر بهما ندباً ، ولا يصلونها في المسجد عملاً بحديث ابن عمر عند الربيع ، وكان لا يصلي بعد الجمعة شيئاً حتى ينصرف .الحديث .
الثانية :- صلاة التروايح ثماني ركعات جماعة ، وصلاة ركعتين راتبة العشاء قبلهن فرادى .
الثالثة :- من أفسد رمضان تعمداً فليكفر وليصم ما أفسد لا ما مضى خلافاً للجمهور .
الرابعة :- حمل ما سقي بالزجر على ما سقي بالنهر في النصاب واخراج الزكاة من كل بحسابه .
... ... الخامسة :- يفتي ويحكم في البيعتين إذا اختلفا في المبيع والبيع قائم تحالفاً وترادداً إن لم يكن بيان في الثمن القول قول البائع مطلقاً ولو كان المبيع بيد المشتري .
... ... السادسة :- من باع نخلاً وقد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري ، ويرى من فروع هذه المسألة أن من اختار ماله وقد أبره المشتري فالثمرة له ولو لم تدرك .
السابعة :- يقول بتحريم ربا الفضل ولو كان ذلك يداً بيد .
... ... الثامنة :- أن من ابتاع سلعة ثم أفلس ، فوجد المشتري سلعته بعينها فهو أحق بها من سائر الغرماء عملاً بحديث الربيع .
... ... التاسعة :- أن المولى عنها إذا أخرجت عن زوجها بتمام مدة الإيلاء فعليها عدة الطلاق ولا يكفيها مضي تلك المدة عن العدة .
العاشرة :- حكم بالشفعة للغائب في غير غزو ولا حج .
... ... الحادية عشر :- حكم بالشفعة في القياض ولو كان أصلاً بأصل وعلى الشفيع ثمن ما دفعه ذو شفعته في مقابلها .
الثانية عشر :- لا يرى الكلام والسؤال ونحوه من الشفيع مبطلاً للشفعة .
... ... الثالثة عشرة :- لا يرى رد اليمين على المدعي إلا أن يقبل أن يحلف على حقه جمعاً بين الأحاديث وقد سبقه إلى هذا قطب الأئمة – رضوان الله عليه - . (1/58)
صفحة 59
... ... الرابعة عشر :- يرى الإسقاط بالجوائح السماوية إذا بيعت الثمرة بعد الدراك ، عملاً بحديث رواه مسلم أمر بوضع الجوائح .
ا ... ... لخامسة عشرة :- لا يرى بأساً بالصلاة على الصوف ولم ير للمانع حجة إلا الاستدلال بمفهوم اللقب .
... ... السادسة عشر :- أجاز بيع المدبر في دين أو حاجة ، عملاً بالأحاديث ويرى أن العمومات التي تعلق بها الجمهور لا تنهض لمعارضتها .
... ... السابعة عشر :- يرى أن من كان ماله عبيداً فأعتقهم في مرضه أو أوصى بعتقهم كلهم فيعتق منهم الثلث بالقرعة ويسترق الباقون عملاً بالحديث الوارد في ذلك ويدفع به في صدر القياس .
... ... الثامنة عشرة :- يرى أن من سافر عن زوجته وأطال الغيبة وخافت العنت ورفعت إلى الحاكم أمرها له أن يطلقها دفعاً لضررها لأن الشارع راعى ذلك وجعل للنساء على الرجال حقاً غير الإنفاق ومن ذلك الحق العشرة ولكن لا يطلقها الحاكم إلا بعد الاحتجاج على الزوج إن كانت الحجة تناله.
... ... التاسعة عشرة :- يأخذ بمذهب زيد بن ثابت في ميراث الغرقى والهدمى وأن لا يورث هالك من هالك .
... ... المتممة عشرين :- يرى أن لا فرق بين الغائب والمفقود وأن مدتهما واحدة أريع سنين محتجاً بالقضية الواقعة في عهد عمر – رضي الله عنه" (1) .
الفصل الثاني : المنهج الفقهي .
مقسم إلى تسع مباحث يسبقها تمهيد .
المبحث الأول : الاستقلالية في الفتوى .
المبحث الثاني : الاستدلال بالأدلة .
المبحث الثالث : مناقشة المسائل .
المبحث الرابع : ترجيح الأقوال .
المبحث الخامس : تغير الاجتهاد .
المبحث السادس : الاعتماد على القواعد الأصولية .
المبحث السابع : حكاية الخلاف .
المبحث الثامن : الإطالة والاختصار في المسائل .
المبحث التاسع : الأخذ بأقوال بقية العلماء .
المنهج الفقهي :-
تمهيد :-
أولاً تعريف هذه الجملة .
المنهج لغة :- الطريق الواضح البين .
__________
(1) نهضة الأعيان ص 303 – 305. (1/59)
صفحة 60
اصطلاحاً :- الخطة أو التخطيط لشيء ما سواء كان مادياً أو معنوياً (1) .
أما الفقه فتعريفه لغة مطلق الفهم والعلم .
اصطلاحاً : العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية (2)
فبجمع التعريفين يتضح أن المنهج الفقهي هو الخطة في العلم بالأحكام الشرعية .
... لكل عالم من العلماء منهجه الفقهي الذي تتشكل من شخصيته ومن المعلوم أن البيئة التي يعيش فيها وأوضاعها وطبيعة الناس الذين يتعامل معهم تؤثر في شخصيته فوجود الإمام في هذه البيئة ظاهرة أثارها وكيفية إجاباته وتعامله مع الناس كما أن لمنصب الإمامة دور واضح فتعرض عليه مختلف الأسئلة سواء أحكام أو فقهية أو غيرها من المعضلات من المشاكل العامة .
... وعموماً فإمامنا الخليلي لا تختلف منهجيته كثيراً عن غيره من العلماء كما يظهر ذلك في فتواه فهو يقدر حالة السائل ويجيبه بقدرها والعالم كالطبيب يشخص مرض المريض فيعطيه الدواء على ما يناسب مرضه ولهذا نرى اختلاف في فتاوى الإمام من حيث طبيعتها من طول أو قصر واستدلال أو عدمه فكل سائل يجاوب بما يلائم معرفته وقد يجيب على نفس المسألة بجوابين مختلفين من حيث طريقة الجواب وما يتضمنه من تفصيل أو غيره.
... وحاولت في هذا الفصل أن أذكر نماذج من فتاوى الإمام تظهر منهجه من استقلالية في فتواه ومناقشة للمسائل والأدلة وقد توجد أجوبة على مسائل وتشمل على عدة خصائص كالطول والاستدلال والمناقشة أو غيرها من الأمور وإلا أني أذكرها في مبحث واحد وأذكر غيرها في المبحث الآخر .
... ...
... ... المبحث الأول :-
الاستقلاليته في الفتوى .
__________
(1) د . محمد بن صالح بن ناصر :منهج البحث وتحقيق النصوص معهد العلوم الشرعية ص 9 .
(2) د . الهادي أحمد الهادي . حمد بن هلال اليحمدي : مهنى عمر التبواحى فقه العبادات ج 1 وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ص 13 . (1/60)
صفحة 61
كان إمامنا الخليلي له رأيه المستقل في فتواه فهو يأخذ الأحكام من مصادرها ولا يعتمد على أقوال غيره من لعلماء إن رأى الدليل ينص على خلافها وذكرت سابقاً كيف خالف عمه الشيخ أحمد بن سعيد في مسألة المرأة المطلقة التي تزوجت من رجل آخر وهي لا تعلم بمراجعة زوجها لها وخلافه مع الشيخ السالمي الذي كان بعد فتح سمائل وقد سبق ذكره .
وأذكر هنا نموذجاً من أجوبته يدل على استقلاليته في فتواه فيه خلاف لجده العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي.
وعرض عليه جواب لجده المحقق الخليلي في رجل سافر عن زوجته فتزوجت بعده فولدت من الأخير ثم قدم الأول ؟.
قال التزويج الثاني فاسد وتفسد به على الأول والولد ابن سفاح ، ويلحق أباه المسافح .
قال الإمام : إن كان الزوج تزوج على شبهة مثل أن يكون لا يعلم أنها ذات زوج فهذا ، أما أن يتزوجها وهو يعلم أنها ذات زوج لم تطلق فما أرى هذا التزويج إلا باطلاً لا يبنى عليه أمر من حكم التزويج بل هو السفاح المحض تحرم به لزوجة على وزجها ، السابق وعلى هذا العاهر المنافق والأولاد أولاد أمهم ولا أرتضي قول من يقول ولد الزنا لأبيه إن كان قد حجرها ومنعها عن الغير إنما للعاهر الحجر ، وأما أن يكون تزوج ولا يعلم فمن قال أنه للآخر فلا أقول ببطلان هذا القول إن كان هذا الزوج لا يعلم وهي العاهرة وإن كان بشبهة ارتكبها هي والزوج ولم يعمد أحدهما الزنا فيحسن أن يقال الولد للأخير وأن يقال للأول . (1/61)
صفحة 62
ثم قال للسائل نظرت في جواب الوالد ولم يظهر لي صوابه وما من عالم إلا في قوله المقبول والمردود ما خلا صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام ، والمرء محل الخطأ والسهو والنسيان وإن كان عظيم الشأن فيجب أن تنبه عليه ولك الأجر من الله ، والذي أقوله أنه إن صح الدخول بها ومواقعتها على ذلك التزويج الذي بني على غير شبهة بل على وجه فاسد فهو زنا محض والولد لا لأبيه السابق وليس هذا مخالفاً لقوله – صلى الله عليه وسلم – (1) بل مخالف لقول الشيخ ابن يوسف فإن النبي أجرى الحكم على الظاهر وأتي بصحة ما يقوله سعد ، ولأن ذلك في الجاهلية وليس هنالك حكم سابق بتحريم الزانية ،وأما إذا لم يصح دخوله اعني مواقعته إياها فالولد للزوج الأول ،وليس هي ولا هو حجة على الزوج بل من حق هذا العاهر الحرمان على كل حال لا ينسب إليه ولد خلافاً لما قاله الوالد هذا ما عندي وكل قول يخالف الكتاب والسنة فهو مردود وإن جل قائله وما وافقهما فهو المعتمد ، وأنت تعلم أنه إن صح أنه واقعها فهو وهي زانيان فقد حرمت على زوجها الأول فلا تكون فراشاً له وقول الشيخ القطب – رضي الله عنه – ولو جاء الوحي من السماء انه ماء العاهر لا يمكن حمله على إطلاقه ، وإن حكم على المرأة أنها عاهرة فالولد لها وحرمت على زوجها وإن كان بشبهة والزوج الأخير متعمد الزنا فليس للأخير ولد والولد للأول والعلم عند الله سبحانه وتعالى (2) .
ونجد أن الإمام ذكر في جوابه تقديره لمكانة جده ولكن لأن الأقوال تبنى على الأدلة لا على اتباع السابقين فلهذا رد قول جده العلامة وأخذ بما ظهر عنده لأنه رأى فيه الحق .
__________
(1) يشير لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر) =
= صحيح مسام كتاب الرضاع باب إنما الرضاعة من الجماعة ص 1081 حديث 1458
ابن حبان كتاب النكاح باب ثبوت النسب ص413 حديث 4104
(2) الفتح الجليل ص 359 - 361 (1/62)
صفحة 63
ومما يدل على استقلال الإمام في فتواه خلافه لجمهور علمائنا المتقدمين في بعض المسائل وقد ذكرتها سابقاً في مبحث آثار الإمام العلمية وأذكرها هنا مع ذكر أدلة الطرفين .
المسألة الأولى :-
... صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة في الجامع والأمر بهما نبا وكانوا لا يصلونها في المسجد .
كان العلماء السابقين لا يصلون في الجامع بعد الجمعة ويصلون في بيوتهم عملاً بالأحاديث روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي ركعتين في بيته بعد صلاة الجمعة (1) وجاء الحديث عنه في صحيح مسلم من طريق أبي هريرة " إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلي بعدها أربعاً ".
وفي فترة الإمام محمد جاء الشيخ محمد بن سعيد وقال له أنت تصلي في بيتك أما عامة الناس فبعد انصرافهم لا يصون في بيوتهم أفليس من الأولى أن تصلي في الجامع فاستحسن الإمام رأيه وأخذ يصلي في الجامع ويحث الناس على الصلاة بعد الجمعة .
