صفحة 1
الكتاب: السِّيَر (جزآن)
المؤلف: أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي
تحقيق: أحمد بن سعود السيابي
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي (مسقط - 19 شوال 1407هـ)
الجزء الأوّل: طبع سنة 1407هـ / 1987م.
الجزء الثاني: 1407هـ / 1987م.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] كتاب السير
تأليف الإمام: أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي.
تحقيق: أحمد بن سعود السيابي
الجزء الأول، طبع سنة: 1407هـ - 1987م.
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليل المفتي العام لسلطنة عمان:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى تابعيهم بإحسان من أهل الاستقامة في الدين.
أما بعد: فإن معرفة سير أهل الفضل ومناقبهم وجهادهم، وكفاحهم، وتضحياتهم، وبذلهم من أجل إعلاء كلمة الله، وخفض كلمة الذين كفروا، ورفع معالم الحق ودرك صروح الباطل تقوي ملكات الإيمان، وتضاعف عزائم الخير، وتصقل مرآة اليقين وتربط بين حلقات أجيال الصّالحين في سلسلة تأريخ الأمة.
وهذه هي الحكمة التي تكمن وراء ما نراه من عناية القرآن بقصص الأنبياء ودعوتهم وأخبار الصالحين من أممهم: )لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ((1) .
وإن مما يدعو إلى الأسف أن يكون هذا الجانب من الثقافة لم ينَل عناية كافيةً من أصحابنا - أهل الاستقامة- فقد ضاع كثير من تراجم علمائهم المحققين وأئمتهم الصالحين وقادتهم الملهمين، إمّا لإهمال هذه التراجم ذاتها حرصا على هضم النفس، والبعد عن المفاخرة والاشتغال بالعمل لا بالقول، وإما لتلاشي ما دوّن من ذلك إمّا بقلة النسخ، وإما بعوامل الفتن، فأصبح الذي يريد أن يكتب عن حياة أحدٍ من هؤلاءِ الأعلام يجد من العسر والمشقّةِ ما ليس بعده.
ولعلّ إخواننا من أهل المغرب هم أوفر نصيبا في العناية بهذا الجانب، وأكثر حظًّا في بقاء ما دونوه في هذا الباب.
__________
(1) - سورة يوسف، الآية:111. (1/1)
صفحة 2
وإن كان كتاب السير للعلامة المحقق الفقيه، بدر العلماء " أبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي" - رحمه الله تعالى- الذي جمع في تراجم الصدر الأول من علماء المذهب، وخلفائهم الذين كانوا بالشطر الغربي ليعدُّ بحق من أعذب الموارد، وأطيب الموائد، وأجمع المراجع، لمن أراد أن يروي غلته ويشفي علته، فقد جمع دفتيه ما لم يجمع في سِفْر سواه، جزى الله مؤلفه خيرا، وبارك في آثاره، وجعلها معينًا لا ينضبُ، ونورا لا يأفل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحمد بن حمد الخليلي، مسقط- 19 شوال 1407هـ.
المؤلِّفُ والمؤَلَّفُ:
أولا: المؤلّف:
مؤلف كتاب السير هو الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمد بن عمر بن يحيى بن إبراهيم بن موسى بن عامر الشماخي.
فهو من أسرة الإمام المحقق العلامة النحرير أبي ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي رضي الله عنه صاحب كتاب الإيضاح في الفقه، حيث يلتقي معه في جده عامر الشماخي، لذلك فالمؤلف رحمه الله ينتمي إلى أسرة كريمة المحتد، وعائلة عريقة ضاربة بجذور راسخة في العلم والفضل، وقد لقب المؤلف -رحمه الله – ببدر الدين فهو بدر الدين الشماخي، ويختصر أحيانا فيقال له البدر، ويجد القارئ في الكتب التي تحكي أقواله وآراءه " وقال البدر....".
وكان مولده في الأربعينات من القرن التاسع الهجري، وهذا على وجه التقريب ليس إلا، حيث أننا لم نعثر على تأريخ محدد لولادته، بيد أن أباه الشيخ أبا عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي توفي سنة 865هجرية، والمؤلف لا يزال في طور الشباب، ومرحلة اليفوعة. (1/2)
صفحة 3
ولكونه من تلك الأسرة، أسرة الشماخي، أسرة العلم والفضل، والصلاح، كان لابد له منذ صغره ونعومة أظافره من الالتحاق في رحاب العلم والعلماء، فلازم أساتذة أجلاّء وعلماء فضلاء، لهم القدم الراسخ في العلم، واليد الطولى في الفهم، فأول ما أخذ العلم عن الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي، من نفوسة بليبيا، ثمّ أتاحت له الظروف التنقل بين أقاليم ليبيا وتونس، وهيأت له الأقدار أشياخا عظماء، فتلقى العلم في تونس على كل من:
العلاّمة الجليل البيدموري.
الشيخ يونس بن محمد.
الشيخ أبو زكريا يحيى بن عامر بن إبراهيم.
الشيخ أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى.
وبلغ الإمام أبو العباس الشماخي –رضي الله عنه- منزلة كبيرة في العلم، ونال درجة عالية منه، وأخذ منه بحظّ وافر،ولنستمع إلى الشيخ العالم البارع دفين القاهرة، أبي إسحاق إبراهيم أطفيش، وه يحدثنا عن تلك المكانة العلمية التي تبوّأها المؤلف، والنزلة التي نزلها، حيث يقول: « وأبو العباس من أعلام العلم، الذين نبه لهم شأن عظيم لجهدهم واجتهادهم، وبلغوا منزلة قصوى في العلم، كانوا منارا يهتدى به، وعلما يعتصم به ويلجأ إليه، إذ ألّف وصنّف، كان آية، وإذا رُدّت إليه مشكلة كان في حلّها غاية، وإذا حضر مجلسا من مجالس العلم كان فيه النّهاية، له من التصانيف في عدّة علوم، كلّها تعدّ من الأمّهات».
أمّا التأليف فقد ضرب فيه بسهم ووطئ فيه بقدم، فقد ألّف عديد من المؤلّفات القيّمة، المفيدة التي أصبحت مصادر لا يستغنى عنها، ومن مؤلّفاته:
كتاب السير( الذي بين أيدينا) وهو في تراجم علماء الإباضية.
مختصر العدل والإنصاف، اختصر فيه كتاب العدل والإنصاف لإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في أصول الفقه والاختلاف. (1/3)
صفحة 4
شرح مختصر العدل والإنصاف، ويعتبر من أهمّ وأروع كتب أصول الفقه، أودعه آراء في الأصول الفقهية، لم يسبقه إليها سابق، وهو تحت التحقيق حاليا على يد أحد الأساتذة المهتمّين بالعلم.
شرح مرج البحرين، وقد شرح فيه كتاب مرج البحرين للإمام الوارجلاني في المنطق والفلسفة.
ولأهميّة هذا الكتاب فقد تمنّى الإمام ضياء الدين عبد العزيز- مؤلف النيل رحمه الله- الوقوف عليه، قائلا: « غير أني سمعت أن البدر الشماخي علق عليه( مرج البحرين) شرحا عجيبا ولكنه ضاع فيا ليتني كنت له مصيبا».
إعراب القرآن.
إعراب مشكل الدعائم، وكتاب الدعائم هو للعلامة أحمد بن النظر الناعبي السمائلي العماني، من علماء القرن السادس الهجري.
شرح متن الديانات، وقد شرح فيه رسالة متن الديانات في التوحيد للإمام أبي ساكن عامر بن علي الشماخي.
رسائل في علم الكلام والفقه.
والظاهر أن للمؤلف كتبا أخرى لم يقدر لها أن تصل إلينا، وقضت عليها عوادي الدهر، يقول الشيخ أبو إسحاق- رحمه الله -: « وبعد فإنّي أرى أن البدر الشماخي من المؤلفين المكثرين، ويظهر أنّ له مصنفات في الفروع الفقهية، بيد أنها لم تصل إلينا، بل لعبت بها أيدي التلاشي، وعبثت بها عوادي الغواشي، فكانت أثرا بعد عين».
وخلال إقامة المؤلف في تونس، في جزيرة جربة إحدى حواضر العلم في العالم الإسلامي، زاره أحد المشايخ العمانيين هو محمد بن عبد الله السمائلي، ويظهر أنّ الشيخ العماني لديه إلمام بعلوم الطب، فقد ذكر المؤلف الكتاب- كتاب السير- أنه ذهب لزيارة أبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى ومعه الضيف العماني، معهما الشيخ يونس بن محمد، وكان الشيخ أبو يوسف مريضا، قال فتكلّما في الطب فأفحمهما. (1/4)
صفحة 5
وانتقل المؤلف رحمة الله عليه ورضوانه إلى جوار ربه سنة: 928 هـ، بعد حيات حافلة بالجد والنشاط في خدمة العلم والدين، مليئة بأعمال البر والطاعات، وقد اختلف في مكان وفاته، فذهب بعضهم إلى أنه توفي في يفرن بجبل نفوسة في ليبيا، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق أطفيش، بينما ينقل أستاذ مهنّى عمر في مذكّراته عن البدر الشماخي، تحمّس الشيخ سالم بن يعقوب وهو من علماء جربة ومؤخيها المعاصرين، إلى القول بأنه توفي في جزيرة جربة ودفن فيها، « فرضي الله عن بدر الدين لما قدمه من أجل خدمة الدين...».
ثانيا: المُؤَلَّفُ:
أمّ المؤلَّف فهو كتاب السير، ويتضمّن تراجم لعلماء أجلاّء، فضلاء وقادة عظماء، أسهموا في تكوين الواقع التاريخي إسهاما وافرا، ونزيها، يحدوهم في تلك المسيرة التاريخية الخيرة تطبيق شريعة الإسلام، نظام حكم ومنهج حياة، وسلوك أفراد، وتعامل مجتمع .
وأن القارئ ليجد متعة السلوك الإسلامي الذي أحاط بحياة وسيرة أهل الاستقامة، منذ الرعيل الأول في القرن الأول الهجري، ذلك السلوك الذي يملك – ولا ريب- على القارئ مشاعره ووجدانه، وينقله نقلة من مشاغل الحياة المادية الجافة إلى ساحة العمل الإسلامي الجاد، المتمثّل في أولئك الأشخاص الذين يلتقي بهم عبر صفحات هذا الكتاب القيّم الهادف، وهو يحكي تاريخهم وأحوالهم، وكراماتهم وسيرتهم المثلى، فمن خلاله يرتبط القارئ بأولئك العلماء العظام ارتباط وثيقا محكما، لتمتد السلسلة التاريخية متشابكة الحلقات بين السابق واللاحق. (1/5)
صفحة 6
ألا وإن للتدليل على أهمية هذا الكتاب –كتاب السير- في مضمونه ومحتواه أمسك القلم تاركا الحديث لشيخين عالمين جليلين هما: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، والشيخ علي يحيى معمر، فلنستمع أولا إلى صاحب القول الجامع والقلم البارع أبي إسحاق أطفيش – رحمه الله تعالى – في قوله: « ومن مراجع تراجم الرجال، وتاريخ أهل الحق والاستقامة كتاب السير، يظنّ الذين لاحظّ لهم من التاريخ ولا قدرة لهم على جوب مراحله ودخول ميادينه أنه كتاب غير مفيد، ولكنّهم لا يعلمون أنه ثروة ومادة أخذت من كل ناحية بسبب، واختصت بذكر أساطين العلم والدين، وأنت منهم بعجب، وإني لا أطالع هذا الكنز المكنون، والفلك المشحون، ولا أزال أكتشف فيه الإعلاق وجلائل تاريخ الأئمة ومفاتيح ما أغلق من تاريخ الإباضية وسط الأمة الإسلامية بشمال إفريقية تاريخ العلم والعمران، وازدهار الدين والإيمان». (1/6)
صفحة 7
أما الشيخ علي يحيى معمر فيقول: « وإذا كانت الحركة المباركة آتت ثمارا طيبة، وتركت لنا تراثا مجيدا تفتخر به المكتبة الإسلامية فإن طريقة أبي العباس في كتابه القيم" السير" طريقة فريدة ليس لها مثيل، فيها عرفناه من كتب التاريخ، فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة ويتتبعون المظاهر الخادعة من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام»، إلى أن قال: « لقد قرأت كثيرا من كتب التاريخ وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع، فلم أجد ما يستهويني كما أجد ذلك في كتابه " السير" هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة قرون، أرأيت القصصي الموفق الذي يستطيع أن يبعث الحياة في شخوص أبطاله معجبا بهم مهتما بأعمالهم، إنه أبو العباس الشماخي، وقصته هذه قصة حياة أمّة خلال عشرة قرون، وأبطالها الحقيقة لا الخيال، حقيقة الحياة بما فيها من متعة، بما فيها من فقر وغنى، بما فيها من حركة وصراع ونضال، بما فيها من عمل فردي وجماعي، والأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى كتاب من هذا الطراز يصورون الواقع كما هو، وكما تشهد به الحياة، وكما يجري به التاريخ الواقعي في فلك الزمان الطويل».
هذا ما قاله العالمان الجليلان في حق هذا الكتاب، وكفى به قولا ينبئ عن أهميّة هذا الكتاب المفيد، وأعظم به حجة تبرهن عن جلالة قدره وعظيم محتواه، على أن "كتاب السير" يعتبر مصبا لكثير من الكتب التي تقدمته، والتي فقد الكثير منها مثل ؛ كتاب النهروان، وكتب للإمام أبي يعقوب الوارجلاني، وغيرها من الكتب مما أعطاه صفة المصدرية الموثقة.
وقد طبع بمطبعة حجرية في القاهرة من نسخة منقولة كانت بخط المؤلف نفسه، وقام بالطبع الشيخان الفاضلان؛ محمد بن يوسف الباروني، وسليمان بن مسعود النفوسي. (1/7)
صفحة 8
وقد انتشرت النسخ المتفرعة عن هذه الطبعة المباركة شرقا وغربا، بحيث لم يعد الناس يقرؤون سواها، بيد أنها مشحونة بالأخطاء الإملائية، فصححنا هذه الطبعة وفق قواعد الإملاء الحديثة، وما وصل إليها الخط العربي من تطور في هذا الفن، إضافة إلى اللمسات الفنية التي علمناها في كيفية طبع الكتاب وإخراجه بهذا الشكل المناسب إن شاء الله.
وقد رجعنا على كتاب " الطبقات" للإمام أبي العباس الدرجيني لضبط بعض الكلمات والأسماء بصفته أهم رافد لكتاب "السير"، فكان عملنا هذا - والحمد لله – يقرب من التحقيق العلمي المعروف، لم ينقصه سوى تعدد النسخ، وقد الحق بآخر الكتاب في الطبعة الأول " الحجرية" بعض الرسائل هي:
– رسالة في ذكر نسبة الدين.
– منظومة للشيخ الباروني .
رسالة في ذكر بعض المشايخ.
رسالة في تسمية بعض مساجد جبل نفوسة.
فأثبتناها في هذه الطبعة أيضا إتماما للفائدة.
ونرى لزاما علينا أن نتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد وزير التراث القومي والثقافة على العناية والاهتمام والجهود العظيمة الطيبة التي تبذل لنشر كتب التراث التي من بينها هذا الكاتب القيّم المفيد.
ونسأل الله أن ينتفع بهذا الكتاب وما وضعناه فيه من عمل مفيد،إنه ولي التوفيق...
أحمد بن سعود السيابي، مسقط.
مقدمة (1/8)
صفحة 9
الحمد لله الذي كتب في صحائف القلوب ألفة أوليائه الأخيار، ونقش في ألواح الضمائر التوادد بين الأتقياء الأبرار، ومحى من رقّ الصدور محبة أولي الضلال الفجار، لخلافهم ما شرع عن الصراط للأنام المبين بلسان الرسول - عليه السلام -، الذي نقله الأتقياء والعدول، خصوصا من ارتضاه ربّنا لصحبة الرسول، مثل عمار والفاروق والصديق، والتابعين لهم بالإحسان والتصديق، هدى من اتبعه رشد واهتدى، ومن حاد عنه تجنبا ضل وغوى، وحل عليه غضب الله وهوى، ومن آكدها بعد الإيمان عقدا وأكملها بعد التوحيد عهدا المحافظة على الأخوة في الدين والموالاة في ذات الحق اليقين، فوجب علينا الولاية والدعاء للسابق.
كما فرض علينا مراعات حق اللاحق، إذ نقلوا لنا الهدى ناصحين، وأدوه إلينا محتسبين، لا يسألون عنه أجرا ولا كانوا متكلفين، لازموا القبض على جمر التكليف من اتباع الرسول من غير تعنيف صلى الله عليه وعلى آله ما طلع شمس وعاد خريف. (1/9)
صفحة 10
وبعد: فقد وردت رسالة ممن أهمه أمرنا وابتغاء المطالعة على أحوالنا، ومعرفة أخبار بلادنا المصان منها بإخواننا، والذي ضرب بجدرانه عدونا ومعرفة ما نحن فيه من التبرج والاكتنان، والظهور والكتمان والوقوف على مناقب الإخوان، ونسب من سلف به من الزمان من الأئمة أولي البقية والإحسان، أم من سنام المجد قحطان، أم من أهل السماح والصباح والرماح رأس الشرف عدنان، وتضمنت الرسالة أنهم أحيوا نفس الشريعة الساطعة الغرّاء وطلع شمس النخلة النقية البيضاء، وأنهم رعوا العفو وشربوا الصفو، وساسوا بالعدل العباد وتمكنوا في البلاد وساموا الخسف أهل الجور والفساد بالإمام الجواد الواري الزناد الماجد الأجداد الهمام الفاضل الأشم، الباذل اللباب الحلاحل أبو عبد الله محمد الأمير العادل المنتهى في الشرف إلى قحطان سواء كان من حمير أو أزدٍ أو همدان فانشرحت لسطوع نور هدايتهم صدورنا، وسلوكهم محجة من مضى من أسلافنا وإظهار منهج مذهب الحق مشرقاً بشهادة غرابيل الصدق، وها أنا أذكر بعض أخبار السالفين بعد التيمّن بلمع من أخبار الرسول والتبرك بشيء من أخبار الصحابة ومن الله أستمد العون والتوفيق والسداد واللطف.
سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -
مولده - صلى الله عليه وسلم - ونسبه وبعثته: (1/10)
صفحة 11
اعلم أن الله تعالى من علينا بلطفه بأن أنزل علينا كتابا نوّر به كل حالك وأضاء به المسالك وأشرقت به دجى المهالك، وأرسل رسولاً هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، واختلف فيما فوق ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وعلى سيدنا محمد الصلاة والسلام، ويتميّز - صلى الله عليه وسلم - من سائر بطون قريش بهاشم واصطفاه الله من بني هاشم كما اصطفى بني هاشم من قريش، وأمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب حملت به أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، ووُلِدَ - عليه السلام - بمكة يوم الاثنين لاثني عشر خلت من رمضان، وقيل: من ربيع الأول، وقيل: لثمان، وقيل: أول اثنين فيه، وقيل لليلتين خلتا منه، عام الفيل، وقيل: يوم الفيل؛ أي اليوم الذي حبس فيه، وقيل: بعده بشهر، وقيل: بأربعين، وقيل: بخمسين يوما، يوم عشرين من نيسان، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من المحرم يوم الأحد، وضعته أمّه قيل: في شعب بني هاشم، وقيل بمكة بدار تدعا لمحمد بن يوسف أخي الحجاج ابن يوسف وأرسله الله يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل وهو ابن أربعين سنة ويوم، ومن بعثته إلى أول المحرم عام الهجرة اثني عشر عاما، وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين، وكانت وقعة بدر يوم الاثنين على قول وقبضه الله يوم الاثنين - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان وهو القول العدل إن شاء الله تعالى، وقيل: قدم المدينة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل يم عشرين من أيلول، وعليه أن من مبعثه على يوم دخوله المدينة ثلاثة عشرة كاملة، وأقام بالمدينة عشرة أعوام، وقيل: أقام بمكة عشرا. (1/11)
صفحة 12
وقيل: لأمه حين حملت به أنّك حملت بسيّد هذه الأمة فإذا وضع إلى الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثمّ سميه محمدا، ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام، فلما أوضعته أرسلت إلى جدّه فدخل به الكعبة فدعا الله وتشكر له ما أعطاه ثم رده إلى أمّه ثمّ دفعه جده إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث ترضعه فردته في السنة الخامسة ومات أبوه وأمه حامل به، وقيل: ابن ثمانية وعشرين شهرا وقبره بالمدينة، وقي: سبعة أشهر، وقيل: ابن شهرين.
فكفله جدّه عبد المطلب وماتت أمه وهو ابن ستة أعوام، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وتوفّي جده سنة تسع من عام الفيل، وقيل: مات جدّه وهو ابن ثمانية سنين، وقيل: ثلاث سنين، فأوصى به إلى أبي طالب، شقيق أبيه فكان في حجره إلى خمس عشرة سنة، فاستقلّ بنفسه وخرج مع عمّه سنة ثلاث عشرة من الفيل فرآه بحيرة الراهب فقال احتفظوا به فإنه نبيّ وشهد يوم الفجّار، عام واحد وعشرين من الفيل.
وخرج إلى الشام عام خمس وعشرين في التجارة لخديجة بنت خويلد، فرآه نسطور الراهب وقد أظلّته غمامة فقال: هذا نبيّ وتزوّجها بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما في عقب صفر سنة ست وعشرين، وقيل: بين بنيان الكعبة ومبعثه خمس سنين، ونزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة يوم الاثنين فأسر أمره ثلاث سنين أو نحوها، ثم أمره الله بإظهار دينه والدعاء إليه، وقيل: وُكِلَ به إسرافيل ثلاث سنين ثمّ وُكِلَ به جبريل، فلمّا دعا إلى الله نابذه قومه وكذبوه وأجاره عمّه أبو طالب إذ أرادوا قتله وحصره قريش ومعه بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب في سنة ست من مبعثه، وتوفي عمّه سنة ثمان في النصف من شوال، وقيل عام عشر وهو أقربي، وخرجوا من الشعب سنة خمس بعد أن مكثوا في الحصار ثلاث سنين، ومات بعد ذلك أبو طالب بستة أشهر . (1/12)
صفحة 13
وتوفيت بعده خديجة بثلاثة أيام، وقيل: بسبعة، وقيل: بشهر، وبقيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة وعشرين عاما وستة أشهر أربعة أيام، وتزوج بعدها سودة وعائشة، قيل: في تلك السنة وفيها خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف بعد عمّه فلم يجد عندهم خيرا، ثم رجع في جوار مطعم بن عدي سنة إحدى وخمسين وفيها جاءه جنّ نَصِيبين بعد ثلاثة أشهر فأسلموا وأسرى به إلى بيت المقدس، وقيل: بعد سنة ونصف من رجوعه من الطائف، وقيل: الإسراء قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وقيل: وشهرين، ثمّ بايعته الأنصار ببيعة العقبة.
هجرته إلى المدينة:
ثم أدن الله له بالخروج في سنة أربع وخمسين حين أراد نصره وإظهار دينه بعد أن أقام بمكة ثلاثة عشر عاما، وقيل: عشرا، وقيل: خمسة عشر، فهاجر وكان رفيقه أبا بكر الصديق، وكان يخدمهما عامر بن فهر، فقدم المدينة ضحوة نهار يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وكان خروجه من مكّة يوم الاثنين بعد العقبة بشهرين وليال، والعقبة أيام التشريق، وقيل: خروجه من الغار أول ربيع الأول يوم الاثنين، وقيل: قدم المدينة يوم الجمعة، وقيل: يوم الاثنين لثمان خلت منه فنزل في بني عمرو بن عوف، فأقام عندهم أربعة أيام، وقيل: عند سعيد بن خثعمة أو عند كلثوم بن الهرم وأسَّسَ مسجدهم، وخرج منتقلا إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم فصلاها في بطن الوادي، ثمّ استوى على ناقته فثارت لا يردها راد حتى أتت موضع مسجده عليه السلام فبركت ثم ثارت فمضت غير بعيد ثمّ عادت إلى مبركها واطمأنّت والنبي - عليه السلام - يراعي حكم الله تعالى فنزل عنها وآوى إلى منزل أبي أيوب الأنصاري النجاري فلم يزل عنده شهرا حتى بنى مسجده في تلك السنة ومساكنه، فانتقل إليها وأذن الله له بالقتال وآخى بين المهاجرين والأنصار.
الغزوات والسرايا: (1/13)
صفحة 14
وبعث عمه حمرة في جمادى الأولى وهي أول غزوة وأول من عقدت له راية في الإسلام في ثلاثين راكبا إلى سيف البحر فلقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش فحجز بينهم رجل من جهينة، ثم بعث عبيدة بن الحارث في خمسين راكبا يعارض عير قريش فلقوا جمعا كثيرا فتراموا بالنبل ولم تكن بينهم مسايفة، وقيل: سرية عبيدة كانت قبل حمزة، وفيها رمى سعد أول سهم رمي به في سبيل الله، وقيل: أول لواء عقده عليه السلام لعبد الله بن جحش، والصحيح أن سريته في العام الثاني إلى نخلة وفيها قتل ابن الحضرمي ليلة بقيت من جمادى الأخرى.
فلما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتمع إليه المهاجرون والأنار فأقام الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، والحلال والحلاام، وأقام الحدود، ثمّ خرج غازيا في صفر غزوة الأبواء حتى بلغ ودّان، ثم خرج يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ربيع الأول إلى بواط وهو على ثلاث مراحل من المدينة، ورجع لعشر خلون منه، ثم خرج غازيا في جمادى الأولى إلى العشيرة من بطن ينبع وقد بعث فيما بين ذلك سعدا غازيا حتى بلغ الخوار من أرض الحجاز، ثم خرج غازيا في أثر كرز بن جابر إلى صفوان من بدر وهي بدر الأولى، وذلك في جمادى الأخرى، ثم بعث عبد الله بن جحش وقد تقدم التنبيه عليها، ثم بدر الكبرى، قتل فيها صناديد قريش يوم الجمعة على الصحيح سبع عشرة من رمضان.
وافترض الله رمضان وحولت القبلة، وليس في الإسلام أفضل منها، ثم غزا بني سليم بعد رجوعه من بدر بسبعة أيام حتّى بلغ الكدر من مياههم فأقام به ثلاثا، ثم رجع ثم غزا غزوة السويق، خرج في أثر أبي سفيان في ذي الحجة حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزا نجدا يريد غطفان، خرج إليها بعد أن أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، أو قريبا منها بنجد صفرا كله، وتسمى غزوة ذي أُمَر، ثم رجع وأقام بالمدينة ربيع الأول كله أو إلا قليلا منه. (1/14)
صفحة 15
ثم خرج غازيا يريد قريش حتى بلغ نجران من ناحية الفُرع فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، وفيما بين ذلك أمر بني قينقاع من اليهود ومحاصرة النبي - عليه السلام - إياهم حتى نزلوا على حكمه وتشفّع ابن أبي فيهم، وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة إلى نجد فأصاب عير قريش على الفردة، ماء من مياه نجد، ثم قتل كعب بن الأشرف قتله محمد بن مسلمة في فتية أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وقتل محيصة بن مسعود بن مسينة أو سبينة اليهودي، ثم غزوة أحد أصيب فيها حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعة من الصحابة أكرمهم الله بالشهادة. (1/15)
صفحة 16
ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ثم خرج في إثر العدو حتى انتهى إلى حمراء الأسد فأقام بها ثلاثا ثم رجع، ثم بعث إلى مرثد بن أبي مرثد وخبيب بن عدي في سبعة نفر وأخذوا يوم الرجيع، ثم بعث المنذر بن عمر في أربعين رجلا إلى نجد يدعون إلى الله فأصيبوا ببئر معونة، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل إلى نجد في جمادى الأولى، ثم غزوة بدر الأخيرة لمعاد أبي سفيان في شعبان عام أربعة، ثم غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول عام خمسة، ثم غزوة الخندق، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها معجزات كثيرة، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل طالبا بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه، ثم غزوة ذي قرد في أثر عيينة بن حصن أغار على لقاح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة وفيها حديث الإفك، ثم غزوة الحديبة في ذي القعدة بعد إقامته رمضان وشوال من رجوعه من بني المصطلق، فصدّه المشركون، وفيها بيعة الرضوان وتقرب في الفضل من بدر، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة وادي القرى، ثم اعتمر عمرة القضاء، ثم الفتح ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك قاتل فيها - صلى الله عليه وسلم - في تسع وزاد الواقدي غزوة وادي القرى وغزوة الغابة فهي إحدى عشرة، وقيل كانت غزواته وسرياه (1) وبعوثه وقدومه المدينة إلى أن مات خمسا وثلاثين، قال المسعودي ذكر الطبري عمّن حدثه الواقدي كانت ثمانيا، وقيل كانت ستا وستين ثم قبضه الله إليه وهو ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن خمس وستين.
زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأولاده:
__________
(1) – الغزوة ما اشترك فيها الرسول نفسه، والسرية هي ما لم يذهب فيها، وإنما يجعل عليها قائدا غيره. (1/16)
صفحة 17
قال المسعودي تزوج من النساء خمس عشرة امرأة، دخل بإحدى عشر، ومات عن تسع، خديجة، وسودة، وعائشة بنت أبي بكر، ولم يتزوج بكرا غيره، وأم سلمة بنت أبي أمية واسمها هند من أجمل النساء وجها، و حفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة زوجها النجاشي من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصدقها منه أربعمائة دينار، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث بم ضرار بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت خزيمة ماتت قبل النبي - عليه السلام -، وعمرة بنت يزيد الكلابي، وأسماء بنت النعمان الكندية، وله أسماء محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر.
وأولاده: القاسم،وهو أكبرهم وبه كان يكنّى، وعبد الله وهو الطيب،والطاهر، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وفاطمة، كلهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية.
مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - (1/17)
صفحة 18
عن أبي مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكن ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع الآخرة الأولى والآخرة أشر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها، ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقلت: بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنّة، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فابتدأ به الوجع ووجد عائشة تقول: وا رأساه لوجع في رأسي، فقال: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه، ثم قال: وما يضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك، قلت: والله فكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسّم - عليه السلام - فتتامّ به وجعُهُ، وهو يدور على نسائه حتى اشتدّ به وهو في بيت ممونة فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي فأذن له جميعا، قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس، ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتّى دخل بيتي فاشتد به وجعه، قال: أهرقوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى، حتى خرج إلى النماس فأعهد عليهم فأقعناه في مخضب ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم، حسبكم، والمخضب شبه أجانة يغسل فيها كالثور والمدكن، ثم خرج - صلى الله عليه وسلم - عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر فصلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر وفهم أنّ نفسه أراد فقال: بل نحن نفديك (1/18)
صفحة 19
بأنفسنا، قال: له على رسلك يا أبا بكر، فأمر بسد أبواب المسجد إلا باب أبي بكر، ثم نزل واشتدّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قال عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن، قال: مروه فليصلّ بالناس، وإنما فعلت ذلك عائشة خشية أن يتشاءم الناس بمن قام مقامه - عليه السلام - في كل حدث فأباحت صرفه عن أبيها.
وقال ابن زمعة: كنا عنده - عليه السلام -، فدعا بلال إلى الصلاة فقال: مروا من يصلي فخرجت وكان أبو بكر غائبا، فقل لعمر قم صل بالناس فلما كبّر، قال - عليه السلام - فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون، فكررها، فبعث إلى أبي بكر، وكان يصلي بالناس غير تلك الصلاة، فقال عمر ويحك ماذا صنعت بي يا ابن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمرك بذلك، فقال: ما امرني ولكن حين لم أر أبو بكر رأيتك أحق ممن حضرنا للصلاة بالناس. (1/19)
صفحة 20
ثمّ خرج يوم الاثنين في صلاة الصبح فلما رفع الستر وفتح الباب وخرج كاد المسلمون يفتنون في صلاتهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحا به، فتفرّجوا فأشار إليهم أن تثبتوا على صلاتكم وتبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رآه من هيئتهم في صلاتهم، وما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن هيئة منها تلك الساعة فعلم أبو بكر أن الناس لا ينفرجون كذلك إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنكص عن مصلاه فدفعه في ظهره فقال: له صل وجلس إلى جنبه الأيمن فصل قاعدا، فكم الناس بعد الفراغ من الصلاة رافعا صوته سعرت النار وأقبلت فتن كقطع الليل المظلم، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولا أحرم إلا ما حرّم القرآن، ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أنه قد أفاق من مرضه أي برئ فاضطجع في حجر عائشة فرأى سواكا أخضر في يد بعض آل أبي بكر فنظر في يده نظرة عرفت أنه يريده، قال: فأخذته فمضغته حتى لينته قم أعطيته إياه فاستن كأشد ما رأيته استنّ بسواك قط، ثم وضعه فثقل في حجري فنظرت في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول الرفيق الأعلى من الجنة، قلتُ: خُيرت فاخترت والذي بعثك بالحق.
وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1/20)
صفحة 21
قالت عائشة: وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضوانه ورحمته عليه بين سحري ومنحري وفي بيتي لم أظلم فيه أحدا، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت من سفهي التدم مع النساء وأضرب وجهي فقالعمر: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، والله ليرجعنّ كما رجع موسى، فأقبل أبو بكر حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله في بيت عائشة وهو مسجى عليه بردة حبرة فكشف عن وجهه فقبله، فقال: أما الموت الذي كتبه الله عليك فقد ذُقتَهُ ثم لم يصبك بعده موت أبدا فرد البردة على وجهه فخرج فقال على رسلك أنصت فلم ينصت فأقبل على الناس فلمّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا مات، ومن كان يعبد الله فإن اله حيّ لا يموت ثم تلى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)(1) .
__________
(1) – سورة آل عمران:144. (1/21)
صفحة 22
فكان الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر وأخذها الناس عن أبي بكر وإنما هي في أفواههم، فاحتفل الناس واجتمعوا إلى وفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واعتزلت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة لبني ساعدة، واعتزل بنو هاشم وعلي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، واعتزل خالد بن سعيد بن العاص، وانحاز بقية الناس إلى أبي بكر ومعهم بنو عبد الأشهل، فأتى أبا بكر وعمر فقال لهما: إن كان لكما بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب، فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، قال عمر: فلقينا منهم رجلان صالحان فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: فلا عليكم، ألا تقربوهم واقضوا أمركم، فقلت لنأتيهم فأتيناهم في سقسفة بني ساعدة، فإذا سعد بن عبادة مزمل لوجع به،فاتفق رأيهم بعد أن كثر اللغط وارتفعت الأصوات، فبويع أبو بكر، فأول من بايع بشير بن سعد، وقيل عمر بن الخطاب، والرجلان عويم بن سعد ومعن بن عدي، أما عويم فمن الذين قال الله فيهم: (رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)(1)، وفيه قال - عليه السلام -: « نعم المرء عويم بن ساعدة »، وأما معن فقتل يوم اليمامة شهيدا.
__________
(1) – سورة التوبة، الآية: 108. (1/22)
صفحة 23
وأتى أبو بكر المسجد فبويع بيعة العامة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: « توليت عليكم ولست خيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، وقال الضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح إليه حقه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، ثم قال: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليك »، ثم أقبل الناس على جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الثلاثاء وتولى غسله وكفنه ودفنه وأمره كله عمه العباس وأبناءه والفضل وقثم وعلي وأسامة وشقران وأوس من الأنصار، فغسل وعليه قميصه يدلك من ورائه، وصلى عليه المسلمون جميعا من غير إمام الرجال ثم النساء ثم الصبيان ودفن ليلة الأربعاء في جوف الليل وكفن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها عمامة ولا قميص، وحفر له تحت موضعه الذي قبض فيه ودفنت معه قطيفته التي يفترشها، وآخر الناس عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قثم بن عباس فعظمت بموته مصيبة المسلمين، وارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وهمّ أكثر أهل مكة بالرجوع عن الإسلام حتى خافهم عتاب أسيد عملها فتوارى فقام سهيل بن عمر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن موت محمد- عليه السلام - لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رأبنا ضربنا عنقه وكف الناس عما هموا به.
ذكر خلافة أبي بكر - رضي الله عنهم -:
لما بويع في مسجد بيعة العامة يوم الثلاثاء لم يتخلف عن بيعته إلا من ذكرنا، فبايعه علي بعد ستة أهر وبعد موت فاطمة، وقيل: أقل وبعد مخاطباته ومراجعاته، وبايعه جميع من تخلف إلا سعد بن عبادة وأراد عمر أن يلجأ إلى البيعة فأبى بشير بن سعد من ذلك. (1/23)
صفحة 24
وكان أبو بكر من أزهد الناس وأكثرهم تواضعا في أخلاقه وطعامه، ولباسه، وكان يلبس العباءة والشملة، فأوصى عائشة أن ترد ذلك إلى عمر بن الخطاب بعده، وأوصى بما أنفق من بيت المال وهو ثمانية آلاف درهم، أن يقضي عنه، قال الحسن هو غذاء بعضهم اليوم، وقدمت زعماء العرب وأشرفهم وملوكهم، وعليهم الحلل وبرد الوشي المثقل بالذهب والتيجان والحِبَر، فلما شاهدوا عليه من الزهد واللباس المتواضع والنسك والوقار، وما ألبسه الله من الهيبة في أعين الناس ذهبوا مذهبه منهم ذو الكلاع الحميري قدم ومعه ألف عبد غبير عشيرته فنزع وزهد وتزيا بزيه وقد رئي يوما يمشي في السوق على كتفه جلد شاة ففزعت عشيرته لذلك، وقالوا: فضحتنا بين المهاجرين والأنصار والعرب، قال لهم: أردتم مني أن أكون جبارا في الجاهلية جبارا في الإسلام، لا والله لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع لله والزهد في الدنيا الفانية، فغلب على الناس في أيامه الزهد والتواضع تأسيا بفعله وسمعه أبوه يوما يصيح على أبي سفيان فقال: أعلى أبي سفيان ترفع صوتك يا عتيق لقد تعديت طورك وجزت مقدارك، فتبسم أبو بكر ومن حضره، فقال: إن الله عز وجل رفع بالإسلام قوما وأذلّ به آخرين.
حروب الردة: (1/24)
صفحة 25
وارتد عمر بعد استخلافه بعشرة أيام، فلبس لهم جلد النمر كما لبس للمؤمنين ثوب التواضع، وضمّر لهم عن ساق الجد وحسر عن ساعد الجهاد والحرب بعد ما شاور أصحاب النبي - عليه السلام - فأشاروا أن يتركوا وما اختاروا لظنّهم لا طاقة لهم بالعرب لطول ما علج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهممن الجهاد والتكذيب والاذى والشدة والشفقة والمكروه مع كثرة عددهم، وشدة شوكتهم، وتخوّفوا ان يكون لا طاقة لهم بحربهم فرضوا أن يتمسكوا بدينهم ويتركوا الناس وما اختاروا لأنفسهم،فقال أبو بكر: والله لو لم أجد أحدا يؤازرني لجاهدتهم بنفسي وحدي حتى أموت أو يرجعوا إلى الإسلام، ولو منعوا مني عقالا لجاهدتهم حتى الحق بالله، فشمّر الذيل وقاتل منارتد فعادوا جميعا مذعنين للحق، وذلك سنة إحدى عشرة، ثم وجه فيها خالدا إلى اليمامة فقتل مسيلمة بعد أن استشهد من المسلمين ألف ومئتا رجل وقيل: وأربعمائة منهم سبعمائة جمعوا القرآن، وفيها بعث المهاجر بن أبي أمية إلى حرب الأشعث بن قيس فأوتي به أسيرا في الحديد، فقال: لأبي بكر بعد أن وبخه وشدّ عليه وعدّ عليه رذائله وسوء فعله أبقني لحربك وزوجني أختك ففعل أبو بكر.
الفتوحات:
وفيها (1)أمر خالد أن يسير إلى العراق لقتال الفرس ففتح حصونها في طريقه إلى أن بلغ الحيرة، فلقي فيها صاحب مصالح كسرى فقاتلهم قتلا شديدا فهزمهم الله للمسلمين فصالح أهل الحيرة.
وحج بالناس أبو بكر فلما انصرف بعث أبا عبيدة إلى الشام لقتال الروم، وكتب إلى خالد أن يمده أميرا على المسلمين وفتح في طريقه حصونا وصالح فنزاوا على بصرى وصالحوها والتقوا بجموع الروم باجنادين بين الرملة وحيرون فهزم الله المشركين بعد قتال شديد مات في المعركة ثلاثة آلاف وذلك عام ثلاثة عشر في جمادى الأولى.
وفاته:
وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ودفن خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) – أي في سنة إحدى عشر للهجرة. (1/25)
صفحة 26
فضائله:
وله مع رسول الله أحوال وأخبار، وله فضائل ومنزلة عند رسول الله لا يطمع فيها غيره، وهو أفضل من اهتدى بهداه، وخير من سلك سبيله وأتم من اقتدي به، وأكمل من اتبع أثره، وقال فيه رسول الله - عليه السلام -: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر»، وفي رواية « أرأف أمتي بأمتي»، عن الدرداء أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « ما طلعت الشمس وما غربت على احد خير وأفضل من أبي بكر» .
وكان مجلسه عن يمين رسول الله وصلاته خلفه وهو الذي يؤمن إذا دعا، ويتلوه إذا مشى، وكان أول الناس إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله قلبا، وأحسنهم صحبة، وأحطهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأفضلهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأقربهم من رسول الله مكانا، وأشبههم به هدى، وخلقا وفضلا، وسمتا وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده، وردت فيه عن النبي أحاديث تدل على كمال فضله، وتمام قربه وكثرة يقينه، ورسوخ إيمانه، فاطلبها في فضائله ومناقبه، وكفاك أن الله سماه صديقا متقيا، والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون وسماه صاحبا: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )(1)، وأنه رافق رسول الله في الهجرة وموطن الكره، وسار مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تخلفوا، وأقام إذ قعدوا، وصبر في الشدائد، أكرم الصبر واستخلفه رسول الله في الصلاة بل قيل أنه أردا أن يكتب له أن لا يختلف عليه اثنان، فلما تولى قوي إذ ضعفت أصحابه وجنبت وبرز حين استكانوا، ونهض حين وهنوا وقام بالأمر حين فشلوا، ومضى بقوة الله حين وقفوا .
__________
(1) – سورة التوبة، الآية: 40. (1/26)
صفحة 27
كان أطول الناس صمتا، وأبلغهم قولا، وأشجعهم قلبا، وأشدهم يقينا وأحسنهم عملا، فحمل ثقل ما عنه ضعفوا، وحفظ ما أضاعوا، وراعى ما أهملوا، وعلا إذ سفلوا، وصبر إذ جزعوا ما أشبه بالجبل الذي لا تحركه العواصف، ولا تزلزله القواصف، صدق فيه - عليه السلام - « ضعيف في نفسك قوي في أمر دينك، متواضع في نفسك عظيم عند الله، محبوب من أهل السماوات والأرض»، فجزاه الله عن الإسلام خيرا.
خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن قرط بن رباح بن عبد الله بن عدي بن كعب، أسلم قبل الهجرة بأربعة أعوام، وكنيته أبو حفص، ولقبه الفاروق، لأنه فرق بين الحق والباطل.
إسلامه: (1/27)
صفحة 28
وسبب إسلامه أنه توشح سيفه وخرج يريد قتل النبي وأصحابه، فلقيه النمام نعيم بن عبد الله العدوين وكان مسلما فصرفه على أخته فاطمة وزوجها ابن عمه سعيد بن زيد وهما مسلمان، فقال: فأمره أن يقيم أمرهما، وكان خباب بن الأرت يختلف إليهما ليعلمهما، فلما دنا عمر سمع القراءة فلما أحسوا به توارى خباب وجعلت فاطمة لوحا يعلمها فيه خباب تحت فخذها، فسألها عما سمع فأنكرا فآل أمرهم إلى أن بطش بهما وشج أخته فرق لها وندم لما رأى الدم، وقال لأخته أعطني الصحيفة، وكان قارئا فخافته عليها، فحلف أن يردها إذا قرأها، وقالت: أنت نجس على شركك ولا يمسها إلا الطاهر، فاغتسل، فلما قرأ صدرا منها، قال: ما أحسن هذا فخرج خباب وقد طمعوا فيه، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: اللهمّ أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فقال: دلني على محمد أسلم، فقال: هو في بيت عند الصفا فلما أتاهم نظر رجل من خلل الباب فقال هذا عمر متوشحا سيفا، فقال حمزة ائذن له فإن أراد خيرا بذلناه، وإن أراد شرا قتلناه بسيفه، فقال- عليه السلام -: ائذن له فلقيه - عليه السلام - في الحجرة فأخذ بمجمع ردائه ثم جبذه، فقال: ما جاء بك يا بن الخطاب فو لله ما أراك تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة فقال: جئتك لأومن بالله ورسوله، وما جاء به حق من عند الله، فكبّر رسول الله فعلموا أن عمر قد أسلم، وتفرقوا من مكانهم، وعزوا في أنفسهم بإسلامهم وإسلام حمزة، فكان إسلامه فتحا وهجرته نصرا وخلافته رحمة، وتوفي رسول الله وهو عنه راض وهو أول من تسمى بأمير المؤمنين، وكان رديف أبي بكر في التواضع والعدل والأخلاق، والملبس وخشونة المطعم، والزهد، يلبس العباءة والجبة من الصوف المرقعة بالأدم، ويحمل القربة على كتفه، شديدا في حق الله تعالى ة ورزقه الله هيبة، شبه رسول الله - عليه السلام - أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بموسى ونوح في الرأفة، وأكثر ما يركب الجمل (1/28)
صفحة 29
ورحله مشدود بالليف، وسلك أصحابه مسلكه، وقال: في بعض خطبه من أظهر إلينا منكم خيرا ظننا به خيرا، وأحببناه، ومن اظهر منكم شرا ظننا به شرا وغضناه عليه، وقال: « فيه لا يصلحنا إلا أربع: شدة في غير عنف ولين في غير ضعف، وأخذ مال من حله ووضعه في محله».
ورأى نارا بليل فقال: أرى ركبا فيضربهم الليل والبرد فهرول حتى دنا منهم، فإذا بصبية صغار يتضاغنون وقد نصبتها امرأة على نار، فقال: السلام عليكم يا أصحاب الضوء أأدنوا، فقالت: وعليك السلام أدن بخير أو دع، فقال: ما بالكم وما بال الصبية، قالت: ضربنا الليل والجوع نصبت القدر أسكتهم بها حتى يناموا والله بيننا وبين عمر، قال: وما يدري بكم عمر، قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنّا، فرجع بمن معه حتّى أتى دار الدهن فأخرج عجلا من دقيق وكبة شحم فحمله على ظهره حتّى أتاهم يهرول فأخرج من الدقيق شيئا فقال: للمرأة ذري علي وأنا أحرك لك وينفخ تحت القدر فأتته بصفحة فأفرغها فيها فمازال حتى شبعوا وترك لها الباقي، ثم قام وهي تقول جزاك الله خيرا كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، ويقول قولي قولا خيرا إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله وتربص مستقبلا غير بعيد، فما انصرف حتى أبصر الصبية يصطرعون ثم ناموا، فقال لا أريد أن أنصرف حتى أرى ما رأيت، وكان يأمر عماله أن لا يقتلوا امرأة ولا يغدروا ولا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإسلام ثمّ الجزية، فإن أبوا قوتلوا، وأرسل إليه بعض عماله بسفطين عظيمين من المال فردهما إليه وقال إن الجيش أحق بهما.
الفتوحات:
وفي السنة الأولى من خلافته فتحت حمص، والأيلة والفرات، وولى أبا عبيدة الشام كله، وعزل خالدا، وفيها وقعت الأردن، وفيها بعث أبا عبيدة ابن مسعود الثقفي إلى العراق فبلغ الجسر.
وفي سنة أربعة عشر فتحت دمشق وما حولها، إلى حمص في ربيع الآخر أو رجب كذا ذكره بعضهم، وقي: غير ذلك، وفيها أمر بالقيام في شهر رمضان. (1/29)
صفحة 30
وفي خمسة عشر وقعة اليرموك وكسر الله شوكة الروم على أبي عبيدة فلم يكن لهم وقعة بعدها، قيل أنهم أربعمائة ألف منح الله أكتافهم للمسلمين يقتلونهم كيف شاءوا، وركب بعضهم بعضا فانتهوا إلى مكان مشرف على أهوية تساقط منهم نحو ألف، وقتل منهم نحو خمسين ألفا في المعركة بعدما أدبروا وأتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل واد على جبل وانتهت الهزيمة إلى قيصر، وهو في أنطاكية، وارتحل إلى القسطنطينية، وفيها وقعة القادسية بالعراق، على يد سعد بن أبي وقاص، وعلى الفرس رستم عامل يزدجرد بن كسرى، فاستشهد فيها من المسلمين ألفان وخمسمائة وقتل هلال بن علقمة رستما وقتل معه مائة ألف وأسر نحو خمسين ألفا، وفيها فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبيرة فتحت صلحا.
وفي ستة عشرة فتح أبو عبيدة الجابية من عمل دمشق وفيها عمر الشام، وفتح بيت المقدس.
وفي سنة سبع عشرة دار من الجزيرة وبنى عمر المسجد الحرام، وأقام بمكة عشرين يوما يقصر الصلاة، وهي عام الرمادة فاستسقى عمر بالعباس عم النبي - عليه السلام -، فقال: اللهم أنا نستشفع إليه بعم نبيك - عليه السلام - فسقوا مكانهم، ويأتي عمر ترك فيها قطع يد السارق.
وفي عام ثمانية عشر وقع طاعون عمواس بالأردن وفلسطين مات فيه من المسلمين بضعة وعشرون ألف وهي قرية من الرملة، وفيها مات أبو عبيدة ومعاذ، وفيها فتحت الدها وشمشاط، وحران والموصل، وحلوان والمهات ونيسابور.
وفي عام تسعة عشر فتح سعد وابن أخيه هشام جلولا من أرض العراق، وتسمى فتح الفتوح، بلغت غنائمها ثمانية عشرة ألف ألف وفيها فتح معاوية قيسارية ولم يبق في أقصى الشام مكانه على بعض الشام وفيها زاد عمر في مقدم مسجد النبي - عليه السلام - . (1/30)
صفحة 31
وفي سنة عشرين فتح عمرو بن العاص مصر وفيها فتحت أنطاكية وتستر، وفيها أجلى عمر يهود خيبر ومن كان بالمدينة والحجاز، وفيها دون الدواوين، وفيها كتب إلى نيل مصر أما بعد: « فإن كنت تجري من قبلك وبحولك وقوتك فلا تجري وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك»، فألقى عمر بن العاص الكتاب في النيل قبل يوم الصليب بيوم فأجراه الله ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقدكان قبل ذلك يلقون فيه جارية بكر محلاة بأنواع الزينة قد أرضى أبواها.
وفي سنة إحدى وعشرين كانت غزوة نهاوند ولم تكن لفارس بعدها وقعة وفيها فتح عمرو بن العاص إسكندرية، وفيها فتح عثمان بن أبي العاص الثقفي (1) في ثلاثة آلاف من أهل عُمان وغيرهم توج، وقتل باب الحميري ملكها شهرك وهو في ثلاثين ألفا وبيعت منطقته في البصرة بثلاثين ألفا.
وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربجان الأولى وفيها كانت غزوة سانيدما من ارض الشام، وغزوة عمورية، وفيها بعث عمر عثمان بن حنيف لمساحة أرض العراق فبلغ الخراج مائة ألف ألف ونيفا.
وفي سنة ثلاث وعشرين كان افتتاح الري على يد قرطبة بن كعب، وافتتاح إصطخر وهمدان وأصبهان، وفتحت سرت وطرابلس، وأراد عمر بن العاص غزو إفريقية وكتب إليه عمر أنها ليست بإفريقية ولكنها مفرقة غادرة مغدورة بها لا يغزوها أحد ما بقيت وكان الأمر على ما قال عمر.
مواقفه:
__________
(1) – كان عثمان بن أبي العاص الثقفي واليا على عمان من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، وسار في ثلاثة آلاف من أهل عمان إلى فارس فيهم كعب بن سور الأزدي أول قاض على البصرة في الإسلام. (1/31)
صفحة 32
واعلم: أن الله سدد عمر فكانت أفعاله ومواقفه للحق ولذلك نقمت الشيعة عليه أمورا قالوا: خالف فيها كتاب الله، منها قرابة النبي حقهم من الخمس الذي جعل لهم بقوله « وذي القربى»، وكان الذي يتولى أمره في زمان الرسول محمية الأسدي، وأجراه أبو بكر في أول خلافته وكان النبي - عليه السلام - على أيتام بني هاشم وينكح به إماءهم بدلا مما طهرهم به من الصدقات التي هي أوساخ الناس، قال الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتاب " العدل" منعه برأي رآه ونظر ولم يجوزه أحد من المهاجرين والأنصار، وهو دليل على جواز القياس والتعبد، وذلك أنه لما أغناهم بالعطا نزههم عن مزاحمة اليتامى والمساكين، وابن السبيل كما نزههم عن مزاحمة الفقراء والمساكين في الزكاة .
ومنها منع المؤلفة قلوبهم سهمهم من الصدقات فقيل له في ذلك فقال ذلك إذ كان الإسلام حقيا وأما الآن فقد بزل، ومنها إسقاط القطع عن السارق عام الرمادة لأن المسغبة عمت الآفاق فنظر أنها شبهة تدرأ بها الحدود، وبه أخذ بعضهم في جواز تنجية النفوس من الهلاك بمال الغير، وقال: حق أوجبه الله على أهل الأموال وذكر بعضهم أنه يجوز له أن يقاتل صاحب الطعام والماء لينجي نفسه إن منعه، ومنها أنه ترك على الناس الصدقة عام الرمادة وأخذها في العام القابل مرتين، قال صاحب العدل مع انتقال الأموال وتبدل الأحوال فربما رجع المعسر موسرا، أو الموسر معسرا، أو الحي ميتا، والميت حيا. (1/32)
صفحة 33
ومنها أنه أعتق أمهات الأولاد عن أربابها بعدما اجتمعت الأمة على أنهنّ على عهد النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر ثم بدا له رأي منه أن يعتقهنّ على مواليهنّ فعوتب، فقال: ما أردت إلا خيرا ألحقت حرمة بحرمة ؛ أي منع بيعها لا غير مدة حياة مولاها ويجري مولاها، ويجري عليها أحكام الإماء في غير ذلك، ومنها إسقاط اسم الجزية والذلة على نصارى بني تغلب وأضعف عليهم الصدقة وسماها صدقة والله عز وجل يقول: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)(1)، نظر رضي الله عنه أن التجارب حنكتهم وأرضعتهم الحروب ألبانها وهم على ذلك من عهد المهلهل الأبد فأنفوا من الجزية وهمّوا بقطع الفرات ودجلة إلى أرمينية لمعاضدة النصارى على المسلمين، واختاروا السيف حين خيّرهم عمر بين السيف والجزية فصالحهم على ذلك، وجعلهم المسلمون بينهم العدو فأيد الله بهم الإسلام، وكانوا أهل نكاية ثم ظهر أن رسول الله - عليه السلام - قال: « إن الله ليؤيد هذا الدين بناس من ربيعة في شاطئ الفرات »، فشكر الله عمر إذ وفقه الله .
__________
(1) – سورة التوبة، الآية:29. (1/33)
صفحة 34
ومنها رد الأملاك والأصول من الفيء إلى أربابها بعد أن حازها جيوش المسلمين وأعتقهم على المسلمين بعد أن كانوا عبيدا لهم وأجرى عليهم جميع أحكام الأحرار والله عز وجل قد قسم الغنيمة في كتابه فعورض بذلك وبتقسيم رسول الله - عليه السلام - خيبرا أصولا وغنائم، وأجاب بفعل رسول الله - عليه السلام - في أهل مكة وبلدهم، قال صاحب العدل: نظر إلى الفرس وغيرهم وقد تعلق بحصونها ولو قسم بينهم الأرض لاشتغلوا بها فيكر عليهم العدو فيعطل الجهاد، وينقطع ما أراد الله لهم من الغنائم: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا )(1) وسلمها على أربابها وضروب عليهم للمسلمين ضريبة كالخراج يأخذونها وتفرغ المسلمون للجهاد، ومنها إجلاؤه اليهود من الحجاز بعد عهد الله وذمة رسوله من خيبر وفدى وأجلى نصارى نجران لئلا يجتمع دينان في جزيرة العرب، ومنها تمصير الأمصار وتدوينه الدواوين، وقسم الفيء بالتفضيل، وضرب للأحرار والعبيد فيه وللصبيان ولأهل الذمة ومقاسمته العمال وقد كان رسول الله قسم الفيء وجعله في حوائج المسلمين وآثر به أهل الفاقة، وأبو بكر قسم بالسوية، وله فضائل كثيرة مشهورة وكثيرة،، ما يقول رسول الله - عليه السلام - فيه وفي أبي بكر ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، قال علي بن أبي طالب ما خلفت أحدا أحب أن ألقى الله بمثل عمله منك يخاطب وهو على النعش.
وفاته واستخلافه
__________
(1) – سورة الفتح، الآية20 (1/34)
صفحة 35
توفي لأربع بقين من ذي الحجة تمام ثلاث وعشرين من طعنة أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله بعدما كبر لصلاة الصبح وطعن معه ثلاثة عشر مات منهم سبعة، ودفن في بيت عائشة مع صاحبيه وهو ابن ثلاث وستين سنة، ولم يقدم أحدا خليفة بل جعلها شورى بين ستة إلى ثلاثة أيام، وصلى صهيب وقيل: له حين طُعِنَ استخلف فقال أتقلد أمركم حيا وميتا، فقال له ابنه عبد الله لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أنه ضيع فكيف بأمّة محمّد، فقال: إن الله يحفظ دينه وإن رسول الله لم يستخلف.
عن ابن عباس بينما أنا أمشي مع عمر - رضي الله عنهم - إذ تنفس نفسا ظننت أنه قد فضت أضلاعه فقل سبحان الله ما أخرج هذا منك إلا لأمر عظيم، قال: ما أدري ما أصنع لأمّة قلت أنت بحمد الله قادر أن تصنع ذلك، قال: أراك تقول صاحبك أزكى الناس يعني عليًّا، قلت: أجل لسابقته وعمله وقرابته وصهره، قال: إنه كما ذكرت ولكنه كثير الدعابة" أي المزاح"، قلت: فعثمان، قال: لو فعلت حملت بني مُعَيْط على رقاب المسلمين يعملون فيهم بمعصية الله والله لو فعلت ولو فعل لفعلوا فوثب الناس إليه فقتلوه، فطلحة بن عبيد الله، فقال: به بلوى ما كان الله ليراني أوليته أمر أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو على ما هو عليه من الزهو، قلت: فالزبير، قال: إذا كان يلاطم الناس في الصاع والمد، قلت: سعد بن أبي وقاص / قال: ليس بصاحب ذلك، قلت: عبد الرحمن، قال: نعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف ولا يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف اللّين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، الممسك في غير بخل فرحم الله عمر ورضي عنه.
ذكر خلافة عثمان بن عفان (1/35)
صفحة 36
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، بويع في غرة المحرم بعد موت عمر بثلاثة أيام يوم السبت عام أربعة وعشرين وذلك أن المقداد جمع أهل الشورى في بيت ومعهم عبد الله بن عمر فأمروا أبا طلحة الجمحي أن يحجبهم، فجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فصحبهما سعد وأقامهما، وقال تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في البشورى فتنافس القوم في الأمر، فقال أبو طلحة والذي ذهب بنفس عمر ما أزكيكم على الثلاثة الأيام التي أمّركم فردوا الأمر إلى عبد الرحمن بعد أن خلع نفسه منها إلا عليا قال: ما تقول يا أبا الحسن، فقال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تألو الأمة خيرا فأخذ ميثاقهم وأعطاهم مثله على أن يختاروا دون هوى وأن يرضوا بمن يختار فاختار عثمان لسنه وسابقته، وقال المقداد بن الأسود أناشدكم الله لا تولوا أمركم رجلا لم يشهد بيعة الرضوان وفر يوم أحد يعني عثمان واجتمع الناس حتى غص بهم المجلس، فقال عمار: إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا، فقال المقداد صدق عمار، وقال ابن أبي سرح إن أردت ألا يختلف قولان فبايع عثمان وكان قد ارتد عن الإسلام على عهد النبي - عليه السلام -، وقال عبد الله بن أبي ربيعة صدقت فتكلّم بنو هاشم وبنو أميّة فقال رجب من بني مخزوم لعمار وقد قال: إن الله أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فكيف تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش وما زال عبد الرحمن حتى بايع عثمان بعد أن أخذ عليه عهد الله وميثاقه ليعلمن بكتاب الله وسنة رسوله - عليه السلام - فقال عليّ ليس هذا أول ما تظاهرتم علينا فصبر جميل والله المستعان، فلما بويع دخل داره ومعه بنو أميّة، فقال أبو سفيان أفيكم أحد من غيركم وقد كان أعمى، قالوا لا فقال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وسأله عثمان كتمان ذلك ونما إلى المهاجرين (1/36)
صفحة 37
والأنصار وغير هذا الكلام.
توليته أقاربه
ثم شرع في عزل عمال عمر ويولي أقاربه على فسقهم، عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعد بن أبي وقاص من الكوفة وولاها المغيرة بن شعبة، ثم عزله بعد أيام يسيرة ثم ولاها سعدا، ثم عزله وولاها الوليد (1) بن عقبة بن أبي معيط، قال المسعودي: وهو ممن أخبر النبي - عليه السلام - أنه من أهل النار، وعزل أبا موسى الأشعري عن البصرة، وولاها عبد الله بن عامر وهو ابن ستة عشر عاما، وقيل غير ذلك، وسبب ذلك أنه دخل شبل بن معبد على عثمان وليس معه إلا أموي فقال أما فيكم يا معشر قريش صغير تريدون نبله أو متحير تريدون غناه، أو خامل تريدون التنوّه باسمه على ما أقطعتم هذا الأشعري العراق يأكلها خضما وقضما، فقال عثمان ومن لها وأشار إلى ابن عامر وهو ابن خاله من بني حبيب بن عبد شمس ومعاوية بن أبي سفيان بالشام وسعيد بن العاص ورد الحكم بن العاص وابنه مروان، قال المسعودي: هو طريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي غربه عن المدينة ونفاه عن جواره انتهى، قال غيره طلب عثمان أبا بكر وعمر من بعده أن يرداه فأبيا وكثر شرب الخمر واقتناء الأموال في أيامه، قال المسعودي شيد داره بالحجر وجعل أبوابها من الساج
__________
(1) – كان عقبة بن أبي معيط شديد الأذى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من رؤوس الكفر بمكة، وأسر في معركة بدر وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله، وقال عند قتله من للصبية يا محمد، فأجابه عليه الصلاة والسلام النار، فكان يقال لأبنائه صبية النار، والوليد بن عقبة فاسق بنص القرآن، ففيه نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، وذلك أنه أراد أن يوقع حربا بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين بني المصطلق. (1/37)
صفحة 38
والعرعر، واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة وضياعا بوادي القرى وحنين وغيرهما، ثم قال بعد أن عد أموالا لغيره ولم يكن قبل ذلك في عصر عمر بن الخطاب شيء مما وصفنا رضي الله عنه بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة وقد قال لولده لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا وقد أنفق في حجة غاديا ورايحا ستة عشر دينارا، وفرض كل يوم شاة بين عمار بن ياسر عاملا على ثغر الكوفة وعثمان بن حنيف على الخراج وابن مسعود على بيت المال وتعليم الناس كل يوم انتهى، أما الوليد فكان يشرب مع ندمائه ومغنياته من أول الليل إلى الصباح فخرج منفصلا في غلايله فصلى بهم أربعا وقال أزيدكم، قال المسعودي قيل قال في سجوده أشرب وأسقي وقال عتاب بن غيلان: لا تزيدنا لا زادك الله مزيد الخير والله ما أعجب إلا ممن بعثك إلينا أميرا وعلينا واليا فدخل قصره لعنه الله وهو يتمثل:
ولست بعيدا عند خمر وقينة ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروي من الخمر هامتي وأمشي الملا بالشاحب المتشلشل
وفي ذلك يقول الحطيئة:
نادى وقد تمت صلاتهم أزيدكم ثملا وما يدري
ليزيدهم أخرى ولو قبلوا لأتت صلاتهم على العشر
حبسوا عنانك إذ جريت ولو خلوا عنانك لم تزل تجري (1/38)
صفحة 39
قال المسعودي وشاع بالكوفة فعله وظهر فسقه ومداومته شرب الخمر، وهجم عليه جماعة فأخذوا خاتمه وهو سكران لا يعقل فأتوا به عثمان فزجرهم ودفع في صدورهم واتخذ الوليد يهوديا معه أنواع من السحر والخيالات والشعوذة، فأراه في المسجد ضربا من الخيالات أظهر له فيلا عظيما على فرس يركض في صحن المسجد ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل واراه في صورة حمار يدخل من فيه ويخرج من دبره، وضرب عنق رجل فرق بين رأسه وجسمه فقام الرجل فاخترط جندب بن كعب الأزدي، وقيل: ابن زهير سيفه بعد أن استعاذ من فعل الشيطان، فضرب اليهودي ضربة أبان رأسه فقال أحي نفسك إن كنت صادقا فسجنه الوليد فأطلق السجان وقتل السجان ومات عثمان والوليد مخلق الوجه سكران عليه مصغبات واسعة، قال المسعودي كان الوليد صاحب شراب وفتوة ومجون.
أحداثه
وقال صاحب العدل (1) انتهك من المسلمين الحرم الأربع، وانتهك عنه المسلمون الحرم الأربع:
أولاها: استخلفوه على دينهم ودمائهم وأموالهم وأماناتهم، فولى على المسلمين الظلمة والفجرة والخلفاء الخونة ليحكم بين الناس في دين الله وعلى صلاتهم وزكاتهم وفروجهم وأزواجهم ودمائهم وأموالهم، فأي بغي أعظم من هذا وقد صلى بهم عامل من عماله في أعظم مصر من أمصارهم وهو الكوفة بمحضر من المهاجرين والأنصار صلاة الصبح ثلاثا وهو سكران فشغر وبال فقام وقال ألا أزيدكم، فقال ابن مسعود حسبنا من ثلاثك ثنتان.
__________
(1) – هو الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني الجزائري من علماء القرن السادس الهجري بلغ شأنا عظيما في العلم، وقطع شأوا بعيد في التحقيق العلمي، له مؤلفات عديدة منها كتاب العدل والإنصاف وكاتب الدليل والبرهان، والتفسير الكبير، وغيرها من الكتب، ويعتبر من الكتب ذات القيمة العلمية الراقية وقد ذكر ذلك في كتابه الدليل والبرهان المجلد الثاني الذي طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان. (1/39)
صفحة 40
والثانية: منعه العطايا التي افترضها لهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - وقصر بيوت الأموال على ذوي قرابته وأرحامه، ومنع منها كبراء الصحابة.
والثالثة: ضربه الأبشار وهتكه الأستار وطرد وشرد الصالحين من أفاضل أصحاب النبي - عليه السلام - طرد أبا ذر، وسيره وفتق بطن عمار وأمر بابن مسعود فكسرت أضلاعه، فتوفي في خلال ذلك وطيف بعبد الرحمن ابن حنبل في الأسواق على قوله:
فإن الإمامين قد بينا منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة ولا جعلا درهما في هوى
وأعطيت مروان خمس العباد فهيهات شارك فيمن سعى (1/40)
صفحة 41
والرابعة: كتب إلى عمّاله في خواص المسلمين ما كتب انتهى كلام أبي يعقوب ملخصا، أما ما كتب عثمان فهو الذي كتب على عبد الله بن سعد حين رجع الناس بعد توبته وإعطائه المواثيق والعهود للمهاجرين والأنصار أن يرد المظالم ويقيم الحدود التي عطلها، ويعزل عماله، أما بعد فانظر فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم، وفلانا أدبه بكذا، وفلانا بكذا منهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم قوم من خيار التابعين، وأما عبد الرحمن بن حنبل ضربه مائة صوت وحمله على بعير فطاف به المدينة كلها وأوثقه في الحديد ورمى به في السجن وأخرجه بعد على أن يسكن خيبرا حتى يموت، وأما تشريد الصالحين وطردهم فكفعله بأبي ذر حين رد على كعب في مجلسه إذ قال ليس في المال غير الزكاة بقوله تعالى: )وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ و...)(1) فقال: ما أكثر أذاك لي غيب وجهك فانتقل إلى الشام فكتب إليه معاوية أحمل أبا ذر إليك و إلا أفسد عليك القلوب، فقال أرسله فأرسله محمولا على بعير عليه قتب يابس يطرد به خمسة من الصقالبة إلى المدينة وقد انسلخت بواطن أفخاذه وكاد يتلف، فلما أفاق بعد عشرين ليلة أحضره وقد هيّأ بني أبي العاص ليكذبوه وقد أرسل إلى قريش فجمعها فقال: لا أنعم الله لعير عينا فقال: ما سماني الله غيرا وما غيرت العهد الذي فارقت النبي عليه ولا بدلت فقال عثمان: كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وفارقت رأينا وضغنت قلوب المسلمين علينا وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الارض، وقال علّي هل أدلكم على خير من ذلك وأقرب رشدا أنزله منزلة مؤمن آل فرعون: (وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)(2)
__________
(1) –سورة البقرة، الآية: 177.
(2) – سورة غافر، الآية:28. (1/41)
صفحة 42
بعد أن قال عثمان تكلم حتى يكذبوك هؤلاء فقال أبو ذر إني أسألهم فإن صدقوني تكلمت و إلاّ كففت، ثم سألهم بالله وأسمائه هل سمعوا رسول الله - عليه السلام - يقول ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، قالوا: اللهم نعم، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا ودينه دغلا وعباده خولا، فقال عثمان كذبت فأجابه عليّ بما تقدم وقد كان قائما على عصاه إذ لم يجد في البيت مقعدا لمجيئه آخرا، قال له عثمان بفيك الحجر، فقال عليّ بفيك التراب، فقال عثمان قد أخذك رسول الله سارقا فما منعه من قطع يدك إلا قرابتك منه، قال له: كذبت على الله وعلى رسوله فنادى مناديا عثمان لا تكلموا أبا ذر فنفاه إلى الريذة، فمات بها وشيّعه عليّ وعمّار فأراد أن يمنعهما مروان فضربه عليّ بالسوط، فشكته عثمان إلى الناس فاستقبلوه فقالوا: إن أمير المؤمنين عليك غضبان، فقال غضب الخيل على اللجم ونفى جماعة من أهل الكوفة وسيرهم وكذا من أهل البصرة، وأحدث ما لم يكن عند رسول الله - عليه السلام - ولا أبو بكر ولا عمر وحمى لأحبابه وأهله وأقاربه قطر السماء وضرية وما أشبههما ونقص أهل بدر ألفا ألفا من عطاياهم وأعطى ابني طريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة ألف درهم لكل واحد منهما مروان والحارث ولأبيهما ثلاثة آلاف من صدقات البحرين وأعطاه خمس إفريقية، وبعث إليه أبو موسى مع زياد بن عتبة مالا فقسمه بين أهله وأولاده وقرابته بالصفحة وأين هذا من نزع عمر من فم ابنه درهما فرده في مال الله وأعطاه عبد الله بن خالد ستمائة ألف درهم، ومنع أهل البحرين وأهل عمان أن لا يبيعوا طعامهم حتى يبيع طعام الصدقة وأمر عمر بقتل ابنه عبيد الله في الهرمزان وأبا وضعه على مرقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنبر وأبو بكر مرقاة وعمر في بيت المال يتقاضاه فماطله فألّ عليه قال له والله لا (1/42)
صفحة 43
أقضي منه شيئا أبدا فلما سمع منه ذلك عبد الله أخذ المفاتيح فألقاها له ولجماعة المسلمين، فقال: والله لا آلي لك ولاية أبدا، وجاءه رجل يتظلّم بأن أهل الحمى ضربوه ووطئوا بطن امرأته فألقت ولدها، فقال ما أصنع أفأردّ إليك امرأتك حاملا وحضره بصرى فقال والله لا أسأل عن عثمان أحدا بعد اليوم، وقال ابن مسعود: وددت أنا وعثمان برمل عالج يحثو عليّ وأحثوا عليه حتى يموت الأعجل، قيل له إذا قال لا يعين الله الكافر على المؤمن، وكان ابن مسعود بالبصرة يخطب عشية كل خميس يذكر معايب عثمان فسيره فنزل على سعد بن مالك فسأله عثمان أين نزل فتجاهل بأن قال أو قدم قال عثمان: نعم والله لأشفينّك لشيء كان بينه وبين ابن مسعود قديما، قال سعد لا أريد أن تتجاوز فيه الحق فأعيا أمره أين نزل فخطب الناس فقال: أيها الناس قد أطرقتكم الليلة دويبة من تمشي على طعامه تسلخ وتتقيا فاحذروها، فقال ابن مسعود أنا صاحبه - عليه السلام - يوم بدر ويوم أحد إذ فررت ويوم بيعة الرضوان إذ غبت فقال إنك لهاهنا فأمر به أَسْوَدًا له فضرب به الأرض فضرب بها أضلاعه.
( قال الراوي) فكأني أنظر إلى ساقيه تخفقان على عنقه الأسود وصاحت عائشة وفتحت الأبواب وحلفت لئن لم تخلو عنه لأكشفنّ عن وجهي،وقال لها لتسكتنّ أو لأملأنها عليك سودانا وأمر بابن مسعود فأخرج إلى ناحية المدينة فضربت أمهات المؤمنين بيوتهن حوله يمرضنه وقد حبس عطاءه خمس سنين وله خمسة آلاف كل عام فدخل عليه بعد أن استشفع بعائشة فقال: أرسل إلي أعطياتك وأستغفر لي فقال: إن كان الأمر كما تقول إلا يضرك عدم استغفاري وإن كان كما أقول فما ينفعك وأبا من قبض العطا فمات ابن مسعود فعجلوا بتجهيزه فركب عثمان إليه وقد فرغوا من دفنه وقد أمر أن لا يصلي عليه عثمان فأراد أن ينبشه ليصلي عليه فقال: ابن حنبل تصلي عليه بعدما قتلته فياشر ذي قتله وياشر نابش في أبيات. (1/43)
صفحة 44
وفي الخبر طول اختصرته وأكثر الناس في عثمان وعابوه في وجهه وصاحت عائشة هذا قميص رسول الله ونعلاه لم يخلقا وخلقت سنته إن فيكم فرعون أو مثله تعينه، فقال عثمان لئن لم تنتهي لأدخلن عليك حمر الرجال وسودها، فقالت لقد لعنك رسول الله وما استغفر لك حين مات، وكان حذيفة من أشد الناس عليه.
وروي عنه - عليه السلام - أنه قال فتنة بعضكم أخوف من فتنة الدجال فلما أكثر الناس على عثمان صعد المنبر فقال: لقد هممت أن لا تكونوا عقوبة سفيهكم إلا السيف إن رسول الله يؤثر بني هاشم وأبا بكر يؤثر بني تميم وعمر بني عدي فعلى بني أمية تلومونني والله لأخصنهم و لأكرمنهم على رغم الأنوف ولو كانت الجنة بيدي لأدخلتموها قبل الناس، فقال عمار أنفي أنف رسول الله وأنف أب بكر وأنف عمر ترغم، فقال: أرغم الله أنفك وأنف أبي بكر وعمر، ونزل إليه فوطئه فاستخرجوه من تحته وقد غشي عليه وفتق بطنه وقد ثبت عندهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا آل ياسر موعدكم الجنّة.
ومن أشد الناس عليه عبد الرحمن بن عوف، قال له: والله لئن بقيت لك لأخرجنّك من هذا الأمر كما أدخلنك فما لبث أن مات فأوصى أن يدفن سرا لئلا يصلي عليه عثمان فدفن كذلك فشتم ولده فقال بعضهم كره أن تصلي عليه فأراد ضربه، وخطب بني أمية بأن قال يا بني أميّة يا فراش النار وذبان الطمع أشأمتم بني الناس وأللبتم أصحاب محمد عليه السلام.
مقتله: (1/44)
صفحة 45
فلما رأى المسلمون عتوّه وعصيانه واستثاره بالفيء وضربه الرجال، وأخذه الأموال ومنعه العطايا وتعطيله الحدود واستحلاله الحرام، وإذلاله الناس وما عمهم به من البلاء، اجتمعوا إليه من كل أفق على أن يتوب أو يعتزل أو يقتل، فتاب كما قدّمنا، فكتب في مقتل بعضهم وتأديب بعض فرجعوا إليه وأرسل إلى عماله فتباطأوا عليه لعلمهم باجتماع الناس عليه فقتلوه حيث لم يف بما عاهد عليه من رد المظالم وإقامة الحدود وعزل العمال، ما أشبه ذلك وقد أرسل إلى عليّ أن يؤخر عنه ويتوب ففعل ثانيا فلم يف وأرسل إلى عائشة وارتحلت إلى مكة، وقالت لمروان وددت أنه في غرايري مشدودا حمله حتّى أقذفه في البحر، وسمته طاغية، وقالت لابن عباس لا تخذل عنه الناس وطلحة يصلي بالناس وعليّ يحرض الناس، وطلحة عليه السلاح وأرسلت أم حبيبة إلى عليّ أمن أهلي من الدار، فقال كلهم آمنون إلا سعيد بن العاص الشقي وعثمان فإن قلت إن الحاصرين له والقاتلين أهل مصر والبصرة دون أصحاب النبي - عليه السلام -، قلت عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وقد سئل عن هذا فقال إنما قتله أصحاب رسول الله - عليه السلام - فكيف يحاصره الوافدون ويقتلوه والمدينة مشحونة بالمهاجرين والأنصار فيها ألوف والقادمون ستمائة رجل ويسلمون خليفتهم للأعراب والغوغاء وفيهم عليّ والزبير وغيرهما الذي يقوم بقتال الستمائة وحده. (1/45)
صفحة 46
قال المسعودي: أقرض طلحة والزبير مائة ألف لمالك الأشتر النخعي وحاصروه شهرين وعشرين يوما، وقيل تسعة وأربعين يوما فما نصره أحد من ستمائة رجل والله عز وجل يقول: ( قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا)(1) فالذي نسب كبراء الصحابة إلى ذلك نسبهم إلى ارتكاب كبائر من الذنوب عظيمة من عدم النهي عن المنكر وهم قادرون ولا يأمرون بالمعروف وقد مدحهم بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(2) ، وذم بني إسرائيل بقوله: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) (3)، ومدح طائفة منهم بقول: ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(4) وأعجب من هذا أن يقتل خليفة المسلمين بين ظهرانيهم وموضع بيضتهم وكبرائهم، ويمنع أن يدفن في مقبرة المسلمين وخطب بعض المسلمين يومئذ فقال: لم نقتله خطأ ولم نصبه غيلة، واختلف الناس في هذه الفتنة فقال بعضهم مسألة اجتهادية المصيب مأجور والمخطئ معذور، وقيل: كل مجتهد مصيب، وقال أهل الحق مسألة دينية المحقق مأجور والمخطئ مأزور، بل هالك بدليل: ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى)(5) .
خلافة عليّ بن أبي طالب
__________
(1) – سورة آل عمران، الآية:167.
(2) – سورة آل عمران، الآية:110.
(3) – سورة المائدة، الآية:78- 79.
(4) – سورة آل عمران، الآية:113 – 114.
(5) – سورة الحجرات، الآية:9. (1/46)
صفحة 47
ابن عبد المطلب بويع في اليوم الذي قتل فيه عثمان وخلافته حق باجتماع أهل العقد من المسلمين واختلفت أهل السنة فيها فقيل: إنما أتاه الأشتر التخعي فقال: هل تنظرون أحدا قم يا طلحة ويا زبير فبايعا فقاما فبايعا ثم خرجا فقالا لم نبايعه بقلوبنا، وقيل: جلس على المنبر وبعث إلى طلحة والزبير فشرع أهل مصر الرماح لهما على شرط أن قام أحد بدم عثمان قمنا معه فقال والله لا ينتطح فيه عنزان فبايعاه على ذلك وفيهم من قال إنها عن رضى المسلمين ولم يأخذها غصبا بأن دخل داره حين قتل عثمان فجاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إن الرجل قد مات فلابد للمسلمين من إمام فدافعهم فبايعهم في المسجد المهاجرون والأنصار، وأرسل إلى طلحة والزبير فتلكأ طلحة وسل الأشتر عليه سيفه، وقيل أول من بايعه طلحة ومرادهم التماس العذر لهما في نكث البيعة والمرجئة أرجوه عن الخلافة وأخذها هاشم بن عتبة له البيعة على أهل الكوفة حين تربص أبو موسى الأشعري، فلما تولى الخلافة قسم بيت المال على العدل بين الناس وجعل مال عثمان بين أولاده إلا شيئا معروفا بعينه .
خروج طلحة والزبير ومعركة الجمل: (1/47)
صفحة 48
وأرسل ابن عباس إلى طلحة والزبير ليستعملهما فقالا وصل أمير المؤمنين رحما فأخبره ابن عباس بذلك فقال لا أراهما يعدان استعمالي لهما إلا صلة فأمر بالرجوع على أن يقعدا فأضمرا عدواته فاشتكيا كثرة العيال وضيق عيش المدينة وكثرة المؤونة فأراد أن يعطيهما ما يسعهما، فقال شاورا المسلمين فقالا اشتد وأكد المواثيق وجعلا الله كفيلا على أنهما يعتمران ويرجعان ولا يحدثان حدثا دون أن يصلا المدينة فلما بلغا مكة نكثا وخالفا ونسيا أعظم العهود التي أعطياها وألفيا بها عائشة وعبد الله بن الزبير وابن عامر وسعيد بن العاص ويعلى بن منبه والوليد بن عقبة، ومن كان بمكة من بني أمية فالتمسوا وجها يتوصلون به إلى الخلاف لجمع الناس فأشار ابن عامر أن يظهروا أن عثمان قتل مظلوما وأظهروا لعائشة أن عثمان استخلف عبد الله بن الزبير فالتمسوا خروجها معهم فامتنعت فمازالا يزينان لها أمر الصلح بين عبد الله وعليّ وكان عبد الله عزيزا عليهما فأبت إلا أن تخرج أم سلمة فكانت رسولهما إليهما فأغلظت لها أم سلمة وأكثرت عليها فقالت عائشة والله لا أخرج أبدا فمازالا بها أعني الزبير وطلحة وأراها أن عبد الله غير راجع وأنه مقتول ولعله إذا كانت أن يستمع منها فرقت له وخرجت ترده عما أراد أو تصلح ما فسد وهما يريدان اجتماع الناس عليها فخرج الناس وسائر قريش لخروجها حتى وردوا بليل ماء يقال له الحوأب عليه أناس من بني كلاب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الماء فقال لها السائق الحوأب فاسترجعت وقالت ردوني إلى حرم رسول الله وذكرت أن رسول الله - عليه السلام - قال كلاب ماء يقال له الحوأب قد تنبح امرأة من نسائي وهي فيه راكبة معصية، فقال عبد الله بن الزبير ليس هذا بالجوأب، وقيل: القائل الزبير وكان الزبير في ساقة الناس، قال المسعودي فلحقها فأقسمها أنه ليس بالجوأب وشهد معهما خمسون ممن كان معهم، قال المسعودي: وذلك أول شهادة زور في الإسلام وقاله غيره فأتى الخبر (1/48)
صفحة 49
عليا بخروجهما وطلبهما بدم عثمان قال والله يعلم أنهم قتلوه وقد أعان يعلى بن منبه طلحة والزبير بأربعمائة ألف، وأعطى العسكر جملا اشتراه بمائة دينار وجهزهم ابن عامر بألف ألف درهم ومائة من الإبل، وبعث على عثمان بن حنيف فمانعهم البصرة حين وردوها وقد سبقهم إليها فاصطلحوا عن الكهف عن القتال إلى أن يرد عليّ فلما كان في بعض الليالي بيتوا عثمان وأسروه ونتفوا لحيته وضربوه، ومنعهم من قتله خوفهم على أهل المدينة من أخيه سهل، ومانعهم الخزان بيت المال فقتل منهم سبعون رجلا غير الجرحى منهم خمسون قتلوا صبرا.
قال المسعودي: وهؤلاء أول من قتل في الإسلام صبرا، وظلما، وقتل حكيم بن جبلة وكان سيّدا زاهدا ناسكا، ويسمى المقتولون هناك السبابحة وسار عليّ من المدينة بعد أربعة أشهر في تسعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدريا، واتته طيّ في ستمائة راكب واستنفر أهل الكوفة فثبطهم أبو موسى عامله فعزله عليّ وكتب إليه اعتزل عملنا يا ابن الخنا مذموما مدحورا ما هذا أول يوم منك وإن لك فيها لهنات وهنات، فلما انتهى إلى البصرة التقى مع طلحة والزبير فاقتتلوا قتالا شديدا وعائشة على الجمل في هودج من دفوف الخشب عليه جلود البقر وقد غشي على ذلك بالدروع فدنا عمار من موضعها فناداها إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، قال: إنكم أيها الناس لتعلمون أيكم الممالئ في عثمان ثمّ أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبل:
فمنك البكا ومنك العويل ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام وقاتله عندنا من أمر (1/49)
صفحة 50
وتواتر عليه الرمي واتصل وزال عن موضعه والتحم القتال وقد أمرهم عليّ أن لا يجهزوا على جريح ولا يقتلوا أسيرا ولا يتبعوا موليا ولا يطلبوا مدبرا ولا يكشفوا عورة ولا يمثلوا بقتيل ولا يهتكوا سترا ولا يأخذوا مالا إلا ما يجدونه في عسكرهم، من سلاح أو كراع، أو عبد أو أمة وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم، وذكّر عليّ الزبير بقوله - عليه السلام - إنك ستقاتله وأنت ظالم له، وقال له طلحة قتل الله أولانا بدم عثمان وقطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة وخرج الزبير إلى وادي السباع فأدركه ابن جرموز فقتله ومات طلحة وابنه محمد في المعركة وصرع عبد الله بن الزبير صرعه الأشتر ولم يجد إلى قتله سبيلا لشدة اضطرابه، وقتل منهم ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب عليّ خمسة آلاف، وقيل: قتل من الفرقين عشرة آلاف، وقيل: سبعة آلاف، وكان في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى عام ستة وثلاثين، وسقط الجمل ووقع الهودج وأمر عليّ أخاها وأنزلها دار صفية بنت الحارث بن طلحة وهي أم طلحة الطلحات، فدخل عليّ البصرة وأقام بها خمسة عشر يوما وخلف فيها ابن عباس وسار إلى الكوفة وأتى الأحنف بن قيس عائشة فقال ألم تقولين أن الله قتل عثمان بذنبه أن سربال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبل حتى بدل عثمان دينه ؟، فقالت: بلى، قال: أتاب عثمان بعدما مات؟، وحديث الجمل والدار كثير ومن أراد بسطه فعليه بحديث المسلمين يوم الدار والجمل من الكتاب المسمى بالنهروان (1) وغيره من الكتب المبسوطة، وكذلك تسمية رجالها من بدري وغيره وأكثر حديث الناس في ذلك على
__________
(1) – كتاب النهروان يذكر ولا يبصر، والظاهر أنه كتاب يبحث بصورة واسعة في قضية التحكيم ومعركة النهروان، وعسى الأيام المقبلة تكشف عن هذا الكتاب القيم الذي يوضح الواقع الحقيقي للتاريخ ودوافعه الفكرية والعقائدية الصحيحة دون تزييف أو تحريف ويظهر أن كتاب النهروان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها المؤلف. (1/50)
صفحة 51
قدر شهواتهم والحق أبلج وعلى الشهوة ظلمة ولم أحفظ خلافا في الفتنة إن الحق فيها مع عليّ والخلاف في توبة طلحة والزبير، والاتفاق على توبة عائشة ورجوعها إلى المدينة، عن موسى بن طلحة جاوزت ثمانية أشهر بعد الجمل فما رأت مريضا كان أشد منها تأوها ولا حزينا باكيا فما رقى دمعها حتّى ماتت وتقول إذا ذكر يوم الجمل يا ليتني كنت نسيا منسيا.
حرب صفين:
ثم كتب عليّ إلى معاوية أن يدخل فيما دخل فيه المسلمون وامتنع من بيعته والرسول جرير بن عبد الله البجلي قيل هواه أموي ونهاه عنه مالك الأشتر، وأكثر الناس هواهم عثمان لما مكنهم من الدنيا، كالأشعث وأبي موسى، ولكون عليّ يقسم بالسويّة وكان عثمان يؤثر الكبرى، واجتمع أهل الشام مع معاوية والطلب بدم عثمان، واجتمع شرحبيل وعمرو ابن العاص وغيرهما، واجتمعت الكلمة في ذلك ورجع خائبا وخطب عليّ الناس، وقال إن الله قتل عثمان وأنا معه وارتحل عليّ إلى صفين ومعه أهل العراق المهاجرين والأنصار وارتحل معاوية ومعه أهل الشام ومن معه من اختار، وركن إليها الباغون بعد مكاتبات ومخاطبات جرت بينهم كاتب معاوية من تخلف عن بيعة عليّ كسعد وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، وأنكروا عليه مقالته وإنه ليس أهلا لذلك، وكان عليّ في سبعي ألفا ومعاوية في خمسة وثمانين ألفا، وقيل: غير ذلك، ومات بصفين سبعون ألف من أهل العراق، خمسة وعشرون وخمسة وأربعون من أهل الشام، وكانت الوقائع تسعين، ومات فيها عمّار، وثبت عن النبي - عليه السلام - عند الأمة أن الفئة الباغية تقتله، ومات فيها جماعة من كبراء الصحابة وخيارهم، ومن كلام عليّ فيه ألموا الأصوات وأكملوا اللامة واستشعروا الحسنة وأقلقوا السيوف في الأجفان قبل السلة، وألحظوا الشرز وأطعنوا المتن بالضبات، وصلوا السيوف بالخطأ والنبال بالرماح وطيبوا عن أنفسكم أنفسا فإنكم بعين الله عز وجل ومع ابن عم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - عاودوا الكر واستقبحوا الفر، فإنه (1/51)
صفحة 52
عار عليكم في الأعقاب ونار يوم الحساب، ومما يحفظ لعمار الذي نفسي بيده لنقاتلنكم على تأويله كما قاتلناكم على تنزيله، وقوله والله لو هومونا حتى يبلغوا شعبات هجر لكنا على الحق وكانوا على الباطل، ولقد اشتهرت الأحاديث التي وردت في عمار في الفتنة وغيرها.
(فائدة): نصرت العرب من وقت ولد رسول الله على غيرهم وأضاء الأرض بمبعثه، وكان الخير يزيد منذ أسلم عمر إلى يوم مات فبدأ في النقصان وبدأ ظهور الجور منذ سقط خاتم رسول الله - عليه السلام - لعثمان في بئر أريس، وكان الناس على بصيرة من أمرهم في القتال حتى مات عمار فالتبس الأمر على الناس إلا قليلا منهم، عن أبي وائل شقيق ابن سلمة قال: والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه حتّى كان يوم صفين، ومات القوم حتّى شكوا وكف الناس عن القتال.
قضية التحكيم: (1/52)
صفحة 53
وذلك أنّ أهل الشام لما رأوا أنفسهم إلى التلاف أشار عمرو على معاوية أن ينادوا بأن كتاب الله بيننا وبينكم، فمن لثغور الشام من النصارى، ومن لثغور العراق من فارس، فرفعوا المصاحف على الرماح، قال عليّ قد قبلت: فقام عمار بن ياسر، فقال: يا عليّ لقد أخرجها إليكم معاوية بيضاء من أقرّ بها كفر ومن أنكرها سلم، كفتنة نهر طالوت، أشككنا في ديننا ورددنا على بصائرنا، أنحكم في ديننا بعد مائة ألف منا ومنهم وقد دعاك طلحة والزبير وعائشة إلى ذلك فأبيت وزعمت أن من خالف ضال حلال الدم، وقد حكم الله في الملل ما قد سمعت فما فاءوا إلى أمر الله ولا طفيت الفتنة، فلما رأى عليا وأصحابه مسارعين إلى القضية نادى هل من رايح إلى الجنة فحمل في خمسمائة من البدريين والعقبيين والأحوديين وغيرهم من خيار من بقي بعد البشرية التي أخبره الرسول - عليه السلام - أنه آخر ما يدخل بطن اللبن وهو يقول اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، وحمل عليّ بعد موت عمّار فهزم أهل الشام وقد رفع أهل الشام المصاحف فقال الأشعث بن قيس ما نرد ما دعونا إليه أبدا، والصحيح إن رفع المصاحف عند انتقاض صفوفهم والدعاء إلى كتاب الله قبل موت عمّار، و أنكر الحكومة طائفة من أصحاب عليّ فقال مالك الأشتر أمهلوني غدوة فرس فإني طمعت في النصر قالوا: إذا لا ندخل معك في خطيئتك فقال متى كنتم محقّين حين يقاتل خياركم فيقتلون ويقتلون أم الآن حين أمسكتم وخياركم الذين لا تشكون في فضلهم في النار، وكلام هذا معناه، فمر الأشعث ببني حنظلة وهو يسير على الأحياء يعرض على الناس أمر الحكومة فحمل عليهم عروة بن أية فضربه فوقع السيف على عجز بغلته فقال: أين قتلانا يا أشعث « لا حكم إلا الله»، وهو أول من قالها. (1/53)
صفحة 54
ثم أرسل معاوية ابعثوا حكما منكم وحكما منا ونرضى بما يحكمان، فقبل عليّ القضية تبعا لرضاء الأشعث، والسواد الأعظم ممن معه، وأنكرها الأخيار من المسلمين تبعا لعمار وعبد الله بن بديل وغيرهما ممن قتل وبعض من خالفنا يقول طلب الحكومة بعد قتل عمار والصحيح أنها قبله وانظر في رفع المصاحف، فلما اتفق الناس على التحكيم إلا من أنكر وكتبوا على ذلك كتابا وسمّى عليّ نفيه أمير المؤمنين فأبى معاوية فقال عليّ على يدي يدور هذا الأمر، وذكر إنكار سهيل بن عمرو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأراد أن يكتب اسمه مجردا من أمير المؤمنين فنهاه الأحنف وقال خشيت ألا يرجع إليك أبدا إنه ليس لكم ما لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فعصاه ثم رجع الناس إلى العراق بعد كتابة الكتاب يتدافعون على الماء، ويتزاحمون عند الارتحال، يعير الراضون المنكرون بأنكم عصيتم أمير المؤمنين وخالفتموه يا أعداء الله، ويرد المنكرون عليهم بأنكم أعداء الله إذ شككتم في دينكم وعصيتم أمر ربكم وحكّمتم الرجال وتركتم حكم الله، إذ يقول: اقتلوا الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، وقبل كثير منهم الحق، ورجع إليه إلا من مال إلى الدنيا، وكان معاوية منّيهم بها فلما نزل على الكوفة دخل عليه نفر ممن أنكر الحكومة فعاتبوه وسألوه نقضها فأبى، فخرجوا ونزلوا حروراء باثني عشر ألفا وقيل:عشرون ألفا، وقيل: أربعة وعشرون وهم خيار أهل الأرض يومئذ، وقراؤهم وزهادهم ممن بقي من كبراء الصحابة والتابعين وفيهم من أهل بدر ومن شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، كحرقوص بن زهير السعدي، الذي قال فيه رسول الله - عليه السلام - في رواية عائشة: « أول من يدخل علينا اليوم من أهل الجنة»، فكان هو الداخل إلى ثلاث مرار، وشجرة ابن أوفى وكان بدريا، ومن أراد معرفة أسمائهم فعليه بالنهروان وغيره من الكتب. (1/54)
صفحة 55
وأخرج عليّ إليهم ابن عباس فناظروه بأنّ الأمر الذي كانوا عليه أهدى في قتل عثمان لإحداثه وامتناعه من كتاب الله، وفي سفك الدماء يوم الجمل لنكثهم وعدم رجوعهم إلى كتاب الله، وفي قتلنا أهل الشام لبغيهم وتعديهم على كتاب الله وسنة نبيه - عليه السلام - أم ضلال؟، قال: بل رشد، قالوا: فهل نزل أمر من السماء يحرم الأمر الأول ؟، قال: لا، قالوا: فَلِمَ حكم في دين الله ؟، قال: قد علمتم أن الله قد أمر بالتحكيم في رجل وامرأة، وفي طير يقتله المحرم، قال: فكيف بأمر أمة محمد - عليه السلام -، قالوا: تحيكم الحكمين في رجل وامرأة وفي طير رد الله الحكم فيه إلى العدول، وهذا الأمر جاء الحكم فيه من الله كالزنا والسرقة والقذف، ولا يمكن لإنسان أن يحكم فيها بغير حكم الله ولو أراد أمام قطع يد السارق فقال له الناس حتى نحكم في حكمين أَلَهُ أن يحكمهما أم يمضي على حكم الله؟، قال: بلى، لا يحكم الرجال، قالوا: معاوية فاء إلى حكم الله وعمرو بن العاص قال: لا، قالوا: أ فعمرو بن العاص عدل؟ الذي صرح بالعداوة والبغي وباع دينه بمصر وسفك دماء المسلمين بغير حق وأبو موسى الذي ثبط الناس عن الجهاد، قال:لا، وأيضا إن كان عمرو عدلا وهو يقاتلنا فنحن على غير حق، وقد كان شنأ (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعين بيتا من الشعر، فقال - عليه السلام -: اللهم إني لا أحسن الشعر فالعنه بكل بيت قاله لعنة، وإذا مان عدلا فنشهد أن عمار ومن استشهد معه قتلوا على باطل وضلالة.
__________
(1) – هجى (1/55)
صفحة 56
ثمّ رجع إلى عليّ فقال خصمك القوم، ثم خرج إليهم عليّ فوقعت بينهم مناظرة، قال لهم: دعوني إلى كتاب الله فأجبت، قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ)(1)، قالوا: إذن أنزلت معاوية منزلة المؤمنين وأنت منزلة أهل الكتاب إذا كانوا هم الذين يدعونك إلى كتاب الله فإن كنت على الحق فإن كتاب الله حكم عليهم بالقتل إلى أن يرجعوا إلى الحق، فقال: أنتم القائلون لا نقاتل قوما يدعوننا إلى كتاب الله، فقلت: هذه خدعة، فقل: ابعث رجلا لا يعقد صاحبهم عقد إلا حلها وأبيتم إلا أبا موسى الأشعري، قالوا: عرفنا إخواننا الحق فتبنا، قال: إني أستغفر الله وأتوب إليه، فكبّروا ورجعوا،وقيل: قال له بعضهم إن الله حكم العدلين في الجرادة، وحكمتم في دماء المسلمين عمرا فمازال به الاشعث بن قيس حتى نقض الذي أعطاه ورجع على الحكومة وعاوية يرسل إلى وجوه أهل العراق يمنيهم ويحثّون على عليّ في التحكيم، وبعث أبا موسى فخرجوا على النهروان وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي يدافع عنهم من أرادهم، وخرج مسعر بن فدكى من البصرة في عصابة الفجار على قرية فيها عبد الله بن خباب فأخبره بالتحكيم، فقال: إن أبي أوصاني أن ألزم بيتي إذا وقعت الفتنة، فقال: عن الله أوصاني بغير ما أوصاك به أبوك، قال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)(2)، فقتله مسعر فأتى أصحابه النهر فأنكروا ذلك عليه، وهموا بقتله وفرمنهم وبرئوا منه، وقيل الذي تولى قتله ريسة الفهري، وطرده أهل النهر وبرئوا منه، فخرج يستعرض الناس.
__________
(1) – سورة آل عمران، الآية:23.
(2) –(البقرة:193) (1/56)
صفحة 57
وفي كتاب النهروان حدثني عتاب بن إبراهيم أن مسعرا حين هرب لقي أناسا من أهل خراسان حجاجا فضرب أعناقهم ثم أتى المدائن فما شعر عليّ إلا وهو واقف على رأسه فأمنه والله أعلم في صحة ذلك، ثم التقى الحكمان بأدرج وحضرها عبد الله بن عمر في جماعة من قريش وآلا الأمر بينهم ؛ أي بين من حضر حتّى اتفق الحكمان على خلع عليّ من الخلافة بل عن الأمر، واختلفا في معاوية إتباعا للهوى وميلا إلى الدنيا، وذكر بعض المخالفين أن عبد الله بن عباس حضرها من جهة عليّ وليس كذلك بل الذي أرسل عليّ شريح بن هانئ الحارثي بل طلب حضوره وطلب الأحنف أن يحضر أو أبو الأسود، ولم يجدوا ذلك بالناس، فلما بلغ عليا فعلهما صعد المنبر فبرأ منهما وخلعهما، وقد فاته الأمر ولم يأخذ بقول نصحاء الدين الذين ضللوا الحكومة ولا بقول نصحاء الدنيا، ونصحاء الدنيا قالوا: أرسل الأحنف أو أبا الأسود أو ابن عباس وعصى الفريقين ثم نفر الناس إلى معاوية وأعطاهم العطايا فلما انتهى إلى الأنبار فالتمسوا وجها يصرفونه عن الشام، فقال له الاشعث أتسير إلى أهل الشام وتدع أهل النهر خلفك فصرفه إليهم بهث ابنه حسنا. (1/57)
صفحة 58
وفي كتاب النهر قالوا له فيما حدثنا عبد الله ما تريد يا حسن؟ نذكرك الله في دمائنا أتقاتلنا على أن سمينا أباك أمير المؤمنين وخلع نفسه فأبينا أن نخلعه وطلبناه أن يمضي إلى قتال عدوه فأبى، وشك وثبتنا على ذلك في كلام كثير فانصرف الحسن عن قتالهم فقال الأشعث ناجز القوم، وإن كلموا الناس أفسدوهم عليها ثم قدم عليهم صعصعة بن صوحان فخطب فقالوا: أعطاك الله بضعة تقلبها في فيك لكن لو أنكر عليّ الحكومة وقد دعونا إليها أمعنا الحق أم معه فسكت وانصرف، فأرسل إليهم قيس بن سعيد فناظروه فقال هذا أمير المؤمنين يحكم بكتاب الله، قالوا: ألم يخلعه وكيله وغضب لنفسه حين لم يحكم له وقد سلب دينه وسلطانه، قال قيس إن أتاكم تائبا قتلتموه كما قتلتم عثمان، قالوا: أنتم قتلتموه وعلى أمركم قُتل، قال قيس إني آتيكم به تائبا ففرحوا وسرّحوا خيولهم ثم أقبل بجميع من معه فلما رأى عزتهم وقلتهم أشار إلى أمراء خيوله أن أحملوا وأبوا حتى بدأ بنفسه وأعظم ذلك فرماهم بسهم فانعطفت عليهم الخيل ثم اجتمعوا إلى عبد الله ذي الثفنات (1) فقال أكسروا الجفون ثم ارموا بها وتنادوا هل من رايح إلى الجنة،وقاتلوا قتالا شديدا، وقتل زيد ابن حويم نحو مائة وأكثرهم من همدان، فقال عليّ أفنى بيت همدان رجل واحد واقتتلوا من صلاة الغداة إلى الاصيل، وعليّ واقف ومعه ذو العقيصة فسمعته يقول: والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذ تلى القرآن، فقال له فيما نحن إذا فضرب فرسه فلحق بهم وأقبل ابن لِعدي ابن حاتم فسأل عن زيد بن حصن فقيل له هناك فلحق بهم وقتل فيها خيرا من على
__________
(1) – هو الإمام عبد الله بن وهب الراسبي - رضي الله عنهم - من بني راسب من أزد عمان، كان يلقب بذي الثفنات، أي أن ركبه كركب البعير من كثرة السجود، قيل: إنه من الصحابة وشارك في الفتوحات الإسلامية مع سعد بن أبي وقاص وله فيها مقام معلوم. (1/58)
صفحة 59
وجه الأرض وقتل فيهم أويس القرني.
عن ابن عباس قال حدثني قنبر مولى عليّ قال تحولت أنا وعليّ إلى النهر بعد القتال فانكب طويلا يبكي فقلت ما يبكيك قال ويحك صرعنا هاهنا خيار هذه الأمة وقرائها، فقلت أي والله فأبكى فبكى طويلا ثم قال جدعت أنفي وشفيت نفسي فأظهر الندامة على قتله إياهم وقال له رجل هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قال ويحك أولئك أهل التوراة والإنجيل، وقال له آخر والله ما بين الطريقين طريق إن كان أمر الحكمين هدى فقد ضللت بنقضك عهدك، وبراءتك منهما، ولإن كان ضلالة لقد ضللت بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلالة، ودفن الناس قتلاهم ودفن عدي بن حاتم ابنه فقال الحمد لله الذي ابتلاني بموتك حين حاجتي إليك ومات فيهم أويس القرني وخبره مشهور في المبسوطات وتفرق عن عليّ أصحابه لما رأوا أنهم قتلوا خيارهم فخرج عنه في يوم اثنا عشر ألفا وأيضا ثلاثمائة ومازالت أيامه في الادبار من يومهم، ونزع له معاوية اليمن والحجاز ومصر وغارت عليه خيله إلى الأنبار وقتلوا عماله ولا يسمع له كلامولا يمتثل له أمر، قال له عدي ابن حاتم تركتنا لا ندري أين نسكع قتلت من رضي القضية ومن أنكرها لأنه قتل أيضا الحارث بن راشد إذ رضيها وتلقاها ابنه الحسن حين دخل الكوفة فقال يا أبت أقتلت القوم، قال: نعم قال لا يرى قاتلهم الجنة، قال ليت أني أدخلها ولو حبوا فلما فقد عليّ تلك دوي نحل قال أين أسود النهار ورهبان الليل، قالوا له قتلناهم يوم النهر. (1/59)
صفحة 60
وفي كتاب النهروان حدثني مسهود ابن الحكم الهمداني أن ابن عباس قال للحسن أنكم لأحقّ بيت في العرب أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل قمتم بكتاب الله وسنة نبيه - عليه السلام - فجاهدتم بها ثم جعلتم حكما على كتاب ربكم ثم قتلتم خيار المسلمين وفقهاءهم وقد أفنوا المخ واللحم وأجهدوا الجلد والعظم من العبادة وبدلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفيه، وحدثني مسعود بن عبد الله بن شداد أنه قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة فقالت يا عبد الله أقتل عليّ علي أصحابه، فحدثنا بالقصّة كلها، فقالت ظلمهم، قالت هل تسمي أحدا ممن قتل ؟ قال: نعم، حرقوص بن زهير السعدي، فاسترجعت وقالت: أشهد أن رسول الله - عليه السلام - كان في منزلي قال يا عائشة أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة، فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماء، وقال ذلك في اليوم الثاني فدخل وكذلك في اليوم الثالث، قالت ومن قلت زيد بن حصن الطائي فبكت وقالت والله لو اجتمعت الأمة على الرمح الذي طعن به زيد لكان حقا على الله أن يكبّهم جميعا في النار، وفرح معاوية فرحا شديدا لقتله إياهم فاستنفرهم من النهر إلى الشام فقال الأشعث نفذ الزاد وكلت السيوف ونصلت الأسنة فارجع بنا إلى مصرنا نستعمل أحسن عدّتنا ويزيد أمير المؤمنين فينا عدة من هلك منا فننزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا معسكرهم فتسللوا فدخلوا الكوفة وتركوه فدخل في إثرهم فغار سفيان بن عوف العامري على الأنبار وعليه حسان فقتله وأجلى ما هناك من الخيل وسلب النسوان ورجع وافرا فخرج عليّ في إثره حتى ورد النخيلة فأقام بها واستنفر الناس فأبطوا عنه ووبخهم بخطبه وعيَّرهم وكتب لهما فما نفع ذلك أجمَعَ وقال في بعض خطبه جندي لا يمنعون الضيم ثم منْ فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب أبحت والله لا أصدق قولكم ولا أطمع في نصرتكم فرق الله بيني وبينكم. (1/60)
صفحة 61
وفي كتاب النهروان قال الشعبي لما قتل عليّ أهل النهر آيس أن يستقيم له الأمر قال لابنه لا تكرهوا بيعة معاوية وفيه، عن جابر بن زيد أن عليا لما أظهر الندامة للناس، قيل له قتلت قوما وأظهرت الندامة عليهم وطفقت تمدحهم وتزين أمرهم لتخلعن أو لتقتلنّ فلنا أصبح قال ابتغوا في قتلي رجلا فوجدوا نافعا مولى ترملة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان صالحا مجتهدا قطع الفحل يده فقال هذا هو فقال له الحسن هذا نافع مولى ترملة قال له أسكت الحرب خدعة فانتقل من بقي من أهل النهر إلى النخيلة.
مقتل علي بن أبي طالب: (1/61)
صفحة 62
ثم قتل عبد الرحمن بن ملجم (1) عليا وبايعت الناس الحسن وخادعه معاوية وسلم له وأقبل ليدخل الكوفة فدعاه أهل النخيلة (2) إلى كتاب الله فأبى فقاتلوه فقال أغدرا يا أهل الكوفة؟، وخرج الحسن في أهل الكوفة ونصروه وعاتبهم ابن عباس على ذلك واستقام الأمر لمعاوية وذهب العمل بكتاب الله لا ينازعه إلا أتى عليه..
فصل..
__________
(1) – عبد الرحمن بن ملجم المرادي شخص أقحم في المحكمة أو أهل النهروان إقحاما، وزج به في أواسطهم زجا، مع أنه مجهول في صفوفهم، يقول العلامة محبوب بن الرحيل: « أما عبد الرحمن بن ملجم فلم أجد من أصحابنا من يمدحه، ولا من يذمه، وقول هذا الإمام الجليل " لم أجد من أصحابنا من يمدحه" لأنه ليس منهم ولا متصل بهم،، " ولا من يذمه" لترفعهم وتنزههم عن السب والشتم، وإنما ابن ملجم دبر من قبل الأشعث بن قيس وطبيعي أن يتم ذلك بإيعاز من معاوية أو علم منه»، فإن لبن ملجم بات ليلة مقتل الإمام علي بن أبي طالب في بيت الأشعث بن قيس، وقد سمع حجر بن عدي الأشعث وهو يقول لابن ملجم قم لقد فضحك الصبح، وقيل: أن الذي سمع ذلك عفيف بن قيس أخو الأشعث، ثم ألصقت تهمة القتل وصاحبها بالمحكمة ونسجت حول ذلك قصة حب بطلاها عبد الرحمن بن ملجم وامرأة أعطيت اسم قطام، وبتدبير من معاوية أيضا تزوج الحسن بن علي جعدة بنت الأشعث بن قيس فعملت له السم فقتلته، فعلى الباحث أن يتدبر.
(2) – هذه الحقيقة التاريخية تدفع المقولة الزائفة التي أطلقها كثير من المؤرخين الذين يقلد بعضهم بعضا بأن علي بن أبي طالب قتل جميع أهل النهروان ولم يبق منهم سوى عشرة أو تسعة أشخاص تفرقوا في الأقاليم ونشروا الفكر الخارجي على حد زعمهم، فإن أهل النخيلة كانوا حوالي ألفي رجل بقيادة فروة بن نوفل الأشجعي ومعظمهم من بقايا أهل النهروان، وقد تعاون على قتالهم معاوية بن أبي سفيان والحسن بن علي. (1/62)
صفحة 63
فإن قللت الصحابة كلهم عدول والواجب إذا ذكروا أن يمسك لمدح الله لهم في غير موضع من كتابه ولأمره - عليه السلام - بالإمساك إذا ذكر أصحابه، ولما روي في جملتهم من الأحاديث قلت الأمر كذلك إلا من أحدث ويلك على ذلك قتال أبي بكر للعرب الذين ارتدوا وكثير منهم صحب وسمع وروى ولقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(1)، ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(2) فإن قلت إن معاوية أعطاه الله سهما - عليه السلام - فقال خذها حتى تلقاني بها في الجنة وقال اللهم قه العذاب، وعن عون ابن مالك أنه نام في بعض المساجد فإذا بأسد ففزع منه قال له إنما أرسلني ربي لتخبر معاوية أنه من أهل الجنة، فيكون تسليم الحسن له صوابا، قلت قال ابن عبد البر حديث مجهول ولو ثبت هذا ما أسماه - عليه السلام - هو وأتباعه فئة باغية في قتلهم عمّار ولقوله لعماّر قاتلك وسالبك في النار، وروي أن أبا سفيان أقبل راكبا جملا يقوده معاوية ويسوق عتبة فقال لعن الله السائق والقائد والراكب وأجمع أصحاب على والعارفون من أصحاب معاوية أن معاوية باغ في سفك الدماء وسيأتي بيان ذلك، فإن قلت قال - عليه السلام - في الحسن سيصلح ما بين فئتين عظيمتين من المسلمين، قلت لو ثبت هذا الحديث لما اتفق جميع أصحاب ه على تعيينه حتى سموه مذل المؤمنين بعد أمير المؤمنين يا عار المؤمنين ولو كان الفعل لله لم يشترط عليه أن الأمر من بعده له وأيضا لا يجوز له أن يسلمها لمعاوية وقد علم أنه لا يعمل بكتاب الله وإن علم أنه يعمل بكتاب الله فقد تحقق أن من قاتله باغ ضال
__________
(1) – (لأنفال:25)
(2) – )(النور: من الآية55 (1/63)
صفحة 64
هذا تخليط وإن صدق ابن عباس في قوله له لأنتم أحق بيت في العرب أن تتيهوا..
دولة معاوية وأيامه:
لما غصب الناس الملك وقهر الناس بسيفه وإذا رأى الحسن رحب وأعطاه ثلاثمائة ألف وحمل الأئمة الجورة على رقاب المسلمين واصطفى لنفسه البيضاء والصفراء وتكلّم الحسن عنده يوما فزجره فقال الحسن إياي تزجر، ثم افتخر عليه فقال معاوية كنت حولك مائة ألق سيف يغمدها رضاك ويسلها غضبك فتركت ذلك أما ضعفا عنه فأنت اليوم أضعف وأما زهدا فاليوم أحرى أن تزهد فلا يوردك لسانك موردا يقل فيه إخوانك وأخدانك في كلام يصغره به. (1/64)
صفحة 65
قال ابن عبد البر لما بايع الحسن لمعاوية قال عمرو لمعاوية مره أن يخطب معاوية فمازال به حتى أمره وخطب ومراد عمرو أن يبد عيّه وقال لمعاوية لا يدري في هذه الأمور ما هي مستجهلا له ونسبه إلى ضعف الرأي والعقل وعدم الدها، وقال ابن عبد البر: أول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة، وكان يقول أنا أول الملوك وولى الكوفة المغيرة بن شعبة وأمره بشتم عليّ وذمّه والترحم على عثمان والاستغفار له فامتثل، وكان إذا خطب ذم عليا وشتمه وترحم على عثمان واستغفر له فينكر عليه حجر بن عدي قائلا إياك ذم الله ولعن وكان المغيرة شيخا كبيرا ويتحلم عن مثله لمنعته في قومه وشرفه فقيل للمغيرة على ما تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك قال إني تركته يجترئ على من بعدي فيأخذ بأول وهلة فمات فتولى بعده زياد وترحم وشتم كالمغيرة، ورد عليه حجر فأخذه وأرسل به إلى معاوية فقتله في ستة من أصحابه، وتتبع أصحاب عليّ فمن شتمه أطلقه ومن أبى أخذه فبعث إلى بعض أصحاب حجر فقال له يا عدو الله ما تقول في أبي تراب فقال لا أعرفه، قال هو عليّ قال فيه الحسن قول أقول فضربه بالعصا على عاتقه حتى ألصق بالأرض ولزمها ثم قال له لتلعننه أو لأضربنّ عنقك فاستقام لهم الأمر وظهر الجور وعمّ الناس فتبعهم القريب والبعيد خوفا من سلطانهم ورغبة فيما بين أيديهم وتزاحم على طاعته العلماء والأشراف، وذهب الدين وسكن أهل الحق زوايا الخمول والكتمان، وقد بقي في أيديهم شيء من اليقين وعرفوا من جور الظلمة ما عرفه من قبلهم فلم يستطع أحد أن ينهى عن معصية وتتبع زياد وابنه المسلمين يقتل ويسجن وكذا شيعة عليّ، وربما جمع أهل العراق فمن لعن عليّا أطلقه و إلا قتله. (1/65)
صفحة 66
كذا في كتاب المسعودي، قال المسعودي: إن أصحاب معاوية ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى ان جعلوا لعن عليّ سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير ويلعنه على المنابر قيل لبعضهم من هذا أبو تراب الذي يلعنه الأمير على المنبر؟، قال: لصّ من لصوص الفتن، فأقام المسلمون على ذلك بعد أن قتل أهل النخيلة مع إمامهم فروة بن نوفل الأشجعي ثم صار الأمر من بعده إلى عبد الله بن أبي الحيسا الطائي إلى عام ثلاثة وأربعين فأنسوا من أنفسهم قوة فاجتمعوا، منهم معاذ بن جوين بن حصن الطائي، وحيان بن ظبيان السلمي، والمستورد بن علقمة التيمي الرباب وغيرهم، فقالوا أخرجوا بنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فلا عذر لنا وإخواننا قتلوا في المجالس آمنين فإن ظفرنا يشفي الله صدور المؤمنين وإن قتلنا في مفارقة الفاسقين راحة ولنا بأسلافنا الصالحين أسوة ففطن لهم زياد وسجن معاذ بن جوين وحيان بن ظبيان، وبايع المسلمون المستورد فخرج في ثلاثمائة وسار على شاطئ دجلة فأرسل المغيرة في إثره مغقل بن قيس الرياحي في ثلاثة آلاف من قريش فالتقوا عام خمسة وأربعين فقتل كل من المستورد وابن قيس صاحبه، ولما خرج معاذ وحيان من السجن في نحو عشرين اجتمع إليهما أصحابهما فقام حيان وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله كتب علينا الجهاد فمنا من قضى نحبه وأولئك الفائزون بفضلهم ومن يكن منا ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم فحرض أصحابه على الجهاد فبايعوه فخرج بعدما ن\تشاوروا، فقال معاذ أرى أن نسير إلى حلوان فإنها كورة بين السهل والجبل والثغر والمصر قالوا له إن أعداءنا لا يتركوننا ويمهلوننا بل يعاجلوننا قبل ذلك، قال حيان: نخرج إلى جانب الكوفة فنقاتل حتى نموت فذلك عذر لنا عند ربنا فقال عتريس بن عرقوب الشيباني الرأي ما قال معاذ أو تسيرون على عين النمر، فقال حيان عدوكم معاجلكم عن ذلك فقالوا الرأي ما رأيت فقال إنكم تبادرون بذلك الجنة فخرجوا فقتلوا جميعا (1/66)
صفحة 67
رحمهم الله، ثم أراد خالد بن عباد السدوسي رحمه الله الخروج فسعى به فأخذه ابن زياد لعنه الله وكان زاهدا صالحا ناسكا وكذب الساعي فضمنه رجل ثم أتى ابن زياد بعد ذلك أنه لم يبت البارحة في أهله فأرسل إليه فقال أين كنت قال عند إخوان لي ذكرنا الله وذكرنا أئمة الهدى وذكرنا ما الناس فيه من الجور، قال دلني عليهم قال لو دللتك لقتلتهم وسعدوا وأشقى ولم أكن لأروعهم قال له العن أهل النهر قال إن كانوا لله أعداء فلعنهم الله قال فما تقول في أبي بكر وعمر قال خيرا قال وعثمان ومعاوية قال إن كانا وليين لله فلست أعاديهما، قال له رجل إنك في تقية قال قد علمت ولكن لا تقية اليوم في الله فأمر بقتله وكان شاسفا من العبادة بين عينيه إثر السجود وكره الناس قتله لما رأوا عليه من إثر العبادة والخشوع فأتى المثلم بن مسروح فقتله فائتمر المسلمون بقتله فدسوا إليه رجلا في هيئة الفتيان فلقيه بالمبرد يسأل عن لقحة صفى قال له قد علمت مكان كذا وكذا ناقة صفى فإن شئت تركت حاجتي وسرت معك فسار معه حتى دخل داره فقال أدخل بفرسك فقتله حريث بن حجل السدوسي وكهمس بن طلق الصريمي وجعلوا دراهمه في بطنه، ثم خرجت جماعة من الموالي أميرهم أبو ليلى مولى لبني الحارث بن كعب فخرجت معهم قطام وكحيلة فدعوا الناس إلى الحق حتى قتلوا وتولى ذلك جابر بن حشر البجلي بعثه المغيرة فناداهم على ما تقولون: ( فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً)(1) ثم خرج زياد بن الحراش العجلي من الكوفة في ثلاثمائة وقيل أنه سار بالبسط والله أعلم، حتى أتى الأجنوبية فقتلوا منهم عددا كثيرا وهو يوم من أيام الكوفة لا يتسونه ثم انتقلوا وبعث إليهم زياد من أتى على جميعهم، ثم خرج عليّ الأعرج الكوفي ثم خرجت جماعة فعاجلتهم الخيل فأصيبوا بنهر عبد الرحمن عليهم ابن معاذ
__________
(1) – سورة الجن، الآية: 1- 2. (1/67)
صفحة 68
الطائي وقد كان عبد الله بن عوف فيمن خرج مع أهل الكوفة لقتال أهل النخيلة فقتل ابن وداع الأسدي رحمه الله فقال:
قتلت أخا بني أسد سفاها لعمر أبيك ما لقيت رشدي
قتلت مصليا توبتي يا رب واغفر إذا حاسبتني خطئي وعمدي
وأخذ المغيرة معبد المحارب ورجلا من بني تميم فسجنهما وأرسل إلى معاوية فقال أن شهدا أني أمير المؤمنين فأطلقهما فشهد تميم أن صاحبهم مجنون فخلى سبيله فقال للمحارب أتشهد أن معاوية أمير المؤمنين، فقال أشهد أن الله حق وأن الله يبعث من في القبور، فقال أمجنون فقال وددت أني من صالحي الجن فقال أحروري قال وددت أني من الذين تحروا رشدا، قال أتشهد بذلك على معاوية وأخلي سبيلك فقال أشهد أن تميما أكثر من محارب بن أسيد والضحاك وعبد الرحمن بن أم الحكم، ثم النعمان بن بشير، ثم بشير بن مروان فأقبل رجل من عمان فاستثبت قبيصة بأربعة شهود فقتله، ثم خرج طواف في جماعة فأصيبوا، ثم خرج قريب الأزدي وزحاف الطائي وهما ابنا خالة فقتلا رحمهما الله بحومة بني راسب عاجلوهما ولم يكونا تهيأ للخروج فرموهما من فوق البيوت ومن الأزقة عبيد الله ابن أبي بكرة إلى زياد بالكوفة إن كان لك بالبصرة حاجة فالعجل العجل فلما قدم قامت الخطباء على رأسه وعم عمران بن حطان وأبوه من الخطباء فرأيا عمران يريد السير معهما فعزم عليه أبوه أن يرجع وينزع ففعل ثم عاد فلم يشعرا به إلا وهو يخطب على رأس زياد فقال الناس هذا أخطب العرب لو مازج خطبته بكتاب الله قال فرجعت إلى كتاب الله فإذا بع شاغل وهذا سبب توبته رحمه الله .
خروج أبي بلال (1/68)
صفحة 69
ثم خرج أبو بلال مرداس ابن حيدر أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وأصحابه وأدية جدته من محارب وقيل أمه، وسبب خروجه فيما ذكر في كتاب الأعلام أن زيادا قال على المنبر لآخذنّ المحسن بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم فقام إليه رحمه الله فقال ما هكذا ذكر الله إذ يقول: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىأَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى)(1)، وذكر عبيد الله بن زياد البلجاء الخزامية من بني حازم بن يربوع بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة ابن تميم وكانت مشهورة بالورع والزهد والنسك فلقي غيلان بن خرشة الضبي أبا بلال فقال له سمعت الأمير يذكر البلجاء فمضى إليها أبو بلال فقال إن الله جعل لأهل الإسلام سعة في التقية فإن هذا الجبار المسرف ذكرت قالت أكره أن يصل إلى أحد مكروه بسببي فإن أخذني فهو أشقى له وأخذها عدو الله فقال لها إنك حرورية محلوقة الرأس فقالت ما أنا كذلك قال لأرينّكم منها عجبا أكشفوا رأسها فمنعتهم فقال لأكشفنّ أحسن بضعة منك قالت لقد سترته حيث لم تستره أمك قال إيه ما تشهدين على قالت شهد الله عليك ثلاث شهادات بقوله:( )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(2)، والظَّالِمُونَ (الْفَاسِقُونَ وشهدت على نفسك أن أولك لزينة وآخرك لدعوى فعض لحيته فقتلوها، فخرج أبو بلال في جنازتها قال لو أعلم أني أبعث على ما تبعث عليه لعلمت أني سويا على صراط المستقيم، وفي كتاب الأعلام أنه قطع يدها ورجليها وطرحها في السوق فمر بها أبو بلال فقال لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك ما من ميتة أموتها أحب إليّ من ميتة البلجاء، وفي بعض النسخ البثجاء بثاء، وألحّ عبيد الله في طلب المسلمين
__________
(1) – سورة النجم، الآية:37-41.
(2) – المائدة: من الآية44. (1/69)
صفحة 70
فأجمع أبو بلال على الخروج وقال لأصحابه إن الإقامة على الرضا بالجور لذنب وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم ولكن نسير في أرض الله ولا نجرد سيفا وإن أردنا قوم بظلم امتنعنا منهم فقالوا له أنت سيد المسلمين وبقيتهم، فخرج في ثلاثين فلقيه عبد الله بن رياح عامل عبيد الله على الجسر وكان صديقا لأبي بلال، وفي كتاب الأعلام كان فاضلا فراودهم على الرجوع فأبوا فأتوا الأهواز فأصابوا أموالا تحمل إلى ابن زياد فأخذوا عطيتهم وردوا الباقي فبلغ عبيد الله خروجهم فوجه إليهم أسلم بن زرعة في ألفين قال يونس بن أرقم خرجنا في جيش نريد خرسان فدخلنا دَرْبَاسَكْ فيه ثلاثة أخبية فإذا هو أبو بلال في ستة وثلاثين رجلا فقال ابن عمي السلام عليكم قالوا وعليك أمن هذا الجيش الذين يريدون قتالنا قلنا لا قال سلمكم الله أبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا نقاتل إلا من أكرهنا على قتاله ولا نأخذ من الفيء إلا أعطيتنا فبلغهم أسلم بأسك وهم في أربعين رجلا فقالوا له اتق الله فإنا لا نريد قتالا فما تريد قال أدلكم إلى ابن زياد قال يقتلنا وتشاركه في دمائنا قال نعم دماؤكم حلال، وهو محق قالوا اللهم إن كان كاذبا فانصرنا عليه، قال حريث بن حجل يا عدو الله أمحقّ وهو يطيع الفجرة ويقتل بالظنة ويخص بالفيء ويجور في الحكم فرموا رجلا من المسلمين فقتلوه قال أبو بلال جاهدوا ولتكن إلى الله رغبتكم واستعينوا بالله واصبروا فحملوا فانهزم وكاد معبد يأخذ فغضب عليه ابن زياد فقال لأن يذمني ابن زياد حيا أحب إلي أن يمدني ميتا وأرسل إليهم عباد بن أخضر في أربعة آلاف مع ما انضمّ إليه قال له أبو بلال ما تريد قال أردكم قال أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدماء ويأخذ المال الحرام ويعطّل الحدود ويرتشي في الحكم ويتسلط بالجبرية ويقتل بالظنّة ويأخذ على التهمة لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة قال نعرف ما تقولون ولكن لهم مع ذلك الطاعة وقيل قال كذبتم هو خير منكم (1/70)
صفحة 71
وأنتم أولي الضلال منه، وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خرسان يريد الحج، قال ما هذا قيل له الشراة فحمل عليهم وانتشب الحرب في يوم جمعة وأبو بلال يتلو: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(1) فأسروا القعقاع فقال لست من أعدائك وإنما غدرت ولم أعلم وأطلقه ورجع فرجع يقاتل فحمل عليه حريثُ وكهمس فأسراه فقتلاه، فلما جاء وقت صلاة الجمعة ناداهم أبو بلال إنكم في يوم عظيم فادعونا حتى نصلي وتصلوا فأجابوهم فلما دخلوا في الصلاة حملوا عليهم فقتلوهم بين راكع وساجد وقائم وقاعد.
ذكر طبقة التابعين
__________
(1) – (الشورى:20) (1/71)
صفحة 72
أبو بلال وأخوه عروة وبعض أصحابه ممن حضر صفين وكان مع أهل النهر وله في العلم والورع والديانة والشجاعة هو وأخوه الأمد الأقصى ولكن منهما فضائل لا تحصى لا تأخذهما في الله لومة لائم، ومن شجاعته أن غيلان بن خرشمة ذكر أصحابه عند ابن زياد فلما خرج لقيه فقال قد بلغني ما كان منك يا غيلان ما يؤمنك أن يلقاك رجل أحرص والله على الموت منك إلى الحياة فينفذك برمحك فقال لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة، ومر على فرسه ينادي قومه فوقف وسلم فقال شاب منهم فرسك حروري قال وددت والله لو وطئته بطنك في سبيل الله فمضى وقال الفتى لأصحابه أني مقتول فمشوا إليه بالفتى فقالوا اصفح عنه فصفح عنه وقال إذا كنت في مجلس فأحسن حملان رأسك ومن خوفه أنه جاز مع صاحب له على الحدادين فسقط مغشيا عليه ولم يزل صاحبه يرشه بالماء حتى أفاق، ثم سار فاستقبلتهما امرأة جسيمة عليها زينة عظيمة فغشي عليه فلم يزل يرشه حتى أفاق ورأى رجلا فغشي عليه حتى أفاق فقال ما هذا الذي أرى قال: أمّا أولا فمعاينة النار والثاني تفكرت كيف تقلبها في النار مع الجسامة والحسن وأما الرجل فكثير ما أراه يشهد مجالس المسلمين فرجع إلى ما رأيت من الهيئة والغلمان والنزهة فاستعذت من سوابق الشقا، ومن تورعه هو وأصحابه أنهم يبيعون حلى سيوفهم من الحاجة وأبوا أخذ المال إلا من له عطاء وقد تقدمن ومن كراماته ما قال أبو سفيان قال أخبرني أبو العلاء بن الشهيد رجل من حجبة البيت عن آبائه قال إني لفي الطواف في ليلة صاحية قمراء فإذا برجل تحت الميزاب يدعو الله ويرغب إليه فبينما هو كذلك إذ لحّ فقال اللهمّ حاجتي فكرر فسمعه أهل الطواف قالوا اللهم اقض حاجته، قال اللهم إن كنت رضيت ما أريد فإني من ذلك علما فقطرت عليه من الميزاب قطراتٌ فلمّا أحس بالماء انساب في الناس فإذا هو أبو بلال، قال أبو سفيان لما حضر خروجه اجتمع هو أصحابه في بيت لبني تميم قال فدعوا الله ورغبوا إليه أن يجعل لهم (1/72)
صفحة 73
علامة إن رضي خروجهم قال فانشق سقف البيت حتى نظروا إلى السماء روي أبو سفيان عن قرة بن عمران أتى بني تميم يسأل عن البيت فإذا هو مشهور فيهم فرأيته وكثيرا ما يخرج إلى ساحة الدار بليل ويقول ولو: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً )(1) ويقول لأصحابه عرضت نفسي على الله فلم أره يقبلني، أبو سفيان قال دخل هو وجابر على عائشة أم المؤمنين فعاتبها مما كان منها يوم الجمل فتابت واستغفرت مما كان منها، وكان أبو بلال يفارق جابرا من بعد ما يصلي العتمة إلى آخر الليل مع بعد ما بين منزليها، فيقول له أرفق بنفسك أو كلام مثل هذا فيجيب بأنه لا يقدر على مفارقته.
__________
(1) – التوبة: من الآية46) (1/73)
صفحة 74
وأما عروة فهو أول من قال: لا حكم إلا الله وسل سيفه وضرف عجز دابة الأشعث واحضره زياد وسأله عن الخلفاء الولاة ثم سأله عن نفسه فقال أولك لزينة وآخرك لدعوى وأنت عاص لربك فأمر به فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال له صف لي أموره وأوجز، قال ما أتيته بطعام بنهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط فقال إذا قتلناه صالحا، وبقي في حفظي قديما أن ابن زياد لما صلب عروة عاين الحرس النور عليه فكذبهم فخرج فعاين فتركه ودفنه المسلمون وسأل غلامه، وفي كتاب الأعلام أن ابن زياد خرج في رهان فقال له عروة خمس كن في الأمم قبلنا وقد صرنا اليوم فينا تبنون بكل ريع أية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين، وخصلتان لم يحفظهما الراوي فترك رهانه وطلبه ابن زياد وقدم به عليه وقطع يديه ورجليه ثم قال له ما رأيت قال أفسدت دنياي وأفسدت آخرتك فقتله وقتل بنيه، وقيل لمّا قتل ابن أخضر أرسل إلى ابن زياد من الكوفة إلى ابن أبي بكرة لا تدع أحدا ممن يذكر بهذا الرأي وأوتي بعروة فكفله ابن أبي بكرة فلما قد ابن زياد قتل من في السجن وتغيب عروة وقال ابن زياد للكفيل لئن لم تأت به لأقتلنّك فأوتي به من سرب يعبد فيه الله فكتب الكاتب في شرب فقرأ في شرب فقال بان زياد كذبت وصحفت يا ليته ممن يشرب قال له بعد محاورة لأمثلنّ بك قال اختر لنفسك من القصاص ما شئت، وابن أخضر لما رجع بعد غدر أبى بلال في الصلاة وأصحابه اتفق عبيد بن هلال مع ثلاثة من أصحابه فقتلوه في يوم الجمعة فنجا عبيدة بن هلال، ومن أمانة أبي بلال أن ابن زياد سجنه في جماعة من المسلمين فرأى السجان اجتهاده فقال إن تركتك بقيت عند أهلك أترجع؟، قال: نعم، فأتاه الخبر عند أهله أن ابن زياد أراد قتلهم غدا فرجع أبو بلال إلى السجن بعد (1/74)
صفحة 75
أن قال له أهله اتق الله في نفسك قال أتريدون أن ألقى الله غادرا وقال للسجان قد علمت رأي صاحبك، قال أعلمت وجئت؟، قال: نعم، فقتل ابن زياد من في السجن فأخبره السجان بفعله فأطلقه رحمه الله.
ومن أصحابه حريث بن حجل السدوسي وهو الذي طلبوه أن يؤمر عليهم فأبى وقال لا ألِي على رجلين أبدا وقد سمعت ما قيل يؤتى بالإمام يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يفكه عدله أو يوثقه جوره، وسأل الهيثم أمين بن سماعة: أبو بلال أفضل أم حريث؟، فقال: ما كنت أرى أن أعيش أو أبقى في قوم يشكون في فضل حريث.
ومنهم كهُمسُ بن طلق الصريمي وليس له أهل إلا أمه وكان عابدا زاهدا من خيار المسلمين، وقال لأمه خرج أبو بلال وحريث وحويص أبو الشعثاء ولا في العيش بعدهم خيرٌ، فقالت: مالي غيرك، قال: أكره الخروج وأنتِ ساخطة، قالت: وهبتك لله فخرج.
ومنهم حويص بن الشعثاء، وكان فاضلا تقيا وإليه يفزعون في المهمّات، وقد قيل له ألا تقبل منا هذا قال انطلقوا إلى كهمس فإني والله ما رأيت رجلا من المسلمين يعدله.
ومنهم غسان وله بنات وقد همّ بالرجوع لأجلهنّ فقال له حويص: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)(1) وهو والله خير لبناتك منك، وفي حفظي طلبت إحداهنّ أن تشرب ليلة فسكت عنها فقامت أختها فسقتها فتيقّن أن الله نعم متكفل.
ومنهم شيبان، وجاء إلى البصرة يطلب إرثا فصادف خروج أبي بلال فاختار ما عند الله على عرض الدنيا.
ومنهم أبو العباس بن عبد قيس، وهو الذي أرسلوه إلى ابن أخضر يدعوه إلى كتاب الله وسنة نبيه - عليه السلام - فدعاهم إلى طاعة ابن زياد.
ومنهم أبو عمران عون وهو الذي ضرب برمح فمشى في الرمح إلى طاعنه فقتله، فقال إن ربي أرضيت.
ومنهم أبو عمر بن عقيل ويزيد ومعاذ بن ضبيان وبيهس والمغيرة رحمهم الله، وذكرهم عمران بن حطان في قصيدته جمعهم فيها.
ومنهم جابر بن زيد الأزدي رحمه الله:
__________
(1) – سورة هود، الآية:6. (1/75)
صفحة 76
بحر العلم، وسراج الدين، أصل المذهب، وأسّه الذي قامت عليه أطامه صاحب ابن عباس رضي الله عنه، وكان أشهر من صحبه وقرأ عليه، وفي الطبقات ذكر أبو طالب مكي في كتاب قوت القلوب: «إن ابن عباس قال اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم»، وفيه قال إياس بن معاوية: رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر، وعن حصن حيان قال: سمعت ابن عباس في المسجد الحرام يقول: جابر بن زيد أعلم الناس بالإطلاق، وعن حصين بن حيان قال: لما مات جابر بن زيد فبلغ موته أنس بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض، أو قال: مات خير أهل الأرض، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: جابر بن زيد أعلم الناس، وعنه قال: عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه، أبو سفيان كان جابر بن زيد يحج كل سنة فلما كان ذات سنة بعث إليه عامل البصرة أن لا تبرح العام فإن الناس يحتاجون إليك، فقال: لا أفعل، فسجنه، فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا: أصلحك الله قد هل هلال ذي الحجة، قال فأرسله فخرج من السجن فأتى منزله وناقته حوله في الدار قد كان هيأها للخروج فأخذ يشد عليها الرحل ويقول: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا)(1) يا آمنة أ عندك شيء قالت نعم فهيأته في جرابين، فاقل من سألك فلا تخبريه بمسيري يومي هذا، فخرج من ليلته وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف فضربت بجيرانها الأرض وتجلجلت، فقال الناس ذكها ذكها قال حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة بالبصرة أن لا يفعل بها هذا ثم سلمها الله تعالى وقد كان سافر عليها أربعا وعشرين مرة بين حج وعمرة.
__________
(1) – سورة فاطر، الآية:2. (1/76)
صفحة 77
أبو سفيان أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح ورعد ففزعوا إلى المساجد فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس يذكر الله والناس في تضرع وضجة فلما انجلت أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم فدعا من كان قريبا منه فقال ما كنتم تظنون هذا الأمر قالوا خفنا أن تكون القيامة قامت، قال وإنما خفتم طي الدنيا والإفضاء للآخرة، قالوا نعم، قال خفتم أمرا عظيما فحق عليكم أن تخافوه ثم قال أين تذهبون الآن، قالوا إلى منازلنا قال لقد خفتم أمرا عظيما ففزعتم إلى الدعاء ولو جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما كنتم فيه شيئا فالآن إذ رد الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل فأما ما كنتم فيه فلو كان الأمر كما خفتموه لم يغن عنكم دعاؤكم من الله شيئا.
أبو سفيان دخل جابر وأبو بلال على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل فاستغفرت وتابت، قال ودخل جابر عليها فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحدٌ عنها، حتى سألها عن جماع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف كان يفعل، وأن جبينها يتصبب عرقا وهي تقول سل يا بني ثم قالت له ممن أنت قال من أهل المشرق من عُمان، فذكرت له شيئا لم أحفظه إلا أني أظنها قالت إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره أو نحو هذا، قال ورأى رجلا من الحجبة يصلي فوق الكعبة فقال من المصلي لا قبلة له وكان ابن عباس في ناحية المسجد فسمع قوله أو أخبر به فقال إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه. (1/77)
صفحة 78
قال ودخل ثابت البناني على جابر حين احتضر فقال هل تشتهي شيئا قال إني أشتهي أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت، فخرج ثابت فأعلمه بقول جابر وكان مستخفيا من الحجاج فركب بغل ثابت على السرج وركب خلفه ثابت بطيلسانه فلما دخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع انكب الحسن عليه وهو يقول قل لا إله إلا الله فرفع جابر عينيه وهو يقول أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار، فقال له قل لا إله إلا الله، فقال أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار، ثم قال يا أبا سعيد: ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً)(1) فقال الحسن هذا والله الفقيه العالم، ثم قال يا أبا سعيد أخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المؤمن إذا حضرته الوفاة، فقال: قال - عليه السلام - إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا، فقال جابر الله أكبر اللهم إني أجد بردا على كبدي، ثم قبض رحمة الله عليه.
__________
(1) – سورة الأنعام، الآية:158. (1/78)
صفحة 79
قال مرّ رجلان من المسلمين وأبو الشعثاء قاعد في سقيفة باب داره ولم يرياه فلعنا رجلا قال لعن الله من لعنتما، فقالا ما علمنا بمكانك وكيف تعلن رجلا لم يثبت عندك أمره قال وأي تثبيت أثبت منكما وقد اجتمعتما على لعنه، قال خرجت آمنة زوجة جابر إلى الحج ولو يخرج تلك السنة لما رجعت سألها عن كريها فذكرت سوء الصحبة وأثنت ثناء قبيحا، فخرج إليه وأدخله دارا واشترى لإبله علفا وعولج له طعام واشترى له ثوبين كساه بهما فدفع له ما كان مع آمنة من قربة وأدوات وغي ذلك فقالت أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت ما أرى فقال أ فنكافئه بمثل ما فعله فنكون مثله لا بل نكافئه بالإساءة أحسانا والسوء خيرا، قال شاورته امرأة على جاريتها يخطبها رجل قال لا تزوجيه فعادت فقال لا فقال لها الخاطب إن لم تزوجنيها أوقعتها حراما قال زوجيه الآن فهذا خوف العنت. (1/79)
صفحة 80
قال أبو سفيان كان جابر خاصا بيزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج فوفد عليه مرة فأدخله على الحجاج فقال: أتقرأ؟ قال نعم، قال أتفرض؟ قال: نعم، فعجب به، قال: لا ينبغي أن نؤثر بك أحدا نجعلك قاضيا للمسلمين، قال جابر: أنا أضعف عن ك، قال: وما بلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما، قال: إن هذا لهو الضعف، قال: فهل لك من حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟، قال: تعطيني عطائي وتدفع عني المكروه، قال الحجاج هذا لا يستقيم، أنعطيك من بيت مال المسلمين ولا نستعملك لهم، قال فقال يزيد بن أبي سلمى هاهنا خصلة تخف عن الشيخ وفيها عون للمسلمين تجعله في أعوان صاحب ديوان البصرة، قال كذلك فلما خرجا قال جابر ما صنعت شيئا أتراني أكون عونا لصاحب الديوان، فقال يزيد أنا أكتب لصاحب الديوان أن لا يكلفك مؤنة ويعطيك عطاءك كاملا، وكان عطاؤه سبعمائة أو ستمائة وكان في ديوان المقابلة، قال وكان يزيد شديد الحب لجابر فخرج إليه ذات مرة إلى واسط في يوم الجمعة فلما تغديا دعا يزيد جارية له فجاءت بغالية ففلت بها رأس جابر ولحيته فقال يا غلام أسرج البرذون لأبي الشعثاء، قال أفني من البرذون قال فالبغلة، قال نعم، فقال للغلام قف لي عند باب المسجد بموضع سماه له وأخذ على دجلة ونزل وغسل رأسه ولحيته ودلكها دلكا شديدا يقول اللهم لا تجعل حظي منك منزلتي عند هؤلاء القوم، ثم جاء إلى المسجد فلما حضر خروج جابر تنافست امرأتا يزيد في زاده فصنعتا له شيئا كثيرا وكان معه عمارة بن حيان فلما ركبا السفينة قال لعمارة لا تدع أحدا من أهل المركب يفتح زاده فلما انتهى إلى البصرة قال بقي جرابان أحملهما إلى الصبيان قال صبهما على ظهر السفينة وأطعم ملاحيك وادع المساكين وادفع إليهم ما بقي، قال وقع في نفس الحجاج شيء من أمر القدر فشكا ذلك إلى يزيد فكتب إلى جابر فأجابه قل للأمير يكثر ترديد خطبته فإن فيها بيان ما سأل عنه فرددها مرارا كل ذلك لم (1/80)
صفحة 81
ينتبه ثم بعد ذلك انتبه فقال: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً)(1) (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ)(2)[ لا توجد آية بمثل ما ذكرت في الكتاب] قال ويحك يا يزيد ما أعلم احبك، قال أتى جابر الجمعة فتلقى الناس خارجين عنها فشق عليه ذلك فقال اللهم لك عليّ أن لا أعود.
قال أبو سفيان أرسلت عاتكة بجزور إلى جابر فأمر العنبران ينحرها ويجزئها بين جيرانه وأن يرسل إلى أهله فأطاب وأكثر في جزء الشعثاء فقال أكل جيراننا أصاب مثل هذا قال بلى ولكن أطبنا هذا لأهل البيت قال وا سوأتاه لا تفعل ساو بيننا وبين جيراننا، قال أتى شاب أبا الشعثاء فقال أي الجهاد أفضل ؟قال: قتل خردلة، والشاب لا يعرفه فأراه إياه رجل من المسلمين في المسجدووضع يده عليه لئلا يخطأه فضربه بين كتفيه ربة بخنجر قد سمه وأخذ فقال له الوالي قد علمت أنك لم تفعل هذا من نفسك وإنما أمرت فدلني على من أمرك ومناه فقال دع عنك هذا فقتله وكان خردلة سعى بجماعة من المسلمين فقتلوا، قال خرج ابن لجابر وهو قاعد على باب داره فقبله ومسح رأسه فقال لجلسائه أحبه، قالوا أجل قل صدقتم واله إني لأحبه وما من نازل ينزل به أحب إليّ من الموت ينزل به وبإخوته ثم ينزل بي ثم بآمنة، قالوا فآمنة أعزّ عليك من ولدك قال ما هي بأعز عليّ منهم ولكن لا أحب أن أبقى في الدنيا يوما واحدا عازبا وكان كما تمنّى.
__________
(1) – سورة الكهف، الآية:17.
(2) – سورة لأعراف، الآية:186. (1/81)
صفحة 82
قال أبو سفيان نفى الحجاج جابرا وهبيرة جد أبي سفيان إلى عمان وقال كانت جدة أبي أم الرحيل عم أبي وجدي العنبر فأتيا أبا الشعثاء فقالا أمنا لا تطيق الصوم قال صوما عنها فصاما عنها الرحيل فأتياه في العام القابل فقالا: أم الرحيل لا تطيق الصوم، قال فأطعما عنها فأطعم عنها العنبر، قال: قال جابر بن زيد ليس للعالم أن يقول للجاهل أعلم مثل علمي و إلا قطعت عذرك، وليس للجاهل أن يقول للعالم ارجع إلي جهلي وضعفي و إلا قطعت عذرك، وإذا قال العالم ذلك قطع اله عذر العالم، وإذا قال الجاهل ذلك قطع الله عذر الجاهل.
قال: قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين، فيقولون نعم وحرم الله البراءة منهم بدين، فيقولون نعم، فيقول: أوليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين، فيقولون بل، فيقول وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين، فيقولون نعم، فيقول: هل أحل ما بعد هذا بدين فيسكتون.
قال: قال جابر لامرأة من المسلمين إني أحبّكِ فافترقا فتفكّر في قوله لها إني أحبّك فرجع إليها فقال في الله، قالت وما تظنّ أني حملت ذلك على غير الحب في الله أي والله في الله. قال لما ما ت جاب أتى قتادة قبره وهو أعمى إذ ذاك، فقال أدنوني من قبره فوضع يده على قبره فقال اليوم مات علم العرب. قال طلع أبو الشعثاء فإذا برجل من الأكارين يبكي ويمسح دموعه قال مالك ويحك قال صبيان دربكم هذا نزعوا مني قنوين جئت بهما إلى صاحب الأرض فأخاف أن لا يصدقني فبعث جابر إلى بعض أصحابه له نخل فأخذ قنوين فبعث بهما إليه.
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة ست وتسعين وكان أعلم الناس وأورع الناس وأعبد الناس، استضاء بنوره جماعة عظيمة وأخذ عنه ناس كثيرة، وكان مجاب الدعاء، قال: سألت ربي امرأة مؤمنة وراحلة صالحة ورزقا كفافا فأعطانيهن.
ومنهم عبد الله بن إباض المري التميمي: (1/82)
صفحة 83
إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولي التفريق، سلك بأصحابه محجة العدل وفارق سبل الضلالة والجهل، وكان - رحمه الله- على ما حفظت ممن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف، وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم.
