صفحة 1
الكتاب: الدكتور عمرو خليفة النامي معالم آثاره وأفكاره لمصطفى باجو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور عمرو خليفة النامي
معالم آثاره وأفكاره
بقلم. د. مصطفى صالح باجو
كلية الشريعة والقانون
مسقط. سلطنة عمان
مقدمة:
عرفت الساحة الفكرية في العالم العربي خلال القرن الماضي منارات ساطعة في مسيرة الحركة العلمية والطلابية، كانت معالم هادية في خضم المعارك الفكرية التي حمي وطيسها بين أنصار الأصالة ودعاة التغريب.
ومن الأعلام المتميزة التي ازدهرت بها الساحة في تلك العهود الدكتور عمرو خليفة النامي، الذي أضاء وميضه لأمد قصير في سماء الفكر والثقافة، واحتضنته مجامع الطلبة والشباب الإسلامي في جامعات عديدة في الشرق والغرب، ثم ما لبث أن غشيت سماءَ مجده سحبٌ كثيفة من المؤامرات والمكايد، واستنزلته من مقامه السامق أحابيل السياسة، فرَمَتْ به في ظلمات السجون لينتهيَ إلى مصير مجهول، وظلت الملايين تتشوق لمعرفة هذا المصير، ولكن شاء الله أن يمضي النامي إلى قدره المحتوم، في صمت ملغز، تكتم أخباره أسوار السجون، بعد أن خلّد ذكرا عاطرا بما سطرت يمينه من مقالات فكرية سامية وأبحاث ومؤلفات علمية رصينة، وما بذره في نفوس الشباب من قيم ومبادئ شامخة، فكان قدوة رائدة، ونموذجا يُحتذى للمسلم المستنير بدينه، والمثقف البصير برسالته، والعالم العامل بجد وإخلاص لخدمة أمته مهما طوحت به المسافات، المتواضع للناس مهما علت به المقامات، فمضى شهيد الحق والحقيقة، وسن للشباب طريق الشموخ والإباء، رغم كيد الكائدين وتخاذل الجبناء.
فمن هو عمرو النامي؟ وكيف كانت مسيرته؟ وما أبرز معالم فكره وجهاده؟
المهاد الأول: (1)
__________
(1) – توجد ترجمة وافية للنامي في معجم أعلام الإباضية، برقم 688. (1/1)
صفحة 2
ولد الدكتور عمرو خليفة النامي سنة 1358هـ الموافق لسنة 1939 ميلادية بقرية نالوت من قرى جبل نفوسة الأشم في أقصى غرب القطر الليبي، ونشأ في أحضان عائلة مسلمة غنية بقيمها وأصالتها، وإن كانت عديمة من متاع الدنيا، وما يتنافس عليه الناس من نشب ومال.
وارتوى الصبي من بيئته المسلمة قيم الدين ومبادئه، ونفخت فيه صفحات تاريخ الجبل المجيد نخوة وإباءً، ومضى يردد مع الشاعر قولته الخالدة:
نبني كما كانت أوائلنا ... ... تبني ونفعل مثلما فعلوا
لقد كان جبل نفوسة في صدر الإسلام معقلا للأبطال، ومدرسة أنجبت فطاحل العلماء وأئمة الدين.
وفي أحضان الجبل ترعرع منهج أهل الحق والاستقامة، وامتدت جذوره في نفوس أهله، وهم أمازيغ عشقوا الحرية وأُشربوها، وانضووا تحت لواء الإسلام حين وجدوه دين الحرية والكرامة، بيد أن بعض من تولىّ زمام أمور المسلمين بتلك الربوع أساء فيهم الصنيع، وحرّف حقائق الإسلام في الأذهان بانحراف سلوكه، حين كان من بعض ولاة بني أمية من أذاق مسلمي المغرب الهوان، وتعصب للجنس العربي، وعامل البربر معاملة أهل الذمة، واصطفى من أموالهم الكرائم، واتخذها لنفسه مغانم.
حين تجاوز الظلم المدى وقف أهل المغرب الإسلامي أزاهء موقفا حازما، وقاموا لإنكار هذا الانحراف، وتذكير الناس بجوهر الدين النقي ونهجه القويم.
واحتضنت نفوسة حينئذ دعوة أهل الاستقامة، التي عُرفت في التاريخ بالإباضية، وغدت نفوسة بعد ذلك سندا لإمامات راشدة قامت في طرابلس بقيادة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة 140هجرية، ثم الإمامة الرستمية بتاهرت سنة 160.
واعترافا بفضل نفوسة قال الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: «إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال زناتة» (1) .
__________
(1) – ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 54. (1/2)
صفحة 3
ولما خضدت شوكة نفوسة في واقعة مانو الشهيرة (1) كان ذلك إيذانا بأفول الإمامة ببلاد المغرب، ولم يكن فرار من قضاء الله، إذ دالت دولة الرستميين بتاهرت على يد أبي عبيد الله الشيعي سنة 296هـ.
ورغم بعض المحاولات لإعادتها من أمثال ثورة أبي خزر يغلا بن زلتاف (2) ، وأبي نوح سعيد بن زنغيل (3) ،
__________
(1) – واقعة مانو، حدثت سنة 269هـ. عن تفاصيلها، ينظر: الوسياني، كتاب السير، ص 218 فما بعد.
(2) – أبو خزر يغلا بن زلتاف من علماء القرن الرابع الهجري بالمغرب الإسلامي (ت 380هـ)، أصله من مدينة الحامّة ببلاد الجريد في الجنوب التونسي، برز في علم الكلام وتفرد فيه بآراء خاصة، له إسهام فكري ونشاط دعوي بارز، كان من الذين ثاروا على استبداد الفاطميين، إذ بويع إمام دفاع وحاول إحياء إمامة الظهور بعد دولة الرستميين. وصفه المعزُّ الفاطمي، وهو الذي ثار عليه، ولكنه اعترف بخصاله قائلا: «يغلا عالم ورع»؛ ووصفه أبو زكرياء الوارجلاني بأنَّه «كان إماما ورعا مجتهدا في العبادة، جامعا لخصال الخير والعلم والحلم والفراسة».
ينظر ترجمته مفصلة في معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 1039
(3) – سعيد بن زنغيل (أبو نوح) عاش في أوائل ق: 4هـ / 10م. من أهل الجريد التونسية، استوطن وارجلان بالجزائر.
أخذ علمه عن الإمامين أبي القاسم يزيد بن مخلد، وأبي خزر يغلا بن زلتاف.
وهو شيخ العلاَّمة أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي، برع في علوم الفصاحة والبيان وفنون الجدل. كانت له مناظرات مشهورة، مع المعتزلة والنُّكار، شارك في معركة باغاي مع شيخه وصاحبه أبي خزر يغلا بن زلتاف سنة 358هـ/969م، ضدَّ المعزِّ لدين الله الفاطمي انتقاماً لشيخه الثاني أبي القاسم يزيد بن مخلد، الذي اغتاله العبيديون ولم تحقِّق الثورة أهدافها، ففرّ ابن زنغيل وسكن وارجلان إلى آخر حياته. له كتاب في العقيدة مخطوط لم يطبع بعدُ.
ينظر ترجمته بتفصيل، معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 390. (1/3)
صفحة 4
فقد باءت بالفشل، وصدق فيها قول الإمام يعقوب بن أفلح (1) : لن يستتر الجمل بالغنم.
كانت هذه الحقائق الكبرى من تاريخ نفوسة تعتمل في ضمير الفتى عمرو وهو يدرج في مدارس الجبل ويشب عن الطوق، ويرى بوارق البعث الواعد في شخص المصلح الرائد الشيخ علي يحي معمر، رحمه الله (2) .
__________
(1) – يعقوب بن أفلح بن عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم (أبو يوسف) (ت: 310هـ / 922م)
من أعلام الدولة الرستميَّة، سئل مرَّة: «أتحفظ القرآن؟» فقال: «أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزَّل على سيِّدنا محمَّد؟»
تولَّى إمامة الرستميِّين سنة 282هـ/895م ودام فيها أربع سنين، في ظروف كلها فتن وقلاقل، فاعتزل السياسة. ومع هجوم العبيديِّين، شهد سقوط الدولة الرستميَّة، فنجا بأسرته إلى سدراتة بوارجلان، حيث استقبلهم أهلها وعرضوا عليه الإمامة، فرفضها وقال مقولته المشهورة: «لا يستتر الجمل بالغنم»، وأرسلها مثلاً.