المسألة ثانياً :-
صلاة التراويح ثماني ركعات جماعة وصلاة ركعتين راتبة العشاء قبلهن فرادى .
كان العلماء في السابق يصلون ثلاث قيامات في التروايح فيحتمل أنهم أخذوا برأي عمر ، إذ كان يصلي التروايح أربعاً وعشرين ركعة فجعلوا التروايح أثنى عشر ركعة والتهجد أثنى عشر ركعة تكملة للأربع والعشرين ركعة .
... ويحتمل أن يكونوا نووا بالقيام الأول أي الأربع ركعات الأولى سنة العشاء وهذا كان قول الإمام الأول ثم يصلون التروايح ثمان ركعات .
__________
(1) عبد الرزاق عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يصلي ركعتين بعد المغرب في بيته وكان لا يصلي بعد الجمعة شيئاً حتى يدخل بيته فيصلي ... ركعتين .
الإمام الربيع رقم 198
سنن البيهقي الكبرى ج2 477 (1/63)
صفحة 64
ثم استقر رأي الإمام على أن سنة العشاء تصلى ركعتين فرادى ثم تصلى التروايح ثمان ركعات عملاً بالرواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة (1) فتكون الستة ركعتين والقيامين ثمان فالوتر ثلاث.
المسألة الثالثة :-
... من أفسد رمضان تعمداً فليكفر وليصم ما لا أفسده ما مضى .
فكان من سبق الإمام يرى أنه يكفر ويصم كل ما مضى من رمضان قبل يوم فطره ودليل الإمام واضح إذ كل يوم فريضة منفصلة فالليل فاصل بين اليومين ولو قيل أنها فريضة واحدة كالقول السابق للزم أن من أفرط ولو بعذر أن يعيد الشهر كله لكونه متصل ببعضه .
المسألة الرابعة :-
... حمل ما سقي بالزجر على ما سقي النهر في النصاب وإخراج الزكاة من كل بحسابه .
واختلف بقية علمائنا السابقين في المسألة منهم من قال بحسب التأسيس ومنهم من قال بحسب الدراك ومنهم من قال بالمحاصصة وهو قول الإمام وأدلة الكل من القياس والقول الذي رجحه الإمام هو القول المستساغ فلو قيل بالدراك أو التأسيس وكان على ماء النهر ومعضم الفترة المتبقية على الزجر لأثقلنا على المزارع بذلك والعكس بالعكس .
المسألة الخامسة :-
يفتي ويحكم في البيعين إذا اختلفا في المبيع والبيع قائم تحالفا وتراددا إن لم يكن بيان في الثمن القول قول البائع مطلقا ولو كان المبيع بيد المشتري .
المسألة فيها خلاف فجمهور العلماء يقولون إذا اختلفا قبل القبض فالقول قول البائع وبعد القبض القول قول المشتري مع الحلف .
والإمام قال أن القول قول البائع مطلق ولم أجد لهم دليلاً ولعلهم اعتمدوا على القياس .
المسألة السادسة :-
... من باع نخلا وقد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري .
__________
(1) رواه الربيع حديث رقم 199 (1/64)
صفحة 65
استدل الإمام على ما ذهب إليه بحديث رواه الربيع من طريق أبي سعيد الخدري ( من باع نخلاً قد أبرت فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ) (1) وهذا رأي مجموعة من العلماء إلا أن جمهور علمائنا كانوا يروا بالدراك إذا أدركت النخلة فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع وإذا لم تدرك فهي للمشتري.
ولعل جمهور علمائنا اعتمدوا على النظر في فتواهم .
المسألة السابعة :-
... يقول بتحريم رب الفضل ولو كان ذلك يدا بيد
استدل الإمام بالحديث " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب يدا بيد مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربي " (2)
بينما جمهور علمائنا لا يرون حرمة ربا الفضل عملاً بالحديث " إنما الربا في النسية " . (3)
المسألة الثامنة :-
أن من ابتاع سلعة ثم أفلس فوجد المشتري سلعته بعينها فهو أحق بها من سائر الغرماء.
هذا القول ذهب إليه الإمام استناداً للحديث " أيما رجل أفلس فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أولى به من سائر الغرماء " (4) وقد سبق الإمام إلى هذا القول ولكن المعمول به قبله خلاف ذلك إذ كان العلماء يرون أن البيع دخل في ملك المشتري فيتحاصص عليه الغرماء .
المسألة التاسعة :-
... أن المولى عنها إذا أخرجت عن زوجها بتمام مدة الإيلاء فعليها عدة الطلاق ولا يكفيها مضي تلك المدة عن العدة .
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الشروط باب إذا باع نخلاً ج2ص176 حديث 2716.
رواه ابن ماجه كتاب التجارات باب فمن باع نخلاً ج2 ص316 حديث 2211 .
(2) صحيح مسلم كتاب المساقاة باب الربا ج3 ص 1584 حديث 1584.
سنن الدارمي كتاب البيوع باب النهى عن الصرف ج2 ص207 حديث 2579 .
( )لاربا إلا في النسيئة البخاري كتاب البيوع باب الدينار بالدينار ج2 ص33 حديث 2179
صحح مسلم كتاب المساقاة باب بيع الطعام ج3ص1218 حديث 1596
(3) الدارقطني كتاب البيوع 29 / 26 رفم 2980
( ) البقرة 228 (1/65)
صفحة 66
... جمهور علمائنا يرون أن مدة الإيلاء كافيه عن العدة وبها تثبت براءة الرحم ولكن الإمام يرى أن تمام مدة الإيلاء تثبت الطلاق والله تعالى يقول ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) (1) أما في فترة الإيلاء فهي لاتزال في عصمته فلعدم وقوع الطلاق لا تعد تلك الفترة كافية عن العدة لأنه تعالى يقول ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) (2) وقوله والمطلقات جاء بعد ذكره أن المولى عنها تتربص أربعة أشهر مما يؤكد وجود عدة الطلاق بعد بيان المرأة عن زوجها بالإيلاء .
المسألة العاشرة :-
... حكم بالشفعة للغائب في غير غزو ولا حج .
... استدل الإمام على ذلك بأن الشفعة حق والحق لا يسقطه السفر فيثبت لكل مسافر ولو كان سفره لغير غزو أو حج ولا فرق بين أن يكون صاحب الشفعة في حالة عبادة أو غير عبادة.
... أما جمهور علمائنا فقد راعوا أن إثبات الشفعة للمسافر فيه ضرر للبائع والمشتري .
المسألة الحادية عشرة :-
... حكم بالشفعة في القياض ولا كان بأصل وعلى الشفيع ثمن ما دفعه دون شفعته في مقابلها.
... القياض مبادلة مال بمال فالإمام حكم بالشفعة في القياض لأنه اعتبره بيع فلها تثبت فيه الشفعة ، والشفعة جعلت لدفع الضرر عن الشفيع ( الشريك ) وهذا حاصل سواء كان ببيع أو القياض.
وجمهور علمائنا لم يروا الشفعة في القياض ، ولعلهم لم يعتبروه .
المسألة الثانية عشر :-
... لا يرى الكلام والسؤال ونحوه من الشفيع مبطل للشفعة .
... جمهور علمائنا شددوا كثيراً في المسألة واستدلوا بحديث ( الشفعة كبيع العقال ) خاصة علمائنا المشارقة إذ كانوا يقولون أن الشفيع إذ جاء مشتفعاً لا يتكلم ولا يسلم حتى يصل مع القاضي وأول كلمة يقولها أنه جاء مشتفعا .
... أما الإمام فكان يرى أن الحديث لم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لذلك لا يسقط الحق به .
المسألة الثالثة عشر :-
__________
(2) البقرة 226 (1/66)
صفحة 67
... لا يرى رد اليمن على المدعي إلا أن يقبل أن يحف على حقه .
... جمهور علمائنا قالوا لو ادعى المدعي على شخص بشئ وأنكر المدعى عليه ، ولم تكن مع المدعي بينة ، فلما طلب من المدعى عليه اليمن ردها على المدعي وقال إن كان له الحق يحلف عليه وأنا أعطيه إياه ، فإن رفض الحلف سقطت دعواه مع الجمهور لأنه استحلف على حقه فلم يحلف مستدلين بالحديث ( من استحلف على حقه فلم يحلف سقط حقه ) .
... أما الإمام قال بأن دعواه لا تسقط ولا يجبر على الحلف إلا إذ قبل ذلك بنفسه مستدلاً بالحديث ( البينة على من ادعى واليمن على من أنكر ) (1) فله الحق أن يلزم المدعى عليه باليمن أو الحق .
المسألة الرابعة عشر :-
... جرى الإسقاط بالجوائح السماوية إذا بيعت الثمرة بعد الدراك .
... جمهور علمائنا لا يروا الإسقاط لأن الثمرة بيعت فيضمنها صاحبه ولا دخل للبائع في الضمان وحملوا الحديث على البيع قبل الدراك.
... أما الإمام فيرى الإسقاط للثلث مستدلاً بحديث رواه مسلم .
المسألة الخامسة عشر :-
... لا يرى بأس بالصلاة على الصوف .
... قال جمهور علمائنا بمنع الصلاة على الصوف ويستند على حديث ( جعلت لي الأرض مسجدا ) (2) وعلى رواية ( صلوا على الأرض وما أنبتت ) والصوف ليس من الأرض ولا من ما أنبتته .
... ولم ير الإمام بأس لأمرين الأول : استدلالهم كان على مفهوم اللقب وهو ضعيف ، والثاني : المنطق هنا سيق مساق الإمتنان وإذا سيق المنطوق مساق الإمتنان لا يستدل بمفهومه .
وهو الذي رجحه سيدي الوالد .
المسألة السادسة عشر :-
... أجاز بيع المدبر في دين أو حاجة .
... جمهور علمائنا يرون منع التصرف فيه لأنه قد دبره ، لأنه قد تقرب إلى الله به فلا يرجع عن قربته .
... أما الإمام أجاز بيعه لأنه يرى وفاء الدين أو جب وهذا حكمه حكم وصية التبرع فيجوز الرجوع فيه .
__________
(1) الدارقطني كتاب الأقضية والأحكام 217 / 139 حديث 4492
(2) أخرجه البخاري كتاب التيمم باب التيمم رقم 335 (1/67)
صفحة 68
المسألة السابعة عشر :-
... يرى أن من كان ماله عبيداً فأعتقه في مرضه أو أوصى بعتقهم كلهم فيعتق منهم الثلث بالقرعة ويسترق الباقون .
... يرى الإمام أن الثلث فقط يعتق لأن الوصية تكون في الثلث بحديث سعد عندما قال له – صلى الله عليه وسلم – (الثلث والثلث كثير) (1) لأن في الزيادة إضراراً بالورثة ، أما جمهور علمائنا يروا عتقهم كلهم فلا رجوع في العتق .
المسألة الثامنة عشر :-
... يرى أن من سافر عن زوجته وأطال الغيبة وخافت العنت ورفعت إلى الحاكم أمرها له أن يطلقها دفعاً لضررها ، ولكن لا يطلقها إلا بعد الاحتجاج على الزوج .
... كان رأي الإمام أن لها الطلاق لأن الشارع راعى حق العشرة وهذا القول له أدلة منها أن الله تعالى حدد مدة الإيلاء بأربعة أشهر ( للذين يؤوون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) وذلك لرفع الضرر عنها فلهذا تطلق إن طالت غيبة الزوج وهو الراجح عند سيدي الوالد.
... أما جمهور علمائنا فلا يروا تطليقها.
المسألة التاسعة عشر :-
... يأخذ بمذهب زيد بن ثابت في ميراث الغرقى والهدمى وأم لا يؤرث هالك من هالك.
... كان جمهور علمائنا يروا التوريث بين الغرقى والهدمى فكل منهم يرث من الآخر ودليلهم أنه لا يعلم من مات قبله ، ولكل منهما حق في مال الآخر فلهذا يؤورثوا .
... وكان رأي الإمام عدم توريث ميت من ميت لأن من شرط الميراث تيقن موت الموروث وحياة الوارث ، ولا يقين هنا ، وهذا الذي أخذه سيدي الوالد .
__________
(1) عن سعد بن أبي وقاص قال : جاء النبي – صلى الله عليه وسلم – يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال : يرحم الله ابن العفراء : قلت يا رسول الله " أوصي بمالي كله . قال : لا قال فالشطر . قال : لا قال الثلث . قال الثلث والثلث كثير . إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ".