ومنهم عمران بن حطان الشيباني:
تقدم سبب توبته وكان ورعا صالحا شاعرا خطيبا عالما وأشعاره كثيرة وتغيب من الحجاج فانتقل في القبائل حتى نزل بروح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان فانتمى له من الأزد، وكان مسامرا لعبد الملك، وكان لا يسمع شعرا نادرا ولا حديثا غريبا عند عبد الملك إلا سأل عنه عمران فيجده عنده ويزيده ما ليس عنده، فذكر ذلك لعبد الملك فحدثه ببعض أخباره فقال عبد الملك اللغة عدنانية وأظن صاحبك عمران بن حطان فتذاكرا ليلة:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأعلمه يوما وأسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
ولم يعرفا لمن هما فسأل عنهما عمران فقال لعمران بن حطان فأخبر عبد الملك بذلك صاحب عمران فجيء به فقال له روح إن أمير المؤمنين أحب أن يراك، فقال عمران أردت أن أسألك ذلك فاستحييت فامض فإني بالأثر فاخبر عبد الملك بذلك، فقال إنك سترجع فلا تجده فخرج من عنده وخلف له رقعة فيها أبيات ونزل بزفر بن الحارث الكلابي فانتسب له أوزاعيا وكان يطيل الصلاة وكانت غلمان بني عامر يضحكون منه فسلم عليه رجل يعرفه عند روح بن زنباع فسأله زفر من يكون فقال من الأزد، رأيته ضيفا عند ابن زنباع فقال له زفر يا هذا أأزديا مرة و أوزاعيا مرة أخرى، إن كنت خائفا أمنّاك وإن كنت فقيرا أجزناك، فلما أمسى خلف في منزله رقعة فيها أبيات منها:
إنّ التي أصبحت يعيى بها زفر أعيت عياء على روح بن زنباع (1/83)
صفحة 84
ثم ارتحل حتى نزل عُمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال ويظهرونه، فنزل فيهم وأظهر أمره فبلغ ذلك الحجاج فكتب فيه إلى عُمان فهرب فنزل بقوم من الأزد فلم يزل فيهم حتى مات – رحمه الله- وقال في ذلك في أبيات:
نزلنا بحمد الله في خير منزل نسُرُّ بما فيه من الأنس والفخر
نزلنا بقوم يجمع الله شملهم وليس لهم فعل سوى المجد يُعتَصَرُ
ومنهم الوليد :
جد حمزة بن عنبسة وهو رجل من عبد قيس، قال أبو سفيان كان من خيار المسلمين ومن بقية أصحاب أبي بلال، قال وكان عنبسة وحمزة فاضلين وأدركت عنبسة شيخا كبيرا قال لما أخذ ابن الأزرق في الخروج أخذ له خيلا وسلاحا من نحو أرعة وعشرين ألف درهم فلما أحدث ابن الأزرق ما تبرأ منه المسلمون به ورفضوه ورجعوا عنه سقط في يد الوليد وكان ذو جاه خرج إليه وأخبره خبر المال فتبسم وقال صرنا على غير ما تعرف فقال الوليد لا أجد قضاها فجاءه جمل مال ودفعه إلى الشيخ فلما قرب من البصرة وجد به فضلا على ماله وسقط في يده وكره أن يرده فلقيه عمران بن حطان فاخبره الخبر فقال عمران إني أطالبه بأربعة آلاف إليه ما فضل من حق القوم.
ومنهم جعفر بن السماك العبدي رحمه الله: (1/84)
صفحة 85
شيخ الصيانة والنزاهة المشهور في الورع والعلم والنباهة له الكعب العالي بين الفضلاء والنصيب الأوفى بين الأتقياء، قال أبو سفيان كان معلم أبي عبيدة وما حفظ عنه أكثر مما حفظ عن جابر، قال وفد هو والحباب بن كليب وسالم الهلالي في جماعة إلى عمر بن عبد العزيز فدخلوا عليه فكلموه فقال لهم هل تنكرون من أمر الأحكام شيئا، فكلما كلموه فزع لهم إلى الأحكام فعاتبوه وذكروا أمر عثمان فأخذ يعذره ويريد أن ينصرفوا عنه وضرب الحباب على ركبته وقال وإنك لهاهنا تعذر الظلمة وتفعل فقال له أمسك يدك يا عبد الله، وكان جعفر ألطفهم به وقال ما فيكم أرفق من الأشج فأجابهم عبد الملك ولد عمر وقبل منهم ما دعوا إليه أباه وكان عبد الملك فاضلا متقيا دخل عليه رجال من بني أمية فقال بعضهم سمعت أمير المؤمنين يقول إذا صليت الظهر ناديت في الناس بالصلاة جامعة فيأمر كل من له مظلمة عنده أو عند أحد بنيه أو غيرهم من الناس فهي مردودة عليه لئن فعل لهلاك أهل البيت قال له عبد الملك بئس والله بداخل وبئس المحضر حضرته، فدخل على أبيه نصف النهار فقال رأيت بابا من العدل وأردت أن تنام عنه قبلأن تنفذه ولا تدري ما يحدث عليك في نومك قال بارك الله فيك من ولد ثم توضأ فخرج فنادى الصلاة جامعة فقال من كانت له مظلمة فهي مردودة عليه عند من كانت.
فمات عبد الملك فبل أبيه فدعا الحباب وجعفر وأصحابهما فولوا أمر صاحبهم فلما أخذوا في غسله دخل عمر فغشي عليه ووقع فرفع فقال له بعضهم يا أمير المؤمنين لو خرجت إلى الناس وعزوك وحدثوك فخرج فغسلناه وكفناه وصلى عليه أبوه وكتب إلى عماله أن لا يقام عليه مأتم، وسئل جعفر عن عمر فقال مثل الحسن بن الحسن أبي البصري.
ومنهم الحباب وسالم وتقدم الكلام عليهما.
ومنهم صحار العبدي: (1/85)
صفحة 86
قال أبو العباس كان ممن يدو إلى الله على بصيرة، ويده في العقائد طويلة، قال أبو سفيان قال صحار في القدرية كلموهم في العلم فإن أقروا به نقضوا وإن أنكروا كفروا وكان أحد شيوخ أبي عبيدة، قال أبو سفيان أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك وعن صحار وكان من أئمة المسلمين وقادتهم.
ومنهم هبيرة:
جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل بن العنبر بن هبيرة، كان فاضلا تقيا، قال أبو سفيان وكان الحجاج نفى جابرا وهبيرة إلى عُمان.
ومنهم الأحنف ابن قيس التميمي السعدي:
يكنى أبا بحر واسمه الضحاك، وقيل صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، أدرك النبي - عليه السلام - ولم يره ودعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال اللهم اغفر للأحنف وهو أحد الجلة الحلماء الدهاة الحكماء العقلاء معدود في كبراء التابعين، وتوفي سنة سبع وستين ومشى مصعب بن زبير في جنازته، وأخباره كثيرة، وهو الذي قال لمعاوية على يزيد حين أراد أن يأخذ له البيعة أنظر من تشيد إليه عهدك ومن تولية الأمر من بعد ك واعص رأى من يشير عليك ولا ينظر وله أخبار مع عليّ ومع عبيد الله وزياد وغيرهم كثيرة.
ومنهم إياس بن معاوية: (1/86)
صفحة 87
قال أبو العباس به تضرب الأمثال في الذكاء وتحرّي الصواب في القضاء، قال إن ولي البصرة جمعه والقاسم بن ربيعة بأمر من عمر بن عبد العزيز لينظر أصلحهما للقضاء فيقدمه، فقال إياس سل عني وعنه فقهي المصر الحسن وابن سيرين فقال القاسم لا تسأل أحدا واسمع مني قال قل فحلف يمينا مستوفاة جامعة لمعاني الحلف أن إياسا لأصلح للحكم مني فإن صدقني فقدمه وإن كذبني فلا يحل لك أن تقدم الحكم بين المسلمين من يبارز الله تعالى بمثل هذا اليمين الكاذبة، فقال إياس لا تسمع منه أتيت به إلى شفير النار فافتدى منها بيمين يكفرها ويستغفر الله، قال الوالي أو لست فطنت لها، وقلد إياسا الحكم وله مآثر قد عمرت بها الدفاتر.
ومنهم أبو بروح تبرح:
على وزن المضارع في بعض النسخ بالتاء وبعضها بالياء ومازن، قال أبو سفيان حدثني يسار وهو من خيار من أدركت عن والدته وهي بنت ثمانين سنة قالت أدركت أخوين من بني راسب يقال لأحدهما تبرح والآخر مازن ابنا كنان وكانا من خيار من مضى من أهل الدعوة وكانا نظيري أبي بلال وأخيه عروة رحمهم الله وكانا في زمانهما، فأما تبرح فكان عابدا مصليا لا يفتر من العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدبر البعير، وكان قد اتخذ سربا في الأرض يعبد الله فيه. (1/87)
صفحة 88
قال أبو سفيان قال يسار أدركت سربه ذلك وحضرته الوفاة وقعد مازن عند رأسه فأفاق فقال أين تراها تذهب يعني نفسه قال نحو الذي كانت تعبد، فلما حضرت الوفاة مازن صاحت بناته فقال يا بناتي لا تبكين عليّ إن أباكنّ عن ساعة هو الباكي أو الضاحك، قال: قال يسار عن والدته إني كنت في مجلس من مجالس المسلمين يذكرون إذ دخل رجل متقنع بثوبه فجلس وهم لا يعرفونه فلما فرغ المتكلم قام فقال إني أخبركم بما رأت عيني وسمعته أذني أو عن خبر من رأى وسمع واقتص الفتن المتقدمة واحدة بعد الأخرى ونبه على من أنجاه الله تعالى منها، قالت فما رأيت أحدا في مجلس من مجالس المسلمين يتكلم قائما قبله ولا بعده فإذا به مازن وهذا كاف في ذكر أئمتنا وقادتنا من هذه الطبقة أعني التابعين.
طبقة تابعي التابعين
منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي:
كان مولى فيهم، كان أعور، وشهر بالقفاف، توفي في ولاية أبي جعفر بعد وفاة حاجب رضي الله عنهما، تعلم العلوم وعملها ورتب روايات الحديث وأحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع وكان - رحمه الله – يضعف أمر الشفعة ويقول لا تحبس على يتيم ولا غائب فابتلي بها رجل من أصحابه فجاءه يسأله فقال: اذهب فاسأل أشياخ البصرة هل لجابر فيها ذكر فأخبر أن جابرا يوجبها فأخذ بقول جابر. (1/88)
صفحة 89
قال أبو سفيان: بعث عبد الله بن الحسن إلى أبي عبيدة وإلى جماعة المسلمين حين أراد الخروج فتشاوروا فتكلم برأيه فاتفق رأيهم أن يبعثوا إليه صالح بن كثير وقد قال لهم أني على دينكم وكان من متكلمي المسلمين إلا أنه أحدث أشياء قلاه المسلمون عليها، فقال أبو عبيدة أن هذا ليس برأي أترون رجلا يخاف على نفسه ويطلب الملك إلا يعطيكم كل ما سألتموه وإذا طاوعكم على ما تدعونه إليه قال أنا مقر بدعوتكم ولكن الناس إلى أسرع وأنا أحق فما عسى تقول له يا صالح وقد صدق فإن أراد الدين كما يزعم فليلحق بصاحبنا بحضرموت عبد الله بن يحيى فليقاتل بين يديه حتى يموت ففرق جماعتهم وأفسد رأيهم.
قال أبو سفيان قيل لأبي عبيدة ما يمنعك من الخروج ولو خرجت ما تخلف عنك أحد قال ما أحب ذلك ولو أني فعلت ما أحببت ولا أحب أن أقيم ما بين الظهر والعصر مخافة الأحكام، قال أبو سفيان كان أبو عبيدة يتخذ جوارب يصلي فيها يتقي بذلك أن يصيب مذاكريه مواضع الوضوء من رجليه فبلغ ذلك حيان الأعرج فقال لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة، قال أبو سفيان عن من حدثه أن أبا عبيدة قدم مكة ومعه امرأة من المهلبيات وهي جدة سعيدة أو عمتها فلما فرغا من حجهما قالت له أريد المقام بمكة قال لها الخروج أفضل، قال الراوي فقلت وأنا أخرج معكم قال أنت فأقم فقلت تأمر هذه بالخروج وتأمرني بالإقامة قال لأنك قريب من مكة ونحن بعيد منها أنتم قريب من خيرها يعني الطواف وبعيد عن شر أهلها كأنه يكره المقام فيها للتجارة، قال أبو سفيان شهد رجلان على شهادة أبي عبيدة عند قاضي البصرة قال المشهود عليه أصلحك الله إنما شهدا على شهادة فلان قال ويحك أنا به عارف ولو جاز لي أن أحكم بشهادة رجل واحد لحكمت بشهادته. (1/89)
صفحة 90
قال أبو سفيان: أتى حمزة الكوفي أبا عبيدة ليذاكره في أمر القدر فخرجنا إلى منزل حاجب فتناظرا كثيرا وآخر ما سمع من أبي عبيدة يا حمزة على هذا فارقت غيلان فخرج فكلمه حاجب وكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة فقال حمزة إنما أخذت هذا القول عن المسلمين فقال له حاجب لم تدرك أحدا إلا وقد أدركته إلا جابر فعن من أخذته، فقال عنك فقال حاجب إني أرجع عنه فارجع عنه كما رجعت عنه، فقال أرفق بي واقبل ما أقول: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)(1) فالحسنة من الله والسيئة من العباد وأقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)(2)، فقال له أما هذه الكلمة فمقبولة من غيرك وأما منك فأنا أعرف مذهبك فيها أولا فخرج فسئل عنه حاجب فقال أرفقوا بحمزة ثم بلغهم بعد مدة أنه مشى إلى النساء والضعفاء فكلمهم، قال فأمر أبو عبيدة حاجبا فجمع له الناس قال فتكلم المتكلمون ثم تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه وقال إن حمزة وعطية أحدثا علينا أحداثا فمن آواهم أو أنزلهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم، فتفرق الناس وطردا من المجلس، قال أبو سفيان وهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه لقوله بشيء من القدر فقال يا عحبا لأبي عبيدة قد أمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقولون أراد وشاء وأحب ورضي عنهم وهو يدينهم ولا يقول بمثل قولهم، فقال أبو عبيدة هؤلاء أرادوا إثبات القدر فغلوا فيه وحمزة يريد إزالته وليس مثبته كمزيله.
__________
(1) – سورة النساء، الآية:79.
(2) – سورة البقرة، الآية:286. (1/90)
صفحة 91
وقيل لأبي عبيدة هل يستطيع الكافر الإيمان فقال من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم يستطيع أن يصلي ركعتين ولا أقول يستطيع ذلك إلا بتوفيق من الله، وسأله جماعة من الفتيان على من كان على دين عيسى ولم يبلغه أمر النبي - عليه السلام - فدعا رجلا من المجوس فأجابه فانظر فيها قال فما تقولون قال الداعي مسلم والمجيب كافر، قال فهل يدعو إلى طاعة الله ودينه قالوا نعم، قال وكيف يكون الداعي إلى طاعة الله مسلما والمجيب كافرا فراددوه الجواب فبرئ منهم فخرجوا من عنده منكسرين، فأتوا حاجبا فقالوا أغثنا قد عجل علينا بالبراءة إنما أردنا أن نستفهمه فأخبره بتوبتهم فقال فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس فليخبراهما بتوبتهم فقال ففعلوا وأمر بهم وأدخلوا المجالس.
قال أبو سفيان اجتمع ابن أبي الشيخ البصري وأبو عبيدة بمنى فقال لأبي عبيدة هل أجبر الله أحدا على طاعة أو معصية فقال لا ولو قلت ذلك لكان تخويفه لهم وترهيبه إياهم، فقال فالعلم هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا قال لا ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فكان منهم ما علم الله.
قال أبو سفيان اشترى رجلا غلاما فبرئ إليه البائع من الرمد وبرئ من الرمد وخلف عينيه بياضا فسألا نخاسا بأمر أبي عبيدة فقال إن برئ إليه من الرمد وماجرّ فلا شيء عليه، و إلا ماجرّ الرمد أو يرد غلامه فاستحسنه أبو عبيدة وأخذ عنه خلق كثير وعنه حملت العلم إلى المغرب وإلى المشرق حملة العلم.
ومن أهل طبقته ضمام بن السائب:
من أهل العلم والتحقيق والكاشف أمر المعضلات عنه حصر ذوي الضيق أخذ عن جابر وغيره وكان ما أخذ عن جابر أكثر مما عنه أبو عبيدة، قال أبو سفيان اشتكى ضمام شكاية فعاد الربيع فوجد عنده رجلا من المسلمين يسمى عمران وهو يقول يا أبا عبد الله إن في نفسي لشيئا وإني لأضيق منه أن يكون الله أمر العباد بأمر ثم يحول بينهم وبينه. (1/91)
صفحة 92
قال الربيع فقلت له أتوفيق الله وتسديده وفضله ومنّه على أبي بكر وعمر كتوفيقه وتسديده وفضله ومنّه وإحسانه على أبي جهل، قال:لا والله قال ضمام أشدد يدك عليه يا ربيع أي قم بالحجة.
قال أبو سفيان لما سجن الحجاج أبا عبيدة وضمام منع أن يوصل إليهما شيء وكانا يقصان شاربهما بأسنانهما وكان أحدهما لينفض لحيته فيتساقط منه القمل، وكان يطعم أهل السجن خبز الشعير وملح الجريش ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ويطرح فيها الملح ثم يضربوه حتى تخرج رغوته فمن شرب أولا كان أمثل قليلا ومن شرب آخر كان العذاب وربما ضاق ضمام فيقول أبو عبيدة على من تضيق ولم يخرجوا من سجنه حتى مات الفاسق إلى النار، وعمد إلى ثلاثة من رؤساء الخوارج فبنى عليهم بنيانا من قصب وطلاه بالعذرة داخلا وخارجا فلما أبقوا فيه ثلاثا ماتوا ووقع الموت في أهل السجن، فقال لطبيب مجوسي أردت أن أعذبهم، قال اجعل طعامهم الزيت والكراث قال ضمام فلما أكلنا الزيت والكراث سمنّا وقيل للمجوسي لو تركتهم فماتوا قال لعله يموت فيخرجون ومن مات فلا مطمع فيه (1).
__________
(1) – إن المرء عندما يقف على هذه القصة المؤلمة تندهش نفسه ويرتجف قلبه أمام تلك القسوة والجفاوة والوحشية التي استحكمت على نفوس اولئك الطغاة المتجبرين تجاه المؤمنين المستضعفين الذين يعبر لسان حالهم بقول الله تعالى: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ )(المائدة:الآية59) بينما تنبعث الإنسانية والرحمة من قلب مجوسي لا يدين بالإسلام مع أن الإنسانية والرحمة من خصائص الإسلام وروح تشريعاته. (1/92)
صفحة 93
قال أبو سفيان كان رجل من أهل خرسان بمنزلة عظيمة من أبي عبيدة وضمام والمشايخ في أهل بلده أتى يوما ضمام فذكر رجلا من المسلمين فنقصه فقال له ضمام مَهْ لا تفعل فعاد فانتهره فقال تبرأ الله منه فقال ضمام تبرأ الله منك فقال أتبرأ مني يا ضمام قال أنت أحللت بي ما ترى وألجأتني إيه أترى أنك تبرا من رجل أتولاه وأتولاك بئس ما ظننت قال فاستغفر الله وأتوب إليه قال فغفر الله لك.
وأتت امرأة أبي طارق ضماماً تسأله عن أمر زوجها وقد قال لها أخري عني أنغالك يعني أولادها فضمت ثيابها فاستغفر الله فقال ضمام دعيني حتى ألقي جابرا فأتى هو وأبو حمزة جابرا فقال لا بأس عليهما فليسترا ما ستر الله عليهما.
قال أبو سفيان قال أبو الحر لأبي عبيدة أقم للناس خمسة أيام بعد الموسم فأبى فقيل له عليك بضمام فقال أو عنده من العلم ما يكتفي به الناس، قالوا وفوق ذلك فأتاه فأقام للناس وكثر عليه السؤال وكان جوابه سألت جابرا وسئل جابر وسمعت جابرا وقال جابر وكان رواية جابر، قال أبو سفيان وقد سئل عن الجهر في الدعاء فقال بلغني عن ضمام وكان رواية عن جابر يقول ما بال أحدكم يصر ديناره ودرهمه ويبدي دينه على كفيه ولعله يلقاه من يسلبه فإذا لم يكن شاربا ولا باذلا لنفسه فإن الستر والمدارات والرفق بالناس أعجب ‘لينا فإذا اشترى نفسه فليس بشيء الأعمال اعظم عند الله شرفا من الشرى.
ومنهم أبو نوح صالح الدهّان: (1/93)
صفحة 94
وكان شديد الورع غزير العلم ممن أدرك أهل العلم وأخذ منهم عن جابر وغيره رحمهم الله، قال أبو سفيان دخل أبو نوح على عاتكة بنت المهلب وكانت من المسلمات فقال كأني أرى مجلس رجل قالت الآن خرج من عندي الأحول تعني جابرا، قال فهل ظفرت منه بشيء قال سألته عن لباس الخفين قال إن كنت تلبسينهما من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس فلا تبالين وإن انكشفا وإن لبستهما لغير ذلك فلا تبديهما، وعن حلي لبنات أخي يستعار مني فيقوم بمال فقال إن أعرته فاضمني فأنت ضامنة، وعن عبد كان من أنفس مالي عندي وأوثقته فأعتقته ثم استخلفته على ضيعتي قال لا أخرجيه من ذلك ولا تدخليه في شيء من منافعك، قال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد رحمه الله هذه بمناقب جابر أولى بها وإنما أثبتناها هاهنا لتعلم حرص أبي نوح على التقاط الفوائد من كل من يثق به.
قال أبو سفيان قال أبو نوح صالح الدهان أدركت الناس ثلاثة أصناف صنفا يزنون أمر عثمان، ولا يفرطون في الإرجاء، وصنفا يزنون أمر عليّ ولا يفرطون في التشيّع، والمسلمون بعد على هداهم، وما رزقهم الله من العون والتوفيق وأصابة الحق، قا لامليح دخلت أنا وعبد الملك الطويل على ابي عبيدة فسألناه عن رجل أدخل يده تحت امرأة فأنكرت إنكارا تاما ونهضت أله أن يتزوجها؟ فقال أبو عبيدة إنها الفروج يا أبا نوح، قال صدقت ولكن أفتى جابر فقال إنها الفروج فقال نعم ثم قال أبو نوح ألم أنهاكم يا معشر الفتيان أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضرا.
ومنهم حيان الأعرج: (1/94)
صفحة 95
وكان من العلماء الراسخين وأهل التقوى والدين، من كبراء من صحب جابرا وأخذ عنه، قال أبو سفيان ممن حمل عن جابر وكان أكبر سنا من أبي عبيدة وكان أبو عبيدة يتخذ جوارب ليصلي فيها يتقي بذلك أن يصيب مذاكريه مواضع الوضوء من رجليه فبلغ ذلك حيان الأعرج فقال لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة، كان أبو نوح يقول لا ينقض الوضوء إلا من مس البول منه وأما القضيب فليس فيه وضوء إلا من مس الثقبة التي يخرج منها البول، وقال أبو عبيدة القضيب كله ينقض، قال أبو سفيان وأما الدبر والأنثيان وموضع الشعر فلا ينقض مسهن عندهم، قال أبو نوح حدثني حيان الأعرج عن جابر أنه قال للرجل أن يتزوج المرأة إذا أدخل يده تحت ثيابها فأنكرت.
ومنهم أبو حمزة الأشعث:
بحر العلم الزاخر والجامع بين العمل والورع الفاخر، قال أبو سفيان كان من كبار أصحاب جابر وممن جاء عنه الفقه، قال سألت امرأة ضماما عن امرأة قال لها زوجها أخري عني أنغالك فراح هو وأبو حمزة الأشعث إلى جابر فقص عليه القصة فقال لا بأس عليهما.
قال أبو سفيان تكلّم نساء من المسلمين بعد جابر في تحريم الذي يجمعه الجبابرة من المال وأفشين ذلك ووافقهنّ أبو الوزير وهممن أن يرفعن ذلك إلى ضمام وأبي عبيدة فلقين أبا حمزة الأشعث فكلمنه في ذلك فقال ومن يوافقكنّ على ما تقلن، قلن أبو الوزير، قال أو بلغ من ضعف أبي الوزير ما أرى ثم نهاهنّ وعظم ذلك عليهن وقال إذا زعمتنّ ذلك فإنكن تقدمن على جابر وأبي بلال وأصحابه فإنهم وهم يأخذون عطاهم فبلغ ذلك ضماما فاشتدّ في ذلك وعظم عليه قولهنّ فرجعن واستغفرن الله.
ومنهم حاجب أبو مودود الطائي رحمه الله: (1/95)
صفحة 96
قال أبو العباس كان بالاجتهاد موصوفا وبالزهد والورع معروفا، قال أبو سفيان قال المليح بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلسا قال أبو سفيان وكان المشياخ لا يدعوننا أن نحضر معهم المجالس بالليل فقلت لرجل من أهل عمان أنطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم يأذنون لنا فجئنا المنزل فإذن لنا فوجدنا المختار بن عوف ورجلين أو ثلاثة من المشايخ فقال لنا حاجب أخبرا بلح بن عقبة وأخبراه بمكاننا فأخبرناه فأتى فلما صلينا العتمة أخذوا في الكلام فيقوم أحدهم فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس فيقوم الآخر فكذلك حتى أضاء لنا الصبح.
قال المليح ما رأيت متكلما يتكلم قائما في مجلس قبله ولا بعده فجاء شعيب بن عمرو وكانت أخته حاجب فرده وأبى على إدخاله وكان يومئذ من أفضل الفتيان وكان بين منزله ومنزل حاجب نحو ثلاثة أميال، قال أبو سفيان احتبس حاجب ولم يخرج إلى الحج حتى بقي للموسم ثمانية أيام قال وأراد الخروج هو وجماعة معه ووافق خروجهم يوم الجمعة فقال لأصحابه إن في نفسي من يوم الجمعة لشيئا فقالوا سبحان الله إنما بقي ما تعلم فقال أخرجوا وأنا ألحقكم فخرج القوم وتخلف حاجب حتى صلى الجمعة فركب فلحقهم على مسيرة ليلتين من البصرة، قال أبو سفيان وقع غلام كان لحاجب عند أبي جعفر فسأله لمن كان فقال لحاجب وكان عالما به وبأبي عبيدة فدخل عليه يوما فرآه حزينا فسأله فقال مولاي الذي كنت له مات يعني حاجبا فرجع أبو جعفر فقال رحم الله حاجبا ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزينا فقال مالي أراك حزينا فقال مات صديق لمولاي يقال له أبو عبيدة الأعور قال وإنه قد مات قال نعم فرجع وقال ذهبت الإباضية. (1/96)
صفحة 97
قال أبو سفيان خروج أبو عبيدة وحاجب من البصرة يريدان مكة فأصبحا بالأبطح فإذا جماعة تصلي الصبح فدخلا معهما الصلاة فقنت الإمام في الركعة الثانية فلما انصرفا إلى خبائهما فقد أبو عبيدة حاجبا فسأل عنه فقالوا خرج فقال لعل اللحياني يريد أن يعيد الصلاة وكان حاجب كبير اللحية وليس علينا إعادة لأنا لم نتعهدهم وهم يريدون أن يقنتوا، قال أبو سفيان ولا ينبغي لمن علم أن الأمام يقنت أن يصلي معه.
قال أبو سفيان عن وائل أن حاجبا قدم مكة عام وقع بين أهل حضرموت ما وقع في أمر عبد الله بن سعيد حين جعلوه في الحديد وبايعوا حسنا وخالفت طائفة يكرهون ما فعل به فبعث هؤلاء رجالا وهؤلاء رجالا فدخلوا على حاجب وهو أرمد فقال لقد خرجتُ من أجلكم فما أبصر من البصرة سهلا ولا جبلا ومما أرجو من قضاء نسكي يا أهل حضرموت أنكم قد غلبتمونا قال وائل يرحمك الله لا نخرج من رأيك فقال له اسكت والله ما أريدك ولا صاحبك فقال الذين أنكروا على عبد الله ما أحق بالأمر الدافع أم الشاري قال بل الشاري فقال أصحاب ابن سعيد أما إذا شروا فليخرجوا عنا فإنا لا طاقة لنا بالحروب فقال صدقوا اخرجوا عنهم فقالوا يؤجلونا فاقل لا والله ولا ثلاثة أيام إلا برضاهم، قال أبو سفيان وكان حاجب هو لم يبصر الإسلام إلا بعد جابر.
ومنهم أبو سفيان قنبر: (1/97)
صفحة 98
كان شيخا تقيا وفي الناس مرضيا قال أبو جميل ما رأيت أحدا ممن مضى يذكر الجنة والنار ويصف من أمرهما مثل ما كان يصف ويذكر قنبر وكان يصف صفة من رأى وعاين وشاهد وكانوا يقولون ما رأينا متكلما يتكلم بالقرآن مثل أبي سفيان، وكانت امرأة من المسلمين من بني كلاب يقال لها أم يحيى وكانت تحت يوسف ابن عمرو ثم تزوجها جعفر بن سليما بن علي الهاشمي وكانت عظيمة الشأن فبلغها أن مجلسا فيخ قنبر فأقبلت فدخلت البيت التي تكون فيه النساء فاشتم رائحة أنكرها فحول وجهه نحو النساء ثن قال تأتي إحداكنّ إلى مجلس الذكر والقرآن والتخويف بهذا فمن أراد منكن التطيب والزينة والفخر والحلي ففي غير مجالس المسلمين فتصاغرت إليها نفسها ولم تسفر عن وجهها فلما سكت المتكلمون خرجت نصف النهار ولم تكن تخرج حتى تبرد ثم تتروح.
قال أبو سفيان بلغنا أن الرجل يرى عليه أثر الخشوع فيقال إن هذا الرجل قريب العهد بمجلس أبي سفيان قال أبو سفيان، كان أبو سفيان قنبر شيخا كبيرا أخذ وجلد أربعمائة سوط على أن يدل على أحد من المسلمين فلم يفعل.
قال جابر بن زيد وكنت قريبا منه وما كنت انتظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله وكان من خيار المسلمين وكان يجتمع المسلمون عنده فيأخذ في الذكر والدعاء والرغبة في الخير ويحض عليه والزهاد في الدنيا.
ومنهم خيار:
وكان من العلماء الراسخين والفقهاء العارفين، قال أبو سفيان كان رجل من المسلمين يقال له خيار بن سالم من طيء من أهل عمان وكان فاضلا وكان يقول لأبي عبيدة إذا جاوزت نهر البصرة فانا أفقه منك ولو كنت شريفا ما أجابك أحد أنت تشدد على الناس فيضحك أبو عبيدة من قوله فمات رحمه الله فقيل له أوصى فقال بماذا أوصى ما علي درهم ولا لي على أحد درهم فكانوا بقولون يا لها موتة كموتة خيار.
ومنهم أبو عبيدة عبد الله بن القاسم: (1/98)
صفحة 99
كان ممن حاز السبق في حلقة الرهان علما وعملا وغاص في بحور الزهد والتقوى شابا وكهلا، قال أبو سفيان ربما سئل عبد الله بن القاسم فيقول عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربع، قال أبو العباس عن أبي سفيان أقام أبو عبيدة عبد الله بن القاسم بمكة وليست له امرأة فقال له أصحابه لو تزوجت قال ما أريد ذلك فمازالوا به حتى أجاب وهناك امرأة من المسلمين موسر وقالوا لا تكلفك مؤنة فقال إذا أبيتم إلا ذلك فأبلغوا بمهرها مهر مثلها ولا تنقصوها شيئا فلما تزوحها ودخل بها طابت له نفسا عن الصداق وكان يأتي منزل الفضل بن جندب ومعه قرصان من خبز وكان الفضل يطيب الطعام ويكثره ويقول يا أبا عبيدة تفعل لي مثل هذا فيقول دعني منك و إلا لم أدخل لك منزلا فتركه وكان خرج إلى الصين تاجرا فاشترى قوم عودا فسألهم أن يشركوه ففعلوا فأقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوا مما كانوا اشتروا به فظنّ أنهم صادقون ونقد معهم عشرين دينارا فلما خرجوا أقبلوا يمدحون فقال سبحان الله تعيبون عودا بلا عيب ردوا عليّ رأس مالي فاستغنموا منه ذلك وردوا عليه ماله وان بمكة حين مات أبو جعفر فأخذت على الناس أبواب المسجد للبيعة وكان أبو عبيدة والفضل بن جندب ووائل وعلي الحضرمي فلطف الله بهم فنجوا فقيل لأبي عبيدة لو أخذت ما أنت صانع، قال تذهب والله نفسي قبل أن أعطيهم هذه البيعة.
ومنهم أبو يزيد الخوارزمي رحمه الله:
كان من السادات الأخيار، والمشار إليهم بالعلم والأخبار، قيل سئل عن رجل لقي عالما فقال له العالم إن الأمر الذي أنت عليه أو أنت فيه حرام فقال له الرجل هل تعلم عالما أعلم منك فقال نعم، قال الرجل ساترك هذا الحرام ولكن لا آخذ منك ذلك حتى أسأل من هو أعلم منك فلم يسأل الرجل حتى مات فقال أبو يزيد مات هذا مسلما إذ مات في طلب السؤال تائبا.
ومنهم العنبر : (1/99)
صفحة 100
جد أبي سفيان، وكان ممن أخذ عن جابر، قال أبو سفيان دخل العنبر على جابر في ليلة صافية مظلمة وعنده زوجه آمنة فأخذت عليها ملاءتها فجذبها جابر وقال إن الله جعل الليل لباسا قال يقول المقنعة والخمار بالليل تجزئ عن الرداء، قال أبو سفيان أتى العنبر والرحيل أبا الشعثاء فسألاه عن أم الرحيل وقد كبرت ولا تطيق الصوم فأمرها أن يصوم عنها فصام عنها الرحيل، فأتياه من قابل فقال أطعما عنها فأطعم العنبر.
قال أبو سفيان أرسلت عاتكة بنت المهلب بجزور إلى جابر فأمر العنبر أن ينحرها ويجزئها بين الجيران وأطاب جزء جابر وأكثره فنهاه عن عدم التسوية.
ومنهم عمارة بن حيان:
وكان فاضلا خيرا يتيما في حجر جابر وهو الذي يصاحب في أسفاره وقد تقدم وفد معه إلى يزيد بن مسلم، قال أبو سفيان أستأذن عمارة بن حيان على جابر فقال ارجع فلما ذهب قال ردوه قال أراك وجدت في نفسك أما أنه أزكى لك إذ رجعت قال أبو سفيان توفي في عندنا في الحي عمارة ابن حيان اليتيم الذي كان في حجر جابر وكان من خيرا المسلمين، ولم يترك وارثا إلا بنتيه فقال مالي لابنتي بميراثهنّ وما بقي فهو عليهنّ رد إلا إن يرى غير ذلك الملمون قال فسألنا الربيع وقال وكان الشيخ عالما صادقا.
ومنهم أبو سالم وابنه أبو سنان وابن ابنه سلمة :
وكانوا من خيار المسلمين زهدا ويسارا وتقا وجودا، قال أبو سفيان وكان المسلمون من أكثر الناس حجا وكان لغي واحد نجائب يحملون عليها إلى مكة وكان جد سلمة يدعى بأبي سالم من خيار المسلمين وكان أبو سنان له نجائب عدة قال سلمة لأبي نجائب يحمل عليها مشايخ المسلمين ممن لا سعة له إلى مكة شبه المختار بن عوف وغيره وكان أبو سالم من الفضلاء الأخيار وذوي السعة وكان ممن سجن مع أبي عبيدة وضمام. (1/100)
صفحة 101
قال وقر منا اللحم فقلنا لرجل كان ممن يدخل علينا أشو لنا دجاجة وآتينا بأربعة أرغفة وصانع عليها صاحب السجن فلما أوصلها واقتسمناها فإذا بجبلة نحو البيت الذي فيه فخفنا أن يكون فطن بنا فرمينا بالجميع في الكنيف فإذا لم يفطن بنا فكان طرحنا لها أشد علينا مما مر للمعاينة.
ومنهم أبو فقاس:
وكان حقه أن يذكر قبلهم وكان من رفقاء جابر واسمه الأسود بن قيس وكانا يحجان معا فيليان ابن عباس رضي الله عنهم فلاقاه جابر مرة ولم يكن معه أبو فقاس فقال ابن عباس أين صاحبك قال أخذه ابن زياد قال ابن عباس لجابر وإنه لمتهم قال نعم أو ما أنت متهم قال اللهم بلى عن حصين بن نوفل عن ابن عباس قال أصاب أهل النهر السبيل أصاب أبو بلال السبيل.
ومنهم أبو محمد النهدي:
وكان مرضيا ممن أبصر الإسلام بنظره وكثره عمله، قال أبو سفيان خرج غازيا فخرج إلى أفعال الناس من الغلول والجور فأنكره وقال ليس هذا من فعل أولياء الله وأهل الإيمان ونظر إلى صلاتهم وقيامهم بتوحيد الله فقال ما هذا بفعل المشركين فلما رجع إلى البصرة وكان له مجلس يذكر ويحدث فيه ويقص ويقول أهل الأحداث ليسوا بمشركين ولا مؤمنين بل كفار فبلغ ذلك المسلمين فحدثوه ووصفوا له ما هم عليه فقيل وقال هذا هو الحق ومازلت على هذا منذ دهر ولم أجد من يوافقني عليه وما كنت أرى أن أحدا يقول بهذا القول فقالوا بلى والله إن لك إخوانا على هذا وأعوانا وكان من أفاضل المسلمين بعد وكان يظهر هذا الأمر ويبوح به وكان يدعو في مسجده على خالد بن عبد الله وهشام بن عبد الله وكان على البصرة بلال بن بردة بن أبي موسى الأشعري، وكان طريقه على مسجد أبي محمد فأرسل إليه بالكفّ عن ذكرهما فلم يفعل فقال إذا رأيتني مقبلا فكف حتى أمضي عنك فلم يكن يلتفتُ إلى ما قاله له. (1/101)
صفحة 102
قال أبو سفيان قال أبو محمد لا تذكر الحسن في شيء من القدر فإني عاتبه فيه فقال معاذ الله أن أقول ذلك إنما أفسد على قلبي واصل به عطا أيّامًا كنت عنده مستخفيا وأمّا أن أقول بالقدر فمعاذ الله وقال هو أبعد الناس من القدر.
ومنهم محمد بن حبيب ومحمد بن سلمة المدنيان:
وكانا من خيار المسلمين علما وعبادة، قال أبو سفيان عن وائل قال ما رأينا أبا عبيدة قام إلى أحد من مجلسه يسلم عليه إلا محمد بن سلمة ومحمد بن حبيب قال وكان محمد بن حبيب من عبّاد المسلمين وخيارهم وكان أبو عبيدة يعظمهما وإذا رآهما قام إليهما فاعتنقهما، قال: قال وائل في خباء أبي عبيدة وكان حاجب حاضرا ومحمد بن حبيب ومحمد بن سلمة المدنيان ومشايخ من أهل حضرموت فقهاء علماء فسألتهم عن رجل اكترى دابةً إلى موضع معلوم فجاوز الموضع فتلفت الدابة فاجتمعوا كلّهم على أنه ضامن للدابة ولا رأوا عليه كراء حين ضمنوه القيمة وأبو عبيدة غائب أو نائم فحضر فقال حاجب سل الشيخ عن مسألتك يا حضرميّ فسأله فلزمه الكراء والقيمة فقال له محمد بن سلمة من أين يضمن الكراء قال من حيث لا تعلم.
ومنهم سلمة بن سعد رحمه الله:
وهو الذي وصل إلى المغرب يدعو الناس إلى هذا المذهب وهو يتمنى ظهوره يوما واحدا ويموت في آخره وهو الذي دلّ حملة العلم أو بعضهم على موضع أبي عبيدة بالبصرة.
ومنهم أبو يحيى عبد الله بن يحيى طالب الحق، وأبو حمزة المختار بن عوف وبلج بن عقبة وأبو الحر علي بن الحصين ويحيى بن حرب و أبرهة: (1/102)
صفحة 103
وغيرهم من أصحاب طالب الحق كانوا أشداء على الأعداء صبراء عند اللقاء أذلة على الأتقياء وفيما بينهم رحماء أرغموا الجور وأورثوا أهله ذلاًّ وصغارا وأقاموا منار الحق وعظموا آله كبارا وصغارا، أما أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن عمر بن الأسود بن عبد الله بن الحارث بن معاوية بن الحارث الكندي فكان قاضيا لإبراهيم بن جبلة عامل القويسم على حضرموت وهو عامل مروان على اليمن فأظهرا باليمن وحضرموت جورا كبيرا ففزعت الناس إلى عبد الله بن يحيى فكاتب أبا عبيدة فقال إن استطعت فلا تبقى يوما واحدا وأرسل إليه بأبي حمزة المختار بن عوف بن سليمان ابن مالك بن فهر الأزدي(1) أحد بني سلمة وأرسل إليه إنا بعثنا لك برجل أجيله في صدره وأرسل إليه ببلج بن عقبة الأزدي وكتب إليه إنا بعثنا لك اثني عشر رجلا بالألف بلج بن عقبة الأزدي أحد بني مسعود(2) فلاقى جموع الفجرة والجورة فهزمها الله على يده وهو لا يتبع مدبرا ولا يجيز على جريح حتى بلغ إلى جند القويسم وهو في ثلاثين ألفا وأبو يحيى في ألف وستمائة وعلى ميمنته يحيى بن حرب والمهاجرون وعمارة وعلى ميسرته بن عقبة و أبرهة بن علي وعبد الله في القلب ومعه ابن عيسى فأمرهم أن لا يجيزوا على جريح ولا يتبعوا مدبرا فهزمهم الله القويسم ودخل صنعاء ثم خرج منها وفرّ وخرج من جميع اليمن وخلص لعبد الله وقسم ما وجد من مال على فقراء صنعاء قصد إليه ابن خيران وعبد الله ابن مسعود وغيرهما من المسلمين فأتوا به من الخزانة إلى المسجد فقسمه عبد الله على فقراء صنعاء ولم يأخذ منه شيئا ولم يستحل منه لأصحابه متاعا فلما حضر الموسم وجه أبا حمزة وبلجا و أبرهة إلى مكة فلما قدموها خاف
__________
(1) – جاء في كتاب الأنساب للعوتبي الصحاري أبو حمزة المختار بن عوف بن عبد الله بن يحيى بن مازن بن مخاشن بن سعد بن صامت بن مخاشن بن سليمة بن مالك بن فهم الأزدي.
(2) – المشهور أن بلج بن عقبة من فراهيد بني مالك، فهو فراهيدي. (1/103)
صفحة 104
الناس فساد حجهم فمشت بينهم السفراء فتواعدوا إلى أن يقضي الناس نسكهم فوقف أبو حمزة على حدة وكان بلج يأتي الجمار بالخيل والسلاح خشية الغدر فلمّا كان يوم النفر خرج عبد الواحد من جوف الليل إلى المدينة وأقام أبو حمزة بمكة أربعين يوما فلمّا التأم إليه أصحابه ودخلوا مكة يحكمون قال أبو الحر علي بن الحصين هذا صوت غريب في أرض الحرم، وخطب في مكة خطبا وأقام بها ما شاء الله أن يقيم وهو يكاتب أبا يحيى وكان أبو الحر علي بن الحصين العنبري من علماء المسلمين وفقهائهم أقام بمكة. (1/104)
صفحة 105
عن عيس بن أبي عمرو قال أبو سفيان أدركته شيخا كبيرا بعث مروان بن محمد إلى أبي الحر إذ كان بمكة وشدّ في الحديد مع رجل من الرافضة اسمه أصفر ثم ساروا بهما فخرج عيسى في أربعة عشر رجلا من المسلمين فخلصوا منهم بعدما جاوزوا المدينة بمراحل ثم رجعوا حتى دخلوا مكة مستخفين فخرجوا إلى منى وإلى عرفات وكانوا ينتظرون قدوم أبي حمزة فعند الرواح فاجأهم حمزة في نواصي الخيل قد طلعت فلمّا رآهم أبو الحر قال أحرموا فاغتسلنا وأحرمنا ودخلنا في عسكر أبي حمزة فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخطباء فأفحمهم فتهادنوا وقفنا وأفضنا إلى جمع ثم منى فنزلنا في مؤخّر منى وكانت هلبية المهلبية إذ ذك حضرت الموسم وكانت من خيار المسلمات وفاضلاتهنّ وهي أم سعيدة فعالجت لهم طعاما فحمله أبو واقد إليهم وابنه وكانا فاضلين فأخذهما الحرس فأرسل إليهم أبو حمزة النقض وقع من قبلكم إما أوفوا بعهدكم وإما نناقضكم فأرسلهما وتمّ العهد فخرج عبد الله(1) لما قضوا المناسك، قال أبو سفيان وكان بلج بن عقبة يأتي لرمي الجمار في الخيل والسلاح فقال أبو حمزة رحمك الله لو رميته متنكرا فقال له لا آمن غدرهم بنا ونقض عهدهم وخرج أبو حمزة يريد الشام فتعرض له أهل المدينة بقديد وقد اجتمع إليه نحو أربعمائة من نواحي مكة مع من أقبل معه من أهل اليمن فقال ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله فإلى ما تدعوننا أنتم قالوا ندعوكم إلى طاعة مروان فاقتتلوا فقتل منهم أبو حمزة نحوا من أربعة آلاف وأصيب مع أبي حمزة يوم مكة أبو عمرو وابنه كانا من أفاضل المسلمين، ومن مناقب أبي الحّران أهدى إليه رجل من أهل البصرة بساطا فيه تصاوير فباعه فقال له وائل إن كان مما يوطي فلا بأس فلم يلتفت إلى كلامه.
__________
(1) – لعله عبد الواحد. (1/105)
صفحة 106
عن عيسى بن علقمة قال كان أبو الحر موسرا وتأتيه غلته من البصرة إلى مكة نقرة واحدة ذهبا ويقسمها نصفين فيفرق نصفها في فقراء المسلمين وربعا في نفقته وربعا يحبسه ليهيئه لمن يمر به من المسلمين وفي معاونتهم، ولزمه شاب من المسلمين وكان صاحب أمره والذي يولي حوائجه فأتته غلته مرّة وأعطى فقراء المسلمين النصف فاحتاج إلى ثمنه أي النصف الثاني فدعا الشاب فأمره ببيعها فأبطأ عنه فقال له ما حبسك فقال إن القطعة ضاعت فقال أبو الحر في الله خلف من كل هالك ولم يسأله عن شيء فخرج يوما إلى المسجد فإذا القطعة موضوعة بين يدي صائغ فعرفها فقال من أين أتتك قال ناس من بني مخزوم دفعوها إليّ أصوغها لهم حليّا فجاز عليه مرّة أخرى قال له إني سألتك القوم فقالوا إن الشاب الذي يخدمك باعها منهم فاستثبت أبو الحر الخبر من المخزوميين وكان لأبي الحر مجلس يجلس فيه للذكر يوم الإثنين ويوم الخميس فأمر الشاب أن يدعو جماعة من مشايخ المسلمين أن يحضروا مجلسه ففعل قال لهم أبو الحر لا يكون أكثر كلامكم إلا في تعظيم الأمانة فإن بعض أصحابكم قد ابتلي ففعلوا فلما بلغ الأمر إلى أبي الحر عظم من ذلك ما شاء الله والفتى جالس قد غمره العرق فخرج الناس ولم يبق في البيت إلا أبو الحر قال الفتى قد والله هلكت قد خنتك في القطعة قال أبو الحر الله أكبر ذلك الذي أردت هي لله ولك ولا حاجة لي فيها واستغفر الله وكان مع أبي الحر في الحسن حالاته. (1/106)
صفحة 107
قال أبو محمد عن عيسى بن علقمة إن شابا يلازم مجلسه ففقد فأتى أمّه فسألها عن شأنه قالت: أخذ في السفه وترك ما كان عليه ونفد ما في يده ولا يأتينا إلا ليلا أو نصف نهار وقال أبو الحر إذا أتيت وهو في البيت فلا تحبسيني على الباب فأتاهم نصف النهار ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم،فاستأذن فأذنت له فماذا الفتي في خلق في ناحية البيت قال له ما منعك أن تأتينا فنحن الذين أسأنا في أمرك فخذ هذه الأثواب واكتس بثوبين ولأمك ثوبان ولأختك ثوبان وخذ هذه الدراهم فاستنفقها على نفسك فرجع الفتى وحسنت حالته فقتل مع أبي الحر يوم مكة رحمهما اله، ومن أصحاب أبي يحيى أبو بكر بن محمد بن عبد الله القرشي من بني عدي بن كعب.
ثم من بعدهم طبقة
« الربيع بن حبيب رحمه الله» (1/107)
صفحة 108
طود المذهب الأشم وبحر العلوم الأخلم صحب أبا عبيدة فنا وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح، قال أبو سفيان لما أصاب أبا عبيدة الفالج وحضر خروج الناس إلى الموسم مضى إلى أبي عبيدة حاجب بعبد الله بن عبد العزيز ليرسله م الربيع فقال لا أفعل فقال له فالمثنى قال نعم فأرسلوا إلى المثنى فحضر فقال أشير عليكم ألا تفعلوا فيقال ما وجدوا من يبعثوا مع الربيع في سنة وفضله إلاّ هذا الغلام فازداد محبة بقوله في نفس أبي عبيدة وازداد عندهم رضا فخرج الربيع وحده، قال أبو سفيان ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال تقينا وأمينا وثقتنا، قال أبو سفيان اجتمع وائل والمعتمر بن عمارة وجماعة إلى الربيع فسألوه أن يخرج إلى الموسم قال ما عندي ما أتحمّل به فمشوا إلى النظر بن ميمون وكان من خيار المسلمين ومن تجار الصين فاعلموه يقوله فأتاه بأربعين دينارا فقال له حج بها قال فلم يقبلها وكان به خاصا فأتاه وائل والمعتمر فقالا تعلم يا أبا عمرو حاجة الناس إليك فأبيت أن تقبل من النظر قال لي خذها على أن تحج بها وليست أقبلها على شرط فرجعا إلى النظر قال خذاها وادفعاها إليه ولست أظنّ أنه يكره ذلك ففعلا فأبى أن يقبلها. (1/108)
صفحة 109
قال أبو سفيان استخلف أبو جعفر رجلا من أهل الموصل بالطلاق على رجل اتّهم أنه عنده أو ماله فحلف فرجع الرجل إلى داره فوجد نعله فكتب المسألة إلى الربيع فقال لابد أن يحضر الحالف فلما حضر جمع العلماء والأشياخ فاتفق رأيهم على أن الملوك لا يستحلفون على النعال وما أشبهها والربيع ساكت فقال الرجل ما تقول يا أبا عمرو فقال أرى فراقها فقال شعيب أن الملوك لا يستحلفون على النعل فقال صدقت ولكن صاحبنا قال ماله عندي قليل ولا كثير ولا تخلوا النعل أن تكون من القليل أو الكثير، قال أبو العباس إن يمينه انعقدت على علمه ولا يعلم له بالنعل وأيضا فإن لفظة عندي لا يلزمه ما لزمه لأن فيه تخصيصا لا ينقض قصر الحلف ولعله أخذ بالأحوط انتهى، قال أبو سفيان يرى التغليظ على من قال عليّ عهد الله وميثاقه أو كافرا أو يهودي أو نصراني.
قال أبو سفيان جاء نصر أبو محمد الأزدي إلى أبي عبيد يسأله عن مسألة فأجابه ثم قال ائت بالربيع فلما حضر سأله فأجاب بغير جواب أبي عبيدة راجعه أبو عبيدة فيه وقال الذي حفظت عنك كذا قال أوقد حفظت قال نعم قال للرجل أنظر ما قال الربيع فخذ به فإنه عني حفظ، وكان أبو عبيدة في وقته ذلك في شكاية وكان الربيع إذا سئل عن مسألة قيل ويقال له إذا أجاب عمن أخذتها فيقول إنما حفظت الفقه عن ثلاثة أبي عبيدة وضمام وأبي نوح هذا قول أحدهم ولم يكن يخفى عليه قول واحد منهم.
وسئل عن رجل مشتمل من البردِ فيضع كساه تحت قدميه ويسجد ويداه على الطيلسان قال هذا صنيعي إلا أن يرى أبو المضا غير ذلك وكان أبو المضا من السند قد أدرك أصحاب النخيلة قال أبو المضا القول قولك. (1/109)
صفحة 110
ودخل عليه أبرهة بن عطية فقال يا أبا عمرو رجل من إخوانك من أهل الشام فكان يختلف عليه ويسأله عن الفقه زمانا فحضر بعض المسلمين مجلسه فقال سلم على أخينا فسلم عليه فقال من أي البلاد قال من الشام قال من أي الشام قال من أهل الجزيرة قال لعلك ابن عطية قال نعم قال يا أبا عمرو هذا الذي أهلك أهل خرسان وأبوه قبله فلا يدخلن عليك، قال الربيع أسرعت على الرجل فخرج الرجل فأتى وائلا والمعتمر وعبد الملك وجماعة من أصحابنا فأعلمهم فأتوا الربيع فقالوا قربت ابن عطية فقال لا يجمل بمثلي أن أرد من يأتيني مع أن الرجل لم يسألني عن شيء أكرهه قالوا فلا يدخلن عليك فأتى فاستأذن فحجبه فقال ما ظننت الربيع فضله وعلمه وورعه وحلمه يرد مثلي وإنما أسأله عمّا ينتفع الناس به من أمر دينهم فبكى وانصرف وارتحل من جواره.
وفي أيامه خالف عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وشعيب وأصحابهم في الجمعة والمرأة التي تؤتى فيما دون وأن أهل القبلة المتأولين في الذي ورد ما يوهم التشبيه مشركون (1)ورد الربيع مقالتهم وبرئ منهم وقد كانوا تكلموا بذلك في أيام أبي عبيدة فأنكرها عليهم وطردهم من المجالس وأتوا حاجبا ولا ربيع فتابوا وأعادهم إلى المجالس ثم أظهروها في أيام الربيع وتمادوا عليها، وكذلك مخالفة عبد الله بن يزيد وابن عمير عيسى ـ وأما حمزة الكوفي وعطية وغيلان فخالفهم في القدر في زمان أبي عبيدة.
ومنهم أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي:
__________
(1) – هذه الآراء هي التي قام يدعو إليها هارون بن اليمان في القرن الثالث الهجري، وقد رد عليه بدعته العلامة محبوب بن الرحيل في مناقشة وجهها الجانبان إلى الإمام المهنّأ بن جيفر والسادة العلماء من أهل عُمان، وقد صوب الإمام ومن معه من رجال العلم محبوب بن رحيل، فجزى اله أولئك السلف الصالح عن العلم والدين خير جزاء. (1/110)
صفحة 111
وهو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقا وأمرا ونهيا، وإذا سئل أبو عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم قال عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع، قال أبو سفيان قال وائل أدركت بحضرموت رجالا إن كان الرجل منهم لو ولي على الدنيا كلها لاحتمل ذلك في عقله وحلمه وورعه ورأيت جزاءا فيه مناظرة أبي أيوب للمعتزلة مع رجل منهم يقال له كهلان وأصحابه، قال أبو العباس صنو الربيع وتلوه فإنهما رضيعا لبان التفقه في العلوم فما منهما إلا له فيه وقام معلوم وإن كان لأبي عمرو فضل وزيادة وشهرة في الاستفادة والإفادة فإن لوائل أنواعا من جميل الصفات أحيى الله على يديه أعظم الدّين الرفات من طيب شيم وخلق كريم.
قال أبو سفيان قال وائل قدم علينا ابن عطية بعد أن قتل أبا يحيى حضرموت فقاتلناهم فتحصنوا في قرية فأقمنا عليها أربعة وعشرين يوما نحاصره فطلب الصلح فصالحناه على أن يرد جميع ما في عسكره مما أصابوا من أموال المسلمين فدخل المسلمون فأخذوا ما عرفوا في عسكره وأرسل إليه مروان أن يلحق بالموسم يصلي بالناس وخرج في نفر يبادر الموسم وجيشه خلفه فوافق رجلين أخوين من المسلمين يقال لهما ابنا جمانة فظنا أنه جاء منهزما فدخلا عليه في قرية بات فيها ومعهما نفر من أصحابهما فقتلوه وقتلوا من معه واحتزوا رؤوسهم وطلبوا جيش المسلمين فبينما هم يسيرون إذ لقوا جيش ابن عطية فسألوهم عن ابن عطية قالوا تقدم فعجل الله بروحه إلى النار ومات مع ابن يحيى أسد بن كثير وعبد الله بن خيران وكانا من أهل الفضل.
ومنهم الفضل بن جندب هو مولى للأزد (1):
__________
(1) – قيل إن أفضل بن جندب من الحدان وأصله من عُمان. (1/111)
صفحة 112
وكان من خيار المسلمين وفضلائهم، وكان ذا مال وكان سخيا، قال أبو سفيام مات حاجب ودخل عليه قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه فقال قرة ما تقولون في دين هذا الرجل فابتدر قرة في أربعة فضمنوه وكان دينه خمسين ألفا، وفي كتاب أب العباس مائة وخمسون ألفا فحضر الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين وكان موسرا فأخبروه فقال هو في مالي دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال فقالوا له شأنك فمات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب فأوصى إلى أبي عبيدة عبد الله بن القاسم وإلى زوجته وإلى حبيب بن سابور وإلى أبي سنان البناتي فمات أبو عبيدة فردوا الوصية إلى أم الصلت زوجة الفضل وإلى حبيب بن سابور وإلى أبي سنان فلم يقبلا الوصية وكان للفضل ابن جندب على رجل مال فوقع ماله عند القاضي وهو عبد الله بن الحسن ابن أخي أبي الحر فأرادوا أن يثبتوا عنده أن أم الصلت وصى زوجها الفضل فلم يجدوا شهودا إلا من شهد أنه أوصى إليها وإلى أبي عبيدة وإلى حبيب بن سابور وإلى أبي سنان وخشوا إذا لم يقبل حبيب وأبو سنان الوصية أن يدخل القاضي رجلين مكانهما فيفسد عليهما الأمر فسألوا الربيع هل يجوز للشهود أن يشهدوا أن الفضل أوصى إلى زوجة أم الصلت ولا يذكرون غيرها قال نعم إلا أن يسألوا فلابد لهم حينئذ أن يأتوا بالشهادة كما استشهدوا وإن لم يسألوا فلا بأس عليهم وأما أبو عبيدة عبد الله بن القاسم فضاق عليه ذلك وقال لا يجوز أن يشهدوا إلا كما استشهدوا.
قال أبو أيوب وائل إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه عنه وأما التضييق فمن شاء أخذ بالاحتياط.
ومنهم قرة بن عمرو وحبيب بن سابور وأبو سنان: (1/112)
صفحة 113
وهم فضلاء المسلمين وخيارهم، قال أبو سفيان غضب عبد الله بن القاسم على حبيب ابن سابور في أمر وصية الفضل بن جندب وكان سلفا للفضل فقال لأدعونّ الله عليه قال اللهم أدخل بيته قناطير الذهب والفضة قالوا دعوت له قال والله وأي شيء أشر عليه أن يدخل بيته قناطير الذهب والفضة.
ومنهم عبد الملك الطويل:
وكان شيخا فاضلا وعالما متقنا استفاد وأفاد وكان له مجلس.
قال أبو سفيان بلغ حاجبا أن في منزل عبد الملك الطويل مجلسا بالليل تكثر فيه الجماعة ولهم كلام يسمعه الجيران فأرسل إليه فقال له أرفق على نفسك يا عبد الملك ما هذا الذي بلغني أنكم تفعلون قال إنا نفعل وإن أمرتنا أن لا نفعل تركنا فسكت طويلا فقال لئن تخافون وتعمرون لأحب إليّ من أن لا تخافون ولا تخربون أعمروا مجالسكم فإن الله يحفظكم – قال أبو العباس لا تخافون وتخربون – قال أبو سفيان وما بلغنا أنهم ظفر لهم بمجلس فقط إلا أنهم كانوا في عهد زياد وابنه أتاهم الخبر بأن الخيل تريدهم فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم فجاءت الشرطة فنظروا إلى نعالهم فقالوا للعجوز التي لها البيت ما هذا النعال، قال مكاتب لنا يطلب الناس فيعطوه النعال وغيرها فقال بعضهم قد ذكرت ما ذكرت فلا تعرضوا العجوز للبلاد فلعلها صادقة وكانوا إذ ذاك يأتون المجالس في هيئة النساء وكان لأبي الحر علي بن الحصين مجلس فقيل له خشينا أن يظهر علينا، قال أما سمعت أن الله يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1).
قال أبو سفيان سمعت عبد الملك الطويل يتحدث عن أبي حمزة المختار قال أدركت المسلمين إن كان الرجل منهم ما يستزاد في الصلاة ولا في صيام ولا في حج ولا اعتمار ولا في وجه من الوجوه إن عرف أنه ليس بشديد الحرص في الشرى سقط من أعينهم وتسقط منزلته عندهم.
__________
(1) – سورة الحجر، الآية:9. (1/113)
صفحة 114
قال حاجب لعبد الملك الطويل فيما يود به فيه إذا كان يعيب عليه المسلمون في أشياء تكون منه فيما بينه وبين الله فاستروا عليه وعظوه وأحضروه مجالسكم وأرفقوا به جهدكم عسى الله أن يتوب عليه وإن عابوا عليه في خلافهم في الدين يريد أن يشغب عليهم فتقا فأبدوا عورته واهجروه واعلموا الناس به حتى يكونوا منه على حذر.
قال أبو سفيان كان زوج سعيد يقال له عبد الله بن الربيع خال المهدي واتخذت سعيدة للمسلمين سربا في دارها يجتمعون فيه بالليل ولابن الربيع أولاد من غير سعيدة فكان احدهم قد دعاه المسلمون فأجابهم ودخل مجالسهم وعرف المشايخ بوجوههم ومنازلهم وأسمائهم وكان له أمهات أولاد مسلمات فأعتق واحدة يريد إكرامها وأرد أن يتزوجها فأبت عليه وقالت الحمد لله الذي نجاني منك فغضب عليها ثم أعتق أخرى لينظر ما تفعل ففعلت كفعل صاحبتها قال لهنّ إنما خدعتنني حتى أدخلتني في دينكنّ فلم أعتقتكنّ وأردت إكرامهنّ بأن أتزوجهنّ فأبين فغضب وكنب إلى جعفر بأسماء مشايخ مسلمين ومجالسهم وكتب بأن سعيدة تجتمع عندها الإباضية في سرب لها في دارها فلما قرأ أبو جعفر الكتاب دفعه إلى ابن الربيع، فلما قرأه أكثر الاسترجاع قال أبو جعفر مالك قال ابني قد ذهب عقله وأرجو أن يعافى وصار إلى ما أرى واسترجعت لمصيبتي فيه قال أحبسه قال لابد من ذلك.
قال أبو جعفر فأرسل إليك طبيبا يداويه قال لا أحب أن أشهره لكن ابعث لي بالأدوية فبعث إليه أصنافا من الأدوية وجعل ابنه في الحديد زمانا حتى كتب إلى أبي جعفر بأنه كتب الكتاب وهو لا يعقل وقد قال ابن الربيع لأبي جعفر أو مثل سعيدة يقال فيها هذا.
ومنهم المعتمر بن عمارة:
وكان من مشايخ المسلمين وخيارهم ومن أولي الفضل.
قال أبو سفيان عن المعتمر قال قلت لأبي عبيدة إنك لأحبّ إليّ من والدي قال كذلك ينبغي لك يا معتمر أن تكون لأنك بذلت لي ما لم تبذله لأبيك يعني الولاية. (1/114)
صفحة 115
قال أبو سفيان قال أبو شعيب المعروف للمعتمر ابن عمارة أقبل مني أن أقول إن المسلمين جمعوا مع الجبابرة وهم أفضل منا فقال المعتمر هم أفضل منك في حضورهما وتركك لها قال لا تحمل عني ذلك قال المعتمر إنما كلامك في الجمعة فإن زعمت أنهم أفضل منك في حضورها قبلت منك قال لا أعطيك ذلك قال المعتمر ذلك لتعلم أنك طاعن عليهم في حضورهم لها.
قال أبو سفيان سمعت المعتمر بن عمارة يقول وكان من خيار من أدركته من المسلمين ما لقي الله أحد ممن يقر بالإسلام بذنب أعظم من ترك الصلاة متعمّدا.
قال أبو سفيان وكان المعتمر قد حفظ من أبي عبيدة وضمام وغيرهما علما كثيرا ولكن لم يكن يبذل نفسه ولا يقعده للناس وكان يقول إن للعالم أن يعبد الله بكتمان علمه ما لم يحتج إليه.
ومنهم المثنى:
وكان شيخا فاضلا تقيا، قال أبو سفيان لما أبى أبو عبيدة من إرسال عبد الله بن عبد العزيز مع الربيع إلى الحج قيل فالمثنى بن المعرف اقل نعم قال فبعث إلى المثنى في ذلك فقال ما كنت لأفعل أخرج مع الربيع والربيع غاية في فضله وسنه ومعرفته فنا أشير عليكم أن تبعثوا غلاما حثا مثلي وفي الربيع كفاية فبلغ قوله أبا عبيدة فازداد له في نفسه محبّة وازداد عندهم بذلك رضا، فقال أبو عبيدة صدق مثنى، فقال الربيع يا أبا عبيدة كنت تحضر أنت وحاجب وحفص الوايلي فما تكادون تقومون بما يرد عليكم فكيف بي قال له ليس بيني وبين الناس سوط ولا سيف من جاءك موافقا لك يقول بقولك فيه ونعمت ومن أتاك مخالفا عليك فأبعد الله من أبعده.
ومنهم المليح: (1/115)
صفحة 116
وكان من العلماء الأخيار والفضلاء الأبرار قال أبو سفيان، قال المليح: دخلت أنا وعبد الملك الطويل على أبي عبيدة فسألناه فيمن أدخل يده تحت ثياب المرأة فأنكرت إنكار الحرة أله أن يتزوّجها فأبى ذلك وأجازه أبو نوح، قال أبو سفيان قال المليح: بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلسا فأتيته أنا وعماني فاستأذنا فأذن لنا واستأذن شعيب فرد وتقدم الخبر بالتعريف لحاجب.
ومنهم أبو غسان مخلد بن العمرد:
وكان من العلماء النحارير والفقهاء القناطير، قال أبو سفيان أفتى عبد الله بن عبد العزيز وجماعة معه أن من أفتى الناس بما لا يعلمون أنه حق فإن لهم أن يقفوا عنه فقال أبو غسان للراوي قل له ما قلت فيما أفتيتنا به من أمر حجنا فإنا لا نعلم ما تقول أليس لنا أن نقف عنك لأنالا نعلم ما قلت حقا فقال له ذلك فقال ابن عبد العزيز أنت رجل شغب ولم يجبه بشيء، قال أبو غسان: إن الذي قال لك لا يجوز في الدين ولا يسع نقض ولاية أهل الدين إلا بما لا يسع مقارفته.
ومنهم بسطام:
قال أو سفيان وكان خيّرا فاضلا له فضل في المسلمين وشرف قال وكان يحضر المجالس فهو أول من يتكلم، وكنيته أبو النظر، وكان قبل ذلك صفريّا، وهو بسطام بن عمر بن المسيب بن زهير الضبي من أصحاب شبيب، وفرّ من الحجاج ونزل البصرة، قال أبو سفيان نزل عندنا، في دارنا في الأزد، فدعاه المسلمون فأجاب، وكان اسمه مصقلة ثم غلب عليه بسطام فقال له المسلمون حين دعوه ندعوك إلى ولاية من قد علمته يقول بالحق ويعمل به وإلى براءة من قد علمته يقول بخلاف الحق ويعمل به، والوقوف فيمن لا تعلم حتى تعلم، قال فعلمت انه الحق فعمل به والوقوف فيمن لا تعلم حتى تعلم قال فعلمت أنه الحق وأنه دين الله.
ومنهم أبو طاهر:
قال أبو سفيان:مات أبو طاهر وأوصى بكفارات لأيمانه وترك عيالا، فسألت الربيع كم يعطي لكل مسكين وهو عالم بعياله فقال اشتروا الشعير فإنه أرخص وأعطوا لكل مسكين وهو عالم بعياله
ومنهم أبو محفوظ: (1/116)
صفحة 117
وكان شيخا فاضلا، قال أبو سفيان: وكان من خيار من أدركت، قال جاء رجل إلى أبي عبيدة فقال له إنهم يعرضون بنا في المجالس، قال به فهل سموا أحدا قال لا، قال ومن يعلم ما تقول فأشار إلى شيخ يقال له أبو محفوظ، وكان من خيار من أدركت قال صدق، قال أبو عبيدة وإن القرآن ليعرض بالناس فمن عرف من نفسه شيئا فأبعد الله من أبعده.
ومنهم أبو الوزير:
وكان من أشياخ المسلمين وحقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة، قال أبو سفيان: ذكر أبو عبيدة يوما في مجلسه وذكر النار وما أعد الله فيها لأهلها، والجنة وما أعد الله فيها لأهلها وخوّفَ ورغّبَ وكان ذلك في أيام ابن يحيى فلما سكت قام أبو الوزير فقال يا أبا عبيدة لو أردنا الجلوس إلى ما كنت فيه لجلسنا إلى من هو أوصف لما كنت فيه منك من قومنا ألا تزين أمر أصحابك وتحض على نصرتهم والعون لهم فنحن إلى ذلك أحوج إلى ما كنت فيه يعني ابن يحيى وأبا حمزة ومن معهم رحمهم الله، قال أبو عبيدة إنما يتكلم الرجل بقدر ويمسك إلى أجل، قال أبو سفيان تكلم نساء من المسلمات بعد جابر في المال الذي يجمعه الجبابرة، وقلن إنه حرم ثم أفشينه فوافقنّ أبو الوزير على ذلك فكلمن أبا حمزة الأشعث فنهاهنّ عن ذلك وتقدم الكلام على ذلك.
ومنهم عيسى بن علقمة:
وهو من أصحاب أبي الحر علي بن الحصين والله ألعم إن كان هو عيسى بن أبي عمرو أو غيره وتقدمت روايته في التعريف بأبي الحر، قال أبو سفيان: أدركت عيسى وهو شيخ كبير.
ومنهم أنس بن المعلا:
وهو من مشايخ المسلمين، قال أبو سفيان: وهو من خيار من أدركته من مشايخ المسلمين، قال خرج إلى ابن عم له واليًا على فارس فأحسن إليه فبينما هو عنده إذ عزل فهرب أنس إلى البصرة وخرج مستخفيا في مركب ومعه ماله الذي جاز به ابن عمه وخشي أن يؤخذ منه فدفعه إلى أبي حمزة المختار حتى سكن عنه ما يخاف عنه.
ومنهم الحسن بن عبد الرحمن: (1/117)
صفحة 118
قال أبو سفيان عن الربيع عن الشيوخ أنه كان معروفا مسلما فاضلا، خطب أمّ عفّان، وكانت مسلمة، وأن أباها استأمرها فكرهت ذلك فنهاه جابر أن يزوجها وهي كارهة ثم خطبها رجل من قومها ليس منا فشاورا أبا الشعثاء فيه وقد رضيت به فأمره أن يزوجها إياه، وكان حقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة.
ومنهم سفيان:
وكان من التائبين، قال أبو سفيان: كان سفيان هجره المسلمون على أشياء أحدثها ثم تاب ورجع، كانوا يقولون له يا سفيان أكنت تبرأ من أبي عبيدة والمشايخ قال والله كنت أفعل، ولكن أستغفر الله من ذلك، كان حاجب يقول يا هل توبة كتوبة سفيان.
ومنهم يحيى بن نجيح، وديال رحمهما الله:
وكان سعيهما أن يجمعا من الأغنياء للفقراء، أما يحيى فيخرج بجراب فيطوف على أغنياء المسلمين حضر عنده الخبز أو التمر أو الرمّان أو الدراهم وما حضر، قال أبو سفيان: وهو يحيى الصغير، ثم يطوف بما جمع على الفقراء يفرق عليهم ومات مع الجلند بن مسعود بعُمان.
وأمّا ديال بن يزيد فيفعل مثل ذلك بعده وربما استأجر الأكسية في البرد الشديد والطنافس والقطف بألف درهم أو أقل أو أكثر، وليس عنه منها شيء وإنما يتكل على الله ثم المسلمين، ثم يفرق تلك الأكيسة والقطف والطنافس على الفقراء ثم يخرج فيجمع ذلك على الأغنياء فيقضي أهل الثياب حقوقهم، وكان المسلمون يكثرون الصدقات ويفرحون لأبواب البر.
قال أبو سفيان: سمعت بعض مشايخ من أدركت يقول: إنا لنكر إذا دخل شعبان إن كان الفقراء من المسلمين لتأتيهم الأحمال بالسوق والتمر وما يصلح لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها يأتي الرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار فيقول أدخل فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا، وكانوا يحملون المشايخ إلى الحج، ويكون لأحدهم عدة نجائب أعدها وكانوا يجمعون الأموال يبعثون بها إلى المغرب والمشرق وتيهرت لإقامة دين الله وكان الذي يتولى ذلك في أيام أبي عبيدة حاجب. (1/118)
صفحة 119
قال أبو سفيا: لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى وأبو حمزة جمع حاجب لهما أموالا كثيرة يعيهما بها وكتب على كل موسر من المسلمين قدر ما يرى فما امتنع عليه احد ودعا أبا طاهر وكان شيخا فاضلا وقال له عليك بالنساء وأوساط الناس فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين فلم يأتوا امرأة ولا رجلا إلا وجدوه مسارعا فيما سألوه، وكان رجلا من المسلمين لم ير أنه صاحب ما فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم فقال له أبو طاهر أي أخي العيال قال الله لهم والله ما رأيت مذ كنت وجها مثل هذا أنفق فيه فإذا وجدته فدعه والله لا يرجع إلي منها درهم ولكن عهد الله لا تخبر باسمي ما بقيت ففعلوا فلم يمس الليل حتى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم فأخبروا حاجبا فسر بذلك فقال إن في الناس لبقية بعد فاشترى بتلك الأموال سلاحا فوجهه ووجه ما بقي وتقدم الكلام على حاجب وعلى أبي طاهر.
ومنهم ساق العطار:
قال أبو سفيان: كان سابق من خيار من أدركت قال خرج أبو عبيدة ذات مرة حاجا مع سابق العطّار فبينما هما نازلان في بعض المنازل إذ وقفت عليهما أعرابية بلبن وسمن وجدي فاشتراها سابق بقرورة خلوق وقلادة، فجاء باللبن إلى أبي عبيدة فقال أخّر عنّا لبنك يا سابق كم ثمن القلادة قال نحو دانق قال نحو ذانق وكذا القارورة ويحك إنما الغبن للعشرة اثنان أو خمسة للعشرة وللدرهم ولعله والله أعلم أنه أراد ما ثمنه درهم تبيعه بدرهمين يعني الثلث أو السدس أو النصف، قال له: وأما مثل هذا فلا، فأرسل سابق إلى الأعرابية فقال لها أبو عبيدة كم ثمن اللبن عندكم؟ قالت: لا ثمن له، وقال وثمن الجدي والسمن؟ قال: أربعة دراهم، فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها، قال أبو عبيدة هلمّ الآن لبنك يا سابق.
ومنهم أردون: (1/119)
صفحة 120
قال أبو سفيان: أخبرنا شيخ لنا من أهل عُمان يقال له أردون وكان من خيار من أدركته من مشايخ أنّ نسوة من أهل عُمان إستأذنّ على عائشة فأذنت لهن فدخلن فسلمن عليها وسلمت عليهن فسألتهن من تكونن قلن من أهل عُمان، فقالت لقد سمعت حبيبي - عليه السلام - يقول: «ليكثرن وراد حوضي من أهل عمان».
ومنهم أبو الموسر:
قال أبو سفيان: شيخ فاضل من المسلمين، قال أبو سفيان كان له ابن يدعى عبد الرحمن قال الناس كلهم عندي أهل ولاية إلا من ظهر لي منه ما أبرأ به منه، فنهاه المسلمون ونهاه أبوه عن ذلك القول فلم ينته فخلعوه وبرئوا منه وأعلموا الناس أنه على غير طريقتهم وذلك في زمان أبي عبيدة.
ومنهم أبو منصور:
قال أبو سفيان: وكان فقيها، عالما، قال أبو منصور النفساء لا تزيد على ستين ليلة يوما واحدا إذا تمادى بها الدم تطهّرت وصلت وتغتسل وتجمع بين الصلاتين، قال أبو سفيان أخبرني رجل من المسلمين من أهل خراسان أن عندهم في الأثر عن أبي عبيدة تتربص ما بينهما وبين تسعين يوما فإن انقطع و إلا فلتتطهّر وتصل، قال: أبو سفيان لعل أبا عبيدة جعل لكل شهر من شهور الحمل أقصى مدة الحيض عشرة أيام وجعل شهور الحمل تسعا.
ومنهم أبو واقد:
وكان حقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة، قال أبو سفيان: كان أبو واقد من خيار المسلمين، قال أو سفيان قال الربيع يكره أن يتزوج الرجل المرأة ويتزوج أبوه ابنتها فقال لي أن امرأة واقد وأبي واقد ليست كذلك إنما كانت امرأة وخالتها. (1/120)
صفحة 121
قال أبو سفيان وكانت هلبية المهلبية إذ قدم أبو حمزة مكة حضرت الموسم فعالجت لهم طعاما كثيرا وكانت من خيار المسلمات فأرسلته مع أبي واقد وابنه فاضلين فأخذهما الحرس فقالوا معكما السلاح ففتشا فلم يجدوا معهما سلاحا فلما أصبح أبو حمزة أرسل إليهم النقض جاء من جهتكم وكانت بينهم وبينه مواعدة إلى انقضاء الموسم قال لهم فإن شئتم ناقضناكم وإن شئتم فأوفوا بعهدكم فأرسلوهما فتم العهد حتى فرغ الناس من مناسكهم.
ومنهم زجر الحضرمي:
قال أبو سفيان: كان ذا فضل وعبادة وورع ن قل وسمعت وائلا يقول إن معنا بن زائدة لعنه الله لما قدم اليمن وقتل من قتل من المسلمين وغيرهم هرب زجر إلى قلعة فامتنع فيها زمانا وكان له ابن عم بلغ مع معن منزلة ومكانة فاستأمنه على زجر فأمّنه فلما قدم به ابن عمه قتله فسألنا أبا عبيدة فقال يقتل علانية وسرا فقالوا لا نتهمه على ابن عمه قال أيعرف أن معنا يقتل بعد أن يؤمن قلنا نعم قال يقتل سرا وعلانية.
ومنهم حفص الويلي:
وكان من طبقة أبي عبيدة، قال أبو سفيان: قال الربيع لأبي عبيدة حين بعثه ليقوم بأمر الناس في الموسم قد كنت تحضر أنت وحفص الويلي فما تكادون تقومون بما يرد عليكم فكيف وقد تقدم الخبر.
ومنهم أبو سفيان محبوب بن الرحيل: (1/121)
صفحة 122
أحد الأشياخ الأخيار والمقيد غرائب الفقه وعجائب الأخبار ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار، قال أبو العباس مناقب أبي سفيان مغنية شهرتها عن المشاهرة فقد قامت مقام العيان، قال أبو سفيان كنت أصلي بجماعة النساء في منزلنا وأنا إذ ذاك شاب فجاءنا الربيع يوما من الأيام وجاء معه أبو طاهر فيمن جاء فقال لي أبو طاهر يا محبوب إنك تحبس النساء وتطول عليهن فقال لي الربيع فكم تقرأ قلت عشرين وعشرا ونحو ذلك فقال له الربيع وهذا كثير يا أبا طاهر ثم قال الربيع كان ضمام يقرأ خمسين آية وكان حافظا سريع القراءة، قال أبو سفيان عند عبد الملك الطويل، قال أبو حمزة كنا نأتي منزل حاجب في رمضان يصلي بنا فيه فيقرأ بنا المائدة في ثلاث ركعات، قال أبو سفيان من لم يقدر على القيام من مرض أو في سفينة أو طين أو ماء فإنه يصلي جاسا، ويومئ برأسه ولا يسجد، وهو قول أبي عبيدة والربيع وجابر وذكرت للربيع أنّ رجلا من أهل خرسان حدثني عن أبي عبيدة الصغير وهو الذي تولى أمره في مرضه الذي مات فيه أعني عبد الله بن القاسم أنه كان يصلي قائما فلما غلب حملته قعد على المسجد فكبر ثم ركع ثم أهوى إلى السجود فظننت أنه غلب فبادرت لأرفعه فجذبني فأرسلته فسجد وهو جالس فلما فرغ والتفت إليّ قال إنما الإيماء على من كان على الفراش أو دابة أو سفينة وأما من كان في المسجد فإنما يركع ويسجد، قال أبو سفيان أدركت أصحابنا يكرهون أن يصلي الرجل في داخل المحراب ولكن ليقم خارجا منه ويكون سجوده فيه، قال أبو سفيان أفتى الربيع لامرأة سألت والدتي وكانت والدته تحت الربيع عن من اشتغل عن الظهر إلى العصر قال تعتق رقبة قالت لا تجد قال تصوم شهرين قالت فعلت ذلك غير مرة قال فلتصم لكل مرة شهرين، قال أبو سفيان عن الربيع أن أبا عبيدة يجمع الصلاة في الفلوات فإذا مر بقرية فإن شاء جمع وإن شاء أفرد وإن نزل بقرية يقيم فيها أفرد
ومنهم أبو صفرة عبد الملك بن صفرة: (1/122)
صفحة 123
بلغ في العلوم فكان كبيرا وحاز منها شيئا كثيرا روى آثار الربيع عن ضمام عن جابر وهو مشهور وأما كتاب المسند عن أبي عبيدة المسمى بكتاب الربيع فلا أدري من رواه ولعله هو الراوي أيضا وكان مشوشا وإنما رتبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (1) ومنهم حملة العلم إلى المغرب وحملة العلم إلى المشرق.
ومنهم الجلندى بن مسعود وهلال بن عطية الخراساني، ومنهم سالم ذكوان رحمه الله:
__________
(1) – مسند الإمام الربيع بن حبيب( الجامع الصحيح) دونه الإمام الربيع بنفسه بدليل ابتداء السند من أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وبصيغة الرفع « أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن...» وتقدير الكلام حدثني أبو عبيدة، وقول المؤلف« وكان مشوشا»، أي رتب على ترتيب الأبواب، لأن فن التبويب لم يكن معروفا آنذاك، وإنما حدث ابتداء من القرن الثالث الهجري فقط، على أن الطريقة التي دون بها الإمام الربيع مسنده « وهي تدوين الأحاديث النبوية فقط»، لم يسبق إليها، بل إن الذين دونوا في عهد (النصف الأول من القرن الثاني الهجري) يخلطون بين الأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وقد قام الإمام أبو يعقوب الوارجلاني بترتيب المسند أي تبويبه حسب الأبواب المعروفة متمشيا في ذلك مع تبويب كتب الحديث التي ألفت في القرن الثالث الهجري فما بعد. (1/123)
صفحة 124
وحقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة وهو من مشاهير العلماء الأبرار وكان ممن يكاتبه بن زيد رحمه الله وينبغي أن نذكر من خالف الربيع في بعض المسائل وإن كان من خالفه لا يلتفت إليه لأن لهم أقوالا في الفقه وأسانيد يأخذ بها أصحابنا، وفي جواب الإمام أفلح وقد سئل عن أبي المؤرج وابن عبد العزيز فقال وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل وأمّا غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واختلاف فقهائنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين وأما البراءة قال لم يكن عند المسلمين يعني ابن عبد العزيز محمودا وهو إلى البراءة أقرب، وهم سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن المعرف، وعبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج، وتقدم الكلام على حمزة الكوفي وعطية وغيلان وأنهم أخذوا بقول أهل القدر فبرئ منهم أبو عبيدة وحاجب والمشايخ، وقد اجتمع شعيب وابن عبد العزيز مع حمزة وعطية فتناظروا فقال حمزة لشعيب ومن أدركت وما أنت إنما أنت صبي فقال عبد الملك الطويل لشعيب لك عندي شهادة قال هاتها قال عدلت حمزة عند سوار في شهادة فعاتبني أبو عبيدة فقال أتعدّل من هجره المسلمون، وجمع حاجب وأبو عبيدة الناس فقالا إن حمزة وعطية والحارث أحدثوا علينا أحداثا فمن آواهم فهو الخائن المتهم وكان حمزة منقطعا إلى هلبية أم سعيدة فدخل عليها أبو النصر بسطام وقد تقدم التعريف به فقالت له علمت أنسى بك وراحتي في لقائك فأبطأت عني قال كيف آتيك وأنت كهف من هجره المسلمون قالت أوقد فعلواقال نعم قالت أما ما مضى فلم أعلم وأما ما يستقبل فلن يدخل عليّ فلما هجرته خرج من البصرة إلى الموصل يبتغي ضعفاء المسلمين فلما بلغ أمره أبا محفوظ تتبع القرى يحذر منه ويخبرانه على خلاف المسلمين ودخلوا على أم شهاب فكلموها قالت قد سمعت ما قلتم فمنه ما أعرف ومنه ما لا أعرفه فالذي أعرفه قد عرفته والذي لا أعرف فقولي قول المسلمين وديني (1/124)
صفحة 125
دينهم ولا تعودوا على هذا الكلام فعجب المسلمون من قولها وفرحوا به.
ودخل عليها عبد الله بن عبد العزيز وصالح بن كثير فسألتهما عن مسألة فأجابها صالح فقالت عمن أخذتها قال رأى قالت أضرب برأيك الحائط لا حاجة لي فيه.
وأما حفص بن مقتات وأخوه صالح فمن المتكلمين، وحاتم بن منصور ومن شاكلهم فلم احفظ فيهم ما أقول ولا ادري ما هم، أما حيان بن حاجب فإلى الولاية أقرب والجميع لا أعرف قول المسلمين فيهم.
وأما ابن عباد المصري ففي الولاية وابن عباد المتكلم كذلك وسيأتي التنبيه عليهما إن شاء الله تعالى وكذا خلف بن زياد البحراني، وموسى ابن جابر الأزكوي، ومحمد بن المعلا، وهاشم بن غيلان، ومنير بن النيّر الجعلاني، وبشير بن المنذر النزواني(1) ومن بعدهم من أئمتنا وكذا فقهاء الكوفة وسائر العراق واليمن ولك الجهل بهم منع ذكرهم وسأذكر أشياخا يروي عنهم الربيع ويروون عن جابر لكنهم مجاهيل ما رأيت من عرف بهم، ومنهم يحيى بن أبي قرة، عباس ابن الحارث، قتادة، سعيد، عبد الله بن الحارث، الوليد بن يحيى، سرى ابن سالم، كعب بن سوار، يحيى بن نافع، حبيب بن أبي حبيب، عمر ابن هرم، محارب بن يزيد، ابن جريح، ضمام بن يحيى، عمرو بن أبي قرة، سلام ابن مسكين، عمار بن حبيب، أبو خليل، أبو عوانة بن جعفر، ابن إلياس، خداش، ابن عبد الحميد، حماد بن سلمة، القاسم بن الفضل، حسان العامري، وأما جابر بن عمارة فمن شيوخ أهل الدعوة بصرى وإن عده أبو يعقوب في المجاهيل، وكذا أبو المهاجر الكوفي، وإسماعيل بن القديد، وأبو محمد عبد الرحمن ابن سلمة المدنيان، وعبد السلام بن عبد القدوس رحمهما الله.
__________
(1) – هؤلاء من عُمان ولقبوا بحملة العلم إلى عمان. (1/125)
صفحة 126
وأما رجال حديث مسند لا ربيع فقد ذكرهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم(1) فلا أتعرض لذكرهم إلا من تقدم ذكره في تعريفنا، وإنما مقصدنا فيه التعريف بمشايخ المغرب وأئمتهم وكرامتهم ومناقبهم، وها أنا بائح بهم:
ذكر المشايخ بالمغرب:
منهم ابن اليسع من أهل مصر وكان شيخا سخيا ذا يسر فاضلا شهيراً، وقد جعل كراء عشرة فنادق لفقراء المسلمين، قال أبو طاهر إسماعيل بن موسى رجل عظيم القدر واسع المال فيما وجدت والله أعلم.
ومنهم أبو إسحاق إبراهيم المصري، ومنهم ابن عبدا:
وهو شيخ مرضي فقيه كان بمصر وفي كتاب «سير الجل»، أن أم أبي ميمون لما حضرتها الوفاة قيل لها لمن أكلْتِ وصيتك قالت لهذا الذي في المهد تهني أبا ميمون فلما بلغ أخبروه بمقالة أمه فأراد أن يحج عنها فسأل عن ولايتها فلم يجد من يتولاها إلا امرأة واحدة متقية فالتمس من يفتي له أن يتولى أمه بها فلم يجد فسار إلى مصر ودخل على ابن عباد فرخص له وقدم إليه تينًا ولحمًا فأكل ابن عباد التين وأبى من اللحم فقال هذا يضر وهذا يضر يعني أن اللحم يأكل أموال الناس في حال حياته وهرب وتنزه من الشبهة وهذا من كثرة ورعه وخوفه على نفسه.
ومنهم الإمام الماهر الشيخ الطاهر عيسى بن علقمة المصري:
وهو من متكلمي الإباضية وحذاق علمائها، قال الشيخ أبو عمار عبد الكافي أن مثل عيسى لمن حذاق متكلمي هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه قال عارض من قال أن أسماء الله مخلوقة وصفاته محدثة في كتاب التوحيد الكبير بأمر مقنع بما فيه الكفاية وعيسى بن علقمة هذا مصري وعيسى بن علقمة الذي ذكرته قبل مكي صاحب أبي الحر بن الحصين.
وكذا ابن عباد هذا أيضا هو غير ابن عباد المدني الذي ناظره محمد بن محبوب في مكة اسمه محمد بن عباد:
__________
(1) – للإمام أبي يعقوب الوارجلاني كتاب في تراجم رجال مسند الإمام الربيع بن حبيب ولكنه لم يصل إلينا. (1/126)
صفحة 127
وكان له مقالات واعتقادات أفسدها عليه ابن محبوب وعرفه الحق ودعاه إليه فقال تبتُّ من جميع الخطأ فقال من حضر أنك متدين ولا يجزيك إلا أن تعد مسائلك وتتوب منها ومن اعتقادك فيها فخاف من البراء فتوقف، قال له ابن محبوب المعترف بذنبه، الراجع عنه لا يبرأ منه في قول بعض فتاب ورجع إلى قول المسلمين.
قال أبو عمرو عثمان ابن خليفة وليس هو بابن عباد الذي في زمانه الربيع هذا متكلم وذاك فقيه.
ومنهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المغافري الحميري اليمني:
وسبب وروده أرض المغرب أن سلمة بن سعد لما قدم المغرب يدعو إلى هذه الصبغة يعني مذهب الإباضية فيما نقل الإمام عبد الوهاب عن أبيه عبد الرحمن بن رستم قال وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تضرب عنقي فتعلق بمسامع عبد الرحمن ما قال فاجتهد في طلب ذلك أتم الطلب والاجتهاد، قال ولا أدري كيف التوصل إليه وكان بمدنية القيروان، وسبب وصوله إليها أن أباه رستم بن بهرام بن سام بن كسرى قدم مكة حاجًًا بزوجته وابنه عبد الرحمن عبد الرحمن فمات فتزوجته رجلا من القيروان فأقبل مع أمه فلما سمع ما سمع من سلمة بن سعد وتعلق قوله بقلبه وطلب ذلك، قال له رجل من أهل الدعوة إن أردت هذا الأمر الذي كلفت به فعليك بالبصرة برجل عالم فيها يقال له مسلم أبو عبيدة ابن أبي كريمة التميمي تجد ما تطلب وقيل أمّه هي القائلة له ذلك فسافر مرتحلا طالبا علما فقدم على أبي عبيدة ووافق ارتحاله جماعة إليه في ذلك العام حملة العلم، وهم عاصم السدراتي، وإسماعيل ابن درار الغدامسي، وأبو دواود القبلي النفزاوي فلما بلغوه صافحهم وسألهم أحوالهم وما يريدون فقالوا نطلب العلم فأجابهم فمكثوا عدة سنين عنده وكان في أيام استخفائه من بعض أمراء البصرة وكان يقرئهم في سرب وعلى فمه سلسلة فإذا قبل أحدٌ حركت فيسكتون وإذا انصرف حركت فيأخذون في القراءة. (1/127)
صفحة 128
وكان عبد الرحمن جميلا شابا حدث السن وضرب أبو عبيدة بينه وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله فلما استكفوا وأرادوا الانصراف كلمن العجائز أبا عبيدة أن يريهن عبد الرحمن وهن ثلاث فأدخله عليهن فدعون له بالبركة ثم استشاروا أبا عبيدة في شأنهم أن أنسوا من أنفسهم قوة أيؤمرون عليهم واحدا منهم قال نعم وأشار إلى أبي الخطاب فإن أبى فاقتلوه وهو أراد المسير معهم فلما أراد وداعهم سأله إسماعيل بن درار الغدامسي عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قال أبو عبيدة أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار قال أرأيت إن ابتليت بذلك فلما بلغوا بلادهم وأنسوا من أنفسهم قوة اجتمع من اهتمّ بأمور المسلمين ومن له النظر من الشيوخ وتشاوروا بموضوع يقال له صياد غربي مدينة طرابلس فاتفق رأيهم على تولية أبي الخطاب المغافري ويظهرون أن اجتماعهم بسبب أرض أرادوا قسمتها وقيل بسبب رجل وامرأته اختصما فاتعدوا ليوم معلوم يجتمعون فيه ويأتي كل واحد بمن خلفه من أتباعه ويجعلون عدّتهم غرائز مملوءة تبناً فأخرجوا أبا الخطاب معهم فتكلم بعضهم فقال امضوا الذي عزمتم عليه فقامت طائفة يتناجون وكل ذلك لا علم لأبي الخطاب بشيء لما رجعوا من المناجاة قالوا لأبي الخطاب أبسط يدك نبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيه - عليه السلام - وأثار الصالحين من بعده فقال لهم ليس لهذا أخرجتموه قالوا لابد من ذلك فلما رأى الجدِّ والحقيقة منهم قال لا أقبل منك إلا على شرط إلا تذكر في عسكري مسألة الحارث وعبد الجبار، فأعطوه ذلك الشرط، ومسألة الحارث وعبد الجبار هي أن يقتتل رجلان من أهل الولاية فيقتل كل واحد صاحبه ولا يدري الظالم والباغي من المبغي عليه فبعضهم قالوا هما على ولايتهما حتى يتبين أمرهما وبعضهم قال نقف. (1/128)
صفحة 129
وكان عبد الجبار والحارث قاما عام أحد أو اثنين و ثلاثين بناحية طرابلس على عامل مروان بن محمد أحدهما إمام والآخر وزيره أو قاضيه أخوان لأم أو ابنا خالة فوجدهما ميتين في بيت واحد وسلاح كل واحد في صاحب فاختلفوا في ولايتهم فبلغت مسألة أهل المشرق فاختلفوا كما اختلف أهل المغرب فكتب أبو عبيدة وحاجب الكف عن ذكرهما فأراد أبو الخطاب قطع مادة الخلاف وقد كان الحارث وعبد الجبار خرج إليهما عامل طرابلس فقتلوه فلما بايعوا أبا الخطاب على الإقامة بحق الله والعمل بما في كتابه والاقتداء بسنة نبيّه واتباع الأئمة المهتدين قبله فقبل ذلك ودخل مدينة طرابلس ومعه جماعة المسلمين على حين غفلة من أهلها وذلك عام أربعين و مائة وأدخلوا الرجال في الجواليق في هيئة الرفقة فلما توسطوا المدينة اشتهروا السلاح وقالوا لا حكم إلا لله وقصدوا أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فخيره أبو الخطاب بين الخروج بالأمان والقعود على أن ينتزع من الولاية فاختار الخروج نحو المشرق وآمنوا أهل المدينة وأحسن أبو الخطاب السيرة وأظهر العدل والتواضع فسلكت عماله ورعيته مسلكه ونولت ورْفجومة القيروان وهم بطن من البربر. (1/129)
صفحة 130
وسبب توليتهم القيروان أنه لما قتل حبيب بن عبد الرحمن عمه إلياس في أبيه وكان عبد الرحمن عامل بني أمية وأقرّه المنصور ثم خلع المنصور ثم قتله أخوه إلياس غدرا بليل أراد أن يوادعه فقتل إلياس حبيب في حرب بينهما وفرّ عبد الوارث من ابن أخيه حبيب ومن فل من جيش إلياس إلى ورفجموه فبعث حبيب بن عبد الرحمن إلى عاصم بن جميل الورفجومي يرسل إليه عمّه عبد الوارث ومن معه فامتنع فزحف إليه حبيب فاقتتلوا وهزم حبيب فزحف عاصم وأخوه مكرم إلى القيروان فدخلوها بعد حرب وفرّ حبيب إلى قابس ثم إلى جبل أوراس فاستحكمت ورفجومه على القيروان وعتوا وطغوا وجاروا وساموا الناس سوء العذاب وربطوا دوابهم في المسجد الجامع فخرج إليهم أبو الخطاب غضبا لله ولدينه وسبب ذلك امرأة أرسلت إليه كتابًا أن لها ابنةً جعلتها في مطمورة خوفا عليها من ورفجومة. (1/130)
صفحة 131
وحكى ابن الرقيق عن ابن حسان أن رجلا من الإباضية دخل القيروان فرأى ناسا من الورفجوميين كابروا امرأة على نفسها والناس ينظرون ولم ينكروا ذلك عليهم فترك حاجته فأتى أبا الخطاب وقال بعض أصحابنا إنّ ورفجومة أخرجوا امرأة وهي تصيح يا معشر المسلمين أغيثوني فلم يغثها أحد فبلغ الخبر أبا الخطاب وقيل ظلموا فصاحت يا أبا الخطاب فحمدّا لله صوتها فسمعها فقال لبيْكِ يا أختاه إلى ثلاث مرار وبكى - رضي الله عنهم - فنادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس وصلى بهم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي - عليه السلام - ورغّب في الجهاد وأمر بالاستعداد فلما خرج من باب المسجد سل سيفه وكسر غمده غصبا لله وترغيبا للجهاد وكان عام قحط وسنة عسيرة وأرض مجدبة فخرج بمن معه ممن رغب في إقامة الحق من أهل البصائر فأمدهم الله بالجراد يتزودون منه يرتحل بارتحالهم وينزل بنزولهم منّة من الله عليهم فلما برزوا نادى مناديه مَنْ له أبوان كبيران أو واحدا وعروسٌ جديدة فليرجع بليل فإذا أصبح من ينظر الأثر هل رجع أحدٌ ويخبر بالرجوع وكل ذلك يكرر الندى فلما أُخْبِرَ بعدم الرجوع ولم يبق إلاّ من له رغبة في الجهاد وعدتهم ستة آلاف فخطب أصحابه بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه - عليه السلام - فقال أطمع لمن مات في هذه الغزوة الجنة إلا منْ فيه إحدى ثلاث خصال، قاتل نفسا ظلما، وقاعد على فراش حرام، ومن في يده أرض مغصوبة والمخرج منها أن يتبرأ من المرأة ويتوب إلى الله وليتبرأ من الأرض وليشهد على تركها وليقد نفسه القاتل لأولياء المقتول فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله فقال رجل اجتمعن في يا أمير المؤمنين فأمره أن يتبرأ من المرأة والأرض ويقود نفسه لأولياء المقتول لم يجد فليدفع نفسه ي سبيل الله، وحاز في مسيرة إلى القيروان على مدينة قابس فحاصرها حتى أضعف أهلها فأذعنوا وأطاعوا فترك عليهم عاملا ثم ارتحل إلى القيروان فلما (1/131)
صفحة 132
بلغها حاصر أهلها مات شاء الله وقد كان خرج إليه عبد الملك بن الجعد بورفجومة فقاتلوه فهزمهم الله وقتل عبد الملك وأصحابه وذلك في صفر عام إحدى وأربعين و مائة وكانت تغلب وَرْفجومة على القيروان سنة وشهرين.
وقال أبو زكريا يحيى بن أبي بكر رحمه الله إن عاصم السدراتي وهو أحد النفر الخمسة من حملة العلم كان من أشد الناس شوكة على أهل القيروان فمرض مرضا شديدا فسمع بمرضه أهل القيروان ثم اشتهى قثاء فبلغهم ذلك فسمّوا قثاءة فأرسلوا بايعا يبيع القثاء فأمروه ألاّ يبيع تلك التي جعلوا فيها السمّ إلا لعاصم فاشتروا تلك القثاءة المسمومة لعاصم فلما أكلها مات فاستشهد رحمه الله فجمع الله له أجر الجهاد وشدة النطاية في الأعداء والمرض والموت بالسمّ - رضي الله عنهم - فلما فعلوا فعلتهم صاحوا من فوق المدينة أين عاصم السدراتي الذي قتل بالسمّ وبلغ ذلك في أبي الخطاب مبلغا عظيما فأمر أهل العسكر أن يخرجوا بالليل بسلاحهم ويتركوا الاخبية كما كانت أشباه المنهزمين فلما أصبح أهل القيروان ظنّوا أنّهم هربوا فأتبعوهم مشرقين وقد كمن لهم أبو الخطاب فيمن معه فلما ترائى الجمعان ووقع القتال انهزم أهل القيروان وولوا مدبرين فتبعهم حتّى دخل القيروان فخرج أهل المدينة إلى موضع القتلى فإذا بثيابهم لم يسلب أحدٌ منهم فقالت امرأة كأنهم رقود وسمى الموضع رقادة إلى أيام عبد العزيز بن أحمد المكنّى بأبي فارس فسمّاه نباهنة على ما قيل وخرجوا إلى زروعهم فإذا كما هي كما كانت لم يقع فيها فسادٌ ولا مضرّةٌ لا بالناس ولا بالمواشي فتعجب الناس من عدل أبيس الخطاب وطاعة أصحابه له فتفقد رحمه الله القتلى فوجد واحدًا منهم مسلوبا فنادى مناديه من أخذ من القتلى شيئا فليرده فلما أيس دعا الله ربه وكان مستجاب الدعاء أن يفضحه على رؤوس الخلائق فركبوا خيلهم ليجروها وانقطع حزام جميل السدراتي وسقط وظهر السلب تحت سرجه فأخذه الإمام وأدبه وكان رحمه الله أحسن السيرة (1/132)
صفحة 133
فيهم حين هزمهم لم يجز على جريح ولم يتبع مدبرا فقال له خالد اللواتي نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا.
قال أبو الخطاب حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ)(1) ثم ارتحل إلى القيروان ووليّ عبد الرحمن ابن رستم أحد حملة العلم من المشرق المتقدم ذكرهم ورتّب عبد الرحمن العمال على مداين إفريقية ونواحيها، ثم أن المسودة أقبلوا من ناحية برقة في جيوشه وعليهم العوام بن عبد العزيز البجلي فخرج أبو الخطاب حتى أتى ودراسة فوجه إليهم مالك ابن سحران الهواري فلقي العوام بأرض سرت فهزم الله العوام والمسودةَ وأقبل أبو الأحوص عمر بن الأحوص العجلي بالمسودة فخرج إليه أبو الخطاب فالتقاه بغمداس من أرض سرت على شاطئ البحر فهزم الله أبا الأحوص بعد أن قتل من أصحابه بشرٌ كثير وانصرف أبو الخطاب إلى طرابلس وخلصت طرابلس وإفريقية لأبي الخطاب وانبسط العدل في الناس حتى قال شيخ من أهل القيروان يخاطب أصحابه تشبهون دينكم بدين أبي الخطاب وأين مثل أب الخطاب في فضله وعدله وأقام حدود الله وأحيى سيرة العدل بعد أن أماتها الأئمة الجورة وقهر الجبابرة وعظم أولياء الله مع زهدٍ وتواضعٍ ثم أن جميل السدراتي خرج مغاضبا لما وقع به من الأدب وما لبس من الفضيحة إلى أبي جعفر فأقام سنة لا يؤذن له بالدخول ثم أذن له ثم سأله عن حاجته فقال أن تبعث معي عسكرا إلى المغرب فأرسل معه ابن الأشعث محمد في سبعين ألفا وقيل خمسين ألفا وخرج من إفريقية إلى أبي جعفر من كره العدل من بقية الجند وغيرهم كنافع بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن أنعم، وأبو البهلول وغيرهم وخرج محمد بن الأشعث الخزاعي
__________
(1) – سورة لأعراف، الآية:38 (1/133)
صفحة 134
الأغلب ابن سالم التميمي والمحارب بن هلال والمخارق بن الغفار الطائي وأمرهم بالسمع والطاعة لابن الأشعث فلما جاوز حدود مصر أرسل العيون وقد تهيّأ له أبو الخطاب في المسلمين فلما رجعت له عيونه سألهم عن أبي الخطاب وأحواله وجنده فقالوا نجمل أم نفسر فقال أجملوا قالوا رأينا رهبانا بالليل أسودا بالنهار ويتمنون الجهاد بلقائكم كما يتمنى المريض لقاء الطبيب لو زنى صاحبهم لرجموه ولو سرق لقطعوا يده خيلهم من نتاجهم ليس لهم بيت مال يرتزقون منه وإنما معايشهم من كسب أيديهم فلما وصفوا له حال أبي الخطاب وحال أصحابه ضاق بلقائه ذرعا فهاله أمره فاستشار أصحابه في الرجوع فأبوا له فخاف الافتراق صانع في كتاب أقواما أخرجهم بليل يقبلون به يورون الناس أنهم قدموا من بغداد فلما قدموا كما أمرهم وقرأ الكتاب أمر الناس بالرجوع كأنه مأمور من أبي جعفر بذلك فكره بعض أصحابه ذلك وأظنه المحارب بن هلال فأمر به فقتل فخيل الناس أنّ أبا جعفر أمره بذلك وكر راجعا وتباطأ في سيره وقرب المراحل فرجعت عيون أبي الخطاب فأخبروه وبذلك ففطن لمكره وكيده وكان وقت زرع فأراد الناس التفرق إلى زروعهم قال لهم إن العرب أصحاب مكر فلا تتفرقوا عن إمامكم فمازالوا به حتى أذن لهم بالرجوع فلما رجعت عيون ابن الأشعث إليه وأخبروه بتفرق أصحاب أبي الخطاب طوى المراحل ليلا ونهارا ولم يشعر أبو الخطاب إلا وقد دخلوا حيز طرابلس فقال لا يسعني في ديني أن أقعد عن دفاع العدو عن رعيتي فخرج في قلة وكانوا أهل بصائر وقد كانوا أشاروا عليه أن يقيم حتى تجتمع عليه جنوده الذين تفرقوا فأبى عليهم يرى أن ذلك لا يسعه في الدين فلقي ابن الأشعث بتَوَرْغَا وكان معه نفوسة وهوارة وطريشة أعني من قرب من المدينة منهم وقد سبقه ابن الأشعث إلى الماء وقال لأصحابه أن استقي أبو الخطاب واستراح هو وأصحابه لا تطيقون لقاءهم ولا تقدرون لهم على شيء وأنتم الآن أقدر عليهم مع التعب والجوع والعطش (1/134)
صفحة 135
وأصحاب أبي الخطاب تاقت نفوسهم إلى الجهاد وملاقاة الأعداء ومجالدة الأقران وكان بينهم قتال شديد وصبر أبو الخطاب في قتله حتى مات من الفريقين بشر كثيرٌ فأبى أبو الخطاب وأصحابه من الانهزام حتى استشهدوا رحمهم الله تعالى وهم اثنا عشر ألفا وقيل أربع عشر وتتبع عدو الله المسلمين في الجبال فتعلقوا في الجبال والقلاع.
وأدرك عبد الرحمن بن رستم وهو بمن معه من أهل إفريقية بقابس، وتفرق أصحابه، وذهب وهو مستخف حتى دخل مدينة القيروان، فلما بلغ أهل القيروان موت أبي الخطاب قاموا على عامله وأوثقوه، وقدموا عمر بن عثمان القرشي على أنفسهم، حتى قدم ابن الأشعث، وقام عبد الرحمن ابن حبيب يلتمس عبد الرحمن بن رستم، وفرّ رحمه الله إلى المغرب، قال أبو يحيى ظفر به عبد الرحمن بن حبيب فتشفع فيه رجلٌ من أهل القيروان، فقال له بن حبيب: كل حاجة لك عندي مقضية، إلاّ ابن رستم فقال: إن لم أسألك ابن رستم فمن ذا أسألك فأطلقه له .
وكان ابن رستم حين أراد المسلمون توليته لبعض أمورهم قال إن ابن حبيب إبليس أو شيطان في صورة إنسان فحدقها عليه ابن حبيب وخرج عبد الرحمن بن رستم وما معه إلا ابنه عبد الوهاب وغلام له فمات فرسه في بعض الطريق فدفنه خشية الطلب وضعف عن المشي وأدركه العياء والملل فصار ابنه وغلامه يحملانه نوبًا وكل واحد يقول لصاحبه إن أدركنا العدو فما دون الخمسمائة لا تضع الشيخ لجلدهما وشجاعتهما حتى بلغوا بالمغرب سوفجج جبل منيع وفات عدو اله ابن الأشعث واجتمع إليه بعض شيوخ أهل الدعوة من طرابلس وغيره فارتحل إليه ابن الأشعث فحاصره زمانا فلم يصنع شيئا ووخم الجبل بأهل ومات من أصحاب عبد الرحمن بشر كثير بالمرض فأيس منه ابن الأشعث ورجع إلى القيروان وضبطها وأمعن في قتل أهل الدعوة ثم قام عليه الجند فأخرجوه إلى المشرق واتقدت المغرب نيرانا لكثرة الفتن. (1/135)
صفحة 136
ومن أئمة المغرب ومشايخهم أبو حاتم يعقوب بن حبيب مولى كندة وهو أبو حاتم الملزوزي التجيبي.
قال ابن سلام بن عمر أنّ أهل دعوتنا من المسلمين بعدما قتل أبو الخطاب ومن معه في أربعة عشر ألفا تتبع عدو الله محمد بن الأشعث المسلمين يقتل ويسدل وأخرج الجزيري عاملاً باغياً جبارًا على مثل فعله وطريقته ويشترط على من نزل عليه من أحياء المسلمين إلا يفلى لحيته إلا الجواري الحرائر من المسلمين حتى انتهى إلى ناحية زهانة فنزل على مياههم ومعه وانيتن بن يالسن وعبد الله بن يزيد وسليمان بن دوستن من بني يجدلتن فأرسل عبد الله بن وانيتن ورجلا من الجند معه لحشد زهانة فلم تزل زهانة تتوانا بهما حتى تهور الليل فضرب الحارث بن يردون عنق الجند وكتف عبد الله وظعنوا إلى الجزيري ولم يشعر إلا وقد أحاطوا به وبجنده فقتلوهم ولم يفلت منهم أحدٌ إلا من أراد الله ثم خرج سليمان بن دوستن بالجند في طلبهم فلم يحسن الدلالة وأخذ بهم طريقا قليل المياه حتى بلغ بهم الأحمَر موضعًا معروفًا فرجعوا خائبين، فلمّا أنس المسلمون من أنفسهم قوةً في حيّز طرابلس اجتمعوا فأظهروا أن اجتماعهم في شأن امرأة صالحة اسمها مسلمة أساء إليها زوجها فلما أتفنوا رأيهم وحضر كل من ينظر إليه عقدوا الولاية لأبي حاتم عام اربعو وخمسين فأرسل إليهم وإلى طرابلس خمسمائة فقاتلهم أبو حاتم فهزمهم فتفقد رحمه الله القتلى فوجد بعضهم قد جرد فغضب وقال إن لم تردوا أسلابهم اعتزلت ولا يتكلم أحد فردوا الأسلاب وأجابوا الطاعة وتابوا مما اقترفوا وأتاه جيش ثان من إفريقية فتلقاهم قابس فهزمهم ودخل طرابلس مع هزيمتهم وأقام بها أشهرا فلما تعدلت أحوالها واستقام أمرها خرج يبتغي إفريقية فنزل على القيروان فحاصرها أشهرًا بل سنة ففتحها الله له. (1/136)
صفحة 137
وقال ابن سلام بن عمر كان عاصم السدراتي من أشد الناس على الأعداء مع أبي حاتم وسمّوه في قثاء ونادوا من فوق السور أين عاصم السدراتي قتلناه فخادعهم أبو حاتم حين كمن لهم في وادي رقادة وتقدم ما حكاه أبو زكريا أن قصته وموته مع أبي الخطاب، والأقرب ما رواه ابن إسلام لأنه قال رويته عن سليمان بن زرقون وفي كتب المخالفين ما يدل على أنه كان حيا بعد أبي الخطاب والله أعلم.
قال ابن سلام: أقام أبو حاتم بالقيروان سنة فيما روى سليمان بن زرقون وكان عامل الجند بها ابن الأشعث، قال أخبرني سليمان بن وكيل الزهاني عن خبر والده وكيل بن محمد وكان وكيل ممّن حضر حصار القيروان مع أب حاتم قال سليمان أن محمد بن الأشعث هو أمير المحصورين فقاموا بحصارهم سنتين.
قال أبو زكريا: حاصرها سنة وألقوا بأيديهم وانحاز الجند مع ابن الأشعث في دار الإمارة فحاصرهم فيها سنة، وقال الرقيق: إن الجند أخرجوا من إفرقية محمد بن الأشعث عام ثمانية وأربعين في ربيع الأول وأن المحصور عمر بن حفص بن هزار مرد وبلغ الجهاد بالحصار حتى انتهى أوقية ملح بدرهم، فلما فتح الله عليه أخرج الجند وأحسن السيرة وأعطى لكل خمسة قربةً وخشبةً يحملون بها قربتهم وخنجرا يصلحون نعالهم كذا قال أبو زكريا وابن سلام وأعطى لكل واحد رغيفا وأجلاهم من مدينة القيروان، ثم أرسل أبو جعفر يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب في ستين ألفا وما انضمّ إليه فخرج أبو حاتم من القيروان يريد طرابلس فغدر أهل القيروان بأصحابه فرجع إليهم من طرابلس فقاتلهم فانهزموا. (1/137)
صفحة 138
وأتبعهم جرير بن مسعود المديوني ورجع هو إلى طرابلس ينتظر قدوم يزيد فبلغ في جمادى الآخرة عام خمسة وخمسين و مائة وانضمّت إليه الجنود واستمدّ بمليلة ومن يدين بطاعتهم على قتال أبي حاتم ومعهم أيضا عمر بن مطكود النفوسي، قال أبو حاتم من أمدهم قالوا مليلة فدعى عليهم فلم يزالوا في مذلّة من الجند الظلمة لا ينقطع عنهم دون البربر وقيل كان في ستين ألفا من أهل خرسان وستين ألفا من أهل البصرة والكوفة والشام وانضمّ إليه الجند الفارون من إفريقية ومن أمده من قبائل البربر ويوسف الفرطيطي وجماعة من قبائل البربر من هوارة وغيرهم وجعل يزيد مقدمته سالم بن سوادة التميمي فالتقى بابي حاتم فهزمه أبو حاتم وقتل منهم ما قتل وبلغ الباقي يزيد.
وقال عمر بن مطكود ليزيد استند بجبل غربي جندوبة فلما التقى الجمعان مات أبو حاتم في أهل البصائر من أصحابه ومن يلتمس الشهادة.
قال أبو زكريا سمع أبو حاتم بطوالع أقبلت، من المشرق فتلقاهم بموضع يدعى مغمداس فهزمهم الله ومنح أكتافهم له وقتل منهم نحو ستة عشر ألفا وحاور رجل من الجند رجلا من أصحابنا بأن قال له ما تفسير تورغا يعني موضع قتل أبو الخطاب ومن معه فأجابه بأن تفسيره مغمداس فيد أربعة أكداس في كل كدس أربعة آلاف وقد تقدم أن أبا الخطاب قاتل الجند بغمداس وهزمهم وقتل منهم بشر كثير أما أن يكون قتال أبي حاتم لهم به ثانيا وأما سهو من أبي زكريا لأن قتال أبي الخطاب لهم به مشهور ذكره ابن سلام والرقيق.
وقال أبو زكريا موضع مقتل أبي حاتم وموضع المعركة يستضيء كل ليلة نورا ويبصر ضياؤه من مكان بعيد ساطعاً في الهواء ممتدًّا صاعدً، قال ذكر بعض أصحابنا من أهل عصرنا أنه رآه وهو نور يستطع وضياء عظيم. (1/138)
صفحة 139
قال وحدث يعقوب بن يوسف الباجراني الملقب بابن منصور أنه مر ومعه رفيق وقد سكنا بجبال تلك النواحي في أحياء من البربر فجاز بموضع المعركة بليل مظلم فرأيا به نورا ساطعا وضياء ممتدا بين السماء والأرض فشقاها فاستبان لهم في الكعركة أثر الهوام الصغار من شدة الضياء وقوة النور فخرجا منها فالتفتا فإذا النور خلفهم ممتد بين السماء والأرض وقد أحاطت به الظلمة وحفت به من جميع جهاته وجوانبه فصارا يدعوان الله تعالى ويرغبان إليه حين توسطا المعركة وكان شجاعا قوي المرة شديد الطبيعة..انتهى كلامه.
وقد اشتهر عندنا - من غير أن أراه - أن النور ينزل على قبره، وقيل: لم يزل ينزل حتى دفن إلى جنبه أعرابي فكف والله أعلم.
وبتلك الجهة مقبرة يقال إنها للذين ماتوا عنده يوجد في أطرافها تراب أحمر يقال أنهم دنهم لم يغيره الزمان يتبرك الناس به ويحملونه للمرضى وهذا في مثلهم ليس بغريب، وقد شاهدت بنفوسة دماء رجال ثلاثة سفحت على صفا مسيل ماء المطر مضى عليها مئون من الأعوام وهي باقية وكل ما وقع مطر جرى عليه الماء ومسحته بثوبي مبلولا بالريق فأثر فيه وشممته فإذا هو رائحة دم، وحكمه عند العلماء الطهارة كذا ذكر الشيخ أبو يحيى في كتاب الطهارات والمارة يدعون الله عندها لأنهم صالحون ففتك بهم هناك، وقال أبو زكريا أبو الخطاب إمام ظهور وأبو حاتم إمام دفاع وأنه يرسل ما زاد على ما يحتاج إليه فما جمع من الزكاة لعبد الرحمن بن رستم قبل أن يتولى الأمور ولاية الظهور.
ومنهم عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي: (1/139)
صفحة 140
تقدم ارتحاله إلى أبي عبيدة وأخذه العلم منه ودعا العجائز له وقدومه المغرب وتوليته إفريقية عاملا لأبي الخطاب، وهروبه إلى المغرب ونزوله بسوفجج، وحصاره ابن الأشعث له وامتناعه منه وقول ابن الأشعث هذا سوفجج لا يدخله إلا دارع أو مدجج وبقي لنا أن نتكلم على ولايته وسيرته وعدله وورعه وزهده في الدنيا ورفضه لها إذ تمكن منها وبنيانه مدينة " تيهرت".
قال أبو زكريا حَدثَ غير واحد من أصحابنا أن عبد الرحمن بويع بالإمامة عام ستين و مائة، وقيل: عام اثنتين وستين، بتيهرت، وكانت تيهرت غياطل وأشجار ملتفة يسكنها أنواع السباع والوحوش أرضها لقوم من البربر فلما أذن الله بعمارتها بالناس. (1/140)
صفحة 141
قال أبو زكريا: إن بقية المسلمين ورؤساء العابدين وكبراء الزاهدين، وجماعة المؤمنين اتفقوا أن يتخيروا موضعا يبنون فيه مدينة لتكون حرزا وحصنا للإسلام فأرسلوا الرواد فطافوا أطراف تلك البلاد فاستحسنوا موضع تيهرت فاتفق رأي المسلمين على بنائها فجعلوا لأهلها خراجا معلوما يأخذونه من غلتها فأمروا مناديا فنادى بأعلى صوته منْ بها من الوحوش أن اخرجوا وارتحلوا فإنا مريدون عمارتها ونازلون بها واجعلوا ثلاثة أيام، قال أبو زكريا: وذكروا أنهم رأوا بها وحشا تحمل أولادها في أفواهها يعني سباعا والله أعلم، وهي خارجة من تلك الأشجار والغياطل، فرغبهم في ذلك فيها وزادهم بصيرة في عمارتها فلما تم الأجل أرسلوا فيها نارا فأحرقت ما ظهر من الأشجار وبقي الأصول والعروق فجعلوا في أطرافها حيسا مدفونا فلما جنّ الليل حفرتها الخنازير لرائحة الحيس فقلعوا جميعه فاقترعوا بين أربع أمكنة أيها يجعلون المسجد الجامع فوقعت قرعتهم على مكان الجامع فاختطوها دورا وقصروا دورا وقصورا وبيوتا، فلما بنوها أنسوا من أنفسهم قوّة فنظروا من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا جماعة كل واحد صالح شجاعة، وعلما وتقى، فاتفق رأيهم على عبد الرحمن لفضله وكونه من حملة العلم، ولكون المسلمين أرادوا تقديمه قبل أبي الخطاب وامتنع لأمانات كانت تحته للناس وودائع ولكونه عامل أبي الخطاب على إفريقية وما والاها ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل فبايعوه على إقامة كتاب الله وسنة رسوله واتباع الخلفاء الراشدين فقبلها على ذلك وأقام بأمر الله وزهد الدنيا بعد أن تمكن منها فلم ينقم أحدٌ عليه في خصومة ولا حكومة ولا أخذ مال ولا إقامة حد ولا ميل إلى الدنيا،لما اشتهر عدله واتصلت أخباره بذلك وتواترت أخباره بالمشرق والمغرب بعث له أله البصرة بثلاثة أحمال فلما بلغت الرسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يطينُها والعبيد يناولونه الطين فسألوا العبيد أن يستأذن (1/141)
صفحة 142
وا لهم على الإمام وقد سمع قولهم وما طلبوا فنزل وغسل الطين فأذن لهم فدخلوا فسلموا ورد عليهم وفتت لهم خبزا وعر عليه عكة فلما أكلوا خلصوا نجياً.
قال أبو زكرياء واجتمع رأيهم على أنهم رضوا عنه واتفقوا على أن يدفعوا له المال فلما أتوه بالمال نادى الصلاة جامعة فلما صلوا شاور أخيار المسلمين وذوي الرأي والفقه منهم فأشاروا عليه أن يفرقه في ذوي الحاجات ففعل وذلك بمحضر الرسل فلما رجعوا أخبروا بما رأوا وشاهدوا من عدله أرسلوا له بما يقرب من عشرة أحمال أو يزيد بقيل فلما وصلوا إلى تيهرت وجدوا البلد قد تغير عما تركوه عليه فوقع في نفوسهم وسيأتي سبب ذلك إن شاء الله، فلما تلقوا الناس سألوهم عما أتوا به قالوا مالُ للأمير قالوا إن قبله منكم فلما بلغوا وجدوه على حاله الذي تركوه عليه فأخبروه بالمال قال قد علمتم السيرة فنادى الصلاة جامعة فلما صلوا واجتمعوا شاورهم على عادته قالوا الرأي إليك فلما ردوا الرأي إليه قال للرسل أرجعوا بمالكم فإن أربابه أحوج إليه منّا لأنا في أرض قد استولى عليها العدل وهم في بلد غلب عليهم الجور يدارون به على أنفسهم ومالهم ودينهم وبسط هذه الأخبار في كتاب ابن الصغير ولم يحضرني وقت جمعي لهذه السيرة.
قال أبو زكريا فشق ذلك على الرسل ولم يكن لهم بد من طاعة الإمام فردها إلى المشرق فتعجبوا من زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة واعترف كل أباضي بإمامته ووصلوه بكتبهم ووصاياهم.
ومن أئمة المغرب ومشاهد أشياخهم وقادة أهلها عاصم السدراتي:
وكان من حملة العلم عن أبي عبيدة مسلم وتقدم بعض أخباره مع أبي الخطاب وكان من خيار من صحبه واشتهر موته بحصار القيروان بسُمّ في قثاء وهو مع أبي الخطاب كما قال أبو زكريا أو مع أبي حاتم كما قال ابن سلام، قال الرقيق عسكره ستة آلاف وكان رحمه الله تعالى جمع العلم والعمل والجهاد والحزم وشدة العزم والرأي وحيد الدهر وفريد العصر.
ومنهم أبو درار الغدامسي: (1/142)
صفحة 143
وقد تقدم ذكره في حملة العلم عن أبي عبيدة وهو أحد الشيوخ المشهورين في العلم والتعليم والعمل والورع، أخذ عنه جماعة واسمه إسماعيل بن درار وهو السائل لأبي عبيدة عن الوداع بعد أن تعلموا عنده خمسة أعوام عن نحو ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام، فقال أبو عبيدة أردت أن تكون قاضيا يا ابن درار فقال له أرأيت إن ابتليت بذلك يا شيخ فابتلي بالقضاء، وممن أخذ عنه مامد بن يانس الدركلي النفوسي رحمهما الله.
ومنهم عبد الأحد بتخفيف الدال ابن تلانيس المزاتي وهو من رؤساء أصحاب أبي الخطاب ومن كبرائهم وحضر معه المشاهد واستشهد معه.
ومنهم عمر بن تمطنين وابنه يحيى، وأخوه أبو حميد وهم من خيار جند أبي الخطاب وممن حضر معه المشاهد واستشهدوا معه.
ومنهم عمر بن يمكتن:
ساد أهل زمانه علما وعملا وسارع إلى الخيرات قولا وفعلا، قال ابن سلام كان عالما من علماء المسلمين قال أخبرني أبو صالح النفوسي بتوزر قبل سنة أربعين [ومائتين]أن أول من علم القرآن بجبل نفوسة عمر بن يمكتن علمه بمنزل يقال له أيفاطمان، قال ويقال إن عمر بن يمكتن إنما تعلم القرآن بطريق مغمداس يتلقى فيها السائلة والمارة من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف فإذا حفظه رجع إلى المحجّة فيكتب من المارّة والرفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلم العلم قال وهو أصغر ولد دمرا الحمدانية بنت درجوا امرأة يمكتن، قال وذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن في أول الإسلام وقلّ المتعلمون في البلدان وكان عاملا لأبي الخطاب على سرت وهو الذي مر عليه أعرابي مقبلا من المشرق فقال عمر له تخشى أن يغفلنا محمد بن الأشعث فأجابه بأنه لا يأتيكم بغفلة وهو في جند أمير المؤمنين رجال مشمرين وخيل مضمرات وسيوف مهندات بل يأتيكم نهارا جهارا فيعطي الله الغلبة لمن يشاء وهو رحمه الله من خيار المسلمين واستشهد مع أبي الخطاب وهو صاحب لواء لواته، قال ليس له للواته مع أبي الخطاب إلا لواء عمر. (1/143)
صفحة 144
ومنهم موسى بن عبد الله بن يمكتن، وأخوه إبراهيم وهما من خيار جند أبي الخطاب رحمهما الله.
ومنهم أوس بن عمر الهواري، وأبو يحيى الهواري:
قال ابن سلام ومع ابن الخطاب ليلة الجند بغمداس من خيار قادة البربر في محاربته الجند أبو يحيى الهواري واوس المزاتيان وكانا من خيار جند أبي الخطاب ومن مشاهير أصحابه.
ومنهم محمد البدي، وسعيد بن قايد المزاتي وهما أيضا من جند أبي الخطاب .
ومنهم ابن مغطير النفوسي الجناوني:
وكان شيخا فاضلا فقيها كان ممن أخذ عن أبي عبيدة مسلم ثم قدم بعد الخمسة المذكورون فانتقل عن الفتيا وقال إني أخذت عن أبي عبيدة ولم يحرر لي المأخوذ به عنده من الأقوال وهؤلاء أخذوا آخرا وقد حرر المختار عنده من الأقوال.
وفي كتاب سير مشايخ نفوسة ومثله لأبي زكريا أن أمير المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن حين كان بجبل نفوسة تخاصم عنده رجلان فتكلم المدعى فاستردد الإمام المدعا الجواب فلم يجب بشيء بل تكلم بما لا ينبغي فقال الإمام هل هاهنا ابن مغطير قالوا لا قال الإمام قوما إلى غدٍ ثم اختصما من غد فأبى من رد الجواب قال الإمام هل هنا ابن مغطير قالوا لا فقال ارتفعا إلى غد فلما اختصما امتنع من رد الجواب فقال الإمام أبلمجلس [أبالمجلس] ابن مغطير قالوا لا فلما كان اليوم الرابع وامتنع من رد الجواب وكان ابن مغطير حاضرا في ناحيته مستغشيا بثوبه قال الإمام أبلمجلس [أبالمجلس] ابن مغطير فلم يتم الغمام قوله إلا وقد وثب ابن مغطير على الممتنع فوطئه بركبته وصاح أغثني يا إمام أدركني يا أمير المؤمنين فأمره الإمام بتركه فتركه فاستردده الجواب فأجاب وأذعن للحق وكان ابن مغطير شديد الشكيمة قوي العريكة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومنهم أبو داود القبلي: (1/144)
صفحة 145
من بلاد نفزاوة وكان شيخا مشهورا عالما ممن أخذ العلم عن أبي عبيدة بل أحد الخمسة وأخذ عنه الإمام عبد الوهاب مع كثرة علمه إذا جلس بين يديه كالصبي أمام المعلم، وفي كتاب سير أشياخ نفوسة إنّ أبا عبيدة قال له لا تفت بما سمعت مني ولا ما لم تسمع، وقال للإمام عبد الرحمن أفت بما سمعت وما لم تسمع وقال لأبي الخطاب أفت بما سمعت مني.
ثمّ الطبقة الذين من بعدهم
منهم الإمام الباسل الشجاع التقي اللين الحليم أمي المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن دوستار بن سابور بن بابكان بن سابور: (1/145)
صفحة 146
ذي الاكتاق الفاريس بويع بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن بمدينة تيهرت بنحو شهر وذلك أن عبد الرحمن لما حضره الموت جعلها شورى بين اشياخ المسملين، مسعود الأندلسي، ويزيد بن فندين، وأبي قدامة اليفرني، وعمران بن مروان الأندلسي، وأبي الموفق سعدوس بن عطيدة، وشكر بن صالح الكتامي، ومصعب بن سرمان، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن، فتدافعوها فأجمعوا على أحد اثنين؛ مسعود وعبد الوهاب، ثم مال الأكثرون والعامة إلى تولية مسعود فبادروا إلى مبايعته بلغه الخبر فاختفى فأرادوا عبد الوهاب وخرج مبادرا ليكون أول مبايع عبد الوهاب ومال أبو قدامة إلى مبايعتة عبد الوهاب لأن أم عبد الوهاب يفرينة وطمع أن يؤثره على من سواه فتكلم هو و أصحابه حين أرادوا مبايعته أن لا يقطع أمرا دون مشورة جماعة من المسلمين معلومة، فقال مسعود وجماعة المسملين لا نعلم شرطا في الإمامة إلا أن يحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيه - عليه السلام - وأثار الصالحين قبله، فسكت يزيد وأصحابه عن ذكر الشرط حين رد عليهم المسلمون فأوّل من بايعه مسعود وتتابع المسلمون ثم بايعه المسلمون بيعة عامة فحملوه إلى دار الإمارة فلم يتخلف عن بيعته أحد ولم ينقم عليه أحدٌ حكما ولا أمرا، وكانت تيهرت مدينة عظيمة بناها عبد الرحمن في موضع مربع ولدا سميت تاقدمت وتفسيرها الدف وقد تقدم أنها أرض لقوم وهم بعض صنهاجة وداسة مستضعفين فراودهم عبد الرحمن على البيع فامتنعوا فمن ورعه وعدله أن اتفق معهم أن يأخذوا الخراج من الأسواق ويتركوا الناس يبنون ففعلوا وكانوا يأخذون ما عليه الاتفاق. (1/146)
صفحة 147
ثمّ إن عبد الوهاب لما تمّت البيعة قدم الراغبين عن الأمور وآخر الراغبين فيها فوقع في نفس ابن فندين وسقط في يده جماعةٌ من أهل الرغبة في الولايات فجددوا فيما أمسكوا عنه من الشرط أعني قولهم لا يقطع أمرا دون جماعة معلومة من المسلمين التماسا لشق العصا وسلما للتفريق فالتمسوا عزل بعض الولاة لغير سبب فشاور جماعة من أهل الصلاح فأبوا ألا يحدث فأكثروا الحديث والنجوى فسموا نجوية وخادعوا الناس بأقوالهم واضطروا فإذا لقوا من لا بصيرة له في الدين قالوا شرطنا أن لا يقطع أمرا ولا يقضي دون جماعة معلومة وإذا خلوا بإخوانهم قالوا قدم علينا من نحن أولى منه بالتقديم وقد ولينا الأمر على أن يقدمنا ويرفع درجتنا فأخرنا، وإذا لقوا الضعفاء قالوا لا تجوز إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه فأفشوا القيل والقال وارتحلوا إلى خارج المدينة وإلى الجبال ليتمكنوا من قلوبي الضعفاء ومن لا بصيرة له ولتتم كلمتهم فاصطلح جماعة المسلمين ومن لا يريد الافتراق وشق العصا من ابن فندين أن يكتبوا إلى إخوانهم وعلمائهم بالمشرق فيعملون بموجب ما يرونه ويحببونهم به فاختاروا من يرفع الكتاب وكتبوا ما وقع به الخلاف وحمله الأمناء، فلما بلغوا مصر صادفوا بها شعيبا أبا المعرف وشيعته وقصوا عليه الأخبار وما جرى من موت الإمام عبد الرحمن واتفاق الناس على تقديم عبد الوهاب وذكر يزيد بن فندين الشرط الذي شرطه وسألوا سائر العلماء الذين بها واتفقت الفتيا على أن الإمامة تامة والشرط باطل، وقد كلف أهل المغرب لحمل ما كتبوا رسولين أمينين عند الجميع فلما قدما مكة مع من معهم ألفوا بها الربيع بن حبيب ووائل بن أيوب ومخلد بن العمرد وغيرهم من المشايخ ففهموا ما سألوهم عنه واتفق رأيهم عنه واتفق رأيهم على أن يكتبوا لهم جواب ما سألوا عنه ولم يألوا جهدا في النصح واجتهدوا في النظر لله ولدينه ولأهل دينه ثم كتبوا الكتاب وألقاه مخلد بن العمرد إلى عبد الرحمن (1/147)
صفحة 148
بن محمد بن مسلمة فدفعه إليه وأمره بنسخه ليكون حجة للمسلمين بعدهم، ومن جملة ما تضمنه الكتاب أن الإمامة تامة والشرط باطل وأن القول قوله وأنه مصيب وله ما صنع إلا أشياء عابوها عليه وأمره أن يرجع عنها فكان قوله انه لم يفعل ذلك مقال أنه كان غلطا مني في كتاب كتبته في أسنان الإبل ولم يكن بقصد.
وكان شعيب حين أخبره الرسولان بمصر عن أمر المغرب خرج من غير مشهور المسلمين ومشايخ مصر بل نهاه خيارهم أن يخرج إلى المغرب فخرج ومعه أبو المتوكل من أصحابه وجماعة من شيعته فجدوا السير طمعا في الولاية وقيل وردوا تيهرت في عشرين يوما وانضوا رواحلهم وأعجفوها فنزلوا عنها وكانوا يسوقونها سوقا، فلما وصل تيهرت بمن معه دخل على الإمام عبد الوهاب فسأله الإمام - رضي الله عنهم - عن الإمام ولي بشرط أن لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة فأجابه شعيب إنّ الإمامة صحيحة والشرط باطل، وسأله هل يتولى الإمامة رجل وفي جماعة المسلمين من هو أعلم؟ فأجابه بجواز ذلك، ثمّ أن شعيبا خرج فتوجه نحو أبي قدامة وأصحابه فأطمعوه في الأمور قيل فندم على فتياه التي تقدمت فوازر ابن فندين على الإمام، فخرج من كان ينظر إليه من النكار من المدينة إلى الجبال والمنازل فأكثروا التناجي ثم اجتمعوا بكدية فأظهروا إنكار إمامة عبد الوهاب، ولذلك سموا نكارا وسموا نكاثا لنكثهم بيعة الإمامـ ثم أكثروا دخول المدينة بالجماعات، فكلم بعض الناس الإمام أن ينهاهم فنهاهم فلم يشتغلوا به فكلمهم في خروجهم من المدينة إلى المنازل وجبال المدينة فقالوا: هذه مدينتنا وتلك منازلنا فإن عصينا في خروجنا من المدينة انتهينا ثم صاروا يدخلون المدينة بالسلاح فنهاهم عن إمساك السلاح، فقالوا: إن كان معصية تركنا، وخاف من غدرهم فأمر أهل المدينة أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم فلما لم يجدوا غفلة أرادوا أن يكيدوا الإمام فيقتلوه فتكا أو غيلة. (1/148)
صفحة 149
قال أبو زكريا: بلغنا أن جماعة منهم تواثقوا على غدر الإمام - رضي الله عنهم - فالتمسوا الحيلة في الوصول إلى ذلك، فأداروا بينهم فلم يتجه لهم فقام منهم رجل فقال: اجعلوني في تابوت واجعلوا قفله في داخله فالتمسوا وصولي إلى بيته فعمدوا إلى تابوت فجعلوه فيه فأظهروا أنهم يتخاصمون على ما فيه وأن كل واحد لا تطمئنّ نفسه بتركه عند خصميه ورغبوا إلى الغمام أن يكون عنده إلى أن يتفقوا فأجابهم فلما حملوه استراب ثقله وكون قفله من داخل واتفقوا مع صاحبهم إذا قتل الإمام أذن لصلاة الصبح فيضعون السلاح في أهل المدينة وتهيأوا لذلك واستبشروا بنيل المطلوب، فلما جاء الليل وقضا الإمام ورده من الصلاة وغيرها من نظر الكتب وكان من عادته إذا فرغ من الصلاة أخذ كتابا ينظر فيه، ثم عمد الإمام تلك الليلة إلى زق منفوخ فألقاه على فراشه وألقى عليه رداء أبيضاً، وأخفى السراج وتنحى ناحية لما وقع نفسه من الريبة فلما سجى البيت وهدى وسكن حركة الإمام ظنّ أنه نام فتح التابوت وخرج فتأمّل البيت فظنّ أن الزق هو الإمام فضربه بالسيف وظنّ بالفوز والظفر بالبغية فأخرج الإمام السراج وسقط في يده فقتله الإمام وكان شجاعا بطلا فرده في تابوته فتسمعوا للأذان فأقبل بعضهم فلما لم يسمعوا علموا أن صاحبهم لم يفعل شيئا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الإمام وصاحبهم وهل سمع أذانا أو شيئا فاجتمعوا إلى الغمام وقالوا اتفقنا ونريد تابوتنا قال اذهبوا إلى موضعه الذي تركتموه به فخذوه فذهبوا فحملوه إلى مأمنهم فإذا صاحبهم قتيلا فخيب الله سعيهم وأظهر بغيهم وأخلف ظنهم فخرجوا منها خائفين أن يجازوا بما صنعوا. (1/149)
صفحة 150
ثم أن شعيبا أبا المعرف حرض ابن فندين على مناجزة الإمام بالقتل خشية أن يرجع الرسولان من المشرق فتقوم عليهم الحجة فينتقض ما أبرموا وينفتق ما رتقوا لأنهم زينوا للضعفاء أمورا وزخرفوا لهم ما يحسبونهم به محقين فصاروا ينتظرون الغرة والغفلة فخرج الإمام يوما لبعض حوائجه فانتهزوا الفرصة فبادروا المدينة ففطن بهم قبل دخولها فتلقاهم الناس.
وكان أفلح بن عبد الوهاب يمشط رأسه وقد ظفر منه نحو الشطر وبقي الشطر فأخذ سلاحه وترسه فوقف لهم على باب المدينة وقد كادوا يدخلونها، ونشب إحدى رجليه على العتبة السفلى من باب المدينة فانسلخ رجليه إلى العرقوب وجالدهم حتى لم يبق في مدرقته ما يصلح أن يكون وقاية فأخذ إحدى مصرعي باب المدينة فاتقى به وابن فندين بين يديه يضرب الناس يمينا وشمالا وعلى رأسه بيضتان فضربه فسمه نصفين فنشب السيف في الصفا من شدة الضربة فلما مات انهزمت أصحابه فقدم الإمام فوجد القتلى على باب المدينة فصلى عليهم جميعا طمعا في اجتماع الكلمة بعد الفرقة، وقيل عدد القتلى تقرب من اثني عشر ألف قتل والله أعلم، فأراد جماعة رد الباب عن المصراع الذي نزع أفلح فلم يقدروا فقالوا له أردد ما نزعت فقال أرددوا عليّ غيظي أردده.
ثم إن شعيبا انهزم مع القوم وانتقل إلى طرابلس وأظهر البراءة من عبد الوهاب وقال قتل المسلمين واستقبل الحاج بمثل ذلك فبرئ منه الربيع ومن ابن فندين وممن قتل معه إلا من تاب. (1/150)
صفحة 151
قال أبو زكريا: كان الربيع بن حبيب يقول في مجلسه: عبد الوهاب إمامنا وثقتنا وإمام المسلمين أجمعين، ويظهر البراءة من شعيب ويزيد بن فندين وعوتب على براءته من شعيب من غير حدث، قال وأي حدث أعظم من براءته من عبد الوهاب أمير المؤمنين، ورأيت في رسالة تنسب إلى الربيع ومخلد ووائل أن شعيبا خرج من البصرة مستخفيا لا يعلم به الربيع ولا غيره من المسلمين ولا أين توجه إلا خاصته الذين هم على رأيه فقدم مصر وبلغه وفاة ابن رستم رحمة الله عليه ومغفرته وجازاه عن الإسلام وأهله خيراً وأن شعيبا وأبا المتوكل ونفرا من أهل مصر كانوا في مجلس لهم وأن شعيبا تكلم فزعم أن الربيع رحمه الله كذاب خائن مخلف جاهل فشهد عليه بذلك رجلان من المسلمين شهدا ذلك المجلس وهما من صلحاء المسلمين وخيارهم. (1/151)
صفحة 152
فلم يلبث أن خرج بغير مشاورة من أهل مصر ولا رأى منهم ولقد نهاه خيارهم أن يخرج إلى المغرب فخرج وهو عند المسلمين بأقبح المنازل حتى قدم على عبد الوهاب رحمه الله وقد كان من أمر أبي قدامة وأصحابه ما قد كان من منازعتهم أمامهم عبد الوهاب- رضي الله عنهم -، فقال: أبو قدامة وناس من أصحابه لعبد الوهاب اعتزل أمرنا حتى نولي أمرنا غيرك وكثرت منازعتهم في ذلك حتى استقام رأيهم أن يبعثوا رسولين ويكف بعضهم عن بعض حتى يرجع إليهم رسولاهم وجواب كتابهم من عند المسلمين فما أتاهم من قبل المسلمين أخذوا به واجتمعوا عليه فقدم رسولاهم مكة وبها يومئذ الربيع وجماعته المسلمين فقرأوا كتابهم وسألوهم ثم نظروا واجتهدوا ولم يألوا جهدا فيما يوافق الهدى والعدل وفيما يصلح الله به أمر المسلمين فكتبوا به وبعثوا به مع رسولهم فلم يصل الرسولان ولا كتابهما الذي رجوا منفعته وصلاح أمرهم فيه حتى خرج أبو قدامة وأصحابه فعسكروا حيث شاء الله ثم أن أبا قدامة ومن معه ساروا على عبد الوهاب والمسلمين وهم في منازلهم وبدوا بالقتال فاقتتلوا فقتل من بلغ أجله فقدم الحاج فيهم من كان مع عبد الوهاب والمسلمين ومنهم من كان مع أب قدامة ومن معه فذكروا أن المسير كان من أبي قدامة وأصحابه إلى المسلمين وان عبد الوهاب كان مقيما في منزله وعسكره حتى غشيهم أبو قدامة ومن معه فقامت البينة العدول فيما علمنا أن [البداية] كانت من أبي قدامة، وأن شعيبا كان الرسول فيما بينهم وأمر أصحاب أبي قدامة بالمسير والقتال وزعم أن دم عبد الوهاب ومن معه حلال وشجع القوم وهو أمر بذلك وأعجلهم من أن يأتي رسولاهم وجواب كتابهم وكان تصديق ذلك عند المسلمين على شعيب أنه لما كان من قتل أصحابه أبي قدامة ما كان خرج منها شعيب وقدم طرابلس فأظهر البراءة من عبد الوهاب ومن معه وأحل دماءهم فاستقبل الحاج فأظهر مثل ذلك. (1/152)
صفحة 153
فلما رأى الربيع والمسلمون معه ما كان من شعيب ومن مسير أبي قدامة ومن قبله نظروا واجتهدوا في النظر لله ولدينه ولأهل دينه فرأوا أن من عمل بمثل ما عمل به شعيب فهو هالك بريء من الإسلام حتى يتوب ويراجع الحق فأظهروا البراءة من حيث لم يسعه إلا ذلك. انتهى كما هو.
وفيها أن أصحاب أبي قدامة ومن قتل منهم قتل باغيا متعديا ومن بقي منهم فهو هالك إلا من تاب وندم وراجع الحق وأهله فمن تاب لم يعير بما كان منه وقبل منهم. انتهى..
ورأيت في رسالة أخرى ما هو أبسط من هذا، وفيها أنهم عزلوا الربيع في البراءة من شعيب فقال سماني كاذبا خائنا وبرئ من عبد الوهاب، قالوا: عبد الوهاب قتل المسلمين فهو أحق بالبراءة من شعيب، ثم ذكر فيها أمر عبد الوهاب من أول البيعة وما اشترطوا عليه وإرسال الكتاب والرسولين بالجواب إلى آخر القصة إلا أن فيها بسطا وطولا، وقصدي الاختصار.
قال أبو زكريا: أصبح ميمون بن عبد الوهاب قتيلا مفرق الأعضاء، فقال أبوه: اجتمع فيك قول القائل ويل لمن مرت الخيل بكساه وويح لمن أصيب بليل وإذا مسست ابن السلطان فامسسه عنيفا ثم استعمل ابنه جابيا للصدقة فلما بلغ إلى النكار قالوا يابن المهدور دمه فأخبر جده بقولهم فاستثبت فصح عنده أنهم قتلوه فأرسله غليهم في إليهم في عسكر فقاتلهم فهزمهم الله ولم يطيقوا إحصاء القتلى فنظروا في أقل الأسماء فوجدوا هارون فأحصوا ما قتل ممن اسمه هارون فوجدوا ثلاثمائة فأوهن الله شوكتهم لعله، لما قدم عليهم أبوا أن يدفعوا له القتلى أو ناصبوه الحرب فبدأوا بالقتال، و إلا فالمشهور من سيرته أنه لا يتبع مدبرا ولا يجيز على جريح ولا يبتدئ بقتال. (1/153)
صفحة 154
ثم تحركت عليه قبائل البربر وكانوا على مذهب واصل بن عطاء أعني معتزلة وذلك أنه لما وقع ما وقع بين الإباضية من انشقاق العصا وكثرت القتلى انتهزوا الفرصة لكثرة عددهم وقوة شوكتهم فاعتذر الإمام عبد الوهاب إليهم عادته في عدم المبادرة إلى البسط وسفك الدماء مرة بعد أخرى، فما زادهم ذلك إلا شغبا، وكانت فيهم أبطال وكانت فيهم أبطال وكان زعيمهم وحاميتهم ابن قائدهم وسيّدهم فبرز إليه عبد الوهاب في عساكره فآل أمرهم إلى القتال فكانت بينهم وقعات، فلما رأى الإمام شدة شوكتهم وكثرة عددهم أرسل إلى جبل نفوسة وإلى عامله بها أن يمده بجيش يتضمن شجعانا وفرسانا عارفين بأبواب الحرب ومبارزة الأبطال وعلماء بفنون التفسير والرد على المخالفين والحلال والحرام، وقيل مائة بطل للمبارزة، و مائة مفسر، و مائة متكلم عارف بفنون الرد، و مائة عالم بفنون الحلال والحرام لأن الواصلية معهم عالم أعيى من هناك في الكلام وفيهم شاب لا بارزه أحد إلا قتله ولا يقوم له في القتال شيء، فلما ورد الخبر إلى نفوسة اختاروا محمد بن يانس ومهديا وأبا الحسن الأبدلاني، وأيوب بن العباس، فلما وردوا على الإمام استسرّ بقدومهم وقد قدم لغلمانه أن من أتاه بخبرهم أعتق وخرج حرا فلما رأوهم مقبلين كان غلام منهم أعرج على سور المدينة فلما رأى الغلمان يتسابقون علم أن ذلك من قدوم نفوسة فأخبر الإمام بقدومهم فخرج حرا فلما بشره الغلمان قال لهم فاز بها الأعرج فأرسلها مثلا، وسيأتي خبرهم عند ذكر محمد بن يانس. (1/154)
صفحة 155
وكان ينتظر قدوم العسكر الذي فيه كثرة العلماء والأبطال فلما دخلوا عليه بأربعة استخبرهم عن أحوالهم وكل واحد وما يخصه، وما ضمن من الخصال التي بعث لهم فيها فذكر أيوب بن عباس أنه تكفل أمر المبارزة، ومحمد بن يانس تفسير القرآن وأنه أخذه عن الثقة، ومهدي للكلام والحجة، وأبو الحسن الحلال والحرام، وسيأتي التعريف بأخبارهم وأحوالهم إن شاء الله ثم أدخلهم دار الضيافة وأجرى عليهم الأرزاق وكان للإمام مع المعتزلة حروب ومناظرات ووقائع، وكان الإمام من العلماء الراسخين، وكذا سائر أهل بيته كما سيأتيك التعريف عليهم بعد إن شاء الله فسألهم يوما فقال مهدي سأكفيك أمر المناظرة إن شاء الله، وقال محمد: سأكفيك أمر التفسير، وكان قد أجلوا أجلا جعلوا الموعد يوما معلوما، فقال الإمام لمهدي وقع بيني وبين المعتزلي في مناظرتي له كذا وكذا فذكر ما وقع بينهما من الحديث، فكلما زاغ المعتزلي عن الحق وحاد عن الصواب قال امهدي هاهنا ذهب عن الإلزام وهاهنا ليس بالشبهة حتى أطلعه على مكامنه وما لبس به، وقيل غاب مهدي يوما وهو بتيهرت فرجع مع الليل بعد أن أكلوا عشاءهم، فقالوا: أين غبت؟ فقال: أفحمت تسعين عالما من المخالفين فتقدم إلى عشائه فصادف عجين غدائهم فلما أخذ بلغته قال أ عشاؤكم الليلة لم ينضج؟ قال له بعضهم: لعلك صادفت العجين فكان الأمر كذلك، قال حمدت الله في ثلاث: أقضي بقليل من النوم غرضي وبأي طعام سددت جوعتي ولا أخشى من مخالف يفحمني في حجتي، فلما بلغ الأجل حضرت المعتزلة اشتكى أيوب من تعب فرسه وحفائها وطلب غيره فأدخله إلى خيل السلطان يختار ما يريد ويشتهي فكلما أعجبه فرس منها أخذ بناصيته فيجبذه فيكاد يقع على ركبتيه فلم يجد فيها ما يرضيه فقال عليّ بفرسي فأحضر فأخذ بناصيته جابذا له بقوته فما أثر فيه شيء من ذلك فجرّه من الحفاء الذي به فحضر به القتال وبلغ الخبر المعتزلة بقدوم نفوسة، فلما التقى العسكران تاقت النفوس من الفريقين (1/155)
صفحة 156
إلى رؤية أيوب لما يسمع الناس من شجاعته وأنه المتكفل بفارس المعتزلة وحاميتها الذي يفترس الأقران واعجز الفرسان، ثم أن الإمام دعا المعتزلة إلى ترك ما به ضلوا وأبوا إلا التمادي وطلبوا المناظرة فخرج عالمهم وبرز إليه المهدي بين الصفين ومعه الإمام في جماعة المسلمين، فقال مهدي لمحمد بن يانس ناظره، قال بل ناظره أنت، ولست بأعلم مني ولكن خشيت العرق الذي فيّ من قبل يانس فتناظرا حتى غاصا بحيث لا يفهم ما يقولان من الحاضرين إلا الغمام فتمادى بهم البحث حتى خفي عن الإمام وغيره فأفحمه مهدي فكبر المسلمون فافترقا من المناظرة وقد خزي المعتزلة فخرج حاميتهم طالبا للبراز فخرج إليه أيوب جابذا فرسه حتى أبصر الفريقان فتجاهل حين ازداد الركوب فأضحك الفريقين واستبشر المعتزلة وازدرته أعينهم إلا أباه فقال هيهات جاء قاتل ابني قالوا وكيف ذلك قال ألا ترون كيف أدلى فرسه حين ركبه ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحادق، وقيل: إن سنان حربته ثمانية عشر رطلا فقذفها في الهواء وهيّأ لها رمحه فوقعت فيه مستوية فتمكنت لا تحتاج إلى تركيب والناس ينظرون فبارزه المعتزلي قيل سلكه في رمحه، وقيل ألقاه مجندلا فانهزمت المعتزلة لما أبصرت عميدها وحاميتها قتيلا، قيل: قتل أيوب منهم قتلى كثيرة، وكذا أفلح وفات أحدهما صاحبه بواحد، وقيل إن أيوب قال ضربت شيئا نبا عنه السيف لصلابته فنظروا فإذا هو عمود قسمه نصفين بضربته فدخل المعتزلة تحت طاعة الإمام ووضعت الحرب أوزارها وأرادوا أن يمكروا بأيوب ويقتلوه غيلة أو فتكا، فأرسلوا إليه ليكرموه فمنعه المسملون أو بعضهم فأبى إلا السير فأخافوه الغدر ولم يلتفت إلى قولهم فلما بلغ إلى بعض أحيائهم أنزلوه في خص فقدموا إليه العشاء ورحبوا به فأكل ما على المائدة وما فيها ومن جملة ذلك شاة ثم قدم إليه وطب لبن فشربه جميعا ثم أخذ في قراءة القرآن بعد أن صلى حتى أصبح فصلى بوضوئه فأمرهم أن يقربوا إليه فرسه فلم (1/156)
صفحة 157
يجدوا فرصة لغدره فتكفل لهم بعض فتاكهم بقتله فلما ركب طلبوا إليه أن يعلمهم الفروسة فأجابهم فاخذوا قضبانا يترامون بها فهو معهم في ذلك إذ حمل عليه المتكفل بقتله ولم يشعر حتى كاد أن يطعنه فتغافل له حتى ضربه فالتقى الضربة وحمل عليه فقتله وقتل معه ثمانية ثم حمل على الجهة الأخرى وقتل ثمانية فقال لنساء الحيّ أيكفيكن أم أزيدكنّ فقلن يكفينا.
