صفحة 1
الكتاب: السيّد سعيد بن سلطان 1791 - 1856 سيرته وَدوره في تاريخ عُمَان وزنجبَار
المؤلف: رودولف سعيد روث
ترجَمة: عَبدالحميد حَسيب القيسي
الناشر: [د. ن]
تاريخ النشر: 1988
الطبعة: الثانية
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] السيّد سعيد بن سلطان
1791 – 1856
سيرته
وَدوره في تاريخ عُمَان وزنجبَار
تأليف
رودولف سعيد روث
ترجَمة
عَبدالحميد حَسيب القيسي (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية
1988 (1/2)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
مقدمة الطبعة الثانية
قدّر لهذا الكتاب ان ينشر منذ عدة سنوات، وقد نفذت نسخه واشتد علينا الإلحاح لإعادة طبعه.
ومع الأسف الشديد فقد وقعت في الطبعة الأولى أخطاء طباعة لم نعهد مثلها من قبل، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا انها تفوق – نوعاً وكماً – كل ما عرف من نوعها في عالم الطباعة.
وزيادة على ذلك فقد تعسف الناشر فجعل عنوان الكتاب هو:
سلطنة عمان
خلال حكم السيد سعيد بن سلطان
وهو عنوان عدا مخالفته لما عنون به المؤلف كتابه فإنه لا يعكس طبيعة الكتاب ومحتواه.
لذلك، ورغبة في تيسير الكتاب لطالبيه وتصحيح اخطائه فقد اقدمنا على نشر هذه الطبعة الجديدة سائلين المولى تعالى أن تكون احسن من سابقتها وعند حسن ظن القراء بها.
والله الموفق لما فيه الخير والصلاح
المترجم (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
تقديم وتقييم
تاريخ كل أمة عنوان مجدها وديوان حضارتها ودليل أصالتها وعراقتها وسجل حياتها أمجادها ومآسيها وكل انتصاراتها وانتكاساتها. ولهذا صار من الواجب القومي على أبناء كل أمة أن يلموا بتاريخ أمتهم الماما وافيا شاملا وأن يعوا أحداثه وعبره وعيا تاما كاملا، ليقتدوا أو يتعظوا بما يحويه من دروس وعظات في تطوير حاضرهم والتخطيط لمستقبلهم.
ويزداد واجب المعرفة حتمية وإلحاحا حين يقل علم القوم بتاريخ أمتهم أو بفترة معينة منه، إما بسبب تفشي الجهل بين القوم وإما بسبب من غموض التاريخ أو قصور بعض أخباره أو انقطاعها.
ولأن تاريخ عمان جزء من تاريخ أمتنا العربية فقد صار لزوم العلم به- مثله في ذلك مثل وجوب العلم بالتاريخ العربي عامة – واجبا قوميا ومهمة وطنية إلى جانب كونه ضرورة حضارية ثقافية ومطلبا علميا.
وتزداد هذه الضرورات حدة ووجوبا حين نعلم أن هذا الجزء العماني من تاريخ أمتنا كان أقل أجزائه نصيبا من عناية المؤرخين والرواة فصار بالتالي أقلها مادة وأندرها أخبارا وأكثرها غموضا وارتباطا.
فعلى الرغم مما لبلاد عمان من تاريخ بعيد الجذور موغل في القدم إيغال التاريخ العربي لبقية بلدان العروبة، وعلى الرغم مما كان لعمان في فترات متكررة من تاريخها الطويل من دور ملحوظ وأثر مرموق في مسيرة التاريخ العربي (1/7)
صفحة 8
العام فإن التاريخ قد أهمل تدوين الكثير من مسيرة حياتها وأضاع علينا الكثير من أخبارها فلم يصل إلينا منها إلا القليل النادر ولم يعرف من هذا القليل إلا الأقل الأندر.
ذلك أن عوامل عدة منها بعد الموقع الجغرافي وعزلته ومنها رواسب الماضي البعيد ومنها الفروق في المذاهب والخلاف في الاجتهاد، يضاف إلى هذا وذاك البعيد ومنها تفشي الجهل والتعصب وضيق أفق الفكر، ومكائد الأعاجم والشعوبيين والمستعمرين، وقد تجمعت كل هذه العوامل فتسببت في عزل بلاد عمان وأهلها جغرافيا وفكريا عن بقية أشقائها العرب وإلى تعميق فجوة البعد عنهم وجفوة الود معهم وإلى الخلاف بالرأي بينها وبينهم فوهنت صلتها بهم وصلتهم بها وانقطعت أخبارهم عنها وأخبارها عنهم فغفلوا عنها وأهملوا أمرها وتناسوها حتى أوشكوا أن ينسوها.
وقد كانت كل هذه العوامل وراء إغفال المؤرخين العرب تدوين أخبار عمان والاكتفاء منها بالإلمامة الوجيزة والإشارة العابرة لها حين يقتضي المقام ذكرها في سياق الحديث عن الأحداث العامة في الوطن العربي الكبير.
وقد كان المنتظر أن ينهض العمانيون أنفسهم إلى تدوين تاريخهم واستكمال ما فات المؤرخين العرب ذكره أو ما قصروا فيه من أمرها. لكن أهل عمان لم يفعلوا من ذلك شيئا ذا بال ولم يخلفوا لنا إلا كتابات تاريخية تفتقد لأصالة ويغلب على ما وصل إلينا منها الضحالة والتكرار وانصرفوا عن الاهتمام بالتاريخ إلى العناية بالدراسات الفقهية والأبحاث الشرعية وبخاصة ما يتعلق منها بالمذهب الأباضي وهو المذهب السائد في بلاد عمان منذ فجر الإسلام حتى اليوم.<ح> (1) <ح>
(1) عمل السير برسي كوكس قنصلا لبريطانيا في عمان ثم مقيما سياسيا في بوشهر وعين بعدها مندوبا ساميا لبريطانيا في العراق فكان له في تاريخ العراق السياسي دور ملحوظ (المترجم). (1/8)
صفحة 9
ومع هذا فإننا ندين بالفضل الكثير لهذا التراث الفقهي على ما تجمع لدينا من مادة وإن تكن قليلة المقدار إلا أنها ذات أصالة وخصب، عن تاريخ البلاد ترشحت إلينا من خلال مباحثهم الشرعية حول الإمامة وشرعيتها وصفات الإمام ومن خلال بسط الرأي في أوجه الخلاف والوفاق في "التاريخ الدستوري" لأولئك الأئمة وتبرير أو تفنيد أسباب تنصيب كل منهم أو عزله.
وهكذا تجمعت هذه العوامل كلها فأدت إلى حجب الكثير من تاريخ عمان وأدت بالتالي إلى طمس أخبارها عنا فلم نظفر منها – كما قلنا- إلا بأقل القليل والذي كان بدوره عرضة للخلاف في الروايات والتباين في الآراء وللتعصب والتصلب من الفرقاء المعنيين مما جعل دراسة هذا التاريخ- على اقثضابه وقصوره- أمرا شائك المسلك يتطلب الكثير من الروية والحذر.
لهذا كله فلا عجب إذا ما فشى جهل الناس- وحتى غالب أهل عمان أنفسهم- بهذا التاريخ وقل علمهم به، وبالتالي فلا عجب إذا ما اشتدت الحاجة إلى جلائه وتبيانه والكشف عن المطمور منه وتيسير المدون منه سدا للحاجة العلمية ونهوضا بالواجب القومي على حد سواء.
ومن هذا المنطلق ولهذه الغاية كلفنا نفسنا وسعها للكشف عن مصادر التاريخ العماني تأليفا وتحقيقا وترجمة، وأسهمنا بما وسعته طاقتنا من جهد متواضع في هذا الميدان وما ترجمتنا لهذا الكتاب إلا خطوة جديدة أخرى في هذه المسيرة المجهدة الطويلة.<ح> (1) <ح>
(1) فيما يخص البرتغال في البلاد العربية الشرقية، انظر مايلز ف3، التقرير 1884 - 1885 ص24، وبورتون ج1 ص 278. (1/9)
صفحة 10
ولاختيار هذا الكتاب بالذات وتجمته لقراءة العربية أكثر من سبب واحد ينفرد به هذا الكتاب ويتمايز به عما عداه من الكتب التي وضعها العرب والأوروبيون، وتتعلق هذه الأسباب بطبيعة موضوع الكتاب وبشخص مؤلفه وشخص المؤلف عنه.
? ? ?
أما ما يتعلق بطبيعة هذا الكتاب من أسباب فأحدها أنه أحد كتب التاريخ العماني قليلة العدد أصلا التي ترمي إلى تحقيق الأهداف التي قدمنا ذكرها وهي جلاء التاريخ العماني وإلقاء الأضواء الكاشفة عليه. ذلك أن هذا الكتاب يكشف عن تاريخ فترة هامة من تاريخ عمان الحديث من خلال دراسة مكثفة لسيرة رجل من أعاظم رجالاتها هو السلطان السيد سعيد بن سلطان.
وليس هذا فحسب بل تضاف إليه ميزة أخرى ينفرد بها هذا الكتاب وهي أنه الكتاب الأول، بل والوحيد، الذي يوضع باللغة الانكليزية وبخصص بكامله لسيرة حاكم معين من حكام عمان. أما ما سبقه وما تلاه من كتب أخرى فكلها تتناول تاريخ البلاد بصفة عامة أو تاريخ فترة معينة من فتراته وليس بينها ما يعنى بتاريخ رجل واحد فقط.
وقد يذهب الظن بالبعض إلى اضفاء صفة السبق والريادة في هذا الموضوع إلى كتاب الشيخ منصور الإيطالي أو كتاب الأب بادجر، لأنهما أسبق من كتابنا هذا ظهورا ولأن ظاهر حالهما قد يوحي بهذا الظن الذي لا أساس له من الصحة في الواقع وحقيقة الأمر.
فأما الشيخ منصور فرجل إيطالي لا نعلم من حقيقة أمره شيئا قاطعا ولا على صحة أخباره دليلا حاسما، وخلاصة أمره أنه زعم أنه جاء عمان عام (1/10)
صفحة 11
1814 ومكث فيها سنتين، وأنه لقب فيها أو لقب نفسه بالشيخ منصور فظل هذا اللقب علما له وبه عرف من بعد ذلك. وزعم أيضا أنه كان الطبيب الخاص للسيد سعيد كما كان القائد العام لجيوشه، على ما بين الأمرين من بون شاسع.
وبعد أن رحل الرجل من عمان نشر كتابا عام 1820 بعنوان وتاريخ السيد سعيد" وقد أخذ البعض بظاهر العنوان فظنوا أن موضوع الكتاب هو سيرة السيد سعيد، لكن الواقع خلاف ذلك. فعدا عن أن تاريخ السيد سعيد لم يكن قد بدأ وقت ذاك إلا منذ وقت قصير جدا لا يعدو بضع سنوات ولهذا لم يكن قد حقق شيئا ذا بال يستحق التسجيل، فإن الكتاب كان مجرد ذكريات مؤلفه عن إقامته في عمان ومشاهداته فيها وليس فيه من تاريخ السيد سعيد، على قصره وقت ذاك، إلا إشارات عابرات شحنها المؤلف كما شحن كتابه كله بالخطأ الواضح أما عن غرض صريح أو جهل فاضح (1)
أما كتاب الأب بادجر وعنوانه"السادة والأئمة في عمان (2) فهو مجرد ترجمة إلى الانكليزية لمخطوط عربي هو الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين للمؤرخ العماني ابن رزيق وقد ألحق به مؤلفه كتابه"البدر التمام في سيرة السيد الهمام سعيد بن سلطان بن الإمام". وهو تاريخ حياة السيد سعيد من وجهة النظر العمانية الموالية للعاهل العماني. وهي وإن تكن في أصلها العربي أول سيرة كاملة تكتب للسيد سعيد، إلا أن عمل الأب بادجر فيها، على عميم نفعه وسبق صدوره، يبقى مجرد نقل وترجمة، وبالتالي يبقى لمؤلفنا وكتابه فضل السبق والانفراد في هذا الميدان في اللغة الانكليزية.
? ? ?
أما المؤلف عنه فهو السيد سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد سلطان عمان <ح><ح>
__________
(1) / وقد ترجم هذا الكتاب ونشر في بيروت.
(2) / History of the IMAMS and Seyyids of Oman From A.D 661 - 1856> Edited By G.P. BAD-GER. (London 1871). (1/11)
صفحة 12
وزنجبار وكنا قد وفيناه بعض حقه من الذكر والبحث وعرفنا القراء به فيما سبق أن نشرناه حول هذا الموضوع<ح> (1) ولكن هذه المعرفة ستزداد للقراء شمولا ووفاء أثناء صحبتهم له خلال صفحات هذا الكتاب، وإن تكن في الواقع معرفة الصديق المعجب لا معرفة المؤرخ المنصف.
والظاهر من استقراء الشواهد والأنباء في سيرة السيد سعيد أنه كان ذا شخصية جذابة مؤثرة في الناس فلا يملك من يتعرف عليه من غير رعيته وأهل بلده إلا أن يمنحه الود والإعجاب ويضمر له الإكبار والإحترام، يستوى في ذلك قراء سيرته بعد مماته ومن عرفه او التقى به أثناء حياته.
فقد أجمع واصفوه من معاصريه على لطافة معشره ودماثة خلقه ومهابة محضره وجاذبية شخصه وقدرته على التأثير على من حوله وإثارة اعجابهم به واحترامهم له.
وقد كان مما يميز السيد سعيد ويحببه إلى رعيته وأصحابه ويخيفهم منه في الوقت نفسه تعدد جوانب شخصيته وتباينها. فقد كان يجمع في شخصه بين الصفة ونقيضها فتختلط في تصرفاته الفطنة والعطف والسماحة والغفران والحزم مع الغفلة والعنف والقسوة والانتقام والإهمال.
وكانت هذه الصفات المتباينات تمتزج في شخصه في نسيج متناسق متلائم يضفي عليها ضلالا محببة جذابة تبعث في القريبين منه والمحيطين به كما تبعث في قراء سيرته من بعدهم شعورا بالهيبة والوقار والحب والإكبار.
وإذا كان هذا هو رأي عامة الناس في السيد سعيد فأولى أن يكون مؤلف هذا الكتاب، وهو من سنعرف صلته بالمؤلف عنه نفسه، أكثر الناس إعجابا ببطله وأشدهم إكبارا له. لكن المؤرخ المنصف لا يستطيع أن ينساق مع عواطفه فيشارك الناس رأيهم هذا، بل أنه قد يتردد كثيرا قبل أن يقطع في الحكم له أو عليه، وقبل أن يقدر على وضعه موضعه الصحيح بين رجال التاريخ. <ح>
(1) -انظر – مثلا- مقدمتنا لترجمتنا لكتاب مذكرات أميرة عربية. (1/12)
صفحة 13
ذلك أنه كان هنا أيضا رجلا متعدد الصفات بل ومتباينها في كثير من الأحيان. فقد كان حاكما وسلطانا وكان قائدا وفاتحا وكان دبلوماسيا وتاجرا.
وقد توالت انتصاراته وانتكاساته ونجاحه واخفاقه في ميادين السياسة والحرب فكان يدخل من واحدة إلى الأخرى ويخرج من الأولى إلى الثانية فيحيل الهزيمة نصرا وقد يضيع منه النصر وهو منه قاب قوسين أو أدنى.
كان حاكما يجلس على عرش تعمل في هدمه ثورات الاهل والعشيرة داخل بلاده وغزوات الجيران على حدودها في البحر والبر وهو يدفع هذه بتلك ويداري بعضها بالبعض الآخر ومع ذلك فقد كان بعيد الهمة واسع طموح النفس يتطلع إلى مد سلطانه إلى هذا البلد أو ذاك فلما أعياه تحقيق مآربه في شبه جزيرة العرب لم يتورع عن الانطلاق بها إلى السواحل الأفريقية الشرقية حيث استطاع رغم انتكاساته العسكرية هناك، أن يقيم له ولذويه من بعده ملكا عربيا دام أكثر من قرن ولم تعصف به الأيام إلا منذ عقدين من السنين فقط.
وكانت التجارة تجري في عروقه ورثها عن آبائه وأجداده وأروثها لكل ذريته من بعده، فكان رجل أعمال ناجحا كل النجاح امتدت تجارته من سواحل الصين شرقا حتى السواحل الاميركية غربا وقد عادت عليه بجزيل الأرباح وكرائم المال وإن ألهته شيئا ما عن شؤون السياسة والحكم أو لعله وجد في نجاحه فيها تعويضا عن انتكاساته في الأولى.
وكان قائدا شديد العزم قوي الجنان شجاعا باسلا يتقدم جنوده في سوح القتال لا يبالي الأخطار ولا يخاف الحتوف.
وإذا كان الحظ والظروف لم تسعفه بانتصارات حاسمة في ميادين القتال فقد عوضه عن ذلك نصرا ونجاحا ودواما في الحكم واتساعا في السلطان، دهاؤه وقدرته على الاغراء والإلهاء وعلى الوعد والوعيد وعلى الإقناع والمساومة، كما عوضه روح المغامرة لديه ونزعة التجارة فيه أرباحا مالية ومكاسب تجارية.
ومع هذا فلعل المؤرخ يجد العذر للسيد سعيد عن كل ما تقدم من (1/13)
صفحة 14
صفات ضعفه وقوته ونجاحه وفشله من عوامل وراثته ونشأته ومن ظروف بلاده وأحوال زمانه.
فقد نشأ السيد سعيد في بيئة محافظة مغلقة ظلت معزولة – حتى عن أقرب جيرانها- قرونا عديدة، كان شاغل الناس فيها التقاتل العنيف فيما بينهم من أجل مكاسب قبلية ضئيلة أو طموحات فردية تافهة.
ولكن تطور الأحوال في العالم واندفاع أوروبا نحو الشرق وضع هذه البلاد على طريق الفتوحات الأوروبية لبلدان الشرق، فكان من الطبيعي أن تنساب إليها أطماع هذه الدول وبالتالي أن تتغير فيها المقاييس والأبعاد وأن تتحرك فيها عوامل التطور والتغيير وأن يفرز ذلك كله نتاجه الحتمي صراعا بين المحافظة والتجديد وبين الاحتلال والاستقلال وبين الانغلاق والانفتاح وصراعا من نوع آخر حول تحديد الموقف الصحيح للبلاد بين الأطراف الغازية والمتنازعة أو بين رفضها جميعها والعودة إلى التقوقع من جديد أو الاحتفاظ بحرية الحركة والعمل، إن كان أي من هذه الخيارات في الإمكان. وقد نشأ السيد سعيد في بيئته تلك وحكم بلاده هذه تحت ظل هذه الظروف وضغطها وفي زمن بدأت رياح التغيير العنيف تهب عتية كاسحة في أوروبا فتزلزل العروش وتهدد الممالك وتمتد آثارها ظاهرة أم خفية إلى بلاد السيد سعيد رغم بعد المزار ونأي الدار. فكان عليه أن يجد ويجتهد ويجاهد بكل ما أوتي من طاقة وقدرة ليقود سفينة بلاده إلى بر السلامة والأمان وأن يبحث لها ولنفسه في هذا المعترك الصاخب واللجب الزاخر عن طريق يجنبه وإياها المخاطر والصعاب.
ومهما يكن اختلاف الرأي في السيد سعيد وحكم التاريخ أو الناس له أو عليه فإن الواقع الذي لا يقبل مراء ولا خلافا أنه حكم بلاده خمسين عاما فوسع رقعتها ورفع اسمها وترك بصمات اصابعه وآثار شخصه لا على تاريخ بلاده في تلك الفترة فحسب بل وعلى تاريخ المنطقة كافة ولفترة طويلة بعد مماته أيضا، ولذلك ورغم ما للسيد سعيد من هنات ومآخذ فإنه إن لم يكن أعظم حكام عمان كافة وعلى مدى تاريخها الطويل فقد كان، دون شك ولا مراء، وسيظل (1/14)
صفحة 15
أرفعهم إسما وأبعدهم صيتا وأبقاهم على الأيام حسن سمعة وذيوع شهرة وخلود ذكر.
وبعد، فأختيار هذا الكتاب الباحث عن سيرة مثل هذا الرجل وعن تاريخ عصره وبلاده في مثل هذه الفترة التاريخية الحاسمة لأمر لا يحتاج إلى كبير تفسير ولا كثير تبرير، بل أنه ليحث على هذا الاختيار ويوجبه كل الوجوب. وهذا سبب من أسباب الاختيار.
وسبب آخر يبرر الاختيار ويدعو إليه هو شخص مؤلف الكتاب. وإذا كان الأمر مع المؤلف عنه على هذا القدر من الخطورة والأهمية فإن الأمر مع مؤلف الكتاب على قدر كبير من الندرة والغرابة وإثارة العجب والفضول. ووجه الغرابة والفضول في أمر الؤلف أنه، رغم نسبه الأوروبي الصريح فهو في الواقع وحقيقة الأمر حفيد صاحب السيرة السيد سعيد من ابنته الأميرة اميلي روث أو السيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد البوسعيدي.
ولهذا النسب الغريب بين ابنة سلطان شرقي تسكن أقصى الأرض في جزيرة زنجبار على الساحل الشرقي من القارة الأفريقية ورجل من أهل اوروبا قصة طويلة روينا بعض فصولها في مقدمتنا لترجمة مذكرات الأميرة الأم ولا بأس من أن نعيد هنا موجز هذه القصة لمن فاته الإطلاع عليها كاملة هناك وأن نضيف إليها ما تيسر لنا علمه عن دور مؤلف هذا الكتاب في هذه القصة.
كان للسيد سعيد ثلاث زوجات شرعيات فقط. اثنتان منهن فارسيتان، لم تستمر كل منهما معه إلا وقتا قصيرا ولم ينجبا منه خلفا. وكانت الثالثة قريبته السيدة عزة بنت سيف (ويقال أنها ابنة عمته السيدة موزة) وقد ظلت زوجته الشرعية الوحيدة حتى مات ولكن دون أن تنجب منه أحدا أيضا. وإلى جانب هاته الزوجات "ملكت يمينه" أعدادا غفيرة من الجواري من مختلف (1/15)
صفحة 16
الجنسيات ولدن له العشرات من البنين والبنات قيل أن من ورثه منهم كانوا حوالي السبعين وريثا من الجنسين.
وكانت له من بين هاته النسوة جارية جركسية الأصل لم تكن على قدر كبير من الجمال والصباحة كما هو المألوف في بنات وطنها، ولكنها كانت على قدر كبير من سمو الخلف ورجاحة العقل ورحابة الصدر فأكسبتها صفاتها هذه محبة ضرائرها واولادهن واحترام السيد سعيد نفسه.
وقد ولدت جلفيدان-وكان هذا اسمها- للسيد سعيد ابنتين ماتت أولاهما في سن الطفولة وعاشت الثانية واسمها سالمة، حتى ناهزت الثمانين من عمرها وهي بطلة قصتنا هذه وأم مؤلف هذا الكتاب.
ولم ترث السيدة سالمة من طباع أمها ورجاحة عقلها شيئا وإن تكن قد ورثت عنها بعض جمالها القليل أصلا. ولكنها روثت عن أبيها بعض طبعه القلق وشدة تحفزه وحدة عاطفته وكثرة حبه للمغامرات واندفاعه نحوها إظهارا للتفوق أو رغبة في بز الأقران وإن كلفه هذا غاليا أو حالت حدود القدرة أو عوامل البيئة أو حكم الظروف بينه وبين ما يريد.
وقد نشأت سالمة وترعرعت في بيوت أبيها السلطان في زنجبار مع أمها وبين العشرات من إماء أبيها المختلفات أوطانا وألوانا المتباينات نشأة وطباعا، الحاقدات الحاسدات المتباغضات الفارغات إلا من الدس والكيد والحقد والمقت والمتهالكات على كسب ود السلطان ورضاه المتآمرات على دفع أبنهائهن إلى مقام الصدارة على حساب إزاحة أبناء الأخريات. وكان إلى جانب هذا الحشد الكبير من النسوة عشرات العشرات من ابنائهن وبناتهن الذين رضعوا من هاته الأمهات لبان الحقد والبغضاء وورثوا عنهن روح الكيد والشر.
ورغم انشغال السيد سعيد بمهام الإدارة والسلطات وبالانتقال المستمر بين شطري دولته في زنجبار وعمان لقمع الفتن والثورات أو رد الغزاة، فقد كان وجوده على رأس العائلة، وإن يكن اسميا في أكثر الأوقات، عاملا بالغ الأثر (1/16)
صفحة 17
في تماسكها وانضباطها والحفاظ على حد أدنى من الهدوء والوفاق بين الجماعات المتباينة أهواؤها التي تحتوي قصوره والتي لم يكن يجمع بينها إلا جامع واحد فقط هو كونهم جميعا زوجات أو أبناء رجل واحد هو السيد سعيد.
فلما مات السيد سعيد زال الضابط الآمر، فانفرط العقد وتفرق الجمع وانطلقت الأهواء والرغبات من عقالها وجرت إلى أنواع من الصراع والكيد والمؤامرات، ظلت سمة بارزة في بنية الحكم البوسعيدي.
وقد استطاعت ام سالمة بحكتها وحسن علاقتها مع الجميع، ان تبعد نفسها وابنتها عن هذا الصراع، إلا أنها ما لبثت أن ماتت بعد سنتين أو ثلاث وتركت ابنتها سالمة وهي في الثالثة عشرة من عمرها يتيمة وحيدة في غليان الأحقاد والأطماع هذا. فما لبثت سالمة أن اندفعت إلى هذا المعترك بكل طيش عمرها وحدة عاطفتها وشدة رغبتها في الإتيان بغرائب الأفعال لاثبات وجودها وشد أنظار الناس إليها وإثارة اهتمامهم بها، فانغمست بالسياسة ومؤامراتها وصارت، ربما دون شعور منها، في صف الجماعة التي يقودها أخوها السيد برغش والتي كان الفرنسيون يحركونها من وراء ستار أداة في صراعهم للحلول محل الانكليز في السيطرة على شؤون البلاد.
وقد كادت سالمة للسلطان الجديد السيد ماجد وهو أقرب أخوتها إليها وأعزهم على نفسها كما كان هو أكثرهم اعزازا ومحبة لها، وقادت ضده ثورة مسلحة لصالح أخيها برغش ومن وراءه من الحزب الفرنسي. وقد أوشك الثوار على النجاح لولا تدخل الانكليز-لأول مرة- بقوة السلاح وإرغامهم السيد برغش على الاستسلام والرحيل إلى الهند حيث عاد منها بعد سنتين وهو من أشد أنصار السياسة البريطانية وأكبر أصدقائها وقد تجلت عواطفه الودية نحوهم خلال فترة حكمه في زنجبار من عام 1870 حتى عام 1888.
وبفشل الثورة ضاعت آمال سالمة السياسية كما ضاعت معها أموالها التي أنفقتها على هذه الثورة الفاشلة كما وخسرت عطف أخيها السلطان ماجد وحبه (1/17)
صفحة 18
ففرض عليها الإقامة الجبرية في دارها لا تبرحه إلا بإذن منه وتحت حراسة مشددة، وجر عليها عملها هذا نفرة أخوتها وأخواتها وأصدقائها من الرجال والنساء عنها إما امتعاضا من أفعالها أو خشية من نقمة السلطان الجديد عليهم.
وفي غمرة هذه الأزمة النفسية المستحكمة الخانقة حدث أن سكن إلى جوار دارها شاب الماني كان يعمل في شرك المانية في زنجبار هو المستر روت الذي صار زوجها فيما بعد وظلت تحمل اسمه حتى الممات.
وكان كلاهما في ريعان العمر وفورة الشباب واحتدام العاطفة. وكان كل منهما شيئا غريبا على الثاني مجهولا منه، مثيرا للغرابة والفضول ومغريا لكل منهما بمزيد من الكشف والاستطلاع. فقد بهرها فيه أوروبيته، ووسامته وطباعه وعاداته وجذبها إليه شرقيتها العريقة ونسبها العالي وبشرتها السمراء وعيناها النجلاوان، كما بهره فيها شبابها المتفتح وطبعها المتحفز وحبها للتحدي واقتحامها المخاطر والأهوال في سبيل الاتيان بالأوابد والغرائب من الأعمال.
وسمع بطبيعة الحال أخبارها فاختلط لديه واقع الحال بأساطير الشرق وشخص السيدة سالمة بأطياف شهرزاد ورؤى ألف ليلة. فشغف أحدهما بالآخر عن بعد ثم ما لبثت حبال الود أن اتصلت بينهما سرا فانغمسا في حب عنيف لم يعد من سبيل إلى كتمانه عن أعين الحراس والمراقبين وبالتالي عن أسماع أخيها السلطان وبخاصة بعد أن بدأ جسمها يكشف للعيان إثارة الجسدية المتطورة.
ولم يكن باستطاعة أخيها السيد ماجد وهو السلطان العربي المسلم أن يقبل هذا الحال أو أن يصبر عليه فأرسل إليها أمرا بوجوب التهيؤ للسفر لأداء فريضة الحج مع جمع من عبيده وجواريه. ولم يفت سالمة فهم دلالة هذه الرسالة فقد كانت دليلا واضحا على علم السلطان بمغامراتها الجديدة وإيماءة صريحة إلى ما سينتظرها في طريق الحج من مصير، فقد كانت مثل هذه الدعوات للسفر وسيلة مألوفة للتخلص ممن يراد التخلص منهم بسرية وهدوء. ولم يكن أمامها إلا أن توافق على السفر وأن تستمهل أخاها فترة من الزمان لتعد نفسها لهذه السفرة الطويلة. وفي هذه الفترة اتصلت وصديقها الألماني بالقنصل البريطاني في زنجبار (1/18)
صفحة 19
وهيأوا بالاتفاق مع ربان إحدى القطع البحرية العسكرية البريطانية خط لهروب السيدة سالمة إلى خارج البلاد.
وفي اليوم المحدد للسفر خرجت وجارياتها للسباحة في البحر ولكنها أوغلت في البحر وأبعدت في سباحتها عنهن وعن الشاطئ كثيرا رغم إلحاح الجاريات لها بوجوب العودة والحذر من خطر التيار إلا أنها لم تعبأ بهن حتى مر-بسابق اتفاق بطبيعة الحال- زورق حربي بريطاني فانتشلها ونقلها إلى السفينة الراسية بعيدا والتي أقلعت حال وصول السيدة سالمة إليها.
وقد نقلتها السفينة البريطانية إلى عدن حيث نزلت في ضيافة إحدى العائلات البريطانية فيها، وهناك بعد أن وضعت طفلتها الأولى لحق بها صاحبها وأعلنا زواجهما بعد أن أعلنت هي تنصرها وعمدت بإسم اميلي روث ثم غادرا إلى مدينة هامبرج في إلمانيا حيث جعلها مقر اقامتهما.
ولكن الحياة لم تصف لهما هناك فقد مات الزوج بعد ثلاث سنين في حادث اصطدام قطار وبعد أن ترك لها ابنتين وولدا هو السيد سعيد روث مؤلف كتابنا هذا.
وبعد وفاة الزوج صار على السيدة إميلي روث أن تواجه أحداث الحياة وصعابها وأن تنهض بعبء تنشئة أولادها بمفردها، فتوالت تجارب الحياة الأوروبية الجديدة بقسوتها وصرامتها على الأميرة الشرقية ابنة القصور وربيبة الدلال، فاختلفت عليها أنماط عجيبة من الناس لم تألفهم من قبل في بيئتها الشرقية المحدودة ولم تستطع أن تتبين حقائقهم إلا بعد فوات الأوان. فقد كان فيهم المخلص والغدار والطيب والخبيث والصادق والمكار وكان فيهم الطامع فيها أو الطامع في مالها. واختلفت عليها الأيام عسرا بعد يسر وضيقا بعد رخاء ويأسا بعد رجاء، وزاد الأمر سوءا وفاة أخيها السلطان ماجد عام (1870) وانقطاع ما كان يصل إليها منه سرا من رفد ثم اعتلاء أخيها الأخر السيد برغش عرش السلطنة ومناصبته لها العداء الشديد بكل ما ورثه عن أمه الحبشية من (1/19)
صفحة 20
شراسة الخلق وقسوة الطبع وحدة المزاج وروح الحقد والكراهية فجاءت هذه الأيام والأحداث على ما كان عندها من مال قليل فاستهلكته وأفنته، وتكالبت عليها قسوة الجو وأطاع الناس وغربة الدار وانعدام النصير فنالت هذه منها كل منال وزعزعت ثقتها بالناس والحياة ثم أجتمعت عليها النكبات والأمراض فلم تجد مخرجا من حالها هذا إلا باللجوء إلى الحكومة البريطانية تطلب عونها بالعودة إلى السكن في بلدها زنجبار أو باستخلاص بعض حقوقها المالية من أخيها السلطان الذي كانت مشاركتها له في مؤامراته السابقة للوصول إلى الحكم هي علة ما انتهت إليه من سوء حال.
والتقطها الانكليز ورقة رابحة في لعبة ترويض السيد برغش واخضاعه لمطالبهم فلما تحقق لهم ذلك رموا بها وأهملوها فتلقفتها السلطات الألمانية وسيلة ضغط قوية على الانكليز والسلطان برغش معا في صراع التسلل إلى الساحل الأفريقي الشرقي ومشاركة الانكليز النفوذ فيه والسيطرة عليه. ولما تحقق للألمان هدفهم هذا لم يتخلوا عنها كما فعل الانكليز وإنما أكرموها وحفظوا لها كبرياءها وانصرفت هي إلى كتابة مذكراتها ونشرها.
? ? ?
وخلال مقام السيدة اميلي في المانيا وممارستها نشاطها السياسي تعرفت إلمى أركان الحكومة الألمانية وعلى رأسهم المستشار بسمارك رجل المانيا الحديدي فمنحت لقب أميرة وصارت تعرف بالبرنسيس اميلي روث، وتعرفت كذلك على العائلة المالكة الألمانية. وكان ملك بروسيا (1861 - 1871) ثم امبراطور الألمان (1871 - 1888) آنذاك الأمبراطور وليام اوغليوم الأول (1792 - 1888) وكان ابنه وولي عهده فردريك (1831 - 1888) متزوجا من الأميرة فكتوريا، الإبنة البكر للملكة فكتوريا ملكة انكلترا (1837 - 1901)، وقد أعجبت الأميرة الأنكليزية بنظيرتها الأميرة الشرقية وقامت بينهما صداقة وطيدة انتشلت اميرتنا من مهاوي الفاقة التي كادت أن تتردى فيها.
وقد قدر لزوج هذه الأميرة أن يرتقي العرش إثر موت أبيه (1888) باسم (1/20)
صفحة 21
فردريك الثالث ولكنه لم يلبث على العرش إلا تسعا وتسعين يوما من صيف عام 1888 ثم مات بسرطان الحنجرة. فتولى العرش بعده ابنهما الملك الشهير غليوم الثاني (1859 - 1941) الذي حكم المانيا حتى عام 1918.
ولم يكن الابن على علاقة طيبة مع أمه، وكان ينقم عليها لأنها ولدته مشلول الذراع الأيسر ويأخذ عليها شدة انكليزيتها وروحها الديقراطية وعدم تفهمها للروح الألماني العسكري وكثرة انقيادها إلى اخيها أمير ويلز (1841 - 1901) أو الملك ادوارد السابع فيما بعد (1901 - 1910) مما اضطر الملكة الوالدة على فراق ابنها الأمبراطور والعودة إلى بلدها انكلترا حيث عاشت بقية حياتها، ورأت انهيار ملك ابنها على يد جيوش وطنها.
وقد اصطحبت معها في عودتها إلى بلادها السيدة سالمة أو الأميرة اميلي روث وأولادها أو أنهم لحقوا بها حيث تربوا ونشأوا تحت رعاية الأميرة البريطانية ومنهم بطبيعة الحال مؤلف كتابنا هذا، وهكذا شاءت مفارقات الحياة أن تعود السيدة سالمة إلى العيش في بلاد الانكليز التي ناصبتها العداء طيلة حياتها.
? ? ?
ولا نعرف الكثير من أخبار أميرتنا الشرقية سالمة بنت سعيد أو البرنسيس الألمانية اميلي روث أثناء مقامها الطويل في انكلترا. بل نحن لا نعرف على وجه الضبط تاريخ هجرتها إلى هناك وإن كنا نخمن أنها وقعت في أخريات القرن التاسع عشر أو أوائل هذا القرن حين هجرت الأمبراطورة الألمانية الأم ديار ولدها العاهل الألماني بعد أن بدت واضحة للعيان مظاهر الغرور والكبرياء لديه وظواهر المقت والبغضاء لخاله الملك ادوار السابع ملك الانكليز.
ويبدو أن السيدة سالمة لم تقطع صلتها بالمانيا بل ظلت تعاود زيارتها لها بين الحين والآخر بدليل وفاتها في إحدى المدن الألمانية عام 1926. ولعلها تركت إحدى بنتيها هناك.
ولكننا نعرف على وجه التأكيد أن بطلة قصتنا عاشت عمرا طويلا ناهز (1/21)
صفحة 22
الثمانين عاما حافلا بالغرائب والأوابد من الأمور وهما طابعا حياتها المتميز، فشهدت تقلب الأحداث والأقدار بها وبلادها زنجبار وبالعالم أجمع فشهدت، آسفة متألمة ولا شك، انهيار بلدها الثاني المانيا وتشرد اصدقائها أعضاء العائلة المالكة الألمانية وما تلا ذلك من تطور الأحداث. وشهدت كذلك احتدام الصراع العنيف الطويل على السلطة بين الأخوة والأعمام في كل من مسقط وزنجبار<ح> (1).
ونحن لا نعرف طبيعة صلتها بوطنها الأم زنجبار منذ وفاة أخيها برغش عام 1888 حتى وفاتها هي بعده بحوالي أربعين عاما، وبعد تداول الحكم بين أخوتها الآخرين وأبنائهم، وبعد أن تحسنت علاقتها هي بالانكليز، خصومها القدامى، وبعد أن أحكم الانكليز من جانبهم قبضتهم الشديدة على زنجبار، فجردوها من أملاكها وأحالوها بعد العز والازدهار إلى مجرد محمية صغيرة فقيرة ضئيلة الشأن. فلعلها أن تكون قد عادت لزيارة زنجبار أو أنها التقت مع بعض سلاطين زنجبار، وهم أخوتها أو أبناء أخوتها، أثناء زياراتهم المتكررة إلى لندن.
ومهما يكن من أمر صلتها هذه، فإن مما لا شك فيه أنها ظلت حتى وفاتها خالصة الوفاء لبلدها دائمة الحنين إليه شديدة الإعجاب به وبأهله كثيرة الزهو والافتخار بأبيها السلطان سعيد وأمجاده.
وقد غرست هذا الوفاء والإعجاب في نفوس ابنائها ومن أجل هذا كله كتبت لهم مذكراتها الشهيرة والتي ساهمت إلى حد كبير في رفع اسم أبيها وازدياد شهرته.
ولا عجب بعد هذا إذا ما نشأ مؤلف كتابنا هذا معجبا كل الإعجاب بجده السلطان الذي يحمل اسمه، فخورا كل الفخر بنسبه الملكي ولا عجب أيضا أن يكتب لنا سيرة جده كتابة المعجب المحب. <ح>
(1) -لمعرفة روابط النسب وعلاقة البعض الآخر انظر جدول النسب في الملحق ج2 في آخر هذا الكتاب.
(1) عمل السير برسي كوكس قنصلا لبريطانيا في عمان ثم مقيما سياسيا في بوشهر وعين بعدها مندوبا ساميا لبريطانيا في العراق فكان له في تاريخ العراق السياسي دور ملحوظ (المترجم).
(1) فيما يخص الأسرة اليعربية (1624 - 1724/ 1728 - 1741)، انظر مايلز الفصل 4، وبادجر، وكذلك بورتون ج1 ص285 وقد اتفق حمير بن سليمان اليعربي مع محمد بن ناصر الجابري وثارا ضد سعيد بن سلطان واستوليا على قلعة نخل حوالي عام 1815. ولكن حمير وإن نجح في الحرب فقد سقط ضحية الغدو ووقع بيد سعيد الذي حكم عليه بالموت. انظر التقرير 1883 - 1884ص25وما يزال بعض الأحياء من اليعاربة يعيشون حتى عام 1885 قرب وادي سمايل حيث لجأوا إلى هناك فرارا من اضطهاد خلفائهم البوسعيد لهم. انظر التقرير 1885 - 1886ص22. ويبلغ تعداد قبيلة اليعاربة في الوقت الحاضر حوالي الـ800 شخص ويسكنون بلدة نخل وتويه وتكه وحزم، انظر الدليل ص 600.
(2) فيما يخص البرتغال في البلاد العربية الشرقية، انظر مايلز ف3، التقرير 1884 - 1885 ص24، وبورتون ج1 ص 278.
(3) أنظر بادجر ص132 و141و147.
(4) نصب إماما في جامع بلدة نخل عام 1738. انظر بادجر ص811و145
(5) قيل انه كان تاجرا. باجر ص711، أو بنهايم ج2ص240، وهوارت ج2ص268، وقيل أنه كان سائق جمال، انظر التقرير1880 - 1881ص32، وكرزون ج2ص435. (1/22)
صفحة 23
وقد قلنا أن المؤلف كان قد شب وترعرع في بلده المانيا ثم انتقل مع أمه إلى انكلترا وفيها عاش برعاية الأميرة فكتوريا عيشة يبدو أنها كانت على شيء من السعة والرخاء.
ولا يعرف كاتب هذه السطور من أمر حياته في انكلترا شيئا ذا بال كبير غير أنه كان يلتقي أخواله وأبناءهم من سلاطين مسقط وزنجبار عند زياراتهم المكررة إلى لندن. وإنه بحكم نشأته وظروف حياته قد تعلق بتاريخ جده فوعى بعضه عن أمه ودرس باقيه في ما كتب عنه باللغات الاوروبية حتى ذلك الحين وكان نتاج هذا وذاك كتابته سيرة جده هذه ونشرها عام 1929.
وفي صيف نفس ذلك العام زار لندن سلطان زنجبار يوم ذاك السيد خليفة بن حارب بن السلطان ثويني بن السلطان سعيد، فأقامت الجمعية الآسيوية الملكية حفل تكريم له ألقى فيه مؤلفنا سعيد محاضرة وافية عن تاريخ البوسعيد في عمان وزنجبار وهكذا جمعت مفارقات الحياة بين المحاضر وهو الحفيد الأول للسلطان سعيد وبين السلطان المحتفى به وهو حفيده الآخر وبين الحفيدين ما بينهما من اختلاف النشأة والظروف والثقافة والتفكير والمقام.
وبعد فلعلنا – وقد أفضنا في شرح هذه القصة- نكون قد ألقينا – ولو عرضا- بعض الضوء على جوانب مجهولة من تاريخ زنجبار تكشف عن نزاع الأخوة والأخوات فيما بينهم وتكالبهم على السلطة والمال واستغلال الدول الكبرى، وهي وقت ذاك فرنسا وانكلترا والمانيا، لهذا النزاع في صراعها الكبير لإحكام سيطرتها السياسية على تلك البلاد.
إلا أن هدفنا المباشر من شرح هذه القصة هو تبيان طبيعة العلاقة بين صاحب السيرة ومؤلفها وقد ذكرنا من قبل أنها صلة فريدة من نوعها لغرابة منشئها واتساع مساحتها في الزمان والمكان وندرة وقوع أمثالها إلا في القصص والخيال، وأنها بالتالي تصلح سببا من أسباب اختيار هذا الكتاب للترجمة والنشر. (1/23)
صفحة 24
وإلى جانب هذا وذاك فقد كشف لنا سرد هذه القصة عن بعض الجوانب الخلقية الاجتماعية والعاطفي للمؤلف مما يفيدنا في تقييم الكتاب وبيان مكانه بين كتب السيرة والتاريخ، فإن اختيارنا هذا الكتاب للترجمة والنشر للأسباب التي قدمناها لا يعني البتة أنه قد بلغ حد الكمال والاتقان في ما كتب من أجله.
وكتابة السيرة نمط من أنماط كتابة التاريخ: وتتميز عن سواها من أنماط أخرى في أنها تنظر إلى احداث التاريخ وأسبابها ونتائجها في فترة معينة، من خلالها نظرتها لسيرة رجل واحد من رجالات تلك الأحداث في تلك الفترة بالذات.
ولهذا السبب ولأن دافع الكتاب إلى اختيار سيرة رجل ما، هو في الغالب، إعجابه بصاحب سيرته أو ميل هواه إليه وأن هدفه منها هو تمجيد بطله أو الدفاع عنه، فإن كتب السيرة نادرا ما ترقى إلى مقام الأبحاث التاريخية الأصيلة، ذلك أن عاطفة المؤلف لا بد وأن تلقي بظلالها على نهج المؤلف وأحكامه فتلونهما بألوان تخرج بهما عن الموضوعية في البحث والحيدة في الأحكام.
وإذا كان الأمر كذلك مع كتاب السير عامة، فأولى بالأمر أن يكون أشد وأوضح مع مؤلف كتابنا هذا لقريب صلته بصاحب سيرته ووثيق علاقته به ولشدة إعجابه به إعجاب الحفيد بأمجاد جده ذلك الإعجاب الذي ازداد قوة ونماء وخصب خيال وارهاق عاطفة بكثرة ما أسمعته أمه العزيزة على قلبه من أحاديث وقصص فيها الواقع الحق وفيها الخيال المرهف الذي يلهب مخيلة الغربيين ويؤجج عواطفهم عن أبيها السلطان الشرقي وممالكه القاصية وراء البحار في بلاد العرب أو بلاد الزنج وما فيها من سحر جذاب ورونق خلاب، وما مذكراتها عن ابيها وبلاده إلا غيض من فيض.
وقد انعكس هذا الإعجاب واضحا بينا في ثنايا السيرة كلها دفاعا عن السيد سعيد وتمجيدا لأعماله أو تبريرا- ساذجا في بعض الأحيان- لبعض مواقفه (1/24)
صفحة 25
وانتكاساته في مواضع لا مبرر للإعتذار عنها وفي مواضع أخرى لا ينفع فيها الاعتذار والتبرير ويكون لاعتراف بالخطأ أو الفشل فيها فضيلة ومكرمة.
ولهذا فقد قلنا من قبل أن قارئ هذا الكتاب سيتعرف على السيد سعيد معرفة الصديق المحب لا معرفة المؤرخ المحقق. ولسنا في حاجة للإستشهاد هنا بأمثلة على هذه الظاهرة وإنما سيشهدها القارئ بنفسه واضحة كل الوضوح في ثنايا السيرة كلها.
? ? ?
وهنة أخرى من هنات البحث لا بد من الإشارة إليها وهي ضعف الأداة التاريخية لدى المؤلف وقلة محصوله التاريخي. فنحن، وإن لم نعرف خلفية ثقافته التاريخية وطبيعتها كما أننا لا نعرف له كتابا في التاريخ أو غيره غير كتابه هذا، إلا أن استقراء طريق بحثه في الكتاب لا تكشف عن فكر تاريخي نافذ ولا عن يد ماهرة قوية في تناول أحداث التاريخ ودراستها وتدوينها.
فمن علائم ذلك أنه لم يدرس السيد سعيد في بيئته وظروفه وفي زمانه ومكانه ولم يحاول أن يدرس شخصية السيد سعيد وظروف نشأته والعوامل الداخلية والدولية، والسياسية والاجتماعية والدينية التي عملت في تكوين ذلك الشخصية وأكسبتها شكلها الذي كانت عليه، وبالتالي، وبطبيعة الحال فإنه لم يكشف لنا عن مقدار المطابقة أو التناقض بين مقومات شخصية السيد سعيد وبين تصرفاته وأعماله الناجحة وغير الناجحة.
ولم يعمل المؤلف شيئا من هذا وإنما اكتفى بتقديم ملامح عامة وصور جانبية لشخص السيد سعيد وحياته، وبعرض غير كامل ولا شامل، لأعماله خلال حكمه الطويل الحافل بالكثير من عناصر البحث، وقد اختارها، بما يلائم ميوله وهواه ويخدم غرضه، مما توافر لديه من المصادر الغربية المتيسرة عن عمان وقت ذاك، وأكثرها كتب سياحة ورحلات أو تقارير سياسية آنية، ليس فيها من التحقيق التاريخي شيء كثير ولم يحاول المؤلف من جانبه إخضاعها إلى كثير من التحقيق والتمحيص والإمتحان. (1/25)
صفحة 26
وقد أخذ عن هذه المصادر مادة بحثه الأساسية وهي السياسة الخارجية لجده السلطان وفتحه لجزيرة زنجبار ثم حياته فيها وفي الاقتصار على هذا الجزء من تاريخ السيد سعيد إغفال للمقومات الأساسية الثلاث التي قام عليها تاريخ السيد سعيد وتاريخ عصره، وهي:
- علاقته المتميزة مع الانكليز وسياسة الانكليز معه.
- حروبه مع جيرانه العرب في عمان ومحاولاتهم المتكررة والناجحة في بعض الأحيان في احتلال عمان أو أجزاء منها.
- صراعه الدائم والمرير داخل عمان ضد ثورات القبائل وضد مؤامرات بني عمومته ضده من أجل الحكم والسلطة أو من أجل المال والابتزاز.
والواقع أن هذه الظواهر الثلاث لا تكون حجر الزاوية في حياة السيد سعيد وحكمه فحسب، بل كانت ولم تزل، ظواهر بارزة في بنية الحكم البوسعيدي في عمان وفي زنجبار: ولا يمكن أن يستقيم فهم تاريخ الدولة البوسعيدية- ماضيا وحاضرا- إلا بدراسة هذه الظواهر الثلاث وفهمها حق الفهم.
وإذا ما وجدنا العذر للمؤلف في إغفاله البحث الأول، من طبيعة علاقته مع الانكليز، وهو عذر غير مقبول في شرعة التاريخ، فإننا لا نجد له عذرا في إغفال البحثين الآخرين إلا قلة محصوله في التاريخ العربي العام.
فالظاهر من كتابه أنه يتهيأ له الإلمام بتاريخ العرب وفهم أثره على تاريخ عمان، كما لم يتهيأ له فهم الإسلام فكرا ودينا، وما تفرع عنه من مذاهب وطوائف منها المذهب الاباضي الذي تتبعه غالبية أهل عمان والذي كان له الدور الأكبر في توجيه تاريخ عمان وتقرير مصيرها. وكذلك المذهب الوهابي الذي نشأ في نجد في أخريات القرن السابع عشر والذي ترك بصماته واضحة على تاريخ عمان منذ أوائل القرن الماضي وحتى اليوم.
وأكثر من هذا فإنه لم يتعرف على تاريخ عمان القديم إلا من خلال ما (1/26)
صفحة 27
ترجمة الأب بادجر من كتاب الفتح المبين لابن رزيق. وعنه أيضا نقل لنا ما نقل من أخبار حياة السيد سعيد وأعماله السياسية والعسكرية في عمان.
وتاريخ عمان في تلك الفترة، كتاريخها قبل ذلك وبعده، حافل بالحروب والغزوات، والمؤامرات والثورات، وهو تاريخ غامض مرتبك ويزيده غموضا وارتباكا طريقة ابن رزيق في العرض والتدوين، ولعل هذا مما زهد مؤلف كتابنا هذا في تاريخها وجعله يكتفى بالقليل منه ويضرب صفحا عن الخوض في تفاصيله، وهذا إن صح، عذر غير مقبول في شرعة المنهج التايخي القديم.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن ابن رزيق كان «مؤرخ القصر» وأن تاريخه هو «التاريخ الرسمي» لدولة البوسعيد ومنها السيد سعيد نفسه. فقد كان ابن رزيق مقربا من أفراد البيت الحاكم يعيش في ظل أحد أبنائها الذين طلب إليه أن يكتب تاريخ عائلته فوضع له ابن رزيق كتابين هما: "التفح المبين في تاريخ عمان والبوسعيد» وكتاب «البدر التمام في سيرة الهمام السيد سعيد. . ابن الامام»، وهو كتاب في حياة سعي وسيرته.
وطبيعي أن يؤخذ على هذين الكتابين، وفي الواقع على كل ما كتب ابن رزيق وهو كثير، لا ما يؤخذ على كتب السير فحسب، بل ما يؤخذ ايضا على التواريخ الرسمية من مجاملة وزيف ونفاق.
وقد تسربت كل هذه الهنات عن قصد أو دون قصد إلى كتاب المستر روث عن جده السيد سعيد فخرجت به عن القصد القويم.
* * *
وإلى جانب ضعف مؤلفنا بالأداة التاريخية يظهر لنا ضعفه في أداء المعاني والافكار. وهذا لا يظهر بطبيعة الحال في هذه الترجمة العربية وإنما يظهر لمن يقرأ الكتاب في اللغة الانكليزية التي عنها ترجمناه.
فلغة المؤلف تبتعد كثيرا عن مستوى الإجادة والبيان. فهو يختار مفرداته (1/27)
صفحة 28
«قاموسية» من الغريب الدارس ويأتي بها كأنها الصخرة المقطوعة من جبل وسط جمل ضعيفة بسيطة ولكنها طويلة مملة واهنة الارتباط.
ويقتضينا الحق والانصاف أن نذكر للمؤلف عذره في هذا الأمر. فالمؤلف الماني الجنس والنشأة واللغة. والجمل الطوال خاصة من خصائص اللغة الألمانية ومن مظاهر الجمال وحسن البيان فيها، والانكليزية ليست لغة المؤلف الأولى ولعله لم يتعلمها إلا عند قدومه إلى انكلترا في أوائل هذا القرن وهو – وقت ذاك- قد ناهز الخمسين من عمره.
لذلك فلا عجب إذا ما اصطنع في الانكليزية أساليب اللغة الألمانية في البيان والتبيين. وأن يجهد نفسه في اختيار اللفظ الانكليزي لأفكار، وهو اللفظ القاموسي في أكثر الأحيان.
ولوجود هذا الكتاب في اللغة الألمانية أيضا فلعلنا لا نعدو الحق كثيرا إذا ذهبنا إلى القول أنه قد وضع بالألمانية أولا وبها نشر ثم ترجمه مؤلفه نفسه إلى الانكليزية وهذه علة ما به من ضعف في أداء المعاني والافكار وفي اختيار المفردات وتركيب الجمل.
* * *
وبعد فهذا هو الكتاب بما له وما عليه. أقدمنا على اختياره وترجمته للأسباب الوجيهة المبررة لذلك والتي قدمنا ذكرها من قبل، والتي لم تكن لتعني خلوه من المآخذ. ورغم كل ذلك فسيبقى هذا الكتاب جديرا بالقراءة لطبيعته وطبيعة مؤلفه وبطل سيرته.
وإذا لم يبلغ هذا الكتاب حد الكمال والإلمام التام بحياة السيد سعيد وعهده فإنه يصلح ولا شك مدخلا للدراسة ودليلا لهذه الدراسة النافعة- ولا شك- والكاشفة عن الصراعات العنيفة للقوى المحلية والعربية والدولية في تلك الفترة من فترات تاريخنا القومي وفي ذلك الجزء الصغير، والعزيز، من وطننا العربي الكبير، وما تركت تلك الصراعات من آفات ما زالت سمومها تجري في (1/28)
صفحة 29
العروق والدماء. ولهذا فلعل ترجمتنا لهذا الكتاب تحفز مؤرخينا إلى الاضطلاع بدراسة تاريخ السيد سعيد وعصره دراسة أتم وأوسع وأشمل وبكل موضوعية في البحث وحيدة في الحكم.
عبد المجيد حسيب القيسي (1/29)
صفحة 30
[صفحة بيضاء] (1/30)
صفحة 31
الاهداء
إلى أمي
السيدة سالمة (أميلي روث)
التي:
ولدت في زنجبار في الثلاثين من شهر آب من عام1844 وتوفيت في بلدة يونا في المانيا في اليوم التاسع والعشرين من شهر شباط عام 1924.
والتي:
عاشت حياتها الطويلة هذه من أجل رسالتها العظمى وهي الكشف للغرب عن أصالة المرأة الشرقية ونبل خصالها.
سعيد روث (1/31)
صفحة 32
[صفحة بيضاء] (1/32)
صفحة 33
تصدير
أما وقد قدر لي أن أقضى في عمان خمس سنوات ممتعة هانئة، وأن أتشرف بصداقة اثنين من ابرز حكام البيت المالك وهما السلطان السيد فيصل بن تركي بن سعيد والسيد تيمور بن فيصل، السلطان الحالي في مسقط، والذي زار بلادنا في الصيف الفائت، لذلك فقد لبيت بكل سرور دعوة مؤلف هذا الكتاب لتصدير كتابه بكلمتي هذه (1).
وقد كان لأحداث الحرب العظمى وللدور الذي لعبه في ساحتها الشرق أوسطية أصدقاؤنا وحلفاؤنا العرب أثر كبير في بعث اهتمام أبناء الغرب بالشؤون العربية العامة.
ولكن المؤسف في هذا الاهتمام المتزايد بأمور العرب هو طغيان القص والخيال عليه وانصرافه كله أو أغلبه إلى ما أطلق عليه أحد المعاصرين وصف "قصص الشيوخ" لكن هذه النزعة ما لبثت أن تعدت ميدان القص والخيال إلى ميادين التاريخ والجغرافيا والرحلات. ولهذا ولأن كتاب المستر سعيد روث هذا يعتبر عملا بارزا في ميادين التاريخ فهو يستحق من القراء الجادين كل الترحيب القلبي الصادق. (1/33)
صفحة 34
وموضوع بحث المؤلف في هذا الكتاب هو السيد سعيد بن سلطان إمام عمان، وسلطان زنجبار (وهو جد المؤلف من جهة أمه). وهو وإن لم يكن المؤسس الأول لدولة البوسعيد إلا أنه، ودون أدنى شك كان وسيظل أبرز أعلامها صيتا وأشهرهم ذكرا في التاريخ.
والثابت أن عرب المناطق الجنوبية في شبه جزيرة العرب كانوا، ومنذ أقدم الأزمان رجال بحر وملاحة، وقد اعتادت سفن اسطولهم التجاري أن تنساب جنوبا نحو مياه المحيط الهندي مع هبوب النسيم الشمالي الشرقي في كل عام، لتعود بعد ذلك إلى بلادها في الربيع تدفعها الرياح الموسمية القادمة من الجنوب الغربي. وكانوا قد احتكروا فعلا ولقرون عديدة نقل تجارة الشرق، وقد كان لهم في مياه البحار الهندية الدور نفسه الذي كان للفنيقيين في مياه البحر الأبيض المتوسط. ولم يتغير حالهم هذا إلا بظهور السيد سعيد السلطان عمان على مسرح الأحداث حيث استطاع بطموحه البناء أن يؤسس ملكا في افريقيا كان هو أول سلطان له وجعل من زنجبار عاصمة له حتى غدت تدعى «كعبة الأفارقة» ولهذا يستحق السيد سعيد أن يتبوأ مكانا في متحف التاريخ العالمي.
أما بالنسبة إلى هذه البلاد فإن ما قدمه لها السيد سعيد خلال حكمه الطويل (1804 - 1856) من عون ووفاء يحتم علينا أن نحتفظ له بأعطر الذكرى، فقد دفعت به قوة جنانه وصلابة خلقه إلى الوقوف علنا وبشجاعة وولاء إلى جانب بريطانيا في جهودها الطويل المضنية الهادفة إلى منع تجارة الرقيق في أفريقيا وإلى إيقاف نشاط القواسم في الخليج العربي وفي وقت لم تجد بريطانيا لها نصيرا في جهودها هذه من الدول الغربية، رغم ما كلفه هذا الموقف من متاعب مادية وأدبية بل وخطر داهم على حياته، هذا عدا عما اتسمت به جميع تصرفاته مع الحكومة أو مع رعاياها الزائرين بلاده من كرم شرقي أصيل كان موضع الاعجاب في كل مكان في ذلك الزمان.
ولظهور هذا الكتاب الباحث في سيرة السيد سعيد وعصره، في هذه الأيام الحرجة أهمية خاصة، وذلك لتوافقه- غير المقصود طبعا- مع تجدد حركة (1/34)
صفحة 35
البركان الوهابي في أواسط شبه الجزيرة العربية هذه الأيام. وكان السيد سعيد قد قضى أغلب أيام حكمه الطويل ممتشقا حسامه استعدادا للدفاع عن أرض وطنه ضد الهجمات الوهابية العنيفة.
واليوم وفي مطلع هذا القرن العشرين وبعد هدوء دام زهاء نصف قرن بعد وفاة السيد سعيد، بدأ الوهابيون يعاودون نشاطهم السابق، وبأشكال جديدة لم تتضح لنا أبعادها وأغراضها بعد وإن كان تغير الأحوال بسبب الحرب العالمية المنصرمة، وحكمة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز وسلطان نجد قد خففتا من حدة التحرك الجديد واندفاعه.
ولا بد لي في الختام من أن أضيف كلمة أخرى عن أهمية هذا الكتاب فأقول بأني أكاد أن أكون بوذيا في أمر تقدير السلف الصالح ولذلك فلا بد لي أن عبر عن مشاعري الشخصية وتقديري كل التقدير للجهود المضنية التي بذلها المؤلف لاستخلاص مادة كتابه هذا من المصادر التاريخية المتشابكة وللتوفيق الذي حققه في جلاء تاريخ رجل من اشهر الرجال الذين ظهروا على مسرح التاريخ العربي.
برسي. ز. كوكس (1/35)
صفحة 36
[صفحة بيضاء] (1/36)
صفحة 37
مقدمة المؤلف
من بين بلاد شبه الجزيرة العربية المجهولة منا جميعها تقريبا، تعتبر بلاد عمان، - المقطوعة حتى عن بقية بلاد العرب بصحار شاسعة وعن البحر بجبال منيعة شاهقة- أكثرها انقطاعا عن العالم واقلها اشتهارا فيه ولهذا السبب أراني في حل من تبرير سبب اقدامي على تقديم هذا الكتاب الباحث عن أعظم حكام عمان إن لم يكن أعظم حكام العرب قاطبة تمهيدا لكتاب آخر أكبر وأوسع عن حكم البوسعيد في عمان وزنجبار يجري إعداده الآن.
وسيتضح للقارئ من النظر إلى الكشف الوافي بالمراجع بأننا لم ندخر وسعا في تحري الحقيقة التاريخية الصرفة. ولكن نظرا لندرة المعلومات الوثائقية بل وتناقضها في بعض الأحيان، لاستنادها في غالب الأحيان على روايات غير موثوقة، فإن مهمتنا لم تكن سهلة، ولهذا فإننا نعتذر عن عدم الدقة التي تسربت على الرغم منا إلى بعض أجزاء هذا التاريخ والتي لم يكن إلى تجنبها من سبيل.
وبسبب كثرة المراجع المشار إليها في حواشي البحث، فقد فضلنا اختصار أسمائها واسماء مؤلفيها وعلى من يريد التوسع في معرفة كامل أسمائها أن يرجع إلى كشف المصادر في آخر الكتاب.
وأرى من الضروري أن أوضح منهجي في كتابة الأسماء العربية. فبعد دراسة وافية للآراء المتعددة والمتباينة حول كتابة الأسماء العربية باللغة الانكليزية (1/37)
صفحة 38
قررت أن أنتهج نهجا خاصا بي. ويمكن للقارئ تقدير صعوبة هذا الأمر إذا عرف أن العاصمة مسقط تكتب في الانكليزية بخمسة أشكال معترف بها ويزداد الأمر تعقيدا إذا علم أن هذا الإسم يكتب في العربية نفسها بستة أشكال مختلفة. وفي ظروف مثل هذه أرجو أن يتقبل قرائي الأعزاء منهاجي الخاص في كتابة الأسماء.
ومن واجبي هنا أن أعلن شكري إلى المستر أريك بويرر الكوك والمستر انطوني ثورن على مساعداتها القيمة تحضير هذا الكتاب، كما أعلن الشكر والامتنان إلى كل من السير كلود هوليس المقيم البريطاني في زنجبار والمستر يرترام توماس المستشار المالي لجلالة سلطان عمان على ما أبدياه من اهتمام وتشجيع.