مكث بوارجلان بَقِيَّة حياته ينشر العلم والدين. وهو أصل نسب آل بافلح بوارجلان.
ينظر ترجمته بتفصيل، معجم أعلام الإباضية، رقم: 1032.
(2) – علي يحيى معمَّر . (1919-1980م)
من علماء ليبيا المعاصرين، ولد بمدينة نالوت وبها أخذ مبادئ العلم والقرآن في كُتّاب القرية والمدرسة الحكومية، ولنبوغه أرسله شيخه عيسى يحي الباروني للتعلم بجربة على الشيخ يحي بن رمضان الليني سنة 1927 ثم انتقل إلى جامع الزيتونة لمواصلة التحصيل. وفي سنة 1937 توجه إلى الجزائر وقضى سبع سنوات بمعهد الحياة الذي أنشأه رائد الحركة الإصلاحية بالجنوب الجزائري الإمام الشيخ بيوض، ودرّس به بعد التخرج، ثم عاد إلى وطنه وحمل راية الإصلاح والتنوير. فأنشأ المدارس والجمعيات. ومنها: مدرسة ابتدائية في جادو. ومعهد للمعلين سمَّاه «معهد الشيخ إسماعيل الجيطالي للمعلِّمين». ومدرسة الفتح بطرابلس، تديرها جمعية الفتح.
وتولى رسالة التعليم مترقيا في سلّمها حتى أصبح مفتشا ساميا بوزارة التعليم في ليبيا.
كان ينشر مقالاته الدينية والأدبية والاجتماعية والتاريخية بمختلف الجرائد والمجلاَّت منها: مجلَّة الشباب: يصدرها طلبة معهد الحياة، بالقرارة. مجلَّة المسلمون: يصدرها المركز الإسلامي، بجنيف. مجلَّة الأزهر: يصدرها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، القاهرة. الأسبوع السياسي، والمعلِّم: تصدران بطرابلس الغرب، ليبيا. الرسالة: يصدرها أحمد حسن الزيات، بالقاهرة.
مارس السياسة لفترة وجيزة بعد رجوعه من الجزائر، فانتسب إلى الحزب الوطني، لكن سرعان ما تخلَّى عنه، لمَّا تحقَّق أنَّه لا فائدة ترجى من هذه الأحزاب، فاعتزل السياسة كلية.
كان ولوعا بالأدب: شعره ونثره، قديمه وحديثه. وامتاز بأسلوب رصين، وأدب رفيع، وكتب في الشعر والمقال والمسرحية الهادفة.
أولا: مؤلفاته: وزبدة إنتاجه مؤلفات في التاريخ والفكر الإسلامي، تتمثل في:
1. ... «الإباضية في موكب التاريخ»، طبع في أربع حلقات:
الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي. الحلقة الثانية: الإِبَاضِيَّة في ليبيا.
الحلقة الثالثة: الإِبَاضِيَّة في تونس. الحلقة الرابعة: الإِبَاضِيَّة في الجزائر.
2. ... «الإباضية بين الفرق الإسلامية»، طبع عدَّة مرَّات. وهو كتاب ذائع الصيت، إذ أصبح النموذج الأمثل لروحه الإسلامية، ودعوته الحكيمة إلى توحيد المسلمين.
3. ... «سمر أسرة مسلمة»، طبع عدَّة مرَّات، آخرها نشر جمعية التراث، بتحقيق مُحَمَّد باباعمي.
4. ... «الفتاة الليبية ومشاكل الحياة» (مط)، وطبع كذلك تحت عنوان: «الفتاة المسلمة ومشاكل الحياة». بتحقيق أحمد كروم.
5. ... «الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى»، (مط).
6. ... «الإسلام والقيم الإنسانية».
7. ... «فلسطين بين المهاجرين والأنصار».
8. ... «أجوبة وفتاوى» (مط.).
9. ... «صلاة الجمعة» (مط.).
10. ... «أحكام السفر في الإسلام» (مط.).
11. ... «الميثاق الغليظ».
12. ... «مسلم لكنَّه يحلق ويدخِّن»، ألَّفه بالاشتراك مع الشيخ بيوض، (مط.).
13. ... «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (مخ.)
14. ... «الحقوق في الأموال»، (مخ.)
ثانيا- البحوث والتعاليق:
1. ... بحث قيم حول أجوبة أبي يعقوب يوسف بن خلفون.
2. ... بحث حول الإِبَاضِيَّة قدَّمه إلى موسوعة الحضارة العربية.
3. ... «تعليق على كتاب الصوم»، لأبي زكرياء الجناوني. (مط)
4. ... «تعليق على كتاب النكاح»، لأبي زكرياء الجناوني. (مط)
5. ... «مقدِّمة لكتاب سير مشايخ نفوسة»، الذي حقَّقه تلميذه الدكتور عمرو خليفة النامي.
ثالثا- المسرحيات:
مسرحية «ذي قار» السياسية. - مسرحية «محسن».
أمَّا مقالاته فمنها المنشور، ومنها غير المنشور، لو جمعت لكانت مجلَّدات.
وقد ابتلي في أواخر حياته بالمضايقات السياسية، وسجن أبنائه، وضيق التنفس وضغط الدم وعسر الهضم، وعدم المعين، وقلَّة ذات اليد... فمضى إلى ربِّه شهيد العلم والدين، مخلدا نموذجا حيا للعالم المسلم، والمجاهد المخلص، والمؤلف الصادق. رثاه شعراء عديدون، وسجل مآثره خطباء بارزون.
انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية، رقم 640. وفيها الإحالة على المصادر. (1/4)
صفحة 5
لقد عاد الشيخ علي معمر من الجزائر بعد فترة تكوين مكثفة بين أحضان رائد الحركة الإصلاحية بميزاب فضيلة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، وشرع في بناء ما تصدع، وإقامة ما انهار من مجد نفوسة، فكانت دروس المساجد منبره الأول للقيام بهذه الرسالة المقدسة.
كان اختلاف الشاب الذكي إلى مجالس الشيخ علي معمَّر في التاريخ بخاصَّة الينبوعَ الذي استقى منه الطموح والإرادة والمثابرة، فسرعان ما ارتسمت صورة الشيخ علي معمر، في ذاكرة الفتى، ودفعته إلى السعي الحثيث لتحقيق الهدف المنشود.
وانتقل بعد المرحلة الابتدائية من بلدته نَالُوتْ إلى غَرْيَانْ، وهي من قرى الجبل العامرة، لإتمام دراسته الإعدادية والثانوية.
يقول الدكتور محمد ناصر: «عاد الشيخ علي معمر متحمسا للنهضة والإصلاح، وبعث ما أذبلت الأيام من نضارة الأمجاد السالفة، وكان لا بد أن يتأثر الشاب الذكي عمرو النامي بكل ما يجري حوله ويدور من مناقشات ودروس ووعظ وإرشاد، ويتطلع إلى أن يتبوأ منزلة مرموقة في هذه الصفوف العلمية التي تستشرف غدًا أفضل للمسلمين، ولا سيما تلك الربوع التي ران عليها الجهل والتخلف والفقر» (1) .
__________
(1) – د. محمد ناصر، مقدمة كتاب النامي "دراسات عن الإباضية"، ص10. (1/5)
صفحة 6
وقد صرح النامي بنفسه عن هذه المشاعر في رسالة بعث بها إلى الشيخ أبي اليقظان، يصف فيها أثر زيارة مشايخ ميزاب للجبل في إحياء هذا الأمل، قائلا: « كان لزيارة الإخوان للجبل هذا الصيف الماضي أثر عظيم في تحريك النفوس وإحيائها، وقد كانت جولتهم كالهزة الكهربائية جعلت الجبل بكامله ينتفض لها، فاختلطت المشاعر في نفسه بين ماض رائع، وواقع سائب، وأمل غائم، ونسأل الله التوفيق إلى الطريق،.. وزيارة الشيخ بيوض حفظه الله سوف يكون لها أعظم الأثر إذا تمت، فلعلكم تستعجلون بها...» (1) .
المرحلة الجامعية:
في سنة 1957 التحق النامي بجامعة بنغازي، وهي أول جامعة فتحت أبوابها في ليبيا سنة 1955، وفيها التقى بعدد من اللامعين من أساتذة الجامعات، وفدوا من الجامعات المصرية، وبخاصة القاهرة والإسكندرية.
