صفحة 1
بحث: الحس الجمالي عند الشيخ الدبوز
الباحث: محمد بن صالح حمدي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الحس الجمالي عند الشيخ الدبوز
ورقة الدكتور محمد صالح حمدي
مقدمة
لقد عرف الشيخ الدبوز محمد علي –رحمه الله -أنه المؤرخ الذي سبغ التاريخ بأسلوبه الأدبي الرفيع، فترك لنا مؤلفات قيمة في تاريخ المغرب العربي الكبير وفي تاريخ النهضة المعاصرة بصفة أخص، فغيّر تلك الصورة التي كانت تطبع الدراسات التاريخية لهذه المنطقة الهامة من العالم الإسلامي المليئة بالمغالطات و الافتراءات و نقاها من أراجيف المستشرفين، فعرض الأحداث و الوقائع في مشاهد أدبية تنبض بالحيوية وتعيد الحياة لساكني القبور ليعيشوا حياتهم من جديد، يروون بأنفسهم قصة حياتهم بحلوها و مرها، خيرها و شرها، بأسلوب يشوق الباحث و يستهوي القارئ و يشده إليه شدا. فلا يكاد يبدأ من قراءة مشهد أو حادثة تاريخية أو سيرة علم من الأعلام حتى يجد نفسه مضطرا لإكمال المشهد إلى نهايته، بلا كلل و لا ممل. متأثرا من تلك القصة و المشهد تاركة آثارها في نفسيته متفاعلا مع أحداثها و نتائجها.
فها هو السر الذي تميزت به شخصية الشيخ الدبوز وطبعت حياته كلها و انعكس على قلمه السيال في كتاباته و في أسلوب حياته؟
إنه الحس الجمالي الذي تميز به الشيخ وسرى في أسلوب حياته فأصبح سمة بارزة تميزه عن غيره في تفكيره و أخلاقه و سلوكه. فما هو مفهوم الجمال و الحس الجمالي، وكيف تفاعل الشيخ مع قيم الجمال و هيمنت على حياته و تفاعل معها؟ وهذا ما تتناوله هذه الورقة المختصرة. (1/1)
صفحة 2
مفهوم الجمال و الحس الجمالي (1)
ارتبط مفهوم الجمال بالفلسفة وذلك بسبب أثر الجمال على النفس الإنسانية واهتمام الفلاسفة بالنفس و الشخصية الإنسانية، فأخضعت كل مدرسة تعريف الجمال إلى نظرياتها الفلسفية، كما أن تعريف الجمال ارتبط بالقيم الثلاثة الحق و الخير و الجمال، فالجمال هو الصورة الظاهرة للحق.
وثمة حقيقة ينبغي إدراكها و أكد عليها القرآن الكريم أن الجمال لا يقتصر على ما تنقله الحواس، أو مدى انفعال النفس لرؤيته، فستظل هناك مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراكها، فجمال الطبيعة و ما فيها من أنهار و جبال و أزهار ليست لمجرد الاستمتاع المباح، أو تحقيق منفعة أو إبداع فني، وإنما هي فوق ذلك لإثارة الفكر و التأمل، ومدخل لارتقاء الروح و الذوق وسمو النفس ليجول الفكر إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي كتب عليها الزوال و فتح أبواب الإيمان و اليقين بالقدرة الخالقة لهذا الجمال
أما الحس الجمالي أو التربية الجمالية فهو الانفعال و الاستجابة النفسية لما يدركه العقل من صور و معان تستثير الوجدان و الضمير، بشكل يتولد منه شعور خاشع بالارتباط بخالق الجمال.
فالحس الجمالي عملية تربوية لها أهداف و غايات تقوم على تنمية الإحساس الجمالي في الإنسان للوصول إلى الابتكار و الإبداع و التذوق.
مجالات الجمال في الإنسان (2)
تتجلى القيم الجمالية في الكون الفسيح للتعرف على بديع و جميل خلق الله في الإنسان و الكون كما تتجلى في جمال الأخلاق التي شملت جميع أنواع السلوك البشري منذ خلق آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، و التي تجسدت في أجمل صورة من الكمال البشري في سيد الخلق محمد بن عبد الله عليه أزكى الصلاة و السلام.