المؤلف (1/38)
صفحة 39
الفصل الأول
تاريخ عمان
لم يكن قد مضى على أسرة البوسعيد في الحكم عهد طويل حين تولى السيد سعيد بن سلطان مقاليد الأمور في عمان، فقد انتقل الحكم من الاسرة اليعربية إلى اسرة البوسعيد بظروف مشابهة للظروف التي انتقل فيها الحكم إلى العائلة اليعربية نفسها (1). فكما كان الاحتلال البرتغالي لبلاد عمان في القرن السابع عشر هو سبب ظهور اليعاربة (2)، فكذلك كان الوجود الفارسي في عمان في القرن الثامن عشر هو السبب في انتقال الحكم إلى البوسعيد.
وكان سيف بن سلطان الثاني قد استدعى الجيش الفارسي عام1741 (3) ليساعده على استعادة ملكه من خصمه سلطان بن مرشد، فأثار عمله هذا ثائرة (1/39)
صفحة 40
أهل عمان وشعورهم القومي ضده، وجعلهم يتطلعون إلى حكم قوي ينقذهم والبلاد من غائلة الجيش الفارسي.
ولم يكن سلطان بن مرشد بالرجل الذي يستطيع أن يهتبل الظروف ويستغلها (4)، وكان الجيش الفارسي الذي جاء البلاد أول الأمر، مساعدا ومعينا لسيف بن سلطان قد شدد قبضته على الأمور وأصبح الآمر الناهي المسيطر على شؤون البلاد، ولم يتورع في احتلال مسقط، ومن هذا المعقل الصخري الذي تحيط به التلال العالية من كل جانب وتجعله في مأمن من كل هجوم بري، انتشر جيش الفرس في أنحاء البلاد في محاولة لإخضاعها لنير الحكم الفارسي.
ولم يكن جديدا في تاريخ عمان موقف سلطان بن مرشد الذي استطاع أن يتولى حكم البلاد ولكنه عجز عن الامساك به والنجاح فيه، ولا موقف سيف بن سلطان الذي سلب منه الحكم فلم يتورع عن الاستعانة بالفرس، أعداء البلاد التقليدية لتحقيق مصالحه الشخصية، ولكنه عجز عن ضبطهم والسيطرة عليهم فخرجوا عليه يبتغون احتلال البلاد واخضاعها لأمرهم. كما لم تكن هذه هي أول مرة تصبح فيه قلعة صحار مركزا للتجمع الوطني في عمان.
فقد تجمعت هذه المرة بالذات في صحار فئة صغيرة من المحاربين الأشداء بقيادة رجل بسيط المنبت كريمه (5) هو أحمد بن سعيد الذي لم يكن في الواقع إلا عاملا أمينا من عمال البيت الحاكم (6) وقد استطاعت صحار بقيادته أن تصمد أمام الفرس وصاحبهم المحنق سيف، وأن تظل على صمودها هذا رغم الفشل الذريع الذي منيت به جملات سلطان بن مرشد لفك الحصار عنها.
ومن طباع العرب البارزة إعجابهم بالبطولة وتقدير الرجال الأبطال منهم، (1/40)
صفحة 41
ولهذا فهم لن يتورعوا عن الالتفاف حول زعمائهم واسباغ صفة الإمامة عليهم ومن ثم الانفضاض عنهم وتجاهل مقامهم الديني الذي أضفوه عليهم ونقل ولائهم- دون ما ندم أو وخز ضمير- إلى من هو أقدر على تحقيق أهدافهم الوطنية. ولذلك لم يكن بالمستغرب كما قد يبدو للعقل الأوروبي أن يغدو أحمد بن سعيد، وهو محاصر في معقله في صحار، سيد عمان وزعيمها وأن يعترف له الجميع بالزعامة والقيادة.
وقد ساعده القدر في مسعاه هذا فعاجل بالمنية – وفي الوقت المناسب- كلا من سلطان بن مرشد الذي قبل وهو يحاول اقتحام الحصار حول صحار وفكه عنها<ح> (1) وسيف بن سلطان، الامام المخلوع في الحزم، والذي مات في الوقت نفسه تقريبا<ح> (2).
وفي التو شمر أحمد بن سعيد عن ساعد العزم القاطع الذي يميز أسرته فلم يلبث إلا قليلا حتى احتل مسقط عام1744 ثم طرد الجيش الفارسي من عمان وأسس أسرته الحاكمة أسرة البوسعيد التي ما زالت تحكم عمان ويحكم فرع منها زنجبار ولهذا فإن عهد أحمد بن سعيد يستحق منا بعض التوقف والالتفاف.
ففي هذا العهد تأسس في البلاد ولأول مرة نوع من السلطة المركزية، كما يجب أن تتصور في بلاد تفصل بين أجزائها سلاسل طويلة من الجبال الشاهقة الموحشة، وتسكنها قبائل متعددة اعتادت كل منها على الحفاظ على استقلالها وفرديتها وأوضاعها<ح> (3).
وقد جمع أحمد بن سعيد الإرادة والعزم إلى الحكمة والتدبير، فمن جهة <ح><ح><ح>
(1) هيوارت ج2 ص269 أو أنه انتحر، انظر بورتون ج1ص267ومايلز ص259بادجر ص11و150.
(2) بادجر ص11و150.
(3) - عدد الدليل منها، 220 قبيلة ص546 - 602، وانظر التقرير عام1881 - 1981ص19 وما يلز ف3، وانظر مذكرة عن الأوضاع القبلية في منطقة عمان بقلم اي. اسي. روس وله أيضا مقال من قبائل عمان وتوزيعها في مجلة بومباي الجغرافية 1874. (1/41)
صفحة 42
تزوج أمرأة من اليعاربة الذين طوح بهم وسلبهم حكم البلاد<ح> (1) ومن جهة ثانية ثبت مركزه بحملات التأديب التي قادها ضد القبائل التي مالأت الفرس الغزاة، وهناك من الدلائل ما يشير إلى امتداد نفوذه إلى ممباسة وزنجبار<ح> (2).
وعلاقة عمان بزنجبار علاقة طويلة الأمد يرجع تاريخها، على الأقل إلى عام1689 حين استنجد أهلها بسيف بن سلطان لطرد البرتغال عنها<ح> (3)، فأخذ منذ ذلك الحين نفوذ عمان هناك يقوى أو يضعف تبعا لقوة حكامها أو ضعفهم، ومع أن مايلز يذكر أن أحمد بن سعيد أرسل عام1750 ولاة من قبله إلى كل من ممباسة وكلوا وزنجبار، فإن من الواضح أن سيطرته على تلك الأجزاء لم تكن من القوة على حظ عظيم.
وقد توفي أحمد بن سعيد عام1783، وقد اختلف المؤرخون كثيرا في تحديد تاريخ وفاته فمنهم من يذهب بها إلى عام 1775أو عام 1783 أو عام 1785، ولكن ما يحسم الخلاف ويقطع الشك باليقين القاطع هو ما كتب على شاهد قبره في الرستاق من أن وفاته كانت في 19 محرم عام 1198هـ، ويوافق هذا التاريخ 15 كانون الأول 1783<ح> (4).
ومن المعتاد في بلاد العرب أن تكون وفاة الحاكم نذيرا بالفوضى والاضطراب في البلاد وخاصة في بلد مثل عمان حيث ترى القبائل أن اختيار <ح><ح><ح><ح>
(1) بورتون ج1ص288واوبنهايم ج2ص341والمختارات ص7.ومايلز ص266، وباجر ص171، وبالكريف ج2ص256، ويلستيدج ج1 ص397، ونيبهور ص 305 وكيرستين ص 18، وسبنكلير ج2 ص407 يشير إلى أن العادة في العالم العربي أن تقوي العائلات الحاكمة أنفسها بالأصهار إلى العائلات الحاكمة السابقة عليها.
(2) بورتون ج1 ص289، ويحتمل أن بورتون يشير إلى حملة حمد بن سعيد بن أحمد عام1784، انظر التقرير 1883 - 1884 50 - 28.
(3) فيما يتعلق بأول بعثة عمانية إلى ساحل افريقيا الشرقي، انظر مايلز ص 221 وباجر ص92 وروس ص96 والتقرير 1883 - 1884 ص27، ستراندز ص231، وكرانديديه ص34.
(4) مايلز ص280، والتقرير ص87 - 88ص23. (1/42)
صفحة 43
الامام هو حق من حقوقها وأن لا عبرة للوراثة في هذا المقام<ح> (1).
وقد وقع الاختيار في هذه المناسبة على سعيد بن أحمد، ولسوء الحظ فقد كان سعيد هذا، وكما أثبتت الأيام ذلك فيما بعد، رجلا ضعيفا لا خطر له<ح> (2) وما كان له أن يستمر في الحكم طويلا لو لم يتول الوصاية على الحكم منذ عام 1785 وحتى وفاته عام 1792 ابنه الهمام حمد <ح> (3).
وكان في العائلة آنذاك شخصان قديران مؤهلان لهذا المنصب أولهما سلطان بن الإمام أحمد الطامع بالامامة والذي زحف على الرستاق، وهي آنذاك عاصمة البلاد، ولكنه لم يستطع الاستيلاء عليها فعاد وزحف على مدينة مسقط واحتلها وكان صائب الرأي في عمله هذا فوقوع المدينة على البحر جعلها ميناء صالحا وأمينا، فهي محمية من البر بسلسلة من الجبال المنيعة صعبة الاجتياز وبذلك هيأت لها الطبيعة موقعا حصينا لا سبيل إلى إقحامه، وخاصة وأنه لا يتشعب من هذه المدينة أي طريق، وإنما يبدأ الطريق من مطرح، الميناء الصغير المجاور لمسقط ويمتد منها إلى شمال البلاد.
وكان الرجل الثاني هو سيف، الابن الرابع للامام أحمد بن سعيد الذي ما إن وجد أن طريق الإمامة قد سد دونه، حتى أقلع عام 1784 إلى شرق <ح><ح><ح>
(1) شميدت ص98، ونيومن ص55، ولين ص11. وبعد وفاة سعيد بن سلطان عين اللورد كاننج لجنة لدراسة صحة ادعاءات أولاد السلطان الراحل في السيادة على عمان وزنجبار، وكان من بين اللجنة الدكتور بادجر الذي كتب يقول:
بين الحكام جميعهم. .. لم يرو أن أحدا منهم قد ملك أو مارس حق تعيين خلفه، أو التنازل عن الأرض التي يحكمها بالوصية أو غيرها. فعند وفاة أي حاكم يبرز أحد أعضاء أسرته من ذوي المقام والشهرة ويرشح نفسه أو ترشحه الجماعة لخلافة الحاكم المتوفى وغالبا ما يتحدى بقية أعضاء الأسرة هذا الادعاء فيجر الأمر إلى حروب عائلية نتيجتها غلبة الأقوى وتربعه على عرش الحكم، ولكن يبدو، أن حق الحاكم، حتى في مثل هذه الحالات، لا يعتبر نافذا بحد ذاته وإنما بعد إقرار الجماعة له. انظر لين ص57.
(2) مايلز، ص281.
(3) التقرير عام1887 - 1888، ص33. (1/43)
صفحة 44
أفريقيا<ح> (1) وهناك ضرب الحصار حول ممباسة في محاولة لاحتلالها، فما أن سمع أخوه سعيد بالأمر حتى أنفذ جيشا لانقاذ المدينة بقيادة حمد<ح> (2) الذي وصل إليها وفك الحصار عنها في اللحظات الأخيرة التي أوشكت فيها أن تستسلم لعمه سيف.
وإذ باءت خطط سيف وللمرة الثانية بالفشل فقد أقلع نحو لامو واعتكف فيها ولم يلبث فيها إلا قليلا حتى وافته المنية تاركا من بعده ابنه بدرا ليتم المسيرة من بعده<ح> (3).
وبوفاة حمد تركز الأمر في عمان حول شخصين اثنين فقط هما سعيد وسلطان ابني الامام. وكان الأول منهما، سعيد، معتكفا في الشمال، وظل كذلك حتى بعد وفاة ابنه حمد عام 1792 ولم يكن – على كل حال- بذي قوة يخشى بأسها. فصحيح أنه كان امام البلاد<ح> (4) وكان يستطيع بما تؤهله له هذه الصفة أن يسيطر على أفكار الناس وعواطفهم، وصحيح أيضا أن إقامته في بلدة الرستاق، حيث الجامع الكبير لعمان ولهذا فهي المركز الديني المرموق للقطر كله، قد ساعده على الإبقاء على هذه الإمامة لنفسه، إلا أن واقع الحال أن قوة الحكم في عمان بدأت تفقد الكثير من سلطتها الروحية لحساب الإكثار من السلطة الزمنية، وقد مر ولا شك حين من الدهر كانت فيه للسيطرة على الرستاق وجامعها الكبير أهمية معنوية إذ كان ذلك يعني السيطرة على عمان كلها. ولكن الأمر لم يعد كذلك الآن، قد ازداد الاتجاه نحو الفصل بين السلطان الروحي والسلطان الزمني وضوحا بعد وفاة الامام أحمد، وقد اتخذ حكام البوسعيد <ح><ح><ح><ح>
(1) التقرير عام1883 - 1884،ص38.
(2) ىلتقرير عام 1883 - 1884، ص20و28.
(3) التقرير عام1883 - 1884 ص21 - 22.
(4) الملحق رقم2 في آخر الكتاب. (1/44)
صفحة 45
المتأخرون لقب السيد<ح> (1) ومع استثناءات قليلة، فلم ينتخب أحد منهم للإمامة<ح> (2).
وقد زاد من ضعف مركز سعيد انقطاعه في مركزه البعيد في حصن الرستاق والذي صار له سجنا أكثر منه حصنا.
وكان طرد البرتغال في عمان قد أدى إلى ترك البلاد حرة تقريبا من أي تدخل خارجي ما خلا محاولات الوهابيين والقواسم. فقد كان الأولون يغيرون على البلاد برا بين الفينة والفينة، فيكتسحون مدنها ويفرضون عليها الفدية والأتاوة ثم يعودون قافلين إلى مراكزهم. وعلى نفس النمط، وبين الحين والآخر أيضا، كان القواسم يغيرون في البحر على شواطئ البلاد وموانيها فيحرقون سفنها وينهبون بضاعتها ويفرضون المكوس على تجارتها ثم يعودون أدراجهم من حيث أتوا.
وكان هذان هما البلاءين المستمرين المتكررين اللذين ابتلى بهما أهل عمان ولم يستطيعوا أن يجدوا سبيلا للخلاص منهما.
لكن استمرار الانقطاع التام عن العالم الخارجي، وخاصة منه العالم الأوروبي لم يكن بالأمر المتصور قط، فقد كانت مواجهة الساحل العماني لبلاد السند وموقع مسقط الممتاز ميناء وسطا في الطريق إلى الهند يحتمان اتصالها بالغرب. <ح><ح>
(1) انغرام، ص73؛وباجر، ص377، وهيوارت، ج2 ص276؛ وبيرز، ص110، والدليل، ص37؛ ومنصور، ص49، وما سيغينون ص 59. ويقول انغرام، ص73: (ومن الآن فصاعدا أضاف جميع أمراء البيت الحاكم وأميراته لقب السيد أو السيدة إلى أسمائهم. ويجب ألا يختلط معنى السيد هنا بالمعنى الديني المتعارف عليه للكلمة في بعض البلدان العربية والذي يعني أحفاد الرسول من ابنته فاطمة-المترجم).
(2) لم يحمل لقب الإمامة من البوسعيد إلا مؤسس العائلة لاإمام أحمد بن سعيد وورث اللقب من بعده ابنه سعيد دون انتخاب أو مبايعة بل وحتى دون اعتراف له به من أحد. ولم ينتخب أحد من أفراد العائدة لهذا المنصب بعد ذلك إلا عزان بن قيس. (المترجم). (1/45)
صفحة 46
وكان الفرنسيون أول من عملوا على تنظيم علاقاتهم التجارية مع عمان، ولكن السجلات تذكر أن معاهدة عقدت مع بريطانيا في 12 تشرين الأول عام 1798<ح> (1) سمح لها بموجبها بانشاء وكالة لها في بندر عباس تحميها بجنود من عندها. وتذهب المصادر نفسها إلى أن معاهدة لاحقة أخرى عقدت عام 1800<ح> (2) ووقعها عن بريطانيا الكولونيل، وبعد ذلك السير، جون مالكولم، أثناء مروره بعمان في طريقه إلى بلاد فارس على رأس بعثة انكليزية هامة.
ونستدل من وجود نص في هذه المعاهدة يقضي بوجوب وجود وكيل بريطاني مقيم في مسقط، على احتمال نشوء تجارة قوية مع المنطقة في تاريخ يحتمل أن يكون سابقا على عام 1798، ولكنه بالتأكيد ليس بعد عام 1800.
ويجب ألا يحملنا هذا على الظن أن هذا الأمر كان منتظما متسقا، لكن طبيعة العلاقات بين فرنسا وانكلترة في صراعهما من أجل السيطرة على البحار وعلى الهند تؤيد وجود مثل هذه التجارة. وسوف نرى بعد قليل أن الفرنسيين قد انتعوا من مسقط بشكل جريء، إذ جعلوا منها مركزا للانقضاض على التجارة البريطانية في البحار.
ولكن النقطة الهامة في هاتين المعاهدتين بالنسبة إلى دراستنا هذه، هي أنهما لم تعقدا مع سعيد بن أحمد وإنما عقدتا مع أخيه سلطان الذي ربما لم يكن الحاكم الشرعي للبلاد وإن كان- دون مراء حاكمها الفعلي.
وقد انتهت هذه الأزدواجية في الحكم بوفاة سعيد بن أحمد عام 1803<ح> (3)، حيث ظل بعدها سلطان، وحتى وفاته المفاجئة في العام التالي <ح><ح><ح>
(1) وتسمى "المعاهدة الانكليزية الأولى مع البلاد العربية " انظر مايلز، ص91، والتقرير 1887 - 1888،ص25.
(2) النص الكامل للمعاهدة في المعاهدات، ص207، والمختارات، ص248.
(3) التقرير 87 - 88، ص31،بادجر، ص380، وهيوارت، ج2، ص276. (1/46)
صفحة 47
1804، الحاكم الأوحد في عمان كلها<ح> (1).
وقد بدا سلطان مطمئنا إلى حصانة مركزه كل الاطمئنان حتى أنه ذهب في العام نفسه إلى مكة لأداء فريضة الحج <ح> (2) تاركا ولديه الصغيرين سالم وسعيد برعاية قريبين بعيدين هما محمد بن ناصر <ح> (3) ومحمد بن خلفان<ح> (4).
ولم تكن الحوافز الدينية وحدها هي الدافع إلى هذه السفرة، وإنما كانت لها أسباب سياسية أيضا. فإن التهديد الوهابي المتزايد بعث القلق في الحجاز كما بعثه في عمان، وقد دعت المدن المقدسة المسلمين للجهاد ليدفعوا عن أنفسهم المصير الذي حل بهم بعد ذاك عام 1808، وتلبية لهذا النداء فقد أبحر سلطان إلى مكة على ظهر مركب محمل بالسلاح والعتاد<ح> (5). ورغم أن الأغراض السياسية والرغبات الشخصية قد تعاونت على تحقيق هذه السفرة، فإن دلالتها الكبرى هي في مدى ثقة سلطان بنفسه بحيث جازف فتحمل الأخطار المحتملة عن غيابه عن عاصمة ملكه في العام نفسه الذي مات فيه منافسه وأخوه، وإن كان ذلك يدل على ضعف ذلك المنافس وقلة خطره. <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) يذهب المؤلف إلى أن وفاة الامام سعيد بن أحمد كانت عام1803 وهذه رواية ضعيفة والراجح المتواتر أنه ظل حيا قابعا في الرستاق حتى عام 1821أو ما بعده.
أما السيد سلطان بن الامام فقد أصبح الحاكم الفعلي لجميع عمان بعد وفاة حمد بن أخيه سعيد عام1792، وقد سلم له أخوه سعيد بذلك ضمنا ولذا فلا وجه لعجب المؤلف من قيام السيد سلطان نفسه بعقد المعاهدات بأسمه. ويترتب على هذا التصحيح أن السيد سلطان حكم البلاد منذ عام1792 حتى وفاته عام1804 أي حوالي اثني عشر عاما وليس عاما واحدا كما يقول المؤلف، انظر لوريمر، ج1 ص 418. (المترجم).
(2) بادجر، ص35من المقدمة وص 232، ومايلز، ص296، والتقرير، 1887 - 1888، ص 27، وهيوارت، ج2 ص274
(3) تأتي قرابة محمد بن ناصر عن طريق ام سلطان بن أحمد. التقرير 1887 - 1888 ص23، و1883 - 1884، ص20، وزوجة سلطان هي بنت خلفان بن محمد الوكيل البوسعيدي، انظر التقرير 1883 - 1884، ص22.
(4) التقرير عام1887 - 1888،ص27.
(5) التقرير 1887 - 1888،ص27. (1/47)
صفحة 48
ومهما يكن من أمر، فقد تبين في ما بعد أن هذه الأخطار كانت من الجسامة على جانب كبير، ذلك أن أبن أخيه بدرا- الذي كما مر بنا من قبل، مات عنه أبوه سيف بن الامام أحمد في لامو بعد أن اضطر إلى رفع الحصار عن ممباسة والنزوح عنها- ما إن علم بغياب عمه سلطان عن مسقط حتى أطبق عليها من وجهة البحر، واحتلها كلها ما عدا الحصن الشرقي منها واستطاع أن يرمي في السجن بابني عمه ووصييهما<ح> (1). وما شك أن بدرا قد أوشك على اغتصاب الحكم لو لم يسارع عمه سلطان بالعودة إلى مسقط ويرفع الحصار عن القلعة المحاصرة ثم يطرد بدرا من بقية أقسام مسقط ويعيده من جديد إلى حياة النفي والتشرد.
وقد كان طبيعيا بعد هذا أن يلجأ بدر إلى الوهابيين يطلب منهم الحماية والعون، وإن كان من الصعب أن نجزم إن كان لجوؤه هذا إليهم يتم لأول مرة أم لا، فإن من غرائب الوقائع أن نجد الوهابيين ينقضون على السويق برا في الوقت الذي هاجم فيه بدر مسقط بحرا<ح> (2).
والسويق هذه قرية في الشمال كان قد احتلها السيد سعيد، الابن الثاني لسلطان قبل هذا التاريخ بعام واحد فقط. ولهذا تبدو العملية وكأنها خطة مدبرة ليتوافق الهجوم البري في الشمال مع الانزال البحري في الجنوب<ح> (3).
وسواء كان هذا الاستنتاج صحيحا أم كان محض حدس وتخمين فإن الأمر الثابت الأكيد هو أن بدرا التجأ علانية إلى الوهابيين بعد فشله في مسقط وطرده <ح><ح><ح>
(1) إن صح أن هجوم بدر على مسقط كان من جهة البحر فلا يتصور إمكان دخوله إليها إلا بعد استيلائه على الحصنين الميطرين على الميناء والراجح أن بدرا لم يحتل المدينة وإنما حاول ذلك وإذ فشلت الخطة في الاستيلاء على الحصن الشرقي وعلم بقرب رجوع عمه من مكة فقد ابحر إلى زنجبار أو لامو ومنها عاد إلى الدرعية عاصمة الأمراء السعوديين (المترجم).
(2) التقرير 1887 - 1888، ص28.
(3) هيوارت، ص274. (1/48)
صفحة 49
منها. ولم يكتف بدر بهذا وحسب بل مضى إلى أبعد من ذلك بكثير فأعلن عن اعتناقه مذهبهم الوهابي أيضا<ح> (1).
ومن سوء الحظ أن يختار سلطان السنة التالية 1804 موعدا لسفره إلى البصرة ليتسلم من متسلمها المنحة السنوية<ح> (2) التي فرضها السلطان العثماني مصطفى الثالث عام 1756 إلى أبيه الامام أحمد مقابل نصرته للبصرة عند حصار الفرس لها<ح> (3).
وفي الطريق عودته من البصرة إلى مسقط أراد سلطان، وكان على بعد يوم واحد من بندر عباس، أن يعرج لزيارة هذه المدينة التي تربطها مع عمان روابط كثيرة ولهذا تحول من سفينته، جينجاوار، وهي إحدى ثلاث سفن كبار في أسطوله المرافق له، إلى مركبه الصغير" البدري" وترك اسطوله وسار لوحده يمخر بمركبه عباب الماء نححو المدينة. فلما حل المساء خرجت عليه قرب جزيرة لنجة ثلاث سفن للقواسم تتحداه للقتال، وقد اتفق الطرفان على تأجيل القتال حتى صباح اليوم التالي، فلما بدأ القتال في صباح الغد أوشك الاندحار أن يكون <ح><ح><ح>
(1) التقرير 1883 - 1884،ص21؛ وتقرير، 1887 - 1888، ص 27؛ ومايلز، ص297، وبادجر، ص45من المقدمة، وص 233.
(2) بادجر، ص40من المقدمة وص238، والتقرير، 1887 - 1888، ص30، وهيوارت، ج2 ص 290
(3) هذه هي الرواية الشائعة عن سبب سفر السيد سلطان ولكن تقوم إلى جانبها رواية أخرى ترجع دوافع السفرة إلى أسباب سياسية ابعد أثرا، وهي رغبة السيد سلطان بالاتفاق مع السلطات العثمانية في العراق لاتخاذ موقف موحد ضد التوغل السعودي في البلاد المقدسة بعد أن سمع بغضب السلطان العثماني من هذا الأمر وإصداره الأوامر إلى والييه في اشام وبغداد للزحف نحو الحجاز وايقاف التقدم. . ولكن السيد سلطان اكتشف عند وصوله البصرة عدم جدية والي بغداد- علي باشا، ومن ثم استحالة قيام الحملة، فعاد بأسطوله إلى بلاده حيث لقي حتفه في الطريق إليها ولعل مما يرجح هذه الرواية اصطحاب السيد سلطان لأسطوله معه وهو ما لا يحتاج إليه لو كان الأمر مجرد المطالبة بما تجمع له من أموال المنحة (المترجم). (1/49)
صفحة 50
من نصيب القواسم لو لم تستقر طلقة طائشة في رأس سلطان فتقضي عليه في الحال<ح> (1).
وبوفاة سلطان تهيأ المسرح السياسي لنزاع عائلي جديد، فقد كان محمد بن ناصر في مسقط ومعه ولدا سلطان، وهما سالم البالغ من العمر خمسة عشر عاما وسعيد البالغ ثلاثة عشر عاما<ح> (2) حين بلغه أن منافسا قويا قد ظهر في الميدان وهو قيس بن الامام أحمد الذي ما إن علم بمقبل أخيه سلطان حتى زحف مسرعا من مقره على الساحل في صحار متجها إلى مسقط. فاستعد محمد بن ناصر على عجل لملاقاته وللدفاع عن مطرح ومسقط، واستعان لهذا الغرض ببني غافر، وهم قبيلة موالية<ح> (3) لكن هذا الاستعداد العاجل لم يستطع أن يصد قيسا عن الاستيلاء على المطرح، وقد ازدهاه نصره هذا فرفض عرضا من محمد بن ناصر يشتري فيه جلاءه عن مطرح وعودته إلى بلده بألفي دولار شهريا<ح> (4).
وعلى أثر هذا تدخلت السيدة موزة بنت الامام أحمد وأخت السيدين سلطان وقيس وعمة الصبيين سالم وسعيد، فاقترحت على محمد بن ناصر أن يستعين ببدر وأنصاره الوهابيين على اجلاء قيس ودفع شره.
وقد استجاب بدر لهذا النداء وأسرع نحو مسقط فما إن وصل إليها حتى أقدم على سلسلة من الأعمال الملتوية المريبة التي وإن كان واضحا كل الوضوح أن القصد منها نقل مقاليد الحكم إليه، إلا أنها لمت تنجح إلا في التعجيل بالقضاء عليه. <ح><ح><ح><ح>
(1) بادجر، المقدم ص40؛ و 238، وبورتون، ج1 ص290، والتقرير عام1887 - 1888ص 30، ومايلز ص 303، ولاوج1 ص 316، وفريزر، ص13، وكورانزيز ص56، ومنصور ص2، وريمونه ص 29.
(2) ولد في سمايل عام1791، انظر داجر ص259. (والواقع أن سلطان بن أحمد خلف ثلاثة أولاد هم بترتيب اعمارهم سالم وسعيد وحمد-المترجم).
(3) التقرير لعام 1883 - 1884ص21.
(4) بادجر ص46من المقدمة وص262. (1/50)
صفحة 51
وكان أول ما فعله بدر هو الطلب إلى حلفائه الوهابيين بتهديد عمه قيس بالإغارة على مقره في صحار، وقد نجحت هذه الخطة فرضخ قيس للتفاوض وتنازل عن كل دعوى له بالسلطنة مقابل تفرده بالحكم في صحار، بعد أن أضيفت إليها الآن مقاطعة الخابورة وقسم من الباطنة.
وما إن انسحب الوهابيون وبعد هذا الاتفاق حتى عاودت قيسا شجاعته وأطماعه فعاد بعد شهر واحد واكتسح مسقط في هجوم مباغت عليها، فاحتل المدينة ولكنه لم يستطع السيطرة على الجبال المحيطة، فخف إلى نجدتها بنو غافر واضطروه إلى الانسحاب إلى مطرح، حيث تم التوصل معه من جديد إلى اتفاق آخر أضاف فيه إلى أملاكه السابقة مطرح نفسها وإلى إيراده إضافة جديدة قدرها ألف دولار شهريا<ح> (1).
وإذا لم يرتح بدر لسير الأمور على خلاف ما كان يخطط له، فقد بدأ يشد قبضته على الأمور بشكل واضح فعين سالما وسعيدا ابني عمه واليين خارج مسقط، فعهد للأولى بولاية مصنعه وللثاني بولاية بركا وإذ أبعد هذين الأخوين عن مسرح الأحداث فقد شعر بأمان كاف يتيح له اتخاذ تدابير أشد<ح> (2) ..
وكان القواسم، أثر وفاة السلطان، قد خرجوا من مخبائهم في جزيرة كشم وما حواليها، واستولوا على بندر عباس، ومنها بدأت تتسع أعمال قرصنتهم <ح> (3) وهجومهم على التجارة البحرية وإيقاعهم بها أشد الخسائر دون ما <ح><ح><ح>
(1) -بادجر، المقدمة ص 48من المقدمة.
(2) ريموند، ص30.
(3) شاعت الإشارة في المؤلفات الأوروبية إلى القواسم بكونهم قراصنة. والذي نود قوله في هذا المجال هو أن القواسم لم يلجأوا إلى مهاجمة السفني الأوروبية إلا بعد اضطرارهم لذلك بسبب مجيء الأوروبيين إلى المنطقة. فقد كان القواسم وبحارة ساحل عمان عموما يعملون كوسطاء تجاريين بين موانئ الخليج العربي وشرق أفريقيا بل وحتى غربي الهند. ولكن مجئ المستعمرين الأوروبيين وعلى الأخص شركة الهند الشرقية الانكليزية، أدى إلى حرمان القواسم وبحارة ساحل عمان من مورد رزقهم الأساسي الأمر الذي اضطرهم إلى مهاجمة السفن الأوروبية" (المترجم). (1/51)
صفحة 52
تمييز أو محاباة. وكانت الخسارة الفادحة من جراء هذه الأعمال من نصيب الانكليز ولم يكن العمانيون أقل منهم خسرانا في هذا المجال.
وقد استطاع بدر أن يقنع الكابتن سيتون، المقيم البريطاني في الخليج آنذاك، لتأييده في استعادة بندر عباس من القواسم<ح> (1) وقد سهل على بدر مهمته هذه تحرش جريء للقواسم بسفنتين بريطانيتين هما شانون وتريمير. وقد استطاعت القوات المشتركة إخراج القواسم من قواعدهم في بندر عباس، ومع أن ظاهر الحال كان يشير إلى أن دور الانكليز في هذه العمليات اقتصر على التأييد المعنوي فقط بوقوف سفنهم على مقربة من الشاطئ، فإن الكابتن سيتون اغتنم هذه الفرصة للحصول على امتيازات تجارية جديدة<ح> (2).
وهنا قام القواسم بتغيير يسير في خططهم إذا اتفقوا مع قيس بن الامام واشتركوا معه في حملته الثالثة على مسقط، ولما عاد بدر من حملته على بندر عباس كانت عاصمة ملكه قد سقطت في أيدي المهاجمين، فلجأ إلى أساليبه المعهودة ودفع الوهابيين كرة أخرى إلى تهديد صحار، عاصمة قيس ومركزه.
وكان من الممكن أن تستمر سلسلة العمليات على هذا النمط الممل الرتيب لو لم يوقفها عند حدها السيد سعيد بنفحة من العبقرية العسكرية إذ تحرك من موقعه في بركا واتجه نحو قرية بدبد فاحتلها وبذلك هدد تهديدا مباشرا وخطيرا خطوط المواصلات لجيش عمه قيس.
وكانت هذه الضربات أشد مما كان يتوقعها قيس، فاستسلم وتنازل عن حقه في ولاية المطرح وعما كان قد فرض له من راتب في اتفاقه الثاني مع بدر وعاد إلى صحار على ظهر باخرة انكليزية<ح> (3).
وقد شعر بدر أن الجو قد صفا له وأصبح الآن هو السيد المسيطر على <ح><ح><ح>
(1) التقرير، 1883 - 1884ص 21؛ والمختارات، ص304، وكورانزيز، ص125.
(2) مايلز، ص306
(3) بادجر، ص282. (1/52)
صفحة 53
عموم البلاد ودون منازع، فالضربات التي تلقاها قيس لا يرجى له- ولم يكن له فعلا- شفاء منها، ومن جهة أخرى فقد استطاع أن يبعد الأخوين سالما وسعيدا عن العاصمة مسقط، بل وان يفرق بينهما بإبعاد أحدهما عن الآخر في مكانين بعيدين ولهذا فلم يعد يتوقع أن يكون لهما أثر على مجرى الأحداث.
وقد أرضى هذا الاجراء سالما، وكان رغم شجاعته، ضعيف الهمة، ولكنه لم يرض سعيدا، فهو لن ينسى أن طموحه إلى الملك تسنده خؤولته القوية<ح> (1).
كما تسنده، وراثة أبيه، وحتى لو حاول أن ينسى هذه الدوافع فإن ضغط الأحداث في عموم البلاد لا بد وأن يدفع شابا عالي الهمة مثله إلى مكان الصدارة والقيادة منها.
وقد قيل أن بدرا كان قد اعتنق مذهب الوهابيين خلال اتصالاته المتعددة معهم، وكان الوهابيون، بما عرف عنهم من تعصب وحماس، قد جعلوا هدفهم الأول نشر مذهبهم في عمان وإحلاله محل المذهب الأباضي السائد فيها. وخير ما يصور لنا هذا الاتجاه ما جاء في وثيقة معاصرة كتبها المدعو جين ريموند عام 1806<ح> (2) جاء فيها أنه سمع ذات يوم وهابيا يقول في لهجة تنبئية <ح><ح>
(1) انغرام، ص5 يذكر أن والدة سعيد هي شنيف بنت سيف، ويقول جيان ج2 ص154، وكذلك بورتون ج1 ص290أن بدر بن سيف كان خال سعيد وابن عمه في الوقت نفسه واتفاق الاسم قد يروج هذا القول. لكن التقرير عام 1883 - 1884 ص22و 36، وكذلك مايلزص300 يسميها (غنى) بنت خلفان بن محمد الوكيل البوسعيدي. ويشير منصور ص15 إلى أن محمد بن خلفان على أنه خال سعيد بن سلطان ومن جهة ثانية فإن التقرير لعام 1880 - 1881ـ يذكر سلسلة نسب سيف بن محمد بن سعيد بن محمد بن عبدالله البوسعيدي ويذكر أنه كان والي مسقط عام1800 وهنا تظهر (غنية) على أنها ابنته وام سعيد. وهي لا تظهر في سلسلة نسب خلفان بن محمد بن عبدالله الوكيل البوسعيدي (المؤلف) ويضيف المترجم إلى ما تقدم أنه ورد في كتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار (وهو مخطوط) أن أم السيد سعيد هي غنى بنت سيف عمة السيد حمود بن محمد بن سيف البوسعيدي أي ان هذه الرواية تتفق ورواية التقرير.
(2) ريموند، ص34. (1/53)
صفحة 54
«قد قرب اليوم الذي ترى فيه عربيا يجلس على عرش الخلافة، فلقد سئمنا تحكم المغتصبين الأعاجم فيها»
وكانت اللهجة تنبئية حقا، فلم يشارف عام 1808 على الانتهاء حتى كان الوهابيون قد احتلوا الديار المقدسة رغم معارضة تركيا وبلاد فارس ومصر لهم، ورغم وقوف العالم الاسلامي كله ضدهم بل ورغم ما كان بينهم أنفسهم من خلاف وشقاق نتيجة فترة طويلة من الجفاف ورغم هذا كله فقد احتل الوهابيون البلاد المقدسة وأقاموا فيها حتى تهيأ لمحمد علي باشا أن يرسل ضدهم عام 1810 جيشه المصري الذي أعادهم من حيث أتوا.
ويمكن الحكم على طبيعة الحكم الوهابي من فقرة أخرى أوردها نفس المؤلف تصور ذلك خير تصوير، فقد سأل أحد أهالي مسقط الأمير سعود عما ينوي فعله بالمسيحيين واليهود فأجابه الأمير أنهم من أهل الكتاب، ويجب أن يعاملوا بما تقضي به كتبهم<ح> (1) ولكن من لا يغفر لهم أمر فهم المسلمون، إذ ليس لهم إلا الخيار بين الوهابية أو السيف.
هذا هو المذهب الذي اعتنقه بدر وجاء يحاول نشره في مجتمع عرف بالشجاعة وقوة الشكيمة كما عرف بالتعصب الشديد لمذهبه الأباضي، ومع هذا فقد قيل أن الوهابية كانت من السطوة والنفوذ بحيث استطاعت حتى عام 1806 أن تحول إليها غالبية أهل مسقط<ح> (2).
ولو اقتصر الأمر على هذا لهان الأمر وخف المصاب، لكن الأمر والأدهى والذي حز في نفوس أهل عمان هو رؤية الوكلاء الوهابيين منتشرين في أطراف البلاد للإشراف على جمع مبلغ أثني عشر ألف دولار فرضها جزية على أبناء البلاد، هؤلاء الوهابيون المحتلون الذين يرابط أربعماية فارس منهم في بركا <ح><ح>
(1) وقد تكرر نفس هذا القول بعد قرن من الزمان من قبل المللك عبد العزيز ملك نجد في محادثة له مع المستر فيلبي. انظر فيلبي، ص23.
(2) مايلز، ص307. (1/54)
صفحة 55
يهددون البلاد وأهليها<ح> (1) وكذلك الاعتقاد السائد بأن وجود هؤلاء لم يكن شرا لا قبل لهم بدفعه، وإنما هم أداة بيد بدر نفسه لتحقيق ما تصبو إليه نفسه من طموح وأمجاد شخصية<ح> (2).
وقد تراكمت هذه الأحاسيس وخلقت في مجموعها شعورا متزايدا من البغض والكراهية للوهابيين بين أهل عمان. لكن هذا الشعور حده لم يكن كافيا لدفعهم للثورة والانقضاض، ذلك لأن العدو المحتل قد أحاط بالبلاد إحاطة تامة وهو على درجة من العدد والعدة تجعل النهوض في وجهه أمرا عقيم الفائدة.
وهنا التفت الفئة الوطنية حول سعيد في بركا، وكان سعيد آنذاك ما يزال شابا يخضع إلى تأثير عمته السيدة موزة بنت الامام وإلى وصاية محمد بن ناصر ومحمد بن خلفان والواقع أن على هؤلاء الثلاثة يقع اللوم كل اللوم فيما أقدم عليه سعيد من عمل قد يبدو ممقوتا في نظر الغربيين وإن لم يكن كذلك في نظر العرب.
ففي حوالي منتصف صيف عام 1806، وليس في شهر مارس من عام1807 كما يذهب إلى ذلك ما يلز<ح> (3) تسلم بدر دعوة من ابن أخيه<ح> (4) سعيد للاجتماع به في بركا.
وفي قرية نعمان القريبة من بركا، وفي قلعتها القديمة <ح> (5) التقى سعيد <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) التقرير، 1883 - 1884 ص21؛ و1887 - 1888 ص28، ومايلز، ص298، ومنصور، ص5 يذكر المبلغ 5000 دولار.
(2) التقرير، 1883 - 1884 ص 21.
(3) مايلز، ص309، التقرير، 1883 - 1854 ص 22؛ جيان، ج 2 ص 58، يذكر سعيد أنه نودي بسعيد سلطانا بعد 44 يوما من اغتيال بدر، في حين أن برتون (ج1 ص 292) يذكر أن هذا التاريخ في 14 أيلول 1806مما يجعل تاريخ اغتيال بدر في 31 تموز 1806 وهذا ما يؤكده برتون (ج1 ص200) وكذلك كيرستين، ص119.
(4) هو ابن عمه وليس ابن اخيه (المترجم).
(5) المجلة الجغرافية، التقرير،1910ص 425. (1/55)
صفحة 56
وحاشيته بدرا، وفي جلسة ودية وخلال حديث ودي هجم سعيد على بدر وسدد إليه طعنة من خنجره كانت القاضية عليه.
وقد أثار هذا العمل أشد موجات النقمة والاستياء عند الأوروبيين ذوي العلاقة بالبلاد حتى أنها تسببت في منع معونة الأنكليز عن سعيد في حروبه ضد الوهابيين والقواسم، لكن هذا العمل كان بالنسبة إلى أهل عمان عملا وطنيا شجاعا مكن سعيدا من العودة إلى عاصمة ملكه مسقط في حين أفزع الوهابيين فانسحبوا مذعورين إلى واحة البريمي على الحدود. وفي مسقط التحق سالم بأخيه سعيد حيث شاركه مهام الحكم والمسؤولية.
ويقول روشنيبرج (ج2ص138) أن أصدقاء لسعيد أخبروه بأن بدرا قد قرر قبل سعيد وأنه ينوي تنفيذ ذلك في أول فرصة تتاح له، ولهذا فإن عمل سعيد هو مجرد محاولة لإفساد هذه الخطة الجريئة<ح> (1).
ويذهب مايلز إلى القوم (ج2ص309) بأن هذا العمل كان أبعد ما يكون عن أن يعد جريمة تستحق العقاب والتأديب، إذ قوبل في عمان كلها بالإعجاب والترحيب واعترف الكافة لسعيد بمواهب الشجاعة والإقدام التي يتسم بها العرب، ونظر إليه على أنه أنقذ بلاده من أحد أبنائها العاقين الذي مالأ أعداءها المحتلين، وقد أقر لسعيد بصلاحه للإمساك بمقاليد الأمور وقدرته على حكم البلاد وكان من أوائل من أقروا له بذلك عمه قيس بن الإمام الذي كان لحد الآن يدعي أحقيته بالأمر<ح> (2). <ح><ح>
(1) قد يلاحظ أن ورود ذكر نفس الدوافع في اغتيال ثويني عام1866 من قبل ابنه سالم والذي اعترفت به بعدئذ الحكومة البريطانية سلطانا على مسقط. انظر كرزن، ج2 ص 437؛ "وهناك" أربع أو خمس روايات لهذا الحادث فما من عربيين اثنين يتفقان حول التفاصيل. انظر التقرير، 183 - 1884 ص22.
(2) عن الاغتيال كسلاح سياسي في عمان نذكر الأمثلة التالية:-محمد بن عثمان المزروعي. والي مباسة قتل بايعاز من أحمد بن سعيد عام 1945 (التقرير 1883 - 1884ص 28).
-بدر بن سيف، زعموا أنه المسؤول عن مقتل مهنا بن سليمان (بادجر ص 270).
-سعود بن علي، قتل من قبل سلطان بن أحمد عام 1832 بادجر المقدمة، 87و 355؛ والتقرير، 1883 - 1184ص 31.
سيف بن حمود قتل بايعاز من أبيه حمود بن عزان عام 1849 بادجر، ص 89من المقدمة، و362، والمختارات، ص228، والتقرير، 1883 - 1884، ص35؛ واوبنهايم، ج2 ص354، وهيوارت، ج2 ص277.
-حمود بن عزان أمر بقتله ثويني بن سعيد عام1850، التقرير، 1883 - 1884 ص35؛ والمختارت، ص235،ص362.
-قيس بن عزان قتل من قبل هلال بن محمد الذي مات هو نفسه من جراحه التي أصيب بها في المعركة عام1864. (1/56)
صفحة 57
ويروي الريحاني حوادث كثيرة مشابهة لهذا الحادث بها آل الرشيد أثناء حكمهم في أواسط جزيرة العرب. وكانت أعمال القتل والاغتيال بينهم أكثر من أن تعد ولعل سرد الحادث التالي يغنينا عن سرد الكثير من أمثاله.
"ولم يحكم متعب غير سنتين، ثم في السنة التالية قتل محمد بندرا بيده دفاعا عن نفسه كما قال، وقد أمر بقتل أبناء طلال الآخرين فذبحوا في القصر كلهم إلا واحدا هو بندر الذي فر إلى البادية، فتأثره العبيد فغضب الأمير محمد لأنه أمر بالقبض عليه فقط، وقتل بسيفه العبد الذي قتل بندرا. ويموت محمد ويتقلد سيفه عبد العزيز ابن أخيه متعب وتبدأ المأساة وتتتابع مشاهد القتل وهذا إحداها.
المشهد الرابع: في العراء خارج المدينة. فيصل وسعود وسلطان آل عبيد ورجاجيلهم ومعهم متعب ومشعل ومحمد أبناء عبد العزيز، وقد دعوا ليوم صيد فلبوا الدعوة.
كوكبة من الخيل خرجت من حائل، وكل خيال يبغي الصيد، ينشد الطريدة في الآفاق ووراءها إلا أن طريدة آل عبيد كانت قريبة، غافلة، غير شاردة طريدتهم هاكها على الخيل أمامهم.
فبعد أن خفيت أسوار المدينة، عندما غدوا في الفلاة، لز كل من الأخوان (1/57)
صفحة 58
أبناء حمود حصانه وساقه على واحد من أبناء عبد العزيز، فتناوله من السرج بقرونه (شعره) وغمد خنجرا في صدره.
طاح الثلاثة الأخوان إلى الأرض مضرجين بالدماء، ولم يحرك أحد من الحاشية يده دفاعا عنهم. وما دخل العبيد؟ رشيدي قتل رشيديا. ولكنهم وهم عبيد آل عبيد هتفوا قائلين: والحمد لله هذه آخرة آل عبد الله <ح> (1).
وعلى كل ومهما يكن من أمر نظرتنا إلى ما قام به سعيد من الناحية الأخلاقية، فلا شك أنه من الناحية العملية والسياسية، قد حقق أبرز النتائج وأخطرها إذ استطاع بطعنه نجلاء واحدة أن يخلص البلاد من الصراع الداخلي والاحتلال الأجنبي مرة واحدة.
• • •
<ح>
(1) الريمائي وتاريخ نجد، ص273.ط 4 العربية، بيروت 1973.
(1) التقرير، 1887 - 1888 ص28.
(2) جيان، ج2 ص 159.
(*) سيلاحظ القارئ الكريم في هذه الصفحة وبعض الصفحات الأخرى استنتاجات بعيدة عن الصحة والواقع «توصل» إليها المؤلف. ومعظم هذه الاستنتاجات تنقص من شأن العرب والأفارقة وتمجد الشخصية الأوروبية عموما والانكليزية خصوصا. (المترجم)
(3) التقرير، 1883 - 1884 ص22.
(4) المعاهدات، ص188.
(5) تقسم عمان إلى مناطق هي الباطنة والشمالية والغربية والشرقية، حسب موقع كل منها.
(6) بادجر، ص 293، والتقرير، 1883 - 1884 ص 23، ومايلز، ص311.
(7) بادجر، ص293.
(8) التقرير، 1883 - 54 ص 13.
(9) لعل الأصح أنها كانت متجهة إلى البصرة وليست بركا. (المترجم)
(10) كرزون، ج2 ص449، ومايلز، ص313، ولورج1 ص 320،جيان، ج2 ص16، وبريد جمس، ج2 ص37.
(11) كورانزيز، ص144، كان القواسم يستطيعون في هذا الوقت تجهيز حوالي 100 مركب زنة الواحد منها بين 300 إلى400طن. وعلى هذا فقد كان من السهل عليهم السيطرة على مدخل الخليج وعرضه 36 ميلا فقط بين لارك وكوان؛ وكان المدخل العميق في رأس مسندم الذي لم يكن معروفا للأجانب في ذلك الحين ملجأ لأسطولهم. انظر مجلة بومباي الجغرافية، 1830 - 1838 ص 34.
(12) كرزون، ج2 ص 449.
(13) كورانزيز، ص143، يروى أن العمليات ضد رأس الخيمة غير كاملة. ولم يذكر شيئا عن الحملة الناجحة في شهر آب 1809.
(14) منصور، ص51.
(15) التقرير، 1883 - 1884 ص 23، ومايلز، ص314.
(16) مايلز، ص315.
(17) التقرير السابق ص23.
(18) مايلز، ص315.
(19) بالنسبة للقصة الكاملة للعمليات ضد رأس الخيمة، انظر بادجر، ص 75من المقدمة؛ و 321؛والتقرير، 1883 - 1884 ص 23، ومايلز، ص316، ومختارات بومباي، ص 305 و433 ولو، ج 1 ص 325، وجيان، ج2 ص 163؛ ومنصور، ص 53، وهيوارت، ج2 ص275، وكرزون، ج 2 ص 449، وكريتون، ص 486، وبريدجس، ج 2 ص 37، وباكنهام، ج2 ص 233، وكورانزيز، ص 143. وقد رسمت المعارك الشهيرة بلوحات ملونة وجمعت بمجلد واحد تحت عنوان «16 منظرا من مناظر بلدان الخريج الفارسي».
(20) هيوارت، ج2 ص 275.
(21) منصور، ص 72، وفي ص 103 - 110 من الترجمة العربية.
(22) التقرير، 1883 - 1884 ص 24؛ وبيرتون، ج2 ص 492 يذكرانه في ربيع عام 1811 وصلت زنجبار سفينة ارسلها سعيد من مسقط وطالبت حاكم الجزيرة بمبلغ 25 ألف ريال مساعدة لسعيد ضد الوهابيين، ولذلك ومن أجل جمع هذا المبلغ فقد فرض الحاكم جزية على الأهالي. (1/58)
صفحة 59
(23) التقرير، 1883 - 1884 ص 24.
(24) والشؤون، ص 113، وبلغريف، ج2 ص 212.
(25) بادجر، ص 306.
(26) -التقرير أعلاه، ص 24، ومنصور، ص80.
(27) -بادجر المقدم، ص 73؛ وهيوارت، ج2 ص 274.
(28) -منصور، ص80. وفي الترجمة العربية ص 147.
(29) -التقرير أعلاه، ص 24.
(30) منصور، ص 80.
(31) بادجر المقدم، ص 73.
(32) -التقرير.
(33) -بادجر، ص 74من المقدمة.
(34) -مايلز، ص 314.
(35) -منصور، ص 89، أو 122 في الطبعة العربية.
(36) -بادجر، ص 74 من المقدمة.
(37) -التقرير، 188 - 1884 ص24، ومايلز، ص314.
(38) -منصور، ص 89.
(39) -بادجر، ص377 من المقدمة.
(40) -هيوارت، ج2 ص275.
(41) -اخطأ المؤلف في اسم هذا القائد فكتبه الأزدقة وصوابه عبد العزيز بن غردقة. (المترجم).
(42) -مايلز، ص320.
(43) -التقرير، 1883 - 1884 ص25.
(44) -التقرير، 1883 - 1884 25.
(45) -واتسون، ص163، بالغريف، ج2 ص212؛ التقرير، 1883 - 1884 - ص25.
(46) -بادجر، ص79من المقدمة.
(47) -هيوارت، ج2ص573.
(48) -كرزون، ج2 ص449.
(49) -التقرير، أعلاه.
(50) -مختارات بومباي، ص141؛ولوج1 ص 340.
(51) - التقرير أعلاه، ص25.
(52) - مايلز، ص323.
(53) -التقرير، أعلاه ص25.
(54) -بريدجس، ج2 ص104.
(55) - بادجر، ص78 من المقدمة.
(56) -بادجر، ص79من المقدمة.
(57) - سادلر، ص140. (1/59)
صفحة 60
الفصل الثاني:
السيد سعيد يتولى الحكم
كان حكام عمان منذ أخريات القرن الثامن عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر يواجهون مشكلتين ضاغطتين هما الضغط من الخارج والانقسام في الداخل.
ويبدو الإمام، خلال الفترة الأولى، أو السيد خلال الفترة المتأخرة، في الظاهر وكأن لديه كل سلطات الحكومة المركزية. فهو الرئيس الأعلى لمجموعة من العرب ينحدر جميع أفرادها من نسب قبلي واحد معين.
أما في واقع الحال، فما الحاكم –إماما كان أم سيدا- إلا مجرد رئيس صوري يرئس أعدادا من القبائل المتفرقة الذين يهتمون بولائهم القبلي الضيق أكثر من اهتمامهم بالحكومة المركزية التي رضوا بالانضمام إليها، لذلك فليست سلطة السيد أو الإمام هي ما تسلم له به الجماعة وإنما هي ما يستطيع هو أن يستخلصه أو ينتزعه منها لنفسه وبنفسه.
ومع كل هذا، فهذه السلطة ليست أمرا دائما وثابتا، ولا هي تمارس فوق بقعة معينة ثابتة من الأرض وإنما يمارس الإمام أو السيد سلطته على عدد معين من القبائل ولذا فليس من المستغرب في شيء أن يستيقظ الحاكم من نومه ذات صباح فيجد إحدى قبائله قد خرجت عن طاعته وانضمت تحت راية خصمه اللدود، أو أن يجد شخصا ما ذا موهبة واقتدار من الموالين له، قد برز في عشيرته وبدأ ينافسه على الحكم والسيادة. وفي هذه الحدود فإن سلطة الحاكم (1/60)
صفحة 61
-
سيدا ام إماما- لم تعد ذات خطر كبير ما لم يسعى هو نفسه إلى فرض سلطته على الغير بالقوة وحد السيف.
أما حدود المملكة فهي الأخرى مرنة متغيرة قابلة للتوسع والانقباض دون ما سعي من جانبه في الحالين.
ولا يمكن لوضع مثل هذا أن يخلق نظام حكم قويا يصمد أمام أعدائه الخارجيين. وفي الواقع فما يكاد يمر عقد من السنين، وحتى في أيام أقوى الحكام إلا وينقض الوهابيون أو القواسم فيقتطعون لأنفسهم هذا الجزء أو ذاك من رقعة الأرض العمانية أو يتنازلوا قراها ومدنها حرقا ونهبا أو سفن تجارتها الماخرة عباب الماء غرقا وسلبا وهم بين هذا وذاك يفرضون الفدية على أولئك وهؤلاء.
وكانت مثل هذه الانتهاكات تقتصر في عهود الحكام الأقوياء على الأطراف البعيدة من تخوم البلاد أما الحكام الضعاف فالسعيد منهم من ينجوا مها سالما بحياته وبرقعة من الأرض مقابل الالتزام بالباهظ من جزية المال.
وفي العقد الأول من القرن التاسع عشر بلغت القوة الوهابية إحدى ذرواتها الرفيعة التي اعتادت وما تزال ترقى إليها بين الحين والآخر، ولذلك فقد أسعد السيد سلطان بن أحمد- على كونه من الحكام الأقوياء- أن يبتاع استقلاله بثمن باهظ جدا هو فدية كبيرة من المال يدفعها للوهابيين كل عام والقبول بإقامة جيش وهابي يحتل أجزاء متفرقة من البلاد وبوكيل وهابي عام يستقر في مسقط (1).
ومن الواضح أن السيد سلطان لم يقدم على هذا القرار إلا بعد أن تبين له عجزه عن منازلة الوهابيين والظفر بهم، فهو مكلف بالدفاع عن شبكة كبيرة من المدن والقرى وعن سكانها، كما أن عليه أن يفكر في أسطوله وتجارته ويعمل على (1/61)
صفحة 62
حمايتهما، في حين لم يكن خصومه الوهابيون إلا جماعة نشطة من بدو الصحراء، لا دار لهم تؤويهم فيضطرون للدفاع عنها ولا مكان لهم يستقرون فيه يمكن الاطباق عليهم فيه، ولا تعني الهزيمة عندهم شيئا غير الانكفاء- مؤقتا- إلى صحرائهم لينجوا فيها من كل مطارد ثم لا يلبثوا، بعد فترة من الراحة والاستجمام أن يعاودوا الزحف منها والهجوم على خصومهم من جديد.
وإلمامنا بهذه الحقائق يوضح لنا بجلاء كبير أن مشاكل عمان لم تكن أمرا هينا على الحاكم الجديد الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره بعد، فعلى الرغم من أن اغتيال بدر قد تم على مقربة ومشهد من قوة احتلال وهابية نظامية يبلغ تعدادها الأربعمائة نفر، وإن سعيدا كان من القوة بحيث استطاع أن يدفع بالوهابيين إلى أقصى حدود عمان الشمالية، فإنه كان يعلم علم اليقين أن عمان، في نظر الوهابيين، هدف ثمين ومصدر سهل للايراد، وأن الوهابيين – في نظر أهل عمان- وباء فتاك دائم الحدوث والتكرار، ولذلك تجب مكافحته عند الامكان أو الصبر عليه إذا ما اقتضى الأمر ذلك أو نسيانه البتة إذا ما زال وغاب عن العيان.
ومع هذا فما أن يتقهقهر الوهابيون عن البلاد ويغيبوا عنها بضع شهور، إلا وتتتابع الفتن الداخلية ويحل القتال بين أبناء البلاد محل القتال للذود عن كيان البلاد. وتصور إمكان جهل سعيد بهذه الحقائق يعني في الواقع انتفاء كونه عربيا فإن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من الفطنة والتدبير، والعلم به يجري في شعور سعيد جريان الدم في عروقه.
وعلى هذا الأساس فقد سارع سعيد بعد وصوله إلى مسقط بقليل، فأرسل إلى الأمير سعود قائد الوهابيين رسالة تضيف إلى جريرة الذنب قبح الاعتذار (2) إذ أعلمه فيها أنه اكتشف أن مقتل بدر كان من تدبير محمد بن ناصر ولذلك فقد عزم على طرده من البلاد جزاء فعلته الشنيعة هذه ثم اختتمها بتأكيد (1/62)
صفحة 63
الوعد على استمراره بدفع الفدية المعتادة، وعن قبوله بعودة الجيش الوهابي إلى بركا.
وقد فهم سعود هذه الرسالة حق الفهم، وخيرا مما فهمها الأوروبيون الذين ظلوا ينظرون فيها ويتدارسونها منذ ذلك الحين.
فالإمعان الجيد والنظر الدقيق فيها لا يظهرها رسالة خضوع واذعان ابدا، بل مجرد محاولة من السيد سعيد لتأخير البت في بعض الأمور التي لم يتهيأ بعد لمواجهتها، وعلى هذا الأساس فهمها وقيمها الأمير سعود ومن ثم رد عليها ردا سليما هادئا شجب فيه الحاجة إلى إتخاذ أية أجراء ضد محمد بن ناصر.
وعلى أن موضع العجب والسؤال هنا هو عن الأسباب التي دفعت الأمير سعود على التلكؤ وعدم الانقضاض في الحال على عمان والقضاء على سعيد بدل التروي ومن ثم إتاحة الفرصة للسيد سعيد لجمع قواته وتوحيد صفوفه وتوطيد حكمه وسلطانه.
ومع أن تقدير العوامل الاستراتيجية هو أبعد ما يكون عن تفكير الفرد العربي (*)، فلا بد إذن من وجود نوع من الخلاف والشقاق بين الوهابيين أنفسهم في هذه الفترة منعهم من أية مخاطرة عسكرية جديدة أو لعلهم بدأوا يفكرون في النظر غربا صوب المدن المقدسة في الحجاز للقيام برسالتهم المقدسة في تطهير تلك الأماكن واستخلاصها لأنفسهم فشغلهم ذلك عن النظر نحو عمان وعن السعي للتوسع نحوها. ومن المحتمل أيضا وجود اعتبارات أخرى أقوى أثرا كوجود فرائس أخرى غناء وأسهل منالا يريد الوهابيون الانقضاض عليها فأخرت عملياتهم في عمان.
ومهما يكن من أمر فقد كانت فرصة ثمينة للسيد سعيد لا يمكن أن يدعها (1/63)
صفحة 64
تفلت من بين يديه ولكنه لم يكن يستطيع أن يطلب العون من حكومة الهند-وكانت تمثلها وقت ذاك شركة الهند الشرقية- أو أن يحاول إفهامهم أن اعتداء القواسم على التجارة البحرية يضر بمصالحهم كإضراره بمصالحه، وذلك لأن الضمير الانكليزي كان لم يزل ساخطا على السيد سعيد بسبب فعلته مع بدر، فلم يكن أمام سعيد إلا أن ينتظر حتى تبلغ الخسائر التي يوقعها القواسم بالتجارة الانكليزية مداها فتدفع مجلس المديرين في لندن للعمل على وقف هذا النزيف البحري.
ولهذا وإذ خابت توقعات السيد سعيد فقد تلفت يبحث عن العون والمدد حيث يجدهما وقد هداه حسه إلى الفرنسيين. وفي 16 حزيران 1807 وقع معاهدة مع الجنرال ديكان ممثل فرنسا في جزيرة موريشيوس (3) وقد نص في هذه المعاهدة، كما أعيد وضعها عام 1808، على وجوب تأسيس قنصلية فرنسية في مسقط تمهيدا لقيام علاقات تجارية أوسع وأقوى بين الطرفين.
لكن من غير الممكن أن هذه المعاهدة قد غيرت كثيرا في سير التجارة الفرنسية، ذلك أن إبعاد فرنسا عن الهند اضطرها إلى تركيز تجارتها مع جزيرتي موريشيوس وبورون، وهي تجارة ضئيلة المقدار وكانت عرضة للمطاردة الانكليزية وقد ظلت التجارة الفرنسية على هذا القدر من الضآلة والتأرجح حتى زال النفوذ الفرنسي من الميدان كلية باستسلام هاتين الجزيرتين للانكليز عام 1810.
ولكن زوال النفوذ الفرنسي من الميدان لم يكن خسارة كبيرة للسيد سعيد كما كان المتوقع أن يكون، ذلك أن ضغط الأحداث قد دفع الأنكليز عام 1808 على تغيير خط سياستهم الانعزالية (4).
ففي هذه الفترة استطاع القواسم أن يفرضوا وبالقوة وجودهم البحري (1/64)
صفحة 65
على جيرانهم كما فعل الوهابيون ذلك في البر. وقد اغتنم القواسم فرصة غياب النفوذ البريطاني من القسم الجنوبي من الخليج فمدوا نفوذهم وزادو من فعاليتهم هناك ويمكن القول أن نشاطهم هذا كان إلى حد ما بتحريض الوهابيين وتشجيعهم.
وعلى كل حال وبسبب هذا الوضع الجديد فقد التقت مصالح الانكليز والأتراك والفرس والعمانيين على وجوب اخضاع القواسم ودرء خطرهم وقد عهد إلى أضعف هذه الدول الأربع وهي عمان بمهمة البدء بهذه المهمة.
ولم يبق القواسم محصورين في قاعدتهم في قشم بل ابتدأوا منذ حوالي عام 1808 يخرجون منها لينتشروا جماعات صغيرة متفرقة على طول الساحل الجنوبي وكانت أهم مستوطناتهم الجديدة هي خورفكان في الشمالية (5) إلى الشمال من صحار وفي رأس الخيمة على الساحل الشمالي من رؤوس الجبال. وكان المركز الأخير –رأس الخيمة – أشد مراكزهم خطرا وأكثرها أضرارا وأذى كما كانت أبعدهم مسافة وأقواها مناعة وحصانة. ولم يكن خورفكان أسهل منها منالا فقد كانت الجبال المحيطة به من كل جانب تجعل من مهاجمته برا مجازفة محفوفة بالمخاطر كما أن إنزال الجيوش إليه من البحر عملية مكشوفة ليست أقل خطرا من الأولى ولكن إذ لم يكن أمام السيد سعيد من خيار غير هذا فقد عزم على مهاجمة خورفكان بحرا.