وكانت للطالب الطُلَعة صلة وثيقة بهؤلاء، وفي مقدمتهم أستاذه الدكتور محمد محمد حسين الذي أعجب بذكائه وطموحه وأخلاقه، فغدت تلك الصلة مع الأيام علاقة بنوة روحية صادقة.
يقول محمد الناكوع -صديق النامي- عن هذه العلاقة: «كان الدكتور محمد محمد حسين مولعا شديد الإعجاب بذكاء عمرو النامي فاهتم به وشجعه على المضي في طريق البحث والدراسة حتى يصبح يوما ما أستاذا جامعيا. وجمعت بين الأستاذ وتلميذه رابطة المنطلق والتوجه الإسلامي» (2) .
وتحققت فراسة أستاذه فواصل الطالب دراسته إلى نهاية المسار، وأحرز على المراتب الأولى التي أهَّلته ليكون ضمن بعثة علمية للدراسات العليا بمصر.
مرحلة الدراسات العليا:
وفي مصر ربطته صلات حميمة بشباب الصحوة الإسلامية، وفي مقدمتهم الشهيد سيد قطب ومحمد قطب.
__________
(1) – من رسالة بعث بها إلى الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، في منتصف رمضان 1386هـ. النامي، دراسات عن الإباضية، المقدمة، ص23.
(2) – محمد الناكوع، مجلة "العالم"، السبت 30 يناير 1993، 7 شعبان 1413هـ. عدد 468. (1/6)
صفحة 7
كما كان وثيق الصلة بعلاّمة الإباضية بتلك الديار الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، عنه تلقى كثيرا من قيم الشهامة والاعتزاز بالأمجاد، وبالتراث الأصيل لمنهج أهل الحق والاستقامة.
واطلع على كثير من كنوز المخطوطات التي حوتها مكتبة الشيخ الغنية، وكان ذلك دافعا له إلى الاهتمام بنشر تلك الذخائر، وتعريف الخلف بجهود السالفين، لتوثيق الروابط بين الأجيال، ومواصلة المسيرة بنصرة الدين ونشره ولو كره الشانئون والكائدون.
وكان اشتداد محنة الإخوان المسلمين سنة 1965 سببا لعرقلة مسيرته العلمية، إذ أحس بأعين الراصدين تلاحقه، فاضطر للعودة إلى وطنه، تفاديا لامتداد يد الاعتقال إليه.
ولم يستسلم لحظه العاثر في مصر، بل حوّل وجهته نحو بريطانيا، فبعد مساع حثيثة، وبموافقة من رئيس جامعة بنغازي الأستاذ مصطفى بعيُّو؛ حصل على منحة لمواصلة دراسته في جامعة كمبريدج العريقة.
قضى عمرو النامي في رحاب كمبريدج خمس سنين، من سنة 1967 إلى سنة 1971، حيث توّج جهوده بالحصول على شهادة الدكتوراه PH.D. بأطروحته حول المدرسة الإباضية، دراسة وتحقيقا، إذ كانت الدراسة بعنوان "STUDIES IN IBADISM" وتناول التحقيق بعض كنوز التراث الإباضي، مما سنذكره في قائمة إنتاجه.
وكانت السنوات الخمس في بريطانيا فتحا للنامي تعرّف فيها على الفكر الغربي من مصادره، وتمكن من اللغة الإنكليزية فأصبح يجيد الكتابة بها في مقالاته وأبحاثه. واطلع على نظرة القوم إلى التراث الإسلامي وفكر أعلامه.
كما كان وثيق الصلة بنشاط المسلمين في تلك الديار، وسعيهم للحفاظ على مقوماتهم وخصائصهم، حتى لا يبتلعهم تيار المدنية الغربية الجارف. (1/7)
صفحة 8
ولم ينس وطنه الأم فكان يتابع أخباره وأحداثه، يعيشها بقلمه وفكره، ويساهم في إثراء الساحة بما يرسله من مقالات تنشر في الدوريات والجرائد، وكان لها صدى بالغ في الأوساط الفكرية والسياسية، بل وجلبت عليه نقمة كثير من المستغربين، ومن ذوي المصالح والمتزلفين.
وقد حمل في مقالاته على المنبهرين بالفكر الغربي، في مجال الأدب والقيم، وأوضح تهافت حضارة الغرب وانحرافها، لابتعادها عن نهج الفطرة وفقدانها للقيم الروحية والإنسانية، وسيرها سيرا أعرج بتقديسها للقيم المادية المتطرفة على حساب المعاني الإنسانية والروحية.
يحوصل صديق النامي محمد الناكوع حصاد هذه الرحلة المباركة قائلا: «كان حصادها التعليمي الدكتوراه في الدراسات العربية الإسلامية، وحصادها العام ثقافة واسعة وتجربة حضارية، وعلاقات متنوعة مع أهل العلم والفكر ورواد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات» (1) .
النشاط الفكري للنامي في المهجر:
ظل القلم سمير النامي في مختلف أطواره العلمية منذ بواكير حياته الجامعية، وقد تعدد عطاؤه الفكري، بناء على رؤيته الإسلامية الشاملة والمتوازنة، اعتدادا بالأصالة، وتفتحا على العصر، وشمولية في النظرة، واستفادة من كل ما يضيف جديدا مفيدا للمسلم الجاد الملتزم، سواء في الفكر أم في العمل.
كانت أغلب اهتماماته تتجه نحو معالجة الواقع الإسلامي المنحرف، سواء في المجال الفكري أم الاجتماعي أم السياسي، تناولها في مقالاته الصحفية وبحوثه الأكاديمية، ومتابعاته السياسية، وشمل أحداث العالم العربي في جل ما كتب، وإن تركز على ما يصدر في وطنه الأم ليبيا، يتابع نتاج صحفها ومفكريها، ناقدا ومقوّما، بروح إسلامية مستبصرة، لا تعرف استكانة ولا تصنعا، ولا انسياقا ولا تملقا.
__________
(1) – محمد الناكوع، المصدر السابق. (1/8)
صفحة 9
وقد نشر في سنتي 1968/1969 وهو في بريطانيا عددا من المقالات النقدية في صحيفة العلم، تدور حول الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي.
كما تناول الشعر الليبي الحديث بالنقد في مقالات اختار لها عنوانا مثيرا "فصول من الجد الهازل"
يقول النامي عن هذه المقالات:
«لقد شغلت نفسي فترة من الوقت بكتابة عدة فصول في النقد الأدبي نشرت في الجريدة الرسمية في طرابلس، سميتها "فصول من الجد الهازل"، عرضت فيها لقضية الشعر الحر، وتتبعت بعض دعاته، وأوضحت خطره على اللغة والفكر الإسلامي، بما يحمله من سُمٍّ زعاف في طياته، من الأفكار المسمومة، والمبادئ الهدامة، وكان للمقالات صدى طيب» (1) .
لقد جاءت هذه المقالات نقدا لاذعا لما كان ينشره بعض الشباب، من الشعر الحر المنفلت من موازين الشعر، ومن ثقافة الأمة وثوابتها الإسلامية.
كما نشر فصلا طويلا في الرد على أحد الكتاب الليبيين الذين دعوا إلى تفسير القرآن حسب الرمز مبطلا المعجزات الربانية، حسب تعبير النامي (2) .
وأحدثت تلك المقالات دويا كبيرا في الأوساط الفكرية والصحفية.
العودة إلى الوطن:
بعد أن تحقق هدف النامي من نيل شهادة الدكتوراه سنة 1971 عاد إلى وطنه ليساهم في بناء الجيل وتنوير المجتمع، ومعالجة قضاياه وهمومه، بعلم وبصيرة، من قلعة الجامعة الشامخة.
__________
(1) – من رسالة بعث بها إلى الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، بتاريخ4/7/1969م. النامي، دراسات عن الإباضية، المقدمة، ص25.
(2) – من رسالة بعث بها إلى الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، بتاريخ4/7/1969م. النامي، دراسات عن الإباضية، المقدمة، ص25. (1/9)
صفحة 10
بيد أن القدر كان له بالمرصاد، فوجد المطاردة ظله الملازم، والمنافيَ والسجون سكنه الدائم، وقضى بين زنازنها وقيودها بقية حياته، وظل يغالب التيار، ويتحدى الإعصار، ويرسم للأحرار خط المسير، ويترك للأجيال نفائس التراث، مصابيح تضيء لهم طريق المجد في حالك الظلمات، إلى أن اختفى عن الأنظار، وانقطعت عنه الأخبار، منذ سبع عشرة سنة (1986) إلى يوم الناس هذا، وحاله يردد آي الذكر الخالد " { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ () ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [سورة الزمر:30-31].