__________
(1) التربية الجمالية، رباب كمال فرحان، دار النفائس، عمّان الاردن، ط:1، س:1008 - 1428، ص:40
(2) المرجع السابق، ص:71 (1/2)
صفحة 3
ولقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون صورة الإنسان و هيئته في أحسن صورة و في تناسق بديع بما يليق بالتكريم الذي أوكله إليه و هو التكليف و الإرادة و الخلافة في الأرض، ويتضح جمال الإنسان في:
أصل الخلقة
جمال الصورة
جمال التكريم الإلهي
جمال التناسق و التوافق بين الأعضاء و العقل
جمال التسخير الكوني
جمال اللباس و الزينة
جمال السلوك
الحس الجمالي عند الشيخ الدبوز
إن الحس الجمالي الذي رأينا مفهومه هو الخاصية التي تميزت به شخصية الشيخ الدبوز، وظهرت بجلاء في سلوكه وفي منهج حياته الخاصة و في كتاباته و أسلوب تعامله مع طلبته بمعهد الحياة و مع أصدقائه و معاشريه وفي مجالات حياته كلها، هذا الحس الذي هو فطرة إنسانية وهبها الله البارئ المصور لكل الخلق، تصقل و تنمو و تظهر جلية في بعض الأشخاص و تخبو عند البعض الآخر، وقد برزت عند الشيخ هذه السحنة الجمالية، فاعتنى بها أيما عناية و اتخذ هذه المنحة الإلهية وسيلة في أداء رسالته في الحياة.
و أحسب أنه ورث هذه الخاصية عن أبويه، فحمل كثيرا من سمات والده في مظهره و سلوكه و هندامه، ثم تعهدها بالرعاية و الاهتمام وهو طالب بمعهد الحياة، متأثرا بشخصية مشائخه و (1/3)
صفحة 4
أساتذته، وخاصة شيخه الشيخ بيوض – رحمه الله- المعروف بحسه الفني و الأدبي الرفيع النابع عن حسه الجمالي الذي ربى عليه طلبته (1).كما تأثر بشيخه و أستاذه الشيخ أبي اليقظان، الشاعر الأديب العاشق للطبيعة و لقيم الجمال، فكتب عنه وهو يشيد بهذا الحس عند شيخه (2). ثم اكتملت هذه الخاصية و نضجت في إقامته بأرض الكنانة، حيث مكنته هذه الرحلة العلمية من العيش في بيئة تختلف في كثير من مظاهرها عن البيئة التي نشأ و ترعرع فيها، بيئة احتوت حضارات عريقة في عمق الإنسانية و على أرض يخترق أحشائها نهر من اكبر أنهار و يرسم منها لوحة طبيعية في غاية الرونق و الجمال. من خلال هذه المحطات الثلاث: النشأة الأولى بين أحضان أبوين كريمين، وبين منابع العلم و الخلان في القرارة، وفي رحاب القاهرة أرض النيل، تكونت ونمت و ترعرعت هذه الخاصية و الحاسة الجمالية، فغدت عنوانا للشيخ و سمة بارزة، يلحظها من رأى الشيخ و عاصره، بل وحتى ومن لم يعاصره فيشهد صورته الأخاذة يدرك و يستنتج هذه الخاصية المتأصلة في شخصية هذا الرجل المتوسم بسمات الجمال و الجلال و الوقار.
لقد أدرك الشيخ أن الله خلق الكون في شكل بديع وصورة جميلة وتناسق بديع وتركيب مدهش و تناسب في المقادير تثير الإعجاب بما أودع من تناظر و إحكام توحي بوحدة الخلق و إبداع الخالق {الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب البصر خاسئا وهو حسير} [الملك:4] فحاول الشيخ أن يتناغم و يتجاوب مع هذه الحقائق الكونية، فأسقطها على حياته كلها ليحقق الهدف الذي ارتضاه خالق الكون و مبدعه من إيجاد الكون بهذا الشكل البديع.
فالله تبارك وتعالى لم يخلق هذا الجمال هدفا في حد ذاته بل وسيلة تعمق صلة الإنسان بخالق الكون من خلال الجمال الذي بثّ فيه، ومن خلال دعوة القرآن الكريم إلى توجه البشر نحو هذا الكون بإبداعه و جماله.
__________
(1) انظر: د. محمد ناصر، الإمام بيوض اديبا، الملتقى الاول لفكر الغمام الشيخ بيوض، نشر جمعية التراث، القرارة، ص: 94
(2) انظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج:3، مطبعة البعث، ص:170 (1/4)
صفحة 5
و الإنسان أجمل المخلوقات على الإطلاق و أحسنها صورة، فقد صوره خالقه في أحسن صورة و أحسن تقويم، فهو مصدر من مصادر الجمال في الكون، فهو مطلوب بالتأمل في الجمال المبثوث في الكون ليصل على ترقية حسه و السمو بنفسه و التعامل الإيجابي مع هذه الهبة الإلهية الدائمة.