وفي شهر مارس من عام 1808 جمع سعيد المتطوعة من القبائل الموالية له في عموم عمان وأرسل بهم إلى ميدان القتال عن طريق البر حيث انضم إليه هناك عدد كبير جديد بقيادة عمه قيس بن أحمد من صحار، في حين ذهب السيد سعيد بحرا يقود مبركبه بنفسه.
وكان الهجوم الأول ناجحا كل النجاح فقد أبيدت المدينة عن آخرها ووضع السيف في سكانها واستولى العمانيون على المراكز الهامة في أعالي التلال (1/65)
صفحة 66
المحيطة بخورفكان (6) ولكن وفي لحظة الانتصار الحاسم حلت في الجيش العماني كارثة يصعب على الفكر الغربي تفسيرها وفهمها، ذلك أن شيخ القواسم سلطان بن صقر ما إن سمع بهجوم الجيش العماني على خورفكان حتى أبحر من مقره في قشم بمن استطاع أن يجمعهم على عجل من بني قومه وجاء يحاول انزالهم في خورفكان ولكنه رأى استحالة ذلك نظرا لحصانة مواقع العمانيين وهنا فقد كان كل ما يجب على قيس عمله هو أن ينقض بقواته من أماكنه المرتفعة على سلطان بن صقر ويحيط به من جميع الجهات، ولكن قيسا لم يفعل شيئا من هذا لأن مثل هذا العمل يخالف آداب الحرب عند العرب وهو عندهم عمل لا يقل خسة عن خيانة العهد ونقضه. ولذلك هبط قيس من مواضعه لينازل صقرا في الأرض المنبسطة وقد دارت الدائرة على قيس فقتل هو أبيد جيشه وتشتت.
وإذ وصلت الحملة إلى هذه النهاية السيئة غير المتوقعة عاد السيد سعيد إلى مسقط تاركا القواسم يعيثون فسادا دون رادع. ولا شك في أن نتيجة هذه المعركة كانت نكسة شديدة الوقع على معنويات العمانيين وسمعتهم الحربية. وتذهب المصادر المحلية (7) على أن القواسم كانوا يفوقون المهاجمين عددا بمقدار الضعف في حين أن الشيخ منصور الذي حضر المعركة ينفي ذلك ويؤيده في ذلك الكولونيل ايلز (8).
ومن المسلم به أن على العمانيين أن يدفعوا الآن ثمن خسرانهم الحرب بالرسوم التي يفرضها القواسم على تجارتهم لكنها لم تكن قاصرة عليهم وحسب، فقط كان القواسم يبحثون عن أسرع الغنائم وأدسمها وكانوا على علم تام بتوقف البريطانيين عن مساعدة السيد سعيد، وقد فسروا هذا العمل وأعمالا أخرى أيضا على أنها دلائل على الضعف. وفي هذه السنة أسروا الباخرة منيرفا وهي باخرة تجارية كبيرة تعود للمستر مانستري وكانت في طريقها من بومبي إلى (1/66)
صفحة 67
بركا (9) تحمل بضاعة يبلغ ثمنها ماية ألف ربيه (10).
كما وبلغ من جرأة القواسم وقوتهم أن هاجموا سفينة حربية من ذوات الـ16 مدفعا أرسلت لتحمي طرق التجارة في الخليج العربي (11).
ومما زاد في تدهور الأحوال أنه حتى في حالات القاء القبض على البعض من هؤلاء وإرسالهم إلى الهند فإن سرعة اطلاق سراحهم وعودتهم تثير الخيبة والأسى في نفوس أصحاب التجارة كما وتثير البهجة والسرور في نفوس اعدائهم، لذلك فلا غرابة في مثل هذه الأحوال أن يطلب قراصنة رأس الخيمة جزية سنوية من حكومة الهند مقابل ضمان سلامة السفن الانجليزية في الخليج (12) الأمر الذي لم يعد محتملا قط.
وعلى الرغم من عزلة السيد سعيد واندحاره القريب عهدهما، فقد كان مضطرا إلى المجازفة مجددا بحملة على حصون رأس الخيمة (13) ولهذا وبعد أن حصل على مساعدة المقيم البريطاني في بوشهر، قاد سعيد في نيسان 1809 حملة بحرية لكنها منيت بخسائر جسيمة (14) وقد ساعدته في عملياته هذه بعض الفرق البريطانية من بينها الباخرة كورنواليس التي اكتسحت الأقسام الجنوبية من الخليج (1/67)
صفحة 68
ونقلت الأسرى إلى بومباي ولكن إطلاق سراحهم السريع ضيع كل أثر للرعب الذي تركته الحملة في نفوس القواسم (15).
وإذ خاب سعيد في حملاته الحربية فقد لجأ إلى الدبلوماسية ويبدو أنه التقى بسلطان بن صقر رئيس القواسم وأوضح له عدم جدوى الاستمرار في مقاومة قوى الإنكليز البحرية ولكن إذا استطاع السيد سعيد أن يكسب شيخ القواسم إلى جانبه فإن القواسم أنفسهم لم يكونوا من رأي رئيسهم، فالغنائم أمامهم وافرة دسمة سهلة المنال ولذلك فقد استنجدوا بالأمير الوهابي سعود وأنهوا إليه الأخبار والذي ما أن وجد سلطان قد تورط في مفاوضات مريبة مع الأعداء حتى ألقى القبض عليه ونقله أسيرا إلى الحجاز (16) ولم يكتف سعود بهذا العمل فحسب بل رأى بثاقب بصره أن أي تعاون محتمل بين الانكليز والعمانيين سيجر عليه متاعب صعبة لا قبل له بدفعها لذلك فقد عزم على القيام بهجوم عام على عمان تحت قيادته الشخصية.
وكان قد سبق له أن أرعب القسم الشمالي من البلاد بزيادة عدد جيشه النظامي المرابط في البريمي كما أعاد وكيله إلى مسقط ولم يعدم بعد ذلك المبرر الكافي للهجوم.
ذلك أن محمد بن ناصر الوصي السابق على السيد سعيد بدأ يختلق الأسباب والمزاعم للإستقلال ببلدتي سمايل وبدبد فلجأ معه السيد إلى الأسلوب الدبلوماسي العربي المعهود فأغراه بالقدوم إلى مسقط حتى إذا ما وصل إليها رماه في السجن وأذاقه مر العذاب ولم يطلق سراحه إلا بعد أن تنازل له عن بلدتي سمايل وبدبد.
وقد تركت هذه المعاملة القاسية أسوأ الأثر في نفس محمد بن ناصر فما أن (1/68)
صفحة 69
خرج من محبسه حتى انطلق إلى نجد والتحق بالوهابيين وأصبح من يومه ذاك من ألد خصوم السيد سعيد وأشدهم عداء له.
إلا أن استعدادات الأمير سعود لم تجد سبيلها للتنفيذ إذ منعه من ذلك قيام أول عمل حقيقي مشترك بين الانكليز والسيد سعيد ضد القواسم (17).
فبعد أن فشل الهجوم الأول على رأس الخيمة عام 1809 عاد سعيد واتصل بحكومة بومباي شارحا لها أن لعمل المشترك بينهما هو السبيل الوحيد للنجاح في القضاء على القواسم وقد أيده في مسعاه هذا تأييدا قيما رجال من الانكليز من أمثال الكابتن سيتون الوكيل البريطاني في مسقط والميجر جنرال جون مالكولم اللذين نادا، باسم المصلحة البريطانية، بدعم عمان دعما فعالا (18).
وإذا كانت تجارب السنتين الماضيتين قد أيدت هذا الرأي فقد ارسلت حكومة الهند حملة قوية تتالف من الفرقاطة شيفون وكان ربانها الكابتن وينرايت والفرقاطة كارولين وتسعا من سفن الشركة مع بعض من سفن النقل تحمل زهاء الألف والستماية رجل والفا من الجنود المحليين بقيادة الكولونيل سميث.
وقد اشتركت هذه الحملة مع القوات العمانية في حرب رأس الخيمة وفي حرق خمسين سفينة كبيرة للقواسم في شهر آب 1809 ثم زحفت القوات المشتركة لاجتياح خورفكان ولاحتلال شناص مرة ثانية.
وكان الوهابيون قد أرسلوا قواتهم بقيادةت مطلق المطيري لنجدة رأس الخيمة ولكن لوصولهم إلى ساحة القتال متأخرين فقد ساروا شمالاً لإنقاذ شناص إلا أنه أجلوا الهجوم عليها بسبب وجود الانكليز الذين أوقعت مدافع سفنهم أبلغ الخسارة بين القراصنة، إذ لم يرغب الوهابيون بالتعرض لهذه المجابهة الخطرة فقد آثروا التمهل وانسحبوا إلى مكان قريب لمدة ثلاثة أيام حتى (1/69)
صفحة 70
إذا ما تأكدوا من عودة الوحدات البريطانية إلى بومباي، خرجوا من مخبئهم وانقضوا على العمانيين فأبادوهم عن بكرة أبيهم واضطروا سعيد إلى التقهقر نحو مسقط (19).
ويبدو أن لا مبرر لانسحاب البريطانيين في هذا الوقت بالذات إلا كون الحملة قد أكملت مهمتها بالقضاء على القراصنة ولم يبق لها ما تفعله بعد ذاك، إلا أن الشيخ منصور الذي كان آنذاك يتولى قيادة الحملة في شناهي تحت امرة السيد سعيد يرى (ص67 من كتابه) أن الكولونيل سميث قد توصل إلى اتفاق مع الوهابيين من خلف ظهور السيد سعيد واعدا إياهم بالحياد مقابل حصانته من هجمات القراصنة.
ونكتفي هنا بالإشارة إلى هذه الرواية فقط إذ أن أخبار الشيخ منصور ينقصها السند في الغالب. ويذهب هيوارت (20) إلى القول بأن الانكليز نصحوا العمانيين بالانسحاب ولعله هنا يردد الرواية الحديثة حول الموضوع، أما الشيء الأكيد فهو أن تخلي البريطانيين عن السيد سعيد أوقعه مرة ثانية في أكبر كارثة شاملة ذلك لأنه وإن استطاع في كانون الثاني من عام 1810 أن يرفع الحصار الذي وضعه مطلق حول صحار إلا أنه لم يستطع أن يستمر في العمل. فقد جمع مطلق قواته وقسمها ثلاثة أقسام وضع قسما منها تحت قيادته ووضع أحد القسمين الآخرين تحت قيادة ابنه والقسم الثالث تحت قيادة محمد بن ناصر وانقضوا جميعهم على البلاد يدمرون بلدانها ويقتلون سكانها (21) وفي طريقه نحو (1/70)
صفحة 71
الجنوب حاصر السيد سعيد في مسقط ثم أحكم الحصار عليه بشكل أشد في طريق عودته.
وهكذا انتهت دقة الموقف وصعوبته. وقد استطاع السيد سعيد أن يتخلص منه ليلقي في شهر نيسان من عام 1811 ضربة حاسمة في وادي المعاول (22).
وإذا بدا الموقف للسيد سعيد ميؤوسا منه وإذ فقد الأمل من كل عون يأتيه من حكومة الهند فقد عزم على أن يرسل أخاه سالما إلى بلاد فارس ليطلب العون من أهلها ولكنه قبل أن يفعل هذا عاود الاتصال بحكومة بومباي شارحا لهم أن تحالفه مع الانكليز في الحملة الأخيرة قد أثار الوهابيين ضده وأجج نار حقدهم عليه لكن حكومة الهند رفضت منحه أية مساعدة بحجة أنها لا تريد الاستمرار في إثارة الوهابيين والقواسم، وهو أمر لم تكن نذاك قد أدركته تمام الإدراك، وكان الموقف في انكترا وفي أوروبا تجاه الهند على درجة من الغموض بحيث كان يرضيهم أن يدفعوا مساهماتهم التجارية طالما أن الأمر يعفيهم من نفقات الأعمال الحربية ولكن بعد هذه الفترة بزمن طويل أو حين زال خطر فرنسا ونضبت قوة الوهابيين نتيجة حملات محمد علي وابنه ابراهيم باشا فقد بدأ التردد نحو حماية التجارة يتضاءل وتوسيع احتمالاتها يبدو واضحا للعيان. ولكن وإذ كان الموقف كما هو في عام 1810 فلم يكن للسيد سعيد من سبيل إلا اللجوء إلى خط دفاعه الثاني وعلى هذا أرسل أخاه سالما إلى بلاد فارس.
وكان المؤمل أن يجد الفرس أعذارا كافية تبرر تدخلهم على أساس أنهم تضرروا كثيرا من اعتداءات القواسم على جزيرة البحرين الغنية (23) كما كان (1/71)
صفحة 72
المتصور أن فارس كدولة أغلب مواصلاتها برية وأكثر تجارتها تنقل بالقوافل فإنها لن تتخلف عن اغتنام كل فرصة تسنح لها للتقليل من قوة الوهابيين ومنعهم من أن يكونو قوة فعالة تستطيع التدخل والتأثير في سير تجارتهم (24). لكن كل هذه التصورات والآمال لم يكن لها أساس من الصحة فما أن وصل سالم إلى شيراز حتى عقد مع واليها نقاشا فقهيا نقلت لنا مصادر العربية وصفا شيقا له (25) ثم كانت نتيجة المفاوضات أن وضعت تحت تصرف سالم قوة فارسية بقيادة المدعو سعيد خان (26). ومن المستحيل أن نحدد عدد هذه القوة بالضبط فالكولونيل مايلز يقدر عددها بألف وخمسماية رجل في حين تذهب المصادر العربية ويوافقها على هذا الأمر هيوارت (27) إلى مضاعفة الرقم الذي أورده مايلز.
ولكن المعروف عن المصادر العربية أنها تميل أما إلى التهويل وإما إلى التقليل في الإعداد طبقا لمقتضيات المقام لذا فلا يجب الاعتماد عليها كثيرا في هذا المجال ولعل الرواية التي أوردها الشيخ منصور وكان نفسه شاهد عيان هي الأقرب للصحة إذ قال (28) أن القوة تتألف من 1500 رجل مع بعض المدفعية الخفيفة. وعلى كل حال فقد حصل سالم من الفرس على قوة بهذا المقدار ثم قفل عائدا إلى بلاده في ربيع عام 1812 (29) فلما وصل بها بندر عباس نقلها إلى السفن (30) وأبحر بهم حتى أنزلهم في بركا ومنها سار واحتل نخل وسمايل (31).
فلما تناهت الأخبار إلى الخصم اللدود محمد بن ناصر أسرع إلى الاجتماع بمطلق وكان في طريقه إلى نجد فجمع مطلق عرب الشمال في طريقه وانقض (1/72)
صفحة 73
بهم على سالم الذي يبدو أنه اندفع غير محاذر نحو ازكي (32) فأطبق عليه مطلق وأفنى قوته وشتت شمله.
وقد اكتفى مطلق بهذا النصر الحاسم والسريع فارتد إلى مقره في البريمي حيث وجد بانتظاره هناك اثنين من أولاد الأمير سعود هما تركي فيصل. فسلمهما قيادة الجيش ورغب هو أن يتم رحلته إلى نجد، لكن رغبته لم تتحقق على كل حال ذلك لأن الأميرين الشابين قاما بغزوة فاشلة على الخضرا دون أن يعلما بأن سالم قد استطاع أن يلم شتات قواته ويعيد تنظيم صفوفه فمني الأميران بالخيبة في حملتهما. فما أن سمع مطلق بذلك حتى عاد إلى الميدان ثانية فاستدعى محمد بن ناصر إلى جانبه وابتدأ حملة كبيرة نحو الساحل وقد وصل مطلق إلى بركا وهناك التقى سالما وكان سالم في موضع جيد ومعه قوات كثيرة فاشتبكا في معركة ضارية دامت ثلاثة أيام دون أن يكتب فيها النصر لأحد الجانبين على الآخر وفي نهايتها انعطف مطلق نحو الجنوب وهاجم مطرح واحتلها دون أن يحاول سالم التدخل لاعاقته أو منعه، ومنها زحف إلى مسقط وبعد أن ترك حولها قوة محاصرة انطلق يوقع في البلاد ما اعتاد العمانيون أن يلقوه منه من نهب وتدمير وقتل وبعد أن شفى غليله من كل هذا انكفأ ثانية إلى مقره في البريمي (33).
وفي هذه الأثناء كانت جيوش محمد علي باشا تتقدم في زحفها لانقاذ الأماكن المقدسة في الحجاز وقد هرب إليها والتحق بها سلطان بن صقر ذلك الشيخ القاسمي الذي ألقاه الأمير سعود في السجن خشية أن يتصالح مع الانكليز. وقد بعث محمد علي بهذا الرجل رسولا إلى السيد سعيد يطلب محالفته على حرب الوهابيين (34) وكان الوقت ملائما لخطط السيد سعيد كما كان ملائما لمكائد سلطان، ولذلك فقد رحب السيد سعيد كل الترحيب باقتراح إرسال (1/73)
صفحة 74
سفينة محملة بالعتاد مددا لجيوش محمد علي في جدة (35) ولم يكتف بذلك وإنما عزم على عملية جديدة لإعادة سلطان إلى رأس الخيمة مجددا.
ولذلك فقد حشد اسطوله لهذا الغرض وسار به نحو غرضه وكان يصحبه في هذه السفرة ومن باب التشجيع المعنوي فقط المستر روس المقيم البريطاني في الخليج والذي صادف أن كان في ذلك الحين من عام 1813 في مسقط يتخذ الترتيبات لتعيين وكيل بريطاني فيها من أهل البلاد، ولم يكن سروره بالذهاب في هذه الحملة بالقليل لأن سلطان قد وعد بعدم تأييد القرصنة أو تشجيعها (36) وفي الواقع فقد كان من بعض واجبات مهمته أن يبلغ الشيخ والرؤساء عزم حكومة الهند الأكيد على قمع حركات القرصنة وكانت لديه تعليمات قاطعة بضرب وتحطيم أي سفينة من سفن القراصنة تعترض سبيله.
وعلى كل حال فقد انتهت حملة سعيد نهاية خائبة كل الخيبة (37) وإذ فشل سعيد في خطته الأصلية باعادة سلطان إلى رأس الخيمة فقد عبر به الخليج وأنزله في الجانب الثاني منه (38).
ولكن الفشل الذريع لهذه الحملة لم يكن أوخم عواقبها أثرا على السيد سعيد إذ كان الأسوأ من ذلك أن أخبار هذه الحملة ما أن وصلت إلى مطلق حتى أثارته من جديد، فزحف متجها نحو الساحل حتى وصل مصنعة وكان هذا الزحف من الزخم والعنف بحيث لم يضطر عزان بن قيس على التخلي عن موقعه الحصين في صحار فحسب بل ودفع سعيدا بعد أن انقطعت به السبل وأعيته الحيل إلى أن يشتري انسحاب خصمه بمبلغ 40 ألف دولار. أما ما هي حقيقة هذه الأربعين ألف دولار فأمر مشكوك فيه مذهب بادجر إلى أنها (زكاة) وهي (1/74)
صفحة 75
صدقات إجبارية تجمع للأغراض الدينية (39) ويؤيد بادجر في رأيه هذا هيوارت والذي يضيف إلى ما تقدم أن هذا المبلغ المذكور كان يتكرر سنويا (40) ولكن مهما تكن طبيعة هذا المبلغ فإن الأهم من ذلك أن كميته لم ترض الأمير سعود ولم تخفف من غضبه وهياجه إذ أن هذا المبلغ الضئي الذي يأتيه من الشرق لا يعوض في شيء الخسائر الكبيرة التي يتكبدها في الغرب نتيجة استمرار جيش محمد علي في زحفه وعلى هذا فقد استدعى مطلق إلى نجد وعين بدلا عنه ابن غردقة قائدا عاما في عمان ليقود حربا أعنف (41).
ولكن اغتيال ابن غردقة وهو في الطريق إلى منصبه أعاد مطلق إلى سابق وظيفته إلا أن حظه لم يكن هذه المرة أحسن من حظ سلفه إذ لم ينعم بوظيفته وقتا طويلا فلقي حتفه وهو يخوض معارك متقطعة بين الظاهرة والشرقية مما اضطر جيشه إلى العودة إلى البريمي (42).
وفي نهاية هذه السنة بالذات، سنة 1814 بدأت نهاية متاعب السيد سعيد تلوح للعيان وكما هو المعتاد في مثل هذه الأحوال فقد كان لأحكام الأقدار والحتوف اليد الطولي في هذا المجال.
فقد انهت يد المنون حياة عزان بن قيس فتهيأ للسيد سعيد المجال لأن يضم صحار إلى سلطانه فيقوى بذلك نفوذه (43) ومات في هذه السنة ايضا الأمير سعود وكان لموته أثر أكبر ونتائج أعظم فقد آذن موته بوهن قوة الوهابيين وتضاؤلها إذ لم تمر على ذلك إلا سنتان فقط حتى خرج من ملكهم كل الساحل الغربي للجزيرة العربية ثم لم تمض بعد ذلك إلا سنتان اخريان حتى دارت الأيام دورة (1/75)
صفحة 76
أخرى فجاء دور الوهابيين ليذوقوا هم أنفسهم وفي عقر دارهم ما كانوا يذيقونه غيرهم من نكال الاحتلال وآلامه.
ومن الطبيعي أن تسعد دورة الأحداث هذه سعيدا الذي لم يتوان عن الاحتفال بها بشن حملة جديدة أخرى كان الفشل نتيجتها أيضا من أجل إعادة سلطان بن صقر إلى مقره في رأس الخيمة وكانت حملته هذه عملا غير موفق أبدا لا من حيث نتائجها فحسب بل ومن حيث ظروفها وتوقيتها. ذلك أن الأمير عبدالله الذي خلف سعودا على رأس الوهابيين كان قد أرسل مبعوثا إلى مسقط ليفاوض السيد سعيد من أجل صلح دائم بين الطرفين. لكن حملة سعيد على أصدقاء عبدالله وحلفائه أحرجته وأثارته ومن ثم اضطرته إلى سحب مبعوثه وعروضه وبالتالي إلى استمرار حالة الحرب بين البلدين.
ولم يكن هذا وذاك هما كل الآثار السيئة التي أنتجتها هذه الحملة الفاشلة بل ينضاف إليها أيضا أن القواسم وقد ازدهاهم نصرهم ونجاحهم عمدوا إلى توسيع أعمالهم التخريبية في مياة البحر مما اضطر السيد سعيد إلى أن ينازلهم بأسطوله وبقيادته هو شخصيا.
لكن النتيجة لم تكن سارة أيضا، ذلك لأن القواسم كانوا قد توصلوا إلى صنع نوع من الراكب العالية التي كانوا يستطيعون الانحدار منها بغاية السهولة إلى سفن الأعداء حين الارتطام بها وقد برهنت هذه المراكب على نجاحها الحربي وخاصة ضد سفينة السيد سعيد الخاصة كارولين والتي لم يستطع انقاذها إلا بصعوبة بالغة وبعد أن أصيب هو نفسه بجرح بالغ (44) وهكذا ظلت مشكلة القواسم على حالها دون حل.
وقد شهدت السنة التالية، سنة 1815، تمردا داخليا قاده محمد بن ناصر وحمير بن سليمان، وحمير هذا هو أحد أفراد العائلة اليعربية الحاكمة سابقا وقد ضرب هذان الثائران الحصار حول نخل واستطاعا أن يصدا كل محاولات سعيد (1/76)
صفحة 77
لانقاذها ولكنهما ما عتما أن سقطا فريسة مكره ودهائه فاستطاع أن يلقي القبض على حمير ويقتله في الحال. وإذ انتهت متاعبه من هذه الجهة فقد شعر بقوته ومتانة وضعه لذا فقد بدأ في السنة الثانية حملة جديدة على رأس الخيمة كانت في الواقع رابع حملاته الفاشلة عليها ومع أنه حاصر المدينة أربعة شهور فإنه اضطر في آخر المطاف إلى رفع الحصار عنها والعودة إلى مسقط دون ما نتيجة تذكر.
وإذ لم تحقق هذه الحمل طموح السيد سعيد وآماله فقد قرر في العام نفسه أن يهاجم جزيرة البحرين الغنية واتفق على ذلك مع الفرس الذين أمدوه بقوة صغيرة لا تتعدى الثلاثة مراكب.
وكانت ظروف هذه الحملة تنذر بأسوأ النتائج لها، ذلك لأن الحليفين الفرس والسيد سعيد لم يكونا على رأي واحد ولا هدف واحد في هذه الحملة، فقد كان الايرانيون دوما ذوي مزاعم بعائدية البحرين لهم (45) وهم إن لم ترضهم سيطرة القواسم على هذه الجزيرة فإن وقوعها في يد العمانيين لا يرضيهم أيضا.
أما السيد سعيد فلم يكن يرى في هذه الحملة إلا مجرد إعادة ضم إحدى ممتلكاته الخارجة عليه إليه (46). فلقد سبق لوالده سلطان بن أحمد أن فتحها وجزيرة قشم قبل ثلاثين عاما (47). ورغم أنه خرج منها في الحال إلا أن أتباعه ظلوا يعاودون الهجوم عليها مرارا وتكرارا ولم يخرجوا منها نهائيا إلا عام 1807وعلى يد القواسم الذين احتلوها منذ ذلك الحين (48) وحصنوا فيها مواقعهم بصورة منيعة تجعل أية محاولة لغزوهم فيها صعبة المنال باهظة الثمن، حتى أن المقيم البريطاني في بوشهر إدراكا منه لهذه الحقائق نصح السيد سعيد بالكف عن (1/77)
صفحة 78
مثل هذه المحاولة (49) لكن السيد سعيد مضى في ما عزم عليه وأبحر إليها في أسطوله في شهر حزيران وما إن وطأت أقدام جيوشه بر الجزيرة في أراد حتى جوبهت قواته بمقاومة ضارية انتهت بانهيارها انهيارا شنيعا (50) واضطرارها إلى العودة حالا لركوب سفنها التي كانت قد نزلت منها للتو والإقلاع بها عائدة إلى بلادها.
وقد زاد في ألم الخيبة والفشل فقدان السيد سعيد أخاه الأصغر حمد الذي قتل في أثناء المعركة، ويبدو أن مرد هذا الفشل الذريع الذي منيت به هذه الحملة هو خيانة الإيرانيين للسيد سعيد كما يبدو أنهم لم يكتفوا بهذا الذي فعلوه بل زادوا عليه أنهم وعدوا السيد سعيد بجديد من العون والمدد إذا ما هو نقلهم بسفنه إلى بندر عباس. ولكن السيد سعيد رفض طلبهم بعد أن تبين له أن غرضهم هو إلقاء القبض عليه في عرض البحر ونقله أسيرا إلى شيراز ولذلك فقد تركهم وعاد بأسطوله إلى مسقط (51).
وعلى هذا وشعورا من السيد سعيد بضرورة الاعتماد على حليف قوي موثوق به فقد التفت إلى الحكومة الفرنسية وجدد معها ما كان بين بلديهما من علائق تجارية. وقد أدى عمله هذا إلى ازدهار التجارة واتساعها وبالتالي إلى عقد اتفاق بين البلدين وقع في30 آذار 1817 (52) وظل معمولا به حتى توقيع المعاهدة التجارية الفرنسية عام 1844.
وقد حدثت في هذه السنة داخل عمان فتن واضطرابات لم تصل إلينا تفاصيلها ولكنها على كل حال لم تغير شيئا من الحقيقة الواضحة التي لا ريب فيها وهي أن الأمر الأهم الذي يثير اهتمام السيد ويشحذ عزمه هو وجوب القضاء على قوة القواسم باستغلال ضعف الوهابيين وانشغالهم. (1/78)
صفحة 79
ففي هذا الوقت كانت جيوش محمد علي تعبر الصحراء نحو بلاد الوهابيين وقد يبدو من المستغرب أن تهرع قبيلة الغوافر، وهي قبيلة أكيدة الولاء للسيد سعيد، إلى نجدة من كانوا حتى الأمس القريب أعداءهم المحتلين لبلادهم والوقوف معهم ضد المصريين (53). ولكن وجه الغرابة في هذا العمل يزول إذا علمنا أن دوافع الغوافر إلى هذه النجدة هو الحقد الطافح ضد الغزاة الأجانب الأمر الذي برر به السيد سعيد رفضه للعروض الانكليزية في هذا العام والعام الذي تلاه. إلا أن هذه المعونة العمانية لم تنفع الوهابيين ولم تمنع اندحارهم الشامل وخسائرهم الجسيمة فاحتلت عاصمتهم الدرعية عام 1818 وأسر في العام التالي أميرهم عبدالله وأرسل إلى الأستانة حيث قتل هناك (54).وقد أدت هذه الأحداث إلى فقدان محمد بن ناصر لحلفائه الأشداء فغدا في حال من العزلة والضياع لا يمكن احتماله فاضطر إلى تغيير ولائه مرة أخرى فتقدم إلى السيد سعيد يطلب الصلح والغفران (55) ولم يبخل عليه بهما السيد سعيد كما لم يتأخر في إيجاد العمل المناسب له.
فقد حدث أن بطال المطيري وهو من قواد الوهابيين ومن رفاق محمد بن ناصر خرج على الوهابيين واحتل البريمي وعزم على الاستقرار والاستقلال فيها لذلك فقد عهد السيد سعيد إلى محمد بن ناصر بمحاربة المطيري وإخراجه من البريمي وقد استطاع محمد اخضاع المطيري وحمله على هدم حصونه ثم على الدخول في خدمة السيد سعيد (56) الأمر الذي دفع سلطان بن صقر بالمطالبة بالبريمي وجعلها ملكا له إلا أن طلبه رفض بناء على مشورة الانكليز (57).
وفي هذه المرحلة بدا واضحا للجميع بأن الوقت قد حان الآن للاهتمام (1/79)
صفحة 80
بأمر القواسم اهتماما جديا، وكانوا قد عادوا فاحتلوا خورفكان عام1817 وجعلوها مرفأ لسفنهم ومنطلقا لاعتداءاتهم على الطرق التجارية البحرية والتي بلغ من اتساعها وجرأتها أن توغلت حتى قرابة السبعين ميلا من بومباي.
وكانت قوتهم تقدر وقت ذاك بحدود 64 سفينة من نوع الداو وسبعة آلاف رجل (58) ولذا فقد رأت الحكومة البريطانية أن الوقت قد حان للقضاء على القواسم لأن ذلك لم يعد يكلفها حربا باهضة الثمن مع الوهابيين كما كان الأمر من قبل، ولذلك فقد بدأت تبحث لها عن حلفاء يشاركونها في هذا العمل.
ومن أجل هذا أرسلت حكومة الهند اللفتينانت سادلر إلى كل من السيد سعيد وإبراهيم باشا وحملته تعليمات واضحة لجس نبض كل منها حول اشتراكهما مع بريطانيا في حملة موحدة لهذه الغاية كما حملته رسائل خاصة إلى كل منهما تدعوهما للتعاون معها ضد العدو المشترك <ح> (1).
وقد ألقى سادلر عصا ترحاله أول الأمر في مسقط، حيث استقبله سكانها وسلطانها بأحسن الحفاوة والاستقبال ولكنه حين بدأ المفاوضات مع السيد سعيد مني بفشل ذريع إذ لم يكن السيد سعيد راغبا قط في التعاون مع الأتراك والمصريين إذ لم يكن هناك ما يجمع بينه وبينهم في حين كان هناك الكثير مما يخشاه منهم، عدا عن أنه كان قد سبق له أن رفض عند سقوط الدرعية عاصمة الوهابيين، عرضا جاءه من القواسم للتحالف معه ضد المصريين <ح> (2) وعلى هذا فليس من المستغرب أن نجد تقرير سادلر عن مباحثاته مع السيد سعيد مشحونا بالشكوى من المماطلة والغموض اللذين قوبل بهما <ح> (3)،ذلك لأن سعيدا وإن لم يكن قادرا على تلبية رغبات الانكليز فإنه في الوقت نفسه لم يكن راغبا في أن يخسر ثقتهم. <ح><ح><ح>
(1) -سادلر، ص133، 136.
(2) - التقرير، 1879 - 1880 ص40و 1883 - 1884 ص26.
(3) -سادلر ص 135. (1/80)
صفحة 81
وإذ فشل سادلر فشلا تاما في الشق الأول من مهمته فقد بدأ الشق الثاني منها وسار يحاول الالتقاء مع ابراهيم باشا في الدرعية. لكن الأتراك كانوا مثل السيد سعيد غير راغبين في التعاون مع بريطانيا ولم يكونوا يعيروا هذه الرغبات البريطانية اهتماما، فهم قد أتموا مهمتهم في شرق جزيرة العرب وقضوا على قوة الوهابيين وأعادوا السلام والطمأنينة إلى بلاد العرب، وهم لا يريدون من الانكليز شيئا ولا يخشونهم في شيء، وعلى هذا ورغم علم ابراهيم باشا بقرب وصول المبعوث البريطاني إليه فإنه ترك الدرعية بادئا مسيرته الطويلة عبر الصحراء للعودة إلى بلاده دون أن ينتظر وصول هذا المبعوث إليه ولربما لعدم رغبته في مواجهته. ولكن ابراهيم باشا لم يحسب حساب همة هذا الضابط ومثابرته فعلى الرغم من صعوبات السفر ووعورة الطريق وقسوة الجو ووحشة الصحراء وعداء القبائل التي مر بها فقد ظل سادلر يتتبع الأتراك عبر الصحراء بكل عناد وإصرار حتى لحق بهم أخيرا في المدينة المنورة وبذلك كان سادلر أول أوروبي يعبر الصحراء من الشرق إلى الغرب، ولكن عمله هذا لم يكسب له الفخر ولم يجلب له الشهرة في حينه إذ لم تكتشف حقيقة هذا الانجاز إلا بعد ثلاثين عاما من تاريخ قيامه به.
وعلى كل حال فإن مهمة البعثة في المدينة لم تكن أقل فشلا منها في مسقط ولكن سادلر نجح دون ما شك في تحقيق الجزء الآخر من تعليمات مهمته وهي وجور التأكد من طبيعة ومقدار القوات الموجودة تحت أمرة حضرة صاحب السعادة أي إبراهيم باشا ووصفها وصفا دقيقا. ولكنه حين جاء إلى اكتشاف مقدار وطبيعة المساعدات التي يمكن لصاحب السعادة تقديمها لتخريب مواطن القرصنة جوبه سادلر بالصعوبة والفشل. فعلى الرغم من أنه كان مخولا لأن يؤكد لابراهيم باشا استعداد حكومة الهند لتقديم كل المساعدة البحرية الممكنة أثر انتهاء موسم الرياح الموسمية فإن هذه التأكيدات لم تؤثر شيئا في إبراهيم باشا فأضاع فرصة سانحة لا شك أنه ندم عليها بعد ذلك بعشرين عاما حين قرر المصريون ضم الجزيرة العربية وسوريا إليهم. (1/81)
صفحة 82
وعاودت حكومة الهند الاتصال بالسيد سعيد فاتفقا على عمل موحد مشترك ضد القواسم وعلى هذا وصلت مسقط في شهر تشرين الثاني من عام 1819 <ح> (1) قوة عسكرية بريطانية كثيرة العدد قوية العدة بقيادة السير دبليوكرانت كير. وكانت هذه القوة تضم السفينة ليفربول ذات الخمسين مدفعا والسفينة ايدن ذات الست والعشرين مدفعا والسفينة كورلا ذات الثمانية عشر مدفعا وست سفن أخرى وكان على ظهرها 1600 رجل من الأوروبيين و 1400 من الجنود المحليين <ح> (2).
وانضم السيد سعيد إلى هذه القوة فأضاف إليها سفنا ثلاثا أخرى وأربعة آلاف جندي من جنوده <ح> (3) واتجهت القوتان إلى رأس الخيمة <ح> (4) وهكذا تحرك هذا الحشد الكبير للقضاء على قوة القواسم التي ما كان لها أن تنمو وتتسع وتشتد لولا تراخي خصومها وإهمالهم أملها منذ البداية.
ورغم نجاح الهجوم نجاحا تاما فلم يكن في الواقع بالنجاح السهل، فقد استمر القصف المدفعي بضعة أيام، وهنا أيضا كان من حسن حظنا وجود شاهد عيان حضر المعركة ووصفها فترك لنا صورا شيقة لها <ح> (5) وقد أقر هذا الشاهد بشجاعة القواسم وبسالتهم كما اعترف بالفضل الكبير للسيد سعيد بسبب العمليات الحربية الجريئة التي قادها أو قام بها، وكان قد أرسل حوالي الألفين من رجاله فسيطرت على مضايق الجبال ورؤوسها وعادت بعدد كبير من <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) -كذا، ص229.
(2) -كرزون، ج2 ص449، وكورانزيز، ص145.
(3) -عن تفاصيل العمليات، انظر التقرير، 1879 - 1880 و 1883 - 1884 ص 26؛ ومايلز،،ص324، وبادجر ص 79 المقدمة؛ ولوج1 ص 351،ومختارات بومباي، ص188، وكريجتون، ص487.
(4) -بادجر، ص79من المقدمة.
(5) -مينان، ج2 ص220و 275 (عن رسالة إلى حكومة الهند من القائد العام للحملة في رأس الخيمة). (1/82)
صفحة 83
الأسرى من تلك الأرجاء التي لم ين أحد، لمناعتها، وعورتها، يتصور إمكان الوصول إليها.
وكان الأذى الذي ألحقته المدفعية بالمدينة غير قابل للحصر أو التصور ومع هذا فقد استطاع القواسم الانسحاب من مواقعهم مما يسجل لهم بالفخر ويشهد لهم بالشجاعة والبأس.
«وهكذا» كما يقول أحد الكتاب المعاصرين «كانت نتيجة الحملة التي حشدت ضد القواسم، إذ أوقعت بهم ضربة قاضية يبدو من العسير عليهم أن يفيقوا منها بعد الآن» وقد صدقت هذه النبوءة إذ توقف منذ ذلك التاريخ نشاط القواسم وأصبح الاعتداء على التجارة أمرا نادر الحدوث بعد عام 1819.
وقد وقعت معاهدة مع كل من حسن بن رحمة وسلطان بن صقر أرست وضمنت مستقبل الأمن والسلام في مياه الخليج العربي<ح> (1) وزيادة في قوة هذه الضمانات فقد وقعت في 8 كانون الثاني 1820 معاهدة منعت الغزو في البر والقرصنة في البحر <ح> (2) وفي سبييل تأمين تنفيذ هذه الالتزامات فقد تركت في رأس الخيمة قوة بريطانية قوامها 1200 جندي هندي وظلت فيها حتى شهر تموز من العام نفسه <ح> (3). وكان السير كرانت كير قد عاد إلى بومباي في شهر مارس على ظهر الباخرة ليفربول.
وهكذا وبفعل مساعداته الفعالة والقيمة فقد ضمن سعيد لنفسه وبلاده الهدوء والطمأنينة فانقطعت عنه احتمالات غزوه من البر والبحر كما كان الأمر من قبل وذلك بسبب القضاء على مراكز انطلاق الوهابيين والقواسم وإذ اتفق الأمن والسلام لعمان فقد بدأت تعتلي مكانها المرموق الذي وصلت إليه بعد حين. <ح><ح><ح>
(1) -مايلز، ص325.
(2) -هيوارت، ص275.
(3) -كرزون، ج2 ص449، وكورانزيز، ص146، ومايلز، ص315. (1/83)
صفحة 84
وقد ظل على السيد سعيد أن يستكمل توحيد بلاده ومد سيطرته على جميع أنحائها، وكانت هناك قبيلتان مستقلتان عرفتا باسم جامع لهما هو" بني بو علي <ح> (1) وقد أثاروا عليهم ضغينة الانكليز وأهل عمان على حد سواء. وكان سبب عداء الانكليز لهم هو أنهم نهبوا من عهد قريب سفينة بريطانية جنحت إلى الشاطئ قرب ديارهم <ح> (2).
أما سبب بغض العمانيين لهم فبسبب اعتناقهم المذهب الوهابي وبسبب غزواتهم المتكررة لبقية أجزاء البلاد. ولذلك فقد تحركت ضدهم حملة بريطانية عمانية مشتركة تتألف من ستة أفواج من الجنود والهنود وثمانية مدافع وكان أكثر هؤلاء الهنود من الحامية التي تركت في قشم بعد سقوط رأس الخيمة في أوائل العام الفائت وكانت تحت قيادة الكابتن تومسون المقيم البريطاني في مسقط، وقد أضاف السيد سعيد إلى هذه القوة ثمانية آلاف جندي من جنوده بقيادته شخصيا <ح> (3).
وقد توجهت هذه القوة إلى صور في منطقة جعلان ولكن الحظ لم يوافقها، فقد استهين ببسالة الخصم وخطط دفاعه وقوة مقاومته، وقد أبدى العدو مقاومة ضارية ردت المهاجمين على أعقابهم وكبدتهم خسائر فادحة، ثم اتبعها بهجوم ليلي مباغت على معسكر الحلفاء أدى إلى هروب غالبية العمانيين.
وهنا أبدى السيد سعيد نفسه منتهى ضروب الشجاعة والإقدام ففي خلال احتدام المعركة أقدم بكل شهامة وبسالة على انقاذ جندي بريطاني جريح كاد أن يسقط بيد الأعداء، كما استطاع بعد كارثة الهجوم الليلي أن يجمع بقايا القوات المشتركة ويعود بها إلى مسقط بسلام. وقد منحته حكومة الهند سيف الشرف اعترافا بخدماته وبسالته. <ح><ح><ح>
(1) - ويلستيد، ج 1 ص54.
(2) - التقرير، 1883 - 1884 ص26، ومايلز، 326.
(3) -ويلستيد، ج1 ص55. (1/84)
صفحة 85
وكان من الصعب ترك الأمور على حالها الذي انتهت إليه فقد فني الجيش الانكليزي عن آخره تقريبا وأصيبت الهيبة البريطانية بضربة شديدة تحتاج إلى إصلاح كبير وسريع.
ولهذا فقد قام السير ليونيل سمث من بومبي في السنة التالية ومعه قوة كاملة العدة واتجه بها نحو مسقط حيث التحق به السيد سعيد وسارا نحو بلاد بني بو علي.
وأننا لسعداء هنا أيضا إذ ترك لنا شاهد عيان آخر صورا واقعية للقتال المرير الذي دارت رحاه هناك <ح> (1) ولكن المهم أن نتيجته كانت سارة للحلفاء إذ استولى على بلاد بني بوعلي دون خسائر كبيرة واخذوا السكان أسرى، فمن وقع منهم في أسر السيد سعيد فقد لاقى الكثير من القسوة والعنت <ح> (2) ذلك لأنه كان حديث العهد بما ألحقوه به من أذى وأضرار فلم يجد النسيان والغفران إلى نفسه سبيلا، ولكن الأكثرية منهم وقعوا أسرى في أيدي الجنود الأنكليز فنقلوهم إلى بومباي حيث أعيدوا منها بعد زمن قصير إلى ديارهم بعد منحهم هبات مالية قدمتها لهم حكومة الهند لإعادة بناء قراهم وأفلاحهم <ح> (3).
وقد بلغ السيد سعيد الآن ذروة النضوج ذهنيا وماديا وأصبح السيد المطاع في بلاده بعد أن كسر شوكة القواسم وقضى على بني بوعلي. ولم يعد ينازعه على السلطة أحد، وقد استطاع باستعادته لصحار بعد موت عزان بن قيس عام 1814 <ح> (4) أن يمد نفوذه على جميع عمان وأن يوحدها بشكل لم تعرفه البلاد من قبل، ولذلك فقد كانت سفرته لأداء فريضة الحج عام 1824 كسفرة أبيه قبله عام 1803 <ح> (5) تتويجا لهذه الانتصارات ودلالة على اطمئنانه وثقته بقوته ونفوذه <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) -ميجنان، ج2 ص248و 282 (رسالة إلى الهند من قائد الحملة ضد بني بوعلي).
(2) -بادجر، ص80 من المقدمة.
(3) -مايلز، ص327.
(4) -التقرير، 1883 - 1884 ص25؛ وبادجر، ص77 من المقدمة و328.
(5) -انظر ص49 من هذا الكتاب. (1/85)
صفحة 86
وقد أبحر في شهر مارس على ظهر الباخرة ليفربول التي هيأت له خصيصا، تاركا محمد بن أخيه سالم نائبا عنه في مسقط.
وقد استقبل في مكة استقبال الفاتحين. وأرسل محمد علي بعثة عسكرية لأداء التحية له واستقباله عند نزوله إلى بر الحجاز، وأقام الوالي التركي له حفلة تكريم في جدة، ومع أنه أباضي المذهب، فقد حظي بمقابلة الخليفة وظل طيلة موسم الحج، حيثما حل وأقام موضع الحفاوة والتكريم وموضع الدهشة والاعجاب لأبهة حاشيته وفخامة مظهره <ح> (1).
ولما عاد إلى مسقط استقبله شعبها بأشد مظاهر الود والحفاوة والترحيب <ح> (2) في حين أن من النادر جدا في تاريخ عمان أن نجد حاكما قد عاد إليها من الخارج دون أن تستقبله ثورة عارمة أو فتنة فاشية.
وفي شهر تموز من عام 1826 أرسل سعيد سفنه لمحاصرة بوشهر ولكنه وبناء على طلب من المقيم البريطاني لم يهاجم المدينة. وقد استطاع أن يأسر والي الجزيرة الإيراني وهو في طريقه في البحر إلى بلاده وظل في أسره عدة أشهر.
وفي شهر تشرين الثاني من هذه السنة نفسها أرسل سعيد بضع سفن من أسطوله إلى البصرة لارغام السلطان هناك على دفع ما بذمتها له من المنحة السنوية المقررة لعمان منذ أيام أحمد بن سعيد، وكان المبلغ المجتمع له يقارب 104 ألف دولار <ح> (3) وقد اندحر الترك خلال المعركة <ح> (4) وأخذ الباشا أسيرا إلى مسقط <ح> (5).
وفي شهر تشرين الثاني من عام 1828 وصل سعيد بأسطوله إلى البحرين <ح><ح><ح><ح><ح>
(1) -لم نفهم المقصود هنا من كلمة خليفة، ولعل المؤلف يعني شريف مكة (المترجم).
(2) -بالمغريف، ج2 ص277، وجيان، ج2 ص186.
(3) -انظر ص9 من هذا الكتاب.
(4) -التقرير، 1883 - 1884 ص27؛وبادجر، ص46من المقدمة؛ ومنصور ص3.
(5) -لم نجد حتى في المصادر التي ذكرها المؤلف ما يؤيد رواية المعركة واسر الوالي التركي (المرجم). (1/86)
صفحة 87
مرة أخرى بهدف الاستيلاء على هذه الجزيرة على حين بغتة بعد أن ضمن مساعدة الشيخ طحنون شيخ أبو ظبي ورئيس قبيلة بني ياس الذي كان يقود أربعمائة جندي بكامل العدة والتجهيز.
ولكن جند طحنون خذلوا سعيدا خذلانا معيبا يحمل المرء على الظن أنهم كانوا قد باعوا أنفسهم للطرفين معا. وإذ أخفق الهجوم وأصيب سعيد نفسه في جرح أثناء المعركة وانهارت خططه كلها لم يبق أمامه إلى القفول إلى مسقط <ح> (1).
ولما اغتيل الشيخ محمد بن عقيل حاكم ظفار عام 1839، اغتنم سعيد الفرصة فأرسل إلى هذه المقاطعة جيشا استولى عليها. ومع أن حاجته إلى هذا الجيش في حملاته على افريقيا الشرقية قد اضطرته إلى سحبه من ظفار بعد ذلك بوقت قصير، إلا أن المقاطعة ظلت من ذلك الحين تابعة إلى أملاك السلطان <ح> (2).
• • •
<ح><ح>
(1) -التقرير، 1883 - 1884 ص27، وابدجر، ص347.
(2) -التقرير، 1883 - 1884 ص27؛ وكذلك 1884 - 1885 ص22؛ ومايلز، ص513.
(1) - بادجر، ص5؛ وكرافت، ص521، وزنجبار، ص43، وانغرام، ص19.
(2) -المراد بهم التجار الهاربون من الاضطهادات الدينية (المترجم).
(3) -الواقع أن مؤسس الاسرة اليعربية واول ائمتها هو الامام ناصر بن مرشد وأن سيف بن سلطان وهو الذي استنجد به فعلا، هو ثاني ائمة هذه الأسرة (المترجم).
(4) -التقرير،1883 - 1884ص27؛ وبادجر، ص92؛وانغرام، ص58، وستراند، ص 229.
(5) -التقرير أعلاه، ص27، وبادجر، ص92؛وانغرام، ص59.
(6) -ستراند، ص246، وكرانديديه، ص34.
(7) -يقال أن الامام أحمد أرسل في هذه المهمة خمسة رجال يحملون كلهم اسم سيف لذلك أطلق عليهم اسم السيوف الخمسة. (المترجم).
(8) -التقرير أعلاه، ص27.
(9) -التقرير أعلاه، ص28؛وجيليان، ج1 ص556.وانظر ص45 من هذا الكتاب.
(10) -التقرير أعلاه، ص29، وكرانديديه، ص35.
(11) -التقرير أعلاه، ص28، ومايلز، ص329، وبادجر، ص349،وجيليان، ج1 ص577، وكرانديديه، ص35.
(12) -التقرير أعلاه، ص29.
(13) -مايلز، ص329، ومختارات بومباي، ص200، ولين، ص28.
(14) -جيان، ج1 ص586.
(15) -لم يتيسر لنا العثور على الأصل العربي لهذه الرسالة فترجمناها عن النص الانكليزي. (المترجم).
(16) -التقرير، 1883 - 1884 ص29.
(17) -وقد ذكر جيان (ج1 ص594) أن السيد سعيد قام بحملة أخرى على ممباسة في شهر كانون الأول من عام1829 ولكنه لم يستطع قهر الجزيرة.
(18) لوج 2 ص 320.
(19) جيان، ج 1 ص 587.
(20) التقرير، 1883 – 1884 ص 29.
(21) كرافت، ص 534، جيان ج 1 ص 589.
(22) التقرير أعلاه، ص 29، جيان، ج 1 ص 588.
(23) التقرير أعلاه، ص 27.
(24) انظر، ص 74 من هذا الكتاب.
(25) التقرير أعلاه، ص 29.
(26) في تاريخ العرب عدد من شهيرات النساء نذكر هنا البعض منهن فمنهن ملكة سبأ والنساء العربيات الحكيمات الأربع (بيرون ص 10 و 4) وعائشة زوجة النبي محمد (منبنخ ص 113) وزبيدة زوجة هارون الرشيد (كريشتون ص 303) وزنوبيا (1/87)
صفحة 88
ملكة تدمر (أوبنهايم ج 1 ص 293) واختاها الزباء وربيعة (برايس ص 124) وعالية جان دارك الصحراء (بيركهارت ص 371؛ وديديه ص 196، وهيوارت، ج 2 ص 294).
(27) بادجر، ص 84 من المقدمة.
(28) التقرير، 1883 – 1884 ص 29.
(29) مختارات بومباي، ص 202.
(30) هيوارت، ص 276.
(31) مختارات بومباي، ص 202.
(32) بادجر، ص 85 من المقدمة؛ وص 352.
(33) مختارات بومباي، ص 201.
(34) التقرير، 1883 – 1884 ص 29، ومختارات بومباي، ص 203.
(35) كرايف، ص 535، جيان، ج 1 ص 591.
(36) ومما يرجع رواية جيان للأحداث على رواية مايلز ما ورد في سجل احدى السفن الأمريكية التي وصلت من مدغشقر إلى ممباسة في اليوم الثالث من شهر أيلول (سبتمبر) عام 1828. وقد روى ربان هذه السفينة الكابتن هنري ليفيت أنه شهد بعضاً من المعارك الدائرة حول الميناء، فقد كتب في سجل سفينته ما يلي:
وعند اقترابنا من القسم الشرقي من جزيرة ممباسة اطلقت علينا النار من قلعة حجرية صغيرة مجموعة من الجنود يتراوح عددها بين الـ 200 و 300 نفر. وبعد أن ألقينا مراسينا في الميناء علمنا أن أهالي ممباسة قد ثاروا على الامام وحاصروا حاميته العربية في القلعة وانهم اطلقوا علينا النار أول مرة ظناً منهم بأننا من سفن العرب الحربية. ر. كويلاند. افريقيا الشرقية وغزاتها ص 275. لندن 1936 (المترجم).
(37) التقرير أعلاه، ص 29، جيان، ج 1 ص 588، وكرايف، ص 534.
(38) الواقع أنه ولي هلال ابنه وليس هلال بن محمد. أما سعود فهو ابن علي بن سيف بن الامام، أي ابن أخ الوصي السابق بدر. (المترجم).
(39) بادجر، ص 85 من المقدمة.
(40) مختارات بومباي، ص 304.
(41) التقرير أعلاه، ص 29.
(42) مختارات بومباي، ص 206.
(43) التقرير أعلاه، ص 29.
(44) لو، ج2 ص 330.
(45) التقرير أعلاه، ص 30.
(46) بادجر، ص 86 من المقدمة.
(47) التقرير، 1883 – 1884 ص 30، وقد عقدت معه (أي مع السيد سعيد) معاهدة دفاعية هجومية ثنائية متقابلة نص فيها بالأسلوب اللفظي الشرقي «بان اعداءه يكونون اعداء لنا وأصدقاءه أصدقاء لنا» وقد كنَّا نتصرف على هذا الأساس حتى وقت متأخر ولكن حين وصل طلب هذا الأمير للمساعدة قبل وقت قصير وعرض على حكومته الهند فان هذه الفقرة من المعاهدة التي ذكرتها أعلاه فسرت من قبلهم على أنها من قبيل المجاملة الشرقية ولهذا فقد قضت الحكومة بعدم تقديم أية مساعة وأن حكومة الهند لهذا ليس لها الصلاحية لإرسال أية سفينة لمساعدة واحد من أقدم اصدقائنا وأكثرهم إخلاصاً لنا، ويلستيد، ج 1 ص 402.
(48) بادجر، ص 86 من المقدمة؛ ومختارات بومباي، ص 206، والتقرير أعلاه، ص 30.
(49) مختارات بومباي، ص 206.
(50) جيان، ج 1 ص 599، وهو يذكر شهري شباط ومارس سنة 1833. لكن هذا الموسم من العام يقوم دليلاً بحد ذاته على عدم صحة هذا التاريخ. وكذلك فقد برهن روبرتس على أن سعيد كان ما يزال في مسقط في شهر تشرين الثاني عام 1833.
(51) يذكر روبرتس الذي كان في مسقط اثناء في مسقط اثناء الاستعداد للحملة أن حوالي 2000 بدوي قد رحلوا إلى شرق افريقيا ص 357.
(52) التقرير، 1883 – 1884 ص 31.
(53) التقرير أعلاه، ص 31، وجيان، ج 1 ص 597. (1/88)
صفحة 89
(54) لا يمكن أن يكون للسلطان سعيد بن سلطان بن أحمد عم باسم أحمد طالما كان هذا اسم جده. ويبدو لنا أنه حماد وليس محمد بن سعيد بن الامام أحمد. (المترجم).
(55) جيان، ج 1 ص 599، وبادجر، ص 355. وهناك حملتان اخريان قام بهما سعيد ضد سيو وبات عامي 1844 و 1845 بدون نتيجة أحسن وقد قتل حمد بن أحمد في هذه المناسبة؛ جيان، ص 3 ص 1010، ومختارات بومباي، ص 217، والتقرير أعلاه، ص 33.
(56) هو سلطان بن أحمد بن سعيد بن الامام أحمد وقد آلت الرستاق إلى حمود بن بدر بن سيف فاغتصبها منه حمود بن عزان.
(57) التقرير أعلاه، ص 31
(58) مختارات بومباي، ص 208.
(59) التقرير أعلاه، ص 32.
(60) التقرير أعلاه، ص 31، وبادجر، ص 360: ولو، ج2 ص 331، وانظر المعاهدات، ص 242، بالنسبة إلى نص معاهدة الصلح المعقودة بين سعيد وحمود في 23 ك عام 1839.
(61) هيوارت، ج 2 ص 277، وبادجر، ص 361.
(62) التقرير أعلاه، ص 33.
(63) التقرير أعلاه، ص 34.
(64) جيان، ج 1 ص 605.
(65) التقرير أعلاه، ص 32.
(2) كرافت، ص 535، وقد انتهى بناء القصر حين زار وشنيركر زنجبار وفي أيلول عام 1835، ج1 ص 236.
(3) بيرس، ص 121.
(4) عن قصر الموتني وانماط الحياة وفيه وفي قصور السيد سعيد الأخرى، انظر كتاب مذكرات أميرة عربية تأليف السيدة سالمة بنت السيد سعيد وترجمة عبد الحميد القيسي. (المترجم).
(5) جيان، ج 2 ص 49.
(6) بيرس، ص 391، جيان، ج 2 ص 49 و 145 ج 2 ص 72، ولاين، ص 45، وبومان، ص 27، زونزبار، ص 30، وبر، ج1 ص 360.
(7) لعل المقصود هو قصب السكر لأن السكر كما هو معلوم يستخرج من بعض أنواع من النباتات ولكنه بحد ذاته ليس نباتاً. (المترجم).
(8) جيان، ج 2 ص 93.
(9) بادجر، ص 189، جيان، ج 2 ص 146، ويلستيد، ج 2 ص 224.
(10) التقرير، 1883 – 1884 ص 32. والنص الكامل للمعاهدة (والتي وقع عليها في مسقط في تموز عام 1840) في مختارات بومباي، ص 250.
(11) برنون، ج 2 ص 144، وجيان، ج2 ص4، وقد زال هذا المكان.
(12) لابن، ص 34.
(13) كوبينو، ص 91.
(14) التقرير، 1883 – 1884 ص 32؛ مختارات بومباي، ص 208.
(14أ) لا بد من التنبيه هنا أن المقصود بالوهابيين هنا هم أنصار محمد علي باشا الذين اقامهم حكاماً على بلاد السعوديين بعد أن قضى على حكامها السابقين. (المترجم).
(15) مختارات بومباي، ص 213.
(16) المختارات، ص 208، بيركهارت، يذكر في ص 261 أنه أثناء اقامته في جدة استلم محمد علي جملتين نجيبين هدية له من السيد سعيد. كما يذكر كرفي، ص 361 أن محمد علي تعاقد مع السيد سعيد على تجهيزه بعشرين مركباً في سنة واحدة.
(17) المختارات، ص 209.
(18) يلاحظ أن جيوش محمد علي لم تصل إلى سواحل الخليج قط، فلم يكن بيد محمد علي شيء من شواطئ الخليج. (المترجم).
(19) التقرير، 1883 – 1884 ص 33. وقد ذكر بعدئذٍ ديديه، ص 138 أن السيد سعيد أقام مع حاكم مصر علاقات ودية. وقد أرسل السيد سعيد هدية من الخيول الثمينة إلى عباس باشا حفيد محمد علي والذي أرسل إليه بدوره جاريتين زنجيتين صادرتهما باخرة انكليزية عند باب المندب. (1/89)
صفحة 90
(20) المختارات، ص 211.
(21) الأميرة روث، ص 138 (الترجمة العربية 184 – 188).
(22) التقرير، 1883 – 1884 ص 33.
(23) التقرير أعلاه، ص 34، ولاين، ص 49.
(24) التقرير أعلاه، ص 34، وجيان، ج 2 ص 226.
(25) مايلز، ص 340، ولاين، ص 49، وجيان، ج 3 ص 450.
(26) الأميرة روث، ص 140. (الترجمة العربية ص 184 – 188).
(27) يروي المؤلف قصة خاله هلال متأثراً برأي أمه في الموضوع. وكانت عواطفها مع أبيها واعجابها به يفوق الحد وقد يكون لقصة هلال وجه آخر غير ما روته المؤلفة. كما وأن هناك تفاصيل أخرى للموضوع يجب أن تذكر في هذا المقام.
كان هلال الابن البكر للسيد سعيد وقد ولد عام 1815 من أم حبشية ماتت عنه وهو طفل فنشأ يتيم الأم في بيت يعج بعدد غفير من زوجات الأب اللاتي تكيد كل منهن للأخريات وتكافح من أجل الفوز لولدها بالحظوة والأسبقية عند أبيه السلطان. وكان تنحية هلال عن ولاية العهد – باعتباره الأبن الأكبر وخليفة أبيه الشرعي – هي الهدف الأول لكثيرات من هاته النسوة وعلى رأسهن أم خالد وكانت قوية الشخصية صارمة الإرادة ذات ذكاء ودهاء، وكانت فوق هذا ذات جمال ودلال ولذا كانت الأثيرة عند السلطان.
وكان ابنها خالد المولود عام 1819 الأبن الثاني في تسلسل الوراثة فلا عجب إذا ما حاولت تنحية هلال عن طريق ابنها واستغلَّت مكانتها عند السلطان فأوقعت بينه وبين ولده هلال.
فقد كانت العلاقة بين الأبن وأبيه جيدة وكان هلال ينوب عن أبيه في حكم مسقط رغم صغر سنه ثم تولى ولاية بركة.
ويعتبر عام 1841 حداً فاصلاً في العلاقة بين الأثنين إذا استدعى السيد في هذا العام ابنه هلالاً من بكرة إلى زنجبار وأمره بالمكوث فيها.
ثم كتب السلطان عام 1844 إلى اللورد ابردين ابردين وزير الخارجية البريطانية بطلب موافقة حكومته على أن يخلفه عند وفاته ابنه ثويني على مسقط وابنه خالد على زنجبار وأن يحرم ابنه هلال من كل حقوق الوراثة.
وقد وصل خبر هذا الاقتراح إلى هلال فتسلل من زنجبار إلى لندن في عام 1845 وعرض قضيته على الوزير البريطاني الذي ضايقه ولا شك إقحامه في هذه القضايا العائلية. ولكنه على كل حال أكرم مثوى هلال وأعاده على ظهر إحدى السفن الحربية إلى زنجبار وكتب للأب السلطان جواباً دبلوماسياً يتملص فيه من الرد بصراحة على اقتراحاته ولكنه يوصيه خيراً بابنه هلال. ومهما يكن عند عودته استقبالاً حافلاً وتعانق الأب والأبن وجرت دموعهما أمام الجماهير.
وقبل أن تجف الدموع عاد الجفاء بين الأثنين فاصدر سعيد أمراً بنفي هلال من زنجبار إلى لامو وكان ذلك عام 1849 وظلَّ في لامو لم يغادرها إلاَّ بعد سنتين وبغية حج بيت الله الحرام فمر في طريقه على عدن وفيها مات في شهر أيلول من عام 1851 وكان المرض والحسرة وألم الغربة والقلق قد هدت قواه وعجلت في منيته.
وقيل ان هلالاً كان طويل القامة جميل المنظر أنيق المظهر وكان شجاعاً وكريماً محبوباً ومحترماً من جميع العرب. ولعله أقرب أبناء السيد سعيد شبهاً بأبيه قوة شخصية ومهابة. وقيل انه كان خير من يستطيع أن يزاحم أباه ويجمع حوله العرب لو أراد ذلك. وقيل أيضاً ان أم أخيه خالد وكانت من المفضلات عند أبيه وذات شخصية قوية، كانت خلف هذه الأحداث وهدفها القضاء على هلال ليصفو الجو لابنها خالد.
ونرى أن موضوع الشراب مبالغ فيه فلا يمكن لرجل سكير مدمن أن يكسب حب العرب واحترامهم كما فعل هلال، ولا يمكن لمثل هذا الرجل أن يقطع البحر إلى انكترة للمطالبة بحقوقه أو يعتزم زيارة بيت الله الحرام.
وهناك شهادة الأب بادجر – وكان وثيق الصلة بأولاد السيد سعيد – فهو يقول انه لم يشهد أو يسمع أن أحداً من أولاد السيد سعيد يشرب الخمرة أو يدخن أو يشرب القهوة.
ومن سخريات القدر أن خالداً توفي قبل قليل من وفاة أبيه فتولى عرش زنجبار بعد وفاة السيد سعيد ابنه ماجد. (المترجم).