يقول الدكتور محمد ناصر: «هكذا وفي صيف 1971 حزم الأستاذ المؤمن بدينه ووطنه وأمته أمتعته متجها صوب ليبيا ليشارك في معركة البناء وليقف على منابر الكلمة الطيبة فيها صادعا بالحق، مشاركا بالقلم في ميادينه التي وفق فيها باحثا، وأستاذا جامعيا، وأديبا ناقدا، وشاعرا مبدعا، وبدل أن تفتح أمامه أبواب هذه المنابر، استقبلته ظلمات العنابر، فمن مراكز الشرطة، إلى غرفات التحقيق وزنازن السجون والمعتقلات» (1) .
كان يتوقع أن يأتي العهد الجمهوري الجديد بخير للوطن، بعد انقضاء عهد الملكية الاستبدادية، ولكن أمله خاب، وتبخرت أحلامه، فتحولت ليبيا إلى زنزانة كبيرة تئد كل كلمة حرة وفكر نيِّرٍ يسعى ليقظة الأمة ونهضتها، وينير السبيل أمامها.
__________
(1) – د. محمد ناصر، مقدمة كتاب النامي "دراسات عن الإباضية"، ص15. (1/10)
صفحة 11
كتب مقالا بعنوان "كلمات للثورة" نشرت بتاريخ 4/11/1969م في صحيفة الثورة، أرسلها نصائح للنظام الحاكم في ليبيا من مهجره ببريطانيا، وتحدث عن دور الدولة في ضمان الحرية الفكرية لأبناء الوطن، وحلل التيارات الفكرية المتصارعة في ليبيا بين قومية وبعثية وشيوعية وإسلامية، وأرشد إلى النهج الرشيد في الحوار الرصين بينها، وكان اقتراحه أن لا تمكَّن طائفة من الاستيلاء على دواليب الأمور حتى لا تسخرها لمبادئها، بل تكون السلطة موزعة بين أبناء الشعب، وبحكم تكوينه وقناعته فقد اختار نصرة الاتجاه الإسلامي إذ لا توجد في ليبيا عقيدة غير عقيدة الإسلام.
ولكن هذا المقال فتح عليه ملفات التحقيق والمساءلات عند عودته من بريطانيا، ثم أعقبه تحويل من جامعة بنغازي التي عيّن فيها أول مرة، ليُنقَل إلى جامعة طرابلس كي يكون قريبا من دائرة الضوء والأعين اليقظة.
إلى الغربة من جديد:
وفي خضم اعتقالات سنة 1973 تحت شعار الثورة الثقافية، كان النامي ضمن الضحايا الشرفاء، رفقة ثلة كبيرة من خيرة أبناء ليبيا وعلمائها، ومنهم الشيخ علي يحي معمر. ولبث النامي في السجن قرابة حولين كاملين.
ثم أفرج عنه ليُبعد خارج وطنه، وأعطي اختيار التوجه إلى إحدى دول ثلاث: الولايات المتحدة، أو اليابان، أو جنوب إفريقيا، وهو نفي مهذب، وإقصاء متعمد لقطع فتيل النار قبل أن يلتهب حريقها على أرباب الدار.
وكان الاختيار العسير نحو الولايات المتحدة، وفيها أصبح أستاذا لتدريس اللغة العربية والفكر الإسلامي في جامعة متشيجان. وهنالك تأقلم حسب ظروفه، فَوَاصَل نشاطه الإسلامي والعلمي. (1/11)
صفحة 12
كما كان داعية نشطا، وباحثا محققا، إذ اشتغل بتحقيق عدد من كنوز المخطوطات اصطحبها معه إلى هذا السفر البعيد. منها: كتاب "العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني" (1) ، وكتاب "الرد على جميع المخالفين" لأبي خزر يغلا بن زلتاف الحامي.
وكانت له سمعة طيبة ضمن الشباب العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في تلك البلاد.
ولكن ما لبث أن جاءه أمر جديد بتحويل وجهته صوب أقصى الشرق، نحو اليابان، وذلك سنة 1979، ولم يفتأ يبذل قصارى جهده في مواصلة رسالته، موقنا أن المؤمن كالغيث أينما وقع نفع. فقدم خدمات جلّى للشباب والطلبة المسلمين هناك، ولكن الغربة آلمته كثيرا، واستبد به الشوق إلى مرابع الصبا، ومراتع الفتوة ومنابع الأحلام، وأرض الأجداد، ومحضن الأهل والأولاد.
وكان مما كتبه في تصوير فراقه للوطن، ومناجاة الديار:
ودعتُ دارَك رغم ... الشوق للدار ... والدار ذات أحاديث ... وأخبار
يا دار أمسيتِ ... بالأحزان غامرة ... تُهدي ... همومك من دار إلى دار
نفسي الفداء لدار ... عشت محنتها ... ثم ارتحلت وحيدا ... غير مختار
مبدّد الحول ... لا زاد ولا أمل ... إلا عُلالات ... أفكار وأشعار
أنّى ارتحلت ... فإن القلب يعطفني ... إلى الأحبة ... في شوق وإصرار
__________
(1) – أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (500-570هـ) من أعلام القرن السادس الهجري في وارجلان جنوب الجزائر. كان عالما موسوعيا، كتب في مختلف فنون المعرفة من علوم الشريعة واللغة والفلسفة والتاريخ، والمنطق والرياضيات، ترك آثارا تشهد على سعة علمه، أبرزها "الدليل والبرهان" و"العدل والإنصاف" و "ترتيب مسند الربيع بن حبيب". وقد قمنا بدراسة تراثه الأصولي في رسالة الماجستير بعنوان "أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، مقارنة بأبي حامد الغزالي" وصدرت الدراسة في سلطنة عمان سنة 1995م.
ينظر ترجمة الوارجلاني مفصلة في هذه الدراسة، وفي "معجم أعلام الإباضية" ترجمة رقم: 1049. (1/12)
صفحة 13
ولم يطق جحيم الاغتراب فعاد إلى وطنه وأهله، وهمه أن يواصل رسالته على ثرى الوطن الحبيب، بعد أن قضى في اليابان قرابة عام.
بيد أنه لم يجد متنفسا للحرية في وطنه، وظلت الرقابة تشدد عليه الخناق، والملاحقات تلازمه كظله أنى سار، فقرر الانسحاب بعيدا عن الأنظار، وآوى إلى جبل نفوسة راعيا لشويهات يتبع بها شعف الجبال، قانعا بشظف العيش، زاهدا في أبهة الجامعة وحياة المدينة المترفة. وهو تحول في حياة الرجل يعبّر عن صرخة، لكنها مكتومة؛ أجل إنها صرخة ضد الظلم الذي جاوز المدى، واكتسح كل قيم الإنسانية والكرامة، وداس مبادئ الحرية التي يتغنى بها صباح مساء.
وقد عبّر النامي عن فلسفته في هذا الاختيار، مخاطبا بنته وهي ترى أباها مغادرا عالم البحث والكتب إلى حياة الشظف والنصب:
يكفي أباك ... لكي يعيش مكرّما ... عجفاء ثاغية، ... وتيس أجرب
ونعيش في قُنن ... الجبال تُظِلّنا ... ويحيطنا بالحفظ ... قفر سبسب
جيراننا وحش الفلاة ... فلا يرى ... فيها سوى ... سبعٍ يسيح وثعلب
وهناك لا نخشى ... سوى ذئب الفضا ... يعدو على تلك الشياه ... فينهب
والوحش وحش ... لا يلام لبطشه ... هو في طبيعته ... يُغير ويغصِب
فلقد نعيش ... هناك عيشة هانئ ... ولقد يسالمنا الشجاع ... المرعب
أجل إن في رحاب البيداء أنسًا وحياة وادعة، وحريةً عزّت على المرء في حرم الجامعة. ولكن هذا الحلم لم يتحقق للنامي، إذ أدركته لعنة السجون وحالفه حظه العاثر، فاختطف من بين شويهاته ليعود إلى ظلمات العنابر، ووئدت آخر أحلامه في جنح ليل ما له من آخر.