أخرجه البخاري . كتاب الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء 2/ 188رقم 2742.
أخرجه مسلم كتاب الوصية 3/1250 رقم 16285. (1/68)
صفحة 69
المسألة العشرون :-
... لا يرى فرق بين الغرقى والمفقود وأن مدتهما واحدة أربع سنين ، يرى الإمام أن لا فرق بينهما وهذا الذي رآه سيدي الوالد لأنه قد يتوصل إليه في هذا الزمان إن كان حياً عن طريق وسائل الإعلام أو الشرطة الدولية وغيرها من الأمور.
... جمهور علمائنا يقول أن الغائب مدته طويله ، منهم من يقول ثمانيين سنة من ولادته لأنه لا قرينة تدل على وفاته .
هذا ما استطعت تفصيله في هذه المسائل وأرجو من الله أن أكون وفقت في ذلك .
المبحث الثاني :-
الاستدلال بالأدلة :-
كان إمامنا الخليلي يرى حالة السائل وأسلوب سؤاله فإذا كانت المسألة محتاجة لاستدلال يدعم إجابته بالدليل وفي ذلك نماذج كثيرة من أجوبته ولكن ليست كل أجوبته مدعمة بالدليل فبعض السائلين همهم معرفة الحكم فقط فيجيبهم بما يريدون مع أنا على يقين أنه لا يقول قول ولا يذهب إلى أي مذهب إلا أن رأى الدليل يدل عليه.
وكما هو معلوم أن أساس الشريعة الإسلامية هو القرآن الكريم ثم السنة النبوية فالإمام بن أقواله وأحكامه عليهما.
أولاً :- القرآن الكريم .
فهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي فأول ما ينظر العالم للاستدلال ينظر فيه فإن وجد الدليل من القرآن كفاه ويرد به كل دليل خالفه .
ثانياً :- السنة النبوية .
... وهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم ويكون رد الأحكام لها إذا لم يوجد الحكم في القرآن وكثيراً ما تكون شارحة أو مفصلة لما يأتي في القرآن الكريم .
وأذكر هنا بعض الأمثلة التي استدل الإمام فيها على إجابته .
المثال الأول :-
سئل من وفي الضمانة أن من عليه القعود الأول فقام سهواً وشرع في القرآن فلا يرجع للعقود، وإن ذكر قبل القراءة فإنه يرجع للقعود فهلا قيل إن القعود الأول هو الفرض وعليه فيعيد أفدنا إفادة شافية . (1/69)
صفحة 70
الجواب :- ما ذكره في الوفاء هو سنة لأنه روي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قام فنبه ولم يرجع للتحيات الأولى ومضى على صلاته (1) وهذا يحتج به من يقول أن التحيات الأولى ليست بفرض وإن صح الحديث فالعمل عليه وقول بخلاف الحديث يضرب به عرض الحائط والعلم عند الله جل وعلا (2) .
فذكر الإمام الدليل هنا لما طلبه منه السائل فالسائل قرأ المسألة وأشكل عليه الحكم لهذا طلب من الإمام كشف اللبس عنه.
وأذكر مسألة أخرى ذكر الإمام أدلة على قوله :-
وسئل عن الفارق بين هاتين المسألتين ولكل دليل من الكتاب وهذا نصهما في النيل ولطفل نكاح بنت المنكرة لا أمها ما الفرق بين البنت والأم هنا وهذه الأخرى نظيرتها ، ولطفل أب المنكر لا ابنه لم يتضح لي الفرق بينهما ومنك الشفاء .
الجواب :- يقول أن الطفل إذا تزوج امرأة وأنكر التزويج جاز له أن يتزوج ابنتها ولو مس الأم لأن مسه كلامس وأنت تعلم أن الربيبة يجوز تزوجها إذا لم يمس الأم قال الله تعالى (( وربائبكم الآتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن )) (3) ، ولا يصح له أن يتزوج أمها لأن الأم قال الله تعالى (( وأمهات نسائكم )) (4) فهي نسوة له حكماً وقيل بتعليق النكاح ومن قال بصحته كالشيخ السالمي فمن باب أولى (5) .
__________
(1) ،ص الحديث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم ، وسجدها الناس معه فكان ما نسي من الجلوس
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب السهو باب يكبر في سجدتي السهو 1/290 رقم 1230.
(2) فتح الجليل ص 192 ، 193 .
(3) النساء آية ( 23) .
(4) هذا كما في الكتاب ولعله سقط والأصل لأن الأم قال الله تعالى فيها فسقطت كلمة فيها ، النساء آية 23 .
(5) فتح الجليل ص 282 283. (1/70)
صفحة 71
فالسائل هنا يعلم بالدليل ولكن ذكره الإمام بتوضيح الصورة للسائل فالمسائل لم تتضح له كما ذكر ذلك بنفسه في السؤال .
واذكر مسألة أخرى استدل الإمام على قوله فيها وهي :-
وسئل إذا أحدث الجار بنياناً في مال إلا أنه قريب من جاره هل لجاره الإنكار عليه وهل يمنعه الحاكم إن خيف منه .
الجواب :- أما الجدار على الجار وخوف الضر في الحديث " لا ضرر ولا ضرار " (1) وذلك يحتاج إلى نظر والضرر على كل حال مرفوع (2) .
ذكر الإمام هنا الدليل من السنة وأقول لعل السائل كان من قضاة الإمام أو من لهم علاقة بذلك فلهذا ذكر الإمام هنا الدليل وأوكل تقدير الضرر على النظر فيه ثم التقرير هل يزال الجدار أو لا.
وللإمام عدة فتاوى لم يذكر فيها دليل قد تجدون بعضها مع الفتاوى المختصرة في جوابها .
المبحث الثالث :-
مناقشة المسائل :-
كان الإمام يرى في بعض المسائل حاجة إلى النقاش وذكر القول مع الوجه الذي دفع الإمام إلى الأخذ به ومع أن هذا قريب من المبحث الذي ذكرت فيه حكاية الخلاف إلا أن هذا يشتمل على الوجه وإليكم بعض الأمثلة على ذلك .
وعرض عليه جواب لجده المحقق الخليلي رضوان الله عليهما عمن طلق زوجته طلاق السنة هل لها نفقة إذا خرجت من بيته في الطلاق الرجعي بغير رضاه قال ليس لها أن تخرج من بيته في الطلاق الرجعي إلا بإذنه فإن خرجت بغير إذنه فلا نفقة لها عليه إلا أن تكون حاملاً فلها النفقة ما لم تخرج من بلده هكذا قال الفقهاء والله أعلم.
__________
(1) رواه ابن ماجة في مسنده كتاب الأحكام باب من بنى في حقه ما ضر يجاره رقم 2341 ص335.
رواه الإمام في الموطأء كتاب الأقضية باب الففاء في المرفق رقم 610.
(2) فتح الجليل ص 551 552 هكذا اتضح الجواب كما في الكتاب والله أعلم أن كان به سقط أولاً . (1/71)
صفحة 72
قال الإمام نقل الوالد رحمه الله ذلك عن الفقهاء ووجه ذلك أنها خرجت من بيته وهي مطلقة رجعياً تعد ناشزة وأما قوله إلا أن تكون حاملاً فالله أعلم ولا أفهم مقصده وهذا القول إذا كانت مبتوته موجود وله وجه القول والله أعلم
وقال أيضاً رأيت جواب الوالد - رحمه الله تعالى ورضي عنه - أما قوله ليس لها أن تخرج من بيته في الطلاق الرجعي إلا بإذنه فإن خرجت فلا نفقة لها هذا القول ظاهر الصحة وكان كافياً الجواب السائل ، أما قوله إلا أن تكون حاملاً الخ فالله أعلم وأقول إن كانت طلقت رجعياً فحكمها حكم ما سبق في قوله لا نفقة لها إن خرجت من بيته بلا إذنه وإن كانت مبتوتة فحسن أن تكون لها النفقة ما لم تخرج من بيته وأظن صاحب الأثر أراد المبتوتة مع أني أقول أن الحامل لها النفقة مطلقاً خرجت من بيته أو لم تخرج كانت مبتوتة أو غير مبتوتة لأنها استحقته بكونها حاملاً بنص الكتاب (1) ، ومن أراد أن يحرمها ذلك فعليه الدليل ولا يكفي أن يقال أنها ناشزة فلا حق لها لأنها لم تكن استحقته بنفس المعاشرة كالزوجة فإن نشزت أبطلت حقها ، نعم إن كانت مطلقة رجعياً ولم تكن حاملاً فلا نفقة لها إن خرجت من بيته بلا إذنه لأن النفقة استحقتها بحبسها نفسها في بيته كالزوجة فلها حكمها.
حاصل ما أقول : إن كانت حاملاً استحقت النفقة لأجل الحمل مطلقاً وإن كانت الزوجة حائلاً استحقتها إن كان الطلاق رجعياً لأن حكمها حكم الزوجة وعليها أن لا تخرج من بيته فإن خرجت بلا علم فلا نفقة لها أبطلتها بنشوزها وإن كان الطلاق بائناً فالمسألة خلافية والترجيح يحتاج إلى إمعان نظر في أدلة القائلين وذلك صعب إلا مع التوفيق (2) .
أطال هنا لأنه يناقش قول جده المحقق الخليلي فيذكر وجوه قوله فكلى القولين له أدلته التي يبني تخريجاته عليها .
__________
(1) يشير للآية ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) سورة الطلاق الآية "6" .
(2) فتح الجليل ص 335 ، 336 (1/72)
صفحة 73
وإليكم مثال آخر تجد إمامنا يناقش المسألة فيه .
وسئل بما نصه أجاب الصبحي في رجل طلق زوجته بعد إخراجها من وطنها وسفره بها أنه يلزمه ردها إلى وطنها إذا كانت بائنة وأجاب الشيخان سعيد الكندي وخلفان السيابي بأنه لا يلزمه ذلك لأنه يلزمها أتباعه والطلاق مباح له فما ترى في جواب الصبحي - رحمه الله - .
الجواب / لعل الشيخ الصبحي رأى إلزامه ذلك كما ألزموا من اشترى جراباً مثلاً وحمله لمكان بعيد فرأى فيه عيباً عليه أن يرده إلى صاحبه من حيث أخذه فهذا عليه أن يردها إلى منزلها ، وأقول قول الكندي والسيابي عندي أقرب لأن هذه المرأة قد علمت أنه يلزمها اتباعه فهي قد دخلت على ذلك فهي كمن باع جراباً لمن يعلم أنه سيحمله إلى منزله وحمله إلى منزله فعلم بالعيب وفسخه فليس على المشتري رده بل يرده وليكاري عليه صاحبه ثم نظرت في المسألة فرأيت أن لقول الشيخ الصبحي نظيراً في الأثر هو من اشترى جراباً مثلا وحمله فوجد فيه عيباً فرده بالعيب قالوا على المشتري أن يرده إلى حيث أخذه ، وهذه المرأة إن كانت تعلم أنها يلزمها اتباع الزوج لم يكن أمرها كمن اشترى جراباً وهو من بلدة أخرى فحمله فوجد العيب فرده قالوا إن على البايع رده بنفسه لأنه يعلم أن صاحبه سيحمله إلى بلده لأن علم هذا كالمتيقن أنه سيحمله ، فهذه المرأة وإن كانت تعلم أن عليها أن تتبع زوجها حيث يريدها فهي لم تتيقن أنه سيخرجها فهي أنظر بمراد الشيخ الصبحي عما يشير إليه جواب الشيخين الكندي والسيابي إن صح ما أراده والعلم عند الله ، ومع ذلك فهو أن تزوج امرأة من مكان بعيد وحملها إلى بلدة ثم طلقها فينبغي أن يقال ليس عليه ردها قولاً واحداً ، فأنظر في ذلك والله أعلم (1) .
__________
(1) فتح الجليل ص 338 ، 339 (1/73)
صفحة 74
وسبب النقاش هنا لأنه يعرض قولين لبعض العلماء فيناقشها الإظهار الأرجح منهما لأن السائل على اطلاع بكلى القولين وكل منهما استدل بالقياس إلا أن الإمام وجد أثرا يدل على أحد القولين .
المبحث الرابع :-
ترجيحاته :-
...