(28) وقد حاول ابنه برغش فور وصوله زنجبار القيام بانقلاب للاستيلاء على الحكم إلاَّ أنَّه فشل فيه
- انظر التفاصيل في كتاب مذكرات أميرة عربية. (المترجم).
(1) التقرير، 1887 – 1888 ص 24، ومايلز، ص 270.
(2) يذكر مايلز، ص 268، أنه في شهر شباط من عام 1749، وصلت مسقط ثلاث سفن فرنسية قادمة من جزر الموريسيوس، وكانت كبراهن السفينة «كوند» وكان هدف هذه السفن اعتراض سفن التجارة البريطانية رغم أن البلدين كانا في حالة سلم. وانظر أيضاً جيان، ص 202، كما يشير مايلز مرة أخرى، ص 202، إلى وصول بواخر فرنسية إلى مسقط عام 1862. وانظر جيان، ج 2 ص 274، وكان التدخل الفرنسي الثالث في شهر تشرين الأول من عام 1778، (جيان، ج 2 ص 204، ومايلز، (1/90)
صفحة 91
ص274).
(3) التقرير، 1887 – 1888 ص 224، مايلز، ص 277، وجيان ج 2 ص 205.
(4) ساسي، ج 3 من ص 290 - 304، وجيان، ج 2 ص 206.
وقد أورد المؤلف هذه الرسائل بأصلها الفرنسي. (المترجم).
(5) التقرير، 1887 – 1888 ص 24.
(6) التقرير، ص 25، كرزون، ج2 ص 435، ج 3 ص 361، برون، ص 69.
(7) يذكر مايلز، ص 280 أن ثلاث سفن فرنسية حربية، كبراهن السفينة فينوس دخلت ميناء مسقط في أيلول من عام 1785 وكان قد عهد إلى قائد الأسطول الكونت دي روسلو الحصول على موافقة الامام على السماح للفرنسيين بانشاء مصنع لهم في مسقط إلاَّ أن الطلب قوبل برفض حاسم ومؤدب. وانظر رواية ثانية عند فيروز، ص 75.
(8) مايلز، ص 290.
(9) التقرير، ص 1025 وكان نص الرسالة الموجهة إلى تيبو صاحب كما يلي:
لقد سمعتم من قبل نبأ وصولي إلى البحر الأحمر على رأس جيش عرمرم لا يقهر من أجل انقاذكم من نير الانكليز. . . وأسارع الآن إلى إخباركم برغبتي في سماع كل ما يتعلق بالأوضاع السياسية التي تحيط بكم، وارجو أيضاً أن ترسلوا إلى السويس رجلاً من ذوي ثقتكم للتداول معه في هذه الأمور، مايلز، ص 200.
(10) التقرير، ص 26، ومايلز، ص 292.
(11) التقر ير، ص 28.
(12) التقرير، ص 29، ومايلز، ص 291، جيان، ج 2 ص 209، برونيت ميلون، ص 70.
(13) جيان، ج 2 ص 210.
(14) التقرير، ص 29.
(15) جيان، ج2 ص 210.
(16) فيروز، ص 86، في لين ويضع بروتيت ميلون، ص 71 يوم 16 تاريخاً لهذا الحادث.
(17) جيان، ج 2 ص 214.
(18) جيان، ج 2 ص 21 و 43؛ وج 3 ص 94؛ وبرثون في مجلة للجمعية الجغرافية الملكية، ص 423.
(19) جيان، ج 2 ص 212، وفيروز، ص 87.
(20) برونيت ميلون، ص 75.
(21) المصدر نفسه، ص 72.
(22) فيروز، ص 87.
(23) التقرير، 1883 – 1884 ص 25، ومايلز، ص 323، وجيان، ص 2 ص 212.
(24) والنص الكامل للمعاهدات في المعاهدة، ص 209.
(25) فيروز، ص 97.
(26) جيان، ج 2 ص 212.
(27) وصف ستوكولر، ص 4، مقدار تلهف السيد سعيد على مراقبة الأوضاع السياسية في أوروبا كما يلي:
وكان السيد سعيد قد سمع أخبار الثورة الفرنسية عام 1830، وكان متلهفاً لمعرفة ما إذا كان ملك انكترة سيعترف بلويس فيليب وعما إذا كانت الثورة الفرنسية قد انتشرت منها إلى جيرانها.
(28) جيان، ج 2 ص 213، ومايلز، 341.
(29) التقرير، 1883 – 1884 ص 33.
(30) التقرير، ص 33.
(31) برونيت ميلون، ص 74.
(32) التقرير، ص 34، ومايلز، ص 345، وجيان، ج2 ص 213. ومختارات بومباي، ص 215، وبرثون، ص 295.
(23) النص الكامل للمعاهدة في معاهدات، ص 163، ومختارات بومباي، ص 266، وجيان، ج2 ص 459، وفيروز، ص 98.
(34) التقرير، ص 34، ومايلز، ص 345.
(35) التقرير، ص 34، ومايلز، ص 345. (1/91)
صفحة 92
(36) جيان، ج2 ص 252.
(37) جيان، ج2 ص 252.
(38) وبهذه المعاهدة كان السيد سلطان بن أحمد أول حاكم عربي يدخل في علاقات سياسية مع انكلترة، مايلز، ص 291.
وانظر النص الكامل لهذه المعاهدة في مختارات بومباي، ص248.
وكان الامام أحمد، والد سلطان، قد رفض الدخول في أي اتفاق مع انكلترة فقد أعلن حال توليه الامامة (عام 1741) عزمه على اتباع سياسة اسلافه في عدم السماح للانكليز بانشاء وكالة في مسقط وهو الهدف الذي ظلَّ الانكليز في غرب الهند يحاولون مع ائمة عمان المتعاقدين تحقيقه طيلة قرن من الزمان دون ما نجاح بسبب اصرار العرب على الرفض؛ مايلز، ص 267.
ومن الظريف أن نذكر أن أول سفينة حربية انكليزية رست في ميناء مسقط كانت الفرقاطة «سي هورس»، وذلك في شهر تموز من عام 1775 وفي أيام أحمد بن سعيد، ومن الطريف أن نعرف أن هيراشيو نلسون (الادميرال نيلسون المشهور) كان من بين ضباط هذه السفينة؛ مايلز، ص 274، ويلسون، ص 185. وفي شهر أيلول 1928، وحين كان السيد تيمور بن فيصل سلطان مسقط وعمان والحفيد الرابع للسيد سعيد في زيارة رسمية لبريطانيا، فإنه قام بزيارة الباخرة فيكتوري باخرة نيلسون المشهورة في ميناء بورتسموت.
(39) مايلز، ص 292، وانظر النص الكامل للمعاهدة في مختارات بومباي، ص 249. وفي غضون هذه الفترة وافق السيد سلطان على تأسيس قاعدة بحرية بريطانية في باسيدو في جزيرة القشم ولا تزال موجودة هناك منذ ذلك الحين.
(40) كرزون، ج 2 ص 437.
(41) مختارات بومباي، ص 635 – 687.
(42) جيان، ج 2 ص 51.
(43) جيان، ج 2 ص 255.
(44) عن الهدايا التي تسلمتها الملكة عام 1842، انظر الملكة فيكتوريا، ج 1 ص 406. وجواباً على ذلك كتب اللورد ابردين إلى السيد سعيد مبدياً له رغبة حكومة صاحبة الجلال الملكة بعدم الاتجار بالرقيق الافريقي في بلاد العرب أو البحر الأحمر. لين، ص 40.
(45) التقرير 1883 - 1884، ص 32، جيان، ج 2 ص 201.
وانظر النص الكامل للاتفاق في المعاهدات، ص 213، ومختارات بومباي، ص 250.
(46) هكذا وردت في الأصل ولعل العكس هو الصحيح (المترجم).
(47) لين، ص 44.
(48) جيان، ج 2 ص 54.
(49) فيروز، ص 108، ونص المعاهدة في المعاهدات، ص 221، وفي مختارات بومباي، ص 660.
(50) فيروز، ص 109.
(51) برثون، ص 293.
(52) انظر الملحق رقم 1 في آخر هذا الكتاب.
(53) مخترات بومباي، ص 275.
(54) كيبيل، ص 13.
(55) مختارات بومباي، ص 276.
(56) لو، ج 2 ص 15.
(57) روشتبر، ج 1 ص 140، مخترات بومباي، ص 276.
(58) برتون، ج 1 ص 293.
(59) النص الكامل لوثيقة التنازل المؤرخة 14 تموز 1854 في المعاهدات، ص 224، وانظر بادجر، في ص 16 من المقدمة. وقد ادار المفاوضة مع السيد سعيد الكابتن فريمانتل والمستر جون اورد من شركة اورد هندرسون وهايز في ليفربول وتقدر كميات الذرق الموجودة في الجزيرة بحوالي 200 الف طن. . .
مجلة بومباي الجغرافية 1858 – 1860، ص 13.
(60) مايلز، ص 334، وجيان، ج 2 ص 197.
(61) التقرير، ص 30.
(62) روشنبرج، ج 1 ص 8 و 146 و 7155
(63) النص الكامل للمعاهدة في المعاهدات، ص 41، ومختارات بومباي، ص 262، وروشنيرج، ج 1 ص 151. (1/92)
صفحة 93
(64) روبرتس، ص 360.
(65) التقرير، ص 30.
(66) التقرير، ص 30.
(67) يقول كرانديدية، ص 33 أن أول سفينة أمريكية وصلت زنجبار كانت عام 1830.
(68) ظهرت في البحار الشرقية في القرن الثامن عشر سفن قرصنة مصنوعة في نيويورك، انظر ويلسون، ص 194.
(69) محاضر جمعية بومباي الجغرافية 1836 – 1838، ص 184.
(70) مختارات لندن، ص 280، ويؤكد روشنبرج، ج 1 ص 66 أنه في الفترة ما بين 16 أيلول 1831 إلى 20 مايس 1834 وصلت زنجبار 41 سفينة أجنبية، منها اثنان وثلاثون سفينة أمريكية من بينها 20 سفينة من سالم.
(71) كرانديدية، ص 13.
(72) مختارات بومباي، ص 281، ولين، ص 33.
(73) صورة السيد سعيد المنشورة في آخر هذا الكتاب يعتقد أنها رسمت في الفترة ما بين مايس 1830 أو أوائل عام 1832. وكان سعيد وقت ذاك في عمان. وقد رسمها الملازم هنري بلوس لنج من بعثة الفرات الذي كان كذلك عام 1829 مترجماً للغتين العربية والفارسية في مكتب آمر القوة العسكرية في الخليج: انظر لو، ج 2 ص 33.
(74) جيان، ج 3 ص 107، وبرثون، ج 1 ص 396، وبيرس، ص 129.
(75) بر ثون، ج 1 ص 295.
(76) روشنبرج، ج 1 ص 65.
(77) برثون، ص 442.
(78) مايلز، ص 55.
(79) ترجمة رسالة من سلطان مسقط إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. انظر روبرتس، ص 430.
(80) كان السيد سعيد راغباً كل الرغبة في انتهاز هذه المناسبة ليهدي الى رئيس الولايات المتحدة بعض الخيول العربية. لكن السفينة لم تستطع نقل هذه الخيول لصغر حجمها؛ روبرتس، ص 359. ولكن السيد سعيد نفذ رغبته هذه بعدئذٍ إذ أرسل اثنين من الخيول على ظهر سفينة عمانية ابحرت الى أمريكا. (المترجم).
(81) كان لدينا النص العربي الأصلي لهذه الرسالة وقد ضاع هنا، وكان قد كتب بأسلوب عربي طريف. وقد حاولنا في ترجمتنا لهذه الرسالة الاحتفاظ بأسلوبها العربي ما وسعتنا الذاكرة. (المترجم).
(1) كوبينو، ص 91.
(2) نيومان، ص 56؛ التقرير 1883 – 1884، ص 20.
«السيف الأطول هو الذي ينتخب الأمير» وبرتون، ص 310، لما سئل فتح علي شاه وهو على فراش الموت أن يسمي خليفته على العرش سحب سيفه ووضعه أمام السائلين وقال لهم هذا الذي يسمي الملوك ويبقيهم.
(3) لو، ص 373، بادجر، ص 341، والتقرير 1883 – 1884، ص 26.
(4) بادجر، ص 325.
(5) فينزنيزو، ويعرف أيضاً بالشيخ منصور رجل ايطالي نشر في أوائل القرن التاسع عشر كتاباً عن السيد سعيد قال فيه الكثير من الغث السخيف والقليل من الكلام النافع المفيد فادعى فيما ادعاء بهذا الكتاب أنه كان الطيب الخاص للسيد سعيد والقائد العام لجيوشه. وقد ترجم هذا الكتاب ونشر.
(6) منصور، ص 18.
(7) روث، ص 50 و 60 بالطبعة العربية.
(8) شيبرد، ص 52.
(9) الملحق أ من هذا الكتاب.
(10) جيان، ج 2 ص 222.
(11) كوبينو، ص 88، وروشنبيرج، ج 1 ص 137 حيث قال «ان قماش العمامة يميز القبائل بعضها عن بعض. ولكن ما من أحد غير أفراد الأسر الحاكمة يستطيع أن يعلو بالعمامة إلى أكثر من ارتفاع معين.
(12) روث، ص 5 الترجمة العربية، ص 60.
(13) برتون، ج 2 ص 304.
(14) منصور، ص 73.
(15) كذا، ص 18. (1/93)
صفحة 94
(16) روث ص 5 الترجمة العربية، ص 60.
(17) جيان، ج 2 ص 50.
(18) الملحق ب في آخر الكتاب عن الامامة في عمان.
(19) منتخبات بومباي، ص 279.
(20) منتخبات بومباي، ص 633، منصور، ص 20، بنكنغهام، ج 2 ص 399. وأورد جيان، ج 2 ص 251، كشفاً مفصلاً بوارداته وكان مجموعها حوالي مليونين ونصف المليون فرنك.
(?? اللك تعني: 000,100.
(21) اللك تعني 100 ألف. (المترجم).
(22) منتخبات بومباي، ص 262.
(23) كرزون، ص 437.
(24) مختارات بومباي، ص 279، جيان، ج 2 ص 241.
برثون، ج 2 ص 287، وروبرتس، ص 63 وبالنسبة الى الكشف الكامل للأسطول انظر مختارات بومباي، ص 282.
(25) مختارات بومباي، ص 283.
(26) التقرير 1883 – 1884، ص 37، مختارات بومباي، ص 282، جيان، ج 2 ص 242.
(27) لو، ج 2 ص 15، التقرير 1883 – 1884، ص 35.
(28) برتون، ج 1 ص 268. ومن الانصاف ان نذكر بأن زوجة السيد سعيد وصفت هذه الهدية المقدمة للسيدة زوجة الدكتور هيلفر عندما زارتها في مسقط عام 1836 بأنها سفينة جميلة. انظر الملحق ب، ويروي كوبينو، ص 90 ان السفينة ارتطمت عند البحرين وغرقت.
(29) انظر ما تقدم ص 122 من هذا الكتاب.
(30) الملحق رقم 1؛ ومكنان، ج 1 ص 67، ونوستز، ج 2 ص 11.
(31) بيرس، ص 124.
(32) محاضر الاجتماع السنوي للجمعية الملكية الآسيوية المنعقد في 6 مايو 1837، ص 3 و 12. ويقول لو، ج 2 ص 15 خطأ ان السيد سعيد اختير عضواً في الجمعية الجغرافية الملكية والواقع أن هذا اللقب منح إلى ابنه برغش في 10 مايو عام 1872. وبرثون (مجلة الجمعية الجغرافية، ص 4) قال ان السيد سعيد كثيراً ما كان يفكر في الطلب من الحكومة البريطانية لارسال بعض الضباط إليه ليمسحوا له طريق القوافل في شرقي افريقيا. وابدى استعداده لمساعدتهم بالمال وبما له من نفوذ شخصي واسع في تلك الأصقاع.
ويمضي برثون إلى القول ان وفاة السيد سعيد كانت ضربة شديدة لحركة الاستكشاف إذ كان مجرد اسمه يبعث الاحترام والطاعة.
(33) روشنبرج، ج 1 ص 98.
(34) برثون، ج 1 ص 306.
(35) ويلستيد، ج 1 ص 8 و 381، وروشنبر، ج 1 ص 139، وبرتون، ج 1 ص 2307. ويسميه جيان جوبيتر الأولمب الأفريقي في حين ينعته مكنان، ج 2 ص 236، بأنه أعظم الأسود في الشرق.
(1) هي الجمعية الآسيوية الملكية.
(1) لعل المقصود هو العباءة.
(*) كليمة من المترجم:
يحاول المؤلف في هذا الفصل أن يشرح نظام الإمامة وتاريخه ولكنه لم يوفق إلى ذلك كل التوفيق ولم يكن من المتوقع أن يفعل ذلك، فليس من السهل لمثله أن يفهم فهماً صحيحاً دقائق الفقه الاسلامي وأحداث التاريخ العربي. ولهذا سيصطدم القراء بهذا الفصل بكثير من الآراء المبتسرة ولذا فعليهم أن يأخذوا آراء المؤلف بالصبر والتحفظ.
(1) يقول منصور: ص 1، وكنت دوماً أخاطب ملك مسقط بلقب السلطان، إذ أن رعيته كافة بنادونه بهذا اللقب وانظر أيضاً بليغريف ج 22، ص 285.
(2) بادجر، ص 377 – 379 والدليل ص 37 وانغرام ص 73 وماسنون ص 59 ومنصور ص 49.
(3) انظر قائمة بأسماء الأئمة في كتاب بادجر.
(4) روشينبرج ج 1 ص 137 يقول: بعد تولي السيد سعيد السلطة كان الناس راغبين في المناداة به إماماً. ولكنه كان أعقل من أن يرضخ لرغبات الناس لأن ذلك يضطره – حسب تقاليد بلاده – إلى سلوك حياة الزهد والتقوى دون أن يكون له الحق (1/94)
صفحة 95
بالتمتع بما لديه من ثروات.
(5) بادجر ص 8 و 373 وهيوارت ج 1 ص 189.
(6) بادجر، ص 373.
(7) بادجر ص 374 بلغريف في محاضرة ألقاها أمام الجمعية الجغرافية في شباط عام 1864 (1863 – 64 ص 69) ذهب خطأ إلى أن لقب الامام منحه البرتغاليون ايام البوكورك.
(8) في كل ما تقدم من قول، خلط واضح ولكن في هذه الفقرة بالذات خطأ واضح وجهل فاضح بأوليات التاريخ الاسلامي التي ينبغي ألا تخفي على من يريد التصدي لكتابة هذا التاريخ ولعلنا نجد عذراً للكتاب عن خطئه الجسيم والفاحش هذا بقصوره عن القدرة على التعبير الصحيح في اللغة الانكليزية ولإزالة أي غموض في الموضوع فإننا نثبت هنا للنص الانكليزي كما هو:
After The Death of Mohammd the Muslim World, as is Well Known, Split Into Two Main Factions, The Sunnis and the Shiahs. Of These The Former Recognised four Successors To Mohammed – Abu Bekr, Omar, Othman, Ali, The Latter, all Except Ali.
وهناك تفسير، واحد لمثل هذا الخطأ الفاضح وهو احتمال أن كلمة ( Deny) « أي ينكر» قد سقطت من الكتاب بعد كلمة ( The Latter).
(9) بادجر، ص 375 والتقرير 1880 – 81 ص 35.
كان الامام الثالث هو الوارث بن كعب (801 - 807) وقد روى ريانهارد ص 382 كيفية صيرورته اماماً. ويذكر مايلز ص 77 أنه كان في عام 996 ستة عشر اماماً مختلفاً في آن واحد.
انظر قائمة الأئمة عند بادجر وعند هيوارت ج 2، ص 281.
(10) لم يثبت على وجه التأكيد ذهاب عبد الله بن أباض إلى عمان. وعلى العموم فإن جميع أحكام المؤلف تحتاج إلى امتحان وتمحيص. علماً أن بغداد لم تكن قد ظهرت للوجود بعد في ذلك الحين.
(11) بادجر ص 13 من المقدمة و ص 7 و 376 ومايلز ص 61.
(12) بادجر، ص 31 و 382.
(13) بنت ص 49 وروس ص 3.
(15) لاين ص 142 يتتبع هذا المذهب إلى عام 1624 لكن التاريخ لا يؤيد رأيه هذا.
(16) بادجر ص 49، وانظر ص 8 هامش 24 من هذا الكتاب.
(17) كان رؤساء عمان وأهلها كافة يرغبون في اعطاء الامامة إلى هلال الابن الأكبر للامام أحمد بدلاً عن ابنه سعيد إلاَّ أنهم لم يستطيعوا ذلك لأنه أصيب بالعمى. انظر بادجر ص 188، وهيوارت ج 2، ص 272.
(18) بنت، ص 53.
(19) بادجر: المقدمة ص 80 وص 380 ومبين جيان ج 1 ص 560 السنة بستة 1802 – 1803. والتقرير 1887 – 88 يعين السنة 1803. (الواقع أن حمد بن سعيد توفي في هذه الفترة أما الامام سعيد نفسه فقد ظلَّ حياً حتى عام 1821 أو بعد، بقليل (المترجم).
(20) جيان ج 1 ص 560 وبادجر المقدمة 56.
(21) التقرير 1880 – 91، ص 35.
(22) القول باقتصار الامة على ذرية الرسول محمد (ص) فقط من آراء المذهب الشيعي ولا يأخذ به أهل السنة ولا الوهابيون – المترجم.
(23) مايلز، ص 282.
(24) بادجر المقدمة، ص 89 و 361؛ والتقرير 1883 – 84 ص 33.
(25) التقرير ص 1882 – 83 ص 24 و 28 واوبنهايم ج 2 ص 242 و 360.
(26) ماسينون ص 59 وايكليز ص 23 والدليل ص 37 و 246.
(27) جيليان (ج 2 ص 105) يقول أن سعيداً عندما كان في زنجبار استغل لقب الامام أثر تقديمه هدية إلى امام الجامع هناك. ويبدو أن هارينج (ص 86) كان مخطئاً في قوله أن برغش بن سعيد كان يلقب بالامام في زنجبار. وأنه لم يعد يلقب بهذا اللقب بعد زيارته لانكلترا عام 1873.
(28) المعاهدات ص 188.
(1) في الإشارة الى المصادر في هوامش الكتاب اكتفينا – كما فعل المؤلف – بذكر اسم المؤلف وأرقام الصفحات، إلاَّ في بعض (1/95)
صفحة 96
المواضع.
(2) أشرنا إليه في الهامش باسم المنتخبات أو منتخبات بومباي.
(3) أشرنا إليه في هوامش الكتاب باسم التقرير.
(4) أشرنا إليه في الهامش باسم المعاهدات. (1/96)
صفحة 97
الفصل الثالث:
عمان وأفريقيا الشرقية
يعتبر الساحل الشرقي من أفريقيا خير مثل ممتع لبقعة واسعة من الأرض تضم أنواعا لا حصر لها من الشعوب والأجناس المتباينة بل والمشردة أيضا في بعض الأحيان. فالبعض منها وعلى الأخص قبائل البانتو دفعها إلى هذا الساحل الضغط الآتي إليها من الشمال في حين لجأ إليه البعض الآخر هربا من الاضطهادات الدينية كما ونزلت هذا الساحل مجموعات من التجار، وهم في طريق رحلاتهم التجارية إلى أعماق أفريقيا، فأقاموا لهم على الساحل مستوطنات تجارية صغيرة وفرضوا نفوذهم على السكان الأصليين الذين كانوا أما متخلفين جدا بحيث لا يستطيعون مقاومة هؤلاء الوافدين أو مختلفين دوما بحيث لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم (1).
ومنذ نهاية القرن السابع للميلاد كان العرب، وخاصة منهم أهل عمان، يكونون غالبية هذين النوعين (2).
وليس في البحث التاريخي الصحيح مجال للخرافات والأساطير ولذا فكل ما نثبته هنا هو الحقائق التاريخية الثابتة عن توغل العمانيين في الساحل الأفريقي الشرقي منذ أن أصبحت أخبارهم حقائق تاريخية موثوقا بها.
ولقد سبق لنا أن روينا قصة الدور الذي لعبه اليعاربة في طرد النفوذ (1/97)
صفحة 98
البرتغالي عن عمان نفسها، وقد جاء وفد من افريقيا الشرقية. يستنجد بمؤسس الأسرة اليعربية سيف بن سلطان (3) ويطلب إليه أن يقوم في جزر ممباسة وزنجبار وبامبا (4) بالدور نفسه الذي قام به في عمان. ولم يكن اختيار الامام للقيام بدور المنقذ المرتجي لكونه المدافع عن الحقوق الوطنية والشرقية ضد الغاصبين الغربيين الأجانب فحسب بل وأيضا لأن الغالبية النافذة من سكان الساحل الأفريقي كانت من التجار العرب الذين مهما اختلفت أنسابهم فهم ينظرون إلى إمام عمان على أنه القوة المؤهلة لتحريرهم من النير الأجنبي.
ومع أن مر العصور قد فتت وأزال الممالك التي كانت تكون الجزء الغربي من بلاد العرب والذي ينتمي إليه أصلا معظم العرب المهاجرين إلى الساحل الأفريقي فإن أحفاد هؤلاء المهاجرين، مدفوعين بشعورهم القومي العربي العام وبإدراكهم لأصلهم العربي المشترك استنجدوا بعرب آخرين وإن كانوا من قبائل أخرى وربما من مذهب ديني مختلف.
وكانت استجابة هذا النداء أمرا تمليه العاطفة كما تمليه المصلحة، فما من عائلة عمانية حاكمة تجهل أن التجارة لا تقوم إلا حيث يكون للدولة نفوذ ما، ورغم أن الأحوال لم تكن مستقرة تمام الاستقرار في عمان فإن امام عمان سلطان بن سيف لم يتأخر عن إرسال أسطول من السفن من مسقط لإخراج البرتغال من ممباسة.
ونستطيع أن نستنتج من الروايات المحلية أن إخراج البرتغال لم يكن بالأمر اليسير إذ أنهم وإن خرجوا من البلاد فما لبثوا أن عادوا إليها وظلوا فيها حتى عام 1696 أو 1698 (5) وقد أرسلت مسقط خلال هذه الفترة حملة ثانية (6) (1/98)
صفحة 99
وكان وصولها إيذانا بثورة عامة في البلاد على طول الساحل، أبيد فيها البرتغاليون بأعداد كبيرة الأمر الذي أدى إلى تهيئة الفرصة لحكام عمان لتأسيس امبراطوريتهم الأفريقية التي كانوا تواقين إليها دوما.
وهناك من الأدلة ما يفيد أن سلطان بن سيف قد أدرك هذه الاحتمالات وأنه لم يكن زاهدا عن الاستفادة منها، ولكن ضعف مركزه في بلاده أخر تحقيق هذا الحكم مدة من الزمان.
وكان القضاء على البرتغال تاما شاملا بحيث أن الحامية العمانية حين انسحبت من البلاد ظلت ممباسة خالية من أي تدخل أوروبي حتى عام 1728 إذ عاد في هذه السنة البرتغال كرة أخرى بقيادة الأدميرال لويس دي سامبيو، فعاد السكان مجددا إلى طلب النجدة والعون من عمان، وقد عادت عمان فأنجدتهم باسطول صغير ما إن وصل الساحل حتى وجد أن ثورة الأهالي قد قضت على البرتغال قضاء مبرما. وقد أسرع محمد بن سعيد المعموري الذي أرسله الإمام سيف بن سلطان نائبا له ليساعد في قيادة الحملة لطرد البرتغال فاستغل الفرصة وأعلن نفسه واليا على ممباسة وأرسل قوات صغيرة لاحتلال زنجبار وارغامها على دفع الجزية السنوية إلى عمان.
ولكن الأحوال في عمان كانت على درجة من الفوضى والاضطراب بحيث جعلت من الصعب احتفاظها بمواصلات منتظمة مع بلدان توابع لها على مثل هذا البعد الشاسع، لذلك لم يكن من المستغرب أن نرى قيام حكومة محلية هناك يرئسها محمد بن سعيد بنفسه. وبعد إحدى عشرة سنة من انقلاب محمد بن سعيد ظهر محمد بن عثمان المزروعي واغتصب لنفسه منصب الحاكم في ممباسة فأسس بذلك العائلة المزروعية الحاكمة، التي وإن انتهت حكمها منذ أمد بعيد إلا أن وجودها ظل مشهورا في الساحل الأفريقي وظل أبناؤها حتى يومنا هذا يصرون على حقهم في الحكم هناك.
ولم يتأخر مؤسس هذه العائلة عن الانفصال والاستقلال عن عمان بعد أن (1/99)
صفحة 100
رأى ما سادها من الشقاق والخلاف بسبب ظهور الامام أحمد بن سعيد فيها دون أن يؤثر هذا الانفصال على استمرار تدفق التجارة بين البلدين.
وحين اشتد ساعد أحمد بن سعيد وتم له النفوذ والسلطان. كان همه الأول استعادة سيادته المنبوذة على الساحل الأفريقي، وقد أرسل لهذا الغرض وفي عام 1745 أحد أتباعه وهو سيف بن خلفان ومعه التعليمات باغتيال محمد بن عثمان واحتلال ممباسة (7).وقد نفذ سيف أوامر سيده خير تنفيذ فاغتال محمد بن عثمان ولكنه وإن قطع الشجرة وأهوى بها أرضا إلا أنه لم يجتث كل جذورها من الأرض ولذلك فسرعان ما عاد إليها النماء والازدهار. فقد اتفق علي بن عثمان أخ القتيل وأهل البلد وتاجر انكليزي يدعى كوك وهاجموا القلعة واحتلوها وقتلوا سيف بن خلفان وأعلنوا استقلالهم من جديد.
وقد ظل علي حاكما مستقلا على ممباسة حتى وفاته ولكن الجزر المجاورة مثل كلوا وماركا وزنجبار ظلت على خضوعها لعمان يحكمها عبدالله بن جعد، أول وال عليها من ولاة البوسعيد (8).
وكان هذا قصارى ما استطاع أحمد بن سعيد عمله. وظل الأمر حتى ظهور السيد سعيد بن سلطان على حاله هذا دون أن يحدث ما يستحق الذكر ما خلا حملة عمانية واحدة. ومما يجب أن يذكر هو أن الإمام أحمد بن سعيد قد خلفه في الحكم ابنه سعيد وكان لسوء الحظ، حاكما ضعيفا مما دفع بابن الإمام الآخر سيف بن أحمد، وبعد أن يئس من الوصول إلى الحكم داخل عمان، إلى الإلتفات بطموحه إلى الجهة المتعارف عليها أي الساحل الأفريقي فأقلع إليه عام 1784 يريد أن يبني فيه لنفسه ملكا.
ولكي يمنع سعيد أخاه سيفا من تحقيق طموحه هذا فقد أرسل أثره ابنه (1/100)
صفحة 101
حمد بن سعيد مع قوة صغيرة لانقاذ زنجبار التي كان سيف قد أحكم حصارها وقد أنجز حمد مهمته في زنجبار وأبحر منها إلى ممباسة حيث أخذ من رؤسائها اعترافا مكتوبا بتبعيتها إلى عمان، ثم استغرق النضال ضد الوهابيين كل الاهتمام في عمان طيلة الثلاثين سنة التالية (9).
ولكن السيد سعيد لم يتوقف عن التفكير في تركته الأفريقية وحتى وهو في غمرة حروبه المستمرة، وغير الناجحة، مع الغزاة المهاجمين.
ففي عام 1812 أرسل خلفان بن ناصر واليا عنه على ممباسة وأمره أن يبني له قلعة في لامو. ولكن ممثل المزاريع عبدالله بن أحمد الذي لم يحتمل هذا التدخل السافر، رفض الاعتراف بأية حقوق لعمان بالتبعية أو بالأتاوة.
وهذا معناه إعلان الحرب على السيد سعيد.
وإذ أدرك عبدالله خطورة خطوته وعواقبها فقد بدأ يستطلع الآفاق في طلب العون والمدد وإذ لم يجد بجواره أحدا يمد له يد النجدة فقد أقدم على القيام بشخصه برحلة إلى بومباي لم يكتب لها النجاح.
وفي هذه الأثناء كان وضع السيد سعيد في أشد حالات الاضطراب في عمان بحيث لم يستطع إلا إرسال قوات صغيرة في عام 1817 ومثلها في عام 1822، لاحتلال بات. لكن العمانيين المقيمين في الساحل قاموا من جانبهم، ومن تلقاء أنفسهم بعمليات هامة فنصبوا والي زنجبار واليا على بمبا أيضا وطردوا منها حامية ممباسة.
وقد توفي عبدالله عام1833 واختير سليمان بن علي والي بمبا السابق خلفا له، ولم يكن سليمان في موقف قوي، فقد خسر- إذ خسر بمبا- أغلى ممتلكات ممباسة وزاد الأمر سوء صدور الأوامر بمنع التجارة مع ممباسة فزاد في افلاسها. وقد ذهبت نداءات سليمان المتكررة إلى بومباي أدراج الرياح. (1/101)
صفحة 102
وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1823 ألقت الباخرة الانكليزية باراكوتا مراسيها على ساحل ممباسة فطلب سليمان من قائدها الكابتن فيدال أن يضع ممباسة تحت الحماية البريطانية، وقد نقل الكابتن هذا الطلب إلى مراجعه العليا في بومباي يستطلع رأيها، ولكن قبل وصول الجواب من بومباي وصلت إلى ممباسة حملة عمانية جديدة بقيادة عبدالله بن سليمان. وقد أراد حاكم الجزيرة تضليل المهاجرين ودفع أذاهم عنه فرفع العلم البريطاني على القلعة.
وفي 7 شباط 1824 ألقت باخرة بريطانية ثانية هي «ليفين» مراسيها في شاطئ ممباسة فوجه سليمان إلى قائدها الكابتن أوين نداء آخر يطلب الحماية البريطانية أيضا. وقد استجاب الكابتن أوين لهذا الطلب في الحال وقبل السيادة على الساحل من ميلاندي حتى بانكاني على شرط الغاء تجارة الرقيق في جميع هذه المنطقة.
وبعد أن أناب عنه الكابتن رتز حاكما على الجزيرة، أبحر أوين إلى بمبا على أمل ضم هذه الجزيرة إلى ملكه الجديد، إلا أن أمله خاب. ولكنه في شهر كانون الثاني من عام 1825 ضم براوا إلى الحماية البريطانية وتمت الترتيبات مع زنجبار على ابقاء الوضع الراهن فيها على حاله حتى ورود التعليمات من بومباي.
وعندما وصلت هذه التعليمات في السنة التالية اتضح أن الحماس الزائد في الجزيرة قد ثبطه روح التأني والتروي في بومباي، وأن أعمال اوين لم تحظ بالقبول (10) فأخليت ممباسة من بضعة الجنود الذين تركهم أوين فيها وترك السيد سعيد حرا لتصفية الأمور كما يريد.
وكانت هذه الأنباء نكبة فادحة انقضت على سليمان، فثار عليه وخلفه في الحكم سالم بن أحمد أخ الوالي السابق عبدالله. (1/102)
صفحة 103
وقد وجه سعيد إلى سالم انذارا يطلب منه الاستسلام، ولكن سالم أجابه بمنحه السيادة الأسمية على ممباسة ودفع أتاوة سنوية له مع عدم السماح له بدخول القلعة، فأثار هذا الجواب غضب السيد سعيد فأبحر بنفسه على رأس حملته التي كانت الحجر الأساس في بناء امبراطوريته الأفريقية (11).
كانت الاستعدادات التي اتخذها السيد سعيد لزيارته الأولى إلى ما كان يعتبره ممتلكاته الأفريقية الشرقية ذات طبيعة شاملة. ومع هذا فلم تكن هذه الزيارة كافية للمهمة التي كان ينتويها. فعدا عن أن السيد سعيد كان مهيأ بطبيعته للاستهانة بخطر المهمة التي كان ينتوي القيام بها، فقد زاده استهانة بها نجاحه حديث العهد وسوء نصيحة مستشاريه. وعلى كل فقد أبحر في أسطول يضم الباخرة ليفربول و 1200 مقاتل (12).
وعلى الرغم من ثقة الكولونيل مايلز وآخرين مثله ثقة تامة بصحة تواريخ رواياتهم وأنهم يحددون يوم الاقلاع من مسقط باليوم الخامس عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1829 (13) فإن هذا التاريخ عرضة للخلاف ذلك أن مؤرخين ثقات آخرين يختلفون مع مايلز وصحبه في تاريخ السنة، ويبدو أن هناك نوعا من الاتفاق على أن الاقلاع حدث في شهر كانون الثاني (يناير) من السنة التي تليها.
وقد ظل هذا الموضوع موضع نقاش دون التوصل فيه إلى حل حتى السنين الأخيرة ثم ظهر ما يقطع بأن الكولونيل مايلز كان مصيبا جد الصواب في تعيين الشهر وربما كان مصيبا إلى حد كبير في تعيين اليوم أيضا، ولكن الصواب جانبه تماما عند تعيين سنة السفر.
فالبيانات الوثائقية المتوافرة تتأرجح بالتاريخ صعودا وهبوطا بين سنتي (1/103)
صفحة 104
1827 أو 1829، فمن جهة فإن جيان يقول (ص179) أن الأسطول وصل إلى الميناء (اي إلى ممباسة) في الأيام الأولى من شهر كانون الثاني (يناير) عام 1828 (14). وإذا علمنا أن المراكب الشراعية تقطع الطريق من مسقط إلى ممباسة أيام الرياح الموسمية في حوالي الثلاثة أسابيع فلذلك فإذا كان الوصول إلى ممباسة في أوائل شهر كانون الثاني فلا بد إذن أن يكون السيد سعيد قد أقلع من مسقط في نهاية الأسبوع الثاني من شهر كانون الأول (ديسمبر) لعام 1827.
وبكلمة أخرى، يكاد مايلز وجيان أن يتفقا على تاريخ اليوم وحسب لا على تاريخ السنة.
وإذا ترك الخيار لنا بين مايلز وجيان فإن التفضيل يكون للثاني منهما لأنه كان اسبق من مايلز إلى ميدان الأحداث بثلاثين سنة عدا عن أن جيان أعد مؤلفه ليكون وثيقة تاريخية أكثر منه مجرد تقرير حكومي، ومن حسن الحظ أن نجد أصل رسالة مرسلة من زنجبار من السيد سعيد إلى بعض الرؤساء المجاورين مؤرخة في 19 جمادي الآخر 1234هـ (أي 17 كانون الثاني 1828) والتي تنص على ما يلي (15):
من السيد سعيد بن سلطان إلى الشيوخ اسحاق بن بواناميبا وأبو بكر بن محمد بن شيخ ديو ويوسف بن شيخ في 17 جمادي الآخر 1243.
(بعد التحيات والديباجة)
نرجو أن نعلمكم أننا وصلنا ممباسة يوم 14 الجاري ويوم 16 منه دخلنا الخندق وجرى في هذا اليوم قتال شديد وفي يوم 17 فإن سالم ومبارك واخوانهم وأولاد ليوالي جاءوا إلينا وأعلنوا التسليم وطلبوا إلينا وقف الحرب، وقد وافقوا على تسليم القلعة وفي يوم 18 منه رفعنا على القلعة علمنا ودخلتها جنودنا. (1/104)
صفحة 105
أرجو أن تنشروا هذه البشائر الطيبة إلى كل أصدقائنا وأنني أتوجه بالشكر لله تعالى على تسهيل الأمور.
أما أهل سيوا فإذا نفذوا وعودهم فأرجو أن تسرعوا وتبنوا القلعة ولكن إذا كنتم تعتقدون بأنهم لن ينفذوا وعودهم فأرجوا إعلامي بجميع الأمور لأرسل لهم الجنود وأرجو إرسال الجواب بأسرع ما يمكن.
كتبه بأمر صاحب السمو عبده علي بن هاشم بيده «بلغوا سلامنا للقضاة والشيوخ».
وإذ ليس هناك ما يدعو للشك في صحة هذه الوثيقة، فما من شك إذن في صحة رواية جيان في تعيين السنة وفي صحة رواية مايلز في تعيين اليوم والشهر وقد يكون من الخير لو استطاع المرء أن يتجنب المصادر والتواريخ، ولكنه لا يستطيع ذلك. فكل المصادر الموثوقة تتفق على أن الحملة الأولى حدثت، وهذا هو كل ما تتفق عليه المصادر.
ويروى (16) أن السيد سعيد كان يأمل بنصر سهل سريع ولذلك فإنه لم يقم بهجوم مباشر على المدينة، ولكنه أراد أن يرعب سالما بوفرة استعداداته وضخامتها. وتستطرد الرواية إلى القول بأن سالم لم يتزحزح عن موقفه ورفض كل عروض المفاوضة وظل يصد الهجمات المتكررة حتى اضطر سعيدا إلى التقهقر نحو زنجبار دون أن يحقق شيئا مما كان يطمح إليه (17) أما تاريخ البحرية الهندية فيقول:"أن الإمام عاد إلى مسقط في 8 آذار 1830 وقد فشلت كل خططه لاحتلال ممباسه" ويضيف إلى ذلك أن ممباسة لم تسقط إلا عام 1837.
ومن الجهة الثانية فقد قدم لنا جيان رواية مختلفة تمام الاختلاف عن حملة عام1728 فيقول أن المحاولة جرت من سعيد ليبين لسالم عدم فائدة المقاومة (1/105)
صفحة 106
ولكن سالم ظلَّ غير عابئ بذلك فقصفت المدينة من الميناء بضراوة وقسوة، وبعدها جرى التفاوض ووقعت معاهدة على الشروط التالية (18).
o أولاً: تسلمٍ القلعة إلى السيد سعيد حيث يسمح له أن يضع فيها حامية من خمسين جندياً على الاَّ يكونوا من قبائل صديقة لقبيلة المزاريع.
o ثانياً: السماح لسالم وبقية أفراد عائلته بالاستمرار بالسكن في القلعة.
o ثالثاً: الاعتراف لسعيد بحقوق السيادة، ولكن هذا الاعتراف كان مشروطاً بوجوب احتفاظ سالم وحلفائه بالحكم في أيديهم.
والبند الأخير كان يقضي أن يتناصف الطرفان واردات الجمارك في حين ينفرد سالم وحده بحق تعيين المدير لدائرة الجمارك (19).
وقد دخل سعيد القلعة يوم 11 كانون الثاني.
والقصة التي ينقلها مايلز تكاد تشابه هذه القصة بكافة تفاصيلها إلاَّ أنه يرى أنها حدثت عام 1832 (20).
فإذا اعتبرنا أن رسالة السيد تروي القصة من جانبه هو فقط يمكننا مع هذا أن نستنتج منها صورة صحيحة لواقع الحال.
فمن الواضح أن السيد سعيد وجد الأوضاع في ممباسة أصعب مما كان يقدرها ولم يشأ أن يخاطر بالهجوم على قلعتها فيرمي بكل ما لديه مرة واحدة ولذلك فضل القبول بشبه المعاهدة على الإطاحة بكل قواه في هجوم مجهول النتائج وبطبيعة الحال، فإنه أخرج هذا العمل على أنه نصر باهر وهكذا شاع أمره في زنجبار عند وصوله إليها أول مرة في النصف الأول من شهر شباط عام 1828، فاستقبل فيها استقبال الفاتحين (21). (1/106)
صفحة 107
وقد تقبل المعاهدة على أنها أبرمت في هذه المناسبة وليس بعد هذا التاريخ بأربع سنوات وسوف نكتشف أنها كانت السبب في تصعيد الصراع التالي.
والواقع أن هذه المعاهدة قد نقضت ساعة وضعها إذ فسر السيد سعيد بندها الأول على أنه يعني ادخال خمسين جندياً جديداً إلى القلعة في كل مرة دون أن يسحب الجنود الموجودين فيها من قبل. وقد عمل فعلاً بهذا التفسير حتى إذا بلغ عدد جنوده داخلها المائتين جندي طردوا سالم من القلعة واضطروه على الانتقال إلى السكن في المدينة (22).
ولم يقدر للسيد سعيد أن يمكث وقتاً طويلاً في زنجبار ذلك لأن ترتيبات الحكم التي كان قد أقامها في عمان قبل مغادرته لها لم تكن على شئ من المتانة والكفاية لضبط الأمور هناك. فقد عيَّن محمداً ابن أخيه سالم نائباً عنه في مسقط، وإذ كان كما اتَّضح فيما بعد، شاباً ضعيفاً لا قدرة له على الحكم، وفي سبيل تنقيذ قراره هذا فقد اضطرَّ السيد سعيد أن يسجن هلال ابن عمه محمد وأقوى رجل في العائلة لا بعاده عن القيام بأعمال السوء (23).
وكان هلال ذا شعبية ونفوذ في المقاطعات الشمالية وخاصة في منطقة السويق ومع أنه نفسه كان غير قادر على القيام بأي عمل احتجاجاً على سجنه، فإن أهله وأنصاره لم يستطيعوا الصبر على إهانة سجنه هذه.
ولعل من الصعب قليلاً أن نوضح كيف يمكن لرجل داهية مثل السيد سعيد أن يرتكب مثل هذه الزلة الواضحة، لكن من المحتل أنه كان يرى في بقاء هلال سجيناً خطراً أقلَّ من خطر تركه في موضع يستطيع منه أن يزيد نفوذه ويوسع سلطته ويجاهر بادعاءاته بالحكم.
فإذا كانت هذه هي حقاً تقديرات السيد سعيد فلربما كانت صحيحة (1/107)
صفحة 108
ولكن إلى حد قليل فقط، إذ سرعان ما بدأ وكأنَّ عرشه سيغتصب منه أثناء غيابه وان عليه أن يعود لاسترجاعه.
وهذا ما كان فعلاً. فلم يطل غياب سعيد حتى ثارت جوخة أخت هلال واستولت على السويق واحتلت الباطنة وأرسلت رسولاً تستشير همة حمد بن عزان الذي كانت وفاة والده السيد عزان بن قيس قد أتاحت الفرصة للسيد سعيد لأن يضم إليه مملكته صحار كما مرَّ بنا خبر ذلك من قبل (24).ولربما كانت هذه رغبة عزان نفسه ولكنها على أية حال لم تكن مما يتفق مع طموح ابنه وآماله ولا مع مشاعر شعبه لذلك فلم يكن حمود أبداً عازفاً عن الاتفاق مع الثائرين واغتنام الفرصة السانحة، فرصة غياب السيد سعيد لاستعادة ملك صحار إليه.
وكأنما لم تكفه صحار وحدها فقد استولى على الخابورة وشناص وتهيأ للزحف على مسقط نفسها (25) وبهذا أصبح الموقف حرجاً وكان يمكن أن يهدد بالخطر الجسيم لو لم يخف إلى انقاذه هذه المرة – كما هو الشأن في المرات السابقات – محمد بن ناصر والبريطانيون.
وما من موقف مثل هذا الموقف الخطر يظهر فيه نفوذ النساء العربيات وقوتهن فمن الجهة الأولى فالثورة أشعلتها امرأة هي جوخة أخت هلال بن محمد بن الامام ومن الطرف الثاني كانت السيدة موزة بنت الامام عمتها وعمة السيد سعيد تقاومها وتسعى في احباط خططها والحق أن هذه السيدة الباسلة كانت قي ميادين القتال كما كانت على رأس مجلس الوصاية (26) تمارس مع (1/108)
صفحة 109
محمد بن ناصر نفوذها وتفرض رأيها كما فعلت ذلك منذ ثلاثين عاماً خلت ضد بدر بن سيف. وبتحريض منها دفع محمد بن ناصر بألف وخمسمائة رجل من سمايل إلى صحار كما اقنعت القبائل الموالية بالالتفاف حول صحار ومهاجمتها من الشمال (27).
وفي الوقت نفسه تسلم البريطانيون نداء من حمد بن سالم نائب السلطان يطلب فيه العون وعلى هذا فقد وصل من بومباي طرادان حربيان لحراسة سواحل الباطنة ومنع أي محاولة للوصول إلى مسقط، كما أبقى المقيم البريطاني في الخليج العربي بعض السفن في مسقط وأرسل في الوقت نفسه إلى حمود احتجاجاً شخصياً ينذره فيه بأن أي تقدم من جانبه أبعد من هذا سوف يعتبره البريطانيون عملاً غير ودي (28) وبهذه الاجراءات فقد ابتعد الخطر الحال عن مسقط.
وفي شهر مارس من عام 1830 وصل السيد سعيد مسقط عائداً من زنجبار وقد بدأ حال وصوله بالتقليل من أمر الفتنة مدعياً أنه قد بولغ في أمرها مستثنياً من قوله هذا الدور الذي لعبته بريطانيا. ولذلك فقد أعاد الطراد أو الطرادين (إذ تختلف المصادر في العدد) المرسلة من بومباي مدعياً أنه يستطيع أن يسيطر على الوضع بمفرده.
ونستطيع أن نعزو هذا العمل إلى التقدير الصحيح لملك مستقل لا يريد أن يرى الأجنبي يحتل بلاده ويتحكم فيها والذي يعلم مقدماً مقدار الثمن الفادح الذي تكلفه هذه المعونة الأجنبية.
لكن الفتق كان في الواقع أكبر من أن يستطيع رتقه ففي شباط من عام 1831 بدأ السيد سعيد هجومه على صحار باستعدادات بالغة الاتقان فقد ضمن إليه القواسم باقناع سلطان بن صقر بمشاركته القتال كما اشترى سكوت (1/109)
صفحة 110
الوهابيين بالهدايا (29) حتى ليقال انه استكرى عدداً كبيراً من البدو المرتزقة ولكنه أخذ في النهاية بعددهم الكبير فاضطر أن يوزع عليهم مبالغ كبيرة من المال ليضمن رحيلهم عنه (30).
ومع هذا كله فقد فشلت الحملة على صحار فشلاً ذريعاً إذ منع أنصار حمود في الشمال سلطان بن صقر من الوصول إلى سعيد فحرموه من معاونة القواسم له، وكان وضع صحار من القوة والمناعة بحيث تعسر على السيد سعيد أن يقتحمه وحده (31).لذلك فقد اكتفى باحتلال شناص وباعادة هلال إلى السويق وسرعان ما تمَّ الاتفاق بين حمود والسيد سعيد بأن يحتفظ حمود بصحار والخابورة مع اعترافه بالسلطة العليا للسيد سعيد وأن يتعهد حمود بعدم القيام بأي عمل عسكري إلاَّ بعد موافقة السيد سعيد (32) كما رضي أن يدفع عن المدينة رسماً سنوياً قدره 8000 ريال الماني (33).
ومن الواضح جداً أن ثمار رحلة سعيد الأولى إلى افريقيا كانت ضئيلة في الساحل الأفريقي ومعدومة في عمان، ولذلك فمن العجب أن نراه يعيد الكرة عام 1832 معرضاً نفسه ثانية إلى ذات الخطرين.
وكانت استعدادات هذه الحملة، وهي الثانية، على ممباسة لا تقل عن استعداداته للحملة الأولى، فقد ذهبت ليفربول أيضاً ومعها أربعة طرادات وست بغلات و1400 رجل (34).
وتذهب أكثر الروايات إلى أن عمل ناصر بن سليمان والي بمبا كان هو الدافع إلى هذه الحملة فقد ظهر هذا الرجل أمام ممباسة بعد وقت ليس بالطويل (1/110)
صفحة 111
من مغادرة السيد سعيد لزنجبار عام 1828، مدعياً أن السيد سعيد قد عينه حاكماً عاماً على المدينة.
واستطاع بهذه المزاعم أن يحتل القلعة التي كانت، وخلافاً للمعاهدة بين السيد سعيد والشيخ سالم، في قبضة جنود السيد سعيد، وقد وجد أن حصانة الموقع تفيده كما تفيد العدو أيضاً فقد كان في الواقع في موضع لا يمكن اقتحامه أو الوصول إليه ولكنه وفي الوقت نفسه أيضاً (35) لا مخرج ولا مهرب له منه وقد بدأ الجوع يؤثر شيئا فشيئاً فيه وفي جنده وبعد حصار عدة شهور استسلم ناصر بن سليمان بلا قيد أو شرط إذ لم يستطع احتمال الحصار مدة أطول.
وهناك من يقول ان السيد سعيد وجد من الضروري أن يثأر لفشل تابعه، ولكن هذا الحادث وإن كان يصلح عذراً لهذه الحملة فليس من المحتمل أن يكون هو كل السبب فيها. فالواقع أن عودة السيد سعيد إلى عمان قد أوهنت روابط سيادته ومكنت الشيخ سالم من استعادة حريته في العمل والتصرف كأمير مستقل لبلاده. وعلى كل حال لو لم تتفق هذه المعاهدة بشكلها القائم، مع من كان يريد، فقد كانت ممباسة في ذبك الزمان هي المفتاح للموقف في الساحل الأفريقي الشرقي بكامله وكانت أقدام الموانئ على ذلك الساحل وأكبرها ومن الصحيح ـن السيد سعيد بدأ من زنجبار ينافسها في مركزها وسيقدر له بعد سنين قليلة أن يسلبها مركزها وأهميتها ولكنها كانت وفي عام 1832 هي الميناء الأهم ولم تكن زنجبار وقت ذاك إلاّ قرية صغيرة لا يحسب لها حساب، ولذلك فعلينا أن ننظر إلى أسباب استراتيجية لهذه الحملة الثانية أبعد وأه9م من مجرد الخلافات البسيطة.
ونحن لا نعرف عن طبيعة هذه الحملة إلاّ الشىء القليل ولكن لحسن الحظ، فإن نتائج الحملة، وهي الأهم، واضحة لدينا، ومما يزيد في جهلنا تضارب الروايات بين مدرستين من مدارس الرواة. (1/111)
صفحة 112
فقد سبق أن رأينا من قبل ما يمكن أن نسنيه بالمدرسة البريطانية تنفي نهائياً احتلال سعيد لممباسة عام 1828 ونؤكد على أنه غادرها صفر اليدين، وهذه المدرسة تنسب لسنة 1832 المعاهدة المعقودة مع سالم والتي أظهرنا من الأسباب المعقولة مايدفعنا للعتقاد بأنها عقدت عام 1828، كما سجّل ذلك جيان ورفاقة.
ولذلك وأخذاً بهذا الاستنتاج فنحن مضطرون ثانية إلى اتباع رواية جيان وان نجد شبهاً كبيراً لأحداث عام 1832 بأحداث عام 1828 م (36).
فهناك أولاً التمهيدات الكلامية غير المثمرة ثم القصف المدفعي غير المؤثر، وتبدأ بعدها المفاوضات في أجواء عملية وتنتهي إلى نتائج معينة.
وقد وجد السيد سعيد أنه لن يستطيع بمفرده ومن دون مساعدة تأتيه من ممباسة نفسها أو من جوارها تأمين القوة الكافية لاحتلال المدينة، لذلك فقد كان عليه أن يسر بما انتهت إليه الأمور إذ عاد إلى الموقف نفسه الذي كان فيه من قبل وأعيد تجديد معاهدة 1828 ولكن من دون خاتمتها المفجعة (37).
وقد سار سعيد بعد هذا إلى زنجبار ولم تدم إقامته فيها أكثر من ثلاثة أشهر ذلك لأنه لم يترك عمان في أوضاع خطرة فحسب، بل أنه اتخذ من الاجراءات ما يزيد في حدة العواطف واشتعالها بدل اطفائها. (1/112)
صفحة 113
فعند رجوعه من ممباسة عيَّن هلال بن محمد والياً ومنحه سلطة واسعة ولكنه أمره ألاَّ يتصرف إلَّا بمشورة محمد بن سالم. ولم يكتف بهذا الأزدواج الخطير في السلطة بل زاد عليه بأن منح بركا إلى سعود بن علي وهو من أحفاد الامام أحمد بن سعيد وبالتبعية فهو من قرابته أيضاً (38).ولا شك أن إدارة الحكم على هذا الشكل الثلاثي تحتاج إلى مقدار كبير من الحصافة والتعاون وروح الزمالة (39).ولكننا حين نعرف أن هؤلاء الثلاثة كانوا وما زالوا على خلاف شديد فيما بينهم نستطيع أن ندرك خطورة ما أقدم عليه السيد سعيد.
وجاءت الخطوة الأولى من سعود في بركا. إذ أنه ضيقاً منه بهلال ومحمد لا لأسباب شخصية فحسب بل ولأنها يتمتعان بتأييد شعبي واسع بسبب قرابتها للسيد سعيد وبسبب وجودهما في مسقط (40)، فإنه هاجمها وهما في طريقهما إلى الرستاق وبهذا وضع البلاد على حافة حرب أهلية وحاصر سعود نفسه مصنعة في حين أبدى سلطان بن صقر وقبيلته القواسم ميلهم الطبيعي إلى احتلال خورفكان ودبا وعزم حمود بن عزان على أن يضيف الرستاق إلى ولايته صحار.
وكالعادة أيضاً فإننا إلى جانب هذا الغليان في الشمال هدوء نسبياً في مسقط وحواليها، وكذلك نجد هنا ــ كما اعتدنا ذلك في الأزمات الاخذات بالخناق أن الشخصين المممسكين بزمام الأمور هما السيدة موزة بنت الامام ومحمد بن ناصر وقد استطاعا فعلاً أن يحشدا للدفاع عن مسقط حوالي 1500 رجل من بني غافر (41) وأرسلوا الامدادات إلى الرستاق لتمنع حمود بن عزان من الاطباق عليها (42) واقنعوا عشيرة النعيم بالالتفاف حول صحار. ومع هذا كله (1/113)
صفحة 114
فقد كان من المشكوك فيه أن تستطيع اجراءاتهم الفعالة هذه إنقاذ البلاد دون التدخل القوي من بومباي.
ولذا فقد وجه المقيم البريطاني في الخليج إنذاره إلى الثوار شارحاً لهم فيه وجهة النظر البريطانية تجاه أعمالهم هذه كما أرسل قوة بحرية لتخفر السواحل (43) ورابط طراد واحد في مسقط لحفظ الأمن حتى عودة السيد سعيد من ونجبار.
والواقع أن السيطرة على الموقف كانت تامة شاملة بحيث لم تعد هناك ضرورة لوجود الطراد البريطاني في مياه مسقط ولذلك فقد ترك موضعه قبل وصول السيد سعيد إلى عاصمته في 10 أيلول من عام 1832. وإذا كان قد وجد عند وصوله مسقط أن ملكه ما يزال باقياً وقائماً فالفضل في ذلك كل الفضل يعود لعمته السيدة موزة ولحكمتها وبسالتها «فقد أشرفت بنفسها على الدفاع عن مسقط ووجهت الرسائل إلى السلطات البريطانية في بومباي وبوشهر» (44) وقد أدرك سعود الآن أن مجابهة هذه القوى مجتمعة أمر فوق طاقته لذلك فقد باع حرية أسيريه بفدية قدرها 8000 دولار وأشاع في البلد أنه اضطر إلى عمله هذا دفاعاً عن نفسه (45) وعلى كل ومع أن سعود لم يجد ما يستوجب إصراره على عناده فإن السيد سعيد من الجهة الثانية لم يجد في نفسه من القوة ما يصر بها على الانتقام منه، وعلى ذلك كانت النتيجة نوعاً من المصالحة التي يتقنها السيد سعيد واعتاد أن يبرز فيها بدهاء.
وإذ كانت بركا مركزاً مهماً بالنسبة إلى السيد سعيد باعتبارها ميناء من موانئ البلاد ولكنها بالنسبة إلى سعود ذات أهمية ضئيلة لصعوبة الدفاع عنها ولذلك (1/114)
صفحة 115
وبوساطة محمد بن ناصر (46) قبل سعود بالتنازل عن بركا مقابل أخذ الرستاق بدلاً عنها.
وكان هذا هو كل مدى النجاح الذي حققه السيد سعيد. ولما تقدم بطلب مساعدة الأنكليز لاستعادة خورفكان وديا كان جوابهم ألاّ يتوقع مساعدة من هذا القبيل، وزيادة على ذلك فقد نصحه البريطانيون بأن من الخير له أن يستقر بعد الآن في بلاده عمان ويهتم بأملاكه العربية (47).
ومع هذا فقد أوشك أن يخاطر بعملية مستقرة لولا أن الأمير الوهابي الجديد تركي بن سعود استعاد نجداً وبدأ يمد نفوذه إلى المناطق المجاورة.
وقد بدأ تركي من جديد بعيد دعواه بكل المطالب التقليدية التي كان يرددها أسلافه، وكذلك أيضاً فقد عقد نوعاً من الاتفاق مع معتنقي مذهبه في الأقسام الشمالية من عمان.
وتحت ضغط التهديدات المعتادة وبناء على نصيحة الانكليز فقد اشترى السيد سعيد سكوت اعدائه بوعد منه أن يدفع لهم حصيلة الزكاة بمعدل 5000 دولار في السنة (48) كما هو منصوص على ذلك في رسالة مكتوبة بخط السيد سعيد نفسه إلى المقيم البريطاني في الخليج العربي مؤرخه في 23 مارس 1833. وفي مقابل السيد هذا تسلم السيد سعيد من تركي تعهداً بالمحافظة على سلامة وسيادة بلاده وبالمساعدة المتبادلة في حالة أية ثورة تحدث في عمان أو في نجد (1/115)
صفحة 116
لكن هذا النص كان يجب أن يلفى لأن الانكليز، خشية من تعقيد الأمور مع محمد علي، ضغطوا على السيد سعيد وأقنعوه بإلغائه (49).
ولم يكن مما يليق بالمقام الذي أقامه السيد سعيد لنفسه في الساحل الأفريقي أن تبقى ممباسة مستقلة لذلك فقد استفاد من الرياح الموسمية قي شهر تشيرين الثاني (نوفمبر) من عام 1833 (50) ووجه حملة حربية جديدة إليها.
وإذ علمه فشله المتكرر في المرتين السابقتين دروساً فن الحرب، فقد أخ1 معه هذه المرة بالضافة إلى الرحمانى وليفربول طرادين آخرين و 1400 رجل وعدداً من المراكب الصغيرة ليناور بها حول ممباسة (51).
وكانت خطورته الأولى قصفاً مزدوجاً على المدينة من البر والبحر , وكان قد أنزل بغض مدافعه إلى البر في القسم الشمالي من ممباسة فتعرضت المدينة لنيران حامية من البر والبحر لمدة ثماية أيام (52).
ولكن القصف لم يكن ذا أثر كبير وكان من الممكن أن ينتهي الأمر بالسيد سعيد إلى اندحار كبير لو لم يثبط همم الممباسيين فشل هجوم ليلي شنوه على المواقع البرية للمدافع.
وإذ تبين لكلا الطرفين ضعف مركزيهما فقد عمدا ـ حسب الأصول المتكرر ـ إلى المفاوضات المعهودة بالأسلوب المعهود ـ والتي انتهت إلى إعادة نفس المعاهدة كرة أخرى، إلاّ أن سالم تجنباً لاحتمال الغدر به وخديعته اشترط ألا (1/116)
صفحة 117
تحتل قلعة المدينة وفي مقابل ذلك وإظهاراً لحسن نيته وسلوكه (53) فقد ترك اثنين من أقاربه رهينة عند السيد سعيد.
وإذا كان السيد سعيد قد استطاع أن ينجح بالقيام بهجمات خاطفة على ممباسة بين الحين والآخر أثناء المعركة السابقة مما رفع من اسمه إلى حد ما، فلم يكن له ما يستطيع به أن ينقذ سمعته أمام الفشل الماحق والخسائر الكبيرة الشاملة التي لحقت الحملة التي قادها محمد نجل عمه أحمد (54) والتي أرسلها عام 1834 لاحتلال سيو وبات. وكانت هاتان المدينتان تثوران على حكمه حين تسنح لهما الفرصة، وفي هذه المرة حصلا على مساعدة المزاريع.
وما أن ظهر السيد سعيد بنفسه أمام سيو فإنه استهان مرة أخرى بضراوة مقاومة عدوه فكانت النتيجة اندحاره وانسحابه وكان من الانهيار بحيث لم يحاول أن يعاقب الشيخ سالم على مساعدته لهاتين المدينتين مما يعتبر نقضاً صريحاً للمعاهدة التي تكرر توقيعها بينهما مراراً. وكل الذي استطاع السيد سعيد عمله هو أن يترك خلفه قوة صغيرة لتعترض سالم في طريق عودته إلى ممباسة وإذ فطن سالم للكمين فقد تجنبه ولم يبق بعد ذلك للسيد سعيد ما يستطيع أن يعمله (55).