كان ذلك سنة 1981، حيث اختفى النامي عن النواظر، ولكن جهاده سيظل ماثلا حيًّا في الضمائر، وهديه منارا ودليلا لكل سائر، وجهوده خالدة رغم كل منكر وماكر.
يقول الدكتور محمد ناصر:
«هكذا يطوي النسيان علما بارزا من أعلام ليبيا المعاصرة، وتستمر مؤامرة الصمت مرعبة قاتلة، ولا أحد يحرك ساكنا، من ذوي قرابته الوطنية أو العقدية، وكأن شيئا لم يكن. (1/13)
صفحة 14
ولكن الذي لا يستطيع الطاغوت فعله هو أن يمحو أثر النامي الوضيء في النفوس المسلمة، سواء تلك التي علَّمَها ذات يوم من الأيام في اليابان أو أمريكا آية من آيات القرآن، أو حرّك مشاعرها ببيت من أبياته الشعرية الملتهبة، أو أفادها معرفة وعلما بتحقيقاته العلمية التراثية الرصينة.
فأنى اتجهت تجد للدكتور النامي آثارا في النفوس وفي مختلف الميادين العلمية في ميدان التحقيق العلمي، وفي مجال النشاط الإسلامي، وفي فضاءات الشعر الإسلامي الصادق.
وكفاه فخرا أن له في هذه الميادين حضورا وخلودا أحبَّ الطاغوت ذلك أم كره.
وكأن النامي كان يتحدث صادقا عما سيؤول إليه أمره مع الظَّلَمَة حيث يقول:
إنا شمخنا على الطاغوت ... في شمم ... نحن الرجال وهم ... يا أمُّ أشباه
نذيقهم من سياط ... الصبر محنتهم ... فلم يروا للذي يرجون ... معناه
وهل يموت من قال مؤمنا صادقا:
أماه بايعت ربي ... واعتصمت به ... ما كنت أعرف درب الخير ... لولاه
أماه ذلك دربي قد أموت ... به ... فلا يسوؤك كأس ... إن شربناه
لا تجزعي لفتى إن مات ... محتسبا ... فالموت في الله أسمى ... ما تمناه
رحمك الله يا عمرو حيثما تكون صابرا محتسبا أو شهيدا منعمًّا» (1) .
آثار النامي:
أوَّلا- مؤلفاته:
1. أطروحة جامعية باللغة الإنجليزية، تحت عنوان: «دراسات في الإباضية». «Studies in Ibadism» نال بها شهادة الدكتوراه من جامعة كمبريدج سنة 1971م، وقد طبعت في لبنان بأصلها الإنكليزي ثم ترجمها ميخائيل خوري وطبعت بدار الغرب الإسلامي سنة 2001م.
وكان لنا شرف مراجعة الترجمة ومقابلتها بأصول النصوص العربية، مع الدكتور محمد ناصر. ولنا مع هذه الأطروحة وقفة بعد حين.
__________
(1) – د. محمد ناصر، مقدمة كتاب النامي "دراسات عن الإباضية"، ص20/21. (1/14)
صفحة 15
2. كتاب «ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية» ألَّفه وهو في السجن سنة 1973م، صدرت طبعته الأولى سنة 1979م عن الدار السلفية بالكويت. وتوجد منه نسخة نادرة بالمكتبات الخاصة والعامة، ومنها المكتبة الوطنية بتونس.
ثانيا- تحقيقاته:
1. «أجوبة ابن خلفون» حقَّقه ملحقا بأطروحة الدكتوراه، والكتاب لأبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، من علماء القرن السادس الهجري بالمغرب. وضع له النامي مقدمة نقدية رصينة. وصدر عن دار الفتح للطّباعة والنّشر – بيروت سنة 1974.
وكتاب ابن خلفون يعد نموذجا متميزا في الفقه المقارن، المشفوع بالأدلة، القائم على الحجة في الترجيح، وهو منهج فريد في المؤلفات المغربية الأولى، بل يعتبر فاتحة الطريق لهذا النوع من الكتابات الفهقية لدى إباضية المغرب، وعلى سننه درج اللاحقون حتى بلغ المنهج أوجه على يد قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش في موسوعته "شرح النيل وشفاء الغليل".
كما كان ابن بركة في المشرق فاتحة الفقه المقارن في المؤلفات العمانية، وصار النموذج والمثل لمن بعده عبر القرون، وصولا إلى الإمام نور الدين السالمي في مؤلفاته العديدة، وفي صدارتها موسوعته "معارج الآمال شرح مدارج الكمال"، التي عاجله الموت دون إكمالها.
2. «أجوبة علماء فزَّان: جناو ابن فتى وعبد القهار بن خلف» - المجموعة الأولى - حققها وقدم لها الدكتور النامي، وأكمل التحقيق وأشرف على الطبع الشيخ إبراهيم طلاي، طبع بدار البعث، قسنطينة، 1991م.
3. «كتاب قناطر الخيرات للجيطالي - يشتمل عَلَى قنطرتي العلم والإيمان» استهلَّه الدكتور بمقدَّمة قيمة، وطبع في مكتبة وهبة بالقاهرة، سنة 1965م، وصوِّر بالجزائر.
4. «الردُّ على جميع المخالفين لأبي خزر يغلا» حقَّقه النامي، وأكمل التحقيق الباحث أحمد كروم، ولا يزال مرقونا ينتظر الطبع. كما حققه الباحث التونسي الدكتور ونيس عامر. وطبع طبعة محدودة. (1/15)
صفحة 16
5. «أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي» ملحقا بالدكتوراه. ثم أعاد تحقيقه د. ونيس عامر.
6. "العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف" لعلامة المغرب الموسوعي، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، (500-570هـ)، وقد حقق الكتاب بصورة استعجالية، وتركه في مسودات مرقونة بالآلة الكاتبة، ولم يمهد له بمقدمة تكشف عن المخطوطات المعتمدة، ولعله لم يستكمله وفي النية إتمامه، ولكن حالت دون ذلك الأقدار. والكتاب بحاجة إلى تحقيق وافٍ يتناسب وأهميته في رصد تطور علم الأصول لدى المدرسة الإباضية بالمغرب.
7. كان يحاول تأليف دراسة وافية عن عالم نفوسة الشيخ إسماعيل الجيطالي. وقد كتب إلى الشيخ أبي اليقظان عن مشروعه قائلا: «...وحبذا لو يتيسر الحصول على بقية كتب الجيطالي المخطوطة الأخرى، الفرائض، وكتاب الحج، ورسائل الأئمة، وشرح نونية أبي نصر، فإنني أعزم إخراج كتاب خاص عن هذا العالم الجليل، ويستدعي ذلك الاطلاع الكامل على كامل مؤلفاته إن أمكن..» (1) .
ثالثا- المقالات والمحاضرات:
1. مقال بعنوان: «Description of new Ibadi manuscripts from North Africa» وصف لمخطوطات إباضية جديدة (مكتشفة) من شمال إفريقيا. والمقال يتحدث عن مخطوطات عديدة كانت في عداد المفقودات، حصل عليها النامي في إطار جولة استكشافية قام بها في مكتبات إباضية في تونس وليبيا والجزائر، ووصف هذه المخطوطات، وبيّن أهميتها العلمية والتاريخية، للكشف عن الفكر الإباضي في جذوره، وإسهام الإباضية في الحركة العلمية في تلك الديار منذ الصدر الأول للإسلام.
ومن تلك المخطوطات: الديوان المعروض، رسائل الإمام جابر بن زيد، كتاب قتادة. وغيرها.
__________
(1) – من رسالة بعث بها إلى الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، في منتصف رمضان 1386هـ. النامي، دراسات عن الإباضية، المقدمة، ص23. (1/16)
صفحة 17
2. نَشرت صحيفة «العلم» الليبية ما بين 1968 و1971م عددا من المقالات النقدية لعمرو النامي، منها: «الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي» و«الشعر الحديث» نماذج ليبية، اختار لها عنوان: «فصول من الجدِّ الهازل». ومقالات أخرى بعنوان: «رَمزٌ أم غمزٌ في القرآن» وفيها ردٌّ على كتابات الصادق النيهوم، ولعلَّ أبرزها وأكثرها دويا مقاله: «إلى متى يظلُّ المسيح بدون أب». ومن مقالاته المثيرة: «كلمات للثورة».