كما ذكرت سابقاً أن الإمام الخليلي كان أعلم أهل زمانه وكان الإمام له لاأيه الخاص فمن الواضح أنه في حالة وجود اختلاف بين العلماء في بعض المسائل أن يكون أحد القولين أو الأقوال هو الراجح مع الإمام ولا يعني هذا أنه لا يتوقف فبعض المسائل لا يرجح أي من الأقوال فيها وأذكر هنا بعض النماذج على ترجيحات الإمام مع العلم أنه في معظم أجوبته لا يذكر أي ترجيحات.
وسئل عمن له خنجر منذ عشرين سنة صاغها ويظن أن لا زكاة فيها فما الذي يلزمه الآن ؟
الجواب / القول الراجح أن يؤدي عن السنين الماضية وهذا الذي يقويه القياس ويؤيده النظر والقول الآخر ينبني على التيسير والله أعلم سبحانه وتعالى أعلم (1) .
فهنا ذكر الإمام الراجح من القولين .
وسئل ما الراجح عندكم وتأمرون به عمالكم من القوال في زكاة ما أسس بالنهر ثم أدرك بالزجر وما سقي بهذا مرة وبهذا أخرى ومن كان يطني الماء لسقي نخله أو زرعه بالثمن الكثير كما هو في هذا الزمان نرجوا الجواب.
الجواب / المحاصصة هي الأقرب وقد أمرت الجابي أن يقبض بحساب من العشرين قرشاً ونصفاً أعني ممن سيستقعد الماء والذي يسقي بالزجر فوق مائة أما من يسقي بالزجر دائماً فعليه نصف العشر ومن عنده ماء أصيلة يكفيه فعليه العشر تماماً والله أعلم (2) .
فهنى طلب السائل من الإمام أن يذكر الراجح عنده لأن المسألة أشكلت عليه .
ومثال آخر سئل عمن أوصى بقطعة من ماله يحج بها عنه فلما استحقها الأجير استشفعها الشفيع هل له شفعة ؟
__________
(1) فتح الجليل ص 231 .
(2) المرجع السابق ص 233 ، 234 . (1/74)
صفحة 75
الجواب / المسألة فيها قولان وقول من يقول أنه لا شفعة فيها هو الذي أراه والعلم عند الله (1) .
نرى ذكر الإمام الراجح هنا والمسألة مسألة أحكام فلعل السائل أحد عماله .
وبعض الأحيان يذكر الإمام بعض ترجيحاته ويقول بأن ترجيحه بناءً على ميلان النفس لأنه قد لا يجد دليل صريحا في المسألة وألكم بعض الأمثلة.
وسئل عمن هلك وترك ابنه وادعى أحد أنه من أولاد عمه وأتى بشهود من أهل الجملة والابنة تنكر ذلك هل تقبل شهادتهم ؟
الجواب / يعجني في شك هذا إذا اطمأنت النفس بقولهم أن يأخذ الحاكم بقولهم وهكذا خبر الشهرة وشهادة العدول إنما تفيد الظن فقط والله أعلم (2) .
وأيضاً هذا سؤال أحكام ولم يرجح الإمام هذا القول صراحة وإنما قال يعجبني .
وأذكر مثال آخر على ترجيحه بميال النفس .
وسئل هل يلزم مشتري المال بالخيار سقيه وإن تركه حتى مات وفكه بائعه هل مشتريه ضامن .
الجواب / المشترى هو الذي يسقي المال لأنه ماله فإن تركه مضاراً لزمه ما تلف وإلا أقول هذا نظرا لا أثراً والعلم عند الله (3) .
فصرح بأن نفسه مالت له بغير دليلا واضح بقوله نظراً لا أثر
المبحث الخامس :-
تغيير اجتهاد الإمام :-
من الطبيعي أن يتغير اجتهاد العلماء من وقت لآخر فقد تتضح لهم أمور أو تتبين لهم أدلة لم يكونوا مطلعين عليها في السابق وإمامنا الخليلي واحد منهم فقد تغيير اجتهاده في بعض المسائل أذكر منها هنا ما ذكره صاحب قرة العينين في كتابه .
المسالة الأولى قول حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه قال مرة أنها تصح في النفل والفرض وقال في أخرى أنها في النفل فقط (4) .
وهذا أحد أجوبته في هذه المسالة .
__________
(1) فتح الجليل ص 140 .
(2) فتح الجليل ص 372 .
(3) المرجع السابق ص 438 .
(4) الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ، قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين الطبعة الأولى ص 44 . (1/75)
صفحة 76
وسئل هل يقول المصلي عند استوائه قائماً من الركوع ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها قيل لرجل قالها وهو يصلي (1) فهل هذه واقعة حال ولا تعتبر بعد أم هذه تختص بنفل دون فرض.
الجواب / أما بحثك في زيادة المصلي قوله ( حمداً كثيراً طيبا مباركاً فيه ) أعلم أن الشيخ الرضي عيسى بن صالح يقول ذلك ، وأما الشيخ العلامة القطب يجيز ذلك ولو في الفرض ، وأقول كما قال القطب أنه يجوز ذلك في الفرض فإنه ولو كان ذلك من كلام الآدميين قد شرع وأجيز ، ولو كان هذا غير جائز لنهي عنه ، وحيث لم يصح النهي عنه مع الثناء على صاحبه القائل دليل على الجواز ، ولو قلنا أن هذا قبل النهي عن كلام الآدميين لكان نفس الثناء يدل على البقاء ، وأما ترك الناس له اليوم فحسن لأن النبي – صلى الله عليه وسلم لم يقل للناس قولوا ذلك فلما لم يقل ذلك قلنا بجواز ذلك لا بوجوبه والعلم عند الله تعالى (2) .
فهذا كان قوله ولم أجد جواب صرح فيه بمنع قولها في الفرض .
المسألة الأخرى الاستعاذة للمستدرك ، متى يأتي بها عند القضاء قال أولاً أنه يأتي بها عند القضاء ثم رجع عن ذلك وقال يأتي عند أول قراءة (3) .
ونص المسألة مذكور في ذكر الإمام للخلاف فلا داعي لتكرار المسألة ويلاحظ من جواب الإمام تصريحه على رجوعه عن رأيه السابق
المسألة الثالثة ، مسألة الميراث الزنيم كما لو مات زنيم وترك أماً وجداً واخوة لأم قال فيها الإمام بثلاثة أقوال (4) .
وسئل عن ميراث الزنيم وابن أمه وقولك رجعت عن فتواك السابقة في مسألة الزنيم وأنك تستغفر الله من القول بغير علم أقول باحثاً أن فتواك السابقة تقويها أمور :
__________
(2) الفتح الجليل ص 188 ، 189
(3) قرة العينين ص 44
(4) قرة العينين ص44 . (1/76)
صفحة 77
الأمر الأول قول العلماء إن الزنيم عصبته عصبة أمه ولا شك أن لو ماتت امرأة وتركت أباً وولداً فلأبيها السدس والباقي لولدها وهو عاصبها
ثانياً الأخ من الأم هو معتبر في الإرث جعل الشارع له مع عدم الأولاد والآباء السدس ولم يجعل الشارع للجد أب الأم شيئاً فإن قلت إن جد الزنيم أب أمه يقوم مقام الجد أب الأب فنجعل في مسألة الأخ من الأم السدس كما في فتواك الثانية والباقي للجد أب الأم فالجواب ناب الأب غير أب الأم الفرق الذي راعاه الشارع بينهما لكن الزنيم لم يعتبر الشرع لأبيه حكماً فألحقناه بعصبة أمه وهي هنا ولدها هو العاصب لها ، ولا يقال أبا الأم أصل للام فهو أولى من ولدها لأنهم فرع لأن الشارع جعل ولد الأم أقوى من أبيها وذلك الاعتبار كافٍ في الجواب فما تقول في هذه الأبحاث .
الجواب / أرى أقوال العلماء في المسالة كثرت ذلك لتخالف الروايات وتخالف الأفهام فمن جواب الشيخ القطب لابن شيخان قال لا يخفى إن عصبة ابن أمه عصبة أمه وبناتها أخوته من أمه وكذا الأخوة فأبوها يحجبه فانظر إلى قوله تجده صواباً في اجتهاده فمسألتك أنت هذه ، زنيم مات عن أم وأخ لأم فهي من ستة للأخ من الأم السدس ولأمه الثلث يبقى سهمان أم ثلاثة ؟ لأب أمه كذا نرى ونحن لا ننزله منزلة جد الزنيم أبي أبيه ولكن نرى أن عصبتة عصبة أمه إن ما فضل عن أهل السهام يرد إلى عصبتها ولو كان أبوها حقيقة جده لنسب إليه ولكان ولياً والأحاديث تدل على غير ذلك ولو لا الآثار الواردة أن عصبته عصبة أمه لكانت المسألة مسألة رد ، لكنا لم نبلغ الأثر ، فهذا ما بان لنا في المسألة ولا أقول أبوها جد حاجب . (1/77)
صفحة 78
وقال رحمه الله أما بعد فإني أقول في مسألة الزنيم التارك أمه وأخاه وأبا أمه ما قلته أخيراً مع أن مسالة ابن أمه تذكر اختلاف العلماء مع أني رأيت في جواب الشيخ القطب ابن يوسف أن أبا الأم يحجب اخوته لامه يراه كجده الحاجب أو الأب ولم أر ما قاله الشيخ إن ذلك أب أو جد حاجب ، وإن جعلناه عاصباً فإن كونه عاصباً له ليس المراد إلا أنه يأخذ ما فضل عن أهل السهام ففي مسألتنا للأم الثلث ولأخيه من الأم السدس فضل سهماه لجده وقولي لم أر ما قاله القطب لأنه لو كان ذلك بمنزلة جده لوجب أن ينسب إليه فيقال فلان الفلاني ينسب إلى قبيلة الأم ولا يلحق إليهم في النسب وللزم أن يكون ولياً في تزويج عصبات أمه فلو كان لأمه عصبة فمات أخوتها مثلاً ولهم بنات لكان هذا الزنيم أولى بتزويجهن عن البعيد من أولاد أعمام أمه ولا قائل بذلك ، ولكان محرماً منهم ولا أراه ولا صرح بذلك أحد ، مع أن في بعض الروايات أن ميراث ابن أمه لأمه ، فإن تكن ماتت فلعصبتها وهذا إجمال فيه ينبغي أن مات وارث له من زوج أو زوجة أو نحوه فهو لأمه ، لأنها تكون هي بمنزلة الأب والأم فيكون المراد من هذه الرواية ان عصبتها يرثون حين لا وارث وأقول لو لا إني أتهم نفسي بالقصور عن مزاحمة ألئك الفحول لقلت أن تلك الآثار المروية عن الصحابة والأحاديث المرفوعة التي لا قوة لها المضطربة المجملة لقلت في المسألة التي ذكرتها أنت أن للأم الثلث ولأخيه السدس ردت إلى ثلاثة يكون للأخ سهم من ثلاثة وللأم سهمان منها ولا أجعل نصيباً لعصابتها إلا مع عدم الوارث يكون ميراثه لعصبتها بأخذه منهم كله الأقرب إلى أمه هذا ما عندي في المسألة فأنظر فيه (1) .
يظهر بينا لنا في السؤال أن الإمام كان يرى خلاف القول الذي ذهب إليه لاحقا لأن السائل ذكر للإمام أنه – أي الإمام - استغفر من فتواه السابقة كما أن في المسألة ذكر لأقوال غيره من العلماء
المبحث السادس :-
__________
(1) الفتح الجليل ص 371 -373 (1/78)
صفحة 79
اعتماده على القواعد الأصولية :-
...
كان الإمام الخليلي في بعض الأحيان يذكر بعض القواعد الأصولية التي يبنى استدلالاته عليها ولو أن ذلك قليل في أجوبته إذ في معظم الأحيان إن ذكر الدليل لا يذكر القاعدة التي أخذ الدلالة منها .
وأذكر بعض الأمثلة على ذكر الإمام للقواعد الأصولية .
وسئل ما وجه منع الصلاة على الصّوف .