ولم يمض إلاَّ قليل من الوقت على الانتهاء من هذه العمليات الفاشلة حتى جاءت الأنباء بنشوب اضطرابات جديدة في عمان. وكالمعتاد من السيد سعيد حين يترك عمان، فقد عيَّن هذه المرة ابنه ثويني نائباً عنه هناك، ولكن الاختبار لم يكن موفقاً هذه المرة أيضاً.
فقد كان مقتل سعود بن علي والي بركا على يد ابن عمه سلطان بن (1/117)
صفحة 118
أحمد (56) نذيراً ببدء الفتنة في عمان. فقد استغل حمود بن عزان الهياج العام الذي ساد البلاد فأضاف الرستاق، وكانت من ملك سعود، إلى ولايته صحار. ولم يكتف بذلك بل أخذ يستعد للهجوم على سمايل.
لكن الحكومة البريطانية تدخلت في الأمر خشية أن يؤدي عمله هذا إلى نشر الرعب والفتنة في مسقط ففي شهر تموز من عام 1834 أسرع المقيم البريطاني في الخليج إلى مسقط لينذر حمود بأن إصراره على الثورة سيؤدي إلى نقمة الحكومة البريطانية وغضبها عليه.
لكن مهلة الهدنة القصيرة جداً التي أدى إليها هذا الإنذار ما لبثت أن انتهت نهاية عنيفة باستيلاء حمود على السويق. ومع أنه رد عنها في الحال بقوة جاءت من مسقط إلاَّ أن ثويني ارتكب خطأ على جانب كبير من الخطورة والسوء بطلبه مساعدة القواسم له في هذا الأمر، إذ قلل هذا من شأن وزاد من شعبية حمود بين الناس (57).
وفي سبيل تدارك الحال وملافاة لنتائج الأحداث فقد أسرع السيد سعيد بالعودة من زنجبار إلى مسقط. وكان العمل الأول الذي أقدم عليه هو مهاجمة حمود ف صحار، ومع أن الهجوم نفسه لم ينجح، إلاَّ أن سمعة السيد سعيد وهيبته اضطرتا حمود إلى التوقف عن كل أعماله.
لكن الأهم من كل هذا هو أن السيد سعيد كان يريد العودة إلى زنجبار ولكن كان من المستحيل عليه أن يترك البلاد وثورة حمود لم تنطفئ بعد، ولذلك اتفق السيد سعيد مع الوهابيين للزحف على صحار معاً وعلى هذا فقد توجهت عام 1836 قوة وهابية بقيادة سعد بن مطلق لمحاصرة قلعة صحار من (1/118)
صفحة 119
البر في حين سار إليها السيد سعيد وحاصرها بحراً (58) ومع هذا فلم يؤد الأمر إلى نتيجة حاسمة ذلك أن حمود لجأ إلى أساليب مكره المعتادة فأقنع السيد سعيد بأن نية الوهابيين هي الاستيلاء على عمان وطرده منها ولذلك انهارت الحملة وترك السيد سعيد مسقط مرة أخرى في شهر تشرين الثاني من عام 1836 متوجهاً إلى افريقيا فوصل ممباسة في قرابة نهاية ذلك العام (59).
***
وكان الوقف العام في الساحل العربي من الخليج واضح الاضطراب وعدم الاستقرار. ولم يكن هذا الحال ليزعج أحداً قدر ما يزعج بريطانيا نفسها وكان من الممكن للسيد سعيد أن يعقد مع الوهابيين بين الحين والحين اتفاقيات موقتة، لكن الوهابيين يظلون أعداءه التقليديين ومن الواضح كل الوضح أن هذه الشكوك المتبادلة بين الفريقين والتي أثارها فشل حملة صحار كانت مما يزيد من مشاعر العداء بين الفريقين.
وزيادة على هذا فإن هذا الفشل أضعف إلى حد كبير من قوة قبضة السيد سعيد على عمان وهيبته فيها، وجعل بريطانيا تفكر بوجوب اتخاذ خطوات حاسمة لإعادة هيبته إلى سباق عهدها إذ ليس هناك غيره من يعتمد عليه للحفاظ على الوضع الراهن في الخليج. ولم تكن حكومة بومباي لتتصور قيام علاقات مثل هذه بين السيد سعيد والوهابيين أو معه وقبائل الشمال في عمان. وكان الذي تحتاجه بريطانيا هو قوة ثابتة تتحلى بشعور من المسؤولية وتتماشى مع سياساتها وتتوافق مصالحهما فيمكن الاعتماد على ولائها.
ولذلك قررت سلوك سياسة جديدة هي سياسة التدخل المباشر، ولذلك وفيسبيل تهيئة فرص الصلح بين حمود والسيد سعيد وتشجيعها فقد أرسلت سفينة حربية إلى صحار قبل سفر السيد سعيد إلى زنجبار ونقلت عليها حمود إلى (1/119)
صفحة 120
مسقط حيث ضغط عليه الانكليز حتى أقنعوه بالتعهد كتابة بعدم القيام بأي عمل عدائي ضد السيد سعيد وبعدم الهجوم على هلال بن محمد في السويق (60).
وقد حافظ حمود على تعهداته هذه ولربما مكرهاً لا مختاراً لأننا نراه بعد هذه الأحداث بقليل يغتنم فرصة وفاة محمد بن ناصر فيذهب إلى بومباي ويطلب من السلطات البريطانية هناك اعفاءه من تعهداته. فقد كان محمد بن ناصر والي سمايل ومنذ سنين طوال، السند القوي الذي ينهض في الملمات للإبقاء على حكم البوسعيد والحفاظ على عرش السيد سعيد، فلا عجب أن يدفع موته رجلاً طموحاً مثل حمود إلى أن يجرب قوته مرة أخرى.
ومن الطبيعي أن يجيء قرار الحومة البريطانية على النقيض مما كان يفكر فيه حمود أو يطمح إليه، إذ طلب إليه أن يلتزم بحرفية تعهداته.
وإذ وجد أن عمان لم تعد تتسع لطموحه السياسي وأن السياسة أو الحروب لم تحقق له آماله فقد انصرف إلى الزهد والعبادة والتفقه بشؤون الدين وانهمك بهذه الشؤون وزهد بالملك فتنازل عنه إلى ابنه سيف (61).
وقد أدى تنازل حمود هذا إلى تهدئة الأحوال وابعاد أخطار الفتن والثورات في عمان ولو إلى تنازل حمود إلى حين. لأن سيف لم يكن في خصام قط مع البيت الحاكم بل كان في الواقع صديقاً حميماً للسيد ثويني بن السيد سعيد.
وهنا مرة أخرى تظهر حصافة السيدة موزة وحكمتها إذ كانت هي وراء اقناع حمود بالاقدام على هذا التنازل عن سلطته إلى ابنه (62).
وكان هذا من حسن حظ السيد سعيد أيضاً إذ أتاح له الفرصة لتوجيه (1/120)
صفحة 121
اهتمامه مرة أخرى نحو افريقيا الشريقية. ففي أثناء انشغاله في عمان توفي الشيخ سالم في ممباسة في آذار من عام 1835 وقد أدَّت وفاته إلى نتائجها الحتمية المعهودة في مثل هذه الأحوال، فقد أسرع أخواه خميس وناصر للعمل على تأمين نقل الحكم اليهما ولكنهما عورضا في عملهما هذا من الشيخ راشد بن الحاكم المتوفى الذي ادعى أنه أحق بوراثة الحكم من أعمامه. إذ لم يكن الطرفان على قدر متساوٍ من القوة ومن الأحقية في مزاعمهما، فقد بدأت النداءات تترى على السيد سعيد وهو في زنجبار وتطلب تدخله في الأمر، لصالح هذا الفريق أو ذاك.
ولذلك فقد انتظر موسم الرياح الموسمية لشتاء عام 1836 فأبحر بقوته المعتادة ولكنه ما إن وصل سواحل ممباسة حتى وجد أن كفة راشد هي الراجحة وأن راشد يأبى أي تدخل خارجي في الأمر بل وان خميس وناصر لم يكونا في الواقع راغبين في التعاون معه لذلك أنزل السيد سعيد بعضاً من مدفعيته في القسم الشمالي من المدينة كالمعتاد، وكالمعتاد أيضاً بدأ قصف القلعة ولكنه وقد تذكر فشل خطته هذه في المرات السابقات فقد أسرع باستغلال الشقاق بين الطرفين المتنازعين ووجه اهتمامه إلى ارشاء أضعف الطرفين، ولذلك فإن الشقاق الداخلي وليس عمليات السيد سعيد الحربية هي التي أرغمت راشداً في شهر شباط من عام 1837 على توقيع اتفاق جديد مع السيد سعيد كان في الواقع أقل توفيقاً من تلك الاتفاقات التي وقعها أبوه من قبل. وبموجب الاتفاق الجديد تنازل راشد عن القلعة إلى علي بن منصور وعلى أن يصحبه فيها 500 جندي من جنود السيد سعيد واضطر راشد إلى الانتقال منها والسكن في المدينة (63).
ولم يكن احتمال هذا الحال بالأمر المستطاع لذلك فلا عجب أن نجد راشد بعد هذا بوقت قصير يغادر بلاده في زيارة إلى زنجبار على أمل تعديل شروط المعاهدة إلى ما هو أحسن (64) ولكن كان كل ما عرضه عليه السيد سعيد (1/121)
صفحة 122
في هذا الصدد هو أ، يترك ممباسة مرة واحدة ويستقر والياً عبى بمبا مقابل راتب كبير.
وكان من الطبيعي للشيخ راشد أن يرفض عرضاً مزرياً به وباهله مثل هذا. وإذ رأى السيد سعيد ما أوقعه عرضه من الرعب الشديد في قلب خصمه راشد أو على الأقل مقدار ما أغاضه هذا العرض، وإذ تيقن السيد سعيد من إضرار راشد وتصميمه القاطعين على رفض هذا الرعض رفضاً باتاً لذلك فقد قرر السيد سعيد من جانبه وجوب القضاء على المزاريع وإزالتهم من مسرح الأحداث.
وتنفيذا لهذا القرار فقد أرسل بعد شهرين ابنه خالداً إلى ممباسة مع تعليمات سرية معينة نساطيع أن نتبين طبيعتها وأهدافها من مجرى ونتائج الأحاث التي تلتها.
فعند وصوله إلى ممباسة أظهر خالد كل كل علائم الود والسلام واتخذ مجلساً عاماً (دوبار) في باب القلعة حضره رجال المزاريع فاستقبلهم فيه أحسن استقبال ثم طلب إليهم الدخول إلى القلعة للبحث في بعض الأمور.
وما إن دخولها حتى ألقى القبض على راشد وناصر وخميس وثلاثين آخرين من رؤساء المزاريع وشيوخها وقيدهم بالحديد ثم نقلهم إلى المركب الذي أقلع بهم في الحال نحو زنجبار ومنها أرسلوا إلى المنفى في بندر عباس.
وسواء ألقي بهم في البحر أم صلبوا على صوارى السفن أم ماتو جوعاً وصبراً في سجون بندر عباس، فالنتيجة واحدة لم يرهم أحياء بعد ذلك فلم يعودوا مصدر خطر واقلاق للسيد سعيد أو مصدر أخبار للتاريخ (65).
وهكذا وبعد عشر سنوات سقطت بيد السيد سعيد وبالخديعة والمكر (1/122)
صفحة 123
المدينة التي عجز أربع مرات عن أخذها بالسيف والقتال.
والكلام كثير عن طريقة معاملة السيد سعيد للمزاريع فهو قد نقض المعاهدة الأولى مع سالم عام 1828 إذ أدخل إلى القلعة أربعة أضعاف العدد المقرر له من الجند في محاولة لاحتلال القلعة.
وما من شك كبير في أنه هو نفسه الذي حرض ناصر بن سليمان في هجومه المخادع الذي أوجد له المبرر لحملة عام 1832. وما عمله الأخير في عام 1837 إلاَّ نموذجاً آخر وأخيراً لأعماله السابقة.
ومع هذا فإن هناك – على كل حال – ما يقال في الدفاع عنه. فلم يكن السيد سعيد قائداً أو زعيماً لشعب عسكري. وكان هواه في العمل التجاري وفي هذا الخصوص فإذا ما أثير السؤال عما إذا كانت إزالة المزاريع ضرورية لمنفعة ممباسة فليس لهذا السؤال إلا جواب واحد فقط وهو أنهم كانوا عائقاً يحول دون تطور البلدان المجاورة لهم، وهم شعب محارب يسد الطريق على تطوير البر الأفريقي الغني.
ويمكن معرفة الحكم العام لسكان ممباسة على هذه الأعمال حين نعلم أنه منذ لحظة سقوط المزاريع لم يحدث في الجزيرة أي اضطراب أو تمرد ضد السيد سعيد لا لأنه حكمها بيد من حديد، وبحكم عسكري شديد ولكن لأنه قدم لها ولأهلها فرصاً عظيمة للازدهار الاقتصادي والغنى التجاري وقد استغل أهلها ذلك واستفادوا منه خير فائدة، ونحن قد ننتقد الوسائل ولكننا لا ننتقد الغايات.
? ? ? (1/123)
صفحة 124
[صفحة بيضاء] (1/124)
صفحة 125
الفصل الرابع:
زنجبار
لم يغير سقوط ممباسة بأيدي السيد سعيد من عزمه الأول على جعل زنجبار مقراً له وعاصمة لأملاكه، ولا شك في أنه كان في ذلك الحين يحلم في امبراطورية واسعة الأطراف تشد بعضها إلى البعض الآخر شبكة محكمة من الروابط التجارية المتينة.
ومر بعد أخرى، وكلما كان تفكيره يهديه إلى العودة إلى عمان ووجوب البقاء فيها، وكلما كانت مكائد الطامعين وثورات القبائل وتهديد الوهابيين من جهة والقواسم من جهة أخرى تجعل غيابه عنها محفوفاً بالمخاطر والصعاب، كان يعود فيصر على البقاء في زنجبار يمضي فيها أوقاتاً أطول ينظم المدينه ويبنيها غير عابئ من أجل ذلك بكلام الناس بل وسخريتهم أيضاً، فقد كانت زنجبار مطمح أنظاره ومهوى أحلامه وكان مستعداً للمجازفة بمواجهة كل هذه الأخطار المحدقة به من أجلها.
فما أن نزلها أول مرةعام 1828 حتى بدأ ببناء بيته الريفي الذائع الصيت، بيت الموتني خارج حدود مدينة زنجبار (2) وما أن تم بناؤه حتى اتخذه (1/125)
صفحة 126
داراً ومقاماً ولحاشيته ومركزاً للحكم.
وبيت الموتني هذا بيت واسعٍ كبير غير منسق الطراز، على أنه يجب ألا يظن أن منظره العام كان منظراً زرياً ولكن المعروف بصورة عامة أن متعة العين في رؤياه تتأتى من جمال موقعه أكثر منه من حسن هندسته.
وقد وصفه برتون (ص 3)، وكان على غير عادة الرحالة الآخرين يقسو قي نقده ويشتد، بأنه «بناء متواضع باهت عفن وكأنه بيت أحد الأقزام التوتونيين» في حين يصفه جيان (ج 2 ص 31) بأنه بقعة واسعة ممتدة من الخضرة المتألقة التي تخفي وراءها شكله البسيط.
ولكن حتى هؤلاء الذين لم يرقهم منظر هذا البيت وهندسته فقد أعجبوا كل الإعجاب بحسن موقعه وجمال مكانه، ذلك الجمال الذي تعرض في السنوات الأخيرة للانتقاص إذ طغى البحر على مساحات كبيرة من حدائقه الغناء وغطاها بطبقات كثيفة من الرمال (3).
ومع أن السيد سعيد ابتنى له قصراً آخر داخل المدينة، إلاَّ أن بيت الموتني ظلَّ محل سكناه المفضل ومحل سكنى أبنائه وحاشيته وخدمه وكان عددهم يزيد عن الألف نسمة (4).
ولم يكن ذوق السيد سعيد في الهندسة والبناء سواء بناء الدور والقصور أم بناء الممالك والامبراطوريات، ليرضى الغربيين، ولكن السيد سعيد كان يدرك أهدافه وما يريد كل الإدراك وكان عنده احساس صادق بأنجح السبل التي تحقق أهدافه هذه، وعزم قاطع على بلوغها. وكانت عينه النفاذة التي تتجاوز في رؤيتها مظاهر الأشياء إلى سبر أغوار الأمور وحقائق الأشياء مكنته من التأكد بنظرة واحدة من منافع الموقع الذي اختاره ليكون مركزاً لامبراطوريته. وعلى (1/126)
صفحة 127
هذا فليس من المبالغة في شئ أن نقول انه أدرك أهمية هذا الموقع من أول نظرة ألقاها عليه، ففي المرة الأولى التي ارتد بها من ممباسة جاء إلى زنجبار ولم يستطع أن يهجرها بعد، فمنها امتد سلطانه على طول الساحل وعلى الجزر المتناثرة أمامه كما امتد إلى داخل البر الأفريقي ومنها انتشر تجاره ووكلاؤه التجاريون في شبكة من النشاط التجاري الذي يغطي كل الساحل الأفريقي.
ولم يكن هذا – على كل حال – هو نهاية انجازاته، فاليه شخصياً يعود فضل ادخال زراعة القرنفل إلى زنجبار وهي التي تعتبر اليوم عماد انتاجها.
وكان الفرنسيون قد اهتموا بادخال بذور هذا النبات إلى جزر الموريشيوس عام 1770 على يد المسيو سوسه وهو فرنسي من أصل زنجي من سكان جزيرة فرانسة أو جزيرة البوربون (5).
والقرنفل نبات غريب الأطوار يتطلب تربة خصبة حمراء ومع هذا فهو قد لا ينمو في أماكن معينة دون ما سبب معلوم، وحتى في زنجبار نفسها، فهو يزدهر في أماكن من الجزيرة ويأبى النمو في أماكن مجاورة لها نفس التربة والخصائص، ولهذا فقد فنيت جميع أشجار القرنفل في موريشيوس في أول سنة أدخلت زراعته فيها. ذلك أن تجارة القرنفل كانت حكراً لشركة الهند الهولندية ورغبة من الفرنسيين في كسر هذا الاحتكار فقد قاموا بتوزيع كل ما استطاعوا الحصول عليه من بذور القرنفل على المزارعين اعتباطاً ودون اهتمام خاص، وكانت النتيجة ضياع كل هذا الجهد ضياعاً تاماً، ولم تنجح زراعة هذه البذور إلاَّ في الحقل التجريبي العلمي الفرنسي في المنطقة ومن هذ. البداية االصغيرة انتشرت زراعة القرنفل في الجزيرة انتشارها الواسع الشهير.
وما أن استقرَّ السيد سعيد في زنجبار حتى أدرك منافع زراعة القرنفل في جزيرته (6) وهذا دليل على قدرته على الابتكار والمثابرة. (1/127)
صفحة 128
وتذهب الروايات إلى أن عربياً كان يملك مزرعة كبيرة تدعى كيسيمباني غضب عليه السلطان ونفاه من البلاد لاشتغاله بتجارة الرقيق فأراد أن يستعيد العطف السلطاني فعاد إلى البلاد حاملاً معه بذور القرنفل مما أبهج السيد سعيد فعفا عنه.
ومهما تكن حقيقة هذه القصة، فالثابت أن السيد سعيد بدأ منذ عام 1828 يجرب زراعة القرنفل في هذه المزرعة فلما نجحت التجربة وآتت ثمارها شجعه ذلك على نشر زراعة هذا المحصول في بقية أنحاء البلاد بكل همة وإلحاح.
وبطبيعة الحال، فإن هناك قصصاً أخرى تروى عن كيفية دخول هذا المحصول إلى زنجبار، فمن ذلك ما رواه برتون، وأيده في هذه الرواية روشنيرجر، من أن محاولة نقل القرنفل من الموريشيوس واستزراعه في زنجبار بدأت منذ عام 1818 على يد أحد المزارعين الذي أفقرته المحاولة الباهظة التكاليف. وكان السيد سعيد أكثر توفيقاً في هذا المجال، فسرعان ما وضع القواعد الصارمة التي تلزم أصحاب المزارع بتخصيص مساحات معينة من أراضيهم لزراعة القرنفل.
وقد أثبتت الأيام على المدى الطويل حكمة هذا الرأي وحصافته وإن لم يبرهن هذا العمل، في أول أمره على نجاحه الواسع ليغري المزارعين بالتمسك به والتوسع بزراعته، ولذلك احتاج السيد سعيد إلى كل دهائه وحصافته وقوته على المثابرة ليدفع بهذا الناتج نحو النماء والوقوف على قدميه.
وقد اعتبر المستر برتون (ج 1 ص 362) زراعة القرنفل في زنجبار عملاً خاطئاً واقترح بدلاً منه زراعة السكر (7) والواقع أن السيد سعيد جرب زراعة السكر أيضاً، وفي وقت ما استخدم خبرين من الأجانب لدراسة امكان إقامة (1/128)
صفحة 129
مصنع في البلاد لصنع السكر (8) ثم عاد وحاول صناعة النيلة حين أدَّت شدة المنافسة إلى هبوط فظيع في أسعار القرنفل. ولم يكن هذا بالشئ الجديد أيضاً فقد كان الأمر شائعاً في عمان منذ قرن من الزمان حتى أن سعيد بن أحمد حاول احتكار هذا الأمر بغية ايجاد مورد مالي جديد (9) له.
وكان السيد سعيد أقلَّ نجاحاً في زنجبار إذ له حظه أن يقع بين يدي مهندس فرنسي أثارت سوء تصرفاته حتى أسف مواطنه المسيو جيان الذي لاحظ (ج 2 ص 147) كيف يستطيع شخص واحد أن يسئ إلى سمعة شعب كامل.
ويبدو أن هذا الشخص لا يعرف إلاَّ الشيء القليل عن الهندسة والشيء الأقلَّ عن صناعة النيل. ولم يكن من المتوقع أن تتعرض مساحات كبيرة من الأرض لمثل هذا التغيير السريع وتسلم من وجود المخاطرين المحتاجين الذين ليسوا حكراً على بلد معين. ولولا أن الكابتن روبرت كوكان البريطاني الذي أرسل إلى زنجبار عام 1839 ليشرف على تنفيذ اتفاق تجاري (10) فاستغلَّ مهمته الرسمية لصالحه الشخصي واستطاع أن يحصل على امتياز شخصي لا ستثمار ذرق الطيور (11) في جزيرة لاثام (زنزبار)، لما كنا نجده شريكاً في شركة كوكان وشركاه زنزبار (12).ولكن يبدو أن مثل هذه الأعمال لم تكن تؤثر في صلابة السيد سعيد وقوته.
وقد كان الجانب التجاري من نشاط السيد سعيد هو الذي رفع ذكره وأذاع شهرته ولم يكن اختياره زنجبار لتكون مركز حكمه مجرد نزوة طارئة، وإنما كانت وراء ذلك أسباب مبررة إذ يستطيع فيها أن يستفيد من حسن التربة (1/129)
صفحة 130
وحسن المناخ معاً وقد أصبح – يمضي الوقت – مزارعاً كبيراً يستورد ويصدر على نطاق واسع.
ولهذا بدأ يكون لنفسه، بدل العلاقات الدبلوماسية وكالات تجارية، وكانت وكالاته هذه منتشرة في كلكتا وبمباي وفي جزر الهند الهولندية وفي ايران والصين. وفي عام 1856 بدأ يسعى لانشاء علاقات تجارية مباشرة مع فرنسا ولكن وفاته حالت دون إتمام ذلك.
وانتشر تجاره ووكلاؤه في داخل البر الأفريقي وحتى أواسط افريقيا. وقد التقى ليفنكستون خلال رحلته الاستكشافية بعدد كبير منهم قرب البحيرات الكبرى. وهكذا انتشر وكلاؤه التجاريون في شتى أنحاء العالم المعروف آنذاك، وكان هؤلاء الوكلاء هم رسله للسلام وسفراؤه عند الأزمات (13).
? ? ?
وفي عام 1839 اضطرَّ السيد سعيد إلى مغادرة زنجبار إلى عمان لمواجهة نشاط محمد علي الذي كان قد اقتنع بفكرة ضم بلاد العرب وسوريا إلى ممتلكاته وقد وصلت إلينا أخبار ردود الفعل بين محمد علي والسيد سعيد مضطربة متضاربة ويعود ذلك إلى خطأ رواة هذه الأخبار بقدر ما يعود أيضاً إلى الطرق الملتوية التي كان يسلكها المعنيون هذه الأحداث.
فهناك مثلا أكثر من شبهة بأن السيد سعيد كان يتآمر مع محمد علي للقام بحملة مشتركة ضد البحرين. وكانت فكرة السيد سعيد أن تسلم له الجزيرة بعد فتحها مقابل ضريبة أو جزية معينة يدفعها إلى الحاكم المصري سنوياً.
ومن المحتمل أن يكون محمد علي قد شاطره، وقتاً ما، بعضاً من هذه الفكرة، ولكنه وضع لها نهاية تختلف عما كان يفكر به السيد سعيد (14). (1/130)
صفحة 131
فمن المؤكد أن محمد علي كان يتآمر مع الوهابيين (14أ) وقد أقنع حاكمهم الأمير خالد بن سعود بإقامة حلف يشترك فيه القواسم ويهدد به البريمي حيث كانت قد وصلت إلى هناك في شهر ديسمبر من عام 1839 بايعاز من القائد المصري خزرشيد باشا قوة عسكرية ومعها مدفعان بقيادة سعد بن مطلق.
وكان من حسن حظ السيد سعيد أن يتمزق هذا الحلف الثلاثي بين المصريين والوهابيين والقواسم بسبب الانشقاق الداخلي إذ كان عليه أن يستنفد كل جهد لاقناع رؤساء القبائل بالحفاظ على حصن البريمي من السقوط بيد الأعادي (15).
ومن الجهة الثانية فقد طرقت سمع الانكليز إشاعات عن تقارب السيد سعيد مع المصريين بقصد بعمل مشترك ضد البحرين فسارعت بإرسال مندوب عنها إلى مسقط ليشرح للسلطان بأن السياسة البريطانية تنظر بعين الحذر والريبة لأي توسع مصري من هذا القبيل.
ومما زاد في تعقيد الأمور وسرعة سيرها أن السيد سعيد ما لبث أن تسلم بعد قليل رسالة من محمد علي يطلب إليه فيها المبادرة إلى معونته في الحال وإلا اعتبره من الأعداء (16).وقد تجاهل السيد سعيد هذه الرسالة، والتفت إلى البريطانيين معتقداً أنهم لا يعارضون سيادته هو على البحرين وإنما كانت معارضتهم منصبة على مشاركة المصريين له في الموضوع، ولهذا فقد طلب من بريطانيا أن تحتل الجزيرة وتسلمها إليه ليديرها على نفس الشروط التي كان قد اتفق عليها مع محمد علي (17). (1/131)
صفحة 132
إلاَّ أن هذا الاقتراح لم يجد توافقاً مع السياسة البريطانية التي فضلت أن تتجنب الخطر باللجوء إلى الأساليب الدبلوماسية بدلاً من التحدي العنيف.
ومن المعلوم أن المعركة الدبلوماسية حول هذا الموضوع قد جرت وقائعها في ميادين عدة في كل من لندن وباريس والقاهرة وفي ساحة المعركة نفسها، ثم انتهت بالرسالة الشهيرة التي وجهها بالمرستون إلى السفير البريطاني في باربس والتي كانت بمثابة رصاصة الرحمة لنوايا محمد علي، فوضعت النهاية الحاسمة لسلسلة طويلة من الأحداث التي كادت أن تؤدي أكثر من مرة إلى صدام فعلي ببين الأطراف المعينة، وقد تطور الأمر في إحدى هذه المرات إلى اتخاذ كل الاجراءات لفرض الحصار البحري على ما كان بيد محمد علي من شواطئ الخليج حتى أن السيد سعيد أسرع فوضع أسطوله تحت تصرف البريطانيين (18).
ومع أن المشهور عن السيد سعيد أنه يحب الللعب بالنار إلاَّ أنه لم يشتهر عنه قط نقض عهوده للبريطانيين، وكان هذا من صالحه لأن بريطانيا كانت في الواقع هي المدافع الوحيد عن بلده وكيانه ضد أطماع الآخرين تجاهه ورغبتهم في ابتلاع ملكه.
وفي محادثة مع الكولونيل هوجر القنصل البريطاني في القاهرة في شهر نيسان من عام 1840 اعترف محمد علي برغبته الصريحة في الاستيلاء على عمان، وهو وإن يكن قد أعلن اعترافه هذا بدبلوماسية مصطنعة فإنه استلم في التو انذاراً يتسم بالحزم القاطع الذي بدأ يسم أعمال وزارة الخارجية البريطانية والذي يبدو وكأنه تسرب إليها من شخصية وزيرها وقت ذاك اللورد بالمرستون، يهدد بالنتائج الوخيمة التي تترتب حتماً على مثل هذه المحاولة. إلاَّ أن العاصفة سكنت على كل حال حين عاد محمد علي إلى حظيرة الباب العالي في شهر تشرين (1/132)
صفحة 133
الثاني من عام 1840 (19).
وقد أقنع تعاقب المؤامرات وكثرة الألعيب حكومة الهند بضرورة إقامة علائق أوثق بين عمان وبومباي. وقد وجد هذا الرأي قبولاً وترحيباً عند السيد سعيد واستقبل ببالغ الرضى والسرور فكرة إرسال «وكيل بريطاني» إلى مسقط لأنه رأى أن وجود مثل هذا الوكيل سيزيد من قوته دون أن يمس بشئ من سيادته.
ونتيجة لهذا فقد عيَّن الكابتن همرتون قنصلاً بيريطانياً في عمان في عام 1840. ولكن لأن زنجبار كانت مقر الحكومة والسلطان فقد اتجه إليها القنصل واتخذها هو الآخر مقراً له (20).
وقد رأى الكابتن همرتون أن السيد سعيد يرقب التوسع لبفرنسي نحو مدغشقر وعلى الساحل عامة بعين الحذر والحسد لأنه كان يرى الخطر عليه يكمن في هذه الخطة الفرنسية المبيتة التي جعلت هدفها النهائي اقصاءه عن أملاكه الأفريقية.
ولكنه من الجهة الثانية وجد أن التعايش السلمي مع الفرنسيين أنفع وأقل مؤونة وهو في الوقت نفسه مكن التحقيق ولذلك فقد عقد معهم عام 1844 معاهدة تجارية سيأتي الكلام عنها بالتفصيل في فصل مقبل.
وفي شهر أيلول من عام 1845 بلغ الخصام الطويل الأمد بين السيد سعيد وأكبر أبنائه هلال ذروته. ولربما قيل في هذا الصدد ان السيد سعيد لم يحسن معاملة ابنه البكر إذ أن الأكيد أنه لم يدخر وسعاً في سبيل حرمان ولده (1/133)
صفحة 134
هلال من ولاية العهد من بعده. ولهذا فيجب التعمق في بحث وعرفة أسباب هذا الخصام العائلي.
وأول ما يجب أن يذكر هنا هو أن الابن الأكبر يعتبر في بلاد العرب كما كان الشأن في قصور ملوك أوروبا موضع ريبة أبيه وشكه، فهو بحكم طبيعة الأشياء الرئيس الصوري، إن لم يكن الفعلي للمعارضة غير الرسمية، ولأن النظم الملكية لم تقم على أسس وتقاليد دستورية متينة فقد كان الملوك والآباء ينظرون إلى أبنائهم وأولياء عهودهم وخصوصاً إذا كان أولئك الأبناء على قدر من الهمة والشجاعة والطموح وكأنهم يحاولون أن يخلفوهم على عروشهم قبل الأوان.
وفي قضية السيد سعيد مع ابنه هلال بالذات فإن هناك عوامل خاصة لعبت دورها في الموضوع. فمن المعروف أن وراثة العرش كانت موضوع مؤامرات الحريم والحاشية ز وكانت أم خالد، الأخ الأصغر لهلال، ذات حظوة ونفوذ لدى السيد سعيد فاستغلت هذه الحظوة لتحصل لابنها على ولاية العهد.
ولكن خالد لم يكن محبوباً من الناس أبداً فقد كانت التجارة همه وجمع المال شغله الشاغل. في حين كان هلال شجاعاً فارساً فأحبه الناس وأحترموه.
ولم يكن السيد سعيد رجلاً موفقاً في حروبه كلها كل التوفيق وكانت التجارة تستهويه وعليها ارتكزت شهرته وذاعت في الآفاق، فلا عجب بعد هذا إذا مال إلى ابنه وفضله على أخيه الأكبر هلال، مما أخذ يدفع بالأخير إلى الشكوى ثم المعارضة فالتمرد. وقد روت اخته أن أوضاعه هذه دفعته إلى تعاطي المسكرات والادمان عليها، بعد أن عوده عليها القنصل الفرنسي في زنجبار (21).
ويقال ان الفرنسيين وجدوا هلال أداة نافعة لتحقيق مآربهم الخاصة (1/134)
صفحة 135
وأن عرفان السيد بهذه الصلة قد زاد من مخاوفه من ابنه الأكبر وشكه فيه. وكان السيد سعيد في شك من نوايا الفرنسيين تجاهه، ففي عام 1840 كتب إلى اللورد بالمرستون يشرح له مخاوفه من نوايا الفرنسيين وخططهم ويشير له إلى أن رسولاً فرنسياً قد جاءه ثلاث مرات خلال ذلك العام في طلب تسهيلات تجارية لبلاده في مسقط (22) ولهذا، وفي مثل هذه الظروف فإن ضلوع هلال مع الفرنسيين لا يكسبه، بطبيعة الحال، ورد أبيه وثقته.
وفي عام 1841، قرر السيد سعيد الإقدام على خطوة حاسمة في هذا الموضوع فكتب إلى اللورد ابردين برغبته في أن يرثه على ملكه في عمان ابنه ثويني وعلى ملكه في افريقيا الشرقية ابنه خالد. وانتهى برسالته هذه بالسؤال عن رأي الحكومة البريطانية في الأمر وعما إذا كانت تؤيد رغبته في حرمانه ابنه هلال من حقه في ولاية العهد.
وكان جواب الحكومة البريطانية أنها لا تتدخل في الشؤون الخاصة للسيد سعيد ولذا فلا يسعها أن تبدي رأياً معيناً في الموضوع (23).ولكنهما في الوقت نفسه وبطريق غير مباشر نصحت السيد سعيد بضرورة المصالحة والتفاهم مع ابنه.
لكن المصالحة بين الأبن وأبيه أصبحت مستحيلة، ذلك أن هلال قام في شهر أيلول من عام 1845 بزيارة سرية خاطفة – ودون علم أبيه – إلى لندن. ولم يكن هذا قراراً صائباً أو موفَّقاً من هلال. ذلك أن سفر هلال دون علم أبيه منع الدوائر الرسمية في لندن من استقباله استقبالاً رسمياً لائقاً وتوفير حسن الضيافة له. عدا عن أنباء السفرة أحرجت السيد سعيد أمام الانكليز وأغضبته كل الغضب (24) ودفعته إلى التصميم على تنفيذ ما انتواه من حرمان هلال من حقوقه وتعيين ابنيه ثويني وخالد خلفاء له في مسقط وزنجبار. (1/135)
صفحة 136
وقد عاد هلال إلى زنجبار على ظهر باخرة بريطانية في شهر شباط من عام 1846، ولكن والده ضاق ذرعاً بوجود ابنه في زنجبار فنفاه منها وإلى الأبد عام 1849، فلجأ، إلى لامو حيث ظلَّ فيها ولم يغادرها إلاَّ لأداء فريضة الحج حيث وافته المنية في 22 أيلول 1851 وهو في مدينة عدن في طريقة إلى مكة (25).
وتروي أخت هلال أنه (26) رغم كل ما حدث بين الابن وأبيه فقد كان حزن السيد سعيد على موت ابنه حزناً عظيماً، كان إذا ما انفرد في غرفته للصلاة فكثيراً ما كانت تشاهد آثار الدموع تبلل المكان الذي كان يصلي فيه، وهو أمر لم يحدث للسيد سعيد من قبل. وقد عبَّر عن حزنه فقال: ان حزننا على فقدانك يا هلال لعظيم.
وقد خلف هلال أولاداً ثلاثة تبنت أصغرهم السيدة عزة بنت سيف الزوجة الشرعية الوحيدة للسيد سعيد.
إن من الصعب أن يتجنب المرء التعاطف مع هلال إلاَّ أنه يجب علينا أن ننظر أيضاً إلى البواعث التي دفعت السيد سعيد إلى موقفه هذا (27).
? ? ? (1/136)
صفحة 137
لم تجلب إقامة السيد سعيد الطويلة في زنجبار الأمن والسلام إلى عمان: فقد بدأ الوهابيون عام 1845 دورهم المعهود من جديد، فبعد اندحارهم على (1/137)
صفحة 138
أيدي محمد علي وابنه ابراهيم باشا خلال السنوات من 1815 إلى 1818، استطاعوا أن يجمعوا شتاتهم ويستعيدوا قوتهم، فشنت قوة وهابية عام 1845 تحت قيادة سعد بن مطلق هجوماً مفاجئاً احتلت فيه مدينة البريمي وطلبت من السيد ثويني نائب السلطان في مسقط فريضة قدرها 25 ألف دولار. وقد أسرع ثويني باستشارة المقيم البريطاني في بوشهر والذي نصحه بأن يحافظ على علائق الود مع الوهابيين ما وسعه ذلك وأن يعمل في هذا السبيل كل ما في وسعه مما يتفق وكرامة أبيه السيد سعيد. وكان كل ما يستطيع السيد ثويني عمله هو أن يعتمد على الزمن لحل المشكلة ولهذا فقد طلب الهدنة لوقت ما حتى يتيسر له الاتصال بأبيه في زنجبار وتلقي الأوامر منه، وقد وافق سعد بن مطلق على هذه الهدنة ولكنه سرعان ما عاد فنقض ما وعد به دون ما سابق إنذار فانقض على أرض الباطنة ينهب ويخرب ما يجد أمامه. ولربما اضطرت الظروف سعداً بن مطلق إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة اضطراراً فقد كان في أول الأمر ذا حظوة عند القبائل الشمالية التي كانت على استعداد للترحيب بكل فرصة تنقذها من السلطنة المحلية، ولكن سرعان ما فقد حظوته هذه بسبب فظاظة طبعه وصلفه، ولهذا كان لا بد له من القيام بعمل ما.
ومن الجانب الثاني فقد كان على السيد ثويني أن يقوم من جانبه بعمل ما أيضاً وقد آزره هذه المرة موأزرة صادقة ابن عمه حمود بن عزان الذي لم يكن بمقدوره أن يظل ساكتاً ساكناً وهو يرى الخطر يقترب من مقره صحار. كما أن هذا الخطر أزعج الريطانيين أيضاً فقاموا بالإضافة إلى الإنذار الشخصي من قبل المقيم البريطاني بارسال قطع من الأسطول إلى ساحل الباطنة.
وتجاه هذا التعاون غير المألوف بين العمانيين وتحالفهم الثنائي مع الانكليز فقد اضطر سعد بن مطلق إلى يتطامن في مطالبه وينزل بها مبلغ خمسة الآف دولار في الام والتي أقر دفعها له السيد سعيد.
وبعد أربع سنين أي في عام 1849 ثار الخصام ثانية حول صحار. فقد تنازل حمود بن عزان لأبنه سيف عن قلعة صحار، وانصرف عن متاع الدنيا إلى (1/138)
صفحة 139
الزهد والعبادة، وقد استغل سيف غياب السيد سعيد عن عمان فأعلن استقلاله عنه وعن أبيه حمود أيضاً مما أثار نقمة القبائل الموالية لأبيه فثارت عليه قبائل الباطنة فلم يستطع الصمود أمامها فألقي القبض عليه وعلى عمه قيس وألقيا في السجن.
ومع سجن سيف لم يدم طويلاً إذ استطاع أن يفر منه ويعود إلى مركزه فان متاعبه لم تنته. فقد أثار عليه هذه المرة غضب أبيه حمود لعدم تجاوبه مع آراء الجماعة الدينية التي يتزعمها أبوه من جهة، ولعلاقته الطيبة مع السيد ثويني، الخصم اللدود لأبيه حمود من جهة ثاية. ولهذا وذاك أقدم حمود على تدبير مؤامرة لإغتيال ولده سيف، فلما قضى عليه عاد وتولى بنفسه مقاليد الحكم في صحار ثانية. وهنا رأى السيد ثويني وجوب القيام بعمل ما من جهته ولكنه لم يرد أ ن ينفرد به بشخصه، ولذلك فقد اتَّصل بالحكومة البريطانية يسألها التدخل، وكان من الطبيعي جداً أن ترفض طلبه هذا، فالالتزام الذي تعهد به حمود للحكومة البريطانية عام 1839 يقضي بعدم قيامه بالثورة أو بالتشجيع عليها ضد السيد سعيد، وهو في عمله الآن، لم يقم بشئ من هذا القبيل لهذا عاد السيد ثويني فاتصل بأبيه الذي أمره بكل شة بالقاء القبض على حمود. وهنا اضطر ثويني إلى القيام باجراء ما كانت نتيجته بالحسنة، كما هو المتوقع دوماً من مثله في مثل هذه الحالات. فقد أقلع إلى الباطنة على متن مركبه فيض العلم، واستطاع بالخديعة والمكر أن يقنع حمود بملاقاته في شناص للمباحثة والنقاش، ولكن ما إن وصل حمود إلى ثويني حتى ألقى ثويني القبض عليه وأرسله إلى سجن مسقط حيث مات هناك في الثالث والعشرين من شهر نيسان وأرسله إلى سجن مسقط حيث مات هناك في الثالث والعشرين من شهر نيسان عام 1850 مسموماً على الأكثر. ومع أن قيساً لم يكن على وفاق مع أخيه حمود، فإنه لم يفوت فرصة سجنه ووفاته تمر دون استغلالها لها أحسن استغلال ولهذا فقد نصب نفسه رئيساً على قومه ورفع بينهم علم الثورة واحتل صحار.
وهكذا اضطر السيد ثويني أن يجهز حملة كبيرة قوية وأن يزحف بها إلى الشمال نحو صحار. ولكنه لم يكن كفؤاً لقيس، إذ استطاع قيس خلال (1/139)
صفحة 140
الأشهر القليلة المنصرمة أن يدعو القواسم إلى جانبه وأن يصد ثويني ويقتل أحد الرؤساء الذين شاركوا في القاء القبض على أخيه حمود واستولى كذلك على شناص وخورفكان.
وكان من الطبيعي أن يستخلص القواسم هذين الميناءين لأنفسهم ثمناً لنجدتهم لقيس.
وهنا ظهرت الحاجة ملحة إلى وجوب عودة السيد سعيد إلى عمان، فالوهابيون المدلون بقوتهم كانوا يتربصون في انتظار الفرصة المناسبة، وكان القواسم قد استعادوا المكانة التي كانوا قد فقدوها من قبل. وكان شمال عمان يشكو من إحدى حركاته التمردية المتتابعة، وقد أشاحت بريطانيا وجهها عن الموضوع ذلك لأن حكومة بومباي لم تنظر قط بارتياح إلى بقاء السيد سعيد في زنجبار فترات طويلة. وقد نبهته حكومة الهند مرتين إلى وجوب بذل المزيد من الاهتمام بأملاكه العربية وأن الضمان الوحيد لسلامتها وحمايتها هو وجوده ومكثه فيها. وفي هذه الحالة كان قدومه ضرورة ملحة وعلى هذا فقد وصل مسقط في 16 آذار 1851.
لكن إقامة السيد سعيد في مسقط لم تطل كثيراً. فمهما تكن شدة بأسه في القتال أيام شبابه، فإنه الآن وهو في أواسط عمره قد اكتسب من المكانة وقوة النفوذ ما يغنيه عن القيام بأية ملة عسكرية، فإن فشل مجرد حضوره في اخضاع العدو فإن دبلوماسيته أمنت خضوعهم له دون قتال.
وفي هذه الحالة بالذات فقد اعتمد على صداقته المتينة مع الشيخ سلطان بن صقر شيخ القواسم الذي أمن له انسحاب القواسم، وهكذا احتل الخابورة وخورفكان دون مقاومة ثم احتل بعد ذلك شناص، فاضطرَّ قيس إلى الاستسلام.
وإذ عادت الأوضاع إلى الهدوء والأمن فلم يبق إلَّا وذع بعض الشروط التي تؤمن سلامة المستقبل وعلى هذا فقد نفى قيس إلى الرستاق مع منحه راتباً (1/140)
صفحة 141
قدره مائتا دولار شهرياً، وعادت صحار مرة أخرى إلى السيد سعيد الذي عهد بادارتها إلى ولده الثالث تركي.
وتقف سهولة وسرعة نجاح هذه العمليات مثلاً نقيضاً للجهود الصعبة والمتعثرة التي شهدتها هذه المنطقة قبل ثلاثين عاماً. فقد غطى السيد سعيد بشخصيته ودهائه وبصيته الذي بناه على توسعه التجاري في الشرق الأفريقي، غطى في هذا كله على اندحاراته العسكرية الأولى.
وكانت هذه الوسائل أهم وأجدى عند السيد سعيد من تحشيد الحشود وتجييش الجيوش وهي في الواقع قد حققت له غايات أهم وأبعد مدى بجهد أقل وكلفة أقل. وهذه نقطة يتجاهلها الكتاب الكتاب العسكريون دوماً.
وفي أخريات شهر تشرين الثاني من عام 1852 أقلع السيد سعيد عائداً إلى زنجبار. ولكن لم يقدر له أن يقيم فيها طويلاً هذه المرة أيضاً. ذلك أنه لم يتخذ الاجراءات الكفيلة لحماية عمان من أي تدخل وهابي جديد، ولذلك فقد زحفت في أوائل عام 1854 قوة وهابية بقيادة عبد الله بن فيصل واحتلت البريمي وجمعت حولها القبائل الشمالية الساخطة على السلطان وكان طلب الوهابيين باهظاً جداً مما اضطر السيد ثويني إلى الاستعداد لمحاربتهم. وكالمعتاد في مثل هذه الأحوال فقد تدخل المقيم البريطاني في الخليج وأسفر تدخله عن انقاص مطالب الوهابيين النقدية والاكتفاء هذه المرة بـ 12 ألف دولار سنوياً.
وإذا كانت منافذ الخطر قد أغلقت، وبنجاح من هذه الناحية، فإن تهديد الفرس لبندر عباس اضطر السيد سعيد إلى العودة من زنجبار إلى عمان وإن كان الوقت غير مناسب في رأيه لمثل هذه الرحلة، إذ لم يكن مطمئناً إ‘لى نيات الفرنسيين الذين دأبوا عهلى المطالبة بامتيازات جديدة والذين نشروا نفوذهم على مدغشقر وبدأوا يفتشون لهم عن موانئ جديد في الساحل الأفريقي. ولكنه تحت ضغط الظروف الملحة اضطر إلى مغادرة زنجبار بعد أن نصب ابنه خالد نائباً عنه، وأوصى صديقه القنصل البريطاني الكولونيل همرتون أن يرعاه كل (1/141)
صفحة 142
الرعاية كما أوصاه أن يتخذ أقسى الشدة تجاه النوايا الفرنسية لأن أي زيادة أو توسع لنفوذهم في زنجبار يجعل بقاء العرب فيها أمراً مستحيلاً.
وما إن وصل عمان حتى وجد الأمور فيها في غاية الخطورة والاحراج. فقد سبق لعمان أن استأجرت عام 1789 من الفرس بندر عباس بايجار سنوي قدره ستة الآف تومان سنوياً. وعلى مر السنين وبازدياد التعامل مع هذا الميناء أوشك المستأجرون أن ينسوا صفتهم هذه وبدأوا يظنون أنهم الملاك الأصليون للميناء وهو أمر ليس بالنادر حدوثه في مثل هذه الأحوال وخصوصاً في غرب أوروبا ويجب للبريطانيين فسمحوا لهم مثلاً بحق انشاء وكالة والاحتفاظ بقوات عسكرية فيها لحمايتها.
لكن الفرس لم ينسوا بطبيعة الحال، الوضع الحقيقي للعرب في بندر عباس ولذلك فما أن توترت علاقتهم مع بريطانيا حتى طردو مندوب السيد سعيد وحرسه من بندر عباس ونهبوا الوكالة البريطانية هناك.
وقد رد عليهم السيد سعيد بارسال مزيد من الجيوش إلى المدينة بقيادة ابنه ثويني وبمحاصرتها بنفسه من البحر. ولكن خططه العسكرية لم يكتب لها النجاح هذه المرة أيضاً فقد جاءت نجدات فارسية من شيراز وطردت جيش ثويني من المدينة كما استطاع الفرس فك الحصار البحري عنهم وذهبت استغاثات السيد سعيد بالانكليز أدراج الرياح. وفي الواقع فقد كانت العلاقات بين البريطانيين والفرس في غاية الدقة، حتى أن السلطات البريطانية منعت الرؤساء المحليين من الانضمام إلى السيد سعيد بأي عمل عسكري الأمر الذي أدى به إلى خسارة جزيرتي قشم وهرمز.
وتحت هذه الظروف ومع أن السيد سعيد يعرف أن الفرس هم في الجانب الأفضل وسيقومون مشينة فقد وجد بالنتيجة أن المنافع التجارية الناجمة عن الاحتفاظ ببندر عباس تفوق خسارة الكرامة التي تتضمنها شروط إعادتها. (1/142)
صفحة 143
وكانت الشروط مهينة جداً فعلاً فقد جدد الايجار لمدة عشرين عاماً فقط ورفع بدل الإيجار إلى 16 ألف تومان ووافق على هدم الخندق المحيط بالمدينة وأن يكون الوالي الذي يعينه السيد سعيد تابعاً للفرس ويمكنهم تغييره حين يشاؤون وعلى أن يجهز حملات لولاة فارس وكرمان لحماية السواحل الفارسية من خطر الهجمات البحرية.
وقد وقع هذا الاتفاق المهين في نيسان عام 1856، ووجد سعيد أن من المفيد أن يعين والياً وموظفاً للجمارك. وهذا يعطي فكرة عن حجم التجارة التي تمر عبر هذا الميناء بين عمان وبلاد فارس.
وقد أنجز السيد سعيد هذه المفاوضات بأقصى ما يمكن من السرعة لرغبته الملحة في العودة إلى زنجبار، ولهذا فقد أبحر إليها يوم 15 أيلول 1856 على ظهر السفينة فكتوريا التي كان يقودها هلال ببن عبد الله.
ويبدو أن السيد سعيد قد بدأ يشعر بدنو نهايته، ففي أثناء وداعه المؤثر لأمه العجوز «غنية» قال لها انه يشعر أنه لن يراها بعد يومه ذاك، كما أمر أن تحمل في السفينة بعض ألواح الخشب الذي تعمل منه التوابيت لاحتمال الحاجة إلها أثناء السفر.
وقد كان أمر الله وقضاؤه في الانتظار. ففي يوم 18 أيلول أحس السيد سعيد بورم في رجليه بدأ يزداد ويسوء، وفي يوم 13 من شهر تشرين الأول أصيب بالدازنتري. وقد سقط االسيد سعيد مريضاً وكان كل أمله أن يصل زنجبار حياً ليدفن في أرضها وكان في أثناء غيبوبته يلح بطلب الكولونيل همرتون، وكان صديقاً حميماً له.
ويعتقد أنه كان يريد أن يفشي إليه بمكان كنوزه السري، الذي لم يعثر عليه رغم التفتيش الدقيق عنه.
وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الأحد التاسع عشر من شهر تشرين الأول (اكتوبر) 1856 (15 صفر 1273 هـ) أسلم السيد سعيد روحه (1/143)
صفحة 144
إلى بارئها أثناء ما كانت سفينته تجتاز جزيرة كولتيفي قرب سيشل.
وكان معه على ظهر السفينة خلافاً للعرب الإسلامي الذي يقضي بأن يرمى في البحر من يموت أثناء السفرات البحرية.
وبعد سبعة أيام وصلت فكتوريا إلى جزيرة زنجبار، وفي منتصف الليل أنزل الزورق الذي يحوي جثمان السلطان الراحل ونقل إلى المدينة حيث دفن قرب القصر في المقبرة التي تعرف ببندر عباس (28).
وكان الحزن العام الذي شمل البلاد وكل فرد فيها دليل ما يحمله الناس من حب وتقدير صادقين له. فقد علقت الأعلام السود على كل دار في زنجبار وحتى الأكواخ الصغيرة سارع أهلوها فعلقوا عليها قطعاً صغيرة من القماش الأسوود. أما في مسقط فقد سبب النبأ هزة كادت أن تصدع الجبال.
***
ومن المناسب أن نقدم هنا بعض التفاصيل عن حياة السيد سعيد الخاصة فيقول الشيخ منصور (ص 111) الذي سكن مسقط في أوائل القرن التاسع عشر أن للسيد سعيد زوجتين ويؤكد هذا العدد روشنبرجر (ج1، ص 140) عندما كان في عمان في خريف عاام 1835.
وقد تزوج السيد سعيد ثلاث مرات. أما زوجته الأولى فهي عزة بنت سيف حفيدة مؤسس العائلة وبالتالي فهي ابنة عمة السيد سعيد، وكانت مرهوبة الجانب يخافها جميع أفراد عائلة زوجها الكبيرة ولكن لم تكن محبوبة منهم قط ولعلها هي التي قابلت كلاً من المسز ميكنان حين جاءت إلى مسقط في عام 1825 وزوجة الدكتور هيلفر عام 1836. (1/144)
صفحة 145
أما زوجتا السيد سعيد الأخريان فقد كانتا فارسيتين. فأما الأولى فقد تزوجها في شهر تموز من عام 1827 وكانت أخت رضا قلي مرزه وحفيدة فتح علي شاه وقد تركت مسقط إلى شيراز عام 1833 ولم تعد إليها بعد.
وأما الثانية فكانت ابنة ابريش مرزة ويدعى أنه من أبناء الشاه محمد، وقد تزوجها عام 1847. ولكنها كانت على جانب كبير من البذخ والاسراف وقد أثارت بتصرفاتها استياءً كثيراً مما حمل السيد سعيد على طلاقها وإرجاعها إلى وطنها.
ومما يجب أن يذكر هنا أن السيد سعيد أرسل على ظهر الباخرة بيه مونتيس بعثة إلى ملكة مدغشقر الأرملة، رانا فولانا مانجاكا يطلب يدها للزواج مع رجاء تزويده بألفي جندي على الأقل لمساعدته في حملته على ممباسة. ولكن البعثة عادت إليه من بلاط ريفو محملة بالرفض والخيبة وكان السيد سعيد آنذاك في لامو.
وتؤيد البينات المستقلة أن ذرية السيد سعيد كانوا ستاً وثلاثين فرداً وكان أربع وعشرون منهم ذكوراً والباقون اناثاً، وكانوا جميعهم من أبناء الجواري، إذ لم يرزق من زوجاته الشرعيات الثلاث بطفل، وكانت زوجته عزة بنت سيف قد ولدت له ولداً ذكراً ولكنه مات طفلاً. وقد تأيد الرقم 24 في شجرة النسب التي وضعها انغرام.
في حين أن كرزن (مجلد 2 ص 436) يذهب إلى أن السيد سعيد خلف وراءه أربعاً وثلاثين وريثاً وأن حصة الولد منهم كانت 000,60 ريال وحصة البنت 29000 ريال.
ويتفق لو (ج 2 ص 332) وبادجر (ص 271) على أن ورثته كانوا خمسة عشر فقط بين بنت وولد.
? ? ? (1/145)
صفحة 146
[صفحة بيضاء] (1/146)
صفحة 147
الفصل الخامس:
العلاقات الدولية
-1 -
العلاقات مع فرنسا
من العسير أن نتتبع أصل العلاقات بين فرنسا وعمان، ولذا فقد يكفي في هذا الصدد أن نقدم فكرة موجززة عن طبيعة تعامل الفرنسيين مع الألبوسعيديين الأوائل.
وقد ان أساس هذه العلاقة بين الطرفين هو بطبيعة الحال الاتجار مع جزيرة موريشيوس، وكان الإمام أحمد بن سعيد، أول الحكام البوسعيديين، هو الذي اكتشف نفع الصداقة الفرنسية له حين رد المسيو مالارتيك، حاكم جزيرة موريشيوس على هدايا الإمام بهدية ثمينة من المدافع والعتاد (1).
ولكن هذه العلاقات تعرضت للتوتر أيام سعيد بن أحمد إذ استولت باخرة فرنسية في 15 حزيران 1781 (2) قرب ميناء صحار على السفينة العمانية (1/147)
صفحة 148
«الصالح» ذات الخمسين مدفعاً وكانت محملة ببضائع ثمينة وهي في طريقها من الهند إلى البصرة (3).
وقد سارع المسيو روسو، القنصل الفرنسي الشهير في بغداد، بالتدخل لدى حكومته واقناعها بالاعتراف بوقوع حادث الصالح خطأ وبالاعتذار عنه.
وقد وافقت الحكومة الفرنسية في النهاية على أن تعوض سعيداً بسفينة جديدة بدل سفينته «الصالح» المفقودة، ولكن وصول السفينة الفرنسية الجديدة الموعودة تأخر سنوات.
وفي بعض المراسلات التي جرت حول الموضوع الكثير من الطرافة والمتعة، كما أنها تلقي الضوء على وجهة النظر العربية وأسلوب العرب في التعامل.
فقد كتب سعيد بن أحمد إلى المسيو روسو يقول:
«إننا نفهم جيداً كل ما أشرتم إليه. وبصورة خاصة سردكم لما تم وقوعه عندما كنتم في حضرة جلالة الأمبراطور الوافر التعظيم، وفي بلاطه، وما وصل إليكم من أخبار عن المعاملة التي جوبهت بها سفينتنا مما لم يؤيده ىهذا الأمير بشكل بات.
نحن واثقون من أنه لا يستطيع وباختياره أن يؤيد أو يسمح بما يخالف العدالة.
وإذا ما توقفت سفن بلاطكم، إن شاء الله في مينائنا فسنأمر وكيلنا خلفان بن محمد بتجهيزها بكل ما تحتاج إليه مهما بلغت قيمته».
وقد اتّضحت هذه النقطة بصورة أكثر حين نقل المسيو روسو إلى خلفان بن محمد وإلى أنباء استنكار الحكومة الفرنسية لعملية الاستيلاء على الصالح فكتب خلفان يقول: (1/148)
صفحة 149
«إن لنا مع الفرنسيين علاقات أوثق من أية علاقة لنا مع أي من الأمم الأخرى. فأموالنا وأموالكم ليست إلّا مالاً واحداً وموانئنا مشتركة ونتقاسم فيما بيننا كل الخسائر وكل الأرباح. ولا موجب للدخول في تفاصيل طالما أن ما في قلوبنا هو الضمان على ذلك»
وقد بلغت هذه العلاقة ذروة الود حين اقترحت فرنسا تعيين وكيل دائم لها في مسقط فتعهد لهم سعيد بأن «يعامل وكيلها بكل أنواع الرعاية وبالعناية والاحترام. وسنخصص له مسكناً لائقاً وسيتمتع بالحرية الكاملة».
ولكن حين وصلت السفينة الموعودة عبر الامام عن رأيه في هذه الهدية بالشكل التالي: «كان لخطابكم أعمق الأثر في قلوبنا، وقد وصلتنا هبة كرمكم، ومع أن السفينة التي أرسلتموها لنا صغيرة جداً، ولا تساوي ربع التي فقدناها، إلاَّ أنها في نظرنا أكبر وأنها مقبولة لما أثاره تملكها من فرح وسرور لدينا. وبما أن ما نملك هو مشترك بيننا فإن ما في نفوسنا من ود لكم لا يقل أو ينقص حتى ولو لم نتسلم هذه الهدية» (4).
ويبدو أن موضوع إرسال ممثل فرنسي إلى مسقط لم ينفذ وهو أمر يدعو للغرابة ولا شك أن سلطان بن أحمد تعرض إلى ضغوط قوية وكثيرة، حتى ليقال أن طبيبه الخاص كان فرنسياً وكان يستشيره في قضايا علاقاته الدولية (5).
ومن الطبيعي والواضح أن تأتي الثورة الفرنسية على كل النفوذ الفرنسي في الشرق الأدنى ويكاد أن يكون من نافلة القول تبيان أسباب هذا الوضع، فمن أبرز تلك الأسباب عدم وجود حكومة ثابتة في فرنسا نفسها، وليس أقل من هذا السبب بروزاً حاجة فرنسا المتزايدة إلى رجالها لحماية حدودها من أعدائها المجاورين. (1/149)
صفحة 150
وفي الوقت نفسه، فيجب أن نعد من بين تلك الأسباب ظهور الأطماع البريطانية في الهند، فقد بذل الفرنسيون – ولكن عبثاً – كل جهد ممكن لإيقاف توغل النفوذ البريطاني في الهند، ولذا فلا يتوقع أن تكون عمان في منجاة من الأحداث الدائرة في جوارها تلك الأيام، وهي التي جعلها موقعها الجغرافي وكما أشير إلى ذلك من قبل مركزاً ممتازاً لا للسفن الصاعدة في الخليج فحسب بل ولكل لطرق البحرية بين الهند وأوروبا أيضاً. ففيما عدا منافعها التجارية فإن لها ميناء نافعاً وكثيراً ما كان يستعمل في تلك الأيام لتزويد السفن بالماء والطعام والحاجيات الأخرى.
ولكن الواقع أن الانكليز لم ينظروا أول الأمر إلى الوضع بهذا المنظار فإن الخوف من النشاط والنفوذ الفرنسي في الخليج دفع المركيز ويلسلي لأن يبعث عام 1789 بالمقيم البريطاني في بوشهر (وكان آنذاك مرزا مهدي علي خان) إلى مسقط للعمل على وضع معاهدة تهدف إلى إقصاء الفرنسيين من مياه الخليج العربي وحماية المصالح البريطانية فيها (6).
وكانت أحكام هذه المعاهدة تقضي بعدم السماح للفرنسيين بالدخول إلى عمان ولا لسفنهم بالرسو في مسقط من جهة ثانية بحق الانكليز بانشاء وكالة لهم في بندر عباس وبإقامة حامية فيها يتراوح عددها بين السبعمائة إلى الثمانمائة جندي.
وقد أثبتت الأيام فيما بعد أن الهدف من هذه المعاهدة هو إضعاف النفوذ الفرنسي (7) في المنطقة والحصول على موضع قدم لبريطانيا في الخليج أكثر منه إيجاد منافذ للتوسع البريطاني تجارياً أو سياسياً في عمان نفسها. (1/150)
صفحة 151
وفي الحقيقة فإن سلطان بن احمد، وقد وجد نفسه دون حليف أو قوة خارجية، فقد اقترح على بريطانيا أن تعين قنصلاً أو وكيلاً لها في مسقط. ومع هذا فقد مضت أربعون سنة أخرى قبل أن يعين أول قنصل بريطاني، ولم يكن تعيينه في مسقط وإنما كان في زنجبار لأن عاصمة البلاد قد انتقلت إليها آنذاك.
ومع أن هذه المعاهدة قد اثبطت عزائم الفرنسيين وأضعفت مركزهم إلا أنهم لم يفقدوا الأمل كلية. وهذا ما أثبتته بوضوح تام أحداث عام 1799.
وهنا يجب أن نذكر أن نابليون نزل مصر في هذا العام وكان عليه أن يختار بعد ذلك احدى خطتين فإما أن يزحف شمالاً إلى سوريا ومنها إلى القسطنطينة ومن ثم يسدد إلى النمسا ضربة قاضية من جهة الشرق، أو أن يتبع خطى الاسكندر بالذهاب إلى الهند ويحقق الحلم الذي أودى بالكثير من العسكريين المندفعين.
ولم يكن نابليون حتى تركه القاهرة قد قرر بعد أية خطة يتبع وفي أي واتجاه يسير، فقبل مسيره نحو سوريا بأثني عشر يوماً كتب رسالة إلى سلطان بن أحمد وضممنها رسالة أخرى إلى تيبو صاحب الذي كان يأمل منه مساعدة كبيرة.