3. عدَّة محاضرات في ملتقيات وطنية ودولية، منها محاضرته بملتقى الفكر الإسلامي بوارجلان، بعنوان "ملامح عن الحركة العِلمِيَّة بوارجلان في القرن السادس الهجري". نشرت بمجلة الأصالة التي تصدرها وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، ع42-43 (صفر-ربيع الأول 1397هـ/فيفري-مارس 1977م).
ثالثا- شعره:
نظم النامي عشرات القصائد لو جمعت لكوَّنت ديوانا، وهي في مجملها تدلُّ على شاعرية فياضة، وأحاسيس نبيلة. من بينها: «همزية في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام»، وقصيدة في الغربة نظمها باليابان، وقصيدة أخرى فيها شكاة وأناة، وقصيدة «أُمَّاه!» نشرت في مجلة الغُرباء، وأنشدتها الفرق الفنية الإسلامية ملحَّنة، ثمَّ طبعت ضمن كتاب قصائد إلى الأمِّ والأسرة، مطلعها:
أمَّاه لا تجزعي فالحافظ الله ... إنَّا سلكنا طريقا قد خبرناه
وقائمة عناوين قصائده الناجية من الضياع تحمل مضامين فنية وفكرية ونفسية تصلح مجالا لدراسة متأنية لفكر الرجل وخصاله، وقساوة المحنة التي أناخت عليه بكلكلها، ومن أبرز هذه العناوين:
أماه لا تجزعي.
حديثي إليك يا أماه.
كلمات إلى زينب .
العش و الزهور و الفصائل .
نفحة من ذوب القلب .
الفتية .
السجن أهون من تقبيل الأحذية .
خواطر في الزنزانة .
دموع .
يا ليلة العيد .
أنشودة الهزار .
الوداع .
قد مات كل شيء .
في سجن الاستخبارات العسكرية .
لم تمت بلقيس .
الحب .
اندلسيات .
القيد والقدر .
من حديث الليل .
كلماتك . (1/17)
صفحة 18
دماء العذراء .
الكلب .
يا رسول الله . (1)
عاش النامي وفيا لدينه، قويَّ الإيمان، لم تزعزعه الأعاصير، شغل عمره القصير بجلائل الأعمال موقنا أَنَّ ثمَّة أمورًا ثلاثة للهِ وحده تدبيرها، لا دخل للمرء فيها: الأعمار، والأرزاق، والنصر. وهذه قصيدته الخالدة:
أماه
أماه لا تجزعي ... فالحافظ الله ... إنا سلكنا طريقا ... قد حفظناه
في موكب من دعاة ... الحق نتبعهم ... على طريق الهدى ... أنى وجدناه
على حفافيه ... يا أماه مرقدنا ... ومن جماجمنا ... ترسى زواياه
ومن دماء الشهيد الحر ... يسفحها ... على ضفافيه ... نسقي ما غرسناه
أماه لا تجزعي ... بل وابسمي فرحا ... فحزن قلبك ضعف ... لست أرضاه
إنا شمخنا على الطاغوت ... في شمم ... نحن الرجال وهم ... يا أمُّ أشباه
نذيقهم من سياط ... الصبر محنتهم ... فلم يروا للذي يرجون ... معناه
لا تشعريهم أنهم ... غلبوا ... أماه لا تُسمعيهم ... منك (أوّاه)
أرضعتني بلبان ... العز في صغري ... لا شيء من سطوة الطاغوت ... أخشاه
أماه، رؤياك ... في قلبي مسطّرة ... ونبع حبك ... أحيا في ثناياه
ومرّ طيفك يا أماه ... يؤنسني ... إني -وإن صُفّت القضبان- ... ألقاه
أماه هذا طريق الحق ... فابتهجي ... بمسلم باع للرحمن ... دنياه
هزئت بالأرض ... والشيطان يعرضها ... في زيفها ببريق الذل ... حلاّه
عشقتُ موكب رسل الله ... فانطلقَت ... روحي تحوم في آفاق ... رؤياه
لا راحةٌ ... دون تحليق بساحتهم ... ولا هناء لقلبي ... دون مغناه
عشقت ركب الهدى ... والنور يغمره ... عشقت حسنا عليه الوحي ... أضفاه
أماه بايعت ربي ... واعتصمت به ... ما كنت أعرف درب الخير ... لولاه
أماه ذلك دربي قد أموت ... به ... فلا يسوؤك كأس ... إن شربناه
لا تجزعي لفتى إن مات ... محتسبا ... فالموت في الله أسمى ... ما تمناه
أماه لا تجزعي ... فالحافظ الله ... وهو الوكيل لنا ... بالغيب أماه
أطروحة الدكتوراه، وقيمتها العلمية
__________
(1) – نتقدم بجزيل الشكر لمؤسسة النامي الخيرية التي وفرت لنا المادة العلمية لهذه الدراسة، بما جمعت من تراث النامي المتناثر من مقالات وأشعار، وربما ييسر الله تحقيقه بصورة تناسب جهاد الرجل وإخلاصه، وتنصفه من ظلم التاريخ. (1/18)
صفحة 19
تمثل أطروحة النامي "دراسات عن الإباضية" فتحا في الدراسات الأكاديمية للفكر الإباضي، وبوابة دلف منها الباحثون فتعرفوا على هذا التراث، لما اتسمت به من دقة واتزان، وسعة اطلاع، وتوثيق للأقوال، وما جمعه من نوادر المصادر الإباضية التي كانت في عداد المفقودات.
وكانت الرسالة موفقة في العرض والتحليل، والرصد والتأصيل لتطور الفكر الإباضي، سواء في ميدان الحركة التاريخية، أم في مجال الفقه والعقيدة، أم السياسة والحكم. بصورة تجلّي حنكتهم في التنظيم والدعوة المحكمة.
وتوصل النامي إلى نتائج طيبة في بحثه، كانت ثمرة اقتطفها مَن بعده، ومنهم من لم يحترم أبجديات البحث العلمي فادعاها لنفسه، زاعما السبق إليها والتفرد بها، ودونما حاجة لتفصيل ذلك، فإن الأيام كفيلة بكشف المستور، وإبراز الحقائق التاريخية، لإنصاف المظلومين.
وكأنّ الله شاء للنامي أن يناله الحيف حتى في المجال العلمي، فتسلب جهوده، ويدعيها الآخرون.
ولكن نالته بركة أخرى إذ واصل غيره ما بدأه فكان أن أتم الشيخ إبراهيم طلاي جهوده في تحقيق "أجوبة علماء فزان" وأكمل الدكتور ونيس عامر تحقيق مخطوطة "أصول تيبغورين" و "الرد على جميع المخالفين" لأبي خزر يغلا بن زلتاف.
الترجمة العربية للأطروحة:
الأطروحة تُرجِمت إلى العربية مرتين، إحداهما تولاها باحث سوداني، لكنها جاءت أدبية خطابية، فيها عبارات مدح وإطراء ليست في صلب النص الإنكليزي، وأبعدت الدراسة عن أسلوبها العلمي الرصين. وإن أجاد المترجم حين عاد إلى الأصل العربي للمصادر التي استقى منها النامي نصوصه.
وجاءت ترجمة ميخائيل خوري اللبناني مكينة مقتصدة في العبارة، دون إسهاب ولا إخلال، وفتحت للقارئ العربي فرصة الاطلاع على هذا العمل العلمي الجاد، بعد أن كان وقفا على العارفين باللغة الإنكليزية. وطبع العمل في دار الغرب الإسلامي بلبنان.
أبرز قضايا الأطروحة: (1/19)
صفحة 20
تعرض النامي في أطروحته إلى محاور أساسية في التاريخ والفكر والعقيدة الإباضية، يلخصها فهرس البحث الذي تضمن بعد الشكر والتقدير والملاحظات العامة، العناصرَ الآتية:
المقدمة. وهي هامة في محتواها، ثم الباب الأول وفيه تحدث عن نشأة الإباضيَّة، ثم فصل الحديث عن عبد الله بن إباض ودوره في نشأة الإباضية، ووِجْهات النظر الإباضيَّة في فرقة الخوارج من خلال مواقف وفكر ابن إباض.
وكان الباب الثاني حول التابعي الجليل جابر بن زيد باعتباره الإمام الأوَّل للمذهب الإباضي، وعلاقته بالمدرسة وردّ على من أنكر نسبته إليها بحجج علمية رصينة.
أما الباب الثالث فخصصه لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الإمام الثاني للمذهب الإباضي، وما أعقب جهوده من انتشار المذهب الإباضي في شمال إفريقيا على يد حملة العلم. وتنظيمه لمجالس العلم وتحديد مهامها السياسي والديني، مما يعد معه أبو عبيدة أب الإمامات الإباضية التي قامت بالمشرق والمغرب.