فقد استوعب الشيخ أن الله جل جلاله خلق الإنسان في أحسن صورة، فاعتنى بصورته كإنسان، فتطالعك صورته البهية و مشيته المتزنة و ترتيب هندامه و ثيابه، طلق المحيا باسم الثغر، بلحية كثة ممشوطة، مع الجلال والوقار. فكسب مكانة خاصة في قلوب معاشريه، بدءا من مشائخه فقربوه واهتموا به لهذه الخاصية و لطموحه و جده و تفانيه في طلب العلم، وفي قلوب زملائه من أساتذة معهد الحياة فكان مضرب المثل في الانضباط و النظام و الإبداع و التجديد في المناهج الدراسية، وكلها تنبع من القيم الجمالية التي أودعها الخالق المبدع في خلقه، وتعرفه عامة الناس في القرارة على الأقل في مظهره الأنيق. فعرفته وأنا من صبيان القرارة بهذه الخصائص، قبل أن أقعد إليه في فصله الدراسي كطالب بمعهد الحياة، وهو متوجه إلى معهد الحياة لأداء مهمته التربوية، في مشية متزنة حاملا حقيبته الجلدية، وعليه جلال العلماء و وقار الشيوخ، ملتحفا الزي الرسمي لمنتسبي المعهد (1) فنبقى مشددي النظر إلى طلعته البهية ونتوقف عن ألعابنا إجلالا و احتراما، و كأن ملكا نزل علينا من السماء.
و لقد أدرك الشيخ أن قيمة الجمال في المفهوم الإسلامي ليست مظهرا ونظافة و أناقة فحسب بل هي قيمة حياتية كبرى تحقق التوازن في الحياة بين الإنسان و الكون من ناحية و الإنسان و خالقه قبل ذلك، فإذا اختلت هذه العلاقات أثرت سلبا على علاقة الإنسان بنفسه و بخالقه و الكون و بغيره من خلق الله. فوظف هذه القيمة في رسالة حياته كلها، فكانت كتابته للتاريخ أجلى مظاهر حسه الجمالي فصبغ التاريخ بريشة فنان أبدع في رسم لوحاته كمؤلف سخر قلمه في بسط تاريخ أمته و تسجيل مآثر الأعلام و العلماء في أسلوب جذاب مليء بالأساليب التعبيرية،
__________
(1) كل المنتسبين لمعهد الحياة، أساتذة و طلبة يلتزمون بزي محدد، الطاقية و اللحاف على الراس و القندورة البيضاء اليت تسبغ الجسم (1/5)
صفحة 6
ويتجلى حسه الجمالي في الميدان التربوي وهو يعد الأجيال من الأمة، غارسا فيهم هذه القيم العالية، و المفاهيم الصحيحة عن الكون و الحياة الإنسانية.
ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين اليوم يتعاملون مع قيمة الجمال على أساس مادي مفصول من عقيدة التوحيد تأثرا بالثقافات غير الإسلامية القائمة على الجانب المادي النفعي المرتبط بالشهوة, و تعاملت معها على أساس مادي، منطلقه غالبا ما يكون نفعي مرتبط بالشهوة و الجسد الذي يؤدي لا محالة إلى الاختلال و التدهور و فقدان توازن كيان الأمم، بينما الإسلام يربط بين العقيدة و الجمال كوسيلة لتحقيق الانسجام و التوازن في كيان الفرد و الأمة للوصول إلى العبودية لله الواحد الصمد.