ومن مشهور شجاعته ما ذكر أنه جاز على أسد ولبؤة وأشبال فقطع أرجلها فجاز على حيّ فقال من يبتغي اللحم المكروه فعليه بالوادي فذهبوا مبادرين فمن كان يأكل المكروه أخذ، وكان الإمام - رضي الله عنهم - كثير المال ممن اتسعت عليه الدنيا وسببه أنه كان في أيام أبيه رحمه الله تاجرا وكانت تيهرت لما اشتهر عدل عبد الرحمن انتقل إليها أهل الأموال والتجار من مصر وإفريقية والمغرب لخوفهم على أموالهم من أئمة الجور، ومن هناك دخلنها الفرق ونفقت فيها السلع مع كونها كثيرة الخصب فعظمت بها الأموال، وكان عبد الوهاب حاذقا بالتجارة واتسعت أمواله، فلما تمكن من الخلافة وانقطعت مادة الفساد والفتنة وهدأت الأوطان أردا الحج فارتحل حتى زل جبل دمّر وله مسجد مشهور بمسجد عبد الوهاب وله في تطاوين مصلى غير مسقف وكنت آتيه في موعد بيني وبين بعض المخالفين فطلبت من أهل تلك البلاد فسقفوه. (1/157)
صفحة 158
وذكر أبو زكريا أن مصلى بتلالت والله أعلم، قال وفي موضع المصلى بلاطة يتكئ عليها إذا قعد مساويا بها رأسه وهي اليوم تحاذي رأس الزاقف ثم تحول إلى جبل نفوسة عازما على الحج فمنعوه خوفا من المسودة أن يمسكوه فتتعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكام الشريعة، قالوا له: ولا نجد سبيلا إلى تولية غيرك وبيتك في أعناقنا فأرسل رجلا نفوسيا من أهل تمزدا إلى أبي عمر الربيع بن حبيب وإلى ابن عباد وكان مرجع أمور المسلمين فأجابه الربيع من كان مثلك في العناء بأمور المسلمين وحمل أمانتهم وخاف على نفسه من المسودة أن يبعث بحجة وهو حي وأجابه ابن عباد أن من كان على هذه الصفة فلا حج عليه لأن من شرط الحج أمان الطريق، فلما قدمت عليه رسله أخذ بقول الربيع فأرسل رجلا من أهل تمزدا يحج عنه فأقام بجبل نفوسة في تلك النوبة سبعة أعوام يقرأون عليه مسائل الصلاة ومسجده بميري في بني زمور مشهور إلى الآن، وتزوجت الفرس ومن مع الإمام إماء أهل زمّور فلما أراد الرجوع والانتقال إلى تيهرت حملوا أولادهم منها، فقال أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني لأهل زمّور خذوا عبيدكم فأخذوهم بعد أن حملوا على السروج.
ذكر محاصرة مدينة طرابلس (1/158)
صفحة 159
ولما أقام الإمام بجبل نفوسة ببني زمور وقعت بين هوارة وبين جند طرابلس مخالفة فخرج الجند إليهم إلى واد الرمل فاقتتلوا فهزم الله الجند إلى مدينة طرابلس فأتبعهم من حضر من أهل الدعوة إلى المدينة فخرج الجند الهاربين إلى إبراهيم بن الأغلب وهو عامل لهارون الرشيد على إفريقية ومنزله بالقيروان ومات هارون وأقرّه الأمين فوجه إبراهيم ابنه عبد الله في ثلاثة عشر ألف فارس سوى الإتباع فقاتل هوارة من أهل الدعوة فبلغ الخبر إلى الإمام فأقبل حتى نزل طرابلس وفيها عبد الله بن إبراهيم وحاصرها وسد عبد الله باب زناته وكان يقاتل من باب هوارة فأقام عليها زمانا وكانت محاصرته لها عام ستة وتسعين و مائة وهناك مات مهدي النفوسي وذلك أنه خرج من العسكر إلى شاطئ البحر فسبحوا له حين أبصروه منفردا فسكوه وقطعوا رأسه. (1/159)
صفحة 160
قال أبو زكريا: إذا قالوا له انهزم المسلمون يعون الإمام ومن معه تعبس وإذا قالوا له انهزمت المسودة انبسط وجهه وتبسّم، وفي كتاب سير نفوسة أنهم علقوا رأسه على السور فإذا قالوا له انهزم المسلمون انقبض وجهه وإذا قيل له انهزم أهل المدينة انفتح حاجبه وتبسّم وكل قريب فلما طال الحصار على أهل طرابلس وكان الإمام يشاور أصحابه في المكايد التي يكيدهم بها وكانت المدينة في غاية الحصانة والمنعة فيخرج ما اتفقوا عليه من الرأي وينقض من اتهم بالإخراج حتى إذا لم يبق إلا وزيره مزور بن عمران فلم يخرج لهما خبر فقال الإمام لانحصار المدينة برجل واحد ثم مات إبراهيم بن الأغلب فورد الخبر به إلى الإمام فأخبر بذلك المحصورين وابنه عبد الله فتصالحا على أن تكون المدينة والبحر للمسودة وما كان خارجا فللإمام عبد الوهاب وكانت أيامه بعد ذلك في سكون واعتدال وعماله إلى سرت وإلى قسطالية وعماله عليها زقون بن عمير، وأرسل إلى قابس قطعان بن سلمة الزواغي فحاصرها وكان خارج قابس مطمامة وزنزفة ودمر وزواغة وغيرهم تحت ولاية نظره وكذا جربة فلما تم حجه وقضى وطره منه بعد مراجعتها إلى المشرق ومراسلات إلى الربيع وكذا طرابلس وما وليها وارتحل إلى المغرب إلى تيهرت فطلب إليه أهل نفوسة وغيرهم من القبائل أن يولي عليهم رجلا يستندون غليه ويسندون أمورهم نحوه فطلبوا إليه وزيره السمح بن عبد الأعلى أبي الخطاب بن السمح بن عبيد بن حرملة المغافري وقد تقدم بعض أخبار أبيه وولايته المغرب وبعض سيره وعدله، كان الإمام عبد الوهاب ظنينا به وكان السمح عزيزا عليه ولم يرد الإمام أن يفارقه لكن آثر هواهم على نفسه وعقد له الولاية وتركه في حيز طرابلس عاملا وقد كان الإمام بعث إلى الربيع بن حبيب باثني عشر ألف درهم أو دينار قال ابن سلام بن عمر على ما حدثه نفاث بن نصر النفوسي قال فاشترى بها الربيع جهازا من البصرة وأرسل به أخاه إلى تيهرت فلما وردها جمع عبد الوهاب (1/160)
صفحة 161
تجار تيهرت واشتروا منه جهازه واشتروا له حوائجه في ثمانية أيام فانصرف راجعا إلى المشرق.
وقال أبو زكريا: حدث بعض أصاحبنا أن عبد الوهاب أرسل ألف دينار إلى المشرق إلى إخوانه بالبصرة أن يشتروا له بها الكتب فلما وصلهم الألف اشتروا بها رقا فنسخوا له فيها وفر أربعين جملا كتبا فلما بلغته تشمر وجد لقراءتها ليلا وبعض أوقات النهار وقيل يجرد ثيابه إلا السراويل فختمها فقال الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم استفد منها إلا مسألتين ولو سئلت عنهما لأجبت فيهما قياسا كما رسما في الكتب وهذا من كثرة علمه وقوة فهمه ونقاء قريحته، وتهيؤ نفسه لاكتساب العلوم، وبيت الرسميين احتوى على علوم كثيرة من فقه وإعراب ولغة وفصاحة وعلم نجوم، وعن بعضهم أنه قال معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم أين القمر، وقيل: عن عبد الوهاب بات مع أخت له يتعلمان مسائل الفرائض فلم يطلع عليهما الفجر إلا وهما قد تعلماها جميعا.
وقال ابن سلام: قال قائل من علماء أله المشرق لا أعلم بمن يخرج دماء أهل القبلة في زماننا هذا إلا عبد الرحمن بن رستم بالمغرب وأبو يزيد الخوارزمي يعني والله أعلم أنك لا تتقدم على سفك الدماء إلا بفتيا أحد الرجلين من غزارة علمهما و ورعهما و تحفظهما، وقال الإمام عبد الوهاب رحمه الله: ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي تحل بها الدماء أو بأحدها فذكرت أحدها فتنكر وتكره فأمسكت عن باقيها، كذا قال أبو العباس أحمد بن سعيد في كتاب طبقات العلماء والصالحين من أهل الدعوة وكفاك في فضل الإمام وعدله قول أبي مرداس لا أعرف إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني لم أره وإنما أعرفه بكتابه يعني عبد الخالق ويأتي التعريف بهما وأخبار الإمام وحلمه وشجاعته وعدله وعلمه مشهورة ومقصدنا في هذا التصنيف مطلق التعريف والتنبيه على بعض الكرامات.
ومنهم الشيخ الأفضل أبو هارون: (1/161)
صفحة 162
من أهل بندوفرك وممن أخذ منه ويروي عنه أبو يوسف بن منيب النفوسي وسيأتي التعريف به ومما روي عنه ما ذكر أبو الخير الأرجاني عن أبي يوسف بن منيب عن أبي هارون من أهل بندوفك أنه قال ثم من يقول من العلماء بتشريك الشاك فيمن دفع الرأي المجتمع عليه.
ومنه أبو الخير الأرجاني:
وهو شيخ فاضل مذكور وحقه أن يتأخر عن أهل هذه الطبقة وإنما ذكرته لتقدم ما ذكروه ورواه عن أبي يوسف بن منيب ولم أرد أن أعيده وأما أبو يوسف وإن كثرت فضائله فإنه يأتي به التعريف مع أخيه بعد هذا إن شاء الله وحق بني المنيب لكثرة فضائلهم أن يبسط في أخبارهم ولكن القصد من هذا الكتاب التعريف وفي بعض الكتب عن أبي الخير الارجاني أنه قعد في المجلس في فرسطاء مع أبي محمد الكباوي وأبي يحيى الفرسطائي فوقع سؤال عمن لا يفرز بين كبائر الشرك وكبائر النفاق، فقال أبو يحيى: هو مشرك، فأنكروا عليه قوله، فقالوا له أنزع وتب فحلف بالله لا أنزع منها قولي إلا أن ينزعه الدرفي يعني أبا عيسى وهو حي يومئذ، فقال أبو محمد الكباوي أرفقوا به صدق لكم.
ومنهم السمح بن أبي الخطاب: (1/162)
صفحة 163
وقد كان وزيرا للإمام عبد الوهاب، فطلبه أهل طرابلس إلى الإمام أن يوليه عليهم وكان به ظنينا فآثرهم على نفسه وقدمه عليهم، وقال أبو عيسى الخراساني في رسالته إلى المغرب في قضية خلف بن السمح بعد أن ذكر عبد الوهاب وأثنى عليه بأنه مضى رحمه الله على الرضا من المسلمين والاستقامة لا ينقم عليه أحد من أهل الخير عندنا وعندكم، سيرته فيكم سيرة من مضى من أئمة الهدي وحكم فيكم حكمهم وحربه فيمن حارب حرب من مضى من الأخيار وسيرتهم، ولا ينقم عليه أحد في حكم حَكَمَهُ ولا في قسم قسمه ولا في سيرة سارها، بل كان يدين لله عندنا وعندكم بالحق ودين المسلمين ومشاورة الفقهاء وأهل الرأي من الصالحين والبصيرة في الدين ممن كان قبلنا وقبلكم حتى توفي رحمه الله فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أدركنا أبا أيوب وائل بن أيوب وغيره من الفقهاء بل من المشايخ ومن بعده محبوبا أبا سفيان بن الرحيل وهم رضوان عنه لا ينقمون عنه شيئا والحمد لله، وقد كان فيما أبلغنا استعمل على بعض قراكم وبلادكم السمح فكان السمح على تلك الطريقة والاستقامة لا ينقم عليه أحد من المسلمين في حكم حكمه ولا في قسم قسمه، يسير فيهم بسيرة صاحبه وأهل التقوى من الأئمة قبله ثم مضى لسبيله رحمه الله، انتهى كلامه.
قال أبو زكريا: السمح عامل على حيز طرابلس فأحسن فيهم السيرة وعدل في حكمه فذلك حاله مقرا بإمامة عبد الوهاب، وناصحا له في رعيته وراضيا عنه، فلما حضرت الوفاة السمح اجتمع إليه وجوه أصحابه وقد استعمل في طرابلس وحيزها عمالا كثيرة تحته، قالوا له: أوصنا ومرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا مطيعوك في حياتك وبعد وفاتك، فإنك لن تألونا رشدا جزاك الله عنا وعن الإسلام خيرا، فاقل السمح: أوصيكم بتقوى الله، والاتباع لما أمركم به، والانتهاء عما زجركم عنه، وطاعة إمامكم عبد الوهاب، وتأييده مادام مستقيما على الحق الذي عليهسلفكم، وجهاد من خالفهم، فتوفي رحمه الله. (1/163)
صفحة 164
وفي كتاب "سير نفوسة" أن رجالا من أهل المشرق قدموا زائرين زمان الإمام عبد الوهاب فاختاروا من تيهرت الإمام ووزيره أبا عبد الأعلى السمح واختاروا من نفوسة أبا مرداس وأبا زكريا التكيتي والعباس ولعل الوزير مزور بن عمران لأن اشتهار العباس وتوليته بعد السمح.
ومنهم مزور بن عمران:
وزير الإمام، وشهرته في الخير كاف عن التعريف به، وأخباره، وسيرته، وحسن سياسته، وإنصافه، ونصيحته للإسلام معروفة.
ومنهم أيوب بن عباس النفوسي:
من أهل التقى والصلاح والاشتهار في طرق الخير وسبل الرشاد، وكان الغاية في الشجاعة، وقيل: إنه قال لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني وله أخبار في الشجاعة وسير في الحروب ومعرفة مراسها ومزاولتها خلدت في بطون الأوراق وقد قدمنا التنبيه عليه في سيرة الإمام عبد الوهاب.
ومنهم أبو المنيب محمد بن يانس رحمه الله: (1/164)
صفحة 165
المجاهد لنفسه المطيع لربه ذو المناقب الشهيرة والمآثر الكريمة وهو أحد الأربعة الذين تكفلوا رد الواصلية الباغين على الإمام وهو خصوصا تكفل علم تفسير كتاب الله وأنه أخذه عمن وثق به وهو من الاثني عشر الذين وسموا في الجبل بإجابة الدعاء في زمان واحد وقد اختص بكثرة الكرامات والتفرغ لفعل الطاعات، ومن ذلك أنه لما أرسل الغمام إلى نفوسة أن يبعثوا له جيشا يتضمن مائة فقيه و مائة مفسر، و مائة مبارز، و مائة متكلم أي يقوموا بعلم الكلام وهو أصول الدين، فساروا بأربعة كل واحد تكفل ما تفعله المائة، وقيل إن أبا المنيب إنما ضمن الحلال والحرام وأبو الحسن هو الذي ضمن تفسير القرآن، فلما ارتحلوا واستقلوا طلبهم محمد بن يانس أن يولي أمر خدمتهم لما يرجوا فيه الثواب فأجابوه إلى ذلك، وكان عادته معهم إذا نزلوا قد خيلهم واشتغل بعشائهم ثم إذا صلوا وأتموا أورادهم وناموا أخذ في الصلاة إلى طلوع الفجر فلما رأوا ما تحمل من المشقة وحما على نفسه من الطاقة قالوا أترك قيام الليل أو خدمتنا، وعزموا عليه بترك أحدهما قال ترك خدمتكم مما لا سبيل إليه، وأما قيام الليل فذروني أصل ركعتين فسامحوا في الركعتين فقرأ بنصف القرآن في ركعة وبالنصف الآخر في ركعة فانفلق الصبح وطلع الفجر فلما نظروا إلى ما حمل نفسه المشقة في طول القيام، قالوا: ارجع إلى عادتك فرجع إليها ونظر إليه بعضهم في ليلة باردة ذات مطر والريح تضرب بثوبه رجليه والمطر نازل عليه وهو قائم في الصلاة، فقال إن لم يدخل الجنة إلا من فعل فعلك أخذته الوحشة، فلما رجعوا من عند الإمام أخذتهم شدة الحر فضربوا خباءهم فدخلوا فلم يدخل فسمعهم يتمنون ما يشتهون تمنى أحدهم لبنا وآخر ماء أيندل ولم أحفظ ما تمنى الثالث، (وذكر أبو العباس أنه رافق رجلين فتمنيا فقال لهما إن الثالث)[ أظنّها زائدة] وذكر أبو العباس أنه رافق رجلين فتمنيا فقال لهما إن كتمتما ما تريانه يحضر ما تمنيتماه فحل فم السفا (1/165)
صفحة 166
فصب منه لبنا وصب للآخر ما تمنى من الماء بحيث لا يشكون أنه ماء الموضع أعني أيندل عين بقرب الجزيرة بجبل نفوسة ورأيته بخط عمنا يحيى بن أبي العز في كتاب السير لمشايخ نفوسة بباء بعد همزة وقد أخذ عليهم أو عليهما ميثاقا أن لا يذكران ذلك.
قال أبو العباس: ودخلوا في وجهتهم هذه مدينة من المدن فمرت بهم امرأة في أيدي الشرطة يقتلونها وهي تصيح أغيثوني معاشر المسلمين فأغاثها وسل سيفه فدافعهم وخلصها ثم حملوه إلى السلطان فقال ما حملك على ما فعلت؟ فقال: لما سمعتها تستغيث بالله و المسلمين لم أتمالك نفسي ولم أوف بديني إن سلمتها، فأمعن فيه النظر فقال تركناها لله وإيجابا لحقك ثم رجع فوجد أصحابه مستخفين خوف سوء العاقبة فقال قيامي لله وهو أعلم بحالي، وفي سير مشايخ نفوسة وهو الصواب إن شاء الله تعالى أنه كان بمصر وسمع رجلا يقول: إنا بالله وبالسلطان، قم قال: إنا بالله وبأهل المروءة، فلم يشتغل به، ثم قال: إنا بالله وبالمسلمين أو قال: وبالإسلام، وصادف أبا المنيب قد فتح زق زيت فتركه وأغاث الرجل فخلصه من أعوان السلطان ورجع إلى زقه فوجده على حاله لم تنهرق منه نقطة ثم أن الشرطة أقبلوا إليه وحملوه إلى السلطان فقال ما حملك على ما فعلت فاقل لم يسعني في ديني حين استغاث بالمسلمين أن أتركه، فقال السلطان لأعوانه أ فبمثل هذا تأتوني ولولا هذا ومن كان مثله لم تطلع علينا الشمس فبهم أمهلنا الله فقال ابن يانس: ما فعلتها لله قط فخرجت دنية. (1/166)
صفحة 167
ومن شدته في الأمر والنهي أنه وجد رجلا على باب الأمير له حاجة عنده والباب مغلق فأخذ يقذف الباب بالحجارة ويشتم أهل المدينة وكان شديد الغضب في الله معروفا بالحدة ففتح الإمام الباب واعتذر باشتغاله بغسل الجنابة وعصر لحيته فلما سكن عنه الغضب قال له الإمام وكيف تشتم أهل المدينة وأنا وأنت في وسطها، قال: إن لم نعمل بموجب الشرع فلا محيد لنا عنها، وهذا من مناقب الإمام إذ تحمل لرجل من رعيته مثل هذا لله، وقيل أنه ضرب ثلاثة أخوة على الخط فدخلوا عليه ليلا فضربوه حتى أضعفوه فلم يطق إتيان المسجد وعلم أهل المسجد أنه لا يحبسه عنها إلا الأمر العظيم فدخلوا فسألوه فأخبرهم بما فعل به فأرادوا الانتقام منهم فمنعهم مخافة أن ينتصف لنفسه فساروا صبيحتهم إلى أشغالهم فأخذ أحدهم يسقي الغنم فسقط في البئر فأخرج ميتا، فصعد آخر إلى قمة جبل يجني [ الثمار] فوقع من أعلاه، وقعد الثالث في بيت فانتفخت بطنه فعظمت حتى لا يرى أحد القاعدين من الجانب الآخر فانشقت فمات، وذلك في يوم واحد فنعوذ بالله من عقوبته ومن عقوبة أوليائه.
وقيل إنه مكث في الجزيرة شهرا من غير زاد فصعدت إليه امرأته ليلة فوافقت وقت الإفطار فمال إلى أشجار الأرض يأكل منها من رمث وشيح فقال لها: لها كلي، فأكلت مما يأكل فصادفته أحلى ما أكلت فأخذت منه فلما أصبحت نظرته أشجار الأرض فقالت أ بهذا عشت فقال لها نقي قلبك وافتحي يديك وأغلقي فاك يجعل الله لك كل عود طعاما أو عسلا. (1/167)
صفحة 168
وقيل إذا تاه أبو خليل يأخذ عنه العلم عظم مجلسه، وإذا أتاه أخوه عمرو بن يانس حقر مجلسه فعوذل على ذلك فقال تعليم أبي الخليل لله، وتعليم أخيه عمرو ليؤذي المسلمين، فخرجا كما تفرس فيهما وكان عمرو بلاء على المسلمين، وصاحب خلفا وأحدث أحداثا على المسلمين ويتبع عوراتهم ويكاتب بها الإمام فبلغ ذلك في الإمام فكتب إليه أعاذنا الله يا عمرو من النزول بعد الطلوع ومن الترك بعد الاجتهاد، ومن بغض المسلمين بعد محبتهم، ومن نفاق تخفيه الأبدان ومن أشياء ليس لها تجارب، فقال:بلغوه الكتاب ولا أظنّ أن تذكروه حيا فوجده حامل الكتاب محمولا على النعش وقيل قسم عمره (1)بين طلب العلم والزيادة والحج وقراءة العلم فعام للحج وعام يذهب زائرا إلى تيهرت عند الإمام وعام يقرأ العلم عند إسماعيل بن درار الغدامسي وعام يتعبد فيه في مشاهد الجبل، قال أبو العباس أن محمد بن يانس كانت له غنمه لا راعي لها فكان إذا أصبح وأراد أن يرسلها إلى المرعى قال لها أنهاك أن تضري أحدًا وأنهى أن يضرك أحد امض في حفظ اله فتمر أوساط الزرع ولا تضر شيئا ولا تأكل غير الحشيش المباح الذي لا حق فيه للناس حتى نروح إليه سالمة لا يطمع فيها سارق ولا يتعرض لها ذئب ولا ضبع، وقال أبو العباس: وحدث أن له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل ولا تفوته الصلاة في كل واحد منها وهو ذو تسبيح كثير.
ومنهم مهدي النفوسي الويغوي رحمه الله:
__________
(1) – أي محمد بن يانس. (1/168)
صفحة 169
المقوم في علم الجدال الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال القامع كل ملحد ومحيد والناصر كل مجد مجيد وقد مضى من أخباره في مناقب إمامه وما ردع من شُبه أهل الزيغ والبدع واشتهر عنه أنه أحد من صد مكائد نفاث بن نصر النفوسي ومنع انتشار بدعه في الآفاق وضربت لذلك مثالا، وفي كتاب السير أن جماعة اجتمعت في تنين إن در كل فيهم أبو نصر التمصبصي وهو المفتي وفيهم نفاث بن نصر وهو يلقي عليهم من المسائل العويصة ما لا يفهمون فأقبل مهدي وعمروس فأمسك فقال أبو نصر الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحي من الذئب وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتنهزم، ونسب أبو العباس المقالة إلى ابي مهاصر رحمه الله والصواب ما قدمنا يعني الجروة نفسه لضعفه عن نفاث وبالغنم نفوسة وبالسلوقين مهديا وعمروسا، والصواب أن هذا غير مهدي المعاصر للإمام لأنهما متأخران أعني مهديا وعمروسا وقد تقدم أنه قال لا أبالي من أي طعام آخذ قوتي وأقل شيء من النوم يكفيني ولا أخشى مخالفا يغلبني في الحجة حين آكل عجين غذائهم فقال لم ينضج طعامكم، وروي أن جماعة من أهل الجبل قدموا تيهرت على الإمام فعجب من كثرة علمهم وشدة ورعهم ورزانة أحلامهم، فقال: هل تركتم في الجبل حيزا منكم؟ فقال له مهدي: تركنا من هو خير منا أبا عبيدة الجناوني، وفي سير أهل نفوسة أن مهديا وابن خالته فرجا تخاصما عند الإمام بتيهرت، فقال مهدي: خذ لي حقي من فرج فقد اشتغل بالدنيا وخفت على فوات الآخرة، وقال فرج: وخذ لي بحقي منه اشتغل بآخرته فضاعت دنياه وخفت على آخرته تتبعها فلم يجد الإمام جوابا فلما قدم نفوسة (1) وقع عليه مطر غزير فابتلت ثيابهم ووليهم منزل ويغوا فدخلوا عند مهدي فألفوه بين زاهد أفقر من مرافق الدنيا فقال له فرج أتركهم يسيرون إلى بيتي فإنه أنفع لهم فذهبوا إلى داره فوجدوها واسعة كثيرة لثياب فبدلوا ثيابهم ونشروها بثياب يابسة وأكثر لهم مجامر
__________
(1) – أي الإمام عبد الوهاب. (1/169)
صفحة 170
النار وقدم لهم أطباق التمر ووسع عليهم أنواع الأطعمة فدفعوا وشبعوا، قال الإمام لمهدي خاصمك فرج يا مهدي فهو خير منك وتعجب الناس من كثرة الكوانين لأن الثياب والأطعمة مما يدخر للتجارة وأما الكوانين فليس لدخرها معنى، وقيل إنما استعملها للفرس يمنعها من خشايش الأرض، وقيل:إن مهديا لما مات في حصار الإمام بطرابلس دخل طائر في ذلك اليوم قتل فيه ونزل على وتد يجعل عليه عمامته فتكلم فقال: قتلوا من قتلك يا سيد الرجال فعلموا أنه مقتول رحمة الله عليه، وأخبار مهدي كثيرة مشهورة.
ومنهم أبو الحسن الأبدلاني:
كان واسطة العقد وإنسان العين تعلم العلوم وعمل بموجبها وتحصن من الشيطان بزهد الدنيا ورفضها وهو أحد الأربعة الذين تكفلوا بما طلبه الإمام، ولما التقى العباس في فاغيس مع خلف، وخلف في جنود كثيرة أتى رجل أبا مرداس فقال له خفت على عسكرنا من كثرة عدوّنا فقال أبو مرداس: لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني، فأتى أبا الحسن فقال له مثل ذلك فأجابه بأني لا أخاف على عسكر فيه أبو مرداس، وأبو الحسن أحد الإثني عشر المشهورين بإجابة الدعاء في عصر واحد بجبل نفوسة، وهم أبو مرداس عامر التصراري، وأبو المنيب محمد بن يانس وقد تقدم، وماطوس بن ماطوس الشروسي، وأبو مهاصر الفاطمي، وأبو الحسن الأبدلاني، فهؤلاء الستة من الجهة الغربية من جبل نفوسة، وأبو الشعثاء السنتوتي، وأبو يحيى الأصفوي، وأبو يحيى تسكنيت، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني، وأبو زيد المصغوري «وبعضهم يكتبه بالباء بدل الميم»، وأبو زكريا التوكيتي، فهؤلاء من جهة جادو وهي الجهة الشرقية من جبل نفوسة.
ومنهم أبو مرداس مهاصر السدراتي: (1/170)
صفحة 171
الساكن بتبرست بلغ في العلوم النهاية، وجرى في أمر الصلاح حتى الغاية وقنع في دنياه بالخمول ورأى ما سوى أمر المعاد فضول، وكانت عادته إذا وقع الجدب وعظم البلاء أن يجمع حشايش الأرض ويطبخها ويرسل بها إلى من احتجب من النساء، وفي سير نفوسة أن أبا مرداس في الشدائد ينفق ماله على الضعفاء وكان يقعد على طريق رجوع الخدم ورواحهن من الاحتطاب فيعطيهن قبضة من دقيق مبلول بماء يسمى الصميت، ويسمى أيضا بعرف بعض البلاد البسيسة حتى نفذ ما عنده ثم صار ينفق الحشيش فلما يبس صار ينزل إلى تيح فيحمل القطف من السباخ فلما يبس بالقحط صار يحفر عروقه ويطبخها فينفقها وكان له مسجد في كهف يتعبد فيه ويقول لولا أمور الإسلام ما أجاوز هذا الشعب إلى هذا الشعب وكان شديدا في الأمر والنهي ويتبع الأمراء وينهى ويشدد عليهم في أمور الإسلام، كان الإمام عبد الوهاب يقول: أحفظ أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء ولم أحفظ أبو مرداس إلا أربعة وشدد عليّ فيها وصاحب الإمام حتى مات وصاحب أيوب بن عباس بعد رجوع الإمام إلى تيهرت حتى مات وكان مع أبي عبيدة عبد الحميد حتى مات ثم صحب العباس بن أيوب وقد كبر وانحنى يجبر سيفه إذا مشى أمام الجيوش وكان قصيرا ورأيت فوق مصلاه الذي في الكهف أثر قدم على صفاة ملساء وكان في طريق واشتهر عند العامة إن ذلك أثر قدمه تخول ثلاث مرات يتبرك الناس بها إلى يومنا هذا، وقيل تكلم حين لاقوا خلفا بأني أطمع الجنة لمن مات في وجهتنا في هذه إلا القاعد على فراش حرام أو القاتل النفس أو الآكل مال غيره ظلما وله منها مخرج إن تاب ورفع نفسه عن المال والفراش ولقيد نفسه لأولياء المقتول وإن لم يجدهم فليقاتل بنفس غيره وليوص بالتبعات فقام وأدكن الجار أزراري فقال قبلت أبا مكشان وأكلت ماله فقال أبو مرداس حملين ثقلان أي تحملت حملين هما حملان فأمره فدخل القاتل من غير مجن ولم يتق عن نفسه ضربه ولم تأخذه ضربه ولم يحمدوا له ذلك ونظيرها تقدم (1/171)
صفحة 172
لأبي الخطاب حين سار إلى قتال ورفجومة في القيروان وكان قد أهدى بطة عسل قبل ذلك لأبي مرداس فردها له واستعار دابة فركبها وطلبه رفيق له أن يحمل صرة دراهم فاعتذر لأن الدابة عارية فصاح الرجل فقال أبو مرداس صار العلم عجبا واستفتاهآخر فيمن قرن بين الصلاتين هل يفعل بينهما فعلا وجعل يكرر عليه السؤال وهو يجيب بأني لا أحفظ بينهما إلا الإقامة والتسليم.
وفي سير نفوسة أن أبا مرداس يحضر الجمعة مع الإمام إذا كان بنفوسة ففقده الإمام ذات جمعة فسأل عنه فقيل له تزوج فقال ذاق أبو مرداس ما ذاقت الناس ومن شدة ورعه أنه طلع على منزله وهو بتبرست فرأى بنيانا كثيرا قد حدث في البلد فقال متى حدث هذا البناء من قلة التفاتة إذا مشى وإنما نظر ذلك اليوم لأن الناس خرجوا إلى الخصوص وليس في المنزل أحد وفي السير أن مشايخ قدموا من أهل الشرق زائرين فاختاروا من أهل تيهرت الإمام ووزيره ومن أهل الجبل أبا مرداس وأبا زكرياء التوكيتي والعباس قالوا أبو مرداس يقول نفسي الغزالة والعباس نعم والعباس نعم الفتى وأبو زكريا هو الجبل والجبل هو أبو زكريا وفيها أن مشايخ نفوسه يقبلون إلى الإمام فيجلسون إليه حين كان بالجبل فإذا قدم أبو مرداس قام إليه وكان قصيرا فقال رجل من أهل المشرق لم يعظم الإمام هذا فقال حين سمعهم كيف لا أجل من تجله الملائكة ولا أعرف في الدنيا مثل هذا إلا رجلا بالمشرق وهذا أرجح منه بكثير فقالوا للإمام أردده علينا لنسأله ونتحدث معه فقال لا يلبث عني فلما رجع بعد ذلك سألوه فقال اسألوا الإمام فكرروا السؤال فكل ذلك يقول اسألوا الإمام فقال له الإمام أجبهم فأجابهم وتحدث معهم فلما قام قالوا لا نعلم أحدا بالمشرق ولا بالمغرب مثل هذا وفيها أن رجلا من أهل أبديلان قال لأبي مرداس يا كافر فقال سميتني باسم هربت منه زمانا فلا مت حتى تنبح مثل الكلب فابتلاه الله فصار يطلع على المزابل فينبح مثل الكلب فإذا أفاق وزال عنه قيل له ما لك (1/172)
صفحة 173
تنبح فيقول بدعوة أبي مرداس نعوذ بالله من سوابق الشقاء ومن غضبه، وفيها أنه ذهب يحرث على بقرة له فجاز على أهل أكرين والناس مسنتون وأحاط بهم القحط وأكلهم الضبع فرأى ما بهم من الحاجة فتصدق عليهم بالزريعة وذبح بقرته فقسمها بينهم وقسم الجلد فأخذ نصيبه بينهم فلما رجع قالت له زوجته زرزرت أين البقرة وأين حرثت فقال حرثت حرثا استغنى عن المطر ولا تصيبه آفة فأخبرها بما فعل فقالت لِمَ لم تردد علينا من بقرتنا إلا هذا، وفيها جاز عليه رجل يحرث في فدانه ببقرته فقال له اخرج من فداني فخرج أبو مرداس وترك الفدان فأدركه وقال له اترك البقرة لأنها لي فتركها فرجع إلى بيته فأتاه فقال اخرج من بيتي فدخل إلى زوجته فقال ناوليني سلاحي ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها يريد دفاعه فقال الرجل استهزأ وليس لي الفدان ولا في البقرة قال أبو مرداس ما بعثك الله إلا وقد علم في الفدان والبقرة شيئا فتركها ورفع يده عنهما، وفيها بلغنا أن أهل منزله قالوا نرى في هذا الرجل أمرا عظيما من الصلاح يا ليته بعيد عنا قال لهم أموت ولا ترون بعدي إلا الفقر فقيل أنهم بعده صلوا على ميت بالركوع فجاز رجل من فوقهم فقال ليس لها ركوع، وفيها أنه خرج في عير يمتاز ومعهم الأحوص الأبدلاني وهو المقدم على القافلة فغارت عليهم قطاع السبيل فتبعوهم فقال أبو مرداس ارجعوا فرجعوا فكر العدو فهزموهم ثانية فقال أبو مرداس ارجعوا فرجعوا فكروا فتركوا القتال لأبي مرداس وحده فلما اشتد عليه القتال فقال أدركني يا أحوص فرجع إليه أصحابه فهزمهم وتبعوهم فسكت أبو مرداس وإنما فعلوا ذلك ليسكت منهم إذا تبعوهم وفيها أن رجلا أتاهم يبتغي أن يرافقهم فمنعه أبو مرداس من صحبتهم فلما انصرف أقبل قوم يطلبونه بدم وليهم فقال عند ذلك أبو مرداس لمثل هذا منعتكم من صحبته ولو أجبنا له لوجب علينا منعه حتى يبينوا ما يدعون، قال أبو الربيع أبو مرداس رجل حازم ممارس للأمور ورع نبيه وجيه حاذق (1/173)
صفحة 174
عاقل فطن مجتهد رحيم للضعفاء شديد على الفجار، ذليل على المؤمنين لا تأخذه في الله لومة لائم يؤثر الحق والصدق وإذا أراد الزيارة لأهل تيهرت أخذ الوصايا من أهل الدعوة من أهل الجبل فيرفعها إلى تيهرت لنفع بيت مال المسلمين ولنفع أرباب الوصايا لرخص السعر فإذا اشترى الطعام جمعه جميعا ويؤذن للمساكين فيرفعون ما قدر لهم ولا يكيل لأحد ولا يكيلون لأنفسهم بل يحملون كذلك.
وقال أبو الربيع قال الإمام: سبعون وجها تحل بها دماء الموحدين، وذكرت منها لأبي مرداس ثلاثة فقال من أين من أين؟ منكرا ذلك، قال أبو الربيع وفعل أبي مرداس في جميع الوصايا ودفعها بغير وكيل أصل لمن بعده لأن ذلك بمشهد أئمة العلم من أهل الجبل وأهل تيهرت ولم ينكر عليه أحد ما فعل. (1/174)
صفحة 175
وقال أبو الربيع رأى امرأة مكشوفة الرأس فصام سنة كفارة لرؤيته وسببها أن الناس خرجوا من البلد إلى الربيع فقالت في نفسها لم يبق إلا أبو مرداس ولا ينظر أحدا فطلعت فوق البيت فوقعت عليها عين أبي مرداس، وقال ذكران ماء وضوئه نفذ فطلب سبعبيوت من جيرانه وسمع كلام جارته فقال كفرت جارتنا اليوم مرارا بين خيمتها إلا قدر سبع حزمات حطب وكان إذا حصد الناس زروعهم ولقط اللقاطون خلفهم وراعت أرباب المواشي مواشيهم لقط من بعدهم نفقته لأنه يراه متروكا وسمع رجلا بتيهرت يدعو غريمه إلى الحق ولم يجبه فأتى إلى دار الإمام فقذفها بالحجارة فقال بهلة الله اليوم على من سكن هذا البلد فقال رجل للإمام كيف نحن وهذا الذي يذكر أبو مرداس قال نحن في وسطها إذا لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر وقد تقدم مثلها لما مداي محمدبن يانس ولعل القصة واحده والغلط من قبل وفي كتاب " طبقات الأشياخ" لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني أن أبا مرداس شاور بعض إخوانه في التزويج وسأله أن يخطب له امرأة تصلح لمثله فدار في الجبل ولم يجد إلا امرأة مجنونة فخطبها فرضي بها على جنونها إذ اختاره فلما تزوجها ارتفع ما بها فكانت من أفضل نساء نفوسة وأحسنهن وأكملهن وأرفعهنّ ذكرا ببركة الشيخ وموافقته قال أبو العباس أما أن يعني بالجنون الوسوسة وشراسة الأخلاق أو من يجن ويفيق و إلا فكيف ينعقد النكاح على مجنون لا يفيق، وبالجملة شهرة أبي مرداس في العلم والورع والزهد كافية.
ومنهم أبو زكريا النوكيتي: (1/175)
صفحة 176
قال أبو العباس كان علما لكل الفضائل ومعلما لكل ناهل قال أبو العباس وغيره أن رجلا من أهل المشرق أقبل زائر فجاز بنفوسة فتصفح أحوالهم واختبر كل من يتوجه إليه منهم ثم توجه إلى تيهرت فتفصح أحوالهم أهلها أيضا فسألوه عن الجبل ونفوسه قال الجبل هو أبو زكريا وأبو زكريا هو الجبل وأما مرداس فكالغزالة نفسي نفسي، وأما أبو العباس ففتي مقرعي وصفة بالشدة والنجدة ثم رجع إلى الجبل فسألوه عن أهل تيهرت فقال ليس بها أحد إلا الإمام ووزيره ابن عمران وقد تقدمت الحكاية أنه جماعة لا رجل واحد وفي السير أن العباس خرج بعسكره إلى حرب بني يفرن ومعه أبو زكريا التوكيتي وأبو مهاصر ثم أن العباس فقد الشيخين فلم يجدهما في العسكر فخشي أن يكون رجوعهما لحدث أحدثه فرجع يقفوا أثرهما عند أم الخاب اغرم أينان والمشهور أغرميمان ووجدته بخط عمنا يحيى بن أبي العز بألف بعد ميم بعدها ياء بعدها نون وألف ونون وهما في مجلس الذكر وقد أرخوا الستر فقال ما ردكما عني قلا أنت على المنهاج وإنما رجعنا من أجل لمع السيوف فقال أنا الذي يحمل لمع السيوف فأخذت أم الخطاب شاة ذبحتها لهما فجعلتها في خرجه وقالت لهما يكفيكما الجلبان فرجع العباس إلى عسكره، وفيهما أن أبا عبيدة لما دفع الولاية ولاية جهته واعتل بأنه ضعيف كتب إليه الإمام إن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكريا يصلتن التوكيتي وستأتي الحكاية في التعريف بأبي عبيدة وشهرة أبي زكريا وعلمه وورعه مما لا يخفى على الحفاظ وكفاك أنه في زمان امتلأ فيه جبل نفوسة علما وعملا وعدلا فاختير من جميعهم حتى قيل أبو زكريا هو الجبل والجبل هو أبو زكريا.
ومنهم فرج الويغوي النفوسي وقد تقد التعريف به مع مهدي.
ومنهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني: (1/176)
صفحة 177
قال أبو العباس أحمد بن سعيد، أحد علماء نفوسة الموصفين بأخلاق نفيسة ومال ما طبع عليه من الورع وإطراح الحرس والدنيا وترك الطمع وكان غاية في إنفاذ الأمور وإمضائها وقائما بالمدافعة لأحوال البغاة ودفاعها ووافيا بما أمر من إصلاح النفس والدين والدنيا وتحصينهان وفي السير فلما ولى أحسن السيرة وأول من أخرج منه الحق رجل دعا يا آل فلان دعوة الجاهلية وفيها حجر على أهل إجناون خرط زيتونهم إلى وقت معلوم فكسر بعضهم الحجر فأدبه قال أتضربني على مالي يابن فحمس قال له حاشا لله أن أنضربك على مالك وإنما ضربتك على الحق فيها، وروى أنه أخرج الحق من رجل على التهمة فخرج الفاعل غيره فقال المضروب ظلمتني يابن فحمس فقال معاذ الله أن يظلمك ابن فحمس إنما أنت الظالم لنفسك الذي جعلتها في مواضع التهمة، وفيها أن الفرس تزوجوا إماء بني زمور في مدة إقامة الإمام بنفوسة فلما ارادوا الرجوع إلى تيهرت حملوا أولادهم منها فقال أبو عبيدة لبني زمور خذوا عبيدكم فأنزلوا عن السروج، واستمسك رجل بآخر عنده بنصف دينار أو بثلاثة أرباع إلى الآخرة قال لا أحدكم بدين الآخرة، وله سبع مساجد معلومة يتعبد في جميعها كل ليللة وفيها غيرها من الكتب لما مات السمح بن عبد الأعلى المعافري عامل الإمام عبد الوهاب رحمهما الله تعالى وقد أوصى الناس ووجوه أصحابه بتقوى الله وبطاعة إمامكم وتأييده مادام مستقيما بلغ في الناس مبلغا عظيما لعدله ولفضل أبيه أبي الخطاب فبادرت العامة ومن لا بصيرة له بالأمور إلى تقديم ولده خلف ظنا منهم إن ذلك أرفق بالمسلمين وأوفق بأمير المؤمنين فرد فعلهم من له بصيرة بأنه ليس لكم أن تسبقوا إمامكم بالتقديم قال بعضهم نوليه فإن أبي أمير المؤمنين عزلناه وأهل الصلاح أبوا ذلك وامتنعوا منهم أبو المنيب إسماعيل ابن درار وأبو الحسن أيوب بن العباس وغيرهم فبعثوا كتابا إلى الإمام فأجابهم بأنه بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الوهاب (1/177)
صفحة 178
إلى جماعة المسلمين بحيز طرابلس (أما بعد) فإني آمركم بتقوى الله والاتباع لما أمركم به والانتهاء عما نهاكم عنه وقد بلغني ما كتبتم إلى به من وفاة السمح واستخلاف بعض الناس خلفا ورد أهل الخير ذلك فإن من ولي خلفا من غير رضا إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين ومن أبى من توليته فقد أصاب فإذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله منكم السمح على عمالته التي ولي عليها إلا خلفا حتّى يأتيه أمري وتوبوا إلى ربّكم وارجعوا التوبة لعلكم تفلحون، فلمّا وصل كتابه طرابلس وعملوا ما فيه من تصويب من وقف عن توليته وتخطئته من ولاه ورجوع كل عامل إلى عمله كاتبوه ثانيا أن يجوز لهم ما فعلوا من توليته فأجابهم بأنه لا يسعني في ما بيني وبين ربي ولو وسعني لفعلت فأفرد كتابا لخلف يأمره فيه بتقوى الله وأن يعتزل أمر المسلمين كافة وأرسله إلى جماعة المسلمين بطرابلس وكتابا آخر فيه توليته وأمرهم أن يدفعوا إليه الأول فإن أطاع وامتثل دفعوا إليه الثاني وإن أبى تركوه في غيّه حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين لمّا قرأ خلف الكتاب الأول أبى واستكر فاجتمع الذين ولوه وكتبوا إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل يستفتونه إذ هو يومئذ واسطة العقد ورأس من بالمشرق من أصحابنا والمقدم في الأمور بعد الربيع وأبي المهاصر وأبي غسان وأبي أيوب فلما علم ما في كتابهم أجابهم بتخطئة من ولي خلفا وأمرهم بتقوى الله وطاعة إمامهم، فلمّا وصل إليهم جوابه أنكروا إمامة عبد الوهاب من غير حدث وزعموا أن إمامهم خلف واعتلوا أن حوزة طرابلس منقطعة عن حوزة تيهرت وبعيدة منها فلما أبوا من قبول الحق استعمل الإمام أبا الحسن أيوب بن العباس وقد تقدّم بعض أخباره وأنه أحد الأربعة الذين وصلوا إلى تيهرت متكفلين بأمر المعتزلة وتقدم قوله أني لا أعرف فارسا يبارزني من فاس إلى مصر وكان ذا بأس شدة وشجاعة فهابوه وكان ذا عدل واستقامة فلما حضرته الوفاة أرسلوا إلى الإمام أن يولي عليهم (1/178)
صفحة 179
فأجابهم أن يختاروا أفضلهم وأولاهم بأمور المسلمين ويسمّوه وكتبوا إليه أنه ليس مثل أبي عبيدة لهذا الأمر عبد الحميد الجناوني فأرسل الإمام إليهم أن يولوه بأمره فاجتمعوا إلى أبي عبيدة وأخبروه بما كتب به الإمام وما أمرهم به من توليتهم إياه على أنفسهم أن يقضي بينهم بكتاب الله وسنة نبيّه وآثار الصالحين فأجابهم بأن قال أنا ضعيف أنا ضعيف ولا أطيق القيان بأمور المسلمين فأرسلت نفوسة إلى الإمام بامتناعه وقوله أنا ضعيف أنا ضعيف فأجابهم وحلف بالله بلغة العرب وبلغة العجم وبلغة البربر أن لا يقلد المسلمين وأمورهم إلا رجلا يقول أنا ضعيف أنا ضعيف فكتب إلى أبي عبيدة يأمره بالدخول في أمور المسلمين كذا قال أبو زكريا، وفي سيرة نفوسه أن أبا عبيدة استعذر بأنه ضعيف المال ضعيف البدن ضعيف العلم وقولهما إن الأمام كتب إليه إن كنت ضعيف البدن فادخل في أمور المسلمين يقوي الله بدنك وإن كنت ضعيف العلم فعليك لأبي زكريا يصلتن التوكيتي، وإن كنت ضعيف المال فبيت المال يسعك ويسع غيرك، فلما ورد عليهم جواب الإمام اجتمعوا إلى أبي عبيدة وقالوا لا يسعك إلا الدخول في أمور المسلمين وطاعة إمامك، فقال أمهلوني حتى أستشير فأتى عجوزا معروفة بالعلم والورع والدين تسكن بموضع يقال له أرجي إزمار فيما يقول أبو محمد فقال لها إن أمير المؤمنين بعث إليّ بالولاية فأشيري عليّ فقالت إن علمت في نفوسة أفضل منك فتقدمت فستكون خشبة في جهنّم وإن علمت ليس فيهم أفضل منك فتأخرت فستكون خشبة في جهنّم فقال أما في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي، فرجع إلى المشايخ فقبل الدخول في أمورهم، فلما ولوه قالوا سيروا نزور وقاية أفضل من عمائمنا فلما ولى الأمور أحسن السيرة وعدل في القضية وساس الرعية وصحب الأشياخ، ورضي به أهل الخير مثل أبي زكريا الذي هو الجبل، والجبل أبو زكريا وأبي مرداس وأبي الحسن الأبدلاني وغيرهم ممن يكثر عددهم فلما سمع خلف بولايته اشمخرّ واستكبر (1/179)
صفحة 180
وشنّ الغارات على المسلمين ومن كان في حيز أبي عبيدة وأرسل إليه أبو عبيدة يكف عن فعله فأبى فأرسل إلى الإمام أن يأذن له في دفاعه فأجابه بأن يلاطفه ويلاينه إلا إن فاجأه فليدفعه فمكثوا كذلك حتى مات الإمام وهم على حالهم.
ثم أن المسلمين بتيهرت اجتمعوا بعد موت الإمام واتفقوا على أن يولوا ابنه أفلح فقدموه من يومهم لعلمهم بصلاح أحواله في أيام أبيه وكثرة علمه وقوة نفسه وشجاعته وسيأتي الكلام عليه، فلما بلغ موت الإمام وتوليته ابنه أفلح خلفا أنف وانحاز من معه إلى ناحية تيمتي وما يليها من المشرق وزاد في الفساد على فعله فكاتب أبو عبيدة أفلح يستأذنه في دفاعه فأجابه أن يلاطفه كما أجابه أبوه من قبل فلج خلف وتمادى في العتو والفساد فقتل الأنفس ونهب الأموال وقتل بعض أصحابه غلطا فأخصب الله جهته استدراجا وأجدب جهة عبيدة فمال الناس إلى خلف طلبا للخصب والرخاء وإخلاد إلى الأرض والدنيا فلما رأى كثرة من معه وتعجب بعساكره خرج بها يريد أبا عبيدة ومن معه من المسلمين لعلمه بقتلهم وأن يستأصل شأفتهم ويذهب شوكتهم فلما سمع أبو عبيدة خرج من الجبل فعسكر بعيدا من الجبل وتهيّأ لدفاعهم فأرسل خلف إخوته ومواليه في نحو أربعمائة فارس ولم يشعر بهم أبو عبيدة حتى غشوهم نهارا فأمر أبو عبيدة أصحابه بالكف حتى يعلموا ما يريدون فغاروا على أذرف قرية هناك فنهبوا الأموال وقتلوا الأنفس وقيل نحو عشرة، فأمر أبو عبيدة أصحابه بمناجزتهم لما أبصر بغيهم وعتوهم فهزمهم الله تعالى وقتل منهم كثيرا فأمرهم بالكف عن اتباعهم وأحسن فيهم السيرة فرجع خلف إلى تيمتي ورجع أبو عبيدة إلى إجناون وكتب إلى خلف إن نزعت يدك من الطاعة فكن في حيزك وأكون في حيزي فما بال الحرب فأبى وتمادى في شنّ الغارات ونهب الأموال وقتل الأنفس وما قدروا عليه من الفساد ثم أقام على ذلك نحو سنة فخرج بعسكره يريد أبا عبيدة ومن معه من المسلمين فعسكر أبو عبيدة بعيدا من الجبل في قلة (1/180)
صفحة 181
لكنهم أهل بصائر يموتون على ما أبصروا وقيل عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وعسكر خلف في أربعين ألفا وقيل عد من مع أبي عبيدة سبعمائة والله أعلم، وأعجبت خلفا كثرة عساكره وغفل أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فلمّا قرب أرسل رجلين إلى أبي عبيدة يخلع ولاية الإمام أفلح ويثبت ولايته، قال أبو عبيدة لهما لما أخبراه بالرسالة أيخلع بغير سبب وحدث يستحق به خلع طاعته واحتجّ عليهم بطاعة السمح للإمام عبد الوهاب ورد ما ادعوه من انقطاع الحوزات بذلك فقالا إن لم تجبه نخاف إراقة الدماء فقال إراقة الدماء أهون من عدم القيام بأمر الله ودينه فقالا إراقة الدماء أعظم ورد مقالتهم بفعل أهل النهر والنخلة وأبي بلال وعبد الله بن يحيى وغيرهم، فرجع الرسولان فأخبراه برأي أبي عبيدة فأمر عسكره بالتهيُّؤ للقتال وثبت الصفوف فأتى أبا عبيدة رجل نكاري ممن تقدم ذكره في أخبار عبد الوهاب - رضي الله عنهم - وهم الذين قاتلوا مع ابن فندين فقال له لا طاقة لك اليوم بخلف وعساكره ولا حاجة لك في لقائه فحلف أبو عبيدة بالله بكل لغة يحسنها ن عربية وبربرية وكانمية وغيرها لأقاتلهم ولو لم ألقاه إلا بسيفي هذا وضرب بيده على قائم السيف ثم تقدّم إليه رجل ممن كان مع خلف حين تدانا العسكران فقال آوِ إلى الجبل بأصحابك فإن كانت لكم الدائرة أدركتم ما رجوتم وإن كانت عليكم كنتم في حصن من عدوكم، فقال أبو عبيدة لأصحابه نصيحة الله نزعها من عدوه فأمر أصحابه أن يسندوا إلى جبل فلما تنحى أبو عبيدة إلى الجبل ظنّ خلف أن بهم ذلا وخوفا فغشيهم بعساكره فتنحى أبو عبيدة واستتر واغتسل وصلى ركعتين فدعا الله تعلى وقال: يا من لم أعرض عنه منذ استقبلت أمره أعطني دابرهم اليوم ثم إن أهل شروس أقبلوا يريدون خلفا شاكين بالسلاح فقال أبو عبيد حين أبصرهم هيّجوا فينا حرارة الخوف فلا أعدمهم الله ذلك فبقي فيهم ذلك إلى يومنا هذا (فخطب) الناس ورغبهم في الجهاد فقال أطمع (1/181)
صفحة 182
الجنة لمن مات تائبا فر هذه الوقعة إلا من كان على فراش حرام أو قتل نفسا أو غصب مالا وقد تقدم مثلها لأبي الخطاب وأيضا لأبي مرداسفقام إليه رجلان من أهل أبدلان فأقرا بالثلاثة فأمرهم برفع أنفسهما عن الأموال والفروج و ليقودا أنفسهما فلم يجد الوليين فقال لهما قائلا بنفسي غيركما ففعلا فماتا فحمد لهما ذلك ثم خرج من عسكر خلف عبيد بن سيدي بين رجلين من أصحابه يطلبون المبارزة وكان عبيد ممن يدعي النسك والتقى قبل ذلك وكان يحمل أحمال القمح والكباش للمشايخ قبل ذلك فخرج إليهم أبو عبيدة بنفسه وأبو مرداس والعباس بن أيوب فلم يمهل العباس بصاحبه إن قتله وأبو عبيدة كافأ صاحبه وأبو مرداس لقي مشقة فكرّ العباس على صاحبه أبي مرداس وهوى أبو عبيدة بنفسه حين رأى الشيخ في شدة منه فضربه فرمى بركبته ثم أبان رأسه بضربة فقال إلى النار فقال الرأس بعدما طار وبئس المصير فقال جسدا ادعوا له بالجنة زمانا تأكله النار إنا لله وإنا إليه راجعون، فلما نظر أبو مرداس إلى ضربة العباس قال ضربة فتى لا أكلت معصية النار واشتهر أن رجلا من أصحاب أبي عبيدة قذف بحربة فوقعت برجل فخرجت منه وركزت خلفه وجعلوا مصلى فيه وهو معروف فأسرع القتل فيهم فانهزموا فتبعهم أبو عبيدة حتى خرجوا من حوزته وأحسن السيرة ثم أن الناس رجعوا بعد انهزام خلف ورجع من اصحابه من أظهر التوبة فقبلهم أبو عبيدة إلا من أتى منهم الأمر عمدا وأتاه سائد الفرسطائي فقال تبت يا أبا عبيدة قال له إن لم يسدد بعد يابن تجيمت يعني باب التوبة وهو ممن آتى الأمر عمدا واسمه يوسف بن سادين أي اسم سائد والله أعلم، وكان سائد ومنيب بن إسماعيل بن درار الغدامسي وأبو يوسف حجاج بن وفتين ممن مال إلى خلف فأعطى لحجاج شقة فأتى أهله فأراد الدخول فقالت له امرأته من عندك يا بائع دينه فوقف في الباب إلى الصبح إحدى رجليه داخل الباب والأخرى خارج الباب يميز بين الحق والباطل بين أبيب عبيدة وخلف فظهر له (1/182)
صفحة 183
أن خلفا على خطأ وأبو عبيدة على حق فتاب ورجع إلى أبي عبيدة وكان أبو يوسف بعد ذلك من أفضل الشيوخ فلما أوهن الله شوكة خلف وأظهر الإسلام استقامت الأمور وحسنت الأيام وذهب الجور وقام العدل فبلغ الخبر المشرق والمغرب فكتب أبو عيسى الخرساني رسالة مع جماعة المسلمين إلى أهل المغرب يوصونهم بالحق واتباعه ومنابذة الباطل وإطراحه والاقتداء بمن قبلهم من السلف الصالح ثم ذكروا سماتهم بما بلغهم من هلاك من هلك قبلهم من أهل دين المسلمين وخلافهم أئمة الهدى ثم ذكروا أن عبد الوهاب مضى على الرضا من المسلمين والاستقامة على الدين لا ينقم عليه أحد من أهل الخير عندنا وعندكم، سيرته سيرة من مضى من أئمة الهدى في حكمه وحربه وقسمه ودينه وقد أدركنا أبا أيوب وائل بن أيوب وغيره من الأشياخ ومن بعده أبا محبوبا سفيان بن الرحيل وهم رضوان عنه واستعمل السمح فكان على طريقته من العدل والاستقامة ثم ابتلي القوم بعد ذلك فنسأل الله ربنا أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن وبلغنا أن أهل تلك القرية استعملوا خلفا على غير رضا من عبد الوهاب وإجازته وينبغي لهم إذ أنكر الأمر ولم يجزه أن يسمعوا له ويطيعوه ويخلعوه من خلع وينتهوا إلى رأيه وطاعته واجبة عليهم فمن شاقه وبغى عليه فهو عندنا كافر(1)ضال حتى يرجع ويتوب ويستغفر الله مما صنع ثم كان بعد عبد الوهاب أفلح ابنه حفظه الله عمل بالسنة وقسم بالسوية وعدل في الرعية لا ينقم عليه أحد قبلنا وقبلكم في حكم ولا قسم متعنا الله بحياته فخالف خلف وأصحابه وأبوا إلا رأيهم وقد فسرنا لهم ولكم معالم ديننا ورأى المسلمون، انتهى مختصرا.
__________
(1) – الكفر ينقسم إلى قسمين: كفر شرك، وكفر نعمة، والكفر هنا هو كفر النعمة لا يخرج صاحبه من الملّة. (1/183)
صفحة 184
قال أبو زكريا لما أتى الرسولان إلى أبي عبيدة وأخبراه بتعظيم الدماء وقبول ولاية خلف وخلع أفلح وأجابهم واحتجّ عليهم قال لهما فإذا كان عندكما إراقة الدماء أعظم من القيام بدين الله فعلى من يقتتل الناس أرجعا إلى صاحبكما وقولا له إن هذا يوم الخميس فإذا كان غدا يوم الجمعة إن شاء الله نصوم إن شاء الله وأطلع أنا وخلف وأبو منيب إلى شعبة الجبل فنبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وأن يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين هذا والخيل باسطة أكفها على قرى أبي عبيدة وتقدم رجل من عسكر خلف إلى رجل في طرف صف أبي عبيدة فقال لصاحبنا ما أوقفكم فقال لنذكر الله فقال ما بال السلاح قال لنافع في سبيل الله قال من تدفعون قال من بغى وخالف أمر الله فقال آخر من عسكر أبي عبيدة لصاحبه مالك ألنت له قال طمعا في الصلح وحسم الشر وكانت الواقعة عشية الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب عام إحدى وعشرين ومائتين، فلما التحم القتال نظر أبو عبيدة إلى العباس بن أيوب يضرب في أعراض الخيل ويكشفها يمينا وشمالا قد حمى الميمنة والقلب والميسرة فقال صار في عيني العقاب معصما لأكلته النار، وقد تقدم أن أبا مرداس دعا له فأخذت فيه دعوة الشيخين وكان أبو عبيدة شديد الشكيمة قوي العريكة لا تأخذه في الله لومة لائم ومن شدته في الأمر والنهي إن الإمام لما قدم نفوسة أهمل الرعاة الكراع في الأشجار فأتاه أبو عبيدة فقال إنه الرعاة عن المضرب إن لم تعرف فقد علمناك و إلا فصل بيننا هذا "يعني السيف" فسأل الإمام عنه من يكون فقيل له أبو عبيدة فقال صدق الشيوخ هو مثلهم أو خير منهم نفكر قول الشيوخ بتيهرت إذ سألهم هل تركتم في الجبل مثلكم فقالوا أبو عبيدة مثلنا أو خير منا وقيل عين إجناون تدور على اثني عشر ألف زيتونة وسمع ليلة عند قيامه إلى الصلاة صوت التفليق في الغابة فتوضّأ دخل المسجد جعلوا له موضعا فقال لا أرجع تبت إلى الله أيها الشيوخ سمعت تكسيرا في الغابة ولا (1/184)
صفحة 185
تيبس الغابة إلا بتضييع الحق، وكان في مسجده سبعون شيخا كلهم من أهل ولايته إلا ابن زور وهو الذي احتال على التفليق في الغابة لرشوة أخذها وهي مائة دينار.
ومنهم عبد الخالق الفزاني:
وكان في المنزلة العليا علما وعملا وورعا وتقا قال أبو مرداس لا أعرف إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني يعني عبد الخالق وإنما أعرفه بكتابه وقيل: كتب إليه أبو مرداس يسأله عن دواء مرض الريح وأن يدعو الله لأهل الجبل أن يغنيهم فأجابه بأن مثلك يا أبا مرداس إنما يكون سؤاله عن دواء الذنوب، وأجابه عن الثانية )وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء)(1)، فقال أبو مرداس لقد ردني هذا الفزاني أعض الأصابع إلى الموت.
ومن مشايخنا بفزان عبد القهار بن خلف رحمه الله:
__________
(1) – سورة الشورى، الآية 27. (1/185)
صفحة 186
وكان عالما ورعا مفتيا وكان من فتياه أن الابن لا يتزوج ربيبة الأب وأنه مكروه ويروى ذلك عن جابر بن زيد ثم تزوج ربيبة أبيه وسأله بعض الإخوان عن سبب رجوعه عن قول جابر فأخبره بأنه ارتحل ليلة شباهه إلى زريعة حين انهزم إبراهيم ووزبون بعساكرها فأكثر عليه الناس في شأن هذه الجارية فقال لعل الخيرة في ذلك وأن كل أمر سهلت أسبابه ففيه الخيرة وكل أمر ضاقت مذاهبه وانغلقت أبوابه وتعسرت أسبابه فالخيرة في تركه فاستخرت الله عند النوم بأن قلت اللهم إنك قد ترى ما قد انفتح من أبواب هذه الجارية وسهل من أسبابها فإني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم رب إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، أسألك أن تأخذ بناصيتي في أمر هذه الجارية إلى خير ولا تكلني إلى نفسي ولا تذرني وهواي فأكون مخطئا وأنت تعلم قدرها في نفسي إنه صغير وغايتي ولو كانت الخيرة في تركها وأنت تعلم كراهيتي لها غير أني فيما اختبرت أن كل أمر سهلت لي أسبابه وانفتحت لي أبوابه أن فيه الخيرة والعلم علم التجارب فإن كانت لي فيها الخيرة لديني ودنياي وآخرتي ومعيشتي وعاقبة أمري فيسرها لي و إلا فحل بيني وبينها وارزقني الاستسلام لأمرك والرضا بقضائك وإن كان في هذا أمر يا رب فأرني ذلك في المنام على يد النبي - عليه السلام - وحفظني ما يقول الرسول حتى لا أنساه ولما تعلق بي النوم رأيت النبي - عليه السلام - قادما مع أربعة من أولياء الجارية غير أنهم ليسوا بالأولياء الذين أعرف وبيني وبينهم قدر عشر خطى فقال لهم - عليه السلام - إن جبريل بعثني إليكم أن تزوجوا فلانة لفلان ثم قعد فقال إن جبريل بعثني إليكم أن تزوجوا فلانا فلانة أو فلانة فلانا وعلمت في النوم أنها رؤيا وتمنيت لو أنها طالت ثم استيقظت وقد حفظت ذلك فقلت ما بعد هذا من البصائر لقوم يوقنون ما بعد جبريل والنبي عليهما السلام من ازدياد بيان فتزوجتها اتباعا لما جاء من السبب وكان (1/186)
صفحة 187
كثير النصح لوزيون بن الحسن وكان قائما هو وإبراهيم بن أسد بن أظن بفزان من أهل الدعوة، والله أعلم.
ومنهم الشيخ إدريس الفزاني:
وكتب جناو بن فتي المديوني إلى عبد القهار بن خلف يرغبه في القدوم عليه لدراسة كتب أبي عبيدة لعل الله أن يحيي بك أهل هذه الدعوة وأحب تعجيل ذلك لأني على آخر أيامي واقتراب أجلي ثم قال فليكن معك ما تستطرفه من كتب أخينا إدريس أكرمه الله وأعانه ووفقه بالتوبة والازدياد مما طلب.
ومنهم أبو الحسن جناو بن فتي المديوني:
كان من أهل التحقيق وممن يتحرى ويروم التحقيق وإليه المرجع في الحكم الخفي الدقيق وهو مفتي، واطلعت له على أجوبة لعبد القهار وأظنّ أنّه أستاذه وأخذ منه لأنه يدعوه إلى الأخذ عند إمكان الزمان ويرغبه في ذلك وعلى أجوبة لأبي بكر بن أسدين وأجوبة لأبي يوسف وزيون بن الحسن.
ومنهم بكار بن محمد الفزاني واطلعت له على مسائل نقلت من كتابه ونظراؤهم كثيرون.
( ثم من طبقة الذين من بعدهم) (1/187)
صفحة 188
الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالحجة البيضاء والصراط الأفيح، بويع يوم الذي مات فيه أبوه وذلك أن المسلمين بتيهرت خافوا من حولهم من كثرة العدو فبادروا إلى البيعة من يومهم وقد اختبروه من قبل، قال أبو زكريا وكان ميمون الناصية سكّن الله به البلاد ووقى به الفساد وكان أبوه نظر إليه يوما وهو يقاتل وأحسن فقال إنه يصلح للأمر، قال ابن الصغير أخذ بالعزم والحزم ولم يطعن عليه في أحكامه ولا صدقاته ولا أعشاره ومما امتحنوه به أن نفوسة شرعوا يأكلون بليل وهو ماسك لهم مصباحا يستضيئون به فناوله بعضهم لقمة من طعام فجعل المصباح على ركبته فأخذها بيده معا كالملوك فنظر بعضهم إلى بعض فظنّ أنهم يختبرونه فقال أعوذ بالله من ظنّكم يا مشايخ ومما امتحن به إن مات بعض قضاة أبيه فاجتمع إليه الأخيار أن يولي عليهم من يستحق فقال اجتمعوا واختاروا من يصلح وأخبروني أكرهه فاتفق رأيهم على محكم الهواري فأكرهه على القضاء وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق وغيرها والاحتساب على الفساق وكان في الحلم والشجاعة والقوة والعدل ما قد اشتهر وتقدم ما فعل يوم قيام ابن فندين على أهل المدينة والإمام عبد الوهاب غائب فوقف أفلح على باب المدينة فمنع جميع من أردا الولوج حتى فني ترسه فأخذ أحد شقي باب المدينة يتقي به فلم يطق جماعة من الناس رده بعد ذلك وتقدم قتاله الواصلة مع أيوب بن العباس وأيهما زاد على صاحبه بقتيل واحد وتقدم أنه ضرب ابن فندين على مفرق رأسه وعليه بيضتان فشقه نصفين فوقع السيف بعتبة الباب السفلي فظنّ أنه لم يزل ناشبا برأسه فقال ما أقصح رأسك. (1/188)
صفحة 189
قال أبو زكريا بلغنا عنه أنه قعد بين يديه أربع حلق قبل بلوغه يتعلمون منه فنون العلم يعني الفقه والأصول والنحو وغير ذلك، قال أبو زكريا: وكانت بيت الرستميين بيت العلم في فنونه من الأصول والفقه والتفاسير وفنون الدين والرد على المخالفين وعلم اللغة والنحو والإعراب والفصاحة، قال وقال بعضهم معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر ولهم توليف [مؤلفات] حسنة، وذكروا للإمام عبد الرحمن تفسير كتاب الله واطلعت للإمام عبد الوهاب على أجوبة الفقه والأحكام وأصول الدين وكذا للإمام أفلح، قال أبو زكريا: بلغ أفلح في علم الغبار والنجامة مبلغا عظيما وقعد ليلة مع أخته فتذاكرا ما أول ما يذبح غدا في السوق إن شاء الله فقال أفلح بقرة صفراء في بطنها عجل أعر، قالت الأخت: ذلك البياض في طرف ذنبه وكان الأمر كما قالا والله أعلم.
وطالت دولة أفلح في عدل وسكون ولم يكثر الحرب في أيامه وطعن عليه نفاث بن نصر في قلة محاربته المسودة وما هو في خفض العيش وله ذلك رسائل اطلعت على بعضها وسيأتي الكلام على نفاث إن شاء الله، وكان أخوه أبو العباس غير ناقص في العلم والتقى لكنه فتى ولا كذلك.
ومنهم محكم الهواري قاضية:
وكان في الطبقة العليا علما وتقى، قال ابن الصغير لما قال قدموا أخياركم ثم أعلموني به حتى أجبره أجمعوا على محكم الهواري الساكن بجبل أوراس فاخبروه أنهم ارتضوه لدينهم ودنياهم ولخاصتهم ولعامتهم فقال أفلح هو كما ذكرتم في ورعه ودينه لكن نشأ في بادية لا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الفضل فضله قالوا لا نرضى لقضائنا غيره وأشدهم على أفلح في توليته أخوه أبو العباس فلما رآهم لا يرضون غيره قال أرسلوا إليه فخرج الرسول بكتاب من أفلح وكتاب من الشراة وفيه: (1/189)
صفحة 190
« بسم الله الرحمن الرحيم: (أما بعد) فإنه نزل بالمسلمين أمر لا غنى به عن حضورك وهم منتظرون قدومك ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين ربك عن اللحوق بهم والاجتماع معهم ليجتمع رأيك ورأي المسلمين على ما فيه الصلاح فلما بلغه الرسول توجه إليهم ونزل بالجامع فأخبروه ما يريدون وأنه أن تخلف فقد أعان على كل فرج يوطأ حراما وكل دم يسفك بغير حق وكل مال يؤكل من حل فاعتل أن الحق مر ولا يقبل إلا بكره، وإنكم أبناء النعم وغيري أصلح بكم فأبوا فقال شاوروا الإمام قالوا قد فعلنا قبلها ونزل بدار القضاء وسار فيهم السيرة التي أملوها فيه، فبينما هو في ذلك فتنازع أبو العباس بن عبد الوهاب وصهر لأفلح في أرض فارتفعا إليه فسبق أبو العباس فجلس معه في سقيفة الدار وأدنى مجلسه وحادثه فخرجت جارية القاضي فاستسقاها فوصل الخصم ورأى بعض ذلك فوقع في نفسه أن خصمه بجنب القاضي يحادثه ويستسقي وأنا ملقى على باب الدار لا يلفت إليّ فلاحت من القاضي ندرة فرآه فقال ما حاجتك قال جئت خصما لأبي العباس فوجدته جالسا إلى جانبك فجلست هنا فأغضبه ذلك فقال بأبي العباس تأتيني خصما وتجلس إلى جنبي وتستسقي جاريتي يا غلام خذ بيد أبي العباس وأجلسه مكان خصمه ولا يبرح وخذ بيد خصمه وأجلسه إلى جنبي وأمر الجارية فلتسقه ففعل الغلام ثمّ أن أبا العباس بعد انصرافه شكاه إلى أفلح فقال قد أعلمتك بهذا ولكن الصواب ما فعل ولو فعل غيره كان مداهنا فاتصل فعله بوجوب الإباضية فأعجبهم فاستحسنوا.
ومنهم أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني: (1/190)
صفحة 191
قال أبو زكريا أن الإمام استعمل على قنطرارة أبا يونس وسيم وما ولاها فأحسن السيرة وسبب خروجه من جبل نفوسة إلى قنطرارة إن خدمه إذا احتطبن من مساقي أرباع الناس تركن الحفر من غير تسوية فيمسكن الماء عند مجيء المطر فخشي التبعات فولى قنطرارة فأحسن السيرة وعدل في القضية وأحسن إلى الرعية وربما اطلع على أشرف موضع حيث يسمعه الأقصى والأدنى فينادي لا فرار من الصدقة والفار من الصدقة يؤذي ويكرر ذلك وتمادى على ولايته وعدله إلى أن مات مريضا حميدا.
ومنهم مدمان الهرطلي:
كان شيخا تقيا وقافا، وفي سيرة نفوسة أن مدمان الهرطلي كان قاضيا أو عاملا للإمام عبد الوهاب رضي الله عنه فأراد الإمام تجربته فبعث إليه بكتابين في أحدهما عزله فإن امتثل وقبل دفع له الآخر وفيه تقريره فلما قرأ الأول قال رحم الله الإمام علم ضعفي وقصوري عن هذا الأمر فكتب بعزلي فلما رفع إليه الثاني قال رحم الله الإمام علم أن لا أحد يحلني من هذا الأمر فاستقامت حالته أولا وآخرا ومن توقفه أن استمسك رجل بآخر مدعيا أنه باع له بقرة لا أسنان للفك الأعلى من فيها وهل هذا من عيوبها فقال حتى أسأل فشكوه إلى الإمام إذا استعمل عليهم من لا يعلم أن ليس للبقرة الأسنان العليا فقال الإمام كيف حكم قالوا قال حتى أسأل قال إنما أستعمله لتوقفه.
ومنهم العباس بن أيوب: (1/191)
صفحة 192
وكان عاملا للإمام أفلح على جبل نفوسة بل على ما أدركه مما حوله من البلاد وتقدم أن أهل المشرق اختاروا من الجبل ثلاثة رجال ثم اختاروا أبا زكريا التوكيتي وأما أبو مرداس فنفسي نفسي كالغزال وأما العباس فنعم الفتى وفي السير اصطحب أبو مرداس والعباس وجماعة معهما فجازوا في طريقهم بموضع قطعه الماء فجاز العباس الجرف ولم يطق أبو مرداس الجواز فوقف فقال للعباس لا نقدر أن نثبت مثلك ولا نريد مخالفتك بأن نتسهل فرجع العباس وقال تبت إلى الله يا أبا مرداس ثم تسهل وتسهلوا معه فقال أبو مرداس أن سلت الطريق أو صعدت مع الحائط فلابد من سلوكها ولا نخالفها فإن خالفناها لن نرجع إليها أبدا لأن العباس ولى أمره ويرى اتباعه ولو في سلوك الطريق وفيها لما أوقف خلف العباس بفاغيس وكان خلف في كثرة فخاف بعض المسلمين فأتى أبا مرداس فقال لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني فأتى أبا الحسن فقال له لا أخاف على عسكر فيه أبو مرداس فلما حمي تاوطيس واشتد القتال قال أبو مرداس أطمع لمن مات هنا الجنة إلا من قتل نفسا أو كان على فراش حرام أو غصب مالا وتقدم مثلها ومخرجها غير مرة ولما طال القتال أبو مرداس العباس فقال له تبت إلى الله فإن الباطل لا يقف للحق أكثر من هذا فقال العباس تبت إلى الله فانهزم خلف، وقبل قال ماذا فعل العباس ولكن عدمت الحرب رجالها ومن يفعل هكذا فنزل بنفسه للقتال فانهزم القوم فقال أبو مرداس للناس ارجعوا عن طلبهم فقال له رجل أين لالت يعني طرف نفوسة لأنهم في الحيز بعد فقال نسيت لالت فأتبعوهم حتى خرجوا حيز لالت فلما رجعوا أقبلوا يهنئون العباس على ما أعطاه الله من النصر والظفر فقال لهم هنئوا أبا مرداس وأبا الحسن الذين لم يناما ليلهما يدعوان ربهما ويرغبانه فلما رجع العباس إلى معسكره ترجل وأقبل يعزي الشيوخ في أقاربهم الذين ماتوا مع خلف وقال آجركم الله في مصابكم في إخوانكم، فقالوا يا عباس ليسوا بأخواننا ولكنهم (1/192)
صفحة 193
أرحامنا وإنما إخواننا أنتم، وفي السير أن زوجة أبي مرداس قال له رزقك الله الجنة، فقال لها إنما يستأهل الجنة توفيق بن أيوب يعني العباس الذي لم يخلع الدرع من عنقه من يوم إلى يوم فوجد صدى الحديد في فيه وبه أصبنا أنا وأنت مسجدنا ولقد بلغنا أن العباس خرج إلى بني يفرن بعسكره فخشي أبو مرداس على العسكر أن يضعف فخلى بالعباس فقال له ارجع فأبى فقال إن لم ترجع صحت في العسكر فيفترقوا عليك فجمع العباس الناس فخطبهم فقال نفذ الزاد وضعف الكراع فارجعوا حتى إذا سمنت الدواب وجدنا الزاد رجعنا على عدونا وخرج إلى جهادهم مرة أخرى فقال به ارجع فأبى ابو مرداس ما أجن مهاصر الذي يطلب رجلا مثله ويترك ربه فدعا الله فأنزل عليهم ماء غدقا فتفرق العسكر يريدون منازلهم فقال أبو مرداس للعباس أرددهم الآن إن قدرت وخرج إلى قتالهم مرة فقد أبا مهاصر وأبا التوكيتي فخشي أن يكون رجوعهما لحدث فقفا أثرهما فوجدهما عند أم الخطاب في أغرميمان ووجدته بخط عمنا يحيى ابن أبي العز في كتاب السير في أغرم أينان (بهمزة بعد ميم ونون قبل ألف) ويجوزان يكون من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ومعناه (بالميم) قصر النفس في مجلس الذكر فقال لم رجعتما قالا كراهة لمعان السيوف وأنت على المنهاج فقال أتركا لمعان السيوف لمن يطيقه فأخذت أم الخطاب لحم الشاة التي ذبحت للشيخين فجعلته في خرج العباس فقالت للشيخين يكفيكما الجلبان.
ومنهم أبو مهاصر الأفطماني رحمه الله واسمه موسى بن جعفر: (1/193)
صفحة 194
قال أبو العباس شيخ النسك والتبتل والمكرم بالدعاء المستجاب المتقبل رفض شهوات النفس فباعها وفاز باسمي المنازل واستوجبت الرقي في درجات الأفاضل قال حدث جماعة من المشايخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين في أوان الربيع البادية هو عمروس بن فتح رحمهما الله فلبثوا أياما على غير ماء فأخذوا يتيممون للصلوات فتكدرت نفس أبي مهاصر فقال قلوب يربو عليها الشحم ما سمنت ووجوه تعلوها الغبرة قلت سلامة الدين مع أهل الوبر إنما الدين في المدر والله لا يجعل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا وأني لا أخاف أن نكون ممن عاب الله عز وجل بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)(1)، فرد عمروس بأن قال ليس في ذلك ما تخافه لقد أباح اله التيمم لعدم الماء واباح الضرب في الأرض لطلب الفضل وابتغاء الرزق حيث قال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ )(2)، وقال: (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ )(3)، وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(4) فلم يقنع ذلك أبا مهاصر فرجع إلى منزله فاستصحب معه من تحف البادية فلما بلغ قسمها بين الأقارب والجيران والفقراء ومن تجب مواصلته فأعطى ليهودي فقال اللهم لا تنساه من رحمتك كما لم ينسني قال أبو مهاصر ذلك ما ابتغى عندك قال أبو العباس لعله إنما أراد ما يعطفه ويلين قلبه ويدخله الإسلام و إلا فأبو مهاصر لا يجهل قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)(5) قلت إنما يريدون ما يجده عند الله لأن الله أمر بذلك إذا جارا أو قريبا أو فقيرا ذا حاجة قال أبو العباس جمع الصبيان وإعطائهم ثم
__________
(1) – سورة مريم، الآية:59.
(2) – سورة الجمعة، الآية:10.
(3) – سورة النساء، الآية:43.
(4) – سورة المائدة، الآية:6.
(5) – سورة المجادلة، الآية:22. (1/194)
صفحة 195
أعطى لهرة معهم، وقيل جروة فاحتفلوا يدعون الله له ولقد شوهدت الهرة عند احتفالهم شائلة يدها معهم على هيئة الداعي إلى الله تعالى فيما ذكروه فقال لمن شاهد ذلك ما شاهد أن الله خلق الرأفة وأسكنها قلوب المؤمنين وخلق القسوة والجفوة وأسكنها قلوب الكافرين قال أبو العباس وجواب أبي مهاصر قد حكى عنه ابن مسعود رضي الله عنهما قال أبو العباس قال أبو نوح وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا مهاصر كانت له أتان حج عليها سبع مرات وعادته إذا خرج متوجها إلى الحج له مصلى يدعو الله عنده ويصلي فيه فتنهق أتانه فإذا رجع من الحج قصده فيدعو ويصلي ثم تنهق فيعلم أهل المنزل بانفصاله وبرجوعه وربما ضحك عوامهم وجهالهم فيقول لهم مهاصر تضحكون من نهاق أتان أقامت الحجة عليكم، وخرج مرة إلى مصلاه الذي بالشبيعان أو غيره فمر بظبية ولدت في الطريق وهي ترضع طلاها ففرت منه حين أبصرته فقال لها ارجعي يا مسكينة أنا موسى بن جعفر فرجعت فقال لها ولدتِ في الطريق فيضرك الناس فأخذ ولدها حتى أبعده من الطريق فتركه لها وذكر غير واحد أنذه سمع نقنقة ضفضع فنظر إلى فيه فأبصر علقة متعلقة به فقال افتح فاك ففتح فاه فنزعها منه فقال له كادت أن تقتلك يا مسكين. (1/195)
صفحة 196
وفي كتاب السير ذكر عن أبي مهاصر حين يبني مسجد امسراتن يحمل الخبز في الفخار من منزله فيجدونه سخنا وأنه أخذ قصبتين من سقفها فقال لهم لا أعطيهما بأربعين دينارا قصبتي وقصبة تلولي وم مرة على جماعة أهل دجى أو زعرارة راكبا حمارته ومعها جحش يتبعها فقالوا ليتيم لو طلبته لأعطاكه فقام اليتيم فطلبه عند أبي مهاصر فأعطاه له فسار بحمارته وامتنعت من السير من أجل ولدها فأخذوا خليفة لليتيم فاشتراه منه بدنارين وفقد دنانير فسيال زعرار يابات عنده عنها فقال هي عندكم وكم عددها قال أربعة فأعطاها له فرجع إلى بيته فقالت زوجته أنا حملتها فرد الزعراري ما أخذ منه فقال ما حملك على ماصنعت فقال إذا سمعت الناس يصدقونك ويكذبونني ومصلاه باشبيعان يتوضأ ويصلي فيه الظهر وبينه وبين المنزل اثني عشر ميلا وأعطى ليلة قرى أضياف باتوا عنده وأعطى لكلبتهم فقال إذا أكلتم فادعوا لي وانصرف على بعض أموره فلما قاموا يدعون له وقفت الكلبة على رجليها رافعة يديها تعوي معهم. (1/196)
صفحة 197
وأعطى بغلة لقوم غربا اشتكى بعضهم قلة الظهر ومشقة المرض فحمل عليه فقال أين أرده قال يوم القيامة فلقوا أخاه بإفريقية فتمسك بالبغل قالوا أعطاه لنا أبو مهاصر قال كيف قالوا قال آخذه يوم اللقاء قال هذا من كلام أخي وقال له ابو القاسم البغطوري إذا رأيت المصباح على مغلق بيتي فسر إلي فإذا رأى ذلك سار وأكل مع الأضياف ويحضر المجلس وبينهما أزيد من سبعة أميال وذكر أنه فطن بامرأة حاملة لا زوج لها فرعاها فرآها يوما أوت إلى خربة فتبعها فقال تكون الغلبة ويكون الرقاد فوضعت حملها وهيأ لها ما يحتاج إليه مثلها قالت وجدني أدبر كيف أصنع به فسلمه الله بقول الشيخ وفي حفظي باع وكيل يتيم زيتونه بأربعة دنانير لرجل محابات فبلغه الخبر فأنكر ذلك وأفسده ثم أنه أعطاه من جناه فباع بأحد عشر دينارا أو أطعم اليتيم من الباقي سنة، وكذا أيضا جاز على بستان رجل أسقط ما أثمر كرمه أما من قلة المطر أو لعدم التذكير قبل أوان إدراكها فقال لصاحبه لِمَ لمْ تأخذ ما وقع من اشجارك قال لا حاجة لي فيه قال له أتأذن لي في أخذه قال خذه فأخذه أبو مهاصر وجعله في وعاء فتمادى الجدب وعظم القحط وأسنت الناس فالتمس الطعام فلم يوجد فأتى صاحب البستان الشيخ يلتمس ما يأخذ منه قال له ليس معي إلا كرموس غير منضج فاشتراه منه بالبستان ورضي بالصفقة وخدم أبو مهاصر البستان واخضرّ وآتى أكله ضعفين فلما أينع جاز عليه بائعه وتعجب من حسنه وحمرة ثماره فأتى الشيخ فقال أجن بستانك فقال له الشيخ أجن بستانك إنما أعطيتك ما فرطت فيه من ثمرة أشجارك.
ومنهم يحيى بن موليت:
ابن خالة أبي مهاصر ورفيقه في طريق الحج وصنوه في الدين والعبادة وروي أنهما حجا معا في مرات مات يحيى في آخرهن وقال إذ حضره الموت وقف علي وقيل ادخل الجنة من أي باب شئت يابن موليت وروي أن ابا مهاصر قال يا يحيى إياك أن تعاتب سارت إذا أعطت شيئا فإني لا أعاتب تلولا ولو أعطت جملا بحمله. (1/197)
صفحة 198
ومنهم أبو نصر التمصمصي:
من فضلاء جبل نفوسة علما وعملا وزهدا، وقيل زار الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفاث، وقيل من فتنة خلف، وحضر مع العباس بفاغيس وكان إذ ذاك ضرير البصر فنزل إلى القتال فقال اللهم لا أبصر ما أتقي ولا ما أضرب فلم تقع به ضربة ولم تخط له ضربة، وفي سير نفوسة مات على ختم الآذان فبلغ أبا مرداس موته فقال مات هذا التمصمصي موتة الأنبياء ومات أبو مرداس على ما قيل حين فرغ من غسل رجليه من الوضوء رحمة الله عليهما.
ومنهم إبراهيم بن عزيز:
وهو من البيض والبيض في جبل نفوسة أربعة هذا وأبو القاسم الملوشائي وماطوس بن ماطوس وأبو بكر الغفسفي وهؤلاء طلبة الشيخ ورسفلاس مونر بن مادت، وفي السير إذا اجتمع الأشياخ قدموا إبراهيم بن عزيز أن يصلي بهم لفضله وورعه ويقرأ قل هو الله أحد من رثة بلسانه، وكان أبو محمد الدرفي يقول قل هو الله أحد من إبراهيم خير من تلاوتكم أهل جادو.
ومنهم ابنا منيب:
وكان لهما السبق في العلم والعمل وذكر فيها أظن أبو الربيع أنهما شيخان فقيهان من نفوسة صالحين أبو يعقوب وأبو يوسف، ومن شدة تحفظهما وكثرة ورعهما أنهما يترافقان إلى تيهرت وغيرهما وإذا طريقهم على وارجلان لا يدخلانها بل ينزلان ظاهر المدينة حذار منه وشفقة على أنفسهما من الاختلاف والشقال ويبعثان من قضي لهما حوائجهما وكان ذلك دأبهما سائرين وراجعين ولهما أخبار وذكر.
ومنهم وكيل بن دارج عامل الإمام عبد الوهاب على قفصة النفوسي كذا نسبه من قيد مشايخ أهل الدعوة وهو من بني يخلف.
ومنهم الأخوان محمد وأبو عمر وابنا أبي المنيب إسماعيل ابن درار الغدامسي:
وهم بني تناوث وأيوب ولد محمد وقد تقدمت أخبار إسماعيل وأنه من حملة العلم عن أبي عبيدة وأما منيب بن إسماعيل وحجاج بن وافيتين الوغوي ويوسف بن سادي فقد مالوا إلى خلف فتاب حجاج وتقد خبره.
ومنه سلام بن عمرو اللواتي عامل الإمام عبد الوهاب على سرت ونواحيها. (1/198)
صفحة 199
ومنهم ميال بن يوسف عامل الإمام أفلح على نفزاوة وأبوه وزيره وهو أيضا لواتي.
ومنهم سلمو بن قطفة عامل الإمام عبد الوهاب على قابس ونحواحيها.
ومنهم محمد بن إسحاق الخزري عامل الإمام عبد الوهاب على نفزاوة.
ومنهم جارون بن القمري عامل الإمام عبد الوهاب وصهره وهو زناتي.
ومنهم نهدي بن عاصم الزناتي عامل الإمام عبد الوهاب.
ومنهم ييران (بياء) من بني يزمتن المزاتي عامل الإمام عبد الوهاب.
ومنهم يبيب بن زلغين:
بورك له في الحركتين التقى والدنيا، وكان سخيا فاضلا، وذكر الشيخ إسماعيل ابن الشيخ بيدير أنه اصطحب مع رجل فلقيا عجوزا وقد اجتهدت جوعا فاستطعمتهما ولم يكن معهما سوى رغيف فضن صاحبه بنصيبه فأخذ نصف رغيف وهو نصيبه فأعطاه لها فقالت قسم الله لك بين الدارين فوسع الله عليه دنياه ورجونا له في الآخرة أكثر، وقيل كان له بعد ذلك ثلاثون ألف ناقة وثلاثمائة ألف شاة واثني عشر ألف حمار وإذا جاءه العامل وقت الصدقة قال للرعاة اختاروا خيار الإبل فغيبوها فيأمر العامل بأخذها، وقيل ذهب له جمال فقالم في طلبها فمر بعجوز رحل عنها الناس فقال لم أقمتِ فاشتكت بقلة الظهر فأعطاها نجيبة فقال أين أرده قال يوم اللقاء، فسألت العجوز عن يوم اللقاء فأخبرت أنه يوم القيامة فتحول إلى ظل شجرة فنام فلم يوقظه إلا جماله يأكلن من الشجرة وأخذ منها واحدا غير ذلول فجعل له رسنا فركبه فسهله الله له، وفي الخبر مر إلى غنمه حتى وصل إلى الحي فنزل مقابل خيمة فنادت امرأة لأخرى أدخلي الضيف فصاحب المال لا يريد أن يبيت الضيف بلا عشاء فردت عليها الأخرى أدخليه أنت فبادرت فأدخلته فلما قدم وفيهم من يعرفه وكانوا جميعا عبيدا له فأعتق المدخلة وزوجها وأوهب لهما ما بأيديهما من المال وملكهما الأخرى وزوجها استحسانا لفعلها وقولها وقدم غليه ثلاثة نفر يبتغون معروفه فقالت له امرأته سلهم عن حوائجهم كي يبيتوا على سرور فسألهم فقال أحدهم أبتغي صوفا، والثاني أبتغي (1/199)
صفحة 200
جملا، والثالث أبتغي ما أحلب، فقضى حوائجهم، فقال صاحب الجمل رزقك الله الجنة، فقال ليس هذا أجمل الجنة وكان المعطي أولا بكرا خيارا فأعطاه جملا أحسن منه، قيل صادفه طالب حاجة يغربل جديا لم يتم فأعرض عن الطلب فقال ما جاءت حاجتك فذكرها له فقضاها وقال إنما أفعل ما ترى لأقضي حاجتك وحاجة غيرك، وكفاك في غاية مدحه قول الإمام عبد الوهاب رحمه الله لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين، أنا بالذهب ومحمد بن جرني بالحرث، وابن زيلغين بالأنعام، وقال أيضا ما قام هذا الدّين إلا بسيوف نفوسة وأموال مزاته.
ومنهم أبو عثمان المزاتي: (1/200)
صفحة 201
الساكن من جبل نفوسة بقرية دجي، قال أبو العباس ذو الإيثار والسخاء وكرامات الأولياء المفزوع إليه في استجابة الدعاء، المقصود في الشدة والرخاء، سلك في النسك والزهد أنهج المسالك، وتحرى جهده ما يبعده من المهالك، قال أبو العباس ومن كراماته: أن مجاعةوقعت بجبل نفوسة وعنده غرفة موسوقة شعيرا، وخرج يوما يستقي ولم يجد على الماء إلا ذئبا فقال له لم أجد على الماء غيرك فأمسك لي فم السقاء يا آفة الغنم فانطلق الذئب فقال أنا ساع في تحصيل معيشتي ولم أدخر الشعير لحولي مثلك يا أبا عثمان فأقبل فأدخل رأسه بين علاقتي السقاء فأمسك بفيه فم السقاء فملأ أبو عثمان سقاه ومضى الذئب والمهم أنّ ذلك تنبيه من الله عز وجل فعمد إلى الغرفة فتصدق بها جميعا، قال أبو العباس: أمحل الجبل على ما ذكر وكان لأبي عثمان بستان جفت أغصانه وتساقطت ثماره وأوراقه وقالت امرأة لابن لها سر إلى والدك قل له يدعو الله أن يسقي بستاننا فقد هلك فلما أبصر الصبي أقبل قال له قبل أن يتكلم أبعثتك أمّك لأستقي الله للبستان فقال نعم، فدعا ربه فأرسل سحابة على بستان الشيخ فسقته فأنعم واخضرّ فجاز به رجل فتعجّب من نضارته وحسن اخضراره فأخذه بالعين فأذبل فعاد إلى تساقط الورق فبلغ أبا عثمان ذلك فقال اللهم أمته فريدا بلا وصية، فقيل دخل مغارة لأخذ طَفْل وهوى الطين فسقط عليه سقفها فمات وقيل حمل غذاء الحاصدين فوجد ميتا بالطريق وقد كتب وصيته في التراب فنسفها الريح وهذان الخبران ذكرهما غير أبي العباس أيضا واسند الروايات إلى أبي الربيع وأبي سهل وأبي نوح أعني هذين الخبرين وغيرهما من كرامات أبي عثمان وذكر أن منزو بنت أبي عثمان اجتمعت مع امرأتين بجبل نفوسة وأفضى بهن الحديث إلى أن تمنت منزو أن تتزوج رجلا فظّا غليظا فيحملني ما يعجز عنه مثلي ويكلفني من خدمته فوق طاقتي ويؤذيني بأنواع من سوء العشرة فأطيعه على ذلك وأصبر على أذاه لعل الله يرحمني بذلك فقضى الله (1/201)
صفحة 202
أمنيتها أن تزوجها رجل من قومها فركب جملا وجاز على نسوة فقال إن كانت منزو فيكن فلا إذن لها في المقام بعدي وكانت فيهن فارتدت رداءها وسارت في أثر بعلها حافية راجلة فحفيت حتى إذا رفعت رجلا ظهر الدم في موضع القدم وإذا نزل للمبات بادرته بردائها توسده له وكان ذلك دأبه ودأبها حتى وصل وطنه فبنى لها بيتا نبذه عن الناس وكان يسيء وتحسن ثم تزوج عليها امرأة فازداد سوء العشرة والذي يبدو منها من الصبر والطاعة في زيادة فمرت بها قافلة يوما لنفوسة فسمعها بعضهم وهي تقول ألا أحد يزور في الله فيذهب عنا غم النفوس ويزيل الوحشة فلما بلغوا نفوسة تذاكروا الحديث ففطن له الشيخ أبو زكريا يحيى بن يونس السدراتي رحمه الله فعلم أنه كلام ابنة الشيخ أبي عثمان فساروا في جماعة من مشايخ الجبل ومعهم أبو عثمان فلما وصلوها وجدوها متفضلة في قميص تصلح خيمتها خارجا من الخيمة فقال لها أبو زكريا إني لأختار أن أجد جنازتك خارجة ولا أراك خارج بيتك متفضلة فاستتابها وتابت مما كان منها فمكثوا عندها ثلاثا فأرادوا الانصراف فرغبت إليهم أن يقيموا عندها ثلاثا أخرى ففعلوا فلما اجتمعوا لوداعها عند الانصراف قالت لأبي زكريا أنصب لي قدمك هاهنا لأذكركم بها فتذهب عنذي الوحشة ففعل فكفأت عليه قدحا فدعت له أن يرويه الله يوم القيامة فقال أبو عثمان احتسبي واصبري وقد سبق القضاء وأرجو من الله أن لا تنصرم عشرة أيام إلا أن يموت ويفرج الله عليك وينقطع ما تجدينه من النصب فودعوها فلما كان اليوم العاشر أورد بعلها أبله على بئر لهم فسقط دلوه في البئر فانحدر إليه ومنع غلمانه من النزول لما سبق في علم الله فلما شدها قال أحملوني فرفعوا إلى أن حاذ الحفير في البئر فإذا قدر صد له حنش أعظم ما يقدر فاغرا فاه تبيض عيناه فناداهم أنزلوني فأنزلوه فرجع الحنش في غاره ثم قال لهم أرفعوني فرفعوه فلما وازى أيضا موضعه برز فاغرا فاه فقال أنزلوني فكان أمره بين ارفعوني (1/202)
صفحة 203
وأنزلزني فلما أيس قال ارفعوني فالتقمه ودخل إلى مغارته فلم يسمعوا له إلا قضقضة عظامه وهو آخر العهد به ذكر القصة أبو العباس وغيره، وتمنت الثانية أن يأوي إليها ملأ من المسلمين في ليلة مطر وبرد وقد بلهم القطر وتمكن منهم البرد وضربهم الجوع فأعالج لهم ما أزيل به عنهم ما بهم لعل الله يرحمني بذلك فأعطيت ما تمنت، وتمنت الثالثة أن لو وقعت بين قوم جهال أذكرهم وأعلمهم أمر دينهم لعل الله أن يرحمني فأعطيت ما تمنت، وذكر أبو العباس وغيره عن الشيخ أبي نوح أن منزو لما جلبها الزوج الفاجر تسير معه حتى إذا نزل فرشت له وعالجت طعاما لعشائه ثم تقوم تصلي بقية الليل إلى أن يطلع الفجر فكذا دأبه ودأبها حتى بلغا.وفي السير أن ثلاث نسوة زرن تزعرارت فتمنين فأعطين ما تمنين، وذكر أبو العباس وغيره أن تكفي بنت أبي عثمان زارته فصحبها في الرجوع وهي على أتان فأصابها مطر وخشيت بلل الثياب وفساد الزينة وقيل وقت هدائها إلى زوجها فاشتكت إلى أبيها فساد زينتها وبلل ثيابها بالمطر وحال الصغر والعروس معلوم فدعا الله أن يحفظ عليها زينتها وعدم فساد ثيابها وأن يسترها فلم يبتل بقدرة الله شيء من ثيابها وابتل أبو عثمان وثيابه وأتانه وما ركبت عليه تكفي وما ذلك على الله بعزيز ولا حول ولا قوة إلا بالله. (1/203)
صفحة 204
وفي السير دخل عليه رجل في غاره فوجد رؤوسا كثيرة مختلفات الألوان فسأله عن ذلك فقال أبو عثمان سمعت أن من ذبح لإخوانه في الله شاة فله من الأجر على عدد ذلك اللون من ذلك اللون لو ذبحه ولذلك أخالف بين الألوان وفيها أنه يتعبد في ليلة من الليالي في مصلاه المعروف فوقع به لصان فقال كل واحد منهما لصاحبه أصرب فضرباه فوقعت ضربة كل واحد منهما بصاحبه فأصبحا ميتين في موضعهما فوقاه الله شرهما، وفيها أنّه أودع غنمه الجبل حين سافر إلى الحج فلم يضرهنّ سبع ولا لص حتى رجع، وقيل إذا طلعت إليها اللصوص وقد أبصروها لم يجدوها ولما طلع إليها وجدها لم ينقص منها شيء ووجد أثر الذئب حواليها وفيها أن أبا مهاصر لما عزم على الارتحال إلى الحج في بعض سفراته إليه أتاه أبو عثمان قال أسافر معك أيها الشيخ قال له لا استطاعة لك فارجع فقال ابو عثمان منكرا لقوله أنبقى بعدك لعلنا نرعى الغنت أو الإبل فلما رآه عازما رجع إلى زوجته فقال زيديني شيئا فأعطته حليها فتيابق الناس إلى طعامه وحمله ثم ملوه لطول الطريق فرجع إلى أبي مهاصر فكفله وكان يمسك في السير بأذناب الإبل وقالت له النساء دع الإبل تمشي فاتفقت كلمتهنّ فدعا عليهن فسلط الله على النسوان سيلا مات فيه ثلاثمائة عجوز ولم يرجع منهنّ إلا امرأة أجابته حين دعا عليهنّ فلامه المشايخ على ذلك فصام لذلك سنة وكان كثير الزيارة لإخوانه خصوصا أبا مهاصر بل هو خاص به وأهدى له مرة قلة سمن فأطعمها له في خبز القمح لكثرة ما يغشاه فقال له أبو مهاصر إنك خير البرابر أكلت خبز القمح.
ومنهم الشيخ أبو عامر التصراري: (1/204)
صفحة 205
من الاثني عشر شيخا المعلومين بإجابة الدعاء في جبل نفوسةن وفي السير كانت له امرأة يقال لها أمة الواحد، وكانت صالحة تقيّة حزيمة لأمر النيا والآخرة مشهورة بذلك، وكانت شابة بتندميره صالحة منعت نفسها من التزويج كل الامتناع فاستعانت عليها أمها بجماعة من المشايخ فيهم أبو عامر التصراري فلما كلموها وألحوا عليها قالت لا أفعل إلا بشرط أن اختار من شئت منكم فأذنوا لها فاختارت أبا عامر فجلبها إلى داره في حينه فقال لأمة الواحد قومي إلى أختك فنزليها فنزلتها مع النسوة اللائي ينزلن العروس إلا البخور زرمت به من تحت الباب حين تذكرته فقامت بهما وبأمورهما وأشغالهما وأرسلت إليها زينب اللالوتية في أمر أظهرته لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعانا فتابت مما وقع منها، وفي السير رأت الشيطان مرتين في يوم واحد حملت حزمة حطب على رأسها فوسوس لها أن أبا عامر تغدا مع زوجته وجعلا لك لقمتك في البرمة فرمت الحزمة لتزيد فيها الحطب إذ علمت أن ذلك من الشيطان فخرج من الحزمة مثل القط وهو يصيح فلما بلغت الدار وجدت الامر كما وسوس فانتقع لونها وتغيّر حالها فعرف أبو عامر أن ذلك من الشيطان فأخذ بكمها وهزها فقال أخرج عدو الله من جسد طاهر فخرج من كمها كالقط وهو يصيح خارجا من باب البيت وفيها أنها تبكر فتجني التين صبحا باردا ليأكل الشيخ وزوجه ثم تعود فتجني فتنشر وفيها اجتمع المشايخ في تنين أن دركل موضع فقالت لأبي عامر أحضرت أنت وزوجك المجلس وأنا أكفيكما مؤنة الصبي ابن الضارة والبقرة ثم أرسلت إليهما اجتهدا فيما أنتما فيه من الخير وقال أبو عامر للمشايخ إن لم تكن الضرائر مثل ما عندي فقد غبنتم فقال المشايخ لولا من أمة الواحد لانكشفت أنت وتوزينك وفيها أن لها أختين تزوجتا بتصصليت فولدتا غلامين معا فزارتهما مع أبي عامر فلما بلغا إليهما نظر أبو عمار إلى الصبيين فقال أنهما يكونان نفعا للإسلام وهذا أفضل من هذا، وكان أحدهما أبا (1/205)
صفحة 206
ميمون والآخر أبا حمزة لوابًا أعني لواب بن يوسف وسيأتي مناقب كل واحد منهما إن شاء الله.
ومنهم أبو خليل صال من أهل دركل رحمة الله عليه:
وأكثر المؤلفون من أخباره وذكر كراماته وأعظمها ما ذكره الاكثرون بل صار في المكتب والسير والسنة المحدثين كالتواتران أبا خليل لما حضرته الوفاة اجتمعت لإليه الاشياخ والعباد وهم يبكون فقال ما يبكيكم فقالوا كيف لا نبكي ومصيبة الإسلام فيك وفي فقدك أعظم كل رزية وأشنع كل مصيبة قال لهم كيف حالي عندكم قالوا خير حال عبدت ربك العمر الطويل وتعلمت وعلمت العلم والسير والخلق الكريم، قال أتشهدون لي بذلك عند الله قالوا نعم فقال اكتبوها هنا فكتبوها فقال إذا مت فاجعلوها بيني وبين كفني ففعلوا كما أمرهم فلما دفنوه وسدوا قبره ودمسوه فرقفوا يخطون عليه الخطّة للحريم فإذا كتابهم الذي فيه شهادتهم موضوعة على القبر فقرأوه فإذا فيه كما هو عندكم كذلك هو عندنا، قيل مات عن مائة سنة، وقيل مائة وعشرين، وفي السير أنه يقول للطلبة ائتوا المجالس يا كسلاء فقد حضرها من حضرها ما بينه وبين قابس وما بينه وبين فزان حتى وقع قطاع الطريق عليه فجرحوه سبعة عشر جرحا فدخل مغارة مكث فيها أربعين يوما ما أكل ولا شرب إلا ما رأى في منامه أنه أطعم وسقي فخرج وقد نظر بدنه نظرة لم يرها قط فظنّوا أن الرجل هو أبو الخليل، وفي السير وكان من قادات المسلمين وكان يمضي إلى المسجد يمكث فيه ما شاء اله يصلي ثم يرجع مسرعا فقالت له امرأته لم تفعل ذلك يا شيخ فقال لها للنفس إقبال وإدبار فإذا وجد الرجل في نفسه إقبال اغتنم واجتهد وإذا لم يجد ذلك في نفسه تمسك بالفرائض وأداها لئلا يمل، وروي عنه أنه تكلف أنواعا من العبادات عجز عنها غيره وذلك أنه ربما جعل ليله أجمع ركعة واحدة وربما جعله سجدة وكان من العلماء الذين جرت عليهم نسبة الدين بالمغرب من نفوسة وغيره وذكر أبو عمرو السوفي في إسناده أبو عمرو وعن أبي العباس عن أبي (1/206)
صفحة 207
الربيع سليمان بن خلف عن أبي عبد الله محمد بن بكر عن أبي زكريا فصيل عن والده أبي مسور عن أبي معروف عن أبي ذرابان بن وسيم عن أبي خليل عن أبي المنيب محمد ابن يانس عن حملة العلم عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن اللوح المحفوظ عن رب العالمين، وأما نفوسة فذكر الشيخ البغطوري أنه أخذ الدين عن الشيخين الفقيهين التقيين أبي محمد عبد الله بن محمد المجدولي وأبي يحيى توفيق بن يحيى الجناوني وعن داود بن هارون وعن داود بن يوسف عن أبي زكريا يحيى الجناوني عن أبي الربيع سليمان بن موسى عن يحيى بن سفيان وعن البشر بن محمد وعن وجدليش بن فيّ عن أبي يحيى يوسف بن زيد وعن أبي نصر عن أبي محمد يصليتين بن محمد عن أبي هارون الجلالني عن أبي القاسم البغطوري عن أبان عن أبي خليل ومن أخباره أن أبنا له مات مقتولا فأتته المشايخ بقاتله يلتمسون الفضل والعفو فلما جن الليل قتله واستعان عليه بغيره فلما أصبحوا طلبوه فقال قتلته فغضبوه وعابوا عليه ثلاث خصال تركته للأفضل الذي هو العفو واستعانته بمن ليس له في الدم شيء وخان وديعته فأجاب بأن لو أخذت بالأفضل وعفوت فإذا كبر أولاده وقتلوه كانوا جانين فيقتلون فيه والاستعانة على شاة عيد بغير من يضحي بها جائز والوديعة إذا ثبتت أنها مال المودع عنده جاز له التصرف من غير إذن المودع وقال لأبان بعد ما كبر هل على مثلي صوم؟ قال إذا لم تقدر فأطعم مسكينا قال لم تأت بها وقال له ليس عليك صوم أصلا قال الآن جئت بها يا أبان
ومنهم والي العهد: (1/207)
صفحة 208
وكان من أهل العلم والدين والورع واليقين وفي السير انه من أهل مرجس من قرى نفوسة وقيل أنه باحث يوما أبا المنيب محمد بن يانس فارتفع بهما البحث إلى أن قال أحدهما يافنفان وقال الآخر يا كنكان فافترقا على حرج فقال والي العهد لزوجته في اليوم الثالث ناوليني عكازي لئلا تحل على الرواية لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث فإذا أبو المنيب استأذن عليه فقال له مثلك الذي يوافق مثل هذا يا ابن يانس.
ومنهم أبو ذر صدوق الفرسطائي:
ممن أخذ العلم عن أبي مرداس وجازت عليه نسبة الدين وفي السير قال أبو مرداس حين يتعلم عنده قولوا لأبي ذر ينصف من نفسه و إلا فلا يطلع إلى الجبل ولم يذكر فيما ينصف وفيها قال أبو ذر أي شيء تركت لك يا دنياي أتيممّ لصلاة الضحى بحد مورت.
ومنهم سعد بن أبي يونس: (1/208)
صفحة 209
عامل الإمام عبد الوهاب على قنطرار وفي السير أن أبا القاسم الفرسطائي زار أبا محمد سعد بن يونس في تيجي فلما حضر وقت الصلاة نزلوا ليغتسلوا في العين فألفوه مسدودا حوضه وناس يعومون فيه فقال أبو محمد ضرونا وضروا أنفسهم ونزلوا إلى ماء آخر فلما رجعوا وجدوا موضع السد يرشح قال أبو محمد لولا من الرشح لنجسوا وبخست ثيابهم وقال أبو زكريا أرسل أبو يونس وسيم بن سعيد ابنه سعدا إلى تيهرت ليتعلم العلم ومعه نفاث بن نصر فتعلما عند الإمام فلما بلغا من العلوم ما أراد الله أرادا الرجوع إلى بلدهما وذلك وقت موت أبي يونس عامل الإمام على قنطرارة وتقدمت أخباره فاختار الإمام أفلح سعدا لأحكام الناس وقدمه في موضع أبيه وكتب بذلك كتابا وطبعه وأمرهما أن لا يقرآه حتى يصلا بلدهما فاستخف نفاث أثره ببعض الطريق ففك الختام على حين غفلة من سعد ليطلع على ما فيه ومن المقدم منهما فلما وجد سعدا مقدما حمله الحسد وحب الرياسة أن أظهر الطعن في الإمام فأرسل إليه أن يأتيه ويوضح له ما انتقم عليه فما استحق التوبة فتاب ورجع و إلا فايه وقد اطلعت على بعض كتب الإمام إلى المشايخ في شأنه وقد أكثروا الكتب إلى الإمام في شأنه ثم أنه خاف فانتقل إلى المشرق ثم أتى بغداد وله فيها أخبار في شدة الحفظ وكثرة العلم وحمله لديوان جابر إلى المغرب وبقي سعد أميرا عدلا متقيا وقيل إن سعدا بنى دارا وكان الباني نفاثا وكان بناء عظيما وإذا اجتمعت الناس لحوائجهم إلى سعد خشي أن يظنوا به أنه رضي على نفاث فيقول في ذلك الملأ متى تترك ضلالك وكفرك يا نفاث فيقول معاذ الله أن اكفر يا شيخ وفي حفظي يقول ليس الشتم بعبادة يا شيخ فإذا خلا سعد يقول ليس هذا جزاء من يخدمك ولكن جزاؤه الخبز واللحم وسعد ممن كره الغدو إلى مانو لقتال ابن الأغلب وقال له بعضهم لم ترد الموت في سبيل الله واشتقت شداخ قنطرارة قال رحمه الله ليس بي ما يقول لكن خفت أن تذبح البقرة ويتبعها الولد يعني (1/209)
صفحة 210
نفوسة وقنطرارة.
ومنهم أبو ذرابان ابن وسيم الويغوي:
من العلماء العاملين وكان عاملا على جبل نفوسة قال أدركنا الناس الذين هم الناس أحاديثهم ذكر الله ومعانقهم بالمودة والصحبة والمحبة وبقيت حتى صحبت ناسا أحاديثهم الدنيا وزيارتهم الحوائج ومعانقتهم بالنطاح وجاءته ابنته زائرة فأمطرت السماء فقال بيتي قالت إنما أذن لي في الزيارة لا في المبيت فقال سيري في حفظ الله وستره فمضت والليل مقبل والمطر هاطل والبلد شاسع فوصلت وقد حفظها الله ولم تقع عليها قطرة ومثلها لأبي عثمان فجازت بقوم بسقسفة جمعهم المطر إليها أو ساباط فتعجبوا من قدرة الله تعالى وكيف حفظها الله وذكر الربيع أن ذئبا أذاه في بستان له فدعا عليه فأصبح منتفخا في البستان، وفي السير أن أبان أخذ العلم بعد أن كبر والسبب الحامل له أنه مرض هو وأخ له صالح فرقدا في بيت أبان عند بابه وكان الناس يغشونهما زائرين فيقولون لأبان كيف حالك يا مسكين فيجيب إن عاش أبان جعل للدنيا جزاءها إن شاء الله ثم يدخلون إلى أخيه أبي عبد الله فيحدثونه بل يقولون ذلك لأبان عند خروجهم والله أعلم فقام من مرضته ذلك فاجتهد في طلب العلم فتعلم عند أبي خليل الدرشلي وكان يعمل شغله إلى آخر النهار ثم ينزل إلى درشل فيجتهد ليلته ثم إذا حضر مجلس الصبح طلع إلى ويغوا وحفظ مرة سبعين مسألة فطلع فنسي أربعا فرجع فلما رآه أبو خليل قال نسيت كذا وكذا فعدهنّ فقال من أخبرك قال يعرف الراعي النفورة من غنمه، وقال له أبو خليل أفت الناس بالرخص لكل زمان نذير وأنت نذير زانك وقعد أبان والمشايخ في خباء مرض فيه العبيد الجدري ونزل المطر فأول قطرة وقعت من الخباء على عمامة أبن ولم يشتغل بذلك وسأل عن من حلف لامرأته بطلاقها لأزوج ابنته لمن أحبا ولا كرها فاقل زوجها ممن لا تعرف وله مسائل في الفقه كثيرة واختلف هو والشايخ في ولاية الخاص في زمان الإمام فقال بوجوبها وأبوا فدخلوا داره وأتى بسلاحه فنظر إلى (1/210)
صفحة 211
العباس فقال لم تنظر إلي قال أفأنت شعاع الشمس حتى لا أنظر إليك وقيل قال ذلك لابي عبيدة وهو الصحيح فقال هل العباس عمن أخذتها قال عمن أوجب علينا إمارتك يعني الإمام فرجعوا على قوله ومر على العباس وابن يزيد قاعدين يتحدثان حتى كادت عمامة عباس تصل عمامة ابن يزيد فانتهره فلما تولى بعد العباس قعد في ذلك الموضع مع ابن يزيد يتحدثان حتى كادت عمامته تمسح عمامة ابن يزيد فتذكر كلامه للعباس فقال رحم الله العباس ولما ولوه بعد العباس دعا الله لأن يمكث فيها أكثر من سبعة أيام فإن جاز فلا يتجاوز سبعة أشهر فإن جاز فدون سبعة أعوام فمكث أقل من سبعة أشهر وكان له مجلس علم عند امرأة صالحة فقيهة فخطبها وتزوجها فأتى إليها كالعادة فاستأذن فأذنت له فقال تزوجتك من وليك وعقدت نكاحك فأغلقت الباب فقالت كنت تدخل بأمانتك ففتحنا لك والآن صرت مدعيا فإن آتيت ببينة رضينا بك زوجا و إلا فانصرف وقيل قالت له إنك أمين وقد احتجت إلى الأمناء ولو كنت أبانا وهي زوجته بهلولة وسألها مرة عن النسوان اللائي يغشين بيته للتعليم والإفادة فقالت فلانة على الزيادة في الخير فقال زيدي الزيت والتيلة وفلانة تكون عند جماعتين قال أغلقي الباب في وجهها، وفي السير قال له أستاذه وشيخه أبو خليل ثلاث يصلحن لدنياك وأخراك لا بأس أن تستخدم العبيد بالليل إذا لم تستقص خدمتهم بالنهار ومن اتفق على عمل الربا وفسخ ذلك بلسانه وتاب أجزاه وإن قدرت أن لا يصلك الموت إلا في غرس الشجر فافعل ودخل عليه يهودي وهو غضبان فقال مثلك لا يغضب على أمر الدنيا فوطن نفسك على أن لا ترى فيها ما يسرك وكن كمن قدم بضاعته إلى بلد يريد اللحوق بها وقيل كان وقت التعلم على أبي خليل يتعلم معه ابن مؤنسة وكان أبو خليل يحتفل وينحفز ويتهيأ ويستوي إذا دخل أبان وإذا دخل ابن مؤنسة عكس استخفافا به فلامه بعض قربائه بأن الناس قالوا في ذك فقال إن أبان يتعلم لله وابن مؤنسة يتعلم ليؤذي الناس به (1/211)
صفحة 212
وكان الأمر كما تفرس وتقدم مثلها لشيخه محمد بن يانس حين يتعلم أبو خليل وعمرو بن يانس عنده وكانت زوجته بهلولة ممن وافقه وطابقه علما وعملا وحسن عشرة.
وفي بلده بعد غزاله، أمة، وقيل عنها قبل أن تجلب من السودان إذا أكلت الدم قاءته ولا يلبث في بطنها فلما جلبها مشتريها جعلها قبل أن تسلم في سلسلة مع العبيد خشية الإباق فإذا سمعت القراءة قعدت على نفسها وبركت على ركبتيها واستمعت وأسلمت فاشتراها رجل من أهل ويغوا فكان دأبنا أن تخدم مولاها بالنهار فإذا نام عياله انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمد عبد الله بن الخير في تنورزيرف وجدتها بخط عمنا يحيى بن أبي العز براء بين واووزاء بعدها ياء وراء وفاء وبينهما نيف وعشرون ميلا أكثره صعود وهبوط وعقاب وجبال فإذا انقضى المجلس رجعت فتأتى مصلى لها في كهف معلوم فتصلى وتجد مصباحين يقدان لها فإذا كان آخر الليل أتت أهلها فأيقظتهم للصلاة ففطن لها سيدها فاعتقها وتمادت على فعلها وتجد بعد العتق مصباحا واحدا.
ومنهم أبو الحسن التويغتي:
وهو من السادات الأخيار جمع علما وفقها وعمل بهما وحج على أتان له سبع مرار وكلما قدمت نهقت فيضحكون فيقول ما أضحككم وقد أقامت عليكم الحجة وفي السير إذا أصبح أشرف على الجبل فيقول هل من ماء يا وراد فيقولون نعم فيحمد الله ويتلو { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } (1) وضجر الوراد من سؤاله فأجابوه يوما بلا فنظروا إلى البئر وقد غار ويبس ولم يبصروا إلا صلصلة الطين.
ومنهم أبو يوسف حجاج الويغوي:
__________
(1) – (الملك:30) (1/212)
صفحة 213
وفي السير كان رجلا صالحا وله امرأتان وتكلف تمام العدل بينهما وفي البلد بئران أحدهما أطيب وأقل ماء فإن وجد فيها ما يكفيهما أخذ منها و إلا أخذ من الأخرى وإذا أراد أن يكسبهما أخذ شقتينفيخلطهما ثم يكسبهما، وفي السير تلف له أربعمائة دينار فقام إلى الصلاة ولم تخطر بباله حتى استكمل صلاته وفيها دخل أندر اليتيم فسافر إلى الحج فوجد في كرزيته حبة شعير فحفظها حتى رجع فأعطاها له وفيها أرسل أمته تستسقي فاستبطاها فخرج في طلبها فوجدها استراحت وأخذها النوم وجعل سرتويله تحت رأسها وأخذ القربة خشية أن تستوحش من فقد القربة فلما استيقظت وفقدت القربة وعرفت السراويل قالت هذا فعل سيدي رزقه الله الجنة وفيها عزل نفسه في بيت خشيت الميل وقال لامرأتيه من أحب منكما أن تأتيني فلتفعل في نوبتها.
ومنهم أبو زجمين وقيل ويسجمين وهو الصحيح:
وسيأتي أنه في زمان أبي عامر من ذرية عاصم فأنظره هناك ذكر بعض أصحابنا أنّ شدة وقعت بجبل نفوسة وجدبا وبلاء وقحطا حتى أضر الناس وماتوا جوعا وتصوح النبات فصار هشيما فأرسل وزجمين إلى عاصم السدراتي ولده يدعو الله ويرغبه أن يغيث أهل الجبل ويرسل عليهم رحمته فلما بلغه قال له أرجع لم تأتنا الرحمة بعد ولم أر لها علامة فرجع وأخبر والده بما قال له فلم يزداد الأمر إلا ضيقا ثم أرسله بعد مدة فوجد في غنم عاصم مرضا فقال نعم الآن جاءتنا الرحمة فدعا الله لأهل الجبل فرجع ولم يصل أباه إلا والأودية هرير والأتلاع شرير وقد دفع له عراق لحم نضيج يرفعه لأبيه من تلك الغنم فدفعه لوالده فقال له على ما أفطرت قال على عروق الأشجار وقشورها وجذورها النبات قال له والده لو أكلت منه نزعت من الولاية وهو من تاغرويت وسيأتي في مناقب أبي عامر مثلها ثم تولى بعد الإمام أفلح ابنه أبو بكر ثم أبو اليقظان محمد بن أفلح بتسليم أخيه له إذ كان وقت وفاة الإمام أفلح محمد بالمشرق. (1/213)
صفحة 214
فلما اجتمعت الكلمة بعد اختلافها على محمد بن أفلح لعلمه وورعه كان أول شيء نظر فيه التماس قاض عدل يصلح لأن يقلد أمور الإسلام فأشاروا عليه بتقديم الشيخ التقي العالم النقي محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ وكان وقافا شديدا في دين الله حازما لقمع المظالم والمناهي آمرا بالمعروف ثم عزل نفسه لمنكر بلغه بعد أن أحسن السيرة وأظهر الحق وتجردت نفوسة الجبل لإصلاح الأسواق وقمع الفساق لأن نفاقهم نجم مدة الفتنة وظهر فسادهم وعظم ضررهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون منار الحق فأصلح الله فأصلح الله الفساد على أيديهم حتى عاقبوا القصاب على نفخ الشاة ومنعوا الحمال على دابته أن يحمل عليها فوق طاقتها وانقطعت مادة الفتنة وعمرت المساجد وكانت خلافته نحو الأربعين وعمره نحو المائة قال ابن الصغير رأيته يوما بمصلى الجنائزية ينتظر فراغ دفن جنازة من وجوه الناس أبيض اللحية والرأس ربعة وضعت له وسادة من جلد قال كان إذا جلس لا يتكلم أحد في مجلسه إلا أن تكون ظلامة ترفع قال وكان زاهدا ورعا سكيتا وإذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من آدم وله سارية تعرف به يجلس إليها وجمع العلم والعمل وألَّف كتبا كثيرة قال أبو زكريا أن محمد بن أفلح اجتمع المسلمون فولوه على أنفسهم ولم يكن منهم في توليته اختلاف وبلغ في العدل والفضل غاية عظيمة وكانت نفوسة لا تعدل بولايته إلا ولاية جده عبد الرحمن رضي الله عنهما وكانت نفوسة تجعل باب داره كالمسجد يسهرون حوله طائفة يقرأون وطائفة يصلون وطائفة يتحدثون في فنون العلم وكان حسن السيرة أورع من في زمانه وله في الرد على المخالفين كتب كثيرة ومات عام أحد وثمانين ومائتين ووجد في تركته من العين سبعة عشر دينارا وبلغ في العلم مبلغا عظيما وألّف كتبا كثيرة ووضع في الاستطاعة أربعين كتابا وحدها وقد تقدم أن بيتهم بلغ في العلم مبلغا عظيما وذكر عن أبيه أفلح أنّه قعد عليه قبل بلوغ الحلم ثلاث حلق (1/214)
صفحة 215
يتعلمون فنون العلم من الكلام واللغة والفقه وأن الإمام عبد الوهاب أتته خزانة كتب نظرها فما استفاد منها إلا ثلاث مسائل لكثرة علمه ومكث الإمام أفلح ما تقدم في الولاية قيل لم يعد خطبة عيد ولا جمعة ومع ذلك أراد قبل الولاية السفر للتجارة فسأله أبوه فتوقف في مسألة فمنعه خشية أن يدخل عليهم الربا، وأخبار أبي اليقظان كثيرة واقتصرنا على هذا.
ومنهم عيسى بن فرناس النفوسي، وكان من أورع الناس وكان أبو اليقظان محمد إذا جلس قبالة نصيب عينيه على ما حكى ابن الصغير.
ومنهم محمود بن بكر وكان أخص الناس بأبي اليقظان.
ومنهم عبد الله بن اللمطي:
وكان الشيخان غاية في العلم الكلام وكانا يردان على الفرق وينقضان مقالات المبتدعة وألّف كتبا في ذلك قال ابن الصغير وقد جمع بين الإباضية والمعتزلة للمناظرة نادى زعيم المعتزلة عبد الله اللمطي فأجابه قال هل تقدر وتستطيع الانتقال من مكان ليست فيه، إلى مكان لست فيه، قال: هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه، قال:لا، قال: هل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه قال إذا شئت.
ومنهم أبو عبيدة الأعرج: (1/215)
صفحة 216
وكان غاية في العلم والعمل والورع والأدب، قال ابن الصغير فيما نقل عنه كلهم مقرون له بالفضل معترفون له بالعلم والحلم وإذا اختلفوا في مسألة في الكلام والفقه صدوا عن رأيه، قال جالسته مرارا فما رأيت في سود الرأس أخشع لله تعالى منه وكان لا يجمعه مع أبي اليقظان إلا المسجد الجامع قال حدثني أحمد بن بشران أبا اليقظان ضرب سرادقه لأمر وبرز بنفسه وعلم الناس بخروجه فخرج إليه القراء والفقهاء وضربوا أخبيتهم حوله حاشا أبا عبيدة فبينما الناس ذات يوم إذ أقبل أبو عبيدة فقالوا هذا أبو عبيدة جاء إما مسلما أو مفتقدا فأعلموا بقدومه أبا اليقظان فلما دخل عليه رحب به ورفع درجته وأدنى منزلته ومكانه فقال أمسلما أو مفتقدا فقال لا مسلما ولا مفتقدا ولكن جارة لي خرج ابنها البارحة لطلب معاش له ولها فأخذها صاحب الحرم فحبسه فأتتني أمه شاكية فأردت إطلاقه فأمر بإطلاق من حبس تلك الليلة إجلالا لأبي عبيدة ثم سلم وانصرف فعجب الحاضرون من صدقه وتركه التصنع وإظهاره على لسانه ما أسر في قلبه قلت إنما ذلك فيمن أخذ تأديبا إلا من عليه حد من حدود الله قال وكان عالما بالكلام والفقه واللغة والنحو والوثائق وكان مع الديانة والعلم حسن الأدب وكان أهل المغرب كلهم مشغوفين به ويرسلون إليه بزكاة أموالهم يصرفها حيث شاء من سجلماسة وغيرها ومن ورعه وتقشفه أن خديمه أبا سابق علف ليلة فرسه من بيت المال فأعلمه فقال ما هذا يا أبا سابق وحلف لا قام ولا أكل ولا شرب حتى ترد في بيت المال فنزع أبو سابق عن الفرس وكمل ما نقص من أكل الفرس من ماله ورده من حينه فما برح حتى رجع أبو سابق فأعلمه فقال الآن أحسنت.
ومنهم أبو منصور النفوسي: (1/216)
صفحة 217
عامله على نفوسة وطرابلس واسمه إلياس من أهل تندنميرة قرية من قرى تفوسة وكان في ابتدائه قال في السير من أهل الجملة فنزل مرة إلى تيجي فالتقى بأبي مرداس مهاصر حافي الرّجل قد أدماها الشجر والحجرفي سنة قحط وشدة فأعطاه نعليه قال ابو مرداس نزع الله منك يا فتى مالا يرضى ورد فيك ما يرضى قال أبو منصور فحسست حين دعا بما غشيني فوقع في نفسه التعلق بالمراتب العالية من العلم والعمل ببركة الشيخ وقد تقدم وكان بعد أن تولى أمور المسلمين إذا خرج لقتال العدو ويركب بغلة ولا يتقي نبلا ولا ضربة على نفسه ولا على مركوبه ولا تقع به ولم يهزم له جيش ولم تنكس له راية وخرج مرة في طلب ولد خلف وقد هرب إلى زواغة وكان على مذهب أبيه ونزل عليهم بريموا فاجتمع رأيهم على قتاله ومدافعته ومنع ولد خلف من فقال شيخ من شيوخ من بني يهراسن يسمى أبا سلمة هل لكم أن تتركوا ريموا وتتحصنوا بجزيرة جربة أو ترسلوا إلى الإمام بتيهرت يخرجكم من عمالة نفوسة ويفرد لكم عاملا أو تدفعوا صاحبكم إلى نفوسة وأنا كفيل لكم أن لا يتجاوزا فيه الحق وحكم الله فسفهوا رأيه فقام فاجتمع أمرهم على لقاء أبي منصور فلما أبلغهم ناصبوه الحرب فهزمهم الله وقتل منهم بشرا كثيرا فدخل ولد خلف إلى جربة فتحصن ببعض قصورها ثم أرشى من نزل عنده فدفعه لأبي منصور وسجنه ثم وقعت مسألة وهي قطع الرجل في الحد فسألوه من أين يقطع فقال دون العاقب ثم تاب ورجع وفي حفظي يسمى الطيب بن الخبيث بن الطيب وذكر ابن الرقيق أن أبا العباس ابن طولون نقل من بيت مال مصر مائة حمل ذهبا وأراد المغرب وتلقاه ابن قرهب صاحب طرابلس فهزمهم وقتل من رجاله ومن على أسر منهم ودخل ابن قرهب طرابلس وتحصن بها وحاصر ابن طولون ثلاثة وأربعين يوما واستغاث أهل طرابلس بأبي منصور النفوسي فقام محتسبا وكان خارج طرابلس رعية فلاقاه أبو منصور في اثني عشر ألفا فهزم الله ابن طولون وقتل أكثر أصحابه ولم يأخذ من أموال ابن طولون (1/217)
صفحة 218
شيئا تورعا عنها وزهدا في الدنيا إلا رجلا واحدا أخذ حملا وستأتي قصته.
ومنهم عمروس بن فتح المساكني النفوسيك
قاضي أبي منصور إلياس، قال أبو العباس بحر العلم الزاخر بل حاز كل المفاخر قصب السبق وإن كان في السن متأخرا كان ضابطا حافظا محتاطا محافظا قال أبو العباس لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلم ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادرة تلك الهموم لازم الدرس والاجتهاد ثم رابط على الجهاد ن قال أبو العباس له مصنفات في الفروع والعقائد قال أبو الربيع عن الشيخ أبي محمد عبد الله عن أبي محمد ماكس بن الخير رحمهما الله أن عمروسا عالما غاية زمانه وبلغنا أنه هم وعزم أن يفرز مسائل الفروع فيبين ما استخرج من الكتاب وما استنبط من السنة وما كان من الإجماع فيرد كل شيء إلى أصله، قال أبو العباس وصرف إلى ذلك وجه العناية حتى يكون تأليفه طرازا لما صنف في علوم الشرائع وأعجلته المنية. (1/218)
صفحة 219
قال أبو الربيع وأبو العباس اختصم إليه رجلان في مجلس الحكم بمحضر أبي منصور فأدلى الطالب بالحجة فاستردده المطلوب الجواب فسكت فأعاد وسكت ثم أعاد فلم يفعل فاستبان له لدده فقام إليه فركله برجله ورمحه فقال الجلساء عجلت على الرجل فجمع أصابعه فقال كم قالوا خمسة قال أ هذه عجلة حيث لم يبتدئوا بالعدد من الواحد ثم قال لأبي منصور إن لم تأذن لي بثلاث فخذ خاتمك عني يا إلياس قتل مانع الحق والطاعن في دين المسلمين والدال على عوراتهم وفي السير خرج أبو منصور إلى قوم سمع أنهم أكلوا عيرا فاشتبه عليه الأمر بين أهل العير والقاطعين عليهم فأرسل إلى عمروس أن يسرع إليه فلما أتاه أهل العير عن صفة أمتعتهم وسأل الآخرين فتميز له الحق وذكر ذلك أبو العباس وأبو الربيع وذكر أبو الربيع وأبو العباس أنه قال لإلياس هؤلاء أصحاب الرفقة وهؤلاء أضيافك يكني بذلك عن حبسهم والإنكال بهم قال أبو العباس وأبو الربيع جلس معه ذات مرة داود بن ياجرين وماطوس رحمهم الله فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق والكذب وذكروا أهل شروس فقال الشيخان أهل شروس لا يكذبون فأظهر عمروس إجازة شهادة كل شروسي فعاتباه على ذلك فقال إنما حكمت بشهادتكما إذ زكيتماهم قالا لا نريد ذلك فتوقف عن الحكم بشهادة غير المعلومين بالعدل والتقى قال أبو العباس عمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاون ولعله أظهر لهما ذلك تجازفا إذ بريا من الكذب جميع أهل البلد جملة لا تفصيلا وتأدب أن يوجههما بالمناقصة فسلك معها طريقا يرجعان فيه إلى الصواب من غير تخطئته ولا توبيخ وهذه جملة فضائل. (1/219)
صفحة 220
وذكر أبو الربيع وأبو العباس، وذكر في السير أن عمرسا وأصحابه قدموا مكة حجاجا فدخلوا على محمد بن محبوب في مجلس من أصحابه فسلموا ورحب بهم وأدنى مجلسهم تعظيما للجنس فلما تبوّأوا للمذاكرة سأله عمروس عن مسألة فقال ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه، فقالوا له هو السائل فرفع ابن محبوب مجلسه وزاد في دنوه جعل عمروس يسأله في مسائل الدماء وأكثر فقال ابن محبوب هذا من مكنون العلم فلا يعلن به في قوم جهال فقال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فلما قدموا نفوسة قال عمروس هلموا ما تكفلتم به قالوا لم يبق معنا إلا قولك احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فقام بهما جميعا سؤالا وجوابا، وفي السير سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طيلون خرجا فتاب ولم يعلم له صاحبا قال تسأل عن مولاه فإن أعياك أمره فتصدق به فغضب أبو مهاصر فقال لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا قال عمروس إن أردت أن تقعد فاقعد فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله وفيها وسمع بموت أبي مهاصر وقد لبس إحدى نعليه وذهل عن لبس الأخرى فمسكها في يده ذهولا وتفجعا وتفظيعا لما سمع فما أدركهم إلا وقد دفنوه فتمرغ على القبر فقال كما أمنت لك يا أخي يعني من المصائب الدينية فقال الجهال استراح منه وتأولوه للأمور الدنيوية أعني جهال أفاطمان بلد أبي مهاصر ولما وفد أبو غانم بشر بن غانم الخرساني يعلى الإمام عبد الوهاب ومعه مدونته المشهورة في الفقه التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة وجاز على جبل نفوسة واستودع عمروسا نسخة منها وأخذ في نسخها وأخته تملي عليه ويلازم الموضع حتى تدركه الشمس فينتقل حرصا في إحياء العلم فما رجع بشر إلا وقد استكمل نسخها وهو في اثني عشر جزءا (1)
__________
(1) – كتاب "المدونة" للإمام العالم أبي غانم بشر بن غانم الخراساني من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين، وكتاب المدونة يقع في اثنتي عشر جزءا، يحتوي على كثير من الأحاديث المسندة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنه مشحون بفتاوى أقطاب العلم والعمل، جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع وغيرهم رضي الله عنهم، ولكن هذا الكتاب فقد منذ فترة حتى أن الإمام القطب محمد بن يوسف أطفيش لم يعثر إلا على قطعة منه فقام بوضع حاشية عليها، وفي الأيام الأخيرة القريبة عثر على أحد عشر جزءا من هذا الكتاب ولم يتخلف سوى جزء واحد في الحج ومناسكه وعسى أن يظهر في المستقبل القريب إن شاء الله. (1/220)
صفحة 221
فوجد نقطة حبر على بعض الكراريس فقال سرقت هذه قال سماني سارق العلم فلما وقع ما وقع بتيهرت وأحرقت كتبها بقيت نسخة عمروس ينتفع بها الإباضية ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان بالمغرب يعتمدون عليه وذلك ببركة عمروس وحسن نيته ويمنه وكتب وصية في كتاب ودفعها لورثته فأمروا أن يعملوا بموضمونه وأنا خصيمكم بين يدي الله وذلك أظن عند خروجه إلى مانو للقاء العدو وفيه استشهد رحمه الله.
وقال أبو العباس وأبو الربيع إن أم عمروس أوصت إليه في المهد واستخلفته فلما كبر وقضى وصية أمه وجد فيها الحج فسأل هل يتولاها ليدعو لها أم لا فلم يجد من يتولاها به إلا امرأة فتولاها بها فحج عنها وكان المسلمون من أهل جبل نفوسة أكثر حجا وأزكاهم نهجا وأنهم يحجون بالنساء والذرية وذكر أنّه ولد في ركب واحد ثلاثمائة صبي ذكروا ولهذا قالوا من حج عن غير متوليه فهو هالك، انتهى كلام أبي الربيع. (1/221)
صفحة 222
وفي السير أن لأبي ميمون مثلها كما تقف عليها إن شاء الله وذكر أبو زكريا وأبو الربيع وأبو العباس أن عمروسا لما وقعت الهزيمة بمانو استشهد هناك، قال أبو زكريا إن عمروسا يحمي على الناس ويذود عنهم وكان على فرس سابق ولم يقدروا له على شيء فاتخذوا حبالا اضطروا إليها فعثر فأخذوه أسيرا فسأله عدو الله إبراهيم بن الأغلب أمير المسودة أن يطلبه العفو فقال كلمة لا تسمعها مني أبدا ولكن أسألك أن لا تعريني من سراويلي فقطعوه بمقراض الحديد فلما بلغوا الأكحل استشهد، وفي السير حمى ساقة الناس على فرس سابق فأخذوه بالحبال وطلبوه أن يرجع عما هو عليه فيتركوه قال تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله فقطعوا يديه إلى المرفقين فمات شهيدا حمة الله عليه وفي السير مكث بالمغرب يتعلم عشرين سنة فلما قدم قال له أخوه لو رأيت أجرافا في فدادينك قال له مجيبا لو رأيت أجرافا يتعلموا دينك وكانت أخته عالمة وحضرت وقعت مانو فأخذت أسيرة في عدة نساء فخافت عليهنّ الفساد من الفساق فأمرت أن تستخلف كل واحدة على نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء وبعث إليه بعض المشايخ من المتكلمين من أهل فزان أن يؤلفله كتابا في الاصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي وكتب إليه رسالة فلما رآه الفزاني وهو الذي وضع الكتابين المعروفين بأصول الكلام قال النفوسي أقوى مني وفيها خرج مع أبي مهاصر وكانوا يستقون بالماء على بغلته من الجبل قال إن دمتم عليها لا ينفعها أكل الربيع فتركوها وتيمموا للصلاة وتقدم رجوع أبي مهاصر وفيها نزع من القضاء من غير حدث فطلبوه الرجوع فأبى والسبب أن عبدا اشتكى مولاه وكان أبو مهاصر حاضرا فقال أعط له حق من مولاه نزعك الله من ذلك المكان ورد فيه غيرك فنفذت دعوته، وروي أن له عبدا نصرانيا فاستخبره ماذا يبلغ فيهم فقال قلة الذواقة من الطرفة.
ومنهم سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي: (1/222)
صفحة 223
وكان شيخا عالما متقيا وفي السير سئل عن امرأة وضعت ولدا وبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا قال نعم فقال بعض الأشياخ نعس الشيخ فقالت أخت عمروس إن نعس لم ينعس علمه وكلامه وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة فكيف بهذه وفي منزله امرأة صالحة ولدت صبياغ على فقر وقلة لباس فتنام في شق ثوب وابنها في شق سنة فإذا أصبح ذهبت إلى ماء بعيد عن البلد فتغسل بعض الثوب ثم تلبس ما غسلت وتغسل الباقي كذلك شتاء وصيفا وصبرت على ذلك فسمع بذلك ابن خليل فأرسل إليها بثوب فوسع الله عليه من هناك.
ومنهم أبو مسور يصليتن النفوسي الأدوناطي: (1/223)
صفحة 224
قال أبو الربيع هذا الشيخ عظيم في الإسلام عالم عامل ورع قال أبو العباس أحد الشيوخ المجتهدين في أفعال البر المخلصين في العلانية والسر وعمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم وكان في زمان الإمام عبد الوهاب وعاش بعده وكان يقول عشت حتى لم أجد في الإمام ما أريده ولا في نفسي ولا في الإخوان ولا في الأولاد ولا في القبيلة فادعوا الله أن يريحني مما أنا فيه قال أبو نوح لعله لما ضعف جسمه وقل ما بيده وقصر عن ما كان يسدي من الصلاة وفقد ما أدرك في ريعان الشباب لامه أولئك على ما فقدوا من عرفه وقد كتم ما أصابه احتسابا وقال أبو الربيع وأبو العباس وفي كتاب السير أن ابنته سألته عن بعض مسائل الحيض ووصفت له ما ولت من ذلك قال ألا تستحي قالت أخشى إن استحيت منك أن يمقتني الله يوم القيامة فانتبه الشيخ فقال لا يمقتك الله يا بنيتي، قال أبو العباس وكانت عظيمة القدر في الإسلام، قال أبو مسور يوما المسلمون أفضل من أقوالهم وقالت أقوالهم أفض لأن المسلمين يفنون وتبقى أقوالهم إلا إن تريد فضل الأجسام على الأعراض و إلا فالعلم أفض المخلوقات ونشرا ثيابهما يوما من غسل فقال الشيخ تمنيت أن الله طهر قلبي مثل تنقية الثياب وصفائها قال تمنيت أن يكون تطهير قلبي بيدي فأطهره كهذه الثياب ثم أرسله إلى مولاه قال إنك أبلغ مني ولو في الأماني ومن كلامه إذا كانت الفتنة لزمنا أيدينا و ألسنتنا وأعيننا ووكلنا أمر قلوبنا إلى الله وقال من أفسد شيئا من الحيوان عليه شراؤه وفي السير أنه يضرب رجلا بالسياط قدام مسجد منزله فأبصر رجلا يمشي في المقبرة على بعد فقال لا أخرج حق الأحياء حتى أخرج حق الأموات فأوتي به فضربه والأول بين الأعواد ثم أكمل له وأتمّ له ما يستحق وهذا من تمام عدلهم رحمهم الله وفيها وجدوا منبوذا بالمسجد فاجتمع الناس في أمره فقال أما نختار له أفضل من الحجر الذي هو فيه فتولى أمره فإذا أعطى مالا يدخر وكان له قيمة أو لم تكن أخذه (1/224)
صفحة 225
بالقيمة نفعا للمنبوذ فقيل له إن مال اليتيم نار يا عمي فكان بعد ذلك يتركه حتى يفسد فيرمي به وقال لابنته أزوجك لمن له عليك سبعون حقا فقالت أردها إلى ثلاث: إن دعا أجبته وإن أمر امتثلت وإن نهى تركت ونحو هذا.
ومنهم أبو ميمون وابن خالته أبو حمزة لواب بن يوسف:
وتقدم التنبيه عليهما في التعريف بأبي عامر ومن أخبارهما إذا زار أحدهما الآخر مكث عنده من يوم إلى يوم يتذاكران العلم ويتعاونان على العبادة وينشرحان في أمر الإسلام وكانا أخوين في الله وزارت امرأة من أهل المنزل أبا حمزة فألفته ساجدا فانتظرت قيامه فاستبطته فذهبت إلى أدوناط فأتت مجلس أبي مسور حتى افترق فزارت في أدوناط من زارت ثم ردعت إلى أبي حمزة فوجدته ساجدا كما كان وعيناه تذرفان بالدموع، وفي السير لما حضرت الوفاة أم أبي ميمون استخلفته على وصيتها وهو في المهد فأنفذها إلا الحج فسأل هل هي من أهل الولاية فوجد ولايتها عند امرأة واحدة فسأل هل يتولاها بها فلم يفت له بها وعندهم من حج عن غير متولي هالك فسافر إلى المشرق فدخل على عبد الله بن عباد المصري فسأله فرخص له فحج عنها وتقدم التعريف بابن عباد وأنه امتنع عن أكل اللحم لأنه يأكل أشجار الناس. (1/225)
صفحة 226
وفي السير ارتحل أبو ميمون من قحط وشدة وقعت بالجبل ومعه وديعة لرجل شروسي فنزل بإفريقية فأدركه المستودع ووجده من تمام الحاجة يطبخ ميتة فقال وديعتي فأعطاها له وهي مائة دينا فقال له أبو ميمون لا يحل لك أكل ما تطبخ فسأله ما يحل لأبي ميمون من المطاعم ولا يحل له فأخبره فأعطى للشيخ عشرين دينارا فقال لزوجته أم يحيى أهرقي ما في البرمة فحفرت له ودفنته فعصم الله بفضله الشيخ والعجوز من أكلها وخطب عليه أبان أم يحيى وقال لها سأخطبك على رجل قائم بأمر آخرته كسلان لأمر دنياه، وانكسرت ساقيه ماء إلى غاره فإن قضى الله عليه بتزويجه فصلاحها عليك فقضى الله بينهما بالزواج فجلبها فلما نزل من الجبل فنظرت إليه من القبة من فوق الجبل فاستصغرت شأنه فتذاكروا في الطريق العلوم فمكثوا من يوم إلى يوم قالت فما طلعوا إلى الجبل إلا وهو أعظم الناس في عيني قالت وجدت عليه أربعين دينارا فقضاها الله عليه بعمل يديها وقيل تعمل عديلة ثياب في سنتها وقيل تقدم رجل يصلي بالناس وهو لا يستحق التقديم فقالت له أخرج من المحراب يا رجل سوء لئلا يأتيك من السماء أكثر مما يأتيك من الأرض فجذبته فكانت تحتذر منه خوفا من شره فالتقته في مضيق يوما فحس منها الخوف والحذر فقال جوزي كما أمكنك ولولاك لهلكنا رزقك الله الجنة وكانت حزيمة لأمور الاخرى وامور الدنيا ومن كثرة حفظها أنها سمعت رجلا في طريق الحج ينشد قصيدة ثمانين بيتا فحفظتها كلها ونافستها امرأة من أهل منزلها فسمعت بأن شوال قد استهل فلما أصبحت قدمت حلاوة لعيالها فقالت أمتها خفت أن يكون لطبقك ريح تفوح قالت كلوا لو دعا بالهلال غراب أو أمة مثقوبة الشفة فبلغ الخبر أم يحيى فقالت ما أخذنا ديننا بالغراب ولا بالأمة ففضحهما الله بفعلهما وزارهما أبان أعنيها وأبا ميمون وكان يوم مطر فوجدها تصلح الساقية التي ذكر لها حين خطبها فرأته فتذاكرا فتبسما فتعاونا على إصلاحها فلما قضى الله لأبي ميمون (1/226)
صفحة 227
بالاستشهاد شيعته حين خرج قالت أدع الله أن يكتب سلامتك قال ذلك عقد فرغ منه ولكن أدع الله أن يجعلك زوجة لي في الجنة فلما استشهد بقيت بعده كهفا للإسلام ومأوى للأخبار فكانوا يجتمعون عندها عزابة أمسين في ليلة الجمعة يتذاكرون ويحيون ليلتهم في العبادة وتفقدت أبا يوسف ابن منيب ليلة فلاقته بعد ذلك فقالت أكفر بعد إيمان يا زكريا فاعتذر أنه اشتغل بغسل ثيابه من بخس بإجلازن وأبو يوسف بن منيب وأخوه بل بنو منيب دار علم وعمل وزهد في الدنيا ورغبة فيما يبقى ومن العجائب من مؤلف أخبار علماء نفوسة ومناقبهم كيف ترك الكلام على كرامات بني منيب مع شهرتهم في الإسلام وأعجب منه ترك بني العباس وأكد في العجب غفلة أخبار أبي زكريا والجميع في حوزة واحدة ولعله ألّف وضاع حين الجمع للكتاب والقرطاس الذي فيه مناقبهم فذهل عنه وغفل وتقدم التنبيه عليهم فيما مضى بالاختصار.