الجواب / وبالله التوفيق أما الصوف فالأصحاب شددوا في الصلاة عليه ولعلهم يحتجون بقول – صلى الله عليه وسلم – جعلت لي الأرض مسجداً (1) فرأوا أن الأرض وما أنبتته حكمه حكمها وإن الصوف ليس من الأرض ولا مما أنبتت الأرض لكن يقال في هذا أنه مفهوم لقب ولا يحتج به وروي أن النبي – صلى الله عليه وسلم - كان يسجد على المسح والمسح كان من صوف فيما قيل ، وقيل من غيره ، فعلى قول من يقول أنه من الصوف يقول يجوز السجود على الصوف وروى أنه – صلى الله عليه وسلم - يسجد على الفرو والفرو هو الجلد وهذا يقوله حتى الأصحاب ، وعلى هذا فالجواز أقرب وأما الصلاة على الأرض نفسها وعلى الحصير فذلك أقرب إلى التواضع هذا ما عندنا والله أعلم (2) .
فنراه ذكر مفهوم اللقب في دليل القول الثاني وضعفه ولهذا لم يأخذ به وذكر للقول الذي رجحه أدلة من السنة وهي أقوى .
ومثال آخر على ذكره للقواعد الأصولية .
وسئل عن المشترك زوجاً وأما واخوة لأم واخوة لأم وأب فهؤلاء الأخوة يشاركون أخوة الأم في فرضهم وفي نظم شيخنا العلامة السالمي في المدارج لا يرى ذلك فأمرنا بما تحب أن نعمل به في المسألة ليكون مأثوراً عنك.
__________
(1) سبق تخريجه
(2) فتح الجليل ص 172 (1/79)
صفحة 80
الجواب / أما المسألة المعروفة بالحمارية فالعمل فيها عندنا أن نشرك الأخوة الخالصين مع الأخوة للأم عملاً بقول عمر بن الخطاب ، وإن كان قول عمر السابق هو الأقرب إلى القياس إلا أنه قد رجع عنه ولم نعلم أن أحداً من الصحابة أنكر على عمر ذلك ، ولا أن عمر رجع عنه هذا هو المعمول به وعليه الفتوى ، وقد علمت أن القياس هو قول عمر السابق وهو الذي يقوله الشيخ حين قال : لكنني أقول فيه بنظر ، ثم طالعت شرح النيل ورأيت أن النظر الذي يقوله الشيخ هو قول علي وبعض أهل العلم فطالعه ولو لا أن قول عمر هو المعمول به لكان الأحب إليّ قول غيره (1) .
وذكر في هذه المسألة القياس وأن القول الموافق للقياس أحب إلى نفسه إلا أن الصحابة ومن بعدهم عملوا بالقول الآخر فلهذا أخذ به.
وهذا مثال أخير على أخذه بالقواعد الأصولية
وسئل فيمن أوقف وقفاً على أولاد أولاده وهكذا إلى أن تنقرض ذريته وذلك للذكور خاصة دون الإناث ، فإن انقرضوا فلجماعته ولم يخص الذكور بل أطلق
الجواب / ذكرت تريد ما عندي في المسألة أقول : المسألة محتملة للقولين هل يحمل المطلق على المقيد أم لا وأقول في مثل هذا الأولى أن لا يحمل وأن اتفقا حكماً وسبباً ولا أقول بهذا في كل شيء فانا إن قيدنا الرقبة بكونها مؤمنة فقد حصل المقصود وزيادة بكونها مؤمنة ، ولو أطلقنا لكان يحتمل أن يكون الشارع أراد التقييد أو الإطلاق ، وفي المسألة هذه إن قيدنا المطلق حرمنا النساء وليس في هذا حوطة ، فافهم بل الحوطة في الإطلاق والله أعلم (2) .
ناقش حمل المطلق على المقيد كما هو واضح وذهب أن لا يحمل في هذا المثال لأنه الأحوط إذ لو أخذ به حرمت النساء وبين الفرق بينها وبين عتق الرقبة في الإطلاق والتقييد.
المبحث السابع :-
حكاية الخلاف :-
__________
(1) الفتح الجليل ص 379 – 380
(2) الفتح الجليل ص 575 – 576 (1/80)
صفحة 81
في كثير المسائل كان إمامنا الخليلي يذكر القول الراجح عنده ويسكت ولا يتشعب في ذكر الأقوال الأخرى ولكن هذا ليس شاملاً لكل جواباته فنجده في بعض الأحيان يذكر عدة أقوال ولكل مناسبته فلعل السائل يسأل عن الخلاف أو أن القولين يتقاربان في القوة أو يكون صاحب القول الآخر من العلماء المعروفين كل هذه الأسباب واردة والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
وأذكر هنا بعض المسائل التي حكى الإمام فيها الخلاف .
فقد سئل عن من دخل على الإمام في قراءة الركعة الثانية فمتى يأتي بالاستعاذة وإن كان في المسألة خلاف فما وجه كل قول وما الراجح عندكم حفظكم الله ورضي عنكم.
الجواب / الخلاف موجود قيل يستعيذ قبل القراءة للركعة الثانية لقوله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) (1) وقيل يأتي بالاستعاذة عند القيام لقضاء القراءة وهذا اختيار الشيخ (2) فهو يرى أن الاستعاذة شرعت للدخول في أول قراءة وهذه الركعة المقضية هي أول حكما وإن تأخرت صورة إلا أنه يجب أن يستعيذ هذا استعاذة قبل تكبيرة الإحرام وأما قولكم الأوجه والأنظر فأقول على سبيل البحث أن الاستعاذة شرعت لأجل قراءة القرآن ليس موضعها خاصة عند القراءة في الركعة الأولى فتؤخر لتأخيرها ولم يعيدوها ويكرروها عند كل ركعة فهو قول لبعضهم ] اقتفاءً[ (3) بالاستعاذة وأنه لم يذكر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا أنه سيستعيذ عند الدخول بعد التكبير فأقول على هذا إذا كان يبتدئ بالقراءة بعد التكبير أعني في الركعة الثانية فالاستعاذة هناك موضعها هذا ما ظهر لي الآن لما كنت أعتقده سابقاً فأني كنت أقول كقول الشيخ السالمي رحمه الله وأنتم إن قلدتم فقلدوه هو لا أنا والسلام (4) .
__________
(1) الآية من (98) سورة النحل .
(2) يعني بكلمة الشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي .
(3) هكذا في الأصل وأضن أن الصحيح إكتفاء
(4) فتح الجليل ص 175 176 . (1/81)
صفحة 82
ذكر الإمام الخلاف هنا لأن السائل طلب منه ذلك وطلب التفصيل مع الاستدلال كما أن صاحب القول الأخر هو شيخ الإمام وهو الشيخ السالمي والإمام نفسه كان يرى ذلك الرأي إلى أنه رجع عنه فالمسألة يمكن أن تدرج تحت أكثر من عنوان في المنهج الفقهي للإمام كما يظهر في الجواب احترام الإمام لشيوخه فهو مع ذكره للدليل الذي استند عليه وترجيحه لأحد القولين قال للسائل أن يأخذ بقول الشيخ السالمي .
وأذكر هنا مثال آخر .
وسئل :- عمن تزوج صبية ولم يدخل بها بل أنه أطعمها وكساها وعين لها الصداق فلما بلغت غيرت فهل له ما أنفقه وهل لها نصف الصداق ؟ .
الجواب :- / إن لم يدخل بها فلا شيء عليه من الصداق إذا غيرت التزويج بعد البلوغ ولا يدرك ما أعطاها إياه من النفقة والكسوة وقيل يدركه إذا غيرت والله أعلم (1) .
فهنا ذكر الإمام قولين وقد يكون ذكره للقولين لشهرتهما .
وأذكر هنا آخر مثال على حكاية الإمام للخلاف .
وسئل عن القياض بمال المسجد إذا كان فيه صلاح .
الجواب / أجاز القياض على نظر الصلاح محمد بن مسعود البوسعيدي وتبعه جملة منهم الشيخ المالكي ، وقال أيضاً :- أما الشيخ محمد بن مسعود رحمه الله كان يجيز ذلك لكن الشيخ عيسى نهانا عن ذلك فأطعناه مع أنا نرى قول الشيخ محمد بن مسعود قوياً ولكن قول الشيخ عيسى أراد به قطع المادة (2) .
هنا ذكر الإمام قولين نفهم من كلامه أنه يرى أحدهما أقوى ولكن الثاني أسلم كما أن كبار العلماء اختلفوا في المسالة كذلك ذكر القولين كما أن في المسألة استنادا على أقوال بعض العلماء .
المبحث الثامن :-
الإطالة والاختصار في المسائل :-
__________
(1) المرجع السابق ص 280 .
(2) فتح الخليل ص 579 ، 582 . (1/82)
صفحة 83
كان إمامنا الخليلي يطيل أو يختصر على حسب الأوضاع ففي بعض الأحيان تقتضي المصلحة للإطالة في الإجابة أما بعض الناس فالحكم هو ما يريدونه وإن فصلت لهم المسألة فقد لا يستوعبون مضمونها فهكذا كان إمامنا وأذكر هنا بعض النماذج .
أولاً :- الاختصار .
... وسئل الإمام هل لأحد أن يصلي قبل المغرب نافلة إذا كان مسافراً ويريد تأخير المغرب .
الجواب / للمسافر والمقيم أن يصلي ركعتين والله أعلم (1) .
ومثال آخر :-
... وسئل هل يصح للحائض أن تغسل الميت غسل الموتى وكذلك الجنب .
الجواب / لا أحفظها والظاهر أنها ليست من العبادة التي يشترط فيها الطهارة والعلم عند الله (2)
ومثال آخر :-
وسئل عن من خطب امرأة فقالت مطلقته رضعتها فوق ابنك تصدق أم لا.
الجواب / نرى أن يتركها والله سبحانه وتعالى أعلم (3) .
ثانياً :- الإطالة .
في بعض المواضع يرى الإمام ضرورة بسط المسألة فيطيل الإجابة عليها ليترك السائل على بصيرة من كل الإشكاليات التي التبست عليه.
وأذكر هنا مثالاً على إطالة الإمام في المسائل.
وسئل : عن الأوراق نجدها قد وجبت على من كانت عليه منذ سنين فهل يحكم ببقاء ما تضمنته مع احتمال الوفاء ؟ فإن قلت الأصل بقاء ما تضمنته إن كان الصك صحيحاً قلت فهل فرق بين حياة من عليه الحق وموته و موتهما وبقاء ورثتهما محتجبين بالصكوك اللاتي ورثوها؟ وهل تحليف من له الحق إن مات من عليه الحق لازم مع وجود الحق الصحيح أم لا ؟ وهل يصح لنا أن نقبل شهادة من سئل عنه أهل بلده ولم يرفعوا أنه يفعل شيئاً من الكبائر ، ولكن المسؤولون خواص أهل البلد إذ العدول لا يُدري أنهم في هذا الزمن قليل أم لا.
__________
(1) فتح الجليل ص 217 .
(2) المرجع السابق ص 218 ، 219 .
(3) المرجع السابق ص 278 . (1/83)
صفحة 84
الجواب / الأوراق المنقضية مدتها بعد زمان طويل أعني مدة تأجيلها فقد قال في هذه المسألة السيد مهنا بن خلفان (1) فيما نرجو أنها عنه منصوصة في بعض أجوبة المتأخرين ؟ أنه ينظر في المطالب للحق عن كان مطالبته ممتدة على أكثر الأحيان والأشهر والأيام ، فتلك مما يحكم ببقائها ، وإن كان على طول ذلك الزمان صار صاحبها ساكتاً لم تعلم منه مطالبة في يوم ما على طريق التكرار والترجيع فتلك بمضي ذلك الزمان الطويل والمدة قد انقضت مدة التأجيل فقد ، قالوا إن الأوراق تبقى والحقوق توفى ولغيره من العلماء في هذه المسالة ما يدل على تأييد مقالته هذه والله أعلم ، وعلى ما قررنا يظهر لك أن لا فرق بين حياة من له الحق وموته فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله ، نعم ذكرت تحليف من له الحق فذلك لازم إن طلبه من عليه الحق من وارث أو موروث ، وإن كان من ماله يتيم يأخذه الحاكم لليتيم أو وكيله إذا ثبت الحكم بثبوت الصك ومسألة الشهادة أظن أن القطب ذكر في النيل أن عدول الصحابة بخلاف عدولنا اليوم ، وعدول الحضر بخلاف من عدول البدو ، ومن لطف الشريعة السمحة أن حكم الاضطرار مخالف للاختيار ، فلا تبطل حقوق الناس ما يوجد أدنى سبيل لثبوتها ، والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، وحديث عمر ( المؤمنون في بعضهم أو على بعضهم بعض إلى آخر ) .