التربية الجمالية علم يسمو بالتذوق الإنساني و المشاعر التي تؤدي إلى سمو النفس الإنسانية أخلاقا و سلوكا ورقيا و مظهر حضارة، فقد حاول الشيخ أن يغرس في أبنائه الطلبة هذا الحس بقدوته الحسنة أولا و بتوجيهاته و إرشاداته، فهو لا يفوت الفرصة إلا ويذكر بقيمة جمالية في الكون و الإنسان و في السلوك
التربية الجمالية عند الشيخ الدبوز:
كل ما عرفه طلبة الشيخ في معهد الحياة من الانضباط و النظام و الالتزام و الصرامة يعود إلى القيم الجمالية التي تميز بها و اتخذها وسيلة تربوية ليربي بها أبنائه، فلم يكتفي بتجسيد هذه القيم الجمالية في نفسه بل كان يتفنن في أساليب مختلفة ليلقنها لهم، فكثيرا ما كان يروي حياته الخاصة ومسيرة حياته لأبنائه الطلبة مبرزا هذه القيم، أو يستشهد بسيرة العظماء و العلماء. وهو موقن أنه يُعدّ أجيالا من المربين ليتصدروا المؤسسات و المجالس و على أيديهم يكون مصير الأجيال الصاعدة، فلم يتوان في غرس القيم الجمالية في نفوسهم قبل حشوهم بالمعلومات من مختلف الفنون، فراح ينمي فيهم هذه التربية و يجعلهم يتذوقونها و يحسون ورعتها و أثرها في سلوكهم، ومن أبرز مظاهر هذه التربية: (1/6)
صفحة 7
(أ) إدماج مادة التربية و علم النفس:
لقد أدرك الشيخ إن الحس الجمالي موهبة إلهية وفن مكتسب بالتعلم و المراس، فادخل على مناهج التعليم بمعهد الحياة مادة علم النفس، التي تعطي مفاتيح النفس الإنسانية للطالب و تكون فيه الحس و الذوق و قيم الجمال، فاستفدنا نحن الطلبة من دراسة هذه المادة على الرغم أنها لم تكن مادة أساسية، وكان الشيخ يتفاعل معها أثناء تقديم مواضعها و يضع أيدينا على أسرار النفس الإنسانية، وكان حريصا أن يزودنا بالمرجع الوحيد في المادة فيوزع علينا كتبها في بداية السنة ثم يعيد جمعها في نهاية السنة الدراسية لتستفيد منه الطبقة الموالية في السنة القادمة.
(ب) الأسلوب التربوي لفن " الكاريكاتير"
الكاريكاتير فن ساخر يحمل رسائل حسب أغراضه السياسية و التربوية ويمتاز بالتعبير المباشر، وهو لغة وتعبير يفهمه الجميع، و يغني في أداء رسالته في نظرة واحدة عن تحبير الكلمات و الأساليب الإنشائية. ولا تكاد تخلو صحيفة سيارة اليوم من هذا الركن في صفحتها الأخيرة.
ولقد وظف الشيخ هذا الفن لتبليغ رسائله التربوية لأبنائه الطلبة لحثهم على الانضباط و الجد في التحصيل و التفرغ للعلم في أسلوب توبيخ و عقاب حضاري رفيع، فأصبح الطلبة يراقبون سلوكهم حتى لا يقعوا في طائلة هذا العقاب المعنوي. وقد سخّر إمكانات طلبته الرسامين منهم الأستاذ شريفي محمد بن عدون و من بعده الأستاذ أحمد مردوخ إبراهيم بن علي (1)، فيعمد الشيخ على لوحة الإعلانات فيطلب من الطالب الرسام أن يرسم صورة ساخرة للطالب الذي تقاعس عن أداء واجبه الدراسي، فيلتف الطلبة حول الرسم معلقين على تلك الصورة المعبرة عن سلوك طالب معين، وقد ساهم هذا الأسلوب في مراقبة الطلبة لسلوكهم و ردعهم عن كثير من المخالفات التنظيمية و التعليمية.
__________
(1) الأستاذ إبراهيم بن علي مردوخ من مواليد القرارة، خريج معهد الحياة، التحق بالقاهرة للدراسة في كلية الفنون الجميلة و بعد الاستقلال زوال التعليم بالمدارس الثانوية لمادة التربية الفنية، ثم مفتشا عاما، إلى أن تقاعد، أخذت عنه هذه المعلومات في مقابلة معه في جنانه بالقرارة عشية السبت 30 جوان 2013 (1/7)
صفحة 8
(أ) النظافة الذاتية للقسم أسبوعيا:
إن إدارة المعهد تعهد نظافة القاعات الدراسة لعمال النظافة كما هو متعارف في كل المؤسسات، إلا أن الشيخ الدبوز سن مع طلبته سنة تربوية حسنة يتعلمون منها العمل الجماعي، و الحس الجمالي بتنظيف و تنظيم حجرة الدراسة أسبوعيا، فيكلف طلبته للقيام بأنفسهم بالمهمة، فيقوم بنفسه إعداد قائمة للطلبة، بحيث يقوم كل أسبوع طالبان بعملية النظافة، قبل موعد بداية الحصة، و يقوم الشيخ بتقويم الإنجاز ثم يعطي لهما العلامة المستحقة، والتعليق عليه بالتحسين أو التقبيح. ويستغل الفرصة بتعريض الطلبة بحسن الترتيب و التنظيم في غرفهم الخاصة و أماكن إقامتهم، بل قد يعلمهم بعض التقنيات، فيذكر الأستاذ إبراهيم مردوخ أنه تعلم من أستاذه أسلوب تنظيف الزجاج بتقنياته الخاصة
(ب) الاعتناء بحسن الهندام و نظافته: لقد كان الشيخ الدبوز قدوة حسنة في الاعتناء بالهندام و نظافة الجسم و السمت الحسن، وكان يحرض طلبته على التذوق الجمالي و المظهر الأنيق، و أحيانا يطوف بين الصفوف مراقبا نظافة الأطراف و تقليم الأظافر و حسن ترتيب اللباس وقد وعدنا مرة بأن يدرس لنا فن الغزل في الشعر العربي، فسررنا بذلك و نحن طلبة مراهقون، فألححنا عليه بتنفيذ وعده، فتقدم إليه أحدنا و هو يفوح برائحة العرق، واقفا إلى جانبه ليبلغه مطالب زملائه، فشنقه بتلك الرائحة الكريهة التي تنبعث من جسم الطالب، فأجابه الشيخ: إن تعليم فن الغزل لا يتناسب مع تيس المراعي، وعبر باللغة الميزابية "أعتروس نلحراق"
(ج) التنظيم المحكم للأوقات: لقد تعلمنا و نحن طلبة قيمة الوقت و احترام المواعيد، من الشيخ حيث يحضر إلى القسم بعشر دقائق قبل الوقت ليعد نفسه و يهيئها لإلقاء الدرس الذي يتشوق الطلبة لحضوره، و كان لا يقبل الطالب المتأخر الذي يسميه "غبار القافلة" إلا لعذر قاهر، فيوصد الباب فيشرع في إلقاء الدرس بتفاعل و انسياب وتتبع عناصره عنصرا بعد عنصر. وما إن تدور الساعة إلا و قد أتم و انتهى إلى العنصر الأخير (1/8)
صفحة 9
(د) فن إلقاء الدرس و التشويق له: يركز في البداية على كتابة عناصر الدرس بخط جميل في السبورة، ثم يشرع في الإلقاء و عندما يحس الملل و الإعياء من طلبته يعمد إلى نكتة أو قصة قصيرة أو مثل لينعش الجو، وينبه الغافل و يعيد الشارد، وكان يشترط الهدوء و الإصغاء التام فلا يقبل أية حركة، وهو يرصد بعينيه الثاقبتين حركة الطلبة و تركيزهم معه، ومرة لاحظ أحد الطلبة و هو شارد الذهن مع زقزقة العصافير من وراء النافذة، فناداه منبها"يا شيخ بلدية العصافير انتبه" انفجر القسم ضحكا بهذا التعبير، ثم استأنف الشيخ في إلقاء الدرس إلى نهايته.
خاتمة:
إن حياة الشيخ الدبوز متعددة الجوانب، فهو أديب و مؤرخ و مربي أجيال، حاولت هذه الورقة المختصرة أن ترصد جانبا هاما و أساسيا في حياة الشيخ من خلال معرفة الباحث البسيطة و علاقته به كطالب بمعهد الحياة و لمدة قصيرة، وأحسب أنها حاولت أن تضع ملامح هذه الخاصية من خلال بعض الصور التي تعبر عن الحس الجمالي للشيخ في جانبه التربوي، ومن الأكيد أن هذا الحس قد شمل حياة الشيخ كلها وأن المعين الأساسي له هو أسلوبه الأدبي الرفيع في كتاباته عبر موسوعته التاريخية. و أملي أن يتصدى الأدباء و النقاد باستخلاص هذه الميزة و إبرازها خدمة لفكر الشيخ، عرفانا لجهوده في خدمة الفكر الإسلامي و تاريخه، وليكون قدوة للأجيال القادمة، و الحمد لله رب العالمين.
المراجع المعتمدة:
1 - جمعية التراث: الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ بيوض، القرارة، محرم 1421 – أفريل 2000
2 - د. محمد ناصر: مشائخي كما عرفتهم، دار الريام، الجزائر، 1429 - 2008
3 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج:3، مطبعة البعث، 1399 - 1978 (1/9)
صفحة 10
4 - د. محمد ناصر بوحجام: مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز، نشر جمعية التراث، القرارة،
5 – رباب كامل فرحان: التربية الجمالية، رؤية إسلامية، دار النفائس، الأردن، ط:1، س: 1428 - 2008
6 - مقابلة مع الأستاذ أحمد مردوخ إبراهيم بن علي، (1/10)