وكانت شاكرة الرعرارية من أهل [أثر] تقرأ على أم يحيى فروت:«من أطعم مسلما مقدار ما يقع على الضرس يعطي له اثنان وعشرون سهما ونصف في الجنة ولو أعطى أهل الدنيا ذلك النصف لوسعهم من أول الدنيا على آخرها»، فلم تفسر من أي شيء يطعمه وتختل عليها السنة إن رجعت تفكرت وعزمت حين اللقاء على السؤال لماذا وتذهل حين الاجتماع فتفكرت يوما وهي خارجة من بيتها وهي تقول مماذا حتى بلغت أم يحيى قالت مماذا قالت من أطيب طعام من ماله قالت ومن أعلمك أن السؤال على ذلك قالت أم يحيى علمت حين لم أفسره أنه بقي في نفسك.
وفي السير أن كتاب الخليل الصالح أول ما وقع بالجبل عند بعض أهل أمسين فمنع من إعطائه للنسخ فأخذته بل عرضه عليها مرة فقالت من أراد أن ينسخ فليأت.
ومنهم أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري النفوسي: (1/227)
صفحة 228
بقية الحافظين واعتماد أهل الدنيا والدين بل كان من الراسخين أخذ العلم من منبعه وسقاه كل عطشان من مستحقه أضاء كل حالك من أرجاء الجبل بعد إظلامه وأحياه بعد انطماسه تعلم عند أبان بويغوا وكان يسبق أبان إلى المسجد فسبقه أبان ليلة فخرج ينظر ففاجأه فقال ما أبطأك قال اغتسلت على فوجز وكان يسير في كل ليلو من بغطورة ثم يرجع إلى ويغو في ليلته فيصلي مع أبان ولم يفقده سنة إلا مرة وهي المنبه عليها، وقيل قعد يفتي بعد وقعة مانو ثلاثة أيام بلياليها وقيل يوم وليلة وهو يقول الكبر عيب وهو يومئذ من العمر مائة وعشرون سنة وعاش بعدها يعلم الناس ثلاثين سنة وكان الحاكم أبا محمد عبد الله بن الخير وسيأتي التعريف به إن شاء الله تعالى وقالت له التلامذة أنكتب عنك ما سمعنا قال اكتبوا ولو بأقلام النحاس، صمت أذن نسيت ما سمعت منذ أربع سنين وافتقد ابنه بمانو فأتاه رجل بخبره فقال لزوجة ولده إن صدقته كما صدقته فاعتدى وقال فقدت بمانو ثلاثمائة متولى ولاسيما شيبة الدجى وميال الأتلجامي وجانا التلجامي التنزغتي وهو أخ له من الرضاعة وختم ابنه المجلس والمعلم فقال ليس لنا من ثواب مجلسنا شيء ثم ختم مرة أخرى مع أبي يحيى بن ماطوس فقال لنا نصفه ثم ختم مع ابن ماطوس رجل صالح فقال لنا جميعه ودعاه رجل من أهل تمنكرت يبيت عنده فالتقيا يهوديا فقال له التمنكرتي مرحبا فقال أبو القاسم لا رحب الله بك إلى ثلاث فرجع عنه وتركه وقال لأبي محمد عبد الله بعد مانو أحكم بأن المرأة هي القاعدة فيما ينسب إلى النساء وورثة الزوج هم القاعدون فيما ينسب إلى الرجال والمأخوذ به قبل ذلك أن الباقي من الأزواج هو القاعد في الكل فتوقف أبو محمد فقال أبو القاسم أتعتقد أني أكثر منك علما وأكبر سنا قال نعم قال لترجعنّ إلى هذا القول و إلا لم أسلم عليك أبدا فرجع إليه وتزوج آخر عمره امرأة سوء كانت تؤذيه وأسرفت عليه فبلغه الضرر مع الكبر، قال فدخل عليه المشايخ زائرين (1/228)
صفحة 229
وعليهم حسن اللباس ومعه ابنة أخيه من الرضاعة جنا التنزغتي فقالت: شيخكم يصوم على الحسو وأنتم على ما أرى من حسن الهيئة فجمعوا له دراهم أعطوها لها وأنفقتها على الشيخ كيف لا يعرف فحسنت حالة الشيخ وإذا أرادت أن تطعمه أورت أنها تفلي قمله فيجعل راسه بين ركبتيها ففطنت زوجته بعد زمان فلما ظنت أنه يأكل أخذته من رجليه فرمت به تحت الدكان فقال رددت العيال إلى بطنك فكانت حاله معها إلى أن مات فحضرت نساء جنازته فسألنها عن مسألة فقالت للأمة ما كان يفعل فيها مولاك قالت لا تعرفيها أنت فكيف أنا أعرف.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن الخير: (1/229)
صفحة 230
وذكر أبو الربيع أن عبد الله بن الخير عالم كبير يضرب به المثل يقال من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير وهو نفوسي من تونزيرف قال أبو العباس: شيخ التقى والإخلاص المتحري مسالك الخلاص وكان عالما فاضلا أثيرا كانت الأمثال تضرب به يقال من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير وذكر أبو الربيع وأبو العباس أن سعالا أصابه فقيل التصبح بالفطور على لبن ناقة دواء وعند أفلح ناقة فجعل يأتيه كل صباح فرأى يوما زيتا على أصل زيتونة فسأله عنه فقال أفلح غذائي قدم ملثوثا بزيت في إناء مشعوب بحديد فأصاب يدي حديده فرفعتها فإذا الدم فأكفيته فقال أخطأت ولعل الدم لم يسل إلا بعد أن رفعت يدك وكانت العلماء تقول إذا توجه النجس من تسعة وتسعين وجها والطهارة من وجه واحد غلبن الطهارة النجس، وما جعل الله علينا في الدين من حرج، ثم قال لأفلح إذا أخذت الرهن فقل هذا الرهن في يدي إلى آخر حقي أساوم قبل الأجل وأبيع بعد الأجل وليس لي ما أصابته الآفات ولا ينفسخ باستنفاعي ولا يكون سخريا، وكان أهل الجبل لا يقدمون للصلاة إلا التقي الآسن العالم اقتداء بالسنة وكان يصلي بهم فقل سمعه فكان يجهر في صلاة النهار حتى يسمع من خلفه فقال له يحيى بن يونس ما تسعنا الصلاة خلفك وأنت لم تكلف إلا ما تسمع فقال له لم أكلف سماعك يا ابن يونس فزاد في الضعف والهرم والكبر وكان يجلس جلوس قومنا فقال أيضا ما حال صلاتنا خلفك يا شيخ وترك التقدم قيل مات على مائة وعشرين، وأخذ العلم عن أبان بن وسيم. (1/230)
صفحة 231
وفي السير لم يبق من المشايخ بعد مانو إلا هو وأبو القاسم البغطوري وعلق زاده لنية السير إلى تعليم العلم وهو الحاكم والقاضي بين الناس، وزاره أبو القاسم في أيام حصاد الزراع فلم يؤذن خشية أن يهلك الناس إن لم يحضروا فقال أبو القاسم أذن فإن لم يحضروا فأهلكهم الله، وقال ثلاثة من الكبائر تبديلك سنتك وقتالك أهل صفقتك وخروجك من ملتك، وكان يأتي أبا القاسم إلى منزله بعد مانو فيحكم هناك فيتعاونا وموضعهما مشهور هناك، وفي منزله امرأة صالحة تسمى مكنا تزوجت رجلا من أهل تيري واشترطت عليه سُكنى منزلها فطلب موضعه فلم ترد أن تعصيه فدخل بها المفاوز حتى إذا بلغت منزله اجتمع عليها مع الغربة فقد الإخوان في الله وسوء البعولة ثم تزوج عليها وتركها كالمعلقة وسار غليها يحيى بن يونس ونزعت به الوحشة فأقام عندها ما شاء الله ودعت له وجعل قدمه على رملة في إناء لتتسلى بأثره عند تحريك الهموم فيزول بعض ما بها ثم ساقته المقادير إلى أن نزل بئرا فإذا بثعبان عظيم فوق رأسه فعلم من أين أوتي فأوتي بقطيفة فالتفت بها فما نفع من سخط الله شيء وتقدم مثلها لمنزو ابنة أبي عثمان والحكاية واحدة إلا أن هذه ابسط قليلا وذكر هذه في السير وهي أولى لأنه أقعد بوطنه منهم وذكر الأولى أبو الربيع عن أشياخه وأبو العباس ويجوز أن تكون القضيتان مختلفتين.
ومنهم يحيى بن يونس السدراتي الونزي في بلد النفوسي وطنا: (1/231)
صفحة 232
قال أبو العباس كان من أهل الورع والزهد وممن أخذ نفسه بالجهد والجهد وذكر أبو الربيع وأبو العباس أن أبا زكريا عادته أن يوصل بين المغرب والعشاء بالصلاة ثم إذا صلى العشاء تنفل بما كان يتنفل به ثم يوتر ثم يحتاط لجميع الصلوات فهذا دأبه وعادته رحمه الله، وذكر أبو الربيع وأبو العباس أنه زار أم زكار وكانت من الصالحين المجتهدين فوجدها هالكة جوعا وليس بها إلا رمق فخرج من ماذر إلى رنابرت عند أبي كبت وكان عالما متمولا ردئا بخيلا فأخبر بخبر العجوز وعنده لبن فأبى أن يعطيه شيئا من اللبن فعالج لها حسوا وقد انطبقت أسنانها من شدة الجوع فمازال حتى أدخل الحسو إلى بطنها فلما أفاقت قالت من ذا الذي من الموت بالجوع نجاني نجا الله عظامه من النار فلما قعدت قالت مستجمي أغتسل للصلاة، وفي السير أن الذي أتاها يحيى بن موليت الدرفي ووجد بابها رد عليه التراب وكانت عادة الجائع في ذلك الزمان يغلق بعض بابه ويترك الباقي وكان أبو كبت يبغضها من إنكارها عليه رديء أفعاله فسمع أهل ويغوا بخبرها فجمعوا لها شيئا فبورك في رزفهم إلى يومنا هذا كذا في السير وهم أعرف ببلادهم ومشايخهم وكان أبو محمد الدرفي يقول لولا يحيى بن موليت لهلك أهل جادو ومضى أبو كبت إلى الحج وافتقرت العامة إلى علمه لكثرتهم ويتزاحمون عليه للسؤال حتى كانت الرماح على رأسه لكثرتها كالقصب فسأله رجل لالوتي عن نازلة فقال له أنتم يا مذبذبون يا أهل لالت فأتى اللالوتي شيخهم فأخبره فقال أدنوني منه فقال مالك جعلتنا مذبذبين أرى الله المسلمين منك كما أرى منك فجعل الناس ينفضون عنه حتى بقي وحيدا بدعوة الشيخ ومن رديء أفعاله إن سألته امرأة ليقوّم حليها للزكاة فقال أقومك عليك لابسة له فخرجت فقال المشايخ قتلها في عطش الإسلام أحرمه الله إياها وولت هاربة، ومنها أنّ تلاميذه حصدوا يوما زرعه فلما قضوا قال ارجعوا إلى أهاليكم وكلوا.
ومنهم مصلوكن: (1/232)
صفحة 233
التائب من أهل أمر ساون، كان سخي الكف قد قل من لم يأكل طعامه من فقهاء الجبل وأشياخهم وكان كثيرا ما يغشى زورغ الأرجانية زائرا ونزل يوما إلى أجلازن فغسل ثيابه واشتوى شاة فجعلها في سفرة فدعا الله أن يغفر ذنوبه وأن يجعل له آية لذلك ثم قال وعلامة ذلك أن أجد كلب زورغ ميتا أو غائبا وزوجها عند الضارة وأنه أول ما تأكل هذه البضعة لعضو من الشاة فجعل ذلك العضو أسفل السفرة فطلع ليلا فسأل عن الكلب فقالت مات بالأمس وعن الزوج قالت عند الضارة ففتحت السفرة فأخرجت ما فيها فأول ما ابتدأت بأكل ذلك العضو فقال الحمد لله قالت لعل الدعوة مشتركة قال نعم وكانت زورغ في زمان امتلاء الجبل بالإسلام فيه كالرمانة وقالت الناس من شدة ورعها ومن كثرة عبادتها ومن قوتها في الأمر والنهي النصف عليها كثير والثلث قليل، ومن كرامتها إذا رفعوا فراشها في الصيف وجدوا تحته ثلجا وأرضت زوجها وضارتها وأمتها فكانوا يدعون لها بالجنة وذكر أن أختا لزوجها مرضت فأراد الرحيل إلى الربيع وما أمكنه أن يقول لإحدى امرأتيه أقعدي تمرضين أختي وارتحل بالأخرى وارتجى الخير عند زروع فقال لها لي عندك حاجة قالت كل حاجة لك مقضية إلا تمريض أختك فلا أرتحل وأتركها فقال رزقك الله الجنة وتلك أعظم حاجتي وكان يريد نقل شيء من التراب وقد عيا فقال لها عليه فقالت نقلته بالبقرة فقال رزقك الله الجنة وفي السير وخدمت أخت زوجها سنة لم تخلع طوقها من عنقها فماتت فخلعت ثوبها لتنام وتستريح فلما وضعت جنبها على الأرض سمعت طائرا قد وقع على ذرب دارها يقول يا زورغ طريق الجنة بخلاف الهوى فأيقظت ضارتها لتسمع فقال ما تريدين إلي من لا تحبه الملائكة يا زورغ وقال أمرت أن أيقظ رجلا في ليلتي في وادي أزلجم فقالت مبادرة إلى الصلاة وتحيز زوجها وقد أتى بشيء من الطيب فقالت أقصد عند الضارة قال رزقك الله الجنة، وفيها زارتها نساء من إيجيطال بل وجواري ثم زارتها نساء من أبديلان فلم يردن (1/233)
صفحة 234
الجواري أن يرينهن ولا أن يعلمن بمكانهن فدعت الله أن يردهن فرجعن بعدما بلغن والمسافة قرب ستة أميال ثم قلن على إحداهن تكثر أمها عتابا إذا قصرت في عمل الصوف فدعت لها ولم تعاتبها بعد ذلك وبقين عندها إلى قرب المغرب والموضع بعيد فدعت الله أن يطوي لهن الأرض فجزن على أرجان وقد اخذ الناس الماء لوضوء المغرب وكذا أمر ساون ثم جزن تميجار كذلك ثم جزن على أدوناط كذلك فبلغن منزلهن والناس في حال الوضوء وعرضت على مصلوكن قراءتها فقال لا صلاة لك من اللحن ثم عرضت على أبان وقد زارها فلقنها ولم تطق تقويم لسانها فقال أعجبني أعجن الله عظامك في الجنة فرخص لها بعد أن تحيرت.
ومنهم أبو زيد البصغورتي:
وكان من المعدودين في إجابة الدعاء وله زوجة سوء مسرفة إذا قال لها أحمر الفجر قالت حمّر الله عينيك بالسم دعني أرقد، فقالت له ليلة احملني الآن إلى أهلي فحملها على حمار فلما بلغوا أهلها إلا وفاضت روحها ووجدوا ثعبانا قد طوقت عنقها فحفروا لها قبراً فإذا ثعبان ثم حفروا ثانيا كذلك ثم ثالثا كذلك فقال له أبو زيد أمرنا وأمرت فدعنا نتمثل ما أمرنا ثم افعل ما أمرت فتنحى حتى وضعوها فنزل على صدرها وردوا عليها التراب كذلك.
ومنهم أبو الليث الجناوني:
وكان رجلا صالحا عابدا وقيل ليس بنفوسي بل بربري لكنه يسكن إجناون قالت له زوجه يوما انتقص لبن بقرتنا فقال ناوليني عكازي لا يقع هذا إلا من ضعف الحق فطلع إلى جادو فوجد أبا منصور يضرب رجلا أتى فيه كتاب من تيمنتي وعمروس وجماعة من الأشياخ الحاضرون فقالوا له أرجه هاهنا لموضع في المجلس فقال حتى أعلم على ما يضرب الرجل فأخبروه فقال بسواد قرطاس تضرب الناس يا إلياس فقال له نفعل يا شيخ قال ترده إلى السجن وابعث الأمناء فإن صح ذلك عنه فأنفذ و إلا فقاصصه من نفسك في ضربه فبعثوا الأمناء فلم يصح عند ذلك وتبين أن الفاعل غيره فأخرجه وقاصصه.
ومنهم أبو معبد الجناوني: (1/234)
صفحة 235
جمع بين العلم والعمل والورع تعلم العلم بالمغرب عند سعد ابن أبي يونس بقنطرار فقدم إلى تندباس فوجد أمة تستقي فطلبها أن تجعل الماء في وعائه قالت به أتخدم أموال الناس يا جاهل فرجع إلى التعلم فمكث عشرين سنة والله أعلم، فلما ودع شيخه للانصراف قال اجعلني في حل قلت لأمتك وقد أتتني بمعيشتي ناوليني الإبريق قال الشيخ السوداء أم البيضاء قال لا أعرف منهما السوداء من البيضاء من كثرة غضه لبصره فلما أشرف على إجناون في رجوعه قال لو ماتوا جميعا وفصلوا أعضاءهم لأورثتهم بعضهم من بعض جميعا من كثرة علمه وهو سعيد بن يونس وأفلح بن العباس وغيرهم ممن نهى عن المسير إلى مانو وقيل له قد فزع البغال فقال لم يفزع البغال ولكن ينزل ويموت وترجع وتكون شيخ زمانك فلا أحياني الله على ذلك الوقت.
ومنهم أبو يحيى زكريا الأرجاني: (1/235)
صفحة 236
القاضي العادل الكامل الإمام الفاضل جمع علما وعملا وورعا، وفي السير لما قدم نفوسة حاكما أو إماما مدافعا أخذت أمه وأخته تبكيان يقولان أحرقوك و أشووك وكانتا صالحتين وتولد عنده ولد فجمع اليهود له أربعين دينارا فقالوا خذها خرصا لولدك فقال لو قدرت أن أصونكم لأخذت الجزية فأبى أن يقبلها وأطعمهم عنبا وانصرفوا قالوا ما رأينا مثل هذا البلاد لا يطمع سلطانها في أموال الناس فأخذوا في اشتراء الربع وفيها اشترى مشايخ إجناون لحما فشووه وجعلوا له قسما بينهم فحمله بعض وأخبره فانتهره وقال لم يتجاسر غيرك على ذلك واسمه ضمام فرده، وفيها وإذا جلس للحكم يقول اللهم أعط الحق لدى الحق ولا حجة لمحتج بلاحق، وفيها وأتاه تاجر فألفاه خلط دقيقا بالماء فعجنه ليأكله نيا من غير طبخ فمد له قبضة فقال كلها طيبة قال اليهودي المترف فأكلتها فما أكلت أطيب منها، وفيها (1)وفي أيامه لا يجتمع في سوق جادو أهل زمور وطرميسة بل لهؤلاء يوم وللآخرين يوم فصادف تاسع المحرم يوم طرميسة فتشفع أهل زمور بأبي زكريا أن يتركوا لهم الدخول ليقضوا حوائج عاشوراء ولو عشية فأبوا وصمموا وتكلموا بكلام رديء فقضى الله بينهم بحرب مات فيه كثير من طرميسة وانهزموا لاستخفافهم بحق الله ولاستخفافهم بحق الأشياخ، وفيها غارت كتامة على الجزيرة فخرج إليهم فهزمهم الله وخرج إليهم مرة أخرى في قرب تركت فهزمهم الله، وفيها ضرب ومات ضربه رجل من أصحابه قيل من تبين بكر كان قد أخرج منه الحق فسألوه من ضربه فقال لا أترك لولدي ما يؤذيه وكتامة جند أبي عبيد الله.
__________
(1) – أي في سير نفوسة. (1/236)
صفحة 237
وفي السير يجلس للقضاء بين الناس في جادو إلى آخر النهار ويرجع إلى أهله ويستريح سبع مرار بينه وبين أرجان والمسافة غير بعيدة وقيل ثلاثا من الضعف والعياء والجوع رحمه الله ولنذكر ابنه إن تراخا زمانه عن وقته، وفي السير أن أبا زكريا بن أبي يحيى قد ولوه أمور المسلمين وقد نزعوا أبا عبد الله بن أبي عمر من غير حدث فخرجوا إلى المسودة في الأشهر الحرام فهزموا ومات خلق كثير وهناك مات أبو عيسى الدرفي في عدة من المشايخ وضرب أبو زكريا ضربه رجل من طرميسة من أصحابه فلما حضرته الوفاة قالوا من ترى لنا بعدك قال زيد بن أفصيت رأيته يتعلم مسائل الأحكام وقالت أم زوجته لابنتها لما أراد أن يجلبها أبو زكريا خذي بما [أفتت] لك الوازن أعني أم أبي زكريا إلا في ثلاث مسائل أختها من ابن مغطير عبد الحميد الجناوني لا تشربي نبيذ الدباء ولا تجعلي الحناء ليديك إلى الرسغين ولا تغتسلي إذا مضى ثلاثة أيام من وقت حيضك.
ومنهم أبو عيسى:
وقد مات شهيدا كما تقدم ومن كلامه أن قال لزوجة أبي زكريا كلامي كله علم، من سوء العلامة أن تعقب المرأة المنافق مكان الزوج المسلم ومن علامة الخير أن تعقب الصالح مكان الطالح فأعقبت أبا زكريا ابن أبي عبد الله مكان زكريا بن أبي زكريا.
ومنهم الشيخ الإمام الداعي إلى معالم الإسلام المنبه على مشاعر الحلال والحرام لواب بن سلام: (1/237)
صفحة 238
أوتي الحكمة صغيرا فدام على منهاجها إلى أن صار كبيرا، وفي السير وجد لواب أهل أغرميتان يلعبون في المبارك فردهم إلى المساجد ويؤذن طفل وإذا قيل له أفم الصلاة قال الطفل لا يقيم الصلاة وإذا قيل له تقدم تصلي قال الطفل لا يؤم وإذا قيل ارجع في وسط الصف قال الطفل لا يتوسط الصف وتعلم من أبي كبة من أهل تنكنيص فلما أظهر من أبي كبة ما تقدم ذكره امتنع لواب من الفتوى خشية الإثم إذ لا يميز ما أخ من الثقة وغيره وهو أحد الأئمة العشرة الذين ذكر أبو يعقوب في كتاب الدليل لأهل العقول وأسند إلى كل واحد مسألة، ومسألة لواب أنه ليس على الإنسان شيء مما يسبق إلى ذهنه من الوسواس في صفة اله من كونه محمودا وعلى العرش أو على صفة كذا وذا جوارح ما لم يقطع للشهادة على الله أنه كذلك ويجزم باعتقاد ذلك بدليل أنه - عليه السلام - سأله رجل أن في النفس أشياء أريد أن أسألك عنها وودت أني لو مت قبلها لكان أحب غلي فقال له - عليه السلام - كلنا يجد ذلك، وحديث ابن مسعود تلك برازخ الإيمان، وحديث زوجة جابر حين سألت مجاهدا قالت إنه يخطر ببالي بعد حبيبي أشياء وددت لو مت قبلها لكان أحب إلي قال ليس عليك من ذلك شيء.
ومنهم أبو يحيى تكسنيت:
وكان موفقا صغيرا في المهد وحين بلغ الأشد وقوى على الاجتهاد والجهد ومن أعجب كراماته أن أمه نصرانية لا يرضع لها ثديا إذا شربت خمرا وذاقت محرما وبقربه أم أمان ومن كراماتها أنها رأت ليلة القدر وهي في مصلاها المعروف وأبصرت ذئبا في ناحية أشفى كذا وجدته بخط عمنا يحيى ابن أبي العز بغير همز قبل الشين، ومن كرامتها أعارت ثوبا ملكا لها لامرأة بغير إذن الزوج فأراد ضربها على ذلك بعمود فأولته ظهرها وانتظرت وقوع العمود بظهرها فاستبطأته فالتفتت فإذا هو ميت، ومنه أنَّ امرأة كلفتها أمرا عليها في فعله ضرر فمضت لحاجة لها فسقطت من جبل فتقطعت فنسأل الله العصمة مما يوصلنا إلى عقوق أوليائه.
ومنهم أبو الشعثاء: (1/238)
صفحة 239
المعدود في المستجابين الدعاء، الجامع بين العلم والعمل والورع الخلص في السراء والضراء من كراماته أنه دخل عليه ابن أخته أبو يونس التميدالي في مسجده فنظر إلى سقف المسجد قد انفتح ورأى السماء فلما تحقق هذه الكرامة قال أدع الله لهذا الجبل يا خالي أن لا يعلوه سيف المسودة إلى يوم القيامة فقال الآخر مثل ذلك وقال أبو يونس كنت أصلي في مسجدنا فدخل عليه رجل فقال له صل قاعدا يا شيخ وكان إذا قام من السجود أخذ عكازه فقالوا له بماذا أجبته فقال اشتغلت بنفسي واشتغل بنفسه ثم وجدوا أريحة المسك في روث دابته وقال أبو الشعثاء لأهل بلده سنتوت لا ألقى الله منكم من ظلمكم خيرا ولا ألقاكم ممن ظلمتم خيرا ومن شدة ورعه أن دعاه رجل إلى طعام وده به فلما غسل تذكر أن له عليه شهادة فأبى من الأكل فقال وهبته لك فأبى فقال تركت شهادتي فأبى فقال تركت ذلك المال فأبى أجمع ثم بعد ذلك أعطى لذلك الرجل دراهم يعمل له طعاما مثل ذلك الطعام فلما صنعه دخل الشيخ ونزع الغطاء وقال كله أنت وعيالك فخرج وقال إنما أفسدت مالك بسببي، وخرج مرة إلى المرج فحرث ثم حصد إذ طاب الزرع ودرس وحمل الحب على جمله فتلقاه رجل ببعض الطريق وادعى أنه من أهل المرج فقال تعلم يا رب أنا لم نجعل أحدا في حل فسمعه الشيخ وقال لولده نوخ الجمل ثم فرغا ما في الجمل وانصرفا وقيل إن نساء من أهل تدينة يحضرن مجلسه ليلا ومعهن أولادهن فإذا تفرق المجلس رجعن إلى منازلهن وهذه كرامة له ولهن لأن المسافة أزيد من أربعة وعشرين ميلا، ومن كراماته أنه يصلي في مصلاه وتصلي بصلاته امرأته امرأة صالحة من مصلاها من ناحية تارديت وبينهما بعد، وفيها أن أم الخطاب حلفت بعتق رقيقها أن لا تتزوج أخا زوجها ثم قلب الله قلبها فقيل لها المخرج أن تهيئ مماليكك ثم تتزوجي ففعلت فرد عليها فأخبرت أبا الشعثاء بقضيتها فقال أتخادعين من خلق الخداع يا أم الخطاب وكانت صالحة فدخلت الدار فوجدت الجواري ينسجن (1/239)
صفحة 240
فقال إنكنّ معتقات فقمن من الفرح فلم تزد واحدة منهن خيطا وهنّ ثلاثة عشر جارية.
ومنهم أبو صالح سدرات:
من أهل أغل وكان صالحا متقيا متحريا، وكان منفردا في منزله ليس فيه كثرة الأشياخ ولا الفقهاء فخاطب نفسه: أ أُؤَذّنُ وأقيم الصلاة وأتقدم بالناس وأحضر الشهادة يا سدرات فلا أسكن بلدا أنا فيها كذا فانتقل إلى أبي محمد التغرمني وعلق وضوءه يوما بخص أبي محمد فأخذه من خارج من فرجه من غير استئذان فعاتبه أبو محمد على ذلك فتاب.
ومنهم أبو إسحاق الأشارني: (1/240)
صفحة 241
وكان عالما ورعا شديدا في الأمر والنهي ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، قال لأهل منزله إشارن اضمنوا لي أربعا أضمن لكم أربعا، الصلاة، والأذان، وحفظ الخط، وتعليم القرآن، يسلم مسافركم وينمو رزقكم وتطفأ نار الحرب عنكم، ويرتفع القحط، وإذا رجع من حوائجه أتى المسجد فإذا لم يجد أحدا دخله يقول ما هذا يا أهل إشارن صرتم إشارن، ومن كراماته؛ خرج هو وزوجته حفصة سائرا إلى الجزيرة وصاحبهما أسد ولبؤة أحدهما يمنه والآخر ذات الشمال إلى أن وصلا وكان يقول لأن أتردى من فوق جبل خير من أقول لا أفعل شيئا ثم أفعله، وكان أبو محمد التغرميني حاكما وكان يطلب الخصماء الحل، فقال له أبو هارون هذا أمر لا تصلح له ولا يصلح لك الحق بينك وجرتك يعني يشتغل بأمر صلاته قال له رزقك الله الجنة فرفع أبو إسحاق وكان قويسا في دين الله فسجن يوما أبا زكريا من أهل أغرم أينان وهو صهر أبي محمد التغرميني فسجنه في مسجد إمسراتن تأديبا عن رعي غنمه في الخط، فنزلت عليه جنابة فتشفع بأبي محمد إلى أبي إسحاق يتركه ينزل إلى تموحط يغتسل ويرجع فأبى له قال أبو محمد أما يجد الرجل يقض ما عليه فاصطحب الشيخان راجعين إلى منازلهما فلما بلغ إشارن والعادة أن يبيت عند آل أبي إسحاق لأن بلده لم يزل شاطا فأرادت الحمارة العادة وفي نفس أبي محمد من رد شفاعته فأبى لها فقال أبو إسحاق دع الحمارة تذهب حيث عرفت رزقك الله الجنة بابها مثل ما بين السماء والأرض وقد ذكر له عذره بأنه لو أراد أرسل بعض واليه أو خدمه فأتاه بالماء فذهب معه فلما دخلا الدار أتى أبو إسحاق بطبق فيه أنواع من الثمار فأكلا قال له أطعمك الله من ثمار الجنة.
ومنهم أبو محمد عبيدة بن زارود التغرميني: (1/241)
صفحة 242
وشهرته في العلم والعمل والورع وإجابة الدعاء كافية عن التعريف، وفي السير أرسل جرته إلى ابن خالته عبيدة بن محمد يطلب الماء للوضوء فلم يعطه فوقف ودعا الله بباب بيته فملأ قلته من الميزان من ماء المطر، وفيها (1)، عملت ثلاثا يشبهن الفضول وثلاثا يشبهن الكذب أعطى حمارا يركب عليه ومن عادتهم رحمهم الله لا يضربون الدواب إلا يسيرا فاستحسن سيره فقال ما أحسنه قالوا نعم هو لليتيم فنل ومر على جنان تينا فعزم على الشيخ أن يأكل فاستحسن فقال ما أحسن تين هذا الجنان قال نعم انكسرت عليه ساقية عليه ساقية ليتيم فخرج وأتى من الأكل، وقال لأمة لقيها ما أحسنك أن عرفت توحيدك فتعلقت به أن يعلمها توحيدها لأنه لو لم يسأل لم يقع في محذور واللائي يشبهن الكذب أبصر ذئبا فقال لرفيقه هل رأيت هذا الذئب ولم يدر أذكر أم أنثى وقال لصبي يبكي هذه أمك أقبلت ونفرت بغلته وأخذا مخلاة يدعوها بها لترجع وليس في المخلاة شيء فناهيك من شيخ معمر هذه سقطاته تجنب الكبائر والصغائر حتى عد على نفسه هذه وله زوجتان أحدهما تؤذيه والأخرى صالحة عملت له مرة طعاما فاشتغل بالصلاة فأكلت من الطعام عناق فماتت فعمدت أم زعرور إلى الطعام فدفنته ونقت الإناء وصنعت طعاما آخر فلما فرغ الشيخ من ورده أقبل على الأكل فاستحسن الطعام فقال لأم زعرور عملت طعاما جيدا فقالت أم زعرور نعم لعلها تعني أن الطعام جيد وكانت تكثر من شتم أم زعرور وتسكت عنها وتقول إياك أشتم وتجيبها فلك سكت وكانت من عباد الله الصالحين، وكذا الشيخ أبو إسحاق ممن ابتلي بزوجة سوء وكانت تضربه ويحتمل ذلك لله وكانت أم زعرور عالمة ورعة شديدة في دين الله وهي من إيجيطال خرج أهلها في الشدة فطلبتها أم يحيى تكون عندها لما أراد الله بها من الخير فتعلمت عندها فقدم أخوها فخرجت إليه وسلمت عليه فقالت لها أم يحيى إذا جاء إخوانك المنافقون تعانقيهم وإذا جاء إخوانك المؤمنون دخلت الخزانة،
__________
(1) – أي في السير. (1/242)
صفحة 243
فتابت إلى الله، وقدم أبو محمد التغرميني زائرا أم يحيى يوما فأخبرته بشأنها ورغبته فيها فخرجت لتستسقي من الجب فأخذ إناءه وتبعها لتملأ له إناءه فطلبها فملأت له فرجع ولم يرض فأخبر العجوز فقالت لعلك صادفت غيرها والأمر كذلك فخرجت مرة فصادفها أبو محمد فطلب الماء فلم تعطه حتى ملأت جرتها قبل ثم ملأت جرة العجوز ثم أعطته الماء ثالثا فاستحسن حيث عملت بالعلم لأجل الصلاة فسألها هل لله مزرعة يا جارية قالت نعم، قال وهل له من يحرثها قالت نعم، قال وهل له من يحصد ما نبت فيها وهل له مخازن قالت نعم، قالت المزرعة الدنيا والحراثون الناس والحصاد الموت والمخازن الجنة أو النار، فخطبها إلى عمها فاجتمع رأي أهل المنزل أن لا تخرج من منزلهم ورجع الشيخ إلى الدعاء و الرغبة إلى الله فأجاب الله دعاءه والجارية قالت لا أتزوج غيره فتزوجها لأنها قالت لا أتزوج إلا من أحب عمي وعمها قال لا أزوجها إلا من أرادت فأرادته، وقال لها أبو محمد يوما فإني سمعت من نظر إلى الفجر فله من الأجر كمن رمى بخمسين نبلة يوم بدر فقالت أنت راعية ثم قالت له سمعت كمن رمى بسبعين قال الزيادة من عندك أبدا زادك الله من أعمال البر، وما نزلا عن فراشهما قط إلا وتحاللا لئلا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء فنسيا مرة فتذكر بعد أن خرج وتذكرت فخرجت في أثره فألفته راجعا فتحاللا ولما أراد أخرج ابنته لأبي زكار احتاجت إلى الشورى والشيخ زاهد في الدنيا وتحير فصار أمره خروجا ودخولا وكانت أم زعرور حزيمة للدنيا والآخرة فأخرجت متاعا كثيرا فكلما خرجت شيئا قال لنا فتقول نعم فيقول رزقك الله الجنة وسألتها امرأة من أهل أغرم إينان عن موسى بن جانا من بلدها أتاها وقال قد تزوجتك من وليك فصدقته فلما حملت أنكر، فقالت لها بئس ما صنعت أنت وموسى ودعت ربها إن كان فعل هذا أن لا يخرج من الدنيا سالما وأتت أم زعرور الشيخ وأخبرته وهو يتوضأ فقال بئس ما فعلا وأسأل الله أن يغفر (1/243)
صفحة 244
ذنوبي وإن فعل موسى ذلك أن لا يخرج من الدنيا سالما فما لبث إلا يسيرا فجاءه أمر الله فمات وحضره الموت صار شبه ثعبان فخرج من إحدى ثقبة الأنف ويدخل في الأخرى حتى مات على تلك الحال فانتظروه أن ينقطع فأدخلوه في قبره كذلك نعوذ بالله من ذنوب عاقبتها البوار.
ولأبي محمد أربعة أولاد زعرورة وأبو عبد الله عالم صالح قدوة وهو ابن ضارة أم زعرور توزين تلميذ أبي عبيدة البغطوري وموسى، وفي السير خرج أبو عبد الله أفضل أهل زمانه وهو ابن المرأة السوء وتخلفت أم زعرور بعد أمه فأخذت متاع أمه فباعه لئلا تلبسه ضارتها وربما وقع بينه وبين أم زعرور كلام فيقول أقوم لئلا أكون رجلا سوءا وتكون امرأة سوء ومن دعاء أم زعرور له ولولدها رزق الله زعرورا الخير تعني ولدها ورزق أبا عبد الله محمد الجنة، وكان مساعدا لأبيه صغيرا وكبيرا فإذا أراد أن يأكل قال ادع أخاك زعرورا ليأكل فيدعوه خشية أن يصل الشيخ الدرك في ذلك من شأن العدالة وكان زعرور صالحا. (1/244)
صفحة 245
ومما أفتت به أنه ليس بيننا وبين مخالفينا أمر ولا نهي، وفيمن حلف لامرأته بطلاقها أن تخبره بما أكلت من التمر وقد ألقت نوى ما أكلت في البحر وانعدم ولم تدر عدده أنه تخبره وتعد مما تيقنت أنه أقل عددا مما أكلت حتى تتيقن أنه أكثر مما أكلت فتكون قد أخبرتها بذلك العدد فيما أخبرت لأنها أن توافقه، ومن عود نفسه صيام يوم معلوم فنسي أن يبيت الصيام من الليل أن له أن بجدد النية ولو بعدما أصبح، ومن قال من النساء ولم تدر بحملها لغيرها أطلعي فوق ظهري فأسقطت أن لا شيء عليهما إذا لم يعلما بالحمل، وسألتها امرأة من أهل أغرم إينان وهي تفلي لها القمل عن امرأة من أي وقت تحسب المرأة إذا رأت طهرا أو حيضا قالت تحسب ذلك اليوم ولو بعد طلوع الشمس والمشايخ ما رأت بعد طلوعها لا تحسب ذلك اليوم، وكذا في العدة وأجل البيع والإجارة وجميع الأحكام،ولأبي عبد الله ولدن وراع يدعو الله عز وجل الجنة فغارت صنهاجة على تغرمين فخرجوا إلى القتال وسأل الراعي الشيخ أنه جهاد فقال سبيل الله وابناه خرجا بثوبين جديدين فماتوا جميعا فصبر فإذ سأل عن خبر موتهما يقةل إذا انفح الكيس ذهب ما فيه يهني الذكر يذهب الاجر وكشف السبيل عن الراعي بعد زمان فوجد كما هو لم يغيره الزمان ولا المكان ولما مات أبو عبد الله وحملوه خرج طائران أبيضان فوقع أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فلما دفنوه وقد أحدهما عند رأسه من القبر والآخر عند رجليه و(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(1) .
ومنهم أبو يالدس:
وكان ورعا قويا في دين الله وزاره المشايخ ورد وجهه إلى الحائط فقال له المشايخ أوصنا قال عليكم بالآثار عليكم بالآثار إلى ثلاث وهو تغرميني.
ومنهم أبو يعقوب:
__________
(1) – سورة الزمر، الآية:10. (1/245)
صفحة 246
وكان واسطة العقد وإنسان العين علم وعلما عمل به ولا تأخذه في الله لومة لائم في ذات ربه أرسل إليه أبو زكريا والمشايخ من جادو فرجع الرسول فقال مشغول عن المجيء قال ابن جنون لمثل هؤلاء يمسك الزمان شيخ قال أبو محمد خصيب أسكت أبو يعقوب خير منك ومني ومن أهل الجبل وجمع أهل نفوسة ملا يدارون به عن الجبل عامل المسودة ولم يجدوا من يحمله فحمله أبو يعقوب فلما دخل عليه قال بعض أهل مجلسه ما وجدوا من يرسلوا إلا هذا الوجه تحقيرا لأبي يعقوب فنظر إليه أبو يعقوب نظرة فرد بصره ثم ضربه الله بما شاء فانتفخ بطنه حتى أن القاعدة عند رأسه فانشق فطار فرته إلى السقف يعني الخباء وأراد أبو كريا أن يرجع من جادو إلى تندميرت فقال أبو يعقوب إن أمور الناس لم تنقض بعد فاشتكى بالقلة وأنه أراد أن يلتمس للعيال نفقة فقال الشيخ أبو يعقوب لأهل تغرمين بخبر الشيخ فجمعوا له خمسة وعشرين حملا من طعام فحملوه له إلى منزله وتولى أبو يعقوب الحكومة، وفي السير كان حاكما ورعا شديدا في الأمر والنهي وكتب إليه أبو الربيع كِلْ نفسك بمكيال العلم وزنها بميزان الورع وخذ لها منها وخذ لما في يدك وخاصم إليه رجلان فوجب على أحدهما اليمين قال خصمه حلفه لي فاشتغل عنه بحفر مواضع الغرس فكرر عليه واشتغل فغضب ثم رجع وقد أنحل مع صاحبه فقال له الشيخ لو حلفته لحلف كاذبا وضاع مالك فشكر له غفلته وأتاه رجل بنميمة فقال فلان لا يقول هذا بل هو منك فقطع عن نفسه النمائم وامتنع سنة بعض الكبراء من أن يخرج منه الحق و أوكل أمره إلى الله فتتابعت عليه المصائب فعلم من أين أوتي فألقى بنفسه إليه وطلبه أن يخرج منه الحق فأبى وقال قد وكلت الحق الذي فيك لمن هو أقوى مني وهو أشد بأسا وأشد تنكيلا وقالت أم زيد لأم زعرور شيعيني أفيدك ثلاثا قال أبو محمد شيعيها ولو ندفنك بأدبيرن وهو اسم موضع وفيه مصلى أبي محمد الذي أبصرت أم زعرور خلف أبي محمد وهو يصلي فيه صفوفا شبه رجال عليهم (1/246)
صفحة 247
ثياب بيض فلما شيعتها قالت من شيع أخاه في الله كتب له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ولا ينبغي للمسلم أن يبقى بغير صديق يفشي إليه سره ويشترك معه همومه فإن لم يجد من الرجال اتخذ من الناس والعكس للنساء، وإذا اتفق رجلان على نكاح ولية ثم رجع الخاطب أو المخطوب إليه من غير ألم بعدما فشا أمرهما فلا يلقى خيرا ولا يجد بركة.
ومنهم أبو عمران موسى الأندموني التغرميني:
من الأذلة على المؤمنين الأعزة على المنافقين كان ورعا لكنه غليظ على الفجار وصنع لهم رجل طعاما فقال كلوا فالله الذي أخرجه من هذا الرجل السوء والرجل واقف فجعل لهم الزيت وأدخله رجل يطعمه فخرج لحاجة فشم رائحة الخمر فوجد الخوابي مملوءات فكسرها فخرج وتبعه صاحب البين بعد أن رجع يريد أذاه فأعطاه دعوة سوء ومنعه الله من شره ووجد غنما تحت زيتونة في الخط فأخذ يطردهنّ حتى أدركه العطش من شدة الحر فوقع صريعا فسقاه صاحب الغنم وكان يتبعه بدلو من ماء فكثر خيره ونمى ماله من هناك وبقيت تلك البركة في ذريته، قال في السير إلى يومنا هذا ولقي أبا داود الدرفي في بعض الطرق فتنحى عن الطريق فتبعه حتى أدركه فسلم عليه ثم قال أخبرني بشيء من كرامات جدي قال له جدك يركب حمارته هذا الأحمر العينين جز من هناك وأجوز من بعدك يعني أنه يفارقه فاعتذر بتغير الزمان واختلاف الأحوال عما كانت عند جده وكانت عجوز باندمون قتل ولداها فقطعا قطعا فرزقها الله الصبر فجمعت أعضاء كل واحد منفردة وكفنتها بعد أن أعيى الناس كيف يصنعون ومن كراماته أنه مسح بجرح ودعا فدمل وبرأ ويأتي خبره في التعريف بأبي زكريا.
ومنهم أبو حين: (1/247)
صفحة 248
من أهل تمسيانت ويسمى ضيف أم أبي محمد النغرميني، وذكر في السير أنه بات عند أم أبي محمد وهو طفل إذ ذاك قال فحملت له الماء فوجدته يتمعك في التراب وهو يقول اليوم ثم اليوم، اليوم يتزود من له في نفسه حاجة قولك سيكتب عملك سيرفع خيره لك وشره عليك لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وحفظه أبو محمد مع صغره ويذكره لطلبته ويقول أخبركم بكلام ضيف أمي ومن كلام أبي عبد الله بن أبي محمد: من يعمل للآخرة يصب الدنيا والآخرة، ومن يعمل للدنيا يصب الدنيا، ومن عمل للمروءة يقه الله مصارع السوء، ومن يعمل لما يقال فلا يزن له عند الله ولو مثقال عنق الذرة.
ومنهم أبو محمد القنطراري: (1/248)
صفحة 249
كان مستجاب الدعاء وكان دأبه طاعة ربه ومصالح عباده قيل إنه يسير إلى جادو فيصلح طريق الجبل فإذا انتصف النهار ذهب إلى جادو والمسافة بينهما قرب أربعة وعشرين ميلا أعني طريق جبل تالكيت يسوى ما صعب وتوعّر فوصل مرة إلى منزل أصغوا فوجد سبعة من أوغادهم فقالوا لا نتركك تسير حتى تغني لنا وهم لا يعرفونه بل حتى ترقص فلما أيس من خيرهم وأنه لابد مما طلبوه أن يفعله وأراد أن يدرك الصلاة في مسجد إمسراتن والمسافة بعيدة فحرك رجليه وهز منكبيه وضربوا له الكف ودعا عليهم على تجبرهم بكلام بالبرية أن يعجل الله انتقامهم فجاز غير بعيد فوقع شر بينهم فقتل بعضهم بعضا ولم ينجح واحد منهم في ساعته والموضع إلى يومنا معروف نعوذ بالله من سخطه، ومن كراماته أن أثر قدميه على صخرة وقوفه لآذانه بحيال مسجدهم إلى يومنا هذا قاله في السير ووقعت شدة وقحط فخرج أهل منزله إلى إفريقية فخرج ببناته معهم فسار ما شاء الله فنظر إلى ضعفه وضعف بناته وبعد السفر فرجع وقال أتكل على الله وأرد الحاجة إليه وهو المطعم في موضعي وغيره وهو كلام البربرية فما بقي إلا يسيرا حتى أغاثه الله بالمطر وكان إذا أمسى أغاثهم الله بذود غزلان فتمتلئ عليهم الدار فيحلبن بناته حاجتهم ثم يخرجن فهكذا دأبهنّ وتواترت الأمطار وخصبت البلاد وإذا اشتهت بناته لحم اختار تيسا منها فيذبحه لهن فأنبت الله الزرع من غير بذر فوجد تسعين مودى شعيرا مما حصد من ربعه فحصد لأهل بلده مزارعهم وخزنه لهم فسمعوا بالخصب ورجعوا فأعطى لكل واحد منهم متاعه فكان منه بذرهم وطعامهم.
ومنهم أبو يحيى الأرذالي رحمه الله وزوجه أم الخطاب: (1/249)
صفحة 250
وسبب تزوجه أراد صرم العنب فأرسل إلى نصراني كان يقضي له حوائجه ليألك العنب فأتاه وعياله وبناته وكن بدور الخدور فأبصرهنّ الشيخ فقال أعندكم هذا الجمال قال نعم وإن جاز في دينكم زوجتك واحدة منهنّ قال نعم قال اختر فاختار أم الخطاب فلما دخل بها وكانت كاملة العقل قال لها اختاري الإسلام أو الرجوع إلى أهلك وكان الخروج عندهم عن الزوج حراما يعني في دين النصارى واختارت الإسلام على الرجوع فاغتسلت وأسلمت فلما أصبحت أتتها أمها فقالت مرادي بقاؤك على دينك وإذا تركته فكوني أفضل أهل دينك فأخذت بقول أمها فشمرت عن ساق الاجتهاد فآثرت ما ينجيها يوم المعاد ووافقت الشيخ فسمعت مرة قراءة في دارها ثم سمعتها الليلة الثانية في البيت والليلة الثالثة في أذنها قرأ لها سور البقرة وآل عمران وأصبحت وقد حفظتها فعرضتها على الشيخ فاستحسنها فقال هذه ليس بقراءة أهل الأرض وجاز عليها أبو ميمون فلم يجدها فأخبرت فتبعته دقيقا بماء فلما اقتربت منه تنحنحت فتنحيا إلى زيتونة بحيال قصر شماخ فأعطته ذلك فوجد فيه سبع قبضات فقال سبعة أشراف وسبع نوب وسبع قبضات وسبع درجات فدعوا الله ربهما وتوادعا وافترقا فلما جن الليل فنامت فأتاها آت في المنام ففسر لها قول أبي ميمون سبعة أشراف مشت إليه وسبع كذا صعدت وسبع نوب لم يأكل فيها شيئا وسبع قبضات وجد في الطعام وسبع درجات تعطي في الجنة.
ومنهم أبو القاسم موضين التغريسني:
وكان ذا كرامات ومن أعظمها إذا رفع إليه طعام فيه ريبة انغلق فاه ومثله في ذلك أبو داود كما يأتي فصانه اله بمنه من كل ريبة وزاره أبو موسى الدجى فسأله عن علامات آخر الزمان قال جاءتك يا ولدي هل أدركت شيئا من الماضين قال مروا وذكر بعض الساعين في الأرض فسادا أنه قال أعرف المؤمن بفرسي إذا أطلقته على أبي القاسم فلا يقربه ولا يدنو منه فلا أطيق الغارة عليه وروي عنه أنه يقع الحمام على رأسه.
ومنهم أبو يعقوب: (1/250)
صفحة 251
من أهل تدينت وكان فاضلا ونعس من العياء على المحراث فأتاه آت فمسك شيئا من ناصيته فقال قم يا يوسف اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم ليلة تمام أربعمائة فقال له الليلة تمام أربعمائة فقلت نعم قال من عرف الله فليتقه وروي عن أم زيد أنها رفعت من بيتها ليلا وهي نائمة مع زوجها على الفراج فانفرج البيت حتى وصلوا بها إلى وزان مصلاها المعروف فقال بعضهم لبعض قد استقبلت فقال نعم فوضعوها قالوا من صلى في هذا الموضع ركعتين كمن صلاها بمكة وكانت حازمة ل\فقعدت في الشجر الذي يليها عقدا لئلا يذهب عنها الموضع فردوها إلى بيتها وإلى فراشها فلما أصبحت ذهبت حتى وجدت علامتها فبنت هناك مصلاها المعروف وشاهدوا بركته وإجابة دعوته فيما قيل والله أعلم، ونابها دينار من لاخفارة ولم تجد مخرجا فذهب إلى أخيها في الله أبي محمد التغرميني فاشتغلت عن العبادة فغار الأعرابي يومه ذلك في تمزدا فضرب فسقط ميتا فأراح الله منه العجوز وعجن حارس التين لامرأة صالحة قفة تينها إذ امتنعت منه وقد راودها عن نفسها فشكته إلى ربها فنزلت عليه نار فأحرقته.
ومنهم أبو الفضل الجرامي بن الشيخ سهل: (1/251)
صفحة 252
وكلاهما فائق وفي ميدان العلم والعمل سابق سأل أبو الفض عن القرآن فقال أعن الخالق أو عن المخلوق تسألوني فقال السلطان جوهرة في تليس وسئل أبوه عن إحدى سبع لا تكون للدنيا مع عدمها فتلا عليه من أول الشمس ونزل بعض أشياخ قومنا جادو وهو قوي في العلوم فقال له أبو الفضل بعد محاورة ما بيننا وبينكم كفاه المتقدمون ولكن إن سأل بعض المعتزلة هل كلف الله الكافر الإيمان في حال كفره، قال نعم قال أبو الفضل هل كلفه ما لا يستطيع أو لا فيلزم على الأول الاستطاعة قبل الفعل وعلى الثاني تكليف المحال فحار ولم يجد جوابا واسمه إسحاق فقال لأبي الفضل أوهمت السامعين أن عندك جوابا قال نعم قال كلفه ما لا يستطيع لاشتغاله بالكفر لا لزمانه أو غيرها وكانت أم جلدين تزوجت شيخا من أشياخ العلم وله بنات وكن يؤذينها يأخذن الدقيق ويرددن التربة البيضاء موضعه ويأخذن اللبن ويرددن الماء فإذا قال الشيخ لم يكن في لبنك الماء؟ فتقول كذلك قدر الله وتأخذ الدقيق فتجعله في آنية وتصب عليه الماء فترسب التربة وتأخذ الدقيق من فوق فضعفت واصفرت من إيذائهن ولم تخبر أباهن بشيء من ذلك ثم متن جميعا فأراحها الله منهن وبقيت بغير ولد واستحى الشيخ أن يتزوج عليها واستحت منه أن يبقى بغير ولد فرغبت إلى ربها فأجيب دعاءها فسمع هاتفا يبشرها فولدت أربعة ذكور متتابعين متعها الله بهم زمانا ثم ماتوا جميعا وزارها المشايخ فقالت بيتوا فإن لم تبيتوا إلا لتأكلوا فلا تبيتوا يا من يزيل الوحشة عمن لا يعرفهم فإذا عرفهم زادوه وحشة واشتكت من الذنوب فقال لها الزواغي حب المسلمين حب المسلمين يخرج العبد من الذنوب كما تكشط الشاة من جلدها وكما ينزع الشعر من الزيت وسألت ربها أن لا تموت حتى ترى أم زعرور وزيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد إذا ماتت فقضى الله أن ارتحل أهلها للربيع حتى بلغوا تغرمين فمضت ابنتا ابنها إلى تغرمين يطحنان فصادفتا بيت أم زعرور فأخذتا في الطحن (1/252)
صفحة 253
والعجوز مشغولة بالعبادة فقالتا فيما بينهما إن هذه العجوز مثل جدتنا فسمعتهما فسألتهما فأخبرتاها عن أم جلدين فخرجت إليها زائرة فقالت لها أم زعرور ادعي الله فقالت بل ادعي أنت فإني استحييت من ربي قد سألته ثلاثا تعني أن ترى أم زعرور وترى زيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد قالت أم زعرور ادعي أنا أم زعرور وهذه تغرمين فدعت الله فرجعت أم زعرور فأخبرت أبا محمد فخرج ليزورها فوجدها ماتت فصلى عليها وكانت أم جلدين أول عمرها إذا سمعت صوت الدف تحرك قلبها فدعت الله فلم تسمع دفا حتّى ماتت وللعجائز بالجبل وغيره شأن عظيم.
ومنهم أبو عبد الله فضل:
مسكنه غربي مدينة القيروان وسط سوق الأحد حارة أبي محرز يخرج إلى المرج بالسبخة إلى إخوانه من هوارة وزناتة كورة قريبة من سبعة منازل يتعلمون منه العلم في مساجد عدة عامرة قال ابن سلام بن عمرو وهو علم مفت بالقيروان يعني إذا رجع من التعليم قعد للفتيا ببلده بالقيروان.
ومنهم الإمام الشهير الفقيه الكبير سعيد الحدائي: (1/253)
صفحة 254
وكان فقيها عالما مفتيا بالقيروان وكان ذا مال وجاه قال ابن سلام بن عمرو من فقهائنا بالقيروان رجل يسمى سعيد الحدائي وهو الذي رد مقالة عبد الله بن زيد في الحجة، قال أبو عمار قال سعيد الحدائي إن حجة رسول الله قامت على الناس جميعا من البالغين أشدهم الأصحاء ولزمتهم كافة سمعوا بها أو لم يسمعوا ثم قال نظر المسلمون فرأوا أن مقالة سعيد أقرب إلى الصواب والرشد وأبعد من مقالة من أجمعوا على تخطئته ممن قال بحجة الفكر قال ابن الرقيق لما عزل غبراهيم بن أحمد أبا العباس بن طالب عن قضاء إفريقية سنة خمس وسبعين ومائتين وأمر فكتب كتابا قرئ بالجامع فلما قرئ لم يوقف له أحد غير سعيد بن الحدائي فإنه تكلم فيه كلاما جميلا، قال ابن سلام وأبو سعيد هو الذي أدحض حجة عابدين الكبش بالقيروان فقتلهم أبو جعفر بن خرز قال وهم المشركون عابدون الكبش ذكر هذا إثر التعريف بسعيد وقوله أبو سعيد فابو زيادة من الناسخ.
ومنهم الحارث أبو الغدير الهواري:
ومسكنه قال ابن سلام قبلة سوسة غربي مدينة القيروان قال وهو فقيه مفت كبير معروف بدعوة المسلمين.
ومنهم سليمان بن ياسر:
قال ابن سلام منزله بقلوط حوزة شرقي القيروان وهو رجل فقيه من علمائنا .
ومنهم أبو يعقوب يوسف:
قال ابن سلام ورجل يقال له أبو يوسف وهو عربي وهو من علماء أصحابنا وهو حوزة وجماعة ومنازل عدة ومساجد كثيرة.
ومنهم أبو الفتاح:
قال ابن سلام بعد كلام وكان كبيرهم يقال له أبو الفتاح وهو الذي يعلمهم العلم توفي قبل سنة ستين ومائتين وهو رجل بصير بالفقه، نعلم العلم بتاهرت وهم نحو من خمسمائة رجل في حوزة واحدة.
ومنهم أبو حبيب:
ومنزله بقفصة الساحل شرقي القيروان، قال ابن سلام وهو رجل عالم فقيه.
ومنهم أبو عمرو حفصون النفوسي:
قال ابن سلام ومنزله بباطن المرج في عدد من نفوسة نحو خمسمائة أو أكثر، قال وهو رجل عالم فقيه فارض ناقد.
ومنهم العيسري الهواري: (1/254)
صفحة 255
قال ابن سلام: رجل عالم فقيه، بصير، واسع العلم، ومنزله بفحص القيروان، فأوذي بنزول الموالي عليه فارتحل.
ومنهم السمح بن عبد الجبار الهواري، قال ابن سلام: فقيه عالم.
ومنهم أبو حفص سليمان بن حفص الفراء:
عند من قال أنه تاب من الذي خالف فيه، قال بعضأصحابنا لو لم يكن إلا أحمد بن الحسين الأطرابلسي أو سليمان بن حفص الفراء لتبعته المذاهب ولو لم يكن إلا الإمام أفلح لتبعته المذاهب وقد تقدم في التعريف به بعض مناقبه وكلهم أباضية إلا أحمد بن الحسين وابن عمارة يأخذون بمسائل القياس وأخذا بقول عيسى بن عمير في الكلام وبقول ابن علية في الفقه ورأيت له كتبا كثيرة أجلها وأحسنها المقالات وبعده المختصر في الفقه.
وأمّا الفراء فرجل عالم يسكن القيروان خالف في بعض المسائل وذكر بعض أصحابنا أنه تاب ورجع إلى مذهب أهل الحق قال أبو عمرو إذا ذكر الشيخ أبو زكريا الفراء وعليا قال إنا لله وإنا إليه راجعون مما أصابهما على كثرة علمهما.
ومنمهم الإمام الطاهر والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي الله عنهما: (1/255)
صفحة 256
بويع بعد موت أبيه ومكث في الخلافة أربعة عشر سنة، قال أبو زكريا قد اطردت له الأمور ولم ينتقم عليه أحد من رعيته في الحكم ولا في الفعل، وقدم على جبل نفوسة بعد أبي منصور أفلح بن العباس، قال ابن الصغير لما دخل أبو حاتم مدينة تيهرت جمع مشايخ البلد واستشارهم فيمن يوليه القضاء فأشاروا بأن يولي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الشيخ، وكان أبوه قاضيا وتقدم التعريف به وبعدله وبإتقانه الأمور وقالوا وما عبد الله دون محمد في العلم والورع والدين، قال أشرتم وأحسنتم فولاه القضاء وولى بيت المال عبد الرحمن بن صواب النفوسي وولى الشرطة زكار لأنه ذو نصيحة وهيبة وإبراهيم بن مسكين لأنه ذو صلابة في الحق وقد كانت حروب فسدت بها البلد وفسد أهلها وأظهروا المنكر وكثر الفسق والزنا وشرب الخمر جهارا نهارا فلما تولى الرجلان الشرطة قطعا ذلك في أسرع وقت وأقرب زمان فكسروا الخوابي في كل دار عظم قدرها أو صغر وفر المفسدون إلى الجبال وشرد الأشرون إلى الأطراف والأودية ونفيا قطاع الطرق وردعا السراق ردعا شديدا وحملا الناس على العدل والسبيل ولم ينقم على أبي حاتم شيء إلا أنه ضرب مرة على الظنة لا غير وكانت له خطباء، قال ابن الصغير وشهدت له خطبا كثيرة أولهم ابن أبي إدريس والثاني أحمد والثالث أبو العباس والرابع عثمان بن الصفار والخامس أحمد المنصور، وكان الرستميون أهل علم وفصاحة وذكر عن الإمام أفلح أنه لم يعد خطبة قط لجمعة ولا لعيد أو لغيرهما وقد تقدم التعريف بهم من ذلك .
ومنهم أبو معروف ويار بن جواد رحمهما الله: (1/256)
صفحة 257
قال أبو العباس ناهيك بأبي معروف في الآثار والمعروف والموصوف بدراسة العلوم المعروف قال وله في النوازل والأسئلة المعضلات أجوبة كاشفة أشكال المشكلات، قال أبو العباس وأبو الربيع دخل على أبي معروف في مرضه الذي مات فيه فسأله عن ستة نفر دخلوا على المريض ثلاثة رجال وثلاث نسوة فقالوا له أوص فقال بماذا أوص ومالي ورثتموه أسداسا لكل واحد سدس فأجاب بأنه رجل له أم وأختان لأم وثلاثة بنو عم فتزوج كل رجل امرأة فالمال بينهم أسداس واستمسك زوج عمه في نفقة ابنة عمه معها إلى أبي منصور إلياس فقال أبو معروف أردد إلى ابنة عمي وهي كبيرة فقال أبو منصور لان فعلت لأكلن بك فساق ويغو وأتى أبا معروف يتيم فشكاه بأن سيف أبيه في يد الطواف أعطاه له زوج أختي فأرسل الشيخ أبو معروف إلى الطواف فقال ساوم بنصيب الأخت من السيف ففعل فلم يجد من يشتريه، وقيل اشترى جنانا وباعه ولم يره وعيب عليه ذلك وأهدى أمير القيروان سيفا لأهل الجبل ومراده اختلاف رأيهم فاختلفوا فبعضهم أمر برده وهو أولى بريبته وبعضهم قال ذلك عون له على باطله وقال بعضهم أكسروه وادفنوه وقال بعضهم أمسكوه فإن عطايا الملوك جائزة ومن هؤلاء أبو معروف فأصيب ببصره قال ابن ماطوس الحمد لله الذي جعله له في دنياه ولم يجعله له في آخرته وبعث إلى الشيخ عبد الحميد الفزاني أن يرسل إليه دواء لعينه قال عجبا لهذا الشيخ أعطاه الله شفاء الذنوب فأراد ما يزيله، قال أبو معروف حين بلغه قوله جعلني كالصبي أرضع لإبهامي فمراد الفزاني أجر المصيبة ومما تكتسب العين من الإثم ومراد أبي معروف ما يكسب من الخير بالبصر وكان يتجر فإذا وزن غيره له خروبة ةإذا أخذ نقص خروبة فأوصى بعشرين دينارا لحوطة الميزان ودخلت المشايخ على أمه لتوصي فقالت فبما أكثر الوصية قالوا في الكفارة فأوصت بثلاثمائة كفارة فأنفذها أبو معروف عنها ورمى رجل طائرا فوقعت برجل قتلته فاختصما لأبي معروف فأخذ القاتل منهم فقال (1/257)
صفحة 258
أولياؤه لم يعتمد فقال اصبروا و إلا دفعته ليقتل وأنتم تنظرون وقال خصماؤهم ادفعه لنا لأنه قاتل ولينا ظلما فقال اصبروا و إلا تركته ولا تجدون إليه سبيلا وحكم بينهم بالدية وإنما قال لهم ذلك لأن في المسألة اختلافا وسرقت بغلة فوجدت بمصر فأخذ المشايخ له خليفة فاستمسك بمن هي عنده وشهد له من حضر فحكم له بها ومن عادته إذا جاز على أغصان الأشجار التي زادت حتى منعت السابلة فيكسرها ويرمي بها إلى بستان صاحبها وكان يوما يعمل عملا في جنانه لابسا سراويل لا غير فدخل عليه تلميذه أبو مسور فلما رآه كذلك أخرجه إلى الخطة فقال تبت فأراد لومه بعد ذلك قال ليس لك ذلك بعد التوبة وهذا منهم رحمهم الله من إحياء السير والورع والحذر وجاز يوما وتلاميذه على فدان فيه أشجار التين البغطوري فأدخل الشيخ الطلبة فأكلوا بالدلالة فالتقى بصاحب الفدان فأخبره ليسره بذلك فقال قد صادفتم وقت جنايتها فأمر أبو معروف فأوقروا بغلته تينا وأرسل بها إلى البغطوري فأمر خادمه أن يصبها في داره.
ومنهم ماطوس بن هارون وماطوس بن ماطوس: (1/258)
صفحة 259
وكلاهما قد سبق في ميدان العلم والعمل وشمر عن ساق الجد وحسر عن ساعد الاجتهاد وتجنب الكسل وكان ابن هارون ذا بنات واحتاج لما ينوبهنّ فأرسل معه عامل اليتيمة ثلاثمائة دينار إلى أبي منصور فأتاه فقال له عليها وأنه محتاج إليها ولا يعطيها له فأساغها له ودخل داره جار له يسوي في المطر الماء فقال له ليس لك عندي ماء وجاز على تندميرت فاشلا عليه سفهاؤها الكلاب ونزل إلى بلده شروس ودخل بيته وعليه ثوب جديد وجعل يتقلب من شدة الغيظ وهو يقول لو كان لجهنّم بابان أدخل من أحدهما وأخرج من الآخر لشفيت غيظي ولم يعلم أحدا خشية الفتنة بين القبائل حتى تقطع القميص من كثرة التقلب ورأى رؤيا أنه لبس جبة من قصب فعبرت بأنه يموت شهيدا فاستشهد بمانو رحمه الله وهو ممن شد في الخروج إليه لأجل رؤياه فضرب بها وخرجت أمعاؤه فمسكها بيده وقاتل بالأخرى حتى استشهد وقال له بعض أصحابه حين ضرب إلى هذا توصلونا قال هذا الذي نتمناه زمانا وهو خير من الرجوع إلى الاغتسال بالماء البارد بالأسحار ووقعت فتنة بين شروس وتندميرت فخرج الماطوسان من شروس خشية ما يلحقهما من الإثم فقال يوما ابن هارون لابن ماطوس أين تريد أن ينهدم الحائط فقال لا أبالي أين وقع لسلامة قلبه وقال ابن هارون وأنا كذلك وإذا كان لابد فلينهدم إليهم وكان ابن ماطوس اختص بكمال الصبر وكثرة الكرامات إجابة الدعاء وهو من الاثني عشر المشهورين بإجابة الدعاء ومن صبره أنه ابتلي بامرأة سوء وكان يوما يحدث امرأته فألقت على عمامته رمادا وما زاد إلا الحمد والشكر وأخذت يوما ابنه وضربت به الحائط فخرج دماغه وما فعل إلا الصبر وإذا قيل له طلقها قال لا أريد أن يبتلي بها أحد غيري ومن أعلى كراماته أنه كان يسير بالليل من المسجد وأراد دخول بيته سبقه عمود من النور بين يديه ومدحه رجل بذلك فقال الشيطان يرفع إلى حيث يمكنه من خلف وإمام فنسأل الله العصمة منه وكانت امرأته تقول له سبقك جنّك. (1/259)
صفحة 260
ومنهم شبية الدجى النفوسي:
وتقدم أن أبا القاسم قال فقدت بمانو ثلاثمائة متوليا ولا شتيبة في الدجى وميال في أتلجام وجنا في تنزغت وهو صاحب اللواء في وقعة مانو فقال أفلح بن العباس أثبت البند في الأرض يا شيبة فأبى ثم أعاد عليه فقال مسكته عند أبيك وجدك ولم يأمرا بذلك سأحفر له حفر لك فلما أثبت البند في الأرض انصرف أفلح وترك المسلمين يقعون حوله خشية أن يولوا الدبر واللواء قائم فصرعه بعض أهل البصائر فانهزم الباقون ولم يكره موت المشايخ لأنهم أكرهوه على الخروج ومسجد دجى له.
وأما جنا التنزغتي وهو أخ لأبي القاسم من الرضاعة كان في التقى والزهد والشهرة في الخير بمكان وكفاك ذكر أبي القاسم له في الثلاثة الذين حصص من الألوف ومن الثلاثمائة الذين هم في ولايته وله بنات مشهورات في طرق الخير حتى قيل فيهن بنات جانا في الإسلام في جبل نفوسة كالغرابيب البيض. (1/260)
صفحة 261
وكذا ميال أيضا والثلاثة غاية في العبادة والشجاعة والتقى واستشهدوا جميعا بمانو وتقدم أن المشايخ حين دخلوا على أبي القاسم زائرين قالت لهم إحدى بنات جانا ما قالت وجمعوا ما جمعوا وجعلوه بيدها تنفقه على عمها سرا لعلمهم بأنها غاية في ذلك وكفى التنبيه على القاضي عبد الله والخازن عبد الرحمن وعلى الخطباء عن إعادة التعريف بهم ثانيا وفي أيام يوسف كانت وقعة مانو التي فل بها حد سيف نفوسة على يد أفلح ابن العباس وذلك أن نفوسة بلغت في العلم والتقى والعدل والورع مبلغا عظيما يكاد أن يكون حاكيه كاذبا وهابهم من بالمشرق والمغرب ولذا قال الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة وقد تقدم هذا وكان إبراهيم بن أحمد من بين الأغلب و إلا بني العباس على إفريقية وكان ظالما جائرا فقدم طرابلس ولعله أفسد فاجتمع رأي أكثر نفوسة على ملاقاته فأبى لهم أميرهم أفلح بن العباس وسعد بن يونس عامل قنطرارة ومعبد الجناوني وعزم من رغب في الجهاد وإظهار المعروف ودين الله لتكون كلمة الله هي العليا، قال ابن الرقيق وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين تحرك إبراهيم بن أحمد يريد محاربة ابن طولون وأمر بالحشد فلما اجتمع له ما يريد خرج من تونس لعشر خلون من المحرم فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر ثم خرج بجميع من معه فاعترضه أهل نفوسة في جمع عظيم وذلك في النصف من ربيع الأول فكان بينهم قتال عظيم فقتل من جنده جماعة من الرؤساء وغيرهم ثم انهزم أهل نفوسة وكان في أيام المعتضد فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا وتطارح منهم في البحر بشر كثير وقتلهم فيه حتى غلبت حمرة الدم على الماء، قال أبو زكريا قال بعضهم لبعض دعوا هذا الرجل ولا تتعرضوا له بشيء فأبى جمهور الناس منهم سعيد بن أبي يونس حتى قال بعضهم اشتقت شداخ قنطرارة لم ترد الموت في سبيل الله قال خفت على البقرة فيتبعها عجلها يعني بالبقرة نفوسة وبالعجل قنطرارة فكان الأمر كما (1/261)
صفحة 262
ظنّ وتقدم كراهة معبد لذلك في التعريف به وكراهة أفلح فلاقوه بقصر مانو على ساحل البحر فاقتتلوا قتالا لم ير مثله في ذلك لازمان فبارز رجل من المخالفين يريد من يقابله فكل من خرج إليه قتل فخرج إليه أفلح بنفسه واشتد القتال فأمر أفلح شيبة الدجى صاحب البند أن يثبته في الأرض فأبى ثم أمره ثانيا فأبى فقال لم يأمرني أبوك ولا جدك بإثباته والحفر له سأحفر له حفر الله لك وكان أفلح قد أضمر للأشياخ إيجاس سوء لأنهم أكرهوه إلى الخروج فلما حفر للبند انصرف وتركهم وبقي أهل البصائر لأنه لا يجوز لهم أن يولوا الأدبار والبند قائم فصرعه بعض أهل الخير فمات اثنا عشر ألفا ومن العلماء أربعمائة وحمل منهم أسرى ثمانين عالما وفيها مات أبو ميمون وعمروس وماطوس وشيبة وجانا وميال ومعبد وغيرهم من الأشياخ وكانت في الإسلام قلة لم تترقع على يومنا هذا وتقدم أن عمروسا حمى الناس على فرس سابق فجعل له حبال فعثر فرسه فقالوا أرجع عن الذي كنت عليه نطلقك واستعف نعف عنك فقال تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله وكان يقرض بمقاريض الحديد من أيديه حتى بلغوا به المرفق فمات شهيدا حميدا رحمة الله عليه، وجاز عدو الله إلى طرابلس وفيها ابن عمه فقتله وأراد الزيادة فتفرق عنه جمعه ورجع إلى إفريقية وفي سنة أربع وثمانين أخرج ابنه العباس إلى حيز نفوسة في شهر رجب فقتل من وجد في الأطراف واستباح النساء وحمل ثلاثين أسيرا قتلهم إبراهيم بعد أن قدموا عليه وأوتي بنفر من أهل نفوسة فأمر بقتلهم وقدم رجل منهم وكان أحسنهم منظرا فقال أظنك معلم القوم وإمامهم قال لست كذلك قال ما تقول فيّ قال ما عسى أن أقول فاسق ظالم سفاك لدماء المسلمين أبعدك الله فاستشاط إبراهيم غيظا فقال والله لأقتلنّك قتلة لم أقتل بها أحدا من أصحابك قال إن كان الأمر لك ستفعل ما قلت فزاده حنقا فقال ومن يمنعك متى فأذن المؤذن فقام فصلى بأصحابه فألقى الله في قلبه أن يطلقه فتركه ليعلم أن الأمر (1/262)
صفحة 263
لله لا له عدو الله واستأصل من قدر عليه قنطرارة فصح ما ذكر لهم سعد بن أبي يونس ثم فعل بأهل نفزاوة كذلك في المرتين وذكر أبو زكريا أن الصفين لما افترقا بمانو أقبل ليحمل أخاه من المعركة فيدفنه نظر بعد أن حمل أخاه على بغل له شبه سلوقي في القتلى فسمعه يقول كبروا يا أهل الجنة فكبرت نفوسة ومن معها ثم قال انبحوا يا كلاب النار فنبحت قتلى المسودة فنبح أخوه من بين يديه على سرج الدابة فألقاه إلى الأرض فهرب وتقدمت حكاية الذي صلب أبا يحيى طالب الحق وما رأى له من البراهين وكذا صالب عروة بن أدية وبراهين قتلى مكة مع أبي حمزة المختار ووقعة مانو بعد وقعة ابن نور(1) أحمد بأهل عمان وقد خرج عليهم من البحرين عام ثمانين ومائتين وكان عملا للمعتضد وخليفة أهل عمان عزان بن تميم قال المسعودي إمامهم يومئذ الصلت بن مالك والصحيح أن الصلت عمر إماما لم يعمره غيره بعمان من الأئمة فلما كبر عزل من غير جرحة واغتنم ذلك موسى بن موسى وبايع لراشد بن النظر إماما وفي الناس بقية فاحتالوا حتى عزلوه وبايعوا عزانا وخرج عليهم أحمد بن بور وقتل عزانا وخلقا كثيرا حمل رؤوس بعضهم إلى بغداد فابتلى الله المعتضد بأن أظهر له شخصا في داره بالليل تارة بحربة فيطعن بعض غلمانه فيقتله وتارة تاجرا فجمع الأطباء والمنجمين والمعزمين وأصحاب الخواص فما صنعوا شيئا وكذلك ابتلى الله ابن الأغلب واستحال طبعه وغلب عليه سوء المزاج فتغير عقله وساءت حالته وأسرف في قتل أصحابه وأولاده وبناته وكتابه وحجابه وانهمك في الشر وسقط له منديل من يد بعض جواريه فأصابه خادم فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم وقتل ابنه المكنى بأبي الأغلب صبرا بين يديه وقتل ثمانية أخوة صبرا كانوا من رجاله وقتل يوما ست عشرة بنتا قال ابن الرقيق وأتى بأمور لم يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى
__________
(1) – سماه العمانيون محمد بن بور لما أحدثه من دمار وقتل وفساد، وكان ذلك عام مائتين وثمانين هجرية. (1/263)
صفحة 264
مثلها ملك واتخذ الأحداث حتى جمع أربعا وستين حدثا وجعل لكل واحد منهم فراشا ومرقدا وملحفا وبلغه عن بعضهم أمر فقتلهم جميعا منهم ضرب بعمود من حديد فطار دماغه وكان يحرق منهم كل يوم خمسة أو ستة حتى أتى على آخرهم وأدخل بعضهم الحمام فسد عليهم وماتوا من حينهم وقتل ندماءه وطبيبه وقتل كتابه وحجابه وسجن بعض كتابه واستعطفه على نفسه وفي جملته أن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه أن الملوك إذا ما استرحموا قتلوا فقتله وألجأه وابل المطر إلى مسجد قرية فسقط بعضه وخشي من سقوط الباقي عليه وعلى أصحلبه فخرجوا ووقفوا في المطر فأبصرهم فتى فأنزلهم وأحسن بما قدر وبات لأحسن مبات وكان زمان التين فأدخلهم بستانا له وأطعمهم ما أرادوا فأمر به فضرب ضربا وجيعا وكانت له عبيد صقالبة فرمى ببعضهم من أعلى القصر وبعضهم أدخلهم بيتا وبنى عليهم ليموتوا جوعا فوجدوا في البيت سيفا فقتلهم واحد منهم ثم قتل نفسه وحزن لذلك إذ لم يموتوا جوعا وقتل صاحب الديوان وشريكه لا لأمر عظيم بأن قطع يدي أحدهما ورجليه وحمل رأسه على صاحبه فقال له إن لك خدمة وقديم صحبة وأقتلك قتلة مريحة قال ما خنت لك عهدا منذ توليت وأمر بضرب عنقه وقتل ابنه أبا عقال إذ قال لأخيه إن أبي زال عقله وقتل جواريه وبناته فمنهن من خنق ومنهن من بنى عليها حتى ماتت جوعا وله أفعال غير هذا واضطرب أمره ثم أظهر التوبة وأراد الحج ثم رجع غازيا إلى صقيلة فمات بها طريدا ملعونا ولم تبق أيامهم بعد ذلك إلا قليلا حتى أباد الله ملكهم وأهلكهم وأزال الأمر من أيديهم وفي ذلك عام ستة وتسعين ومائتين وجعل الله سبب وهن شوكتهم أن إبراهيم قتل رجاله خصوصا من برقادة فناولهم بنفسه وحاربهم وبارزهم فلم يقدر لهم على شيء ثم أظهر أنه عفا عنهم ثم خلع عليهم ثم اجتمع عنده نحو ألف منهم فأحاط بهم وقاتلوا عن أنفسهم قتالا شديدا ثم قتلهم جميعا وقتل غلمانه الصقالبة ثم اشترى العبيد السودان مكانهم فبلغت (1/264)
صفحة 265
عدتهم مائة ألف وقتل وزيره أحمد بن أبي إسحاق وكاتبه رجاء بن محمد فدمرهم الله وأوهن شوكتهم وسلط عليهم كتامة مع بني عبيد الله.
ومنهم أبو بكر بن يوسف النفوسي:
وكان عالما فقيها مستجاب الدعاء، قال أبو زكريا ذكر لإبراهيم بن أحمد أن من علماء الإباضية أبا بكر بن يوسف فوجه إليه من أخذه فطلبهم أن يصلي ركعتين ففعلوا فدعا ربه أني مظلوم فبعث الله ريحا وظلمة فحالت بينهم وبين الشيخ وكان مكفوف البصر فأخذ ابنه بيده فنجاه الله مما مكروا.
ومنهم ابن يكوب:
وكان عالما، قال أبو زكريا أخذه إبراهيم بن أحمد في ثمانين عالما فحملهم على القيروان وكان مقطوع العرقوب فاستأذن أصحابه في الهروب فأذنوا له فهرب فنجاه الله من شره وقتل سائر أصحابه، ومنهم داود بن ياجرين وياجرين ورأيت بخط بعضهم ياكرين بالكاف قال أبو العباس هما شيخا نسك وزهد واجتهاد في العبادة وجد وقد ذكر أنهما خرجا سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع وكانا متوافقين مترافقين فلما عزما على الافتراق أو قبل أن يفترقا قال ياكرين يا داود أوصني قال لا تستنج بيمينك ولا تنزل أهلك إلا في موضع الذراء والسترة ولا تسكن أزواجك في بيت واحد وتقدم أنه حضر مجلس القضاء هو ماطوس عند عمروس عند التعريف به.
ومنهم ميمون بن محمد أبو عمر وأبو الفضل سهل: (1/265)
صفحة 266
وكلاهما في الفضل والتوفيق فايق وفي ميدان الرضا والعدل سابق وبالحكمة وفنون العلم ناطق، أمر أبو عمر فكان حاكما وشديدا في الأمر والنهي، وفي السير سمع بمجلس الخمر في الفحص على ستة أميال من شروس، وشروس أم قرى نفوسة وجادو مدينتهم فكسر آنيتهم وأراق شرابهم، وفيها جاز عليه ركب التكرور قدم من بلاد السودان فجمعوا له أربعمائة فأبى من أخذها وأمر بإغلاق الأسواق والبروز إلى التكرور من أجل الانتفاع بالبيع والشراء فطلب التكرور رؤية أبي عمر لما سمعوا عنه من العدل ودلوا عليه فسلموا وكان مع أبي الربيع سليمان بن هارون فلما ملأ أعينهم وأفئدتهم علما وأدبا وحياء وأبى من أخذ المال تورعا سألوا عن اسمه لاشتهاره بالكنية فقيل ميمون قالوا ميمون أي طابق اللفظ المعنى وناسب وكان ميمون الناصية على نفوسة مدة ولايته وأنه رجع يوما من جادو فسمع بجيش عظيم للمسودة على الطريق وأراد السير معه لأنه محجة الأوائل وطريق الأشياخ ولم يرد أن يخالفها فلما نام أصحابه قصد غار تكيت فبات فيه يعبد ربه ويرغب إليه فلما أصبح أتاه خبر انصرافهم فسار مع طريق الماضين ومن عادتهم أنهم لا يخالفون طريق السلف ولو في المشي فلاقى يوما أبا سليمان التندميرتي فنزل عن فرسه إجلالا له فقال ابنه من هذا يا أبتي قال أو ما تعرفه هذا الذي أنزل الحمل عن ظهره فحملته ومازال حتى طرحه عن ظهره فلاموه فقال عسى من الله توبة نصوح قبل موتي ولو بسنة أو بشهر أو بجمعة أو بيوم ولو بساعة ولو عند الغرغرة وضعف حين كان في الأمور حتى لم يطق الصلاة واقفا للهرم فلما ترك الأمور قوي واشتد قال كأنما حط عني حمل وحبس جانيا في بيته مغلولا فقام أبو عمر بليل فتوضأ للصلاة ففك الجاني وثاقه وأخذ سكينا فضرب أبا عمر وجرحه فقام إليه ونزع من يده السكين وشدوا وثاقه ولم ينتصف لنفسه وكان الحاكم إذ ذاك غيره فلما أصبح حمله المشايخ إلى الحاكم قال الحاكم كدت أن تعمي الإسلام يا عدو الله وروي (1/266)
صفحة 267
أنه إذا أراد أن يحكم أخذ يرتعد كالسعفة وإذا قال الخصم أعطني حقي جعل يبكي خوفا من الميل عن الحق.
وأما أبو الفضل سهل لما تولى أدرك الناس في ذل من المسودة وزناتة والعرب وواحد من أولئك يقدم على عشرة من نفوسة لما ملأوا قلوبهم من الرعب فلم يبرح حتى عكسها وصار النفوسي يقدم على عشرة من أهل البادية ورفع الجور عن نفوسة وخرج مرة إلى طلب زناتة ونزل الأبراج فلما قرب من العدو ضرب خيمته فدخلها يرغب إلى ربه وأرخى أطنابها فانتشب الحرب فهزم الله زناتة وشتتهم ووقع فساد بمدينة غدامس وهي على سبع أو ثماني مراحل من نفوسة وخرج إليهم يصلح فسادهم فاتفق رأي المشايخ في رده فلما بلغه الرسل أبصروا رايات أو أعلاما فوق رأسه و علموا أن ذلك برهان من الله فتركوه ولم يردوه فلما بلغ غدامس ناصبوه وقاتلوه فهزمهم الله وأزال الحدث وأصلح الفساد.
ومنهم أبو صالح الدركلي النفوسي:
وكان من أهل الخير والعلم والاجتهاد أخذ العلم من معدنه أبي خليل وأفاد به أهله واشتهر عنه أنه وجد امرأة على الماء تسمى العافية وحملت قربة على خادم وحاذرت ثيابها مما يقطر خشية ما يصل ثوب الخادم فرخص لها ولو نجس ثوب الخادم وزادها أن مربط الجديان والخرفان وبلل الجدي يوم ولادته ولبن امرأة حلبت في ليلة مطيرة شاة وقت ولادتها في جملة الغنم وغبار البيت النجس والكنس والماء الذي يطير من البئر يغرف منه ماء السنة والماء السائل حول البئر ليس شيء منها ينجس وكذا الطين المعجون بالماء النجس إذا جف وأن الوضوء لا ينتقض ممن سلك دمنة الغنم ليلة المطر وقال اختلفت أنا وفقهاء الجبل في مسائل تمام العدة ابتداء الاغتسال من الحيضة الثالثة قالوا تمامها تمام الغسل وإذا أبطأت عنها الحيضة الثالثة فلا تنقض عدتها حتى ترى الحيضة الثالثة وقت تتربص عاما ثم تتزوج وإن من أجبر على نفقة زوجته يقال هل أنفق وإن طلقت انحللت وقلت أقول له أنفق أو طلق. (1/267)
صفحة 268
ومنهم أبو يحيى سليمان بن ماطوس الشروسي النفوسي وأبو هارون الجلالمي موسى بن يونس النفوسي وأبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي:
ثلاثتهم أضاءوا الأرض شرقا ومغربا بعد ما أشرفت شموس العدل والدين على الأفول بمصيبة مانو فانتعش بهم الدين وأحيى الله بهم قلوب الجاهلين كانوا بدورا بين الفراقد وكلهم مطلبا للناشد، وفي السير أن ابن ماطوس حاكما على شروس فحرضه أبو هارون الجلالمي صنوه في التقى وقرينه في العلم على تأثير الحق فقلا إن لم تقدر على الغائية فأت ما دونها وضرب له مثالا فقال ابن ماطوس آجرك الله إنما حسبت إن لم أقدر على الكل تركت الكل وشاع علمه وفتياه في البلدان شرقا ومغربا وذكر أبو زكريا يحيى الجناوني عن أبي محمد ورسفلاس عن أبيه عن أبي يحيى الفرسطائي أنه قال اجتمعت مع بعض العلماء بناحية زويلة فقال أن فتوى ابن ماطوس كلها حسنة إلا أنه لا يرى الشفعة لليتيم ولا لغائب قال أبو يحيى فلما قدمت آتيت ابن ماطوس فأخبرته فقال قل له ذلك تعطيل الحقوق يا جاهل قال أبو العباس وغيره إن أبا صالح وأبا موسى ومن معهم من التلاميذ قاموا عند ابن ماطوس ما شاء الله يقرأون العلم ثم انتقلوا إلى إفريقية إلى سلام ليك منها فدرسوا فيه الكتب زمانا ثم رجعوا يعرضون على ابن ماطوس ويصححون ما قرأوا في تلك المدة فالتقوا ببكر بن أبي بكر بفنزاوة وصحبهم فساروا إلى وقت صلاة الظهر فسألهم رجل صحبهم ولم يخرج من أميال بلده أيصلي تماما أم قصرا قال الجميع تمام إلا بكر قال إن نويت السفر فصلي قصرا ومروا بامرأة تغسل صوف شاة ميتة قال الجميع لا تطهر بالغسل بل حتى تترب في سبعة مواضيع بسبعة أقضبة ثم تغتسل بعد فقال بكر اغسلي صوفك كما تغسلين غيره ومن تيمم ويده نجسة فقد طهرت ونجس التراب وقال بعدم نجاسة التراب قالوا أين ذهب النجس قال ذهب بين الضربات فلما بلغوا الشيخ أعلموه بالمسائل وقول بكر فيها قال لهم الفرسطائي عالم يعني بكرا وصححوا في ستة (1/268)
صفحة 269
أشهر جميع ما قرأوا من شدة اجتهادهم قال أبو العباس هذه بمناقب بكر أشبه و أنكر على بعض من يرد عليه لما بلغه أن بعض يأخذون الصدقات ثم يردون منها عن من أخذها منه و أنكر ذلك وقال ذلك مما لا يرضاه الله تعالى وقدم رجل ليلا من أهل بلده وأراد الخروج ليلا فصنعت له امرأته طعاما وكانت حزيمة فأحضرت للطعام ابن ماطوس فحملت من وطئ زوجها فقيل فيها فقالت من زوجي قدم ليلا وعند ابن ماطوس الخبر الصحيح فأتته فذكرت له فنسي فذرته فلم يتذكر فرجعت مقهورة فإذا جنها الليل أخذت في الدعاء وتقول يا ملائكة السحر ذكروا ابن ماطوس فقام ذات ليلة ليصلي فتذكر فلما أصبح أمر بضرب الطبل فلما اجتمع الناس أخبرهم بصدقها ومجيء زوجها لها ليلا قال البغطوري إن ابن ماطوس قد أتى بعد أبي القاسم وبورك في علمه فبلغت فتواه شرقا ومغربا وهو أحد فروع مانو. (1/269)
صفحة 270
وأما أبو هارون الجلالمي فقال البغطوري جذور مانو أبو القاسم وعبد الله بن الخير وفروعه أبو هارون الجلالمي وابن ماطوس وأبو زكريا يحيى بن يونس الفرسطائي ومن يتاماه أبو يحيى زكريا الفرسطائي قال وقال الشيخ أبو محمد بن محمد أن أبا هارون كان يتعلم عند أبي القاسم ثلاثين سنة الأصول والحجة والمناظرة ويقول أن الفقه علم العجائز وتعلقت به العلوم مما أعطاه الله من الفهم قال: قال فيه ابن ماطوس لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب دراه كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة وكان حزيما لدنياه وأخراه وهو أفضل من تعلم عند أبي القاسم وكان غراسا للشجر وذكر أنه يحيي من الأشجار التين ثلاثمائة مديا وأظنّ أنه مائة وخمسون وسقا والمودي بحوزتنا نحو ثلثي الوسق وكان من القادة في الدين يطعم مائة لعياله ومن يأمنه و مائة للأضياف وأبناء السبيل و مائة لتلامذة ومن يتعلم وكان في ابتدائه يعمل شغله في ربعه إلى العشية فيمضي إلى الشيخ أبي القاسم يتعلم ثم يدرس ثم يرجع مصبحا شغله وذلك دأبه وأخذ العلم منه جماعة كبيرة، وفي السير قال أبو القاسم البغطوري يحيي الله الدين بهذين؛ ابن يونس وابن يونس لاسيما هذا يعني أبا هارون فخرجا كما تفرس، وكان واسع الدنيا تاجر أسفار أجمع مالا أنفقه في الطاعة وأكثر من شراء الربع وضاف عنده الشيخ عبد الله بن الخير بالجزيرة حين حصروا بها فوقعت على شأن غارة فخرج أبو هارون ثم رجع يسأل الشيخ كيف يفعلون إن أدركوا أحدا فقال إن قتلوا الأنفس وحازوا الأموال خاصة فاقتصدوا أموالكم فإن حالوا بينكم وبينها فقاتلوهم وضيع رجل زكاة غنمه سنينا فحمل زاده يتعلم مسألة والتقى مع الشيخ ولم يعرفه فأخبره بقصته ولماذا جاء إليه فأجابه عما سأل بأن يعطي عما في يده وكان أكثر مما عنده قبل على جميع السنين الماضية فرجع وقال صدق الناس العالم كالحوض من جاء استقى وكان عنده أجير دمري استعمل الورع ويجعل ثوب صلاته في المزود (1/270)
صفحة 271
فطمأنت نفس الشيخ إليه ثم سرق بقرة الشيخ، وفي السير قال له ابن زرقون ما رأيت مثلك يا موسى أو خيرا منك.
وأما ابن زرقون فقال أبو زكريا كان قادة أي إماما يقتدى به وهو من نفوسة تاديوت وبها مولده ومسكنه قال أبو زكريا وحدثني بعض أصحابنا أنه أدرك ديوانه وكتبه بقرية تاديوت وقد بلغ من العلوم ما لم يبلغه كثير وتعلم هو وأبو يزيد بسجلماسة وكانوا يومئذ من أهل الدعوة واستأذنهم ابن الجمع وكان من مشايخ المسلمين أقبل من المشرق تاجرا غزير العلم فنزل توزر فخدمه أبو الربيع فاختبره في أمور كثيرة فألفاه حاذقا فاستخبر يوما تمام تنبيهه وتوقد نفسه فقال له إنك فطين ولم يظهر الياء وأوراه أنه فطين ففهم ما أراد فأجابه بأنه غير منزلق فنام يوما فغطاه قال الزيت خير موريا بجزيت خيرا فأجابه بأنه يصلح للخبز فانتقل إلى سجلماسة وانتقل معه ومكث معه سنين فتعلم عنده العلم فحضره الموت هناك وأوصى بكتبه لأبي الربيع ورجع إلى قصطالية واشتهر في العلوم واضطربت قصطالية كلها من أجله واختلف أهل سجلماسة بعدما خرج من عندهم في مسألة كادوا يقتتلون عليها فاتفق رأيهم على أن يرسلوا أمينين إلى أبي الربيع فيعلموا بما يجيبهم به فأدركه الرسولان فأجابهم فأخذوا بما قال واصطلحوا وبات ليلة وضل هو وأبو يزيد بعض أهل الدعوة فلم يحسنوا قراهما ومر ببعض النكار وأحسنوا إنزالهما وذلك سبب هلاك أبي يزيد فقال لأبي الربيع ألا ترى ما بين الطائفتين فهل لك في الرجوع إلى مذهبهم فقال أبو الربيع أأخلد إلى الأرض لهواي فرجع أبو يزيد نكاريا وهم فرقة من الإباضية اتبعوا في الكلام عبد الله بن يزيد ويأخذون في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرج وحاتم بن منصور وشعيب وخلافهم إنكار إمامة عبد الوهاب وقد تقدم الكلام عليهم هناك، ودخل مرة إفريقية فوجدها تغيرت واستولت مشايخ النكار عليهم فأصلح ذلك أجمع وردها إلى الحق ودخل مرة خُصا فيه سبعة أسرة لكل شيخ من مستاوة سرير (1/271)
صفحة 272
يجلس عليه فقال له واحد منهم هاهنا يا أبا الربيع فقصده فلما تمكن من الاستواء عثر فةقع على المستاوي ولكزه بمرفقه حتى كاد أن يكسره قال كدت أن أكسرك ثم ناظروه فغلبهم وحضر غدءاهم [غذاءهم] فخرجوا وانتقلوا من غير أكل وتبعهم في أحياء إفريقية حتى نفى جميع من يميل إلى مذهبهم وأصلح البلاد رحمه الله وتوجه إلى الجبل وكان أبو القاسم يوالي نفاثا قبل إحداثه ما أحدث ولم تقم عليه عنده بينة يقطع بها عذره فيتبرأ منه وبقي على حاله قال لهم أبو الربيع شيخكم يوالي نفاثا وأنتم توالون شيخكم فكلكم نفاثيون وسألته امرأة عن البراءة من مستاوة قال كلهم في البراءة ومستاوة هم النكار وقد تقدم الكلام على نفاث ومخالفته للإمام أفلح وطلب خرقة إلى العجوز يرقع بها ثوبه فأعطته فقالت أنها بخسة فقطع منها طرفا وقال خذي بخسك ورقع بالباقي وطلب مرة ماء فأعطته عجوز فقالت أشرب قليلا فاستوعب ما في الإناء قالت ألم أقل لك أشرب قليلا قال إنما شربت قليلا تأول تعالى: ) قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)(1) ورأى تبرجا بنساء قصطالية ما أكثر إماء أهل هذا البلد فحملهن على غير الحرائر وعيب عليه الفتيا بالرخص فقال بيني وبينكم النسيان ووطئ برجله شيئا رطبا فقال ما أكثر طعام أهل هذا البلد ثم وجد طعاما ومر على غدير ماء في فصل الشتاء ومعه عالمان آخران متقيان وكان وقت صلاة فلم يتوضأ خشية الضرر من البرد وغسل أحد الآخرين يديه وتوضأ الآخر فأخذه شدة البرد فوقع فلفه صاحباه في ثيابه وحملاه وقال لم تهون على نفسك أن تتيمم لصلاة واحدة فيتمم الآن لصلوات قال أبو العباس أرى أبا الربيع أفقه الثلاثة في المسألة وسيأتي تمام إخباره مع أبي الخطاب وغيره .
ومنهم أبو الخطاب وسيل ابن سنتين الزواغي رحمه الله تعالى:
__________
(1) – سورة النساء، الآية: 77. (1/272)
صفحة 273
قال أبو العباس مذكور في من أفنى بدنه في العبادة وماله في الصدقة موسم بسيمة الصلاة وسمته معدود في ديوان علماء وقته لا بطيئا في السباق ولا قاصرا عن اللحاق وجاز ابن زرقون على ريصو فوجد أربع فرق من الإباضية مستاوة اتباع عبد الله بن يزيد والخلفية إتباع خلف بن السمح والنفاثية اتباع نفاث بن نصر وأهل الدعوة وذلك في أيام أبي الخطاب وسيل فأمر القضاء والأحكام لأبي الخطاب والفتيا للنكار وهم مستاوة وإمامة رمضان للخلفية والآذان للنفاثية ووقف أبو الربيع على حلقتهم والنكاري يفتي فألقى لمن يليه مسألة يسأل عنها ولعلهم لا يعرفونه فسأل المفتي فتعجب من ترتيب السؤال وحسنه ولم يطق جوابه فقال أبو الربيع أجب الرجل قال النكاري أجبه أنت ولعله ظنّ أن السؤال أعطال فأجابه أبو الربيع فزاده أسئلة أجاب فيها من غير توقف فرجع السؤال إليه وسقط النكاري ثم أن بعض أهل الدعوة سأله عن النكار والخلفية والنفاثية وهم حضور قال كفار (1) فنظر بعضهم إلى بعض فتفرقوا وأبو الخطاب غائب وأخبر بما وقع وأنه عجل على القوم فقال أبو الخطاب كلا إنه فصل لكم دينكم وعاتب على أبي الخطاب نفوسة الجبل وعاتبوه في استفتائه النكاري والتزامه الأمر ليقظان وتغريمه الأرامل واليتامى للظلمة وتقديمه خلفيا فلما بلغه بكى وقال الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم مني من تقصير قبل يوم القيامة فأجابهم بأني لا أحكم بما به يفتي وإنما أحكم بعلمي والتزامي الأمر ليقظان إنما التزامته احتسابا لله لا ليقظان وأمر اليتامى والأرامل أن يداروا عن أنفسهم ولم أقدم خلفيا إنما أصلي فريضتي ثم أقول له أتصلي وقال أبو زكريا فيما بلغه عن بعض أهل القيروان والله أعلم إن كان من أهل الدعوة ومن غيرهم كان عنده من العلم أن
__________
(1) –تقدم أن الكفر ينقسم إلى قسمين كفر شرك وهو ما يخرج صاحبه من الملة، وكفر نعمة وهو ما لا يخرج صاحبه من الملة، وهو تقسيم يقتضيه القرآن والسنة (1/273)
صفحة 274
من بنى مسجدا في ناصروت فهو مسلم عند الله فخرج إلى الموضع ليبني فيه المسجد فوجد أبا الخطاب بناه وهو مسجده المعروف وأتاه رجل لا يعرفه فقال لي عليك دينار قال لا أرفك فالح في الطلب فأعطاه ما طلب خشية الخصومة وسأله بعض أغنياء بني يهراسن أن يعطي زكاته أخاه فقيرا قال ادعه فدعاه فقال تب إلى الله فتاب قال أعطه زكاتك قال للآخذ ألبسناك ثوبا وهو لباس التقوى فإن تعريت منه فلا قتلك إلا الجوع فنزعه بعد فبقي أثر الفقر في ذريته وأخذت فيه دعوة الشيخ وقالت امرأة من ذرية أبي الخطاب المعافري حين مات أبو الخطاب مات الحق وبقيتم يا زواغة بطون كالأخرجة وعمائم كالأبرقة ونعال سجلماسة وأحكام متعوجة.
ومنهم أبو أيوب: (1/274)
صفحة 275
صنوابي الخطاب في التقى وإجابة الدعاء والعلم والسخاء، خرج هو وأبو الخطاب يوما في بعض حاجتهما فأدركهما الليل فأبصرا ليلة القدر فاجتهد أبو الخطاب في الدعاء لأمر آخرته وأبو أيوب يدعو أن يصيب دنيا سببا للجنة فأنكر عليه أبو الخطاب أن هذا مقام عظيم أتتعرض فيه للدنيا فقال أبو أيوب إن لم اصب بها الجنة فلا رزقنيها الله ومسكنهما ريصو وبسط الله الرزق والدنيا على أبي أيوب وقيل إذا جمع زرعه للدرس رآه من بجربة وأطلق يده للنفقة للوارد والصادر ونزلت به عير ليمتاروا ففتح لهم مطمورة فلما اكتالوا قال لابنه أنزل وانظر ما فعلت المطمورة قال له قمحها قمح الجنة فتصدق بما فيها وابتدأ بأهل العير وأتته نفوسة الجبل في سنة شديدة القحط فرأى على وجوههم لباس الجوع فأنزلهم وأنفق عليهم مما أعطاه الله واكن يذبح لهم كبشا غذاء وعشاء كبشا شهرا وما يمونهم من الطعام فسمعوا برخص الطعام بجربة فأرادوها ليمتاروا فمنعهم وكان الرسول بينهم أبا مسور وأطلق دواب الأشياخ في الأندر تأكل قالوا كيف يصنع بالزكاة فلما حضر الكيل أخرج العاشر والتاسع والثامن والسابع والسادس للزكاة وذلك النصف فامتاروا جميعا من زكاته وكان معهم أبو يعقوب الدمري ومعه ابنه وقال اجعلوا للصبي سهما قالوا إن كان متول لك قال يبيت عندي الليلة يريد يختبره فلما أصبح قال توليته وخرج في جماعة يريدون زيارة الجبل فبينما هو في السير إذ أبصروا شخصا ظنوه عدوا ونزلوا عن دوابهم من البغال فتعلقوا بالوعر فمكنوا بالوعر فلما جنهم الليل وتيقنوا أن يبيتوا تلك الليل طاوين قال عندي ألف قفيز من طعام وما يلوثه زيتا وأنا أبيت بغير عشاء خيار ما يدخر المرء التقى وكان الشبح عيرا فعقروا دواب الشيوخ فساقوها .
ومنهم أبو محمد الدرفي: (1/275)
صفحة 276
قال أبو العباس اسمه ملى وفي كتاب السير اسمه زيد بن فصيت فأما إن كان ملى لقبا وإما شيخ آخر اسمه ملى قال أبو العباس هو ممن يعزى إلى الورع والصلاح وممن ضرب في الدراسة بالقداح وأديرت عليه من راح المذاكرة أقداح وذكر أن رجلا دعاه إلى طعام فذاكره بشهادة له فقال ارفع طعامك لأن لك علي شهادة فقال كل وأشهدك أني تركت لغريمي مالي عليه من حق بشهادتك فانصرف وأحضر أبو محمد قمحا صالحا واستدعى الرجل المذكور فقال خذ الطعام واصرفه فيمن ترى محتاجا واحتاط بذلك لما أتلف بسببه من الطعام وتقدم مثلها لأبي الشعثاء الزنتوتي وبعضهم يكتبه بالسين وللشيخ ابن إبراهيم مثلها كما سيأتي، وفي السير كان عالما زاهدا في الدنيا وكان حاكما على أهل جادو وركب حمارته ذات يوم فبركت فأخذ يصفق نعليه عند أذنيها وذهب أصحابه ولم تقم فقال بعض أصحابه ما أظن إلا حمارته بركت فرجع فضربها فقامت، والورع منع الشيخ من ضربها وأن نصر بن أكبت مقدم فساطو أقدم على الشيخ وهناك معتق صالح اسمه نصر قدم أيضا فقال الشيخ للمعتق ارجع يا أبا حبيب هنا فظنّ ابن أكبت يريده قال موضعي مستويا يا شيخ قال لم أعنك وإنما أعني المعتق وما أنت فارجع في الجحيم قال استحق المعتق ما فعلت به يا شيخ ووقعت فتنة فإذا جاز على جماعة فساطو قال لم اجتمعتم يا جماعة سوء وكان مقدمهم ابن أكبت يحذرهم من أن يجيبه أحدد فأجابه يوما أخوه ليستقيم لك المشي ولحمارتك قال الشيخ لا يستقيم مشيي ومشي حمارتي إلا بك عسى الله أن يقتلك ويصطلحوا قال ابن أكبت لأخيه احذر أهل زمور من الشيخ فوقعت لي فيك يا ابن أخي فكان الأمر كذلك فقتلوه واصطلحوا وازداد عند ابنه أبي يحيى يوسف ولد قال أخذنا في التوسع وسموه سليمان لعله يسلم من دهره وقيل عنه يجتنبه الخصماء خوفا من عقوقه وارتاه مسكين وهو يأكل شواء اشتراه فأعطاه ما يشتري به شواء وقال إنما اشتريت هذا لآكله لنفسي وكان ابنه أبو يحيى لا يصلي فزار أبا محمد (1/276)
صفحة 277
شيخ من تميجار فقال له أبو محمد بت عندي يا شيخ فقال لا أفعل وابنك لا يصلي فانصرف فجعل أبو محمد حبلا في عنق ولده وحمله إلى السجن وقال ما وجد لي عيب إلا أنك لا تصلي فاختر إما الصلاة أو دوام السجن أو تركب جملا ولا أراك أبدا فاختار الصلاة فأخذ يرائي بها زمانا ثم تاب ورجع إلى الله بقبله فأحسن وضوءه وأقبل إلى المسجد وجاز على أترابه كان إذا جاز عليهم قبل قالوا على وجه الهزوية هذا فلان أراد أن يصلي فما قالوا شيئا يومهم استحياء منه حين أقبل فأراه الله عبرة التوبة من ساعته فهابوه وألبسه الله ثوب الوقار وغشي عليه في مرضه الذي مات فيه وهو بدار بني أبي عبد الله بسوق جادو فحملوه يبتغون منزله حتى بلغوا ماطس فأفاق فقال أين تريدون بي قالوا منزلك قال ردوني [ حيث ] وجدتموني في الجهاد وموضع الرباط فحملتموني [ فحملوه] فردوه ومات بدار بني أبي عبد الله ودفن قبلة الدار فلما جن الليل قال الشيخ أبو زكريا اللالوتي فخرجت لأرى قبر الشيخ فلما قربت رأيت صفوفا من الرجال مصطفة حول القبر بيض الثياب. (1/277)
صفحة 278
وأما ابنه أبو يحيى فأخذ العلم من أبي محمد الكباوي وكان من أعلم أهل زمانه واستفتى أبو محمد الدرفي أبا محمد الكباوي في المرأة إذ فادت زوجها وقام من موضعه فقبل فرخص الإفداء، وفي من حلف لامرأته أن لا تعطي مفتاح الجب فأرتها لمن حملها وقالت لا أعطيها لك إلا حنث، وفيمن حلف لزوجه أن يأكل بالزيت وتأكل بغر الزيت وهو مختلط فرخص إذا أكل من موضع تأخر فيه المغرف حين الأثراد وكان زمانهم قليل الزيت ويجعلون الزيت على المغرف، وكان أبو يحيى متفننا في العلوم وعارفا بالنجوم تولى بعد أبيه حكومة جادو وتخاصم إليه اثنان أحدهما سرق زيتون الآخر فأبى أن يقر قال أبو يحيى قم خذه من موضع كذا وكان مطيعا لوالده قال ما يشق علي شيء أكثر من أن يقول أطعمني لحما لذيذا فأبادر بنفسي فأذبح شاة واسلخها وأهيئها بنفسي، وفي السير أن أبا محمد الآخرة دون الدنيا وأبو محمد يحيى بن أبي محمد الدنيا والآخرة وسليمان أبو داود بن أبي يحيى الدنيا دون الآخرة قال أبو يحيى أخذت العلم بالقصعة وفرقته بالاقداح يشير إلى كثرة فهمه وقلة فهم غيره وقطع على امرأة عفيفة من أرجمانل فحملت منه فشاورت عجوزا في أمرها فقالت اقعدي عند الحبس حتى إذا رأيت من خرج إلى حاجة الإنسان فتوارى عن المنزل فتعلقي به ففعلت فخرج أبو يحيى حتى إذا دار من الشعبة خلف أبي طين فتعلقت به فقال إذا ولدت فقولي هو لفلان فولدت صبية فقالت هي لفلان فأرسل إليها بجميع ما يحتاج إليه مثلها فوقعت البركة في أرزاقهم من هناك. (1/278)
صفحة 279
وأما أبو داود سليمان وأبو عبد الله محمد بن أبي يحيى فكانا حاكمين في أهل زمور قال أبو محمد يحب نفوسة ويبغض جماعة منهم وابنه أبو يحيى يحب الجميع وأبو داود بعكس جده وكان أبو محمد إذا قام من مجلس القضاء أكل ما حضر وأبو يحيى يأكل ما خبزوا وربما استطرف وأبو داود يأكل اللحم والقمح وتمر فزان في أكثر أوقاته وكانت أيام أبي داود مباركة على نفوسة بدعوة الشبخ رجمه الله وقالوا ما جازت أيام أبو داود على نفوسة قط، وفي أيام أبي يحيى هدم قصر أدرف استحشد له مجدول بن يوسف الطربيس ألف فارس من زناتة وأخذ العلم عن يحيى بشر كثير منهم أبو يوسف وجدليش بن وفِّي وأبو سهل وغيرهم.
ومنهم أبو يوسف يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي رحمه الله تعالى:
قال أبو العباس العالم الفقيه الفاطن النبيه اليقظان الذكي ذو الجهادين الأكبر والأصغر والاجتهادين المصلى والدفتر والورع الزكي وكانت قراءته على الأئمة بتاهرت وقال له ابنه أوصني فقال ما أدراك تقبل يا ابن الردية فتردد في ذلك ثلاثة أيام فلما رأى جده قال لا يكن ندبه الناس إلى الخير أوكد من ندبك نفسك ولا يكن غيرك اسبق إلى الحرث منك وكن لناس كالميزان وكالسيل للأدران وكالسمار للماء، وقصد رجل من دمر في مجاعة يطلب ما يتبلغ به قال له عرفني بأرخص ما في السوق فأعلمه برخص الجمال فأقرضه الشيخ أربعة وعشرين دينارا من وديعة فاشترى ثلاثة جمال فأحسن رعيها ومرعاها فحسنت حالها فأمره ببيع أحدهما فباعه بأربعة وعشرين دينارا فجاء صاحب الوديعة فردها له الشيخ فباع الثاني فاشترى به ما حمل على الثالث فرجع على أهله على أحسن حال والشيخ لم يتسلف إلا بإذن صاحبها فتلك عادة وكان قاضيا ولا يمنعه القضاء من فعل أشغاله لقوة ذكائه وقلة كبره وهو النهاية في الفتيا بوارجلان وله مصلى معروف بإجابة الدعاء.
ومنهم أبو سهل الفارسي رحمه الله: (1/279)
صفحة 280
قال أبو العباس غلبت عليه هذه الغزوة الفارسية وليس بفارسي وإنما نفوسي ولاشك أن أمه رستمية من بيت الإمامة فغلب نسبها عليه واشتهر وقيل بل هو رستمي أبا وأما وأن أباه بعض ولد ميمون بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليهم قال أبو العباس الغالب من أحواله إهمال الدمع والتلهف علي فائت ليس له رجوع فجعل هجيراه مراثي الدين وأهله والبكاء عليه بوابل الدمع وطلبه فدونت الدواوين من كلامه قال وعن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر أن رجلا من العرب من موالي لواتة قنطرار يسمى سعيدا طلع إلى البادية فانتهى إلى موضع أبي سهل بمرسا الخرز وقيل بمرسا الدجاج بجزائر بني مزغنان قال فأكرمه وسأله عن أهل الدعوة فدون لهم اثني عشر كتابا وعظا وتذكيرا وتخويفا نظما بلغة البربر وكان يحسنها إذ هو ترجمان الإمام أفلح والإمام يوسف وفيه جمل من تواريخ أهل الدعوة فاختلس النكار شطرها فاحترق الباقي حين أخذت قلعة بني درجين ولم يبق إلا ما حفظ من ذلك فجمع ما تحصل في الصدور فكان أربعة وعشرين بابا وقبره بالموضع المذكور يزار وربما قال القائل انطلقوا بنا إلى قبر النادب دينه.
ومنهم أبو محمد جمال المزاتي المدوني رحمه الله: (1/280)
صفحة 281
قال أبو العباس هو بقية الأسلاف المثلى في سيرهم حين التلاف أقام المرفض إذا أراد أن ينقضي قال وهو من السباق في العلم والعمل والندى وقارض في أيامه رجل رجلا فبينما هو في تجارته إذ ورد تفسير (1) هود بن محكم فاشتراه لنفسه لكن من مال القراض قال لصاحب المال لك رأس مالك عندي وقال صاحب المال الكتاب لي ولك نصيبك من الربح فتعصب قوم كل واحد له فأتى أبو محمد ففتح الكتاب فإذا في وسطه ورقتان غير مكتوبتين فقسمه بينهما نصفين وقال من أراد نسخ النصف الآخر فليفعل وقيل الناسخ تفرس أنه يقسم فبيض موضع القطع فاصطلحوا ووقعت مجاعة وفي جوار أبي محمد رجل اضر الجوع عياله وله إبل ولم يتركه الشح المطاع أن ينحر منها ناقة فقام الشيخ إلى خيارها فنحرها للعيال بغير إذن فلما أصبحوا غارت عليهم غارة أكسحت إبل الرجل فلولا الله بلطفه ألهم الشيخ لماتوا جوعا قيل فتبلغوا بشحم تلك الناقة ولحمها وسدوا فاقتهم تلك السنة الشديدة وخرج عامل الظلمة إلى قبيلة وهم أهل مواشي وقال كلما بت ضاعفت عليكم الطلب فلم يكترثوا بقوله حماقة وخرقا لا قدرة وعزا فقال أبو محمد للعامل امنعهم من أن يسرحوا مواشيهم حتى يعطوك ففعل وفعلوا فطعن الجهال في فعله بأنه عون للظلمة على الظلم فقال إذ بلغته مقالتهم على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه وكان يصلي بجماعة أكثرها أهل خلاف ممن يرى القنوت وكان يقنت بآي القرآن وقيل الفاعل لذلك فتوح وتوجه مشايخ إفريقية على طرابلس واتفقوا أنهم لا يتكلمون إلا بقول واحد في المسألة فدخلوا جربة فحضر شيوخها مجلسا جمعهم فوقع الكلام على الثياب التي صنعت مما أنبتت الأرض فقال الجميع لا تظهر إلا بالغسل إذا نجست وقال أبو محمد تطهر بما به تطهر الأرض فنبه بعض
__________
(1) – للعلامة الجليل هود بن محكم الهواري تفسير يقع في أربعة أجزاء وهو تفسير بالمأثور ولا يزال مخطوطا وهود بن محكم من علماء القرن الثالث الهجري. (1/281)
صفحة 282
أصحابه على ما وقع من الاتفاق فأبى من الرجوع وكان أبو مسور حاضرا فقال العالم مثل الأجدل إذا حلق ضرب قال أبو العباس إنما نبه بعض أصحابه وأعلمه بأن اتفاقهم هو الصواب وصحبه إلى الحج الشيخان مطكداسن وعبد الله بن الأمير ومعه اثنا عشر جملا فدعا يوما الشيخ مطكداسن يعينه على ارتحالها قال ليس ذلك من شأني قال وما شأنك إذا قال الدواة والقلم وحسبك أني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فلما بلغوا مدين رأى أبو محمد رجلا يطفف الكيل فلطمه قال أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين فرفع المضروب رأسه فقال فينا والله نزلت يا مغربي وإنما نبهه أبو محمد بالآية لذلك لما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى بلادهم جاء لتهنئتهم الشيوخ فقال الشيخ عبد الله بن مانوج للشيخ عبد الله بن الأمير لعلك أصبت في سفرك بشيء قال سلمني الله وعافاني قال ابن مانوج أود لو احتسبت بشيء تصاب به فأصبح له أحد عشر جملا موتي أراد ابن مانوج قولا له عليه السلام من يرد الله به خيرا يصب منه وقصد أن يوفر الله أجره.
ومنهم الشيخ فتوح بن أبي حاجب الوسلاتي المزاتي:
وذكر عنه أن مخالفا طعن في دين الوهبية بمسمع منه فغضب وقال ليس هاهنا أحد من أولاد المشومات فسمعه جماعة من شباب مزاتة وفتاكهم ممن يغضب لغضبه فتسوروا ليلا على الرجل داره وخنقوه حتى مات فرموا به في الزقاق وذلك ببعض قرى الزاب فلما أصبح ونظره الناس ولم يجدوا به جرحا قالوا والله ما قتله إلا الملائكة ثم مر الفاعلون بالشيخ بعد عام فقالوا يا شيخ هل هنا أحد من أولاد المشومات أولا؟ يذكرونه فعلتهم فاثني عليهم وشكر فعلهم وأذاه ذئب في بحيرة فقوص فدعا عليه فأصبح فيها ميتا وسرق له فقوص فجعله السارق في زق ماء حمله على ظهره فلما توسط مجمع الناس وقع وانقطع السقاء ففضحه الله وهي بعد امرأة سرقته مرارا فلما تمارت دعا عليها.
ومنهم سحنون بن أيوب: (1/282)
صفحة 283
هو في العلوم آية وأما في الكلام فغاية اغترف من بحر علمه جماعة واقتبس من نور هداه قوم قادة منهم أبو القاسم وأبو خرز وغيرهما ممن يكثر عددهم قال أبو العباس فقيه أوانه وعميد مكانه وكان من الأئمة الثقات علقت الفتاوى والمسائل في كثير من النوازل وله آثار محفوظة في جهة طرابلس.
ومنهم أبو عمار السدراتي:
وكان عالما ورعا زاهدا عاملا وفي السير أراد شروس فأوصته أم سحنون ليقضي لها حوائجها فقال لا تكلي إلى حوائجك فإن الدنيا عندي لا تساوي جناح ذباب فقالت أظنّ أن ليس لنا عمل يوزن عند الله فقال مسكينة ظنت أن الأعمال توزن وإنما توزن القلوب، وقدم مرة من الصحراء حتى بلغ رأس الجبل فقال له ابنه أحملك أم أحمل قال أمك فحمل أمه على ظهره إلى منزله فوجد أبا عامر سبقهما وهو قبل ذلك لا يقدر على المشي وبعث حماره مرة إلى إفريقية يمتاز الزيت فأصيبت العير التي رافقته فأخبر فقال حماري سالم إلى ليلة من الليالي فقال قوموا حطوا عن الحمار حمله فإذا به على الباب واقف، ونام مرة في غاره فسمع نداء عليه فخرج فلم يجد أحدا فرجع فوجد صخرة وقعت من سقف الغار في مكانه ولولا منّ وفضل الله لكانت القاضية وكان أبو عامر يبعث حماره إلى الجبل يرعى فيقول عند الرواح اذهبوا إلى موضع كذا فأتوا به مرة قال اذهبوا إلى موضع كذا فأتوا ببردعته قد مات بل قد أكله الضبع وبعض بنيه يخالط أهل زناتة في البيع والشراء فجعل وليمة وأبوه أمر بتجنب طعامه فكره أن يأكل الناس ولا يأكل أبوه فاصطاد ظبيا فقدموه له عند الإفطار فقيل له من عند ابنك قال نحو ما جاء من يونس فهو مؤنس فأرسلها مثلا.
ومنهم الشيخ التقي الأفضل الحاكم الأعدل أبو ويسجمين: (1/283)
صفحة 284
من أهل تاغرويت وفي السير أن أبا عامر السدراتي أرسل ابنه أبا حسان إلى الشيخ أبي وسجمين أن يدعو الله له أن يرزقه الجنة فإني سمعت عنه أنه يخرج الحق كما أنزله الله وذلك أنه بلغه أنه استمسك رجل بآخر عنده أنه خوفه فأقر الآخر بذلك فأخرج الشيخ حزمة السياط قدامه ثم اشتغل بوظائف الصلاة فلما صلى أمره أن يتزر فتقدم وأخذ سوطا من تلك السياط فهزه كهيئة من يعرض للضرب فتركه وأخذ غيره حتى أتى على الحزمة فقال له تبت قال له تبت يا شيخ لا أعود فقال المدعي أعطني منه حقي قال خوفا فخوفته فسار أبو حسان بوصية أبيه أبي عامر فأخبره فقال فما نحن حتى نطلب الجنة لأبي عامر تحقيرا لنفسه وهضما لها عن مراتب الكمال ثم دعا له فأعطاه تمرات قال بلغها لأبيك يفطر عليها وقل له يدعو لي بالجنة وبات أبو حسان في رجوعه بالصحراء لبعد المكان فلما بلغ أباه وأخبره بالخبر قال أين بت قال في الفحص قال على ما أفطرت قال على بقلة الزباح قال الشيخ لو أنك أكلت التمرات لم تفلح أبدا وسمعه رجل يقول رب لم كان مالي مثل مال النصراني لا تصيبه الآفات ثم جاءه بعد ذلك وهو مسور فقال له إنك تفرح لي مات لي سبع من الإبل جيفا.
ومنهم أبو حسان بن أبي عامر: (1/284)
صفحة 285
المتقدم قيل ينسبان لعاصم السدراتي ودخل على الأشياخ بتلات فوقعت بينهم مباحثة في مسألة خطأوه فيها قالوا تب إلى الله من قولك وفيهم أبو عيسى الدرفي وكان أبو يحيى الفرسطائي ساكتا ونصرته عجوز ثم تكلم أبو يحيى فقال لأبي حسان تب إلى الله فتاب فقال أبو عيسى للعجوز التي قوت قوله هل توليت أبا حسان قالت نعم قال هل تدعين له بالجنة قالت نعم قال هل تدعين أن يشاركك معه في المنزل في الجنة قالت نعم قال توبي إلى الله ليس للعبد أن يدعو بالمشاركة إلا مع المعصوم قالت من تكن يا فتى كي أنسب إليك ديني قال قد امتلأت من دين ابن أبي عامر وحضر أبو حسان مجلس أبي سارون الجلالمي في شروس فسأله فيمن عظم في الصلاة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو خمسا فأجابه بأن الثلاثة هي السنة وفي الأربع والاثنين قولان والنقص في الواحدة والخمسة وسأله في الذي أخر يديه عن ركبتيه في السجود وقدمهما على رأسه أو وسطهما أو ساواهما بالرأس فأجابه النقص في التقديم والتأخير والخلاف في المساواة والمعمول التوسط فقال ما تقول في جالب الخدم فتسرى واحدة فأتت بأولاد سود مثل الزيتون قال يلزمونه فضحك بعض من حضر فغضب أبو حسان وقام وقال الضحك في المجالس فانتهر أبو هارون الضحاك ولما حضرته الوفاة أوصى بثمانين دينارا قالوا لماذا قال للنار السوداء وكانت العجوز تبر كانت جدة الشيوخ من عباد الله الصالحين وإليها هربت البنت الصالحة البصيرة حين ظهر حملها وقصتها أنها من أهل تاغرويت وكانت عمياء فغلبت على نفسها فحملت وخافت من أخيها فهربت حتى أتت العجوز فولدت عندها غلاما فاحتال أخوها حتى رأى العجوز ليلة اشتغلت ببعض ما يهمها فدخل فوجدها تطحن فذبحها فخرج فدخلت العجوز فوجدتها مذبوحة وولدها يرضعها فدفنوها فرآها بعض الصالحين في الليلة المقبلة في المنام قالت له قل لأخي ما ترجمته بالعربية فليضرب ذو الفعل السوء وجدت منازل بنيت باللؤلؤ وهو شعر له وزن بلغة (1/285)
صفحة 286
البرابر واسم ولدها وزال عاش فتعلم القرآن والعلم وصار شيخا إماما وقدوة وعلما يهتدى به وولد له ولد سماه عيسى قال الشيخ أبو محمد الشيخ عيسى والشيخ أبو الربيع اليوجلاني ليس عندهما من كلام الدنيا شيء إلا الاشتغال بطاعة الله تعالى حتى لحقا بالله تعالى وتاغرويت مدينة قريبة من لالت تحتها وجلا، أهلها زناتة واجتمع فيها في أيام أبي وسجميمان سبعون شيخا أصحاب القلنسوات وأكثر أهلها ذهبوا إلى وارجلان وكان رجل من أهل لالت قويا في دين الله وجعل الناس يوكلونه على إنفاذ وصاياهم وكان لا يتربص ولا ينتظر في إنفاذها ويأتيه أهل تاغرويت فيعطيهم فإذا قال أحد منهم عيالي كذا صدقه وإذا قال وصاني فلان أن آخذ له وعياله كذا صدقه وأعطاه على ذلك الحساب .
ومنهم التقيان الورعان العاملان الذائبان في طاعة الرحمن ومعصية الشيطان أبو أحمد ومحمد بن بصير اللالوتان النفوسيان:
وفي السير أعاد أبو أحمد صلاة سنة في ليلة واحدة وذكر لأم زورغ ذلك أيضا وهذا الشيخ بورك في ولده وله فضائل قالوا ما دخلنا على محمد بن بصير قط إلا أوصانا أن نتحفظ من الشيطان بأربع فإذا فعلتم تركتموه كالخابية التي لا عرى لها عند الرغبة والشهوة وعند الغضب والرهبة.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن سفيان اللالوتي النفوسي: (1/286)
صفحة 287
وكان من المعمرين وكان حاكما عادلا وعالما فاضلا، وفي السير سافر إلى الحج ومر في طريقه برجل يسقي الماء ويسألهم عن أسمائهم فاستسقاه فسقاه وسأله عن اسمه قال يحيى بن سفيان فانصرف الساقي فقيل له لم تركت السقي قال رأيت في المنام أني أسقي رجلا من أهل الجنة اسمه يحيى بن سفيان وظفرت به واصطحب مع قوم من المخالفين وكان هو الذي يصلي بهم جميعا وكان يحصد الزرع فاحتاج إلى ما يحمل عليه فأتاه جاره بجمله يحمل عليه فأبى له وانتهره ثم بعد موت الشيخ حصد ابنه في ذلك المكان فاحتاج أيضا إلى ما يحمل عليه فأتى جاره يطلب جمله قال له أردت أن احمل شبكتي ثم احمل أنت بعدي فغضب ابن الشيخ حيث لم يؤثر بالتقديم فقال صاحب الجمل إن ذا لمن العجب الشيخ يغضب علينا إذ آثرناه على أنفسنا وابنه يهددنا إذ لم نؤثره وأتاه أبو الربيع يتعلم عنده فأخذه يفتي بالرخص في مجلسه قال أبو الربيع هذا كثير، قال أبو زكريا إن لم ترد فقم فقام أبو الربيع فقال أبو زكريا للتلامذة ردوه إن لم يفهم هو فلا يفهم غيره فوجدوه راجعا قد بدا له وحضر مع المشايخ يضربون رجلين خففوا على أحدهما وثقلوا على الآخر فقال خففتم على هذا غلظ الله عليه وشددتم على الأخر خفف الله عليه فكر الضرب على الذي خففوا عليه فمات وكان نفوسيا وسلم الله الآخر وأنزل الأشياخ رجلا من أهل تارديت في السجن فأراد أهله إخراجه من غير رضا المشايخ قال أبو زكريا أتركوه يخرج لأنفعهم الله به فلم ينتفع به أهله بل أخذت الدعوة في الجميع فرأى بعد ذلك غلاما عليه ثياب حسنة وبرنوس أحمر وهو على فرس فقال من والد هذا قالوا من أهل إندامر يعنون قبيلة الذي أخرج من السجن قال أو بقي من أولاد فلان أحد إلى الآن جدد فنسي التوبة ثم مات الفتى بعد ذلك بقليل فنعوذ بالله من عقوق أوليائه وباته المشايخ فأكثر عليهم اللحم دون الطعام واستعذر وباتوه تارة أخرى فأطعمهم الطعام والزيت فلم يستعذر فذكر له ذلك فقال لا عذر مع (1/287)
صفحة 288
الطعام والزيت وأخذ منه العلم بشر كثير وأخذ عن أبي محمد خصيب التمصمصي وعن أبي عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي .
ومنهم أبو عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي النفوسي:
وكان بحر العلم الزاخر وإمام الحكام الفاخر قيل له في بعض أحكامك ضعف قال اقعدوا على طريق الحطابة فإن رأيتم معهم عودا يابسا فصدقتم إن ضيعت شيئا من الحق وكان بشروس في يوم مطر فمشى بخفَّيْهِ حتى دخل المسجد فتقدم وصلى بالناس بهما وللإمام أفلح ما يقرب منها وذلك أن بعض علماء تيهرت دخله الشك فأدركه يوما يحاذر ما يطير إليه من طين الأزقة وذلك في إثر مطر فحرك الغمام فرسه متعمدا فأطار عليه من الطين الذي يحاذر منه فلما بلغ المسجد قدمه بثيابه فصلى بالناس وزال عنه لاشك وقال رجل لابن جلداسن حين تقدم بخفيه إن متولي الناس مثل اللبن يغيره أدنى ما يقع به فترك مثل ذلك من هناك وكانت أم سحنون اللالوتية من أفضل عجوز بالجبل وسار المشايخ لزيارتها فلما قربوا أتاهم خبر حدث وقع بجادو فرجعوا إلا أبا هارون فلما وصلها أخبرها قالت يا أخي خشيت أن أكون ممن قيل فيهم إذا زارت الأخيار فاسقا سد الملائكة عليهم الفجوج وإذا زار الأشرار صالحا قيدتم الملائكة وقالت للشيخ ماطوس بن ماطوس رضي الله عنهم ما زوجتك قال ليست بشيء فرأتها بعد ذلك فقالت قلت ليست بشيء وهي كالشحم المغروس في الدم بارعة الجمال قال ما أنتن من لم يتق الله وقد تقدم شيء من أخباره.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي: (1/288)
صفحة 289
شيخ العلم والتحقيق وقدوة أهل التقى والتوفيق وفي السير مات وهو ابن سبع وعشرين سنة وقد جازت عليه نسبة الدين خرج أيام الربيع هو وتلاميذه فصادفهم بنو تيجن يمشون بين الخصوص فقتلوهم جميعا وكتب أبو يحيى الفرسطائي إلى أهل جادو المؤمنون تتكافأ دماؤهم بلغنا أن تسعة رهط من بني تيجن يفسدون في الأرض ولا يصلحون قتلوا أبا الربيع يعني لهم إن قدروا على أحد منهم قتلوه وأخذ العلم عنه كثير منهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي وأخذ هو عن أبي هارون الجلالمي موسى بن يونس وقد تقدم ذكره ولالت موضع الأشياخ والعلم.
ومنهم أبو نصر زار بن يونس التفستي النفوسي:
من أئمة الأخيار والقادة الأبرار، وفي السير قال أبو نصر الكلام كله لغو إلا مسألة في الخير واستعاذة من الشر وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وفيها أتاه أبو سهل البشر بن محمد يتعلم عنده فحضر المجلس فسمعه يقول لن ينجو من علماء آخر الزمان إلا قدر ما يسلم من المصابيح اللاتي رفعت من بيت إلى بيت في يوم ريح فلما أصبح أتى الشيخ للوداع قال له ما السبب قال سمعتك وما ذكرت من قلة من ينحو من العلماء قال أبو نصر إذا كان هذا شأن العلماء فكيف بنجاة غيرهم بل الجهال دود لا يفلت منهم أحد ولما حضرت الوفاة أبا نصر أخذ يبكي قيل ما يبكيك قال خوفا من الفتيا قلت دار من دور نفوسة لم يدخلها فتياي .
ومنهم أبو غلبون النفوسي وأبو محمد بن المطا النفوسي الأمللي: (1/289)
صفحة 290
كانا عالمين عاملين صالحين، كان أبو غلبون يقرأ في منزله وتقرأ معه ابنته من بيتها من الجانب الآخر من الوادي ورأى ليلة القدر فأضاءت الأرض فأبصر ذئبا بموضع بعيد يكاد أن لا يبصر فيه بالنهار، وفي السير أن أبا المطا شديد الورع فطلق امرأته فقال من قال الآن يتبين ورعه يعني أن صدقات النساء ثلاثة أرباع ما عند الزوج من الربع هل ينصف نفسه فيعطيها ثلاثة أرباع الأصل فأنصف من نفسه وأعطاها حقها وأم الربيع موضعها بقرب موضعه كانت مأوى للأخيار وكهفا للأبرار وسيأتي ذكرها مع ذكر أبي حسان خيار بني ملال الفرسطائي.
ومنهم أبو محمد عبيدة التلاتي النفوسي:
وفي السير كان شيخا وذكر من سخائه أن وقع بنفوسة قحط وشدة فأخذ ينفق أهل بلده ما شاء الله من الدهر وقال لهم من أراد أن يأخذ نصف صاع لغذائه ونصف صاع لعشائه من أي نوع شاء من شعير أو تمر أو تين ومن ورعه أن أرسل ناقته ترعى وديعة عند العرب فحملت فلما ولدت رد لهم الولد ومن حزمه قالوا غرس ثلاثمائة كرمة بيده وأوصت عجوز عجوزا بعد أن عجزتا عن الزيارة والالتقاء وقد كانتا تلتقيان بموضع بلديهما تتذاكران وتذكران الله ثم تفترقان فلما عجزتا أوصت إحداهما إلى الأخرى لا تتركي نصيبك وحظك من الأمر والنهي لأن من أحيى نصيبه منهما كمن أحيى المسلمين من مخه ومن ترك ذلك كمن قتلهم وباع سهمه من الجنة إحداهما من إكراين والأخرى من توغرمت ومن عادة أهل الجبل الاجتماع والتزاور في الله خصوصا أهل ولون وكان اجتماعهم على ما يصلح الإسلام وأموره يخرجون الحق ممن كان عليه حتى إذا نزع أحد بقلة الشاس من أصلها أدبوه وفي يوم جمعة يتزاورون يختلفون في الطرق بين سائر وراجع مثل النمل وتبيضّ الجبال من كثرتهم.
تمّ الجزء الأول بحمد الله (1/290)
صفحة 291
كتاب السير
تأليف الإمام: أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي
تحقيق: أحمد بن سعود السيابي
الجزء الثاني
1407هـ/1987م
ومنهم الشيخ المسمى العالم أبو هارون التملوشائي وابنه أبو الربيع وصنوه في العلم والتقى لا في النسب أبو يوسف خلاص وكان أبو هارون صائم الدهر مع علم كثير وورع قوي أخذ العلم عن أبي محمد خصيب بن إبراهيم التصمصي وكان سبب ابتداء فتياه أن أبا محمد لما عجز بالكبر على المسير نزل الأشياخ إلى اجناو وفيهم أبو زكريا بن أبي عبد الله وأبو هارون فلما قعد المجلس قال أبو زكريا لأبي هارون افت فتقدم من هناك من يفتي وسبب انتقاله إلى ابنابن كان يزور عجوزا فيه فلما رجعت له الأمور وكان قد استحسن المنزل وقت الزيارة فانتقل إليه فبنى فيه مسجدا وفي السير فصار كهفا ومأوى لأهل الإسلام وله امرأة صالحة من خيار المسلمين ورعا ودينا ولا ولد له معها وكلمه المشايخ أن يتزوج أخرى فقال لا أتزوج إلا امرأة صالحة ورعة, وأمر زوجته يوما أن تجعل له الماء آنيته للوضوء فلما أخذت تصب حاذرت ما يطير عليها من جرة الشيخ فاهتم بالتزوج عليها من هناك فلم يجدوا إلا ابنة العجوز جدة الشيوخ تبركانت السدراتية وقد قدم الكلام على بعض أمورها وخطبوها وجلبوها فلما قربت من البيت أتى أبو يوسف من أهل تِنْفَخْسَت زوجته الأولى فوافق سماعها الخبر ذلك الوقت وقد أخذت الماء للضوء وأخذتها الرعدة جزعا من الضارة حتى تحرك الماء في لجرة من الشدة الاضطراب فقال لها صبرك الله وأعطاك ما يقوم به الإسلام وهو شعر بالبربرية فأجاب الله دعاء الشيخ وأزال عنها ما بها من ولم يبق بها شيء فأنزلت ضارتها مع من أنزلها فولدت للشيخ أبا زكريا يحي مات على أبع وعشرين سنة، همه أخرته، وقد جمع جميع خصال الخير، وفي السير قال لا أبالي بالموت متى نزل بي لقوة استعداده له، وقال ما علمت أني قارفت إثما قط إلا مرة وجدة دابة في الظل فأخرجتها إلى الشمس فقعدت في موضعها، وكان (2/1)
صفحة 292
كثير الوضوء للصلاة حتى أتلف عضوا من أعضائه فشددوا عليه بأن النار أولى بذلك العضو لأنه أهلكه بالجور عليه بالماء البارد فبلغ ذلك فيه مبلغ ذلك فتحير وكان يقول ماذا وجدت في عمى وافي، والثاني أبوالربيع، والثالث إبراهيم دنياوي ،والرابع محمد لا يصلح للدنيا عكس أبي الربيع ، وكان الشيخ يصوم أبو هارون يصوم الدهر ولا يفطر إلا في العيدين ويصوم أيام التشريق يكون ممن يسكن بير الفلق وانتهى عن صومها وحجر عليها الفتيا بذلك، وكانت أم داود عالمة ورعة خاشية لله خاشعة ، كانت مرة تصلي ابتلاها الله بأن دخل حنش تحت كمها وخرج من الكم الآخر ولم تنقض صلاتها ،وفي السير أنه أنفد وصية أنه ثلاث مرات ثم رآها في المنام فقالت له اغسل هذا الموضع من ثوبي فقد طلبت أخاك بهلول أن يغسله فأبى، فسأل فيقل ليهودي على أمك شيء منن الشعير طلب أخاك فأبى أن يعطيه وقضاه الشيخ ،وجاز على قبر أمه فوجد عليه جلبانا نايتا فسأل فقيل لامرأة عليها شيء من جلبانة، وإذا نعس في مجلس العلم وأرادوا إزالة النوم عنه ذكروا الموت فيزول عنه ما به من السنة ، ويأخذ في وصف شدائده فكلموه في شراء الأصل لأولاده قال من يتبع منهم طريق الهدى لا يعدمن من الله خيرا، ومن نبذه وراء ظهره فلا أعدمه الله جوعا ، ودعا اله أن يجعل رزق ولده وذريته بين لالت وتغرمين أعني جبل نفوسة ، وبات ميتون فأرسل بغلته إلى أم ماطوس لينزل عندها فردتها ثم أرسلت إليها بعد فأخذتها فلما التقيا عند العشاء اعتذرت بأن زوجها غائب حين يعث بها فلما جاء استأذنته فأذن لها واسمها عافية فلما أكلا ما قضى لهما اشتغلا بالعبادة، وقيل قلت له أبو حسان خير منك قليل المئونة كثير الفائدة وأنت كثير المئونة بتلاميذك وأصحابك حتى لا نصل إلى حضور المجلس ، ورخص لرجل أن يصلي قائما ويده مقطوعة . (2/2)
صفحة 293
وأما ابنه أبو الربيع فوحيد العصر وفريد الدهر غلب عليه الشيخ فصار علما عليه، وفي السير كان سخي اليد عالما شديدا في الأمر والنهي أخذ العلم عن أبي يحي زكريا بن سفيان اللالوتي وأبي سهل البشر بن محمد التندميرتي وأبي يوسف وجدليش بن في اليجلاني، وأخذ عنه بشر كثير وسافر إلى الحج مع الأشياخ وغيرهم فترفقوا رجلين فطال الطريق وافترقوا إلا إياه وأبا يعقوب أولى، وإذا سئل أهل الركب عن من عالمكم قيقولون أبو الربيع وأبو عبدالله الدرفي، وعابدهم أبو موسى من أهل دجى، وسخيهم زكريا بن عمار الشروسي، وقيل تسلفوا منه ثلاثمائة دينار فلما رجعوا طلبوه أن يأخذها فأبى، قال لا أخذ سلف الحج وإذا سألوه من أفضلكم فيقولون أبو يعقوب البرني رفيق أبي الربيع المتقدم الذكر وطبخت لهم امرأة في طريقهم طعام وأدامته بخل فقالت طلوا طيبا له خمسة عشر يوما فاتفقوا أن لا يصدقوها فأكلوا واشتهر طلوع هلال شوال فأكل بعض منازل نفوسة وأمسك بعض يريدون العدالة فخرج ليكسر على من تمادى على الصوم حتى بلغ جادو ليغير هذا الحدث، وصام مرة رمضان في جادو واجتهد في العبادة والقراءة فقال لأبي عمرو حجر عليهم ألا يناموا بالليل ومن كير الحجر فالسجن أولى به، وتصدق تلك المرة بمائة دينار هناك واستحق عنده بعض أهل أكراين الأدب فحمل السلسة في عنقه فطلبوه أن ينزعها فقال لو أمكن لي أن أترك رباط يوسف بن عبد الله بمائة دينار لأعطيتها ولكن الحق أولى، وصادف بعض تلاميذه جماعة تندميرت يلعبون العرس بالدف فأراد كسرها فامتنعوا فلما بلغ الشيخ أخبره وسار إليهم وأنزلهم في السجن، وأكرمه وأصحابه رجل وامتنع بعض تلاميذه من الأكل تورعا فغضب عليه أبو الربيع وقال لأبي مجمد عبد الله التيمجاري فليلحق بيته وهو رديف الشيخ على البغلة وقال له أبو محمد إن لم تأثم فلا يأثم فهو طأطأ الشيخ رأسه حتى قرب قربوس السرج، وعادته إذا صلى العشاء الآخرة وأكمل ورده جعل الطلبة المجلس هونا من (2/3)
صفحة 294
الليل ثم ينصرف إلى لداره ومعه محمد بن زكريا البغطوري ومحمد بن يفون فيقرأ عليه أحدهما حتى يفتر ثم يقرأ الآخر إلى آخر الليل وذلك أن كتبا أتته من فزان وضعف عن النظر و القراءة بالكبر ثم يقوم من المجلس مشتغلا مشتغلا بأمر الصلاة، ولذلك قال بعض لاندري متى ينام، واجتمع المشايخ بدار بني عبد الله فتذكروا عيوبهم وقال أبو الربيع لم أترك شيئا لعقت القضيب والورق ثم قال الله على ألا أخذ الزكاة وأرسل إلى أولاده في أبناين أن يشتروا الشعبة بأربعمائة دينار ويبيعونها من غيرهم فحملوا له الأربعمائة فتصدق بهأن وتسوق جادو حين يتعلم عند أبي محمد ورسفلاس فأعطى هناك أربعة دنانير فاشتروا بها ثور فأتى به الشيخ و الطلبة فذبحوه لهم فأكلوه وقدم هو وأبو عمر بغطورة فنزلوا منهم خمسة وعشرين في السجن فعاتب أبا عمرو على التفريط قال لم يبلغوا إلى شيئا من ذلك فسأهم وسكتوا قال لهم يا جماعة سوء، وقدم أيضا جادو ومعه أبو عمرو وأبو موسى الدجى فطلبوا أبا داود الدرفي يسير معهم فهجموا على داود تيتيس قاتل جلدين بن فلاوسن فأخذوه فنزلوه في الحبس فمروا بالشيخ أبي يوسف فِّي فأخبروه فقال داود بن تيتس اعتقوني يا أولادي ثم أخرجوه بعد فضربوه حتى مات، وكان يختلف إليه رجل من أهل زمور ليجعل لهم حاكما منهم وقال متى يطلعن نساء بني زمور عقبة تالكيت وكان الحاكم يومئذ أبو يعقوب التغرميني وقد تقدم ذكره، قال أبو الربيع اصبر هذه السنة فسافر فمات فأراح الله منه الشيخ، وإذا استقبل شهر رمضان أرسل إلى الشيخ طاهر ابن يوسف والعجائز وفيهن أم ماطوس فيصومون عنده فبينما الشيخ طاهر جالس تحت درج الآذان وهم في القراءة فتكلم بعض من في المجلس قال طاهر رأيت كهيئة الرجال قاموا من المجلس بيض الثياب حين تكلم، وأدب رجلا من أهل اجطال فرصده عند باب بيته بليل فخرج الشيخ فأراد ضربه فيبست يده فلما ذهب الشيخ انطلقت يده فرجع فأراده ثانيا فيبست فلما دخل انطلقت واعترف (2/4)
صفحة 295
إلى الشيخ فسأله الحل.
وأما أبو يوسف فكان ممن يؤثر ما يبقى وإن بلغت به الحاجة إلى ما يفني وله الحظ الأوفر من العلم والتقى وفي السير قعد يوما مع أبي هارون موسى وكان لهما ابنان يلعبان بين أيديهما فدعيا ربهما أن يجعلهما ذخرا للآخرة لشدة محبتهما لهما فلم يلبثا إلا قليلا حتى جاء أبو يوسف أبا هارون ولم يصبر كصبر أبي يوسف حتى قال يقدر الله أن يرزقنا الجنة بغير موت هارون فرأى أبا يوسف رؤيا قيل له أبا يوسف عب عليين قال وصاحبي قيل له وصاحبك أيضا قال له علامة ذلك إن شئت أن تطر فطر وإن شئت أن تنظر إلى بدنك فانظر قال فنظرت إلى جسدي أبيض كالنجم وله ضوء.
ومنهم أبو يعقوب البدني نسبا والملشادي دارا من أكابر الأشياخ ومن يؤثر ذوي السكينة على الزماخ وتدم تمام صبره حين رافق أبا البيع إلى الحج وتقدم أنه أفضل من حضر الركب من أولي العلم والعمل وفي السير إذا اجتمعت الشيوخ فقدموه للصلاة وأين من يقدمون في ذلك الزمان ؟ وكان يلبس الثياب الحسنة فقيل له في ذلك فأشار إلى قلبه وضميره . (2/5)
صفحة 296
ومنهم أبو محمد الكباوي واسمه يصلتين وغلبت عليه الكنية ابن محمد خذ العلم عن أبي هارون موسى بن يونس الجلالمي وكان ربيبه وأخذ العلم عنه خلق كثير، منهم أبو نصر زار بن يوسف التفستي وأبو يحي يوسف بن زيد الدرفي وقد تقدم الكلام عليهما وأبو محمد الذي رمته أمه في صغره برغيف وقطعة لحم وقالت له الحق أهلك فقال لها أبو هارون بمثل هذا يضرب الحبيب حبيبه، وعليه قال أبو هارون لأبي علي الكبأبوي فراستي فيه يكون خيرا منك فكان الأمر ذلك، وفي السير تصدق بماله وعلمه وصحته لأنه نحيل الجسم ضعيفه وإن الناس يتسابقون أن يقبل منهم الزكاة وله علامة قدر عولته لعامته إذا بل العلامة سد المصب وأبى من القبول ويقول لا تجعلوا إلى ما يضرني، ومر به رجل ينزع الحجارة من الأصل وقال بنفسك يا شيخ قال م يكن ذلك رغبة وحرصا علىالدنيا لكن سمعت أن من رفع حجرا واحدا من الأصل فله ألف حسنة، وكان أبو زكريا بن ابي عبد الله يأتيه يستفتيه حتى جعل طريقا في الجبل فلما مات ح جنازته قال السلام عليك يا كباوي الآن صرت كسائر المنازل.