ولكن سوء الحظ أوقع رسالتيه هاتين في أيدي الكابتن أيس ويلسون الوكيل البريطاني في مخا والذي بعث بهما إلى الهند (8).وعلى كل حال فإن تيبو صاحب كان قد قضى عليه قبل هذا التاريخ فلم يك هناك من داع للاهتمام بوصول الرسالة إليه.
أما نص رسالة نابليون إلى السلطان فهي كما يلي:
القاهرة في 25 كانون الثاني (يناير) 1799.
إلى إمام مسقط:
أكتب إليك هذه الرسالة لأخبرك بوصول الجيش الفرنسي إلى مصر، ولأنك كنت على الدوام من الأصدقاء، فيجب أن تثق الآن في رغبتنا في حماية (1/151)
صفحة 152
كل السفن التجارية التي ترسل إلى السويس، هذا وأرجو إيصال الرسالة المرفقة طياً إلى تيبو صاحب وفي أول فرصة ممكنة.
التوقيع: بونابرت (9)
وكان سلطان في هذه الآونة في موقف حرج جداً. فقد كان قد ألزم نفسه بموجب معاهدته مع الانكليز بأن يقطع كل صلة له مع الفرنسييين وأن يمنع وصولهم إلى بلاده أو موانيها، وفي الوقت نفسه فلعله كان يشعر بقرارة نفسه بجسامة المخاطرة التي يرتكبها إن هو تجاهل أو أغفل ما يصل أذناه من نداءات أخرى.
والواقع أن الانكليز قد توصلوا – خطأ كان ذلك أم صواباً – إلى الاعتقاد بأن سلطان كان يتآمر مع الفرنسيين ضدهم، وأنه لهذا السبب، وبعد سنتين من هذا التاريخ عرج الكابتن (بعدئذٍ السير) مالكولم على مسقط وهو في طريقه إلى بلاد فارس، وقد استطاع ببالغ الجهد أن يشرح لسلطان ما قد تجره طبيعة علاقته مع الفرنسيين مع نتائج وخيمة عليه. وأوضح له بأن مجرد الشك من جانب بريطانيا بوجود علاقة بينه وبين الفرنسيين سيؤدي بها إلى أن تغلق في وجه تجارته جميع ما تحت يديها من الموانئ الهندية (10).
وكان هذا التحذير بذاته كافياً لكي يدرك سلطان كل الإدراك النتائج السياسية التي تترتب على قطع الشريان الرئيسي لنشاطه التجاري. ونتيجة لهذا فقد عقدت بتاريخ الثامن عشر من شهر كانون الثاني في عام 1800 معاهدة جديدة بين بريطانيا وسلطان تضمنت نفس أحكام المعاهدة السابقة كما تضمنت (1/152)
صفحة 153
نصاً يحقق رغبة سلطان في وجود مقيم بريطاني في مسقط. على أن هذا النص لم ينفذ في حينه وظلَّت العلاقات مع بريطانيا، وخلال العشر سنوات التالية ضعيفة نوعاً ما.
ورغم ما منيت به خطط نابليون في مصر من فشل مريع، فإن مصالح فرنسا في بلاد العرب وما جاورها من البلدان ظلَّت على حال من الوفرة والإزدهار بحيث لم يعد في الامكان التخلي عنها إلاَّ بحرب ضروس، ولم تكن الأحداث في هذه المنطقة، على كل حال ببعيدة عن مدى الخطط العامة للتوسع النابليوني الذي يغطي رقعة الأرض الواسعة الممتدة من مصر إلى الهند.
وكانت أولى هذه الخطط في هذا المضمار هي القيام بحملة روسية فرنسية مشتركة تهبط على الهند من الشمال، ولولا امتناع الامبراطور بول الثاني عن التعاون مع فرنسا في هذا المجال لكان قد قدر لهذه الحملة أن توضع موضع التنفيذ.
وإذ لم يكتب لهذه الخطة النجاح، فقد عمد نابليون إلى إرسال حملة استطلاع بقيادة الجنرال سباستياني، وأخرى مثلها عام 1803 بقيادة الجنرال دي كاين إلى الشرق الأوسط، وبعد نزوله في «بوندي جيري» وقضائه بها فترة من الزمن لم تخلُ من المخاطرات تجول في ما تبقى من الممتلكات الفرنسية في الهند وعاد واستقر في جزيرة موريشيوس وجعلها مقره العام.
ويكشف عن الهدف من هذه الحملة المقطع الأخير من التعليمات الطويلة المفصلة التي أصدرها نابليون إلى الجنرال دي كاين وجاء فيها:
«إن مهمة الجنرال هي بالدرجة الأولى مهمة استطلاع واكتشاف، ومراقبة سياسية وعسكرية، ولكن القنصل الأول وهو يعرف الجنرال حق المعرفة ويثق به كل الثقة يعتمد عليه كل الاعتماد في تنفيذ هذه الأوامر تفيذاً دقيقاً، ولهذا فلربما وجد الجنرال أن في مقدوره أن يكسب أمجاداً أكبر تخلد ذكره في أذهان الناس لفترة أطول من أعمارهم» (11). (1/153)
صفحة 154
ولم يمض وقت طويل حتى قرر نابليون تعيين قنصل ووكيل لفرنسا في مسقط وتنفيذاً لهذا القرار فقد عين المسيو دي كافيناك لهذا المنصب وأرسله على ظهر الباخرة الحربية اتلانتا إلى مسقط فوصلها في شهر تشرين الثاني عام 1803، حيث كان سلطان وقت ذاك خارج مسقط يحارب الوهابيين، وكان المقيم البريطاني في الخليج الكابتن سيتون مشغولاً في الشمال لذا فقد كانت لدى المسيو كافيناك فرصة كافية لأن يشرح أمره وطبيعة مهمته لأشخاص وإن كانوا موالين لفرنسا إلَّا أنهم غير مسؤولين. وكان هؤلاء الموالون لفرنسا في مسقط عبارة عن جماعة صغيرة تضم بعض التجار ممن تتركز مصالحهم التجارية في الجزر التابعة لفرنسا في المحيط الهندي.
وقد ضلل كل جانب الجانب الآخر بآمال وهمية سرعان ما تبخرت. إذ ما عاد سلطان إلى مسقط حتى بدا متمسكاً بوعده للانكليز في الابتعاد عن الفرنسيين ولذلك رفض أن يستقبل القنصل الفرنسي وأن سمح للسفن الفرنسية بالدخول إلى الميناء لتقل الضيف غير المرغوب فيه واعادته إلى بلاده. ولا شك في أن هذا التغيير الكبير في تفكير سلطان، والذي تبدى في قراره هذا، يعود إلى النجاح الساحق الذي أحرزه الجنرال ليك في الهند (12).
ومع ما منيت به الدبلوماسية الفرنسية من تقهقر في هذا الاتجاه، فإن الجزر الفرنسية في المحيط الهندي لم تبرهن على ازدهار وافر تحت إدارة الجنرال دي كاين فحسب، بل وشكلت قاعدة ممتازة تستطيع منها السفن الفرنسية أن تنقض على السفن الانكليزية وتهدد خطوط مواصلاتهم التجارية (13).
وكان الانكليز قد أشغلهم صراعهم المرير داخل بلادهم وعملهم على إقامة الجهاز الإداري في الهند عن أي نشاط آخر، فكالنت النتيجة أن استعمل الفرنسيون مسقط مكاناً للإلتقاء وقاعدة للحركات واستطاعوا أن يسببوا للانكليز (1/154)
صفحة 155
خلال عشر سنين خسائر تقدر بثلاثة ملايين باون (14).
ومن الجهة الثانية فقد ثابروا على تنمية تجارتهم مع العرب، وخاصة مع العمانيين منهم الذين وجدوا عندهم استعداداً لشراء كل ما يعرض للبيع من الأسلاب البريطانية (15).
ومع استمرار الاننكليز بسياسة العزلة والابتعاد واستمرار الفرنسيين على عرض الفرص التجارية الناجحة، فلم يكن بالمستغرب أن يبدأ السيد سعيد عهده بارسال ممثل عنه هو ماجد بن خلفان إلى موريشيوس للمفاوضة لعقد معاهدة مع الجنرال دي كاين، وقد وقعت المعاهدة، «معاهدة السلام الدائم وعدم الاعتداء»، أول مرة في الخامس عشر من حزيران عام 1807 (16) وقد نصت على حياد السفن العربية في البحار في حالة وقوع أي صدام انكليزي فرنسي وعرفت البضائع التي تعتبر بضائع حربي، ثم سمحت للسفن العربية بالدخول إلى موانئ العدو دون أن تتعرض للتفتيش والمصادرة ونصت كذلك على تعيين وكيل أو قنصل فرنسي في مسقط. وتنفيذاً لهذا النص الأخير فقد أرسل المسيو والون لاشتغال هذا المنصب في مسقط (17).
وقد أعيدت صياغة هذه المعاهدة لالغاء ما ليس عملياً من نصوصها ولربما للتخفيف من لهجة بعض النصوص التي كانت محل الاعتراض من حكومة بمباي، ولذلك أعيد توقيعها في 17 حزيران 1808.
ومن المحتمل أن سعيداً كان يريد أن يرتبط مع الفرنسيين بمعاهدة لأن موريشيوس أصبحت مركزاً خطيراً من مراكز القراصنة، وأكثر من هذا ففي شهر حزيران من عام 1806 أسرت السفينة البريطانية الكونكورد السفينة (1/155)
صفحة 156
الفرنسية فيجيلانت بالقرب من ميناء مسقط ولربما خاف سعيد من أن تؤدي هذه الجرأة الصارخة من جانب الانكليز إلى الاضرار به.
وأوضح مثال على استعداد ذالسيد سعيد للرضوخ للرغبات الفرنسية مهما كلفه ذلك من التضحيات هو موافقته على وضع سعر تحويل ثابت لقطعة النقد الفرنسية ذات الخمسين فرنكاً. وقد أضرّ سعر الصرف هذا بقيمة ريال ماري تريزا , والدولار الأسباني وكانا هما العملتين السائدتين في ممتلكات السيد سعيد (18).
ولكن هذا البناء الجميل الذي أعد بعناية واهتمام انهار فجأة نتيجة اندحار الفرنسيين في معركة الطرف الأغر، فاستسلمت جزيرة بورون في التاسع من تموز وتبعتها موريشيوس في الثالث من كانون الأول عام 1810 , ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1815 ظلّ المحيط الهندي مغلقاً في وجه الملاحة الفرنسية وحتى حين استعادت فرنسا جزيرة بورون وبعض الجزر الصغار الأخرى عند انتهاء الحرب، فقد وجدت نفسها في وضع يختلف تماماً عما كانت عليه من قبل , ففي خلال الخمس سنوات القصيرات زال نفوذها كلية، وكان عليها في أي محاولة لاستعادة هذا النفوذ أن تسير بها بتروٍ واعتدال بحيث لا تثير ريبة اانكليز، وفي الواقع فإن أكثر ماكان يستطيع الفرنسيون عمله هو الانتظار في أمل أن يطلبهم الرؤساء المحليون (19).
وقد ازداد الموقف صعوبة بسبب اهتمام الانكليز بتركيز أنفسهم في جميع المراكز الستراتيجية الهامة. ونظرة واحدة إلى الخريطة ترينا إياهم وقد استقروا في الهند وفي الخليج الفارسي وفي رأس الرجاء الصالح وفي جزر متفرقة في المحيط الهندي مثل سبشل وسيلان، الأمر الذي لم يترك للفرنسيين مجلاً لاستعادة ما (1/156)
صفحة 157
فقدوه، وفي الواقع فانهم حصلوا نتيجة تغلغلهم في مدغشقر منذ عام 1820، وثم نتيجة اتفاقهم مع محمد علي أكثر مما حصلوا عليه بجهودهم المضنية التي بذلوها في المنطقة (20).
وهذا الانهيار الشامل للنفوذ الفرنسي يبدو أكثر أثراً في كون أن دي كاين يعلم حق العلم أهمية موقع مسقط في أية عملية لغزو العند، وكان راغباً كل الرغبة في أن يمنح كل الامتيازات الممكنة في سبيل الحصول على حلفاء له لهذه الغاية.
وكان هناك شيء ما في الصعود السريع لنجم نابليون وفي شخصيته القوية جذب الأذهان العربية عليه، وكان السيد سعيد نفسه معجباً به غاية الاعجاب وفي أول رسالة منه إلى الجنرال دي كاين كتب يقول: أنا في غاية اللهفة لتجديد الصداقة القديمة التي كانت تربط آباءنا مع الشعب الفرنسي، ونحن نأمل أن يتفضل فخامتكم فيعتبر بلدنا تابعاً له وأنه نستعدا دوماً لاطاعة أوامره حيثما يتفضل فيشرفنا بهذه الأوامر» (21).
ومن الانصاف أن يقال هنا ان الفرنسيين لم يستفيدوا هذه المرة، وكما حدث بعدئذً أيضاً، من مركزهم كل الفائدة وتفسير ذلك على ما يبدوا هو أن باريس لم تكن تفهم وم ثم تؤيد سياسة رجالاتها في المنطقة وكان هناك في الواقع نوع من انعدام الانسجام بين المركز والأطراف، وخير مثل يوضح هذا الأمر أحسن توضيح هو معاهدة سنة 1807 إذ لم تصادق عليها باريس رسمياً (22).
ولم يكن بمقدور حاكم بوربون تجديد الاتصال مع عمان إلاَّ في شهر أيلول من عام 1817، ولم يكن بالمستطاع توقيع أي معاهدة جديدة إلاَّ بعد مضي خمس سنوات أخرى على هذا التاريخ، إذ تم في شهر مارس عام 1822 التوقيع (1/157)
صفحة 158
على هذه المعاهدة التجارية بين فرنسا وعمان والتي استمر العمل بها حتى عام 1844 (23).
ومن هذه اللحظة ازدادت الروابط بين البلدين قوة ومتانة بازدياد التجارة بينهما ادزدهاراً ونماء. وما كان للإنكليز ليلوموا على هذا الأمر أحداً غير أنفسهم فقد كانوا، من جهة مشغولين جداً بأمورهم الخاصة في الهند وبانغماسهم في العمل ضد روسيا وضد محمد علي، ومن جهة ثانية، فإن حق تفتيش السفن الذي قصروه على أنفسهم بمعاهدة مكافحة الرقيق التي عقدوها مع السيد سعيد عام 1822 (24) دفعت أكثر المراكب العربية التي تمخر عباب البحار إلى رفع العلم الفرنسي على صواريها ولهذا فلم تؤد هذه المعاهدة إلاَّ دفع العدد الكبير من عصابات القراصنة إلى التحالف مع فرنسا (25).وعليه فلربما كان على الفرنسيين أن يشكروا الانكليز على صنيعهم هذا، وعلى هذا الأساس فمن الغريب أن نجد كاتباً حر التفكير مثل المسيو جيان يوضح هذه المنطقة بقوله:
«إن علاقتنا مع هذا الأمير قد حفظت بمنتهى اليسر والمودة، ذلك أنهم ظلوا بجانبنا تماماً بصرف النظر عن وجهة النظر السياسية» (26).
فإذا تذكرنا التأييد الذي منحته فرنسا لمحمد علي في خطته المزعومة لضم عمان إلى أملاكه، فإن طبيعة نقاء الدوافع السياسية الفرنسية تظهر بوضوح أكثر وربما أن ما يقصده المسيو جيان، ولكن لم يشأ قوله، هو أنه بحكومة مركزية ضعيفة وغير مستقرة كالحكومة الموجودة في باريس في ذلك الحين، لم يبق للدوافع السياسية من النفع إلاَّ حظ قليل ولذلك فمن الخير صرف النظر عنها. (1/158)
صفحة 159
ويجب أن نذكر هنا أنه في حين كان قسم كبير من العمانيين قد سلموا إلى أيدي الفرنسيين فإن السيد سعيد بدا وكأنه قد غير خططه تغييراً كاملاً. فهو مدين بالشيء الكبير للعون العسكري الانكليزي، كما رأينا ذلك من قبل – وكان من السهل عليه أن يرى أنه وقد قوي نفوذ الانكليز واستطال في الهند، فلا موجب بعد هذا للتردد في معرفة الجانب الذي تميل إليه كفة ميزان مصالحه.
ولذلك فقد بدأ يظهر الآن وكأنه يتبع سياسة الحصول على ما يمكن الحصول عليه من الفرنسيين وفي الوقت نفسه اعطاؤهم أقلَّ ما يمكن، ولكن دون أن يفقد صلته مع الانكليز (27).والثال النموذجي لهذه السياسة ما وقع عام 1839 حين تأسست القنصلية الفرنسية في زنجبار. فقد وصل القنصل الفرنسي عام 1840 ولكن سعيداً رفض قبوله حتى عام 1844. وكان بعض السبب في تصرفه هذا هو ظهور علائم الخلافبين الانكليز والفرنسيين حول مصر ومحمد علي والسبب الآخر أنه كان يضغط لينظم علاقاته مع الفرنسيين بمعاهدة على غرار علاقته مع الانكليز (28).
وهناك مثال نموذجي آخر هو ما حدث عام 1840 حين أثارت غضب السيد سعيد أخبار نشاط الفرنسيين في أفريقيا الشرقية. فكتب بذلك إلى اللورد بالمرستون (29).ولم يكن ما أغضبه من الفرنسيين أنهم عاودوا الاتصال به في طلب امتيازات لهم في زنجبار – ثلاث مرات في غضون عام واحد، ولكن لأن تغلغلهم في مدغشقر قد صاقب طموح السيد سعيد نفسه لتأسيس امبراطورية واسعة له في الشرق أفريقيا. (1/159)
صفحة 160
ولكن ظاهر الحال أنه لم يستطع عرض قضيته عرضاً مقبولاً. فحين احتلَّ الفرنسيون نوسه بي (( Nossa Be اعترض السيد سعيد على ذلك محتجاً بأن الملكة ساكالافا كانت قد وضعت نفسها تحت حمايته، في حين أن حقيقة الدافع الكامن وراء احتجاجه هذا هو رغبته شخصيياً للاستيلاء على الجزيرة (30).وقد أظهر تضارب المصالح بين عمان وفرنسا في افريقيا أو حولها بوضوح لا يقبل النقاش، مدى الضرورة الملحة إلى عقد اتفاق يرأب الصدع المتفاقم بين البلدين.
وقد جرت محاولة لتبيان ضرورة وجود معاهدة مع فرنسا ولم يكن مبرر هذه الضرورة خلافاً قائماً بين الشعبين بقدر ما كان مبررها اقتناع السيد سعيد المتزايد برجحان قوة الانكليز وبالتالي في قدرتهم على أن يكونوا أكثر نفعاً له في خططه.
وعدا عن هذا فإن اتفاق المصالح بين انكلترا والسيد سعيد والذي تمثل في تعاونهما الجريء المشترك ضد القواسم وأعمال القرصنة الأخرى كان يثير دوماً في قلب السيد سعيد وعقله شعوراً بالتقدير وعرفان الجميل يدفعه إلى الميل نحوهم وتفضيل جانبهم على جانب الفرنسيين.
وهذا التبرير المنطقي العملي يخالف تماماً جميع الحجج التي يسوقها الكتاب الفرنسيون، والذين تذهب المغالاة ببعضهم إلى القول بأن السيد سعيد ما ترك مسقط واختار ونجبار مكاناً دائماً لاقامته إلاَّ للهروب من قوة النفوذ البريطاني عليه في عمان.
ومع الأسف ففي مثل هذا القول تعميم في الحكم لا يستقيم مع واقع الحال ويفنده التدقيق الصحيح في تواريخ الأحداث والذي قد لا يمكن بدونه تفنيد هذا القول.
لقد كان برونيت ميلون (ص 77) وفيروز (ص 97) أول من قالا ان (1/160)
صفحة 161
السيد سعيد لم يذهب إلى زنجبار، ويقرر الاستقرار الدائم فيها إلَّا بنصيحة من الوكلاء الفرنسيين وفي سبيل التهرب من التجاوزات الانكليزية في العام 1840.
وقد يكون من الصعب دحض مثل هذه الأقوال بدون الرجوع إلى تواريخ الوقائع. فقد بدأ السيد سعيد ببناء قصره الريفي وقصره في المدينة زنجبار، في وقت لا يتعدى عام 1832 وربما كان قبل ذلك وفي عام 1828.
وأكثر من هذا فإن استيلائه على الأراضي الزراعية لاجراء التجارب عليها لزراعة القرنفل بدأ، في أغلبه، حال ما وطأت قدماه أرضٍ الجزيرة، وأخيراً وخاصة بين عامي 1828 و 1840 بدأ يقضي في زنجبار وقتاً أكثر مما يقضيه في عمان.
وليس هناك من دليل قط يشير الى قرار سكناه زنجبار قد اتخذ بعد عام 1840 أو اتخذ على أساس نصح الفرنسيين له به. وعلى العكس من هذا فان هذا الدليل الظرفي كما هو واضح يشير بكل جلاء إلى أن السيد سعيد اتَّخذ قراره مثل هذا التاريخ وإلى انه ما كان ليتخذ مثل هذا القرار، لو كان الفرنسيون قد شجعوا عليه حقاً.
ذلك أن علاقات السيد سعيد الشخصية مع الفرنسيين لم تكن في العام 1840 بالعلاقات الطيبة أو السعيدة. ففي هذا العام اعتقد الفرنسيون أنهم قد حققوا دون أي شك نجاحاً كبيراً في علاقاتهم مع السيد سعيد، ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للسيد سعيد نفسه، إذ كانت هذه السنة هي السنة التي أعلن فيها عن خوفه المتزايد من خطط الفرنسيين في أفريقيا الشرقية. ولا يستطيع المرء قبول قول المسيو برونيت – ميون من أن السيد سعيد «ظلَّ مخلصاً لفرنسا رغم انتكاساتها» إلاَّ بتحفظ شديد (31) أو أن يكون السيد سعيد قد أظهر اخلاصه هذا بشكل مبهم ومريب وهذا لم يكن من طبعة اطلاقاً. (1/161)
صفحة 162
وقد وقعت اتفاقية ما بين السيد سعيد وفرنسا في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1844 (32) حصلت فيها فرنسا على الامتيازات التالية:
1 - ضمان الحرية التامة للتجارة والسماح للفرنسيين بالدخول والخروج من ممتلكات السيد سعيد دون مانع أو عائق.
2 - معاملة الطرفين بعضهما بعضاً معاملة أكثر الشعوب حظوة.
3 - صيانة ملكية الممتلكات الفرنسية في أراضي السلطان من مصادرة الامتلاك.
4 - ح الفرنسيين في انشاء مخازن تجارية من أي نوع كان وفي أي مكان يرغبون فيه من أراضي السلطان.
5 - إعفاء الرعايا الفرنسيين ومن يشتغل في خدمتهم، وحتى اثناء وجودهم في أرض السلطان من التوقيف والتفتيش والمحاكمة أمام المحاكم المحلية.
وقد وصف فيروز هذه المعاهدة بأنها نجاح حق وباهر للسياسة الفرنسية (23) وهو وصف غير خاطئ ولا مبالغ فيه، فإن النصوص التي أتاحت للفرنسيين حق انشاء الوكالات لهم في أي مكان من ممتلكات السلطان كما أتاحت لهم صيانة ممتلكاتهم واعفائهم من سلطة القضاء هي في الواقع امتيازات عظيمة لم يتهيأ للأقطار الأخرى التمتع بأمثالها في أرض السلطان. أما النص بانشاء محاكم خاصة لمحاكمة الفرنسيين ومن هم في خدمتهم فأكثر جلباً للأنفطار وهو من أقدم الأمثلة على نشأة ما يعرف الآن بنظام الامتيازات الأجنبية والذي ارتضته كل شعوب أوروبا. (1/162)
صفحة 163
ومن الطبيعي أن يتباهى الكتّاب الفرنسيون المتأخرون بالنتائج التي أدى إليها هذا النص في الاتفاقية، فقد كان هم السياسة البريطانية في هذه الفترة من الزمان القضاء على تجاري نقل العبيد ونقل الأسلحة.
وقد ضمن الفرنسيون بالنص على اعفاء رعاياهم ومن يعمل في خدمتهم من التفتيش والمحاكمة، اقبال جميع أهل البلاد إليهم وطلب حمايتهم من التفتيش عن طريق رفع العلم الفرنسي على مراكبهم الشراعية والاعاء في هوياتهم على أنهم من العاملين في خدمة الفرنسيين.
ولا شك أن الفرنسيين توقعوا، بل وعانوا، الكثير من المتاعب من الانكليز بسبب هذا الأمر ولكنهم وإلى جانب هذه المتاعب حصلوا على منافع جمة ليس أقلها ازدهار تجارتهم ازدهاراً واسعاً عاد عليهم، بطبيعة الحال بأوفر الفوائد وظلَّ الأمر كذلك حتى وقت قريب نسبياً.
وليس هذا هو كل ما يدفع الفرنسيين إلى الافتخار بهذه المعاهدة وإنما ينضاف إليه سبب آخر هو ما كان يؤكد جميع الكتاب الفرنسيين ابتداء من جيان وحتى برونيت ميلون من أن هذه المعاهدة التي كانت الأولى من نوعها قد سببت للانكليز الكثير من المتاعب والأضرار، والوفير من الازعاج والصداع.
وكان جيان نفسه على صلة قريبة بالأحداث المعاصرة تعصمه من المبالغة في هذه الآراء إلاَّ أن الكتاب الذين جاءوا بعده سمحوا لأنفسهم بالانحراف مع العاطفة والحماس فاندفعوا نحو المبالغة في الأمر وزيادة تقييم الحادث إلى حد الذهاب إلى القول بأن انكلترا ستستيقظ ذات يوم لتجد نفسها قد أخذت فجأة واحتيل عليها.
لكن حقائق الأحداث كانت على العكس من ذلك تماماً. فقد وجد في كتابة معاصرة في سجلات حكومة بومباي الفقرة التالية:
«وقد سبق للسيد سعيد أن فاتح الوزارة البريطانية يطلب رأيها في الاجراء المقترح، فأجيب عن طريق الكابتن همرتون بعدم ممانعة الحكومة (1/163)
صفحة 164
البريطانية في قيام علاقات بينه وبين فرنسا، وبنتيجة هذا فقد تمَّ في الحال عقد معاهدة بين الطرفين» (34).
ولهذا فمن الحق أن نقول ان رغبة الكتّاب الفرنسيين المتأخرين في اضفاء الأمجاد والفخار على انجازات بلادهم قد أدت إلى الانتقاص الكثير من مكانة السيد سعيد ومن موقفه تجاه هذا الأمر، فالحقيقة هي أن الأنكليز كانوا على علم تام بمجريات الأمور طيلة الوقت، ولم يحصل الفرنسيون من السيد سعيد على شئ قليلاً كان أم كثيراً إلاَّ بما سمح لهم الانكليز بالحصول عليه.
ومن الجهة الثانية، فليس من النافع في شئ أن نبخس من قيمة هذا الانجاز فقد بدأ الفرنسيون ينظمون أمورهم ويتابعون التفتيش في البر والبحر عن أماكن مناسبة لايجاد قواعد بحرية لهم. ولهذا الغرض بالذات أرسل جيان إلى المنطقة عام 1846، وقد حققت بعثته أهدافاً مفيدة جداً وأجرت أول مسح علمي لجزيرة زنجبار وما حواليها. ولكنهما من الجهة الثانية وجدت من المناسب أن تقرن أعمالها الاكتشافية بالنشاط السياسي.
وما إن علم السيد سعيد أن جيان يتفاوض مع بعض الرؤساء المحليين لابتياع لامو وبراوا منهم لانشاء قواعد بحرية فرنسية عليها لمنافسة عدن (35) حتى أسرع إلى التدخل في الأمر ومنع اتمام صفقات البيع والشراء هذه.
ولعل هذا القدر من الكلام يكفي لتبيان مدى الحقيقة في القول بأن السيد سعيد «ظلَّ مخلصاً للفرنسيين رغم انتكاساتهم» وقد استطاع جيان أن يقول الحقيقة حين اعترف بوجود انعدام تام للتنسيق في فرنسا، وأن باريس لا تعرف عن زنجبار عدا اسمها إلاَّ الشئ القليل.
وليس هذا الحال بالأمر المستغرب في بلد ظلَّ يعاني ما عانته فرنسا في تلك الحقبة من حياتها من كثرة تعاقب الحكومات غير الكفؤة وغير المستقرة عليها. (1/164)
صفحة 165
ولكن التناقض بين حقائق الأشياء وأحلام أصحاب النظريات أوضح من أن يستحق الذكر «فإن ما كتبته أنا» كما يقول جيان «يكفي – كما أرجو – لتبديد الجهل المطبق السائد في فرنسا حوله وكل ما يتعلق به (السيد سعيد) (36).
وللبرهنة على قوله هذا فقد ذكر حادثاً وقع عام 1849 حين أرسل السيد سعيد بعثة رسمية مع هدية تتكون من ستة رؤوس من الخيول العربية الأصيلة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية. فنشرت بهذه المناسبة جريدة «الجمعية الوطنية» في عددها الصادر في 30 آب عام 1849 مقالاً قالت فيه «لقد تركت بعثة الامام باريس لتوها بعد أن استقبلت فيها استقبالاً فاتراً من الحكومة التي تبدو وكأنها لا تعرف من يكون إمام مسقط هذا؟ (37).
ولهذا فنستطيع أن نترك نشاط الدبلوماسية الفرنسية في هذا الحين بهذه الكلمة الختامية وهي أنه رغم الصعوبات العديدة فقد تمَّ فعلاً إنجاز الشئ الكثير ولكن النتائج كانت تكون أقرب إلى ما خيل لبرونيت ميلون أنها كانت عليه لو تهيأ لها في باريس حكومة مركزية قوية وتعاون أوثق بين المركز والأطراف.
-2 -
بريطانيا العظمى
ليس ثمة حاجة ملحة للبحث هنا بالتفصيل بعلاقات السيد سعيد بالانكليز أولاً لأن بالامكان استخلاص الكثير من أمر هذه العلاقات من ثنايا ما سبق لنا قوله من أبحاث في أماكن عديدة من هذا الكتاب وثانياً لأن تصرفات السيد سعيد في هذا الحقل كانت منسجمة كل الانسجام مع المصالح والرغبات البريطانية فلم يعد بعد هذا إلاَّ القليل الذي يحتاج إلى تفصيل وإلاَّ إلى الأقل الذي يحتاج إلى تعليل. (1/165)
صفحة 166
وقد أدركنا من قبل، أن وجود الانكليز في الهند هو الأصل والسبب في نشوء العلاقة بينهم وبين السيد سعيد، كما وبيّنا من قبل بأن الغرض الأول من عقد معاهدتي 1798 (38) وعام 1800 (39) كان لكبح جماح المصالح الفرنسية في منطقة الخليج من جهة ولتوفير المناخ لنمو المصالح البريطانية في بلاد فارس من الجهة الثانية، وليس مجرد انشاء علاقات دبلوماسية مع عمان نفسها.
ولسنا نتجنى على الواقع إذا ما قلنا أن الامتحانات الدقيق للعلاقات بين انكلترا وعمان وحتى عام 1816 يكشف لنا عن أحجام واضح من جانب انكلترا عن الرغبة في التدخل بشؤون عمان، ولم يكن مرد هذا الاحجام عزوغاً من انكلترا عن مبدأ التدخل بحد ذاته بقدر ما كان مرده قصورها عن رؤية نطاق مصالحها الحقيقة في تلك المنطقة ومقدار الفوائد التي ستحصل عليها نتيجة هذا التدخل. (1/166)
صفحة 167
وهنا يجب أن نبدأ بتقرير حقيقة تاريخية كثيراً ما تردد وقوعها في التاريخ الانكليزى ونادراً ما أستطيع فهمها واستيعابها وهي أن الانكليز لم ينظروا إلى السيد سعيد في أيام حكمه الأولى بعين الرضا والقبول ومن الضروري أيضاً أن ندرك أن الامكليز كانوا أول الأمر عزوفين من مساعدته ضد الوهابيين وضد القراصنة لأن مصالحهم وممتلكاتهم في الهند كانت على حال من عدم الاستقرار وعدم الثبات جعلتهم غيرراغبين في التورط لا يستطيعون التنبؤ بمصاعبها أو مداها.
وقد يستغرب كثيراً ظهور مثل هذا الضعف والتردد في معالجة مشكلة خطيلرة مثل مشكلة القواسم وأنصارهم، فالواقع أن التعليمات الصادرة عن كيفية التصرف مع هؤلاء القوم كانت عميقة النفع في حد ذاتها وفي ما أدت إليه من نتائج.
فقد كان من الممنوع على السفن الانكليز، بموجب هذه التعليمات، أن تبدأ باطلاق النار على هؤلاء الأقوام، وكانت نتيجة هذا الأمر وقوع عدة سفن انكليزية فخمة وذات قوة متفوقة وحجم كبير بأيدي القراصنة عن طريق السلل والالتصاق الذي أتقنه القواسم خير اتقان.
وقد ذهب القواسم إلى أبعد من ذلك فبدأوا ببناء مراكب ذات مقدمات عالية تجعل عمليات التسلل والالتصاق هذه أسهل انجازاً وأشّد فعالية. فأوقعوا في التجارة الانكليزية خسائر جمة يصعب حصرها أو حسابها.
ولم يكن هذا كل ما في الأمر فحسب، بل زاد الأمور سوء والقراصنة اقداماً وامعاناً في أعمالهم ما وجدوه من تساهل السلطات البريطانية معهم حين أمكن للنكليز الفاء القبض على البعض منهم، فأرسلوا مقيدين بالحديد إلى بومباي ولكنخم ما لبثوا أن عادوا غلى ديارهم ونشاطهم الحربي بعد أشهر قليلة استمتعوا فيها بطيب الأكل والمقام ولم يلقواغيها من العنت شيئاً غير اضطرارهم إلى الاستكتاع إلى بعض النصائح الرسمية الجافة المملة. (1/167)
صفحة 168
ومن الطبيعي أن تؤدي مثل هذه السياسة غلى تشجيع القراصنة على أعمالهم وازديتد ضرواتهم وعلى هذا فقد كان لا بدّ للظروف الفتهرة هذه من أن تحمل الانكليز، عاجلاً أم آجلاً عبى مساعدة السيد سعيد في حروبه ضد القواسم، ومع أنهم جاءوا إلى عونه متأخرين بعد أن استطاع محمد علي تسوية مشكلة الوهابيين وانفاذهم من متاعبها، فإنهم ظلوا بعد ذلك مترددين في نبذ منهجهم السابق الذي لم يعد عليهم إلاّ بالخسران.
وخير ما يوضح هذا الحال هجومهم الأول على خور فكان والذي لم يؤد أية نتيجة حاسمة بسبب تفسير قائد الحملة للأوامر الصادرة غليه تفسيراً حرفياً، ولم يستطع أن يفهم أنه يطرد القراصنة فإن تما واجبه يقضي عليه بمنع عودتهم.
ولم تكن نتيجة الحملة في الواقع، مجرد ضربة شديدة لهيبة الانكليز العسكرية بقدر ما كانتسبباً لاضطرارهم غلى إرسال حملة واسعة أخرى مما أدى بدوره إلى زيادة التورط البريطاني واتساع المصالح البريطانية زيادة واتساعاً ما كانا في الحسبان.
وتكرر فشل الانكليز ثانية في هجومهم الأول على بني بوعلي، وكان سبب فشلهم هذه المرة انعدام الاستعدادات الأولية لديهم، وهنا أيضاً تكرر ثانية امكتان اصلاح الضرر الذي لحق سمعتهم العسكرية بارسال حملة ثانية أكثر عدداً وأحسن أعدااً أدّت كسابقتها حملة خورفكان إلى زيادة تورط الانكليز وتوسع مصالحهم غلى أكثر مما قدر لها أول مرة.
ومن الحق أن يقال انهم اضطلعوا في الأمر في بدايته دون استعداد كامل له، ومن الحق أيضاً أن يقال ان انعدام بعد النظر والرؤية الصادقة قد كلفاهم ثمناً باهضاً، ولكن الحق أيضاَ أن يقال انهم ما تورطوا في هذه الأمور حتى وجدوا أن سبل الخلاص منهاوالانسحاب عنها عسيرة مغلقة، بل ان من العدل أن نقول انهم لم يفكروا مطلقاً بهذا الانسحاب، ولم يرغبوا فيه. (1/168)
صفحة 169
ولربما وجد السيد سعيد أن مساعدة الانكليز له في مواجهة محمد علي عام 1839 لم تكن بالقدر الكافي أو الذي كان يتوقعه، ولكنه لم يكن يدري أنه لم يكن في ذلك الحين إلاَّ أداة واحدة فقط بين جملة من الأدوات في تلك اللعبة السياسية ولعلها كانت في ذلك الحين إلاَّ أداة واحدة فقط بين جملة من الأدوات في تلك اللعبة السياسية ولعلها كانت في ذلك الحين أضعفها قوة وأقلَّها خطراً، فوراء الأحداث ووراء البحار، كان السلام العام في أوروبا معرضاً لخطر الانهيار، وكانت الأفكار في أوروبا ولقرب عهدها بالحروب النابوليونية، لا تستطيع التفكير بمعاودة الحرب بدون خوف ووجوم بل دون شعور بالاثم أيضاً.
ولعل السيد سعيد قد فكَّر أيضاً، ورأى بحق أن بريطانيا لم تقابل عواطفه الصادقة نحوها إلاَّ بالنزر اليسير من الدعم لمطالبه في البحرين. ولكننا نجد هنا أيضاً اعتبارات خاصة أخرى تلعب دورها في الموضوع فقد كان الشغل الشاغل للأنكليز في الهند وقت ذاك تأمين حدود البلاد الشمالية. وقد اكتشفوا أن بلاد فارس هي أرض دريئة مشتركة بينهم وبين الروس. ولهذا فقد كانوا يشعرون، خلال هذه الفترة بضرورة قيام العلاقات الودية مع الفرس إلى حد أنهم لم يحتجوا أو يحركوا ساكناً حين استولى الفرس على بندر عباس عام 1854، ولذلك فمن الطبيعي أن يكونوا غير ميالين للتدخل في شؤون جزيرة صغيرة سبق للفرس أن ادعوا لأنفسهم حقوقاً فيها.
ومن الجانب الثاني، وبقدر ما يتعلق الأمر بالعلاقات العسكرية بين السيد سعيد والانكليز، فليس للسيد سعيد ما يشكو منه، ذلك أنه ما كان ليستطيع بناء امبراطوريته في افريقيا الشرقية لولا الدعم الانكليزي له في عمان نفسها ففي أكثر من مرة واحدة، بل بالواقع في ثلاث مرات، كان يمكن أن يرجع إلى بلاد العرب ليجد فيها خصومه قد احتلوا عاصمته مسقط وجلسوا على عرشه لو لم يسارع إلى الحركة والعمل الحاسم وفي الوقت المناسب كل من المقيم البريطاني في بوشهر والأسطول البريطاني من بومباي.
ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن ينتظر الأنكليز المقابلة بالمثل من السيد سعيد، وإن لما يسجل بالفخر للانكليز أن أول امتياز سعوا للحصول (1/169)
صفحة 170
عليه من السيد سعيد لم يكن هدفه تحقيق منافع خاصة لهم وإنما كان لنفع البشرية جمعاء.
ولقد سبق لنا أن تناولنا في فصل سابق معاهدة عام 1822 لمكافحة تجارة الرقيق ولكن ما يجب قوله هنا ولم يسبق لنا وفاؤه حقه من البحث هو أن السيد سعيد، وعلى الرغم من عدم ظهور غايات أنانية مرئية عند الانكليز، فقد كان ينظر إلى الموضوع بمنظار آخر من زاوية أخرى. فقد كانت تجارة الرقيق مصدر إيراد ضخم له، فقد كان إيراده يبلغ كما قال كرزن – حوالي الثمانين ألف باون في العام، وكان ربع هذا الايراد يأتيه من تجرة الرقيق قبل الغائها بموجب اتفاقه مع الانكليز (40) .. ولم يقتصر الأمر على خسرانه لهذا المورد المالي فحسب بل أنه خسر أيضاً عند توقيعه معاهدة 1822، ثقة قطاع كبير من رعيته هم التجار العمانيون الذين كانت تجارة الرقيق مهنتهم الوحيدة.
ويكاد أن يكون من المستحيل أن نبالغ في وصف سعة هذه التجارة ومقدار أرباحها أكثر من حقيقتها (41).فقد أرسلت شركة الهند عام 1812 الكابتن توماس سمي في رحلة استكشاف لهذه التجارة فأفاد هذا الرجل أنه وجد في فترة عمله تلك أن عدد الرقيق المصدر من زنجبار إلى مسقط والهند وجزر الموريشيرس يترواح بين الستة آلاف والعشرة آلاف نفراً سنوياً، وأن عدد السكان الأحرار في هذه الأماكن لا يتجاوز ربع عدد السكان الرقيق وأنه ليس من الغريب أن يمتلك الشخص الواحد من ذوي الثراء حوالي الثمانماية أو التسعماية نفراً.
ولهذا فمن الطبيعي أن تكون طبقة التجار أكثر استياء من غيرها ومن مثل هذه الخطوة التي تغير بشكل حاسم وأساسي موارد رزقهم وطرق حياتهم (42) وأن تهب جميعها – وقد وجدت نفسها قد حرمت فجأة من أكثر مواردها ربحاً وأوفرها (1/170)
صفحة 171
نفعاً – لمعارضة هذا الاجراء وليس بعد ذلك من موضع للعجب إذا ما صبت الرعية جام غضبها على حاكمها الذي اتهمته بتضحية مصالح رعيته في سبيل نوازع دينية ومصالح ذاتية أنانية لأقوام غرباء عنه وعنهم، ومن المستعبد أن يستطيعوا فهمهم أو فهم دوافعهم.
وليس هذا فحسب بل أن الأمر لأكثر تعقيداً من هذا وذلك، فإن رجال الدين المتعصبين في عمان كانو يرون في الغاء الرقيق عملاً حراماً شرعاً. لأن امتلاك الرقيق أمر أقرَّه وحلله القرآن ولم يعد الأمر بعض أهل السياسة ممن كان يتكهن وينذر بثورة دينية شعواء تقضي على السيد سعيد قضاء مبرماً لا قائمة له من بعده. وكان شبب عدم تحقق هذه التكهنات هو أن هذه التجارة لم تنقطع عملاً وتماماً بمجرد توقيع المعاهدة، وليس سبب ذلك هيبة الأمير أو نفوذه الشخصي في البلاد (43) فليس من شك هناك في أن قدراً كبير من هذه التجارة ظلَّ في الواقع مستمراً، وهنا يمكن للمرء أن يقول بحق أن أكثر القوانين حاجة إلى التجديد باستمرار هي القوانين التي يتهرب منها الناس باستمرار. ومصداقاً لهذا القول فقد جددت بصورة أو بأخرى معاهدات مكافحة الرقيق في أعوام 1839 و 1844. وإن تكن معاهدة عام 1839 لم تعن بصورة أساسية بهذا الموضوع ففي مناسبة أعياد تتويج الملكة فكتوريا أرسل السيد سعيد إلى لندن بعثة للتهنئة بهذه الأعياد وحملها بهدايا بالغة القيمة (44).وكانت عودة الوفد إلى بلاده مناسبة عملية لارسال الكابتن كوكان معه إلى عمان للتفاوض حول معاهدة تجارية تم التوقيع عليها في 31 مايس من عام 1839، وصدوق عليها في العشرين من شهر تموز من السنة التالية (45). (1/171)
صفحة 172
وكانت المادة الخامسة عشرة من هذه المعاهدة إعادة حرفية لنص معاهدة مكافحة الرقيق لعام 1822، ولكن المواد الأخرى في تلك المعاهدة كانت من الأهمية بحيث تستحق منا بحثاً أوفى.
فمن بين نصوص المعاهدة كانت النصوص التالية:
1 - يعامل التجار العرب الانكليز في بلدي الطرفين المتعاقدين معاملة أكثر الشعوب حظوة.
2 - للطرفين حق تعيين قناصل لهما في بلد الآخر وبموجب هذا النص عين الكابتن همرتون قنصلاً لبريطانيا عن السيد سعيد عام 1840، وأرسل إلى زنجبار وأصبح من ذلك الحين كما رأينا من قبل، الناصح المقرب للسيد سعيد.
3 - للرعايا البريطانيين حق تملك الأراضي والعقارات في ممتلكات السلطان ولا يحق تفتيش دورهم تابعيهم إلاَّ بموافقة على ذلك.
4 - يتمتع خدم الرعايا البريطانيين بحصانة من التوقيف مثل الحصانة التي يتمتع بها أسيادهم. ولكنهم إذا اختاروا المقاضاة بالقوانين العربية فيجب أسيادهم الاستغناء عنهم حالاً ليمثلوا أمام المحاكم الحلية.
5 - لا تزيد الضرائب المفروضة على البضائع المستوردة إلى أملاك السلطان عن الـ 5% على أن تستثنى من ذلك البضائع المعاد تصديرها.
6 - في حالة أي نزاع تجاري بين البريطانيين والعمانيين، فالنزاع ينظر في محاكم السلطان إن كان الشاكي بريطانياً وأمام المحاكم البريطانية إن كان الشاكي عربياً (46).
7 - إذا مات أحد البريطانيين في أملاك السيد سعيد فيجب تسليم جميع أمواله وأملاكه إلى القنصل البريطاني. (1/172)
صفحة 173
8 -
إذا أعلن إفلاس أحد الرعايا البريطانيين تولى القنصل توزيع أمواله بين دائنيه.
9 - حين يحل دين لأحد الرعايا البريطانيين أو عليه فإن على السيد سعيد والقنصل البريطاني أن يعمل كل منهما ما في وسعه لتسهيل الحصول على الدين من رعيته.
ولقد رأينا من المناسب أن نعرض بما نقدم من نصوص هذه المعاهدة بتفصيل وافٍ لكي يتضح مدى اتساع العلاقات التجارية القائمة فعلاً آنذاك بين البلدين والمتوقع قيامها في المستقبل بينهما.
وكان مجرد تعيين قنصل بريطاني كافياً بحد ذاته لدفع حركة التجارة لأن وجوده يؤمن سلامة أوضاع التجار وحمايتهم القانونية. ولذلك انهال الهنود على زنجبار وكما يقال «فحيث يذهب الهنود تذهب التجارة خلفهم» (47).
وبعد ست سنين وقعت معاهدة أخرى لمكافحة الرقيق بلغت الذروة في الانفتاح الفكري ونكران الذات. وكانت معاهدة سنة 1822 قد سببت الكثير من الاستياء السياسي وإن لم تسبب في الواقع إلاَّ القليل من الأضرار المادية، عدا أنها لم تكن تشمل بلاد الشرق الأفريقي، وكانت هي مركز تجارة العبيد ومصدرها.
وجاءت بعدها معاهدة عام 1839 فشدت من قبضة الحصار على الأمور شيئاً ما ولكن معاهدة 1845 أكملت الحصار وأطبقت على التجارة لتقضي عليها القضاء التام. وما كان لهذ المعاهدة أن تذهب بعيداً إلى هذا الحد لو لم تضطرها إلى ذلك الظروف السياسية القائمة وقت ذاك (48).
فمنذ أن استطاع الفرنسيون في معاهدتهم مع عمان لعام 1844 حماية (1/173)
صفحة 174
أنفسهم وتابعيهم، تحت شعار الحصانة الدبلوماسية، من المتابعة والتفتيش، فقد أصبحت تجارة الرقيق احتكاراً خالصاً لهم سواء أرادوا ذلك أو لم يريدوه ولا يشترط. أن يعني هذا أن كل علم فرنسي يرفرف على سفينة ما، كان يحمي تجارة الرقيق، ولكن المؤكد أن ما من تاجر من تجار الرقيق يبلغ به الغباء حد عدم رفع العلم الفرنسي على مركبه، ولذلك فقد ازدهرت التجارة واتسعت ولم تستطع صرامة معاهدة 1845 مكافحتها والقضاء عليها.
ففي هذه المعاهدة ألزم السيد سعيد نفسه تحت أقصى العقوبات بأن يمنع منعاً باتاً كل تصدير للرقيق من أملاكه الأفريقية، كما وقد التزم أيضاً أن يمنع استيراد الرقيق ذوي الأصل الأفريقي إلى ممتلكاته الآسيوية، وأن يستعمل كل نفوذه لحمل حكام بلاد العرب الآخرين على العمل بهذه السياسة أيضاً.
وأكثر من هذا فقد اعترف السيد سعيد للانكليز بحقهم في تفتيش كل المراكب العائدة له شخصياً أو لأي أحد من رعاياه ومصادرتها إذا ما ثبت استخدامها في نقل الرقيق، مع استثناء واحد فقط للمراكب التي تشتغل بنقل الرقيق بين مختلف أملاكه الأفريقية أي بين خطي الطول 57 و 1 و 2 و 9.
وقد وقعت هذه المعاهدة في شهر تشرين الأول (اكتوبر) من عام 1845 وأصبحت نافذة المفعول في اليوم الأول من عام 1847 (49) ولكن هذه المعاهدة لم تضع النهاية لهذه القصة إذ ما لبث أن صدر في شهر آب من عام 1848 تشريع بريطاني (50) تهمنا فيه فيمات له علاقة بهذا الموضوع، الأحكام التالية:
1 - تباع جميع السفن المأسورة بهذا الشكل ويؤول ثمنها إلى من استولى عليها والذي تدفع له الحكومة البريطانية أيضاً مبلغ خمس باونات عن كل نفر من الرقيق يطلق سراحه و 30 شلناً عن كل طن من حمولة السفن المحطمة. (1/174)
صفحة 175
2 ـ إذا لم يوجد رقيق على المراكب المصادرة ومع ذلك فقد حكمت عليها المحاكم البريطانية فإن الحكومة البريطانية تعوض أصحاب المراكب بواقع 4 جنيهات عن كل طن من حمولة المركب.
3 ـ ومن الجخة الثانية فطالما تعرّض المركب إلى أي أذى ولم يكن على ظهره أحد من الرقيق فإن الحكومة البريطانية تدفع لصاحب المركب تعويضاً كاملاً عن الأضرار التي لحقت مركبه ويكون لها الحق في مقاضاة الضباط البريطانيين الذين تسببوا في هذا الضرر لتسديد ما تكبدته الخزينة العامة نتيجة أخطائهم.
وليس من اللازم أن نتوسع كثيراً في شرح آثار هذه المعاهدة وهذا التشريع معاً، إذ لا نستطيع إلاّ ابداء الاعجاب والاكبار لهؤلاء القوم الذين يدفعهم تمسكهم العميق بتعاليم دينهم إلى الرغبة في بذل المال في سبيلها، ومع هذا فيبلغ بهم التواضع في حماسهم غلى حد الاحتفاظ لأنفسهم بحق معاقية موظيفهم إذا ما تجاوزوا الحد في آداء فروضهم الدينية، ولكن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة للسيد سعيد الذي تحمل الغرم دون الحصول على أي عنم. وكان من الطبيعي وبعد أن ضحى بايراد يقدر بعشرات الآلاف من الباونات سنوياً، أن يرفض عرضاً تقدمت إليه الحكومة البريطانية عام 1822 يقضي بأن تدفع له تعويضاً ضئيلاً قدره ألفاً باون في العام الواحد، لمدة ثلاثة أعوام فقط (51).ولذلك فقد كان غنمه الوحيد أنه شارك دافع الضريبة البريطاني في فخر تحمل غرم هذه الأفعال.
وقد أدى السيد سعيد دوره في هذه الشراكة عن فهم وإدراك لكل أبعاد الموضوع وتقدير لأخطاره وتحمل لمسؤلياته أما دفع الضريبة فلم يكن يفقه من الأمر كله إلاّ القليل، وهو أنه يشارك في عمل إنساني ويدفه له من جيبه الخاص مبالغ جسيمة لا تعود عليه بعائد من الربح أو الحمد الكثير. (1/175)
صفحة 176
ويجب أن يكون واضحاً كل الوضوح ومفهوماً تمام الفهم أن السيد سعيد كان صديقاً مخلصاً وصدوقاً لبريطانيا وهو أمر كثيراً ما كان يفخر ويتباهى به فما من سائح بريطاني مهما يكن مركزه مر ببلاده إلاّ وأحسّ بشعوره الطيب هذا نحوه (52).
وقد كتب الكابتن هارت، الذي كان قد أوفد إلى السيد سعيد أيام مفاوضاته مع الأمريكان، وحين كانت الدلائل تشير إلى احتمال عقده اتفاقا جديداً معهم قال: «لقد كان دوماً يعتبر الانكليز أحسن أصدقائه ويسره دوماً أن يلقتي في كل وقت بأي منهم وأن يحيطهم بكل رعاية ويبدي لهم كل اهتمام (53).
وكذلك كتب كيبل في أوائل عام 1827 فقال: «لطالما كرر (السيد سعيد) لي بأنه والانكليز شخص واحد أن دوره وسفنه وكل ما يملك هو ملكهم» (54).
وقد أظهرت تصرفاته مع الانكليز مقدار كرمه الكبير، فقد قدم عام 1833 باخرته الكبيرة ليفربول ذات 74 مدفعاً هدية إلى الحكومة البريطانية مدعياً أنها وإن تكن في حال جيد إلاّ أنها أضخم من أن تحتاجها مسقط (55).
وقد قادها عام 1835 الكابتن كوكان هدية للملك وليام الرابع وعلى ظهرها عدد من الخيول العربية الأصيلة (56).
وفي انكلترا غير اسمها إلى الباخرة (الامام) تقديراُ لمهديها (57) وفي مقابل (1/176)
صفحة 177
ذلك أرسل إليه المركب برنس ريجنت والتي وجدها برتون لا تعادل ليفربول رغم أنها كانت تعتبر خير ما يحويه الأسطول الملكي.
ولعل السيد سعيد لم يغبن هذه المرة ولكنه وعلى وجه العموم لم يحصل على أكثر مما أعطى ويبدو أن من المستحيل علينا أن نتجاهل مقولة برتون من أن صداقته معنا قد كلفته غالياً (58).ويكفي لتوضيح هذا الرأي أن نعلم أن الانكليز اتصلوا بالسيد سعيد عام 1854 عارضين عليه شراء جزر موريا موريا قرب الساحل الجنوبي من عمان حيث تتراكم على أرضها تلال من الذرق الثمين ولكنه رفض فكرة البيع رفضاً باتاً وأصرَّ على إعطاء الجزيرة هدية للحكومة البريطانية وقد فعل ذلك فعلاً (59).
ـ 3 ـ
الولايات المتحدة الأميركية
في خريف عام 1833 قام الطراد الأميركي بيكوك بزيارة رسمية إلى مسقط حاملاً على ظهره المستر أدموند روبرتس المندوب الأميركي المفوض للمفاوضة لزيادة الصلات التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وممتلكات السيد سعيد الآسيوية والأفريقية.
وقد كانت هذه الزيارة حدثاً على جانب كبير من الأهمية في حياة السيد سعيد إذ جاءت برهاناً واضحاً على أن أهمية زنجبار ومسقط كمركزين تجاريين قد تعدت العالم القديم إلى العالم الجديد وأثارت اهتمامه (60). (1/177)
صفحة 178
وكانت القاعدة العامة أن تودع إدارة المخازن الجمركية في عمان وزنجبار إلى الهنود، وهذا الموضع وإن يكن يضايق الانكليز في شيء، لأن الهنود أنفسهم رعايا بريطانيون، فإنه كان يسبب الكثير من الضيق والمتاعب للتجار من الجنسيات الأخرى غير الانكليزية (61).وقد وجد الأميركان السيد سعيد مستعداًلتلبية مطالبهم، وكان الفخر قد ازدهاه لا لأنه أوشك على الدخول في اتفاقات مع العالم المتحضر فحسب، بل ولأن خططه التجارية قد حالفها التوفيق وبدأت نتائجها تعطي ثمراً طيباً.
وقد انتهت المفاوضات إلى عقد معاهدة صداقة وتجارة مع الولايات المتحدة الأميركية وقع عليها في مسقط في 2 أيلول 1833 ثم صادق عليها الكونغرس الأميركي ووقعها الرئيس الأميركي من بعد في 30 تموز 1834.
وتولى التصديق عليها في الزيارة الثانية المستر روبرتس في شهر تشرين الأول (اكتوبر) من عام 1835. وكانت هي الأصل الذي وضعت على أساسه المعاهدات الانكليزية والفرنسية اللواتي تلونها (62).
وكانت الأحكام الرئيسة في هذه المعاهدة تقضي بأن يكون للاميركان حرية البيع والشراء دون تدخل من أحد بشأن الثمن، وأن عليهم أن يدفعوا رسماً جمركياً قدره 5% على جميع بضائعهم الواردة إلى مسقط أو زنجبار، ودون أن يشمل ذلك البضائع غير المباعة أو المعاد تصديرها. وان تعامل السفن أن يشمل ذلك البضائع غير المباعة أو المعاد تصديرها. وأن تعامل السفن العمانية معاملة اكثر الشعوب حظوة عند دخولها الموانئ الأميركية وأن لأميركا الحق في تعيين قناصل لها في شرق افريقي (63).
وكان هناك نص آخر وضع في مسودة المعاهدة يقضي بأن تدفع اميركا كل (1/178)
صفحة 179
النفقات التي قد تصرف على ملاحي سفنها إذا ما أصيبت أو تحطمت سفنهم في الشواطئ العربية.
ولكن الحاجة لم تقم لادخال هذا النص في أصل المعاهدة لأن السيد سعيد مدفوعاً بطبعه الكريم، أو برغبته باظهار سعة موارده المالية وعدم نضوبها، أصرَّ على تعديل المادة الخامسة بحيث يتحمل وحده جميع تلك النفقات (64).
وكان هذا العمل متفقاً مع طريقته السائدة في معاملة زواره الأميركان. فالروايات المعاصرة تشيد كثيراً بكرمه وجوده. وقد لفت بيكوك بعض الصعوبات في الرسو بميناء مسقط الأمر الذي اضطرها إلى رمي بعض بضائعها ومدافعها في البحر تخفيفاً لحمولتها.
وقد أمر السيد سعيد بانتشال هذه المرميات واعادتها إلى السفينة، وعدا عن هذا فقد خصص داراً خاصة لاستقبال البعثة وعمل كل ما في وسعه لإظهار عواطف الصداقة نحوهم والاهتمام بهم (65).وذهب في ذلك إلى حد أنه سمح للأميركان بانشاء وكالات تجارية في أي مكان يختارون على شريطة أن يقدموا له المساعدات في الأسلحة في أفريقيا الشرقية.
ومع أن الظاهر أن البعثة الأميركية لم تعر هذا الغرض اهتماماً كافياً، فإن مجرد الهمس به كان كافياً لاثارة بومباي إلى مكان الخطر فأسرعت بارسال الكابتن هارت عام 1834 إلى زنجبار على ظهر السفسينة الحربية «ايموجين» وقد استطاع هذا المبعوث أن يحقق غرضه فانتهت أيام الغزل السياسي بين السيد سعيد والاميركان وقنع السيد سعيد بفتح باب المفاوضات مع الانكليز لعقد معاهدة مماثلة (66).
ومع أن الظاهر أن العلاقات بين شرق افريقيا والولايات المتحدة الاميركية (1/179)
صفحة 180
لم تبدأ قبا عام 1830 (67).فان الثابت أن السفينة التجارية الأميركية ايسكي بقيادة الكابتن أورم ظهرت في البحر الأحمر قرب جزيرة قمران في أوائل عام 1805 (68).وقد استطاع أسرها القرصان الشهير والتاجر الغني السيد محمد عقيل من أهل مخا. فقتل جميع بحارتها عدا صبى عامل فيها كان في العاشرة من عمره وقت ذاك.
وقد تولى السيد محمد عقيل السلطة في مقاطعة ظفار عام 1806 وقد ذكر الرحالة كروتيندن الذي مرَّ بتلك البلاد بعد ثلاثين عاماً من هذا الحادث أن هذا الصبي الأميركاني الذي نجا من الموت في مذبحة السفينة، قد اعتنق الإسلام ديناً وكان وقت ذاك يسكن وزوجه وأولاده قرية صلالة (69).
وفي الوقت الذي وصل فيه الكابتن هارت إلى زنجبار كان الأميركان قد احتكروا التجارة فعلاً وكانوا جد حريصين على مركزهم هذا. فقد سجل هرات في تقاريره وصول 13 سفينة تجارية أجنبية إلى زنجبار في الفترة ما بين شهري كانوا الأول والثاني لعامي 1833 و 1834، وكان تسع منها على الأقل سفناً أميركية (70).كما كانت آنذاك سفينتان شراعيتان لصيد الحيتان كانت احداهما قادمة من نيويورك والثانية من ميناء سالم قرب بوسطن، وكان صيد الحيتان في ذلك الزمان يكثر بين زنجبار وبمبا وكان تجارة رابحة مزدهرة.
وكانت زنجبار الميناء الملائم لتزويد سفن الصيد هذه بالزاد والمؤن.
وكانت بقية البضائع التجارية تشمل العاج والصمغ ولعلنا لا نعدو (1/180)
صفحة 181
الحقيقة كثيراً إذا افترضنا وجود تجارة العبيد أيضاً التي لا تعدم الراغبين فيها في قارة كبيرة تحتاج أشد الحاجة إلى اليد العاملة كما كانت أميركا حين ذاك (71).
وفي أميركا نفسها، كانت هناك مؤسسة أو اثنتان قد احتكرتا في السر وواقع الأمر التجارة مع افريقيا الشرقية.
وكان مقر مثل هذه المؤسسات في أولد سالم في ماسوشيست. وليس أحسن الدلالة على هذا الحال من أن السيد سعيد أرسل بواسطة ربابنة إحدى سفن أولد سالم هذه دعوة عامة إلى تجار أميركا. ولكن أصحاب هاته المؤسسات المحتكرة للتجارة لم ينشروا خبر هذه الدعوة معللين ذلك بأننا «لو سمحنا بنشر هذه الدعوة فسيكثر منافسونا ونخسر تجارتنا هناك» (72).
وفي الواقع كان هناك احتكار فعلي للتجارة كان تجار أولد سالم يخشون فقدانه من بين أيديهم. وليس أوضح في الدلالة على مقدار تغلغل نفوذ اولد سالم في زنجبار من معرفة أن ستة من القناصل الأميركان في زنجبار كانوا من مدينة اولد سالم هذه. وكانت تجارة هذه المدينة قد بدأت مع زنجبار منذ عام 1826 في حين أن آخر تاجر من اولد سالم ترك زنجبار كان في عام 1891 ولذلك فليس من المستغرب أن نجد أن الصورة الوحيدة المعروفة للسيد سعيد يملكها متحف بي بودي في سالم (73)، ولو أن هذه الصورة ليس على الأكثر صورة حقيقية للسيد سعيد إذ لا يتصور أن يجلس السيد سعيد للرسم لأن رسم الانسان مكروه شرعاً عند المسلمين (74). (1/181)
صفحة 182
وفي مقابل العاج والصمغ والجلود التي كان يشتريها التجار الأميركان من القارة الأفريقية كانوا يستوردون اليها منسوجاتهم القطنية (75)، وكانت هذه البضاعة احتكاراً كاملاً لهم إذ يبدو أن منتوجاتهم القطنية أكثر جودة ومتانة من منتوجات غيرهم.
ولم يستطع هؤلاء التجار اخفاء غضبهم حين علموا أن التجار الانكليز يحاولون التسلل ببضاعتهم إلى السوق الأفريقي وتزوير الأختام والماركات الأمريكية على بضائع من صنف أدنى (76).ولعل ذكر شهادة سائح معاصر يلقى بعض الضوء على الموضوع إذ قال: إن منافسينا الأقوياء في هذه المناطق هم الأميركان الذين وإن دخلوا السوق مؤخراً، فانهم الآن ينزلون بضائعهم إلى البر الأفريقي ومنه يشقون طريقهم إلى مسقط وبلاد فارس وهم الآن يقتصرون على جلب البضائع القطنية فقط، وينشرون معها آراء تقول، كما أخبرني أحد التجار الأرمن في أصفهان بأن أقمشتهم أفضل من الأقمشة الانكليزية لأن القطن ينتج في بلادهم نفسها ولا يستوردونها من الخارج كما يفعل الانكليز وأنه لا يتأثر من الكوي ويقال أن بالامكان غسله وارتداءه وأكدوا لي أن هذه البضاعة لو استوردت بكميات كبيرة لوجدت سوقاً رابحاً.