وكان الباب الرابع حول فلسفة الإباضيَّة في علم التشريع، أو نشأة وتطور الفقه الإباضي. وإسهام الإباضيَّة في علم الحديث الشريف. ثم عرض أمثلة عن اختلاف الرأي بين الإباضيَّة وبين المذاهب الإسلاميَّة أخرى حول مسائل شرعية ودينيَّة.
وجعل الباب الخامس لعلم الكلام الإباضي، بدءًا بالمرحلة التأسيسية الأولى، ثم بيّن موقف الإباضيَّة من آراء الفرق الإسلاميَّة حول المسائل الرئيسة محل الخلاف. وعرض بعد ذلك للجماعات المنبثقة عن الإباضيَّة. ثم ختم الباب بفصل ضاف عن إسهام الإباضية في تطورع علم العقيدة.
وكان الباب السادس حول نظام الولاية والبراءة، وبيان أصول هذا النظام، ثم عرض للفكر السياسي المتمثل في مسالك الدين.
قراءة في بعض أفكار النامي: (1/20)
صفحة 21
يصرح العارفون بالدكتور النامي أنه "مثقف واسع الاطلاع، متنوع القراءات، ويتمتع بذكاء أهّله لدرجة المتفوقين في الدراسات الأدبية" (1) حيث كان يدرس في الجامعة الليبية.
ويؤكد رفيقه في الدراسة والسجن محمد الناكوع في بيان هذه الصفات الشامخة قائلا: "وعشنا محنة السجن معًا في عامي 1973-1974 بطرابلس، وطوال تلك الفترات (فترات الدراسة والسجن) عرفت فيه الذكاء الحاد، والإيمان العميق، والشفافية الوجدانية، كما عرفت فيه صفات الشجاعة وصلابة الموقف..." (2)
وقراءة فاحصة لمقالاته تجلي بعض معالم فكره النير، ونظرته السديدة، وصدقه في معالجة الواقع ببصيرة المؤمن النصوح، ووعي المثقف المستنير.
ففي مقاله "مهر الحضارة الغربية" يحلل منهج الغرب في احتواء العالم الإسلامي، ومخططاته لمحو أثر الإسلام من نفوس أهله، بفصلهم عن منابع دينهم، وتغريبهم عن كتابهم، وتحويلهم عن لغة القرآن، لأن ذلك هو مهر واجب دفعه للحاق بركب الحضارة، والتأهل بعروسها الساحرة.
ويحمل عنوان المقال دلالة واضحة على مقصد الكاتب من تجلية الموقف النفسي للغالب والمغلوب على حد سواء، وتعلق المسلمين ببريق الحضارة الساحر، سحر الغيد الحسان اللواتي يتمنعن على الخُطّاب إلا بمهر نفيس، فيستجيبون فرحين ويبذلون في سبيل نيل رضاهن المال، بل حتى القيم والدين (3) .
كما عرض النامي في مقاله "رمز أم غمز في القرآن" للرد على تهم الصادق النيهوم في تفسيره القرآن تفسيرا رمزيا لا صلة له باللغة ولا بالقاموس الشرعي المعهود.
__________
(1) – محمد الناكوع، المصدر السابق.
(2) – محمد الناكوع، المصدر السابق.
(3) – محمد الناكوع، المصدر السابق. (1/21)
صفحة 22
وقبل تفصيل رده على الكاتب عرض لأسباب نشأة الرمز في الأدب الحديث وربطه بالاستبداد السياسي الذي يجبر الكاتب على إخفاء مقاصده وأفكاره في ألفاظ ملتوية وعبارات خفية المدلول خشية سطوة الحكام الذين يعدّون على الناس الأنفاس، بينما اتسّم أسلوب العرب قديما بالصراحة والوضوح، إذ لم يعهدوا الكبت والقمع، بل عاشوا في بيئة الصحراء الصافية سماءً؛ البسيطة أديمًا، فلم يعرفوا الرمز إلا كناية وتشبيها واستعارة تزيد الأسلوب بهاء وجلاء.
ثم يتدرج النامي في إيراد أفكار صاحبه النيهوم –وهو زميله في الدراسة، بيد أن التوجه الفكري بينهما كان متباينا، فقد جمعتهما زاوية الكلية، ثم اتخذ كل منهما ضلعا لنفسه، فتباعدت بينهما المسافات بمرور الزمن.
وفي عرض أفكار صاحب النامي يستدرك عليه بأنها أفكار مسبوقة قد طرقها الباطنية قديما، ويعقب عليه ساخرا: «إن اكتشافه هذا قد جاء متأخرا عن وقته جدًّا، فقد فسر الرسول والصحابة القرآن وعملوا به وفق ما فهموا من أسلوبه وخطابه، ومضوا إلى ربهم، وهم جاهلون بهذا الرمز، ولم يكونوا بحاجة إلى العناء الذي تكبده النيهوم»
ومن عجيب ما أتى به هذا المفسر الرمزي، تفسيره لقوله تعالى في سورة آل عمران { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [سورة آل عمران:37].
لقد فسر الكفالة بمعنى الزواج، واستنتج أن المسيح عليه السلام كان له إخوة وأخوات من زواج مريم بزكرياء. (1/22)
صفحة 23
وكان رد النامي من منطلق المصطلح اللغوي والقرآني، فالقرآن أورد لفظ الكفالة مرارا دون أن يقصد بها معنى الزواج، بل كان معناها في كل مواردها قاصرا على الرعاية والعناية والقيام بشؤون المكفول، بينما ورد لفظ الزواج الصريح في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، دونما حاجة داعية لاستعمال رمز الكفالة المزعوم.
وعقب النامي بأن رده لا يصنف في خانة النقاش والجدال، ولكن "ليرى القارئ مدى الجرأة أو سوء الفهم التي يتناول بها هؤلاء كتاب الله تعالى، فهم يبدؤون بالتي هي أسوأ، ويطالبون أن نجادلهم بالتي هي أحسن. وهذا الذي يوردونه ليس جدالا، ولكنه سلحٌ والعياذ بالله" (1) .
وفي مقال آخر بنفس العنوان "رمز أم غمز في القرآن" أطال الرد على هذا الفكر الدخيل، الذي أنكر معجزات عيسى عليه السلام بتأويلها تأويلا ماديا، بناء على مقدمات متهافتة تدعي أن الله يحترم العقل البشري ولا يعرّضه للعبث بأمثال هذه الأمور (2) .
وفي مقام آخر وجّه نصحه للثورة الليبية فوز قيامها وأخذها بزمام الأمور، فكتب في صحيفة الثورة مقالا بعنوان "كلمات إلى الثورة"، معتبرا أن الثورة هي الحل الأخير، وهي الكي الوارد في المثل العربي "آخر الدواء الكي"، نظرا للفساد المستشري في أجهزة الدولة تحت سطوة النظام الملكي، حتى كاد الفساد يعمّ كافة الطبقات.
بيد أن النامي بحسه الصادق وثقافته الواقعية خشي من فشل الجيش في مهمته، مثلما حدث لنظرائه في بلاد كثيرة حين تجاوز صلاحيته واستبد بالسلطة وصيّرها مغانم خالصة له.
لذلك اقترح لإنجاح مسعاه أن يقصر دوره على الدفاع عن أمن البلاد الداخلي والخارجي، ومساعدة الشعب في فترة وجيزة على اختيار منهج لحياته السياسية والاجتماعية المستقلة في جوّ من الحرية التامة في الاختيار (3) .
__________
(1) – صحيفة "العلم" 18 أفريل 1969.
(2) – صحيفة "العلم" 1 ماي 1969.
(3) – صحيفة "الثورة" 23 شعبان 1389هـ/ 4 نوفمبر 1969م. (1/23)
صفحة 24
ودعا بإلحاح لإبعاد الجيش عن السياسة حتى لا يتمزق فيهدد وحدة الوطن ويعرّض استقلاله للخطر (1) .
وحلل التيارات السياسية والفكرية الموجودة بليبيا، وأبرز ضرورة منحها الحرية التامة لعرض أفكارها في نطاق الأخلاق العامة للشعب، بعيدًا عن التراشق بالتهم والكذب والإرجاف، لأن هذه من أقبح الجرائم الاجتماعية التي يجب أن يعاقب عليها بشدة.