ومنهم أبو محمد ونيتين الوريوري شيخ الحلم والتحقيق حائز قصب السبق في البحث والتدقيق سأل أبو نصر زار بن يوسف أبا محمد الكباوي وتقدم أنه أستاذه وشيخه عن امرأة رأت ثلاث علقات كل يوم علقة وأجابه بأن ذلك وقتا للحيض، ثم جاز على أبي محمد ونتين الوريوري فسأله أيضا عنها وكن وقت مقيله واخبر بجواب الكباوي فلبس ثيابه ومضى من حينه مبادرا حتى أتاه فقال ما تقول فيمن وقعت من أنفه علقة دم ينتقض وضوءه؟ قال لا ، قال وإن وقعت أخرى ؟فقال لأن قال فإن وقعت ثالثة ؟ قال تب أيها الشيخ ، كانوا رحمهم الله يسارعون إلى الخيرات من إنكار غير الصواب وقبول الحق والسداد. (2/6)
صفحة 297
ومنهم أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي ممن تكشف عن قبح الدنيا فلم يخطبها واطلع على غدرها وحذر منها وشمر عن ساق الجد أن يحاربهأن وذكر عنه يمسح في الاستجمار بعد زوال الأثر بسبعين الحجر وقالوا لو أخذت الحجر الآخر لم أبال أن أصلي به، وعادته التنقل في الديار لإحياء الدين وتقوية الضعفاء وتعليم الجهال وتنبه الغفال، وربما مكثفيه زمانا لا يرجع إلى أهله وتحضر العجائز والنساء مجالسه ويحملن الصوف ويعملنها فنهاهن عن عمل شغل الدنيا في مجالس العلم فتأخرن فرخص لهن رغبة في إتيانهن، وشدد في لباس الوقاية على النساء حتى ظننت أن أراها معلقات في السدر فلم يمتثلن، وقال انفض ما تعلق بي من حوائج البيت إذا أردت الخروج كالبراغيث فإذا رجعت رجعت، وفي السير أنه قال لم أبدل مع من سار إلى الحج إلا حجة الفريضة ن وقال لأصحابه على طعام صنع لهم لوجه الله كلوا فإن كنا أهلا له عند الله فنحن أهل لأكثر منه وإن كنا على غير ذلك فسواء علينا أكانا أو تركنأن وشيع أبا الخطاب وَسِيلُ بن سينتين وفي بعضها سنتين حين سافر إلى الحج ونزل بجبل أجريجن فقال لأبي الخطاب أوصني قال أوصيك بتقوى الله ياخيران فتوادعا وافترقأن ثم رجع أبو الخطاب وقال تذكرت كلمات لو لم أتذكرهن إلا بعدم حال الماء بيني وبينك لرجعت عليك بقيام الليل صل ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور وصم يوما شديدا حره لحر يوم النشور، وتصدق بصدقة على مسكين ليوم عسير وحج حجة مبرورة نحط عنك عظائم الأمور، قلت هذا من كلا أبي ذر، وقيل مرفوع، وكان كثيرا ما يمكث عند أم الربيع الوريورية وكانت سخية مأوى لأخيار وربما أقام زمانا من الدهر ويجعل للناس المجلس عندها وأظله عيد الأضحى مرة وهو وعندها وأرسلت إلى بيته وجمعت جميع ما يحتاج إليه في العيد فأرسلت به إلى بيته مع الشاة وقد عول أن يضحى عندها وما عندها وما عنده يذهب إليه فقالت بادر أهلك وولدك وكل عندهم العيد ولا علم عنده فلما وصل وجد (2/7)
صفحة 298
كل شيء يحتاج إليه قد هيئ له وهذه بمناقب أم الربيع أولى.
ومنهم أبو القاسم الفرسطائي وابنه أبو يحي فكلاهما نصيبه في المجالس على الرحب وعانقا السواري في الليالي مع النشاط والنقب، وفي السير أن أبا القاسم نزل إلى تيجي لزيارة محمد سعد يونس فلما حضر وقت الصلاة نزلا ليغتسلا للصلاة فوجدا قوما يعومون في الحوض فانتقلا إلى عين أخرى فلما توضيا ورجعا وجدا موضع المغلق يرشح بالماء قال أبو محمد لولا هذا الرشح لنجسوا ونجست ثيابهم، ورأت زوجته في النوم أولادها على قصعة من عسل يلعقون منها غير واحد فخرج هو وذريته لا خير فيهم وحسنت حالة الباقين، ولما أراد أبو يحي قراءة العلم أتى ابن ماطوس في شروس ولم يجد مسكنا على كبر البلد فقال ما أوسع شروس وما أضيقهأن قال له ابن ماطوس أدلك على من عرفه الناس تزاحموا على بابه كباب أبي عبيدة بالبصرة يعني أبا هارون الجلالي فرجع وتعلم عنده، وكفله إخوته أن يعمل معهم الشغل قال أي شغل ثقل عليكم قالوا مؤنة جملين فأخذهما وجعلهما في مغارة على طريقه وسد عليهما إلا موضعا يرمي لهما منه ما يأكلان، وكان ينزع للحشيش في غدوه ورواحه إلى المجلس ويرمي لهما فلما أراد إخراجهما أخرجهما بعد أن هدم من كثرة سمنهمأن فأخذ العم عن أبي هارون وأخذ عنهما خلق كثير، منهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم واس أبي يحي زكريا بن يونس وأول مسألة أخذ من أبي هارون قال سألته أني رعفت ولم أغسل أنفي قال نجست ونجست ثيابك وكان أبو حسان حاضرا فسألته عني قال ولد أبي القاسم قال ارجع يا ولد خليل فرخص لي أن تجزيني الضربتان الأولتان لغسل الدم والثالثة للوضوء، وسافر مع أبيه وأمه إلى الحج، ثم حج مرة ثانية فطاف بالبيت أخذ رجل بيده فأخرجه من الناس فسأله عن علي فقال فارس المسلمين قاتل المشركين وابن عم رسول رب العالمين، وله فضائل قال فضائحه أكثر من فضائله فسأله عن شيوخ الجبل كأنه معهم نشأ فسألني عن أبي معروف قلت مات، قال ثلمة (2/8)
صفحة 299
لا تنجبر إلى يوم القيامة فمر بي إلى أصحابه فإذا أحدهم مريض وهم يختلفون عليه في حوائجه كالنحل، وهم تعسة وثلاثون رجلا وراودوني أن يتموا بي ويخرجوا شراة فاعتللت بأمي فلما رجع عابته المشايخ وقالوا وجدت باب الجنة مفتوحا ورجعت ثم رجع فأخبر بأنهم استتموا بامرأة فخرجوا فقاتلوا زمانا ثم قتلوأن وأبو يحي من يتامى مانو وفروعه يحي بن يونس وسليمان بن ماطوس وأبو هارون وجذوره أبو القاسم وأبو محمد ونحوهمأن ومن ورع أبي القاسم أن أرسل بعض ولده إلى مديانة فسقاه لبنا فأعطاه درهما ثمن لبنه وأخذ من آخر دينارا وافيا وله عليه ناقص فرد له ما بينهما وأبى من إمساك ما بينهما، وسافر أبو يحي إلى بلاد السودان فألفى ملكهم ناحل الجسم ضعيف القوى قال له ما بك قال له خوف الموت، قال أبو القاسم فأخبرتنه عن الله وصفاته سبحانه والجنة والنار والحساب وما أ عد الله للمطيع والعاصي فكذبني وقال لو صح عند ك ما تقول لما بلغت إلينا لطلب الدنيا فما زالت أذكر نعم الله وآلائه حتى أسلم وحسن إسلامه، وقد أعطي قوة وقد قيل ينقل التراب من خلفه إذا عزق سبع ثيران ومات في قافلة رجل فرسطائي، وفي القافلة أبو يحي وأبو هارون فأخذ أهل الرفقة خليفة لمال الميت فأتى أبا يحي أستاذه وشيخه مسرورا حيث لم يكن خليفة قال له إنك قد وحلت إذا وإنما نجونا بحضورك فرجع مبادرا إلى رحل الميت فإذا الخليفة بادر طبخ عصبان الميت في رمة فنزع الرحل منه وباع البرمة بما فيها. (2/9)
صفحة 300
ومنهم أو سليمان داود التبرستي وفي السير كان رجل ورع ذو براهين وكان أهل تبرست على التلاشي والدبران من زمان أبي مرداس إلى زمانه لعدم وفاقهم أبا مرداس فعلموا من أين أوتوا فعظموا منزلة أبي سليمان وساعفوه ووافقوا خلقه فيما يأمر أو ينهى فظهرت عليهم بركاته وأثرها من هناك، وقيل إذا أوتي بطعام فيه شبهة انغلق فاهه، وفي السير أرسل إليه أو الربيع بلحم ليأكله فلما أراد أكله انغلق فاه فبحثوا عن اللحم فإذا في أصله خبث، وحمل بذرا يحرثه بحماره يؤمه فأدرك أهل المنزل لعشر من الدواب فحرثوا يومهم فرد من البذر، وعلف رجل تيسين فذبح الأول فأعطى الشيخ منه ثم قال ما يقول الضاجر لغنمهم يا مال السحت، فذبح الثاني فأعطاه فلم يقبل منه قال لم قال سمعتك تقول يا مال السحت وله وعظ وكلام ومناقب وعبادة واجتهاد كرامات. (2/10)
صفحة 301
ومنهم أبو محمد التصمصي كان من الراسخين في العلم ومن ظنت عليه الدنيا إذا أعرض عن خطبتها فقنع بما وجد، وسسرأى بعض الأشياخ في النوم أن من أخذ مسألة عن أبي محمد التصمصي كمن أخذها عن ربه، وفي السير وصلته الضيعة وقال له ابنه اشتر لنا الربع قال ناولني الماء أغسل يدي فغسلهما في إناء فقال كيف اشتري لم من قبل هذا الوسخ؟ يعني أنه زكاة، وفي السير ربما أخذ في سنته ألف مد شعيرا فلا يدور الحول إلا وهو يأخذ الدين والمود بعرف يفرن اثنا عشر ويبة، ويقول يا ليتني سلمت منها سلمت منها رأسا برأس ولكن أبو عبدا لله محمد بن جنون يقهر المشايخ لا يسكت لأحد منهم إلا أبا محمد التمصمصي لا يطيق أن يجيبه وتصدق بجبته على من احتاجهأن فقالت امرأته من عراك فما مكث إلا يسيرا إلا جاء بحمل طعام وعليه جبة جديدة فتأسف على رجوعها في الدنيأن قال له ابنه لست بكيس قال الكياسة عدوة الإسلام، وسار إلى لالت ليتعلم عند أبي الربيع سليمان بن هارون فجاز على معلم الصبيان بتنومات قال أين تريد قال لالت لتعلم قال نعم ما طلبت، الدنيا ظلمة والعلم فيها دليل، ركعتان من عالم خير من عبادة الجاهل ستين سنة، عبادة الجاهل كسير حمار الطاحونة يدور ولا يبرح، ووصلت إليه الحاجة في آخر عمره فرسل إلى جادو ليطلب الصلة لأنه موضع اجتماع المشايخ ثم بدا له بعد أنذهب الرسول وأراد الصبر والتوكل فلقي الرسول أبا عبد الله محمد بن جنون فاخبره قال إنا لله وإنا إليه راجعون لي مال ومثل هذا الشيخ الذي هو جرثمومة من جراثيم الإسلام تصل إليه الضيعة فوجد في جيبه إحدى عشرين دينارا فأعطاها له، قال إن نفذت فارجع إلي و لا تخبر أحدا ولم يخبر أحدا من تلقاء نفسه فملا رجع وأخبر الشيخ بالقصة أعطى الرجل منها دينارين فقال وجدني الشيخ في حاجة لا يعلمها إلا الله، فكان أبو محمد بعد ذلك يقول إن على شيء فلا يقول فيَ محمد أبو عبد الله بن جنون إلا خيرأن فما فرغت إلا وفارق الشيخ (2/11)
صفحة 302
الدنيأن فجهزه الزعرري ومن هناك كثر ماله وبورك في اكتسابه من أهل تملشايت في قبره فأراهما الله من آياته عبرا إن قال أحد لصاحبه مثل ما رأيت قال نعم كأني واقف بقنة أيالين "اسم جبل"إذا وقفت عليه لا يرد بصرك شيء لإشرافه، قال الآخر وإنا مثل ذلك وفاحت رائحة من قبره لم يشم أحسن منها قال أحدهما يكفينا في صحة مذهبنا هذأن وتقدم أن أبا محمد خصيب بن إبراهيم أنه أخذ العلم من أبي يحي زكريا بن يونس الفرسطائي وأب الربيع سليمان بن هارون اللالوتي وأخذ عنه جماعة منهم أبو زكريا يحي بن سفيان اللالوتي وتقدم التعريف به. (2/12)
صفحة 303
ومنهم الشيخ الحائز من التقوى النصيب الأجزل والحظ الأكمل ومن الكرامات القسم الأوفر والأوفى و السهم الأعظم الأزكى أبو محمد عيسى بن محمد الملوشائي النفوسي، وفي السير كان صاحب براهين مستجاب الدعاء وكان فقيرا يجوز الناس عليه بالتين وهو يخدم نفسه فيعرضون عليه أن يأكل فيقول الأشجار محمرة بالتين، فيخدم في فدانه بزج رمحه حتى يحمي النهار ثم يأكل لقلة ما بذات اليد, وقال له ولده يوما وأتى له بغذائه أمي قالت لك ادع الله أن يسقي فدايننا قال وما أكثر رغبتك ورغبة أمك في الدنيأن فتوضأ وصلى ركعتين فدعا الله وقال أخرج البقرة والمحراث فإذا بالسماء قد فتح الله أبو اب رحمته بالماء فامتلأت فدادينه دون غيره من الجيران، وكان يخدم يوما في فدانينه فبلغه ألم الجوع فقال رب العبد إذا جاع استطعم مولاه وأنا عبدك فأطعمني فنظر إلى السماء فإذا موائد متتابعات فخر ساجدأن قال رب اجعله ذخرا للآخرة فصعدت راجعات، وسافر إلى درج بغير زاد وكان يطعمه رجل من أهل منزله فعيي جمله وتأخر عن الرفقة فنزع عنه رحله وحيته فمسح أبو محمد على ظهره وتتكلم ودعا الله ما شاء ورد عليه حويته ورحله، فكان أولا القافلة فلما وصلوا باعوا ما معهم ولم يترك الشيخ رفيقه يبيع، ث دخلت عليهم قافلة يطلبون الزيت وباع وربح رحا كثيرأن وسافر يريد افريقية وحده فسمع ببعض الطريق صوت الأسد بقربه فرقد فنزع نفسه فأتاه فشم قلب الشيخ وقبض بقدمه ثم رد فمه إلى فنه ثلاث مرات فلم يجبهحسا فانصرف، فلما بعد قام الشيخ ومضى على طريقه وكان قوي إذا أجر نفسه للحصاد تسابقت الأجارء لكثرة حصاده، وعزق فدادينه بزج رمحه وغرسها ويحفظ الغرس بالماء ومنمر من أهل رفسطاء إلى السوق يشرب ويتوضأ للصلاة، ويختم القرآن كل يوم وهويعملأشغاله، وبات تمنكرت فخرج الناس من المسجد وهم لا يعرفونه فاستفتح يقرأ وكان حسن الصوت فرجعوا وأتوه بطعام فأبى أن يأكل قالوا لو كان طعامهم لله لكان قبل . (2/13)
صفحة 304
ومنهم أبو موسى عيسى بن زرعة النفوسي الملوشائي كان سخي الكف تعلم العم في داره لكثرة من يغشاه من لمشايخ ويمكثون عنده، ومن عجائبه أن لازم الفراش مرضا مده دهره إلا أوقات الصلاة فيزول عنه فيصلي قائما ثم يعود إلى حاله وفتح كوة ن بيته تقابل موضع قعوده ونومه يعطي منا الفقراء.
ومنهم أبو محمد عطية الله الملوشائي وكان برا تقيا مشهورا في الخير نقيا وهو صاحب الرؤيا المشهورة في الكتب رواها غير واحد قال رأيت رسول الله في المنام، قال لي اختاركم الله على سائر الأديان يعني المذاهب، فقلت ربح البيع يا رسول الله لا نقيل ولا نستقيل، ورآه بعض الشيوخ قاعدا في مجلس عظيم وأهل المجلس يسألونه عليه السلام وفي مقدمة المجلس أبو محمد عبد الله بن محمد المجدولي وأبو يوسف الأمليلي وأبو يوسف الأرجاني ومقام رسول الله مشرف عليهم في هيئة حسنة وتحته ثلاث درجات، قال فجزت وسط المجلس وهمتي الوصزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسكني أهل المجلس ولم أشتغل هم فجزت حتى وصلت الدرجة الأولى أو الثانية فمسكوني فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الدين فقال أنتم خير الأديا ن.
وكانت زيديت بنت عبد الله الملوشائية قاعدة مع النساء وقد اجتمعن لعمل الصوف وأخذن يغنين فوعظتهن وزجرتهن وذكرتهن أمر المعاد والحساب والقبر والموت بكلام بالبربية له وزن وحلاوة.
وأما الهيل فخرجت لتعمل الصوف لتعمل الصوف عند مجتمعهن فسمعت هاتفا ولم تر شخصا وقد أمرها بالرجوع إلى بيتها ونبهها ما في ذلك من الخير، وكانت يتامى بجنبها وطبخت رأسا لعشاء أهل بيتها وعودت اليتامي صلتها ولم يحضر العشاء حتى ظنت أن اليتامى قد نامت فأرادت أن تحفظ سهمهم إلى الصبح فهتف بها ونبهها أنهم ينظرونها فحملت لهم سهمهم فأدركتهم يقتسمون ما تأتيهم به فأعطتهم ذلك كما قسموه أولا. (2/14)
صفحة 305
وأما أم ماطوس فحقها أن تذكر مع شيخها أبي محمد خصيب وكانت بكرا وأرادت العلم وبلدها جَارِ إِصَرَ فإذا جنها الليل ونام الناس أخذت مزراقا في يدها وذهبت إلى أبي محمد التمصمصي فتحضر المجلس فإذا افترق رجعت وتجعل مزراقها في زيتونة فسمع أخوها وصار يغلق عليها وينام على الباب فكانت تتركه حتى ينام فتفتح وتغلق خلفها فإذا رجعت دخلت وأغلقت ثم تزوجت بعد ذلك في أمَيتيون قالت أعطاني أبو محمد اصلا لمسائل الحيض انتسب داخل الستين واترك خارج الستين يومأن ومرت إلى تندوزيغ لتحضر المنجلس فولدت بنتا فإذا ثقلت عليها قالت الست ولدت في المجلس فتترك ذلك، وذهبت مرة ليلا إلى اجناون لتحضر المجلس وبينهما قرب عشرة أميال ومعها أمتها ورأت جماعة كأننما عليهم ثيا ب بيض، ومكث عندها كوز ويب سنة تجعل منه بأصابعها لطعام ابنتها دامت على الصيام خمسين سنة متتابعات.
ومنهم أبو عبد الله بن أبي عمرو ب أبي منصور الياس التندميرتي وابنه أبو زكريا وكلاهما حكمن عدل وفيصل فحل، أما أبو عبد الله فلم الشعث وكشف اللبث ورتق الفتوق ورقع الخروق، وفي السير اختصم إليه قو م في أرض تلفت حدودها فاصطحب معهم إليها فبينما هو يمشي فيها إذا وقع سيفه قال احفروا موضع سقوطه فإذا التخوم، وفيها عزلوه نفوسة من غير حدث فولوا مكانه أبا زكريا الأرجاني فخرجوا إلى قتال المسودة في الأشهر الحرم فانهزموا ومات جماعة من الأشياخ منهم أبو عيسى الدرفي وتقدم الكلام على ذلك في التعريف بأبي زكريا ثم اجتمعت نفوسة إليه ليردوه قال لولا خفت أن أكون كمن قتل نفوسة مرة أخرى ما رجعت في أموركم أبدا. (2/15)
صفحة 306
وأما أبو زكريا فاستصلح الفاسد ورد الشارد وقمع المعاند وجبر الكسير وأعان الفقير وسد الثغور وأبرم الأمور، وفي السير تولى أمور نفوسة كلها ستين وقيل سبعين سنة لا ينام كل ليلة حتى يميز نفوسة كلها من يستحق الأدب أو الموساة ومن له الحق أو عليه خوف التقصير أو خشية العي في الجواب يوم الحساب إذ كل راع مسؤول عن رعيته ولم تر معه نفوسة نكبة، وإليه هرب أبو خزر بن أبي تميم كما سيأتي إن شاء الله، ومن شدة ورعه وضبطه لنفسه وقمعه شهواته أنه جاز ببعض المنازل فأعطاه بعضهم عدة كباش لعشائه قال كلفت حمل قرونها ما قدرت فكيف بحملها جميعا يوم القيامة، وتخاصم إليه رجل وامرأة وكان أبو يوسف الأجفري حاضرا وهما من بلده قال ما تقول يا أبا يوسف قتال إن جزنت على المرأة أسلم وأسأل الله لها العون وإن أطعمتني أكلت وإن مررت على الرجل فيه لا أسلم ولا أسأل العون ولا آكل إن أطعمتني، قال أبو زكريا للخصم اسمع ما يقول الشيخ يا أبا فلان قال مالي يا شيخ قال اسمع يا فلان ما يقول الشيخ قال مالي قال يا مرعون إن ذهبت إليه لا جعلهن في جبنك يعني السياط، قال أبو زكريا إذا أرسلني أبي إلى نخل أبي موسى فآتيه ولا آكل ولا أعطي وإذا أرسلت عيسى ولدي فيأكل ويحمل إلى أقاربه بافاطمان وإنما يماه بأبي موسى العرب بعد أبي زكريأن والمؤلف أراد تبيين الموضع بشهرته اليوم ومن حزمه وكراماته أنه أخبر أن رجلا من أهل جناو جانيا بات أهله فهجم عليه صبيحة العيد بعد أن صلى الصبح في مسجد اجناون فلما فرغوا من الصلاة تكلم خادم الشيخ أبي زكريا للعزابة فأخبرهم الخبر فقاموا فلما أخذوه أمر من يأخذه إلى السجن فطلبوه النزول فاعتل بأن أهل أملن ينتظرونه ليصلي بهم العيد وبينما قرب أربعين ميلا وأكثر واشتهر فيما بين الطلبة أنه أدرك وقت الضحى وصلى بهم وأنه قال رأيت الأرض تطوي تحت فرسه وإنهم ليقولون صهل فرسه بالصليعاء فسمعوه من مصلاهم وبين الموضعين أميال كثيرة والله (2/16)
صفحة 307
أعلم، وذكر له جانيا بات ويفات فهجم عليه وأصحابه وحملهم وجعلهم طريقا وضرب أبا زكريا فأخذها عنه رجل بنفسه وجرح قال أبو زكريا يقال في المثل أحبك لا مثل نفسي وهذا أجنبي فوق نفسي، وقال لموسى الأدمومني وكان حاضرا ادع الله أن يفرج عنه فدعا الله ومسح الجرح بيده فبرأ بإذن الله وذلك بكرامات موسى أولى وتقدم التعريف به، وأبصر برجل من أهل شروس يسير بفرسه خارج الطريق ويهدم جسور الناس قال هؤلاء الذين نسرح معهم كمن نسرح إليهم يعني كلهم على الباطل وقال له أبو محمد الدرفي إذا نزلت عليك مسألة فاستفت إما أبا يحي الفرسطائي وإما أبا محمد الكباوي فاحكم بما اتفقا عليه وقف إذا اختللف فكان يستفتيهما فأكثر عليه أبة يحي الأقاويل فاعتمد على أبي محمد فلما مات وشهد جنازته قال سلام عليك ياكباوي فاستفتا بعده أبا محمد خصيبا ، وقال له مرة عندي تأتي هذا قال أبو زكريا إفت حيث كانت الرجال لا تسأل عنك ، وكاتب هه محمد بن جنون فكلمة المشايخ عليه فقال ما تنكرون على ما حكمت بشهادته قط ، فإذا استقصوا عليه قال لا حاجة لي بأموركم ، وقتل ولد أبي الحسن بن علي الشروسي رجلا فكلم المشايخ أبا علي في شأنه فلم يطاوعهم في القود منه فلم إلا قليلا فمات بإذن الله ، ثم إن عاملا من قواد القيروان أتى نفوسة يطلب منهم ألف دينار فالتمس أبو زكريا في نفوسة قلم يقدروا عل أكثر من مائتي دينار فأتى بها أبا الحسن بن علي على وقت نزوعه لباسه لأن ن يقبل فدعاه فخرج في رداء فلما أبصر الشيخ استحي وأراد الرجوع واللباس فعزم عليه أن لا يرجع فقال لم أجد في الجبل إلا هذا فإن قدرت لهم على شيء فافعل فنزل إلى العامل فأخبره بمكانه ، فقال لوزيره ما يسترونا منه وما أتى به قال أتى بمائتي دينار وارددها له تستر منه ففعل ، فردها أو الحسن إلى أبي زكريا قال حينئذ لم أطعكم في قتل ولده وكلته إلى الله فكفانا مؤنته ولم أطعتكم لنزل إلى المسودة، وربما كان منه بعض ما (2/17)
صفحة 308
نكروه لكن نفع الآن ، ومن تعففه وصبره أن امرأته أرسلت إليه وهو بشروس أن يرسل إليها بشيء من الزيت لتضيء ب على مولود زيد عنده وتطعمه ورد الرسول وقال تستصبح بالحطب ،فسمع رجل فأرسل بطة زيت إلى زوجة الشيخ فوسع الله عليه وعلى ذريته من بعده من هناك ، قال له ابن ومّار من ترى لنا ولنفوسة بعدك قال ما تجرأ أن يسألني عن هذا أحد غيرك قال قد فعلت فأخبرني ، قال أبو زكريا اللالوتي يبلغ مثل ما أبلغ أو أكثر ولكن منزله في ا لطرف ، وأبو يعقوب البغطوري مثل ذل لكن نفوسة يأبو ن أن تتقدم قبيلته ولكن عيسى أن يعوط يعني أبا داود أبن أبي يحي بن ويسف بن أبي محمد زيد الدرفي ذلك فلما مات بلغت مقلته أبا داود فقدمه ، ومرض الشيخ أبو زكريا في جادو فرفعوه في محمل نحو بلده فلما بلغ تمزدا أفاق فسأل عن المكان فأخبر فقال حطوني فمرض هناك حتى مات وقبره هناك رحمة الله عليه وله أخابر كثيرة وكرامات جليلة وقدموا مكانه أبا موسى عيسى وكان تقيا من ذوي الحظوظ والأخطار وأولي الشرف والأقدار حكم فعدل وقضى ففصل، وفي السير تخاصم إليه رجل ويهودي على ثمن دابة أعطاها الرجل اليهودي فباعها وجحده فسبق الدعوى فتكلم واشتغل الشيخ بالأحكام وأعاد واشتغل عنه ثم التفت الشيخ إلى الويغوي وهو صاحب الدابة فقال هل لك عند اليهودي شيء قال نعم فأخبره بالقضية فقال علي بالسلسلة فاعترف وأعطاه ماله ولعل الشيخ قد علم مثلها لليهودي أو عند الخبر ممن يثق به، وضرب رجلا فتألم ولم يصبر فقال أبو موسى بلغتك حرارتها يا عدو الله قال المضروب أولم تذقها قال ذقتها وكان لي رشدا وصلاحأن وذكر عن أبي زكريا عن خاله أبي إسحاق بن إبراهيم أن داود بن علي ترتب عليه الحق بين يدي أبي موسى فأعرض ونأى بجانبه وثنى عطف تكبرا وقام ، وقال أبو موسى ردوه فلم يجد من يقدر على ذلك ثم رجع وحده فقال رجعت بثلاث اتركه سنة يتبعها كل متكبر وإن تواضع مثلي لمثلكم لا يزيده إلا رفعة وعزا ، وإن (2/18)
صفحة 309
نفوسة ولدت غيري فخذوا مني الحق فالتمس من يطيق يضربه فلم يجد فقام أبو موسى بنفسه فجلده فقال تعلم نفسي لو كان رضاك في نزع نفسي لنزعتها ومات داود بعد ذلك وترك ابنا صغيرا ، واجتمعت نفوسة في أمر دهمهم عظيم يلتمسون دفعه وذهب عليه هونا من الليل يتشاورون فرجع ابنه إلى داره وكان له عبد كبير السن فقال لم تأخرت عن عشائك فأخبره قال العبد أدركت من قبلك من المشايخ إذا نزل بهم ما أهمهم من الظلمة اجتمعوا فينقون بلدانهم من المظالم ،و أخرجوا الحق ممن كان فيه وعملوا المعروف ف وأوسوا الضعفاء فمتى ما فعلوا ذلك كشف الله عنهم ما يحذرون، فرجع الفتى فأخبر الجماعة والمشايخ فبادروا صبحا إلى ما قال العبد وكشف الله عنهم منه ماحذروا وتقدم أن مثلها لعبد الله تمنكرتي.
ومنهم وليد بن جرطوم ووهبلى التندنميرياني كلاهما وثاب وعن طريق الشر تاب وفي سبيل الخيرات أواب ، وفي السير قال ابن جرطوم لا يؤدى حق حصيري إذا بات عندي إلا أبو عمرو الشروسي وتقدم التعريف به وأبو موسى من أهل دجى وسيأتي يعني أنهما يصليان الليل لا ينامان. (2/19)
صفحة 310
وأما وهبلىكان أول عمره لا يبالي في أخذ الأموال خفية فاستعانت امرأته بنساء يغزلن معها فآتاهن يتين فلما أبصرت زوجته التين ولم تعرفه تين أشجاره وطئت برجلها القفة عجنا فرمت بها خارجا فانكسرت تنفسه وبادر من حينه فغسل ثياب وجلس يتفكر ما أكل بالباطل من أموال الناس ويخط كل دينار خطة فإذا هي سبعة عشر دينارأن وهو يبكي على ما فرط في جنب الله فوجد بكل خطة دينارأن فشاور المشايخ في رفعها قالو ذلك رزق ساقه اله إليك، وبقي ثمن كبش ليهودي سافر إلى المشرق فأرسل به مع الحجاج فصادفوه بحول الله خارجا من مصر إلى نحو الشام فأخبره بالتوبة وأعطى الثمن فقال متعجبا تاب وهبل ى قالوا نعم وكررها ثلاث ثم قال اشتروا له بها عمامة ولو لم تصادفوني لمل رأيتموني إلى يوم القيامة وقد كانت الدراهم قد سقطت قبل بليل فلقطت لوم يضع منها شيء ، وهذه كلها من علامات القبول ثم تمادى في عبادة ربه حتى لقيه ز
ومنهم أبو يوسف الأجفري وكان متقدم السابقين في الخبرات خصوصا في الحسنات اللاتي يذهبن السيئات، وفي السير أبو يوسف إذا كان الشيوخ في منزله قدموه فيصلي بهم وتقدم حكم أبي زكريا في إثبات كون القاعدة المرأة لزوجها في الفدان الذي تخاصما عليه بخبره كناية لا تصريحا وجعله لها ولعل لأبي زكريا علما فيه وكلامه تقوية.
ومنهم أبو سليمان التندميرتي وتقدم أنه ترك الحكومة وتولى موضعه أبو عمرو الشروسي. (2/20)
صفحة 311
ومنهم أبو عبد الله بن جنون الشروسي الطود الفاخر والبحر الزاخر إليه المفزع في عظائم الأمور وعند توقع المحذور، وكان كاتب أبي زكريأن وفي السير وق بينه وبين أخيه كلام فقال مدرار يا عالم فاجر فأجا به ياعبد جاهل لا تعرف كف تتوضأ قال مدرار فرجعت إلى مسائل وضوئي فما أحسنتها كما قال، وكتب ملوك إفريقية إلى نفوسة يهددونهم فما كتبوا : { كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون } (التكاثر 3-4) فأجابهم ابن جنون بكتاب تضمن { ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين } (المرسلات 16، 17، 18) ورأى بعض رؤيا أن قوما علقوا من ألسنتهم فقيل لهمن هؤلاء الذين يغتأبو ن ابن جنون ، وتقدم أن أبا محمد خصيبا قال إن كنت على شيء فلا يقول أحد في محمد بن جنون إلا خيرا ، وقيل إنه يقبل الهدايا وما يعطي لأنه ليس بشاهد ولا حاكم لما تقدم أنأبا زكريا قال لم أعمل بشهادته قط فعاتبه المشايخ على أخذه ، قال إن كنت أخذ ضربه الله سكة في وجهي في الدنيا ، وفي رأى بعضهم ذلك وجهه ويجعل عليها وقاية والله أعلم . وقيل أتاه ابن أخي ألأبي يعقوب التغرميني وناوله عكازه ومع العكاز صرة لأن عمه أوصى له بكثير ولعل بعضا أراد نقض الوصية فأخبر ابن جنون بقصته قال إذا تفرق المجلس فتكلم فلما كان عند تفرق المجلس قال ابن جنون فمثل أبي يعقوب يكسر قوله يا شيخ يعني أبا زكريا ، وهو الحاكم فلم يتكلم بعد ابن جنون والله أعلم ، ومثل ابن جنون لا يهمل التعريف به لكثرة فضائله ، وكان ابن جنون يدعوا أبا علي أسيان التمنكرتي من غير أن يكنيه وأراد الأشياخ يوما ابن جنون لأمر عناهم، قال أبو علي أدعوه لكم فجعل يقول يا محمد بن جنون من غير أن يكنيه، وأراد أبو زكريا والمشايخ معه جادو وباتوا تمنكرت وكان ابن جنون سمينا وأرادوا به شدة الحر فلما وصلوا الصبح أخذوا في العلم والأسئلة ففطن ما أرادوا فخرج وركب فرس أبي زكريا خوف الحدث بالطريق من بعض القطاع والفساد فلما (2/21)
صفحة 312
أفاطمان قال الشيخ يقيلكم وأصحابه فبرودا لهم البيوت وهيئوا لهم الغذاء والأشياخ كلما قال لهم أبو زكريا قوموا لئلا يشتد عليكم الحر قالوا لم يزل ، فلما أرادوا المسير التمسوا ابن جنون فلم يجدوه ولا فرس الشيخ وترك بغلته فأرادوا أمرا فوقعوا فيه فبلغوا أفاطمان في أشد الحر وقد هيئ لهم ما يحتاجون إليه ، ولما حضرته الوفاة قال طلقت امرأتي قبل هذا فاجتمع المشايخ على قضيته قال أبو زكريا ابن جنون حاكم على الرجال فكيف بالنساء ففسر القيبلة بأنه قبل قوله طلقت فأجمعوا أن لها الإرث وعدتها عدة المطلقة .
ومنهم أبو علي أسيان التمنكرتي وهو من المشايخ المذكورين ومن العلماء العاملين وهو في زمانه أبي زكريا وهو الذي دعا ابن جنون ولم يكنه.
ومنهم السيد الطاهر الزكي الزاهر خيار التمنكرتي ، وفي السير من ورده لا ينام حتى يقرأ سورة الإخلاص أربعمائة مرة، فاشتغل مرة بعرس ابنه فأدركه العيي ونسي أن يقرأ حتى وضع ثيابه للنوم فأبى له الأم والملل والعيي من القراءة فجاهدها وقرأ ورده فلما أتمه انفرج سقف البيت وهو يرى فأبصر النجوم فرفع رأيه للتعجب مكن قدرة ربه فسقطت قطرة ماء ما أخطأت فمه بل لسانه قال ما أكلت ولا شربت بعد ذلك إلا وأعقبت حلاوة تلك القطرة في فمي، وفي مرضه الذي مات فيه يأتونه بالشهوات والحلوات فيقول في فمي ما هو ألذ من هذا فغشي عليه فلما حضره الموت أنطقه الله تعالى فقال إياكم والحقيرات، إياكم والحيف ،إياكم والانتقام من أحد، إياكم جعلت لكم ولم تجعل لك، فإني رأيت موضعا الحبة فيه خير من القيراط والقيراط خير من الدينار والدينار خير من الدنيا بما فيها فما نطق بعدها ،وزار المشايخ بعض مشايخ تمنكرت فلم يجدوه فأرسلوا إليه من يجده يعزق فقال شيخ يزوره الأشياخ فيعزق فسار معه إلى المشايخ ولم يجبه بشيء فصافحهم وأدخلهم البيت ،وقدم إليهم شيئا فلما أكلوا قال احكموا بيني وبين هذا لو لم أعمل شغلي لم أجد ما أقدم لكم . (2/22)
صفحة 313
ومنهم أبو أيوب التمنكرتي كان قد تعلم من العوم فنونا كثيرة وعمل بها مع تجنبه لصغيرة من الذنوب والكبيرة، وفي السير زارته المشايخ فأطعمهم بسيسا مركبا من العسل والزيت وغيرهما من الأطعمة فقال لم أرد الفخر إنما اتخذته لأستعين به على الوضوء، ومن عادته إذا برز إلى موضع تدركه فيه الصلاة حل مرجله فيسخن الماء إن أدرك وقت الصلاة ،وزاره المشايخ بعد الهرم الخرف في رمضان وفيهم أبو الربيع بن أبي هارون فقال لهم أتأكلون فلما خرجوا قال بعضهم فيه قال أبو الربيع اسكت فوالله ما أعرف اليوم في الجبل أورع منه وأتى سائل امرأة من أهل تمنكرت وهي تغربل في ضوء القمر فأعطته دقيقا أخلطته بماء فأبصرت خلقا عظيما فأخبرت به فلما أصبحوا لم يجدوا له إلا أثر قدم واحد في الخط وجعلوا عنده مصلى ، كان بعض أشياخهم يجتمع بشيخ من أهل شروس كل جمعة فيمسجد أجلمم ويتذاكران ويذكران الله ويحمل تينا يأكلانه ، فحمل الشروسي مرة عنجته فقال له دعنا نأكل فأكلا التين وتركاها على صخرة وكان أبو أيوب عاملا بالنجوم.
ومنهم أبو عبد الله الويغويان الكبير الحاكم حاكم أهل ويغو والصغير ولكنه راسخ وأكبر في درجة العلم وأبو الشعثاء ابن البغطورية الشروسي حاكم فيهم فوقع حرب بين أهل ويغو وأهل شروس فقال أبو محمد خصيب إنما جزاء محمد يعني أبا عبد الله ومؤمن يعني أبا الشعثاء السجن حيث لم يخرجا من البلدين وقت الفتنة وبلغ الخبر أبا عبد الله محمد فقال أنا على الطريق فليأت أبو الشعثاء يسير إلى الحبس وكان واسع الخلق ولأبي عبد الله ديناران على يتيم وأبو عبد الله الصغير وكيل اليتيم وعرف بأحدهما فدفعه له وأراد الآخر فقال يكفيك ما أعطيتك بعد وكان أعلم منه. (2/23)
صفحة 314
ومنهم وارسفلاسان ب مهدي وابن عبد الله فكلاهما علامة في العلم والتقى ، أما ابن مهدي فإمام ابن إمام لأن أباه كان من كبراء العلماء بل ممن أخذ عن أبي يحي الفرسطائي بل حاز قصب السبقب بين النظراء فلما توفي أبو ه ركب بغلته وأتي شروس فسأله بعض عن مسألة فلم يحسنها قال آخر لو سألت عنها بغلةأبيك لأجابت عنها ، أو صاحبه الذي قال له ذلك فانكسرت لذلك نفسه، ودخل قصر ولم، وفيه خزانة نفوسة ومكث فيها اثني عشر سنة يدرس العلم ، ووقع حر ببين أهل ويغو بلده وأل شروس سبعة أعوام ومكث في داره يدرس ديوان أبي ه ولا يرى خارجا إلا إلى حاجة الإنسان فقم في العلم، وجربه المشايخ بكثرة الأسئلة في المشكلات وغيرها فما وجدوا عنده خطأ فأخذ عنه بشر كثير، ويروي كتب أبيه عن أبي يحي الفرسطائي ،وروى البغطوري عن أبي محمد بن محمد عن أبي الشعثاء البغطوري أنه قال لو لم يعلم أبو محمد وارسفلاس إلا المسائل التي يرويه عن أبيه عن أبي يحي الفرسطائي لكفاه، وألف تلك المسائل أبو الربيع بن هارون قال البغطوري قال أبو محد إذا التقى أهل شروس وأهل ويغو فلا يخرج أبو محمد وارسفلاس إلا لحاجة الإنسان، وأرسل أبو محمد وارسفلاس إلى أبي زكريا بأبي عبد الله وهو غف سوف بمسائل هل يغسل الرجل يده في القصعة وهل يرمي الكمام التين إذا أكله ؟ ورخص له فيها وهل يرجع اليمين إذا قال لي على أبيك ؟ قال لا يرجع، وإذا قال لأبي على أبيك ففيها قولان، وكفى هذا في علو مرتبة أبيه في العلم عن التعريف به.
وأما وارسفلاس بمن عبد الله فكان من العلماء المسلمين ومن الفقهاء المشهورين وليس مهدي هذا لهو صاحب الإمام لأن ذلك مات عام ستة وتسعين ومائة وهذا في القرن الرابع. (2/24)
صفحة 315
ومنهم مهدي المتكلم الويغوي وليس بالمهدي صاحب الإمام ولا مهدي الذي في زمان أبي زكريا بل هو في آخر القرن الثالث، وفي السير وغيرها واللفظ للسير وبلغنا عن جماعة اجتمعوا في موضع يسمى (تُنِينٌ أ زّدَرْشَلْ) في طلب العلم وفيه أبو نصر من تمصمص وهو المفتي والمجيب ووفيهم نفاث بن نصر وكان يلقي عليه م مشكلات المسائل وربما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه ثم أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث، فقال أبو نصر الآن جاء السلوقان اللذين يحرزان الحي، وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتقدمت الحكاية أن لم سلم منها أحمد بن الحسين ونفاث وسليمان الغراء لردوا جميع الناس على مذاهبهم .
ومنهم أبو العباس وجندوز التمنكرتيان من المسلمين في زمن المتقين ومن حملة العلم المذكورين.
ومنهم أبو عبد الله البغطوري وكان فاضلا تقيا عالما من الأشياخ المشار إليهم المتصدر للفتيا بينهم في تلك المدة ، وفي الأثر تزوج امرأة في الشدة في دجى ولكل واحد منهما مال فباع عبد نفسه واشترى آخرفاكل ما بينهما ولم يستغلا في تلك السنين من أرباعهما شيئا ، قال الشيخ أبو الربيع لسي لها في العبد شيء واسألوا أبا عبد الله البغطوري فسألوه فقال لها في العبد حتى نصيبها حين كان لها الأصل. (2/25)
صفحة 316
ومنهم أبو عبيدة جلدين البغطوري كان عالما متفننا أخذ العلم من أبي عبد الله بن جلداسن اللالوتي وكان أبو عب الله يمكث في شروس أربعة أشهر في أيام ابن ماطوس وهو حاكم على أهل لالت وابن ماطوس عل أهل شروس ويتخاصم الناس إليه بين يدي ابن ماطوس،ويقول لابن ماطوسأردت أن أتعلم أنا أيضا ، وكان جلدين البغطوري أبو عبيد ة يتعلم عنده،لم من الدنيا الحظ الأوكس ومن العلم والعبادة الأوفر ومن الصبر النصيب الأكمل ومن القناعة السهم الأجزل وكان أيام التعل لا يأكل الشيء السخون إلا من يوم إلى يوم أي كل جمعة مره وطعامه في سائر الأيام يبل الشعير بالماء ويصره فيأكله عند الفطور ، وفي أيام الربيع يختار وقت وضوئه موضعا خصيبا نقيا من الأنجاس قد نبت فيه الخبيز فيقصده عند الفطور وأبو عبد الله وسائر أصحابه يأكلون أنواع الأطعمة عند أهل شروس قال فإذا دخلوا بالجفان فيعظم ويشتد رائحة الطعام فتتيق النفس فلا الشيخ يدعوني إلى الأكل ولا أهل المنزل يهتدون، ويبقى كذلك فإذا كلمت الجمعة صعد إلى أهله في بغطورة فيأكل،وكان الشي خ أبو الربيع إذا ذكر هذا الحديث تأسف وكان مدارالمجلس عليه فاغسل من جنابة فاشتد عليه البرد وسكت وضعف المجلس والبحث والسؤال، فقال الشيخ أبو عبد الله هل هاهنا جلدين فأجابه بنعم ،واعتل على سكوته بالبرد فقال تعلمت وحضرت ما حضرت وليس معك ما يمنعك من الاغتسال حتى كدت أن تهلك نفسك كاد أن يكون جلدين جلدانية ، فصار بعد ذلك أعلم أهل زمانه ، ومن يشار إليه بالأصابع ويدخر له المشكلات ليوضحهأن وأخذ عنه خلق كثير وكثيرا ما ينزل بأصحابه الذين يتعلمون عنده إلى أتلجام عند أبي يعقوب فيمكث عندجه شهرا فأتاه يوما هناك أبو يوسف التنزغتي فقال يا أبا يوسف لنا هنا شهرا وما رأيتك فقد استغنيت بعد فقال ما استغنى عنك ياشيخ وقد أدركت من لم ندركه. (2/26)
صفحة 317
ومنهم أبو يعقوب البغطوري، وفي السير كان ورعا سخي الكف وفيها أبدل باب داره ليتمكن من إدخال مزارق الأضياف لكثرتهأن وفيهأن وذكر أنه أتاه ثمانون فارا في الشدة والقحط بعد أن أطعم جماعة من الأضياف باتوا وذلك ليلا وأعطى ويبة شعير لعلف كل فرس ، وأتى ليلة من المسجد في الشدة فوجد حول باب داره سبعة وعشرين رجلا من أهل دمر فدخل فخلط لهك دقيقا بالماء فأعطى لكل واحد قبضة ثم قضى الله أن ولي أحدهم إمارة قابس وإذا حدثهم بحديث الشيخ يقول ما أكلت ألذ من تلك القبضة مع ماتصرف على من أنواع الأطعمة والحلاوات ولو لم يقبل مني المال لأغنيته وذريته، وضاعت له أربعمائلة دينار فاجتمع الناس لهذا الأمر وقالوا لا نصبر لمثل هذا وإن يلتمس عند كل من أتهم به فسمع قائلا يقول عجبا لأهل هذا الزمان إذا ذهب لهم شيء إلى الآخرة أرادوا رده إلى الدنيا ، فقال أبو يعقوب تفرقوا واتركوا عنكم هذا ، وزار أبا موسى عيسى بن زرعة التملشايتي فمرض هناك فجعل الناس يغشونه عايدين له فضر من رقد عنده فحملوه إلى منزله فزارته آية عائدة من أهل ويغو فرأت في النوم أن لا مطمع فيه للحياة ورأت له الجنة كما وصفها المسلمونوكانت المن الصالحين فأخبر بالبشارة فقال من جاء اهضاما لنفسه واشفاقا عليها ولم يقض له بحج وشاور الفقهاء في أمر الحج وحضره جماعة من الأشياخ فقال أبو محمد وارسفالاس وهو أصغر المشايخ يومئذ أرى أن تحج وردة حيا وتنفق على ثانيَة وتوصي بثالثة فما زاد أحد كلاما على ما قال. (2/27)
صفحة 318
ومنهم أبو يوسف مجدول النفوسي ذو البصيرة النافذة والعزيمة الناصبة وجمع من العلم والتقى المال والدنيا له منها الحظ الوافر ومن الدين النصيب الأوفى والسهم الأزكى أخذ العلم من معدنيه وشربه من منبعه أبي محمد الكباوي وأبي محمد الدرفي ، أقام مع الكباوي خمسة عشر عاما فقضى نحبه وتوفى أجله فانتقل إلى الدرفي فصحبه تسع عشرة عاما وأقام يققرأ بعدها ولد له خليل ثمان عشرة سنة وطلبوه للأقراء والتعليم بعد أن قرأ وتعلم ، فقال أنا محب في مالي أراد القيام به ، وذكر أنه قال لو تمادت الشدة عشرين سنة أو ثلاثين سنة لم أبال فيها لعياليو لحيواني لما ادخت لكل نوع ما يليق به، وعنه من لم يتعلم عند أبي محمد الكباوي ولا عند أبي محمد الدرفي من أي له ما يفتي به ، وأرسلته امرأة بمسألة إلى أبي محمد الكباوي سقطت له جمرة على رأس يتيم فجعلتها أمه في حل فهل يجزيها ذلك ىويجزي الأم ؟ فرخص لهما إذا قعدت الأم عليه وتنفعه أكثر من ذلك وستأتي المسألة بعد إن شاء الله وكان كثير السؤال لشيخه أبي محمد الدرفي فقلا له مرة ليس لك يا مجدول هم إلا السؤال.
ومهم الشيخان الفاضلان العالمان العاملان أبو يعقوب وأبو موسى من أهل أتِلْجَام أما أبو يعقوب مفكان غنيا يمكث عندهأبو عبيدة شهرا في بعض الأوقات هو وأصحابه وهو مع ذ لك من العلماء المشار إليهم.
وأما أبو موسى فمن شدة ورعه وكثرة تحفظه إذا أراد أن يحرث الأصل استأذن زوجه لكونه أصدقها بعضه ولم تقبضه بعد وتقول ياشيخ أولم أجعلك في حل بعد ويقول لها جزت اليوم على كرمتنا يافلانة محمرة بالتين وتقول إلى متى ياشيخ وقد جعلتك في حل فيقول خشيت تغير قلبك.
ومنهم أو القاسم التملوشايتي وقد تقدم أنه من البيض وكان من أورع الناس وأزهدهم في الدنيا وختم له بخواتم الصالحين وفي السير أنه مات في السجود وذلك غاية المقصود وأقوى علامة أن قبل عمله المعبود. (2/28)
صفحة 319
ومنهم أٍو بكر الغفسوفي وتقدم انه من البيض وكان ورعا حاذقا لينه م البله في الدنيا وكان يربط حماره إلى قرب الزرع فيحول وجهه إلى الجهة التي ليس فيها زرعا فإذا قيل حمارك يضر الزرع فيقول حولت وجهه إلى غير الزرع وذلك مبلغ عمله ولا يلتفت بقدرة الله إلى الزرع.
ومنهم أبو موسى الدجى النفوسي وكان من عباد الله الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الحافظين لحدود الله المحافظين، وفي السير كان عابدا شديدا في الأمر والنهي ولقي رجلا ساق شاة يريد ذبحها فدخل بها الخط فرده قال أردت ذبحها قال لا تجوز بها فذبحها الرجل هناك قال الشيخ يا رجل سيء، وروى عنه لما أراد السفر إلى الحج رأى في منامه بعد أن هيئ أموره وقضى تباعته قائلا يقول له أتمضي إلى الحج وأنت غتاب فتفكرت فلم أعلم أحدا اغتبته إلا أبا داود سليمان بن أبي يحي بن يوسف بن أبي محمد زيد الدرفي فطلبت فجعلني في حل فقال الصدر الذي فيه بغضك أكلته النار ، وقدم أبو الربيع دجى ذات مرة فقال له أبو موسى أهلدجى رجالهم ونساؤهم يستحقون السجن إلا أبو محمد أو أمه يعني ابنو وزوجته ووقع ابنه في صهريج وطلع سالما فهنأه الناس بسلامة ولده فقال لولده ولا يظلم ربك أحدا يا ولدي.
ومنهم أبو أيوب حسن الجادوي النفوسي كان ورعا تقيا مشهورا في طريق الخير، وفي السير كان خليفة يتيم فقام به وأحسن تربيته وقيل اشترى له طوقا ممن ورق وخرصا من ذهب وإذا انكسر غصن من زيتونة باعه هذا لعلمه أن الله يعلم المفسد من المصلح. (2/29)
صفحة 320
ومنه أبو القاسم التغريسني وكان من عباد الله الصالحين المتحرزين ،وفي السير سأل هل يتولى البشر بن محمد فقال هل توليت المسلمين وقيل له هل توليت أبا يوسف وجدليش بن فيَّ فقال توليت المسلمين وقيل له هل توليت أبا أيوب حسن أبا يوسف قال توليته وأدعو له بالجنة انظر رحمه الله لم يظهر ولايتهما إلا في الجملة مع شهرتهما في الخير والمعروف والصلاح قلت لعله أراد أن يهضم لهما أنفسهما خشية العجب كما فعل أبو سليمان الأنري وغيره من الأشياخ . (2/30)
صفحة 321
ومنهم أبو يوسف وجدليش ابن فيَّ كان عالما وآمرا وناهيا شديد الشكيمة في حق الله لين العريكة في حق نفسه، وفي السير حضر ليلا المجلس في دار بني أبي عبد الله فلما افترق المجلس خرج إلى بيته فرصد له جماعة من فساطو وجرحوه سبعة عشر جرحا ودافع عن نفسه أبى أن يتكلم خشية الحرب ووقود النار للفتنة ومات تلك الليلة من فساطو أربعون رجلا { وكفى الله المؤمنين القتال } (سورة الأحزاب :25) ما بين لسيع عقري أو لديغ حية ودعاه بعض التجار فأعطاه زكاة ماله في بيته وأغلق الباب دونه ومراده أن يقبلها ويردها عليه أو بعضها ، فلما قضاها له وحازها رد يده على قائم سيقه وخرج مع الحائط وحج بها ، وفي السير وذرك عنه أنه سمع الناس في عرفات مناديا حين مات ينادي في الهوى مات وجدليش بن فيَّ مات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وذكر بعض أصحابنا أنه مات يوم عرفة وفيه سمع النداء وكان أمر سوق جادو إليه يأذن لمن شاء أن يبيع ويمنع من في ماله شبهة ، وفي عصره أحدثوا ذلك لدخول الريبة وطن طرابلس أتاه بعض أهل وتير فاستأذنه أن يبيع غمنا فقال من تكن قال ولد فلان قال هي عندكم تاليد قال نعم فأذن له وآتاه آخر من أغل فاستأذنه قال من تكن قال ولد فلان قال أفي أسواق جادو تبيع حرام أبيك فقام إليه ففر وتبعه إلى ماطس ثم رجع عنه ، ومن اجتهاده حين يتعلم أنه يخرط الزيتون ولوحه معلق بين عينيه يقرأ فيه وأخذ العلم عن بشر كثير منهم أبو الربيع سليمان بن موسى ومنهم أبو سهل البشر بن محمد التندميرتي وأبي يوسف بن زيد الدرفي ،ومن أبي نصر زار التفستي وجازت عليه نسبة الدين وأخذ عنه بشر كثير ، قال البغطوري روى لي ثقة أنه أخذ عنه شيخ ممن أفاق العلوم وتفقه وذلك من بركته وحسن نيته ، وفي السير كان عالما وكانت عنده حلقة وكان لا يأخذ الزكاة وكان تاجرأن وسيرته وعادته إذا صلى الفجر واستفتح مضى لشغل دنياه فيرجع إلى القايلة وإذا قرب وقت الظهر قام وتوضأ ولبس (2/31)
صفحة 322
ثوبين أي قميصين معقودين بطوق واحد وعمامة حسنة سلجماسية ثم يذهب إلى مسجد أمسراتن بجادو فيؤذن ويصلي ولا يوال في الصلاة والعبادة إلى العصر فيؤذن ويصلي ثم يعمل المجلس لتلاميذه إلى المغرب ثن العشاء الآخر أعني العتمة فالله أعلم إن كان له ورد وعبادة بعدها ثم يرقد ثم يقوم آخر الليل فيشتغل بالعبادة إلى أن يصلي الصبح وكان ربما سبقه رجل قال في السير من أهل أغل وقال البغطوري من أهل سنتون إلى الآذان في مسجد أمسراتن فأعطاه الشيخ دينارا فترك ذلك ومسجد أمسراتن لجميع نفوسة وإذا دخل رمضان أعطى طلبته وعزابة تمر جرمة يفطرون عليها وكان يعطيهم صرر الدراهم من زكاته وأخذ طلبته أمة لأهل فساطو ليخرجوا منها بالحق فنزعوها منهم وزحموهم وعاتبهم إذا لم يشاوروه قال ولو شاورتموني لأمرت أبا داود بن أبي يحي فيأخذها .
ومنهم أبو محمد عبيدة بن أفلح اليجلاني وكان عالما سخيا قيل تعلم العلم في بيته لكثرة من يغشاه من المشايخ ويقيمون عنده وربما مكث عنده بعضهم أربعة شهر أو ستة وكان يكثر الإقامة عنده أبو عبد الله بن جلداسن اللالوتي وكان يطعمهم من خالص ماله وقيل يعرف الخوف على وجهه ، وذكر بعض أصحابنا أن ثلاثة تتغير وجوههم من خشية الله أبو محمد عبيدة بن أفلح اليجلاني وأبو أيوب حسن الجادو وأبو زكريا بن هارون الشروسي .
ومنهم أبو الربيع اليجلاني وكان عالما عاملا حافظا محافظا لا يشتغل إلا بما يعنيه وقد أخذ العلم من الشيخ أبي الربيع ، وفي السير أن أبا الربيع اليجلاني وأبا موسى عيسى بن وَزال ليس معهما من كلام الدنيا شيء إلا الاشتغال بطاعة الله وفيما يعنيهم من لحقا بالله وكذا ذكر البغطوري ثم قال هذان و أمثالهما الناس .
ومنهم أبو عبد الله بن يدويسن وكان تقيا مشهوار في الخير وسرق في ضغرله درهما لرجل فكان يطلبه الحل ويقول سرقت لك درهما فجعله في حل ثم بعد ذلك كلما رآه طلبه وكان الرجل يلوذ عن وحهه استحياء . (2/32)
صفحة 323
ومنهم الشيخ التقي العالم السخي الفاضل أبو علي النفوسي من فساطو كان كهفا للأبرار ومأوى للأخيار وربما مكثت عنده المشايخ زمانا من الدهر خصوصا أبا الخير الزواغي ،وفي السير يذبح كل يوم شاة للأضياف فكلمه المشايخ أن يترك ذلك فشاور أبا الخير فقال له زد الخير يا أبا علي فصار يذبح شاتين كل يوم، ومن غيره وقعت شدة فنزل بعض المشايخ على الشيخ أبي علي وكان كثير المال من الحيوان وغيره وكان يجعل لهم على القصعة شاةللغذاء وشاة لعشاء فلبثوا كذلك ما شاء الله فقالوا للسيخ أبي الخير كلم صاحبك يترك اللحم عن إحدى النوبتين فكلمه فقال أبو علي ايش ترى قال زد في الخير فصار يجعل على القصعة شاتين للغذاء ومثلها للعشاء فقال المشايخ أرسانلك لتنقص نوبة فأمرت بالزيادة قال استشارني فنصحته وقال لأبي الخير أقاسمك مالي فخذ نصفه قال ما أريد بمالك يا أبا علي .
ومنهم أبو الخير توزين الزواغي كان عارفا فضل طاعة ربه فحافظ عليها فحفظه الله من كل رذيلة أن يرتكبها وهمته تنقية نفسه من أدناسها فسدده الله إلى المعالي فأركبها خشي ربه فكفاه واقتصر على ما أمره ونهاه ، وذكر بعض أصحابنا أن تمصولت مولى للمعز بن باديس كان فاجرا جائرا جبارا عنيدا عنيفا جعل على أبي الخير مائة دينار وليس له مال فأتى خليله أاب علي الفاطوي النتقدم فقال اطلب لي الصلة من نشايخ نفوسة وأهل المعروف لئلا يعنف على هذا الجبار قال أبو علي لا أتشفع لك في المائة دينار وهي عندي فعطاه المائة دينار ف (2/33)
صفحة 324
اعطاها أبو الخير لتمصولت فلما أمسى صارت البيت عليه ثعابين وأحناشا فدعا من حينه شرطته فدعوا أبا الخير بعد أن التمسوه في موضعه فلم يجدوه ودلوه عليه بأنه يتعبد بالساحل وله علامة يعرف بها وهي العطاس فرد له مائة دينار ،وفي السير أن المسودة يستدون بلاد الزواغي ويتركون لأبي الخير ما ينوبه ثم قال لهم أهل الغش والحسد لا نؤدي عنه فرجع عليه الطالب فحاسبه على ما ترك له فوجد ذلك مائة دينار ، فلما جن الليل تقلبت تلك الدنانيرغقارب واأشفق منها ودخله الرعب فأرسل إلى أبي الخير فقال احمل دنانيرك عني فلما أراد أخذها عادت دنانير كما مانت أولا بإذن الله فردها إلى أبي علي فأبى من أخذه وقال قد وهبتها لك ثم تصدق بها أبو الخير ، وقيل إذا كانت في بلده زواغة لبس الطاق وإذا طلع إلى الجبل لبس عباءة ، وعادته التردد بين الجبل وزواغة طالعا نازلا لا يحمل نعه زاد، وفي السير ابن أخته قال سافرت نعه فإذا كان وقت العشاء قيل لنا اغسلوا أيديكم فإذا غسلنا وضع بين أيدينا طعاما فنأكل فإذا بلغ وقت الغذاء كذلك ولا نرى شخصا وإذا كنا في المجلس للسؤال فيقع السؤال فيجيب الشيخ ولا نرى شخصا كذلك حتى نفترق وذكر أن من عادته إذا نزل إلى زواغة وضع حديدا في كوة فإذا صدأ قال قلبي كذلك صدأفيطلع إلى الجبل ليصقله يعني بالمذاكرة ولقاء الإخوان في الله ، ومضى مرة بالليل وهو في الجبل وله مصلى معلوم إليه فتبعه أبو علي فإذا به يصلي ونور نازل من السماء على المصلي أي مقابل المصلى فقصده فإذا هو يصلي ويعطس وتلك عادته في الصلاة ،وفي السير قدم أبو الخير ليلا فنظر إلى الوضوء بالمصلى الأسفل الذي لأبي عبيدة باجناون فقصده فلما قرب فإذا معتقة تصلي وحولها جماعة شبه رجال عليهم ثياب بيض فقالوا له دونك فتأخر حتى أكملت وسلمت فطلب الماء ليشرب فناولته وشرب اللبن ثم طلب الماء ليتوضأ قالت توضأ من الإناء الذي شربت منه فتوضأ بماء ثم رأى في المنام أنها تكون (2/34)
صفحة 325
زوجته فوجد لها زوجا ثم مات والله أعلم ، فتزوجت آخر،وتحير من ذلك وبلغ فيه ثم قضى الله فتزوجها بعد ذلك وقال له بعض أشكو إليك من قلب قاس وعقل لا يفهم ولسان لا يسأل وبدن لا يخشع ويد لا تعطي ورجل لا تزور ، فأجابه أن دواء ست بست بمحبة المسلمين وزيارتهم ونحيل جسمك بالصيام وعليك بقيام الليل والتضرع عند السحر وقراءة القرآن لما عند الله ، وذكر أنه مرض فزاره ابن أبي زكريا قال كيف حالك قال بخير قال أما أنت يا شيخ فقد قدمت لنفسك مالا تخاف عليها أراد م العمل الصالح فقال له يا ولدي أخاف على المخزن أن يأكله السوس.
ومنهم أبو موسى يزيتن بن ياسين الجناوني ، وفي السير كان تائبا زاهد في الدنيا ورعا سخيا وقيل أكثر صدقاته في السير ، وفي السير أدرك رجلا في صب فدادينه فأراد عزابتهم أن يحبسوه فغضب وحلف بعتق رقبة لئن حبستموه لما أكلت ثمار لتك الفدادين ما دامت حيا فتركوه لا يريدان ينتصر لنفسه وانكسرت غرفته وأخذ السراق ما فيها فلما نظر إليها كذلك قال الحمد لله الذي كان منكم ولم يكن منأن وقال البغطوري أبو موسى مستجاب الدعاء.
ومنهم أبو الخير توزين الجناوني كان عالما متفننا أخذ العلم من أبي يحي يوسف بن زيد الدرفي وأخذت فيه دعوة أبي الخير الزواغي وذلك أنه بات أجناون عند بعض أهلها فازداد عنده مولود سموه باسمه وطلبوا أبا الخير فدعا له فقال اسأل الله أن يفهمه دينه فكان أفضل أهل زمانه وتخاصم مستاوي مع رجل استمسك به عند سرغين الجناوني فكان سلفا أسفله في غير ذلك البلد فألزمه سرغين الدفع فشكاه المستاوي إلى أبي الخير وكلاهما أخذ من أبي يحي فكلمه أبو الخير قال سرغين كذا حفظتها من أبي يحي قال أبو الخير لعلك سمعت ذلك في الدين قال نعم قال حكمها مختلف فرجع عن حكمه. (2/35)
صفحة 326
ومنهم معبد أو ابن معبد الجناوني تعلم العلم بالمغرب وهو غير ابن معبد الذي تعلم عند سعد بن أبي يونس لأن ذلك مات بمانو وهذا بعد ذلك في زمان بني عبيد الله وذكر البغطوري أن الشيخ أستاذ ابن معبد خرج في الدولة فجعل لهم أبو تميم الضيافة فأكلوا ولم يأكل ابن معبد وأبو تميم جالس ينظر ثم أعادلهم ولم يأكل فبلغه غايته الجوع فقال لنفسه أتيت للتعلم فأكل الشيخ والتلاميذ وهو أعلم مني فما يمنعني من الأكل فأعاد لهم اليوم الثالث فأكل معهم فلما خرجوا قال له أبو تميم أكلت قال نعن قال أبو تميم والله ما هذا بمالي وكانت يومئذ علماء الإباضية كثيرة بالقيروان. (2/36)
صفحة 327
ومنهم أبو سليمان البطريسي وكان عالما شديد الشكيمة في ا؟لأمر والنهي ممنن لا تأخذه في الله لومة لائم ذكر مغر بن محمد البغطوري أن ابن فلاوس أحد الشطار يدخل في الفنادق ويأخذ أولاد اليهود لولا يريدهم حتى يغدونهم ودخوله من فسحة غير مبنية طلبوا إلى صاحبها أن يترك لهم يبنوها فأبى وبذلوا له مالا على ذلك فأبى لنا وامتنع واشتكوا لابن نصر وقالوا نعطيك أربعين دينارا إن سببت لنا في بنائها وقال لا أخذ ولا نخادعكم ونأخذ طمعكم حتى تبنى فكلم أبا داود سليمان ابن يحي الدرفي فاستقتى فيها الشيخ أبا يوسف وجدليش ابن فيّ أنها تبنى ولو لم يرض صاحبها لتعين المضرة فأمر ببنائها أبو داود فانصرف صاحبها إلى الشيخ أبي سليمان البطريسي فاشتكى مما وقع به فأتى أبو سليمان جادو فقصد الشيخ أبا سهل البشر بن محمد فقل هل معك علم بالحدث الذي وقع قال لا فخرجا فأتيا أبا داود وكان أبو يوسف حاضرا فقالا له صرت مثل ابن باديس بالقيروان في التصرف في مال الغير بغير رضى منه قال ما فعلت إلا بفتيا أبي يوسف فقالا لهما توبا إلى الله فتابا وهدما متا بنيا وسبب توبته ورجوعه إلى الإسلام أنه يجن بالتين فجعل مروة في حبة منها حسنة ونوى أن يأكلها من يأكلها فتكسر ضرسه فقضى الله أن كانهو الآكل فانكسر ضرسه بها فارتدع وتاب فأخذ في التعلم والطلبة يضحكون لعدم استقامة لسانه وهو يقول علموني واضحكوا فتعلم القرآن ثم العلم حتى صار أفضل أهل زمانه والتوفيق من الله واسمه داود وكان أبو ه يهون أمره ويقول ماذا خفتم في داود ودار عليه الدرب فقال سِرْ بنا إلى جادو لنحتجم فسار فأنزله في السجن فأوكل أمر إطلاقه المشايخ وظن المشايخ إذا أنزله أن يخرجه وبقي فيه دهرا فلما خرج من السجن صار يقول إياكم وداود احذوا من داود وطرد المشايخ جانبا فرماه حجر فكانت سبب موته فتكلم المشايخ في ذلك فقال أبو الربيع ضرب فاه إنما قتله الحق ومكان ينكر تقديم أبي يعقوب وبنيان قصر (2/37)
صفحة 328
فساطوا.
ومنهم أبو سليمان الأنري كان من الأشداء الأقوياء في دين الله وممن لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان شيخا مهيبا موقرا ومن عادته مع أبي زكريا بن أبي عبد الله إذا كان حاضرا يقول له يا يحي لهضم له نفسه وإذا غاب يقول أبو زكريا ابن أبي عبد الله جرثومة السلام ويعظمه ويكبر أمره ويفخم شأنه، وجاز أبو زكريا مرة فنزل في مسجد أنر فقال أبو سليمان قعدت يا يحي هاهنا الناس مساكين لا يقدرون على شيء ارجع تحت الزيتونة حتى نعالج لكم شيئأن وأراد أبو هارون وتلامذته جادو فحازوا على أبي سليمان فدخل ليصافحه فأعرض عنه فقال أبو هارون تبت إلى الله أيا الشيخ، فقال له أبو زكريا جرثومة من جراثيم الإسلام خرجت وتركته فقال أبو هارون موسى فإذا ماذا أفعل قال ترجع إلى توكيت وتأتيك معيشتك هناك، وترسل إلى أبي زكريا ففعل، فلما أتاه ساروا إلى جادو، وانحاز أبو زكريا بمن معه ليسلم على أبي عبد الله جنون في اندماد فخرج إليهم وصافحهم، فلام رجعوا جازوا على أبي سليمان فأعرض عن أبي هارون فقال تبت إلى الله أيها الشيخ إلى، ثلاث قال جاز أبو زكريا إلى اندما فجاز معه أبو هارون فقال ابن جنون رحم الله الأنري. (2/38)
صفحة 329
ومنهم عبد الله محمد بن أبي يحي الدرفي وحقه أن يذكر مع أخيه أبي داود وأبيه وجده أبي محمد ولكن أخر لمر ما وكان شيخا فاضلا ووكان تقدم حاكما ثم عزل فأغتابه الشيخ طاهر ثم أتى يسأله الحل فقال لا أحل شيئا حرمه ا للخ ولم يجعله من الغيبة في حل، وذكر أنه لما حج له من أذخذ منكم دار جدكم أبي محمد في نصيبه وهي المشهورة بدار بني عبيد الله هو الذي تكون الربكة فيه وفي ولده ولم يبق من ذرية أبي مرداس إلا امرأة فولتها نفوسة رشدوا ، فلما رجع اقتسم هو وأخوه أو داود وهو الحاكم يومئذ فأخذ أبو عبد الله الدار وأخذ أخوه فدان زيتون في أدرف فرجع الخير والبركة في ذرية أبي عبد الله وكان أخذ العلم من أبي سهل البشر بن محمد هو أبو الربيع وأبو عمرو والخير .
ومنهم أبو حكم وكان عالما وتقدم، أنه ممن أخذ العلم من أبي سهل.
ومنهم عيسى بن محرز التاردينتي وعنده قص طاهر بن يوسف حين انتقل من يفرن ومشي به في الجبل وجمع له مالا وصلة وتمام حديثه يأتي بعد. (2/39)
صفحة 330
ومنهم الشيخ التقي طاهر بن يوسف وكان مستجاب الدعاء قال الشيخ مغر بم محمد البغطوري أن أصل عمى طاهر بن يوسف من ساحل المهدية وهو من هروغة، وكان في أيام المز بن باديس وقطع عليهم الزيتون بشيء معلوم من الخراج يعطونه وقتا معلوما فلما حضر وقته في بعض السنين اجتمعوا ليعلموا ما يلزمهم فقرأ عليهم الكتاب ما يلزم كل واحد، فبلغ الشيخ اهر فقرأ أن عليهم سبعين قفيزا زيتأن وقال المعز للقارئ اقرأ بعد أن أطرق إلى الأرض فلما رفع بصره قال ناولني الكتاب فقرأ على طاهر بن يوسف سبعمائة فيزا زيتأن قال الشيخ فدبرت فرأيت أن ما عندي من المال ما يخلص ذلك فأردت الانتقال فإذا افريقية مثل حوض الدم أي قل حلالها لاختلاط الأموال وكثرة الريبات فطار قلبه منها فأراد جلب نفوسة فدعا الله أن لا يدخل الجبل بشيء من أموال افريقية وأن يسكن منزل الطرف وأن يرزقه الجنة، فحمل ما معه من الحلي والناض فلما بلغ بحر جربة أرادت امرأته أن تغسل يديها فتلفت الخريطة التي فيها مالهم وطلع إلى يفرن وكانوا إذ ذاك غير وهبية إما خلفية أو حسنية أو مستاوة م فرق الإباضية فجمعوا له ثلاثمائة مد شعير ، فرأى في المنام أن واديا من زفت واديا من قطران تبعاه فتأوله بمال يفرن فجمعهم فقال لهم شيوخ نفوسة سشمعوا بخبري ولا يمكن لي القعود حتى أراهم فنزل من تاغما وطلع إلى تارديت وخلصه الله من ريباتهم، ونزل على الشيخ أبي موسى عيسى بن محرز فمر به إلى سوق جادو فبات ليلة الجمعة فلما أصبح وفرع من المجلس تكلم الشيخ عيسى فقال هذا شيخ من أشياخ أهل الدعوة خرج من بلده بما علمتم وبلغكم فاجعلوا له صلة فأعطى كل واحد ما سهل عليه فجمعوا ستة وخمسين دينارا فرفعها التارديني ونزل به إلى جناو فجمعوا أربعين قفيزا زيتا ومر به إلى شروس وذلك في أيام أبي عمرو ميمون بن محمد فجمعوا له أربعين دينارا فسكن في أشفى ، وهو منزل الطرف ونطمع له إجابة الدعوة الثالثة، وهي الجنة وكان من أولياء (2/40)
صفحة 331
الله الصالحين ، وذكر بعض الأشياخ قال زرته مع أمي في رمضان مع صغر سني وصنعوا له طعاما لغذائه فأكلت معه لأنه صار في حد أرذل العمر وكان مستجاب الدعاء صاحب براهين، وتقدم أن أبا الربيع إذا استقبل رمضان أرسل إلى عمي طاهر بن يوسف وإلى العجائز أن يصوموا عنده وفيهن أم ماطوس وكانوا يقرؤون والشيخ طاهر قاعد تحت مطلع الآذان فتكلم من في القراءة قال الشيخ طاهر رأيت كهيئة الرجال البض قاموا من المجلس حين تكلم .
ومنهمم أبو يونس بدين الفرسطائي كان من العلماء المشار إليهم بالأصابع أخذ العلم من أبي ذر صدوق عن أبي مرداس وأخذ عنه أبو حسان خيران بن ملال وهو ممن جازت عليةه نسبة الدين . (2/41)
صفحة 332
ومنهم أبو محمد عبد الله بم مطكود وكان عالما ورعا عاملأن وفي السير يختم القرآن في كل جمعة ثلاث مرات وفي صلاة الجماعة مرة ومرة منفردا وكان يندب نفسه ويقول يانفساه قولي خيرا تغتنمي واسكتي عن شر تسلمي ولا تفعلي هذا تندمي، وإذا كره مصافحة أحد أجهر بقراءة القرآن حتى يذهب وأخذ العلم عن أبي الربيع، وعادته إذ كان تلميذا عند أبي الربيع في ابناين إذا قاموا للطعام فيحرم للصلاة فيقرأ في الركعة الأولى البقرة وفي الثانية بقل هو الله أحد، فإذا س لم أعطوه في يده فيأكل وقيل يصوم هناك على نصف صاع بصاع ابناين، ومن شدته في الأمر والنهي أنه ينزل أهل الجملة جميعا في السجن لأنهم استحقوا ذلك عنده ، وله أرةبع بنات وقال لرجل له أربع بنات ما أتحير من شأن بناتي كما لم أتحير من شعر رأسي ، وفال الآخر وسمه جعفر أنا متحير منهن وترك للعزابة والطلببة مفتاح مخزنه من احتةاج منهم إلى شيء أخذه، وقال ثلاث لا أريد أن يحول بيني وبينها احد الآذان والاقامة والفتيا ، وكان لا يستأذن اهل المسجد علىالآذان والإمامة كل مسجد أدركته فيه الصلاة أذن وصلى ، وكان لايقدر على أشغال الدنيا خرج مرة إلى حصاد زرعه ملأ يده فأوجعته ، واشتد عليه الحر فوضع من يده الزرع وانصرف إلى شيخه في ابناين ، فحصد بعد ذلك زرعه أهل منزله ولو جمع له الحطب والنار واللحم ما قدر أن يشوي ويأكل واصطحب في صغره مع الأشياخ وفي كبره مع التلاميذ طلبا للسلامة. (2/42)
صفحة 333
ومنهم أبو بحر الفزاني وكان مذاكرا ناصحا وهو من أهل تافراوت،وفي السير صلى بهم العيد بنحو أربعمائة ثم صلى العيد المقبل بنحو المائتين أو المائة فلما قضى التفت فقال انتقصتم فربّي يعلم ما يحل بكم ثم أخذوا في النقصان، فصلى العيد بخمسين فالتفت فقال لهم كمقالته الأولى ثم أخذوا يتناقصون فما بلغ العيد الرابع إلا وصلوا بثلاثة هو وابناه ، فقال بادروا بالرحيل فأخذوا في الرحيل ففاجأهم العدو فقتلوا ما قتلوا ومات ابناه ولم يجدوا ما يقتلون فيه من الكبر ، والسخطة تعم. (2/43)
صفحة 334
ومنهم أبو مسور يسجا بن يوجين اليراسني ممن خدم الدين وخدمته للدنيا ونال منها الدرجة العليا ، أخذ العلم من معدنه أبي معروف واقتنص الأناسي من عيون التعريف فساد كل فائق وحاز قصب السبق عن كل سابق ، وذكر أن أكثر وهبية جربة اهتدت على يده وكانت قبل على مذهب الخلفية من الإباضية ، وكان يسمع بها من النكار أذى كثيرا لما يرونه أنه غريب فجمعهم يوما أمر اجتمعت فيه أهل جربة وقد اتصل الخبر بالبلدان فما يؤذي به من الكلام وممن حضر المجلس من الناس خلف بن أحمد عالم النكار وعميدها خال أبي مسور ،فبينما هم في محفلهم مجتمعين وهيبتها ونكارتها إذ ورد عليهم كتاب من قبل زواغة البادية وفيه سمعنا يا شيخ أن النكار يقعون فيك ويؤذونك بالهمز واللمز فإن صح أعلمنا نصرخك وما علينا إلا الأرز والسلاح رغبة في نصرتك فقال لا علم لي بهذا ، فإذا بكتاب ثان من قبل دم وفيه بلغنا أن النكار يسيئون إليك فإن صح نصرناك بعسكر أوله عندك وآخره عندنا ، فقال ما لي بهذا علم وما استتمو مجلسهم إلا وكتاب ثالث من أهل نفوسة وفيه ما في الألين وزيادة كسرنا غمد السيوف ونصل وهي ملصقة في أيدينا ، فقال لا علم لي بذلك فكأنهم تواعدوا فملئ النكار رعبا لما علموا من الحزم والجد وعدمن الغفلة عنه فكانوا يعظمونه ويوقرونه وكان عميدهم خلف يقول في مجالسه ، أبو مسور ابن أختي إمامنا أجمعين لحمي لحمه ودمي دمه واختلف معهم مرة في مسألة وخلف ابن أحمد غائب فلما حضر سأله أصحابه فوافق أبا مسور فبلغه الخبر فقال لهذا تقول العلماء لا يعوج قول العالم وإن كان مخالفا ،وسأل أبو مسور عما يقرأ عنده من حضره الموت فقال ما سألني أحد عنها منذ فارقت أبا معروف فقال { يأيتها النفس المطمئنة.... } إلى آخرها (سورة الفجر -27) ووضع مرة طعاما بين يدي التلاميذ بعد أن غسلوا أيجدهم فخرج لفم يأكلوا حتى رجع فقال مالكم لا تأكلون أخشيتم أن أغرمكم كلوا وإن شئنا غرمناكم، وعزاه الشيوخ في ابن (2/44)
صفحة 335
مات له وتذاكروا ما فيه تسلية فقال ما الصبر الجميل وصفته فقالوا منك الجواب، قال لا تظهر المصيبة على وجه المصاب، قال وهل أسهل من هذا قالوا منك الجواب قال ما لم يتغير وجهه قال وهل أيسر من هذا قالوا منك الجواب قال ما لم يبك قال وهل أيسر من هذا قالوا منك الجواب، قال ما لم يصح ويدعوا بالويل لأن البكاء يكون من الرحمة.
ومنهم الشيخان القدوتان أبو القاسم يزيد بم مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف الوسيانيان رضي الله عنهما كان ا مسكنهما بالحامة، تعلما الكلام عند حسنون بن أيوب، سائر العلوم من اللغة والقه والتفسير وسائر الفنون عند أبي الربيع سليمان بن زقون، وأخذ عنهما رضي الله عنهما خلق كثير من جملتهم أبو نوح سعيد بن نغيل، وكان أبو القاسم غنيا ذا مال واسع وأبو خزر يخدم ويكتسب على نفسه، وكانا يقرآن كتابا واحدا فإذا قام أبو خزر إلى بعض أشغاله قرأ أبو القاسم فإذا رجع ابتديا من المكان الذي ذهب عنده فيقو له أبو القاسم لي مرتان ولك مرة فبلغا في العلوم مبلغا عظيمأن فقعدا يقرآن العلوم والأدب وسير الصالحين واشتهر أمرهما وعلا ذكرهما وأبو القاسم ينفق على من يقرأ وقلوا لأبيه ابنك مجنون يعلم ويطعم ويعطي، وتزوج الغاية وقد قيل عن بعض الطلبة تزوج لأن يبلغني الموت مت الطالب أحب إلي من أن يبلغني تزوجه، فقالت له زوجته الغاية لم تزوجت إذن قال ولو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها رحالي، وتقدم أن عبدالله بن الخير علق زاده لطلب العلم قال وما أخاف أن يعذبني الله إلا على الجهل، وسمعت الغاية أم من قرأ سرا ولم يحرك شفتيه انتقضت صلاته فأعادت صلاة السنة في ليلة، لأنها كانت تكيف من قبل، وقصد الشيخين نكارى فأظهرا لهما الرجوع إلى مذهب الوهبية فمكث دهرا طويلا معها يتعلم وهو ينتهز الفرصة في الغدر وكانوا في بعض الأحياء فذهب الشيخ أبو القاسم ليتهيأ لصلاة الظهر وتباعد عن الحي وذهب كل من الطلبة لشأنه فصادف من الشيخ غرة فتبعه وهو (2/45)
صفحة 336
لا يعلم به و قد أخذ رمحا من رماح التلاميذ فطعنه من خلفه وكان الشيخ لابسا محشوة فأخذت ثيابه جانبا فظهر إمامه وسلم جسده فابتدره الناس من كل جانب فأخذوه فجروه وسحبوه ولم يريدوا أن يحدثونا به حدثا إلا عن رأي الشيخ، فقال رجل أذهب وأشاور الأشياخ، فتوارى ساعة و رجع وقال قالوا اقتلوه فقتلوه ولم يشاور الأشياخ، وقال لأبي القاسم وقال لأبي القاسم بعض نفوسة ورآه راكبا بغلة بسرج محلى بالذهب ليس هذا بسيرة أهل دعوة فبكى ثم رجع إلى الجبل فاخبره أهل الجبل بأنه وعظ الشيخ بكى قالوا له إنما بكى من جهلك، وكان له عشرون جملا محلاة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان وكان مشهورا بالعلم والأدب عظيم المنزلة شديد الورع وأهل القيروان يعرفونه بذلك وإذا دخلها اضطربت المدينة يسألونه عن المشكلات ويستفتونه بل يدخرونها لوروده من موافق ومخالف، وعن أبي نوح أن أبا القاسم جاز بها على وراق يسمى إبراهيم المشبه يكتب تشبيه الله تعالى بخلقه فعجب منه وجرى بحث كثير قال فيه إبراهيم فعجب منه وجرى بحث كثير قال فيه إبراهيم إذا لم يكن الله جسما وعرضا وله صورة فيكف يبطله من أراد إبطاله، قال أبو القاسم فيقل مثل قولك فانقطع، فسأله بعضهم عن بيت كيف ينشد قال بكسر اللام ومن أنشده بالفتح فهو ذم فقال القروي لأصحابه أبو القاسم تعالم كبير ولما بلغ أبو القاسم ما بلغ عظمت منزلته عند الملوك وكان سلطان المغرب أبو تميم وكان له راية حمراء علامة لسخطه على من أرسلها (2/46)
صفحة 337
إليه فأرسلها بجيش إلى الحامة فسمع بها أبو القاسم فأتى القيروان فشفع فيأهل الحامة بلده فشتمه وأعطاه راية بيضاء مشهورة لرضاه فأسرع بها فأدرك الجيش عند وصوله فرجع وقال أبو تميم في أبي القاسم لم تلد العرب مثله ، وقال في أبي خزر عالم ورع ، وذكر أبا نوح فقال فتى مجادل ، ودخل أبو القاسم عل أبي تميم فطابه أن يوريه ذا الفقار سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراه له فسله وهزه ثم رده قال أبو تميم لم آمنه على نفسي إذهزهحتى رده ودخل يدي، وتخوف أبو تميم من جهة أبي القاسم وعمرت نفسه بذلك وكثرت وزراءه الطعن فيه ، وذكر أبو الربيع سليمان بن يخلف أن أبا القاسم تكلم مع يهودي فقال له لم بق إلا يسير فنخرجه من تلك المدينة فأفشى سره لأبي تميم وعاتبه المشايخ على إفشاء سره لليهودي وقالوا له أحسن الله عزانا فيك ، وكان أبو القاسم يخرج أيام الربيع إلى أحياء مزاتة، وكانت عدتهم وعددهم في قوة وكثرة قيل اثني عشر ألف فارس،والجل يعد كثرة،وقالوا لأبي تميم يريد الخروج عليك فكتب إلى عامله بالحامة بقتل أبي القاسم فتكا ولم يرد قتله، فأشار عليه العام بالمسير إلى الحج قال حججت قال إنكم الوهبية تستحبون إعادة الحج وترون فضله،قال ليس لله علي أن أحج مرتين ، ثم أشار عليه أن يخرج إلى ورجلان قال لست أن أخرج من الدنيا وأنا حي ، وفي حفظي قال رز نفوسة فلم يفعل فاستبطأ فعله أبو تميم وكتب إليه كتابا ثانيا ثم ثالثا يقول إما رأس أبي القاسم وإما رأسك فأرسل إلى أبي القاسم فركب فأتاه فأراه الكتاب الأول والثاني والثالث فتيقن الشيخ بالموت فقال أمهلني أصلي ركعتين فلما قضاهما بادرته الرجال بالسلاح فطلع العامل إلى علو لم يرد أن يرى أبا القاسم في تلك الحال لما بينهما من الخلة وكان بيد أبي القاسم سكين فدافع عن نفسه ففرقهم ففرح العامل وأرف ثم اجتمعوا عليه الباب ثم دفعهم وفرقهم ففتح العامل الباب واطلع عليه فمازالوا معه كذلك حتى قتلوه (2/47)
صفحة 338
رحمه الله، وبادروا أبا محمد ويسلان فسجنوه فشكاه أهل السجن لكونه يسهرهم بالدراسة والقراءة فأخرجوه وإذا سأل بعد ذلك عن السجن قال يصلح لدراسة القرآن ، فلما قتل بلغ موته في أهل الدعوة مبلغا عظيما وعزموا على الطلب بدمه وشمر أبو خزر لذلك معه من المشايخ إلا أنهم لا يريدون أن يحدقوا حدثا إلا عن رأي أهل الدعوة، فخرج أبو نوح إلى طرابلس ونفوسة وكان القائم بأمورهم أبو عبد الله ابن أبي عمرو بن أبي منصور قد تقدم التعريف به فجمعهم وشاروهم فقالوا نحن في تمام الضعف من وقعة مانو ولكن إذا تهيأتم نعينكم بما نقدر فأتى جربة فعزم العامة على الطلب بدم الشيخ وأبى أبو صالح اليهراسني وقال لا تهيجوا على أنفسكم أهل الخلاف فإنهم أكثر منكم عددا ومددأن فرجع أبو نوح واخبر أبا خزر بما عند (2/48)
صفحة 339
أهل طرابلس واتفق رأيهم فكاتبوا بني أمية بالأندلس والكاتب أبو نوح فأخذ الكتاب في الطريق وأوتي به أبو تميم وزاده ذلك حنقأن وممن كره قيامهم أبو محمد ويسلان وقال لأبي نوح وقد أكثر النجوى في شأن القيام ستعلم من أين تخرج نجواك فلما سمع أبو تميم بتهيئهم للخروج أشفق وأرسل إليهم جماعة من المشايخ أن ارجعوا إلى بلادكم اللاتي توليتموها من تيهرت والجريد ونحن في بلادنا وكان ذلك مراد أبي خزر ولكن العامة أبت إلا مناصبة أبي تميم، وأرسل أبو خزر إلى الزاب وأريغ و وارجلان أبا محمد جمالا يستنفرهم وذكر يعقوب نب إسحاق أن أهل وارجلان خرجوا في العدد والعدة لما وصلتهم رسل أبي خزر واجتمعت جموع مزاتة على أبي خزر ولم ينتظر المدد وبايعوه على الدفاع والطلب بدم أبي القاسم فإن ظفروا بايعوه للظهور ونزل على باغاى وحاصرهم اشد ما يكون فصاروا يرشون أهل العسكر ويمنوهم، فقبل بعضهم الرشا وقالوا أن قبيلة بانة تخلفتهم على أموالهم فانهزموأن وكانت الهزيمة في الجميع وصارت الأشياخ والتلاميذ يذودون خلف الناس وكان أبو نوح على فرس أدهم فإذا لجوه رمى نفسه إلى الخندق ونفس على خلق كثير، وقيل عهن الشيخ عبود الكزيني قال له الطلبة نخشى إن وقع ما نكره أن تذهب بفرسك وتتركنا قال لا أذهب عنكم فوفا لهم ما قال وشكل فرسه حتى استشهدوا جميعا ،وعن أبي زكريا ابن أبي زكريا رضي الله عنهما أنه قال مات في ت لك الواقعة من التلاميذ عشرات لم يفتهم أبو نوح إلا باللغة ، عن يحي بن أبي يحي عن أبي عبد الله محمد بن أبي أحمد عن وانودين أن أبا محمد لما استنفر أهلا الزاب وأهل وارجلان خرجوا في جموع كثيرة مع خزرون بم فلفل ولم يبق بينهم وبين باغ إلا مقيل فسمع بخير الهربية فرجع وال أبو خزر عجلنا بالتلاميذ وقيل رأى ثلاثة رجال في ليلة واحدة ثلاث رؤى أن يسموا هذا الوقعة وقعة الشهداء ، وانتقل أبو خزر إلى جبل نفوسة بعد أن اختفى أربعين يوما في جبل وما معه إلا رجل (2/49)
صفحة 340
واحد وخرج أبو تيمم مجدا في طلب الشيوخ بعسكره وفرق عيونه في أثرهم فصادف أبا نوح يرعى إبلا فقيدوه وحمله على جمل وطافوا به الأسواق وأمه تتبعهم ، فقالوا لا تلد السبع إلا اللبؤة فلما نزل لعسكر آخر النهار وأنزلوه بادر تميم قبل أن يقتل فقال صاحب السجن ادخل في الخباء واستراح وأزل فعلمت أني لا أقتل وكان يأتيه بعضهم ويقول تركت القوم يقعون فيك ويأكلون لحمك فأقول مولانا خير منكم فيبلغ ذلك أبا تميم فيعطفه على وكان الرجل بعد أن عفا عن أبو تميم يأتيني ويقول يا حبيبي يا حبيبي فقلت له يوما هل رأيت حبيبا يأكل لحم حبيبه قال نحن رجال الملك من أحبه أحببناه ومن كرهه كرهناه، وأجمع أبو تميم أصحابه على الكتاب الذي كتبه إلى بني أمية وقال لهم يهودي أنا آتيكم بخطه بينما أنا في السجن إذ أتاني ببطاقة ومحبرة قال اكتب إلى مولانا اطلبه أن يعفو عنك واعتذر له وترك البطاقة وجلس ساعة ثم خرج فأخذت أكتب فكتبت بسم الله الرحمن الرحيم فألهمني الله وتذكرت الكتاب الذي كتب إلى بني أمية فخفت أن يكونوا أخذوها وأرادوا استخراج خطي فأخذت القلم وقطعت ما كتبت ثم بدلت خطي ثم بعد ساعة دخل اليهودي وأعطيته الكتاب فجمع الكتاب والوراقين فقاسوا بين الخطين فتركوا قوله وأحضر أبو نوح وهو في القيد والإضمار ، وأبو تميم ف قبة حمراء على سرير احمر وحوله رجال بأيديهم الحراب فهاله ما رأى و أيس كمن الحياة وسلم عليه وأطرق أبو تميم مليا ثم رفع رأسه فقال ياسعيد أحقا كاتبتم فينا بني أمية قال له أبو نوح أن تقبل حجتي ويرفع عذري تكلمت و إلا فمولانا يفعل ما يشاء قال بل يقبل عذرك ،وكان أبو نوح فصيح اللسان كثير البيان كيف نكاتب بني أمية ومأمنهم وفد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل وصفين وهم الشجرة الملعونة التي ذكرها الله في القرآن ، فملا سمعه أبو تميم سره وتبسم وانطلق وجهه فدفع إلى الكتاب الذي كتب (2/50)
صفحة 341
إلى بني أمية فقال أنت كتبت هذا الكتاب فقلت والله ما هذا كتاب كتبته بيدي فاختلفوا في يميني فطائفة قالوا جعل ما زائدة وقال بعضهم لا يفطن لمثل هذا فقال أبو تميم لو صادفتني يوم باغا أتتركنني لغيرك قال أبو نوح لا ، فصدقه في جميع ما قال ، قال أبو تميم إن القيود دخلت في رجلك بالعلم ولا تخرج إلا بالعلم قال أبو نوح عسى الله أن يجعل ذلك كفارة لذنوبي فغضب وقال أفنحن مسيئون فيك قلت ليس في ذلك ما يدل على إساءتك ألا ترى أن الله يبتلي عباده فيصبروا فيؤجروا وليس في ذلك ما يثبت الإساءة لله فزال غضبه، فطلبته العفو فعفى عني ، فخرجت فأرسل إلى بثياب نفيسة وأمر بنزع الأغلال الاضمار، فأرادوا أخذها فأبى أبو نوح وقال مال مولانا كله حسن فبلغه ذلك عني فزاد في كرامي، وكان يرسل إلى مرة بعد مرة فدخلت عليه تمرة وقد أرسل إلى فسألني عن أبي خزر أين هو فقلت لا أعرف فقال تأتي به دراهمنا حيث كان فقال أنخشى فقلت إن أعطيت الأمان للناس في بلادهم لا تخشى أمره و إلا خشي أمره،فرآني فصحته فبعث في أقاليم الوهبية كلها بالأمان ، وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث أن أهل الدعوة إلى يومنا هذا في ذلك الأمان وحدث إبراهيم بن أبي إبراهيم أن أبا تميم أملا الخازن أن يملأ كم أبي نوح مالا دراهم ودنانير وكان الخازن يجعل فيه ، وأبو نوح يرخي كمه حتى كاد لا يقوم به فأخبر أبا تميم فأرسل خلف أبي نوح عينا ينظر ماذا يفعل بالمال فلما برز إلى باب القصر صار يقبض من المال ويعطي من المارة حتى بقي القليل فرجع الجاسوس وأخبر أبا تميم بأنه مجنون لفعله بالمال قال ذلك أبو تميم هو منتحل الرئاسة ولا جنون به ،وكان أبو تميم من العلماء وعادته يجمع علماء الفرق يتناظرون بين يديه وكان أبو نوح غاية في العلم والفصاحة والرد على من خالفه وارتفعت بذلك درجته عند أبي تميم وسأل أبا نوح ما الدليل أن لهذه الصنعة صانعا وأجاب جلساؤه بأجوبة غير (2/51)
صفحة 342
مرضية قال أبو نوح فرأيت أبا تميم كأنه يريد الجواب وتأدب أبو نوح فقال جوابك مفهوم من سؤالك لأن الصنعة بنفسها دليل الصانع ولا صنعة بغي صانع ،وذكر بعض المعتزلة بين يديه يوما أن اسما من أسماء الله متغايرة كزيد وعمرو لأن الأسماء عندهم هي الألفاظ كمستاوة، وقال أبو نوح أن يكون الله غير الرحمن وأن مغيرا غيرهما جعل هذا غير هذا فأراد الجواب فأنكر أبو تميم قوله وقال هذا الكفر بعينه، ثم إن أبا تميم عرف موضع أبي خزر بجبل نفوسة فأرسل إليه بالأمان وكان القائم بأمره بجبل نفوسة حاكمها يومئذ أبو زكريا بن أبي عبد الله وقد تقدم وقد خرج أبو خزر يريد أبا تميم ، فلما بلغ قابس أرسل إلى أبي نوح وقال تلق أبا خزر صاحبك أنه بقابس فقلت أرسل معي خيلا من مزاتة فأرسل نعي ثمانين فارسا ، وكانت من أهل الدعوة فطعن بعض جلسائه وردها أبو تميم إلا ما قل فلما التقيا بقبس تعانقا وبكيا قال أبو نوح أما تخاف يا شيخ على نفسك قال إنه أعطاني أمانا وعهدا ، وعادته لا ينقض العهد ،فلما دخلا على أبي تميم رفع منزلة أبي خزر وعظم شأنه ويقعده معه في سريره ، وغيره من الناس وقوف بين يديه ، وافتتح أبو تميم مصر من القيروان وأراد التنقل إليها وأراد الخروج بالشيخين خشية أن يحدثا بعده بإفريقية حدثا من قيام على عامله فكلمهما فقال أبو خزر كيف بالقعود خلفك ،وكره أبو نوح الخروج إلى مصر فأخذ ماء نخالة الشعير أي ما بلت به واغتسل به واصفر، وسأل عنه فقيل مريض فأتاه وهو مصفر الوجه ،وخرج أبو تميم ومعه أبو خزر فأنشأ أبياتا على مفارقة الإخوان والأوطان ، واستخلف أبو تميم على إفريقية يوسف بن زيري بن مناد وذلك في عام اثنين وستين وثلاثمائة ولما استخلف يوسف بن زيري الصنهاجي أوصاه أن يشفي نفسه في زنانة زمزاتة، وقال تركت لك بإفريقية مائة ألف منزل فاجعل في كل منزل فارسا تكتفي بذلك وتأتي على كل من حاربك ، وانتقل إلى مصر ومعه الشيخ أبو خزر قلما بلغوا عظموا (2/52)
صفحة 343
درجة أبي خزر وحسده الوزارء والأصحاب فطعنوا فيه ،وسار مرة وتعرض له زرع وشقه ومال عنه الشيخ وقيل عدل عن أتباعك فقال له لم نسلك طريقك للحديث إذا غابت الثريا لا يدخل الزرع إلا ثلاثة ساقية أو واقية أو ناقية، ولست بواحد منهم وأنت واقية ، فتعجب من حسن ببداهته وقال لأصحابه ألم أقل لكم لا تقدرون على بغلأن وسمع أهل مصر بأن أبا تميم أتاهم بعالم المغرب فاجتمع فقهاؤها على امتحانه وهأبو ه فاتفق رأيهم على أن يصنعوا طعاما فيأكلون قليلا فيقومون فإن قام لقيامهم طمعوا فيه و إلا فلا طاقة لهم به ، فأحضروا الشيخ للطعام فأكلوا قليلا وتأخروا ولم يشتغل بهم حتى قضى حاجته فهأبو ه وتركوا معارضته، وحسنت أحوال الشيخ بمصر واقتطع له أبو تميم ديارا وضياعا وأموالا ، وقال وما همني إلا ذهاب مسائل الرخص ولكن أضمن الجنة لمن عمل بقوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ...أولئك هم المتقون } (سورة البقرة -177)، ومن خفض عيشه ورغده يتمنى عشرين من طلبة أهل الدعوة يتعلمون عنده ويتحمل بما يحتاجون من اللباس والطعام، أبو ة زكريا عن أبي الربيع عن أبي عبد الله بن أبي بكر عن أبي نوح أنه قال ما أورع أبا خزر وما أجمعه لخصال الخير من العم والعمل والحلم والفراسة، وعادته إذا صلى الصبح بالناس استفتح بالقرآن ثم يتنحى ناحية يتضرع لربه حتى تطلع الشمس والتقى بنو يفرن و بنو واسين في حرب وانهزمت بنو واسين فبلغو ا الحي وأخذ بنو يفرن في السلب وأدرك بعض السلابة الغاية زوجة أبي القاسم فأخذ في سلبها فرمى أب خزر بفرسه عليهم، وكان قبل واقفا وهزمهم فلما أصبح سار إليهم وطلبهم للصلح ومازال حتى أصلح ذات بينهم ولم يكترثوا بما فعل بالأمس، ورأى لوحا بيد إنسان فتبعه فإذا به نكارى فرجع ثم أتاه التلاميذ بعد ذلك فقال أنا لنقع في غيركم بسببكم لأن من غيب وجهه عن أخيه في الله فهو هالك، وكتب له أبو نوح إلى بعض المسودة ودعا له بما لا (2/53)
صفحة 344
يستحقه إلا المتولي والإمام العدل قال له أبو نوح إن فعل هذا بالكافر قال له أنا معهم بحالة لو قلنا لهم لكم الدنيا والآخرة لو سمعنا ذلك يعني تقية ، ولما وليس أبو تميم ابنه فرط في حق الشيخ وغمره الخمول فقدم معتزلي يطلب المناظرة ففحم فقهاء مصر فشق علهم ذلك وشكوه إلى السلطان فاستشار أصحابه في أمر المعتزلي فقال له ذووا السن عليك بأبي خزر عالم المغرب الذي قدم به أبو ك يكفيكه فأرسل إلى أبي خزر يخرج لمناظرته فقال لرسول لا ثياب لي تصلح لحور المجالس ولا مركوب ، فأرسل له بثياب وبغلة فركب وخرج فناظره فغلبه فقال أين تعلمت قال في بلاد الشيخ قال حاشا بلاد الشيخ أن يتعلم مثلك فيها وحدث أبو سليمان صاحبه إلى مصر قال أبو خزر ما دخلت معه في فن إلا وغلبته و لحمد لله ، قال أبو سليمان قلت له وهو يقرأ مصحفا لم لم تنظر في كتب ا لعلم قال إنما ينظر فيها من يستفيد منها وإن لم يستفد فقراءة القرآن أفضل ، ومن خشوعه وسكونه في العبادة أنه صلى مرة بالناس فنزل الطير على رأسه وضحك بذلك من خلفه فنقضوا وأتم ، وقبل أن يموت أبو القاسم هو الذي يتقدم ، ومن تواضع أبي خزر أن أقيمت الصلاة وفقد أبو القاسم فتقدم أبو حزر ثم حس بأبي القاسم فتأخر وتقدم أبو القاسم ، واختلف أبو خزر وأبو القاسم في مسائل من قال لا إله، ولا حول وقوة ، فسكت ، فقال أبو خزر أشرك وقال أبو القاسم مسألة احتمال ولا يظن بالمسلم إلا الخير والحمل فيها يحتمل على أحسنها ،، وقال أبو القاسم الأم أعظم حقا لأنها أعظم مؤونة، وقال أبو خزر الأب أعظم لأنه المأخوذ بحقوق الابن ،وقال أبو خز فإما نال خيرا وإما لن ينله ومن لم يجاهد فلا ينال خيرأن وقال أبو القاسم الأول ينال خيرا على كل حال والثاني فيه احتمال . (2/54)
صفحة 345
ومنهم أو بنوح وتقدم كثيرا من أخابره في أخبار الشيخين واسمه سعيد بن زنغيل تمارض وتخلف عن أبي تميم بل أراد التخلف وهرب وقصد وارجلان بأهله مستخفيا خشية أن ينتقل إلى مصر فلما بلغ الخبر إلى أبي صالح جنون يمريان قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين، فلما استقر بها أكرمه أهلها ورفعوا قدره وواسوه بمالهم وأعطاه أبو صالح بيتا مملوءة إلى السقف تمرا وأجرى عليه مائدة بكرة وأخرى عشية وقعد معه يوما فطال معه الكلام فقال له أبو صالح اجعل يدك في جيبي ما وجدت فيه فاغسل به ثيابك فوجد سبعين دينارأن فقال أبو نوح من بان له أخ مثل جنون فلا يعدم شيئأن وكانت جماعة وارجلان يجتمعون إليه في مسجد جنون فقال له يوما بعضهم حدثنا الليلة بجميع ما حفظت قال كيف أحدثكم بما أكلت في تعليمه القرآن [أقفرّه] ملح ليلة، ث أراد الرجوع إلى بلاده فقال أبو صالح اقعد وأقاسمك في كل ما أملك، وكان ذا ربع كثير فأبى وتوجه إلى افريقية فوجد الأمور تبدلت وتغيرت عن حالها حتى قال له بعض أصحابه أخرجك من ورجلان وقد أحسنوا القيام بأمورك أجمع قال الأخوان والأصحاب، وكان يتقلب بين قصطالية وافريقية، وتلقى وجنين مقدم درجين، وقد قدم من عند المنصور سلطان القيروان وكان ذو مكانة عنده، ومع أبي نوح أصحابه، وتلقته كبراء مستاوة أيضا وسبقوا الشيخ إليه فقال لأصحابه اقعدوا فإن سلم عليهم قبلنا هجرناه فلما قربوا منه صرف فرسه عن النكار إلى الشيخ فقال أبو نوح قدموا فلما قربوا منه نزل عن فرسه وتلقاه وتلقاهم، قال أبو يعقوب يوسف بن نفاث كأني أنظر إلى ويجنين يسعى إلى الشيوخ وعليه ثوب خز و[أشبروه] يأخذ في ثوبه حتى صافحهم واهتزوا لفعله ودعوا له ولولده من بعده، وأرسل إلى الشيخ المنصور فأتى ويجنين فشاروه وقت الهاجرة فقال إن أردت المسيرة فلا أخاف عليك وإن لم ترد كفيتك ولو خالفت عليك، فسار فأكرمه المنصور وقرب مجلسه وقال المنصور إن سيفي للوهبية ورمحي، واجتمع يوما من (2/55)
صفحة 346
ابن حمو بين يدي المنصور فتناظرا فسأله أبو نوح عن علامة الصنعة قال الحدث والحركة والسكون والانتقال والزوال ، قال قلت له كل محدث مخلوق قال كل مخلوق محدث لا عكس قال أبو نوح من الحدث مخلوق وغير مخلوق فليزم أن القديم خالق وغير خالق قال القديم كله خالق، قال أبو نوح المحدث كله مخلوق فوافق ، قال أبو نوح والكفر محدث مخلوق قال الكفر مخلوق لي ، قال أبو نوح فهو إذن مربوب لك ومَأْلُوهاً فأنت إله فعلك وربه، قال لا يلزمني ذلك المخلوق إذ كان مخلوقا لي أن يكون مربوبا لي ، قال قلت يلزمك أن يكون مخلوقا لله غير مربوب له، قال عمنا محمد بن زكريا صححتها من غير الأم لأن المسألة مشهورة انتهى، لكن ينظر قوله يلزمك أن يكون مخلوقا لله غير مربوب فأفحم وهو معتزلي ، قال المنصور ماذا يقول قلت يقول لله خلق وله خلق وكل انفرد بنا خلق قال له وقد جعلت لله شريكا وهذا هو الشرك بعينه فأجازه بإجازة سنية وأمره بالرجوع إلى أهله، وناظره مرة يحي الأعرج النكاري وكان عميدها في العلم وقدوتها ، فسأله أبو نوح عمن دعا مشركا إلى الإسلام وأخذ يعلمه التوحيد كلمة فما تراه مشركا أن مسلما إن قلت مسلما فيصح ببعض التوحيد، وإن قلت مشركا فبما ذا أشرك أبما علم أم بما بقي ، ففحم ، فقال الشيخ لا تحتشم وقفت حيث وقف أمامك عبد الله بن يزيد وعندهم أن الحجة لا تقوم إلا بالسماع وقولنا إنه أشرك بما لم يسمع ، وتناظر وهبي ونكاري فآل أمرهما إلى المشاتمة بل إلى الحرب والتقى الفريقان بفحص توزر وانهزمت مستاوة إلى تقيوس ومات منهم جماعة ، وأدرك رجل يحي الأعرج قال له لا تقلتني لأني يهودي قال لا أقتل الموحد واترك المشرك لأنه في صفة يهودي، فأرادوا حصارهم بتقيوس فأبى أبو نوح وعصوه وحملوا على الوهبية حملة رجل واحد فانكشفوا إلى توزر وكان أبو نوح في ساقة العسكر يحمي ويذود عن المنهزمين حتى غشيه النكار وحملوا عليه حملة واحدة فحال بينهم وبينه عزيز بن عيسى أخو (2/56)
صفحة 347
صابر بن عيسى وحمل عليهم ونفس عن الشيخ وكر عليهم مرة بعد
أخرى حتى أيسوا من الشيخ، وكان عزيز بعد ذلك يقول أنا خير من أخي صابر نفست عن الشيخ، وفر أخي وترك الشيخ لولا أنا لقتلته النكار ، وتمارض أبو نوح بقنطرارت فعاده أبو يعقوب يوسف بن نفاث فسأله عن حاله قال ما بي مرض لكن أظن أن عبيد الوهبية وإماءهم يغلبون جميع مستاوة ثم قامونا وهزمونا فكيف لا أمرض بقلبي ، واستشاره جماعة من مزاتة في بناء مسجد قال إن أنفق الأخيار على موضع يصلح شاوروا العامة فإن رضوا شاوروا من ينظر إليه من المسلمين ،فإن رضوا بنوه، وحبسه عامل توزر طمعا فيما ينال من الوهبية لعظم منزلته عندهم فقدمت عير من أريغ لتمتار وليس فيهم من الوهبية إلا يوسف بن توجينت ، فقال له الشيخ اشتر لي جمال أصحابك فاشترى منهم عشرين أو أقل كل واحد منها ، فتسامعت صنهاجة أن الشيخ اشترى جمالا فأقبلوا إلها وأخذوها وأيس أهلها منها فرجعوا وعاتبوا يوسف على ناقته وأحسن خدمته قال له يوسف أفدني، قال أحبب للناس ما تحب لنفسك واكره للناس ما تكره لنفسك ، وكل ما تكرهه لنفسك لا تفعله لغيرك، فلما بلغ سوف أعانه أهلها بما قدورا عليه فمن معط دنانير ومن معط حليا ومن معط جملا وجمع منها ملا وجمالا ، فأعطاها نكارى في جملة الناس دينار فاخبر الشيخ أنه نكاري فرد عليه ديناره، وقال طبت به نفسأن قال عليه السلام: (جبلت هذه القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وأكره أن أحبك)، وفيل عن الشيخ مرة بقربة ونفذ ماؤه ونزل وأراد أصحابه الاستقاء فقيل له اسمه نكارى فأمر بالرحيل ولم يستق فلما بلغ أريغ جمع له مفراوة أموالا فأعطى أثمان الجمال التي ضمن يوسف ، وقيل لما كان بوارجلان علموا أنه قام على رغد العيش ولينه وطعام الملوك فالتمسوا طباخا فظهر ذلك فيها زفي ذريتها ، ولما حضرتها الوفاة حضر لموتها نسمة من ذريتها ، وسأله السيخ أبو عبد الله محمد بن بكر عن ولد المتولي إذا بلغ (2/57)
صفحة 348
قال إن علمت منه خيرا فجدد له الولاية و إلا فقف ، قال هذه مسألة النكار في الانتقال من الولاية إلى الوقوف وهي المعلومة بمسألة الحارث وعبد الجبار ، قال أبو نوح إنما كانت ولاية الأطفال بالأتباع ثم استحقت للذات أولا وسأله عما يوريه المشبهة عن النبي - عليه السلام -لم تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه قاتل إن صحت فمعناها ما قدم لها من أهل الشقاوة كقوله تعالى: { أن لهم قدم صدق عند ربهم } (سورة يونس -2) وعنه شر ما خلق الله الكفر و الفقر فيبتلي الله بهما أهل آخر الزمان إن عاشوا فعلى فقر وإن ماتوا إلى النار ، ورجع إلى وارجلان بعد موت أبي صالح فتغيرت عليه وتنكر فجمع وجوه أصحابها فقال ظهر فيكم نكاح السر فلا ينكر الزنا على أحد إلا قال تزوجت سرأن وتطلقون عبيدكم في أموال الناس فيأخذون الجريد والليف والكرانيف فتكادون أن تسرقوا ، وأظهرتم الفرقة فقائل مسجدنا ومسجدكم ويهودنا ويهودكم فلم يجيبوه بشيء ، فاستبطأ الجواب ، وبات تلك الليلة في تين بماطوس عند حمو بن اللولو ، وسأل يهوديا بين يدي ابن الخطاب بزويلة عن رجل مات إن رمى غيره فمات بالرمية ومات الرمي قبل المرمي فمتى قتله في حال الحياة أم في حال الموت ؟ وعن من كان بالسفينة كيف يطلب الراحة والسكون لا يمكنه على حال وحار ولم يجد جوابأن قال ابن الخطاب هات جوابهن قال أما الضارب عنقه والرامي غيره إنما قتلا في حال الموت بما فعلا في حال الحياة، وأما الكائن في السفينة فله حركة الاكتساب وحركة الاضطراب فيطلب الراحة إلى اجتماع الحركتين فيقصد إلى حركة نفسه ، قال أبو نوح ناظرت عن النحلة بين يدي أبي تميم وأبي منصور وأبي الخطاب سائر الفرق ولم يبق مذهب إلا غلبته وقهرته , وركب يوما بغلته ومعه المعز بن فضالة وجدَّا في السير حتى نزلا من قنطرارة حتى نزلا بسوق فقال ما فيَّ مفصل إلا ويوجعني قال المعز وكان ماشيا ما بي من وجع فقال عليك الحج ورجع وباع من أصله وأعطى (2/58)
صفحة 349
صداق امرأته وأنفذ وصيته وقيل أنفذ وصيته ثلاث مرات وتهيأ إلى الموت وسار إلى الحج ثم رجع وصار يختلف إلى مجالس الذكر إلى أن مات، وقالوا من أراد أن يتوب فليتب توبة المعز بم فضالة.
ومنهم عبود الكزيني وكنا فاضلا عالما وافيا صادق الوعد وعليه حلقة يأخذون العلم ومات يوم باغا وتقدم أن طلبته قالوا خشينا أن وقع مكروه أن تفر بفرسك وتتركنا فلما وع ما كرهوا شكل فرسه وذاد عنهم حتى مات معهم.
ومنهم أبو صالح جنون بن يمريان رحمه الله كان عالما ورعا سخيا ذا كرامات تقدم من أخباره ما يكفي وهو أحد أقطاب الدين [وثمال] اليتامى والمساكين وتوجه أبو صالح بكر بن قاسم وأبو زكريا فيصل وأبو موسى عيسى بن السمح زائرين أهل أريغ ووارجلان فلما دخلوا علي أبي صالح جنون صافحوه وتبركوا بمشاهدته ثم تساءلوا فيما بينهم عنه فقال أحدهم لما رأيته توليته ، والثاني لما عانقته توليته، والثالث لما تكلم توليته ، يعنون تحقق ما معهم من الولاية بالشهرة ،وأوصى بنيه أن يتولوا حفظ غلتهم بأنفسهم حتى تصل مكان الحرز وإن أردتم شراءها فمادامت في أصولها وإن احتجتم إلى لبها فاطلبوها قبل دخولها في الحرز فيصعب إخراجها ، وإذا أردتم الانتقال فهيئوا لأنفسكم مسكنا منفردا تستترون فيه غناكم وفقركم ، فلا يقال مبذرون ولا أشحة ولا فقراء ولا منفعة فيهم إلا الأذى بالدخول والخروج، واشتروا كسوة الشتاء في الصيف فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفه وفيه بقية لكسوة الصيف ،وارخص وفيه الكف لألسنة الناس ، وكاتبه ابن عمه من المغرب أن أرضنا كريمة قدر كساء يحمل العير فأقبل إليها فإنكم بأرض فقراء ،وأجاه بأن أرضنا مقعد رجل يوقر بعيرا عسلا فأقبل إليهأن النخل، وسأله رجل فقير له له أخذ ازكاة زوجته وتوقف تورعا حتى قدم أبو نوح فأجاز له ذلك ، ومما يذكر من سعة صدره وقلة ضجره أنه خاطب يوما زوجته بما لم يوافقها وهي نعجن فلطمت وجهه وأثرت فيه فشكاها شيخه أبا يعقوب الطرفي (2/59)
صفحة 350
قال له أترى هذه ضربتني بمقلات فصارت طوقا في عنقي يعني دخل من رأسه ، قال أبو صالح أنت أنت أي أصبر مني ، وحلف لا يشكوها أبدأن وفي كتاب المعلقات تشاكيا هما فكفاهما الله شرهما فرجع كل واحد منهما إلى داره فوجد زوجته ماتت ،وقال أبو طاهر إسماعيلبن يبدير عن الشيخ أبي زكريا يحي بن جعفر رضي الله عنهم عن رجل من بني واشية راعى رجل منهم ما مذهبه قالوا وهبي فشتمه الراعي لشتمه أبا صالح فقام إلى الراعي ليضربه لرده على الشتم فحال بينهما بعض الحاضرين وأراد بعضهم ضرب الراعي لانتصاره للشيخ أبي صالح فرجعوا إلى مجالسهم فأرسل الله سبحانه برق فضرب البرق فوقع بالشاتم للشيخ أبي صالح ومن أراد ضرب الراعي فاحترقا مكانهما في حينهما والحمد الله رب العالمين ، وذكر أبو طاهر عن الشيخ يونس بن أجاح أنه قال كان بنو خزر يجتمعون في موضع يتحدثون فيه فحلف بعضهم بأبي صالح فقال آخر ما مذهبه قال له وهبي فشتمه فقام في دواره فقامت إليه الكلاب فكلمهم والعادة إذا كلمهم انصرفوا لأنها كلابه ف لم ينصرفوا حتى قتلوه ومزقوه ، وشتمه رجل يتادمكت وهو في البيت فصاح إليه صائح وخرج إليه فيضربه فسقطت عيناه فقال المضروب كيف صفة أبي صالح قالو كذا وكذا قال والله مابي غيره، وعن أبي طاهر وقعت مجاعة بوارجلان وكان الشيخ ينفق على الفقراء فنفد ما في البيت من التمر فأتاه سائل بليل فقام إلى البيت يلتمس ما يعطيه فإذا البيت مملوءة والتمر ينزل من فوق الباب ففتح الباب فصار ينفق قال أبو طاهر رأى رجل آخر في النوم قال له ما ينفق أبو صالح لغير الله ثم رآه مرة ثانية وثالثة كل ذلك يقول له عمله لغير الله ومضى الرجل لما تكرر عليه ذلك فأخبره الشيخ برؤاه فأخذ أبو صالح قبضة من تراب فرمى به إلى خلفه فقال هذا بفم من أخبرك بذلك فلما نام بالليل أتاه رابعة فقال ما أخطأ التراب رمى به الشيخ فمي ، وذكر أبو طاهر أنه اشترى جملا فعلفه حتى سمن فنحره فقسمه على الضعفاء (2/60)
صفحة 351
ولم يستوعبهم فقال لعبده وقد أخذ شيئا من الجمل بعني ما أخذت بدينار فأعطاه للباقين وذبح شاة لعياله ، واشتعل بنوبة مائة ففاتته صلاة المغرب مع الإمام فشق عليه وكانت ليلة جمعة فأخذ في الصلاة وأتوه بفطوره فلم يشتغل به ثم تمادى في صلاته فأتوه بسحوره فلم يشتغل به فلما أصبح الصباح تصدق بالطعام على المساكين ثم قال هذا جزاء راع ضيع ما يرعاه، وذكر أبو طاهر أن رجلا أذاه فصبر فوقعت مجاعة فأخذ يتصدق فوقف عليه المؤذي فتذكر فعل فزاده على ما يعطي غيره من المساكين ثم بعد زمان وقعت أيضا مجاعة فأخذ يتصدق فوقفت عليه ابنة المؤذي فتذكر فزادها ثم بعد مدة وقعت مجاعة فأخذ يتصدق فوقف عليه ابن المؤذي فتذكر فزاده كل ذلك ليرغم الشيطان وكان حزينا لدنياه وأخراه. (2/61)
صفحة 352
ومهم أبو يوسف يعقوب بن أفلح الإمام أفلح بن عبد الوهاب أمير المؤمنين ابن عبد الرحمن رضي الله عنه قال أب زكريا حدث غير واحد م أصحابنا أن الحجاني لما سار متوجها إلى تيهرت خرج يعقوب بن أفلح في أصحابه إلى وارجلان ومعهم أهاليهم فأدركه العدو فإذ [اغشوهم] وقف وحده في وجه العساكر حتى تنتقل أصحابه فيسير حتى إذا أدركوه وقف في وجوههم فيهأبو نه أن يحملوه عليه فأيس العدو منهم فرجعوأن وكان مهجما فنظر فقال لا يجتمع منكم ثلاثة إلا طلبوا لقد ملككم، فلما بلغوا وارجلان تلقاهم أبو صالح جنون بن يمريان في جموع أهل وارجلان فأكرموه ورفعوا درجته وأحسنوا القيام بحوائجه ثم طلبوه أن يولوه على أنفسهم فامتنع فقال الجمل لا يستتر بالغنم فأرسلها مثلأن وكان له ابن وابنتان فاجتمع وجوه وارجلان ليزوج البنتين فاختار من أهل الصلاح حمو بن اللؤلؤ فزوجه إحداهما و اختار من أهل الدنيا المعز بن محمد فزوجه الأخرى، وكان عاملا مجتهدا قال الرجل سأله معاذ الله أن ينزل الله على موسى وعيسى مالم أحفظ وأحفظ معناه وأما ما أنزل الله على نبينا محمد - عليه السلام - فأحرى ، وأكثر اجتهاده بالليل وكان يصلي ليلة فسقط عليه سقف البيت إلا الخشبة التي تقابله فاجتمع الناس وحفروا حتى أدركوه فإذا به قائم يصلي فقالوا ما ظننت قال قيام القيامة ول أثار جميلة وكان يحذر من ابنه وقال درس ديوان احمد بن الحسين و اسمه سليمان فلما مات يعقوب دفن في مقبرة جنون قال أبو زكريا وقبره كالربوة لم يندرس ، وأجرى أهل وراجلان الضيافة لأبي سليمان بن يعقوب وأصحابه فدعوه يوما وعل طعام عصبان عليها أثر فرث فشق واحدة منها فلما وجد الفرث رمى بها وقال نجس الطعام فاحفروا له وادفنوه وقطع عذرا من أكله فبلغ الخبر أبا صالح وكان صائما وذلك بعد صلاة العصر فمض في جماعة من أصحابه فأكل لأنهم استرأبو ا فتناظر أبا سليمان في المسألة فآل أمرهم إلى المباهلة فاتفقا ليوم الجمعة فخرج أبو (2/62)
صفحة 353
صالح إلى تسردين ،وخرج أبو سليمان إلى كريمة فأخذ الشيخ أبو صالح في العبادة والابتهال إلى الله أن ينصر أحب الفريقين إليه فبقيا يدعوان الله على المبطل ثم رجعا ، فتاه أبو سليمان ففضحه الله وبتنجيس الفرث وتحريم الجنين المذبوحة أمه، وتنجيس عر ق لجنب ،وعرق الحائض ، ودم العروق بعدة تنقية مذبح الشاه ،وتحريم صوم يوم الشك وتحتم الزكاة للقرابة .
ومنهم أبو صالح أبو بكر بن قاسم اليراسني قال أبو العباس أنجب من طالع ودرس وأخذ في إحياء ما عفا و ادرس، وذكر أن أبا صالح نكل بعض تلاميذ أبي مسور ثم استغاث بشيخه شاكيا ما به وقع، قال أبو مسور وطن نفسك على ما تلق من أبي صالح وأمثاله فإن المسلم في الحق كالحديد المحماة تحرق ما وقعت أو وقع عليه ثم تعين على التلميذ حق آخر بعد فنكل به مرة ثانية فجاء أبا زكريا يشتكي مما فعل به فنهره وقال لأن أخذ الله الشيخ أبا صالح فيما ترك من تمام أدبك فإن أابك ذكر أنك تنتف لحيته، وذكر أن أولا كان بالبادية بازاران وكان شديد على العصاه حديدا على العته ومع ذلك كان لا يضرب السارق من صنهاجة تقية لا مداهنة ، وكانت له خشبة عظيمة فيها حلق وسلاسل يجعل الجاني في حلقة منها ثم يقلبها على ظهره لئلا يهرب فكانوا يصيحون بالليل صياح التيوس من شدة الحر أو البرد ثم انتقل إلى جربة حين كثرت الزلازل واضطربت نيران الفتنة وعمد إلى الخشبة وآلاتها فرمى بها في بئر فتكلم بعضهم في ذلك قال ولده أبو محمد ويسلان إنما اتخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده ، فإن تخلى من ذلك فلا ينبغي أن ينتفع به غيره، وتخاصم إليه رجلان باع أحدهما سلعة للآخر بستين لم بين من أي جنس قال البائع لي ذهب ، قال المشتري إنما أعطي حناديس النحاس ، قال أبو صالح للبائع خد ما ذكر وإلا فخذ سلعتك لأن عرف جربة التابيع بالحناديس ، وكان لنكاري على وهبي دينار واحد فمات المسؤول وله ابن ولم يترك إلا شاة تبرا ولده وما خلف فطلب النكاري الدينار (2/63)
صفحة 354
فقال دونك الشاة فبعها وخذ مالك قال النكاري بعها واعطني فارتفعا إلى أبي صالح فقال لابن الوهبي بع الشاه وأعطه ديناره، وقال بعض من حضر أعان النكاري على الوهبي، قال الحكم لا يختلف قال أبو محمد لو كان حكم أبي مما يختلف لتبدل في هذه المسألة لأن فيها قولا آخر أن لا يلزم الوارث شيئا إذا تبرأ من التركة، قال أبو العباس إذا لم يختلف [المديان] إلا معينا فعلى الحاكم أن يجتهد في النداء حتى يبلغ أقصى ثمنه في الوقت ثم يقضي الدين وهو الصواب إن شاء الله لئلا يقوم غيره على الوارث من أصحاب الديون ، واصطحب يوما نع ولده أبي محمد ويسلان فوجدا شاة على آخر رمق ولم يدريا لمن هي قال أبو صالح لولده اذبحها وامتنع ونزل عن دابته فذبحها ثم قال لابنه اعطني قضيبا حسنا فأعطاه فرمى بالذي كان في يده قال هذا المتروك الذي يسميه العلماء متروكأن ومن كراماته أن بعض أهل الحي اشتكى إليه أن شاة تشرب اللبن من الآنية فأتوه بها فضربها ضربة واحدة بين أذنيها فصاحت صيحة منكرة فلم تعد تشرب اللبن ، وغضب مرة على أهله لتركهم الصرار على ناقة فثر خيطه فاثر خيطه حتى قرحت واستعظم ذلك وكان قدم من غيوبه فأراد نزعه عنها فقطر الصديد عل كمه من قرحها فشمره أبو محمد لئلا يصبه الصديد ونه ره وقال لا بأس به، ووقعت شدة وقحط فتوقفت الأشياخ عن التصرف في البلاد وسع أبو صالح أن النكار استولوا على جبل دمر بحلقة وجماعة يطوفون فخرج من جربة وكابد صعود الجبل وكان أبو محمد يردفه من خلفه كلما أراد الصعود فلما بلغ إلى رئيسهم زيري بن كملين فلامه على ما سمع وعاتبه قال إن عذرنا بين المرأة إذا لم يغشاها زوجها ابتغت السفاح أنتم إذا لم تأتونا أتتنا مستاوة قال الشيخ منعنا عنكم الشدة قال فأتوا [بازوادكم] معكم ففحم الشيخ لأن الله أثنى على المؤمنين بقوله: { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ... } (سورة التوبة -120) وكان أبو محمد يقرأ على أبيه مختص ابن محبوب وكان (2/64)
صفحة 355
أبو صالح يقول كلام محقق فقيه أصولي ولم يصل إلينا إلا الجزء السادس كذا قال أبو العباس قال وهو سبعون جزء وقرأ عليه الجزء الثالث في الحيض فكان كما قرأ في النسخة الأولى قال هنا الفقيه والعالم وفي الثانية سكت وفي الثالثةخلط خلط وذلك ليعلم أن تآليف أهل المشرق مفيدة دون ما سواهأن وجاوره بعض علماء نفوسة بجربة وكان متقنا لمسائل الحيض واسمه أبو يخلف فكلما وردت على أبي صالح مسألة في الحيض ردها إليه فتكلم فيها بما عنده ويقول لا أرى نفسي أهلا لذلك ويسأل الجواب من أبي صالح، وأخذ أبو صالح العلم من سليمان بن ماطوس النفوسي وتقدم التنبيه على ذلك ومن تمام ضبطه للسانه أنه لم تسمع منه لفظة شر قط إلا مرتين سأل عن بئر في جنان هل هي عيب قال أشر العيوب، وسأل مرة عمن وكل رجلا يتزوج له وقعد له عل أربعة نسوة قال إذا ستره جاز قال أعني الشاشية، قال قلت إذا ستره، وسأله أيجوز صوم يوم العيد؟ قال لا قال لم تصومون يوم الجمعة ؟ قال إذا كان في رمضان فسكت، وذكر أن ابن ماطوس ما أفتى برخصة إلا في ثلاث من باع سلعة بقراريط وهو يعني دراهم الحندوس فجائز، لأن القراريط في أوزان الذهب والدراهم في أوزان الفضة، ومن توضأ وفي بعض أعضاء وضوئه نجاسة إذا تركها ومر عليها الماء أن ذلك يجزيه لنزع النجاسة والوضوء ولو لم يقصدها فأنكر عليه ابنه أبو محمد لأن هذا من أقوال المخالفين، ومن يسأل من رجل خمسين دينارا لفا وخمسين قراضا فأعطاه مائة ولم يبين له القراض من السلف أن ذلك جائز، وقال للمرأة التي تزوجت فأنكرت أن لها أن ترجع إلى الرضا وليس لها أن ترجع إلى الإنكار بعد الرضا وهو قول أبي عبيدة وقول أبي نوح غير هذأن وقرأ عليه بعض طلبته فرد عليه مستاوي مرارا ففهم أن المستاوي ينتفخ بما ليس عنده فقال للطالب ناول الكتاب من هو أجود منك قراءة فناوله النكاري فأراد القراءة ولم يحسن قراءة حرف واحد فبهت وخزي، وتخاصم إليه قوم من أهل دمر في رجل ألقى (2/65)
صفحة 356
حجرا إلى وراء الستر فوقع على رجل فمات فقضى بينهما بالدية فسر بالدية زيري بن كملين رئيسهم لأن المقدم في عادتهم له ثلثهأن وزعم أهل دمر أنهم أخذوا هذه السيرة عن الأئمة فأنكر عليهم ذلك أبو صالح إنكارا تاما وغير ذلك عليهم لئلا يزاد في الشريعة ما ليس فيها ومعاذ الله أن يكون ذلك عن الأئمة، فمنع ذلك واشتكى إليه أولاد بعض بني يهراسن آباءهم وكان كثير الصدقة قالوا اتلف المال وتركنا فقراء فقال ولبنيك يشكونك قال يريدون أن أكون مثل الذي نزلت فيه آية الكنز { الذين يكنزون الذهب والفضة... } (سورة التوبة-34) فاستحسن الجواب من العمى، وزراه جماعة من العزابة وهو مريض فقعدوا قريبا من موضع الوضوء فاحتذروا قال لا بأس عليكم فإني لم آته بنجس قط، وعادته إذا اكتمل ورده من الصلاة دعا من يقرأ عليه سجدات القرآن كلها ويسجدها. (2/66)
صفحة 357
ومنهم أبو زكريا فيصل بن أبي مسور اليهراسني رحمه الله، قال أبو ي العباس الطيب موردا ومرعى الكريم أصلا وفرعا إن ذكرت السباق في حلية العلم كان المبرز إن ذكر المخلصون وجدته لخصال الخير بأسرها قد أحرز، وذكر أن قائدا من قواد السلطان مزاتيا وهو من أهل المذهب في مزاتة القيروان لكنه كان جائرا فاسقا توجه إلى جربة واكتب أبا زكريا أن ينظم بأهله وعشيرته إلى المسجد الكبير لئلا يدركهم من ضرره شيء أو تصيبهم من العسكر معرة، ففعل أبو زكريا فاستباح العامل جربة ونهبا وغصبا حشا بني يهراسن فإنهم في جانب الشيخ لم يصبهم ما أصاب أهل جربة ببركته فلما قضى ابن ويمي أربه وصل أبو زكريا قال له علام يقدرون ؟ قال يقدرون على دينارين وهم ضعفاء الحال فأعطاه الدينارين فأصاب لأبي ملدين عنزا وولدها وهو من جوار الشيخ فأعلم بذلك القائد قال العنز لك والجدي لأن فأطلقهما فأبى الجدي من أتباعها قال أمل أقل لك أنه ليس بولدها قال فزع منك فتحير كما فزعنا فضحك وسلمها له ، وذلك ببركة الشيخ وكلما أكرمهم الشيخ تبرع بطعام مثله للعزابة فالأول مدرارة ووقاية العرض ، والثاني تكفير له على أنه قيل من أطعم جبارا كمن أطعم وليا ، وكان يقول رحمه الله موضع التلاميذ كشجرة الخروب يعني يكون كل اهتمامهم بمصالح الطلبة لا يهتم المجاور لهم بحوائج غيرهم كما أن شجرة الخروب لا ينبت حولها إلا ما قل من الأشجار، يخاطب أهله وحشمه ليكون تمام اهتمامهم بمصالح الطلبة وكان يجعل الدارهم في القراطيس والصرر ثم يعلقها في ألواح التلاميذ وربما جعلها في أنعية دفاترهم وبينهم ويبن ثيابهم رغبة في كتمان الصدقة فلما مات فقدوا ذلك أخبار أبي زكريا مشهورة وذريته بقية الصالحين والعلماء بجربة وفيهم مشاهير في العلم وإجابة الدعاء وكذا أبو ه أبو مسور وقد تقدم التعريف به. (2/67)
صفحة 358
ومنهم أبو بكر بن يحي الزاغي، وكان عالما قدوة وكان يعيب نفسه وأهل زمانه وكان يقول لسنا في ظهور ولا دفاع ولا في كتمان ولا في شراء ولكن زماننا سائب يريد أن الناس ضيعوا الحقوق والقيام بهأن قال أبو العباس لا يريد أن السبية وجه خامس في الدين بل يعيب أهل الزمان فإن كان أبو زكريا أخبروه أن مسالك الدين أربعة: الكتمان هو ما كان - عليه السلام - قبل أن يهاجر وما كان عليه جابر وأبو عبيدة، ثم الظهور وهو ما كان - عليه السلام - بعد أن أمر بالجهاد وما كان عليه أبو بكر وعمر وغيرهم ممن قام بحق الدين، ثم الدفاع كأهل النهر ومن تكون إمامته مادام القتال فإذا زال القتال زالت كعبد الله بن وهي الراسبي، والشراء كأبي بلال مرداس وغيره [عابا]رحمهما الله زمانهما فكيف لو أدركا زماننا. (2/68)
صفحة 359
ومنهم أبو عمرو النميلي رحمه الله وكفى به ما وصفه به أبو العباس وصدق كان الورع خدينه والعلم في كل وجهة قرينه، وهو أحد أقطاب الجزيرة ومن تحرى فيها الفرض والسنة والسيرة، عاش مائة وعشرين عاما ومات شهيدا قتله بنو وتراتن من زويلة، وزار أبا محمد فسأله أبو عمرو أن يذاكره بشيء ينتفع به فسكت عنه أبو محمد قال له مهلا ياويسلان مهلا عليك إن استثقلت سؤالي اخفف عنك وإلا فما بالك تركت سؤالي ولم تجبني، فلما رأى يغيره أقبل عليه وذاكره وقال إن تتيمم اغسل أطرافك قال أحسنت ياويسلان أحسنت، وذكر أنه لما ذبح خرج من مذبحه شيء كاللبن والقاتلون جيش أخرجه المعز ابن باديس الصنهاجي سلطان افريقية قتلوا فيها عدة شيخ منهم أبو عمرو وأبو صالح وأبو موسى وأبو محمد كموس وأبو بكر، وخرج رجل ليلا إلى المقتلة يتفقد لعل فيهم من بقي فيه شيء من الحياة فسمع قائلا يقول يا قاتل أبي عمرو شتت الله شملك وأزال عزك فلم يلبث إلا قليلا فخرج عليه يونس بن يحي وفرق ملكه وأباد رجاله ونفاه إلى المهدية ولم تقم له بعد ذلك قائمة واختلف أبو عمرو وأبو صالح فيمن طلب إلى امرأته رد المال فردته قال أبو صالح ليس بفداء حتى يقبل، قال أبو عمر فداء. (2/69)
صفحة 360
ومنهم أبو موسى عيسى بن السمح الزواغي الرياني قال أبو العباس ذو الرصانة والحلم والتقدم في فنون العلم وكان مجاب الدعاء وذكر أنه يتحرى الصواب ويتحفظ في الجواب قال خرجنا من هؤلاء يعني قومه وتركناهم أصحاب شياه وبقرات وقرأنا العلم ورجعنا وجمعنا مثل ما عندهم من شياه وبقرات، قال أبو العباس إنما قال ذلك تخصيصا على أهل التعلم وإيثار طلب العلم، وتنبيها على أن طلب الدنيا مدرك، وعاب عليه الأشياخ قوله أن الأمر والنهي ارتفاعا عن أهل الكتمان، وقوله أن الرياء لا يكون بين العبد والناس إنما هو بين العبد وربه، ولما أصيب قومه لازم الفراش اغتماما لما أصابهم من إخوانهم بني يتيتن وأجيب عنه أنه يعني سقوط الأمر والنهي في أهل الخلاف وهو قريب من قول أبي محمد جمال ما أجازه أهل الخلاف ولا نجيزه فليس عليننا منه شيء إنكاره، وتقدم مسألة لأهل نفوسة والجمهور على خلاف هذأن وعن الثانية أن الرياء لا يكون في الفرائض إنما يكون في النوافل لأنها ليس عليها سوط عذاب فيختلهم الشيطان من جهتهأن وأجاب عن الثالثة بأن قال لأبي بكر بن قاسم، يا أبا بكر ألستم تقولون من إذا أصابه خيرا أصابك وإذا أصابه شر كذلك أن لا حمية في كراهتك ما ينزل به من المصائب، قال أبو صالح اطلبوا الحل من الشيخ أجابكم بمخ العلم، وأفتى بأن لا شفعة في الوقيعة، وأتى منزل أبي صالح وهو غائب قالت له زوجته أنت ممن يستحق الشاه أو الخبز أو ما تيسر قال في الخبز كفاية، فأتى أبو صالح فأمر بشاه فذبحت وكان مستجاب الدعاء. (2/70)
صفحة 361
ومنهم أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي رحمه الله كان في العلم آية، و وفي العبادة غاية، صدق في وصفه أبو العباس، لا يضجر من السائل ولا يعبأ من أجوبة المسائل ذكر أبو العباس عهن أبي نوح كان له أربعون فرسا وكان يصطفي منها فرسا عتيقا كان تبذل فيه الأثمان الجليلة والأموال الجزيلة فيضن به ولا يسمح بخروجه عن [ملكد] ويعده للشدائد لما اختبر من صبره وحج وسفر به إلى تادمكت، قال أبو العباس ما أكثر من اقتناء الخيل لما يأمله من الخير في نصرة الدين ومدافعة المعتدين ويكثر من سكنى البادية وذكر أنه لم يصل بتيمم قط ولم يلبس الثياب المعدة للصلاة إلا لها ولم فيته الضحى قط ولا نومة القائلة وإن كان مسافرا نزل وقت القائلة فنام فإذا فاق صلى وركب وأدرك القافلة، وكذلك فعله عند وقت كل صلاة ينزل ويصليها وينفل (( ما عدا في الحضر)) ثم يدركهم وكثيرا ما يغشاه الأضياف وله أربع زوجات في أربع خيمات فإذا نظرت لكل خيمة رأيت كثرة جلود الشياه منشورة وعليها لفائف القطن من كثرة ما يذبح للأضياف، ومن فتياه أن التصرف في مال الغير لتدخل عليه بذلك نفعا أن تدفع عنه ضرر [الاتباعة] فيه، وذكر أنه رأى مرة في الزرع فأخرجها وهو على فرسه يتبعها مهر ولم ير بأسا إدخاله الزرع البقر، واتاه أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو بنواحي طرابلس حين وقع الحرب بين صنهاجة وزناتة وكثرت الزلازل بإفريقية فانضمت مزاتة إلى طرابلس فأضافه بالطعام المصنوع بالشعير واللبن فكلما قدم له شيء من ذلك قال له كل يا شيخ لا أعتذر لمن أطلب له الجنة. (2/71)
صفحة 362
ومنهم أبو محمد ويسلان بن أبي بكر رحمه الله قال أبو الربيع عم أحمد بن يوجين عن أبي العباس قال كان لأبي محمد ويسلان سبعة أكيسة واحدة للصلاة لا لغيرها والأخرى للخروج للجماعة والقعود بين الناس وللبراز والنوم، وندم على ترك ثلاثة: زيارة أهل الدعوة أهل السهل وقراءات الجهالات ومجالس أبي عمران موسى بن أبي زكريا لأنه أخذ العلم عن أبيه أبي صالح وكان قائما بأمر الضعفاء ومحسن الضيافة، وقال الحامل المفتدية لها النفقة وعن أبي سليمان داود بن أبي يوسف لا نفقة لها إلا إن اشترطتها وقال في قول ابن عبد العزيز من استثنى في الطلاق أو العتق نفعه انه لا ينفعه الاستثناء في الطلاق العتق وأفتى بحنث من نسي وفعل ما حلف على فعله إلا يفعله، ومن نسي أنه أخذ من غريمه ومن نسي أنه أخذ من غريمه فادعى عليه فهو هالك وبهلاك من نسي وجحد ما عليه وقال لا حجر على البالغ الصحيح العقل في ماله، وقال فيمن باع شاة بأربعة واشترى جلدها بخمسة أنه يحجر عليه، (2/72)
صفحة 363
ويغضب على من يفتي أن يعطي أكثر من صاع أو أقل في الكفارات ومن يجيز غير الحبوب الستة، ومن يفتي أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين، ومن أدخل دارا كرها حنث إذا حلف لا يدخلهأن وحكى له طالب مسألة من كتاب قال له اجتنب ذلك الكتاب وإلا حال بينك وبين دينك، وأخر حكى له من كتاب قال اغسله في النهر، وآخر حكى له عن قفيز العلم اسم كتاب قال فقيز البلاء، واختلف هو والشيخ سعد بن [يفاو] في الثور الذي أكل للشيخ وارسفلان بن مهدي النفوسي ما أخذ بفيه، قال أبو محمد يحلفه ويأخذ كلما أعطاه له لأنه يفك رأسه منه وقال سعد لا يجوز له أخذ فوق ما يقول إلا منأن ويحلفه له القاضي أيضأن وادعى رجلا دارا بالشراء بين يدي قاض بوارجلان فأتى بالبينة فأراد أن يحكم له القاضي قال الدار نصف الشراء ونصفها ميراثا فتوقف القاضي فسأل الشيخ ماكسن أبا عبد الله محمد بن بكر قال له ما فدرنا على مسائل الصبيان والقمل فكيف غيرها فسار الشيخ ماكسن حتى وصل جربة فسأل أبا محمد عنها قال أبطل بنيته.
ومنهم سعد بن يفاو وكان غائصا في بحور العالم لأخذ الفرائد، وإليها الإشارة في إيضاح المشكلات ونشرها على النواهد، وتوفق أبو محمد في مسائل فكتب بها حمو بن أفلح المطكودي فوضع فيها الكتاب المنسوب لتلامذته الأولين وهم ستة، انصرفوا إليه من عند أبي محمد ويسلان، وهم أول م قعد بين يديه للتعلم أحمد ابن محمد، أول مسألة أخذت عنه في ذبيحة الأقلف قولان وتقدم في أخبار أبي العباس، وأخرجه شيوخ مسنان إلى الخطة منه لأمور فتاب ولم يقبلوا توبة وأول طلبته حمو بن افلح وعبد الرحيم بن عمرو وأحمد بن أبي عبد الله وأحمد بن ويجمن وأخوه يحي والمعز بن تاغرايت. (2/73)
صفحة 364
ومنهم أبو محمد ويسلان بن يعقوب المزاتي، قال أبو العباس كان بالمجاهدة مذكورأن وبالعلم والورع مشهورأنوكان في غره راعي غنم وعادته يغني للرعاة فإذا أراد أن يسكت غنى بكلمات يدعوا فيهن الله أن يهديه ويرشده فإذا سألوه الغناء بعد الدعاء،امتنع ثم رجع إلى الله وأخذ في تعليم القرآن مع الكبر وكان جهير الصوت فمر به بعض فوجده يعالج من القراءة ما يعالج ، فقال إلى أهلك والزم الصلاح فكأنه أيس من قراءته، ورمى باللوح فأخذ يبكي فمر عليه آخر فقال ما بالك فأخبره قال آتيني بلوحك فاقرأ علي فلما قرأ فال وأي عالم يخرج منك يا ويسلان ورجع إلى التعلم فتعلم القرآن والأصول عند أبي القاسم يزيد بن مخلد ، وأراد استكمال العلوم والعلو فيها إلى أعلى المراتب فاستأذن أمه في الطلوع إلى الجبل وظنت إلى رجل يقريه وهو يعني نفوسة، فلما بلغها اشتغل بتحصيل العلوم وإذا وصله كتاب من أهله رمى به في كوة حتى قضى وطره من العلوم وأراد الرجوع فأخذ بقراءة الكتب التي وردت عليه فوجد في الأول موت أمه وفي كل واحد منها ما يشغل باله لو اطلع على ما فيه فلما خرج شيعه المشايخ مودعين فسألهم عمن حلف بالله العظيم فحنث ما عليه قالوا العتق أو الإطعام أو الكسوة تخير فيها إن كان مستطيعا قال أوهو مخير قالوا نعم هذا ما كنت أيد أن أسمعه منكم قالوا مرادك يريد أنهم يقولون بالتخيير وأهل الجبل إنما يقولون بالجبل والاكتساب ، وأقام بالجبل سبع سنين وحصل ديوانا عظيما فكان يقرأ فيه ويدرسه عند أهله وعادته عدم الفتور عن القراءة فإذا قيل كتابك يبتل بأندية الشتاء يقول يأتيه يجففه حر الصيف وإذا قيل له يحترق بالشمس في الصيف يقول يأتيه الشتاء وينبسط وتقدم بعض أخباره في أخبر أشياخه من جبل نفوسة وفي أخبار أبي القاسم إذ قتل فسجن فأذى أهل السجن بالدروس والقراءة فأطلق وذكره قوم من أهل قيروان وما خصه الله به من العلم والعمل والحلم وسعة الصدر والعقل فاتفقوا على امتحانه (2/74)
صفحة 365
فقعد يوما عن وجهه ولم يزد على حمد الله ولم يكترث بذلك.
ومنهم أبو صالح الياجراني قال أبو العباس أعبد العباد وأزهد الزهاد وكان لا يكترث إلا بخدمة ربه و لا يعمل لشيء غير وجهه حتى خصه بالكرامات التي خص بها أولياءه وأفاض عليه من نور معرفته وكساه الآلاء، ولكثرة زهده يحسب أن ذلك بله ولفرط حزنه على الآخرة يظن به أن الذي به وَلَهٌ وذكر عن أبي الربيع عن خاله عبود بن منار أنهم يذكرون عن أبي صالح أنه يتنفل في ليلة في جميع مساجد وارجلان فاتبعته ليلة لأحقق ما سمعت فجعل كل ما أتى مسجدا ركع ما شاء الله فذا انصرف قفوت أثره وهو لا يشعر ثم يأتي أمر آخر فيركع ما شاء الله ثم يخرج وأنا في أثره حتى اتى بعض المساجد فغلب علي النوم وهو يصلي ولم أستيقظ إلا وقد خرج فغلب على ظني أنه يطوف عليها جميعا وكان يحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر فأكثر يوما في الوعظ والتخويف وأسهب فقال أبو صالح يا محمد أليس يقال الجنة في آخر الزمان أرخص من حمار أدبر قال نعم أرأيت والتخويف وأسهب فقال أبو صالح يا محمد أليس يقال الجنة في آخر الزمان ارخص من حمار أدبر قال نعم أرأيت إذا وجدت جملا بقيراط واحد وليس معك هل تحصل الجمل، وعن عيسى بن يرزكسن قال أضاف جماعة من العزابة وهو بالقيروان فلما كان وقت من الليل أخذ العزابة في القراءة فجعلت الجن ترد عليهم يسمعون الأصوات ولا يرون الأشخاص ولعلهم تأنسوا بأبي صالح وتأنس بهم، ومن كراماته إذا أتى الغار الذي ه مصلاه يتعبد بليل وجد فيه مصباحين ولا يعلم من يسرجهمأن وخرج مهاجرا إلى درج لفتنة وقعت بوارجلان فمكث بها سبع سنين وبسط الله العافية وأراد الرجوع فخرجت العزابة معه والشيوخ وعلى بعضهم حلقة فيها ثلاثمائة طالب يقرأون عليه العلوم والسير وكان أبو صالح في مدة إقامته يستفيد منه ويحضر مجلسه فخرج مع أبي صالح مودعا وسائر الطلبة وكانوا يرجعون جماعات حتى لم يبق إلا الشيخان فقال له ما أحسن ما تنال (2/75)
صفحة 366
به الدنيا ورزقها واستسلف عشرة دنانير فلما قدم وارجلان أراد قضاء دينه وأراد أن يبذلها بيده ليستريح من البينة وتطمئن نفسه من التباعة فلما ارتحل اجتاز بقوم يعملون بالمعروف يتطوعون به لسد خلة أو نفقة ورأى أبو صالح فرصة تنتهز ورأى أن الدين لا يفوت وإن مثل هذا يفوت وتطوع بدينار الدين فلما وصل درجا وأعطى الدين لصاحبه على أن يبقى من الدين دينار واحد وهو الذي تصدق به ف
إذا به واف فأعاد عدها فإذا هي عشرة لا نقص فيها { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون.. } (سورة البقرة -272) وجلب من إبله أبعرة إلى وارجلان فباعها فأراد قبض الثمن قال المشتري ثمنها بتادمكت فأراد السير معه موافقة له فقال له بعض أتحمل لي على جملك حملا وتبيع بكذا وكذا قال نعم فحمل له ذلك فانتقص على ما وقت له وسمي قيل ثلاثة أرباع قيراط وهذا من تمام التحرج وكان ابناه صالح وسليمان يقول فيهما إني اسأل عن صاح وأما عن سليمان فقد رضي عنه المسلمون وكان يقول إذا نظرت إلى سليمان وإلى عمران بن زيري وسدرى بن سليمان احتقرت نفسي وعلمت أني محتاج إلى تجديد التوبة وهذه الثلاثة يقولون سيروا بنا إلى زيارة الأخيار ودعونا من هذا الشيخ فإنه لو سكن بين أظهر المشركين ما تبدل ولا تغير يعنون أبا صالح وليس معه من الاستعمال شيء وربما قعد مع أبي عبد الله بن بكر فذاكره في الصغائر من الأمور والكبائر قال له يوما لو أدرك أدركتني يا محمد يا ولدي في شبابي وقوة شجاعتي وعبادتي لرأيت أمرا عجيبا لكن رأيتني ورأسي كالثغامة ولحيتي كالصفار وجسدي هزيل لم يرد رحمه الله التفاخر حاشاه ثم حاشاه، واشتهى ماء الدلو في مرضه فأتوه به قال شربته بعد واشتهى عنبا فأتوه به قال أكلته بعد كذا ذكر أبو طاهر إسماعيلبن ييدير، واصطحب مع رجل من لمطة ومعه فصيلان جلبهما وعزم اللمطي على غدره فلم يرد أن يباشر قتله بيده وأراد أن يموت عطشا فقال له اقعد هاهنا فآتيك بالماء فقعد حتى (2/76)
صفحة 367
تمكن منه العطش فدعا الله أن يسقيه فأرسل سحابة من ماء فشرب وسقى فصلانه وملء زقه فظن اللمطي أن العطش قتله فأتاه ليعلم حاله فوجده على أفضل حال فتعجب من صنع الله، ونام مرة فحس بشيء قال من هذا قال جبريل قال أوصني يا حببي قال اقرأ القرآن لما عند اله وامدد يدك بما أمنكنك من الطعام لله وأكثر الدعاء لما عند الله هذا كله من كتاب أبي طاهر، قال وكان يصلي كل ليلة في جميع مساجد وارجلان ووصل إلى المسجد الذي بقصر وارديرن وركع فيه وخرج ينظر الصبح فرى أبو اب السماء مفتوحة إلى السماء السابعة ثم تغلق الأبو اب واحدا واحدا إلى آخرهن ثم نودي أصبت ما طلبت يا أبا صالح، قال أبو طاهر سار مرة في الفحص راكبا جملا وإذا بشبه أطال عند عتق الجمل قال واحد منهم إخواني المسلمون إذا التقوا تذاكروا فإذا تفرقوا عزموا وإذا ماتوا استراحوأن ونظر إلى مسكين فأعطاه من جربه حتى نقص من العرا فرجع إلى جرابه فإذا به مملوء كما كان ونظر إلى نور ساطع في ليلة شديدة الظلام فأتاه فإذا بأبي صالح.