وقد وجد برتون أثناء سياحته في إفريقيا عام 58 – 1859 أن البضائع القطنية الأميركية المستوردة من بوسطن منتشرة في أواسط افريقيا (77).
ويبدو أن هناك تجارة لبضائع أخرى لأن مايلز وجد في البريمي عندما زارها عام 1875 مدفعاً اميركي الصنع كان أحد عدة مدافع اشتراها السيد سعيد لتسليم سفينته سلطان (78). (1/182)
صفحة 183
بسم الله الرحمن الرحيم – أمين (79)
إلى العالي الجناب أندرو جاكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي يشع اسمه بالنور والبهاء في جميع أنحاء المعمورة. وبعد أرجو الله أن تصل إليكم هذه الرسالة وأنتم يا أصحاب السمو رئيس الولايات المتحدة بموفور الصحة والعافية وازدياد الغبطة والسرور في أسعد الأيام وفي أبرك ساعة من ساعات السعادة والسرور كان لي شرف تسلم رسالة سموكم والتي كان كل حرف فيها واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار ومشعاً إشعاع النجم في السماء.
وقد تسلمنا رسالتكم هذه بحضور سفيركم الأمين العالي الجناب المستر روبرتس الذي أسعدني بشرحه لطبيعة مهمته وقد وافقت على كل ما عرضه ممثلكم بخصوص عقد معاهدة صداقة وتجارة بين بلدينا والتي تراعي بكل دقة من قبلي شخصياً ومن ذريتي من بعدي ما كرَّ الجديدان. لذا فيجب أن يتأكد سمو الرئيس من أن جميع السفن الأميركية التي تصل الموانئ الواقعة في أملاكي لن تلقي أية تفرقة في المعاملة بين ما تجدها في بلادي أو تجده في بلادكم السعيدة أدام الله عليكم بركاتها.
وأرجو سمو الرئيس أن يعتبرني دوماً صديقه المخلص والدائم وسأبقى احتفظ باخلاصي لرئيس الولايات المتحدة الأميركية وأن صداقتي معه لا تعرف الانقضاء وإنما تستمر في النمو والازدهار. وأقدم بكل اخلاص واحترام إلى سمو الرئيس كل خدماتي لتنفيذ جميع رغبات سمو الرئيس في بلادي والموانئ والأماكن التي لي فيها أقل نفوذ (80).
من صديقك المحب
سعيد بن سلطان (1/183)
صفحة 184
كتبت في اليوم الثاني والعشرين من شهر جمادى الأول عام 1249 الموافق لا تشرين الأول 1833 في القصر السلطاني في مدينة مسقط. وقد عنونت هذه الرسالة إلى صاحب السمو والعزة أندرو جاكسون رئيس الولايات المتحدة الأميركية الذي يشع اسمه في أنحاء المعمورة (81).
• • • (1/184)
صفحة 185
الفصل السادس:
شخصية السيد سعيد وطباعه
إذا كانت صعوبة الحكم على جيل من الناس بموازين جيل آخر أمراً من الوضوح والبيان بحيث يدركه الجميع ويؤكدونه دون ما حاجة إلى الافاضة في الشرح والتفصيل، فإن ما هو أكثر منه صعوبة وعسراً أن نحكم على شعوب الشرق بمقاييس أهل الغرب ومفاهيمهم، ولهذا فليس من المجدي لنا في شيء أن نلتمس الأعذار في تفسير شخصية السيد سعيد وأسلوب حياته، فهو وإن لم يكن مثال «الفارس النبيل» في بعض المقاييس فإنه كان دون شك ولا جدال وفي جميع المقاييس لجميع الشعوب ولمختلف الأجناس والأديان وفي جميع الأمكنة والأزمان المثال الحق لرجل المال والأعمال (1) والسياسي الشريف المحب لشعبه وبلاده.
وقد يظن بنا التقليل من شأن السيد سعيد إذ نحصر صفاته كلها بهذه النعوت الضيقة فقط، ولكن الأمر ليس كذلك على وجه التأكيد. فما من امرئ يستطيع أن ينكر صحة الرأي القائل بأن على من يريد تقييم طبيعة شخص ما وسيرته أن يأخذ بنظر الاعتبار ظروف وراثته ونشأته.
أما بالنسبة لظروف السيد سعيد الوراثية، فقد سبق لنا القول أن أسرة البوسعيد كانت أسرة حديثة عهد بالحكم. وإذا كانت وراثة الحكم والبقاء فيه، وحتى في أعرق الأسر الحاكمة وأقواها بأساً تقوم على أساس أن البقاء (1/185)
صفحة 186
للأقوى والأقدر (2) فعلينا أن نتصور إذن أي قدر من البأس والقوة ومن النباهة والإقدام يحتاج إليه من يريد أن يضمن لنفسه الحكم والاستمرار فيه في بلد لم يزل فيه العديد من الأسر القوية تطالب بالحكم وتدعيه وتحاول بوسائل وحجج تتساوى في قوتها في الاقناع أو الارغام، ولم تزل فيه كذلك الأسر الحاكمة التي أطيح بها قوية البأس كثيرة العدد في حين أن الأسرة الحاكمة الحالية حديثة عهد بالحكم لم تستطع أن تدفع إلى سد الحكم أو واجهة الأحداث إلاَّ بخلفاء ضعاف الشخصية وبطامعين في الحكم أشدَّاء الباس أعداء ألدّاء لبعضم البعض.
ومع أن السيد سعيد ينتمي الآن إلى أسرة مالكة حاكمة إلاَّ أن حداثة عهد هذه الأسرة بالحكم وبساطة منبتها ما زالتا ماثلين في الأذهان.
ومع أن مؤسس هذه الأسرة، أحمد بن سعيد، كان رجلاً فذاً في صلابة العزم وقوة الإرادة وبهاتين الصفتين استطاع أن يتولى الحكم ويضمنه لنفسه ولأسرته من بعده. إلاَّ أن الأقدار كتبت عليه أن يترك من بعده أولاداً سبعة وقدر لأثنين منهم أن يتركا أثرهما في تاريخ عمان وكان أحدهما وهو الامام سعيد بن الامام امرأً ضعيف الشخصية، معدوم القدرة ولم يكن له من الحكم إلاَّ المظهر الذي يضفيه عليه مركزه ولقب الامامة الذي يحمله دون استحقاق.
وكان ثاني الاثنين سلطان بن أحمد وكان رجلاً بعيد طموح النفس عالي الهمة فاستطاع بالدهاء والذكاء وحد السيف معاً أن يضمن لنفسه السلطان الفعلي على البلاد ودون أن يبايع بالامامة بل ودون أن يدعيها أو يريدها وكان هذا بعض ما تأخذه عليه رعيته وكلهم من المتشددين في أمور الدين.
وقد ظلَّ سلطان يدير دفة الحكم من غير منازع طيلة أربع سنوات، ثم مات على حين غرة وقد خلف وراءه صبيين يافعين لا يملكان من أمرهما شيئاً، (1/186)
صفحة 187
وبلداً تتحفز فيه القوى المتباينة أهدافها ومطامعها، لينقض بعضها على بعض، كما ترك وراءه أيضاً ابن أخ له طامعاً في عرش ابنه عمه، فلا عجب في مثل هذا الحال أن يسرع السيد سعيد بالتخلص من غريمه ومنافسه ابن عمه هذا، فهو لم يفعل شيئاً سوى أنه كان الأسبق والأسرع من بدر في تسديد الضربة الأولى، والقاتلة، في الصراع المرتقب بينهما حتماً. وعمل مثل هذا لا يحتاج دفاعاً أو تبريراً.
فلم تكن أطماع بدر في الحكم وخططه للاستيلاء عليه بالأمر المجهول أو المكتوم وبطبيعة الحال أن يكون سعيد وأخوه سالم هما أكبر عائقين له في طريق أطماعه هذه وان تكون إزالتهما من الوجود أول خطوة له في هذا الطريق وإذا كان من الممكن لبدر أن يغض النظر عن وجود سالم لسلامة في طويته ورقة في طبعه، فليس لغاصب طامع في العرش مثله أن يغض النظر ويسمح بالعيش لوريث صلب العود قوي الإرادة مثل السيد سعيد حتى وهو في مثل سنه الصغير ذاك.
ولهذا فقد وضعت الأقدار السيد سعيد أمام اختيارين لا ثالث لهما فهو إما أن يكون القاتل أو القتيل. ولذا فلا لوم عليه ولا تثريب إذا ما دفعته الأقدار إلى اختيار ما لا سبيل له إلى الصد عنه والخلاص منه إذا أراد لنفسه استمرار العيش والحياة.
ولكن هموم السيد سعيد لم تنته بصيرورة الحكم إليه. فلم يكن عليه أن يجمع حوله شتات قبائل بلاده المتفرقة عنه بل والمتمرد بعضها عليه، فحسب، بل كان عليه، في نفس الوقت أيضاً، أن يصد عن بلاده أعتى وأعنف جماعة دينية متعصبة شهدها العالم الإسلامى وقت ذاك، وأن يزيل فوق هذا وذاك مراكز النهب التي أقامها القراصنة على سواحل بلاده للانقضاض منها على تجارته وسلبها، وكان أي فشل يمني به السيد سعيد في أي من هذه الميادين يكفي للقضاء عليه قضاءً مبرماً. ومع هذا فلم يكن يملك من القوة والوسيلة ما (1/187)
صفحة 188
يستطيع أن يدرأ بهما كل هذه الأحداث مرة واحدة. فرعيته شعب تجاري بعيد عن روح الحرب والقتال، في حين كان خصومه جنوداً أشدَّاء في الحرب مهنةّ ووراثةً.
وليس هناك أصدق من هذا مثلاً لطفل يحاول أن يصد الزحف بسيف من ورق وكانت العوائق تحيط به من كل جهة وتدور به في حقلة مفرغة. فالمرء لا يستطيع أن يحارب الجيوش المدربة بجيوش من المرتزقة، ولكنه إن لم يحارب بهم فقدهم هم أيضاً وهم كل قوته ولهذا فقد كان السيد سعيد مضطراً إلى محاولة تطهير البلاد من القواسم وإلاَّ فإن امتناعه عن ذلك معناه انتحاره السياسي.
ومع هذا ومع اشتهاره وقبيلته بالشجاعة والصبر فإن سمعة المقاتل العماني لم تكن مما يحسد عليه، أما عن شجاعته الشخصية فأمرها من الشهرة والثبوت مما لا سبيل للجدال في ذلك. وحتى لو لم تتوافر لدينا وقائع أعماله البطولية في انقاذ حياة الجندي البريطاني المجروح من أيدي بني بو علي (3)، أو في إقدامه الجريء، وميدان القتال يعج بالجنود الوهابيين، على الانفراد لوحده بمقابلة خصمه العنيد الحقود مطلق المطيري ليفاوضه في شأن الحرب القائمة بينهما (4) نقول لو لم يكن لنا هذا أو ذاك، لكان من الممكن أن نصل إلى القول، ودون خوف الوقوع في التناقض ان كل أعماله السياسية تشهد على أنه رجل عزم وحزم يعرف ما يريد وكان مستعداً لتحمل الأخطار لتحقيق أهدافه التي يرسمها لنفسه.
وقد يقال في هذا الصدد أن الحظ قد خدم السيد سعيد كثيراً، ولربما كان هذا الحكم تعبيراً آخر للقول بأن السيد سعيد لم يحصل إلاَّ في النادر القليل على نصر عسكري كالم – ولكننا يجب أن نتذكر هنا أن الانتصارات العسكرية ليست أهدافاً بحد ذاتها وإنما هي وسائل لتحقيق أهداف معينة، وعلى هذا فإننا (1/188)
صفحة 189
إذا ما قسنا السيد سعيد بهذا المقياس نجد أنه جسر حروباً أقلَّ وربح معارك أقل من أي قائد آخر في التاريخ. ولذا فنحن لا ننكر أنه نَدَرَ أن حصل على نصر عسكري حاسم، ولكننا إذا أخذنا في الاعتبار ما حققته حروبه من نتائج نجدها جسيمة لا تحصى. فعندما تولى السيد سعيد حكم البلاد كانت تتقاسمها الفتن والأطماع فكان عمه يحكم صحار وأبوه يحكم مسقط، وكانت المقاطعات الشمالية تتمتع بنوع من الاستقلال تحت إدارة شيوخها. وكانت كل هذه الفئات لا يجمعها إلاَّ جامع واحد هو اتفاقها في دفع الزكاة للوهابيين. ولكن السيد سعيد ترك وراءه بعد موته بلداً متحداً متجانساً غنياً بتجارته شاعراً بتماسكه. وليس بين القواد من قبله من استطاع أن يحقق أكثر من ذلك وإن كان الكثيرون منهم قد حققوا الأقل.
ولما تولى السيد سعيد السلطان وجد أن أسلافه كانوا يمارسون على سواحل افريقيا الشرقية نوعاً من السيادة الغامضة طبيعتها، وكانت أشبه ما تكون بالسيادة الاسمية التي تدعى ولا تمارس، وكان أكثر الناس افتخاراً بها أقلهم ممارسة لها. وظلَّت خلال القرنين من الزمان السابقين على ظهور السيد سعيد خيالاً أكثر منه حقيقة.
ولكن السيد سعيد استطاع أن يجعل سلطانه على هذه السواحل حقيقة ملموسة وأمراً واقعاً وأن يمد نفوذه وسيادته إلى أكثر جزر الساحل وإلى داخل البر الأفريقي أيضاً حتى أصبح السيد سعيد الوحيد بين الحكام العرب الذي له امبراطورية بحرية واسعة. وهناك الكثير من القادة العسكريين الذين كانوا يفضلون أن يحققوا لأنفسهم شيئاً من هذا القبيل على أن يربحوا المعارك وحسب.
وفي الواقع فإن هناك اتجاهاً لا سبيل إلى محوه لانتقاد السيد سعيد من وجهة نظر خاطئة. وأصحاب هذا الحكم هم في الغالب من الجنود والبحارة الذين كانوا أكثر الناس صلة به في تلك الأيام – وخلاصة رأيهم أنه لم يستطع إخضاع ممباسة إلاَّ بعد محاولات عسكرية فاشلة متعددة – ولكن فات هؤلاء أن (1/189)
صفحة 190
يذكروا أن هذه البلدة ما إن وقعت بين يديه حتى بقيت في قبضته ولم تستطع الافلات منها بل ولم ترد ذلك.
وعلى هذا يمكن الاطمئنان إلى القول انه لا يمكن النظر إلى أعمال السيد سعيد من وجهة النظر الخاصة. ولكن إذا ما أريد قياس أعماله بمقاييس النبل والصلاح وشرف القصد فإن هناك الكثير من الوقائع التي ترجح كفته في هذه المقاييس الصادقة. فما من أحد له علم بردة فعل البوير ضد الغاء تجارة الرقيق فيها يستطيع أن يتجاهل المرارة والمعارضة اللتين قوبل بهما هذا القرار ثم المحاولات المستمرة للحصول على تعويضات لا حقَّ لهم بها. ومن مقارنة هذا الحال بما أبداه السيد سعيد في هذا الموضوع بالذات من تضحية ونكران ذات يظهر لنا رجحان كفة السيد سعيد في الميزان مع غض النظر عن اختلاف الدين والجنس.
وكذلك فما من أحد له علم بالصعوبات والمساومات التي كانت تحيط بالصفقات التجارية أو اتفاقيات الامتيازات مع الحكومات الغربية إلاَّ وتتملكه الدهشة والإِعجاب للبساطة والكرم العربيين اللذين استطاع بهما هذا الحاكم العربي أن ينجز مثل هذه الأمور. وقد يقال انه ما فعل ذلك إلاَّ تحقيقاً لمصلحته أو مصلحة بلاده، وهذا صحيح دون مراء، ولكن الصحيح أيضاً أننا نجد في تصرفات السيد سعيد ما نفتقده دوماً في تاريخ النفس الانسانية من نبل الدافع ووضح الخطة والهدف.
وعلى هذا فمن الحق أن يقول المرء ان السيد سعيد وجد أمامه مملكة عربية ضعيفة مفككة وتركها بعد وفاته امبراطورية رخية موحدة تضاهي الكثير من الممالك خارج العالم الإسلامي. وهذا هو ميزان نجاحه وشاهد عبقريته.
وقد علمنا التاريخ بوقائعه الثابتة لا بأساطيره بأنماط عديدة من الحكام العرب المستبدين. فإذا أردنا على هذا الأساس أن نعرف أي نوع من الرجال كان السيد سعيد، فلربما وجب علينا أن نتذكر أن سلطته المطلقة كانت بالأسم (1/190)
صفحة 191
فقط وليس بالفعل. أي أنه كان يمتلك هذه السلطة ولكنه لم يمارسها قط فقد كان له أن يستبد بالرأي ويتعسف بالقضاء لو أراد لنفسه ذلك، وكان له من وراثته ونشأته وبيئته ما يعينه على ذلك ويدفعه إليه، لكن الكثير من الروايات المعاصرة المضللة بفكرة أن الاستبداد حتم لازم في طبع كل حاكم عربي لم تستطع إلاَّ أن تشهد بأن السيد سعيد قد استطاع اخفاء هذا الطبع وكتمانه تحت قناع من الطيبة والعدالة وهو قول يريدون به إلى التشهير ليس غير لأنهم فشلوا في تقديم أي واقعة ثابتة تؤيد هذا القول، بل على العكس فإن هناك من أقوال معاصريه ما يقطع بعكس ذلك تماماً. فالطبيب الايطالي فنزينزو (5) والذي عمل في خدمة السيد سعيد في أوائل أيام حكمه وأكثرها نحساً وإحراجاً وصفه بأنه رجل جميل المحيا معتدل القوام ذو بشرة زاهية وكان حسن السلوك بشوشاً وذا إدراك واسع (6).
وقد ذكرت ابنته أيضاً حسن منظره الآسر ولكنها أضافت أن وقار سمته كان يفرض مهابته واحترامه على الجميع (7).
وقد استطاع السيد سعيد أن يترك نفس الأثر في نفس كل من كتب له الاتصال به عن كثب، وان اختلفت، بطبيعة الحال طرق تعابيرهم وأساليب قولهم، وقد وصف أحياناً بالسلوك الرقيق والطبع النبيل كما وصف في أحيان أخرى بجمال المحيا وهيبة الطلعة وكرم الشمائل، لكن ربما كان أحسن وصف وأدقه له ما كتبه عنه شيبرد إذ قال: «وله وجه يتجلى فيه جمال الرجولة وقوتها وله حاجبان غليلظان تشع تحتهما عينان سوداوان كبيرتان وله أنف أقنى وفم مطبق (1/191)
صفحة 192
كل الاطباق يعلوه شارب أشيب كثيث، وتتدلى من تحت الفم لحية طويلة مدببة الرأس يبلغ طولها الست إنشات. ومن بين هذا كله تظهر ملامح الحزم وصلابة الرأي ونبل القصد ومشاعر الرقة وقوة العزم مصحوبة بالبشاشة وصدق العاطفة مما يثير في نفس الرائي كل مشاعر الاحترام والتقدير (8).
والى جانب ذلك فلدينا روايات الكثيرين من زائريه في بلاطه في مسقط أو زنجبار في بعثات دبلوماسية أو عسكرية أو تجارية (9).وتتفق كلها على مظاهر المجاملة في استقبال السيد سعيد لهم فحسب بل وفي مشاعر الحفاوة الصادقة والكرم الوافر. وقد حدث للكابتن روبرتس، الذي رافق السفينة الأميركية التي قصدت مسقط عام 1833، ان فقد بعض متاع سفينته ومدافعها كما أصاب السفينة بعض العطف عند دخولها الميناء، فلما استقبله السيد سعيد وأعضاء البعثة الآخرين وسمع بما وقع خصص لهم داراً خاصاً لسكناهم وزودهم فيها بالكثير من الأثاث والطعام ووعدهم أن يعيرهم أحد سفنه الخاصة للعودة بها إلى بلادهم إذا ما تعسرت إعادة سفينتهم الأميركية إلى حال صالح للإبحار.
وبعد مغادرة الوفد البلاد أمكن استخراج بعض المدافع التي اضطرت السفينة إلى رميها في البحر، فجمعها السيد سعيد وأعادها إلى بمباي كما قد ذكرنا ذلك من قبل.
وبعد ذلك بقليل، وحين أرسل الأنكليز الكابتن هارت إلى مسقط لابطال مفعول أي أثر سيء لأي وعد يمكن أن يكون السيد سعيد قد قطعه لبعثة روبرتس الأميركية روى لنا نفس قصص الاكرام وحسن الوفادة، وحتى الفرنسيون الذين كان السيد سعيد يرتاب في خططهم ويخشى اطماعهم لم يستطيعوا إلاَّ الاعتراف بحسن استقباله لهم ووافر كرمه لهم، هذا الكرم الذي سنسمع الكثير من أخباره فيما بعد. (1/192)
صفحة 193
وقد قيل في بعض الأوساط أن سلوك السيد سعيد هذا ما هو إلاَّ مجاملات شرقية متقنة يراد بها ما عرف عن أهل الشرق من حب للظهور وذيوع الشهرة، والرد على هذا القول بأن اتهامه بحب المظاهر والأبهة يتنافى مع المجمع عليه من أخبار البساطة التي اشتهر بها في ملبسه ومجلسه وجميع مظاهر حياته الخاصة. وقد كانت رعيته تنظر إليه نظرة الأبناء إلى أبيهم لا نظرة الرعية إلى حاكمها وكانت أبواب قصره مفتوحة لمن يرغب في الوفود إليه، ومجلسه اليومي العام عامراً كل يوم بالأعداد الغفيرة من رعيته، حيث يجالسهم ويكلمهم واحداً بعد آخر بكل لطف وبشاشة ويستمع إلى شكاواهم بكل انتباه واصغاء وعلى قدم المساواة بين الجميع من غير تمييز بسبب المركز أو الثروة أو الجاه (10).
وكان ملبسه في غاية البساطة حتى ليصعب التمييز بينه وبين أي من سكان مسقط أو سواحل الخليج، وكان لباسه عبارة عن قباء طويل من القطن يرتدي فوقه معطفاً من الصوف ويلف فوق رأسه عمامة، هي لباس الرأس الشائع في تلك المناطق وحتى الهند وأفغانستان (11).
وقد ذكرت عنه ابنته أنه «كان أمام الخالق مثال الخشوع والتقوى، وكان على العكس من كثير من غيره من السلاطين بسيطاً متواضعاً بعيداً عن التعالي والكبر والجفاء». وتمضي فتضرب عن ذلك مثلاً هو طبعه الذهاب بنفسه إلى دور خدمه وعبيده ليهنئهم بالأفراح أو ليواسيهم في الأحزان (12).
وليس معنى هذا أنه كان يحيا حياة مثالية فضلى، بل على العكس فلم يكن السيد سعيد إلاَّ ابن عصره وقطره، فقد كان ميالاً إلى التصديق بالخرافات كما كان عرضة للتأثر بنفوذ نساء حريمه. ومع هذا ولعلنا نوافق برتون في حكمه (1/193)
صفحة 194
القيم على السيد سعيد من أنه ربما كان على جانب من الذكاء والفطنة وسعة الأفق كخير من انجبته بلاد العرب في تاريخها من الأمراء (13).
ولسنا بطبيعة الحال ممن يعلقون كبير أهمية لا مبرر لها على ما يقال من صنوف المديح والاطراء أو التأبين والرثاء للملوك والأمراء أثناء حياتهم أو بعد مماتهم، إن كانت هذه مجرد أقوال لا تؤيدها شواهد شواهد عملية وقرائن ثابتة من أخلاق الرجل وسمعته بين رعيته وأهل زمانه ومن المجمع عليه من أخباره ومآثره.
وفي تطبيق هذا المقياس على السيد سعيد نجد القرائن الثابتة تذهب إلى أنه كان يتميز بعدد من الصفات التي يندر توافرها عند السلاطين الشرقيين الطغاة وأول الصفات وأهمها حب العدالة والالتزام الدائم بالمثل الأخلاقية الرفيعة، والحادث التالي يصور لنا هذه الناحية في حياة السيد سعيد خير تصوير:
ففي أول أيام حكمه، حيث كان يحاول دون جدوى أن يرد الغزاة عن بلاده، وفي ساعات اليأس خلال احدى حملاته العسكرية غير الموفقة التفت إلى فينزنيزو، طبيبه الايطالي – يسأله الرأي والمشورة، ويقول الطبيب في مذكراته، فاهتبلت الفرصة وعرضت على السلطان أموراً يرفضها الخلق السياسي الرفيع في أوروبا لكونها تعاليم مكيافيلية منبوذة في حين بندر بين الحكام الشرقيين الطغاة من يرفضها لهذا السبب، بل يندر من لا يرحب بالأخذ بها، إلاَّ أن السيد سعيد رفضها في الحال لمخالفتها، حسب قوله – تعاليم الله وأحكام القرآن» (14).
وليس يهمنا كثيراً في هذا المكان أن نعرف مقدار الصحة أو البطلان فيما يوجه إلى الحكام الشرقيين من تهم الاستبداد والطغيان، فإن سيرهم ليست موضوع نقاش في هذا المكان، ولكن الذي نريد أن ننتهي إليه هنا هو ان كانت (1/194)
صفحة 195
هذه الاتهامات باطلة ولا أساس لها من الصحة فإن مكانة السيد سعيد هي بين خيارهم ولا ريب، وإن كانت هذه التهم صحيحة فإن مكانه بين مراتب الشرف يعلو عن ذلك بمقدار كبير.
وكان حبه للعدل والانصاف يفوق ما كان شائعاً ومعروفاً في أيامه، وكان يسم كل تصرفاته. فهناك تكرار ملح ودائم على عدالة أحكامه وقراراته وانصافها وهذا التواتر والإجماع على هذا الرأي يمنحانه الحجية والوثوق. ومن ذلك مثلاً ما ذكره الشيخ منصور عن حبه الدائم للعدل والانصاف واشتهاره برحمة وشفقة تأسران قلوب الناس من حوله ولا يقتصر أثرهما على رعيته المقربين إليه فحسب بل ويمتد إلى جميع عبيده وخدمه (15).وهذه الشهادة تتفق مع ما ذكرته عنه ابنته إذ قالت: وكان يؤثر العدل على كل ما سواه، ويتساوى الناس أمامه في هذا المجال فلا يميز في إقرار الحق بين أعزّ أبنائه وأضعف خدمه» (16).ولهذا فلا عجب إذا ما استأثر بحب أهل مسقط وإكبارهم ففضائله هذه كانت تعوض عليهم ما قد يسببه لهم بعد نظره في المجالات الأخرى من خسائر مادية.
وليس أقل من هذا دلالة على سمو أخلاق السيد سعيد، الاحترام والاعجاب اللذان كان يثيرهما في نفوس الأوروبيين الذين قدر لهم لقاؤه أو التعامل معه والذين كان مصدر إعجابهم به وتقديرهم له ما يتصف به من الوداد والعطف. فقد كان السيد سعيد مسلماً مؤمناً بدينه، ولكن إيمانه بدينه لم يمنعه من تقدير آراء الآخرين ومعتقداتهم. ورغم ما كان عنده ما عند العرب كافة من النفرة الغريزية من الأجانب، فقد كان يستقبلهم بقصره ببشاشة وترحاب تترك في نفوسهم أحسن الأثر وأطيبه، ومع أنه كان هو نفسه تاجراً كبيراً فلم يكن من ضيق الأفق وقلة الرأي بحيث تخفى عنه فوائد الاستفادة من وجود الهندوس في بلاده. وقد عاد هذا الانفتاح الذهبي على تجارة بلاده بأحسن الفوائد، وكان (1/195)
صفحة 196
كرايف أول مبشر مسيحي يدخل ممتلكات السيد سعيد الأفريقية وقد أقر أنه لولا مساعدات السيد سعيد الودية له في كل خطوة لما استطاعت بعثته أن تحقق له لها أمراً.
وقد جنى في التجارة ثمرة سياسته المنفتحة فعادت عليه فراسته بأجزل الفوائد، ولا شك في أن امرأً مثله استطاع بلمحات خاطفات أن يكشف عن امكانات زرع القرنفل ثم استطاع بالمثابرة والالحاح أن ينشر زراعته ومن ثم تجارته ليستحق مثل هذا الثواب الجزيل، وان كان اندفاعه الزائد نحو تشجيع هذه الزراعة قد دفعه إلى مصادرة أملاك الآخرين الذين تباطؤوا في زرعها ولكنه لم يكن بدعاً في هذا المجال فهذا هو الأسلوب المتبع في كل أنحاء العالم وفي كل العصور (17).
ومن الصعب كما سنرى قياس نجاح السيد سعيد، فقد أتمَّ ما كان قد بدأه أسلافه من عقد أو عقدين من الزمان، ففصل، وبصورة قاطعة شؤون الدين عن شؤون الحكم. فهو لم يتول الامامة ولا ادعاها أو سعى إليها، ولعله كان يرى ان التزامات هذا المنصب وواجباته تفوق بكثير ما يحققه له المنصب نفسه من منافع أو سلطان ديني (18) ذلك أن قلبه كان منذ صباه في التجارة ومع هذا فإن لما يثير الدهشة والاستغراب أن يجد المرء رجلاً على هذا القدر من الرفعة والنفوذ ومؤسساً لامبراطورية واسعة الرقعة ثرية، ومع هذا فلا تدر عليه تجارته إلاَّ أقلَّ الأرباح. فقد قدر كرزون ايراده السنوي بحوالي 80 ألف باون وقدرها آخرون في فترات أخرى بما لا يزيد عن هذا الرقم.
وحين زاره الكابتن هارت عام 1834 قدر ثروته بحدود الربع مليون دولار يأتيه 150 ألف منها من زنجبار و 100 ألف منها من مسقط (19) وآخر تقدير ورد إلينا وصل بالرقم إلى 610 آلاف ريال ألماني (20). (1/196)
صفحة 197
وهذه الأرقام تمثل، كما هو ظاهر، خزينة فقيرة الحال، وإن المرء ليعجب كيف تنعدم الضرائب أو تخف إلى هذا الحال في مثل هذه البلاد الثرية. ومما يقال في تبرير هذا الحال أن السيد سعيد لم يكن حاكماً لشعب واحد، وإنما كان رئيساً لقبائل عديدة متفرقة لا يربط بينها النسب بقدر ما تربط بينها المصالح.
وكانت الوحدة أو الشمول أمراً غريباً على أذهان هؤلاء القوم، ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال، أن يكون وضع الضريبة أمراً صعب المنال بعيد الاحتمال. والواقع أن مما يذكر بالاعجاب للسيد سعيد هو فراسته في اختيار الوقت المناسب لفرض ضريبة ما أو الغائها.
وكان الأمر في املاك السيد سعيد الأفريقية أكثر حاجة للروية والحذر، فلم يكن يحكم هناك أنماطاً مختلفة من الشعوب والأجناس فحسب، بل كان بنو قومه أنفسهم يعودون إلى أصول متفرقة وكانوا لا يقبلون بأي نوع من التدخل الذي يحرمهم فرصة استغلال تجارتهم إلى أقصى حدودها وبأقل العوائق الممكنة. ولم يكن للسيد سعيد من القوة العسكرية ما يستطيع به أن يفرض رأيه. فلم تكن الكفاءة العسكرية من خصائصه البارزة، ولذا فقد كان بقاؤه في الحكومة يستدعي نيله رضا رعيته عنه وابتعاده عن إثارة سخطها عليه.
ولهذا كان من الصعب أن نفهم كيف يتيسر للسيد سعيد أن يدير أمور دولته بمثل هذا الايراد الضئيل. والسر في هذا يكمن في أرباح تجارته الخاصة. فقد تحسنت التجارة العامة مع الخارج في البلاد أيام السيد سعيد حتى أن أحد الهنود البانيان دفع في أوائل عام 1827 مبلغ لك (?? روبيه (21) وثمانمائة ألف ريال ألماني مقابل التزام واردات الجمارك في مسقط. وقد ازدادت التجارة (1/197)
صفحة 198
ازدهاراً بين عامي 1840 و 1956 وزادت الثروات وتراكمت الأموال حتى بلغ عدد التجار البانيان في أملاك السيد سعيد في أخريات أيامه حوالي الألفين وكانوا أكثر طبقات السكان ثراء ونفوذاً.
وإذ كان السيد سيعد خلواً من التعصب العرقي فقد أدرك أن مصلحة بلاده تتفق ومصلحة هؤلاء البانيان وأن البانياني الواحد يجر بعده عشرة من بني قومه. ولذلك فقد قدم لهم كل عون وتشجيع ممكن وكان ثوابه على ذلك انتعاش تجارته وتحسن أحوال رعيته.
وليس هذا فحسب، فقد كانت للسيد سعيد تجارته الخاصة به. وكان من المعتاد أن تجد عشر سفن أو أكثر راسية في ميناء مسقط في آن واحد. وكان عدد السفن التي تغادر مسقط يبلغ المائتي سفينة في العام. وقد امتدت التجارة إلى كل أنحاء العالم، فمن ساحل مكران ومالابار كانت تأتي حمولات الأرز إلى مسقط ومعها حمولات الأخشاب والتوابل وغيرها. وكانت التمور هي صادرات عمان الوحيدة، وكان ينقل إلى الشرق والغرب في آن واحد.
ولم يقتصر دور السيد سعيد على تشجيع هذه التجارة فحسب، بل كان مشاركاً فعلياً بها أيضاً «فالامام نفسه هو رأس تجار البلاد ويتحكم بأكبر قسط من تجارته» (22).
ولكن لا يمكن الوصول إلى التقدير الصحيح إلاَّ إذا تذكرنا أن تجارة افريقيا الشرقية أسرع ازدهاراً وأكثر نمواً وأوفر ربحاً من تجارة عمان.
ولم يكن اهتمام السيد سعيد البحري مقصوراً على التجارة فحسب، فقد عانى وتجارته أول أيام حكمه الشيء الكثير من أذى القواسم في البحر بحيث لم يعد يستطيع ضمان استمررا تجارته غير المحمية في البحار.
فمنذ عام 1820 لاحظ فريزر أن لديه خمس سفن فخمة كبار، وفي عام (1/198)
صفحة 199
1831 جعلها شوكيلر إثنتي عشرة سفينة (23) وفي سنة 1834 وضع الكابتن هارت كشفاً مفصلاً بعدد سفن السيد سعيد وأنواعها وأحوالها. فذكر له بالاضافة إلى عشرين سفينة تجارية هي ملكه الخاص، بارجة حربية واحدة وثلاث فرقاطات وسفينة حربية، عدا عن عدد من البغلات البحرية والمراكب التي تحمل كل منها بين الأربعة والعشرة مدافع (24).
ولا يمكن أخذ هذا العدد من الأسطول كأسطول موحد فما من أحد رأى جميع هذه السفن تعمل في وقت واحد، والشائع أنه لم يكن يحتفظ بملاحي سفنه عدا واحدة فقط، فإذا احتاج إلى طلب الباقين بعث في أثرهم (25).
وعدا عن هذا فقد كانت السفن في حال غير صالح فكان أكثرها يحتاج إلى اصلاح كبير ويستغرق أعدادها للإبحار وقتاً طويلاً.
ومع هذا فإن مراقباً بحرياً بريطانياً لاحظ بقلق أن السيد سعيد إذا ما فكر في فرض سيادته على المحيط الهندي فإن بريطانيا ستجد نفسها في وضع حرج إن أرادت أن تنافسه.
وخير مثال لهذا القصور في كفاءة اسطول السيد سعيد يرى من خلال قصة سفينته «ليفربول» وهي سفينة حربية ذات 74 مدفعاً وقد بنيت له خصيصاً في بمباي حوالي عام 1826 (26).ولكن سرعان ما وجد أن الحماس قد تجاوز حده، فقد ظهر أن السفينة أكبر من أن تتحملها سواحل زنجبار الضحلة، ولا يمكن حتى مع العناية والدقة إمرارها من هناك. (1/199)
صفحة 200
ولذلك وبعد عشر سنوات قدمها السيد سعيد هدية إلى الملك وليام الرابع كما ذكرنا ذلك من قبل. وقد أهدى له الملك بدلاً منها اليخت «برنس ريجنت» الذي كان يوصف بأنه أفخم وأجمل ما في الأسطول الملكي من يخوت (27) ولهذا فإنه كان نشازاً في ذلك الأسطول. وقد وصفه برتون (ج1 ص 268) بأنه «أنيق المظهر عقيم الفائدة» ولهذا وبعد سنين أرسل هدية إلى الحاكم العام في الهند (28).
وكان السيد سعيد، في حاته العامة والخاصة، رجلاً حراً كريماً. إذا كان الموضوع موضوعاً سياسياً فإنه يتعمد أن يتجاوز في كرمه الحدود، ليثقل الطرف الثاني في التزاماته. وأحسن مثال نجده في هذا الصدد هو تعهده أن يدفع بنفسه كل نفقات ملاحي السفن الأميركية المحطمة، أو في إهدائه في شهر تموز 1854 للحكومة البريطانية دون مقابل جزر كوريا موريا مع خزين الذرق الهائل فيها والمتراكم فوق أرضها (29).
وهداياه للملوك الآخرين أدلَّة أخرى تنم عن شخصه وطبعه أكثر مما تنم عن مركزه ومقامه.
أما عن الهدايا التي كان يتسلمها من الغير فلم يحالفه التوفيق فيها. فقد أرادت الملكة فكتوريا أن تهديه شيئاً مناسباً فلم تجد ما ترسله له إلاَّ سريراً من البرونز الأصفر الذي احتفظ به في قسم الحريم بالقصر كقطعة أثرية، والذي حظيت برؤيته هناك أول امرأة أوروبية تهيأ لها زيارة قسم الحريم في القصر (30). (1/200)
صفحة 201
والهدية الثانية التي تسلمها السيد سعيد كانت عبارة عن عربة ملكية، وقد تحمل السيد سعيد نفقات استخدام نجارين من الهند ليكتشف أن استعمال هذه العربة في بلاده يقتضيه أولاً أن يفتح لها الشوارع المناسبة، مما اضطر السيد سعيد إلى أن ينبذ وبالتدرج هذا الحمل الباهظ التكاليف فأهدى العربة بدوره إلى إمام حيدر أباد.
وليس أقل من هذا أو ذاك نفعاً كان طقم الشاي الفضي الذي أرسلته إليه الملكة، ولكنه أعيد في ظلام الليل إلى دار القنصل البريطاني لخزنه فيها في محل أمين (31).
على أن علاقته مع الانكليز عادت عليه بنتيجة نافعة واحدة كان جد فخور بها وهي انتخابه في شهر أيار من عام 1837 عضو شرف في الجمعية الآسيوية الملكية.
والفقرة التالية من خطاب رئيس الجمعية توضح مبررات هذا الاختيار إذ قال:
عند وصول الكابتن كوكان من ضباط البحرية الهندية إلى هذه البلاد يقود السفينة ليفربو، هدية من إمام مسقط إلى ملك انكلترا، فإن مجلس الجمعية اغتنم الفرصة فرفع إلى الجمعية توصيته بانتخاب صاحب السمو الإمام عضو شرف في الجمعية تقديراً منها لما قدمه سموه من تشجيع للعلوم والفنون في بلاده وخاصة في حقل الملاحة وبناء السفن. ودليلاً على تقديرها العظيم لرغبة سموه في فتح مجالات التعاون بين بلاده وبريطانيا، ولمشاعر الصداقة التي يبديها دوماً لكل الآسيويين والأروبيين من رعايا الامبراطورية البريطانية (32). (1/201)
صفحة 202
ويقال ان السيد سعيد كان متلهفاً للانضمام إلى أية جمعية تعرف الأوروبيين به وتزيد من اعتباره في عيونهم ولذلك فإنه لم يتأخر عن قبول العضوية في جمعية الملاحة الفرنسية.
ولا شك في طموح السيد سعيد وتطلعه دوماً إلى العلاء، ولكن يجب أن نذكر أن طموحه هذا لم يؤثر في شيء على نبل خلقه وشرف قصده وبالنسبة لموضوع جمعية الملاحة فقد أهلته لعضويتها الشروط السهلة التي وافق عليها في معاهدته مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك مساعداته القيمة للباخرة الأميركية بيكوك عندما ارتطمت بالأرض (33)، ولكن المثال الظريف في هذا الصدد أنه انتخب عضو شرف في جمعية الآثاريين المنقبين فرفض العضوية لأنه كما قال «لا يريد أن يكون عضواً في عصابة من نباشي القبور وسرَّاق الجثث والتوابيت» (34).
وهناك كما في أي مكان آخر نقول أنه لا فائدة من محاولة نفي القصور والهنات عن صفاته، فقد كان للرجل، كما لغيره هنات وقصور، ولكن وفي نفس الوقت لا فائدة أيضاً من تعقب هذه الهنات وكشفها، فقد كان الرجل كما قلنا ابن عصره وبيئته ومركزه وكان نتاج وراثته وطباعه. ولكن المفيد أن ننهي هذا الكتاب بقولنا أن السيد سعيد رجل عادل شريف ومقدام، وكسياسي ذكي وقائد جريء ورجل أعمال ناجح وحاكم أمين ورب عائلة حنون وفاعل خير (1/202)
صفحة 203
كريم، فإنه يستحق بكل جدَّية واحترام، أن يلقب بعمر الثاني أو بهارون رشيد زمانه أو محمد علي بلاد العرب (35).
? ? ? (1/203)
صفحة 204
[صفحة بيضاء] (1/204)
صفحة 205
الملحق |أ|
بعض شهادات الكتاب المعاصرين
فيما يلي بعض شهادات الكتّاب المعاصرين ممن قدّر لهم لقاء السيد سعيد:
1 - الشيخ منصور: وهو فيزينزو موريزي، طبيب من أهل روما اتخذ اسم الشيخ منصور وصار القائد العام لجيوش السيد سعيد بن سلطان للمدة من 1809 – 1814:
(ص 18) كان السيد سعيد شاباً حلول الملامح معتدل القوام بشوش الميحا فياض الحيوية جذَّاب المعشر. وكان يتمتع بادراك سليم للأمور وبرغبة في الاستزادة من المعرفة. وهذا ما جعله ميّالاً إلى الاستفسار من الأوروبيين الذين يفدون على مسقط عن المور التي لا معرفة لأهل بلاده بها.
وكان حبه الدائم للانصاف والعدل مع اشتهاره بالرحمة والحنان يأسران قلوب الناس كافة ولا يقتصر أثرهما على المقربين إليه فحسب، بل ويمتد إلى الجميع وحتى الخدم والعبيد.
(ص 73) وفي هذا المكان – بركا – كان لي لقاء وحديث مع هذا الأمير العاثر الحظ الذي كان في وضع يرثى له حقاً. وقد سألني الأمير النصيحة والرأي فيما ينبغي عليه عمله للخروج مما هو فيه من محنة شاملة تهدد بالقضاء عليه قضاءً مبرماً. (1/205)
صفحة 206
وإذ شعرت بالحرية فقد اغتنمت هذه الفرصة واقترحت عليه اتخاذ بعض الخطوات العملية التي وإن لم تتفق مع الأخلاق السياسية في أوروبا لاعتبارها أساليب ميكيافيلية منبوذة فإنها ولهذا السبب يندر أن يرفض الأخذ بها حكام الشرق الطغاة.
لكن السيد سعيد سرعان ما أدرك مخالفة هذه المقترحات لأحكام القرآن وأوامر الله فأبدى رفضه لها.
ورغبة مني في امتحان صدق نواياه ومتانة مشاعره الدينية ومدى تمسكه بها فقد أجبته أن الأمر إذا تعلَّق بمصلحة الملوك والشعوب وتعارضت هذه المصلحة مع تعاليم الدين فإن الضرورات تبيح لنا أن نقارن بين ضرورة هذه وتلك فنتجاهل بعض الوقت تعاليم الدين. ولكنه، وقبل أن أنتهي من كلامي، قاطعني محتداً غاضباً وأبدى اشمئزازه من آرائي هذه مصرحاً بكل جرأة ووضوح أنه يفضل أن يخسر ملكه وحياته على أن يخالف أمراً من أوامر الله أو أن يعمل غير ما يمليه عليه الضمير.
2 - هيود: (زار مسقط عام 1816):
(ص 26) رجل متوسقط العمر له مظهر أخّاد ويمتاز سلوكه بالبساطة وعدم التصنع.
3 - سالدلر: كابتن في الجيش البريطاني. وصل مسقط في 7 أيار 1819:
(ص 7) وعند نزولنا إلى البر استقبلنا الوزير وقادنا إلى قصر الامام. حيث كان سموه وأخوه جالسين بانتظارنا في نهاية الرواق. وكانت الغرفة المفروشة بالسجاد الثمين قد جهزت بالكراسي أيضاً. وكان استقبال سموه لنا ودياً وبعد أن استفسر عن صحة كل منا بكل لطف واهتمام، قدم لنا أخاه السيد سالم والوزير الشيخ علي بن فاضل. ثم عبَّر لنا سموه عن أسمى المشاعر التي يحس بها للعلائق الودية والفهم الصحيح القائمين بين عائلته وبين حكومة الشركة المحترمة والتي يعتبرها السند الدائم له. (1/206)
صفحة 207
(ص 16) وفي مساء اليوم الرابع عشر أسر سموه إليّ برغبته في تشريفي بزيارته لي في منزلي. ومع أن مأواي الأسخم لم يكن مما يليق باستقبال سموه، فانني كنت مضطراً أن استقبل آية الود والتواضع هذه بأحسن مكان يتهيأ لي في مسكني الأسود المتهدم.
وكان سلوك الإمام أثناء الزيارة ودياً وتصرفاته متواضعة وهو يظهر دوماً وكأنه في أحسن طبع وأطيب مزاج ولا تظهر عليه إمارات الغضب إلاَّ عند ارهاق العمل له الذي لم يكن قليل التعرض له لأنه في الواقع يدير بنفسه جميع الأمور وحتى التافهة والضئيلة منها.
وكان خلال الزيارة يبدو في أحسن حال من الهدوء والانشراح ولذلك فقد حرصت على أن لا أعكر مزاجه هذا باقحام الأمور الرسمية في الحديث ولا حتى بالتعبير عما أشعر به من قلق بسبب تأخر مكوثي.
وعند المغادرة اعتذر لي سموه عن رداءة المساكن الموجودة في عمان.
4 - فريرز: زار مسقط عام 1821:
(ص 20) كان لباس الإِمام هو الزي العربي البسيط، قميص أبيض طويل من القطن له فتحة عند الصدر مغلقة بالأزرار حتى الرقبة. ويمتد القميص إلى ما تحت الركبة وله كمان واسعان. ويلف حول وسطه حزاماً من القماش المنقوش بنقوش زرقاء ينتصب فيه خنجر فضي بديع الصنع وذو شكل خاص فهو عريض أعوض. وقد اعتمَّ سموه بعمامة من قماش قطني ذي نقوش زرقاء طرزت حوافيها بنقوش حمراء وخضراء وصفراء. ويركن إلى جانبه سيفه في غمده الأسود البسيط.
وللإمام شخصية قوية جذابة ولكنها بعيدة كل البعد عن القسوة والصرامة فملامحه بشوشة هادئة وسلوكه رقيق ورصين. وبشرة وجهه – مثل كل العرب الآخرين – سمراء ميالة للصفراء الخفيفة، وعيناه سوداوان معبرتان وإن كانتا تبدوان في بعض الأحيان ناعستين حالمتين بسبب أهدابهما الطويلة وجفونهما (1/207)
صفحة 208
الثقيلة، على العكس من العيون العربية المعتادة التي تتميز بلماحيتها ونفاذ نظراتها وسرعة حركتها.
وكانت لحيته طويلة سوداء دون ما صبغ، وكان ما يحيط بفمه من شاربه ولحيته قد شذب قليلاً فأظهر أيضاً بعضاً من خديه، وهي طريقة في الحلاقة خاصة – كما أنبئت – ببعض القبائل دون غيرها، وكان عمره على ما أقدر لا يتجاوز الخامسة والثلاثين.
وكان قد عهد إلى الدكتور أندرو جيوكس. رئيس بعثتنا الموفدة إلى إيران أصلاً، أن يقدم إلى الامام سيفاً ثميناً هدية من الحاكم العام للشركة اعترافاً بدور الامام في قضية الكابتن تومسون وبطولته في مساعدة جيوشنا في حملتها تحت قيادة الجنرال سميث.
وبعد أيام أعاد الامام الزيارة لرئيس البعثة، وهي التفاتة كريمة لم تكن نتوقعها. وقد وصل إلينا دون أية مراسيم وبكل بساطة وفي زورق مفرد ذي عشرة جدافين ولم يكن معه أحد غير وزيره وابن أخيه وهو صبي صغير. وقد قدمنا له الاعتذار لعدم تمكننا من استقباله استقبالاً يليق بمقامه فأجاب أنه لم يجيء لرؤية سفينة فخمة أو مكان فخم أو يتلقى تحيات وافرة وإنما جاء ليزور جماعة من الأصدقاء، ولذا يستوي عنده إن كان في قصر عظيم أو في ذلك الركن المهمل (وأشار بيده إلى أحد الأركان وهو يتكلم).
5 - أوين: كابتن بالبحرية الملكية زار مسقط عام 1822:
(ص 341) كان السلطان أيام زيارتي لمسقط في حوالي الأربعين من عمره وهو على حظ كبير من الرقة والأدب وهو واضح في معاملته وصريح في مخاطبته وقد ألحَّ على الكابتن بقبول بعض الهدايا البسيطة والتي يعتبر الامتناع عن قبولها إهانة للسلطان. وقد أهداه الكابتن أوين مقابل ذلك هدية هي نسخة من الأنجيل باللغة العربية.
وقد بدا السلطان مسروراً بهذه الهدية لا لأنها ستغير من عقيدته الدينية (1/208)
صفحة 209
شيئاً ولكن لأن القرآن يذكر أن الأنجيل كتاب مقدس ويحوي كلمات الله.
ومقابل ذلك أهدى السلطان إلى اوين سيفاً ثميناً صنع نصله من الحديد الدمشقي وطليت قبضته بالذهب الخالص.
وقبل مغادرتنا مسقط جاءنا السلطان إلى ظهر السفينة في زيارة رسمية، وقد استقبلناه برجالنا على مدخل السفينة – ليفين – التي زينت بأحسن يزنتها ولكننا لم نستطع أداء التحية له بسبب عدم ضبط الوقت. وقد كانت استعداداتها لهذه الزيارة مضحكة نوعاً ما إذ كان لدينا على ظهر السفينة أعداد كثيرة من الخنازير، وكان علينا أن نضعها في القوارب لنخفي عن السلطان منظرها القبيح.
6 - كييل:
(ص 14) ولقد كرر مراراً أنه والانكليز شخص واحد وأن أملاكه وسفنه وكل ما يملك هو لنا.
وأشد ما أعجبنا في الإمام رقة طبعه وكلامه المؤدب البعيد عن الاصطناع وهو محبوب كل الحب من رعيته التي تذكر دوماً بأشد الاعجاب والاكبار عدله وانصافه أما عن قيامه باغتيال أقربائه فتعتبره الرعية من «الخلافات العائلية» ولا ترى فيه ما يقلل من شأنه كأمير ذي سلوك لطيف مسالم.
ويتمتع الانكليز الذين يزورون مسقط بعطف الأمير فيجهزون بالخيول من اصطبلانه.
7 - مكنان: كابتن في جيش بومباي زار مسقط عام 1825:
(ج1 ص 63) وفي عام 1825 ونحن في طريقنا إلى بلاد تركيا العربية زرنا مسقط وقد دعيت المسز مكنان لزيارة حريم صاحب السمو سلطان مسقط. ولم يكن لسموه آنذاك إلاَّ زوجة واحدة وإن كان الشرع يبيح له الزواج بأربع ولكنه كان يتفاوض للزواج بأميرة من شيراز. (1/209)
صفحة 210
وقد ذهبنا، المسز مكنان وخادمتها الهندوستانية وأنا إلى القصر حيث كان السيد سعيد بانتظارنا. وبعد الانتهاء من مراسيم الترحيب المعتادة بما في ذلك شرب القهوة والشرابات نهض سموه وأمسك بكل لطف ورقة بيد المسز مكنان، ومضى معها تصطحبهما الخادمة إلى قسم الحريم حيث اجتازا في طريقهم إليه مختلف أقسام القصر ثم انتهوا إلى باب كبير يسده غلق ضخم كبير لا يقل طوله عن القدم الواحد.
وقد انفتح هذا الباب عن سلم طويل ينتهي بدوره إلى باب آخر سميك وواطئ وعليه غلقان ضخمان. وكان يقف خلفه بانتظارهم شابان وسيمان قوياً البنية من خصيان القصر هما الرجلان الوحيدان اللذان يسمح لهما باجتياز باب سمسم والولوج إلى داخل هذ القسم المصون من القصر قسم الحريم.
وكانت أرضية هذا القسم مفروشة بالسجاد الثمين الفاخر نوعه والرائع صنعه وكانت قطع السجاد الكاشان الزاهية منقوشة بالأزهار البارزة في شكل غريب ولون زاه خلاب. وبالقرب من نافذة تعلوها شبيكة نحاسية رقيقة الصنع دقيقته، وتطّل على بحر عمان، نصبت طاولة وضعت عليها مختلف الحلويات العربية ووضعت أمامها ثلاثة كراسي انكليزية الطراز. أجلست المسز مكنان على الأول منها وجلس الإمام على الثاني في حين احتلت ملكة عمان الكرسي الثالث دون أبهة أو مراسم. وجلست أمه على الأرض إلى جانبها في حين كانت خادمتنا الهندوستانية تجلس مثلها على الجانب الآخر عند قدمي سيدتها.
وتقول المسز مكنان:
«ولم أكن وقت ذاك أستطيع النطق بكلمة عربية واحدة، ولذلك تولت خادمتي الهندوستانية دور المترجم بينا. وكان يقف غير بعيد منا جمع من النساء وجمع مثله من الأطفال من كلا الجنسين. ينظرون إليّ في دهشة وعجب فقد كنت أول امرأة أوروبية أدخل قسمهم الحريمي هذا. ومع أنهم كانوا جميعاً يرتدون فاخر اللباس وفي أزياء مختلفة فليس بين الوجوه ما هو جذاب أو جميل. وكانت السمنة تغلب على بعض النسوة وكن يظهرن أكثر جمالاً من غيرهن. أما (1/210)
صفحة 211
«صاحبة السمو» فلم تكن على شيء من الجمال البتة بل هي على التأكيد أبعد إمرأة عن الوسامة وقعت عليها عيناي.
ولكن أنَّى للعين أن تفطن - إلاَّ في نظرة خاطفة – إلى جمال وجهها إذ يبهرها هذا المهرجان المتلألىء من الحلى والجواهر الذي يغطي جسمها والذي لا تستطيع إلاَّ لكات من الروبيات أن تشتري نصف ما كانت تتحلى به من فريد الجواهر واللآلئ. فزمردة واحدة، هي واسطة عقد طويل من الزمرد والياقوت والماس كانت أكبر في حجمها من بيضة الحمام. وكانت قدماها وكاحلالها كاسيتين باكوام الحلي والذهب بحيث لم يعودا يحتاجان غطاء آخر، وكان ذراعاها حتى المرفقين حيث ينتهي الكم الضيق بجسم مشدود مكسوين بالأساور والحلي.
وكانت تلبس فستاناً من الحرير الأزهر اللون يتصل به ذيل طويل من الطيلسان الأرجواني وضعته على ركبتيها أثناء جلوسها.
واستكمالاً للانسجام فقد لفت كتفيها بشال من الكشمير الثمين الذي تتدلى نهايتاه في حجرها.
وكانت تضع على عينيها شيئاً فظيعاً (والواقع أن كل النسوة الحاضرات كن يضعنه على عيونهن أيضاً) وهو أشبه ما يكون بنظارات عريضة الحافة ولكن هذه النظارات مصنوعة من قماش أسود صلب مطرز بالذهب الكثير. وهذه النظارات الفريدة تلبسها النسوة في حضرة الامام ويخلعنها حين يغيب. وهي تغطي بعضاً من الأنف وتشد من الخلف بخيطين رفيعين مثل الأقنعة التي تلبسها في بلادنا.
وقد أدهشني كثيراً منظر احدى الغرف التي أخذت إليها، إذ علق فيها عدد من الثريات الثمينة، يزينها عدد من النوافذ الزجاجية الكبيرة التي يمتد زجاجها الداكن من أعلى الحائط حتى أسفله.
ولم يكن في الغرفة من أثاث خشبي إلاَّ سرير خشبي كبير مركون في احد أركان الغرفة. وكان فراش الغرفة التي يمتد حولها ويرتفع حوالي الثلاث عقد (1/211)
صفحة 212
عن أرض الغرفة مغطى بأفخر السجاد الايراني الذي يشابه في نسيجه نسيج الشال الكشميري. وعلى الفراش صفان من الوسائد الصف الأول القريب إلى الجدار مصنوع من الحرير الملون في حين صنع الصف الأمامي من الحرير الأبيض وقد طرزت كلها بخيوط الذهب، وكذلك صنعت أطرافها وشراباتها.
(ج 2 ص 234) ومع ما يتصف به صاحب السمو من الرقة ودماثة الخلق فإنه لا يفتقر إلى الشجاعة وصلابة العزم حين تقتضي الظروف ذلك.
(ص 235) يتسم السيد سعيد بدماثة الخلق في أرقى صورها. وهو في الوقت نفسه شديد التمسك بتعاليم الدين الاسلامي. ويذكره أتباعه بكل حب وإخلاص كما يذكر الأطفال آباءهم. وهو يمارس القضاء بينهم بنفسه ويراقب بكل دقة صحة تطبيق القوانين وتنفيذ الأحكام. ولكن حين يقع أحد رعيته في ظروف مالية حرجة فلا يتوانى عن إقراضه حاجته من المال ليسددها بعد ذلك حين تستقيم أموره ودون أي فائدة على المال.
وباختصار فإن السيد سعيد في جميع تصرفاته يقف فريداً بين الحكام الآسيويين مما يجعله – يحق دون منازع – الأسد الأكبر في الشرق.
(ص 239) ومع أن السلطان الحالي السيد سعيد قد بذل قصارى جهده لمنع تجارة الرقيق، فإنها لا تزال تزاول على نطاق واسع بين سواحل شرق أفريقيا وعمان، فكل عائلة في مسقط تقتني اثنين أو أكثر من العبيد من كلا الجنسين.
ولكن طريقة معاملة العرب عبيدهم طريقة مثالية في الطيبة وحسن المعاملة وتكشف عن أصالة سجايا العربي، فهو أحسن سيد مالك.
فمن المعتاد في بلاد العرب أن يصل العبيد إلى أرقى مناصب المسؤولية والجاه. وأكثر السفن التجارية العاملة بين هذا الساحل والهند وأغلاها حمولة يقودها العبيد الذين يعودون لأسيادهم بأرباح من تجاراتهم وحملاتهم تفوق كثيراً ما يقدمه الربابنة الانكليز المستخدمون عند العرب من أرباح إلى مالكي (1/212)
صفحة 213
سفنهم. وقد أقنعتني إقامتي في بلاد العرب أن العبيد فيها سعداء في حالتهم وحياتهم وإذا ما قورن حالهم بأحوال المزارعين الأوروبيين فأنا على يقين أن العبيد في بلاد العرب أسعد الفريقين حالاً.
8 - ستوكيلير: زار مسقط عام 1831:
(ص 4) وكان سموه قد سمع بالثورة الفرنسية لعام 1830 وكان همه أن يعرف ما إذا كان ملك انكلترا قد وافق على الاعتراف بلويس فيليب وعماَّ إذا كانت الثورة قد امتدت إلى الأقطار المجاورة.
(ص 5) وهو رجل رقيق المظهر نبيله في حوالي الأربعين من عمره وهو حاكم عادل ويحترمه أهل مسقط أعظم الاحترام ويجتمعون على عدالة تصرفاته وانصاف أحكامه وسخاء يده ورغبته في اصلاح أحوال رعيته وتسامحه مع الأديان الأخرى.
(ص 256) وحكومة الإَمام أرفق حكومة استبدادية ممكنة، وتبدو رعيته الخاضعة له في منتهى السعادة.
9 - روبرتس: كان رأس البعثة التي أرسلتها حكومة الولايات المتحدة الأميركية، إلى مسقط في أيلول من عام 1833:
(ص 358) وكل الأديان الأخرى ليس مسموحاً بها في مملكة السلطان فحسب بل أنها فوق ذلك تتمتع بحماية سموه بالذات. ولذا فليس هناك من عائق البتة يمنع المسيحي أو اليهودي أو غيرهما من ممارسة شعائر دينه او إقامة المعابد.
(ص 360) كان الهدف الوحيد لزيارتنا هو تأمين عقد معاهدة تجارية مع صاحب السمو السيد سعيد بن سلطان، والحصول منه على تخفيض في مقدار الرسوم وأجور الميناء التي كنا ندفعها على بضائعنا والنزول بها إلى مستوى أكثر الشعوب حظوة.
وقد حدد السلطان ظهر اليوم التالي ليوم وصولنا موعداً لمقابلته لنا وقد (1/213)
صفحة 214
ذهبت إليه وبمعيتي الكابتن كيسنكر والكوماندور شيلدز، وربان سفينتنا – بوكسر، وقد وجدنا السلطان وابنه الأكبر ووالي بركا وعشرة من رجاله يكونون حاشيته أو ديوانه جالسين في الرواق المقابل للميناء.
وكان الوالي ورجال الحاشية يجلسون على كراسي متقابلة وكان السلطان يجلس لوحده في ركن يبعد عنهم حوالي العشرة أو الأثني عشر قدماً. فما أن دخلنا المكان حتى نهض من مجلسه في الحال ومشى وخلفه حاشيته إلى نهاية الرواق حيث التقانا واستقبلنا بكل حفاوة وصافح كل فرد منا. ولم يكن هناك انحناء أو تقبيل للأيدي أو زحف على الأقدام أو خضوع مشين كخضوع العبيد، وإنما كان وقوفاً نحي بعضنا بعضاً تحية الرجال الأحرار الأنداد.
ثم جرت المجاملات والتحيات المعتادة وقدمت لنا القهوة والشرابات وقد جلست بالقرب من سموه وإلى يمينه وسرعان ما دخلنا عن طريق الترجمان الكابتن خلفان – في حديث خاص عن مهمة البعثة (بعد تقديم أوراق اعتمادي اليه).
وقد وافق السلطان في الحال على جميع رغباتنا في معاملة بضائعنا على نفس الأسس التي يعامل بها الانكليز أصدقاءه المفضلين، أي بالاقتصار على دفع ضريبة قدرها 5% فقط على البضائع المفرغة في الميناء دون أي ضريبة أو رسم آخر مهما كان سواء على البضاعة الموردة أو المعاد تصديرها بما في رسوم قيادة السفن.
ولما وصلنا المادة الخامسة من المعاهدة المقترحة والتي تتعلق برجال السفن المحطمة أو المعطوبة اعترض السلطان في الحال على القسم المتعلق منها بوجوب قيام حكومتنا بالدفع إلى السلطان بجميع المبالغ التي تقضي الضرورة بصرفها على هؤلاء الملاحين لاعانتهم واعاشتهم أو لتمكينهم من العودة إلى الولايات المتحدة، وقال أنه يرغب في تعديل هذه المادة بحيث تجعله ملزماً بحماية وإعاشة هؤلاء الملاحين وتأمين عودتهم إلى بلادهم دون أي تعويض. وأشار (1/214)
صفحة 215
إلى أن وجود هذه المادة بشكلها المقترح ينافي التقاليد العربية وحقوق الضيافة الواجبة. ولذلك عدلت هذه المادة حسب رغبته.
ويبدو السلطان في سلوكه رقيقاً هادئاً وان تكن شجاعته لا شك فيها كما ثبت ذلك في حروبه مع الوهابيين حيث أصيب بجروح بالغة أثناء محاولة باسلة منه لانقاذ أحد الجنود المدفعيين البريطانين من قبضة القبائل العربية.