ولذا كان لزاما أن تتاح الفرصة لكل هذه الفئات لتعرض فكرها بكل الصور المشروعة دون أن تُمكَّن طائفة منها من المراكز الحيوية حتى لا تستغل السلطة لأهدافها الخاصة (2) .
وركزّ أيضا على ضمان التمثيل الصحيح الحر لكل فئات الشعب بواسطة الانتخابات النزيهة، لأن الشعب وحده هو صاحب الحق في اختيار ووضع التشريع لكل جديد يستوجبه الصالح العام.
كما انتقد توجه الثورة لتفسيرات خاصة بشعارات حملتها، مثل الحرية والوحدة والاشتراكية، إذ حُمّلت غير حقيقتها وأُفرغَت من محتواها.
وختم المقال عن علاقة الثورة بالإسلام، وتسامح الإسلام مع الأديان الأخرى، وإقراره حرية المعتقد لكل إنسان، بيد أن ذلك لا يعني الانبطاح والمساومة على المبادئ. ومن هذا المنطلق ألقى الملام على من فسحوا المجال للملل الأخرى لبناء المعابد والكنائس بلا قيود بأرض ليبيا، وهم بالأمس القريب قد فعلوا بالشعب الليبي الأفاعيل، وساموهم الذل والهوان. وهو استفزاز لمشاعر المسلمين، وإعطاء للدَنيّة في الدين (3) .
ولم ينس الإشادة ببعض الخطوات الإيجابية لرواد الثورة في الاعتزاز بالإسلام وللتمسك به مثل تحريم الخمر، والتمسك بالتاريخ الهجري، ودعم اللغة العربية في المدارس (4) .
__________
(1) – صحيفة "الثورة" 23 شعبان 1389هـ/ 4 نوفمبر 1969م.
(2) – صحيفة "الثورة" 23 شعبان 1389هـ/ 4 نوفمبر 1969م.
(3) – صحيفة "الثورة" 23 شعبان 1389هـ/ 4 نوفمبر 1969م.
(4) – صحيفة "الثورة" 23 شعبان 1389هـ/ 4 نوفمبر 1969م. (1/24)
صفحة 25
وختم المقال ببيان الواجب المطلوب وهو أن الأفكار ذات الأصول الأجنبية تعد دخيلة على الإسلام وأمة الإسلام، ولكنها تعود جميعا إلى أصول يهودية وُضعت للقضاء على الأديان، وتفتيت دولة المسلمين، بوسائل مثل القومية العربية، والعلمانية والشيوعية، وعداء هذه الأفكار للإسلام حقيقة صارخة، فكان على الأمة جميعا التصدي لها وبيان حقائق الدين وبسط فكره بين الناس (1) .
وينعطف بنا المسار في سياحتنا بين أفكار النامي لنقف على فصل جديد من "فصول من الجد الهازل" يحمل عنوانا فرعيا "توابع الزوابع"، حيث يرسم لنا صورة خيالية تحكي قصة شيخ له صاحب من الجن أخبره عن أمور من غيب المستقبل، منها شعراء آخر الزمان، وما آل إليه حال المسلمين من الذلة والهوان، وعجز هؤلاء الشعراء عن نظم الشعر على النسق القديم، «ولن يستقيم لأحدهم نظم بيت ولو قضى بياض نهاره من أجل سواده» (2) .
«وقد خبَرَتْ ذرية إبليس من سبل الكيد من يقودهم إلى ابتداع لون جديد من الشعر يسهل فيه القول لكل غاد ورائح، فيقولونه ويوسوسونه إلى شعراء آخر الزمان من مسلمي الإنس» (3) .
وصنّف هؤلاء الشعراء مسافة متأخرة بمراحل عن الصنف الرابع الذي رتبه الناقد القديم حين جعل الشعراء في الزمان أربعة: شاعر يسير ولا يُسار معه، وشاعر يسير وسط المعمعة، وشاعر تود أن لا تسمعه، والرابع شاعر تود أن تصفعه".
وقال النامي عن هذه الفئة المسكينة:
وشاعر ترمي به ... أو تصفعه ... وشاعر تلقي عليه ... بردعة
فشعرهم ... "مردغة" مستبشعة ... أوصاله مبتورة ... مقطّعة
يؤذيك منه القول حين ... تسمعه ... خلاَ ... من المعنى فليس يسعه
وما ترى من ذاك ... غير سعه ... فيا لها من محنة ... مروّعة
يلقى بها الشعر ... الأصيل مصرعه ... فليت شعري، ... من له فيردعه (4)
__________
(1) – صحيفة "الثورة" 23 شعبان 1389هـ/ 4 نوفمبر 1969م.
(2) – صحيفة "العلم"، 11 مارس 1969م.
(3) – صحيفة "العلم"، 11 مارس 1969م.
(4) – صحيفة "العلم"، 11 مارس 1969م. (1/25)
صفحة 26
ويطلّ علينا النامي من مقال آخر يحمل العنوان نفسه "فصول من الجد الهازل" تحته عنوان فرعي "نواقيس وصلبان وأشياء أخرى.." وفيه ينعى على الببغاوات التي تردد فكر الصليب وتنشره في الصحف العربية، ويندب حظ مجلة "الرسالة" الأصيلة بعد وأدها من قِبَل أنصار التغريب والصليب، وتطاولهم على الأديب الأريب محمود شاكر حين عرض لهم على صفحات "الرسالة"، فأودعوه ظلمات السجون مستعينين بأتباعهم في مراكز صنع القرار، حتى ازدهرت سوقهم فشكّلوا مدرسة "الشباب المثقف" في مدارس الصلبان، ورفعوا عقيرتهم في جرائد "الأهرام"، و"الطليعة" و"الكاتب" والآداب البيروتية" والأديب.
ثم نحا باللائمة على شعراء ليبيا حين قلدوا هذا الفكر الدخيل، وأورد نماذج عديدة لأشعارهم التي تعج بألفاظ الصلب والفداء والخلاص، دونما حاجة أدبية أو فكرية، أو مناسبة تستدعي هذا الهوس المحموم بهذا الفكر الغريب المنافي لفكرنا وثقافتنا وأصالتنا (1) .
ولكن هل سمع هؤلاء صرخة النامي، أم كان حالهم مرددا قولة الشاعر:
لقد أسمعت ... لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لمن ... تنادي
هذه شذرات من فكر النامي نفحتنا به مقالاته الناجية من الضياع، وفي قصائده نبع غزير من المعاني والمشاعر، والصور والدلالات، تقصر عن تناولها هذه الكلمات، ولعل فرصة سانحة تجود بها الأيام، لإنصاف فكر الرجل الذي كان مثالا للمسلم الصميم، وشعلة أضاءت الليل البهيم، وبركانا ثار على المتخاذلين والدخلاء، ونهرا دافقا محض دينه ووطنه الحب والولاء.
العبرة من حياة النامي تتلخص في الحقائق الآتية:
1. الإخلاص لله سر النجاح في الحياة.
2. وضوح الهدف هو الخطوة الأولى في طريق النجاح.
3. الإرادة والطموح عماد النجاح.
4. تنظيم الوقت واغتنام الفرص لتحقيق الأهداف.
5. سعة الاطلاع وتنوع الثقافة من مميزات الشخصية المؤثرة الرائدة. (أدب، إسلاميات، فكر، سياسة، شعر، إلخ..)
__________
(1) – صحيفة "العلم"، 19مارس 1969م. (1/26)
صفحة 27
6. الحياة الدنيا دار ابتلاء للعباد بصورة خفية ولحكمة إلهية عادلة.
7. الاعتزاز بالأصالة لا يعني الانغلاق عن العالم، والانكفاء على الذات.
8. التفتح على الآخر لا يستلزم الانفلات من الثوابت والخصائص المميزة للمسلم. والانسلاخ من القيم مجاراة للغير أو عدم اعتزاز بالذات.
9. تحقيق التوازن بين الذات والآخر بلا خصام ولا انفصام.
النامي في كلمات: هو
1. المسلم الصادق.
2. الباحث الضليع.
3. الأستاذ القدير.
4. المحلل الناقد
5. المفكر الواعي
6. الداعية الحكيم.
7. الرحالة المطواف.
8. الأديب الشاعر.
9. الأبيّ الثائر.
10. المبتلى الصابر.
د. مصطفى باجو
مسقط. 26رجب 1424هـ / 22 سبتمبر 2003. (1/27)