ومنهم هود بن محكم الهواري وتقدم الكلام على أبيه وهو عالم متفنن غائص وهو صاحب التفسير وهو كتاب جليل في تفسير كتاب الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب بل على طريقة المتقدمين (1) وأتاه من يعينه على نوائب الدهر وعلى التخلص من دين ركبه فقال له ائت حيا هناك من أحياء مزاتة وأرسل معه رسولا وقال له قل لهم قال لكم هود بن محكم جعلوا له صلة فبلغهم فأعلمهم رسوله فبسط رداءه فجعلوا يلقون فيه الذهب والفضة والدراهم والحلي حتى كاد أن لا يحمل فأتى به هودا فأخذ ما احتاج وترك لهود الباقي لمن يغشاه من الفقراء والمحتاجين ومن يقصده من العزابة ، ون جملة دينه خمسة دنانير رهن كتبه فيها عند رجل مستاوي.
__________
(1) للشيخ هود بن محكم الهواري تفسير بالمنفول والمأثور في أربعة مجلدات اعتمد فيه على تفسير ابن سلام، ويقوم حاليا بعض الأساتذة المختصين في الجزائر بتحقيقه وإخراجه للنشر. (2/77)
صفحة 368
ومنهم الشيخ الفاضل السخي العالم أبو عبيدة ة وشق قال أبو نوح إن بالبادية بإفريقية اثنين وثلاثين عالم من شيوخ أهل الدعوة تكفلوا بنوائب الحلقة وبحوائج الطلبة فيه الشيخ وشق فمن مات قال الباقون مقامه حتى لم يبق إلا الشيخ وشق يكنى أبا عبيدة فقام بنوائبها من الكسوة والطعام والإقراء والتعليم فدارت سنة قحط وشدة وجدب فافترق الناس يطلبون الخصب فأرادت التلاميذ ذل فمنعهم فقال لسنا بإخوة إذن لأن الأخوة إنما يعرفون عند الشدائد وانفق عليهم حتى نفذ ماله بل مطاميره فأتوه ليودعوه فأبى فانفق ما عنده من الدراهم والدنانير ثم الحلي ثم باع الحيوان [وامتار] لهم، وكل ذلك يطلبون إليه الرجوع إلى الخصب فيأتونه ويأبى عليهم ولم يبق معه إلا ثور تركب عليه أمه وثور تركب عليه زوجته ، فقلوا تنصرف لئلا نموت جوعا وهزالا ونطلب فضل الله ويأجرك الله فقال بيتوا هذه الليلة فذبح لهم ثور الزوجة فباتوا إلى وقت قيامهم من الليل فقاموا ولم يقم الشيخ قالوا دعوه ينام قليلا فلما طلع الفجر أرادوا أن يوقظوه فإذا ه ميت بارد رحمة الله عليه، فجهزوه ودفنوه وأرادوا أن يذهبوا فقالت أمه اجلسوا إليه الليلة ودعوه فنحرت لهم ثورها فلما أصبحوا وجدوا كتابا { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون.. } (سورة آل عمران- 169) في أبي عبيدة وشق خاصة ثم افترقوا وأخذ أبو عبيدة العلم من الشيخ سليمان بن زرقون وهو الذي أخرجه إلى الله قال ارج من فتيا تلك المسألة ويقول الشيخ أخرجتك يا وشق من الضلال وأخرجتني من المساجد. (2/78)
صفحة 369
ومنهم أبو بادييس، وعن عيسى بن حمدان المديوني الهواري عن الشيخ شاكر بن مالول من الشيخ سعيد بن خزون المدحمي رحمة الله عليهم قال الشيخ سعيد، زار العزابة الشيخ أبا باديس ابحت بن باديس فقام بهم وأحسن إنزالهم فدفع ثلاثمائة بقرة طروقة الفحل كلهأن وكان ذا مال كثير ا وعنده رعايل خيل فيها تسعون فرسا قد أعدها للظهور، وقد حج وزار بيت المقدس وكان في فحص بونة، وقد ذهب بصره آخر عمره وكان كثير البكاء وله كتب مواعظ قل وأتاه ابن ابنه بمهر فقال ولدته الفرس الفلانية فادع له قال أحسن تربيته وأدبه تأخذ فيه ألف دينار مسح ودعا له ث أتاه بآخر قال ولدته فلانة قال أحسن تربيته وأدبه تأخذ فيه خمسمائة دينار فأحسن سياسهتما وأدبهما فعرض له أن يهديهما للمعز بن باديس صاحب افريقية قلما بلغه قبلهما منه وفرح به وبهما وأكرمه فكرهوا وزرائه ذلك فمكروا به وطعنوا فيه وخبثوا قلب المعز قالوا اقتله فإنه من الإباضية وقد أمكنه ورأيت عظم ما أتاك به وكيف ما خلف ورائه لئلا يخالف عليك فقلبوا قلبه وذكروه الأمور الماضية قال كيف الحيلة في قتله وقد عرف القاصي والداني في قبولنا لديته قالوا أتأمره يلاعب أسد السخط وهو الأسد الضاري العادي بفرس فيهلكه فاجمع أمرهم على ذلك وباتوا عليه وأرسلوا إلى المعز فلما مثلت بين يديه سنح في نفسي كلام جدي وجدتي فرجوت البركة وقد وقع قلبي أني ما دعيت إلا إلى خب أي فجور وجزيرة وتذكر ضب أي غل كامن في النفس قلت العفو قال تلاعب مهر الخط وأنتم زناتة تذكر عنكم الفروسية، فقلت لبيك زهوا سهوا فأمر بي أن أدخل خان السبع فركبت مهري الأول وأطلق سبع ضاري عادي وصعدوا المعالي وجلت مع السبع في الدار مليا حتى ارتاضه المهر ومرن عليه وأفرج روعه وهم ينتظرون وظهر لهم حذقي وفراستي فقرت إليه الفرس حتى طمع فيَ وفي الفرس ضمر ضمورا يريد قطاط الفرس بالأشابير فضربه على أم رأسه فتغلغل حافره في رأسه فوقع كالنخلة السوق والحمد لله (2/79)
صفحة 370
رب العالمين، فعد لي عنده حافره ألف دينار وفي الآخر خمسمائة وصدقت فراسة السيخ أبا باديس وسلم الفتى من القوم العادين فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغبوا هناك وانقلبوا صاغرين، والشيوخ يكرهون الوفادة على الجورة وقد اخرجوا عبد الله بن جاب لوفادته إلى امراء قابس وهاجروه وفي الخبر إذا رأيتم العالم إلى أبو اب السلطان فاتهموه على أمر دينكم.
ومنهم الشيخ العالم المتقن بكر بن أبي بكر النفوسي الفرسطائي أخذ العلم من ابن ماطوس سليمان وقد تقدم التنبيه على بعض أخباره مع أستاذه ابن ماطوس ويأتي تمام التعريف به في التعريف بابنه إذ هو أشهر وإن كان هذا أقدم. (2/80)
صفحة 371
ومنهم أبو عبد الله محمد بن بكر رحمهما الله قال أبو العباس الطود الذي تطاولت دونه الأطواد والبحر الذي لا تقاس به التلاد أقامه الإباضية مقام الإمام في جميع الأمور والأحكام ،أسس لهم قواعد السيرة وله في كل فن تآليف كثير، وله كرامات كالكواكب الزاهرة ، وفضائل كثيرة باهرة ، وفواضل ساطعة ظاهرة ، قال أبو العباس أضاف جماعة من أهل الخير والصلاح ولم يجد لحما لكرامتهم ،وغنمه بالبادية فقل انظروا العريش يعني عريش داره فإذا فيه كبش عظيم فجهزوا به ضيافة أضيافه، فقدم بعد ذلك رعاء الغنم فأخبروا أن اليوم الفلاني دارت زوبعة ريح على الكبش الفلاني ففقد،قال أبو العابس هذه الحكاية ذكرها جماعة ممن لا يرد ما ذكروأنومثلها لا ينكر، وقال أبو العباس ن أبي الربيع قال كنت عنده ذات مرة فقدم بسر العمال يعملون قال كل معهم يا سليمان فامتنعت قل كل من يطاوع ما كتمت وكسف بما عنه سترت، قال يا سليمان ذلك ليس بمطاوع فنطق به قبل أن أظهره له ، وذر أبو العباس أن زوج امرأة غاب عنها وضرتها غيبته وكن أبو عبد الله كثير الاهتبال بها وبما يهمها لقيامها بمعايش التلامذة وشأنهم، وأرسل أبو عبد الله إلى ناحية طرابلس في أثره علي بن يعقوب وعمرو بن يحي وأشهدتهما أنه متى طلقهما فقد أسقطت عنه المهر فلما وصلا طلقها رجعا إلى الشيخ فأخبراه ثن إن عليا انقلب إلى جبل نفوسة فمر بقرية من قراها فيها عجوزا يجتمع الناس إليها يسألونها عن دينهم ولها مصلى تصلي في ه فصلى فيه الصبح مع أهل المنزل فتفرقوا قال فجلست اتلوا القرآن حتى غلبتني سنة فما أيقظني إلا صوت جني يقرأ بإزائي أسمع الصوت ولا أرى الشخص ثم سمعت صرير ثيابه لما تحرك وهي جديدة فارتعت ارتياعا شديدا قال لي لا تخف أنا جني ممن لا يخشى أذاه فسألته عن كثير من الأخبار فأنبأني عنها ثم سألني عن السبب الباعث لي على السفر فأخبرته ثم سألني عن ولايتنا لهم وعن ولايتهم لنا فقلت الجواب من عندك قال ولايتكم (2/81)
صفحة 372
لنا بالجملة وولايتنا لكم بالأشخاص فسمعت العجوز تحورنا فسبحت وأكثرت التعجب فشكوت إليه وما استقبلته منمشقة السفر وما أتوقع من خوف الطريق قال اقرأ { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا.... فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } (سورة البقرة 137) ثم قال لنا موعد اليوم بالجزيرة ولا يمكنني التخلف والمغيب ولا تغب عن هذا المكان حتى أعود إليك إن شاء الله فطلعت الشمس وقال ذا وقت الختمة فخذ بنا في الدعاء لأنكم أفضل فدعوت ثم دعا ثن قال للعجوز زيدي من الدعاء فدعت وأكثرت من التسبيح ثم مضى الجني وانشر الخبر في القرية أن جنيا تكلم مع الناس فتنحيت عن الناس في خربة ثم نمت فلما استيقظت أقبلت أنتظر ميعاد صاحبي فأتيت العجوز فأخبرتني أنه أتى ولم يجدك وناولني حصيات فإذا عليها خط رقيق لا أكاد أبينه فسافرت راجعا إلى أهلي فسلكت نفزواة ثم تقيوس فلما توسطنا السبخة التي بينهما ومعي كساء طاقي غارت علينا خيل فصرت أردد الآية التي علمني فقال أميرهم من أنتم قلت عزابة تلاميذ قال امضوا راشدين فخلصني الله بركة الشيخ أبي عبد الله بمساعدتي له وحافظت على الحصيات فلم أر شيئا في أسفاري وما يسوءني مذ ظفرت بهأن وعن يعقوب بن أبي القاسم فيما نقل أو العابس أن بني ورتيزلن احتاجوا قاضيا فقدم عليهم أبو عبد الله خليله أبو الحسن أفلح وهو ممن أخذ عن حمو ابن اللولو فحكم بالعدل بينهم فضجروا منه وكثروا منه الشكوى إلى أبي عبد الله فأحضره وأحضر جماعتهم ومن يليهم قال أبو عبد الله ما نقمتم من أحكام أبي الحسن قالوا يحكم بين بعض دون بعض وحكم على رجل بالصداق دون بينة وأبطل الشفعة من القائم بها وأوصى رجل بوصية في ماله فاستأثر بها وكل ذلك أبو الحسن يقول نعم فأحاب بأن ما لا احكم فيه أرض المشاع قالوا حين أتيتهم تلك أرض المشاع والرجل أقر بالنشوز فحكمت عليه بالصداق والذي أبطلت فيه الشفعة في نخل نبت في أعلى مجرى العامة فلا تكون الشفعة فيها لبعض دون (2/82)
صفحة 373
بعض و الرجل الميت استخلف امرأته على تنفيذ وصيته قالت أرسل معي م يعلمني كيف أنفذها فأرسلت ولدي وبلغني أنها تصدقت عليه بربع شاة لحما ولم أره ولم آكله ، ثم حلف أبو الحسن أن لا يقضي بينهم سبع سنين فصاح فيهم الشيخ فتفرقوا ودخل هو وأبو الحسن الغار ، وقال ليعقوب انظرني وذلك أول الليل فلم يخرجا صبحا ولا عشية ثم إلى الصبح القبل فخرجا فتوادعا قال يعقوب فقمت على أبي عبدا لله فقلت من متى أنا قاعد قال لم تزل إلى الآن ، قال قلت أجل قال لم يزل أبو الحسن يسألني عن مسائل عن مسائل الحكام فلم يفتر عن السؤال إلا إذا قمنا إلى الصلاة قال إن جيرانك يصارعون من لا يقدرون على مصارعته ، وكان بعض نفوسة لازم الشيخ ينكول بن عيسى المزاتي بتجديت ويسعى في شؤونه فصار له عليه عشرون دينارا فمات ينكول بإفريقية فخرج النفوسي يطلب ماله في تركته ولقي أبا عبد الله ومحمد بم الخير وداود بن أبي يوسف وسعيد بن إبراهيم رحمهم الله في جماعة وشكاهم تعذر خلاصه ، فقال الشيخ داود علي خلاص ذمة ينكول من مالي، قال سعيد على قضاء دينه، قال محمد انا أوسع مالا وأولى بقضاء الدين ، قال النفوسي لما رأى مسارعتهم إلى الخير تركت ينكول مالي عليه فقضى بينهم أبو عبد الله أن يجمعوا له دينه ويسقط النفوسي الخمس وهو نصيبه بينهم وأخذ جريدة على وجه الدالة توكأ عليها فقال لأبي الربيع انظر صاحبها وادفعها إليه تحرجا إن تبقى تباعة ،وقع بين أهل أواغلانت تنازع وتدابر فقال لعبد الله رجل ممن يسبب في الشغب والخلاف ليس واحدا أفضل من جماعة إلا رسول الله ويا عبد الله من يتكلم وقد احتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببلية ومن تكلم ولم يحتج إلى كلامه فقد ابتلي ببليتين، وقدم اواغلانت وبها جماعة التلامذة فآثره موسى بن كانون برطب وقثاء فعلم أنه خص به دون التلامذة الغرباء، قال يا موسى أعلي تجترئ بمثل هذا وعبس وتجهم في وجهه قال وما ذلك قال تتحفني بذا ومعك أضياف الله لا يتحفهم (2/83)
صفحة 374
احد بمثل هذا وهم أولى من أوثر فاذهب وادفع ذلك إليهم ودعني أطيب نفسا بما يقر عيونهم وجز القثاء على عددهم وأكثر،ووضعها على الرطب الباكوري فدفعهما إليهم ولعله أخذ مثل نصيب أحده تطيبا لنفس المتحف وليقتدي به من بعده ، ونزل الجراد بضيعته وكاد يتلفها فرأى رجلا فقال سر إلى الضيعة واقرأ { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ... } (سورة الرعد-10) وقل يا إخواننا يستعين الشيخ الضعيف الأعمى بالله ثم بكى على دفع الجراد عن ضيعته ففعل الرجل ما أمره به فانكشف الجراد، ونفرت مرة بغلة وهو بالبادية فتوجهت إلى أريغ فأعجزتهم فقال قولوا ياإخواننا ردوا للشيخ الضعيف الأعمى بغلته ففعلوا فرجعت البغلة دون راد لها ، ومن حكمه قوله أهل زمان كالسجنة إذا بقلت زلقت وإن جفت خدشت ، وقوله كالتيوس إن اجتمعوا تناطحوا وإن افترقوا تصايحوا وقوله قطيعة الرحم كقطع عضد الجسد لا يخاط ولا يتحاط ولا يربط ، وذكران بني ورماز طغوا وأكثروا من الفساد وقطع الطرق فاجتمعت جماعة أريغ إلى الشيخ أبي عبد الله فوعظهم وذكر على حسب ما جرت به العادة في مجالسة ثم ذكر لهم ضرر بني ورماز بالسالكين والمستضعفين في الأرض وأكثر القول فأجاب قائلهم بأن لا طاقة لنا وما عسى أن نقدر عليه قال الشيخ نقدر على أنفسنا فارتحل بأهله ونزل من بفران من قرى وارجلان فقام بها عاما فضاعت أحوال أريغ لفقدانهم أبا عبد الله ما كان يصلح من أحوالهم وفسادهم فاجتمع أهل أريغ وأتوه وراغبوه في الرجوع فامتنع قالوا ضيعتك أقبلت منفعتها وخيرها قال هي عندي مثل هذا الزيت صرت فيكم كالفريسة يعتادها السباع من كل مكان يقصدني العزابة من الأفق من طرابلس وافريقية والزاب وقصطالية وغيرها فيقتلون بنواحي أريغ وعد عليهم أشياء قبيحة وأيسوا من رجوعه واجتهدوا في وجوه الصلاح وتعاونوا على البر و التقوى وتجنبوا الإثم والعدوان وقمعوا الطغاة فأتوه ثانيا ورغبوه في الرجوع فرجع ، وزاره الشيخ محمد بن (2/84)
صفحة 375
سليمان النفوسي وهو هناك ورغب إليه أن يسير معه إلى وارجلان ليرى الناس ويرونه يتبركون به فامتنع واعتل بكثرة تخليط أهل وارجلان الحسن بالقبيح، قال أبو زكريا وأبو العباس زاره محمد بن سليمان النفوسي ومحمد عمرة اليروتني وكانا يدرسان الكتب في غيران بني أجاج فسألهما عن أحوالهما فأخبراه بأنهم يدرسان الكتب قال نعم ما فعلتم ، وقال من يدرس الكتب أفضل ممن يقرأ عند خمسة علماء مثل عبد الله بن الخير وقال من يدرس كتب اللقط مثل من يهيل أنواع التمر إلى غرائره ، وإن كتب أبي غانم قد أوضح وفيه قول كل عالم وأجوبة الأئمة مخ الفقه ، وزاره بعض أصحاب في حالة رثة وعهده به في حال سنية فسأله لم صار إلى هذه الحال قال نحن في زمان من فقد دنياه فقد آخرته ومن قبلنا إذا فقد دنياه لم يفقد آخرته فالسعيد من احتاط لآخرته ، وقصده رجل من لمطة وتاب على يده وتعلم السير وسلك سيبل الصلاح فصار من حاشيته ورسله في غنمه بجبال بني مصعب وله معها غنم فغار عليه بنوغمرت فتبعهم يطلب ردها أو بعضا فضربه بعضهم برجله فتيبست رجله ول يطق ردها إلى الركاب فرغبوا إليه أن يجعله في حل وكروا عليه فجعله في حل فلم تزل على حالها فقالو له نريد بنية صادقة ففعل وانطلقت رجل فصاروا بعد ذلك يتجنبون أذاه ثم غاروا عليه مرة أخرى ومعه غنم الشيخ فقال خذوا غنمي واتركوا غنم الشيخ فأبو ا فكان عاقبتهم خسرا ، ومنه مثل الجماعة كالخشبة والمستتر برأيه كالوتد يضرب في وسطها يعني تفريق لجماعة بسببه، وأوصى بعض تلامذته عند وداعه إن وجدت من تقدم في الأمور فاتبعه وإلا إن وجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البر والتقوى فإن وجدت من يقتدي بك فكن إماما وإلا فالزم الطريق وحدك وجانب الناس ، وكان بالساحل في جماعة يزور أهل الدعوة فتلقاهم بعض أهل المنازل وأنزلوهم وأكرموهم قال وكان معهم رجل ممن تطلب معي وأخذ عن شيوخي وعليه كساء حشمي وفي رجله قرق قلعي وعلى رأسه شاشية حمراء وفي يده (2/85)
صفحة 376
مزارق ويرفعه ويضعه وعولت على هجرانه وزاد بأن أدخلنا بيتا وأدخل علينا أعوان الجبابرة فتضاعف غضبي وقدموا لنا طعاما ثم نفذ الطعام وصار الفوار يتصاعد من قعرها ولم أر قبلها ولا بعدها قصعة تفور بعد فراغ الطعام وذلك لشره الأعوان وقلة أدبهم وزاد حنقي ثم انصرفوا وأدخلنا بيتا آخر ولا خل معنا واحضر طعاما طيبا يصلح لمثلهم قال كلوا لعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله ويكفي ما تعلق بنا من طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الاسم وما حلنا على ما تقدم من مؤاكلتكم غير الجنس إلا المداراة عليكم وعلى أهل المذهب فانحل بعض ما بي فدعونا الله فلما دخل وقت الصلاة أتى وأذن وانحل بعض ركع ما شاء الله ثم أقام الصلاة فلم يجد من يقدم فتقدم وصلى ثم دعا ثم قام وركع ما شاء لله ثم جلس وأخذ الكتاب وجعل يقرأ ويفسر ما أشل منه وانحل جميع ما بنفسي واستحسنت حاله وشكرت الله إذ لم أعجل عليه بما يكره، وعن ابنه أبي يعقوب قال أوصى أبي بألف دينار فاستكثرها وأوصى بخمسمائة دينار وقال هذه وصيتي فأنفذه ولا جعلك الله في حل إن دفعت لشخص أكثر من أربعة دراهم لأنها حوطة من أموال أهل الدعوة لم آكل منها ولم أطعمكم ولكن ربما أرادوا وجها فرأيت غيره أصلح فصرفته فيه، ومن تمام تواضعه إن كنسوا غارا فجعل يرفع معهم الكناس فقال يوما بعضنا اقعدوا واسترح يا شيخ فالطلبة يكفونك قال لا يحملون عني ذنوبي فقال له احمل إذن كثيرا قال لو كان رأيك يؤخذ لأخذنا به آنفا ، وكان أبو الربيع إذا شبه الشيوخ قال عليه هو نذير م النذر الأولى وليس بنذير نبوة بل من الذين قيل فيهم { ولوا إلى قومهم منذرين } (سورة الأحقاف-29) قال أبو الربيع إن أبا عبد لله توجه إلى القيروان من عند شيخه زكريا يتعلم النحو والإعراب وكان أهل الدعوة بنواحيها كثيرين فقصد شيخا فتعلم عنده ث قال لم أوصني بك إلى من هو أعلم مني فانتقل بكتابه إلى الثاني فتعلم في أقرب مدة لما أعطي من (2/86)
صفحة 377
الفهم ، وسله يوما الشيخ منصور بن الشيخ عبد الغني الوسلاتي المزاتي رضي لله عنهما عن لحوم الحمر قال إنما يسأل إن لم يكن هو خيرا من ثمرة نخلكم في أولما ب قل الشيخ المنصور عجاب من فراسته وأخذ الكلام ن أبي نوح سعيد بن زنغيل ،ودارهم معدن العلم قديما م أبيه وجده وجد جده على ما أظن وقد تقدم أبو ه ولكنهم دونه في الشهرة، ومات عام أربعين وأربعمائة و من سياسته أن أبا تغلى سمع قراءة العزابة في غار أجلو الشرقية قال ما هذه البدعة فبلغ قوله أبا عب الله فاتخذ قصعة من طعام طيب ومنادل حسانا وبطة مملوءة زيتا أرسلها ليه قال امسكها هي لك فجلس غدا في موضعه فسمع قراءتهم فقال ما في هذا البلد إلا كلام ابن بكر فمن كره هذا قي قلبه لرمح في يده والرشوة لرفع ظلم أو دفع جور قال جابر في سبيل الله ورآه رجل بعد موته في النوم على حالة حسنة من اللباس والهيئة والمركب والجمالة.
ومنهم الشيخان القدوتان العاملان العالمان عبد الغني الوسلاتي وابنه المنصور وهما في السن والعلم كأبي العباس بن محمد وأبي عبد الله أبيه ابن بكر قالوا فهما قرينان لهما سنا وعلما ووسلات جلب مشرف على القيروان وتقدم أن الشيخ المنصور سأل أبا عبد الله عن لحوم الحمر فأجابه بما تقدم وكونها قريني أبي عبد الله وأبي العباس في العلم والسن كاف في الشهرة والتعريف بهما. (2/87)
صفحة 378
ومنهم الشيخ جعفر الوسلاتي وابنه الشيخ أبو زكريا يحي بن جعفر كانا شيخين فاضلين عالمين قدوتين، وروى أبو زكريا عن أبيه جعفر أن معنى قولهم التعزية بعد تجديد للمصيبة يصرف لمن هو قريب الدار وأما من بعد فلأن وجعفر ولد في أجلو وكان شيخا فاضلا ومات وابنه غائب وذكر عن الشيخ أبي زكريا ابن الشيخ جعفر قال كنت عند أبي هبد الله فكان العزبة يكنسون الغار ويكنس أبو عبد الله معهم ويرفع معنا فقلت له اقعد يا شيخ العزابة يكفوننا ذلك قال لي لا ترفع عني ذنوبي وكان يرفع قليلا فقلت له ارفع إذن كثيرا قال لي لو كان يؤخذ قولك لأخذ آنفأن وعن الشيخ أبي زكريا ابن الشيخ جعفر ثلاث من الحكمة لو شئت كتبتها في ظفري اتبع ولا تبتدع اخفض ولا ترتفع ومن تورع فلا يتسع. (2/88)
صفحة 379
ومنهم الشيخان الأخوان أبو يحي زكريا وأبو القاسم يونس ابنا أبي زكريا فصيل بن أبي مسور اليراسني رحمهم الله قال أبو العباس لكل واحد منهما سجايا جود كالسحاب وذكاء كالشهاب وحسن سلوك الطريقة وحفظ العلوم على الحقيقة قال أبو العباس ذكر أبو الربيع أن الشيخ أبا زكريا يحي بن جرناز قدم طرابلس زائر واجتمع الناس عليه يسألونه مسائل دينهم وفي المجتمعين زكريا بن فصيل فوقع السؤال عما انتبت الأرض هل تطهره الشمس إذا نجس قال نعم، قال الشيخ زكريا ليس هذا الجواب معمول به قال ابن جرناز معمول به، قال زكريا لا عمل عليه قال ابن جرناز صدق القائل إن أولاد الشيوخ غير منقادين قال ابن أبي زكريا الاولاد عقبة المستجاب إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون، وذكر أن أبا القاسم يونس بن أبي زكريا وأبا نوح بن صالح التجمي قدما على أبي محمد عبد اله بن مانوج زائرين فملا أديا حق الزيارة وانفصلا راجعين مرا بشجرة تفاح لأبي محمد تقال أبو نوح ألم ترها يا يونس حمراء فنزل أبو القاسم ونزع ما في رجله واظهر أثره خشية أن يظن غيره ثم اجتنى على وجه الدالة ما فغيه كفاية وأعطى لأبي نوح فرد بعضه وجاء أبو محمد فعرف الأثر وسر بما فعل وقال لم يزل مثله يدل في مال أخيه وكان يونس كثير الزيارة له فقال له مرة بلغني أن وكيلك على الحج قد أخذ ما معه واستخلفني لعلي أجمع لك شيئا فاستخلفه فجمع له من جربة قرب أربعة وعشرين دينارا فقال أبو محمد نقاسمك لأنك قريب عهد بعرس فأبى وأعطاه خمسة دنانير واستحسن قناعته وإيثاره على نفسه. (2/89)
صفحة 380
ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو عبد الله محمد بن سودرين وأبو محمد عبد الله بن زوزرتن وميممون بن حمدي بن زوزرتن رحمهم الله الوسيانيون الثلاثة من أهل كنومة وجمعتهم في التعريف تبعا لأبي العباس أما أبو محمد هو فتى أبي نوح سعيد بن زنغيل وبذلك اشتهر لأنه منه أخذ العلم وهو اقرب ليه من سائر طلبته ومصاحبه في أسفاره وموافقا لخلقه ومواتيا لحوائجه، ومن سياسته وحسن نظره إن صحب شيخه إلى بني كطوف فألفاهم ظاعنين فاتبعهم فلما نزلوا أرسل فرسه فاشتغل عنه أهل الحي فاستبطأ اجتماعهم غليه فقال لأبي محمد اردد علي فرسي قال قمت عليها متثاقلا وصرت أزاول الفرس وأصلح من شأنه للركوب وعيني إلى أهل الحي فرأيتهم اجتمعوا على الشيخ فأقبلت بالفرس فسلموا واعتذروا عن ريثهم فقبل منهم بفعلي وتثاقلي قال أحسنت، وأخذ علم الفقه من أبي صالح وأخذ الأصول من أبي نوح وكان أبنوح إذا سأل عن مسألة قال أخبرني هذا الفتى عن أبي صالح كذأن ومن ورعه قال قصدت أبا صالح فرأيت سوادا على بعد فقلت للعير التي كنت فيها ما ذاك فتسابقوا فإذا هي أمة فضقت ذرعا ولم يهن له عيش قلما لاغت جربة وصلينا الظهر وحلقت الجماعة فيهم أبو عمرو النميلي فناولني كتابا فكنت أقرا وأفسر فلا جاء أب صالح قرأت وأمسكت عن التفسير فقال لأبي عمرو النميلي فسر فأخذ يفسر فاستحييت من فعلي وكنت قبل ذلك لا أعرفه ولم أره فسألته عن مسألتي قال لا شيء عليك ما تعمدت إتلاف مال الناس ولا أتلفته، وأما ميمون بن حمودي قال كنت أظن أني استوعبت ما عند بعض أشياخي من العلم فقال يوما رؤية [المديان] غريمه فيه تقاض بعض دينه فلما قال ذلك لم أسمعه قبل ذلك قلت لا تدري للعوم غاية، قال أبو العباس إذا كان الغريم يستحي ويتقي على عرضه ودينه، وروى ميمون أن رجلا من العزابة جاء هودا بن محكم الهواري يستعينه في افتكاك كتبه مرهونة عند بعض النكار في خمسة دنانير فأرسل معه رجل إلى أحياء مزاتة فلما أعلمهم بوصيته (2/90)
صفحة 381
بادروا فكل يعطي ما أمكنه رجالا ونساء وقد تقدم الخبر في التعريف بهود.
وأما محمد بن سوردين فكان إماما عالما ورعا ورعه ما ذكر أنه كان بالساحل فرأى بابا مفتوحا والناس بين داخا وخارج قال دخلت فإذا برجل جالس على دكان وكل من دخل أعطاه دينارا فأعطاني دينار فخرجت فوقع في نفسي واستقبحت فعلي فرجعت فقلت أنا على خلاف مذهبك فنظر إلي وتبسم وزادني دينارا أي ترى انه لم يقبل صلة من ظن أنه مخالف حتى تحقق أنه آثر بهأن وقد اجتمعت بوارجلان بالمسجد الكبير جماعة من المشايخ أبو عبد الله محمد بن بكر وعبد الله المدوني ومحمد ب سوردين وعبد الله بن زوزرتن وغيرهم فسألهم رجل عن مسألة وهي الأجرة هل تؤخذ على تعليم القرآن فقال أبو عبد الله بكر للمدوني أجب فقال نعم إن لم تؤخذ عليه فعلام إذن تؤخذ عليه بل على رعي البقر فسكت الفقهاء توقيرا له وإن لم يحسن في الجواب للإجماع على جواز الأجرة على رعي البقر ولعله يريد على تعليم الحروف والأدب، قال أبو العباس العذر عنه أن لو منعها كان ذلك ذريعة إلى ترك التعليم فيفضي إلى تمام الجهل وتصير الناس أميين. (2/91)
صفحة 382
ومنهم أبو عبد الله محمد بن مانوج اللمائي رحمه الله قال أبو العباس أحد من أبصر فاستبصر وذكر بعد حيت وتذكر وذكر أنه تاب بعد الكبر وكان السب أمن لقيه رجل من لماية يرعى غنما فقال نعم الغنم التي ترعاها لحية، وبئس اللحية التي ترعى الغنم، فوقعت التوبة في نفسه فأتى المشايخ أبا مسور وأبا صاح وأبا موسى عيسى بن السمح فمكث عندهم ما شاء الله بالجزيرة ثم رجع إلى أهله فلقيه الشيخ الذي ذكره أولا فقال جميع الإبل تبرك للجمل ولكن التفاضل فرجع فمكث ما شاء الله ثم رجع إلى أهله فلقيه فقال جميع الأواني تصلح لأخذ المايعات والتفاضل فيما يبقى من الماء، فرجع فبقي عندهم حتى تفقه وصار إماما ومشارا إليه وهو أحد السبعة المشهورين المنسوبين إلى غار أمجماج، ومما يذكر من تمام قناعته وقلة تعلقه بعلائق الدنيا ما ذكر عنه أنه لم يستلف من أحد شيئا قط إلا مرة دينار فرده بعينه مع كونه محتاجا وقليل المال ومع ذلك ضيافته لا تفضلها ضيافة، وسأل راعي الغنم عنها قال بخير إن رزقها الله العافية إلى قابل تصير مائة قال أب محمد لا أحب أن تكون لي مائة كما لا أحب أن أكون يهوديأن وقيل لما كبر وضعفت قواه وعمشت عيناه صار يتيمم لوجهه للوضوء وللجنابة واتخذ مستحما في كل جهة خشية الرياح وقيل له اكتف بالتيمم قال تلك مسألة العاجز، وتذاكر هو وأبو عمران موسى بن زكريا ما الناس فيه من الأمور والضيق وكثرة الريب وما يدخل على الناس من ذلك وما لا يعلمون وما يعلمون فقال أحدهم إنما عاش الناس اليوم بحمل الأشياء على أحسن وجوهها قال الأخر إنما يرتكب ذلك في أحوال الطهارات وأما الأموال فلأن واستحسن الآخر ذلك، وسأل ما العبادة فقال النية والإخلاص ل ما يتخيلونه من الاجتهاد إلا إذا صحب الإخلاص ألا ترى ابن داود يقيم الفتنة وهو يحفظ ما بين دفتي المصحف ثم بعد ذلك تلب داود وحسنت توبته، قال الشيخ ماكسن بن الخير لما توجهت إلى جربة برسم الطلب جزت على الشيخ أبي (2/92)
صفحة 383
عبد الله واستشرته بأي نن ابتدى، بالكلام أم الفروع، قال اقرأ الجميع قلت فإن قصر فهمي قلت فدينك علم الفروع، وذكر أن عبود بن منار المزاتي زاره قال يا عبود إنك لعظيم القدر عندي فما حالك قال ركبتني ديون قال أعليك الدين وتزورني أبعد عني فلما رجع عبود إلى أهله فقل أهله فقال لعي بن يخلف أخي سليمان بادرني يا علي بمن يخلصني من هذا الدين فأتاه بمن اشترى منه قطيع غنم ومطورة شعير وعبدا فقضى دينه فلم يلبث إلا يسيرا فغارت غارة عليه فدافع عن نفسه وماله وأهله حتى فتل شهيدا رحمة الله عليه ومنزله برزيق، فرآه بعض الصالحين في النوم فقل مضيت وتركتنا قال لا تقل كذلك وقد تركت فيكم سليمان بن يخلف نذير بعدي وكان يقول بعد أن كبر إن بعض العلماء يقول إذا علم العالم من نفس ضعف عقل فلا يفتي وأخذ بهذا القول واترك الناس قبل أن يتركوني. (2/93)
صفحة 384
ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني رحمه الله حاز من الورع والتقوى والفضل الحظ الوافر وكفاه في فضله قول أبي عبد الله بن بكر فيه قطع أبو بكر عذركم إن زعمتم إنكم مقلون فهو مثلكم وإن زعمتم إنكم في بلاد قائمة الأسواق كثيرة السالك فهو كذلك، وعادته تأخير العشاء إلة أن يصلي العتمة وينادي في المسجد لا يبيت ضيف دون عشاء ثم يفتش أركان المسجد وزواياه فإن وجد طارقا ابن سبيل حمله وإلا انصرف ومن عجب أخباره أنه دفع بذر الزارع يزرع جناته ثم بعد ذلك إذا قدم عليه من الجنة سأله ما حال الزرع فيقول بخير فلما فات الوقت خرج يرى زرعه فلن يجد شيئا فقال للجنان ما هذا يا فلان وتلقاه بكلام قبيح أن قال أتظن أن ازرع لك وموت أولادي جوعا فخرج وهو يقول سلام سلام أرد قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } (سورة الفرقان-63) لوم يسمع منه ما يكره، قال أب العباس قال أبو الربيع سليمان بن يخلف مررت أنا وخالي عود بن منار بأبي جعفر فأخرج صرة فيها دراهم وقال خذاها واشتريا من السوق خبزا نقيا لغذائكما قلنا تغذينا قال الحمد الله فردها. (2/94)
صفحة 385
ومنهم أبو الخطاب عبد السلام بن منظور وزجونةا لمزاتي وهو أحد من رتب للحلقة الأساس واحكم لها [الأمراس] وهو احد الأشياخ الذين اشتهروا ممن أخذ عن أبي نوح سعيد بن زنغيل وقيل كان مع التلاميذ حين رتبوا الحلقة على أبي عبد الله بن بكر فكان يتحرى مجاني الصلاح وينتهز الفرص حيث سنحت حتى عرقت له هذه الشنشنة وقال له الشيخ أبو محمد يوجين اليفرني أردت أن أعرف موضع نومك لأوقظك للصلاة وكان عبد السلام يطيل الجلوس في المجلس فإذا نام قليلا جاء الشيخ فأيقظه ويقول عبد السلام ما نال الصالحون ما نالوا إلا بترك اللذات فلما ارتحل الشيخ من كنومة إلى أريغ قال لعبد السلام ارتحل معي لأن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل الحرب لا غناء به عمن يعينه ويؤيده ويرعاه ويرفده ويداوي جراحه وإلا كان هلاكه وشيكا فأجابه إلى ذلك وأنكحه ابنة أبي القاسم فمكث عنده ما شاء الله فأتى عشيرته زئرا قالوا له تركتنا فلسنا بتاركيك فكن معنا كما كان أبو ك لتحي ما كان أحياه من الدين وإلا كنت مسؤولا عن الدين فأجاب رغبتهم فأنكحوه زينب بنت أب الحسن، ثم أقام حينا ثم انحدر إلى أريغ واخبر أبا عبد الله برغبة قومه فيه وإرادة مفارقة ابنة الشيخ أبي القاسم وقد أتيت ببعض الصداق وأوفى بالباقي إن شاء الله فأخبر فاخبر بذلك أبو عبد الله أبا القاسم قال معاذ الله أن أخذ من عبد السلام عوضا من العوض الدنيا وأشهد أنه تحمل عنه جميع ما أوجب لها عليه وتركته فلم يقنعه ذلك فبرأته المرأة بنفسها وراوده الشيخ بأن تقيم عنده فلم يمكنه فلما ارتحلت مزاتة إلى طرابلس ارتحلت معها أقام حتى رجعوأن وأقام هو بجبل نفوسة ما شاء الله فحج من هناك فلما رجع قصد درجين وسكنها في رغد من العيش ورفاهية، وكان كثير البنات مع زينب بنت أب الحسن، وفي سنة ثلاثين وأربعمائة وقع في طرابلس قحط عظيم وتفر أهلها وتسمى فرورا فنزل رجل من ورغمة بقلعة درجين في جوار الشيخ عبد السلام فاستحسنت زينب صورة (2/95)
صفحة 386
ابنه الورغمي فخطبتها على بعلها فتزوجها وسكن معه في داره وطلع معه إلى افريقية فنزل عسكر صنهاجة على قلعة درجين فحاصرها حصارا شديدا فلما اشتد عليهم الحصار خرجوا عليته خروج رجل واحد يقاتلون فقتلوا عن آخرهم واستبيح ما في القلعة فخرجت امرأة ابن أبي مرجون وهي تنادي يا آل مزاتة ومعها بناتها فخلصها رجل من أهل العسكر وسلمهن الله من الانكشاف، ورجع عبد السلام فرأى تلك الأحوال فسمع به بنو ورتيزلن فارتحلوا به إلى أجلو ومنحوه أرضا عظيمة فعمرها وولد له من الورغمية ولد سماه سعيد فلما بشر به قال ولد الشيخ يتيم، ومنه تناسلت ذرية الشيخ وحين قدم إلى أريغ وجد أبا عبد الله في آخر أيامه من الدنيا قراره وهو في السياق فتأسف وأظهر الجزع على فراقه فقال اقصر عن هذا وعليك بالدعاء وجعل يكررها حتى قبض، فجعل يقول مثلي كمثل من يسير في شدة الحر قاصدا شجرة يتفيأ ظلالها قلما وصلها اقتلعت فأضحى ضاحيا وقيل اشترى مرة بإفريقية خرفانا فأراد بائعها قبض الثمن فقال له أرى وهي بلغة صنهاجة هات، فدفع ثمن الخرفان وتصدق بها تحرجا من رزق صنهاجة لتجبرهم وغصبهم للناس أموالهم وسأله أهل منسان عمن أقر على نفسه بالزنا ما الحكم فيه قال ادخلوه مزبلة وارجموه ففعلوا فحضرت الجمعة فصلاها ركعتين والزمان كتمان وخطب ثم قال الكتمان يأخذ الظهور والظهور لا يأخذ من الكتمان يعني أهل الكتمان إذا استطاعوا تنفيذ بعض الأحكام فلهم ذلك وأهل الظهور لا يجوز لهم التقية. (2/96)
صفحة 387
ومنهم أبو عمران موسى بن زكريا رحمه الله احد أعلام المذهب ورؤوسه وممن أضاء الله به دجى الجهل وظلمته، قال أبو العباس أدرك المشايخ وروى عنهم العلوم والآثار ولكل من تلاميذه منبر في الدين ومنار، وله كرامات مذكورة وبركات وبركات مشهورة هو الذي تولى نسخ الديوان المشهور الذي ألفه الفقهاء السبعة بغار أمجماج، أبو عمران هذا وأبو عمرو النميلي وعبد الله بن مانوج وتقدم التعريف بهما وأبو زكريا بن جرناز النفوسي ن وجابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح، وأبو مجبر بن توزين، ونسب إلى أبي عمران لفضل البنان، وإلا فهو كأحدهم في البيان وكان ذا حظ عظيم وقيل أنه رأى في المنام أن يده صارت مصباحا فعبرت له بان يده يحي بها دين الله، وقال أبو و محمد ندمت على ثلاثة فاتتني من الدنيا قراءة كتاب الجهالات وهو كتاب في الكلام عظيم الشأن، وزياره أهل الدعوة، وحضور مجالس أبي عمران، وسافر أبو عمران زائرا لأهل الدعوة فمر بقصطالية بأبي جعفر أحمد بن خيران فقال له سربنا إلى زيارة الغاية زوجة أبي القاسم فلما سلما عليها سألتهما عن امرأة نزلت بثيابها الماء وجعلت على رأسها سترة، قال أبو عمران أيما امرأة نزلت مكشوفة الرأس في ماء تعوم في سبعة أودية من نار جهنم قالت هل من رخصة قال إذا كان ما ذكرت من السترة فهو أقرب إلى السلامة، فقال ما جوابك فيها قالت كذلك حفظت من كتاب سعيد بن يونس، واختلف أبو نوح سعيد بن زنغيل و أبو نوح سعيد بن يخلف في أمة صلت مكشوفة الرأس فأعتقت وهي في الصلاة هل عليها النقض فهما في المحاورة إذ طلع عليهم أبو عمران موسى بن زكريا فقال احدهم قد جاء من هو اعلم منا ثم سألاه عنها فأجاب بما يوافق أحدهما قال أبو العباس والأظهر إن علمت بالعتق وهي في الصلاة فأتمت صلاتها كذلك فعليها الإعادة وإن لم تعلم فلا إعادة عليها وهذا تفصيل حسن، وروى أبو محمد عنه أن تعلم حرف من العربية كتعلم ثمانين مسألة من الفروع وتعلم مسألة من الفروع (2/97)
صفحة 388
كعبادة ستين سنة، ومن حمل كتابا إلى بلد لم يكن فيه كمن تصدق بألف حمل دقيقا على أهل الغار وكفاه تعريفا وشهرة وعلما وصلاحأن وذكر انه أضاف أضيافا فلما استدعاهم وكان ذلك بمحضر صاحب له يعرف بخليفة بن تزراغت فرغب إليه جابر أن يصحبهم فامتنع فألح عليه قال يعلم الله أني لا أصحبهم قال جابر قد وجبت عليك الكفارة إما اصحبهم أو اقعد قال الراوي أوجبها لأنه حتم فيما لا يعلم أن يكون أم لا قال أبو العباس هذا تشديد لأنه لم يذكر لفظا من ألفاظ القسم.
ومنهم أبو زكريا يحي بن جرناز النفوسي، وكان من جملة أصحاب الغار وممن ألف في الديوان، أبو الربيع قدم أبو زكريا قدم أبو زكريا بن جرناز من طرابلس فدخل جربة زائرا فاجتمع عليه الناس يستفتونه وفيهم زكريا بن أبي زكريا فأجاب بالرخصة فيما عمل وما أنبتت الأرض كالحصر وغيرها أن تنقيه الشمس والريح كالأرض فقاتل زكريا هذا ليس عليه عمل، قال ابن جرناز بل عليه العمل فرده زكريا بأنه ليس عليه عمل، قال ابن جرناز يقول الناس إن أولاد الأشياخ لا ينقادون صحيح قال زكريا قال عقبة المستجاب لأولاده إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون.
ومنهم أبو مجبر توزين وكباب بن مصلح كلاهما تعلموا العلم وعمل به واستفاد من الأشياخ وأفاده، وممن نور الله بهما الدين وتقدم أنهما من أهل غار الجماج ولا شهرة أعظم منها وهما في زمان أبي عمر النميلي وأبي صالح وغيرهم كما تقدم التعريف. (2/98)
صفحة 389
ومنهم أبو إسماعيل البصير بن ملال المزاتي رحمه الله وكان ممن لازم زوايا المساجد لاجتناء العلوم والفوائد وتعلمه بمدينة توزر بدرب بني مبدول من بني واسين، وروى أبو محمد ماسكن عن أبي إسماعيل أنه قال تعلمت خمسمائة كتب بتوزر، وجمعت خمسمائة دينارا وأكلت خمسمائة رأس ضأنا سودا قال وقد رجع من سفر لقد استفدت من سفري هذا إذا تعلق القراد بالميت فاثر يتيمم له ن وإلا غسل، وما نبت منن الأشجار في المقبرة والغار والطريق إن سبقن المقبرة فالحكم لهم وإلا فالحكم للمقبرة أي لا يجوز سلوكها ولا دخول الغار ولا جنى الشجرة والقراد يقطع بالحكم، وخرج زائرا فجاز على كدية بني غمرت من أريغ فرغبوه في المبيت فامتنع كل الامتناع لأن بها قوما أظهروا الفساد والظلم وفيها قوم صالحون، قال لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم وأعلنوا بالمناكر ولا ينقادون للحق ولا يذعنون، فجازهم ولم يلبث إلا يسيرا فنزل بهم جماد بعسكر فأجلاهم ودمرهم تدميرأن وسألهم أبو مسور وهو بسوق الخميس بجربة عن رجل أعطى وليته لرجل مخالف فردها إلى مذهبه وعن رجل در ولده إلى مؤدب مخالف يعلمه فرده إلى خلافه ومن زوج وليته لمن يطعمها الحرام فأجابه أبو إسماعيل بأنهم هلكوا وهلكن بل هلك الجميع. (2/99)
صفحة 390
ومنهم أبو محمد عبد الله بن الأمير اللمدي رحمه الله كان عالما روعا مستجاب الدعاء وفي الأثر زار أبا عبدا لله بن مانوج ومعه لحم مطبوخ في يوم جمعة بعد الظهر فألفاه صائما فأفطر لموافقة قالب المؤمن وأدخل السرور عليه، ذكر أبو العباس عن أبي الربيع أن أبا محمد كان يعظ لمائة ويحذرهم وقال لهم يوما قال أبو صالح السخط يعم والرحمة تخصص يهلك الصالح بذنب الطالح، قال أبو العباس قال أبو الربيع جئت لزيارة عبد الله بن الأمير فلم أجده في منزله فقصدته في الأندر فإذا به في جبة صوف طرح رداءه وهو يضم طرف الأندار لما رآني لبس كسائه فصافحني ثم أقبل يعتذر كأنه أساء في طرح الكساء، قلت له وهل في ذلك من بأس أليس هو العمل بالحلال قال نعم ولكن أين من يحسن العمل بالحلال إنما يحسن ذلك أبو صالح قلت كيف يعل قال ينزع الزرع إلى الأندار على ناقته فإذا كان وقت الضحى أناخ ناقته وصلى ما كان يصليه ثم يرحل وكذا العمل إذا كان لا يضر بعمل الآخرة، قا أبو العباس قال أبو الربيع وجه إلي سليمان بن موسى شيئا وأمرني أن أشتري به طرفا من المأكل وآتي بها عبد الله بن الأمير يأكلها ففعلت وحملت من طريقي من الكلاء ما يقوم بدابتي قلما وصلت قال لأولاده اعلفوا دابة سليمان قلت ما هو بحمار يعتاد العف قا ليعلف ولا بد فإن علف دابة الضيف أهم من طعامه قال هكذا كانت قصتي مع عبد الله بن مانوج ، جئته مرة على دابة جمعت لها من الكلاء ما يكفيها قال لأولاده اعلفوا دابة عبد الله قلت ما هو بحمار يعلف قال بل يعلف ولابد من ذلك فإن علف دابة الضيف يا عبد الله أهون من إطعامه وكانت أمه من أمة سوداء وكان ذلك غالبا على لونه فذكر انه صحب في بعض أسفاره شيخا اسمه عزون فلما كان ببعض الطريق كلفه عزون ببعض الأحوال ولم يفعل قال عزون معرضا بسواده لو كان العبد من ديباج كانت أطرافه من تليس قال أبو محمد أتقع الفرقة ولا بد قال نعم قال تعال فاركب على عاتقي . (2/100)
صفحة 391
ومنهم أوب زكريا يحي بن وجمين الهواري رحمه الله كان ورعا ذكيا فطنا غائضا في بحار العلوم كاشفا للغطا عن مشكلها قا أبو محمد عبد الله بن محمد فيما روى عنه ابو العابس قلت لأبي زكريا ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ( هلكت فيك يا علي فئتان محبك المفرط ومبغظك المفرط) قال صدق عليه السلام قالت فيه الشيعة بقول النصارى في عيسى - عليه السلام - حتى قال بعضهم بآليته، وقالت الصفرية إن كل معصية شرك أو كل كبيرة شرك وقالوا أنه فعل االكبائر وأنه مشرك، قال أبو العباس قال أبو محمد كنا في مجلس في أجلو يقرأ فيه عزابي أثار الربيع عن ضمام عن جابر رواية أبي صفرة رواية أبي صفرة عبد الملك بن صفرة وأفسر بالبربرية ما يقرأه و لا أتعرض لذكر السند وأبو زكريا في زاوية من المسجد يصلي فقال ما لك لا تذكر أئمتك فكان كلما قرأ سندا أعدته ثم أفسر وهذا الكتاب رواية أبي صفرة عبد الملك بم صفرة عن الربيع قال أبو محمد إذا سالت ماكسن عم مشكلة قال دعنا حتى يأتي صاحب المشكلات أبو زكريا قال أبو محمد اجتمعت الشيوخ في مسجد الشيخ ينكول بن الطويل ليصلحوا بين جماعة تينوال وكانوا يقرؤون كتابا ومروا فيه بقصة رجل في زمان سيدنا موسى وله حمار فقال رب لو كان لك حمر لعلفته مع حماري وربطته نعه فهم به موسى فأوحى الله إلى موسى ذلك مبلغ عقل عبدي فتركه موسى واجتمعوا بأثر ذلك بتينوال وجعل الشيوخ يعاتبون أيوب بن حمو ، قال أبو زكريا اتركوا عنكم البله الذي تمتلئ بهم الجنة يعني خبر صاحب الحمار واشتغلوا بمن يثقب الخرزوة بكياسته يعني ابن حمو فمازالوا يعاتبونه حتى تاب واصطلحوا ورأى أبو زكريا ليلة القدر في مصلى المسجد عند موضع الحراب الذي يلي الحائط القبلي مسجدا أكلو فبنوا محرابا ملصقا إلى جدار قبلة المصلى في داره وهو معروف بالبركة ، وذكر أن رجلا ممن ينتحل التقوى لابنه عليه دين فماطله فدعاه إلى المشايخ وفيهم أبو زكريا فحكموا عليه الدفع فحبسوه (2/101)
صفحة 392
وأخرجوه إلى الخطة فسمع ماكسن فأقبل فقال على ما يسجن قال أبو زكريا حكم بها أبو عبد الله وحكم به هذا واحكم بها ولا يخرج حتى يقضي مل عليه أو يسرحه ابنه أبا نوح قال محمد البستي بها و لا يخرج حتى يقضي ما عليه يحيكم هذا لا يؤذي الأرض ولا تحس مشيه عليها يعني يمشي هونا.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان النفوسي رحمه الله وكان ممن وسع الله عليه في كثرة العلم والمال والتقى وسماحة النفس وسخاوة القلب كانت عنده كثرة التلاميذ يعلمهم ويطعمهم ويكسيهم من خاص ماله فإذا أقل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخف وادخر الأخرى وربما باعها بالثمن الذي اشتراها به، أبو العباس عن أبي عمرو عن إبراهيم بن يرموز الزنزفي وكان شيخا صالحا قال دعاني أبو عبد الله أن أصحبه إلى السوق ليبيع زيتونة مشرفة على السوق ضاعت غلتها فقلت بكم فقال بعشرة دنانير فلما ساومها باعها بأربعين دينارا فلما رجعنا فرق الثمن على العزابة والتلاميذ وأعطاني ستة دنانير فأمسك العشرة التي طابت نفسه بالبيع بها ونواه فجعل ما زاد لله قال أبو عمرو فسألت عن ذلك أبا العباس قال من العلماء من قال الزيادة للفقراء والذي فعله حسن جميل وكان يقول لا أريد أن أرى الفرس والكلب و المرأة إلا في بيت عدو الفرس في رأسه مطحنة وتحته مزبلة والكلب يروع و المرأة تفشي السر وتهتك الستر قيل لم يملك ذا روح وقال لأصحابه إن عادة آبائي إذا كبروا اعترضتهم حبسة في ألسنتهم تؤذن بفراق الدنيا فإذا رأيتم ل فزوجوني فلما رأوا ذلك منه زوجوه امرأة قامت بمرضه حتى توفي رحمه الله، قال أبو العباس التزوج فضل وهن الحق لقوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم... } (سورة النور-32) وكذا اكتساب الحيوان إلا إن خشي ما تر عليه من المضرة والتفرغ للعلم والتزويج في المرض خشية أن يتكشف عليه غير زوجته لقوله عليه السلام (من مات عازبا مات شيطانا) وقد كان في تطلبه يكابد (2/102)
صفحة 393
سوء المعيشة وصبر حتى كان لا يجد فصار يأكل اللقطة بل القطف والرسا وهما شجرتان معروفتان فيما ذكر وكان خرج من أهله من أبديلان من نفوسة فأخذ في الطريق فدخل وارجلان وليس عليه إلا خرق ولم يعرفه أحد ولم يعر ف أحد وصادف رمضان فكان يتبع الطلبة للكرامات التي تصنع لهم فإذا دخلت الطلبة رده صاحب الدار إنكارا للباسه وهيئته وعدم معرفته فاجتمع عليه لباس الجوع والبرد حتى ورم رأسه ويسوخ فيه الإصبع فلما رأى ذلك رجع إلى الصبر وحبس نفسه في المسجد وتوكل على الله وابتدر الناس الطلبة يحملونهم وكثر الحمل وأرسل واحد ابنه فلم يجد من يحمل ووجده لازم الفراش فدعاه فقال لست ببغيتك فرجع إلى أبيه فقال لم أجد إلا رجلا ليس بعزابي قد اضطجع ومن رغبته في إفطار الصائم قال ائت به وما قضى الله به من الفرج فرجع إليه ودعاه قال لست من تطلبه وقد ضعف صوته فرجع الولد فأخبر أباه بحالته وامتناعه فقام إليه فجلبه إلى داره بنفسه فلما غسل يده فأول لقمة رفعها إلى فيه خرج منه نور شق سقف البيت حتى ظهر إلى الهواء فجعل الرجل يكرهه على الأكل حتى شبع قال له هل لك عريف قال لا فحدثه بقصته من أولها إلى آخرها قال أنا عريفك وتكفل له بجميع ما يحتاج فأعطاه كساة من حينه وأكرمه الله ببركة أبي عبد الله حتى صار لا يقصد وارجلان غيره ثم قتل مظلوما. (2/103)
صفحة 394
ومنهم أبو ميدول مَصْكَداسَن الزنزفي قال أبو العباس يعد في الوعاظ والنصاح والداعين المرشدين إلى سبيل الفلاح وتحكى عنه الحكم والأمثال والإصابة في الأقوال والأفعال حتى ذكر يحي بن جعفر أن أبا القاسم يونس بن أبي زكريا كتب إلى أبي ميدول ((بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، أما بعد: إني سمعت بأن جماعة من النكار طلعوا إلى ما قبلك فإياكم ثم إياكم أن يردوا أرضكم ولو للضيافة فإن القوم أخدع الأمة وانت ممن لا يحتاج أن يوصى والسلام...)) فوقف عند ما حد له وأضاف أبا محمد ماكسن ويخلف التيمجاي وقدم لهما طعاما جميلا ضيافة كاملة فقال كلا فقد مات ن يسلم في نفسه ويسلم معه غيره فشكرا صنيعه وشكر هو حين رآهما شكرا. وحمد الله على اقتران الشكرين وقيل اللعنة مع الضيف فإن حمد وشكر وقابله المضيف بمثلها وقت على إبليس وإلا وقعت على أحدهما وله كلام ومواعظ بالبربرية.
ومنهم أبو موسى يزيد المزاتي وابنه ضمام رحمهما الله قال أبو العباس ممن تمسك في الفروع بحبل وثيق وسلك غي الصلاح أنهج طريق، وكان من أفاضل تلاميذ أبي خزر وممن أخذ عنه الأثر والسير، ذكر الشيخ أبو العباس عن أبي نوح صالح بن إبراهيم أن بلاد افريقية أصابتها سنة وشدة وقحط فانتجعت مزاتة قابس يمتارون التمر بالدين والقرض، وقصدوا الشيخ ضماما وأعلموه بما هم فيه من شدة المآل وأرادوا أن ينقدهم مما هم فيه من الجوع بأن يستدين ويتحمل عنهم فشار والده فهل يعرفهم احد قال لا قال وأنت تعرف قال نعم قال توجه الفرض عليك أن تستنقذهم بما هم فيه فجاهد ففعل فقال أبو نوح قيل يسل المرء عن فضل جاهه كما يسأل عن فضل ماله وقيل من تبرم بجاهه فقد تعرض لزواله، وعنه - عليه السلام - ( لله وجوه استخصهم بنعمته ما بذلوها لخلقه فإذا بخلوا بها بدلها إلى غيرهم فلما أيسروا قضوا وقضى ما بقى). (2/104)
صفحة 395
ومنهم أبو يعقوب يوف بن سهلوان، كان غزير الحفظ متقنا لما حفظ ذر يعقوب بن أبي القاسم أنه قال وصلت ذات مرة على وارجلان فرجعت وسألني أبو عبد الله بن بكر هل رأيت أبا يعقوب قلت لا وكان مزين حاضرا قال انظر يا مزين إلى هذا الذي يسافر إلى وارجلان ولم يزر أبا يعقوب فعظم علي ذلك فرجعت إلى وارجلان زائرا له فأخبرته بحاله وأن أبا يعقوب أصيب في لسانه، وذلك أن مسألة شنيعة نزلت في وارجلان فاجتمع لها المشايخ ومن ينسب إلى العلم والرأي وذلك عادتهم وهي امرأة ادعي تزويجها رجلان فأتى كل واحدة منهما ببينة على صحة دعواه فترددوا المسألة، قال أبو يعقوب حرمت عليهما معا وعلى رجال الدنيا والآخرة إلا أن تتوب فتحل لرجال الآخرة، وقال رجل من بني ياجرين هاج الفحل وافترقت الفصلان فأصابه بالعين فاحتبس لسانه عن الكلام، وكان كثير الرفق والسياسة مع كل أحد حتى إذا أراد أن يأمر ابنه أيوب بأمر أشار إليه إشارة لئلا يعق إن لم يمتثل لكلامه إذا أمره وكان أيوب يبدر لما فهم بالامتثال فضرب بهما المثل، الأب كأبي يعقوب والابن كأيوب، واختلف هو وأبو عبد الله بن بكر فيما يقال لمن تولاه هو مسلم عندي عند الله أن مسلم عند الله عندي، قال أبو عبد الله يعلم الله أنه عندي مستحق لذلك وهذه مسألة تحتاج إلى بسط وقوله في المرأة تحرم على رجال الدنيا والآخرة، قال أبو عباس إذا دخلا بها لأنها زانية وإلا فهي للأول إذا رضيت به وإلا فسخ النكاح أن جهل التاريخ أو لم يرض بها وهي لمن رضيت به إن لم ترض بالآخر. (2/105)
صفحة 396
ومنهم تملى الوسياني وروى أبو الربيع وأبو نوح وأبو عمران كان عالما مقلا في أول عمره وهو من أهل القصور، وسافر التجار بالتمر إلى البادية وسافر معهم بمزود تمر على عاتقه أو علاوة وسادة لاختلاف النقل فاستطعم القافلة مسكين فلم يعبأوا به وأطعمه تملى حتى شبع فدعا له بالنماء والربكة قال إن أمامك قوم أدركهم الجوع فلا تنزل حتى تصلهم فلم ينزل حتى ونزلت القافلة دونهم فباع لهم كيف أراد وبارك الله في وسادته ونمت وقيل باع صاعا بتمر بصاع من دراهم ويأخذ الصامت والكسور فما أتته القافلة إلا وقد باع بوقر جمل مال فبورك له في كل سيء حاوله وجعل يسافر إلى تادمكت وجمع بها أموالا وكان يبعث كل سنة ستة عشرة كيسا كل كيس فيه خمسمائة دينار مكتوب عليها مال الله مال الله إلى أبي عمران موسى بن سدرين والد هارون الحامي الوسياني يفرقها فأرسل إليه ألا تبعث أولياءك أقلاء ومالك كثير وقد استغنوأن وكاتبه تملي كل من لم تعلم له كبيرة من أهل الدعوة فأعطه كذا قال أبو خزر ولا تسأل عنها أحدأن ووصل إليه يخلف بن تمصكويت المدوني وقيل ابنه أبو نوح سعيد فقال له إن كنت تأخذ مالا له أغنيك وعقبك فقال لا فأعطاه دينارا وكان يحدث عما رأى من كثرة الكياس من مومة مكتوب على كل واحدة مال الله.
ومنهم الشيخ عبود بن منار المزاتي خال سليمان بن يخلف وتقدم أنه مات شهيا بمنزله زريق وتقدم مسيره إلى أبي محمد عبد الله بن مانوج وقال له أنت عظيم في نفسي ياعبود وما حالك قال ركبني الدين فانتهره فخرج فبادر دينه ثم قتل إثر ذلك شهيدأن قال أبو الربيع سليمان بن يخلف مررت أنا وخالي عبود بن منار ذات مرة على أبي جعفر أحمد بن خيران فأعطانا صرة دراهم نشتري بها طعاما طيبا من السوق قلنا له تغذينا قال الحمد لله وليس هو الشيخ عبود الكزيني المزاتي أو غيره الظاهر عندي والله اعلم. (2/106)
صفحة 397
ومنهم أبو الربيع سليمان الربيع بمن يخلف المزاتي رحمه الله أخذ العلم من منبعه الصفي ومعدنه المليء أبي عبد الله محمد بن بكر وكان غاية في العلوم وله من التآليف (المتحف في الأصول) أفنى شبابه في القراءة وبقية عمره في الإقراء، وأفاد خلقا كثيرا واشتهر علمه في الآفاق، قال أبو عباس ذكر أبو عمرو أن جماعة عزابة اجتازوا بطرة فإذا هم مقدمها اسمه أبو علي قالوا له احذر عقوق الوهبية قال لهم ارغبوا إليهم أن يدعوا علي استهزاء فلما وصلوا جربة وكان يوم جمعة صادفوا الشيوخ قد أقبلوا إليها مع التلامذة وفيهم أبو الربيع فسلموا عليهم وصافحوهم واخبروهم بفعل أبي علي وقوله استهزائه قال أبو الربيع رب كلمة سلبت نعمة فاجتمعوا وابتدأ أبو الربيع ودعا فتبعوه وأرادوا الدعاء وختم أبو الربيع فأصاب الملعون في تلك الساعة وجع وجعل يصيح من شدة الوجع ويقول قتلني الشيخ الأعور يعني ألا الربيع حتى مات ولم تمطله دعوة أبي الربيع، ولما مات أبو عبد الله محمد بن بكر كان أبو العباس ابنه عند أبي الربيع فلما بلغه موت والده أمسك عم أكل ما بقي من النفقة لأنها مال الورثة قال له أبو الربيع أمسك ولا حرج عليك ولا تلزمه العدالة بينكمأن وعن غير واحد من تلاميذه رجعنا من عنده عام واحد وسبعين وأربعمائة فشيعنا إلى المصلى الذي فوق عيون تونين فوقفنا للوداع قلنا أوصنا قال إذ وصلتم منازلكم فإياكم أن تستقبلوا الدنيا بوجوهكم لئلا تغرنكم وعليكم بالألفة والنصيحة والتزاور وحفظ مجالس الذكر وإياكم وأمور الناس وإياكم والتقصير فيمن رد عليكم من أهل دعوتكم، وقالوا أردنا الطلوع إلى جبل دمر برسم دراسة الكتب من تملوسلت قلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا يحي زكريا بن أبي بكر فشيعنا أبو يحي وقال إن رجعتم إلى أهاليكم وأنتم على هذه الحالة فكمن ترك الإسلام عمدا وهذا تحريض وترغيب في طلب العلم، وقال أحد طلبته للآخر زوجتك أختي قال قبلت فضاق ذرعا فبلغ الخبر أبا (2/107)
صفحة 398
الربيع فقال لم ينعقد عليك نكاح و لاشيء عليك ولو إجارته، قال أبو العباس إن كان الأخ وكيلا انعقد بلا خلاف وإلا فإن إجازته وقبلت لزم إذا كان بقرب العقد وقال لعل أبا الربيع علم منها عدم الرضا أن عقد مع ولي قبل، قال أبو العباس ذكر أبو عمرو عثمان بن خليفة أن أبا يعقوب محمد بن يدر سأل عن مسألة فأخطأ في الجواب وذلك أنه قال علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بهأن وكان يزيد بن خلف الزواغي وأبو الربيع سليمان بن خلف المجلس فقال يزيد بن خلف الزواغي وأبو الربيع سليمان بن يخلف خلف المجلس فقال يزيد بن خلف الزواغي يا سليمان ما الذي أخذت عن عبد الله بن بكر فيها قال إذا لزم ففعل شيء لزم العلم وإن له في فعله الثواب وإنه فرض وعدل، وجوابه في المسألة جواب النكار وهو خطأ وجوابهما جوابنا وهو الصواب إن شاء الله، وتوفي رحمه الله عام واحد وسبعين وأربعمائة فبلغ وفاته الأشياخ في بلا أريغ كمزين وماكسن ويوسف بن أبي عبد الله فاجتمع إليهم أعيان تلك النواحي يعزونهم وهيهات وقد لازموا العويل والاكتئاب الطويل، وقال أبو يعقوب كفوا عفاكم الله فإن هذا لا يغني عنكم شيئا وعليكم التمسك بما أخذتم عنه وعن غيره من الأشياخ وكونوا لها كصاحب إبراهيم بن إبراهيم لأمانته حين أودعه دينارا فقال احذر أن يسقط قال تقع هاتان ولا يقع إشارة إلى عينه. (2/108)
صفحة 399
ومنهم الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبد الله مزين بن عبد الله الوسياني رحمهما الله كانا عالمين عاملين فاضلين صالحين مقصودين في النوازل، قال أبو العباس دخل على يانجاسن بن حموا قال جئت من عند مزين سألته عن تباعة تعلقت بذمتي كيف الخلاص منها وقد تعلقت بي من قرى وارجلان قال أتعرف القرية ؟ قلت نعم ،قال صاحبها ؟ قلت لأن قال أتجد من يشهدك بأنها لفلان ابن فلان ؟ قلت لا قال تصدق بها بموضعك، واستخلف أبو ويدرن الفطناسي مزين على وصيته فعمد إلى خيار ماله فباعه وجعل ينفذ منه الوصية فشكت زوجة أبي ويدرن وبناته إلى أبي عبد الله فقال مالك يا مزين ولهؤلاء قال اشتغل بهن إنما اشتغلت بفكاك رقبتي ورقبة أخي في الله، وأما الشيخ ماكسن فقد أصيب ببصره وهو من سبعة أعوام وقيل سبعة أيام فجاءت أمه إلى أم المعز ابن باديس فأعلمتها بما أصاب ابنها فقالت لها [رديه] في المكتب فإنه سيستفيد لما رأته من حدة فكره وحضور ذهنه وفهمه وذكائه ففعلت، وحفظ القرآن تلقينا في أسرع وقت فحضر حلقة أبي محمد ويسلان بجربة فكان أذكى وأنجب تلميذ حضرها إلا أنه حاد المزاج سريع الغضب فشكاه الطلبة إلى الشيخ وابتغوا منه أن يطرده فأبى لما تفرس فيه من الفهم والخير وتوخى هو والشيخ سليمان بن يخلف وكان يقرأ عليه الكتاب ويرده حين يحفظ وتصادقا وقرأ يوما السقط إذا كان تام الخلقة قال ماكسن لا يجعل له من السنن إلا الموارات والكفن فقرأ أبو الربيع يجعل له سنن الأموات، وتنازعا يوما حتى تغاضبا فحضر وقت الصلاة وكان ماكسن يصلي بثوب أبي الربيع فظن أنه وقع في نفسه شيء فطلبه أن يصلي قال صل لم يحدث في نفسي وتصدقت أم ويسف زوجة المعز سلطان افريقية ستين ألف كفن عام الوباء، وعن ماكسن سئل فقيه هل بيننا وبين الشيعة موارثة قال من قال بالتعطيل فلا ومن قال بالتفضل فنعم، فلما تفقه وعلت درجته نزل وارجلان فحجمنها وتزوج فأتاه يوما أبو العز بن داود الهواري من أجلو (2/109)
صفحة 400
فقال أقعد تأكل أولادك صدقات أهل الدعوة فإذا مت اقتسموا ريح الصبا فارتحل ونزل أريغ فجاز عليه أوب العز فقال إذا مت باع أولادك كتبك تعريضا بعدم قراءتهم فاتخذ لهم مؤدبا، ومن تحرجه إن زاد أولاده شيئا من الطريق في حائط باب بنوه، فأمر بهدمه مع وسط الطريق ورحبه فهدموه، وغارت العرب على إماء وارجلان وتبعهم الشيخ ماكسن فسألهم بالله أن يردوا ما أخذوا فقال ابن بلبار أجيبوا سؤال العزابي فردوها إلا واحدة زينها الشيطان لهم فقال الشيخ إنها حرة قالوا عريقة قال نعم قالوا أتحلف قال بالطلاق قال لا يحلف بالطلاق مسلم فردوها، قال ما تعني بالحرة قال أمي قال وبعريقة قال فخدي، قال لما قدمت أنا وسليمان بن موسى الزلغيني وعبد السلام بن عمران ليشكني ومحمد بن عيسى ابن إبراهيم في اثني عشر من الحج دخلنا طرابلس فاكتسينا منها كسوة حسنة ثم دخلنا جربة بها فاستحسنوا فعلنا وشكروا ذلك حتى قال الشيخ زكريا بن أبي زكريا عاملتمونا في زورتكم بما لا نطيق أن نؤدي شكره لأنهم باهوا بهم المخالفين من النكار وتأثيرهم بالزيارة عند مقدمهم من الحج، ووقعت مقاتلة بينبني ستيتن وبين وغلانة ويانجاسن مات من ستيتن نحو ثمانين لأنهم غدورا فأرادوا الرجوع إلى مذهب الحشوية لاستقلالهم أنفسهم بعد وت العدد فارتحل إليهم ماكسن فوجد فيها أعلام الخلاف ظاهرة فمازال حتى زالت وأقام بها ثلاثة أعوام وارتحل وذلك أنه سمع هاتفا يقول له يا ماكسن اهرب اهرب إلى حيث طاب الزمان فالجبن خير من الجرأة إذا تمكنت الفتنة بعروقها فلما انتقل عزم من هناك من أهل الخلاف أن يبنوا مسجدا وانتهزوا الفرصة وأّن لهم بعض الضعفاء ومنهم أبو يوسف بن زيري. (2/110)
صفحة 401
ومنهم أبو موسى عيسى بن أبي الحجاج وكان ممن يقتدى بهم بفعله ويصغى قوله وذكر أن الشيخ ماكسن بن الخير لما قال له أبو المعز بن داود اقعد هاهما يأكل أولادك تحف أهل الدعوة فإذا مت اقتسموا ريح الصبا فسمعت كلامه أذن واعية فعزم عل الانتقال بادر إلى أخيه في الله الشيخ عيسى بن أبي الحاج لأذن له ويجعله في حل فلام قال له ما أراد من الانتقال قال اسأل الحل فيما هو أعظم وهو ما أدخلت على من الروعة في قولك اجعلني في حل ولم يأذن له في الانتقال حتى يموت ويغسله ويكفنه ويدفنه فإذا أراد الانتقال بعد ذلك فافعل فوافق ولابد لامتثال ما التمس منه وقام حتى قضى الله بموت السيخ فتولى منه ما أوصى به انتقل وله أخبار.
ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله الدمري كان في عصر ماكسن وأبو سليمان داود وغيرهما قال أبو العباس قال أبو الربيع غارت غارة لبني تجين على رأس وادي أريغ وغيرهما فساقت غنمهم فخرج في أثرها ماكسن وأبو العباس الويليلي وعيسى بن يرو وكسن وعبد الله الدمري قل يدركوهم إلا عند أهاليهم فاستردوا الغنم فنفذ زادهم وأدركهم الجوع فعالجت عجوز مرابطة لهم طعاما بعد أن شاورتهم فأذنوا لها فلما صلوا المغرب أخذت في السؤال وأبو العباس يصلي فكلما سلم قال اطردوا العجوز فلم يفعلوا حتى سألتهم زكاة أموال قومهاا اللاتي غصبوها فإنهم يعطونها فقالوا وأنت على هذه الحالة المذمومة ابعدي عنا قال أب العابس بهذا أقول لكم ابعدوا العجوز عنكم قالت بنو تجين للأشياخ إن رخصتم لنا في ثلاث رجعنا إلى مذهبكم ومن أموالنا وأولادنا وأزواجنا كلها حرام فإن أذنتم لنا أن نقيم عليها قالوا لا نجد ذل في مذهبنا قالوا نجد من يرخص في ذلك أجمع. (2/111)
صفحة 402
ومنهم محمد بن أبي الخالق وكان من العلماء الكبار وألف كتبا ويسكن افريقية بالساحل، فعرضت على اثنا عشر كتابا من وضع محمد بن أبي خالد فلم أقبلها ظنا به أنه من مستاو ثم سألت وثبت عندي أنه من أهل الدعوة وكان يرد على المخالفين من أنكر إمامة عبد الوهاب رحمه الله عليه.
ومنهم ةالشيخ سليمان بن داود بنأبي يوسف الوارجلاني أحد الفقهاء المذكررين والمشايخ المشهورين استفاد فأفاد وخدم حتى ساد، قال أبو العباس ذكروا أنن جماعة من شيوخ العزابة توجهوا إلى تنومة فلقوا بالطريق زنغيل بن نوح بن الشيخ أبي نوح فسألوه عن رجل قال تركته على آخر وقته فرجع أبو سليمان وشق عليه ما سمع لأن للرجل عليه دين فقال أبو عبد الله بن بكر سليمان لي عليه دين أكثر من الذي له عليك وقد وهبت لك مقدار ماله عليك فقاصصه مع جلالة قدوه إذا أقبل الشتاء وفرغت من حرث ضيعته طلع بتلاميذه إلى أبي سليمان يقرؤون عليه حتى يسمع صي البعوض فيأتي ضيعته، وجاء رجل من وارجلان فسأله عن حال أبي سليمان قال لما به إما أن تدركه وإما أن لا تدركه فمضى فوجده على آخر وقته فأقام عنده حتى كذا في كتاب الطبقات وهو سهو إما من الناسخ وإما من المؤلف بل ذلك أبو محمد ماكسن لأن أبا عبد الله مات عام أربعين وقد تقدم وأن أبا محمد ماكسن هو الذي ينتقل بحلقته إلى أبي سليمان وأبو سليمان مات عام اثنين وستين وأربعمائة وبلغ خبره المشايخ وهم آنذاك منحدون من زنزفت إلى منزل الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف بتموسلت فشيعه المشايخ إلى قلعة بني على منهم علي بن منصور وإبراهيم بن يوسف وغيرهما وكرهوا مفارقة الشيخ قبل أن يعزوه في أبي سليمان فعزاهم إبراهيم بن يوسف وهو راكب فلما سمع نزل عن الفرس فلما قضوا حق التعزية وادعوه، وأخذ يحدث سير من مضى وفضائلهم ومناقبهم وما صبروا وصابروا وكابروا ثم قال انقضت آثارنا من المغرب ورآه في المنام إبراهيم بن أبي إبراهيم قال له لعلك ظفرت يا شيخ قال نعم (2/112)
صفحة 403
وقال قل للعزابة عليكم بالدعاء وقيام الليل.
ومنهم أبو القاسم يونس بن أبي الحسن رحمه الله الشيخ أبو سليمان ذكر أن الوباء وقع في أجلو فأضر بأهلها مضرة عظيمة فاتفق رأيهم لما أعياهم الأمر أن يرغبوا إلى الله فصاموا الأربعاء والخميس والجمعة فلما صلى بهم أبو القاسم يونس العصر خرج بهم إلى محراب المقبرة وهو مشهور بالبركة وإجابة الدعاء فتطوعوا بالمعروف ونزع الظلم فحضر المغرب فصلى بهم أبو القاسم ودعا الله أن يرفع عنهم الوباء ورغب الله فلم يصبح له أثر ولا وجود بقدرة الله العزيز الحكيم، قال أبو العباس أنه كتب إلى من بقصطالية من فتيان مزاتة وتلامذتها أما بعد: فاجعلوا حوائجكم بكريات فإذا وجدتم ما ترعون فارعوه رعي النهماء من الغنم ولا تمجوه مج الريان لماء يعني أن ينشطوا للقراءة والاجتهاد في التطلب. (2/113)
صفحة 404
ومنهم الشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني ذو الدعوات المستجابات والكرامات المتتابعات، ويحكى عنه أنه قال إن لنفسي لتسمح بالإحسان إلى من أساء إلي أكثر مما تسمح بالإحسان إلى من أحسن إلي ومن كثرة ورعه وشدة ترجه أنه أبصر فرج ابنته ففارق أمها وذكر أن من عادة أهل وارجلان أنه إذا مات أحد من فضلائهم بعثوا إلى سائر القرى يحضرون جنازته فمات صالح الصادق من تمضنون فأرسلوا إلى تين بامطوس فقدموا فوجدوا داره مشحونة بالناس فجلسوا على باب الدار فجيء بالنعش فأراد الله أن يريهم آياته فإذا الباب ضيق عليه قصير عنه فجهزوا الميت فأخرجوا مع الباب النعش ولم يعلموا كيف خرج مع خروجهم م غير كلفة ببركة الله تعالى، ووردوا أبو محمد بن سليمان بن العرجاء من القلعة على أبي الربيع فقال إني تركت عبد الله بن الحسن وولده في جيش القلعة فادع الله أن يهلكهما فدعا الله فقال كن في غيرهما وأما هما فقد هلكا فكان كما قال وسمع الشيخ ماكسن يدعوا على بني سافر قال له ادع على غيرهم وأما هم فقد اهلكوا فكان المر كذلك، وكان من العزابة يقولون إذا أردت أن تعرفه فارقبه وقت التطوع بعمل المعروف يعني أنه يتطوع على كل رأس بمعروف، وذكر أن الله جعل في جسده حركة يعرف بها أمورا خفية من إجابة الدعاء وغيره وكان المشهور الشيوخ إذا دعوا وأحسن بإجابة الدعاء أي يدل عليها من العلامات يقول قد أجيب دعاؤكم و إلا سكت، ومثل هذا قال أبو العباس لا ينكر، قال أبو العباس عزم على حفر عين أو كنسها وأعانه إخوانه بعبيدهم فلما شرعوا في الخدمة فعلوا ما يفعله أمثالهم من التغني فقال لهم اطلعوا من عيني فإن كان لا تحفر إلا بمعصية الله فلا حفرت قال أبو مرداس هلاك في طاعة خير من نجاة في معصية فلما رأوا منه ذلك تركوا ما كره. (2/114)
صفحة 405
ومنهم الشيخ معاذ بن أبي علي وكان يسكن في بقصر بني ويليل من بلاد قفلة أريغ وكان من حزمه وطلبه رضى ربه لا يبيت ليلة الجمعة إلا في أجلو يحي مع التلامذة ليلته ثم يشهد مجلس الجمعة فإذا وصل العصر انصرف إلى أهله فصادف ليلة بعض ولد أبي ويدرن الفطناسي يطلب المعروف وهو أقرع وعليه ثياب رثة فانتهره وقال ليس هنا إلا الطلبة وأهل المنزل خرجوا إلى الربيع وهولا يعرفه فسمعه أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني فاتنهره وقابله بالتحقيق وقال وكان أبوهما صاحا ثم قال لأهل المنزل أعطوه ما أعطاه وقته فأعطوه ما أرب على ما أمل وانقلب شاكرا ثم إن أبا الربيع قابل معاذا [باشد] الوجه الذي قابل به الفتى وأنبه كل التأنيب بكلام طويل وكان لا تأخذهم في الله لومة لائم، وتلك سقطة من الشيخ ولم يعذره فيها تنبيها على أن مثله لا ينبغي أن يقع منه مثل هذا وكان الشيخ أبو زكريا يحي بن أبي بكر يقول خير شيوخ أجلو معاذ وخير فتيان أجلو ولده إبراهيم ولعله تحول إلى أجلو، والشيخ معاذ من الأبدال السبعة المذكورة في أريغ عن أبي عبد الله محمد بن علي عن أبي عمار رحمهم الله قال ثلاثة من أخلاق البدلاء، سخاوة النفوس وسلامة الصدور والبراءة عن الدنيا، وخيار نساء أجل عائشة بنت معاذ وكان رجل منن خارجة يسفهون في قصر بني ويليل نساء أجلو فدعا عليهم فقتلهم بنو أوس، والشيخ معاذ رجل صالح زاهد نقي القلب مخمولة ذونيّة، وحضر يوما وبنو ورتيزلن يغرسون الفسيل لأبي عبد الله في تين يسلي فغرسوا له خمسمائة فقال الشيخ معاذ داعيا عسى الله أن يجعلهن كلهن يلدن ويبلغن و يبلغن ويبلغن فترسله إلى أجلو فأجاب الله دعاءه فأوفى له أبو عبد الله بأن أرسل له العشر إلى أجلو. (2/115)
صفحة 406
ومنهم إبراهيم ولده، وعائشة ابنته، أما إبراهيم فكفاك قولهم أفضل فتى بأجلو، وكفاك أنه مذكور من الأبدال السبعة الذين أخبرت بهم حَوْرَاوَانِ عَينٍ، وسأل أبا العباس وقد عه إلى طعم مع القاسم كاتبه عريف إبراهيم عن بيع مدبر له احتاج إلى ثمنه قال لا يحل قال يونس أتخاف له النار قال لا بعد، وأما عائشة التي هي أحسن نساء أجلو أخذت العلم عن الشيخ تيبغورين بن عيسى وكان إذا قعد المجلس جاءت بحصير وتدوره على نفسها تستتر به وتقعد في المجلس وقالت رأيت كثيرا من العلماء وأهل الخير ولولا من الشيخ أحمد ابن أبي عبد الله لمت بالجهل، وسألت الشيخ أبا عبد الله بن محمد اللنتي عمن أقر بالصلوات إلا واحدة قال منافق ولم يشرك قات له تب فإني سمعت الشيخ تبغورين قال يشرك، وسأل عنها الشيخ أبا زكريا يحي بن أبي بكر والشيخ موسى بن علي فأجابا بجوابه قال الحمد لله أجركما الله، سألتني عائشة بنت الشيخ معاذ عنها فأجبت بجوابكما فقالت تب فتب، قالا أتتوب من الصواب وأبا زكريا يحي بن أبي بكر عمن عرف رسولا ثم أنسى وحفظ أنه نبي قال هالك غير مشرك قال إنه مشرك قال لها ألست التي استتب الشيخ أبا محمد يا كليفة وسميت مسائل الكلفية والثالثة من مسائلها أن من لا يعرف النحو غير معذور والنحو الصواب. (2/116)
صفحة 407
ومنهم الشيخان الأخوان ابنا أبي عبد الله بن بكر رضي الله عنهم، أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف قال أبو العباس كانا في طلب الخير فرسي رهان مشتركين في فضل شركة عنان، ذكر داود بن يخلف عن أبي العباس أنه قال إن الناس أنه قال إن الناس إذا أتاهم خبر خوف وانتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود الخبر ولو كانوا في حر أو برد وأخذوا أنفسهم بالحذر والتحرز ولعل ذلك الخبر يكون أولى وقد أنذرهم الله النار وحذرهم من الشيطان على لسان رسوله - عليه السلام - وصدقوا المرسل والمرسل فتركوا الاستعداد والحذر ويا عجبا يكرمون أضيافهم خوفا من اللوم والذم وأضياف الله الكرام الكاتبين معهم وقد تيقنوا أنهم يكتبون عليهم ما فعلوا ولا يكترثون بذلك، وقد ألف أبو العباس كتبا كثيرة: (أصول الأراضين ستة أجزاء والسير في الدماء أكثر من جزء والجامع المسمى بأبي مسألة وكتب القسمة وتبين أفعال العباد ثلاثة أجزاء وكتاب الألواح ) قال أبو العباس عن أبي القاسم عبد الرحيم إنه صنف في آخر عمره تصنيفا في خمسة وعشرين جزء وكتابا تركه في الألواح قال أبو محمد وسبب تأليفه المسمى بأبي مسألة أن أبا عبد الله محمد بن سليمان النفوسي كتب إليه من أبديلان أن يضع تأليفا مختصرا في الفروع فرأى في منامه أن قائلا قال به أذكر أبا مسألة فسموه أبا مسألة،وأبو محمد يسميه الجامع وهو في جزأين، ورأى ي النوم رجلا أبي فتبعه حتى دخل بعض قراء نفزاوة وقصد المسجد فأتى المحراب ، فقال له احفر فحفر فاستخرج قصعة كبيرة وفيها دينار وقال له خذ إرث والدك فعبرت له أن القصعة العلم والدينار الدين الصافي دين والده ، قال أبو عمرو وأبو نوح أقام بتمولست حتى بلغ فيها مبلغا عظيما في العلم وصنف فيها عشرين كتابا وكتابين معروضين عليه وقد عرض جميع ما صنف غير كتاب واحد تركه مبيضا في الألواح بأجلو فعرضها ولده على الأشياخ بأفران من وارجلان وهم إسماعيل وحمو بن المعز وأيوب بن إسماعيل (2/117)
صفحة 408
وداود بن ويسلان وأبو سليمان الزواغي أبو عمر عن أبي العباس قال كنت أقرأ على الشيخ سعدون فجازت مسألة ذبيحة الأقلف قال في أكلها قولان فلم ينسبها فدخلت إلى الديوان وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة فلازمت الدرس أربعة أشهر لا أنام إلا فيما بين أذان الصبح إلى صلاة الفجر فتأملت ما فيه من تآليف أهل المشرق فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء كلها لأهل المذهب فتخيرت أكثرها فائدة فقرأته، ووقعت فتنة بأريغ عام واحد وسبعين وأربعمائة وهي أول فتنة وقعت بين وهبية أريغ فهرب منها أبو يعقوب ابن أبي عبد الله إلى وارجلان وهرب أبو صالح من واغلانت فقضى الله بوفاة أبي يعقوب هناك بتموانت فأوصى واستخلف على تنفي وصيته أخاه أبا العباس فأتى أبو العباس إلى محمد بن يوسف أخيه فلم يجد ما ينفذ منه وصية والده ولم يزل يستخرجها برفق وهم في عسر حتى أنفذها ولما احتضر أبو العباس استخلف أبا موسى على وصيته فجاء أبو محمد مبادرا فوجده في السياق يجود بنفسه في دار يحي بن جعفر ولم يدخلها عليه إلا وقد توفي رحمه الله وأوصى أن يصلى إليه أبو محمد وذلك بذي الحجة عاو أربعة وخمسمائة وذكر أن عنان بن دليم الطرفي نزل بأريغ فشحد عليه أبو العباس مغرارة فردوه ثم نزل ثانية فحشدهم فردوه فهزموه وقد قتل من بني يطوف ستين رجلا وحمل رؤسها فلما هزمهم استنقد الرؤس ودفنها وأكثر ممن معه بنو ورتيزلن قيل إنهم قرب ألف وجمع أيضا جمعا عظيما وأرادوا غدر الشيخ وتبيته واختفى سيره فلم يشعر بهم الشيخ حتى قربوا فوقع إليه الخبر مع جساس وأسرى ليلا وقصد أبا العباس فلم يجده فهدم قصره وجمع عليه أبو العباس بنو ورتيزلن وأهل رأس الوادي فقال له فلفل بن فلنار هذا رجل غدار فإياك أن تخرج إليه إن طلب رؤيتك وقال لقمان لابنه إياك أن تخاف ناصحا وتجاور فاضحا ولا تعامل كاشحا، فطلب عنان رؤية أبي العباس فمنعه الناس أن يخرج إليه قال الشيخ أبو عبد الله إن أبى من (2/118)
صفحة 409
الرجوع فاقتلوه لأن قتل واحد خير من قتل الجميع وأفسد عنان الغابة وذلك عام اثنين وخمسمائة ثم لحقه بعد أن ارتحل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من بني ورتيزلن ومعهم غيرهم فهزموه ونهبوا ما قدوا وقتلوا ما قتلوا والحمد لله .
ومنهم أبو العباس أحمد الويليلي رضي الله عنه كان عالما عابدا صابرا قنوعا ذا كرامات وآيات، ذكر أبو العباس وغيره بل اشتهر في النقل والكتب والدواوين وإن اختلف في بعض النقل واللفظ قال أبو العباس طلع في أيام الربيع إلى أن وصل إلى جبل بني مصعب فوافق رمضان فلازم ربوة يتعبد فيها عاكفا على الصيام والقيام فلما كانت الليلة السابعة والعشرون وافقت ليلة الجمعة فبينا هو يصلي رأى كل شيء معه ساجدا فلما سلم رأى أبواب السماء مفتحة ونورا ساطعا وإذا بجاريتين نزلتا من السماء فقصدتا نحوه وألحفتا بلحاف واحد أحدهما أكبر من الأخرى لم ير مثل صورتهما ولا مثل نورهما إضاءة فقعدت الكبرى أمامه والصغرى خلفه فخاطبتاه وجرى بينهما كلام حتى أعلمتاه أنهما زوجتاه في الجنة فأراد الدنو منهما فقالت الكبرى إليك إليك عليك نتن الدنيا ولكن الميعاد بيننا وبينك في العام القابل ليلة الجمعة رملة الطبل من بني سليمان وهو منزل أبي العباس قال ثم صعدتا وتبعتهما ببصري حتى غابتا في السماء وغلقت الأبواب دونهما، وسار أبو العباس إلى وارجلان فأخبر بعض الشيوخ بما عاين فلما دنا الوقت الذي داء إلى أريغ فمر بالشيخ أبي العباس بن محمد بتين يسلي فرغب فيه هو والعزابة في المبيت فأبى فألحوا عليه، فأخبر أبا العباس بأن الميعاد بينه وبين الحوراوين يوم ليلة الجمعة وحدثه بقصته، فقال لأه أبو العباس دعوه فإن الدولة عنده الليلة المقبلة وتوجه إلى الرملة فإذا هما كاسفتا اللون وكان إذا وصفهما قال كأن أعينهما الأفراح والأشفار كأجنحة النسور ورقبتيهما كناحية قصر بني يخلف فقال ما سبب التغير قالتا بحت بسرنا وأولياء الله يقتلون على الأمر بالمعروف (2/119)
صفحة 410
والنهي عن المنكر واستخفف بأهل دين الله وذلك حين قتل عد الحميد ورجم ماكسن لأمره بالمعروف، وذكرتا أن أبدال الوقت سبعة: عبد الله بن يحي الويليلي وإبراهيم بن إسماعيل بن معاذ ويحي بن عيسى، والنعيم بن الوالي، وقيل سليمان بن عبد الله، وصالح بن محمد، وقيل يوسف بن ويجمن، وقيل عبد الله بن يعقوب، وهؤلاء كلهم صالحون ودع الاثنين تبييت عندنا وصعدتا إلى السماء فلما صلى الظهر يوم الاثنين ودع أهله وقضى جميع ما لابد منه قال أحس صداعا فما هو إلا أن صلى العصر مات رحمة الله عليه. (2/120)
صفحة 411
ومنهم أبو زكريا يحي بن أبي بكر وأخوه زكريا رحمها الله كانا فاضلين عالمين وفي الطبقات زار أبو زكريا وارجلان فرجع سريعا فسأل عن أحوال أهلها وكان ذا فطنة وبصيرة فقال لما ذهب بصري لم أر أحدا و[أما] رأيت وارجلان خلت فما بها أحد، وقد قال له أهل وارجلان أقم عندنا نأنس بك قال لهم قولوا قم يمت قلبك، وذلك لما اطلع عليه من رداءة أحوالهم، وتقدم أن تلاميذ أبي الربيع أرادوا الطلوع إلى جبل دمر م تمولست ولم يوافق ذلك الشيخين أبا الربيع وأبا زكريا فقال أبو زكريا سوء الرأي إنما يخرج منه دخل فيه بالرجوع عنه، وإنكم إن عمدتم إلى أهاليكم على هذه الحال فأنتم كمن قصد إماتة الدين، وكثير ما يوصي الطلبة بعدم قبول الهدايا والصنائع وفي المثل اترك الطمع يتركك الفقر، واحمل نفسك على ما لك يحملك وارض بقليل من الرزق يرض الله منك بقليل من العمل، وكتب إلى أبي محمد في الذي يقول للزوج تركتك ما لامرأتك بأنه ليس فيه شيء لأنه تقدم بغير أمر، وكتب إليه أيضا هل يجوز لكل واحد من الأب والابن والزوج والزوجة قال يجوز ذلك للأب والزوجة، وأما الابن والزوج فخديمان وقيل غير ذلك، قال أبو العباس في الأولى لا ينعقد على أصل جابر لأن الخلع عنده فسخ نكاح، وتحتمل على رأي أبي عبيدة وأما الثانية فيجوز للأب إذا كان في حجره وإلا فله النفقة والكسوة والعق في الظهار، وكل أحق بماله في غير ذلك، وأما المرأة فلها من مال بعلها ما لمثلها على مثله فقط، وشاوره رجل في التزويج قال عليك بقرينتك لا تشرف بعنقك إلى من فوقك ولا تطأطئ برأسك إلى من دونك، وروى أبو عمر عن أبي زكريا عن أبي يحي أنه قال: قال الحواريون لعيسى من نجالس بعدك يا روح الله قال من تذكركم الله رؤيته ويزيد في عملكم منطقة ويرغبكم في الآخرة عمله، قال أبو زكريا مثل أبي يحي، وقال أبو عمر مثل أبي زكريا قال أبو عمر وكثيرا ما يردد في مجلسه قول يحي بن معاذ للتوبة ثلاث مقامات الندم عن التحول (2/121)
صفحة 412
بمرارة المعاصي والاستغفار بصحة الإرادة والحقيقة بالأوبة إلى الله تعالى، فآفة الندم الأمل وآفة الاستغفار الغفلة وآفة الحقيقة الشهوة.
وأما أخوه الشيخ زكريا فمن الفضلاء والأبرار الأتقياء.
ومنهم الشيخ مصالة بن يحي كثير الثقة بالله عز وجل ومما يحفظ عنه قال استدللنا على إجابة لأمر آخرتنا بما يجيب الله من دعاءنا لأمر دنيانا، وقال كداوه بن أبي يوسف إذا عم لأهل وارجلان ما لا تعلم فحمل نفسك أنك تعلم وإن عملت ما هو سوء وأنت به عالم فحمل نفسك على الكتمان ودع عنك الاختلاف، وإذا سأل بما تصلي الفريضة أو النافلة أو السنة يقول القرآن كله كقدح عسل فما والاك منه يكفي.
ومنهم فلول بن يحي وكان شيخا عاملا سخيا ذكيا وذكر جماعة من طلبة الشيخ سليمان يخلف أنهم لما انفصلوا عن شيخهم جاوزوا عن الشيخ فلول ابن يحي بن محمد بن الخير قالوا ونزلنا عنده بوغلانت فأكرمنا وأحسن إلينا ثم تمثل بقول الشاعر:
أرى نفسي تتوق إلى المعالي ... ويقصر دون مبلغهن مالي
فلا نفسي تساعدني بمالي ... ولا مال يبلغني المعالي
وبتنا عنده وأقبل علينا الليلة بالمؤانسة وإفادة السير والأخبار حتى يكاد الفج يطلع وحفظنا عنه بعض ما ألقى علينا وقال لنا قلت للمشايخ لما مات أبو عبد الله بن بكر اقتفوا بنا آثاره مادامت جديدة قالوا مهلا عليك فساعدتهم حتى اندرس الأثر وعفت السير، وقال له بعض التلاميذ لما شيعهم ارجع قال لا تقل كذلك بل قل انظر في الرجوع ولم يزد بعدها خطوة قال إن المشيع مأجور ما يقل له ارجع، قال أو العباس شديد في الأمر والنهي والذب عن الدين وأنشد حين احتضر قول عمران بن حطان :
حتى متى لا أر عدلا أسر به ... ولا أر لدعاة الخير أعوانا
وهكذا كان آخر كلامه. (2/122)
صفحة 413
ومنهم أبو موسى عيسى بن يرصوكسن رحمه الله الشريف نسبا والطيب مكسبا الهاشمي العربي وابن عم النبي من ذرية العباس بن عبد المطلب، وذكر انه حين أراد أن ينزل بتلا عيسى شاور أبا يعقوب يوسف الطرفي فدله على ذلك المكان فشكره عليه ونسبه إليه وأوصاه أن لا يمشي راجلا ولا يشرب ماء إلا مزوجا ويستخدم وزلا يخدم ويكون للناس كالسمار مع الماء فبلغ الشيخ في هذا الموضع مبلغا عظيما وكذا بنوه من بعده يحي وداود وعبد الله فانتظم إلية الناس، وغرس الشيخ بها أشجارا كثيرة وكان إذا نزع بعض النخيل لبعض الأمور إما لرداءته أو لكونه دكارا أو لضيق على أخرى سلخه أو غير ذلك وحمل جمارة تماولطت مع لحم ما يصيد من الوحش فيهديه إلى العزابة والمشايخ يتبرك بذلك وبارك الله له في جميع ما يحاوله ومازال يلتمس صلاح الفساد بين بني ويليل حتى أصلحه الله ، واشتهرت بركة الموضع وسكنه جماعة من الأشياخ منهم أبو عبد الله بن بكر ومحمد بن الخير وماكسن بن الخير ومعاذ بن أبي علي يونس بن أبي الحسن وأبو الحسن أفلح وعبد السلام ابن أبي وزجون وآثارهم بها إلى اليوم معروفة، ومن كراماتهم بهذا الموضع ما تحدث به أبو العباس عما حدثه اب القالبة بتوزر عام ثلاثة وثلاثين وستمائة وكان في خيل الميور في يحي بن إسحاق قال انتقلنا ما بين وارجلان وأريغ فجزنا على الموضع أعني تلا عيسى وأراد الاجناد والأعراب أن يطلقوا خيولهم في الزرع فنهاهم بعض من يعرف عقوق أهله وحذرهم وقال هذا موضع منسوب إلى رجال صالحين عزابة ممن يتقى عقوقهم فسمع بعض وتعمد بعض ولكن توقف حتى قال لهم الشقي عمر كاتب الميورقي وكان فيهم مطاعا أبكلام هذا السخيف أمنع فرسي هذا الخصب ، وفرسه مشهور قيمته أربعمائة دينار فأطلقوا خيلهم في الزرع فرفعوا سروج سبع وعشرين فرسا ، منها فرس لعدو الله وخيل من اقتدى بها كلها ماتت ليعتبر أولوا الألباب ،وأراد أن يمكر به بعض السفهاء من بني ويليل وأراد التوجه إلى أريغ (2/123)
صفحة 414
فرصدوه فلما ركب بغلته وضربها لتستقيم فامتنعت منالسير وحاولها فأبت ثم استخار الله ونزل عنها ورجع عن وجه ذلك ظهر له مكر أعداء الله ، ثم قال وقفت عند جميع ما أوصاني به أبو يعقوب يعني لولا ركوبه ما نجا من مكر أعداء الله .
ومنهم أبو طاهر إسماعيل ييدير رحمه الله كان عالما محدثا قال أبو العباس ذكر غير واحد من المشايخ أن العزابة اجتمعوا على تأليف كتاب في المذهب يسهلوا على المبتدئين حفظه فصنفوه في خمسة وعشرين جزءا فانفرد الشيخ إسماعيل بكتاب الصلاة فجاء أحسنهم تأليفا وتزيينا وأكثرها فائدة، وجمع أبو ا لعباس كتاب الحيض وجمع يخلفتن بن أيوب كتب النكاح وجمع محمد بن صال كتاب الوصايا ولما مات داود بن أبي يوسف اجتمع تلاميذه على تأليف الكتابين المنسوبين إليه وليس هو مؤلفهما وقال أبو عمر وتركهما في الألواح فعرضهما أبو العباس وأما الذين ألفوا كتاب ديوان العزابة فالشيخ يخلفتن بن أيوب النفوسي ومحمد بن صالح النفوسي المسناني ومن قنطرار الشيخ يوسف بن موسى بن ومن تيجديت يوسف بن عمران ابن أبي عمران موسى بن زكريا المزاتي ومن أريغ الشيخ عبد السلام بن سلام والشيخ جابر بن حمو وماكسن قال أبو الربيع لا يطعن في هذا التأليف إلا شيطان قال أبو العباس لا أدري هل الأجزاء المتقدمة داخلة في تكميل الخمسة والعشرين أم زائدة عليها والله أعلم.
ومنهم الشيخ تبغورين بن عيسى أخذ العلم من أبي الربيع فرأى دخل الحلقة ولجم بلجام ذهب فلما تفقه وأراد أهله رأى أنه لجم بلجام من فضة رحمه الله وكان م أعظم الناس قدرا ومن أكثرهم علما ومن أشدهم عملا تعلم العلوم وعلمها واستفاد وأفاد وطلب العلى فساد وله تأليف في العقائد تدل على نباهة شأنه ورفع درجته وأخذ عنه جماعة وهو في زمن أبي العباس بن بكر.
ومنهم وسنفلال بن عيسر وكلاهما من ملشوطة ولعلهما أخوان ونقل عن تبغورين مسائل في الكلام وهو الغالب عليه وإن كان له قوة في غيره. (2/124)
صفحة 415
ومنهم أبو مسعود بن صابر بن عيسى وحقه أن يقدم بالذكر لتقدمه في العلم والزمان وكان في زمن أبي نوح وأخذ العلم عنه جماعة وهو مع ذلك يرى نفسه بالحقارة ويسكن بقصطالية وهو من المشهورين المعروفين، وتقدم قول أخيه يوم مستاوة أنا خير من أخي صابر إذا منع أبا نوح وفر أخوه، وسأله تلاميذه عن مسألة وهي هل أراد الله نفسه؟ فقال نعم قالوا أشرك الشيخ ، فافترقوا، وأخذوا ألواحهم وانصرفوا نحو أبي عبد الله في قنطرار فسمع أوب عبد الله صوت الألواح في أخر الليل فقال ما هذا فأخبروه قال ارجعوا إلى شيخكم فإن ذلك وهم منه فرجعوا فقال لهم لم ل تستتيبوني فإني لست بإبليس لا أتوب وبالجملة أن صابرا من الأئمة المنظور إليهم وكان في زمان كثرت فيه الشيوخ والعلم واشتهرت من بينهم ونقل عنه كثير.
ومنهم الشيخ صنادي بن محمد السدارتي وكان من المتكلمين من أهل وارجلان ومما اختص به أن الله لم يجعلنا حفظة لا ننسى، وذكر أبو الربيع أن صنادي سأل عمن شهد عنده أمين بصلاح زيد ثم نسي ثم شهد عنده آخر بصلاحه هل يلزمه من ذلك شيء فقال الشيخ صنادي لم يجعلنا الله حفظة لا ننسى ولا شيء عليه، قال أبو الربيع فقدمنا إلى الشيخ أبا عبد الله أشار أن لا يعذ في هذا النسيان والحجة عليه قائمة، ونسب صاحب الدليل هذه المقالة إلى مصالة من الأئمة العشرة، قال صاحب السؤالات أبو عمرو بن عثمان بن خليفة السوفي صنادي شيخ سدراتي من بني مركاس قال أن شهد متولي على رجل من أهل الجملة أنه فعل كبيرة ثم نسي شهادته شهد متولي ثان عليه بمثل ذلك فليس عليه شيء قال ليس علي ان أكون حافظا لا أنسى، قال أبو الربيع الاثنان حجة ووصل الخبر أبا عبد الله فقال الاثنان حجة فبلغ الخبر نادي فنزع قوله، قال أبو الربيع ما بال صنادي نزع قوله إن من العلماء من يقول ذلك. (2/125)
صفحة 416
ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن المعلى وكان [مع الله] رحمه الله كان شيخا عالما تقيا أخذا العلم عنه جماعة, قال أبو العباس أول من أس الحلقة بمسجد تيغورت وأتم طريقها وأحكم عقودها وقصده طلاب الخير من جميع الآفاق، حدثنا أبو الربيع عن شيوخ عدة أن الشيخ عبد الرحمن رحمه الله لما حانت وفاته وبشر بلقاء الله تحقق قربه استدعى إخوانه وتلاميذه فاجتمعوا عنده في جمع كبير أراد أن يوصيهم بقلوب كليمة غير كليلة وكآبات كثيرة غير قليلة، فقال أوصيكم بتقوى الله وملازمة ما أنتم عليه ولا تبدلوا ولا تغيروا فإنكم والله على طريق الهدى وأن أهل الطريق لمفلحون واسمعوا أحدثكم أني رأيت البارحة كأن القيامة قد قامت فانتشرت الناس م قبورهم وانتشرت من قبري فرأيت جمعا كبيرا أبيض الوجوه بيض الثياب حسنهم باهر وجمالهم ظاهر وأحوالهم صالحة قد انتشروا من مقبرة تجديت قلت من هؤلاء قالوا العزابة الوهبية، فوهب الله لي جناحين فطرت بهما حتى اتصلت بهم فكنت احدهم وبشرت بالخير ثم نظرت إلى ناحية أخرى فرأيت ناسا كالجذوع المحرقة فقلت من هؤلاء قالو الأعراب وبنو تكسينت، ولقد رأيت في الجمع الأول رجالا اعرفهم بأعيانهم من أحياء بني سيتتن فقلت بم فارقتم أهل الشقوة قالوا بملازمة أهل الدعوة فإذا كان أولئك فما ظنك بالمجتهدين وأهل الفضل والدين، وعلامة صدق ما قلت لكم إذا غسلتموني وكفنتموني يوافق طراز الكفن عاتقي الأيمن فتريدون تحويله فتحولونه ثلاث مرات وكل ذلك يأتي على عاتقي الأيمن فتتركوه ثم إذا حملتموني تبعتكم عشر حمامات بيض وكل ذلك يأتي على للصلاة صفت الحمامات حلفكم فإذا هممتم أن تقدموا إماما تقبل الجماعة م قبلة أريغ زائرين فيتقدم واحد منهم وهو ولي من أولياء الله فكان الأمر كما ذكر والي تقدم بهم أبو عبد الله محمد بن الخير وهو بذلك أحرى، قال أبو العباس لعل الحيات من الذين لا يتقلدون التباعات. (2/126)
صفحة 417
ومنهم أبو سليمان أيوب إسماعيل رحمه الله ذكرته قبل أبيه تبعا للطبقات وسيأتي ذكرهم إن شاء الله لأنهم عمار وقادة أئمة، قال أبو العباس بحر تقاذف في غواربه السفن، وصاحب كرامات وشيخ شيوخ أكثرهم ساد، قال رووا عن جدي يخلف بن يخلف التيمجاوي النفوسي رحمه الله قال كان شيخنا أيوب كثير الأبرار لتلاميذه وكان له داران بوارجلان بينهما طريق فوقها ساباط لتخذ أحدهما لسكناه والأخرى لتلاميذه وتغلق إذا لم يحتج إليها وتفتح من داخلها فكلما أراد أن يكرم به التلاميذ أو الأضياف أوتي به من أعلى الساباط قال أتينا يوما فضربنا على دار الإباحة ففتحت لنا فعند دخولنا صادفنا الشيخ نازلا من أعلى الساباط قال من فتح لكم وقد أغلقت الباب قلنا ولست أمرت من فتح قال لا ولكن أعلم أن في الدار من فتحها ممن لا ترونه، ولازم الشيخ يوما تلك الدار فصار من له حاجة يدخلون مثنى وفرادى فدخل شخص غريب فصرع ورأيناه في أسوء حالة فأتى الشيخ وخاطب أنثى ذات ولد كان يخاطبها مالك ولهذا الغريب المسكين الضعيف فسمعنا صوتا ولم نر شخصا قال ظلمني كنت[بعضادة] الباب في حجري فكل من دخل استأذن وبسمل فانحنى ابني من الطريق فلا يؤذيني ولا أؤذيه حتى دخل هذا الجافي فلم يستأذن ولم يبسمل حتى ركض ابني فوجعه فجازيته عن ذلك قال لها ومع هذا فإنه غريب مسكين فأزيلي عنه ما أصابه منك قالت سمعا وطاعة فذهب في الحال ما كان به من سوء حال ومثل هذا كثير...انتهى، قال أبو العباس عن والده وقد قرأ قصيدة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم البائية التي أولها:
أيوب ما أيوب لا أيوب ... أودى به قدر الردى المجلوب
ليسلي أباه لمرض اعتراه... (2/127)
صفحة 418
قال له أنشأها يرثي بها أبا سليمان أيوب وكنت أسمع وأنا صغير من والدي سليمان أنه كان بوارجلان يقرأ على أيوب حتى قضى حاجته فرجع إلى قصطيلية وأقام بكنومة فبلغه موت عنه بوارجلان وليس له وارث غيره فسافر ليأخذ إرثه فلما وصلت زرت شيخي أبا سليمان أيوب فأخبرت بأنه قد ابتلي ببعض ما ابتلي به أولياء الله بأن عم جسده الجذام ولازم والتجنب أشد الإلزام فلما دخلت عليه بعد الاستئذان فعرفني فقال إليك عني يا سليمان وليس في حالها قرب وقد استبان قلت حاش لله أن أقدرك أبا سليمان وسقطت عليه أقبله وأبكي حتى شفيت بعض هيامي، قال أبو العباس والدي سعيد فما علمت أبي حكاها قط ولم يبك قال أحمد ولا رأيت أبي سعيد حكاها قط إلا بكى وأبكى ولا علمت حكيتها إلا بكيت وأبكيت، قال جدي سليمان وكنت في مدة إقامتي لا أفتر عن الدخول إليه فلما أردت السفر وقضيت وطري ودعته وزودني الدعاء وعموم البركة وبشرني بأنه سيخلصني الله من شدة عظيمة ومشقة كبيرة وخرجت مع رفقة كبيرة فلما صرنا بين أريغ وواجلان معي مال صالح ومع أصحابي مال جليل فغارت علينا خيل كثيرة قد نسي احمد من أي العرب هي فدفنت كل ما معي عود حربة تركت سنها استدل به واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة ولم يتعرض لي أحد بمكروه فصحبتهم كأني أخ لهم فبتنا وجددوا لي الأمان فاستأجرت من صحبني إلى الموضع قلما قربت منه فإذا السن يلمع من بعيد وأخفاها الله عن أعينهم مع ظهورها ببركة الشيخ. (2/128)
صفحة 419
ومنهم أبو زكريا يحي بن أبي زكريا رحمه الله كان عالما شديد الشكيمة في دين الله قوي في أمر الله، قال أبو العباس قرأ العلوم وأتقنها وأوضح المشكلات وبينها ورتب السيرة وأحكمها وذكر أبو عمرو عن الشيخ أبي زكريا أنه وجد الشيخين عبد الله بن عيسى ويوسف بن مسى متصارمين فسعى في صلح ذات بينهما فتممه الله وانتظم الوفاق وزال الشقاق والسبب أن رأى الشيخ عبد الله بن عيسى يوسف يقرأ في جزء من كتاب الأشراف على مسائل فقدم تونين وقد اجتمع بها الأشياخ فأخبرهم فبعثوا لعبد الله بالهجران قال فأسرعت باللحاق فتبت وقبلوا مني فمازال بينهما حتى طابت وزالت وحشة كل واحد عن صاحبه، وذكر عنه أبو عمرو أنه نظر إلى الخفاش غير المسجد بأربعاه وحيرهم فلما دنا إليه ببصره سقط موتا وله نبذ في الأدب كذا ذكره أبو العباس. (2/129)
صفحة 420
ومنهم أبو محمد عبد الله اللواتي رحمه الله هو عبد الله لن محمد بن ناصر بن ميال بن يوسف وزير الإمام أفلح رحمهم الله وتربته القديمة برقة فيما قالوا، قال أبو العباس هو نجيب النجباء وإمام الأدباء اعتنى بحفظ الأخبار وتقييد سير الأخيار ألو العباس عن أبي الربيع، قال قدم أبو محمد أريغ عام خمسين وأربعمائة وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان في حلقة الشيخ يزيد بن يخلف الزواغي فلما وصلوا أجلو صافحهم الشيخ ماكسن ورجع إلى أهله فلحقته خارجا فقلت إن العزابة اتفقوا أن لا يفترقوا فهل يجوز أن أفارقهم إن رأيت في ذلك مصلحة قال إنما جعلنا الله أحرارا إلا لنملك أمورنا ففارقهم ولزم الشيخ ماكسن ،وسبب سفره إلى قلعة حمادان سليمان بن مدرار النفوسي قال له تركت تفسير القرآن الكتاب فأخبره نكارى أنه قد بيع قبل قدومه وأخذ يحضر مجلس بن عصمة ويعد من طلبته واستحسنت منه أن قال لابنه أم غنما لبني ينجاسن دخلتن السوق ولا بأس بالإمساك عن الشراء ثلاثة أيام، وتذاكروا يوما الفقهاء فأخذوا في مدح أبي حنيفة فقلت كيف وقد قال مالك أبو حنيفة شيطان قذفه أليم ، أبو حنيفة أ ضل لهذه الأمة من الشيطان الرجيم وذلك لقوله بالإرجاء ولنقضه السنن بالرأي فلما قلت ذلك وقعت عليهم وجمة وكآبة وقمت غير بعيد فقام إليّ بعضهم وفي لسانه ثقل فقال ما حملك على ما قلت قلت ما قلت شيئا إنما هو قول مالك قال حسبك فالعلماء بينهم كالضرائر فاشتريت كتبا فوجهتها في رفقة فأصبت في الطريق فبلغ أصحابي ذلك فقالوا لو كلمت السلطان أعانك في مصيبتك قلت إن احتجت ذلك كلفتك واستعنت بكم فاشتريت كتبا أخرى ولقيني النكارى فسلم على فرددته عليه قالوا مالك تسلم على هذا قلت مالكم تسلمون على اليهود ولا اسلم على أمة محمد - عليه السلام - وآني واحد منهم في موقف الشب وهو معروف بأهل وارجلان قال وارجلان ورب الكعبة قلت أيحل لك أن تخاطب بهذا رجلا مسلما فقال له الناس بئس ما قلت وفي تلك المدة (2/130)
صفحة 421
قتلت أهل وارجلان جماعة من الأشاعرة وسمعت رجلا منهم يوما يقول قل لهم يخرجوا فنقتلهم أظن على أصحابه فأنجزت أمري فأخرج السلطان عسكرا فخرجت معهم فلما أدركت الصلاة صليت فقال بعضهم ما تصلي وقد علمت لم خرجنا فقلت اشتغل بأمرك فلما وصلت أوغلانت سالما أرادوا أن يعينوني بشيء لما سمعوا مما أصيب لي خرجت خفية ولم يعلم من بها من الأشياخ إلا وأنا على ظهر فوصلت تناول سالما والحمد لله، وذكر أبو العباس عن أبي الربيع أن أبا زغيل الخزري حاصر وغلانت واجتمع أبو محمد وجماعة من المشايخ ودعوا الله فسلط على جنده مطرا وبلا هطالا فأوهنهم وأركسهم، قال أبو زغيل يكون لهذه الخوارج دولة بعد ؟ قال وزراءه إنما سلط الله المطر ليهدم حيطانهم فندخل بغير قتال فدام فجعله الله عليه عذابا ولأهل واغلانت خصبا، وأذل الله أعداءه وحيل بينهم وبين ما يشتهون فارتحلوا صاغرين، ومن عادته أن يتمثل لأكثر أحواله وما يعترف بالشعر لأنه كان أديبا بارعا، قال أبو الربيع قعدت معه على طريق فجازت امرأة فالتفت ثم قال لا يجوز القعود في الطريق إلا لمن أدى حقه وهو ما قاله - عليه السلام - إغاثة الملهوف وهداية الأعمى وغض الطرف عن الحرمة، وذكر أبو العباس عن أبي عمرو عن أبي محمد تلقى جماعة عزابة قدموا من قصطيلية فقال لهم إنما ينبغي أن نتلقاكم في سوف وإلا ففي أوغلانت ولكن الزمان غير مساعد وقال - صلى الله عليه وسلم - :( لا تزال أمتي بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت ) جعل الله مجيئكم مجيء أبي مودود إلى حضرموت فقام هذا الكلام عندهم أشرف مقام، و لأبي محمد في الأدب كلام كثير وفي المواعظ والأمثال والتحذير والوصية والأجوبة فمن أرادها فعليه بالطبقات وكتاب أبي الربيع وغيرها، ولأبي زكريا مكاتبات بمسائل يطلب جوابها فأجابه فيها وتقدم بعض فيها وتقدم بعض ذلك ومت علم ثمانية وعشرين وخمسمائة وهو ابن ستة وتسعين سنة. (2/131)
صفحة 422
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد اللنتي رحمه الله قال أبو العباس شيخ منه تقتنص الفوائد وفي منهله العذب تطيب الموارد أن أحب في الله انبسط وأقبل وأن أبغض في الله انقبض وأعرض، وكان أبو محمد يقر ئ بتين زائرين، وعليه حلقة عظيمة وطلبة كثيرة، قال أبو الربيع كان تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف من أهل سوف وأريغ ووارجلان والزاب وقصطيلية حلقوا على أبي محمد بتين زائرين فوقعت فتة بين بني تكسينت وهبيتهم ومالكيتهم فالوهبية بني يروتن، والباقي حشوية، والتلاميذ والعزابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه، فقضى ربنا أن حضر بنو يروتن فأشرف بعض الجهلة على الحاضرين فقال اسمعوا فعد جماعة من أئمتهم فلعنهم فلما سمعوا ذلك تركوا القتال وانصرفوا إلى بعض فقهائهم فأخبروه قال احرقوا واقتلوا واسبوا فبلغ الخبر العزابة فخرجوا ليلا وتفرقوا إلى اليوم. (2/132)
صفحة 423
ومنهم الإمام أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي رحمه الله كان إماما في العلوم لا سيما في الكلام، أبو العباس عن أبي رحمة حنيني وقد سأل عن سبب انقراض المذهب من الحامة قال إنها لم تزل في الأدبار من عهد أبي القاسم و أبي خزر فجاز عليها أبو عمرو عابر سبيل وأراد أن يثبت من بها من بقية المذهب فوعظ وحذر فغصت عليه الحشوية الأنامل من الغيظ فتشاوروا في مناظرته فاتفقوا أن لا قوة لهم بمناظرته ولكن يحتالون كيف يشنعون عليه ويتظلمون بما لا ظلم فيه ووضعوا سؤالا فسألوه عنه وهو هل يجوز في مذهبكم نكاح نسائنا فأجاب بالحق إن المحصنات من أهل الكتاب يجوز نكاحها فكيف بالمسلمة قالوا أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى فقام العامة عليه قيام رجل واحد شتما وصقعا وطردا حتى نفوهم من البلاد وأكرهوا من بقي بالرجوع إلى مذهبهم وغسلوا الكبير من مساجد الوهبية وزعموا أن ذلك تطهيرا فدعا عليهم وأجاب الله دعاءه فسلط الله عليها الميورقي فقتل تسعمائة أو سبعمائة فسالت الدماء قال من رأى ذلك بلغ الدم حيث بلغ الماء، قال أبو عمرو وخرجت من وارجلان أريد بلدنا فقال لي أيوب بن إسماعيل حين أراد أن يودعني، الوطوطة والعلم لا يجتمعان، وقال لي موسى، الحجر المتقلب لا يثبت عليه شيء من البناء وله أخبار كثيرة حسان، وله من التآليف كتاب السؤالات وهو تأليف مفيد أظهر فيه منزلته من العلم وله غيرها من التآليف وله مناظرات مع المخالفين وكل ذلك يفحمهم ويكبتهم. (2/133)
صفحة 424
ومنهم أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوني ممن أحي الدين والمذهب [أقراءا]وتأليفا وكان في الفنون غاية وفي الكلام خصوصا آية، ألف الموجز في الرد على كل من خالف الحق في جزأين وشرج الجهالات في سفر وكتاب الاستطاعة وله غيرها، وأقام بتونس يتعلم الأدب من النحو وغيره زمانا يدرس ليلا ونهارا ويأتيه من بلده كل عام ألف دينار وكتاب معها رسالة فلا يقرأ الرسالة فيعطي شيخه من ذلك النصف ويصرف النصف على نفقته وكسوته شراء كتب يحتاجها فلما عزم على الرجوع إلى أهله قرأ الكتاب والرسائل فوجد في أولها وفي أحد الأبوين وفي الثاني وفاة الثاني، قال أبو العباس حدثني بعض الطلبة النفطيين الذين قرأوا بتونس عن أشياخهم يذكرون أنه قرأ معهم على شيخهم طالب وارجلاني نجيب الفهم كثير النقل سخي النفس بل الكف شديد الورع واسع الخلق قالوا لم نر مثله من العجم ولا من العرب وكانوا يذكرون معه كتابا في فقه مذهبه احتوى على قصائد فقلت ذلك كتاب الدعائم وكان أبو عمار ذا كرامات منها أنه خرج ذات مرة أيام الربيع إلى بادية بني مصعب بغنمه فتوغلوا في البرية حتى قربوا من جبال بني راشد فقال لأهله يوما اصنعوا عشاء عمار يعني ابنه وقد خلفه بوارجلان فبات عليهم عمار، وقيل اخبرهم حين خرج من وارجلان إلى بني مصعب وسار مع رفيق له في يوم سير ثلاثة أيام قال أبو عمار حضرت أنا وأبو يعقوب مجلس شيخنا أبي زكريا يوما فقصصت رؤيا رأيتها وهي أن إبراهيم عليه السلام نزل من السماء إلى وارجلان فتعلقت نفس الشيخ بالرؤيا فجعل يقول كيف رؤياك يا عبد الكافي فقال أبو يعقوب لا أعلم أحد أكملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا الزمان إلا هذا الشيخ وأحسب أنه سيموت في هذا العام فمات بعد أشهر وهذه بمناقب أبي زكريا أولى، وسأله أبو يعقوب عن أموال العرب يتنزهون عنها في بلاد المغرب ويشترونها بمكة وقد عايناهم يفعلون بالحجاز من عصب أموال الناس ما يفعلونه ببلاد المغرب بل (2/134)
صفحة 425
أقبح وأذم قال أبو عمار هذه جزيرتهم والأصل ما بأيديهم لهم والمغرب بلاد البربر وما دخلوها إلا على وجه الغصب والغارة وقال إذا وقعت فتنة تبين المؤمنين فالأحب إلى الصلح وإلا فلا تغلب فئة فئة ومن أحب أن تغلب إحداهما الأخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه ما لزم أهل الفتنة وكان سيفه يقطر دمه.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي هو بحر العلم الزاخر المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر، درس العلوم ففاق كان في علوم القرآن غاية وفي علومه اللسان من النحو واللغة والتصريف آية وفي علوم النظر والجدال والمنطق والكلام نهاية وفي علم الحديث ونقل الأخبار والسنن والآثار والفروع والأحكام وعلم الفرائض والمواريث ومعرفة رجال الحديث وعلم الحساب والتنجيم بل علوم الأقدمين في جميع ذلك علامة، ذكر أنه لازم الدار سبعة أعوام ف يجده الزائر إلا ناسخا وللأقلام باريا وللدارسة فاعلا أو للحبر طابخا أو للدواوين مقابلا أو للكتب مسفرا إلا إن قام لأداء فرض، قال أبو العباس حدثني الثقة أنه وقف على سبع نسخ من كتاب العدل بخطه أو ثمان، فأما أنا فرأيت ثلاثا، وكان من عادته إذا أتى المسجد وأراد الوضوء انصرف كل من حوله المتوضي فيضع الكتاب والمفتاح والعمامة و الكساء حتى لا يبقى إلا في ثوب واحد فيأخذ كل الطلبة حاجة وهي سؤالا مشكلا فإذا أتم وضوءه وخرج من المطهرة قال ردوا علي أعلاقي فيسأل كل واحد عن مسألته فيرد ما أخذ بعد أن يجبه فهكذا فعله حتى لقي ربه، ورأيت له من التآليف كتاب العدل في أصول الفقه ثلاثة أجزاء بل أربعة بالأجوبة ولا أحصي ما رأيته له من الأجوبة الآن كثرة، وله قصائد منها الحجازية في ثلاثمائة وستين بيتا تدل على غزارة علمه لما أودعها من فنون العلم ورأيت له بعض تفسير كتاب الله أودعه أنواع العلم من القراءة واللغة والنحو والتصريف والحجج وغيرها، ورأيت له كتاب الترتيب في علم الحديث رتب كتاب الربيع بن حبيب في الحديث وزاد فيه ما (2/135)
صفحة 426
رواه غيره عن ضمام عن جابر وغيرهما وكراسة في تسمية رجال الكتاب، وسمعت بعض الطلبة أنه رأى له تآليف في الفقه، قال أبو العباس حدثني أبي عن بعض أصحاب أبي سليمان أيوب بن نوح عما حصل من علوم النجامة قال رحم الله شيخنا أبا يعقوب عمد إلى العلوم النافعة من علوم القرآن والفقه وعلم اللسان وحملها ابنه ووجد عندنا إفهاما لعلوم لا تنتفع يعني النجامة وعلمها لنا فقلت ما غاية المنجم قال يعلم أسعيد أم شقي وكان يعقوب يقول يكون يوم أجلي كذا وكذا بسبب كذا فكان كما قال، قال أبو العباس عن بعض أهل وارجلان أن أول داع قدم وارجلان يدعوا إلى طاعة المهدي الفتروشي فاجتمع أهل وارجلان إلى أبي يعقوب وقد هموا بقلته وأصحابه قال لهم أبو يعقوب تنالون معه عزا عظيما وإقبالا وإحسانا فأجابوا دعوته فكان الأمر كذلك قال لهم إنما يخرب بلادكم من سلجماسة ويموت في البحر أو يخرج من البحر ويموت بسلجماسة يعني بلاد الرمل الذي بيننا وبين السودان، قال أبو العباس سمعت هذا عام عشرين وستمائة وخرب يحي بن إسحاق الميروقي وارجلان عام ستة وعشرين وهدم سورها وتركها قاعا صفصفا وغادرها كأن لم تغن بالأمس وكان في شبابه ارتحل إلى الأندلس وسكن قرطبة وفيها حصل علوم اللسان والحديث والنتجيم وغيرها وبالجملة هو أشهرته العلوم حتى صار علما عليه نور وتوفي عام سبعين وخمسمائة.
ومنهم ابرهم ابنه، قال أبو العباس الشيخ إبراهيم إمام علم الأدب وإن ذكر في الفروع فيا للعجب وقد تمسك م الحديث والأصول بسب أقوى وعنده من الورع والزهد والتواضع ما لا يذكره أحد من التمسكين وذي الاجتهاد، وذكر أبو العباس أن أبا إسحاق رأى في منامه نخلتين في صنوان إحداها باسقة والأخرى أقصر منها فرأى أباه يجني في الباسقة ولم يطق الصعود إليه وصعد القصيرة يجني فيها وعالج طلوع الكبيرة حيث أبوه فلم يطق فقصها على أبيه قال تحاول منزلتي في اعلم وأنت دونها وتوفي عام ستمائة. (2/136)
صفحة 427
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي رحمه الله قال أبو العباس كان غاية في علم الفروع والأصول له تعليقات عجيبة وأجوبة مقنعة مصيبة، قال أبو العباس كان مع محافظته وكثرة يعجب من ضعف [بخته] مع الإخوان لا يصنفونه في العشرة، أبو العباس حدثني غير واحد من أصحابنا أنه كان كثير المطالعة في كتاب الأشراف وغيره من تصانيف أهل الخلاف فنقن الأشياخ منه ذلك ونهوه عنه فلما لم ينته قال له بعضهم تركت المذهب ورغبت عنه، وأظهروا له الكيل بهذا الصاع وأوجبوا عليه كملة الهجران ومما نقموا منه إعلانه بأن قال والله ما علمت لكم كتابا إلا كتب اختلاف الفتيا وهو تأليف بشير بن غانم الخرساني نقله عن طلبة أبي عبيدة والغانمي وهو له أيضا، ونسبوه إلى تعجيز العزابة وذم تآليفهم وبحث عن معايبهم، قال أبو العباس وحشاه من ذلك واعتذر عنه بما هو مبسوط في الطبقات الغانمي واختلاف الفتيا لأنه نسب فيه الأقوال وبين ما هو المعتمد المأخوذ به، قال أبو العباس وحدثني أبو الربيع عن أبيه الحاج أبي عبد الله محمد بن سعيد رحمه الله أنه كان يحكي عن جدي يخلف حكاية تدل على براءته مما قذف به، قال أبو عبد الله خرجنا مع شيخنا يخلف بن يخلف حتى إذا كنا بعقاب قدم علينا في وقت المساء رجل لا نعرفه فرأيناه يسأل عنا فقال له يخلف من هذا السائل قال ابن صباح المزاتي قدمت مع الشيخ يوسف بن خلفون ويبيت عندكم الليلة المقبلة فلما حل بنا ابو يعقوب والعلم عندنا حين خرجنا من بلادنا أنه في الهجران وقلنا ما لنا إلا التأسي بشيخنا يخلف فلما تراء الشيخان أخذ يخلف بيد يوسف وتنحيا عنا وعد عليه ما نسبوه إليه فكلما عد علينا عليه شيئا تاب واعتذر فلما ثبت عذره عند الشيخ وسمعناه يقول الحمد لله رب العالمين، وقاما وتعانقا فقمنا فسلمنا عليه وتأنسنا به وتأنس بنا فسرنا معا إلى بيت الله الحرام وأدركنا هناك إخواننا أهل عمان ومعهم فقيههم الذي حج يهم ناجية بن ناجية فحججنا حجة (2/137)
صفحة 428
أحد لم يحجها أحد قبلنا ولا بعدنا من أهل المغرب فكل من نزلت به مسألة في منسكه أو غيره يجد واحدا من الفقهاء الثلاثة فيسأله فيجد عنده الشفاء فرجنا وأبو يعقوب راض مرضي عنه، وعن بعض أنه قال لما رجعت من طرابلس بعد قراءتي على الشيخين عبد الله وأبي عمران موسى النفوسيين فقصدت جهة وارجلان لاقى أبا رحمة اليشكني فأعرض عليه ما أخذت وجزت على تين بامطوس وبها أبو يعقوب وأتيت أبا رحمة بأفران قال هل سلمت على يوسف قلت لا قال لو سلمت عليه لم أسلم عليك، قال ألو العباس لعل هذا الخبر قبل رجوعه من الحج وأنت وحشة من الشيخين لا ذنب فيها على إحداهما، وما قيد من تعليقاته الأجوبة عل المسائل التي سألها عنها بعض نفوسة أظن وقد بين فيها منزلته من العلم بن نسب فيها أقوال العلماء واستقصى الخلاف وبين الأدلة وله رسالة إلى أهل جبل نفوسة. (2/138)
صفحة 429
ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي السوفي رحمه الله كان عالما سخيا عابدا تقيا مستجاب الدعاء حازما لأموره لا تأخذه في الله لومة لائم، أبو العباس قال وقعت فتنة بدرجين السفلى الجديدة فأفضت إلى خروج الأوطان وذهاب الأنفس والإخوان فعظم على أهل المذهب ان أشفى كلا الفريقين على التلاشي واستصعبوا إصلاح ذات يبنهم فحرك الله أبا عبد الله إليهم فلما بلغ درجين تمادى إلى ربض نقطة ولم يدخل درجين فخرج إليه من يربض نقطة م الفقهاء والعزابة فيهم الشيخ يخلف بن يخلف و محمد بن سعيد ورغبنا إليه النزول إلى الضيافة وامتنع وقال جئت لمهم ولا أشتغل بغيره وأريد معونتكما فيه بأن تحضروا لي كل مهاجرا إليكم مفارق لوطنه فأحضروا من طاوعهم من أضيافهم من أهل درجين فذهبوا إلى خارج درجين فنزلوا حول مسجد قنطرار العليا خرج إليه أهل درجين من كلا الفريقين فيهم الوارث والموروث ورغب إلى أولياء الدماء فعفوا عنها وندب جميعهم إلى الصلح فأجابوا وعقده بينهم فلما تم استدعى بسبع حصيات من أيدي سبعة رجال حجاج استلمت الحجر الأسود وحفر في الرمل حتى غاب عاتقه فأخذ الحصيات من أيديهم ورمى بها في الحفرة ودفنتا وقال هذه فتنة أهل درجين قد دفنت فمن أثارها جعل الله بأسه برأسه فأمنوا لدعائه وقطعها الله إلى اليوم فدعا على ثلاثة أشخاص أبوا ممن بالربض فلم يعقبهم خير ودعا على العافين فنوا وكثروا ودعوا الله على من يدعوا بالقبائل لأنها سبب الفتنة فحمدوا الله على تمام الصلح، ولما عزم على الحج أودع الشيخ أفلح المارغني مائتي دينار فلما رجع بعد عامين قال ما فعلت الوديعة يا أفلح قال أكلها الزمان يا محمد فلم يسأله عنها حتى لقي الله، وكان أبو عبد اله عظيم القدر في أهل المذهب بحيث لا يجهل موضعه ولا يجحد حقه ولا ينكر فضله، فمما يشهد بذلك قصيدة الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الحجازية إذ قال:
خرجنا نؤم الشرق من حيز وارجلان ... بفتية صدق من وجوه العشائر (2/139)
صفحة 430
ثم قال بعد: ومغراوة عليا زناتة كلها
ولم يكن معهم م مغراوة إلا أبو عبد الله وأولها:
عذيري عذيري من ذوات المعاجر ... ذوات العيون النجل بيض المحاجر
قال أبو العباس قد حضرت الفقيه أبا العباس أحمد مرارا وفي يده ديوان الشيخ أبي يعقوب يقرأ فيه فإذا قرأ لنا قصيدة يقول ما في الركب غير أبي وسلم له جميع من حضر من مغراوة وناهيك من واحد يقوم قبيلة وبالجملة ففضائله كثيرة مخلدة في الكتب.
ومنهم أبو يحي زكريا بن صالح اليراسني رحمه الله قال أبو العباس فضله الله بالورع والسخاء ولزوم السيرة وتساوى صلاح العلانية والسريرة واليد العليا في الكبيرة من الصلاة والصغيرة، قال سمعت من غير واحد من المشايخ حكاية في مناقبه منها ما سمعته مرارا من أبي رحمة قال وصل الشيخ زكريا ذات مرة من سلجماسة إلى ووارجلان وخرج يريد جربة مع أصحابه ومعهم قرب مائتي ألف وخمسين ألف ذهبا تبرا أعني مثقالا فلما قربوا من نفزاوة أو توسطوا الطريق أشرفوا من أعلى كثيب رمل فأبصروا نعما كثيرة غي المرعى ومن ورائها أحياء وأيسوا من السلامة وأيقنوا بالتلاف فتشاورا فقائل ندفن ما منعا وقائل نرجع خلفنا وقائل نرسل إليهم من يجاعل علينا ثم قالوا ما معك يا شيخ البركة قال مثلنا مثل أعمى سلم عينه إلى القادح ليقدحها رجاء لجلاء العمى فإن أبصر نورا فبفضل الله وإلا فنحن بين لهوات الأسد وهو أن نستدير مع بعض الأحقاب إلى أقرب قطيع يلينا من النعم فنخرج إليه ففعلوا فبادرتهم الخيل للنهب فنادوا نحن دخلا صاحب هذا القطيع فقال وهو معهم لهم أمان الله وإذا بالخيل تركض فقال لا تتعبوا خيلكم فقد حرموا قال فأنزلهم وأكرمهم ثم أبلغهم مأمنهم بنفزاوة، قال أبو العباس وسمعت أيضا من جماعة الشيوخ منهم أبي رحمه الله كان بمراكش فعظمت منزلته عند ملوكها لما اشتهر من أمانته وعدالته وورعه وما ظهر عندهم من كراماته وكان مختصا بيعقوب قبل أن يتولى الوزارة وكان قائما بحوائج الشيخ ولا يكاد (2/140)
صفحة 431
يحوجه في كثير المسائل إلى أبيه فقال له يوما عرفني بكل ما تأمله م أمير المؤمنين لأتكلف لك به وأسعى في كتاب كريم يكون ظهيرا قال الشيخ بل اكتب لي أنت لي ما أريد من الظهير لأنك الذي يتولى بعد الخلافة، قال كتابي لا ينفعك شيئا ومن أين لك ما ذكرته قال ما ذكرت لك إلا قولا صحيحا، ولا أعتقد النفع إلا في كتابك وكتب له ما أحب، وقضى الله أن تولى ونزل بعساكره إلى افريقية ، فأتاه بكتابه واستبشر به وأعلى كعبه وقضى حوائجه وشفعه في جميع ما شفع فيه وانتفع به أهل الجزيرة بل أكثر المذهب.
ومنهم أبو يحي فصيل اليراسني وأبوه مسعود شيخا الانبساط والانقباض والعزوب عن الدنيا والإعراض، و جدد من السير ما أشفى على الانقراض.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن داود رحمه الله بحر العلم والسماح وعماد أهل التقىولاصلاح، قال أبو العباس حدثني أبو الربيع عن أبيه محمد بن داود قال حججنا وقفلنا فتمسكت نفوسة بشيخنا يخلف بن يخلف ورغبوا أن يصحبهم إلى ديارهم فساعف ووادعنا فأوحشنا فراقه حتى قدمت على الشيخ سليمان بن داود بتونين رحمه اله فصادفت شيخا جليلا عظيم القدر وأزال عني ما بي من الوحشة، فلما سلمت قلت ادع الله قال بل أنت ادع، وفي الحديث استقبلوا الحاج واستدبروا الغازي، ثم قدمني للصلاة فقلت أنا مسافر قال أعتقد الإقامة وصل وحضر الطعام فلما أكلنا أحضر زجاجة فيها شراب، قال أشرب فأبيت قال هذا شراب الجلاب أقتات به ولا أطيق الطعام لضعفي، وأخذ من الطعام بأصبعه تبركا وتوفي عام خمس وخمسين وخمسمائة. (2/141)
صفحة 432
ومنهم أبو الربيع سليمان بن داود شيخ صالح تمسك بالسير والقوى، وترك ما لا يعنيه، قال أبو العباس ذكر بعض أصحابنا أن أبا عبد اله محمد بن داود رحمه الله دخل جربة زائرا فاجتمعوا إليه فوعظهم وذكرهم وخصهم بها واحدة بعد واحدة حتى أفضت النوبة إلى الشيخ أبي مسعود وإلى أبي يحي فصيل قال بلغنا أنك تداين ضعفاء جربة ثم تأتيهم لتتقاضى دينك فيدخلهم الروع إذا عرفوك فيقولون هذا ابن زكريا قد أقبل فعل الله به وصنع، أترضى لنفسك ولأبويك هذا؟ وتب وتجنب المداينات. (2/142)
صفحة 433
ومنهم أبو محمد عبد الله بن يحي بن عيسى العباسي كان عالما سخيا ومن يؤثر على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، عن الشيخ عبد الرحمن بن علي قال خرجت من أريغ أريد وارجلان ومررنا بمنزل الشيخ عبد الله بن يحي فخرج فسلم على العزابة وأنزلهم وقدم لهم تمرا كبسا معسلا و لبنا عجينا، فأكلنا ما اشتيهنا ثم قدم لنا طعاما فيه زبد أخرجه م اللبن الذي شربنا ونحن عشرة أو أقل بواحد فقدر كل واحد أو معه آخر ووضعنا أيدينا فصدرنا عنه ونحن في غاية الشبع وبقي منه بقية صالحة فلما خرجت العزابة ورجعت إليه لأعلمه بذلك ألفيته يفرق تلك الفضلة على الجيران وبين يديه مر ضخة وحشف أحرش يابس وكوز ماء كلما أخذ حشفة رضخها وأزال نواها فأكلها وساغها بجرعة م ماء الكوز، أخذ غيرها وفض النوى لعلف الغنم قلت هلا أكلت من التمر الذي أعطيتنا قال من أكل خيار ماله أكل دم وجهه وذلك مدخر لأمثالكم والذي بين يدي مع العافية لخير كثير، يعني الحشف والماء ثم قال يا عبد الرحمن هل لك في رأي أن تقيم وتحصل القرآن مع فوائد وعوائد تنتفع بها فقلت نعم وكان قوي الحفظ بكتاب الله فأقمت عند بأرغد عيش وأتمه فخرج بعض العيال أيام الربيع إلى أطراف المنازل طلبا للمراعي فأخرجني وقام الشيخ فكنت أكتب لوحي وأحفظه ثم أتيته فأعرضه عليه بكلتى صفحتيه وأمر من تكفل بمعيشتي وأخرج تمرا طيبا برسمي فحفظت ما شاء الله من السير والقرآن والفوائد واكتسبت مالا. (2/143)
صفحة 434
ومنهم عبد السلام بن عبد الكريم المزاتي الورع في دينه الكثير الاجتهاد في عبادته، قال أو بالعباس أول ما قدم من الحلقة سأله يوسف بن أبي حسان على ثلاثة مسائل قلم يجبه عن واحدة منها فقال له عجلت الرجوع فأخجله بكلام ذكره له فرجع إلى الحلقة إلى عيسى بن احمد فأقام ما شاء الله فرجع فأجاب مسائله وغيرها، فرجع مفتيا لأهل مكانه محتاجا إليه أهل زمانه، وعنه قال أحسن سفر سافرته كنت مع ثلاثين عزابيا فإذا نادى مناديا الرفقة بما يشعر بالأكل حط العريف الزاد فإذا أصحابي لم يغب منهم أحد، وأحسن كتاب قرأته كتب لي به الشيخ محمد داود وضمن فيه أخبار أهل الدعوة كلها وأحسن مركوب ركبته حمار صحبت به خيل العرب ولم أتخلف عنهم بلا كلفة علي، وقال يعصي من أصغى إلى من يستحي أو يجامع أو يتغوط في جملة مسائل فاطلبها في المعلقات.
ومنهم أبو نوح بن يوسف رحمه الله وكان شيخا صالحا عالما عاملا وكان من ذرية الشيخ محمد بن بكر وأحي سيرته علما وأمر ونهيا شديد الغضب لله، وكان ساعيا في محو آثار الفساد وكان مطاعا له سخر القوى والضعيف والقريب والبعيد من أهل مذهبه وغيرهم فمتى سمعت راية عن أبي نوح فهو المعنى بها وأخذ عنه جماعة. (2/144)
صفحة 435
ومنهم ابنه أبو زكريا رحمه الله اقتدى ببيه في جميع أحواله وزاد عليه بكثرة الحفظ، وله تآليف في المذهب وله القصيدة الحجازية والقصيدة التي في الاعتقاد وغير ذلك، أبو العباس حدثني بعض طلبته قال انتقل من تين يسلي إلى أوغلانت فعظموه وأكرموه ووهبوا له أنواع المواهب من مركوب ومكسوب وجنات وعيون كان في غيها بحلقة وطلبة وكان من عادته إذا سمع في أريغ بفعلة شنيعة تحول إليها بحلقته وطلبته فيصلح ما فسد وإن استحقت جيشا سار به أو عسكرا قويا أو ضعيفا ومن استحق السجن سجنه أو القتل قتله أو الأدب والنكال أدبه، واشتد البرد على التلامذة في بعض أوان الشتاء فأتى لهم بقطيفة يتدثرونها وكان ببعض بلاد المخالفين من الفتاك مشهور بالفساد فيبت الطلبة بعض الليالي فأخذ القطيفة فقام معه بعضهم فجرحه فلما أصبح استعظم الأمر وأنه في بلد ليس فيه أحد من أهل المذهب ثم خرج في جيش عظيم فنزل لهم فطلبوا أن يدفعوا لهم الفاعل ففعلوا فأتى به إلى بعض الطريق فقتله بعض العبيد.