حكى بعض التفصيلات عن أحد العلماء لأن السائل بنفسه طلب بعض هذه التفصيلات بتفريعاته في المسألة .
وإليكم مثال آخر على إطالة الإمام في المسائل .
__________
(1) أحد العلماء من بلدة بوشر عاش في عهد السلطان سعيد بن سلطان . (1/84)
صفحة 85
وسئل وفي الأثر : ومن الجائز غيبة المشتهر بفسقه ووجدت في أجوبة القطب - رحمه الله – أنها تلحق مستور الحال لأنه – صلى الله ليه وسلم – قال : اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس ، ثم قال أترعون أن تذكروا الفاسق الخ فهذا الذي أمر – صلى الله عليه وسلم – هو ذلك المستتر ليعرفه من يعرفه ولا مانع من ذكره ليذل الكفر ، وأما المعلن بفسقه فقد عرفه الناس بإعلانه فما ترى في هذا وهل يجوز إذا غيبة الموقوف عنه بمجرد سماع بفسقه دون شهرة مقبولة وذلك إذا ذكره لوجه الله تعالى لا انتقاماً لنفسه ؟ أشرح لنا في ذلك شرحاً كافياً فإنها عمت البلوى . (1/85)
صفحة 86
الجواب / نفس الغيبة محرمة في كتاب الله (1) والحديث يدل أنها تجوز لتحذير الناس ، فأقول : إن كان ذكره على هذا الوجه فهو جائز ولو كان في متولى ، وإلا فمن كان غير معلن بفسقه ويظهر للناس الجميل فغيبته لا تصح فهي هتك لحرمة المسلم ، إلا إن كان هناك موجب يلزم إظهاره ، وإما المتجاهر بالفسق فذلك ليس ذكره بفسقه المتجاهر به غيبة قط ، وكيف يكون غيبة وهو لا يعد ذكره بذلك تنقيصاً ويجوز لك ذكره بما ينقصه ولو لم يكن مما تجاهر به إن صلحت النية وأردت بها إهانة الفاسق وذكره بالمعصية إهانة له وإهانة للمعصية فذلك جائز كله ولا يشكل عليك قولي انه تجوز الغيبة للموقوف فيه وللمتولى أيضاً فإنه حق لكن إذا كان لمعنى لا تشهياً وتفكهاً ، وذلك كما إذا سألك القاضي عن موقوف عنه أو متولى في تحمل شهادة ، فلك أن تجرحهم كان تقول : هذا فلان المتولى غير نبيه ولا ذو دراية وعاجز من تحمل الشهادة وأدائها على وجهها ونحو ذلك فإن هذا قصور في الإنسان ولا يحب إلا كونه كاملاً فلا يعد مثل هذا غيبة ، وكذا في الموقوف عنه إن أعلمت عنه فلاح حرج وبالجملة لا تصلح الغيبة إلا لمعنى ، وقولك إن سمعت في الموقوف عنه قولاً يجرحه واحد هل لي أن أغتابه فأقول : لا لكثرة الغيبة ربما ذلك القائل يكون مغتاباً فإن لم يكن قال ما قاله بوجه حق فقل أنت بمقاله بوجه الحق والله أعلم.
ثم قال أرى أن أختصر لك القول في أمر الغيبة حتى تفهم وتعلم أن مستور الحال لا تصبح غيبة وتجمع بين قول الشيخ القطب وقول غيره أعلم أن الله منع الغيبة وقال : ولا يغتب بعضكم بعضا ، والحديث الذي يستدل به الشيخ محمد بن يوسف ليس فيه إلا ذكر الفاسق بما فيه يعلمه الناس ، فهذا الذي يذكره الشيخ عند العلماء ليس من الغيبة في شيء لأنهم قالوا : القذف ليس بغيبة في ستة أوجه عدوا التحذير واحداً منها فهذا ليس فيه حجة للشيخ .
__________
(1) يشير للآية " ولا يغتب بعضكم بعضا " الحجرات الآية (12) . (1/86)
صفحة 87
القذف ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعروف ومحذرٍ
ولمظهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر (1)
المبحث التاسع :-
أخذه بأقوال غيره من العلماء :-
...
كان الإمام الخليلي من عادته إذا طرحت عليه مسالة وهو في مجلسه ومعه طلبته أو قضاته أو غيرهم من أهل العلم يطرح المسألة عليهم ليرى أراءهم فيها وكثيراً ما نرى في جواباته نقلاً لأقوالهم فنجده يقول قال الشيخ عيسى أو غيره من أهل العلم .
فإن وجد من الأقوال التي أجابه بها جلساءه ما رجح عنده أو استحسنه أو رأي فيه تخفيفاً على السائل أجابه به
وأيضاً كان يجيب السائلين أحياناً بأقوال العلماء المتقدمين كالسيخ السالمي والقطب إذا كان لا يترجح عنده ما يخالف قولهم.
وأمثل هنا لكل الحالتين ببعض الأمثلة :-
وسُئل عمن باع شيئاً مما تجب فيه الزكاة كبسر أو تمر وقد زكاه أو باع اصل ماله فاستوفى الثمن في شهره الذي وقته لإخراج زكاته ، أو فك مبيع بالخيار فصادف ذلك شهره هل تجب عليه الزكاة في مثل هذا وأشباهه أو بعضه حملاً له على ما عنده مما تجب فيه الزكاة الموقته على ما عليه العمل عندك من الأقوال أرشدنا هداك الله.
__________
(1) فتح الجليل ص 749 ، 750 (1/87)
صفحة 88
الجواب / كان القطب محمد بن يوسف – رحمه الله ورضي عنه – يرى أن على جميع ذلك الزكاة وكان الشيخ أبو مالك يرى أن لا زكاة على مال قد زكى كأن يكون ذلك من ثمن بسر أو تمر أو حب ، وأما ما كان من قيمة الأصول فلا أحفظ عن الشيخ عامر شيئاً ، وأما محمد بن يوسف فيرى أن ذلك عليه مطلقاً ونحن نعمل بقول الشيخ أبي مالك عامر بن خميس رفقاً ولئلا نأخذ من مال الزكاة مرتين في حول ، ولأنه ليس هو مما جره التجر من الفائدة فيحمل عليها رفقاً وتيسيراً للتجار عن جعلهم للفائدة أجلاً حولياً لكل فائدة ، ثم إني أقول نظراً أن ما دخله من قيمة أصل أو فك مال اشتراه بالخيار أن لا شيء عليه حتى يحول عليه الحول على ما قررت لك في الجواب ، وعلى كل حال إن كنت مقلداً فقلد القطب فهو أولى لأنه أوسع منا علماً وأحرى بالتقليد والإتباع ، إلا إن ظهر لك الصواب في القول فعليك اتباعه والله سبحانه وتعالى أعلم . (1)
ذكر قول القطب وقول الشيخ المالكي واتفق مع الشيخ المالكي في الترجيح والقطب هو العالم المتقدم على الإمام الخليلي .
ومثال آخر على أخذ بأقوال العلماء الذين عايشهم من غير شيوخه
وسئل عن امرأة اتهمت بالزنا وأخبر بها رجل فصدقهم ثم أراد تزوجها هل له ذلك ؟
الجواب / سمعت أن مسألتك هذه سئل عنها الشيخ عيسى - رحمه الله - فأجاب بجوار ذلك ما لم تكن محددة والله أعلم (2) .
أجاب السائل بقول الشيخ عيسى وهو أحد العلماء المعاصرين لإمام الخليلي .
وهنا مثال آخر ذكر جواباً لبعض جلسائه .
وسئل عن الأم إذا أعطت أولادها مالاً ألها أن ترجع في العطية التي أعطتها الأولاد أم لا.
الجواب / المسألة فيها خلاف ومن نظر الشيخ الرقيشي أن لها ذلك وكفى به مرجحاً والعلم عند الله (3) .
__________
(1) فتح الجليل ص 228 ،229
(2) فتح الجليل ص 281 .
(3) فتح الجليل ص 359 . (1/88)
صفحة 89
الشيخ الرقيشي أحد عمال الإمام الخليلي كما أنه أحد العلماء المعول عليهم في الفتيا ولهذا اعتمد الإمام على ترجيحه .
الملاحق:-
الملحق رقم (1)
المسألة التي قدمها الشيخ سفيان للإمام محمد وأثنى عليه الإمام في الجواب وقد ذكرت الحادثة في البحث وإليكم المسألة بنصها .
وسئل الإمام بما نصه : هنا مسألة لعلك تتأملها فتفيض علينا من سلسال بحر علمك ما يذهب عنا أو أم الجهل أمدنا الله وإياك بامداد لدني و إليكها من الجامع بمعناها آتيا على مبناها ومن له حق على جاحده فأعوز البينة إلا شاهدي زور فحكم له بشهادتهما فهل يحرم فعله ما أخذه بها لتوصيله إليه بمحرم وما توصل به اليه فهو مثله وبه أبو عبدالله أولاً لأن فعله وإن كان حراماً فلا يؤثر فيما هو حلال ، غاية الأمر أنه آثم وبه أبو سعيد اهـ .
أقول : أيد شيخ مشايخنا العلامة نور الدين مذهب الإمام أبي عبد الله بقوله :-
قلت وما لا يتوصلنا ... له بغير الاثم يحرمنا
مهر البغي باطل إذ كانا ... سببه بينهما العصيانا
وذلك الزاني بطيب نفس ... يبذله ورغبة في النفس
ما كان طيب نفسه يحل ... ما كان فيه بالمعاصي البذل
انتهى
ولو لا جلالة هذا العلامة لقلت : إن هذا قياس مع فارق ، فذلك الزاني ابتاع الحرام بما بذل فذلك المهر معاوضة ولم تطب نفسه بماله إلا بوصوله إلى الحرام ، وهذا في مسألتنا توصل إلى ما يحل له ، وأيضاً فقد روى عن الإمام جابر بن زيد – رضي الله عنه – أنه قال : ما نفعنا شيء أيام الجور مثل الرشوة اهـ بمعناه فأنظر سيدي أمام المسلمين وما تراه علمنا إياه مأجوراً . (1/89)
صفحة 90
الجواب / نظرت في بحثك وهو قوي ، وأرى الشيخ كأنه يريد تمهيد قاعدة وهي أن كل ما كان يتذرع به إلى الحرام فهو حرام كمهر البغي وحلوان الكاهن ، وهذا أمر نص عليه الشارع وما فيه منازع ، وقاعدة أخرى فيمن نوى الحرام فصادف الحلال كمن جامع زوجته يظنها غيرها ، فإذا هي زوجته هل تحرم زوجته أم لا ؟ وكمن سرق مالاً يظنه للغير فإذا هو ماله فينبغي الترجيح في مثل هذا عدم الحرمة ، لأن ذلك ليس بزنا حقيقي وإلا لوجب عليه الحد ولا قائلا به ، وكذلك لوجب عليه القطع ولا قائلا به ، والأصل الحد القاعدة الثالثة بذل ما لإخراج حق فهو جائز للمعطي بلا خلاف حرام للمعطى القادر الذي يلزمه إخراج الحقوق كالإمام والوالي والقاضي ، وفي حق غيرهم خلاف ، ومسألة الشيخ خارجة عن هذه القواعد كلها ، بل هي إلى القاعدة الأولى أقرب ، ومن أجل ذلك قال الشيخ ما قال ، إلا أن هناك فرقاً دقيقاً وهو الذي تشير إليه يا سفيان ولله أبوك ! وهو أن ما أخذه الشاهدون بالزور هو من باب ما أخذته الزانية حرام بحت لأنهم أخذوه بالباطل فلا تجد خلافاً في هذا لأنهم أخذوه في مقابلة فعلهم الباطل مقاوضة ، وأما الرجل فقد أخذ ماله وتوصل إليه بارتكاب المعصية لكنه لم يكن في مقابلة المعصية ولا معارضة كمهر الزانية وحلوان الكاهن ، ولا هو من باب الرشوة للحاكم ليأخذ له حقه لأن المعطي هنا ليس بعاص وإنما العاصي الآخذ للرشوة ، وأما أخذه حقه بشاهدي زور فهو عاص حين أعانهم واقرهم على المعصية ، أو طلبها منهم فحينئذ ما أرى قول من قال بحرمة ماله إلا عقوبة له ، ولا أرى قول من قال بالحل إلا تمسكاً بالأصل ، فينبغي أن يكون هذا الخلاف ينبني على قاعدة ، ويقال هل ما كان أصله حلالاً ولم يكن التوصل إليه إلا بارتكاب معصية هل يحرم ذلك عقوبة وسداً لباب المعصية أم يبقى على الحل نظراً إلى الأصل ؟ فان قلت إن كان هذا منشأ الخلاف فيما الأصح من القولين وما الأقوى من الأصلين ؟ (1/90)
صفحة 91
فأقول : إن من قال بالحل تمسكاً بالأصل فقوله ظاهر ودليله بيّن تأصيله ، وأما من قال بالحرمة فما بقوله إلا من كان شجاعاً بعلمه دراكا بفهمه ، فإن عليه أدلة من الكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : (( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم )) (1) ، ومنه تحريم زوجة الزاني عليه ، وكذلك إن زنت وكم دم أحلته المعصية وكم مال وفرج أحلتهما الطاعة ! وقد حرم – صلى الله عليه وسلم – اللحوم المنتهبة يو خيبر ومنع الغال من الغنيمة سهمه منها ، وحرق على أناس بيوتهم وأعراض نيلت باللعن وأجساد عوقبت بالجلد ونحو ذلك ، ولكن هذا أمر لا يباح إلا لأهله والعلم عند الله.