وقد اشتهر السلطان بحبه الشديد للعدل وبسلوكه الانساني ايضاً، وهو محبوب من رعيته.
وينظر السلطان إلى التجارة نظرة عملية متفتحة فهو لا يكتفي بإزالة العقبات التي تقف في طريق تقدمها فحسب، بل ويعمل أيضاً جاهداً على تشجيع الأجانب ورعيته على حد سواء على ممارستها.
10 - هارت: كابتن بالبحرية الملكية (مختارات ص 274) وصل زنجبار في 30 يناير عام 1834:
(ص 275) وقد استقبلني صاحب السمو وحاشيته على درجات الشرفة وبغاية الرقة والوداد، إذ نهض واقفاً وصافحني ثم أشار إلى الطريق الواجب عليّ سلوكها وتبعني إلى غرفة طويلة حيث أجلسني في نهايتها إلى يمينه.
وبعد عدة أسئلة عن صحتي وعن رجائه بعدم تعرضي للأذى خلال السفرة، بدأ الكلام بالإعراب عن سروره لرؤيته سفينة انكليزية وزاد سروره حين علم أنها مسلحة أيضاً. وهو دوماً يعتبر الأنكليز أحسن أصدقائه ويسعده أن يراهم كل حين وأن يمنحهم ما يستطيع من الرعاية والاهتمام.
(ص 276) اكتست السفينة ايموجين حلة باهرة من الزينة منذ الساعة الثامنة صباحاً تكريماً لتشريف سموه إليها. وفي الوقت المحدد ظهرت الزوارق المرافقة لسموه ونزل هو من اليخت الذي كان يرفرف عليه علمه الأحمر وكانت الزوارق الأخرى ترافقه على صفين. (1/215)
صفحة 216
وقد استقبل بتحية الأمراء وكان الضبَّاط بكامل زيهم الرسمي. وكان يرافقه في زيارته هذه اثنان من أولاده والوالي وهو عمه وبعض الحاشية.
وقد انتقلنا من ظهر السفينة إلى إحدى المقصورات حيث جلس الجميع لبعض الوقت. وقد دارت المرطبات لكن أحداً لم يأ خذ من المرطبات شيئاً لأنهم كانوا في شهر الصيام الكبير.
وقد بدأ سموه الكلام بشكري على عظيم عنايتي واهتمامي، وأنه لا يستطيع التعبير بما فيه الكفاية عما يشعر به، ولكن عواطفه من صميم قلبه.
(ص 277) في هذا الوقت (شباط 1834) يبلغ الامام – الى حد قول ترجمانه الرابعة والأربعين من العمر، ولكنه يبدو أكبر من ذلك.
وهو طويل القامة قوي البنيان نبيل المظهر، بشوش الوجه نظيف وذكي وعيناه حادتان وهو لطيف وبهيج في حديثه. وهو كثير الارتباط بالانكليز وكل ما هو انكليزي. ويبدو وكأنه يفخر حين أخبرني «أن جميع سروج خيله معمولة في انكترا» وقد جرح قبل سنوات أثناء حملة عسكرية له مشتركة مع الأنكليز ويبدو وكأنه يود اعتبار نفسه انكليزياً في كل شيء. وقد قال انه ينظر إلى الانكليز على أنهم أخوته. وهو مستعد أن يعطيهم عن طيب خاطر بلاده.
11 - روشنبرجر: الطيب في بعثة الولايات المتحدة الأمريكية للتجوال حول العالم زار مسقط عام 1835:
(ص. .) وبعد الظهر من نفس اليوم كان لي ولمستر روبرتس شرف مقابلة السلطان. وقد استقبلنا سموه في الديوان المقابل للميناء وبمنتهى الاخلاص والمودة. وأبدى الكثير من العواطف لما لاقيناه من أذى ومتاعب أثناء سفرتنا. ولم تبق طريقة ممكنة لابداء العون لنا إلاَّ واقترحها سموه وأ صرَّ على تنفيذها لا السلطان وحده فحسب، بل وولداه ووالي مسقط وجميع من كان في (1/216)
صفحة 217
الديوان من حاشيته الذين كان المستر روبرتس قد تعرَّف عليهم في زيارته الأولى.
وبعد ذلك أومأ السلطان من مجلسه إلى إحدى بوارجه الحربية الكبيرة الراسية أمامنا في الميناء وقال انها ستتولى نقل رجال سفينتنا – بيكوك – إلى الولايات المتحدة في حال عدم امكان اصلاح سفينتهم. وفي سبيل عدم تأخير البعثة عن أعمالها فقد أمر سموه بتخصيص سفينة كبيرة أخرى لتنقلها إلى الأماكن التي ترغب بزيارتها ولتعود بها من ثم – وبعد انتهاء جولتها – إلى الولايات المتحدة، كما وأمر أن تهيأ دار بكل ما هو ضروري لها من الأثاث واللوازم لسكن المستر روبرتس أو أن يهيأ له جناح خاص في إحدى السفن في الميناء إذا كان المستر روبرتس بفضل الاقامة في البحر. ولكن بسبب الحر القاسي في المدينة فقد اعتذر المستر روبرتس شاكراً عن قبول كلا العرضين ما لم يتأكد أولاً عن مصير السفينة بيكوك.
وفي يوم 28 من هذا الشهر زار سموه المستر روبرتس في دار الكابتن خلفان. وتعتبر أمثال هذه الزيارات في نظر العرب على أنها أكبر تكريم يمنحه السلطان لفرد ما. وكدليل ثان على عطف سموه، فقد كانت مائدة المستر روبرتس تزود من القصر السلطاني بأحسن ما تنتجه المدينة من أصناف الطعام والفاكهة.
وخروجاً عن السياق الزمني للأحداث فإنني أود أن أسجل هنا مأثرة أخرى من مآثر هذا الأمير العربي وهي أنه عندما اضطررنا إلى رمي مدافع سفينتنا إلى البحر، فقد ربطنا كل مدفع منها بطوافة على أمل العثور عليها واستعادتها ثانية ولكننا حين رسونا في مدينة مسقط كانت المدافع تبعد عناَّ بحوالي العشرة أميال. ولم تكن زوارقنا كافية لحملها وخاصة في وجه نشاط عصابات القراصنة الذين لا نأمل منهم الرحمة، ولذلك فقد تركنا المدافع يائسين من استعادتها. لكن السلطان صمم على ألاَّ نفقدها. وقد أمر بها فسحبت وأرسلت إلينا في بمباي حيث استلمناها مع الرسالة التالية التي حملها إلينا أحد (1/217)
صفحة 218
ضباط البحرية بعد أن حصلنا على المدافع من مخازن شركة الهند الشرقية المحترمة.
مسقط 6/ 11/1835
من السيد سعيد بن سلطان
إلى الكوماندور أي. بي كنيدي.
سيدي وصديقي الوافر التبجيل أرجو الله تعالى أن يحفظكم وأن تكونوا بكامل الصحة والعافية والهناء.
وبعد، فإني أرسل إليكم هذه الرسالة للسؤال عن صحتكم وعزيز خاطركم وحالكم وهلم جرا.
إن السفينة التي أرسلناها إلى محل وقوف سفينتكم بيكوك قد عادت اليوم وجلبت معها 11 مدفعاً وعشر صواري مكسورات. وسنرسل لكم السلاسل حال العثور عليها. وقد شَحَنَّا على ظهر السفينة المسماة لورد كاستيل أحد عشر مدفعاً لتسليمها اليكم. وقد دفعنا من قبلنا أجور النقل كافة. نرجو الاستلام. ونظن أنه لا لزوم لإرسال الصواري لأنها لا تصلح لشيء.
سعيد بن سلطان
12 - نوستيز: كانت قبلاً زوجة الدكتور هيلفر ورافقت زوجها في سفرته إلى الشرق وقد زارا مسقط عام 1836:
(ج2 ص 6) وكان إمام مسقط يذكر على أنه أشهر الحكام في الشرق وأنه الأمير الشرقي المثالي الذي يجمع بين أطرافه العدالة والجرأة والشجاعة مع التواضع الأبوي. كما يقال انه كان كريماً منفتحاً مع الأوروبيين ولم يسبق لأحد في مملكته الواسعة أن أعدم بسبب معقتداته الدينية فقد كان متساهلاً مع الأديان الأخرى على الرغم من أنه – بوصفه الرئيس الروحي لطائفته – القدوة لرعيته في المحافظة على تعاليم دينه. . وهو بسيط في تصرفاته يسمح لأي كان بالوصول إليه والجلوس معه حتى ولو كان شحاذاً.
(ص 9) وبعد مسير ة قصيرة وصلنا إلى القصر حيث أعلن خبر وصولنا، (1/218)
صفحة 219
وصعدنا سلماً خشبياً غامق اللون وغير نظيف تماماً قادنا إلى الطابق الثاني من البناية، حيث كانت الغرف فيه مفتوحة على مصراعيها.
وقد اجتزنا عدة غرف خالية قبل أن نصل صالة كبيرة كان فيها جمع غفير من النساء وكن خليطاً مختلطاً وغريباً في الأعمار والسمات والأزياء وكان معهن بعض الأطفال أيضاً.
وقد قدرت أن مجموع الحاضرات والأطفال يزيد على المئة وكلهنَ جواري الإمام مع وصيفات زوجة الامام الشرعية والأميرات. وقد نهض الجميع عند دخولنا واصطفوا على جانب واحد ليفسحوا لنا طريق المرور. ولم يسمح لي عبورنا السريع في الغرفة أن ادققَ النظر فيهم.
ثم فتحت احدى النسوة باباً في الطرف الآخر من الغرفة أدى بنا إلى قسم الحريم أي الجناح المخصص لزوجة الامام الشرعية. وكانت هناك أربع نسوة هن أم الامام وزوجه وابنته وإحدى أخواته.
وكانت أم الإمام ترتدي ملابس غامقة اللون ودون أي زينة أو حلي، مما يناسب سنها وكونها أرملة وقد وضعت حجابها عن وجهها وجلست معتدلة على أحد المقاعد بعيدة قليلاً عن النسوة الباقيات وفي وضع يوحي بأنها السيدة الآمرة عليهن.
وكانت زوجة الإمام على العكس من أمه، في كامل أبهتها الشرقية من الحلي والجواهر فكانت ترتدي أغلى أنواع الحرير المطرز بالذهب والفضة، وتضع على جسمها أنواع المجوهرات من الزمرد واللؤلؤ والياقوت. وقد جلست على فراش زاهي اللون طرز بخيوط من الفضة. وكانت تجلس إلى جانبها ابنة الإمام وهي فتاة بين الثانية عشرة والخامسة عشرة من العمر وكان فستانها المصنوع من قماش الكريب الخفيف الشفاف الأرجواني اللون يكشف عن تقاطيع جسمها. ويثير إعجاب الناظر برشاقة قدها وحسن قوامها. ولكن وجهها شأن وجوه الأخريات، مغطى بقناع ثخين أشبه ما يكون بالنظارات السود الكبيرة مع (1/219)
صفحة 220
فتحتين بيضاويتين تكشفان عن العينين السوداوين الجميلتين، اللتين تزيد حوافي النظارات السوداء من سوادهما وجمالهما.
وهذه الأقنعة تزين بالجواهر من مختلف الأشكال والأنواع، ويبدو أن الغرض منها ليس إخفاء تقاطيع الوجه فحسب بل هي قطعة من زينة المرأة تهدف إلى إضفاء الحسن والجاذبية على اللواتي يضعنه على وجوههن فإن هذه القطعة السوداء البَّراقة تتسق مع عيونهن السود وشعرهن الأسود وتضفي على بشراتهن السمر جمالاً وروعة.
وكان في الغرفة سرير نحاسي أصفر كبير ذو أربع أعمدة رفعت عليها ستائر من المخمل أحمر اللون، وكانت الأعمدة غاية في الاتقان والفن. وقد أشارت زوج الإمام إلى هذا السرير وأوضحت بزهو واضح أنه هدية من الأخت العزيزة الملكة فكتوريا حاكمة انكلترا. وهكذا فإن العلاقات الملكية بين عواهل الدول قد وصلت حتى هذا المركز القصي من أنحاء المعمورة. واستمرت تتكلم بخفر اعتزاز عن علاقات الصداقة القائمة بين زوجها وصاحبة الجلالة البريطانية وذكرت أنها أهدته سفينة جميلة.
وكانت الملكة الوالدة خلال هذا مشغولة في تطريز قطعة من القماش أشبه بالمنديل وإذ رأتني أحدق في عملها هذا فقد أرتني إياه وسألتني رأيي في اتقانها للعمل، وقالت انها تعلمت الخياطة والتطريز من السيدات الأوروبيات اللاتي يزرنها. وكانت فخورة بهذا. وكانت هذه هي المرة الأولى والوحيدة التي أرى فيها سيدة شرقية تشغل نفسها بأعمال الأبرة.
وبعد قليل دخل الغرفة أحد الخصيان وفي يده رسالة، فتقدم بها وانحنى بكل احترام ووضع الرسالة عند قدميها. وأسرعت في فتحها وقالت لي انها من الإمام وهو غائب في بعض حروبه وقد أرسل إلينا بأخباره بهذه الرسالة. ويبدو أنها كانت فخورة جداً في الكشف عن قابلياتها الكثيرة.
ثم طافت علينا بعد ذلك أنواع الفاكهة الغالية والحلويات في صحون من (1/220)
صفحة 221
الكريستال الفاخر ثم انسحبت السيدات إلى الغرفة المجاورة وتركنني لوحدي. وقد استغربت كثيراً من هذا التصرف ولكنني أخبرت فيما بعد أن هذه عادة متبعة الهدف منها ترك الزائر لوحده ليأكل ما يشاء وكما يشاء دون رقابة من أحد.
وهذا بالتأكيد مظهر ظريف من مظاهر الضيافة وخاصة في بلد يحتاج فيه الضيف إلى مثل هذا الانفراد في تناول الطعام إذ يصل بين مضيفه منهكاً جائعاً بعد أن يسير يوماً كاملاً تحت حرارة الشمس المح رقة وفوق الرمال الساخنة، ولذلك فهو يحتاج لمثل هذا الانفراد.
وقد لاحظت أن النسوة ينظرن إليّ بخجل وبعد أن ينظرن في وجهي يخفضن أبصارهن. ولما سألت عن السر في ذلك علمت أن وجهي المكشوف يثير من اشمئزازهن ما يثيره فينا منظر الرجل العريان مثلاً. وقد سألنني أن أضع البرقع القناع على وجهي وقامت إحدى الوصيفات بوضع برقع محلي بالجواهر على وجهي فلما انتهت من عملها ونظر النسوة إليّ صحن في صوت واحد: حلوة. . حلوة. .
وبعد أسئلة عديدة وتبادل الأحاديث التي أظهرت لي خلالها الأميرات ذكاء وثقافة أكثر من أي امرأة مسلمة شاهدتها في حياتي بل وأكثر من المسيحيات الآسيويات استأذنت في الانصراف وأعدت لهن بكل أسف البرقع الجميل الذي كنت أود الاحتفاظ به تذكاراً لهذه الزيارة.
13 - ويلستيد: ملازم في البحرية الهندية وصل مسقط في 21 تشرين الثاني عام 1835:
(ج 1 ص 4) ومع أني كنت أعرف من معلوماتي السابقة عن السيد سعيد وانفتاحه على مثل هذه الأعمال، بأنه لن يرفض لي طلبي (طلب القيام بسفرة إلى أفريقيا)، إلاََ أن ما أدهشني حقاً وفاق كل تصوراتي السابقة هو الحماس الذي أبداه نحو تنفيذ مشاريعي يدلك على ذلك قوله مثلاً:
في مناسبات مثل هذه وبتفيذي رغبات حكومتكم أستطيع أن ألمس قوة (1/221)
صفحة 222
روابطي بها ثم أضاف في لهجة لا تخطئ صدقها واخلاصها: وهذه ليست كلمات معسولة ينطق بها اللسان فقط وإنما هي تصدر من أعماق القلب».
(ص 5) وقد تسلمت من سموه هذا الصباح حصاناً نجدياً لأستعمله في سفرتي وكلبين سلوقيين وسيفاً مذهباً مع الاعلان بأن أزود مدة إقامتي في عمان بخير ما تنتجه البلاد وأن سموه سيتكفل بدفع جميع نفقات الجمال والادلاء وكل شيء آخر وأنه هيَّا لي رسائل لأحملها إلى الرؤساء والشيوخ في مختلف المناطق التي سأمر بها، يسألهم فيها أن يستقبلوني بمنتهى الكرم.
ومع التسليم بأن دوافع اهتمام هذا الأمير بشأني هو اعتقاده بأن ذلك يخدم أهداف حكومتي، ومع هذا فإن نمط تصرفاته وحرارة تعبيراته تعكس جوهر نفسه الطيب وحقيقة الطبع النبيل الذي يحمله بين جناحيه.
ويبلغ السيد سعيد الثانية والخمسين من عمره وقد حكم منها حوالي سبع وعشرين سنة وله جسم مديد وملامح رقيقة ولكنها قوية ومهيبة. وقد احتفظ الإمام ببساطة أصله البدوي وهو معتدل إلى حد الزهد فلا يحمل الجواهر أو الحلي مطلقاً، ولباسه لا يختلف، إلاَّ من حيث جودة القماش عن لبسا المواطنين الآخرين وهو يحضر جميع المناسبات دون أبة أو مراسم.
ومما يعتبره العرب دلالة الإخلاص والوفاء قيامه بزيارة أمه كل يوم. وهي ما تزال على قيد الحياة وهو يلبي بكل طاعة وخضوع وبكل رقة جميع رغباتها.
ويبدي للأوروبيين عند لقائه بهم منتهى الرعاية والإكرام، ولو كان هناك بين الأفراد جميعهم من يحق له أن يحمل بحق وصدق لقب صديق بريطانيا لكان هو هذا الأمير امام مسقط، ومن جانبنا فإنا أكثر اخلاصاً في علاقتنا مع من علاقتنا بالآخرين.
وأبرز ما تتسم به حكومة هذا الأمير هو بعدها عن الظلم والاستبداد وعن التعسف في فرض العقوبات واهتمامها الزائد بالتجار الساكنين في مسقط بصرف النظر عن جنسياتهم وبالتسامح الواضح تجاه جميع المعتقدات. (1/222)
صفحة 223
ومن جهة ثانية فإن استقامته وحياده ورأفته في العقاب مع عنايته الشديدة في تحسين أحوال رعيته قد جعلته محبوباً ومحترماً عند أهل الحضر في رعيته كما أن إقدامه وشجاعته قد كسبتا له احترام أهل البادية وإعجابهم.
وهذه الصفات الممتازة قد أهَّلته للقب «عمر الثاني» الذي يطلقه عليه أهل الشرق.
(ص 8) وفي خلال إقامتي هنا (صور) تسلمت الرسالة الودية التالية من صاحب السمو:
بسم الله الرحمن الرحيم
من السيد السلطان،
إلى صاحب السعادة المحترم الموقر المحبوب الكابتن ويلستيد التابع للحكومة الشرقية،
سلام الله تعالى عليكم وبعد،
فقد وصلت إلينا رسالتكم التي كان تذكركم لنا برهان حبكم. لقد سررنا بوصولكم إلى صور سالمين وبرغبتكم في السفر إلى جعلان كما أشرنا عليكم بذلك ومنها إلى سمد. وهو يسركم ويسرنا. ولذلك فنحن مستعدون لتقديم كل مساعدة تطلب منا صغيرة كانت أم كبيرة وكل ما عليك أن تطلب وعلينا أن ننفذ هذا، والسلام عليكم وفي أمان الله.
المخلص سعيد بن سلطان
(ص 179) ولم يكن يعرف قبل هذا التاريخ في أوربا إلاَّ الشيء القليل عن هذا الأمير الألمعي. ولكن اهداءه سفينة حربية كبيرة بكامل أسلحتها إلى صاحب الجلالة الملك الربان ورغبته بإقامة علاقة أوثق مع بريطانيا قد أحيتا ذكره في الأوساط السياسية. في حين أن تشجيعه الكريم للعلوم والفنون قد جلب إليه اهتمام جمعية ثقافية نافذة إذ انتخبته مؤخراً عضو شرف فيها (1). (1/223)
صفحة 224
ولكن هذه مجرد أشياء طفيفة عليَّ أن التمس الصفح لذكرها. فالواقع أننا إذا ما أردنا أن نسجل كل أعمال الاهتمام والاحسان التي وجهها إلينا هذا الأمير مدة إقامتنا في عمان فلا بد لنا أن نملأ بذلك كل صفحة من صفحات هذا الكتاب. وإذا قلت ان هذه الأعمال قد قوبلت مناَّ بتقدير أكبر وعرفان بالجميل أعمق مما اعتدنا أن نقابل به أفضال الرؤساء الآخرين، فإن قولي هذا لا يعبر عن مشاعري وخواطري فحسب ولكنني أحس بعجزي عن تبيان سماحة النفس وطيبة القلب اللتين تصدر عنهما هذه الأعمال وبعفوية ودودة.
(ص 387) ومسقط سوق كبير من أسواق بيع الرقيق، وهي تسد احتياجات مدن الخليج العربي جمعاء وكذلك بغداد والبصرة. وكان الأئمة قبلاً يتعاطون بأنفسهم هذه التجارة التي تعود عليهم بدخل سنوي يقدر بستين ألف دولار أو ما يعادل ثلاثة عشر ألف باون، ولكن ارضاء لحكومتنا التي كانت جادة كل الجد في القضاء على هذه التجارة فقد تنازل السيد بكرم غير مسبوق وعن طيبة خاطر عن كل هذا الإيراد دون ما مقابل أبداً. هل من العدل هذا وهل من الكرم هذا؟ في حين أننا أعطينا لأسبانيا، وهي حكومة مسيحية مائتي ألف باون لعمل مثل هذا وتكلفنا بالملايين من ديونها في حين أن أميراً مسلماً، يقر دينه وجود الرقيق إن لم يحبذه، لم يقبض منا غير مشاعر الامتنان أو على الأقل هذا ما يجب أن نكون قد فعلناه وإن لم أسمع شخصياً أننا فعلناه بعد ومع الأسف!! فلتكن غير انكلترا التي تزعمت قضية يمكن القول انها فاقت كل ما عداها من قضايا في هذا العصر والتي وسمتها بأصفى خلاصة للروح المسيحية، لتكن غير انكلترا هذه التي يفوقها في عطائه لهذه القضية أمير من أقصى أرض بلاد العرب.
14 - كرايف: مبشر الماني – وصل مسقط في السابع من شهر كانون الثاني عام 1844:
(ص 123) وقد سألنا السلطان أن نجلس فوصفت له باللغة العربية، وهي لغة بلاد مغامراتي في الحبشة وخططي لتحويل قبائل الطالاس إلى (1/224)
صفحة 225
المسيحية. بعد أن أصغي إليّ باهتمام ووعد بتقديم كل مساعدة مع الإشارة إلى الأخطار التي قد أتعرض لها.
ومع تقدمه في العمر فيبدو حسن المحيا وعلى غاية الود والصراحة.
(ص 127) وقد أخذت معي رسالة توصية من السلطان السيد سعيد، موجهة إلى حكام الساحل. وقد وضعت بالصيغة التالية.
هذه الرسالة من السيد سعيد بن سلطان.
السلام على جميع رعيتنا وأصدقائنا والحكام.
نكتب هذه الرسالة من أجل الدكتور كرايف الألماني. وهو رجل طيب ويرغب في تحويل الناس إلى عبادة الله. فليعامله الجميع معاملة جيدة وليكن الجميع في خدمته.
(ص 538) لم يكن ليخطر لي على بال حين بدأت رحلتي إلى أقاصي الجنوب الأفريقي أن أميراً عربياً قد يمهد لي طريق الوصول إلى الوثنيين ولكن هذا ما كان. فلولا سقوط ممباسة بأيدي أمير منفتح على الأوروبيين، وخاصة الانكليز مثل إمام مسقط، لما أمكن قط إنشاء المركز التبشيري في بلاد اقليم وانيكا.
15 - جيان: قبطان في البحرية الفرنسية – زار زنجبار عام 1846:
(جزء ثانٍ – صفحة 9) ما كدنا نطأ الأرض حتى ظهر السلطان على عتبة القصر (الموتني) يتبعه العديد من أبنائه وكبار ضباطه وعند اقترابنا نزل الدرجات القليلة التي كانت تفصل الباب عن الأرض وقابلنا بترحاب ودي ومهيب، أنه لمن النادر أن يتجمع في آن واحد في شخص رفيع المستوى كالسلطان سعيد جلالة الملوك ومهابة القسمات مع رقة وسلاسة الحركة والإشارة.
(ص 220) وكان من الممتع أن أتأمل ملياً وباهتمام وجهه العجوز الجميل حيث كانت ترتسم دلائل نبل الأصل وآثار الآلام التي سببتها تقلبات الحياة (1/225)
صفحة 226
السياسية. لقد كانت قامته فارعة ومهيبة مما كان يوحي بقوة تكوينه الجسدي، أما تقاطيعه فهي جميلة وتدل سحنته على الذكاء ورباطة الجأش ولا تفصح عن العواطف التي يخبئها. أنه ولا شك كان حساساً ومندفعاً في شبابه لكنه تعلم منذ الصغر فن اخفاء مشاعره وأفكاره، ولكنه إذا ما جرحت أحاسيسه أو عورض بقوة سرت حمرة خاطفة على وجهه الجامد دون أن يؤثر ذلك على تناسق قسماته وثبات عضلاته. لقد قلت انه يملك الكثير من دلائل النبل والوقار في حركاته وسكناته وأنه يخص الأجانب بالكثير من البشاشة واللطف بل والكثير من الر قة في التصرفات ويعمل الكثير للحصول على تقديرهم ورضاهم.
16 - شيبرد: زار مسقط عام 1856:
(ص 46) والإمام الحالي استثناء بارز للقاعدة العامة بالنسبة للحكام المستبدين، فهو شيخ كبير وقور محبوب من رعيته.
(ص 51) فأنت أمام رجل كهل نبيل جميل الميحا تزين وجهه لحية فضية بيضاء يصافحك بقوة وحرارة، وهي تجربة يكررها بعده ثلاثة من الشباب هم أبناؤه وصبيان هما حفيداه.
(ص 52) ان وجهه الرجولي السمح الجميل، بحاجبيه الغليظين وفمه المطبق الشديد الأطباق والمحاط بشواربه ولحيته الفضية التي تنتهي بطرف مدبب على بعد ستة إنشات من حنكه، مع ملامح الصلابة وقوة العزم ومع نيل القصد ورقة المشاعر ومع حرارة استقباله وقوة مصافحته، فإنه بهذا كله يستولي في الحال على احترامك الكامل.
وهو طويل القامة ويبلغ طوله حوالي ست أقدام وعلى بسطة في الجسم وهو يسير بخطى ثابتة نشطة وبهمة واعتدال قامة كأنه الرمح. ولولا بعض التهدل في وجهه والشيب في لحيته لما ظنه المرء قد تجاوز عهد الشباب.
(ص 54) وهو من أحسن من رأيت من الرجال مهابة منظر، وليس في تقاطيع وجهه كلها علامة واحدة تحملك على تصديق ما ينسب إليه من أعمال (1/226)
صفحة 227
القسوة والعنف إلاَّ أن يكون فمه المطبق اطباقاً شديداً، وإلاََ عيناه الرماديتان الكبيرتان المشعتان بريقاً قوياً. وعلى العكس من ذلك فهناك العلامات الكثيرة التي تدل على الرقة والطيبة والمحبة مما يدفعك إلى تلمس الأعذار له و إلى الاعتقاد بأنه ما أقدم على ما أقدم عليه إ لاَّ بدافع الضرورة القصوى.
17 - جوبينو: دبلوماسي وكاتب فرنسي. زار مسقط في عام 1856 وهو نفس عام وفاة السيد سعيد:
(ص 88) السيد سعيد أو مولانا السيد كان شديد التبسط في ملبسه مثل باقي القاطنين في مسقط وشواطئ الخليج العربي فقد كان يرتدي ثوباً من القطن ومعطفاً أسود من الصوف الرقيق النسج (1) وعلى رأسه عمامة من الحرير مطرزة بخطوط صغيرة بيضاء وزرقاء وحمراء. وكان هذا النوع من العمائم واسع الانتشار في كل آسيا الوسطى وحتى الأفغان.
كان السيد سعيد يمسك في يده عصا طويلة يتكئ عليها أثناء سيره بكثير من الجلال والوقار. كان يبدو عليه كبر السن ولحيته شديدة البياض. أما عيناه فسوداوان لطيفتان وتعبيرات وجهه تصطبغ بالهدوء وابتسامته رقيقة وذكية. وكان يمثل في شخصية توازناً فذاً بين مشاعره المختلفة وهذا يدل لا على أنه رجل عظيم فحسب بل وأنه إنسان ذو صفات نبيلة نادرة أيضاً.
(ص 102) عندما أعلن الإمام لوزيره عن رغبته في زيارتنا بقينا في المنزل وسرعان ما أبصرنا على بعد السيد سعيد خارجاً من منزله، كان يسير على قدميه متوكئاً على عصاه يتبعه حشد من أبنائه السبعة ووزيره، لقد كان راكباً ملكياً حقاً، والتقينا كأصدقاء قدامى. .
فهو أمير مرموق من طراز هؤلاء الملوك الصغار الذين ترغمهم ضعف مواردهم على أن يظلوا في الأغلب حكاماً شبه مغمورين. (1/227)
صفحة 228
أما هو فبسلوكه مسلكاً جديداً للغاية استطاع أن يحصل على تقدير جيرانه الأقوياء وعندما رحل عنا الإمام كان الوداع رقيقاً.
18 - روث: سالمة ابنة السيد سعيد:
(ص 50) ولأني كنت من أصغر أطفال السيد سعيد فلم تتسنَّ لي رؤيته إلاَّ في شيخوخته وعلى هذا فإني لا أتذكر صورته إلاَّ بحليته البيضاء الوقور، وكان طويل القامة نحيل القوام وقور السمت مهيباً. وكانت تقاسيم وجهه تطفح بالرقة والحنان ولكنها في الوقت نفسه تفرض الهيبة والاحترام. ورغم أنه كان من رجال الحرب والقتال ويجد متعته بالغزو والفتوح فقد كان لنا جميعاً مثلاً أعلى والداً وأميراً وكانت العدالة مبتغاه والمساواة في المعاملة ديدنه، وقد فرضها في بيته وبين رعيته، وكان لا يتأخر عن ايقاع العقاب بأعزّ أبنائه إذا ما ثبت تقصيره حتى ولو اشتكاه أصغر الخدم.
وكان إمام الخالق مثال الخشوع والورع والتقوى كما كان – على العكس من كثيرين غيره من الملوك والسلاطين – بسيطاً متواضعاً بعيداً بطبعه عن التعالي والكبر والجفاء ولكم كنا نشهده ممتطياً جواده متجهاً إلى دار أحد عبيده ليهنئه وأهله بالأفراح أو ليواسيهم في الأحزان وليغدق عليهم مع هذا أو ذاك الهدايا والعطاء الجزيل.
(ص 107) أي خسارة جسيمة لا تعوض قد منينا بها مُنيَ بها شعبنا فلم يكن السيد سعيد الأب العطوف لأهله وشعبه فحسب بل كان خير الحكام وأعدلهم وأنقاهم ضميراً وأقربهم إلى قلوب رعيته الذين رفعوا الأعلام السود على كل بيت من بيوت زنجبار تعبيراً عن حب الشعب لحاكمه وحزنه على وفاته.
? ? ? (1/228)
صفحة 229
الملحق |ب|
الإمامة في عمان (*)
كان من المعتاد أن يخاطب السيد سعيد بن سلطان بألقاب ثلاثة هي: السلطان (1) والإمام والسيد. وفيما عدا حقه الواضح في اللقب الأخير فلم يكن له حق الادعاء باللقبين الأوليين (2).
فمنذ قيام الحكومة في عمان، منذ بضعة قرون خلت، كان أجداده أو أسلافه من حكام البلاد السابقين يحملون لقب الامام (3) بحق صريح واضح، إلاَّ أن سعيداً نفسه لم يكن إماماً ولم يدع أبداً بالإمامة لنفسه، ولكن ممثلي الدول الأجنبية الذين كانوا يتعاملون معه اعتادوا على اعتبار كل حاكم من حكام عمان «إماماً» بحكم الوظيفة والواقع ولذلك لم يترددوا عن مخاطبته بلقب إمام مسقط أو إمام عمان (4). (1/229)
صفحة 230
ولهذا فمن المناسب أن نثير هنا ثلاثة مواضيع هي:
ما يعني لفظ الامام؟ وإلى أي عهد استمر حكام عمان بحمل هذا اللقب؟ ولماذا تركوه؟
وبالعودة إلى الأصل العربي للكلمة نجده يعني الاتباع أو الاقتداء أو التقليد. ولهذا فإن الإمام هو القدوة أو المثال الذي يحتذيه ويتبعه أو يقلده الآخرون (5).وليس من الضروري أن يكون هذا اللقب لشخص ما، لكن الواقع أن استعماله الشائع ينصرف دوماً إلى شخص معين وهو يعني على الدوام «رجل دين» (6) وكان يعني في العصور القديمة الرجل الذي يؤم الناس في الصلاة. وكان محمد سواء حمل هذا اللقب أم لم يحمله. يشار إليه به بمجرد أنه كان يؤدي هذه الوظيفة، ومن المؤكد أن خلفاءه ومن جاء بعده قد ورثوا عنه هذا اللقب. وعلى هذا فمن الواضح أن الكلمة في أصلها، على أقل تقدير، كان لها معنى ديني خالص (7).
ولكن الحال لم يكن – بعمومه – كذلك في عمان. ولا بد لفهم السبب في استعماله الخاص هناك من القاء بعض الأضواء التاريخية على الموضوع. فمن المعلوم أن المسلمين انشقوا بعد وفاة محمد إلى طائفتين رئيسيتين هما السنة والشيعة، وكان السنة يعترفون باربعة خلفاء للنبي محمد هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في حين يعترف الشيعة بالكل ما عدا علياً (8). (1/230)
صفحة 231
وفي عام 675 ثار نفر من أتباع علي به وخرجوا عليه فأطلق عليهم اسمهم الشهير «الخوارج» (9) وقد تفاقم عدد هؤلاء الثائرين خلال عام واحد حتى بلغوا الأربعمائة شخصاً ويروى أن علياً خشي من ازدياد عددهم المستمر فبادرهم بالحرب وأبادهم جميعاً ولم ينج منهم على ما يروى أيضاً إلاَّ تسعة نفر فقط وقيل ان اثنين منهم فرا إلى عمان واستقرا فيها ونشرا هناك عقيدتهم ولم يمض وقت طويل حتى جاء عمان – من بغداد على أكثر احتمال – شخص يدعى عبد الله بن أباض فتولى أمر نشر المذهب فيها (10).
وتختلف الأباضية عن السنة والشيعة في كونهم لا يعترفون بالخلافة إلاَّ لأبي بكر وعمر فقط وفي كون الإمامة عندهم انتخابية.
وقد تميز هذا المذهب بسمتين خاصتين به كان لهما أبلغ الأثر في تاريخ عمان:
o أولاهما: طالما كانت الامامة لا تتم بتفويض إلهي وإنما بانتخاب الجماعة لامامها، فليس ما يمنع هذه الجماعة من عزل من اختارته لامامتها إذا (1/231)
صفحة 232
ما بدر منه ما يستوجب ذلك. وإذا كانت الصفة البارزة المؤهلة للإمامة هي الصلاح والتقوى، فإن فقدان الامام لهذه الصفة أو تلك، أو قيامه بأية مخالفة أخرى لواجبات وظيفته تستوجب عزله أو تعرضه لذلك.
o والسمة الثانية: هي انتفاء الضرورة الملحة لوجود الامام دوماً إذ بالامكان أداء الشعائر الدينية مع عدم وجود الامام، لكن الواقع أن غياب الامام عن الجماعة لم يكن بالأمر المحمود ذلك للسمة العظمى للامامة العمانية وهي أنها لا تمثل السلطة الدينية فحسب بل والسلطة الزمنية أيضاً. ولربما كان هذا الحال نتيجة للأوضاع السياسية في عمان.
فقد كان أول أباضي في عمان هو الجلندي بن مسعود (751 م) (11) وكان عليه أن يصد الحملات المتعددة التي كان يشنها أهل السنَّة على مذهبه وأنصاره وقد قام بواجبه واستمر في جهاده هذا حتى سقط صريعاً في ساحة الوغى، ولكن بعد أن حقق لجماعته ولبلاده استقلالهما، فظلَّ أهل عمان من بعده ينتخبون أئمتهم. ولم يكن اهتمام هؤلاء الأئمة بصد الغزوات الدينية عن بلادهم بأقل من اهتمامهم باداء وظائفهم الدينية (12).
ولعل هذا هو الأصل الذي نشأ منه في عمان العرف السائد بوجوب جمع الأمور الزمنية والروحية بيد واحدة.
على أنه يجب ألا يجرنا هذا الافتراض إلى افتراض آخر غير صحيح هو قيام أسر حاكمة في عمان. ولعل خير ما يبرهن خطأ هذا الرأي هو استمرار قيام الجماعة عند وفاة كل إمام من أئمتها في انتخاب من يخلفه. وقد لا يكون هذا الانتخاب انتخاباً عاماً تمارسه الجماعة بعموم أفرادها ولكنه يتم عن طريق مجلس من الرؤساء والشيوخ إذ يمثل كل عضو فيه قبيلته، ويجتمع هذا المجلس (1/232)
صفحة 233
برئاسة أحد أعضائه ممن يقر له الجميع بالفضل والاستقامة وفي إحدى مدن البلاد الكبرى.
وليست هناك قيود تمنع حضور قبيلة معينة إلى هذا الاجتماع وإنما يترك أمر حضور القبائل أو تمثيلها ل إلى محض اختيارها. كما وليس هناك تفضيل ما لقبيلة معينة لحصر الإمامة فيها. وما أن ينتخب المجتمعون الإمام المرشح حتى يعلن رئيس الاجتماع خبره للملأ، وينادي به أمام الجمهور إماماً على عموم عمان ويطلب من الحاضرين مبايعته على ذلك (13).
هذا على الأكثر هو مجرى الحال من الوجهة النظرية الصرف، أما في الحقيقة والواقع فإن هناك، كما هو متوقع اتجاهاً دائماً لحصر الامامة في عائلة واحدة فقط.
ولأن أغلب سكان عمان هم من الأزد اليمانيين فإن الاتجاه السائد هو حصر الإمامة بأبناء هذه القبيلة دون غيرها، وكان هناك نوع من المساواة بين القبائل الأزدية هذه وبين أبنائها فلا تفضيل لقبيلة على أخرى وكان الإمام وحتى أيام اليعاربة ينتخب من بين أحسن الناس وأفضلهم دون ما نظر إلى عائلته أو قبيلته ولكن طرد المحتلين البرتغال أدى إلى الخروج عن هذه القاعدة. فقد وجد أنه لكي تضمن عمان استقلالها واستقرارها فلا بدَّ لها من وجود عائلة ثابتة تتولى حكم البلاد.
وكما هو معلوم لدى دارسي التاريخ الدستوري فإن التحولات الدستورية لا تتم عنوة وقسراً ولذلك فلم تلغ مراسم الانتخاب بل غلب عليه تفضيل شخص معين من العائلة الحاكمة نفسها، بل وتفضيل آخر أضعف من سابقه نحو ابن معين بالذات من أبناء الإمام السابق لا يشترط أن يكون أكبرهم سناً. (1/233)
صفحة 234
ويبدو أن هذا الأسلوب قد انهار أمام الغزو الوهابي، فلم تستطع العائلة القديمة أن تحتفظ بكيانها، وكان بروز أحمد بن سعيد رأس أسرة البوسعيد مؤشراً لعودة النظام السابق، نظام الانتخاب الحر دون التقيد بجماعة أو عائلة معينة (15) كما كان الضربة المميتة لنظام الانتخاب غير المحدد، ذلك أن الامامة ظلت بعد وفاة الامام أحمد مقصورة على عائلة واحدة، وكان هنا مؤشر آخر أيضاً، ولو أنه ضعيف باهت، على مبدأ الوراثة (16) ومن هذه البدعة تفرعت نتيجة خاصة ولكنها جد هامة إذ أنه قد تقرر بالتدريج أن الابن الأكبر هو الذي يجب ترشيحه للامامة. كما تقرر مبدأ منح الابناء الآخرين هبات معينة. وعلى هذا فقد أصبحت العادة – وكانت مؤقتة أول الأمر ثم أصبحت سائدة ملزمة – بأن يمنح الأبناء الآخرون إدارة بعض المدن لتكون مقاطعات أو إمارات خاصة بهم وأن يمنحوا معها لقب السيد (17).
ومرة ثانية فإن الدراسة المقارنة لتطور الأساليب الدستورية توضح لنا ما حدث في عمان.
ففي البدء كان للإمام أن يمنح أبناءه هذه الاقطاعيات وانتهى به الأمر إلى وجوب عمل ذلك وكان المفروض في هؤلاء السادة أن يلتزموا بالطاعة والولاء وأن يكونوا تحت سيطرته الدائمة. وهذا الافتراض هو قضية واقع أكثر منه أمراً نظريا ًفقط، فإن كان الإمام القائم بالأمر قوياً أبدى له الجميع الطاعة والخضوع، إلاَّ استقل كل سيد من هؤلاء السادة بنفسه في بلده.
وكان آخر الأئمة في سلسلة الأئمة القدامى هو سعيد بن أحمد (18) وربما (1/234)
صفحة 235
كان سعيد هذا بسبب شخصيته وتصرفاته، هو السبب في انقطاع سلسلة الامامة فمن السهل تتبع وجود شعور متزايد في القطر بأن جمع السلطتين الدينية والزمنية في يد واحدة لم يعد – كما كان – ذا نفع كبير للبلاد والعباد وذلك لأسباب عديدة.
فعندما كانت عمان بلاد مجزءة ولم تكن شعباً موحداً وإنما مجموعات متعددة من القبائل المتفرقة التي ترحل من مكان إلى آخر دون الاستقرار في مكان واحد، ولذا فإن وجود نوع من السيادة الغامضة لسلطة واسعة شاملة غير محددة لم يكن أمراً غير نافع. فقد كان في مقدور هذه السلطة أن تجمع وقت الحاجة – هذه القبائل تحت راية واحدة لتحارب فيها المغير أو المعتدي، وهي في ذات الوقت تمارس أقل ما يمكن من التدخل في شؤون هذه القبائل في الأوقات الأخرى في حين أن الأمور الروحية ليست موضوع بحث هنا، فالدين – كما قلنا من قبل لا يتوقف على وجود الامامة أو غيابها.
وعند نهاية القرن الثامن عشر تغيرت موازين الأمور فقد ارتبطت القبائل يرابط عام بسبب إقبال السكان جميعهم على ممارسة الأعمال التجارية وقد وجد بالتجربة أن الامام الذي لا يتأخر عن التضحية بحياته دفاعاً عن مذهبه ضد العقائد الأخرى الوافدة على بلاده، وكذلك الامام الذي تمنعه حدود سلطاته وطبيعة مركزه من الإسهام بوضوح في الأعمال التجارية للجماعة التي تخضع إلى حكمه أن مثل هذا الامام ليس هو الإلمام الأمثل والأنفع فهو إمَّا أن يكون دنيوياً جداً لا يرضى به رجال الدين أو دينياً جداً لا يرضى به أهل المنافع الدنيوية.
وكان أثر هذا الحال يزداد وضوحاً بسبب ضعف سعيد بن الامام أحمد وبسبب قيام ابنه حمد بالوصاية على الحكم، وليس من المهم الآن أن نقرر ما إذا كان حمد رجلاً انتهازياً يسعى لجمع أوسع السلطات في يده كما يصفه بعض الكَّتاب أم أنه رجل قوي يريد أن يعوض عن ضعف أبيه وعجزه ويحفظ له الملك والسلطان وإن كلفه الأمر الكثير من التضحيات، كما يقول كتاب آخرون، وإنما المهم بالنسبة لبحثنا هذا أن نعرف أنه للمرة الأولى بدأ يتضح (1/235)
صفحة 236
إمكان وجود انشقاق أو صدع بين السلطتين الدينية والزمنية وأن مثل هذا الانشقاق لم يعد خسارة أو ضرراً للبلد بقدر ما هو ربح ونفع له، وقد يكون الناس قد فكروا في مثل هذا الأمر من قبل وتصوروه ولكنهم الآن وللمرة الأولى يجربونه ويتبيون آثاره. وكان أكثر من تبين تلك الآثار وأدركها حق إدراكها هو سلطان بن أحمد وابنه سعيد الذين قدرا لهما أن يخلفا سعيداً بن أحمد وابنه حمد.
وقد مات سعيد بن أحمد حوالي عام 1803 (19) ولكن خلفه سلطان لم يحاول – كما لم يحاول ابنه سعيد من بعده – ادعاء لقب الامامة، فقد كان لسلطان كما يقول جيان «كل سلطات الامامة دون أن أن يدعيها»، وقد امتنع سلطان عن الادعاء بها حتى بعد موت شاغلها أخيه سعيد، أما لأن منصب الامامة يفرض بعض القيود على سلوك شاغله مما لا يود سلطان التسليم بها، أو أنه أدرك عقم الأدعاء، بمثل هذا اللقب الذي لم يعد بعد الآن ضرورياً له لاطلاق يده في ممارسة السلطان الكامل على جميع شؤون البلاد (20).
ويمكن أن يضاف إلى هذا وذاك أن هذه الفترة بالذات شهدت انتشاراً واسع النطاق للمذهبين السني والوهابي في عمان (21) وكما سبق أن رأينا من قبل فإن هذين المذهبين لا يقتصران على عدم الاقرار للإمام بأية سلطات زمنية فحسب، بل انهما، بالإضافة إلى ذلك لا يأخذان قط بفكرة الامام المنتخب بل يريان أن الامامة مقصورة على ذرية الرسول محمد فقط (22).
ولهذه الأسباب كلها، يمكننا القول بأن السيد سعيد بن سلطان وإن يكن (1/236)
صفحة 237
شأنه في هذا شأن أبيه راغباً عن لقب الامامة كل الرغبة فإن حصوله عليه حتى لو رغب فيه كان من الصعوبة بمكان كبير.
وإذا كان الأمر كذلك، وكيفما نظرنا إلى حقائق الأمور فإن لا يمكن اعتبار سعيد إماماً، فهو نفسه لم يدع السلطة الدينية ولم ينتخب لها. أما السلطة الزمنية فقد كان في الواقع ممسكاً بها ويمارسها فعلاً ولا يضيف لقب الامامة إليه شيئاً جديداً في هذا المجال.
وقد عملت الأحوال في عهد سعيد بن أحمد على جعل الجماعة تألف فكرة الحكم الزمني الصرف وقد مات حمد ابنه قبله، وما كان لهذا الأمر من أثر يذكر لأن سلطان بن أحمد احتل مكانه ولا شك أنه كان في مقدور سلطان أن يصبح إماماً لو أنه أراد ذلك وخاصة وأن فكرة إمكان عزل الإمام، ما زالت تجد تأييداً تاماً. وفي الواقع فقد جرت عام 1785 محاولة لعزل سعيد عن الإمامة والاتيان بدلاً عنه بأخيه قيس. ولكن الحركة كانت سياسية صرفة ويعوزها التأييد العسكري والديني لذلك لم يستطع قيس النجاح في مسعاه (23) ولأن سلطان لم يكن راغباً في الإمامة فقد استغل سعيد إقامته بعيداً عن الرستاقفاحتفظ بالإمامة لنفسه حتى وفاته ولم يخلفه عليها أحد.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، وتحت تأثير سعيد بن خلفان والي الرستاق، والذي يعرف باسم الخليلي، فقد بدأ حمد بن عزان وكان رئيساً واسع النفوذ في منطقة صحار يغلو ويتشدد في آرائه وتصرفاته الدينية ثم زهد في كل متاع الدنيا حتى تنازل عن ولاية صحار إلى ابنه سيف بن حمد وانصرف للعبادة والتقوى ومن هذا نشأت الفكرة لانتخاب حمد هذا إماماً. ولا شك أن تقواه وانصرافه مؤخراً للعبادة كانا كل مؤهلاته لهذا المنصب، وإن كانت الفكرة تهدف إلى إحياء النظام القديم بقيام زعيم روحي يجمع في يديه السلطتين الزمنية والروحية لكن الفشل كان نصيب هذه المحاولات والآمال، ذلك لأن حمد، (1/237)
صفحة 238
بعد أن أعجبته الفكرة زمناً ما عاد ورفض المنصب السامي المعروض عليه (24).
وفي شهر تشرين الأول من عام 1868 جرت محاولة أخرى لاحياء الإمامة ففي هذه الفترة كشف الوهابيون مجدداً عن أطماعهم في عمان، لكنهم وجدوا في الخليلي خصمهم القريع الذي استطاع بتأثيره أن يدفع عزان بن قيس إلى طردهم من عمان وتنصيب نفسه حاكماً في مسقط وهذا العمل المشرف الذي نهض به عزان مع غياب الوهابيين عن البلاد دفع بالجماعة الدينية في عمان للمناداة به إماماً.
ولكن هناك عاملين اثنين قلَّلا من أهمية هذا الحادث:
o الأول: أن عزان كان وحيداً ولم يكن له خلف كما لم يكن له سلف.
o الثاني: أنه لم ينتخب للإمامة، فالمناداة به إماماً من قبل رجال الدين قد يشير إلى نوع من تآمر الحلفاء أكثر مما يدل على وجود حركة تأييد وطنية عامة (25).
ولم تبعث هذه الوظيفة إلاَّ حديثاً جداً. فقد بدأت الأباضية تشك في سيرة حكام مسقط لصلاتهم المتزايدة مع الأنكليز، ولذلك فقد انتخبت إماماً لها الشيخ سالم بن راشد الخليلي الغافري (26).
إن تقدير كل هذه العوامل لا يدع مجالاً للشك بأن كلمة «الامام» احتفظت، خلال القرن التاسع، بطابعها الديني الذي كان لها على الدوام. ولم يكن السيد سعيد من طراز «الأمراء البطاركة» الذين سادوا أوروبا في العصور (1/238)
صفحة 239
الوسطى. وإذ لم يكن له طموح قط إلى الامامة فقد رضي لنفسه بلقب السيد (27).
ولكن مما يجب أن يلاحظ هنا بصورة خاصة، هو ان سعيداً وإن لم يدع الإمامة أو يسعى إليها (28) أو يرغب بها، فإن الوثائق الرسمية والمعاهدات والتقارير الدبلوماسية كانت تضفي عليه دوماً ذلك اللقب الذي نقش أيضاً على شاهد قبره في زنجبار والذي أقامه له هناك عام 1925 ابن حفيده السلطان خليفة بن حارب (بن ثويني بن سعيد) والذي يقول:
(هنا يرقد صاحب السمو السيد سعيد بن سلطان إمام عمان وسلطان مسقط وزنجبار). (1/239)
صفحة 240
[صفحة بيضاء] (1/240)
صفحة 241
[صفحة بيضاء] (1/241)
صفحة 242
[صفحة بيضاء] (1/242)
صفحة 243
BIBLIOGRAPHy(1)
ALLEMANN. «Mascate». Par M. Emile ALLEMANN, Lieutenant do Vaisseau. Dans Le Tour du Monde, 16 Fevrier, 1901.
ASIE FRANCAISE. «Les Droits de la France a Mascate». L'ASIE FRANCAISE. Paris, October, 1913.
BADGER. «History of the Imams and Seyyids of Oman». By Salil Ibn Razik (from 661. 1856 A.D.); translated from the original Arabic and edited, with notes, appendices, and an introduction, continuing the history down to 1870, by George Percy BADGER. London, 1871.
BAUMANN. «Die Insel Sansibar». Von Oscar BAUMANN. LEIp- ZIG,1897.
BENT. «Southern Arabia, Soudan and Socotra». By Theodore BENT and Mrs. Theodore BENT. London, 1900.
BENT. TH. «Muscat». By J. Theodore BENT. The Contemporary Re- view, December, 1895(2).
BOMB SEL. Selections from the Records of the Bombay Government, No XXIV, New Series. Bonmbay, 1856. (1/243)
صفحة 244
BRODE. «Der Mord Sejid Thueni's und seine Sühne», «Eine Erz?hlung im omandialekt». Von Dr. Heinrich BRODE Mittheilungen des Seminars fur Orientalische Sprachen zu Berlin. Berlin, 1902.
BRUNET « MILLON. «Les Boutriers de la Mer des Indes». Par Ch. BRUNET -MILLON. Affaires de Zanzibar et de Mascate. Pareis, 1910'
BRYDGES. «An account of the Transactions of His Majesty's Mission to Persai (1807 - 11)». By Sir Harfofd Jones BRYDGES. To which is appended «A Brief History of the Wahauby». London, 1834.
BUCKINGHAM. «Travels in Assyria, Media and Persia». By J.S.
BUCKINGHAM. London, 1830.
BURCKHARDT. «Notes on the Bedouins and Wahabys». By John Lewis BURCKHARDT. London, 1830.
BURTON. «Zanzibar: City, Island and Coast». By Richard F. BUR- TON. London, 1872.
BURTON (J.R.G.S) «The Lake Regions of Central Equatorial Africa». Paper read before the Royal Geographical Society by Richard F. BURTON, F.R.G.S. In The Journal of the Royal Geographical Society, 1859.
CORANCEZ. «Histoire des Wahabis, depuis leur origine jusqu'à la fin de 1809». Par L.A. Paris, 1810.
CURZON. «Persia and the Persian Question». By the Hon. George N. CURZON.
DIDIER. «S?jour chez Le Grand - CM?rif de la Mekke». Par Charles DIDIER. Paris, 1857.
ECCLES. «The Sultanante of Muscat and Oman». By Captain G.J.EC- CLES. In Journal of the Central Asian Society, January, 1927. (1/244)
صفحة 245
FIROUZ. «Le Sultanat d'Oman. Etude d'Histoire Diplomatique et de droit International. La Question de Mascate». Par Prince 'FIROUZ KA- JARE. Paris, 1914. (1/245)
صفحة 246
FRASER. «Narrative of a Journey into Khorasan». By James B. FRASER. London, 1857.
GEO GES. HAMB. Mitteilungen der Geographischen Gesellschaft in Hamburg. Band XXXI. Hamburg, 1918.
GEOGR. JOUR. The Geographical Journal. Royal Geographical Socie- ty. London.
GERMAIN. «Quelques mots sur l'Oman et le sultan de Maskate». Par Adrien GERMAIN. Bulletin de la Soci?t? de G?ographie, October, 1968. Paris, 1868.
GOBINEAU. «Trois ans en Asie (de 1855 à 1858)».Par le Comte A. DE GOBINEAU. Paris, 1905.
GRANDIDIER. «Notice sur l'Ile de Zanzibar». Par Alfred GRANDI- DIER. Saint - Denis (R?union), 1868.
GUILLAIN. «Documents sur L'Histoire, la g?ographie et le Commerce de l'Afrique Orientale». Par M. GUILLAIN. Paris, 1856.
HANDBOOK. «A Handbook of Arabia». Vol. 1. Compiled by the Geog- raphical Section of the Naval Intelligence Division, Naval Staff, Admiralty. London, 1920.
HARDINGE. «A Diplomatist in the East». By the Right Hon. Sir Arthur H. HARDINGE. London, 1928.
HEUDE. «A Voyage up the Persian Gulf and a Journey Overland from India to England». By William HEUDE London, 1819.
HOGARTH. «The Penetration of Arabia». By David George HOGARTH. London, 1904.
HUART. «Histoire des Arabes». Par CL HUART. Paris, 1913.
INGRAMS. «A School History of Zanzibar». By W. H. INGRAMS and L. W. HOLLINGSWORTH. London, 1925. (1/246)
صفحة 247
INGRAMS' APPR. «Said bin Sutlan». An Appreciation by W.H.INGRAMS. Zanzibar, 1926.
INGRAMS'CHRO. «Chronology and Genealogies of Zanzibar Rulers». By W.H.INGRAMS. Zansibar, 1926.
IRVING. «The Life of Mahomet». By Washington IRVING. Leipzig, 1850.
JOURNAL A.O.S. Journal of the American Oriental Society, Vol. IV, No. 2. New York, 1854.
KEPPEL. «Personal Narrative of a Journey from India to England». By the Hon. George KEPPEL. London. 1827.
KERSTEN. «Tabellarische ubersicht der Geschichte Ost - Afrikas ». Von Otto KERSTEN. Leipzig, 1879.
KRAPF. «Travels, Researches and Missionary Labours during an Eight- een Years' Residence in Eastern Africa». By the Rev. Dr. J. Lewis KRAPF. London, 1860.
LILIENSTERN. «Zur Geschichte der Araber ovr Muhamed». Von R.V.L. (Rühle von Lilienstern). Berlin, 1836.
LOW. «History of the Indian Navy (1616 - 1863)». By Charles Rathbone LOW. London, 1877.
LYNE. «Zanzibar in Contemporary Times». By Robert Nunez LYNE.
London, 1905.
MANSUR. «History of Seyd Said, Sultan of Muscat, Together with an
account of the countries and people on the shores of the Persian Gulf, parti- cularly of th Wahabees». By Shaik MANSUR. London, 1819.
MASSIGNON. «Annuaire du Monde Musulman». Par L.MASSIGNON. Paris, 1926.
MIGNAl. «A Winter Journey through Russia, the Caucasian Alps and Georgia, thence into Koordistan». By Captain R. MIGNAN. London, 1939. (1/247)
صفحة 248
MILES. «The Countries and Tribes of the Persian Gulf». By Colonel S.B.MILES. London, 1919.
MILES· SOHAR. «On the Route between sohar and el - Bereymi in Oman». By Lieut - Colonel S.B.MILES. In The Journal Asiatic Society of Bengal, Vo. XLVI, Part I, 1877.
NEWMAN. «Banani: The Transition from Slavery to Fredom in Zanzi- bar and Pemba». By Henry Stanley NEWMAN. London, 1898.
NIEBUHR. «Beschreibung von Arabien». Von Carsten NIEBUHR. Kopenhagen, 1772.
NOSTIZ. «Travels of Doctor and Madame Helfer in Syria, Mesopota mia, Burmah and Other Lands». Narrated by Pauline, Contess NOSTIZ (formerly Madame HeIfer). London, 1878.
OMAR. «Il Sultanato di Oman». Di Umbert OMAR. Roma, 1912.
OPPENHEIM. «Vom Mittelmeer zum Persischen Golf durch den Hauran, die Syrische Wiiste und Mesopotamien». Von Dr. Max FREIHERR VON OPPENHEIM. Berlin, 1900.
OWEN «Narrative of Voyages to Explore the Shores of Africa, Arabia and Madagascar». By Captain W.F.W. OWEN, R.N. London, 1833.
PALGRAVE. «Narrative of a Year's Journey throuht Central and East ern Arabia (1862 - 63)».By William Gifford PALGRA VE. London, 1866.
PEARCE. «Zanzibar the Island Metropolis of Eastern Africa».By Major F.B. PEARCE. London, 1919.
PELLY. «A Visit to the Wahabee Capital, Central Arabia. » By Lieut- Colonel Lewis PELLY. Journal Royal Geographical Society, 1865.
PERRON. «Femmes Arabes». Par M.le Dr. PERRON. Paris, 1858.
PHILBY. «Arabia of the Wahhabis». By H.St. J.B. PHILBY. London,1928. (1/248)
صفحة 249
PRICE. «Essay towards the History of Arabia antecedent to the Birth of Mahommed». By Major David PRICE. London, 1824.
QUEEN VICTORIA. «The Letters of QUEEN VICTORIA ». London,1908.
RAYMOND. «Memoire sur l'origine des Wahabys sur la naissance de leur puissance et sur l'influence dont ils jouissent comme nation». Rapport de Jean RA YMOND, date de 1806, document inedit extrait des archives du ministere des affaires etrangeres de France. Publie par la Societe Royale de Geographie d'Egypte, Le Caire, 1925.
REINHARDT. «Ein Arabischer Dialekt gesprochen in Oman and Zanzi- bar». Von Dr. Carl REINHARDT. Stuttgart, 1894.
REP. «Report on the Administration of the Persian Gulf Political Re- sidency and Muscat Political Agency». Calcutta (3).
RIHANI. «Ibn Saoud of Arabia, his People and His Land». By Ameen RIHANI. London, 1928.
RITTER. «Vergleichende Erdkunde von Arabien». Von Carl RITTER. Berlin, 1846.
ROBERTS. «Embassy to the Eastern Courts of Cochin - China, Siam and Muscat, in the U.S. Sloop; of - war Peacock, David Geisinger, Commander, during the years 1832 - 3 - 4. By Edmund ROBERTS. New York,1837.
ROESSLER. «Nachal und Wad il Maawil». Eine Erziihlung im Oman- dialect von Waiter ROESSLER. Mittheilungen des Seminars fur Orientalis- che Sprachen zu Berlin. Heft II. 1898.
ROSS. «Annals of Oman». By Sirhan bin Said bin Sirhan of the Benu Ali Tribe of Oman. Translated and annotated by E.C.ROSS. Calcutta,1874. (1/249)
صفحة 250
RUETE. «Memoirs of an Arabian Princess». By Emily RUETE. London and New York, 1888, Berlin, 1886, Paris, 1905, New York, 1907.
RUSCHENBERGER. «Narrative of a Voyage round the World, during the Years 1835 - 36 - 37; including a Narrative of an Embassy to the Sultan of Muscat and the King of Siam». By W.S. RUSCHENBERGER. London.1838.
SACY. «Chrestomathie Arabe». Par M. le Baron Silvestre de SACY. Tome III. Paris, 1827.
SADLIER. «Diary of a Journey across Arabia». By Captain G. Forster SADLIER. Bombay, 1866.
SCHMIDT. «Sansibar». Ein ostafrikanisches Culturbild. Von Dr. Karl Wilhelm SCHMIDT. Leipzig, 1888.
SHEPHERD. «From Bombay to Bushire and Bussora». By William Ashton SHEPHERD. London, 1857.
SPENGLER. «Der Untergang des Abendlandes». Von Oswald SPENG- LER. Munchen, 1922.
STOCQUELER. «Fifteen Months' Pilgrimage through Khurzistan and Persia». By J.H. STOCQUELER. London, 1832.
STRANDES. «Die Portugiesenzeit von Deutsch - und Englisch ; Ostafrika». Von Justus STRANDES. Berlin, 1899.
[
TREATIES. «Treaties, Engagements and Sands relating to India and Neighbouring Countries», Vol. XII., containing the Treaties, etc., relating to Persia, the Arab Principalities in the Persian Gulf, and Oman. Revised and continued up to the 1st June, 1906, by the Authority of the Foreign De- partment. Calcutta, 1909, (4).
WATSON. «A History of Persia». By Robert Grant WATSON. London,1866. (1/250)
صفحة 251
WELLSTED. «Travels in Arabia». By Lieut, J.R. WELLSTED. London, 1838.
WILSON. «The Persian Gulf». By Sir Arnold J. Wilson. Oxford, 1928.
ZANZIBAR. «Zansibar: An Account of its People Industries and His- tory». Zanzibar, the Local Committee of the British Empire Exhibition (1924).
ZEHME. «Arabien und die Araber». Von Albrecht ZEHME. Halle,1842. (1/251)
صفحة 252
محتويات الكتاب
مقدمة الطبعة الثانية. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 7
تقديم وتقييم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 9
الإهداء. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 33
تصدير. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 35
مقدمة المؤلف. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 39
الفصل الأول: تاريخ عمان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 41
الفصل الثاني: السيد سعيد يتولى الحكم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 61
الفصل الثالث: عمان وأفريقيا الشرقية. . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 89
الفصل الرابع:. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 117
الفصل الخامس:. . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 139
الفصل السادس: شخصية السيد سعيد وطباعة. . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 177
الملحق (أ): بعض شهادات الكتاب المعاصرين. . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 197
الملحق (ب): الامامة من عمان. . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 221
الملحق (ج/1): نسب السادة البوسعيديين. . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 233
الملحق (ج/2): نسب السادة البوسعيديين. . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 234
الصادر. . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 235 (1/252)