ومنهم ميمون بن أحمد المزاتي رحمه الله أبو العباس كان ذا فطنة وذكاء وعقل ودهاء، وكان مصدار بدرجين قبل أن يقدم مولاهم ابن علي فكان حكمه عدلا وقوله فصلا لكنه طال عمره فكف بصره فتخلى عن التشديد وكان يتمنى أن يلقى من يسأله عن المسألة سؤال مستفيد، أو يلقى عارفا أو معترفا، ويروى عنه م عطس يوم الجمعة خمسا غفرت ذنوبه، ويبرأ ممن قال لمتولي يا ثقيل، قال أبو العباس قال أبي دخلت حلقة درجين أن أكمل القرآن فكان الشيخ ميمون يمرنني على قراءة الكتب وكان يكبرني إجلالا لوالدي ويخصني بالفوائد فإذا جاء المسجد دعاني وأعطاني كتابا وأمرني أن أقرأ، وإذا وقفت في حرف قال بينه، قال وكان جدي يخلف حضرته تحفة ذكر عندها الشيخ ميمونا وكان يحض على إكرامه ويقول أكرموه فإنه اجتمع فيه عزيز ذل، وغنى افتقر، وعالم بين قوم جهال. (2/145)
صفحة 436
ومنهم يوسف أحمد الوسياني فكان حفاظا لكنه لا يحسن التصرف، قال أبو العباس قدم رجل م أهل توزر نفطة، ثم أتى درجين فطلب مناظرا ممن ينسب إلى التفقه فبرز إليه يوسف فناظره في مسألة يحفظها سردا فتلعثم ولم يتكلم بفائدة فبلغ ذلك الشيخ ميمونا فغاظه فقال ما وجدتم من تقدموا لمناظرة المخالف إلا ذلك الجبان، بئس ما فعلتم وبئس ما فعل، وكان الشيخ يوسف كثير الورع والاجتهاد ذا خمول واقتصاد ممن بتعلم منه ويستفاد.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله الوسياني احد شيوخ الحلق الكبار الحافظ لليسر والآثار الذي رويت عنه التواريخ والأخبار لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الأعصار، قال أبو العباس متى سمعت في كتابي رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الأخيار وله تآليف في اليسر حسن. (2/146)
صفحة 437
ومنهم الشيخ يخلف عالم علامة ذو خشوع وإنابة، وله أجوبة ظاهرة الإصابة وداعية سريعة الإجابة، قال أبو العباس عل جده يخلف بن يخلف حدثني أبو عبد الله بن بهلول النفطي قال ورد على شيخنا أبي علي محمد بن عمران بعض الزوار فأخذ جلساؤه في مناقب الشيخ يخلف العزابي وبنيه وأهل بيته فأوسعوا في القول، والزائر الغريب يستحسن ويستغرب، حتى قال أحد جلساء الشيخ أترى أنهم يرجى لهم الخير عند الله لهذه الأوصاف هم وهيبة فلم يجبه بشيء قال الزائر ما مذهبهم قال الصلاح، وانقطع الكلام، قال حدثني أبو الربيع عن أبيه قال أقبلت أنا والشيخ يخلف من جنته بغابة نفطة، فلقيا محمد بن عمران فسلم وسأل عن الحال ثم قال يا يخلف ما منزلتي عندكم جملة العزابة قال منزلة مشمش فشفش، يعني حلوا زينا، وهو يخلف بن يخلف النفوسي التيمجاوي، ومنها ما حدثني أبو الربيع عن أبيه قال أقبلت لما قفلنا لعد أن قضينا الحج وبلغنا اسكندرية ونفذ ما بأيدينا وكرهنا دخول البحر فاتفق رأينا أن نشتري سقط المتاع من الإبر والمخايط والمسلات وما خف فخرجنا نسير في أحياء العرب فإذا كنا في آخر النهار اشترينا بذلك السقط ما نأكل، فما خرجنا من برقة حتى نفذ وانقطع عنا أحياء العرب ولا رفيق ولا دليل إلا الله ولا طعام إلا ما نطعم عند الله، وقال الشيخ يخلف توكلوا على الله وسيروا، فسرا في مهامه لا أنيس بها، فربما وجدنا من المباح ما نقتات به وما تبني الأرض ثم سلكنا حرارا لا نبات فيها فسرنا يومين أو ثلاثة لم نذق فيها لا حلوا لا مر، ثم سرنا يوما ضحى فإذا بياض مخالف لون الحرة فلما وقفنا عليه إذا به جبن، قال العزابة ما ترون به قال الشيخ ما هي بارض عمارة ولا بطريق إلا أن الله أكرمهم به، فتناوله وقسمه بخنجر، فأكل كل واحد نصيبه، فتمادينا نجد السير إلى غد وكدنا نهلك جوعا، فاشتيكنا إلى الشيخ فأخرج نصيبه فقسمه، وأخذ نصيبه فأكله م هذه القسمة ولم يذق من الأول شيئا، ثم سرنا فلطف (2/147)
صفحة 438
الله بنا ووصلنا ما ولينا من البلاد، ونقل عنه حكم كثيرة لو دونت صار منها ديوانا كلها نافعة، كذا قال أبو العباس، وصلى الصبح بأصحابه بربض نفطة، فما ختموا من القرآن وذلك في فصل الشتاء قال من يغذينا اليوم ونوليه الإمارة على أنفسنا، وأومئ إلى موسى بن إلياس المزاتي لأنه قريب عهد بالقدوم من البادية، واستصحب شيئا من البادية من طرفها فغذاهم، فلما أكلوا قال الشيخ أما الإمارة فأنت واحد منها ولكن بل منا ولكن ندعوا الله أن يولد لك ولد من الحمل الذي عندهم فتسميه أفلح باسم أمير المؤمنين ونرجوا أن تكون فيه البركة، فكان الولد هو الشيخ أفلح بن معبد فكان آمرا ناهيا مطاعا متبعا في كل ما تقدم فيه من أفعال الخير، قال أبو العباس وهذا أمر شاهدناه عيانا. (2/148)
صفحة 439
ومنهم ابنه علي بن يخلف فكان عالما تقيا مستجاب الدعاء محسنا لمن أساء إليه يدعوا الخير من أقبل يسعى ومن أدبر وتولى، قال أبو العباس على جده علي قال القاضي عمرو بن غزوة النفطي ما رأيت مثل علي بن يخلف فمن عجيب أمره أن أبا القاسم القمودي من كبراء المتصوفين قدم نفطة فأكرمه الناس من الطلبة المتصوفين وغيرهم فاحتفلت في إكرامه فقلت لا ينبغي أن يغيب أبو الحسن عن مثلها فلما حضروا قال ابن القمودي من هذا؟ قلت الفقيه أبو الحسن علي ابن العزابي قال هو من بغضة علي بن أبي طالب فحالت بيني وبينه ظلمة وندمت على إكرامه وما أغناني وصاحبي عن هذا الحضور فأجابه على من أنبأك هذا قال كذا يذكرون عنكم قال هل رأيت أحدا يسمي ابنه باسم عدوه قال لا قال فأبي قدوتهم، وسماني عليا فما زال به حتى استمال قلبه وقال أريد أن لا تفارقني مادمت بنفطة فانجلت تلك الظلمة من عيني، ومن أعظم كراماته ما اشتهر عند الموافق والمخالف وذكر ذلك البكري في ((المسالك والمالك)) إلا انه لم يسمه وسماه غيره وهو أنه سافر إلى دواخل غانة تاجرا فقام بها وله مكان عند ملكها وكان عظيما، تحته اثنا عشر معدنا يستخرج منها التبر، ووقع القحط ببلادهم فاشتكت الرعية إلى السلطان وذلك بمدينة مالي ،فقربوا لأصنامهم الذبائح واستغاثوا بها فلم يغاثوا ،وكان الشيخ علي عل ارتحال فقال له الملك ادع ربك لعله يغيثنا قال لا يجوز وأنتم تعبدون غيره قال كيف صفة الإسلام فمازال به حتى وحد وتكلم بكلمة الحق فخرج هو وإياه إلى كدية فصار يصلي به علي ويتبعه على ما يفعله وإذا دعا قال آمين، فلما أصبح عظم المطر وحالت السيول بينهما وبين المدينة وما دخلوا إلا في السفن مع النيل فدامت سبعا تسح ليلا ونهارا، فلما رأى الملك ذلك دعا أهل بيته ووزرائه ثم أهل المدينة ثم قرب فأجاب جميعهم وأبى من بعد وقالوا نحن عبيدك ولا تبدل ديننا واشترط عليهم أن لا يدخل كافر المدينة وإن دخلها قتل ، فالتزموا ذلك (2/149)
صفحة 440
وأخذ يعلمهم الصلاة وفرائض الدين والقرآن فورد عليه كتاب أبيه يحضه على المجيء ولم يجعل له إذنا في المقام ولو قليلا فأخبر الملك بأنه على سفر ، قال لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد الهدى، قال طاعة الوالد واجبة في الدين وحجر عني الإقامة ولم أجد بدا من ذلك، وهذا سبب دخول الإسلام بلاد السودان بغانا وما يليها تسامعت بهم المخالفون فقصدوها من كل أوب فردوهم إلى مذهبهم.
ومنهم سليمان بن علي ابنه رحمه الله قال أبو العباس كان ذا سخيا ونزاهة نفس وورع وكان فرضيا متقنا لمسائل الفروع ناظما للفرائض لغويا، ومن أهم أموره المحافظة على المذهب، أما سخاوته فما حدثني به والدي قال كان أبي كثير لمال بكنومة من عقار وناض، فلم يزل مبسوط اليد فيه حتى أنفذه ولك يبق إلا دويرة وبساتين وكان في أثناء ذلك لا يعدم ناصحا يقول ابق لأولادك بقية، وجوابه المتقى منهم لا يضيعه الله، والعاصي أنا أحق بمالي منه، وعادته إذا قام من نومه يقول اللهم أرضني بما قضيت علي حتى لا أحي تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وأما نزاهة نفسه قلما قل ماله وأبى من أن ينقص من عادته وفعله قال له بياضة بن عزون كثرت مئونتك وقل مالك فهل لك في خمسين ويبة تمرا كل عام تستعين بها على أضيافك وأضياف المسجد، أو مائة الشك من احمد، قال له لا والله، وفيما معي كفاية أؤدي منه حقوق من ذكرت ولو على عسر، وكذا ضعفاء أهل الدعوة، فإن كنت فاعلا فأقم بنفسك حقوقهم، قال أبو العباس لم أخرجت نكارة كنومة وهبيتها بمكيدة كادوهم بها خرج جدي منها ليلحق بإخوانه غير معلن فتنة و لا مبطن لها، قال بعض النكار أتتركون فقيه القوم ينجو فطعنه فنجاه الله من الموت وانتهبوا دور الوهبية فاخذوا له مالا جليلا ولم يكافهم بمكروه بعد ذلك كما لم يكن منه قبل لورعه، ولم ينشدني أبي شيئا من شعره ولا من شعر نفسه ويقول أنت أشعر مني وأنا أشعر من أبي، قال وحدثني رجال أن رجلا اشتكى علة مزمنة دامت (2/150)
صفحة 441
به إلى جماعة كنومة بعد موت سليمان ولم يدر ما هي ولم يترك من العاجلات إلا ما لا يصله، فقال له بعض الحاضرين أعطني ثلاثة بيض الدجاج فأتاه بها قال غدا فأتني قال له اطبخ كل يوم واحدة فأفطر بها ففعل وبرئ في أسرع وقت، وسألوه ما زاد في البيضات فأكثروا عليه قال ما زادت شيئا إلا أني رأيت علته أعيت الأطباء لا تبرأ إلا بمنة من الله فأخذت البيض فأتيت قبر سليمان العزابي فقلت الله ببركة وليك هذا أن تجعل فيهن شفاء هذا العليل فدفنتها في قبره فاستخرجتها غدا فكان فيها مما رأيتم، قال ومما حدثني به أبي رحمها الله أن أهل تقيوس يعمرون غابتهم وجناتهم على النصف ثم يدفعون الظلم من النصف فالنصف للسلطان وما اخذ من النصف الآخر فكان الناس معه في ضيق عظيم فكان كل واحد يحتال كيف يختلس قبل امتداد يد العامل وخرج الخاص مرة إليها يخرصون فخرج الشيخ إلى جناته فقال للخدام أريد تخفيف ما تقدرون عليه فكانوا يخففون ما يمكن من كل نخلة إما نصفا وإما ثلثا أو ربعا ويجعلون ما جمعوا كدسا وقد رأوا أن الخراص يأتونهم بعد غدوانهم يدخلون ما جمعوا ليلا وإذا بالخراص دخلوا عليهم كم أطراف الجنات فلما رآهم وبين أيديهم كدس عظيم يراه الأعمش من بعد خاف ما يخاف أمثاله ولم يبق له إلا الفضيحة إلا أن يستره الله فخرصوا بعض الجنات وهو يرغب إلى الله أن لا يفضح شبيبته ولم يخرصوا نخل الجهة التي فيها التمر فخرجوا يصلون الجمعة فلما خرجوا قال الحمد لله الآن نرفع تمرنا علانية. (2/151)
صفحة 442
ومنهم يوسف بن سدميمان رحمه الله قال أبو العباس من المعدودين في القوامين بالليل والصوامين بالنهار والداعين المستجابين، قال أبو العباس حدثني أبي رحمه الله أن هذا الشيخ من خيار أهل الدعوة من أهل دقاش، قرية من قرى تقيوس وفي آخر عمره أصيب بصره وقل ماله فلم يزد بذلك إلا رضا بقضاء الله واجتهادا في طاعته، ويزوره أهل الدعوة يتبركون به فزاره يوما عزابة كنومة وفيهم أخي محمد وكان حدثا فلما سلموا عليه قال لهم من هذا معكم قالوا أكبر أولاد الشيخ سليمان فبكى فقال علي بولد الشيخ الحبيب، وقد توفي يومئذ سليمان، ثم أورد علينا من المواعظ والأمثال والسير ما لم نسمعه من أحد قبله، وحدثني أبو الربيع أن يوسف بن سدميمان سار من درجين يريد توزر، وصحب ناسا من العرب ووجدوا في الطريق خصبا عظيما فلم تسمح نفوسهم أن يجاوزوه ولم ترعه إبلهم فقاموا ثلاثة أيام بين توزر ونفطة فلم يصل توزر إلا وقد أذاه الجوع فأول من لقي جماعة من أهل درجين وعرفوا على وجهه لباس الجوع فأنفقوا غذاءهم وغداء الشيخ من صرة معهم ينفقون ويقضون حوائجهم منها فدعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس، قالوا أقمنا أياما ننفق من تلك الصرة ونقضي حوائجنا وخرجنا توزر والصرة بحالها لم ينتقص منها شيء.
ومنهم سعيد بن سليمان وأحمد ابنه، وكلاهما قدوة إمام، لازم الطريقة وأحسنا السيرة، ولأبي العباس تأليفه المشهور بالطبقات وله قصائد كثيرة وشعره فائق، وله أجوبة بالشعر وفي الألغاز ألغاز الفرائض، جمع منها أبو طاهر إسماعيل بن موسى في كتاب الفرائض والحساب جملة وله ديوان فيه قصائد ذكر في بعضها أنها أنشدها قبل البلوغ وكتاب الطبقات يشهد ل بالسعة في طول الباع في الأدب واللغة والفقه وغيرها ولولا الإطالة لأثبت شيئا من قصائده. (2/152)
صفحة 443
…ومنهم الشيخ إدريس بن مفتي الوناني قال أبو الربيع شيخا صالحا تفوح منه رائحة المسك دائما، وكان الناس يقصدونه فيقول لهم تحقيرا لنفسه ماذا يعجبكم في صنان العبد، وبات الشيخ عند رئيس بنى تجين فقال لامرأته اصنعي ضيافة ملك وارجلان فلما دخل ليأكل قالت سأنظر إلى ملك وارجلان فلما رأته قالت إن ملكهم أسود ولم تعلم أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وذكر أن حلوا عالما من علماء المخالفين شكى إلى ابن عينة وهو من سكان وارجلان ابن جعفر رجل تاجر رجع إلى دين الوهبية فبحث ابن عينة عن ابن جعفر، فمر بمسجد تماوط وفيه الشيخ إدريس فلما سمع قوله يسأل عنه قال لمن حوله ما فيكم من يكفينا مؤنة هذا فقام إليه الطلبة والعزابة فضربوه ضربا وجيعا، والشيخ محمد التناوتي في الصمعة يقول يكفيكم فشكاكم ابن عينة إلى ولاة وارجلان واحد بعد واحد فكل أبعدني فارتحل من وارجلان والأص في سبب ذلك أجمع، أن أهل وارجلان خرجوا حجاجا وخرج حلو معهم وحمل معه ابن أم جعفر يخدمه فرأى ابن أم جعفر اجتهاد الشيوخ في الطريق وتحفظهم وورعهم وتمام صلاتهم وكثرة أدعيتهم عند العشاء وبكرة فقال أردت أن أرجع إلى مذهبكم قالوا طرابلس أمامنا ونخشى عليك وعلينا فلما جاوزوها ترك حلوا ورجع إلى العزابة فلما قضوا المناسك ورجعوا إلى المغرب فلما بلغوا ملك الخزريين دخل حلو إلى أميرهم فسأله عن طريقة فشكى ابن أم جعفر وكيف فطع(1) به قال وما تريد قال تنهبه وإياهم فأجابه إلى ذلك وفي المجلس يهودي فخرج فأخبر ذا نواس بذلك وكان رئيس أهل الدعوة في تلك البلاد فدخل من حينه إلى السلطان فعد له قبائل مزاتة وغيرهم من أهل الدعوة قال له: هؤلاء لك ثم هم عليك، كانوا يضربون بين يديك ثم يضربون عقبك، قال: لم قال للذي حدثتك نفسك به من نهب مال وارجلان قال: لم يكن من ذلك شيء فلما أصبح حلو نهضه إلى الذي اتفقا عليه، قال: اسكت عني يا كرش الثور فانتهره فارتحلو وبلغوا وارجلان سالمين
__________
(1) صفحة 188 (2/153)
صفحة 444
فهناك شكاه إلى ابن عينة ومن الله على ذي نواس فحسنت توبته.
…ومنهم أبو جدروز الوشي وكان عالما متقيا قيل له تزوج زوجة خالك يونس ابن سابل الواشي قال خفت أن أحركه من قبره، ومن كرامته أن بني معقل من قبائل العرب غاروا على بني واشية فغصبوا بنات الشيخ أبي جدروز فحملوهن إلى نفزاوة وأرادهن رئيسهم بشيء فخلف إليهن يريد بهن الفساد فجبَ الله ذكره، وخاف العقوبة فسار فلحق بأصحابه، ثم إن الغلمة والشيطان وقوة الشهوة حركته ثانيا بعد أن رجعت إليه مذاكره وخاف على نفسه فتيقن أنهن منعن منه ثم لحق بأصحابه وقد رجع إليه ذكره وخاف على نفسه الاستيمال فلما بلغن معهم نفزاوة سالمات الدين ضمهن من بها من أهل الدعوة وآووهن وأكرموهن، عن يعقوب ابن أبي القاسم أن أبي جدروز أخبر أن أهل درجين خرجوا إلى سوف فاسترجع وقال حدثني ونس بن سابال عن أبي صالح اليهراسني أن خروج أهل درجين إلى سوف وأهل سوف إلى وارجلان علامة انتقال الناس إلى جعراف وقال لابد من اجتماع بني ياجرين من الأرض إلى وارجلان، وذكر أبو الربيع سليمان بن موسىأن أبا صالح الياجراني تََبركِتُ بعث إلى أبي جدروز يرسل له ناقة للنسل يستنتج منها الحلال قال أبو جدروز اشهدوا أن نصف إبلي لأبي صالح وكان بعد ذلك إذا باع شيئا منها أرسل لأبي صالح نصف الثمن ولأبي جدروز فضائل ومناقب فلتطلب. (2/154)
صفحة 445
…ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو الربيع سليمان بن أبي صالح الياجراني وسدرى بن سليمان وعمران بن زيري تقدم أن أبا صالح قال إذا نظرت إلى هؤلاء الثلاثة علمت أني أحتاج إلى التوبة، وقال إنما أسأل عن ابني صالح وأما سليمان فقد رضي عنه المسلمون وكانوا يقولون سيروا بنا إلى زيارة الأخيار وأما هذا الشيخ يعنون أبا صالح فلا يتغير ولا يتبدل ولو سكن بين المشركين وكانوا غاية في العبادة والزهاد وزيارة الإخوان والمعاونة على البر، ومن ورع عمران أنه بعث مع رجل حمل تمر إلى البادية للبيع وفيه تمر خال فأخبره به ليخبر فلما رجع سأله هل أخبر بذلك التمر قال لا فأخذ تليسه وترك الثمن، وعنه أنه أعطى ابن بكر عراق لحم ليأكله فنادى سائل أطعمونا لله فأخذه من يد أبي عبد الله لا يفعل هذا غيره مدحا له ورأى خرقة في الطريق وأخذها ليصر بها دراهم معه ثم ألقاها تحرجا، عن ابنه نوح أنه قام مرة وفي يده صرة فسقطت من يده فقال له نوح خذ صرتك وأبى، خشية أن تكون لغيره، وقالت له امرأة أنا من ذوي محارمك قال اجعليني في حل مما ضيَّعت عن حقك، وزار في جماعة جربة، فبلغوا المسجد الكبير صلاة الظهر، فخرج أبو زكرياء فتهيأوا لمعانقته فقال عمران لا يفعل ما لم يصل فكان الأمر كما تفرس فلما صلى عانقهم وسلم عليهم، وقال مرة لأصحابه سيروا بنا إلى زيارة الأخيار وأبا صالح ونحوهما قال هل رأيتم الأخيار، وسمعته أمه وهي تمشي خلفه وهو يقول ما أحسن رجالا رأيت وأي رجال رأيت قالت له من هم قال أهل جربة وكان يقول لنوح زر الأخيار الذي لا يزور الخيار كالجرو الذي يفتح عينه. (2/155)
صفحة 446
…ومنهم سعيد بن إبراهيم وابن أخيه يوسف بن ونموُ ومن أحسن أخبار سعيد، قال أبو الربيع باع رجل غنما بستين دينارا فأودعها رجلا من أهل قنطرار حيث يسكن سعيدا فغاب زمانا ثم رجع فقصد سعيدا فقال أعطني أمانتي قال وكم هي قال ستون دينارا ثمن غنم فأعطاه ستين فلما اجتمعت الناس إلى الصلاة وصلى قال عند من أودع هذا أمانته قال رجل عندي فقال للرجل عندي أودعت أو عنه هذا قال عند هذا فأخذ أمانته أعطى للشيخ ماله، واصطاد الشيخ يوسف في صغره دجاجة فأتى بها زوجة خال سعيد لتطبخها للشيخ فلما حضرت قدمت له فطروه وعليه الدجاجة قال لها من أين قالت ابن أختك اصطادها فصار يكرر يا خيرتي ويا رزقي، يصير صيادا حتى خجلت ولم يأكلها، قال الشيخ يوسف فما عدت أصطاد، ومن حسن خلقه قال إذا أساء إليَّ أحد فلا أجد صبرا دون أن أحسن إليه، وجحده رجل في دينار فجاز عليه وأعوان السلطان قد أخذوه في دينار فأعطاه لهم فأطلقه من أيديهم، فبعد أيام أتاه الرجل بدينارين واعتدر له أن جحده لعدم ما يعطيه فقبل عذره، وصادف يوما أعوان السلطان أخذوا امرأة فقال في أي شيء أخذتموها قالوا في كذا وكذا قال خذوه وأطلقوها فأبوا فصاحت يا للمسلمين فأخذ سلاحه فحال بينهم وبينها فقال أصحابه بئس ما فعلت بنا ولم يكن إلا هنيهة فإذا بأصحاب السلطان مقبلون قالوا أجب السلطان فلما بلغه قال ما حملك على ما فعلت قال صاحت يا للمسلمين وقد طلبتهم أن يأخذوا ما مسكت فيه فأبوا وقص عليه القصة فكف الله عنه شره فقال للعبيد انصرفوا ما قامت السموات إلا بمثل هذا وتأسى في ذلك بفعل محمد بن يانس النفوسي وقد تقدم، وأما أبو يعقوب يوسف فقد ذكر أنه من الأبدال السبعة الذين ذكرهم أبو العباس الويليلي وكفاك به شهرة وتعريفا وصلاحا وقيل صالح بن محمد. (2/156)
صفحة 447
…ومنهم أبو زكريا يحي بن ييدير(1) الوسياني وكان شيخا عالما قدوة، قال أبو عمرو قرأ أبو إسحاق بن أبي العباس كتاب المواعظ على أبي زكريا قال أبو زكريا أعيانا الثالث قال ما هو قال أن خالف العمل اللسان الذي يصف والقلب الذي يعلم وطلب قوما عزابيا إلى أبي محمد ويسلان قال عليكم بأبي زكريا يصلح لنوازلكم ومصالحكم، قال أبو زكريا إن استندت على هذا يعني أبا محمد قال بن محمد نعم فقعدوا وأحيى السير وأصلح الفساد وجمع أمورهم حتى لحق بالله، وأرسل مرة عشرين شاة لحلقة أبي الربيع وقال اشتهروا برؤوسها وجلودها لحما للحلقة، قال أبو الربيع قد شمر يحيى وجد.
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن نفاث القنطراري النفوسي رحمه الله، وذكر أبو عمرو رحمه الله أن يوسف بن نفاث جاز على بني ويليل من قنطرار متوجها إلى وارجلان في أيام هاجر فيها أبو عبد الله سدراتة وعملوا له ما عملوا فلما بلغ وقضى وطره من وارجلان وقد علم أن ملامة الشيخ لازمة له فأخذ البركرات في طريقه وتجنب حريم أبي عبد الله فضل عن الطريق وتعسف وتاه حتى كاد هو ومن معه يموتون عطشا فم شعروا إلا وهو بتين يسلي فما أخطأوا مغارة الشيخ أبي عبد الله فأضافهم الشيخ وأحسن القرى وقال أبو يعقوب أرانا الله قدرته ثم أرانا حلمه ثم توجه إلى بلده بعد الراحة فأتبعه الشيخ كتابا عاتبه فيه وفيه:
قد كنتُ أحسبُ أن فيك رجيةٌ……ترجَى لصرف نوائب الحدثَان
وفيك للإخوان أمرٌ يُرتَجى……فأراك لا شيء من الإخوان
راحت فراستُنا وخاب رجاؤنا……شمت العداة بنا مع الإقران
__________
(1) صفحة 121 (2/157)
صفحة 448
فلما قرأها أبو يعقوب قال لا شيء من الإخوان وصار يكررها، وذكر أبو نوح أن يعقوب ما شهيدا في جملة الأشياخ الذين ماتوا بدرجين كمحمد بن سدرين وعبد الله بن أم أبان وغيرهم من الشيوخ الأبرار وذلك أن المعز بن باديس أرسل إليهم جيشا مع قطار فحاصرهم فقالوا له فيهم رجلان أن أصيبا لم تفلح وهما نفوسيان أبو يعقوب وابن أم أبان فأعطى لها الأمان أن يخرجا فدلوا عبد الله فلم يصل الأرض إلا وقد سلب من ثيابه ولم يبقوا عليه إلا إزارا فقال ارفعوني فردوه فقتل فيمن قتل يومئذ وهم ألف وخمسمائة، وذكر عيسى بن سجميمان وغيره أن العزابة اجتمعوا فأجروا بينهم ثلاثمائة مسألة من الرخص، وهم يوسف بن نفاث، ويوسف بن سهلون، وأبو سليمان داود بن أبي يوسف، وسعيد بن يخلف المدوني ومن شاكلهم ونسبوها كلها والمذكور منها أربع مسائل، توبير النخل بالعرجون ولا زكاة فيه على صاحب النخل، والمرأة تعطي لها الزكاة إذا قطعت بل قعدت على أولادها، وينفع من جعلته في حل من مال اليتامى ولو لم تكن خليفة، وينفع حل الشريك لمن عليه تباعة ولو اقتسموا، ويجوز أن يقدم في الصلاة أهل الجملة إذا لم يظهر ما يتبرأ منه به.. (2/158)
صفحة 449
…ومنهم سعيد بن يخلف المادغسني رحمه الله وذكر أنه عبد سخي حاج زكي وهو من الأبدال، ومن عادته إذا صلى العتمة وما قدر الله له خرج إلى باب المسجد فينادي هل هنا ضيف إياكم وإن يبيت أحدكم طاويا، ونادى ليلة فلم يجبه أحد فدخل يبحث عن الأضياف فإذا بمصل قال أنت ضيف؟ قال نعم، قال سر معي، فلما بلغا قال لزوجته زيدي الطعام وأعطاها شعيرا لأن الشيخ كان مقلا وقد استقل الطعام فأخذ في أكل الحاضر حتى يحضر الغائب لما رأى عليه من سمة الصالحين فنمى الطعام تحت أيديهم قال زوج الشيخ كنت أسارقه النظر فإذا رفع يده جرى مخه إلى المرفق وإذا هوى بها إلى الطعام جرى إلى الأنامل فأشبعهما الله من ذلك الطعام وبقيت منه فضلة أعطى منها جيرانه وبقي منه إلى غد ولم يفرغ لهم زيت من البطة التي جعل فيها الزيت ولا الشعير من القلة التي أخرج منها الشعير عامة سنتهم على كثرة معروفة، وأعطاه ما يتدثر به من البرد فخرج الشيخ إلى المسجد للصلاة فسأل عن ضيفه فلم يقف له على أثر فرجع إلى بيته فإذا كساه على خيمته ولم يدر أتدثر بهما أم لم يحملها وكان سأله من أن أقبل قال صليت المغرب بمسجد فتيان، صلى بنا رجل صالح وصادفني نداؤكم للعتمة عند مصلى المقبرة فوجدت سرت جعراف، وسأل عن الرجل الذي صلى لهم تلك الليلة المغرب فإذا هو يوسف بن موسى الدرجيني ثم رجع سعيد فأخبر الشيوخ بقصته فقالوا لو أخبرتنا سألناه عن كثير من المهم فبحثوا عن أثره فإذا هو عند مصلى المقبرة، وآخر في سبخة عبد السلام بن وزجون فابتدروا غرسها فجاءت غاية ببركة الصالح، واعلم أن جعراف أكثروا فيه القول أين هو ومتى سيكون في آخر الزمان لأن جعراف يسكنه الصالحون وأهل الدعوة في آخر الزمان وإن ما به حلال صرف محض فمنهم من قال هو أجلو ومنهم من قال غير ذلك وذكر غير واحد من الحفاظ أن صبية صغيرة من بني ينجاسن أخذها الجنون فقالوا اترك هذه المسكينة الضعيفة قالوا لا تقولوا مسكينة فإنها زوجة ملك (2/159)
صفحة 450
جعراف فقضى الله فتزوجها أبو عبد الله محمد بن بكر في أجلو.
…ومنهم الشيخ يخلف بن زكريا المادغاسني والد سعيد المذكور..
…ومنهم يحيى بن عيسى بن يرزوكسن العباسي ويكتبون يرزوكسن بالصاد في موضع الزاي وتقدم التعريف بأبيه، وإنه من هاشم من ذرية العباس بن عبد المطلب، وأبو زكريا معدود من الأبدال الذين ذكرهم أبو العباس الويليلي على ما أخبرتاه زوجتاه من حور العين حين نزلتا عليه، وذكر أنه اختلف مع أبي محمد عبد الله العباسي أخيه وتقدم أن أولاد عيسى بن يحيى وعبد الله وداود في اليهودية والنصرانية هل ذمتا بعد أن غيرتا أو من الأصل فبلغ قولهما أبا يحيى زكريا بن أبي بكر بن سعيد اليراسني فوافق أبا محمد أنهما ذمتا بعد أن غيرتا وكفى في تعريف أبي محمد وأبي سليمان التعريف بأبيهم، وذكروا عن أبيهما عيسى، لقي يوما الشيخ أبا العباس بن أبي عبد الله مقتعطا غير متلح فزجره فقال يضرني في غلصمتي والغلصمة رأس الحلقوم قال ليتها ذبحت وأخبر أبو العباس بهذا في المجلس ونظر في العزابة فرأى جابر بن حمو لم يتلح فأشار إليه بالسبابة والوسطى أنه يستأهل ضرب العنق، ولهم في الاقتعاط تشديد وهو ترك التلحي، وذكر أبو سهل وأبو نوح عن أبي عمار أن رجلا من يهراسن أورد غنمه بتباكلت موضع على جربة فأدلى دلوه فتعلق به رجل وسيم جميل أبيض نقي الثياب فانصرف بعد أن طلع فتبعته الغنم فنادى اليهراسني أردد على غنمي فأشار إليها فرجعت فسأله لما تفرس فيه الخير والصلاح ما خير المذاهب قال الوهبية ثم تعمم وتلحى فقال هذا لباس المسلمين ثم تعمم ولم يتلح، فقال هذا لباس الشياطين ثم تعمم وترك وسط رأسه ولم يتلح، فقال هذا لباس الزنادقة، ثم ذهب ولم ير له أثرا، فظنوه الخضر، وعنهم من صلى مقتعطا، عليه الب ل(1)، وحكى فيها أبو خزر رخصة ثم رجع عنها والشيخ عيسى ممن أدرك أبا يعقوب الطرفي ولعل الزجر من بعض بنيه أو طال عمره حتى أدركه أبو العباس..
__________
(1) صفحة 124 (2/160)
صفحة 451
…ومنهم الشيخ أبو القاسم يونس بن وزجين الويليلي كان معاصرا لأبي عبد الله بن بكر وصديقا مصافيا وتقدم خبره أن أبا عبد الله حين أراد الانتقال إلى أريغ أرسل إلى أبي القاسم أن يحفر له غارا وذلك عام تسعة وأربعمائة وإن الشيخ عبد السلام تزوج ابنته، ثم زار قومه وتعلقوا به وزوجوه فأراد مفارقة ابنة الشيخ فأراد أن يقضي لها ما تحمل لها وأبى أبو القاسم وقال إنما اجتمعنا وجمعنا وجمعنا دين الله فأبرأته من حقوقها ولأبي القاسم فضائل كثيرة، وذكر أبو محمد سدرات بن مسعود أن أبا القاسم حفظ من الكتاب أن من غرس سبع فسائل من حلال في حلال حتى أخذن، أن كل واحدة تسد عنه بابا من أبواب جهنم..
…ومنهم ابنه يعقوب شيخ تقي عالم حزيم وكان أيضا صديقا لأبي عبد الله تقدم سفره إلى وارجلان ولم يقف على الشيخ يوسف بن سهلون عابه أبو عبد الله ورجع بقصد الزيارة وذكروا أن أبا عبد الله أرسل إليه مرة رسولا فقال تجده في جنانه لأن نوبة الماء عنده فأتاه الرسول فقال أجب الشيخ فلما وصل إليه قال أبو عبد الله لعلك فزعت قال ألا يفزع المذنب المسيء قال بعثت إليك لأبيح لك بأمر في نفسي وهو أن يسجا بن منصور رأى بيدي سكينا قال لم مسكتها أترى هذا الكلام يفهم منه أن احتدر لأن المرء إذا بث خبره وسره لحبيبه طرح عن نفسه شطر ما همه ثم قال قم إلى جنانك، وسبب حذر أبي عبد الله أن الفتنة تحركت بين الوهبية والمالكية وروى أبو يوسف يعقوب عن أبي محمد بن ؟؟؟(1) فأمر أنه يوصي من مر به بمسائل أن لا يسبقكم كلاب الحي إلى الأضياف إذا قصدوكم واذبحوا الشاة الكبيرة لأن الصغيرة إذا بقيت تعود كبيرة وإذا قصدتم موضعا فطلبتم إلى المبات دونه فبيتوا لأنكم لا تدرون ما أمامكم..
__________
(1) صفحة 125 (2/161)
صفحة 452
…ومنهم أبو محمد كموس الزواغي، دخل عليه يونس بن أبي زكريا قال له بادرني بأبيك فإن الشيطان يخاتلني آخر عمري فأتى به مسرعا فلما دخل عليه قال اغثني، إن الشيطان يقول لي كيف ربك أين هو؟ قال أبو زكريا كلما تكيفه نفسك ويخطر ببالك فهو صفة الخلق والله منه برئ، فلما تفهم ما قال له زال ما به وذهب ما يجده، وأحضره أبو محمد لحما لعنز بايتا، وكان أبو زكريا صائما ولا يأكل لحم البايت ولا لحم الماعز، فامتنع من أكله كل الامتناع لذلك قال أبو محمد سألتك بالله أن تأكله فأكله على أنه يضره لكن أراد موافقة قلب الشيخ فصرف الله عنه الأذى فتمادى على أكله آخر الدهر فلما نام في الليلة المقبلة رأى في منامه قائلا يقول له موافقتك لقلب الشيخ خير من عبادتك سنة، وروي عن بعض مشايخ الجبل قال أدركت بالجبل اثني عشر شيخا مستجابين الدعاء فما رأيت مثل اجتهاد الزواغي يعني أبا محمد كموس، ورآه بعض العزابة متقلدا سيفا معلقا مصحفا قال لم فعلت هذا قال طمعا في السبيل المستقيم أي الهدى، وهو شيخ كبير ومات شهيدا رحمة الله عليه وللشيخ أخبار وعبادات وأحوال تطلب في الكتب المبسوطة.. (2/162)
صفحة 453
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن يعقوب بن هارون الواغلاني كان عالما متقيا حاكما عدلا أوتي الحكم صغيرا وتمادى حتى هرم كبيرا، وزار مشايخ طرابلس أهل المغرب فلما وصلوا وغلانت وجدوهم قدموا عبد الله بن يعقوب قاضيا وهو حدث السن فنقموا على مشايخ وغلانت فعلهم لعدم تدربه وتجريبه الأمور، قال لهم مشايخ وغلانت أجركم الله في نظركم للإسلام وأهله وتفقدكم لما يصلحه ونصحكم لإخوانكم ولكن عذرنا أنا تفرسنا الخير في هذا الفتى ورأينا الأمور سترجع إليه فقدمناه في حياتنا لنهذبه ونقومه ونعلمه كيف يرتق وحيث يرفق ونبصره تصاريف الأمور ومفاصلها ونوطنه على احتمال الأذى والصبر والحلم فصدق تفرسهم فيه وكان حازما عالما فلم يؤخذ عليه شيء ولم ينقم عليه حكم حتى ترك الأمور كبرا وهرما وضعفا وانعقدت، الألسن عليه بالثناء الجميل وبتمام العدل في أيامه يجنى الكمات من كدية البنيان وبينه وبينهم سوط فرس أو نحو ذلك يعدون منها بالحمال بعد الاحمال وكفاك أنه من الأبدال السبعة وقيل يوسف ونمو..
…ومنهم أبو عمران موسى بن سدرين كان شيخا مشهورا حافظا محافظا ذكر الشيخ أبو نوح أن أبا عمران جعل عريفا على الختمة ويطلع في صومعة الشيخ أبي خزر فإذا أبصر بزوغ الشمس نادى الختمة فلا يصل إلى موضع الختمة إلا والمجلس قد تم فيختم ويدعو وكان أبو عمران في عصر أبي نوح وجنون بن يمريان وتقدم بعض أخباره ضمنا.. (2/163)
صفحة 454
…ومنهم ابنه هارون كان عالما متقيا ألف كتابا طلبه عنده جنون بن يمريان وأعجله السفر وتركه في الألواح وهو حمامي من بني ويسيان، وذكر أبو نوح أن الشيخ أبا موسى هارون بن أبي عمران مر على الشيخ أبي صالح جنون بوارجلان فطلب أن يقعدوا حلقة تلاميذ قالوا إن لهم أمر الحلقة شديد وحقوقها كثيرة ولا نطيق القيام بأمرها وأتوه بمائة دينار وأبى لهم من أخذها ثم عزم على السفر إلى غانة وكتب إليه أبو عبد الله بن بكر أن يترك السفر ويدعه فإن في بلاد أهل الدعوة خير الدنيا والآخرة فأجابه بقول عروة بن الورد:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى……تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه……شكى الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأدنين كلا وأوشكت……صِلاة ذوي القربى له أن تنكرا
…فكتب إليه أبو عبد الله أن أدع السفر على تلك الجهة فما أغنت عن فلحون بن إسحاق حتى مات فيها فذهبت نفسه وعمله وكتب إليه قول القائل:
وليس بزائد في الرزق حرصٌ ……وليس بمانع منه التَّواني
…فتوجه إلى بلاد وترك رأي أبي عبد الله فلما وصلها خرج إلى أغياروا فوجدهم عراة فلزم بيته حتى مات فيها رحمة الله عليه.. (2/164)
صفحة 455
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن تامر، روى بعضهم بأمر بالباء الموحدة من أسفل أو بالتاء المثناة من فوق التناوتي يسكن نفزاوة وهو شيخ فاضل عالم تقي وممن أصلح الله له زوجه طوست وابنته زينت، وذكر أن طوست أوصت ابنتها حين جهزتها أن تقتدي بها قالت ما نمت حتى أصلي خمسين ركعة، ولم يرني والدك عابسة قط، ولم تصدر مني كذبة قط إلا مرة واحدة، وهي أن قلت لأبيك و قد سألني أعلفتي البغلة وقد تعب وهو صائم ولا يفطر حتى تعلف مطيته وقدمت له فطوره قلت نعم وزدت للبغلة في علفها وآتيتها به فقلت اجعلني في حل فيما كذبت عليك وقد زدتك في علفك فأومت برأسها شبه من يقول أنت في حل، وكانت أم خليفة تخدمها وهي حشوية فأجاب الله دعاءها فأبصرت الإسلام فرجعت إلى أهل الدعوة وكان من خيار المسلمين ولها رفيق قاده الله إليها يحفظا وينبهها إذا غفلت وقيل لما أبصرت الإسلام أخذت العبادات والورع والتقوى حتى كانت لها كرامات، ومن جملتها أن ابنها اشترى شاة فلما دخل بها الدار صاحت قالت لولدها أخبرتني الشاة أنها حرام فردها ولدها إلى بائعها فأقر أنها خليطة على راعي غنمه، وخشي أن تظهر عنده فيمسك في غيرها، وذكر أن رفيقها قال لها لا تموتين إلا في جعراف فوصفه لها فحملها ولدها فكل موضع نزلته لم تجد ما وصف لها حتى أتت أجلوا فوجدت الوصف وفيه ماتت، وذكر أن عبد الله بن المنصور أخا سيد الناس زار الشيوخ ذات مرة في نفزاوة فشكى إليه الشيخ أبو عبد الله محمد بن تامر عبدا لبني خزر وهم يومئذ أمراء نفزاوة قد أذاهم وثقل عليهم يتسنم الحيطان ويتسور الجدران ويكسر الأبواب ويدخل بغير إذن فقال عبد الله كفيتموه فدعاه وقد حفر له مطمورة فقتله فمنَّ الله على الفاعل بالتوبة وقيل الفاعل أخوه حمزة، وذكر أن المعز بن باديس استعمل قائدا على قابس فوقع له محبة في غصب البساتين فكل ما وليه منها غصبه فأدرك بستانا لبعض الأشياخ من أهل الدعوة فرعاه فقال له لو كان لغيرك لعملت (2/165)
صفحة 456
عادتي ولكنك لست كغيرك فبعه لي بأقصى ثمن تشتهيه فامتنع ولاطفه الشيخ وأبى أخذ البستان ويعطيه ألف دينار فأبى الشيخ وألح عليه فقال لا يجوز لي أخذ مالك فغضب فقال البستان أخذته بغير شيء واذهب إلى المسجد الفلاني لبعض مساجد الوهبية بقابس وادع الله علىَّ فيه في هذه الليلة، وكانت ليلة الجمعة فقال الشيخ نعم ففعل العزابي ما قيل له فلما أصبح ذهب وركب زورقا متنزها في البحر فسمع هاتفا يقول الزهد في الدعاء:
أتزهد في الدعاء وتزدريه……تأمل فيك ما صنع الدعاء
سهام الليل قاتلة ولكن……لها أمد وللأمد انقضاء
…فقال لأصحابه ارجعوا بنا فرجعوا إلى سيف البجر(1) وساحله فإذا رسل من المعز بن باديس فأمرهم بقتله فقتلوه وحملوا رأسه ورموا بسده في البحر ورجع الشيخ إلى جنانه وكفى الله المؤمنين شره..
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن الخير سدرين هو من المشايخ المسلمين والأئمة المذكورين من بني ويسيان قال رحمه الله بينما أمشي في الساحل إذ رأيت الناس بين داخل وخارج في دار فدخلت فرأيت رجلا يعطي كل من دخل دينارا فأعطاني دينارا فخرجت فعاتبت نفسي فرجعت فقلت لست على مذهبك فتبسم وزادني دينارا..
__________
(1) صفحة 129 (2/166)
صفحة 457
…ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخير وابنه يحيى بن محمد وتقدم التعريف بابن ابنه، فلفول بن يحيى وهو من بني ينجاسن وأبوه الخير بن محمد وعماه أخوا الخير وبالجملة إنهم أهل بيت اشتهروا في العلم والصلاح والأمر والنهي، وذكر الشيخ أظن أبا الربيع أن عدو الله حماد بن بلغين لما نزل على كدية مغراوة بجنوده وكانت كثيرة وقف رجل صباحا ليراها وهي تمر عليه متصلة إلى صلاة الظهر من كثرة عددهم فحاصر أهلها وذكر له أن الخير وأخويه رجال صالحون حجاج فناداهم مناديه أن اخرجوا بالأمان ونادى الضعفاء ومن لا استطاعة له فلم يخرج أحد فقاتلهم محاصرا نحو شهر فما أتاهم مدد قهرا إلا برجا فيه عبد الله ومسعود ابنا المنصور الورزماري فقاتلا أياما العسكر بأجمعه فقتل مسعود وأضرمت النيران إلى البرج فرمى عبد الله بنفسه من البرج خارجا فمضى وامتنع ونجاه الله منهم وأخذ حماد ابنه وحمله طمعا أن يكون كأبيه شجاعة ونجدة وجرأة، قال أبو عبد الله محمد بن الخير وكنت يومئذ صغير أو كانت محضرة الصبيان خارج القصر نخرج إليها ونتعلم ونرجع ولا يتعرض لنا أحد بسوء وليس معنا من التمر إلا زنبيل فخاطه أبي ولم يترك فيه إلا مدخل يدي وكنت آخذ منه وحدي، وجاء أبو محمد زائرا لشيوخ تينوال ومكث ثلاثا لم يسلم عليه أبو محمد عبد الله لاشتغاله بضيعته ثم أتاه وسلم عليه قال الحمد لله الذي أشغلك عنا خدمة الحلال ثلاثا. (2/167)
صفحة 458
…ومنهم الشيوخ الأتقياء السادات الفضلاء البررة الأتقياء نِزوَرَاس بن يوسف وابنه أبو عبد الله وولده أبو يحيى زكريا رحمهم الله، قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناصر عرض محمد بن الشيخ نزوراس على أبي محمد ماكسن لوحه وأنا بينهم أنظر في كتاب فأصغيت إليهما فقرئا فتذكر إحداهما الأخرى فتبسما فقلت لم تبسمتما قالا فائدة وهو أن الرجل إذا أخذ شهادة مع آخر فنسى وذكره صاحبه فتذكر بعضهما أنه يمضي على قول صاحبه ويشهد بها، وروي عن الحسن أبي الحسن البصري نسى شهادة أخذها مع أخيه سعيد فذكره أخوه قال أخذناها في موضع كذا فاقتدى بأخيه فشهد فتذكر ذلك الحسن بعد ذلك.. (2/168)
صفحة 459
…ومنهم الشيخ التقي الورع ذو الكرامات المحققة والفضائل الساطعة، سالٌ خاف مقام ربه ورفع درجته، وذكر أنه رأى ليلة القدر من مسجد أجلو فضاءت الأرض فرأى دبيب اليرابيع في الرمل، وضربوا الوتد في ذلك الموضع في علامة وكانت العزابة يقرأون فحس بسكوتهم فقام فإذا هم رقود والنور ساطع من فم إسحاق بن إبراهيم إلى سقف المسجد فأخبره ودعوا الله ورغبوه وحمدوه، عن الشيخ عيسى بن حمدون قال قال الشيخ سال، رأيت لعدل ابن أبي يحيى في الجنة بستانا أطول ما بيننا وبين ورجلان، ومما روي عنه قال سمعت النخل يدعو على واغران بن سبع أيام نهب بني ويليل فأخذه الله، ومما روي عنه أنه قال شعير الحسن مقبول لأنه علفه عن طيبة نفس، وأما ذرته فلا، وذلك أنه علفها قبل إدراكها وهو صغيرة فلم تطب له نفس بها، وسمعت وأنا صغير في محضرة شيخنا أبي نوح صالح بن نوح سماعا فاشيا أظن أنه منه أو من غيره، أن بناته رجعن ذكورا وكثر ذلك في أسماعنا وأنه يرى ويعلم العلم اللدني وعنده علم المكاشفات، والذي ذكر الشيخ الحافظ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي في جواب الشيخ أبي عبد الله محمد بن الخطاب، ونقمتها عليه الشيعة والروافض بأن قال لو مسخ الله رجلا انثى أو رد أنثى رجلا لكان لأهل العصر في محادثاتهم أحكام وقد نزلت هذه المحادثات في زماننا، منها اليهراسني الذي جعلت صباياه ذكورا وقصته مشهورة، والمعروف بعيسى أن مسخ سبُعا من أهل الزاب وله قصة عجيبة، والرجل الممسوخ أنثى في بني مصعب ولم يبين قصة اليهراسني فإن كان سال يهراسني فلعله هو وإن كان غير يهراسني فلعله قصة أخرى ويهراسن من خيار أهل الدعوة.. (2/169)
صفحة 460
…ومنهم أبو الحسن على بن مجبر وسبب توبته إن طار عليه ودك من لحم جمل يشورنه فأحرقه فقال لأصحابه انظروا ما فعل بي هذا ولم أطق صبرا فكيف بنار الآخرة أشهدكم أني تائب إلى الله، فرد تباعته ومظالم العباد، وكان قتل رجلين فقاد نفسه إلى الأول وقال قيدني واغلل يدي بالعمامة و انجز الذبح ففعل الرجل ولم يقطع السكين شيئا قال أعييتني، ثم جر السكين فلم يصنع شيئا فصاح اذبح ذبحا جيدا ثم جر ثالثا فلم يقطع فقال قم ما أراد الله قتلك فأعتقه كذا ذكر أبو طاهر اسما عيل بن ييدير، ثم ذكر أنه مر إلى والي المقتول الآخر فأعتقه فأنفق ألف دينار واثنتي عشرة ألف ويبة تمرا، وكسر دجاجة رجل فسأل عنه فقيل مات بالموضع الفلاني وترك ولدا في أودَغسِت فسافر حتى بلغه فدفع جملا في تباعة الدجاجة فرد إليه جمله وأعطاه مائة دينار وثورا لضيافته وخادما تخدمه، وذكر أبو طاهر أن جاور بمكة زادها الله شرفا فاحتاج وتقوى به ضرر الجوع فطلب الميتة وابتدأ بالطواف فخرج في طلبها فجعل له رجل دينارا في يده فرده له ثم رده الرجل فرده أبو علي فخرج واضطجع فأتاه الرجل فقال له لم رددت الدينار قال أنت أحق بما لك فأعطاه له صدقة فصرفه فأخذ طعاما فأكل حتى شبع فتصدق بالباقي فبلغ إليه الجوع مرة أخرى فاضطر إلى الميتة فخرج يبتغيها فإذا الزقاق دنانير ودراهم فأخذ درهما واحدا وترك البقية، وذكر أبو طاهر أنه سافر من قصطالية مع رفقة قاصدا وارجلان فحمل رجل عنه كتبه إلى بعض الطريق ورماها له فأخذ سفرا منها يقرأ فيه فمر رجل بجمل أعرج تخلف عن الرفقة فحمل كتب الشيخ فزال ما به من العرج والعياء بقدرة الله فبلغوا الرفقة فنزلت الرفقة فمات جمل الرجل الأول قتله جمل آخر فأخذ الرجل صاحب الشيخ من لحمه بدينار بأمر الشيخ وهو النصف فأخذ منه ما ينوبه وترك الباقي فقسموه فطلب ديناره هناك فقال يعطيني الله فأعطيك فأبى إلا تلك الساعة فضرب الشيخ بيده في الرمل فأخذ دينارا فأعطاه له (2/170)
صفحة 461
فقال لابد أن أزنه قال الناس أترى الله يعطيه ناقصا فوزنه فزاد ورجح فقال صاحب الشيخ نأخذ رجحانه فأبى، الشيخ أبوطاهر، قعد في مسجد جنون بن يمريان فسأل سائل فقالوا له يفتح الله عليك فأعطاه كساه وبقي في جبة ثم أتى آخر فلم يعطه أحد شيئا فصار يجمع التراب على نفسه ليعطيه جبته قال أبو عيسى أخوه أدركوا المجنون قبل أن يبقى عريانا بينكم فمنعوه من نزع جبته فضرب بيده في التراب فملأها مالا فقال انزعوا لي هذا أيضا، وذكر عنه أيضا أن ينفق كلما وجد فقال أتترك أولادك فقراء فقال المتقي منهم لا يضيعه الله والعاصي لا أبالي ما وجد وهذا الجواب قال به جماعة من أصحابنا وهو قديم أظن لعمر بن عبد العزيز..
…ومنهم أبو موسى عيسى بن مجبر أخو أبي الحسن كان ممن ساد في العلوم واشتهر في الصلاح وهو ويسياني وذكر أنه يفتي أن من لم يفرز مذهبه كما يفرز بيته من البيوت في ليلة ذات ظلمة وريح لم يعرف دينه فرد قول جنون بن يمريان أن عندنا من لم يعرف ذلك ولو قال للماء اجمد لجمد ويعني بذلك الشيخ المستجاب وذلك أن أبا عيسى لما أفتى بذلك قال له أبو صالح لم تقول ذلك وهنا في وارجلان من لا يقوم بذلك ولو دعا الله على ماء وارجلان أن يجمد لجمد وإذا قرأ قال كل هو الله أحد، هذا الشيخ من أهل تاغيارت وذلك أن هذا الشيخ وقف لنوبته من الماء فلما لم يحضر من يصرف ماء غيره فقال للماء حجرت عليك أرضي فرجع الماء وتراكم حتى أصلح مجاريه لصاحبه وقيل جمد وهو الذي يعني أبو صالح جنون.. (2/171)
صفحة 462
…ومنهم أبو محمد وسلي الأعرج الويسياني كان نكاريا فأبصر الإسلام ورجع إلى مذهب أهل الدعوة وكان فاضلا تقيا من خيار المسلمين ثم دخله الشك فيرى أن النجس وصله ولم يصله ويغتسل ويرى أنه لم يتطهر، وكان أبو صالح بن القاسم أراد أن ينزع منه ذلك فيقول له إذا حضر الطعام فكل فيقول شككت في يدي فيقول سم وكل، فيقول لم أغسل يدي، فيقول امسحها وكل، فيقول نجست بالبول فيقول له قلت لك امسحها وكل..
…ومنهم أبو سعيد يخلفتن النفوسي واسم أبيه أيوب وهو نفاثي المذهب أي من التابعين نفاث بن نصر وأمه وهبية وإذا سألته أمه، أي العزابة أفضل؟ وهو صغير فيقول عزابك لأنهم إذا ضافوها حفلوا بالولد وضاحكوه و أعطوه قطعة لحم وإذا ضافوا النفاثية أباه لم يلتفتوا إليه، فلما كبر قام عند أبي الربيع بَتُنِين(بضم التاء وكسر النون) ثلاثة أعوام، ثم انتقل إلى تماوطت فأقام بها حتى صار آية في العلوم وكان أحد الذين ألفوا الديوان، قال أبو عمر وهو كبير فقيه رواية لم تقدم، ولما بلغ العزابة موته تذاكروا ما حفظوا عنه فإذا هي سبعون رواية عن أبي عمر وعن أبي زكريا يحيى بن زكريا بن فصيل الزواغي قال كنا نأكل في الساحل في شيطانة اسفنجا فرفع الشيخ يخلفتن يده ونظر إلينا أن نرفع أيدينا فتماديت أنا و إسحاق بن أبي العباس فمد يده إلى المنديل فرفعه من بين أيدينا وقال كم يشتهيه، ومرض مرة إسحاق وقعد خلفنا ونحن نأكل فأعطاه بعضنا لقمة كبيرة فقال الشيخ جعلوه جملا لأنه لا يمد لمن خلف إلا ما يضع في فمه مرة، وروي أن شيخه أبا محمد يزور الطلبة ليحرضهم على الدرس والعزم وذكر أبو عمران عن أبي سعيد يخلفتن قال طلعت ذات سنة حلقة زوار لأهل الدعوة ومفتقدون أحوالهم من أهل إفريقية وتلك النواحي وكانوا في نحو المائتين تلميذ، وكان عامُ قحط وجدب وسمع بهم من في البادية فقال فتى مزاتي لحيه وهو فيهم مطاع، أردت أن تقضوا حاجتي والكفلة عليَّ أن تمنوا عليَّ بأن تضيفوهم ففعلوا (2/172)
صفحة 463
وأنزلوهم منزلة حسنة، وأجرى عليهم الفتى في كل ليلة عشرين قصعة وفي كل يوم كذلك على كل قصعة شاة موفورة فلبثوا عندهم ما شاء الله وهو ملتزم بهم، فلما علموا أنه أجرى عليهم ذلك وحده قالوا نريد أن ندع اللحم فأبى، وقال دعوني إنما أسعى لكي أجده غدا فتآمروا على الصوم قال لا تفعلوا ولا تأووا إليَّ فإني غني مليِّ لا تتحيروا ما تأكلون من عوز ولا ذبحت مذ نزلتم إلا توأم غنمي فلبثوا شهرين عنده على خير ونعمة، وذكر أبو عمران عن أبي سعيد قال طلعت حلقة لأهل البادية بإفريقية وكان فيهم رجل من أشرافهم وكبرائهم قلَّ ماله وكثرت بناتُه حتى صار مثلةً يضرب به المثلُ فمن أراد أن يدعو عبده أو غيره قال ابتلاك الله بما ابتلى به فلانا قلة بثاث وكثرة بنات فقال له شيخ اطلب في الحي ما تضيف به العزيمة لعل يدعون ربهم فيزيل بدعائهم شعثك ويثبت قدمك ويلم شعثك فإن دعاءهم يرد اليابس رطبا والرطب يابسا بإذن الحي القيوم، فقبل ما أشار به وامتثل قال له فدعوا له بالبركة فلما أصبح من ليلته قال له رجل خذ هذه الغنم فما ربحت على قيمة كذا فهو لك فمضى بها فربح سبعين دينارا فقال له الذي أشار عليه أولا، خذها رحالا فأخذها أربعا بدينار فمنَّ الله عليه أن ولد أولادا ذكورا عشرة فطلبوا إليه بناته واشترط على كل من تزوج منهن أن ينزل معه فصار يضرب به المثل في الشرف والثورة وإذا دعا أحد أولاد لتحفة أو طرفة تسارعوا إليه من كل موضع ووجهة حتى نساه كلاب بيته.. (2/173)
صفحة 464
…ومنهم فلحون بن إسحاق النفوسي من بني وسين جاء سائل قال كيف الرد على من وصف الله بالتجسيم قال الجسم إما خفيف سيار وإما كثيف ستار فكلاهما محال على الله، وفي شرح الجهالات وقد زعم قوم من أهل الكلام أن التكلم لا يجوز على الله، قال أبو عمار فجوازه أحب إليَّ ثم قال أجاز في التوحيد الكبير مكلم وأبى من متكلم ومعناه فاعل للكلام ومعنى مكلم ليس بأخرس ثم قال ويجوز على الله في الأزل متكلم ومكلم على المعنيين ولا يجوز كلم ولا يتكلم وفي نفسي من التفرقة بين يتكلم ومتكلم شيء والله أعلم،وبلغنا أن أبا نوح سعيد بن زنغيل سأل عن المتكلم قال على معنى أن سيتكلم ومتكلم فأنكر عليه فلحون بأشد الإنكار ومعنى قول الشيخ أن متكلم على أن يتكلم ومتكلم على نفي الخرس أيضا عنه فكلا المعنيين جائز وليس في ذكر أحدهما ما يبطل الآخر وربما عجل فلحون فيما فعل والله أعلم انتهى ملخصا وفلحون شيخ مشهور من نظراء أبي نوح ومن مشاكله..
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن بشير وكان في السيادة بمرتبة بل هو من نظراء أبي العباس وسليمان بن يخلف وداود بن أبي يوسف..
…ومنهم جنون بن علي قال في المعلقات عن الشيخ جنون بن علي قال في الرجل يدخل على الإمام وقد فاته ببعض الصلاة ويسلم ويقوم الرجل بالتكبير ليستدرك ما فات ألا إعادة عليه وحكم على الشيخ إبراهيم بن الشيخ يحيى بن أبي بكر بصداق امرأته حنثته وقد حلف بطلاقها..
…ومنهم عبد الرحيم بن عمرو النفوسي كان شيخا عالما أخذ عن أبي الربيع سليمان بن موسى كذا أظن والله أعلم، وكان معه يوما فيما ذكر في المعلقات، فأتاه هجين فقال عبيدك جاعت فعبأ له ظهره تمرا وشعيرا، فقال له شكرت فعلك يا شيخ قال أخشى ألا ينفع الجمل المغشوش ما يأكل، ومما روي عنه المؤمن يزرع ويخشى الفساد والفاسق يقلع ويرجو الحصاد.. (2/174)
صفحة 465
…ومنهم أبو طاهر إسماعيل بن أحمد يُروى عنه من انتفع بثمن ميتة فهو هالك، ومبيت اللحم عيب، وتحرم الزوجة إذا جاءها بشهوة غيرها..
…ومنهم أبو عبد الله محمد النفوسي ابن باباش أخذ عن أبي العباس روي عنه أن المعاملات ترجع تعديات والتعديات ترجع معاملات مثل من غصب شيئا وتاب واعتقد أن يرد ولم يجد حتى نسي، ومن اشترى شيئا معتقدا أن يخون في الثمن ثم نسي، وقال تفكرت في قوله عليه السلام إذ سألوه عن الساعة متى تقوم فأشار بأصابعه الخمس وللناس في الحديث تأويلات وفهمت منه أن الساعة من الخمس التي استأثر الله بعلمها:((إن الله عنده علم الساعة...))الآية وكان شيخا مذكورا في الخير والعلم..
…ومنهم أبو طاهر إسماعيل بن علي النفزاوي كان عالما ورعا محتاطا، روى الشيخ إلياس أنه بات معه عند الشيخ أبي العباس بن محمد بن علي في تماطلت فلما قدم لنا العشاء وغسلنا فإذا على الطعام لحم الجمل فرفع الشيخ إسماعيل يده، قال أبو العباس كل قال خذ مسألة أفتاها أبو العباس بن أبي عبد الله وهي أن ما بأيدي العرب ريبة وتصدقت عليك ياإلياس بهذا الطعام قال قبلت قال كل قال لا قال فإبل العرب، مال قدموا به، والأصل الحلال، فكل فقالت زوجته بل هي إبلنا أخذوها منا غصبا فأمر أن يُنحى الطعام فأوتي بصحفة أخرى عليها لحم ضأن فأكل منها، وهذا الشيخ من تينبامر تناوتي صالحا متقيا حزيما سافر إلى غانا، ولم يصل بغير وضوء وجاور بمكة حتى حج بالأيام السبعة وكتب منها ديوانا كبيرا، وعنه، البركة في صفة الله العظمة، وفي صفة الخلق الكثرة، وله أخبار ومقصدنا مطلق التعريف.. (2/175)
صفحة 466
…ومنهم أبو صالح يعلو بن صالح الصدويني كان عالما كبيرا وشيخا جليلا أخذ العلم وأُخذ عنه، ومسكنه أجلو، وهو مأوى الأخيار ومقصد الأبرار والمشكا من ظلم الأشرار، وذكر أن العزابة غضبت لله وارتفعوا إليه فسلم عليهم وحمد فعلهم، وقال الغضب لله طريق اندرس وعفا وقلَّ سالكه، وشكر لهم صنيعهم، وسأل عن المولى هل يرث أو يورث، قال قال أبو نوح صالح الدهان إذا كان يعقل عني وأعقل عنه إرثه ويرثني قلت وحكى جابر بن زيد مثله عن ابن عباس وهو القياس، ومشهور المذهب والذي جرت به الفتيا ماله لمن سبق جنسه، وخادع رجل امرأة بين يديه بأن قال حلفت بطلاقها مرارا وأردت المخرج فقال تبارئك فافعل ثم جدد النكاح فلما بارأته هرب وتركها فقال لا وفقه الله، فلم يوفق، قال أبو نوح إن الشيوخ عام الزيارة عام ثمانية وأربعمائة، الصواب وخمسمائة ولعل أربعمائة تصحيف من الناسخ أو غلط، مروا على الشيخ يعلو وهو شيخ كبير فعاتبوه عن أشياء ذكرت عنه فجعل يتوب ويقول لا أعود ولم أفعل ما بلغكم وإنما بي ضعف ومرض ولا شيء مما تكرهون فقبلوا منه، وقال أبو يعقوب هو رسول الشيوخ إلى أهل الدعوة قد رأيت الشيخ يعلو أعمى في غاره لا يقدر على شيء من الضعف، وتوفي رحمه الله عام ثلاثة عشر وخمسمائة على خمس وتسعين سنة، وفيها نقموا على تبغورين بن عيسى فبلغهم بتينوال فتاب فقبلوا منه وأوقفوا إسماعيل بن أبي العباس فتاب وقبلوا ولم يبق شيخ بأريغ إلا عاتبوه وأخرجوا شيوخ تينوال إلى الخطة..
…ومنهم سجميمان بن سعيد الصاريني شيخ تقي عالم ذو حلقة أخذ العلم وعلمه ولم يكتمه.. وذكر من حسن تدبيره أنه لم يفرغ له ادام في حلقته قط من كثرة رفقه وحسن سياسته أخذ العلم من أبي صالح يعلو، وكان غير ملتفت إلى الدنيا قال بعث لي أهلي وأنا عند شيخي يعلو بأجلو خمسة دنانير وكنت مجتهدا قبل وصولها ثم حيرتني فشغلتني عن عزمي فبادرت دفنها ثم رجعت فحفرتها فلم أجدها فتفرغت للقراءة فحمدت الله.. (2/176)
صفحة 467
…ومنهم سجميمان بن عبد الله اليارونتي كان شيخا تقيا عالما عاملا وكفاك في رفع درجته وعلو رتبته أن ذكر من الأبدال، وقيل النعيم بن الوالي، وقال من شك أن لا يؤجر على المسلم على النوافل أو يأخذه على الصغائر أوشك أن الله يؤجر المنافق على ما فعل من الطاعة أو لا يؤاخذه على الصغائر فهو مشرك، وهذا تشديد، وقال أبو موسى عيسى بن يوسف كفر في الجميع، وشدد عيسى بن أحمد ويحيى بن أبي بكر في الصغائر التي مع المسلم والطاعة التي مع المنافق ووفقا في غيرهما، أبو عمرو، الأوضح قول عيسى بن يوسف، وسبب الخلاف هل رد النص أم لا قال تعالى:((وما التناهم من عملهم من شيء))(1)وفي الكفار لا يغدر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها..
…ومنهم نصر بن سجميمان كان إماما علما وتقى، مذكورا في ديوان الأئمة العاملين هو في النسب نفوسي من، أصلا بونن، التقى بأئمة عمان بمكة، فسألهم عن السخط والرضا هو و صاحب له نفوسي، فقالوا فعلان فسألهم عن القرآن قالوا غير مخلوق، وعمنا يوسف لا يقطع العذر إلا من قطع العذر، والمسألة في أجوبته في خلق القرآن، وهذا يدل أن الوهبية مغربا ومشرقا مجمعون أن السخط والرضا فعلان إلا من خالف إجماعهم، كما أجمعوا على خلق دون أهل العراق ومصر، ودون أهل مكة والمغرب وسائر الاباضية، وبعض أهل المغرب خالف في السخط والرضا، وفي كتاب السؤالات وإن أخذ فاعل هذا مشرك فنسى وأمسك أنه كافر فلا يعذر، وفيها رخصة وهي مسألة الشيخ نصر بن سجميمان النفوسي رحمه الله..
__________
(1) سورة الطور 21 (2/177)
صفحة 468
…ومنهم عبد الله بن سجميمان النصيري أحد العلماء المتكلمين، أخذ العلم عن أبي عمر عثمان بن خليفة، وهو أحد الشيوخ الذين عرض عليهم كتاب السؤالات، وفي كتاب السؤالات إذا شهد شاهدان فتغيرا أو تغير أحدهما فإني أحكم بشهادتهما، وأما إذا رجعا أو رجع أحدهما فلا أحكم بشيء إلا فيما لا يقول الحاكم حكمت بكذا كالطلاق والعتاق والنكاح والخلافة والوكالة والموت والنسب، قال أبو محمد عبد الله بن سجميمان النصيري قال بعض العلماء إذا تغير بكبيرة النفاق فلا أحكم بشيء، وقال من بات في منزله فيه فتنة هلك، ومن صوب مقالة مخالف أو قال هو خير منا كفر..
…ومنهم أخوه عبيد بن سجميمان كان شيخ مذكورا..
…ومنهم أبو موسى عيسى بن سجميمان النفوسي النسب الوارجلاني المسكن، سأل عن كفارة من وطئ في الحيض قال يتصدق بخمسة دنانير، وقيل بأربعة، وقيل بثلاثة، وقيل بدينارين، وقيل بدينار، وقيل بنصف، وقيل بربع وقيل بشيء ما، قال القاضي أبو الحسن العماني لا بأس عليه في الأولى والثانية وحرمت عليه أبدا في الرابعة، وفي تخصيص حكم الرابعة نظر إن كان من قياس، وممن أخذ عنه أبو عمرو، وروي عنه أنه روى عن ابن زرقون من صلى الوتر قبل مغيب الشفق كمن لم يصله، وسأله أبو عمرو ما حكمه قال فرض ولا يكفر تاركه كرد السلام ولابد عنده من حفرتين لحاجة الإنسان..
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن زرار النفوسي من مشاهير أهل زمانه وممن يقتد بأفعاله، زار وارجلان فتعجب من ظهور صلاحهم وتعميرهم مساجدهم وشدة تحفظهم على العبادات وكثرة القراءة فقال كيف نجت من الشيطان فأقام بها وخالط أهلها وعلم أمورهم وقال هنا استوطن الشيطان وأطلق في الأرض عماله.. (2/178)
صفحة 469
…ومنهم الشيخ أبو عمران موسى بن محمد زوار إلى الأخيار مشهور عندهم في الأبرار ذكروا أنه زار أبا عمار عبد الكافي هو والشيخ عبد الله بن سجميمان فوقع سؤال عن معنى قوله عليه السلام:<<لا يزال الدنيا والدين قائمين ما لم، ما لم، ما لم>> فأجاب أبو عمار: ما لم يعظم إبرازهم فجارهم وما لم يرخص خيارهم لأشرارهم وما لم يمل قراءهم إلى أمرائهم فإذا فعلواذلك فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأوصاهما بوصايا وأفادتهما حكما وعلما اطلبها في المطولات.. (2/179)
صفحة 470
…ومنهم أبو الربيع سليمان بن شاكر الفطناسي، وعندي الشك في اسم أبيه، كان شيخا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مسكنه تجديت، قال أبو سهل و أبو نوح إن موضعا مشاعا بتجديت فغاب الشيخ سليمان فاتفقوا وعمروه بالغرس وغيره فلما قدم عاب فعلهم وأنكره، ووقف بباب المسجد وقال ما هذا الحدث فأجابه الشيخ أيوب بن أبي عمران بأن ذلك جائز وكان الشيخ أبو يعقوب يوسف بن الشيخ يعقوب حاضرا، فقال له ما حفظت من شيخك وارسفلاس بن مهدي النفوسي قال إن اتفق أهل الشارع على غرسه جاز وتجري عليه أحكام الملك كلها، وإن عاد خرابا رجع إلى الشارع، وتجديت موضع معلوم بقبلة أريغ وليست ببعيدة منه، واجتمع فيه أهل الدعوة والعلماء والطلبة وأهل الصلاح ما لم يوجد في غيره، وعد فيها مائة عالم لا يرد أحدهم مسألة إلى الآخر من جهة الأدب والكبر، وفيها قبر أبي نوح، ومائتان يحفظون مائتي كتاب، وثمانون طالبا تؤاما وسائر الطلبة كثيرة، ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس، وإذا كبر تكبيرة الإحرام نفرت المواشي، وهي قريبة من أجلو في الذي اعتقد وهذا زمان واحد، ودخل عامل لصنهاجة ورأي كثرة العزابة وكثرة الحلق وضيق الموضع فاعتقد أنهم يدنسون وجه الأرض بالخلا والسماد فدار فيها وحواليها فلم يظفر بشيء تكرهه عينه وتعابه نفسه فقال وقد مد يده بسيفه ما يخاف الناس إلا من هذا أو من الله، فهذا، يعني السيف ليس هذا موضعه، وما منعهم من ذلك إلا خوف الله، وكانوا يحفرون ويدفنون حاجتهم، ومن أدبهم التعبد والحفر والدفن، وروي عن الشيخ عيسى بن سجميمات أنه يحفر موضعين ولا يخلطهما فإن ذلك يمنع إجابة الدعاء، وروى أبو عمر عن أبي العباس لا يدخل جنات الناس التي عليها الجدرات أو الحظائر إلا أن تخطأ ولم تصل الجدرات مقعدته، أبو عمر عن زكريا بن زكريا الزواغي أن يحفر حفرتين عميقتين ويدفن ما فعل فيهما ولا يشمه من قعد إليه ورائحته تضر. البواسير لمن أطال القعود، وعنه عليه السلام:<<ارتدوا (2/180)
صفحة 471
لبولكم واستجمروا واستتروا واستبرءوا>> فكل ذلك محفوظ عنه عليه السلام.
…ومنهم الشيخ أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن تيمال التتجري، أخذ العلم عن ورسفلاس بن مهدي ففاق أهل زمانه وعُدَّ في خيارهم، وذكروا عنه أن البغاة إذا قدر عليهم أن تؤخذ عدتهم فيحفر لها وتدفن، وأفتى في وديعة الميت إذا غاب بعض الورثة ولم يعلم موضعه أن يبرأ من هي عنده إذا أعطاها لمن حضره تقدمت مسألة المشاع وما نقل فيها عن شيخه أبن مهدي النفوسي وكانت إقامته عنده اثنى عشر عاما ولأبي يعقوب أخبار وأفعال وأقوال حسنة.. (2/181)
صفحة 472
…ومنهم ابنه أبو العباس كان شيخا مفتيا عالما شهيرا مذكورا، سأله أهل تفركاتين أن لصاحب الأرض نقصان أرضه إذا حدثت بالتعدية والزرع لصاحب البذر ولصاحب الدكار قيمته والفحل الحرام لا يحرم النسل فعارضه أبو العباس ابن محمد و أنكر ذلك روي أبو سهل عن الشيخ أبي رحمة عن الشيخ أحمد بن يوسف أنه يفتي لأهل البدو أن البذر الحرام لا يجر الحرام والفحل الحرام يجوز انزاؤه والبقر الحرام يجوز الحراث بها، وروى عنه أبو نوح أن المسكك من الدنانير والدراهم لا ريبة فيها ولو كانت من الجائرين، وأفتى في قاتل الكلب المعلم أن عليه أربعين درهما وما ربى للضرع أو الزرع فعليه كبش، ولا شيء في قاتل غيرهما من الكلاب، وأفتى فيمن أفسد شيئا من حيطان المسجد أو حبسهما لا يجزيه إصلاحه بل عليه القيمة ونزع التباعة بعد الفعل، روى الشيخ عبد السلام عن الشيخ أحمد بن يوسف عن صالح بن عبود عن عبد الله بن لنت أن ليس علينا من الرامي بالشرك أو الزنا شيء إذا لم يكن المرمي متولى، وروى الشيخ عبد السلام عن أحمد بن يوسف عن عبود عن صالح بن عبد الله بن لنت عن الشيخ عبد الرحيم بن أبي منصور قال رأيت أبي خرج من قبره قائلة، فأتبعته نظري حتى بلغ قبر أبي يعقوب يوسف بن خليل فغاب عني، وقال أحمد بن يوسف من قال بعد صلاة الصبح أربع مرات اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك و حملة عرشك وانبياءك ورسلك وجميع خلقك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وما جاء به حق من عندك عتق من النار.. (2/182)
صفحة 473
…ومنهم أبو عمران موسى بن زكريا تقدم التعريف بأبي عمران موسى بن زكريا المعاصر لأبي نوح وهو المشهور، ويحتمل أن يكونه وهو الأظهر، وأن يكون غيره وهل هو ابن أخي أبي يعقوب المذكور أولا، وذكر أنه من أحدث بيع الرجوع، وفي المعلقات اشترى جنانا بأربعين فلما حضره الموت قال لأولاده إن أعطاكم في الجنان ستين فردوه و إلا فلا، وسأله أبو سليمان بن زمرين عن تمر بال عليه الجديان، قال تنقيه الشمس والريح قال رزقك الله الجنة ياشيخ، وذكر أبو نوح أن أبا عمران إذا قام من المجلس ورجع من حاجة الإنسان فيتوب إليه الشيخ سليمان بن عبد الله بن بكر إذا أخرجه الأشياخ لأنه أفتى مسألة الثنيا بتجديت، فيقول أبو عمران أي شيء أفعل وما قبلوا إلا بعد اثني عشر عاما وانتشر ما فعلوه به لفتياه ثم قبلوا منه..
…منهم ابنه يعقوب أبو يوسف كان شيخا عالما مفتيا، وروي عنه أنه قال إذا قال من أبصر الهلال أول ليلة أستغفر الله من الذنوب إن شاء من الإيمان لوجه الله عملي إلى آخر الشهر نفعه ذلك، وسأل عمن رمى صيدا فتوارى عنه فوجده ميتا فقال يؤكل والمشهور خلافه،وعنه إذا لم أزدد علما في يوم فلا أود نفسي أن آكل من ذلك اليوم وكان موثرا صغيرا وكبيرا متقيا شهيرا في الخير شهد فيه أبو العباس قال ما رأيت من يضع الأدب موضعه غير يوسف، وشهد أيضا يحيى بن بشير قال لو كان الناس صافا وجررت يدك عليهم ما أخذت غيره وشهد فيه أيضا سليمان بن يخلف قال ما رأيت من يشبه الأولين إلا يوسف، وشهد داود بن أبي يوسف قال وقد رأى فرجة في المجلس فأراد أن يسدها، ادن يا حبة زاكية، هذا إذا كان فتى.. (2/183)
صفحة 474
…ومنهم أخوه أيوب بن أبي عمران سأله رجل غرف زيتا من خابية ثم بعد ذلك وجد فأرا ميتا، ما اغترف منها ينتفع به لأنه يحتمل أنه سقط بعدما غرف، وعنه أنه يجوز إذا زاد على المكيل، البيعتان بكيل واحد، والمشهور عدم الجواز البيعتين بكيل واحد سواء زاد في المكيل أو لم يزد، ومن تورعه أن زناتة أخذوا غنمه فأتاهم فردوا له وقد ولدت عندهم فرد أولادها كراهة الفحل واستربته، وفرق الغنم على الضعفاء حتى انقضى اللبن وانقطع لأن اللبن للفحل..
…ومنهم خليفة بن أيوب بن أبي عمران، ابنه كان عالما ورعا عاملا، وعنه من كشف ما بين السرة والركبة هالك، وعنه من عصر عنبا ونواه خمرا فشربه فهو هالك، ولو شربه من حينه، وقال أيضا يحد وهو خلاف المشهور لأن الحد على السكر..
…ومنهم عبد الرحيم أخو أبي عمران المذكور شيخ مذكور وفي نسبهم مشهور..
…ومنهم يصلن بن عبد الرحيم، هؤلاء من بني زمان وهم من ذرية ييران عامل الإمام عبد الوهاب دار علم وتقى وشهرة في الخير والإسلام لم ينقطع ذلك منهم وتقدم التعريف بييران ويكتب بياءين الأولى مكسورة وبعضهم يكتبه بهمزة مكسورة وهي القياس والصواب إن شاء الله، وهل منهم أبو يعقوب وابنه أحمد أولا؟ فيه شك، ومعنى إيران جمع آر وهو الأسد بالبربرية.. (2/184)
صفحة 475
…ومنهم الشيخ أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكريا شيخ فاضل شهير مذكور في الصالحين أفنى عمره ي طاعة ربه وذكر أن الشيوخ سمعوا أنه أكل طعام النكار فأرسلوا إليه بالهجران فلما آتاه الخبر وكان شيخا كبيرا قال لابنه أيوب ارحل لي على الناقة، ومسكنه بوارجلان ولكنه خرج إلى الربيع فركب وقاد به ابنه أيوب حتى أناخ على مسجد تاماست ولم يكلم ابنه إلا أن قال له الطريق يمنة أو يسرة خشية كسر هجرانهم، ووقف على باب المسجد يتوب ويتضرع ويسألهم القبول عنه ولا يزيد على التوبة وهم يعاتبونه ويلومونه ويقول تبت ولا أعود آجركم الله فقبلوا عنه ورضوا عنه ثم قال لهم بعد أن قبلوا يا مشيختي لم أفعل شيئا مما بلغكم ودعا على من نسب إليه ذلك أن لا يميته الله إلا بالحاجة فنفدت فيه وفي ذريته دعوة الشيخ أسأل الله العصمة وكفاك فضلا وتقى في شيخ لم يجدوا له عيبا يعاب به إلا أن يسبوا إليه أنه أكل طعام مخالف وهو أعظم مباح وله فضائل اطلبها في الكتب المبسوطات، وأوصاه الشيخ محمد بن بكر إذ فارقه أن اتبع الأخيار وإن عدمت فشارك إن وجدت أعوانا و إلا فتقدم إن وجدت من يتبعك وإن عدمت الجميع فاستقم وحدك والزم الطريقة..
…ومنهم أبوه أبو زكريا وهو من المشايخ المذكورين ومن الأئمة المعدودين..
…ومنهم ابنه إبراهيم بن إسماعيل وهو أيضا من الأشياخ المشهورين، وروى الشيخ إبراهيم عن الشيخ جنون بن يمريان أنه قال في رجل تحرك وقت الدعاء في المجلس عنده من منعنا حلب ناقتنا بعد أن درت..
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ابنه وهو أيضا من المذكورين..
…ومنهم أبو عمران موسى بن إسماعيل وهو أيضا من المذكورين..
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل وهو أيضا من المذكورين في التعريفات بالأشياخ..
…ومنهم أيوب وتقدم التعريف به بأشبع كلام، وإنما ذكرناه هنا لابنه على أنه من بني إسماعيل بن زكريا.. (2/185)
صفحة 476
…ومنهم أبو حمزة إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل كان شيخا فاضلا وعالما عاملا، روى أبو زكريا عن خاله أبي حمزة إسحاق بن إبراهيم أن الشيوخ ينهون عن معاملة ثلاث قبائل من البربر بني غمرة وبني ورسفان وبي ينجاس لأنهم كالأعراب في الغضب والغارة، قال وإذا غسلت لتأكل فتبين لك أنه طعام بعضهم فارفع يدك ولا تأكل، وعن أبي زكريا عن خاله أبي حمزة قال تكلم الشيخ يكنون آمرا للجماعة قد استقبلوا الشتاء أن يكروا جمالا للعرب يحملون حطبا للمسجد فسكت الأشياخ ولم يعب عليه أحد فتكلم الشيخ أبو حمزة قال معاذ الله أن نحمل الحطب على جمال العرب ونقده في المسجد ونسخن الماء للوضوء ويصعد معنا دخانه ونقد المصابيح وننظر إليه ريبة، ولما بلغ قوله أبا صالح يعلو صوب، إنكاره وقال ما بأيدي العرب ريبة عند جميع أهل الدعوة، وروى أبو حمزة عن رجل من بني واشية وقد سأله عن جعراف أنتم في وسطه تصل المياه من واديكم إليه ومن قصده من هنا يضل عنه، وجعراف موضع بالرمل وقيل إن المسلمين أعنى أهل الدعوة في آخر الزمان يجتمعون فيه وتقدم التنبيه عليه..
…ومنهم عمار الزواغي كان شيخا فاضلا، روى ماكسن بن الخير عن عمار الزواغي قال أقبلت مع قافلة من طرابلس فسبقت إلى الماء فرأيت بالبئر فملأته فشربت فلما دخلت جربة قصدت الشيخ أبا موسى عيسى بن السمح فسألته فقال ما فعلت هو المعمول به، وقال عمار لحافظ القرآن أردت أن أعرض عليك قراءتي فتسمع له، فقال ما رأيت قراءتي قال قراءتك لقوتي يعني أنه لم يحسن، قال آمين فابتلاه الله بالقوة ورجع فمه إلى أذنه فبلغ به الأمر حتى ربط دينارين لمن يقتله نعوذ بالله والرواية فيه كل قراءة قرأتها يا عمار تنقمني، وله أخبار وفضائل.. (2/186)
صفحة 477
… ومنهم ابنه الشيخ سعيد بن عمار وزمانهما مع أبي القاسم بن أبي زكريا والشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر، وذكر عنه أنه أجاز لمن كان في الماء أن يتوضأ فيه إلا غسل وجهه ففي غسله في الماء قولان، وعنه قال لمتولي يا إنسان سوء يبرأ منه، ورخص لم يرد قطعة لحم في المنديل من غير إذن صاحبه..
…ومنهم ميمون بن تجار كان عالما مفتيا عاملا، وروي عنه أنه من حضر عرسا فإنه يغتسل ومن أعطى ثيابه لرجل حضر بها العرس أو لامرأة فلا يصلي بها حتى يغتسل، وروي عنه من تعرى لنار موقدة هلك وإن كان تعرى لجمر عصى، ومن تعرى للمسجد عصى، ومن تعرى للكعبة هلك، ومن جاز على الموضع الذي تغتسل فيه النساء أعاد الوضوء..
…ومنهم أبو سفيان محبوب بن أبي عبد الله السدراتي لم أحفظ له كنية وأنا كنيته بأبي سفيان كان شيخا مذكورا أخذ العلم وأخذ عنه وروى عنه، وذكر أنه سأل الشيخ أبا عمران موسى بن أبي زكريا حين قدموا في شأن بنيان المسجد إذا بنوه واجتمع الناس إليه فهل لمن داره خلف المسجد الأول يتعداه إلى الجماعة قال له عليك بالمسلمين عليك بالمسلمين فإنهم أفضل، وذكروا عن الشيخ محبوب أنه قال المداهن آمر وشريك ومسهل للخطيئة، وعنه البدعة شر من الزنا والسرقة وشرب الخمر لأن مثل هذه يتوب ويستغفر الله منها والبدعة قلما يتوب صاحبها منها..
…ومنهم عبد الله المدوني شيخ منقاد إليه وأسوة لمن سلك السبيل أن يسلك عليه، وذكر أنه سئل عمن وجبت عليه رقبة فاشتراها فإذا هي من أرحامه قال تجزيه قال أبو محمد ويسلان هذه فتيا الرعاء قال أبو محمد عبد الله المدوني ما وجدها أولاد الشيوخ فكيف بالرعاء تعريضا بأبي محمد ويسلان وهذا الشيخ في عصر أبي زكريا بن أبي مسور.. (2/187)
صفحة 478
…ومنهم أبو حفص عمروس الزواغي وهو ابن عبد الله كان شيخا مذكورا في أهل الخير والصلاح، وفي المعلقات دخل جربة زائرا أبا محمد كموس فقال له أجرك الله أجرك الله يا عمروس لقد أزلت عني ما أجد من الوحشة فقال له وهل يزيل أهل هذه الزمان الوحشة قال لا تقل ذلك من صلى الصلوات الخمس في أوقاتها وكف عن الذنوب فقد ملأ ما بين السماء والأرض عبادة، قال أبو الربيع زار عمروس أبا عبد الله بن مانوج فقال له ما حالك يا عمروس قال بخير قال اتق الله فإنها لك جنة وأحسن العشرة للناس قال ومن الناس قال فهمتها يا عمروس المسلمون هم الناس وهذا الشيخ في عصر أبي زكريا أيضا..
…ومنهم أبو العز بن حدولة عالم كبير وشيخ جليل بحر ملتطم الأمواج لكنه عذب فرات في عصر أبي نوح إلا أنه أسنَّ، وسأله أبو نوح مرة هل يقال الله بالبربرية يَزَ يَدَر قال يقال سميع بصير حيَّ فجبذه أبو نوح فقال ذلك جائز فغضب أبو العز فافترقا فأدرك أبو يعقوب بن نفاث أبا العز فقال اصبر فإن أبا نوح كالإمام فسلاه فأخرج الشيوخ أبا نوح إلى الخطة لتعجيله بالجبذ فتاب فردوه وفي المسألة خلاف..
…ومنهم أبو محمد يتر، شيخ واغلان كان صالحا متقيا ورعا حزيما مجتهدا من حزمة حفر سبعة مساجد وأنفذ وصيته سبع مرار وحج سبع حجات، وذكر أنه في أيام شبابه زار الشيخ جنون بن يمريان فقال له إنكم في يطوفة فارهون في تنقية النخل وصرمها فاصرم لي منها بعضا، فطلع ونزع السل وأراد قطع العتاكيل قال هل تحسن غير هذا قال لا قال انزل فنزل فطلع جنون فنقاها من اللف والكرانيف والجريد اليابس وكنسها من جميع ما سقط فيها من اللولو ثم قطع العتاكيل.. (2/188)
صفحة 479
…ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الويسيليني شيخ تقي وإمام زكي مؤثر للفقراء وذوي الحاجة على نفسه وعياله طمعا لمرضات ربه مع ما بهم من الخصاصة، وذكروا أن شدة وقعت في زمانه وكان معاصرا لأبي الربيع سليمان بن يخلف وكان يؤثر العزابة وابن السبيل والأضياف والعواد فضاع وضاع عياله فأجهدوا، وأما أبو الربيع فآثر عياله فهزل وأجهد ونحل وسمن عياله..
…ومنهم ابنه أبو إبراهيم وكان شيخا مذكورا وعالما مشهورا..
…ومنهم إبراهيم بن إسحاق ابنه وكان من أهل العلم والصلاح والتابعين لسبيل الخير والفلاح..
…ومنهم المعز بن أبي حبيب، أبو الربيع كان زاهدا عابدا صالحا ديِّنا جدا وكان محتاجا فقيرا، قال وطلبه غريم له بدينار فقصد صديقا له عزابيا وهو يونس بن أبي موسى بن أبي عمران، وكان فقيها عزابيا، وتقدم التعريف بأبيه وجده، وكان ذا مال عظيم فلما كلمه عبس وتغير بعد أن أظهر بشاشة وتبسما، وقال ما عندي شيء فصرفه بلا شيء فغير الله عليه نعمته بعد ذلك بعد أن كان مرة جمع خِلَقَ أثمان ما باع من تمر فجعل منها بردعة أعني الصرر التي ألقوها إذا أخذوا ما فيها..
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن بكار الزواغي من أعداد العلماء المذكورين وممن يكابد أحوال الدنيا، أبو الربيع قال وحدث أبو عبد الرحمن أو غيره طالبه بعض غرمائه بدينار فلم يجد عنده ما يقضيه فبادر صديقا له غنيا كان يمنيه قبلُ فصرف ذلك إلى المعاذير فرجع من عنده صفر الكف متحيرا لا يدري ما يصنع فالتقاه أبو عبد الرحمن في تلك الحال وقد ظهر بعض ذلك على وجهه فسأله عن تغيره وأخبره بمطالبة الغريم وعدم وجود الوفاء وقلة إنجاز ما يعد صديقه وكان عند أبي عبد الرحمن دينار واحد فبادر إلى موضعه فدفه للشيخ وفتح الله على أبي عبد الرحمان من هناك قال ولم أعدم في ذلك الموضع دينارا إلى يومي هذا.. (2/189)
صفحة 480
…ومنهم أبو عمران وسلي، وكان من المذكورين في الفضائل والمعدودين في الأفاضل، وروى الشيخ موسى عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل قال الوتر فريضة وهو قول ابن محبوب فمن تركه متعمدا ولم يصله من حيث فرغ من صلاة العشاء حتى يطلع عليه الفجر فهو هالك، وذلك أحب القولين إلينا لثبوته من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم أن الشيخ عيسى بن الشيخ سجميمان النفوس روى عن ابن زرقون أن من صلى الوتر قبل غياب الشفق ولم يعد له حتى طلع الفجر فهو والتارك له سواء، وسأله أبو عمرو عن الوتر ما حكمه عندك قال فرض من سنة النبي عليه السلام فقلت له فمن طلع عليه الفجر ولم يصله قال أذنب وليس بها لك عندي، أي لا أصرح بهلاكه، كترك رد السلام وغيره من ترك الفروض التي لا يصرح بهلاك تاركها..
…ومنهم أبوه الشيخ وسلي قال أبوه لا أدري من أين نقلت هذا الشيخ وبحثت حين التصحيح عنه فلم أظفر له..
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن محمد صاحب علم وروايات وهو صاحب التقييد الذي ذكرت فيه أشعار الأشياخ بالبربرية، يروى عن أيوب بن إسماعيل وغيره، وعن أبي يعقوب، سأل رجل نكاري إسماعيل بن زكريا أأنت في دينك أم هو فيك أو تلبسه أو تخلعه أو وراءك وقيدك ولم يسمع قبل فيهن شيئا فتفكر فأجابه أنا في ديني أي أعلمه وهو فيّ وقيدني أي لا أتجاوزه إلى غيره ولا أنبذه ورائي ولا أخلعه ومن أراد بسط كل رواية ومن رويت عنه فعليه بسيَّر المغاربة.. (2/190)
صفحة 481
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن محمد التناوتي وليس هو يوسف المذكور قبله لأن ذلك وسياني متأخر وهو الذي أملى كتاب السؤلات وله كثرة الروايات عن الأشياخ أما بواسطة ومشافهة وشهرته كافية وأيضا روى عن أبي عمار عبد الكافي ويوسف بن محمد جد أبي عمار وهو أبو عمار بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل بن أبي يعقوب يوسف بن محمد وكلهم علماء، أما أبو عمار فتقدم التعريف به لكونه أشهرهم لكثرة الآخذين عنه وكثرة تآليفه وكثرة أجوبته المفيدة، وأما أبوه يوسف بن إسماعيل فقد ذكر في جملة الأشياخ المتقين ومن المخلصين المستجابين، ومن كراماته أن نظر إلى خاله يوسف بن إبراهيم قاضي وراجلان ومفتيها في شدة البرد وعليه حوليه وهو شيخ وعنده كساء في مزود عجيب فأخذها وأعطاها لخاله وترك المزود منفوخا خوفا من أمه زمانا فأراد نزع المزود فإذا كساء نجيب فبادر إلى خاله فإذا الكساء عليه وبينهما بون بعيد وذلك بفضل الله، وتقدم أن بعض شيوخ نفوسة أعطى جبة فرجع له أحسن منها وأظن أنه مات، وأبو عمار غائب بتونس، وكان غنيا كثير المال قيل يبعث لأبي عمار كل عام ألف دينار، وأما جده إسماعيل بن يوسف فهو أيضا من علماء المسلمين ومن ذوي الكرامات التي لا تنسب إلا للعارفين، وذكر أبو زكريا عن ابنه يوسف بن إسماعيل عن خاله يوسف بن إبراهيم بن الطاق قال حضرت دفن الشيخ إسماعيل وكنت ومن وضعه في قبره فلما سددنا اللحد عليها دخلت يدي لاميط عنه ما يلحقه من المضرة فلخ تصله يدي فمددتها جهدي فلم أدركه وتقدم في دفن الشيخ النفوسي الذي من تمصمص إذ أنزله الشيخان تملوشايت فلم يبصر أطرف القبر وتضوع القبر عطرا..
…ومنهم الشيخ حمو بن أفلح كان شيخا من بني مطكود فاضلا ذكر أبو زكريا أنه سأله الشيخ عن وصية الميت بالحج هل للخليفة أن يبعثها في هذا الزمان، قال من أرسلها حيث انقطعت الطرق وتعذر السبل فهو لها ضامن، قال لكن يتصدق بها على الفقراء.. (2/191)
صفحة 482
…ومنهم الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الطاق السدراتي قاضي وارجلان تقدم أنه من الذين أنزلوا الشيخ إسماعيل بن يوسف في قبره وأخبر أن القبر اتسع بحيث مد يده ولم يصله..
…ومنهم الشيخ إلياس بن عبد الله اللواتي كان شيخا صالحا مذكورا في الأخيار والأبرار، وذكر أبو يعقوب أن عزابيا رأى في المنام من علمه دعاء وأمره أن يدعو به ينفعه لدنياه وأخراه وهو:(اللهم اغفر ذنبي، استر عيبي، اسعد روحي، وسع رزقي، وفر عملي، أصلح شأني، فرِّج همي، اكشف كربي، سهل موتي، آمن خوفي، حقق طمعي، اشكر سعيي، سلم ديني، اقض ديني، علم جهلي، قو ضعفي، اكشف كربي، قدس روحي، زك عملي، اقبل عذري، انظر لي، قو ظهري، خلص جسمي، نج بدني، رو عطشي، اشبع بطني، آنس وحشتي، اقض وطري، ارشد أمري، جدد عزمي، هب لي عظمي، اشرح صدري، يسر أمري، ثقل وزني، خفف حملي، لين غلظي، سخ شحي، وفر حظي، اسعد بختي، سكن وجعي، عظم أجري، أذهب حزني، أجمع شملي، قر عيني، ألطف بي، أقبل مني، غنمني ربي، زدني علما، اصرف عني، اهد قلبي، بيض وجهي، والمسلمين والمسلمات يا أرحم الراحمين، فقام من نومه وقد حفظها، وذكر أنه الشيخ إلياس بن عبد الله اللواتي رحمه الله وتقدم أن أبا العباس أضافه هو والشيخ إسماعيل بن علي النفزاوي فقدمهم لحم جمل فأبى أن يأكله تورعا من كونه عن العرب وما بأيديهم ريبة والشيخ إلياس متق زاهد وكان ممن يسارع لاتباع المؤمنين وموافقتهم..
…ومنهم الشيخان الأكرمان القدوتان أبو سليمان داود بن مصالة وابنه أبو عروس وتقدم التعريف بأبيهما مصالة وأنه من الأئمة العشرة وكان الشيخ داود صديقا موافق لأبي محمد اللواتي وتقدم التعريف بأبي محمد وأنه شيخ زمانه ووحيد عصره وإن مبسوط أخباره يحتاج إلى أفراد تأليف وكان من قضاء الله وقدره إن ماتت أزواجهما في شهر واحد وبقيا بعدهما أربعة أعوام فماتا في عام واحد وشهر ويوم وبساعة واحدة.. (2/192)
صفحة 483
…ومنهم الشيخ الشهير العالم العلامة الكبير أبو رحمة حنيني، شيخ وارجلان فايق وإمام من أهل التحقيق صادق تعلم العلم والكلام وعلمهما وهو في عصر أبي عمار وأبى يعقوب يوسف بن خلفون، ومما يروى عنه أن من ضرب امرأة وأسقطت النطفة عليه عشرة دنانير والممتزج أربعة عشر والعلقة أربعة وعشرون والمضغة أربعون وإن امتد فستون والمصور ثمانون والمنبت مائة وإذا نفخ فيه الروح فدية كاملة، وقال فيمن أفسد غرسة أكلت عاما إن عليه دينارا وكلما زادت عاما زادت دينارا إلى خمسة دنانير لخمسة أعوام ثم بعد ذلك قيمتها أربعة دراهم وإن أفسد المواشي بالمشي زرع قوم بين جمال وغنم وذي حافر ففي كل جمل أربعة دراهم وفي الرمكة درهم ونصف وقيل ثلاثة وفي الغنم كل عشرة بدرهم، وقال الطعام الذي يصنع للعزابة يأكل المتقدمون نصفه ويترك مواضع الأكل كما هي، قال عبد الله بن محمد يسوي موضعهم كما سويت قبل لئلا يتغابن التابعين، قال أبو عمرو للأولين ثلث طعامها وقيل ثلاثة لا غربة معها اجتناب الريب وكف الأذى وحسن الأدب، وقال الشيخ يوسف بن محمدعن الشيخ عمران بن علي عن أبي رحمة فيمن جعل الوهبي نكاريا أو العكس أنه كافر ويقول غيره في العكس كذب وأخباره ورواياته ومناقبه كثيرة فاطلبها في البسائط..
…ومنهم إبراهيم أبو إسحاق بن رجا كان شيخا متقيا ذا كرامات قيل آذاه ذئب في جنانه فدعا عليه فأصبح ميتا وهو مذكور في المستجابين الدعاء..
…ومنهم ابيه إسحاق بن إبراهيم، وذكر عن الشيخ أنه ارتفع إليه رجل وامرأته وقد خوفها قبل على ترك صداقها فأشارت إلى الشيخ إسحاق خفية أنها مكرهة فتركت له ثم بعد ذلك خاصمته وارتفعا إليه ثم قال للشيخ تركت بين يديك قال أخبرتني أنها مكرهة فقضى عليه به.. (2/193)
صفحة 484
…ومنهم ابنه أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن رجا، وقال أبو الربيع أظن تجولت سنة أرع وسبعين إلى وارجلان خوفا مما ألقى من عسكر أبي الذئب فجلست قدام مسجد تماواطت عند أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق فقال كثير ما يحرضنا والدنا ويوصينا أن لا يبرح من دارنا جمل، وثمن آخر، وإن عدمتم فبيعوا خيار ما معكم لأن أمر جعراف يذكره المسلمون فإذا انقطع ذكره جاء فجأة وعلامته إذا تحركت الأرض بالعساكر وزلزلت وموج أمر الناس..
…ومنهم الشيخان الأفضلان مصكوي الزنداجي وينكول بن عيسى كانا مذكورين في الأخيار وكانا متصادقين متوافقين كل واحد يقوم اعوجاج صاحبه إذا أخطأ وذكر أبو زكريا عن أبي الربيع عن قاسم بن منكود أنه قال أضافنا مصكوي الزنداجي في الزاب ونحن في جماعة من العزابة ومعنا الشيخ سعيد بن يخلف والشيخ ينكول بن عيسى فلما قدم لنا الطعام ونزعنا الطبق، قال أبو نوح سعيد بن يخلف وكان على الطعام لحم صلا ذبحت لهم على الإسلام فإن كانوا من أهله استحقوه وإلا حصل لك ما تطلب وكان يميز بين لحم المريض والصحيح وكان الشيخ مصكوي واقفا على رؤوسهم بالإدام فطأطأ برأسه حياء مما قال، قال له الشيخ ينكول ارفع رأسك كي ما يرونك وهذا لأن اللحم الذي قدم إليهم كان عن مرض، ونظيره ما وقع لأبي صالح أضاف العزابة وعنده لحم وقع عنده من مرض فقال اذبحوا لهم شاة لفضل إهراق الدم المسلمين فيما روى أبو زكريا عن أبي الربيع عن أبي محمد ويسلان ابنه.. (2/194)
صفحة 485
…ومنهم أبو عبد السلام سمداسن بن يخلف المغراوي كان شيخا فاضلا عالما متقيا آمرا ناهيا فله الكلام إذا اجتمع الأشياخ على مهم، وذكر أنه قال أشير على من يعلم كيف يتكلم ان يسكت ومن يعلم لا يحضر البتة، وذكر أن مغراوة اجتمعت بأسرها إذ أخرجتهم المشايخ إلى الخطة لشروط شرطوها عليهم وفيمن أخرجهم، أبو العباس بن أبي عبد الله، وعبد السلام بن وزرجون، ويحيى بن ويجمن، ويونس بن أبي الحسن وأمثالهم زيادة من سير المغاربة زادها الناسخ إثر خط عمنا محمد فقالوا للشيخ سمداسن تكلم يا أبا عبد السلام، قال اتفقتم على أن رددتم إلي الكلام، قالوا نعم فأمرهم بإيفاء الكيل وتقديم أولي العلم والفضل وترك جميع المناكر ففعلوا وتابوا وقبلوا عنهم، وذكر عنه الكتب المبسوطة..
…ومنهم حمودي بن أفلح المطكودي المزاتي كان شيخا ذكيا عالما تقيا، ذكر أبو زكريا أنه سأل الشيخ حمو عن وصية الميت بالحج هل للخليفة أن يبعثها في هذا الزمان قال من أرسلها مع انقطاع الطرق وتعذر السبل فهو ضامن، قال لكن يتصدق بها على الفقراء وكان حاذقا حسن الخط، وذكر أن زيري بن مقدم زمراتاه ليكتب له عشرة كتب إلى الملوك وقد وجده مشتغلا فقال ما تكتب فيها والي من فأخبره بمقصوده فانصرف فلماتفرغ كتبها فقرأها عليه فإذا جميعها على وفق مقتضاه ومراده ولم ينقض منها شيئا ولم يترك مما أراد، وذكر عنه أنه وجد كتبا مقطعة فأكملها من نفسه ثم وجدت غير مقطعة فإذا هي كما كتب، أي إما أجوبة فصنع لها أسئلة وإما أسئلة وضع لها أجوبة وإما بعض سؤال وبعض جواب فكمل ما بقي منهما، وسأله أهل وارجلان في سؤال أبي العباس قالوا يقلع كريمة ويجعلها لقمة ويقلها الشيخ وكريمة اسم جبل بوارجلان.. (2/195)
صفحة 486
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن وانودين، قال يحيى بن زكريا بن فصيل لم أر عبد الله غضب قط إلا مرة في بني دمر قسم رجل من أفطمان اللحم بين العزابة فرفع كل واحد من العزابة سهمه إلا عبد الله تركه ليؤثر به من لا وجه له ويستحقه وطن به القاسم غير ذلك فقسمه بين الحاضرين فغضب، وفي السؤالات وقد سأل الشيخ عبد الله بن واندين نكاري عن موضع ينفيه ناف فيشرك و آخر ينافق وآخر لا شيء عليه، فأجاب الشيخ أنه التوحيد من قال ليس بإفراد أو ليس بمخلوق أو ليس بحركة ولا سكون وسأله الشيخ فوجم وحار ولم يصنع شيئا، والشيخ عبد الله هو الفتى المبارك وهو من بني زمور وفي بعض المواضع أن سينتي ولعل القبيلتين إحداهما أعم من الأخرى وكثيرا ما يتمثل بقول الإمام أفلح:
انشط لعلمك إذ لابد من ملل…ولا تكن من جميع الناس فرارا
وارصد خواطر ساعات النشاط لها…إذ أردت لبعض القول إنكارا
…ومنهم حمو بن المغر شيخ مفت عالم علامة ومما يذكر عنه أن من صلى الوتر قبل مغيب الشفق هلك إن لم يعده وتقدم أنه لا يقال هلك بل هو كمن ترك رد السلام وتقدم أن أبا عمرو روى فيها عن عيسى بن سجميمان ليس كل من ترك فرضا يقال فيه هلك وإن ابن محبوب يرى الكفارة على من تركه، وروى عنه أن من دخل بلدا ولم يصل أقاربه فيه هلك ومن أخر غسل الجنابة مقدار ما يغتسل هلك ولعل ذلك نهار رمضان..
…ومنهم أبو عمران موسى بن علي شيخ مذكور في زمرة العارفين روي عنه من قال معرفة محمد صلى الله عليه وسلم ليست لتوحيد أو ليس بفرض كفر كفر نفاق.. (2/196)
صفحة 487
…ومنهم أبو الحسن علي بن أبي علي روي عنه أنه قال يبرأ ممن قال بولاية الشريطة وبراءة الشريطة أي لا يتولى بشريطة، وذكر عنه أنه القول الشاذ لا يعد خلافا وإن الرواية الشاذة لا تمنع القياس ومن قال لمتولى يا إنسان سوء، يُبرأ منه وإن للمرأة الصداق والإرث إذا مات زوجها ولم يفرض لها مثله لابن مسعود روى عن النبي عليه السلام أنه قضى"لبروع بنت واشق الأسلمي" بصداق المثل والإرث..
…ومنهم أبو إبراهيم مصكوداسن الدجمي وتقدم أن أبا محمد جمالا، قال له إذ ترافقا في طريق الحج أعني على أن أحمل على الجمال قال ليس ذلك من شأني قال وما شأنك إذن قال الدواة والقلم وحسبك أني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فاستحسن ما أجابه ولم يكلفه شطاطا، وروي أن العزابة مرت قدام حيه فركب فقطع الطريق فعرضهم من أمامهم فمنعهم من الانصراف حتى أنزلهم فأحسن إنزالهم وأكرمهم..
…ومنهم ابنه إبراهيم كان شيخا فاضلا وتقدم أنه رأى رؤيا لأبي سليما داود بن أبي يوسف بعد موته وروي عنه أنه مرض الحصر فثار عليه في طريق العامة فقعد حتى قضى حاجته وذلك في تين بامطوس فيما ذكر الشيخ أبو الربيع وكلما جاز عليه أحد من الناس قال هذا الشيخ إبراهيم كأنهم استقبحوا ما أتى به فانصرف حتى أتى الحلقة فقال يعتذر إذا رأيتم الحليم في موضع يستقبح من مثله فلا تعجلواعليه فربما نزل به ما لا يطاق من الدواهي، وذكر أن الشيخ إبراهيم قال صعب عليَّ فرافق ما بين المايح والماتح فبعدلاي حفظتهما يعني الغارف والجابذ من البئر، وصعبت على أشهر الحرام فقال أبو محمد ويسلان هي التي فيها الأيام التي تصام للفضل وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، هذا في ابتداء أمره وهذا مني غلبة ظن أن إبراهيم بن أبي إبراهيم هو أبو إبراهيم مطكوداسن لاتفاقهما في الزمان ويجوز أن يكون أبو إبراهيم شيخا آخر.. (2/197)
صفحة 488
…ومنهم الشيخ إدريس بن الطويل السوفي اللواتي كان شيخا فاضلا متحويا ورعا، وذكر أن جديانا له أكلت أشجار الناس فذبحها وتصدق على أهل الأشجار بلحومها، وذكر أن بهُمُا لسارة اللواتية الصالحة ضلت فخرجت تبتغيها وتطلبها فلما طفل النهار حانت الشمس للغروب تحيرت أين تبيت تبيت فقال لها هاتف تبيتين عند من لا قيمة للدنيا عنده وهو مطيع لله مطيع لوالديه مطيع لأهله ووصول لجيرانه فكان ذلك الشيخ إدريس بن الطويل رحمه الله، ضلت للشيخ إدريس نِعَم فخرج طلبها فبدت له جنيه قالت ندع الله فقال لها ادعى أنت قالت الفضل لكم علينا فدعا الله فلما أتم قالت له الحق جمالك فإذا هي ترعى وتأكل الشجر وأنشدت له شعرا بالبربرية، ومر على الشيخ إدريس بن زكرار يعني ابن الطويل الشيخ سليمان بن موسى وتقدم التعريف به فقدم له تمرا فيختار الطيب فيقول كلها يا حبيبي لأني إذا أكلتها ضاعت وصارت هزلا، وروي عن الشيخ محمد بن أبي بكر أن من قبل النصيحة من ناصحه كمن أخذ منه فأا فخرج يحتطب من الشعرا ومن لم يقبلها كمن أخذه وصار يقطع في جسده..
…ومنهم أبو فارس الشيخ عبد العزيز وذكر عنه أن طعاما أتاهم في حلقة تجديت فكل من أخذ قطعة أكل منها وترك لمن بعده منها واستوعب بعض النهماء نصيبه ورد العظم فقال الشيخ عبد العزيز لم رددت هذا في القصعة فأمر من هناك أن يقسم اللحم بين المتقدمين والمتأخيرين فمن هناك بدوا في قسمة اللحمة وسببه ما ذكرت وقيل يأكل المتقدم الثلثين ويترك للمتأخر الثلث والقفار يأكل جانبا ويدع جانبا.. (2/198)
صفحة 489
…ومنهم أبو سهل يحيى بن إبرهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمن فلكونه أشهر لكثرة من أخذ عنه ولتأليفه قدمته على آبائه إلى ويجمن، أما يحيى بن إبراهيم فمن أئمة وارجلان وروي عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر الواحد في صفة الله على أربعة أقسام أحدهما وثانيها نفي للكمية المتصلة أي ليس بذي إجزاء ونفي للكمية المنفصلة أي ليس بذي عدد، والثالث واحد في الصفة، والرابع واحد في أفعاله، وقيل ثلاثة واحد بالذات وواحد في كمال الصفات وواحد في مخترعاته، وقيل أربعة لا يجوز عليه التجزي ولا التشبيه ولا يستحق العبادة إلا هو ولا يستحق صفاته إلا هو وله روايات فاطلبها، وأما جده ويجمن فمن المذكورين والمشهورين، وأما جده إبراهيم بن ويجمن فمن كراماته أن رصده يحيى بن محمد ليفك به لكونه حكم عليه فلما رفع يده ليضربه شلت بقدرة الله حتى انصرف الشيخ والسبب في ذلك أن أبا ذوناس تقاتل هو ويحيى بن ويجمن ثم إن يحيى لحق بأبي ذوناس فتجارحا فسجنهما الشيوخ فأجمعوا على ضربهما وتأديهما، قال الشيخ إبراهيم بن الشيخ ويجمن لا يضرب أبو ذوناس لأنه دافع عن نفسه فضربوا يحيى أربعمائة سوط فلما انتعش راصد الشيخ إبراهيم ليفتك به فشلت يده لما رفعها والحمد له..
…ومنهم داود بن أبي سهل وكان شيخا أمَّارا بالمعروف ناهيا عن المنكرفيمكن أن يكون أبو سهل هو المذكور ويجوز أن يكون غيره وهو مزاتي وذكروا أن الأشياخ عام الزيارة جازوا على بلاد أريغ فعتبت على شيوخها، وفي كتاب سير شيوخ المغاربة وكانت الزيارة التي فيها الشيخ داود بن أبي سهل قد عتبت على شيوخ أريغ إلا الشيخ عبد الله بن محمد فتابوا فقبلوا منهم ولفظ الشيخ في الشيخ داود زيارة مني وفي سير أل المغرب أن الأشياخ عام الزيارة لما وصلوا ذكار بني منطور حرك أبو العباس الفرس فتبعه الفتيان يرمونه بالجرايد فأخرجهم داود بن أبي سهل إلى الخطة فتابوا فردهم.. (2/199)
صفحة 490
…ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى بن ياوين وكان شيخا رئيسا وذكر أنه قدم أريغ بعد الأشياخ وأصلح ما بقي بها وذلك أن أهل وغلانت لم يقبلوا منهم ورجعوا من وارجلان ولم يقضوا ما ذهبوا إليه فلما قدم الشيخ عيسى أصلح ما بقي وكان حاكما على العزابة ورجوع الأمر إليه دونهم لحسن سياسته وتدبيره، وذكر عنه أنه قال فيمن قال لمتولي هذا منك تهاتر يبرأ منه بذلك..
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد السدراتي هو خال لأبي محمد عبد الله بن محمد اللواتي كان شيخا فاضلا ورئيسا عالما حزيما للدنيا والآخرة ومن رئاسته أنه سافر إلى بلاد السودان فجعل تجارته كلها صامتا وحملها على جمل فإذا نزل ضرب خباه ودخل فيه واشتغل بالعبادة وما يصلح له ومعه حضري جعل تجارته عبيدا فشقوا عليه في الطريق فإذا نظر إلى الشيخ وهو في هناء وراحة قال سبحان الله من خلس عبد الله من هذا البلاء وأراحه، وقيل له ما تتمنى قال أكون وسط قومي أواسي فقيرهم وأعلم جاهلهم، وكان أكثر ديوان أبي محمد أي اللواتي عبد الله بن أخته ديوان خاله أبي محمد رضي الله عنهما وكان عالما له وقال له الشيخ حسان بن عبد الله وهو صديق له يكفيك من الكلام فتعلم الفقه قال ذلك علم العجائز..
…ومنهم أبو عبد الله محمد السدراتي كان شيخا ذا كرامات ومن كراماته أنه يصلى يوما في مصلاه فسأل الله ربه أن رضي عمله أن يريه آية فأظهر الله له نورا عظيما غلب ضياء الشمس ورد الظل إلى الشمس، ومنها أن قدمه أهل وارجلان حاكما فظهر نجم شديد النور ينظم النساء إليه الخرز بالليل فقال بحق الله وحكم بالقسط وقسم بالسوية وأدب بالعدل وثقل على من غلبه هواه ذلك فنزع فزال النجم وكان يسمونه نجم أبي عبد الله..
…
فصل أذكر فيه بعض أهل الكرامات (2/200)
صفحة 491
…وتقدم الأكثر وأكثرها في نفوسة فاطلبها في أخبارها، منها كرامات أبي صالح اليجراني فاطلبها في التعريف به، ومنها كرامات على بن مجبر وتقدم بعضها، ومنها كرامات أبي صالح جنون وقد تقدم التنبيه على بعضها، ومنهاكرامات أبي إسحاق بن رجا وتقدم بعضها قال ابنه دخلت على أبي وقت الضحى فكلمته مرارا فلم يجبني ثم كلمته بعد ذلك قال لي نظرت إلى امرأتين جميلتين نزلتا إليَّ من السماء ملتحفتين في ثوب واحد أبيض نقي البياض في غية الصفاقة والرقة فبشرتاني وعجلتا إليَّ الانتقال عن الدنيا فطلعتا فمات عن قريب، ومن ذوي الكرامات وإجابة الدعاء أبو عبد الله بن بكر وتقدم ذلك..
…ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران وتقدم..
…ومنهم اليانجاسني وكان يتصدق بثلث غنمه كل عام ومات في بعض الأعوام خرفانه فأخلف الله ماضاع وولدت له شاة واحدة اثني عشر كلما ألقى واحد منها إلى شاة قبلته من اللاتي مات أولادهن وولد له غيرها أقل وهو على كل شيء قدير..
…ومنهم أبو الربيع سليمان بن أجاح وكان أخوه الشيخ أبو القاسم يونس بن أجاج من أكابر العلماء تزوج وأراد أن يتمتع دون أولاد فاشتكى إلى أخيه أبي الربيع وكان مستجاب الدعاء فدعا الله أن لا يرزق ولدا أربعة أعوام فكان كذلك..
…ومنهم الشيخ ذو النون التاغيارتي كان يعلف جملا لطريق الحج فسمن وصار عظيم السنام فنظرت إليه امرأة حامل فاشتهت شحم سنامه فأخبرت بشهوتها زوجة الشيخ فلما دخل أخبرته بذلك فنحره وأرسل إليها ما اشتهت وتخلف عن الحج لعدم الظهر قال أبو طاهر إسماعيل بن ييدير فلما كان وقت الإحرام بالحج أسرى به فأصبح بمكة فلما قضى جميع مناسكه من الحج أسرى به إلى بلده فأخبر الناس بخبره وبغيبته وبأصحابهم الذين في الحج فكذبوه ولم يصدقوه وإن اشتهر عندهم قبل ذلك بالصدق فلما قدم الحج أخبروا أنه قضى معهم جميع المناسك.. (2/201)
صفحة 492
…ومنهم الشيخ الياجراني من كراماته أنه مات له صبيان وصبية فصبر ولم تصبر الأم وجزعت وصبَّرا فبينما هو مرة سائر إلى وارجلان ببعض الطريق إذا بأولاده راكبون الخيل والبنت جالسة على جدع نخلة لابسون أحسن الملابس قال فنزعت منهم شوقي فذهبوا كأنهم لم يكونوا، وتخلف مرة عن أصحابه في بعض الصحاري فأدركه فإذا نبع الماء شديد فمال إلى شجرة فنام تحتها وحس ببرودة تحته فإذا هي ثراء فحفرها فإذا نبع الماء فشرب فروي ولما أراد الانصراف تبع ذلك الماء بالحفر لينظر من أين أصل له وذهب الثراء وتقدم مثله لأبي صالح الياجراني غير مرة ولعل هذه له.. (2/202)
صفحة 493
…ومنهم ضيفا الساكن بالرمال وخبرهما على ما ذكر ابن ييدير إسماعيل أن رجلا يسكن بالرمال قرب سوف وليس له سوى عنز وولدا وبكرة عرجاء فضافه عزابيان وامرأته غائبة بسوف مسافرة تبتغي لهما طعاما فقام إليهما ورحب بهما وأحيا السلام واشتغلا بصلاتهما وقام إلى العنز فذبحها وطبخ لحمها وقدم إليهما القدر وأكل هو من فؤادها فبلغ فيهما فعله فأكلا ما قدر لهما فنام فلما استيقظ وجد عنزه ترضع ولدها ولا علم بصاحبيه فلما أصبح ركب بكرته وقصد ماء يسمى أعزاب فإذا برفقة على الماء أقبلت من تادمكت وفيهم شيخ فحضهم على الصدقة فجمعوا له ثلاثمائة دينار وأوقروا بكرته من متاع بلاد السودان من الأغنياء فوسع الله عليه، وضافه بعد ذلك جماعة من العزابة وهو في أرغد عيش فأبصرتهم امرأته من بعد وهو تبني خصها فاستبشرت بهم وآتتهم بلبن وتمر ثم جاء زوجها يسوق إبلافلما رآهم سرَّ بهم واستبشر وقال قدمتم علينا وقت اشتياقنا إليكم وأطعمهم وأحسن إقراءهم وأعطاهم وحدثهم بقصته، وتقدم خبر يبيب بن زنغيل وخبر الشيخ تملي..…ومنهم الذي حجر على الماء أن يحل بأرضه وقصته أن نوبته من الماء أكملها ولم يجد من يرد الماء وكانت نوبة يتيم فحجر على الماء أن يدخل أرضه فرجع على الساقية وتراكم حتى سكر عليه وأصلح ساقية اليتيم ومجاري الماء وقال من قال جمد حتى أصلح وهو أقرب لما ذكر أبو صالح جنون بن يمريان لأبي عيسى مجبر الوسياني إذ قال لا يعرف مذهبه ولم يفرز من المذاهب كما يعرف بيته من بين البيوت في ليلة ذات ظلام وسحاب وريح ورشراش فقال جنون لم تقول هذا وعندنا رجل لو دعا على ماء وارجلان أن يجمد لجمد ولا يقوم بما ذكرت وهو من أهل تاغيارت من وارجلان.. (2/203)
صفحة 494
…ومنهم الذي سلمت عليه السخلة بكلام فصيح فقالت السلام عليك يا ولي الله سائرة وراجعة وذلك الموضع مشهور يزار في أغلان وسمعت منذ زمان في جربة أن يونس بن أبي زكريا سلم عليه من تحت شجرة الزيتون، والمسلم بعض الحيوان ورأيتهم يدعون الله عنده..
…ومنهم الذي نهشته حية وهو على وضوء فقال نقضت عليَّ الغسل قتلك الله بالسبحة فما زالت تسبح حتى انقدت نصفين وعلى الموضع مصلى يزار وهو بإزاء تماواط بوارجلان..
…ومنهم أبو حبيب وله عريش يتعبد فيه ما يسع صحنه غيره، فإذا زاره أحد الأشياخ والعزابة وسعهم بإذن الله قلوا أو كثروا فبنوا عليه مسجدا وموضع العريش المحراب وهو معروف يزار..
…ومنهم أبوحبيب الذي وجد عفرنة في نخيلة وهي أول ما دخلت نخيل وارجلان نادى بأعلى صوته نزلت نازلة يا قوم يا للمسلمين حدث كذا وكذا فخرج الناس فالتمسوا فلم يجدوا شيئا ثم خرجوا إلى المقابر فوجدوا قبرا منبوشا وميتا مسلوبا فكفنوه ودفنوه..
…ومنهم الذي دعا الله أن يرسل المطر فقال لقائده هل رأيت سحابة قال رأيت سحيبة قال أسرع بنا فلم يصلوا تين تَميصوين إلا أنزل الله كثرة الماء وعليه مصلى يزار.. (2/204)
صفحة 495
…ومنهم الشيخ عدل بن اللؤلؤ، وذكر عن الشيخ سليمان بن موسى بن زنغيل أن المشايخ زاروا أهل الدعوة فلما بلغوا جربة سألم من بها من الأخيار عن أفضل من قدموا به فقالوا عدل بن اللؤلؤ وموسى بن زنغيل الزلفي، ثم سألوا موسى بن زنغيل عن أفضلهم فقال عدل بن اللؤلؤ التناوتي ثم سألوا عدلا فقال موسى بن زنغيل، وذكر سليمان بن وسى أن عدلا أخذ يوما في صلاة الضحى فناداه من أراد أن يتبرك يسوق جمله أن يحمل عليه الشب فألفاه يصلي ولم يرد أن ينصرف قبل أن يقض ورده فأستيطأه فسافر مع قافلته فتخلف جمل الشيخ فأصيبوا فسلم جمله ببركة تعظيمه الصلاة وكان عدل مشهورا بالعبادة والورع والسخاء، قال أبو زكريا وكان مؤذنا إذا أذن لصلاة المغرب وصلى أعطى ما يفطر فيه من كوة نافذة إلى المسجد ثم يشتغل بالعبادة والصلاة فيصلي ركعتين في الأولى بالبقرة وفي الثانية بقل هو الله أحد فيسلم فيؤذن للعتمة فذلك دأبه، قال أبو زكريا وكان صيتا فإذا صلى بالناس يصلي بصلاته من قرب وبعد ومن سخائه أن قصد أمطوس الشيخ صالح الصادق ورفيقه فتلاقاهما الشيخ موسى بن زنغيل قال قصدنا من هو أسخى منك عدل بن اللؤلؤ فجعل لهما على الطعام ثلاثة أرباع شاة ومات رحمه الله شهيدا في طريق أوزعانت وهو أول قتيل قتله العرب من أهل وارجلان وكفاك في فضله أن ذكر في فضل المستجابين.. (2/205)
صفحة 496
…ومنهم حمو بن اللؤلؤ أخوه وكان شيخا فاضلا متقيا ذا كرامات قال أبو زكريا قال الشيخ محمد بن نوح قالت والدته أم المؤمن بنت حمو بن اللؤلؤ حضرت دفن والدي حمو وأنا صغيرة فلما انصرف الناس رأيت شبه فارسين أخضرين نزلا من السماء فدخلا القبر فمكثا قليلا فخرجا وطلعا إلى السماء، وعنها أيضا أن أباها حموا أرسل عياله ذات مرة إلى الربيع وانتشر الخبر في الناس أنه تزوج فأتى مجمع الناس فقال إني تزوجت مريم بنت ماسوي بوليها واحفظوا عني أن من تزوج امرأة بغير إذن وليها فذلك الزنا نفسه وعينه، وأم المؤمن هذه كانت مأوى للأخيار ومزار للأبرار ولها كرامات، قال أبو زكريا ذكر ابنها الشيخ محمد بن نوح أن المشايخ زارها ذات مرة وقد طعنت في السن قالوا حدثينا بشيء قالت في ماذا أحدثكم كلما دفنه الأولون أظهرتموه وعنه قال اصطحبت مع أمي تريد زيارة أخويها وهما آنذاك في أندرار فدخلنا الصحراء وشققنا البيداء فقالت يوما اشتهيت لحما فايت ندع الله أن ييسره لنا فقلت وأنا آنذاك راهقت البلوغ أحرم كل لحم أجده هنا استبعادا لوجوده فسرنا مليا فإذا بخيمة فخرج منها شبه امرأة متقنعة بقناع أسود فأشارت إلينا أن اقعدا فقعدنا فإذا ظهر شاة فجعلت تملخ من مطايبها وتعطي لأمي فتأكل فأشارت إليها أن تعطين فأبت فلما قضت أمي شهوتها افترقنا..
…ومنهم الشيخ أبو عمران موسى بن زنغيل الزلفي كان شيخا صالحا متقيا من وارجلان من تين بامطوس وكان من المشهورن في الورع والتقوى وتقدم في التعريف بعدل بعض أخباره.. (2/206)
صفحة 497
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن توسينت ومن كراماته أن وقعت إليه يمامة فرأها منتتفة الريش فقال أحسبك تربين الأفرخ يا مسكينة فأومأت برأسها فقال لها اصبري فدخل فآتاها بقمع في كفه فلقطته حتى أتت عليه ولمس حوصلتها فقال الحقي أفراخك فطارت، وقال عبد الله أظلنا رجب وليس عندي ما أشرب من الإقط فقمت إلى المسجد فصليت فإذا بدينار أمامي فرفعته فأتيت داري فقعدت في مصلاي فإذا بمومة دينار يطير حتى وقع في ثوبي فقلت كفاني يارب، وقعد يوما في بيته فإذا بمومسة حامل دخلت عليه فسألته أن يعطيها ما تقضي به شهوتها من اللحم جازت عليه بين يدي جزار فأعطاها ما تشتري به من ذلك اللحن وكان حملها من الزنا وأغلق الباب وخرج ثم رجع فإذا بالموضع ملآن دراهم فجمعها ثم زادت فيضا فلقطها إلى ثلاث مرار فدعا الأطفال بل الفتيان ليروه فيرتفع فيجده وقت الحاجة فلقطوا وهم يقولون متى وقع لك هذا كله يا شيخ فارتفع..
…ومنهم الشيخ جنون بن سرغين ومن كراماته أن رأى ليلة القدر، ومنها أن ذمته عمرت بثلاثة دنانير من رجل فحملها إليه فتلقاه رجل من أهل سوف فقال هل توصي إلى عمتك وعادته يرسل إليها في كل وقت بشيء فتحير كيف يفعل فغلب على نفسه فأعطاه دينارا فلما وصل صاحب الدين أعطاه ما حمل فإذا هي ثلاثة وما تنفق من شيء فهو يخلف وله الحمد..
…ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن رستم ومن كراماته أن ولده في غانا، فقال لأهله أخروا عشائي آكله مع عمران فأرجأءه حتى مضى هدو من الليل فخرج وصعد على صخرة السبع فنادى ابنه غائبا عنه فلم يجبه أحد فتعجب النا من ندائه فرجع فإذا بعمران أقبل وأكل عشاءه معه..
…ومنهم عبد الملك بن خلوف، ومن كراماته أن بعض سدراتة منع الحق فأرادوا أدبه وسجنه فعتى وتجبر وامتنع فقال له جعل الله دارك سجنك فحبسه الله فيها كلما أراد أن يخرج تمثل له شيء مما شاء الله على الباب يفزعه ويصيح فيرجع حتى مات غما.. (2/207)
صفحة 498
…ومنهم أبو سليمان داود المشهور بالصادق النفوي وكان صاحب براهين وكرامات ومن كراماته أن دعا قائد عسكر نزل على أهل تاغيارت فطلبه أن يتحول عنهم فامتنع أن فرق الله أعضاءه فأدلع الله لسانه حتى وقع على صدره وانقطع فدفن ثم كذلك حتى مات..
…ومنهم الشيخ صالح اشتهر بالصادق وكان أيضا ذا كرامات فمنها ما ذكر أبو زكريا عما ذكر أبو الربيع سليمان بن موسى أن أهل وارجلان لا يعجلون بدفن من ينظر إليه حتى تجتمع الأخيار، فمات صالح الصادق فأدخلوه على جانب فلما أرادوا الخروج خرج واختلف من كان داخل الدار ومن كان خارجه في كيفية الخروج هل اتسع الباب وارتفع أو خرج من فوق الباب وتقدم هذا..
…ومنهم أبو حفص عمرو بن عدل ومما يروى عنه أنه قال مجالس المسلم أربعة، مجلس الذكر ومجلس العلم، والثاني مسجد يصلى فيه، والثالث جنانه يخدم فيه، والرابع داره متجنبا للمآثم متنزها عن النقائص.. (2/208)
صفحة 499
…ومنهم أبو يعقوب محمد بن يدر الدرفي وكان عالما رفيقا حسن السياسة، منها أن فات بحلقة ببعض الأحياء ووافقوا مبيت السلطان والأجناد فلما أكلوا العشاء خرج العزابة ناحية يذكرون الله ويقرأون وخرج الأعوال ناحية معهم العزفة والمغنين بالمراهر والمزامير فتلطف فآتاهم فقعد بينهم فقال اسكتوا فلما سكتوا قال هل لكم فيما هو خير مما أنتم فيه قال تريحون أبدانكم وتنتفعون بما أكلتم قالوا صدق، وتركوا ما هم فيه من الطرب واللعب، ومنها ما ذكر أبوا الربيع عن أبي محمد أن غارة لصنهاجة غارت على زناتة فرجعوا فألفوا أبا يعقوب وأبا عبد الله محمد بن بكر وعزابتهم على الماء فوقفوا على بعد على خيلهم فنادوا بأعلى أصواتهم واعطشاه واعطشاه يا عزاب فلم يشتغلوا بهم إلى ثلاث فقال واحد منهم أرى أنهم يقتلون كالفئران فسمعوا وتنحوا لهم عن الماء فوجد أحدهم أبا يعقوب يحفر التربة بيده ليغسل بها، فرق له فقال خذ المزارق واحفر به، قال أبو يعقوب رمحك يصلح لغير هذا والشيخ لا يريد استعمال الريبة فترفق في حسن التخلص فندم أبو عبد الله فقال أنت خير مني، كان أبو عبد الله إذا ذكرها ندم إذ لم يترك لهم الماء أولا، قبل كلام المتكلم وكان هذا الشيخ في نفوسة أمسنان، عادته يجلب العزابة من أهاليهم فيبتدأون عنده ويعلمهم السير والأدب ثم ينتقلون إلى الشيخ محمد بن سدرين الوسياني فيقرأهم الإعراب والنحو ثم ينتقلون إلى أبي عبد الله محمد بن بكر فيعلمهم العلم والكلام والأصول فمثلوهم بمن يقطع الأعواد من الغابة ويصلحها ويدفعها للنجار ثم يدفعها النجار إلى من يركبها.
…ومنهم الشيخ صالح بن محمد وكان من المتقين وكفاك في فضله أن ذكر أنه من الأبدال وقيل يوسف بن ونمو وكان في زمن أبي العباس بن محمد..
…ومنهم عبد الله بن حمو بن اللؤلؤ وحقه أن يذكر مع أبيه وكان من الأشياخ المذكورين..
…ومنهم الشيخ نوح بن محمد بن ميمون السدراتي وهو من المذكورين في جملة الأشياخ.. (2/209)
صفحة 500
…ومنهم النعم بن الولي بن يعقوب اليانجسي وقد ذكر من الأبدال..
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن الوالي قال أبو الربيع قدم على الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر في سنة فروره سنة شدة وقحط، وعند أبي عبد الله الشيخ فلفل فصافحاه وفرحا بقدومه وكانت عليه ثياب رثة فبادره فلفل فأبدلها له فشكى إلى أبي عبد الله ما هم فيه من الحاجة فأعطاه عشرين دينارا فشاوره أن كان يصل وارجلان إلى الشيخين داود وصنادي فقال أدرك أهلك قبل أن يموتوا جوعا وإذا وصلت وارجلان أبطأت عنهم فشكى ضعف قوته فدعا له أن يسهل الله عليه العسير فأوصى عليه رجلا أخرجه معه إلى بني يانجاسن فوافق خروج قافلة إلى سوف ثم وجد عيرا إلى نفزاوة وخرج مع جماعة من اللصوص إلى بلاده وكانوا يترفقون به ويقولون إذا عييت فاسترح فعطفهم الله عليه وتلقاه أبو الربيع نازلا من إفريقية عليه ثياب وسخة وكان يعرفه في الثياب النظيفة الحسنة والحالة الجميلة قال له ما هذا قال مجيبا نحن في زمان من فقد دنياه فقد أخراه والأولون من فقد الدنيا لم يفقد الآخرة..
…ومنهم أبو الحسن أفلح المادغاسني كان شيخا عالما وإماما حاكما أخذ العلم من الشيخ حمو بن اللؤلؤ وكان صديقا لأبي عبد الله محمد بن بكر فقدمه أبو عبد الله محمد على بني ورتيزلن فأقام فيهم يحكم بالعدل سنين وقد تقدم ذلك في أخبار أبي عبد الله وما ظهر له فيه..
…ومنهم عبد الله بن الحسن وكان شيخا فاضلا مذكورا مشهورا في وقته وفي سير أهل المغرب أن عبد الله بن الحسن سمع هاتفا يهتف بليل تيوراست بشعر بالبربرية يوصي فيه بمراعاة المتقين وصلتهم كذا ذكر في روايات أبي يعقوب يوسف بن محمد عن الأشياخ..
…ومنهم الشيخ مسعود الإطرابلسي ذكره أبو يعقوب يوسف بن محمد في روايته عن الأشياخ وروي عنه شعرا بالبربرية..
…ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى يوركوص ذكره أيضا أبو يعقوب وروي عنه في غير الموضع.. (2/210)
صفحة 501
…ومنهم الشيخ أفلح بن أبي زكريا كان شيخا صالحا صافي القلب خالص العمل نقي العرض وذكر في أخبار سارت أن أفلح بن أبي زكريا أقبل ذات مرة من الجشر وهو بقل الأرض إذ يرتحلو إليه لتأكله حيواناتهم، فسمعت سارة هاتفا يقول لها شعرا بالبربرية ترجمته أن الشيخ أفلح بن أبي زكريا قد أقبل من الحشر والسفر فبشرها بإتيانه لتنزع منه العطش والجوع وتسبق وتأخذ بركته فوصفه بكونه ولي الله وأنه طاهر القلب وأن القلب تولاه في الله، وخاطبها بيا هذه التي معها السير وأنه خالص الإيمان، ثم قال الله الذي يعلم المسلم في الحقيقة وذلاك بشعر بالبربرية وهتف بها مرة أخرى يسليها لأن قرابتها لم يصلوها أو لم يصلوا إليها يقول شعرا بالبربرية إن أخوتها أفلح بن أبي زكريا ويدرين جلداسن وأبو القاسم يونس عطية الله، وسارة امرأة لواتية مسكنها سوف صالحة عابدة جعل الله لها منبها ينبهها فيأمرها بالمعروف والخير، ومن أخبارها أنها أرادت أن تأكل تمرا من قلة لها في عام قحط فقال لا تكثرين الأكل فإن الناس في جوع، وقال لها مرة افعلي هذه الخصال حيث أصبت ركوع الضحى وصوم يوم الجمعة و الصدقة مما أعطاك الله واصبري، وأرادت مرة زيارة المشايخ من الرمال إلى سوف فتحيرت من الحر والبعد فنبهها بأن قال إذا استقبلت موضعا وقصدت الله أعانك أو رفعك كما رفع السماء فارتفعت فإذا هي بسوف بقدرة الله، وقال لها مرة من حمل على نفسه مشقة العبادة ومن لم يحملها يتغابنون يوم القيامة ويتفاضلون، واعلمي سعيد بن أبي ولي وجلداسن وإسماعيل وبني أخيه أن يعزموا على لقاء الله، واجتمعت نسوة إليها وسألنها عما ينجيهن من النار، فقال لها قولي لهن الطهور ثم الصلاة ثم الصوم ثم الصدقة وترك الغيبة وأخبريهن أن الله يغفر ما هو أعظم من الجبال والجهل يرمي بصاحبه في النار، وقال لها ثلاثة غرباء الحلال والمسلم والمساجدـ ورقد يرمي على رملة ربى وسمع هاتفا من تحته يقول أصبت راحة النوم بالصدقة (2/211)
صفحة 502
وبالعطا أصبت رحمة ربي و بالنية أصبت الزاد والنور فقدم سوف فأخبرهم فوصف الكدية قالوا ذلك قبر سارة وتقدم مبيتها عند إدريس بن الطويل إذ ضلت بُهمَهَا، وتقدم أخبارها مع أفلح بن زكريا، وخرجت مرة في طلب بُهم لها ضلت فنفذ ماؤها فتحيرت فأنشدها شعرا وأخذ بيدها ورمى بها في سوف، وكانت تنفق على عيال غائب وكَلَها فأعجبتها مرة حبة تمر فرمت بها في فيها فنبهها فألقتها من فيها وأخبارها أكثر واختصرنا وجميع ما نبهها به من الشعر بلغة البربر ولذا لم أثبته..
…ومنهم الشيخان الأفضلان التقيان جلداسن وابنه يدر كلاهما موصوف بالخير والصلاح وتقدم التنبيه عليهما مع سارة..
…ومنهم الشيخ يونس عطية الله وتقدم أيضا..
…ومنهم الشيخ يدراسن وفي المعلقات قال الشيخ يدراسن نرضى لأهل هذا الزمان أن يصلحوا علانيتهم كما أصلح الأولون سرائرهم وأن يصلوا من وصلهم كما وصل الأولون من قطعهم وأن يزهدوا في الحرام كما زهد الأولون في الحلال وأن يقيموا فرائضهم كما أقام الأولون نوافلهم وأن يتقوا على دينهم كما يتق الأولون على نعالهم وأن يشفقوا من الذنوب كما خاف الأولون من عدم قبول أعمالهم..…
…ومنهم الحاج سبع وفي المعلقات قال الحاج سبع من فسح له في المجلس فرأى أنه يستحق ذلك فهو هالك..
…ومنهم عطية بن مفرح وفي المعلقات قال كل ما يلد البيض لا ينجس طرحه إلا الدجاج وشبهه مثل الوز والوزغ وغيره، وقال لا يقال لغير المتولى مرحبا، ومن جعل له طعام فله أجر كل من أكل منه وقال يحيى بن زكريا إذا رفع يده منه وهو يريد أن يأكل منه غيره..
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي شيخ من قرب الحمى، رووا عنه تجويز ألفاظ على الله بالبربرية، وعنه من صبر في الصلاة على ألم برغوت أو قملة وهو في الصلاة غفرت ذنوبه، ومن استقبل القبلة بحاجة الإنسان وهو غافل فتذكر وانحرف عنها غفرت ذنوبه، ومن أنحنى ليحمل حجرا للاستجمار لا يستوى إلا وقد غفرت ذنوبه.. (2/212)
صفحة 503
…ومنهم عبد الرحيم بن أبي منصور شيخ من شيوخ العلم فائق وقدوة من أئمة أهل الدعوة، صادق ذو كرامات وفضائل، روى صالح بن عبود عن أحمد بن يوسف عن عبد الله بن لنت عن عبد الرحيم بن أبي منصور أنه رأى أباه أبا منصور خرج من قبره وأتبعه بصره حتى وصل قبر يوسف بن خليل فغاب عنه، وعنه من قال إذا أصبح:(الله إني أشهدك وأشهد ملائكتك وكملة عرشك وأنبيائك ورسلك وجميع خلقك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمد عبدك ورسولك وما جاء به حق من عندك) أربع مرات كان عتيقا من النار..
…ومنهم ابنه الشيخ أيوب بن عبد الرحيم، وفي سير المغرب وذكر أن امرأتين لما تغيرت لواتة الساكنون بطرة ورجعوا حشوية خرجت امرأتان أختان مهاجرتان بدينهما إلى تجديت فتزوجت الأخرى واسمها أم العز الشيخ عيسى بن إبراهيم فولدت له الشيخ محمد..…
…ومنهم أبو منصور أبوه وهو مزاتي..
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن لنت شيخ أخذ العلم من الأشياخ ويروى عن عبد الرحيم بن أبي منصور ويروي عنه أحمد بن يوسف روى صالح بن عبود عن أحمد بن يوسف أن عبد الله بن لنت قال ليس علينا ممن رمى غير المتولي شيء..
…ومنهم أبو يوسف يعقوب بن خليل كان شيخا فاضلا متقيا مستجاب الدعاء ومما روي عنه أنه يدع:(باللهم اجعلني قمحة على سطل) ونام تحت طاقة في المسجد فأخذ بعض كساه منها فأسقط عليه حجرا فقال لأقتلك إلا سبع، فكان كذلك..
…ومنهم ميمون بن أحمد شيخ مذكور، ومما يروى عنه أنه قال من عطس خمس مرات يوم الجمعة غفرت ذنوبه ومن قال لمتول يا ثقيل، يبرأ منه، ومن مسح بعد الصلاة تراب جبهته بثوبه ولم ينفضه سبح له مادام ملتصقا بثوبه وتقدم ذكره.. (2/213)
صفحة 504
…ومنهم أبو الربيع سليمان بن زمرين سأل أبا عمران عن تمر بال عليه الجديان أينقيه الزمان والريح والشمس قال نعم قال رزقك الله الجنة يا شيخ، قال وأنت رزقك الله الجنة يا شيخ، وعنه المسلم من بني آدم أفضل من الملائكة قيل لأنهم يحفظونهم في الدنيا ويدخلون عليهم في الآخرة من كل باب..
…ومنهم أبو يعقوب يوسف بن يرصوكسن ممن أخذ عن أبي الربيع سليمان بن يخلف، وسأله عمن قال ليس هنا إلا الله يطلع وينزل وعمن قال لآت فمي في الله، وعمن قال في فمي كالخبز فأجابه بأن ذلك في تأويل الإيمان وكثرة الحلف بالله..
…ومنهم عبد الله محمد بن مسلم، وفي المعلقات قال من أخذ أن الله أمر بهذا عرف أنه طاعة وبالعكس ومن أخذ أن الله نهى عنه عرف أنه معصية وبالعكس، وروي أن عبد له مات فغسله وحده عند ماء، وروي عنه أن الأمر والنهي ليس علينا منه شيء اليوم، وروي أنه دعا العزابة إلى طعام صنعه لهم فسبقهم فوطئ برجله في قصعة الزيت فقال كلوا لم أزل على الوضوء أراد أن لا يستقذروا الزيت..
…ومنهم أبو موسى عيسى بن إبراهيم الهواري شيخ مشهور من أهل تجديت تزوج أم العز أخت مقريت زوجة الشيخ عبد الرحيم بن أبي منصور فولدت له الشيخ محمد بن عيسى وهو إحدى المرأتين الأختين الصالحتين اللتين هاجرتا من طرة لتحصين دينهما، وهذا الشيخ في عصر أبي عبد الله، وفي السير أن عيسى بن إبراهيم مر بأبي عبد الله فقال أين تريد قال إلى قاتل أبي فأقتله قال هل رأيته قال لا قال هل شهد لك شهود قال لا قال فارجع وإلا كنت قاتل نفس بغير نفس..
…ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن عيسى ابنه وكان شيخا تقيا سيدا فاضلا أمه المرأة الصالحة المهاجرة بدينها أم العز وأصلح الله له زوجه وهي نسل الشيخ محمد بن بكر أم عبد السلام بن عبد الكريم تزوجها بعد عبد الكريم والله أعلم وكان هو وأبوه وأمه وزوجه وبيبه بيت علم وتقى وزهد اشتهروا في الخير.. (2/214)
صفحة 505
…ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن جنون شيخ من شيوخ العلم روى الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد، ومما روى عنه قال سألته عن البينة واليمين متى يرجعان على المدعى عليه قال كل شيء لا يشهدون فيه الشهود إذا غب عنهم فالبينة فيه واليمين على المدعى عليه، وروى عنه أن الميت إذا انفتح فاه وانفتحت عيناه لا يغسل..
…ومنهم أبو نوح صالح بن أفلح أخذ العلم من أبي العباس وروي عنه أن الدعاء إذا راجعه القوم بينهم سبع مرات اختطفه الشيطان، وأما أبو نوح صالح الذي لقى أبا عمار بظعينتهما باندرار فهو في غالب ظني الشيخ صالح بن الشيخ إبراهيم المعروض عليه السؤالات وسيأتي وذلك أنه لما لاقاه سأله عند النزول وعند الارتحال قال أبو نوح منك الجواب قال تقول: ((رب أنزلني منزلا مباركا)) الآية .. وتصلي ركعتين عند الارتحال وتقول رحلنا وربنا محمود، وبلاؤه عندنا حسن، وتذكر الله ألم تعلم أن الجبل سأل الجبل هل مر بك اليوم من يذكر الله..
…ومنهم أبو موسى عيسى بن عيسى النفوسي وكفاك به علما وشهرة أنه الذي ألف كتاب السؤالات التي رويت عن أبي عمرو إملاء الشيخ أبي يعقوب يوسف بن محمد وتقدم التعريف به..
…ومنهم أبو نوح صالح بن إبراهيم وكفاك به شهرة أنه الذي عرض عليه كتاب السؤالات وكان شيخا وأبوه أبو إسحاق إبراهيم من كبراء الأشياخ أيضا..
…ومنهم عمران بن علي شيخ فاضل من كبراء العلماء وفي السؤالات وقال عمران بن علي يحكي عن أبي القاسم يونس بن أبي زكريا من قال إبليس من الملائكة أشرك، وفيها وقال ليس علينا من ولاية من وحد من اليهود حتى نرى له الوفاء رخصة منه رحمه الله وأظن أن الضمير في قال، لأبي القاسم وله أخبار وروايات.. (2/215)
صفحة 506
…ومنهم الشيخان أبو القاسم التوجميني وأبو نوح وكلاهما معاصر لأبي القاسم يونس بن أبي زكريا، وفي السؤالات وسمع رجلا يدعو آخر إلى الحق عند محرز بن سفيان فلم يجب فقال له أبو القاسم التوجميني فدعاه فقال أبو القاسم أجب فأجاب إلى الشيخ أبي نوح وأظن أن السامع أبو القاسم بن أبي زكريا وضمير له للمطلوب وفاعل قال الداعي وأبو القاسم مبتدأ أي بيني وبينك أبو القاسم، وفي أن أبا القاسم له على رجل حق فدعاه إلى الحق وليس معه إلا أبو نوح فأبى عليه من الحق أي الإجابة إلى الحق ولم يكترث بهما أبو نوح وغفل رحمه الله فلما رآه أبو القاسم غفل قال لأبي نوح أعطيتك الذي عليه فقبل فقال ادعه إلى الحق فدعاه الشيخ فخاف الرجل من أبي القاسم فجاء إلى الحق صاغرا وهذه بمناقب أبي القاسم أولى ولكن أردنا التعريف بالشيخين..
…ومنهم الشيخ يونس بن سابال الواشتي، وفي السؤالات وإن شهد أمينان على أن هذا اسم من أسماء الله أو صفة فعلى السامع كذلك أن يصفه ويعلم معناه وإن لم يعلم معناه فلا يعذر في ذلك وفيها رخصة أن يعلم معناه وهي مسألة يونس بن سابال الواشتي رحمه الله..
…ومنهم أبو الفتوح شيخ أخذ العلم من أبي عمار متأخر وفي السؤالات، وروى أبو الفتوح عن أبي عمار رحمه الله أنه قال يجوز أعوذ برضاك من سخطك وهذا مما يدل أن الرضا والسخط صفتا فعل وكثيرا ما يروى في السؤالات عن أبي عمار وإن كان متأخرا عن أبي عمر ولأنه تقدم أن المؤلف لها غير أبي عمرو بل هي أو أكثرها مروية عنه وربما روى عن غيره..…
…ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى بن يوسف المديوني شيخ فاضل عالم تقي، وفي السؤالات روى الشيخ أبو عمرو رحمه الله عن أبي موسى الشيخ عيسى بن الشيخ يوسف لما حس في عقله شيئا إذا سأل عن شيء قال كان شيء وفرغ وكذا أبوه من الأشياخ أيضا.. (2/216)
صفحة 507
…ومنهم الشيخ خليفة بن تازوراغت وتقدم أنه معاصر لجابر بن سدرمام وذكر أبو عمرو وغيره أن جابرا صنع طعاما للشيوخ فدعا الشيخ خليفة فقال يعلم الله لا أمضي إلى ضيافتك قال جابر قد وقع عليك الحنث فإن شئت فامض وإن شئت فدع، وبيان المسألة من قال يعلم الله أني لم أفعل وقد علم الله أنه فعله أو قال يعلم الله أني فعلت وعلم أنه لم يفعل لزمته الكفارة مطلقا وعصى و العصيان كبير وقيل صغير وقيل غير ذلك كذا عن أبي عمرو وروي عن الشيخ يحيى بن أبي بكر أنه الشرك أي تفسير غير ذلك لأنه أجرى علم الله على خلاف ما علم، قال أبو رحمة حكاها أبو زكريا يحيى بن زكريا عن أبي العباس بن محمد مشافهة وإن بقي علم الله عن الشيء الموجود أشرك، وإن قال يعلم الله أن هذا يكون أولا يكون وأراد الحتم كفر وإن لم يرده فهو بمنزلة اليمين..
…ومنهم الشيخ أبو زكريا يحيى بن أيوب اشتهر بابن بختيت أخذ من الشيخ أبي عبد الله بن بكر، وفي السؤالات وإن رأى من فعل فعلا ولم يأخذ قبل ذلك أنه كبيرة فلا يكون له حجة إلا أمينان، وروى يحيى بن أيوب المعروف بابن بختيت عن أبي عبد الله أنه يبرأ منه على مشاهدة الفعل واشتهر أيضا بمطحنة المسائل وهو نفوسي، وفي السؤالات و حكي عن الشيخ يحيى بن أيوب الملقب بمطحنة المسائل المعروف بابن بختيت أنه قال علينا أن نعلم أن الدنيا ستفنى أو الدنيا في نفسها الليل والنهار وما فيهما وسميت بذلك لأنها دنت إلى الفراق وجمعها دنا.. (2/217)
صفحة 508
…ومنهم الشيخ ساناج بن محمد بن أبي محمد جمال وتقدم التعريف بأبي محمد وهم جميع أهل بيت علم ودين أصلية في الوهبية، وفي السؤالات حكى الشيخ عن أبي زكريا يحيى الزواغي عن أبي مجبر الشيخ توزين أنه قال، قال لي ساناج بن محمد بن أبي محمد جمال المزاتي رحمه الله إن فعلت كبيرة ثم تبت كما قال الله فجاء من يبرأ مني عليها فإني لا أبرأ منه، فجعل نفسه مثل المتولى وحكى الشيخ عن عيسى بن يوسف المديوني أنه قال قال سانوج إن فعلت كبيرة ثم تبت منها كما قال الله فجاء من يبرأ مني عليها فإني أبرأ منه سواء قصدها أو لم يقصدها فجعل نفسه أكبر من المتولي..