الملحق رقم (2)
وهذا أحد أحكام الإمام
__________
(1) سورة النساء ص 158 وبقية الآية : وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. (1/91)
صفحة 92
... ومنها جاءت امرأة من خوبار سمائل تشكو إليه أن زوج ابنتها جامعها وهي نائمة وتريد إخراج ابنتها منه فأرسل الإمام إلى الزوج وزوجته فسأل الزوج في خلوة فأخبره أني خرجت لسقي الأموال تحت ظلام الليل ورجعت إلى بيتي وما كان أحد يشاركني في بيتي ولا فراش نومي فدنوت منه فإذا بالمرأة نائمة فأيقظتها لعلمي بأنها زوجتي وباشرتها كالعادة ولم تتكلم فلما فرغت صرخت وقالت ما قالته ثم دعى بابنة الشاكية فأخبرته أن زوجها خرج لسقي الأموال وأن أمها جاءتها بعد العشاء الآخرة تقول أنها مريضة بالحمى وتأمرها أن تخرج إلى بيتها لتحلب بقرتها فاعتذرت لها بغياب زوجها ، وأنه سيرجع آخر الليل تعبان يريد النوم فقالت : افرشي له كالعادة وأنا انتظره هنا حتى ترجعي أو يرجع وكانت سابقاً تحرضني على النشوز عنه وأنا لا أشكو منه إلا خيراً فذهب ممتثلة أمرها ولا أدري ما انطوت عليه فلما رجعت وجدتها تصرخ وتقول : جامعني زوجك وقد حرمت عليه فانطلقي معي ثم سأل الإمام المرأة أين نمت من البيت فقال نمت في الفراش الذي فرشته ابنتي لزوجها فقال لها أنت أم سوء ولا خير فيك واوجعها ضرباً ودرأ الحد عنها للشبهة ، وأمر الزوج أن يأخذ زوجته وقال له لا بأس عليكما (1) .
الملحق رقم (3)
رسالة من الإمام لأصحابنا المغاربة جواب على سؤال أرسلوه إليه
__________
(1) الفتح الجليل ص 655،656 (1/92)
صفحة 93
... ومنها جواباً منه لأصحابنا المغاربة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه بلغنا السؤال عن فتوى العالم القراري (1) المجيز الأخذ بخبر التلفون والبرق في هلال رمضان وشوال وقاسه على شهادة الأعمى والشهادة في الظلمة ، والشهادة من وراء حجاب واستماع المؤذن فالذي نراه ونعمل به ونحكم عليه الأخذ بالكتاب والسنة وبما جرى عليه عمل الصحابة – رضي الله عنهم - وتبعهم الخلف هو أنه إذا تباعدت الديار واختلفت المطالع فلكل قوم هلالهم ؟ والحجة في رؤية الهلال الشهادة العادلة والشهرة القاضية ، أو حكم من الحاكم بصحة الهلال ودينكم يسر فاشكروا الله الذي جعلكم من أهل هذه الشريعة الحنيفية السمحة ولو شاء الله لاعنتكم ، وأما الكلام في قياسه فنحن لا نعلم خبر التلفون على الحقيقة مع أنه لا داعي لذلك : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين (2) ولم يبلغنا أن الأوائل تكلفوا في طلب الهلال فإن أيام الحج طوال ، فلو كان يلزم البحث لكان الأوائل أحرى بذلك فلم يبلغنا أنهم يلتمسون الخبر من الديار البعيدة النائية مع إمكان ذلك والله أعلم .
__________
(1) يشير للشيخ بيوض بالقراري
(2) أخرجه مسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 1081 / 19
أخرجه النسائي 4/133 كتاب الصيام باب إكمال شعبان ثلاثين . (1/93)
صفحة 94
... ونحن أهل الشرق نقر لكم ونسلم أنكم أكثر اطلاعاً للآثار والأخبار إلا أن فيكم شدة لا تسلمون الأمر ونحن بحمد الله نعظم علماءنا وننقاد إلى أقوالهم وأحكامهم لأنهم بالمنزلة العليا في العلم والورع ، والجاهل منا يعظم العالم ويحترمه بل نحترم علماء المغرب كالشيخ القطب محمد بن يوسف - رحمه الله – ويسوءنا ما يبلغنا من تخالفكم وعدم توقيركم لذلك الشيخ وأمثاله وان اختلف الأشياخ في مسألة من مسائل الرأي فليس بذلك بموجب فرقة ولا ينبغي لتلامذة هذا الشيخ أن يتحاملوا على الآخر بلا حجة إلا لما يرونه من توقيركم لشيخهم الجاهل لا يتعدى طوره فلا تعجلوا على القرارى بالبراءة ، واعلموا أنا نأخذ بالسنة وأرجو فيئته والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وذلك من إخوانكم المشارقة أهل عمان إمام المسلمين محمد بن عبدالله ومن حضره من الإخوان (1) .
الملحق رقم (4)
الموقف الرهيب
قالها معززاً بها مرثاة عمه العلامة
محمد بن عبدالله بن العلامة المحقق الشهيد سعيد بن خلفان الخليلي .
إلهي تدارك أمتي أن تفرقا ... ونحلتها البيضاء أن تتمزقا
إلهي حطها أن يداس عرينها ... فقد كاد ما بالكيد أن يتحققا
إلهي ما للكون مادت صروحه ... وماجت به الآفاق غرباً ومشرقا
إلهي ما للأرض تهوي بأهلها ... تكاد على بحر العفا أن تزلقا
إلهي ما للعرش والفرش والسما ... يذبن على حر المصاب تحرقا
إلهي أنت الله تفضي كما تشا ... وتحكم مختاراً وتعدل متقى
قضيت ولم تظلم إلهي فحسبنا ... جميل العزا والصبر فيك تخلقا
أتغلبنا الجلى على الصبر والعزا ... وعروتنا في الله ما كان أوثقا
ولله في القلب الموفق طالع ... من النور إن تدج الطبيعة أشرقا
سلوا نكبات الدهر هل بتن ليلة ... على ترة إلا وأصبحن طرّقا
سلوهن كم أردين من عهد آدم ... عوالم لا تحصى وغودرن سبقا
أدرن على المختار كاساً مريرة ... وما كدن أن يفعلن شيئاً مصدقاً
__________
(1) فتح الجليل ص 245 ، 246 (1/94)
صفحة 95
ولكنه التصريف لله والقضا ... فسبحانه رباً تفرد بالبقا
أتين عليه بعدما اختار قربة ... من الله واشتاق المقام المشوقا
فما مات لما بات بالرمس جسمه ... ولكنه أحيى وحيّ وحققا
وتلكم سبيل الله في كل خلقه ... فأجدر بذي مرضية أن يوفقا
خليلي ما لي لا أقول مصرحا ... وخير مقال المرء ما كان أصدقا
لموت إمام المسلمين محمد ... مصاب على الدين الحنيفي والتقى
وما كان قيس هلكه هلك واحـ ... ــــــــد ولكنه بنيان قوم تفلقا
أعزريل من أبقيت بعد محمد ... لموهبة تبقى وشعواء تتقي
وللأمن والإيمان والجد والجدا ... وللعرف والعرفان إن جاد أغدقا
أتيت على نفس زكت وتقدست ... وما كدت ترعى الشان أن يتمزقا
تجرعها كأساً على الناس سكرها ... كأنك تسقيها الزمان وما سقى
إمام الهدى مالي اراك مزملا ... يحثك داعي الله سوقاً إلى اللقا
كأنك والأيدي بنعشك شرع ... سنا بارق في متن أطلس مودقا
رأيتك والحمى بجسمك حرهاً ... وأنت كما قد كنت بالاً ومنطقا
كأنك لم تخلق هلوعا ولم تكن ... جزوعاً ولكن كنت جلداً موفقا
كأن المنايا منية لك كلما ... دنت منك أولتك الرحيق المعتقا
ترى حولها ما لا نرى من بشائر ... فتغدو عليها أن تخطّاك مشفقا
تسر بما تلقى ونحزن عنده ... فلله من حالين معنى تفرقا
هنيئاً خلفت المصطفى في سبيله ... وهمت إلى اللقيا به متشوقا
ففزت من الفردوس بالرتب العلـ ... ـــــلى لديه فدم في غبطة متفنقا
يزورك جبريل وكل مقرب ... بها ولفيف الأنبياء تشوقا
وتلقاك فيها الحور بالبشر والهنا ... كما يتلقى عاشق من تعشقا
هنيئاً إمام المسلمين فإنها ... مقامة إحدى الحسنيين فأخلقا
نشرت لواء الحق حتى تحققت ... حواليه آمال الجلال تحققا
تطوف به الآفاق يخفق في يدي ... أخي ظفر ما شن غاراً فأخفقا
تخلقت بالخلق العظيم تأسيا ... بأحمد لما شئت أن تتخلقا
إذا أغلقت أبواب كسرى وقيصر ... فبابك دون الناس لم يُلف مغلقا
وإن ساد بالسلطان والعنف معشر ... فبالعدل والإحسان قد سدت مطلقا
حلمت فلم تترك لذي الحلم موضعاً ... وطلت فلم تترك لذي الطول مرتقى (1/95)
صفحة 96
وصلت فلم تترك على الأرض آمناً ... وجدت فلم تترك من الناس مملقا
ورضت فذللت الخطوب وكيدها ... وقلت فبرزت الحقيقة مفلقا
وألبست من نسج التواضع حلة ... وكنت بموضون الهدى متمنطقا
إذا الأمر أعيى الناس رأياً وخبرة ... سللت له من نير الفكر أبرقا
وإن ذاب من حر الوغى قلب ماجد ... فقلبك أقوى صخرة أن يفلقا
سلام على العليا بعدك والندى ... على الفضل والحسنى على العز والبقا
على العلم والفتيا على الحلم والحجا ... على الحكم والإجلاء على النسك والتقي
هنيئاً لأصحاب المقابر جيرة ... سقت دوحها التقوى فطال وأغدقا
هنيئاً لأصحاب القبور فإنما ... يهنأ بالجار التقيّ من اتقى
فيا لضريح ضم جرماً به الهدى ... ومعنى الهدى والعالم المتعمقا
ويا لضريح شق في القدس لحده ... فأشأم روح القدس منه وأعرقا
ويا لضريح نوره ملأ الفضا ... وفاح على الدنيا شذاه مخلقا
حنانيك لو كان القضا يقبل الفدا ... لما عز من تحت السماء ومن رقى
حنانيك لو كان القضا يقبل الرشا ... لعاد بما يبغي من المال مغدقا
حنانيك لو أن الدعا كان مجديا ... لما شمت إلا داعياً متعلقا
محمد حملت الخلافة إثره ... عليك وإبقاء على الدين واتقا
محمد ما كنت الضليع بشأنها ... لتهنأ بها بل كي تكون لها الوقا
دعيت إليها بعد ما جد جدها ... وكادت عصا الإسلام أن تتشققا
فقمت لها مستحقب الصبر صامداً ... إلى الله فيها بالتقى متخلقا
وأعملت أنضاء القوى في سبيلها ... سرى فحمدت الحال صبحك مشرقا
وشيدت مبناها وحطت كيانها ... وأسقيت مغناها فطاب وأورقا
وأنفقت فيها النفس لله جاهدا ... فلله من أضحى وللنفس منفقا
وجمعت شمل المسلمين بسوحها ... وكنت لشمل المال فيهم مفرقا
لقد أورثتك الفخر صرفاً أبوة ... كما ورثتك المال حلآ مروقا
فقمت بذا في خدمة الله مخلصا ... إلى الله تسعى صادقاً ومصدقا
وقلدت من هذا الرقاب فلم تكد ... ترى في البرايا منه الا مطوقا
كأن رجال الدين في الأرض عالة ... عليك فتخشى أن يضيعوا تفرقا
تناول فيهم بلغة القوت راضياً ... بميسوره إذ كان في الله أخلقا (1/96)
صفحة 97
تبيت خميص البطن زهداً وتتقي ... برزقك بطن الدهر أن يتعمقا
أقمت لديهم ما أقمت تسوسهم ... بلطف وإحسان بهم مترفقا
تبث بهم روح الشريعة والهدى ... وتسعى بهم في حضرة القدس مطرقا
وتخدمهم والحال شيب وضعفه ... وسقم وتخشى أن ترى متزلقا
وتفنى حياء أن ترى الله عاتباً ... وليس سوى العتبى وقد جئت أصدقا
هو الدهر لا يبقي مقيماً على الوفا ... ولا غادراً بحتاً ولا متملقا
وربة فان جسمه وهو خالد ... يعيش بنعماه الزمان مفنقا
يشيد بناء الدين حيا وميتاً ... ويحفظ أمر الله أن يتفرقا
محمد أنت السيد الخالد الذي ... به الدين أضحى ناضر العود مورقا
وكيف وقد أنفقت فيه ثمينة ... حياتك جوداً كالزلال وفيلقا
تروم بما أنفقت في الله وحده ... وقاية دين الله أن يتمزقا
فثوبت من مولاك خير مثوبة ... غداة الجزا حول النبيين مرفقا
وهاك ولي الله مني تحية ... كأن كتبت بالنور خطاً منمقا
يفيض ختام المسك حولك شوقها ... إليك وتسعى في رضاك لتشرقا (1)
الملحق رقم (5)
وهذه إحدى رسائل الإمام في تعيين أحد القضاة .
بسم الله الرحمن الرحيم
__________
(1) وحي العبقرية ص 440- 444. (1/97)
صفحة 98
هذا ما عهد به إمام المسلمين العدل / محمد بن عبدالله الخليلي للشيخ سعود بن عامر بن خميس المالكي أن يكون قاضياً على بدية ومن يرجع إليه أمرهم وأن يبين لهم معالم دينهم ويعلمهم ذلك ويحي فيهم سنة نبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم – ويفصل بينهم الأحكام ويقضي بينهم بكتاب الله فما وجده فيه وإلا فيما في سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإن لم يجده في الكتاب والسنة فبإجماع المسلمين وما لم يجده في الإجماع ففي آثار المسلمين أهل الاستقامة متحرياً في ذلك العدل آخذاً بما هو الأقرب إلى الحق وأن يشاور في ما عناه ولا يحكم بحكم حتى يتبين له الحق أجاز له إقامة الوكلاء للأيتام والأغياب والمساجد والأوقاف ومن لا يملك أمره وأجاز له إجراء النفقات وتقدير العقوبات بالحبس أو القيد والضرب على ما يقتضيه نظره ويراه أنه أردع لأهل الجرائم وأقمع لذوي الفساد والمآثم وأجاز له تزويج من لا ولي لها في المصر أو امتنع عن تزويجها وأراد عظلها وكل من يرجع تزويجها إلى السلطان وطلاق من عجز زوجها عن الإنفاق وامتنع عن الطلاق أو غاب حيث لا تبلغه الحجة أو تمرد وامتنع عن ذلك وليكن في أموره متيقظاً وللحق قاصداً ومن موارد الشريعة وارداً وللعلماء مشاوراً ولأهل الصلاح مناظراً وللخصوم غير متنكر ولا يقضي لمدع حتى يسمع كلام خصمه وليعرف الأشباه والأمثال والنظائر ويرد الفروع إلى أصولها فليلزم الورع وليجانب الطمع ويطاء آثار السلف الصالح وينهج منهجهم القويم هذه وصية الإمام له وعهده إليه وظنه فيه فإن أقام بما عليه وحفظ وصيته إليه فذلك ظنه فيه وأمله وإن ضيع الوصية أو بعضاً منها وخالف سيرة السلف الصالح والخلف الأخيار فإثم ذلك عليه ومؤاخذ به والله نسأله أن يسدده ويوفقه ويسلك مسالك الأبرار ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وكتبه سفيان بن محمد بيده بأمر سيده الإمام في يوم 20/ جمادى الأولى (1/98)
صفحة 99
سنة 1365 هـ .
صحيح إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده (1) .
الملحق رقم (6)
قصيدة تتحدث عن عمان أيام الإمام محمد الخليلي.
إمامة محمد بن عبدالله الخليلي
فبنوها بيعة صادقة ... للخليلي أمير المؤمنين
نجل عبدالله من طالت به ... دوحة الفرقان بين الأيمنين
ومشت في عدله ساحبة ... ذيلها بين أمير وأمين
ما لها جيش سوى الشعب ولا ... من سوى الشورى لها رأي متين
ما لها سوى أبنائها ... ساعد الابن قوي لا يلين
وبهذا العهد قام الصلح صلـ ... ـح السيب حجزاً يجتليه المستبين
فاستتب الأمن فيها والرخا ... ومشى الناس عليها آمنين
وسعيد نجل تيمور الذي ... خلف الوالد في العمر الثمين
من حمى العرش ولم ينقض عرى ... ذلك الصلح برغم المغرضين
وتمشى والخليلي على ... سيرة بالتبر خطتها يمين (2)
الملحق رقم (7)
نص رسالة القطب إلى الإمام محمد التي طلب منه فيها الاعتراف له ببلوغ درجة الاجتهاد بخط يد القطب (3) .
الخاتمة
عمان عن لسان الحال ردي ... جواباً منك لي أرجو الجوابا
أما عين إليك بها دموعا ... على من جسمهم أضحى ترابا
لعمرك ذكري من ذكرته ... صحائف عنهم لن تسترابا
هم كانوا لدين الله كفاً ... وسيفاً لا يملون الضرابا
أئمة أمة كانوا فبانوا ... كغيم صب فنقشع انصبابا
وبعد هذه اللحظات قضيناها في ظل حياة إمامنا الخليلي نستنتج أهم النقاط منها وهي :-
(1) نشأة الإمام في بيت علم نشأة صالحة .
(2) سلوك الإمام منذ صغره السلوك القرآني وبعده عن سفاسف الأمور .
(3) إيكال عظائم الأمور التي يعجز عنها الناس للإمام الخليلي .
(4) خوف علمائنا من تحمل مسؤولية الإمامة .
(5) سلوك الإمام في إمامته سلوك الخلفاء الراشدين .
(6) كان الإمام يتمتع بأرقى الصفات وأعلاها.
(7) جهد الإمام في طلب العلم .
(
__________
(1) القاضي حمود بن عبد الله الراشدي ، رسائل وأحكام مجمعة لللإمام الخليلي (مخطوط) .
(2) ديوان وحي العبقرية ص 166
(3) مدرسة الإمام الخليلي ص33 (1/99)
صفحة 100
8) توقير الإمام لمشايخه ولكن مع هذا لم يكن يمنعه توقيره من مخالفتهم إذا رأى الحق في خلاف قولهم .
(9) اهتمام الإمام بطلبته للإنشاء جيل متعلم .
(10) مكانة الإمام في نظر غيره من العلماء وشهادتهم له بعلو منزلته.
(11) ترك لنا الإمام آثاراً علمية .
(12) نظر الإمام إلى السائل وايجابته إليه بما يحتاجه كان لا يعتمد على أقوال غيره من العلماء وإنما يبني قوله على النظر والدليل .
... وعلينا أن لا ندرس سير هؤلاء الأعلام لنفاخر بتارثنا وماضينا ونحن بعيدون كل البعد عن نهجهم وإنما نقتفي أثرهم لننهض بأنفسنا مما نحن فيه فهم يخطون لنا الطريق ويزيلوا منه الشوائب لنسلكه إلى بر الأمان .
... وقد أجاد الشاعر حين قال :
وخير الناس ذو حسب قديم ... أشاد لنفسه حسباً جديدا
وشر العالمين ذوو خمول ... إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا
... وليعلم أخي القارئ أنا لا نعظم هؤلاء الأعلام ولا نرفع من مكانتهم لذاتهم وإنما لتطبيقهم للمنهج القرآني فهم خطو خطى الرسول الكريم فمن سار على نهجه تبعناه وهؤلاء الجهابذة سلكوا هذا المسلك وأوضحوه لنا جليا لنقتفي أثرهم إلى اتباعه .
... اسأل الله أن يوفقنا لكل خير ويصرف عنا كل سوء وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
المصادر والمراجع
الكتب
الشيخ نور الدين السالمي تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان – مكتبة الاستقامة ط1
الشيخ / محمد بن عبدالله السالمي نهضة الأعيان بحرية أهل عمان – دار الجيل بيروت .
الأديب عبدالله بن علي الخليلي وحي العقبرية الطبعة الثانية .
الشيخ ناصر بن سالم الرواحي ، ديوان أبي مسلم طبع سنة 1406 .
الشيخ سعيد بن حمد الحارثي اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب .
عمان الديمقراطية الإسلامية ، د حسن غباش دار الجديد .
الشيخ الأديب عبدالله بن علي الخليلي ، الحقيقة (مخطوطة) .
فتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل محمد بن عبدالله الخليلي . (1/100)
صفحة 101
عبد الله بن مبارك العبري تحقيق فتح الجليل بحث تخرج غير منشور.
إبراهيم بن محمد الشكيلي ، مدرسة الإمام الخليلي بحث تخرج غير منشور.
د . محمد بن صالح بن ناصر :منهج البحث وتحقيق النصوص معهد العلوم الشرعية .
د . الهادي أحمد الهادي . حمد بن هلال اليحمدي : مهنى عمر التبواحى فقه العبادات ج 1 وزارة الأوقاف والشؤون الدينية .
الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ، قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين الطبعة الأولى .
الرسائل المجمعة والمذكرات
القاضي حمود بن عبد الله الراشدي ، رسائل وأحكام مجمعة لللإمام الخليلي (مخطوط) .
موسى بن سالم الرواحي مذكرات عن حياة الإمام الخليلي .
المقابلات الشخصية
مقابلة لي مع سيدي الوالد بتاريخ 4شعبان 1423هـ
مقابلة مع سيدي الوالد بتاريخ 10 / محرم 1424هـ الموافق 113/3/ 2003م .
مقابله مع سيدي الوالد بتاريخ 27 ذو القعدة 1423هـ 30/1/ 2003م .
مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي بتاريخ 26 ذو الحجة 1423هـ .
مقابله مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي بتاريخ 21 ذو القعدة 1423هـ الموافق له 24/1/ 2003م .
مقابله مع القاضي مداد بن سعيد الهنائي بتاريخ 28/ذو القعدة 1423هـ الموافق 31/1/ 2003م
مقابلة مع الشيخ / يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22/9/ 2002م
مقابله مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي بتاريخ 22 ذو الحجة 1423هـ
قابلات أجراها غيري
مقابلة مع سيدي الولد أجراها خليل بن أحمد الخليلي .
مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي أجراها خليل بن أحمد الخليلي .
مقابله مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي أجراها خليل بن أحمد الخليلي بتاريخ 10 / جمادى الآخرة 1417هـ .
مقابله مع يحيى بن سفيان الراشدي أجراها خليل بن أحمد الخليلي .
مقابلة لعبد الله بن عامر العيسري مع سيدي الوالد .
شريط القاضي حمود بن عبدالله الراشدي لقاء مع طلبة الشيخ حمود الصوافي بسناو . (1/101)