…ومنهم أبو عثمان سعيد بن تينا بن أبي محمد ويسلان بن يعقوب الدجمي تقدم التعريف بالشيخ أبي محمد، وأما الشيخ سعيد فكان في عصر أبي عبد الله، وفي السؤالات ومن فعل فعل الجوارح فجاء من يبرأ منه عليه فلا يبرأ منه وأما كبيرة القلب فإنه يبرأ منه لأنه لا يصل إلى معرفتها وهي مسألة سعيد بن تينا بن أبي محمد ويسلان بن يعقوب الدجمي المزاتي وهو الذي قال في حلقة أبي عبد الله أخذت مسألتي ولا أبالي بعبد الجبار والحارث، وتقدم التنبيه على الحارث وعبد الجبار، وأما الشيخ تينا بن أبي محمد فشيخ مذكور في المشايخ وهو أهل بيت علم وتقى وذو أصالة في المذهب وقادة فيه وضبطه ثلاث سينات عليها ثلاث نقط وبعضهم أهملها..
…ومنهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ عبد الله ويروى عن أبي عمرو، وفي السؤالات ومنهم من يقول بالولاية بالعبد والنساء حكاها الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الله يروي عن الشيخ أبي عمرو وأبوه أيضا شيخ مذكور.. (2/218)
صفحة 509
…ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الشيخ أحمد، وكان أبو نوح ممن يروي عنه، وتقدم التعريف بأبي نوح وأنه كثير الروايات عن الأشياخ، وفي السؤالات، وأما أن يقول برئت من أهل ولايتي أو قال وقفت في أهل ولايتي فإنه يبرأ منه، وقيل ليس علينا منه شيء إلا أن قال برئ منكم أهل ولايتي، يبرأ منه، عن الشيخ عبد الرحمن بن معلا، وروى الشيخ أبو نوح عن الشيخ محمد بن أحمد أنه ليس علينا منه شيء وتقدم التعريف بالشيخ عبد الرحمن بن المعلا والله أعلم..
…ومنهم الشيخ أبو يحيى إسماعيل بن يحيى ممن أخذ من أبي عمار، وفي السؤالات إبليس أبو الجن الذي هو الجان ولما شمله الأمر جاز أن يستثني من المأمورين كما أمرنا مع الجن وليسوا منا، ثم قال فالمطيعون له من ذريته والمطيعون له من ذرية كانت لهم النار، ومن أطاع آدم واتبعه على الدين من ذريته ومن ذرية الجان فهم المسلمون، روى ذلك أبو يحيى إسماعيل بن يحي عن أبي عمار عن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر اليراسني رحمهم الله، وهو قول الحسن وجماعة من التابعين وغيرهم ورواه أبو صالح عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر عن أبي يعقوب محمد بن يدر النفوسي وكان شيخا معاصرا لأبي القاسم يونس بن أبي زكريا ولأبي عبد الله محمد بن بكر، وفي السؤالات في تمام المسألة المتقدمة عن أبي يحيى وجدوا في كتاب أن الجان أبو الجن رجل صالح فأخذوها، بل أبوهم إبليس، قال تعالى:((والجان خلقناه من قبل من نار السموم))(1) واتصل الخبر إلى آخر قصته فسماه بإبليس ثم قال ومن جعله من الملائكة أشرك وهي المسألة التي رد الشيخ أبو القاسم يونس بن أبي زكريا اليراسني على أبي يعقوب محمد بن يدر النفوسي في حديث عند أهل السير من أصحابنا رحمة الله عليهم وتقدم التعريف به وبسط المسألة في السؤالات..
__________
(1) سورة الحجر آية 27 (2/219)
صفحة 510
…ومنهم الشيخان الأفضلان العالمان القدوتان أبو الربيع سليمان بن الشيخ أيوب بن الشيخ محمد بن أبي عمر وبل الشيوخ الأفضلون وأظن أنه تقدم التعريف ببعضهم، وذكر في السؤالات أن الشيخ أبا يعقوب يوسف بن محمد ذكر عن الشيخ سليمان بن الشيخ أيوب بن الشيخ محمد بن أبي عمرو التناوتي رحمه الله قال لما كثر القيل في أخيه يحيى نهاه عن الدخول في أمور الناس وأمره بالاعتزال فلم يطعه ولم يصغ إليه فلزم سليمان بيته فتحير الناس من ذلك فدخلوا عليه فكلموه في الخروج إليهم والحضور لمجالستهم تبركا به لما يعينهم به ويستفيدون منه فتمثل لهم بقول الحكيم:
إذا ما كنت في زمن عبوس ……وفي ناس من البشر الخسيس
لزمت البيت مصطبرا كأني……أخو قبر دفنت بلا إنس
…وهؤلاء الأشياخ مذكوري في أشياخ تناوت وهذا كلف في التعريف بهم وإن أردت أخبارهم فتتبعها في الكتب..
…ومنهم الشيخ المعز بن جناو بن الفتوح وهو من الأشياخ الذين عرضت عليهم السؤالات وهو من أئمة الكلام والفقه وأخذ العلم _ أظن_ من أبي عمرو..
…ومنهم أبو الربيع سليمان بن محمد بن إسحاق وكان شيخا متكلما معاصرا لأبي عمار ولأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم..
…ومنهم أبو الربيع سليمان بن يومر أخذ من أبي عمار وغيره، وفي السؤالات الواحد في صفة الله على أربعة وجوه أي لا يستحق العبادة غيره قال تعالى:((قل إنما هو إله واحد))(1) و((أنه لا إله إلا أنا فاعبدون))(2).. وأمر الشيخ أبو عمار أن يزاد الرابع يعني في كتبه والرواي عن أبي عمار سليمان بن يومر وعن سليمان بن محمد بن إسحاق..
__________
(1) سورة الأنعام آية 19
(2) سورة الأنبياء آية 25 (2/220)
صفحة 511
…ومنهم الشيخ أبو عمران موسى بن هارون النفوسي وهو غير أبي هارون موسى بن هارون الساكن بابناين بل هو متأخر أخذ من أبي محمد عبد الله بن محمد العاصمي وفي السؤالات التقي الشيخ موسى بساق في سفاقس فطلبه الشيخ أن يسقيه فقال له الساقي لا أسقيك حتى تجيب لي هذه المسائل وهن من قال لامرأته أنت طالق لا طالق بل طالق يامطلقة تطليقتين، ومن قال لآخر أنت خلاف لخلاف الذي هو خلاف الذي هو خلاف الجميل، قال هذا مدح، ومن قال أنت خلاف لخلاف الذي هو خلاف القبيح، قال هذا ذم، ومتولا عدا الله إني أسأل كنارا تقطع لي منه ثيابا ولا أسأل كالجنة الكافين باللامين يوهم أنهما للخطاب قال ذلك جائز والكنار شقق الحرير، وقال له ما تقول في عائشة وابن عباس وهما متوليان عندكم قال ابن عباس أن محمدا رأى ربه بعين رأسه وقالت عائشة من زعم أن محمدا رأى فقد أعظم على الله الفرية قال أراد ابن عباس عمله بتمييز واستدلال من عقل، ولا يعني به التفكير بل بتعليم والأطباء تزعم أن العقل في الرأس فسقاه..
…ومنهم أبو الفتوح وهو ممن أخذ عن أبي عمار وفي السؤالات وروى أبو الفتوح عن أبي عمار الوجه في تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم أيانا من جهة التواتر من قبل الكتاب والسنة وأهملهما ولعله أبو الفتوح والله أعلم..
…ومنهم الشيخان أبو علي بن أبي علي وابنه أبو عمران موسى بن علي وكان من المذكورين في الأشياخ، وفي السؤالات وندين باستتابة المرتد على معنى نصوب وقيل عن الشيخ موسى بن الشيخ علي بن أبي علي ندين باستتابة المرتد أي أنها فريضة أراد أنها من الدين أي نتخذوه دينا لأن لندين(1) معنيين نصوب ونتدين
__________
(1) هكذا في صفحة: 174 (2/221)
صفحة 512
…ومنهم أبو مسعود معاصر لأبي عمار وقد كان يكاتبه، وفي السؤالات باختصار وعلينا أن نعلم أن الدنيا ستفنى وما فيها وفناؤها على التلاشي إلا الثقلين والملائكة وأطفال المسلمين والله أعلم وغيرهم، وعلينا أن نعلم أن كل عاقل يذوق الموت وليس علينا في غيرهم شيء إلا أن أخذت كل نفس ذائقة الموت على العموم، وعلينا أن نعلم أنهم يبعثون ويحاسبون أعني العقلاء، وعلينا معرفة سبعة أسماء بالعربية(الله، وجبريل، آدم، ومحمد، والقرآن، والجنة، والنار)وعلينا أن نعلم أن لله ثواب لا يشبهه ثواب، وعقاب لا يشبهه عقاب، وعلينا أن نعلم أنهم حدثوا ومحدثهم واحد لا يشبههم ولا هو منهم، قال وهذه الوجوه التي كتب الشيخ أبو عمار للشيخ أبي مسعود فعرضها على أبي يحيى واستحسنها غاية الاستحسان وسوغها واشتد به العجب..
…ومنهم الشيخ مرصوكسن الصاويني وكان ممن يروي عن الشيخ عيسى بن يوسف، وفي السؤالات التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق يأتي بهذا هكذا بالعربية وإن ترك منها شيئا لا يجزيه، روى هذا الشيخ مرصوكسن الصاويني عن الشيخ عيسى بن الشيخ يوسف عن الشيخ عبد الله بن محمد اللنتي رضي الله عنه..
…ومنهم الشيخ أفلح بن عبد العزيز وكان شيخا فاضلا، وفي السؤالات في الذي تولى رجلا وهو كافر في الكتب المتقدمة أو تبرأ منه وهو مسلم فيها فعن الشيخ يحيى بن زكريا الزواغي يسعنا هذا ولم يلزمنا إلا ما في هذا الكتاب، وحكى أفلح بن عبد العزيز عن الشيخ عيسى بن الشيخ يوسف أنه لا يسعنا خلاف الكتب..
…ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى بن حمدان مذكور في الرواة ومشهور في الأشياخ.. (2/222)
صفحة 513
…ومنهم الشيخ عبد الرحمن الكزيني المصعبي، وذكر الشيخ عيسى بن حمدان أن الشيخ عبد الرحمن الكزيني المصعبي كتب إلى شيوخ وارجلان سائلا عن اليقين والقدر والفرق بينهما وعن أعلام الساعة وغير ذلك، فأجابه أبو عمار ووافقه الشيوخ بأن اليقين فعل العباد والقدر فعل الله واثنان من أشراط الساعة منصوصان:((حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ...الآية))(1) و((وأنه لعلم للساعة ..الآية))(2) يعني عيسى، واثنان مستخرجان من النص، طلوع الشمس من مغربها يوم يأتي بعض آيات ربك، وخروج الدابة:((وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم..))(3) ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى محشرهم لما روي عن النبي عليه السلام في ذلك، وحبشي يعلو الكعبة بفأس يهدمها، وخسف بجزيرة العرب..
…ومنهم الشيخان الأفضلان أبو إسحاق إبراهيم ووالده أبو إبراهيم بن يخلف بن مالك المزاتي الدجمي التغرماني فإن كان أبو إبراهيم هو مصكداسن فقد تقدم التعريف بهما وإن كان غيره وجمعهم الاسم والقبيلة والزمان والدين والعلم فالله أعلم ومما يزاد من الأخبار أن إبراهيم كسر ألف دينار على الكتب وجمع منها كثيرا ولما حضره الموت أوصى بها للشيخ أبي العباس بن محمد والتقى معه الشيخ أيوب ورآه بغير جريدة يدفع لها المكروه فيما يظن فقلت معي مدية فقال حسن إذن فارجع فقلت له تبت فقال رددتك..
…ومنهم أبو الحسن على بن خزر الوسياني النفوسي وكان شيخا فاضلا، وفي السير، سير أهل المغرب أن الشيخ سعد بن يفاو أورد على الشيخ علي بن خزر ثمان خصال ظن أنه عملها وهو منها برئ فلما أخذ يعدها عليه بادر إلى التوبة والاستغفار وعدم العود إليها فقبل منه فقيل له لم تدفع عن نفسك وأنت لم تعمل فقال أعوذ بالله أن أرد ناصحا ول رددته لضرني فيما أعمل فيقول أراد نصحه فلان فلم يقبل ولست خيرا منه وهذا الشيخ معاصر لأبي عبد الله بن بكر..
__________
(1) سورة الأنبياء آية 96
(2) سورة الزخرف آية 61
(3) سورة النمل آية 82 (2/223)
صفحة 514
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي ابنه وكان مذكورا في الأشياخ وتقدم التعريف به..
…ومنهم أبو سليمان الشيخ داود ويسلان من جملة الأشياخ الذين عرضت عليهم كتب أبي العباس التي ترك في الألواح..
…ومنهم الشيخ بعزيز النفوسي المسناني وذكر أبو نوح وأبو عمرو أن شيخا من أمسنان سأل هل تعطى الزكاة لمن جاز عليك من أهل الدعوة ولم تعرف له كبيرة قال نعم لوحا ولوحين فأنكر عليه سعد بن يفاو وعلي بن خزر وعلي بن سهل وقال لهم مرادكم أن لا يأخذها إلا مثلكم وأنتم بين من يطعمها لأمة خمارة وقوي يقدر على الاحتراف وستخلف على ربع..
…ومنهم أبو الحسن علي بن سهل النفوسي وهو من الأشياخ المشهورين والعلماء المذكورين وله سير وأخبار..
…ومنهم الشيخ أبو عبد الله بن أبي صالح النفوسي من أمسنان وهو من الأشياخ المذكورين، وذكر أبو عمرو وأبو نوح أن جماعة من العزابة من أريغ جاوزا على الشيخ محمد بن أبي صالح النفوسي قال أنتم مغراوة أعظم منا بختا ومن قوة سعودكم أن انتقل إليكم أبو عبد الله محمد بن بكر في خمس خصال امتاز بها: العلم، والورع، والعبادة، والشجاعة، والسخاء، ومن ذروة نفوسة..
…ومنهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الواغلاني كان ركنا من أركان أهل الدين ومأوى وحصنا للأخيار توفي عام ثمانية وخمسمائة في أنوار، وفي تلك السنة مات أبو يحيى بن أبي بكر في جربة وفيها قال أبو عبد الله:(إنا لله وإنا إليه راجعون) ثلمة من هاهنا وثلمة من هاهنا، وذكر أنه كتب إلى صاحب له أما العقل فقد طارت به عقاب الجو، وفيه قال أبو زكريا يحيى بن أبي بكر يُستند إليه في اللغة كما يُستند إلى سارية..
…ومنهم والده محمد بن إبراهيم وكان متقيا عابدا ورعا مات شهيدا وذلك أن بني مسافر غدروا بأهل واغلانت فقتلوا منهم بشرا عظيما وكان الشيخ يصلي الضحى فلم بهم حتى وقفوا عليه فقتلوه وقد قال لهم غدرتم بهم ردكم الله تحتهم.. (2/224)
صفحة 515
…ومنهم الشيخان القدوتان يزيد بن يخلف الزواغي وابنه خلف، وذكر أبو عمران أن أبا يعقوب محمد بن يدر أجاب مسألة فأخطأ وذلك أنه قال علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها وهو جواب مستاوة وكان أبو الربيع سليمان بن يخلف ويزيد بن خلف الزواغي خلف المجلس فأجابا بأنه علينا العمل والعلم بكيفيته وبأن عليه الثواب وبأنه فرض وعدل وكانا باتا عند حلقته فلم يقل لهما نزعت قولي ولا قالا له تب، وذكر أن الشيخ يزيد كان في جبل نفوسة فسألهم بعض مستاوة هل تعلمون لربكم سميا وكان من عادة مشيخة نفوسة لا يعجلون بالجواب مع كثرة علمائها حتى يدور السؤال جميل الجبل من لالت إلى تغرمين ثم يرجع إلى الشيخ الذي سأل عنه أولا، فيجيبه، وأجروا هذا السؤال في عدم المسارعة إلى الجواب كذلك فضاقت العامة والعجائز ذرعا فبادر يزيد بأن قال ما نعلم له سميا يا عدو الله وارتفع عندهم، وعلت منزلته..
…ومنهم الشيخ أبو محمد وافي بن عمار الزواغي، وكان شيخا عالما تقيا ورعا مفتيا مشهورا مذكورا في الأشياخ، ونقل عنه جماعة وهذا الشيخ في عصر الربيع سليمان بن أبي هارون موسى وهو الذي استفتى أبو زكريا بن الشيخ أبي هارون موسى حين شدت عليه المشايخ إذ جار على نفسه بكثرة الوضوء بالماء البارد حتى شلت إحدى يديه فقال له وافي أبي عمار العضو الذي أهلك في طاعة الله الجنة أولى به، وكان يقول ماذا وجدت في عمى وافي، وتقدم هذا بالتعريف بالشيخ أبي هارون وبالجملة إنه شيخ حزيم ورع، وبطون الكتب مشحونة بما رووا عنه، ومن نباهته أن مشايخ نفوسة سافروا إلى درج فتعرضهم رجل من أهلها ليضيفهم فأبى عليهم وافي بن عمار لكونهم قبل ذلك حكموا عليه بغير المشهور من الأقوال خوفا عليه من غريمه ونظروا صلاحه في ذلك فعصوا أبا محمد وتركهم في البيت ولم يكرمهم. (2/225)
صفحة 516
ومنهم أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني تقدم التعريف بجده وأنه أخذت فيه بركة الشيخ أبي الخير الزواغي، إذ دعي له وسمي باسمه وكني بكنيته وبقى أثرها في ذريته، وأبو زكريا في زماننا أشهر من جده لكثرة تآليفه، ومن غزارة عمله وعمق بحره أنه يفتي للناس حين رجع عن أستاذه أبي الربيع سليمان بن أبي هارون ستة أشهر، ولم يتوقف ولو في مسألة واحدة مع كثرة السائلين في أي فن من الفنون سألوا، ومن شدة عدله أن ضافه رجل من أهل تنبطين فلما أصبح تخاصم هو وغريم له عند أبي زكريا وكان أكرمه إكراما تاما ولم يجر الأحكام لإكرامه الشيخ فأدبه الشيخ بنفسه ضربا وإهانة بل هذا سهو مني وإنما اتفق هذا لأبي يحيى توفيق الجناوني، وذكر في آخر كتاب النكاح وكان سفرا مستقلا وإنما كتبناه رغبة فيما يتحفظه من آثار من أدركنا ثم قال وقصدنا فيه إلى حاجة مما يحتاج الناس إلى استعماله مما أفتاه الشيخ أبو الربيع سليمان بن أبي هارون رضي الله عنه وقدس روحه وأكرم مثواه إلا القليل منه فربما أسندناه إلى غيره وربما لم نسنده من رواية مستظرفة وقول مستظرف وأما الجل منه فهو عنه، وكفاك حفظا وقوة ثبوث أن صنف كتابا مما حفظ عنه وسمع من شيخه إلا قليلا مما سمع من غيره، وجازت عليه نسبة الدين وأخذ عنه بشر كثير وكان اعتماد أهل نفوسة على كتبه حفظا وفتيا لكونه أودع فيه المأخوذ به من الأقوال، وربما ذكر الخلاف وهي كتب مفيدة في الأحكام، ومما ذكر عنه أقام عند أبي الربيع مدة طويلة في مسجد ابناين، ومن عادة نفوسة أن يجعلوا سترة على الصف الآخر من المسجد وذلك في جميع مساجدهم يدخله النساء لسماع العلم وللصلاة ليكون بينهن وبين الرجال حجابا فلما أراد الانصراف من عند شيخه والموادعة قال امهلوني حتى أدخل خلف السترة لأنظرها ولعلي أن أسأل عنها فناهيك من رجل أقام بمسجد أعواما لم يختبر أركانه ولم يعلمها تورعا وهذا الموضع في غير أوقات الاجتماع مباح للرجل (2/226)
صفحة 517
للقعود وللصلاة..
ومنهم الشيخ أبو سليمان داود بن هارون كان الغاية في العلم والورع والحلم أخذ العلم عن أبي زكريا بن الخير وأخذ عنه كثير وله أجوبة مفيدة، وهو الذي ألَّفالمسائل التي نقلها أبو محمد وارسفلاس عن أبيه مهدي عن أبي يحيى وفي المعلقات قال عيسى بن حمد أن حضرت مجلسه فسألته هل يجوز على الله متكلم قال الله أعلم، على نفي الخرس عنه، قلت ومكلم قال على أنه فاعل للكلام قلت تكلم وكلم قال يجوز بعد خلق الخلق قلت يتكلم قال لا يجوز في الأزل وفيه اليوم قولان وسأله عن غير ذلك فأجابه قال فعلمت أن الرجل ماهر وقال البغوري قال بعض المغاربة سرت البلاد شرقا وغربا فلم أر مثل داود بن هارون وهذا الشيخ يعني أبا محمد بن محمد وبالجملة أنه في أيامه تضرب إليه أكباد الإبل في إيضاح كل مشكل وتفسير كل غريب وجواب كل سؤال وشهرته في التقى والورع في بلاد نفوسة بل في جميع المغرب أشهر من أن تخفي..
ومنهم الشيخ أبو يعقوب نالوف بن أحمد كان في زمان أبي زكريا يحيى بن خير وكان ممن يكاتب في مشكلاته أبا الربيع سليمان بن أبي هارون وله إليه أجوبة مودوعة بطون الكتب لمن أرادها..
ومنهم أبو محمد عبد الله المجدولي المعروف (2/227)
صفحة 518
بتميجار هذا الشيخ من طلبة أبي الربيع وهو خاص به وكثيرا ما يكاتبه بعد أن رجع إلى بلده ولأبي الربيع إليه أجوبة وكان يؤثره على سائر التلاميذ وإذا سافر أو انتقل كان رديفه على البغلة، وفي السير سير نفوسة أن رجلا أطعم أبا الربيع وطلبته في بعض المنازل فلم يأكل بعض التلاميذ لعله استراب طعام الرجل فغضب عليه أبو الربيع فقال لأبي محمد عبد الله التميجاري وقد كان رديفه على البغلة قل له يلحق بيته فقال أبو محمد مجيبا أم لم تأثم أنت لم يأثم هو يا شيخ عرف الحق فجعل يطأطئ برأسه حتى بلغ رأسه قرب قربوس السرج وأجوبته له كثيرة، منه أن من جرح أو قتل غيره بأمر فقد كفر ويعطي الدية للورثة في القتل ويعطيها له في الجرح ويعطيها فقد كفر أيضا، ومن قال لامرأته أنت طالق كلما دخلت الدار، وإن دخلت الدار أبدا فكلما دخلت لزمها الطلاق في المسألة الأولى ويرتفع ذلك إذا نكحت زوجا غير بلزوم ثلاث لا بتمام العدة وفي الثانية قولان، وبالجملة كل امرأة بانت من زوجها بثلاث ثم نكحت غيره ارتفع كل يمين قبل ذلك، ومن تبرأ من رجل ببراءة وليين ثم رجع أحدهما أن البراءة ثابثة وإنما اخترت هذه من سائر الأجوبة طلبا للاختصار ولحسنها.. (2/228)
صفحة 519
…ومنهم الشيخ هارون بن الربيع سليمان بن أبي هارون موسى بن هارون الباروني النفوسي تقدم التعريف بابنه لشهرته وهو أيضا من الأشياخ المذكورين والعلماء المفتين، وذكر ابنه أبو سليمان داود في بعض أجوبته لأبي عبد الله محمد بن أبي زكريا عن أهل تملشايت وجماعتهم من أهل تيجي حين أبوا أن يدوا معهم، قال اعلم يا شيخي أنهم قد سألوا أبي في حياته فقال لأهل تيجي أدوا على أموالكم في تملوشايت مع أهل تملوشايت في يدارون به على أنفسهم وأموالهم، فقال أبو يوسف ابن عم نزار ما نشتغل بأبي داود ولا بأبي عبد الله ثم قال يا شيخ إن أجابوا لك بما يوجب عليهم الحق أن يفعلوه فقد أخبرتك بما قال لهم أبي وعندي أنا مثل ذلك وتكلموا يومئذ أن من عثر في العرب باطلا فعليه جنايته في ماله وإن أغاروا عليه فليس عليه شيء في ماله وكذا إن خرجوا يدافعون جميعا فعثر واحد يعني والله أعلم على الجميع..
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن إبراهيم الباروني النفوسي كان شيخا مذكورا وحاكما منصورا أظن أنه معاصر لأبي زكريا يحيى بن الخير وكان يستفتي أبا الربيع سليمان بن هارون في النوازل الواقعة في أيامه ما يستشكله من الحكم، ولأبي الربيع إليه أجوبة..
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى كان شيخا فاضلا وحاكما عادلا وكثيرا ما يكاتبه أبو سليمان داود بن هارون ويخاطبه بيا شيخي إما تعظيما وإما حقيقة والمشهور عن داود أنه أخذ العلم من أبي زكريا يحيى بن الخير الجناني وكان أبو عبد الله يستفتي فيما أشكل عليه في الأحكام داود بن هارون ورأيت له إليه أجوبة كثيرة وكان حاكما على نفوسة بعد أبيه أبي زكريا.. (2/229)
صفحة 520
…ومنهم أبو منصور بن أبي زكريا كان إماما سالكا على الصراط وحاكما بالإقساط وهو أيضا ممن اشتهر في أيامه وقدم حاكما في جبل نفوسة وهو أيضا يستفتي في نوازله ومشكلاته داود بن هارون وجوابه إليه بالتعظيم، ومن أجوبته للشيخ أبي منصور بن أبي زكريا تولاك الله بالحسنى وزينك بالتقوى ويسرك لليسرى وجنبك سبل الردى أوصيك ونفسي بتقوى الله التي لا وصية أبلغ ولا هداية أنفع منها ومثل هذا كثير ويخابه أيضا أبا عبد الله بيا شيخي وكانت حكومته بعد أبيه ولا أدري قبل أبي عبد الله أم بعده وإلا ظهر قبله،ومن أجوبة داود إليه اختلف العلماء من من يقول يؤخذ الورثة على الذين لم يقتسموا ما بينهم من التركة، ومنهم من يقول لا يؤاخذون وبهذا القول رأيناهم يفعلون أي لا يؤاخذون حتى يقتسموا..
…ومنهم أبو يحيى زكريا بن إبراهيم وكان معاصرا لأبي سليمان داود بن إبراهيم وهو جد أبي يحيى زكريا بن إبراهيم بن أبي يحيى بن إبراهيم بن زكريا بن موسى بن هارون وتقدم الكلام على زكريا وورعه في التعريف بأبيه أبي هارون وكان شيخا مذكورا وكان أيضا ممن يكاتب داود بن هارون.. (2/230)
صفحة 521
…ومنهم أبو الربيع سليمان بن هارون وتقدم أن أبا زكريا يستفتيه في نوازله وكان عالما مفتيا وشيخ تقيا وأخذ العلم من أبي زكريا بن الخير أظن ومن أجوبته لأبي زكريا يحيى بن إبراهيم أن شهادة أهل الجملة على موت غائب في شهر كذا أو مات فلان قبل فلان جائزة ولو لم يكونوا أمناء إذا لم تهموا قال وسمعت الشيخ أبا زكريا يذكر في المسألة ما هو أكثر من ذلك ولهوان الظلمة إذا أغاروا على قوم فقتلوهم وقالوا قتلنا فلانا قبل فلان وهم ممن يتوارثون أن قولهم جائز يعني أن المقتول آخر في قولهم يرث المقتول أولا، ومن أجوبته له أن من استخلف خليفة أو وكَّل على إعطاء ما عليه من الحقوق وأخذ ما له ثم عزله عند الشهود وسافر أن الشهود الذين سمعوا منه إذن علموا بخداعه وحيله فشهدوا بذلك أن الشهود يوخبون ويغلط عليهم ويعنف بهم ولا ينصت لشهادتهم لأنهم معونة له على تعطيل الضعفاء، وللحاكم إذا أراد أن يتخذ خليفة أن يشترط عليه أن ينفذ جميع ما استخلفه عليه وإن غاب أو عزله فإن اشترط ذلك عليه لزم الخليفة ذلك ولو نزعه ويلزمه ما فعل الخليفة..
…ومنهم الشيخان الأتقيان أبو عبد الله محمد التنكنيصي الطرمسي ومحمد بن بركين كانا شيخين صالحين عالمين عاملين ورعين، قال الشيخ الفاضل داود بن هارون في جواب أبي منصور بن أبي زكريا وقد اجتمعا في المسألة في جادو كما عملت مع أبي عبد الله التنكنيصي وأبي عبد الله محمد بن بركين فلم يكن بيننا في المسألة إلا أن البيع ماض واختصرت كلامه لأن المقصود التعريف، وأبو عبد الله الطرميسي بلغ به الورع إلى أنه لا يأكل اللحم خشية أن يقع في الريبة أو الحرام كيف لا يعلم إلا أن يكون، طيرا وأرسل إليه بعض إخوانه أن يأخذ بظاهر الشرع ولا يبحث وإلا فإدراك الحلال البين متعذرا وما لزمك في اللحم والمأكول يلزمك في الصوف والملبوس أتتخذ ملبوسا من الريش أم تبقى عريانا..
…
(حكاية) (2/231)
صفحة 522
وقعت لبعض المجتهدين يوما، وقد ذكر الشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى ابن الشيخ أبي ساكن عامر بن علي مشايخ نفوسة وما أدركوا في الورع والعلم وإقامة الحق وما لهم من الكرامات فقال بعض المجتهدين الحاضرين يا شيخ بلغت مشايخ نفوسة في دين الله ما لم تبلغه الأنبياء فانتهره الشيخ ووبخه وقال له تب إلى الله وانزع لأن درجة الأنبياء لا تدركها الأولياء وأبى الجهل والبله أن يتركاه فزاد وقال نعم والله لأرض أبو عبد الله الطرميسي ما رضيت أولاد سيدنا يعقوب فزاد الشيخ في توبيخه وتهديده عصمنا الله من الجهل المركب..
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن يصلتن كان معاصرا لأبي زكريا بن الخير وفي أجوبة أبي سليمان داود لبعض إخوانه روى يحيى بن يصلتن عن يحيى بن أبي هارون أن جمله أكل من شجرة يتيم في كاباو فجعل عليه المشايخ اثنى عشر غصنا بدرهم، وأما الزيتونة فعلى سبعين غصنا درهم وقيل ستين وإذا كانت على غصن واحد فربع دينار وتقدم التعريف بأبي زكريا يحيى بن أبي هارون وورعه في التعريف بأبيه وأخيه أبي الربيع..
…ومنهم عبد الله بن مصكود شيخ فاضل وعالم عامل أخذ العلم من منبعه الشيخ أبي الربيع وتقدم التعريف به وأخذ عنه أبو سليمان داود بن هارون وكان خاصا به يحبه ويؤثره على غيره وهو جد أبي محمد وسيأتي، وروى البغطوري عن أبي محمد أنه قال قعدت معه ذات مرة في شرق مسجد تارديت تحت زيتونة يحدثني فآتانا الشيخ ابن وريازن فقعد فقال كنت أبغضك فقال له لماذا قال فرأيتك في النوم قاعدا مع عمر بن الخطاب في خيمة فأتيتكما فأردت الدخول فقام إلي عمر يريد ضربي بدرة في يده فقال بماذا تبغض ابن مصكود فزال ذلك من قلبي من هناك بإذن الله.. (2/232)
صفحة 523
…ومنهم وجدليش أبو يوسف الأمللي شيخ فاز بالتقى والدين وغاص في بحور العلوم فكشف الجهل والدين أخذ العلم من معدنه داود بن هارون وأخذه عنه جماعة وجازت عليه نسبة الدين وكفاك به سؤدد أنه أستاذ الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم، وذكر البغطوري في ذكر نسبة الدين أن بعض الأشياخ ذكر له أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام في مجلس عظيم ودرجته على الجالسين مرتفعة ومرتبته عنهم عالية وهو مشرف عليهم وفي صدر المجلس ومقدمته ثلاثة شيوخ أبو يوسف الأمللي وأبو يوسف الأرجاني وأبو محمد عبد الله بن محمد المجدلي وسيأتي تمام المنام عند التعريف بأبي يوسف الأرجاني..
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مصكود شيخ استقاد العلم وأفاده أخذ العلم من داود بن هارون كما أخذه من جده لكن أبا محمد بن محمد أشهر من جده لكثرة من أخذ عنه، قال البغطوري إن الشيخ أبا محمد بن محمد رحمه الله أفضل من أدركت وكان عالما بسيرة الأولين وأخبارهم كأنه حضر معهم فأكثر مجالسه في آخر عمره في ذلك ومثله وما أدركنا أحدا في زماننا أكثر نية منه قال لهم إنسان مغربي سرت البلاد غربها وشرقها فلم أر مثل داود بن هارون وهذا الشيخ يعني أبا محمد وكل ما وجدت رواية وسيرة في أخبار مشايخ نفوسة فالأكثر من ذلك هو راويه، وكان إماما تعلم منه بشر كثير وله فضائل ومواعظ.. (2/233)
صفحة 524
…ومنهم أبو يحيى توفيق بن يحيى الجناوني أخذ العلم من أبي محمد بن محمد وساد معه ولعله أخذ من غيره ثم عنه وكثيرا ما يروى عنه عن أبي سليمان داود بن هارون في كتبه وذكر البغطوري أنه أخذ عنهما دينه وله تآليف مختصرة وتقييدات وأخذت فيه دعوة الشيخ أبي موسى الجناوني وتقدم التعريف به، قال البغطوري وكان أبو يحيى يقول قدر الله أنه دخل إلى المصلى الذي عنه قصبة إجناون فمر أبي إليه وحملني في ذراعه فلما دخل عليه قال له الله الله لهذا الغلام فقال عسى الله أن يجعله نور هذا البلد، فخرج والحمد لله فقيه إجناون وغيره قال وأعطاني رمانة واحدة ولذلك عقلته، وفي مختصره في الطهارات وكل دم من بني آدم نجس إلا ما استخصوه من دم الشهداء وقد كنا حاضرين لدعوة عند موضع الشهداء في أمسين مع الشيخ أبي محمد رحمه الله فمسحت الدم بثوبي من الصفا فإذا نتانة الدم ظاهرة على الثوب فجرينا خلف شيخنا أبي محمد فسمعته يتحدث عن تلك الشهداء قال اثنان على دين عيسى قبل مبعث النبي بستين عاما قتلا على الإسلام والتوحيد ظلما والثالث من جبل دمر كان يتعبد في ذلك الموضع ويصلي فقتل ظلما وكانت دماؤهم الثلاثة طاهرة وبقيت دماؤهم على الصفا مجرى الماء ماء المطر فسأل الشيخ أبو محمد عن دمائهم فقال إن دماء الشهداء ليست بنجسة، انتهى كلامه ملخصا.. وهذه الدماء أحد الكرامات التي اختص الله بها جبل نفوسة أعني بقاء دماء على صفا مجرى ماء مطر على طول الدهر وإذا مسحته بثوب تعلق به وتشم منه رائحة الدم القريب العهد، وأول ما رأيتها وأنا مع شيخي أبي عفيف صالح بن نوح رحمه الله وحككته بثوبي فقال الله أعلم بطهارته، ومن كرامات جبل نفوسة أثر الغنم الذي بتالا على الصفا هابطة من جبل و ماشية مع الطريق كأنها ماشية في الطين ربما وقع أثر بعضها على أثر بعض وربما انفرد فيتبين أتم بيان يميز الصغير والكبير والمتوسط كل ذلك على صفا وصخور وجبل وبقي بقاء الدهر إلا ما دفن من (2/234)
صفحة 525
الصخور بالتراب أو تحول عن الطريق بطول الأمد ولذا تجد موضع التراب خاليا وفي الصفا ثابتا، ومنها أثر أبي عثمان الساكن بدجى أعني أثره في مصلاه على صفا، ومنها أثر أبي مرداس في صفا عند مصلاه ثلاثة أقدام، ومنها الأثر الذي في اكفى أثر ناقة ودابة وكلب عند مصلى الشيخ عمي طاهر ونسبه على ألسنة الطلبة لدابته وكلبه وناقته مشهور وبينها وبين حرف الجبل من أربعة أصابع إلى أذرع لتفرق الأثر لأنه غير واحد والله أعلم، ومنها الأثر الذي على الصخرة تحت بادو نسبه التلاميذ والطلبة إلى أبي الليث حين صعد من إجناون إلى جادو إذا انتقض لبن بقرته ووجد أبا منصور يضرب رجلا وتقدمت الحكاية في التعريف به، ومنها الدماء التي في الرمل في ككلة وتسمى دماء الشهداء ولعلها لأصحاب أبي حاتم، ومنها ما يحكى عن الصخرة التي سقطت عن بعض الأشياخ يصلي ومن قطعة عظيمة من جبل وأبا أن يزول ولا يلتفت فانحنت عليه حتى كادت أن تناله فأمسكها الله والله أعلم، ومنها خشب الشيخ ورأيت منه خشبتين إحداهما بلالت والأخرى بتالات وقسمتهما بيدي من تسعة أبشار إلى أحد عشر شبرا الشك مني لطول المدة، وبالجملة إن جبل نفوسة احتوى على الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء ما لا يوجد بغيره وذكر أن بعض الأزمنة لا تحتاج في قرية إلى قرية للفتيا إلا إجناون وويغو وتندميرة لا تحتاج دار إلى دار وقالوا اجتمع في إجناون سبعون عالما في أيام أبي عبيدة عبد الحميد من أهل ولايته وذكر أن إماء نفوسة في تلك الأعصار إذا وردن أو خرجن إلى الحطب لا يرحبن حتى يتذاكرن جميع مسائل كتاب ماطوس وتقدم فيما مضى التعريف ببعض شيوخهم ووقعت محاورة ومناظرة بيني وبين بعض ملوك إفريقية عام واحد أو اثنين وتسعين فآل بنا الأمر إلى أن قال ليس فيكم أولياء ولا صالحون فقلت يا سبحان الله إذا لم تكن الأولياء فينا ففي أي الفرق تكون من رأيتم يبول على عقبيه ويترك الصلاة قلتم هذا مجذوب وولي ولكن أرسل الشهود (2/235)
صفحة 526
إلى جبلنا لينظروا ما في بعضها كأثر الغنم لشهرته وخشب الشيخ بل حملوا خشبة منها إليهم وأبصروها فأفحم وسكت..
…ومنهم أبو عيسى الجناوني أخبر عنه البغطوري وقال في بعض الأخبار حدثني بذلك شيوخ إجناون وعده فيمن حدثه..
…ومنهم أبو يوسف الأرباني كان شيخا فاضلا تعلم العلم وعلمه وتعلم العلم وعمل بموجبه وكان ممن ساد أهل زمانه، وذكر البغطوري أن بعض الأشياخ حدثه آه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام في مرتبة عالية مشرفا على مجلس من الناس عظيم وتحته ثلاث درجات وفي مقدمة المجلس ثلاثة أشياخ أبو محمد عبد الله بن محمد وأبو يوسف الأمللي وأبي يوسف الأرجاني فجزت وسط المجلس وهمتي الوصول إلى الرسول عليه السلام فأمسكني أهل المجلس ولم أشتغل بهم فلما بلغت الدرجات ورقيت واحدة أو اثنتين فحبسوني فسألت حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المذهب فقال أنتم خير الأديان ومراده خير المذاهب أعني صاحب الرؤيا.. (2/236)
صفحة 527
…ومنهم أبو يحيى بن إبراهيم بن زكريا بن أبي هارون الباروني هو الغاية القصوى في العلم والأمر والنهي جدد المذهب بعد أن أخلق أخذ العلم من أبي يوسف وجدليش الأمللي عن أبي سليمان داود بن هارون وعن أبي محمد بن محمد عن أبي سليمان داود وفي أيامه رجعت بنو يفرن وككلة وبابل وتاكبال إلى مذهب الوهبية وكانت قبل في ذلك مستاوة وحسنية وخلفية أتباع خلف بن السمح أي بعضهم حسنية أتباع أحمد بن الحسين الاباضي وبعضهم مستاوة أتباع عبد الله بن يزيد الاباضي وأخذوا في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرج وحاتم بن منصور وشعيب بن المعروف وتقدم بعض أخبارهم في صدر الكتاب له يحكى عنه أنه تصدق على جميع جميع جبل نفوسة وبني يفرن وككلة وبابل وتاكبال بشيء من الدراهم من خمسة دراهم إلى أربعة لكل بيت وثمن زيت أو أكثر وغير ذلك، وزاره في هرمه بنو يفرن فلما أرادوا الوداع أعطى لكل إنسان منهم عشرة دراهم فأراد أن يعطي ما بقي لعون بن حريز مقدمهم فقال لا أريد إلا البركة وما آتيت من بلادي أطمع دنيا وقيل قبض لكل واحد قبضة فأراد أن يعطي الباقي لعون بن حريز فقال ادع لي الله فنشر له ثوبه فدعا له وضم أطراف ثوبه فلما بلغ داره نفض ثوبه فبقيت تلك البركة في ذريته إلى يومنا هذا، وكانوا سادات بني يفرن ومقدميهم ومن فضائله أن نفوسة إذا كانوا بالجزيرة متحصنين بها من يحيى بن إسحاق الميروقي كان فيهم رجل شجاع تكفل باحتراس المدخل فكان يعطيه كل يوم أربعة دراهم، ومنها أن طلبته أرادوا أن يفترقوا لجدب وبلاء وشدة وقالوا أضررنا بشيخنا وكانوا على ما قيل قرب ثمانين طالبا وكان ينفق عليهم فلما بلغه ما اجتمعوا عليه جمعهم على طعام بغير إدام فقال لبعضهم آتيهم بالإدام من موضع في البيت سماه له فأتى الموضع فوجده مالا ثم أتاهم بإدام من غير ذلك الموضع فقال أخبرهم بما رأيت فقال لهم لم أجمعه إلا لأنفقه عليكم في المسغبة ولا آذن لأحد أن ينصرف إلا لحاجة فأقاموا (2/237)
صفحة 528
فأخذ ينفق عليهم حتى زال القحط وقيل إن بعضهم سأله من أين جمعه، فقال من البيع في الشدائد وقيل معه الاسم الأعظم وقيل علم الكيمياء، ومن حزمه أنه إذا أرسل من يأتيه بالطعام من دكى وبين البلدين مسافة قليلة أرسل معهم خبيرا من نفاث وسيأتي حديث ذلك عند التعريف بالشيخ يخلف الفرسطائي تلميذه ومدة حياته أقام منار الحق ولما مات حزنت عليه طلبته وأهل مذهبه ورُثي بقصائد كثيرة من طلبته رأيت منها جملة وصلى عليه يوجين بن نوح أخ سعيد بن نوح من بلد مسين ووعظ الناس إليه يشير الشيخ أبو نصر فتح بن نوح في مرثيته إذ قال قام الخطيب يبكي الناس وساد من طلبته جماعة وسيأتي التعريف ببعضهم وبالجملة إن الشيخ حزيم لأخراه ولدنياه ووصل معروفه القريب والبعيد والمطيع والعاصي رحمة الله علينا وعليه..
…ومنهم الشيخ مقرين بن محمد البغطوري أحد الأشياخ الذين تمسكوا بالعلم وأتموا بالعمل واتبعوا الطريق وهو ممن حفظ على المذهب وحافظ على السير وهو أحد المؤلفين سير من قبله من أشياخ جبل نفوسة وألف في الفقه ما تيسر أخذ العلم من أبي يحيى توفيق الجناوني وأظنه السير والأخبار وذكر أنه أكمل الكتاب في أواخر شهر ربيع الآخر عام تسعة وتسعين وخمسمائة من الهجرة في جناون في محضرة الشيخ أبي يحيى توفيق رحمهما الله.. (2/238)
صفحة 529
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن يجين كان شيخا عالما أخذ العلم من أبي محمد بن محمد وعمل به وأفاد غيره، وذكر البغطوري أن ثقة روى له عن الشيخ عبد الله بن يجين في المطلقة إذا احتبس عنها الحيض بعدما رأت حيضتين إنها تتربص تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة ثم تتزوج إن شاءت ولو لم تقارب وقت الإياس وقد نزلت وأفتى بها رخصة منه رحمه الله، قال البغطوري ممن تعلم العلم عند أبي محمد عبد الله بن محمد أبو عبد الله بن يجين قال أول ما أخذت عن الشيخ أبي محمد ثلاثة مسائل، والأولى من حلف على شيء فأكل ما خرج عنه فلا بأس عليه، الثانية من علم هذه كبيرة فعليه أن يكفر فاعلها ويعرف أن عليه عذابا إن لم يتب، الثالثة من ضيع الغسل في رمضان أعاد يومه رخصة وهو غير مأخوذ به..
…ومنهم أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي عالم فائق وواعظ صادق أخذ العلم عن خاله أبي زكريا بن إبراهيم وله عليه مرثية وكان لغويا وقرظ ما ألف شعرا، له النونية في أصول الدين وشرحها الشيخ إسماعيل بن موسى في ثلاثة أسفار، وله الرائية في الصلاة ولم يوضع لها شرح، وله النونية في الرد على من قال بخلق القرآن، وبقية القصائد في الوعظ، وذكر عنه إذا أراد أن يحكم بين الخصمين جعل بينه وبينهما سترا من باب وغيره خشية ميل النفس وفي أيامه أو قبله بقليل ورد حل بن وصاف لكتاب(الدعائم) فصلح ما صحف فيه النساخ وأنشد عليه أبياتا..
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن وجدليش أخذ العلم من أبي يحيى زكريا بن إبراهيم وأقرأه لغيره وجازت عليه نسبة الدين وكانت عليه حلقة أخذوا عنه العلم والسير وهو أحد الحائزين قصب السبق من طلبته في حلبة الرهان وفاز مبرزا بين الأقران في الميدان علم وعمل واستفاد وأفاد رحمة الله عليه وهو الذي يعني الشيخ سليمان أبو الربيع بن موسى بن عامر بن علي بقوله يحيا السران في قصيدته التي نسب فيها دينه.. (2/239)
صفحة 530
…ومنهم الشيخ يخلف الفرسطائي أخذ أيضا العلم عن عمنا الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم وذكر الشيخ أبو عبد الله عمنا محمد ابن الشيخ في كتابه أن ثقة ذكر له وهو الحاج حجاج المرساوني أن الشيخ عيسى بن عيسى الطرميسي أرسله من بلد مزغورة وبعضهم يكتبها برغورة بالباء قال أرسلني إلى الشيخ يخلف الفرسطائي أسأله عن المعروف والزكاة التي يجمع لينفقها على الطلبة والتلاميذ والمحاويج هل يعطي منه ويداري عنها العرب وغيرهم وأسأله ما سيرة الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم فيه وعمنا يخلف من طلبته فلما بلغته وجدت عليه أثر الضعف وحالة الفقر فرحمته وكان معي عشرة دراهم فتصدقت بها عليه وسألته عن المسألة فقال إن عمنا أبا يحيى كان يداري منه وإذا بعث الجمال من بلده إلى دجى والمسافة قريبة والأشجار متصلة لتحمل له الطعام لنفقه الطلبة أرسل معها سلامة بن تارنت من أولاد جميع النفاثي خشية أن يتعرضها أحد ويكون منقصة على الإسلام فإذا رجعت أعطاه غرارة منها وقال ما تكلتك قط على حرمتي دون الحزم، قال الشيخ يخلف للحاج حجاج إذا رجعت فقف عليَّ وجاز لزيارة الأشياخ والفقهاء ببلد ابناين قال فلما رجعت وأردت وداعه وقال قل للشيخ لا بأس عليك ومشى معي فأعطاني شيئا وقال اعطه لعمنا عيسى قلت ما هو قال سبعمائة دينار فأتيت بها عمنا عيسى واتفق الفقهاء والأشياخ أن يدخروها إلى وقت الحاجة وأجمعوا أن تكون عند الشيخ أبي عثمان سعيد بن نوح في بلد مسن، قال أبو عبد الله وقصتها طويلة ثم قال وسبب كثرة المال بيده ن زوجته عقيلة كانت بوطن يفرن مشهورة بمخالطة السفهاء وأصلها من جربة فحضرت مجالس عمنا أبي يحيى إذ يذكر فاتعظت وتابت وأتت الشيخ فقالت أشر عليَّ والشيخ آنذاك عمنا يحيى بن أبي يحيى والله أعلم أو أبو يحيى بنفسه تطاولت الأعناق نحوي وامتدت إليَّ النفوس طلبا للتزويج خطبني فلان وفلان من شيوخ يفرن أو خطبني عمنا يخلف الفرسطائي فقال لها الشيخ أبو زكريا إن (2/240)
صفحة 531
أردت الدنيا فتزوجي فلانا أظنه عون بن حريزا وسمعت ذلك قديما وإن أردت الآخرة فعمنا يخلف فقالت شبعت من أهل الدنيا فتزوجته فكانت تصنع كل عام اثني عشر كساء وكل ما عنده من الدنيا أصله من عمل يديها..
…ومنهم الشيخان الصنوان سعيد بن نوح أخوه يجين وتقدم أن يجين هو الذي صلى على الشيخ زكريا بن إبراهيم وذكر عنده وأما سعيد فمشهور بالبركة في وطنه وبقيت ذريته تهاب إلى يومنا هذا وقبره مزار وبه عند نزول ما لا طاقة لهم بدفعه وعند المضايق..
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن الجاروي وأظنه مؤلف (كتاب الوضع) وهو كتاب مفيد به يقع ابتداء من أراد الفقه والله أعلم، وروى الشيخ أبو عبد الله عن عمه الشيخ أبي عزيز بن إبراهيم عن الشيخ أبي عثمان سعيد الفساطوي أنه قال اختلفت شهرا إلى الشيخ أبي زكريا يحيى الجادوي أسأله هل أعطي القليل من الزكاة لمن حضرني من الضعفاء الحاضرين عند الكيل إذا لم يكونوا من أهل الولاية وهم من أهل الدعوة وأكرر عليه السؤال فيقول التسعة احمل واعط العاشرة لأهلها يعني أهل الولاية وأظن أن له مرثية على أبي يحيى وزعم أنها معروضة على البلغاء وأهل المعاني فاستحسنوها ولم يحضرني وقت الكتابة ذلك والله أعلم ولعل هذا الظن خطأ.. (2/241)
صفحة 532
…ومنهم أبو موسى عيسى بن سليمان وأخوه أبو العز، أما عيسى بن سليمان بن يوسف بن سليمان بن يوسف وهو أبو يعقوب الشيخ المشهور المذكور في جملة الأشياخ المتقدمين وسكناهم بتاغرمين من جبل نفوسة وعيسى ممن قيد السير بل ممن أكمل عليها وأظنه ممن أخذ العلم عن أبي يحيى توفيق بن يحيى ولم أ رو ذلك عن ثقة إلا أن البغطوري لما ذكر أنه تم الكتاب كتاب(السير) على يديه في ربيع الآخر عام تسعة وتسعين وخمسمائة في منزل إيجانون من بلاد نفوسة في محضرة الشيخ أبي يحيى توفيق بن يحيى رحمه الله إلا قليلا منه وذكره غيره وهو عيسى بن سليمان الشماخي وقيل لما أشرفت تغرمين على الخراب وقل أهلها وكثر الظلم فيها مد شيخنا إلى ذرية أبي يعقوب يده وكانوا قبل لا يلتمس منهم إلا الدعاء الصالح اجتمعوا ليلة جمعة عند قبره وأحيوا ليلهم فما أدركت الجمعة المستقبلة إلا وسبب الله له بأن أكله كلب وكان به هلاكه والحمد لله، وأبو يعقوب لا أدري أذكرت فضائله في الأشياخ المتقدمين والتعريف به أو أخذتني غفلة وهو لا ينبغي أن يكون ممن يغفل عن مثله..
…ومنهم الشيخ عبد السلام الأزاجي شيخ متق ورع وذكر أبو عبد الله أن عمه روى له عن أبي عثمان الفساطوي لما منعه أبو زكريا الجادوي أن يعطي زكاته لغير المتولي صار للشيخ عبد السلام الأزجي فلما توفي أعطاها لأبي زكريا إلى أن مات انتقل إلى يفرن فكان يعطيها للشيخ عبد السلام بن صالح اليفرني..
…ومنهم الشيخ عبد السلام بن صالح اليفرني كان تقيا صالحا كذا قال أبو عبد الله عن عمه..
…ومنهم الشيخ عمنا عمروس اليفرني وذكر أبو عبد الله أنه سأل عمه عن الذبيحة إذا دمُها ولم تتحرك قال لا تؤكل عند أهل الشرع والفقهاء والنفس عند أهل اللغة الدم ثم قال وقيل أن أهل أمر ساون ذبحوا بقرة ولم تتحرك فسألوا الشيخ عمروس اليفرني وكان بتميجار فقال اجعلوا قطعة من لحمها في الماء فإن نزل فكلوها وإن طفى ولم تنزل فلا تأكلوها.. (2/242)
صفحة 533
…ومنهم أبو يحيى زكريا بن عبد الرحمن اليفرني وكان شيخا عالما قال أبو عبد الله وسألت عمنا أبا عزيز عن شجرة المسجد إذا كانت في فدان أحد وضرب له أيجوز له أن يعطي عوضها ويبدلها بشجرة له خارج الفدان ويمسك تلك قال لا يجوز ذلك له، وقال وذكروا عن الشيخ عمنا زكريا بن عبد الرحمن اليفرني بدل شجرة المسجد بغيرها وكان عالما..
…ومنم أبو موسى بن عيسى الطرميسى أخذ العلم عن الشيخ يحيى بن وجدليش وعلمه لغير واشتهر بالورع والعلم والتعليم ولم يتزوج قط لاشتغاله بالعلم وتحول إلى مزغورة عام تمام سبعمائة وحج عام أربعة وسبعمائة وكان لونه مائلا إلى البياض قليل الشعر في جسده مستجاب الدعاء ساد جماعة ممن أخذ عنه وتوفي عام اثنين وعشرين بعد سبعمائة وحبس ما خلف من الكتب على طلبة نفوسة وفقهائها وكان بعض الأعراب يقول زوجوه طمعا أن يترك ما يشبهه.. (2/243)
صفحة 534
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن أبي العز وإخوته تعلم العلم وعلمه وكان نساخا للكتب ولم يشغله العلم عن النسخ ولا النسخ عن العلم، شرح (الدعائم) في سفرين وتبع طريقة الوصاف وحذف أكثر الشواهد قال أبو عبد الله إن عمه ذكر له أنه كان بتغرمين يتعلم عند الشيخ يحيى بن أبي العز الشماخي عام حج شيخه أبو موسى عيسى بن عيسى الطرميسي قال أعطيت خمسة دراهم للمؤذن يشتري لي شعيرا وقلت له لا سبيل يعلم بذلك أحدا فاشتراها شعيرا فلما سلم الإمام والمسجد غصت بالناس كثرة بل فيه ما شاء الله من الناس قام المؤذن فقال ادع الله يا عمنا أبا عزيز للمؤذن الأندمومني زاد لك ربع صاع على ثمن دراهمك وقال أبو عبد الله عن عمه أبي عزيز بن إبراهيم الباروني أن سأله بتغرمين إذ يقرأ عند عمنا يحيى عمن أكل وحس بفيه الدم واستحيى أن يقوم لكثرة الناس وبصق بيده فإذا الدم فتماديت على الأكل فقلت عليك كفارة التغليظ فلما جلست إلى الشيخ سأله عن المسألة قال ليس عليه شيء قال سألت عمنا أبا عزيز فقال عليك مغلظة قال عمنا يحيى لا تسمع عمن عاش في بلاد الغلاه يعني من المشددين وكان أبو زكريا أعطى فضل البنان ورأيت له كتبا كثيرة بخطه من التفاسير وشراح الدعائم والضياء وغير ذلك لا تخلو خزانة من خزائن كتب نفوسة من خطه..
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن أبي يحيى وكانت عليه حلقة وأظن أنه كان حاكما بجبل نفوسة وتقدم أنه كان بيفرن بحلقة يطوف في البلاد ينكر الناس وينبه ويوعظ وهناك استشارته عقلية زوجة عمنا يخلف الفرسطائي..
…ومنهم أبو يعقوب الأزجي النفوسي قال أبو عبد الله عن عمه قال صنع عمنا شعيب الشماخي وهو ابن أخي عمنا يحيى بن أبي العز طعاما فدعاني ودعا الشيخ يوسف الأزاجي فلما أردنا الأكل قال تلك زكاة قمحي فكلوا فلما خرجنا سألت عمنا يوسف عن المسألة قال لا يجزيه وقد صنع لنا طعاما فأكلناه.. (2/244)
صفحة 535
…ومنهم الأخوان الشقيقان أبو غالي أبو عزيز والشيخ ابنا إبراهيم بن أبي يحيى أخذ العلم عن عمنا عيسى بن عيسى وعلماه غيرهما أما أبو عزيز فهو الذي رجع في مرتبة شيخه بعد موته وتولى مجلسه وكان عالما ورعا وقال أبو عبد الله محمد ابن الشيخ عن عمه أبي عزيز قال ما تعرضت للمعروف ولا طلبته إلا مرة واحدة سرت من عند شيخي بن عيسى الطرميسي من مزغورة إلى سوق أمسين فقال لي حجاج إمرساون تأتينا نعينك من المعروف على وقتك وإخوتك وكانت إخوته يتامى فأتيت إمرساون قبل صلاة الظهر متعرضا للدنيا فلما صلى الناس العشاء الآخر انصرفوا وبت طاويا فلما أصبحت رجعت إلى شيخي صفر اليد خائب الرجاء وتوفي عام ستة وأربعين، وأما الشيخ فكان حاكما عدلا وقامعا للجورة بسلا قال ابنه أبو عبد الله بن الشيخ ذكر لي رجل كان جالسا عند عمنا الشيخ رحمه الله بتزادا فإذا برجل من أهل تميجار على ظهري مزود كبير فسلم على عمنا الشيخ فأعطاه المزود فقال تانك ويبتان قمحا كلها فأخذ المزود وأدخله ثم خرج فقال التميجاري وأعدت فلانا الجيطالي لتحكم بيننا صلاة الظهر فقال ودخل وأخرج له مزوده ورماها له وأغلق الدار فقال التميجاري تبت إلى الله وتركت حقي لفلان وأمسك المزود ولم يجبه بشيء ورفع مزوده وانصرف، وذكر أيضا أن ثقة وهو عمنا صالح المزغوري قال له كنت آكل مع عمنا الشيخ عند عبد العزيز بن فرحون في إجناون فلما قضينا وطرنا من الأكل قال وأعدت أولاد أبي الخير لنتحاكم عندك صلاة الظهر في مسجد إجناون قال لي عمنا الشيخ كم ثم الطعام واللحم قلت درهمان فجعل على الطبق أربعة دراهم ولم يدع وخرج، ومن عادتهم رحمهم الله الدعاء بعد الطعام وتقدم مثلها لأبي الشعثاء الزنتوتي وتوفي هو وشيخه في عام واحد في عام واحد وقيل في يوم في عام اثنين وعشرين أو نيف على العشرين الشك مني والوقت معروف ولم يحضرني حين الجمع وكان بإجناون عالم فاجر ولولا أن عمنا الشيخ قمعه لأفسد كيرا من أحكام (2/245)
صفحة 536
الناس ولما مات عمنا الشيخ امتد وإياهم يعني الشيخ أبو طاهر بقوله:(تموت الصالحون وأنت حي)، وأخبار عمنا أبي عزيز وعمنا الشيخ كثيرة..
…ومنهم عمنا يدراسن الأزاجي أخذ العلم عن عمنا عيسى وصاحب عمنا أبا عزيز وحج عام اثنين وثلاثين وسبعمائة وفيها توفي على ما أظن أني سمعت ولست في ذلك على ثقة وكان عالما ورعا تقيا وقال أبو عبد الله سألت عمنا أبو عزيز هل يحفر من أراد حاجة الإنسان في صبوب الناس قال نعم وإذا قام سوى ما حفر ولا يرمي حجر الاستجمار في كل موضع وذكر عن عمنا يدراسن أنه رمى به ذات مرة على ما قيل تصدق بصاعين شعيرا ولا يرمي به إلا حيث لا يضر أحد..
…ومنهم ومنهم أبو النجاة يونس التملوشايتي وكان عالما ورعا وعليه حلقة وكان يطوف بطلبته في جبل نفوسة غاديا ورايحا يذكر ويوعظ ويأمر وينهى وقيل رجع مرة إلى بلده على سبعة أعوام وقيل أقام بيفرن عما ومن ورعه أن بني يفرن امتحنوه بحكومته بين ضعيف لا يعرفه وبين عظيم من كبرائهم كثير الإحسان إلى الشيخ فقدم إليه صاحب المعروف والإحان لا تفضحني على رؤوس الأشهاد فإن كان رأيت الحق لغيري فأسترني فلما تحاكما أعطى الحق لصاحبه فقال ذو الإحسان يا فرطاس إنما أحسن إليك لتفضحني على رؤوس الأشهاد فأبه الشيخ إن أعطيتك حق هذا الضعيف أكون ذا قرون ولم أحفظ أنه تزوج قط.. (2/246)
صفحة 537
…ومنهم أبو طاهر إسماعيل الجطالي كان شيخا حافظا وعالما عاملا محافظ شديدا في الأمر والنهي أخذ العلم عن عمنا عيسى بن عيسى الطرميسي وصاحب عمنا ابي عزيز زمانا، وذكر أبو عبد الله بن الشيخ أنه اجتمع ثلاثة شيوخ في مسجد مزغورة عمنا أبو عزيز وعمنا إسماعيل وعمنا يدراسن ومن كثرة حفظه أنه يقرأ ويحفظ كتاب العدل ويدرسه ويدرس جمل الزجاج في النحو ومقامات الحريري وكتاب الدعائم والأشعار الستة وغير ذلك مما يكثر والعدل في ثلاثة أجزاء وله تآليف جليلة أحيى بها المذهب: القواعد، ومنها القناطر في أجزاء كثير، ومنها شرح النونية في ثلاثة أجزاء في أصول الدين وهو للشيخ أبي نصر فتح بن نوح، ومنها كتاب في الحساب وقسم الفرائض، ومنها ماجمع من أجوبة الأئمة في ثلاثة أجزاء، ومنها الحج والمناسك، ومنها ما جمع من الرسائل، وله قصائد وإذا نظرت كتبه ظهر لك قوة حفظه وكان مستجاب الدعاء، وذكر أن وطن غريان لما رجع أهله إلى مذهب الحشوية وكانوا قبل اباضية نزل ومعه عبيد أراد بيعهم بمدينة طرابلس فآل أمره إلى أن قال هل عندكم من علم فتخرجوه لها فمازال قاضيها وأميرها يلتمسون عليه الأسباب حتى سجنا وأخذا ما معه والله أعلم، وبقي في السجن مدة وأنشد قصيدة مدح بها ابن مكي صاحب قابس وكانت جزيرة جربة تحت يده فتشفع فيه عند صاحب طرابل فأطلقه فلما خرج دعا عليها وقال سلط الله عليك عدوا لا يخاف ربا ولا يتقي ذنبا فما مضت إلا أيام قليلة فأخذتها النصارى ثم بعد ما خرج رأيت له رسالة ولا أقوم بها الآن أنه يعتذر إلى بن مكي ويخبره أنه لا يستحق ذلك المدح كل وذلك من تحفظه وورعه أن لا يكون كذب في شعره وأن لا يكون من الذين يهيمون في كل واد، وذكر أنه سافر نحو جربة وكانوا يومئذ لا يدخلون إليها إلا بالسفن قبل بناء القنطرة لأن القنطرة إنما بنيت في أيام عبد العزيز أبي فارس سلطان إفريقية وتوفي عام سبعة وثلاثين وسبعمائة فأقوم عمنا إسماعيل ومن معه ينتظرون (2/247)
صفحة 538
سفينة فنفذ زادهم شدة المسغبة والجوع ثم أتتهم سفينة فدخلوا من جهة مستاوة فطلب بعض من معه واستطعم أهل تين وسرغين فاستهزأ به بعض أغنيائهم قيل عنده أربعون مملوكا فأنسل بعض الضعفاء فصنع لهم طعاما قال فما استوفوا الكل حتى عرفت البركة في الطعام فدعا له الله عز وجل فما مات الأول حتى افترقوا وما مات المطعم حتى اجتمع عنده أربعون مملوكا وبقي فيهم أثر الغنى والبركة إلى يومنا هذا وطلبه مستاوة إلى الإقامة عندهم فامتنع لكونهم خالفوا وانتقل إلى الوهبية واولاد أبي زكريا بن أبي مسور هم الذين تسببوا في إطلاقه من السجن وتحملوا عنه مالا مع ما تقدم من مدحه لابن مكي وعندهم توفي بالمسجد الكبير وأولاد أبي زكريا بيت علم قديما وحديثا ورؤوس الفقهاء بجربة وإليهم قد مرة إلى جربة في أيام العنب فلم يدخلوه لأمر وقع من بعض فقهائها على ما قيل فأتاه بعض بعنب خارج البحر فنظر فأعجبه حسنه فقال أحرموني منها أحرمهم الله منها فاحترق عنبها بإذن الله وبقي ذلك فيها وكانت فيما ذكر لا تحترق قبل ذلك فإذا قرب وقت طيابه وإنضاجه تجد أهله مشفقين فربما سلم جميعا وربما احترق كله أو بعضه، وذكر أنه يصصلي ذات ليلة بالمسجد الكبير بجربة فسقط طرف ثوبه فرده على كتفه فصادف قنديل المسجد وسقط وثبت على الأرض قائما لم ينكسر ولم ينهرق زيته ولم ينطفأ نوره، وكان بعض مشايخ جربة وهم على ما قيل أبو عمران الوارجلاني حاضرا فجعل يردد ويقول كنت أظن صلواتك تخيب يا إسماعيل على وجه التعجب وكان يكثر على الناس التذكير والأمر والنهي حتى يأتي الأسواق ويوعظ وطعن الحاسدون فيه وقالوا علم السوقة مسائل الغش يعنون أنه ينهاهم عنها فتعلموها وسكن فرسطاء من بلاد نفوسة تسعة أعوام وحملهم على السبيل المستقيم فآتاه آت ذكر له أن خمرا عند بعضهم فخرج إليه في الفقهاء وأهل الصلاح فأرسل إليه أهل المتهوم بعض الأعراب فرد فأراد الارتحال فتعلق به الناس فقال لا أقيم ببلد لا أقيم (2/248)
صفحة 539
فيه الحق ولا آمر ولا أنهى وقال العرب الذي رده سلطك الله عليهم وسلطهم عليك فدخل بإذن الله إلى القصر على غفلة من أهله ليكنه ممن يستبيحه فخرج رجل من بعض بيوت القصر غير عارف بموضعه فقتل الأعرابي ثم إن العرب قتلوا منهم ثم بقوا كذلك في حرب وفتنة زمانا من الدهر، وذكر عنه أنه كان بمزغورة بعد موت الشيخ أبي عزيز فأرسلت إليه أعرابيا أهل تلك البلاد أن ينتقل لعداوة بينهم وبين قبلته فلما أخبره الأعرابي قال له قل لهم فرقكم الله بسحابة مطر وكانوا مجتمعين ينتظرون ففرقهم فجعل الأعرابي يقول فكيف بكم لو قال سحابة حجر، وذكر أنه دعا على أرض لقوم تكلموا في طلبته أنهم يلعبون وأفسدوا بعض الجسور بعدم البركة فغرسوها مرارا فلم تثمر وذكر أنه دخل عند العشاء الآخر إلى مسجد بلده جيطال وكان عمنا عامر ينظر في كتاب فقعد إليه يسأله عن المشكلات والمبهمات إلى أن انفجر الصبح ولم يقف في واحدة فإذا سأل عنه بعد ذلك يقول عامر وحيد عصره ومات عام خمسين بجربة وأخباره وفضائله كثيرة..
…ومنهم أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن يسفا والشماخي واسطة العقد ومنتهى القصد أخذ العلم من أبي موسى عيسى بن عيسى وصاحب الشيخ أبا عزيز وكان يؤثره على غيره من الأشياخ وأعانه حين سافر إلى الحج وذكر أنه قال له هذا المذهب أبلغته إليك فإن أحسنت سياسته بقى و إلا افترق فساسه بل جدده بعد أن أخلق وذكر أنه رأى في المنام كأنه يقاتل النصارى فإذا أحملوا عليه صبر وهو ينشد:
أنا أبو معمعة لا أفرّ……حتى أرى جماجما تخر (2/249)
صفحة 540
…وتأولوها على المذهب والمخالفين وكان الأمر كذلك جدد منه ما أخلق وأحيى ما مات وكل وهبي بالمغرب إنما يرجع ما معهم من العلم إليه أعني علم المذهب فهو واسطة بين من بعده ومن قبله وكان مع أبي طاهر كفرسي رهان يتسابقان في ميدان ومات عام اثنين وتسعين وهو شيخ كبير قيل مع هرمه لم ينتقص عقله ولما فارق الشيخ أبا عزيز أقام بمتيون يقرئ العلوم ثلاثة عشر عاما ثم تحول إلى يفرن عام ستة وخمسين وسبعمائة وأقام بالمسجد الكبير إلى أن مات وأخذ عنه بشر كثير وقيل لما آيس أبو عزيز من نفسه أرسل إليه ولم يأته الرسول وخرج زائرا له فصادفه وقد قرب أجله فأوصاه بما أوصاه ورجعت إليه طلبة عمنا أبي عزيز وساد ممن أخذ عنه ابنه أبو عمران موسى وان ابنه سليمان وأبو يعقوب يوسف بن مصباح والشيخ ابن محمد بن الشيخ وأبو عمران موسى بن أبي يوسف وأبو زكريا يحيى بن زكريا وعمنا أيوب الجطالي وأبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي وعمنا نوح بن حازم المرساوني وأبو عبد الله محمد التفجاني وأبو الضياء يسفا والطرمسى وغيرهم ممن يكثر عددهم وكان أول عمره يقرأ العلم وآخره يقرئ وألف ديوانه(1) في عشرة الثلاثين بعد موت عمنا عيسى وقبل موت عمنا أبي عزيز ولم يكمله لأمر عرض له، فالكتاب الأول في الصلاة سفر مستقل، والثاني في الزكاة والصوم والحج والنذور والأيمان والحقوق وهو سفر ضخم والثالث في البيوع والقسمة والرهن سفر مستقل، والرابع في الوصايا والهبات ثم امتنع من تكميل الفقه وهذا التأليف ما أظن في المذهب مثله جمعا وتعليلا واختصارا غير مخل وتطويلا غير ممل ولا مكرر وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا خصوصا نفوسة وبعده، ديوان أبي زكريا يحيى بن الخير وبعدهما الديوان ديوان الأشياخ وعقيدة ألفها لعمنا نوح بن حازم وقصيدة في
__________
(1) المقصود هو كتاب الإيضاح المشهور المتداول ويقع في أربعة مجلدات وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان في ثمانية مجلدات. (2/250)
صفحة 541
الأزمنة وإذا أطلق الشيخ في عرف زماننا فهو المعنيُّ، وما يذكر عن اجتهاده في الإقراء والعبادة والحزم والتزام الطريقة وإحياء السير أمر كبير، وذكر أنه يصلي بالناس في هرمه وأخر عمره في مصلى المسجد الكبير فلما أخذا الدعاء وذلك وقت صلاة العصر فظهر بوله من تحته لم يمسك من الهرم ووفره الناس أن يخبروه فنظر فأبصر فبكى فقال أطمع من الله أن يغسله وأظن أن الوقت صيف فأرسل الله سحابة فغسلته، وقيل إن حربا وقع بين قريتين من قرى يفرن فأصلح بينهما ثم إن أهل إحدى القريتين غدروا بالآخرين واشتكى إليه إخوانهم وقد قتلوا منهم جماعة فدعا على الغادرين فاشتكوا إليه ما فعل بزرعهم فدعا على الفاعلين بقلة البركة وعلى الآخرين بالبركة فهم كذلك والله أعلم، وأستغفر الله من الخطأ والزلل، ويوف بالحلم والوقار وعدم الحدة، وكان أبو أرسله يرعى بقرة فجاز عليه بعض الأعراب ووجده ماسكا رسن بقرته فقال لم أمسكتها دون الأطفال قال خشية أن تغشى زرع الناس فأتى أباه فقال إن ابنك يصلح للعلم والقراءة لا لرعي البقر، وكان أبوه مشهورا بالصلاح مستجاب الدعاء يهابه كل مخالف وموافق وكان يعدى القوافل من اللصوص والحاربين وإذا أبصروه مع غير رجعوا رهبة، وذكر أنه بات بيفرن وله فدان زرع فأراد بعض أن يحصده فوجده بليل فوجده يصلي على جسر الفدان فرجع فلما أصبح فإذا به قد رجع من يفرن..
…ومنهم أبو البقا يعيش الجربي كان شيخا موصوفا بالخير سكن جبل دمر زمانا ثم رجع إلى جربة، وابنه أبو عمران موسى كان أيضا شيخا أخذ العلم عنه جماعة..
…ومنهم أبو يحيى زكريا بن عيسى الأبدلاني كان شيخا فاضلا وهو الذي ألف كتاب المناسك وجعله على ثمانية أبواب على عدد أبواب الجنة وأكمله بباب وداع البيت وزيارة قبر النبي عليه السلام وبباب الوصية بالحج فصار عشرة أبواب وهو اعتماد أهل المغرب في الحج والمناسك وبالجملة كان إماما قدوة.. (2/251)
صفحة 542
…ومنهم أبوحفص عمر بن جميع كان إماما مشهورا وكان من بين العلماء منظورا إليه تنسب العقيدة التي كانت بالبربرية فأبدلها بلسان العربية وهي اعتماد أهل جربة وغيرهم غير نفوسة في ابتداء الطلبة وأودعتها شرحا على قدرها..
…ومنهم أبو عمران موسى بن عامر الشماخي أخذ العلم من أبيه وغلب عليه علم الفقه والفروع، وذكر أن أول عمره اجتهد ولم يتعلق به علم كبير فطاف بمشاهد نفوسة ومساجدها فدعا الله فاستجاب له قيل أمره أبوه بذلك وهذا أمر مشهور بين فقهائها ودونوا تلك المشاهد وسطروها في الكتب وحفظوها وأظن أنه توفي عام سبعة بعد ثمانمائة أو عام ثمانية..
…ومنهم ابنه سليمان أبو الربيع بن موسى بن عامر أخذ العلم من جده وتوفي قبل أبيه بقليل قيل قرأ عليه ثمانين كتابا وأظن أني سمعت ذلك من شيخنا أبي عفيف صالح بن نوح وكان في العلم والورع بمكان وهو الذي تولى مجلس جده ومرتبته، وذكر عنه أنه في شبابه أنه دخل جنان رمان بباب داره وكان جميل الصورة طلبا للقيلولة فهجمت عليه امرأة وقد تزينت ورادته وكان عازبا فامتنع كل الامتناع فقالت لئن لم تفعل لآتين جدك وأخبره أنك تعرضتني وكانت هبته في القلوب عظيمة أعني هبة عمنا عامر فقال لها انصرفي وقولي ما شئت ففضيحة الدنيا أهون من فضيحة يوم القيامة، ومات بطرابلس وقد عاين بعض أهلها النور ينزل عليه وهم مخالفون وشهادة المخالف لك بمثل هذا مع حرصهم على تنقيصنا أجدر والذي أبصره من كبرائهم وقبره بها مشهور، وقيل أطعموه السم بها وبه مات.. (2/252)
صفحة 543
…ومنهم الشيخ أيوب الجيطالي أخذ في ابتداء القراءة عن عمنا إسماعيل فلما سافر إلى جربة تحول عند الشيخ أبي ساكن الشماخي فأراد قراءة كتاب(العدل في أصول الفقه) تأليف أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني فقال الشيخ اقرأ غيره حتى تصل إليه فقال إن أبا طاهر سافر إلى جربة ولم يبق من يقرأ عليه سواك فإن مت انقطع من يقرأ عليه فأخذ يقرأ فيه وساد بعد ذلك وله مجلس عظيم وكان متقيا شديدا في الأمر والنهي وكان حزيما لدنياه وأخراه يجترف على طلبته من الوصايا وغيرها، وذكر أن طلبته غرباء قدموا عليه فنادى في المسجد من يخدمهم فقال بعض الأغنياء أنا أخدم واحدا فقال الشيخ يعطيك الله واحدا وقبل كان لا ولد له فنادى ثانيا فقال أزيد واحدا فقال الشيخ يزيدك الله ونادى ثانيا فقال أزيد فقال يزيدك الله حتى انتهى إلى سبعة فأعطاه الله سبعة أولاد ببركة الشيخ ودعائه وكان يربي اليتامى ويقرأهم، ومن جملتهم عمنا زكريا الفرسطائي أبو عمنا سليمان..
…ومنهم ابناه أبو محمد عبد الله وأبو عبد الله محمد أما عبد الله فشيخ أخذ العلم من أبيه وعلمه لجماعة وأخذ عنه كثير وكان متمسكا بسيرة من قبله وتولى موضع أبيه مجلسا وعلما لا بدلا إلا أن أباه كان بشروس وهو بلده أجطال وبها توفي عام تسعة وعشرين وثمانمائة..
…و أما عمنا محمد فكان شيخا نظم في الفقه شعرا ولم أر من اشتغل به لاشتغال الناس بالدعائم وقصائد الشيخ أبي نصر.. (2/253)
صفحة 544
…ومنهم أبو عمران موسى بن أبي يوسف أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي ووافقه بأمسين وبها توفي وتحول بعده ابنه إلى بلده يفرن وبها مات وخلف بها ابنا يسمى أبا يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى أخذ العلم من عمنا عبد الله الشماخي وغيره وكان محققا وحيد العصر وفريد الدهر إماما في العلوم وكنت سمعت بتونس حضرة إفريقة من البيدموري وكان محققا في العلوم كلها على ما يدعى وكنت أقرأ عليه وقد سألني عن الشيخ أبي يوسف وعن حاله فقلت له بخير وكان يومئذ حيا فقال ما في تونس أنحا منه أي(أعلم بالنحو) وكان بها قرأ العلوم من النحو والبيان والمنطق والأصول، وسمعت من فقهاء تونس أخباره في علو درجته في العلم وكانت طلبته بها ومن أخذ منه يفتخر على غيره، وذكر أنه اختلف مع بعض الأشياخ بها في مسألة في النحو فأحضر في إثباتها ما يقرب على عشرين شاهدا من أشعار العرب ثم انتقل إلى أمسين قرية من نفوسة وأقام بها إلى أن توفي في شوال عام أربعة وتسعين وثمانمائة، وقد جالسته مرارا باحثته فما رأيت في جميع من لاقيت أكثر استحضارا منه لو جالسته يومك ما ظفرت بكلمة لحن فيها في إعراب ولا تصريف ولا يسكت ولو هنيهة فكل كلامه علم مع سرعة لسان أن سألته عن مسألة لا ينفصل منها إلا أن تعارضه بسؤال آخر، أما النحو فعشه الذي يعرف كيف يدخل فيه ويخرج، وأما اللغة والتصريف فيا للعجب، وأما التفسير فلو ادعى أحد أن ما شد عليه شيء من التفسير لم يكذب، وعلم الحديث أظن أنه يحفظ ما رواه المخالفون والموافقون بضبطه وشكله ومعناه، وعلم التواريخ وتسمية الرواة والعلماء فكأنه حضر معهم وصحبهم، وعلم الرقائق من الوعظ والتذكير فآية وهو مفزع علمه والفقه حضرت عنده مرارا يحكم بين الناس فتعجبت من تفصيله فقلت لا ينبغي أن يحكم بين الناس إلا مثل هذا وآتيته يوما زائرا وهو شيخ كبير فألفيته يدرس تحت شجرة التين فتسمعت فإذا هو يقرأ مقدمة الخونجي في المنطق وأما القراءات فأظنه (2/254)
صفحة 545
يقرأ كتاب الله بالسبع والبيان والأصلان فهما نصب عينيه، وحضرت مجلسه يوما وكنت قبل مستشكلا مسألة فلم أجد من أزال إشكالها فوقعت في المجلس عارضة من غير أن أسأل عنها فباحثته فرأيت منه ما أبهرني وأودعت بعض البحث في إعرابي لمشكل كتاب الدعائم في أول قصيد الجنائز وغيرها، وذكر لي بعض طلبته أنه بقي في آخر عمره خمسة أعوام ما وضع جنبه على الأرض نائما طوى الفراش، وكان صائم الدهر، وكانت صدقاته سرا، وكان كثير الصلاة، وعادته يوعظ الجالس إليه أو يقرأ القرآن ويدرس ما حفظ من العلوم أو ينظر في الكتب، وإذا أخذه النعاس تناوم قليلا كذلك قال لي حفظت ابن حريق في خمسين يوما وكان يدرسه ويدرس المقامات وكان كثير الحفظ قلت له يوما كدت أن تكون ترجمان القرآن ما رأيت أحفظ منك قال عمنا عبد الله بن عبد الواحد لا أصله في الحفظ، وزرته مريضا ومعي الحاج محمد بن عبد الله العماني السمائلي وعمنا يونس بن محمد فتكلمنا معه في علم الطب فأفحمهما وقال عمنا يونس إذا شاب ابن آدم تشُب خصلتان الحرص وطول الأمل فضم شين تشب أظن فأنكر عليه و أخذ في تصريفها بلغتها و مصادرها فكأنه ينظر في إصلاح المنطق لابن السكيت أو فصيح ثعلب، وبالجملة من لم ير ما يتحدث به في أخبار العلماء ومات ولم يترك تأليفا مع أنه ذو قدرة على التأليف في أي علم أراد خصوصا التفسير والحديث.. (2/255)
صفحة 546
…ومنهم أبو زكريا يحيى بن زكريا أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشماخي وكان ابن أخيه أبو عفيف صالح بن نوح بن زكريا أخذ العلم من أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد الشماخي فساد وكان أدبه بعد أن تعلم يقرئ العلم واجتمع عليه طلاب كثيرة، ومنه أخذت بعض العلوم ثم توفي عام أ ربعة وسبعين وكان ورعا حافظا على الدين و السير مجتهدا أما في الصيف الليل للصلاة والعبادة فإذا صلى الصبح قعد يقرأ القرآن إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها فتقرأ عليه الدول إلى أن يرتفع النهار فيصلي الضحى وينصرف إلى الدار فيكتب الطلبة ألواحهم ثم يرجع فيصححون ما كتبوا ثم يأخذون في ضرب الفرائض وقسمة المواريث وتعليم الحساب إلى أن تميل الشمس قليلا فيقوم فيصلي الظهر فيأخذون في قراءة الدول من الفقه والأصول خاصة فيؤخر بصلاة العصر فإذا صلاها انصرف إلى داره ثم صلى المغرب أخذ في قراءة القرآن ثم إذا صلى العشاء وصلى ورده انصرف وأكل وإن كان ضيفا حمله ثم يرجع فيأخذ في تعليم الفرائض إلى هون من الليل فقوم وينام ثم يقوم آخر الليل، أما في الشتاء فيقوم آخر الليل فيصلي ما شاء الله ثم يأخذ في نظر التفاسير والدول والتلاميذ بعضهم ينظرون وبعضهم يقرأون ألواحهم فإذا صلى الصبح أخذ في قراءة القرآن مع الطلبة إلى أحوال الطلوع ثم يبتدئ بالتفسير حتى يرتفع النهار ارتفاعا تاما ثم ينصرف إلى أهله بعد أن يصلي الضحى ثم يقوم إلى الاشتغال بصلاة الظهر ثم يقرأون دول الفقه بعد صلاة العصر فإذا صلى المغرب أخذ هو والطلبة في قراءة القرآن فإذا صلى العشاء وأكمل ورده انصرف ينظر التفاسير والشراح وربما عمل مجلسا في داره لأقاربه ويجتمع علي طلبة العلم من نفوسة وجربة ودمر ويفرن والمغرب، ومات العلماء وغيرهم عنه راضون وخلف أولادا نجباء أحيوا السيرة والعلم، منهم من مات، ومنهم من بقي تفننوا في العلوم وحققوها.. (2/256)
صفحة 547
…ومنهم الشيخ عمنا نوح بن حازم المرساوني أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن عل الشماخي وكان شيخا أخذ العلم عنه كثير وساد في أيامه وكان مستجاب الدعاء أعطاه الله قوة على خدمة العلم والعبادة والزهد في الدنيا، وذكر أنه لم يعقد عقدة بيع ولا شراء عمره، وكانت له زوجة صالحة ولها فضائل ولم يرزق ولدا، وذكر أن أباه دعا عليه بذلك وسبب الدعاء أن أباه أمره أن يجني التين وله أشجار جملة فأخذ يجنيها حتى نفذ التين فأراد أن يكسر الورق فخرج أبوه معه فوجد حبة تين فأثر بها ابنه على نفسه فقال خذها يا نوح فأخذها فأكلها فقال هي أول حبة أكلت في عامي فقال ولم قال أنت لم تجعل لي إذنا أن آكل وأنا استحييت أن أطلبك إلى ذلك قال أبوه روعت قلبي لا أعطاك الله ولدا يروع قلبك، وكان أبوه حاجا صالحا وكذا جده وهو الحاج حجاج وتقدم أنه الرسول من عمنا عيسى الطرميسي إلى عمنا يخلف الفرسطائي يسأله عن المدارة بالزكاة أي ما يجمعه الناس إليه من الزكاة هل يجوز أن يداري منه الأعراب إذ هو بمنزلة الإمام أو لا وأجابه بجواز ذلك وكان يسكن بفساطو من قرى نفوسة ثم تحول إلى مزغورة والسبب أن طلب إليه بعض من يحسن إليه أن يفتي له بغير المشهور و يحكم له على غريمه فسكت فأرسل إلى أهل مزغورة فأتوه ليلا وقد هيئ نفسه للرحيل ففطن به بعض أهل فساطو فأذاع الخبر فأرادوا إمساكه فقال من أراد سكنى بلدكم لا يغفل ولا يسهى يعني أنهم يكثرون المعروف فيسرقون دينه إذا أو سهى وتحول وأراد كبراء نفوسة قسمة ما خلف وهو يريده لطلبة العلم فرآه بعضهم في النوم كأنه أخذ طرف ثوبه فإذا به مصبوغ قال لم فعلت بي هكذا قال أنا نوح أصبغ حيا وميتا فأخبرهم بالمنام فأبوا من قبول قوله وحذرهم فلم يسمعوا فلم يأخذ شيئا وبورك له ومن أخذ غيره منه شيئا دمره الله إما استئصالا وإما فقرا ومعلوم بإجابة الدعاء، وكان شيخه أبو ساكن يدعو الله أن يميته قبل أن يملك الظلمة نفوسة وتبعه طلبته (2/257)
صفحة 548
على ذلك، ومنهم عمنا نوح فمات رحمه الله ثاني عشر من رمضان سنة ست بعد ثمانمائة، وأخذ أبو فارس بعض نفوسة سنة سبع والله أعلم..
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى وتقدم التعريف بأبيه الشيخ وأنه مات هو وشيخه عمنا عيسى الطرميسي في يوم واحد عام اثنين وعشرين وسبعمائة أخذ العلم من عمه هو أبو عزيز وكان شيخا فاضلا ألف الكتاب الذي نقل مسائل عن عمه وهو مشهور وذيله بمواعظ وتذكيرات ووصايا وحكم، وكان سخي النفس وقي ذلك في ذريته توفي بيفرن عام نيف وتسعين وثمانمائة، وتزوج بككلة وكان يحيى ليلة الجمعة في مسجد وشيشال خارجة عن البلاد معلومة بالبركة ومظنة بإجابة الدعاء..
…ومنهم ابنه الشيخ كان مشهورا في الخير وباسط اليد وله في ذلك أخبار مشهورة مذكورة وله مسجد بناها في داخل داره يجلس فيها ويغشاه الزائرون واتخذ جفنة فملأها بالبسيس فإذا نفذ ملأها ثانيا كذلك دأبه فكل من دخل عليه أمره أن يأكل فمكثر ومقل وصائم اشتهر عنه ذلك فكان الأعراب يغشونه جماعات لكثرة طعمهم وقوة شرههم، وتمادى بنوه على ذلك فهي إلى يومنا هذا كذلك أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشماخي، وأما ابناه أبو الربيع سليمان وأبو محمد عبد الله فأخذ العلم من عمنا نوح بن حازم ومات أبو محمد عبد الله بن الشيخ عام تسعة وعشرين في مدينة طرابلس وهو مسافر إلى الحج وخلف ابنا اسمه أبو حفص عمرو مشهورا بالورع والصلاح وهو اليوم القائم بأمور الدار والإطعام وغير ذلك، ومات عمنا الشيخ عام ثلاثة وثلاثين، ومات عمنا سليمان بن الشيخ عام أحد وستين تاسع رمضان دخل شيخنا و هو شيخ كبير وأخذ يسأله عمن أدرك من الأشياخ وكيف سيرتهم فآتاه من يدعوه إلى الطعام فآثر الفائدة ولم يرد أن يقطع السؤال فقال له أبو الربيع قم مع الداعي يا أبا عفيف أدركت أتباع الأشياخ لو أدركوني وإياك لم يصلوا خلفنا لشدتهم في دينهم وقوة ورعهم.. (2/258)
صفحة 549
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد الشماخي أخذ العلم من خاله أبي الربيع سليمان بن موسى وأخذه عن جده أبي ساكن عامر بن علي الشماخي وأخذ عنه جماعة منهم شيخنا أبو عفيف صالح بن نوح وتقدم التعريف به مع عمه يحيى وأخذ عنه أيضا أخوه سعيد بن عبد الواحد، ولما مات خاله سليمان بن موسى انتقل إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن أيوب الجطالي فأقام عنده سنة ثم رجع إلى يفرن، وكان حافظا صائما الدهر من صغره كثير العبادة كثير الصلاة، وسمعت أنه ليلة الجمعة وليالي رمضان يصلي إلى الصبح سمعت ذلك من ثقة، وكان مجاب الدعاء، أقبل بعض فقهاء المخالفين من تونس مع عامل طرابلس وقصدا نفوسة مع جند العامل ليرد باتفاق الناس إلى مذهب الحشوية فأتوا المسجد الكبير بيفرن وهو يومئذ إمامها وكان ذلك باتفاق نفوسة مع العامل أي الاجتماع بيفرن فتخلفوا فطلب الفقيه المناظرة فناظره عمنا عبد الله فأفحمه ولم يحضر للمناظرة في بيته إلا العامل وشيخ يفرن شقرون بن عايد بن عون ابن حريز فلما أفحمه عمنا عبد الله أراد العامل أن يقهره بالسيف فقال له شيخ يفرن سامح خشية عليه بالبربرية والعامل لا يفهمها فقال له عمنا عبد الله اشتغل فلما أبهره خرجوا وتلقاه الناس يسألونه ما فعل مع الشماخي فقال لهم لم ينحصر الحق في مذهب مالك ((فرد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا))(1) وحدثني بعض الكتاب وكان ممن يدعي الأدب أنه كان مع ابن عمرو منفذ صاحب طرابلس فأتوا نفوسة ونزلوا إجناون وكان عمنا عبد الله تحول إليها من يفرن وبقي أخوه بيفرن قال ومعنا عالم أهل تونس يدعي أنه محقق وأنه ذو فنون قال وأراد التونسي مناظرة الشماخي فنهاه ابن عمرو فقال أتخشى عليَّ من أهل الجبل وأنا من علماء حضرة تونس أو كلام قريب من هذا قال وسرت معه فوجدناه في المسجد فقعدنا إليه فأخذ يسائله ويناظره فرجع صاحبنا بين يديه كالتلميذ فأفحمه ورجعنا إلى ابن عمرو فوبخه فقال
__________
(1) سورة الأحزاب 25 (2/259)
صفحة 550
نهيتك فلم تنته، وكان ممن لا يخاف في الله لومة لائم ولا يلتفت إلى جبار وكان لا يصافح الجبابرة البتة فاشتكوا إلى أخيه فقال إن الله يسأل اليد لم تصافح اليد، وأخذ عنه بعض الأعراب ظلما على زيتون اشتراه فدعا عليه فأماته الله عن قريب، ووقع خصام بين أهل نفوسة على بستان ووقف بعض الجبابرة مع غير صاحب الحق فوقف إليه فقال له بفضلك انزع يدك عن هذه القضية فقال عمنا عبد الله كيف أنزع يدي وأترك الحق فقال له البستان يتولاه فلان أردت أو كرهت أو كلام مثل هذا والجبار ذو مكانة من سلطان إفريقية وحاف إلى بعض الأعراب دون بعض وهو عامل لهم فدعا عليه فانصرف غير بعيد فقتل في ساعته ومزق فتعوذ بالله من عقوق أوليائه، وحدثني بعض من بني يفرن أن أخاه سعيدا اشترى بيفرن أعواد زيتون فأحرقها بعض الحاسدين فأرسل إليه أخوه فقدم يفرن فاجتمع إليه بنو يفرن وقالوا أن علمتم من فعل هذا ومن علمه ومن اتفق فيه يخرب الله ديارهم فافترق الناس قال لي هذا الإنسان فلم يكن إلا أيام قليلة حتى خلت خمس قرأ في يوم واحد والذي حدثني واحد من أهل تلك القرى، وحدثني هذا قال كان عامل يفرن يخرص عليهم الزيتون فأقبل عمنا عبد الله يريد بعض القرى فلما أبصر به الناس أقبلوا إليه وتركوا العامل حتى بلغ تلك القرية وقد دعى إليها إلى طعام فمسكوهم ليأكلوا وكان الطعام كثيرا فغضب العامل لافتراقهم وبطئهم عنه فشمتهم وشتم عمنا عبد الله فأخبر بما وقع فقال قسم الله ظهره قال وأتيت مدينة طرابلس فإذا به على باب داره لا يقف ولا يمشي وقد يبس ظهره، وحدثني بعض طلبته أنه كان يحجز بين أهل يفرن لحرب وقع بينهم وكان إحدى الطائفتين رجل مخالف فرماه بنبله فلما قربت أن تقع ببطنه التوت وسقطت بحفظ الله وأظن أنه قال كنت حاضرا معه، وحدثني بعض أهل يفرن أنه كان يحرث ومعه ناقة ترعى فلما أراد الرواح لم يجدها قال لي فمشيت في إثرها التماسا فإذا بأسد تلقاني وليس معي إلا فأس فطلبت بركة (2/260)
صفحة 551
عمنا عبد الله فصرفه الله عن وجهي فأتيت بعد العشاء الآخر البلد فألقيته منصرفا من المسجد فقال لي ذلك فلان قلت نعم قال غدا تجد ناقتك فوجدتها كما قال، وحدثني أيضا أن عامل يفرن غضب عليه فأتى عمنا عبد الله قال له لا تخف وكتب له حرزا قال فآتيته وما ضرني بشيء، وكذا شيخ نفوسة الحاج يونس خاف من صاحب إفريقية أن يقتله لما طعن فيه فآتاه فدعا له وسار إلى السلطان فما ضره بشيء، قال شيخنا كان يتعبد بمسجد فساطو إذ كان بها فإذا سكن الليل وهدأ الناس خرج ولا أدري أين يذهب فتبعته ليلة وكانت ذات مطر فأتى غار أبي عبد الله فدخله وكان في خراب خارجا من العمارة فرجعت وأنا خائف من وحشة الظلام والخراب والمطر وكان يعتكف، واعتكف مرة بمسجد تكيت ويقال إنها للحواريين، وفي الجبل أحد عشر مسجدا تنسب إلى الحواريين قال لي من حدثني وفي آخر ليلة من رمضان رأى نورا دخل عليه المسجد حتى نظر الخط في اللوح كان معه وأظن أنها ليلة القدر، وحدثتني أخته قالت وقعت شدة عظيمة وأنا طفلة فإذا سجى الليل وسكن الماشي حملني شيئا من الطعام فيسبق أمامي إلى بعض الأرامل أو بعض القراء فيضرب على الباب وينصرف ويوصيني أن لا أخبر من أكون وأخباره كثيرة رحمه الله تركتها اختصار، وبالجملة إنه مجاب الدعاء ما أفلح من غيره من موافق ولا مخالف واشتهر عند الناس أنهم لم يروا من كلف نفسه بالعبادة من صوم وصلاة مثله، ويحفظ فقه الاباضية حتى يكاد أن لا تشذ عليه مسألة، قال أبو يوسف يعقوب بن أحمد وتقدم التعريف به مع جده أبي عمران موسى بن أبي يوسف وكان شيخا له وانتقل عنه إلى غيره لأمر ما، قال اختلفت أنا وشيخي وأنا أقرأ علم اللغة في يافع ونافع فأتيته فوجدته منصرفا من المسجد فسألته عن اللفظة يافع أم نافع قال ما كتب عليها في الشرح قلت مهراق قال يافع بالياء قال الشاعر:
…من لم يمت يافعا يمت هرما. (2/261)
صفحة 552
قال ولا يكاد من حفظه أن يسأل عن لفظه في اللغة إلا أنشد عليها بيتا من شعر وقل ما ينظر الشراح على الدول بل رجعت خزانة الكتب إلى أخيه سعيد إلا ما قل، وحدثني بعض الطلبة أن سُبع ما يدرس من محفوظاته القرآن وأستغفر الله من الكذب والخطأ والزلل، وأما أخوه سعيد فقد أخذ العلم منه وارتحل إلى تونس وقرأ فيها علم المنطق والبيان والأصول وله مناظرات مع المخالفين وله معرفة بعلم النجوم، وحدثني بعض أصحابه أن عالما من المخالفين أرسل إليه وقد أتى إلى قرب بلده فصبته فوقع بينهما مناظرة فلما رجعنا قلت له متى هيئت جواب ما سألك ومن أخبرك أنه يسألك عنها حتى كنت على بصيرة وكنا مشرفين على واد كثير النخل قال المسائل في قلبي كنخل هذا الوادي كل واحدة وموضعها وكونها كبيرة أو صغيرة، وأقام عنده بعض القضاة فأراد الارتحال فقال أردت زاد فأتى ابن له صغير فقال قل للقاضي لا يرتحل لأن مطرا غزيرا مقبل فكان الأمر كذلك ولعله أوصى زوجته بذلك، وأخذ عنه شيخنا أبو عفيف وأبو زكريا يحيى بن عامر بن إبراهيم بن أبي عزيز بن محمد ابن الشيخ وتقدم التعريف بالشي أبي عبد الله وبأبيه وكان أبو زكريا كثير الحفظ قوي الفهم وقد صنع قصيدة في الزكاة وكان نساخا للكتب مقرأ للطلبة مات عام أربعة وتسعين، وحدث بعض، أنا انصرفنا من المسجد بعد صلاة العصر فسمعنا رعدا فقلنا على ما يدل قال على قاضي تونس يموت مقتولا في الجامع فخرج الأمر كذلك وله أخبار كثيرة في علم النجوم ومات عام خمس وستين ليلة الإربعاء في شهر ربيع الأول لثلاث مضين منه بل لليلتين مضيتا، وله علم الطب اليد العليا ونقل عنه فيه ما يقضي العجب وأكثر أدويته لا تتجاوز مرة واحدة، وحدثني غير واحد أنه في علم التفسير لا يجاريه أحد وكذا في علم الفقه، وحج هو وأخوه عبد الله عام تسعة وعشرين، وحدثني أبو الربيع سليمان بن زكريا وكان من خيار من أدركت وكان مأوى للمساكين وذوي الحاجات وذكر أنه كان يصلي في جوف (2/262)
صفحة 553
الليل بستة أحزاب في كل ليلة وكان ثقيل القراءة لا يأتيه أحد ويصرف دون حاجة وكان متواضعا يغشاه الزائرون وذوو الحاجات والطلبة فلا تراه أبدا إلا منبسطا معهم و قد اشتهر بذلك وتقدم التعريف بأبيه أنه أخذ من عمنا عبد الله بفساطو وعاشرت بها عمنا يسفاو بن منديل وكان من خيار من أدركت فآتانا عمنا عبد الله بطرفة يتحفنا بها بعد أن أخذت الناس مضاجعهم فسبق عند بعض الطلبة فوجدتهم يخوضون ويتحدثون وما تركوا أحدا فانصرف إلينا فوجدنا ننظر الشراح على دولنا فنبه فخرجنا إليه فأعطانا نصيبنا ونصيبهم وقال لا آذن لكم أن تعطوهم شيئا..
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي عزيز من أولاد سعيد بن نوح وتقدم التعريف بسعيد وبأخيه يجين، وكان عمنا عبد الله أخذ العلم من عمنا عبد الله بن أيوب وما دخل المخالفون بلاد بابل وتاكبال وككلة إلا بعد موته ومسكنه بلده مسن..
…ومنهم أبو يوسف يعقوب بن عمر كان عالما تقيا لم يتزوج قط وله أخبار وعلم.. (2/263)
صفحة 554
…ومنهم الشيخ أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الدميري وتقدم أنه أخذ العلم عن أبي ساكن عامر بن علي الشماخي وأخذ أيضا من عمنا يعيش الجربي وأخذ عنه جماعة سادوا، وله تآليف جملة، منها الجواهر أتمم ما ترك من أخبار أهل الدعوة الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد في كتاب طبقات العلماء والرسالة التي أجاب بها الشيخ أبا عبد الله محمد بن أحمد صدغياني الجربي ذكر فيها حقائق وحدود أكثر مسائل العلم وشيئا من الاعتقاد والتوحيد وكتاب شرح الدعائم لم يحمله السفر الأول إلى الطهارات وهو المتداول، وجمع من الألواح من بعده إلى الزكاة أظن وهو تأليف مفيد وكتاب، شرح العدل في أصول الفقه تأليف الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ولم يكمله وذكر له غير هذه لم أرها، سكن بلده زمانا ثم تحول إلى جربة فأقام لها بمسجد واد الزبيب وكانت عليه حلقة ومجلس عظيم، ومات بها وخلف أولادا نجباء سادوا بجربة وبالجبل جبل دمر رأسهم عبد الله أبو محمد وكان شيخا عالما متفنا، وحدثني بعض طلبته قال كنت بتونس أقرأ بحضرة مجلس الحسين فوقعت مسألت فتكلمت فيها بما حضرني وكان الشيخ توقف فيها فقال من أين أخذتها قلت من الشيخ أبي محمد البرادي قال لأهل المجلس ما رأيت أعلم من البرادي فغضب بعض الحاضرين من قوله فقال للبجري عبد الله وكان عالما بالعربية أنه يشاركك في العربية ويزيد عليك بعلوم وشارك هذا في علمه ويزيد عليه بعلوم أخر، وحدثني أبو الربيع سليمان بن أبي زكريا الفرسطائي أنه كان يقرأ على أخيه بجبل دمر وكان الشيخ أبو محمد يسكن جربة فقدم الجبل فرجع السؤال إليه فسألته وأنا مستحي عن مسألة في الإيمان، قال بعض العلماء النظر في الإيمان إلى ما يدل عليه اللفظ ويقتضيه، وقال بعضهم النظر فيها إلى النيات وهو أولى، وكان أبو فارس سلطان إفريقية أرسل إلى جربة ليردهم إلى مذهب الحشوية وطلب العلماء للمناظرة فتعين الشيخ أبو محمد لذلك وحدثني بعض طلبته أنه كان معه (2/264)
صفحة 555
فخرج حضرت العلماء قال وكنت معه في المجلس فوقعت مسألة أما في الإعراب وفي غيره فقال لي تكلم فتكلمت واستحسنوا جوابي فأقام عندهم ما أقام ومن هناك عرفه الحسين، والذي حدثني أبو يوسف يعقوب وكان مشاركا وله ابن اسمه أبو زكريا يحيى لم أره وهو في الطبقة العليا في العلوم وكان شيخا محققا ورأيت جواب لبعض السائلين له مستشكلا أبياتا في الدعائم يدل على علو درجت في العلم وله مجالس بجربة وما أظن علما إلا وهو فيه محقق والغالب عليه علم المعاني والبيان والمنطق والأصول والحكمة وبالجملة يفتخرون به أهل جربة كما أن أهل نفوسة يفتخرون بأبي يوسف يعقوب بن أحمد وإن كان أبو زكريا فاضلا محققا فقد أخذ من أبي يوسف وقرأ عليه وأبو يوسف ما أظن أن أحدا يقارن به في النقل والحفظ وبالجملة فكلاهما علامة، وممن أخذ من عمنا عبد الله بن أبي القاسم البرادي أبو زكريا يحيى بن أفلح الجربي وكان شيخا حليما فاضلا مطاعا في الناس وله قدرة على الشعر نظم جمل الإعراب شعرا أعني التي لها محل والتي لا محل لها وشرحها عمنا موسى بن عامر بن يحيى بن زكريا وتقدم التعريف بجده أخذ العلم من عمنا أبي عفيف صالح..
…ومنهم أبو عبد الله محمد التفجاني الجربي وتقدم أنه ممن أخذ العلم من أبي ساكن عامر بن علي الشماخي وسكن بعد أن فارق شيخه تاسكت وذكر أنه ناظر بعض المخالفين ولم يكن ذلك مشهورا والله أعلم وأستغفر الله ربي من كل خطأ وزلل..
…ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي عثمان سعيد الصدغياني الجربي كان شيخا فاضلا وهو المقصود في زمانه بجربة وله رسالة أرسلها إلى أهل وارجلان فيها الرد على المخالفين والسبب أن بعضهم فضل مذهبهم على مذهب الاباضية وذكر وجوه التفضيل وشكك من بوارجلان فأرسلوا إلى أبي محمد فأجابهم ورد الشبهة التي أوردوها وأجاب عما نقص به الاباضية.. (2/265)
صفحة 556
…ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الجربي الصدغاني وكان شيخا أخذ العلم منه جماعة وهو الذي سأل الشيخ أبا الفضل أبا القاسم عن حدود بعض العلم وحقائقها وأجابه فيها وأنشد عليه قصيدة لأن أبا القاسم أظهر فيها عمله وبين درجته فيه..
…ومنهم أبو عثمان سعيد السدويكشي والعلماء كثيرة وذكرنا منهم ما فيه الكفاية وليكن هذا آخر التعريف بهم، والحمد لله رب العالمين ولم أجد مكانا حين الوضع لتشتت البال وتعذر الأحوال لأسباب كثيرة غير قليلة من تفاقم الفتن في البلاد وشدة القحط وتزلزل العباد وعتو أهل الفساد وكثرة الشكوى وقلة السواد، عصمنا الله من قول يخالف الصدق وغفر لنا ماخالفنا فيه الحق إنه التواب الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم... انتهى ما ذكره الشيخ الإمام وقدوة الإسلام وعمدة الأنام أبو العباس سلالة الكرام أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي نسبا اليفرني بلدا رضي الله عنه وغفر له وأثابه وجعل الجنة منزله ومأواه وله فضائل ومناقب قال عمنا محمد بن زكريا الباروني رحمه الله وإن مد الله في العمر وأعان على المقدور أذكر منها وأذكر لغيره ممن لم يذكره ما تيسر وهو ولي التيسير ونسأله التوفيق في القول والعمل.. ثم قال وتوفي المصنف رحمه الله شهر الله جمادى سنة ثمانية وعشرين بعد تسعمائة.. وهذا الكتاب تم طبعه من نسخة نقلت من أخرى نقلت من نسخة منقولة من نسخة بخط المؤلف رحمه الله تعالى..
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم هذه نسبة دين المسلمين واحد عن واحد ثقة عن ثقة من زماننا إلى نبينا محمد عليه السلام
الحمد لله الذي هدانا لدينه القويم وثبتنا على صراطه المستقيم وصلاته على صفيه محمد النبي الكريم والرضا عن التابعين له بالإحسان والتسليم فنسأل الله الغفور الرحيم أن يجعلنا وإياهم في دار النعيم.. (2/266)
صفحة 557
…(وبعد): فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن زكريا بن موسى الباروني عفى الله عنه: قد أطال ما يناجيني قلب أن أجمع بعض ما انتهى إليَّ من أسماء المشايخ الذين أُخذ عنهم الدين ثقة عن ثقة واحد عن واحد من أهل جبل نفوسة وغيرهم ليكون المجموع من ذلك مفزعا في مثل هذا الغرض وإن كان الشيخ مقرين بن محمد البغطوري شفا في ذلك وكفى رحمة الله عليه فقد بقي من زمانه إلى زماننا هذا لأنه رحمه الله في آخر المائة السادسة ونحن الآن قاربنا السبعين من المائة العاشرة لكيلا يخلج الشك بعض الخواص فضلا عن العوام فاستخرت الله في ذلك وهو ولي الخيرات فنسأله أن يجعل ذلك خالصا لوجهه إنه رفيع الدرجات، قال البغطوري رحمه الله الذين أخذنا عنهم الدين من خلق الله أجمعين ثلاثة الملائكة والأنبياء والمسلمون جبريل وميكائيل وإسرافيل واللوح المحفوظ من الملائكة ومن الأنبياء ثمانية عشر وذلك قوله تعالى:((وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم... فبهداهم اهتده))(1) يعني يا محمد فاقتدينا نحن به كاقتدائه بالنبيين صلوات الله عليهم أجمعين، قال ومن الفقهاء ثلاثون رجلا وامرأة..
…منهم ابن عباس وجابر بن زيد وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن رستم والباقي من نفوسة..انهى ملخصا، ثم ذكر النسبة والاختلاف الواقع فيها فالآن أذكرها على حسب ما صح عندي من زماننا إلى نبينا محمد خاتم النبيين وإما الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين
ذكر السند
__________
(1) سورة الأنعام 90 (2/267)
صفحة 558
أخذ دينى أنا أكثر طلبة زماننا هذا عن الشيخ أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي وأخذ هو عن شيوخ عدة وقلت له إلى من تستند فقال إلى كل منهم الأول فالأول قال أول عن شيوخ عدة وقلت له إلى من تسند فقال إلى كل منهم الأول فالأول قال أول ما قرأت العقيدة عقيدة التوحيد وغيرها على عمنا أبي زكريا بن عيسى الباروني وأخذ هو عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي يحيى الباروني عن الشيخ أبي يوسف يعقوب بن أحمد اليفرني المديوني الذي سكن أمسين وفيها توفي وبها قبره عن الشيخ عمنا عبد الله بن عبد الواحد الشماخي قال ثم قدمت من نفوسة إلى جربة وقرأت بها عند الفقيه أبي القاسم بن يونس السدويكشي وأخذ هو عن الشيخ يعقوب صالح عن الشيخ يونس بن سعيد شهر بن تعاريت عن الشيخ زكريا بن أفلح، وأخذ أيضا عمنا يونس عن الشيخ صالح بن نوح التندميرتي النفوسي الذي سكن جناون وخلف أولاد فيها.. (2/268)
صفحة 559
…منهم عمنا يعقوب عن عمنا يعقوب عن عمنا عبد الله بن عبد الواحد قال ثم قرأت على الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم الهواري وأخذ هو عن الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي عن الشيخ صالح بن نوح المذكور آنفا قال ثم خرجت من جربة إلى نفوسة فقدمت إجناون فحلَّقت على الشيخ أبي يوسف يعقوب بن صالح والذي أخذت عنه أكثر من الذي أخذت عن غيره ثم وقعت مقتلة بين أهل جربة والعرب أولاد شبل فمات من العرب عدد فخفت فخرجت من إجناون مع طلبة من أهل جربة وشيعنا الشيخ الشيخ ومكننا مع أعرابي إلى أن قدمنا إلى بقالة في جهة عند عمنا إبراهيم بن أحمد من ذرية أبي منصور رحمه الله فقرأت عليه ما تيسر من كتب المعقول كالمنطق والبيان وقراءة الشيخ يعقوب والشيخ إبراهيم على الشيخ أبي النجاة يونس المذكور آنفا عن الشيخ صالح بن نوح عن الشيخ عبد الله بن عبد الواحد الشماخي عن خاله الشيخ أبي الربيع سليمان بن موسى بن عامر، عن جده الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشماخي، عن الشيخين عمنا عيسى بن عيسى الطرميسي وعمنا أبي عزيز بن إبراهيم الباروني وعمنا أبو عزيز أخذ عن عمنا عيسى عن الشيخ يحيى بن وجدليش عن الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم الباروني عن الشيخ أبي يوسف وجدليش بن يعقوب الأمللي، عن الشيخ أبي سليمان داود بن هارون، عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن الخير الجناوني عن الشيخ أبي الربيع سليمان بن أبي هارون موسى بن هارون الملوشائي الساكن ابناين، عن الشيخ عمنا يحيى بن سفيان عن أبي محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي، عن أبي يحيى الفرسطائي، عن أبي هارون الجلالمي، عن الشيخ أبي القاسم سدرات بن الحسن البغطوري، عن أبي ذربان وسيم عن أبي خليل صال من أهل دركل وهي قرية من جبل نفوسة، عن أبي المنيب مامد بن يانس وهؤلاء كلهم من نفوسة إلا القليل من غيرهم، عن حملة العلم الخمسة عبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وعبد الأعلى بن السمح المعافري وداود القبلي وإسماعيل (2/269)
صفحة 560
بن درار الغدامسي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، عن جابر بن زيد الأزدي العماني، عن عبد الله بن عباس رحمه الله ابن عبد المطلب، وعن عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق، عن جماعة الصحابة، وقال رحمه الله لقيت سبعين رجلا من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر يعني ابن عباس، عن النبي عليه السلام، عن جبريل عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح المحفوظ، عن ملك الإلهام، عن رب العالمين فهؤلاء بعض أئمتنا الذين أخذنا عنهم العلم والدين والسير وهم قادات المسلمين وأعلام الحق المبين نسأل الله أن يقتفي بنا آثارهم ويميتنا على منهاجهم وينفعنا ببركاتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه ولم نقلد ديننا الرجال ولم نرض بحكومة الجهال الذين خالفوا كتاب الله في المقال وإنما قلدنا كتاب الله عز وجل بوسيلة العلماء الراشدين أهل العلم والعمل والورع والخشية والمراقبة الذين لم تغرهم الأهواء ولم تختلبهم الدنيا وهم أئمة العدى ومنا الدجا رحمة الله عليهم ونسأله العصمة، وقدمت أيضا عام أحد وستين وتسعمائة إلى جبل بني مصعب ولازمت الشيخ أبا محمدي عيسى بن إسماعيل غفر الله له ورضي عنه وأخذت عنه فوائد جمة في التوحيد وغيره وقرأته هو على الشيخ سعيد بن علي الخير الجربي، عن الشيخ أبي النجاة يونس بن سعيد المذكور آنفا، عن الشيخ صالح بن نوح النفوسي إلى آخر النسبة، وأخذ أيضا أبو النجاة عن الشيخ زكريا بن أفلح الصدغياني وأخذ أيضا، عن الشيخ سعيد بن أحمد السدويكشي الجربي عن الشيخ أبي الفضل أبي القاسم بن إبراهيم البرادي، عن الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشماخي، وأخذ أبو القاسم أيضا عن الشيخ يعيش بن موسى الخيري، وعن صالح بن نجم الغراوي، عن الشيخ عثمان الزراتي، عن يفاو الأبدلاني، عن ميمون بن تكتيس، عن عيسى اليفرني، عن يوسف الاباضي، عن الشيخ أبي عمر عثمان بن خليفة المرغني السوفي، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، عن أبي الربيع (2/270)
صفحة 561
سليمان بن يخلف، عن الشيخ عبد الله محمد بن بكر، عن أبي زكريا فصيل بن أبي مسور، عن والده أبي مسور المذكور، عن أبي معروف عن أبي ذر أبان بن وسيم، عن أبي خليل عن أبي المنيب محمد بن يانس، عن حملة العلم، عن أبي عبيدة، عن جابر بن زيد، عن عائشة وابن عباس، عن عمر، عن رسول الله، عن جبريل، عن اللوح المحفوظ، عن رب العالمين، وأخذ أيضا أبو عبد الله محمد بن بكر، عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل، عن أبي حزر يغلى بن أيوب، وزلتاف اسم أمه، عن حسنون بن أيوب، عن سعد بن أبي يونس، عن الإمام أفلح، عن أبيه عبد الوهاب، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبي عبيدة، عن جابر، ع ابن عباس، عن النبي عليه السلام، عن جبريل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح المحفوظ، وقيل ملك الإلهام، عن رب العالمين والله أعلم بغيبه وأحكم، كذا أخذت عمن حدثني، وفي النسبة المتقدمة طرق تركتها حبا للاختصار وسلكت فيها طريقا واحدا ونظمتها في قصيدة من بحر الرجز وعرضتها على الشيخ أبي سليمان داود بن إبراهيم فاستحسنها وذلك قبل موته بشهر ونحوه، وتوفي أوئل جمادى الأولى سنة سبع وستين وتسعمائة وقتله درغوت بن علي التركي لما خالفت عليه أهل جربة وأدخلوا على قائده المسعود بن صالح السمد مني وحصروه في القشتيل نحو أربعة أشهر أو خمسة ثم تحرك عليهم درغوت بالعرب وزوارة ومستاوة فانهزمت الوهبية من برج الوادي إلى السبخة وقتل منهم نحو أربعمائة أو خمسمائة رجل، وثالث يوم من الهزيمة أتى موسى بن عمر بن أبي الجلود إلى الشيخ أبي سليمان مع جماعة من الجند فقال له لو سرت معنا إلى درغوت لنتكلم على الضعفاء، فقال له الشيخ نعم فسار معه راكبا على بغل له حتى أتى إلى درغوت فكلمه درغوت في مخالفة جربة وما كان من أهلها، فقال له الشيخ نحن جماعة العزابة ليس بأيدينا ولا إلينا تولية الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان فقال له بل أنتم أدخلتم المسعود وأفسدتم البلاد وفعلتم وفعلتم، فقال له الشيخ (2/271)
صفحة 562
ما فعلنا شيئا إلا الخير ولسنا إن شاء الله من أهل الشر في شيء بل الفساد من قبلك لتقديمك الأسافل وغير ذلك فأخذ الشيخ وسجنه نحو شهر أو أقل ثم قتله لكثرة الطعن فيه من النكار والحسدة والكفار والله أشد بأسا وأشد تنكيلا، فمكثوا بعده ثمانية أيام أو عشرة، فقدمت عمارة النصارى فكل من تسبب في قتله لم يصب خيرا ولا يرجى له خير لا في الدنيا ولا في الاخرة، وقد ماتت منهم جماعة أشر ميتة..
…ومنهم الذي تولى قتله مكث بعده أربعة أيام ثم سلط الله عليه وجعا شديدا فمات في يومين لعنة الله عليه وعليهم:((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء..الآية))(1) وكان مجاهد مجتهدا مدة حياته مجاهدا في قمع أهل المناكر والباطل مجتهدا في العلم والتعليم فاستنارت به الآفاق وخمدت به نار الفساق حتى أكمل الله له الأجل على الشهادة لتمام السعادة رحمة الله عليه ورضي عنه، وفي الأثر عن المشايخ ما نصه:(والذي يريد أن ينسب دينه إلى أحد من المسلمين فإنه لا ينسبه إليه حتى يتعلم من عنده شيئا من العلم) وقال الشيخ عن الشيخ أبي زكريا أن الشيخ أبا الربيع إذا طلبه أحد ممن يتعلم عنده أن ينسب عنه دينه فلا يجيبه حتى يقرأ عليه عشر كلمات التي يتم بهن التوحيد فإذا قرأهن الشيخ على من أراد أن ينسب دينه فحينئذ يأمره أن ينسب فهذا من الشيخ رحمه الله أخذ بأيدي الضعفاء، انتهى ما وجد بخط عمنا(محمد الباروني) رحمه الله وهذه القصيدة المعروضة على الشيخ رحمه الله على الطريقة الأولى على النسبة الأولى..
…قال رحمه الله:
قال الضعيف المذنب……أحمدك اللهم حمدا أرغب
في العون والتوفيق والإياب……صلاتنا على النبي الأواب
ثم الرضا عن صحبه وآله……وكل تابع لقول ربه
من تابع الرسول هم أعلام……عليهم الرحمة والسلام
فهذه نسبة دين مسندة……كعقد در وياقوت محكمه
بحمد ربي لم أكن مغيبا……في مذهبي ونسبي مخيبا
__________
(1) سورة آل عمران 169 (2/272)
صفحة 563
ولم أجر الذيل في لهو الصبا……ولم يكن ديني رهوا لعبا……
ولا أرتضي بمنزل الأدناس……أهل الخناء والهوى الأنكاس
ولا أسير في الدجى للغيد……ولا أهيم في الفلا والبيد
كدأب قيس وجميل تا ها ……ثم الفرزدق والبُعيث فاها
بالشعر في الملوك والغوغاء……ثم جرير ما للهواء
والكندي امرئ القيس كان يذكر……وطرفة ونابغ وعنتر
هاموا وعاموا في الهوى دهرهم……من أجل ليلى وسليمى ويلهم
ولا أنتمي للفخر والإعجاب……لكن لأهل الدين والصواب
يا سائلي عن سندي في ديني……رشدت للدعوة والتبيين
فهاك أفصاحا بغير عجمة……يزيل كل شبهة وغمِّرة
شندنا تنزيل ذي الجلال……على رسول خص بالكمال
بجابر وابن عباس نهتدي……والراسبي وابن أباض نقتدي
صحابة الرسول والتالي لهم……قاداتنا حقا فاعرف حالهم
أخذناه عن الثقاة الفضلا……من مشرق ومغرب أهل الولا
أتى به حملة الآثار……من بصرة خمسٌ فلا تماري
فمنهم عبد العلى الإمام……وداود وعاصم الهمام
وابن درار سبقه عند القضا……إمامهم الفارسي المرتضى
قبله عنهم رجال فازوا……قولا وفعلا كل ذا قد حازوا
وجلهم من جبل نفوسة………كم جاهدوا في الدين من عبوسة
وأظهروا الدين بدار المغرب……بسيفهم قام كذا في الكتب
لكنه بعد زمان أكتما………صار غريبا بل طريدا مجحما
نص على ذا سيد الأخيار………بدا غريبا والحديث جار
تضعضع الدين وقل أهله……في ذا الزمان قد بدا لك ضعفه
لم تبق إلا طلل اندرست……وعقائد الأخيار قد انتثرت
هذا زمان أهله في النكس……من أجل ما قد بدَّلوا بالبخس
أكثرهم قد رجعوا حشوية………وبعضهم قد أهملوا سائمه
وبعضهم أولع بالأطماع……وبعضهم أظهر بالخداع
وغير هذا من فنون الهلك……وقاك ربي سوء ما في الحلك
الدين ديننا ياذا الندا……اسمع كلاما مسندا منجدا
في ديننا دين أولي الألباب……أتى الصواب لست بالمرتاب
أخذت دين الله والرسول……عن قدوة ليس بذي فلول
سمته داود شيخ في الورى……زماننا ضاء به بلا مرا
تلقف الدين عن الأشياخ……عن خمسة جد بلا تراخ (2/273)
صفحة 564
أولهم هو ابن عيسى الطيب……عن شيخه يحيى الولي النجب
عن صاحب الفنون والعلوم……يعقوب نجل أحمد المعلوم
عن عبد الله أخذ ثم رحلا……لحضرة المغرب ثم نزلا
وثانيا أخذ عن شيخ سما……هو أبو القاسم كن مغتنما
عن يعقوب بن صالح لا تجادل……قد فاق في العلوم لا تناضل
عن يونس عن صالح المجاهد……عن شيخه عبد الاله الماجد
وثالثا أخذ عن زكريا……عن أحمد الشماخي لاتك ساهيا
عن صالح المذكور لا تماري……ورابعا عن ابنه يا قاري
عند الشماخي اجتمعوا ياحافظ……عبد الاله سيد محافظ
وعبد الله أخذ عن أبي الربيع……عن جده فاصغ إليَّ واستمع
هو عامر هو عامر في عصره……صاحب الإيضاح وقد فاز به
أبو العلى الباروني عنه تلقى عامر……وعن أبي مهدي الولي الماهر
عن يحيى عن زكريا فكنيته……هو أبو يحيى الذي أغنت شهرته
عن الأمللي عن داود الماهر……هو ابن هارون الفقيه الطاهر
له الفتاوي في النوازل تعرف……وكل شبهة به قد تكشف
عن يحيى ذي التآليف والبيان……عن سليمان فاز بالتبيان
عن ابن سفيان إلى خصيب……عن ابن يونس بلا تنكيب
عن أبي هارون الهادي المتق……سنده ابن حسن المحقق
محيى لنا الدين بعيد الدولة……دولة أهل العدل والسهولة
لهفي على ذاك الزمان وأهله……وعلى خلائف ربنا في أرضه
عن الفرس نجموا بأرضنا……لقوله من يرتدد عن ديننا
نأت بقوم حبُّهم في الله……يحبهم جل عن الأشباه
وقوله صلى عليه ربنا……من رهط سلمان فلا تك باينا
شهرتهم أغنت عن الإكثار……سيرهم سطرت في الأسفار
عن أبي ذر عن أبي خليل……عن مامد بن يانس الجليل
عن إسماعيل عن أبي عبيدة……عن جابر عن عائشة الحميره
وابن عباس وآل الرسول……عن جلهم أخذ بالقبول
وكلهم من أحمد قد أخذوا……أتى به جبريل جدوا واجتهدوا
عن ميكائيل أخذ عن إسرافيل……عن اللوح المحفوظ خذ يا سائلي
عن ملك الإلهام عن رب العلى……ألهمنا الله الرشاد الأكملا
بجاه خير الخلق والأملاك……هب لي رضاك والهدى ملاك
تمت بحمد الله والصلاة……على النبي وذوي الأخبات (2/274)
صفحة 565
تمت النسبة والقصيدة بحمد الله وحسن
عونه وهي هاننا اثنان وسبعون بيتا
وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية
رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا ببركاتهم آمين
اللعين كافة فصدع بما أمر به وقطع حجة من كفر به ولم يمت صلى الله عليه وسلم حتى بين الشرائع الأحكام والحلال والحرام وقال عليه السلام يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، وقال:(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وقال: يذكر آخر الزمان وكثرة زلازله:(التمسك يومئذ بمثل ما أنتم عليه له أجرخمسين منكم فقالوا منهم فقال بل منكم ويروي سبعين بدريا)، وقال:(أنتم في زمان التارك فيه لعشر ما أمر به هالك وسيأتي زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج) يعني أمر به أحدكم لكثرة الزلازل عليهم كما قال عليه السلام:(بدأ اهذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قالوا ومن الغرباء يومئذ يا رسول الله قال:(الذين يصلحون أنفسهم عند فساد أمتي)، وقال:(المتمسك بسنتي حين حبب الناس عنها كالكار بعد الفار)، وقال:(المتمسك بدينه أو الصابر يومئذ على دينه كالقابض على الجمر) وقال عليه السلام يذكر الفتنة:(تبعث تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني ألا أن أوليائي هم المتقون وقيل من آلك يا رسول الله قال آلي كل بار تقي) والآل على وجهين آل دين بهذا على معنى الدين وآل على معنى النسب وقد قال:(لا تحل الصدقة لمحمد ولآل محمد) وفرز العلماء بني هاشم وبني عبد المطلب وهم الذين لا تحل لهم الصدقة وقال عليه السلام:(إنما أنتم أصحابي وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي ولم يروني وهو النزاع من القبائل وهم على القرب لا تضرهم عداوة من ناوأهم وهم على ذلك ظاهرون حتى يأتي أمر الله فمن طلب إزالة مذهبهم ودينهم لم يصل إليهم بحول (2/275)
صفحة 566
الله ومن طلب عرض الدنيا فبلاءها على المؤمنين أشد وأكثر)، كما قال الله تعالى:((ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع..))الآية(1) ولم يذكر الذين فيما يبتليهم به وقال في أنهم لا يضرهم في دينهم:((ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا))(2) وقال:((لن يضروكم إلا أذى))(3) وقال عليه السلام:(إن قبل الساعة ثلاثين كذابا كلهم يدعي النبوة) كفانا الله شر ذلك اليوم القمطرير ولقانا النضرة والسرور فأردت ذكر بعض ما وصلت إلى معرفته وتسميته من مشايخ الوهبية وأضم ذلك في مختصر لا أزيد على التسمية حبا للاختصار وأسأل الله تمام ذلك على ما يحبه ويرضاه وذلك أن حدود منازل أهل الدعوة من طرابلس قصر مانو، ومن المغرب زناتة، ومانو، ومن البحر صقيلية قصر يانو، ومن القبلة وارجلان، طلبا لمرضاة الله وتحريا لما يوافق قلوب أصحابنا وقد سألوا ذلك وحرضونا عليه وطلبوا المسارعة إليه فأسرعنا إلى الخيرات لنكون من السابقين، وأبدأ بذكر الله وأستعين الله على أداء فرائضه ونحن إن شاء الله أصحاب الآثار كما قال أبو خليل رحمه الله والله ما تركتكم إلا على الحقيقة الواضحة وما بيني وبين الرسول عليه السلام إلا ثلاثة أبو عبيدة وجابر بن زيد وعبد الله بن عباس، وقال أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني رحمه الله نحن أصحاب آثار لو سلكوا بنا الجدار لسلكناه بل سلكوا بنا حلبات السيوف وشبات السنون ومصادم الحتوف وإغاثة الملهوف وتهوين النفوس وتركيب اليوم العبوس رضي الله عنه عز وجل، وقال عبد الله بن زيد الفزاري النكاري إنما غلبنا أصحاب الربيع بالآثار، وقال الإمام عبد الوهاب رحمه الله إنما قال هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة، وقال لولا أنا ومحمد بن جرني اليفرني، ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين أنا بالذهب ومحمد بن جرني بالحرث وابن زنغيلن بالأنعام..
…
تسمية شيوخ نفوسة
أهل العلم والديوان والحلق
__________
(1) البقرة 155
(2) النساء 141
(3) آل عمران 111 (2/276)
صفحة 567
والتلاميذ رحمة الله عليهم.
أبو خليل صال من أهل دركل، أبو ذرابان بن وسيم، وأبو حفص عمروس بن فتح من اموساكن، وأبو محمد سعيد بن وسيم، وجنون، وأبو مسور يزلتن من أهل تصصليت، وأبو ملي الدرفي، وأبو زكريا يزلتن التوكيتي، ومهدي، وفرج من أهل ويغو، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن زناد الفازاني، وعبد الخالق وعبد الحميد من فزان، وأبو محمد وفانان من غدامس، وأبو عبد الله بن الخير وأبو يوسف وأبو يعقوب ابنا منيب وجندوز وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني وأبو مهاصر موسى بن جعفر من ايفاطمان، ويوسف بن عبد العلى من فرسطا، وأبو حسان وأبو يحيى الفرسطايان، وأبو حسان خيران بن ملال من فرسطا، وأبو علي الحسن من كابا، وأبو صالح بن ياسين من أهل دركل، وأبو معروف ويار بن جواد ويغو، وسليمان بن ماطوس من ويغو، وأبو الحسن من أبديلان، وأبو محمد جلداسن وأبو الوزير وأبو ميمون من ويغو، ومحمد بن سليمان من أبديلان، و عبد الله ووارسفلاس بن محمدي من ويغو، ومحمد بن سليمان من أبديلان، والولاة أبو منصور إلياس من تندميرت، وأبو يونس وسيم بن سعيد عامل عبد الوهاب، وسعد بن أبي يونس عامل أفلح على قنطرار، ووكيل بن دراج من بني يخلف عامل عبد الوهاب على قفصة، وأبو بكر بن يوسف من أهل تنرح وبنه بكر، وعيسى بن معلى ومحمد بن بكر وأبو يعقوب يوسف بن نفاث وعبد الله بن أم أبان من أهل قنطرار، وسعد بن يسفاو وسليمان بن زرقون وأبو يحيى زكريا بن جرناز وعلي بن خزر ومحمد بن أبي صالح وعلي بن سهلول ومحمد بن علي خزر ويحيى بن أيوب، هؤلاء من مسنان، ومحمد بن وفتين من قصر إيلف، وأحمد بن محمد بن بكر وعبد الرحيم بن عمر بن تشبين، ومحمد بن صالح ويحيى بن صالح من مسنان، ويخلفتن بن أيوب وولده سعيد وعيسى بن أحمد هما من مسنان، ونصر بن سجميمان من أصلابونن، وموسى بن روحي وقاسم بن عبد الرحيم هما من مسنان، وحمو بن المعز وإسماعيل بن أحمد وإسحاق بن أحمد وأبو نوح بن يوسف بن (2/277)
صفحة 568
أحمد وأبو زكريا بن ويسدراتن ومحمد من أهل تميجار، وموسى من أهل إزلايوتن، وعيسى بن سجميمان ولواب بن سلام وموسى بن هارون.
تسمية شيوخ مزاتة من أهل الدعوة
…ييران الزمرتي عامل عبد الوهاب، وأبو موسى يزيد من أهل الكلام وابنه ضمام، وأبو محمد ويسلان بن يعقوب الدجمي من أهل الدعوة، وأبو نوح سعيد بن زنغيل المطكودي من المتكلمين عامل أبي خزر على جبل نفوسة، وأبو عبيدة وشق من أهل الكلام، وأبو محمد جمال المدوني عامل أبي خزر على وارجلان، وأريغ من المتكلمين، وأبو إسماعيل البصير إبراهيم بن ملال المطكودي، وأبو العزيز حدولة اليلياني من أهل الدعوة، وعبود الكزيني وتلاميذه، وعلي بن ترمور المديوني، وأبو نوح سعيد بن يخلف المديوني، وأبو منصور وعبد الرحيم أبوه وابنه مهد بن زمرين ويوسف وابن أخيه أبو عمران موسى بن زكريا وابنه أيوب وأخوه عبد الرحيم ويوسف، ومحمد ايران المذكور، وأبو ويدرن الفطناسي من أهل تين يسلان، وأسامة بن نوح من زهانة، قالت المشايخ يبرأ من زهانة كلها غير أسامة هذا، وأبو يعقوب يوسف بن يعقوب الزمرتي، وأبو يعقوب إبراهيم وولده إبراهيم صالح وأبو جبير من زمرين، وجابر بن سدرمام، وخليفة بن حسن وخليفة بن أيوب بن أبي عمران من زمرين، ويصلتن بن عبد الرحيم الزمرتي وخليفة بن تازورغت وحمو بن أفلح المطكودي وعبد السلام بن أبي ورجون وولده سعيد بن الأرجاني من أجلو، وأبو إبراهيم مطكوداسن وولده التكسني وسعيد بن خزرون الدجمي، وساناج بن محمد بن أبي محمد جمال وسعيد بن تينا بن أبي محمد ويسلان الدجمي، وأبو عبد الله محمد بن مسلم الدجمي وسليمان بن يخلف وداود بن أبي سهل وولده يوسف، ومحمد وأبو مجبر توزين بن صليت، وإبراهيم بن يوسف وإسحاق وولده إبراهيم بن إسحاق هؤلاء من بني ويسلو وداود بن صالح بن مهدي بن عبد الرحيم بن أبي منصور، والمنصور بن عبد الغني ووالده عبد الغني من أهل أوماشت من أهل أجلو، ومحمد بن عطية المزاتي، (2/278)
صفحة 569
ومصالة بن يحيى وولده داود وولده أبو عروس من بني مصارة، ويكنون ابن عبدي المدوني وعبد الله المدوني.
العلم نور
شيوخ زناتة من أهل الدعوة
…جارون بن القمري من أموان عامل عبد الوهاب وصهره، ونهد بن عاصم المغراوي عامل عبد الوهاب، وأبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف، وأبو عمران موسى بن سودرين وهارون ولده ومحمد بن سودرين، وأبو مسعود صابر بن عيسى بن سعيد، وأبو مزين ولده، وماكسن بن الخير وسليمان بن عبد السلام، ومحمد بن ييدير، وأبو عيسى بن محمد وميمون بو حمودي، وداود بن زيدون هؤلاء كلهم من بني ويسيان..
…وأبو مسور وأبو زكريا ولده وزكريا ويونس ولدا فصيل وأبو بكر بن يحي وزكريا ولده، وسليمان بن يونس وأبو صالح أبو بكر بن قاسم وويسلان ولده وابناه ياسين محمد، فهؤلاء كلهم من بني يراسن.. (2/279)
صفحة 570
…وأيوب بن أبي العباس ويحيى ولده ويوسف بن محرز هؤلاء من بني يراسن، وسعيد بن إبراهيم وابن أخيه يوسف بن ولهوى من بني مصغرين، والخير بن أحمد وولده محمد وولد محمد يحيى فلفول ومحمد بن عمر ووالده عمر بن ويرجين من بني زمور، وأبو عمار مسم ويحيى بن أبي يحيى من بني تولانة، وعبد الرحمن بن مع الله وإسماعيل بن المعز والنعم بن الموالي بن يعقوب هؤلاء من بني يانجاسن، وعبد الله بن يعقوب بن هارون وعبد الله بن أبي سلام وأبو سلام والده ومحمد إبراهيم ووالده إبراهيم ويوسف بن موسى الدرجيني و داود بن فتوح وأبو الفتوح بن موسى بن يعقوب ويوسف بن فتوح وأبو محمد يتر من بني كارو، وهؤلاء من بني واغلانت، وأما بنو يكشن فأبو باديس فخت بن رجان وعبد السلام بن عمران وأخوه أبو القاسم وسليمان بن عبد الله وسليمان بن بوتر وإبراهيم ويعقوب ومحبوب هؤلاء من مشيخة مغراوة، والمغير بن مع الله وسجميمان بن عبد الله وعيسى وولداه يحيى وداود وعبد الله بن يحيى فهؤلاء من بني يروتن، ومناه عامل عبد الوهاب ويعلون صالح وعبد الصمد بن ياسين ويعقوب بن موسى، وتيتس معلاي وموسى بن نوح وسجميمان بن سعيد هؤلاء من بني صاوين، وعبد السلام بن هارون ويعقوب ولده ويوسف ولد يعقوب وحنينى بن قاسم وهم من بني سيتمولي، ويحيى بن ياتياسن ويعقوب من بني ستيتن، ومحمد بن سليمان من ورغمة، وينكول من بني عفجاسن، ومحمد بن إسحاق الخزري عامل عبد الوهاب على نفزاوة، وأبو يعقوب يوسف بن سلهون وولده أيوب، وولد أيوب يعقوب البرنيون، وداود بن أبي يوسف وعبد الله بن محمد من بني وراجن، وعبد الله بن محمد من بني وراجن، وعبد الحميد وأبو إسماعيل الغفري، وأبو عمر النملي وأبو محمد عبد الله بن محمد اللنتي، وخزرون اللمتي وعيسى بن يوسف المديوني ويوسف والده، وعيسى بن أحمد المديوني وخليفة المسيتري وعثمان بن خليفة المارغني وعبد الله وعبد الله ابنا سجميمان، وعبد الوهاب من بني نصير، وعبد (2/280)
صفحة 571
الله من بني وانودين من بني زمور، وتبغورين بن عيسى، وسنغلاي بن عيسى الملشوطيان، وأبو الحسن أفلح وإسماعيل بن يحيى من بني زادنين، ويخلف بن زكريا وولداه سعيد وعبد الرحيم وعبود كل هؤلاء من بني مادغاسن.
…وأبو عيسى مزوراس بن يوسف ومحمد ولده وزكريا ولده، وينكول بن الملك هؤلاء من بني موسى، وعيسى بن وسيم وأبو جدروز ويونس بن سابال وإدريس بن الطويل فهؤلاء من بني واشية، وتزارت ويعقوب وميمون بن الحسن هؤلاء من تزارونة، وإسماعيل بن أبي زكريا وولده زكريا وأيوب ولده وإبراهيم أخوه وولد إسحاق إسماعيل ومعبد بن أفلح وعبد الله بن الحسن هؤلاء من عيبيان، وعدل بن أبي يحيى وولده حمزة وينكول بن الطويل وأبو القاسم بن يونس بن وزجين وولده يعقوب وعبد الرحمن وعبد الحميد ومهدي بن صالح وصالح بن زكريا ووالده هؤلاء من بني وليل، وعلي بن علي وعمران بن يزري وسليمان بن موسى وموسى بن علي ويحيى بن أبي بكر وابنه إبراهيم ويلوسان بن محمد وعبد الله بن بنو، وعبد الله بن حمو من بني ياجرين..
…
تسمية شيوخ المسلمين من هوارة (2/281)
صفحة 572
أبو حاتم الملزوزي إمام الدفاع بعد أبي الخطاب رضي الله عنهما، ومحكم الهواري قاضي أفلح بن عبد الوهاب وولده هود صاحب المصحف، ومزور بن عمران الهواري عامل عبد الوهاب رحمه الله بن الأمير، ويحيى بن ويحمين، ومحمد بن عيسى بن إبراهيم بن نوح، وعبد السلام بن عبد الكريم ووالدته تيسيل بنت محمد بن بكر زوج محمد بن عيسى، وإسماعيل بن ييدير بن أبي إبراهيم من أهل لحديث، وإبراهيم، وأما سدراتة، فعاصم السدراتي، وجنون بن يمريان وولده مامد، وهارون بن أبي يحيىن وأبو مدراس مهاصر من أهل تبرست، وصنادي بن محمد، وأبو يوسف يعقوب بن ساسكن المعروف بالطرفي، ويحيى بن يونس وأبو زكريا ويوسف بن إبراهيم الطاكي، ويوسف بن إبراهيم بن مناد، ونوح بن أبي مروان، وسيد الناس بن أبي حبيب، والعز من أهل تاغيارت، ونوح بن محمد بن ميمون، وعبد الله بن محمد بن عيسى من طرة، وحمَّاد السدراتي من طرة، وويسر بن دوناس وفلفول الجلماسي ولد بن زاوي، وأبو عبد الله بن زاوي وهو إما الأحكام في وارجلان، ومحبوب ولده، وعبد الله بن أبي محمد الطاكي.
تسمية شيوخ تناوتة
أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو عمرو ولده ومحمد ولده، وأيوب ولد محمد، وإسماعيل بن علي، وسليمان بن أيوب هؤلاء من ذرية بن عمرو وهم من شطيان، ويوسف بن محمد، وولد يوسف إسماعيل، وولد إسماعيل أبو يعقوب، وولد أبي يعقوب أبو عمار هؤلاء من تايغلا.
…وحمو بن اللؤلؤ وعدل بن اللؤلؤ، ونوح بن المناسك، وعبد الله بن حمو بن اللؤلؤ..
تسمية شيوخ لواتة (2/282)
صفحة 573
سلام بن عمرو عامل عبد الوهاب على سرت ونواحيها، وميال بن يوسف عامل أفلح على نفزاوة، وحرت نفاتة، وأبو القاسم المذكور، وأيوب بن تنالوفت، وإلياس بن عبد الله ويحيى بن افصت، وأما زنزفت فهم هوارة هم ولماية فشيوخهم، أبو يعقوب وولده ويسلان، ومطكوداسن، ويخلفتن، وأما زواغة: فسلمة بن قطفة عامل عبد الوهاب على قابس وأبو الخطاب وسيل بن ستنين،وأبو أيوب موسى بن عيسى بن السمح، وأيوب بن يسري، وعروس بن عبد الله، ويزيد بن خلف وخلف ولده، وزكريا بن فصيل وولده يحيى، وزكريا الزواغي والقاسم وأبو بكر الزواغي، وأبو الخير توزين الزواغي، ووافي بن عمار وجبير بن عمار..
…وأما قبلة: فأبو داود واسفلان، وأبو إسحاق بن رجا، وإسحاق ولده وعمران بن محمد.
…وأما العرب: فأبو الخطاب عبد العلى بن السمح، والسمح ولده عامل عبد الوهاب على جبل نفوسة وهما من معافير اليمن، والحارث وعبد الجبار الأطرابلسيان مولان أحدهما مولى تحبيت، والآخر مولى عفرة أحدهما إمام الأحكام والآخر قاضيه.
وأما بنو دمر: فعقزار عامل عبد الوهاب عليهم، وعيسى بن يلولي..
…وأما زنداجة: فأبو الخطاب الزنداجبي..
…وأما يزمرتن: فنسيت أن أذكرهم في مزاتة هم منهم، فالشيوخ المولود وولده سعيد، وعطية بن محمد وولده عبد الرحيم..
…وأما بنو مصعب: فقد نسيت أن أذكرهم في زناتة هم منهم، عبد الرحمن الكرتي، وإبراهيم بن مناد، ومسعود فهؤلاء كلهم علماء فقهاء..
وأما الخمسة الحملة للعلم عن أبي عبيدة: فأبو الخطاب عبد العلى بن السمح، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وأبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي.. (2/283)
صفحة 574
…وأما ابن مغطير فقد سبقهم إلى أبي عبيدة وتعلم قبلهم وجاء قبلهم، ومن أراد أن يعرف زمان كل واحد منهم فليقصد المختصر لأبي عمار يجد فيه بعض مراده ولكل واحد منهم مناقب، ومكارم يستضاء بها فمن أراد أن يقف عليها فعليه بكتاب أبي زكريا وبكتاب أبي الربيع وكتاب أبي سهل إبراهيم بن سليمان وصاحبه وكتاب أبي نوح صالح بن إبراهيم رحمة الله علينا وعلى جميع المسلمين والمسلمات أجمعين والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي الكريم.. (2/284)
صفحة 575
تمزين ولوريت أن نابرت وغارتنا لوتين وتغري نغاوين ويقصدون مسجد تغرمت، وغارتانوت نسلي ومصلى أم يحيى في جليمت، ومصلى في وسط الوادي ومصلى تمسجدوين انكباو، وكنيسة فرسطا، وسبعة مشاهد لأبي مرداس، وثلاثة في فرسطا، ومسجد سعد بن يونس في تمصمص ويقصدون مسجد أبي محمد خصيب، وسبعة مشاهد في تنتمزين، وفي تملوشايت مسجد توزنزرت، ومسجد عمي إيسي ويقصدون مسجد جاراغرمان، ومصلى افنفان ومشاهد مامد بن يانس سبعة، ومصلى أبي عامر في تصرار ومصلى في تمالت في وادي فرسطا، وسبعة مشاهد في تمصمص ويقصدون مصلى أبي خليل وغاره وكنيسة الجزيرة، وفي شروس مصلى الذي حذاء العوسج، ومصلى أجرب ان تب، ومصلى فوق الصخرة ومصلى الثنية الذي فوق جسر أولاد واغلان ومصلى نسجا وصخرة تسيليتن ومسجد اجلمام في ويغو ومسجد تونين اندرشل ومسجد أبان في ويغو ومصلى غزالة ومسجد توفت، وصخرة في وادي بقالة وكنيسة بغطورة ومصلى أبي بكر الغفسوفي ومصلى أبي عثمان الدجى ويدرج، وثلاثة مساجد لأبي مهاصر وكنيسة تنبطين ومصلى لأبي الحسن الأبدلاني وكنيسة أغرمينان قدام أبدلان وتيجي نمسبيلان ومصلى زوغ نرجان ومصلى مصلوكن ومصلى أبي ميمون في أجيطال ويقصدون مصلى في فم غاره، ومصلى أبي سليمان الانري وغار توكيت وكنيسة تمزدا ويقصدون مصلى في تنزج عند القبر وسبعة لأبي زيد المزغورتي وسبعة مشاهد لأبي عبيدة عبد الحميد الجناوني ومصلى عمي توزين في الغابة ومسجد مسراتة وغرغر نمادر وقيل نبادر ومصلى تكرمين ومصلى تليوين ومصلى غرغر نوحيان ودار بني عبد الله ومصلى ابن سعادة وقيل أبي سعادة ومصلى لأبي يحيى بالي ومصلى لأبي الخير الزواغي في مدر ومسجد تيدال ومصلى عمي طاهر كفي اشفي ومصلى أورير مقرن في تارديت ويقصدون مصلى توجين أيضا، وكنيسة توكيت وثلاثة مشاهد لأبي الشعثاء النستوتي ومصلى تجلوطت ويقصدون مصلى تزروت، ومصلى تجدمت ومسجد أشارن ومصلى أبي إسحاق ويقصدون مصلى أدرف ويقصدون مسجد الدياج (2/285)
صفحة 576
ويقصدون مصلى عبد الحميد قدام تغرمين في مطكوداسن ويقصدون مصلى ادبيرن ومصلى عمي جنون ومصلى القصر ومصلى تحت القصر ومصلى أم زيد ويقصدون صخرة الوادي ويقصدون مسجد جليزت وكنيسة نسيم ويقصدون مسجد حارت بني انكاسن ومصلى أم جلدين في نونريت ونوريرت نمسبيلن ويقصدون مصلى حذاء قبر أبي حاتم رحمة الله عليه وعليهم أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
قال في الأصل انتهى من خط عمنا عمر الوراني من خط عمنا محمد بن زكريا الباروني.. قد انتهى هذا الكتاب المستطاب بإعانة الملك الوهاب على ذمة ملتزمه الراجي غفران ذنبه الفقير لربه حضرة الشيخ محمد بن يوسف الباروني النفوسي وشركاه، ومن له رغبة في تحصيله فليطلبه من حضرة شريكه الحاج سليمان بن مسعود النفوسي بقسنطينة بالجزائر.
تنبيه
سقطت بعض العبارات من الجزء الأول ص34 تعليق.. والعبارة الصحيحة هي: <<هو الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني الجزائري من علماء القرن السادس الهجري، بلغ شأنا عظيما في العلم، وقطع شأوا بعيدا في التحقيق العلمي، له مؤلفات عديدة منها كتاب(العدل والإنصاف، وكتاب الدليل والبرهان والتفسير الكبير>> وغيرها من الكتب ذات القيمة العلمية العميقة، ويعتبر الإمام أبو يعقوب الوارجلاني من أوائل المكتشفين لخط الاستواء في القارة الإفريقية، وقد ذكر ذلك في المجلد الثاني من كتابه القيم (الدليل والبرهان) الذي طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. (2/286)